تحميل رواية اولاد الجبالي بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رأى عصام قوات الشرطة تحيط به فأدرك إن براء كان يخدعهم لذا صاح بصوت عالٍ: كنت قلبي حاسس إنك هتعملها يا براء. بس يكون في علمك أنا لو مخرجتش من هنا سليم أنا وبنتي والشحنة. هف.جر الحزام الناسف اللي حوالين وسط مراتك يا سيادة النقيب؟ فاتسعت عين براء من الصدمة وأرتخى فكه السفلي ونظر إلى زاد وتمنى أن تقول إن هذا كذب ولا ترتدي شيئًا. ولكن للأسف أكدت له بدموع عينيها التي انهمرت وكلماتها التي وقعت كالخنجر في قلبه: هموت يا براء أنا وابنك. بس عايزة قبل ما أموت أقولك سامحني إني شكيت فيك واتهمتك ظلم إنك خاين ب...
رواية اولاد الجبالي الفصل الحادي والتسعون 91 - بقلم شيماء سعيد
اتصل جلال على محمود يخبره بما حدث مع مسالم وخروجه في تلك الحالة غير الطبيعية، ولم يهتم لندائه.
محمود: غريبة دي، بس أكيد فيه حاجة، ممكن تكون مراته تعبانة ولا حاجة. على العموم أنا هتصل بيه، أشوف ماله.
فاتصل محمود به، ليرى مسالم اسمه على الشاشة، فحدث نفسه بقهر: "جولت متخفش ومحدش هيقدر يهوب ناحيتها. واهو خدوها مني وأنتم نايمين. مبقتش خلاص محتاجكم وأنا عاخد حقي بيدي."
ولم يجِب مسالم على اتصال محمود، ولكن محمود لم ييئس وكرر الاتصال، مما أثار انفعال مسالم ورد بحدة: نعم يا محمود بيه، عايزين مني إيه؟ خلاص أنا مش محتاجكم وأنا عاخد حق مرتي بيدي، ومحدش هيلومني وإن شاء الله تعدموني بعدها.
محمود بصدمة: هو حصل إيه لقمر؟ اتكلم يا مسالم، أنا معرفش حاجة بجد.
مسالم بقهر: قمر اتخطفت يا باشا، ومش بس كده، ده ابعتلي صورها مع الكلب.
ليبكي مسالم بهيستيرية، وسمع محمود شهقاته التي أحزنت قلبه، فأشفق عليه وقال: طيب بس أهدى كده وفهمني حصل إزاي وأنت موجود وفريق الحماية منتشر في المنطقة؟
فخرجت كلمات مسالم مبعثرة من بين شهقاته يقص له ما حدث.
فشهق محمود: آه فعلاً موضوع القنبلة ده، طلع فشنك. آآآه يا كلاب، يعني هما اللي عملوا كده عشان يوصلوا لقمر. طيب، صدقني الموضوع مش هيعدي بالساهل كده. ودلوقتي هطلع قوة للبحث، وفي أقرب وقت هترجع قمر بالسلامة. وتعالى أنت عشان تكون متواجد مع القوة، وملوش لزوم تدور لوحدك لأن المجرم ده مش لوحده دلوقتي زي ما حكتلي. ومش هتقدر أنت لوحدك تسيطر عليهم، لأن الكترة بتغلب الشجاعة.
فصرخ مسالم: لا أنا عادور على مرتي بنفسي، ومش هسيب شبر غير لما أدور فيه، ولو كانوا بعون الله مية، أنا جوايا نار تحرقهم كلاتهم.
ليغلق بعد ذلك الخط ويسير هائمًا على وجهه لا يدري من أين يبدأ البحث.
ليقبض محمود على يده بغضب مردفًا بحدة: غبي يا مسالم، مش هتقدر عليهم أنا عارف، وهتضيع نفسك. وياريت أنا أعرف أوصل للمجرم ده الأول، بس اللي خايف منه أنه يكون قتلها بعد اللي حصل، وكده أقدر أقول على مسالم ربنا يرحمه برحمته.
لتخرج حملة بالفعل وكان محمود على رأسها، ولكن للأسف لم يجدوا له ولا لها أثر.
******
ليمضي ذلك اليوم الحزين ويسرق شمس يوم جديد على أبطالنا.
شم به جابر نسيم الحرية من جديد، ولم ينسَ أن يسجد لله شكرًا قبل خروجه من مركز الشرطة.
ليخرج ويتفاجأ بوجود أغلب العاملين معه في المصنع، وعلى رأسهم عوض. وما أن رأوه حتى تجمعوا حوله يهنئونه على سلامته.
ليغمض جابر عينيه متأثرًا بحب الناس له، ثم تمتم: الحمد لله الذي منَّ عليه بتلك النعمة.
ليحدثه عوض: حمد الله على سلامتك يا واد عمي، كفارة إن شاء الله، ويارب ما تعتب رجلك تاني إهنه.
ليحتضنه جابر بحب وهمس: تسلملي يا غالي، كيفك أنت وكيف عيالك؟
ثم ابتعد عنه: وأخبار جاد أخوي إيه؟ أنا جولت أخدته عنديك أكيد.
ليشعر جابر بمن يجذبه من قميصه من الخلف مع صوته المحبب لقلبه قائلاً: جابر إخوي حبيبي، أتوحشتك جوي جوي.
فاستدار له جابر بلهفة والابتسامة تعلو وجهه قائلاً: جاد حبيب قلب أخوك.
ليلقي جاد بنفسه إليه، فاحتضنه جابر بقوة وحمله بين يديه وأخذ يقبله بحب، ثم تركه قائلاً: طمني عليك كيفك وعملت إيه وأنا مش معاك؟ والله أنا كنت شايل همك جوه بس غصب عني يا أخوي، سامحني.
جاد بحزن: ربنا يخليك ليا يا أخوي وما يحرمني منك أبدًا. ده أنا كنت عموت من زعلي عليك، ومكنش فيه حاجة بتهون عليا غير سلسبيل وأخوها عمران، منا كنت قاعد عنديهم اليومين دول.
ثم التفت إليها قائلاً: تعالي سلمي على أخوي يا سلسبيل وجوليله حمد لله على السلامة، وتفرحي بيه ووقفي بكى. أهو طلع وزي الفل ووشه منور.
فرمقت سلسبيل جاد بحدة مردفة بخجل: إيه يا جاد اللي عتقوله ده، اسكت، عيب.
ثم افترشت بنظرها الأرض خجلًا بعد أن احمرَّت وجنتاها وتمنت لو أن الأرض انشقت وابتلعتها خوفًا من أن يكون افتضح أمرها أمام جابر، ويعلم أنها تعشقه ولا ترى في الرجال غيره، ويكفيها من الدنيا أن تراه أمامها بخير حتى لو لم يكن لها.
طالعها جابر بإعجاب بعد أن رأى وجهها الذي اكتسى بالحمرة من فرط الخجل وحدث نفسه: ما شاء الله، لسه أهو فيه خير في البنات وعيكسفوا.
جابر: تشكري يا بنت الأصول على اللي عملتيه مع جاد، ويترد في يوم فرحك.
فامتعض وجه سلسبيل وحدثت نفسها: فرحة إيه بس يا جابر، معدش ينفع طول ما قلبي اتعلق بيك. فكيف أتجوز حد وقلبي مع غيره عاد. وما في حاجة تفرحني غير طلتك دي وابتسامتك وإنك تكون بخير.
لتردد قائلة: لا شكر على واجب.
لتستطرد بخجل: وحمد لله على سلامتك يا جابر بيه. ودلوك أسيبك عاد، أروح وأنت أكيد محتاج تستريح. ومن بكرة إن شاء الله تنور المصنع ونرجع الشغل كيف الأول وأحسن كمان.
فابتسم لها جابر وأجاب: بإذن الله تعالى.
لتلتفت سلسبيل وتسرع في خطاها وكأنها تطير وقلبها يرفرف بسعادة لمجرد أنه ابتسم لها.
جاد: طيبة جوي سلسبيل دي يا أخوي، دي مكنتش بتبطل بكى من زعلها عليك لحالها، وقدامي تمسك نفسها وتقولي متزعليش وتوكلني في خشمي. ياريتك كنت اتجوزتها بدل بنت الجبالي دي يا أخوي.
فأغمض جابر عينيه بحزنه عندما ذُكر اسم بانة أمامه واستطرد بحزن: النصيب يا أخوي.
ثم استطرد بعدم فهم: بس ليه كانت سلسبيل عتبكي عليا عشان اتسجنت ظلم؟ وصعبان عليها أكيد.
جاد: مش خابر، بس الناس كلها عتحبك أهنه، وعز عليهم يشوفوك في محنة.
جابر: الحمد لله ربنا فرجها. وعايزك دلوق تروح على قصر الجبالي تجيبلي غيث أشوفه عشان وحشني جوي.
فتعجب جاد وتساءل: وليه أنت متروحش تطل عليهم؟
فتنهد جابر بحزن: عشان خلاص يا أخوي معدتش أنا وبانة ننفع لبعض وطلقتها، وكل واحد بجا من سكة خلاص والنصيب بينا انتهى أكده.
فهتف جاد بمرح: أحسن حاجة عملتها، وأنا من بكرة أجوزك سلسبيل، إيه رأيك، أروح أخطبهالك؟
فوضع جابر يده على فمه مردفًا بضحك: هُوس ألا حد يسمعك ونجيب للبت الكلام. أنا خلاص زهدت من جنس الحريم كله ومعدتش أفكر في الجواز تاني. أنا بس أتمنى أنت أشوفك عريس وبعدين غيث بإذن الله.
ثم بدأ في السلام على كل فرد كان منتظره بحرارة وحب، حتى انتهى ثم ضم أخيه من ظهره بذراعه واتجه إلى مصنعه ليرتاح قليلًا.
****
وصل باسم إلى القسم أخيرًا بعد طول السفر، وذهب حيث مكتب المقدم حسام الذي أصر أن يبقى براء به حتى في غيابه، حتى يأتي إليه باسم ويتم إجراءات خروجه.
طرق العسكري الباب واستأذن لدخول باسم، فأذن له حسام، ثم وقف ورحب به قائلاً: أهلاً دكتور باسم. فصافحه باسم بحرارة مردفًا: أهلاً بيك يا سيادة المقدم.
ثم التفت بلهفة إلى أخيه الجالس على الأريكة واضعًا يده على رأسه ومائلاً إلى الأمام ومستندًا بذراعيه على فخذه.
فهمس باسم بحنو: براء أخوي.
فرفع براء رأسه بانكسار ورأى باسم بهما القهر فانفطر قلبه عليه، فسار إليه سريعًا وانحنى بجسده إليه يضمه باكيًا: أخوي وحبيبي أنت يا براء مهما حوصل. ومتظنش إني ممكن أبعد عنيك أبدًا، أنا صوح هعاتبك لكن عتاب محبة مش أكتر يا أخوي. لكن وقت الشدة عتلاقيني سندك حتى لو كنت غلطان.
فبكى براء بمرارة وانكسار وهمس بنحيب: حبيب قلب أخوك يا باسم، مكنتش أتصور يوم أنك تشوفني في الوضع ده.
ثم ابتعد عنه وحدقه بنظراته مستطردًا: بس صدقني وولي خلق الخلق أنا مظلوم ومش أنا اللي أروح بكيفي لغضب ربنا.
فأغمض باسم عينيه متألمًا على حال أخيه، ونعم أنه يدرك ذلك ويعلم أن أخلاقهم التي تربوا عليها يستحيل أن تصل بهم لذلك المستنقع.
فزفر بضيق وردد: والصور بس يا أخوي، دي أصعب حاجة في الموضوع، كيف حصولت؟ أنت متعرفش حال زاد دلوق عامل إيه؟ دي تصعب على الكافر، لدرجة أني شيعتلها دكتور على القصر عشان يديها مهدئ عشان تبطل صريخ.
فقبض براء على يده بغضب شديد ووقف ووجه حديثه إلى حسام: أنت لازم تشيع تجيب البنت دي، عشان تقول الحقيقة وأسجل كلامها لمرتي قبل ما تروح فيها وأديك سامع كلام أخوي.
فأومأ له حسام: ماشي بس زي ما قولت لازم تكون هادي ومتتعرضش ليها بالأذى.
فزفر براء بضيق: هحاول بس أعذرني لو اتعصبت يا حسام، أنت شايف البلوة اللي أنا فيها بسببها.
ثم ألقى بنفسه على المقعد من ورائه ولمعت عيناه بالدموع مردفًا بقهر: مش خابر إزاي فيه ناس مؤذية أوي أكده، وليه في لحظة أخسر كل حاجة بسببهم. شغلي وسمعتي ومرتي.
ثم لم يتحمل أكثر من ذلك وأجهش بالبكاء، فانفطر قلب باسم واقترب منه يربت على كتفه وقد اجتمعت الدموع في عيونه هو الآخر هامسًا بحزن: بس يا أخوي، مش قادر أتحمل أشوفك أكده بتبكي. ومدام مظلوم فتوكد أن ربنا سبحانه وتعالى مش هيهملك واصل وأكيد هيظهر الحق وكل حاجة ترجع كيف الأول وأحسن.
حرك براء رأسه بأسى مردفًا: كيف يا باسم وأنا خلاص صوري اتحفرت في عيونهم ودماغهم وخلاص عرفوا إني مش ولا بد.
باسم: الأيام عتنسى يا أخوي، وياما سمعنا أكتر من أكده وبيعدي والناس عتتلهي في الجديد وينسوا القديم.
براء: ممكن لكن اللي عمرها ما عتنسى هي زاد يا باسم، لإني شافت مني كتير جوي.
باسم: لا متقلقش زاد قلبها طيب وعتحبك جوي وعتسامح لو عرفت أنه ملعوب مش حقيقة.
ثم أشار إلى حسام: ابعت البت اللي عيجول عليها براء ولما أكيد عتجول الحقيقة، كل شيء عيتعدل بإذن الله.
فأومأ حسام برأسه واستدعى العسكري ليأتي بـ نيلى من الحجز.
********
طرقت جليلة الباب لدى بانة واستأذنت للدخول، فأذنت لها بانة.
طالعتها بانة بجمود يشوبه النفور وقالت بتعالٍ: عايزة إيه، جولّي وأخلصي؟
حدثت جليلة نفسها: مالها دي على طول أكده روحها في مناخيرها. القصد هقولها عشان نخلص.
جليلة: يا ست بانة، جاد أخو جابر بيه تحت، عايز النبي حرصه غيث عشان أبوه يشوفه عاد في المصنع.
فهمست بانة بشوق: جابر طلع.
ولكنها عبست سريعًا مرددة: وليه يشوفه إهناك، ييجي إهنه، أنا مش عايزة ولدي يبعد عن عيني ويروح المصنع، ده لسه صغير.
ثم حدثت نفسها: أيوه ييجي إهنه وأنا متوكدة لما ييجي ويشوفوني مش عيتحمل وعيشتاق وينسى اللي فات زي ما مرة.
ثم استطردت: روحي جولّي لواد حمدان الصغير، يعود لأخوه ويقوله عايز تشوف ولدك، تعالى القصر، هي مش عتطلعه بره.
عتخاف عليه يستهوى.
حركت شفتيها جليلة يمينًا ويسارًا مرددة بسخرية:
"يستهوى!"
"ماشي يا ست بانة، هروح أقوله أكده."
فخرجت جليلة، أما بانة فابتسمت واتجهت إلى خزينة ملابسها لتنتقي منها عباءتها المفضلة لدى جابر. ثم سارت نحو المرآة تصفف شعرها الحريري بعناية، لتضيف لمسات بسيطة من الزينة لوجهها.
لتنظر نظرة رضا وهي تنثر عطرها الفواكه لنفسها مردفة بإعجاب:
"لما تشوف، عتقدر يا جابر تقاوم سحر بانة ولا عتركع وتبوس الأيادي عشان أرضى عنيك وترجع ليه. عشان أنت كنت عتجول ديما إني ملاذك الوحيد وإنك لما بتتعب من هم الدنيا، بتيجي ليه وتستريح عشان هنسيك الدنيا كلها."
زفر جاد بضيق عند سماعه حديث جليلة وحدث نفسه:
"هي تماحيك ولا إيه، أنا مش عايزه يخش إهنه تاني ولا يشوف بانة دي، نفسي ينساها ويتجوز سلسبيل. أنا حاسس إنها بتحبه وهي طيبة كيف جابر ولايقين على بعض. مش زي أم قلب قاسي دي."
"المهم هروحله وأشوف عيجول إيه عاد؟"
سمع جابر صوت أقدام خارج غرفته في المصنع فوقف وابتسم وأخرج صوته:
"غوثي قلبي أنا، جيت يا حبيب قلب أبوك."
ليجد جاد قد ولج إليه ولا يحمل غيثًا. فدب القلق في قلبه وقال متوترًا:
"فين غيث؟ حصوله حاجة ولا كفالله الشر تعبان؟"
جاد:
"لا زي الفل متخافش، بس الست بانة عتقول عايزة تشوفه. روحه هناك عندهم عشان هو لسه صغير وعتخاف عليه."
فأغمض جابر عينيه بألم وحدث نفسه:
"مش قادر يا بانة أشوفك تاني لإني خايف من قلبي يضعف قدامك بعد ما حلف إيمانات الله كلها إنه هينساكِ ويستحيل يرجع يدق ليكِ تاني. كفاية عذاب بقى، كفاية مشوفتش منك إلا كل إهانة لرجولتي وياما صبرت عشان بحبك بس خلاص قلبي فاض بيه يا بانة. ومهما كان في قلبي ناحيتك فانتهى ونعتبر نفسي مريض من حبك وعطلب ربنا يشفيني منك. بس دلوق أعمل إيه والولد وحشني قوي، بس خايف."
ليجد الجواب من أخيه الصغير:
"ولو إني محبش تروح عندهم تاني يا أخوي، لأنهم ناس مش شبهك خالص وأنت تستحق ناس تانية وقلب تاني طيب ويحبك كيف قلبك، بس عشان حبيب قلبي غيث. روح يا أخوي، بس مطولش وإياك تحن لحد كسر قلبك لإنك لو حنيت تاني، المرة الجاية هتكون أوعر كتير يا قلب أخوك ومش عتتحملها. فشيل الغشاوة اللي على عينيك وشوف مين عيحبك صوح."
رفع جابر بصره إليه وطالعه بدهشة وتساءل كيف لطفل ما زال في عمر الزهور أن يتكلم بتلك الحكمة ولكنه أدرك أنه لا يتكلم بلسان حاله بل ربما رسالة من الله عز وجل ليثبت قلبه ولا يضعف مرة أخرى.
ليجد نفسه يبتسم عن طيب نفس ثم ربت على كتفه بحنو مردفًا بحب:
"ربنا يحفظك ليا يا قلب أخوك. ومتجلجش عليا، أنا خلاص اتعلمت الدرس. ولولا إني مش قادر أتحمل مشوفش غيث مكنتش حودت عليهم أبدًا. ودلوق أنا رايح، تحب تيجي معايا."
جاد:
"أكيد أحب أشوف غيث بس بلاش أول مرة دي، عشان أكيد ممكن يكون فيها حديث كبار ومينفعش أكون موجود."
نظر له جابر مرة أخرى بإعجاب قائلًا:
"الله يكملك بعقلك يا أخوي."
ثم مسح على رأسه بحنو واستطرد:
"هسيبك دلوق وخلي بالك من نفسك عاد."
جاد:
"متخافش عليا، أنا راجل."
فضحك جابر:
"أكيد طبعًا يا حبيبي، ربنا يحفظك."
ثم تركه وغادر نحو القصر الذي يمقته ولم يشعر يومًا أنه ينتمي إليه قط وإنما تحمل بقاؤه هناك من أجل حبه لبانة، ولكن الآن سيذهب إليه رغما عنه بعد أن أصبح حبه لبانة كنهر جار، ولكن حل عليها الجفاف فبدأ يتبخر ماؤه رويدًا رويدًا حتى أصبح هو الأرض الجرداء سواء.
وبالفعل وصل جابر وفتحت له جليلة واستقبلته بترحيب فهي لم ترى منه غير كل خير وكان يناديها بالخالة ويغدق عليها بالمال.
"أهلاً يا ابني، نورت القصر من تاني. اتفضل ادخل وربنا يهدي سركم يا ابني وتعود المية لمجاريها."
فابتسم لها جابر بحزن مرددًا:
"خلاص يا خالة المية اتعكرت ومبقتش تنفع. الله يكرمك بس ياريت تجيبيلي غيث عشان وحشني قوي."
أومأت جليلة برأسها مرددة:
"عيوني يا بيه حاضر وربنا يحفظه ليكم."
ثم تحركت نحو السلم ومن ثم إلى غرفة بانة وهي تحدث نفسها:
"خسارة والله جابر ده، بس أقول إيه ربنا يسامحها وهي اللي جبته لنفسها، بس صعبان عليا الواد الصغير."
لستأذن للدخول على بانة فأذنت لها ودلفت للداخل، فنهرتها بانة:
"هو كل شوية تجي لي ليه يا ولية أنتِ؟"
ثم زفرت بضيق:
"عايزة إيه المرة دي، خلصي عشان مصدعة."
كتمت جليلة غيظها وقالت بهدوء:
"مفيش يا ست بانة، كل الموضوع عايزة البيه الصغير، عشان أبوه تحت عايز يشوفه."
فوقفت بانة وابتسمت هامسة:
"جابر تحت."
فحركت جليلة شفتيها باستياء مرددة في نفسها:
"شوف إزاي وشها العكر نور لما عرفت إنه تحت. أمال لزمته إيه الزعل من الأول."
لتستطرد:
"أيوه يا هانم تحت."
بانة:
"طيب سمي على الولد وبشويش شيليه ألا يفزع."
جليلة:
"حاضر يا ست هانم."
لتسمي الله جليلة ثم حملت الصغير بعناية، لتتجه به نحو جابر. أما بانة، فأسرعت للمرآة تتأكد من حسنها مرة أخرى وقالت:
"قمر يا بانة، والله خسارة فيه الجمال ده كله. بس يلا عشان غيث."
ثم سارت نحو الباب بعد أن أخرجت زفيرًا حارًا، لتتجه نحو جابر بخطوات واثقة مدللة.
**********
خرجت أم عطية مع ابنها الشاب عطية للبحث عن الزجاجات الفارغة في الطريق وفي القمامة وبين الزراعات لبيعها في مقابل مبلغ زهيد يكاد لا يكفي متطلباتهم الأساسية. ولكن الحاجة وفقرهم الشديد هو الذي دفع بهم لعمل أي شيء يقتاتوا به. ولا شيء يؤويهم آخر الليل سوى كوخ بسيط على أطراف القرية.
وبينما هما يبحثان عن تلك الزجاجات بين الزراعات سمعوا أنينًا خافتًا فدب الزعر في قلوبهم وتحدث عطية:
"عفريت يا أما. عفريت، تعالي نجري بسرعة."
"يا ترى صوت مين ده؟ وإيه الحكاية؟"
...
رواية اولاد الجبالي الفصل الثاني والتسعون 92 - بقلم شيماء سعيد
وبينما كان عطية ووالدته يبحثان عن تلك الزجاجات البلاستيكية الفارغة بين الزراعات، سمعا أنينًا خافتًا، فدب الزعر في قلوبهما، وتحدث عطية:
"عفريت ياما، عفريت. تعال نِجري بسرعة."
فضحكت عليه والدته مرددة بسخرية:
"عيب عليك يا ولدي، تبجى شحط أكده طول بعرض وعَتخاف وتِجري!"
ثم أضافت:
"وكمان ما عفريت إلا بني آدم، متخافش وتعال نشوف الصوت ده چي منين، ده زي ما يكون حد متصاب يا ولدي. استر يا رب."
ارتجفت أواصر عطية وتمسك بملابس والدته مرددًا:
"ألا يكون ديب ياما وعَيتمسكن لغاية ما يتمكن مننا، بلاش أحسن ويلا نروح عشان چعان. ألا أنتِ عاملة وِكل إيه النهاردة ياما؟"
فضحكت وضربته على كتفه ورددت مداعبة:
"والله ما حد عَيتمسكن غيرك، يا أبو بطن أنتَ. ومتقلقش أنا سويت حلة العدس قبل ما نطلع نسترزق."
رفع عطية أنفه بنفور مرددًا:
"عدس! أنا زهقت ياما، هو مفيش غيره عنديكِ."
ثم حرك لسانًا ملتذذًا مردفًا بانتشاء:
"ياما نفسي في حلة شوربة مليانة هوبر."
والدته:
"أحمد ربك على النعمة اللي محدش طايلها، أما الهوبر فالعيد قرب أهو ويمكن يرزقنا بلي يدبح ويعطينا. بس مش هوكلك منيها غير لما تستحمي حماية كل سنة يا معفن."
تمعّض وجه عطية مردفًا:
"لا أنا زهقت من حماية العيد دي كيف العدس. أنا نفسي في حماية الچواز، متشوفيلى عروسة ياما!"
رمقته والدته بغضب مردفة:
"عروسة يا معفن، وكيف عَتِقبل بيك وأنت ريحتك والجبر؟ لما تنضف الأول، وبس بزيادة كلام عاد، خلينا نركز الصوت ده طالع منين."
لتستطرد:
"أيوه الصوت شكله چي من الناحية دي، تعال ورايا يا ولدي."
فسارت أم عطية نحو مصدر صوت هذا الأنين الخافت، ومن ورائها عطية يسير بخطوات بطيئة من الخوف. حتى فجأة توقفت أم عطية وجحظت عيناها من الصدمة عندما وجدت أن الصوت يخرج من شوال والشوال يتحرك.
فصرخ عطية:
"مش جولتلك عفريت ياما! يلا نمشي بسرعة."
أم عطية:
"مفيش فايدة فيك، وهو العفريت يا ولا هيستخبى في شوال بردك؟"
عطية:
"نظرية بردك، يلجأ ده كَتيل. يلا نهرب بسرعة ياما."
أم عطية:
"لا ده مش كَتيل، ده لِساه فيه الروح. ويمكن ربنا بعتنا عشان تنقذه. تعال بس هم نشوف فيه إيه بسرعة."
لتنحني أم عطية مع ولدها ويحاولا بكل جهدهما فتح الشوال، ليتفاجآ بشابة بداخله *قمر* وملابسها مخلوطة بالدماء، كما أن رأسها أيضًا ينزف.
فشهقت أم عطية:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. يا عيني يا بتي، مين الجبان اللي عمل فيكِ أكده؟ ويا ترى أنتِ مين وبنت مين في البلد؟"
أما عطية فتجمد مكانه وهو ينظر إليها بشغف، فبالرغم من سوء حالتها إلا أن وجهها ناصع البياض وشعرها الحريري المبعثر حولها جذبه نحوها، فهمس:
"دي حلوة حلاوة ياما."
فضربته والدته مردفة بغيظ:
"اتلم يا جليل الرباية وغض بصرك. وساعدني نقوم البنية دي ونسعفها."
عطية:
"عَنوديها المستشفى ياما؟ بس كيف واحنا معناش ولا حتى چنيه واحد ولسه عَنِجول يا صبح ونسترزق."
أم عطية باستنكار:
"لا مستشفى إيه، دي فيها سين وجيم كمان مش فلوس بس. احنا عَنَاخدها عندينا ندفس رأسها بالبن وتِجعد يومين تلاتة لغاية ما تشد حيلها وبعدين ترِجَع لأهلها المسكينة ولو إني خابرة لو رجعت عَيكتلوها عشان الشرف يا ولدي."
فصاح عطية:
"لا ياما مترجعهاش، وأنا أتِجوزها دي حلوة حلاوة."
فنهرته والدته:
"جبر يلمك، اسكت وإلا أنا هبطحك كيف ما المسكينة مبطوحة في رأسها."
ثم خلعت أم عطية الشال الذي تدفأ بها جسدها، ووضعته على رأس قمر لتسترها، ثم أشارت إلى عطية:
"امسكها معايا يا ولدي، مش جادرة لحالي."
فانحنى لها عطية ليساعد والدته في النهوض بقمر ولكن قمر كانت في حالة صعبة لا تشعر بمن حولها ولا تستطيع النهوض معهما.
أم عطية بسأم:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. دي مش في وعيها خالص يا كبدي ومش هينفع نسندها عَتِجَع مِنينا. أجولك يا ولدي شيلها معلش."
فابتسم عطية مردفًا بمكر:
"جوي جوي، عشان تعرفي بس ولدك واد أصول وعَيتحمل كيف الأسد."
فضحكت والدته مرددة:
"طيب يا أسد هم يلا احملها ويلا بينا بسرعة نسعفها ونشربها شوية مية بسكر عشان تفوق."
فحملها عطية وتطلع على وجهها بإعجاب مرددًا:
"لا بِجد حلوة حلاوة."
ثم سار بها مع والدته نحو الكوخ الذي يعيشان به.
فأشارت أم عطية له:
"أيوه حطها إهنا على الفرشة بتاعتي يا ولدي."
عطية:
"وأنتِ عَتِنامي فين لما هي تترزع مكانك ياما؟"
صكت والدته على أسنانها بغيظ ونهرته:
"عيب يا ولدي، البت تعبانة جوي، ولازم تستريح وأنا أبقى أفرش في أي حاجة مش مشكلة."
فوضعها عطية برفق على فراش والدته، لتشير له والدته بأن يأتي لها بالبن، ليساعدها على وقف تلك الدماء التي تنزف من رأسها. فأتى لها عطية بالبن، فقامت بوضعه على رأسها ولكنها لاحظت أيضًا أن حرارتها مرتفعة.
ففزعت مردفة:
"البت جتتها مولعة نار يا ولدي."
عطية ببلاهة:
"يوه، هي اللي جتتها مولعة، ده أنا كنت بحسب إني اللي مولع لما شلتها، أصلها حلوة حلاوة."
فأجابته والدته بضيق:
"تِتشوى في نار جهنم يا بعيد."
ثم دارت ببصرها حولها، فوجدت كوبًا من البلاستيك، فالتقطته وقذفته بها مرددة:
"أكتم خشمك ده يا جليل الرباية. وأملي طشت المية ده وهاته چمبي، هغيرلها خلجاتها بخلجات نضيفة من حدايا وأشطفها بالمية دي، يمكن السخونية تهدى هبابة."
فتهلل وجه عطية وفعل ما طلبت منه والدته ثم وقف بجانبها ينتظر أن يراها وهي تبدل لها ملابسها وعيناه متسعتان على آخرهما.
فرمقته والدته بغضب وصاحت:
"أنت يا طور، واجف تعمل إيه؟"
عطية بسذاجة:
"بتفرج ياما، ما هي الفرجة ببلاش."
فصاحت والدته بغضب:
"أنا خابرة إني خلفت واد مهبول، يَجَعطعك يا ولا. فز اطلع برا واستحي على دمك، عشان عيب اللي عَتِجوله ده."
فضرب عطية بقدميه الأرض وصاح بغضب:
"أكده ياما، ماشي. بس أبقى نادي عليا لو اتزحلجت منك القمر دي. آه يا ناس والله حلوة حلاوة."
فصاحت والدته:
"اخرج يا طور."
عطية:
"طيب من غير زعيج طالع أهو."
فخرج عطية، لتبدأ والدته في تبديل ملابسها وهي تذكر الله وتصلي على النبي العدنان مردفة:
"سبحان من صورك في أحسن صورة يا بتي، بس حظك عفش. ربنا يتولاكِ بِجَا ومنه لله اللي عمل فيكِ أكده، إلهي يتعمى في عينيه التنين."
*******
تخللت أصابع حمدي شعر تلك المستلقية على صدره بعد الانتهاء من لحظاتهم السعيدة، ثم همس:
"بت يا حسنية."
حسنية بدلال:
"نعمين يا سيد الناس."
حمدي:
"أنا خلاص ما عدتش طايق تفضلي على ذمة جاسر ولا يوم واحد، وعشان أكده هشيع ليه النهاردة محامي معرفة الواد زرارة، عشان يطلقك بالذوق بدل ما تطلقي منه بالمحكمة."
فقامت حسنية من على صدره وقبلته بحب قائلة:
"ياريت، ده أنا غلبانة جوي ومش وش محاكم ولا بهدلة."
حمدي:
"خابر يا بت، وعشان كمان أنا راجل جوي ومحبش حريمي يطلعوا على رجالة."
فضحكت حسنية بمكر:
"تسلملي يا رجولة."
*****
في حين آخر ولج العسكري إلى جاسر في الحجز فوجده مطأطأ الرأس يبكي على حاله.
فصاح به:
"أنت يا زفت يا جَطران، بزيادة ولوَلَة كيف النسوان عاد. وجوم يلا على مكتب سيادة الباشا، عندك زيارة."
فرفع جاسر رأسه وابتسم بين أحزانه بعد ما ظن أنها حسنية جاءت لتطمئن على حاله ولعله يجد منها كلمات تعينه على تحمل الحبس. فقام مسرعًا وتوجه نحو مكتب العقيد، ولكنه لم يجد حسنية فأصابته خيبة أمل وعاتبها في نفسه:
"أكده يا حسنية ما جتيش وأنا اللي كنت فاكر إنك عَتِبيتي على عتبة القسم من زعلك عليا، وعشان خابرة أن كل ده بسببك."
ثم استفاق من شروده على صوت الرجل الذي يصاحب العقيد مردفًا بترحيب:
"أهلًا يا جاسر، تعال اقعد عايزك."
رمقه جاسر باندهاش قائلًا:
"هو حضرتك تعرفني؟ بس لا مؤاخذة يعني أنا ما عرفكش."
فأجابه:
"أعرفك بنفسي، أنا سليم المحامي."
فابتسم جاسر عندما رأى بصيص أمل ممكن أن يتسبب به ذلك المحامي ليخرجه من محبسه. فأردف سريعًا بفرحة:
"بِجد محامي وأكيد اللي شيعك حسنية مراتي عشان تساعدني أخرج من إهنا، صوح؟"
وضع سليم يده على وجهه واستغفر وحدث نفسه:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، طيب أقوله إيه ده دلوقتِ! ولي فاكر إنها هتحبه وهتساعده، غدرت بيه على طول وعايزة تطلق منه."
فاستطرد بحزن:
"للأسف يا جاسر الموضوع مش كده، أنا جَي عشان أوصلك رسالة من حسنية مراتك، أنها عايزة تطلق بالحسنى كده، بدل ما ترفع عليك قضية ومن السهل تكسبها لأنه على ذمة قضية."
ففتح جاسر فمه من الصدمة وتخشب مكانه وتحول لونه للزرقة وكأنه على مشارف الموت وتحدث بصعوبة:
"أطلقها!!"
سليم:
"أيوه، وياريت ترمي عليها اليمين دلوقتِ، لأن فعلًا هي بسهولة لو رفعت قضية هتتطلق، فكده أفضل تجنبًا للإحراج بالنسبة لك."
فصاح جاسر بقهر:
"حسنية عايزة تطلق بعد ما اتحبست بسببها، وعملت كل اللي عملته عشان بحبها وكنت عايز أراضيها وأعَيشها العيشة اللي عَتِتمناها. تقوم بعد ده كله بدل ما توقف چمبي، عشان أخرج من المصيبة دي، عايزة تهملني عشان تعيش على حل شعرها براحتها. وأنا لحالي إهنا أتعذب وأتحرم من ما حاجة حلوة."
ليبكي بعد ذاك بندم قائلًا:
"ياريتني كنت سمعت كلامك يا أخوي وما اتجوزتهاش البت دي، أهي خربطت حياتي وعايزة كمان تتطلق."
ليرفع بعد ذلك يده جاسر ويزيل دموعه ليتحدث بلهجة حادة بعد أن امتلك منه الغضب:
"بَجولك إيه يا متر، روح جولها: إني مش عَطلق، وخليها بس تهوب ناحية المحكمة وترفع عليا قضية، بس تِجول على نفسها يا رحمن يا رحيم لأني مش هسكت وعَجول كل حاجة، وهي خابرة كويس أنا ممكن أعمل إيه وعَجيب رجليها معايا إهنا، عشان تشرف وتدوق الهنا اللي أنا فيه."
سليم:
"ده آخر كلام عندك يا جاسر، ولا تطلقها وتخلص منها أحسن، عشان تقفل الصفحة دي، ولما تخرج بإذن الله تعيش حياة نضيفة مع واحدة محترمة أحسن."
ليؤكد جاسر بحدة:
"لما أعوز أنا أطلقها بمزاجي الأول مش بمزاجها بت الجهوجي دي. وخليها تصبر عليا، وقسمًا بالله لأخليها تندم على اللي عملته ده."
ثم صاح جاسر بنفسه:
"يا عسكري تعال خدني للحجز، أنا خلاص ما عيزش أشوف حد."
*********
لم تبرح زهيرة من جانب زاد مطلقًا ورفضت أن تظل ملك أو نهلة بجانبها مردفة:
"ما جدرش أهملها، روحوا ارتاحوا أنتُوا. زاد دي بنتي قبل ما تكون مرات ولدي، أنا هراعيها وهراعي ولدها."
ملك:
"ربنا يريح بالها وتقوم بالسلامة."
نهلة:
"آمين يا رب."
ثم استأذنتا وغادرتا إلى غرفهما، لتبقى زهيرة بجانبها تطالعها بحزن مردفة بهمس:
"يا عيني عليكِ يا بنتي، طول عمرك حزينة، ولما چا الفرح يزورك، زي ما يكون حد نبرك فيه وراح الفرح منك وحل معاه الحزن. بس ربنا كريم وجادر يعوضك خير يا بنتي."
لتفتح زاد عينيها بتثاقل متمتمة:
"ليه يا براء،"
تعمل فيه، وأنت خابر إني أحبك أكثر من نفسي.
هو ده جزاء حبي الخيانة يا براء؟
فلمعت عين زهيرة بالبكاء، واقتربت منها تزيل دموعها برفق مردفة: بس يا بنتي واهدئي شوية عشان صحتك.
وعايزة أقولك إن أه براء حاله مش عاجبني، بس لغاية الحرام ويوقف، وعشان كده الموضوع يا بنتي فيه "إن" أكيد.
فاصبري لما تشوفيه، واتعاتبوا براحتكم.
فاعتدلت زاد وصاحت بهيستيرية: ولا أعاتبه ولا عايزاه في حياتي ثاني، وكده انتهى كل اللي بينا ولازم يطلقني، ولو ما رضاش، هرفع عليه خلع.
فضربت زهيرة على صدرها بهلع مرددة: يا حزني، ودي ترضيها لابن الجبالي بردك يا زاد.
وإيه أصلًا يفيد الطلاق، طول ما أنتم كل واحد في حاله وزعلانين.
وكمان الطلاق هيأكد للناس اللي عرفت الموضوع أنه صح، وصورته هتتهز أكثر، لكن لما يعرفوا إنك لسه على ذمته وبتتكلمي عليه كويس، هيعرفوا أنه مظلوم يا بنتي.
والكلام ده عشانك أنتِ كمان، ولو مش عشانك عشان ولدك وسمعته هو كمان لما يكبر.
فاصبري يا بنتي عشان خاطري، لغاية حتى ما نسمع منه سبب اللي حصل وبعدين نحكم عليه.
فبكت زاد في صمت وطالعت ابنها بين يدي زهيرة بانكسار محدثة نفسها: آسفة يا ولدي، إني اخترت أب لك مش تمام.
داعب جابر بملاطفة ابنه "غيث" حتى سمع من حوله ضحكات الصغير، وضحكوا على صوته العاملات في القصر وتهامسوا:
شايفين الولد مع أبوه عامل كيف بيضحك ومبسوط، مش مع أمه القادرة بيبكي ويتزربن.
ثم سمعوا صوت بانة وهي تقترب من جابر مردفة بدلال أنثوي: أهلًا يا جابر.
حمد الله على السلامة، لو كنت أعرف إنك خرجت كنت وزعت شربات بنفسي.
فتهامس العاملات: شوف القادرة، شوية بتديه فوق دماغه ولا كأنه عبد عندها، وشوية بتتدلع عليه وهو يا كبدي غلبان.
تلون وجه جابر عند سماع صوتها الذي كان له في البداية كالسحر الذي أصاب قلبه بسهم الحب قبل رؤية ملامحها.
ولكنه الآن عبارة عن صوت إنذار بالحريق الذي سيلتهم قلبه مجددًا، وأدى إلى ارتباكه ورعشة يديه، حتى خشي على غيث أن يسقط منه.
فسارع إلى النداء على جليلة بقوله: يا خالة جليلة.
فأتت جليلة مسرعة: نعمين يا جابر بيه.
جابر: خذي غيث، أنا خلاص ماشي وخلي بالك منه.
جليلة: ما تقلقش عليه واصل يا بيه، ثم حملت منه غيث واستطردت: في أمان الله.
فصكت بانة على أسنانها بغيظ لتجاهله لها وعدم الرد عليها، فغلت الدماء في عروقها وصاحت وهي تراه يستعد للمغادرة.
أوقف عندك، هو أنا مش بكلمك؟
أغمض جابر عينيه بألم وتحدث دون أن ينظر إليها: ما أخذتش بالي، عايزة حاجة يا أم غيث قبل ما أمشي؟
فصاحت بغضب: أم غيث؟ نسيت اسمي إياك!
فابتسم جابر وأجاب ساخرًا: ما نسيتش يا بانة هانم ولا حاجة، بس الاحترام حلو ودلوقتي أنتِ بقيتي غريبة عني، وعشان كده من النهاردة أنتِ أم غيث وبس.
حرقها بانة كلمة "غريبة" ولم تدرِ ما تفعل، ولكنها قررت في النهاية أن تكف عن غضبها وتستخدم سلاحها الأنثوي.
لذا اقتربت منها بدلال ووضعت يدها على كتفه، لينتفض جابر من لمستها تلك وابتعد سريعًا.
فاتعجبت لحركته وبعده عنها، ولكن حدثت نفسها أنه لربما حزين لأنها طلبت الطلاق.
لذا اقتربت منه مجددًا وقالت بملاطفة: إيه يا جابر، ما عدتش تحب قرب بانة حبيبتك ولا نسيت أيامنا الحلوة مع بعض!
بس أنا ما نسيتش يا جابر، وعايزة نرجع نصلح اللي بينا ونعيش مع بعض كيف الأول وأحسن، عشان خابرة إنك بتحبني يا جابر، فليه تعذب نفسك وتبعد عني.
أغمض جابر عينيه متألمًا بعد أن وضعت يديها على جرحه بالفعل، فهو لا يزال يحبها حقًا، ولكن الفرق ما بين الآن وما سبق.
أنه لم يعد جابر الضعيف، بل أصبح جابر آخر لا تغريه الكلمات ويثور لكرامته المهدرة حتى لو على حساب قلبه هذا الذي طالما عذبه فعلًا كما تقول.
لذا وجدته يضحك ويلتفت إليها قائلًا بسخرية: أحبك!!
لا يا مدام ده كان زمان، دلوقت اللي بيني وبينك هو غيث وبس.
غير كده ما فيش، ولي انكسر لا يمكن يتصلح واصل.
ثم أشار بيديه مودعًا إياها بقوله: سلام يا أم غيث.
وغادر جابر بين صدمتها فيه التي لم تكن تتوقعها منه، بل توقعت أن يتغزل بها كما اعتاد ويحدثها بلين القول ثم يعود إلى عشهما معًا كما كل مرة.
ليخرجها عن شرودها صوت إغلاق الباب، فصاحت بغضب: كده يا ابن المجنونة!
فكرت نفسك إيه يا جاهل، هو أنت كنت تطول أصلًا أرد عليك السلام لما ترفضني دلوقت.
طيب يا جابر، أيما جئتني راكعًا على ركبتك ما بقيت أنا بانة.
عشان أنا خابرة بتتصنع بس النقلة من زعلك لكن مسير الأيام هتجيبك تحت رجلي ثاني.
ثم التفتت حولها لتنفث عن غضبها في أي شيء، فلم تجد سوى مزهرية، فمدت يدها إليها ثم ألقتها في الأرض فتهشمت أمام أعينها.
لتأتي أم جليلة وترى الشر يتطاير من عينيها فقالت بحذر: معلش يا ست هانم أخذت الشر وراحت.
لتسرع بانة إلى غرفتها تفكر كيف سيعود لها جابر مرة أخرى؟
قام حسام باستدعاء نيللي أمام براء ليحاول معها معرفة السبب وراء ما حدث وإيقاعه معها في براثن الرذيلة رغماً عنه وتصويره وفضحه عبر وسائل التواصل الاجتماعي الهالكة التي أضرت بسمعته وفصله عن العمل ومرض زوجته.
وأصبح بسبب ذلك كتلة من النار متحركة، تريد حرق الأخضر واليابس انتقامًا لكرامته المهدرة.
ولجت نيللي إلى مكتب حسام، وعندما رأت براء يطالعها بعين الشر علمت أنه قد عاد لوعيه فارتبكت وتوترت وظهر على وجهها الخوف.
وتراجعت للوراء عندما رأته مقبلًا إليها، فخشيت من بطشه وحدثت نفسها: كده شكلك فاق، واستلقي وعدك منه بقى.
فأسرع إليها براء والغضب يعمي عينيه عما أشار إليه حسام منذ قليل.
ووجدته نيللي ينقض عليها كالوحش وأمسك بيد من ذراعها تنهش أظافره جلدها، واليد الأخرى أمسك بها شعرها وجذبها منه بقوة فصرخت بتألم: آآآآه.
فصاح براء: هو أنتِ لسه شفتي حاجة يا بنت ***
انطقي، قولي من اللي وراءكِ وخلاكِ عملتي التمثيلية القذرة دي عشان تضيعي مستقبلي وحياتي كلها؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الثالث والتسعون 93 - بقلم شيماء سعيد
أولاد الجبالى 3
الحلقة التاسعة والعشرون
كان براء في قمة غضبه وانفعاله عندما رأى نيلي، فضربها بكل قوته، فصرخت متألمة.
فصاح براء: هو أنتِ لسه شوفتي حاجة يا بنت الـ***؟ انطقي، قولي مين اللي وراكِ وخلاكِ عملتي التمثيلية القذرة دي عشان تضيعي مستقبلي وحياتي كلها؟
لتصيح نيلي بغضب متألمة: وهو حد كان ضربك على إيدك لما جيت معايا يا محترم؟ أنت جيت بشوقك والله، وده جزاء اللي يلعب بديله.
فاحترقت الدماء في عروق براء، ليزيد من قبضته عليها، ثم بدأ يصفعها على وجهها بقوة ويركلها في كل مناطق جسدها حتى تعالت صرخاتها. وهنا تدخل حسام وأمسك بيده مردفًا: مش ده اللي اتفقنا عليه يا براء، الأمر ما يجيش بالعنف ده، بالعكس دي ممكن تعاند عشان تنتقم لنفسها. لكن أنتَ مفروض تستخدم ذكائك معاها عشان توصل لحل.
براء بانفعال: ده أنا هموتها لو ما نِطقتش.
حسام بلوم وعتاب: كده للأسف هرجعها الحجز يا براء، لإنها تحت مسئوليتي ولو جرى لها حاجة أنا اللي هتحاسب عليها.
فابتلع براء لعابه بخجل ورفع يده من على نيلي التي رمقته بحدة وحدثت نفسها: والله تستاهل يا ابن الأكابر. وبتفتكر هكلم ده كان فريد يضيعني في لحظة، ده ما عندهوش قلب.
براء: تمام يا حسام.
ثم نظر إلى نيلي برجاء مردفًا: أنا حياتي اتدمرت، فأرجوكِ اتكلمي وقولي ليه عملتي كده، هو أنا أذيتك في حاجة؟ اتكلمي مين وراكِ وما تخافيش، صدقيني هقدر أحميكِ منهم. بس قولي عشان نطلع أنا وأنتِ كمان من المصيبة دي، عشان أخليهم يفرجوا عنك كمان، وممكن كمان أمسح من عندهم ماضيكِ، وتبدئي من جديد بشغلانة حلال بدل المرمطة اللي في الطين دي. ها، قولتي إيه؟
للحظة شردت نيلي فيما قاله، فكم تمنت فعلًا أن تترك ذلك العمل القذر الذي تشعر به بالإهانة والذل وكأنها ليست إنسانة بل دمية يحركّونها كيفما يشاؤون، ولكنها خافت من بطش فريد لذا أصرت على موقفها وقالت بكذب: محدش ورايا يا محترم. كل الحكاية إني شوفتك وعجبتني ودخلت دماغي، وأنا اللي يدخل دماغي لازم أجيبه ونعيش يوم حلو، بس حظك المقندل بقى اللي حصل واتقبض علينا بس مش عارفة أنتَ إيه مزعلك! أنتَ راجل والراجل في الحالات دي بيطلع بكفالة مش زينا احنا بنتحبس، يعني احنا اللي بنتظلم مش انتوا.
لتنظر إلى حسام قائلة: أنا قولت اللي عندي يا باشا خلاص، فمن فضلك رجعني الحجز وإلا هقوم محامي يرفع قضية ضد البيه ده تعدي وضرب.
فنظر حسام إلى براء بشفقة لحاله وبالفعل لم يكن لديه أي شيء يفعله سوى الاستجابة لطلبها حتى لا يزداد الأمر سوءًا. فأمر العسكري أن يعود بها للحجز مرة أخرى.
ليثور براء بحنق: كنت سبتني يا حسام أموتها بيدي يمكن كنت خدت منها اعتراف. لإن الصنف ده مش بيجي إلا بكده، لكن شوفتَ الحنية عملت إيه، أديها ألفت قصة جديدة من دماغها.
أومأ حسام برأسه: فاهم يا براء، بس برضه العنف كان هيدخلنا في مشاكل تانية احنا في غنى عنها وأديك سمعت قالت إيه، ممكن ترفع عليك قضية تانية وأنتَ مش ناقص.
فوضع براء يده على رأسه حزينًا وهمس: طيب أعمل إيه دلوقت وأنا شايف حياتي بتنتهي عشان غلطة ما كانتش بيدي. أعمل إيه؟
فأشفق باسم عليه وسار إليه ووضع يده على كتفه بحنو: قول يا رب يا خوي وأكيد ربنا هيظهر الحق ما دام مظلوم. وقول دعاء سيدنا نوح (ربي إني مغلوب فانتصر).
فردد براء الدعاء بيقين وبكاء.
باسم: ودلوقت يلا بينا نرجع الصعيد، عشان تريح أعصابك شوية.
فابتسم براء بحزن: أريح أعصابي، دي زاد هتعمل مني شورما.
فضحك باسم رغم حزنه: معلش بس كلمتين حلوين ممكن يطيبوا خاطرها وأنا هكون معاك عشان أفهمها اللي حصل وإنه غصب عنك. وأديك أهو عتريح من شغل الحكومة المؤرف اللي بسببه حصلت كل المشاكل اللي بينكم وعتجعد جنبها هناك وتحت عينيها فتطمن.
أغمض براء عينيه بألم: يعني عجعد كيف الحريم في البيت يا باسم.
باسم: ليه يا قلب أخوك، هو يعني ما كنتش تشتغل في الحكومة، ما فيش شغل تاني؟ لا طبعًا أنتَ ممكن تعمل أي حاجة أنتَ بتحبها عاد.
براء: بس أنا حياتي كلها في الشرطة وكان نفسي أستمر وأحقق حلم أبوي في إني أكون كيفه وأحسن، مش أخرج منها متهان كده.
فضمه باسم بحب وربت على ظهره قائلًا: الله يعلم الخير فين يا أخوي. أنتَ ما تفكرش في حاجة دلوقت غير في نفسك وبس واعتبر نفسك في إجازة. ويلا بينا عاد، عشان الطريق طويل لسه.
طأطأ براء رأسه بخزي قائلًا: كيف بس أحط عيني في عيون الناس هناك وأولهم أمك وزاد يا باسم. فمش هينفع صدقني أنزل معاك الصعيد دلوقت، خلينا قاعد اهنه لغاية ما أشوف حالي وأفكر كويس كيف أخرج من المشكلة دي وأعرف مين ورا البت دي وعيكرهني للدرجة دي؟ وساعتها مش هرحمه يا باسم.
باسم: أنا كنت عايزك ترجع عشان تهدى شوية وتفكر زين بس اللي يريحك يريحني وأنا معاك وهفضل اهنه معاك.
براء: لا ما ينفعش، أنتَ هناك بدالي راجل البيت، فلازم ترجع عشان تطمن أمي وتكون جنب زاد ونشوف حالك. فمعلش عاود أنتَ وسيبني على راحتي.
فلم يجد باسم مفرًا من العودة أما براء فعاد إلى شقته محملًا بالهموم.
أخبر زرارة حمدي برفض جاسر تطليق حسنية، فقبض على يديه بغضب وصاح: كده يبقى كتب نهايته بإيده.
زرارة بذعر: قصدك إيه يا سيد الناس، عتكتله؟!
حمدي: أيوه هو اللي جنى على نفسه.
زرارة: كيف ده وهو محجوز، وكمان يعني لا مؤاخذة أنتَ عيهمك إيه منه، ما أنتَ عايش حياتك أهو زي الفل مع الست حسنية.
فرمقه حمدي بغضب وصاح: ولما حسنية تجيب لي الواد اللي عستناه وهو يخرج من السجن ويرجع لها عشان لسه على ذمته، ويلاقي معاها عيال، هيعمل إيه فيها! مش بعيد يكتلها ويقول على عيالي ولاد حرام والناس تستقل منهم.
فوضع زرارة يده على رأسه كأنه يفكر ثم استطرد: آه صح عندك حق. بس هتعملها كيف وهو جوه؟
حمدي: زيارة منك بأكلة فيها سنة سم الزرنيخ، مرة في مرة، هيموت فيها من غير ما حد يدري ولا يحس.
انقبض قلب زرارة مردفًا: وه، ما لقيتش غير أنا؟
فوضع حمدي يده على كتفه مرددًا: أنا مش بثق غير فيك يا زرارة، وكمان أنا لو حصلي حاجة ولا اتقبض عليَّ هتكون أنتَ بدالي في كل حاجة.
فلمعت عين زرارة بالطمع محدثًا نفسه: يا ريت عشان نخلص بقى من أوامرك اللي مش بتنتهي دي.
ثم استطرد بخبث: بعد الشر عليك يا واد عمي. ثم أشار إلى رقبته: أنا رقبتي سدادة وكل اللي تطلبه مني هعمله.
حمدي: تعيش يا زرارة.
هدأت الحمى قليلًا بعد أن قامت أم عطية بتبريد جسدها بالماء، حتى أن النزيف قد توقف، فابتسمت أم عطية مردفة برضا: الحمد لله ربنا جعلنا سبب في إن ربنا نجاكِ يا بنتي.
ثم أذنت أم عطية لولدها بالدخول بعد أتعبها تكرار حديثه: خلاص ياما خلصتي، عايز أدخل بقى، جتتي تعبت من الوقفة.
فأذنت له فولج على الفور وعيناه على قمر التي ازداد جمالها في عينيه بعد أن نظفتها والدته وأبدلت ثيابها بأخرى نظيفة فاتسعت عيناه مردفًا بلهفة: دي طلعت حلوة حلاوة أكتر ياما بعد ما نظفت.
فصاحت والدته: عقبالك يا معفن.
عطية بابتسامة سمجة: عارف ياما مش لازم تقوليها. بس قولي لي ياما هي عتفوق ميتى ولا هتفضل نايمة كده على طول؟
أم عطية: العلم عند الله يا ولدي، بس أظن هانت بعد ما الحرارة نزلت شوية. وأقولك ناولني شوية موية بسكر، أحاول أشربها يمكن ترجع لها الدموية وتفوق.
فسارع عطية لتلبية ما طلبت منه والدته وأتى لها بكوب من الماء المحلى بالسكر. لتنحني أم عطية إلى قمر وتحاول رفع رأسها قليلًا، لكي تضع لها قليلًا من الماء في فمها. ولكن ما أن فعلت ذلك حتى شهقت قمر، فأبعدت أم عطية الماء سريعًا وأخذت تطالعها بحذر.
فصاح عطية بفزع: كده ياما هتموت منك أهو، استر يا رب.
لتنهره والدته: أكتم يا طور، وهي شرقت بس، ما فيهاش حاجة.
ثم وجدتها تفتح عينيها ببطء وتنظر حولها باندهاش، لتحاول بعد ذلك إخراج صوتها المكتوم بقولها: أنا فين؟
لتبتسم أم عطية قائلة: حمد لله على سلامتك يا بنتي، وأنتِ اهنه عند خالتك أم عطية والطور اللي واقف ده ولدي عطية.
طالعتهم قمر بريبة وقلق وحاولت الاعتدال ولكنها فشلت بسبب ثقل رأسها وقالت: خالتي! بس أنا ما أعرفكيش عاد، ودماغي ليه ثقيلة كده. هو أنا حصلي حاجة؟
تجهم وجه أم عطية وحدثت نفسها: البنت دي شكل الخبطة اللي كانت في نفوخها أثرت عليها، ويا حبة عيني مش فاكرة اللي حصل، ولا خابرة المصيبة اللي وقعت فيها. وأكيد دي رحمة من ربنا بيها.
لتستطرد أم عطية: أنا خابرة إنك ما تعرفينيش يا بنتي، وصراحة أنا لقيتك في الطريق واقعة من طولك وهتنزفي، فجبتك اهنه عشان أراعيكِ لغاية ما تفوقي يا بنتي وتقولي لي أنتِ مين وبلدك إيه وبنت مين في البلد؟
فشكرتها قمر بقولها: تشكري يا خالة، تعبتك معايا، معلش. وأنا اسمي... لتشرد قمر للحظات ثم وضعت يدها على رأسها، لتلمع عينيها بالدموع مرددة: أناااا مش فاكرة اسمي إيه، ولا منين ولا فاكرة حاجة خالص. لتبكي بمرارة مردفة بنحيب: هو إيه اللي حصل خلاني كده؟
ليطالعها عطية بشفقة مردفًا: بس يا قمر أنتِ ما تبكيش عاد، قطعتي قلبي.
لتردد قمر ما قاله عطية: قمر. وكأنها سمعت هذا الاسم من قبل.
لتطالع أم عطية ابنها بحدة مردفة: اتحشم يا ولدي. وروح يلا سخن حلة العدس عشان بردت عشان ناكل ونأكل البنية معانا عشان تتجوت وترد صحتها. يمكن ساعتها تفتكر حالها وتعرف هي مين وبنت مين.
ليسرع عطية في قوله: ولا ما تفتكرش ياما، خليها كده وأنا أجوزها ياما دي حلوة حلاوة.
فقذفته عطية بالطوب الذي تحمله في وجهه وصاحت: وربنا لو ما احترمتش نفسك وحطيت لسانك جوه خشمك.
فصاح عطية متألمًا: كده ياما هتموتيني، قبل ما أخشى دنيا، طيب اصبري الأول لما أتجوز.
فضحكت والدته بقولها: مش لما تنضف الأول تبقى تفكر في الجواز يا طور.
ثم التفت إلى قمر مردفة بحرج: ما تأخذيهوش يا بنتي، هو بيحب يهزر.
فأومأت قمر برأسها مردفة بخجل: ربنا يخليه لكِ يا خالة.
أم عطية: تسلمي يا بنتي. ثم أشارت إلى عطية: فز يا ولدي سخن العدس.
فامتثل عطية لما طلبته والدته منه، ثم وجهت حديثها إلى قمر: معلش يا بنتي، لقمة كده مش على قد المقام. بس معلش اليد قصيرة.
فربتت قمر على كتفها بحنو: المهم القلب يا خالة والناس الحلوة وأنتِ طيبة قوي.
أم عطية: تسلمي وصراحة أنتِ كمان دخلتي قلبي زي ما تكون بنتي. ربنا يعافيكِ وترجعي تفتكري عشان زمان أهلك متغوغشين عليكِ دلوقت.
سار مسالم في الطريق هائمًا على وجهه والحزن يكسو ملامحه ويعاتب نفسه بين الحين والآخر: أنا السبب في اللي حصل لك ده يا قمر. أنا مش هسامح نفسي أبدًا، عشان خنت ثقتك فيَّ. ووعدتك إن محدش هيقدر يجي جنبك طول ما أنا جنبك. وأهو خدوكِ وأنا جنبك. آآآه يا قلبي المحروق عليكِ يا قمر. يا ترى إحساسك إيه دلوقت، والله خايف تموتي بحسرتك من اللي حصل وأموت أنا بعدك يا قمر. لإن ما فيش حاجة تستاهل أعيش عشانها بعدك. آآآآه يا قمر.
أنتِ فين يا قمر؟ بس وديني لآخد بتارك منيه وأقتله قدامك، يمكن ده يبرد النار اللي جواكِ. بس أعتر عليه يا قمر.
ثم أخذ يسير في كل الطرق، ويدخل بيت بيت يفتش فيه رافعًا سلاحه، صائحًا بقوله: بوليس. ليفجع الناس منه ويتركونه يفعل ما يشاء، حتى يخرج حزينًا عندما لا يجدها.
وظل هكذا الليل كله حتى أنهكه التعب وجلس على أحد الأرصفة وأغلق عينيه بتعب حتى نام جالسًا.
* * *
وفي الصباح وصل باسم إلى الصعيد مجددًا وقرر أن يأتي في البداية بعزة كما وعدها قبل عودته إلى القصر.
لمعت عين عزة من الفرحة عندما وجدته أمامها مردفة: باسم.
ثم حاولت الوقوف ولكن ما زال جرح بطنها يؤلمها.
فأسرع لها باسم مردفًا: ريحي نفسك يا عزة ومتتغطيش عليها لحالك أكده، وأنا عساعدك تجومي، هاتي يدك.
فتعلقت عزة بيده ثم تحاملت عليه بجسدها كله حتى التصقت به ثم حاوطت عنقه بحب وهمست: وحشتني جوي يا باسم.
ارتبك باسم من قربها الشديد، فما اعتادت نفسه أن تتقبلها أكثر من هذا، لكن شعور الذنب نحوها هو ما يدفعه لمعاملتها بالحسنى.
فابتسم رغمًا عنه مردفًا بمرح: أكده عيمسكونا آداب يا عزة، معاكِ القسيمة عاد؟
فضحكت عزة مردفة: معايا جلبي اللي يعشقك يا باسم.
فأغمض عينيه باسم متألمًا لحالها وحدث نفسه: يا ريت كان بيدي، بس جلبي لملك وبس يا بت الناس.
ثم استطردت: طيب يلا بينا عاد، عشان زمان أمي على نار وعايزة تتطمن على أخبار براء.
ضيقت عزة عينيها مرددة باستفهام: صوح وهو أخباره إيه دلوك، وليه ما نزلش معاك؟
تنهد باسم بقهر: ما قدرش عشان تعبان لسه، لما يشد حيله شوية هييجي إن شاء الله.
ثم حاوطها بذراعه لمساعدتها على المشي، ليعودا سويًا نحو القصر.
دلفا سويًا بالفعل نحو الداخل لتستقبلهم زهيرة بترحاب: حمد لله على السلامة يا ولدي.
ثم نظرت ببشاشة وجه لعزة وضمتها إليها بحب مرددة: وحمد لله على سلامتك يا عزة، بركة إنك قومتي بالسلامة.
عزة بود: الله يسلمك يا حاجة.
ثم ابتعدت زهيرة لتشير إلى باسم: أكده أخوك ما جاش معاك عشان أطمن عليك يا باسم. ليه ما غصبتش عليه ييجي معاك؟
باسم: معلش يا ماما هييجي قريب، بس يظبط حاله الأول. وطمنيني على زاد دلوك، كيفها؟
لتجيبه زهيرة بحزن: والله حالها يصعب على الكافر، ربنا يفرجها من عنده.
باسم: يا رب. وعستأذنك دلوك يا ماما أطلع عزة أوضتها تستريح.
زهيرة: اتفضل يا ولدي، وخلي بالك منيها ودلوك هقول لجليلة تحضر لها لقمة تقوتها وتعينها على نفسها، فرخة بلدي أكده مع الشوربة مع كوباية حلبة بعسل عشان تقدر تصلب طولها وتقدر ترضع بنتها.
عزة بامتنان: تسلميلي يا حاجة.
ثم أشارت إلى باسم: وأنت يا باسم ساعدني بس أستريح على فرشتي وبعدين هات لي ريحانة عشان وحشتني جوي، عشان كمان أعوضها عن اليومين دول وكفاية أكده على ملك تعبانها معانا كتير.
وهنا ظهرت الصدمة على وجه باسم وتألم من أجل مليكته، لأنها لا تعلم أن التعب ليس بوجودها معها بل بأخذها من بين أحضانها. ولكنه ما بيده حيلة، فعزة هي والدتها ولا يستطيع أن يحرمها منها من أجل ملك.
فاستطرد بحزن: حاضر، بس ريحي أنتِ شوية وعجبها لك ومتجلجيش عليها خالص، ملك دي عتحبها وتراعيها كأنها هي اللي جابتها من بطنها.
فتغيرت ملامح عزة للوجوم مردفة: يعني إيه أنت عايزني أسيب بنتي ليها يا باسم؟ لا أنا عايزاها دلوك، ومش عستريح غير لما تكون في حضني.
أغمض باسم عينيه بألم مردفًا: حاضر يا عزة عجبها. يلا بس أطلعك عاد الأول.
ليأخذها إلى غرفتها وساعدها حتى أجلسها بارتياحية على فراشها. لتأمره مرة أخرى بإحضار ريحانة، فطالعها بصمت واكتفى بإيماءة رأسه، ثم غادر نحو غرفة ملك وكلما اقترب من غرفته سمع دوي لضربات قلبه خوفًا من ردة فعلها.
* * *
دبت الفرحة في قلب سلسبيل بعد أن عادت إلى عملها في مصنع جابر بعد خرج من محبسه وعاد لعالمه من جديد. فأخذت تطالعه على حين غفلة منه وهو يدور بين العمال.
لاحظت كوثر نظراتها إليه فنهرتها بقولها: ما تلمي نفسك عاد يا بنت. عتكلي الراجل بعينيكِ إيه قلة الحيا دي؟ عيب عليكِ ده راجل متجوز ومش متجوز أي واحدة، ده متجوز بنت الجبالي. فأوعاكِ تفكري أنتِ أنه ممكن يبص لك، هو حد بردك يسيب الجمر ويبص للنجوم!! فاعقلي أكده يا بنت أحسن لك.
لمعت الدموع في عين سلسبيل من كلمات كوثر الحادة وخاطبتها بحرج: إيه اللي عتقوليه ده عيب يا كوثر، وأنا أبص له ليه عاد وأنا خابرة أنه متجوز بنت الجبالي.
كوثر بسخرية: يا سلام عيني في عينك كده. ده أنتِ مش سايباه في الريحة والجاية، ده غير إنك عتسحبي وتروحي لمكتبه كل شوية يا قليلة الرباية، تقدري تقولي عتعملي إيه عنده؟ وعلى فكرة مش أنا بس اللي خدت بالي، ده كل اللي عيشتغلوا، وسيرتك بجت على كل لسان يا بنت. عجبك أكده، أنا لو منك، ما عتبش اهنه تاني.
فظهرت الصدمة على وجه سلسبيل واصفر وجهها ولمعت الدموع في عينيها وقالت بتلعثم: أنااااااا؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الرابع والتسعون 94 - بقلم شيماء سعيد
تفاجأت سلسبيل بصدمة هدت كل حصونها، وهو حديث كوثر عما كانت لا تدركه من كلام العمال عنها بالسوء والطعن في شرفها. وختمت كوثر كلامها اللاذع بقولها:
"لو منك كنت أهج من إهنه بعد اللي عيجولوه عنيكِ ومجعدش ثانية واحدة."
فظهرت الصدمة على وجه سلسبيل واصفر وجهها ولمعت الدموع في عينيها وقالت بتلعثم:
"أنااااااا عيكلموا عني أكده، ليه؟ ده أنا طول عمري صاينة نفسي وماشية چنب الحيط، وعكلم بحدود، وعمري ما أطلعت لحد بنظرة أكده ولا أكده. فحرام والله اللي عتجوليه ده يا كوثر، حرام."
فحركت كوثر شفتيها باستهجان واستطردت:
"أنتِ عتعمليهم عليه يا بت! ده أنا عجناكِ وفاهماكِ كويس، من يومك باصة لفوق وعايزة تخربي بيته أنتِ وياخدك على مراته وتعيشي العز والهنا بدالها."
فتشنجت ملامح سلسبيل وصرخت في وجهها بقهر:
"حرام عليكِ والله اللي عتجوليه ده، عشان أنتِ خابرة إني مش أكده خالص يا كوثر. ولو حد فيه الصفات العفشة دي، يبقى أنتِ مش أنا."
فعنفتها كوثر بقولها:
"أنا برده يا جليلة الرباية؟ هو أنا اللي سيرتي بجت على كل لسان؟ أنتِ للدرجاتي مش مستحية من نفسك؟"
ثم أشارت إلى أخرى بقولها:
"تعالي يا رباب أحضرينا."
فجاءت رباب على الفور فسألتها:
"إيه يا كوثر فيه إيه؟"
كوثر:
"جوليلي يا بت سمعتي إيه بودانك دي وإحنا داخلين الصبح المصنع على البت سلسبيل."
فطالعتها رباب بمكر وضحكت ضحكة شيطانية مردفة:
"سمعتهم عيتلامزوا على الجطة المغمضة سلسبيل ويجولوا عتعيط بحرقة دم عشان عتعشق جابر وعتجيله لما يكون لحاله بالليل."
فانسابت دموع سلسبيل على وجنتيها وتلون وجهها بالحمرة من شدة الغضب ولم تشعر بنفسها إلا وقد ركضت للخارج تبكي، ولمحها جاد فاتعجب من حالها، فحاول اللحاق بها ليسألها عما حدث ولكنه لم يستطع. فعاد إلى المصنع وقص ما حدث إلى جابر، فضيق عينيه متألمًا من أجلها واستطرد:
"خير يارب. روح يا جابر لبيتهم وشوفها مالها لتكون تعبانة ولا حاجة وكلمني أشيع لها دكتور."
جاد:
"ماشي يا أخوي، حاضر. هسرع أنا وأشوف فيها إيه؟"
أما كوثر ورباب فأخذتا يضحكان حتى لمعت عيناهما بالدموع. فاستطردت كوثر:
"برافو عليكِ يا بت يا رباب، عرفتي تسبكي الدور جوي، وفهمتيني عايزة أجولك إيه من غير ما أكلم."
فضربت رباب على صدرها بمرح مردفة:
"تربيتك يا كوثر. ويكش أكده تكوني اتهديتي بعد ما خلصتي منها، عشان تنولي المراد وتوصلي للبيه أنتِ."
فتنهدت كوثر بحرارة مردفة:
"آه يا بت، مُنى عيني والله بس هو يحس بيه وياخد باله مني. عشان هو ما يحسش صراحة ولا بيشوف حصاده، مهما أحاول ألفت نظره ولا أروحله المكتب أدلع عليه بكلمتين عشان يحن. كان يصدرلي الوش الخشب ويرد عليه من غير نفس ويجول: لولا إني خابر إنك محتاجة الشغل أهنه يا كوثر، كنت طردتك عشان اللي عتعمليه ده عيب وقلة حيا. فاحترمي نفسك وصونيها عن أكده، واعرفي إني لا يمكن أفكر في حد غير مرتي أبدا."
فضربتها رباب في كتفها قائلة:
"ومدام هو أكده يا مضروبة، عملتي الفيلم ده ليه؟ مهو مدام مش بيبصلك ولا حاسس بيكِ، مش عيبص لسلسلسبيل دي خالص عشان مش شايف غير مرته."
ضيقت كوثر عينيها وشهقت مردفة:
"ما أنتِ هبلة ومش خابرة اللي حوصل."
رباب:
"حوصل إيه وأنا مش خابراه؟"
كوثر:
"اللي حوصل إني سمعت من وحدة عتشتغل عنديهم في القصر أنه خلاص طلق مرته ومعدش عايزها. يعني دلوك بقى الخال فاضي وعايز اللي يشغله."
فصاحت رباب:
"معقول أكده طلق مرته، ده كان روحه فيها."
كوثر:
"يا أختي جت بركة عشان يشوف إللي عتحبه وأولى بيه وييبصلي بجا عشان يريحني من الشقا اللي أنا فيه. وعشان أكده خوفت إنه يبص لسلسبيل المسهوكة دي، عشان تشبهه أكده طيبة وقريبة من ربنا وعتخدم أخوه جاد. فجولت لازم أبعدها عن طريقه عشان ميشوفش غيري وبس."
فضحكت رباب:
"يخربيتك ده عقل شيطان ولا إيه!"
كوثر:
"لا عقل وحدة نفسها تستريح وتشوف الهنا زي باقي خلق الله. بس مش عارفة أعمل إيه عشان دماغه تلين ليه ويحبني؟"
رباب:
"ما أنتِ لسه قايلة أهو إن سلسبيل شبهه، فاعملي زييها وطّي صوتك ووسعي لبسك وافضلي قولي قال الله وقال الرسول قدامه وراعي أخوه أكيد هيبصلك بنظرة تانية."
فاتسعت عين كوثر مرددة بسعادة:
"عفارم عليكِ يا بت يا رباب، هو ده."
*******
ظل براء يجافيه النوم بسبب حزنه والتفكير في مستقبله الذي ضاع في لمح البصر حتى أشرق عليه الصباح. ليخرج من شروده على صوت رنين هاتفه، ليجد المتصل هو حسام فاهتز وجدانه بعد أن شعر أن بالأمر شيء فأجابه سريعًا:
"حسام إيه لقيت حل لموضوعي، البنت اعترفت؟"
أشفق عليه حسام فحدثه بحزن:
"ياريت يا براء بس للأسف محصلش. والغريب كمان أن وكيل النيابة بلغني أنه هيفرج عنها لعدم كفاية الأدلة."
فضحك براء باستهزاء:
"لعدم كفاية أدلة إزاي يا محترم وإحنا مقبوض علينا متلبسين غير الصور."
حسام بغضب:
"مهو ده اللي هيجنني يا براء، وحسيت أن البت دي وراها ناس تقال وممكن يكونوا إشتروا ضمير وكيل النيابة بالفلوس عشان يخرجها كده رغم وضوح الأدلة."
أخرج براء زفيرًا حارًا مردفًا بغصة مريرة:
"صوح كل حاجة دلوك للأسف بتشتريها بالفلوس حتى ضماير الناس."
حسام:
"للأسف، ربنا معاك يا براء ويظهر الحق عشان تقدر ترجع صورتك الطيبة تاني قدام الناس."
براء:
"يارب يا حسام ومتشكر جدا لشعورك، بس قولي هي دلوك البنت في النيابة ولا خلاص طلعت."
حسام:
"أظن لسه بتستعد لإجراءات الخروج."
فسارع براء بقوله:
"طيب عن إذنك دلوك يا حسام عشان مستعجل."
ليغلق معه الخط ويقف سريعًا ليبدل ملابسه ويغادر إلى مديرية الأمن لينتظر تلك التي أطاحت بمستقبله هباءً حتى يتبعها ويراقبها في كل مكان تلجأ إليه، لعله يعلم ما تخفيه ويكون فيه دليل براءته. وبالفعل أسرع إليها ولم تمر لحظات حتى وجدها تخرج من مديرية الأمن لتقف قليلاً وتستنشق الهواء، هواء الحرية مجددًا والابتسامة على ثغرها. ثم أخرجت هاتفها لتتصل بأحدهم ولكنه لم يسمعها لبعده عنها.
"ألوووو إزيك يا فيري، أنا لسه خارجة أهو."
فريد:
"بخير، أديكي اطمنتي أهو إني قد كلمتي وطلعتي منها زي الشعرة من العجينة."
نيلي بفرحة:
"اه يا سكر، بس فين باقي المبلغ عايزة أروشن شوية من نفسي وأسافر أريح أعصابي حبتين."
فضحك فريد:
"عيوني، تعالي بس أنتِ عندي وأنا أشوف اللي يريحك وأعمله."
فضحكت بمكر:
"لا كده اللي يريحني أكيد تزود المبلغ."
فريد:
"اللي تؤمر بيه يا جميل."
ثم حدث نفسه:
"أظن كده أحسن عشان أعرف أبعد عن مرام شوية، عشان شافت نفسها زيادة عن اللزوم."
لتجيبه مرام:
"تمام يا فيري، هسيبك دلوقتِ، عشان محتاجة أروح آخد شاور عشان جتتي اللي عفنـت من أرف السجن، وأنام شوية وأجيلك بالليل."
فريد:
"وأنا في الانتظار يا قمر."
ثم أغلقت معه الخط لتتوجه نحو سكنها وبراء من ورائها بالمرصاد، حيث أقسم أنه لن يتركها حتى يعلم الحقيقة. فاتبعها حتى وصلت إلى مكان سكنها وتوجهت للأعلى، وعندما ولجت، ذهب براء ليسأل حارس العقار عنها مقابل بعض المال.
الحارس:
"ست نيلي، دي ست لا مؤاخذة يا باشا، سيبك منها عشان أنت شكلك محترم. وهي ساكنة في الدور الرابع، وعايشة لوحدها وهي ديما كده تخرج بالليل وتيجي وش الصبح. الله يستر على ولايانا يا باشا."
فحدث براء نفسه:
"يعني أمة لا إله إلا الله، عارفاها إلا الحكومة، الصبر من عندك يارب."
ليشكره براء على النصيحة ويعود بأدراجه للخارج ليفكر قليلاً فيما يجب عليه فعله. ثم انتبه براء لوجود كافيتريا أمام تلك البناية، فقرر أن يجلس عليها ليراقب ظهورها مجددًا ويعلم أين تذهب لعله يعلم ما تخفيه ويكون ذلك دليل براءته.
*******
بخطوات ثقيلة داخل الردهة سار باسم متجهًا إلى غرفة ملك، وصدره يعلو ويهبط ويزفر بضيق خوفًا على مشاعرها عند أخذ ريحانة منها لعزة. حتى وصل إلى الباب فحاول التنفس ببطء ووضع يده على المقبض بيد مرتجفة ثم أداره بصعوبة ودلف للداخل فوجدها تضم صغيرته إلى صدرها وترضعها بحنان وحب لا مثيل له. فانقبض قلبه وحدث نفسه:
"يارب، كيف بس أجولها هاخد منك البنت لأمها وكفاية عليكِ أكده معاها. وأنا شايف إنها بجت جطعة من روحها ويستحيل تفرط بيها بالساهل."
ثم رأى ابتسامتها عند رؤيته، تلك الابتسامة التي وحدها تحطم حصون قلبه وتجعله أمامها ضعيفًا لا يستطيع تحمل حزنها.
ملك بلهفة:
"حمد لله على السلامة يا حبيبي، كيفك وكيف براء جه معاك؟"
ثم مدت ذراعها له لكي يأتي إليها وهمست:
"تعال يا حبيبي، عشان أتوحشتك جوي ومش جادرة أقوم عشان ريحانة عترضع. تعال شوف أكده ريحانة كبرت شوية صوح وبجت قمر."
فابتسم باسم رغم الحزن عليها وسار إليها وقال بحب وعشق متيم:
"وأنتِ كمان وحشتيني جوي يا ملك."
ثم انتهزها فرصة واستطرد:
"وفرصة أهي عزة جت تاخد بتها اللي مضيقة علينا حالنا دي ومش مخلاني عارف أقعد معاكِ على راحتي."
قال باسم كلمته تلك ثم تفاجأ بملك تدفعه ليبتعد عنها. وشددت من احتضان الصغيرة مردفة وقد تجمعت الدموع في عينيها:
"أنت عايز تاخد بتي مني يا باسم!"
أغمض باسم عينيه بألم ولكنه حاول الثبات ليواجهها بالحقيقة التي تناستها هي فقال:
"ريحانة بت عزة يا ملك وهي دلوك عايزاها وده حقها. فأرجوكِ متصعبيش عليّ الأمر أكتر من أكده."
لتبدأ ملك في البكاء بهستيرية وهي تضم ريحانة بخوف من أن تفتقدها. فحاول باسم أن يهدئ من روعها قليلاً وذكرها بالله قائلاً:
"أهدى يا حبيبتي، وده قدر ومقسوم واصبري وقولي يارب."
فهدأت ملك نوعًا ما وابتعدت عنه قائلة:
"يارب."
ثم استطردت بنحيب:
"أيوة عزة أمها، وأنا يدوب مرت أبوها بس بردك أعتبر أمها بالرضاعة يعني أكيد ليه حق فيها، صوح يا باسم؟"
أومأ لها برأسه:
"أيوة طبعًا."
ولكي يطمئنها ويهدئ من روعها قال بتوضيح:
"لعلمك أنتِ اللي عتربيها وتجعدي معاها أكتر من عزة، عارفة ليه؟"
اتسعت عين ملك متسائلة بلهفة:
"كيف ده؟"
ابتسم باسم بقوله:
"عشان أنا من الأسبوع الجاي هفتح المستوصف الخيري وهشتغل فيه أنا وعزة وبالشغل ده مش هتكون فاضية تراعي ريحانة وساعتها عتسبهالك عن طيب خاطر."
فانفرجت أسارير ملك مردفة بفرحة:
"بجد يا باسم!"
فابتسم لها مؤكدًا:
"بجد يا عيون باسم."
لتطالع الصغيرة بحنو ثم قبلتها وهمست لها:
"على عيوني يا حبيبتي بس أمك ريداكِ."
روحي ليها بس أنا قلبي حاسس إنك عترجعي لصدري تاني، لأني خابرة إنك مش عترتاحي وتنامي غير على صدري أنا وبس.
لترفعها بعد ذلك بيد مرتجفة إلى باسم مردفة بحزن:
سمي الله يا باسم وخد ريحانة، بس عينيك عليها متسبهاش، ولو بكت هاتها طوالي، أنا بس اللي أعرف كيف أسكتها.
فحمل عنها باسم البنت ثم طمأنها:
حاضر يا ملك متقلقيش.
ثم التفت ليغادر بها وعندما فتح باب الغرفة صاحت ملك:
استني يا باسم.
لتسرع إليه تقبل ريحانة وتدثرها جيدًا مردفة:
خلي بالك عاد لا تستهوى.
ابتسم لها باسم وأومأ برأسه ثم خرج بها، فانسابت دموع ملك على وجنتيها متمتمة:
عتوحشيني يا ريحانة يا قلب أمك.
دلف باسم إلى عزة يحمل ريحانة، فصاحت عزة بلهفة:
بنتي ريحانة، وحشتيني يا عمري.
فناولها لها باسم فأخذتها تقبلها في كل إنش من جسدها ولمعت عينيها بالدموع ثم أشارت إلى باسم:
البنت جميلة قوي يا باسم وفيها منك كتير.
باسم:
بالعكس دي شبهك قوي.
فابتسمت عزة مردفة بخجل:
يبقى أكيد أنت عتحبني يا باسم. صح يا باسم؟
باسم بحرج:
أكيد أنتِ غالية عندي يا عزة، ودلوق أكتر كمان عشان بقيتي أم بنتي.
تهلل وجه عزة لكلمات باسم التي أثلجت صدرها فضمت ريحانة لصدرها بقوة، فبكت الصغيرة.
فدللتها عزة قائلة:
حبيبة أمها جعانة أكيد، حاضر يا قلبي هرضعك دلوق.
لتخرج بعد ذلك صدرها لترضعها ووضعته في فم الصغيرة ولكن ريحانة ظلت تبكي.
فحزنت عزة:
ليه يا قلبي عتبكي، ارضعي يا عين أمك.
ولكن مع استمرار إصرار عزة لإرضاعها زاد بكاء الصغيرة.
فتدخل باسم:
يمكن مش شبعانة من لبنك، خفيف يا عزة عشان النزيف اللي حصلك وكده. شوفي كده صدرك بينقط لبن ولا جف.
فضغطت عزة على صدرها لتفاجأ إنه جاف، فبكت:
يا حبة عيني عليكِ يا بنتي، طيب أعمل إيه دلوق وهي جعانة. وأعمل إيه في نفسي عشان ينزل اللبن.
فانتهزها فرصة باسم وقال:
متتعبيش نفسك، كده هي عترضع من ملك. هاتيها أوديها ترضعها وتجيبها لك لما تنام.
فصاحت عزة بقهر:
كيف ملك ترضعها وهي محملتش ولا ولدت زيي وأنا اللي أمها يا باسم.
باسم بحرج:
أنا خابر يا عزة، بس عشان اللي حصلك، ملك خافت عليها من اللبن الصناعي وأخذت برشام هتنزل اللبن ورضعتها.
عزة:
يبقى كده، طيب هاتي لي البراشيم دي كمان وأنا أولى ببنتي يا باسم.
باسم بمراوغة:
يعني عتتعبي نفسك عشان كام يوم، شدي حيلك بس أنتِ عشان أنا مستنيكي عشان تديري معايا المستوصف. فلو أخذتِ دلوق حاجة عشان تنزل اللبن ساعتها صدرك عيشد عليكِ وهيتقل عشان ريحانة مش معاكِ وهتتعبي قوي. فعشان كده خلي موضوع الرضاعة ده لملك وريحي نفسك أنتِ، عشان أنا محتاجك في الشغل يا عزة.
استحسنت عزة كلام باسم، فابتسمت مردفة:
بجد يا باسم، هتخليني أدير المستوصف مش مجرد دكتورة وخلاص.
باسم:
أيوة طبعًا.
فمدت عزة يديها بالصغيرة مردفة:
خلاص خدها لملك ترضعها عاد، وأنا هريح جسمي شوية، عشان مش قادرة عايزة أنام.
فابتسم باسم بمكر:
بس كده عيوني، نامي وريحي يا أم ريحانة يا قمر.
فابتسمت له عزة بسعادة، وغادر هو سريعًا إلى ملك بالصغيرة، لتعود لحضنها من جديد.
لتحضنها بلهفة وتقبلها بحب مردفة:
كنت خابرة إنك مش عتقدري تبعدي عن حضن أمك يا ريحاتي السكر.
******
مرت بانة على غرفة نهلة ومحمود فطرق لأذنها ضحكاتهما وتسامرهما مع بعضهما البعض.
محمود بلهفة:
تعبتيني يا نهلتي، خلاص مش قادر ألف وراكِ أكتر من كده، حيلي اتهد وأنا محتاجك جنبي وأعرف أقولك كلمتين.
فضحكت نهلة بدلال:
عايز تقول إيه عاد؟ ولا أقولك استنى لما نرجع بيتنا أحسن.
محمود:
لا أنا مبسوط هنا، على الأقل بشوفك وأقعد معاكِ على راحتي لكن هناك أمي بتكبس على نفسنا وتاخدك ليها. فتعالي يلا نقعد شوية وأقولك قد إيه أنا بحبك يا نهلتي.
لتشير له نهلة بيديها مرددة بمرح:
موافقة يا حب بس لو عرفت تمسكني الأول.
فصك محمود على أسنانه بغيظ مرددًا:
كده يا نهلة، طيب ماشي.
وعندما رأت نهلة عينيه تنذر بالشر، فركضت وأخذت تطلق الضحكات وهو من ورائها حتى استطاع الإمساك بها.
ثم طالعها بحب قائلًا:
كده يا غلبوية، أنا هعلمك الأدب عشان متعمليش كده تاني.
استمعت بانة لحديثهما وضحكاتهما تلك فأكلت الغيرة قلبها وتحول لون وجهها للون الأحمر من كثرة الغضب.
بانة بغيظ وحقد:
يبقى الخدامة دي، تعيش في كل الدلع والحب ده كله، وأنا أعيش لحالي ومحدش معبرني ولا بيسأل عليه. ماشي يا نهلة والله ما أنا سيباكِ، ووشك الجميل ده اللي بسببه الرجالة عتجري وراكِ ويحبوكِ كده، أنا هشوهه لك عشان محدش يقدر يبص في خلقتك تاني.
*******
استمع عمران لطرق الباب فذهب مسرعًا ليرى من على الباب وعندما فتح وجد جاد فابتسم ورحب به قائلًا:
أهلًا يا جاد يا خوي.
فابتسم له جاد:
كيفك يا عمران؟
عمران:
بخير الحمد لله، تعال يا جاد جوه والله أنت جيت في وقتك، عشان أنا كنت زهقان ومصدقت لقيتك.
جاد:
ليه كده؟
عمران:
متضايق عشان سلسبيل أختي، مش خابر مالها، عمالة تبكي من ساعة ما رجعت من المصنع. ورجعت بدري كمان معرفش ليه؟
جاد بقلق:
ما أنا جاي عشان كده، أنا نظرتها خارجة تبكي وبتجري معرفش ليه. فقلقت عليها ألا تكون تعبانة ولا حاجة، حتى أخوي جابر موصيني لو لقيتها تعبانة هتصل بيه يشيع ليها حكيم.
جاد بامتنان:
تشكر يا واد الأصول. وتعال ادخل لها يمكن تعرف فيها إيه عشان أنا حولت معاها كتير ومش راضية تكلم.
فولج جاد للداخل وحمحم بحرج:
دستور. أنتِ جوه يا سلسبيل؟
سمعت صوته سلسبيل فاعتدلت في جلستها سريعًا ووضعت حجابها بإحكام ثم أزالت دموعها.
وأردفت بصوت حزين:
أيوة يا جاد. تعال أنت وعمران.
فهل ستحدثهم بما حدث أم ستخفي الأمر عليهم؟
*********
فعل زرارة كما أملى عليه حمدي ووضع قليل من سم الزرنيخ في وجبة دسمة ثم توجه بها إلى قسم الشرطة لزيارة جاسر.
ولكنه تفاجأ عندما ولج للمركز وطلب زيارته بقول العسكري:
جاسر حمدان ريحنا من خلقته السودة واتحول للنيابة في المديرية ومن بعدها عيشرف السجن جنب أبوه عاد عقبال ما ياخد حكم، ما هو ما شابه أباه فما ظلم. يلا أهو يونسه.
ثم زفر بضيق متابعًا:
عيلة ما يعلم بها إلا ربنا. شياطين ربنا بأحدهم ونستريح منهم ومن الأشكال اللي زيهم.
فابتلع زرارة لعابه بخوف من دعوته عليه.
ثم لاحظ نظرة العسكري إلى ما في يده وقد رفع أنفه لأعلى متلذذًا بتلك الرائحة اللذيذة.
ثم تابع بانتشاء:
إيه اللي في يدك ده؟ وكل صحيح ريحته حلوة قوي!! وأكيد كنت جايبه لجاسر اللي ما يتسمى. بس والله خسارة فيه، وأنا وزمايلي أولى بيه. هاااته، هاته يا عم.
ومد العسكري يده ليأخذه.
فتمتم جاسر:
يا نصيبتي، هسم الحكومة ذات نفسها. كده ضعت يا واد يا زرارة.
ثم جحظت عين زرارة وارتجف جسده مردفًا ببلاهة:
إيه.. لاااا؟
فما سيحدث؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الخامس والتسعون 95 - بقلم شيماء سعيد
تفاجأ زرارة بطلب العسكري تلك الوجبة المسمومة التي جلبها لجاسر.
فجحظت عين زرارة وارتجف جسده مردفًا ببلاهة: "إيه؟ لاااا ما ينفعش واصل."
فحدثه العسكري بغلظة: "ليه هتسخسرها فينا إياك؟!"
زرارة بذعر: "لا بس يعني..."
العسكري: "مفيش بس، هات يا عم يلا واتكل على الله أنت."
فحدث نفسه زرارة: "يا دي الوجعة المربربة.. عِنسم الحكومة ذات نفسها، أكده هنروح في ستين داهية.. أعمل إيه وأسوي إيه في المصيبة دي؟"
ثم خطرت على باله فكرة فأسرع بقوله: "صراحة ما أخبيش عليك، دي لحمة حمير عاد، بس قولت الواد جاسر ما هيعرفهاش واهو واجب وخلاص على قد فلوسي. وعشان أكده خايف عليك منيها، حتى أهو مش مصدق أنا نفسي مش هاكلها وعرميها من الشباك للجطط تاكلها."
ليلقيها بالفعل زرارة سريعًا من النافذة خوفًا من أن لا يصدقه ويأخذها منه عنوة ويتناولها.
فرمقه العسكري بنظرة نارية مردفًا: "ليه أكده؟ ترمي النعمة؟ وحمير حمير؟ إحنا اخذنا عليها خلاص يابا. ويلا غور من وشي السعادي، منك لله يا شيخ، جوعتني على الفاضي."
فأسرع زرارة للهروب خوفًا من بطشه.
وعندما وصل إلى حمدي في مخبأه، قص عليه ما حدث.
فقبض على يديه بقوة من شدة الغضب قائلًا بصوت يشبه فحيح الأفعى: "لا مش هيفلت مني ابن حمدان، أجيبه لو تحت سابع أرض. بس نهدّي اللعب دلوق، على بال بس ما يتحكم عليه، عشان نعرف نوصله."
زرارة: "تمام يا سيد الناس. وبقولك عنفضل أكده من غير شغل؟ ده حتى الإيد البطالة نجسة."
حمدي: "مش هينفع دلوق يا زرارة، لازم أتأكد الأول أن الحكومة خلاص شالت دماغها مني عاد واتقفل ملفي، وساعتها نبدأ الشغل على مية بيضة."
*******
ينشأ الصغير على ما كان والده، إن العروق عليها ينبت الشجر. فما شابه أباه فما ظلم.
تفاجأ حمدان بعد أن فرغ من صلاته بمن يقف أمامه مطأطأ الرأس وعينيه كشلال من الماء لا ينبض.
فتحرك قلب حمدان ووقف متجمدًا لا يصدق أنه يرى فلذة كبده أمامه بملابس السجن.
فصاح: "جاسر ولدي! إيه جابك إهنه يا آخرة صبري؟ مش شايف أبوك وإيه حصل له؟ كيف حالك قلب تعملها أنت كمان؟ كيف ما أخذت عبرة مني وتيجي برجلك لغاية إهنه؟ ليه؟ ليه؟"
ليبدأ حمدان في وصلة بكاء ثم مد ذراعه إلى جاسر، ليرتمي الأخير بأحضانه، لعله حضنه يخفف عنه وطأة ما يشعر به.
حتى إذا هدء الاثنان، ابتعدا وجلسا بجانب بعض، وأخذ جاسر يقص عليه ما حدث منذ زواجه من حسنية حتى تلك اللحظة التي هو عليها.
فتبدلت ملامح حمدان من مرتخية لأخرى متشنجة، وأخذ يضربه في صدره قائلًا بحزن: "آه يا طور، ما لقيت غير حسنية بت الجهوجي؟ دي بت أبلسة وتعقص في القهوة للشمامين اللي أبوها بإذن نفسه عيبيع لهم صنف مضروب كان عياخذوه من حدانا بنص التمن."
فاتسعت عين جاسر قائلًا بغير تصديق: "معقول ده؟! بس أنا ما شفتهاش بترقص أبدًا."
حمدان: "عشان عبيط وعملت عليك دور خضرة الشريفة وهي شيطان عيتلوى. وكيف هان عليك أخوك تعمل فيه أكده؟ عشان حشرة زي دي؟! خسرتك أخوك ونفسك جبليها. ليه يا ولدي؟ ليه؟ حرام عليك نفسك."
جاسر بندم: "حبيتها يا أبوي، والحب سلطان، خلاني أمشي وراها عشان أنول رضاها وتغرقني في العسل، وأتاريها غرقتني في الطين وأديني جنبك دلوق أهو. وآخر المتمة كمان بدل ما تبكي عليه بدل الدموع حجر عشان اتقبض عليه بسببها، باعتة محامي عشان تتطلق."
فضحك حمدان ساخرًا: "دي أكيد وقعت على طور تاني كيفك يا ولدي. فطلقها وأخلص منيها واطوي صفحتها خالص، وابدأ من جديد وربنا بيتقبل التوبة."
فلمعت عين جاسر بالشر مرددًا بصوت الشيطان: "لا مش قبل ما أعرف الخاينة دي، عايزة تبعني عشان مين؟ فأخلص عليهم الأول وبعدين فعلًا أتوب لربنا يا أبوي."
حمدان بأسى: "بلاش تضيع نفسك عشان كلبة كيفها تاني يا ولدي، وانساها بجا وشوف مصلحتك."
جاسر بتأكيد: "لا مش قبل ما أنتقم منيها وأعرف الكلب اللي وراها."
فطالعها حمدان بشك وحيرة مرددًا: "أقطع دراعي أنه حمدي يا جاسر. لأنه خابره زين كيف الحية عيتلوى على كل لون وشكل، ونفسه ردية جوي وأنت عتقول البت حلوة. يعني لما دخل بيتك وحط عينيه عليها، أكيد نغششت في نفُوخه وحب ياخذها لنفسه وعشان أكده باعك واشتراها."
فقبض جاسر على يديه بقوة من كثرة الغضب واحتقنت الدماء في عروقه قائلًا: "وأنا كمان قلبي حاسس يا أبوي أنه هو، بس كنت أعمى القلب والبصيرة. وعشان أكده مش هسيبهم أبدًا يتهنوا ببعض. وبس أخرج من أهنه ويقولوا على نفسهم يا رحمن يا رحيم. هقطع جثثهم وعرميها للكلاب تاكلها، ويمكن يلفظوها كمان عشان لحمة عفنة."
********
دلفا عمران وجاد إلى تلك القابعة في غرفتها منزوية حزينة وعيناها تلونت بالحمرة من كثرة البكاء.
وقف أمامها جاد حزينًا من هيئتها المزرية تلك وأشفق عليها بقوله: "مالك بس يا سلسبيل؟ أنتِ تعبانة؟ أتصل بجابر أخوي يجيب حكيم؟"
فحركت سلسبيل يدها مردفة: "لاااا! إلا جابر لا."
ثم استطردت بحرج: "قصدي لا مش تعبانة ولا حاجة."
ضيق جاد عينيه بحيرة وتساءل: "أمال ليه مشيتي من المصنع أكده فجأة وليه عيونك دبلانة من كتر البكي؟ حصل إيه فهميني؟"
فراوغت سلسبيل لتهرب من سؤاله: "مفيش حاجة، وصراحة أنا خلاص تعبت من شغل المصنع وعشوف شغلانة تانية. فاعتذر لجابر بيه وقول له مش هاجي تاني ويشوف حد بدالي."
جحظت عين عمران فصاح: "كيف ده يا سلسبيل؟ ده أنتِ لفيتي كتير وما ارتحتيش غير في شغل المصنع. فكيف دلوق تقولي هتسيبيه؟"
فنهرته مردفة: "أنا حرة عاد يا عمران، ما لكش فيه."
عمران: "أكده يا بت أبوي؟ ربنا يسامحك."
فتدخل جاد: "هي ما قصدهاش معلش، وأنا خابر أن الموضوع ده فيه إنّ، وهي ما سابتش المصنع عشان تعبانة. هي فيه حد زعلها ومش راضية تقول. بس مين زعلك يا سلسبيل؟ قولي لي وأنا أقول لجابر أخوي، يجيب لك حقك."
فصاحت سلسبيل بقهر: "ما تجبليش سيرته، خلاص أنا قولت مش عايزة أشتغل عندكم تاني، هو بالعافية ولا إيه؟"
تعجب جاد من حديثها وخصوصًا نفورها العجيب من جابر، لأنه يعلم جيدًا إنها تحبه.
فسألها: "هو جابر أخوي زعلك في حاجة يا سلسبيل؟ قولي لي وأنا أتفاهم معاه."
فبكت سلسبيل وحدثت نفسها: "يا ريته كان زعلني، عشان حتى أقدر أكرهه وأنساه، بدل ما أنا أتعذب أكده من البعد."
سلسبيل: "لا يا جاد، وبيكفي حديث، أنا تعبانة، اتركاني لحالي وخذ عمران والعبوا بره شوي."
يئس جاد من أن يعلم منها شيئًا، لذا فضل المغادرة ولكنه في قرارة نفسه قرر أن لا يتركها المرة القادمة حتى يعلم منها ما حدث، وسيحدث جابر في شأنها لعله تحدث بكلمة غير مقصودة أمامها تسببت في حزنها ذلك.
جاد بحرج: "لا أنا ماشي خالص يا سلسبيل، فوتكم بعافية."
فخرج من ورائه عمران واستوقفه بقوله: "ما تزعلش من سلسبيل يا جاد، أنا حاسس إنها بتقول أكده من ورا قلبها وما تقصدش."
فربت جاد على كتف عمران قائلًا: "خابر، وأنا ما أزعلش منكم أبدًا، بس حاول تعرف منها إيه حصل، يمكن مكسوفة تقول قدامي."
عمران: "حاضر هحاول معاها تاني وربنا يصلح الحال."
فابتسم جابر مردفًا: "يارب." ثم غادر سريعًا إلى المصنع.
استقبله جابر بابتسامة وسأله عن حال سلسبيل.
جاد: "حالها صعب وبتعيط ما أعرفش من إيه، وبتجول مش هتيجي المصنع تاني، وكل ما أجيب سيرتك تبكي. هو أنت زعلتها يا جابر ولا قولت كلمة أكده ولا أكده من غير قصد؟"
أشار جابر إلى نفسه: "أنااا. لاااا، وهزعلها ليه؟ دي بت غلبانة جوي وأنا أعتبرها كيف أختي الصغيرة."
جاد: "غريبة جوي، أمال فيه إيه؟"
وبينما هو يحدثه، ولجت كوثر إليهم بعباءة واسعة وحجاب محكم وبيدها طبق فاكهة وباليد الأخرى مصحف، ولم تبرح بعينيها الأرض متصنعة الخجل وألقت السلام: "السلام عليكم ورحمة الله."
تعجب جابر من هيئتها وعباءتها الواسعة بعد أن كانت ترتدي عباءة ضيقة.
فرد السلام: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. خير يا كوثر؟"
كوثر بخجل: "جيت بس أدي جاد طبق الفاكهة ده يتسلى بيها أكده، أنا خابرة الصغار يحبوا ينققوا على طول عشان معدتهم صغيرة."
طالعها جاد باستغراب لأنها لأول مرة تهتم به ولم تكن تعيره اهتمامًا من قبل بجانب إنه لا يرتاح لها ولا يحبها من الأساس.
فتحدث جابر: "تشكري يا كوثر، بس ما تتعبيش نفسك تاني واهتمي بشغلك أفضل وتقدرِ تتفضلي."
فحمحمت كوثر بحرج: "أيوه ماشية بس كنت عايزة الأول أسألك على حاجة أكده مش فاهماها في كتاب الله."
فانتبه جابر وسألها: "إيه هي؟"
كوثر: "آية الطيبون للطيبات، يعني كل طيب لازم يتجوز طيبة زيه عاد، صحيح؟ وأنا فعلًا قلبي أبيض يعني أكيد هلاقي حد طيب يكون عوض لي وأنا عوض له."
فحدث نفسه جابر: "سبحان مغير الأحوال، اتغيرت كثير كوثر بس الله أعلم بالنيات."
ثم استطرد: "لا مش معناها جواز، ربنا سبحانه وتعالى يقصد أن الكلمة الطيبة بتطلع من الإنسان الطيب والكلمة الخبيثة من الإنسان الخبيث. وعشان أكده عتلاقي نبي اتجوز من إنسانة كافرة زي سيدنا لوط عليه السلام، وست صالحة اتجوزت من عاصي زي ستنا آسيا وفرعون، وده بيكون ابتلاء من الله عز وجل لرفع الأجر."
فرفعت كوثر عينيها عليه وهمست بحب: "كلامك حلو جوي يا جابر بيه."
فأخفض جابر نظره حرجًا وأردف بجدية: "ودلوقتي تقدري تتفضلي تشوفي شغلك."
فغادرت كوثر بين أنظار جاد الناقمة لأنه لا يرتاح إليها وشعر أنها تلبس رداء الفضيلة لتداري نفسها الخبيثة.
ثم عاد بذاكرته منذ قليل، عندما شاهد سلسبيل تركض باكية، أنه رأى كوثر وصديقتها يضحكان ويتغامزان.
فشعر بالريبة في أمرها وتساءل لما هذا التغير فجأة بعد رحيلها؟
فتحدث إلى جابر: "على فكرة يا أخوي ما تصدقش البت دي، أنا صراحة مش برتاح لها."
جابر بعتاب: "ليه أكده يا جاد؟ دخلنا إحنا في النوايا، دي بتاعة ربنا."
جاد: "خابر يا أخوي، بس للأسف فيه منافقين كتير وعشان أكده لازم تاخد بالك. وكمان قلبي حاسس إن البت دي عملت حاجة زعلت سلسبيل، عشان بعد ما مشيت قعدت تضحك عليها هي وواحدة تانية."
جابر باندهاش: "غريبة، بقولك إيه جاد، بكرة لو ما جتش سلسبيل بجد، عايزك تاخذني لبيتهم عشان بجد أعرف إيه اللي خلاها تهمل الشغل. لإني حاسس إنها فعلًا بنت طيبة وعلى قد الحال ويكفي إنها يتيمة كيفي أكده وبتربي أخوها."
فابتسم جاد وردد بفرحة: "بس أكده عيوني يا أخوي. وهي فعلًا تستاهل كل خير."
*******
طال انتظار براء لنيلي حتى إذا غابت الشمس وجدها أخيرًا تخرج أمامه في أبهى صورها، بملابس أنيقة ولكنها تلتصق بجسدها فتبرزه، وقد زينت وجهها وأصبحت كالعروس في ليلة الزفاف، ثم وجدها تشير إلى تاكسي، فأسرع إلى سيارته ليلحق بها، وأخذ يتابعها حتى وصل إلى مدينة نصر، ثم وقفت عند أحد الأبنية فدلفت واستقلت المصعد.
فنزل براء من سيارته، متوجهًا نحو حارس الأمن الخاص بتلك البناية وتبادل معه الحديث وسأله: "صراحة يا ريس، البنت اللي لسه داخلة دي،
حلوة قوي وداخلة دماغي وكنت عايز أسأل عليها عشان لو محترمة أتقدم ليها.
فتعالت ضحكة الرجل وصاح بسخرية:
"محترمة قوي!"
"والله أنت اللي محترم."
ثم استطرد:
"بقولك إيه يا أخينا، اهرب بجلدك وشوف واحدة تانية بنت ناس، ساترة نفسها ومش يغرك جمال الشكل عشان ده فاني والمهم الروح الحلوة اللي باقية."
وهنا أغمض عينيه براء وابتسم عندما داعبت مشاعره تلك الكلمات التي تجسدت في حبيبة قلبه المعذبة به "زاد".
ليتابع الحارس:
"لكن اللي دخلت دي يا محترم، حاجة استغفر الله العظيم زي اللي طلع لها بالضبط، الباشا فريد الشوباشي، ده راجل مهزأ وكل يوم مع واحدة شكل مع إنه متجوز ومخلف عيال طوله بس نفسه ردية بعيد عنك."
طالعه براء بامتنان قائلًا:
"والله بشكر حضرتك جدًّا، مش عارف كنت هدبس في الجوازة دي لولا إن ربنا سخر لي واحد زيك."
الحارس:
"عشان أنت شكل قلبك طيب بس وربنا رحمك، ولا شكر على واجب يا أخينا."
ليمضي براء بعد ذلك إلى مسكنه بعد أن شعر بالإرهاق والتعب لعدم نومه وطول انتظاره لنيلي، ولكنه قرر أن يبحث عن ما وراء ذلك الرجل بعد أن شعر من الحديث عنه أنه وراءه خيبات كثيرة أخرى غير اللهو والعبث.
وعندما عاد إلى مسكنه جلس أمام جهاز اللاب توب، ليبحث عن صفحة فريد، فظهرت صفحته على الفيسبوك والتي تخللها نشاط تجاري كثير في مجال المقاولات ولديه شركة كبيرة ناجحة، ثم بحث في الأصدقاء فوجد عنده عدد لا بأس به، فأخذ يطالع اسم اسم لعله يجد بينهم ما يثير اهتمامه حتى وصل إلى اسم يعلمه جيدًا فتوقف عنده بصدمة وكاد نبضه أن يتوقف من تلك المفاجأة التي لم تكن في الحسبان وظن أنه انتهى من ذلك الكابوس للأبد، بعد أن ابتعدت عن طريقه وظن إنها ربما هربت للخارج.
فصاح براء بألم:
"مرام المحلاوي!"
ثم وقف متشنجًا وتحدث بانفعال:
"معقول اللي جاء في دماغي ده! إزاي أنا نسيت الموضوع ده، وعشت حياتي ولا كأنها موجودة وممكن تظهر في أي وقت عشان تدمر حياتي. ياه يا مرام الكلـ* لساك مكابرة والشيطان اللي جواك ده ما اتهدش بعد ما شفت آخرة الحرام وأبوك اللي مات قصاد عينيك."
"رجعتي عشان تاخدي بتارك مني صحيح، فدمرتي حياتي بالشكل ده."
"يا ريت كنت قتلتيني أحسن، عشان الموت عندي أرحم من الفضيحة دي."
"الموت كان بالنسبة لي شرف وكانوا هيترحموا عليه، مش دلوقت بيلعنوا فيه."
"وأكيد كعادتك في النجاسة، خليت فريد خاتم في صباعك بعد ما نال منك اللي عايزه وعشان كده عمل التمثيلية الحقيرة دي."
"بس وديني ما أنا سايبه، وهاخد حقي منه تالت ومتلت، وبعد ما كان مستور محدش يعرف عنه حاجة، جاء الأوان خلاص أعرف اللي البلاوي اللي وراه ويتفضح فضيحة المطاهر."
"مهو ستر ربنا عيفضل كتير لغاية ما العبد يصر على المعصية، ساعتها ربنا سبحانه وتعالى هيرفع الستر وينفضح."
ثم بكى براء بمرارة واستطرد بندم:
"أنا كمان ربنا رفع ستره عني، عشان طول عمري ضعيف قدام الجمال والستات اللوز دول وبعبصص ومش بقلل، مع إني معايا جوهرة بس النفس بقت أعمل إيه."
"بس خلاص حرمت والله، بس أطلع من المصيبة دي وأقول لزاد: لو شوفتيني بعبص على أي صنف حريم تاني، خزقي عيني."
***
كان عطية لا يزيل عينيه عن قمر التي أخذت بلب عقله وقلبه من أول لحظة.
وشعرت والدته بذلك فحدثت نفسها:
"الواد عينيه هتبظ منه على البنية، بس صراحة عنده حق، البت زي لهطة القشطة، وصراحة وجودها هنا غلط بس أعمل إيه وهي يا حبة عيني مش دريانة هي مين ولا بنت مين."
"وصعب أقولها امشي، هتدور في الشوارع مش خابرة حالها وممكن ولاد الحرام يتعرضوا لها تاني."
"إيه الحيرة دي، أعمل إيه؟"
ثم سألت نفسها:
"أجوزها له طيب عشان قلبي يرتاح من ناحيته بعد ما أقابل وجه كريم؟"
"بس كيف أجوزه واحدة معرفش عنها حاجة خالص، ولا سمح الله يعني حصل لها كده."
"هو آه مش بيدها بس بردك صعبة قوي قوي."
"بس أنا مش هسكت على الوضع ده، عشان كده بحط الجاز جنب البنزين وممكن الواد يتهف ويعمل حاجة عفشة لا قدر الله."
قالت كلمتها تلك ووجدت قمر تفوق من نومتها وهي تضع يدها على بطنها وتتألم قليلًا.
فطالعتها أم عطية بقلق مردفة:
"مالك يا بنتي حاساك بتتوجعي وتمسكي ببطنك، عندك مغص؟ أغلي لك كوباية كمون، فيها العافية إن شاء الله."
قمر بفتور:
"مش خابرة هو مغص هيروح وييجي وحاسة زي ما يكون حاجة بتمشي في بطني."
"وقلبي بيدق بسرعة ونفسي ديما قالبة عليّ."
فشهقت أم عطية من الصدمة، وأردفت بشك:
"أنتِ حامل يا بنتي!"
"بس كيف وهي لساها يعني لا مؤاخذة ما لحقتش!"
"نفسها بتموع ولا بيمشي في بطنها العيل."
لتضرب على صدرها بعد أن هداها تفكيرها إنها قد تكون متزوجة من أحدهم فسألتها بحيرة:
"أنتِ متجوزة يا بنتي؟"
اتسعت عين قمر بعدم إدراك فهي لا تعي شيئًا مما تقوله ولا تتذكر شيئًا.
فقالت:
"مش خابرة، أنا مش فاكرة حاجة واصل."
لتجد أم عطية ابنها ينفعل بقوله:
"لا يا أما حامل إيه ولا متجوزة إيه!"
"أنتِ كبرتي الموضوع كده، هي تلاقيهم شوية مغص."
"أغلي لها شوية الكمون بس وهتكون زي الفل، دي حلوة حلاوة."
لتقف أم عطية كالملدوغة فجأة وتصيح في وجهه:
"واد يا عطية، تعال بره عايزة أقول لك كلمتين يا طور."
"يا ترى هتقول له إيه؟"
رواية اولاد الجبالي الفصل السادس والتسعون 96 - بقلم شيماء سعيد
تململ عطية ووالدته تسحبه للخارج كي تستطيع محادثته بعيدًا عن قمر.
فتأفف بغضب: هو فيه إيه يا أمّا، سحباني وراكِ ليه أكده كيف الجاموسة؟
فأجابته والدته بسخرية: والله الجاموسة فيها عقل عنيك يا آخرة صبري.
أكيد يعني سحباك عشان أعرف أكلم معاك كلمتين، بعيد عن البُنية.
فغمزها عطية وابتسم وحرك شفتيه بإيماءة ثم قال: إيه يا ست أم عطية، خلاص رضيتي عني وعاتجوزها لي ومش عايزة تقولِي قدامها عشان ما تتخجلش.
فضربته والدته على خاصته مردفة بانفعال: أنت مش جاموسة بس، أنت طور كمان ما تفهمش.
عاتجوزها إزاي يا طور وهي متجوزة وحبلى كمان!!
فرك عطية في رأسه بتفكير للحظات ثم سألها: وأنتِ اتأكدتِ يا أمّا مش يمكن مصارين معدتها عاتتخانق مع بعضها من حلاوتها، أصلها حلوة حلاوة.
أم عطية: ما هي عشان حلوة أكيد اتجوزت بدري يا ضنايا، فبلاش تعلق نفسك بيها وتتعب على الفاضي، وكمان حرام تفضل تنضرها أكده كتير عيب خلي عندك خش وحيا.
ومن دلوق تروح تسعى على أكل العيش بتاعنا عشان نعرف ناكل ونشرب ونأكل الضيفة لغاية ما نعرف لها أهل.
ومش عايزة أشوفك غير آخر النهار ومش عاتنام إهنه معانا.
فاتسعت عيناه بتيه متسائلًا: أمال عاتنام فين؟
في الشارع والديابة تاكلني عشان تخلصي مني يا أمّا، منا خابرك مش طايقاني.
فحزنت والدته من أجله وأجابته: ليه يا ولدي عاتقول أكده، ده أنا ماليش غيرك في الدنيا.
بس يعني مينفعش تنام والبنية نايمة وممدة قدامك.
فاتنام قدام العشة بره، أحسن.
عطية بخوف: لا يا أمّا أخاف لحالي، وأخاف كلب مسعور يعدي يعضني.
نيميني في حضنك يا أمّا ومش عابصلها خلاص.
******
عندما انتهى اليوم في المصنع وغادر العمال، طلب جابر من جاد أن يدله على بيت سلسبيل ليطمئن عليها ويعلم لما انقطعت عن العمل.
فغادرا سويًا إلى بيتها وطرق جاد الباب، فخرج له عمران وابتسم عندما رآه وانشرح صدره لرؤية جابر فرحب به كثيرًا قائلًا: معقول ده!!
جابر بيه بنفسه جاي يزورنا!
دي حصلت البركة والله.
أتفضل أتفضل يا بيه.
فحدثه جابر متوددًا: ما تقولش بيه ولا يحزنون، قول يا خال بس أو عم جابر اللي يعجبك فيهم.
فابتسم جابر قائلًا: ماشي يا خال، أتفضل أنست ونورت.
ثم قام بالنداء على تلك التي لم تبرح غرفتها وظلت على فراشها طيلة الوقت تبكي.
يا سلسبيل غطّي شعرك وتعالي، جابر بيه عندنا بره.
دق قلب سلسبيل بشدة وهمست بعدم تصديق: جابر إهنه عندنا!!
ثم ابتسمت رغم حزنها وتوردت وجنتاها واعتدلت سريعًا لتسرع إلى ارتداء إسدال الصلاة ثم وقفت أمام المرآة تتطالع وجهها الذي ذبل من كثرة البكاء.
ثم خرجت تجاهد أن تخفي لهفتها لرؤيته، فافترشت بنظرها الأرض حتى لا تفضحها عينيها المحبة.
جابر قلبي وحلم عمري ودوا روحي.
أجئت عندما علمت بروحي المتلهفة للقائك.
أم جئت عندما افتقدني قلبك.
أم تراني أتخيل بعد أن أمرضني عشقك.
ثم وقفت تحمحم بخجل وتجاهد أن تخرج صوتها: أهلًا يا جابر بيه، خطوة عزيزة والله.
تحب تشرب إيه شاي ولا قهوة؟
فتحدث جابر بحرج: لا شاي ولا قهوة، أنا جاي بس عشان أسمع منيكِ كلمتين ومعاود على طول.
ازداد لُعاب سلسبيل خشية مما سيمليه عليها فرددت بخفوت: خير إن شاء الله.
جابر: خير بإذن الله.
ليه يا بنت الناس هملتي المصنع أكده فجأة، هو حد داس لك على طرف؟
قولي لي وريحي حالي عشان ما أحمّلش نفسي ذنبك.
فبكت سلسبيل وصاحت بقهر: ريّح ضميرك يا جابر بيه، أنت ما عملتش حاجة، أنا بس ما بقتش مرتاحة للشغل عندك.
فصاح جاد: لا أنتِ عاتكدبي يا سلسبيل وأنا حاسس إن ورا وعلم ده البت كوثر وصاحبتها عشان كانوا عمالين يتلمزوا ويضحكوا عليكِ بعد ما جريتِ تبكي.
وهنا وضعت سلسبيل يدها على رأسها وضربت عليها وأخذت تنوح: يا مرّك يا سلسبيل، ده أنا عشت كتير لحالي وعمري ما حد اتلمز عليه، دلوق العمال في المصنع كلهم عاتيجيبوا في سيرتي من حاجة أنا بريئة منيها وعشان أكده ما أقدرش أروح أحط عيني في عينيهم أبدًا تاني.
فاتسعت عين جابر وسألها بحدة: سلسبيل، أنا مش فاهم حاجة، أرجوكِ اجعدي واهدي أكده وفهميني قالوا إيه عليكِ وليه؟
لتجلس سلسبيل وجسدها يرتجف وحاولت إخراج كلماتها بصعوبة من بين شهقاتها المتواصلة ومع كل كلمة كانت تقولها كان صدرها يعلو ويهبط أما جابر فكان وجهه يزداد قتامة من الغضب.
ليقف جابر وقبض على يديه بغلظة والشرار يتطاير من عينيه وصاح بغضب: بس يا سلسبيل وصدقيني أنا مش هسكت عشان ده ذنبه كبير قوي عند ربنا قذف المحصنات بالباطل.
وهنا اختمرت في عقل جاد فكرة وابتسم بمكر ووقف قائلًا: أنا عندي فكرة يا جابر تخليهم يحطوا لسانهم جوه خشمهم ويسكتوا خالص.
طالعه جابر بفضول قائلًا: إيه هي؟
فوقف جاد مبتسمًا بمكر ونظر إلى أعينهم التي تحيط به منتظرين حديثه بشغف، ليطلق القنبلة: تجوز سلسبيل يا أخوي وساعتها محدش هيقدر يتكلم عليها بكلمة وكمان مش عاتشتغل وعاتقعد في بيتها معززة مكرمة عاتربيني وعاتربي عمران لغاية ما تجيبلك أخو لغيث.
فشهقت سلسبيل ووضعت يدها على فمها بعد أن توردت وجنتاها خجلًا هانئة: وه.
عاتقول إيه يا جاد، ما يصحش الحديث ده وأخوك متجوز.
وأوعاك تنطق بيه قدام حد عشان ما يوصلش لمرته عاد وتخرب بيته.
ليصيح جاد بخبث: لا ما عادش متجوز، هو طلقها بدري وعايتجوزك أنتِ يا سلسبيل.
عشان أنا قلبي حاسس إنك عاتحبيه، بس مخبية، صح.
فبرقت سلسبيل بعينيها وتخشبت في مكانها ثم سرعان ما أغمي عليها من الصدمة.
فطالع جابر جاد بحدة وصاح: عاجبك أكده، أهيه عاتروح فيها بسببك.
*****
اتصل براء على محمود يخبره بما حدث.
فصاح محمود بغضب: آه يا بنت ** إحنا فعلًا كنا نسيناها ومفكرناش فيها خالص.
ودلوقتي ناوي على إيه يا براء؟
براء بحنق: ناوي تحصل أبوها يا محمود.
محمود بحذر: لا يا براء اعقل وخلي القانون يمشي أحسن، أنت عايز تطلع من مصيبة لمصيبة أكبر.
براء بسخرية: قانون!!
القانون خلى واحد زيي يتجرس بذنب ما عملهوش وواحدة زي نيلي الكل عرفها إنها مـ. ومس وتخرج لعدم كفاية الأدلة.
محمود: ما أنت عارف القانون وثغراته بس مش معنى كده إننا نخرج عنه.
أنا هكلم سيادة اللواء ونراقب سير فريد عشان نعرف نوصل لمرام ونقبض عليها.
براء: هيتقبض عليها عشان اللي حصل وهروبها لكن اللي عملته معايا ممكن تنكره وكده يبقى ما عملتش حاجة.
محمود: فعلًا ممكن لأن ما فيش دليل غير إنها تعترف.
فابتسم براء بمكر: عشان كده باقول لك سيبك من القانون وسيب لي أنا الطالعة دي.
محمود: فهمني هتعمل إيه؟
عشان أنا خايف من تهورك فعلًا.
براء: لا ما تخافش، سيبها على الله.
محمود: ونعم بالله.
*********
جابر بفزع على سلسبيل: عاجبك أكده، أهيه عاتروح مننا عاد البت.
فغمزه جاد: إيه السنارة غمزت يا كبير وخلاص عاتتجوزها.
فضربه جابر على مؤخرة رأسه مردفًا: يخربيت نفوخك ده اللي يودي جهنم.
ليسرع عمران إلى أخته مفزوعًا بقوله: سلسبيل حبيبتي، ثم طلب من جاد أن يحضر له كوب ماء من أجل أن ينثر على وجهها الماء لتستفيق.
أما جابر فشرد للحظات في بانة.
كيف للقلب يشوف ولا يحن لغيرك يا بانة.
وكنت ناوي أعيش اللي باقي من عمري على الأيام الحلوة اللي قضيناها سوا ولا أفكر في حد غيرك واصل رغم إن خلاص ما عادش بينا عمار ولا عاينفع نكون لبعض تاني.
بس أعمل إيه دلوق، شكل القدر حط قدامي سلسبيل وما أنكرش إنها بنت كويسة بس القلب خلاص مات يا بانة.
وعاتكون جوازة عقل المرة دي يمكن تفلح عشان جوازة القلب مش بيجي من وراها إلا كسرة القلب.
ليستطرد: يعني عاتتجوزها يا جابر؟
ليجيب نفسه: وكيف من بعد اللي حصل وكمان عرفت إنها عاتحبني أكسر بخاطرها.
من ميتى أنا أكده!
آه عاتجوزها ودلوق عاروح أجيب المأذون يمكن تفوق.
فأشار إلى جاد وعمران قائلًا: أنا رايح عاد أجيب المأذون وعم عوض عشان نكتب الكتاب.
فوقوها بسرعة عاد عشان لما المأذون يسألها.
فنظر عمران إلى جاد وهمس: الكلام ده جد يا جاد ولا إيه؟
عشان أختي مش عاتتحمل إنه يرجع في كلامه عاد.
فأكد له جاد: لا طبعًا، أخوي جابر عمره ما قال كلمة ورجع فيها واصل.
ففرح جاد ونثر الماء على وجه سلسبيل، فاستفاقت فبشرها بقوله: مبروك يا حبيبتي، جابر راح يجيب المأذون وجاي يكتب عليكِ.
تجمدت ملامح سلسبيل وتمتمت بعدم تصديق: يكتب عليّ أنا.
فضحك عمران: أمال عليّ أنا، عليكِ طبعًا يا حبيبتي.
ولا صبرتِ ونلتِ يا سلسبيل.
لتسقط رأسها على صدر عمران مرة أخرى مغشيًا عليها من الفرحة.
فضحك جاد: وبعدين في أختك دي، كل شوية يغمى عليها أكده، أمال لما يكتب ويدخل عليها هتعمل إيه.
فغمزه عمران: والله ما خابر، عشان خابرها هبلة.
فربنا يصبر أخوك عليها بقى.
لينثر عليها الماء مجددًا قائلًا: قومي يا سلسبيل، والبسي حاجة عدلة عشان كتب الكتاب، إلا يرجع في كلامه عاد.
فقفزت سلسبيل من مكانها مرددة بفرح: لا يرجع في كلامه إيه.
ده أنا مصدقت، ثم أطلقت زغرودة.
فضحك جاد مردفًا: بقى اللي عاتزغرد دي، هي اللي كان مغمى عليها من شوية.
مش خابر الحريم دول إيه يا عمران، دماغهم لاسعة.
ثم وجد اتصالًا من جابر فرد عليه سريعًا: أيوه يا أخوي، غبت ليه؟
العروسة عاتستناك على نار.
جابر: جاي أخدها يا جاد، خليها تجهز، عشان عانكتب الكتاب في الجامع وعانسمعه في الميكروفون عشان البلد كلها تعرف إنها بقت مرتي وساعتها محدش عاينطق بعد أكده.
جاد بفرحة: يا سلام عليك يا أخوي يا بحر المفاهيمية.
جابر بضحك: لا الشكر لعوض ولد عمي، هو اللي أشار عليّ وقال الجواز لازم إشهار.
جاد: حلاوتك يا عم عوض.
ليغلق معه الخط ليصيح: افرحي يا عروسة، العريس جاي ياخدك وتروحوا الجامع.
فأخذت سلسبيل تدور أعينها بتيه وتكاد الفرحة تذهب بروحها وتجمد جسدها ولم يخرجها من حالتها إلا صوت جابر: فين العروسة؟
فأشارت إلى نفسها: قصده أنااااا!
مش معقول حلم سنين يتحقق في لحظة من غير حتى تمهيد.
قلبي مش عايستحمل الفرحة دي كلها.
أنت هابقى مرات جابر، يا يا فرحة قلبي.
لتمر لحظات كانت كالحلم التي تخشى الاستيقاظ منه، حتى صاح المأذون بقوله (بارك الله لكم وبارك عليكما وجمع بينكما على خير).
لتعم حالة من الهمس واللمز بين أهل القرية.
بقى جابر بن حمدان بعد ما كان متجوز حتة القمر بانة بنت الجبالي يتجوز بنت سكينة سلسبيل اللي ما بيبانش ليها ضهر من صدر، وشبه خيال المآتة.
لا الموضوع ده فيه إنّ وشكل البنت دي سحراله.
بينما آخرين ما زال في قلوبهم الخير
والله البنت سلسبيل دي أمها دعيالها قبل ما تموت، عشان ربنا يرزقها بواحد زي جابر ده بيعرف ربنا وهيشيلها من الأرض شيل وبكرة تندم بنت الجبالي إنها خسرته.
وعلى جانب آخر كانت كوثر تلك الحية التي بثت السم،
تتلوى من الألم والقهر عندما سمعت بإذنها عقد القران بعد أن انقلب السحر على الساحر، فالكون يجري بتدابير الله وليس بتدابير البشر.
أما بانة فقد وصل لها الخبر من إحدى الخادمات، فجن جنونها وأخذت تصرخ بهيستيرية ثم أخذت تكسر كل ما استطاعت الوصول إليه من مزهرية وتحف كريستال في غرفتها.
"أنا بانة الجبالي يرفض يرجع لي ويتجوز بنت خادمة عتشتغل عنده!"
"أكده يا جابر هونت عليك للدرجاتي؟ طيب نسيت حبي."
"نسيت كمان ولدك، كيف تتجوز ويلجأ ليه مرت أب؟"
"وكيف هيكون شكلي دلوقت بين الناس؟ أكيد زمانهم عيتلمزوا عليّ ومش هعرف أرفع وشي ثاني في عيونهم."
"ليه يا جابر عملت أكده، ليه؟"
لتدخل عليها زهيرة في تلك اللحظة وتوبخها: "مش خابرة عمل ليه أكده يا بانة!"
"ده أنا ياما نصحتك وقولت لك خلي بالك منه، وأوعى يطير من يدك وبلاش دماغك الناشفة ولسانك اللي عينقط سم."
"قولتي بيحبني ومهما عملت عيرجع لي، وأهو خلاص طار منك وراح لصاحبة النصيب."
فصرخت بانة: "بزيادتك يا ياما أنا مش ناقصة."
"بس صدقيني مش هسكت أبدًا، وهروح لخطافة الرجالة دي، أجيبها من شعرها ومش هتهنى ليه أبدًا."
"جابر لبانة وبس يا ياما، أنتِ فاهمة."
"محدش يقدر ياخده مني."
فضحكت زهيرة ضحكة قهر: "خلاص يا بنتي، النصيب حكم."
"وهو اختار وأنتِ كمان انسيه وفوقي لولدك وربيه وعيشي على أكده."
بانة بحدة: "لا مش بانة اللي تقعد مكسورة الجناح أكده."
"وتتسبب غيرها يتمتع بلي ليها هي وبس."
فزفرت زهيرة بضيق: "مفيش فايدة فيك، ربنا يهديكِ يا بنتي."
"أنا هاخد الولد عشان بيكفي عليه فزع أكده يا روح قلب ستو."
"وأنتِ بقى اقعدي أكده على رواقة وفكري بعقلك ولو مرة."
ليسمعوا صوت طرق الباب.
وصوت نهلة: "أنا نهلة ممكن أدخل يا بانة؟"
فتلون وجه بانة مردفة بغيظ: "إيه جابها دي؟ أكيد جاية تشمت فيّ."
فصكت زهيرة على شفتيها بغيظ وأجابتها: "مش كل الناس زييكِ يا بانة، بالعكس نهلة طيبة قوي وعتحبك بس أنتِ غلباوية، ربنا يهديكِ."
"وأكيد جاية تتطمن عليكِ."
بانة: "مش طايقة أبص في خلقتها عاد."
زهيرة: "تصوري لولا أنك بنتي، كنت رميتك رمية الكلاب من لسانك ده اللي عينقط سم."
ثم صاحت: "ادخلي يا نهلة."
فدخلت نهلة على خجل وهي تنظر لبانة بحزن مردفة: "كيفك يا بانة، أنا جاية أطمن عليكِ."
ثم طالعت زهيرة: "وكيفك يا حاجة؟"
زهيرة: "بخير يا بنتي، سألت عليكِ العافية."
طالعتها بانة بحقد قائلة: "أنا زينة يا مرت أبوي، متقلقيش، يروح كلب ولا يسوى يجي سبع، فمتعمليش نفسك يعني ملاك عتطببي، أنتِ جاية شمتانة، بس نبأك على شونة."
"عشان أنا زي ما أنتِ شايفة، بنت الجبالي وأقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك وألف مين يتمناني."
فتحت نهلة فمها ببلاهة ثم رددت: "آه طبعًا."
"ربنا يعوضك خير."
ثم رن هاتفها فنظرت إليه فوجدته محمود فابتسمت بعشق وأجابته بلهفة: "محمود فينك اتأخرت ليه أكده؟"
مما أدى إلى غليان بانة من الغيرة.
فحدثت نفسها: "بقى الخادمة دي جوزها عيموت فيها أكده، وأنا جابر ابن المجنونة يهملني ويتجوز عليّ."
"ماشي يا نهلة، أما علمت على وشك الجميل ده وتخليه ينفر منك مبقاش بانة."
تابعت نهلة: "يعني لسه قدامك ساعة، ماشي يا محمود تيجي بالسلامة."
لتغلق معه الخط ثم تستأذن: "طيب عن إذنكم يا جماعة، أنا بس حبيت أطمن."
"يلا فوتكم بعافية."
ثم غادرت بين أنظار بانة الحارقة، لتتبعها زهيرة أيضًا.
وتركوا بانة يمتلئ الحقد والشر قلبها، لتأتي لها فكرة شيطانية.
فابتسمت بشر ثم تركت غرفتها وتوجهت نحو المطبخ في الطابق الأسفل وهي تتلفت حولها حتى لا يراها أحد.
ثم تناولت من أحد الأدراج السفلية للمطبخ زجاجة قد كتب عليها (ماء نار).
فالتقطتها وأخفتها في ملابسها وذهبت بها إلى حجرتها لتزيل ذلك اللاصق الذي كتب عليه ماء نار ثم ذهبت إلى غرفة نهلة.
وطرقت الباب قائلة: "ممكن أدخل يا نهلة؟"
تعجبت نهلة من مجيئها إليها بعد أن كانت لديها منذ لحظات، وعدم قبولها لها مهما حاولت التودد إليها.
فحدثت نفسها: "معقول جاية لغاية عندي، دي ما كانتش طايقاني خالص، يا ترى عايزة إيه مني؟"
"استر يا رب، عشان أنا خابرة دي ما يجيش منها غير كل شر."
"بس أعمل إيه لازم أقوم وأشوفها عايزة إيه."
فقامت بخطى متثاقلة وفتحت لها الباب، فولجت بانة تفترش بنظرها الأرض وتصطنع الحرج وقالت بخفوت: "أنا جيت عشان حسيت إني كنت وحشة معاكِ يا نهلة."
"وأنتِ صراحة مهما عملت، بتستحمليني وعشان أكده أنا جاية أعتذر ليكِ ولو تحبي من النهاردة نكون أخوات أو أصحاب وننسى اللي فات، إيه رأيك؟"
رفعت نهلة حاجبيها بإندهاش، غير مصدقة أن تلك الواقفة أمامها هي بانة التي تضع أنفها دومًا في السماء.
جاءت لتعتذر إليها بتلك البساطة.
فحمحمت نهلة بحرج قائلة: "مفيش اعتذار بين الأخوات يا بانة، وأنا ليّ الشرف طبعًا إنك تعتبريني أختك."
تصنعت بانة الامتنان واقتربت منها تحتضنها بحب ماكر.
ثم ابتعدت قائلة: "تعيشي يا بنت الأصول."
"ودلوقت بقى هسيبك عشان تحضري حالك قبل ما يجي جوزك."
ثم التفتت لتغادر ولكنها توقفت وأخرجت الزجاجة والتفتت مرة أخرى إلى نهلة بوجه ماكر قائلة وهي تخرج تلك الزجاجة من جيب عباءتها: "صح نسيت أديكِ إزازة الريحة دي جامدة قوي، عتخلي جوزك مش عايز يقوم من جنبك واصل."
نهلة بضحك: "لا يا أختي أنا عايزاه يقوم عشان يشوف حاله ونخلص من المأمورية دي ونعاود مطرحنا."
فضحكت بانة ضحكة شيطانية واقتربت منها تطالعها بحدة وبفحيح الأفعى: "دي تركيبة ممتازة، خدي يلا افتحيها وحطي ورشي منها على وشك وجتتك قبل ما يجي."
فابتسمت نهلة لها بامتنان ثم مدت يدها إليها وتناولتها لتبدأ في فتحها...
ليهتز بعد ذلك أركان القصر من شدة الصراخ، ليفزع من به جميعًا.
يا عيني عليكِ يا نهلة...
يتبع لنعلم ما حدث.
رواية اولاد الجبالي الفصل السابع والتسعون 97 - بقلم شيماء سعيد
علمت ملك من خلال وسائل الاتصال الجماعي عن ما حدث لقمر واختفائها.
ففزعت وبكت بمرارة:
أختي حبيبتي، يا عيني عليكي.
يا ترى أنتِ فين دلوك يا قلبي؟
استر يا رب، ليكون المجرم ده عمل فيها حاجة وهي حبلى.
استرها يا رب معاها دي غلبانة جوي.
يا رب طمن قلبي عليها.
يا ترى فينك يا حبيبتي؟
آه يا قلبي اللي مش عارف يلاقيها منين ولا منين؟
من عزة ولا دلوك قمر؟
ميتة هشوف الفرح وأحس بيه.
تناولت نهلة من يد بانة زجاجة العطر كما تظن، وشكرتها بامتنان:
متشكرة جوي على الهدية الحلوة دي.
قالت نهلة:
لا شكر على إيه، إحنا أخوات عاد، كيف ما قلت.
يلا رشي على وشك ورقبتك وجتتك أكده، وقوليلي إيه الأخبار، عجبتك؟
قالت نهلة:
حاضر هجربها وأقولك رأيي.
فنظرت لها بانة بغل وحقد، وانتظرت اللحظة التي تصرخ بها من الألم ويتشوه وجهها وجسدها لتشفي غليلها منها، ويبتعد عنها زوجها كما فعل جابر معها.
وعندما قامت نهلة بنزع الغطاء ورفعها مقابل وجهها لتنثر العطر، فجأة ولج محمود قائلًا بروح مرحة كعادته:
سيربرايز، مفاجأة حلوة جيت بدري أهو عشان الحلو ما يزعلش.
فتهلل وجهها فرحًا برؤيته وصاحت:
محمود!
ولم تشعر بالزجاجة التي في يديها فسقطت منها لتتناثر محتوياتها على وجه وجسد بانة التي كانت تقف أمامها.
لتصرخ بانة من الألم:
اااااااه!
فتفزع نهلة وتتجمد في مكانها ثم طالعت محمود بهلع الذي أسرع إليها وصاح بفزع:
إزاي ده حصل؟
لتبكي نهلة بهيستيرية:
مش خابرة يا محمود، دي جت ومعاها الإزازة اللي وقعت على أنها إزازة ريحة هدية ليه، ولما شوفتك وقعت مني من غير ما أقصد واللي حصل.
فظهرت الصدمة على وجه محمود:
دي بالشكل ده، مية نار.
دي كانت عايزة تشوهك، بس سبحان الله تيجي فيها هي.
ده انتقام من ربنا ليها للأسف.
ليصدق قوله تعالى: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله).
لتزداد بانة في صرخاتها التي هزت جميع أركان القصر، ليبدأ الجميع في التجمع حول مصدر الصوت الذي يأتي من غرفة نهلة.
قال محمود مشيرًا إلى بانة بتوتر:
ليه كده بس يا بنت الأصول تعملي كده، ودلوقتي يلا بسرعة بينا لأقرب مستشفى عشان نلحق المصيبة دي في أولها.
لتصرخ بانة:
أنا هوديكم في داهية، مراتك شوهتني ومش هسكت غير لما تاخد إعدام.
فبرقت نهلة بصدمة:
أناااا!
لتستطرد باتهام:
أنتِ إيه يا بانة شيطانة، بعد كل اللي حصلك ده، وبردك عتكدبي، ده بدل ما توبي إلى الله وتستغفري.
فأشار محمود إلى نهلة:
مش وقته الكلام ده، دلوقتي لازم نروح المستشفى حالًا.
يلا بينا يا مدام بانة.
لتأتي زهيرة في المقدمة لتجد أمامها ابنتها في هذا الحال المزري مشوهة الوجه والجسم وتصرخ.
فلم تتحمل الصدمة فصرخت:
بنتي!
ثم أُغشي عليها.
ليترك محمود بانة تصرخ ويسرع إلى زهيرة هو ونهلة.
ثم أتى باسم وملك وأيضًا زاد وعزة رغم الآلام التي تحيط بهم.
وحتى الخدم.
ليأخذهم الصدمة جميعًا فيما حدث، وتعالت أصواتهم بالبكاء.
لينظر باسم إلى محمود نظرة حارقة متهمة قائلًا:
حصل إزاي ده يا سيادة المقدم؟
لتصرخ بانة:
مراته نهلة هي السبب عشان بتكرهني.
لتتابع بألم:
شوهتني يا أخوي، أنا عايزة حقي منها.
فغلت الدماء في عروق باسم وتلون وجهه بحمرة الغضب وسارع إلى محمود ليمسكه من عنقه بشراسة.
عملتها مراتك يا محمود، وأقسم بالله لولا أنها واحدة ست أنا كنت دفنتها هِنا.
بس مش هقدر غير إنك دلوك تاخدها وتغوروا في أي مصيبة، وأنا مش هسكت أبدًا على اللي عملته وهوديها في ستين داهية.
ثم نزع يده ليغلق محمود عينيه بألم لتلك المهانة التي تعرض لها هو وزوجته ظلم، ولولا المصيبة التي ألمت بهم، لكان له رد آخر على تلك المعاملة وهو من هو.
لكنه آثر الصمت حتى تتضح الحقيقة، وأمر نهلة بتحضير ملابسهم للمغادرة فورًا.
وأشار باسم إلى عزة وملك وزاد بالاعتناء بوالدته حتى عودته من المستشفى مع بانة التي اصطحبها بعد ذلك لتلقي العلاج المناسب.
لم تكف نهلة عن البكاء بجانب محمود في السيارة أثناء عودتهم إلى القاهرة ليعودوا إلى منزلهم مجددًا، ثم بعد ذلك يعود هو لحاله للصعيد لمزاولة عمله مرة أخرى.
قالت نهلة بنحيب:
صدقني يا محمود، هي اللي جابت الإزازة وفي لحظة سبحان الله أنا اللي كنت هاكون مكانها، لولا ربنا بعتك ليه ووقعت من إيدي وجت عليها.
فتنهد محمود بألم من أجلها ثم ضمها بيد واليد الأخرى يقود بها وهمس بحب:
كفاية بقى يا نهلة، أنا مش مستحمل دموعك دي.
قالت نهلة:
خايفة جوي يا محمود، أتاخد ظلم تاني، أنا مصدقت بالعافية أنسى اللي حصل وأعيش من جديد.
فضحك محمود:
بتقولي خايفة، أنتِ عبيطة ولا إيه!
ولا أنتِ ناسية أنتِ متجوزة مين!
أجاب محمود:
ما تخافيش طول ما أنا عايش يا نهلة، وأنتِ مش محتاجة تقولي صدقيني لإني عارف ومتأكد أن هي المجرمة عشان بتكرهك وبتغير منك من زمان وأهي خدت جزائها.
قالت نهلة:
ربنا يهديلها نفسها، بس هتعمل إيه لو قدمت بلاغ يا محمود، أنتِ مش هتخالف القانون عشان خاطري.
قال محمود:
لا مش هخالف القانون.
ثم أبعدها عنه قليلًا، ليخرج هاتفه.
ثم ناولها إياه قائلًا بمكر:
افتحي الفيديوهات.
فضَيَّقت نهلة عينيها باستغراب وفعلت ما أمرها به، لتجد فيديو للقصر ويظهر به بانة وهي تمشي تتلفت حول نفسها ثم ولجت للمطبخ وتناولت منه زجاجة ماء النار وعادت إلى غرفتها وغابت لدقائق ثم خرجت متجهة نحو غرفة نهلة.
فشهقت نهلة مردفة:
كيف صورت جبت الفيديو ده يا محمود؟
فضحك محمود:
مش قولتلك أنتِ ناسية جوزك بيشتغل إيه.
أنا قبل ما أخرج من القصر، نقلت الذاكرة بتاعة كاميرا المراقبة على موبايلي.
وبكده يا ستي كده هتكون هي المدانة وتتحبس كمان.
توقع محمود من نهلة بعد أن قدم لها دليل برائتها أن تفرح وتشكره، ولكنه وجد العكس أنها تبكي.
فطالعها باندهاش وقال بمرح:
هتعيطي ليه تاني يا بحر السعادة وترعة المفهومية، يا قدري ونصيبي.
قالت نهلة:
يعني اتشوهت وهتتحبس كمان يا محمود، لا أرجوك ما توصلش الفيديو ده النيابة، وكفاية اللي هي فيه.
لمس محمود يدها ورفعها لفمه مردفًا بحب:
آه من طيبة قلبك دي اللي مخلياني كل يوم بحبك أكتر لغاية ما قربت أمشي في الشوارع وأصرخ باسمك وأقول بحبك يا نهلة.
فضحكت نهلة وأجابته:
وأنا كمان بعشقك مش بحبك بس يا حودة.
فتوقف محمود بالسيارة وأطال النظر إليها بحب ورغبة، فسألته:
وقفت ليه يا محمود وبتبص لي كده ليه؟
محمود وقد تعالت ضربات قلبه:
وقفت عشان حودة خلاص مش هيتحمل يصبر لغاية ما نوصل القاهرة وأمه تكتم على نفسه.
فبقولك إيه يا قمر أنتِ، أنا هحجز لينا فندق نبيت فيه الليلة دي وبكرة نكمل طريقنا.
فأخفضت نهلة رأسها بخجل وهمست:
وبعدين معاك بقى بتكسف يا حودة.
فصاح محمود:
فاضل لك واحدة حودة تانية كمان ومش هتلاقيني قدامك هسيح يا قلب حودة.
فضحكت نهلة بدلال، فصاح مرة أخرى:
يا رب صبرني عقبال بس ما نستر في الفندق.
بس استنى لازم أبعت الفيديو ده للدكتور باسم، عشان يعرف مين هي نهلة حرم سيادة المقدم محمود، ويعرف أخته على حقيقتها، ويندم على اللي عمله معايا ومش هنساه أبدًا ليه ولا يمكن أسامحه.
ربتت نهلة على كتفه بحنو مرددة:
معلش يا حبيبي، هو غصبًا عنه من زعله على أخته.
فزفر محمود بضيق:
ولو صدقيني خلاص قفلت منه.
ثم قام بإرسال الفيديو إلى باسم مع كلمة "تشكر يا ابن الأصول".
وصل الفيديو إلى باسم أثناء تواجده في المستشفى مع بانة التي أدخلوها إلى غرفة الطوارئ سريعًا.
جحظت عين باسم وهو يرى بانة وما تفعله وشعر بغصة مريرة اجتاحت جسده ثم همس بحزن:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
ليه بس يا بنت أبوي عملتي أكده في نفسك؟
جد أكده الحقد والغيرة عملوا فيكِ أكده؟
أقول إيه دلوك للراجل عشان يسامحني بعد ما مديت يدي عليه وطردته هو ومراته.
استغفر الله العظيم وأتوب إليه، ربنا يسامحك يا بانة.
ليبعث له رسالة:
مش عارف صراحة أراضيك كيف، بس أنا محجوج لك ومفيش كلام يقدر يوصف لك إحساسي دلوك، بس عايزك تحط نفسك مكاني لو شفت أختك قدامك أكده.
أثرت رسالة باسم في محمود فرد عليه:
عارف يا باسم وحاسس بيك عشان كده، خلاص حصل خير.
قام جابر بتوصيل سلسبيل إلى منزلها بعد العقد وجلسوا جميعًا بصحبة الصغيرين جاد وعمران.
ثم غمز جاد بعمران قائلًا:
بقولك إيه يا صاحبي تعال جوه نلعب سوا دومينو شوية قبل ما أمشي.
قال عمران:
والله فكرة، تعال تعال دي لعبة حلوة جوي ما يتزهقش منها.
فدلفوا للداخل سويًا وتركوا جابر وسلسبيل التي كانت في قمة توترها وخجلها وأخذت تفرك في أصابعها.
لاحظ جابر توترها فحمحم بحرج ثم قال:
اهدئي يا بنت الناس أنا مش هاكلك.
فازداد خجل سلسبيل وجاهدت لتخرج كلماتها العالقة في عنقها:
أنا خابرة إنك زينة الرجال كلها يا جابر بيه، عشان كده باكون مطمنة في وجودك.
لامست كلماتها الوتر الحساس لديه لأنه كان دومًا يشعر بالنقص بجانب بانة، لتأتي هي وتشعره برجولته فابتسم قائلًا:
وأنا هاكون قد كلمتك دي يا سلسبيل طول عمري.
تنهدت سلسبيل بقلق ولمعت عينيها بالدموع وسألته:
أنا خابرة ده بس اللي خايفة منه هو إنك اتغصبت على جوازي وما كنتش في بالك أصلًا يا جابر بيه.
فأسرع جابر بقوله:
هو فيه واحدة تقول لجوزها يا جابر بيه.
وإيه اتغصبت دي، هو أنا حرمة ولا إيه، ده حتى الحرمة ما بتتغصبش دلوك على الجواز.
ابتسمت سلسبيل بأمل قائلة:
يعني أنت بخاطرك قبلت الجوازة دي، مش عشان بس سمعتي وأكده.
تنهد جابر بحرارة قبل أن يحدثها:
بصي يا سلسبيل، أنا صح اتجوزتك عشان أرفع من قيمتك بين الناس لكن ده ما يمنعش إنك بنت أصول وملتزمة وألف من يتمنى تكوني مراته.
رفعت سلسبيل عينيها عليه ودق قلبها بشدة فكم كان يؤثرها هيئته الرجولية تلك ووجهه الذي يشع نورًا وابتسامته العذبة التي لم تفشل مرة في إسعادها.
كم تحبه حقًا وتعشقه بكل ما فيه، لذا سألته على حياء:
يعني فيه أمل تحبني كيف ما أنا؟
ثم صمتت لخجلها.
فابتسم جابر لخجلها وأجابها بود:
أنا دلوك جوزك يا سلسبيل، يعني مش عيب أبدًا تقولي مشاعرك ليه وده حقك كمان على فكرة من غير حرج.
أما أنا مش فسيبِ قلبي للوقت شوية معلش.
ثم شعر بحرارة تسري في جسده عندما تذكر بانة ثم تابع بحزن:
عشان أنا قلبي مكسور يا سلسبيل فغصب عني معلش وياريت تستحمليني لغاية ما قلبي يطيب.
شعرت سلسبيل بوخز في قلبها لرؤيته هكذا فأشفقت على حاله وحالها لأنها تدرك جيدًا معنى الحب وكسرة القلب ولاحظت يده المرتعشة وهو يتحدث، لتجد نفسها بدون شعور تضم يده بين راحتيها وتنظر له بعشق وهمست:
أنت قلت إنك دلوقتي جوزي وما ستحيش صح؟
فأومأ له برأسه حرجًا من لمستها التي جعلت جوارحه تنتفض.
لتستطرد:
جابر أنا باحبك جوي، ومش مصدقة صح إني بقيت مراتك وعشان ربنا كرمني بالدعوة اللي كنت باتمناها ليل ونهار، أنا هاستحمل وهاستناك إن شاء الله العمر كله يا غالي.
بس المهم في الآخر تحس بيه وتحبني كيف ما بحبك يا قلب سلسبيل.
لتستطرد قائلة بحب:
_بس زي ما أنا هستحمل أنت كمان تحاول وتساعدني تنسى الألم اللي عدى وتفتح قلبك وحدة وحدة، اوعدني يا قلب سلسبيل.
ابتلع جابر لعابه وطالعها بامتنان لتحمله ولم ينكر أن كلماتها أثرت فيه وأشعرته أنه رجل مرغوب فيه لذا وعدها بقوله:
_وعد مني أحاول يا سلسبيل.
_ودلوك هاقوم أعاود المصنع عشان نلحق ننام قبل ما نبدأ يوم جديد.
_وإن شاء الله بردك هادور على حتة أرض، نعمل عليها دوار كبير كده شبه الفيلا عشان يساع عمران وجاد لما يكبروا ويجوزوا.
_ولما يخلص بإذن الله نحدد الفرح.
فلمعت عين سلسبيل بالفرحة مردفة:
_بجد يا جابر هتعمل لي فرح!
جابر مؤكدًا:
_طبعًا يا سلسبيل، لازم ست البنات يتعملها أحلى فرح.
ليتركها بعد ذلك في حلمها الجميل الذي تجسد على أرض الواقع بمنحة ربانية.
*******
راقب براء فريد لعدة أيام لعله يصل إلى مكان مرام، لينتقم منها على طريقته لما فعلت معه.
وراقبه براء متخفيًا بعد أن لَوّن بشرته فظهر على أنه رجل أسود وارتدى على رأسه قبعة ولم ينزع نظارته السوداء من على عينيه، حتى لا يتعرف عليه فريد إن شعر بتتبعه له أو وجد مرام معه.
حتى وجده في أحد المرات ينتظر بسيارته تحت أحد الأبنية ويتحدث مع أحدهم عبر الهاتف.
_مرمر حبيبتي أنا وصلت تحت ومستنيكي، خلصتي ولا أطلع أنا؟
ثم أتبع بخبث:
_أشرف على تجهيزك بنفسي، وأطمن إن كل حاجة تمام.
فضحكت مرام:
_كده مش هننزل يا فيري، وأنا خلاص مليت من البيت وعايزة أغير جو في أي مكان وأوعدك لو انبسطت هنرجع نقضي ليلة لطيفة مع بعض.
فزفر فريد بحرارة:
_متقلقيش يا حب، هابسطك إزاي وأنتِ مش بستاني.
فقهقهت مرام:
_أتعديت من حسن شاكوش يا فيري.
فريد:
_أعمل إيه بس جننتيني بحبك يا مرامي ومبقتش أقدر أبعد عنك.
فشعرت مرام بغصة في حلقها فهو لا يحبها كمرام ولكن يحبها كما يحب رجل أي امرأة تقع في طريقه.
وهي تعلم ذلك جيدًا ولا تستطيع إيقافه أو حتى إقناعه على الزواج منها، فما عساها أن تفعل بعد أن أصبحت وحيدة في تلك الحياة ودمية يحركونها كيف يشاؤون.
مرام بقهر:
_ماشي يا حب، ثواني وأكون عندك.
لتنظر في المرآة نظرة أخيرة إلى هيئتها الساحرة حيث ارتدت فستانًا قصيرًا من اللون الأسود وأسدلت شعرها الطويل على ظهرها ووضعت لمسات بسيطة من الزينة على وجهها ثم نثرت عطرها الفواح، لتحمل حقيبتها وتتجه حيث فريد.
وعندما وصلت لسيارته أشارت له بيديها، فنزل سريعًا من سيارته ولمس يديها ورفعها إليه قائلًا:
_ماي برنسيس.
ثم فتح لها الباب حتى جلست في المقعد المجاور له.
كل هذا تحت أنظار براء الذي انقبض قلبه لرؤيتها وحدث نفسه:
_مين الست دي؟
_شكلها مش مريح أبدًا، لازم أتحرى عنها هي كمان؟
_بس كده الليلة كمان انضربت ومش هأعرف أوصل لمرام.
_متى بس أوصلها وأخلص من الكابوس ده؟
*******
تحدث جابر مع أخيه الصغير جاد.
_باقول لك إيه يا جاد، أنا عايز أروح أزور أبوي وجاسر في السجن تيجي معايا؟
انشرح قلب جاد وأجابه:
_أيوه أنا نفسي أشوف أبوي قوي، متتصورش وحشني قد إيه!
_بس جاسر لأ مش عايز أشوف خلقته واصل بعد اللي عمله معايا وطرده لي من بيت أبوي في نص الليالي.
_وكمان اللي عمله معاك يا جابر، كيف تنساه وعايز كمان تشوفه، أنت غريب قوي، مفروض تقاطعه العمر كله.
فابتسم جابر:
_أنا سامحته يا جاد، خابر ليه؟
جاد:
_ليه يا أخوي؟
جابر:
_لنفسي مش لنفسه، عشان أنا عايز أكون كيف اللي بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وسيدنا عبد الله بن عمر غار منه وقال لازم أروح معاه وأشوف بيعمل إيه عشان يبشر بالجنة، فراح وقعد معاه ثلاث أيام، مش لقاه بيعمل حاجة أكتر من الفروض وحياته عادية جدًا، فقال في نفسه ده أنا أجتهد في العبادة عنه.
_فلما استغرب كده، قال أنا هابشره بكلام سيدنا محمد، يمكن بيعمل حاجة في الخفا وأنا معرفهاش بس أتفاجئ بيه بيقول:
_أنه مش بينام ليلة واحدة إلا وهو مسامح كل الناس حتى اللي ظلمه وأساء إليه وأنه الموضوع ده بيعتبره صدقة عنه لإنه مش بيملك المال.
_بينام ومفيش في قلبه أي كره أو ضغينة وده اللي خلاه يبشر بالجنة.
لتنهمر دموع جابر وتابع:
_وأنا نفسي أكون كيفه كده، ربنا يكرمني بالجنة.
فابتسم جاد وأسرع لأخيه يحتضنه بحب قائلًا:
_أنت جميل قوي يا جابر بجد، وأنا نفسي أكون زيك في كل حاجة هتعملها.
_وعشان كده أنا كمان مسامحه وها روح معاك.
جابر:
_ربنا يحفظك يا حبيب أخوك.
_وكمان أنا هاقوم له محامي عشان يخفف عنه الحكم وهاشوف كمان لو يقدر يطلعه بكفالة عقبال ما يتحكم عليه.
_وربنا يصلح له الحال ويتوب وينتظم ويرجع إنسان تاني خالص.
جاد:
_يا ريت بس يطلق الحية اللي متجوزها دي، لأن طالما هي معاه عمره ما هينصلح حاله أبدًا.
**********
أنهك مسالم البحث يوميًا عن قمر دون فائدة حتى ذبل جسده من قلة الطعام وتغيرت هيئته بعد أن نبتت ذقنه وتجعد وجهه من شدة الحزن والبكاء وكأنه أصبح شيخ عجوز وليس شابًا في مقتبل العمر.
كما اتسخت ملابسه من نوم الشارع، فأصبح كرجل متشرد من الذين نراهم في شوارعنا للأسف دون مأوى.
آه من الحزن الذي يغير ملامحنا ويدينا عمر ثاني فوق عمرنا.
وآه لسّه عايشين وبنتحرك وممكن كمان نضحك بس الضحكة مش من القلب ومن غير روح ووجع ملازم قلبك وروحك مكسورة والتنهيدة بتطلع من صدرك كأنها نار ومش بتحرق حد غيرك لأن محدش بيحس بوجع حد.
جلس مسالم على أحد الأرصفة كعادته عندما يشعر بالتعب، لإنه أقسم ألا يعود إلى منزله حتى تعود معه قمر، فليس للحياة معنى دون قمر.
مسالم بحزن دفين وعين لا تفتر عن الدموع:
_أنتِ فين يا حبيبتي، فينك يا قمر؟
_أنا تعبت من غيرك قوي، متى أكحل عيني بشوفتك متى..
ثم افترش الرصيف لعله يريح جسده قليلًا وأعطى وجهه للحائط وظهره للطريق.
وحاول النوم قليلًا ولكن لم تمر لحظات حتى وقف رجلين أمام محل يقدم عصير القصب بجانبه واستمع لحديثهم.
رضوان:
_والله بقى لنا كتير متقبلناش يا واد يا زرارة، وحشتني قعدتك.
زرارة:
_وأنت كمان يا ريس والله، بس بردك بعد الغياب ده كله، تعزمني على عصير قصب، أنت توبت عن الكيف ولا إيه!
فضحك رضوان:
_مش قوي يعني، بس أنا أحب قوي عصير القصب ومنين لما أشوفه قصادي لازم أبربع كده شوبين ثلاثة.
زرارة بضحك:
_وماله نربع معاك وبعدين نروح نربع في الغرزة تبعنا.
رضوان:
_وماله ماشي، بس قل لي إيه أخبار حمدي دلوك، والبت إياها عملتوا فيها إيه؟
فارتبك زرارة ووضع يده على فم رضوان قائلًا:
_وطي صوتك يا راجل حد يسمعنا نروح في داهية.
رضوان:
_فنظر رضوان حواليه، فلم يجد أحد سوى رجل متشرد يوليهم ظهره ونائم.
_خضتني يا راجل، مفيش حد، غير الراجل الأهبل ده ونايم.
زرارة:
_بردك الحيطان ليها ودان.
رضوان:
_طيب وشوشني.
لتنتبه حواس ذلك الذي كان يحاول النوم ولكن هيهات فلا نوم إلا لمرتاح البال.
وعندما سمع اسم حمدي انتفضت كل جوارحه ولكنه حاول السيطرة على نفسه حتى لا يفتضح أمره ويعلم المزيد عنه وعن مكانه وعن قمر؟
رواية اولاد الجبالي الفصل الثامن والتسعون 98 - بقلم شيماء سعيد
ياريت جاسر أخوي يسيب البت حسنية دي، عشان هي السبب في اللي حوصله ده.
زفر جابر بغضب: أيوه ياريت يبعد عن البت دي، بس خايف يكون عليه ذنب لو قولتله طلق مرتك.
فعقد جاد حاجبيه مردفًا: ذنب كيف ده؟ ده أنت عتاخد ثواب فيه والله يا أخوي. دي ولية شرانية وجليلة الحيا وعتعمل..
قطع جابر حديثه بقوله: أستغفر الله العظيم، بيكفي كلام عينيها والله الهادي، إحنا منجصنيش ذنوب.
جاد: ماشي يا أخوي بس ياريت بس يطلقها ونخلص منيّها ومتقولش حرام ده أنت حكيتلي بنفسك حكاية سيدنا إبراهيم لما راح زار ابنه سيدنا إسماعيل وممكنش موجود ساعتها، وسألها عن حالها؟ راحت اشتكت وقالت الحالة صعبة وعايشين في فقر. فسيدنا إبراهيم قالها: لما يرجع إسماعيل قولي له غير العتبة. وبعدين مشي وسابها. ولما رجع زوجها قالت له أن سيدنا إبراهيم جه وسأل عليه وقالت له أنه بيقولك غير العتبة. ففهم أن أبوه عايزه يطلقها لأنها زوجة مش كويسة. ولما رجع بعد سنة سيدنا إبراهيم يسأل عليه لقي زوجة تانية غيرها، فسألها عن الحال، قالت: في خير ونعمة. فقال لما يرجع إسماعيل قولي له يثبت العتبة.
فابتسم جابر وقال: أيوه عندك حق يا جاد، هقوله وربنا يهديه ويطلقها ويبعد عنه شرها.
جاد: يارب.
جابر: طيب يلا قوم بينا عشان عنفوت على المحامي الأول نتفاهم معاه على موضوع الكفالة ده، ويخلينا ندخل نشوفهم ونطمن عليهم.
فأومأ له جاد وسارع معه إلى المحامي ومن ثم إلى مديرية الأمن ليطلب المحامي الإفراج عن المتهم جاسر حمدان الجبالي مقابل كفالة خمس آلاف جنيه. ثم أخذ تصريح بالزيارة، وتم بالفعل الموافقة. ففرح جابر وذهب مسرعًا إلى السجن ليبشر جاسر بالإفراج عنه مؤقتًا لحين الانتهاء من سير القضية.
وعندما استدعى وكيل النيابة جاسر وحمدان من أجل الزيارة حدثوا بعضهم البعض.
جاسر: يا ترى مين اللي عبرنا وجه يزورنا.
حمدان: هنشوف دلوك يا ولدي.
وبالفعل وصلوا بالفعل إلى غرفة وكيل النيابة ليتفاجأوا بوجود جابر وجاد. فاتسعت عين حمدان ثم ذرف الدموع سريعًا ومد ذراعيه إليهم قائلًا: ولادي حبايبي، وحشتوني جوي جوي.
فأسرع إليه جابر وجاد يبكون في أحضانه ويبكي معهم. أما جاسر فوقف مطأطأ الرأس حرجًا مما فعله معهم، لا يدري ما يقول.
أجاب جابر والده بقوله: وأنت وحشتني جوي يا بوي، طمني عامل إيه وصحتك بخير؟
حمدان: الحمد لله يا ولدي، ادعي لي بس أنت بحسن الختام وأن ربنا يسامحني ويتوب عليّ.
فابتسم جابر وأجابه: أبشر يا بوي، ده ربنا عيحبك.
اتسعت عين حمدان غير مصدق قائلًا: عيحبني أني بردك يا جابر، ده أنا ياما عملت وسويت.
جابر مؤكدًا: خابر يا أبوي بس بقولك عيحبك، عشان سبحانه وتعالى بيقول في كتابه العزيز (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين).
فبكى حمدان حتى ابتلت لحيته وبكى جاسر الذي قال بخفوت: تفتكر كمان أنا يا أخوي ربنا عيحبني لو توبت.
فاقترب جابر منه وربت على كتفه بحنو قائلًا: ربنا بيحب كل اللي بيرجع إليه بس المهم تكون صادق بينك وبين نفسك يا أخوي.
رفع جاسر عينيه بحرج: طيب وأنت مسامحني ثم أشار إلى جاد بخجل: وأنت كمان يا جاد مسامحني.
فتعلق الاثنان به واحتضنوه قائلين: أيوه، أنت أخونا والدم عمره ما كان مية.
ثم ابتعد جابر قائلًا: وعندي ليك خبر حلو جوي، عترجع معانا دلوك.
تجمد جاسر مكانه وقال بتلعثم: عتقول إيه؟ كيف أعاود معاكم وأنا على ذمة القضية لسه؟
جابر: عتخرج بكفالة مؤقتًا لغاية ما تتحكم في القضية بس إن شاء الله يكون حكم مخفف بإذن الله.
تنهد جاسر بحرارة قائلًا: ياااه قد أكده أنا كنت وحش جوي، وأنت كويس جوي يا جابر عشان بتعمل كل ده عشاني وأنا مستاهلش ده.
لي بكي مجددًا قائلًا بنحيب: سامحني يا أخوي.
جابر: يلا عاد بيكفي بكي وحضر نفسك عشان تخرج معانا، بعد ما تعمل شوية إجراءات أكده. بس فيه حاجة أكده عايز أقولك عليها الأول.
جاسر: حاجة إيه؟
جابر بحرج: أنت خابر إن اللي حوصل ده كان بسبب مرتك اللي أنا حذرتك منيّها قبل ما تتجوزها.
فطأطأ جاسر برأسه وأومأ بها.
جابر: يبقى كل واحد يروح لحاله أحسن يا أخوي وربنا يعوضك ببنت حلال تعينك على الحلال أحسن ولا أنت كيفك منها برده؟
فقبض جاسر على يديه بغضب قائلًا: كيفي منها!! لا يا أخوي هي انتهت بالنسبة لي خلاص وعطلقها بس أخد الأول بتاري منيّها.
جابر بصدمة: كيف ده؟ عايز ترجع السجن تاني برجليك، ده إحنا لسه مخلصناش من الوقعة دي.
جاسر بتصميم: مهو أنا مش هسيبها أكده بالساهل تفلت بعملتها.
فترجاه جابر: الله يرضى عنك يا أخوي، سيبها واهتم بنفسك أولى وقول يارب.
فطالع حمدان جابر بامتنان وأومأ إليه برأسه قائلًا: أنت الخير الوحيد في حياتي يا ولدي ودعوة أمك الحلوة، ربي يحفظك وتفرح بولدك.
جابر: ربنا يخليك ليّ يا أبوي. بس حاول تعقل ولدك.
حمدان: ياما كلمته يا ولدي، بس رأسه وألف سيف يعملها.
جابر بأسى: أستر يارب.
لتتم بالفعل الإجراءات ويخرج معهم جاسر، يستنشق هواء الحرية مرة أخرى.
ليتركه بعد ذلك جابر بعد أن حذره مرارًا وتكرارًا من أن لا يصيب زوجته بأذى ويكتفي بتطليقها ووعده هو بذلك حتى تمر قضيته بسلام وأقل عقوبة.
وبالفعل اتجه جاسر إلى بيته بمشاعر مضطربة، لا يدري ما يفعل إن رآها أمامه، هل يبطش بها لما فعلته معه، أم سيضعف أمامها، لإنه في قرارة نفسه مازال يحبها وإن أنكر ذاك أمام جابر ولكن لا سلطان على الهوى.
وعندما اقترب جاسر من منزله، رأى حسنية تخرج وتضع وشاحًا على وجهها ثم أخذت تتلفت يمينًا ويسارًا. فانقبض قلب جاسر بعد أن حدثه قلبه إن من وراء فعلتها تلك مصيبة. لذا اختبأ سريعًا حتى لا تراه، ثم سار من ورائها خفية ليعلم إلى أين تذهب تلك الحية؟
فما عساك أن تفعل أيها الحبيب المغفل عندما ترى بأم عينيك خيانتها لك؟
******
أخفض زرارة صوته عند الحديث مع رضوان الذي أصر على معرفة أخبار حمدي وقمر. فضحك زرارة وهمس له بصوت منخفض ولكن كانت أذن مسالم معهما.
زرارة: حمدي يا سيدي عايش حياته في الشقة اللي أجرناها له، ما أنت خابر اللي في...
رضوان: أيوه خابرها دي شقة الدور الأرضي عشان لو الحكومة كبست يفلت من المنور على طول للشارع الوراني. وطبعًا هايص مع البت حسنية مرت جاسر، طول عمره نفسه دنيئة الراجل ده.
زرارة ساخرًا: آه يا واد عمي، وقال إيه عايز يتجوزها ويخلف منيّها. حد بردك يخلف من واحدة دايرة على حل شعرها، دي مسبتش راجل إلا وعاشت حياتها معاه، حتى محسوبك كمان.
فضحك رضوان وغمزه بمكر: آه يا نمس، بس صراحة البت حسنية مهلبية. بس قول لي كيف عملتها وأنت لساك كنت مع البت قمر؟ بس صوح عاد نسيت أسألك هي استحملت على كده ولا فطست منك.
فزفر زرارة بضيق: متفكرنيش بقى، ده أنا زعلت عليها جوي، مستحملتش ونزفت لغاية ما ماتت.
فاتسعت عين رضوان بفزع: ماتت!! أهو ده اللي كنت خايف منه وقولت لك بلاش يا واد عمي.
زرارة: اللي حوصل بقى.
رضوان: وعملت إيه في جثتها؟
زرارة: لقحتها في حتة مهجورة أكده آخر البلد.
ارتجف جسد مسالم عند سماعه أن قمر ماتت بتلك الطريقة البشعة، فاجتاحت جسده برودة كأنه على مشارف الموت وأخذ يهذي: لا يمكن، لا قمر مماتش. مماتش قمر. قمررررررررر.
ثم قام منتفضًا وصرخ وهو يشهر سلاحه: اااااه يا كلاب. عموتكم كلكم وعموت حمدي.
ليفزع زرارة ورضوان عند رؤيته وصاحوا: مساااالم. يا ليلة سوخة، روحنا في داهية.
ليشير زرارة إلى رضوان بخوف: اجري يا رضوان، قبل ما يخلص علينا.
فأسرع الاثنان في الركض، ومسالم من ورائهم يطلق النار حتى فزع من كل الشارع. وقام أحد الرجال بإبلاغ الشرطة عن ما حدث، لتبعث في ذلك دورية شرطة للبحث في الأمر. ولكنها لم تجد أحدًا. فمسالم قد ابتعد بسبب ركضه وراء رضوان وزرارة ولكن بسبب إجهاده وضعفه لقلة الطعام لم يستطع اللحاق بهم. وسقط على الأرض يلهث، يحاول أن يأخذ أنفاسه بصعوبة وصدره يعلو ويهبط. ودموعه لا تتوقف ويهذي باسم قمر.
لا مماتش قمر، مماتش. أنا قلبي حاسس إنها عايشة. بس فينك، فينك يا قمري. وصدقيني مش هيرتاح ليّ بال غير لما آخد بتارك بيدي وهقتلهم كلهم وأولهم شيخ المنصر *حمدي*.
ليحاول الاعتدال بصعوبة ويسير إلى مكان تلك الشقة التي علم مكانها من زرارة.
********
أراد براء أن يجمع معلومات عن تلك السيدة التي اصطحبها فريد في سيارته، لذا انتظر حتى غادروا ثم اتجه إلى حارس البناية وسأله عنها بمكر قائلًا: بقولك إيه يا بلدينا، هي الهانم اللي نزلت دلوك مش بردك الدكتورة منال.
فضحك الحارس قائلًا: دي بردك أشكال دكاترة يا بلدينا. دي الست شاهندة سالم العمري، ست لا مؤاخذة عايشة حياتها بالطول والعرض وإيشي لبس ودلع وسهرات مع البيه اللي بيجي لها ده كل وقت والتاني.
براء: والله وأنا كنت بحسبها دكتورة، تشكر يا بلدينا. سلام عليكم.
ليغادر بعدها إلى شقته، ليبحث عن هوية تلك المرأة، ليتفاجأ بما ظهر له.
شاهندة ابنة رجل الأعمال سالم العمري الذي يقطن في الإمارات، وهو يخفيها عن الجميع لأنها من ذوي الاحتياجات الخاصة ولا تعيش معه بل تركها في مستشفى للأمراض النفسية الخاصة من أجل مظهره العام في المجتمع.
فشهق براء: احتياجات خاصة إيه، دي جاموسة متحركة. ومستشفى مجانين إيه، دي شكلها أعقل مني!!
ليترك الحاسوب ويمسد على شعره ليصيح: البت دي مش دوكها، دي بت شكلها وراها مصيبة وأنا لازم أعرف هي مين؟
******
عادت بانة إلى القصر بقلب منفطر على حالها، بعد أن تشوه وجهها وجسدها وانقلب السحر على الساحر ودفعت ثمن غرورها ومكرها بثمن غالي وخسرت جمال وجهها وأصبحت بوجه مشوه لا يستطيع أحد النظر إليها من دمامتها.
واستقبلتها زهيرة بعد عادت لوعيها ولكن مازالت الصدمة تظهر جليًا على وجهها وعندما رأتها على هذا النحو بكت بكاء شديد واحتضنتها.
بانة بنحيب وقهر: شوفتي ياما اللي حصل لي، خلاص أنا مبقتش أنفع ومحدش هيقدر يبص في خلقتي وهعيش محبوسة في أوضتي لآخر العمر. يارتني كنت موت قبل ما أشوف اليوم ده.
ثم استطردت باتهام وقلب مازال يحمل الكثير من الكره والحقد رغم ما حدث: بس لازم تجيبوا لي حقي ياما من اللي عملت فيّ أكده ياما. لازم تتحبس، لا تتحبس إيه، دي لازم تتعدم.
وهنا صاح باسم من ورائها: بزيادك عاد افترا على خلق الله يا بانة، وبيكفي اللي حصل لك من تحت رأسك وكرهك للناس.
فابتعدت بانة عن حضن زهيرة وعقدت حاجبيها بغضب وصاحت بحدة: أنت هتصدق البت دي وتكدبني أنا يا أخوي!
باسم: لا أنا مصدق اللي شفته بعيني، ثم أخرج لها الفيديو.
لتفزع عندما شاهدت نفسها تنفذ جريمتها، فارتبكت ولم تدري بما تدافع عن نفسها بعد أن اكتشف أمرها، فلم تجد سوى الهرب، فركضت إلى غرفتها باكية. ثم وقفت أمام المرآة لترى وجهها المشوه.
فصرخت وقامت بقذف المرآة بالمزهرية لتتهشم في الحال.
ثم ألقت بنفسها على التخت باكية تعاتب نفسها بندم:
"أنا إيه اللي عملته في نفسي ده؟! ليه أكده يا بانة ضيعتِ نفسك، بعد ما كنتِ عندك كل حاجة؟ المال والجمال، زوج بيحبك وجبتِ الولد كمان. وفي لحظة ضاع منك كل حاجة، حتى ولدك مش هيقدر يشوفك أكده هيصرخ ويتفزع منكِ. أنا حاسة كأني بحلم وده كابوس أكيد ونفسي أقوم منه."
أما زهيرة التي ازداد بكاؤها لحزنها على فلذة كبدها وما حدث لها، فاحتضنها باسم ليهدئ من روعها.
زهيرة بنحيب: "أختك ضاعت أكده يا ولدي خلاص، ربنا يسامحها هي اللي عملت أكده في نفسها."
باسم: "الله يهديها يا أمي، سيبها مع نفسها شوية، عشان تفكر في اللي عملته يمكن تندم وترجع بانة بتاعة زمان مش بانة دلوقتِ اللي مش شايفة حد غير نفسها وبس، وأهو كله طلع عليها وخسرت كل حاجة."
ابتعدت عنه زهيرة: "بس يا ولدي صعب قوي اللي هي فيه ده. ما ينفعش أي حاجة تعملها ولا تسافر بره عشان شكلها يرجع كيف زمان."
تنهد باسم بألم قائلًا: "مش بالساهل طبعًا يا أمي، وأكيد هتحتاج عمليات ممكن تاخد سنين وممكن تخفف شوية من نسبة التشوه لكن لا يمكن ترجع كيف الأول."
فبكت زهيرة: "يا قلبي عليكِ يا بنتي."
ثم استمع باسم لصوت ملك تمشي وراء عزة التي تحمل ريحانة وتنهرها بقولها: "لو سمحتِ ما ينفعش أكده تنزلي بالبت، هتستَهوي، حرام عليكِ. اطلعي بيها فوق الله يكرمك."
لتلتفت لها عزة وقد رفعت حاجبيها مردفة بسخط: "يووه، أنتِ زهجتيني يا ملك. كل شوية اعملي أكده، ما تعمليش أكده وكأني مش أمها ولا بخاف عليها."
ملك: "لا يا ستي أمها وكل حاجة بس دي يا حبة عيني لساها قطعة لحمة ما هتتحملش."
عزة بتجهم: "ما لكيش صالح، وما تخافيش أنا مدثراها كويس."
طالعهم باسم بحنق هما الاثنين وحدث نفسه: "وبعدين بقى في المشاكل اللي ما هتنتهيش دي، أنا زهقت. وشكل أكده هتجوز واحدة ثالثة عشان تدلعني بدل الاثنين اللي هينكدوا عليَّ دول كل شوية."
ثم جاءه اتصال من المهندس المشرف على المستوصف الخيري فأجابه: "أيوه يا باشمهندس، إيه الأخبار؟"
المهندس: "كله تمام يا دكتور، والحمد لله كده خلصنا الشغل وكمان المعدات وصلت على التركيب. وتقدر دلوقتِ لو فاضي، تيجي تشوف بنفسك."
فابتسم باسم برضا رغم حزنه على براء وبانة قائلًا: "طيب خير الحمد لله، ربنا ينفعنا بيه. أنا هاجي حالًا."
ليغلق معه ثم أشار إلى عزة: "ممكن يا دكتورة عزة، تيجي تشوفي المستوصف عاد معايا عشان خلاص أكده خلص، ونحدد مع بعض إمتى هنبتدي الشغل."
فابتسمت عزة قائلة: "مبارك علينا يا باسم، ربنا يجعله فتحة خير إن شاء الله. وماشي ثواني هجهز وهروح معاك."
ثم ضمت ريحانة وقبلتها مردفة: "يلا بينا يا رورو تشوف مستشفى بابا، وعقبال لما أشوفك دكتورة وتشتغلي فيه بنفسك."
لتفزع ملك قائلة: "أنتِ اتجننتِ إياكِ؟! عايزة كمان تخرجي بالبت في الجو ده، لا يا حبيبتي هاتيها أنا هقعد بيها لغاية ما ترجعوا بالسلامة."
فزفرت عزة بضيق: "وبعدين معاكِ بقى، ما الناس بتخرج بعيالهم عادي."
فتدخل باسم لينهي الشجار: "معلش يا عزة سيبها عشان فعلًا إحنا ممكن نغيب بره والبنت هتجوع وتبكي وتحتاج تغير حفاضتها فمش هتتفع فعلًا تيجي معانا."
فحركت عزة رأسها بإيماءة وأجابته: "أكده، ماشي يا دكتور."
لتعطيها إلى ملك التي أخذتها منها بلهفة وضمتها لصدرها وأسرعت بها إلى أعلى نحو غرفتها لتعتني بها، بعد أن أصبحت جزءًا لا يتجزأ منها وكأنها هي من أنجبتها.
******
كان حمدي في انتظار حسنية بلهفة وأخذ يدور حول نفسه متسائلًا: "هي البت دي اتأخرت كده ليه؟ طيب أنا هشغل نفسي شوية في تحضير الأكل وكوبايتين بوزة عشان يفتحوا النفس عقبال ما تيجي عشان لما تيجي ما نضيعش وقت وندخل على المفيد وأحلى بالمهلبية دي."
فأخذ يدندن بعض الأغاني وهو يأتي بالطعام من المطبخ ويضعه على المائدة ويتراقص مع كلمات ما يدندنه: "عنتر ابن شداد أنا خارج عني النفسنة، شاغل بالي بحالي، ده أنا ده أنا أنا برنس شوف الدنجلة."
وظل هكذا حتى وصلت حسنية وطرقت الباب بخفة.
فابتسم حمدي وصفق بيديه مرددًا بمرح: "أهي جاتلك الحب يا ولا."
ليسرع إلى الباب ثم نظر في بادئ الأمر من العين السحرية ليتأكد أنها هي وعندما تأكد صاح بصوت خافت: "هفتح أهو يا قلب حمدي."
ففتح الباب وطالعها بلهفة ليهمس لها: "آه يا بت اتوحشتك قوي قوي."
حسنية بدلال: "وأنت كمان يا قلبي."
ثم أغلق الباب سريعًا.
ليرى هذا المشهد ذلك البائس جاسر من بعيد ويسمع صوتها، فاتسعت عيناه من الصدمة وشعر أن السموات والأرض قد انطبقت على رأسه، فلم يستطع التنفس للحظات وأخذ صدره يعلو ويهبط.
ليصرخ بعدها: "آه يا خاينة، بعد كل اللي عملته عشانك، هتخونيني مع الكلب ده."
ثم ضرب على مقدمة رأسه قائلًا: "ومش بعيد تكونوا أنتم الاثنين اتفقتوا عليَّ ووشيتوا بيَّ للحكومة عشان ياخدوني ويخلي لكم الجو وعشان أكده طلبتِ الطلاق على طول. يعني مش بس خاينة، لا بعتيني بالرخيص كمان. ده أنا هشرب من دمك أنت وهو دلوقتِ."
ثم أخذ يتلفت من حوله ويفكر قليلًا بما يقتلهما وهو ليس معه شيء.
حتى وجد فأسًا ملقى بجانب الطريق، فابتسم بشر وتلونت عينيه بالحمرة بعد أن تجسد الشيطان في جسده.
ثم ذهب إليهم وأخذ يدور حول الشقة حتى يرى مدخلًا يتسلل منه إليهم، فلم يجد سوى تلك النافذة المتهالكة من الخشب، فحاول فتحها ببطء حتى لا تصدر صوتًا يلفت النظر، بينما كانت أصوات ضحكاتهم في الداخل تتعالى.
حمدي بعشق: "صراحة يا بت أنا مش خابر، أنتِ عملتِ فيَّ إيه بحلاوتك وشقاوتك دي. أنا بقيت أعشقك وما أقدرش أبعد عنك ولو للحظة واحدة."
حسنية بدلال: "وأنا كمان قوي يا سيد الناس وحبيب قلبي وروحي أنت يا حمدي."
فغمزها حمدي وعلق بلسانه شفتيه قائلًا: "آه منك ومن كلامك الحلو."
فازدادت ضحكاتها ودلالها فصاح: "آه يا قلبي اللي قايد نار. من حبك يا بت."
ومع كل رنة لصوت ضحكاتهم وكل تنهيدة تخرج منهم كانت كالرصاصة في قلب جاسر تفتك بقلبه.
حتى استطاع بيد مرتعشة أن يفتح النافذة ثم حمل الفأس، ودلف للداخل بخطى خفيفة حتى وصل إلى غرفتهم وظهرت الصدمة على وجهه لرؤيته لهم.
فصرخ: "آه يا فاجرة."
فانتفض حمدي وقام سريعًا وصاحت حسنية بذعر: "جاسر."
جاسر بقهر: "أيوه جاسر المغفل يا خاينة. جاسر اللي رميتيه في السجن عشان تاخدي راحتك مع حمدي."
فابتلع حمدي لعابه بخوف وهو يرى جاسر يقف يحمل الفأس في يديه والشر يتطاير من عينيه، فحاول تهدئته: "اهدأ أكده يا جاسر، واللي عايزه أنا هعمله. أنا مستعد أديك مئة ألف جنيه حتة واحدة، بس تطلق حسنية وتهملنا وتشوف حالك أنت بعيد عنينا."
فضحك جاسر بهستيرية ثم عقد حاجبيه وهمس بصوت يشبه فحيح الأفعى: "مئة ألف جنيه وحتة واحدة. لا ما تستاهلش أنا عايز بس جنيه منهم، معاك؟"
فتعجب حمدي من قوله ولم يدرِ بما يقول.
وبكت حسنية وترجته قائلة: "وحياة أغلى حاجة عندك يا جاسر تسامحني، معلش غصب عني والحب مش بيدي. وأنا حبيت حمدي، فطلقني وأنت دور على بنت الحلال اللي تسعدك."
جاسر بغضب: "من جهة هأدور فهأدور يا بنت، بس لما آخذ روحك الأول أنتِ وهو."
فصرخت حسنية: "لا يا جاسر، أنت طيب وما هتعملهاش، يهون عليك حسنية."
فابتسم بمرارة وحرك رأسه وقال بسخرية: "آه تهوني."
فقفز فوق التخت بحركة سريعة وهوى على رأسها بالفأس فشقه نصفين، فاندفعت منها الدماء وتحول التخت إلى بحيرة من الدماء.
ليفزع حمدي عند رؤيتها هكذا وارتجفت أوصاله وحاول الهرب؟ فهل سينجح ويهرب؟ أم للقدر رأي آخر.
رواية اولاد الجبالي الفصل التاسع والتسعون 99 - بقلم شيماء سعيد
قتل جاسر حسنية تلك الحية بلا رحمة، رغم توسلاتها إليه وحبه لها، ولكن ما فعلته جعله لا يراها إلا شيطانة فتخلص منها.
أما حمدي، ذلك العاشق لحسنية، لم يغمض له جفن بمقتلها، وفر هاربًا سريعًا كي لا يقتله جاسر، كالمثل الدارج: "يا روح ما بعدك روح".
خوفًا من أن يقتله، ولكن جاسر بقلب ملتاع مقهور أقسم ألا يتركه حتى ينتقم منه هو الآخر، فركض خلفه وقذفه بالفأس فأصاب إحدى قدميه، فصرخ حمدي من الألم وسقط على الأرض متأثرًا بجرحه.
ورفع يده لجاسر يترجاه ألا يقتله ثم حاول التراجع للخلف خشية منه قائلًا:
"هديك كل فلوسي يا جاسر بس سبني أعيش الله يخليك."
فضحك جاسر ضحكة شيطانية مردفًا:
"دلوك عتترجاني يا حمدي، بس ما بعتني عشان تاخد مرتي مني."
"لا أنت متستحقش غير الموت، عشان اللي زيك لو عاش عيفسد ويخرب في الأرض ومش هتسلم الناس من شره."
ليرفع جاسر الفأس مرة أخرى ليضربه الضربة القاتلة، ولكنه سمع صوت أحدهم يطرق الباب بشدة.
فتوتر قليلًا ولكنه أصر على موته فضربه على رأسه فصرخ وسالت الدماء من رأسه ولكنه لم يمت، وفر جاسر سريعًا من النافذة كما أتى.
وكان الطارق هو مسالم المكلوم في عرضه ويحمل في قلبه حزن يسع العالم كله.
كان يطرق الباب بهيستيرية ويصرخ:
"افتح يا خسيس، افتح يا مجرم."
وعندما لم يجد استجابة منه، أخذ يضرب الباب بكل قوة حتى كسره ودلف للداخل كالطور الهائج يبحث عنه في كل مكان، حتى تفاجأ به على الأرض والدماء تسيل منه ويهذي بكلمات غير مفهومة وكأنه يصارع الموت، والروح قد بلغت الحلقوم ويرى أمامه مصيره الهالك الذي لا رجوع فيه.
فانكب عليه مسالم بقهر يمسكه من ملابسه، غير مبالٍ بما به ولا بتلك الدماء التي تسيل منه وما يشغله فقط هو قمر، فأخذ يدفعه للأمام مرة وللخلف مرة قائلًا بحدة:
"عملت إيه في قمر يا حمدي؟"
"مش كفاية اللي عملته فيها زمان، ليه استخسرت فيها تعيش حياة كويسة!!"
"وكان بيكفي اللي حصل زمان."
"ليه حرمتني منها وأنا اللي مش قادر أعيش من غيرها؟"
"وأوعى تقول إنها ماتت، لإن قلبي عيقولي إنها عايشة."
"فين قمر يا حمدي، فين؟"
ليحاول حمدي النطق بصعوبة بعد أن بلغت روحه الحلقوم:
"قمرررررر مااااات عشان خاينة."
"ما هو كل خاين عيموت زيي أنا دلوك بموووووت."
ليشخص بصره وتسكن جوارحه بعد أن شهق شهقة الموت وصعدت روحه إلى بارئها، ليموت على سوء خاتمة.
فهاج مسالم ولم يصدق أنه مات دون أن يطمئن منه على قمر، رغم أنه سمعه يقول إنها ماتت ولكن يكذب أذنه وعقله ولا يصدق سوى قلبه.
لذا أخذ يدفعه مجددًا من ملابسه، لينطق أين هي.
مسالم بصراخ مؤلم:
"لا متتتتتتتتتتتموتش غير لما تقول لي فين قمر!"
"ومتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت-قمرررررررر ماااااتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت
تقابل باسم وعزة مع المهندس المسئول عن المستوصف وتقابل أيضًا مع دكتور آخر من بلدة أخرى يدعى دكتور أيمن صبحي.
وهو شاب في منتصف الثلاثينات أرمل بعد أن ماتت زوجته وهي تلد ابنته تالا،
وتراعي الطفلة جدتها لأمها.
رحب به باسم:
"أهلًا دكتور أيمن، نورتنا والله، ويارب تكون مبسوط معانا."
أيمن ببشاشة وجه:
"النور نورك يا دكتور باسم، وأكيد هكون مبسوط طالما بشتغل مع إنسان شاطر وأخلاق زي حضرتك."
ثم عرفه باسم على عزة بقوله:
"مرتي الدكتورة عزة وعضو مؤسس معانا إهنه."
فرفع أيمن عينيه عليها للحظة ثم أخفضها سريعًا، ولكن شعر بشيء غريب اجتاح جسده عند رؤيتها.
فحمحم بحرج:
"أهلًا بحضرتك."
فأومأت له عزة برأسها:
"أهلًا بيك."
باسم:
"ها يا بشمهندس ماجد، كده كله تمام ونبدأ نشتغل فعلًا من بكرة."
ماجد:
"أيوه يا دكتور. تعال نطلع وتشوف بنفسك."
وبالفعل تمت رؤيته لكل التجهيزات المطلوبة بانتشاء وفرحة لمعت له عينيه، إنه أخيرًا حقق حلمه الذي كان يطمع إليه وهو معالجة فقراء قريته بمبلغ رمزي لتكون ذخرًا له في آخرته.
ليبدأ في اليوم التالي العمل بجد بمساعدة عزة وعدد من الأطباء الذين اختارهم بعناية.
*******
قرر براء أن يعرف السر الذي يكمن وراء شاهندة التي يقال عنها إنها مريضة ونفسية، ولكن الذي رآه منها خلاف ذلك.
لذا قرر أن يشدد الرقابة عليها في كل حركاتها لعله يصل معها إلى شيء.
حتى جاء اليوم الذي شعرت به مرام بإعياء وألم يجتاح بطنها، فقررت النزول والتوجه إلى عيادة طبيب باطنة تتعامل معه منذ فترة.
فراقبها براء حتى إنه ولج وراءها إلى العيادة، وتفاجأ عندما تكلمت أمامه بصوت مسموع أمام موظفة الاستقبال.
فاتسعت عيناه مردفًا:
"الصوت ده مش غريب عليه، أنا عارفه كويس، ده صوت مراااااام. بس إزاي دي سحنة تاني خالص، وكمان مش التانية في جهنم دلوقتي البعيدة. أنا هتجنن، ومش قادر أفكر. ممكن تكون هي ولعبت في خلقتها عشان تعيش حياتها، أمال مين اللي لقوها محروقة في العربية؟ ده لغز ولازم يتحل ولازم أعرف الحقيقة."
ليجلس براء مشغول العقل لا يصدق ما يحدث، وانتظر مرام حتى تخرج من حجرة الكشف.
وفي الداخل:
الطبيب:
"للأسف يا آنسة شاهندة، السونار عندي موضح أن فيه ورم في المعدة، وبكده لازم حضرتك تتابعي مع دكتور أورام عشان يعمل منظار وياخد عينة ويحدد إن كان الورم ده خبيث أو حميد، ولو لا قدر الله خبيث يعمل اللازم عشان يسيطر عليه."
ظهرت الصدمة على معالم مرام ولمعت عينيها بالدموع، وأخذت تتحدث بهستيرية:
"لا مش معقول، تقصد يعني إني عندي كانسر؟ يعني هموت وأنا في السن ده، من غير لسه ما أعيش حياتي؟ لاااا يا دكتور أنت أكيد غلطان."
نظر لها الطبيب بشفقة قائلًا:
"إن شاء الله يكون ورم حميد، والأعمار بيد الله يا بنتي، ومحدش يقدر يقول للتعبان هتموت إمتى، ده السليم بيموت فجأة بدون إنذار، عشان كده لازم كلنا نستعد لليوم ده. ونصيحة يا بنتي مش من دكتور لمريضة لا من أب لبنته، غيري من لبسك والبس حجاب ينور وشك وادعي ربنا يشفيكي، لأن هو الطبيب وإحنا مجرد أدوات صدقيني بنساعد بس."
فبكت مرام وأجابته بحزن:
"حجاب وأدعي، إزاي! ده أنا من ساعة ما تولدت وأنا حياتي كلها غلط، ومفيش أي حد جنبي ومفيش رجوع للطريق اللي أنا ماشية فيه. وأنا مش عارفة زعلانة ليه إني هموت، ما أنا عايشة ميتة من غير روح ولا إحساس. مفيش جوايا غير كتلة شر بتهدم وتأذي بس."
فحوقل الطبيب بأسى:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. بس يا بنتي الإنسان منا ضعيف ومهما عمل من معاصي وقال بس يارب سامحني، ربنا بجلالة قدره وعظمته بيقبل توبته وبيفرح بيها كمان. وأنتِ عارفة أنا هقولك واحد جه للرسول صلى الله عليه وسلم وكان عامل معاصي كتير أوي وجه أسلم بين يدي الرسول وبشره أن الإسلام يجب ما قبله، يعني بدال أسلم كل المعاصي اللي عملها ربنا هيغفرها له. فالرجل اندهش وقال: وغدراتي وفجراتي. فرد الرسول: وغدراتك وفجراتك، يعني بالبلدي كده هيرجع أبيض زي ما اتولد. وقيسي على كده التائب لله عز وجل زي الكافر اللي دخل في الإسلام."
فأغمضت مرام عينيها تتخيل، وجاء في مخيلتها زاد وكيف كان شكلها البسيط وحجابها ومع ذلك كان يعشقها براء.
فوجدت نفسها تبتسم لا إراديًا وتحدث نفسها:
"يعني أنا لو عملت كده ممكن ساعتها ألاقي حد يحبني معقول!"
فرمشت مرام عدة مرات حتى تتخلص من تلك الدموع التي في عينيها لتستطيع الرؤية بوضوح مرة أخرى، ثم وقفت وقالت للطبيب:
"بشكر حضرتك على الكلام الحلو ده، وادعيلي عشان أنا فعلًا حياتي متلخبطة ومش عارفة أبدأ إزاي؟"
الطبيب:
"أنتِ بس انوي وهتلاقي الأمر متيسر، بس لازم تكوني قوية لأن الإنسان اللي بيتوب بيهاجمه الشيطان وتيجي عقبات توقف قدامه عشان ترجعه عن طريقه تاني. والتائب الحق هو اللي بيقدر يثبت على الحق مهما كانت الصعوبات. وربنا ينور بصيرتك يا بنتي."
لتومئ له مرام بامتنان ثم خرجت ولكن بخطوات ثقيلة بعد أن هاجمها دوار لم تستطع التركيز منه، وأمسكت برأسها قليلًا لتحاول السيطرة على نفسها، ورآها براء فوقف يتبعها حتى وصلت إلى السلم ونزلت درجة، ولكن اختل توازنها بسبب الدوار وكادت أن تقع لولا تلك اليد التي أمسكت بها وما كانت إلا يد براء.
قائلًا:
"خلي بالك يا آنسة كنت هتقعي."
فالتفتت له مرام لتشكره، لينظر براء إلى عينيها التي تؤكد له إنها هي بذاتها.
نعم إنها هي؟
ولكن كيف، هو الذي ينبغي عليه أن يعلمه؟
وما سر تلك الدموع التي في عينيها وذلك الوجه الذابل.
مرام:
"بشكر حضرتك جدًا. وبتمنى لو تكون جانبي لغاية ما أوصل لعربيتي، لإني فعلًا تعبانة ومش مركزة."
فحاول براء أن يخرج صوته بنغمة أخرى حتى لا تعرفه من صوته، رغم أنه يخفي ملامحه ببشرة سوداء مع نظارة أيضًا سوداء.
براء:
"أكيد طبعًا، معاكِ لغاية ما أوصلك كمان، أنا بعرف أسوق على فكرة. وأعرفك بنفسي: أنا باشمهندس خالد نافع."
مرام:
"وأنا شاهندة، اتشرفت بمعرفتك يا باشمهندس. وأنت ذوق أوي، شكلك من أهل النوبة الطيبين."
فابتسم براء وأجابها:
"أيوه فعلًا."
ليساعدها بعد ذلك على النزول ثم يتجه إلى سيارتها، ويجلسها، لينطلق معها نحو منزلها.
رواية اولاد الجبالي الفصل 100 - بقلم شيماء سعيد
أستندت مرام برأسها على مقعد السيارة بجانب براء بعد أن شعرت بوهن أصاب جسدها ولم تعد تستطيع التركيز.
ولكنها حاولت التحدث: أسفة تعبتك معايا وعطلتك.
بس حقيقي تعبانة، أنا أول مرة أتعب كده في حياتي.
براء بمكر: لا مفيش تعب ولا تعطيل، أنا تحت أمرك.
وألف سلامة عليكي إن شاء الله تخفي وتبقى زي الفل.
فلمعت عين مرام بالدموع وتحشرج صوتها وسمع لها براء أنينًا خافتًا وقالت بقهر وحزن: أخف؟!
تصور إني اتفاجئت النهاردة إني عندي ورم في المعدة، والدكتور عشان يريحني بيقول ممكن يكون ورم حميد، بس هو عارف ومتأكد إنه سرطان.
يعني أنا كده انتهيت بدري بدري.
اتسعت عين براء بصدمة ولم يشعر لما لاح في عينيه لمحة حزن من أجلها رغم ما فعلته معه من إيذاء، ولكن هو في النهاية إنسان يتألم بتألم غيره.
ولكن ما زال قلبه مشتعلًا غضبًا نحوها وود لو اعتدى عليها ضربًا لتعترف بما فعلت به ليتبرأ أمام الناس وخصوصًا زاد.
ولكنه آثر الصبر حتى يحصل منها على الاعتراف طواعية وليس بإجبار.
ثم رن هاتف مرام وكانت مكالمة من فريد فزفرت بضيق ولاحظ براء غضبها ثم استجابت له بقولها بحنق: عايز إيه يا فريد؟
فضيّق فريد حاجبيه وسألها: إيه مالك يا مرمر داخلة جامدة كده؟!
ده جزاتي اللي بتصل بيكي عشان أقولك وحشتيني وعايز أشوفك.
فضحكت مرام ساخرة: لا قلبك حنين أوي.
أنت مفيش في دماغك غير حاجة واحدة، بس أنا تعبت يا فريد حتى جسمي تعب ولسه راجعة من عند الدكتور ومش هقدر.
فزفر فريد بضيق: تعبانة هو ده وقته.
كده طيب هكلمك كمان يومين تكوني خفيتي، بس ما تطوليش ها.
سلام يا حلوة.
ثم أغلق الخط في وجهها، لتبكي هي بمرارة ثم قالت بضيق: حيوان.
واستطردت بقولها: ده حتى ما هانش عليه يقولي سلامتك ولا حتى هاجي أطمن عليكي.
فتعجب براء من أسلوبها وبكائها لإنها هي من صنعت لنفسها ذلك الطريق فلما تبكي الآن؟!
ثم حاول أن يخرج منها بكلمات فسألها: هو خطيب حضرتك اللي كان بيكلمك ده؟
معلش هو أكيد مش حاسس إنك تعبانة أوي للدرجة ويمكن فاكر بتدّلعي ولا حاجة.
فسخرت مرام: بدَلّع؟!
ده أنا بكرهه وبكره اليوم اللي عرفته فيه.
فحمحم براء بإندهاش وقال: للدرجاتي طيب خلاص فركشي وربنا يعوضك بالأحسن.
فضحكت مرام: بالأحسن، أنا ما قابلتش حد كويس خالص في حياتي.
ثم صمتت لحظة وتابعت: غير واحد بس حبيته من كل قلبي.
براء بترقب: وحصل إيه؟
مرام بحزن: كان حب للأسف من طرف واحد، أنا حبيته أوي بس هو ما حبنيش فاتفرّقنا.
شعر براء أنها تتحدث عنه فتابع: يمكن النصيب يجمعك بيه تاني.
تنهدت مرام: ياريت بس ما أظنش لأنه خلاص بقى ليه عيلة زوجة وأكيد خلّف كمان، لكن أنا عمري ما نسيته وأظن مش هقابل حد زيه بس أنا زعلانة منه لأنه جرحني أوي، وأنا برضه من زعلي جرحته بس غصب عني.
لو كان يحس بكل الحب اللي في قلبي ناحيته ما كانش عمل معايا كده.
فتوتر براء وأردف: يمكن كان ليه عذر برضه، ما تعرفيش الظروف.
مرام: أيوه عارفة ظروفه بس هو كسر قلبي من غير أي رحمة.
ثم بكت مرة أخرى بمرارة مزّقت قلب براء، فحدث نفسه: إيه مالك صعبانة عليك ولا إيه؟!
ما يصعبش عليك غالي يا أخويا، دي دموع التماسيح يا براء ما تصدقهاش.
فصمت ولم يتحدث معها في شيء، حتى وجدها تتابع الحديث معه.
تفتكر يا باشمهندس أنا لو حاولت أغير من نفسي وألبس حجاب وواسع وأغير حياتي كلها، ممكن اللي بحبه يغير فكرته عني ويحبني ولا برضه عمري ما هكون في باله أبدًا.
تنهد براء بتيه وأجابها على قدر معرفته: أولًا لو عايزة تغيري من حالك يبقى لازم تكوني نيتك خالصة لله مش عشان حد عشان تتقبل منك.
ثم استطرد بوضوح: وكمان أنتِ قولتي هو اتجوز وخلّف يعني خلاص بقى ليه حياة تانية ودخولك في حياته هيبوظها ومراته مش هتقبل ده، فليه تكوني سبب في تعاسته؟
أظن اللي يحب حد يتمنى ليه السعادة مش هيهدم حياته.
فبكت مرام مجددًا وتابعت: ومين يديني أنا السعادة ولو ليوم واحد وبعدها حتى أموت.
لإني خايفة أموت وأنا كده.
براء: مش يمكن ربنا يديكي جزاء على توبتك ورجوعك ليه، شخص هدية يحبك ويخليكِ حتى تنسي اللي كنتِ بتحبيه.
فخرجت منها تنهيدة حارة كانت كفيلة بإمداد براء بحرارة سرت في أطرافه مرددة: محدش يقدر ينسى أول دقة خرجت من قلبه ولا رعشة إيدي وأنا بلمسه ولا لمعة عينيه وأنا بكلمه ولا حتى نفسه وهو جنبي.
حتى نرفزته عليه كنت بحبها، ما تعرفش قد إيه هو وحشني أوي أوي.
وهنا انتفض براء وحدث نفسه: هو فيه إيه، دي معقول مرام.
بس دوكها ما كانش عندها إحساس أوي أكده.
دي كانت بهيمة ما تفهمش لا مؤاخذة.
ثم أشارت له مرام على الطريق: أيوه بعد سوبر ماركت السعادة العمارة اللي جنبه أوقف عندها.
ليجدها تمزح بقولها: يا ريت كنت أقدر أشتري السعادة من السوبر ماركت ده بس للأسف.
ليتوقف براء أمام تلك البناية التي تقطن بها ثم ترجل من السيارة وفتح لها الباب ليساعدها على النزول وأمسك بيدها لتنزل، فمدت يدها له، وتحاملت عليه، فتوتر من شدة ضربات قلبها التي يكاد يسمعها.
فحاول الابتعاد قليلًا وقال: حضرتك ساكنة في الدور الكام؟
مرام: الخامس.
يا ريت تكمل جميلك وتوصلني لغاية الشقة وتحطني بس على السرير عشان أنام مش قادرة خلاص أفتح عيني.
فابتسم براء بمكر وحدث نفسه: أكيد هتطلب بالمرة أحكيلها حدوتة لغاية ما تنام.
وقال إيه عايزة تتوب، أنا خابرها زين مش وش نضافة، فيه واحدة أكده برضه تطلب من راجل غريب يوصلها لغاية البيت وهي ما تعرفهوش.
ليستطرد مداعبًا: يلا أنا شكلي أكده بقع من نقطة لوحديرة، ومش بعيد أطلع فوق أتفاجئ أن زاد موجودة، عشان تبقى كملت ويقطعوني التنين جزل ولا سفاح الجيزة ولا يعملوني شاورما عاد.
ليوصلها بالفعل براء إلى شقتها ثم في حين غفلة منها فعل خاصية التسجيل لعله يأخذ منها أي كلمة تدل إنها هي مرام عصام وليست شاهندة.
تقدم براء معها إلى غرفة نومها وساعدها على النوم عليه ووضع وسادة وراء رأسها واستطرد: ها مرتاحة كده؟
مرام: معلش ممكن ترفع المخدة شوية كمان.
فانحنى براء بجسده ليرفع لها الوسادة، ليقترب وجهه من وجهها كثيرًا.
فوجدها قد مدت يدها وانتزعت منه تلك النظارة السوداء وأخذت تحدق النظر به كثيرًا، فارتبك وتراجع للوراء.
وحمحم بحرج: طيب قولي لو النضارة عاجباكِ أدهالك، مش تخطفيها كده عيني عينك.
لتنزل عليه الصاعقة عندما تفوهت بقولها: أعمل إيه كانت وحشاني عينيك أوي اللي مخبيها مني دي يا سيادة المقدم.
ليتجمد براء مكانه وجحظت عيناه وحاول إخراج صوته من حنجرته بصعوبة فخرج مهتزًا: مقدم مين أنا باشمهندس أنتِ التعب أثّر على نفوخك ولا إيه؟!
فضحكت مرام ضحكة ممزوجة بألم: التعب أثّر على كل حاجة إلا قلبي يا براء اللي حس بيك من أول ما لمست إيدي على السلم، من ريحتك لما قربت مني.
من قلبي اللي قعد يدق من ساعة ما كنت جنبي.
من صوتك اللي مهما حاولت تغيره، أنا حفظته.
من نفسك اللي خارج من شفايفك وأنت بتكلمني.
ياااااه يا براء، أنت أصلك مش عارف أنا بحبك قد إيه.
هتقولي ما أنتِ ياما عرفتي قبلي وبعدي؟!
هقولك بس محدش دخل قلبي غيرك، أنت الحبيب الأول والأخير، أنت ضي العين وروح الروح يا براء.
كم من حبيب ألقاه بين ناسي وأنا لن أعشق سواك.
لمحتك في زحام العمر
فأصبحت لي عمرًا
وأنت تعلم أن العمر لن يتكرر
أحبك: كلمة لا تحكي عما بداخلي لك.
أفتقدك: هي باختصار حكاية عشقي لك.
أشتاق لك: هو نبض قلبي الذي يدق من أجلك، وإن أمطرت السماء رجالًا... فلن يروي جفاف روحي عشقًا غيرك.
فتنهد براء تنهيدة قوية خرجت من عظام صدره قائلًا: ياااه للدرجاتي كنتِ بتحبيني يا مرام.
مرام: وأكثر كل الكلمات في قاموس العالم مش هتقدر تعبر عن حبي.
فحرك براء رأسه بقوة قائلًا: بس لا مش هصدقك عشان محدش يحب حد ويأذيه زي ما أذتيني.
أنتِ دمرتي حياتي كلها، شغلي ومراتي وسمعتي بين الناس.
فبكت مرام بإنهيار وصرخت: غصب عني، أنا كان قلبي قايد نار.
أنت كسرت قلبي وخلتني أبكي ليالي طويلة ولغاية دلوقتي ببكي بعد ما اكتشفت أن حبك تمثيلية، وقتلت أبويا الراجل الوحيد، الراجل الوحيد اللي حبه ما كانش لمصلحة وكان بيخاف عليه ومن بعده الدنيا ضلمت في وشي.
وكنت بتقطع كل ما أفتكر قربك منها ونظرة الحب اللي في عينيك ليها، وأقول إشمعنى هي وأنا لأ مع إني أنا أجمل وأغنى.
براء بحرج: دي مراتي يا مرام والحب ده شيء مش بإيدينا، ملوش دعوة بشكل أو فقر وغنى.
حاجة بتاعة ربنا، هو وحده رب القلوب.
مرام: ما هو ممكن تكون حبيتها هي عشان هي مؤدبة ومحجبة صح؟!
أنا مستعدة حالًا ألبس حجاب وإن شاء الله تحبسني في أوضة ما أطلعش منها بس تحبني يا براء وأشوف في عينيك نظرة حب ولو حتى للحظة واحدة.
بلل براء شفتيه بلسانه بعدما ابتلع لعابه لعله يستطيع أن يبرر لها لما فعل هذا ثم استطرد: الأمر مش كده خالص، أنتِ فاهمة غلط والحب والمشاعر مش عشان حجاب أو غيره.
وكمان مع احترامي لمشاعرك، أنا راجل شرطة يا مرام فاهمة يعني إيه، يعني كل اللي عملته كان واجب عليّ عشان أحاول أمنع السم الهاري اللي كنتوا بتموتوا بيه شبابنا.
أنتِ متخيلة كنتِ بتعملي إيه أنتِ وأبوكِ؟!
مرام: أنا كنت بخليهم ينسوا الدنيا ويعيشوا عالم تاني.
براء: عالم وهمي دمروا بيه نفسهم وأهاليهم، وسرقوا وقتلوا بسببه.
حركت مرام رأسها باستنكار: أنا ما فكرتش في ده كله، أنا كل اللي فكرت فيه أن إزاي أطلع من حياة الفقر اللي كنت عايشاها وبس، حتى الطريق ده أنا ما اخترتهوش.
أنا وقعت فيه مش بإرادتي، يوم ما اتجوزت واحد في سن أبويا كبير أوي، عشان بس معاه قرشين ولما اتجوزته لقيته شغال في الكار ده وأنا ما اعترضتش لأني أنا ما أعرفش أصلًا الحلال والحرام ما تربتش عليه عشان أعرف إيه الصح وإيه الغلط.
وكنت فرحانة بالأكل اللي أشكال وأنواع والفستاين اللي بغير كل يوم واحد جديد والسفر واللعب والفلوس اللي ما لهاش آخر.
عالم جديد عشت فيه وفجأة جوزي مات فكان لازم أكمل مشواره، ما هو مستحيل بعد ما دقت العز ده أرجع للفقر من تاني.
بس دلوقتي بقولك أنا خلاص مش عايزة حاجة، زهقت من كل حاجة وكمان زي ما أنت شايف تقريبًا بموت.
وعايزة فعلًا أتوب لربنا وأتحجب وأسلم نفسي كمان للنيابة وأقول إني أنا اللي عملت فيك كده في بث مباشر عشان الكل يعرف إنك بريء.
بس ده في مقابل حاجة واحدة بس يا براء.
فاتسعت عين براء مردفًا: إيه هي دي؟
مرام بعشق وشوق: تجوزني وأعيش معاك ولو حتى ليلة واحدة بس.
أظن مش خسارة لوحدة بتعشق التراب اللي بتمشي عليه.
وأحس بحنية قلبك.
وأكون جانبك
وأشوف في عينيك نظرة حب ولو للحظة واحدة.
فتعرق وجه براء وتخللت يده خصلات شعره بتوتر وكأنه يفكر في عرضها هذا.
فهل سيوافق ليتخلص من تلك العلامة السوداء في تاريخه أم يرفض كي لا يخون زاد مرة أخرى؟
**********
اتصلت نهلة على محمود، فأجابها:
حبيبي اللي واحشني ونفسي أخلص وأجيله، بس هانت خلاص فاضل على الحلو دقة يا قمري وأكون عندك.
نهلة بحنق:
لا مفضياش.
محمود بصدمة:
ليه إن شاء الله، يا آخرة صبري. وراكي الديوان وأنا ما أعرفش.
نهلة:
لا، الست أمك كل يوم بتعزم صحابها عندنا عشان أعلمهم الكلام المتذوق ده وشوية كلام إنجليزي على شوية حركات بتوع الهوانم، وطريقة اللبس والمشي. الأتيكيت يعني يا حودة اللي عملتهولي سيلينا. وهناخد من كل واحدة فيهم في الحصة مية جنيه، بس أمك مفترية بتاخد ٨٠ ليها وتديني عشرين وعشان كده بتصل بيك يا حودة، يا تجيبلي حقي منها وإلا والله أطلع أعلم الستات دي الكلام الصعيدي اللي أنت بتحبه مني بس ساعتها أمك هتغضب علينا أنا وأنت، ها قولت إيه؟
فصمت محمود ولم يجبها، وعندما طال صمته سألته:
مالك يا محمود، يا حودة، ما بتردش ليه؟
أما محمود فكان يستمع إليها وهو يضع يده على رأسه وعينيه قد فتحهما على آخرهما ينظر بهما لسقف الغرفة وأخذ يردد:
حسبي الله ونعم الوكيل. بقولك إيه يا نهلة أنتِ وأمي، أنا مش راجع عندكم واشبعوا ببعض، وأنا هتجوز هنا واحدة تدلعني، عشان أنا خلاص جبت آخرِي.
فشهقت نهلة بذعر:
هتتجوز عليا يا محمود، طيب اعملها كده، ومش هخليك تشوف ابنك أبدًا.
صمت محمود للحظة ثم تكلم باندهاش:
ابني، أنا سمعت صح! نهلة أنتِ حامل؟
فضحكت نهلة وأجابته:
أيوة حامل يا حودة.
محمود:
يا قلب حودة وكبدته وفشته. أنا هسيب كل اللي ورايا وجاي حالًا يا روحي.
نهلة:
روحك! مش كنت هتتجوز عليا من شوية؟!
محمود:
مين قال كده، أنا جاي عشان أقسم معاكم الفلوس يا روحي.
فضحكت نهلة بدلال قائلة:
طيب بسرعة يا جودة.
******
برزت بطن قمر للتأكد بالفعل أنها حامل مع ازدياد حركة الجنين فوضعت يدها على بطنها وتساءلت:
يا ترى أبوك مين يا ولدي؟ وأنا صح متجوزة ولا استغفر الله العظيم جيت بالحرام؟!
لتبكي خوفًا من أن يكون ما في بالها صحيح.
ليطالعها عطية بحزن، فهو تعلق بها من أول يوم رآها به، وشعر أن تلك الدمعة التي تسقط من عينيها كأنها خنجر يشق قلبه فلم يتحمل.
آه لو تعلمي كم أهواكِ، والقلب لم يدق إلا لسواكِ. ولكن القدر جاء ليعلن كلمته. وذلك الجنين في أحشائك. كم وددت أن أكون له أبًا وتكون أنتِ الروح والسكن.
فاقترب عطية من والدته التي كانت تعد طعام الغداء وهمس لها:
البت بتعيط ياما وهي حبلى وأنا خايف عليها من الحزن، روحي لها ياما شوفيها مالها وواسيها عشان ما تحزنش وخليها تضحك. عشان لما بتضحك الشمس بتنور أكتر، دي حلوة حلاوة ياما.
طالعت أم عطية ولدها بشفقة بعد أن شعرت بمدى صدق محبته لها ولكنه حب عقيم لن يكون له نهاية، فهي امرأة متزوجة وحامل ولن تكون له أبدًا.
فربتت على كتفه بحنو وقالت بود:
يا ولدي ما تعلقش حالك على الحبال الدايبة عشان هتتعب بزيادة.
فطأطأ عطية رأسه وقال بخفوت:
خابر ياما، بس غصب عني حبتها جوي، وبقيت بخاف عليها من الهوا الطاير. وتصوري ياما أنا من كتر حبي ليها خلاص ما بقتش عايز حاجة من الدنيا غير إني أشوفها فرحانة وما بقتش طمعان فيها كيف الأول بالعكس ببقى عايز أقتل أي حد يبصلها نظرة كده ولا كده. ومستني اليوم اللي تولد فيه بفارغ الصبر، عشان أشوف ولدها وأنا هربيه بنفسي.
فتنهدت والدته وأجابته بحب:
ياااه يا ولدي للدرجاتي.
عطية بعد أن لمعت الدموع في عينيه:
وأكتر ياما. ربنا يقومها بالسلامة.
أم عطية:
يا رب يا ولدي وعقبال ما أفرح بيك وأعوضك. وبإذن الله هروح من بكرة أخطبلك يا ولدي، عشان تفرح. وكمان أنت خلاص بقيت نضيف وبتستحمى غير الأول، تتحسد والله.
فضحك عطية ولكنه رفض الخطبة قائلًا:
مش وقته دلوق ياما.
ثم نظر مرة أخرى إلى قمر.
لما نطمن عليها الأول، أبقى ساعتها أفكر أخطب.
فهمست والدته بحزن:
يا عيني على اللي حب وما طالشِ. ربنا يجبر بخاطرك وبقلبك يا ولدي.
عطية:
يلا ياما شهلي روحي لها وخليها تضحك عاد وأنا هعمل لها الليمون.
فابتسمت أم عطية وأومأت برأسها وذهبت لها. وجلست بجانبها وربتت على كتفها بحنو قائلة:
أم عتريس مالك شاردة كده والحزن في عينيكِ يا بنتي؟
ابتسمت قمر بحزن قائلة:
عتريس خلاص سميتيه يا حاجة.
فضحكت أم عطية:
لا بس إحنا بنقولوا لكل حامل كده. ما عادش حد بيسمي الأسامي الواعرة دي دلوق. دلوق بيسموا حاجات جديدة، أبصر إيه هيثم، إياد، فارس. بس مش خابرة ليه حاسة إنك هتجيبي بنت مش ولد.
قمر:
كيف ده؟
أم عطية:
عشان أنتِ بتحلوي يوم عن يوم يا بنتي وكمان مناخيرك ما نفشتش.
فضحكت قمر:
يعني بتعرفوا الولد والبنت من المناخير عاد!!
أم عطية:
طبعًا يا بنتي أمال، ده أنا خبرة. وبعدين ولد ولا بنت كلهم عطية ربنا، وربنا يقومك بالسلامة يا بنتي ويرجعلك عقلك، عشان تفتكري مين أبوه عشان يفرح بعوضه.
فتغيرت ملامح قمر للوجوم مرة أخرى قائلة بقلق:
والله خايفة يا حاجة من إن الحمل ده يطلع يعني استغفر الله العظيم وأنا مش متجوزة.
لتلمع عين عطية بالفرحة ويحدث نفسه:
مع إنها واعرة جوي، بس يا ريت عشان أتجوزك أنا يا مهلبية والولد يبقى ابني أنا.
فوضعت أم عطية يدها على فخذها وربتت قائلة:
قولي يا رب يا بنتي وما تشيليش هم وما تفكريش. وإن شاء الله يكون ولد حلال ولا أنا قولت بنت صح، بنت حلال مصفى بإذن الله.
فأمنت قمر على دعائها:
يا رب، يا رب.
*******
عاد باسم مع عزة إلى القصر، لتجده يتركها عند غرفتها ويسرع إلى غرفته مع ملك وعيون اللهفة تسبقه إليها.
فشعرت عزة بنغصة في قلبها وحدثت نفسها بحزن:
ياااه يا باسم جد كده بتحبها. ياما نفسي في بصة واحدة من عيونك دي ليا. ده حتى لما بتجيني بحس إنها تقضية واجب مش عشان بتحبني. واهو آخرتها إيه جبتلك بنت، والبنت فين عاد؟ مع ملك مش بتنام ولا تاكل إلا منها هي كأنها هي اللي ولدتها مش أنا. ولما أجي آخدها منها بتبكي معايا كأني أنا مرت أبوها. بس أنا فاض بي صراحة من الوضع ده، ولازم أتصرف مش هفضل كده على طول درجة تانية ولا هستنى لما تاخد بنتي مني كده ولا كأني أنا اللي شلت وولدت وتعبت. بس مش خابرة أتصرف كيف بس عشان أخليه يحبني وينسى المسهوكة ملك دي. وساعتها بس هخليه يجيبلي شقة بره وأبعد عن القصر ده خالص، ما عدتش عايزة أعيش فيه. عايزة أعيش أنا وهو بس لحالنا مع بنتي وأحس إني متجوزة كيف خلق الله.
ثم ولجت إلى غرفتها وجلست على التخت وأخذت تفكر كيف ستجعل باسم لها وحدها وتبعده عن ملك. حتى فجأة جاء على بالها فكرة وعزمت على تنفيذها.
فما هي يا ترى تلك الفكرة التي ستستطيع بها أن تنفرد بباسم لها وحدها؟ وهل ستنجح في ذلك؟