تحميل رواية «الطاووس الوقح (صرخات انثى)» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجروح أدمت قلوبهن ومازالت كلًا منهن تحارب للبقاء، مذاق الألم لا يفارق حلقهن، جروحهن متشابهة ولكن لكلًا منهن حكاية خاصة هي ضحيتها، الأولى نهشتها الذئاب البشرية وتركتها كالخرقة البالية تعاني بمفردها، والثانية واجهت إنسان مريض نفسي يريد أن يُجحمها داخل قوانين لعبته القذرة فبات كاللعنة تسبب لها هوس الجنون، والثالثة تخوض رحلة معتادة على بعض الزوجات التي تُجبر بالعيش دون زوجها المغترب ولكنها كانت دونه هشة تخشى أن ينتصر شياطين الإنس عليها، وهناك أخرى طمست حبها حينما تخلى عنها محبوبها وتزوجت أخيه وبعد...
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 101 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_التاسع_والسبعون..
(كل سنة وحضراتكم بخير وسعادة بمناسبة عيد الفطر المبارك ❤)
غيابه القصير أجج شوقها إليه، ظنت بأن غياب اثنان وسبعون ساعة عنها لن يحيل بها، ربما ستنزعج دونه قليلًا ولكنها ستصمد، ولكن ما صدمها هو احتراق روحها منذ لحظة رحيله حتى سماع صوته بتلك اللحظة بالتحديد!
أضرم الحب النيران بوتيرة العشق وباتت عاشقة حد النخاع لذاك الإرهابي المتدين كما ظنته، فأقسمت أن شخص يحفظ الكرم بأصوله ليس سوى رجلًا نبيلًا، يملك من سمات دينه ما يجعله ملكًا، وبالرغم من أن قلبها مال له الا أنها لم تشاركه بالتتويج الملكي الا حينما اعتنقت دينه!
استدارت بلهفتها إليه وخصلاتها الصفراء تلامس وجنتها التي ألهبتها العاطفة بجمرتها، فباتت كحبات الكرز، ولسانها يسبق خفقاتها المسموعه:
_آيـوب.
ارتخت تعابير وجهه القاسية فور أن تلاقت عينيه بخاصتها، سحرته بندائها الذي أدمى مشاعره فانتصر عليه ساحقًا انتصاره الزائف، تناسى كل شيء حتى السبب الذي دفع غضبه للظهور، اقترب منها فوجدها تبتسم إليه برقتها المعتادة، فاستكملت غزوها القاسٍ بقولها:
_وحشتيني كتير آيوب.
ابتسم رغمًا عنه وقال بهيامٍ:
_وانتِ كمان وحشتيني يا سدن، بس بردو ده مكنش موضوعنا.
واستطرد في محاولةٍ لاستدعاء جديته الصارمة:
_أيه اللي مطلعك من غير حجابك، افرضي إن إيثان أو يونس طلعوا بأي وقت!
اتسعت ضحكتها الماكرة وببراءة داهية تساءلت:
_بتغيري عليا؟
قهقه ضاحكًا ومازحها:
_الغيرة وبتغيري!! الاتنين مع بعض مينسجموش، نفسي تتعلمي تفصلي بين المذكر والمؤنث بس للأسف شكله حلم بعيد وصعب المنال.
ووضع يديه بجيوب جاكيته هادرًا بسخرية:
_كويس إنك لقطتي العربي فالمفروض إني مطمعش في اكتر من كده، ولكن ده ميمنعش إني أتعشم تظبطي اللغة.
وزعت نظراتها بين يديه الموضوعة بجاكيته وعينيه بعدائية شديدة، تلفظتها باندفاعها المضحك:
_إنتي كمان محتاجة تتعلمي تتعامل مع زوجة ازاي، إنت مش بتحضن سدن بعد غياب زي الزوج الرومانسي!
عبث بحاجبيه بدهشة ما تفوهت به، وكأنه بدى أحمقًا فجأة، فرنا إليها يهتف ببلاهة:
_ليه دول كلهم تلات أيام!!
لوت شفتيها بسخطٍ، فابتسم وهو يتساءل بمكر:
_إنتِ عايزة تتحضني يا سدن؟
ازدادت نظراتها غلظة، وكأنها ستصيبه بسهامٍ نافذة تستهدف منتصف صدره، وفجأة حملت طرف وشاحها ووضعته فوق رأسها، رافعة رأسها بكل كبرياء وغرور، تتقدم للخروج من البرج، وقبل أن تطيء قدمها الباب استدارت تواجهه بجراءةٍ:
_منذ تلك اللحظة لن أرتدي حجابي أمام إيثان ويونس فحسب، ستكون أنت ثالثهما أيها الأحمق.
غادرت من أمامه بينما تتعالى ضحكات آيوب دون توقف، فلحق بها بعدما اغلق باب البرج، وهو يتمتم بسخرية:
_هو أنا كان المفروض أحضن قبل دخلة المخبرين دي!!
******
عاد يطرق على الباب لمرته الثامنة وهو يصيح بانفعال:
_يا يـــــــــــــــونس، إنت يا بني آدم، بقالي ساعتين بخبــــــــط على الباب أفتح بدل ما أكسره على دمـــــــاغك.
وتابع بغيظ وهو يعيد الطرق:
_هموت وأعرف إنت بتهبب أيه من ساعة ما كلمتك! مش متفق معاك تلبس بدري عشان نلحق الافتتاح من أوله!!
لم يصل إليه أي رد، فرفع إيثان يديه معًا يطرق بهما وصوته المنفعل يعلو:
_فارس لسه نازل ومأكدلي إنك جوه، افتح بدل ما أطربقها على نفوخــــــــك.
طرقات تتالى ونداء متتالي:
_يــــــــــــــــونس!!!
تحرر مقبض الباب واندفع من خلفه يونس، يسحب الاخير من تلباب قميصه، ومن ثم دفعه للحائط المقابل، صارخًا بعصبية:
_مش قادر تصبر عشر دقايق عما أستر نفسي يا حيوان، أيـــــــــــه القيامة قامت!
جحظت عينيه في صدمة حقيقية، فأخذ يتجول ببطءٍ على جسد يونس الملفوف بثلاثةٍ من المَنَاشِفُ، احدهما تحد جزءه السفلي، والاخرى موضوعه فوق كتفيه بينما تحتل واحدة منهم شعره الذي يقطر بالمياه، تحرر صوت إيثان أخيرًا وسأله ببلاهة:
_إنت إزاي تخرج كده؟
زم شفتيه ساخطًا:
_أصل الجو حار في الشقة فقولت أطلع أتمشى يمكن تطري بره!
ابتلع ريقه الهادر بصعوبة من شدة اختناق يدي يونس القويتيان حول عنقه، فهتف بحنقٍ:
_طيب ابعد ايدك وخش إلبس بسرعه، خلينا نشوف الخواجة ده ناويلها على أيه النهاردة.
وتابع بضيق:
_وهي حبكت يعني تستحمى الوقتي، ما انا مكلمك ومأكد عليك إني جاي.
مازال يونس يتابعه بصمت يستحضر فيه كافة الطرق المتاحة لقتل ذلك الأبله، بينما الاخير يجوبه بنظرة تقيمية ختمها بقوله:
_ابقى استحمى مرة كل عيد أهو هتكون نضفت مرتين في السنة.
منح رقبته لطمة جعلته يتمدد أرضًا وقوله اللازع يختتمه:
_فاكرني أجرب زيك يالا، اظبط كده واعقل عشان ما أقلبش عليك، وبعد كده تقف على باب بيتي باحترامك، كلها كام يوم وهتتحرم عليك دخولها في اللحظة اللي هتسكن فيها ست البنات.
برع في تمثيل دور المنصدم مما يُقال، فوضع يده على صدره وصاح بدرامية مضحكة:
_هتبيع صاحبك عشان الحتة الطرية يا يونس!! اخص عليك!! مكنتش العشرة والصحوبية والعيش والطعمية السخنه وصواني الجلاش بالمكسرات، مكنتش آآ..
_إقفل باب أكلاتك المفضلة اللي طلقتها عليا دي، كلها شهر ورمضان داخل وربي لأكدرك فيه يا إيثان، لو لمحت في ايدك اكل ولا شرب يا ويلك مني!
قالها بعدما انحنى إليه فسقطت المنشفة العلوية فوق رأس إيثان المنصعق محله، فابتلع ريقه بصعوبة وهدر بقلق:
_لسه شهرين بس؟
ارتسمت ابتسامة شامته على وجه يونس، وأكد له:
_شهر واحد وهتصوم معانا يا حبيبي، مش أنت صاحب صاحبك وداعم الوحدة الوطنية بردو ولا أنا فقدت ذاكرتي ورا الحبس؟
اعتدل بجلسته يستند على درابزين الدرج حتى استقام بوقفته يجيبه:
_هو ده بالظبط، إنت شكلك فقدت الذاكرة أنا مسيحي يا حبيبي.
بابتسامة واسعة قال:
_هتصوم يعني هتصوم، ولو قليت بعقلك ورجعت لحوار الزينة والصواريخ وقت التراويح هيبقى صيام في رمضان والعيد.
اتسعت مقلتيه في هلع وراح يردد:
_العيد!! والكحك والبيتفور والغريبة يا يـــــــــــــــونس!!
أكد عليه مجددًا:
_ولا هتطول حتى حبة ترمس فتلم نفسك من أولها كده عشان قلبتي وحشة.
وتابع بحدة:
_وميل بقي من طريقي خليني أستر نفسي قبل ما يجيني برد بسبب رزالتك.
وقبل أن يتحرك من محله أتاه صوت صرخات تعلو الدرج المجاور لهما، فاتجهت الأعين إلى سدن التي تراقب يونس الذي يقف بالمنشفة وكأنه يطل على مياه المسبح الخاص به، كبت ايثان ضحكاته وانحنى يجذب المنشفة، يضعها على صدر يونس وهو يلكزه بتشفي:
_استري نفسك يا حلوة، قبل ما يطلبولنا بوليس الاداب، ووقتها لو هيتحكم عليا بالاعدام شنقًا مستحيل اتجوزك يا بايرة عشان بس نكون على نور من البداية
أسرع آيوب للاسفل فور سماعه صوت صراخ سدن ومن خلفهما خديجة التي خرجت من شقتها بفزعٍ، حتى سكان بعض الطوابق العلوية، التف بالدرج عدد من الناس ويونس من شدة صدمته شعر وكأن قدمه التصقت بسطح الأرض.
اندفع إليه آيوب يحركه بعنف وهو يسأله:
_أيه اللي مخرجك بالشكل ده؟؟
كان بموقف لا يحسد عليه أحد، وخاصة بتجمع السكان من حوله، فردد بحرجٍ:
_آآ... أنا... إيثان كان آ...
اتجهت الاعين لايثان، وكأنهم يلقونه بتهمة مريبة، فقال بمبالغة:
_السخان ولع فاقتحمت الشقة وخرجته هنا بعيد عن النار بدل ما يتسلخ وعفريته يلبس حمامات عمارة الشيخ مهران كلها، وساعتها هيمنع السكان من استخدام حقوقهم البسيطة ويا عالم الحقوق دي هتترفع برمضان ولا الحظر للعيد الكبير!
مال إليه آيوب يهدر، من بين اصكاك أسنانه:
_أيه اللي بتقوله ده!!
اجابه ايثان بصوت منخفض:
_هعملك أيه بحاول ألم الدنيا قبل ما تظيط ايدك معايا!
وجد أنه أمام خياران كلاهما يصبان بنفس المحل، لذا وبدون تفكير مال يساند يونس ويدفع المنشفة إليه قائلًا:
_جيت بسيطة الحمدلله، يلا يا جماعه ملهاش لزمة الواقفة دي.
انفض الجمع من حوله ولم يتبقى سوى سدن التي منحت يونس نظرة منفرة ورددت قبل هبوطها:
_عيب تخرجي كده يونس، في أنسات عايش معاكي هنا!
قالتها واتجهت للاسفل، بينما تطالع خديجة بعينين تدمعان من فرط الضحك وخاصة حينما ردد ايثان:
_طول عمرك جايبلنا الكلام!
******
زفر بضيق وهو يراقب أخيه الذي أنهى نصف الكتاب الذي بيده، ومازال يصر على استكمال المتبقي، فقال بضيق:
_وبعدين يا علي هنقضي اليوم كله هنا!!
أشار بيده إليه ومازال يجلس أرضًا جوار خزانة المسجد الصغيرة، حيث كان ينظم الكتب داخل أضرفها إلى أن قابله كتاب خصص لأحد علماء الأزهر عن تفسير بعض الآيات عن القرآن الكريم، فجلس يقرأ أول صفحاته وها هو يستحوذ، عليه حتى بات بالمنتصف.
التقط عُمران الكتاب منه وقال:
_خلاص اعتبره هدية مني وإبقى اقراه بالبيت.
انتزاعه علي من يده وقال باعتراض:
_إنت جبته مع بقيت الحاجة للمسجد، فمش هيخرج من هنا.
كز على أسنانه بغيظٍ ونطق فور، أن منع أي لفظ قد يتحرر عنه:
_خلاص هجبلك تؤامه بس قوم خلينا نتحرك، الله يهديك يا حبيبي.
ترك الكتاب باحدى الأرفف، ونهض يقابله بسخط:
_ابن أختك انا!
ابتسم بسخرية:
_لا مش هتلحق تخلف، لاني هفشكلها من برة برة.
نصب عوده بعدما انتهى من وضع باقي الكتب، جذب جاكيت بذلته يرتديه ورماديته لا تحيل عن أخيه:
_عُمران خف شوية عن شمس وآدهم بدل ما أقلب عليك انا.
منحه نظرة مشككة انهاها بقوله:
_هتقلب عليا عشان حضرة الظابط يا علي!!
انحنى يجذب جاكيت أخيه واتجه اليه يعاونه على ارتدائه وهو يهمهم بخبث:
_بالظبط، فاكسبني لصفك بدل ما تلاقيني اول واحد واقف في وشك!
ارتدى الجاكيت واتجه برفقته للخارج بصمت مريب، يطمس داخله خبثه اللامنتاهي، وما ان صعد علي بسيارته حتى اشار، له من المرآة:
_خليك ورايا يا دكتور ورانا مشوار سريع.
*******
وضعت جزء من الكريم على وجهها وأخذت تفرك برفق، ومن ثم وضعت القماش الاسود حول عينيها في استعداد للنوم والاسترخاء.
اغلق أحمد حاسوبه وسألها حينما وجدها تتمدد بالفراش:
_هتنامي يا فريدة؟
أجابته بعدما توسدت وسادتها:
_أيوه، من وقت ما رجعت من القصر وأنا مرهقة، بس كان لازم اروح عشان أشرف على التجهيزات بنفسي، أنت متعرفش انا متحمسة اد أيه أني هرجع وهعيش فيه من تاني.
ابتسم وقال:
_لو أعرف إنك هتكوني سعيدة بالشكل ده كنت خليتك نزلتي مصر من تاني يوم جوازنا على قصر الغرباوي فورًا.
كادت بأن تجيبه ولكن قطعها صوت طرقات باب الغرفة، وما أن سمح أحمد للطارق بالدخول حتى ظهرت شمس قبالتهما تردد على استحياء:
_هو أنا ممكن أقعد هنا النهاردة بس!
ازاحت فريدة عصبتها، وراقبتها باسترابة:
_إنتِ كويسة؟؟؟
اتجهت أليها مسرعة، ترافقها بالفراش، وقالت:
_لا، مش كويسة نهائي، أنا مرعوبة من لحظة رجوع عمران بعد اللي عملناه فيه، فالاحسن إني أكون هنا النهاردة ده لو أحمد باشا ممنعش وجودي.
اغلق حاسوبه وحمله بين يديه، قائلًا بعتاب:
_أيه اللي، بتقوليه ده يا شمس، الاوضه كلها تحت أمرك.
شكرته بحرج:
_ميرسي يا أنكل.
منحها ابتسامة جذابة، واتجه ليغادر الغرفة، فما ان فتح الباب حتى تفاجئ بمايا قبالته، تطالعه بارتباكٍ جعل احمد يقول ضاحكًا:
_مالك إنتِ التانية يا مايا، هربانه من عمران على هنا إنتي كمان ولا ده سوء ظن مني؟
هزت رأسها ترفض وتؤكد حديثه،وهي تردف:
_هربانة يا أحمد باشا وطالبة حمايتك!!!
أتاها صوت شمس من الداخل تشير لها:
_ضمي جنب أخواتك!
*****
جلس على مقدمة سيارته يراقب ساعته باهتمام، يود أن يلتقي به ويتجه سريعًا ليجتمع مع الشباب بافتتاح الجيم الخاص بايثان، وإلى الآن يحمل من آيوب سبعة مكالمات ورسالة يستعلم منها عن سبب تأخيره.
وضع آدهم الهاتف بجيب جاكيته وأخذ يراقب جرف المياه المنهمر قبالته على بعد سفح الصخور العالية بحزن، وبينما ينغمس بشروده فإذا بصوت مقبض يحوم من حوله:
_مليت من قبل ما تستقبل تفاصيل مهمتك يا حضره الظابط؟
استدار، للخلف سريعًا فوجد الاسطورة يقف قبالته بكل كبرياء وعنجهية، أدى تحيته بكل احترام وقال:
_أنا جاهز لكل اللي تؤمر بيه يا باشا.
ابتسامة رضا شقت الطريق على وجه رحيم، واتبعها قوله الغامض:
_وده اللي أنا عايزه، شخص مطيع وجريء في نفس الوقت.
وأخرج من جيب معطفه البني فلاشة صغيرة قدمها إليه، وبابتسامته المخيفة قال:
_اجهز للي جاي يا آآ..يا عريس!
التقط منه الفلاشة وعينيه لا تفارقها، وكأن مصيره بأكمله ختم داخلها، بينما تنحل كافة الأربطة وتدفعه لبوح الحقيقة إلى أيوب قبل أن يسافر لتلقي ذاك المصير المقبض!
....... يتبع........
مسائكم سعادة حبيباتي، افتتاحية رجوعنا قد تكون بسيطة ولطيفة، مش حابين ننكد عليكم في وقت الاعياد كمان 😂، بس خلوني أقولكم على مواعيدنا الجديدة واللي، هتكون ثابتة باذن الله
يوم الاتنين الساعة ١٠
يوم الخميس الساعه ١٠ بإذن الله.
بحيث نقدر ننظم نفسنا بفصول طويلة وملمة لباقي احداث الرواية، وطبعا متابعين الجروب شافوا بوست تأجيل الفصل الى النهاردة، تقريبا ده العيد الوحيد اللي انشغلت فيه تاني وتالت يوم، يمكن عشان سفر والدي ووالدتي زود واجباتنا شوية فكنا بنعيد على العيلة بدالهم، عشان كده مكنش عندي وقت أزود الفصل، دعواتكم يرجعولنا بالسلامه وكالعادة هقولكم بحبكم في الله ♥..
***____****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 102 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثامنون.
(إهداء الفصل للقارئة الغالية"ميار يوكي" ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك..بحبك في الله...قراءة ممتعة 💙)
اجتمع الشباب مساءًا بالجيم الرياضي الخاص بإيثان، وعدد من رجال حارة الشيخ مهران، وأغلبهم الشباب، المهتمون لاستكشاف أحدث التطورات التي عمل عليها عُمران بمهارةٍ، ونجح بسرق إعجاب الشباب بما أحدثه من تغيرات ملحوظة بكل ركن بالجيم، حتى أن تأثيره فرق بالألوان والتنسيق وأصغر التفاصيل.
مر آيوب متحمسًا بين الأجهزة الباهظة، ويتبعه يونس الذي بدأت المغريات تجدي نفعًا برفقته، فهمس لآيوب الذي لم يستمع إليه من الاساس:
_الخواجة شكله مبيهزرش، أنا عن نفسي هبلط هنا وسط الجمال ده كله.
في تلك اللحظة توقف آيوب قبالة أحد الاجهزة، منبهرًا بتفاصيله الملفتة، فاستدار يبحث عن عُمران حتى عثر عليه يقف برفقة جمال وأخيه، فأشار إليه هاتفًا:
_كابتن محتاجينك هنا لو سمحت.
انسحب عُمران من بينهما واتجه لذاك الذي يحاول بكل عزمه رفع عصا الأوزان، وحينما لمس اقترابه صاح بحماسٍ:
_الأوزان مش كبيرة ومع ذلك مش بتترفع معايا، الحوار على أيه؟
منع إبتسامة ساخرة من الانبلاج على وجهه، وانحنى بكل غرور يسحب الزر للأعلى، قائلًا بمشاكسةٍ:
_الحوار ناقص اهتمامك بالتفاصيل يابن الشيخ مهران.
نجح برفع الأوزان بسهولةٍ، بعدما حرر عُمران السلسال، فابتسم وقال يثني عليه بلباقةٍ:
_أي حوار من غير تفاصيل الطاووس الوقح يبقى ناقص وش.
اشارة تحذيرية من رماديته جعلته يقهقه ضاحكًا:
_آسف نسيت إن لقبك هيهز صورتك قدام أهل الحارة، فاضلك صلاتين فجر كمان وهنسحب منك لقب البشمهندس ونديك لقبك الجديد، الشيخ عُمران سالم الغرباوي!
وضع يده بجيب بنطاله، ورأسه يرفع عاليًا بغرور، وهو يجيبه:
_إنت هنا واقف قدام المؤسس الاول للجيم، فأعتقد إنك ذكي وتقدر تفرق أمته تناديني بشمهندس وأمته تناديني عم الشيخ أو الجديد كابتن عُمران.
قهقه ضاحكًا وبصعوبة ردد:
_اتسحبت من إيثان؟
غمز برماديته وهو يجيب:
_زي ما الجيم اتسحب منه كده.
_نعـــــم! جيم أيه اللي اتسحب مني يا خواجة!
صرخه مستنكرة ترددت على لسان ذلك المتلصص لحديثهما، وعلى ما بدى لآيوب علم عُمران المسبق بوجوده بمحيط حديثهما، هذا الطاووس ليس وقحًا فحسب، يراه الآن ماكرًا، يقرع طبول الحرب ومازل يقف جواره يتابع ذلك الإيثان الغاضب ببرود يستطيع الشعور به إلى جواره.
حل إيثان عقدة جاكيته الرمادي، وكأن الهواء تقلص عنه فجأة:
_وبعدين قولي أيه حكاية الاشتراك المجاني اللي فتحته للشباب شهر ده، آنت شكلك كده ناوي على خراب بيتي وأنا مش هسمحلك بده
وأضاف بنظرة منفرة:
_نواياك اتضحتلي يا خواجة وأنا لا يمكن أسكت عنها، فاهم.
تدلى عن بروده ابتسامة جعلت إيثان وآيوب في دهشة، وخاصة حينما رفع يده لكتف آيوب يربت عليها برفق وهو يردد بتثاقلٍ ملموس:
_ضايف كابتن إيثو من البن الخصوصي بتاعي يا آيوب.
قالها وانسحب من بينهما كنسمة هواء عابرة، لم تصل مضمونها كليًا لإيثان الذي اشتعل كبركان ثائر واستدار تجاه آيوب يعنفه:
_يقصد أيه بكلامه ده؟!!!!!
******
ضم جاكته إليه يعدل من انكماشه بلباقةٍ، وسأله باهتمامٍ بالغ:
_فهمني ليه رامي كل اللوم على نفسك، عارف أن الموقف اللي مريت بيه كان صعب، بس نهايته كانت أيه؟
استند على السور الحديدي بتيهةٍ، وكأنه لا يحمل اجابة سؤاله، اتبعه "علي" وعينيه تسجل كل حركة تسهل عليه دراسة حالته التي يخوضها الآن، وحينما طال صمته، قال:
_جمال بطل تعيش نفسك في سجن إنت خرجت منه، متبصش على البداية كانت ازاي بص على النهاية، والنهاية كانت سعيدة ومرضية، كسبت مراتك من تاني ومخسرتش صاحب عمرك، ده مخلكش سعيد ومرضي؟!
تنهد بثقل جاسم فوق صدره، واستدار يواجهه بما يضيق صدره:
_أنا محمل نفسي السبب لكل ده لآني فعلًا السبب يا دكتور علي.
وعاد يتطلع من الشرفة على ازدحام حركة المرور بالحارة الشعبية من أمامه، مستطردًا:
_طول الفترة اللي فاتت محاولتش أتقرب من صبا بشكل يخليني أفهمها صح، يمكن هي كمان كان غلطها كبير لما حاولت تقارن آ...
توقف لسانه عن استكمال جملته، وتوترت نظراته حينما قبض عليها "علي"، فتابع بارتباك:
_ أنا يمكن محكتش لحضرتك على كل حاجه،بس حضرتك عارف شخص زيي صعب يخرج كل أسرار بيته برة، عارف إنك دكتور ودي مهنتك، وحتى لو مكنتش دكتور فانت أعظم شخص ممكن امانه على اسرار بيتي، بس أعذرني مش قادر احكي في تفاصيل اكتر، من اللي سبق وحكتهولك، ويمكن حل مشكلتي مع صبا كان بفضل الله ثم بفضلك إنت والوقح.
ضحك علي رغمًا عنه، وهدر بسخرية:
_ياريتك استبعدت مساعدتي ولجئت للوقح من البداية كان زمان الموضوع منتهي من بدري.
شاركه الضحك حتى أحمر وجهه، وحينما انتهى قال بجدية حملت حزنه الصريح:
_عُمران فعلًا كان عنده حق، سر نجاح أي علاقة هي التعبير عن مشاعرك حتى ولو بابسط الكلمات، وانا كنت بخيل معاها أوي، كنت دايمًا ببص لمشاكلي واللي مطلوب مني على أمل أنها مقدرة وضعي، كنت غلطان.
ربت على ظهره بحنان وقال مبتسمًا:
_دي بداية تصحيح كل اللي فاتك، مش أي حد يقدر يتغاضى عن أخطاء الطرف التاني ويرمي كل الأخطاء على نفسه.
وأضاف ببسمته الجذابة:
_هون عن نفسك يا جمال، اللي جاي أنت قادر تغيره وتخليه أفضل.
هز رأسه بخفة ونظرات الامتنان تحف مُقلتيه، وقال:
_لما بقف مع حضرتك مبستغربش الصفات الكويسة اللي في عُمران ومخلياه عامل زي اللي عنده انفصام.
تعالت ضحكات "علي" وهمهم ساخرًا:
_وطي صوتك عشان ميطلعش النسخة الوقحة في مكان رياضي زي ده، فال وحش صدقني.
شاركه الضحك وفاه:
_وعلى أيه الطيب أحسن!
*****
جذب يونس إيثان، في محاولة لجذبه بالخارج، فدفعه وهو يصيح بغضب:
_سبني يا يونس، الخواجة ده بيستقوى عليا، ده عايز يخرب بيتي، لما أفتحله الجيم أول شهر مجاني هصرف عليه ازاي!!
نجح يونس بتقيد جسد إيثان الضخم، وبتعبٍ نطق:
_هو إنت يعني كنت صرفت مليم احمر على الاجهزة!
زوى حاجبيه بتفكير، بينما يستكمل الاخير حديثه:
_اول مرة أحس إنك غبي، بل بالعكس انا بقيت متأكد من كل كلمة قالها آيوب عن دماغ عُمران، دماغ عالية ومتكلفة.
هدأت حركته وتساءل:
_ازاي يعني؟
تركه فور أن تأكد من هدوئه زافرًا بارهاقٍ:
_فرهدتني.
وأضاف بعقلانية:
_انت فاتح بقالك كام سنة، والرجل على الجيم مش أد كده، الناس طالع عينها حرفيًا في مصاريف البيت ومتطلبات الحياة، هيسييوا كل ده وينزلوا يلعبوا رياضة! مع إنها مفيدة جدًا لصحتهم بس مش هيعترفوا بالكلام ده، أيه اللي ممكن يغير معتقدتهم؟
زم شفتيه بمللٍ:
_أيه يا حضرة المحامي؟
اجابه بنزقٍ من طريقته بالحديث:
_أبو بلاش، اي شيء مجاني هيشد الرجل عليه، ومش هيحتاج غير شهر واحد عشان يتعود عليه، وخد بالك الاشتراك الشهري اللي حاطه عمران بعد كده مش كتير، مبلغ بسيط بس مكسبه مع زيادة العدد مضمون، وأكيد مخفضش السعر ده الا وهو واثق من المردود والعدد اللي هيخليه يقع في غرام الحديد والجيم، الشخصية دي ذكية بس للاسف بتتعامل مع بكبورت غباء.
وزن حديثه بتفكيرٍ، فحك لحيته النابتة وهو يقول بتردد:
_بأمانة إنت شايف كده؟
ابتسم وهو يجيبه:
_بالله العظيم ما شايف غير كده.
واضاف وهو يصعد الدرج عائدًا للداخل:
_وشايف إنك بتثبتلي كل يوم غبائك بشكل مش طبيعي!
******
اندمج آيوب بين الاجواء، راق له نوعية الاجهزة الحديثة، حتى استرعى انتباهه جهاز أخر منعزل، يراه لمرته الأولى، اتجه إليه يراقبه بحيرةٍ، فهمس وهو يحك وجنته:
_وده بيتلعب ازاي ده؟
_عينك مش جايبة الا المخاطر!
صوتًا رجوليًا معهودًا إليه، جعله يستدير ناطقًا بفرحة:
_آدهم!
وضع قالب الكعك الضخم عن يده وصافحه ببسمته المعتادة، هاتفًا:
_سايبك من كام ساعة وشكلي كده والعلم لله وحشتك!
سحب كفه عنه وقال مازحًا:
_وباين من طريقة سلامك الرسمية إنك مش طايق تشوف خلقتي، بس انا مش زعلان أكيد يعني يهمك بالفترة الحالية فرحك والعروسة أكتر من اصدقائك.
وخز قلبه لمجرد سماع مزحته، بالكد رسم ابتسامة وقال بشكل جذب استرابة آيوب:
_وإنت شايفني مجرد صديق يا آيوب.
نجح بالحفاظ على ثباته رغم تأثر جزءًا غريبًا بداخله:
_لا طبعًا إنت وعُمران قريبين مني جدًا وبقيتوا عندي زي سيف ويونس وإيثان بالظبط.
حانت منه نظرة شاملة لمساحة الجيم الضخمة قائلًا:
_غلبتني بذوقك يا بشمهندس، عقبال ما نتجمع بمكان تعينك.
اجابه بتحفزٍ:
_هيحصل وقريب اوي، عُمران نقل اغلب شغله هنا، متتصورش انا متحمس إزاي إني هرجع اشتغل مع أستاذ ممدوح تاني.
عادت نظراته المهتمه إليه، يتساءل باستغراب:
_إنت عايز ترجع تتكدر تاني يعني؟!
ضحك وهو يخبره:
_هي بصراحة تكديرة بنت ناس، وكأن حكومتك بتقتص مني إني خدت اعفى من الجيش لاني وحيد، فجابولي البشمهندس ممدوح يخلص حق الحكومة والدولة كلها.
قالها وانفجر ضاحكًا، فشاركه الضحك وقال بغموض:
_أهو ده المكسب الوحيد اللي أخدته من الليلة دي كلها.
سأله بعدم فهم:
_مكسب أيه مش فاهم!
باتزانٍ وثبات قال:
_متأخدش في بالك.
واستكمل بمرحٍ:
_يعني أجهز نفسي لمكالمات استغاثتك من الاستاذ ممدوح؟
انحنى يحمل الكعكة يتفحصها بتركيزٍ بينما يهتف:
_لا انا حبيته ومبقتش امل من طريقته، علاقتي بيه شبه علاقة عُمران بحسام السكرتير بتاعه، مطلعين عين بعض بس منستغناش عن بعض، وربك قدر والاتنين هيتشحنوا على مصر مع باقي التيم اللي نازل على مصر.
ضحك بصوته كله وأخذ يراقبه وهو يحاول ازاحه الغطاء عن الكعك، متسائلًا بغرابة:
_إنت بتعمل ايه؟
أجابه بحيرة:
_هو إنت عامل تورتة على شكل رفعة الاوزان!!
انحنى يهمس إليه بمشاكسةٍ:
_أمال هعملها على شكل ايه، خلة سنان!
نصب آيوب عوده وقال بانزعاج:
_بقى تكلف نفسك التكلفة دي وإنت على، وش جواز عشان إيثان المعفن! طيب بمنتهى الشفافية والوضوح لو مجبتليش تورته على شكل هندسي يليق بيا يوم ما تطلع شهادتي هرتكبلك جناية ومش هتعرف تخرجني منها متفقين؟
تمعن به قليلًا وكأنه يحسم أموره:
_متقلقش بعد فرحي بيومين بالظبط هجبلك أحلى تورتة احتفال بنجاحك يا بشمهندس.
أوضح له:
_مش هتكون تتيجتي طلعت!
غمز له بخبث:
_ متستقلش بيا، قولتلك هتلاقي نتيجتك والتورتة حاضرة وكلامي نافذ!
بدت السعادة جلية على معالمه، وبمكر سأله:
_ويا ترى هنستغل منصبك ليا بس ولا للانسة شمس.
ضم شفتيه ساخطًا:
_هي اللي مخططه للأسف، ولولا إني حاطط حدود للي أقدر أعمله كنت هخالف ضميري وهسربلها الامتحانات.
ضحك آيوب بشدة وقال بصعوبة بالحديث:
_لو اقنعتك إن الجوازة مش هتم الا لما تنجح كنت عملتها يا آدهم.
هز رأسه مؤكدًا:
_أكيد كنت هعملها أمال أتكدر مع الوقح اكتر، من كده كفايا عليا الرقصة المنيلة اللي مصمم عليها.
_بالمناسبة التدريب هيبدأ من بكره وفي نفس القاعه.
تحكم آدهم بانفعالاته الخطيرة، واستدار يقابل الطاووس الوقح بابتسامة رسمها باحترافيةٍ:
_وزي ما حطيت شرطك انا كمان كان ليا شرط، فاكره ولا نسيته؟
اقترب منه عُمران حتى قابله بمحل وقوفه:
_انا مبنساش حاجة يا حضرة الظابط، وممكن أعند قصادك وأقولك إني مش ملزم أحققلك الشرط ده، بس أنا هضمته عشان عجبني.
وأضاف وهو بتطلع لآيوب الذي يستمع إليهما بتوتر من ان تحتد الاجواء بينهما:
_بكره هنكون كلنا في القاعة عشان حضرة الظابط مش عايز يرقص لوحده فعايزكم معاه.
ابتسم آدهم وردد ببرود:
_وإنت أولنا يا بشمهندس.
منحه نفس البسمة وقال:
_أكيد ما أنا المدرب!
وأضاف بغرورٍ:
_يا ريت متتاخرش لاني بحب الانضباط، ومتنساش قهوتك عايزك فايق للتدريب ولا، إنت عمرك ما اتدربت قبل كده يا حضرة الظابط؟
ضيق عينيه بخبث ماكر:
_لا طبعًا واخد على التدريبات، بس بالقنابل والاسلحة فبالنسبالي اللي هيحصل ده تفاهة مش أكتر.
أغلق جاكيته وسحب مفتاح سيارته قائلًا:
_هنشوف بكره.
وغادر من أمامهما مستأذنًا بالانصراف، بينما جلس آيوب وآدهم على إحدى الأرائك، احداهما يغلو غيظًا والآخر لا يصدق أنه سيرى ظابط بقدر آدهم يؤدي رقصة استعراضية على خشبة المسرح، والكارثة أنه سيشاركه الامر، استدار إليه آدهم يتفحصه باستغراب:
_مالك؟
ابتلع ريقه بارتباك وقال:
_عُمران مصر على كلامه، الشيخ مهران لو قفشني على المسرح هيكون وضعي ايه؟ أنا أساسًا من وقت ما رجعت بسدن وهو شايفني انحرفت، يقوم يلاقيني برقص على مهرجنات وعلى المسرح!! لا أنا مش معاكم.
منحه نظرة ساخرة وقال:
_ومقولتلوش الكلام ده ليه؟
تنحنح بخفوت وهو يرد عليه:
_لا انا هبقى أتكلم مع دكتور علي وبشمهندس جمال أحسن، هما يعقلوه.
هز رأسه بعدم اقتناع، وعاد يتساءل:
_أمال سيف مجاش ليه؟
تفحص محل ايثان وعاد اليه يخبره:
_هو بيطيق ايثان عشان بجي حفلته، ده أنا هتعاقب اني حضرت أصلًا.
ضحك ساخرًا من حديثه:
_أصلًا!
شاركه الضحك وقال:
_أصلًا
قطع ضحكاتهما صوت فارس، يدنو إليه قائلًا:
_عمو آيوب تليفونك بقاله ساعة بيرن، وجدو مهران قالي أجبهولك.
جذب منه الهاتف وهو يقبل رأسه:
_شكرًا يا حبيبي، يلا ارجع البيت.
تفحص الصغير الاجواء بحماس وخاصة بان جميع المتواجدون رجال، وعلى استحياء قال:
_هو انا ينفع أقعد معاكم، عايز أتفرج عليهم وهما بيلعبوا على الاجهزة.
مرر آدهم يده على خصلات شعره الطويل وقال:
_ده مكان مخصص للرجالة وإنت راجل وسيدهم، اقعد هنا جنبنا لحد ما نلاقي يونس.
جلس الصغير جواره مبتهجًا، بعدما عدل آدهم من ياقة جاكيته، واستدار إلى آيوب فوجده يردد باندهاشٍ:
_ده والدك، رن عليا سبع مرات، ممكن يكون بيحاول يكلمك وموبيلك مقفول عشان كده بيرن عليا.
جذب آدهم هاتفه يتفحصه ثم قال:
_لا موبيلي شبكته كويسة.
واعاده بجيب سرواله وهو يقول بألمٍ غير ملموس:
_اكيد عايز يكلمك، يطمن عليك بعد سفرك.
ابتسم وقال:
_انتوا مكبرين الموضوع كلكم، دول تلات ايام بس.
وأضاف حينما راقب اضاءة هاتفه:
_اهو بيتصل تاني، استنى ارد.
رد آيوب ليتفاجئ بحزن مصطفى لسفره دون ان يأتي لتوديعه، وأصر عليه ان يحضر برفقة آدهم لزيارته في التو، ولكنه اعتذر له وأخبره بأنه سيأتي صباحًا، وبالكد أقنعه، ومازال تعلق مصطفى الشديد به يثير غرابته، وغموضه!
******
كان عُمران بطريقه إلى غرفته بالطابق العلوي، ولكنه توقف حينما لمح الضوء ينير غرفة المكتب السفلي، زوى حاجبيه بدهشة، الوحيد الذي يسهر لساعات متأخرة في الليل هو أخيه، ولكنه لم يعود برفقته بل أخبره بأنه سيتجه للمركز يتمم على عمل العمال حتى يسرع بافتتاحه.
طرق على بابه طرقات خافتة، وولج للداخل، فتفاجئ بعمه يغفو على أحد المقاعد ولجواره على الأريكة تغفو والدته بنومة غير مريحة بالمرةٍ، تمتم بخفوت وهو يراقب عمه:
_كنت لسه هفرح إنك واخد حبس انفرادي ومنه على محكمة الأسرة على طول، ملحوقة يا باشا.
زم شفتيه بحيرة من أن يترك والدته بنومها المؤلم هذا، خاصة وبأنها حامل، نزع عُمران جاكيته وألقاه على احد المقاعد، ثم دنى إليها يحملها بخفة، وإتجه بها للاعلى، فاذا بأحمد يفتح عينيه ويردد بنوم:
_يعني مهنش عليك أمك وعمك هان عليك ضهره يتقطم من نومة الكرسي يا وقح!
استدار إليه ومازال يحملها:
_هو أنا اللي نفيتك هنا، ولا أنت اللي شكلك خدت استمارة تسعة بدري يا باشا.
نهض يتجه إليه بضيق:
_أي استمارة بيأخدها حد من عيلة الغرباوي هيكون مين السبب فيها غيرك يا وقح.
زفر، بضجر:
_ أنا مش فاضي للمشحنات دي، هتأخد فريدة هانم لاوضتها ولا اطلعها أنا!
أجابه بسخرية:
_طلعها أوضتك أوضتنا مشغولة النهاردة.
رمش بعدم استيعاب، وقال بسخط:
_ليه، فاطيما غضبانه فيها من علي ولا أيه؟!
صرخ بوجهه بعصبية وكأنه قتله للتو:
_اخرس هو إنت فاكر إن دكتور علي شبهك يا أوقح خلق الله، علـي!!! هو في زي علـي وأدب علـي وجمال علي!!
زم شفتيه باستهزاء:
_ومين هيشهد للعروسة غير أختها والميكب أرست اللي دعكت البوهية على وشها!
ردد احمد بحزمٍ، وهو يلتقط زوجته من بين يديه:
_هات فريدة وإطلع نام بره في حديقة الكمبوند، مش عايز أشوفك هنا
تفحصه عُمران بغموض، ثم قال:
_يبقى اللي في اوضتك يخصني، ومدام كده يبقى تسيبني أتعامل.
وتركه وصعد للأعلى دون أن يضيف حرفًا أخر، بينما احمد مازال محله يراقبه بنفور، وسرعان ما هدأت نظراته حينما قابل وجه حبيبته، فمال يطبع قبلة على رأسها وهمس:
_انا بقول نسيبهم يحلوا مشاكلهم مع بعض ونطلع نريح إحنا.
واتجه للاعلى ومنه لغرفة عُمران تاركًا كلتهما تواجهان مصيرهن.
******
يديها مكبلة بساقيها معًا، بينما فمها مقيد بحجابها، ومن أمامها يجلس عُمران واضعًا قدمًا فوق الاخرى، يهز مقعده وهو يتفحصها بملامح جامدة يخفي من خلفها ضحكاته.
وبين يديه يضع حزامه الثمين، يطرق به فوق يده الاخرى فترتعد من أمامه، حرك عُمران المقعد وكل هزة تسقط فوقها كالسوط، وعينيها تجوب تلك التي تغفو على الفراش بسلامٍ سيتحول لهلاكها فور أن ينتهي منها.
حطم صمته المخيف حينما قال:
_بقى إنتِ مش عاجبك إني عايز أعملك فرح اسبشيل وراحه تشتكيني لعلي!
ارتابت شمس لأمره وأخذت تهز رأسها بالرفض التام لما يقال، فاستطرد عُمران بغضب مصطنع:
_أنا عاملك قيمة وبحطله شروط وعقبات عشان يعرف قيمتك ويبقى ده جزاتي!!
حاولت الحديث من خلف لثام فمها، ولكنها لم تستطيع، فدنى إليها ينزعه عنها، فصاحت تبرر:
_عُمران حبيبي أنا مفيش حد بيهتم بيا ولا بأي شيء يخصني غيرك، دي كانت لحظة شيطان وراحت لحالها، عارف إنت لو فكرت كويس هتلاقيني دايما بلجئ ليك عن علي، لانك كول كده وشيك وظهورك معايا باي بارتي بالجامعة بيعلي من قدري، طيب هقولك على حاجه ده انا من حبي فيك كنت بتعمد إني أخليك توصلني الجامعة عشان البنات كلها تشوفك ويتقربوا مني عشان يوصلولك فكانوا بيغششوني كل امتحان عشانك، وبالرغم من انهم قطعوا علاقتهم بيا بعد ما اتجوزت الا إني مازلت بحبك لانك أخويا تقوم تتهمني الاتهامات دي.
جحظت رماديته في دهشة، وقال:
_كل ده يطلع منك يا شمس!! وانا اللي فكرك ملاك بريء زي علي!!!
هزت رأسها نافية لما قال، وعدلت ظنًا من أنها ستحوز على، اعجابه:
_أنا طالعه ليك وشبهك أووي، ركز إنت بس وهتلاحظ ده.
وأضافت برجاء:
_فكني بقى يا ميرو.
أجابها بحدة ووعيد:
_لا يا روحي خليكي كده لحد ما أستقر على عقاب مناسب ليكِ بس الأول أشوف اللي نايمة أخدة راحتها دي، وراجعالك تاني متقلقيش.
همست برعب ورجفة تكتسحها:
_خد راحتك.
استدار ضاحكًا دون أن يخرج منه أي صوت، واتجه لفراش والدته حيث تغفو مايا براحة وكأنها لم ترتكب أي جرم هنا.
جلس جوارها يراقبها بحيرة، يخشى ان يفزعها، وقتما اقترب من الاريكة التي تتمدد عليها شمس وجدها تفتح عينيها بانزعاج، وما أن رأته حتى كممم فمها وقيدها، والإن تجلس على نفس الاريكة دون قيد فمها تحاول أن تفكر جيدًا إن أيقظت مايا ماذا سيفعل بها عُمران لذا تحلت بالصمت وجلست تراقب ما سيفعله بها.
تقلبت مايا بمنامتها وفتحت نصف عين، فوجدته يجلس جوارها، منحته ابتسامة سلبت دقات قلبه، وهمست بنومٍ:
_عُمران!
ضحك رغمًا عنه وهو يعيد جملته المعتادة حينما تناديه:
_حبيب قلبه!
اتسعت ابتسامتها وقالت والنوم يعود لجفنيها:
_أنا بحبك.
تعالت ضحكاته وقال بشرٍ أيقظ عقلها:
_مهو لازم نتصافى الأول عشان أعرف أحبك يا بيبي!
رددت وكأنها تتذوق معاني جديدة لكلماته:
_نتصافى!!
اتسعت نظراتها إليه ومن ثم للخزانة المقابلة لها، وعادت تتطلع له باسترابة:
_إحنا فين يا عُمران؟
فعل ملامحه الجامدة باجتيازٍ وقال:
_منتظر الاجابة من جنابك مايا هانم!
اتجه بصرها للامام فرأت شمس التي تطالعها بنظرات ساخرة وهتفت:
_ده وقته حب وسهوكة، قومي انفدي بجلدك!
انتفضت بالفراش وكأنها تعود لوعيها الآن، تراقب هدوئه بفزعٍ، وبتيهةٍ قالت:
_ مش أنا اللي اشتكيت لعلي، دي فكرة شمس أنا بريئة.
رددت شمس بغيظ:
_ندلة طول عمرك.
أجابتها مايا بغضب:
_المفروض تخافي عليا أنا حامل!
قاطعهما عُمران قائلًا بسخرية وهو يضع قدمه فوق الاخرى:
_وإنتِ مخوفتيش يا نفسك ليه؟ وبعدين مش انا قايلك اللي بينا يفضل بينا وسبق واتكلمنا عن حوار غيابي الكتير ده ولا إنتِ بتحبي الكلام كتير يا بيبي؟
هزت رأسها وأسرعت بالنطق:
_أنا آسفة.
واضافت شمس:
_وانا كمان.
وزع نظراته بينهما باستمتاعٍ ثم قال:
_بتعتذروا بنية إنكم عرفتوا غلطكم ولا، خوف مني.
أسرعت مايا إليه تخبره بصدر رحب:
_لا انا غلطت واعتذرت، ممكن أنام بقى؟
ابتسم وقال:
_نامي بس عشان خاطر ابني، مهو مش هينفع يتعاقب بعقاب أمه.
هدرت شمس بانفعال:
_هي سامحتها عشان خاطر ابنك وأنا يا بشمهندس؟
نهض عن الفراش وأتجه إليها، جلس جوارها وقال بخبث:
_ما انا لازم أسامحك انتي كمان، وهعتبرك بنتي الصغيرة اللي غلطت يا ستي ها مرضية كده.
هزت رأسها بتأكيد، وبابتسامة واسعة رددت:
_جدااا، فكني بقى.
رد عليها بنفس ابتسامته:
_انا سامحتك أه بس مش هفكك.
تجمدت ابتسامتها وهدرت:_يعني ايه؟
انتصب بوقفته يشير لزوجته التي أتت سريعًا اليه، احاطها بذراعه واتجه بها للخروج قائلًا:
_هبعتلك اللي يفكك وبالمناسبة أنا ومايا هنام في أوضتك النهاردة، تصبحي على خير.
جحظت عينيها صدمة وصرخت بانفعال:
_فكنــــــي... عُمــــــــران!!
أغلق الباب من خلفه وما هي الا دقائق معدودة وولج علي إليها، تهللت اساريرها وقالت بفرحة:
_كنت عارفة أني مش ههون عليه وهيبعتلي حد.
ازاح علي الاربطه عنها، حتى انتهى، وقال:
_وأنا الحد اللي مش هيخلص من حل المشاكل.
ونهض يشير لها:
_نامي بعمق كلها 24ساعة وهتزفي بالأبيض لعريسك.
ابتسامة عاشقة رسمت على محياها، انقطع طول المسافات بينهما ولم يتبقى الا يومًا واحد لتصبح زوجته.
******
أغلقت فاطمه الهاتف بعدما انتهت من مكالمتها مع شقيقتها، ولاول مرة تبدأ بالتحدث إليها عن امورها الشخصية، فأخبرتها عن تناولها لموانع الحمل لعدم رغبتها بالحمل، ولكنها استنكرت فعلتها وراتها مخطئة بفعلتها، خاصة بعد ان من الله عليها بزوج مثل علي.
فتح علي باب غرفته وولج للداخل يبحث عنها، فوجدها تقف بالشرفة، وما ان رأته حتى تسائلت:
_اتاخرت ليه يا علي؟
نزع حذائه واتجه إليها يجيبها:
_كنت بالمركز بمر على العمال، حابب أبدا شغل على طوول، وطبعًا خطوة إن يوسف بقى شريك معايا دي حمستني فوق الوصف.
تذكرت امر ليلى فسألته باهتمام:
_هما هينزلوا مصر، مش ليلى اتمنعت من السفر عشان حالتها!
جذب بيجامة من خزانته وقال وهو ينزع جاكيته عنه:
_يوسف كلمني النهاردة وقال إنها بقت احسن، بس عشان ميحصلش مضاعفات هينزل هو لوحده يحضر فرح آدهم وهي هتحصله بعد اسبوع، هروح أستقبله الصبح في المطار إن شاء الله.
_كده أحسن عشان الحمل يثبت بعد اللي حصلها.
قالتها بارتباك ومازال عقلها شارد بحديث شقيقتها، ترك علي البيجامة عن يده وسألها بشك:
_انتِ كويسة؟
أجابته ببسمة زائفة:
_أنا بخير الحمدلله، لسه بس مخلصة مراجعة حسابات أخر ملف وتعبت جداا.
واتجهت للفراش قائلة بحزن:
_تصبح على خير.
بقى محله يتأملها، يعلم بأنها ليست على ما يرام ولكنه أحق العلم بالاوقات التي تمكنها من الحديث، توجه علي لحمام الغرفة أبدل ثيابه وخرج يتمدد جوارها، بينما توليه ظهرها، انقضى الوقت ولم يشعر بغفوتها مثلما تحاول أن تتدعي، فحطم لجام صمتهما قائلًا:
_مالك يا فطيمة، فيكِ أيه؟
مالت بجسدها إليه فرأى دموعها، تلاقت عينيها به وقالت:
_زينب قالتلي إني بظلمك معايا يا علي، أنا أنانية.
قالتها ونوبة البكاء تستحوذ عليها، جذبها إليه وهو يتطلع إليها باستغراب:
_ظلم أيه يا فطيمة!!
أجابته بقهر:
_إنت من حقك تكون أب.
علم مقصد حديثها، فتنهد بقلة حيلة، وأزاح دموعها ثم قربها إليه تغفو على صدره، انتظر، حتى هدأت قليلًا، وقال بهدوءٍ:
_مفيش حد في الكون ده هيفهمك أدي يا فطيمة، مش عايز أغلط زينب في اللي قالته ولا ألومك إنك بتفضفضي بس اللي عايزك تعرفيه إني فاهم ومقدر كل اللي مريتي بيه، حتى لو اللي حواليكي معندهمش استيعاب للي عشتيه! ، أنا مستوعب ومقدر، ومستحيل هقبل أنك تعيشي في الضغط ده كتير.
تعلقت به بقوة، وشد هو من ضمتها كأنه يخبرها الا تقلق سيظل بجوارها، ردد قائلًا بعشق:
_أنا مش عايز غيرك وواثق إن ربنا هيفرحني منك بطفل بس كلها مسألة وقت، ومش مستعجل أبدًا، فأرجوكِ بلاش تهدي كل خطوة بننجح نتخطاها في علاقتنا.
وابتعد برأسه للخلف ليتمكن من رؤيتها:
_أنا بحبك ومتقبل كل قرارتك يا فطيمة، وعمري ما هكون ضدك في يوم من الايام.
ابتسمت وشعور الراحة يعانقها، فمسحت برأسها على صدره كأنها تتوسط وسادتها المريحة، فابتسم وأحاطها بكل حب، حتى غفت براحة وبقى هو هائمًا بالفراغ، الجميع لا يقدر الحالة التي تعرضت له فاطمة، كونه طبيبًا يعلم أن تجاوز الامر ليس هينًا بالمرة، بل قد يحتاج إلى سنوات إن ساء الأمر، وكونه عاشقًا قبل أن يكون طبيبًا سيكون صبورًا بكل تأكيد.
*****
سطعت شمس يومًا جديد حافل باحداث هامه، ووقف السبعة شباب قبالة عمران وايثان يتلقنون خطوات الرقص،حتى انتهوا باستراحة قصيرة، فإذا بصوت يقتحم مجلسهم هاتفًا:
_يعني محدش فيكم قابل يطلع معايا على، اغنية لو كانت لعبة حلوة كان زماني لعبتها؟
قالها "إيثان" بتذمرٍ، وهو يتجول على منصة المسرح بين السبعة شباب المستلقون بانهاكٍ، حاملًا هاتفه بين كفه.
اشرأب "جمال" بعنقه ليصل إليه، وقال بانزعاج:
_أهو ده اللي ناقص نطلع نتراقص على الفيسبوك!! ، مش كفايا اللي بنهببه هنا ده!!
صاح سيف بانفعالٍ:
_ما تشوف صاحب ابن عمك ده يا آيوب، مستحملينه ازاي ده يا أخي!!
مال بجانبه وردد بارهاقٍ'
_يونس ما تأخد إيثان تفسحه وتدلعه وتعملوا التريند اللي عايزه مع بعض بره.
منحه نظرة قاتلة، وعاتبه بسخرية مضحكة:
_عايزني أترقص معاه على الملأ يابن الشيخ مهران!
ضحك وهو يخبره:
_ماحنا كده كده هنعملها يابن عمي!
ركض اليهما ايثان وتمدد جوارهما، قائلًا بحماسٍ:
_اقنعوا عُمران يعمله معايا، هو أنسب واحد فيكم، شكله كاريزما وشيك، والاغنية هتأكل عليه.
وتابع بتمني، بعد ان تراقصت أحلامه:
_يمكن الفيديو يضرب وأبقى يوتيوبر بيقبض بالعملة الصعبة.
حدجه آدهم بنظرة مغتاظة، وردد:
_هو إنت جاي تحقق أحلامك الحقيرة في فرحي ولا أيه؟ أوعى تشد مع عُمران، ده ممكن ياخدها تلكيكة ويلغي الفرح.
زحف إليه، وقال ببراءة مصطنعة:
_ليه بس ده هو فيديو واحد.
كبت يوسف ضحكاته وقال:
_الاغاني حرام عندنا يا أخ إيثو، وإنت ما شاء الله عليك عايز غنى ورقص وتصوير!! بقى ده منظر استقبال تستقبلوه ليا بعد السفر ده، عايزين تلبسوني مع الطاووس!
لوى سيف شفتيه بتهكمٍ وقال:
_مش عارف جايبنه منين ده، وبعدين بأي حق يدربنا على الرقصة وهو أساسًا أسوء واحد فينا؟
تعالت ضحكات آيوب بسعادة لقصف سيف جبهة إيثان، فضربه كفًا بكفه مرددًا:
_ده حلال فيه قصف جوي وبري وبحري، اضرب وميهمكش يا دكتور
همس يونس لآيوب يحذره:
_لو ايده طولت عليك معرفكش، والخواجه صاحبك مختفي من وقت الاستراحة شوف مين هيدافع عنك بقى؟
تجاهل إيثان حديث الجميع، وانتصب بوقفته بمنتصف الدائرة التي تضم أجسادهم الممددة هاتفًا باصرارٍ:
_بقولكم عايز أبقى تريند وأقفش دولارات، اتصرفوا وخلوا عمران يصور معايا، ويأخد الفيديو شير عنده دي صفحته عليها أكتر من أربعة مليون متابع!!!
استند "علي" على ذراعه وقابله بابتسامته الهادئة:
_عُمران مستحيل يعملها يا إيثان.
أضاف جمال ساخرًا:
_عمران يطلع يهز على العام ويفضح نفسه وينزلها على صفحته!!!! إنت الخمرة عندكم حلال ولا أيه يالا!!!
حك جبينه بابتسامة خبيثة، وقال بثقة:
_واللي يخليه يعملها؟
أتاه ردًا لاذعًا من خلفه يجيبه:
_أعمل أيه يا حيلة أمك!!!
ارتعب إيثان فور أن رأى عُمران قبالته، فتنحنح وهو يدعي نوبته الزائفة من السعال، متمتمًا:
_متفهمنيش غلط يا خواجة ده انا كنت بدردش مع صاحبك اللي لسه واصل جديد ده.
هز يوسف رأسه وقال:
_بالظبط كده الاخ يوساب كان بيتعرف عليا.
احتقن وجهه من الغيظ وقال:
_إيثان يا دكتور يوسف إسمي ايثان.
ضم كتفه وقال بمزح:
_هنتعرف الايام جاية متقلقش.
من خلفهما ناداه سيف بغضب:
_يوسف تعالـى هنا فورًا.
ترك يوسف ايثان واتجه للخلف، فوقف جوار آيوب الذي يكبت ضحكاته بصعوبة، بينما همس جمال بسخط:
_ضرة سيف الجديدة!
****
اجتماع سري تم بأحد الدول التي تشبه بغطرستها فرعون الذي كانت نهايته آية، ومصيرها شبيه به، كان يُعقد اجتماع سري منصوب على اختفاء الميكروفيلم، واختفائه اهانة صريحة للخنازير والدولة اللعينة التي توفر حماية لهم، أميركا ملجئ الخنازير وداعمة اي ثغرة تمس الدول العربية.
اتحدوا معًا اليوم للحصول على ما سيجعل مصر ذليلة خاضعة لمخططاتهما الدنيئة، كما يتوقعون بسيناريو فانتازي لن يحدث يومًا، ليس لان بها ظباط شجاعتهم ترهب الغرب قبل ان تسمع، بل لقول رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام أنها ستظل آمنة إلى يوم القيامة.
انتفض رأس الافعى يردد بغضب:
_كيف اختفى الميكروفيلم فجاة وبتلك السهولة!!
أجابته الجهة الاخرى من مجمع الخنازير اليهـ.ــود:
_لقد امناكم على تلك المهمة، إفعل أي شيء للحصول عليه مجددًا.
تلفظ احد عناصر المخابرات الاميـ. ـركيـة:
_لدينا معلومات أكيدة ان الميكروفيلم لم يصل إلى مصر حتى الإن.
صاح أحد من الخنازير:
_بالطبع لن يكون عودته بتلك السهولة، علينا البحث جيدًا بالرحلات واسماء المسافرين بيوم اختفاء الميكروفيلم
أجاب أحد ظباط الأفعى:
_ولنستبعد أي رحلة خرجت لاحدى البلدان العربية، من المؤكد أنهم سيسافرون الى مصر عن طريق دولة أوروبية أخرى!
*****
انتهى عدي من حزم أغراضه ومتعلقاته الشخصية، ثم جذب الميكروفيلم يقدمه لمن يقابله بنظراتٍ قاتمة كسواد الليل، وقال بغموض تام:
_طبعًا إنت عارف هتعمل أيه؟
منحه ليل نظرة مطولة، والتقط الميكروفيلم ثم فرد ذراعه يستقبل طائره عُقاب وبدون كلمة واحدة انطلق بمئزره الاسود وخطاه السابق للموت لطريق مجهول، خطة محكمة وضعتها الاستخبارات المصرية ببراعةٍ، وتركوا التنفيذ لمجموعة من أمهر ظباط الجهاز.
******
ليلًا في منزل آدهم، كان يجلس برفقة والده على سفرة الطعام وبجواره آيوب بعد ان أصر مصطفى على ان يمضي الليل برفقتهم ويبقى لليوم التالي متحججًا أن آدهم يحتاج أليه ليكون بجواره بيوم زفافه منذ الصباح، وبالرغم من ان الشيخ مهران كان حزينًا ولكنه لم يبدى عليه ذلك ولم يمنع آيوب عن ذلك، بالنهاية هو أبيه ويمتلك الحق لذلك.
راقب آدهم ضحكات أبيه بابتسامة حنونة، يرى بعينيه سعادته البادية لوجود آيوب الذي قال بحرج:
_مكنش له لزمه إني ابات، كنت هاجي الصبح بدري على، طوول.
اجابه مصطفى بلهفة:
_يعني سافرت تلات ايام ومعرفتش الا من عمر، رجعت ومعبرتنيش حتى بعد ما رجعت، ومستكتر، عليا يوم تقضيه معايا .
طالعه آيوب باستغراب من نبرة الحزن الغريبة بصوته، فأسرع آدهم يمازحه ليبدد تفكيره:
_إبسط يا بشمهندس أبويا بيعزك وبيحبك اكتر مني، ده مش بيعمل كده لما بسافر.
وأضاف بابتسامة واسعة:
_خلاص لما أسافر لشهر العسل هدي لايوب مفتاح البيت يجي يقيم معاك.
سبقته لهفته بالحديث:
_يا ريت يابني والله.
ابتسم آيوب وقال يجامله:
_انا عنيا ليك يا والدي والله.
نهض آدهم يحمل اطباق الطعام للمطبخ، وتلاه آيوب يناوله الاطباق والاخر يرصها بغسالة الاطباق حتى انتهى من تنظيفها، بينما صنع آيوب أكواب القهوة الشهية، وجلسوا يرتشفونها واجواء المرح تحوم بهم، حتى اشار مصطفى لادهم قائلًا:
_الوقت اتاخر طلعني لاوضتي يا عمر واطلع انت وايوب ارتاحوا ورانا يوم طويل بكره يا عريس.
جذب آدهم هاتفه وبحركة غير ملموسة اعتادها جعل الهاتف المنزلي يصدح فور ان اتصل به من هاتفه، فقال وهو يتجه للردهة:
_طلع بابا الاوضة يا آيوب، وانا هشوف مين بيتصل.
وضع كوب القهوة وأسرع لكرسي مصطفى مرددًا بكل سرور:
_عنيا حاضر.
رفع آدهم سماعه الهاتف القريب منهما يدعي انشغاله بالحديث وعينيه الحزينه لا تفارق صعود آيوب بمصطفى الاسانسير المصنوع من الزجاج الشفاف، ابتسامة والده وفرحته بمرافقة آيوب اليه لغرفته جعلته يبتسم ويتمنى لو ان يتمكن من سد تلك الفجوة التي ستحدث بينهما لا محالة.
عاد للمقعد مهمومًا، غدًا زفافه، وبعد الغد سيسافر بعد ان تقدم موعد سفره بعدما تلقنوا بسرعة تحرك العدو الى ميلانو والدول المجاورة، لذا عليه الآن أن يكشف الحقيقة كاملة إلى آيوب، سينتظر قبل سفره بساعات، هو مرغمًا ولا يمتلك أي مجال للفرار من حقيقة الامر.
******
عاون آيوب مصطفى حتى تمدد بالفراش، وناوله الادوية وزجاجة المياه، انتظر فور أن انتهى من تناول الدواء ثم مدد الغطاء على جسده وسأله بحنان:
_مش عايز اي حاجة اعملها لحضرتك؟
بابتسامة وأعين تلمع من الفرحة قال:
_كتر ألف خيرك يا حبيبي، يلا روح نام وريح الوقت اتاخر وهتقوم مع عمر بدري.
ردد بدهشةٍ:
_عمر!! آآه تقصد آدهم..
ضحك وقال:_مع اني مش بحب الاسم ده بس لاجل عيونك نمشيها آدهم.
ابتسم آيوب وقال بمحبة:
_الاسمين حلوين بس آدهم لايق عليه وبحب أناديله بيه بصراحه.
هز مصطفى راسه بتفهم وقال:
_خلاص مختلفناش ولو مكنش شحط كده كنت روحت وغيرت اسمه لاجل خاطرك.
اتسعت ابتسامته واتجه للخروج قائلًا:
_تصبح على خير.
لاحقته نظراته بلهفة، وهمس بحزن:
_وانت من اهله يا حبيبي.
اغلق آيوب الباب من خلفه وتفحص الطابق العلوي باحثًا عن آدهم بحيرة، فوجده يخرج يخرج للتو من المصعد، رنا اليه وسأله باهتمام:
_بابا أخد أدويته؟
أومأ برأسه إليه:
_أخدها ونام خلاص.
ربع يديه أمام صدره وأشار له بمشاكسة:
_هتنام معايا في أوضتي ولا تنام في أوضة لوحدك عشان سيف ميقتلكش؟
توالت ضحكاته الرجولية وقال بمكر:
_انت عايز تسبني لوحدي في فيلا طويلة عريضة زي دي وتطلع في الاخر ملبوسة بالاشباح.
سقط آدهم من الضحك وقال:
_مفهاش غير شبح زوبة!
انتفض بوقفته يهتف بصدمة:
_ زوبة!! روحني من فضلك العمر مش بعزقة هو!
أشار له باتباعه هادرًا:
_تصدق صعبت عليا وهخدك تبات معايا، تعالى.
لحقه آيوب، ولج خلفه للداخل، فانبهر من الحائط الشاهد على عدد لا بأس به من تكريماته، وقف يراقب كل وسام ببسمة محبة وفرحة كأنه تواجد في كل مناسبة كُرم بها، ومن خلفه يراقبه آدهم بحزن حفر بوضوح على معالمه، وما أن تقابلت اعينيهما حتى خرج للشرفة، فلحقه آيوب يجاوره بوقفته، يطول صمتهما حتى قال آيوب:
_انا متأكد إنك مخبي حاجة ومش من يوم ولا اتنين، تقريبا من وقت ما جينا مصر!
التفت إليه يتمعن به، ثم قال:
_وأيه اللي مخليك متأكد كده؟
اجابه بعنجهية:
_مش ظباط المخابرات اللي عندهم الحاسة السبعه بس يا حضرة الظابط، ها هتعترف ولا أوفر طاقتي للرقصة المنيلة بتاعت بكره؟
ضحك حينما تذكر حركاته البهلونية بالرقص الشعبي، وقال من بين ضحكاته:
_لا هقولك.
استدار اليه متلهفًا لسماع ما سيقول، سحب آدهم نفسًا عميقًا يلجم به جرحه النازف، ثم قال:
_أنا ماليش في الدنيا دي غير بابا، هو كل حياتي، وفوق كل ده أنا واخده قضوة ليا، طول عمري بشوف الحلو اللي، فيه وعمري ما شوفته بيعمل حاجه غلط، عشان كده لما اكتشفت انه ارتكب ذنب كبير في شبابه كنت مش قادر أستوعب بس للاسف غفرت وسامحته حتى لو مكنتش الطرف الاساسي اللي يملك الغفران.
بالرغم من حديثه المبهم الا انه قال بحكمه:
_بتقول في كلامك إنه في شبابه يعني بالماضي يا ادهم، ومهما كان ده أبوك ولازم تسامحه وتكون جنبه.
تمعن به قليلًا وقال ببسمة ألم:
_حتى لو كان ذنبه انه اتخلى عن أخويا الوحيد.
برق بدهشة وردد:
_أخوك!!
وأضاف باستغراب:
_بس إنت قولتلي قبل كده انك وحيد.
هز رأسه بتأكيدٍ وقال:
_ده اللي كنت عارفه، لما رجعت من مصر معاك صارحني وقالي آنه كان متجوز على أمي الله يرحمها، بس مقدرش يواجهها بعد وفاة زوجته التانية اختار يكمل حياته معاها ومعايا واتخلى عن ابنه التاني، ولما فاق من غفلته وقرر يسترده معرفش، وعاش في عذاب طول عمره لحد ما اشتد عليه المرض فصارحني وطلب مني ادور عليه وارجعهوله
رمش بعدم استيعاب لما يخبره به، وتساءل في حيرة:
_وإنت لقيته؟
أدمعت عين آدهم بوضوحٍ جعل الدموع تلتمع بعين آيوب تلقائيًا تأثرًا بحزنه الواضح، فخشى ان يكشف امره لذا قال وهو يتطلع للامام:
_لقيته أيوه بس معنديش الجرأة اني اوجهه بالحقيقة.
سأله من جديد بتوتر:
_هو انت تعرفه يا ادهم؟
يزداد خوفه من انكشاف الامر، فقال:
_آآ.. لا معرفوش بس بشوفه من بعيد لبعيد.. مهو مش معقول هروحله واقوله اني أخوه، وكمان هو ميعرفش حاجه لانه عايش مع ناس مسجلاه على اسمهم يعني حياته طبيعية مش مشكوك انه مش ابنهم، ولو اتكلمت هكون بدمر حياته وبايديا.
لم يستطيع الوقوف على قدميه طويلًا جلس على المقعد القريب من الشرفة الحديدية، وقبالته جلس آيوب يحاول استيعاب كم الألم المختبئ خلف شخص آدهم، ازدرد ريقه وقال:
_بص يا آدهم الموضوع صعب ومؤلم، انا عارف إن والدك غلط غلطة كبيرة جدااا بس مهما عمل فهو تاب ومعترف بغلطه، ومن ناحية تانية في اخوك اللي اكيد حياته مكتملة وحقيقية زي دي هتدمره ومش بعيد يكره والدك، هيكون صعب عليه لما يعرف بس بردو سكوتك أكبر غلط متنساش إن ده اختلاط انساب، وكمان والدك لو عرف انك عرفت مكان ابنه ومخبيه عنه مش هيسامحك، اديله الفرصة انه يروح لابنه ويطلب منه السماح يمكن ربنا يحنن قلبه عليه ويغفرله.
انهمرت دمعة من عين آدهم، واخشوشنت نبرته:
_أنا اللي خايف منه إنه يحملني انا الذنب ويكرهني يا آيوب.
وضع يده فوق كفه وقال بحزن:
_أخوك لو عمل كده هيكون غبي، أنت زيك زيه مالكش ذنب في أي حاجة.
لفظ الهواء الساخن داخله وقال:
_بتمنى ده اللي يحصل.
ربت على كفه مجددًا:
_سلم أمرك لله، وباقرب وقت جمعهم ببعض وربنا هيحلها من عنده.
ونهض يشير اليه:
_قوم خلينا تتوضا ونصلي الفجر عشان نلحق ننام ساعتين قبل الفرح يا عريس.
ابتسم وأشار له:
_يلا.
******
فستانها الأبيض يتدلى من خلفها كالفراشة التي تضم جسدها المتناسق، ومن امامها وضع حجابها ولجواره بعض مساحيق التجميل البسيطة، انتهت بوضع التاج اعلى الحجاب، ووقف تترقب لحظة دخول أشقائها.
ولج علي للداخل وبرفقته عمران، وعلى يسار كلا منهما زوجته، ومن خلفهما أحمد وفريدة التي ضمتها بكل محبة وقالت:
_طالعه زي القمر يا حبيبتي.
بينما قال احمد بفرحة:
_مبروك يا شمس ربنا يسعدك ويفرحك يارب.
ضمتهما معًا وقالت بدموع:
_ميرسي يا أنكل.
اقتربت منها فاطمة تمسح دموعها قائله باستنكار:
_في عروسة زي القمر كده تعيط يوم فرحها وتبهدل الميكب.
ردت مايا عليها:
_شمس هانم الغرباوي اللي هنضطر نستعين بحد بروفشنال يظبطلها الميكب ده ولا أيه يا عمران؟
دنى إليها عمران يضمها بكل محبة ودموعه تختلج رماديته، قائلًا بتأثر:
_هتسبيني يا شمس؟
احاطته ببكاء مزق قلوبهم، وعينيها تنجرف تجاه علي الذي يطالعها بحزن شديد، لقد منح كل الحق لعمران حينما كان يحاول أن يفرقهما خشية من ذلك الفراق، فسرعان ما ازاح دموعه واقترب يضمها قائلًا:
_مبروك يا شمسي.
باتت بين ذراعي أشقائها الان توزع نظراتها بينهما بانكسار، فجلست على مقعد السراحه تنهار بصوت جعل فريدة لا تحتمل ومالت على كتف زوجها تبكي.
انحنى علي قبالتها وقال وهو يجاهد للتبسم:
_أمال لو كنا في لندن بقى وسبناكي تيجي مصر لوحدك!! احنا معاك وجنبك يا شمس، مش كده ولا أيه يا عمران؟!
يطالب دعمه والاخر يبكي جوار السراحه ويخفي دموعه بالكد، ازاحهما واتجه للسراحه يحمل بغض ادوات التجميل وجلس قبالتها يعيد تزينها بخفة وببسمة يرسمها بالكد، قائلًا بصوت احتبس فيه كل وجعه ودموعه:
_لو عيطتي هتبوظي اللي هعمله ولعلمك مش هعدلك تاني..
وأضاف يمازحها:
_ممكن ببساطة تطالبيني بالغاء الحفلة وانا عنيا ليكي هنزل اطرد حضرة الظابط وأفضها وأنا نفسي في ده بصراحه.
صرخت برعب:
_لا لا مش هعيط أهو.
ضحكوا جميعًا فقال بسخط:
_معرفش عملك ايه الجزار ده!
انتهى من تزينها وعلي يستند على الحائط يراقبها بابتسامة جذابة، كأنه يرى ابنته الصغيرة تزف اليوم إلى عريسها.
انتهى عُمران وانتهت فريدة من تزينها بالمجوهرات الثمينة العائدة لتراث عائلة الغرباوي، وقدمتها لاحمد الذي بادر بتسليمها لعريسها، وكأنه الأب الحقيقي لها.
خفق قلب آدهم طربًا حينما رآها تقف قبالته، اغلق جاكيت بذلته السوداء الانيقة واتجه يتلقف يدها برقة تنتاهى مع جمالها الرقيق، ومضى بها للقاعة المباشرة لغرفة العروس حيث اجتمع عدد صخم من المعازيم واغلبهم من الشرطة والمناصب المرموقة.
اوصلها آدهم للمنصة وجلس جوارها لثلاثون دقيقة، وما ان تلقن اشارته من إيثان والشباب وراقب انطفاء الضوء حتى اتجه لغرفة تبديل الملابس ولحق الشباب للمنصة.
وقف السبعة شباب قبالة "عُمران" و"إيثان"، يتلقون تعليماتهم بنفورٍ، وخاصة حينما شدد إيثان بتحذيرٍ، وكأنه يعدهم لسباقٍ دوليًا خطير:
_مش عايز غلطة، تتحركوا مع الايقاع مع بعض، ممنوع حد يسبق ولا يغلط في حركة بذات انت يابن الشيخ مهران، ســــــااااامع!
حك "آيوب" وجهه المحتقن، وهدر منفعلًا:
_ما خلاص يا عم هو إنت بتدينا دروس تقوية! وبعدين مهرجان أيه اللي عايزيني أرقص عليه، أبويا في الفرح بره هيقتلني لو شافني برقص!!
واسترسل وهو يحرر الجرفات عن عنقه بضيق:
_وبعدين أنا عمري ما لبست بدلة وبصراحه شيء خنيق زي دمك السم بالظبط.
احتقنت اوردته غضبًا فكاد بهبوط الدرج القصير ليصل له، ردغه ذراع الطاووس الوقح محذرًا:
_مكانك لأفرمك، قولتلك آيوب لأ.
شكى له كالطفل الصغير:
_منتش سامعه يعني!!
أشار بيديه بثبات قاتل وسخرية مضحكة:
_عيل وغلط، نفهمه بالراحة.
زفر "يوسف" بسخطٍ، ودفع "علي" بيده:
_ما تشوف اخوك يا دكتور علي، احنا دكاترة لينا إسمنا، مينفعش نطلع نتراقص بره قدام الخلق.
ضحك جمال وهمس ساخرًا:
_يعني حبسنا هنا على الاستيدج بقاله عشر ساعات وجاي تتكلم قبل العرض بدقايق!!
اقتحم سيف دائرتهما وصاح بعصبية:
_طيب دكتور علي اخو العروسة وده حقه، يوسف اخويا صاحب الوقح ده ومن حقه يجامله، بشمهندس جمال الصديق المقرب ومن حقه بردو يجامل، آيوب وابن عمه الطيب ده وهنقول الطاووس الوقح صاحبهم ومن حقهم يجاملوه، حتى جامباز غريب الاطوار اللي نازل شخط فينا من يوم ما نزلنا مصر ده وقولنا ماشي، العريس اللي سايب عروسته بره من اول الفرح وواقف معانا بالقوة ده وبردو ماشي، انا بقى لزمتي أيه هنا أفهــــــــــــــــــم!!
منحه عُمران نظرة جامدة، وقال ويديه تتربع أمام صدره:
_عشان أنا عايز كده، ارجع مكانك واستعد يا سيفو بدل ما أطلعك المسرح ولوحدك من غير الشباب!
تنهد علي بقلة حيلة:
_مش كفايا فقرة الموتسكلات يا عمران، لو رقصنا على المهرجان ده فريدة هانم هتعاقبنا عقاب جماعي وسط المعازيم.
بابتسامة واسعة قال:
_متقلقش عمك فاهم هيعمل ايه؟
ضحك يونس وردد:
_حتى دي عملاها حساب، إنت خطير يا بن الغرباوي!
وزع آدهم النظرات البائسة بينهم واستكان بوقفته جوار علي الذي حاول تحريضه:
_آنت واقف مستسلم لاوامر الحقير ده ليه، المفروض إنك ظابط وليك مركزك اللي مش شايفه من ساعة ما الوقح ده نزل مصر.
رسم بسمة ساخرة على وجهه، ومال يهمس له:
_صدقني أنا مش في ألطف حالاتي، تخيل أطلع اترقص برة قدام القادة على مهرجان مش فاكر الاغنية طيب طالع ليه اتزفت من الاول!! للاسف مضطر عشان عيون شمس يا دكتور..
وتابع وهو يتأكد من انشغال عمران بربط جرفات آيوب:
_مش من الذكاء اني أعارض اخوك وبالذات في يوم زي ده، وبعدين لو فكرت فيها هتلاقي موقفي أبشع موقف فيكم، غلى الاقل هو رزعكم طقم بدل سودة ومع تخفيف الاضاءة محدش هيفرقكم عن بعض، لكن انا ألبس أبيض ليه معلش!!!!!!!!
عاد الضوء يتسلط على الاستيدج حيث ظهر الشباب، ومن بينهم آدهم الذي بهتت ملامحه ما ان رأى الجوكر وزوجته يدلف القاعه وعلى يمينه امتلأت المقاعد بقادته، فباتت قدميه وكأنها تلجمت محلها!
اجتمعت الفتيات حول الاستيدج والجميع يترقب خطواتهم والكاميرات تسجل تلك اللحظة، بينما تترقب شمس ما سيحدث برعب، ولكن ما ان انطلقت الموسيقى ورأت حركاتهم الرجولية الهادئة حتى رفعت يدها تصفق بحرارة، اندمج الجميع معهم، فلم يكن رقصهم مبتذل، كانت حركان بسيطة والجميع يدور حول آدهم، وبحركة واحدة القوا الجواكت وباتوا يمضون معًا.
وما ان انتهوا حتى تعالت حرارة الصفقات الجماعية بحرارة، فتسلل آدهم للاسفل واتجه للجوكر يردد بحرج:
_نورت الدنيا كلها يا باشا.
حدجه بنظرة غامضة ثم قال بثبات:
_إنت اللي منور الاستيدج إنت والشباب يا حضرة الظابط.
ود لو انشقت الارض وابتلعته، فقال بتوتر:
_آه.. ده الشباب بيوجبوا معايا وحضرتك فاهم.
هز رأسه بخفة وقال:
_واضح.
مال اليه يهمس:
_غيرت معاد سفرك ليه؟
تعجب من علمه بالامر، فقال بابتسامة متزنة:
_لقيت ان مفيش داعي اقعد في مصر5ايام، هسافر على طول نقضي شهر العسل وننزل على طول.
نظراته الثابتة كانت مخيفة للغاية، فقال هامسا:
_هستناك في مكتبي الصبح يا عريس.
وتركه واتجه لطاولة فاطمة حيث ترك زوجته برفقتها، كانت تنتظر التعرف عليها بصبر، وجلست كلتاهما تتعرفان عن قرب، وقد كان مراد بقمة سعادته لرؤية التغير الطارئ على فاطمة، فمال لعلي وقال:
_كل ما بشوف فاطمة بتثبتلي اد أيه إنك دكتور شاطر وممتاز، لو امهر دكتور في العالم قالي إن في يوم من الايام هترجع لحالتها الطبيعية مكنتش صدقته، حقيقي يا دكتور علي إنت دكتور، عبقري وممتاز.
منحه علي ابتسامة ممتنة وقال:
_ده فضل من ربنا إني قابلتها، حبي ليها هو البداية لكل شيء يا مراد باشا.
هز رأسه وابتسامته لا تفارق وجهه.
صعد عُمران الاستيدج، فجذب الانتباه ببذلته الرمادية الجذابة، قدم يده لشمس التي تلقفتها وأسرعت برفقته بينما يغني لها بحب
«الفرحة اللي أنا حاسس بيها
لا أنا قادر أقولها ولا أحكيها
أختي حبيبتي و ضيي عيوني
لعريسها بإيدي هوديها
من يوم ما وعينا على الدنيا
ما فرقناش بعضنا لو ثانية
على عيني إنك تبعدي عني
دمعتي مش قادر أخبيها
والفرحة اللي أنا حاسس بيها
لا أنا قادر أقولها ولا أحكيها
أختي حبيبتي و ضيي عيوني
لعريسها بإيدي هوديها
من يوم ما وعينا على الدنيا
ما فرقناش بعضنا لو ثانية
على عيني إنك تبعدي عني
دمعتي مش قادر اخبيها
اااه، وأوعي تنسي إن أنا حضنك
سرك أخوكي، سندك ضهرك
وأوعي تخافي من أي حاجة
وهجيبلك حقك لو ضايقك
وأوعي تنسي إن أنا حضنك
سرك أخوكي، سندك ضهرك
وأوعي تخافي من اي حاجة
وهجيبلك حقك لو ضايقك
وأوعي تنسي إن أنا حضنك
سرك أخوكي، سندك ضهرك
وأوعي تخافي من أي حاجة
وهجيبلك حقك لو ضايقك
دا الفرحة اللي أنا حاسس بيها
لا أنا قادر أقولها ولا أحكيها
أختي حبيبتي و ضيي عيوني
«
انتهى من اغنيته ودموعه تفيض رغمًا عنه حتى سلم يدها بيد آدهم، انقضى الحفل وغادرت برفقة زوجها، ولم يتبقى الا عمران ولجواره علي الذي يحاول ارغامه على العودة، ولكنه ظل محله كأنما فارق روحه الآن!
******
صعدت شمس لجناحها تترقب لحظة صعود آدهم، ينتابها القلق من ارتباكه اللحظي فور صعوده رفقتها للسيارة، كان يتحدث من الوقت للاخر بالهاتف وبلغة غريبة.
جلست على الفراش تراقب باب الجناح، وفجاة وجدته يدلف للداخل، يتجه لخزانته سريعًا وهو يشير لها:
_شمس بسرعه غيري فستانك ولمي هدومك، هنسافر حالا.
عبست بمقلتيها بصدمة:
_دلوقتي!!
أسرع بتغير ملابسه وهو يشدد عليها:
_حالا يا شمس.
اتبعته للسراحه وهو يلتقط ساعته ومتعلقاته باهمال، وقالت بخوف:
_هو في ايه يا ادهم طول الطريق وانت مرتبك، وبعدين سفر ايه اللي دلوقتي، أنت شوية تقولي هنسافر بعد خمس ايام من فرحنا ورجعت قولت هنسافر بكره بليل ودلوقتي بتقولي حالا، ممكن تقولي في أيه بالظبط!!
يعلم أنه قد وقع ظلمًا كبيرا عليها، ولكنه ممزق بينها وبين واجبه تجاه بلده، احاط آدهم وجنتها بحنان وقال:
_والله هعوضك عن كل ده بس عشان خاطري نفذي كلامي وبعدين هشرحلك كل حاجه، مفيش قدامنا غير، ساعة وانا لازم أخرج حالا، ولما ارجع عايزك مستنياني تحت جنب البوابة بشنطتك تمام يا شمس؟
أأومأت برأسها بقلة حيلة، فجذب مفاتيح سيارته وغادر على الفور، بعدما ارسل برسالة نصية الى، آيوب بأنه يريد رؤيته في الحال!!!
.... ربما حان الوقت لاشعال الفتيل.........
..... يتبع...
#صرخات_أنثى....
#الاقوى_قادم..
بعتذر للتاخير والدي ووالدتي رجعوا الحمد لله وانشغلت معاهم طول الاسبوع اللي فات، كنت حابة ابدا الرواية بعد العيد بعشر ايام عشان يكونوا رجعوا بس محبتش اغيب عنكم، الحمد لله كتبت الفصل نصه امبارح والنهاردة يعني ده فصل يوم الاتنين معادنا يةم الخميس ان شاء الله، بحبكم في الله، هستنى رايكم في الفصل الكبير ده واجهزوا عشان اللي جاي مش سهل.
***____****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 103 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الحادي_والثامنون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "هاجر سامي دياب"،" عبير غزلان"، "عبير الاشقر"،" مروة جمال" خليفه، "ياسمين رجب"،" هدي السيد"، Shrouk" Maher، "رهف شادي" rahaf shadi" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
وضعت كفها الرقيق على كتفه بحنان، ومن تجرأ على لمسه والاقتراب بتلك الطريقة سواها هي، رفع يده يضمها إليه دون أن يستدير لرؤياها، فدنت منه "مايا" بوقفتها.
راقبهما "علي" بابتسامة حزينة، وما أن إطمئن لوجود الونس رفقة أخيه حتى انسحب خارج القاعة بأكملها، تاركها تفعل ما فشل هو بفعله، فصعد بسيارة عمه جوار زوجته، راقبه "أحمد" من مرآة مقعد السائق وتفحص الطريق من حوله، متسائلًا بدهشة:
_عُمران فين؟
رد عليه وصوته مغموس بالحزن:
_شوية وهيحصلنا.
أخفت "فريدة" دموعها بصعوبةٍ، وبثبات زائف قالت:
_هنسيبه لوحده؟!
أجابها "علي" بحنان:
_متقلقيش عليه مايا معاه.
مالت برأسها على نافذة السيارة بعدما ثبتت حزام الأمان من حولها، وعلى الفور تحرك أحمد بالسيارة والصمت يحف الجميع.
حزنت "فاطمة" لأجل "علي"، وجودها بينهم جعلها تلتمس مدى عمق المشاعر بينهم وبالأخص زوجها وأشقائه، تعلم بأنه يتألم لبعد شقيقته مثلما يعاني عُمران، ولكنه كعادته، شامخًا، لا يطفو بما ينبع داخله، راقبت أحمد وفريدة وقربت يدها من يده المسنود على الأريكة جوارها، ضمت خنصرها من خاصته، فاستدار برأسه لها، قرأت رماديته مواساتها إليه، وقلقها الصريح عليه، ففرد يده يضم كفها بحبٍ، وانتقل بجلسته بالقرب منها، يقربها إليه؛ فمالت برأسها على كتفه ومال برأسه على رأسها، يهمس لها بصوتٍ عذب:
_أنا كويس، متقلقيش.
وعاد يتطلع أمامه تجاه والدته، يراها لأول مرة بتلك الحالة، حزنها واضح كسطوح الشمس، فراقها لابنتها الوحيدة لم يكن هينًا بالمرة، وكأنها أول عروس تفارق منزل أبيها!!
*****
ما أن استمع لصوت السيارة تتحرك، حتى مال برأسه فوق بطنها المنتفخ، ومازال يجلس على المقعد الخشبي الموضوع جانب الطاولة المجاورة للاستيدج المزين، يحتضنها وكأنما يدفن ذاته داخلها، يستمد العون منها تلك المرة، لطالما كانت ضمته بمثابة القوة الداعمة لها، والآن هو من يحتاج إليها.
مررت "مايا" يدها على ظهره بحنان، وقالت بصوتها الشجي:
_انا عارفة إنك متعلق بشمس وعلي جدًا، وبعدهم عنك بيفرق معاك، بس يا حبيبي شمس مبعدتش عنك، الفرق بينك وبينها ربع ساعة بعربيتك يا عُمران، أمال لو كنا لسه عايشين في لندن كنت عملت أيه؟!
جذبها لقدمه حتى لا يؤلمها برمي ثقل جسده فوق بطنها المنتفخ، وقال ومازال يميل عليها بحزنٍ:
_ولو فرق دقيقتين بالنسبالي مسافات وبعد يا مايا، أنا كاره اللحظة دي من قبل ما تيجي!
وأضاف بصوتٍ مكتوم كالباكي:
_أنا أناني وغيور في حب كل فرد من عيلتي، أنا لما نزلت لمصر وقررت أبدأ شغلي هنا مقدرتش أعملها من غير الـteam بتاعي، لاني اتعودت عليهم بالرغم من إن أغلبهم مش مريحين ليا ما بالك بشمس!
هوت دمعاتها تأثرًا بحديثه، ربما من يراه قد يضحك ساخرًا من أمره، شقيقته لم تقتل ليفعل كل ذلك، لقد تزوجت ومضت أول خطواتها لحياتها الزوجية بينما الاخر يبكي من خلفها كأنه لن يراها مجددًا!
استمر على تلك الحالة لفترةٍ طالت عليه ومازال شاردًا بين ذراعيها، يحاول أن يتغلب عما يؤلمه، لا يريد العودة للمنزل، إن لم يراها تنتظره لتشاكسه ككل ليلة سيزداد ألمه لا محالة، مر الوقت عليهما حتى استعاد جزء من اتزانه المهدور، فعاونها على الوقوف عنه ووقف يردد بحرجٍ:
_أنا نسيت إنك حامل ورامي نفسي عليكِ طول الفترة دي، أنا آسف حبيبتي، إنتِ كويسة؟
ابتسمت وهي تراقب ذعره الواضح، وقالت عن طيب خاطر:
_متقلقش عليا انا زي الفل يا بشمهندس.
واستطردت تمازحه:
_ولا تحب أقولك شيخ عُمران؟
ابتسم لها أخيرًا، وأحاطها إليه يهمس لها وهو يقبل يدها بعشقٍ:
_حبيب قلبي يناديني باللي يحبه، وأنا رهن اشارة من ايده.
سحبت كفها، وقالت على استحياء:
_الجو برد، مش هنمشي؟
نزع جاكيته يحيطها به، ثم ثني ذراعه لها قائلًا:
_هنمشي حالًا يا بيبي.
ضحكت واتبعت خطاه حتى فتح لها باب سيارته وغادروا معًا، وما أن وصلا للكمبوند، حتى أخبرها:
_انزلي إنتِ وأنا هركن العربية وهطلع وراكِ على طول.
ارتابت لامره، وقالت بارتباك:
_إنت لسه زعلان؟
أشار باسترابة:
_لأ
واوضح لها:
_أنا بركن على البحر وإنتِ برادنه، فمش عايزك تبردي أكتر.
أمأت برأسها وجذبت حقيبتها الصغيرة، ثم هبطت وهي تردد:
_بس متتأخرش يا عُمران.
مال للنافذة يشاكسها بخفة:
_متخافيش يا بيبي الكمبوند محصن ضد الاشباح والعفاريت.
مالت للنافذة تخبره بدلال:
_مين ده اللي راهن على عمره ويتجرأ يقرب لمرات عُمران سالم الغرباوي!
استند لخلف مقعده يرمقها بنظرة هائمة، هاتفًا بضحكة:
_أموت فيك وإنت واثق من نفسك ومالي مركزك كده يا صغنن.
عبست بمقلتيها ترمقه بسخطٍ:
_معتش تروح حارة الشيخ مهران تاني، أنا بحبك تغازلني برقي مش بالطريقة السوقي دي فاهم!
ازدادت ضحكاته عاليًا وأشار يحذرها:
_خدي بالك أنا مبخدش أوامر من حد، بس عشان عيونك أميل وألين لأمرك يا بيبي.
منحته ابتسامة مهلكة، ولوحت بيدها بدلال:
_ده المتوقع يا قلب البيبي، يلا متتأخرش.
وتركته وصعدت للأعلى، بينما اتجه عُمران ليصف سيارته بعيدًا، بالمكان المسموح للسيارات، وحينما عاد للكمبوند كان بطريق صعوده لجناحه حينما استوقفته زوجة أخيه تناديه:
_عُمــــــــران، استنا.
استدار تجاه غرفة أخيه؛ فوجدها تدنو منه وهي تحمل الحاسوب الخاص بها، وعلى وجهها معالم شغلت بالقلق الصريح، أسرع إليها متسائلًا بقلق:
_أيه اللي مسهرك للوقت ده يا فاطمة!
أدارت الحاسوب إليه وقالت:
_في حاجة مهمة لازم تعرفها، لأن الوضع بقى مريب!
******
لكزه للمرة الثالثة ولم يستيقظ بعد، فازاح الغطاء يناديه بغضب:
_إيثــــــــــــــان!
فتح عينيه بضيقٍ، ودفعه عنه:
_عايز أيه؟؟ كل ما تقوم تصلي الفجر تقرفني معاك، إرحمني أعمل أيه عشان تصدق إني مسيحي!!! والله مسيحي، والله العظيم مسيحي يا عـــــــــم!!
كبت ضحكاته بصعوبة، وقال ببسمة باردة:
_لسه ساعتين عن الفجر متقلقش.
كاد بأن ينحر عنقه من فرط الغيظ:
_عايزني أقيم معاك الليل مثلًا؟!
هز يونس رأسه بنفس بروده السابق، فجذبه إيثان من تلباب جلبابه الأبيض، يصيح منفعلًا:
_آه ده أنت قليل الأدب وعايز اللي يربيك بقى، مش كفايا الخواجة المنيل ده عليا، عايشلي الدور إنت كمان!
رفع يديه مداعيًا البراءة وهو يخبره:
_أنا بس كنت عايز عربيتك وقولت مينفعش أنزل بدون إستأذان، لا يصح يا أخ إيثان.
رمش بعدم استيعاب، وردد بتبرمٍ:
_يعني إنت بتصحيني عشان عايز عربيتي؟!
هز يونس رأسه مؤكدًا واستفاض إليه:
_أيوه أمال أنزل من غير ما أستأذنك، ولا أأمنك على فارس وهو نايم في أوضته، تيجي ازاي دي؟!
أحاط عنقه بأصابعه وهسهس من بين اصطكاك أسنانه:
_صلي لروحك كي ترقد في سلام.
ضحك وقال:
_ما تصلي إنت على النبي وتستهدى بالله كده، الكلام أخد وعطى يا كابتن إيثو!
وأخبره ليكسب فضوله:
_حضرة الظابط اللي كلمني وطلب يقابلني في مكان مقطوع، فقولت أصحيك نروح مع بعض جايز يكون حد وزه يدبرلي حاجه.
ابتعد عنه ايثان، فنهض يونس يكبت ضحكاته، حينما رأى الاخير يطالعه باهتمام وقلق، برز بسؤاله:
_ليه إنت عملت أيه عشان يطلب يقابلك في توقيت زي ده، مش المفروض إنه عريس وكده؟!
هز كتفيه بحيرة:
_معرفش، بس أكيد التوقيت ده وراه مصيبة، ها هتيجي معايا ولا أروح لوحدي؟
بكل جدية قال:
_أكيد طبعًا مش هسيبك تروح لوحدك!
تجلدت ضحكاته ببسمة ممتنة لوجود رفيقًا مثل إيثان، وأشار له وهو يجذب المفاتيح:
_إلبس عما أطلع العربية من الجراش.
********
هبط من التاكسي يبحث عنه، ولما أن لمح سيارته مصفوفة على أحد جوانب الطريق حتى هرول إليه، القلق والتوتر يحيطانه كالوحش الناهش، لا يعلم كيف إرتدى ملابسه ولا حتى كيف إتبع الموقع الذي تلاقاه منه.
طرق "آيوب" نافذة السيارة حتى انتبه "آدهم" إليه، هبط يتجه إليه، فأسرع آيوب إليه يسأله:
_آدهم أنا افتكرتك بتهزر!! معقول تنزل تقابلني في يوم مهم زي ده، ما انا كنت معاك طول اليوم!!
صمته يثقل معالمه كالكهل العجوز، عينيه تراقبه في ضعف مس روحه الغارقة، كل ما بداخله يتجمع على طرف لسانه الثقيل، والمكتوف عن الحديث، يتشبع منه قدر ما تمكن وكأنه أخر لقاء سيجمعهما!
ارتاب "آيوب" لأمره، فناداه بارتباك:
_في أيه يا آدهم؟!
غامت السماء من فوقهما رغم إنها تستقبل الخريف، وعصف الرعد مستعدًا لفتح أبواق السماء واستقبال الامطار بين أي لحظة، الصمت يزداد بسطوته على آدهم، لسانه ينعقد عن الحديث، وكلما ازداد صمته ازداد قلق آيوب أضعاف مضاعفة، حتى أخرج من جيب سترته ورقة مطوية قدمها إليه وابتسامته تنازع لترسم على، شفتيه، بينما صوته يخرج هامس، ضعيفًا:
_مبروك يا بشمهندس.
التقط آيوب الورقة منه بدهشةٍ، وما أن فتحها حتى سقطت عينيه على تصريح النجاح بالاختبارات، فردد بعدم تصديق:
_دي النتيجة معقول جبتها بالسرعة دي!!
انزهقت ابتسامته وتلاشت كمهب الرياح فور أن تأمل الاسم الذي يتوسط الورقة، فقال ومازال يتأمله كالذي فقد وسام القراءة والكتابة فبات أميًا:
_بس دي مش نتيجتي يا آدهم!
ونطق الاسم المدون بصوتٍ منخفض، كأنما يتهجى إسمًا صعب على لسانه:
_"آيوب مصطفى أحمد الرشيدي»!!
تجمدت أصابعه على الورقة، وعينيه تتوسعان في صدمة شلت جميع أطرافه، ولسانه يعيد تذكر نطق اسم آدهم:
_"عمر مصطفى الرشيدي"!!
ببطءٍ شديد رفع بصره نحوه، وهو يتمنى أن لا يكون يمازحه في وقت قد يصيبه بذبحة صدرية، ولكن اختيار آدهم للبوح واللقاء لا يكن أي احتمالات للمزح، لقد ترك عروسه بوقت كذلك، من المؤكد بأنه يريده بأمرٍ هام، وهذا ما شغله طوال طريقه للوصول إلى هنا، انهمرت دموع آدهم على خديه وهو يطالعه بعينين غائمتان، ابتلع آيوب ريقه بصعوبة ورفع الورقة أمامه متسائلًا بريبة:
_ده أيـه؟
ضغط على شفتيه السفلية وكأنه يود بترها، طالت مدة الصمت والآن حان الوقت للبوح عما دفن داخله، تحرر هو عن صمته ومعه رعد البرق كالانذار الصريح عما سيحدث الآن، وخاصة حينما قال آدهم:
_اللي حكتهولك إمبارح نقصه حقيقة واحدة، إني أعرف أخويا وهو يعرفني كويس، بس معنديش الجرأة إني أوجهه بالرغم من إني بشوفه كل يوم، هو نفسه سبق وقالي إنه بيحس من نحيتي إحساس غريب.
ورفع كتفيه بقلة حيلة وهو يستطرد:
_ يمكن لانهم بيقولوا الدم بيحن، وأنا وإنت حنينا لبعض من أول لقاء جمعنا في شقة سيف.
تراجع آيوب خطوة للخلف، يود الفرار عن سماع المتوقع قوله الآن، لا يرغب في سماع المزيد، بينما يهتف بانفعالٍ رغم انخفاض نبرته:
_اسكت يا آدهم، زعلي منك هيكون كبير لو طلع اللي في دماغي صح، الكلام ده مفهوش تهريج ولا مقالب.
تجاهل تشكيكه بحديثه، وقال بحزن:
_أنا متخلتش عنك يا آيوب، من اللحظة اللي عرفت فيها إنك أخويا واتاكدت من تحليل الDNA وانا جنبك ومعاك، كل ما كنت بتقولي إنك وحيد كنت عايز أحضنك وأقولك أن ده مش صحيح، كان نفسي أقولك ليك أخ شايل هموم الدنيا فوق كتافه وأولهم هم اللحظة اللي، هتعرف فيها الحقيقة.
وبدموعه الغزيرة صرخ باكيًا:
_حقيقة إن أبوك بدلك بطفل الشيخ مهران اللي اتولد ميت، حقيقة إنه حمى بيته من جوازته التانية وبالمقابل خسرك إنت.
وببسمة طعنها الألم والخذلان قال:
_عرفت ليه بطلت اناديك بابن الشيخ مهران؟ لانك مش ابنه يا آيوب، إنت أخويا أنا، ابن مصطفى الرشيدي اللي من يوم ما شافك وهو بيترجاني يصارحك بالحقيقة، ويمكن دلوقتي هتعرف ايه السر ورا معاملة أبويا ليك بالشكل ده لانك ابنـ...
_اسكــــــت يا آدهــــــــــم، اسكــــت!!
صرخ بكل قوته بوجهه، وقد ثارت جنونه بأكملها بتلك اللحظة، بل دافع عن أحب الناس إليه قائلًا:
_كل اللي بتقوله ده كــــــدب، انا ابن الشيخ مهران سامـــــــــع، أنا آيوب ابن الشيخ مهران، كل اللي بتقوله ده مش صحيح، أنت أكيد شارب حاجه مقصرة على عقلك، أو جايز زعلك على اخوك المفقود ده مخليك معتقد إنه هو أنا.
وحاول استجماع أعصابه، فهدأ من ثورة أنفاسه العاتية، ثم دنى منه يتطلع له عن قرب بمحبة، وقال:
_آدهم أنا بحبك وبحترمك جدا، فمن فضلك بلاش تخليني أخسرك، بلاش أرجوك بلاش.
امتلأ وجهه بدموع جعلت آيوب يزداد صدمة، ليس هناك أي سبيل لكونه يمزح، تحرك بؤبؤ عينيه على وجه آدهم بصدمة، وخاصة حينما قال بصوته المبحوح:
_روح إسأل الشيخ مهران وهو هيأكدلك كل حرف قولتهولك.
رد بعصبية بالغة وقد ألقى الورقة أرضًا:
_أوعا تكون مليت دماغ أبويا بالهبل ده، إنت أكيد بتتعاطى شيء أو اتجننت معنديش تفسير غير كده، اللي انت بتحاول توصل له ده هيدمر اللي بينا يا آدهم عشان كده من اللحظة دي مش عايزك في حياتي تاني، إنت براها سامـع!
حدجه بنظرة حزينة، وقال بقوةٍ:
_متقدرش تطلعني بره حياتك يا آيوب، بمزاجك أو غصب عنك فأنا أخوك الكبير، ولو مش مصدقني تعالى حالا نطلع على المعمل ونعمل DNA عشان تقتنع إني لا مجنون ولا شارب حاجة.
امتلأ الذعر عينيه، وبات خاويًا كورقة ألقاها التيار في مهب الرياح، شعر وكأن قدميه كالهلام المتحرك، لا يرغب في سماعه، يود بالفرار ولكنه لا يستطيع حتى بالحركة، وفجأة استمع لصوت ابن عمه يناديه:
_آيـوب.
استدار تجاه يونس الذي هرول إليه، يراقب ملامحه بقلقٍ، ويعود بنظراته إلى آدهم بغضب جعله يصيح:
_ليه يا باشا؟ قولتلك بلاش تصارحه بحاجة فهمني قولتله ليــــــــــه مش خلاص غيرت الاسم وارتاحت!
جحظت أعين آيوب حد الموت، على ما يبدو بأن الجميع يعلمون بالامر وهو وحده الاحمق من بينهم، ولكن مهلًا هل يعقل ألا يكون الشيخ مهران والده؟؟؟!! كيف ذلك؟!
فصل إيثان يد يونس عن عنق آدهم الذي يتطلع لاخيه بانكسارٍ، ولا يعنيه ما يفعله وسيفعله يونس، لا يشغل عقله سواه، بينما الاخير يجلس على احد الصخور كالمتجمد، عقله لا يستوعب كل ما طرح إليه، وفجأة نهض مندفعًا للرحيل، فأسرع يونس اليه يوقفه متسائلًا بقلق:
_على فين يا آيوب؟
بصوتٍ مظلم كعينيه التي أخفت فيروزته، هدر:
_ابعد عن طريقي يا يونس.
قال برجاء وخوف:
_مهما اتقال إنت أخويا وابن عمي، فاهم!
وتابع وهو يدفعه لسيارة إيثان:
_يلا نرجع البيت ونتكلم هناك.
انتشل يده منه وقال ببسمة ساخرة:
_بيت مين؟ مهو مبقاش بيتي خلاص، ولا الشيخ مهران طلع أبويا، ولا إنت طلعت ابن عمي!! أنا مجرد لقيط يا يونس.
صرخ بوجهه ودموعه تنهمر دون توقف:
_متقولش كداااا بدل ما أرفع ايدي عليك.
كان ايثان متخبطًا بما يستمع إليه، ولكنه الآن أصبح ملم بأطراف الحوار حتى تفهمه، ترك آدهم مكانه البعيد عن مجال رؤية آيوب واتجه إليه يقابل محله، يناديه بخفوت:
_آيوب.
رفع عينيه المتورمة إليه، ليجده يقول:
_امبارح قولتلي اني ماليش ذنب في اللي أبويا عمله، والنهاردة بتحملني كل الذنب وبتقولي مش عايز تشوف وشي تاني! قولي أنا غلطت في أيه وأنا أوعدك إني هعتذر عن غلطي لألف سنة قدام!
تدفقت الدموع على وجهه، وبصوته المتقطع قال:
_مش عايز غير أنك تمشي، إمشي وسبني يا آدهم.
رد عليه وصراخ قلبه أصبح مسموع:
_انا فعلًا همشي بس لازم قبل ما أمشي أمانك على أبوك.
ضحك مستهزءًا، ومازال يونس يسانده:
_أبويا!
أراد أن يخبره بما استدعاه لاجله حتى وإن لم يكن الوقت مناسب ولكنه هو الذي لا يمتلك الوقت للبقاء فقال:
_مش المفروض عليا أقول الكلام ده بس مضطر، آيوب أنا مش مسافر لشهر العسل زي ما كلكم متخيلين انا مسافر تبع مهمة لشغلي حساسة وصعبة، والله اعلم ربنا هيقدرلنا اللقاء تاني ولا لا.
تأثر يونس وأيثان لحديثه، حتى آيوب تألم قلبه وبات يستمع لحديثه باهتمام، فاستكمل:
_كل مرة بمشي وبسيب أبويا وأنا حزين إن مفيش حد أوصيه عليه، المرادي وبالرغم من قساوة الظروف اللي احنا فيها بس غصب عني وعنك هو ملزوم منك وأنا قدام يونس وإيثان هأمنك على الحاجة الوحيدة اللي بمتلكها، لو جرالي حاجه أبويا أمانة في رقبتك يا آيوب!
استغل صدمته بحديثه وبقائه ساكنًا، واختطفه في ضمة جعلت آيوب يبكي ألمًا، وخاصة حينما همس آدهم له:
_غصب عني كان لازم اعمل كده، لو بايدي كنت سيبتك في المكان اللي حبيته وارتاحت فيه، بس دي رغبة ووصية ابويا وانا مش ضامن هقدر ارجع من مهمتي تاني ولا لا، عايز لو جرالي حاجة أموت وانا مرتاح.
وابتعد يتطلع لعينيه مستطردًا:
_أنا مش هطلب منك انك تسامحه لان الموضوع مش سهل، بس وحياة أغلى حاجه عندك متقساش عليه..
وبنبرة مهتزة قال:
_يا رب يكونلنا لقاء تاني يا آيوب.
وغادر على الفور ليسمح لذاته بالبكاء بصوت مزق سيارته تمزيقًا، بينما خلفه يحاول يونس أن يهدأ من روع آيوب الذي أسرع لسيارة إيثان وطلبه بالتوجه للمسجد للقاء أبيه في التو والحال.
******
وضع عُمران الطاولة قبالة غرفة أخيه، وجلس على الطاولة ينتظر انضمام فاطمة لمقعدها، وقد أثار حديثها قلقه، وجدها تضم الحاسوب إليه، وتوزع نظراتها بين المقعد وباب الغرفة الموصود بارتباكٍ يقلقها، وبالرغم من أنهما يجتمعان أمام ردهة الغرف الا أنه تفهم حالتها، فأرسل رسالة لزوجته بالخروج إليهما، وما هي الا دقيقة وخرجت مايا إليهما بمئزرها الاسود وشعرها المفرود من خلفها، تتساءل في قلق:
_في ايه يا عُمران؟
شملها بنظرة قاتلة وقال:
_أيه اللي مخرجك كده يا هـانـــم؟
أجابته باستغرابٍ:
_مش إنت اللي قولتلي اخرجي عايزك!
أشار برماديته على باب غرفته بحزمٍ:
_إخفي من قدامي يا مايا والا وقسمًا بالله أعلقك في نجفة السقف من شعرك اللي فرحنالي بيه ده.
ارتابت من عصبيته البادية على حمرة عينيه، ورددت بتلعثم:
_إنت بقيت بلطجي وأنا بقيت بخاف منك، والله لأغير هدومي وأنام في أوضة شمس، خسارة فيك الفستان اللي لبستهولك والتسريحة اللي بقالي ساعة بظبطها.
وما ان استدارت حتى انتبهت لفاطمة التي تكاد تنصهر من الضحك، فعادت تتطلع لعمران الذي يصك شفتيه بأسنانه غضبًا، ومن ثم تطلعت لفاطمة وابتسمت لها برعب لفظ انفاسه الاخيرة بقولها:
_فطوم إنتِ هنا، طيب أروح انا أريح لحسن حسيت بهبوط كده فجأة.
انطلقت ضحكاتها وصاحت بصعوبة بالحديث:
_لا ألف سلامه عليكي يا قلبي، خشي ريحي جوه وبلاها أوضة شمس، كده كده هيجيبك.
عادت تخطف نظرة لمن يتوعد لها بثباته القاتل، وهمست الى فاطمة:
_ما تشوفيلنا علي يوديني المستشفى لحسن حاسة نفسي بعافية حبتين.
طرق الطاولة بعنف هادرًا:
_مستانية مين يشوفك بالمنظر ده تاني يا هانــــم!!
هرولت للداخل راكضًا ولم يتبقى سواه وتلك الضاحكة، فقال بضيق:
_ها يا فاطمة قلقتيني وانا مش عارف اصحي مين تاني عشان تتكلمي.
اتجهت للمقعد، استقلته وقالت بغرور مصطنع:
_مفيش داعي تشوف حد، أنا بقيت بحضر الاجتماعات كلها بدالك مجتش من اجتماع عمل فيه فرد واحد ومن العيلة يعني!
رفع حاجبه باندهاش من طريقتها، وقال:
_فرد!!
وعاد يجيب ذاته:
_تمام اتكلمي!
أدارت فاطمة الحاسوب إليه وقالت:
_بص يا عُمران، من وقت ما سلمتني حساباتك الشخصية وأنا بتابع الايميلات بتاعت الشغل كلها أول بأول، ومن وقت ما نزلنا مصر وأنت طبعا مشغول ومبقتش تفتح زي الاول، فبحاول على اد ما أقدر أحول اتفاقات الشغل والصفقات لمستر حسام ولو الموضوع صعب عليه بدخل أنكل أحمد المهم الامور تمشي.
ابتسم قائلًا باعجاب :
_براڤو يا فاطمة، انا مقصر اليومين دول عارف بس خلاص بمجرد ما نعمل الافتتاح هتفرغ بشكل كبير باذن الله.
قاطعته مستكملة:
_تقصيرك مش المشكلة اللي عايزاك فيها يا عُمران.
تساءل باهتمامٍ:
_أمال ايه؟
فتحت احدى الايميلات وسلطته تجاهه:
_بص كده كويس على اسم الشركة دي.
ضيق رماديته على الشاشة، فلفظ الاسم المدون، وقال بعدم فهم:
_مالها؟
قربته إليه وهي تخبره بريبة:
_الشركة دي من وقت ما نزلنا اعلان اننا هننقل اغلب الفروع على مصر وهي بعتت على ايميلك وباصرار غريب اننا مننقلش على مصر ونفضل في لندن، طبعًا أنا في البداية فكرتهم عندهم مشروع مهم وحابين اننا ننفذه ليهم في لندن، ولكن الغريب في الموضوع انهم مش عايزين اننا نشتغل على مشروع معين، حسيت من طريقتهم والنسبة الضخمة اللي اتعرضت في الرسالة انهم عايزينا نفضل في انجلترا بأي شكل من الاشكال.
وتابعت وهي تعرض له الرسائل القريبة:
_لما رديت بالرفض عليهم رجعوا بعتولي تاني وزودوا النسبة والارباح بشكل مغري وغريب، تجاهلت الموضوع بعتولي مرة تانية بنسبة وصلت ل95في المية، انت متخيل!! أيه وجه الاستفادة ليهم لو ادونا اغلب الارباح وأخدوا 5 في المية والسؤال المهم كانوا فين طول فترة شغلنا في لندن واشمعنا لما نزلنا مصر.
زوى حاجبيه بدهشة لما تقول، وردد:
_الموضوع فعلا مش طبيعي.
فرقعت اصابعها للفت انتباهه:
_بالظبط، واللي هيفاجئك كمان ان لما بعت اسم الشركة لسكرتيرك حسام بحث عنها وملقاش ليها أي وجود في السوق، يعني الله أعلم أيه اللي ورا الناس دي واللي للاسف مش مفهوم بالنسبالي عشان كده كان لازم اعرفك بالموضوع ده، لانهم في أخر رسالة ليهم طلبوا يقابلوك بالحاح مش طبيعي.
سحب الحاسوب اليه، يلتقط بهاتفه صورة لاسم الشركة، ونهض يشير لها:
_كويس انك قولتيلي أنا هدور وراهم
وتابع وهو يتفحص ساعة يده:
_روحي ارتاحي وأنا هتولى أمرهم متقلقيش.
هزت رأسها ببسمة صغيرة، ثم انصرفت لغرفتها، واتجه عمران لغرفته.
******
يعتاد تلاوة القرآن بصوته الخاشع بأرجاء المسجد قبل صلاة الفجر، يقيم ليله في طاعة الرحمن، يختلي بنفسه أحيانًا، ويجتمع بمجموعة من طلاب الأزهر أحيانًا آخرى، وها هو الآن يجلس بمفرده ويلمح طيف يحاوط مصحفه الشريف، جعله ينتهي من قراءته ويتأمل من يقف قبالته، فابتسم ببشاشته المعتادة وقال:
_آيوب!
تلاشت ابتسامته فور أن رأى عينيه المتورمة من اثر البكاء، ومن خلفه وعلى باب المسجد يقف يونس وإيثان، وأوجههما تشيء بما يتعلق بحالة ابنه.
ترك الشيخ حاملة المصحف ونهض إلى ابنه يسأله بقلق:
_في أيه يا ابني؟ عينك مالها؟!
تطلع إليه بوجعٍ، وعينيه تفيض دموعها، كجرحٍ عميق غائر، ومازال يحتفظ بالورقة بين يده، بشكل لفت انتباه الشيخ مهران، فجذب ما يحمله، وما أن رآها حتى أغمض عينيه يعتصر آلإمه، لقد حانت أبشع لحظة تمنى أن لا يعيشها، لطالما دعا الله أن تمر بسلام، كما مرت النار بسلام وإبراهيم عليه السلام داخلها.
ثنى الورقة ووضعها داخل جيب جلبابه الأبيض، ودموعه تنهمر دون توقف، أخذ وجهه بين يديه وقال وهو يتطلع له مباشرة:
_ولو قدامي مليون ورقة وتريليون إثبات، أنت إبني أنا حتى لو مكنتش من صلبي، مهما قالوا ومهما حاولوا يثبتوا عكس ده إنت ابن الشيخ مهران اللي عاش عمره كله يزرع جواك كل الطيب اللي في الدنيا، عشان لما تربته تدبل تكون إنت الزرعة اللي تقوم بيه.
وضمه بين صدره بقوة مستكملًا:
_كنت أتمنى أموت قبل ما تعرف الحقيقة اللي دبحتني، بس مقدرتش أمنعك عنها يا ابني!
تحرر صوت بكاء آيوب المكبوت، كان يتوقع أن ينفي الشيخ مهران كل ذلك، ولكن مغزى حديثه يؤكد حديث آدهم بمعرفته لحقيقة الامر، أبعده عنه وارتد للخلف يصيح بصدمة:
_يعني أيه؟؟؟؟ يعني أنا مش ابنك؟؟؟؟؟؟؟
صرخ فيه بقهرٍ:
_متنطقش الكلمة دي تاني فاااهم، إنت ابني غصب عن الدنيا كلها، أنا وافقت آدهم على الورقة دي بس عشان خوفي من ربنا لكنها متعنيلش شيء، ولا عمرها هتغير طبيعة علاقتي بيك يابني.
بدت كلمته مستريبة إليه، فردد بغرابة:
_ابنك!
قالها وابتعد عنه، وبدون أي كلمة اضافية غادر من أمام الجميع تجاه الباب الآخر للمسجد، كاد يونس بتتبعه ولكن الشيخ استوقفه وقال باكيًا:
_سيبه يروح مشواره لوحده، مواجهته لمصطفى الرشيدي لابد وحتمًا منها!
*****
شاردًا بجحيمه الذي لا يساع أحدٌ سواه، وإذ فجأة يشعر بتمايل رأسها فوق ذراعه، فاستدار ليجدها تغفو بسلامٍ وراحة، ابتسم وهو يراقب بسمتها لقربها منه، وضمها إليه ثم عاد يتطلع لنافذة الطائرة بحزن.
التقطت ساعته اشارة مجهولة، فتفحصها وهو يستعلم عن اشارة موقع آيوب، كانت تلوح منذ قليل بتواجده بمسجد حارة الشيخ مهران، والآن يلتقط جهازه إشارة تواجده بمنزله الخاص!!
اعتدل آدهم بجلسته بتوترٍ، يخشى ذلك اللقاء الذي لم يحسب حسابه، يخشى أن يزداد مرض أبيه بمواجهة آيوب له، لذا وعلى الفور التقط هاتفه يدون رسالة قصيرة قبل ان يغلق الهاتف كليًا، لضمان عدم وصول المرسل إليه.
*****
ضحك رغمًا عنه حينما وجدها تختبئ خلف ستائر الغرفة، وللحق لم يكن ليكتشف أمرها لولا بطنها المنتفخ البارز من خلف الستار لما إكتشف أمرها، فقال بسخرية:
_وكده أنا مش هجيبك يعني؟!
رفعت الستار للاعلى وقالت بارهاق:
_أنا تعبت في الحفلة والله، لو ينفع تسامح وتسبني أنام يبقى كتر خيرك يا عُمران باشا.
استند بقدمه على المقعد ومال يردد ساخرًا:
_ودي تيجي يا بيبي، مش لازم نأخد وندي مع بعض كده، ده انا حتى ملحقتش أعين الفستان!
شددت على مئزرها وهتفت باحتجاج:
_بص إنت حنين وميرضكش ابنك يأخد لطشة برد صح؟
زوى حاجبيه بعدم فهم:
_أيه دخل ده مع ده!
ضحكت ساخرة منه:
_أصل المصمم نسى يخيط بطانة الفستان.
قالتها وانفجرت من الضحك، فضحك رغمًا عنه واشار لها بالخروج:
_اطلعي يا مايا، اطلعي بدل ما أجيبك أنا وساعتها هتندمي.
حملت طرف المئزر وخرجت إليه تلتقط أنفاسها بتعب:
_وعلى أيه انا جاية، بس استنى اقلع الروب ده لحسن الجو حر.
برق بدهشة حينما وجدها ترتدي بيجامة من الصوف، ومن فوقها شال أسود يتدلى على كتفيها، ابتلع صدمته وهو يهتف:
_أمال فين الفستان اللي من غير بطانه؟!
ربتت على بطنها المنتفخة وهي تهمس بمكر:
_اول درس يا حبيبي أوعا تطلع وقح وقليل الادب زي بابي، خليك متربي وابن ناس زي عمك.
كز على أسنانه بغضب جعلها تسرع بالتراجع لاقصى الفراش قائلة بعصبية:
_بقولك أيه إنت من ساعة ما بقيت بتنزل الحارة وانت خلقك بقى ضيق وانا واحدة على وش ولادة ومش ناقصة فرهدة ولا شدة أعصاب، يا تلم أعصابك يا تشوفلك كنبة بالدور الارضي تنام عليها العمر مش بعزقة هو!
أشار على ذاته منصدمًا:
_أنا أنام على كنبة!!! انتِ اتجنينتي ولا أخده حبيتين جراءة!!!
رفعت اصابعيها تشير:
_الاتنين.
حدجه بخبث، واتجه للاريكة، يجلس فوقها واضعًا ساقًا فوق الاخرى، وبغرور قال:
_بصي يا بيبي، إنتِ حابة تتشاقي معايا وأنا معنديش مانع، عشان كده هديكي فرصة تيجي وتعتذري والا متلوميش الا نفسك، وإنتِ عارفاني لما بدي إنذار بعده بعمل أيه؟
جحظت عينيها في ذعر، وعلى الفور أسرعت إليه تناديه بدلال مصطنع:
_إنت عارف إني بحبك صح؟
اابتسم وهو يشير لها بالاستئناف فقالت:
_أنا كنت بحاول أفكك شوية من الزعل بس مدام هتيجي على رأسي، فحقك عليا.
وحينما لما تجد ردًا منه نادته:
_ عُمران!
غمز لها بعنجهية:
_حبيب قلبه إنتِ يا مايا.
ابتسمت بسعادة تلاشت فور أن نطق:
_بس أنا مش قادر أكون (راضي عنك بنسبة مية في المية) 100% satisfied with you
تلاشت ابتسامتها على الفور، وقالت بانزعاج:
_وأيه اللي يرضيك يا بشمهندس.
كاد ان يجيبها ولكن رسالة هاتفه جذبت انتباهه، وخاصة حينما رأى اسم صاحبها وقرأ رسالته، وبنهايتها وجد الموقع محصور برسالته، ترك الاريكة والتقط مفاتيحه ثم هرول سريعًا للاسفل، يركض تجاه محل سيارته، استقلها وانطلق على الفور للمحل الذي أرشده أليه آدهم!
******
فتحت الخادمة باب المنزل، فولج يبحث عنه بالداخل حتى وجده يجلس بغرفته، وما أن رآه الاخر حتى تهللت سعادته، وقال بفرحة:
_آيوب! تعالى يا حبيبي نورت الدنيا كلها.
اقترب منه ونظراته المستحقّرة تحوم به بشكلٍ بشع، حتى توقف قبالته يرمقه بنظرة كراهية، وقبل أن يتحدث بحرفٍ قال:
_أنا عمري ما اتربيت على الحقد ولا الكره، بس ولاول مرة قلبي وعيني تكره حد زي ما كرهوك أنت!!
صعق مصطفى مما استمع إليه، بينما استطرد آيوب بعدائية شديدة:
_مكنتش مضطر تلعب دور الخداع والحنية طول الفترة اللي فاتت إنت اللي زيك قلبه كتلة حجر، أوعـــــا تفكر اني في يوم من الايام هسامحك، عمرها ما هتحصل، ومهما عملت أنا ماليش غير أب واحد بس، أنا ابن الشيخ مهران ولأخر نفس خارج مني أنا ابنه هو ساااامع.
تهاوت دموع مصطفى ورأسه منكوس أرضًا على مقعده المعدني، يخشى حتى لقاء عين ابنه، كل ما يردده:
_سامحني يا ابني، سامحني وحياة أغلي حاجة عندك.
رمقه باستحقار، وقال:
_إنت دمرتني، تخيل من ساعة واحدة بس كان في جوايا حب واحترام كبير ليك لما سمعت ندمك وتوبتك عن اللي عملته في ابنك اللي رميته، ولما اكتشفت إني هو احساس العطف اتبدل 180درجة، كأني اللي سمع وحكم عليك مش هو الشخص اللي واقف قدامك، إنت حرقت كل حاجه بناها الشيخ مهران، كل حاجة اتحولت لرماد وإنت قبلها.
ورفع اصبعه يشير بعصبية بالغة:
_أنا مجتش أسالك عملت كده ليه، أنا جبتلك عشان أقولك ان لو أخر يوم في عمري مستحيل هسامحك أو هسمحلك تقرب مني.
وتركه واستدار ليغادر، فصرخ مصطفى وهو يتجه خلفه يناديه برجاء:
_استنى يا آيـــــــــــــوب، اسمعني يابني عشان خاطري اسمع اللي هقولهولك.
تجاهله وهرول مسرعًا للباب، ففقد مصطفى توازن مقعده وهوى أرضًا به، ومع ذلك لم يتوقف وزحف على ذراعيه ليصل إليه، حتى أمسك بيديه يبكبي فوقها ويترجاه:
_متمشيش أنا مش عايز غير إني أشوفك سعيد ومرتاح ولو هيريحك إنك تفضل مع الشيخ مهران أنا مش همانع ولا همانع ان اسمك يفضل زي ما هو وأنا متحمل الذنب لوحدي بس بالله عليك ما تسبني يا آيوب، متسبنيش!
.............. يتبع...................
#صرخات_أنثى... #الاقوى_قادم..
بتمنى نوصل الفصل لتفاعل عالي على الفيس وتصويت كبير على الواتباد يليق بضخامه الاحداث اللي داخلين عليها، هنتظر رايكم في الفصل، بحبكم في الله ♥
****____******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 104 - بقلم آية محمد رفعت
صباح الخير والسعادة عليكم حبيباتي، مريت على كومنتاتكم سواء هنا أو على الواتباد ولاحظت أن أغلبكم جاي على آدهم وظالمينه جدًا فوق ظلم كل اللي حوليه ليه، وكان لازم أطلع وأبرر القصة من جميع الاطراف.
أولًا آدهم مغمرش بشمس نهائيًا، آدهم تم اختياره أساسًا بسبب سفره الطبيعي زي أي عريس مقتدر ماديًا بمركز آدهم لدول أوروبية وخدوا بالكم الطائفة اللي جاية على رحيم زيدان أخدينه في نفس الدايرة، لانكم وللاسف رابطين اقتباس حادث آدهم لما كان بيكلم مراد بأن رحيم شرير ووداه للموت برجليه!!!
معلشوا خلاوني اتكلم عن كل نقطة بالتفصيل ما عدا نقطة معينه مينفعش هتكلم فيها لاني بكده هكون بحرق الاحداث.
اول حاجة معلش يعني لو شخص زي آدهم وحيد ابوه وامه وخايف من الموت او اللي حوليه بيخافوا عليه مثلا ايه اللي دخله شرطة وبالاخص الجهاز؟؟؟
حاجة تانية كمان هو إحنا كبشر ضامنين إننا لو في طبيعة وظيفة تانية غير الجيش والشرطة هل هنكون كده في أمان؟؟ طيب خلوني ألفت انتباهكم بقى ان كل المهن المحيطة بينا كلها خطر والموت بيحوم حوليها، البنا، الكهربائي، السواق، أي مهنة هتخطر على بالك فيها خواطرها ولو كانت امنة فالموت مكتوب ولكل أجلًا كتاب دي نقطة ✅
نقطة تانية معلش يعني هو رحيم الشرير فاضي ومش لاقي كبش فدى يقدمه يقوم يخاطر باختياره لادهم عشان يبوظ مهمة هامة وحساسة بالشكل ده لمجرد انه يعاند أخوه!!!!!!!!
جماعة هناك مفيش مجال للتفكير، غير مين المناسب والادق لتنفيذ المهمة دي، ولو هو نفسه المناسب مش بيتأخر، هو عنده دقة معينه واسباب كتيرة لاختيار آدهم ودي النقطة اللي قولت فوق مش هتكلم عنها هسيب الاحداث تثبتلكم وجهة نظر رحيم زيدان ودي نقطة ✅
تعالوا بقى، هو آدهم غامر بشمس ازاي، هو احنا على دارية بالمهمة المطلوبة منه او هو مكلف بايه، طيب هتقولولي دايما بيتكلم وحاسس انه هيجراله حاجه، ده مجرد احساس نابع من جوه هو وفعلا هيطلع معاه حق، بس اللي هيحصل بكل التفاصيل هنعرفه فلازم يكون في صبر يا جماعه.
هفكر معاكم بمنطق تاني، ادهم عرف عن المهمة قبل فرحه تقريبًا وان ام تخني ذاكرتي قبل الفرح بعشر ايام، هل يعقل انه يأجل فرحه!! طيب واختياره ليها كان بسبب سفره الطبيعي لبلد زي ميلانو فهل هيأجل جوازه وسفره وده في شيء هيخدم بلده، الظباط طباعهم غيرنا، اه احنا بنحب البلد وبنخاف عليها ونرويها بدمنا بس الظباط المخلصين لوطنهم فعلهم قبل قولهم، هو متنازل عن حياته هل هيكون عنده المقدرة يبص حوليه؟ ومع ذلك الاقتباس اللي نزل من شهور لحادث ادهم بينفي كلامكم عنه انه ظالم شمس او مش خايف عليها، لانه كان بيواجه الموت وكل همه إن مراد يأمن شمس، فبلاش نحكم على الشخصيات بالشكل ده، بزعل جدا لما تكون شخصية مهمة وكلها سمات طيبة تترمى بتهم كبيرة زي آدهم، لما عملتوا الموجة دي على عمران كنت متقبلة ومتوقعة ردود الافعال اللي هتحصل على شخصيته اللي متوفعتش اني هكتبها بس شتان بين الاتنين، فارجو منكم الانتظار لرؤية الصورة كاملة ووقتها نتكلم ونتناقش للصبح ✅
تعديل..
🌹 نسيت أقولكم على حاجه مهمة، الكل مندمج مع الاحداث وبيتكلم عن الفصل بحماس ومحدش اهتم بحوار فاطمة وعمران عن الشركة اللي بتحاول تخلي عمران يستقر بلندن، خدوا بالكم جدااا جداا من النقطة دي لانها بوابة لمتاهة جاية علينا وبدايتها من هنا 🫢
/
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 105 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثاني_والثمانون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات nadia ibrahim, basmala naser, "زهراء ربيع من الصعيد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
مازال يتمسك بساقيه ودموعه تنهمر بضعفٍ، جعل "آيوب" متخبطًا فيما سيفعله، أعماه غضبه وجعله قاس القلب، كان ليدفعه عنه وكأنه بقعة ستلوث جسده، فمال برأسه للأعلى يستمد نفسًا ثقيلًا، فاختلج بصره صورة تتوسط حائط الردهة لآدهم، ذاك الصديق الرائع الذي سانده دومًا ، ولم يتخلى عنه أبدًا، كل ظرف أحاطه الخطر به كان آدهم المغوار المخلص له، فإن ابتغى قلبه بظلام ما فعل مصطفى به، هل يستحق آدهم ذلك؟
وهل جزاء الاحسان الا الاحسان؟!
أسمى ما زرعه الشيخ مهران داخله، لن يستطيع تخطي ما نشأ عليه منذ الصغر، انطوى جفنيه يعتصر دموع وجعًا يعصف به، لزم استحضار ثباته القوي؛ لينحني إلى ذلك الذي يميل على ساقيه، يعيق حركة جسده، سانده "آيوب" وجذب المقعد المتحرك يضعه من فوقه، وسقط على المقعد من خلفه فاقد الطاقة والقدرة على تحريك جسده حتى أصغر اصبعيه.
تحرك مصطفى بمقعده المتحرك تجاه محل جلوسه، أمسك يده الملقاة على ذراع المقعد، وردد ببكاء:
_سامحني يا آيوب، سامحني عشان أرتاح من العذاب الا أنا فيه.
سحب يده بعنفٍ عن يده، وطالعه بنظرة منفرة من بين حمرة عينيه الدموية، هاتفًا بحشرجة ذبحت حلقه:
_إنت ليك عين تطالبني بالسماح؟ أنا لو بكرمك دلوقتي فده عشان ديون آدهم اللي للاسف مش هقدر أكون موجود بعد كده عشان أردها.
جحظت عين مصطفى هلعًا من تفسير مبطن كلماته، فأستطرد يوضح له:
_أنا مش عايز أشوفك تاني في حياتي، لا إنت ولا آدهم سامع.
ونهض عن المقعد كأنه مسه جان، بل هرع بخطواته للخروج من هذا المنزل، حرر الباب العملاق وأسرع يتخطى حديقة المنزل الصغيرة، وما أن وصل للبوابة الحديدية الخارجية حتى تفاجئ بعُمران ينتظره، مستندًا على مقدمة سيارته، ويديه مدسوسة بجيوب جاكيته الاسود الطويل، وما أن رأه حتى هم للقائه، والحزن والوجع يختمان رماديتياه بشكلٍ ملحوظ، جعل آيوب يبتسم وهو يهتف بسخرية مؤلمة:
_الظاهر إن أنا الوحيد اللي مكنتش عارف الحقيقة.
رد عليه بثبات يليق بشخصيته القوية:
_الحقيقة لو مش باختيارك عمرها ما تكون مفروضة عليك، إختيارك هو اللي هيريحك وهيخليك تتغاضى عن أي كلام هيتقالك.
تهاوت دمعة من عينيه رغم ثبات بسمته، وسأله باستهزاء:
_وأيه اللي المفروض أختاره؟
رد عليه "عُمران" بحنان:
_الشيخ مهران اختيارك، عشان كده هتكمل معاه وانت رامي وراك أي حقايق ممكن تشوش على اختيارك ده.
تقلصت ابتسامته لوجع منطوق بلسانه:
_ازاي بعد ما آ..
قاطع حديثه متعصبًا:
_بعد ما أيه؟!! معقول حاجة زي دي تخليك تبعد عن الراجل اللي رباك، الشيخ مهران هو أبوك يا آيوب، حتى لو اسمه إتشال من ورا إسمك.
هز رأسه معترضًا على حديثه، وقال بتيهةٍ:
_مبقاش ينفع خلاص يا عُمران، مش هقدر آآ... أنا مشتت ومش عارف مكاني فين! ، آآآ.. أنا كنت لما بتوجع من حاجه بروحله وبترمي في حضنه، عُمري ما حسيت بالراحة دي غير معاه، فجأة يطلع مش أبويا!! طيب ازاي وأنا ما حستش ولو مرة إنه مش أبويا!!
واستطرد وهو يشير على منزل آدهم من خلفه بتعبٍ نفسي لمسه عُمران منه:
_طيب وأسامح إزاي!! ، هبعد إزاي؟؟؟ ده آدهم يا عُمران ، آدهم اللي فداني بروحه أكتر من مرة، قولي هعاقب أبوه على اللي عمله معايا ازاي؟؟ أبوه اللي المفروض أبويا، وآدهم آآ... إدهم أخويا!! أنا.. أنا مش عايز الحقيقة المرة دي، أنا عايز أنسى اليوم ده وأشطبه من حياتي كلها، مش هقدر أتحمل الوجع ده، آآ.. أنا مش عايز غير مكان صغير في بيت الشيخ مهران يا عُمران، مش عايز غير حضن أمي ومحبتها ليا، إزاي هيحرموني من كل ده... لا يا عُمران لأ.. مصطفى الرشيدي أناني، وآدهم كمان أناني يا عُمـــــران، دمروني دمــــــروني!
قالها واستند على السيارة، ينهار باكيًا، يبكي دون توقف كالطفل الصغير، ولجواره تنهمر دموع عُمران متأثرًا به، يحيطه ذكرى يومًا شبيهًا بيوم آيوب، يوم إنهار مثله تمامًا، ولكنه وبفضل الله عز وجل وحبه إليه منحه أخًا عظيم مثل أخيه "علي"، ومؤكدًا من على آيوب بوجوده بذلك الوقت، لذا سيكون خير الداعم إليه.
اقترب عُمران منه بعدما أزاح دموعه بجدارة، استند على السيارة جواره، وقال بصوتٍ يحتبس فيه دموعه:
_مفيش حاجة اتدمرت ولا حاجة يا آيوب، مكانك في بيتك وفي قلب الشيخ مهران محفوظ، حتى الحاجة رقية هتفضل عمرها كله تعاملك إنك ابنها، الحقيقة اللي عرفتها النهاردة دي مش هتفرق معاهم في حاجة، بدليل انهم عرفينها من وقت رجوعك لمصر ومع ذلك إنت محستش منهم بأي تغير.
واستطرد وهو يتعمق فيه:
_بالعكس الخوف ده عندهم هما لتختار بيت مصطفى الرشيدي وتبعد عنهم.
رفع عينيه الباكية لمن يجاوره، وقال بألمٍ:
_يوم ما أختاره هيكون أخر يوم في عمري، أنا كرهته وكرهت آ..
ابتلع باقي جملته داخله، ودفنها داخل دموعه، وهمس من بين شهقاته الضعيفة:
_لأ... آدهم لأ... مش قادر ولا هقدر أكرهه.
والتفت إليه من جديد يبكي:
_أنا موجوع أوي يا عُمران، حاسس إني تايه ومش عارف أروح فين؟
تدفق الدمع على وجه عُمران، فأخفض وجهه يزيحها سريعًا ثم استدار إليه يلكزه بمرح:
_بقى أنا بقالي ساعة مرمي جنبك وفي الآخر تقولي تايه ومحتار أروح فين؟ طيب قولي أتعامل معاك إزاي دلوقتي بروح أمك!!
أزاح آيوب دموعه ولم تزوره حتى ابتسامة غافلة، فعاد عُمران يشاكسه:
_بذمتك ده كلام، حضن صاحبك وبيته مفتوحلك في أي وقت، بس مش في التوقيت الحالي للاسف.
وتابع وهو يحيط كتفه ليحركه إلى السيارة:
_لاني هوديك المكان اللي تستحق تكون فيه.
انتصب بوقفته انصياعًا لدفعة عُمران، وسأله بارهاق:
_هنروح فين؟
اجابه بهدوء ماكر:
_مكان هترتاح فيه.
وفتح باب السيارة يشير له بسخرية:
_مش عارف مودك قافش ازاي وعُمران سالم الغرباوي بيفتحلك باب عربيته بنفسه!!
صعد ببطءٍ تام، وكأنه لا يستطيع تحريك جسده، إتجه عُمران لمقعده وتحرك على الفور لمحله المنشود.
****
صعد لشقته بخطواتٍ هزيلة، أخرج مفتاحها ليحرر بابه، ولكنه تفاجئ به مفتوحًا، ومواربًا، ولج للداخل والقلق قد ضمه بعناقٍ على صغيره، ولج غرفته القريبة من باب الخروج يناديه بلهفةٍ:
_فــــارس!
هرول لغرفته حينما لم يجده بالغرفة المخصصة للأطفال، إلتفت تجاه الصالون الذي يتوسط الردهة، فتوقف محله يبتسم تلقائيًا حينما رأها تغفو على الأريكة وهي تحمل صغيرها فوق ساقيها، على ما يبدو بأنه استفاق من نومه وحينما لم يجده انتابته نوبة من البكاء.
اقترب يونس منهما يتأملها بعشقٍ لا تقبل كلمات وصفه، يحاول بشتى الطرق منع عينيه أن تحتضن ملامح وجهها البادية من أسفل نقابها المرفوع، ولكن اشتياقه قتل عقله اليقظ، بقى أمامها ساكنًا كسكون الموج بمنتصف المياه، يتمنى لو أنها كانت زوجته بتلك اللحظة، يتمنى لو كانت تحل له فيستطيع أن يمس خصلتها المتمردة من أسفل حجابها بحريةٍ، ولكنه حتى لا يمتلك حق التطلع إليها.
أخفض يونس عينيه أرضًا، ثم عاد يتطلع لها، هاتفًا بتمني ومحبة:
_اللهم قربني منها، وإجعلها قرة عيني.. زوجتي وحبيبتي، اللهم ردها لي بقلبٍ محتفظ بحبها وعشقها لي، وإن كانت بعد المسافات خففت رباط محبتنا فسبحانك القادر على مد الوصال بيننا!
لفظها بعاطفته وتمنى لو أن دعوته لا ترد، جلس على حافة المقعد وأخذ يراقبهما قدر المستطاع، يتساءل إن لم ينجح ذلك السفيه بفعلته ولم يتمكن من التفرقة بينه وبين أعز ما أمتلك، كيف سيكون مسار حياتهم دون ما تعرضا لهما معًا؟!
استعاذ بالله من شيطانه الحاضر وهمس بصوتٍ خافت:
_اللهم لا إعتراض على قضائك، الحمد لله على كل حال.
مال رأس خديجة، فاعتدلت بجلستها المؤلمة، انتبهت لمن يجلس قبالتها يتأملها بنظرةٍ حنونة، وضعت صغيرها على الأريكة المذهبة، ونهضت تخفض نقابها، هاتفة بارتباكٍ:
_يونس إنت رجعت أمته؟!
نصب عوده يجيبها:
_لسه حالا.
هزت رأسها وقالت تبرر وجودها بهذا التوقيت:
_فارس لما فاق من النوم وملقكش موجود، كان بيعيط ورفض يطلع ينام عندي فوق، عشان كده اضطريت انزل معاه لحد ما ترجع من بره.
وأضافت بتوترٍ طفيف:
_إنت اتاخرت ليه كده في صلاة الفجر؟
رد عليها بابتسامته الخافتة:
_نورتي بيتك يا ست البنات.
ضمت يدها تفركهما خجلًا، واتجهت للخروج قائلة على استحياء:
_انقل فارس أوضته وغطيه من البرد، تصبح على خير.
رنا إليها يوقفها عن الفرار:
_وبعدين يا خديجة، هنفضل على الوضع ده كتير!
قضمت شفتيها بارتباكٍ، واستدارت تدعي عدم استيعابها لحديثه:
_كده ازاي؟!
تغاضى عن الدور الذي تجيده الآن، وقال بشكلٍ مباشر:
_أظن إن عدتك خلاص خلصت، يعني البعد والانفصال المفروض ده مبقاش له داعي، خديجة أنا مش متحمل فكرة عيشة كل واحد مننا في شقة دي، من بكره هكلم عمي ونكتب الكتاب.
اقتحم أفكارها صور بائسة من حياتها الزوجية السابقة، وكأنها تساق لنفس المصير، فرددت بتلعثم:
_مش هينفع دلوقتي يا يونس.
وبتوتر قالت:
_قولتلك قبل كده إني محتاجة وقت!
حدجها بنظرةٍ خاوية، وصاح بخشونة:
_هو العمر فيه وقت أد أيه عشان تاخدي المدة دي، المفترض مدة الفراق تبقى كام سنة من وجهة نظرك؟!
أحكم الكماشة حول حججها المنصوبة، فباتت لا تجد ما تحكيه، لذا وبكل وضوح هتفت:
_يونس أنا مش معترضة على جوازنا وأنت عارف ده، بس أنا مش جاهزة دلوقتي .
أسبلت غضبه المكبوت عن جدارة، فزوى حاجبيه وهو يطعنها بنظرة ساخرة:
_وست الحسن هتكون جاهزة أمته؟
لم تستطيع ابتلاع اهانته وقالت تصارحه بمنتهى الصدق:
_انا مش بتدلل عليك، أنا متحددلي عملية تجملية هعملها عند دكتور نازل مصر بعد شهرين، الدكتورة اللي بتابع معاها أخدت منه المعاد وبتجهزني.
توسعت حدقتيه بشكلٍ مرعب، حتى بات وكأنه سيتحول بين لحظة وآخرى، وكلما دعست قدميه بخطاها، تراجعت خديجة تبتلع ريقه الهادر بهلعٍ، فاذا به يصرخ بوجهها بجنون:
_عملية أيــــــه!! إنتِ اتجننتِ ولا السلوك لمست عندك!! عايزة تكشفي نفسك على دكتور!!! لأ وما شاء الله مقررة ومقتنعة بقرارك وواقفة قدامي بتتكلمي بكل بجاحة !
ارتابت حتى قحل ريقها، فانخفض صوتها المرتعب:
_أنا قولتلك قبل كده أني بقيت مشوهة! و مش هقدر أبدأ حياتي معاك من غير ما اتخلص من الماضي اللي عشته، وده جزء من ذكرياته اللي مش هيسيبني أبدًا.
وأضافت والدموع تكتظ عينيها:
_أكيد يعني قرار زي ده مخدوتش بالساهل، وخصوصًا لما الدكتورة بلغتني أنها مش هتقدر تعملي العملية، وإن ليها دكتور متخصص، بس هعمل أيه أنا مجبورة يا يونس!
تقسم أنها بتلك اللحظة تستمع لصوت أسنانه تصحك، وكأنها تتهشم تباعًا، تلاقى ظهرها حائط الردهة ومازال يدنو منها، حتى لطم الحائط بيده، بدى يحارب شيئًا يود التحرر عن لسانه ومازال لا يرغب بقوله، جاهد ليهدأ من انفعالاته وقال هامسًا بأنفاسه الثقيلة:
_متحلميش إني هقبل إنك تتكشفي على حد حتى لو كانت دكتورة، كفايا الوجع اللي أتعايشت معاه طول الفترة اللي فاتت، وسبق وقولتلك قبل كده أن عيني دايمًا شايفاكي ست البنات كلها.
تهاوت دموعها واعترضت بصوتها المبحوح:
_مش هقدر آآ..
أوقفها ينهي نقاشهما الذي بدأ ينبش بزقاق الماض:
_خديجة أنا مش هرغي كتير في حوار أخدت فيه قرار، خلصت وانتهينا.
تلاقت الآن عينيها به منذ بداية حوارهما، فلمس فيها انكسار أنثى تجاهد لم بقاياها، انكسر ضلع من أضلعه وتلاه صوت حطام قلبه، وخاصة حينما إنسحبت من النقاش بخيبة أمل، فاتجهت لتخرج من المنزل باستسلامٍ.
حررت الباب على أخره وما كادت بالخروج منه حتى قال لها:
_الآثار اللي فاكراها تشويه دي أكتر حاجة ممكن تريح أي وجع جوايا لحظة ما أتخيلك في يوم مع القذر اللي عيشتي معاه، دي الدليل الوحيد على حبك ليا يا خديجة!
وأضاف بحزمٍ:
_أول ما عمي يروق من اللي بيمر بيه هنكتب الكتاب، جهزي نفسك يا ست البنات.
اكتفت بهز رأسها وغادرت بعدها على الفور، بينما يتابع ظلها المبتعد بنظرة حزينة، أتجه يونس لابنه يحمله لغرفته، وتمدد جواره على الفراش يحتضنه بقوة، يشم ريحه عساه يتنعم براحة فقدها منذ اختفاء آيوب، ورؤية الشيخ مهران بتلك الحالة دونه.
******
توقفت سيارة "عُمران" بعد فترة من القيادة، مما دفع ذلك الذي يغفو جواره على الافاقة، اعتدل بجلسته يفتح جفونه الثقيلة، ويتأمل المكان المحيط به باهتمام، فتفاجئ به يصف السيارة أمام بناية الشيخ مهران.
استدار تجاهه وبكل حدة سأله:
_إنت جايبني هنا ليه يا عُمران؟!
أجابه ورماديته ساكنة على لافتة الحارة التي تحمل اسم الشيخ مهران:
_قولتلك هخدك على أكتر مكان هترتاح فيه.
تبسم ساخرًا،وقال:
_وأنا قولتلك انه مبقاش مكاني خلاص.
استدار إليه عُمران يحيطه بنظرة طويلة، ثم قال بهدوءٍ:
_ده أول مكان فكرت فيه أول ما قولتلك هاخدك مكان هترتاح فيه، متكبرش يا آيوب، أنت متقدرش تبعد عن الشيخ مهران ولا الحاجة رقية، مش هتقدر زي ما هما كمان ميقدروش يبعدوا.
وتابع وهو يشير باصبعيه على باب العمارة:
_بمجرد ما هتدخل من الباب ده هتلاقي راحتك وأمانك، وهتعرف إنك مخسرتش أي مكانة كانت ليك عندهم زي ما انت فاكر، بالعكس أنا واثق أنهم بيتألموا أكتر منك وخوفهم من فقدانك أكتر شيء مسيطر عليهم.
أخفض آيوب رأسه وافرج عن دموعه، وبقهر قال:
_مش هقدر أواجهه يا عُمران.
مال يرفع ذقنه للأعلى، وبعصبية هدر فيه:
_بقولك أيه انا مبصحبش العيال الفرفير، ومع ذلك ضميتك لشلة المقاطيع عشان استرجلتك، هتنخ وتعملي فيها سوسن من أول مشكلة هتقابلك في حياتك هشد عليك وهغيرلك قطع غيار، استجمد كده ومتشدش عرق العصبية عندي، عشان لو طلع هيبهدل أمك!
وتابع وهو يفتح باب السيارة الكترونيًا:
_انزل قابل أمك وأبوك بالحضن، وتقف واقفة أسد راجع مكانه ودايس كل حاجة وراه، ولحظة ما تنخ وتحس نفسك هتقلب على قطة بلدي أفتكر إن ليك صاحب إسمه عُمران سالم الغرباوي، ويا بخت الا أنا في حياته، أمه أكيد دعياله في ليلة مفترجة!
ضحك رغمًا عنه، وهتف بحنقٍ:
_عُمران إنت مغرور أوي!
عدل من جاكيته على كتفه بعنجهية:
_يا بختك عشان أنا في حياتك يابن الشيخ مهران.
لمست كلماته الاخيرة وجعه الغائر، فعبث مرددًا:
_ابن الشيخ مهران!
اكد عليه بقوة:
_ابنه ونور عينه وإنت عارف كده كويس.
ودفعه خارج السيارة بعنف مرح:
_ويالا بقى متقرفناش، شاقطك من خامسة الصبح ولحد دلوقتي لسه مكتئب، إنزل
فلقت دماغ أمي بروح أمك!
تعالت ضحكات آيوب بصخب، ومال على نافذة السيارة يشاكسه:
_بقى دي أخرتها، بتبعني يا خواجة!
ارتدى نظارته بغرورٍ طاووسه الوقح، ونطق:
_تلاشاني عشان متعضش إيدك ندمًا يا بشمهندس.
قهقه ضاحكًا وصاح:
_أنت اتخلقت عشان غيرك يتلاشاك أساسًا.
هدأت ضحكات عُمران وبجدية قال:
_ارجع مكانك وبيتك يا آيوب، وأوعا تسمح لأي حاجة مهما كانت صعوبتها تفرقك عن أهلك وناسك، اتواجع وحلها وإنت معاهم ووسطهم، احسبها بعقلك وشوف ربنا من عليك بأيه، في البداية هتكون صعبة بس بعد كده هتشوفها من جانب تاني.
وأضاف بحزن:
_مهما كان غلطة مصطفى الرشيدي متغتفرش بس كفايا إن ليك أخ زي آدهم، ومن ناحية تانية علاقة جديدة هتضيفلك ناس ساندة ضهرك، عوض ربنا ليك إن ليك أب زي الشيخ مهران وأب تاني مش هتقدر تبص على مميزاته دلوقتي، غيرك اتحرم من النعمة دي ومقدرها جدًا، الخلاصة إنت مش هتأخد قرار سليم وإنت عقلك مش فيك، فخدلك هدنة تقرر فيها القرار الصح اللي متبقاش ندمان عليه، فهمت ولا عقلك في غفلة يابن الشيخ مهران؟
ابتسامته الجذابة ازدادت وقوله يسبقها:
_فهمت يا بشمهندس.
شغل محرك السيارة وأشار له:
_اتصل بيا وقت ما تحتاجني مع أني متأكد أنك هتعملها قبل خروجي من الحارة، فياريت تخلي عندك دم وتكلمني بعد ما أخد بريك يفكني من الكآبة اللي جتني من خلقة أمك دي!
ضحك بصوته المسموع وقال:
_ودي تيجي يا خواجة، مقدرش أستغنى.
رد يشاكسه:
_لا استغنى وغني بعيد عني يا حبيبي، ومن غير سلامات.
وتحرك بسيارته على الفور، بينما صعد آيوب للاعلى بخطوات مترددة، أبقته أمام باب الشيخ مهران ثلاثون دقيقة، حتى استجابت يده للطرق الخافت، فمازالت الساعة السابعة صباحًا، يعلم ان أبيه يعود بعد صلاة الفجر ويغفو هو ووالدته بذلك الوقت، ولكنه تفاجئ باستماعه للطرق الخافت وكأنه كان يجلس خلف الباب، يقابله بابتسامة ودموع ورمت جفونه، وصوت متقطع يناديه:
_آيوب، ابني!!
وجذبه يحتضنه بقوةٍ، بينما الآخر يفك تجمد جسده تدريجيًا ويشدد من احتضانه، محررًا دموعه هو الآخر.
عاتبه الشيخ مهران ومازال يضمه بقوة:
_قفلت موبايلك ومشيت من قبل حتى ما تسمعني، وراجع وش الصبح، هونت عليك تعيشني في القلق ده يا آيوب، هونت عليك!
مال على كتفه دون أن يتفوه بأي كلمة، فربت الشيخ على ظهره وهو يدعو له بصوت كان مسموعًا له، خرجت الحاجة رقية تناديه ببكاء وتهرع إليه هي الاخرة، تلقفته من زوجها تنزوي بأحضانه وهي تبكي بانهيار وتردد:
_كنت عارفة أن امك مش هتهون عليك يا آيوب، كنت عارفة إنك مش هتبعد.
أحاطها ومازال يبكي بوجعٍ، لا يرضا عن حالة والدته التي تسبب بها، رعشتها وانقباض قلبها بدى مفسرًا عن حالاتها دون أي توضيح.
ربت عليها بكل حنان، ومن امام بصره تطل زوجتت الباكية هي الاخرى، تقف على أعتاب غرفتها تراقبه بكل اهتمام، بينما هو يتطلع لها ويده تربت على ظهر والدته، وأمام اصرارها لحق بها لغرفتها، وغفى برأسه على ساقها، بينما تمرر يدها بحنان فوق رأسه، ومازالت تقرأ الرقية الشرعية عليه، ومن جوارها الشيخ مهران يراقب حالته بقلق، فاطمئن حينما غفى آيوب سريعًا على ساق رقية التي تقبل رأسه بين الحين والآخر ودموعها تنهمر فوق جبين آيوب الذي يشعر بها، ويئن وجعًا على ما خاضته وتخوضه الآن، وخاصة من حديثها عن ثقتها بما زرعته بتربيته وها قد حصدته حينما عاد إليهما في نفس لحظة افتراقه عنهما، هو فعليًا لا يستطيع الافتراق عنهما أبدًا!
******
واصل آدهم وشمس الخطى فوق الرمال، للوصول لجناحهما الذي بدى بعيدًا ومرهقًا لشمس بعد رحلة سفرها، حتى أنها حملت حذائها ذو الكعب المرتفع، وباتت تفتقد كل التعليمات الأرستقراطية التي تلقتها على يد فريدة هانم.
ألقت الحذاء أرضًا ونادت من يسبقها بخطوتين:
_آدهم.
توقف عن اتباع العامل واستدار لها، فوجدها تجلس على الرمال بتعبٍ، كبت ضحكته وانحنى إليها يهتف بسخرية:
_الرحلة لسه مبتدش شمس هانم!
احاطته بنظرة تقيمية، وكأنها تقيم قدرته الجسدية، وفجأته حينما قالت ببساطة:
_هو أنت ينفع تشيلني بدل الشنطة دي؟
راقب الحقيبة التي يحملها على كتفه، وعاد يتطلع لها قائلًا بتسلية:
_لا طبعًا الشنطة أخف منك بكتير، وبعدين إنتِ عايزة تكسري ضهري وأنا عريس جديد، ترضهالي يا شمس؟!
كشرت عن أنيابها وصاحت بضيق:
_نعم!! أمال أيه جو ظابط المهمات المستحيلة، وسفاح المعادي اللي عايشهم دول، والعضلات اللي مربيها دي لزمتها أيه لو مش قادر تشيلني معلش!!
واضافت وهي تربع يدها أمام صدرها بغيظٍ:
_بص يا آدهم يا تشيلني وتدلعني زي ما عمران وعلي كانوا بيعملوا وقت ما بتعب يا ترجعني ليهم، انا أساسًا مش مصدقة إني بعدت عنهم!!
أفزعها حينما ألقى الحقيبة عن كتفه، وفرد ذراعيه قائلًا بسخرية:
_دراعاتي بانتظارك شمس هانم.
توسعت ابتسامتها بسعادة، فحملت حذائها الثمين، وهرولت إليه تقفز لطول ذراعيه، ضحك رغمًا عنه، وانحنى يلتقط الحقيبة على ظهره، ثم تحرك بها بخفة وكأنها لا تزن شيئًا بين يديه.
تطلعت له شمس بهيامٍ، وقالت تشاغبه من جديد:
_كابتن، ممكن أريح شوية هنا؟
قالت وهي تشير على كتفه، فردد مازحًا:
_استوليتي على دراعي، مجتش على كتفي يعني، أقولك اعتبريني ملكية خاصة لحد ما نوصل الجناح بس.
مالت إليه تحيط كتفه بابتسامة واسعة، فمال يهمس لها بخبث:
_اتمنى تفضلي بالقرب ده بره وجوه الجناح.
ابتعدت عنه تطالعه بريبة، وبغضب قالت:
_متحلمش كتير يا كابتن!
ضحك بصوته الرجولي، وغمز لها:
_تعليماتك أوامر شمس هانم.
ولج بها للجناح المزين بالورود خصيصًا لاستقبال العروسين، فوضعها على الفراش بين باقة الزهور، واشكال المنشفة المحاطة بها، تلمست شمس بتلات الزهور من حولها بفرحة، ودارت بها تلقاها لاعلى وهي تردد:
_ريحتها تحفة بجد.
راقبها بابتسامة جذابة، وأخذ يراقبها وهي تحمل بعضًا منها وتلقاها من فوقها، صوت ضحكاتها ينعشه، عقله لا يفكر سوى باستغلال كل لحظة ستجمعه بها، وكأنها لحظاته الاخيرة بالحياة!!
جلس آدهم على طرف الفراش يراقبها بابتسامة هادئة، بينما تقفز هي فوق الفراش بجنون، حتى تهاوت جواره من فرط حركاتها، فوجدته ينحني إليها، يحرر حجابها الذي بدأ يتدلى باهمال من فرط حركاتها.
تهاوى انذار الخطر داخلها، وخاصة مع رؤية نظراته التي ملأتها عاطفة عشقه لها، وهمسه الذي بدى كجرعة مخدر سارية عليها لأول مرة:
_اتحقق حلمي وبقينا مع بعض.
ابتلعت ريقها بتوتر وهو توزع نظراتها بين نطق كلماته وعينيه التي لا تفارقها، تجده يدنو وهو يحمل اصرار اللقاء، وما أن اجتمع بها حتى ابتعدت تردد بارتباكٍ:
_آآ.. أنا.. هأخد شاور..
وتركته وهرولت إلى الحمام، فزفر وهو يلقي بجسده على الفراش ناطقًا بضيق ساخر:
_من أولها محاولة هروب!
*****
كاد عُمران أن يحطم هاتفه الذي يحاول الوصول به لآدهم لمرته الثلاثون، وكالعادة لا يستمع الا ان الهاتف مغلق، حرر وضع التسجيل وهدر بانفعال
«لو إنت فاكر إنك لما تقفل موبيلك أنا مش هعرف أوصلك تبقى متعرفش انت مناسب مين يا حضرة الظابط، لينا حساب طويل أوي، وبدايته سفرك المفاجئ من غير علمنا، وتانيه تسرعك ومواجهتك مع آيوب في وقت إنت مش موجود فيه، عقلك فقد ذكائه بمهمة من مهماتك العبقرية أكيد، ودلوقتي زي الشاطر كده هتفتح موبيلك وهتكلمني أول ما هتسمع رسالتي والا وقسمًا بالله هتلاقيني في وشك، ولو جيتلك ديتك معايا يومين تلاتة وهجمعك بيها في محكمة الاسرة، وأنت عارف ان عمران الغرباوي أد كلمته، إعقلها كده ومتخلنيش أخرج شياطيني عليك، أنت عارف اننا مرتبطين بشمس جدا ومع ذلك مخليها قافلة الموبيل وانت كمان قافل موبيلك، فبلاش ندخلها حرب ونخلصها بدري كده، إعقلها بعقلك اللي شاكك بوجوده حاليًا»
ألقى الهاتف على مقعد السيارة الذي يجاوره، والعصبية تتمكن منه، يطرق بأصابعه على المقود، فاذا بهاتفه ينير من جديد، حمله وكله أمل لسماع صوت شقيقته، ولكن آماله قد خابت حينما وجدها رسالة من علي، تحمل موقع لاحدى الاماكن، حرر الاتصال به وما أن أجاب قال:
_ده أيه؟
اتاه صوته الغامض يخبره:
_موقع مكان هتجيني فيه، ولا فاكر أن مسموحلك إنت بس تبعتلي مواقع أجيلك فيها.
وأضاف قبل أن يغلق الهاتف بوجهه:
_لما تتغر وتحس إن مفيش منك اتنين أفتكر إن أنا البابا!
برقت رمادية عُمران بصدمة، فأخذ يراقب الهاتف برقم أخيه بدهشة، هادرًا بعدم تصديق:
_كملت!
أعاد تشغيل هاتفه وأتبع الموقع بضجرٍ، فاستمرت قيادته لخمسة وعشرون دقيقة حتى وصل لمحل سيارة أخيه، هبط من السيارة ينزع نظارته السوداء، ويلتفت متفحصًا المكان بتركيزٍ، فوجده يصف السيارة جوار، محل بسيط للكشري المصري، وينتظره جالسًا فوق سطح سيارته، ومن جواره يضع طبقين من الكشري الساخن، ويحمل بيده طبقًا إضافيًا على ما يبدو أنه كان يلتهمه للتو.
صعد عُمران لجواره على سطح السيارة، وتنهد بضيق، هاتفًا:
_خير يا بابا علي!
وضع الطبق عن يده وقال مبتسمًا:
_مزاجي رايق وقولت أروقك معايا يا حبيب بابا، سمي الله وكل بايدك اللمين، وبلاش توسخ هدومك عشان أجبلك كاندي كتير.
احتقنت رماديته وبالكد منع لسانه السليط عن إخراج ما لا يحمد، اكتفى بتأمل الطعام وعاد يتساءل ساخطًا:
_فين الـ Healthy food يا دكتور؟
أجابه وهو يلتهم الملعقة بتلذذ:
_في أجازة مؤقتة.
وأشار للاطباق بينهما:
_مد إيدك.
تنهد بارهاقٍ تسلل إليه، فاسند ظهره لزجاج السيارة والتقط إحدى الاطباق يشرع بتناولها، وبين الحين والآخر يتفحص هاتفه بلهفة، راقبه علي من طرف عينيه بمكرٍ، اتبع نبرته:
_سيب العرسان يتهنوا بشهر العسل، متبقاش خنيق!
رفع عينيه المحتقنة إليه، وصاح متعصبًا:
_خنيق!! البيه ضحك علينا وقال هيسافر بليل واخدها ومشى من ورانا وإنت عادي عندك كده!!
ترك الطبق عن يده، وجذب المنديل يمسح فمه، ثم قال بمنطقية:
_شمس بقى ليها زوج مسؤولة منه يا عُمران، مبقاش لينا تحكمات عليها زي الاول، وحتى لو عملناها فمن حقها تعيش حياة طبيعية مع جوزها زي أي بنت.
صاح بعنف:
_لا طبعًا، مش من حقه ولا من حقها، شمس ملزومة مني ومنك لحد أخر يوم في عمرها، إنت إزاي أصلًا تتكلم كده!
زفر بيأسٍ منه، وهدر:
_شكلي محتاج لدكتور نفسي، وأنا خارج نطاق الخدمة اليومين دول.
واسترسل بسخرية:
_ربنا ينجدنا منك ومتكنش مايا حامل في بنت، لو حصل حياتي هتتقلب قلبة من الطراز الفريد.
وعاد يخبره بابتسامة زائفة:
_يعدي شهر العسل ونشوف حوارك اتفقنا؟
صاح بعصبية:
_ليك نفس تهزر يا علي!!
أجابه باستهزاء:
_واعمل أيه عشان أرضي جنابك، أنتحر من برج إيفل ولا أكهربلك نفسي!!
عاد يتناول طعامه هادرًا بغضب:
_لا دي ولا دي، أنا مستغناش عنك أنت كمان، أنا السبب في كل ده، المفروض مكنتش جوزتهم أصلًا ولا قبلت بالمهزلة دي!
زوى علي حاجبيه بدهشة:
_هما مين دول؟
اجابه بتلقائية أبادت علي:
_أمك وأختك!
وتابع بعينٍ ماكرة:
_بس عندي أمل يرفعوا قواضي خلع ونخلص منهم إن شاء الله.
أوشك علي باصابته بذبحة صدرية، ومع ذلك قال:
_وفاطيما مصيرها معاك أيه عشان متفاجئش بس؟
استدار يتعمق بنظرة له، وقال:
_لا فاطمة ميتخافش منها، مش من النوع الزنان اللي تزن على فراق بيت العيلة، بالك لو كانت فريدة هانم نجحت تطفشها من البيت كنت طفشتها من الجوازة كلها، لاني ببساطة مقدرش أخليك تبعد عني، إنت فاهمني مش كده!
رمش علي بصدمة، وضم شفتيه في حسرة بينما يهمس:
_أنا داير أعالج في خلق الله وأخويا الأحق، لازم أحجزله أوضة بالمركز، بس هعالجه ولا أربيه الأول؟!
ناداه عمران باستغراب:
_علــــــــي! بتكلم نفسك!!
رسم ابتسامة واسعة:
_لا متخدش في بالك، كمل يا حبيب قلب بابا، كمل!
منحه نظرة ساخرة واستكمل تناول طعامه، ثم قال:
_روح هاتلي قهوة مظبوطة تخدر كلابي الصعرانة دي، أصلهم لو اتسابوا عليك هيقطعوك وإنت غالي عليا يا علي!
منحه نظرة نارية، فردد ببراءة لا تعهد اي طريق لوقاحته:
_سهران من امبارح ومحتاج قهوة أنا!
ترك ما بيده واتجه لاقرب مقهى، بينما يتناول عُمران طعامه بغيظٍ حتى أتاه رنين هاتفه برقم آدهم، فأسرع يجيبه بغضب:
_شمس فيــــــن؟
=طيب قول ازيك، عامل أيه، مش داخل دخلة عديم الذوق اللي متلقش بيك دي؟
_أنا معنديش المقدرة أتنافس معاك بالكلام الفاضي حاليًا، عايز أسمع صوت شمس وحالا.
=شمس في الحمام وخارجة، المهم طمني على آيوب يا عُمران؟
_مش قبل ما أطمن على أختي الأول.
=ليه هو أنا خاطفها!
_كلامي سمعته كويس، ومعنديش مانع أعيده تاني وعاشر، ادي الفون لشمس وحالًا.
=عُمران هو إنت بتتكلم جد!
_انا مبهزرش، عايز أسمع صوت شمس، أنا قلبي مقبوض عليها بشكل غريب، فياريت تحترم ده وتديها الفون.
انقبض قلب آدهم سماعه تلك الكلمات التي دفعته لتذكر مهمته، فنهض يتجه لحمام الغرفة، يطرق بابه وهو يناديها:
_شمس.
أتاه صوتها تجيبه على استحياء:
_شوية وخارجة يا آدهم.
قال برفق:
_خدي راحتك يا حبيبتي، بس خدي الموبيل مني كلمي عمران .
هرولت تقف خلف الباب تتساءل بلهفة:
_بجد!
مدت ذراعها تلتقط الفون، وأسرعت بغلق الباب بوجهه بعنف جعله يكبت ضحكاته بصعوبة، بينما بالداخل تتقهقهر لابعد نقطة بالحمام حتى لا يستمع لصوتها، بينما تهمس بصوت منخفض:
_عُمران.
اتاها صوته المتلهف:
_شمس طمنيني عنك يا حبيبتي، عاملة أيه؟
ردت عليه بفرحة:
_أنا كويسة وبخير.
تساءل بريبة:
_ليه بتوطي صوتك كده! انتِ كويسة يا شمس!
اجابته بارتباك وحرج:
_انا كويسة، بس مترددة ومرتبكة ومش عارفة أعمل أيه؟
ضيق رماديته بدهشة:
_تعملي أيه في أيه؟!
امتقع وجهه بحمرة طاغية، وخطت ذهابًا وايابًا وهو تحيط وجهها الاحمر، ناطقة بتردد:
_أنا مش عارفة المفروض اكلم مين، فريدة هانم مستحيل تسمعني وعلي بتكسف منه جدا جدا مفيش قدامي غيرك بس للاسف إنت راجل وأنا المفروض اتكسف منك وكده، عشان كده ممكن تكون اختي لخمس دقايق!
ضحك رغمًا عنه وقد تفسر له الموقف، وبصعوبة نطق من بين ضحكاته:
_أنتِ هربانه في الحمام يا شمس!!!!
صاحت بانفعال:
_عُمران متضحكش، هقفل المكالمة على فكرة.
تعالت ضحكاته مجددًا وقال:
_أنا فخور بيكِ لمية سنة قدام، وراضي عنك جدًا جدًا.
عادت تصيح بانفعال:
_هقفل سامع؟
هدأت ضحكاته وقال:
_خلاص خلاص سكت اهو، بس خدي بالك بالرغم من فرحتي بموقفك الا إن في حتة يمين عندي بتقولي أنك مينفعش تعملي كده والحتة الشمال بتقولك كملي وإدبيه.
تشوش عقلها مما تستمع اليه، وبتوتر قالت:
_يعني اعمل أيه؟!
تلاشت ضحكاته، وأخذ يحدثها برفقٍ:
_شمس إنتِ ليه مرتبكة كده، مفيش حاجة تستدعي الخوف والتوتر اللي انتِ فيه ده، مش ده آدهم اللي انتي اختارتيه من ما بين بلطجية.راكان كلهم ، فمالك بقى؟!
وجدت أنها تتجه لمنعطف مخجل لا ينبغي التطرف إليه، فاخذت تهزي:
_ما انت السبب، منعتني من الخروج معاه الا بحدود رغم اننا كنا كاتبين الكتاب، فمخدتش عليه بالشكل الكافي.
سخر من حجتها الباطلة:
_عُمران الغرباوي شماعة رمي المصايب، مبقتش اتفاجئ من أي حاجة بتحصل في العيلة دي.
زفرت بضجر:
_عُمران ممكن تساعدني بدون ما تشتكي من طريقة كلامي، بقولك أعمل انك اختي الكبيرة!
هتف مستهزئًا:
_مش عايزاني بيبي سنتر لاولادك أنتِ والبلطجي اللي عندك بالمرة.
=هقفل المكالمة صدقني!
تنهد بيأسٍ من حجب لسانه السليط، وقال بثبات دون أن يتطرق لحديث يخجلها أو يحرج لجوئها إليه بوقت كذلك:
_شمس انا أوقات بكون ضد آدهم أو بكل الاوقات what ever يعني، بس مقدرش أكون ظالم، آدهم بيحبك ومستحيل يأخد خطوة وهو حاسس إنك مش مستعدة ليها، خليكِ واثقة فيه وفي حبك وهو هيقدر ده ومش هيخذلك.
وتابع بمحبة وحنان:
_المشاعر بين الزوجين بتتراضى بالقليل لو كان في حب بينهم، وانتوا بتحبوا بعض، فاطمني، كل اللي أنتي فيه ده طبيعي ومرت بيه أي بنت، اللي ناقصك بس أنك تطمني وتثقي أنه بيحبك.
ارتضت ملامحها وتلاشى عنها أي خوف، ظنونها بمساعدته الكاملة قد تمت على أكمل وجه، فقالت براحةٍ:
_مش بقولك أعظم اخ.
ضحك وقال باستهزاء:
_أخت، أم، أخ مش هتفرق كتير، المهم إنك متفضحناش وتفضلي عندك كتير.
ومازحها بضحك:
_الظاهر إني ظلمت الكابتن وشادد عليه حيلي في حين إنك انتي اللي عايزة الشد.
هتفت بضيق:
_لا شد ولا جذب، سلام يا باشا.
اغلق الهاتف وابتسامته تتسع على وجهه بوضوحٍ، استدار ليعود لمقدمة السيارة فوجد علي ينتظره بالقهوة وأخبره:
_وشك نور ببقى كلمتها.
صعد علي لمقدمة السيارة، بينما انحنى عمران يجذب شيئا ما من السيارة ثم اتجه اليه، ارتشف قهوته على رشفتين، ثم قدم له كتاب يحمله، فتساءل علي بدهشة:
_ده أيه؟
أجابه بمنتهى الهدوء وهو يزيح الاطباق ويغفو فوق قدمه:
_كتاب نتشته من عربيتك، وواضح من العلامة انك لسه في أوله، كمل قراية لحد ما أغطسلي ساعة كده وفوقني.
التقط منه الكتاب وقال بانزعاج:
_كتاب أيه؟ انا نازل اتمم على الاجهزة، يوسف مستنيني.
نهض يتعمق بعينيه بنظرة درامية اتبعت قوله:
_اخوك ولا الاجهزة يا علي؟
ضحك وهو يخبره:
_الاجهزة طبعًا يا حبيبي!
تمدد على ساقه وهو يهدر بضحك:
_كنت عارف إن هتختارني، تصبح على خير يا دوك.
راقب الطريق من حوله وصاح:
_هتنام في الشارع!!!!
لم يجد أي رد منه فقد غفاه النوم سريعًا بشكل جعل علي يشفق عليه، فسحب كوب قهوته ومضي يقرأ كتابه في صمتٍ.
*****
بالمركز الطبي.
التقطت اذن يوسف صوت ضجيج من غرفة الكشف التي ستخصص لعلاج الاطفال، وما أن ولج للداخل حتى تفاجئ بسيف يهرول بالغرفة كالمجنون ومن خلفه تهرول زينب وهي تصيح بصدمة:
_سيف بطل رخامه وخليني أسحب منك عينة دم، مش قادرة أفسر موقفك الغريب ده!
هرول تجاه أخيه يصرخ بهلع:
_االحقني يا يوســـــف، ابعدها عني بالبتاع اللي في ايدها ده.
كبت يوسف ضحكاته بصعوبة وقال:
_دكتورة زينب معلش سيفو عنده عقدة من الحقن.
جحظت عينيها في صدمة وقالت:
_نعم!
قال يجاريها مازحًا:
_دي الحقيقة اللي خبناها عنك ولو عايزة تطلقي أنا أعرف مأذون كويس أوي ومبياخدش أتعاب، شغال يخلص البشرية لوجه الله!
******
تعطل حاسوب فاطمة عن العمل بشكلٍ مفاجئ، ولم يتبقى على اجتماعها الالكتروني الا خمسة عشر دقيقة، فلم تجد حلًا بديلًا الا الاستعانة بحاسوب زوجها.
بحثت عنه بحقيبته السوداء حتى عثرت عليه، جلست تفتحه وتعيد فتح حساباتها الشخصية عليه، لتبدأ اجتماعها بمهارة عالية، وثقة باتت تمتلكها بعد معاناة وتقدم هائل بعلاجها، وما ان انتهت حتى نزعت حجابها وجلست تستريح بتعب، وترتشف من كوب عصير البرتقال خاصتها.
صفقت عينيها بصورة علي الموضوعة خلفية على الحاسوب، كانت له وهو يجلس على مقعده يتأمل باحد الكتب ويده تعبث بنظارته، كان وسيمًا لدرجة سحرت أعينها وجعلتها تميل على يديها، تتأمله لوقتٍ لم تمل به، وفجأة وجدت يدها تفتح الاستديو الخاص به، تتفنن بالتطلع لكل صورة يحتفظ بها، سواء صورته بمفرده او يشاركه بها أحد من افراد عائلته، حتى صورها القليلة برفقته كان يحتفظ بها.
ابتسامتها تزداد تعمقًا مع كل صورة، حتى انتهت من رؤيتها بالكامل، فاغلقتها وكادت بالخروج لولا أن لفت انتباهها ملف موضوع من فوفه اسم #فطيمة.
فتحته فاطمة والدهشة تحيط بملامح وجهها، فوجدتها مذكرات مدونه من علي، وما صدمها لم تكن بداية ما قرأته ولكن ما كل سطر تتعمق به، لتصيبها صدمات متتالية، ودموع لا حصى لها، يقص بقصته مراحل تطور علاجها، بداية من قصة حبه ونهاية باقتراح عمران المدبر لها بالعمل برفقته.
كل نجاح أحرزته طوال فترة عملها كان مسجلًا، كل شيء بحياتها مسجل، حتى امتناعها عن الحمل، تعاملها مع الرجال الذي بات طبيعيًا عن بدايته، كل شيء يحرزه كنجاحه كطبيب متخصص بعلاج حالة كانت لا تحمل أي آمال للشفاء، وكأنها كانت مجرد حالة استكشافية له!! كل سطر أهانها وأوجعها بطريقة قاسية، لدرجة أنها كانت تخشى أن يكون أحدًا برفقتها فيقرأ ما تقرأه، تخشى أن يتطلع أحدًا على حياتها المطروحة أمامها بملف على حاسوب زوجها، عذرًا لم يكن زوجًا كان مجرد طبيبًا مستغلًا كما تراه الإن وفي تلك اللحظة!!!!!!
...... يتبع....
#صرخات_أنثى...
#االاقوى_قادم..
قراء الواتباد بتمنى نتابع جروب ملكات الابداع في الروايات آية محمد رفعت، لان بينزل عليه بوستات متعلقة بمواعبد الفصول لو حصل تأجيل او حاجة، بتواصل فيه مع القراء بشكل مستمر لكن هنا صعب، فاغلب القراء بيكون عندهم اعتقاد اني مش برد على القراء او بطنش، عشان كده انضموا للجروب عشان نكون على تواصل مع بعض واقروا من الواتباد مفيش مشاكل، هستنى رايكم على الفصل، بحبكم في الله ♥
****___*****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 106 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثالث_والثمانون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات منيرة جمعة_ فاطمه سعد ـ شيماء صابر ـ ساره ـ امنيه الجسمي ـ سلمي محمد ـ جهاد محمد ـ زيزى محمد ـ امل ابراهيم ـ سر الحياة ـ رحمه حسين ـ صباح ابراهيم ـ منار احمد ـ منيره جمعه
Warda Mostafa ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
استمدت بعض الشجاعة من حديث عُمران، فارتدت فستانها الأبيض البسيط، وخرجت تبحث عنه بالجناح بأكمله، حتى اهتدت لباب الشرفة المفتوح، نزعت "شمس" حذائها وخرجت تلامس الرمال بقدميها، تاركة الهواء يلاعب خصلات شعرها الطويل.
تناست خوفها، ترددها، كل شيء، واندمجت مع سحر إنعكاس الشمس على شاطئهما الخاص، وبالرغم من انجذابها بما تراه الا أن عينيها أفتقدت رؤيته، فبحثت عنه بلهفةٍ، حتى وجدته يدنو بسباحته الماهرة من محل وقوفها، وخرج بجسده الرياضي يقترب منها حتى بات يقابل محل وقوفها، بينما تتهرب الاخيرة من رؤيته خجلًا، مال إليها آدهم، فازداد توترها وربكتها المسموعة، ابتسم وهو يشير لها على المنشفة الموضوعة على الطاولة من خلفها ، سحبها ووقف يجفف صدره، ثم قال بمكرٍ:
_وأخيرًا شمس هانم خرجت من مخبئها.
ارتبكت نظراتها قبالته، وفاهت ببلاهةٍ:
_وأنا هستخبى ليه يا كابتن! إنت مصاص دماء ولا حاجة؟
ضحك بصوته الرجولي، وغمز بمكر:
_الله أعلم البشمهندس عُمران خلاكِ تشوفيني أيه! على حد علمي إني بلطجي بالنسباله، وصفني بأيه تاني ده بان عليكي من أول ما دخلنا السويت!
اندفعت بحديثها بتلقائية حادة:
_بالعكس ده هو اللي خلاني أخرج .
جحظت عينيها صدمة مما فاهت به دون وعي منها، قضمت شفتيها من فرط حرجها، بينما ازدادت ضحكته بشكلٍ سحرها، إلتقط "آدهم" قميصه الأسود، يرتديه باهمال فوق شورته الذي يصل لمنتصف ساقيه، ثم أشار لها منحنيًا بلباقة:
_الأكل جاهز شمس هانم.
راق لها عدم تطرقه لما قالت، ظنته سيستغل ذلك ليستهزء بها، إتجهت بخطوات متهدجة لمقعدها المقابل لمقعده، الطاولة كانت مزينة بالشموع والورود الحمراء بشكلٍ كلاسيكي، الاجواء برمتها تليق بليلة زفافهما، وربما هذا ما زاد من توترها، فسحبت كوب المياه ترتشفه بتوترٍ.
راقبها آدهم باهتمامٍ، ترك كوبه وسألها بصوته الرخيم:
_خايفة من أيه يا شمس؟
ازدادت ربكتها بشكلٍ ملحوظ، وهتفت:
_فستاني قصير، خايفة حد يشوفني كده.
قالتها وعينيها تتلصص من حولها بقلقٍ، حتى استقرت بأحضان عينيه، تلتقط بسمته الخبيثة، وحديثه الماكر:
_وخارجة بفستان قصير قدامي ليه!
مال يستند برأسه فوق يديه مستطردًا بمكر:
_بتغريني مثلًا؟
كادت أن تنفعل بحديثها، ولكنها فضلت الهدوء وهتفت باستنكارٍ:
_سبق وقولتلي إنك مبتضعفش قدام أي واحدة ست، مش ده اللي اتدربت عليه ولا أيه يا كابتن؟
هز رأسه بخفة، وقال بصوته الرخيم:
_مكنتيش فيهم يا شمس.
وترك مقعده الذي يقابل مقعدها الرئيسي ثم دنى جالسًا على المقعد الذي يجاورها، يميل هامسًا بطريقة أثارت عاطفتها:
_عشان أصمد قدامك محتاج ألف سنة من التدريب يا شمس.
وتابع وهو يتعمق بعينيها بشغفٍ:
_حياتي كلها كانت ليل وبمجرد ما دخلتيها شمسها سطعت على إيدك إنتِ!
رمشت بربكة قبالته، تشعر وكأنها تنصهر من فرط تأثير كلماته، سحب آدهم كفها يلثمه بكل حبًا إمتلكه لها، وعينيه لا تفارق عينيها، كأنه يحكم لجام سطوته عليها، لا ينخدع لتواسلاتها الصامته أن يكف عن التحديق بها، بل تمادى بالأمر وهمس لها:
_خوفك من قربي أنا قادر أمحيه في لحظة، بس أنا مش حابب أعمل ده الا بارادتك يا شمس!
ترك كفها ثم حملها بالمقعد بعيدًا عن الطاولة، ونصب عوده قبالتها بكل ثقة وثباتٍ، ليعود من جديد يفرد يده لها،قائلًا:
_عشقي ليكِ مقروء في عنيا من أول صدفة جمعتني بيكِ، كنت خايف طريقي يوقعني بيكِ بس قلبي طلع لئيم ووقع في غرامك من أول نظرة، في اللحظة اللي أنا واقف فيها قدامك مملكش اليقين أني هكون موجود بكره ولا لأ بسبب شغلي، بس اللي أنا بتمناه إنها لو أخر دقيقة في حياتي تكون جنبك إنتِ يا شمس!
واستطرد وهو يطبع أجمل ابتسامة فوق شفتيه:
_جاهزة تبدأي حياتك معايا ولا هتنهزمي قدام خوفك وارتباكك بس خدي بالك كفي مش هيتفتحلك بالعرض المغري ده تاني.
أدمعت عينيها فرحة وتأثرًا بحديثه، وزعت نظراتها بين كفه الممدود وعينيه التي تعانقها في دفء، ودون اي تردد استندت على كفه ومنه ارتمت بين ذراعيه، وهي تردد بخفوتٍ:
_أنا حابة أكون جنبك لأخر يوم بعمري، أنا بحبك يا آدهم.
أحاطها بقوة ومال يهمس لها:
_ناديني النهاردة باسمي الحقيقي، عايز أسمعه منك.
اصطبغ وجهها بحمرة الخجل، وحمدت الله أنها تختبئ بين ذراعيه، ولكنه أصر عليها هاتفًا:
_ردديها تاني بإسمي يا شمس، عشان خاطري!
همست على استحياء، وهي تكاد تنصهر بين ذراعيه من فرط خجلها:
_بحبك في كل حالاتك، سواء كنت عمر أو آدهم، أنا بحبـك.
رفعها إليه ومال يمنحها لقاء عابرًا بينهما، على عهد أنه إن شعر بخوفها تجاهه سيبتعد فورًا، ولكنه لم يلتمس منها سوى القبول به، الرغبة بقربه، عشقها الذي نجح بتحريره من بين بلور خجلها الهاش، لذا وبدون أي تردد مضى بها لجناحهما الخاص، أغلق ستاره بيده ثم وضعها بحذر فوق فراشهما الحريري، ليبدأ بها رحلتهما ليصبحا زوجان شرعًا وقانونًا.
*******
وزعت نظراتها المنصعقة بينهما، ومن ثم انهارت ضاحكة، حتى سقطت على مقعد المكتب من خلفها وهي تردد بدهشةٍ:
_معقولة يا سيف، عندك الخوف ده كله من الحقن!
استدار يوسف لاخيه الملتصق به، ولكزه بكوع ذراعه، هادرًا بغيظٍ:
_عجبك كده، مش عارف تسترجل قدامها شوية، قولي هتمشي كلمتك عليها ازاي بعد اللي عرفته عنك!
دفعه عنه قائلًا بغضب:
_يعني أسيبها تلمسني بالمحقن ده عشان أرضيك مثلًا، ده محقن ١٠ سم يا يوسف!
صاح من بين اصطكاك أسنانه بينما تعلو ضحكات زينب:
_إخرس بدل ما أخدها منها وإحقنك أنا بيها.
ابتعد عنه سيف كالمذعور، وصاح منفعلًا:
_أنا أي حد هيقربلي بالبتاعة دي هشقه بالمشرط نصين، أنا بقولكم أهو.
وتركهما وهرع للخارج، بينما تتعالى ضحكات زينب بشدة حتى أحمر وجهها، ضحك يوسف رغمًا عنه وخاصة حينما سألته زينب بجدية:
_دكتور يوسف سيف بيهزر صح؟
مال يستند على مكتبها الجديد، يؤكد لها بحرج:
_لا للأسف دي حقيقة، عنده تروما من الحقن بسبب موقف حصله وهو صغير،ومتسألنيش عليه عشان للأسف مش هقدر أحكيهولك ومتسألنيش بردو دخل طب ليه!
تمادت بالضحك حتى أحمر وجهها، فنهضت تشير له:
_هروح ادور على الاجوبة عنده طالما مش عايز تقولي.
أشار باصبعيه لها:
_بتمنالك التوفيق اللي مش هيحصل أبدًا بموقف زي ده.
استدارت تجيبه بمزحٍ:
_هحاول مش خسرانه حاجة.
تابع خروجها ببسمة ساخرة، تمادت فور أن على رنين هاتفه، حرر يوسف زر الاجابة مرددًا:
_عبحليم إزيك!
انطلق صوته المتعصب يقتحم هدوء أجوائه:
_أنا عايز أعرف أيه اللي وصل بينا الحال لهنا، معقول يكون نزولنا مصر سبب فراقنا بالشكل ده؟
زوى حاجبيه بامتعاضٍ، وقال:
_داخل حامي عليا ليه بس، أوعى تكون متخانق مع مدام صبا وجاي تحط عليا، والله ما ناقصاك يا عبحليم!
=يوسف أنا مبهزرش، إنت مش شايف وضعنا!! احنا اتفرقنا فعلًا.
_واخد بالي بس لو ركزت إنت هتشوف إن كل واحد فينا مسحول في شغله، متنساش أننا بنبتدي من نقطة الصفر، ده غير كمان إن الوقح متجاهلني تمامًا عقاب ليا بسبب مكالماته يوم حوار ليلى!
=طيب وأخرتها ايه يا يوسف! أنا مخنوق ومش حابب الوضع ده يستمر كتير، كلم عُمران يشوفلنا شقة نشتريها ونتجمع فيها زي زمان.
هدر بانفعالٍ شرس:
_تانـــــــي يا جمال!! محرمتش يالا! ما صدقنا حالك اتصلح مع مدام صبا، إنت ناوي على أيه يا عبحليم؟
اتاه ردًا بمنتصف جبهته:
_يوسف أنا مقدرش أعيش من غير رزالتك ولا من غير ابو لسان طويل التاني، افهم بقى.
تمردت ضحكاته الرجولية عاليًا، وشاكسه بمرحٍ:
_أسف يا حلوة أنا مرتبط للأسف، شوفي الوقح منحرف ويعملها تاني عادي.
=اظبط معايا وامشي معايا في الجد بدل ما أجيلك أظرفك بونية تجيبك أرضي، اترزي معايا على المكالمة هضيفه مدام مش راضي يعبرك.
أعاد جمال إضافة عُمران إليهما، بعد مرتين من الاتصال، حتى اتاهما صوته الناعس:
_مش قولتلك مدام مردتش من أول مرة أبقى متنيل مش فاضي، ولا هي حفلة بروح أمك!
ضحك يوسف شامتـًا، فاتاه نصيبه بالحديث:
_ضفت الندل ده ازاي على المكالمة، أنا عمله حظر أساسًا!!
هدر يوسف بغيظ:
_عُمران إنت لسانك ده مش ناوي يحترم نفسه ويتوب عن الوقاحة، يا أخي ده انا بحكم شغلي مع دكتور علي وقعت في حالة من الصدمة والاندهاش، إزاي الملاك ده يبقى أخوك!!
رد عُمران بسخط:
_تحب أجي أعرفك إزاي، وأوعدك إنك بعدها هتتشطب من نقابة الاطباء للأبد، الخلاصة بترنوا عليا ليه السعادي!! خير حد عنده مصيبة جديدة ولا أقفل في وش أمكم؟
قال جمال مندهشًا:
_الساعة لسه خامسة المغرب!!
رد عليه بوقاحه:
_وإنت مال أمك بمواعيدي!
تنهد جمال بقلة حيلة، بينما ردد يوسف بمشاغبة:
_عبد الحليم مشتاقلنا وعايز شقة تلمنا، ها عندك مكان مناسب ولا نأجر شقة مفروشة؟
ضحك عُمران رغما عنه، وقال بصعوبة بالحديث:
_أنا طفشان من خلقة أمك وأمه، وبالرغم من كده قلبي الحنين مش قابل بالبعد، وفعلا لقيت شقة من زمن الفن الجميل، جاهزة من مجامعيه ومش فاضلها غير حاجة واحدة بس.
تسألوا معًا:
_أيه؟
اجابهما ضاحكًا:
_موافقة صاحبها!
عاد صوتهما الجماعي بهتف بصدمة:
_نعم!!
أكد لهما مجددًا:
_زي ما سمعتوا بس متقلقوش إيثو مش ممكن يردلي طلب، ومن غير رغي كتير لما أستولي عليها هبعتلكم العنوان ولحد ما ده يحصل مش عايز وجع دماغ، كفايا اللي مزاحم رأسي!
قالها وأغلق الهاتف بوجههما، ثم فتح هاتفه يتفحصه بنظرة متفحصة، ومال للاعلى يبتسم وهو يردد:
_لامواخذة يا علي.
ضيق عينيه وهو يتابع قراءته بسخرية:
_وإنت من أمته بيهمك حد، عمومًا أنا متبري منك ومن لسانك الوقح ده.
مال على جانبه وهو يتفحص هاتفه غير، عابئًا بأخيه الغاضب، بينما عاد علي يستكمل قرائته بتمعنٍ، توسعت رمادية عُمران صدمة، فاعتدل بجلستها على السيارة وهو يتطلع لاخيه الذي إسترعى الأمر انتباهه وتساءل:
_في أيه؟
أدار الهاتف إليه وصاح بضجر:
_مايا أعلنت عصيانها!
راقب علي شاشة هاتفه، فوجده يتابع قصة نشرتها مايسان على حسابها الشخصي، تحمل مقطع لأغنية حادة، تدل على شموخ الأنثى، فهدر ساخرًا:
_أنا مرة طعمي علقم!! حلوة الاغنية دي.
واستدار لاخيه يسأله بخبث:
_عملت أيه وصلها للحالة دي يالا؟
هبط عن السيارة يشير له بحزمٍ:
_قوووم يا علي وصلني البيت بسرعة.
أشار على سيارته باستغراب:
_وعربيتك؟
اجابه وهو يعتلي المقعد المجاور له:
_مش قادر أسوق، هبعت حد يأخدها.
وأضاف وهو يشير له:
_بسرعة خدني على أقرب محل ورد.
لحق بها وإعتلى مقعده يخبره باستهزاء:
_وهو الورد يعني اللي هيحل مشكلتك؟
أشار له بغيظ:
_علي بالله عليك متصدعنيش، أنت مالكش في أمور الرومانسية الناعمة دي، خليك في كتب الطب النفسي بتاعتك ومتقرفش أمي معاك.
احتدت رماديته، وصاح بغضب:
_هتحترم لسانك ده معايا هتحرك غير كده أنزل سوق إنت.
ضم مقدمة أنفه بيده، يحاول حجب صداع رأسه الحاد من قلة النوم، وعاد يرسم ابتسامة زائفة وهو يخبره:
_أنا آسف يا دكتور علي، لو ممكن بس توصلني قبل ما أتفاجئ بإعلان الخلع سابقني يبقى كتر خير جنابك.
أحاطه بنظرة مستنفرة، وقاد السيارة لاقرب محل لبيع الزهور، هبط عُمران من السيارة، وانحنى للناقذة يخبره ببسمة ماكرة:
_تحب أجبلك بوكيه معايا؟
ابتسم ببرود:
_لا متشكر، أنا بعرف أحل مشاكلي بدون رشاوي.
قهقه عُمران ضاحكًا:
_غلبتني بخبرتي يعني؟
عدل من نظارته الطبية وهو يغمز له بمرح:
_قولتلك قبل كده، أنا بابا يالا!
تعالت ضحكات عُمران تباعًا، وقال من بينها:
_مش عارف ليه عندي آحساس إنك محتاج لبوكيه الورد أكتر مني أنا شخصيًا!
******
بقى بغرفته مهمومًا، لا يريد الخروج منها، حتى أنه قضى صلاته بالمنزل، ولم يريد أحدٌ الضغط عليه، لذا تركوه كما أراد، مال بفراشه ساهمًا بالفراغ، يحمل بيده هاتفه وعلى شاشته رقم آدهم، كلما حاول اجراء الاتصال امتنع عن ذلك رغمًا عنه، وضعه على الكومود فور ان استمع لطرقات خافتة على الباب، تلاه دخول تلك النسمة الرقيقة.
اغلقت "سدن" الباب من خلفها، واتجهت إليه بخطوات مترددة، جلست جواره على الفراش، واستجمعت حديثها المتردد، قائلة:
_بقالك فترة قاعدة هنا ومش بتطلع بره، أنا قلقان عليك ومش عارف أدخل هنا ولا لأ.
وأضافت بحزن شديد:
_بس قلبي زعلان عليكي ومش قابل يخليني أبعد عنك وإنتي بالحالة دي.
مازالت نظراته شاردة بالفراغ من أمامه، وكأنه لا يستمع لها، مما دفعها على الاقتراب، ولمس كفه المسنود جواره، تناديه بقلقٍ:
_آيوب!
سحب كفه من يدها، وابتعد عن محل جلوسها قائلًا:
_سدن ارجعي أوضتك ومتدخليش عليا بالشكل ده تاني.
رفرفت بأهدابها بعدم استيعاب لما قال، ورددت بتيهة:
_ليه بتقول كده آيوب، أنتي زعلانه مني عشان قولتلك هلبس الحجاب قدامك؟
ابتسم والحزن يطوق مُقلتيه، وصمته يجوب كأنه يؤكد لها صدق تخمينها، فنزعت حجابها وهي تخبره بلهفتها:
_أنا كنت تضحكي عليك.
استدار لها يتأملها بحبٍ تمرد بفيروزته رغمًا عن أنفه، فزحف إليها، يرفع حجابها، ويخفي به خصلاتها الذهبية، وهي تراقبه بحزنٍ ودهشة من طريقته الغامضة.
تهاوت دموعها على وجنتها، وقالت بألم:
_أنتي مش بتحبي سدن آيوب؟
رد عليها ونغزة صدره تحتد تدريجيًا:
_سدن أنا حياتي اتلخبطت فجأة، وفي اللحظة دي معرفش جوازنا تم بالشكل الصحيح ولا أيه؟!
ازدردت ريقها بارتباك، وهتفت:
_مش فاهم!
أجابها بهدوء رغم نيرانه المشتعلة:
_أنا اسمي أتغير عن الإسم اللي اتجوزتك بيه، الله أعلم بقى كده جوازنا صح ولا هكتب عليكِ من جديد بإسم مصطفى الرشيدي اللي اتفرض عليا ده.
وتابع وهو يتطلع لها بحنان وحب جاهد لأن يظهره رغم انكساره:
_مش عايزك تشكي في حبي ليكِ، أنا باللي بعمله ده بحميكِ من أي ذنب ممكن نشيله مع بعض، أنا مش ممكن أتقبل إسم الانسان ده يتكتب ورا إسمي، بس إنتِ مالكيش ذنب في كل ده، الحالة الوحيدة اللي ممكن تخليني أقبل بيه هو إنتِ، أي حاجة هتخلي جوازنا يمشي بالشكل السليم هعملها.
واستطرد وهو يمنحها نظرة نطقت بعشقه العتيق لها دون حديث:
_انا مش ممكن أسيب ايدك في نص الطريق يا سدن، أنا وإنتِ قصتنا اتكتبت مع بعض، وهتكتمل وإحنا مع بعض.
ارتسمت بسمة سعادة على وجهها، ودون أي تردد أحاطت عنقه وهي تحتضنه، تبوح له بحماسٍ:
_بحبك آيوب، بحبك كتير.
انتفض بجلسته وحاول إبعادها برفقٍ:
_سدن، إحنا قولنا أيه من شوية؟
سحبت يديها عنه، وابتعدت بخجلٍ، فابتسم وقال ليخفف عنها الحرج:
_عايزك بكره تنزلي مع الحاجة رقية، تشتري كل اللي نافصك، الفرح هيتعمل في معاده، ولازم كل شيء يكون جاهز.
هزت رأسها بفرحةٍ، فتمعن بها بحبٍ، وطالبها برفق:
_يلا إقفلي النور، عايز أنام شوية.
أمأت له، وقبل أن تتجه لغلق المصباح سحبت الغطاء تضعه على جسده، واتجهت تغلق الضوء، ثم خرجت على الفور، فما أن تأكد من رحيلها، حتى فتح عينيه ليعود من شروده وألمه من جديد!
*****
صعد عُمران إلى غرفته، وهو يحمل باقة الزهور بين يديه، مال على باب الغرفة يستمد طاقته المهدورة، جسده يئن كأن عظامه بأكملها قد كسرت، زهد النوم بالفترات الاخيرة، وخاصة بأنه بات حريصًا على الذهاب لمسجد الشيخ مهران للابتهالات وأحيانًا ليكون أمام الناس بصلاة الفجر، الجميع يحبون سماع صوته، ويحبونه للغاية، وعلى رأسهم الشيخ مهران، الممتن لمساعدته بعودة آيوب للمنزل، لم يكن آدهم الوحيد الذي لجئ إليه، فعلها الشيخ مهران لحظة خروج آيوب من المسجد.
سحب نفسًا مطولًا عساه يخفي إرهاقه، لا يمكنه أن ينكر أنه مقصر كل التقصير بحق زوجته، فتح باب الغرفة وولج مبتسمًا لها.
كانت تجلس على الفراش وتتابع هاتفها بجمودٍ، بالعادة كانت تستقبله بحفاوةٍ، تجيد الآن رسم وجه الجليد ببراعةٍ.
اقترب منها عُمران يقدم باقة الزهور، قائلًا بنبرته المغرية:
_أحلى ورد لأجمل وردة في بستان عيلة الغرباوي كلها.
شملته بنظرةٍ ساخرة، ومالت بجانبها للجهة الاخرى تتجاهله، اتسعت ابتسامته وجلس جوارها يهتف باستنكار:
_ده حبيب قلبه شكله أخد على خاطره مني أوي، بس على مين أنا مش هقبل بالجفا ده أبدًا.
ومال يجذب وجهها إليه، لتقابله:
_يعني يرضيكِ تحرميني من طلة القمر دي.
أبعدت كفه وعادت تتطلع للجهة الاخرى وهي تتابع هاتفها، فاتجه للجهة الاخرى من الفراش وهو يردد بخبث:
_حبيب قلبه، قلبه قسى على جوزه ومبقاش يهمه زعله يا ناااس!
زفرت بمللٍ وصاحت:
_عُمران ممكن تطلع بره!
عبث برماديته بدهشة مضحكة:
_عايزة تفرقيني عن ابني يا مايا!!
احتشد الغضب بمُقلتيها، وصاحت بغضب:
_اللي يسمعك وإنت بتتكلم يقول إنك مهتم بابنك أووي، إنت أصلًا تعرف عنه أيه؟! تعرف متطلباته أيه؟
ردد ساخرًا:
_أصلًا!! أمممم طيب يا بيبي مبدئيًا كده عشان نكون حلويين مع بعض صوتك الجميل ده يوطى شويتين، لإني للاسف متعودتش يبقى في صوت مسموع غير صوتي أنا!
عاندته بشراسة:
_انا بتكلم بصوت واطي على فكرة، إنت سمعك فيه مشكلة!
مرر اطبعيه على وجنتها برفقٍ، وهمس لها:
_النبرة دي جديدة عليكِ، بلاش تدخلي بالسكة دي معايا يا مايا.
تركت هاتفها جانبًا وزحفت بجلستها إليه، تتحداه بعصبية:
_ولو دخلتها هتعمل أيه يعني!!!
راقبها عن قرب ببسمة ماكرة، وهدر بسخط:
_تلاشيني أحسنلك يا بيبي!
كزت على أسنانها غضبًا، ومالت تغلق ضوء الغرفة، ثم جذبت الغطاء وتمددت توليه ظهرها، تابعها مبتسمًا ثم تمدد جوارها واستند بذراعه خلف رقبته، مطلقًا صفيرًا مزعجًا جعلها تجذب الوسادة وتضعها على أذنيها، فردد بمكر:
_صوتي رايق مش مزعج زي ال music اللي حطهالي ستوري، وبعدين من أمته وإنتِ حادة وعنيفة كده يا بيبي!
نزعت عنها الغطاء ونهضت ترتدي مئزرها قائلة بضيق:
_أنا هسيبلك الاوضة كلها عشان ترتاح خالص.
وما كادت بالتحرك حتى جذبها لتسقط بين ذراعيه، قائلًا ببرود:
_هرموناتك شكلها كده بدأت رقص على السلم، وأنا حاليًا Out of service (خارج نطاق الخدمة) ، فنعقل كده ونلمها إنتِ والصغنن اللي محيرك ده.
قالها وهو يشير على بطنها المنتفخ، فدفعته عنها ورددت بحزن:
_أنت مبقتش بتحبني يا عُمران ، إنت كنت بتستغل كل لحظة عشان تقضيها جنبي، دلوقتي مبقتش بشوفك غير كل فين وفين.
وأضافت ودموعها تلألأت بعينيها:
_أصحابك وعيلتك مش بس اللي ليهم الحق فيك، أنا وابني لينا الحق الأكبر اللي مبقتش شايفه أساسًا.
وتركته واتجهت للأريكة، تجاهد لعدم بكائها، راقبها بحزن وقد لمست كلماتها قلبه، فانحنى يجذب احدى الزهرات من الباقة، وجلس جوارها، مرر الزهرة على دموعها، يبعدها عن وجهها، ثم وضعها فوق آذنيها بخصلات شعرها، بينما يحاوط وجنتيها بيديه، وبدون أي ترتيب منه غنى لها بصوته العذب:
_ما تيجي نركن الزعل، وتحكيلي اللي فاتني،
وأسرح وإنت بتحكي في سحر عينيك اللي خدني،
يا اللي الغرام لغيرك حرام مفيش غيرك شغلني،
عشانك إنت أقول في شعر وليل نهار أغني،
أنا أعمل ليكي المستحيل بس إنت عني ترضي
أنا مهما أحكي لك صعب إني أوصفلك غلاوتك عندي
عايز أقول لك وعد، وعارف إني قد وعدي
أنا هفضل جنبك طول العمر سندك وإنت سندي،
الثانية وإنت بعيد بتفوت سنة، أنا عايش على اللي فاضل مننا
ده احنا الشوارع تحكي قصة حبنا واحنا سوا مكنش حاجة تهمنا، ما تيجي ننسى الزعل احنا بعادنا أصبح شئ لا يحتمل
هنرجع تاني ولا خلاص مفيش أمل كل اللي ممكن أعمله معاك اتعمل!
تهاوت دموعها وهي تستمع إليه، فضمها لصدره بينما يعود لترديد:
_ما تيجي نركن الزعل وتحكي لي اللي فاتني
واسرح وإنت بتحكي في سحر عينيك اللي خدني،
يا اللي الغرام لغيرك حرام مفيش غيرك شغلني،
عشانك إنت أقول في شعر وليل نهار أغني،
أنا أعمل ليكي المستحيل بس أنت عني ترضي
أنا مهما أحكي لك صعب إني أوصف لك غلاوتك عندي
عايز أقول لك وعد وعارف إني قد وعدي
أنا هفضل جنبك طول العمر سندك وإنت سندي!
تمسكت بقميصه ورأسه مدفون جوار نبضات قلبه التي ازدادت بمجرد لمسها له، قبل رأسها بحب، وهمس لها:
_إنتِ ليكِ كل الحق فيا، مهما بعدت وإنشغلت عنك أنا ملك ليكِ إنتِ وبس يا حبيبي، أوعي تقارني نفسك بأي حد مهما كانت مكانته عندي، إنتِ في مكانة محال مخلوق يوصلها، حتى ابني نفسه عمره ما هيأخد مكانتك يا مايا.
أشرق وجهها فرحة سماع كلماته، وبدون أي تردد استقبلت وصلة غرامه بصدرٍ رحب، انصاعت لمعزوفته الخاصة وتركته يطيب خاطرها المجروح، ليجدد معها عهود الغرام والعشق.
*****
دخل غرفته ينزع جاكيته وجرفاته باختناقٍ، ثم إتجه للخزانة يجذب بيجامة من أغراضه، وما أن استدار ليتجه لحمام الغرفة حتى وجدها تجلس على مكتب الغرفة.
ترك "علي" ما بيده، واقترب منها بابتسامته الجذابة:
_فطيمة إنتِ هنا؟
طالعته بعينيها المتورمة، تتمعن برماديته بتركيزٍ، تبحث عن شيء هي لا تعلمه، توسعت حدقتيه دهشة من مظهرها، وتساءل بقلق:
_مالك يا فاطمة؟
بثبات قاتل أشارت للمقاعد قبالتها:
_اقعد يا علي.
جلس قبالتها على الفور، فوجدها تجذب حاسوبه وتديره له، خطف نظرة متفحصة للشاشة، ثم عاد لها يقابلها بنظرة عميقة، ثم تنهد وقال بهدوء:
_وبعدين؟
ضيقت عينيها من سؤاله الغامض، وقالت:
_ده ردك على اللي ورتهولك؟!
بثباته واتزانه ردد:
_وعايزة ردي يكون إزاي يا فاطمة؟! بدون ما تنطقي حرف عينك وحالتك شرحين كل حاجة.
تركت المقعد الأساسي وإتجهت تجلس قبالته، تفرك أصابعها بعنفٍ، وهي تحاول أن تدعم أنفاسها المتحشرجة، التاع قلب علي وتوتر للغاية، أراد ان يكسر حنكة تصرفه العقلاني ويسرع لها، ولكنه جيد التعامل مع الموقف برمته، قبض على معصمه واستمر بالتطلع لها، حتى قالت برجفة صوتها:
_فهمني ده أيه يا علي، إنت لسه شايفني حالة ومحتاجة علاج!! أزاي وإنت بنفسك قولتلي إني خفيت!! إنت كنت بتخدعني يا علي!! حتى مساعدة عُمران كانت مدبرة منك!! وبعدين إنت ازاي تعملي ملف وتكتب فيه كل كبيرة وصغيرة عني! أنت كاشف كل أسراري، أنا هعمل أيه لو الملف ده وقع في أيد أي حد من اللي بيشتغل معاك في المركز، هتفضح!! عايز تفضحني يا علي!! هونت عليك للدرجادي!!!
قلبه الإن ينشطر تدريجيًا لرؤيتها بتلك الحالة، ولكنه مجبور على التعامل بثبات وحذر، لذا سألها بجمود:
_إنت لقيتي اللاب ده فين يا فاطمة؟
أبعدت خصلاتها للخلف بقوة، وهدرت فيه بعنف:
_هو ده اللي يهمك؟!
بهدوءٍ ولين قال:
_ردي عليا من فضلك.
قضمت شفتيها السفلية بعصبية، وقالت:
_هنا في درج المكتب.
سألها مجددًا:
_مكتب أيه؟
تعحبت من طريقته الشبيهة بالتحقيق ومع ذلك قالت:
_أوضتنا!
ارتسمت بسمة غامضة على وجهه وقال بثبات:
_لقيتي في ملفات تانية في اللاب؟
هزت رأسها تنفي ذلك، فنهض عن المقعد واتجه للفراش يسحب بيجامته واتجه لحمام الغرفة وكأن شيئًا لم يكن، مما دفعها للدهشة، فلحقت به دون أن تبالي بمكان تواجدها بحمام الغرفة من خلفه، وصرخت به:
_إنت ازاي تسبني واحنا بنتكلم يا علي، أنا سألتك مردتش عليا!
نزع قميصه وجذب البيجامة يرتديها، ارتابت من أمره فنادته برفقٍ وتيهة:
_علي!
تنهد واستدار لها:
_نعم!
تمكنت منها الحيرة والتوتر، فانتابتها نوبة من البكاء وهي تخبره:
_إنت بتتعامل كده ليه معايا! ريحني ورد عليا.
اقترب منها وقال بحنان:
_متعيطيش يا فطيمة، اهدي وخدي نفسك بانتظام.
وتابع بحزن:
_أنتِ اتهمتيني أنا، وشايفاني أنا الوحش فـ ليه بتبكي وبتعاقبي نفسك؟
نجح بمهارته أن يقلب الأمر عليها، وقد جنى ثماره حينما هتفت به:
_أنا متهمتكش أنا عايزة أفهم يا علي.
رد عليها بخبث:
_ردودي عليكي مش كافيه إنك تفهميها يا فطيمة!
هزت رأسها بحيرة:
_لا يا علي مفهمتش حاجه.
ابتسم بوجع ملموس وقال:
_اللاب موجود في أوضة نومي، ومعلهوش غير ملفك ده موضحش ليكي مدي خصوصية وأهمية ملفك عندي، وإن مستحيل مخلوق يدخل أوضة نومي ويفتش في حاجة تخصني ده مدكيش مبرر إني بحميكي.
صرخت به بانفعال:
_وليه تعملي ملف من الأساس.
واجهها بصوت متعصب:
لإني ببساطة دكتورك المعالج، وحبي وجنوني بيكِ هيخليني أخاف عليكِ سبعتلاف مليون مرة، قبل ما تكوني مراتي كنتِ أهم حالة عندي وبعد ما بقيتي مراتي وكل دنيتي متخيلة إنك توصلي بمكانتك فين؟؟!
هدأ من انفعالاته سريعًا، وقال بهدوء ورزانة:
_أنا بعمل وهعمل أي حاجة تخليكي تتعافي مية في المية، والملف اللي انتي واخداه دليل إدانة عليا ده هو اللي مخليني أقدر أتابع كل صغيرة وكبيرة خاصة بيكي، لاني مش هقدر أتحمل يجرالك حاجة مش لاني خايف على انجازي في حالتك اللي بتحاولي تلمحيلي بيه، لإنك مش حالة بالنسبالي يا فطيمة، إنتِ حتة من روحي وقلبي وكياني.
ارتدى ملابسه سريعًا وقبل أن يخرج قال دون أن يتطلع لها:
_أي كلمة تخصك فهي تمسني قبل ما تمسك، أنا ماشي معاكِ كل خطوة، ومش فارقلي أي تنازلات بقدمها عشان تكوني بأحسن حال، فأوعي تفكري إن علي اللي حبتيه ممكن يخذلك أو يدوس عليكِ في يوم من الأيام.
وتركها وخرج لفراشه، بينما تتطلع لمحل رحيله بابتسامة حب ودموع تستفيض على وجنتها، كلما تعثرت تجد ذاتها تخطئ بحقه.
استدارت تقابل ذاته أمام المرآة، فتحت الصنبور وحملت حفنة من المياه تغسل وجهها، كأنها تحاول أن تفيق مما أحاطها بتلك الساعات.
خرجت فاطمة تبحث عنه، فوجدته يجلس على الفراش ويقرأ أحد كتبه، راقبها علي بطرف عينيه فوجدها تنزع مئزرها وتتحرك دون قيد على عكس عادتها، ادعى إنشغاله بالقراءة بينما يراقب كل صغيرة وكبيرة متعلقة بها.
وجدها تفتح أحد الادارج، تجذب شريط منع الحمل، وضعت حبة بيدها وقبل أن تقربها لفمها، توقفت لبرهة وكأنها تعيد كل ما حدث أمامها، راقبها بكل لهفة وهو يتمنى أن يحقق النجاح الاكبر بلحظة مثل تلك، حتى وإن كانت مؤلمة بحقه ولكنه سيكون سعيدًا بشفائها الكامل مما تمر به.
تهلل وجهه فرحًا حينما وجدها تلقي ما بيدها بسلة المهملات، وتتجه إليه بارتباك، والاخر مازال يدعي إنشغاله بالقراءة، تمددت جواره تنتظره أن يضمها إليه كعادته، ولكنه لم يفعلها، انتابها الحزن، وبهدوء أزاحت الكتاب عنه وقالت بقهر:
_ممكن متزعلش مني، أنا غلطت في حقك كتير سامحني أرجوك.
لم يكن قاسيًا بحقها يومًا ليفعلها الآن، عادت ابتسامته المشرقة إليه، وأجابها:
_مش زعلان يا فاطمة، بالعكس أنا سعيد جدًا.
قالها وهو يشير على سلة المهملات، فامتقع وجهها خجلًا، ورددت على استحياء:
_أنا عايزة يبقالي ابن منك يا علي.
اتسعت ابتسامته ومال إليها يهتف بمكر:
_هيحصل بأقرب وقت يا روح قلب علي!
*******
اجتمعت كومة القمامة بمخبئها السري، يحصد أحدهم قولًا أثار دهشتهم:
_حدث أمرًا غريبًا اليوم، لقد تأكدت مصادرنا بوصول أحد ظباط المخابرات المصرية لاحدى الفنادق الباهظة، برفقة زوجته لقضاء شهر العسل، ولكن أجد الأمر غريبًا نوعًا ما، وخاصة أن توقيت ظهوره هو نفس التوقيت الذي تحدث لنا معلومات جديدة عن تنقل الميكروفيلم.
نطق أحد المنصتين باهتمام لما يقال:
_هل يعقل أن يكون هو الظابط الذي كلفته الاستخبارات المصرية لنقل الميكروفيلم؟
ردد أحدهم وكان يبدو أكثرهم حكمة:
_لا اعتقد أن المخابرات المصرية بمثل ذلك الغباء، إن كان هو المنشود لما أتى إلينا بشكلٍ رسميًا وكأنهم يقدمون كبشًا فدى بتلك البساطة، الأمر مريبًا للغاية.
تساءل الآخر بتوتر:
_وماذا علينا أن نفعل؟
قال بغموضٍ حويط:
_فلنتأكد أولًا من هويته وبياناته الشخصية حول أمر زفافه وحينها سنعمل جاهدين لكشف مخططات الجهاز.
وأضاف بكره وحقد شديد:
_أعدكم بأن الميكروفيلم لن يصل لمصر مهما كلف الثمن!
........ يتبع.....
#االاقوى_قادم..
#صرخات_أنثى...
#آية_محمد_رفعت.
***_____****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 107 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الرابع_والثمانون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات فدوى الخمليشي، فاطمه عصام صقر ,جهاد عبدالرشيد, فتون سليمان, منة الله حسام, ناديه ابراهيم, نوال عبدالعزيز, حنان احمد, ام محمد وعبده, نسرين محمد, ورده مصطفى, om ahmed, amal negm ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
شعر بملمس يدها على ذراعه، وإلحاحها بنداء صوتها الخافت على استيقاظه، فتح رماديته بتعبٍ؛ فوجدها تناديه باصرار:
_عُمران، قوم.
استقام بجلسته وهو يفرك عينيه بنومٍ، مرددًا بنعاسٍ يغلبه :
_خير يا بيبي، بتصحيني ليه؟
وأضاف وهو يغلق عينيه بارهاق:
_الفجر أذن؟!
نفت ذلك ورددت بانزعاجٍ:
_فوق لاني عايزاك في حاجة مهمة.
فتح نصف عين وهو يسحب هاتفه عن الكومود يتأمل التوقيت، ومن ثم وضعه قبالتها هادرًا:
_الحاجة المهمة دي ليها معاد حكومي ٣ الفجر؟
هزت رأسها بتأكيد، جعله يصك أسنانه غيظًا منها، وقال ببسمة مخادعه:
_أولًا خلينا متفقين إن مفيش ست مواضيعها مهمة، لإنها بالنهاية هتطلع تفاهات، بس انا عشان خاطرك جاهز ومستعد أسمع مواضيعك التافهة للصبح، إتفضلي.
عبثت بغطاء الفراش بارتباكٍ ، ثم لاح لها ابتسامة واسعة فور ان وجدت المخرج لحرجها هذت:
_مش أنا اللي عايزاك، ده ابنك حبيبك.
زوى حاجبيه متهكمًا:
_ابني! أممم فهمت.
سحب "عُمران" الغطاء من فوقه قائلًا بسخطٍ:
_قوليله بابي عنده meeting مهم دلوقتي، يقدر يعدي عليا وقت تاني.
سحبت الغطاء من فوقه بعنف، ورددت:
_عُمران قـــــوم بقولك عايزينك!
وأضافت بتوسلٍ صدمه:
_عايزين سوشي وبسرعة لو سمحت!
أشار لها بجدية مضحكة:
_بتندميني إنتِ وابنك إني رجعت البيت مرة بدري يعني! دي ضريبة الدلع اللي دلعتهولك ولا أيه مش فاهم؟
وأضاف بعدما استعاب صدمته:
_وبعدين عايزة تضربي الأكل ده دلوقتي وعادي كده عندك!! استني استني!!
واستند بجذعه قبالتها، يتفحصها بنظرة جعلتها ترفع الغطاء تخفي ذاتها رغم أنها ترتدي بيجامتها، وبتوتر قالت:
_بتبصلي كده ليه؟!
استقام بمستوى جلستها، وقال بدهشةٍ:
_هو إنتِ زدتي الوزن ده كله أمته!! الظاهر إني فعلًا كنت مقصر تقصير خطير معاكِ!!
وسألها بجدية تامة:
_مايا هو إنتِ بطلتي تلعبي رياضة!!! أنا بنفسي حاجزلك مع مدربة تمارين الحوامل، حضرتي كام حصة معاها؟
ابتلعت ريقها بتوترٍ، واسرعت تتمدد بالفراش وهي تهدر بانفعالٍ زائف:
_كل ده عشان طلبت منك سوشي، خلاص مش عايزة منك حاجة، نام يا عُمران وخليك عارف إن قلبي وابني غضبانين عليك.
ضحك ساخرًا:
_قصدك كرشك اللي غضبان عليا.
احتقنت عينيها فصارحها بوقاحه:
_مايا إنتِ بقيتي شبه البطريق!
جلست قبالته تشير على ذاتها بصدمة:
_أنا بطريقة يا عمران!!
هز رأسه وقال بصرامةٍ حازمة:
_ أيوه وكل ده من إهمالي فيكِ عشان كده من ستة الصبح تجهزيلي نفسك، أنا هبعت أجيب المدربة تدربك هنا قدامي لحد ما أخد كورس أتعلم منه التمارين المسموح بيها للحوامل.
ضمت شفتيها معًا بحزنٍ، وقالت بغضب:
_طبيعي إن اي واحدة حامل تزيد في الوزن، انا دلوقتي في الشهر السادس وطبيعي ان جسمي يزيد، وبعدين أنا تعبانه ومرهقة ومش قادرة ألعب رياضة،بعد الولادة هرجع أظبط وزني وجسمي تاني.
أخبرها بعقلانية أذابت غضبها:
_التمارين دي هي اللي هتساعدك على الولادة بشكل طبيعي، وبتخفف عنك أي وجع بتحسيه بالفترة الاخيرة.
أدلت شفتيها بضيقٍ، لحق نبرتها المضحكة:
_يعني مش هتجبلي سوشي؟
ضحك وهو يتابع تذمرها، فأحاطها بذراعيه ويده تعبث بوجنتها بدلال:
_حبيب قلبه عايز يأكل سمك ني الساعة ٣ الفجر، يرضي مين ده يا ناس!!!
أبعدت يده عن وجهها وتمددت قائلة بانزعاجٍ:
_نام يا عُمران، تصبح على خير.
تمدد جوارها يقابل عينيها، وقال بحنان:
_بذمتك قلبي هيهون عليه حبيبه ينام وهو زعلان كده!
توسعت عينيها متسائلة بلهفة:
_هتجبلي بجد!
هز رأسه بخفةٍ وقال:
_هأخد شاور وهشوف لو في محلات فاتحة نطلب منها.
ردت عليه بفتور:
_لسه هستنى اما تعمل الاوردر، ما تنزل إنت يا عُمران، ابنك جعان!
ضيق ردمايتاه بغضب، وهتف:
_لو فاكرة إني مطيع معاكِ كده عشان جنابه تبقي متعرفنيش كويس، أنا مبخدش أوامر من حد عشان أخدها من عيل لسه عداد عمره ما ابتداش!
وأستطرد بغيظٍ ووعيد:
_ ده أنا هفخت عين أمه بس لما يجي، بصي يا بيبي إنتِ تسيبهولي وأنا أوعدك إني هربيهولك تربية أورجينال!
ارتعبت من طريقته بالحديث، وضمت بطنها المنتفخ، كأنها تحميه من قسوة ابيه الظاهرة، بينما انحنى عُمران يلتقط قميصه، ارتداه وهو يتمتم بصوتٍ كان مسموعًا لها:
_على أخر الزمن عُمران الغرباوي هيأخد أوامر من عقلة الأصبع ده،يجي هو بس وهسوي أموري معاه بدري بدري!
*****
جلس على الرمال يتأمل سطوع الشمس، وتعامدها على سطح المياه في صورة إبداعية تقشعر لها الأبداع، وبينما هو هائم تلتف من حوله بقعة سوداء إنحصر داخلها، تجعل ما يحيطه مُثقل بالهموم.
حل زر قميصه الأبيض الذي شمله باهمالٍ، وترك الهواء يسفخ صدره بقسوةٍ، بينما عينيه تتابع الموج الغفير وكأنه يتحداه بأنه يفوقه بعمق أوجاعه، منذ قليل كان يشعر وكأنه ملكًا متوج بين ذراعيها، والآن تنخر البرودة عظامه، ويفوق الألم حد احتماله.
سحب آدهم هاتفه من جيب بنطاله القماشي، يعيد فتحه من جديد، فاسترعى انتباهه عدد من الرسائل المرسلة من قائده الأعلى "مراد زيدان" ، ينهره بشدة على تجاهله لتعليماته ويهدده بشكلٍ صريح إن كان يخفي عنه شيئًا، بل ويتوعد له بعقاب قاس فور عودته من ميلانو.
تجاهل كل شيء، ومرر إصبعه على رقم آيوب، أطال برنينه لثلاث مرات متتاليات، يترقب سماع صوته بلهفةٍ، حتى أجابه بحدةٍ بالرنة الرابعة:
_خير يا باشا، لسه في حاجة تانية نسيت تقولها؟!
سماع صوته أراح جزء من وجعه الغائر، فتنهد وهو يخبره بمزحٍ حزين:
_نسيت أقولك إني كنت سعيد لما عرفت أنك أخويا، يمكن لإني بحبك وبعزك أكتر من أي صديق قابلته، ومكنتش لاقي أي سبب ولا مبرر لده لحد ما عرفت.
أطلق الهواء الذي يثقل أنفاسه، وقال:
_أنا متلخبط ومش قادر أستوعب حاجة، هو آآ.. إنت ممكن تقطع سفرك وتنزل ؟
وأضاف بترددٍ:
_عايزك معايا يا آدهم!
أغلق عينيه بحزن، وأجابه:
_مش هينفع قبل ما أنجز اللي جيت هنا عشانه، ولو حصل أوعدك إني هنزل على اقرب طيارة نازلة مصر، وهكون جنبك ومعاك كتف بكتف يا آيوب.
خيم الصمت عليه للحظاتٍ، ثم قال:
_ماشي يا آدهم، هستناك بس متتأخرش.
ابتسم من بين دموع عينيه الهابطة على وجنته، وقال:
_إدعي ربنا يجمعنا مرة تانية يا آيوب.
ارتابه قلقًا ملموسًا، وهدر بتوتر:
_ليه بتقول كده؟! أنا فاكر أنك قولتلي انك طالع مهمة تبع شغلك، آدهم إنت كلامك مش مطمني، سيب كل حاجة وإتحجج بجوازك وإنزل.
وبخوفٍ سأله:
_ينفع تعمل ده؟
ازدادت بسمته فرحة بلمس خوفه الواضح، وقال بثباتٍ:
_لا مينفعش.
وأضاف بحبٍ:
_متقلقش عليا، أخوك راجل وقدها!
صمت قليلًا يستوعب علاقته الجديدة على مسمعه، لا يصدق أن اقرب أصدقائه هو نفسه اخيه الذي ظهر فجأة، تنحنح آيوب هاتفًا:
_خد بالك من نفسك، لا إله إلا الله.
رد عليه وابتسامته مازالت ترتسم على ملامحه الجذابة:
_محمدًا رسول الله.
قالها وأغلق الهاتف على الفور، لضمان السرية التامة وحرصًا على كل خطوة يمضيها، ثم ولج لجناحه يتمدد جوار شمسه التي سطعت بعالمه المقهر، جذبها إليه، وغفى وهي بين أحضانه!
******
راقبها وهي تلتهم أخر قطعة من الطعام بابتسامةٍ صغيرة، ختمها بقوله الماكر:
_أكلنا وإنبسطنا الحمد لله، نقوم زي الشاطرين كده نأخد شاور ونجهز قبل المدربة ما توصل.
تركت العُلبة جوارها على الكومود، وتمددت على الفراش بتعبٍ:
_لا أنا بعد الواجبة دي محتاجة أريح شوية، الساعة لسة ٦ هريح ساعتين ونقوم نشوف المدربة بتاعتك دي حاضر.
وأحاطت جسدها بالغطاء، هاتفة بنعاسٍ:
_تصبح على خير يا ميرو.
حرك رأسه يسارًا ويمينًا يستعيد نشاطه البدني، وبحركة واحدة أزاح عنها الغطاء، وحملها بين ذراعيه فتعلقت برقبته بهلعٍ، وسؤالها الوحيد يتردد ببراءة أضحكته:
_بتعمل أيه؟!
رد عليها بنفس برائتها المضحكة:
_بصرف عنك الكسل يا بيبي، وبما إنك مرهقة وتعبانه هساعدك من أول الشاور لحد ما تكوني جاهزة لاستقبال المدربة على أتم الاستعداد.
جحظت عينيها بصدمة، وبذعرٍ صرخت:
_تساعد مين يا عُمران؟
غمز بخبث أخجلها:
_ حبيب قلبه!
صرخت بجنون وعصبية:
_إنت وقح، نزلني أحسن ما أصرخ وأفضحك.
عبث بحزن مصطنع، وقال:
_وأيه الفضيحة في إني أساعدك وإنتِ تعبانه؟ ده حتى الجيران لبعضها وأنا جارك وابن خالتك وجوزك وحبيبك وأبو ابنك، كل دول مش كفايا يا بيبي؟!
لكزته بعنفٍ وصاحت بانفعالٍ:
_لا إنت متحرش ووقح ، نزلني حالًا بقولك.
أغلق عينيه بانزعاج، وهمس لها:
_صوتك يا بيبي، أزعجتيني أنا وابني.
وخطى تجاه حمام الغرفة، فأسرعت تناديه برقةٍ زائفة وهي تغتصب ابتسامة مغتاظة:
_طيب يا حبيبي ممكن تنزلني وأنا أوعدك إني خلال خمس دقايق أكون لابسة ونازلة معاك للمدربة؟
حقق إنتصارًا سريعًا، فعاونها على الوقوف، وقال وهو يتابع ساعة يده:
_وقتك بينفذ.
أسرعت من أمامه على الفور، بينما اتجه هو ينظف الغرفة من الأطباق وبقايا الطعام، وإذا به ينتبه لهاتفها، يعيد رنينه الرابع.
حمله عُمران وإتجه يطرق باب الحمام، قائلًا:
_مايا موبيلك بيرن.
وأضاف وهو يضعه على الخزانة المجاورة للباب:
_باباكِ اللي بيرن، هسيب الموبيل هنا.
خرجت بعد دقائق تنشف خصلاتها والضيق يملأ مُقلتيها، جذبت الهاتف وغبث به لثوانٍ ثم تركته واتجهت للمقعد تمشط خصلاتها بصمت.
انحنى عُمران يجذب حذائها الرياضي، وبحركةٍ لطيفة منه عاونها على ارتدائه، وحينما استقام بقامته الممشوقة، انتبه لهاتفها يضيء بالرنين مجددًا، وقد تيقن أنها فعلت الوضع الصامت.
طالعته مايا بارتباكٍ، وقالت لتشتته عما يراه:
_أنا جاهزة.
استدار لها يتعمق بحدقتيها، وبهدوءٍ قال:
_مش عايزة تردي على عثمان باشا ليه؟ في حاجة حصلت!
سحبت نفسًا طويلًا، وقالت بقهرٍ:
_وأرد عليه ليه؟
رمش بذهول، وردد:
_يعني أيه ليه!! أكيد عايز يطمن عليكِ!
ربعت يديها أمام صدرها وهتفت بنفس الهدوء المخادع:
_ويطمن عليا ليه بردو! أو بالمعنى الاوضح أيه اللي فكره بيا اليومين دول؟!
شعر وكأن الكثير يفوته هنا، لطالما كان يشهد عدم وجود والدها منذ توقيت سفرها إلى لندن لمتابعة دراستها، ولكنه ظن أن هناك بعض الاتصالات الشخصية متبادلة بينهما.
إنسلخ عن صمته متسائلًا باهتمامٍ:
_فيكِ أيه يا حبيبتي؟ إحكيلي حصل أيه مضايقك منه بالشكل ده!
جلست على الفراش من خلفها تدعي إنشغالها بترتيب حجابها بمرآة السراحه القابعة على بعد منها:
_مفيش حاجة جديدة يا عُمران، الطبيعي والمعتاد لعثمان باشا من بعد وفاة ماما الله يرحمها، تقريبًا كل شهر جوازة شكل، وأغلبهم بنات من عمري تقريبًا، عايش حياته بالطول والعرض، وأخر اهتماماته أنه عنده بنت.
واستدارت تجاهه بابتسامة لم تصل لعينيها التعيسة:
_كل ضميره يصحى ويفكره بيا يتصل بيا مكالمة كل شهرين تلاته، الغريبة اني اتعودت منه على كده وإتأقلمت على الوضع ده من لما سفرت لندن لخالتو، صدقني طول فترة وجودي معاها ومعاكم محتاجتش ليه أبدًا، ودلوقتي انا استغنيت عن مكالمته اللي بيعملها بعد فقدان الذاكرة المؤقت ليا.
وأضافت بابتسامة منكسرة:
_الحاجة الوحيدة اللي مش بينساها هي المبالغ اللي بيحولها في حسابي كل أول شهر ، مع إني دلوقتي مش محتاجة لمصروفه الكريم وأنا زوجة البشمهندس عُمران سالم الغرباوي ولا أيه؟!
مزقت كلماتها صدره القوي، واستهدفت قلبه، تحرك لها بآلية تامة، يجلس بجوارها، ويتمعن بمُقلتيها بصمتٍ، جعلها تغرق برماديتاه، قرأت فيهما حزنه الصريح، وحيرته فيما سيقوله ليخفف عنها وجعها، فابتسمت وهي تخبره بعشقٍ:
_صدقني مش زعلانه، وجودك جنبي عوضني عن كل علاقة مكتملتش في حياتي يا عُمران.
واستكملت وهى تضم كفها بين كفيه، ورددت على استحياء:
_لما سفرت لندن عشان أكمل دراستي، كنت براقبك من بعيد وبعد الايام يوم بعد يوم وانا مستنياك تطلبني من فريدة هانم، وبالرغم من كل اللي مرينا بيه الا إني ثقتي وإيماني بحبي ليك خلاني أحارب عشانك.
وهمست له وهي تضع كفها الرقيق فوق صدره مستهدفة موضع قلبه بالتحديد، وقالت ومازالت عينيها تعاتق عينيه:
_كنت واثقة إن ليا مكان هنا يخصني، حتى لو كنت أنت بتكابر ومش معترف بيه.
ابتلع طعم العلقم بمرارة، وقال:
_أنا كنت السبب في عذابك ووجعك يا مايا، خليتك تعيشي أيام صعبة، أنا مستهلش حبك ده.
هزت رأسها باعتراض وقالت:
_تستاهل حبي وحربي الكبيرة اللي خوضتها عشانك، أنا مقدرش أعيش من غيرك يا عُمران.
تدفقت دموعها وهي تترجاه بخوف اعتراها فجأة:
_أوعدني إنك مش هتبعد عني، أوعدني إن مهما حصل بينا متتخلاش عني يا عُمران.
ثنى ركبتيه، وانحنى عليهما يقبل يديها بحبٍ، ومن ثم طبع قبلة على جبينها، وهو يتفنن باختيار حديث يطمئن قلبها إليه:
_أنا دنيتي ابتدت من باب جنة حبك يا مايا، ربنا كرمني بيكِ وأنا كلي معاصي وذنوب، كنتِ أول إيد مسكتني لطريق التوبة، رفضت أكونلك زوج الا لما أتطهر من كل أخطائي.
مرر إبهامه على كفها الرقيق وهو يتابع:
_ لما مسكت إيدك مسكتها وأنا رامي كل الماضي ورايا، فتأكدي إني مستحيل هسيبها.
وضمها بين ذراعيه وهو يهمس لها بعشق:
_احتياجي ليكِ أكتر من احتياجك لوجودي معاكِ.
****
حائل رخامي ضخم يحيط بالمكان المخصص لقضاء السهرات النهارية قبالة أمواج البحر، أسطول ضخم من المقاعد الطاولات المطولة، تحوي عدد من المشروبات والخمور المحرمة، وعدد من النساء المتبرجات، الاتي تمارسن الزنا بفجورٍ غير مبالية بعذاب الله الواحد الأحد.
يلتف من حولهن الرجال، يتجرعون الخمور ويتقربون منهن بشكلٍ مقزز، والاغلب منهم يجذب العاهرات الوضيعات، للخيم المتطرفة من حولهم، ليمارسن الفجور بجراءة ودناءة، ومن يين هذا الجمع الغفير كان يشق الصفوف بشموخ طالته الواثقة، وبنيتاه تنتقل بين الوجوه بسخطٍ ونفور، مازال وشاحه الأسود المحيط ببندقية عينيه والمتدلي من خلفه كالفارس الهمام يجذب انظار المحاطين به، تلك المرة تعد من القلائل اللاتي يخرج بها دون رفيقه المرافق له كالظل.
انتقلت جميع نظرات النساء إلى ذلك الرجل الغامض، يتطلعون لجسده الممشق دون حياء، حتى أن أغلبهن حاولن الاقتراب منه، ولكن نظرته المحذرة جعلتهن يترجعن رعبًا منه، بينما مازال يقف بمنتصف المكان باحثًا عن غايته، حتى ظهرت أمامه فتاة شقراء، ترتدي شورت قصير وقميص نسائي يصل لمنتصف خصرها، بينما تعقده بشكلٍ فج.
أسرعت تجاهه وهي تردد بنبرتها الغربية:
_أووه عزيزي لقد عدت مجددًا.
وما أن دنت إليه لتعانقه، حتى ارتد جسدها للخلف، فتخشبت ألمًا وانخفض بصرها للاسفل لتجد خنجره المغلق يحيل بين جسده وجسدها، ومن خلف لثامه الأسود قال:
_إحذري أن يمسني جسدك اللعين.
ارتابت من أمر ذلك الملثم الغامض، وبدأت ترسم ابتسامة واسعة وهي تجيد تمثيل دورها باتقان، بأنه احد زبائنها الذين يترددون لزيارتها بهذا الوكر المنحدر، الذي يمارس فيه نوع من انواع الدعارة المنحدرة.
أشارت له وهي تسرع لاحدى الخيمات:
_لقد إشتقت لك، اتبعني.
شكلها بنظرة مستحقرة، ثم اتبعها لمحل ما أتجهت إليه، فما أن ولجوا للخيمة، حتى شرع بهز أركانها بحرافية ابتاعها من تدريبه المسبق قبل ترك المخابرات، ليوهم من بالخارج بلقاءٍ عابر بينه وبين تلك اللعينه.
راقبته بابتسامة اجتهدت لتجعلها مغرية، ثم قالت وهي تحاول أن تتأمل وجهه الملثم:
_لماذا تعذب نفسك بهذا الرداء، فلتنزعه ولتقضي بعض الوقت رفقتي.
سكنت عينيه عاصفة رملية مثل تلك التي أعتاد العيش برفقتها بالصحراء الجرداء، وبدون أدنى مجهود قال:
_لا تعبثي مع ناقوس موتك يا امرأة، إطيعي أمري دون أي كلمة أخرى.
جلست على الفراش الصغير المصنوع من الاغطية، وهي تبرز ساقيها العاريتين عن عمد في محاولة لاغرائه، قائلة وهي تشق نفسًا طويلًا من السيجار الذي تحمله:
_أتعلم أيها الغريب لقد عملت بتلك المهنة لسنواتٍ ولكنني لم أقابل أحدٌ مريبًا مثلك، لولا جمال القهوة التي تشكلت بعينيك لظننت أنك رجلًا أليًا لا تحمل أي مشاعر أو إنسانية.
وأضافت وهي تسترخي بنومة مقززة مثلها:
_زار خيمتي الكثير من الرجال، منهم من يتودد لي لنيل المتعة بمقابل مالي، ومنهم أمثالك، يلجئون لي لتبديل الممنوعات كالـ المخدرات والالماس مع رجالًا أخرون يأتون إلى هنا لتسليم المال وما أنا الا وسيط وستار لكلاهما، ولكن لا يغادر ذاك أو هذا دون أن يقترب مني الا أنت لم أحظى بمرافقتك يومًا.
ونهضت تتجه له بخطوات جعلته يحدقها بتحفزٍ وعزمًا على ما سيفعله بها وتستحقه، رفعت يدها تمررها على صدره برفقٍ وبدأت تقترب إليه، ففجأها حينما لف ذراعها للخلف، وبحركة سريعة استمعت لصوت طقطقة عظامها، اعلان صريح بانكسارها.
استرخت جمود نظراته وهدأت حينما وجدها تصرخ وتبكي بجنون، شفي غليله الذي يحمله لأي بشري يحاول تخطي حدوده، سبق وفعلها والآن لن يناله الطعنة الثانية من بني البشر!!!
تراجعت للخلف تفرك ذراعها وهي تبكي بوجعٍ، بينما يتأملها بانتشاءٍ، واقترب منها، تراجعت للخلف برعب حتى سقطت أرضًا، فزحفت للخلف تصيح بتوسل:
_أرجوك سيدي لا تفعل، أعتذر منك اعدك أنني لن أكررها مجددًا.
استطاعت من بنيته القاتمة لمس ابتسامته الراضية، وخاصة حينما جلس على المقعد يرطم وجنتها وهو يردد بفحيح مخيف:
_فتاة مطيعة!
أخرج "ليل" من جيب سترته السوداء كيس به قطعة ألماس ضخمة، وبداخلها صورة مطوية، ثم قال:
_حينما يأتي هذا الشاب إلى هنا، إصطحبيه إلى خيمتك وإمنحيه هذا.
وألقى لها رزمة من الدولارات قائلًا بحزمٍ:
_وهذا لكِ.
وتابع وهو ينصب قامته المخيفة بحجم جسده الضخم:
_إياكِ وإرتكاب أي حماقة قد تسببك رقبتك الصغيرة، أعدك أني سأهش رأسك أسفل حذائي إن استلم القطعة رجلًا غيره.
أمأت برأسها عدة مرات والرعب يحيل بها، وما أن تأكدت من رحيله حتى عادت أنفاسها لطبيعتها، بينما هو يشق طريقه كالشبح الذي لا يترك خلفه بصيص على وجوده أو دليلًا على كونه بشري!
******
بصعوبة تمكنت "مايا" من ان تقنع عُمران بتركها تتدرب بمفردها مع المدربة، كادت أن تنصهر من فرط الخجل حينما كانت تطالب المدربة من عُمران أن يساعدها ببعض تمرينات الثنائيات، وما عليه سوى استغلال تلك الفرص كالمعتاد، حتى توسلت له ان يغادر فلم يصعد لغرفته الا حينما استلم رسالة من جمال يخبره أن يصطحبه بطريقه للشركة في يومهما الأول لأن سيارته قد تعطلت عن العمل فجأة.
أبدل عُمران ملابسه لبذلة كلاسيكة الطراز، وصفف شعره بعنايةٍ، ثم أتم بحذائه واتجه للخروج، فوجد "فاطمة" تشرف عليه ببذلتها النسائية المحتشمة، وتطرف بحديثها بلطفٍ:
_من اول يوم ومتأخر، لا يا بشمهندس لازم تتعلم تظبط مواعيدك زي الأول.
استقبلها ببسمة هادئة، وقال يمدحها:
_ما الBusiness woman (سيدة الاعمال) فاطيما هتعلمني إزاي ابقى منضبط في مواعيدي.
استدارت تجاه زوجها الذي يحيط كتفيها بكل حب وعشق يقطر من رماديتاه، وسألته بمزحٍ:
_رأيك أعلمه ولا أسيبه ضايع كده يا علي؟
ضحك ثلاثتهم، فمال علي يقبل رأسها وهو يهمس بعاطفة تبرز حبه العتيق لها:
_اللي تشوفيه صح يا روح قلب علي.
رفع عُمران احد حاجبيه مندهشًا من ظهور داء الوقاحة على أخيه المثقف، الخجول، فحك ذقنه النابتة وقال ساخرًا:
_من أمته الرومانسية المنحرفة دي يا علي؟
تلون وجه فاطمة حرجًا، ابعدت ذراع علي وهبطت الدرج مرددة بتوتر:
_هنزل أفطر مع فريدة هانم وأنكل أحمد.
تركتهما في مقابلة عصيفه، دنى عُمران منه وقال بسخرية:
_والله كبرت وإنحرفت يا دكتور ، لأ وقدام أخوك الصغير المحترم ، التقي اللي من المسجد للبيت ومن البيت للمسجد!!! ، بتفتح عيني للرزيلة يا علي!!
شمله علي بنظرة أحاطته من اخمص قدميه لرأسه، ومال يستند على درابزين الدرج هادرًا:
_ده إنت الرزيلة بعينها يا وقح.
وأضاف وهو يتبع زوجته:
_لم حواراتك السارحة دي وحصلني.
كبت ضحكته بابتسامة وهو يزعن طاعته وخوفه الصريح:
_في ديلك يا بابا علي!
تابعه وهو يهبط للأسفل، ثم جذب هاتفه يدون رسالة لآيوب
«النهاردة أول يوم، لو اتاخرت هخلي أستاذ ممدوح ينفخك، هعدي على جمال وبعدين هفوت عليك ألقيك على رأس الحارة واقف مطيع كده وبتستناني، أتمنى تكون فهمت كلامي يابن الشيخ مهران..»
أعاد هاتفه لجاكيته وأتجه للاسفل، سحب المقعد المجاور لأخيه وهتف:
_صباح الخير.
جلس يجذب احدى الاطباق يضع فيهما قدرًا من الجبن والسلطات، وشرع بتناول طعامه بجو حله الصمت، والحزن الطابق على الوجوه، فرغمًا عنهم تتجه نظراتهم لمقعد شمس الفارغ.
ترك علي طبقه فارغًا، لم يملك شهية تناول الطعام، إنسحب بهدوء لغرفة مكتبه، تهاوت دمعة فريدة على خدها، ورددت بتأثرٍ:
_أنا مش متخيلة المكان من غير شمس.
قرب أحمد يده من كفها، يفركه بحنانٍ:
_ليه بس يا فريدة، هي مسافرة مع جوزها وراجعه تاني، دول كلهم على بعض أربع أيام!
تركت الشوكة من يدها وقالت بدموع:
_مش قادرة يا أحمد، محدش من ولادي فارقني قبل كده، علي وعمران بيسافروا تبع الشغل وبيرجعوا على طول، ولما عمران طول شوية نزلنا كلنا مصر.
وأضافت وقد تسارعت بالبكاء:
_مش هقدر صدقوني.
ترك عُمران الطعام، ونهض عن مقعده يتجه للمقعد الذي يجاور مقعد أمه الرئيسي من الجانب الأخر، يقربه منها، يزيح دموعها بحزنٍ، وقال مبتسمًا مستغلًا الفوبيا الدائمة لديها تجاه الاهتمام بنفسها ووجهها :
_فريدة هانم العياط بيكرمش الوش وبيظهر التجاعيد يرضيكِ تبوظي الوش القمر!
رفعت عينيها له، وقالت تستجدي به:
_عُمران خلي آدهم يوافق يعيش معانا هو وشمس بالقصر، أنا مش هستحمل انها تبعد عني.
أسرع أحمد يجيبها:
_القصر لسه مخلصش يا فريدة، وبعدين آدهم كان واضح وصريح من البداية إنه مش هيقبل بده.
أشار عُمران باصبعيه لعمه، بمعنى أنه سيحل الأمر، ومال يقبل يديها، وقال بابتسامته الجذابة:
_أوعدك إني هحاول أتكلم معاه في الحوار ده، حتى لو هجبهاله إنك محتاجاها معاكي خلال فترتك الاخيرة من الحمل.
وتابع وهو يتطلع لبطنها المنتفخة بحماس:
_مش هانت ولا أيه؟
مسدت على بطنها المتتفخة وقالت بفرحة:
_هانت جدًا، انا سابقة مايا بكتير، ومع ذلك تحس إنها هي اللي سابقاني وزنها تقل جداا، خد بالك منها يا عمران أنا مش قادرة أشد عليها المرادي، قلبي مش مطاوعني أجوه البيبي، ده مهما كان ابنك يا حبيبي!
انفجر ضاحكًا وشاركه أحمد وفاطيما بالضحك، بينما يهتف عُمران مازحًا:
_لا بلاش تجوعي مايا، لما يوصل البطريق ده إتعاملي معاه بالطريقة اللي تناسب جنابك، لكن بسكوتي بسكوتة نواعم متستحملش ده.
تمادت ضحكات فاطمة بشكل جعل الجميع يراقب محل نظراتها، فوجدوا مايا تقترب منهم وهي تتناول كيس من بسكوت النواعم، تتناوله بنهمٍ، وتتجه إليهم، سحبت احد المقاعد وجلست تتأمل الطعام هاتفة بارهاق:
_أنا واقعه من الجوع..
تركت البسكويت جانبًا وشرعت بتناول الطعام ولم تلقي بالًا بنظراتهم المضحكة، مال عُمران لفاطمة يهمس لها:
_اديني أنا البسكوت ده يا فطوم.
جذبت فاطمة البسكويت من امام مايا المشغولة بتناول المخبوزات بنهمٍ، تناول عُمران البسكويت وجذب إحدهن لفريدة التي تتابع مايا بدهشة، قائلًا:
_وضع مؤقت، بعد الولادة هنزلها الجيم من الفجر، متقلقيش على صحة مراتي وأنا موجود!
ونهض يشير لفاطمة الذي أحمر وجهها من فرط الضحك:
_يلا يا فاطمة، هوصلك قبل ما أفوت على جمال وآيوب.
******
ارتدت فستان من اللون الأزرق وحجابًا أبيض اللون، ومن فوقه قبعة أضافت لها جاذبية مهلكة، خرجت "شمس" تبحث عنه، فوجدته يسبح بالمياه القريبة من جناحهما الخاص، اتبعته شمس حتى خرجت خارج حدود جناحهما للباحة العامة، أختارت الجلوس على مقعد قريب لمحل سباحته نوعًا ما، وجلست تراقبه بحب واعجاب يبدو باديًا عليها.
كانت تتابع هاتفها تارة وتتابعه تارة آخرى، تجيب على رسائل علي ووالدتها، ليطمئنوا عليها، وما أن انتهت من محادثتهم حتى عادت ببصرها تجاه موقع زوجها، فلم تجده بالمياه مثلما كان منذ قليل.
تركت شمس كوب العصير عن يدها، ونهضت تتمشى على الشاطيء باحثة عنه بين الرجال، ولكنها لم تجده، تمعنت من حولها جيدًا حتى وجدته يقف على بعدٍ منها، يجفف جسده بالمنشفة ويجمع اغراضه بحقيبته السوداء الذي تركها بمحل ما بدأ السباحه، عازمًا العودة لمحل جلوسها، وما أن استدار حتى تفاجئ بالفتاة المنشودة قبالته، ترتدي ملابس سباحة فاضحة على الرغم من الشاش الذي يحيط إحدى ذراعيها.
ارتبك آدهم قبالتها، المعلومات التي يمتلكها تؤكد أن هناك مكان محدد للقاء تلك الفتاة، لم يكن بالحسبان هذا اللقاء الذي سيحول زمام الخطة المدروسة التي وضعها الاسطورة رحيم زيدان، والتي حرص بها على سلامة اعضاء فريقه باكملهم، حتى ليل الذي يخشاه الموت وتهابه المهالك، كان يضع سلامته بالحسبان!!
أكد عليه رحيم بأن تواجده بهذا الفندق سيضعه تحت المراقبة الدقيقة، حسب حساب كل خطوة خطاها ولكن تلك لم تكن من مخيلاته، ولا خُيل إلى ليل نفسه.
دنت الفتاة منه حتى كادت أن تتعركل بحفنة من الرمال أو مثلما إدعت، فمالت بجسدها تجاهه عن عمدٍ، وعلى الفور تلقفها آدهم ومال بها، حينما احاطت عنقه، تحركت نواجذه من فرط عصبية ضغط أسنانه بعضهما البعض، وكما تدرب كان عليه دراسة الموقف من جميع الزوايا، هو الآن تحت لادار المراقبة، خطة رحيم العبقرية كانت باختلاق مشكلة صغيرة رفقة زوجته والذهاب لتلك الحانة لادعاء شربه الخمور حد الثمالة، ومن بعدها تستغله تلك الفتاة لاستدراجه لخيمتها مثلما تفعل مع الاغلب، وحينها سيستلم منها قطعة الالماس كمان تعتقد بانهما يهربان قطعة باهظة من الألماس، ولكن ظهورها المبكر وبمكان كذلك وبحضور زوجته أمرًا كارثيًا.
عقله يفكر طوال تلك الفترة ومازالت الفتاة تتعلق برقبته بدلال، وعينيها تلتهم جسده ووجهه بوقاحة، درس آدهم الموضوع من عدة اتجاهات، لذا عليه ان يبدو لمن يراقبه أن تلك الساقطة نالت استحسانه لذا سيتسلل خلفها لمحلها عن عمد، لذا وبكل أسف وهو يعتصر قلبه أسفل قدميه، رسم لها ابتسامة جذابة، وملامح الاعجاب تتفنن للظهور لتلك الكاميرا التي ترصد أقل حركاته.
عاونها على الوقوف ومازال يبتسم لها، متسائلًا:
_هل إنتِ بخير؟
اشارت له برأسها، ومازالت يدها تتحسس عضلات صدره بوقاحة، ومالت تهمس له:
_هناك شيئًا يخصك معي، إن أرادت فلتأتي ليلًا عسى أن نمضي وقتًا لطيفًا قبل أن أقدمه لك.
هز رأسه وهو يجيبها:
_سأتي بالتأكيد.
استقامت بوقفتها وغادرت فور أن نالت مبتغاها، ولمرة أخيرة اضطر أن تلاحقها نظراته ليؤكد لمن يراقبه سقوطه السريع في سحر تلك اللعينة.
بينما على بعدٍ منه، تراقبه بصدمةٍ وعينيه تجحظان في دهشة، تتمنى لو أنها فقدت النظر لتوها، ليتها لم تأتي إلى هنا بحثًا عنه، رأت كل شيئًا بعينيها، وإن أقسم لها بأنه لم يعجب بها لن تصدقه وقد رأته بأعين أنثى تهتم بدراسة التفاصيل.
سحب آدهم حقيبته واتجه بحزنٍ إليها، ارتسم بثباتٍ مخادع، وهتف باستغرابٍ:
_واقفة عندك كده ليه يا شمس؟
انتقل بصرها الحاد إليه، وهدرت بانفعالٍ شرس:
_ايه اللي أنا شوفته ده!!
ابتلع ريقه بارتباكٍ، وادعى عدم استيعابه للأمر:
_مش فاهم، شوفتي أيه!
ربعت يدها أمام صدرها وصوت أنفاسها المضطربة تعلو لتصبح كهدير الرياح المحاط بهما، استمدت اتزانها المرتجف وصرخا بوجهه:
_متستهبلش يا آدهم، أنا شوفتك بعنيا وأنت مبلم في الهانم اللي لفة ايديها القذرة حوليك، والله أعلم لو مكنتش موجودة معاك كانت أخدتك على فين؟؟!
لم يرغب أن تسوء الامور بينهما ببداية حياتهما معًا، مهاراته حدثته بما يحدث من حوله، وخاصة بمن يراقب ما يحدث، وبقمة أسفه ما يحدث الآن بينه وبينها قد يساعده بتنفيذ الجزء الاخير من خطته الموضوعة بالوقت الحالي، بعدما حدث الأمر الاضطراري بمقابلة تلك الفتاة بغير محتمل الخطة الموضوعة من قبل الاسطورة.
لذا استرعى غضبه وبداخله يحتقن قلبه من فرط الاختناق، فصاح بغضبٍ:
_فوقي لكلامك معايا يا شمس، مش أنا اللي تسحبني واحدة ست وراها، شكلك أخدتي ضربة شمس من كتر قعدتك على الشط، ادخلي ريحي جوه لحد ما تفوقي كده وتعقلي.
همست بعدم استيعاب لما تسمعه، وكأنه شخصًا آخر لا تعرفه، اهتزت بوقفتها حتى كادت بالسقوط للخلف، وباستنكار سألته:
_إنت بتكلمني أنا بالشكل ده يا آدهم، معقول!!
ود لو يلقي كل شيء في مهب الريح ويجذبها داخل ذراعيه، ود لو أعتذر لها عما فعله ولكنه وإن أحبها أكثر من روحه ومن حياته هناك بالطرف الآخر شرف بلده، ربما يحبها أكثر من نجاته ولكنه بلا شك يحب بلده أكثر.
استجمع شتات نفسه وقال بوجوم:
_ادخلي الجناح دلوقتي يا شمس.
صرخت بقوة لطالما تربت عليها بين أشقائها ووالدتها:
_مش هنسحب من نقاش أنا صاحبة الحق فيه يا آدهم، ودلوقتي حالًا هتفهمني أيه اللي شوفته ده؟!!
على صرخه أكثر من صوتها الرقيق:
_شوفتي أيه!! واحده وكانت هتقع وأنا لحقتها وشكرتني ومشت، الحوار انتهى لكن لسه شغال عندك مسلسل بمشاهد كاملة!!
رفضت تصديق ما يحاول قوله، ورددت بألمٍ:
_كلامها مكنش شكر ليك، حوارها كان طويل معاك وإنت كمان كان واضح اعجابك ليها بشكل واضح جدا على فكرة.
ألقى المنشفة والحقيبة أرضًا وصرخ بانفعال:
_إنتِ عنيدة بشكل يخنق، تصدقي ولا لا أنا حكيتلك على اللي حصل.
وتابع وهو يمضي تجاه الجناح:
_بدأتي النكد من بدري، أنا سايبلك السويت كله وماشي عشان ترتاحي على الآخر يا شمس هانم!!
وما ان استدار، حتى لمح بطرف عينيه ذاك المتلصص عليهما، مضي مهمومًا لجناحه، وترك قلبه يبكي من خلفه.
جلست شمس على اقرب مقعد بحري قابلها، وهي كالتائهة تردد ببكاء:
_لأ... لأ... مستحيل آدهم يعمل فيا أنا كده.
ومررت يدها على جبينها وهي تهمس بوجع:
_أكيد فهمت الموضوع غلط، بس ازاي!!
تمادى بكائها ورجفة جسدها تزداد تباعًا، فلم تجد سوى هاتفها، جذبت الهاتف واختارت رقم عُمران ، وقبل أن تهاتفه تراجعت، لم تجده الشخص المناسب لحل مشكلتها، لطالما كان حاد وعدواني ضد زوجها، بل المناسب لذلك هو علي، الوحيد الذي سيتفهم أمرها.
رفعت هاتفها إلى آذنيها تنتظر سماع صوته الهادئ، فأتاها صوته المتلهف لسماع صوتها:
_ما كنا اتكلمنا صوت من الأول، الرسايل دي مش بحبها، بس اتفهمت إنك ممكن تكوني بالجناح جنب آدهم ومكسوفة تكلميني قدامي.
وأضاف بحب:
_ها يا حبيبتي طمنيني عليكي؟
انفجرت بنوبة بكائها، وهدرت بصوتها المحتقن من فرط دموعها:
_أنا مش كويسة خالص يا علي، آآ... أنا محتاجالك أوي.. يا ريتك جنبي... آآ.. أنا بردانه أوي بالرغم من إن في نار جوايا، أنا مصدومة ومش قادرة أستوعب ولا أصدق إن ده الراجل اللي حبيته يا علي!
ارتاب لأمرها، وسألها باهتمام:
_شمس حبيبتي اهدي واسمعيني، أنتِ مش بعيدة عني لو عايزاني ساعات وهكون عندك، إنتِ مش لوحدك أبدًا فاهمه، خدي نفسك بانتظام وأشربي مية، وبعدين اتكلمي وقوليلي مالك؟ انا سامعك وجنبك يا حبيبتي.
*****
صف عُمران سيارته أسفل عمارة جمال، ووقف يتأمل المدخل بارتباك، كان يتهرب سابقًا من زياراته لوالدة جمال حتى لا يلتقي بصبا، مهما حدث ومهما تخطوا الموقف، سيظل الأمر يحمل حساسية عميقة بينهما، لا يريد ان يلتقي بها أبدًا، لذا كان حريص على الاعتذار كلما شددت أشرقت على زيارته لها، بل حرص على مكالماتها الدائمة.
رفع هاتفه يحرر زر الاتصال، وبجدية تامة قال:
_انزل يا جمال أنا تحت بيتك.
قابله بلهفة وإصرار:
_اطلع الأول، قبل ما نمشي لازم تشوف عمران الصغير.
ضم مقدمة أنفه بيده فقد حدث ما لا يريده، فقال بثبات مزيف:
_جمال مفيش وقت، النهاردة أول يوم لينا كمدراء مينفعش نتأخر، مرة تانية هاجي معاك وهشوفه أكيد.
تمتم بانزعاجٍ:
_هو أنا معرفش أوقعك أبدًا، طيب نازلك.
أغلق جمال الهاتف، ووضع الصغير بيد والدته، ثم سحب سترته يرتديها، فحملت أشرقت الصغير ولحقت به تردد بضيق:
_مرضاش يطلع بردو؟
اوما بامتعاض وقال:
_قال هيفوت في وقت تاني.
سحبت الحاجة أشرقت حجابها وحملت الصغير واتجهت للخروج قائلة:
_لا كده بيستهبل، أنا نازله اشوفه.
لحق بها جمال بعدما جذب باب شقتها من خلفه، هبطوا معًا، واتجهوا لسيارته المصفوفة جانبًا وكان يستند على بابها ويراسل آيوب من الحين للآخر.
تسلل لمسمع عُمران صوت آشرقت تدنو إليه ناطقة بنزق:
_اتكبرت علينا ولا أيه يابن فريدة هانم.
ابتهجت معالمه فرحة، فنزع عنه نظارته السوداء، وهو ينطق ببهجةٍ:
_أنا أقدر بردو يا شوشو، ده احنا بينا قصة حب اسطورية هيجلدوها في كتب تاريخ انجلترا.
ضحكت بصخب وهي تضمه بحب، احتضنها عُمران وانحنى يقبل كف يدها باحترام، مضيفًا:
_وحشتيني جدًا والله.
سحبت كفها وهي تتصنع ضيقها الصريح:
_مهو واضح، من يوم ما نزلت مصر، وأنا مش عارفة اتلم عليك، كل ما أعزمك ما تعبرنيش.
مرر يده بين خصلاته التي اكتسبت طولًا جذابًا، وقال بحرج:
_غصب عني والله، بنقل معظم مشاريعي هنا في مصر، مشغول أغلب الوقت جمال عارف الكلام ده اساليه حتى.
وضع يديه بجيب جاكيته وهدر بسخط:
_كداب ياما، ده صايع ليل نهار في حارة الشيخ مهران!
منحه عُمران نظرة متوعدة، وتغاضى عن حديثه سريعًا وهو يحمل الصغير بفرحة:
_ما شاء الله تبارك الله، زي القمر ربنا يحفظهولك وتفرح بيه يا عبحليم!
ردت عليه أشرقت وهي تمر بيدها على كتفه بحنان:
_نفرح بخلفك إنت الأول وبعد كده نرجع للواد ده تاني ميضرش.
ضحك ببشاشة وقال يمازحها :
_والله إن كان عليا فأنا مش مقصر، كلها تلات شهور وتشيلي أول انتاج محلي من نسلي بإذن الله.
تعالت ضحكاتها وهتفت:
_ربنا يجيه على الكامل يا حبيبي، وعقبال ما تخاويه يا ررب.
مسد على جاكيته بطريقة زادت من ضحكاتها:
_لا أنا كده زي الفل، لسه محتاجين ندرس العينة بشكل دقيق، وأعتقد بعد الدراسة القرارات هتكون غير مش كده ولا أيه يا حليمو؟
حك جبهته وتمتم بسخط:
_العينة هتخليك تستكفي بهذا القدر.
تلاشت ضحكة عُمران وبدى متوترًا بوقفته، حينما وجد صبا تقترب منهم وهي تحمل بعض الاكياس بيدها، بعد عودتها من البقالة، سرت رعشة طفيفة بجسدها فور لقائها الأول بعمران بعد ما تعرضت له بذلك اليوم المأساوي، ذلك اللقاء الذي خشاه عُمران وحذر من الوقوع به، وقد حدث ما خاف منه الآن.
مهما انتهى النزاع، وتصالحت النفوس، ستظل هناك بقعة معتمة ترتبط بذهن كلاهما بهذا اليوم المشئوم، ضمت صبا الأكياس اليها بحرجٍ، وكأنها تخطو عارية دون ثيابها، يُصاغ نفس المشهد عليها وبالرغم من ان الفضل الاكبر بنجاتها بهذا اليوم كان بسبب عُمران، ولكن الأمر حساس برمته.
تنحنحت بخفوت وهي تؤدي السلام، وبتوتر قالت:
_ازيك يا بشمهندس.
أخفض عُمران عينيه أرضًا وأجابها:
_بخير الحمد لله، مبروك ما جالك يا مدام صبا، ربنا يباركلكم فيه يا رب.
ردت بنبرة روتينية:
_تسلم يارب، وعقبال عندك قريب بإذن الله.
هز رأسه ببسمة خافتة، واستدار لجمال يخبره بتوتر التمسه جمال:
_مش يالا يا جمال، اتاخرنا جدًا.
أشار لوالدته بالصعود برفقة زوجته، وما ان صعدت الدرج حتى ناداها:
_أم عمر احدفيلي مفتاح عربيتي على التربيزة فوق.
صعدت سريعًا للاعلى، بينما ضم كتفه يد عُمران القوية، جعلته يستدير إليه برعب، بينما الاخير يهدر من بين اصطكاك أسنانه:
_يعني عربيتك شغالة وبتشتغلني بروح أمك!!
ازاح يده عن كتفه ورفع صوته مدعيًا جديته:
_أيوه ضحكت عليك عشان أجيبك لحد هنا، أوعى تكون فاكرني أهبل ومصدق اسطوانة انشغالك اللي قولتها لامي دي، ولا هضمتها انا عارف إنت مش عايز تيجي هنا ليه، وجبتك أهو وبمزاجي!
احتقنت رماديتاه بشكل مخيف، ومال إليه يتوعد له:
_ده أنا همسح بيك بلاط شارع بلاطة بلاطة، بقى بتصيع عليا أنا يا عبحليم، شكلك محتاج شدة من بتاعت زمان، وديني لارزعك رأس تنيمك جنب المدام سنتين قدام، تعالـــــــى!
هرول جمال راكضًا حول سيارة عُمران، وقال ضاحكًا:
_اعقل يا طاووس، وافتكر أنك من عيلة ارستقراطية محترمة!
صعد فوق مقدمة السيارة في محاولة للامساك به:
_مش واكل معاك الانسان الارستقراطي المحترم اللي جوايا، إنت عايز النسخة اللي من العتبة وأنا عنيا ليك يا جيمي.
ومال للنافذة يبحث عن مدته، هادرًا بحيرة:
_راحت فين دي؟!! بقالي فترة مستعملتهاش.
استرعى انتباه جمال، ففتح الباب الاخر يعاونه على البحث وهو يتساءل باهتمام:
_هي أي دي؟
ارتسمت بسمة شيطانية على وجهه وقال:
_لقيتها الحمد لله، انت طول عمرك ابن حلال يا عبحليم.
استقام بوقفته وقال دون مبالاة:
_طيب كويس انك لقيتها، يلا اطلع بعربيتك وأنا هحصلك.
سحبه عُمران من تلباب قميصه، يلقيه فوق مقدمة السيارة، وانحنى من فوقه يضع سكينه فوق رقبته هادرًا بعنف:
_وحشتك وقاحتي وأنا أبدًا مبخلش عليك بيها، قولتلك قبل كده أنا انسان ارستقراطي محترم بس أمثالك اللي بيخرجوني عن شعوري!
حاول جمال تخليص نفسه، وهمس لعمران بصدمة:
_عُمران احنا في الشارع!
قال ببسمة باردة:
_ولا يهمني.
اقترب منهما فتى صغير، يتلصص لما يحدث، فمال له عُمران يخبره:
_اجري يا شاطر إلعب بعيد.
تمعن به الصغير، وراح يهرول مرددًا:
_يا حاجة آشــــــــرقت عمو جمال متثبت بالمطوة، يا حاجة آشرقت في واحد مثبت ابنك بمطوة!
توسعت مقلتي عُمران بصدمة، فدفعه جمال للسيارة وصرخ به:
_اطلع بسرعة يا عُمران قبل ما الناس تتلم، الواد ابن الـ** فضحنا!!
قاد عُمران السيارة وبعدما خرج من نطاق منطقة جمال السكانية، أشار لجمال بعنجهية:
_إنت فاكر إننا هربنا خوفًا من كائن البطريق المزعج ده، أنا بس مش حابب نتأخر على الشركة من اول يوم.
هز جمال رأسه وهو يحتبس ضحكاته:
_مفهوم!
****
ساعة كاملة قضاها علي بالحديث مع شمس حتى امتص غضبها، وخاصة حينما قال برفق:
_الغيرة مناصفة ما بين الست والراجل يا شمس، غيرتك على آدهم هي اللي وصلتك للنقطة دي، ويمكن تكون هي اللي شعللت بينكم النار دي والشيطان كمل الباقي.
وأضاف بلينٍ:
_فكري بعقلك وأوزني أمورك، لو مصدقة من جواكِ إن ادهم ممكن يعمل كده، يبقى كل شيء شبه منتهي وكلامنا مالوش أي لازمة، لكن لو مش مصدقاه يبقى هتعتذري عن كلامك في حقه وهتعدي الموقف ده، لانه من الجهات متصيغ وفي توقيت غلط.
تنهدت براحة وقالت بامتنان:
_شكرا يا علي، لولاك مكنتش هعرف أعمل أيه حقيقي، ربنا يخليك ليا وميحرمني منك.
أغلقت شمس الهاتف بعدما اقتنعت بحديث علي، واتجهت لجناحها تبحث عن آدهم لتعتذر عما بدر منها، ولكن وللغرابة لم تجده بأي مكان داخل أو خارج الجناح، وبتفحص متعلقاته الشخصية تأكدت بأنه خرج بالفعل.
****
بحث عنها آدهم بين الجموع، ولكنه لم يجدها، لثانٍ مرة يتدمر جزء من المخطط المتوقع وهو وجودها الشبه دائم بالحانة.
جلس آدهم على الطاولة، يتصنع شربه لكأس من النبيذ الاحمر، وعينيه تدور باحثة عنها، على أمل ان يجدها، ولكن طال به الوقت ولم تأتي للقائه، لذا وبكل هدوء نهض من مكانه واتجه لخيمتها بحسب المواصفات المدروسة.
وضع آدهم يده على باب الخيمة وما كاد بالدخول، حتى تلاقى اشارة من جهاز مزروع بدبلة زواجه، مرر يده بشكل متقن فاذا به يسمع لصوت رحيم يصيح به:
_آدهم اخرج من عندك فورًا، ده كمين منصوبلك، اطلع من عندك.
قالها في نفس لحظة رفعه لغطاء الخيمة، فتوسعت مقلتاه في صدمة، وردد بصوت منخفض:
_قتلوها!
استمع رحيم لما يقول بوضوح، وبصرامة أمره:
_اطلع من عندك حالا يا آدهم، ده أمر مباشر مني، سامعني!!
ولج آدهم للداخل يحوم حول فراش تلك الفتاة الملقاة باهمال وعنقها ينزف بغزارة، مال يتفقدها باهتمام ثم عاد يهمس للجهاز:
_مقتولة من عشر دقايق لاتناشر دقيقة بالظبط، معناها انهم مقدروش يكشفوني بشكل كامل.
صرخ فيه رحيم بعنفوان:
_وجودك عندك هيثبتلهم انك المسؤول عن تهريب الميكروفيلم، اطلع من عندك حالا واتصرف زي أي شخص دخل مكان ولقى فيه قتيل، اهرب يا آدهم.
رد عليه بجملة واحدة:
_والميكروفيلم يا باشا؟
صاح مجددًا بعصبية:
_فريقي موجود عندك هنلاقي ألف طريقة نمنعهم بيها، اخرج بسرعة من عندك والا هتكون بتعرض حياتك إنت ومراتك لخطر كبير!!
فتح الخزانة وألقة محتوياتها وهو يبحث عن الالماس باتقان، بينما يستمر بالحديث:
_أنا آسف يا باشا مش هقدر أسيبهم يوصلوله بالبساطة دي، هما مقدروش يوصلوا لحاجة، كل ده طعم عشان يوقعوني لكن محدش فيهم وصل للميكروفيلم.
وجد ضالته بين أغراضها، حمله يين يديه وقال ببسمة ثقة:
_كنت متأكد إنهم موصلوش لحاجة.
انفجر رحيم بغضب جحيمي:
_مش هيسيبوك يا آدهم، إنت كده كشفتلهم نفسك بكل بساطة!!
اجابه بشجاعة وقوة:
_أموت وأنا بحمي شرف بلدي أهون ألف مرة من إني أنسحب زي الجبان يا باشا.
مرر رحيم يده بين خصلاته بعنف، واسترعى هدوئه وهو يخبره:
_اطلع من عندك وحاول توصل مع مراتك عند النقطة ج، هتلاقي هناك اللي مستنيك وهيرجعكم مصر، اتحرك حالا.
خرج من الخيمة يهرول من بين الزحام، ولكنه فجأة وجد عدد من المسلحين يسدون طريقه، كالجدار الصلب، ولم يبقى سواه الا المواجهة، وحتى وإن انتصر مازالت للحرب بقية!
....... يتبع......
#صرخات_أنثى..
#الاقوى_قادم..
الفصل يستحق تفاعل وتصويت كبير، نشجع بعض للي جاي لانه مش سهل، بحبكم في الله ♥
******________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 108 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى..(#حبيبتي_العبرية!!..)
#الفصل_الخامس_والثمانون.
(إهداء الفصل للغالية على قلبي أستاذة "إحسان محسن"، ممنونة لدعم حضرتك الغالي، ومن قلبي بشكرك على كلامك المحفز واللي كان السبب بكتابة فصل سريع للقراء، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك..بحبك في الله...قراءة ممتعة 💙)
أحاطوه بدائرة بشرية، وبأيديهم أسلحة بيضاء، يحاولون السيطرة عليه دون أن يتعرض لأي أذى، على ما يبدو بأن هناك تعليمات صارمة ببقائه حيًا، درس آدهم أماكنهم بنظرةٍ سريعة، بينما يطوف كبيرهم من حولهم وهو يهتف بحدةٍ وأمرًا صارمًا:
_إنحني أرضًا ويديك خلف ظهرك بهدوءٍ، والا سيتلقى ما يجبرك على الخضوع رغمًا عن أنفك.
نظرة الثقة التي تحتل عينيه، شموخ قامته، عدم اهتزازه قبالتهم، الخوف المهجور عنه، جعل من حوله في حالة دهشة وإرتباك، وخاصة حينما منحهم ابتسامة ساخرة، وهدر ببطءٍ قاتل:
_خُلقت لأكون مرفوع الرأس، لم أنحني يومًا الا بصلاتي لله الواحد الأحد.
وأضاف وهو يمرر بصره بينهم باستهزاءٍ صريح:
_ لم تحمل الأرحام رجلًا قادرًا على أن يحني شموخي، وإن تمادى ظنك بأن هناك من يستطيع فعلها، فلتجرب أنت ورجالك إذًا!
اكتظم وجهه بغيظٍ قاتلًا من ثقته بذاته، لذا وبدون تردد صاح بالمسلحون:
_حطموا عنق ذلك المغرور، أريده مسجي أرضًا الآن.
بمجرد نطق أمره المباشر، تهالت عليه الضربات القاتلة بالسكاكين الحادة، تفادى آدهم ما تمكن ان يتفاداه، وبالطبع طالته عدد من الجروح، بسائر جسده، ولكن إرادته ورغبته بالصمود أذهلتهم، تركزت إصابتهم بساقيه ليجعلوه ينحني، وما أن يسقط ارضًا يتمكنون منه، ولكنه كان حذرًا، ولم يسقط بقذارة افكارهم الخائنة، بل نجح بانتشال سكينًا من احدهم وتحول لماكينة قاتلة، تحصد أحشائهم بلحظاتٍ محدودة.
يعلم بأنه إن سقط سيسقط مصير بلده من خلفه، لذا استجمع كل قوته ليحارب ببسالة، حتى تمكن من القضاء على من المجموعة التي أحاطته، وما لبث يقف ملتقطًا أنفاسه بصعوبة حتى وجد مجموعة تفوق التي حاصرته بالعدد، وقد انهكه القتال بشكلٍ جعله لا يستطيع الوقوف بشكلٍ مستقيم.
السقوط بين أيدي هؤلاء هو ابشع مصيرًا قد يحظى به ضابط شجاع مثله، لذا سيعافر لينجو بحياته، وحتى لو كتب عليه الاستشهاد سيتلقن الشهادة ولن يتنازل عن ترك جسمانه يلوث بأيدي هؤلاء الخنازير.
وما لبث يدرس ما سيفعل، حتى إنهمر وابل من ستار الرصاص الحي، يلتقم هؤلاء المعاتيه، ويبيدهم كفئران التجارب، وإشارة تخرج من أحد الملثمين على بعد ارتفاع يخت قاع البحر بأن يستغل بقائهم ويلوذ بالفرار.
تأكد آدهم بأنهم رجال "رحيم زيدان" لذا وبدون أي تباطئ، فر هاربًا من محيطهم، وبمجرد صعوده للسيارة حمل الظرف المطوي داخل جيب سرواله، وانتزع منه قطعة الألماس، يحطمها بأداة حادة، واستخرج منها الميكروفيلم، وبمهارة فائقة ثبت إحدى العصا بالدريكسيون ليتابع القيادة، بينما يفعل هو ما جعل رحيم زيدان يختص ضابط محترف مثله لينهي الأمر بغموض تام، لم يكن ليصدق يومًا بأنه سيحميه بما فعله!!!
*****
جلس بمدخل منزله ينتظر قدوم "عُمران"، الحزن والألم جعل وجهه مهمومًا، أجاد خداع الشيخ مهران والسيدة رقية بأنه على ما يرام، ولكن الحقيقة عكس ذلك، فبمجرد خروجه من المنزل، عبثت ملامحه كالكهل العجوز.
تسلل لآيوب صوت دعسات حذاء، لقدم تسرع بخطاها للأسفل، ولم يكن سوى يونس الذي تهللت معالمه فور أن رأه يجلس على الأريكة بمدخل المنزل، هرول إليه يناديه بلهفته الصادقة:
_آيوب، الحمد لله إني لحقتك.
رفع عينيه القاتمة إليه، وبجمود رد:
_خير يا يونس؟
لم يكن بحاجة ليتساءل عما به، يعلم ما يشعر به آيوب بالتحديد، إنساق لجواره بهدوءٍ، وقابله بأعين أدمعت بها دمعاته، وحرر نبرته الخشنة:
_الغربة اللي جوه عينك دي مينفعش تحس بيها وإنت بينا يا آيوب، مهما حصل ومهما إتقال هتفضل أخويا الصغير وابن عمي.
ابتسم وهو يهز رأسه تقديرًا له، ولم يرغب بالحديث حتى، فحثه يونس قائلًا:
_ساكت ليه؟ أتكلم!
قال بوجعٍ وفتور بنتابه:
_مش قادر ولا عايز أتكلم يا يونس، أنا غريب حتى عن نفسي، مبقتش عارف ولا فاهم أي حاجة.
استقام بوقفته، وهو يجذبه ليقابله بغضب، صارخًا فيه:
_يعني أيه غريب عن نفسك، هتنسى أخوك وأبوك وعيلتك عشان حقيقة زي دي يا آيوب، ده مكانك واحنا أهلك، مهما اتقال ومهما عقلك صورلك مش هتغير الحقيقة دي.
رفع فيروزته إليه، وردد بحزن:
_كل ما هنسى إني مش منكم إسمي هيفكرني يا يونس!
ومال برأسه على كتفه، يردد ودموعه تبلل قميص يونس:
_أنا عمري ما كرهت حد، ولأول مرة أتعلم كره شخص كان لمصطفى الرشيدي، وحاولت أكره آدهم معرفتش، آدهم الوحيد اللي لمست فيه حنيتك وحنية الشيخ مهران، حبه ليا خلاني مشفوش غير أخويا.
وبدمعة انهمرت على خده هتف:
_وطلع فعلًا أخويا!
أجابه بضيقٍ نافر:
_ أنا كمان حاولت أكرهه ، بس لما قربت منه وسمعته حسيت إنه أكتر، حد إتظلم ما بين أخطاء أبوه وما بين واجباته.
وربت عليه بحنان وهو يستطرد:
_هو مالوش ذنب فعلًا يا آيوب، لو طلعت من وسط الوجع ده بمكسب فآدهم هو المكسب، بلاش تخسره.
ابتعد عنه يتطلع له بهدوء شعر به بمجرد ضمته إليه، لمس فيه نفس مقدار الحب إليه، لم تغير حقيقته شيئًا بأفراد عائلته، وحينما كان شاردًا به، ولج عليهما "إيثان" يهتف بصدمة درامية:
_أيه ده!! يونس وآيوب في مدخل بيت الشيخ مهران الطاهر وفي عز الصبح!!! عيني عينك كده!!
أزاح آيوب دموعه سريعًا قبل ان يستعد لمشاكسات إيثان المعتادة، بينما هدر يونس بانزعاج:
_يا فتاح يا عليم، إنت حضرت!
زم شفتيه ساخطًا من طريقة استقباله:
_وماله محضري يا معلم يونس!
رفع يديه باستسلامٍ:
_زي الفل يا كابتن، أسيبك مع الأخ آيوب وأخلع انا أكل عيشي يناديني.
تابعه بنظرة ساخطة وهو يخرج من المنزل، وهمس بدهشة:
_مهو أكل عيشي انا كمان، ولا يكنش النداء يخصك لوحدك إنت ولا أيه؟
والتف لآيوب قائلًا بعدم لا مبالاة:
_يلا مش مهم، انا أصلًا جاي عشانك إنت وعشان أكل الحمام.
ابتسم آيوب وقال باستهزاءٍ:
_ألطف بيا يا رب، خير يا كابتن إيثو، اي مصيبة ألقت بك عليا!
قطع نبرة المزح المتبادلة بينهما، وقال بقلقٍ:
_لا مفيش انا بس كنت قلقان عليك.
وحك ذقنه النابتة، هاتفًا بصعوبة اختياره للكلمات الطيبة:
_إنت يعني تمام؟ حاسك مش مظبط كده.
صنع إلتهائه بتظيم ملابسه المكونة من قميص أسود وبنطال من نفس اللون، وقال:
_أنا بخير يا إيثان، متقلقش.
منحه نظرة شك احاطته:
_متأكد؟
اكتفى باشارة صغيرة له، فسأله إيثان في محاولة لاستنباط أي معلومة:
_طيب كلمت حضرة الظابط؟
هز رأسه وهو يجيبه بايجاز:
_أيوه كلمته
احترم عدم رغبته بالحديث وقال يشاكسه:
_طيب بقولك أيه، بنت إيفون منكدة على أهلي بقالها كام يوم، ما تيجي نسقط على الجيم نجرب أجهزة الخواجة المستوردة دي، أهو فش غل مؤقت لحد ما تجيلي بيتي أربيها في كيس الملاكمة، بأمانة هتكيف أوي وأنا بفش غلي في كائن بشري هاش وضعيف وطري كده.
تحررت ضحكة آيوب المكبوتة منذ الصباح، ورد عليه ساخرًا:
_كيس الملاكمة مش هيشيلك يا إيثان.
تساءل ببلاهة:
_ويشلني انا ليه، أنا هحط بنت إيفون جواه.
ربت آيوب على كتفه كالذي يرضي صغيره المشاكس:
_منجلكش في حاجة وحشة يا إيثو، قال تحطها قال!! .
وهمس بصوتٍ منخفض:
_مسكين، مجربش يتحدى واحدة ست!
وما كاد بتبادل طرف الحديث حتى اقتحم حديثهما صوتًا أنوثيًا رقيق:
_آيوب استني أنا عاوزك.
قالتها "سدن" وهي تسرع للأسفل، فتعالت ضحكات إيثان ومال لايوب هامسًا:
_كلمي مراتك يا مزة.
دعس قدمه بحذائه فصرخ إيثان من الألم، ومال يستند على الدرابزين، متفحصًا قدمه، بينما وقفت سدن قبالة آيوب بابتسامتها الساحرة، وما كادت بالحديث معه حتى انتبهت لمن يقف خلفها، فاستدارت تبلغه بانزعاج:
_إنتي واقفة ليه إيثان، انا عاوز آيوب في حاجة سر!
تعالت ضحكات آيوب بشماتة، وغمز له ساخرًا:
_جاوبي يا أخت آيثو، ولا صوتك عورة!
أسبل إيثان باحتقانٍ، ونصب عوده بعدما عاد يرتدي حذائه، هادرًا بانفعال:
_ما تعلمها تميز بين الرجالة والحريم، هي ناقصة لخبطة يا عم!!
وتطلع لها يخبرها بضيق:
_يا تدي المذكر والمؤنث حقوقهم، يا تبطلي تتكلمي عربي أحسن، متقرفناش معاكِ!
واضاف ساخطًا:
_ العملية مش ناقصة لخبطة، هي خربانة من غير أيُتها حاجة!
احتقنت زرقتاها، وقالت تشير له:
_اطلعي فوق كده هتأخر، عاوز أقول لآيوب حاجة!
ضم شفتيه في أسفًا، وانحنى يحمل حذائه، ثم صعد مرددًا في مرارة:
_طالعه أهو متزعقيش.
كاد آيوب ان يسقط أرضًا من فرط الضحك، كاد ان يدافع عنها بحمئته الرجولية، حينما كان يذم إيثان نبرتها، ولكنها لم تترك له المجال، وقد استردت حقها كاملًا.
تأكدت سدن من صعوده للأعلى، فقالت بابتسامة هادئة:
_آيوب خديجا عاوز ياخدني معاه عند دكتورة، وصوته شكله زعلانه، ينفع أنا ياخدها يفسحها بعد دكتورة.
أخفى ضحكته بصعوبة من حديثها العفوي، وكأنها طفلته الصغيرة التي تجتهد لتعلم الحديث، وتنحنح بخشونة:
_روحي يا سدن، بس خلي بالك من نفسك.
وسحب مبلغ من المال، ثم منحه لها قائلًا بلطفٍ:
_خلي دول معاكِ، عشان لو احتاجتي حاجة.
تطلعت للمال بابتسامة واسعة، وقالت:
_هجيب درة مشوية وأيس كريم كتير أوي، ليا ولخديجا.
واتجهت للدرج تصعد درجاته بحماس، ثم مالت من البسطة العلوية تخبره بحب:
_هجيبلك معايا مش هنساكي آيوب.
هز رأسه بابتسامة جذابة، وما أن استكملت صعودها للاعلى حتى همس بسخرية:
_تقريبًا مش ناسية حاجة غير فروق المذكر والمؤنث، شكلي كده هوديها لمدرس لغة عربية، مفيش أي حلول تانية للأسف!!!
افاق من شروده بفاتنته على صوت أبواق سيارة عُمران، خرج آيوب إليه، ينحني للنافذة قائلًا بضجر:
_انا تعبان ومش هقدر أبدأ شغل من النهاردة يا عُمران.
وتطلع لجمال الجالس جواره:
_قوله يعتقني لوجه الله يا بشمهندس.
اجابه وهو يحرك رأسه في أسف:
_شوف حد يتطوع ويقوله يعتق البشرية كلها، أنا كان نفسي أساعدك يا آيوب بس للأسف لسه متثبت من شوية.
عادت فيروزته لعمران الذي ردد ومازالت عينيه على الطريق من أمامه:
_اركب وبسرعة.
تنهد بسخطٍ، وصعد بالخلف باستسلامٍ صريح.
*****
ما أن إطمئن لخروج آيوب من المنزل، فأمر من يدفعه:
_يلا يا سيد.
أومأ له القادم ودفع مقعده المتحرك إلى منزل الشيخ مهران، تركه بالاسفل وصعد يستدعي الشيخ مهران، الذي هبط ليقابله بنظرة حزينة، جلس قبالته على احد الأرائك، وأجلى أحباله الهادرة:
_رد فعل آيوب طبيعي ومتوقع، متزعلش بكره هيروق ويسامح.
انهمرت دموع مصطفى دون توقف، وردد بندمٍ ومرارة:
_وده الشيء الوحيد اللي انا عايزه يا شيخ مهران، عايزه يسامحني ويعفي عني، وحتى لو كرهني انا راضي والله.
وأضاف ببكاء:
_عمري ما هبعده عنك والله العظيم، ولا طالب أكتر من السماح والعفو.
ومال على يد الشيخ يردد بحرقة:
_أبوس إيدك خليه يسامحني.
سحب الشيخ كفه، وردد بشفقة:
_استغفر الله، متعملش كده تاني يا مصطفى.
وأضاف بوعد قاطع:
_أوعدك إني هحاول معاه تاني، آيوب حنين وقلبه من دهب، بس إديله وقته.
ابتسامة طاعنة ارتسمت على وجه مصطفى، قبل أن يجيبه:
_لو عليا هستناه العمر كله، بس العمر مبقاش باقي فيه كتير يا عم الشيخ.
وأضاف وهو يزيح دموعه المنهمرة:
_أنا مبقاش نفسي في حاجة بالدنيا دي غير سماح آيوب وإني أخده في حضني مرة واحدة قبل ما أموت.
وتطلع إليه بنظرة متوسلة:
_بالله عليك ما تحرمني من طلبي الوحيد، هو بيحبك وبيسمعلك، قوله يسامحني ويزورني مرة واحدة حتى لو كل شهر مرة، أو حتى يسمعني صوته بالتليفون، أنا راضي بالقليل منه والله العظيم.
ترقرقت الدموع بعيني الشيخ تأثرًا به، وبحنان وشفقة مسد على كتفه وقال:
_هحاول معاه والله، استريح انت بس عشان صحتك والله المستعان.
أومأ برأسه بامتنانٍ، وأشار لخادمه بأن يصله للسيارة من جديد، فلحق بهما الشيخ حتى تأكد من صعوده للسيارة، وقبل ان يغادر السائق، قال مصطفى بحرجٍ وتردد:
_خلي بالك من آيوب يا عم الشيخ، مالهوش غيرك في الدنيا.
ابتسم وأجابه بصدق:
_ده ابني يا مصطفى، مينفعش توصيني عليه.
هز رأسه بتفهمٍ، وابتلع مرارة العلقم داخل خوفه، ثم مال للسائق مرددًا:
_اطلع يا سيد!
*****
صدقت توقعاته، حينما ظهرت على الطريق ثلاث سيارات فجأة، تتبعه، أغلق عينيه بألمٍ واستعاد ثباته الفعلي للقيادة بتركيزٍ، فإذا بهاتفه يستقبل دقة رسالة تصل له، قلبه عرف صاحبتها دون أن يتأكد من هوايتها.
سحب آدهم هاتفه، وبصعوبة تمكن من فتحه، حرر رسالتها الصوتية، فوجدها تردد بحب:
«آدهم أنا آسفة على اللي قولتهولك، أنا مكنش ينفع أقولك الكلام ده، أنا بحبك وإنت عارف ده، فأكيد كلامي ده راجع لغيرتي عليك، لو ممكن ترجع السويت نتكلم، أوعدك إني عمري ما هكلمك بالنبرة دي ولا هشك فيك تاني، أنا أسفة!».
مرر يده على فمه ودموعه تعتصر وجهه، بينما يهمس بندم وحرقة:
_حقك عليا يا أغلى ما في حياتي، حقك عليا يا شمس.
أزاح دموعها بأطراف أصابعه، وتفادى بصعوبة طلق النار المنهمر من خلفه على عجلات السيارة، يريدون إيقاف سيارته، وليس قتله، كاد ان يغلق هاتفه ولكنه وجدها تستحق رسالة أخيرة منه، يخبرها كم يعشقها، يعتذر لها عما تسبب بفعله، يريد أن يخبرها بأنه قبل بتلك المهمة لسلامتها وسلامته كما خطط رحيم، ولكن الموازين قد انقلبت، وبين كبرياء وكرامة بلده سيختار أن يموت بشرف، يعلم كل العلم بأن قراره هو الصائب، وأن ما قاله رحيم كان شفقة منه، يخشى ان يفقد حياته وهو شابًا بريعان شبابه، يخطو أيامه الأولى برفقة زوجته، ولكن الحقيقة الصادمة أنه إن لم ينجح فريقه بمحاولتهم الاخيرة باسترداد الميكروفيلم ستصبح ذلة ستُسجل بتاريخ المخابرات المصرية.
آدهم ليس أنانيًا، بل بطلًا اختار الموت بصدر رحب دون أن يصل العدو لمبتغاه، حتى ومع رحيله لا يهمه سواها هي!!
استمد ثباته بصعوبة، ومد يده يجذب الهاتف من جديد، يخرر زر التسجيل الصوتي، وقال بصوت مبحوح من تأثير بكائه:
«أنا اللي بعتذرلك عن كل دمعة نزلت من عيونك، أنا آسف ألف مرة يا روحي، خليكِ عارفة ومتأكدة إني محبتش غيرك، إنتِ الوحيدة اللي اتمنيت أعيش ليها ومعاها يا شمس، قلبي إتكوى قبل ما النار تطولك يا أعز ما ليا، ولو في يوم إتوجعتي مني، إفتكري إني بحبك، ومهما كان حبي ليكِ صعب وصفه قلبك عارفه وحاسس بيه من أول دقة!..»
أنهى الريكورد الموجه لها، وألقى هاتفه جانبًا، ثم بدأ بتفادى اصطدام السيارة التي تحاول إبطاء سرعته، فعكس اتجاهه، وصدمها بضربة جعلتها تسقط أعلى الجسر، مصدرة دوي عنيف جراء إنفجرها، مما دفع السيارتين يحزمان قوتهما لاصابته، فتسابقوا معًا لسد الطريق عنه.
انجرف بسيارته يتفادى احتكاك المقود بصعوبة، وبداخله شعورًا قويًا بأنها النهاية، ولم يكن تعيسًا لها بل مرحبًا بموتة ستخلد إسمه بجهاز المخابرات للأبد، كان يعلم من البداية بأنه أمسك بيده طرف فتيلًا مشتعل، وها هو الآن ينتهي ليصبح على مشارف الانفجار الاخير.
عقله الذكي حتمه على سرعة التفكير، فجذب هاتفه يحرر سماعته الخارجية ووضعه قبالته ومازال يحارب للنجاة ممن خلفه عساه يحصل على دقيقتين يُسلم رسالته لمن هو أحق منه، فتحرر له صوت المتصل به يردد بغضب:
_طلبتك على مكتبي النهاردة ومجتش، عاملي فيها عريس!! إتقي شري أحسنلك يا عمر!
تحرر صوته الخافق بقوةٍ واضطراب تسلل لقائده:
_مراد باشا!
تسلل للجوكر صوت أسلحة نارية تهاجم جسد سيارة تحتك بقوتها المفرطة، فصرخ بجنونٍ:
_عمــــــــــر!! أنت فين؟!
رد عليه آدهم يثير ما إحتبس داخله:
_بيني وبين الموت خطوة، هيصفوني يا باشا!
صرخ فيه، وكأنه يكاد يخرج من الهاتف إليه:
_مين اللي هيصفيك!!! إنت عملت أيه يا عمر!!!
ارتفعت أنفاسه الهادرة فور احتكاكه بمكابح السيارة حينما تلاقي صدام سيارة دبع رباعي تحيط به، فصاح متلهفًا:
_معيش وقت كتير من فضلك اسمعني! مراتي هنا في الاوتيل أرجوك ابعتلها دعم لو إتأذت مش هسامح نفسي...
سيطر الجوكر على انفعالاته مستحضرًا ثباته:
_اتكلم أنا سامعك!
أجلى آدهم أحباله المتقطعة، وقال:
_الميكروفيلم في أمان... طمن القادة إن مفيش مخلوق هيقدر يوصله، ويمكن محاولتهم لقتلي بعد يأسهم إنهم مش هيقدروا يمسكوني، فعايزين يتخلصوا مني!.
ارتجت السيارة مجددًا، ومازال يتحكم بالمقود بسيطرةٍ تفوق الاستيعاب:
_باشا مراتي ترجع مصر بأمان، دي مهمتك إنت، وأنا معنديش ثقة غير فيك، اعتبره طلبي الاخير ومكافأتي الوحيدة على إخلاصي لبلدي!
_بطل أسلوب الحريم ده، إنت تلميذي أنا يعني مش ظابط خايب داخل الجهاز برشوة، إنت هتقدر تخرج من اللي انت فيه لو كنت اتعلمت مني شيء فعلًا، أوعى تستسلم لولاد ال***دول!
انقطعت جملته فور سماعه صوت انقلاب السيارة وتأويهات خافتة يعلم صوتها جيدًا، فصرخ مراد بذعرٍ:
_آدهــــــــــــــم!!!!
انقطع الاتصال واصطحبه إنهيار الجوكر، الذي ألقى الهاتف أرضًا بغضب، تشربته بشرته بجدارة، فاندفع لمكتب أخيه، والشياطين تتقاذف أمام عينيه.
دفع الباب بقدميه، ليجده يجتمع بعدد من الضباط حول طاولة الاجتماعات، ومن أمامه خرائط عديدة تخص مداخل ومخارج ميلانو، صب الغصب بزرقة عينيه، فلم يرى قبالته سواه، اندفع إليه يسدد لكمة قوية أصابت رحيم المتفاجئ من تصرفه، وقبل أن يصيبه بالاخرى كان يقيد حركته بمنتهى البراعة، وبصرامة مخيفة صاح:
_الكل بره!
هرع الضباط للخارج برعبٍ مما يحدث بين إثنان من أمهر القادة، وما أن تأكد رحيم من مغادرتهم حتى حرر أخيه وقال :
_إنت اتجننت يا مراد!! أيه الاسلوب الهمجي ده، هنرجع للعبة القط والفار تاني.
دفعه الجوكر للخلف بقوة وشراسة اسقطت الجهاز العارض للخرائط، وصاح بعنفوان:
_قولتلك آدهم لأ، عنادك وغرورك وصلك إنك تختاره وتعرض حياته للخطر لمجرد إنك تعاندني!!
راقبه بجمودٍ تام، ورد عليه:
_بطل تخلط عواطفك ومشاعرك بشغلك يا مراد، فووق من جنانك ده، آدهم هو المناسب لمهمة زي دي، وإنت أكتر واحد عارف ده، إنت عارف إني مستحيل اطلع حد تحت التدريب يشاركني مهمة أنا بقوم بيها،الوحيد اللي سمحتله بده كان آدهم بالرغم من حساسية المهمة، لاني شوفت فيه اللي يخليني أختاره وده نادرًا لما بيحصل.
وأضاف بغضب:
_كان مطلوب لتهريب الميكروفيلم شخص عنده نفس الكفاءة اللي عندك عشان يهربه بدون ما حد يحس بيه، وللاسف انت أخر واحد تقدر تقوم بالمهمة دي،مكنش قدامي خيار تاني، وقبل ما تتعصب وتفرد ريشك بص حواليك، وشوف إنت واقف فين!!!
واستكمل بعصبية بالغة:
_المكان ده مش مكان للعواطف والمشاعر، لو كل واحد في منصبك خاف على تلاميذته من الموت مكنش هيكمل هنا، لو هو وحيد أبوه دخل الجهاز ليه من البداية وهو عارف انه هيشوف الموت ألف مرة!!!
ودفعه بانفعال جحيمي وهو يصيح:
_كلنا هنا ورانا اهل وبيت وزوجة وأولاد، كل ده بيتنسى بمجرد دخولنا هنا، لان لو فكرنا فيهم مش هنلاقي اللي يحمي البلد دي من الكلاب اللي عايزة توقعها، تحب اقولك اللي بيحصل للاطفال وللشيوخ والستات على ايدهم!!
وتابع باستهزاء وسخط:
_عيب لما أدي محاضرات لقائد بحجمك طلع أكتر من ٦٦ مهمة، وشاف بعينه الاطفال وهما بيستخدموها قطع غيار ليهم، ولحد النهاردة بنكافح عشان نمنع تجارة الاعضاء والدعارة، لحد النهاردة بنجاهد عشان البلد دي..
ومنحه نظرة أخيرة قبل أن يقول بهدوء كأنه لم يكن يصبح بانفعال منذ قليل:
_اللي آدهم عمله ده أثبتلي بيه ان اختياري كان صح، لو كان سمع كلامي وخرج كان فرصة حصولنا على الميكروفيلم متتعداش ال٣٠ في المية، ولو فشلنا كانت هتكون ذلة صريحة في تاريخنا كلنا، آدهم بطل واختار يكمل البطولة للاخر، وأنا واثق ومتأكد آنه أدها.
وأضاف برزانة:
_أنا لو ابني نفسه قرر الدخول للجهاز، مش هقفله ولا همنعه، بس هحرص إني أجهزه بالشكل اللي يرضيني ويخليني متأكد إن الكلاب دول مش هيقدروا عليه، بالعكس أي مهمة مستحيلة هرشحه ليها وأنا واثق ومتأكد إن لو ربنا إختارله الموت هيموت حتى لو كان في سريره!
واتجه لمقعد مكتبه يحتله بصلابة، يعود لعمله متجاهلًا أخيه الذي مال على الطاولة بوجعٍ، تدارك ذاته بعد لحظات من الصمت، ولحق به، جذب المقعد المقابل لمكتب رحيم، وألقى بثقل جسده عليه، ثم تطلع له وقال بوجع يشق صدره:
_مراته ملهاش ذنب في حاجة، خليهم يجهزولي طيارة آدهم أمني عليها، لازم أتحرك.
رفع زيتونته إليه وقال بهدوء:
_متقلقش الدعم في طريقه ليها.. وانا وانت هنتحرك كمان نص ساعة، الفريق حدد موقع سيارة آدهم بالتحديد، وعارفين كويس هيعملوا أيه.
رق قلبه لرؤية وجهه الشاحب، فمال للثلاجة الصغيرة المجاورة له، يسحب كيس من العصير، ودفعه تجاهه:
_إشرب ده يهدي أعصابك.
استدار له يوزع نظراته بينه وبين ما بيده، ثم قال بحزن:
_آدهم لازم يخرج منها سليم يا رحيم، آدهم مش مجرد تلميذ بالنسبالي.
هز رأسه وقال بثبات:
_عارف إنك بتعزه، بس اللي لازم تعرفه إنك مش أي حد، مدام إنت اللي دربته يبقى هيعرف ينفد منها إزاي!
*****
خفق قلبها بجنونٍ حينما استمعت لصوت قادم من الخارج، انتهت شمس من وضع زينتها الاخيرة على وجهها، بعدما ارتدت فستان احمر اللون طويل، يضيق من الصدر ويهبط باتساعٍ، وعلى الرغم من أنه بأكمام ومحتشم الا ان وسع طرفه منحها مظهر جذابًا للغاية.
سحبت رابطة شعرها، وتممت على تنساقه خلفها، طبعت قبلة طويلة على هاتفها المفتوح على رسالته التي استمعت لها لأكثر من ثمانٍ مرات، ثم هرولت للخارج بكل لهفة تمتلكها للقاء معشوقها.
تجمد جسدها صدمة حينما وجدت أمامها أربعة رجال ملثمون، يلقون أشيائهما الخاصة باهمال، وعلى ما يبدو بأنهم يبحثون عن شيء.
استشفت من النقود المبعثرة، ومجوهراتها الثمبنة الملقاة أرضًا أنهم ليسوا لصوصٍ، بل الأمر يفوق حد عقلها، تراجعت شمس للخلف برعبٍ، وهي تتساءل بخفوت:
_من انتم؟ ماذا تريدون؟
أشار احدًا منهم للاخر، فاتجه إليها، وتلقائيًا هرولت شمس راكضة لباب الخروج لباحة الفندق الداخلي، ولكنه كان الأسرع حينما عركل قدمبها، فسقطت أرضـًا تصرخ بجنون:
_آدهـــــــــــم!
صراخها الهيستري لم يصل لمسمع أحدٌ، لزويد الغرف بكاتم الصوت، لضمان خصوصية النزلاء، دفعته شمس بساقيها الاخرى، وتراجعت للخلف تبكي بهلعٍ، وجل ما تردده هو إسمه هو، كأنها تطرق ناقوس سحري تنتظر خروجه منه!
قيدها الرجل بذراعيه باحكام، بينما يفتش الباقية بالجناح الضخم، حتى ردد احدهما بفتور:
_لا يوجد شيئًا هنا.
تسلطت أنظار احدهم على شمس، فاقترب منها يقف قبالتها، وسألها بملامحه الاجرامية:
_أين الميكروفيلم؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، ورددت باحتقان:
_عن أي ميكروفيلم تتحدث؟!
هوى على وجهها بصفعة قوية، جعلت الدماء تنهمر من جانب فمها، بينما يجذبها إليه من خصلات شعرها، بكت شمس وصرخت بلا يأس منها:
_آدهـــــــم!!!
عاد يصفعها مجددًا وهو يعيد سؤالها:
_بأي مكان خبئه زوجك؟ أخبريني والا سأقتلك هنا.
ارتعشت بين يديه، ورددت بتلعثم:
_لا أعلم شيئًا، اتركني.
دفعها بعنف فوق الفراش، وأخذ يتفحصها بنظرة جعلتها تتراجع للخلف بقلب سقط عن صدرها، اقترب منه الاخر وقال باستهزاء:
_إنها فاتنة كحال نساء العرب، يمتلكن جمالًا خارق.
دنى الثالث وأضاف وهو يصعد الفراش من خلفها:
_سأكون أولكم.
تعالى صراخ شمس الجنوني، وتراجعت تنزوي جوار السراحه، تجذب احدى زجاجات العطور، هشمتها ومسكت قطعة من الزجاج تشير بأوجوههم والاربعة يضحكون ساخرين منها ومن قلة حيلتها، حتى أن احدهم مال برأسه لها قائلًا بفجور:
_هيا فلتجرحيني أيتها الساقطة الـ**.
ابتلع باقي كلماته حينما أصاب عنقه جرحًا بالغًا جعله يتقييء الدماء بغزارة، وسقط أرضًا على ركبتيه يتطلع للسواد الحالك المقابل لعينيه، حاول رفع رقبته للاعلى، فوجد جسدًا مريبًا، يتشح بالأسود، لا يرى منه سوى قرصان الشمس المضيئان عينيه القاتمة، ومن فوق كتفه يقف طائرًا جارحًا لا يملك ترويضه الا سيدًا وحق له السيادة!
وكان ذلك مشهده الاخير قبل أن تُنتزع عنه الروح، يتلقفه ظلامًا أبديًا، فتحت شمس عينيها لتقابل ذلك الرجل المهيب، الذي نخر عظام الاخرون رعبًا لرؤيتهم كيف قتل رفيقهم بدمٍ بارد، فأسرع اثنان منهم إليه، يتفنون باستخدام الملاكمة وفنون القتال معه، ليصعقوا من ادمية هذا الكائن، وفجوره بالقتال، حتى أنه كسر قدم احدهم وخلعها من محله، متلذذًا بسماع صوت الكسور، وبأصابعه الخمسة انتزع حنجرة الاخر، حتى بصقها من فمه من شدة ضربته، ولم يتبقى الا ذلك المتفرج الاخير، وشمس التي تجاهد إغمائها من فرط الدماء المسكوبة من حولها، ومن هوية ذلك الملثم الأسود المخيف.
تراجع الناجي الاخير للخلف برعبٍ، كأنه يرى ملاك موته من أمامه، بينما يطالعه ليل بثبات ونفور يتحدث بين قهوة عينيه الملتهبة، فلم يجد الا ضربه بالرصاص اخر فرصة تنجيه، لذا سحب سلاحه وسدده إليه، وكلما صوب رصاصة تفادها ليل بحركة بطيئة، رزينة، حتى لم يتبقى معه سوى رصاصة واحدة، فحانت منه نظرات متفرقة حول ما اصاب زملائه على يد هذا الأدمي، وبلا أي تردد أصاب صدره بأخر طلقة من سلاحه قبل أن يقع بيد هذا الجامح.
صرخت شمس بهلع وهي ترى ما يحدث أمامها، وما زادها رعشة حينما انحنى ليل إليه يتأمله وهو ينازع لالتقاط أخر أنفاسه، فلم يلقى بالًا لتأمله كثيرًا، لذا احاط رقبته بيدٍ واحدًا، يرفعه بها للحائط، تشبث الرجل بلثام ليل، ينازع لتركه يموت في سلام، ولكنه لم ينجو من ختام قبضة ليل الاخيرة، وسقط وسقط معه لثام الليل الجامح، لتظهر ملامحه كاملة لمن تراقب ما يحدث بصدمة ورعب.
خصلات بنية تنهمر من فوق أذنيه، وجهًا قمحي اجتمعت فيه كل القسوة، يشقه جروحًا بالغة، أصابته بتشويه مروع، أساسهما جرحان كبيران للغاية، جرح ضخم أعلى جبينه، والاخر على أحد وجنتيه، بينما عينيه تعوض تشويهه فاجتمع فيهما الجمال والجاذبية معًا، كتلة إغواء القهوة وما يدور من حوله قرص الشمس الذاهي.
كل شق على وجهه يقص قصة مريبة، كل جرحٍ خلفه لغز جعله بتلك الأدمية والقسوة، رفيقه الجارح على صدره أكبر دليل على زهده للبشر ورفقته لأكثر الحيوانات شراسة (#قريبًا_رواية_منفردة_ليل_العربي..)
استدار يطالع تلك المصعوقة ببرود جعلها تتراجع لشق الحائط، إن خشيت هؤلاء الرجال قيراط خشيت من ذلك الكائن ألف قيراط، وخاصة حينما رأت وجهه المشوه، لذا وباستسلامها الواقعي هوت فاقدة للوعي، بينما يراقبها ليل بجمود، بل فرد ذراعه يستقبل عناق طائره عُقاب، ويده تخطو فوق ريشه ببرودٍ، يلطافه وهو يميل إليه كأن الهدف الذي أتى سعيًا لانقاذه ليس على حافة الموت!!
بل واستغرق مع طائره وقت لا بأس به يلطافه، حتى زفر بحدة وهو يتطلع لشمس مرة أخرى بتقززٍ، أطلق ليل طائره عاليًا بعدما همس إليه بأمرٍ قاطع، ثم نهض يسحب غطاء الفراش، يطرحه فوقها، ويكومه من فوقها حتى لا يلمسها، كأنها عدوى بكتيريا!
رفعها كالهاوية فوق كتفه، وتحكمه الفعلي بأطراف الغطاء، وخرج بها بهذا الشكل، كأنه ترعرع بالصحراء دون أن يتعلم كيف يتعامل مع أنثى!!
خرج بها ليل بعدما شد لثامه على وجهه مجددًا، فوجد طائره المطيع قد أطاع أمره وأحضر فرسه الأسود، طاحها ليل على الفرس بعنف، وسحب اللجام ليخطى الفرس من خلف خطاه الواثقة، حتى لا يصعد خلفها على نفس الفرس!!
*****
صاح مراد بغضب جنوني لاحد ضباط فريق الاسطورة:
_يعني أيـــــه مش لاقينه!! انت بتهرج معايا!!
ارتاب الضابط منه، ولأول مرة يراه غاضبًا لتلك الدرجة، أشار رحيم له بالعودة للبحث بالمكان الذي يحمل بقايا سيارة آدهم المتحطمة، بينما وقف رحيم جواره يقول:
_ممكن تهدى شوية، زي ما انت شايف بيدوروا بكل جهدهم.
انجرف مراد للجرف الحاد يهتف بحزن:
_آدهم ذكي، أكيد نط من العربية قبل وقوعها.
وتابع وهو يمرر عينيه على المكان جيدًا:
_يلا يا آدهم، ساعدني، محتاج بس أي إشارة!!
أتاه تلميذه يلبي قائده، اذا تسلل للجوكر صوت طرقات خافتة على بعد منه، اتبعها مراد وهو يهرول إليه، حتى وجد يد تخرج من جوف أحد فروع الاشجار، أسرع إليه ومن خلفه يتبعه رحيم، فصعق حينما وجده يتمدد أرضًا وبركة الدماء تحيط به، جسده ينزف بغزارة، فشق صوت صراخه المكان بأكمله:
_آدهــــــــــــــــم!!!
....... يتبع.....
#االاقــــــــــــــوى_قـــــــادم.
#صرخات_أنثى...
#آية_محمد_رفعت.
التفاعل والتصويت يا بنات، بحبكم في الله ❤
****________******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 109 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!!..)
#الفصل_السادس_والثمانون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات جودي محمد، ياسمين رجب,nada mohamed, hoda hassan, هدى حمص, اسماء سلامه، اميرة رفعت، منى سعيد، فطووم، سماح هشام، ايمان محمد زهران، Huda tarek، شروق ماهر، Heba Wgdi، Aya eylul، سميرة السعيد حبيب، أروى ابراهيم,fatmaa hossam, ياسمين مجدى ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
وصول الطائرة المصرية إلى ميلانو بهذة السرعة المفاجئة، كانت من ضمن أسرار نوعية الطائرات السرية التي تخفيه بجدارةٍ، واستخدامها في أضيق النطاقات.
إنقاذ آدهم من منتصف أرضهم كان أمرًا محالًا، ولكنه حينما أصبح محتملًا كان يعود لذكاء آدهم حينما حافظ على جسده وقت سقوطه من السيارة بحماية أجزاء جسده الحيوية، وحصوله على أطول وقت من البقاء بمحلٍ آمن، ولزوم البقاء على قيد الحياة، فكانت أولى خطواته النزوح بمكانٍ معاكس عن محل سقوط سيارته، فحينما انجرفت يسار الطريق، احتمل على جروحه واختبئ على الجانب المعاكس لها، لذلك استغرق العدو ما يقرب الساعتين بالبحث عنه وسط الأشجار والنهر المنجرف على طرفي الغابة، بينما هو بالاساس على الطرف الآخر من الطريق، يتمدد بين منزلق شجرتين، إحدهما جوفها فارغ، فاستغل تجويفها وتمدد داخلها.
وثان خطواته للبقاء حيًا، حينما مزق قميصه الذي زهق لونه الأبيض وبات أحمر من شدة نزيفه، لفه حول جروحه النازفة بشكلٍ مؤقت.
مرت به الدقائق حتى تسلل له سماع أصوات وابل الرصاص المتبادل بين هؤلاء الجرذان وبين رجال رحيم، وحينما هدأ الصوت، علم بأن أحدهما انتصر على الطرف الاخر، حاول بكل طاقته الخروج من محله ليستعلم عن الأمر، ولكن شدة نزيف جسده جعل الدوار يتمكن منه، فسقط فاقدًا للوعي، لمدة تراوحت ما بين الساعة للساعة والنصف، وحينها وصلت طائرة الاستخبارات المصرية بشكلٍ سري ومفاجئ.
وبعدها انتشر رجال مراد يتممون البحث في نفس الطرف الذي يحمل بقايا سيارة آدهم المحترقة، وبأعلى الطريق الاسفلتي كان يقف مراد ولجواره رحيم، ينتظران ان تعثر الرجال على أي اشارة.
قضاء فريق رحيم على سيارات العدو يؤكد مئة بالمئة أنهم لم يعثروا على آدهم، لذلك عملوا جاهدين للعثور عليه وسرعة التحرك من المكان قبل أن تحتشد قوة العدو، بنهاية الأمر هم دخلاء داخل وكرهم ودولتهم، فمهما امتلك رحيم ومراد من مهارات وفريقًا مجهز ومستعد لخوض النزاح معهم، لن يتمكنوا من رضخهم لأنهم وببساطة داخل دولتهم وبالطبع يمتلكون جيشًا متكامل، لذا الانسحاب بأسرع وقت ممكن كان من أهم أولويات الجهاز المصري، فلن يعرض فريق كامل للخطر وعلى رأسم إثنان من أمهر قادتهم كالجوكر والاسطورة، تواجدهما معًا بمكانٍ يحومه الموت وبذلك التوقيت كان خيارًا انتحاريًا لكلاهما، ومع ذلك لم يبالوا الا بإنقاذ ذلك البطل الذي قدم روحه فداء بلده، فحق لهم التضحية بأرواحهم جميعًا لأجله، هكذا هو وسام شرف دماء العرب!
صعود أحد الضباط لاخبار الجوكر بأنهم لم يتمكنون من العثور عليه، جعله يصرخ بجنون، حينما قال:
_يعني أيـــــه مش لاقينه!! انت بتهرج معايا!!
تردد صوته المنفعل لأذن آدهم، الذي تحركت جفونه بشكلٍ طفيف، ونطقت شفتيه بهمسٍ مبحوح:
_مراد باشا!
جاهد كل ألم يعتمر جسده، وانجرف بجسده زاحفًا خرج مكانه الأمين، لم يعنيه أغصان الشجرة العملاقة التي مزقت ظهره بقوة، كان يكبت صراخه بوجعٍ، ويواصل زحفه للخارج، حتى تثنى له من محله السفلي رؤية الجوكر، والسيارات الخاصة بفريق رحيم زيدان، حاول لفت الانتباه إليه ولكن محله المتدني بالاسفل يصعب رؤيته، بحث جواره عن أي شيء يستخدمه ليجذب انتباهه، فعثر على قطعة حديدية ملقاة أرضًا، رفعها بيده وطرق بها عدة مرات بكل قوته، فتسلل صوتها للجوكر الذي هرول للطرف الاخر وهو يناديه بهلعٍ، حتى وصل لمكانه فوجده يترك ما بيده ويستجيب لفقدان وعيه الكلي بعدما اطمئن لوصول مراد إليه.
انحنى إليه مراد يتفقده وهو يصيح بهلعٍ:
_عمــــــــــــر!
دفعه رحيم وهو يحذره:
_متحركهوش يا مراد، ممكن يكون عنده كسور.
ورفع يده يشير لاحد رجاله، فرفع سماعته يستدعي الطائرة، بينما ركض إليه احدهم ينذره بالقادم إليهم:
_بيقربوا مننا يا باشا.
هز رأسه بهدوء، فما المتوقع سوى قرب مداهمتهم، ترك رحيم المكان واتجه للطريق الاسفلتي، يجمع رجاله من حوله، مر من بينهم بخطاه الثابت، أمامه ثلاث فرق مدربة على أعلى مستوى، تحت قيادته هو شخصيًا، ولكل فريق قائد يقوده، وثلاثتهم يخضعون لقائد أعلى الاسطورة "رحيم زيدان".
أشار رحيم لقائد إحدى الفرق، وبحكمته ومكره الداهي سدد أمره المباشر:
_عايز حفلة شوي نستقبل بيها حبايبنا.
ابتسم القائد وأدي تحيته:
_اوامرك يا باشا.
وغادر سريعًا ينصب شباك الخديعة لهؤلاء اللعناء، بينما تبقى قبالته الفريقان، فقال لقائد منهما:
_انسحب إنت ورجالتك، وبأقرب وقت إطلع من ميلانو.
هز رأسه في طاعة، وانطلقوا سريعًا للسيارات المصفحة، يغادرون من الطرق المعاكسة وكأن لم يكن لهم وجود من الاساس، بينما أصدر أمره الاخير للقائد الاخير بمجموعته الضيئلة مقارنة بالاخرى:
_اتحركوا حالًا للموقع اللي معتك، وفي طريقك هتدي اشارة للباشا عدي الجارحي، قبل وصولك هيكون بالمكان المحدد، مهمتك تحمي عدي باشا وحرم سيادة الرائد.
قدم التحية العسكرية، هادرًا:
_علم وينفذ يا باشا.
وانطلق للطائرة هو وفريقه، منطلقين للمكان المتطرف بعيدًا عن موقع ليل، بينما مهمة الوحش الخروج بها لمكان تواجدهم.
انصرف الرجال بأكملهم ولم يتبقى بالمكان الا رجال مراد، الذين وصلوا للتو برفقة الطائرة المتخفية التي أتت بالجوكر والاسطورة لالك المكان، وفور أن تلاقت اشارتها حتى ظهرت لمحلهما من جديد.
انفتح بابها الحديث، العائد صناعته بروسيا، وانخفض منه سرير الطوارئ المتحرك، بقيادة إحدى الاطباء وإثنان من فريق التمريض، يسرعون تجاه المصاب.
أحاطوا رقبته بمانع للكسر، وثبتوا جسده باحكام بالسرير، وهرلوا به سريعًا للطائرة، ومن خلفهم رحيم ومراد والمتبقي من الرجال.
غادرت الطائرة تاركة من خلفها الاجواء الهادئة، وكأن هذا المكان لم يكن يحمل أكثر من تسعة وثلاثون أشخاص مسلحة على أعلى مستوى، بينما يلتقط لادار العدو عدد من التجمهرات بذلك المكان الذي يعجه الهدوء المخادع، فانتباههم القلق، وقد صدق حدسهم حينما مرت السيارات بطريق محدد بخطوط سوداء، كاشارة لـ شيئًا غامضًا، بدى يتفكك عن شفارته، حينما ارتفع ستار جحيمي من خلفهما ومن أمامهما، صانعًا حجاب كالحائط من حولهم، وفجأة انطلق صفير أربع قنابل مدسوسة بالارض الاسفلتية!!!!!!!
وعند العد للثانية العشرون انفجرت السيارات وتفحمت محلها محدثة وابل جحيمي، وهزيمة ساحقة ستقيد بالتاريخ، حتى ان طائرتهم ارتجت وتباعدت للخلف، خشية من شدة جذب النيران لاجسادهم، كمثلث برمودا الذي يجذب الاجساد مغناطيسيًا إليه، ابتعدت الطائرات لمحل أمن وصوروا ما يحدث للقيادات بصدمة، لم يشهدوا من قبل مثل أنواع القنابل تلك، ولا طريقة زرعها التي تطلب مجهود بدني خرافي، وذكاء فائق حتى لا تكشفهم عجلات السيارة، فان كان الطريق منعرج ستهتز السيارة وتكشف ما بأسفلها، ولكنهم اتقنوا ما فعلوه وحق لهم ذلك بسيادة قائد بحجم #رحيم_زيدان.... #الاسطورة!!
اطمئن "مراد" بابتعاد الطائرة بشكل أمن عن ميلانو، واتجه للغرفة المنزوية بالطائرة، حيث يجتمع الطبيب وفريق التمريض، في محاولة لتسجيل حالة آدهم حتى يتوفر لهم الوقت فور وصوله للمشفى العسكري المصري، وإن تثنى له يعالج ما استطاع فعله قبل وصوله للمشفى.
شق صوت رحيم قلق الوجوه، حينما سأله:
_وضعه العام أيه؟ في نزيف؟!
رد عليه الطبيب ومازال يلف اللاصق الطبي حول معصم آدهم:
_جسمه مليان كدمات وجروح بس مش كلها إصابات خطيرة، الجرح اللي في جانبه الشمال هو اللي عميق، وعمله نزيف شديد قدرت أوقفه، ضهره كمان متأذي جدًا واضح انهم من هجماتهم عليه بالسكاكين، وفي أثر لجزع الشجرة على ضهره، انا خيطتله الجروح وعقمتها، لكن مقدرش اجزم بشيء قبل وصولنا للمستشفى
وأضاف ببعض الحيرة وهو يتطلع لوجهه:
_بس في حاجه غريبة بنحاول انا والممرض نفهمها.
سأله مراد بلهفة:
_حاجة أيه، اتكلم!!
سحب قطعة من القطن يجفف بها الدماء الحديثه على جفونه، وقال:
_في دم على وشه، أول حاجة شكيت فيها انه عندها نزيف أو جرح في راسه، دورت عليه ملقتهوش متصاب لا في وشه ولا راسه، بس الدم مازال مستمر حولين جفونه معرفش مصدره أيه؟
واستطرد يوضح لهما بعملية:
_أنا شكيت إن يكون ازاز العربية دخل في عينه وعورهم، بس لما بصيت في عينه ملقتش حاجه!
توترت ملامح الجوكر وانتابه الخوف بشكل كان ملحوظ لأخيه، الذي استدار للطبيب وسأله:
_إنت استخدمت الجهاز اللي ادتهولك؟
انحنى يجذبه من أعلى الطاولة المثبته وقال:
_استخدمته على جسمه كله يا باشا ومنورش، وده معناها إنه ملحقش يزرع الميكروفيلم بجسمه زي ما توقعت.
كان مراد أول من تحرك تجاه آدهم، تمعن بوجهه بحزن وعذاب ضمير يقتله، وبألم مد يده للطبيب قائلًا بصوت مبحوح:
_هات الكشاف.
تعجب الطبيب من طلبه، ومرر له جهاز الضوء الصغير، رفع مراد جفن عين آدهم وراقب بتمعنٍ عدستيه، وقد تأكدت شكوكه، فاذا به يبحث بين أغراض الطبيب عن ضالته، وعاد يقترب منه مجددًا، يسحب أمامهم عدسات لاصقة بعينيه، والجميع في حالة دهشة، ففور ان سحبها. مراد توقف نزيف الدماء عن جفنيه.
وضع مراد العدستين جانبًا فالتحمت ببعضهما وبرزت من أمامهم حبة مستديرة، حملها مراد بقلب منشطر واستدار تجاه رحيم، يضعها بكف يده ويردد بعدوانية:
_اتفضل.
حمل رحيم ما بيده يتطلع له بصدمة، انتهت ببسمة فخر ونطق متحفزًا على غير عادته:
_مراد إنت عبقري!!
منحه نظرة قاتمة، وغادر من أمامه للخارج، فاتبعه وهو يتساءل بحماس:
_إنت ازاي قدرت تحول الفلاشة للشكل ده وتزرعها على شكل عدسات!! أقف وفهمني!
استدار يوجهه بشراسة وتحذير:
_خليك بعيد عني، أنا مانع نفسي عنك بصعوبة، متخلنيش أنسى إنك أخويا وأقتلك بايدي.
رد عليه ببرود لطالما نجح بالتحلي به:
_يعني بعد كل اللي قولتهولك وبردو مصمم على اللي في دماغك، على كده بقى هتفجر الجهاز كله لما مرين بنتك تنضم!
آن تعلق باحد تلاميذه وأحبه هكذا ماذا سيفعل إن تعرضت ابنته للسوء، أفاق من شروده ناطقًا بعزيمة:
_هعارضها ومش هخليها تدخل لو مهما حصل.
اقترب منه وقال بابتسامة ساخرة:
_مش هتقدر، مرين عنيدة وهتنفذ اللي في دماغها، وأكيد هتلجئ ليا وأنا مش هتخلي عنها.
وأضاف ببراءة خبيثة:
_مش هقدر للأسف، زي ما زين اقنعني مرين كمان هتقنعني.
سحب مراد سلاحه من ملابسه، وبسرعة الريح دفع رحيم لجانب الطائرة، وهو يصرخ فيه بجنون:
_لا زين ولا مرين هيدخلوا سامع؟
راقبه بابتسامة واسعة، وقال:
_زين ابني أنا! نسيت ولا أيه؟.
شدد من فوه سلاحه تجاه صدر رحيم الذي يطالعه بثبات، فصاح مراد بغضب:
_إنت أب غير مسؤول، وهتدمر ابنك لو بقى تحت إيدك، عشان كده لو أنا قررت دخولهم الاتنين هيكونوا تحت قيادتي أنا، يا كده يا الحوار خالص من بدايته.
ازدادت ابتسامة رحيم بشكل إستفز مراد، خاصة حينما قال ببرود:
_وهو ده اللي أنا عايزه، أكيد مش هكون مبسوط لو ابني طلع شبهي ملهوش بالتعامل الطري.
وأضاف وهو يتجه لمقعده المخصص بالطائرة:
_كده كده هيبقى جوز بنتك، اللي هتزرعه فيه بنتك ميرال اللي هتجنيه!
جلس على بعد مسافة كبيرة منه، يطالعه بنظرات ضيق وغيظ، جذب رحيم حاسوبه، يرسل رسالة سرية للجهاز، بينما يتابع أخيه من الحين والآخر، حتى انتهى مما يفعل فنهض يجلس جواره، وقال يعاتبه:
_قاعد بعيد ليه؟
تطلع للنافذة جواره يتجاهل وجوده، تنهد رحيم بقلة حيلة وردد بهدوء لا يتناسب مع شخصه، ولكنه يرضخ لاجل أخيه وشريك نجاحاته:
_مراد الدكتور طمنا عليه، وكلها دقايق وهنوصل مصر وهنتطمن عليه أكتر.
مازال على جموده ووجهه للنافذة، زفر رحيم بضيق، وقال:
_طيب ممكن أفهم أنا بتعاقب على أيه؟
استدار إليه الجوكر يوجهه بنظرة طاعنة وهدر، منفعلًا:
_محدش كان عارف إني دربت آدهم على طريقة زرع الأجهزة جوه الجسم غيرك، دلوقتي بس عرفت إنت ليه إختارته هو.
ضم مقدمة أنفه بارهاق ومع ذلك اتبع الهدوء طريقًا ممهدًا بينهما حينما قال:
_مراد إنت حاولت مع كام حد محترف وأعلى رتبة من آدهم؟
عبث بزرقته وقال:
_كتير.
رد عليه بسؤالٍ آخر:
_كام حد نجح يعملها.
أجابه بفتورٍ:
_عدد بسيط جدًا.
هز رأسه وكأنه وصل لمغزى حديثه:
_وآدهم بالرغم من إنه أصغر ومستواه لسه موصلش ليهم إتعلمها، أنا لما شوفت مستواه بالعملية اللي قومنا بيها في لندن أيقنت إنه من الظباط القليلين اللي هيكون ليهم مستقبل حافل، ودليل كلامي زرعته للميكروفيلم بطريقة أنا نفسي مقدرش اعملها ولا أتخيلها.
وأضاف ببسمة واثقة:
_اوعدك إنه لما يتعرف اللي عمله آدهم بالجهاز والمكانة اللي هيوصلها هو بنفسه هيشكرك على اللي عملته معاه.
تحرك بجلسته يقابل عين أخيه والغضب مازال يطوف داخل مُقلتيه:
_أنا عايز أعرف وحالًا أيه مضمونك من الخطة اللي عملتها، كل الأوراق اللي خفتها هتكشفها حالًا وقدامي.
زفر رحيم بارهاق، وقال:
_تفاصيل المهمة كانت مخفية عنك لاني كنت عارف ومتأكد إنك هترفض انضمام آدهم للمهمة، لكن انا محاولتش أخبي حاجة عنك.
هتف بنزقٍ:
_إي كان السبب اتكلم.
سحب رحيم نفسًا ثقيلًا وقال:
_مراد المهمة دي مكنتش عايزة غيرك، وللاسف مكنش ينفع لانك وشك بقى مكشوف، وده أنا استغليته بظهورنا في الفندق إياه لحد ما قدر عدي وليل يخرجوا بالميكروفيلم.
قاطعه بحدة:._ده اللي أنا أعرفه، بعد كده التفاصيل مكنتش كاملة وواضحة قدامي.
هز رحيم رأسه وتابع:
_من لحظة اختفاء الميكروفيلم وابتدت التشديدات على المخارج، وبالاخص المطارات، كان في تفتيش غير طبيعي وتدقيق على الرحلات اللي طالعه مصر واي دولة عربية، فمكنش ينفع نجازف ونخلي ليل أو عدي يرجعوا على مصر بالميكروفيلم، السفر لدولة غربية تابعه للكلاب دول كان هيقلل شكوكهم وهيخلينا نقدر نتحرك بسهولة.
وأضاف وهو يتابع وجه أخيه بقلقٍ:
_وفي نفس الوقت وبدون ما نلفت الانتباه محتاجين حد يخرج بالميكروفيلم بدون ما نجذب الانتباه لينا، فمكنش قدامنا غير آدهم اللي مسافر بشكل طبيعي يقضي شهر عسله، جوازه من بنت عيلة ثرية ومعروفة زي عيلة الغرباوي ساهمت في انتشار خبر جوازهم بشكل كبير، فسفرهم كان متوقع ومش مثير للشكوك.
كز مراد على أسنانه، وأردف من بين اصطكاكهما:
_اتفقت مع آدهم أمته؟
اجابه بابتسامة خبيثة:
_في مكتبك!
هز مراد رأسه بهدوء خطير، ومن ثم سحب سلاحه وسلطته على أخيه بينما ينحني بجسده يخنق أوردته، صارخًا بجنون:
_انا كنت شاكك فيك، إنت بتستغفلني وفي مكتبي، مشفتش حقارة بالشكل ده؟
انفتح باب السيارة الامامي، ليسرع الطيار العسكري يحذرهما:
_باشا مينفعش كده، ممكن يحصل خلل!
مال رحيم من خلف جسد مراد يخبر الطيار بصرامة أرعبته:
_وإنت لزمتك أيه على الطيارة، ارجع مكانك بدل ما أحدفك من الشباك!
أغلق الطيار المساعد الباب سريعًا، بينما رفع رحيم زيتونيته لاخيه هاتفًا ببسمته الشيطانية:
_ده شكرك ليا على الدماغ العالية اللي علمت بيها على الكلاب دول!
وقيمه بنظرة ساخطة، ثم هتف بمكر:
_هما جندوك ولا أيه يا جوكر!
جذب سلاحه وجلس والغيظ يتأكله، متمتمًا بعصبية:
_لو كنت أنا اللي طلعت بداله مكنش ده هيكون حالنا، الولد عريس جديد يا عديم الاحساس!
رد عليه رحيم بتريثٍ:
_الخطة اللي حطتها مكنش فيها عشرة في المية خطورة عليه، اللي حصل قلب الموازين يا مراد.
عاد يتمعن به باهتمامٍ، فقال يوضح له:
_أنا مسبتش ثغرة ورايا، رتبت دخول ليل للحانة على أنه تاجر ألماظ، واللي خدمني شكله المريب، ولو الموضوع كان اتعرف مكنش حد هيشك في حاجة لان دي شغلتها، والمفروض إن ادهم بعدها كان هيروح نفس الحانة، ونفس البنت اللي اخدت الألماظ من ليل كانت هتستدرجه لخيمتها بعد ما يشرب ويبان الموضوع طبيعي، بس الغبية شافت آدهم على الشاطئ من قبل ما يروح المكان ده، راحتله وكان باين عليها انها تعرفه من الصورة اللي ليل سابهالها، وده زود شكوكهم فيه، وبدأوا يدوروا وراها، لحد ما اكتشفوا أمرها، وطبعا زي ما بتهرب المخدرات والالماس وأي شيء ممنوع، شكوا يكون ليها علاقة بالميكروفيلم، وكانت خطتهم الاخيرة رد فعل آدهم على موتها.
وأضاف بحزن اعتلى زيتونية عينيه الساحرة:
_اللي حصل كان مفاجئ ومش طبيعي، أنا لاخر لحظة حاولت أخرجه برة الحرب، آدهم كان ذكي وقدر يتعامل، بعد ما دخل ولقاها مقتولة عرف من ترتيب أوضتها ودم رقبتها اللي لسه بتنزف إنها لسه مقتولة وملحقوش يوصلوا للميكروفيلم، كان عارف ان المكان مليان كاميرات، بس كان كل همه يخرج الميكروفيلم لانه ببساطة عارف لو وقع في ايدهم هيكون مصيرنا أيه! مهما كان اللي نقدر نعمله منقدرش نجازف وندخل في وسط مكانهم برجلينا، ولو اتقال دخلين ليه هنقول أصلنا معرفناش نأمن على معلوماتنا واتسربت بفعل خاين عندنا!! دي هتكون مهزلة مش هتسقط عننا أبدًا، فاللي عمله آدهم خلاه بطل.
واستطرد ببسمة هادئة:
_أنا من أول ما شوفته وأنا لامح بعينه جرأة وقوة أتمنى أشوفها في ابني.
رفع اصبعه يشير له بتحذير مضحك:
_إبعد عن آدهم يا رحيم، إبعد عن كل اللي يخصوني.
ونهض يتجه للغرفة، ليطمئن على آدهم، تاركًا الابتسامة الساخرة تحتل ثغر رحيم الذي همس باستهزاءٍ:
_هو احنا بنختار قربان لطقوس الشيطان!
******
بمكانٍ منزوي عن الأعين، يحيط مياه البحر إحدى جوانبه، حيث يخطو هذا الفرس بحريةٍ دون أي قيد، وكأنه يعلم نهاية حدوده، على بعدٍ منه حيث تشتعل النيران بأعواد الخشب المنزوية بشكلٍ متقن، لتمنح الحرارة والدفء لمن يجاور محلها، كان يجلس بشموخه وعلى كتفه رفيقه المقرب، يتمتع بلمسات ذلك الليل على جسده، بينما الاخير هائمًا بحبات الرمل من أسفل قدميه.
وكأن حياته انبثقت من إسمه، فأصبح كالليل المظلم، يلتف الظلام والهلاك من حوله، اعتزل البشر وراحته في بعدهم سكينة، وإن إقترب يحمل ناقوس الخطر لمن حوله، وكأن وجوده بين البشر خلق للقتل والخراب.
إلتقطت أذنيه صوت يخت يقترب من محله، استعد بكل مهارة لضحيته القادمة، فأشار لطائره بإشارة فهمها من سيده، فحلق عاليًا يستكشف هوية الهدف القريب منهما، وعاد سريعًا يستوطن كتف "ليل" ويميل برأسه على خده، يتمسح فيه بإشارة أن القادم ليس عدوًا مشكوك بأمره، بل شخصًا قريبًا منه وسبق التعامل معه، لذا لم يبالي بهويته طالما لا يحمل اشارة الخطر، بل عاد يمسد على الطائر من جديد.
توقف اليخت على طرف الرمال، وخطى إليه من تمكن من مشاكسته طوال تلك الايام المنصرمة، وقف عدي الجارحي قبالته، يتمعن به بنظرة باردة، وكأنه لا يحبذ لقائه من جديد، وبينما يتقاتل الجوكر والاسطورة جوًا على متن الطائرة، ستشن الآن معركة آخرى بين البر والبحر، بين ليلًا جامحًا ووحشًا ثائرًا لا يعرف الرحمة، قطع الصمت الجليدي بينهم صوت عدي الهادر:
_هي فين؟
رفع رأسه إليه ببطءٍ وأشار بعينيه تجاه الغرفة المنغلقة من حوله، كاد عدي أن يتجه للغرفة، ولكنه توقف محله، بل عاد يتطلع للخيل الذي يرمح من حوله بصدمةٍ، قابل محل وقوفه من جديدٍ، قائلًا:
_وصل هنا إزاي ده؟!
يقيم داخل برود إن انصهر ربما سيتحدث، هدر عدي بحدة وجنونه قد أشعالها هذا الملثم:
_أنت مش طبيعي، إزاي قدرت تجيبه هنا، هو إحنا طالعين رحلة!!
واستطرد بصراخ حينما لم يجد أي ردًا منه:
_ما تنطق إتخرست!!!
منحه نظرة هادئة جعلته يكز على شفتيه السفلية وهو يتوعد:
_حسابك معايا تقل يا رحيم.
وتركه واتجه للداخل وهو يردد بغيظٍ:
_كائن مستفز!
فتح عدي باب الغرفة، ليقف مصعوقًا محله مما رأه، فارتد للخلف يعود لذلك الجالس بهدوء، يتمتع بهواء البحر وصوت حفيف الاشجار، وكأنه لم يقتل أربعة منذ سويعات قليلة بدمًا باردًا.
فشل عدي بالسيطرة على هدوئه، فجذبه من تلباب ملابسه يرغمه على الوقوف أمامه، بينما يصيح بانفعال:
_أيه اللي إنت مهببه في البنت ده؟!! هو إنت أيـــــه معندكش أي خلفية عن التعامل مع أنثى!!
تحرر عن صمته حينما قال ببرود:
_لأ.
دفعه عدي للخلف بقوة تتناسب مع قوته الجسمانية، مشيرًا بنزقٍ:
_أكيد طبعًا معندكش، ما أنت عايش في الصحرا مع حصانك والديك اللي مش بيفارقك ده هيكون عندك خبرة التعامل مع البشر والجنس الناعم ازاي.
ورفع رأسه للاعلى، يسحب أكبر قدر ممكن من الهواء، هامسًا بكره:
_منك لله يا رحيم!
وعاد يزفر ما التقطه من هواء منعش، متسائلًا بغيظ:
_إنت عندك علم إن اللي جوه دي مرات ظابط مننا، ولا قالولك إنها مجرمة وعايزنها بأي شكل، قولي المعلومات اللي اتقالتلك عشان أعرف أتعاملت كده على إنهي أساس!
رد بجمود وهو يعود لجلسته:
_متفرقش.
ازدادت أنفاس عدي بشراهةٍ حتى كاد أن يقتل ذلك الكائن المستفز من وجهة نظره، فما كاد بالعودة لها حتى عاد يسأله ببسمة شيطانية مخيفة:
_معلش إعذر فضولي، هو إنت مفيش في حياتك واحدة؟ يعني متنيلتش حبيت، أو اتجوزت مثلًا مع إني أشك إن في حد ممكن يعمر معاك دقيقة على بعدها.
رفع بنيته له، يتعمق بالتطلع له طويلًا، ليفاجئه بقوله البارد:
_كان في..
ابتهجت معالم عدي وردد:
_بجد شكلي ظلمتـ...
_بس قتلتها وبايديا.
ابتلع عدي باقي كلماته، وتساءل بصدمة:
_قتلتها ازاي!!
اجابه وهو يلهو مع طائره بجمود:
_حرقتها.
عبث عدي بمقلتيه بصدمة، وهدر بصعوبة:
_ده سبب سجنك؟
ابتسم وهو يتلذذ بصدمته البادية على وجهه:
_عيب يا باشا، لو أنا سبت دليل واحد ورايا يبقى ازاي كنت ظابط مهم في الجهاز!
احتقنت مُقلتيه بشراسة، فانحنى يجذبه مجددًا وهو يصيح:
_أنت جايب الاجرام ده كله منين!! مش خايف أرجعك تاني للسجن؟
قال وعينيه لا تفارق خاصته بقوة وجبروت:
_اللي بيطلع من بينكم بيموت عشان آسرار بلده تدفن معاه، مقدروتش تعملوا كده معايا لانكم محتاجينلي، أي مهمة انتحارية فيها موت بنسبة أعلى من النجاة بكون أول المرشحين ليها، ومع ذلك محدش بيقدر يغصبني أكون موجود، بعمل كل حاجة بمزاجي، وللحظة اللي بكلمك فيها عتاولة المخابرات بنفسهم بيتمنوا إني أرجعلهم وأنا رافض.
وتابع ببسمة ساخرة:
_قالولي انهم هيسقطوا كل التهم عني عشان أرجع، تفتكر جريمة زي دي مش هيسقطوها عني!
تركه عدي وهو يمنحه نظرة منفرة، وبعصبية هدر:
_هات المفتاح خليني أغور من وشك.
سحب ليل المفتاح وقدمه له، فغادر عدي وهو يهتف بحنق:
_يا ويلك مني يا رحيم، معرفش اتلميت على الكائن ده من أنهي مصيبة!!
قالها وغادر للغرفة سريعًا، حرر الضوء المنطفئ، وإتجه إليها، تسلل لمسمع شمس صوت دعسات تقترب، رفعت وجهها المدفون أعلى ساقيها التي تقيدها سلسال من الكلبشات،ويدها مضمومة معًا بكلبش أخر، بينما تضم بها جسدها برعبٍ، فما أن وجدت رجلًا يقترب منها، زحفت للخلف وصوت بكائها يمزق القلوب، انحنى عدي تجاهها يشير بيديه بهدوء:
_أنا آسف جدًا على الطريقة اللي قيدك بيها الكائن المستفز ده، متقلقيش أنا ظابط، وجيت هنا عشان أرجعك مصر.
هدأ بكائها قليلًا، ورددت بصوتها المبحوح:
_آدهم فين؟
شملها بنظرة حزينة، وقال:
_اضطر يطلع مهمة فجأة، عشان كده هننزلك مصر لأهلك، عشان تكوني في آمان أكتر.
قلبها لا يصدق أن محبوبها على ما يرام، بل حررت شكوكها بسؤالها:
_آدهم كويس؟
هو بالفعل لا يعلم الوضع الفعلي له، وحتى إن كان يعلم لم يكن ليصيبها بالقهر، لذا قال بعملية باحتة:
_معنديش أي معلومات عنه، كل اللي أعرفه إن وجودك هنا خطر عليكي، وإنك لازم ننزلي مصر بأسرع وقت ممكن.
ولج ليل إلى الداخل يتابعهما بنظرة عينيه القاتمة، ارتجف جسد شمس بشكلٍ ملحوظ، وتراجعت للخلف مرة آخرى، فزحف عدي خلفها يقول في آسف:
_متخافيش ده تبعنا بس هو غشيم حبتين.
وانحنى يفك قيود يدها، ثم قدميها، واستقام بوقفته يخبرها:
_هديهم إشارة وهنتحرك على طول.
وما أن تحرك ليغادر حتى تفاجئ بها تهرول من خلفه، تتبعه وعينيها تتلصصان لذلك المريب برعبٍ، تنحنح عدي بخشونة ومال يفسح لها الطريق لتسبق خطاه:
_اتفضلي.
أشارت له بامتنانٍ، وأسرعت للخارج كمن طال النجاة، بينما شيعه عدي بنظرة محتقنه هاتفًا بنزق:
_عندها حق، مهي شايفة التربي قدامها!
وتركه وكاد بتتبعها للخارج، فأوقفته كلمات ليل:
_تقدر تبعت ابنك مع ابن رحيم زيدان، أنا وافقت أدربه.
استدار إليه عدي يشيعه بنظرة غامضة، ثم قال:
_وأيه سبب الكرم ده؟
ابتسم من خلف وشاحه، وحرر طائره فحلق تجاه عدي، في نفس لحظة قول ليل:
_إفرد ايدك، بيقدملك قربان الصداقة يا باشا.
فعل كما طلب منه، فصعد عُقاب على ذراع عدي حتى وصل لكتفه، ثم مال على خده يمسح وجهه ومن ثم عاد لصديقه يحتل كتفه، رمش عدي باهدابه الكثيفة بدهشة:
_أيه اللي عمله ده؟
قال وهو يمرر يده على ريش طائره:
_اللي يرتاح ليه عُقاب بيكون في خانة الصداقة عندي، والصداقة بالنسبالي إني أشوفك على المدى البعيد، وبما إن ده أخر لقاء بينا أتمنى أشوفك كمان عشرة أو خمستاشر سنه.
مرر يده على وجهه بثبات يجاهد له:
_هو ده مفهوم الصداقة عندك!
قال باتزان مخيف:
_ده المحتمل عندي، أنا مبقدرش أتعامل مع البشر!
أسبر فضول عدي تجاه هذا الشخص الغامض، فابتسم وقال:
_أوعدك إني هعرف حكايتك كلها وكاملة.
اختزل الحزن عينيه، وقال بصوت ممزق:
_يبقى هتحتاج لدكتور نفسي يعالجك.
وأضاف ينهي مقابلته:
_مع السلامة يا باشا.
بالرغم من مشاغبة كل لقاء لهما، ولكنه لمس فيه شيء يتمكن من الشعور به جيدًا، لذا قال مبتسمًا:
_هيكون لينا لقاء تاني إنت وعُقاب.
قالها وانصرف على الفور، يعاون شمس بالصعود لليخت بذوقٍ راقي، ليتحرك بهما تجاه النقطة الاساسية، حيث كانت بانتظارهما الطائرة الخاضعة لفريق رحيم زيدان، لتتحرك بهما على الفور الى مصر.
******
بمجرد دخوله لمكتبه بعد أن انتهى أول اجتماع له، حتى التف من حوله الموظفين السابقون للعمل بلندن، عادوا لبلدهم مرة آخرى للعمل بنفس الشركة.
تفاجئ عُمران بوجودهم من حوله، يبتسمون ويرحبون بوجوده بينهم، شعر برغبتهم العارمة فمصافحته فنهض عن مقعده وانضم بينهم يضمهم واحدًا تلو الآخر.
غادر الجميع لمكاتبهم ولم يتبقى سوى "حسام" السكرتير، يتطلع له بحزنٍ، طالعه عُمران بغرابة:
_مالك يا حوس، قالب سحنتك ليه؟
اجابه بضيق:
_من الصبح بلف معاك في المكاتب والاجتماعات، ومدتنيش الحضن ده، سلامك عليا كان عابر يا مستر!
توسعت رماديته بدهشة مضحكة، وفرق ذراعيه راسمًا ابتسامة واسعة:
_تعالى خدلك حضن، هي جت عليك يا عم!
ابتهجت معالمه وأحاطه بضمة قوية، بينما يهمس عمران ساخرًا:
_عوض عليا عوض الصابرين يا رب!
وعاد يرسم ابتسامته وهو يربت على ظهره كالطفل الصغير:
_يلا يا حبيبي روح شوف شغلك، وكل ما تشتاقلي تعالى احضن لما نشوف اخرتها أيه.
هز رأسه بضحكة واسعة، وغادر على الفور، بينما اتجه عمران لمقعده يتابع عمله، فاذا بحاسوبه الشخصي يستقبل رسالة آخرى من الشركة المجهولة المصدر
«مرحبًا سيد عُمران، لم تخبرنا عن الموعد المناسب للقاء بيننا»
كتب عُمران
«لست موافقًا على عرضك للقائك، لستٌ بحاجة للبقاء في لندن، سأبقى هنا وسأستكمل مشاريعي هنا ببلدي..»
اتاه الرد قاسيًا
«حاول أن تحسبها بعقلك، هنا سنوفر لك كل ما ستحتاج إليه، بأرباح لم تحلم بها يومًا»
تأكدت ظنون عمران من هوية هؤلاء، فكتب لهم
«ما الغير واضح بحديثي يا هذا!! عرضك مرفوض!!»
قالها وأغلق حاسوبه بغضب، ثم نهض يحمل مفاتيح سيارته ومر على فاطمة، وغادروا معًا للمنزل.
******
انتقل "آدهم" للمشفى العسكري فور وصول الطائرة إلى مصر، استقبلته غرفة العمليات المجهزة على أعلى مستوى، تشخيص الطبيب المسبق له على الطائرة ساعد الاطباء بكسب وقتًا لمعالجته سريعًا، بل وتركزت قوة اصابته على إصابة جانبه، وعينيه المتضررة بشكلٍ مؤلمٍ.
مضت ساعة كاملة عليهم ومازالوا يعافروا لانقاذه، بل ومازال الوقت يطول بهم داخل غرفة العمليات.
******
اجتمعت عائلة "الغرباوي" حول طاولة الطعام، بجو من اللطف والمحبة، وفجأة ظهرت من امامهم شمس بعينيها المنتفخة من البكاء وخدها المتورم، شعرها الأشعث، تقف قبالتهم وبكائها أسقط القلوب، كان علي أول من هرع إليها، يهتف دون تصديق:
_شمس!!
تركت فريدة مقعدها وأسرعت لابنتها تصرخ برعبٍ:
_شمس... بنتي!!
التفت فاطمة ومايا من حولها، بينما سحبها عمران من أحضان فريدة يسألها بصدمة:
_مين اللي عمل فيكِ كده!!
مالت على صدره تبكي بقهرٍ، بينما يمسد علي على خصلات شعرها لتهدأ، ابعدها عُمران عنه وهو يهزها بعنف:
_مين اللي عمل فيكِ كده ردي عليا؟؟ وفين آدهم!!
إنتزعها علي منه وأشار له بصرامة:
_سبها لما تهدى الأول، إنت مش شايف حالتها!
سحبها علي بعيدًا عن الجميع، على إحدى الأرائك، يحاوطها بين أحضانه وهو يحاول أن يهدهدها، مرددًا بحب:
_اهدي حبيبتي.
مال أحمد إليهما يقدم لها كوب من المياه:
_اشربي يا شمس.
حمل عنه علي الكوب، وعاونها على ارتشفه، بينما يحوم عُمران من حولهم بأعين مشتعلة، منظرها الغير مرتب لا يدل الا على شيئان أولهما أن يكون آدهم قد أبرحها ضربًا وخاصة بتعليم الأصابع على خدها، والخيار الثاني أكثرهما خطورة وهو تعرضها للاعتداء الجسدي سواء من زوجها أو من رجلًا آخر، عقله سينفجر، ووجهه يزداد بالاحمرار.
توقف عن الخطى ودنى منها يصبح بعصبية:
_انطقي يا شمس، مين اللي عمل فيكي كده؟!!!!!
جذبه أحمد للخلف بحزمٍ:
_عُمران اهدى شوية على البنت، مش شايفها بترتعش ازاي، سيبها تهدى وهنعرف كل حاجة.
رد عليه بعنفوان:
_مش هقدر أستناها لما تهدى، حالًا تقولي مالها!
أشار لهما علي بهدوءٍ، ثم أحاطها بحنان وقال:
_شمس إحكيلي اللي حصل يا حبيبتي، مين اللي عمل فيكِ كده؟
انهمرت دموعها تباعًا، وازدردت صوتها المبحوح:
_معرفش.
كور عمران قبضته، يحاول أن يتحكم بذاته أكبر قدر ممكن، بكت فريدة وجلست جوارها، تربت على خصلاتها بحنان، وسألتها بقلقٍ:
_حد عملك حاجة؟
هزت رأسها تنفي ذلك، ورددت ببكاء:
_في حد قتلهم ومنعهم إنهم يقربولي، لولاه كان آ....
اقتطع عنها الحديث وانفجرت باكية بين ذراع فريدة التي بكت بانهيار وهي تحاول أن تهدئها، هدوءًا لم يصل لعمران الذي صاح بجنون:
_مين الكلاب دول وحضرة الظابط المحترم كان فيــــــن؟!
تطلعت له بانكسارٍ، وهتفت:
_معرفش، الظابط اللي جابني هنا قالي إن جاتله مهمة ضرورية، وده السبب اللي خلاهم يتعرضولي.
جلس أحمد على المقعد، يهتف بغرابة:
_مهمة أيـه!!
تحرر وحش عمران القابع داخله، فهدر بعصبية بالغة:
_مهمة!! مسافرك من هنا لهناك عشان شغله!! انا كنت شاكك فيه من طريقة سفره المريبة.
قال علي ليهدأ من روعه:
_آحنا منعرفش تفاصيل اللي حصل يا عمران وآ..
قاطع حديثه بغضب:
_تفاصيل أيه اللي مستني تعرفها يا علي!! الحقير ده غامر بمراته عشان شغله!! إنت متخيل أيه اللي ممكن كان يحصلها، وتتخيل ليه ما أنت شايف وشها عامل ازاي، بسبب الحقير ده حد إتجرأ ورفع ايده على أختي أنا! أخت عُمران سالم الغرباوي!!!
واستطرد بوعيد قاطع:
_أقسم بربي لأندمه على اليوم اللي اتخلق فيه، وتمن اللي حصل لأختي ده هخلصه منه هو.
رفع هاتفه يحاول الوصول لآدهم، وحينما فشل، أشار لعلي باصرارٍ ونية يخفي غضبه من خلفه:
_إنت تعرف القائد بتاعه، "مراد زيدان" اتصل بيه وشوفلي البيه ده فين؟
نهض علي واتجه إليه يخبره برزانة:
_خلينا نستنى آدهم لما يتصل، أكيد عنده تبرير لكل ده، هو بيحب شمس ومستحيل يعرضها لـ..
قاطعها عُمران بإِمْتِعَاض:
_اتصل بيه حالًا يا علي، بدل ما أسافرله على أقرب طيارة ومش هيهمني حد.
ربت أحمد على معصم علي:
_اتصل يا علي، عُمران معاه حق، اللي حصل لشمس ده ميتسكتش عليه، وطالما آدهم قافل تليفونه يبقى نكلم القائد بتاعه اكيد عارف مكانه.
حرك رأسه في طاعة، وحرر الاتصال بالجوكر على وضع سماعته، فاذا بصوت المهموم يجيبه:
_دكتور علي، إزيك.
اجابه بلباقةٍ:
_بخير الحمد لله، أخبارك إنت أيه؟
رد عليه بوجومٍ:
_أنا كويس.
تنحنح بحرج، وقال:
_إحنا كنا بنحاول نتواصل مع آدهم، وللأسف مش عارفين، أختي رجعت من ميلانو بشكل غريب، وبتقول إنه في مهمة! عرفني يا مراد أيه اللي بيحصل من فضلك، فين آدهم وليه ده حصل معاها؟
ساد صمتًا غريبًا، إتبعه صوتًا مضطربًا:
_آدهم إتصاب وفي أوضة العمليات يا علي، إدعيله.
تفاجئ الجميع بما استمع إليه، بينما تتمزق روح شمس تدريجيًا ليتحرر عنها صرخة زلزلت حوائط المنزل:
_آدهــــــــم!
سحبها عمران لاحضانه بينما يتابع علي بصدمة، كان الحديث ثقيل على "علي" الذي هتف بصعوبة بالحديث:
_هو فين؟ في مستشفى أيه؟؟
أجابه مراد بحزن:
_المستشفي العسكري.
رد علي بالم:
_عايزين نكون جنبه.
=صعب حاليًا يا علي.
_ارجوك حاول يا مراد، شمس منهارة وإحنا مش هنقدر نكون هنا ونسيبه.
وأضاف علي:
_اعتقد شخص بمنصبك ده مش صعب عليه يعمل حاجه زي كده، من فضلك.
زفر بحزن لتخيله حالة تلك العروس المسكينة، فنطق بتفهم:
_تمام، هاديهم تعليمات بدخولكم، بس بلاش تعرف والده يا علي.
=لا مش هقوله حاجه، لحد ما نطمن.
أغلق علي الهاتف، وركضت شمس إليه تترجاه ببكاء:
_خدني معاك يا علي، بالله عليك خدني.
ربت على ظهرها بحزن وقال:
_إنتِ راجعه تعبانه، ريحي وانا هطمن عليه وهطمنك على طول.
امسكت معصمه تتوسل له بانهيار:
_مش هقدر صدقني، عشان خاطري يا علي، وديني عنده.
تألم عمران لأجلها، فجذبها إليه، وأشار لفاطمة وزوجته قائلًا:
_ساعدوها تغير هدومها، وأنا هجهز العربية حالًا.
أبدلت شمس ملابسها، وانضمت لعلي، وعمران الذي أصر باصطحاب آيوب برفقته، أرسل رسالته إليه وحينما وصلت سيارته حارة الشيخ مهران، وجده بانتظاره.
انحنى آيوب تجاه نافذة عمران، يهتف بانزعاج:
_وبعدين يا عمران، ما أنا لسه سايبك من ساعة!!
صمته الغريب، انقباض ملامحه الواجمه، زرع القلق داخله، وما زاد من توتره حينما وجد شمس تجلس بالخلف جوار علي، تعالى صوت أنفاسه المضطربة وبارتباك حرر صوته المكبوت:
_مش شمس مع آدهم!!
ازداد بكائها بشكل جعله يضور بهلعٍ:
_اخويا ماله يا عُمران؟؟؟؟
كسر سكونه المطول، قائلًا بوجعٍ:
_اركب يا آيوب.
صعد جواره يوزع نظراته بين تلك المنهارة بين ذراع علي، وبين عمران اللامع عينيه بالدموع تأثرًا بشقيقته، فتيقن بأن هناك أمرًا مؤلمًا يخص أخيه، وجل ما يتردد لمسمعه جملته الآخيرة.
«ادعي ربنا يجمعنا مرة تانية يا آيوب!..»
******
جسده المتهالك ملقي فوق الفراش الطبي، ومن فوقه يوضع كشاف ضخم مسلط على بطنه وجزء مسلط فوق عينيه بالتحديد، الاطباء يهرلون من حوله وجل ما يتردد لمسمعه الخافت.
«رائحة الموت تحوم من حولي، وليس لي مناجي سواك، فاللهم إن كانت هذة لحظاتي الأخيرة، فأجعل من نفس اللحظة حياة جديدة لها، اللهم إنها العزيزة، والحبيبة، والرفيقة، اللهم إنها كانت خير زوجة لي فاحفظها ولا تجعل مصيرها مرهون بي، لا تجعلها تدفع ثمن عملًا أخلصته لوجهك الكريم، اللهم إني لا أطيق فراقها فأجعلني حيًا بقلبها، فتتذكرني كل حينٍ، وتدعو لي بالرحمة والمغفرة، وحينها سيرقص قلبي طربًا بأنها مازالت تحبني... مازالت تتذكرني!!»
دمعة تدللت من حرقة عينيه رغم أنه فاقد الوعي تحت تأثير المخدر القوي، بداخل أعماق روحه يناديها بكل كيانه:
_شمـس!
شمس عالمه غربت فبات مظلمًا كسواد الليل المهجور عنه الضوء، يمتلك جسده القوة ولكنه دون الحب كالخرقة البالية، هو لا شيء دونها!
ليته يعود إليها، يضمها لصدره، يشم ريحها، ليده لمسة أخيرة بين خصلاتها، ولأنفه رائحة تخص عبيرها، جسده تكون هي أخر من تمسه وهي بين أحضانه، ليته يمنح فرصة ليستغلها بقربها الذي حُرم باكرًا منه!!
على بعدٍ من روحه وجسده المعذب، وصلت شمس تهرع لباب غرفة العمليات، تبكي دون توقف، وعلى بعد منها حيث يقف الجوكر برفقة علي، تسلل لمسمعها قوله:
_بقاله تلات ساعات جوه!
سكن جسد آيوب وتجمد بعدما فهم الآن سبب تلك الحالة المكتسبة الوجوه، علم الآن سبب تواجده بذلك المكان، لم يمتلك الوقت لاستيعاب ما يحدث، فاذا بالباب يُفتح ويخرج منه الطبيب، ينزع كمامته ويتحدث بعملية باحتة مع مراد ومن حوله:
_قدرنا نسيطر على النزيف لما رجع مرة تانية، بس للاسف عينه أنا شاكك إنها اتضررت جدًا، وخاصة إن زي ما حضرتك قولت إن نوعية العدسات اللي كان لابسها العين متقدرش تتحملها لاكتر من أربعين دقيقة لساعة كاملة بالكتير، فده قصر عليه جدًا.
سأله عمران بحزن:
_يعني أيه يا دكتور؟
رد عليه بعملية باحتة:
_يعني في احتمال إن نظره يكون اتضر، وده للاسف مقدرش أحدده الا لما يفوق وآ..
قاطعته الممرضة حينما هرولت إليه صارخة:
_النزيف رجع تاني يا دكتور.
ضمت شمس فمها تكبت صراخها، ومازال علي يضمها بتمكن، تلجلج الطبيب قبالتهم، فسأله رحيم الذي انضم اليهم للتو وتابع حديثه باهتمام:
_في أيه؟؟
رد عليه بخيبة امل:
_الحالة حرجة ونزفت كتير، استخدمنا كل أكياس الدم اللي من نفس الفصيلة، استهلكنا الموجود.
سأله علي بلهفة:
_فصيلته أيه؟
اجابهم الطبيب:
_o+
استدار مراد بنظراته الغامضة تجاه آيوب التائه كالذي يتلقي ضربات متتالية، جعلته لا يقوى على فهم واستيعاب ما يحدث، وكأن الاحداث غير مفهومة بالنسبة له، وقف مراد أمامه وقال:
_فصيلتك؟
هز رأسه ببطءٍ، ودون أي كلمة اضافية أشار الطبيب للغرفة متعجلًا:
_اتفضل معايا.
آختل توازنه حتى تعثر بعمران الذي سانده وهو يهمس له بشفقة:
_إجمد يا آيوب، آدهم محتاجلك.
تعمق بعينيه ومازال يتوهم ما يحدث، عاونه عمران حتى ولج من باب الغرفة، واختفى للداخل، وجد الممرضة تفرد الستار العازل بينه وبين الحالة، لتسحب منه العينة في وضع غير استعدادي لاستقباله بذلك التوقيت، المعتاد لديهم ان يسحبوا الدماء بغرفة خارجية، ولكن لتدهور الحالة سيتم السحب والايصال بالمريض مباشرة لمحاولة انقاذ حالة آدهم الحرجة.
وبينما تجذب الستار، رآه آيوب قبالته، لقد تخلى عن شموخه وقوته الذي إعتاد رؤيتهما فيه دومًا، من يتمدد جواره شخصًا لا يعرفه، ملامح وجهه تشبه ذلك الضباط المغوار، ولكنه ليس بهذا الهزل، اختل توازنه وسقط على الفراش الذي وضعته الممرضة للتو، أشارت له بأن يتمدد فاستجاب لها على الفور، ودموعه تنشق على طرفي عينيه.
اندث المحقن بوريده ومالت من خلف الستار تجذب يد آدهم وتفعل المثل، تثنى لآيوب رؤية ذراع أخيه والفيصل بينهما ستار أبيض ملعون!!!
مد آيوب يده الاخرى يلامس كف أخيه البارد، ودموعه تستفيض عن جفونه معبرة عن انكسار قلبه وروحه وكل ما تبقى منه، بل حرر صوته الهامس يترجاه:
_متسبنيش يا آدهم، أنا ملحقتش أشبع منك، ملحقتش أفرح إنك مني، ملحقتش أشكيلك على وجعي الكبير من الدنيا، أنا لسه محتاجلك جنبي، نفسي أتحامى فيك من كل اللي اتعرضتله، عايزة أشتكيلك وتأخدني في حضنك.
ازداد بكائه كالطفل الصغير، وشريط حياتهما معًا يمر أمامه، جمل من مقتطفات ماضيهما معًا
«يمكن لانهم بيقولوا الدم بيحن وانا وانت حنينا لبعض من اول لقاء جمعنا في شقة سيف»
«عرفت ليه بطلت اناديك بابن الشيخ مهران ؟لانك مش ابنه يا ايوب انت اخويا أنا!!..»
«ادعي ربنا يجمعنا مرة تانية يا آيوب!...»
تعالى صوت بكائه كالطفل الصغير، وصرخ بانهيار:
_يا رررب.
تسلل إليه صوت الطبيب الذي صرخ بهم:
_هاتي الجهاز بسرعة.
رفع آيوب الغطاء وتطلع لهم برعبٍ، فاذا بالطبيب يهبط على صدره العاري بصعقات من الكهرباء، مرة والثانية تفوق قوتها، ثم الثالثة، صفير الجهاز الذي انتقل نبضه لخط مستقيم، صراخ الممرضة يقتحم عقله:
_بنخسر المريض يا دكتور!
عاد يعيد الصعقات الكهربائية بشكلٍ أقوى من السابق، بينما يخطو آيوب للداخل كالذي ينازع للحياة، مال على الفراش الملطخ بدم أخيه وناداه ببكاء:
_آدهــــم أنت وعدتني إنك هتكون سندي وضهري في الدنيا، هتسبني محني لباقي عمري من غيرك!!!
وحركه بعنف وهو يصيح بصوته المبحوح:
_أنت مش اد وعدك بتوعدني ليـــــــــه، بتقولي مش هتسيبني بتسيب ايدي ليــــه، بتكدب عليا!!!!
صاح الطبيب بالممرضات:
_طلعوه بره بسرعة.
اتجهت الممرضة إليه تحاول ابعاده عنه، تحاول ان تشرح له ان ما يفعله خاطئ، تحاول حتى أن تدفعه للفراش المقابل، ولكنه تمسك بذراع آدهم وهو يعود لصراخه من جديد:
_أنا مزعلتش منك يا آدهم، بس لو عملتها وكسرتني بالشكل ده مش هسامحك ولا هغفرلك.
سقط أرضًا جواره ومازال المحقن متصل بين كلاهما، بكي كالطفل الصغير، بكى وقد جعل الطبيب وفريق التمريض تدمع أعينهم من شدة تأثرهم بحديثه:
_أنا محتاجلك أكتر من أي وقت، أنا طول عمري لوحدي، جنبي مية صاحب بس ماليش أخ من دمي، ومن لما قابلتك لمست فيك الحنان اللي اتحرمت منه، جاي دلوقتي تحرمني منك، ليه عايز تكون بالقسوة دي عليا، ليه عايز تكرهني فيك زي ما كرهت مصطفى الرشيدي!!
وتابع وهو يميل على كف يد آدهم يقبله ودموعه تغرق كفه:
_قوم متوجعش قلب أخوك وهو بينزف من الوجع! قوم يا آدهم!
تدفقت دمعتين من أعين آدهم جعلت الطبيب يتطلع له بدهشة، عادت مؤشراته طبيعية بشكلٍ مخيف، وبالرغم من تخديره الكامل الا أنه ردد بهمس كان مسموع بفضل الصمت المتطرف على الجميع:
_آيــوب!
......... يتبع.........
#صرخات_أنثى.... #الاقوى_قادم!!...
*****____********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 110 - بقلم آية محمد رفعت
صباح الخير، وكالعادة الأسئلة اللي بتتساب ورا كل فصل يخص المخابرات وآدهم بالاخص.
مش عارفة أيه اللي مش مفهوم أو أيه الافورة اللي في الموضوع، لما الرواية أغلبها اجتماعي ومفهاش غير، جانب بسيط للمخابرات وقضية آدهم هتعملوا أيه في اشباح المخابرات اللي كلها بتتكلم عن مهارات أجهزة الاستخبارات!! ومع ذلك زي ما رديت قبل كده مع موضوع حفاظ آدهم على حماية المناطق الحيوية بجسمه، وانجرافه للجانب الاخر من مكان وقوع الحادث، وسرعة وصول الجوكر والاسطورة بنوع حديث من الطائرات السرية الخاضعة للجهاز هوضح هنا السؤالين اللي محيرين ناس كتيرة.
أول حاجه لازم تعرفوا إن أي دولة ليها أسرارها العسكرية، وبما إن هنتكلم عن شخص بيشتغل في المخابرات فخليكم على ثقة اننا منعرفش كل حاجه عنهم، لا عن نوعية الاسلحة اللي بيستخدموها ولا أنواع الطائرات السرية اللي عندهم، مش كل حاجه ظاهرة وواضحة للجميع، وهختص بالكلام عن مصر اللي المفرةض ادهم ظابط مصري، معلش لما انزل عن سرعة وصول الجوكر والاسطورة لميلانو بطائرة عسكرية سرعتها تفوق الطيران العادي أيه الافورة اللي في الموضوع؟؟؟
وبعد الفصل الـ86 أيه الافورة لما اتقال آن مراد علم آدهم يستخدم شريحة ويحولها على شكل عدسات!! هو انتوا فاكرين ان المخابرات امكانياتها محدودة بالشكل ده!!!
طيب الناس اللي شككت بالموضوع لو ببحث بسيط بس على جوجل كانت هتوصل للي هحطه ده مع العلم ان ده المطروح للعام يعني وما خفي كان أعظم.
أول حاجة الميكروفيلم ده شريحة صغيرة خالص بيبقا عليه معلومات وصور
ليل اخد الميكروفيلم وخباه جواة الماسة وسلم الالماسة البنت عشان تبان انها قضية تهر يب الماس وادهم لما اخد الالماسة كسرها وخرج الميكروفيلم وحطه جواة العدسات بطريقة مراد علمهاله ولبس العدسات ف عينيه
ثانيا بقا هل فيه عدسات كدة؟اه موجود
1. هل ممكن عدسة لاصقة تحتوي على شريحة معلومات؟
أيوه، وده بقى واقعي جدًا مع تطور التكنولوجيا، خصوصًا في مجال “العدسات الذكية” (Smart Contact Lenses)، وده حصل فعلًا في مشاريع من شركات زي Google وMojo Vision.
2. إيه اللي ممكن يتخزن في العدسة؟
العدسة ممكن تحتوي على شريحة إلكترونية دقيقة جدًا (Microchip).
الشريحة دي تقدر تخزن:
كودات مشفرة
صور صغيرة
رسائل رقمية
وتقدر تبعتهم عن طريق تقنية NFC أو بلوتوث منخفض الطاقة لو في مستقبل قريب منها.
3. العدسة تبقى عاملة إزاي؟
من بره شكلها طبيعي، زي أي عدسة لاصقة شفافة.
لكن في الحقيقة فيها طبقة داخلية دقيقة جدًا تحوي المعلومة.
محدش يقدر يلاحظها بسهولة، خصوصًا من غير أجهزة متخصصة.
5. إزاي يتم نزع الشريحة؟
بمجرد إزالة العدسة، تقدر تفصل الشريحة منها يدويًا (لو مصممة كده)
أو تكون العدستين بيكملوا بعض (يمين + شمال) زي بازل، فلما يتجمعوا يظهر جسم مستدير زي "الميكروفيلم" أو الكبسولة
اكثر مدة تستحملها العين للعدسة هي ساعة ودي المدة القصوي
6. هل في أمثلة واقعية؟
Mojo Vision: طورت عدسات بتعرض بيانات على الشبكية.
Google X Lab: اشتغلت على عدسة بقياس نسبة السكر في العين.
رغم إن الاستخدام كان طبي، بس التقنية أثبتت إنه ممكن نحط شريحة إلكترونية دقيقة جوا العدسة.
تركيب العدسة بيتم ببساطة زي أي عدسة لاصقة عادية، بس في حالة العدسة الذكية بيكون في حرص أكتر
هل بتحس بيها؟
لو معمولة صح، ما يحسش بيها خالص.
لو اتحركت أو فيها مشكلة، يحس بوخز أو زغللة.
تاني حاجة لفتت انتباهي، بيقولوا إن مشهد بكاء الدكاترة تأثرًا بحديث آيوب حاجه أوڤر، والسماح له بالدخول بردو أوفر، وانه ازاي دخل من غير تعقيم.
معلش هما الدكاترة دول مش بشر!! بني آدمين يعني من لحم ودم!؛،
طيب
هل أنا ذكرت ان الدكاترة سابوا اللي بيعملوه وقعدوا يسمعوا للي بيقوله ايوب؟!
حضرتك آيوب كان بيصرخ بصوت عالي، وهما مفقدوش السمع يعني، ولو ركزتوا بالمشهد، الدكتور كان بيسعف آدهم وبيصرخ لحد من الممرضات يطلعوه بره، كل اهتمامتهم بيحاولوا يرجعوا المريض تاني، وانهم ينظموا ضربات قلبه بأي شكل.
ثم ان الطبيعي والمعتاد عدم دخول اي شخص لغرف العمليات بدون تعقيم، وذكرت بالسرد انهم بسبب كمية الدم اللي نزفها استهلكوا اغلب مخزون الدم من نفس الزمرة ركزوا معايا من نفس الزمرة، لحظة خروج الطبيب لبره كان بعد توقف النزيف والسيطرة على الحالة، رجوعه مرة تانية لما الممرضة خرجت تناديه وتبلغه بان الزيف رجع لادهم، مفيش عندهم اي وقت توفير الدم من نفس الزمرة بعد ما استهلكوا كل المخزون، لذا ومع وجود شخص يحمل نفس الفصيلة، ولان مفيش وقت انتقل الدم بشكل مباشر من المتبرع للمصاب بعد طبعا سؤاله السريع عن اي امراض بيمر بيها، ياريت ندقق في السرد ونحكم عقلنا، منلغيش فصل ولا احداث بالاهمية دي عشان كلام مش منطقيّ!!
أتمنى من حضراتكم إن لو حد عنده أسئلة، يطرحها بشكل راقي، مينفعش ألغي مجهود حد وأقول ده فيلم هندي! يبقى حضرتك محتاج تقوي معلوماتك شوية عن تطور المخابرات بأي دولة مش شرط مصر وتأكد إنك مهما عرفت فما هي الا نقطة في بحر، اتعودت إن جروبي وصفحتي مكان غالي لقرائي الراقيين، علاقتنا هنا بالجروب قائمة على المحبة والود، فأرجو منكم نحافظ على مكانتنا، لاني مش هسمح بأي حد يهين قارئ ليا، لان وببساطة المحبين للعمل كتير وأي تعليق ناقد من حضرتك للرواية هيدفعهم للكلام والرد منك مش لطيف فده مش هسمح بيه.
عايزة أقول حاجة أخيرة، أنا مش بكتب قرآن أستغفر الله العظيم، مش لازم الكل يجتمع عليه، في نفس لحظة متابعتك وحبك لصرخات أنثى في ناس من جمهوري مش حابينها ومستانين أشباح، وفي ناس تانية مش عاجبها العملين، وفي ناس تالته مش حايين اية محمد نفسها، ده مفهوش أي زعل لان كل انسان وله ذوقه.
سبق وقولت قبل كده إني من الكتاب اللي بيحبوا الانتقاد والله بسمعه من كل قلبي وبرد بكل احترام، بس من فضلك لو هتنتقد مشهد أو رواية انتهد بأسلوب راقي، حرام تضيع تعبي أو تعب كاتبة تانية بكلمة تراها بسيطة بس هي ثقيلة في نفس الكاتب.
وأخيرا بشكركم من قلبي على كم الريفيوهات الكتيرة وتعليثاتكم اللي كلها جوووه قلبي من جوه، والله عاجزة عن الشكر وبعتذرلكم لو مقدرتش ارد على كل الريفيوهات، الجمعه بيكون يوم صعب من المسؤوليات بالنسبالي، والنهاردة هحاول أكتبلكم بارت صغير نطمن فيه على آدهم، ونعيش احداث لطيفة مع دكتور سيڤو وآيوب، وحشوكم مع بعض صح؟
كلمة أخيرة متعودة أقولهولكم بحبكم في الله، والحب في الله ده من أسمى وأفضل العلاقات بالنسبالي لانها بتدوم ومفهاش لا مصالح ولا غرض، لذا بحرص أكتبهالكم بكل حب ❤
#آية_محمد