تحميل رواية «الطاووس الوقح (صرخات انثى)» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجروح أدمت قلوبهن ومازالت كلًا منهن تحارب للبقاء، مذاق الألم لا يفارق حلقهن، جروحهن متشابهة ولكن لكلًا منهن حكاية خاصة هي ضحيتها، الأولى نهشتها الذئاب البشرية وتركتها كالخرقة البالية تعاني بمفردها، والثانية واجهت إنسان مريض نفسي يريد أن يُجحمها داخل قوانين لعبته القذرة فبات كاللعنة تسبب لها هوس الجنون، والثالثة تخوض رحلة معتادة على بعض الزوجات التي تُجبر بالعيش دون زوجها المغترب ولكنها كانت دونه هشة تخشى أن ينتصر شياطين الإنس عليها، وهناك أخرى طمست حبها حينما تخلى عنها محبوبها وتزوجت أخيه وبعد...
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الحادي وخمسون 51 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى..(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الخامس_والأربعون.
(اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلةَ حيلتي وهواني على الناسِ، يا أرحمُ الراحمين إلى من تكلني، إن لم تكن ساخطًا عليَّ فلا أبالي، غيرَ أن عافيتَك أوسعُ لي، أعوذُ بنورِ وجهِك الكريمِ الذي أضاءت له السماواتُ والأرضُ وأشرقت له الظلماتُ وصَلَحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرةِ، أن تُحِلَّ عليَّ غضبَك أو تُنزِلَ عليَّ سخطَك، ولك العُتْبى حتى ترضى، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بك ❤)
تثاقلت رأسها بشكلٍ جعلها لم تحتمل الاستقامة بمقعد الطائرة، فمالت على ذراع آيوب الذي يتمعن بنافذة الطائرة، يروي حنينه لبلده وأهله، انتفض جسده بقشعريرة مسته جعلته مرتبكًا للغاية، لا يعلم أمازال ينفر منها أم أن عقله يحاول استيعاب بأنها زوجته وقبل أي شيء فهي "سدن" المسلمة ويإرادتها الآن باتت تعترف بما هي تنتمي إليه.
انسدل خصلات شعرها الأصفر على وجهها بأكمله، فاقترب بأصابعه يبعده عن وجهها حتى لا يزعجها، وعينيه تتشرب من ملامحها دون ارادة منه، وحينما وعى لما يفعله تنهد بضيقٍ وهو يهمس:
_وأخرة اللي إنت فيه ده أيه يابن الشيخ مهران!!
أعاد رأسه لظهر المقعد، فأغلق عينيه بقوةٍ يحاول ترتيب أفكاره الثائرة حول تلك المواجهة المفاجئة بينه وبين أبيه، يحاول إيجاد حلًا عقلاني يخرجه من ذلك المأزق بأقل خسارة ممكنة فلم يجد الا تلك الفكرة التي روادته بتلك اللحظة، فسحب هاتفه واختار احدى المحادثات المدونة بإسم "إيثان"!
******
ترك الطبق عن يده بضيقٍ من تصرفات أخيه الطفولية، هادرًا بنفاذ صبر:
_وبعدين معاك بقى يا سيف!! مش معقول ده أنا لو بتعامل مع طفل صغير مش هيغلبني بالشكل ده!
أجابه من يوليه ظهره، يحتضن وسادته دافنًا رأسه بها:
_قولتلك مش جعان يا يوسف.. سبني من فضلك.
جلس جواره يخبره بنبرته الهادئة:
_طيب وأوديتك؟
ردد باختناقٍ تجلى بنبرته المحتقنة:
_هأخدها كمان شوية، أنا كويس يا يوسف روح إنت المركز متنساش إن دكتور علي سابه تحت اشرافك لحد ما يرجع.
تمعن به وباستغرابٍ قال:
_طيب ومديني ضهرك ليه؟
بتحفظٍ قال:
_ عايز أنام مش أكتر.
يظن كذبته تلك ستمر على من قام بتريبته، ذاك المعتوه يظن بأنه سيتمكن من خداع أبيه، جذب يوسف كتفه وهو يصر على أن يواجهه:
_بصلي وقولي مالك؟
تفاجئ ببقايا دموعه العالقة بأهدابه الكثيفة، فانقبض قلب أخيه وهدر بذهول:
_إنت تعبان؟!
ورفع يديه يفتش بالشاش الملتف حول رأسه وذراعه بعنايةٍ، هاتفًا بلهفةٍ:
_فيك أيه؟!!!
وتابع بشكٍ:
_من ساعة ما عمران مشي من عندنا وانت حابس نفسك ولا راضي تأكل ولا تشرب في أيه يا سيف اتكلم!
انسدلت دمعة من عينيه التي تتهرب من لقاء أعينه، وصمته يضع يوسف بحالةٍ لا يحسد عليها، حتى قال بخفوتٍ:
_أنا عايز أنزل مصر مع عمران يا يوسف.. أنا مش عايز أستقر هنا.
جحظت عينيه في صدمة، فمرر يده يمسح وجهه بتوترٍ:
_عايز تبعد عني يا سيف؟
أزاح الغطاء الأبيض عنه واعتدل بجلسته قبالة أخيه:
_دي مش بلدنا يا يوسف ولا عمرها هتكون... لو كان على الشهادة فأنا خلاص امتحاناتي قربت تخلص وهكون اتخرجت بشكل رسمي فمش محتاج أقعد واشتغل هنا.
ابتسامة ساخرة تشكلت على جانبي شفتيه:
_مكنتش دي احلامك ولا طموحاتك قبل ما أبعتلك تذكرة السفر للندن!
ارتبك أمامه فنهض ينزع عنه قميصه الأسود، متجهًا لخزانته يجذب منها منامة منزلية مريحة، ورد دون أن يتطلع للفراش القابع به أخيه:
_عادي يا يوسف.. أنا حابب أجرب حظي هناك.
اتسعت ابتسامته ونهض يقترب منه، فمال على باب خزانته يستند بذراعٍ ويده الاخرى تندث بجيب سروال بذلته السوداء، مرددًا ببطءٍ متألم:
_عشان أيوب صح؟
ابتلع ريقه بتوترٍ ومازال يحمل التيشرت بيديه، فاستطرد يوسف:
_لإنه مقرر يستقر في مصر بعد امتحاناته عشان كده عايز تتخلى عن أخوك وتفترق عنه.
وخز قلبه عنفًا، فسقط عنه ما يحمله واتجه بخطواتٍ بطيئة لاخيه يحاول تبرير موقفه:
_لا يا يوسف أنا آآ..
رفع كفه يوقفه عن الحديث قائلًا:
_مش زعلان ولا هزعل اطمن... اللي أنت عايزه هعملهولك لإن راحتك تهمني وفي المقام الأول.. ده صاحبك الوحيد ومن حقك تكون معاه زي ما من حقك تخطط لمستقبلك وحياتك.
أغلق يوسف جاكيته الأسود واتجه ليغادر في محاولة للفرار من أمامه قائلًا بابتسامة اصطنعها بالكد:
_أنا اتاخرت ولازم أمشي متنساش تأكل وتأخد أدويتك عشان الجرح... وأنا هبقى أكلمك كل ساعتين أطمن عليك.
وتركه وغادر، فاتجه سيف ليجلس على طرف الفراش يعتلي ملامحه الضيق الذي تسلل إليه فور رؤية الحزن المسيطر على وجه أخيه.. مهلًا أخيه!!! هل سيُبدي الصداقة عن أخيه الوحيد الذي فعل كل ذلك لأجله!!
هز رأسه بفتورٍ وانزعاج من فعلته، فأسرع بخطواتٍ سريعة للمصعد، قاصدًا الچراچ الخاص بالمبنى متناسيًا كونه عاري الصدر.
اختلج قلبه بين أضلعه حينما وجد أخيه يتكئ بمقعده على الدريكسون ويبدو بأنه ليس على ما يرام.
طرق على نافذة السيارة مناديًا بهلعٍ:
_يوسف!!!
رفع جسده للخلف وهو يتأمل من يقف أمامه بدهشةٍ، هبط من سيارته يندفع بتوتره وأسئلته:
_في أيه؟ أيه اللي نزلك بالشكل ده؟ طيب حاسس بأي تعب؟!! مرنتش عليا وأنا طلعتلك ليه؟!!!
عينيه الحمراء فضحت سر مغادرته السريعة من أمامه، فانهمرت دموع سيف وضمه إليه، قائلًا ببكاءٍ طفل جرح أبيه دون قصدًا:
_أنا آسف يا يوسف.. أنا بس اتعودت إن آيوب بيشاركني في كل حاجة، مش قادر أتخيل ان دي حالتي لانه مسافر كام يوم أمال لما ينزل بشكل نهائي بعد امتحاناته هعمل أيه؟
ربت يوسف عليه بحنانٍ، فتابع الاخير بحزنٍ قاتل:
_لو هو صاحبي فأنت أبويا وأخويا وصاحبي وكل حاجة في حياتي، أنا مش هسافر ولا هسيبك أنا هكون معاك هنا متزعلش مني بالله عليك..
وابتعد عنه يجذب رأسه ليحنيه قليلًا لفرق الطول بينهما، طابعًا قبلة احترام على أعلى رأسه:
_حقك عليا.. أنا دبش والله.
تخلى عن جموده وقال بصوتٍ حزين يستمع إليه سيف لأول مرة:
_عايزني أحس بالغربة هنا من غيرك يا سيف!
هز رأسه بعنف ينفي ما يقول وكأنه ليس هو نفس الشخص الذي أخبره بأنه سيغارد، فردد:
_لأ...لأ..مش همشي وأسيبك لوحدك يا يوسف أنا هكون معاك لإني عايز أكون أول واحد يشيل ابنك على ايدي...أنا مش همشي.
قال يوسف ببسمةٍ زرعها بالكد :
_أنا مش هجبرك على حاجة.. شوف اللي هيريحك وأنا هكون معاك فيه.
وضم وجهه بين يديه:
_يالا إنت ابني اللي مخلفتوش، ولو ربنا كرمني بنص دستة عيال عمر ما واحد فيهم هيأخد مكانتك عندي.. انت ابني الكبير يا حمار!
اتسعت ابتسامته وقبل أن يجيبه قطعه همسات أصوات من خلفهما، فاستدار سيف ليتأمل ما يحدث بينما أصبحت الرؤيا واضحة ليوسف بعد أن أفسح أخيه المجال عنه، فوجد ثلاث فتيات يتأملن سيف بأعجابٍ جعله يتعجب من أمرهن، فتطلع لما يتطلعوا إليه فتفاجئ بأنه لا يرتدي تيشرته الخاص.
ضم سيف يديه لصدره بحركة درامية:
_يا مصيبتشي اتفضحت وسط الخواجات!
خلع يوسف جاكيت بذلته وألقاه إليه بغضبٍ:
_استر نفسك يا زفت.. أقسم بالله لأوريك أيام سودة، نازل تستعرضلي نفسك!! طيب ما كان من الأول يا حبيبي على الأقل كنت توقعلك عروسة لكن دلوقتي ميصحش إنت على وشك الارتباط بدكتورة زينب وأنا مقبلش بالكلام المايع ده سامع!!
ما أن تلفظ بإسمها حتى تعلق به سيف بفرحة، وكأنه تناسى أمرها:
_آه زينب يا يوسف جوزهاني.. أنا عايز أتجوز جوزهاني يا يوسف.. اتصل بعمران وقوله يجوزهاني.. أنا عايز أتجوز يا يوسف والله غرضي شريف ومحترم.
برق بصدمة مما يستمع إليه، فدفعه للخلف حتى يتمكن بالوقوف بشكلٍ مستقيم:
_هي الضربة قصرت عليك ولا أيه يا دكتور سيڤو!! اطلع يا حبيبي كل وخد علاجك واقعد استناني لما أخلص شغلي وارجعلك.
وأضاف وهو يقرص وجنته بسخرية:
_أوعى تتشاقى عشان أجبلك حلويات وأنا راجع!!
نزع يده بغضب:
_عيل صغير أنا!! بقولك عايز أتجوز جوزهاني!!
وتابع وهو يشير بأصبعه الذي كاد باختراق عين يوسف:
_مالك في أيه؟ مش كنت هتموت وتجوزني أديني أهو بقولك جوزني!!!!!
ضيق عينيه بمكرٍ، فانحنى لسيارته يفتح بابها، ومن ثم مال للخلف في محاولةٍ لجذب حقيبته الجلدية المربعة.
انحنى خلفه سيف متسائلًا باهتمامٍ:
_بتعمل أيه يا يوسف؟
قال ومازال منحني:
_أبدًا أصلي افتكرت معاد الحقنة المسكنة بتاعتك.. معرفش نسيتها ازاي!!
ما أن انتصب بوقفته حتى وجده يركض للمصعد كالذي يفر من مصاص دماء يركض ليمتص دمائه الشهية.
ترك يوسف الحقيبة بالخلف وانتصب يطرق كفًا بالاخر هامسًا بصدمة:
_لا حول ولا قوة الا بالله الولد اتجنن!!
وهز رأسه بقلة حيلة، فأخرج القميص من سرواله ونسقه دون الحاجة لجاكيته الذي منحه لأخيه، وصعد سيارته مغادرًا للمركز الذي سيضم عمله الجديد برفقة دكتور "علي الغرباوي"
*****
هبط من سيارته تاركًا بابها للحارس الذي أسرع بالصعود محله ليصفها، بينما اتجه بخطاه الشامخة للداخل، جابت رماديته مجالس الضيوف السفلية، فوجد الجميع بالأسفل، وما لفت انتباهه زوجته تضم جوار زوجة أخيه الباكية.
نزع عنه نظارته القاتمة واتجه يحيط حافة مقعدها بابتسامته المرحة:
_مساء النكد.
ومال ليتمكن من رؤية فاطمة التي تحاول مسح دموعها بحرجٍ، قائلًا بمرحٍ:
_أيه يا فاطيما ده الراجل لسه طالع على باب الطيارة! والحكاية كلها تلات أربع أيام مش مستاهلة كل ده!
أخفض أحمد ساقيه عن الأخرى، ليتمكن من وضع قهوته على الطاولة الفخمة من أمامه، مردفًا بسخطٍ:
_مالك بيها يا وقح! البنت بتحب جوزها وزعلانه على سفره.
وتابع وهو يتطلع جواره لفاتنه فؤاده، متعمدًا أن يخصها بحديث مقلتيه الجذابة:
_في قلوب صعب تتفارق حتى لو ليوم واحد إسالني أنا.
ردد بصوتٍ خافت سمعته الفتيات فقط:
_بدأنا وصلة العشق الممنوع بدري أوي!
كبتت زينب ضحكاتها بشكلٍ استدعى شكوك أحمد بأكملها، فتساءل بضيقٍ:
_كان بيقول أيه الولد ده يا زينب؟
أسبل إليها ببراءة ماكرة:
_ما تقوليه يا دكتورة زينب.. قوليله أد أيه هو راجل قاسي وعديم القلب إنه يظلم إنسان بريء وطاهر زيي.. إحكيله أنا كنت بمجد فيه وفي حبه لفريدة هانم الغرباوي ازاي!! اتكلمي ودافعي عن إنسان راقي خُلق ليُدرس أو يتشرح عادي جدًا!
انحنت مايا لتستند بجبينها على يدها ورأسها يهتز بقلة حيلة، سحب أحمد رشفة من كوبه وتركه يستكمل جلسته الدفاعية الزائفة ببرودٍ وكأنه لا يهتز لحرفٍ يقال، فمال على فريدة يهمس لها:
_ أيه رأيك نتمشى بره شوية؟
وجدها جامدة الملامح تتطلع أمامها بثباتٍ، فلم تستمع لحرفٍ واحدًا له، ناداها بقلقٍ ويده تهزها برفقٍ:
_فريدة!
أفاقت من شرودها على هزته الرقيقة فرددت بتوترٍ:
_بتقول حاجة يا أحمد؟
يجوب برأسها ضوضاء صاخبة كازدحام اشارات المرور وقت الظهيرة، تجلس بجسدها أمامهم ظاهريًا، ولكنها غائبة الوعي والادراك، تقاوم كل أفكارًا سيئة تهاجمها، بعد التعاسة التي أحاطتها فور اجراء ذلك الاختبار، فتتمنى من صمام قلبها أن يكون مخطئ لذا عليها الذهاب للمشفى لاجراء تحليل تفصل به غوغائها.
أفاقت على هزة يد زوجها، فأبعدت خصلاتها القصيرة عن زرقة عينيها متسائلة:
_في حاجة يا أحمد!
تلك المرآة غامضة كالبلور المتعرج، كلما ظن بأنه تماسك جيدًا تنفلت قدميه عنها، ما بالها صامتة، شاردة منذ حفل قران ابنتها، كان يعتقد بأنها حزينة لأبتعاد ابنتها الوحيدة عنها ولكن على ما يبدو بأنها تخفي أمرًا عنه.
أجلى أحباله الصوتية متسائلًا باستغرابٍ:
_ في أيه يا فريدة؟
مشطت شعرها بأصابعها برقةٍ:
_سرحت شوية يا حبيبي.. ها كنت بتقول أيه؟
حل الحزن معالمه، فهو يعلم بأنها تخفي عنه أمرها، هي غامضة بشكلٍ يستدعي قلقه لطيلة صمتها، هو الوحيد الذي يعلم ما خلف هدوئها، تنهد بنزقٍ وبدون رغبة بخوض نقاش وهمي قال:
_مكنتش بقول حاجة.. أنا بس قلقت من سكاتك.
قاطع عمران الاحاديث حينما قال لفاطمة:
_بقالي ساعة بحاول أضحكك وانتي قافلة احساسك الفكاهي بقفل كمبيوتر!!
وتابع بغمزته المشاكسة:
_مكنتش أعرف إنك متعلقة بيه للدرجادي يا فاطيما... شكلي كده والعلم لله هغير من علاقتكم الفريدة من نوعها دي.
رسمت ابتسامة صغيرة تخفي بها حزنها الشديد، فلف عمران يده حول رقبة زوجته هامسًا لها بصوتٍ مسموع:
_أول ما علي ينزل من السفر هسافر على طول.. عارفة لو مجاليش رسايل يترجوني فيها أرجع عشان حالتك النفسية اتدهورت هرفع عليكي قضية خلع يا بيبي!
منحته بسمة مستفزة وقالت:
_جوزي حبيبي إعملها وسافر وهتكون خدمتني، لإني فحتاجة هدنة من وقاحتك!
ودفعته بقوة وهي تمتم من بين اصطكاك أسنانها:
_شيل ايدك عني وإبعد احنا مش قاعدين لوحدينا.. إنت بتتفنن ازاي تكسفني قدامهم!
اعتدل بجلسته راسمًا ابتسامة واسعة يستقبل بها نظراتهم المندهشة لما يحدث بينهما، ومال عليها يهمس بمكرٍ:
_طلعلك مخالب وبقيتي بتخربشي يا بيبي! الله يرحم لما كنتي بتجري تتداري ورايا من نعمان الملزق!
رفعت حدقتيها إليه تبتسم له فبادلها الابتسامة بعشقٍ هدمت لذاته حينما قالت:
_أنا أشك إنك ورثت عنه بعض الجينات!
صعق من سماع ما قالت، وأشار لنفسه باستنكارٍ:
_أنا ملزق يا مايا؟
هزت رأسها عدة مرات مؤكدة له باستهداف نظرة تستشهد على التصاقه بها، فهمس بنبرة جعلها مغرية بخبرةٍ اكتسبها:
_بيقولوا عليا إني تقيل وصعب حد يوقعني فخليني أديكي درس من دروس الطاووس الوقح، أوعدك بعده هتتمني قربي أو نظرة واحدة مني!
منحته نظرة من امرأة واثقة، متعمدة الاعتدال بجلستها واضعة قدمًا فوق الاخرى بتعالٍ:
_وريني يا سيادة الطاووس!
ضحك بملئ ما فيه وردد باعجابٍ صريح:
_أووه.. حبيب قلب جوزه بقى واثق من نفسه لدرجة هزمت عُمران سالم الغرباوي بذات نفسه!
كادت أن تمنحه ضربة تستهدف جبهة حديثه ولكن قاطعهما صوت أحمد الساخط:
_لو هتقضوها همسات ولمسات جانبية يُفضل تأخدها وتطلع فوق.. راعي إننا معانا سنجل وواحدة بتبكي على فراق جوزها وموجود كمان فريدة هانم فنحترم نفسنا ولا أيه يا بشمهندس؟
ضم شفتيه معًا بنزقٍ متحاذق:
_واضح إننا هنبتدي نغير ونغني ونلحن على بعض وده سكته مقفولة معايا يا آآ... آنكل!!
ألقت فريدة مجلة الأزياء العالمية هاتفة بحنقٍ:
_وبعدين يا عمران!
واتجهت لتغادر مرددة بضيقٍ:
_انا هطلع أغير هدومي وأخرج.. حاسة إني مخنوقة ومحتاجة أشم شوية هوا نقي.
استقام عمران بوقفته وأردف بعد تفكير:
_طيب أيه رأي حضرتك لو خرجنا كلنا لل beach؟
جذب أحمد جاكيته المنحدر على جانبي الأريكة الجلدية، ليتبع مكان وقفتهما القريب من الدرج:
_فكرة كويسة يا عمران على الأقل فاطيما وزينب يغيروا جو.
منحه ابتسامة عذباء واستدار للفتيات مشيرًا لهن:
_يلا بسرعة غيروا هدومكم وهستناكم بالحديقة.
********
خطت الأقدام أرض مصر بعد ساعات طويلة من السفر الشاق، فاجتمعوا أمام البوابة الخارجية حيث تمكن آدهم من الانتهاء من مخالصة أوراق سيارته ليستلمها من صناديق الطائرة، فتحرك بها ليقابل مكان وقوفهم، فصعد آيوب جواره وبالخلف علي ولجواره شمس ومن جانبها آديرا التي تستكشف مصر لمرتها الأولى، وأكثر ما يلفت انتباهها الطقس الدافئ الذي استقبلها بدفءٍ وراحة غريبة بدأت تنبعث داخلها.
وكأنها تشعر باقترابها من تحقيقٍ ارادة لشيء لا تعلمه، كل ما يتغمدها هي الراحة والسكينة، ارتياح يدغدغ مشاعرها التي خُلقت من العدم.
أصر آدهم أن يصل آيوب وزوجته أولًا ليرى محل اقامته، وبعد طريقًا طويلًا وصل لزقاق الحارة الشعبية، فأشار آيوب له على منزله وطالبه بحرجٍ:
_ده بيتي يا آدهم بس أنا هنزل قدام شوية عند العماره اللي على رأس الشارع دي، معلش تعبتك معايا.
اتبع الوجهة المنشودة مرددًا:
_عيب الكلام ده يا آيوب.. قولتلك ألف مرة احنا اخوات.
ابتسم والحزن لفراقه يلمع بعينيه، فكأنما قرأ ما تنطق به مقلتيه فقال:
_أنا متعمد أوصلك لبيتك عشان أعرف عنوانك.. متنساش أني وعدتك بهدية ولازم هوصلهالك بنفسي بس أوصل زوجتي والدكتور وأستقبلهم بنفسي وبعدين افضالك.
انطلقت ضحكة علي لتشاركهما حديثهما المتبادل، هاتفًا بخبث:
_ويا ترى بقى من حق دكتور علي إنه يعرف أيه المفاجأة المنتظرة ولا ممنوع يا سيادة الرائد.
طالعه آدهم بالمرآة الأمامية وباحترامٍ كبيرًا قال:
_ مفيش بينا أسرار يا دكتور.
وانجرف بنظراته لتلك الفتنة القاتلة التي تختلس النظرات إليه بحبٍ مغري، متابعًا بهيامٍ:
_يعني إنت استئمنتني على أغلى جوهرة عندك مش هستئمنك على أسراري!
ابتسمت وهي تخفض عينيها بخجلٍ، فابتسم علي قائلًا بمرحٍ:
_أممم.. هنبتديها بقى رومانسيات من دلوقتي.. ما صدقت فارقت عُمران فعيارك على وشك إنه يفلت خد بالك!
ضحك الجميع على جملته، فتوقفت السيارة أمام تلك العمارة حديثة البناء، فهبط آيوب أولًا ليلتقف من ينتظره بين أضلعه، والأخر يشدد من احتضانه وقد فقد سيطرته على دمعاته التي انهمرت تباعًا.
راقب علي وآدهم ما يحدث بدهشةٍ، ها هو آيوب يحطم توقعاتهم عن شخصه للمرة التي لن يعلموا بعددها، يعانق شابًا غريبًا يحمل حول رقبته سلسال على شكل الصليب، ليؤكد لهما شكوكهما حينما لفظ بشوقٍ:
_وحشتني أوي يا إيثان.
ابتعد ذاك الشاب الوسيم عنه، واستدار يزيح دموعه مداعيًا ضيقه الشديد منه وقد منحه سببًا مبررًا:
_لو كنت وحشتك زي ما بتقول كنت بعتلي تذكرة للندن أجي ازورك وأقعد أسليك ولا خلاص دكتور سيف بقى هو صاحبك وحبيبك.
وتابع مستنكرًا وهو يلتفت ليقابله بغضب:
_من يوم ما عرفته وهو عامل عليك حجر.. لعلمك لو نزل مصر هكسرله رجله وأخد حقي منه، فاكر نفسه مين المتخلف ده!!
انفجر ضاحكًا وهو يكاد لا يصدق ما يستمع إليه، ماله كلما صادق أحدًا يريد أن يكون صديقه الوحيد، وها هو صديق طفولته ورفيق الحارة الشعبية، الشريك الملتصق بذكرياته يتمرد معترضًا على سفره المفروض ويلقي تهمته على سيف الذي إن علم بوجوده سيكون مصيره هو القتل لامحالة.
تنهد بقلة حيلة وهو يراقب ضحكات آدهم وعلي المكبوتة بصعوبة، وكلا منهما يستندان على جسد السيارة الأمامي باستمتاعٍ، إلى أن أشار له آدهم مازحًا:
_أنا عايز أعرف احنا بنعمل أيه هنا عشان نكون في الصورة بس؟
التقطت أعين "إيثان" هذان الغريبان، فتنحنح علي بثباتٍ مضحك:
_حضرتك احنا منعرفهوش، احنا لاقناه مرمي على الطريق وتقريبًا في حرامية مقلبينه وكان محتاج توصيلة مش كده يا آدهم؟
أجابه مؤكدًا وهو يلمح نظرات إيثان الغاضب:
_هو ده اللي حصل بالظبط... وحالًا هترميله شنطه ومراته ونخلع.
جحظت أعينه صدمة، وكأن احداهن ألقت على رأسه مياه الغسيل من الطابق العاشر كمعتداه، فأخذ يردد من خلفه بنبرة مهتزة:
_مراته؟!!!
واستطرد وصدره يتسع كأنه سيلتهم الاخير:
_عشان كده طلبت مني أروقلك شقة في عمارتي!! حققت كابوس أبوك وراجعاله بخواجيه يابن الشيخ مهران!
ضرب بكفه جبهته بقلة حيلة، وصاح مسرعًا:
_اهدى وهفهمك فوق يا إيثان.
صاح بصوتٍ جهوري:
_تفهمني أيه بس... أنا كنت بعزك من معزة يونس صاحبي وأخويا.. بعد ما اتسجن ظلم وأنا وأبوك بندير محلاته على أمل إنه في يوم من الأيام خارج فيلاقي مشروعه واقف على رجليه، وكل ما الشيخ مهران يعرض عليا إنه يكلمك عشان تنزل وتساعدني في الادارة كنت بعارضه وبقوله يسيبك تركز في مذكرتك وتحقق حلمك في الاخر راجعلي بخواجاية يا شيخ آيوب!!
وتابع وهو يلف يده من حول رقبته بعنف:
_والرب أنا ما عايز أقل قيمتك قدام الناس المحترمة اللي جايبنك دول.. فاطلع معايا نكمل كلامنا فوق.
طلت برأسها من نافذة السيارة فصعقت حينما وجدته يواجه شابًا يمتلك جسدًا كالمصارعين المتوحشين، لا تعلم لما خفق قلبها عنفًا مستطردًا ذكريات ما لاقوه معًا على يد رجال عمها، فانطلقت كالرصاصة القاتلة من باب السيارة إليه، تبعده بكل غضب عنه وهي تصيح بشراسةٍ تفاجئ بها الجميع:
_ماذا تريد من زوجي أيها الحقير؟
وتابعت وهي ترفع حذائها ذو الكعب الرفيع:
_ ابتعد من هنا الآن والا أبرحتك ضربًا.. ودعني أحذرك أنت لا تدري قوة الحذاء المستورد ففكر جيدًا قبل أن تقدم على فعل شيئًا أحمقًا مثلك!
صعق علي وآدهم، حتى شمس التي تتابع ما يحدث بمللٍ، والنصيب الأكبر لآيوب الذي يرى شراسة آديرا الصادمة، بينما تحرك لسان إيثان ناطقًا بسخريةٍ:
_هي الخواجاية دي من بولاق يالا؟!
انكمشت تعابيرها بدهشةٍ، فاستدارت لآيوب تتساءل بحيرةٍ ومازالت تحمل حذائها باستعداد وضعية الهجوم:
_ماذا يقول؟ هل سبني هذا المصري للتو؟!
تدارك الأمر بصعوبة، فهز رأسه نافيًا ومن ثم تقدم يسحب منها حذائها ووضعها أمامها مشيرًا لها بحدة:
_بربك يا فتاة ما الذي تفعلينه؟ هيا ارتدي حذائك قبل أن يتجمع حولنا المارة!
ارتدته ومازالت تقابل نظرات حادة لذلك الإيثان الذي يبادلها بنفس الحدة والغضب، فتركهما وانطلق للسيارة قائلًا:
_هات الشنط واطلع إنت يا آدهم.
تساءل علي باستغراب:
_هو إنت هتقعد هنا؟
نفى سؤاله موضحًا بارتباكٍ:
_لا.. أنا مش هينفع أخد آديرا معايا البيت والدي لو عرف بموضوعنا ممكن يجراله حاجة..عشان كده كلمت إيثان صاحب يونس وجارنا وطلبت منه يوضب شقة في العمارة بتاعته عشان آديرا.. لحد ما على الأقل أقدر أمهد لبابا الموضوع..
هز علي رأسه بتفهمٍ وشجعه بقراره:
_كويس إنك عملت كده.
وضع آدهم الحقيبتين أمامه ورفع كفه يصافحه قائلًا بمحبة:
_حمدلله على السلامة يا آيوب.. خلينا على اتصال لحد ما أقابلك.
هز رأسه بابتسامة جذابة:
_هستنى منك مكالمة بمعاد الزيارة وياريت يكون معاك دكتور علي.
ابتسم علي وأجابه:
_لو كنت فاضي مش هتأخر.. بس أنا يدوب التلات أيام دول هيكونوا كلهم جري وسباق من مكان لمكان عشان أقدر أخلص ونرجع على طول أنا وشمس.
مال آدهم عليه يهمس له وعينيه تتابع شمس التي تتصفح هاتفها بالسيارة:
_ما تسيب شمس وتسافر إنت يا دكتور!
_طب وامتحاناتها يا سيادة الرائد!
وتابع بخبثٍ مضحك:
_شكلي بطيبتي مش هنتفق مع بعض فأيه رأيك أسافر أنا وأبعتلك الطاووس الوقح تتشاور معاه عن الأمر ده.
ابتلع آدهم ريقه بصعوبة مداعيًا خوفه الشديد:
_شنطها هتكون في المطار قبل شنطك يا دوك... مش بيقولك الشرطة في خدمة الشعب وأنا بقى تحت أمرك!
ضحك ثلاثتهم ثم دعوا آيوب للمرة الاخيرة، وانطلقت سيارة آدهم لطريق منزله.
حمل إيثان وآيوب الحقائب للأعلى ومن خلفهما صعدت آديرا، فاتجهت لاحد الغرف تنتظر آيوب كما أخبرها، بينما جلسا معًا في الصالون المجاور للشرفة الرئيسية، فأسرع إيثان بسؤاله المتلهف:
_عملت كدليه يا آيوب؟
تراجع بظهره ليحصل على جلسة مريحة، مرددًا بتعبٍ إلتمسه صديقه:
_حكاية طويلة أوي يا إيثان.. أرجع بس البيت أخد دوش وأريح ساعتين وبعدها هحكيلك كل حاجة.
وتابع بصوتٍ مزقه الألم والحنين:
_تعرف أول ما نزلت من العربية وشوفتك حسيت ان شوية وهشوف يونس.. لانكم مكنتوش بتفارقوا بعض أبدًا.
وانهمرت دمعة من عينيه تقص وجعًا يخوضه منذ أن وطأت قدميه الحارة:
_مش عارف هدخل بيتي ازاي وأنا مش شايفه فيه، أنا كنت شايل هم رجوعي عشان اللحظة دي يا إيثان.. هيجيلي نوم ازاي وأنا شايف سريره اللي قصادي فاضي.. هقدر أتحمل وأنا طالع البيت وشايف اسمه على يافطة المحل!!
تربع الوجع وحل الوجوم على وجه الاخير، فأخبره بصوتٍ محتقن:
_مش لوحدك يا آيوب.. محدش حاسس بالنار اللي قايدة جوايا.. طول السنين دي بحاول أوصله أنا والشيخ مهران ومش عارفين نوصل لحاجة.. أنا بقيت حاسس إني بدور على شيء وهمي مالوش وجود.. بقيت خايف أصدق حقيقة إنه ميت مش عايش..
وتابع ببسمة حملت معاني الألم من أوسع أبوابها:
_يونس على الرغم من تدينه عمره في يوم ما حسسني إني مسيحي أو نفر مني.. كان بيتعامل معايا معاملة الأخ لأخوه وكل ما أنكشه يقولي المعاملة الحسنة اللي بينا أنا عمري ما هفرض عليك شيء.. كنت بحترمه وبحب طريقة تفكيره.
واتسعت ابتسامته وهو يقص لآيوب بأعين بكت دماءًا:
_من حبي فيه كنت بفضل طول رمضان أجهز واجبات وعصاير وننزل أنا وهو وقت الآذان نوزعها كلها، ولما يسبني وروح يصلي ورا الشيخ مهران في المسجد كنت بقعد قدام الباب أستناه عشان أديله وجبته وكان بيرفض يأكلها لوحده كنا بنتقاسم فيها مع بعض..
تهاوت دموع آيوب دون توقف، فرفع إيثان ذراعه يمسح عينيه وهو يستطرد:
_أنا لسه بعمل كده لحد النهاردة يا آيوب بجهز واجبات وبوزعها وأنا بتمنى من قلبي إنه الثواب يروحله هو ويخرج من أزمته.. وكل رمضان بعلق الزينة بنفسي قدام محلاته زي ما كان بيعمل بعمل على أمل لما يرجع ميحسش بالتغيير مع إن في غيابه كل شيء اتغير!!
دفع إيثان الطاولة من أمامه وانهار باكيًا، وهو يحيط وجهها بساعديه، هادرًا بانفعالٍ:
_كل اللي حصله ده بسبب بنت ال***، اللي عملته معاه خلاني كرهت الحب والستات، مبقتش قادر أمن لواحدة ست، الغدر اللي شافه على ايدها بعد قصة الحب الاسطورية دي خلتني أخاف يا آيوب... كان عايش بيتمنى اليوم اللي هيتجوزها فيه.. مفرحش حتى بشقته اللي تعب فيها.. ١٥يوم بعد جوازه منه وابن عمها الحقير رتبله كل ده وحبسه وجيت هي وكملت عليه ورفعت قضية الخلع عشان تتجوز الكلب اللي اتجوزته..
ولطم صدره مستهدفًا موضع قلبه:
_قلبي كان بيتحرق عليه... أنا عارف إنه قوي وصبور بس بعد ضربتها دي فأنا متأكد إن يونس مات في اليوم اللي عرف فيه باللي عملته.
واستدار بوجهه لآيوب المستند برأسه للخلف بانكسارٍ، يخبره بفرحةٍ وشماتة:
_اللي مهونها عليا اللي بيحصلها.
ضيق عينيه بعدم فهم، فاستكمل إيثان بايضاح:
_كل يوم والتاني بتيجي لامها غضبانه.. الكلب جوزها بيضربها وبيهنها.. بيخلص حق يونس منها، بتيجي تقعد اسبوع والتاني وبيرجعها بردو بعلقة قدام الحارة كلها.
جز على أسنانه بغيظٍ وهو يقول:
_بس اللي قهرني إن مفيش حد بيتدخل بينهم وبيحل الا أبوك.. الشيخ مهران!! كأنه نسى الأذية اللي قدمتها لابنه الكبير.. مبقتش استغرب منه لإني عاشرته وعارف إنه رباكم على عدم رد الأذية بالأذية.. بحاول أفهمه إنها متستحقش المعروف بس مش سامع كلامي.
تحرر آيوب من صمته أخيرًا، فربت على ساقه بحنانٍ وأمل يوُلد داخله:
_انسى اللي فات وفكر في بكره.. أنا واثق أن فرج يونس جاي وقريب أوي كمان.
واستقام بوقفته يتابع:
_خد شنطتي واستناني تحت وأنا خمس دقايق وهحصلك.
حرك رأسه بخفة وحملها واتجه للاسفل، وولج آيوب للداخل طارقًا باب الغرفة، وما أن استمع لصوتها يسمح له بالدخول، عرج للداخل فوجدها تتمدد على الفراش بارهاقٍ.
منحته ابتسامة كانت غامضة إليه، لا يعلم ماذا أصابها منذ أن أعتنقت الاسلام على يد عُمران، طال صمته مما دفعها لتتساءل:
_أأبرحك ذاك المزعج ضربًا؟
فشل بكبت ضحكة تمردت على وجهه الوسيم، فحك أنفه وهو يردد:
_آديرا إيثان صديقي وما حدث بالأسفل لم تكن مشاجرة بيننا إنما هو عناقًا رجوليًا، ولنقل أننا نحن المصريين حينما نشتاق للقاء أحدًا نعبر بطريقة مختلفة عنكم.
هزت رأسها بعدم اقتناع ورددت بعربية مضحكة:
_آيوب أنا عاوز أهرج (أخرج) وشوف مصر.. من زمان نفسي شوفه.
رمش بعدم تصديق، وردد:
_منذ متى وأنتِ تتحدثين العربية؟
ضحكت وهي تخبره بمزحٍ:
_أنا لا أتحدثها ولكني كنت أحيانًا أتلصص على حديثك أنت وأصدقائك بالأخص ذلك المتوحش اللطيف!
ضحك بملئ ما فيه، فراقبت وجهه الضاحك بهيامٍ وكأنه بدأ يلقي سحره عليها، سيطر على ضحكته وقال وهو يدعي ثباته:
_حاضر يا ستي عيوني.. هفرجك على مصر وهعمل معاكي الواجب كله بس أنا في حاجة عايز أقولك عليها.
انزعجت تعابيرها بعدم فهم لحديثه، فزم شفتيه ساخطًا على حماقته وصاح:
_أعدك بأنني سأخذك برحلة فريدة من نوعها ولكن علي إخبارك بأمرٍ هام.
هزت رأسها تصرح له الحديث، فقال:
_عائلتي لا تعلم شيئًا بخصوص زواجنا، فلا أريد أن أفاجئهم بأمرنا الا بعد أن أتحدث إليهم أولًا لذا أريدك أن تبقي هنا حتى أصرح لهم بذلك.
تجهمت معالمها حزنًا، ورددت بحسرةٍ:
_ولكنني كنت أتلهف للقاء والدك.. لقد أخبرني المتوحش بأنه من سيمسك يدي لأول طريق الإسلام..وأنا أود ذلك... كنت أتأمل أن ألقاه فيخبرني عن دينكم.
تأثر لما استمع إليه لدرجة جعلته يبتسم بحبٍ تراه بمقلتيه لأول مرة، فرفع يده ببادرة جديدة عليه وضم جانب وجهها قائلًا برفقٍ:
_أعدك بلقاءٍ قريبًا به..ولكن دعيني أمهد له الأمر أولًا.
هزت رأسها بخفة وابتسامتها تقص سعادتها باقترابه منها لهذا الحد، سحب كفه متنحنحًا بتوترٍ، ونهض مسترسلًا:
_سأغادر الآن.. وربما أعود الغد.
وتركها وغادر على الفور، ليذهب برفقة إيثان للقاء والده "الشيخ مهران"
*******
طاولة خشبية بيضاء تلتف من حولها المقاعد الفخمة، وضعت خصيصًا على الجسر الخشبي المتصل لمسافةٍ كبيرةٍ من البحر، والخضرة والأشجار تحيط من حولهم.
هنا حيث تجلس فاطمة جوار زينب تتبادلان الأحاديث بمرحٍ وسعادة ويتعمق الحديث بينهما لأول مرة، ومن قبالتهما مايا وفريدة وعلى رأس الطاولة أحمد الذي يتابع جهاز البورصة العالمية، بينما بالابتعاد عنهم قليلًا، وبالأخص بمنتصف البحر يقف عُمران على اللوح الطائر (الفلايبورد) ، يتصل بخرطوم يصل لذاك السائق الذي يترك التحكم لعمران المستمتع بمغامرته المفضلة.
يتطاير باللوح أعلى المياه ومن ثم يصل علو الارتفاع لمسافة كبيرة، وينحني فجأة ليصل مرة أخرى للمياه.
تابعته الفتيات بخوفٍ، فكانت زينب أول من رددت:
_هو مش خايف البتاع ده يغطس في الميه؟
ابتسمت فريدة وتركت مجلتها، ثم أجابتها:
_متخافيش عُمران شاطر جدًا وبيعرف يتحكم فيه.
خطفت نظرة سريعة لزوجها وقالت:
_أنا كمان بحب أركبه جدًا، بحس إني زي الطير اللي في السما وبجرب احساسه وهو بيقرب من المية.
تعانقت نظراتهما بحبٍ، والصمت يتلاعب بينهما إلى أن تساءلت مايا باهتمامٍ:
_بجد يا فريدة هانم ركبتيه قبل كده؟
ابتسمت وهي تلتقط كوبها من الشاي الأخضر، هاجسها الاكبر للحفاظ على وزنها المثالي:
_أيوه ركبته مرتين قبل كده مع عمران بس من زمان أوي كنت صغيرة عن كده أكيد.
مال أحمد إليها يحتضن كفها برقةٍ أذابتها كقطعة شوكولا تستجيب للنيران:
_ومين قالك إنك كبرتي يا حبيبتي، إنتِ لسه زي ما انتي بالعكس أنا حاسس إنك بتصغري عن الأول..
وتابع وهو ينحني بقبلة على أصابعها:
_هتفضلي في نظري أجمل ست شافتها عنيا واتمناها قلبي.
ضحكت الفتيات وكلا منهن تميل بحلمية، افتقادًا لمذاق الحب المميز كحبهما، فاقت فريدة من شرودها بعينيه الرومادية، فسحبت كفها بخجلٍ.
اتسعت ابتسامة أحمد وتابع وهو يلتقط قطعة من الكعك:
_مش حابة تعيدي التجربة للمرة التالتة؟
رمقته بذهولٍ، وتسلل لها ابتسامة فرحة، ممتنة لوجود ذلك الرجل الذي يشجعها دومًا على فعل ما يجعلها سعيدة، محطمًا عوائقها التي تصنعها وتضعها أمام نفسها.
رددت وهي تنحني تنزع حذائها المرتفع:
_حابة جدًا.
انهت كلماتها وهي تبعد مقعدها وتسرع لأخر الجسر الخشبي حافية، تشير بيديها وهي تنادي متلهفة:
_عُمــران!
انتبه لها فاتسعت ابتسامته وهو يلبي ندائها، أسرع إليها يخطف يدها لتضع قدميها أمام قدميه، ويده تحيط خصرها، ارتفع بها عاليًا وهي تفرد ذراعيها وتغلق عينيها بقوةٍ، تاركة الهواء يحرك خصلاتها السوداء بدلالٍ.
تركت ذاتها لخوض تلك التجربة التي كانت بحاجة لها، راقبها الفتيات بصدمة وأخر ما يتوقعوه رؤيتها تشارك عمران اللوح الطائر المائي، وابتسامتها الواسعة تلك تجعلهم بحيرة من أمرها.
مالت فاطمة على زينب تهمس لها:
_مستحيل دي تكون فريدة هانم!! حاسة إني مع الوقت بكتشفها من أول وجديد!
ابتسمت زينب وقالت وهي تراقبهما:
_تعرفي إني بحب علاقتها بعمران ده أوي... بحسه إنه بيتعامل معاها معاملة خاصة كده.. مش معاملة الابن لأمه أبدًا.. بيتعامل معاها كأنها أخته الصغيرة وده مخليني مستغرباه جدًا!!
أجابتها وهي تسحب هاتفها لتراقب بلهفة رقم علي عساه أرسل برسالة دون أن ترآها:
_دي شخصية عمران.. صعب تكون مفهومة.. بس المؤكد بالأمر إني برتاحله وبثق فيه جدًا... ويمكن ده اللي خلاني بحب شغلي!
ضمت مايا رأسها بتعبٍ، لا تعلم لما عاد لها هذا الصداع الصباحي والنفور المتكرر من الطعام، حاولت أن تستمد طاقتها من كأس البرتقال الموضوع من أمامها، فشعرت بأنها تحسنت قليلًا.
انتبهت لصوت عمران يناديها، فتطلعت تجاه الجسر الخشبي فوجدته يعاون فريدة على الهبوط ويشير لها قائلًا بخبث لم تلاحظه بنظراته الماكرة :
_مايا لو سمحتي اديني موبيلي.
انساقت وراء خديعته، فانطلقت حاملة الهاتف تقدمه له، فوجدته يقبض على كفها الحامل للهاتف ويقربها لنهاية الجسر، انقبض صدرها وجحظت عينيها بفزعٍ، فصرخت به وهي تتراجع للخلف بخوفٍ:
_عُمــــــــران لأ.. انت عارف اني بخاف!!
ضحك وهو يراقبها، تكاد تتمدد أرضًا لتفلت من يده، فردد لها بخبث:
_معقول معندكيش ثقة فيا يا بيبي!!
جذبت يدها وهي تستجديه بعشقه:
_لو بتحبني سبني أنا خايفة بالله عليك!
وتابعت وهي تتأمل انغراس قدميه بالمياه:
_آآ.. انا أساسًا دايخة من الصبح.. سبني!
ضيق رماديته الساحرة ومازال يراقبها باستمتاعٍ، فرفعها بسهولةٍ إليه وتابع بهمسٍ أربكها:
_حبيب قلبي خايف وهو في حضني؟!
وأشار لها وهو يسحبها إليه كالمسحورة بتعويذة قوية:
_حطي رجلك هنا وأنا همسكك متخافيش يا بيبي!
اتبعته وعينيها لا تفارق خاصته فابتسم بحبٍ لها، حتى ارتفع بها للأعلى فاستعادت وعيها تدريجيًا، فانطلق صراخها يجلل من فوق المياه هاتفة بتوسلٍ:
_نزلني يا عُمرااان... نزلني لأااا... يا فريدة هانم الحقيني قوليله ينزلني... لااااا... يا خالتووووووو.... يا أنكل أحمد اتكلم بالله عليك!
تعالت ضحكاتهم جميعًا، ونهض أحمد يتجه لحافة الجسر يشير له:
_هاتها يا عُمران.
أشار له بالرفض وصاح بصوتٍ مرتفعًا ليصل إليه:
_مينفعش مراتي تكون جبانة!
صرخ الاخير وهو يتطلع للاعلى حيث المياه المتدفقة من اللوح:
_حرام عليك البنت خايفة!
تعلقت مايا برقبته فجعلته يقهقه ضاحكًا، وكل ما تردده:
_نزلنـــــــــــــي... نزلنـــــــي!!
تمسكت به بقوةٍ واستدارت لتقابله، فانحنى ووضع يديه أسفل ساقيها ورفعها إليه وفستانها ينحدر من خلفها.
مالت على صدره مغلقة العينين هامسة برجاءٍ:
_نزلني يا عُمران أنا خايفة.
أجابها ساخرًا:
_خايفة من أيه وأنا شايلك على قلبي؟ تحبي تطلعي فوق كتفي أضمن؟
تمسكت بالحبل الرفيع الخاص بالفانِلّة التي يرتديها وبتعبٍ هاجمها فجأة قالت:
_عُمران أنا دايخه أوي حاسة إني آآه........
مال رأسها على صدره مستجيبًا لأغمائها، ساحبة قلبه من خلفها، ظنها تخدعه ليهبط بها، فأخفض ساقيه واتجه للجسر الخشبي.
وضعها برفقٍ ونزع عنه الاربطة ليلحق بها على الفور، رفعها إليه وهو يناديها بفزعٍ:
_خلاص يا حبيبتي نزلنا.. افتحي عينك يا مايا أنا آسف والله ما كنت متخيل إنك بتخافي للدرجادي.
نثر المياع على وجهها ولكنها لم تستجيب إليه، فصرخ برهبةٍ جعلت العائلة تنتبه إليه:
_مايـــــــــــا!!
**********
صف آدهم سيارته بالجراج الخاص بمنزله، فهبط مسرعًا يفتح الباب الخلفي مرددًا بنبرة حملت رسالة حبه المبطنة:
_شمس هانم.
منحته بسمة رقيقة جعلته يشعر بانتعاشة قلبه، حملت طرف فستانها الأزرق وهبطت بخفة تتبعه للباب الجانبي ومن خلفه علي الذي يردد باحراجٍ:
_مكنش له داعي يا آدهم أنا حجزت سويت ليا أنا وشمس في فندق قريب هنا.
احتج لما يبرر له، وصاح باصرارٍ:
_فندق أيه اللي عايز تنزل فيه يا علي.. هو إنت مش مديني ثقتك ولا خايف لمنقدرش نقوم بواجب الضيافة يا دكتور!
تعمق بالتطلع إليه وبيأسٍ واستسلامًا أردف:
_إنت عنيد.
أكد له بإيماءة من رأسه وابتسامة واثقة، وأشار له لباب الدخول:
_اتفضل يا دكتور.
باغته بنظرة تجابهه وبنفس اشارته قال:
_من بعدك سيادة الرائد.
تقدمه آدهم واتبعه علي بعدما لف ذراعه على كتف شقيقته بحنانٍ، صعدوا الطابق الأول من المنزل، حيث كان عبارة عن ثلاث طوابق، وحديقة متوسطة الحجم، وعلى الرغم من أنها سكنت بڤيلا وقصرًا ضخمًا عن ذلك المنزل الا أن ذوقه الراقي جذبها منذ أن وطأت قدميها عتبة المنزل.
اتجهوا للصالون الجانبي حيث كان مصطفى والده بانتظارهم على مقعده المتحرك، فما أن رأهم حتى فتح ذراعيه وهو يردد بصوتٍ متحشرج:
_عمر.. ابني!
ترك الحقائب من يديه وهرع ينحني بقامته الطويلة ليكون على نفس مسافة أبيه يضمه بقوةٍ، والاخر يتشبث به وكأنه عناقهما الأخير، يعاتبه بدمعٍ أبي:
_كده هان عليك أبوك تسيبه كل المدة دي.
ابتعد عنه يرفع يديه يقبلهما معًا ومن ثم يعلو ليطبع قبلة على منبت شعره الأبيض:
_حقك عليا يا صاصا.. ما أنت عارف إن المهمة دي كانت بالنسبالي حياة أو موت... حق ماما الله يرحمها كان دين في رقبتي ومكنتش هرتاح الا لما أخده.. ناري مبردتش غير وأنا شايفهم سايحين في دمهم.
يعلم أنه عنيدًا لا يرضخ سوى للصائب من وجهة نظره، ولكنه بالنهاية سعيد لعودة حق زوجته الغالية، فربت عليه بحنان وقال:
_المهم انك رجعتلي يا حبيبي... كنت خايف أموت من قبل ما أشوفك.
أحاط وجهه بلهفة وألم:
_بعد الشر عليك متقولش كده.. أنا مبقاش ليا غيرك يا بابا.
واستطرد بمزحٍ وهو يدفعه بخفة:
_وبعدين بقى معاك يا لئيم جايبني من أخر الدنيا عشان تفاتحني عن جوازك وقصة حبك اللي معرفهاش يا شقي ودلوقتي بترسم عليا حوار الأب اللي طالب ابنه يبلغه الوصية.. عليا يا صاصا؟!
لكزه وصوت ضحكاته يطربه ويطرب سماع علي وشمس المتابعان لما يحدث بحبٍ تاركين لهما مساحة خاصة، إلى ان انتبه مصطفى لهما فقال بفرحة وعينيه تطوف زوجة ابنه:
_بسم الله ما شاء الله... دي أكيد شمس صح؟
أكد له آدهم ونهض يجذبها لتقترب منه:
_شمس ده بابا..تقدري تناديه بصاصا هيحبك أوي!
ضحكت برقةٍ ومدت يدها إليه قائلة على استحياء:
_اتشرفت بحضرتك يا عمي.
امتنع بوضع كفه بكفها وردد بحزن مضحك:
_ده سلام بين الأب وبنته بذمتك!
ولكز آدهم بعنف وهو يتابع:
_اشمعنا الواد ده يتأخد بالاحضان وأنا لأ! أين المساواة؟ أين العدل؟ أين الحكومة؟
ضحك آدهم وقال:
_الحكومة مرة واحدة! ميمشيش معاك الأمن القومي!
ارتبكت بوقفتها، لم تختبر يومًا شعورها بوجود أبًا يضمها لصدره، فاستدارت تجاه علي الذي حرك رأسه لها، فانحنت تحتضنه بتوترٍ.
ربت على ظهرها بفرحةٍ وقال:
_نورتي بيتك يا بنتي.
ابتعدت تجيبه على استحياء:
_منور بوجود حضرتك يا عمي.
سألها بمرحٍ وهو يتمعن بها:
_انتِ جاية مع الواد ده لوحدك؟
اقترب علي ليظهر بالصورة المنتقصة يصافحه بابتسامة جذابة وعلى نفس وتيرته المرحة قال:
_معندناش بنات تسافر لوحدها وبالذات مع ظابط خطير زي سيادة الرائد.
ضحك بعلو صوته وقال بفرحة كأنه أحرز هدفًا على ابنه:
_والله باشا... أبويا زمان علمني مثقش في اتنين لا في الحرامي ولا الظباط ومتسألنيش ليه!
ضحك علي وسأله:
_طيب أثق في مين طيب؟
قال من وسط ضحكاته:
_جدد ثقتك في الظباط لو ابني عرفك على نفسه وهو بإسمه اللي مستعر منه لكن لو دخلك من صيغة الاسم التاني فاهدر كل ثقتك بالجيش والحكومة وبابني قبلهم!!
ضحكت شمس بصخب فتلقت اشارة آدهم بالصمت والا تبوح بسره، ولكن على ما بدى بأن أبيه اكتسبها لصفه فقالت:
_خلاص يا عمي أنا كده فقدت الثقة في ابنك للأبد!
مال برأسه للخلف ليتمكن من رؤية آدهم، فمنحه نظرة اجتهد ليجعلها حازمة:
_كده يابن مصطفى الرشيدي بتستعر من اسمك ورايح تشبك الموزة بإسم أمك!
ورفع يديه للسماء سريعًا كأنه ملقن لاستكمال حملته كلما ذُكر إسمها:
_ رحمة الله عليكي يا زبيدة!.
واستدار يستكمل:
_ابقى خلي أمك تنفعك يالا!
ورفع يديه يردد:
_رحمة الله عليكي يا زبيدة.. سامحيني يام عمر الواد ده مستفز!
سقطت شمس على أخيها من فرط الضحك وآدهم يفور غيظًا، فأشار بيديه على الخادمة وهو يجاهد لاغتصاب ابتسامة هادئة:
_اتفضل يا دكتور... مارينا خدي الدكتور والهانم لغرفهم أكيد تعبانين من السفر واتأكدي ان مش ناقصهم حاجة.
أشارت له باحترام واصطحبتهما للأعلى، فبقى آدهم بصحبة أبيه بمفردهما، سحب آدهم مقعدًا ووضعه أمام أبيه يطالعه بكل حبًا، والدفء يتسلل لنبرته الرخيمة:
_ها يا حبيبي أيه الموضوع الخطير اللي باعت تجبني من لندن عشانه؟
.......يتبع.....
#صرخات_أنثى... #حبيبتي_العبرية... #آية_محمد_رفعت..
******_______*******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثاني وخمسون 52 - بقلم آية محمد رفعت
من بين الظلام اخترق طفيف من الضوء النافذ عتمته، ومن خلفه صرير الباب الذي تحرر بعد اثنا عشر ساعة، انتشر الذهول على معالمه، لاعتياده على مواعيد فتح باب زنزانته.
اعتدل بجلسته يتحسس الحائط حتى استقام بوقفته، يتسلل لآذنيه صوت دعسات حذاء ثقيلة، تشير على ثقة صاحبها، لتنتهي قبالته بالتحديد، ومن بعدها يقتحم قاعة صمته صوتًا بشريًا يحدثه بعد غيابًا من سماعه لأحدٍ يناشده:
_عامل أيه يا يونس؟
سؤال شعر بأن اجابته ستكون ساخرة لدرجة ستجعل من أمامه يأمر بتعذيبه على الفور، فمن المؤكد بأنه يمتلك منصب مرموق كونه تمكن بالدخول إليه هنا، فاكتفى بالصمت وعاد يجلس أرضًا، واضعًا عينيه بنقطة الفراغ المعتاد.
انخفض ذاك الغريب إليه، يخبره بغموضٍ:
_مش عايز تعرف أنا مين وجايلك ليه؟
ابتسم بألمٍ، وبسخرية لم يستطيع كتمها قال:
_متفرقش... شوف شغلك يا باشا أنا جاهز.
اختصر له عذاب سنوات ببضعةٍ كلمات أخبرته بأنه اعتاد العذاب لدرجة جعلته اعتياديًا، ابتلع غصته وقال وهو يدقق النظر إليه في محاولة لمح معالم وجهه بالظلام:
_بس أنا مش جاي أحقق معاك ولا أذيك يا يونس... في شخص غالي عليا بعتني ليك وبسببه فتحت قضيتك واكتشفت الظلم اللي إنت عشته، وعرفت مين اللي ورا سجنك والسبب في عذابك لحد النهاردة.. اتصدمت إن في بينا ظباط معندهمش ذمة قبلوا الرشاوي عشان يعذبوك طول المدة اللي فاتت دي، بس خلاص أنا هخلصك من كل ده... أوعدم انهم هيتحاسبوا قبل ما يتحاسب الكلب ده.
أغلق عينيه بقوةٍ وهتف دون مبالاة:
_مبقاش يفرق... الحياة كلها متفرقليش يا باشا.... لا فارق معايا اللي ظلمني ولا اللي بيحاول يخرجني!
دس يده بجيب سرواله وأخرج هاتفه يشغل وضع الفلاش، ونت ثم سلطه على ملامح وجه يونس فأغلق الاخير عينيه بقوةٍ ووجع من تعرضه للضوء بشكلٍ مباشر، وبعدها بدأ يفتح عينيه تدريجيًا حتى اعتاد على الاضاءة ورؤية ملامح ذلك الرجل الجالس أمامه، تغلقت نظرات يونس به، كان يحمل بمقلتيه خصال القوة والنزاهة وكأنه انطلق من غياهب الظلم ليخبره بأن الخير مازال صامدًا، يخبره بأن وإن كانت ظنونه بأن العالم أغلبه يملأه الشر فهناك نسبة ضيئلة من الأخيار..
تحرر من صمته أخيرًا يسأله بفضولٍ أتاه بعد رؤيته لملامحه:
_مين اللي بعتك ليا؟
ابتسم "آدهــم" وهو يخبره:
_تلميذك اللي قضيت أغلب أيام امتحاناته تشتغله مدرس وقهوجي..... ابن الشيخ مهران.
ردد بعدم استيعاب:
_آيــوب!!
#قريبًا... #االاقوى_قادم....
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثالث وخمسون 53 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى..(#حبيبتي_العبرية!)
#الفصل_السادس_والأربعون.
(إهداء الفصل لقارئات الواتباد الغاليات ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
لأول مرة يختبر ذلك الشعور، وللحق كان أصعب ما قابله طوال حياته، تلك الدقائق التي استغرقتها لتستعيد وعيها جعلته يقتل ببطءٍ ساحق، عجزًا تام خاضه وهو تسترخي بين ذراعيه باهمالٍ.
فقد عقله وتفكيره الرزين بتلك اللحظة، فلم يلجئ لأي محاولة تعاونها على الافاقة تاركًا أمرها لعمه الذي يجاهد ليجعلها تستعيد وعيها ومن جواره تجلس فريدة الباكية على ركبتها جوار جسد ابنتها التي قامت بتربيتها وأحبتها أكثر من ابنتها ذاتها.
ومن جوارهما فاطمة وزينب يتابعن ما يحدث بخوفٍ وتوتر ساد الأجواء، ضم "عُمران" رأسها الماسد على قدميه، يربت برفقٍ عليها وهو يناديها بصوتٍ تحرر عن مرقده أخيرًا:
_مايا.. فوقي عشان خاطري!
فتح "أحمد" زجاجة المياه الباردة التي قدمتها له "زينب"، سكبها بكف يده ومرره على وجهها برفقٍ وهو يناديها، فاستجابت له أخيرًا وفتحت عينيها بتمهلٍ وحذر، لتقابل وجوههم المتلهفة، ويدها تفرك جبينها بألمٍ.
رددت فريدة بلهفةٍ، ودموعها جعلت صوتها محتقن بوجعٍ:
_حرام عليكِ يا مايا وقفتي قلبي!
مدت" فاطمة"يدها لتعاون "فريدة على النهوض، فتحاملت بكل ثقلها على ذراعها مما دفعها لتسألها بقلقٍ:
_حضرتك كويسة يا فريدة هانم؟
هزت رأسها بنفيٍ ورددت بخفوتٍ ومازالت تستند على يدها:
_قعديني يا فاطيما.
عاونتها على الفور بكل محبة، ومن جوارها زينب التي أمسكت بيدها الاخرى، فوزعت" فريدة" نظراتها بينهما ببسمة غامضة.
أغلق "أحمد" زجاجة المياه وانتصب واقفًا يطالعها ببسمةٍ هادئة:
_حمدلله على السلامة يا مايسان.
وبمرحٍ قال:
_متخرجيش مع الواد ده تاني لإنه مش بس طاووس ووقح لا لإنه هيقتلك من جنانه في يوم من الأيام.
انتظر أن يجيبه "عُمران" الذي بالطبع لن يمرر حديثه مرور الكرام دون أن يشاغبه بردوده الوقحة، ولكنه مازال يحافظ على صمته بشكلٍ جعل القلق يتسرب لأحمد ولزوجته التي مازالت تتمدد أرضًا ورأسها على ساقيه.
شعر "أحمد" بأنه بحاجة للبقاء برفقة زوجته بمفردهما، فإتجه للطاولة البعيدة عنهما، فاستقامت "مايا" بجلستها حتى باتت قبالته تناديه بخوفٍ من صمته وشروده الغريب:
_عُمران!
مازالت عينيه مسلطة على المياه من أمامه بسكونٍ، رفعت كفها تقربها تضم كفه المسنود لساقه، تحيطه ومازالت تناديه باصرارٍ:
_عُمران مالك؟
رفع رماديته ليقابل نظراتها المهتمة لمعرفة ما أصابه، وجدته يرفع يديه ليحيط بوجهها وارتفع عنها قليلًا طابعًا قبلة أعلى جبينها ومن ثم خطفها بين ذراعيه بقوةٍ جعلتها تتآوه ألمًا.
ربتت على ظهره بحبٍ، طال الوقت بهما وهو لا يتركها مما جعلها تشعر بخجلٍ عظيمًا، فهمست بتوترٍ:
_عُمران احنا مش لوحدنا.
بدى وكأنه لم يستمع إليها، الرهبة من فقدانها جعلته بائسًا، عاجزًا، لا يشعر بشيءٍ الا تصلب جسده وتشتت مشاعره ، وقلبه كالطحونة التي لا تتوقف عن الدوران.
انهارت مقاومة "مايا" وانتفضت ألمًا جينما شعرت بشيءٍ ساخن يبلل رقبتها التي تمايل عنها الحجاب باهمالٍ، رمشت بعدم استيعاب من أنه بتلك اللحظة يبكي!!
طاووسها الوقح يفقد صرامة شخصيته المحكمة أمام لحظاتٍ قليلة من إغمائها، تمسكت به وقالت باحتقانٍ:
_أنا كويسة يمكن بس علشان خرجت من غير ما أفطر... آآآ... أنا... آآ..
لم تجد ما يناسب قولهل بتلك اللحظة، فتشبثت بقميصه ورددت:
_أنا أسفة.
رفع أصابعه لكتفها، يزيح دموعه عن مقلتيه قبل أن يواجهها، تخلى عن جلوسه بركبتيه واستقام بوقفته جاذبها أمامه، ثم إتجه بها للطاولة التي تضم عائلته.
جذب مفاتيح سيارته ومازالت يده تحكم مسكة يدها، وإتجه بها ليغادر فأوقفته فريدة المتسائلة بذهولٍ:
_رايح بيها فين يا عُمران؟
توقف عن الخطى وأجابها دون أن يستدير، تهربًا من أن يلاحظ أحدًا بأنه كان يبكي للتو:
_هنروح المستشفى نعرف سبب الأغماء ده.
مدت يدها الاخرى تتمسك بذراعه:
_أنا كويسة قولتلك اني مفطرتش عشان كده آآ..
قاطعها ووجهه يميل لمقابلتها:
_قولت هنروح المستشفى يعني هنروح!
شعر "أحمد" بخوفه الشديد، فقال برزانةٍ:
_روحي معاه يا حبيبتي.. يمكن يكون ضغطك واطي أو عندك أنيميا فالأفضل نطمن عليكي.
هزت رأسها باستسلامٍ ولحقت به للسيارة، صعد لمقعد السائق وانطلق بها ويده تعبث بهاتفه حتى حرر زر الاتصال، واضعًا سمعته الحديثه على أذنيه، وما هي الا ثواني حتى سمعته يقول:
_إنت فين يا يوسف؟
خليك عندك أنا جايلك!
وألقى سماعته قبالته دون أن يضيف حرفًا واحدًا، مما جعل الخوف يتعمق داخلها، ليس ما يقلقها تشخيص حالتها القلق الأكبر كان عليه.. على تلك الحالة الغامضة التي تستحوذ عليه بالأخص!
*******
_في أيه يا بابا، بقالك ساعة بتتهرب من إجابة سؤالي، أنا مش فاهم أيه اللي مخليك متردد تتكلم بعد ما كنت مُصر جدًا على نزولي من لندن!!
ردد "آدهم" جملته بضيقٍ شديد، بعد أن فشل في سبر أغوار أبيه، ولكنه كان مبهمًا لمرته الأولى، تنهد "مصطفى" بحزنٍ زحف كالوحش القاتل ملامحه الطيبة، فقال وهو يجاهد لرسم ابتسامة فشلت باخفاء حزنه:
_عمر أنا مش بخبي عليك حاجة بس أنا مش حابب نتكلم دلوقتي.
هز رأسه باحترامٍ وبالرغم من عدم اقتناعه تمسك بثباته:
_طيب يا حبيبي حابب نتكلم أمته؟
رد عليه بعقلانيةٍ:
_لما مراتك وأخوها يسافروا.
زوى حاجبيه بحيرةٍ، وتأكدت شكوكه أن ما يخفيه أبيه ليس بالأمر الهين:
_طيب أقدر أعرف ليه؟
حرك زر مقعده فتحرك به تجاه غرفته، اتبعه آدهم وهو يستمع له يخبره:
_مينفعش نقصر في استضافتهم هنا.. ومينفعش كمان مع أول زيارة ليهم يحسوا بالخلافات بينا.
اتجه لفراش أبيه يجلس أمام مقعده بصدمةٍ:
_خلافات!! للدرجادي يا بابا!
أخفض الأب عينيه للأسفل بانكسارٍ جعل آدهم يندفع أسفل قدميه، يقبل يديه بحبٍ اندث بنبرته الحنونة:
_عمر ما في خلافات هتكون بينا في يوم من الأيام، أنا بس قلقان عليك ومحتاج أفهم مالك عشان أحاول أساعدك.
هز رأسه وعينيه تتهرب من لقاء خاصته، قائلًا بصوتٍ محتقن:
_أكيد هيجي الوقت المناسب وتسمعني... المهم دلوقتي تطلع تستريح إنت لسه راجع من سفر.
حزنه، انطفاء ملامحه، كل شيءٍ به يمزق قلبه هلعًا لما يخفيه، فأراد أن يرسم الابتسامة على وجهه قبل أن يتركه، فقال بابتسامة مرحة:
_يا درش لو عامل كل ده علشان تتجوز صارحني وأنا هنقيلك بنفسي.
تعالت ضحكات "مصطفى"، وقال وهو يزيح ما علق بعينيه:
_ مش عارف أيه القناعة والثقة الغريبة اللي عندك من نحيتي دي إنت مش شايف حالتي!! جواز أيه ده أنا محتاج أكتب كتابي على سرير مريح في المستشفى!
عاد يقبل يديه مجددًا، هاتفًا باحتجاجٍ:
_بعد الشر عليك متقولش كده... أنا مبقاش ليا غيرك يا بابا.. إنت عيلتي الوحيدة اللي بمتلكها!
بعد نطقه لجملته الاخيرة انهمر الدمع المحتبس بأعين والده، فأسرع بمسحهم وصاح بصوتٍ جاهد لجعله مارحًا:
_بطل تمارس ذكاء المخابراتية ده عليا يا واد.. ويلا قوم غير هدومك وسبني أريح شوية.
انتصب بوقفته يغادر وهو يخبره:
_ماشي يا درش بس اعمل حسابك من النجمة هتلاقيني عندك بروق الأوضة وهصحيك أحميك بإيدي زي زمان.. والمرادي جبتلك شاور وكريمات إنما أيه!
ابتسم بمحبة وردد بحزنٍ:
_أهو أنا بستنى رجوعك علشان الدلع ده.
أشار له وهو يغلق بابه:
_تصبح على خير يا صاصا.
رد عليه بخفوتٍ:
_وإنت من أهل الخير يا حبيبي!
*********
تحركت بسعادةٍ كبيرة جعلتها تصغر بالعمر عشرون عامًا، تعلم بأن اغلب نساء الحارة يجدون أمرها مضحك بأنها تمتلك شابًا جامعي، ومن بعمرها يكن أحفادهن بمثل عمر ابنها، فقد جنت ثمار صبرها بعد عشرون عامًا منحها الله عز وجل مكافآة ابنًا بارًا كآيوب.
أسرعت الحاجة "رقية" بتنظيم سفرتها الصغيرة قبل عودة زوجها وابنها من المسجد لآداء صلاة المغرب، فقد تعمدت بصنع جميع أصناف الطعام الذي يحبه ابنها، وما ان انتهت حتى وجد زوجها يدفع باب المنزل مرددًا ببسمته البشوشة:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قابلته بابتسامةٍ تناهز خاصته،وبحبٍ عظيم لبت سلامه:
_وعليكم السلام ورحمة الله.
جذبت المقعد للخلف لتستقبل ابنها الذي يتابعهما بابتسامة مشتاقة، استجاب لها وجلس بمقعده،فبدأت بسكب الطعام بطبقه وهي تردد بفرحةٍ:
_كل يا نور عيني...إنت راجع خاسس النص!
ضحك بصوتٍ مسموع وشاكسها:
_ليه يا حاجة هو أنا كنت في الجيش!
أشمر الشيخ "مهران" كم جلبابه الأبيض، ليشرع بتناول طعامه، فتابع حديثهما ببسمة ظهرت على شفتيه المحاطة بلحية وشارب أبيض ينم عن وقاره:
_براحة على الولد يا حاجة.. سبيه يأكل براحته متضغطيش عليه بالشكل ده.
استدارت إليه بابتسامتها التي عرفت طريق قلب عشقها لسنواتٍ طويلة، وقالت بدهاء الأنثى الماكرة:
_لو غيران من اهتمامي بالواد أنقل مكاني للكرسي اللي جنبك وأكلك بايديا، بس لعلمك مش هتقوم الا لما تمسح الاطباق اللي قدامك كلها يا شيخنا ها قولك أيه؟
تعالت ضحكاته وهو يشير مبتسمًا:
_خليكي جنب ولدك الحيلة، أكليه وغذيه براحتك.
وأشار باصبع تحذير لأيوب:
_اسمع كلام ولدتك يا أيوب.. مقدرش على زعل خير وصية رسول الله.
تعمق حبه الكبير بقلب تلك المرأة العجوز، فرددت بصوتٍ هامس:
_عليه أفضل الصلاة والسلام.
وعادت بوجهها لآيوب، فتناول ما تضعه وهو يشير لأبيه بأنه من المحال النفاد من بين يدي الحاجة "رقية"، فأشار له الاخير بقلة حيلة وعجزه التام عن مساعدته!
********
تمدد علي بإرهاق على فراشه بعدما ظل لثلاثون دقيقة يتحدث لفاطمة، وها هو الآن يحظى بفترةٍ راحة بعد رحلته الشاقة، استسلم للنوم سريعًا وبعد دقائق من غفوته القصيرة شعر بثقلٍ جاسمًا فوق رأسه، فتح عينيه بفزعٍ، تلاشى حينما وجدها تتطلع له بعينيها الواسعة وتخبره بوداعةٍ كادت باسقاطه ضاحكًا:
_مش عارفة أنام بالمكان الجديد ده يا علي.
مال على جانبه ولف ذراعيه من حولها قائلًا بضحكٍ أنفلت رغمًا عنه:
_وبعد الجواز هتأخديني أنام في النص ولا أيه النظام؟
ضحكت شمس ورددت بمزحٍ:
_مش هجي معاه هنا أصلًا.. عايزيني يتجوزني ويعيش معايا في لندن أنا مقدرش أبعد عنك ولا عن عمران وفريدة هانم.
تحرك جسدها صعودًا وهبوطًا من فرط الضحك، وقال ساخرًا:
_هو لسه هيتجوزك!! شمس حبيبتي انتي مش مستوعبة إنك خلاص بقيتي مراته، يعني مبقاش فيها اختيارات والشجاعة الجريئة اللي بتتكلمي بيها دي.
وبعد وجهه عن رأسها ليمنحها نظرة مشككة من عينيه الشبه مغلقة:
_عُمران الوقح اللي مديكي الدفعة دي!
هزت رأسها عدة مرات تؤكد له، وأضافت كمن يبلغ باخلاص عن مجرم حكم عليه بالاعدام شنقًا:
_قالي أصدرله الوش الخشب بحيث ميتحرش بيا وأنا هنا في بيته.
صُدم "علي" وسألها بدهشة:
_عشان كده جاية تستخبي في حضني؟!
عادت تهز رأسها عدة مرات، فصاح باندفاع:
_خايفة من آدهم!! ده شخص متربي سبعين مرة!
أغلقت عينيها تستجيب للنوم ورددت بتثاؤب:
_عارفة بس عُمران قالي الشيطان هو اللي مش متربي!
ربت عليها بحنانٍ وقد نجح بكبت ضحكاته مجددًا، فما أن استسلمت للنوم حتى همس بسخطٍ:
_هيعقد البنت المتخلف ده!!!
*******
زفرت بيأسٍ من اقناعه بأن يصلها للمنزل، صمم باصرارٍ أن يجعلها تنتظر بأحد غرف المركز الطبي الخاص بعلي، لحين أن ينتهي "يوسف" وأحد أطباء المعمل بفحص عينة الدم الخاصة بها.
نهضت "مايسان" عن الفراش بمللٍ، وفتحت باب الغرفة ثم خرجت تستكشف المكان بنظرة متفحصة، حيث كان يضم عددًا ضخمًا من الموظفين، يستعدون لاطلاق افتتاح ضخمًا يليق بمركزٍ هام كذلك، وبالرغم من إنه لم يكن على أتم الاستعداد لاستقبال المرضى الا أن "علي" أطلق تعليمات حازمة بعدم قفل المشفى بوجه المرضى، حتى وإن لم يكن الفريق مكتمل وجاهز، يكفي العدد القليل الذي يتولى ادارته "يوسف" بنفسه.
خرجت "مايا" للطرقة الطويلة الفاصلة بين غرف المرضى بضجرٍ، ربعت ذراعيها ومضت بطريقها شاردة، فانفكت تكشيرة معالمها حينما رأت من تقف على بعد مسافة منها، اتجهت لها وهي تردد ببسمةٍ واسعة:
_صبا.. مش معقول!!
انتبهت لها "صبا" التي تجلس بالكافيه الخاص بنهاية الطابق، تحتسي كوبًا من العصير، التفتت للخلف فارتسمت ابتسامة كبيرة على ثغرها، لتقابل ضمتها بترحابٍ:
_مايا!!
ابتعدت عنها تسرع يسؤالها الفضولي:
_بتعملي أيه هنا؟!
ردت عليها وهي تشير على أحد الغرف:
_أنا هنا مع حماتي وجمال جوزي.. أصل دكتور علي صمم إنها تخرج من المستشفى اللي كانت بتعمل فيها العملية وتيجي تتابع هنا، فأنا بقعد معاها يوم وجمال يوم، بس لإن المركز جديد ولسه الافتتاح عليه بدري مش بلاقي حد غير الممرضين والفريق الطبي فبخرج اتمشى بالطرقة وبرجعلها تاني.
هزت رأسها بخفة وقالت:
_ربنا يعافيها وتقوم بألف سلامة.
رددت بتمني:
_يا ررب..
وسألتها بنظرة حائرة:
_وانتِ جاية مع البشمهندس عمران تتمي على الديكور ولا أيه؟
ضمت شفتيها معًا بضيقٍ، ورددت:
_أبدًا والله انا محبوسة هنا غصب عني مش بمزاجي.
برقت بدهشةٍ، فتابعت مايا توضح لها:
_خرجت النهاردة من البيت من غير فطار فدوخت شوية وحصلي اغماء.. عمران شبه اللي مصدق وجابني هنا لدكتور يوسف سحب مني عينة دم وحاليًا منتظرين النتيجة ومصمم مرجعش البيت من غير ما النتيجة تطلع ويتكتبلي العلاج اللازم.
ابتسمت بهيامٍ، وكأنها تسمع أحد قصص الروايات الاسطورية:
_أممم طيب وانتِ أيه اللي يزعلك المفروض تكوني مبسوطة إنه بيحبك وخايف عليكي.
تنحنحت بخجلٍ:
_ايوه بس الموضوع مش مستاهل.
ردت عليها بابتسامةٍ هادئة:
_متقلقيش هتكون حاجة بسيطة متستهلش قلقه ولا توترك بإذن الله.
واستطردت وهي تتجه لغرفة والدة زوجها:
_هروح أبص على المحلول عشان لو خلص.
أشارت له بتفهمٍ واتجهت لغرفتها مجددًا.
******
ولجت لغرفتها فوجدته يغفو على الأريكة المقابلة لفراش والدته، اتجهت "صبا" إليه تهزه برفقٍ:
_جمال... جمال!
فرك عينيه يعافر آثار النوم الذي يداعبه:
_أيوه يا صبا.. ماما صحيت؟
أجابته بملامح ممتعضة:
_لا لسه نايمة.
اعتدل بجلسته وتأكد من اعتدال ملابسه، وسألها باستغرابٍ:
_أمال بتصحيني ليه؟
وتفحصها بنظرة مهتمة:
_لو تعبتي ارجعي الشقة انتي وأنا هنام معاها النهاردة.. كده كده أنا بشتغل من هنا في مشروع المول التجاري المشترك بيني انا وعمران فمبقتش أنزل الشركة زي الأول.
زمت شفتيها بضيقٍ:
_على فكرة هو ومراته هنا.
_هو مين؟!
_صاحبك عُمران.. أصله قلق على مراته لانها كانت دايخه شوية فجابها بالعافية عشان يطمن عليها لإنه قلقان جدًا... شكله بيحبها أوي.
قالتها بنزقٍ لتصل له مضمون كلماتها المبطن، تنهد "جمال" بضيقٍ، وكل ما يحاول فعله هو التحكم بانفعالاته متحججًا بحملها وتغير هرموناتها، فقال بهدوء:
_ربنا يطمنه عليها..
وانحنى يجذب حذائه الأسود، يرتديه ومازالت نظراته مسلطة عليها، زفرت بنزقٍ:
_أنت رايح فين؟
بالرغم من أنه يحمل لها عتابًا قاسٍ الا أنه حاول أن يبدو طبيعيًا:
_هروح أشوف عُمران ويوسف وراجع.. عن إذنك.
أغلق باب الغرفة واستند بجبينه على جسده، تراه حرم من لذة النوم والاسترخاء في سبيل الاطمئنان على صحة والدته، ومازال جميع من حولها يشغل عقلها، يعلم بأنها ليست بالحاقدة، ولكنها تفتقد من تعيش برفقته ما لا يستطيع فعله، جاهد كثيرًا ليقنعها بأنه ليس الرجل المدلل الذي تربى بين علية قوم الطبقة الآرستقراطية، وليس من يطلق سرحات عشقه على لسانه بطلاقة، هو قليل الحديث كثير الفعل، يتمنى أن تخبرها أفعاله بحبها، ألا يكفيها أنه يخاف عليها ويتمنى أن تكون سعيدة دائمًا، حسنًا سيحاول أن يصبح رجلًا متملقًا يخبرها كلمات عذباء ولكنه يخشى أن ينطق لسانه اللازع حديثًا ناعمًا مثل ذلك!
*********
بالمعمل.
هز عُمران قدميه وقد تشربت بشرته شرارة الغضب، فصاح بنفاذ صبر:
_ما تخلص يا يوسف!
التفت إليه يهاتفه بحنقٍ:
_أنا بحاول قدامك أهو.. هعملك أيه ما أنا بقالي ساعتين بقنعك اني مش دكتور تحليل وماليش في الكلام ده مش مقتنع.. اصبر خلاص جاك صديقي قرب يوصل.
وإتجه يجلس جواره على الأريكة التي اهتزت من أسفله لفرط حركة عُمران، طرق جمال باب المعمل وولج يردد بتسليةٍ:
_تجمعك يقلق من قبل ما أدخل.
وجلس بينهما يوزع نظراته تارة لعمران الصامت بغيظٍ، وليوسف الذي يشير له بأنه يفعل قصارى جهده لينهي الأمر، وقال بضحكة شامتة:
_الليلة على أيه؟!
*******
تمدد "آيوب" على فراشه وبصره متعلق بالفراش المقابل إليه، أدمعت عينيه بشوقٍ إليه، كان يغفو بطمأنينة فور عودة يونس من عمله ليحتل الفراش المقابل إليه.
تقاسما كل شيء، والآن باتت مقبرة دونه، كان يخشى العودة لذلك، والآن الأمر بات اجباريًا وعليه التعامل مع الأمر..
*********
ضمت مصحفها الشريف لصدرها ودموعها تنسدل على وجهها الشاحب، تتمكن منها الحسرة وتذيقها مرارة القهر والإنكسار، ها هي تختلي بغرفة ابنها كالمعتاد لها، فلا تشعر بالراحة الا جواره، أم الغرفة الثانية فلا تحمل كرهًا داخلها الا لها.
تعد لها باب من أبواب الجحيم، دخولها إليها أبشع كابوس يتردد لها من لحظة ولوج ذلك اللعين من باب المنزل، من خلف ذلك الباب الموصود لا يوجد شيء الا إهانة كبرياء الأنثى داخلها، هناك حيث كرهت أنها خلقت أنثى!!!
خمسة عشر يومًا قضتهم برفقة معشوق طفولتها ومحبوبها، زرع داخل عقلها كيف يكون مسمى الحب؟ وبعدها قُذفت لأعناق جهنم، فوجدت نسخة معاكسة تمامًا ليونس، نسخة بعقل مريض، يتلذذ بكسر كبريائها قبل أن يُؤلم روحها المعذبة.
وها هو يُفتح من أمامها، فاندثت سريعًا أسفل الغطاء تحتضن ابنها بخوفٍ وتحاول ادعاء النوم قدر ما تمكنت، الا أنه جذب عنها الغطاء وهو يناديها بغلظةٍ:
_قومي فزي.. هتعمليلي روحك ميتة الوقتي!
رفعت خديجة نفسها عن الوسادة وأجابته برفقٍ وهدوء تحاول التحلي به:
_معتز أنا تعبانه ومش قادرة أتكلم.. ممكن تطفي النور وتخرج.
منحها نظرة ساخطة، اتبعها وابل من السباب المهين وانهاه بجملته الساخرة:
_مش عايزاني أخدك في حضني واطبطب عليكي بالمرة!! قومي واسمعي الكلام بدل ما أدبك هنا قدام ابنك ولا هيهمني.
صرخت بصوتٍ احتبس داخله القهر:
_إنت أيه يا أخي مش بني آدم!!! أنا مبصعبش عليك!
جذبها من خمارها لتقف أمامه، تقابل وجهه الكريه، وبغضب قال:
_أنا هوريكي أنا أيه وهنا قدام ابنك يا*****
استدارت تجاه الفراش فوجدت صغيرها "فارس" قد استيقظ وتمسك بغطائه يختبئ به باكيًا، نهضت خديجة مسرعة تمسك يد زوجها اللعين تترجاه ببكاءٍ:
_مش قدام الولد يا معتز.. أبوس ايدك مش قدامه!
دفعها بقوةٍ أسقطتها على الحائط، ونزع عنه حزامه الجلد ليهوي بأول ضربة على جسدها الممزع سابقًا من ضرباته، فصرخت بملء ما فيها وزحفت بكل قوتها لتحاول أن تخرج من الغرفة حتى لا تؤلم نفسية صغيرها الذي يكبت صراخاته خشية من أن يتلقى نفس المصير، الا أنه كان يجذبها من ساقيها ليلقي بها قبالة سرير الصغير متعمدًا تلقينها الدرس قبالة ابنها عن عمدٍ.
بكت وصرخت وترجت، توسلت عديم المروءة ان يرحمها، يرحم صغيرها الذي ينتفض جسده البريء لرؤية ذلك المشهد الدامي، فلم يعبئ بهما واستمر حتى استنزفت قوته فألقى حزامه أرضًا ووقف يمسح عرقه بلهاثٍ مفرط، ثم مال عليها يهمس بفجورٍ:
_ها تحبي نكمل كلامنا هنا قدامه ولا تقومي زي الشاطرة كده تغيري هدومك المقرفة دي؟
هزت رأسها مرددة بخفوت:
_هعمل اللي أنت عايزه بس سبني أهديه!
مرر نظراته على الصغير بكرهٍ، وتابع وهو يتجه للخروج:
_هستناكِ في اوضتنا لو اتاخرتي عن نص ساعه هرجع وأعيد اللي عملته تاني وقدامه.. أصل شكل موضوع الضرب بالحزام ده عاد كيف ليكي!
غادر من أمامها صافقًا باب الغرفة بقسوةٍ، فتمددت على الأرض تبكي بانهيارٍ وصوتها الخافت يتردد:
_حسبي الله ونعم الوكيل.. ريحني منه يا رب.
أسرع الصغير إليها بعدما تأكد من مغادرته، فضمها ببكاءٍ حارق:
_ماما!
انزوت بين ذراعيه الضعيفة، وكانت هي بحاجة لضمته أكثر مما كان هو بحاجة لها، لا تعلم كم ظلت هكذا وهو يبعد يده الصغيرة عنها خوفًا من أن تلامس اصابات ظهرها البارزة بدماءٍ تنسدل من لحمها الممزق.
ابتعدت عنه تتطالع عينيه بدقةٍ، عينيه الفيروزية التي تشابه أعين حبيبها ووريث قلبها الطاهر، تتفرس بملامحه بكل شيء حمله عن أبيه يونس!!!! ، سرها الأعظم الخفي والذي دفعت ثمن بقائه مكتمًا باهظًا للغاية.
مالت على ساق الصغير تبكي مجددًا وتردد بصوتٍ ضعيف هامس:
_يونس!
******
فتح عينيه وفرقهما باحثًا بين أرجاء الظلام عن هذا الصوت المنادي، لا يتوهم هو استمع لصوتٍ مكتوم يناديه وليس هذة المرة الأولى.
برق بحدقتيه بدهشةٍ، ورفع أصابعها يتحسس الدموع المنسدلة من فيروزته، بدى الذهول يشتت عقله، فكيف تنهمر دموعه ويؤلمه قلبه دون ان يبكي، كان منذ قليلٍ يغفو فمن أين أتت الدموع الآن!
عاد لمسمعه صوتًا أكثر ضعفًا يهمس:
_يونـس!
استقام على قدميه ودنى من صنوبر المياه المنزوي بأحد أركان الغرفة يتوضئ ويتجه لتلك البقعة، يتضرع لله عز وجل ويدعو من صمام قلبه أن يزيح البلاء عن ذلك الصوت المتؤلم، فهو اعتاد دومًا على أن أحلامه لم تكن الا رؤيا، فهو على يقينٍ بأن هناك من يستجديه ليدعو له وماذا يمتلك يونس الا الدعاء!!!
*******
دقائق قليلة مضت ومازال عُمران وجمال يجلسان خارج القسم يتناقشان عن المشروع وخصوصًا بأن العمال ستبدأ العمل من الغد بشكلٍ رسمي، فشدد عُمران عليه هاتفًا:
_خليك جنب والدتك وانا اللي هنزل مع التيم بكره.. تابع كل حاجة على الفون وأول لما تخرج أبقى انزل معايا.
كاد أن يناقشه بقراره ولكنه توقف وعينيه مسلطة على يوسف الذي يقترب منهما حاملًا أوراق التحليل بين يده، فأسرع إليه عُمران يتساءل:
_طمني يا يوسف.
وجهه الحزين اجتاز دوره التمثيلي لدرجة جعلت عُمران يبتلع ريقه برهبةٍ جعلته لا يود سماع ما سيُقال، حتى ردد يوسف بشفقةٍ وحزن:
_للأسف الشديد آآ...
أمسك جمال كف عُمران بخوف، وصاح للاخير بضيق:
_ما تنطق يا يوسف إنت مش شايف حالته!
حرك كتفيه بقلة حيلة:
_الطاووس الوقح هيبقى أب.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه جمال، بينما عبس عُمران بمعالمه في محاولة فهم مغزى الجملة التي لا تتفق مع تعابير وجه يوسف الصادمة، فسأله مجددًا عساه يتوهم:
_قولت أيه؟
أجابه جمال وهو يضمها بفرحة:
_هتبقى أب يا بشمهندس... ألف مبروووك.
احتدت عينيه التي تستهدف يوسف، فتراجع للخلف وهو يشير لجمال بخوف:
_أوعى تسيبه يا جمال.
دفع عُمران جمال بعيدًا عنه وهرع من خلفه يصرخ بغضبٍ:
_بتستظرف بروح أمك!!! تعالالي يا حيلتها!
سقطت السماعة المحاطة لرقبته، وصرخ به وهو يدور حول مكتب سكرتيرية الاستقبال:
_عيب يا عُمران هيبتي هتسقط وسط الدكاترة والمرضى!
أحاط الجانب الاخير ليمنع هروبه مرددًا باستنكارٍ:
_وقلبي اللي سقط من الدور العشرين ده مالوش صاحب!
وأشار بعنفوانٍ:
_تعالى بالذوق يا يوسف عشان أنا مش هحلك النهاردة.
أسرع للإتجاه الأخر صارخًا بضحك:
_اعقل يا وقح!
ابتسم بسخريةٍ وردد:
_أنا هوريك الجنون على أصوله.
وصعد فوق الطاولة الموازية لمدخل الاستقبال، ملقيًا بجسده إليه فبات قبالته، جذبه من قميصه بعنفٍ، فضمه يوسف وتعلق به قائلًا بجدية:
_مبروك يا حبيبي.. ربنا يكملها على خير.
ربت على ظهره ببسمة صافية، فربت على ظهره مستطردًا بحماسٍ:
_يلا إطلع فرح البشمهندسة بالخبر ده.
ابتعد عنه يمنحه نظرة ساخرة:
_فلت مني بمزاجي ها! عشان خاطر الباشا اللي هيشرفنا على إيدك ده.
انتابته البشرة لما هو قادم، فامتعضت ملامحه بضجر:
_لا بقولك أيه بكفايا عليا أوي هرمونات دكتورة ليلى وغشومية جمال.. مش نقصاك أبدًا!!
عدل من قميصه بعنجهيةٍ:
_إنت بمجرد ما تكون الدكتور المتخصص عن حالة زوجة البشمهندس عُمران سالم الغرباوي فأنت كده دخلت تاريخ الطبقة الآرستقراطية من أوسع أبوابها.
_لا يا سيدي متشكر أنا أبسط طموحاتي أدخل بيتنا بدري وأريح كام ساعة قبل استقبالي لحالات الولادة المتعسرة.
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_لينا قعدة في شقة دكتور سيف حقنه تخص الموضوع ده... سلام.
تابعه وهو يغادر بدهشةٍ، فوضع يديه بجيوب البلطو الطبي هامسًا بقلة حيلة:
_شمتهم فينا ووصمتها بيك... ماشي يا سيف!
صعد عُمران للأعلى يبحث عنها بالغرفة التي تركها بها، فاندهش حينما لم يجدها، مر بالطرقة يبحث عنها فوجدها تخرج من غرفة والدة جمال برفقة صبا بعد أن اتبعتها لتقضي واجبها بالاطمئنان على صحتها، إتجه إليها يضمها إليه، ويقبل أعلى رأسها برجفة إلتمستها من كف يده، ارتعبت مايا من طريقته بضمها غير عابئ بمن يحيط به، وكلما حاولت الابتعاد شدد من قوة ذراعيه وتحكمه بها، فهتفت بقلقٍ :
_هي التحاليل طلع فيها أيه يا عُمران؟
ابتعد عنها ومازالت يديه تحاصرها، فمنحها نظرة جعلتها مستعدة لاستقبال ما سيقول بصدرٍ رحب ظنًا من أن الفحوصات الخاصة بها ليست جيدة، ففاجئها حينما وضع يده على بطنها قائلًا بأعين غائرة بالدمعٍ:
_قريب هتبقي أحلى مامي يا بيبي!
وزعت نظراتها بين كفه المحاط لبطنها ولعينيه باستغرابٍ، فاتسعت ابتسامتها تدريجيًا وبصوتٍ مرتعش تساءلت:
_بجد؟
هز رأسه يؤكد لها، فاندفعت تلك المرة لاحضانه بارادتها والأرض لا تسعها من فرط سعادتها، لتجده يستقبلها بفيضٍ من الدفء والعشق الذي يزداد فيما بينهما.
وهناك على بعد منهما من شاركتها الدموع، ولكنها كانت معاكسة لما تخوضه، تشعر بالحزن على ذاتها، أثرت ردت فعله لاستقبال خبر حمل زوجته بها، لتقارن بين عُمران وزوجها جمال، كانت ملامحه عادية، يظهر بها الفرح ولكن ليس حتى بنصف السعادة التي تراها الآن بعينيها، تقارن كل شيء بأعين الاعتبار، فرحته، حديثه، ضمته لزوجته غير عابئ بالمكان الموجود به ولا حتى بوجودها هي شخصيًا، اقنعت ذاتها بأن هناك فرقًا بينهما وأن الجدير لها بأن جمال لا يحبها!!!!
*********
تخفى الليل خشية من ضوء الشمس الساطع، وكأنها كالنيران ستحرق نضارة وجهه، فهبط من غرفته يتجه لمشواره الهام الذي تأجل لحين عودته لمصر، بعد أن وكل أحدًا مؤتمن للبحث حول ذلك الشخص، فاتضح له جُرم ما يحدث داخل ذلك المعتقل، فقرر ان يذهب للقائه بنفسه.
وصل "آدهم" خارج المعتقلات وبرتبته الخاصة وعلاقاته تمكن من الدخول، فقام بمقابلة صديقه، صافحه بحرارة مرددًا بود:
_أمجد باشا... ليك وحشة.
صافحه الأخير وعاتبه بلطفٍ:
_انت اللي مختفي يا سيادة الرائد.. بس ما شاء الله مهاراتك ونجاحك واصل ومسمع وخصوصًا بعد مهمتك الأخيرة مع الاسطورة.. الجهاز كله معلهوش سيرة غير سيرة المهمة اللي اتتفذت في زمن قياسي دي.
ابتسم وهو يخفي توتره حول ذلك الموضوع ومواجهته مع قادته فور انتهاء فترة اجازته، فتنحنح مغيرًا مجرى الحديث:
_كلامنا على الموبيل كان مختصر ومفهمتكش.. قولتلي إن اللي ورا حوار "يونس مؤمن" المقدم "سند برهام".
أشار له بالجلوس أمام مكتبه، تاركًا مقعده وانضم للمقعد المقابل له يخبره بصوتٍ منخفض:
_ده اللي اكتشفته للأسف، من ساعة ما كلمتني بالتليفون وأنا بفتش وبدور لإن السجين اللي طلبت ادورلك عنه ملفه شبه مختفي، والزنزانة اللس مسجون فيها محدش بيدخلها غير سيادة المقدم والعساكر ببقولوا إنه مشدد على تربيته بطرق تعذيب بشعة ومحدش فيهم قادر يتكلم أو يعارضه.
وضع قدمـه فوق الاخرى وسأله بعد تفكير:
_ايه اللي إنت شاكك فيه.
رد عليه بصوتٍ شبه هامس:
_سند يبقى ابن خالة الشخص اللي إنت طلبت أعملك تحريات عنه.
طالعه بدهشة فأكد له مجددًا:
_ابن خالة معتز البنا اللي هو حاليًا يبقى جوز طليقة يونس.. يعني الحوار متسبك يا باشا، سيادة المقدم خدم ابن خالته ولبس يونس التهمه ومكتفاش برميه في الحبس ده متوصي بيه هنا على الأخر.
قبض قبضته بغضبٍ كاد بتفجير أوردته، وقال وهو يهز رأسه ببسمة مخيفة:
_حظه الأسود حدفه في طريقي.
وتطلع إليه باهتمامٍ:
_أمجد ممكن أشوفه.
هز رأسه وهو يتجه به لخارج مكتبه، فاتبعه آدهم فأمر أمجد العسكري بفتح باب الزنزانة.
******
سئم وهو ينتظرها بالأسفل، مر بالطريق ذهابًا وإيابًا وعمه يتابعه ببسمةٍ ساخرة، فتنهد عُمران مرددًا بانزعاجٍ:
_حتى الأمهات بتأخد وقت في اللبس!!
ضحك أحمد وقلب صفحة الجريدة قائلًا باستهزاء:
_على أساس إنهم بيندرجوا تحت بند سلاحف النينجا.. مهي ست زي أغلب الستات يا دنجوان زمانك!
تأفف بضيقٍ وإتجه للمقعد يرتشف قهوته بنفاذ صبر، فانتبه لصوت حذاء انوثي يدق على درج القصر، استدار إليها ليجدها تخطو إليه بعنجهيةٍ، ترتدي بذلتها الزرقاء الأنيقة، شامخة رأسها كخطوات عارضات الأزياء.
رددت فريدة وهي تعدل ساعتها:
_أنا جاهزة يا عُمران.. يلا عشان منتاخرش.
وقف محله يطالعها بنظرات محتقنة، يبدو وكأنه يصارع عفريته ليصرفه دون ان يتفوه بحماقةٍ، ولكنه لم يتمكن فحك لحيته وهو يردد بهدوءٍ زائف:
_الجيب ده مش قصير شوية يا فريدة هانم.
انحنت للأسفل تتأمل التنورة التي تصل لبعد ركبتها بقليل، واستقامت تقابل نظرات ابنها بغضب:
_إنت من امته بتتدخل في لبسي!
منع شيطانه الوقح من التطاول وردد باحترامٍ:
_العفو بس انا مش هتحمل نظرة أي راجل لحضرتك وأنا جنبك فمن فضلك تغيري الجيب ده .
استفزها تحكمه الغريب لمرته الاولى، فصاحت بعصبية:
_انت ازاي تكلمني بالطريقة دي اتجننت يا ولد!
نهض أحمد عن مقعده مغلقًا جريدته، واتجه إليهما مقررًا التدخل أخيرًا، فمرر ابهامه على طول ذراعها بحنان:
_عُمران ميقصدش يقلل من احترامه ليكِ يا حبيبتي، هو غيور عليكِ ومن حقه.. هو راجل وفاهم نظرات الراجل اللي زيه المفروض ده شيء ميزعلكيش وتسمعي لكلامه.
أخفضت بصرها للتنورة مجددًا تعيد تقييمها، فشعرت بأنه محقًا، طرأ لها مقارنة سريعة بينها وبين زوجات أبنائها المحتشمات، حتى ابنتها المدللة لحقت بهن وباتت هي بمفردها، تنحنحت بحرجٍ لموقفها التي تخوضه لأول مرةٍ، فاستدارت عائدة لجناحها وعادت بعد قليل ترتدي تنورة طويلة تصل لاخر قدميها.
هبطت للأسفل تقف قبالته تتساءل مدعية عدم اهتمامها بسماع ما سيقول:
_ها كده أحسن ولا أيه؟
ابتسم لها عُمران وقال:
_طبعًا أجمل وأشيك ألف مرة.
وربع ذراعيه بطريقة راقية:
_فريدة هانم.
انحنت بخفة وكأنها احدى أميرات دينزني وتغلقت بذراعيه، واتبعته للخروج وهي تخطتف النظرات لزوجها الذي يرسل لها قبلة بالهواء جعلتها تشعر من فرط دلل ابنها وزوجها وكأنها مراهقة لا يتخطى عمرها السابعة عشر عامًا!
فتح لها عُمران باب السيارة وصعد لمقعده يتحرك لخارج بوابة القصر الخارجية قائلًا:
_هنعدي نشتري بوكيه ورد شيك لحسن والدة جمال بتحب الورد جدًا وخصوصًا لو مني.
ابتسمت وابعدت مُقلتيها عن شاشة هاتفها الباهظ:
_أوه إنت مش عاتق حتى مامي جمال!
كبت ضحكاته وهمس بداخله:
_مامي جمال!! تخيلي مستقيل عن مشهد تجمع فريدة هانم الغرباوي مع الحاجة أشرقت!
******
من بين الظلام اخترق طفيف من الضوء النافذ عتمته، ومن خلفه صرير الباب الذي تحرر بعد اثنا عشر ساعة، انتشر الذهول على معالمه، لاعتياده على مواعيد فتح باب زنزانته.
اعتدل بجلسته يتحسس الحائط حتى استقام بوقفته، يتسلل لآذنيه صوت دعسات حذاء ثقيلة، تشير على ثقة صاحبها، لتنتهي قبالته بالتحديد، ومن بعدها يقتحم قاعة صمته صوتًا بشريًا يحدثه بعد غيابًا من سماعه لأحدٍ يناشده:
_عامل أيه يا يونس؟
سؤال شعر بأن اجابته ستكون ساخرة لدرجة ستجعل من أمامه يأمر بتعذيبه على الفور، فمن المؤكد بأنه يمتلك منصب مرموق كونه تمكن بالدخول إليه هنا، فاكتفى بالصمت وعاد يجلس أرضًا، واضعًا عينيه بنقطة الفراغ المعتاد.
انخفض ذاك الغريب إليه، يخبره بغموضٍ:
_مش عايز تعرف أنا مين وجايلك ليه؟
ابتسم بألمٍ، وبسخرية لم يستطيع كتمها قال:
_متفرقش... شوف شغلك يا باشا أنا جاهز.
اختصر له عذاب سنوات ببضعةٍ كلمات أخبرته بأنه اعتاد العذاب لدرجة جعلته اعتياديًا، ابتلع غصته وقال وهو يدقق النظر إليه في محاولة لمح معالم وجهه بالظلام:
_بس أنا مش جاي أحقق معاك ولا أذيك يا يونس... في شخص غالي عليا بعتني ليك وبسببه فتحت قضيتك واكتشفت الظلم اللي إنت عشته، وعرفت مين اللي ورا سجنك والسبب في عذابك لحد النهاردة.. اتصدمت إن في بينا ظباط معندهمش ذمة قبلوا الرشاوي عشان يعذبوك طول المدة اللي فاتت دي، بس خلاص أنا هخلصك من كل ده... أوعدم انهم هيتحاسبوا قبل ما يتحاسب الكلب ده.
أغلق عينيه بقوةٍ وهتف دون مبالاة:
_مبقاش يفرق... الحياة كلها متفرقليش يا باشا.... لا فارق معايا اللي ظلمني ولا اللي بيحاول يخرجني!
دس يده بجيب سرواله وأخرج هاتفه يشغل وضع الفلاش، ونت ثم سلطه على ملامح وجه يونس فأغلق الاخير عينيه بقوةٍ ووجع من تعرضه للضوء بشكلٍ مباشر، وبعدها بدأ يفتح عينيه تدريجيًا حتى اعتاد على الاضاءة ورؤية ملامح ذلك الرجل الجالس أمامه، تغلقت نظرات يونس به، كان يحمل بمقلتيه خصال القوة والنزاهة وكأنه انطلق من غياهب الظلم ليخبره بأن الخير مازال صامدًا، يخبره بأن وإن كانت ظنونه بأن العالم أغلبه يملأه الشر فهناك نسبة ضيئلة من الأخيار..
تحرر من صمته أخيرًا يسأله بفضولٍ أتاه بعد رؤيته لملامحه:
_مين اللي بعتك ليا؟
ابتسم "آدهــم" وهو يخبره:
_تلميذك اللي قضيت أغلب أيام امتحاناته تشتغله مدرس وقهوجي..... ابن الشيخ مهران.
ردد بعدم استيعاب:
_آيــوب!!
******
بالمركز الطبي الخاص بعلي..
لاحظ عُمران تجهم ملامح الحاجة "أشرقت" منذ رؤية والدته، كانت نظراتها تجوبها بطريقة جعلته يشعر وكأنها تتفحص ضرتها الجديدة.
كبت ضحكاته بصعوبة ومال عليها يهمس لها:
_مالك يا شوشو من ساعة ما دخلنا عليكي وانتي مصدرلنا الوش اللي بتصدريه للحاج.. هو الورد معجبكيش لونه ولا أيه؟
منحته نظرة نارية وصاحت بعصبية:
_ووشي بيطلع نار كمان وزعلانه منك زعل كبير أوي يا عُمران لاني مكنتش أتوقع منك كده
زوى حاجبيه باستغرابٍ:
_أنا عملت أيه؟
رددت بنفور ونظراته تجوب فريدة الواققة برفقة جمال تتحدث معه:
_ ليه كده يا ابني!! هان عليك تخون مراتك البسكوتة بالفانيليا دي...وكمان جايبلي عشقتك تطمن عليا هو أنا ناقصة فقعة مرارة!!
....... يتبع.............
#صرخات_أنثى... #حبيبتي_العبرية.. #آية_محمد_رفعت..
#قريبًا... #االاقوى_قادم....
ياريت كل متابعين رواية صرخات أنثى سواء واتباد او على صفحاتي الظهور على الفصل باللايك والكومنت الداعم لان الفصول الجارية ضرب نار نستقبلها بتفاعل كويس كفايا احباط.. ❤
*****_________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الرابع وخمسون 54 - بقلم آية محمد رفعت
_يا ابني أنا بحبك وبعزك زي جمال ابني متخليش العقربة دي تخرب حياتك، ده جمال لسه مفرحني بخبر حمل مراتك ويعلم ربنا فرحتلك من قلبي.
وتابعت وهي تعود لنظراتها المتفحصة بنظرةٍ تقيمية:
_هي صحيح حلوة وعينها زرقة، بس والله الجمال ما كل شيء، مراتك بردو جميلة وطيبة وبتحبك والله.
استجمع شجاعته الهادرة، وحشد بحة صوته الهادرة ليهمس لها بصوتٍ يُسمع بالكد:
_دي فريدة هانم!
تشدقت بنزقٍ:
_هانم على نفسها يا أخويا، النوع ده مبيتسماش عليه غير عقربة وخرابة بيوت!
ابتلع ريقه بارتباكٍ وتمنى أن لا يكون حوارهما مسموع لوالدته، فردد بصعوبة بالحديث:
_فريدة هانم أمي!
جحظت عينيها بصدمة وعدم استيعاب جعلته يزيد من توضيح الأمور عساها تفهم ما يخبرها به:
_يعني لا تجوز ليا بأي شكل من الأشكال!
........ يتبع...... #كونوا_بالقرب....
تفاعل الفصل يا بنات.. اللينك 👇🏻
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الخامس وخمسون 55 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_السابع_والأربعون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "بسنت فريد"،"ريم أحمد"،"دنيا خيري"،"فرح علي"،"منة الله مصطفى"،"أسماء مبارك،"إيمان زهران"،"رحمة محمد"،"آية الشيخ"،"عبير محمود"،"روح صبري"،"إيناس عبد الله"،"منار مصطفى"،"مي مصطفى"، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
لم يخرس لسانه الطويل أحدٌ يومًا، لطالما كان طويل اللسان، وقحًا، متفننًا بردوده الباردة، ولكن ما نطقت به "آشرقت" جعلته يبرق لها بصمتٍ تام، لا يتقن حتى برسم بسمة زائفة على وجهه..
مازالت "فريدة" تقدم سلامها لجمال قبل أن تلحق بابنها، فولجت برفقته للداخل لتصل بالقرب من الفراش، فمدت يدها إليها وبرقةٍ رددت:
_حمدلله على سلامتك أشرقت هانم.
لوت شفتيها بتهكمٍ، ورددت بصوتٍ لم يكن مسموع الا لعُمران الجالس لجوارها على الفراش بصدمته المطولة:
_هانم!! باينها بنت ذوات!
ورفعت من صوتها تجيبها بنزقٍ:
_الله يسلمك.. مكنش له داعي تتعبي نفسك وتيجي معاه.. واجبك وصل!
اندهشت فريدة من طريقتها الغريبة معها ولكنها لم تعلق، حتى جمال طاله جزءًا من الدهشة والذهول من طريقة تعامل والدته الذي يشهده لأول مرة، فتنحنح يشير لفريدة بحرجٍ:
_اتفضلي يا فريدة هانم.
هزت رأسها بخفة وإتبعت اشارته فجلست على المقعد القريب من عُمران، فتدحرجت أشرقت لطرف الفراش وهي تسحب عُمران خلفها هامسة بحنقٍ:
_أيه الجراءة وقلة الأدب دي، لزقة في الواد قدامنا من غير خشى!
ازداد جحوظ أعين عُمران بشكلٍ مخيف، وكأنه ابتلع الكلمات وعلقت بفمه، استدعت حالته نظر جمال وفريدة التي كانت أول من تساءلت:
_مالك يا حبيبي إنت كويس؟
هز رأسه ومازال صامتًا، ليأتيه همس أشرقت:
_حبك برص يا بعيدة سيبي الواد لمراته ولفي على حد غيره!
سعل عُمران بقوةٍ وكأنه يلفظ أنفاسه الاخيرة، فأسرع جمال إليه بزجاجة مياه مرددًا بقلقٍ:
_إنت مالك النهاردة؟
هز كتفيه اجابه عدم علمه بشيءٍ لما يحدث معه، فوجد أشرقت تميل عليه وتهمس له بحزنٍ:
_يا ابني أنا بحبك وبعزك زي جمال ابني متخليش العقربة دي تخرب حياتك، ده جمال لسه مفرحني بخبر حمل مراتك ويعلم ربنا فرحتلك من قلبي.
وتابعت وهي تعود لنظراتها المتفحصة بنظرةٍ تقيمية:
_هي صحيح حلوة وعينها زرقة، بس والله الجمال ما كل شيء، مراتك بردو جميلة وطيبة وبتحبك والله.
استجمع شجاعته الهادرة، وحشد بحة صوته الهادرة ليهمس لها بصوتٍ يُسمع بالكد:
_دي فريدة هانم!
تشدقت بنزقٍ:
_هانم على نفسها يا أخويا، النوع ده مبيتسماش عليه غير عقربة وخرابة بيوت!
ابتلع ريقه بارتباكٍ وتمنى أن لا يكون حوارهما مسموع لوالدته، فردد بصعوبة بالحديث:
_فريدة هانم أمي!
جحظت عينيها بصدمة وعدم استيعاب جعلته يزيد من توضيح الأمور عساها تفهم ما يخبرها به:
_ يعني لا تجوز ليا بأي شكل من الأشكال!
ازدادت صدمتها وانتقلت حالة عُمران إليها، رمش عُمران بشكلٍ مضحك وتابع بجدية مضحكة:
_أنا بحاول من ساعتها أقولك بس خايف عليكي، إنتي مهما كان لسه خارجة من عمليات!
تعلقت عينيها بفريدة التي بدأت تلاحظ ما يحدث بينهما، وعادت تتطلع لعُمران متسائلة بصوتٍ يجاهد للخروج:
_متأكد إنها أمك؟!
سؤالًا لا يجده منطقيًا من جميع الزوايا ولكنه أسرع بهز رأسه اجابة لها، فعادت بنظراتها إليها ولسؤاله مجددًا:
_عندها كام سنة؟
ابتلع ريقه بتوترٍ من تعابيرها التي لا تبشر:
_٤٣ سنة.
اتسعت مُقلتيها صدمة فاشارت إليها باستنكارٍ:
_دي ٤٣!!! دي أصغر منك إنت شخصيًا!
أخفض ذراعها واحتضنها سريعًا ليخفي ما يحدث عن والدته حتى لا تنتبه لاشارتها وهمس لها:
_مش كده يا شوشو فريدة هانم هتأخد بالها، وبعدين انتي عندك فقدان ذاكرة ولا أيه؟ فاكرة لما كنت عندك وقولتلك إنها بتمشي البيت كله على نظام غذائي ومبتسحملناش نأكل أكل فيه دهون لذا بستفرض بأكلك كأني عايش في معتقل..
هزت رأسها بتذكر فأكد لها مجددًا:
_ده المعتقل بعينه اللي كنت بكلمك عنه بقى!
سألته بهمسٍ خافت:
_هي مخلفتش غيرك بس؟
نفى ذلك موضحًا:
_لا علي أخويا الكبير وفي شمس أصغر مني.
بصدمة أردفت:
_كمان!! هي لحقت تخلفكم أمته يابني!
ضحك بشدةٍ ومال لآذنيها يخبرها:
_اتجوزت قبل ما تكمل ال١٧ سنة.. احنا عندنا كده البنات بيجوزها صغيرين!
حدجته بنظرةٍ جامدة قبل أن تصدمه:
_ما أنا متجوزه عمك الحاج وأنا عندي ١٤سنة وقدامك أهو شبه برميل الطُرشي!
وتابعت بذهول وصدمة مستها قبل أن تطوله:
_وتاخد الكبيرة بقى أنا عندي ٤٢ سنه يعني أمك اللي قدامي دي المفروض إنها أكبر مني بسنة!!
وتعلقت عينيها بفريدة التي تتابعهما هي وجمال بذهول:
_طيب ازاي؟!!! دي مستحيل تكون حملت وولدت!! طب بذمتك ذي هتبقى جدة ازاي!
إلتفت عُمران للخلف يقيم والدته بنظرةٍ سريعة، وكأنه أول مرة يراها وقال:
_مش عارف!
هزت رأسها هي الاخرى:
_ولا انا!!!
وابتلعت ريقها بتوترٍ تخبره:
_بقولك أيه يا ابني إنت تبطل تخرج معاها عشان محدش يخوض في سيرتك والاحسن تشوفلها واد اين حلال وتجوزها.
ضحك بصوته كله وقال:
_هي فعلًا متجوزة عمي من كام شهر.
وأخرج هاتفه يقدمه لها قائلًا بمكرٍ:
_خدي شوفي صوره عشان تبقى صدمتك كاملة!
تناولت منه الهاتف تتفحص صورة أحمد الذي عاهدته شابًا يكبر ابنها بأعوامٍ بسيطة لشعيراته الييضاء القليلة التي تحاط بشاربه وشعره، فصدمها عُمران حينما أخبرها عمره الحقيقي، لذا قدمت له هاتفه قائلة بتعبٍ:
_كفايا كده عليا النهاردة.. انا حاسة إني قلبي هيقف وهيدخلوني العمليات تاني.
تعالت ضحكاته وقال بصعوبة بالحديث:
_ألف سلامه عليكي يا حبيبتي.
ومد يده لوالدته قائلًا:
_طيب نستأذن احنا بقى ونبقى نعدي عليكم وقت تاني.
أمسكت فريدة بكفه وودعتها ببسمة جميلة:
_فرصة سعيدة أشرقت هانم.
وخرجت من أمامها ومازالت أعينها تبتلعها بدهشةٍ، فما أن اوصلهما جمال للخارج وعاد لها حتى تمسكت بيديه وسألته بفزعٍ:
_البت دي تبقى أمه ولا بيضحك عليا عشان مبلغش مراته إنه ماشي على حل شعره!! قولي الحقيقة!
فهم الآن ما كان يخوضه عُمران من صدمات طاعنه، حُلت شفرات حالتهما الغريبة منذ لحظة ولوج فريدة، فتنحنح بخشونةٍ:
_فريدة هانم تبقى والدة عُمران ودكتور علي صاحب المركز ده.
لطمت صدرها بخفةٍ وتحلت بالصمت لساعة كاملة تفكر بالأمر، وجمال ينظف الغرفة ويتابعها بنظرة قلق إلى أن خرجت من قوقعة صمتها ونادته فأسرع إليها بلهفةٍ فوجدها تخبره بحزمٍ واصرار:
_اسمع أول ما انزل على مصر تكلمني دكتورة ريجيم وتحجزلي في جيم أنا مستحيل أقبل بالجسم المفشول ده لازم أبقى موزة وسمبتيك زي فريدة هانم دي هي مش أحسن مني!!
ومسكت ذقنها بحركة شعبية مردفة بخوفٍ:
_ده لو الحاج كان شافها كان رمى عليا يمين الطلاق!!!
كبت جمال ضحكاته وقال:
_جيم أيه يا ماما بعد عملية القلب دي!
أصرت بقولها:
_هلعب رياضة يعني هلعب محدش هيحوشني عن الوزن المثالي بعد النهاردة!!!
******
واجهت فريدة عُمران بسؤالها المباشر:
_هو في أيه؟ ليه Mamy Jamal باين عليها الانزعاج من زيارتنا؟
كبت ضحكته بسيطرة تامة، واستدار إليها:
_لسبب بسيط جدًا إنها كانت فاكراني بخون مايا وجايب عشقتي أعرفها عليها.
رمشت بصدمةٍ وهي تحاول استيعاب تلك الجملة الغير مرتبة، فتابع عُمران ساخرًا:
_مهو يا حضرتك تكسري قواعد الدايت بتاعتك يا تبطلي تخرجي معايا أنا أو علي خوفًا على سمعتنا!
توقفت عن المضي قدمًا واستدارت لتقابله، مردفة بحاجبٍ مرفوعًا:
_طيب علي أوكي لكن إنت والخوف على سمعتك من أمته؟
حك جبهته بحرجٍ، وبمزحٍ قال:
_عفى الله عما سلف يا فريدة هانم.
منحته ابتسامة جذابة وبحبٍ كبير قالت:
_أنا فرحانه بتغيرك وباللي بقيت عليه يا عُمران.. عارف أنا عمري ما أنسى اليوم اللي فضلت فيه جانبي.. كنت مذهولة ومش مستوعبة أن الشخص التقي ده هو نفسه عُمران ابني المشاكس.
ابتسم وهو ينحني يقبل كف يدها باحترامٍ، فربتت على خصلاته الطويلة بحنانٍ، وسرعان ما ابتعدت مردفة بمزحٍ:
_خليك بعيد عشان سمعتك يا بشمهندس.
انطلقت ضحكاته الرجولية بقوةٍ، وأشار لها بحركةٍ آرستقراطية راقت لها:
_فريدة هانم!
هزت رأسها بامتنانٍ وانطلقت تسبق خطاه حتى خرجت برفقته للاستقبال فتوقفت تخبره بمكرٍ:
_عُمران روح إنت لشركتك.. أنا هفضل بالمركز شوية.. عايزة أطلع على تصميم مكتبي وأشوف مايا نفذت اللي طلبته منها هي والفريق ولا لأ.
هز رأسه وقال:
_طيب يا حبيبتي لما تخلصي رني عليا وأنا هجي أوصلك.
ردت عليه ببسمة هادئة:
_متشغلش بالك بيا.. هبقى أكلم السواق أو أحمد.
فهم رغبتها بالعودة برفقة زوجها، فمنحها وقتها الخاص دون ان يضيق عليها، فطبع قبلة على رأسها وأردف:
_زي ما تحبي... خلي بالك من نفسك.
أومأت براسها بخفة، فارتدى عُمران نظارته السوداء واستدار لينطلق لسيارته فتفاجئ بصبا تدلف من باب المركز، وعلى ما يبدو بأنها كانت تتبعه برفقة فريدة التي تعرفت عليها فور رؤيتها، فقد سبق لها رؤيتها حينما كانت بزيارتها الاولى برفقة جمال يوم الوليمة التي أعدتها مايسان وفاطيما.
وجدته يرنو إليها، وما أن أصبح قبالتها وضع عينيه أرضًا وقال بابتسامةٍ مرحبة:
_مدام صبا أزيك؟
منحته ابتسامة صغيرة وقالت:
_أنا بخير الحمد لله.. دي فريدة هانم مش كده؟
هز رأسه وقال موضحًا:
_أيوه كنا فوق عند والدة جمال ولسه نازلين من شوية.
رن هاتفه فأطلع على اسم المتصل، فكان حسام سكرتيره الخاص فتنحنح هاتفًا:
_عن إذنك لازم أتحرك للشركة حالًا.
تنحت جانبًا وأجابته:
_اتفضل.
إتجه لسيارته قادها لشركته، وتبقت هي تتطلع عليه مرددة بحزنٍ:
_حتى أمه واقف يحضنها ويدلع فيها.. الشخص ده أيه!!
وتابعت صعودها للأعلى وعقلها شارد بالتفكير بمقارنتها حول رؤيته برفقة زوجته بالأمس وبما رأته الآن.
******
انتهى من مقابلة ادارة المشفى، ومر على زمائله بشوقٍ لأيام عمله بهذة المشفى، فإذا بهاتفه يزف له مكالمة معشوقته.
جلس علي بالاستراحة الجانبية وحرر زر الاجابة مرددًا بابتسامةٍ مشرقة:
_صباح السعادة والجمال على أجمل قمر طل من لحظة ما فتح عيونه يستقبل نهاره!
وصل له صوت ضحكتها، وقالت على استحياء:
_وحشتني يا علي.
أغلق عينيه بقوةٍ وهمس:
_الرأفة بقلب علي المسكين!
وتابع معاتبًا:
_هو أنا يعني كان لازم أسافر عشان أسمع منك الكلام اللي يوقع القلب ده!
_أنا بحس إني مراهق لأول مرة يا فطيمة!
المشاعر اللي معشتهاش في مراهقتي وكنت بحس إني مختلف ومش طبيعي زي باقي الشباب جيتي إنتِ وأقمتيها حرب عليا وعلى كل مشاعر اتدفنت جوايا!
سماعه لصوت أنفاسها العالية كفيل بجعله يتخيل مظهرها والخجل يكتسح ملامحها، فابتسم وقال:
_سكتي ليه يا قلب علي؟
تنحنحت بخفوت:
_بسمعك!
تقبل خجلها بصدرٍ رحب وأبدل حديثه:
_إنتِ فين؟
ردت عليه:
_أنا تحت بستنى زينب بتلبس ونازلة، أصل أنكل أحمد أصر يوصلنا في طريقه.. هي للجامعة وأنا للشركة.
سألها بدهشةٍ:
_ومايا فين؟
وصل له صوت ضحكتها وطربته بصوتها الخجول:
_أصل عُمران منعها تنزل الشركة تاني.
=ليه؟
_آآ.. أصلها أغمى عليها امبارح وأخدها عملها تحاليل فطلعت حامل.
بفرحةٍ كبيرة تساءل:
_بجد؟
أكدت عليه وهو تلهو بحقيبتها بخجلٍ:
_آه.. فرحتلها أوي.. البيت كله سعيد بالخبر ده وبالأخص فريدة هانم.
ابتسم وهو يهمس لها بصوتٍ أربكها:
_عقبالك ما قلب علي.. ساعتها فرحتي هتكتمل.
تنحنحت وأسرعت تخبره بارتباكٍ:
_زينب نزلت.. يلا سلام.
ولم تنتظر سماع وداعه لها وأغلقت سريعًا، فتعالت ضحكاته وهو يراقب شاشة هاتفه باستمتاعٍ، فبحث عن رقم شقيقه وحرر اتصاله ليباركه بذاته فأتاه صوته المتلهف يخبره:
_علي حبيبي وحشتني أوي.. كنت لسه حالًا هطلبك عشان أفرحك.. أخوك هيبقى أب وهتبقى أنت عمو علي.. جهز نفسك يا دكتور!
انطلقت ضحكاته الصاخبة إليه وصاح مازحًا:
_واحدة واحدة.. خد نفسك وانت بتتكلم.. ثم إن أخبارك بقت قديمة أوي.
وتابع بغرورٍ:
_الخبر وصلني من بدري يا بشمهندس.
=أممم.. العصفورة لحقت تبلغك!
_أجمل وأحلى عصفورة بالكون كله.. هتعارضني؟
=الله يسلهو يا دكتور! المهم أنا كنت هكلمك عشان أخد رأيك في حاجة بخصوص فاطمة.
اعتدل علي بجلسته وسأله بجدية:
_اتكلم.
أتاه صوت عُمران الجادي يخبره بقلقٍ واهتمام:
_يوسف قالي إن مايا عندها مشاكل بسيطة يعني انيميا وضغطها واطي ومحتاجه ترتاح عشان شهورها الأولى من الحمل، وبالتالي منعتها تنزل الشركة وفاطمة من النهاردة هتنزل لوحدها فمش عارف يا علي هتقدر تتأقلم من غيرها ولا أيه.. خصوصًا إنها هتكون بديلة مايسان وهتنزل معايا في بعض الاحيان للموقع.. إنت رأيك أيه؟
تنهد براحةٍ فقد ظن بأن هناك أمرًا خطيرًا متعلق بصحتها، فقال بعدما صمت قليلًا يستعيد ثباته:
_هي فاهمه وعارفة ده كويس، ومدام لبست ونزلت النهاردة من نفسها يبقى هي وثقت فيك وعلى فكرة ده كان باينلي من قبل ما أخد قرار السفر ويمكن ده السبب اللي خلاني أسافر وأنا مطمن... فطيمة بدأت تثق فيك وفي اللي حوليها من البيت يا عُمران وده في حد ذاته تقدم كبير في حالتها.
واستطرد بلهفة وتوتر:
_خد بالك منها وراعي حالتها زي ما وصيتك.
أجابه الاخير بوعدٍ صادق:
_متخافش يا علي.. فاطمة عندي في غلوة شمس والله.. متقلقش عليها طول ما هي معايا... وبعدين بقى إنت هتأخدني في دوكة ومش هتقولي أيه الرسالة اللي كلها تهديد دي؟
تذكر علي رسالته التي أرسلها بالأمس إليه وصاح بوعيد:
_كويس إنك فكرتني.. أنت أيه اللي مهببه في شمس ده يا وقح!! البنت مكنتش، عايزة تسبني أنزل للمستشفى ومرعوبة من آدهم!
ضحك بملئ ما فيه وقال:
_براڤو.. حبيبة قلب أخوها اللي بتسمع كلامه دي تتشال على الراس وتستاهل العربية الجديدة اللي طلبتها.
=بقى كده!! عُمران إنت عايز تخرب جوازة أختك؟
_بالظبط كده..
وبضيقٍ قال:
_بصراحة يا علي جوايا غيرة رهيبة معرفش سببها.. إنت أزاي بارد كده! شمس هتسبنا يا علي مش هتعيش معانا تاني.. مش هنعرف نشوفها كل يوم ولا نخدها في حضننا وتتدلع علينا وقت ما تعوز فلوس أو تتحامى فينا من فريدة هانم لما ترتكب غلطة... أنت ليه مش قادر تتخيل إن هيكون ليها حضن وسند غيرنا!
ضم مقدمة أنفه بقلة حيلة وهتف بحنقٍ:
_عُمران إتلم بعيد عن البنت لحد ما أرجع وأعالجك يا حبيبي.. لإن بعد اللي سمعته ده يؤسفني أقولك إنك مريض نفسي!!!
أغلق الهاتف بوجهه ونهض ليتجه للخروج من المشفى بعدما أنجز نصف مهمته باختيار عشرة أطباء ماهرون، فمر على الاقسام بطريق خروجه، حتى مر من أمام قسم "النسا والتوليد".
أخفض عينيه أرضًا وتابع سيره ولكنه توقف فور سماعه صوتًا أنوثي يناديه:
_علــــــــــي!
ألتفت خلفه فتفاجئ بها تقترب منه وعلى وجهها ابتسامة واسعة، غير مصدقة بأنها تراه أمامه، فرددت بسعادةٍ:
_مش مصدقة بجد إني شايفاك... إزيك يا علي أيه نسيتني ولا أيه؟
ردد وهو يتطلع لها بدهشةٍ:
_يارا مش معقول!
ابتسمت إليه ورددت بسخرية:
_طبعًا ما انت مصدقت مروان خطفني منك فخدتها زعله ومبقتش بتسأل عليا، هان عليك العشرة والصداقة يا علي؟
تنحنح بحرجٍ لتذكر ذلك الجزء المتطرف من حياته، لا ينكر بأنه كان هناك مشاعر داخله تخصها، بالنهاية كانت خطيبته وستصبح زوجته، وحينما اختار قلبها مروان ابن عم الجوكر مراد زيدان(رواية الجوكر والاسطورة) ، فتركها تعيش مع من أحببت وتخصص هو بالحالات التي كانت تعالجها يارا بإحدى المستشفيات النفسية، بعد طلبها منه بأن يكون محلها لانشغالها بالتجهيز لزفافها من مروان
تذكر كيف كان يتألم وحينها ظهرت فاطمة بحياته لتداويه وتجعله يقارن بين مشاعره تجاه يارا ومشاعر الحب الذي ولد داخله، فأصر وقت عودته إلى لندن أن ترافقه فاطمة لتكون حالته الخاصة بعد أن كانت الدكتورة يارا مسؤولة عنها.
أفاق من غفلته على صوتها المنادي:
_روحت فين يا علي؟
اعتدل بوقفته يجيبها بابتسامة هادئة:
_معاكي أهو.. المهم طمنيني عنك.
وأشار بمرحٍ على بطنها المنتفخ:
_ولد ولا بنوتة هتورث موهبة مامتها الدكتورة.
ضمت بطنها بلينٍ وقالت:
_بنوتة.. وعلى فكرة معايا ريان عنده سنتين ونص.
اتسعت ابتسامته وقال بفرحة صادقة:
_بجد؟
أشارت بيدها على من يخطو إليهما يستند على يد والده:
_أهو.
استدار علي تجاه إشارة يدها فوجد مروان يقترب منهما بملامح منزعجة، كونه رجلًا يتفهم سبب ضيقه لذا طوال الفترة الماضية لم يحاول بأي شكل من الاشكال التواصل مع يارا، مع أنها كانت تحاول الحديث معه للصداقة والعشرة الطويلة بينهما.
قدمتهما يارا لبعضهما قائلة:
_مروان.. شوف قابلت مين بعد السنين دي كلها.. دكتور علي الغرباوي فاكره؟
منحه نظرة مشتعلة وقال:
_من الأشخاص اللي مستحيل تتنسي.
ضم علي شفتيه بحرجٍ، يحاول قدر الامكان التخفيف من حدة الاجواء فقال وهو ينحني ليداعب شعر الصغير:
_ما شاء الله تبارك الله أيه الجمال ده كله..
وحمله إليه ثم طبع قبلة على وجنته، ثم قال:
_شكل مروان بالظبط.. ربنا يحميه ويباركلكم فيه يارب.
وقدمه لفارس الذي التقطه منه يجيبه ببرود:
_تسلم... عقبالك!
أجابه بتمني:
_يا رب.
تفاجئت يارا بدبلته السوداء المحاطة لاصبعه فسألته باهتمام:
_إنت خطبت ولا أيه يا علي؟
ضحك وهو يتطلع لدبلته قائلًا باعتزازٍ غريبًا:
_اتجوزت...ومش هتصدقي مين.
بلهفةٍ قالت:
_مين؟ أكيد دكتورة من زمايلنا.
هز رأسه يبدد تخميناتها وقال:
_اتجوزت فاطيما يا يارا.
اندهشت وشاركها بدهشتها مروان الذي بدى أكثر راحة حينما سمع بأمر زواجه، فسألته يارا باستغراب:
_ازاي يا علي... إنت عارف حالتها كويس!
ابتسم وهو يجيبها بهيامٍ بسط لمروان ولها قصة عشقهما المختصرة:
_الحب دفعني وساعدني أعالجها... هي كمان استقوت بحبي ومسكت فيه بكل قوتها.. هي كانت محتاجلي وأنا كنت محتاجلها أكتر من احتياجها ليا.
اتسعت بسمتها ونظراتها تحيط بزوجها بعشقٍ تدفق إليها حتى بوجود علي، ورددت بحبورٍ:
_إنه العشق يا دكتور علي.. ما أنا سبقتك.
وعادت تطلع إليه تتساءل باهتمامٍ:
_طيب قولي أنت لسه بتشتغل في نفس المستشفى اللي كنا فيها بلندن ولا اتنقلت؟
عدلت من جاكيت بذلته وأجابها بثباتٍ:
_لأ.. رجعت المستشفى بتاعتي وحولتها لمركز طبي لجميع التخصصات علشان كده أنا هنا في مصر بجمع الفريق الطبي بنفسي.
شجعته بفخرٍ:
_براڤو عليك يا علي... ربنا معاك ويوفقك يا ررب.. والله لولا البلونة دي كنت سافرت وجيت حضرت الافتتاح بس إن شاء الله تتعوض ويكونلي زيارة ليك أنا ومروان والاولاد على اعتبار ما سأكون ولدت.. ولا أيه يا مروان؟
تلك المرةٍ رسم ابتسامة حقيقية بعدما تأكد من اندراج العلاقة بينهما لعلاقة زمالة عادية، وصافح علي بحرارة:
_أكيد طبعًا هنيجي ونهني... مبروك الجواز والافتتاح يا دكتور.
سعد علي كثيرًا لتلقي تلك المصافحة المعبرة عن تلاشي صخور الماضي، فكم كان حانقًا على تصرفاته بالماضي ونزاعه التي وصل للتطاول بينه وبين ممروان فحينما تعقل وجد ذاته هو المخطئ ومن لم يخطئ جميعًا بشرًا ولسنا بملاكٍ بأجنحتين.
ودعهما علي وغادر للسيارة التي تنتظره للعودة لمنزل آدهم والراحة تغمره وتحيط به لتلك المقابلة.
******
ولجت للجامعة بارتباكٍ يحيطها، فبالفترة الماضية امتنعت عن الذهاب خاصة بعد ما حدث لسيف، وها هي تضطر للعودة بعد أن أخبرها أحمد بأن "يمان" قد هرب من لندن بعدما اتهمه سيف بما أصابه، وتسجيلات الكاميرات الخاصة بها خدمت أقواله فخشي أن تكتشف الشرطة اعماله الغير شرعية لذا فر هاربًا.
أحاط كفها ذلك الخاتم المندث بسلسالها الذهبي، وبداخلها تشعر بذنب الاحتفاظ به دون معرفة صاحبه، فحينما كانت تنتظر أمام غرفة العمليات خرجت احدى الممرضات تقدم لها ملابس وأغراض سيف الشخصية، فلمحت ذلك الخاتم الفضي المحاط بفص أزرق كانت تراه بيد سيف على الدوام.
لا تعلم لما احتفظت به وطوقته بعقدها الذهبي ليظل يلازمها، والآن وجودها بالجامعة تشعر بأنها تحتاجه دونًا عن أي وقت، فكمشت يدها حول السلسال الطويل الظاهر من أسفل حجابها.
كانت بطريقها للصعود للطابق المخصص لفصلها، فما أن صعدت لمنتصف الدرج حتى وجدته يهبط للأسفل حاملًا كتبه وأغراضه.
تعالت خفقات قلبهما كالقرع، يجزم كلاهما بأن الأصوات كانت منصوبة للآدان ولجميع من بالحرم الجامعي، هبط سيف إليها ببطءٍ وبابتسامةٍ اهلكتها قال:
_عاملة أيه يا زينب؟
رمشت بتوترٍ وأجلت أحبالها الصوتية بصعوبة:
_كويسة.. الحمد لله.
وبترددٍ قالت وعينيها تشير لذراعه المحاط بالجبيرة:
_وإنت؟
هز ذراعه المصاب قائلًا بمزحٍ:
_أهو امتحنت بايدي التانية مع إن خطي مكنش يتشاف ولا يتفهم في ورقة الامتحان بس ماشي الحال.. المهم نعدي السنة دي بقى.
وسألها بفضولٍ:
_أول مرة تنزلي الجامعة من بعد اللي حصل؟
هزت رأسها وردت بتوترٍ:
_أيوه.. عم دكتور علي قالي إن الحارس اللي كان بيراقب يمان شافه بيهرب هو ورجالته بعد ما اتهمناه باللي حصلك واللي عمله معايا قوى من الموقف.
بدى الانزعاج والضيق متوغلًا بملامحه وقال بحدةٍ:
_فلت منها ابن ال.. بس مصيره هيرجع ووقتها هأخدلك حقك منه وقدام عينك يا زينب.
ارتبكت بوقفتها أمامه، مازال مصرًا أنها تخصه رغم رفضها له، وللحق بداخلها شعور يغمرها بالسعادة، فأشارت له بتوتر:
_عن إذنك زمان محاضرتي بدأت.
تابعها وهي تصعد للأعلى، وقبل أن تنجرف للطابق ناداها، استدارت له فوجدته يبتسم لها ويخبرها:
_هستناكِ تحت.. خلصي وانزلي على طول.
كادت بالاعتراض فقال سريعًا:
_هعزمك على آيس كريم.
وتابع بغمزة أفتكت بصمودها:
_بالڤاتيليا زي ما بتحبي.
حاولت الاعتراض أو الحديث فسبقها مجددًا:
_متقلقيش عما تخلصي محاضرتك هكون إستأذنت من دكتور علي.
وتركها وغادر ومازالت تقف محلها تتأمل الفراغ بصدمة من اتخاذه للقرار واصراره بتنفيذه وابلغها بأنه سيأخذ الأذن وكأنه يخبرها بأن لا عليها سوى الحضور!
******
صعد آدهم مبنى الجهاز، طالبًا بإصرار مقابلة الجوكر، فجلس بالمكتب الخارجي قبالة الساعة والنصف حتى وصلت الاوامر بالسماح له بالدخول لمكتبه.
طرق آدهم باب المكتب وولج للداخل بخطواتٍ بطيئة حتى وصل قبالة مكتبه، كان يستند بساقيه على المكتب، ويسترخي بمقعده بتعبٍ بعد انتهائه من التدريب، فتح زرقة عينيه يتأمل ذلك المرتبك بنظرةٍ مستمتعة، وردد بخشونةٍ وهدوء مخيف:
_شكلك مش لطيف وإنت واقف مرعوب ومهزوز قدام القائد بتاعك!
ونهض عن مقعده يلف من حوله حتى يقف قبالة آدهم متابعًا بحدةٍ:
_وأنا تلاميذي معلمتهمش يواجهوا أي مشكلة بالخوف والجبن!
ارتبك آدهم وبدى غير مستجيب الفهم لما يحدث، هل يواجه غضبه لما فعله بلندن أم ان هذا الغضب لرؤيته يخشى عقوبته؟!
طرق "مراد" على سطح مكتبه بقوةٍ ليفق آدهم من شروده على صوته الهادر:
_إنت جاي ليه طالما معندكش اللي تقوله!
ازدرد ريقه بحرجٍ:
_باشا أنا عارف إني غلطت وعرضت حضرتك لموقف محرج مع القادة بس مقدرتش أسيب صديقي محتاج لمساعدتي ومساعدوش حتى لو كنت شخص عادي كنت هساعده.
ضيق عينيه الزرقاء ومال يستند على حافة مكتبه، يتفحصه بنظراتٍ تجوبه من الأعلى للأسفل، وبعد صمتًا طويلًا قال:
_لو مكنتش ادخلت كنت شكيت في قدراتك!
رفع آدهم عينيه إليه بصدمة فوجده يبتسم له، مستطردًا بمكرٍ:
_رحيم حكالي على اللي حصل.
وتابع وهو يقابل مُقلتيه بنظرةٍ واثقة:
_واحد بتدريبك البسيط قدام الاسطورة وقدرت توازنه في المهمة الصعبة دي، ده يخليني أنا والقادة نثني عليك... انا نفس كنت فخور إنك من تلاميذي.
ورفع يده يربت على كتفه وهو يتجه لمقعد مكتبه بخطواته الواثقة:
_متقلقش تنفيذك للمهمة بالدقة والبراعة دي نفى عنك أي غضب.
احتل مقعده بهدوء لم يكن داخل ذلك الذي يتابعه باندهاشٍ ، فابتسم مراد وقال بخبث لا يليق سوى بالجوكر "مراد زيدان":
_عارف إن رحيم رعبك مني ومن مواجهة القادة..خليني أقولك إن ده جزء من تدريبك أو بالمعنى الأوضح مينفعش أشوف ابني بيرتكب شيء يفوق قدراته وأقف أشجعه إنه يعيد نفس اللي عمله مع إنه مش غلط، هكتفي بس أنبهه أنه مينفعش يقوم بالتصرف ده الا لما يكبر ويكون عنده الخبرة الكافية اللي تخليه يقدر يتصرف من غير ما يرجعلي.. فهمت يا عمر؟ ولا تحب أقولك آدهم زي ما بتحب؟
اتسعت ابتسامة آدهم بفرحةٍ، وكأن جبالًا مرسخة انزاحت عن كتفيه، فاندفع تجاه مراد الذي نهض يستقبل ضمته الرجولية والاخر يهتف بفرحةٍ:
_فهمت.. فهمت يا باشا.. وأوعدك هنفذ كل الأوامر زي ما تجيني.
ربت على ظهره بقوةٍ تليق بجسده الصلب:
_كده يبقى الدرس وصل.. يلا متنشغلش عن عروستك وجهز فرحك ومتنساش تعزمني.
هز رأسه بسعادة واحترامًا لشخصٍ بمهارة الجوكر:
_أكيد طبعًا...
واسترسل بحرجٍ:
_أنا كنت جاي لحضرتك عشان أخد رأيك في شيء عرفته عن المقدم"سند برهام" ، وأنا هيكون من الصعب اتدخل لحل موضوع زي ده.
أشار له بالجلوس قبالته وردد بوجوم:
_إنت ليه مُصر تدخل نفسك في حوارت مش بتاعتك يا آدهم؟
جلس قبالته يجيبه بحزنٍ:
_صدقني يا باشا ربنا سبحانه وتعالى اللي عمل كده عشان يرفع الظلم عن شخص بيعاني على إيده ومش بس هو في كذه سجين بيمارس عليهم طغيانه.. الموضوع مش سهل ومحتاج لمساعدة حضرتك فيه.
أنصت له جيدًا فأشار له بضيقٍ لسماع من يعاني ظلمًا، أكثر ما يثير غضبه أن يستغل كل ذي منصب منصبه لفعل السوء لذا فمن المؤكد أن آدهم اختار الأنسب ليخلص "يونس" عن مظلمته!
********
خاب أملها، ظنت بأن الاختبار المنزلي ربما يخالف ذمته والآن تحمل بيدها تقرير الفحص من المعمل الخاص بالمركز الطبي لابنها، يؤكد لها مئة بالمئة إنها تحمل بجنين.
وقفت فريدة تنتظر سيارة أحمد شادرة، عينيها تدمعان تأثرًا بما يخطر لها بفعله، هي تعلم بأنه ذنبًا فاضحًا ولكن ماذا بيدها تفعله!
تظن بأنها جريمة أن تحتفظ بجنينٍ وهي بذلك العمر، ابنتها من المفترض ستزف عروسًا بعد أيامًا وابنها ينتظر جنينًا قريبًا، كيف ستواجه الجميع بذلك، وما صدمها الإن بأنها بنهاية الشهر الثاني من الحمل لذا عليها سرعة التحرك قبل أن يكبر حجم الجنين.
تناست ما تفكر به لحظة رؤيتها لسيارة أحمد تقترب منها فرسمت ابتسامة مصطنعة وصعدت جواره تفكر بتمعنٍ بما ستفعله.
******
تابعت فاطمة عملها بمهارةٍ، وشعور الأمان يروداها بوجود عُمران بمكتبه تاركًا الباب الفاصل بين الغرفتين مفتوحًا بينهما، كما ان سماحه لها بالعمل بمكتبها واطلعه على ما تنتهي منه كان يريحها كثيرًا.
انتهت من مراجعة حسابات الميزانية المتعلقة بالمشروع فاتجهت اليه تطرق الباب المفتوح، فرفع رماديته لها يشير:
_ادخلي على طول يا فاطمة.
هزت رأسها بخفة ووضعت الملف من أمامه، تخبره بصوتٍ بدى مندهشًا أو مصعوقًا:
_المشروع هيتكلف ٧٨مليون دولار!!!!
صدمة قولها جعلته يرفع عينيه عن الاوراق ويتطلع لها ببسمة ساخرة:
_طيب وفيها أيه؟
ابتلعت ريقها بارتباكٍ:
_هو إنت مسمعتش المبلغ كويس ولا أيه؟
أزاح نظارة النظر عنه وقال ببسمة مشاكسة:
_قوليلي يا فاطمة أنتي تعرفي إني ليا شركاء معايا في المعمار والشركات؟
هزت كتفيها بحيرةٍ، فقال موضحًا:
_أنا مش لوحدي.. فريدة هانم شريك ب١٠في المية وشمس ب١٠ ومايا ب١٠في المية وعلي جوزك ب٢٠في المية وإنتِ كمان شريكة ب١٠في المية اتنقالك الأسهم بمجرد ما بقيتي واحدة من عيلة الغرباوي.
وتابع بعنجهية مصطنعة:
_انا ليا الحصة الاكبر ٤٠ في المية لأني انا اللي بدير وبكبر رأس المال عشان كده تلاقيني مغرور حبتين.
رددت بتلعثمٍ وضيق:
_أنا مش عايزة حاجة!! آآ..
قاطعها بحزمٍ:
_مش بمزاجك يا فاطمة دي كانت وصية بابا اللي يرحمه لزوجاتنا.. هو فرض وشيء مقدس بالنسبة لعيلتنا، فريدة هانم لما اتجوزت من بابا اتنقلها الأسهم بشكل تلقائي.. زي ما تقولي ده نظام عيلتنا.
وتابع وهو يقدم لها الملف:
_المهم انا هعمل شيك بالمبلغ ولما يوصل نبدأ على طول بإذن الله..
هزت رأسها بصدمة تخيلها أن أحدًا سيحمل مبلغًا كهذا، فتابع بعدما تذكر شيئًا هامًا قد يفيد أخيه بعلاج فاطمة:
_بقولك أيه يا فاطمة أنا بكره عندي عشاء عمل مع شركة ستون، هنروح أنا وجمال وهيكون في كذه حد من السكرتاريه.. أيه رأيك تيجي معايا؟
صمتت قليلًا تفكر، ثم قالت على استحياءٍ:
_طيب ممكن أسأل علي وأرد عليك بليل لما نرجع البيت؟
ابتسم باحترامٍ وقال:
_طبعًا.. طبعًا تقدري ونص كمان.
ضحكت على طريقته بالحديث واستأذنت بالانصراف فعاد هو يتابع عمله بتركيزٍ، إلى أن ولج إليه حسام متجهمًا يخبره بخوفٍ:
_مستر عُمران.
زفر بمللٍ والتف بمقعده المتحرك:
_يا نعمين يا حسام! لخص بالقنبلة اللي ناوي ترميها في وش أمي!
أتاته القنبلة من خلفه تندفع تجاه المقعد المقابل له، يردد ببرودٍ يشبهه:
_ازيك يابن فريدة؟
******
أنصت لباب المعتقل يُفتتح من جديدٍ، ونفس الفلاش يضاء عليه، وكأنه يؤكد لها بعودة بصيص الأمل إليه رغمًا عنه، فتفرس بملامح من يقف أمامه وقال باستغرابٍ:
_رجعت تاني ليه يا باشا؟
انحنى آدهم إليه وقال بصوته الرخيم:
_يونس إسمعني كويس.. إنت خلاص براءة ولو عايز تخرج معايا حالًا هخرجك بس ده أنا مش عايزه.
رمش باهدابه عدة مرات وردد بعدم تصديق:
_أخرج منين! يا باشا حاول تستوعب إن خروجي من هنا هيكون على القبر... صدقني مستحيل يسبني أخرج.
أمسك بيده وجذبه لينهض قبالته يصيح به بصوتٍ قوي:
_يونـس فووق ومتفقدش إيمانك بربنا عز وجل... أنا هنا قدامك بقولك هخرجك وهأخد حقك ده وعدي ليك ووعد "عمر الرشيدي" دين في رقبته ليوم الدين.. أنت متعرفش أنا مين ولا أقدر اعمل أيه!
وتابع والاخير يتطلع له بأعين دامعة لا تصدق سماع ما يقول:
_أنا مش ظابط عادي يا يونس... بقولك أنا واللي ورايا قدرنا في ٢٤ساعه نثبت برائتك وخلاص مبقاش في شيء يدينك بس خروجك من هنا مش ده هدفي ولا اللي أنا عايزه..
_أنا مش فاهم حاجة يا باشا؟
اوضح له ببسمةٍ ماكرة لا تليق الا بضابط تربى وترعرع على يد الجوكر المزعوم:
_يوم واحد يا يونس!! يوم واحد هتستحمل فيه الألم وبعده تخرج وإنت محقق انتقامك..
وصاح بصوتٍ كان كالسوط لذلك الهزيل:
_قولي عايز تخرج من هنا مزلول وعايش في عناء نفسي لحد مماتك ولا عايز تنتقم وتشوف حقك بيرجعلك؟
انهمرت دمعة حملت معاني القهر من حدقتيه فصاح بصوتٍ مكلوم:
_هنتقم منه ازاي يا باشا ده رتبة كبيرة وأنا آآ..
قاطعه بعنف:
_عايز تنتقم ولا تخرج حالًا معايا؟
أخفض عينيه أرضًا ورفعها لذلك الملاك الذي هبط يحل عنه عقدته التي نغزته وجردته من كرامته وكبريائه ورجولته وردد باصرار:
_عايز حقي يا باشا!
ابتسم له آدهم وتابع بصوتٍ جهوري مخيف بخطته للقضاء على ذلك اللعين:
_يبقى تفوق وتسمعني كويس في اللي هقوله!
*******
جلست بحزنٍ وضيق يتمرد على وجهها الأبيض، تمر بها الساعات ولم تيأس من انتظاره، تجوب الشرفة كل ساعة تقريبًا على أمل قدومه، عينيها متعلقة على باب الشقة بلهفة وحزن.
لأول مرة تشعر بأنه يعني لها كثيرًا، اعترفت "آديرا" لذاتها بأن ما بداخلها لآيوب ليس مجرد شعورًا بريء، هي بالتأكيد تحبه!
انفرجت ملامحها فور أن استمعت لصوت طرقات باب المنزل، ركضت بسرعةٍ هائلة تفتح الباب وهي تهتف بسعادةٍ:
_آيـوب!
تلاشت ابتسامتها حينما وجدت إيثان أمامها، منحها ابتسامة صغيرة وقال:
_آيوب ذهب مع أبيه للمسجد وطلب مني أن أصل لكِ هذا الطعام وأن أخبركِ بأنه لن يستطيع القدوم اليوم لإن عائلته قد أتت للترحاب به.. ربما بالغد يستطيع الحضور.
غلبها الحزن فالتقطت منه الأكياس وقالت بصوتٍ محتقن بالدموع:
_أخبره فقط أن لا ينساني هنا.
انتقل لإيثان حبها الكبير لآيوب فارتبك للغاية لشعوره بقدوم كارثة ستحل على ابن الشيخ مهران الذي عشقته فتاة أجنبية غير محتشمة، ولكنه برع في تزيف بسمة وقال:
_حسنًا سأخبره..
ورحل من أمامه، فحملت الاغراض ووضعتها على الأريكة ثم ولجت لغرفتها ترتمي على الفراش وتردد بخفوت:
_لا أريد شيئًا الا رؤيتك آيوب! ما حاجتي لتناول الطعام وإنت لست جواري تشاركني به!!!!
********
وضعت الحساء على النار ووقفت تتابعه، حتى تسلل لها صوت زوجها الغاضب الذي يصيح بعنفٍ:
_إنتي يا **** فين المرهم اللي كنت جايبه الاسبوع اللي فات، هو إنتي وابنك القرد ده مبتسبوش حاجة في حالها أبدًا.
أغلقت "خديجة" النيران وهرعت إليه تشير له:
_ثواني وهجبهولك.
صفق باب الخزانة بغضبٍ، فاهتزت بقوةٍ جعلت جزءًا من ملابسها يسقط أرضًا أسفل قدميه، فالتقطت عينيها شريط الدواء الملقي باهمالٍ.
سقط قلب خديجة وجحظت عينيها حينما انحنى يلتقط الدواء ويقربها منه، ومن ثم اقترب منها بأعينٍ حمراء كلهيب الجمرات يتساءل بهدوء قاتل:
_ده أيـه؟
تعلم بأنه يعرف كنايته لإنه يلجئ له كثيرًا ليخفي أمر تعاطيه للسموم والمخدرات التي يرتشفها فيلجئ لحبوب منع الحمل ليخفي عن دمائه تعاطيها أثناء أداء عمله الحكومي.
تراجعت خديجة للخلف وهي تشير له ببكاءٍ وخوفًا قاتلًا:
_آآ... أنا.. آآ..
هوى على وجهها بصفعة ابادت الدماء عن شفتيها من قوتها وصرخ بها بسباب بذيء:
_انتي أيه يا ***** بقى انتي مش عايزة تخلفي مني أنا!! ده أنا اشتريتك يا رخيصة، سترت عليكي وخدتك على عيبك وكتبت ابن ال*** باسمي عشان ميخدش عار أبوه والناس تعايره بأن ابوه في السجن واخرتها تحرميني من الخلفة طول السنين دي يا فاجرة يا***
وهوى عليها بصفعات متتالية وهو يصرخ بجنون:
_لسه بتحبيه ومش قادرة تنسيه يا بنت ال*** أقسم بالله لاقتله وأقتلك انتي وابنك.
بكت وصرخت بانهيار:
_ حرام عليك بقى... طلقني وارحمني من اللي أنا فيه.. معتش في شيء تاني هقدر أقدمهولك.. طلقني واتجوز واحده تخلفلك الولد اللي انت بتتمناه لكن أنا بكرههك ومستحيل هقبل أخلف منك ولو حصل هموت نفسي ومش هيهمني حد ولا حتى ابني اللي بتهددني بموته ليل نهار.
وبصرخٍ يفوق الاخر قالت:
_ سمعت أنا بكررررهك وبقرف من نفسي بسببك!
جن جنونه فسحب حزامه وهوى عليها بضربات قاتلة جعلتها تتمايل أرضًا فاقدة للوعي، فركلها بقوة وهو يصرخ:
_والله لأوريكِ يا زبااااالة.. وهتشوفي.
غادر من امامها وتركها تغوص بدمائها، فشعرت بلمسات يد تحمل المياه لوجهها، فتحت خديجة عينيها المتعبة ببطءٍ فوجدت ابنها يحاول افاقتها وهو يبكي بخوفٍ.
استقامت بجلستها وضمته إليه مرددة بهمس:
_يا رب ارحمني يا رب... يا رب إحفظه ورجعهولي هو أملي الوحيد يا رب... هو اللي هيخلصني من عذابي... يا رب لو كان ميت فأقبض روحي واجمعني بيه ولو لمرة واحدة!
ونهضت تتكئ على الحائط بصعوبة، ثم جمعت جزء من ملابسها هي وابنها، وارتدت اسدالها وخرجت به من المنزل، تتحامل على نفسها بصعوبة، فسألها الصغير ببكاءٍ:
_هنروح فين يا ماما؟
انهمرت دموعها تأثرًا،توفت والدتها ولم يعد لديها أحدٌ سوى الله، مشت جواره وهي تجيبه بانهيار:
_مش عارفة!
وجدت قدميها تتبع طريق منزله، هو الوحيد الذي لم يرد بابه بوجه أحدٌ، طرقت خديجة باب منزل الشيخ "مهران"، وما أن انفتح الباب حتى استسلمت لغشاوتها وسقطت فاقدة للوعي، ليهدر بها من يقف أمامها بدهشة:
_خديجة!
انحنى آيوب تجاهها بصدمة من رؤية وجهها الملطخ بالدماء، خرجت لمرتها الاولى دون نقابها على عجالة للنجاة بحياتها وحياة الصغير، وها هي تستسلم لغيمتها السوداء وقهرها الملازم لها بعد ان تفرقت عن محبوب طفولتها وأمانها الوحيد... يونس!
...... يتبع.....
#صرخات_أنثى... #آية_محمد_رفعت..
التفاعل يا بنـات.. ❤
****_________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السادس وخمسون 56 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثامن_والأربعون..
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "حياة المهدي"،"فاطمة..توتا السفروتة"،"أسماء سمير" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
صعق من الحالة المذرية التي أصبحت عليها، وجهها مكدوم بقوةٍ وكأن زوجها كان بعركةٍ ذكورية مع رجلٍ يجابهه بنفس قوته الرجولية، إن كان البادي من وجهها أمامه هكذا ماذا عن جسدها؟!
منحها نظرة ساخطة وهي تحاول الاعتدال بين ذراعي والدته التي تحاول أن تساندها لغرفة آيوب فنطق ساخرًا:
_بقى ده الراجل اللي اختارتيه وفضلتيه على أخويا!!
رفعت خديجة عينيها الباكية إليه، ورددت بألمٍ نساء كبت داخل أعتى قلوبهن ليتمسد بقلبها هي:
_ظلمت يونس لما حطيته في مقارنة مع أشباه الرجال يا آيوب!!
جحظت عينيه صدمة من جملتها التي شملت معنى مبطن جعله مرتعب حول شكوكه فيما يتعلق بها، تراجع للخلف وهو يتمنى أن لا يكون المفهوم الذي تسلل إليه صحيحًا، فاستدعى صوته الهادر يسألها:
_تقصدي أيه؟!!!
صرخت به رقية بانفعال:
_إنت لسه هتتكلم.. اجري هات الدكتور بسرعة مش شايف حالة البنت!
مالت خديجة على يد رقية ورددت بصوتٍ هامس وهي تشير على ابنها الذي يقف جوار باب المنزل ببكاءٍ:
_ابني يا حاجة رقية... ابني أمانة في رقبتك إنتِ والشيخ مهران.
ومالت على ذراعيها فصرخت رقية بفزعٍ بآيوب:
_هات الدكتور بسرعه يا آيـــــــــوب.
******
امتعضت ملامحه رويدًا رويدًا وهو يتأمل من يجلس قبالته ببرودٍ يستفز كل خلية داخله، ألقى عُمران قلمه الأنيق على سطح المكتب باهمالٍ متسائلًا ببرودٍ يحاول التمسك به:
_خير يا نعمان باشا.. أيه اللي حدفك علينا؟ ولا رجلك خدت على المطرح!
رفع قدمه فوق الأخرى بتعالٍ وأشعل غليونه الثمين يسحب أنفاسه ويطلقها بوجه ذلك المحتقن ويجيبه:
_دي مقابلة تقابل بيها خالك! صحيح ما إنت ابن فريدة أكيد مفتقد لتربية راجل يعلمك إزاي تحترم الأكبر منك.
احتجز وحشه الوقح داخله، فقد سئم أن يكون سليط اللسان وبعدها يتمزق ندمًا وعتابًا لما باح به، فقال بهدوءٍ وأسنانه تعتصر شفتيه:
_معلش بقى ما أنا زي ما إنت عارف يتيم الأب .
وبألمٍ احتشد بنبرته الثابتة قال:
_مكسبتش فيا ثواب وربتني إنت ليه يا خال؟
تلاشت ابتسامته المنتصرة ليحتضر شبحه الغاضب، فتغاضى عن سخريته وقال:
_أنا جيتلك بنفسي عشان أبلغك إني هكون معاك في مشروع المول التجاري اللي إنت داخله.. أصلي ميخلصنيش إسمك يتهز لما يتعرف إنك داخل مع اللي إسمه جمال ده!
وتابع بعنجهيةٍ:
_الولد ده شكله غبي ومبيفهمش أنا سبق وحذرته وقولتلك ينسحب لكنه مُصر يكمل...تمسكه بالمشروع خلاني أصدق احساسي إنه مستغبيك ولفف عليك عشان مصلحته وإنت زي الأهبل سايبله اللجام وهو ساحبك بشطارة.
احتدت رماديته بغضبٍ قاتل، فضم شفتيه معًا يكبت لفظه النابي الذي كاد بالتحرر من عرين سبابه، فتحلى بجموده وقال مستنكرًا:
_هو بردو اللي مصاحبني مصلحة!
أخفض ساقيه وصاح بعصبيةٍ:
_قصدك أيه يابن فريدة؟ بقى دي أخرتها بدل ما تشكرني إني خايف عليك وجريت جري أحذرك منه!!
لم يهتز به شعرة لعصبية الاخير وأجابه بنفس هدوئه:
_أنا ممنون جدًا لنصيحتك الغالية دي وعشان أنا أهبل وبريالة هسلمه أغلب المشاريع اللي أنا داخلها.
وبخبثٍ محترف قال:
_مهو مينفعش واحد عبيط يمسك مشاريع بالضخامة والأهمية دي لوحده لازم حد ذكي وملوع يسانده.
أصابه بسهامٍ واحدًا تلو الأخر، لدرجة جعلته يشعر وكأنه سيشتعل من فرط النيران، فصرخ بعصبية محتقنة:
_طب إسمع بقى يابن فريدة.. أنا عملت بأصلي وجتلك أطلب منك ندخل شركة في المشروع والظاهر إني كنت غلطان لما فكرت أجيلك بالادب والاخلاق فاستحمل بقى الاسلوب الرخيص اللي هلعب بيه معاك.. أوعدك أن في ظرف أسبوع المشروع ده هيكون تابع لشركاتي.
اتشح ببسمةٍ ثابتة أربكت من أمامه، وقال بثقةٍ ورزانة:
_عيب يا نعمان تهددني في مكتبي.. ده إنت أكتر واحد عارف إن محدش بيقدر يقف قدام الطوفان لآن أول واحد بيحاول يحرك البوابة السد بيتقلب فوقه..
ونهض عن مقعده المحتفظ بجاكيت بذلته واتجه جالسًا قبالته على المقعد الذي يفصل بينهما طاولة قصيرة، ثم ردد بنظرات مشتعلة:
_من كام يوم رفضت اتعامل مع العملا اللي سحبوا عروضهم من شركاتك لمجرد انسحابي من إدارة الشركة الأم.. كان ممكن أقبل بالعروض دي وأنا متأكد إنك بعدها كان هيتخرب بيتك بس أنا معملتش كده.. مش عشان القرابة ولا لإني خايف من رد فعلك العبيط زي ما أنت متخيل!
رمش نعمان بتوترٍ وخاصة حينما استطرد بصوتٍ قوي، واثق، ويده تشير على مقعد مكتبه المهيب:
_عشان أنا لما بقعد على الكرسي ده بتنافس بنزاهة وشرف... وموصلتش لكرسي مجلس الادارة من فراغ يا نعمان... أنا كنت في أولى جامعة وبنزل مع العمال أنفذ المشاريع بنفسي، أنا متقن أوي لحركاتك وبقولك لو هنقضيها تهديدات يبقى متزعلش من رد الفعل.
نهض عن المقعد يغلق زر جاكيته البني على بطنه السمين، وهدر بانفعالٍ:
_كده.. ماشي يا عُمران والله العظيم لاندمك على وقاحتك وغرورك ده.
وتابع بنبرةٍ زلزلت الأخير وحشدت جنونه:
_صحيح مايا حامل! مبروك عليك بس خليك حذر آآ...
_نعمــــــــــــــــــان!!!
ابتلع باقي جملته حينما واجه زئير أسدًا مخيفًا مازال يلتف حول ساقه أغلال تمنعه من إلتهام لحمه حيًا:
_أقسملك بالله يوم ما تفكر تلمح مراتي بطرف عينك بس أو أي مخلوق من عيلتي همد صوابعي في عينك أصفيها..
وألقى المقعد من أمامه بجنون يراه لأول مرة لدرجة جعلته يتراجع للخلف بخوفٍ:
_إنت أيــــــه يا أخي شيطان!! ليه مصمم تخرج أسوء ما فيا!! يلعن أبو الفلوس والثروة والمنصب اللي تخليك و**** بالشكل ده!!
فور سماع فاطمة لصوت صراخ عُمران هرعت لباب المكتب الفاصل بينهما، فوجدته يقف قبالة خاله يحاول تنظيم أنفاسه المسموعة بأنحاء المكتب، يحاول التشبث بجموده ولو للحظات يخرج بها ما كبت داخله، فقال بصوتٍ مرتعش رغم صلابته:
_إنت ينقصك أيه عن أحمد الغرباوي؟ هو عمي وإنت خالي، يعني المفروض إنت اللي تكون قريب لينا عنه.
وأشار لرأسه بألمٍ:
_العقل بيقول إن اللي يطمع فينا هو عمي.. لإن الثروة دي اغلبها راجع لأخوه وبالرغم من كده عمره ما طمع ولا حقد علينا... دايمًا كان جنبنا.
وتابع وقد لمعت دمعة خائنة بمُقلتيه:
_صحيح أنا تعبت كتير لحد ما كبرت اسمي رغم آني متعداش ال٢٥ سنة بس اللي آنت متعرفوش إن اللي ساعدني وأخدني لاول الطريق كان عمي، كان بيساعدني بدون ما أعرف، أنا لسه بس من كام شهر عارف الحقيقة... اكتشفت إن هو اللي كان بيرشح اسم شركتي وبيدعمني بدون ما أعرف، هو شد ايدي لاول الطريق وإنت عايز تقضي عليا وواقف بتهددني بمراتي اللي هي بنت أختك يعني لحمك ودمك.. وبتهددني بردو بابني اللي المفروض يكون في مقام حفيدك!!!!!
تحجر حلقه بمرارةٍ وخاصة حينما استطرد عُمران بوجعٍ:
_طول عمري بستغرب ليه بتكرهنا أوي كده، مسبتش حاجة الا وفكرت فيها! أنا زمان وأنا طفل كنت بفرح أوي اول ما بلاقيك داخل وبتحضنا حتى وأنا واثق إني أول ما هبص ورايا هشوف فريدة هانم.. وعارف إنك بتأخد اللقطة قدامها عشان تبينلها انك حنين على اليتامى والجدير إنها تسلمك ادارة شركات "سالم الغرباوي" ، وبالرغم من إنها منخدعتش وراك الا أنك مستسلمتش ولسه بتحارب لحد اللحظة دي.
وتنهد بضيقٍ وهو يسأله بسخريةٍ:
_مجاش الأوان إنك تستسلم بقى؟!
وأشار بيده إليه:
_أنا بس عندي عتاب أخير ليك.. إنت كل خلفتك بنات ليه مفكرتش تكسبني لصفك وأكونلك الولد اللي اتحرمت منه؟
رمش بعينيه بصدمة، فتابع عُمران بضحكة صاخبة:
_أووه آسف أنا وقح وتقريبًا أكتر شخص إنت بتكرهه في حياتك طب وعلي يا خالي؟
رفع عينيه إليه فاستكمل عُمران بألمٍ:
_علي راجل ومحترم وطول عمره بيعاملك كويس برغم افعالك ليه محاولتش تكسبه هو لصفك؟ ليه كارهنا أوي كده.
وصرخ به يخرج ما كبت بداخله منذ أن كان طفلٍ لا يتعدى عمره التاسعة:
_قولي أيه اللي يخلي شخص يحقد على طفلين أيتام!! أيه اللي يخلي شخص يكره أطفال لمجرد إن باباهم سابلهم ورث وثروة كبيرة! أيه اللي يخليك تكون أعمى عن فريدة هانم اللي كانت بطولها ووراها تلات أولاد.. ليه محاولتش تكون ليها الأمان والسند... ليه محاولتش تخدها في حضنك وتقولها متخافيش عيالك عيالي ومالك مالي...
وابتسم رغم انهمار دمعاته:
_بس إنت معملتش غير بالمقولة الاخيرة المال!!! بالرغم من إنك بتمتلك ثروة كبيرة إلا إنك أفقر خلق الله.. وفي يوم هتكون ذليل ووقتها مش هتلاقي حد جنبك..
وضم يديه معًا له يخبره برجاء مؤلم:
_من فضلك متحاولش تظهر في حياتي تاني... أرجوك ابعد عننا وعني أنا بالذات عشان أنا مبقدرش أسيطر على لساني ولا أفعالي.. فمش هسكتلك.. بسببك أنا بقيت بكره نفسي في كل مرة بحاول أكون على مستوى وقاحتك!
وأشار لباب مكتبه بعنفٍ:
_اخرج ومتورنيش وشك تاني... وخليك على ثقة إن عُمران الغرباوي مش صيده سهلة عشان تدخل مكتبه وتهدده بأهله.. خاف مني عشان أنا أبشع مخلوق وقت غضبه... خاف وإبعد يا نعمان والا أوعدك هخليك تحصل الأشراف من أجداد عيلة الغرباوي ووقتها مش هترحم عليك ثانية واحدة!!!
غادر من أمامه بخطواتٍ ثقيلة، وكأنه تلاقى لوح خرصاني فوق رأسه، فما أن أغلق الباب من خلفه حتى انحنى عُمران يلقي بذراعيه ما وُضع فوق مكتبه، لا يهمه حاسوبه، هاتفه، لوحات مشروعه، أوراقه الهامة، لقد تخلت عنه ثقته وقيادته، هو بالنهاية شخصًا عاديًا.
جلس باهمالٍ على مقعد مكتبه، يحاول موازنة أنفاسه، بداخله هاجس يحسه على أن يدمره وليريه ماذا سيتمكن من فعله أمام نفوذه؟ وأخرًا يعاتبه بصلة القرابة التي لم يتخذها ذلك الآرعن ضمن حساباته!
التقطت آذن عُمران صوت شهقات خافتة تسرى من نهاية الغرفة، رفع رماديته فتفاجئ بفاطمة تقف على أعتاب باب مكتبها الجانبي، الذعر والقلق يحتلان ملامح وجهها بتمكنٍ.
لعق شفتيه بارتباكٍ من حالتها الغامضة، خشى أن تؤثر فيها حالته الهائجة، صوته الصاخب، دفعه للأغراض، بالنهاية مازالت غير متزنة نفسيًا، تنحنح عُمران وهو ينهض عن مقعده يلملم الاغراض الساقطة بحرجٍ:
_فاطيما.. إنتِ هنا من أمته؟
فجأته حينما اقتربت منه تساعده بحمل الأغراض، وتعيد تنسقيها على مكتبه بهدوءٍ غريب اتبعته حتى بمغادرتها لمكتبه.
ألقى بثقل جسده المسكين على مقعد مكتبه الرئيسي، يضم مقدمة أنفه بعصبيةٍ من ظهوره بتلك الحالة أمامها، لقد وعد أخيه بأن يراعي حالتها النفسية والآن لا يعلم حتى ماذا أصابها؟ فقد غادرت صامتة ولم تنطق بحرف يطمئنه بأنها على ما يرام.
مرر يده على جبينه بتعبٍ، فداعبت أنفه رائحة القهوة التي يحتاج لها وبشدةٍ في ذلك الوقت، أشاح يده ليتفاجئ بفاطمة تضع الكوب أمامه وتجلس على أحد المقعدين المقابلين له.
تناول عُمران الكوب وتناوله جرعة واحدة، وكأنه يرتشف دواء مسكن لوجعه القطعي، وما أن وضع الكوب للطبق حتى ردد ببسمة هادئة:
_شكرًا... كنت محتاجلها اوي القهوة دي في وقتها بالظبط!
واستند بجسده العلوي على المكتب يستحضر كلماته المشتتة:
_فاطيما انا آسف على اللي حصل من شوية آآ..
قاطعته حينما قالت بابتسامةٍ هادئة:
_أنا اللي بعتذرلك على دخولي المفاجئ.. أنا سمعتك بتزعق فجيت عشان أشوفك وبصراحة اتصدمت من اللي سمعته..
وبتوترٍ قالت:
_تسمحلي أقولك حاجة.
اعتدل بجلسته بجدية:
_أكيد يا فاطمة اتكلمي.
سحبت نفسًا طويلًا جعله يشعر بصعوبة ما ستلفظه بالنسبة لها، فقالت وهي تفرك أصابعها بطريقةٍ لفتت نظره:
_لما حصل معايا اللي حصلي ده وقتها كنت مهزومة وحاسة إني شبه الأموات.
انهمرت دمعة ساخنة على وجنتها ترافق قولها:
_حسيت إن مبقاش فارق معايا شيء.. حتى نجاتي من المكان نفسه مكنش فارق معايا.. بس أكتر شيء علم معايا بطلوعي من المكان ده كانت حاجة واحدة.
بحذرٍ تساءل رغم عدم رغبته بفتح حديثًا قد يتعبها:
_حاجة أيه؟
رفعت عينيها إليه تخبره بصوتٍ مهزوم:
_الغُلب والاستسلام... كنت مغلوبة على أمري ومستسلمة تمامًا إني هخرج من المكان ده لدرجة إني حسيتهم كائنات مخيفة صعب حد يقدر يتغلب عليهم، مبقتش أفكر ولا أتأمل في حد لإن أكتر إنسان كنت متأملة فيه بسببي أتأذى وإتحمل اللي أسوء من الموت علشاني..كل ده ضعفني وخلاني أثق إن مفيش حد يقدر يهزمهم لحد ما إتبددت الفكرة دي كليًا لما شوفت بعيوني ناس أقوى منهم بيقضوا عليهم بمنتهى السهولة، وكانوا بيقعوا واحد ورا التاني قدام رجالة ظابط من المخابرات إسمه رحيم زيدان..
وتنهدت وهي تستكمل:
_ساعتها استوقفني خلاصة لحياتنا...خوفي الكبير منهم خلاني أشوفهم شياطين صعب حد يقدر عليهم وببساطة جيه الأقوى منهم وهزموهم بمنتهى السهولة...عشان كده خليك واثق إن مهما كان تجبر وظلم اللي قدامك هيجي اللي هيتجبر ويدوس عليه... ده القانون والعدل اللي أكد عليه ربنا سبحانه وتعالى.
وبثقةٍ قالت:
_أنا واثقة إن هيجي اليوم اللي يجيلك فيه مزلول وهيفتكر كل اللي قاله وعمله.. يمكن يبنلك ندمه ويعتذر ويمكن يكون مغرور بس الأكيد إنه القلم اللي هيفوقه هيفضل فكره طول حياته..
وابتسمت وهي تستطرد:
_عايزة كمان أقولك بطل تقول عن نفسك إنك وحش.. لإن مفيش إنسان سيء هيشوف الوحش اللي جواه... علي زمان قالي الشخص القوي هو اللي ميتهربش من الذكريات المؤلمة اللي جواه وبيحاول يتهرب منها.. الشخص القوي بيواجه نقاط ضعفه بكل قوته.. وانا من وقت ما عرفتك شايفاك واقف صامد ومعترف إنك كنت غلط وشايف الوحش جواك وعندك القوة تواجه اللي أخطئ في حقك وتقوله إنت غلط.. فإنت مش شخص سييء أبدًا.
أسبل بدهشةٍ من سماعها، فاجلي صوته الراحل عن حنجرته وردد بصدمة:
_هو أنا ليه حاسس إن علي أخويا اللي قاعد قدامي!
رددت بعنجهيةٍ ساخرة:
_من عاشر القوم بقى!
تفردت ابتسامته وتحولت لضحكة مسموعه، ونهض يشير لها:
_طب يلا نرجع القصر يا مدام علي الغرباوي!
رفعت ساعة يدها إليها، وبدهشةٍ قالت:
_بس لسه ساعتين على المعاد الرسمي!
ارتدى جاكيته والتقط مفاتيح سيارته قائلًا بمرحٍ:
_أخوكي المدير وجوزك شريك وليكي نسبة محتاجة واسطة أكتر من كده أيه عشان تخلعي بدري!!
هزت رأسها باقتناعٍ وعادت إليه بحقيبتها، فهبطوا الدرج واتجه لسيارته، وكعادته فتح لها الباب الخلفي فاستقرب به وهي تشكره بامتنانٍ.
زوجها... أحمد... عُمران.. رجال المنزل بأكملهم يحترمون ظرفها الخاص، فلم يضايقها أحدًا منهما يومًا وهو ما ساعد علي كطبيبٍ بإعادة جزء من ثقتها.. الأحترام والتفهم من رجال عائلته والحب والاحتواء من زوجة أخيه وشقيقته ووالدته.
********
استجابت للطبيب الذي يجاهد لاستعادتها الوعي، تشعر بألم بذراعها فتفحصته فوجدت الآبر الطبية ينغرس به، ويدها الأخرى يتشبث بها صغيرها ودموعه تهبط دون أي صوتًا وكأنه اعتاد احتباس بكائه.
استمعت للطبيب يخبر الشيخ مهران بضيقٍ بدى لها:
_المفروض متسكتوش على اللي حصلها ده يا عم الشيخ مهران.. لازم تقدموا بلاغ فيه دي مش أول مرة أجي وأعالجها... لو ناويين تعملولها أنا هظبطلكم التقرير ومن دلوقتي.
أخفض الشيخ عينيه ومال برأسه تجاه فراشها وقال:
_القرار بايدها هي يا دكتور.. أنا مقدرش أغصبها على شيء دي حياتها وهي حرة فيها.
تهاوت دمعاتها العاجزة بانهيارٍ، تتذكر الثلاث مرات التي أتت بهم لمنزل الشيخ مهران حينما اشتدت بها الآلآم وفاقت حد تحملها فأتى نفس الطبيب يعالجها، واستغرقت بمرتها الأولى قبالة الشهر لا تفارق الفراش ومرتها الثانية استغرقت خمسون يومًا، واليوم لا تعلم بعدما انكسر أضلاعها كم ستستغرق تلك المرة!
كان آيوب يقف أمام باب الغرفة يستمع بدهشة للطبيب، بينما خديجة مازالت شاردة بابنها، لقد نطقها صريحة بأنه سيقتل صغيرها، ابنها الذي ضحت بنفسها لأجل حمايته فإن كانت عودتها إليه ستشكل خطرًا عليه فما سيرغمها على العودة للجحيم.
خرجت من صمتها هادرة بقوة تعجب بها الجميع:
_جهز التقارير يا دكتور... هنقدم البلاغ والمرادي مش هتنازل عن حقي أبدًا!
دعمها الطبيب لشفقته الشديدة عليها:
_ده الصح يا بنتي.. ده بني آدم همجي مكانه في السجون.
وإتجه ليغادر مرددًا:
_أستأذن انا يا شيخ مهران.
أشار له الشيخ واتبعه للخارج، فحدج ابنه بنظرة مندهشة من تسمره محله تاركًا والده يصطحب الطبيب للأسفل دون أن يطالبه بالبقاء والهبوط برفقة الطبيب هو، كان أمره غامضًا للشيخ مهران ولكنه تخلف عنه واتبع الطبيب للاسفل ليقصد احدى الصيداليات لاحضار الدواء.
استغل آيوب مغادرة أبيه ونادى والدته يخبرها بحدة:
_ادخلي يا حاجة قوليلها تلبس النقاب عشان عايز أتكلم معاها كلمتين.
جففت يدها بالمنشفة وقالت بحزنٍ:
_مالك بيها يا آيوب سبها في حالها يا ابني... بكفايا اللي جوزها عامله فيها.
شدد بحزمٍ تعهده رقية لاول مرة:
_ماما من فضلك ادخلي نبهيها إني داخل والا مش هتبع الاصول وهدخلها حالًا.
هزت رأسها باستسلامٍ وولجت تخبرها، ثم خرجت تخبره:
_قولتلها.. بس بالله عليك يا آيوب ما تزعلها البت غلبانه ومش حمل أي وجع.. أنا هروح اكمل طبيخ وانت مطولش جوه عشان ميصحش.. مش عايزين مشاكل مع أبوك.
اكتفى بتحريك رأسه لها، وطرق باب الغرفة فما أن استمع لآذنها حتى ولج قاصدًا فتح الباب على مصراعيه وإلتقط مقعد ووقربه من باب الغرفة ليكون هناك مسافة كبيرة بينهما.
طالعته خديجة من خلف نقابها، تنتظر ما سيقول بفضولٍ، انزاحت نظرات آيوب عن الأرض وتعلقت بالصغير، تجعد جبينه بشكلٍ ملحوظ وهو يدرس تفاصيل ملامحه بشكلٍ جعلها تضمه لصدره بخوفٍ، فابتسم ساخرًا وقد تأكدت شكوكه:
_شكله اوي على فكرة.
برقت بعينيها صدمة، ومع ذلك حافظت على ثبات نبرتها:
_شكل مين؟
أخفض وجهه للاسفل، ويديه تفركان بعضهما بقوةٍ، وردد بصوتٍ جهوري مخيف:
_يا رب الشكوك اللي في دماغي متكنش صح.. لآنها لو صح وخرج يونس من السجن هيقتلك؟
وبشكلٍ صريح صاح:
_ابن مين الولد ده يا خديجـه؟
انهمرت دموعها تباعًا وصوت بكائها جعل مُقلتيه تتسع بجنونٍ، فنهض عن مقعده يصيح بعصبية:
_انتِ أيه يا شيخة!! معندكيش قلب!! اتخليتي عن الانسان الوحيد اللي حبك وقدملك كل شيء بدون مقابل... صدقتي عنه اللي اتقال وبعدتي عنه لمجرد انه اتحبس وانتي متأكدة إنه اتحبس ظلم.. طعنتيه في نص قلبه وجاية دلوقتي بتكملي عليه!!!
وتابع بغضب كالجحيم قتل داخله طيبته وقلبه الناصع:
_بأي حق تنسبي ابنه لراجل غيره؟!!! بأي حق!!!!!
_الولد مكتوب بإسمه يا آيوب وأنا معايا شهادة الميلاد الأصلية يا ابني!
قالها الشيخ مهران المستند على باب الغرفة بعكازه، وبين يده يحمل حقيبة الأدوية، خطى لداخل الغرفة يضعه على الكومود البني واستقام قبالة ابنه المصدوم يخبره بقلة حيلة:
_اسمع يا ابني كلنا.. خديجة دفعت التمن وأغلى من اللي دفعه يونس.. الفرق بينهم إن ابني راجل وقادر يتحمل اللي بيجراله ده لو كان عايش واللي قدامك دي ست عاجزة تدافع عن نفسها... بلاش تيجي عليها يا آيوب كفايا اللي شافته واللي شايفاه يا ابني.
ازدادت صدماته بشكلٍ جعل وقفته مهزوزة، فوزع نظراته بينهما وهي يحاول ايجاد سؤاله المناسب:
_آآ... إنت بتقول أيه يا بابا؟
بثباتٍ وعمق قال:
_الحقيقة يا ابني اللي عرفتها بعد طلاق خديجة من أخوك، معتز خطف خديجة وطلع بيها عند دكتور شمال كان هيسقطها وهددها إنها لو متابعتش اجراءات الخلع هتخسر اللي في بطنها، حاولت تهرب أكتر من مرة ومعرفتش وبالنهاية استسلمت وقررت تحافظ على اللي في بطنها، ولما كسبت القضية نفذت اللي طلبه منها وقالت للكل إنها متقدرش ترتبط بواحد رد سجون، وطبعًت كانت صدمة ليا ولينا كلنا.
وتابع وهو يجلس على المقعد بتعبٍ:
_طلعتلها الشقة فوق ملقتهاش، اختفت وأمها نفسها مكنتش تعرف ليها طريق لحد ما في يوم جالي اتصال من ممرضة طلبتني أروح المستشفى لإن في حالة بتولد وعايزة تشوفني، روحت واتصدمت لما لقيتها خديجة، حكتلي على كل حاجة وأنا عاجز ومش عارف اساعدها ازاي... قالتلي انه هيتجوزها بمجرد ما تولد وهيسجل الولد باسمه وهي رافضة تسجله غير باسم يونس عشان كده ساعدتها وخدعناه بشهادة مزورة لكن الاصلية معايا انا... فارس ابن يونس يا آيوب.
واستدار الشيخ يقابلها بنظرة أبوية دافئة:
_ولو على اخلاصها ليونس فالاجابة باينة قدام عنيك.
استطاع أخيرًا الخروج عن صمته كاسرًا حواجز صدماته المتتالية، فلعق شفتيه الجافة واجلى صوته:
_وهي ليه تضحي من الأساس، وحضرتك ليه سكت كل الفترة دي!! سايب ابننا للحقير ده يربيه ليه مش هنقدر نأكله!!
أجابته خديجة تلك المرة:
_لا يا آيوب أنا كنت بحمي ابني منه ومن تهديداته، لو عرف بإن فارس اتسجل باسم يونس وإن الشيخ مهران يعرف الحكاية هيأذي ابني.
صرخ بانفعال جعل بشرته تحتقن بحمرةٍ مخيفة:
_ليه مفيش رجالة تقفله!!
واستدار لابيه يعاتبه بعصبية:
_ليه معرفتنيش كل ده؟ ليه سكت وقبلت إن الكلب ده يدوس علينا بجزمته!!
استقام بوقفته يطرق عصاه بغضب:
_لاني معنديش استعداد اخسر ابني التاني! يا ابني احنا مهمناش تهديداته ولا كان في دماغنا وبالنهاية عمل أيه؟ ضيع يونس ولحد اللحظة دي مش عارفين هو عايش ولا ميت!
خرت قواه وتساقطت دموعه رغمًا عنه وهو يكمل:
_أنا اللي قدرت أعمله إني وقفت الخطيئة اللي كان هيعملها وسجلت الولد بإسم يونس، كنت هواجهه ومش فارق معايا يقتلني ولا يحبسني زي ما حبس ابني الكبير بس خوفي كله كان عليك وعلى حفيدي..
يا ابني الشر لما بيجري في عروق البني آدم بيخليه أعمى، لا أنا ولا انت نقدر نوقفه عن شره، ربنا موجود وقادر يخلصنا منه.
لم يتقبل آيوب سماع ما قال، فصرخ بنفس نبرته المحتدة:
_أبقى لبسني طرحة وقعدني جنبك عشان تبطل تخاف عليا يا شيخ مهران!
واستطرد بوعيدٍ مخيف:
_أقسم بالله العلي العظيم لأوريه يعني أيه يتشطر على واحدة ست، هاخد حق ابن عمي وهكسره وفي الحارة وقدام الكل!
أسرع للخروج فتمسك ابيه بيده وهو يتوسل إليه بخوفٍ:
_عشان خاطري بلاش يا آيوب.. انا وأمك مبقاش لينا غيرك.. مش كفايا إنه أخد عين من عيوني عايزه ياخد اللي متبقالي!
قالها وانهمرت دمعاته على خديه فتمزق قلب آيوب، ضمه إليه وهو يحاول تهدئة ذاته أولًا فبداخله يستشيط غضبًا.
هدأت نيرانه تدريجيًا وهو يلمح الصغير الذي غفى على الوسادة جوار خديجة المرهقة.
ترك ابيه واتجه للفراش يحمل الصغير بين يديه ويضمه لصدره بقوةٍ، يطبع قبلات متفرقة على وجهه بعينيه الغائرة بالدموع.
قلبه يخفق بقوة ويعلمه بأنه بالفعل يحمل قطعة من أخيه، ملامحه تشربت من يونس وارتوت من صفائه.
تابعته خديجة ودموعها لا تتوقف على خدها، أعاده للفراش وطرح من فوقه الغطاء ثم أخفض رأسه للأرض ووجه حديثًا صارمًا لها:
_من النهاردة إنتي وفارس مسؤولين مني أنا.. بكره الصبح هأخدك لمحامي زميل ليا هنرفع القضية.
وبعينٍ تفيض بالانتقام:
_هيعيد الزمن نفسه والمرادي هو اللي هيتخلع.
اتسعت ابتسامة خديجة ورددت بصعوبة بالحديث:
_هفضل عمري كله مديونة ليك لو خلصتني منه يا آيوب..
هز رأسه بوعد قاطع لها، ثم رفع عينيه لوالده يخبره بايجازٍ:
_أنا هأخد مفاتيح شقة يونس وهقعد فيها عشان خديجة تاخد راحتها.
ربت على كتفه بحنان:
_ماشي يا حبيبي.
تركهما وغادر للأعلى بوجعٍ يختزل روحه، ولكنه سيتجه بطريقٍ مضمونًا للانتقام لا ينكس وعده لأبيه.
********
توقفت سيارة الأجرة أمام القصر، فهبطت زينب على استحياءٍ، واتبعها سيف الذي منحها ابتسامة هادئة:
_حمدلله على السلامة.
اكتفت بهزة رأسها، وضع يده بجيب سرواله بيأسٍ، وتنهد وهو يخبرها:
_بقالي ساعتين بحاول أقنعك إني بحبك وجاهز أكون معاكي لأخر الطريق وبردو لسه ساكتة... وبعدين يا زينب أخرة عنادك ده أيه؟
كادت بالحديث فأوقفها قائلًا:
_زينب أنا مقيد مش عارف أقربلك ولا أتكلم معاكِ بشكل اوضح... علاقتنا مينفعش تكون معلقة بالشكل ده.. انا وأنا بستأذن من دكتور علي كنت محروج ومش عارف أقوله أيه؟ وسبب قبوله إنه بيدينا الفرصة اللي بياخدها أي عريس بيقعد مع عروسته قبل قراية الفاتحه بعد كده مش هقدر... إنتي مصممة ليه تصعبيها عليا.
أحنت رأسها أرضًا تخفي دموعها، فلم ييأس وتابع بحديثه عساها تقتنع:
_أنا واثق إن في جواكِ مشاعر ليا.
وابتسم بمكرٍ وعينيه تتعلق على ما يخصه:
_والا مكنتيش احتفظتي بالخاتم بتاعي حولين رقبتك.
أخفت بيدها طوقها سريعًا فاستند على السيارة يتابع بتسلية:
_مفيش داعي أنا لمحته من أول ما شوفتك يا دكتورة.
حاولت الفرار من أمامه فلحقها وهي يهددها بتهورٍ:
_لو موقفتيش مكانك همسك دراعك حالًا ومش هيهمني.
توقفت محلها واستدارت له تزفر بيأسٍ، فغمز بمشاكسة:
_شكلك عايزاني أقلد حركات الأفلام الفاكسانه وماله نعملها حتى وأنا متكسر كده.
وانحنى قبالتها على ركبتيه يردد ببسمة ساحرة:
_دكتورة زينب تقبلي تكوني زوجة لدكتور وسيم، وجذاب، وآنيق، ودمه شربات، وبيحبك جدًا والله، ومبيتمناش غيرك..موافقة أكون في قلبك بدل خاتمي اللي محتفظة بيه ده.
مازالت تحتفظ بصمتها، بالرغم من فرحتها التي تهمس لها بالموافقة، فاتاها قوله المرح:
_زينب ردي بسرعة رجلي مبقتش شايلاني.. راعي أني لسه مش بصحتي.
تخلت عن صمتها أخيرًا قائلة بحزنٍ:
_مش هقبل إني أكون السبب في أذيتك يا سيف أرجوك افهمني.
انتصب بوقفته بوجومٍ تامًا، وبحزمٍ أردف:
_هو إنتي ليه مصرة تكوني جبانه يا زينب... ليه عايزة تثبتيله إن اللي بيعمله بيأثر فيكي وجايب نتيجة.
واستطرد بجمودٍ:
_عمومًا الكلام مبقاش له لزمة.. أنا عملت كل اللي أقدر عليه عشان مخسركيش بس الظاهر إن أنا بس اللي بحاول.
وتركها وإتجه للسيارة التي بانتظاره، فتح بابها وكاد بالولوج ولكنها أسرعت بالحديث:
_هتجيب دكتور يوسف وتيجي تقابل علي أمته؟
استدار لها بابتسامة أربكتها وخاصة حينما قال:
_حالًا لو تحبي.
هزت رأسها نافية:
_ لما علي يرجع من السفر تقدر تيجي وتحدد معاد كتب الكتاب.
وهرولت سريعًا للداخل تاركة الابتسامة ترفرف على وجهه العاشق، فصعد للسيارة وسعادة العالم تلتف من حوله.
*******
طرق باب غرفتها وهو يناديها، وحينما لم يستمع رد فتح الباب وولج يكرر ندائه بقلق:
_شمـس!!
انزوى حاجبيه بدهشة حينما وجدها تجلس بمنتصف الفراش محاطة بوشاح طويلًا يخفي وجهها وجسدها بأكمله، اتجه آدهم وجلس جوارها، يحمل طرف الوشاح الأسود الشبيه بالملحفة:
_ده أيه يا شمس؟
وتساءل بصدمة مضحكة:
_هو إنتي انتقبتي أمته؟!
سحبت طرف الوشاح من يده وأجابته بارتباكٍ:
_من النهاردة إن شاء الله.
رمش بصدمة مما يستمع إليه، فمسك على شاربه مردفًا باستهزاءٍ ويده تحاول الوصول لطرف الوشاح ليخلصها منه:
_بعيدًا عن إن ده مش النقاب فأنا جوزك يا حبيبتي يعني يحل ليا أشوف وشك!
فشل بالعثور على أوله أو أخره فردد بدهشة:
_أيه ده!! شمس اطلعي من الخيمة دي حالًا.
قالت وهي تبعد يديه:
_لأ أنا مرتاحة كده.
تطلع لها بشكٍ:
_مرتاحة إزاي... في أيه يا شمس فهميني مالك؟!
هزت رأسها يمينًا ويسارًا وهيئتها كالاشباح:
_أنا كويسة.. اطلع وسبني في خيمتي مرتاحة فيها أنا!!!
زفر بنفاذ صبر، وبهدوء زائف قال:
_أوكي يا روحي زي ما تحبي.. ممكن تقومي بقى تغيري الملحفة دي وتستعدي عشان هخرجك.. أنا بره من الصبح ولسه راجع عايز أعوضك عن اليوم اللي طار ده.
أجابته من أسفل الوشاح:
_خد الأذن الأول وبعدها هخرجلك من الخيمة.
صاح منفعلًا:
_أخد الأذن من مين.. أنا جوزك يا شمس!
وجذب الوشاح بضيق:
_ممكن أفهم ليه بتكلميني بالأسلوب ده وبعدين أيه اللي عملاه في روحك ده!!
وضيق عينيه بتخمينٍ:
_عُمران مش كده!!
هزت رأسها بقوةٍ، وتابعت باصرار:
_عايزني أتكلم معاك إبعتله رسالة، عايزني أخرج من الخيمة تبعتله مزد كول.. عايزني أخرج معاك رن عليه صوت وصورة..
ردد ساخرًا:
_طب ولو عايز أخد حضن أضغط على أنهي زرار!!
قالت بخوفٍ:
_هو سابلي إرسال بالطلب ده..
_اللي هو؟!
_سايبلك رقم الحنوتي تبع عيلتنا هنا!
انطلقت ضحكاته الرجولية الجذابة بعدم تصديق لما يحدث أمامه، فأمرها بصعوبة بالحديث:
_شمس اطلعي أحسنلك بدل ما أحبسك إنتِ وعُمران اللي فارد ريشه ده!
بارتباكٍ قالت:
_مش هينفع صدقني... اتصل بيه ولما يقولي إطلعي هطلع متجبليش الكلام وحياة بابا مصطفى عندك.
توسعت حدقتيه بصدمة، فسحب هاتفه بغيظٍ ومرر زر الاتصال بعمران الذي استقبل مكالمته بفتح فيديو مباشر يجيبه:
_سيادة الرائد اللي نسى أصحابه وباع... عامل أيه يا حبيبي؟
ضيق عينيه بسخرية:
_حبيبك!! تصدق أنا لو مش ظابط كنت اتخدعت بوشك البريء ده.. حظك بقى!
تساءل ببراءة مصطنعة:
_ليه كده يابو نسب أيه اللي حصل لكل ده؟!
سحب الهاتف من عليه وسلطه على شمس وهو يصرخ بها:
_ممكن تفهمني أيه ده؟!!!
صعق عُمران وتلاشى صوته كفراشة عابرة، فسأله بصدمة:
_ده أيه ده يا آدهم.
رفع حاجبه باستنكارٍ:
_هتهزر!
أتاه صوتًا أخر يعرفه جيدًا:
_ده أنا يا موري!
تلقن مختصر ما يحدث، فصاح بصدمة:
_أيه اللي مهبباه في روحك ده.. أنا قولتلك ربيه مش شيعيه!!!!
اتاهم صوتًا رابعًا يدلف من الغرفة مناديًا:
_عمر... شمس ليه مخرجتش من الآآآآ...
ابتلع مصطفى باقي كلماته وهو يراقب الفراش برعبٍ، فأشار باصبعه لمن يجاوره وردد بتلعثم:
_قولتلك إني بسمع أصوات غريبة من أوضة أمك مصدقتنيش... أديها حضرت وهتطين عيشتي على القديم والجديد.
ونهض عن كرسيه بصعوبة جعلته يسقط أرضًا، ليستكمل طريقه زاحفًا وهو يصرخ دون توقف:
_شبــــــــــح زُبيدة حضر!!! ..... عفريـــــــت!!!!!
.............. يتبع................
#صرخات_أنثى.... #آية_محمد_رفعت..
قبل ما حد يقول الفصل صغير فالمشاهد كبيرة جدااااا بعدد كلمات الفصول الكبيرة..
متنسوش التفاعل بيفرق جداا في نفسية الكاتب ويمكن ده اللي شجعني للعودة مرة أخرى ومداومة النشر.. ❤
*****______******"
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السابع وخمسون 57 - بقلم آية محمد رفعت
معايا شوية أغلفة عظمة.. هنزلكم كل دقيقة اقتباس 😂
#اقتباس_الفصل_٤٩
مازال يتراجع للخلف بصدمة ورعب جعل آدهم يسرع إليه في محاولةٍ لمساعدته، انحنى إليه يمسك بكفيه وما أن كاد بمعاونته ليعود لمقعده حتى شُلت أطرافه حينما سمعه يردد بفزعٍ:
_شبح زُبيدة حضر عشان يخلص عليا!.
وبجدية تامة قال:
_بتنتقم مني قبل ما أقولك على السر المخفي!
=والله؟
قالها وهو يمنع أي معالم ساخرة أو ضحكة كادت بالانفلات منه لتبرز على ملامحه الجامدة، فأمسك مصطفى كف يده ومازالت عينيه مسلطة على الشبح الجالس باستكانة على الفراش، فابتلع ريقه وهو يصرخ بمراوغةٍ كاذبة:
_متقتلنيش قبل ما أقول للواد على الحقيقة ..آآ.. أفتكريلي أي حاجة يا زُبيدة.. ده آآ أنا كنت بحبك يا زوزو والله الله يرحمك بقى!!!
اهتز جسد آدهم من فرط كبته للضحك وخاصة حينما تابع أبيه:
_آآ.. أنا معملتش حاجة نهائي من بعد وفاتك وأنا عايش اعزب محترم في حالي... اسالي إبنك.
ولكز آدهم ببطنه بغيظ:
_اتكلم يالا... قولها آنك بوست رجليا عشان ارتبط وأنا قولتلك اني عايش على ذكراها وحبها وآ..
همس آدهم له باستتكارٍ مضحك:
_أمته ده!! درش إنت بتكدب وإنت بالعمر ده؟
ضربه بكوع ذراعه ببطنه وهو يسبه بغضب:
_انطق وقولها قبل ما تقتل أبوك يا ابن الكلـ**
سقط أرضًا من فرط الضحك وشمس تكاد تموت أسفل الغطاء من فرط حرارة الغرفة، فرددت بصوتٍ محتقن:
_آدهم افتح التكيف هموت!
جذب مصطفى يد آدهم ودفعه قائلًا:
_قوووم بسرعه شغلها التكيف وشوف طلباتها!
وأشار على المقعد الموضوع بمنتصف الغرفة:
_هاتلي بس الكرسي بتاعي ومشيني من هنا... هي بتحبك وعمرها ما تأذيك... لين دماغها وقولها متزعلش مني
جذب آدهم إليه المقعد وعاونه بصعوبة من ضحكه الذي لا يتركه، جلس مصطفى على مقعده وتمسك بيد آدهم يخبره وهو يتأملها بهلعٍ:
_بقولك أيه.. إنت مش كان نفسك إننا نسيب البيت ده لانه كبير علينا ونروح شقة التجمع.. أنا موافق وديني هناك ونسيب البيت لزوزو مينفعش نضايق روحها ده مهما كان في يوم بينا عيش وملح!!!
اانطلقت ضحكات آدهم بقوة.. فردد بخبث:
_ميصحش نسيب ماما لوحدها يا درش.
=خلاص يبقى تتعامل معاها إنت وأمشى أنا... انا عضلة القلب ضعيفة عندي ومش حمل بهدالة يابني.
كبت ضحكاته يجيبه بحزن… ماكر:
_ولا ينفع أتخلى عنك ده أنت أبويا يا جدع بتقول أيه بس!!
صرخ وهو يتأمل شمس التس نهضت عن الفراش حينما ألمتها قدميها:
_مش ابنـــــــــــــــي...معرفكش أصلًا... أنا لقيتك قدام باب الجامع يلا... أنا أصلًا مبخلفش!!
اهتزت وقفته من نوبة ضحكه فسقط على الفراش يضحك دون توقف بينما هرب مصطفى بمقعده المتحرك للخارج وهو يصيح يجملة متكررة:
_سامحيني يا زُبيــــــــــدة.. سيبيني أعيش يا زوبــــــــة!!!!!!
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثامن وخمسون 58 - بقلم آية محمد رفعت
السلام عليكم قرائي الكرام، ترددت كثيرًا بكتابة هذا المنشور ولكن لا حيلة لي، سيتم نقله على تطبيق الواتباد وكافة التطبيقات الخاصة بمتابعين رواية صرخات أنثى، سئمت من الاعتذار المتكرر عن فصول الرواية لدرجة جعلتني أرى انتقادات هجومية من بعض القراء لتأخري بالنشر، لذا وجدت أن من حق القراء أن يعلموا بقراري وسببه احترامًا وتقديرًا لهم..
ابتعادي طوال الفترات الماضية وانقطاعي عن النشر بشكل منتظم لاني كنت ومازالت أمر بظروف صحية، ومن بين الأعراض التي أمر بها الصداع والدوار الشديد (دوخة) ، لذا ابتعد عن الموبيل قدر الامكان وحينما اشعر بالتحسن أعود للنشر على الفور، لذا لن أتلاعب بمشاعركم مجددًا بوعد طرح الفصل وأنا مازلت مريضة، أنا أشعر بالحرج الشديد كلما تأخرت عليكم لذا قررت أن أستوقف الرواية لمدة خمسة أياك حتى اتعافى وأكرر اعتذاري مجددًا ولكن من شدة الدوار لا استطيع مسك الهاتف أو اللاب... فترة صغيرة ولنا عودة بإذن الله.... دعواتكم.. اعتذار اخير لعدم مقدرتي على رد البوستات والتعليقات... ❤
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل التاسع وخمسون 59 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى..(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_التاسع_والأربعون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "سما سيد"،"رحاب رجب"،"إيمان بدران"،"آية الشحات"،"بسملة مصطفى"،"أسماء أشرف"،"توتا أحمد"،"نورهان صلاح"،"مروى" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
مازال يتراجع للخلف بصدمة ورعب جعل آدهم يسرع إليه في محاولةٍ لمساعدته، انحنى إليه يمسك بكفيه وما أن كاد بمعاونته ليعود لمقعده حتى شُلت أطرافه حينما سمعه يردد بفزعٍ:
_شبح زُبيدة حضر عشان يخلص عليا!.
وبجدية تامة قال:
_بتنتقم مني قبل ما أقولك على السر المخفي!
=والله؟
قالها وهو يمنع أي معالم ساخرة أو ضحكة كادت بالانفلات منه لتبرز على ملامحه الجامدة، فأمسك مصطفى كف يده ومازالت عينيه مسلطة على الشبح الجالس باستكانة على الفراش، فابتلع ريقه وهو يصرخ بمراوغةٍ كاذبة:
_متقتلنيش قبل ما أقول للواد على الحقيقة ..آآ.. أفتكريلي أي حاجة يا زُبيدة.. ده آآ أنا كنت بحبك يا زوزو والله الله يرحمك بقى!!!
اهتز جسد آدهم من فرط كبته للضحك وخاصة حينما تابع أبيه:
_آآ.. أنا معملتش حاجة نهائي من بعد وفاتك وأنا عايش اعزب محترم في حالي... اسالي إبنك.
ولكز آدهم ببطنه بغيظ:
_اتكلم يالا... قولها آنك بوست رجليا عشان ارتبط وأنا قولتلك اني عايش على ذكراها وحبها وآ..
همس آدهم له باستتكارٍ مضحك:
_أمته ده!! درش إنت بتكدب وإنت بالعمر ده؟
ضربه بكوع ذراعه ببطنه وهو يسبه بغضب:
_انطق وقولها قبل ما تقتل أبوك يا ابن الكلـ**
سقط أرضًا من فرط الضحك وشمس تكاد تموت أسفل الغطاء من فرط حرارة الغرفة، فرددت بصوتٍ محتقن:
_آدهم افتح التكيف هموت!
جذب مصطفى يد آدهم ودفعه قائلًا:
_قوووم بسرعه شغلها التكيف وشوف طلباتها!
وأشار على المقعد الموضوع بمنتصف الغرفة:
_هاتلي بس الكرسي بتاعي ومشيني من هنا... هي بتحبك وعمرها ما تأذيك... لين دماغها وقولها متزعلش مني
جذب آدهم إليه المقعد وعاونه بصعوبة من ضحكه الذي لا يتركه، جلس مصطفى على مقعده وتمسك بيد آدهم يخبره وهو يتأملها بهلعٍ:
_بقولك أيه.. إنت مش كان نفسك إننا نسيب البيت ده لانه كبير علينا ونروح شقة التجمع.. أنا موافق وديني هناك ونسيب البيت لزوزو مينفعش نضايق روحها ده مهما كان في يوم بينا عيش وملح!!!
اانطلقت ضحكات آدهم بقوة.. فردد بخبث:
_ميصحش نسيب ماما لوحدها يا درش.
=خلاص يبقى تتعامل معاها إنت وأمشى أنا... انا عضلة القلب ضعيفة عندي ومش حمل بهدالة يابني.
كبت ضحكاته يجيبه بحزن… ماكر:
_ولا ينفع أتخلى عنك ده أنت أبويا يا جدع بتقول أيه بس!!
صرخ وهو يتأمل شمس التس نهضت عن الفراش حينما ألمتها قدميها:
_مش ابنـــــــــــــــي...معرفكش أصلًا... أنا لقيتك قدام باب الجامع ... أنا أصلًا مبخلفش يلا!!
اهتزت وقفته من نوبة ضحكه فسقط على الفراش يضحك دون توقف بينما هرب مصطفى بمقعده المتحرك للخارج وهو يصيح يجملة متكررة:
_سامحيني يا زُبيــــــــــدة.. سيبيني أعيش يا زوبــــــــة!!!!!!
راقبه آدهم وهو يغادر بنظراتٍ مصعوقة، سحبها لتلك التي تصر على ارتداء تلك الملحفة المخيفة، فهتف بنزقٍ ساخرًا:
_خليتي أبويا اتبرى مني!!
قالت ومازالت تتشبث بالغطاء الأسود كأنه أخر بصيص لها بالحياة:
_أنا ماليش ذنب هو اللي مصدق يرمي طوبتك!
انتصب بوقفته وعينيه الساحرة تضيق عليها بنظرةٍ محتقنة، فمرر إصابعه يفرك شاربه بغيظٍ اتبع سياسية مخادعة:
_حالًا ترمي القرف ده وتيجي قدامي... حالًا يا شمس!
ارتعش جسدها من صارمة نبرته، فهرولت تجاه اشارته لتبدو أمامه كالقطة الوضيعة التي تنتظر باقي تعليمات سيدها، فهز رأسه بقلة حيلة:
_وبعدين معاكِ يا شمس.. صبري بدأ ينفذ!
رددت من أسفل الغطاء بتوترٍ:
_والله ما هدفي أضايقك ولا في النية يا كابتن.
_كابتن!!
لفظها مذهولًا ومع ذلك قال بضجرٍ:
_طيب وأيه هي أهدافك من المسرحية دي يا شمس هانم؟
أتاه عرضها المضحك يخبره:
_لو صارحتك بجريمتي هتعاقبني ولا هيكون ليا استثناء يا باشا؟
بدأت شكوكه تتراقص أمامه، فلعق شفتيه وتنهد باستعداد لسماع ما ستلقيه عليه:
_جريمة أيه يا مغلباني؟
رددت بخفوتٍ محرج:
_سرقة.
رمش بعدم استيعاب:
_سرقة!!
وتابع بصدمةٍ:
_سرقتي مين يا أخرة صبري!!
رفعت طرف الملاءة لتخرج ما أخفته، فالتقطته آدهم وتفحصه بين يديه مرددًا بدهشةٍ:
_سلاحي ده؟
هزت رأسها بالملاءة المخيفة تؤكد له، فرفع عينيه لها يسرع بسؤاله المرتبك:
_بيعمل معاكي أيه؟
تحلت بصمتها، فرفع عنها الغطاء بعصبية:
_انطقي يا شمس، سلاحي بيعمل أيه معاكي؟
انزاح الغطاء عن رأسها ومع ذلك أحاطته حول جسدها بتوترٍ، فجذب طرفه إليه وأمرها برفقٍ:
_سيبي من ايدك.
هزت رأسها بجنون، وما كاد بسحبه عنها حتى صرخت بوجهه بخزي:
_مينفعش تشوفني بلبسي ده.. من فضلك تطلع لما أكمل لبس!
لطالما كان ضابطًا ماهرًا يجمع أدلته بحرفيةٍ وتمكنًا، وها هو الإن يقف أمامها كالأبله يحاول استيعاب ما تحاول فعله، فاستحضر صوته الهادر يخبرها بحيرةٍ:
_ممكن أفهم أيه اللي بيحصل؟
هزت رأسها بجنون وشرعت بحديثها:
_كنت بأخد شاور والمية انقطعت من حمامي فروحت أوضتك وكملت الشاور بتاعي ولما جيت أخرج لقيتك طالع على السلم، وأنا مكنتش عاملة حسابي إنك راجع دلوقتي وبصراحة خوفت على نفسي منك وخصوصًا لو شوفتني بلبسي ده عشان كده خدت سلاحك معايا احتياطي عشان لو فكرت تخرج عن طوع أدبك واحترامك هريحك بطلقة رحيمة!
اتسعت مُقلتيه بشكلٍ مرعب، فخرج صوته المحتجز يردد ساخرًا:
_طلقة رحيمة!!
أكدت له ببلاهةٍ:
_أممم... بالظبط كده!
هز رأسه ويديه تضم منتصف خصره، وفجأة أبعد الغطاء عنها لتظهر أمامه بقميصها الستان الأسود، رفعت شمس ذراعيها تخفي بهما جسدها أمام عينيه وهي تصرخ بانفعالٍ:
_إنت بتعمل أيه؟!!!
حاوط وجهها بذراعيه مبعدًا خصلاتها المبتلة للخلف، وأمرها بغضبٍ يحاول دفنه باسلوبه الرقيق:
_بُصيلي!
استجابت لأمره فتطلعت إليه فوجدت عينيه لا تنجرفان عن خاصتها، وكأنها مازالت تخفي جسدها بالغطاء، فأدمعت بفرحةٍ وتأثرًا، وخاصة حينما مرر إبهامه أسفل شفتيها مرددًا ببحة نبرة رجوليته المميزة:
_شمس أنا عمري ما أذيكِ.. حبيبتي فكري فيها ما أنا كنت أقدر أعمل أي شيء قبل ما يكون بينا أي رابط تفتكري هقلل من نفسي ومنك دلوقتي لما بقيتي مراتي على سنة الله ورسوله؟
تفنن الندم على معالمها، فحركت رأسها بصعوبةٍ لتنفي له، فصمها إليه بحبًا:
_أنا مش عايزك تفكري فيا بالشكل ده تاني.. أنا طماع ومش هكتفي بحبك وقلبك وبس.. عايز الأكتر منهم.
ورفع وجهها بسبابته يستطرد:
_ثقتك يا شمس!
تهربت من عينيه بخجلٍ مفرط وقالت:
_أنا آسفة يا آدهم.
طبع قبلة عميقة على جبينها وضمها إليه:
_متعتذريش يا قلب آدهم... أنا هسيبك تغيري هدومك وهروح أشوف الحاج اللي لو كان فضل هنا كمان عشر دقايق كان قال كل اللي في معدته من غير جهاز كشف الكدب.
ومازحها ليخفف وطأة الأجواء:
_شكلك هتبقي مفيدة جدًا ليا يا مدام عمر الرشيدي!
اتسعت ابتسامتها فضمها إليه مرة أخرى وردد وهو يخطو بخطواته الثقيلة للخارج:
_هستناكي تحت.. متتأخريش يا حبيبتي.
*******
ولج لجناحه الخاص بخطواتٍ متهدجة، حرر جاكيته واتجه سريعًا لفراشه، يعوض شوقه الجارف إليها طوال هذا اليوم الذي لم تكن بصحبته.
مال "عُمران" إليها يربت على خصلاتها المفرودة على الوسادة من خلفها بحنانٍ، متعاهدًا الا يزعج منامتها، فإذ بها تتحرك بنفورٍ تام، وفجأة نهضت تقابله بنظرةٍ عابسة جعلته يتساءل بقلقٍ:
_مالك يا حبيبتي؟
ابتعدت عن يده التي تحاول ملامسة خدها، وكلما دنى إليها متلهفًا لرؤيتها تراجعت حتى نهضت عن الفراش تركض للمرحاض وهو من خلفها.
وجدها تنحني وتفرغ ما بجوفها بتعبٍ شديد، فمال إليها يزيح خصلاتها المنسدلة ويتحكم بجسدها بتمكنٍ، فأردعته مرددة بخفوتٍ:
_إبعد يا عُمران.
علم بأنها تشعر بالحرج لوجوده بموقفٍ هكذا، ولكنه رفض الابتعاد وأصر على مساندتها، يده تزيح رابطة عنقه تحيط بها خصلاتها المتمردة من حولها، يحكمها من حوله كما اعتاد أن يفعل، ويده الاخرى تمسد بحنان على خصرها.
مالت برأسها تستند على كتفه بارهاقٍ تام، وحينما ضمها لصدره أبعدته وعادت تستفرغ ما بجوفها مجددًا، فتحكم بها وهو يردد بخوفٍ:
_حبيب قلبي مالك بس! أطلبلك يوسف؟
هزت رأسها بالرفض وعلى استحياءٍ قالت:
_إبعد إنت بس.. أنا مش طايقة ريحتك!
برق لوهلةٍ مندهشة، وردد ساخرًا:
_نعم!! ريحتي أنا!!
وعقد حاجبيه باستنكارٍ:
_مش دي الريحة اللي كنت مدمنة عليها لدرجة إنك كنتِ بتحضنيني كل ساعتين تقريبًا يا بيبي!
اكتسى وجهها حمرة الخجل، فرددت بصعوبة:
_عُمران اطلع.
زفر بقلة حيلة، وتابع بهدوءٍ:
_هساعدك عشان متدوخيش وبعدها هبعد.
هزت رأسها نافية :
_ريحتك بتخنقني يا عُمران؟
استرخت معالمه تدريجيًا حينما تفهم مقصدها بالتحديد، فنزع عنه قميصه وألقاه بعيدًا قائلًا:
_ها كده مرتاحة؟
مالت إليه برأسها تستكشف تعلق الرائحة به، وجدتها ولكن لم تكن بحدتها، فاكتفت بهز رأسها إليه.
انحنى يحملها متعمدًا أن يميل برأسها إليه، ليطبع قبلاته على جبينها وهو يهمس لها:
_حبيب قلب جوزه لحق يبكسل كده في أول مرحلة أمال في التاسع هتعملي أيه؟!
لفت يدها حول رقبته باحكامٍ تجيبه:
_هطلع معاش مبكر.
أطلق ضحكته الجذابة واتجه بها للفراش، وضعها وجلس يربت عليها برفقٍ حتى تخلل إليها النوم، فتركها تغفو وتسلل على أطراف أصابعه وخرج للتراس، قضي ساعات يحجب تفكيره الساخط بعد مقابلته مع نعمان الغرباوي، صفن بحياته برمتها وعاد ببصره لزوجته، تمعن بها بحبٍ وابتسامة عاشقة، تلاشت فجأة فور تذكره ما حدث، فمال لصدره العاري يشم ذاته جيدًا بضيقٍ ومن ثم حجب أفكاره حينما حرر رقم بهاتفه وترقب سماع المتصل به.
دقيقة واحده استغرقها ليجيب يوسف، متسائلًا بنزقٍ:
_خير يا وقح! بترن نص الليل ليه؟
وتابع بهجومٍ كاسح:
_هو أنا مش هخلص منك إنت ولا التور التاني، وكأن مفيش ستات حملت على الكون غير مرتاتكم!!! انجز ولخص ورايا عمليات الصبح!!!
أتاه رده الوقح يجيبه:
_يلعن أبو دي معرفة يا أخي! أيـــــه بكبورت واتفتح عليا! ما تتزفت تهدى وتسمع اللي هقولهولك إنت عارف أنا هكلمك عن أيه أصلًا؟
_ومش عايز أعرف يا سيدي.. أبوس ايدك حل عني بقولك عندي تلات حالات ولادة بكره وليلى فوقهم كمالة عدد، سايبالي غسيل الهدوم والمواعين بعد ما رجعت من العيادة تخيل!!
_اخرس بقا وإسمعني، مش دكتورك النفسي أنا ولا يكونش حد قالك إني مصلح اجتماعي!
تنهيدة عميقة اتبعها سؤالًا يحاول التحلي بالصبر:
_طيب يا بشمهندس عُمران أنا بعتذرلك على وقاحتي الحقيرة وبتساءل بكل احترام ووقار عن سبب المكالمة اللي على وش الصبح دي ممكن سيادتك تتكرم وتقولي!
_عجبني الرد فخم كده ويليق بيا كبشمهندس أد الدنيا ومالي مركزي بس وحياة أمك يا يوسف لو مفوقتليش وسمعتني هتلاقيني تحت بيتك ومش هيهمني مخلوق.
_يوووه ما تخلص وتتزفت تسأل خليني أتخمد!
تنحنح بحرجٍ وهو يحاول الحديث، فالتفت يتأكد من غفوة زوجته وعاد يهمس له وكأنه شخصًا أخرًا:
_مايا قرفانه مني!!!!!!
انتظر سماع صوته ولكن لم يصله سوى صوت تنفسه المنفعل وكأنه على وشك الانفجار، فاستطرد عُمران بضيقٍ:
_يوسف أنا بأخد شاور أكتر من أربع مرات في اليوم، مهتم بنفسي وشيك جدًا... البرفيوم بتاعي بجيبه من فرنسا مخصوص وإنت عارف ده... من فضلك فهمني اللي سمعته ده عقلي واقف وحاسس إني إتخدت قلم علم على قفايا... قفا صاحبك اتختم يا يوسف!!!
_ربنا يأخد يوسف على اللي شار عليه يدخل قسم نسا وتوليد والطب أساسًا... إنت متصل تستظرق يا عُمران!!! انت في أيه إنت والزفت التاني مُخكم اتلحس على حمل المدامات!!!!
_أنا راجع من شغلي على أخري أساسًا فخدلك مني ساتر بدل ما أفحمك إنت وأخوك المستفز.
_وأيه دخل دكتور سيف باللي بيحصل دلوقتي؟!
_دكتور!!! اسمه سيف حقنة يالا.
وبعصبيةٍ مفرطة صاح:
_قوم اتعدل كده وفوقلي من النفخة الكدابة بتاعتك إنت وأخوك دي!
وبجدية تامة قال:
_يوسف أنا عقلي واقف بجد... إنت متخيل إن عُمران سالم الغرباوي بجاذبيته اللي هالكة قلوب العذارى يتقاله ابعد مش طايقة ريحتك!!!
_إلهي ربنا يقهر قلبك على جاذبيتك المغرورة دي، عُمــــــران ده وقت تنفش فيه ريشك يا طاووس!! سيبني أنام وبكره إن شاء الله هجي بنفسي أعقمك بديتول ومنظف حلو أوي بلمع بيه عربيتي مش خسارة فيك والله!
_تلمع مين بروح أمك، إنت الظاهر لسه مهلوس ومش مختار ألفاظك!
_طيب بص عشان نخلص من أم الليلة اللي ضاعت في الغسيل والمسح وبتكمل إنت جمايل اليوم.. اللي بيحصل ده طبيعي جدًا جدًا يا حبيبي.. بعض الستات الحوامل بيقرفوا من الروائح زي ريحة الصابون، البرفيوم، البخور، وغيرهم.
بجدية مضحكة قال:
_يعني أنا كده في السليم؟
همس بصوتٍ منخفض:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم أقفل في وشه ده ولا أظرُفه بلوك!
وبابتسامة ساذجة التمسها عُمران دون أن يراها قال:
_عادي طبعًا يا حبيبي.. يعني المدام بتاعتك مش قرفانه منك (absolutely قطعًا) ،هي كل مشكلتها مع البرفيوم الفرنسي الباهظ اللي انت مغرورلي فيه فزي الشاطر كده هتمنع تحطه وتعيش حياة المواطن العادي اللي بيمشي بعرقه ليل نهار وبالنهاية بيطس نفسه بجردل مية فيها شوية معطر وديتول، راكبة معاك يا بشمهندس؟
_إنت مجنون عايزيني أمشي من غير ال(perfume البرفيوم) بتاعي!!
_خلاص يا حبيبي حط ونزه نفسك خليها تنفر منك بقى لحد ما تخلعك وأبقى إرفع قضية رؤية عشان تشوف ابنك ولا بنتك اللي قرفة أمي من قبل ما تكمل الشهر دي!!!
وتابع بعنفوان:
_اقفل بقى ربنا يكرمك.. مش اتطمنت على نفسك وانك بخير وتمام؟ ولا تحب أنزل بنفسي ادورلك على مزة تختبر تأثيرك عليها في ليلتك اللي مش هتعدي دي!!
_نام يا يوسف يلعن أبو معرفتك!
أغلق عُمران الهاتف بوجهه وهو يهتف بعصبية:
_بني آدم مستفز!!
*******
احتدت معالمه غضبًا، فصرخ برجاله بصوتٍ كالرعد:
_يعني أيه الكلام ده!! معقول زينب تأكد كلام الحقير اللي استغل وجودي بالمستشفى واتهمني باللي حصله!
أكد له أحد رجاله حديثه مجددًا، فقبض "يمان" قبضة من جحيم وقال:
_وديني لأحققله اللي طلبه بس المرادي مفيش منها قومة.... ماشي يا زينب هشوف هتهربي مني ازاي!!!
*********
صف سيارته بچراج منزله واستدار إليها يتساءل بحبٍ:
_عجبتك القاعدة على النيل؟
أجابته بفرحةٍ:
_جدًا يا آدهم متتصورش أنا كان نفسي أزور مصر أد أيه.
وتمسكت بيده المستندة على مقعد السائق:
_ومعاك إنت بالذات.
تناول كفها يقربه إليه، وبرقة شديدة قبل باطنه مرددًا بنبرة مغرية:
_أنا هنا عشان أحققلك كل أحلامك شمس هانم.
ضحكت وهزت رأسها بدلالٍ:
_ميرسي كابتن آدهم!
فتح ذراعيه بحركة فاجئتها وهمس لها:
_محتاجك في حضني يا شمس.
لعقت شفتيها بارتباكٍ، فألقت حديث عُمران بعرض الحائط واندثت بأحضانه تشعر بدفئه وحنان ضمته، ربت عليها وتابع همسه الهادئ:
_الحب هو الثقة الكاملة للطرف التاني فأوعي تبطلي تثقي فيا لإن وقتها هفهم أن الحب اللي جوه قلبك انتهى يا شمس!
رفعت يدها تستند على قلبه المتزايد دقاته بشكلٍ أسعدها، وقالت بنعومةٍ:
_لو هتحبسني هنا بالكلبشات للأبد مش هبطل أثق فيك يا آدهم.
قبل جبينها بعشقٍ وردد:
_وأنا مش عايز أكتر من كده يا روح قلب آدهم!
وابتعد عنها يحيط وجنتها بحنانٍ:
_يالا يا روحي اطلعي غيري وارتاحي.. دكتور علي زمانه قلقان عليكِ الوقت سرقنا واتاخرنا.
هزت رأسها بطاعةٍ واتجهت للأعلى، فاختار ركنة مناسبة لسيارته وجذب متعلقاته ليصعد للأعلى، فاذا بهاتفه يعلن له عن مكالمة كانت الأهم له بتلك الفترة المنصرمة فرد بلهفة:
_باشا أخبار حضرتك أيه؟
تبدلت معالمه بشكلٍ مقبض، فقبض على مفاتيحه بقوة خدشت أصابعه وردد ببعض الانفعال:
_طيب وليه حضرتك متدخلتش!
هز رأسه وهو يتلاقى الجزء الأهم بالخطة:
_فهمتك يا باشا... خلاص بكره الصبح هخرج يونس علشان الحقير ده يخرجه بره اللعبة اللي هتدور عليه.
وبامتنانٍ قال:
_مش عارف أشكر حضرتك ازاي يا مراد باشا.. حقيقي أن ممتن لمساعدتك في سرعة التحقيقات اللي اتعاملت وبرأت يونس وكمان فكرة زرع جهاز تجسس جوه زنزانته هتخدمنا كتير في كشف الوش الحقيقي للحقير ده.. بس أنا مكنتش أتمنى نلجئ للطريقة دي.
أتاه رد الجوكر الحازم:
_مكنش في طريقة تانية غير كده يا عمر.. يونس اتعذب طول السنين دي وباللي حصله النهاردة هيساهم في رجوع حقه بالدليل اللي بقى في ايدينا بس الذكاء في خطتنا اننا مش هنظهره غير لما نمسك أكتر من دليل يدينه، بصريح العبارة عايزين الضربة تكون قاضية.. فهمتني؟
_طبعًا يا باشا... بتمنى بس ميكنش شكوك حضرتك صح لانها ساعتها هتكون كارثة!
أغلق الهاتف وارخى رأسه للمقعد من خلفه، بينما يده تعبث باسماء هاتفه حتى توقف على اسم "آيوب بن الشيخ مهران" ، ابتسم على طريقته بتسجيل اسمه وحرر زر اتصاله فما أن أجابه حتى تساءل:
_هتصلي الجمعه فين بكره يابن الشيخ مهران؟
استمع لاسم وعنوان المسجد القابع لحارته وابتسم يخبره بثقة:
_هصلي معاك بكره ومعايا هديتك فاكرها؟
ولم يترك له فرصة التخمين فقام بغلق هاتفه وهبط من سيارته يلهو بمفاتيحه ويصفر باستمتاعٍ لنجاح أول جزء من خطة الجوكر المزعوم، فما كاد بالتوجه لغرفته حتى تذكر أمر أبيه.
إتجه لغرفة أبيه يبحث عنه، لم يعثر عليه وكأن بالفعل شبح والدته قد التهمه، حرر ضحكة كُبتت بارادته حينما وجده يختبئ خلف خزانة كتبه القديمة، فصاح ساخرًا:
_صاصا لو حيًا ترزق هز كتاب عفريت في منزلي متلبس ابني الوحيد... ابنك اللي اتبريت منه!
واستطرد بضحكةٍ تعلو الاخرى:
_يا راجل ده إنت لو معانا في الجهاز هتسوح أسرار الدولة من غير ما تأخد القلم!!!
دفع باب الخزانة ومال برأسه يتطلع له نظرة الطفل الوديع، جلس آدهم على سطح الكومود يهز رأسه بيأسٍ:
_تتبرى مني أنا يا مصطفى!!! طيب ليه يا حبيبي ده أنا قايم شارب نايم بدورلك على بنت الحلال اللي تسكن قلبك بدل شبح زوبة اللي مخليك معيشني في كابوس وفقدان للخلف!!! أنا معتمد على الله ثم عليك في عمار البيت ده ومازلت بنقي وأختار الأرض الصالحة اللي هتجيبلي اخوات صغيرين شبهك كده يا صاصا!
التفت يتفحص الغرفة برعبٍ، وصرخ به:
_اخرس قطع لسانك والله ما يدخل بعدها ست ولا قبلها.
وجذب أحد الكتب يلقيها عليه هاتفًا بحنقٍ:
_عايزها تقتلني قدامك يابن الكلـ***.
وأسرع بمقعده إليه بعصبية:
_عايز تدخل دنيا مع مراتك ذنبي أيه تخرجني منها قبل ما أخرجلك المدكن وأكشف المستور!
نهض عن الكومود يفرقع أصابعه بخبث:
_أيوه أيه هو المدكن والمستور يا شقي؟
ابتلع ريقه بارتباكٍ ووزع نظراته إليه ثم ردد بصوتٍ خبيث يستميل عاطفته:
_هو أنت بتحقق معايا ولا أيه يا حضرة الظابط.
مال على مقعده بحركةٍ درامية:
_بالظبط كده يا صاصا ولو مقرتش واعترفت حالًا هجبلك شبح زوبة يقررك بمعرفته وصدقني لو نجحت معاك هأخدها معايا في الجهاز تساعدني في التحقيقات بدل سلخ المساجين واسلوب التعذيب اللي بقى فيك أوي ده.
تعمق بعينيه بنظرةٍ حزينة، فاستغل قربه الشديد منه وانحناء قامته الطويلة، فأحاط وجنتيه بيديه وبنبرة شبه باكية قال:
_خايف أخسرك بعدها يا عمر!... بس غصب عني يابني قلبي مش مطاوعني أقابل ربنا وأنا شايل على كتافي ذنب كبير زي ده.. عايزه يسامحني وقبله إنت كمان تسامحني.
أحاط يديه بحبٍ وقال:
_تقصد مين يا بابا.. اتكلم من فضلك!
تهاوى الدمع عن عينيه وجاهد لخروج صوته الذي كُبت لسنواتٍ:
_ابني يا عمر... أخوك!!!!!
رمش بعدم استيعاب، وغادرت عنه كل ذرة مرح، فتساءل بصدمةٍ:
_ابنك ازاي؟ بابا إنت بتقول أيه؟!!
أخفض رأسه أرضًا يخشى مواجهة ابنه، تاركًا دموعه تغسل ذنبه الذي لا يغتفر، رفع وجه آبيه إليه وجمع كل ثبات امتلكه ليهاتفه بهدوءٍ:
_بابا تقصد أيه بكلامك ده من فضلك رد!!
رفع عينيه إليه وببكاءٍ شديد قال:
_غصب عني يا عمر.. كان غصب عني يا ابني أنا زي أي راجل ليه نزوات واحتياجات ووالدتك مكنش ينفع تمارس حياتها معايا بشكل طبيعي، استحملت سنة واتنين وتلاته بس بعد كده ضعفت.
جحظت أعينه صدمة، فتراجع للخلف وسقط على الفراش وبصعوبة حرر ثقل لسانه:
_يعني أيه ضعفت؟ انت عملت أيه؟!!!
حرك مقعده تجاهه وقال بحشرجة ذبحت فؤاده قبل أن تغير نبرته:
_إنت عارف إن والدتك كانت مريضة ومرضها زاد بعد ولادتك على طول، عشان كده الدكتور منع يكون في بينا علاقة زوجية، وقتها قالتلي لو عايز تتجوز اتجوز بس أنا كنت قوي وقادر أخد قرار عشانها وعشانك.. كان لسه عندك سنتين اتعلقت بيك وبقيت بحاول أقنع نفسي إني مش عايز حاجة من الدنيا غيرك.. كتمت جوايا أي رغبة ممكن تتحرك لواحدة ست، حافظت على أمك وعليك لحد ما بقى عندك خمس سنين، وقتها غصب عني مشاعري اتحركت لبنت بتشتغل معايا في نفس الشركة.
سحب نظراته من ظلمة عين ابنه وردد بانهيارٍ:
_خوفت على نفسي يا ابني.. خوفت أمشي ورا شيطاني وأزني، عشان كده طلبتها للجواز وشرط عليها إن جوازنا يكون في السر وإنها تأخد أدوية منع الحمل.. وفعلا عشت معاها تلات سنين بس اللي معملتش حسابه هو اليوم اللي هتيجي فيه تقولي أنا حامل!!
شعر بأن هناك دوار حاد يعصف به، لا يصدق أن من يقص عليه هو نفسه أبيه، يشعر وكأن أحدٌ ألقاه بنبع بئر من جحيمٍ يتلقف جسده بكل محبة ليذوب لحمه بين نيران جهنم، يود لو صرخ به ليوقفه عن الحديث ولكنه عاجز حتى عن النطق وخاصة حينما استطرد:
_مريت باختبار أصعب، ما بين بيتي اللي اتبتى بحبي أنا وأمك وما بين غلطة جت بسبب نزواتي، شيطاني وسوسلي أخليها تنزله بس خوفت من ربنا، فخلتها تكمل الحمل.
أغلق عينيه بقوة يحرر دموعه المحتبسة ليتابع أصعب جزء:
_طول المدة دي كنت عايش في عذاب، كنت خايف اتكشف قدام أمك وإنت أكتر واحد عارف أنها بتكره الكدب والخيانة وإن لو موضوعي اتعرف وقتها هخسرها وهخسرك.. كنت بدعي إنها متعرفش لإني بكده هكون السبب في موتها وده اللي عمري ما أقبله حتى لو كنت ظالم للبنت اللي اتجوزتها وللي في بطنها...
واستكمل بانكسار:
_بس اللي متوقعتوش إني ارجع تاني لاختبار أصعب وألعن.. يوم ولادتها ماتت وسبتلي ولد رضيع شايله بين ايديا ومش عارف هروح بيه فين... كنت ما يين اختيارين أصعب من بعض، أخده بيتي وأعرف امك الحقيقة وساعتها هخسرها وهخسرك وهدمر البيت اللي ضحيت عشان أحافظ عليه بكل طاقتي وما بين اني أضحي بيه فاخترت الحل الاخير عشانك!
وإتجه إليه يتمسك بيده الملقاة على الفراش باهمال ليسترسل ببكاء حارق:
_أنا عايز ابني يا عمر... عايز أشوفه ولو للمرة الاخيرة.... هاتلي أخوك!
اشمئزت ملامح آدهم وانتفخت عروقه بشكلٍ خطير، فانتصب بوقفته وحرر لجامه بتثاقلٍ:
_إنت بأي حق لقبوك أب!!! جاي بعد السنين دي كلها تكشف وشك الحقيقي!!! ليييه فهمني ليه؟ ماما كانت متفهمة حالتها وعرضت عليك تتجوز أكتر من مرة...
شدد على خصلات شعره للخلف بجنونٍ كاسح وصرخ مجددًا:
_وهو ذنبه أيه؟ ذنبه أيه يجي على الدنيا لوحده وبطوله!!! إنت... أنت ازاي قاعد قدامي وقادر تتكلم عن ذنبك ده! أنت فرطت في ابنك!! فرطت في حتة منك فاهم!!! مستوعب اللي عملته؟!
وطرق صدره بعنفٍ شرس:
_وأنا مصعبتش عليك وأنا بحارب الدنيا دي بطولي... مشوفتش كسرتي وأنا وحيد وماليش أخ ولا سند!!
واستطرد بضحكة ملأت بوجعٍ قاتل:
_أنا مش قادر استوعب إن أبويا الراجل المحترم اللي مبيسبش ولا فرد.. اللي رباني بكل محبة قدر يعمل كده!! ياريتني كنت موت وراها ولا إني أشوفك بالصورة البشعه دي!!
واستدار ليغادر الغرفة فهرول خلفه بمقعده يناديه:
_متمشيش يا عمر... متمشيش لازم تسمعني أرجوك ساعدني أضم ابني في حضني ولو لمرة واحدة... أنا مش عايز أموت وأنا شايل الذنب ده معايا يابني.
أغلق عينيه بقوةٍ وسحب نفسًا عميقًا يرمم به احتجاز أوردته، استدار إليه وردد بسخريةٍ لازعة:
_ويا ترى بقى إنت عارف إنت رميت ابنك في أي ملجأ ولا رميته قدام باب جامع ولا فين؟
هز رأسه نافيًا وردد:
_لأ يابني معملتش كده... اقعد وهحكيلك.
تهاوت دمعات آدهم وبتوسلٍ باكي قال:
_مش قادر اسمع أكتر من كده... من فضلك سبني الوقتي ولما أتخطى اللي حكيته ده هجيلك بنفسي وأسمع باقي الحكاية..
واستدار ليغادر فلحق به مصطفى ليوقفه آدهم بحزم قاطع:
_عايز أكون لوحدي لو سمحت!!!
كُسر قلبه واحتجز بين أضلعه، نيران التهمت الأب وابنه وكلاهما تحيطهما دموعًا مزجت بين صدمتها وبين ندمًا ورجاء.
********
أخفت الشمس ظلام الليل وتآلقت بأجمل صورة، اليوم يعلو المساجد أصوات الخطبة ويتآلق الرجال بالجلباب الأبيض، ومن بينهم آيوب الذي ازدادت وسامته بجلبابه الأبيض الذي برز كتفيه وتناسق جسده الرياضي، ولجواره أبيه الذي احتل المقدمة ليأذن في الناس بخطبة يوم الجمعة.
فرد آيوب سجادته وجلس يستمع لأبيه بفخرٍ وسعادة، إلى أن شعر بأحدهما يجلس لجواره، فاستدار جانبه مرددًا بفرحةٍ:
_آدهم!
نزع آدهم نظارته السوداء التي تخفي عينيه المحمرة من أثر تعاسة ليلته الحالكة دون أن يرف له جفنًا بعد معرفة سر أبيه الخفي، وللعجب هو لم يستمع الا لنصفه مازال لا يحتمل سماع الجزء الأخر فبدى له بأنه الاصعب على الاطلاق، وربما بعدها سيفقد احترامه لأبيه كاملًا.
رسم ابتسامة باهتة وقال:
_وحشتني يا آيوب.. أخبارك أيه؟
أجابه بلهفة:
_أنا بخير الحمد لله... ها فين المفاجأة اللي مش مبطل تتكلم عنها؟
قال بابتسامة صافية:
_بعد الصلاة هتعرف.
ونهض كلاهما يستقيمان بالصفوف لتأدية الصلاة، وفور الانتهاء منها أسرع آيوب لآبيه يشير له:
_بابا ده سيادة الرائد عمر الرشيدي اللي كلمت حضرتك عنه.
ابتهجت معالم الشيخ وقال:
_ده آدهم اللي كلمتني عنه؟
أكد باشارة رأسه:
_ايوه هو اسمه الحقيقي عمر بس الكل بيناديه بآدهم وبصراحه لايق عليه أكتر.
صافح آدهم الشيخ مهران بحرارة:
_أتشرفت بحضرتك يا شيخ مهران.
وأشار لآيوب هامسًا:
_عربيتي جنب بيتك ممكن تجيب والدك وتيجي ورايا بهدوء.
_ليه يا آدهم في أيه؟
تساءل بقلقٍ فربت على كتفه يخبره:
_مفيش حاجة..بس نفذ اللي قولتلك عليه.
أومأ برأسه وبالفعل اتجه بأبيه للمنزل وبالاخص لسيارة آدهم الفخمة، فرفع آيوب صوته بحيرة:
_قولي بقى في أيه؟
فتح آدهم الباب الخلفي لهما، فتسللت أبصارهما للداخل بصدمة، جعلت آيوب يصرخ بعدم استيعاب:
_يونــــــــس!!
أكثر لحظة يخشاها يتعرض لها الآن، هبط يونس من السيارة بصعوبة، ما تعرض له بالأمس كان أبشع ما مر عليه، ولكنه يثق بأن آدهم فعل ذلك لمغزى يود استكشافه لاحقًا.
أفاق من شروده على اندفاع جسدًا ضخمًا لأحضانه، ولم يكن سوى ابن عمه وأخيه الأصغر الذي فارقه منذ خمسة سنوات، والذي بات يملك جسدًا يفوق بُنيته الماضية، تخشب بمحله وتحرر صوته بوجعٍ تام:
_متلمسش ضهري يا آيوب!!!
...........يتبع...........
#القادم_أقوى...
#آية_محمد_رفعت...
******________*******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الستون 60 - بقلم آية محمد رفعت
إلتاع قلبها من فراقه، الأيام تمضي دونه كتسرب الموت لشخصٍ مقت الحياة وتمنى الرحيل، بداخلها ألمًا ينهشها كالوحش المفترس، عاجزة هي عن الصراخ حتى مقاومتها خسرتها بجدارةٍ.
لم يحتسب لها بتلك الأيام الا يقينها بأن "آيوب" لم يكن لها شخصًا عاديًا، لم يكن ذلك العدو الذي تجرأ على قتل أخيها وتركها تشتعل لوعة قتله.
الآن وبتلك اللحظة تتيقن بأنه قد غزى قلبها بجيوشه وأباد حركة مقاومتها ليصبح المسيطر الوحيد على ملكيتها، أجل أحبته بل عشقته لدرجةٍ جعلتها تندم لفعلتها بعدما تركها أيامًا معدودة دون سؤالًا عابرًا عنها، تتذكر كل مرة أتى إليها "إيثان" وحينما تتساءل عنه يجيبها بأكثر من حجة تجاهد لاقناعها بأنه منشغلًا وسيأتي قريبًا، باتت على يقينٍ بأنه لم يكن هدفه بقربها الا حمايتها فحسب، ترى اختلاف ديانتها وشكلها هو السبب لافتراقه عنها؟ ولكنها أعتنقت الدين الاسلامي بشهادة منه ومن صديقه "عُمران"، حتى حُلمها برؤية الشيخ " مهران" تحطم بوجودها هنا بمفردها.
أغلقت باب شرفتها بعدما فترة من شرودها، حاسمة أمرها بالرحيل، هي ليست بحاجة لشفقته فيتحمل أمر إطعامها وتوفير سكنًا لها، ففتحت باب الشقة وهبطت للحارة الشعبية تدقق بطريق العودة.
كانت تائهة، حائرة، تراقب الزحام والأعين التي تترابصها كأنها من كوكب غير البشر، فتفحصت ثيابها، تنورتها البيضاء التي تصل لركبتها، قميصها الوردي ذات الحبال القصيرة والمعقود عند منتصف بطنها في حين أن من حولها من النساء يرتدون جلباب أسود فضفاض.
اختنقت من نظراتهن، فأسرعت بخطواتها وغايتها الوحيدة الفرار، حتى توقفت بمنتصف احدى الشوارع، تتفحص الزحام والمارة بأعين تسلل لهل الرعب والتيهة.
مررت يدها بين خصلات شعرها الذهبي، ودموعها تهبط دون ارادة منها، وكأنها كانت مغيبة وإستفاقت هنا عند تلك النقطة، كيف تمكنت من اتخاذ قرارًا أحمقًا كذلك؟ هي هنا بمفردها حتى العملة المصرية لا تمتلكها، لا تمتلك حتى هاتف ولا أي شيء قد يساعدها وإن وجد بمن ستطلب العون!
تراجعت خطواتها للخلف بذعرٍ، حتى جلست على أحد (المصاطب) لأقرب منزل قابلها، تضم ذراعيها المكشوفة ببكاءٍ منهمر، مالت برأسها عليه وهمست بصوتٍ بُحت نبرته:
_آيوب أين أنت؟
وكأنه علق بين زمانه وزمانها، فهالتها رؤيته، انتفضت عن جلستها تدقق بعينيها الفاتنة من يقف على بعدٍ منها، شوقها إليه ولهفتها جعلتها كفيفة عن رؤية مجموعة الرجال المحاطة به، فاندفعت راكضة إليه بكل سرعتها التي لا تتناسب مع حذائها البوت الكلاسيكي ذو الكعب المرتفع، كل ما تراه هو فحسب!!
وعلى مسافة منها فور انتهاء صلاة العصر، وقف "آيوب" برفقة والده الشيخ "مهران" و"يونس" يستقبلون التهاني والمباركات الحارة بعودة أبناء الشيخ مهران، مؤكدون ليونس بأن لا أحدًا منهم صدق تلك الاقاويل المتدنية بحقه، وللحق شُفيت جزء من أوجاعه لسماع مدحهم بأخلاقه التي ظنها تلوثت بعد دخوله المعتقل، وفجأة ومن بين الحديث المتبادل فيما بينهم اندفعت تلك الفتاة الأجنبية بملابسها الفاضحة لأحضان ابن شيخ حارتهم تحتضنه بقوةٍ، وصدمة تتسرب لجميع الواقفين من حُصل اللغة الانجليزية:
_أين ذهبت وتركتني؟ لقد أفتقدتك كثيرًا آيوب!
جحظت أعين الشيخ "مهران" بصدمة ولحق به "يونس" المتقن للغتها، بينما آيوب مازالت ذراعيه متشنجة والبرودة تتسلل لأعماقه رويدًا رويدًا، لا ترى فيروزته الا الجحيم المستعار بآعين أبيه.... الشيخ مهران!!!!
#الأقوى_قادم 💣.... #ترقبوا....
(كنتوا فاكريني ناسية آديرا وسط زحمة الابطال والاحداث لا والله أبدًا ميحصل ، أنا بقول تكثفوا الدعوات من دلوقتي للأخ آيوب وبقول بردو نتفاعل بما يرضي الله يمكن أفرحكم بفصل من العيار التقيل بما يرضي الله بردو ولا رأيكم أيه فصل واقتباس في دلع اكتر من كده على رأي الدكتور يوسف أبسلوتلي! 😂👋🏻🫣)