تحميل رواية «الطاووس الوقح (صرخات انثى)» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجروح أدمت قلوبهن ومازالت كلًا منهن تحارب للبقاء، مذاق الألم لا يفارق حلقهن، جروحهن متشابهة ولكن لكلًا منهن حكاية خاصة هي ضحيتها، الأولى نهشتها الذئاب البشرية وتركتها كالخرقة البالية تعاني بمفردها، والثانية واجهت إنسان مريض نفسي يريد أن يُجحمها داخل قوانين لعبته القذرة فبات كاللعنة تسبب لها هوس الجنون، والثالثة تخوض رحلة معتادة على بعض الزوجات التي تُجبر بالعيش دون زوجها المغترب ولكنها كانت دونه هشة تخشى أن ينتصر شياطين الإنس عليها، وهناك أخرى طمست حبها حينما تخلى عنها محبوبها وتزوجت أخيه وبعد...
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الحادي وستون 61 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى..(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الخمسون!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "نور حسام"،"عبير محمود"،"عزة عبد المنعم"،"احسان محمد"،"اسراء ابراهيم"،"سمية عبد المنعم"،"بيان الفيلات"،"ضحى عمر" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أخيه الغائب يقف قبالته بعد فراقٍ دام لأكثر من خمسةٍ أعوام، قضاهم حائرًا لا يعلم إن كان حيًا يرزقُ أم انتقل لرحمة ربه، كانت أقصى أمنياته أن يعلم هل مازال حيًا أم قد قُتل، ففجأه "آدهم" بأكثر مما تمناه لدرجةٍ جعلته يقنع ذاته بأنه يتوهم، ولكن أعين أبيه الباكية تعكس غير ذلك.
حسم صراعه الجائر بأن اختطفه لاحضانه، يتلمسه ليتهيئ لتلك الحقيقة الهامه، فردد ببكاءٍ استل رغمًا عنه:
_يُونـــــــــس!!
افتقده كثيرًا ولكن رغمًا عنه عاجز عن بقائه داخل أحضانه، فهتف به مُتألمًا:
_متلمسش ضهري يا آيوب.
ابتعد عنه للخلف يشمله بنظرةٍ أكثر تفحص، وزنه الذي انتقص بشكلٍ ملحوظ ففقد كتلته العضلية التي نمت بفضل ممارساته للرياضة بالجيم الخاص برفيقه "إيثار" ، وجهه الشاحب والمحتفظ بكدماتٍ حديثة دمائها مُجلطة وبعدها لآثار قديمة تدل على طبيعة ما خاضه، والمؤلم له هي ماذا تخفي ملابسه من اصاباتٍ؟!
انهمرت دموع "آيوب" كأمطار رعدية تهاجم دون موسمها، فأمسك كفيه بين يديه المرتعشة:
_أنا مش مصدق إنك قدامي! أنا كنت وحيد من غيرك يا يونس.. كلنا كنا هنموت عليك ومش عارفين نوصلك.
ربت على كفه بتفهمٍ، وقال برجاءٍ لمس به آيوب انكساره:
_امسح دموعك واهدى.. من فضلك مش عايز حد ياخد باله مننا.
أبعد الشيخ مهران ابنه وفتح ذراعيه لابنه الاخر هاتفًا باحتقانٍ اكتسح نبرته:
_ابني حبيبي!
أدمعت أعين يونس وهو يرى دموع عمه لمرته الاولى، عمه الذي اشتد عوده وهو لجواره، وحينما يحيطه شيطانه بأنه خُلق وحيدًا دون أب أو أم كان يصفع ذاته بأنه منحه شيخًا فاضل يربطه به صلة القرابة القوية، فألقى آلامه عرض الحائط وولج لحضن أبيه وهو يغلق عينيه بقوةٍ ليجابه تلك الآلآم القاتلة لاحتكاك صدره المجروح بصدر أبيه ويده التي تتلمس ظهره بحنانٍ، على الأغلب بأنه من صدمته لم يستمع لصراخه وهو يخبر آيوب بعدم ملامسة ظهره.
بعد آيوب أبيه عن ابن عمه وهو يبتسم بلطف ليخبي مفهومه:
_خلينا نطلع فوق بدل الواقفة دي يا بابا.
هز رأسه بتفهمٍ، واستدروا ليصعدوا لبنايتهم فوجدوا آدهم يقف بعيدًا بمدخل المنزل بالتحديد ليترك لهم مساحة خاصة، كان الشيخ مهران أول من تقدم منه يضمه بكل محبة وهو يردد بامتنانٍ:
_أنا عاجز عن شكرك يابني، إنت باللي عملته ده متتخيلش أسعدتني ازاي... انت ردتلي روحي بعد ما غابت عني لخمس سنين!
ضمه آدهم بمحبةٍ كبيرة وقال:
_أنا معملتش حاجة يا عمي.. دي إرادة ربنا سبحانه وتعالى.. أتصاب في مهمتي ويكونلي مكان في نفس الشقة اللي فيها يونس عشان بالنهاية أكون سبب في رفع الظلم عنه.
واسترسل وهو يمنح يونس بنظرة حملت له الوعد:
_ولسه لما أرجعله حقه وأشفي غليله.
وكأنه أيقظه لشيءٍ هام فهبط الدرجتين التي كاد بهما استكمال طريقه للأعلى، وإتجه يقف قبالة آدهم يخبره بنبرةٍ عميقة:
_إنت وعدتني إن بعد ما هتخرجني هنتنقملي منه بس هو زي ما هو لسه في منصبه!
تفهم عصبيته الهادرة وقال بثقةٍ:
_وعد عمر الرشيدي دين وسيف على رقبته يا يونس، بس اللي انت متعرفهوش إن الموضوع طلع أكبر مما تتخيل، أنا بعد ما زرعت كاميرات التجسس في زنزانتك واتفقت معاك تستفزه عشان يبقى معايا دليل قاطع إنه بيستغل منصبه لصالح عيلته ومصالحه الشخصية طلعت من عندك وقابلت القائد بتاعي حكيتله عنك وهو قالي هيتكفل بالقضية دي وهيحقق فيها بنفسه، وحظك بقى إن اللي تابع الموضوع ده هو الجوكر لما دور وراه اكتشف مصايب يعني مش بس ده اللي بيعمله في اللي أكبر من كده.
وتابع بهدوءٍ رزين:
_لو اخدنا خطوة وحاسبناه على اللي عمله معاك ومع غيرك هيتجازى وممكن يتقاعد بس ده مش اللي احنا عايزينه.. احنا باللي بندور عليه لو أثبتناه هنلف حبل المشنقة حولين رقبته.. أما الكلب التاني فمتقلقش وخليك مطمن أنا مش ساكت وقريب أوي هجيلك أباركلك على رجوع حقك بالكامل.
ارتسمت ابتسامة ممتنة على وجه يونس الذي تناسى كيف يبتسم! فوجد ذاته يحتضن آدهم بقوةٍ لا تجاهي أوجاعه، وكأنه وجد بأنها أبسط حقوقه لما فعله لأجله، وردد إليه:
_شكرًا لإنك في وسط العتمة اللي كنت فيها كنت الأيد اللي خدتني للنور!
ارتعش جسد آدهم بصورة ملحوظة، وكأنه تناسى مقاومات مبادلة الآخرون، ففرق ذراعيه وقربهما من ظهره دون ملامسته لأنه الوحيد الذي يعلم حجم اصابته، وهالته دموعه التي التمعت بعينيه شاعرًا بحنين غريبًا لأخيه!!
ترى إن قابله بعد تلك السنوات هل سيصفح له عدم علمه بوجوده؟ والأهم هل سيسامح أبيه وهو ذاته عاجزًا عن ذلك!! لا يعلم لما تمنى بتلك اللحظة أن يكون يونس نفسه أخيه المفقود!! ويتعزز شعوره بأن ينتهي غضبه وتهدأ ثوراته ويندفع لاحضانه مثلما فعل يونس الآن!!
ابتعد يونس عنه يراقب ملامح وجهه بدهشةٍ من رؤية دمعاته اللامعة، ظنه رجلًا قويًا مجردًا من المشاعر كحال أغلب ضباط الذي تعرض للضرب على ايديهم داخل ذلك المعتقل المظلم، فوجده يتأثر بالمشاعر الصادقة بشكلٍ عزز من حبه واحترامه لذلك الشخص النبيل.
تحرك آيوب عن مكانه يخفي آدهم الذي يحاول ازاحة دموعه دون أن يراه أحدٌ، وهتف بمرحٍ:
_يونس من فضلك بقى تحترم نفسك، آدهم صاحبي أنا من لما كنت في لندن مش هتيجي في كام يوم وتكونله البيست فريند.
ازدادت ابتسامة يونس بينما انفجر آدهم ضاحكًا وهو يصيح بعدم تصديق:
_آيوب سيف طبع عليك ولا أيه؟
غمز له بمشاكسةٍ:
_بيطبع عليا بمزاجي ووقت ما أحب.
وبصدقٍ قال:
_أنا مش عارف أشكرك ازاي يا آدهم جمايلك بقت مغرقاني.. مرة أنقذت حياتي والمرة التانية أنقذت أخـ......
ابتلع كلماته حينما اندفع والده يتساءل بجنون:
_انقذ حياتك ازاي!!! إنت تقصد أيه يا آيوب؟؟
سيطر التوتر على ملامحه، وكأن ما حدث أخر شيئًا توقعه، فكان مكشوفًا ليونس الذي تأكد من أن أخيه الصغير يخفي أمرًا كارثيًا، بينما استبدى آدهم سرعته الملحوظة بادراك الأمر كما تدرب فقال بصوتٍ واثق أدهش آيوب الذي لوهلة صدق الأمر:
_اللي حصل أن آيوب كان راجع مرهق وتعبان من الجامعة فكسل يقف يفقش لنفسه بيضتين وصمم ينزل يشترلنا أكل، وسبحان الله إني رفضت أكل معاه عشان يكون فينا واحد سليم ينقل التاني للمستشفى.
قالها بطريقة مازحه، بينما تعمق الشيخ بسؤاله:
_مستشفى ليه يابني؟
أجابه ببسمة جذابة مستغلًا بعض المعلومات التي يشملها عنه:
_لآن الأكل مكنش نضيف كفايا وآيوب أساسًا عنده حساسية.. تعب جدًا وأخدته المستشفى بس الحمد لله أخد أدويته وبقى كويس وواقف قدامك أهو يا عم الشيخ!
وتابع بمكرٍ:
_هو مكنش عايز يقلقكم هنا في مصر بس لسانه مسحوب منه بقى هنعمل أيه!
ضحك الشيخ وقال بمحبةٍ كبيرةٍ:
_يعني أنا لسه بشكرك على اللي عملته مع يُونس طلعت إنت مسبق بجمايلك مع ابني.. قولي بقى أشكرك أنا ازاي دلوقتي؟
فاجئه آدهم حينما قبل أعلى رأسه باحترامٍ قائلًا:
_معرفتي بحضرتك وبابنك ويونس بالنسبالي مكافأة..انا اكتسبت عيلة ومفيش بينا شكر ولا جمايل.
احتل الفخر والاعجاب حدقتي الشيخ، فأشار على درج منزله:
_اطلع بقى كُل لقمة معانا لو معتبرنا عيلتك بجد.
رد عليه بحرجٍ:
_أنا للأسف لازم أمشي لإن عندي شغل مهم.. بس أوعدك إن في مرة تانية مش هرفض ده أبدًا.
ربت على كتفه بحنانٍ وتفهم:
_ماشي يابني.. البيت بيتك تشرفنا في أي وقت.
استأذن منهم آدهم وغادر لسيارته فاتبعه آيوب، فقال الاخير بمشاكسة:
_جاي ورايا ليه ما تطلع تشبع من أخوك.
أجابه وهو يبتسم بمحبة عارمة:
_جيت أوصلك لعربيتك وأشكرك مرة تانية.
تنهد آدهم بتعبٍ:
_هو أنت مبتزهقش يا آيوب، كام مرة هكرر كلامي وهقولك إنك أخويا؟
استند على مقدمة السيارة وتساءل بمكر:
_يعني أنا أخوك فمن حقي أعرف دلوقتي إنت مالك؟
بصر له بدهشةٍ من ملاحظته لحالته بالرغم من أنه كان بارعًا بتبديد أحزانه، فتابع آيوب بضيقٍ:
_إنت فيك حاجه وبتحاول تكون طبيعي يا آدهم.
سحب نفسًا كبيرًا وكأنه يبتلع الهواء من حوله، ومال جانبه على مقدمة سيارته يخبره بارتباكٍ:
_مفيش يا آيوب... أنا بس مخنوق لإني شديت مع بابا شوية في الكلام ودي يمكن المرة الاولى اللي أعمل فيها كده بس غصب عني.
رد عليه بحكمةٍ:
_ومدامك عارف غلطك أيه اللي مخليك متردد تعتذر وتبوس ايده؟!
تطلع أمامه بصمتٍ مطول وعاد يميل برأسه تجاهه قائلًا:
_مش متردد بس الموضوع صعب، أنا اتعودت أشوف بابا بأجمل صورة تتخيلها، لدرجة اني اديته أكتر من مكانة واكتفيت بيه.
زوى حاجبيه بعدم فهم، فتابع آدهم ببسمة ألم:
_يعني مكنش ليا أصدقاء فكان هو صديقي، كنت بعيد عن عيلتي لطبيعة شغلي فكان هو كل عيلتي حتى بعد وفاة والدتي بقيت بشوفه أبويا وأمي وأخويا وصاحبي وكل اللي بمتلكه.. قدوتي اللي بفتخر بيها وفجأة صورته اتهزت قدامي لما حكالي عن شيء متعلق بيه فغصب عني أنا عاجز ومش قادر أخد رد فعل!!
ترك آيوب محله ووقف قبالته تلك المرة فكان أكثر طولًا منه لانحناء جسد آدهم العريض للسيارة، وقال بتفهمٍ لحالته:
_طيب يا آدهم مهما كان والدك عمل أيه لو إنت كنت أول واحد يجلده ويبعد عنه مين هيقف جنبه ويهونها عليه! كلنا بنغلط احنا مش ملايكة على الأرض.
هز رأسه مرددًا بعزمٍ لانهاء الحديث:
_عندك حق... أنا لازم أسمعه مرة تانية وأكون جنبه.
واستقام بقامته الشامخة وهو يمنحه ابتسامة رائعة:
_شكرًا يابن الشيخ مهران.
ضحك آيوب على لقبه الذي بات متنقلًا بين أصدقائه، فقال مشاكسًا:
_دي تالت مرة حد يقولي يابن الشيخ مهران بنفس الطريقة النهاردة.
_ومين قالهالك قبلي؟
_سيف وهو متعصب في مكالمة الصبح لإنه متخيل إني حجزت تذكرة سفري مع اني لسه واصل من كام يوم!!! وعُمران من ساعتين وهو متعصب لنفس السبب!
تعالت ضحكاته الرجولية وقال ممازحًا:
_ولما تروحلهم هتلاقيني أنا اللي متعصب هنا لنفس السبب.
تلاشت ابتسامته وهتف مستنكرًا:
_ليه هو أنت مش راجع معانا؟!!!
أجابه ببساطة:
_هرجع ليه.. آيوب أنا ماليش مكان محدد بكون فيه، بلف العالم وبروح أي مكان تكون فيه مهمتي.. لكن الاكيد إني الفترة دي مستجم هنا عشان تحضيرات فرحي.
_ربنا يتمملك بخير.. أنا موجود وهساعدك.
وبمرحٍ قال:
_أنا أكتر منك خبرة في اختيار القاعات، الديكورات، واللذي منه يعني!
ضحك بصخبٍ وهو يضرب كفه بكف آيوب:
_كويس رحمتني من أصعب جزء في الموضوع.
_رقبتي فداك يابو الصحاب...
واستطرد بموجة ضحك:
_بس حوار البدلة والأوتفت كاملًا عليك وعلى الطاووس الوقح هو الجنتل مان اللي فينا وبصراحة مضمنش أنه يساعدك إنت بالذات.
ضحك آدهم وقال:
_لا ما أنا متأكد من نفس الحاجة... أنا إلى الآن مازلت بوجه غضبه وغيرته الغريبة على شمس!
وانتبه آدهم لأمرٍ تناساه تمامًا:
_صحيح يا آيوب هو الشيخ مهران لسه ميعرفش حوار آديرا!!
استدار بخوفٍ خلفه وكأن أبيه يراقبه، وصاح هامسًا بشكل أضحك آدهم رغمًا عنه:
_هووووش أيه يا آدهم ما تروح جوا البيت وتفضحني يا أخي!!!!!
قال بضحكة ساخرة:
_حقك عليا أنا آسف!! بس لمؤاخذة يعني هتفضل مخبي أمرها لأمتى ما كده كده هتتفضح! إنت هنا في مصر مش لندن يعني الخبر مهما يتكتم هيتذاع في النهاية.
تنهد بحزنٍ شديد وقال بتردد:
_بصراحة يا آدهم أنا كنت ناوي أقعدها في البداية عند إيثان لحد ما أقدر أمهد للشيخ مهران الحكاية بس انشغلت مع قرايبنا اللي جيهم يسلموا عليا وبعد كده في حوار يخص يونس وطليقته ودلوقتي هو رجع.. لكن في شيء جوايا رافض نهائي مواجهة والدي إنت متتخيلش ممكن يحصل أيه لو عرف.. كمان أنا حاسس إن مفيش داعي أعمل ده، أنا خلاص دوري انتهى، خلصنا من عمها وبقت في أمان فمالهاش لازمة تفضل على ذمتي.
برق بدهشةٍ:
_عايز تطلقها؟!!
هز رأسه مؤكدًا، فتابع آدهم برزانة وتفكير:
_بس يا آيوب إنت جبتها هنا معاك لما تطلقها هي هتروح فين أعتقد إن هي دلوقتي مبقاش ليها حد غيرك!
زفر بضيقٍ وأجابه:
_مهو ده اللي مسكتني عن قراري، عايز أوفرلها سكن ومبلغ محترم تصرف منه ولحد ما أعمل ده سايبها على ذمتي عشان لو اضطريت أقابلها أو أزورها.
رفع أحد حاجبيه باستنكارٍ:
_عايز تفهمني إنك مشفتهاش من يوم ما وصلناها لشقة صاحبك؟!
أكد له دون أن يرف له جفنًا:
_أيوه.. إيثان اللي بيوصلها الأكل والفلوس وطلبت منه كتير تشوفني بس أنا مشغول أو بصراحة مش حابب العلاقة تتعمق بينا بشكل يخليها تتعلق بيا خصوصًا إنها أسلمت ومحتاجه اللي يرشدها للطريق فبحاول أفكر في طريقة تجمعها بالشيخ مهران عشان يساعدها بدون ما أظهر في الصورة.
ربت على كتفه بقوةٍ ومنحه الثقة:
_أعمل اللي تشوفه صح يا آيوب أنا عارف إنك حكيم وهتقدر توازن الامور...
وسأله بدقةٍ جعلت الاخير يندهش من عدم نسيانه لشق الحديث السابق:
_لكن قولي بقى حوار طليقة يونس ده أيه؟!
*******
بالأعلى.
تناسى تمامًا وجود خديجة بداخل منزله، فوقف يتابع زوجته وهي تحتضن يونس ببكاء حارق، وعينيه مصوبة على غرفة آيوب بتوترٍ قاتل، لا يود خسارة ابنه الأكبر مهما كان الثمن، ألا يكفيه ما تعرض له من عذاب وقهرًا وما أصعب أن يُقهر الرجال!
حاول تشتيت عقله مطمئنًا أن خديجة لا تتمكن من التحرك من فراشها لاضلاعها المنكسرة، فحاول أن يكون صامدًا حتى لا يثير شكوكه مفضلًا متابعة حوار زوجته ويُونس.
كانت متعلقة به بقوةٍ، بعدما عاد فقيدها الذي ظنته توفاه الله، فقالت ببكاء يشق الصدور:
_والله العظيم كان عندي ثقة في الله عز وجل إنه مش هيخذل قلب أم بتدعيله في كل صلاة، وبعظمته أستجابلي دعواتي وقر عيني بيك يا حبيبي.
قبل جبهتها ويديها معًا، لا يتناسى فضلها العظيم عليه، بفضلها لم يكن يتيمًا قط، كانت له أمًا يتحاكى عنها لألف سنة.
مسدت على شعره الغزير ورددت بحبٍ وحيرة لما قد تفعله لاجله فقالت:
_اقعد يا حبيبي هحطلك الاكل يارتني كنت أعرف إنك جاي كنت عملتلك وليمة.
بقى واقفًا محله وبصوتٍ متعب قال:
_معلشي يا أمي مش هقدر، عايز أرتاح وأكون لوحدي شوية.. كنت هطلع على فوق على طول بس حبيت أشوفك وأطمنك عليا.
تمسكت بذراعه بعنفٍ والخوف يتغلغل حدقتيها، كأن الشرطة عادت لتسحبه عنها، فعاد لها نفس ذلك الشعور المقبض هاتفة باندفاعٍ:
_لأ يا يُونس مش هسيبك تبعد عننا تاني... سريرك جوه زي ما هو يا حبيبي.
ربت على يدها مرددًا بتوسلْ:
_معلشي أنا محتاج أكون لوحدي.. وبعدين أنا شقتي فوقك ومش رايح في مكان بعيد عنك.
اتجه إليهما الشيخ مهران، ومرر يده على كتف ابنه بتفهمٍ:
_خلاص يابني اطلع ارتاح فوق ولما تفوق انزل نتجمع عشان في حاجات كتيرة تخص شغلك وفلوسك وايجار العمارة لازم تعرف كل اللي فاتك دي فلوسك بردو.
منحه نظرة عاتبته بقوة والتفت بجسده له يهاتفه بصوتٍ ارتفع عن هدوئه:
_فلوس أيه اللي بتتكلم عنها يا عمي! أنا مديون ليك بكل اللي امتلكه.
ابتسم ببشاشته الودودة وردد:
_لا يا حبيبي ده تعبك وشقاك.. واللي لازم تعرفه إن محلاتك الصغيرة بقوا ما شاء الله أربع محلات ماسكين ناصية الحارة داير ميدور وإسمك منور عليهم، وكل أرباح تجارتك على ايجارات العمارة حطنهالك في حساب بنكي ما شاء الله عدي التمانية مليون جنيه وباقي فلوسك متدورة في رأس المال.
تفاجئ بما يستمع إليه وردد بحيرة:
_منين ده كله يا عمي ومين اللي دور المحلات وآيوب كان مسافر بيكمل تعليمه؟
أجابه بابتسامة واسعة فخورة باختياره لصديقٍ كان كالوتد بظهره:
_إيثان يابني ساب شغله وماله ومسك ادارة المحلات ورفض يأخد أي مليم لنفسه، دور الشغل من تاني يوم اتقبض عليك فيه وما شاء الله دماغه وأفكاره في تسويق الانترنت ده خلت اسمك في حتة تانية.
واسترسل متعمدًا الضغط على حروفه:
_يعني يا حبيبي لو خارج وفاكر انك خسرت فلوسك وسمعتك فده مش صح لان كل اللي في الحارة عارفين اللي فيها وإنك اتحبست ظلم بسبب اللي معتز آآ...
قاطعه بوجعٍ وكأنه لم يحتمل ضربة سوط أخر:
_بلاش تفتح سيرته ولا سيرة الخاينة دي يا عمي... سبوني من فضلكم لوحدي مش عايز حد يطلعلي أنا لما هبقى كويس هنزل.
احترم رغبته وربت مجددًا عليه:
_زي ما تحب يابني المهم أنك وسطينا وبخير.
ابتسم ساخرًا على جملته الاخيرة، من يراه منتصب بوقفته يظنه على ما يرام، والفضل يعود لله ثم لذلك الآدهم الذي اخترع قوقعته، فقد أصر على أن ينعم يونس بحمامٍ دافئ ومنحه حقيبة بلاستيكة حملت قميصًا أسود وبنطالًا جملي ارتدهما عوضًا عن ملابسه الذي اهترت، وأزال عنه الاتساخ والقذارة التي علقت إليه من بقائه بذلك الحبس المميت.
خرج يُونس من شقة عمه وصعد للطابق الثاني الخاص بشقته، تهربت منه عينيه للدرج فكانت تلك الخائنة من وجهة نظره تسكن الطابق الثالث، كانت تمر عليه في ذهابها وعودتها، والآن تركت له أمقت الذكريات التي قد يحملها إنسانًا حمل يومًا عشقًا لها.
ولج لشقته سريعًا وكأنه يتهرب من آلامه فأتاه ألمًا أعنف من السابق حينما أصبح بشقته التي تحمل جزءًا صغيرًا من ذكرياتهما.
خمسة عشر يومًا جعلهم جنة لها لتصفعه الإن بلهيب يبدأ بالتهام قلبه ويتسلل لجسده كالفيرس القاتل!
*******
بينما داخل غرفتها، تسلل لها صوته فظنت نفسهل تتوهم سماعه، وحينما ارتفع نسبيًا انتفضت بالفراش، ساحبة ذراعها من أسفل رأس صغيرها النائم، وحاولت قدر الامكان الاستقامة بجلستها ولكنها تأوهت وتمددت بعجزٍ ومرضًا تام، هامسة ببكاء:
_يونس!!!!
جاهدت مرة أخرى للنهوض فسقطت أرضًا محدثة صوت ضوضاء قوي ولجت لأجله السيدة "رقية" تهرع لمساعدتها قائلة بشفقة:
_يا قلبي عليكي يا بنتي... قومي.
عاونتها لتتمدد مجددًا، فتعلقت بذراعها وسألتها ببكاء:
_أنا كنت سامعة صوت يونس.. بالله عليكي قوليلي إنه عايش وإني مكنتش بحلم!
انهمرت دموع "رقية"تاثرًا وقالت:
_لا يا خديجة مكنتيش بتحلمي..يونس عايش وخرج النهاردة من السجن.
ارتسمت ابتسامة واسعة على محياها، وحاولت النهوض مجددًا وهي تردد بلوعة شوقها المحترق:
_خديني ليه يا حاجة رقية أنا عايزة أشوفه وآآ..
ابتلعت باقي جملتها حينما استيقظت من حلمها الجميل بمرارة ما فعلته به، من المؤكد بأنها أخر شخصًا قد يود رؤيته، فتهدل جسدها على الفراش مجددًا بانكسارٍ ودموع القهر ينهمر من عينيها.
مسدت رقية على وجهها بحنان وقالت:
_معلشي يا حبيبتي بكره هيعرف الحقيقة وهياخدك في حضنه، يونس طيب وقلبه مش أسود.
وتابعت تملي عليها تعليمات زوجها:
_اسمعي يا خديجة كنا لسه من شوية بنتكلم أنا وعمك الشيخ وقال إنه مستحيل يسيبك تمشي من هنا، وبردو هو خايف يونس يشوفك فأنا هنقلك لأوضتي أنا وعمك الشيخ أمان عن اوضة آيوب، يونس عمره ما دخل اوضتي.. فأنا عايزاكي لما يكون موجود هنا متتكلميش ولا تعملي أي صوت يا بنتي.
هزت رأسها بطاعه ودموعها تنهمر كالشلال:
_حاضر والله مش هعمل صوت بس عايزة اسمع صوته، خليه ينزل دلوقتي واتكلمي معاه عايزة اشبع من صوته بلاش ألمحه لو هيعمل مشاكل.
همست ببكاء:
_يا حبيبتي اللي بتقوليه ده حرام انتي لسه على ذمة راجل تاني... بس متقلقيش آيوب وكلك صاحبه ومسك قضيتك وماشي في الاجراءات.
أغلقت عينيها بقوة وقهر يجتاحها واستدارت تجاه ابنها النائم، فالتفتت لها من جديد تتساءل:
_طيب وفارس؟!
أجابتها بابتسامة عذباء وهي تمسد على شعر الصغير:
_مش هينفع نمنعه من الخروج ده مهما كان طفل.. عشان كده هنظهره ليه وهنقوله ان ابن ناس قريبنا سايبنه هنا لأي حجة بقى هنرتبها يعني.. وأهو فرصة يشوفه ويكون قصاده.
وسحبت الغطاء تداثره على جسدها وتخبرها:
_ارتاحي يا حبيبتي وبكره هنقلك للاوضة... متخافيش وارمي حمولك على الله عز وجل.
بوهنٍ رددت:
_ونعم بالله.
*******
طرق آيوب باب شقة يونس مرات متتالية، فوقف يونس خلف الباب وردد بارهاقٍ:
_وبعدين معاك بقى يا آيوب أنا مش منبه على عمي وقايله عايز أقعد لوحدي!
وتابع بانفعالٍ:
_ثم انك بقالك ربع ساعه بتخبط وأنا مطنشك مفتقدتش الأمل!
رد عليه بصوتٍ حزين:
_يُونس افتح.. أنت عارف إني مش هنفذ اللي انت عايزه.
استند على الباب بجبينه وردد بتعب:
_عشان خاطري انزل يا آيوب أنا محتاج أكون لوحدي افهم بقى!!
طرق بعصبية كادت باسقاط الباب، وصراخه الشرس يتحرر عن مرقده:
_خلاص اقفل براحتك أنا هبات هنا قدام الباب.
وبالفعل ترك آيوب الاكياس البلاستيكة جانبًا وجلس أمام باب الشقة، فزفر يونس بنزقٍ، وحرر المزلاج مرددًا بغضب:
_هتفضل طول عمرك عنيد واللي في دماغك بتنفذه من غير ما يهمك كلام حد.
ابتسامة مشرقة تشكلت على وجهه الوسيم، ونهض يحمل الأكياس ويتجه للداخل بفرحة طفل سمح له والده بالذهاب لقضاء عطلة الصيف.
هز رأسه بيأسٍ، فيبدو أن السنوات الماضية لم تغير أحدًا سوى زوجته الخائنة، أغلق الباب واتبعه للصالون الفخم المجاور له.
فجلس مسترخيًا بصمتْ استفز آيوب الذي يحاول سحبه للحديث، فبدأ باقتراحه بتناول الطعام وحينما صده يونس لم ييأس فعرض صنع القهوة ولم يترك مشروبًا الا وعرضه عليه، فأطلق يونس زفرة حارة وقال بضجر:
_آيــــــــــوب هتقعد تقعد وإنت ساكت مش بعامل طفل أنا!!
قال بابتسامة اتشحت بالبرود قد ما تمكن:
_مهو أنا مش هتأقلم مع وضع الصمت اللي انت فيه ده، عايزك تتكلم وتفضفضلي وتقولي ناوي على أيه؟
رد عليه بارهاق:
_مش ناوي على حاجة ولو كترت في كلامك هطردك بره ومش هيهمني تنام ولا تتقتل قدام باب الشقة!
هز رأسه وقد بدى أنه اقتنع بأنه غير مستعدًا للحديث، سحب أحد الأكياس البلاستيكة واقترب منه بتردد وارتباك لاحظه يونس فسأله بقلقٍ:
_ده أيه؟ وليه متوتر بالشكل ده؟
فتح الكيس من أمامه فظهرت المراهم الطبية والكريمات وبعض الادوية من أمامه، وبحزنٍ قال:
_أنا عارف إنك موجوع ومش هتقبل تشاركني أوجاعك بس أنا مش هسيبك كده... حتى لو رفضت هحطلك غصب عنك.
تعمق بالتطلع إليه، وازدرد ريقه بغصة ألمته، فردد بصوتٍ محتقن:
_بلاش.. بلاش عشان خاطري يا آيوب.
تألم لألمه ولكنه لم ييأس فقال بهدوءٍ:
_طيب هسألك سؤال لو أنا كنت مكانك كنت هتتخلى عني حتى لو أنا طلبت منك تبعد؟
ضم شفتيه معًا وكأنه يعتصرهما داخله، واستغرق مدة من التفكير، فلم يكن راضيًا لأن يرى أحدًا اصاباته وتوابع الظلم المستبد الذي إهانت به رجولته وجرد من كيونته دون رأفة.
كان يريد الاختلاء بذاته ليتخلص من ذكرياته واعتياد عينيه علة الظلم، كان بحاجة ليلملم جروحه فلا بأس إن حرر صرخاته أو بكى كالصغير، ولكن في حضرة أخيه حُرم حتى من ذلك.
تنهد يونس بوجعٍ وعاد يتطلع لآيوب الذي يتطلع له بنظراتٍ متوسلة الا يرفض معالجته لجروحه، فهز رأسه باستسلام ٍ، جعل الفرحة تشرق من جديد على وجهه، وقال:
_طيب تعالى مدد في الاوضة.
سحب كفه من يده وأجابه بغضب:
_لاااا...مش عايز أدخل الاوضة دي..ومن بكره تغيريلي عفش الشقة كله يا آيوب.
ربت على يده ليسترخى، فلا يريد خسارة فرصة معالجته، فقال:
_زي ما تحب... تعالى نروح أوضة الاطفال.
هز رأسه بخنوعٍ واتجه للداخل، راقبه آيوب وهو يتجه لاحد الأسرة، وبدأ في حل أزرار قميصه ببطءٍ وتردد واضح، حتى نجح أخيرًا بنزعه عنه.
جحظت أعين آيوب صدمة، وبدى على وشك فقدان كل محاولاته للثبات، قلبه يتمزق وفؤاده يُنتزع منه بقوةٍ لرؤية كل تلك الجروح التي أصابت جسد أخيه، ليته يتمكن من نهش لحم من فعل به ذلك.
بقى محله يحمل كيس الدواء وجسده يدور دون رأفة منه، خشى أن يلاحظه أخيه فاقترب وهو يجاهد لرسم ملامح عادية، تماسك لأصعب درجة ليضع ما بيده على صدره والأخر يغلق عينيه ويئن بصمتٍ.
وحينما جلس خلفه يعالج ظهره ترك آيوب العنان لدموعه تتساقط لتغسل وجهه المحترق، بكائه على الرغم من إنه ليس مسموعًا ولكن شعر به يونس فقال ومازال مغلق العينين:
_انزل عيط تحت واتحسر على أخوك براحتك.. بلاش قدامي عشان بالله ما ناقص.
اتجه للسرير المقابل له يخبره باصرار:
_مش نازل ومش هسيبك واللي عندك أعمله.
زفر بقلة حيلة وتمدد على الفراش يغلق عينيه:
_عايز أنام وبس يا آيوب.
نهض يجذب الغطاء لساقيه مراعيًا عدم لمس ظهره الذي تتركز به الجروح بكسرةٍ عن صدره، وهمس له:
_نام ولو احتاجت حاجة ناديلي أنا جنبك.
هز رأسه وأغلق عينيه مجددًا محاولًا أن يحظى بنومة مريحة بعد أن حُرم من أن يحظو بقطعة حصير تمنع عنه رطوبة الأرض المتصلبة من أسفله.
*******
في لندنٍ.
عاد لشقته ليبدل ملابسه سريعًا قبل غداء العمل الذي سيجمعه هو وعُمران مع أهم مساهم بالمشروع التجاري، مرر "جمال" يده بين خصلات شعره المشعث بإرهاق قد ذهق ملامحه، فقد قضى أيامه كُلها برفقة والدته، لم يتركها منذ خروجها من العمليات حتى هذا اليوم، ولولا أن وجوده برفقة عُمران هامًا للغاية لما كان اهتم بالذهاب.
أفتقد راحته ونومه المريح بمنزله وفراشه ولكنه تحامل لأجل والدته رافضًا تركها للممرضات، فكان هو من يتوكل باطعامها وأدويتها ومعاونتها بالذهاب للمرحاض.
أغلق باب الشقة من خلفه وعينيه تبحث عن زوجته، فوجدها تجلس أمام التلفاز، رسم ابتسامة هادئة وقال:
_كنت بدور عليكي في المطبخ ولما ملقتكيش قولت أكيد انك هنا.
منحته نظرة باردة وقالت:
_عادي يعني قولت أمدد شوية وأنا بتفرج على المسلسل.
وتساءلت وهي تقضم ثمرة التفاح أمامها:
_غريبة إنك راجع بدري النهاردة.
أجابها وهو يتجه لغرفة النوم:
_ورايا معاد مهم مع عُمران.. غداء عمل.
وضعت طبق الفاكهة عن يدها ولحقت به تطلق إحدى شرارتها:
_يعني اليوم الوحيد اللي جته بدري من المستشفى هتخرج فيه؟
سحب أحد بذلاته الآنيقة وقال:
_يعني بمزاجي يا صبا ما قولتلك شغل مهم.
أصرت إليه بطلبها، وكأنها تتحجج لخلق المشاكل من العدم:
_طيب ما تكنسله وتيجي نخرج نتغدى برة في أي مكان حلو.
ارتدى بنطال البذلة ووضع حذامه من حول خصره قائلًا بنفس نبرته المتمسكة بالهدوء:
_مينفعش لازم أكون موجود معاه لإني شريكه.. وبعدين عُمران مصمم أكون موجود.
ربعت يديها أمام صدرها وقالت بحقدٍ:
_مدام بتنفذ طلباته وبتعزه أوي كده بصله واتعلم منه.
توقف عن غلق أزرار قميصه، واستدار تجاه مكان وقوفها مرددًا بدهشةٍ:
_أتعلم منه!!!! تقصدي أيه بكلامك ده؟
اندفعت بهجومها الضاري تلقي ما اعتمرها:
_قصدي تتعلم من معاملته الرقيقة لمراته، تتعلم من طريقته بالكلام، حتى طريقة لبسه واستايله!! اهتمامه بجسمه وآ...
قُطعت صفعته جملتها، فاعتدلت بإيماءة وجهها وكفها يحتضن خدها، مرددة بصوتٍ مرتعش:
_بتضربني يا جمال!
انفعلت أنفاسه المنطلقة من داخله، وصاح بغضبٍ ساحق:
_إنتِ بأي عين تقفي قدامي وتتكلمي عن راجل غيري!! وبأي حق تسمحي لنفسك تبصي وتدققي في شكله وجسمه ولبسه أنا بجد مشفتش وقاحه أكتر من كده!!!
واستطرد بصراخ أرعبها:
_أقسم بالله لاندمك على كل كلمة خرجت منك يا صبا.. أنا زي ما أنا ومش هتغير لا عشانك ولا علشان أي حد، وبعدين إنتِ أيه مفيش ليكِ كاسر! بقى أنا طالع عيني في الشغل ليل نهار، ورافض إنك تقعدي مع أمي وقايم بكل طلباتها عشان واجب عليا أولًا وعشان عارف إنك تعبانه من الحمل، بعاني وشايل فوق طاقتي وانتي مقضياها مقارنات ومستحلة لنفسك تبصي لراجل بصة زبالة بالشكل ده وفوق كل ده جاية تتكلمي قدامي!!!!
وتابع وهو يلقي المزهرية المتطرفة على الكومود، صارخًا:
_امشي من وشي مش طايق أشوفك.
وكأنها أفاقت من جنون غيرتها وحقدها لفضاحة ما ارتكبته، فاقتربت منه تردد بدموعٍ غائرة:
_أنا آسفة والله ما أعرف قولت كده ازاي.. أنا مبصتلوش أنا شوفته كذه مرة وعجبني استايل لبسه وطريقته مع والدته ومراته وآ...
تتعمد أن تخرج أسوء ما فيه، فكور يده وصاح بانفعالٍ:
_اخرسي مش عايز أسمع حاجة.
ودنى إليها يردد وعينيه ترمقها باستحقارٍ:
_أنا صونتك وعمري ما رفعت عيني في عين واحدة في حين إنك مقضياها مقارنات بيني وبين رجالة تانية، الظاهر إن طيبتي معاكي اديتك الجراءة إنك تتكلمي قدامي عن اللي جواكي فخليني أنا كمان أصدمك بشيء مكننش أتمنى أقوله بس عشان مقارنتك لشخصية عُمران تكون كاملة من كله.
واسترسل ببسمةٍ ألم لخوضه بسيرة صديقه المخلص والأخ القريب لقلبه دونًا عن أشقائه:
_كنتِ هتقبلي إنك تكوني على ذمتي وأنا يكونلي علاقة بواحدة غيرك!! كنت هتقبلي إنك تعيشي معايا في بيت واحد وأنا ليا أوضة بشاركها مع عشيقتي، كنتِ هتقبلي بكرهي ليكِ واهانتي ليكِ واجباري ليكِ تكوني موجودة في أي مناسبة احضرها وايدي في ايد عشيقتي!!
جحظت عينيها صدمة ورفض تام لهذا التخيل فأضاف ببسمة ساخرة:
_مايا قبلت بده وده كان جزء من شخصية عُمران غير علاقاته السابقة، ودلوقتي بعد ما اتغير وبيعوضها عن اللي شافته بصيتلها في حياتها!!!
وجذب جاكيته وحذائه واتجه للخروج متغاضيًا عن قميصه المهمل، فلم يعد يحتمل البقاء معها بنفس المكان لأكثر من ذلك.
لحقت به وهي تناديه فاستدار يصيح بشراسةٍ:
_متنطقيش اسمي على لسانك.. خليكي قاعدة هنا لوحدك لمقارناتك العظيمة... ويا بنت الحلال مدام أنا مش مالي عينك ولا بمواصفات فارس أحلامك الخيالي واتصدمتي بيا فأنا ميرضنيش تعيشي معايا معذبة هديكي فرصة تعيشي مع راجل غيري وعشان تعيشي حياتك بدون أي عائق هسيبك على ذمتي لحد ما تولدي، سبيلي الولد هربيه وروحي شوفي حالك مع اللي تتمنيه.
صعقت مما استمعت إليه فقالت ببكاء:
_انت بتقول أيه يا جمال!!! هتطلقني بالسهولة دي!! هتبعد عني يا جمال!!
منحها نظرة شملتها من رأسها لأخمص قدميها، وخرج مسرعًا صافقًا الباب من خلفه، ولج للمصعد يستكمل ارتداء ملابسه واستند على المرآة يبتلع تلك المرارة المريرة، كيف تسمح لذاتها بالتطلع لرفيقه بتلك الدقة، كيف فعلتها وهي على ذمته!!
خرج من المصعد لسيارته واتبع الموقع على هاتفه ليصل للفندق المنشود.
*****
زفر بضيقٍ وهو يقف أمام عددًا ضخمًا من حقائب السفر الكبيرة، يتفحصهم بضيقٍ، وزمجرته المحتقنة تصل لزوجته القابعة بالفراش بتعبٍ، فنهضت تلحق به متسائلة بفضولٍ:
_مالك يا عُمران؟
استقام بوقفته يلتفت إليها مربعًا يديه بمنتصف صدره العاري المحاط بالمنشفة:
_مش عارف ألاقي هدومي! حقيقي أكتر شيء مزعج كان إني وافقتكم وجيت معاكم هنا بالبيت ده ولا لاقي أي وقت أصمم وأنفذ فكرة الرفوف اللي في دماغي ولا هدومي مترتبة بشكل كويس!
كبتت ضحكاته بصعوبةٍ، مازال كما عاهدته يعشق ترتيب ملابسه وأغراضه بتناسق مثالي مريض، فسألته وهي تتحلى بجدية زائفة:
_طيب قولي عايز تلبس أيه وأنا هساعدك.
جاب غرفة الملابس ذهابًا وإيابًا يجيبها بغيظٍ:
_no way أنا مبعرفش ألبس على ذوق حد
حتى لو كان الحد ده إنتِ يا بيبي، أنا ليا ذوقي الخاص!!
زمت شفتيها بسخطٍ:
_طيب والحل أيه دلوقتي!!
خبط بكفيه على ساقيه:
_مش عارف يا مايا.. كده هتأخر!
وأشار لها وهو يعود للحقائب يبحث بعناية:
_اتصلي بجناح علي واتاكدي إن فاطيما خلصت لحد ما أحاول تاني أنقيلي شيء كويس.
هزت رأسها وابتسامتها تتسع، فاتجهت للفراش وجذبت هاتفها المسنود للكومود وطلبتها فأخبرتها بأنها استعدت بالفعل منذ ساعة كاملة والآن تنتظر عُمران الذي تأخر كثيرًا.
أغلقت الهاتف وزفرت هامسة بسخريةٍ ويدها تمسد على جنينها:
_أوعى تطلع لبابي هشفق على قلب مراتك من الغيرة من دلوقتي!!!
*****
هبطت "فاطمة" تنتظر عُمران بالأسفل، فانتبهت لفريدة الجالسة بشرود وحزنًا غامضًا، اتجهت إليها تنحنح برقة لتلاحظها الاخيرة، فقالت بابتسامة راقية كحالها:
_فاطيما إنتِ خارجة؟
أمأت برأسها:
_أيوه رايحة مع عُمران غداء عمل.. مصر إني أروح معاه بس بصراحة أنا مرتبكة.
أخفضت ساقها عن الاخرى ونهضت إليها مرددة باهتمامٍ وحنان:
_لازم يا فاطيما، خروجك وشغلك في حد ذاته هيمحنك القوة، وبعدين أنا عايزاكي كمان معايا في ادارة مركز علي الطبي، هتكوني مسؤولة عن الحسابات وبكده هتساعديني.. زينب كمان هتكون موجودة معانا فالموضوع هيكون لطيف وهيعجبك.
تحمست للغاية وكادت بأن تشكرها ولكن صوتًا رجوليًا، مشاكسًا صدح لهما:
_مش معقول يا فيري بتقصري على عقل موظفتي وشريكتي وبتغريها تكون معاكي!!
وبدراما مضحكة قال:
_ طيب وأنا مفكرتيش فيا! بس في اللحظة دي هقولك no way فاطيما تتخلى عني لإنها عارفة إن مايا مش هتقدر تنزل الشركة وهي تعبانه صح يا فاطيما؟
ابتسمت مرحبة بتمسكه بها، وقالت لتراضي الاطراف:
_خلاص أنا هفضل مع عُمران لحد ما مايا تولد وتقوم بالسلامة إن شاء الله وبعدها هشتغل مع حضرتك يا فريدة هانم لإني بجد متحمسة للفكرة من دلوقتي.
اتسع ثغرها بابتسامة رقيقة وقالت:
_تمام يا حبيبتي.. يلا روحوا عشان متتاخروش.
غادر عُمران برفقتها، بعد أن اعتلت المقعد الخلفي، وصل بعد عشرون دقيقة للفندق المقام به الغداء، هبط مسرعًا من مقعده حينما وجد أحد العاملين بالفندق يمارس مهنته بفتح أبواب السيارات، فوضع يده على يده الواشكة على فتح باب فاطمة المرتبكة، قائلًا ببسمة جذابة:
_عذرًا... إليك مفاتيح السيارة.
وناوله المفتاح وابتعد يفتح بابها إليها، طُعمت نظراتها بالامتنان، وازدادت ثقتها بأنه لطالما لجوارها سيمنع أي سوءًا يحدث معها مثلما أخبرها زوجها الحبيب.
اتبعته للداخل حيث طاولة تتوسط المكان المحجوز أكمله لذلك الاجتماع، فكانت الطاولة ضخمة وتضم عدد لا بأس به من النساء والرجال.
مشط عُمران الطاولة بعينيه، واختار، الجلوس بنهايتها رغم أنه سيكون المغزى الرئيسي للاجتماع، ولكن حرصًا منه أن يبعد زوجة أخيه عن الأعين، فسحب المقعد ما قبل الاخير وجلس عليه تاركًا لها الاخير حتى لا يجاورها أحدًا.
تعجب جمال من فعلته فترك مقعده ونهض يلحق به، فجلس جواره من الناحية الاخرى يهمس له بصوتٍ كان مسموع لفاطمة:
_أنا حجزتلك جنبي في أول التربيزة قعدت هنا ليه؟!
أجابه بايجازٍ:
_عشان فاطمة تكون مرتاحة في قعدتها.
هز جمال رأسه بخفوت، فسأله عُمران باهتمامٍ:
_طمني شوشو أخبارها أيه؟ وحشتني أوي والله.
اتسعت ابتسامته وردد يخبره بأخر المستجدات:
_من ساعة زيارتك الاخيرة إنت وفريدة هانم وهي مُصرة تعمل دايت وتروح جيم!!
طالعه قليلًا بدهشة انقلبت لموجة من الضحك، فشاركه جمال بتحفظٍ، بينما ردد الطاووس الوقح:
_طيب بلغها بقى إن أول ما تخرج من المستشفى تخصصلي يوم كامل هاجي أخدها وأرجعها بليل، وقولها إن الخروجة دي هتشكرني عليها أول ما ترجع مصر ويقابلها الحاج وقتها هيزيد عشقها ليا.
تقوست شفتيه وصاح بيأس من تغيره:
_ناوي على أيه يا وقح.. أمي مش حمل دماغك السم دي!
عدل من جرفاته الرمادي وأجابه بغرورٍ:
_كل خير يا جيمي.. وبعدين لازم يكون عندك ثقة فيا شوية!
احتل حزنًا غامضًا عينيه وأجابه بنبرة عميقة:
_ثقتي فيك أكبر مما تتخيلها يا عُمران.
ترك كوب المياه الذي تجرعه بأكمله وقال بشكٍ:
_في أيه؟
تنحنح يجيبه بخشونة:
_في أيه بس ما أنا كويس أهو!!
منحه نظرة متفحصة جعلت الاخير يتهرب منه، وصاح بعصبية لا تليق بهدوئه:
_بطل تبصيلي نظرة المحقق كونان دي!
تطلع أمامه وحرر جاكييه الأسود ليحصل على جلسة مريحة هادرًا بوعيدٍ:
_ماشي يا جيمس لك روقة بعد الاجتماع، هقررك بطريقتي!
حدجه الاخير بنظرىٍ مشتعلة وغير سياق الحديث حينما مال للامام قليلًا ليتمكن من رؤية زوجه أخيه، مرددًا بلطفٍ:
_إزيك يا مدام فاطمة.. منورة الاجتماع.
رفعت مُقلتيها إليه، وبتوترٍ ملحوظ لهما قالت:
_ميرسي.
عاد جمال بظهره للمقعد باستغراب من طريقتها الغامضة ولكنه لم يعلق وتابع الاجتماع باهتمامٍ
ازداد عدد المتواجدين تدريجيًا، حتى احتل الصف المقابل لهم عدد منهم، ووضع الطعام ليتناولونه قبل بدأ الاجتماع.
نهض عُمران يجذب احد الاطباق، واضعًا أصنافًا متعددة من الطعام ووضعه قبالة زوجة أخيه حتى لا تضطر للوقوف والانحناء بجسدها أمام الرجال الحاضرون برفقة السيدات، حتى المياه والمناديل الورقية وضعها، كأنما يصطحب معه ابنته الصغيرة أو شقيقته شمس المعتادة منه على المعاملة الرقيقة تجاهها.
واستدار تجاه جمال فوجده غير عابئ بالطعام من أمامه،عقله شارد فيما حدث بينه وبين زوجته، فسأله بمزحٍ:
_عايز مساعدة! أغرفلك طبق ولا أيه نظامك؟
أشار له نافيًا:
_لا ماليش نفس.
جحظت عينيه بدهشةٍ، فترك الطبق من يده وجلس جواره باهتمامٍ:
_اتكلم يا جمال وقولي مالك بدل ما أقسم بالله أنيمك مكانك.
وبهمس مكبوت بغيظه:
_مهو أنا مش هحايل في أمك طول القعدة انطق!!
زفر بمللٍ منه، وبنزقٍ نافر قال:
_متخانق مع صبا يا عُمران ارتحت!!
زم شفتيه ساخطًا:
_تاني!! أقصد عاشر..إنت يابني آدم معندكش دم!!! راعي إنها حامل ومش حملك.
راقبه بصمتٍ فراقب الجمع وعاد يميل هامسًا ليتمكن من سحب الحديث من فمه:
_بص لو نرفزتك إن ريحتك مقرفة مثلًا فمتقلقش تقريبًا كل الحوامل كده.. أنا اتاكدت من يوسف امبارح!
منحه نظرة ساخرة، فحك لحيته النابته وعاد يخبره:
_طيب طلبت منك أكلة مش موجودة في لندن وقلبتها نكد عليك!
مال للأمام على الطاولة بقلة حيلة، فجذبه عُمران للخلف بعصبية كادت باسقاط المقعد ونهض يجذبه من رقبته صارخًا بانفعالٍ، متناسيًا وجوده بمكانٍ هكذا:
_بروح أمك قاعد تتدلع عليا، ما تنطق فيك أيه؟ مبقتش حمل أنا المناهدة كفايا قرف نعمان ومصايبه!
برق جمال بصدمة وصاح للاخير:
_عُمران إنت اتجننت الناس حولينا!
تهدل ذراعه عنه بحرجٍ شديد وعاد لمقعده ببطءٍ راسمًا بسمة بالكد وردد:
_أعتذر لكم.. اكملوا طعامكم نحن على ما يرام تمازحنا فحسب!
عاد الجميع لتناول طعامهم والاحاديث الجانبية فيما بينهم تغطي على المعركة الدائرة بين عمران وجمال الذي صاح بعصبية:
_عجبك كده!!
أجابه بنزقٍ:
_مهو أنا مقدرش أقعد هادي وشايفك بالوضع ده وأنا أساسًا فضولي!
رغمًا عنها يصل لهما حديثهما، وجل ما يسيطر على تفكيرها اكتشاف جوانب غامضة من شخصية عُمران، حالها كحال من ينخدع كونه شخصية صارمة مخيفة، من ذو القساة قلوبهم، أعجبها اهتمامه برفيقه في اطار حوار عاديًا بينهما.
سحب عُمران طبق إليه ووضع به قطعتين من اللحم، غمس قطعة صغيرة بشوكته وقربها من جمال الذي تأفف بضجرٍ:
_ماليش نفس أحلفلك بأيه عشان تصدق!! بلاش تحسسني إني المدام وقلقان على اللي في بطني من قلة الأكل!!
ألقى الملعقة بطبقه وتركه من أمامه دون أن يتناول شيئًا هادرًا باستهزاء:
_وإنت تطول يا معفن!
وتابع يحذره باشارة منه:
_بلاش تستفزني يا جمال بدل ما أقوم أطربق تربيزة كفار الجاهلية دي فوق دماغك!
ضحك رغمًا عنه فما أروع تشبيهه، حيث كانت تضم كميات طعام مبالغ به، فمال إليه يخبره بارتباكٍ من رد فعله:
_عايز أسحب منك لقب الطاووس الوقح وأحطلك بعد إسمك سايكو بحيث تكون عُمران سايكو!
ضاق برماديته بنظرة ساخرة، وعدل من جاكيته بغرور وثقة:
_أنا لو دماغي سايكو (مجنون) زي ما بتقول مكنتش وصلت للمكان ده! أنا دماغي ألماظ حـر واللي جايلي لحد مكتبي واثق كل الثقة إنه جاي المكان الصح.
كاد بأن يشاكسه جمال ولكن قطعه حديث الممولين، بالحديث بفخر عن المشروع الضخم المقام بمبالغ مُذهلة، وبعد حوار طويل شرع بفخر تعامله مع شركات "عُمران الغرباوي" لتنفيذ مشروعه، وبالاشادة إليه انطلقت وابل من التصفيقات والأعين تتجه إلى مكانٍ جلوسه، فأصبح مكان فاطمة بارز للعلن، مما أزعج عُمران كثيرًا.
نهض من محله يشير لهم بكبرياء وثقة اتبعت نبرته القوية:
_شكرًا لكم... ولكني لست المسؤول عن المشروع بمفردي، لدي شريكًا أخر يساندني.
وأشار لجمال معلنًا إسمه على ملأ من جمع كبار رجال الأعمال، لينال نفس النصيب من المدح والتصفيقات، فاضطر أن ينهض جوار عُمران بعد أن أرغمه بذلك.
مضت نصف ساعه ومازال النقاشات قائمة، ولكن أغلب الآعين تراقب مكان عُمران بعد أن كُشف عن هويته بفضول لرؤية ذلك المهندس الذي صنع لذاته صيتًا باهرًا، مما بدد الخوف والرهبة داخل أعماق الجالسة لجواره، ومازالت تحاول المحاربة.
رفعت رأسها فوجدت احد الرجال الجالسون قبالتها يتمعن بها من رأسها لأخماص قدميها، وكأنها عارية، اختلجها الخوف فمالت على عُمران تناديه على استحياءٍ وما أن أجابها حتى قالت بتوترٍ:
_ممكن أخرج أستناك بره؟
كاد أن يتساءل عن سبب طلبها المفاجئ ولكن قطعه صوت نفس الرجل المحدق بها يردد بنظراته الجريئة:
_تعجبت من جلوسك هنا رغم أنك من أهم الحاضرون هنا وما أن جلست قبالتك حتى كشفت تلك الجوهرة الفاتنة تتخفى لجوارك!
وتابع وهو يلعق شفتيه بطريقة مقيتة لمن يفهم مغزاه:
_لحسن الحظ أن السيدة مايسان لم تحضر برفقتك والا لما حظيت برفقة تلك الحسناء!
لحسن حظها بأنها لا تجيد الايطالي مثلما يجيده عُمران وجمال، تصاعدت النيران من حدقتيه بشكلٍ مخيف، أخر ما يتوقعه الآن أن تطولها نظرات ذلك السفيه القذر، ومبالغته فيما يفعل لمجرد تأكيده بأنها ليست زوجته، انفجرت الدماء من أوردته، فمال برأسه يسارًا ويمينًا مصدرًا صوت طقطقة مخيفة، ارتعب جمال من رؤيته كذلك، فأمسك معصمه المتعصب هادرًا:
_اهدى يا عُمران هو ميقصآآآ...
طاحت باقي جملته حينما قلب الطاولة التي تفصله عنه، وفي لحظة كانت يده تلتف من حول رقبة غريمه، يجذبه بقوةٍ ليواجه ذاك الجحيم المتأجج داخل رماديته الداكنة، وبصوتٍ جهوري أرعب ذاك المعلق بين يديه:
_لانها ليست زوجتي هل يحل لك النظر لها بتلك الطريقة الوضيعة... حسنًا إليك مفاجآتي إنها شقيقتي وزوجة أخي أيها الوضيع!
أنهى كلماته وأسقطه أرضًا يطيحه بركلة قدمه بقوةٍ أمام أعين باقي الحضور المندهشون لما أصاب عُمران لمجرد كلمة وجهها لموظفته الخاصه، ارتعبت مما يحدث ودنت منه تتساءل بخوفٍ:
_عُمران في أيه؟؟
صرف عنه عفاريته ووقف إليها يمنحها مفتاح سيارته قائلًا بهدوء يحاول الالتزام به خشية من أن تصيبها أي نوبة:
_استنيني في العربية يا فاطمة.. شوية وجاي.
هزت رأسها وغادرت على الفور لشعورها باضطراب يصيبها، رعشة يدها وجسدها أخافتها ان تهاجمها النوبة هنا وبرفقة شقيق زوجها، انهمرت دموعها تباعًا وحاولت فتح سيارته بيدٍ مرتعشة أسقطت المفتاح أرضًا وجعلتها تجلس على الرصيف باهمالٍ.
فتحت فاطمة حقيبتها سريعًا تبحث عن هاتفها لتطالب أكبر هالة تمنحها الأمان والسكون، حررت زر الاتصال به ورعشتها تزداد تدريجيًا.
*****
على الجانب الاخر كان يجلس برفقة شقيقته بأحد المطاعم، بعد ان قام باصطحبها لقصر عائلة الغرباوي بالقاهرة، فتعالت ضحكاته بعدم تصديق لما تخبره به وأنهت حديثها بضيقٍ:
_متضحكش يا علي.. كنت هعمل أيه يعني لو عُمران عرف إنه شافني كده! مش بعيد كان ركب على أول طيارة ونزلي أنا وآدهم.
أطلق ضحكاته الرجولية بحريةٍ، وصاح ساخرًا:
_طيب وبتحكيلي ليه لو مقتنعة إنك عملتي شيء غلط!!
أجابته بتلقائية:
_لانك عاقل وجنتل في نفسك كده، متأكدة إنك هتقعد وتسمعني ونتفاهم لكن الطاووس الوقح ده دراعه اللي بيتفاهم!!
ضحك مجددًا فابتسمت وتابعت لتزيد ضحكاته التي تسعدها:
_بس شكلي كان مسخرة لدرجة إن والد آدهم اتبرى منه وطلع جري من الاوضة مفكرني شبح مراته!!!
سعل بقوةٍ وهو يرتشف عصيره من فرط الضحك، فقال بحزمٍ مصطنع:
_خلاص بقى هفطس منك كده يا شمس.
وأشار على طبقها الذي مازال كما هو بينما انتهى هو من طعامه:
_يلا خلصي أكلك عشان نتحرك.. الوقت اتاخر ومينفعش ندخل بيوت الناس في مواعيد متأخرة.
هزت رأسها بتفهم وشرعت بتناول طعامها، بينما تلقى هو مكالمة زوجته، فنهض على الفور يردد:
_ثواني وراجع يا شمس.. معايا مكالمة.
حركت رأسها بخفة فابتعد هو وفتح الهاتف يردد بحبٍ:
_حبيبتي كنت هكلمك أول ما أرجع على طول... ها طمنيني الاجتماع كان عامل ازاي؟
لم يستمع لصوتها، فقط صوت شهقات يتسلل لها، فردد بلهفة ممتلئة بالخوف:
_فطيمة!!! في أيه؟؟
لا رد يريح قلبه الثائر فعاد يتوسل لها:
_حبيبتي ردي عليا طمنيني إنتِ كويسة؟
ازدادت الشهقات مما دفعه لقول:
_ردي عليا يا فاطمة.. طيب فين عُمران اديهوني أكلمه؟
أجابته برجفة صوتها المرتعش:
_جوه في الفندق.
التقط أنفاسه ببعض الراحة لسماع صوتها واستمر بأسئلته:
_طيب وانتي فين؟
قالت وهي تستند على السيارة:
_بره عند عربيته مش قادرة أفتح بالمفتاح وجسمي كله بيرتعش.. آآ.... أنا خايفة يا علي!
كبت وجعه بتلك اللحظة وردد:
_من أيه يا قلب علي.. فهميني أيه اللي حصل وليه عُمران سايبك عند العربية لوحدك؟
وقبل أن تتحدث قال:
_خلينا الأول نسيطر على الحالة اللي عندك قبل ما تقلب لنوبة، اهدي يا حبيبتي ونظمي نفسك، شهيق وزفير على مراحل.
اتبعت تعليماته نصيًا، لعدم رغبتها بحدوث ما يجعلها بموقف حرج، خمسة دقائق استغرقتهم حتى هدأت تمامًا، اتاها صوته الدافئ يتسأل بنبرة تعشق سماعها:
_أحسن؟
_الحمد لله
_قادرة تقفي؟
_أيوه.
_قومي واقعدي جوه العربية وافتحي المكيف عشان تكوني مرتاحة في الكلام.
نفذت ما أملاه عليها، صوته الحنون ذاته قد ساهم بتهدئتها عوضًا عن تمارينه الطبية، وما أن شعر بهدوئها قال:
_احكيلي اللي مضايقك؟
استجمعت شجاعتها للحديث دون بكاء:
_مش عارفة أنا كنت كويسة، وعُمران بصراحة كان مطمني، تصرفاته من بداية دخولنا لحد ما اختار مكان ورا عشاني، بس فجأة المكان بقى زحمة فحسيت بالخوف، وكمان معرفش أيه اللي، حصل فجأة عُمران اتنرفز ومسك واحد من اللي جوه ضربه جامد.
_ضربه ليه؟
_معرفش أنا مش بعرف ايطالي يا علي.
_طيب اهدي وكملي أنا سامعك ومعاكِ يا حبيبتي.
_مفيش هو طلب مني أخد المفاتيح واستناه بره بس أنا لما خرجت معرفش ليه حسيت ان الدنيا بتلف بيا ومقدرتش أقف على رجلي فكلمتك على، طول.
ربط علي الأمور وانتهت بشكٍ يراوده، فاحتجت أوردته باحتقانٍ غاضب، فمن المؤكد بأن أخيه لن يتطاول على أحدٍ بمجال عمله الا إذا تلصصت عينيه على نساء منزله، وقد طالت الآن فاطمة.
حافظ على هدوئه وقال بحب:
_كل ده طبيعي وعادي جدًا يا فطيمة... أما نرفزة عُمران فممكن تكون خلافات في شغله وهو مش من النوع اللي نفسه طويل.
واستطرد بحنان:
_أنا معاكي أهو ومش هسيبك الا لما يرجع وأطمن إنك رجعتي بخير.
قالت وهي تخفض نافذة السيارة المعتم لتتفحص القادم بوضوحٍ:
_عُمران جاي أهو.. بس في واحد جاي ورا أعتقد ده اللي كان بيتكلم في الميك أغلب الاجتماع.
بقى "علي" على الهاتف، فاستمع لصوت فتح باب السيارة وعُمران يتحدث لها:
_هنتحرك على البيت على طول يا فاطيما، انتي كويسة؟
أجابته بارتباكٍ من أن يكون لاحظ حالتها:
_أيوه.
أوقفه من هرع إليه يصيح باللغة الايطالية المفهومة لعلي الذي يستمع لكل ما يدور بفضل اقتراب عُمران للسيارة ، يكاد يكون ملتصق بها:
_سيد عُمران أعتذر لك نيابة عن جيرمان، وأمل أن تقبل اعتذاري وتعود لمتابعة امضاء العقود.
أجابه بحزمٍ وصرامة مخيفة:
_أي عقدًا هذا! تناسى أي عقود تربطك بشركاتي إن بقى هذا القذر شريكك دانيال .
ارتعب الرجل وكاد بأن تصيبه إغماء، تطلع للخلف فاتتبه لجمال الذي يدنو إليهما فناداه باستنحاد:
_سيد جمال أرجوك أن تجعله يصفح خطيئة هذا الأحمق بالنهاية لقد اعتذر لك عما فعله.
صرخ باشتعالٍ يمزقه إربًا:
_أي إعتذار هذا.. لقد تجرأ ذلك الأرعن وتطلع لزوجة أخي بوجودي!!!!
_لم يكن يعلم بأنها زوجة أخيك!
_حتى وإن كانت أحد موظفيني كان سينال العقاب نفسه.
أجلى جمال صوته الهادر يحدثه بالعربية:
_خلاص بقى يا عُمران ما انت بهدلت الراجل وكسرتله رجله لسه عايز تعمل أيه تاني!
جذب جمال تجاه سيارته القريبة من سيارة عُمران وقال:
_متتدخلش في الموضوع ده يا جمال، اركب عربيتك وروح لوالدتك اتاخرت عليها.
لم يكن دانيال يفهم ما يحدث بينهما، ولكن دفعة عُمران أكدت له طلبه بالرحيل، فأمسك يده يترجاه:
_من فضلك سيد جمال لا ترحل دون أن نصل لحل.
وتطلع لعُمران يخبره:
_أخبرني مستر عُمران ما الذي يُرضيك لفعله، أنا على استعداد لفعل أي شيء الا خسارتك!
حل الخبث بمُقلتيه، وارتكن على ظهر سيارته جوار نافذة فاطمة بالتحديد، يخبره بكبرياءٍ:
_إن أصبح ذلك الحقير خارج شركاء المشروع ربما حينها أقبل بأن يسري العقد بيننا.
بدى دانيال مشتتًا، لا يعلم كيف يتخذ القرار، من ناحية أحد الشركاء الخمسة بالمشروع والناحية الاخرى "عُمران سالم الغرباوي " الذي تفنن ليقبل بمشروعه رغم أنه مشروعًا هامًا يتمنى أي شخص أن يكون المحظوظ بتولي مهمة تنفيذه.
كسر قاعدة صمته وجمال يتابع ما يحدث بفضول لمعرفة ما يدور بعقله، حتى علي يكاد ينفجر من الغيظ من تصرفات أخيه، فحينما استمع لجمال يخبره بأنه كسر قدمه وأوسعه ضربًا شُفي غليله وهدأت انفعالاته، بل بات فخورًا بأنه أمن أخيه على زوجته، ولكن لا يرضى أن يخسر عُمران مشروعًا هامًا وضخمًا مثل ذلك، فلقد ذاع صيته بأكثر، من بلدٍ أوروبية وباتت وجهة مشرفة لعمران.
كسر الصمت بينهم صوت دانيال يخبره بارتباك:
_لا أريد خسارة تعاملاتك سيد عُمران ولكن أنا الآن عاجز، فهو شريكًا بنسبة ثلاثون بالمئة مثلي، ونحن الآن في عجلة من أمرنا للبدء في تنفيذ المشروع فإن فعلت ذلك سنضطر للانتظار حتى نجد شريكًا أخر يحتمل تلك النسبة ويدفع نفس المبلغ المتفق عليه.
بسمة انتصار ارتسمت على ملامح عُمران الغامضة، فسأله بشيءٍ من اللامبالاة:
_كم تقدر؟
_مئة مليون دولار أمريكي.
انتصب بوقفته وقال بخبثٍ جعل علي وجمال يرفعون القبعة لذلك الماكر:
_حسنًا دانيال لا يرضيني خسارتك وتأخير مشروعك، ولكن كما تعلم أنا لا اتهاون مع من يسيء لي لذا سأعوض خسارتك تلك بعرضي التالي، سأجد لك شريكًا بديلًا لذلك الحقير، عليك فقط فسخ العقود معه وأحضر عقودًا جديدة لمكتبي بالغد، ستجد المبلغ والشريك الجديد حاضرًا.
_ومن هو؟
ظنوا جميعًا بأنه سيكون هو، ولكنه فجأهم جميعًا حينما قال بغموضٍ:
_أحمد الغرباوي..مؤكدًا سمعت عنه.
تهللت أسارير الرجل لنيله شريكًا مثل ذلك، من قادة وأثرى الطبقة الآرستقراطية، فردد بحماسٍ:
_حسنًا سيدي... غدًا سأحضر أنا والثلاث شركاء الاخرون.
هز رأسه وأجابه بجمود:
_غدًا سنكون أنا وفريقي بالموقع.. ولكن إن خالفت اتفاقك أخشى مصارحتك بما سأفعله بك ربما لن نجد أمك حاضرة لعلاجك!
ارتعبت ملامح الرجل وهز رأسه بتأكيد فما أن غادر حتى انفجر جمال ضاحكًا، هاتفًا بعدم تصديق:
_يخربيت دماغك السم دي يا وقح! أيه التخطيط السريع ده.
أجابه بصوتٍ مختنق:
_هو اللي بدأ يستحمل ابن ال.. ولا بلاش عشان فاطمة متستحقرنيش لو شتمت.
ابتسمت وقالت بحرج:
_هو أنا مفهمتش أي حاجة من الحوار بس علي فهم وعايز يكلمك.
قالتها وهي تقدم له الهاتف، انتفض بوقفته يعاتبها بارتباكٍ:
_مش تقولي إنه على الفون يا فاطيما... يعني سمع كل ده!!
هزت رأسها موكدة له، فضحك جمال وودعه قائلًا:
_اشوفك في الموقع بكره.. سلام يا طاووس.
وتركه وغادر، فاستقل عُمران مقعد القيادة ووضع الهاتف على أذنيه يردد:
_حبيبي يا دوك، كده تطول في الغياب والقلب حزنان!!
_سيبك من الاسطوانة اللي مبتأكلش عيش دي، وقولي إنت ازاي تكسر رجل الراجل وتضربه بالوحشية دي؟
_يعني أنت لو مكاني كنت عملت أيه وهو بيآ...
_متوضحش مش عايز فطيمة تفهم حاجة.. أنا معاك في اللي عملته ولو كنت موجود كنت هعمل أكتر من كده بس إنت في مكان مهم وحوليك ناس مهمين فبالتالي هيتاخد عنك أفكار وحشة هتضرك في شغلك يا عُمران وبعدين أيه الفيلم اللي عملته على الراجل ده، أقنعتني من كلامك إنك عايز تكون انت الشريك وفجأة قولت على عمي!!
_عشان أنا مش فاضي لادارة مشروع ضخم زي ده بالرغم من إن أرباحه وهمية ومضمونة، وكمان عايز أرد جزء من جمايل عمك علينا يا علي.
ابتسم وهو يجيبه باحترامٍ:
_فخور بيك وبالرغم من إنك الصغير بس ساعات بتعمل حركات بتكبرك في عيني.. بس مش في كل الاوقات لما الطاووس، الوقح بيحضر مبيحضرنيش أي احساس غير الغضب.
ضحك وهو يخبره:
_خلاص هطفشه ولا تزعل يا دكترة!
_طيب اقفل يلا واتحرك عشان فاطمة ترتاح.
_حاضر... سلام.
وأغلق هاتفه ثم ناوله لفاطمة وقاد عائدًا للمنزل بلهفة اللقاء بعمه وإجباره بالمشروع الذي سيعد له دجاجة تبيض ذهب.
*******
بمنتصف الليل عاد آدهم لمنزله ظنًا من أن والده قد خلد للنوم، فلا يريد أن يواجهه الآن، يعلم بأنه سيتألم إن رأه حزينًا.
فما كاد بصعوده الدرج حتى اتاه صوت أبيه من خلفه:
_هتقاطع أبوك يا عمر! خلاص قلبك قسى عليا!
سحب نفسًا طويلًا قبل أن يستدير له، فهبط إليه واقترب لينحني مقبلًا يديه وهو يردد بحزنٍ:
_عمري ما أقدر أقسى عليك يا حبيبي.. هو أنا ليا مين في الدنيا غيرك!
انهمرت دمعات مصطفى بتأثرٍ وقال ببكاء:
_حقك عليا يابني.. أنا حتى مخترتش الوقت الصح اللي أقولك فيه الحقيقة، على الأقل كنت رعيت وجود مراتك وأخوها.. هيقولوا أيه لما يلاقوك كده.
ابتسم رغم ارهاق ملامحه واحمرار عينيه:
_أنا كويس.. مفيش فيا حاجة.
ضم وجنته بيده وقال بلهفة وخوف:
_سامحتني يا عمر؟
ضعف قبالته وغزت دمعته الغالية وجنته، فتحرر صوته المحتقن:
_مش مهم أنا.. المهم هو يسامحك يا بابا.
احنى رأسه للأسفل وانفجر بالبكاء، وبكل يأس حمله جذب كف ابنه يقبله وهو يصيح بتذلل:
_أبوس ايدك يا عمر تجمعني بيه قبل ما أموت.. عايزه يسامحني يابني حتى لو هتذلل وأبوس رجليه.
جذب كفه بصدمة من فعل أبيه وصاح بألمٍ:
_بتعمل أيه بس!! حرام عليك تزيد في وجعي.. أنا معاك وهساعدك عشان أنا كمان محتاجله ولو رفض يسامحك أنا اللي هتذلل ليه لكن إنت لأ يا بابا.. إنت غالي ومكانتك بالنسبالي فوق أي حد حتى لو كنت غلطان.
احتضنه مصطفى بحبٍ وردد ببكاء:
_مخرجتش من الدنيا دي غير بيك إنت يا عمر.. إنت كنزي وابني الصالح اللي متأكد إنك هتكون بار بيا بعد وفاتي.
قبل كف يده باحترامٍ وحب:
_بعد الشر عليك... ربنا يجعل يومي قبل يومك.
أزاح آدهم دموع أبيه وارتفع بجسده يطبع قبلة على رأسه، ثم دفع مقعده لغرفة المكتب لضمان عدم سماع أحدٌ حديثهما، وما أن ولج للداخل حتى سحب مقعدًا خشبيًا وجلس قبالته يسأله بكل ذرة اهتمام:
_قولي كل اللي تعرفه عنه.. أي معلومة صغيرة هتفيدني... ومتخافش عليا أنا جاهز لسماع أي شيء، بس المهم تقولي الحقيقة عشان أقدر أساعدك... قولي أخويا فين؟!
............ يتبع...........
#صرخات_أنثى.... #حبيبتي_العبرية!
#آية_محمد_رفعت..
التفاعل والتصويت على الواتباد رجاءًا، نساهم يا جماعه في نجاح وانتشار الرواية كتقدير بسيط ليا، وشكرًا مقدمًا... ❤
*******____________*******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثاني وستون 62 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الحادي_والخمسون.
(إهداء الفصل مميز للقارئة الغالية "منة أشرف" بعدما اكتشفت صلة القرابة بيننا، أشكرك من قلبي على حسن متابعتك ❤، والجميلة "آروى سمير" بمناسبة عيد ميلادها كل عام وأنتِ أقرب إلى الله عز وجل، كل عامٍ وأنتِ في زحامٍ من النعم، كل عامٍ والسعادة وراحة البال تحيط بكِ.. أحبكما في الله ♥)
ما أبشع أن يختبر المرء مرارة فقدان الثقة، وبالأخص حينما تمنحها لأكثر إنسانًا لم تتوقع منه الغدر، وها هو الآن قد أُصيب في مقتلٍ حينما طعنته زوجته بكل ما أوتيت من قوةٍ، في كل مرة كانت تضربه بكفها على قلبه النابض وتلك المرةٍ لم تكن رحيمة فانهت أمره بخنجرٍ تركته معلقًا بصدره، لا ينتهي عذابه بزجه للداخل ولا بسحبه للخارج!
ربما تختبر قلة من النساء أحاسيس الغيرة والحقد حينما يتحدث زوجها عن امرأة أخرى في وجودها،ولكن الذي اختبره كان نادرًا ومخيفًا لدرجة تحدت رجولته! زوجته الفاضلة تقف قبالته تخبره بكل جراءة عن مميزات صديقه وقوام جسده العضلي الممشوق!! أي وجعًا يضاهيه الإن.
صف جمال سيارته قبالة المركز الطبي الخاص ب"علي الغرباوي"، ومال للأمام بجسده يعتصره جفونه بقوةٍ عنيفة، لم يكن يومًا ذلك الشاب المرفه، ترعرع بأسرة متوسطة الحال، حيث كد أبيه عناءًا ليدخله الثانوية العامة، بينما أتى دور والدته العظيمة فقامت ببيبع ذهبها بأكمله لتحقق حُلم ابنها بالسفر إلى انجلترا ومتابعة الدراسة في آحدى الجامعات الانجليزية.
يتذكر بوضوح انها كانت ترسل له من مال ميراثها الذي حرمه أبيه أن يُصرف بمنزله، فاحتفظت به بحسابٍ بنكي، وحينما احتاج ابنها للمال لم تتردد أبدًا بتحويل الاموال له شهريًا، لذا حينما تخرج من الكليةٍ لم ينسى جميلها عليه فيعمل بجدٍ واجتهادًا ليرسل لها كل شهرٍ مبلغ كبير يساهم في تعليم أشقائه وزواج شقيقاته، حتى وإن اضطر أن يُقصر بمصروفاته الشخصية ولكنه لم يبالي.
وفوق كل ذلك أضاف لذاته حملًا بسرعة زواجه ممن أحبها واختارها قلبه، وبعدها عاد للندن للعمل لأجلها، فلقد ازدادت مسؤولياته بشكل عجزه كليًا، فأتت تزيد وجعه وتطالبه بالسفر إليه بإلحاحٍ شديد، لذا رضخ لها وأمن لها مسكنًا يليق بها ورتب أمره.
اتبعه أمر مرض والدته وغيرها من العوائق التي أثرت على شكله بطريقة جذرية، ربما أهمل ذاته وسط همومه وما يتحمله على عاتقه، إنما هو شابًا قد تغلب عليه العمر لمشقته فبدى شاحبًا كمن يجاهد لأخر أنفاسه وفوق كل ذلك ضربته بمقتلٍ جعله ينهار وهو يشعر بأنه لن يستطيع أن يحتمل أكثر من ذلك.
ألقى جمال هاتفه بتبلو السيارة بعدما وصل عدد رنين مكالماتها للحادي والأربعون، وهبط من السيارة يصعد لغرفة والدته، فلقد تعمد أن يأتي متأخرًا حتى تكون قد غفت، لا يريدها أن تشعر بما يعانيه، يكفيها مرضها فلن يزيد فوق تعبها تعبًا.
ولج للداخل فتفاجئ بوجودها بالداخل، تركض إليه بأعينٍ منتفخة وصوتًا مبحوح:
_جمال أنا آسفة حقك عليا أنا آ...
رفع كفه أمام وجهها وعينيه تتابع والدته النائمة بسلامٍ، فسحبها لخارج الغرفة وصرخ بها:
_أيه اللي جابك هنا؟
قالت ببكاءٍ وهي تتمسك بذراعيه:
_بكلمك مش بترد عليا ولحد دلوقتي مرجعتش البيت، أنا غلطانه أرجوك سامحني أنا آ..
قاطعها بعصبية بالغة:
_مش عايز أسمع حاجة، ولا عايز أشوف وشك، ارجعي الشقة ويفضل متورنيش وشك خالص، تجاهليني قد ما تقدري.
وتابع بقسوةٍ استحقتها بكل جدارة:
_أمي خارجه بكره من المستسفى الاسبوع اللي هتقعده معاكي في البيت لو حست بحاجة هخلي عيشتك كلها سواد، ابقي اعملي ما بدالك لما ترجع مصر وزي ما قولتلك أول ما تولدي هننفصل وكل واحد يروح لطريقه.
كانت تظنه نطقها لمرته الاولى لشدة عصبيته، والآن يكرر لها نفس الجملة باصرارٍ زاد من بكائها وحسرتها، فقالت بعويل:
_أنا آسفة.. متعملش فيا كده يا جمال أنا عارفة اني آ...
سحب كفه من يدها صارخًا بشراسةٍ:
_إنك أيـــه!! إنتِ أجبرتيني أمد إيدي عليكي ولولا اللي في بطنك كنت هدفنك مكانك!! هستنى أيه تاني لما اعملها فعلًا المرة الجاية!!
أمسكت يده مجددًا بعدما سحبه منها، ورددت بهمسٍ تابع لبحة نبرتها:
_سامحني عشان خاطري، أنا كنت بستفزك عشان تهتم بنفسك وبيا أكتر من كده.
ابتسم بوجعٍ وردد بكرهٍ شديد:
_عارفة كل ما بتبرري وتتكلمي بكرهك أكتر، أمي قايمة من عملية موت وأبويا في مصر مش قادر على مصاريف اخواتي، وأنا مطلوب مني أجهز أختي في أقل من أربع شهور، غير مصاريف ولادتك وايجار الشقة ومسؤوليات ملهاش أول من أخر وانتي عايزاني اسيب كل ده وأنزل أشتري لبس وأتشيك واللي يموت يموت ومفكرش فيكي وفي اللي في بطنك وأهلي!
وتردد صوته المتعصب بجنون:
_إنتي كل مرة بتثبتيلي إنك أسوء اختيار أنا اختارته في حياتي، غلطة ومحتاج أصلحها عشان كده إنتي من اللحظة دي بره حياتي.
وبكل جمودٍ قال:
_إنتي طالـــق يا صبا... طـــالق!
هزت رأسها ترفض ما يقول وكأنه حلمًا سيئًا لا تود استكماله، فابتسم بوجعٍ مردفًا:
_بحررك من ارتباطك بشخص أناني مش حاسس بمشاعرك ولا قادر يملى عينك، يمكن ربنا يعوضك بشخص ابن ناس معاه فلوس ويقدر يكونلك بالشكل اللي تحبيه.
واتجه للخروج أمام عينيها قاصدًا سيارته، بينما جلست هي على أقرب مقعد انتظار قابلها، تتطلع للباب الذي خرج منه بعدم تصديق، لقد خسرته بالفعل! خسرت من أحبته ولم يشهد منها سوى الغلظة وعدم الرضا لابسط ما يفعله لأجلها، حررت عنها للدموع بانكسارٍ ومسدت على بطنها المنتفخ بقلة حيلة، وكأنها تطالب جنينها بأن يسامحها لأنها فرقت عائلته من قبل حتى أن يُخلق!
*****
وجد ذاته أمام عمارة شقته القديمة التي اشتراها هو وعُمران ويوسف أيام الجامعة، ويسكنها الآن سيف، صعد للأعلى وطرق الباب حتى فتحه سيف يتطلع له بدهشةٍ، ويوزع نظراته بينه وبين ساعة يده قائلًا بصوتٍ متحشرج من آثار النوم:
_جمال! أيه اللي جابك بالوقت المتأخر ده!
ولج للداخل ينزع عنه جاكيته ورابطة عنقه:
_مفيش يا سيف هبات هنا النهارده لو مش هزعجك.
رفع احد حاجبيه بذهولٍ:
_تزعجني أيه دي شقتك ولا نسيت!
منحه ابتسامة هادئة وإتبع طريقه لغرفته، فتمدد على الفراش بارهاقٍ تام.
وقف سيف بالخارج حائرًا، لا يعلم أيهاتف أخيه يخبره بأمر صديقه الذي يبدو بأنه ليس على ما يرام أم يدخل هو إليه يعلم ما أصابه.
وبالفعل ولج لغرفته يطرق على الباب المفتوح على مصرعيه، ففتح جمال عينيه وأشار:
_تعالى يا سيف.
دخل يقترب من السرير وبتوترٍ قال:
_إنت كويس؟ شكلك تعبان ومرهق.. تحب أتصل بيوسف؟
استند على مرفقه وقال:
_مفيش داعي أنا كويس بس عايز أنام.
منحه ابتسامة جذابة وعرض عليه:
_طيب أيه رأيك أعملك عشا سريع؟
قدر لطف عرضه وقال باحترام:
_تسلم يا دكتور أنا أكلت من بدري.
هز كتفيه بقلةٍ حيلة من تقديم شيئًا له
_طيب أسيبك تنام.. تصبح على خير.
وإتجه سيف لغرفته يكظم أفكاره السوداوية، هو يعلم بأن جمال لا يأتي إلى هنا الا وبينه وبين زوجته مشكلة جادة، لذا حزم أمره وجذب هاتفه يهاتف الاولى والأحق بعلمه، فأتاه صوته الناعس:
_دكتور سيڤو حقنة بيتصل بيا يا ولاد!!!
_بقى أنا طالع عيني في المذاكرة عشان أكون دكتور محترم تيجي إنت وتتريق عليا على أخر الزمن!
ضحك عُمران وهتف ساخرًا:
_متزعلش يا دكتور يا محترم حقك عليا، خلينا بقى في المهم إنت عمرك ما كلمتني بالموبيل غير مرتين تلاته وكانوا اعلان لمصايب فقولي بقى أي مصيبة أتت بك للوقح!
سيطر على انفعالاته بصعوبة وقال:
_صاحبك هنا وشكله المرادي اتخاتق بضمير، جاي منظره مش طبيعي خالص.
_مين؟ تقصد جمال؟
_بالظبط مهو أكيد مش يوسف يعني، مع إني حاسس إنه هيعملها قريب بسبب اللي دكتورة ليلى بتعمله فيه، تخيل بيغسل المواعين ليل نهار وقايم بشغل البيت قبل وبعد العيادة
_أووف.. انا كنت شاكك في جمال من البداية، أما يوسف فيستاهل بصراحه خليه يجرب يتعامل بقى بدل ما هو ناصف الستات علينا وخلاهم يتدلعوا!
ضحك سيف وردد بشماتة:
_البشمهندسة مايا شكلها قايمة بواجبها معاك!
ردد ببرود:
_قايمة طبعًا وزي ما أنا بردو هقوم بواجبي معاك وهقولك حالًا معندناش بنات للجواز.
_حبيبي إنت لو عايزني أعرم نفسي عند أخويا وأوسخ كل الأطباق عنيا متأخرش عنك أبدًا يابو نسب.
_عجبني إنك خوفت واحترمت لسانك، روح نام والصبح نشوف حوار جيمس ده... تصبح على خير يا سيفو!
اغلق سيف الهاتف واتجه لفراشه هامسًا بضيقٍ:
_طاووس وقح بصحيح!!
********
جفى النوم عين آيوب، فكان يراقب يونس بنظراتٍ حنونة، يخشى أن يتقلب بفراشه فيزعج الأخر بمنامته، فما أن ارتمى يُونس على فراشه استعوذ النوم عليه بسلطانٍ مسيطر، وكأنه لم يحظى به منذ قرونٍ!
انتفض آيوب فزعًا على صوت جرس الباب الذي إنطلق كالمدفع دون فاصل، وبذات الوقت تصطحبه صوت طرقات على باب المنزل، لوهلةٍ شعر بأن الطارق المختل ذلك سيحطم الباب من قوة دفعته، خمن بأنهم الشرطة فلا طارق بتلك الطريقة الا شرطيًا يود الاعتكاف بمجرمه قبل الفرار، ولكن تخمينًا أخر احتلج رأسه، بالطبع سيكون المصارع الضخم ومن غيره!
أسرع آيوب لباب المنزل يحرره قبل أن يستيقظ يونس، ليندفع في وجه الاخير بنزقٍ:
_أيـــــــــه ما صدقت تمرن إيدك ورجلك فملقتش غير باب بيتنا!!!
أزاحه "إيثان" عن طريقه واندفع للداخل يردد بصوتٍ مبحوح من فرط الفرحة والبكاء وعدم التصديق:
_الشيخ مهران قالي إن يُونس طلع... هو فيـــــــن؟
أغلق آيوب الباب من خلفه وصاح بعصبية وهو يفرك ذراعه من قوة قبضة إيثان القوية:
_يا أخي خد نفسك وراعي فرق الاحجام بينك وبين مخاليق ربنا... إنت مكانك مش وسطنا في الحارة مكانك في الادغال!
جذبه من تلباب ملابسه بعنفٍ:
_لو مش عايز تسافرها حالًا تقولي هو في إنهي أوضة؟؟
_أنا هنا يا إيثان!
قالها من يغلق أزرار قميصه بحرصٍ من الا يرى أحدٌ جروحه، فاستدار إيثان تجاه صوته وهرع إليه يحتضنه ببكاء وعويل طفلًا لا يتخطى الخمسة أعوام، مرددًا بانهيارٍ:
_ياااه يا يونس.. فقدت الأمل إنك هترجع تقف قدامي من تاني، أنا كنت من غيرك تايه ومش لاقيك في أي حد من اللي حواليا حتى أهلي يا يونس حتى أهلي!!!!!
مرر يده على ظهره بحنانٍ وشوق، وقال بحزنٍ:
_وإنت كمان وحشتني أوي يا إيثان، وكنت مفتقدك جدًا، حتى لما ظهرلي آدهم باشا وشوفت طيبته وجدعنته جيت في بالي على طول.
استقام قبالته ليتمعن من ملامحه بوضوحٍ، فتقهقهرت سعادته فور أن لاحظ جروحه الغائرة، فلمس خده الأيسر وتساءل بغضب:
_هما اللي عملوا فيك كده؟
أبعد يونس يده برفقٍ وحافظ على ابتسامته التي كادت بالتلاشى:
_متشغلش بالك إنت.. تعالى إقعد واحكيلي ليه سبت الجيم وشغلك عشان تدير محلاتي.
كاد إيثان باتبعه للأريكة التي سبقه إليها يُونس، ولكن كان آيوب الأسرع منه حينما أوقفه صائحًا بغضب:
_يقعد فين الساعه داخلة على 3 الفجر، اتكل يا عم وبكره تعالى اقرفنا! أقصد اتكلم مع يونس!
منحه نظرة شرسة ومال إليه يهمس بصوت منخفض للغاية:
_تحب أبلغ يونس بالخواجاية؟
فرد ذراعه مرحبًا:
_حبيبي يا إيثو اتقضل.. ده البيت بيتك يا راجل هو إنت غريب! ما أنت ياما حشرت نفسك وسطينا وجمعنا نفس السرير والاوضة وياما بردو عزمت نفسك بذات نفسك ولا هامك أي حد... سا راجل ده أنا بشوفك في بيتنا أكتر ما بشوفك في بيتك إنت شخصيًا!
ابتسم برضا تام لتحوله الملحوظ، واتجه بخطواتٍ واثقة مختارة حتى وصل جوار يونس، مشيرًا لآيوب بعنجهيةٍ:
_اعملي أنا ويونس فنجانين قهوة عشان هنحكي للصبح يا بشمهندس.
منحه نظرة نارية وقبل أن يطلق حديثًا مستشيط منه وجدها يحذره بنظرة تهديد فقال من بين اصطكاك أسنانه:
_محوجة ولا سادة على روحك!
اتسعت ابتسامته الباردة:
_لا مظبوطة يا حبيبي.. وياريت تفرد وشك شوية بدل ما يكش زي عضلاتك اللي اختفت من ساعة ما سافرت لندن، مكنتش بتدربها يا آيوب!
زفر بنفورٍ تام لأصعب شق بسفره إلى هنا، هذا الإيثان لا يترك رجلًا بحارته الا وجذبه عنوة للجسم الرياضي واقناعه بممارسة الرياضة ليحظو بجسدٍ مثالي، وليحمسهم كان يخصص يومين بالاسبوع باشتراك مجاني وكأنه رئيس الحي الذي يحرص على سلامة وصحة المواطنين ومن بين هؤلاء الفئة كان النصيب الأكبر ليونس وآيوب، فلقد أحاطهما إيثان باهتمامٍ مضاعف أرهق أبدانهما والآن على وشك سحبهما لنفس المصير!
أفاق من شروده يصيح بانفعال مرتعب:
_مش فاضي يا إيثوو الامتحانات بقى ولازم أذاكر عقبال أملتك هسافر أخر الشهر.
وأستطرد مشيرًا لمن يجلس جواره:
_صاحبك عندك أهو طلع عليه عُقدك كلها.. حاولوا تتماشوا مع بعض ومتعملوش حسابي في الليلة دي!
ضحك يهتف باستهزاء:
_طلعت خرع يابن الشيخ مهران.
تجاهله وإتجه للمطبخ بصمتٍ، بعبث بالأكياس التي أحضرها سابقًا ليصنع كوبين من القهوةٍ، بينما بالخارج كسر إيثان الصمت المتطرف بينهما وقال بعزيمةٍ وتهور:
_قولي يا يونس ناوي تعمل أيه عشان ترجع حقك، تأكد إني معاك وكتفي بكتفك لحد ما حقك يرجع قدام الحارة كلها.
مال برأسه على حافةٍ الأريكة بتعبٍ نفسي يفوق وجع جسده:
_بعدين يا إيثان.. بعدين نتكلم.
احتدت عينيه الخضراء واختفت جمالها ليبرز عاصفته الهائجة:
_بعدين ازاي!!! أنا مبنامش ليل ولا نهار بفكر في اليوم اللي هتخرج فيه وأساعدك تنتقم من معتز الكلب ده هو والخاينة اللي طعنتك في دهرك.. متخافش يا يونس مش هعمل حاجة تدينك ولا ترجعك السجن أنا أعرف عيال عندي في الجيم عاملين زي عفاريت الليل هيجيبولك حقك مخلص.
رفع فيروزته الباهته إليه وردد بحشرجة ذبحت حنجرته:
_وتفتكر إني مقدرش أعمل كده! دي أسهل حاجة ممكن اعملها أجر ناس شمال تجبلي حقي وأنا براءة قدام الحكومة والناس بس ده مش اللي أنا عايزه يا إيثان، أنا عايز أكسرهم الآتنين وأنا عيني في عينهم!
هز رأسه بحماس وربت على ساقه بقوةٍ:
_يحصل يا صاحبي، اللي تؤمر بيه يحصل لحد ما النار اللي جواك دي تبرد وتنطفي.
ابتسم بسخرية ملأها الألم:
_عمرها ما هتنطفي يا إيثان.
عاد الحزن يتوغل بخضرته، فمال إليه وهو يراقب آيوب المنشغل بسكب القهوة:
_احكيلي يا يونس عملوا فيك أيه ولاد ال*** دول.
أغلق عينيه بعنفٍ يعتصر جميع ذكرياته داخله ليحشدها عن الظهور لمجرد سماعه سؤال رفيقه، أطلق تنهيدته وترك حديثه المؤلم هذا حينما قال بثباتٍ مخادع:
_مقولتليش ليه سبت حالك ومالك ونزلت محلاتي،ورافض ليه تأخد نص الأرباح زي ما عرض عليك عم الشيخ؟
برق بحدقتيه بصدمة جعلت يونس يشعر وكأنه لقمه بسكين حاد:
_أنا ممسكتش مكانك عشان أقاسمك في تعبك وشقاك يا يونس، ثم إني لو كنت قاسمتك بالفلوس مكنتش كبرت المحلات ولا رأس مالك بالشكل ده.
_بس ده حقك وتعبك، واللي بسببه أهملت مالك وأكيد دخلك قل بسبب تفرغك الكامل للمحلات!!!
قالها يونس باندفاع يفوق غضب الاخير، فابتسم إيثان وقال ببساطةٍ تلقائية:
_لا متقلقش مستلفتش من حد ولا عندي اللي يطالبني بالمصروف، أنا لسه زي ما أنا عازب ومش ناوي أرتبط أساسًا فمعنديش حياة زوجية تطالبني بمصاريف، والموضوع مش زي ما أنت فاكر، أنا جبت للجيم مدربين وبيدخل دخل كويس على إيجار شقق العمارة بتاعتنا والدنيا ماشية وفل.
أنهى يونس حواره المستفيض حينما قال:
_إيثان من الأخر كده الفلوس اللي في البنك والمحلات لو مدخلتش معايا شريك فيهم مش واخد ولا مليم ولا نازل شغلي.
اتسعت مُقلتيه بذهولٍ وصدمة وصرخ منفعلًا:
_هو إنت خرجت ونسيت عقلك في الحبس ولا أيه، ده شغلك وتعبك والمحلاين ورثك من أبوك الله يرحمه، عايز تشاركني في أملاكك، يعني يا يونس لو أنا جرالي حاجة مش هتسد مكاني!! ده انا مش بأمن على أختي وأمي غير في وجودك، ولما بتحط في أي مصيبة بدخلها بقلب جامد إنك ورايا!
عاد يغلق عينيه بتعبٍ، وأنهى النقاش بحزمٍ:
_اللي عندي قولته.. ومتفتحش الحوار ده تاني على الأقل دلوقتي أنا مش قادر للمناهدة دي كفايا عليا آيوب!
وحينما تذكره اعتدل بجلسته وسأله باهتمامٍ:
_صحيح في أيه بينك وبينه لوي دراعه بيه ومخليه مطيع ليك على غير عادته!!
ابتسم بتفاخرٍ، وأحاط جسد الأريكة بكلتا ذراعيه واضعًا ساقًا فوق الاخرى:
_أسرار يا مُوهي.. والسر لو خرج من بينا ميبقاش سر يا مُوهي.
أزاح قدمه عن الاخرى هاتفًا بضيق:
_احترم نفسك يا إيثان وخف على الواد شوية مهوش حملك!
وضع آيوب الصينية على الطاولة بعنفٍ نثر بعضًا من القطرات على إيثان الذي ضم كفه بألمٍ بينما يصيح آيوب بنزقٍ:
_القهوة يا كابتن إيثو!
تجهمت معالمه غضبًا:
_مش قولتلك ألف مرة متقوليش أيثو دي تاني، أساسًا متنفعش بأي شكل جنب كلمة كابتن يا متخلف!!
أطلق أنفاسه بقلة حيلة وأشار ليونس الذي فضل متابعتهما بصمت لاعتياده على مثل تلك المشاحنات:
_شوف صاحبك اللي جاي يقرفنا الساعة 3 الفجر ده!!
ضحك إيثان مستهزءًا:
_بتشتكي لأخوكي الكبير مني يا بيضة!
استفزه بكلماته فاستهدفه بمقتل:
_خد بالك لو كترت بكلامك المستفز ده هتصلك بصاحبي يظبطك... آه مش عشان أكبر مني بكام سنة هتسوق فيها!
تابعهما يونس بمللٍ، فاسترخى بجلسته واستمع لهما بضجرٍ، فوجد إيثان يضحك بقوةٍ ويقول بسخريةٍ:
_صاحبك! وده هيمنعني من إنهي زواية.
استفزه بشكلٍ أباد جنونه، فجذب هاتفه وحرر زر الاتصال على "الطاووس الوقح" ، الذي أجابه بصوتٍ ناعس:
_آيوب خير... إنت كويس؟!
اندفعت كلماته بعصبيةٍ وعدم اتزان:
_عُمران إنت عارف إني طيب وماليش في جو التلات ورقات ده وآ..
_لخص يا آيوب قلقتني! إنت فين؟!
_اهدى يا عم الطاووس خليني أقولك الكلمتين.
ازى إيثان شفتيه بسخط وقال:
_بتشتكيني لمين يا بيضة؟
ونغز يونس المتفرج بصمت:
_ما تقوم تشكم أختك وتشوفها بتكلم مين في نصاص الليالي!
احتقنت الدماء بأوردة آيوب، الذي لطالما شعر بالعجز من مجابهة هذا الإيثان ذات اللسان السليط فأتاه صوت الوقح المستمع للحوار قائلًا بسخرية:
_مين العربجي ده!
صُعق بشكلٍ كاد بإسقاطه عن الأريكة، حينما برزت ضحكة آيوب بتشفي وخاصة حينما بدأ عُمران بفهم مغزى مكالمة آيوب لعدم قدرته بصد هذا المزعج، فتابع بقوة:
_ماله بيك ده يا آيوب.. حبيبي أنا مش منبه عليك وإنت نازل لمصر وقولتلك متلعبش مع أولاد الشارع!! أخلاقك يا آيوب.. أخلاقك يا حبيبي!
تحررت ضحكة عالية منه استفزت إيثان الذي انتفض بوقفته يصيح بغضب:
_مين ده يا آيوب؟!
أجابه ببرود وهو يضع الهاتف قبالة وجهه ليكون الصوت مسموعًا رغم أن السماعة الخارجية تنقل صوته بشكلٍ واضح:
_صاحبي وأخويا زي علاقتك إنت وابن عمي كده، وزي ما يونس طيب ومالوش في حواراتك أنا الطيب في نفس العلاقة بس حظك بقى واقعك مع طاووسنا الوقح "عُمران سالم الغرباوي".
_حصلنا الرعب!! بس عشان الحارة نورها ميقفلش خليه ورا شاشة التليفون أحسن!
رد عُمران بثقةٍ:
_وإنت شايل الهم وزعلان ليه، كانوا بيسحبوا الكهربا من بيت مامي يا قمور!!
سقط آيوب أرضًا من فرط الضحك وردد بصعوبة بالحديث:
_احمد ربنا إنه مقالكش من بيت أمك!!!
ازدادت موجة غضب إيثان واستفزه هدوء يونس الذي لم يتأثر بما يدور حوله، فهزه بعنف:
_ما تشوف ابن عمك ده يا يُونس!! من كتر سكوتك الواد ساق فيها، بس وربي لأسحبه بكره الجيم عندي وأربيه
_إيدك تتمد عليه وأوعدك هكون على أول طايرة نازلة مصر بس ساعتها مش هتلاقي حضن حنين تعيط فيه.. ألا أمك عايشة ولا ميتة؟
أجابه آيوب ضاحكًا:
_لا عايشة يا عُمران.
_طمنتني إننا هنلاقي حد نرد عليه عمايله!
إيثان بانفعال:
_ترد على أمي ليه عيل صغير أنا!
_ده رأفة بيك إني بعاملك على إنك عيل وعقله فوت لكن لو عاملتك المعاملة التانية هتسبب بكسر فون آيوب والمسكين لسه ملحقش يتهنى بيه ومش بعيد تيجي هنا لندن تدور عليا ويبقى مدفنك هنا بعيد عن مامتك وإنت على ما أعتقد الحيلة.. مش كده ولا أيه يا حيلة أمك!!
اتسعت حدقتيه بدهشةٍ من ذلك الوقح، وردد بعدم استيعاب:
_ده من لندن ازاي!!
ضحك عُمران وأجابه:
_لا متقلقش أيام الجامعة كنت واخد كورس من صديق ليا من نزلة السمان، إنما أيه نفعني مع الاشكال الوقحة اللي زيك كده يا آ....
واستطرد بعجز:
_قولتلي إسمه أيه يا آيوب.
أتاه صوته الفرح يجيبه:
_إيثان... إيثوو!!
_أممم... وأيه يعرفك على أشكال زي دي يابن الشيخ مهران مش كنا عقلنا!
_ده صاحب ابن عمي مش تبعي، بس هو بيستغل الست سنين اللي بينا بشكل مستفز.
صاح إيثان بعصبية:
_ماشي يا آيوب.. هتنضرب يعني هتنضرب وشوف مين هيحوشك من إيدي!
_تضرب مين يا قمور! وحد الله واقعد في جنب عشان محطكش في دماغي وده أبشع مكان ممكن أحطك فيه، لأن قبل ما دراعي هيطولك كلابي هتقطعك على سنانها.
تحررت نوبة ضحك من آيوب الذي يراقب انعقاد ملامح إيثان بشماتة، فعلق على جملة "وحد الله" وقال:
_مسيحي هو يا عُمران.
_وماله يا حبيبي مسيحي مسلم المهم يقعد بأدبه!
جذب إيثان الهاتف من آيوب بقوة، هادرًا:
_وريني كده الاكونت بتاعه!
نجح بسحب الهاتف وفتح شاشة المكالمة، ومنها لحسابه الشخصي، فضحك عُمران وردد بوقاحةٍ:
_عايز تجمع معلومات عني يعني! ولا وقعت في غرامي وحابب تشوف شكلي!! بس خد بالك أنا بيوقع في غرامي ستات ورجالة عادي فخد بالك من قلبك لأسرقه يا قمور!
ابتسم يونس أخيرًا، بينما كان الذهول والاندهاش من نصيب إيثان الذي جلس برزانة على الأريكة يتطلع لحساب عُمران المتخطي للثلاثة مليون متابعًا، والذي بدى له من شخصه وصوره القيمة بأنه ليس شخصًا عاديًا، خمن بأن عمله مرتبط بالمنشئات الهندسية، وأكثر ما لفت انتباهه ذوقه الراقي وتنسيقه لملابسه بشكلٍ ملفت جعل فرحته بمشروع أحلامه يبرز فور رؤيته.
زفر عُمران بملل وقال:
_صوتك راح فين يا إيثو، بقالك نص ساعة جوه أكونتي أنا سايبك جوه بمزاجي عشان أعرف أجاريك بس!
وأخيرًا رفع عينيه لآيوب وأشار للهاتف بعدم تصديق:
_ده هو ده؟؟
هز رأسه كثيرًا، وأضاف مؤكدًا:
_أيوه، وإنت استفزيت النسخة الوقحة منه لما اتعديت على صاحبه مش كده ولا أيه يا عُمران؟
_حظه الأسود بقى... وسبحان الله أنا النهاردة مزاجي رايق ومستغرب إزاي هنام بالروقة دي!!
صاح إيثان بفضولٍ وكأنه تناسي حرب فنون الرد بينهما:
_هو (عارض أزياء.. Fashion model)؟
ضحك آيوب ونفى ذلك:
_مهندس أد الدنيا، وما شاء الله عنده أكتر من شركة بس هو كده عنده أناقة رهيبة في تنسيق هدومه بس إنت استسلمت من الخناقة وبتسأل عنه باهتمام كدليه.
صاح بحماسٍ:
_عشان ال butik(بوتيك) اللي بتمنى أفتحه، أعتقد إني وأخيرًا لقيت الشخص اللي هيساعدني وهيكون ال Destination of my products (وجهة منتجاتي!.) ، جسمه وشكله وذوقه باللبس ومكانته هتساعدني جدًا جدًا.
زفر عُمران بمللٍ وصاح:
_يا عم أيه نفورة الاحلام اللي طلعتلك من البروفيل بتاعي ده، أنا عارف إني عامل محمس ومحفز لأشكال ضايعة كتيرة بس مش لدرجة إنك تتخيليني هقبل ألبس من ماركاتك وأتصور بيهم لوجهة البوتيك بتاعك، لإن أولًا أنا مش بلبس على مزاج حد وصعب ذوقك أيًا كان يرضيني، ثانيًا مش فاضي للكلام ده أنا المسؤول الأول عن مشروعات شركاتي، ثالثًا وده الأهم أنا في لندن وانت في مصر هنعملها ازاي مش عارف، رابعًا صعب أساعدك وإنت مزعل آيوب وأنا اللي يزعله أظرف أمه قلم يخليه يلف حولين نفسه لحد ما أظرفه القلم التاني!
جذب آيوب الهاتف منه وقال بامتنان:
_صدق بالله بالرغم من اعتراضي على طريقتك وأنا في لندن لما جيت هنا وقابلت الكائن ده افتقدت لطريقتك وأنا عارف آنها اللي هتنفع مع إيثان.
وبجدية قال:
_بص يا عُمران.. إيثان ده صديق الطفولة المشترك بيني أنا وابن عمي، هو مدرب كمال أجسام وعنده جيم كبير، ومن واحنا عيال صغيرين عنده حلم آنه يكون محل ملابس رجالي فخم، ومحتفظ بفلوس سابهاله أبوه الله يرحمه من فترة كبيرة عشان ينفذ الحلم ده فكون إنه اختارك أنت تساعده فهو لاقى اللي مكنش لقيه هنا وسطينا ووسط شباب المنطقة فأنا عشمان إنك تساعده.
رد عليه بعقلانية بعدما بُددت موجة وقاحته وجنونه:
_مدام يخصك يا آيوب إعتبره من حبايبي، خليه يبعتلي add للأكونت وأنا هكلمه وهوصله بأكتر من براند كويس بتعامل معاهم ولما هنزل مصر عشانك يشرفني أزوره وأشوفه وش لوش.
جذب إيثان الهاتف وشكره بامتنان:
_شكرًا بجد.. هبعتلك أدد حالًا.. على فكرة أنا والواد آيوب بنهزر كده باستمرار بس لو من وراه منفعه هضطر أعمله باحترام للأسف.
ضحك عُمران وشاكسه:
_مش مضطر مجبور يا إيثو عشان فعلًا زعله بيفرق معايا.
ردد آيوب ببسمة جذابة:
_ده العشم يا طاووس.
إيثان باستغراب:
_طاووس أيه؟
_بنسميه في الشلة الطاووس الوقح، وعلى فكرة مغرور أوي أوي.
_أممم شكلي مش هقلب على إيثان ده لوحده هقلب عليك إنت كمان يا آيوب... اقفل يالا عايز أكمل نوم ولو احتاجت حاجة كلمني.
_تصبح على خير.
********
أغلق عُمران هاتفه وخرج من جناحه للأسفل، فلقد أيقن أنه من المحال النوم بسبب أصدقائه،يشعر وكأنه ملزوم منهم وكأنه أبيهم مع إنه الوحيد الذي لا يصلح لهذا الدور، خرج للحديقة يجلس على المقاعد الخارجية، يحاول الوصول لعمه الذي تأخر بعودته كثيرًا، أشغل ذاته بقراءة وارده اليومي على الهاتف بصوته العذب، إلى أن استمع بوق سيارة أحمد، وجده يسلم السيارة لأحد الحراس ويتجه للداخل بتعبٍ، فصاح بنبرة مضحكة:
_ما بدري يا بشمهندس، كنت خليتك للصبح بدل البهدالة دي يا راجل!
استدار أحمد للخلف فتفاجئ بمن يقف أمامه، وردظ بذهولٍ:
_عُمران أيه اللي مصحيك لحد دلوقتي؟
صعد الدرج القصير إليه قائلًا بسخرية:
_مستنيك! تقدر تفهمني بقى أيه اللي مرجعك وش الصبح، كنت فين يا ولد؟
زفر باحباطٍ من مشاغبة ذلك الوقح، وقال:
_عُمران أنا راجع مرهق وتعبان وإنت مش هتبطل هزارك السخيف ده فاوعى من طريقي هطلع أريح ساعتين والصبح نشوف حوارك أيه!
كاد بالمرور من جواره ولكنه منع طريقه وقال بجدية:
_محتاج أتكلم مع حضرتك في حاجه.
نبرته الجادة جعلت احمد يشعر بالقلق، فسأله بخوف:
_احكيلي يا عُمران في أيه؟!
أشار بيده على مجلس الحديقة:
_ممكن نقعد.
أتجه للمجلس دون أي كلمة ولحق به عُمران، جلسوا قبالة بعضهما البعض، فبدأ بحديثه:
_حضرتك عارف بالمشروع اللي مسكته أنا وجمال.
هز رأسه يجيبه ببسمةٍ فخر:
_طبعًا والساحة كلها ملهاش سيرة غير عليه، وزي ما قولتلك قبل كده اني فخور بيك جدًا يا عُمران.
ابتسامة ممتنة شقت طريقها إليه وقال دون أن يماطل بحديثه:
_المشروع ده داخل فيه خمس شركاء كل واحد فيهم نازل بنسبة مختلفة بس أكبر شريكين هما دانيال وواحد كمان استبعد من المشاركة وأنا رشحت حضرتك مكانه والمفروض إنكم هتمضوا العقود بكره.
أسبل بجفنيه بعدم استيعاب لما قاله، فتحلى بالصمت يوازن جملته، لذا استغل عُمران صمته وقال يحمسه على تلك النقطة:
_عمي إنت سبق وقولتلي إنك تعبت من شغلنا ده ومحتاج نستريح ونستثمر فلوسك في شيء مريح ومضمون، وأظن مفيش أحسن من كده، مشروع بالضخامة دي أرباحه مضمونة وفوق الخيال.
هز رأسه بتأكيدٍ وقال:
_عارف.. المشروع ده أساسًا حديث كبار رجال الاعمال، وألف مين يتمنى يكون شريك فيه بس ليه أنا اللي ترشح إسمي يا عُمران؟ ليه مدخلتش إنت شريك بما إنك المسؤول عن تنفيذه؟
اجاباته كانت حاضرة، وكأنه توقع كل سؤالٍ سيُطرح عليه، فقال:
_لا انا ماليش في الادارة، أنا حابب مكاني والاسم اللي عملته، وبسعى إني احافظ على المستوى اللي وصلتله فمش ناوي أسيب المجال أبدًا، إنت المناسب ليه يا عمي..
ومال للأمام بجسده متسائلًا باهتمامْ:
_ها قولت أيه؟
رد بتوترٍ وارتباك لتلك الخطوة:
_أكيد مشروع ضخم زي ده محتاج مبلغ كبير!
أجابه بهدوءٍ:
_مية مليون دولار
أوضح له بعقلانية:
_عرض زي ده عمري ما كنت هرفضه ومقدر مجهودك واختيارك ليا جدًا يا عُمران، بس انا معيش المبلغ ده حاليًا تقريبًا معايا نصه، ما أنت عارف فلوسي كلها في السوق ومحتاج وقت عشان أقدر أجمعها!
ابتسم وهو يخرج من جيب بنطال بيجامته ورقة مطوية بعنايةٍ وقدمها إليه:
_اتفضل يا عمي.
التقط منه الورقة يتفحصها بدهشةٍ:
_ده أيه؟!
أجابه بقلقٍ من ردة فعله:
_شيك بالمبلغ.
واستطرد مسرعًا:
_وقبل ما تتنرفز ده سلفة لحد ما تلم فلوسك وترتب أمورك براحة راحتك، المهم نلحق المشروع ده ونوقع العقود بكره صدقني الموضوع يستاهل.
وضع أحمد الشيك بمنتصف الطاولة، وعاد بجسده للخلف مربعًا ذراعيه أمام صدره، ونظرات الشك تطوف بذلك المرتبك:
_ده انت مخطط ومجهز كل حاجة بقى! أفهم من ده كله أيه يا عُمران؟
ليس بالأحمق ليشك بذكاء عمه الذي تربى على يديه، فلم يجد الا طريق الصدق ليصل لهدفه:
_بحاول أرد جزء من جمايلك عليا يا عمي.
اندهش أحمد من سماع ما قال، وسأله:
_جمايل أيه؟
ابتسم بسخريةٍ، وواجهه:
_ترشيحك لاسم شريكتي في بدايتها، العملاء اللي كنت بتبعتهم ليا، كل حاجة كنت بتعملها في الخفى لحد ما ابتديت طريقي، أنا وصلت للي أنا فيه بفضل الله ثم بيك.
ارتبك أحمد، ظن أن ما فعله لم يعلم به عُمران، فقال بضيق:
_إنت وصلت لهنا بفضل مجهودك مش بفضل حد يا عُمران.. أنا آه اديتك الفرصة بس أنت كنت قداها وبعد كده بقى إسمك اللي مطلوب والكل بيتمنى يشتغل معاه.
ونقل بصره للشيك هاتفًا بحزنٍ:
_ولو فاكر إنك هتدفعلي تمن حناني وحبي ومساندتي لابني يبقي هتكون السبب في وجعي وحزني، لإني مش هقبل بده أبدًا.
انكمشت تعابيره بشكلٍ ملحوظ، فصرف عنه عُمران الراقي المبجل، وحان دور الطاووس الوقح للظهور، فاستقام بوقفته مسقطًا المقعد من خلفه وبكل خبثٍ صاح:
_ماشي يا عمي، زي ما تحب أرفض المشروع وطلعني عيل قدام دانيال وقدام المساهمين، أقولك انا هنسحب من المشروع ده أحسن.
وجذب الشيك واتجه للاعلى بعصبية مصطنعة، وقبل أن يخطو بقدمه للدرج، استدار يهدده بوقاحة:
_وزي ما جوزتك فيري هقدر أخليها تخلعك!
واسترسل بخشونة مضحكة:
_نتقابل بقى في محكمة الأسرة يا أحمد يا غرباوي ومن غير تصبح على خير.
مال برأسه يستند على يديه المعقودة وهو يهز رأسه بقلة حيلة أمام هذا العنيد، فزفر انفاسه بصوتٍ مسموع وردد باستسلام:
_هات الشيك وتعالى يا عُمران.. أنا عارف إن دماغك دي دماغ صعايدة واللي عايزه هتمشيه.. فبلاش مناهدة ووجع قلب.
هرع راكضًا إليه يجلس محله ببسمة واسعة:
_بجد هتيجي مكتبي توقع العقود؟
لاحت على شفتيه ابتسامة جذابة وقال:
_والله العظيم أنت طفل!! هاجي وهوقع لما أشوف أخرتها معاك مهو بيقولك في كل جوازة هتلاقي عمل أسود أهو إنت العمل الاسود اللي طالعلي!!
وسحب الشيك واستقام يردد بضجر:
_أروح انام بقى ولا لسه في خطط هتلبسهالي تاني؟
وضع ساقًا فوق الاخرى بعنجهيةٍ:
_حاليًا لأ مفيش، الله أعلم بعدين في أيه عمومًا عدي علينا بكره يمكن يكون في جديد!
مسح وجهه بتنهيدة مغتاظة، فوجد أن أسلم حل الرحيل من امام سليط اللسان هذا، فاتجه للمصعد وهو يبتسم بحبٍ وفخر بشخصية عُمران التي لطالما كانت محيرة وغامضة للجميع حتى عائلته!
******
نظرات الخوف كانت تملأ حدقتيه، يخشى أن يبتعد عنه ابنه حينما يستمع لما سيقول، يخشى أن يسقط من نظره أكثر من ذلك.
كظابط مخابرات محترف قرأ الخوف القابع داخل عينيه، فكان مقروء له بوضوحٍ، فقال ويده تضم كفه الموضوع على ساقيه ومازال آدهم ينحني بجلسته ليكون قبالة أبيه:
_بابا إتكلم أنا وعدتك إني هتقبل اللي هتقوله ومش هزعل منه، أرجوك أتكلم عشان أقدر أساعدك.
رفع مصطفى عينيه الدامعة إليه وقال بصوتٍ احتقن من كبت البكاء:
_لما عرفت انها حامل مرضتش أخليها تنزله، خوفت أشيل ذنب زي ده، فكانت بتابع في مستشفى خاصة وكل مرة كنت بروح معاها، لما شوفته على الجهاز اتعلقت بيه وحبيته ده مهما كان ابني وحتة مني، الدكتور وقتها كان محدد لينا أيام نتابع فيها كل 10أيام لإن حالتها كانت تعبانه جدًا وبتعاني من أمراض مزمنة مصاحبة حملها، بس هو أكدلنا إنها هتكون كويسة بعد الولادة.
وازدرد ريقه وهو يسترسل:
_كل مرة كنا بنروح هناك كانت بتقعد مع واحدة ست كانت معاد كشفها مع معادها، اتصاحبت عليها وحبوا بعض جدا، كنت كل ما بروح معاها الكشف كانت بتسبني وتروح تقعد معاها وأنا كنت بقعد مع جوزها، كان راجل طيب وحبيته أنا كمان، لدرجة إن كل مرة كنا بنروح بدري عشان نلحق نقعد معاهم..
ورفع عينيه يدقق بابنه المستمع بصمتٍ وقال:
_لحد معاد الولادة، كنت قاعد بره بفكر في اللي هيحصل لما والدتك تعرف بخبر جوازي لإن مهما كان الموضوع مستور ومخفي هيجي اليوم اللي، هيتكشف للنور، كنت بخطط لحياتي بعد كده هتكون ازاي وفي رقبتي ابن من واحدة جوازي منها مش معروف، بفكر في شكل عيشتنا بعد كده وفي الولد اللي جاي ومالوش ذنب في أي حاجة ده، وفجأة من وسط كل ده يخرجلي الدكتور ويديني الولد ويقولي البقاء لله... الدنيا وقفت من حوليا يابني وحسيت بعجز، عجز لمس جسمي وعقلي وروحي، قعدت وانا بين ايديا طفل مولود لا حول ليه ولا قوة.
بكى بضعف وانهيار، فمسح آدهم دموعه وحثه على الاستكمال:
_كمل يا بابا وبعدين؟
قال ببكاء شق صدر آدهم وهو يرى أبيه الصامد يبكي كطفلًا صغيرًا يخشى عقاب أبيه المستمع لجرائمه:
_كنت عاجز يا عمر ما بينك وما بينه، مكنتش عارف اختار بينكم، لو رجعت لأمك وحكيتلها كانت هتطلب الطلاق ومستحيل تكمل معايا، لانها بتكره الخيانة والكدب، وما بين اختياري اختارتك إنت يابني... أنا حتى مبصتش ليه لاني خوفت اتعلق بيه!
ربت على كف يده وشجعه وقلبه هو الذي يئن ليس أبيه:
_طيب وبعدين عملت بيه أيه؟
أزاح دموعه وقال:
_كنت بفكر أوديه ملجئ بس وأنا قاعد سمعت اتنين من الممرضين بيتكلموا عن الحالة اللي دخلت العمليات وكانت هي نفسها الست اللي كانت مراتي بتحب تقعد معاها، عرفت انها خلفت وحالتها صعبة وإن جوزها من زعله عليها مش قادر يصلب طوله، وقالت أنه صعبان عليها لان الحمل ده ربنا رزقهم بيه بعد عشرين سنة جواز،
فجيت ممرضة تالته عليهم من الحضانة وقالتلهم إن الولد قاطع النفس وشكله توفى وإنها محتاجة دكتور بسرعة يشوفه.
انهمر الدمع من مقلتيه واسترسل كأنه يرى هذا اليوم أمامه:
_عقلي اشتغل بسرعه، دخلت الاوضة وبدلت الاولاد، حطيت ابني مكان ابنه، وخرجت على طول، وقبل ما اطلع من المستشفى خليت دكتور اطفال يكشف على الولد واتاكدت انه توفى، فدفنته ورجعت المستشفى اراقب اللي بيحصل من بعيد.
تهدل جسد آدهم وجلس أرضًا يتابع أبيه بنظرة مؤلمة، سقطت دموعه وهو يطالعه بصدمة، فقال ببكاء:
_انا بايدي يا عمر حطيت ابني مكان الولد، كان عندي عشم في ربنا إن الشيخ ده هيقدر يربي ابني أحسن من الملاجئ لانه اتحرم من الخلفة عشرين سنة فهيعرف ازاي يربيه أحسن مني، بس لما رجعت لحياتي معرفتش أعيش، ندمت وبكيت لربنا يسامحني، وجع قلبي مخفش عشان كده رجعت بعدها بتسع شهور أدور عليه في كل مكان، مسبتش أي مكان الا ودروت حتى سجلات المستشفى، وحظي ان الدكتور نفسه سافر ايطاليا فمبقتش عارف اوصله، ولحد اللحظة دي بدفع التمن من وجعي وقهري.
تهاوى الدمع من عين آدهم، وعينيه جاحظة بالفراغ، عقله الذكي يربط الاحداث ببعضها، فرق تسع أعوام، شيخ ازهري، حمل بعد عشرون عامًا، مشاهد فاصلة، تشابه بينه ويين ذاك الغامض، شعوره الغريب تجاهه.
جاهد كل ما داخله، وبصوتٍ مرتعش، مرتبك، خائف، ملتاعًا، قال:
_الشيخ ده كان اسمه أيه؟
صفعه بقوة باجابته:
_الشيخ مهران!
أخفض آدهم عينيه أرضًا يبكي بصوت مسموع، وهو يردد بانهيارٍ تام:
_آيوب!!
تعالت شهقات بكائه حتى بات صاخبًا، وهمس بشحوب تام وهو يخبط صدره بشكلٍ جنوني:
_قلبي كان حاسس، كنت مستغرب أنا أيه يخليني قريب من شخص للدرجة دي، ازاي قدرت أجازف بشغلي وتاريخي عشان أنقذ شخص لسه متعرف عليه من الموت.
ورفع عينيه الباكية لابيه المنصدم من سماع ما يقول،و يسترسل بألمٍ قاتل:
_كنت مستغرب هو ليه شبهي في حاجات كتيرة، طريقة نومه، كرهه لأصناف غريبة من الأكل، كنت مستغرب ليه لما بحضنه بحس إنه مني!!!
اقترب منه بلهفة جعلته يرتطم بالأرض، فتسلل على يديه حتى بات قبالته يسأله بدموع ودهشة:
_إنت تعرفه يا عمر؟ إنت تعرف الشيخ مهران ده؟ تعرف ابني... شوفته؟!
ابتسم ساخرًا رغم وجعه:
_شوفته وعشت معاه فترة وكنت معاه من شوية.
سأله بابتسامة غريق يعود للحياة:
_اسمه أيه؟ شكله أيه؟ ... قووم قوم روح هاته، عايز أخده في حضني... قوووم.
استعاد آدهم ثباته المهدور، فآزاح عن خديه دموعه واستقام بوقفته يحمل آبيه لمقعده، وجذب كوب من المياه يشير له:
_اشرب واهدى يا بابا عشان نعرف نتكلم من فضلك.
رفض وهو يلقي الكوب بعصبية:
_مش عايز حاجة عايز ابني هاته يا عمر.
فشل بالسيطرة على أعصابه فأي سيطرة هذة في ضل ما يتعرض له:
_عايزني أروح أقوله أيه؟؟؟ معلش يا آيوب أنا جيت اقولك إن في لبس في الموضوع، الشيخ مهران مش ابوك الحقيقي، ابوك الحقيقي اتخلى عنك وسابك لغيرك يربيك عشان يأمني حياة متكاملة فجيه عليك انت... ولا أقوله إنك كنت السبب إنه يتكتب باسم واحد تاني وان فجأة ضميرك صحي وعايز تاخده في حضنك، قولي أقوله أيه وأنا هخرج حالا وهنفذلك طلبك.
أخفض مصطفى وجهه أرضًا بحرجٍ، لقد حُرم من أبسط حقوقه بسبب لحظة قسى بها قلبه فعاش يسدد ثمنها عمرًا بأكمله.
ارتمى آدهم على المقعد المجاور لابيه يحيط جبينه بتعبٍ، ويستعيد جزءًا من رزانته وعقلانيته، يحاول قتل كل ما داخله واستحضار عقلية ظابط المخابرات داخله، فتنحنح قائلًا بندم:
_بابا أنا آسف بس غصب عني لازم أحطك في الصورة، الموضوع مش سهل وخصوصًا إن آيوب متعلق بالشيخ مهران جدًا، عشان كده من فضلك سبني أتصرف بالعقل عشان مخسرش صداقته اللي هقدر من خلالها أجمعك بيه.
هز رأسه وأردف بلهفة:
_حاضر يا آدهم هعمل كل اللي تقولي عليه.. هصبر يابني.
ابتسم رغمًا عن أوجاعه وقال:
_أول مرة تناديني بإسم آدهم!
ابتسم أبيه وقال وهو يزيح دموعه:
_مدام بتحبه أكتر من عمر مش هناديلك تاني غير بيه.
جذب يده يقبلها ويطبع قبلة على رأسه هامسًا بحبٍ تعمد زرعه بمبالغة حتى يحتوي أبيه في ذلك الموقف:
_ناديلي زي ما تحب.
وعاد لمقعده يخبره بهدوء:
_أنا دلوقتي كظابط مينفعش أمشي ورا شكوكي وكلامك فمحتاج برهان ودليل قوي، عشان كده هعمل تحليل DNA ليك ولآيوب عشان نطمن 100 في ال100 إنه هو.. وبعدها هحدد أول خطواتي.
تنهد بحزنٍ شديد وقال:
_لسه هستنى أسبوع يابني عشان نتأكد!
اتسعت ابتسامة آدهم وقال بغرور:
_ساعات والنتيجة هتطلع، إحنا شغلنا مدينا امتيازات يا حاج..
ابتسم بفرحة ورغمًا عنه قبل كف يده مرددًا:
_ربنا يباركلي فيك ياحبيبي.
سحب آدهم كفه وقال بضيق:
_وبعدين معاك يا مصطفى قولتلك الحركات دي بتنرفزني.
ومال يقبل رأسه ويده مجددًا:
_أنا اللي أبوس ايدك ورجلك كمان..
ثم اتجه لمقعد مكتبه وعاد بكيس صغير شفاف، جذب خصلة من شعر أبيه ووضعه بالكيس ثم قال:
_الفجر قرب يأذن اطلع بالاسانسير وارتاح.
_طيب وانت؟
قال بأعين مازالت دامعة:
_مش هيجيني نوم الا لما أشوف آيوب!
******
انزعج من رنين الهاتف المتكرر، فمل لجانبه يحرر شمعدان الكومود متفحصًا الوقت بذهولٍ ازداد حينما رفع شاشة هاتفه، ليرى اسم المتصل، فهمس باستغرابٍ:
_غريبة آدهم بيتصل بيا دلوقتي ليه؟
حرر زر الاجابة بلهفة وقلق اعتراه:
_آدهم آآ...
قاطعه بصوتٍ ذُبح فؤاد آيوب:
_انزل يا آيوب أنا تحت بيتك!
ودون أي كلمة أغلق الهاتف، أبعد آيوب غطائه وألقى نظرة متفحصة على يُونس وإيثان الذي يغفو جوار آيوب، ثم هبط للأسفل بخطواتٍ أشبه للركض، صوت آدهم المختنق، وجوده بتلك الساعة المتأخرة، جعلته يكاد يجن من قلقه عليه.
وصل لسيارته فوجده يستند على ظهرها وعينيه المتورمة شاردة بالفراغ، فناداه بلوعةٍ:
_آدهم!
انتصب بوقفته وتطلع له بنظراتٍ كانت غامضة لآيوب، وزادت من قلقه عليه، ودون أي مقدمات اندفع إليه يضمه لصدره وبتعلق به بقوةٍ، كأنه يضم ابنه الصغير، ربت آيوب على ظهره وسأله بهلعٍ:
_مالك يا آدهم؟ أول مرة أشوفك بالحالة دي؟!!!
ردد بصوت اختنقت به الدموع ومازال يحتضنه:
_أنا موجوع أوي يا آيوب... حاسس إن قلبي هيخرج من بين ضلوعي!
ربت على ظهره وسأله بلهفة وحزن:
_طيب اهدى واحكيلي مالك!
ابتعد عنه بعدما نجح بانتزاع أحد شعيرات رأسه الصغيرة دون أن ينتبه لها، ورفع أصبعه يزيح دموعه مرددًا:
_مفيش أنا بس لسه متخانق مع بابا وبسببي تعب جدًا.. ودلوقتي رافض يكلمني أو حتى يسمعني.
إلتمعت عينه بالدمع تأثرًا لحالة آدهم، دموعه يراها لمرته الاولى، مجرد شعوره بأنه يخوض نفس التجربة رفض ذلك، ربت على كتفه وقال:
_متزعلش شوية وهيهدى وهيسمعك.
قال وقد اختنقت أنفاسه:
_مش هقدر استنى... مش هقدر... أنا حتى مش عارف أنام يا آيوب.
وبلمحة ماكرة بعينيه قال:
_آيوب هو إنت ممكن تيجي معايا دلوقتي وتحاول تتكلم معاه وتخليه يسامحني؟
رد دون تردد، فلقد خاطر آدهم بحياته لاجله ولاجل أخيه ألا يستحق مساعدة صغيرة مثل هذة:
_طبعًا هاجي وهتكلم معاه لفجر اليوم التاني لحد ما يسامحك، بس الساعة دلوقتي أربعة الفجر أكيد لا ده توقيت ولا وقت مناسب للكلام.
قال بثبات شديد:
_هو صاحي أصلًا ورافض ينام أو يأخد أدويته بسبب زعله.. أرجوك يا آيوب أنا ماليش أصحاب أو حد يتكلم معاه.
إتجه ليغلق باب منزله الخارجي وقال:
_يلا نتحرك.
ابتسم آدهم بسعادة لتحقيق أمنية أبيه برؤيته حتى قبل أن يحدد الاختبار نتيجته، فإتجه به لمنزله قاصدًا غرفة والده.
طرق بابها فأتاه صوته المتلهف:
_تعالى يا عمر.
وقف آيوب بالخارج ينتظر أن يبلغ آدهم والده بوجوده، فولج آدهم يغمز لأبيه بعينيه، فاندهش من طريقته وكاد بأن يسأله ماذا فعل؟ ولكن آدهم كان الاسرع منه حينما قال بصوت مرتفع ليصل لآيوب بالخارج:
_أنا عارف ان حضرتك زعلان مني ورافض تسمعني فآيوب صاحبي صمم يجي معايا بنفسه عشان يصالحنا على بعض.
انتفض بمجلسه وتلألأت الدموع بعينيه التي اتجهت لباب الغرفة بكل لهفة امتلكها يومًا، فحذره آدهم بنظرة صارمة جعلته يهز رأسه وهو يهمس بصوت منخفض:
_مش هعمل حاجة والله ما هقوله حاجة أشوفه بس.
منع آدهم دموعه بصعوبة، وصاح بخشونة:
_اتفضل يا آيوب، ادخل!
تنحنح بحرجٍ لوجوده بوقتٍ كذلك، فولج للداخل مبتسمًا ببشاشة:
_صباح الخير يا والدي، أنا عارف إننا جايين بوقت متأخر جدًا بس آدهم من حبه فيك مش قادر يستنى للصبح.
تعجب آيوب من صمت مصطفى، وتأمله لوجهه بطريقة جعلته يرتاب، دموعه التي اخترقت وجهه، عينيه التي تتنقل على ملامحه وكأنه يتشربها داخله، وفجأة ومن بين كل تلك الاحاسيس الصادقة التي انتقلت لآيوب فأدمعت عينه بتأثرٍ فتح مصطفى ذراعيه وقال ببكاء متوسل:
_تعالى... تعالى في حضني يابني!!!!!
.......... يتبع.....
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!!)
#ومازال_الاقوى_قادمًا....
#آية_محمد_رفعت..
للتذكرة مجددًا قراء الفيس يرجى التفاعل لضمان وصول المنشور لجميع القراء، قراء الواتباد التصويت والتعليق من فضلكم... بحبكم في الله ❤
****__________******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثالث وستون 63 - بقلم آية محمد رفعت
_عُمــــــــران! اصحى يلا.
فتح عينيه بانزعاجٍ، وبصوت الناعس قال:
_خير يا آيوب، لسه ساعة عن الفجر بتصحيني ليه!
ابتسم بسعادة وهو يخبره ما يخطط له:
_أنا أخدت مفتاح المسجد من بابا وهنأخد يُونس ونروح نفتح المسجد ونستنى لحد ما بابا يجي يرفع الآذان.
مال على الوسادة بتعبٍ:
_ماشي روحوا وأنا قبل الفجر بدقايق هحصلكم بإذن الله.
جذب الغطاء عن جسده وجذبه بحماسٍ:
_لا ما أنت لازم تكون موجود.
رفع رأسه إليه من فوق كتفه متسائلًا بحيرةٍ:
_ليه يابن الشيخ مهران؟ ناوي على أيه بالظبط!
حرك كتفيه ببراءة وحزن خبيث:
_ده بيت ربنا هكون ناوي على أيه يعني!
واسترسل بابتسامة واسعة أقلقت عُمران:
_نويت والنية لله أسمع الناس صوتك اللي يسحر ده.
اعتدل بنومته بصدمةٍ، وبات متخبطًا باختيار ما سيقول، فردد بذهول:
_عايزيني أرجع للغنى تاني وفي المسجد يابن الشيخ مهران! هي لسعت منك على الفجر ولا أيه؟
أجابه وهو يتجه لخزانة الغرفة، يبحث عن ملابس مناسبة لعُمران:
_مش بالظبط.. متقلقش!
أزاح الغطاء كاملًا ونهض إليه يتساءل بشكٍ:
_أمال أيه؟
واستطرد وهو يجذبه بعيدًا عن الخزانة بغضب:
_وبعدين مالك بهدومي أنا مبحبش حد يلعب في أغراضي الشخصية!
شمل خزانته بنظرة ساخرة، وبفتور قال:
_دي مفهاش أي جلبية بيضة تليق على الطقم اللي هنضربه.. يلا مش مهم هجبلك واحدة من عندي ومتقلقش مكوية ونضيفة ومتعطرة وزي الفل.
فقد السيطرة على هدوئه، فأحاط عنقه برفقٍ وهو يهدده:
_هنطق وتقول بتخطط لأيه تاني ولا أكمل اللي بعمله وتتكل من الدنيا خالص!! أنا ما صدقت أريح دماغ أمي ساعتين كل دقيقة تنطلي!!!!
وزع نظراته المندهشة بينه وبين الكف المحاط لرقبته وبحزنٍ قال:
_ الجلبية يا عُمران، الحاجة رقية بقالها ساعة بتكوي فيها، الله يسامحك يا أخي!!
زفر بمللٍ، واتجه لفراشه يريح قدميه بقلة حيلة من مجابهة آيوب بعد نسخته المعدلة الاخيرة التي باتت تقربه لحدٍ صادمًا.
انفتح الباب وولج يونس بابتسامته البشوية يتساءل:
_ها جاهزين يا شباب؟
طالعه عُمران فوجده يرتدي نفس الجلباب الأبيض الذي يرتديه آيوب، وما جعله مذهولًا حينما انضم لهما إيثان يرتدي جلباب أبيض ويهتف بحماس:
_حضرتلك على الفون الابتهال اللي طلبته يا آيوب!
رمش عُمران بحيرةٍ، وهتف باستنكارٍ:
_ابتهال أيه! والواد ده مش مسيحي لابس كدليه!!
أجابه ايثان بضحكة واسعة:
_أه إنت تقصد الجلبية يعني، شحتها من يونس عشان أجي بنفسي وأتفرج عليك وأسجلك صوت وصورة وإنت بتغني.
_أغني أيه!! أنا مش فاهم أي حاجة؟
لف آيوب يده من حول كتفه الذي يفوقه طولًا وقال:
_ما أنا قولتلك هخلي الناس تسمع صوتك العذب ده، إيثان حضرلك كلمات الابتهال ويونس هيظبطلك الميكرفون بتاع المسجد وكله هيبقى تمام متقلقش.
برق بذهولٍ:
_مقلقش!! إنت أكيد اتجننت أنا مقدرش أعمل كده أبدًا...مستحيـــــــل!
بعد عشر دقائق بالتحديد، انطلق صوت عُمران يردد الابتهال وعينيه متعلقة بهاتف إيثان لدرجة قشعرت بدنه.. فأعاد لسانه قول
«مَوّلاي إنّي ببابك قَد بَسطتُ يَدي..
مَن لي ألوذ به ألاك يا سَندي؟
أقُوم بالليّل و الأسّحار سَاهيةٌ
أدّعُو و هَمّسُ دعائي.. بالدموع نَدى
بنُور وجهك إني عائد و جل..
ومن يعد بك لَن يَشّقى إلى الأبد..
مَهما لقيت من الدُنيا و عَارضها..
فَأنّتَ لي شغل عمّا يَرى جَسدي..
تَحّلو مرارة عيش رضاك..
و مَا أطيق سخطاَ على عيش من الرغد..
من لي سواك..؟ و من سواك يرى قلبي؟
و يسمَعُه كُل الخلائق ظل في الصَمد..
أدّعوك يَاربّ فأغّفر ذلّتي كَرماً..
و أجّعَل شفيع دعائي حُسن مُتَقدّي
و أنّظُر لحالي..في خَوّف و في طَمع..
هَلّ يرحم العَبّد بعد الله من أحد؟
مَوّلاي إنّي ببابك قَد بَسطتُ يَدي..
مَن لي ألوذ به ألاك يا سَندي؟»
وما أن انتهى حتى سقط أرضًا، فاقدًا كل قوته ليكشف عما خفاه عن آيوب وبسببه أتى هاربًا إلى مصر، عساه يفر من أوجاعه المختبئة داخل صندوق أسراره، ترى ما هو القادم من رواية صرخات أنثى؟
الاجابة بوضوح #الاقوى_قادم... #ترقبوا 💣
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الرابع وستون 64 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثاني_والخمسون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "أمنية إسماعيل"، " أماني السعدني"، "هدير السيد"،" حسناء علاء"، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تقيد جسد "آيوب" وهو يحاول استكشاف تلك الأحاسيس التي لا تتدفق إليه الا بأحضان والده الشيخ مهران، ضمة ذراع مصطفى القوي، تمسيده على ظهره بكل حنان إمتلكه، بكائه الغريب، هل يحمل كل تلك العاطفة لاستقبال صديق ابنه؟!
أدمعت عين آدهم تأثرًا، فقد كان على وشك فصل عناقهما الطويل خشية من أن ينكشف أمر أبيه، ولكن فور رؤيته مستكين على كتف آيوب لم يشعر الا بدموعه تتدفق عنه بحزنٍ شديد.
تماسك كالمعتاد عنه، وتنحنح بحشرجةٍ خشنة، جعلت مصطفى يستعيد وعيه الهادر فور ضمة فلذة كبده المفقود إليه، نعم أخطئ وإرتكب ذنبًا فاضحًا صعب غفرانه، ولكنه أفاق من وساوس شيطانه ومضي أعوامًا يبحث عنه دون أي جدوى.
ابتعد عنها رويدًا رويدًا، وهو يزيح دموعه بتوترٍ اتبع نبرته الحزينة:
_متأخذنيش يابني أنا من كتر ما عمر بيحكيلي عنك حبيتك وكان نفسي أشوفك.
منحه ابتسامة رائعة، وبرفقٍ واحترامًا قال:
_بتعتذر عشان خدتني في حضنك! طيب لعلم حضرتك يا عمي أنا حسيت بحبك ليا من أول ما دخلت عليك حتى لما حضنتي حسيت إني شايف قدامي والدي الشيخ مهران.
ذُبح قلبه دون أي رأفة، فحارب لاحتفاظه بالابتسامة المرسومة على وجهه، وتباعد عن محله المتطرف من الفراش مشيرًا له بحب:
_واقف ليه يا حبيبي اقعد!
فعل ما أراده وجلس على الفراش كما أحب، خطف آيوب نظرة خاطفة لآدهم الصامت، والحرج والتوتر يسيطران عليه، وهو لا يعلم بماذا يبدأ حديثه؟
ازدرد ريقه الجاف وقال بعد صمت:
_أنا طبعًا كنت أتمنى إن أول زيارة لحضرتك تكون بصورة أفضل من كده ولكن دي إرادة ربنا سبحانه وتعالى، أنا مش عارف سبب الخلاف اللي بين حضرتك وبين آدهم بس اللي أنا واثق منه هو احترام آدهم الشديد لحضرتك.
واستطرد وفيروزته متعلقة بعين مصطفى التي تطالعه بحبٍ وتتمعن بملامحه، وكأنه لا يسمعه من الاساس:
_بقالي يومين شايفه متغير وحزين، وده يدل على إنه ندمان إنه زعل حضرتك، هو مالوش غيرك ولو غلط فهمه غلطه وهو أكيد هيفهمك..
ابتسم آدهم ومازال وجهه مندث أرضًا تغزوه دموعه، وخاصة حينما استطرد آيوب:
_ممكن تسامحه عشان خاطري!
انهمرت دمعة ساخنة من أعين مصطفى، فظن آيوب ان الخلاف بينهما كبيرًا لدرجة عدم تقبله لسماحه، فاستدار تجاه آدهم وأشار له بنظرة غاضبة لوقوفه هكذا:
_واقف كدليه يا آدهم! ما تقرب وتبوس دماغ والدك وتعتذرله..
وتابع برجاءٍ:
_هو مش هيكررها تاني، لإنه مش هيقدر يتعب حضرتك مرة تانية تأكد من ده.
أجاد آدهم تمثيل دوره حينما انحنى يقبل يد أبيه ورأسه، هاتفًا بنبرة صادقة تهدف عن رد فعله حينما استمع للحقيقة:
_أنا آسف يا بابا.. من فضلك سامحني.
ربت على شعره الطويل بحنانٍ، ومال برأسه تجاه آيوب الذي يراقبهما بفرحةٍ وحماس:
_مستعد أسامحه بس على شرط.
تساءل آيوب بلهفةٍ:
_شرط أيه؟
أجابه مصطفى باهتمام لسماع رده:
_تقضي اليوم كله معانا.. نفطر ونتغدى سوى ومنه نتعرف على بعض أكتر.
وزع نظراته بينه وبين آدهم باحراجٍ:
_شرف ليا إني أقعد مع حضرتك يوم كامل، بس أنا أخويا لسه راجع من سفر طويل ومش هقدر أكون طول اليوم بره.
_أخوك!!
قالها باندهاش لما استمع إليه، فأصابه الخوف بمقتلٍ أن يكون ليس هو نفسه الشيخ مهران الذي يقصده، فقرأ آدهم ما تلألأ بمقلتي أبيه فأسرع بقول:
_ابن عمه وبمثابة أخوه الكبير يا صاصا، وفعلًا آيوب مش هيقدر يفضل هنا طول اليوم لإزم يكون مع أخوه بس هيعوضها في يوم تاني مش كده ولا أيه يا آيوب.
أكد له بإيماءة من رأسه سريعة، وحينما لمح الحزن بأعين والد آدهم، قال بابتسامة بشوشة:
_بس أنا هفطر مع حضرتك وهقعد معاك شوية قبل ما أمشي.
أمسك يديه بلهفةٍ وسعادة:
_بجد؟
تعجب آيوب لفرط سعادة هذا الرجل ببقائه، فتأمل كفيه ببسمة حنونة، وتابعه وهو يشير لآدهم بفرحة:
_يلا يا عمر إنزل حالًا حضرلنا فطار ملوكي زي ما بتعمل، آيوب هيفطر معايا قبل ما يمشي هو اللي قال!
وكأنه لم يكن موجودًا لسماع ما قاله آيوب، اكتفى بهز رأسه وبداخله وجعًا لا يتقاسمه مع أحدٌ لشدته، فاتجه للخروج ولكنه خشى أن يترك آيوب مع والده فيخونه لسانه، والده ليس بحالته الطبيعية، رغمًا عنه تهاجمه عاطفة الأبوة ربما يضعف عن محاربتها ويستسلم لها، لذا أشار بخفة مازحة:
_بينا يا بشمهندس آيوب، ولا هتخلع من مساعدتي!
ضحك وهو ينهض عن الفراش ويتجه خلفه قائلًا:
_مقدرش يا حضرة الظابط، إنت طلباتك مجابة يا باشا.
توقفا حينما تساءل مصطفى بفضول مهتم:
_هو آيوب مهندس؟
التفت إليه آيوب وقال بنفس بسمته:
_أيوه أنا في أخر سنة هانت وأتخرج، دعواتك يا عمي.
بددت غيمة سعادته، وقال بغصة ألمت آدهم:
_قولي والدي زي ما قولتلي أول ما دخلت وشوفتني.
انزوى حاجبيه بذهولٍ من طلبه، كان ليصدق بأنه يفتقد شعوره أن يكون أبًا إن لم ينجب، فلماذا يعامله ويطالبه بقول ذلك وهو بالفعل يمتلك ابنًا!
تنحنح آدهم ونظراته المحذرة تحيط أبيه، فلف يده حول كتف آيوب يدفعه للخروج برفقٍ:
_بينا يا آيوب، خلينا نجهز الفطار.
وتابع بمرحٍ ليمرر قول أبيه:
_شكلك كده مش مستكفي بسحب قلوب كل اللي بيشوفك لا دخلت على طمع وعايز تأخد مكانتي في قلب مصطفى!
تحررت ضحكاته وأضاف بمزحٍ:
_أخدتها من اول ما هو شافني.
واستدار تجاه الفراش يتساءل ببسمة جذابة:
_مش كده ولا أيه يا والدي؟
منادته بما ود سماعه زرعت السعادة والفرحة بمقلتيه كالطفل الصغير، وردد بحبٍ:
_كده ونص يا حبيبي.. أساسًا أنا اتبريت من الواد ده النهارده الصبح، فاضل بس كراكيبه اللي فوق ألمها وأطرده في الشارع.
برق آدهم بعينيه بصدمة:
_بقى كده!! بتبيع ابنك يا صاصا!!!
واسترسل بشماتةٍ:
_طيب مش عامل فطار وهرن على مارينا تيجي تحضره بنفسها.
صاح بذعرٍ وكأنه سيتناول سموم قاتلة:
_لا بلاش مارينا، أنا بطني اتهرت من أكلها الصايص يالا!!!
واسترسل باتهامه الصريح:
_عايز تخلص من أبوك؟!!
ضحك آيوب بصخبٍ، وجذب من عاد للمقعد يسترخي ببرود:
_متزعلش بابا منك بقى يا آدهم، مصدقنا رضي عنك!
استجاب ليده ونهض عن المقعد يهتف بضيق مصطنع:
_عشان خاطرك إنت بس يا آيوب!
وخرج به مغلقًا باب غرفة أبيه، ثم هبطوا معًا للمطبخ.
******
بللت دموعها وسادتها، وأحمرت عينيها تأثرًا بعدم نومها طيلة الليل، حبيبها ومعشوقها، وكل المشاعر المتجسدة داخل قلبها، يغفو بنفس المنزل الذي تسكنه، يعلوها بطابقٍ واحدًا.
تهاوت دموع "خديجة" حزنًا، وأسوء ما يعتريها نظرته تجاهها بعد ما أُضطرت لفعله، الساعة أوشكت على السابعة صباحًا ومازالت كما هي، تتمنى أن تستند على ذاتها وتقوي من عزيمتها لتواجهه، تقسم بأنها ستحتمل كل ما سيقوله ويفعله بها، ستحتمل حتى وإن مزق جسده بسكينٍ حاد، يكفيها أنها ستُمني عينيها برؤيته.
تود لو إرتمت على صدره، تشكو له قسوة ما مرت به، ترغب أن تلامس أصابعه الحنونة وجهها لتزيح دمعاتها كما إعتادت، ترغب سماع جملته المحببة لقلبها لمرة واحدة "زينة البنات"، حتى وإن كانت تعلم بأنها لم تعد تستحقها أبدًا.
كبتت بالوسادة صرخة كادت أن تنفلت منها فتوقظ صغيرها، وهمست بصوتٍ مبحوح:
_يُونس!!
*****
نفس حلمه المورق، امرأة عاجزة تستنجد به وتناديه باسمه بطريقة مؤلمة للغاية، يكاد يجزم بأنها كبيرة بالعمر من تقوس ظهرها المحني!
نهض من نومه يزيح حبات عرقه المتزايدة على جبينه، ولسانه يردد بهمسٍ ناهج:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم!
استقام يونس بجلسته، وتفحص الفراش المقابل لفراشه باهتمامٍ، فوجد" إيثان" يغط بنومه، وتفاجئ بعدم وجود "آيوب" جواره.
سحب "يونس" قميصه وخرج ينادي بصوت هادئ:
_آيـــــوب!!
بحث عنه بالشقة بأكملها وحينما لم يجده ظنه هبط لشقة عمه، فولج للمرحاض يتوضأ وما أن انتهى حتى وقف على سجادته يصلي بجشوعٍ ودموعًا تصاحب ركعه.
كان بحاجة لأن يكون بمفرده، فاستغل غياب آيوب وغفوة إيثان وحرر عنه ما ثقل على صدره، يتذكر أسوء ليلة قضاها داخل حبسه، حينما نفذ خطة آدهم بمهارة وما أن رأى ذلك الشيطان المتخفي بزيه العسكري حتى سحبه بأحاديث استخرجت أسوء ما فيه، فعاقب يونس بكل قوته، حينما تهاوى على ظهره بطوق الحزام المعدني، فأحدث جروحًا بالغة بجسده، ومع ذلك لم يستكفى بفعلته، بل جذب أطراف جسده بحبالٍ غليظة وتركها عدة ساعات وما أن غادر حتى عاد إليه آدهم يحرره ويوعده بأنه سينتقم من ذلك الحقير.
أغلق عينيه ببكاء وألم يصعب عليه تحمله، يدعو الله من قلبه أن يُشفي جروح قلبه سريعًا، وإن ينتقم ممن ظلموه جميعًا ومن بين دعواته أتت هي على ذكراه، تلك المرأة المسنة التي تستنجد به، فقال:
_يارب أنا مش عارف مين اللي بشوفها في الرؤيا دي، فزي ما خلصتني من الجحيم اللي كنت فيه خلصها وفك كربها يا رحيم!
أنهى صلاته وجلس على سجادته، صامتًا، يتطلع أمامه بشرودٍ تام، عينيه تراقب كل أنش بمنزله الذي كان يومًا جنته، والآن بات أسوء كوابيسه، وكأنه يجسد الجحيم الذي قُلب حياته رأسًا على عقب!
********
عاون آيوب، آدهم بصنع أصناف طعامًا، فانتشل أصابع البطاطس من الطنجرة، ووضعها بالأطباق، بينما قطع آدهم العديد من الجبن بمختلف أنواعها، ووضع أطباق من العسل الشهي، ثم جذب عُلبة من التونة بتردد بوضعها، فوجد آيوب يردد بملامح منفرة:
_مبحبهاش خالص!
اتسعت ابتسامة آدهم واستدار إليه يخبره بصوتٍ عميق:
_ولا أنا!
ترك آيوب السكين ووضع الخضار المقطع بالطبق، قائلًا بمزحٍ:
_مبقتش أتفاجئ! البديهي بالنسبالي إن اللي هحبه هتحبه إنت عشان كده زودت في الكاتشب على البطاطس لآني بعشقها كده وأكيد أنت!
هز رأسه بابتسامة اختفت عنه حينما ردد آيوب بمزحٍ:
_لولا إني واثق إن الشيخ مهران ميعملهاش كنت شكيت إنك أخويا!!
وضحك بصخب بينما ارتسم الحزن بعمقٍ على ملامح آدهم، فأشغل ذاته بوضع الزيتون المخلل بأحد الأطباق، فأتاه آيوب يلتصق به ويردد بصوتٍ منخفض متوتر:
_بقولك يا آدهم، أنا كنت عايز أشوف دكتور علي، تفتكر هيكون صاحي في الوقت ده ولا أيه؟
تجعد جبينه بدهشةٍ:
_عايز علي ليه؟
تنهد بوجعٍ، وقال:
_عايز أكلمه عن يونس، يمكن يحاول يساعده.
وأضاف بحزنٍ وهو يدعي انشغاله باعادة الاغراض للبراد حتى يهرب من عين آدهم الصقرية:
_أنا حاسس إنه مكسور ومحتاج حد زي دكتور علي.
ثم اتجه يقف قبالته وبتردد قال:
_بس خايف إنه يتضايق من الحوار، إنت متعرفش يونس حساس إزاي!
ابتسم آدهم وردد بتفهمٍ:
_عندك حق في قرارك، يونس فعلًا هيحتاج لدكتور شاطر والمناسب ليه بلا شك هو دكتور علي، ولو مقلق من زعله منك عرفه عليه على إنه صديق وفهم علي ده وسيبه هو يبدأ معاه بالطريقة اللي يشوفها مناسبة، هو ما شاء الله عليه ذكي وحكيم جدًا فهيقدر يسيطر على يونس.
هز رأسه واستطرد بتأكيد وفخر:
_دكتور علي ده رائع، طيب إنت عارف أنا كل ما بتعامل معاه بندهش ومببقاش قادر أستوعب ولا أصدق إن شخص بالهدوء والرزانة والحكمة دي أخو عُمران!!! الاتنين عكس بعض تمامًا!
مال آدهم على الرخامة يضع بفمه قطعة من الخيار، مضغها بضيقٍ وكأنه يبتلع علقمًا، فضحك آيوب وهو يتابعه قائلًا بشكٍ:
_شكل عُمران قايم معاك بالواجب؟
_واجبه وصلني لحد هنا وبزيادة.
قالها آدهم بنزقٍ، بينما ضحك آيوب بقوةٍ حتى أدمعت عينيه، فأضاف آدهم:
_أنا مش عارف أعمله أيه تاني عشان يرضى عني ويخرجني من دماغه، أنا بحبه جدًا بس طبعًا صعب أتعامل معاه في أي مشكلة هتحصل بيني أنا وشمس لإني متوقع نهايتها هتكون أيه، عشان كده بحمد ربنا إن ليها أخ عاقل وراقي زي دكتور علي.
واسترسل ببسمة جذابة:
_ما شاء الله عليه عقله يوزن بلد، متكلمتش معاه مرة الا واحترامي وحبي ليه يزيد، عنده انضباط في كل شيء حتى مواعيده، وفوق كل ده إنسان متفاهم.. هو يمكن يكون بيحب يقعد كتير لوحده ومش بيحب الاختلاط بحد كتير بس ده عمره ما كان عيب يذكر، أنا كل يوم الصبح بخرج لشغلي بلاقيه في بلكونته بيقرأ في كتب علم النفس، فأكيد هو صاحي دلوقتي.
اتسعت ابتسامة آيوب، فاستند على الطاولة جواره، وجذب قطعة من الخيار يتناولها مثله، ومازحه ضاحكًا:
_كل ده اكتشفته من الكام يوم اللي قعدهم هنا، لا ده إنت طلعت محلل اجتماعي بقى وأنا مش عارف.
ضحك وقال:
_طبعًا، متنساش إني ظابط مخابرات، التفاصيل مينفعش تفوتني أبدًا!
وأشار للرخامة المكتظة بالطعام:
_طلع الاطباق على السفرة عما أطلع أناديه وأنزل.
حرك رأسه في طاعةٍ، بينما صعد آدهم للاعلى قاصدًا غرفة والده أولًا.
طرق باب الغرفة وولج يغلق الباب من خلفه، ثم اتجه لأبيه الماسد على مقعده المتحرك، وما أن رأه حتى تحرك إليه بتحكمه بطرفه الأيمن، ليهم إليه بوجهه الباكي:
_ده ابني يا عمر، أنا متأكد!! متعملش التحاليل ده ابني والله ابني أنا حسيت بيه!
ربع ساعديه قبلة صدره القوي وهدر بانفعالٍ:
_ممكن تفهمني أيه اللي عملته ده؟ ده الاتفاق اللي اتفقنا عليه!
أخفض مصطفى رأسه للاسفل بخزي، فتابع آدهم بضيق:
_إنت شوية كمان وكنت هتقوله الحقيقة!
ردد ببكاء تحرر بصوتٍ:
_غصب عني يا عمر، أول ما شوفته مقدرتش أمسك نفسي.. حقك عليا!
تحرك إليه وانحنى ليكون على نفس مستوى مقعده، يشير له بهدوءٍ:
_يا حبيبي أنا فاهم شعورك ومقدره كويس، بس الموضوع ده مش سهل، سبني أقدر أعالجه وأهييء آيوب للحقيقة، فلحد ما ده يحصل من فضلك متبوظش اللي بعمله.
أومأ له بلهفة:
_حاضر مش هعمل حاجة تاني، بس حاول تجيبه هنا على طول، هشوفه ومش هتكلم والله.
تمزق قلبه بين أضلعه، فضمه إليه وهو يمسد على ظهره بحنان، اختفى جسد مصطفى الهزيل بين ذراعي آدهم الضخمة، بكى على صدره كالصغير، فقال:
_خلاص بقى يا صاصا... امسح دموعك دي وانزل اقعد مع ابنك لحد ما أشوف دكتور علي وإنزلكم.
وابتعد يشير له بطريقة أضحكت مصطفى:
_بس أوعى أنزل ألقيك متبت في الواد وحضنه بالشكل ده تاني، الولد هيشك فيك وش!
هز رأسه وقال:
_اطمن خلاص مش هغلط تاني، بس يلا وديني الاسانسير بسرعة، وحشني الشوية دول.
انتصب بوقفته ودفع مقعد أبيه وردد بابتسامة مشاكسة:
_شكلي كده هبتدي أغير، أوعى تنسى إني الكبير وأول فرحتك هااا؟
التفت برأسه إليه وبصدق قال:
_إنت نور عيني وعوضي في الدنيا يا عمر!
اتسعت ابتسامته ووضعه بالمصعد ثم استكمل طريقه للأعلى، بينما توقف المصعد بالطابق الأول، فلفت انتباه آيوب الذي يرص زجاجات المياة الباردة، فاتجه للمصعد يدفع المقعد للطاولة وهي يردد بود:
_نازل لواحدك ليه يا والدي؟
غزت كلمته قلبه، فابتسم بسعادة:
_أنا بنزل وبطلع لوحدي، متقلقش الاسانسير هنا أمان.
ضحك آيوب وجلس قبالته يتبادل معه الحديث، ولم يشعر بالضجر أبدًا من أسئلة مصطفى المتواصلة معه، عما متعلق به وبأهله حتى دراساته، وابن عمه، كان يود استغلال كل دقيقة بالحديث معه حتى وإن ظل يتحدث دهرًا كاملًا.
دقائق قليلة وهبط "علي" للأسفل برفقة "آدهم"، فابتسم فور رؤيته آيوب وصافحه قائلًا بمحبة:
_ازيك يا بشمهندس آيوب.
أجابه آيوب بود:
_أنا بخير الحمد لله يا دكتور.
أشار مصطفى لعلي:
_واقف ليه يا ابني، اقعد ده عمر وآيوب اللي عاملين الفطار بنفسهم، واللي يطمنك ويطمني إن أغلبه أكل معلب، فحاول تتفادى أي طبق مصنوع بالأيد لإني عارف إن عمر ابني معندوش نفس في الأكل لكن آيوب الله اعلم.
ضحكوا جميعًا،واعتلوا مقاعدهم، فهتف آدهم بسخرية:
_مش عارف هتفضل تنتقدني لحد أمته، أنا ابنك على فكرة!
_متخضنيش وأنا بحاول استوعب!
نطقها مصطفى مازحًا، فعادت الضحكات تسيطر عليهم، فتناولوا طعامهم بصمتٍ، وما ان انتهوا حتى خرج علي بآيوب لمدخل المنزل لشعوره بأن الأمر الذي يحتاجه به يوتره بالحديث أمام آدهم ووالده.
نزع علي نظارة النظر التي تناسى نزعها فور انتهائه من القراءة، وقال:
_ما تتكلم يا آيوب أنا خرجت بيك بره عشان تأخد راحتك في الكلام بس من ساعتها وإنت مرتبك وساكت!
تنهد والحزن يتوغل إليه كالنيران حينما تشتعل بكومة من القش:
_أنا عايز من حضرتك مساعدة يا دكتور علي، الموضوع متعلق بابن عمي، هو اتظلم كتير واتحبس في معتقل لمدة خمس سنين، خارج مكسور والحياة انطفت في عينه، وانا واقف عاجز ومش عارف أساعده ازاي، بس كل اللي جيه في دماغي إنه ممكن يكون محتاج لدكتور نفساني، وأنا معرفش أفضل من حضرتك.
ابتسم علي بتفهمٍ، وبعقلانية قال:
_أي شخص عنده مشاعر نبيلة زيك هيفكر نفس التفكير يا آيوب، أنا راجع لندن بكره بإذن الله بس قبل ما أسافر هعدي عليك بكره وهقعد معاه، ومتقلقش خالص هقنعه يتابع معايا وهكونله صديق مش دكتور..
غادر الحزن وجهه، واحتله سعادة عارمة، مرددًا بفرحة:
_بجد يا دكتور؟
ربت على كتفه بحنان:
_سيبها على ربنا ثم عليا.
تلاشت ابتسامته وقال بارتباك:
_بس يُونس حساس لو عرف انك دكتور نفسي هيآآ...
قاطعه بتفهمٍ شديد لا يخرج الا من شخصٍ راقي مثله:
_اطمن، أنا فاهمك... هتعرفني عليه على إني صديقك او هتقوله الحقيقة إني أخو عُمران صاحبك وبعد كده سيب الباقي عليا وخليك واثق فيا.
اندفع إليه آيوب يحتضنه بامتنانٍ:
_شكرًا يا دكتور علي.
مسد على ظهره مردفًا:
_العفو يا آيوب.. أشوفك بكره بإذن الله.
وتركه وغادر للسيارة التي كانت بانتظاره لتقله لأخر مشفى سيزوره قبل سفره بالغد.
أما آيوب فولج للداخل، ظل برفقة آدهم وأبيه إلى أن أشرفت الساعة على الثانية ظهرًا، فانصدم من انسياقه بالحديث المحب معهما، ونهض يهتف بعدم تصديق:
_ أنا نسيت نفسي لحد دلوقتي ازاي؟!
وعاتبهما بضيق مصطنع:
_الحق عليك يا آدهم من ساعة ما عرفتني على والدك السكر ده وأنا مش عايز أسيبه، بس كده الشيخ مهران هيتضايق مني!
ترك آدهم فنجان قهوته ونهض يخبره ببسمة هادئة:
_قوله كنت مع آدهم مش هيقولك ولا كلمة.
طوفه بنظرة ماكرة، ملأها الخبث، ففهمها آدهم وردد بسخريةٍ:
_بتفكر في أيه يا بشمهندس! نظراتك كلها شر، أيه هتقتلني!
لف ذراعه حول كتفه ودفعه للخارج:
_لا هأخدك معايا للشيخ مهران، منه ترد وعدك بأنك هتتغدى معانا ومنه تشيل عني غضبه المخيف.
دفعه ليقف وهو يصيح بدهشة:
_هتأخدني فين!! سبني يا آيوب أنا هوصلك وهرجع.
ضحك مصطفى وقال:
_روح معاه واعمل اللي عايزه منك يا عمر..
وبنبرة عميقة، مؤلمة استأنف:
_شكله بيحب والده وبيحترمه جدًا، فروح معاه وقوله إنه كان هنا معاك.
هز آدهم رأسه وسحب جاكيته الأسود يرتديه على تيشرته الأبيض، وصَرَّحَ:
_إنت صديق متعب أنا عارف.
غمز له بمشاكسة واتجه لمقعد مصطفى يناوله يده ليودعه:
_مع السلامة يا عمي، اتشرفت بمعرفة حضرتك وقضيت وقت ممتع بالكلام معاك!
راقب يده الممدودة وتجاهلها، ليفاجئه حينما سحبه داخل أحضانه بقوةٍ، أجزم آيوب بأن انتفاضة جسد مصطفى بأنه يبكي، فشعر بوجعٍ يعتري صدره وحيرة من أمر ذلك الرجل الغامض، فمسد على ظهره بحنان ولم يتخلى عن حُضنه الا حينما ابتعد مصطفى أولًا، وقبل أن يستقيم آيوب بوقفته أمسك مصطفى يديه بين كفوفه المرتعشة وقال وعينيه تتعمق بفيروزته:
_أبقى تعالى زورني من وقت للتاني يابني، عمر أغلب وقته بيكون في شغله وأنا هنا لوحدي، صدقني هفرح بزيارتك أوي.
نمى الدمع بأعين آيوب بشكلٍ تعجب هو ذاته له، ووجد نفسه ينحني رغمًا عن ارادته يقبل كف يده ويرتفع ليضع قبلة على رأسه تمامًا مثلما يفعل آدهم، وقال باحتقان يحجب صوته القوي ويضعفه:
_أوعدك إني هجي أزورك باستمرار،لإني حبيتك أوي.
هز مصطفى رأسه بابتسامة واسعة وودعه وهو يجاهد الا يسقط باكيًا، فسبقه آدهم وهو يستدير عنهما يزيح دموعه، قلبه البائس لم يعد يتحمل، ما أصعب أن يرى أبيه يتألم وهو عاجزًا عن اتخاذ خطوة ليست منطقية بالوقت الحالي.
خرج آدهم وآيوب لسيارته، وقادها لحارة الشيخ مهران .
*******
_سيـــــــــــــــــــف!
انتفض عن مكتب غرفته فازعًا حينما تسلل له صراخ أخيه المتعصب، لدرجة جعلت "جمال" يترك غرفته ويركض صوب الصوت هو الأخر والذي لم يكن يأتي الا من المطبخ.
ولجوا معًا، فوجدوه يضع الطعام وأغراض البراد الذي أحضره أرضًا، وما أن رأى أخيه حتى سحبه من ياقة التيشرت الأسود الذي يرتديه، هادرًا بعنف:
_ده منظر مطبخ!! دي منظر شقة بني آدم طبيعي زينا عايش فيها!!!
ابتلع ريقه بصعوبة لرؤيته حالة أخيه المخيفة، كان يرى الشقة متسخة أكثر من ذلك ولم يفعل ما يفعله الآن، فردد بصعوبة بالحديث:
_اهدى يا جو مش كده!
صرخ بشراسةٍ غاضبة:
_ما تقوليش اتزفت!! أنا مش الخدامة الفلبنية اللي اتولدت عشان تخدمك إنت والهانم اللي في بيتي دي!! أنا دكتور محترم ولازم تحترموني غصب عنكم انتوا الاتنين!
حاول التملص من بين يديه ولكنه لم يترك له فرصة المناص، فتدخل جمال بمللٍ، ودفعه للخلف:
_سيبه يا يوسف ما انت بقالك سنين بتخدمه وعمره ما عمل لنفسه حتى كوباية قهوة أيه اللي جد دلوقتي!
بعصبية لم تحتسب قال:
_لازم يبقى مسؤول يا جمال، على الأقل يراعي الظروف اللي بمر بيها.
وبجدية تامة قال:
_أنا بقيت بنضف أطباق وحلل قبل ما بنزل الشغل يا جمال تخيل!
كبت ضحكة ساخرة كادت أن تتحرر عنه، بينما سحب يوسف مقعد خاص بالرخامة العالية وجلس بانهاكٍ؛
_كان نفسي في الحمل بس مش بالطريقة دي أنا حرفيًا متمرمط!!
لم يستطيع السيطرة على ذاته أكثر من ذلك، فضحك مرددًا باستهزاء:
_وماله لازم تكون راجل متحضر وتستحمل هرومونات الحمل الطبيعة عند أي ست، مش ده كلامك يا دكتور!!
احتدت نظراته بغضب دفنه خلف نبرة ثابتة:
_وإنت فكرني سلمت ولا أيه أبسلوتلي!!
انتبه يوسف لكفٍ يمسد على كتفه وبشفقة قال:
_معلش يا يوسف إن شاء الله دكتورة ليلى تعقل وترفع عنك المسح والغسيل.
توارى هدوئه وجذب كف سيف يحطمه بين عقدته:
_إنت تخرص خالص، وحالًا القى المطبخ والشقة بيلمعوا والا أقسم بالله يا سيف لأكسر المقشة دي عليك!
ارتعب سيف وركض للاطباق يجليها باتقانٍ، بينما ضحك جمال وقال:
_شكل أعصابك تعبانه أتصلك بدكتور علي؟!
استقرت مُقلتيه المشتعلة عليه، وأشار له بالخروج:
_لا تيجي وتفضفضلي أنا يا بشمهندس، اتفضل معايا!
*********
وضع الشيخ مهران أطباق الطعام الممتلئة بأنواع عديدة من الأسماك على الطاولة المستديرة، هاتفًا بترحابٍ وابتسامة بشوشة أضاءت وجهه:
_يادي النور يا حضرة الظابط، نورت البيت كله والله.
نهض آدهم عن الأريكة البعيدة عن السفرة، يلتقط منه الأطباق ورصها بذاته على الطاولة:
_ده نورك يا عم الشيخ.
واستطرد بحرجٍ وهو يتأمل كمية الأسماك وأنواعها الباهظة:
_مكنش له داعي التعب ده كُله.
خلع مئزره البني المحاط بجلبابه الأبيض، ووضع سبحته التي لا تفارقه على الطاولة المجاورة ليده:
_تعب أيه بس يابني، ده الموجود ومتعملش حاجة مخصوص.
واضاف بابتسامة مرحة:
_دي الحاجة رقية بتحتفل بخروج ابنها يونس ولما آيوب اتصل وقال إنك جاي معاه بقت الفرحة مش سيعاها، وإنت خارج هتشكرك بنفسها على اللي عملته مع آيوب ويُونس.
هتف باحترام وعينيه موضوعة أرضًا:
_العفو يا عم الشيخ معملتش غير الواجب.
قاطعهما ولوج آيوب يتجه ليلحق بمقعد مجاور لآدهم كالطفل الصغير الذي لا يود الافتراق عن أبيه، وقال:
_خلاص نازل هو وإيثان أهو.
ردد وهو يراقبه يقرب مقعده من آدهم، رافضًا تلك المسافة المتفرقة بين كل مقعد والأخر لضمان الاسترخاء بجلستهم:
_يابني متضايقش الضيف في قعدته، اتحرك بكرسيك شوية!
زم شفتيه بضيقٍ:
_أنا مرتاح كده!! وبعدين انا نقلت كرسيي جنبه عشان هيتحرج يأكل فقربله أنا الأكل.
ضحك آدهم وتطلع للشيخ مهران:
_سيبه يا عم الشيخ مش مضايقني.
اتسعت ابتسامة آيوب وأبعد عنه السمك المغموس بالصلصة الحمراء، ثم وضع السمك السنغاري والجمبري الفخم من أمامهما، قائلًا بثقة:
_أكيد مش بتحب السمك اللي بالصلصة، ما انا خلاص حفظتك وجهة معاكسة.
هز رأسه وابتسامته الجذابة مازالت مرسومة على وجهه، فاستدار آيوب تجاه أبيه يخبره بحماسٍ:
_إنت عارف يا بابا آدهم شبهي في حاجات كتيرة اوي، حتى معظم الأكل اللي مش بحبه وبيجبلي حساسية هو نفس الموضوع..
واستطرد بحب ينبع داخله لصديقه الذي بات مقربًا إليه:
_والنهاردة لما اتعرفت على والده حبيته جدًا ومبقتش مستغرب آدهم طالع بالجدعنه دي لمين!
راقب الشيخ مهران تعلق صغيره بشخصٍ عظيمًا كآدهم بفرحةٍ، وخاصة بعد سماع حديثه عنه وعن والده فقال وهو يوزع نظراته بينهما:
_ربنا يديم الود والمحبة بينكم يابني، حضرة الظابط ابن حلال وباين عليه إنه متربي في بيت ناس ولاد أصول.
اختزل الحزن حدقتيه من علاقة آيوب بأب كالشيخ مهران، يصعب عليه تخيل معرفة الشيخ بالحقيقة ولكنه ممتن ويحمد الله عز وجل أن من قام بتربية أخيه هو الشيخ مهران.
انتبه آدهم لدخول يونس برفقة هذا الايثان الذي سبق أن رأه مرة، اتجه يونس إليه يصافحه يترحابٍ وسرور:
_أهلًا يا باشا.
صافحه آدهم وقال بضيق:
_باشا أيه يا يونس شايفني واقف قدامك بالميري!
واستطرد بابتسامة هادئة:
_أنا آدهم أو عمر بس، زي ما تحب نادي، مع إني واثق إنك هتنضم لشق آدهم ودي مصلحة ليا لإن ظباط المخابرات من الأفضل هويتهم واسمهم الحقيقي يتخفى.
رفع كفه الاخر يحيط بكفه المصافح:
_خلاص يبقى آدهم.
دفع إيثان يونس بعيدًا عن وجهه، ووقف يتطلع لآدهم نظرة فضولية جابت جسده، وبالأخص بأماكن العضلات التي يجيدها ككابتن متمارس، فكان يمتاز جسده ببناءٍ عضلي قوي،وبالأخص العضلات العضدية أعلى ذراعيه المفتولة، فردد باعجابٍ شديد ومازالت نظراته تتفحصه:
_يعني مطلعش عضلات ظباط المخابرات فيك وحوار فاكس!
ومرر إصبعيه على كتف آدهم مستهدفًا أماكن العضلات ببراعةٍ، فهدر منصدمًا:
_دي مش حقن دي حقيقية فعلًا!!
صاح به يونس باحراج وهو يجذبه للخلف:
_بتهبب أيه يا إيثان!
وتطلع لآدهم باحراج:
_أنا آسف يا باشا، بس صاحبي دماغه مفوتة حبتين.
_باشا تاني يا يونس!! عمومًا مفيش حاجة.
قالها آدهم بانزعاج من يونس الذي مصر يضع الحدود بينهما، فتفاجئ بآيوب يطرق كتفه ويتفاخر بغرور:
_شوفت صحابي عاملين ازاي يا إيثو، امبارح عُمران والنهاردة آدهم عشان لو فكرت تقل بعقلك وتحطني فيه هجبلك اللي يروقوا عليك!!
قهقه آدهم ضاحكًا، وتساءل بحدة مصطنعة:
_وإنت بتضايقه ليه يا أستاذ إيثان، ده آيوب شاب ملتزم وأخلاقه عالية مالوش في المشاكل!
زم إيثان شفتيه بضيق:
_عشان خاطرك بس يا باشا مش هضايقه تاني.
صاح الشيخ مهران من خلفهم:
_يلا يا ولاد الأكل برد!
اتجهوا إليه فسحب إيثان المقعد القريب منه والذي كان يجاور آدهم، فصرخ به آيوب؛
_ده مكاني!!
برق الشيخ لآيوب الذي يبدو اليوم كالطفل المشاكس، فصاح بتحذير:
_اقعد جنب ابن عمك وبطل تصغر عقلك يا آيوب.
هتف باصرار:
_لا مش هأكل اللي جنب آدهم!
ضحك إيثان وقال مازحًا:
_اقعدي يا حبيبتي ومتخافيش أنا مستحيل أتحرش بيكِ وسط أهلك ومعانا ظابط كمان!!
لكزه آيوب بغضب، بينما وزع يونس نظراته بينهما باستغراب لما أصاب آيوب العاقل، فنهض عن مقعده وأشار لآدهم:
_تعالى إنت هنا يا آدهم مش عارف آيوب ماله النهاردة.
ابتسم آدهم وجلس جوار آيوب المبتسم بانتصارٍ، فبادله بابتسامة هادئة وشرع بتناول طعامه، فجذب آيوب الجمبري يزيح طبقته الخارجية ويضعها بطبق آدهم، والجميع يتابعهما بسعادة لفرحة آيوب البارزة من حدقتيه لوجود آدهم بينهما، وللحق لم يتوقع أحدٌ تعمق علاقتهما لهذا الحد، ظنوه مجرد صديق والآن يثبت بأنه أكثر من ذلك ربما لهذا غامر بمساعدة آيوب مرة ويونس مرة أخرى!.
طرق الباب ومن ثم تحرر، وولج صغيرًا يحمل طبق وضع به الخبز الصغير، ومن الخارج تراقبه الحاجة رقية بارتباكٍ لما فعلته، ولكنها تريد أن يقابل يونس طفله بأسرع وقت، تريد رؤية رد فعله، وتتمنى أن يحبه.
انتشر الارتباك والتوتر على ملامح الشيخ مهران وآيوب بشكلٍ لاحظه آدهم، والاندهاش على وجه يونس الذي يتابع ذلك الصغير بنظرات فضولية.
التقط آيوب الطبق من الصغير، ومرر يده بحنان على شعره مشيرًا على المقعد المجاور لأبيه:
_اقعد يا فارس.
تحرر يونس عن صمته متسائلًا بدهشة:
_إنت اتجوزت ولا أيه يا آيوب؟!!!!
ارتبك من سؤاله لتذكره بزواجه من آديرا، وقبل أن يجيبه أجابه الشيخ مهران بصوتٍ عميق:
_ده ابن ناس من اللي ساكنين في عمارتنا يابني، والدته مريضة وأهل والدته مسافرين، هو متعود علينا عشان كده قاعد عندنا الفترة دي لحد ما يرجعوا أهله بالسلامة.
انخفضت أعين يونس للصغير، انتقلت عينيه الفضولية لكل أنحاء جسده، فمنحه ابتسامة جذابة وقال:
_إسمك أيه يا حبيبي؟
ابتسم الصغير وقال بمشاكسة اضحكت الجميع:
_آيوب نادني بإسمي يا عمو!
ضحك يونس بصوت مسموع لمرته الاولى، وهتف بحنان:
_انا آسف يا عم فارس بس كنت بشد معاك حوار مش أكتر.
هز الصغير رأسه بخفة، وسأله:
_إنت بقى اسمك أيه؟
رد عليه بحب:
_اسمي يونس.
وأشار على من يجاوره:
_وده صاحبي إيثان.
قال ببراءةٍ:
_ماما بتحب اسم يونس أوي، ودايمًا بسألها ليه مش سمتني الأسم ده عشان بتحبه بس مش بترد عليا وبتقعد تعيط كتير.
اختنقت أنفاس يونس، لا يعلم ما الذي أصابه بالتحديد، فأسرع الشيخ مهران بفض الحديث:
_كل يا فارس، طبقك أهو يا حبيبي.
بدأ الصغير بتناول طعامه بينما توقف يونس عن ذلك وطوال جلسته عينيه لا تنحرفان عن فارس.
لا يعلم كم مضى هكذا الى ان انتبه لعمه يودع آدهم الذي أصر على الرحيل لعمله الهام، فصافحه وودعه وعاد لمقعده.
اتبعه الشيخ مهران ليوصله لباب الشقة بينما هبط آيوب يوصله لسيارته بالاسفل.
نهض إيثان واتجه للمرحاض ينظف يده ولم يبقى الا يونس الشارد بالصغير، وجده يحاول نزع لحم السمك عن الشوك، فتناولها منه وبادر مبتسمًا:
_خليني أساعدك.
انتقل يونس لمقعد الشيخ مهران وأخذ يضع اللحم بطبق الصغير، وفارس يراقب ما يفعله باهتمامٍ.
شرع فارس بتناول طعامه ويونس يتابعه بحبٍ، وجد يده تتجه لزجاجة المياه فجذب الكوب الفارغ وسكب له المياه ثم رفعها لفمه، فشرب حتى ارتوى وقال بابتسامته التي راقت يونس كثيرًا:
_شكرًا يا عمو يونس.
مرر يده بين خصلات شعره الطويل:
_العفو يا استاذ فارس ولا أقولك يا دكتور!! إنت عايز تطلع أيه لما تكبر إن شاء الله؟
حزن الصغير وتوقف عن تناول طعامه، ثم قال بعزيمة مرعبة:
_عايز أبقى ظابط عشان أحبس بابا وأخليهم يضربوه كتير زي ما بيعمل مع ماما ويسبها طول الليل بتعيط.
وخز قلب يونس بلا رحمة، وتهاوت دموعه بعدم تصديق لما يخوضه هذا الصغير، فحمله لساقيه وضمه بكل حنان له وهو يهمس بعاطفة:
_يا حبيبي!!
أحاط الصغير رقبته فشعر بأحاسيس رائعة، ليته يمتلك طفلًا مثله، ربما كان سيهون الأمر عليه قليلًا.
رفع يونس رأس فارس إليه وسأله بتوترٍ:
_طيب وهو بيضربك إنت كمان يا فارس؟
هز رأسه بحزن، وقال:
_أيوه بس ماما على طول بتدافع عني ومش بتخليه يضربني.
عاد يضمه لصدره بقوةٍ، وقد ازداد وجعه أضعافًا، عاد إيثان والشيخ مهران الذي تفاجئ بيونس يضم فارس دون أن يعلم بأنه ابنه!! أدمعت عينيه تأثرًا وتنحنح قائلًا:
_فارس غلبك يا يونس؟
أجابه وهو يبعد دموعه عن خده بكبرياء:
_أبدًا يا عمي ده أحنا حتى بقينا أصحاب، مش كده ولا أيه يا فارس.
هز الصغير رأسه بفرحة، بينما ردد إيثان:
_بينا يا يونس أوريك المحلات قبل العصر لانهم بيقفلوا للاستراحة.
وضع يونس الصغير على مقعده ونهض ليغادر برفقة صديقه، ولكنه شعر بأنه يترك خلفه قلبه الذي ينهشه، ربما يشعر بالشفقة تجاه الصغير وما قصه إليه، ففتح كف يده العريض وقال بابتسامةٍ هادئة:
_تحب تيجي معانا يا فارس؟
تهلل وجه الصغير وركض يضع كفه بكف يونس الذي رفع وجهه لعمه المندهش وقال:
_هنأخده معانا بدل ما يغلبكم يا عمي..وهقابلك في المسجد وقت صلاة العصر إن شاء الله.
بصعوبة حرك رأسه:
_مآ...آآ.. ماشي يابني.
هبط يونس ويده تحيط بالصغير وابتسامته لا تفارقه، فمال عليه ايثان يهمس بصوت خافت:
_جبته معانا ليه يا يُونس لا أنت ولا انا عندنا خلفية عن التعامل مع الاطفال! هنحتاس بيه كده!!
قال ويده مازالت تعبث بخصلات الصغير، البنية التي تذكره بأخر شخص لا يود تذكره:
_أنا حاسس إنه طفل هادي مش مشاغب، ولو حصل فهرجع أنا بيه متقلقش.
هز رأسه بيأس وأوقف أحد وسائل المواصلات الشعبية المتاحة بالحارات، ذات الثلاث عجلات (توكتوك) ، صعدوا به وتحركوا لمكان المحل الأول.
هبطوا معًا ويونس عينيه معلقة على اللافتة العريضة التي تحمل إسمه، وانخفضت عينيه تدريجيًا على مدخل المحل الكبير، تعجب لما تمكن إيثان من فعله وهو بمفرده، كان يملك محلًا صغيرًا، وبعد عمله فتح الأخر وكان صغيرًا، اما الآن قد تمكن من رؤية إسمًا سعى صديقه لانتشاره.
استدار باحثًا عنه وما ان وجده لجواره ضمه إليه وقال بتأثرٍ:
_مفيش شكر هيوفي حقك يا إيثان، أنا كان عندي ثقة فيك بس أنت ادهشتني من اللي عملته.. بس أنا مقبلش خسارتك
ربت عليه وردد بصدق:
_مال الدنيا كله فداك.. المهم انك خرجت من اللي كنت فيه.
وابتعد يشير له بحماس:
_تعالى ندخل... كرسيك مش وحشك؟
ابتسم له واومأ بمحبة عارمة لاحتفاظه بالمقعد المحبب إليه، حيث أنه ابقى عليه سابقًا لآنه كان عائد لأبيه، جذب يد الصغير واتبع إيثان للداخل، فتجمع من حوله العمال يرحبون به بحفاوةٍ ولدهشته بأن صديقه الحبيب مازال يحتفظ بعماله!
*******
أوصل آدهم آيوب قبالة عمارة إيثان التي تقطن بها آديرا، وقبل أن يهبط فجأه آدهم حينما قال:
_الولد الصغير ده ابن يُونس صح!
لف رأسه إليه وردد بصدمة:
_أيه اللي خلاك تقول كده؟
أغلق محرك السيارة والتف إليه بجسده:
_نظرات الخوف اللي كانت جوه عيونك أنت والشيخ مهران، مراقبتكم لرد فعل يونس باهتمام ولهفة، واتقلبت لشفقة وحزن لما اتكلم معاه، غير الشبه الملحوظ بينهم، احتفاظ الشيخ مهران بطليقة ابن عمك لحد دلوقتي جوه بيته.
اتسعت عينيه بدهشة، وردد بصعوبةٍ:
_إنت بني آدم مخيف يا آدهم.
تعالت ضحكاته الرجولية ورفع كتفيه بغرورٍ:
_مش ظابط يابني!!
تنهد بقلة حيلة وقال:
_أيوه يا آدهم ابنه، وبابا منتظر الوقت المناسب عشان يصارحه بالحقيقة، بس زي ما أنت شايف لسه خارج ومش جاهز.
تفهم آدهم ما يقول، فقال بتمني:
_إن شاء الله يكون متفاهم ويتقبل الولد.
رد عليه بابتسامة ممتنة:
_يارب يا آدهم يارب... يلا هنزل انا بقى عشان مأخركش.
أمسك يده يمنعه من الهبوط، وقال يشاكسه بغمزة مرحة:
_أيه اللي خليك تحن!! مش كنت مفارق؟
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_مجبور والله يا صاحبي، كل يوم بتبعتلي مع إيثان وده خلقه في صابع رجله الصغير.
ازداد ضحكًا وقال:
_ماشي يا أيوب روح سايس الدنيا بدل ما تتفضح والشيخ مهران يرميك في الشارع.
ودعه والضحك يعلو على وجهه، فتحرك آدهم على الفور، بينما وقف آيوب أسفل عمارة إيثان يتطلع للشرفة المرتفعة بترددٍ.
زفر بضيقٍ يعتلي ملامحه، لا يحبذ القدوم لمكانٍ رغمًا عنه، ولكنه مضطر لفعل ذلك، وما كاد بالدخول للعمارة حتى أوقفه احد المارة يتلقفه بأحضانه وما كان سوى عم "صالح" البقال، يعانقه قائلًا بفرحة:
_حمدلله على السلامة يا آيوب، ليك وحشة والله يابني.
منحه اجمل ابتسامة يمتلكها واجابه بحب:
_أنا الحمد لله في زحام من النعم... أخبارك إنت أيه يا راجل يا طيب؟
أجابه المسن بحبورٍ:
_في فضل ونعمة الحمد لله.. وكنت رايح المسجد ألحق صلاة العصر ورا الشيخ مهران..حتى لو المسجد اللي بيصلي فيه بعيد عن الدكانة مستحيل افوت صلاة عليا، صوته بيطرب ويداوي القلب والاوجاع يابني.
ثنى ساعده وقال:
_طيب بينا نلحق الصف الأول.
ضيق حاجبيه باستغراب:
_بس إنت شكلك كنت طالع عند إيثان قبل ما أناديك!
قال وهو يخطو لجواره:
_مش مهم بعدين، المهم مفوتش الصلاة.
ردد الرجل بإيمان وهمة:
_توكلنا على الله، يلا يابني.
اتجه آيوب للمسجد، وجلس جوار يونس الذي أعاد فارس للمنزل برفقة إيثان وولج لصلاة العصر، وما هي الا ثوانٍ وأقام الشيخ مهران الصلاة.
********
زفر بعصبيةٍ بالغة:
_ما تتنيل يابني وتنطق، طلعت عين أمي معاك!! مخليني سيبت حسام يحضر توقع العقود مع دانيال وعمي وجيت جري وفي الأخر قاعد قدام شبه تمثال الحرية!!
تنهد جمال بقلة حيلة:
_مش أنا اللي كلمتك، يوسف اللي اتصل بيك.
دافع يوسف عن ذاته سريعًا:
_وأنا كنت هعمل أيه يعني، ما انا قاعد جنبه بقالي أربع ساعات مش عارف أطلع منه بحاجة مفيدة.
نغز عُمران ساق جمال المتمدد ببرود:
_قوم اترزع خلينا نعرف نأخد وندي في الكلام.
_أنا مرتاح كده!
_بس أنا مش مرتاح!
استقام بجلسته بضيقٍ شديد، وهتف بجمود يتحلى به:
_نعم!
كز على أسنانه بعصبية، وبصعوبة سيطر على سبابه اللازع الذي قد يفسد الاجواء، فجلس جواره وقال بهدوء مغتاظ:
_بص يا جمال، من حقك تكون كتوم على حياتك الخاصة، وأنا ويوسف مش عايزين نعرف اللي حصل بينك وبين مدام صبا، بس على الأقل ترجع بيتك، مينفعش كل مشكلة تحصل بينكم تيجي وتقعد هنا.
طرق الفراش واتجه للنافذة المفتوحة:
_لو مضايقكم قعادي انا ممكن احجز في أي اوتيل.
نهض خلفه يوسف يصيح بانفعال:
_وقعادك هنا هيضايقنا في أيه يا سي جمال، احنا خايفين عليك متنساش إن مراتك حامل كام يوم وهتدخل في الشهر السابع والزعل مش كويس عشانها ، متسبش مجال لدخول الشيطان بينكم يا جمال.
ترك النافذة واتجه للشرفة، فتنحى يوسف جانبًا ولحق به عمران يردد ببرود مخادع:
_بلاش عشانها، عشان خاطر أشرقت.. شوشووو يا جمال!! لو رجعت البيت وشافت الحالة اللي انتوا فيها دي هتزعل والزعل وحش عشانها، ارجع وراضي دنيتك قبل معاد خروجها بكره.
يعلم بأنهما لن يستسلموا عن إلقاء محاضراتهم، لذا اتجه للفراش وهو يصيح:
_أنا مش متخانق معاها، أنا طلقتها.
جحظت أعين يوسف صدمة بينما انطلق لسان عُمران الوقح:
_إنت ضارب أيه يالا! إنت شكلك مش طبيعي!
كاد بأن يسترسل حديثه المنفعل إلى أن دق هاتفه برقم حسام السكرتير، فخرج من الغرفة ليجيبه، فوجده يستعلم عن مكان اوراق هامة، وما ان انتها مكالمته حتى عاد للغرفة، فتخشب محله حينما سمع جمال يهدر بانفعال شرس ليوسف الذي كان يحاول حثه على الحديث:
_آه يا يوسف طلقتها، مهو مش أنا الراجل اللي هيقف يسمع مراته وهي بتقارن بينه وبين راجل تاني بمنتهى البجاحة، ومش ندمان إني عملت ده فاهمني!!
ابتلع حديثه بصدمة، وبصعوبة هدر:
_راجل أيه اللي هتقارنه بيك هي تعرف مين أصلا عشان تعمل كده، على حد علمي أنكم مالكوش علاقة ولا خلطة بحد غيرنا يبقى آآ...
توقف عن الحديث وازداد اتساع مُقلتيه، حينما عقد مقارنة سريعة بين من يمكن أن ينال اعجاب زوجة رفيقه في محيط الاقربون منهم، فاجبر لسانه الثقيل على سؤاله:
_عُمران!!!!
صمت جمال وتعابيره الهادرة أكدت ظنون يوسف، فجذبه يقف قبالته وهو يصيح بغضب:
_انطق يا جمال إنت تقصد عُمران!!!
أزاح يديه من حول عنقه، فتابع يوسف باستنكار:
_جمال ده عُمران إنت فااااهم، يعني مش هسمحلكم تخسروا بعض عشان كلام أهبل طلع من مراتك!
أوقفه عند حده حينما قال:
_إنت بتخرف يا يوسف، أنا مش مغلط عُمران في شيء لانه ببساطة معملش حاجة، الغلط من عندها هي فمستحيل أشيله ليه هو ذنبه أيه أصلًا!
أغلق عُمران عينيه بحزن، وقبل أن يدخل طرق الباب وجاهد ليبدو طبيعيًا وهو يخبرهما بايجازٍ شديد:
_أنا لازم أنزل الشركة، حسام مقدرش يخلص معاهم.
وغادر دون أن يضيف كلمة واحدة، وحديثهما مازال يتردد إليه كالسوط، فما أبشع أن يكون سبب لهدم منزل لا يقبل بهدمه أبدًا، ولكن هو لم يفعل أي شيء!
********
إلتاع قلبها من فراقه، الأيام تمضي دونه كتسرب الموت لشخصٍ مقت الحياة وتمنى الرحيل، بداخلها ألمًا ينهشها كالوحش المفترس، عاجزة هي عن الصراخ حتى مقاومتها خسرتها بجدارةٍ.
لم يحتسب لها بتلك الأيام الا يقينها بأن "آيوب" لم يكن لها شخصًا عاديًا، لم يكن ذلك العدو الذي تجرأ على قتل أخيها وتركها تشتعل لوعة قتله.
الآن وبتلك اللحظة تتيقن بأنه قد غزى قلبها بجيوشه وأباد حركة مقاومتها ليصبح المسيطر الوحيد على ملكيتها، أجل أحبته بل عشقته لدرجةٍ جعلتها تندم لفعلتها بعدما تركها أيامًا معدودة دون سؤالًا عابرًا عنها، تتذكر كل مرة أتى إليها "إيثان" وحينما تتساءل عنه يجيبها بأكثر من حجة تجاهد لاقناعها بأنه منشغلًا وسيأتي قريبًا، باتت على يقينٍ بأنه لم يكن هدفه بقربها الا حمايتها فحسب، ترى اختلاف ديانتها وشكلها هو السبب لافتراقه عنها؟ ولكنها أعتنقت الدين الاسلامي بشهادة منه ومن صديقه "عُمران"، حتى حُلمها برؤية الشيخ " مهران" تحطم بوجودها هنا بمفردها.
أغلقت باب شرفتها بعدما فترة من شرودها، حاسمة أمرها بالرحيل، هي ليست بحاجة لشفقته فيتحمل أمر إطعامها وتوفير سكنًا لها، ففتحت باب الشقة وهبطت للحارة الشعبية تدقق بطريق العودة.
كانت تائهة، حائرة، تراقب الزحام والأعين التي تترابصها كأنها من كوكب غير البشر، فتفحصت ثيابها، تنورتها البيضاء التي تصل لركبتها، قميصها الوردي ذات الحبال القصيرة والمعقود عند منتصف بطنها في حين أن من حولها من النساء يرتدون جلباب أسود فضفاض.
اختنقت من نظراتهن، فأسرعت بخطواتها وغايتها الوحيدة الفرار، حتى توقفت بمنتصف احدى الشوارع، تتفحص الزحام والمارة بأعين تسلل لهل الرعب والتيهة.
مررت يدها بين خصلات شعرها الذهبي، ودموعها تهبط دون ارادة منها، وكأنها كانت مغيبة وإستفاقت هنا عند تلك النقطة، كيف تمكنت من اتخاذ قرارًا أحمقًا كذلك؟ هي هنا بمفردها حتى العملة المصرية لا تمتلكها، لا تمتلك حتى هاتف ولا أي شيء قد يساعدها وإن وجد بمن ستطلب العون!
تراجعت خطواتها للخلف بذعرٍ، حتى جلست على أحد (المصاطب) لأقرب منزل قابلها، تضم ذراعيها المكشوفة ببكاءٍ منهمر، مالت برأسها عليه وهمست بصوتٍ بُحت نبرته:
_آيوب أين أنت؟
وكأنه علق بين زمانه وزمانها، فهالتها رؤيته، انتفضت عن جلستها تدقق بعينيها الفاتنة من يقف على بعدٍ منها، شوقها إليه ولهفتها جعلتها كفيفة عن رؤية مجموعة الرجال المحاطة به، فاندفعت راكضة إليه بكل سرعتها التي لا تتناسب مع حذائها البوت الكلاسيكي ذو الكعب المرتفع، كل ما تراه هو فحسب!!
وعلى مسافة منها فور انتهاء صلاة العصر، وقف "آيوب" برفقة والده الشيخ "مهران" و"يونس" يستقبلون التهاني والمباركات الحارة بعودة أبناء الشيخ مهران، مؤكدون ليونس بأن لا أحدًا منهم صدق تلك الاقاويل المتدنية بحقه، وللحق شُفيت جزء من أوجاعه لسماع مدحهم بأخلاقه التي ظنها تلوثت بعد دخوله المعتقل، وفجأة ومن بين الحديث المتبادل فيما بينهم اندفعت تلك الفتاة الأجنبية بملابسها الفاضحة لأحضان ابن شيخ حارتهم تحتضنه بقوةٍ، وصدمة تتسرب لجميع الواقفين من حُصل اللغة الانجليزية:
_أين ذهبت وتركتني؟ لقد أفتقدتك كثيرًا آيوب!
جحظت أعين الشيخ "مهران" بصدمة ولحق به "يونس" المتقن للغتها، بينما آيوب مازالت ذراعيه متشنجة والبرودة تتسلل لأعماقه رويدًا رويدًا، لا ترى فيروزته الا الجحيم المستعار بآعين أبيه.... الشيخ مهران!!!!
#صرخات_أنثى... #بقلمي_آية_محمد_رفعت.
#الأقوى_قادم 💣.... #ترقبوا....
حبايبنا على الفيس بوك متنسوش التفاعل والكومنت، وعلى الواتباد التصويت والتعليقات يا جماعة بيساهم في رفع الرواية ووصولها لاغلب القراء... وشكرًا جزيلًا مقدمًا، بحبكم في الله ♥
*******___________*********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الخامس وستون 65 - بقلم آية محمد رفعت
صباح الخير يا قمراتي، خليني الأول اقولكم إني فجأة بقيت بحب الواتباد جدًا، تعليقات القراء ودعمهم ليا خلاني أحس بالندم إني فضلت سنين بمجال الكتابة رافضة أعمل صفحة وكنت بكتفي بنقل رواياتي على بعض الصفح، لكن لما عملت الصفحة بتاعتي دي اكتشفت اني كنت مخطئة، التواصل معاكم بشكل مباشر شيء ممتع وشرف كبير ليا حقيقي، وعشان كده جمعت لقراء الواتباد رد على أسئلتهم المتكررة على أخر فصول الرواية.
أول سؤال كان ليه مصطفى استنى كل السنين دي وجاي تحديدًا دلوقتي يكشف السر لادهم ويطلب منه يدور على ابنه؟
طيب يا حبايبي فاكرين لما مصطفى قال لآدهم أنه بعد ما بدل الاولاد فاق من غفلته! حاول بعدها يوصل لاي معلومة تخص الشيخ مهران بس مقدرش، تناسى الامر وعاش طبيعي لحد ما حالته الصحية اتدهورت وقعد على كرسي متحرك، فكل يوم بيخاف يموت وهو شايل الذنب ده ولو تفتكروا بردو في اول الرواية رن على ابنه وقاله انه تعبان وخايف يموت قبل ما يقوله على اللي جواه...
سؤال تاني اتردد كتير، ليه الشيخ مهران محماش خديجة من معتز مع انه كتب فارس باسم ابن اخوه وزور شهادة مزيفة لمعتز؟
هرد عليكم الرد المنطقي، بعيدًا عن انه شيخ ازهري وحافظ كتاب الله إلى إنه أب وسبق وفقد ابنه يونس، بعد خسارته اتيقن ان معتز شيطان مؤذي لو عمل اي حركة مش هيخسر غير ابنه التاني آيوب.
طب سؤال تاني بردو اتردد بكثرة على الفصل الاخير، ليه آيوب والشيخ مهران مصارحش يونس بالحقيقة؟
طيب انا عايزة ألفت نظركم لشيء، يونس بعد عن أهله ٥سنين ومحدش كان عارف هو عايش ولا ميت، ولما خرج كان مكسور ومطفي، ولو لاحظتوا بالمشهد اللي جمعه مع الحاجة رقية وللشيخ مهران لما كلمه بس عن معتز اتشنج وغضب ازاي وطلب انه يقعد لوحده، تفتكروا ده الوقت المناسب اللي يتكلم فيه الشيخ عن خديجة اصلا!!
بلاش النقطة دي، ده اب فقد ابنه وفكره مات تفتكروا أول ما يشوفه يقوله اللي ظلمك اجبر مراتك تخلعك وعمل فيها كذه كذه، مهو هيروح يقتله وهيرجع السجن تاني وهيعيشوا نفس الحالة المؤلمة بردو!! الشيخ مهران وآيوب أعقل من كده.
سؤال اللي اتسألته بردو، ازاي آيوب وآدهم لاحظوا الشبه بين فارس ويونس وعرفوا انه ابنه وهو معرفش؟!
ماشي همشي معاكم حتة حتة، دلوقتي أيه اللي خلى آيوب يخمن انه ابن فارس!! هل لان عيونه فيروزي زيه!! يعني معنى كده لو شاف اي واحد عيونه ملونة وفيه شبه منه هو شخصيًا هيبقى ابنه!!
اللي خلاه يشك انه ابن خديجة يا جماعة، خديجة اللي كانت في يوم مرات يونس، فالربط الاول لايوب استناده على جوازها السابق منه ولان الولد ابن خديجة فبالتالي نسبة شكوكه زادت لكن يونس ميعرفش انه ابن خديجة.
آدهم عارف من آيوب انها قاعده معاهم وحوار انه رفع قضية الطلاق واللي طليقها عمله فيها، فاكرين يوم ما كان آدهم جايب يونس وآيوب راح وصله في نهاية حوارهم سأله أيه حوار طليقة ابن عمك ده فبديهي انه حكاله لذا قفلت المشهد بعلامة معناها انهم اتكلموا وحكوا.
والنقطة الاخيرة إن يونس عمره ومن السابع المستحيلات يتخيل إن ده ابنه اصلا، لآنه مش متخيل انها ممكن تخلعه وهي حامل وتسجل الولد باسم حد غيره وده هنعرف اسبابه بالفصول الجاية.
يارب اكون جاوبت على أسئلتكم كلها، وأخيرًا انتظروا باقي الملحمة، بحبكم في الله..
#آية_محمد_رفعت
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السادس وستون 66 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثالث_والخمسون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "أسماء صابر" ، آية رجب، "هدير عماد"،" أميرة محمود"، "سماح هشام"،"سمر سعيد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تصاعد الأنفاس هو المسموع بين دائرة الصمت المغلفة بالأطرف، ما بين وجوه غاضبة، وأخرى مندهشة ومصعوقة مما يحدث، وأخرى ساخطة على ابن الشيخ الأزهري الذي حط من أخلاقه فور سفره للالتحاق بالجامعة الأوروبية، فاختلط بنسائها وبما يلقبن وسط حارته "الكاسيات العاريات!!!"
لم يكن حال آيوب يفترق عنهم، لم يتوقع أن يراها هنا، والادهى أن تقترب منه على مرأى الجميع، لم تفعلها وهما بمفردهما وحينما اختارت فعلها اختارت وقتًا ومكانًا بصميم فتيل القنبلة.
ابتلع ريقه بتوترٍ وهو يراقب صمت أبيه وغضبه المستعار، بينما مازالت آديرا تتمسك بذراعه وتوزع نظراتها بين الجميع بخوفٍ.
كان إيثان أول من تدارك الموقف، فقال بمزحٍ متعمد:
_الخواجاية دي بينها تايهة وبتشبه على آيوب.
وأقترب منها يسحبها عن آيوب وهو يردد بهمس منخفض لها:
_إن أرادتي أن ينجو آيوب بحياته فلتتبعيني الآن، والأ سيقتلونه!
جحظت عينيها صدمة، بينما تنحنح إيثان رافعًا صوته ليسمعه الجميع:
_مش بقولكم تايهه.
واستطرد وهو يشير لها،ناطقًا بالعربية رغم علمه بأنها لن تفهمه:
_تعالي معايا وأنا أدلك على الموقف ومنه تقدري تروحي للمكان اللي إنتي عايزاه.
خطفت آديرا نظرة سريعة لآيوب، ولحقت بإيثان بعدما صدقت ما قال فور رؤيتها نظراتهم الغاضبة تجاهه، فما أن اختفى بها إيثان حتى قال العم صالح بضحكة:
_أنا قولت كده بردو، مهو مش معقول آيوب ابن الشيخ مهران يعرف الاشكال دي.
قال أحدًا من الجيرانٍ:
_الحمد لله إن الواد إيثان بيعرف يرطم انجليزي أهو يساعدها.
وأضاف أخر:
_آيوب شاب ملتزم وعمره ما رفع عينه في عين واحدة، فمش معقول هيعرف الاشكال دي، مجرد خروجها من البيت باللبس العريان ده شبهة، ربنا يحفظ بناتنا.
حجر غضبه داخله، فبالنهاية له كل الحق، والصادم له أنه ولأول مرة يرآها ترتدي ثيابًا فاضحة لتلك الدرجة حتى وإن كانت ترتدي فساتين وتنورات قصيرة.
جذب يونس كف آيوب بحدةٍ، وعينيه تخبره بأنه لا يصدق تلك الكذبة التي ألقاها صديقه، ربما مرت على عقول هؤلاء البساط ممن يجهلون ترجمة لغتها، بينما هو كان يعلم كل كلمة، فأشار له:
_بينا على البيت يا آيوب أنا عايز أرتاح.
تحرك به للمنزل والشيخ مهران يتبعهما بغموضٍ لا يفصح عما بداخله شيئًا، فما أن ولجوا لمدخل المنزل حتى وجدوا إيثان جالسًا على أحد الآرائك وتلك الأجنبية لجواره، هاتفًا بقلة حيلة:
_حاولت أرجعها الشقة بس رفضت وصممت تشوفك، اتصرف قبل ما الشيخ مهران يرجع!
_يعني إنت كنت عارف بالعلاقة المشرفة اللي رابطة ابني المتدين بالبنت دي!!
قالها الشيخ مهران باستهزاءٍ على لفظ "متدين" لابنه الذي خابت كل آماله به، كان مازال يقف على عابة البوابة الحديدية يراقبهم بنظراتٍ خاوية من الحياة، وكأنه بعد أعوام من تعب وكد خسر كل شيء زرعه داخله، وللعجب مازال متماسكًا أو يحاول التصنع بذلك.
مر من أمامهم واتجه للدرج قائلًا بصرامة دون أن يلتفت إليهم:
_هات الخواجاية دي وحصلني على فوق يابن الشيخ مهران!
ملأ الذعر حدقتيه، فقد حان الوقت ليكتشف أبيه ما أخفاه، تمسكت آديرا بيد آيوب وقالت باكية:
_آيوب هيا لنخرج من هنا، أنا خائفة من ذلك الرجل!
خوفها هالها لمجرد رؤية لحيته البيضاء الطويلة، جلبابه الابيض، كل شيءٍ يتقارن مع تلك الصورة المزروعة داخلها عن الارهاب.
ربما لم يتطابق آيوب لتلك الصورة المرسومة داخلها فاستعابت أخيرًا بأنه ليس كذلك، ولكنها ما أن دققت النظر بالشيخ مهران حتى هاجمها هواجس مريضة، تهدد ثباتها.
تحرر آيوب عن رزانته، فقبض على معصمها وجذبها للحائط بقوةٍ، وبعصبية بالغة صرخ:
_كيف تجرؤين على الخروج من المنزل! وبتلك الثياب الفاضحة!!! أخبريني هيا!!
واسترسل بنفس الغضب:
_ألم أحذرك من مغادرة المكان!! ثم بالله كيف تسمحين لنفسك بالاقتراب مني لهذا الحد!!
وباستنكارٍ أضاف:
_أجن عقلك يا امرأة!! إنتِ لستِ بلندن حتى تفعلين تلك التصرفات المخزية، أعدك بأنني لن أمرر ما فعلته آديرا.
كسر يونس صمته بعدما كان يتابع ما يحدث بغيظٍ، فجذبه إليه وهو يصيح بصدمة أثقلت لسانه فور سماع اسمها:
_آديرا!!!! يهودية؟!!!!!
وجذب قميصه بكلتا يديه ليدفعه تجاه الدرج:
_إنت ليك عين تقف وتتخانق معاها، إنت مش متخيل الكارثة اللي إنت فيها مع الشيخ مهران، أيه اللي حصلك يا آيوب لا عمرك كان ليك في الستات ولا في أي شيء يغضب ربنا.
وبصراخٍ عنيف قال:
_مين دي يابن الشيخ مهران؟؟
وبسخرية استطرد:
_ يا متدين يا خالوق!!!!!
حل يديه عن ثيابه وقال:
_مراتي يا يونس!
جحظت فيروزته بصدمة جعلته يرتد للخلف، ولسانه يهدر دون انتباه لما يتفوه به:
_مراتك ازاي!!! يا نهار أسود اتجوزت يهوديه يا آيوب!!!!!!
كاد بأن يشرح له ولكن صوت والده الرعدي أتى من الأعلى ينادي بغضب لم يشهده آيوب يومًا:
_آيـــــــــــــوب!
تجمد محله بخوف، فأخذ يوزع نظراته بين ايثان ويونس، وانتقل لآديرا التي تفرك معصمها ببكاءٍ وصدمة من قسوة تعامل آيوب الغريب معها.
آيوب ابن الشيخ مهران، ابن هذة الحارة البسيطة يخترق القوانين بزواجه من أجنبية يهودية الجنسية، وبالرغم من أن قلبه مازال موصود بقفل من فولاذ، لم تتمكن بثيابها وجمالها المُفتتن من غزو قلبه الأ أنه بالنهاية رجلًا يتسم بالمروءة والغيرة على نساء منزله، وهي الآن تُنتسب إليه، لا يرضى لأحد أن يرأها بهيئتها تلك حتى وإن كان أخيه وأبيه.
نزع عنه قميصه الأسود وهبط الدرج إليها يحيطها به عن أعينهما، والاثنين يتابعونه بدهشةٍ، ارتدت آديرا القميص وعاونها ذلك آيوب، بينما عينيه المحتقنة تجوب ساقيها البادية من أسفل قميصه الذي كان طوله يصل لبعد تنورتها الفاضحة.
أحاط كتفيها ليمر بها من أمام إيثان ويونس الذي يستند كلا منهما على درابزين الدرج الرئيسي بصدمة وذهول.
صعد بها لشقتهما، وانتهت خطواته بالردهة وبالتحديد قبالة أبيه الماسد على الأريكة يستند برأسه على عصاه السوداء، وما ان وجده أمامه حتى رفع رأسه إليه، فتمكن من رؤية لون الدماء العالق بأعين أبيه فتيقن بأنه بأبشع حالات غضبه، وما زاده غضبًا رؤيته له يقف أمامه بملابسه العلوية الداخلية (فالنَّة أو فانلة، نوع من الملابس التحتيّة تتّخذ من القطن أو الصوف الناعم، وهو ألوان متعدّدة أشهرها ...) .
صوب بصره الصقري لمن تختبئ خلفه، متخفية بقميص ابنه الشبيه بالجلباب القصير عليها لفرق الأحجام بينهما، وما زاد سخطه يدها المتمسكة بذراعه والاخرى تتشبث بظهره، فابتسم ساخطًا:
_لا عندك مروءة أوي!
ونهض يقابله وجهًا لوجه، فانسحب ابنه من لقاء عينيه وأخفض بصره بحرجٍ، فصاح الشيخ ساخرًا:
_أيه مش قادر تبصلي! ولا محروج إنك اتفضحت وبان اللي كنت بتخبيه عني وعن أهل الحارة!
واستطرد بصراخ صعد لاجله إيثان ويونس:
_كنت بتدعي المثالية وإنك شاب ملتزم وإنت مقضيها مع الخواجات في بلد بره يابن الشيخ مهران!! ويا بجاحتك يا أخي راجعلي بيها!
أتجه يونس إليه، فأمسك كفه وهو يرجوه:
_عمي من فضلك اهدى وخلينا نتكلم بهدوء.
مال إليه وازداد عنفونه:
_اهدى أيه يا يونس ابني جابلي العار ووطي راسي!!
خرجت الحاجة رقية من غرفتها تحكم حجابها حول رقبته وتردد بذعرٍ:
_في أيه يا شيخ مهران؟ بتزعق كدليه؟
وجابت بصرها تلك الفتاة الغريبة التي تتحامى بابنها، فاذبهلت وبصعوبة نقلت إليه نظراتها، متسائلة:
_مين دي يا آيوب؟
أغلق عينيه بحزنٍ، أخر ما توقعه حدوث كل ذلك، كان سيحدثهما عن كل شيءٍ حينما تأتيه فرصة مناسبة، ولكنه منذ أن عاد من سفره، وما حدث لخديجة وخروج يونس أنساه كل شيءٍ.
استدار إليها الشيخ مهران وأشار بسخرية مؤلمة:
_تعالي يا حاجة شوفي ابنك المحترم، خارجين من صلاة العصر فجأة نلاقي الخواجاية دي بتحضن فيه ودلوقتي زي مانتي شايفة واقفه وماسكة ايده والله أعلم في أيه تاني ما بينهم!!
تحررت آديرا عن صمتها حينما نغزت كتف آيوب، وببكاءٍ قالت له:
_من ذلك الأرهابي آيوب؟ هل يتحدث عن قتلي؟ فلنرحل من هنا أنا خائفة!
صُدم آيوب مما قالته، فجز على أسنانه يحاول احتمال كل ما يحدث برمته، بينما هدر الشيخ بانفعال:
_بتقول أيه دي يا إيثان! ترجملي!
ازدرد ريقه الهادر وردد بتلعثم:
_آآ... بتقول آنها.. آآ...
_أيه بلعت لسانك! انطق وقول بتقول أيه؟
أسرع يونس بالاجابة:
_عايزة تمشي من هنا يا عمي.
عاد يتطلع لابنه وقد خرج عن ثبات ليس موجود به:
_ويا ترى بقى ابني المحترم واخدلها شقة ولا أوضة في فندق؟! وبتشوفها امته وازاي!
واستطرد ببسمة حملت الألم بين طياتها:
_واليوم اللي كنت فيه مع آدهم كنت معاه فعلًا ولا كنت بتكدب عليا يابن الشيخ مهران.
مزق جلباب صمته المعتم، وبحشرجة ذبحت حلقه قال:
_كنت مع آدهم يا بابا أنا عمري ما كدبت عليك وحضرتك عارف إن ده مش طبعي وآ..
_اخرس!! متتكلمش عن اللي انا أعرفه، لإن اللي قدامي ده مش ابني واحد غريب لأول مرة أعرفه.
واسترسل بحدة هادرة:
_ودلوقتي حالًا ترد وتقولي مين دي؟! وتعرفها أمته وازاي؟
رفع عينيه الدامعة لأبيه واستعد لمواجهة عاصفته، فأشار له يونس يحذره من قول الحقيقة، ولكنه لم يعتاد الكذب على أبيه فقال:
_مراتي يا بابا.
لطمت رقية صدرها بصدمة، وصرخت ببكاء:
_ليه كده يا آيوب!! حرام عليك يابني تعمل فينا كده حرام عليك!
توترت الأجواء الا من صوت أنفاس مهران المتصاعدة، وفجأة شقت صفعته على وجه آيوب أرض السكون، فتغلب الأوجه صدمة وحزن لما اضطر الشيخ مهران بفعله لمرته الاولى.
وبنفس قوة صموده قال:
_مراتك ديانتها أيه يابن الشيخ مهران؟
ارتعب يونس وعاد يهز رأسه لأيوب برجاء وتوسل الا يخبر أباه شيئًا عنها أو حتى يلفظ إسمها العبري أمامه.
انهمرت دمعة ساخنة على وجه آيوب الذي مازال وجهه مستكين للأيسر استجابة للضربة التي تلاقاها من والده الحبيب، وبصعوبة ردد:
_كانت يهودية بس أسلمـ...
طالته صفعة على خده الأخر جعلته توقف عن نطق جملة لا يريد الشيخ سماعها، وجُل ما يطارده اضطرارها للالتحاق بدينه لأجل الزواج منه وخداعه، فآن كانت أسلمت لما كان سمح لها آيوب بما ترتديه.
شعر بأنه خسر عكازه القوي، فتحرك للأريكة يحتلها بكل ثقل جسده، ويونس يحاول أن يسانده ولكنه يرفض ذلك، يختطف النظرات المنصدمة إلى ابنه وعقله رافض ولديه اعتراض لما يحاول قبوله.
أجبر لسانه الثقيل على نطق حروفٍ رغم بطئها الا أنها كانت قوية كالسواط:
_خدها وامشي من هنا، وأوعى توريني وشك تاني.
ازدادت شهقات رقية، وإتجهت لرقية تصرخ بانهيار:
_أيه اللي بتقوله ده يا حاج، عايز تطرد ابنك الوحيد!! عايز تفرقني عن ضنايا يا حاج.
ساند يونس حديث زوجة عمه وقال:
_يا عمي الامور متتخدش كده، اديله فرصة يشرحلك، إسمع منه وبعد كده آحكم مش ده علام حضرتك لينا، من فضلك اسمعه وبلاش تطرده من هنا.
رفع مهران عينيه الغائرتين بالدمع لابن أخيه المنحني إليه، فرفع كفه يحيط خده بحنانٍ وقال:
_بالرغم من كل اللي إنت اتعرضتله ألا انك ما غضبتش ربنا في أي تصرف ليك يا يونس، لسه بتحاول تقاوم كل الظلم اللي اتعرضتله، بتثبتلي كل مرة إنك تربيتي.. تربية الشيخ مهران.
وأشار باصبعه على آيوب، مستكملًا:
_أما ده فانا معرفهوش يابني، مينفعش الغريب يفضل في بيتي ويجرح حُرمته..
ونهض يتجه لغرفته قائلًا بحزمٍ:
_مشيه يا يونس وأنتِ يا حاجة عايزة تقفي معاه ومع غلطه حصليه.
وتركهم وولج لغرفته، فوقفت الحاجة رقية عاجزة، باكية، يؤلمها قلبها وينشطر نصفين، ما بين زوجها وابنها.
منحت آيوب نظرة أخيرة وقالت قبل أن تتبعه:
_ربنا يسامحك يابني.. ربنا يسامحك!
غادرت وتبقى برفقة إيثان ويونس الذي وقف قبالته وبحزنٍ شديد قال:
_عملت في نفسك كدليه يا آيوب؟ خدعتك لندن وبناتها اللي اغلبهم متبرجات!! ده إنت ألف واحدة تتمناك ليه؟!
وتابع وهو يتطلع بغضب لمن تتمسك به من الخلف:
_طيب حتى كنت سبتها هناك ومجبتهاش هنا لأبوك وأمك المساكين اللي ملهمش غير سمعتهم، يا أخي ده على رأي المثل إذا ابتليتم فاستتروا!
أغلق حدقتيه فتحررت دموعه على خديه، ترك الردهة لهم واتجه لغرفته، وبعد قليل عاد بحقيبة صغيرة وبيده تيشرت ارتداه فوق ملابسه، وتحرك يجذب آديرا ويخرج بها.
تهدل جسد يونس مشيرًا لايثان بتعبٍ تغلب عليه:
_روح وراه يا إيثان، شوفه هيروح فين!
هز رأسه بتفهمٍ ولحق به للأسفل، بينما استرخى يونس برأسه على الاريكة من خلفه، إلى ان لفت انتباهه صرير باب الغرفة التي كانت تخص عمه وزوجته قبل ان يقطنان بالغرفة الثالثة للمنزل، ليجد فارس الصغير يطل من خلف الباب وهو يفرك عينيه بنومٍ، وما أن رآه حتى هرول إليه مبتسمًا وهو يتمتم:
_عمو يونس!
تلقفه يونس بين ذراعيه وعلى وجهه ابتسامة جذابة!
******
صعد للطابق الثالث، قاصدًا الصالة الرياضية التي خصصها له عمه، نارعًا جاكيت بذلته الثمينة، ومن خلفها جرفاته.
شعوره بالاختناق جعله يمزق أزرار قميصه الأبيض غير محتمل لبطء ازالته عن جسده، واتجه على الفور لجهاز الركض، فعله عُمران على أقصى سرعته وكأنه ينتقم من نفسه على ما استمع إليه.
ركض بسرعةٍ مفرطة جعلت أنفاسه تتهاوى كالسباق الأذلي، العرق يحتشد على صدره ورقبته بشكلٍ كبير، وكلما عاد له ما استمع إليه زاد من قوة ركضه، إلى أن انتهى بعد دقائق وإتجه يضع أوزان ثقيلة بالحاملة المعدنية، يرفعهما بساقيه وجسده ينخفض خلفها.
انتظرته مايا كثيرًا بعد أن أبلغتها الخادمة بعودته منذ ساعة ونصف، فاستلت مئزر طويل، ارتدته وخرجت تستند على الحائط حتى وصلت للصالة.
وجدته يلعب تمارين الضغط بأقسى مرحلة، فمالت على الحائط ويدها تسند رأسها الذي يدور، وبصوتٍ هزيل نادته:
_عُمران!
شروده وتركيزه بخطوات تمرينه جعل صوتها الخافت لا يتردد إليه، فرفعت مايا صوتها وهي تحتمل بيدها الاخرى على الجهاز الرياضي القريب منها:
_عُمـــــــــــــران!!
انتفض بمحله، مستديرًا تجاه الصوت، فما ان رآها منحية بجسدها والارهاق والتعب يغزو ملامحها حتى هرع إليها، يمسك ذراعيها حتى دون أن يقربها إليه خشية أن يبللها عرقه، ومن بين أنفاسه العالية ردد:
_أيه اللي طلعك هنا وانتِ تعبانه يا مايا؟
أجابته بغيظٍ:
_بستناك من ساعة ما جيت.. إنت بتعمل أيه هنا مش عادت تطلع الصالة بليل؟!
انساه الحزن والضيق أمرها، فصعد إلى هنا حتى لا يثير فضول أحدٌ، أجلى أحباله الصوتية:
_مفيش أنا هنشغل بالمشروع ومش هلاقي وقت ألعب رياضة فقولت أعوضها من دلوقتي.
مالت برأسها على الجهاز وهي تهمس بتعبٍ:
_اسندني يا عُمران أنا دايخة أوي!
أحاط رأسها مرددًا بسخرية مضحكة:
_يعني قرفتي مني وأنا حاططلك برفيوم براند، ما بالك لو ضميتك ليا بعرقي ده مش بعيد نتقابل في محكمة الأسرة عشان أشوف ابني يا بيبي!
ضحكت رغمًا عنها، وتغاضت عما قال حينما اقتربت تسند برأسها على كتفه، هامسة له:
_عمر ما ريحتك كانت مقرفة يا عُمران!
رفع إحد حاجبيه بسخرية:
_إنتِ بتحاولي تغريني وإنتِ بحالتك دي يا بيبي!
ابتسمت وهزت رأسها تنفي:
_أنا بعوض ثقتك المهدورة في نفسك يا حبيبي.
ضحك بصوته الرجولي العميق، وقال وهو يحيطها بحبٍ:
_حبيب قلب جوزه اللي رافع من معنوياته يا ناااس، بس أنا بقول يا مايا بلاش أبقى تقيل عليكي وأشوف صاروخ ألماني أتجوزه يدلعني أقصد يخدمني.
لكزته بقوةٍ وقالت بارهاق:
_أنا تعبانه وانت بتفكر تلعب بديلك ازاي، صنف الرجالة واحد على رأي طنط أشرقت.
برق بذهول:
_شوسوو!! شوفتيها أمته؟
ردت عليه وهي تلقي بثقل جسدها الهزيل عليه:
_بتكلمني على موبيل صبا على طول.
فور ذكرها لاسمها تسلل له الحزن تدريجيًا، فأحاطها وأسندها لأريكة ضخمة، عاونها على الجلوس والتقط المنشفة النظيفة، ينظف وجهها ومن ثم اختفى من أمامها وعاد يرتدي ثيابًا منزلية مريحة بعد أن انتهى من الاستحمام بسرعة.
انحنى على ساقيه أمامها، يمسد بحنان على كفيها الموضوعان على ساقيها، فانتبهت مايا إليه، قبل كفيها وقال:
_ألف سلامة عليكي من التعب يا حبيب قلبي، هننزل حالًا وهخلي الدكتورة زينب تعلق ليكي المحلول اللي كتبه يوسف.
تنهدت بحزنٍ:
_محلول تاني يا عمران.
_مضطرين يا حبيب قلبه!
ونهض يحملها لغرفتهما، وضعها على الفراش، ثم إتجه لغرفة فاطيما يخبرها أن تبلغ زينب بأن تصعد إلى مايا لمساعدتها بتركيب المحلول الطبي.
*******
مضت الساعات ومازال كما هو منذ دلوفهم لشقة إيثان لم يخاطبها حتى، إتجه لاحد الغرف وأغلقها عليه تاركها بالخارج عقلها مخبط فيما فعله هذا الرجل المسن به وللعجب أن آيوب كان صامتًا ومستسلمًا تمامًا، لم يخاطبها بأي كلمة وكأنما يود الاختلاء بذاته.
حاولت آديرا النوم أكثر من مرةٍ، ولكنها فشلت، فاتجهت لغرفته تطرق بابها عدة مرات، حتى وجدته يقف قبالتها ويطالعه بغضبٍ أخافها منه لمرتها الاولى، وخاصة حينما صرخ بوجهها:
_ماذا تريدين؟ ألا يكفيكِ ما فعلته بي؟!
وخز قلبها ألمًا، فابتلعت ريقها المرير وتساءلت:
_ماذا فعلت آيوب؟
ضحك مستهزءًا:
_ماذا فعلتي!! بربك يا فتاة لم تتركي شيئًا الا وفعلتيه!
وتابع وهو يصبح بوجهها كالمدفع بعدما تفحص ما ترتديه:
_أمازلتي بثيابك الفاضحة تلك! ثم بالله ألم أحذركِ من الخروج إلى أين كنتِ تذهبين؟ هيا أخبريني!
انهمرت بالبكاء قبالته وقالت بقهرٍ:
_كنت سأرحل من هنا، أنا لست متسولة لتعطف علي بالطعام، وتتركني هنا كالجرو الذي تعتني بتربيته، طلبت من صديقك المخيف ذلك أن يخبرك بأنني أريد رؤيتك ولكنك لم تأتي آيوب، كنت هنا بمفردي في دولة غير دولتي وأناسًا لا أعرفهم ولكني كنت مستعدة للعيش هنا ولكن إن كنت أنت معي.
وتمسكت بالتيشرت الخاص به تتمسح كالقطة الصغيرة:
_أخبرني آيوب لماذا تركتني؟
اندهش مما استمع إليه، ولكن ما تفعله الآن يزيد من صدمته، بدأت تتقرب منه بشكلٍ لم يعتاده منها ولا من أي انثى، كانت تطالبه بشكل صريح، زُهق عقله وشُل حينما همست إليه:
_أنا أأ... أحبك آيوب!
تسلل النفور لأوردته وملأها لأخرها، فلم يشعر بذاته، عقله قد لُغي وكل ما يراه معصية، ذنبًا كبير، شيطان يصطحبه لجهنم، تناسى انها حتى زوجته، وإن كان لا يتقبلها او لا يكن لها حب أو مشاعر!!
غمس أصابعه بين خصلات شعرها الأصفر وجذبها للخلف بعنفٍ كاد باسقاطها أرضًا، وعصبيته تتفرد بصوته القابض:
_ما الذي تفعلينه بحق الله!! ألا يكفيكِ ما فعلتيه بيني وبين أبي؟
رددت بدهشة:
_هل كان هذا الإرهابي أبيك؟
كور يده بعنفٍ حتى لا يصفعها، فألقاها أرضًا أسفل قدميه وصرخ بانفعال:
_أبي ليس إرهابيًا، فكري مرتين قبل التفوه بأي لفظًا أحمقًا.
تساقطت دموعها تباعًا وهي تراقبه يجوب الطرقة ذهابًا وإيابًا ليحارب اعترافها بحبه، إذًا الأمور تخرج عن السيطرة وخاصة بما تجرأت بفعله منذ قليل.
توقف قبالتها فجأة وقال:
_اسمعي من المستحيل أن يكون بيننا شيئًا، لقد انتهت مهمتي، أنقذت حياتك من عمك وبذلك أكون قد وفيت بوعدي لأخيكِ.
وشدد على كل حرفٍ يخرج منه:
_إليكِ ما سيحدث الإن، ستعيشين هنا بضعة أشهر إلى أن أتدبر لكِ عملًا وسكنًا بلندن وحينها سأنفصل عنكِ وسينتهي كل ذلك.
وأشار لباب غرفته بتحذيرٍ قاطع:
_لا تطرق بابي مجددًا سمعتي!!!
وتركها وولج للداخل يغلق الباب من خلفه، تراجعت آديرا للخلف مستندة على الحائط، تضم ذاتها المبعثرة بيدها، ودموعها تنهمر دون توقف.
كانت تظن أنه الوحيد الذي تمتلكه في هذا العالم، لم يعد لها أي شخصًا سواه، وها هو الآن يخبرها بأنه سيرحل هو الأخر عنها، ظنت بأنه سيعبر بها لطريق دينه، وحينما تصبح ما يريد سيبادلها حبها، فهو على الأقل يعاملها برفق ولين.
نصف ساعة قضتها أمام باب غرفته، تجلس أرضًا وتطلق كل دموعها، كأن زمانها توقف وانتهى هنا، لم يبقى لها شيئًا لتظل بهذا المكان، كان يلقي عليها بأنها السبب وراء غضب أبيه وخراب حياته حتى دون نطقها صريحة لذا كما قال لقد فعل معها ما وُكل به حينما قام بحمايتها لذا عليها أن تنسحب من حياته دون أن تغرقه بمشاكله بسببها.
نهضت آديرا تزيح دموعها ببطء، نزعت عنها قميصه ووضعته على مقبض باب غرفته، ثم فتحت باب الشقة بهدوءٍ حتى لا يستمع له، وأطلقت العنان لساقيها غير عابئة بأنهم الآن بعد منتصف الليل!
*********
خارج الحارة، وخاصة بالقرب من النيل، كان يجلس يُونس ولجواره إيثان، يقص له قصة زواج آيوب بآديرا، كل ما أخبره به آيوب سابقًا قص له، فتطلع له بدهشةٍ وقال:
_وليه مقولتليش يا إيثان، جاي دلوقتي وتحكيلي!!
أجابه ساخرًا:
_على أساس إنك خارج من خمسين سنة، يابا إرحمني إحنا كلنا جوانا أسرار محتاجين نخرجها ليك بس الصبر إنت لسه طالع وواكل المر فمش هنشربهولك احنا.
دفعه من جواره بغضب:
_تصدق إنك حقير.. قوم خلينا نروح الساعة بقت داخلة على ١ واحنا قاعدين القعدة دي، وبكره إن شاء الله هروح لآيوب وأخده ونروح لعمي، أكيد هيهدى لما يسمع اللي حكتهولي ده.
استقام بوقفته ينفض ثيابه من غبار الاريكة الأسمنتية، ولحق به في طريقهما للعودة.
*****
شعر بأنه تمادى بحديثه، لقد هانها وجرحها وهو الذي لم يعتاد على فعل ذلك، خرج آيوب من غرفته فوجدها تترك قميصه على بابه، فظن بأنها فعلت ذلك من شدة حزنها.
إتجه لغرفتها وطرق بابها مرتين دون أن يستمع سماحها بالدخول أو حتى صوتها، فقال بارتباكٍ وضيق:
_حسنًا آديرا لقد أخطئت لم يكن علي أن أحدثك بتلك الطريقة، أعتذر منكِ.
وعاد يطرق مجددًا:
_كنت غليظًا أعلم ذلك ولكني لم أكن مدركًا لما أتفوه به، اخرجي لنتحدث قليلًا.
وكأنه يخاطب ذاته، طرق مرة أخرى وقال يهددها:
_حسنًا أن لم تخرجي الآن سأغادر وأتركك وحيدة مجددًا.
السكون الغريب هذا جعله يرتاب مما ينتابه بتلك اللحظة، ففتح غرفته وولج يبحث عنها، صعق آيوب حينما لم يجدها، فخرج يبحث عنها بالشقة بأكملها وهو يصيح بفزعٍ:
_آديـــــــــــرااا.
انتهى به المطاف بمنتصف الردهة، مرر يده بين خصلات شعره بعنف وهو يهتف بتوتر:
_أكيد مشت بعد الكلام الغبي اللي قولته، ازاي بلبسها والوقت ده!!!
راكض آيوب للخارج، والهلع يجتاح به، يكاد أن يصيبه نوبة قلبية حادة، لا يريد تصديق بأنه فرط بأمانة صديقه بتلك السهولة، قدم لها الحماية في بلاد الغرب وأتى بها إلى هنا ليخسرها بتلك الطريقة!!!.
*******
وقتًا متأخرًا كذلك، ثيابًا عارية مثل التي ترتديها، شعرها الأصفر وملامحها الغربية جعلتها عرضة لمجموعة من شباب الحارة الفاسدون، من يقضون ليلهم يرتشفون المحرمات على ناصية الشوارع، وكأن الليل خُلق لمفاسدهم الدنيوية.
رأها أحدًا منهم فصاح بأصحاب السوء:
_ملي عينك يا تابلو المزة اللي جاية علينا دي!
نهض عن سطح سيارته المكشوفة، ينفث سيجاره بنهمٍ، فلعق شفتيه وهو يردد:
_شكلها حتة خواجاية، بس أيه جايبها الحارة هنا عندنا!
ضحك أحد منهم وقال وهو يهتز من فرط الخمر الذي ارتشفه:
_رزقنا وجالنا لحد هنا!
ألقى تابلو سيجارته وكان أول من اقترب منها، فمسك معصمها وقال:
_على فين العزم يا جميل؟
_Let me go.(دعني أذهب)
ضحك مستهزءًا، ومرر يده على بشرتها البيضاء:
_دي بترطم انجليزي يا زميل!
استند على، كتفه وتجرع ما بالزجاجة:
_مش قولتلك خواجاية!
ومرر بصره فوق جسدها بشهوةٍ وضيعة:
_بس أجمل من كده في الخواجات مشفتش، ما تيجي سكة يا مزة.
ودفعها بالقوة وهو يشير لمن يحتلوا السيارة من الخلف:
_انزل يالا منك له.
هبط الاثنين عن مقاعدهما، وحاول ذلك اللعين جذبها لسيارته فصرخت به:
_اتركنـــــــــــي!
دفعها بعنفوان بالمقعد الخلفي من السيارة، واعتلاها بالقوة وهي تصرخ وتركله بساقيها، تبكي بقهرٍ وقد تفنن هو بأن يذقيها كل مهانة قد تحصلها بلمساته المقززة فوق ما ترتديه، فأبعدت يده ومازالت تصرخ بجنون، فأمسك وجهها ورطمه بالسيارة مرتين متتاليتين، جعلت وجهها يلوثه الدماء، فخدش بشكلٍ عنيف.
*******
توقف عن المضي قدمًا، محاولًا الانصات لمصدر الصوت، فتوقف الأخر جواره متسائلًا باستغرابٍ:
_وقف ليه؟
رد عليه ومازال يتلصص لسماع أي شيء:
_في حد بيصوت!
ضحك رفيقه وطوفه بذراعه بمشاكسة:
_مين اللي هيصوت في الوقت ده يا يونس!
كاد أن يتبعه ولكنه تراجع هاتفًا باصرار:
_ده صريخ واحدة ست يا إيثان.
وتركه وهرول تجاه الشارع الجانبي، فلحق به إيثان حتى تواجد بمكان سيارة تابلو، فاتجه إليهم وقال:
_بتعملوا أيه؟!
كانت السيارة مكشوفة، فتمكن كلاهما من رؤية فتاة يحجب وجهها الدماء بشكلٍ جعلهما لا يتعرفان عليها.
أتى إليه أحد الشباب الأربعة وقال:
_امشي يا كابتن وخد معاك صاحبك، دي مصلحة وتلزمنا.
منحه إيثان نظرة مستحقرة، وأحاط يونس وهو يجذبه:
_يلا يا يونس.
رفض الانسياق من خلفه وقال وعينيه متعلقة بالفتاة الصامتة، رأسها يهتز يسارًا ويمينًا من أثر اصطدام رأسها:
_بس يا إيثان البنت دي شكلها مخطوف واللي بيعملوه ده غصب عنها.
ألقى عقب السيجار ودنى إليه يقول بوقاحة:
_اسم يابن الشيخ خد أخوك وامشي، دي واحدة شمال زرجنت بس عشان البقشيش مش مالي عينها، فخدت اللي فيه النصيب عشان متطمعش بعد كده.
أحاطه يونس بنظرة منفرة، وصاح بعصبية:
_وقذراتكم دي طايلة الحارة ليه!! مالكمش كاسر يعني!!
دار بجسده يسارًا ويمينًا من أثر الخمر:
_ما تبعد يا عم واحنا هنتحرك من الحارة الطاهرة، بس ميل في جنب.
فتحت آديرا عينيها فلمحتهما، تعرفت على إيثان من بينهما، فرددت بصوت شاحب ولكنه كان مسموع لهدوء أجواء الليل من حولهم:
_إيثان!
ضيق عينيه بدهشة، وفي لمح البصر كان بالجانب الأخر من السيارة، دقق بوجه الفتاة ورفع بصره المصعوق ليونس الذي يدرس تحركات الأربعة بتمعنٍ، ليفق على صوت إيثان:
_دي آديرا مرات آيوب يا يونس!!
احتقنت مُقلتيه وبرزت بشكلٍ مخيف، تفنن بلكمته لذلك الذي كاد بأن يعتلي مقعد السائق ليفر بالسيارة، بينما اشتبك إيثان مع الملق بتابلو، سحبه زحفًا خارج السيارة، وعلى الرغم من انه كان الزعيم بين اصدقائه لقوة بنيته وبلطجيته الدامية الا أن إيثان كان يبدد كل قواه، فإن تدرب القتال على يد أحدهم كان هو من قام بتدريب هذا الأحدهم الأبله.
جسده الضخم هاله ليسقطه أرضًا، ملقيًا جسده ليونس الذي فرغ من أشباه الرجال، فسقطوا أمامه سريعًا بسبب الخمور التي أضعفتهم أمامه، سدد يونس أغلب ركلاته بأسفل بطنه وهو يصرخ به:
_يا قذر يا زبالة نجست الحارة بأفعالك القذرة يا ****، بتتعدى على حريمنا في وسط مكانا يا******
أسرع إيثان للسيارة يتفحص تلك المستلقية على الأريكة بانهيارٍ تام، شملها بنظرة خاطفة فوجدها سليمة معافية الا من بعض الخدوش بوجهها ورقبتها، بحث من حوله عما يمكن تغطيتها به، فلمح يونس يرتدي جاكيت أسود فوق التيشرت الصيفي الذي يرتديه، فصاح له:
_يونس محتاج الجاكت بتاعك.
خلعه عنه وألقاه له، تنحى إيثان عن السيارة ومد يده للداخل حتى لا يجرح خصوصياتها قائلًا:
_ارتدي هذا آديرا.
جذبته منه ووضعته فوقها دون أن ترتديه، زحفت بضعف حتى خرجت أمامهما، فاستدار لها يونس وقال بغضب:
_ماذا تفعلين بالشارع بتلك الساعة المتأخرة؟ وأين آيوب!!!!
انسدلت دموعها ولم تجيب، تاركة دمائها تختلط مع دموعها باستسلامٍ قادها ان تستدير عنهما وتستكمل طريقها المتهدجة وكأنها على وشك أن تنال موتة رحيمة.
لحق بها يونس ومن بعده إيثان الذي قال:
_توقفي، إلى أين تذهبين طريق العودة ليس من هنا؟
واقترح عليها عساها تتوقف:
_انتظري سأتصل بآيوب.
وما أن أخرج هاتفه حتى جذبته من يده تخبره بصوتٍ اختفت بحته:
_لا أريده.. دعني وشأني.
وتركتهما ومضت قدمًا، فاعترض يونس طريقها غاضبًا:
_وإلى أين ستذهبين؟ هل تريدون ما حدث منذ قليل أن يتكرر معكِ مجددًا؟
ضمت جاكيته بخوف حينما ذكرها بما كان سيحدث معها، ورأسها ينفي بجنونٍ، فتابع:
_حسنًا لنذهب.
وجدت نفسها تعود خلفهما مجددًا، لقد تأكدت بعد تلك المدة أن كل شخص يعرف آيوب وسبق له رؤيته برفقته فهو آمينًا، حتى ذلك الشرس الذي كانت تهابه كان لطيفًا بالنهاية، وذلك الأيثان والرجل الاخر الذي كاد بضرب آيوب قبالتها هما نفسهما من دافعا عنها حتى الرمق الاخير.
توقفت حينما توقفا، فرفعت رأسها تحاه المبنى فإذا بهما عادا لنفس العمارة، تراجعت للخلف وهي تشير ببكاء:
_لا أريد العودة إلى هنا... لا أريد رؤيته مجددًا.
سألها يونس باستغراب:
_من تقصدين؟
_آديـــــــــــــــرااا
قالها آيوب الذي هرول إليهم، بعدما لف حول العمارة لمرته الثالثة على أمل أنها تحاول العودة، فما أن رآها حتى هرول إليهم، فصعق مما رآه، وجهها يغطيه الدماء وعينيها يصيبها كدمة زرقاء تغلق آحدهما، عينيه تتوزع بين وجهها وجاكت يونس المحاط بها، لا يعلم كيف استجمع قوته ليقترب منهم، فردد بارتباك:
_مين اللي عمل فيها كده؟
ما أصعب أن يصيب رجلًا بجرحٍ يمس عرضه وشرفه، وأكثر ما يقدر ذلك الذي نالته تلك النيران، يونس الذي قتل كل يوم لاجل ما فعلته به زوجته، فسارع بقوله:
_متقلقش يا آيوب محدش لمسها، أنا وإيثان كنا سهرانين ومعديين بالصدفة فسمعناها واتدخلنا بالوقت المناسب.
راقب وجهها بجمراتٍ مشتعلة، فتركها واتجه لابن عمه يسأله بثبات مخيف:
_مين اللي عمل فيها كده يا يونس؟؟
رد إيثان:
_ما خلاص يا آيوب ربناهم ومبقاش فيهم حتة سليمة عايز أيه تاني!!! ثم انك ازاي تسيبها تنزل في الوقت ده وأيه اللي مخليها مش عايزانا نكلمك ولا نجيبك هنا!!
أخفض عينيه أرضًا بحزنٍ عما كان السبب به، فرفع يونس يده يمسك كتفه الايسر وقال:
_أنا عرفت الحقيقة من إيثان وفخور بيك يابن عمي، كفايا إنك كنت السبب في قتل اليهودي ده، صدقني الشيخ مهران لما يعرف اللي عملته وإن في شخص مات وهو على الدين الاسلامي بفضل الله ثم فضلك هيفتخر بيه وهيحس باللي أنا حاسه، سيبه يهدى النهاردة بس وبكره هعدي عليك ونروح نتكلم معاه وتقوله كل حاجة.
هز رأسه ببسمةٍ رسمها بالكد، فوداعهما وغادروا، استدار آيوب لاديرا فوجدها مازالت تقف كما هي، عينيها أرضًا لا تكف عن البكاء.
اقترب منها وقال بحزن عميق لمسها:
_أعتذر عما تفوهت به، أخر ما أريده أن يطولك السوء!
وحينما لم يصدر عنها شيء، أمسك يدها وناداها:
_آديرا؟
سحبت كفها ودموعها تختزل داخل حدقتيها، فنغزت قلبه بوجعٍ بات كالشوكة العالقة بين ضلوعه، رفع ذراعه ووضعه حول كتفيها يحثها على الصعود، انصاعت إليه كالربوت المتحرك دون أي احساس.
صعد بها لغرفتها فتحركت للفراش وجلست بهدوء، أما هو فأسرع للمرحاض يبحث عن عُلبة الاسعافات الأولية.
عاد لها فوجدها تجلس كما هي، انحنى أمامها يزيح خصلاتها للخلف، وجذب المنشفة يمسح الدماء ليتمكن من رؤية أماكن اصابتها.
إلتاع قلبه وجعًا يفوق قوته، حينما وجد جروحًا ليست هيئنة شوهت وجهها بأكمله، غمس القطنة البيضاء المعقم ووضعه بجروحها، وللعجب لم تصرخ ألمًا، كانت متجمدة دون حراك، دموعها فقط من كانت مؤشر صريح بأنها على قيد الحياة.
انتهى من وضع اللاصقات الطبية على وجهها، وحينما انتهى نهض يجلس جوارها على الفراش، يتكئ بجسده العلوي للامام، واضعًا رأسها بين يديه، يحاول السيطرة على غضبه، يود لو ذهب الآن لمن فعلوا ذلك فينهش لحمهم أحياء.
استدار بجسده لها وناداها:
_آديرا.. أخبريني ما الذي حدث؟
أرغمها على التطلع إليه واسترسل:
_إلى متى ستخالفين حديثي! إن لم يكن يونس وإيثان هناك لكنتي الآن مقتولة آديرا!
ابتسمت بمرارة، ورددت:
_ليتهم فعلوها ربما كنت ستتخلص من مسؤوليتي التي فُرضت عليك.
وتابعت وهي تتمدد بالجاكيت على الوسادة بارهاق:
_لا تقلق، بامكانك اصطحابي غدًا لأبيك سأخبره بأنك تشفق علي ولا يربطك بي أي علاقة.
أدمعت عينيه تأثرًا، فجذبها لتجلس قبالته مجددًا، وقال وهو يدعي اتزانه:
_انهضي... اغتسلي وأبدلي ملابسك.
همست له بتعبٍ:
_اخرج من هنا... دعني وشأني.
وعادت تتمدد على الفراش مجددًا ودموعها تنهمر على الوسادة أمامه، اختبر العجز أمامها ولا يعلم ماذا يفعل ليطيب جرحًا كان هو السبب به.
وجد نفسه يزحف للفراش حتى بات جوارها، وبتردد مد يده ومررها على شعرها الطويل من خلفها، هامسًا لها:
_اهدئي، لقد مر وانتهى! إنتِ هنا الآن... لن يمسك أحدًا أبدًا طالما أنا على قيد الحياة، أعدك أنني لا أفترق عنكِ آديرا.
كانت بحاجة لسندٍ، لضمة حنونة، حتى وإن كان عمها وعدوها اللدود عرض عليها تلك الضمة ما كانت رفضتها قط.
تقلبت بالفراش، فباتت قبالته وبصعوبة رددت:
_هل يمكنك أن تحتضني؟
فرق ذراعيه وضمها إليه، فألقت على صدره وابل من دموعٍ أحرقته ونهشته كالذئب المفترس، لأول مرة يشعر بأنها رقيقة هاشة المشاعر، ظنها جامدة لا تتأثر بأي شيء.
ربت على خصلاتها وأخذ يردد القرآن الكريم بصوتٍ مسموع لها، مضت الدقائق وقد هدأت وصوته العذب يطربها، وحينما صدق وانتهى من التلاوة وجدها تعود بوجهها إليه وتقول:
_أعدك أنني لن أرتدي مثل تلك الثياب مجددًا، وإن رأيت الشيخ مهران أقسم بالله سأعتذر له عن وصفي له بالإرهابي وسأتوسل ليصفح عنك!
اتسعت ابتسامته حينما رددت نفس حلفانه بالله، فمرر يده على خصلاتها مجددًا وقال:
_ أنا أعلم بأنكِ من الداخل مختلفة عما أنتِ عليه، هناك بعض الاشياء التي لا تعلمين عنها شيئًا، إنتي لستِ آديرا، لست عبرنية.
وازاح جاكيت يونس عنها، ليصل للسلسال الموضوع خلف رقبتها، رفعه نصب أعينها قائلًا:
_ إنتِ سدن....سدن المسلمة!
******
عاد يونس لمنزله، كان بطريق الصعود للأعلى، فإذا بالباب يُفتح من أمامه ليطل عليه فارس، تعجب من أنه مازال مستيقظًا، فاتجه إليه وانحنى قبالته يمر بيده يين خصلاته البنية:
_أيه اللي مصحيك لحد دلوقتي! وخارج تتسحب كدليه يا شقي!
ابتسم فارس وقال:
_مكنش جايلي نوم وطلعت اتفرج على توم وجيري بره من ورا ماما، فسمعت صوتك طالع قولت أقولك تصبح على خير قبل ما تنام.
رفع إليه وطبع قبلات متفرقة على وجهه وهو يقول:
_هصبح على خير أجمل من الخير اللي دخل عليا، طيب قولي في أجمل من كده!
قهقه الصغير بصوتٍ صاخب، فأشار له يونس بتحذير مضحك:
_هوووش هووش الجيران هيعملولنا محضر ازعاج!
مال الصغير على كتفه وقال:
_ينفع تاخدني معاك فوق أنا مش جايلي نوم وماما بتأخد دواها وبتنام وبتسبني.
برق بدهشة، وسأله:
_هي مش ماما وأهلك مسافرين!
هز رأسه نافيًا وقال:
_لا ماما هنا جوه، نايمة في أوضة الحاجة رقية، بس تعبانه ومش بتتحرك كتير.
اندهش من اخفاء عمه وزوجته لذلك ولكنه لم يعلق، فاحتضن الصغير وقال؛
_طيب يا حبيبي ما ممكن مامتك تقلق عليك، أيـه رأيك تروح تقولها وتيجي.
هز الصغير رأسه وما كاد بأن ينخفض عن ذراعيه حتى تسلل لهما صوتًا متلهفًا، باكيًا يصيح بجنون:
_فـــــــــــــارررررس!!
الصوت مألوفًا له، اختزل داخله كل ذكرى اجتمعت كالرزاز داخله، انحنى ذراعيه عن الصغير يضعه أرضًا، والتفت خلفه ببطءٍ، ربما نسجت ذكرياته صورة واهمية لها، ولكنها بالنهاية تقف أمامه، مستندة على الباب وجسدها محاط بالجيبرة المعلقة باحدى ذراعيها، هي بنفس نظرات عينيها، شعرها المسترسل من خلفها، ملامحها التي من المحال أن ينساها.
صدمتها وجحوظ عينيها أمامه أرضخ له عقله وجعله يستوعب إنها ليست حُلمًا، هي حقيقة أمامه وما أبشع الحقائق حينما تضرب واقع مدمر بالفعل وليس بحاجة لشييء يزيد من اختناقه، بل هو بتلك اللحظة يخضع لأصعب عملية جراحية قد تصيب القلب، وربما ينتهي الأمل بانذار صفارته المزعجة تعلن انتهاء حياة ذلك المسكين البائس!!!!!!
....... يتبع.......
#صرخات_أنثى.... #حبيبتي_العبرية... #الاقوى_قادم 💣
#آية_محمد_رفعت...
قراء الفيسبوك الكرام ارفعوا الفصل باللايك والتعليقات، قرائنا الأحباب على الواتباد متنسوش التصويت والتعليقات كل ده بيفرق في نجاح الرواية وصداها عند القراء... يحبكم في الله ♥
*****________*******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السابع وستون 67 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى..(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الرابع_والخمسون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"رحمة محمد عبد المنعم"، وداعمتي المميزة على الواتباد الجميلة "نور سمير nour samir"، وإلى الجميلة" ندى ياسر" بمناسبة عيد ميلادها كل سنة وأنتِ إلى الله أقرب، وإلى الجميلة "هبة سيد "شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تسلل الألم لجسدها رويدًا رويدًا، لا تعلم لآنها تحاملت عليه وقد حذرها الطبيب من ذلك، أم أن رؤيته قبالتها تزيد من وجعها المدفون داخل أعماق قلبها.
مالت على الڤازة الضخمة المحاطة بالزرع الأخضر أمام باب منزل الشيخ مهران، تعافر ألا تسقط، وببكاءٍ رددت بصوتٍ كان مسموع لذلك المنصدم:
_يُــونس!
رعشة سرت بقلبه المتجمد فأزاحت برودته، مدته بالحرارة ليعود خافقًا، مستقبلًا لحياة خرج منها إجباريًا.
تخبط مشاعره أمامها جعله صامتًا، يوازن ألف مسألة صعبة، بحاول إستيعاب بأنها الآن أمامه، في منزل عمه بالتحديد، يحاول ربط العلاقة بينها وبين ذلك الصغير، يحاوى استجماع خيوط الخيط ليصل لحقيقة صادمة بأنها والدة فارس الذي حكى له عنها!
توارت صفاء مُقلتيه حول جحيم انتقامه من الخائنة التي دعست رجولته ومزقت حبه دون أن ترأف به، تلك التي قضى خمسة سنوات من عمره يتفنن بالتفكير بطريقة ماكرة للانتقام منها.
وضع يونس الصغير، وتحرك إليها بخطواتٍ، قاتلة، بطيئة، حتى بات قبالتها.
كانت مازالت تنحني لطول الڤازة الضخمة، تحيطها بكلتا ذراعيها، فأمسك الحائط ووقفت بصعوبة حتى باتت قبالته بأعينها الباكية.
أنساها شوقها إليه كل ما حدث بالماض، تناست ما إرتكبته بحقه، تناست بأنها مازالت على ذمة رجلًا غيره، تناست حتى أنها الإن أمامه بشعرها دون غطائها ونقابها!
سخرت نظراته منها، فإن رآها أحدًا من المخرجين تتقن الدور لتلك الدرجة يقسم بأنه سيبع ثروته لأجل أن تعمل معه، تحاول أن تريه حبها الجارف إليه وقد نفت خيانتها وما إرتكبته تمثيلها الزائف.
رفعت كفها السليم إليه تضعه على صدره، ورددت ببكاء وصوتًا يُسمع بالكد:
_ربنا حققلي دعواتي وطلعت عايش!
وتابعت ببسمة واسعة:
_حمدلله على سلامتك يا يونس.
أخفض بصره ليدها التي مازالت تلامس صدره، ثم انتقل لها بنظرةٍ جامدة، لتجد يده تقترب من كفها،جذبه يونس واعتصره بين يده هاتفًا بقسوةٍ فاحت رائحتها إليها:
_إنتِ بتعملي أيه هنا؟ البيت ده أشرف من إنه تسكنه واحدة رخيصة وخاينة زيك، بس اللي مش فهمه أيه اللي يخلي عمي يقعدك في بيته ويكدب عليا!!!!
وجذبها بقوة للداخل وهو يصرخ بغضبٍ:
_عمـــــــــي... يا شيخ مهــــــــــراااااان.
بكت وهي تحاول تخليص كفها من معصمه، فخشيت أن يكرهه فارس، فأمسكت يده تحيلها عن يدها ولكن قبضته كانت قوية للغاية، فرددت بتوسل:
_بلاش قدام الولد... أنا همشي مش هقعد تاني هنا يا يونس.
مال بجسده تجاهها وأشار باصبعه:
_اسمي ميترددش على لسان واحدة قذرة بنت** زيك!
واستدار تجاه فارس الذي يختبئ خلف الباب المفتوح وبهدوءٍ يعاكس ثورته قال:
_ادخل جوه دلوقتي.. يلا!!
انصاع له وهرول للغرفة التي تخصهما، بينما خرج الشيخ مهران يعدل جلبابه وهو يتساءل بخوف:
_في أيه يا يونس، بتصرخ كدليه يابني؟
انتهى من وضع جلبابه حول رقبته ليصعق كليًا من رؤية خديجة بين يد يونس، اتبعته الحاجة رقية فصاحت بصدمة:
_خديجة! طلعتي من أوضتك ليه يا بنتي!
وتساءلت بلومٍ وهي تتطلع لها:
_وفين حجابك؟
انحنت للأريكة تجذب غطاء للرأس وأسرعت تضعه حول رأس خديجة، فلفت انتباهها ليد يونس التي تحيطها، فحاولت تفرقيهما وهي تصيح بضيق:
_سيبها يا يونس، مينفعش كده يابني حرااام!!
فشلت بفك معصمه، بينما ابتسم هو ساخرًا:
_فاكراني مغفل وبعوض شوقي ليها!!! أنا قرفان وأنا ماسكها أساسًا.
وألقاها بقوة لولا ذراع الحاجة خديجة التي تلقفتها بين ذراعيها، خطى يونس للأمام وبالأخص أمام الشيخ مهران، يتطلع له بنظرةٍ ألمته، وسأله بجمود:
_ليه يا عمي؟ ليه تفتح بيتك لآنسانه قذرة زي دي، خانت ابنك وداست على كرامته ورجولته؟
ارتبك الشيخ أمامه، ودنى إليه يحيط كتفيه بين ذراعيه قائلًا:
_في حاجات كتير إنت متعرفهاش يا يونس.
صاح بعصبية هادرة:
_ دي أخر واحدة أحب أعرف عنها حاجة.
ازداد صوت بكائها ورقية تحيطها بقوةٍ وتحاول أن تهدئها، خرج يونس عن صمته القصير حينما قال:
_هي مش العمارة دي أنا ليا النص فيها؟
اندهش الشيخ مهران من حديثه، وردد ببسمةٍ ألم:
_أيه يا يونس بتفكر تخلص عمك من العمارة عشان مد إيده لبنت صاحبه اللي سابها في أمانته!
هز رأسه ينفي ذلك، وانحنى يقبل كفه بكل احترام:
_العفو يا عمي، بس من فضلك لو إنت بتحبني بجد خرجها من هنا، تغور في أي داهية مش فارقة
اتسعت ابتسامة الشيخ وقال يذكره:
_بس خديجة وأمها مكنوش ساكنين يا يونس، إنت بنفسك اللي صممت تبيعلهم الشقة بعقد تمليك، يعني قانونًا الشقة بتاعتها.
صرخ بغضبٍ جعل الشيخ مهران يخاف عليه:
_كنت أهبل وبريالة، لكن خلاص مسحتها... ولو وصلت إني أخرجها من هنا بالقوة هعملها يا عمي، لإني مستحيل أقعد في مكان ال*** دي فيها!
كان مكتوف الأيدي لا يعرف ماذا يفعل، فقال بهدوء:
_طيب اهدى يا حبيبي احنا نص الليل والجيران حولينا مينفعش صوتك ده!
باصرار قال وأنفاسه تشوش على صمتهم:
_ههدى لما تغور من هنا.
خرجت خديجة من أحضان الحاجة رقية وقالت بخفوتٍ ينمي عن شحوبها:
_خلاص يا عمي الشيخ أنا همشي.. هو عنده حق مينفعش أفضل هنا بعد كل اللي عملته معاه.
أوقفها الشيخ مهران محلها:
_مش هتخرجي من هنا يا بنتي سامعة.
وأشار لزوجته قائلًا بنبرة آمرة:
_خديها جوه يا حاجة.
أومأت له وساندتها للداخل، بينما اقترب مهران من ابن أخيه يحاول لمس جانبه الانساني:
_يابني إعقلها هتمشي فين دلوقتي في نصاص الليالي وبحالتها دي.
قال بقسوةٍ تملئ عينيه:
_ميخصنيش، ترجع للراجل اللي فضلته عليا، تغور في ستين ألف داهية المهم مشفهاش هنا لا هي ولا أمها ولا أي مخلوق من عيلتها.
تنهد الشيخ بقلةٍ حيلة، وهتف إليه:
_والدتها توفت من أربع سنين، وجوزها هو اللي عمل فيها كده ولو رجعتله المرادي هيقتلها يا يونس لان آيوب رفعلها قضية خلع.
آه من قلبًا خان جسد صاحبه ومال لمن أحبه، بالرغم من أن يتخذ القسوة وعدم اللامبالة بها منهجًا يدرسه لجميع تعابير وجهه وجسده، الا أن قلبه وخز بقوةٍ لسماع ما قال، واتبعه بالخيانة عقله الذي بدأ يُصيغ له عن حالها البائس حينما فقدت والدتها وهو الوحيد الذي يعلم تعلقها بها.
كانت يتيمة الأب والإن الأم والأب، يا ليتها لم تفعل به ذلك، ليتها تركت بابها مواربًا له، والله وبالله إن كانت تركته لكان يغمسها الآن بأحضانه يهون عنها كل ما طالها بغياب والدتها واختبارها لذلك الاحاسيس الموجوعة.
اتبع النغزة نغزة أخرى، من فعل بها ذلك زوجها!! ، ذلك اللعين الذي يحشد داخله انتقام جهنم ليلهبه بنيرانها، ترى ما الذي حدث بينه وبينها ليفعل بها ذلك؟ وهل تلك هي المرة الاولى التي يرفع يده عليها؟! مهلًا مهلًا لقد أخبره فارس بأنه يضرب والدته باستمرارٍ، والمؤلم له إنها ذاتها خديجة، هل من المفترض أن يكون سعيدًا!
وعلى ذكر فارس يقف عقله عاجزًا عن شعوره تجاه هذا الطفل الذي لم يراه الا بفترة لا تذكر، هل من المحتمل أن يكون ابنه!!!!!
عند تلك الحد وجحظت عين يونس بقوةٍ، لا يحتمل تلك الثورة المشتعلة داخله، فأفاق على هزة يد الشيخ مهران المتساءل بلهفةٍ وقلق:
_مالك يابني إنت كويس؟
ابتلع ريقه بصعوبة، وكل ما يتردد له أن يهرب من هنا، لا يريد الاستمرار بسماع المزيد عنها أو عما يخصها، يود الانهيار بعيدًا، فرفع من صوته الثابت لتستمع له من الداخل عن قصدٍ:
_اسمع يا شيخ مهران، عشان الصداقة اللي كانت بينك وبين أبوها هديك أسبوع، أسبوع واحد تشوفلها أي مكان تاني غير هنا، لو مغرتش من هنا بعد اسبوع يبقى أنا اللي همشي من هنا وإنسى إن ليك ابن أخ كان معتبرك في يوم أبوه..
واسترسل بألمٍ وهو يهرب للخارج:
_وطول ما هي في بيتك بيتك متحرم عليا دخوله يا عم الشيخ!
ترك يونس الشقة وهرول للدرج ومنه لشقته، يغلق بابها بالمفاتيح والمزلاج، وكأن هناك شبح يركض من خلفه.
سقط جسده الذي ظنه قويًا خلف بابه، سرت رجفة هادرة به من شدة انفعاله وغضبه، وأخيرًا من بعد خروجه من ذلك القبو سمح لذاته بالبكاء، فبكى كالصغير، وكف يده يكتم شهقاته بخوف من أن يستمع له حوائط منزله، وكأنه يفعل جرمٍ لا يصح به، وكأن إنهياره أمرًا غير مسموح!!
مال يونس بجسده خلف الباب وتكور كالجنين، يضم ذاته ويبكي دون توقف، مرددًا بهمسٍ مبحوح:
_ليه عملتي فيا وفي نفسك كده؟
هما رموا السهم وإنتِ رشقتيه في قلبي، ليه يا خديجة؟؟؟!!!
مال بوجهه على أرضية رخام شقته، هاتفًا ببكاء:
_مفيش حاجة من اللي عملتها معاكي شفعتلي! عملتيها وإنتِ متأكدة إن بعدها يونس هينتهي، كنتِ عارفة إنك روح يونس اللي بتحركه، هما اخدوا حياتي وإنتِ خدتي قلبي وروحي!
تعالت شهقاته المؤلمة وتابع باستنكارٍ مؤلم:
_إزاي قدرتي تسلمي نفسك لراجل غيري؟؟ ازاي قدرتي تعمليها؟!
اعتدل بنومته متكئًا على ظهره، وكأنه متعمد أن يُؤلم نفسه ليخفف من حدة وجع قلبه، فيشتته بالوجع الجسدي، انهارت دموعه رغم هدوء جسده، فردد ببحة سيطرت على حلقه:
_يا رب لو كان لقائي بيها أقسى من عذابي في سجن الدنيا رجعني ليه تاني يارب!
فرق ذراعيه على الرخامٍ، وأغلق عينيه باستسلامٍ، تاركًا دموعه على وجنته دون أن يهتم بإزاحتها.
*******
بالأسفل.
بقى الشيخ مهران على المقعد المقابل للفراش ينتظر أن تضع الصغير الذي يغفو على ذراعيها للفراش، وزوجته تجلس جوارها تحاول أن تهديها قائلة:
_خلاص يا بنتي بطلي عياط، اللي حصل حصل.
استدارت برأسها وقالت بحرجٍ:
_والله ما كنت عايزة أعملك مشاكل يا عم الشيخ، أنا كنت نايمة وقلقت ملقتش فارس جنبي، خوفت يكون معتز درى بقضية الطلاق اللي آيوب رفعها لإن المحامي كلمني وقال إنه هيعرف خلال يومين تلاته.
واسترسلت وهي تزيح دموعها بطرف حجابها الطويل:
_قومت أدور عليه زي المجنونة، لقيت الباب مفتوح فخرجت لقيت يونس قدامي، اتصدمت ومعرفتش أتصرف.
ورفعت عينيها المتورمة من البكاء إليه:
_بس أنا مش هكون السبب إنك تخسر ابن اخوك، بكره الصبح همشي وأروح أي حتة بعيدة عن هنا.
قالت الحاجة رقية بشفقةٍ وحزن:
_هو إنتي قادرة تصلبي طولك يا بنتي!
كان الشيخ صامتًا يستند بوجهها على عكازه، فنهض واقفًا وقال:
_نامي يا بنتي والصباح رباح، ومتحمليش هم اللي بيني أنا وابني، لما يعرف إن فارس ابنه وإننا عملنا كل ده ليه هيهدى وهيسامح أنا عارفه كويس.
انتفضت خديجة عن الفراش واتبعته بوقفته القريبة من باب الغرفة، تصيح بلوعةٍ:
_لااااا... أبوس إيدك يا عم الشيخ متعملش كده، أنا لو أعرف إن يونس خارج مكنتش قبلت إني أعرف على معتز قضية الطلاق.
التفت لها الشيخ وبقت عينيه أرضًا عنها:
_ليه يا بنتي، عايزة تحرميه من ابنه وتستحملي عيشتك مع البني آدم ده ليه؟!
عادت بضعة خطوات لأقرب مقعد، ورددت تبرر سبب جملتها:
_ يونس لو عرف الحقيقه مش هيسكت وخصوصًا لو عرف بموضوع ابنه، مش بعيد يروح لمعتز ومعتز شراني يا عم الشيخ، ممكن يرجعه السجن تاني أو يحاول يقتله!
ارتعب الشيخ وتعالت شهقات الحاجة رقية، فنهضت إليه تصيح برعبٍ:
_خديجة بتتكلم صح يا مهران، أنا مش مستغنية عن ابني!!
تنهد بقلة حيلة، فأصبح عاجزًا حتى عن التفكير، فقال بحزنٍ تعمق إليه وجعله كالذي يصارع الموت:
_ابني وابن اخويا في يوم واحد، اللهم لا اعتراض، لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم.
وتابع وهو يخرج من الغرفة:
_نامي يا بنتي واطمني ربك موجود وقادر يخلصنا من كل اللي احنا فيه.
وقال قبل أن يغلق باب الغرفة :
_خلبكي معاها يا حاجة رقية.
فهمت ان زوجها يخشى أن تحمل ابنها وتترك المنزل، فأشارت له بطاعةٍ:
_حاضر يا عم الشيخ، روح إنت أفرد جسمك قبل صلاة الفجر.
هز رأسه وغادر منحي الجسد، يشعر بأنه بحاجة للقاء ربه الآن ليشكو له ما يضيق صدره، فتوضأ وقام الليل بين يد الله عز وجل.
*******
صباحًا في لندن.
تجلس قبالة معشوقها وحبيبها وزوجها، لتناول طعام الافطار، ذلك العاشق الذي يخصص لها وقتًا صباحًا لها قبل مغادرته لعمله.
يحاول بشتى الطرق أن يملأ يومها ومتفهمًا لانشغالها بالخروج لحفلات الوسط الآرستقراطي المتكررة، لم ينالها غضبه يومًا وكل دقيقة يمضيها برفقتها يخبرها أنها أعظم انتصاراته.
ترك كفها فنجان قهوتها وتسللت ليده المتمسكة بأحدى المجلات التي تتحدث عن المشروع الذي بات حديث العالم، وصُيغ أن "عمران سالم الغرباوي" المسؤول عن تنفيذه بينما أصبح "أحمد الغرباوي" شريكًا بنسبة تفوق المساهمين.
شعر بكفها فترك ما يحمله واستدار إليها مبتسمًا، منحته ابتسامة رقيقة وسألته مباشرة دون أي صياغة للحديث:
_مبسوط معايا يا أحمد؟
ترك المجلة والجرائد جانبًا، وقرب مقعده إليها، حتى بات يجاورها، فسحب كفها المدفون بين كفه الخشن وقربه لشفتيه يقبله بحنانٍ، وصوته الرجولي يهمس:
_وأنا أيه اللي في حياتي يخليني سعيد غير وجودك جنبي يا فريدة!
تعمقت بالتطلع لرماديته، وقالت بحزنٍ لمسه أحمد بصوتها:
_أنا بحبك أوي يا أحمد.
انزوى حاجبيه باستغرابٍ،" فريدة هانم الغرباوي " ليست من النوع الذي يصرح عن مشاعره بشكلٍ مباشر، تلك السيدة يعرفها أكثر من أي شخصًا، كالمجلة التي كانت بين يديه منذ قليل، يعلم بدايتها من الغلاف للغلاف الأخر الذي يعلن عن نهايتها.
رفع أحمد يده لوجنتها، إبهامه يمرره عليه برفقٍ وعينيه متعلقة بعينيها:
_في أيه يا فريدة؟ ليه شايق في عينك حزن وإحساس بالذنب تجاهي!
تهربت من مرآة ستعكس حتمًا حقيقتها، فرفع ذقنها لتواجه رماديته مجددًا، متنعمًا بزرقة عينيها الفاتنة، فظن أنها تمر ببعض التقلبات لذا قال:
_حبيبتي اللي فات من حياتنا خلاص اتمسح اللي جاي هنكتبه احنا بايدينا.
وتابع بهدوءٍ وحذر:
_ لو حاسة إن الماضي صعب تنسيه ومحتاجة لمساعدة مفيش مانع تلجئي لعلي، هو هيقدر يساعدك ويسمعك يا فريدة.
هزت رأسها بابتسامةٍ تحاول صنعها، وما ان كاد بمتابعة عمله على الحاسوب حتى أسرعت بالحديث قبل أن تتهرب منه:
_أنا زعلانه لإني حرمتك من الخلفة يا أحمد، احساس الذنب مش مخليني مرتاحة، إنت ذنبك أيه تتحرم من إن يكونلك ولد!
سحب نفسًا طويلًا يهييء به الحديث، وقال بحبٍ مرسول من مُقلتيه:
_أنا مش هكدب عليكي وأقولك إن بتمنى يكونلي ابن أو بنت منك، بس أنا مش طماع أو أناني يا فريدة، مش طماع لإن كفايا إنك معايا واتجمعنا بعد فراق السنين دي كلها، ومش أناني أطالبك بشيء فوق مقدرتك وخصوصًا وانتي هتستقبلي أول حفيد ليكِ.
واسترسل قائلًا برضا تام عن حديثه السابق:
_ولو على رغبتي إني أكون أب فأقسملك بالله بأن علي وعُمران وشمس أولادي، ولعلمك بقى الأولاد طالعين شبهي أكتر من أبوهم الحقيقي نفسه.
ابتسمت بفرحةٍ، وغمرها شعور الراحة لقرارها المصيري التي اتخذته، لا تعلم إن أخبرته بحملها ورغبتها في التخلص من جنينه حينها ستختلف وجهة نظره، ما قاله الإن بناء على واقعه ولكن ان حدث الأمر ووقع حينها سيختلف كل شيء!
*******
قاد سيارته متجهًا للمشفى، اليوم هو المعاد المحدد لخروج والدته، صف جمال سيارته وهبط متجهًا للمشفى، فوجد صبا تجلس بالخارج وعلى ما يبدو بأنها كانت تنتظره، فما أن رأته حتى نهضت واتجهت اليه.
وقف قبالتها بجمودٍ، لم تمنعه من الدخول بكلمة واحدة بل دنت إليه فتوقف هو، كانت ترتدي نظارة سوداء تحجب عينيها عنه، فطال بنظره تجاهها بفضول لمعرفة ما تخبئه خلف تلك النظارات التي ترتديها لمرتها الاولى.
تنحنح يجلي صوته ليقطع صمتها الغريب:
_خير؟
دون أي حديث منها، رفعت ظرف مغلق إليه، تناوله منها وفتحه في نفس لحظة تردد سؤاله:
_ده أيه؟
تفاجئ بمفتاح شقته، وذهبها الخاص، وبعضًا من المال كان قد تركه لها مسبقًا لمتابعتها مع الطبيب ولاحتياجها الخاص لأغراضها.
زفر بضيقٍ شديد، وقال:
_وبعدين يا صبا؟ أفهم من اللي بتعمليه ده أيه؟ عايزة توصلي لأيه يعني!!!
أجلت حبال صوتها المبحوح وقالت:
_مش عايزة أوصل لحاجة، ده مفاتيح شقتك وحاجتك بما ان اللي بينا انتهى..
التاع قلبه ألمًا وأمسك يدها بقلقٍ فشل بتلاشيه:
_صوتك ماله؟؟ وليه لابسه النضارة دي!
قالها وهو يزيحها عنها فصعق حينما وجد عينيها منتفخة بشكلٍ مقبض، جذبت صبا النظارة من يده وارتدتها خشية من أن يظنها تحاول أن تستعطفه، ثم قالت:
_هتلاقي الفلوس ناقصة بس إن شاء الله هردهملك قريب..
ودون أي اضافة منها استدارت تجذب تلك الحقيبة التي لم يتثنى له رؤيتها، وما كادت بالرحيل حتى اوقفها بعصبية:
_إنتِ راحة فين؟ وأيه الشنطة دي؟!!!
وتابع وهو يجذبها لسيارته:
_اركبي يا صبا وبطلي العبط ده انتي وابني ملزومين مني حتى لو منفصلين!
جذبت ذراعها منه ودفعته بقوة جعلته يرتطم بباب السيارة ربما لأنه لم يتوقع فعلتها:
_شفقة يعني!! لا متحملش هم ابني أنا هقدر أربيه وأصرف عليه كويس، بلاش نزود مسؤولياتك ونتقل من حملك وإنت على أكتافك مسؤوليات كبيرة يا بشمهندس.
وسحبت حقيبتها واتجهت لتوقف سيارة أجرة، فجذبها إليه بعنفٍ غير معهود، صارخًا بغضب:
_إنتِ شكلك اتجننتي، إنتِ متخيلة اني هسيبك هنا في دولة غريبة ولوحدك!!
وقدم لها الظرف قائلًا:
_الشقة دي بتاعتك حتى لو كانت ايجار، والدهب ده شبكتك ولا يمكن أسترده منك حتى لو مش لاقي أكل مش بنفصل عنك!!!
واستطرد بهدوء يحاول التمسك به:
_اعقلي يا صبا واهدي... ماما خارجة النهاردة ومش حمل كل ده.
وقال وهو يعيد فتح باب سيارته:
_اركبي هوصلك قبل ما أدخلها.
ابتسمت ببسمة باهته وقالت:
_مش راجعه معاك يا جمال، أنا خلاص حجزت طيارة على مصر بجزء الفلوس اللي اخدتها من المبلغ اللي معاك، فمش هبقى حمل عليك تاني.
وسحبت الحقيبة هادرة:
_رلنا يعوضك بالزوجة اللي تعوضك عن أنانيتي عن إذنك.
برق بصدمة لما فعلته، لقد تسللت من بين أصابعه كالمياه، وقف يتابعها وهي تعبر الطريق الاخر بارتباكٍ، مال على السيارة يضم رأسه بيديه وقلبه يزيد من وجعًا وُلد بأعماقه.
فاغلق باب سيارته بقوةٍ وعبر خلفها، رأته يأتي إليها والفرحة تزيد بداخلها، هي بالنهاية لا تريد خسارته، وبقرارة نفسها تعلم بأنها مخطئة.
وقف قبالتها يسحب الحقيبة ثم قال:
_ممكن نقعد ونتكلم شوية.
طالعته من خلف نظارتها وقالت:
_بس هتأخر على معاد الطيارة.
قبض على الحقيبة بغضب:
_مش هتسافري يا صبا، مش هتبعديني عن ابني فاااهمه!
ابتلعت غصتها المؤلمة بصعوبة بالغة، هل كل ما يعنيه ابنه!! ماذا عنها؟
حسنًا حسنًا لقد أخطأت تعلم ذلك، ولكن ألا يحق لها أن تُمنح فرصة، ازدردت ريقها وقالت بضعف سيطر عليها:
_متقلقش مش هحرمك منه، إنت أبوه وليك نفس الحق اللي أنا بملكه.
صوتها المتعب وحالتها تلك، استسلامها هذا يوقظ كل وجعٍ داخله، وخاصة حينما قالت:
_لو تقدر تخلص أوراق الطلاق قبل ما أسافر يكون أفضل، لإن برجوعي لمصر هيكون الموضوع صعب.
اتسعت مُقلتيه بدهشةٍ، وقال بسخرية:
_أوراق الطلاق!! انتِ مستبيعة بقى!! استسلمتي بدري اوي!
ابتسمت بنفس عمق وجعه وقالت:
_معتش شيء ممكن يتعمل بعد ما نطقت الكلمة دي... خلاص كده.
دنى إليها حتى تقلصت مسافتهما:
_يعني أنا مستهلش إنك تحاربي عشاني يا صبا؟ مستاهلش إنك تحاولي ترجعيني ليكِ؟
أزاح نظارتها السوداء وقال بوجع:
_بالرغم من جرحك ليا الا إني مش قادر أشوفك بالحالة دي، صعب عليا أسمع صوتك وأحس بتعبك ده، أنا اللي انهزمت ومن أول جولة!! أنا اللي بتوجع منك وليكِ!
أخفضت وجهها أرضًا وبكت بانهيارٍ، هامسة بصوتٍ اختفى نهائيًا وبات مسموعًا بالكد:
_آسفة... سامحني.
جذب يدها وجذبها إليه، ضمها بكل قوته، لدرجةٍ جعلتها متجمدة من الصدمة، جمال زوجها لا يملك تلك الجراءة لفعلها، والآن يفعلها وسط المارة غير، عابئًا لأي شيء.
ارتعش جسدها بين يديه وشعرت بأنها غير قادرة على الوقوف.
ترقبها أن تحيط ظهره ولكن وجدها متخشبة لا تعرف ماذا تفعل؟ ، مال إعلى كتفها وقال بخشونة صوته الرجولي:
_رديتك يا صبا.
ازداد نحيبها بشكلٍ ملحوظ، فرفعت يديها وتعلقت به بقوةٍ جعلته يزيد من ضمها، فقال وقد شعرت هي بأن دموعه قد تدفقت على وجنته:
_آسف إني اتخليت عنك بالسهولة دي، بس كان غصب عني جرحك ليا كبير ومش راضي يلم!
رددت ببحتها المؤلمة:
_والله عمري ما بصيت لراجل غيرك، أنا بس لفت نظري طريقة لبسه مش اكتر.. آسفة والله ما هقول كده تاني... بس متسبنيش أنا بحبك والله.
ظل يضمها حتى ينتهي من اخفاء دموعها، وحينما استعاد ثباته ابتعد عنها وقال:
_خلاص يا صبا بلاش نتكلم في اللي فات، يلا عشان منتاخرش على ماما أكتر من كده.
وحمل الحقيبة وأمسك يدها يعبر بها الطريق مجددًا لسيارته، وضع الحقيبة بصندوق السيارة ليخفيه عن والدته ثم أشار لها:
_يلا ندخل.
فتحت الباب الأمام وقالت بخفوت:
_هستناك هنا.
استدار بعدما كاد بالدخول:
_لا.. تعالي معايا عشان يوسف يكشف عليكِ الأول، شكلك مجهد وتعبان.
انزلقت الدموع من عينيها بكثرةٍ، فهبط الدرجة الخارجية ليكون قبالتها، أمسك يدها وسألها بقلقٍ:
_مالك؟ التعب زاد عليكي؟!!
هزت رأسها بالنفي وهمست له:
_مقدرتش أفهم حبك ليا صح، مواقفك كلها ليا بتعترف بحبك وأنا كنت عامية مبشفش!
ابتسم وهو يراقب الطريق من حوله، فمرر إبهامه على كفها وقال:
_هخليكي تشوفيه كويس، من هنا ورايح هصدعك بكلمة بحبك لحد ما تقوليلي خلاص يابو عُمران صدعت!
شملتها الفرحة ولكنها تساءلت باستغراب:
_عُمران!
هز رأسها مؤكدًا بثقة:
_طبعًا ابني مش هيكون الا على إسم الشخص الأقرب ليا، عُمران أفضاله عليا كتيرة، فحابب إن ابني يكون على اسمه بس ربنا يستر وميبقاش وقح زيه!
ضحكت على جملته الاخيرة، وقالت:
_سميه زي ما تحب، أنا مش معترضة.
جذبها ليغلق باب السيارة وولج بها للداخل بصمتٍ، بينما أحاطتها فرحة رده لها وعدم تأثر علاقته برفيقه لأجل حديثها الأحمق.
******
بالمركز الطبي الخاص بعلي الغرباوي، وبالأخص بغرفة الكشف الطبي الخاص بالنساء والتوليد.
زفر يوسف بضجرٍ، وهو يتابع تلك التي تتمدد على الفراش قائلة وهي تتصنع الألم:
_مستني أيه اكشف عليا، أنا تعبانه وعندي إغماء فظيع!
مرر يده على جبينه يفركه بغضبٍ، وابتعد بمقعده المتحرك متجهًا الى مكتبه، نهضت ليلى تخفض سترتها، وقالت بعصبية:
_إنت دكتور إنت!! بقولك تعبانه تسبني بالشكل ده!!
رفع بصره عن الحاسوب وأشار بيده للباب:
_روحي لشغلك يا دكتورة، إتاخرتي!
جذبت ليلى أحد المقعدين المقابلين إليه وصاحت بانفعالٍ:
_ده ردك يا يوسف، ابنك تعبني وأنا مش قادرة بقولك اكشف عليا واديني علاج تسبني بتوجع وفوق كل ده بتتعامل معايا بمنتهى البرود!
عاتقت يديه وجهه وهمس بسيطرة تامة على أعصابه:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم!!
وأبعد يديه هادرًا بغضب:
_ليلى أنا بقيت كاشف عليكي أربع مرات وإنتي في شهرك الأول!! وده غلط مش فاهم انتي دكتورة ازاي أصلًا! وبعدين يا حبببتي كل الاعراض اللي بتقوليها دي طبيعية جدًا جدًا لما يخترعوا ليها علاج إن شاء الله هبقى أكتبهولك.
جذبت حقيبتها وصاحت بانفعال:
_بتتريق عليا يا يوسف ماشي.
وقف عن مقعده وقال يراضيها:
_حبيبتي أنا أقدر.. حاولي بس تاخدي الامور بشكل طبيعي واشغلي عقك في شغلك.
وتابع باستغراب:
_بس غريبة يعني بقالك كام يوم في البيت، إنتِ بطلتي تدخلي عمليات ولا أيه؟
جلست على سطح مكتبه وأخرجته من حقيبتها كيسًا بلاستيكًا وهي تجيبه:
_برفض أدخل عمليات أساسًا، أنا أم ومقبلش إن ابني يشوف منظر الدم والمشرط والفيلم الرعب ده.
زوى حاجبيه بصدمة:
_هو فين ابنك معلش؟
أشارت لبطنها المسطح بتلقائية:
_هنا ، إنت نسيت إني حامل ولا أيه؟!
حك لحيته بغيظٍ، وقال مبتسمًا بالاجبار:
_ودي حاجة تتنسي، ده موضوع مصيري ومستحيل يتنسي!
وهمس بصوتٍ غير مسموع:
_منك لله يا عُمران ، نقيت فيها أديني بدفع التمن غالي!!
_بتقول حاجة؟
تنحنح بخشونة:
_أنا أبدًا.
ورفع من حقيبتها الكيس البلاستيكي متسائلًا بذهول:
_ده أيه يا ليلى؟
رفعته له وقالت ببسمة فخورة:
_بقسمات يا حبيبي، مقدرش أمشي من غيرها، ده العلاج اللي مخترعهوش للاغماء، أول ما أحس إني هجيب اللي في بطني أطلع الكيس، عشان كده بطلت أظهر في المستشفى، يعني أكيد متقبليش إنهم يقولوا عليا دكتورة البُقسمات جت دكتورة البُقسمات راحت!!
جلس على مقعده بتعبٍ بدأ يهاجمه، وقال بصعوبة:
_ليلى إنتِ بتعملي كل ده عشان أندم وبعد كده أقولك خلي ابننا يبقى وحيد وبلاش نخاويه! لو الحكاية كده فأنا ندمت من دلوقتي ومش هتتكرر تاني يا حبيبتي.
عبست بعينيها مدعية البراءة:
_جو حبيبي أيه الكلام اللي بتقوله ده!!
قاطعهما صوت طرقات الباب، فابتعدت ليلى عن طاولة مكتبه واتخذت المقعد القريب منه ثم جذبت حقيبة يدها تضمها إليها كابنها الرضيع، بينما اصبعها يختطف المقرمشات وتتناولها بنهمٍ.
هز رأسه بقلة حيلة، وتعالى بقوله:
_ادخل!
ولج جمال للداخل، فنهض يوسف يستقبله بترحاب وفرحة:
_جيمي، أيه المفاجأة الحلوة دي؟
عانقه هامسًا بمشاكسة:
_على اساس انك مكنتش سهران معايا طول الليل!
وابتعد يصوب بصره تجاه الجالسة وقال:
_ازيك يا دكتورة ليلى، عاملة أيه؟
أجابته ببسمة هادئة وقد راق لها بأنه يتطلع بمكانٍ قريبًا منها دون أن يجرحها بنظراته:
_الحمد لله بخير يا بشمهندس، أخبارك مدام صبا أيه؟
قال وهو يتجه للخارج:
_معايا بره أهي.
وعاد إليهما بها، فاندهش يوسف وطالعه بنظرة مستفهمة فمال إليه يهمس:
_ردتها.
ضمه يوسف بفرحة وسط نظرات تعجب الفتيات، وهمس له:
_طول عمرك راجل يا جمال.
تبادلت الفتياتين السلام بحرارةٍ، وجلستا يتطلعان إليهما، فقال جمال:
_كنت جاي أخد والدتي فقولت أعدي عليك تشوف صبا، صوتها رايح خالص وشكلها مجهد.
نهض يوسف عن مكتبه وقال بترحابٍ:
_أوي اوي.. اتفضلي لأوضة الكشف يا مدام صبا.
ولجت ليلى برفقتها تعاونها على الاسترخاء بالفراش الطبي، وبالفعل فحصها يوسف وعاد يدون لها بعض الادوية قائلًا ببسمة جذابة:
_البيبي كويس الحمد لله وكل أموره طبيعية، الدوا ده لوجع واحتقان الحلق، والاجهاد ده هتحتاج للراحة مش أكتر.
التقط منها الروشتة، وأخبره:
_ماشي أنا هطلع لماما، أشوفك بليل إن شاء الله.
أومأ له بتفهمٍ، فحينما يكون أحد من ثلاثتهم برفقة زوجته لا يطول بالحديث مع الاخر مثلما اعتادوا.
غادر جمال وصعد لوالدته، عاونها على الجلوس بالامام وصبا بالخلف، وعاد بهما لشقته مرة أخرى، وبداخله حربًا فيما سيفعله بعلاقته مع زوجته!
******
_مفاجأة أيه يا علي قولي؟!
قالتها وهي تستمع لمكالمته، فلم يمر يومًا دون أن يهاتفها علي، أتاها صوته الدافئ يخبرها:
_لو قولت مش هتكون مفاجأة يا روح قلب علي، خليني أفجئك بطريقتي.
وتابع بحبٍ:
_يلا يا حبيبتي متعطليش نفسك وكملي شغلك.
ردت عليه بشوقٍ:
_هستنى أعرف أيه هي بفارغ الصبر، مع السلامة يا علي.
أغلقت الهاتف وتركته على سطح المكتب، ثم حملت الملف من أمامها واتجهت للباب المتصل بمكتب عُمران تطرقه.
رفع عينيه عن حاسوب والأوراق من أمامه، مشيرًا لها بابتسامة هادئة، فولجت للداخل تضع ملفها أمامه، قائلة :
_راجع الملف ووقعه.
جذب منها الملف يوقع في الخانة المطلوبة وقدمه لها، فضيقت حاجبيها بانزعاجٍ:
_ازاي تمضي من غير ما تراجع الحسابات؟!
جذب الاوراق السابقة لديه وقال:
_واثق إن حساباتك كلها صح يا فاطيما، وحتى لو عندي نية للمراجعة فالنهاردة مش يومه.
وأشار على الملفات المتراصة من أمامه بضيق:
_أنا مش فاهم إزاي انشغلت في المشروع وسبت الدنيا بالشكل ده، تقريبًا قدامي هنا يومين عشان أروح.
ابتسمت وسحبت بعض الملفات قائلة:
_متقلقش هحاول اساعدك.
اتسعت ابتسامته فرحة:
_ربنا يخليكي لأخوكي الغلبان اللي معتش حد حاسس بيه في الشغل غيرك.
اكتفت بهزة ممتنة له، فقال بمرحٍ:
_قبل ما تمشي لازم تفهمي أن للأخ واجبات ولازم تتعمل مظبوط عشان يتفانى في الأخوة، واهم واجب عليكي كوباية قهوة مظبوطة كل ساعتين بدون ما أنا اللي أطلب على أساس إني محرج منك وكده فبالتالي لازم تكوني ذكية وتفهميني بدون ما لساني يتواقح ويطلب الطلب ده.
تحررت ضحكتها وردت عليه:
_عنيا حاضر.
غادرت لغرفة مكتبها بينما عاد يتابع عمله بانهاكٍ، فإذا بهاتفه يدق للمرة التي تخطت الرابعة والعشرون.
رفع عُمران شاشة الهاتف يتطلع لاسم المتصل ببسمة مستمتعة، هامسًا بخبثٍ:
_طق من غيظك أما نشوف مين فينا اللي بيتلوى دراعه يابن أشرقت!
انتهى الرنين وصدح صوت رسائل يستقبلها الواتساب، حرر عُمران الشاشة ليجد ثلاث ريكوردات منه، فتح أولهم وهو يلف بمقعده باستمتاعٍ:
_وبعدين معاك يا عُمران بكلمك من الصبح ومش بترد، انا عارف إنك متعمد ده.. بتعاقبني يعني ولا أيه مش فاهم أنا!!!!
الرسالة الاخرى بعد السابقة بساعة تقريبًا:
_طيب رد ونتكلم متعودتش يومي يعدي من غير ما تكلمني إنت!! عشان كده مشيت بدري امبارح!! لانك زعلان اني طلقت صبا، مهو أنا أكيد مخدتش القرار ده من فراغ يا عُمران، وانت عارف اني بشاركك كل حاجة بس في حاجات مينفعش احكيها... احترم قراري ورد عليا بدل ما والله العظيم أجيلك وأسيب أمي أنا قولتلك اهو.
الرسالة الاخيرة التي وصلت منذ ثوانٍ:
_ردتها يا عُمران ارتحت!! افتح بقى!!!!
تحررت ضحكة على وجهه، فأشرقته بجاذبية لا تخص سواه، فحرر هو زر الاتصال المتلهف إليه وما ان استمع لصوته يجيبه حتى قال بفرحة:
_مبسوط أوي إنك عقلت يا جيمي، خليك كده عاقل عشان أحبك.
انفجر به غاضبًا:
_انت يعني بتلوي دراعي عشان أردها يا عُمران!!!
ضحك مستهزءًا:
_احلف انك ردتها عشاني!
صمت الاخير وقال:
_بصراحة أول ما شوفتها مقدرتش أتحمل فكرة إني هبعد عنها!
_لانك بتحبها يا جمال، ويا سيدي أنا مش عايز اعرف سبب الطلاق ولا اللي بينكم كل اللي عايز أقولهولك ان خراب البيت مش سهل، أنا أكتر واحد جربت ازاي تعيش من غير أب، ومهما انت حاولت تحافظ على ابنك وتعوضه والله ما هتقدر طول ما أنت ووالدته بعيد عن بعض، فكر في ابنك وفي بيتك يا جمال، حاول ازاي تصلحه مش تخربه!!
وتابع بحزنٍ تعمق داخله:
_كلنا بنغلط، مفيش حد اتولد ملاك، ادي فرصة مرة واتنين لان حياتك مع الانسانة اللي بتحبها تستاهل إنك تعمل كده وتضحى، يمكن تغلط إنت النهاردة وتسامحك هي، وبكره الدور هيجي عليها وهتلاقي نفسك بتغفرلها وإنت راضي لانها سبق وقدمتلك العفو.
خليك واثق إن الدنيا عمرها ما هتكون وردي وبفراشات، لسه في تعثرات كتيرة جاية لازم تكون مستعدلها كويس.
_ماشي يا عم أحمد شوقي، هشوفك عند سيف النهاردة؟
باستنكار سأله:
_نعم!! انت ناوي تروح وتسهر، أمال ردتها والكلام اللي كنا بنرغي فيه ده أيه!! انت بتشتغلني ولا فاضي بروح أمك!!!
_آه من لسانك اللي عايز مقص مالوش فرامل يقصه ده.. يابني أنا اتنيلت ورجعتها بس بردو محتاج أحسسها بغلطتها عشان خايف تكررها يا عُمران.
حزن عُمران لما تسبب هو به رغمًا عنه، ولكنه أحرز نقطة ايجابية حينما نجح بضغطه عليه ليعيد حياته، فتنهد قائلًا:
_خلاص يا جمال زي ما تحب.. بس عشان خاطري الولد اللي جاي مالوش ذنب.
_عُمران متخنقنيش أكتر من كده... ها جاي بليل ولا أيه النظام؟!!!
أجابه بانهاكٍ:
_لا مش هقدر عندي شغل متلتل فوق دماغي، بسبب المول، هحاول أخلصه عشان الاسبوع الجاي هنكون أنا وانت في الموقع كل يوم.
_طيب مش هطول عليك... أشوفك بكره يا وقح!!
ضحك بسخرية:_مقبولة منك يا متهور!
وأغلق الهاتف ثم عاد لعمله، فقاطعه حسام سكرتيره الخاص يناديه:
_مستر عُمران، في واحد محامي بره مصر يقابل حضرتك وبيقول إنه جايلك في مسألة شخصية!
استند بظهره على المقعد، ويده تلهو بالقلم:
_وده عايز أيه ده!!
رفع كتفه بحيرة، فقال عُمران:
_دخله لما نشوف حكايته أيه!
خرج حسام يشير للمحامي:
_تفضل سيدي بإنتظارك.
ولج للداخل يصافحه وهو يردد برسمية باحتة:
_يشرفني مقابلتك وجهًا لوجه سيدي.
أجابه عُمران بفتور:
_أشكرك... تفضل بالجلوس.
جلس قبالته يردد بارتباك ملحوظ:
_سيدي، لقد جئتك بطلبٍ من احدى السجينات التي تبنيت الدفاع عنها، واليوم حينما فشلت باخراجها طلبت مني الحضور إليك بشكلٍ خاص وآ...
قبل أن يستكمل كلمة واحدة سأله عُمران بصوتٍ محتقن:
_ما إسمها؟
لعق شفتيها بتوترٍ:
_ألكس!
واستكمل قبل أن يتحرر وحش عُمران:
_طلبت مني إخبارك بضرورة زيارتها لتخبرك أمرًا هام متعلق بآ.....
أطاحه عُمران عن مقعده، ودفعه للحائط هادرًا بانفعالٍ شرس:
_كيف تجرأ على الحضور هنا وذكر إسم تلك العاهرة أمامي!!
فتح باب المكتب ومن ثم دفعه بالخارج أرضًا وأشار له بتهديدٍ:
_إن أتيت إلى هنا مجددًا أعدك أنك لن تخرج حيًا أيها المعتوه.
وصرخ بعنفوان:
_حســــــــام اطلب (Security Guard السيكيورتي جارد) من تحت يرمي الكلب ده من هنا، وممنوع يظهر في مكتبي مرة تانية والا مش هيحصلك كويس.
وتركه وولج لمكتبه يغلق بابه بقوةٍ، وعاد لمقعده ينظم أنفاسه حتى هدأ تمامًا.
********
دث مفتاحه بباب الشقة، ولج بالأكياس الضخمة التي يحملها يناديها وعينيه تفتش عنها:
_ســـــــــدن!
عاد يكرر ندائه والاخرى تقف مندهشة أمام مرآة المرحاض، فخرجت تقف أمامه مرددة كالبلهاء:
_أهناك فتاة هنا غيري!
التفت تجاه الصوت وسريعًا ما استدار، يضع يديه على عينيه صارخًا:
_كيف تخرجين أمامي كذلك ألا تخجلين يا امرأة!!
انزوى حاجبيها البني باستغرابٍ، فشملت ذاتها بنظرة متفحصة، كانت تحيط جسدها بمنشفة ضخمة لا تبرز شيئًا منها الا كتفيها، ومنشفة أخرى على شعرها، رددت آديرا ساخرة:
_بربك يا آيوب أرتدى ثيابًا أقصر من تلك المنشفة! إنها محتمشة عن كل ملابسي!
وجد أنها تمتلك كل الحق، ولكنه ظل كما هو، وناولها أحد الأكياس قائلًا:
_لقد اشتريت لكِ ثيابًا جديدة، ارتدى منها الآن واخرجي لنتحدث قليلًا.
جذبت منه ما يقدمه، وقالت بفضول:
_هل ستقص لي عن أمر تلك السدن المسلمة والحقيقة التي تحدثت عنها بالأمس؟
أومأ برأسه وقال:
_سأفعل ولكن ترتدى ملابسك أولًا.
اتجهت لاحد الغرف وتفحصت ما بالأكياس، فوقفت مبهورة من الفساتين بسيطة التصميم، انتقت احدهم وارتدته، فجحظت عينيها بانبهارٍ تام، وانطلق صوت ضحكاتها المجلل وهي تدور بسعادة أمام المرآة.
هرعت للخارج تصرخ بحماسٍ لذلك الذي يتحدث بالهاتف مع آدهم الذي يخبره بأنه بالاسفل بصحبة علي، ليجد تلك التي تصيح:
_أنظر آيوب لقد أصبحت كالأميرات!
قالتها وهي تلف وهي تفرد ذراعيها بسعادة، انزلقت الكلمات عن فمه، فبقى يراقبها بانبهارٍ، كانت فاتنة بكل ما تحمله الكلمة بهذا الفستان الأسود المحتشم، كان يهبط باتسارع لا يحدد منها أي شيء سوى جمال وجهها وتأنقها باحتشام تام.
لاول مرة يراها جميلة حقًا، رغم وجهها المتورم، لم يغريه جمال العري وكشف ستر جسدها بطريقة كانت تجعله يشعر بالنفور دائمًا تجاهها، والآن قد تيقن بأنها باتت مصدر أشد خطورة عليه.
أفاق من غفلته على صوت آدهم:
_يابني روحت فين أنا تحت البيت هتنزل ولا أيه؟!
رد عليه بعد استيقاظه:
_نازل حالًا.
وأغلق الهاتف، ثم تابعها وهي تعود إليه مجددًا حاملة الحقيبة، تخرج منها فستانًا وراء الأخر وتهاتفه بسعادة:
_أريت إنه جميل حقًا!! انتظر سأجرب هذا.
أوقفها قائلًا:
_انتظري سدن أريد أن أخبرك بشيءٍ.
تأففت بضيق:
_لماذا تناديني بهذا الأسم الغريب، اسمي هو آديرا.
اقترب منها يجيبها برفق:
_ألم تعتنقي الدين الاسلامي بلندن؟
هزت رأسها بتأكيدٍ، فقال:
_حسنًا لن يظل إسمك آديرا بعد.
بانزعاج قالت:
_ولماذا سدن بالتحديد؟! هل كان أخي يعلم بأنني سأعتنق الدين الاسلامي لذا اشتري لي هذا السلسال؟!
امتص انزعاجها حينما قال بحنان:
_سأجيبك على كل أسئلتك أعدك بذلك، ولكن علي الذهاب الآن، أصدقائي بالأسفل ينتظروني، وإلى، أن أعود لا أريدك أن تخرجي من المنزل مثلما فعلتي بالأمس... هل تعديني؟
بدى المكر مختبئ بخضرة عينيها، ولكنها هزت رأسها تؤكد له:
_حسنًا..
وجذبت وشاحًا قد وجدته بالكيس البلاستيكي قائلة ببسمة جعلته لا يود رفع عينيه عنها:
_سأسمح لك بالذهاب أن عقدت لي هذا الوشاح كما أرى على السيدات هنا.
منحها ابتسامة رائعة وقال:
_سأفعل بكل تأكيد.
وبالفعل أحاط آيوب شعرها برابطة تخصها، ليعكصه على شكل دائري، ثم وضع لها حجابًا صغيرًا ترتديه أسفل الحجاب الخارجي.
وضع الحجاب الخارجي عليها ووضع الابرة بمنتصف الحجاب، ثم وضع طرفيه على كتفيها، ووقف يتفحصها هامسًا دون ارادة منه:
_بسم الله ما شاء الله!!!
دغدغها مشاعر تزورها لأول مرة، كانت حزينة حينما ترى النفور منه، ولأول مرة تراه مبهورًا بجمالها، فشعرت بأنها ملكة قبل أن تخطف نظرة لنفسها بالمرآة، يكفيها أنه يراها بهذا الجمال.
شردت بذلك الرجل العظيم، الذي لا يغريه العري بل الاحتشام، احترمته كثيرًا واحترمت دينه الذي يجعله يكن كل الاحترام للمرأة ولزوجته بشكلٍ خاص، لذا تحمست لخطوتها التي تخطط لها منذ الصباح، فوقفت بالشرفة تراقبه وهو يصعد لتلك السيارة الضخمة ويغادر بها الحارة.
******
بمنزل الشيخ مهران.
طرق يونس الباب مرتين متتاليتين حتى فتحت الحاجة رقية الباب، فقالت بابتسامة رائعة:
_ادخل يابني واقف بره ليه؟
بجمودٍ وتحفظ قال:
_قولت لحضرتك مستحيل أدخل مكان هي فيه، عايزك تناديها محتاج أتكلم معاها في شيء.
وتابع بتحذيرٍ:
_ويا ريت تقوليلها تلبس نقابها لاني مش طايق أشوف خلقتها.
أومأت بحزن:
_حاصر يا يونس.
وبالفعل ما هي الا دقائق وخرجت برفقتها، تطالعه عينيها الباكية بحيرةٍ، تهرب من نظراتها وقال:
_هو سؤال واحد هسألهولك وبعدها همشي على طول.
هزت رأسها اشارة له، فتابع بعد مجاهدة بالحديث:
_فارس ابني؟!
تجمدت الحاجة رقية محلها ما بال تلك الهزيلة، سقطت دموعها تباعًا وبدت عاجزة أمامه، مما دفعه للضحك بسخرية مؤلمة:
_هو السؤال ده صعب للدرجادي!! ولا إنتِ من كتر خياناتك مبقتيش عارفة مين أبوه!
_أيه اللي بتقوله ده ، بتخوض في عرض الولايا يا يونس!!
كلمات صرخت بها الحاجة رقية غاضبة، ولكنه تجاهلها وصرخ بمن تقف مرتجفة أمامه:
_سألتك سؤال انطقي!
أجابته بصوتٍ مرتعش:
_معتز أبوه.
طعن قلبه دون رحمة منها لمرته الثانية، ومع ذلك استكمل بثبات:
_وأيه اللي يثبتلي انك مبتكدبيش؟
تركته وولجت للداخل ثم عادت له بحقيبة يدها تخرج إليه الشهادة المزورة، فما أن طالعها يونس حتى أغلق عينيه بألمٍ، وألقاها إليها بغضب واستحقار، كيف سمحت له بالتقرب إليها؟ كيف سمحت بأن تحمل جنينه!
خشيت خديجة أن يكون صمته يعني بأنه لا يصدقها، فقالت؛
_ولو عايز تتأكد أكتر اعمل تحليل واتاكد مش همنعك.. أنا مستحيل أنسب ابن لأب مش أبوه!
ابتسم ساخرًا ونطق:
_اللي سبق وخانت تعمل أكتر من كده.
وتركها وغادر دون أن يلفظ بكلمة اخرى، فتعالت شهقاتها الباكية بصوتٍ مزق قلب رقية، فضمتها إليها وهي تردد بقلة حيلة:
_حلها من عندك يا رب!!
********
بسيارة آدهم.
كان آيوب منشغل بالحديث مع علي عن حالة يونس، بينما هو شاردًا، حزينًا، فلقد تلقى بالامس نتيجة الفحص وقد كان ايجابيًا كما توقع هو وأبيه، اذًا آيوب هو أخيه بنسبة مئة بالمئة، لا يعلم كيف سيصارحه بالأمر.
لمحه يبتسم لعلي، فابتسم بدوره هو الاخر وبداخله يقسم أن لا يدع الحزن يطرق بابه.
توقفت سيارته أمام المحل الرئيسي الخاص بيونس، فهبطوا ثلاثتهم واتجهوا للداخل، فوجدوا ايثان بالداخل.
استقبلهم بحفاوة واخبرهم أن يونس بالطريق، جلسوا على المقاعد ينتظرونه، وما هي الا دقائق وولج يونس ملقيًا السلام فأجابوه جميعًا، ونهض إليه آيوب فتعجب من رؤية الغضب يحيل عينيه، فاستغل التهاء ايثان بالحديث مع آدهم وعلي وجذبه جانبًا يصيح من بين اصطكاك أسنانه:
_كنت عارف إن الخاينة دي في بينك ومقولتليش، لا وكمان رافعلها قضية خلع!!
ابتلع آيوب ريقه بتوتر وقال:
_مكنش ينفع أتخلى عنها يا يونس، جوزها راجل معندوش رحمة وآ..
قاطعه ساخرًا:
_وأيه يابو قلب رهيف، ولا تكنش أغريتك وكلت بعقلك حلاوة إنت كمان، فعايز تطلقها منه وتتجوزها انت!
جحظت أعينه بصدمة، وقال:
_أيه اللي بتقوله ده يا يونس!!! أنا الست اللي كانت في يوم مرات أخويا محرمة عليا ليوم الدين!!
أخفض عينيه أرضًا وقال بحرجٍ:
_أنا آسف يا آيوب، بس لما شوفتها عند عمي وأنا هتجنن..
ربت على كتفه وهدر بتفهمٍ:
_ولا يهمك المهم تعالى أعرفك على علي صاحبي من لندن.
خرج برفقته واتجه إليهم، جلسوا قبالتهم، فأشار آيوب عليه:
_ده الاستاذ علي أخو عُمران صديقي اللي كنت بتكلم معاه.
صافحه يونس بودٍ، بينما مد إيثان يده يصافحه بحرارة:
_أنا أعرف أخو حضرتك وأتمنى أنك تقنعه يشتغل عندي(عارض أزياء Fashion model) ، عنده كاريزما وحضور رهيب.
ضحك علي وأجابه:
_بلاش تشتغل مع عُمران في شيء مهم وشايفه حلم لآنه مش بس هادم الأحلام والملذات ده هيفرم حلمك ويحشيه في صينية مكرونة بشاميل، وإسأل آيوب هو أكتر واحد هيعرف يديك معلومات عن الطاووس الوقح!
ضحكوا جميعًا، فأكد آيوب:
_والله بحاول أقنعه مش راكبة معاه!
زفر إيثان بضيق:
_طيب ليه ميبقاش طيب وعِشري زي حضرتك كده؟
ردد آدهم ضاحكًا:
_عُمران وطيب في جملة واحدة!! يا كابتن إيثان خليك في جيمك تدرب عضلات الناس بدل ما بعد كده تحتاج اللي يدربلك عقلك عشان يرجع طبيعي زي ما كان!
ابتلع ريقه بارتباكٍ وقال:
_ليه هو مجنون؟
انفجروا ضاحكين، الى أن قال آدهم بصعوبة:
_لا وقح ومعندهوش حدود.. وأدي أخوه اسأله!
كان علي يتابع يونس بدقة، جعلت آيوب ينهض وهو يشير لايثان:
_تعالى بره عايزك.
وعلى الفور لحق بهما آدهم لعلمه المسبق لما يحدث هنا، وقبل أن يخرج وضع مفاتيح سيارته لعلي قائلًا:
_المفاتيح أهي يا علي، يادوب ألحق مشواري قبل معاد الطيارة بليل.
شاكسه ببسمة جذابة:
_ماشي يا حضرة الظابط بس خد بالك من المية واليخت، مش عايز مشاكل مع عُمران أنا!
رفع يده لعينيه:
_شمس في عنيا الاتنين، حتى لو وصلت أكون مركب نجاة ليها مش هتأخر.
أشار له ضاحكًا:
_طيب الحق وقتك لإنه بدأ ينفذ.
أشار بيده بسلامٍ عاجل وخرج على الفور، بينما بقى علي قبالة يونس يتابعه ببسمةٍ هادئة، فشقها قائلًا بمكرٍ:
_من ساعة ما قعدنا وأنا ملاحظ إنك ساكت ومش بتتكلم خالص، ده حتى صاحبك بيتكلم وبيضحك أكتر منك.
استند بظهره للمقعد وقال ببسمة ساخرة؛
_وأيه اللي يخلي الواحد يفرح ويجيله نفس للكلام!
بدأ بدوره بمهارةٍ، فتابع على نفس المنوال:
_وأنت فاكر إن كل اللي، حواليك دول معندهمش اللي يخليهم بحالتك دي أو أبشع منها، بس الأغلب بيتناسى اللي بيواجهه وبيحاول يتجاهله عشان يقدر يعيش.
ربع يديه حول صدره وتابعه بقوله المستهزأ:
_مفيش شخص بيقدر ينسى، كل ده كدب.
مال علي بجلسته للأمام وقال مبتسمًا:
_هي صحيح كدبه بس هما كمان بيحاولوا يشوفوها كده عشان يكملوا الحياة اللي لو وثقوا إن اللي شافوه حقيقة وواقع حياتهم هتتدمر، زي ما أنت بتدمر حياتك كده يا يونس.
اتسعت حدقتيه بدهشةٍ:
_تقصد أيه؟!
اتسعت ابتسامته وقال بصوته الرخيم:
_اللي شوفته في حياتك أيًا كان صعوبته فلو محاولتش تسيطر عليه هيدمر اللي باقي من حياتك، وهيخليك محلك سر، أول ما تلاقي نفسك واقف تحارب وتبعد عن كل ذكريات المؤلمة دي إعرف إنك اتغيرت وبقيت قوي وقادر تقف قدام نفسك وتهزمها.
رمش بعدم استيعاب، شعوره بالارتياح لحديث هذا الشخص أرغمه على سؤاله بذهولٍ:
_إنت مين؟!!
أجابه ببسمةٍ جذابة:
_دكتور علي الغرباوي دكتور نفسي وأكتر حد ممكن يساعدك.
نهض يونس عن مقعده هادرًا بعصبية:
_آه عشان كده آيوب جابك، سيادته شايفني مجنون!!!
لم تتلاشى ابتسامته بل تابع ومازال جالسًا بثقةٍ وثبات مهيب:
_الدكاترة النفسية مش تخصصهم علاج المجانين يا يونس، وعشان أكدلك المعلومة كلنا محتاجين لدكاترة نفسية حتى أنا بحتاج لنفس الشيء، محدش سليم نفسيًا بنسبة مية في المية، كلنا جوانا وجع مدفون، كلنا بننجرح وبنتألم لإننا بالنهاية بني آدمين.
وتابع وقد انتصب بوقفته برزانة:
_في اللي بيقدر يتخطى مواقفه الصعبة لوحده وفي اللي بيحتاج لحد يأخد ايده وهنا الفرق.
ارتخت تعابيره المشدودة رويدًا رويدًا، فانحنى علي لسطح مكتبه وجذب قلمًا وورقة، وأخذ يدون رقمًا أسفل نظرات يونس التي تراقبه.
انتصب بوقفته بعدما ترك الورقة على سطح المكتب وقال:
_في ناس حواليك بتحبك وبتتمنى إنك تكون كويس، وأولهم آيوب اللي اترجاني أخبي عليك إني دكتور نفسي عشان مشاعرك، بس في حالتك وشخصيتك اللي كونت عنها فكرة سريعة لقيت إن الصدق بينا هيكون أسرع طريقة إنك تكون أفضل.
واستطرد مشيرًا للورقة:
_ده رقم تليفوني أنا راجع لندن بليل، لو حابب تكمل معايا اتصل بيا لو مش حابب براحتك محدش هيجبرك، لإن لو إنت اللي مختارتش تساعد نفسك بنفسك يبقى لا أنا ولا غيري هيقدر يساعدك.
ومنحه ابتسامة أخيرة قائلًا:
_اتشرفت بمعرفتك يا يونس... عن إذنك.
وتركه وغادر بينما يونس سقط على المقعد حائرًا، مرتبكًا، يشوبه الاختناق، لا يعلم ماذا يفعل؟ لكن كل ما يعلمه أنه شعر بالارتياح الحديث لهذا الشخص الذكي!
******
انتهى الشيخ مهران من تلاوة وارده اليومي بخشوعٍ تام، مستغلًا بقائه بمفرده بالمنزل بعد ذهاب الحاجة رقية برفقة خديجة للطبيب، وتركوا فارس معه فوضع له الألعاب وجلس يقرأ وارده.
تعالت الطرقات ودق الجرس فنهض الصغير يفتح الباب، وقف حائرًا أمام تلك المرأة، مما جعل الشيخ يصدق بالله العظيم وينهض ليرى من القادم.
وقف حائرًا أمام تلك الفتاة، فسألها باستغراب:
_انتي مين يا بنتي، وعايزة مين؟
أدمعت عينيها برعبٍ مما هي قادمة لفعله، فرفعت كفها إليه وفتحته، فرأى بيدها سماعتين صغيرتين الحجم، تطلع لها وقال باستغراب:
_ده أيه؟ مش فاهم؟!
وحينما دقق النظر لها ثارت معالمه بغضبٍ عارم، فأشارت له بالسماعة على أذنيه ففهم بأنها تود أن تتحدث معه والسماعة تلك ما هي الا طريقة ليتمكن من فهم حديثها، اندهش بالبداية لرؤيتها بملابس محتشمة وحجابًا جعلها رائعة، لذا رضخ لها ووضع السماعة مثلما مدت يدها ووضعت من أسفل ححابها الاخرى وقالت:
_أريد الحديث معك شيخ مهران، لقد أتيت لمصر من أجل اللقاء بك، أرجوك امنحني فرصة الحديث إليك... آيوب بريء لم يتزوج بي الا لحمايتي من عمي، وبفضل آيوب والظابط المصري تخلصنا منه بعد ان اختطفني أنا وآيوب، كان يريد ان يقتلني يا سيدي!!!
بدد غضب الشيخ وشعر بأن تلك الفتاة تحمل بجعبتها الكثير، ربما ظلم ابنه الوحيد وهو يرغب أن يكون احتماله صائبًا وكم يتمنى أن يكون كذلك.
أشار لها بهدوءٍ:
_تعالي ادخلي.
استمعت لصوت المترجم، فابتسمت بسعادة وكأن العالم ابتسم لها، ولجت للداخل ولحق بها بعدما ترك بابه مفتوح على مصرعيه، وجلس على بعد منها يسألها بقلقٍ:
_آيوب اللي عمل فيكي كده؟!
انتظرت قليلًا لسماع المترجم، وما أن فهمت ما قال حتى أشارت بجنون:
_لا لا سيدي لم يفعل بي كذلك، آيوب شخصًا طيب القلب لا يفعل كذلك أبدًا.
وبحزنٍ قالت:
_بالأمس كان حزينًا بعد ما حدث بينكما، فأخبرني بأنه لم يتزوجني الا لحمايتي كما كنت أعلم وحينما شعرت بأنني سبب تعاسته رحلت ليلًا وتعرض لي بعض الرجال لولا أن أنقذني هذان الشابين اللذان كانوا هنا بالأمس.
هز الشيخ رأسه وقال:
_طيب قولي اللي انتي جاية تقوليه عشان ميصحش قعدتنا كده يا بنتي.
وكأنها محاميًا امتلك فرصة الدفاع عن متهمًا بريء، وهي ستجيدها لاجل ذلك الشاب الخالوق، فقالت بلهفة:
_يا سيدي أنا فتاة يهودية ولدت يتيمة، لم يكن لي الا أحدٌ الا أخي وعمي، كان هو المسؤول عنا ورأيت فيه الأب الذي حرمتني منه الحياة، رأيته أماني وفجأة تبددت صورته المزيفة ورأيته شيطانًا يريد انتزاع روحي!! روح ابنته!
قالتلها ببكاءٍ جعل قلبه يرق لها، واستطردت دون أن تلتقط أنفاسها خشية من أن يطردها دون سماع براءة آيوب كاملة:
_إلتحق أخي للجامعة، ومن حينها وأصبح شخصًا مختلفًا عما كان عليه، شك به عمي وراقبه ليعلم بعدها بأنه اعتنق الدين الاسلامي على يد مصري، جن جنونه وأراد ان يجعله يعود عن دينه.
انهمرت دموعها وقالت:
_رفض وقطع علاقته بعمي وابتعد، إلى أن أتاني خبر وفاته بطريقة كسرت احدى أجنحتي، فكان هو جناحي الأيمن وعمي جناحي الأيسر، أصبحت دونه عالقة لا أستطيع أن أحلق وأنا أملك جناحًا واحدًا..
زرع عمي الكره والحقد لهذا الشاب المصري الذي غوى أخي وجعله ينفر من ديانته، ومن ثم قام بقتله، وهددني إن لم أقتله سيقتلني هو، لذا كنت مرغمة على البحث عنه وقتله.
برق الشيخ بصدمة مما خاضه ابنه دون أن يحدثه شيئًا، فتابعت بندمٍ:
_أجل سيدي هذا الشاب الجامعي هو آيوب، ومن تجلس أمامك هي نفسها تلك الفتاة العبرية التي حاولت قتله لأكثر من خمسة مرات، وكل مرة ترتعش يدها أمام صلابته وشجاعته، حتى الخوف لم أراه يومًا بعينيه.
تمردت شهقاتها بصوتٍ عالي، وقالت بخزي صريح:
_وفوق كل ذلك قدم لي السكن والمال والطعام، دون أي مقابلًا يا سيدي!
وتطلعت بعمق عينيه الباكية ندمًا على اقترفه بحق ابنه ويده التي طالت وجهه، فقالت ببكاء:
_أتعلم كنت أرى نظرات الأعجاب والرغبة بعيون الرجال تنهمش جمالي الا هو!
وبثقةٍ قالت:
_هو ليس مثلهم يا سيدي، أقسم بقسم آيوب أقسم بالله الواحد الأحد أنه لم يمسني حتى بنظرة منه حتى بعدما أصبحت زوجته!
شخصًا تقيًا مثله أرغمني على الشك بأمر كونه قاتلًا أو إرهاربيًا مثلما أوهمني عمي، هُدمت ظنوني تجاهه وقد صدقت حينما تأكدت بإن عمي هو من قام بقتل أخي بعد أن قام بتعذيبه ليرتد عن دينه.
ورفعت يدها تشكو له باكية:
_أخبرني يا عم الشيخ كيف يمكن للأب أن يقتل ابنه ويحاول قتل ابنته؟
توسلت له أن يتركني ولكنه لم يفعل، ضربني وكسر عظامي والأصعب لي هو كسر جناحي المتبقى فلم يعد لي ما أستطيع الحياة لأجله، ألقاني بعدما طعني بالسكين وكنت قد استسلمت للموت لولا رؤيتي لآيوب بمنامي لما استيقظت وتحاملت على اصابتي وذهبت إليه بشقة صديقه الذي كان يقطن بها لأسكن شقته دون أن يشاركني بها.
تابعت ببكاء، جعله يبكي هو الاخر:
_رأته بحُلمي يحملني على ظهره ويطوف بي حول الكعبة التي أخبرني عنها مرة، تعجبت لحلمي الغريب كنت اظن أن أخي من سيزورني بأخر أنفاس لي بالحياة ولكن آيوب من فعل.
السعادة التي رأيتها بحلمي منحتني العزيمة للفرار من مستنقع عمي، وحينها جُبر أن يتزوجني لإنه رفض أن يبقيني معه دون عقد زواج.
وانهارت أسفل الأريكة باكية، تزحف إليه وتتمسك بيده تردد ببكاء حارق:
_أرجوك سامحه يا عم الشيخ، أقسم أنه لم يعتبرني يومًا زوجته.
نهض مهران وعاونها على النهوض قائلًا ببكاء:
_قومي يا بنتي ...أنا غلطت في حقه ولازم أعتذرله.
هزت رأسها بابتسامة سعيدة وقالت تدعمه:
_نعم...نعم سيدي لقد ظلمته بكل تأكيد، كان يحميني من عمي وحينما اختطفنا أخبرني بأن أخي وضعني بأمانته قبل موته لهذا كان يحميني، حتى أنه لم يطالبني باعتناق دينه أنا من فعلت وصديقه عُمران من دعمني على ذلك، وحينما سألته ماذا ينبغي علي فعله بعد نطقي بالشهادتين أخبرني أن الشيخ مهران والد آيوب الجدير بفعلها.
وازاحت دموعها وقالت برجاء الا يخذلها:
_هل يمكنك أن تأخذ يدي لأعرف قواعد الدين وكيفية اداء صلاتي يا سيدي؟
أغلق عينيه يعتصر تلك الدموع، لقد جعله ابنه فخورًا به، والآن يمنح شرف توبة تلك الفتاة، فتح عينيه الباكية وقال:
_أنتي من النهاردة بنتي وده بيتك، وزي ما ساعدت ناس كتير هساعدك يا بنتي.
انحنت تقبل يده ببكاء فربت على حجابها وهو يبعد يده:
_العفو يا بنتي.
ابتسمت بفرحة كبيرة، ولكنها عادت تسأله بحبٍ:
_هل يعني ذلك بأنك سامحت آيوب ولن تعود لضربه مجددًا؟!
اتسعت ابتسامته وقد قرأ حبها الواضح لأبنه ، ولكنه لم ينزعج إن كانت بالطهارة والعفة التي التمسها بحديثها ورغبتها بتعلم اصول الدين فسيكون فخورًا بها كزوجة لابنه الغالي آيوب، جلى صوته الوقور وقال:
_مش هضربه، هأخده في حضني أكيد.
ابتهجت كثيرًا وقبل أن تضيف كلمة واحدة استمعت لطرق باب المنزل، تركها الشيخ مهران وخرج للباب، فوجد آيوب يقف على عتبة بابه المفتوح، رفض أن يدلف خشية من أن يطرده أبيه ففضل البقاء ودق الجرس.
خرج اليه الشيخ مهران بأعين حمراء من فرط البكاء، ليتفاجئ به يقف حزينًا، وما أن رأه حتى قال بلهفة:
_بابا أرجوك متطردنيش أنا والله مقدر على زعلك ولا على غضبك عليا.
أمسك أيوب يده وقبلها وارتفع بقامته يضع قبلة على رأسه هاتفًا بحزن:
_حقك عليا والله كنت هحكيلك كل حاجة بس مكنش الوقت مناسب، خديجة وخروج يونس كل ده لخبط الدنيا، بس أنا جاهز أحكيلك كل حاجة.. بس اسمعني انت ومتطردنيش تاني.
وسأله بصوتٍ وضع فيه كل ألمه:
_هتدخلني يا بابا؟
جذبه الشيخ مهران باكيًا لاحضانه، ويده تحاوط رأسه بقوة، مرددًا ببكاء:
_هدخلك حضني وبيتي وكل اللي أملكه في حياتي يابني... حقك عليا يا عوضي في الدنيا بعد صبر عشرين سنة..
ربت آيوب على ظهر أبيه وردد ببكاء هو الاخر:
_طيب بتعيط ليه شيخ مهران، أنا عمري ما شوفتك بتعيط!!!!
ابتعد عنها وجذبه للداخل ثم أغلق الباب من خلفه وقال:
_ليه يا آيوب؟ ليه محكتليش على كل اللي عشته في بلاد بره، كده تخبي عني كل ده حتى لما خطفوك وحولوا يقتلوك!!
برق بدهشة وسأله:
_مين اللي قالك الكلام ده آدهم؟!
أتاه الرد من خلفه، صوتها المتساءل:
_أين ذهبت يا عم الشيخ؟!!!!
استدار خلفه بصدمة جعلت عينيه على وشك الخروج من محجرهما، وبصعوبة ردد:
_آديرا!!! بربك يا فتاة ماذا فعلتي تلك المرة؟!!!!
********
على الطائرة المتجهة إلى لندن، كان علي يقرأ باحدى كتبه وهو يبتسم لتخيله فرحة زوجته بحضوره المفاجئ بعد أن حذر شمس من اخبار أحد بعودتهما، ولجواره مالت شمس على نافذة الطائرة تحتضن سلساله برقبتها بشرودٍ وابتسامة تركتها ذكريات هذا اليوم الذي من المستحيل لها نسيانه، تتذكر كيف قضت اليوم برفقته على يخت من أروع اليخوت الذي رأته في حياتها، تتذكر ما ان خطت قدميها اليخت حتى استدارت اليه ورددت:
_واوووو يا آدهم اليخت تحفة بجد وشكله غالي أوي اوي، هو بتاعك؟
منحها ابتسامة مهلكة وأجابها وهو يتجه للقيادة:
_أنا آه مرتاح ماديًا بس مش لدرجة إنه يكون عندي يخت غالي أوي كده يا شمس، ده بتاع القائد بتاعي أداني مفتاحه النهاردة علشان أخرجك بيه لما عرف إنك راجعه لندن.
اتجهت إليه وضمته من ظهره، فقال بخبث:
_متقلقيش يا شمس هانم هقدر أعيشك في مستوى قريب من اللي إنتِ عايشة فيه.
تلاشت ابتسامتها وتراجعت عنها تهدر بانفعال:
_أيه اللي بتقوله ده يا آدهم، مستوى أيه اللي بتتكلم عنه!!! أنا حبيتك لشخصك إنت! حبيتك وأنا كنت فاكراك مجرد بودي جارد عادي!! وحبيتك بردو وانا فاكرك سفاح ومجرم زي راكان، جاي دلوقتي وتكلمني عن المستويات!
وقف القيادة واستدار لها يمسك يديها:
_حبيبتي عارف كل اللي بتقوليه ده، أنا كنت بهزر معاكي ومش هكرر هزاري السخيف ده تاني أوعدك.
منحته ابتسامة هادئة، فعاد لقيادته لتقترب مجددًا وتضمه باستكانة جعلته سعيدًا، وخاصة حينما همست له:
_عرفت ليه لقبتك بالكابتن، أديك بتسوق اليخت أحسن من أجدعها قبطان أو كابتن طيران!
وتابعت وهي تغلق عينيها بنعاسٍ:
_قولي حاجة واحدة مبتعرفش تعملها!!
ضحكة تلو الاخرى حتى انفجر بنوبة من الضحك جعلتها تتجه له وتتساءل بفضول:
_بتضحك ليه؟
قال ليثير فضولها أكثر:
_أقولك بس متضحكيش.
هزت رأسها تؤكد له، فقال ضاحكًا:
_العجلة! بفضل الله تلاقيني مع الدبابات ماشي، طيارات ميضرش، عربيات تلاقي، سفن ميضرش، موتوسيكلات شغال، الا العجلة كل ما بحاول أركبها بقع بيها زي الأهبل اللي ساب هيبته في بيته قبل ما يخرج، مع إني في التدريب عندي جهاز شبيه بيها بس بردو فاشل فشل ذرايع فيها، لذا حفاظًا على ماء الوجه بطلت أبص عليها مجرد نظرة بريئة.
استمعت له بعناية وضحكت وهو تستمع له باستمتاع، قص لها عن مواقف طريفة تعرض لها حينما كان يتدرب، أو بعملياته الخاصة.
ساعات مضت عليهما حتى غروب الشمس، تلك اللحظة التي قضوا بها تناول الطعام كانت رائعة وحولهما المياه والغروب يلطف الاجواء.
وبعدها جلسوا على سطح اليخت يراقبون الغروب باستمتاعٍ.
خُلقت بينهما مشاعر جياشة دون أي تجاوزات، كان أمينٍ عليها أكثر مما توقعت، تأكدت للحظتهما الأولى بأنه سيضعف أمامها لا محالة، ففجئها حينما عافر رغباته بسيطرةٍ تامة، وقد تهيئ لأن يبقيها بأمانٍ حتى من نفسه.
اكتسبت شمس ثقة جديدة عن تلك التي تمنحها لعائلتها، ثقة تجيد طعمها لمرتها الأولى، فابتعدت وتعمقت بحدقتيه لتحرر الكلمات عن أنفاسها المتسارعة:
_أنا بعشقك يا كابتن!
ارتسمت ابتسامة جذابة على وجهه، يده تتشابك بين خصلاتها الحريرية وتجذبها لتميل على كتفه بحمايةٍ، وهمس لها بصوتٍ مغري أشعل من عذابها:
_وأنا ميت فيكِ يا شمس هانم!!
أفاق من شرودها على صوت علي:
_يلا يا حبيبتي وصلنا، انتي نمتي ولا أيه؟!
هزت رأسها نافية، ولحقت به حتى صعدت بالسيارة التي تنتظرهما، فما أن وصلوا للمنزل حتى صعدت شمس لغرفتها بانهاكٍ .
أما هو فقد عد للمنزل يحمل شوق العالم بأكمله للقائها، لا يعلم كيف مر ذلك الأسبوع عليه ليعود إليها، كان يعلم بأنه سيجدها تغفو بفراشها مع قرابة الساعة الواحدة صباحًا، تلاشت ابتسامته الجذابة وتبخرت حينما وجد فراشه مرتبًا وكأنها لم تبيت يومها به!
ظن أنه سيجدها بغرفتها الجانبية فاتجه إليها يناديها بشوقٍ ولهفة:
_فطيمــه!
تجعدت ملامحه بدهشةٍ حينما لم يجدها أيضًا بغرفتها، فأسرع للطابق الأول قاصدًا غرفة والدته، طرق الباب أكثر من مرةٍ فلم يجد أحدٌ، حتى عمران وشمس، فهبط للأسفل ينادي أحد الخدم الذي استيقظ على الفور يجيبه بوقارٍ:
_ما الأمر سيدي؟
سأله علي بقلقٍ يكاد يمزقه:
_أين الجميع؟
أجابه الخادم مسرعًا:
_السيدة مايسان هاجمها ألمًا مفاجئًا فحملها السيد أحمد وذهبت برفقته السيدة فريدة للمشفى، أما السيدة فاطيما والسيد عمران لم يعدان بعد من الخارج.
ضيق عينيه باستغرابٍ، وجذب هاتفه مشيرًا له:
_عد لغرفتك.
هاتف علي فطيمة وعمران ولكن لم يجيبه على مكالماته، فكاد أن يجن من فرط قلقه لما يحدث هنا، كيف يتسنى لعمران ترك مايا وهي بتلك الحالة ويذهب بهذا الوقت برفقة فاطمة!!
هاجمه عقله دون رحمة، وأقصى ما يخشاه أن تكون قد هاجمت فاطمة نوبة أو حدث بها سوءًا، جذب هاتفه مجددًا وطلب أحمد الذي أجابه على الفور:
_أيوه يا حبيبي، عامل أيه؟
_أنا كويس يا عمي، طمني انت مالها مايا؟
أتاه صوته المرهق يجيبه:
_مفيش حست بتعب وعمران مكنش موجود فجبناها المركز ليوسف.
أسرع بسؤاله لما وجده هام:
_عمران فين لحد دلوقتي وفاطيما مرجعتش؟
_عمران وفاطيما اتاخروا النهاردة، وأخر مرة كلمت عمران قالي إنه كان عنده اجتماع مهم هيأخره بره جايز يكون صمم يرجع فاطيما معاه.
أغلق علي الهاتف بعدما استمر بهدوئه مع عمه، وجلس على أحد المقاعد يحاول تهدئة ذاته، يكفيه أنها الآن باتت أكثر نضجًا وقوة أهلتها للتعامل مع العالم الخارجي، ولماذا قد يشعر بالقلق وأخيه لجوارها!
اقتحم صوت سيارة عمران مسمع علي، فنهض عن مقعده واتجه للشرفة يراقبه بتمعنٍ، فاتسعت عينيه بصدمة جعلته يتجمد محله لا يقوى على الحركة قيد أنامله، وبالكد استدار بجسده ليكون مقابل لباب المنزل الذي انصاع لمفتاح عمران ودفعة قدمه الخافتة جعلته يتسع لمرورهما معًا!
اتجه عمران بخطواتٍ بطيئة للمصعد، وقبل أن يخطو منه توقف وهو يتطلع ذاك المتيبس من أمامه، فهمس بذهولٍ:
_علي! إنت رجعت أمته؟
بقى جامدًا وجهه خالي من التعابير، حدقتيه تنخفض رويدًا رويدًا على تلك المستلقية على ذراع أخيه، وكأنها فاقدة الوعي!
ابتلع لعابه بتريثٍ وهو يجاهد لتماسك انفعالاته، وبدأ يقترب ليكون مقابله وجهًا لوجه، فاستطاع أن يرى وجه زوجته المجهد وحجابها وملابسها الغير مرتبة بشكلٍ يثير الريبة!
سقط وجه فاطمة إليه فور تهدل ذراع عمران للأسفل بعدما استحوذ الارتباك عليه من صمت أخيه وجمود نظراته الغريبة، فتمكن تلك المرة من لقط علامات الأصابع الخمسة الماسدة على خدها المتورم وكأنها نالت عشر صفعات قوية.
ضم علي شفتيه معًا بقوة ومد نفسه بصبر يجعله لا يحتمل حتى مجرى تنفسه، لا يسمح أن تزوره مجرد شكوك تدفعه لأخيه أي شكوك يود قتلها رغم أن كل ما تنظره عينيه ما هو الا هلاكًا وجحيمًا يلوح له!
تنحنح عمران وهو يناديه بتوترٍ:
_علي.. إنت ساكت ليه؟!
تلك المرة قرر رفع عينيه ليواجه أخيه، فحرك رماديته ليقابله بنظرة طويلة طعنت قلب عمران باجتيازٍ، وخاصة حينما انحرفت عينيه لعلامات الاظافر التي تضم رقبة أخيه وخده الأيسر، فأغلق علي عينيه على الفور ومزق شفتيه من فرط ضغط أسنانه عليها، وردد بصعوبة أنفاسه المنفعلة:
_فاطمة مالها؟
ابتلع ريقه بتوترٍ جعله لا يعلم ماذا سيفعل أمام أخيه؟ ، فأجلي أحباله المنقطعة قائلًا:
_آآ... أنا... أصل هي أخده حقنة مهدئة يوسف ادهالها... آآ... مش هتفوق غير بكره الصبح.
احتقنت رماديته واختفى لونهما الجذاب، ودنى باقي المسافة بينهما يردد بصعوبة بالحديث:
_ويوسف يديها مهدئ ليه؟
وتابع وعينيه تتجه لرقبته:
_وأيه على رقبتك ده يا عمران؟
ارتعب عمران من طريقة حديثه، ولف برقبته للمرآة المحاطة بصفحة المصعد فصعق حينما وجد علامات أظافر جعلت الآن الصورة كاملة له بما يجوب بخلد أخيه.
ترخى ذراعيه عنها وكاد باسقاطها لولا ذراعي علي التي حملتها وولجت بها للمصعد، مرددًا بغضب مدفون خلف هدوء مخيف:
_تعالى ورايا.
لحق به للمصعد ووجهه منهمل أرضًا لا يود تلك المواجهة التي سيلجئ لها أخيه، هو يعلم بأنه لم يكن يومًا بالطايش بل سيعقد ألف تحقيق وتحقيق قبل أن تتأكد الشكوك الدائرة بحدقتيه.
ولج لغرفته فوضعها على الفراش وبقي منحني إليها يرقب وجهها بنظرة طويلة، كأنه يترجاها أن تستعيد وعيها وتكذب كل ما يجول بخاطره، ليتلقى صفعة أبادت ثباته في مقتلٍ حينما همست ببكاء من بين فقدانها للوعي:
_عمران!
أغلق علي عينيه بقوة لتعصف تلك الدمعة الحارقة لجوارحه، واستدار لاخيه الذي يضم يديه معًا ووجهه لا يفارق الأرض، كحاله بطفولته حينما يخفي أمرًا عنه!
جذب الغطاء على جسدها المرتجف ونهض بهدوء ليتجه لاخيه، سحب نفسًا مطولًا وأخرجه بتنهيدة قاتلة ثم قال:
_بتخبي عينك مني ليه، ارفع وشك وبصلي.
جاهد عمران لفعل ما قال، وازدرد حلقه وهو يجاهد لخروج صوته ثابتًا:
_علي أنا آآ..
وسحب باقي كلماته بحزنٍ جعله يكمم صوته، فقال علي بهدوء:
_اتكلم أنا سامعك، عايز تقول أيه؟
اخترق مسمعهما صوت فاطمة الهامس مجددًا باسمه:
_عمران.
أغلق عمران عينيه بحزن فإن كان محل أخيه لقتله بالحال ولكن علي يمتلك قوة يشهد له بتلك اللحظة، انتبه له حينما وجده يقول:
_بالرغم إن فرق السن بينا مش كبير بس أنا مكنتش بشوفك أخويا، إنت ابني اللي كبر قدام عيني وأنا شايله على دهري اللي كان بيحميه من أي شيء، فاكر دهر أخوك يا عمران؟!
تهاوى الدمع من عينيه لفهم مغزى حديثه، فلعق شفتيه الجافة وقال:
_علي أنا عارف إن الموقف كله صعب، وفاهم إنت بتفكر في أيه بس ده مش صح أنا آآ..
واجه صمته ببسمة هادئة اتبعها قوله الرزين:
_أنا متهمتكش بشيء، أنا بحاول أتمسك بأقصى درجة من الصبر اللي جوايا، راكن رجولتي وشرفي على جنب لحد ما أتأكد إن كل اللي قدامي ده وهم، ولو مكنتش تربية ايدي مكنش زماني واقف بالثبات ده قدامك.
هز عمران رأسه بتفهم، فسحب علي نفسًا ثقيل قبل أن بسأله مباشرة:
_للمرة التانية هسألك أيه اللي حصل يا عمران؟
ارتبك أمامه مرة تفوق الاخرى، وتحلى بالصمت الذي ذبح علي بسكينٍ، فدفعه لقول:
_مش هقدر أستنى لحد ما هي تفوق، لو إنت مكاني كنت هتعمل أيه؟
أسرع عمران لاخيه يمسك يديه، وكأنه يشهد أباه على الخلق الذي تربى به:
_علي أنا ممكن أتحمل أي حاجة في الدنيا الا خسارتك، أرجوك تسمعني أنا معملتش شيء غلط ولا أي حاجة من اللي في دماغك دي..
رفع علي يده يضم خد أخيه ويترجاه بنبرته الخافتة:
_يبقى تتكلم وتقولي حصل أيه؟
لامس الدمع يد علي العالق على وجه عمران، وخرج صوته مهزوزًا:
_مش هقدر أتكلم آآ... أنا وعدتها.
سحب علي كفه واستدار تجاه فراش زوجته يجاهد لصرف عصبيته، يلتحف بكل ما يأهله لمنع شيطانه عن قتل أخيه بتلك اللحظة، فأتاه صوته الباكي يخبره:
_فاطيما أول مرة تأمنلي وتثق فيا يا علي، وأنا وعدتها إني مش هقولك حاجة لما تفوق وحبت تحكيلك فده شيء يرجعلها.
بقى صامتًا، يوليه ظهره بهدوءٍ جعل الاخير يستطرد:
_سامحني!
تحرر صوته أخيرًا عن مرقده:
_ارجع أوضتك يا عمران!
........ يتبع 💣💣....
#االاقـــــــــــــــــوى_قــــــــــــادم..
#صـــــــــــرخات_أنثـــى
قراء الفيس ابهرتوني بالتفاعل، وده خلاني بردو زعلانه انكم موجودين ومش بتتفاعلوا وتظهروا الا عشان التحديات وانا عشان عيونكم الفصل المفروض كان هيقفل على لقاء آديرا بالشيخ مهران زودت المشهد كام والمشاهد الاخيرة احترامًا لتفاعلكم الطيب فبرجاء التفاعل عشان ده بيفرق جدا في الرواية..
قراء الواتباد القمرات شكرًا لتصوياتكم وتعليقاتكم اللي بجد في قلبي، بقيت مرتبكة بيكم بشكل كبير، فشكرا ليكم ولدعمكم الراقي، بتمنى القادم ينال اعجابكم..
بحبكــــــــــــم في الله ♥
آية محمد رفعت.
***____****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثامن وستون 68 - بقلم آية محمد رفعت
_وبعدين يا علي الساعة تلاتة الفجر والهانم مش راضية تنام هنعمل أيه دلوقتي!!!
كلماتٍ ترددت على لسان عُمران المستلقي على أحد أرائك القصر بارهاقٍ تام، ومن فوق صدره يقطن هذا الكائن المزعج، ترمقه بزرقة عينيها البريئة بينما بالنسبة له تكن خبث ودهاءًا عظيمًا.
أغلق عينيه بتعبٍ وهمس لاخيه:
_مبتردش ليه يا علي؟!
وحينما لم يستمع إلي رده اعتدل بجلسته وتفحص الأريكة المجاورة إليه، حيث بات مكان نومهما المعتاد منذ أن أتت تلك المزعجة.
اعتلى الغضب ملامح حينما وجده يغط بنومٍ عميقٍ، فركله بقدمه صارخًا بحنقٍ:
_بقى أنا بقولك ريح جسمك تنام!!! نايم وسايبني بغطس هنا!
تأوه علي ألمًا فور سقوطه على أرضية المنزل الرخام، وهدر بانفعالٍ:
_في حد يصحي حد كده يا غبي!
نهض عن أريكته وانحنى إليه يضع الصغيرة على ساقيه قائلًا بسخرية:
_مسؤولياتك كأخ كبير تحتمك إنك تقوم بدورك ليا وللكائن المزعج ده، وبعدين كله تدريب ليك يا حبيبي، بحيث آن لما فاطمة تولد إن شاء الله يكون عندك كورس شامل في التعامل الدقيق مع الكائنات النكدية دي..
وتابع وهو يجذب أحد الاغطية عليه:
_هسيبك تتعلم وأغطس أنا... خد بالك دي مش أنانية مني، أنا واخد كورسين كورس بالنهار فوق مع مايا وكورس تحت مع فريدة هانم اللي رميه بنتها علينا دي!!!!
وزع علي نظراته المندهشة بينه وبين تلك الباكية، فاستند بجذعه على المقعد ونهض يتمشى بها ذهابًا وإيابًا، فوجد أنه يستسلم كليًا للنوم بينما مازالت هي مستيقظة، كأن ما يفعله يعاونها بطرد نومها.
جلس على أريكته يتنهد بارهاقٍ:
_وبعدين بقى معاكِ، مهو أنا محتاج أنام ساعتين بس وبعدها هشيلك ألففك لندن كلها لو تحبي، ها يا روڤا اتفقنا؟
انتهى نقاشه بصراخ الصغيرة وكأنه تفهمت ما يقصده بالمعنى الحرفي، فنهض بها يحاول تهدئتها ولكن دون جدوى.
زفر عُمران بغضبٍ، فأبعد غطائه وجلس يرمقه بنظرات مشتعلة، هادرًا بعصبية:
_يا الله عليك يا علي، مش قادرة تسكت طفلة أمال دكتور على أيه؟!!!!!
وضعها بين يديه وقال ببسمة واسعة:
_إنت صح أنا مش عارف أتعامل معاها نهائي، هي محتاج لعُمران سالم الغرباوي قاهر قلوب العذارى والعواجيز والبيبهات، لكن أنا دكتور نفساني فبديهي ميكنش عندها مشاكل حاليًٕا لانها في بداية حياتها.
سحب علي الغطاء فوق رأسه وترك الاخير حائرًا بين تلك المشاكسة التي يحملها وأخيه الذي سبح بنومٍ عميق.
تنهد بيأسٍ، واتجه لمطبخ القصر يصنع لها الحليب مثلما اعتاد كل يوم، ومن ثم تفحص حرارته، وحينما وجدها مناسبة أطعمها وتمدد على المقعد يحارب الا يسقط بغيبوبة من النوم.
فشل فشلًا ذريعًا هو الأخر، لذا نهض واتجه للمصعد ومنه لغرفة والدته يطرق بابها بغضب.
فتح أحمد الباب وهو يفرك عينيه من أثر النوم:
_خير يا عُمران؟!
زوى حاجبيه باستنكارٍ لحديثه، فقال بنبرة ساخرة:
_انا آسف على الازعاج يا أحمد باشا، بس هو حضرتك إنت وفريدة هانم منستوش حاجة بقالها يجي تمن ساعات كده واقعة منكم؟!!!
تصنع الاستغراب للأمر، وقال بمكرٍ:
_لا يا حبيبي مش واقع لا مني ولا منها أي حاجة، ثم إنك مش عارف تسألني الصبح يعني، بتقومني من النوم عشان تسألني السؤال الهايف ده!!
كز على أسنانه وهدر بغيظٍ:
_يا خبر يا عمي لهو أنا قيمتك من النوم!!
أشار ببراءة:
_شوفت!! سبني بقى أكمل نومي ونتكلم بكره أحسن!
وقبل أن يغلق الباب، دفع عُمران الصغيرة لاحضانه قائلًا:
_خد بنتك في حضنك تسليك، وفكر تعملها إنت وفريدة هانم تاني أقسملك بالله هطلقها منك وحتى محكمة الاسرة مش هتلحق تعتبها... مش يعملوها الكبار ويلبسوها الصغار!!!
واسترسل بصراخ منفعل، بينما الاخير يضم ابنته ويتابعه بصدمة:
_أنا بسبب الكائن ده كرهت أبص لابني متخيل!!! وعلي المسكين اتعقد في الخلفة!! احنا بسببك وبسبب الكائن اللي على ايدك ده بطلنا ننام زي البني آدمين متخيل!!!!!
تسرب لأحمد شعور الشفقة لما تسبب بفعله، فقال بحزن:
_خلاص روح نام قطعت قلبي!
كور يده بغضب وحينما لم يجد الكلمات المناسبة لقولها اتجه لجناحه بارهاقٍ تام، فحمد الله أن صغيره يغفو بعمق، تمدد على الفراش بتعبٍ وما أن كاد بالهروب لنومه حتى وجد من يعلو بصراخه ومن جواره حماسًا يسبقها:
_عُمران كويس إنك طلعت أنا تعبت ومش قادرة أنيمه ممكن تساعدني!!
........ يتبع....
شوفتوا بحبكم ازاي قولت اجبلكم اقتباس يشير إن في اشياء كتيرة جاية هتمسح نافورة الاحزان دي 😂 .... نستحمل بقى 😂😂💔
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل التاسع وستون 69 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الخامس_والخمسون.
(إهداء الفصل للقارئة الجميلة "حنان"، من ذكرتني بدعوات غالية من قلب مكة الحبيب،جزاكِ الله عني خيرًا وأتمنى أن يرزقكِ سعادة كبيرة مثل تلك التي منحتيني إياها بدعواتك لي بالشفاء ودعواتك لعائلتي ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك.
.بحبك في الله...قراءة ممتعة 💙)
اندهشت آديرا من وجود آيوب، والأخر صدمته تفوقها، فكرر سؤاله مرة أخرى بعصبيةٍ:
_ما الذي أتى بكِ إلى هنا دون إذنًا مني؟!!
فهم الشيخ مهران حديثه، فمازال يري السماعة، اقترب إليهما وقال:
_جيت هنا عشان تقولي الحقيقة يا آيوب، جت تعرفني غلطي يابني.
واستطرد وهو يتطلع لها بابتسامةٍ حنونة:
_إرجع لم هدومك وهدومها وتعالى، ده بيتها ومش هتخرج منه أبدًا، وزي ما هي أتعشمت فيا فأنا عمري ما هخذلها أبدًا.
ابتسم آيوب وهو يوزع نظراته بينهما ببلاهةٍ، لأول مرة تفعل شيئًا يستحق أن يفخر بها، لا يصدق بأنها خاطرت بالنزول بمكانٍ تجاهله، وأتت لأبيه وهي تكاد تموت من فرط خوفها منه، فعلت كل ذلك لأجله!!
أفاق على هزة يد والده، يخبره:
_يلا يا آيوب روح هات حاجتك وحاجتها وتعالى، هي هتقعد هنا مع خديجة وإنت اطلع فوق مع يونس لحد ما نشوف ربنا مقدرلهم أيه يابني.
هز رأسه في طاعةٍ، وغادر يحزم أمتعتها والحقيبة الصغيرة التي تخصه ، وحينما عاد وجد والدته وخديجة قد عادوا، فمنحها الحقيبة وصعد ليونس على الفور.
*******
جاب جناحه ذهابًا وإيابًا، وعينيه متعلقة بها، وكلما همست بإسم أخيه اشتعل غضبه، يحاول بشتي الطرق أن يهدأ من روعه، فليس أخيه بالشخص الذي يخون.
الوحيد الذي يثق به ثقة عمياء، ومن المحال أن يحطمها، ولكن اصراره على إخفاء أمرها عنه زاد من لوعته.
جابه ذكرى يوم غداء العمل، هل من الممكن أن يكون هذا اللعين الايطالي اعتدى عليها انتقامًا من عُمران لما فعله بحقه، وخاصة بعدما أصبح عمه "أحمد الغرباوي" بدلًا عنه.
يكاد أن يصيبه الجنون، أخيه الأحمق يظن أن مثل تلك الأمور سرًا لا يرغب البوح به، يترك النيران تلتهم جسده وبيده هو اطفائها ولكنه يخشى أن يُنكث وعده.
تعالى صوت شهقات فاطمة، ودموعها تنسدل على وجهها، رأسها يتحرك يسارًا ويمينًا رافضة رؤية ما ترآه الآن.
تمزق قلب علي لعلمه بما تراه الآن بالتحديد، نزع جاكيته وإتجه إليها يتمدد جوارها، أزاح عنها الحجاب وجذبها إليه يحتضنها.
مرر يده على خصلاتها ومال على رقبتها يهمس بصوتٍ اختنقت فيه دموعه:
_أنا جنبك يا حبيبتي، متخافيش يا فاطمة مفيش مخلوق يقدر يلمس شعرة واحدة منك وأنا هنا.
ارتحت تعابيرها المشدودة بصورةٍ ملحوظة، صوته الدافئ تسلل لها في ظلمتها، فاستكانت على صدره لدقائقٍ، وعادت تهمس:
_علي!
قرب رأسها إليه، يطبع قبلاته على جبينها بحزنٍ اتبع صوته العميق:
_روح قلبه إنتي يا فطيمة!
انسحب للأسفل ليمنحها نومة مريحة، فهالها أمانه وحبه، شعرت بجيوش مشاعره وعشقه تدافع عنها بسيوفٍ قلبت ساحة المعركة لصفها، فباتت آمنة مطمئنة، حتى وهي تعلم بداخلها بأنها تتوهم وجوده، عقلها يعلم بأنه بمصر وقلبها يتمسك بهالته حتى وإن كانت وهم، رائحته الطيبة وضمته الرقيقة لها تعرفها حتى ولو افترقت عنه دهرًا كاملًا.
أبادت عقلها بقوةٍ وهي تصفعه هاتفة «إنه هو، حبيبي علي! هو الوحيد القادر على منحي تلك المشاعر، هو فحسب!!!»
*****
انتهى من حمامه عساه يمنحه القليل من النشاط الذي فقده، جسده بالرغم من ضخامة بنيته العضلية الا أنه بدى كالهزيل الواشك على فقدان الوعي بين لحظةٍ وأخرى.
ارتدى أول ملابس قابلته بآليةٍ تامة، وعلى غير عادته، ثم سحب مفاتيح سيارته وإتجه للمغادرة.
وقف قبالة الدرج يخطف نظرة حزينة لجناح أخيه، إتجه عُمران إليه مترددًا بطرق بابه، أطبق كفه المفرود ومال عليه يردد بقهرٍ شق دمعة خائنة على خده:
_أنا بريء من الاتهام البشع اللي مالي عنيك يا علي!
تغلب على رغبته بطرق بابه وهبط للأسفل، مستقلًا سيارته.
بينما بغرفة علي.
سحب هاتفه وحاول الاتصال بعمران فور سماع صوت سيارته، فتفاجئ به مغلقًا، لذا أرسل له رسائل مكتوبة على حسابه.
«عُمران خليك صريح معايا وقولي الكلب اللي انت اتخنقت معاه قبل كده حاول يتعدى على فاطمة، أرجوك صارحني عقلي هيقف من التفكير!»
رسالة أخرى
«عُمران الموقف ميتحملش سكوتك، قولي اللي حصل وأنت عارف إني عاقل وقادر أوزن الأمور، بس من فضلك متسبنيش لأفكاري، أنا مجرد ما بفكر إن حد مسها بحس إني قلبي بيقف، أرجوك ريحني وأنا مش هقولها إني عرفت حاجه.»
زفر علي بضيقٍ حينما لم تصل رسائله لعُمران، فترك هاتفه وعاد يمسد على ظهر زوجته، فغفى رغمًا عنه من فرط الاجهاد والسفر لساعاتٍ طويلة.
******
وصلت سيارة عُمران للمركز الطبي الخاص بأخيه، صفها وصعد مسرعًا للطابق الرابع حيث غرفة زوجته، أسرع لباب الغرفة اقتحمه وأنفاسه تعلو من فرط مجهوده المبذول، فانتبه إليه عمه ووالدته وزينب التي أصرت بالقدوم معهم.
انتهى يوسف من غرز المحقن بزجاجة المحلول المندس بعروقها، واستدار يقابل صديقه بنظرة حزينة، ذلك الذي قضى الليلة راكضًا ما بين زوجته وزوجة أخيه!
تحرر صوت عُمران المحتبس بحنجرته طويلًا وقال:
_مالها مايا يا يوسف طمني؟
إتجه إليه حيث محل وقوفه، وقال بصوتٍ منخفض يلفت الانتباه لعمران بأنها نائمة بعمق:
_متقلقش هي كويسة والبيبي كمان زي الفل، كل الحكاية إن الأنيميا واطية شوية ودي اللي تعباها من أول الحمل.
وتابع بعمليةٍ:
_هنحاول مع الأدوية وبعض الأكلات إننا نظبط نسبتها، أنا اديتها محلول دلوقتي ولما يخلص هعلق ليها التاني وعلى الصبح بإذن الله هتبقى كويسة.
استرخى جسده المتشنج، وقال وعينيه لا تفارق وجهها الشاحب:
_معلش يا يوسف تعبتك معايا النهارده .
ربت على كتفه بحنانٍ وقال بخشونة:
_عيب الكلام ده يا عُمران، البشمهندسة مايا تعتبر مرات أخويا ولا إنت شايف غير كده؟
رسم بسمة صغيرة ممتنة له، فاستقبلها يوسف بابتسامة تخفى ألمه وتأثره بحالة عُمران الغامضة له.
وقبل أن يخرج من باب الغرفة قال لفريدة وأحمد:
_عن إذنكم أنا تحت في مكتبي لو حصل حاجة كلموني.
نهض إليه أحمد يقدم له الشكر على عرفانه، فهو أول شخصًا أتى لخاطرهما فور سماعهما صراخ مايا وبكائها، أخبره يوسف بأنه لم يفعل شيء، هذا واجبه وقد أتمه على أكمل وجه، واستأذن للمغادرة على الفور.
جلس عُمران على طرف الفراش جوارها، نظراته الحزينة تحيطها، وسرعان ما استعاد ثبات وصلابة فور تذكره بأنه الآن ليس بمفرده، سيسعى ألا يصل سوء التفاهم هذا لعائلته وبالأخص والدته، إن وصل إليها بأن أخيه يشك بأنه قام بالاعتداء على زوجته ستكون ضربة قاتلة لتلك السيدة الفاتنة التي أفنت شبابها في سبيل ترتبيتهما.
تطلع تجاههم وتساءل باهتمامٍ:
_أيه اللي حصل؟
اعتدلت فريدة بجلوسها وأثار النوم تداعب عينيها الزرقاء:
_معرفش والله يا حبيبي، انا كنت نايمة أنا وأحمد وفوقنا على خبط زينب، قالتلنا إنها سامعة مايا بتعيط جامد وخايفة تدخل الجناح تكون إنت جوه، فدخلت عليها لقيتها بتصرخ وبتعيط جامد، فأحمد اتصل بيوسف وقالنا نجي المركز وهو حصلنا على طول.
هز رأسه بتفهمٍ، ورسم ابتسامة جذابة وهو يردد بامتنانٍ:
_دكتورة زينب مش عارف أشكرك إزاي إنك آ...
قاطعته برقةٍ، رافضة مبالغته بالأمر:
_أنا معملتش حاجة مايا زي فاطمة الاتنين واحد عندي... ربنا يشفيها ويقومها هي والبيبي بخير يا رب.
رد عليها ومازالت ابتسامته مرسومة:
_تسلمي.. بس من اللحظة اللي هيشرفنا فيها البيبي هنقرفك إنتِ ودكتور سبفو معانا.
على ذكر إسمه ارتبكت وتلون وجهها بحمرتها، فتابع عُمران بخبث:
_علي رجع من شوية، يعني خلاص كلها يوم ولا اتنين ويجي يطلبك بشكل رسمي.
خفق قلبها بعنفٍ، وكأنه سيقفز من صدرها يتراقص على نغمات عشقه الذي وُلد داخلها، تمنت أن ينتهى الحوار بينهما فلم تجد أي كلمة مناسبة تجيبه بها.
شعر بها أحمد فقال بحزمٍ مازح:
_خلاص بقى يا وقح متكسفش الدكتورة!! وبعدين احنا اتصلنا بيك عشان تكون جنب مراتك وتهون معاها، وإنت من ساعة ما جيت وإنت مركز معانا احنا.
مازحه بغمزةٍ وقحة:
_مهو أنا مش هعرف أركز معاها طول ما أنتم هنا يا عمي، فأنا بقول تأخد فريدة هانم والدكتورة زينب وترجعوا القصر تريحوا، أنا هنا وهأخد بالي من مايا متقلقوش.
حدجه أحمد بنظرة غاضبة، وأشار بقلة حيلة:
_عمرك ما هتتغير، هتفضل طاووس وقح لحد ما تشيب وتبقى جد!
عدل من ياقة قميصه بغرورٍ:
_مين ده اللي هيشيب ويبقى جد، ده في أحلامك يا أحمد يا غرباوي!! ولو كترت في الكلام مش هترجع بيها على القصر هنطلع كلنا بربطة المعلم على محكمة الأسرة، ها أيه رأيك؟!!
أمسكت فريدة كف زوجها وقالت بإرهاقٍ:
_مش هتقدر على لسانه يا أحمد، خلينا نرجع لاني تعبت فعلًا من القعدة.
أمسك بها ويده تلتف حول خصرها بلهفةٍ:
_حاضر يا حبيبتي، يلا بينا.
تفاجئ أحمد بيد رجولية تزيح يده عن خصرها، وفجأة وجدها محمولة بين ذراعي عُمران الذي منحه نظرة شرسة:
_كل حي أولى بلحم بيته يا عمي!
اندهش أحمد مما يفعله، بينما رددت فريدة بعصبية:
_نزلني يا عُمران!! أيه اللي إنت مهببه ده هتوقعني!
ولج بها المصعد وتركها تقف داخله وقال بضحكة هادئة:
_متقلقيش يا فريدة هانم وزنك الرشيق ميتعداش 60كيلو، بشيل أوزان أكتر منهم!
وغادر سريعًا من أمامها قبل أن يصيبه نوبة عصبيتها، بينما منحه أحمد نظرة غاضبة قبل أن يدلف للمصعد إليها برفقة زينب.
ما أن تأكد من مغاردتهم حتى نزع عنه ملامحه الزائفة، فأطل الحزن من عينيه بعمقٍ، ولج عُمران لغرفة زوجته مهمومًا، يتحرك ببطءٍ شديد، حتى وصل للمقعد المجاور لفراشها.
انحنى لذراعها المتصل بالمحلول الطبي، وفرق قبلاته على كفها برقةٍ.
ظل لجوارها ساعة كاملة يتأملها بحبٍ، وقلبًا متألمًا لما أصابها بسبب حملها، نهض عمران عن المقعد يزيح جاكيته، وجرفاته باختناقٍ شديد، نظرات علي تصيبه بأسهمٍ تسحب كل وجعٍ دفنه داخله.
حرر أزرار قميصه الأسود، وفتح شرفة الغرفة، يستقبل صدره العاري الهواء البارد بكل ترحابٍ، رماديته تنغلق بقوةٍ وتجاهد لتحرر تلك الدمعة المتأججة داخلها، ليجوب إليه ذكرى هذا اليوم العجيب!
##
لم يكن يومًا مهملًا بعمله ليأتيه تلك الشكوة من إحدى البنايات المكلف بها إحدى شركاته، جن جنونه واستحضر عفاريته بعصبية تكاد تفجر رأسه من فرطها، صائحًا بعدائيةٍ شديدة:
_ده اسمه استهبال يا بشمهندس!! إنت عارف أنا بقالي كام سنة على الكرسي ده؟ مجاليش شكوة واحدة ودلوقتي عايز أفهم الشكوى دي سببها فريقك ولا إنت اللي فشلت توجهه لطلبات العميل!!
رفع المهندس رأسه هاتفًا بحرجٍ:
_يا مستر عُمران أنا آآ...
قاطعه بصرامةٍ مخيفة:
_إنت أيه؟!! محروج تعترف بفشلك في أول مهمة أسلمهالك كقائد مسؤول!! للأسف يا طارق إنت خذلت ثقتي فيك.
وتابع وهو يغلق حاسوبه بعنفٍ:
_اتفضل يا بشمهندس جمعلي فريقك كله في صالة الاجتماعات، علشان نشوف هنحل الغلطة دي ازاي، وبعد كده هيبقلنا كلام تاني.
تحرك للخارج بضيق لما تسبب هو بفعله، بينما نهض عُمران يهمس بإرهاقٍ شديد وهو يتفحص الساعة التي عانقت الحادية عشر مساءًا:
_المصايب كلها جاية في يوم واحد، اللهم لا اعتراض.
جذب جاكيت بذلته عن المشجب العريض، المجاور للباب الرئيسي لمكتبه، ثم اتجه للباب الجانبي الفاصل بينه مكتبه ومكتب زوجته والذي أصبح يخص زوجة أخيه من بعدها.
طرق عُمران على الباب طرقتين متتاليتين، لتنتبه له فاطمة، وما أن نهضت عن مكتبها حتى ولج يشير:
_سيبي الملف ده يا فاطمة وتعالي يلا أوصلك بسرعة عشان ألحق أرجع تاني.
جذبت حقيبتها ترتديها وما أن استمعت لباقي جملته حتى تساءلت باستغرابٍ:
_هترجع تاني ليه؟!
رد عليها وهو يتنهد بضيقٍ شديد:
_عندي اجتماع مهم، البشمهندس اللي لسه متعين من كام شهر بعته ينفذ عمارة تبع ناس تقال بيتعاملوا معايا باستمرار، اندهشت لما كلموني من شوية يشتكوا من التنفيذ، هشوف البهوات عملوا أيه وهحاول أحل الدنيا.
نزعت عنها الحقيبة وأعادت لسطح المكتب، مقترحة عليه:
_خلاص روح إنت اجتماعك وأنا هستناك هنا على الأقل أكون خلصت حسابات ملف المشروع اللي شغالة عليه.
رفع ساعة يديه يتطلع إليها مرة أخرى، ثم قال:
_بس يا فاطيما أنا ممكن اتأخر في الاجتماع والساعة دلوقتي 11،خليني أروحك وأرجع أحسن.
عادت لمقعدها مبتسمة:
_يعني هروح أعمل أيه!! خليني هنا أحسن لحد ما تخلص اجتماعك بدل ما تروح وترجع كده هتتأخر.
ابتسم لها وقال باحترامٍ لشخصيتها الذي باتت تروق له:
_بيقولوا الأخت الحنينة رزق، وأنا ربنا رزقتي بشمس المصلحجية، أي مصلحة أو فلوس تلاقيها بني آدمة رقيقة وكيوت أوي، وسبحان الله عمري ما شوفتها غير كده، لكن الحنية والطيبة دي موردتش عليا قبل كده.
اتسعت ابتسامتها وقالت:
_الطيبون للطيبات يا بشمهندس، وعلي طيب جدًا ولا أيه؟!
ضحك بصوته الرجولي وقال بمرحٍ:
_طيب ومحظوظ، الاتنين مع بعض وشكلي هنق عليه.
فتحت حاسوبها وملفها من جديدٍ بعدما ظنته يستدعيها للرحيل فأغلقتهما:
_طيب أجل النق لبعدين وإلحق اجتماعك.
زفر بضيقٍ ملحوظ، وهتف:
_لازم تفكريني... يلا هنزل أنا لمبنى الاجتماعات ولما هخلص هرن على تليفون مكتبي أبلغك تنزلي.
هزت رأسها في طاعة وقالت:
_تمام... ربنا معاك.
راقت له دعوتها، فاستدار برأسه لها وقال :
_دعواتك لإني حاسس إني هنزل أطلق كلابي الصعرانه عليهم ووقتها هيموتوا من الصدمة لإنهم متوقعين إن اللي نازلهم هو مستر عُمران الشيك الجنتل مان،وأنا في لحظة غضب مش هقدر أسيطر على عُمران البلطجي اللي قاعد جوه بيتلكك لخلق الله، ففعلًا فعلًا محتاج لدعواتك!!!
اتسعت ضحكاتها بعدم تصديق لما يتفوه به، وقالت من بين سيلها المنطلق:
_هدعيلك حاضر.
ودعها وهبط متجهًا لمبنى الاجتماعات المجاور للمبنى الرئيسي، حيث كان يجتمع بالفريق بأكمله.
ظل عُمران برفقتهم لساعتين متتاليتين، حتى تمكن أخيرًا من حل المشكلة.
انتهى الاجتماع أخيرًا، وخرج عُمران لسيارته منهكًا يجر ساقيه بتعبٍ شديد، رفع هاتفه واتصل بهاتف مكتبه، وحينما أجابته فاطمة قال:
_فاطيما أنا تحت انزلي يلا.
وفور أن أغلق معها، هاتف مكتب السكرتارية، وما أن أجابه حسام السكرتير الخاص به قال:
_معلش يا حسام سهرتك النهاردة، تقدر تمشي.
أغلق الهاتف ومال على سيارته ينتظر زوجة أخيه بإرهاقٍ ودوار جعله على وشك فقدان الوعي بعد هذا اليوم المتعب.
بالأعلى.
أغلقت فاطمة حاسوبها والأوراق من أمامها، ثم خرجت للطرقة الخارجية، وقفت تتطلع للدرج بتعبٍ، لقد استنزفت قوتها بهذا اليوم المرهق الذي لم تشهد مثله منذ أن استلمت عملها هنا.
تطلعت للمصعد بقلقٍ، فهي لم تعتاد الدخول إليه الا برفقة علي، وموخرًا برفقة عُمران الذي التمست به حنان الأخ الذي رحل عن أشقائها، كانت حائرة، بين خوفها المحتبس كالوحش المقيد، وبين تعب جسدها الهزيل، وبين هذا وذاك اختارت الولوج للمصعد بعد قناعة إن لا أحدٌ من الموظفين هنا بهذا الوقت المتأخر.
ولجت فاطمة للمصعد وتراجعت تضغط على اللائحة باختيار الطابق الأرضي، وما كادت بالابتعاد حتى تفاجئت بحسام السكرتير الخاص بعُمران يضع قدمه ليمنع انغلاق الباب، وولج يرسم ابتسامة بسيطة وهو يردد:
_أزي حضرتك يا استاذة فاطمة.
تعجب حينما التزمت بصمتها ولم تجيبه، علامات الفزع والرعب على وجهها جعله يتابعها بدهشةٍ، بدى إليه وكأنها ترى شبحًا أمامها.
لوهلة شعر بأن به خطبًا ما، فاستدار تجاه اللوح الزجاجي من خلفه يتفحص ذاته ليتأكد من سلامة مظهره.
وحينما لم يجد شيئًا غريبًا استدار تجاهها يتساءل بقلقٍ:
_حضرتك كويسة؟
لم تجيبه وكأنها لم تسمعه من الاساس، تركيزها منصوب على اللوحة المضيئة أعلى المصعد، تعد الطوابق المتبقية للنجاة من هنا.
إن كانت تعلم بأنه سيصعد برفقتها لما كانت استلقت المصعد حتى وإن كانت ستموت تعبًا، ارتعشت يديها بشكلٍ ملحوظ، ضغطها العصبي على الحقيبة بين يديها جعل حركت جسدها تهتز بعنفٍ، وفجأة توقف المصعد بهما، وكأن الظروف تكاتفت لتصيبها بنوبة شرسة.
تراجعت فاطمة للخلف بذعرٍ، فتنحنح حسام وهو يتجه للهاتف الموضوع جوار اللائحة قائلًا ببسمةٍ يرسمها بالكد لغموض تلك الفتاة:
_الظاهر إن في مشكلة، بس متقلقيش المشاكل دي بتتحل في دقايق.
لم تكن تسمعه من الأساس، كانت ترى فحيح الماضي السام يتسلل لها رويدًا رويدًا، بقائها بمكانٍ محكم كهذا برفقة رجلًا كان أسوء حلمًا لا تتمنى أن يزورها.
تحدث حسام مع الأمن والعاملين بالأسفل وأكدوا له بأن المصعد سيعمل خلال ثلاث دقائق كحد أقصى، فوقف بعيدًا امام باب المصعد بالتحديد ليضمن بقائها بحرية عنه.
تسلل لها ظل لثلاثٍ رجال، هم نفسهم من قضوا عليها بدمٍ بارد، أحدهم يمزق ثيابها، والأخر يلطم وجهها لتكف عن الصراخ، بينما ثالثهم كان يقيد حركتها الشرسة، تخدر جسدها ولم تعد ساقيها تحملها، فجلست على ركبتيها تنتفض بقوةٍ جعلت جسدها كالهيلام المتحرك.
جسدها حاضر وعقلها غائب، ها هي هنا بينما روحها تعذب هنالك، بين ثلاث ذئاب بشرية، ينهشون لحمها دون رأفة بصراخها، دمائها تنهمر من بين مخالبهم وقلوبهم قد تغلفت بحجارةٍ فجعلتهم قساة كالفولاذ.
عاد الضوء للمصعد، فابتسم حسام بفرحةٍ واستدار ليطمئنها، ولكنه صعق حينما وجدها تجلس أرضًا، بأعينٍ جاحظة، جسدها يرتجف بالرغم من إن انعزالهم بالمصعد وضيقه جعل الحرارة ترتفع بشكل جعله يتصبب عرقًا.
ارتبك للغاية وعجز عن فعل شيء، فبقى محله وسألها بتوترٍ:
_استاذة فاطمة إنتِ كويسة؟!!!
ظلت كما هي، وكأنه اليوم غير مرئيًا لها، توقف المصعد بالأسفل، وانفتح بابه حيث كان يقف عُمران بانتظارها.
رآها تجلس هكذا وصوت أنفاسها المحتبسة تعلو دون توقف، هرع للداخل يتفحصها بلهفةٍ، واستدار لحسام يسأله بنظراتٍ قاتلة:
_مالها؟؟؟
إتجه عُمران إليها يناديها:
_فاطيما ، سمعاني؟!!! أيه اللي حصل؟
كانت تنظر أمامها بصمتٍ تام، انتفاضة جسدها وتمسكها بالحقيبة هو البصيص لأمل أنها مازالت على قيد الحياة، تركها عُمران وهرع إليه يهدر بغضب:
_عملت فيها أيه؟!!!
ابتلع حسام ريقه بتوترٍ، وحاول استدعاء بحة صوته الهادرة رعبًا منه:
_معملتش حاجة!
احتدت مُقلتيه، واندفع يلف ذراعه حول رقبته بعنفٍ اتبع صراخه:
_يعني هتوصل للحالة دي لوحدها! انطق يا حسام والا هتموت في إيدي!
التقط أنفاسه بصعوبة وقد يكون يلفظ أخرها، فقال بسعالٍ حاد:
_والله العظيم مجت جنبها يا مستر عمران، هي أول ما الاسانسير عطل وهي بقت بالحالة دي.
تعمق بالنظر داخل حدقتيه فوجد الصدق لا غيره، هدأ عُمران قليلًا فحسام يعمل معه منذ سنواتٍ ولم يرى منه أي شيئًا يدينه أخلاقيًا، حرر ذراعه عن رقبته وتركه يهندم ثيابه.
خطف عُمران نظرة حائرة لزوجة أخيه، فوجد أن يمسك العصا من المنتصف لحين تأكده من براءته كاملة، فخرج من المصعد يصرخ بعصبيةٍ:
_فين الأمن اللي في المخروبة دي؟؟!!!
خرجوا تباعًا من غرفة السيكيورتي، فأشار لأحد منهم على حسام:
_فرغولي كاميرات الاسانسير ده حالًا، وخدوه جوه لحد ما أتاكد من كلامه.
ووجه حديثه إليه بوعدٍ مخيف:
_ادعي ربنا إنك تكون بتقول الحقيقة لإن لو ثبت عكس ده صدقني هتكون لندن هي قبرك، مش بداية لمستقبلك زي ما بتتمنى!
غادر رجالين من الأمن بصحبة حسام، بينما ذهب البقية لتفريغ كاميرات المصعد بسرعةٍ كبيرةٍ خشية من غضب عُمران الذي يشهده الجميع لأول مرة.
عاد عُمران للمصعد المفتوح على مصرعيه، فوجدها مازالت تجلس محلها، إتجه إليها ينحني قبالتها يناديها بهلعٍ:
_فاطمة اتكلمي أذاكِ؟ عملك أيه الكلب ده؟
بقيت كما هي، دموعها تنساب، عينيها لا ترمشان، جسدها يزيد انتفاضه، اضطر عُمران أن يحرك جسدها عساه تفيق من حالتها الغامضة تلك.
مسك يدها وهو يناديها:
_فاطمة!
لمسته تلك كانت كالصاعقة التي جعلت عقلها يعود لعمله، هو ليس حُلمًا ووهمًا بل حقيقة، تستطيع الشعور الآن بلمسة يد خشنة تحيط ذراعها، فانتفضت صارخة بصوتٍ كُتم لفترة لا تعلمها، ورفعت كفها تخدش وجه هذا الحقير الذي تجرأ على لمسها.
أصابت أظافرها وجه عُمران ورقبته، فتأوه ألمًا، ومع ذلك لم يعنيه الا الاطمئنان عليها، فقال وهو يحاول أن يكتف حركتها المنفعلة:
_فاطيما اهدي أنا عُمران!!
كلما حاول السيطرة على يديها كانت تزداد رجفتها ويزيد جنونها، لذا فرق ذراعيه عنها ليجعلها تهدأ، هاتفًا بصوتٍ هادئ:
_اهدي مفيش حد هنا غيري، أنا بعيد أهو بس اهدي!
تطلعت له كثيرًا وكأنها تتحقق من ملامحه وتتأكد من صحة حديثه، اعتدلت فاطمة بجلستها وضمت ركبتها بيديها إليها، وصوت بكائها يعلو تدريجيًا.
شيئًا داخلها قد حُطم، كانت تظن بأنها تعافت بشكلٍ كليًا والآن عادت لنقطة الصفر مجددًا، راقبها عُمران بحيرةٍ، لا يعلم ما الذي عليه فعله، فاقترب منها مجددًا يناديها:
_فاطمة.
رفعت عينيها الباكية إليه، فسألها بلهفةٍ:
_إنتِ كويسة؟
هزت رأسها بالنفي، فعاد يسألها:
_حسام عملك حاجة؟
تهدل كتفيها بعدم علمها، فتبابع بهدوءٍ واتزان:
_ولا يهمك المهم انك تهدي، يلا نخرج من هنا، بره هترتاحي أكتر.
حركت رأسها بموافقة لحديثه، فتحاملت على مسند المصعد المطول، فانتابها دوار حاد، جعلها تترك حقيبتها وتضم رأسها بألمٍ.
انحنى عُمران يلتقط الحقيبة، وسألها:
_قادرة تقفي؟
أحنت رأسها ببكاءٍ، وهي لا تعلم بما تجيبه، فتح كفه بترددٍ وحذر:
_تسمحيلي أساعدك؟
وزعت نظراتها المرتبكة بينه وبين يده الممدودة، وبتوترٍ وقلة حيلة وضعت كفها إليه، فساندها وهو يحرص بقائه بعيدًا عنها قدر المستطاع، تاركها تحتمل على يده وجسده ينفصل عنها بمسافةٍ.
شعرت فاطمة بأنها على وشك الاستسلام للنوبة، فساقيها باتت ثقيلة لا تنصاع إليها، الظلام بدأ يسيطر على حدقتيها بشكلٍ مقبض، مالت بجسدها على ذراع عُمران، فالتقطتها قبل أن تلامس الأرض وهو يصرخ بقلقٍ:
_فاطمــــــــة!!
فتحت عينيها إليه ورددت بهمسٍ باكي:
_متقولش لعلي حاجة... متقولوش!
أجابها وهو يحاول جعلها تستقيم بوقفتها:
_مش هقوله حاجة.. وعد.
أغلقت عينيها مستسلمة للضباب، وبالرغم من ذلك مازالت قدميها تنساق خلفه، ساندها عُمران لاحد غرف الأمن، وضعها على الفراش وسحب أحد الاغطية يداثرها جيدًا.
اغلق باب الغرفة وأشار لأحد الرجال الذي تتبعه للداخل:
_خليك قدام الباب هنا، وأوعى تدخل جوه لو حصل حاجة تيجي تبلغني أخر حل تعمله دخولك جوه ليها فاهم؟
هز الاخير رأسه يجيبه:
_تحت أمرك يا باشا.
إتجه عُمران للغرفة المتحكمة بشاشات المراقبة، ولج الداخل ينحني تجاه احدى الشاشات الموضوعة من امام أحد موظفي الأمن يشير له بأنه قد حلل المقطع المطلوب.
طالبهم عُمران بالخروج وظل بمفرده يراقب ما حدث باهتمامٍ، فوجد أن حسام صادقًا وإنه لم يمسها، لقد انتابتها النوبة منذ دخوله للمصعد، صم كفيه لوجهه وهمس بغضب:
_ما في أربع أسانسير غيره ملقتش غير اللي ركبت فيه يا غبي!
زفر عُمران بغضب لما كان على وشك فعله به، أكثر ما يزعجه أن يظلم أحدًا يومًا، ترك غرفة المراقبة وإتجه لاحد الغرف السفلية حيث يُحتجز حسام بها.
أشار للحارسين قائلًا:
_بامكانكما الذهاب.
رحلوا من أمامه، بينما قام هو بفتح الباب وولج للداخل، وجد حسام يجلس على الفراش حزينًا، فجلس جواره وهو ينتهد بضيقٍ، والأخر ينتظر سماع ما سيقول، وحينما تأخر حديثه قال بحزن:
_راجعت تسجيلات الكاميرات يا باشا.
ضم شفتيه يعتصرهما بألمٍ، واستدار إليه يمنحه نظرة حزينة، ودون أي مقدمات ارتفع برأسه يقبل جبهة حسام مرددًا بحرجٍ:
_حقك عليا يا حسام، أنا غلطت في حقك.
وتابع بندمٍ:
_انت شغال معايا بقالك أربع سنين مشفتش فيهم منك حاجة وحشة بس صدقني كان غصب عني، فاطمة حالتها كانت صعبة وأي شخص مكاني كان ظن فيك كده.
هز رأسه بابتسامةٍ هادئة:
_عارف ومقدر ومش زعلان من حضرتك، المهم إن الهانم بخير.
ربت على ساقه بامتنان لتقبله أسفه قائلًا:
_بخير الحمد لله، وعشان جدعنتك دي أحلى مكافأة هتتصرفلك ومش بس كده إنت مش كنت مقدم على اسبوعين اجازة عشان فرحك، مني ليك فوقهم اسبوعين للمالديف بتذاكر محجوزة واقامة جوه الفندق على حسابي، ها مرضي يا عم؟
اتسعت ابتسامته بفرحةٍ ونهض يحتضنه بسعادةٍ، ربت عُمران على ظهره هامسًا:
_ربنا يفرحك يا عريس، أينعم هتفخت الاربع اسابيع دول من غيرك لإن صعب حد من السكرتارية يفهم دماغي زيك بس عشان خاطر العروسة نستحمل.
تعالت ضحكاتهما الرجولية، فابتعد عنه عُمران وطرق على كتفه بقوة وصرامة مضحكة:
_يلا بقى على بيتك هتقف تحكي معايل لنص الليل وأنا مش قادر أصلب طولي، مانت بروح أمك هاريني من الصبح ملفات وشغل متكوم من سنين!!!
برق بدهشة من تحوله السريع الذي من المفترض أن يكون اعتاد عليه، فمازحه عُمران:
_هتمشي ولا أطلق كلابي الصعرانه عليك!
جذب جاكيته الملقي على الفراش وهرول من أمامه قائلًا بضحك:
_تصبح على خير يا مستر عُمران.. أشوفك بكره.
ودعه عُمران وما أن تأكد من رحيله حتى عاد لغرفة فاطمة مهمومًا، لا يعلم كيف سيتعامل معها الآن، حالتها تزداد سوءًا، رجفتها، اختناق تنفسها، كل تلك الامور جعلته عاجزًا.
أخرج هاتفه من جيب سرواله وهو يهمس بسعادة كأن الحل كان غائبًا عنه:
_علي! أكيد هيساعدني وهيقولي أتصرف ازاي!
حرر زر اتصاله، مرة، اثنان، ثلاثة اتصالات وهاتفه كل مرةٍ خارج نطاق التغطية، عساه يعلم بأنه الآن على متن الطائرة لذا لم يستطيع الوصول لخطه المصري.
مرر يده على جبينه بتعبٍ، لا يعلم ماذا سيتوجب عليه فعله الآن، جاب الطرقة الخارجية ذهابًا وإيابًا حتى استقر بتفكيره على يوسف صديقه، هو المناسب الآن لحالة فاطمة.
اتصل به عُمران فاذا به يجيبه بمرحٍ:
_شكلك كده غيرت رأيك وهتيجي تسهر معايا أنا وجمال، احنا بعتنا سيف يجبلك أكل جاهز هتصل بيه وأخليه يزود عشانك.
_أكل أيه يا يوسف، بالله عليك ركز معايا.
_في أيه يا عُمران قلقتني!!!
_فاطمة مرات أخويا تعبانه جدًا ومش عارف أروح فين؟
_تعبانه مالها يعني!
زفر بغضب، لم يكن يود كشف سرها لأحدٍ، فاكتفى بقوله:
_هي كانت بتمر بحالة نفسية والمفروض انها اتخطتها انا حاليًا في الشركة ومش عارف أروح لمين ولا فين!
_خلاص خلاص هاتها وتعالى شقة سيف، وأنا هشوف هقدر أجهز أيه لحد ما تيجي.
أغلق الهاتف ووضعه بجيب بنطاله، ثم مال عليها يناديها:
_فاطمة.. لازم نتحرك.. قادرة تقفي معايا؟
كانت تراه صورة مشوشة من امامها، وجدت يد تمتد لها فابتسمت وهمست بحبٍ:
_علي!
ارتبك عُمران وخشى أن تعامله كزوجها، فأمسك يدها واسندها حتى تمكن من معاونتها بالجلوس بسيارته.
وصل بعد دقائق معدودة لشقة سيف، فوجد يوسف وجمال بانتظاره، عاونها حتى تمددت على الاريكة الخارجية، ففتحت عينيها تحاول التقاط تلك الاصوات المحاطة بها.
ارتعبت فاطمة حينما وجدت جمال ويوسف وعُمران من حولها، يعيد المشهد تجسيد ذاته من جديدٍ، ازدادت النوبة بحدتها، انتفضت بصورة مخيفة، ودموعها انهمرت دون توقف.
رفعت أصابعها المرتجفة تجاه عُمران تناديه ببكاءٍ:
_عُمران!!
ترك عُمران يوسف وجمال وهرع إليها فقالت بعويلها المؤلم:
_مين دول؟ أنا خايفة روحني!
ربت على يدها وقال بحنان:
_متخافيش يا فاطمة ده دكتور يوسف صاحبي، هيحاول يساعدك لاني مش هقدر اروحك كده.. متخافيش.
وأشار لجمال قائلًا:
_معلش يا جمال ادخل اوضتك.
هز رأسه بتفهمٍ وغادر على الفور، بينما دنى يوسف إليها يحاول استكشاف ما يصييها، حدة نوبتها، فجذب أولًا جهاز الضغط يقيسه، فأذا بها تبعد ذراعها برهبةٍ وتتشبث بذراع عُمران، هاتفة بصراخ جنوني:
_أنا عايزة أمشي.
ومالت برأسها على حافة الاريكة بتعبٍ، تردد بعدم وعي:
_محدش يقرب... سيبوني!
ابتعد يوسف عنها بدهشةٍ أصابته كليًا، بينما عاونها عُمران على التمدد وهو يهمس لها:
_متخافيش يا فاطمة انا جنبك... ارتاحي شوية وهنتحرك على طول، اتفقنا؟
وجدها قد اندمست بظلمتها، مغلقة عينيها باستسلامٍ، مددها وأحاطها بغطاء خفيف قدمه له جمال والتقط الورقة التي قدمها له يوسف قائلًا:
_جمال بسرعة هات الحقنة دي من أي صيدالية بسرعة من فضلك.
أومأ إليه واتجه للأسفل، بينما اقترب عُمران من يوسف يتساءل:
_طمني يا يوسف، فاطمة مالها؟
رفع عينيه إليه وقال مندهشًا:
_عُمران هي فاطمة حد اعتدى عليها قبل كده؟
ابتلع ريقه بتوترٍ، وخطف نظرة حزينة لها ثم قال:
_يوسف أنا مينفعش أتكلم معاك في حاجه تخص علي ومراته، بس إنت دكتور وفاهم فاعتبر اجابتي واضحة.
ارتسمت ابتسامة متفاخرة على وجه يوسف وقال بذهولٍ:
_أنا دايمًا بسمع من الدكاترة زمايلي عن شطارة دكتور علي وأد أيه هو دكتور ممتاز، النهاردة بس شوفت بعيني إنه عبقري، كون إنه يتعامل مع حالة فاطمة بالشكل والحذر ده يعني إنه أستاذ! حرفيًا أنا مندهش، أنا بالرغم من إن عندي خلفية بسيطة عن الطب النفسي بس أجزملك بنسبة مية في المية إن حالة زي الحالة اللي بتمر بيها فاطمة دي من رابع المستحيلات إنها تتجوز وتعيش مع راجل أصلًا!!
تأفف عُمران بضيق وهتف يستنكر حالة الاطراء الذي يخوضها يوسف في ظل تلك الظروف:
_وبعدين يا يوسف، فهمت خلاص ان أخويا دكتور محصلش، اتصرف وشوف هتتعامل معاها ازاي انا أعصابي متدمرة ومش متحمل!
ربت على كتفه بحنان:
_طيب اهدى، انا بعت جمال يجيب حقنة مهدئة هتاخدها وهترتاح لحد بكره الصبح.
تنهد بحزنٍ وسأله:
_وده مضمون ولا أيه يا يوسف؟ يعني لو حامل او كده؟
منحه ابتسامة هادئة وقال متفهمًا:
_متقلقش.
استقبل هاتف يوسف رسائل على حسابه الخاص، فرفع هاتفه ليتفاجئ بأحمد الغرباوي يخبره بتعب مايا وحاجتهم الماسة إليه، رفع بصره عن هاتفه وتطلع لصديقه بحزن، يراه مهمومًا على زوجة أخيه فماذا اذا أخبره بتعب زوجته؟
اجابهم يوسف برسالة تنص على توجههم للمركز وسيلحق بهم على الفور، وقرر عدم اخبار عُمران الآن، يكفيه ما يمر به.
عاد جمال يناوله الكيس البلاستيكي، فأفرغ محتوياته وعبئ الأبرة، ثم دنى إليها.
نوبتها كانت شرسة لا ترأف بها بنومٍ مريحًا، كانت تستفيق لدقيقةٍ أو اقل منها ثم تغلق عينيها لأكثر من خمسةٍ دقائق، فتحت فاطمة عينيها تلك المرة فتفاجئت بيوسف يجاورها، ارتعبت وتراجعت لأخر الأريكة، فما أن مالت للجانب الاخر حتى وجدت عُمران ينحني إليها يخبرها بهدوء:
_متخافيش يا فاطمة، يوسف هيديكي مهدء وهنمشي على طول... متخافيش.
أمسكت يده تشدد عليه برجاء ودموع:
_عُمران.. عايزة أمشي من آآ...
سحبت كلماتها مع انتهاء يوسف من دس الأبرة، فشعرت بدوار مضاعف ونادته بهمسٍ باكي:
_عُــ.... مـر... ا.. ن!!
اسمه أخر ما رددته قبل أن تفقد وعيها نهائيًا، استجابة للأبرة، حينما كانت تسترد وعيها وتجد ذاتها بنفس الشقة ونفس الوجوه كانت تناديه عساه يخرجها من هنا، فوجود يوسف وجمال أرعبها وجدد من خوفها.
باحتباسها بالمصعد مع ذلك الرجل بمفردها، زارتها أصعب نوبة اختبارتها، وببقائها بشقة غريبة بوجود شابين لم يتبين اها ملامحهما ولكن وجود عُمران كان داعمًا لجزء من الأمانٍ داخلها، لذا كل مرة يزداد خوفها كانت تردد اسمه عساه يفهم عليها ويخرج بها على الفور.
ما أن انتهى يوسف ألقى الابرة بسلة المهملات، وأخبره:
_المهدئ ده هيخليها تنام لبكره الصبح وهيهديها متقلقش.
رمش بدهشة حينما فهم الامر وقال:
_يعني أيه؟؟!! هرجع بيها ازاي وهي نايمة بالشكل ده؟
زوى حاجبيه بدهشة:
_وانت جيت بيها هنا ازاي؟
اجابه وهو يعتصر رأسه بضيقٍ:
_كان يعتبر مغمي عليها بس كانت ماشية معايا دلوقتي بقى مش عارف هعمل أيه؟
بتلقائية أجابه:
_خلاص سبها هنا للصبح مدام مش هتقبل تشيلها.
صاح بغضبٍ:
_اسيبها فين يا يوسف وانت شايف حالتها دي!! لو صحيت لقت نفسها بالمكان ده مش بعيد تموت فيها.
تطلع إليها قليلًا يحسم أمره، فانحنى يرفعها إليه وحملها متجهًا للأسفل ولسانه لا يكف عن استغفار ربه لما اضُطر إليه.
عاد بها عُمران وهو يتمنى ان لا يراها أحدًا بتلك الحالة، فأتاه القدر بمفاجأة صادمة فور أن رأى أخيه يقف قبالته وجهًا لوجه.
عاد من شروده على صوت تأوهات زوجته الخافتة، فاتجه يجلس جوارها، يناديها بلهفةٍ:
_حبيب قلبي اللي مدوخني وراه من أول شهر حمل، وبعد كده الله أعلم هنام فين تاني؟!
منحته ابتسامة ساحرة، ورددت بعدم تصديق:
_عُمران!!
مال إليها يبعد خصلات شعرها بعيدًا عن عينيها وهمس بحبٍ:
_أه على اللي بيحصل لعُمران لما بيشوف الابتسامة والجمال ده كله، خفي على قلبي الاغراء مش مفيد لا له ولا ليكِ صدقيني!
لكزته بيده بضيقٍ:
_اغراء أيه اللي بتتكلم عنه، أنا بموت!
ارتعبت معالمه وانحنى يقبل كفيها بحبٍ:
_ألف بعد الشر على حبيب قلبي وعيوني، طيب يرضيكِ تموتي ومالقيش حد أدلعه وأقوله حبيب قلب جوزه! طيب فين فضولك إنك تشوفي انتاجنا يا مايا، مش حابة تشوفي البيبي هيطلع لمين؟
ابتسمت رغمًا عنها على حديثه، فمال يستند برأسه على رأسها ومازال همسه الدافئ يتردد:
_يا ترى هتطلع بنت هادية ورقيقة ليكِ، ولا ولد مشاغب ووقح زيي؟!
صرخت بانفعالٍ:
_لأ.. كفايا عليا إنت.. حبيبي لازم تعرف إن أخر حاجة بتمناها ان ابني يطلعلك، آه ممكن يكون عندي حلم بسيط إنه يورث عنك شياكتك واهتمامك بنفسك لكن كشخصية يؤسفني اقولك إني بتمنى ابني يطلع في أخلاق وهدوء علي أخوك، عشان كده لو ربنا كرمني بولد هسلمه لعلي من على باب العمليات بره، مهو انا مش ست مفترية عشان أرازي الخلق بنسختين اوقح من بعض.
جحظت عينيه بصدمةٍ مضحكة، فتابعت تشير بيدها بسخرية:
_ثم آنك سبق وقولتلي إنك قطعة نادرة مالهاش كتالوج! لو اتكررت تاني يبقى إنت مش نادر وجودك يا عُمران يا غرباوي!
تعالت ضحكات عُمران بصخبٍ، فضمها إليه وصوت ضحكاته جعلتها تشاركه الضحك، تمدد جوارها وحملها لتغفو على صدره، فأخذ يربت على شعرها بهدوء سيطر عليه.
خشيت أن يكون انزعج من حديثها، فرفعت رأسها إليه تسأله بخوف:
_عُمران إنت زعلت مني عشان قولت إني عايزاه يطلع لعلي، أنا بهزر على فكرة وآ..
أحاطها إليه وقال بابتسامة سحرتها:
_بس أنا نفسي بتمنى إنه يطلع لعلي يا مايا، وحتى لو مكنتيش بتهزري أنا مش أهبل عشان ازعل منك في شيء زي ده، لإني أكتر واحد عارف طبيعة علاقتك بعلي، عارف أد ايه بتحترميه وبتعتبريه أخوكي الكبير، وكنت دايمًا بستغرب ليه نظرتك ليا مختلفة عنه واحنا تقريبًا متربين سوا.
تعمقت برماديته وسألته باستياءٍ:
_وعرفت؟
اتسعت ابتسامته ومال إليها يقبل جبينها:
_عرفت إن ليا مكانة صعب حد يأخدها.. صحيح زمان كنت غبي وأهبل بس دلوقتي قلبي وأنا كلي ملكك يا مايا!
تعلقت به وهمست إليه بعاطفة:
_أنا بحبك يا عُمران، متبعدش عني ممكن؟
دفن رأسها بصدره وقال وهو يغلق عينيه استسلامًا للنوم بين ذراعيها:
_ولو بعد موتي روحي مش هتفارقك!
استجابت لنومٍ هادئ بين ذراعيه، متناسية آلآم جسدها بينما تناسى هو وجع قلبه الدامي، كلاهما يستمدان قوتهما من حبهما الذي ازداد بحملها لجنينٍ يشهد على عشقٍ ترسخ بينهما!
********
خرج من الحمام بعدما اغتسل بحمامٍ بارد غير مباليًا ببرودة الاجواء، جلس علي يتطلع لها مطولًا، الحزن والضيق يسيطران عليه بقوةٍ.
نهض عن الاريكة واتجه لخزانته يرتدي ملابسه، بينما بالخارج فتحت عينيها بعد أن قضت أسوء ليلة لها.
تفحصت فاطمة الجناح بنظراتٍ مندهشة، ورددت بصوتٍ خافت وهي تشم ملابسها المحتفظة برائحته:
_علي!
خابت آمالها حينما لم تجده بالغرفة، فضمت قدميها إليها وقالت بحزنٍ:
_إزاي!! أنا كنت حاسة بيه طول الوقت.
_لإني كنت جانبك ومسبتكيش غير من دقايق!
اجابها وهو يستند على باب الخزانة مربعًا يديه أمام صدره، ويتطلع لها بابتسامته الجذابة.
أزاحت فاطمة الغطاء وهرولت راكضة إليه تصرخ بحماس غلبه دموع فرحتها:
_علـــــــــي!!
إلتقفها بين أحضانه فتشبثت برقبته بقوةٍ جعلته يرفعها عن الأرض لتكون على نفس مستوى طوله، يهتف بشوقٍ:
_وحشتيني يا فطيمة... وحشتيني أوي!
ابعدها عنه وحافظ على ثباته بكل طريقة امتلكها، لا يود اخافتها عما حدث بالامس ولكنه سيموت قهرًا إن لم تقص له سريعًا ما حدث لها.
فور ان تقابلت عينيها به، رددت بتلعثم وحيرة فيما يفترض قوله:
_حمدلله على سلامتك.. إنت جيت أمته؟!
ضم جانب وجهها بيده:
_جيت امبارح.
رمشت بخوفٍ ملحوظ، بينما هو يدرس كل تفاصيلها، فهتفت بتوتر:
_امبارح.. آآ.. أمته؟
قال ومازالت ابتسامته الثابتة على وجهه:
_بليل يا فطيمة، واستغربت جدًا لما لقيتك نايمة بلبس الخروج وبالححاب كمان.
وبذكاءٍ يمتلكه كطبيب قال:
_للدرجادي تعبتي بالشغل حتى مقدرتيش تغيري هدومك؟
استدارت تجاهها تنفي بارتباكٍ اقلقه:
_لأ يا علـــي متعتبش من الشغل أنا بس كنت آآ... آآ...
ضم وجهها بيديه معًا وبحنان واحتواء قال:
_اهدي حبيبتي أنا مقصدش حاجة أنا بكلمك عادي.
أبعدت يديه عنها واتجهت للاريكة تجلس بتيهةٍ، وفجأة بكت بكاءًا مزق قلبه بين أضلعه، فلحق بها وانحنى قبالتها يتساءل بقلقٍ:
_في أيه يا فاطمة؟ احكيلي يا حبيبتي إنتِ عمرك ما خبيتي حاجة عني.
اعترضت على طلبه بالحديث وقالت:
_خايفة أحكيلك يا علي.
لعق شفتيه الجافة بلعابه وهو يحاول الاتزان بمعالمه وطريقة حديثه، بداخله وحشًا عتيًا يدافع عن أخيه بكل ذرة يمتلكها، لا يريد سماع اي شيء يدينه، عقله الذكي يخبره بأنه الاحتمال الأخر، ربما ستخبره بأن ذلك الحقير حاول مضايقتها وحينها يتعهد بأنه سينفيه من على وجه الحياة.
جلس علي جوارها، ومسد بإبهامه على يدها قائلًا ببسمةٍ يجاهد لبقائها:
_خايفة مني أنا يا روح قلب علي، ده أنا عمري ما اتعاملت معاكي بشكل يخليكي تخافي وتقلقي من الكلام معايا.
تقابلت عينيها المتورمة بعينيه وقالت ببكاء:
_أنا مخفتش يا علي، أنا لسه زي ما أنا..
وانهارت بالبكاء الحارق تخبره بجمل غير مرتبة تخرج بها اختصار لما يتردد لذاكرتها رويدًا رويدًا:
_امبارح ركبت الاسانسير لوحدي، وبعدين ركب معايا السكرتير بتاع عُمران، الشاب ده مشفتش منه أي شيء وحش يا علي، بس بمجرد ما بقيت معاه لوحدنا في الاسانسير وكل شيء اتهدم جوايا، كنت فاكرة إني بقيت قوية يا علي بس دي كانت كدبة كبيرة اوي بكدبها على نفسي.
ارتكن بظهره للاريكة يلتقط انفاسه براحةٍ كبيرة، بددت كل شكوكه المؤلمة، يغلق عينيه باسترخاءٍ اتخذ منه دقيقتين حتى استعاد كامل صلابته، فعاد يستقيم بجلسته إليها، يضمها بحبٍ ويمسد عليها:
_الكلام ده مش صح يا فاطمة لو متعالجتيش ازاي قدرتي تتقبليني كزوج ليكي؟ ازاي قدرتي تتأقلمي بعيشتك معايا هنا ومع عيلتي؟ ازاي قدرتي تتقبلي عُمران وتتقبلي تنزلي معاه الشركة وتساعديه؟
وأبعدها ليجعلها ترى عينيه بوضوحٍ:
_اللي حصلك دي مشكلة بسيطة وهتتخطيها، بس بعدها مش هترجعي لنقطة الصفر، هيكون موقف مش لطيف في ذكرياتك لكن مش هيكون له توابع.
هزت رأسها بابتسامة صغيرة، فجذبها لاحضانه مجددًا، فوجدها تخبره بحرجٍ:
_أنا اللي مزعلني إني خربشت عُمران جامد وكنت هضربه وهو بيحاول يساعدني أخرج من الاسانسير! مش عارفة ليه كل مرة بوقع نفسي في مواقف محرجة أكتر من الاول!!
أغلق عينيه بقوةٍ حرر بها دمعة انسدلت على وجهه، وقبل أن تصل لكتفها أزاحها وقابلها بابتسامته:
_لا متقلقيش عُمران مننا وعلينا.
وصل لمسمعه صوت بوق سيارة أخيه، فجذبها علي وهو يشير لها على الخزانة:
_يلا خديلك شاور وغيري هدومك دي، وأنا هنزل أشوف فريدة هانم وعُمران.
انطلقت للخزانة بخنوعٍ، بينما خرج علي ينتظر عُمران أمام جناحه الخاص.
********
ترك عُمران مايا بالمشفى واتجه للمنزل ليبدل ثيابه، وأخبرها بأنه سيعود لها في الموعد الذي حدد لها يوسف الخروج، فلم يتركها الا بعدما وصلت زينب بعد جامعتها للمشفى للاطمئنان عليها.
رفض الصعود لجناحه وأتجه لغرفة شقيقته بشوقٍ لرؤيتها، ولج عُمران لغرفتها، فوجدها تغفو بعمقٍ.
ضحك رغمًا عنه وهو يتأمل مظهرها الفوضوي، قدميها بمقدمة الفراش ويده أعلى الكومود، بينما رأسها منسدل أرضًا.
هز رأسه بقلة حيلة أمام جنون تلك الحمقاء، وإقترب إليها، حملها وأعادها بالشكل الصحيح ثم فرد الغطاء من فوقها.
جلس جوارها يمسد على شعرها، ففتحت شمس عينيها بانزعاجٍ، وما ان رأته حتى رددت بنومٍ:
_عُمران وحشتني أوي.
رفع حاجبيه بمكر:
_آه ما أنا عارف يا بكاشة إني وحشتك لدرجة إنك كنتي بتزني ليل نهار عشان ترجعيلي، بس على مين أنا مش هطلعك من البيت ده تاني يابت، هجوزك هنا عشان تكوني تحت عنيا زي فريدة هانم، عجبه الكلام يبقى على بركة الله معجبهوش نرجعله حاجته وكل شيء قسمة ونصيب.
تثائبت بنعاسٍ، وقالت:
_أنا معاك في كل قرار تتخذه يا بشمهندس، بس سبني أنام أنا بقالي إسبوع مش عارفة أنام هناك من غير أوضتي وسريري، هريح عشر ساعات كمان وبعدها هجيلك ونخطط وندبر مع بعض.
قهقه ضاحكًا، وأردف بخبث:
_كده تعجبيني... نامي وارتاحي وبعد كده لينا كلام تاني.
وتركها وإتجه لجناحه ليبدل ملابسه، ويستعد للخروج برفقة جمال قبل أن يتجه لزوجته.
تخشبت يد عُمران على مقبض الباب حينما استمع لصوت علي من خلفه يهتف:
_كنت فين كل ده؟
استدار إليه يواجهه بنظرة انطفئ بها وميض الحياة، وقال:
_خير يا علي، لسه في اتهامات تانية حابب توجهها ليا، أعتقد أن زمان فاطيما فاقت وتقدر تعرف منها اللي حصل كله، عمومًا أنا طلبت نسخة تسجيل باللي حصل من السيكيورتي ولما يبعتهولي هبعتهولك تتأكد.
والتفت للباب سريعًا قبل أن يرى دموع عينيه، كاد بغلق بابه ولكن قبل ان يفعلها دفع علي الباب بقدميه، وجذب عُمران من جاكيته بعنفٍ، يقول بصدمة:
_قصدك أيه من كلامك ده؟!!
أبعد يديه عن جاكيته وقال بثبات:
_قصدي معروف ومش محتاج شرح يا علي، نظرة الشك اللي كانت في عنيك دي مش هنساها عمري كله.
وتابع ببسمةٍ ألم:
_تعرف إنك أخر واحد ممكن أتخيل إنه يبصلي البصة دي في يوم من الايام!
مرر اصبعه أسفل أنفه وهو يستطرد بوجعٍ:
_أنا مبقتش مستبعد أي حاجة خلاص.
ودنى عُمران إليه يتطلع لعينيه مباشرة وقال بانكسارٍ:
_أنا عايز أعرف نظرتك عني أيه يا علي؟ أخوك زمان كان زنى وشرب خمرة ويمكن يكون ارتكب معاصي كتيرة بس عمره ما كان خاين يا علي!!!
كاد أن يقاطع حديثه فرفع عُمران كفه يمنعه وهو يستكمل بابتسامة شملت وجع العالم بأكمله:
_الا الخيانة.. سامعني يا علي الا الخيـــــانة!!
والتقط نفسًا يخفف به ضربات قلبه التي تخفق بجنون ثم قال:
_زمان رفضت أكون مع مايا لإني كنت مرتبط بألكس، رفضت أكون زوج ليها عشان محسش إني بخونها، كنت بحاول أقلم نفسي إن ألكس الانسانة اللي قلبي اختارها وفي يوم هتلين وتقبل الجواز مني وبالرغم من إن مايا مراتي رفضت أكونلها زوج عشان ما أخنش رابط الجواز اللي هيكون بينا بمجرد ما أكون معاها فازاي بتتهمني بالخيانة!!!
ثم إني مكنتش مدورها مع أي بنت بشوفها، انا مكنش في حياتي غير ألكس وكانت أكبر غلطة وخرجت من حياتي، أنا عمري ما كان ليا في السكة دي عشان لما أعملها أعملها مع مرات أخويا واللي مش قادر أشوفها غير شمس ، فقولي بالله عليك ازاي قدرت تشوفني بالحقارة دي وإنت اللي بتتباهى إنك مربيني وعارفني.
وولاه ظهره بتعبٍ انهى به النقاش:
_اطلع بره وسبني يا علي، اللي كسرته جوايا صعب تداويه... ومتقلقش من هنا ورايح هكون بعيد عن فاطيما ومش هخليها تلمحني تاني حتى لو صدفة.
انهال عليه بالصواعق، صاعقة تلو الاخرى، والاخر مصدون مما ترسخ وكُسر داخل أخيه، حاول علي ابتلاع مرارة ما شعر به ولكنه لم يستطيع بقى عالقًا بحلقه كالشوكة الصعب ابتلاعها، فاتجه إليه يجذب ذراعه ليتطلع إليه وصرخ بعصبية بالغة بوجهه:
_أيه التخاريف اللي بتقولها دي!! إنت الظاهر الافلام الهندي اللي بتشوفها لحست مخك، شك أيه وخيانة أيه اللي بتتكلم عنها!!
وتابع بثقةٍ وقوة:
_قولي أمته أنا اتهمتك بالخيانة؟!
قابله بابتسامة صغيرة:
_نظراتك كلها كانت اتهامات يا علي! تنكر إنك مكنتش شاكك إني اتعديت آآ..
_اخـــــــــــــرس متكملش!
بترت كلماته حينما صرخ علي بايقافه، وتلك المرة لم يتقارن الغضب برماديته مع الاخير، فصاح بجنون منفعل:
_إنت أخر واحد ممكن أشك إنه يعمل فيا أنا كده! إتت السبب في الحالة اللي إنت فيها دي، انت اللي وصلتنا لهنا.
أشار عُمران لذاته بدهشة:
_أنا!! عايز تشيلني ذنب أيه تاني يا علي؟!
أجابه بعقلانية وصلابة:
_إنت فضلت تسكت وتحافظ على وعدك لفاطمة في حين إنك شايف أخوك هيموت قدامك، مع إنك عارف ومتأكد إنك لو قولتلي اللي حصل عمري ما هتكلم.
_بس أنا وعدتها إني مش هقولك حاجة.
صاح بعنفوان مقبض:
_أنا دكتورها قبل ما أكون جوزها يا عُمران، يوسف اللي اداها المهدئ ده مش دكتورها المتخصص ولا عارف أيه اللي ينفعها وأيه اللي، مينفعهاش، كان المفروض تفكر في النقطة دي، إنت خلتني موت بدل المرة ألف مرة وأنا قاعد جنبها على السرير عاجز مش عارف حتى هي واخده مهدئ نوعه أيه والابشع من كده إني كزوج كرامتي اتهانت واداست ألف مرة وأنا بتخيل إنها ممكن تكون عانت من الاعتداء للمرة التانية.
وقبل أن يتحدث أوقفه علي يستكمل بغضب:
_وقبل ما مخك الغبي ده يصورلك إني بتهمك بشيء تقدر تفتح موبيلك اللي قافله وتشوف رسايلي ليك... أنا كل اللي فكرت فيه هو الكلب اللي اتخنقت معاه في الفندق يوم غداء العمل، فكرت في كذه حاجة وإنت ساكت ومبتتكلمش، حاولت أضغط عليك بكل السبل عشان تتكلم وإنت رافض وسبتني لعقلي وشيطاني، خلتني أعيش ليلة متمنهاش لألد أعدائي، إنت قتلتني ألف مرة بسكوتك ده يا عُمران ، ودلوقتي واقف وبتخرف بكلام زاد من وجعي.
واتجه للخروج من أمامه وقبل أن يعبر من باب الغرفة استدار يمنحه نظرة معاتبة أخيرة، قائلًا بألمٍ:
_لو أنا شايفك بالصورة دي عمري ما كنت هجازف بفاطمة وهي حالتها كده وأمن ليك عليها حتى لو كنت أقرب شخص ليا بالكون.
واستطرد بجمود:
_أنا كنت جايلك أعتذرلك وأبوس رأسك لاني اتعصبت عليك امبارح فبعد اللي سمعته ده متتوقعش مني إني هعملها، اقعد وراجع نفسك،أنا تحت في مكتبي هستنى تنزل وتعتذر زي أي ابن مطيع بيعرف غلطه!!!
غادر علي من أمامه بينما رفع عُمران حاجبه باستنكارٍ:
_وبيقولوا عليا طاووس وقح طيب وده نسميه أيه؟!!!
********
بالقاهرة.. وبالأخص بعمارة الشيخ مهران.
صعدت خديجة لشقة والدتها، لتحضر بعض من الثياب لها ولآديرا التي تعرفت عليها مؤخرًا بعد أن قضت ليلتها برفقتها.
تركت باب الشقة مفتوح واتجهت لغرفة نومها، تفتح خزانتها وتجذب الملابس التي كانت تخصها قبل الزواج، انتهت من حزم بعض الملابس بالكيس البلاستيكي، وما ان استدارت لتغادر الغرفة حتى تجلدت محلها صدمة لرؤيته يقف قبالتها.
سقط الكيس البلاستيكي من يدها، وتراجعت للخلف بخطواتٍ غير منتظمة، وهي تشير برعبٍ وفزع.
قابلها بنظرة كسهام الموت الذي يعلم كيف يستهدف ضحيته وقال ببطءٍ مخيف:
_بقى أنا ترفعي عليا قضية خلع يا روح أمك!! ده أنا هدفنك مكانك هنا ومفيش مخلوق هيعتر على جتتك يابنت ال****.
بصعوبة بالغه تحرر صوتها المفقود:
_معتز!!!!
............ يتبع.......
#صرخات_أنثى... #الاقوى_قادم..
الفصل ضخم جداااا وتعبني جدااا لان مشاهد علي وعمران مليانه تفاصيل كان لازم تتحط، كالعادة هقولكم قراء الفيس متنسوش ترفعوا الفصل الرواية تستحق منكم الدعم، قراء الواتباد القمرات متنسوش التصويت والكومنت الجميل، بحبكم في الله ❤
******________******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السبعون 70 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_السادس_والخمسون.
(إهداء الفصل لقراء التليجرام ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
كنت أنا الحائر من بين تجمع العائلة الذي لا يحدث عادة الا بوجود احتفالًا آرستقراطي راقي، والآن أقف حاملًا لعبتي الصغيرة المفضلة، كانت احدى أنواع السيارات التي كنت أحلم يومًا بامتلاكها.
أوجه الجميع كانت حزينة لدرجةٍ جعلتني أرتجف رعبًا مما يحدث، ظننت ببدء الأمر أن والدتي قد أصابها سوءًا، ريثما تبكي لهذا، ولكن بعد قليل تسلل لآذني جملة واحدة «لقد توفى سالم»، حسنًا الآن وجدت جوابًا واضحًا لأسئلتي، لقد مات أبي!
مات وتركني صغيرًا لم يعتاد المضي بين سرداب الحياة المخيف، لم يترك لي نصائح حتى لم يوصيني على شيءٍ ربما لإنني صغيرًا.
لقد حملوه وبعد قليل عادوا دونه، وكأنه مر عابر سبيل بتلك الحياة الفانية، تاركًا من خلفه ثلاث أبناء، وكان هو منهم.
ضمة يد رغم لينها الا أن قوتها أرضخته أن يلتفت لصاحبها، فوجد أخيه يقابله بنظرةٍ لو مر عمرًا فوق عمره لن ينساها أبدًا، وكأنه يخبره بأنه من تلك اللحظة سيصبح أبيه وشقيقه، بالرغم من أن فرق السن بينهما ليس كبيرًا
ضمته الهاشة بجسده الطفولي منحت عُمران الذي يصغره أمانًا، جعلته ممتن لوجوده الآن لجواره، توالت الأيام ومضى العمر ومازال "علي" سكنًا، وأمانًا، جابرًا لخاطره وكسرته، كان له قبضة قوية تحيطه قبل السقوط بعرجلةٍ ومَزَالِقُ الطريق، حتى ذكرياته شاركه بها بدوره المثالي الداعم له، الخلاصة كلمة لا ثاني لها "علي"!
ادمج الحزن مُقلتيه، فكل مقارنة دخلها خرج خاسرًا أمام أخيه، فوجد ذاته يبدل ملابسه ويسرع متلهفًا للأسفل حتى يلاقاه، ألقى غرور الطاووس الوقح جانبًا وسعى أن يقدم اعتذاره أولًا حتى وإن كان سيتطلب الأمر للاهانة سيفعلها بالتأكيد.
هبط"عُمران" للأسفل، متجهًا لغرفة مكتب أخيه، وقف أمام بابه الغير موصود، يتطلع أمامه بارتباكٍ، ابتسامة صغيرة شقت طريقها إليه حينما داعبت أنفه رائحة القهوة المميزة التي يعدها أخيه بنفسه، واكتملت اطلالته المعتادة له فور رؤيته يستكين على مقعد مكتبه، هائمًا بأحدى الكتب كما توقع عُمران.
اقترب منه وهو يحرص كل الحرص الا يشعر به، فتفحص اسم الكتاب الذي يستمد كل تركيزه، لم يندهش كثيرًا حينما وجده يقرأ أشعار "نزار القباني" ، فأخيه مهوس بالقراءة حد النخاع، وربما ذلك ما أكتسبه تلك الخبرة التي تفوق عمره عمرًا، "علي" الحكيم، المتفوق بدراساته منذ صغره، وبالرغم من اتقانه لذلك الا أنه كان يجد أوقاتًا للممارسة هوايته المفضلة "القراءة" .
كان أكثر ما يقرأ به الكتب المتفرعة بعلم النفس، أفاق من شروده على صوته الساخر ومازال منغمس بقراءة الكتاب:
_بتفكر ازاي تجبر نفسك تعتذر ولا، جاي تكابر؟
جذب المقعد المقابل لمكتبه الصغير، وجلس قبالته يتنهد بضيقٍ ملحوظ:
_لا دي ولا دي يا دكتور، وبعدين إنت أيه اللي، جرالك من أمته وإنت مغرور كده يا علي؟!!
أغلق الكتاب من أمامه، ثم انتزع عنه نظارته الطبية ليمنحه نظرة ساخرة:
_ومين قال إني مغرور؟
رفع عُمران أحد حاجبيه باستنكارٍ:
_الكلام اللي حضرتك قولته فوق من شوية!
ضم كفيه معًا واستند برأسه عليهما، محدقًا به بنظرةٍ ثابتة:
_ولما إنت مش مقتنع بكلامي نازل عندي وواقف بقالك ساعة بره ومتردد تدخل ليه؟!
اشرأب الغضب من رماديته، فردد بغيظٍ:
_بطل تحلل تصرفاتي بعين الدكتور النفسي اللي جواك ده!
ضم "علي"شفتيه معًا وعاد لمقعده يهزه ببرود:
_أممممم... شكلك كده مش ناوي تكون ولد مطيع وتعتذر، هتلجئ للعند اللي سايقه على كل اللي حواليك.
استنكر جملته وهدر بانفعالٍ:
_أيه ولد مطيع دي شايفني عيل قدامك!! علي أنت مش شايفني كويس ولا أيه؟ ده اللي يشوفني جنبك بيفكرني أخوك الكبير!!! راعي فرق الاحجام بينا يا دكتور!!
لم تهتز به شعرة، وأجابه بابتسامة استفزت الاخير:
_يا مغرور إنت عمرها ما بتتقاس بالعضلات بتتقاس بده.
قالها وهو يشير على عقله، فتنهد الاخير بقلة حيلة:
_احنا مش في تحدي الذكاء بينا، إنت اللي مصمم تحسيني اني طفل والفرق بينا مش كبير أصلًا!
واستطرد بدهشةٍ غاضبة:
_وبعدين ازاي تكلمني بالشكل ده إنت طول عمرك متواضع يا علي!!
نهض عن مقعده وصوت ضحكاته المسموع يزعج عُمران الذي يشعر وكأنه يتعرف على أخيه لمرته الأولى.
إتجه إليه علي، بجلس قبالته على المقعد، ودنى بجسده تجاهه يقول بهدوء:
_عُمران لو الفرق ما بينا شهرين حتى فمش هتنكر حقيقة إنك حطتني في مكانة بابا الله يرحمه، فتقدر تقول إني اللي مربيك ده أولًا، أما اجابة أسئلتك الكتيرة عن غروري اللي اكتشفته مؤخرًا فده بيتلخص في جملة تلخص اللي مدفون ورا تربيتي للطاووس اللي فاكر هيتواقح عليا!
زوى حاجبيه متسائلًا بسخريةٍ:
_وأيه هي الجملة دي بقى يا دكتور علي؟
عاد للخلف يضع قدمًا فوق الاخرى وببسمةٍ خبيثة قال:
_أنا بابا يالا!
راقبه عُمران قليلًا بصدمة، وبعدها تحررت ضحكاته والاخير يشاركه الضحك بقوةٍ أدمعت عينيه، وبصعوبة قال عُمران:
_هما عملوا فيك أيه في مصر؟ ده مكنش أسبوع ده؟!
قهقه ضاحكًا وقال:
_سيب المدفون مدفون جوايا وخليني ملهي بالكتب بدل ما أكرهك في اليوم اللي حاولت تكون فيه مغرور ووقح! فاعقلها كده بالعقل يا بشمهندس!
غادرت ضحكاته وجهه الوسيم، وقال بجدية تامة:
_علي متزعلش مني على الكلام اللي قولتهولك فوق، أنا بس الموقف كله كان مخليني متوتر، حاولت اتصل بيك أكتر من مرة على رقمك المصري، ولما معرفتش أوصلك ملقتش غير يوسف اللي ممكن أمنله على حالة فاطمة.
عاد لجديته التامة، وأجابه بحبٍ:
_مش زعلان من اللي حصل أكتر من تأثري بكلامك عن نفسك يا عُمران، ليه دايمًا شايف نفسك وحش وبتحاول تظهر عيوبك اللي خلاص ربنا سبحانه وتعالى ستر عليها تقوم إنت تكشف ستره! كل مشكلة ترجع للماضي ليه؟!!!
انحنى برأسه للأسفل بحزنٍ التهمه دون رحمة، فقرب علي مقعده منه وقال بعد تفكيرٍ ذكي:
_عُمران إنت اتعرضت لموقف من قريب فكرك باللي حصل زمان عشان كده أخدت الأمور بحساسية زيادة عن اللزوم؟
رفع عُمران ذراعه ونهض، هادرًا بصدمة زائفة وهو يتطلع لساعته:
_أووبس إتاخرت على جمال جدًا، ده هينفخني أوي ما يشوفني.
بنفس ثباته وجموده ردد:
_اقعد يا عُمران.
جلس محله مجددًا ينتهد بقلة حيلة، وبضجرٍ قال:
_علي وحياة الست الوالدة عندك يا شيخ تبطل تمارس مهنتك المعقدة دي عليا، أنا مش مجنون ولا بعاني من أي مشكلة الحمد لله.
أشار على ذاته باستنكارٍ خبيث:
_أنا!! ليه بتقول كده يا عُمران شايفني قولتلك قوم إرتاح على الشازلونج أو حاولت أهديك وانت بتشد في شعرك! أيه اللي يمنع الأخ يدردش مع أخوه شوية ولا ده حرموه على الدكتور النفسي!
مرر يده على جبينه بارهاقٍ وقال:
_وبعدين معاك بقى يا علي، بقولك متأخر على صاحبي! ولا إنت عشان معندكش أصحاب مش فارقلك!
يعلم بما يحاول ذلك المتحاذق فعله، ومع ذلك حافظ على اتزانه ببراعةٍ:
_مين قالك إني معنديش اصدقاء؟ وبعدين مش معنى إني معرفتكش عليهم زي ما انت بتعمل يبقى معنديش! مش شرط إنك تنتظر رد فعل مماثل ليك من الشخص اللي قدامك.
تغاضى عن جملته الطويلة، وقال بنزقٍ:
_ومعرفتنيش عليهم ليه بقى؟
ابتسم بخبثٍ، ودنى إليه يردد بجدية زائفة:
_وتفتكر هقولهم أيه؟ يا مساء المربى أقدملكم أخويا اللي عايز يتربى!!!!
احتدت نظرات عُمران إليه، وهدر منفعلًا:
_ونسيت تضيف إن في جواه بلطجي مدفون، وشكله كده هيطلقه دلوقتي!
وضع ساقًا فوق الاخرى، ومال على يده يتفحصه بنظرة هادئة:
_خلينا نتكلم في المفيد، هتعتذر شفوي ولا تحريري؟
يحاول قدر الامكان احتباس غضبه داخله، فابتسم علي واعتدل بجلسته قائلًا:
_مفيش داعي لاعتذارك أصلًا، الهزار التقيل ده كله عشان أخلص حقي منك لإني متغاظ وهطق من طريقة تفكيرك الغبية، قوم يا عُمران عشان متتأخرش على جمال، واطمن عمر ما مشكلة تافهة زي دي هتفرق بينا أو هتخليني أزعل منك.
ونهض يتجه لمقعده الرئيسي، يعود لكتابه من جديد، فإذا بالاخر يقترب منه، وانحنى يقبل رأسه وهو يردد بندمٍ:
_لا أنا غلطت يا علي، حقك عليا أنا والله كنت خايف إن فاطمة تفقد الثقة فيا، ومكنتش عارف هي مش عايزة تبلغك ليه؟
ضمه علي إليه وقال بحبٍ:
_يا أهبل أنت أخر شخص في الكون ممكن أتوقع منه الخيانة، خلاص بلاش نتكلم في اللي فات آحنا في النهاردة.
اتسعت ابتسامة عُمران، فقال علي بحنانٍ:
_روح لصاحبك وأنا هعدي على المركز لو اتاخرت كلمني وأنا هرجع مايا معايا.
هز رأسه وفرحته تعيد البهجة لحدقتيه، حنان "علي" المفرط لطالما أشبع النقص الذي يخوضه عُمران، وكلما اعتمره الحزن والضيق في كل مرةٍ واجه بها الصعاب وجد أن الأمور لا تحدث الا لتعلقه بأخيه وتزيد من رابطهما.
انحنى يلتقط فنجان أخيه، ارتشفه بجرعة واحدة وأشار له يودعه، وزع علي نظراته البائسة بين أخيه الذي يغادر وبين فنجانه الفارغ، فزفر بيأس من تغيره ثم عاد لنظارته وكتابه.
سرقته أبيات الشعر وألقته بمغارتها الثمينة، يكتشف كنوزها ويجني ما يتلقفه، وحينما لمسته أبياتًا منها حتى وجد معذبة فؤاده ترنو إليه، متسائلة ببسمتها الرقيقة:
_بتعمل أيه يا دكتور علي؟
مد يده لها فوضعتها بكل حبٍ، مرر ذراعه من فوق المكتب، فحملت طرف فستانها الوردي وانساقت خلف حركة ذراعه حتى باتت تجاور مقعده فابتعد للخلف وجذبها تستند على المكتب من أمامه، تقابل نظراته الهائمة بجمالها الرقيق، وهمس لها بصوتٍ قشعر جسدها استجابه إليه:
_ثُوري!
أحبّكِ أن تثُوري ، ثُوري على شرق السبايا والتكايا والبخُورِ ، ثُوري على التاريخ، وانتصري على الوهم الكبيرِ ، لا ترهبي أحداً فإن الشمس مقبرةُ النسورِ ، ثُوري على شرقٍ يراكِ وليمةً فوقَ السرير.( نزار قباني) .
وتابع بابتسامةٍ:
_شوفتك بين سطورها، حسيت إن كل كلمة موجهة ليكِ ، حفظتها بقلبي قبل عيوني.
أطبقت أصابعها بين أصابعه بقوةٍ، كأنها تضمه، فاستقام بوقفته واقترب منها يردد بابتسامةٍ خبيثة:
_حاسس إنك مفتقدة الأمان في بعدي، فأيه رأيك تقربي؟
كانت مرحبة لما هو شعر به، فضمها إليه تستمد طاقتها الأمنه منه، رائحته، دفئه، تفتقد كل شيءٍ به.
تعلقت به بقوةٍ، وهمست بصوتٍ منخفض:
_وجودك جنبي بعد اليوم الصعب ده كان الخلاص ليا من العذاب اللي هشوفه يا علي، خايفة أحتاجك ومتكنش جنبي، أوعدني إنك مش هتسبني تاني.
أبعدها عنه وأحاط وجهها بيده فصرخت وهي تضم وجهها بألمٍ، أبعد يده وسألها بفضولٍ اعتلاه منذ أمس:
_اللي في وشك ده من أيه يا فاطمة؟
لعقت شفتيها بارتباكٍ، فقال بهدوءٍ:
_هنرجع للخوف تاني! عمرك ما هتلاقي حد يفهمك غيري يا فاطمة فمتتوقعيش إني ممكن أتضايق منك أبدًا.
ابتلعت ريقها الجاف وقالت بحرجٍ:
_مكنتش شايفة حد قدامي غيرهم يا علي، مكنتش سامعة عُمران ولا حاسة بيه، وبعد كده لما ابتديت أفوق كنت ببعده عني لدرجة اني جرحت وشه فأكيد الجرح اللي في وشي ده وهو بيحاول يسيطر عليا.
طوق رقبتها بيده وقربها إليه مجددًا، فتعلقت به بسعادةٍ كونه لم يتعمق بالحديث عما يحزنها، ووجدته يخبرها بحنان:
_عدت ومش هتتكرر تاني يا قلب علي!
*********
انتهى "آدهم" من وضع مقادير الكعك بالخلاط الكهربي، ومازال يتابع على شاشة اليوتيوب الطريقة، فأتى "آيوب" من خلفه يحمل ثلاثة صواني مستديرة، يسأله بجدية تامة:
_ها يا آدهم أيه يناسبك في دول؟
شمله بنظرة ساخرة، وصاح بتهكمٍ وهو يلقي الملعقة جانبًا:
_يعني فلحنا في مقادير التورتة عشان تطلعلنا في مقاس الصينية يا آيوب!
ضحك آيوب حتى أحمر وجهه، وردد بصعوبة بالحديث:
_أيه الاستسلام السريع ده يا حضرة الظابط؟
هز كتفيه بغيظٍ:
_أنا اللي مش فاهم اصراره الغريب إني أعمله تورته بنفسي!! كان زماني طلبتها من أي محل شيك وانتهينا!
جذب الملعقة وقال وهو يعيد الحاسوب مستكملًا الطريقة بدلًا منه:
_والدك بيحبك وبيتدلع عليك فيها أيه دي؟!
مال على الرخامة المربعة التي تتوسط مطبخه الضخم هامسًا بضيق:
_وإنت الصادق واخدني كوبري عشان يجيبك هنا كل يوم!
_بتقول حاجة يا آدهم!
تساءل آيوب بدهشةٍ، فسحب الحليب والكريم، ثم بدأ بالخفق ليصنع فوم كريمي لتزين قالب الكعك:
_كنت بقولك إنت اللي اديت رقمك لبابا وكل يوم والتاني قرفك معانا.
قلب المقادير على الدقيق وبدأ بالخفق، قائلًا :
_هتصدقني لو قولتلك اني اتعودت على مكالماته ولو اتاخر بتصل بيه أنا.
ابتسم آدهم وردد بسخرية مرحة:
_أيه قصة العشق الممنوع ده؟ لو الوضع واصل بينكم لكده هات هدومك وتعالى اقعد معاه.
تعالت ضحكاته بصخبٍ:
_كان هيحصل والله بس الحمد لله آديرا عملت حاجة صح في حياتها وحلت الموضوع بيني وبين الشيخ مهران.
رفع "آدهم" الملعقة يتذوق ما صنع وقال:
_كنت هاجي اصالحك عليه زي ما عملت معايا أنا وبابا، محلولة يعني.
شاكسه بضحكٍ:
_عينك للتقيلة يا حضرة الظابط.
وإتجه للفرن الساخن يضع الصينية به، وقال بتريثٍ:
_بتمنى انها تنجح!
ترك آدهم الكريمة وأشار له مازحًا:
_متقلقش أنا عامل حسابي.
سأله باستغراب:
_مش فاهم!
فتح آدهم احدى الخزانات وجذب عُلبة حلوي كبيرة، مغلفة بشريك أسود أنيق، وغمز له بمشاغبة:
_اتعلمت إن دايمًا يكون في حل بديل وخطة تانية استبن!
نزع المريول عنه بضيقٍ:
_يعني انت محتفظ بيها وسايبنا نجاهد هنا في سبيل الله!! وبالنسبة للمطبخ اللي اتبهدل ده مين هينضفه يا باشا عشان لو كده أخلع بدري بدري قبل الحفلة بتاعتكم دي.
فتح آدهم باب منظفة الاطباق وصاح متفاخرًا:
_متقلقش في دي.. هنلم كل البهدالة دي ونرميها فيها وبقدرة قادر هترجع بتلمع وفريش.
قهقه آيوب بصخبٍ وقال:
_طيب وبالنسبة لسجادة المطبخ اللي بهدلتها كلها دقيق هناخدها فومين ولا هنلفها كادو لوالدك!!!
زفر بمللٍ:
_خلاص يا آيوب مكنتش سجادة يعني!
أجابه بمرحٍ:
_عندك انت مجرد سجادة، لكن عنده هتبقى ثروة قومية، أصلك متعرفش اللي فيها، انا لما الحاجة رقية بتتعب وأدخل أنضف المطبخ مكانها والقى علبة حلاوة فاضية ولا برطمان مربى مكركبين المطبخ، فبذكائي كراجل بيكره الكراكيب وعدم التنسيق ألمهم وأرميهم في اقرب بسكت زبالة، تاني يوم بالظبط بقوم من نومي على طبلة صريخ يقطع الخلف وبعدها ممكن تفضل مقطعاني سنتين تلاته، لحد ما الشيخ مهران يتدخل ويروح يشتريلها علبتين حلاوة واربع برطمانات مربى ونقعد أنا وهو نأكلهم عافية لحد ما نرجعلها البرطمانات الفاضية!!
وتابع والاخر يتطلع له بصدمة:
_فمش قادر اتخيل رد فعلها لو كنت إنت اللي في بيتنا وبوظت السجادة بالمنظر ده، أقسم بالله محد كان هيعرف يخلصك منها حتى الشيخ مهران نفسه.
انفجر بنوبة من الضحك، فشاركه آيوب هو الاخر، ومصطفى الذي يجلس أمام المطبخ يراقبه دون أن يلفت الانتباه لوجوده.
أخرج آيوب قالب الكعك وتشاركا هو وآدهم بتزينة، وخرجوا معًا لمصطفى الذي قال بابتسامةٍ ملأها الحب:
_شكلكم فلحتوا.
أجابه آيوب مؤكدًا:
_الريحة وسمك الكيك وكل شيء يدل على ذلك فاضل الطعم بس يا ولدي العزيز.
رد عليه وهو يتعمق بالنظر إليه:
_ولو وحشة ومعجنة هأكلها بردو، اديني حتة يا آيوب.
جذب السكين وقطع قطعة مثلثية الشكل ثم قدمها إليه، فتناولها منه بامتنان، بينما اكتفى آدهم بمراقبتهما، فرفع له آيوب طبقًا قائلًا باستهزاءٍ:
_انت مستني حد يعزم عليك ولا أيه يا آدهم.
مال عليه يهمس بضحك:
_لا وانت الصادق خايف أكلها وأجري على الانعاش، المفروض إني عريس وداخل على جواز وكده واخد بالك؟
غمس شوكته بقطعة صغيرة، مدها لآدهم فتناولها بابتسامة هادئة، وأشار باعجاب:
_شكل في شيف مدفون جواك يا آيوب.
ضحك وكاد بأن يشاكسه ولكنه وجد هاتفه يعلو رنينه، وضع الطبق من يده ثم حرر زر الاتصال يجيب:
_آيوه يا إيثان؟
أتاه صوته اللاهث:
_آيوب، الواد حمادة العجلاتي اتصل بيا من شوية وقالي إنه شاف معتز طالع العمارة عندكم، شكله عرف بقضية الخلع اللي انت رفعتها عليه وجاي لخديجة، والمصيبة إن يونس لسه في الشقة فوق منزلش الشغل، تعالى بسرعة شكلها هتبقى مجزرة!
برزت معالمه ارتباكًا ملحوظ، فهدر مصطفى بقلق:
_في حاجة يابني؟
دث هاتفه بجيب بنطاله الجينز، وقال وهو يجاهد لثبات ملامحه:
_مفيش يا والدي ده صاحبي مستنيني تحت البيت، لازم أمشي حالًا وأوعدك هجيلك مرة تانية.
ارتسم الحزن في مُقلتيه، ولكنه أومأ له دون أن يثير غضب آدهم:
_ماشي يا حبيبي، بس يا ريت تعملها وتيجي لوحدك من غيى ما اتصل بيك.
انحنى لمقعده وقبل رأسه باحترامٍ:
_أوعدك إني هجي من نفسي ومن غير مكالمتك.
تفحصه آدهم بنظرةٍ دقيقة، فوضع طبقه وجذب مفاتيح سيارته:
_يلا هوصلك.
لا يريد اقماع آدهم بالأمر، يكفيه ما فعله لأجله، فقال:
_خليك مع والدك يا آدهم، أنا هأخد تاكسي وهروح على طول.
تزايدت شكوكه حول تلك المكالمة التي درس بها انفعالاته جيدًا، فاتجه للخروج قائلًا باصرار:
_يلا يا آيوب، وعلى الطريق احكيلي اللي بتحاول تخبيه عني!
*******
تراجعت للخلف بذعرٍ حينما رأته يقف أمامها، أغلق معتز باب المنزل،واقترب منها وعينيه تشع بالكراهية والشر، سقطت عنها الحقيبة وتراجعت خديجة للخلف بهلعٍ، جسدها لم يتعافى بعد من تباعات ما تعرضت له على يد ذلك الذئب البشري، وها هو يشهر مخالبه أمامها مرة أخرى.
سابقًا كان ينتابها الضعف والقهر أمامه، بدون يونس كانت تشعر بأنها يتيمة، معدومة، وبوجوده بنفس المنزل التي تقبع به تشعر بقوةٍ غريبة.
لم تشعر باقترابه الا حينما جذب معصمها بقوةٍ، ليطلق سبابه الوضيع:
_بقى انتِ عايزة تخلعيني يا بنت ال***، ده أنا اللي معلمك تعمليها مع الكلب اللي كنتِ على ذمته، عايزة تعمليها فيا أنا!!
أبعدت يده بقوةٍ لا تعلم كيف افتعلتها:
_اللي بتتكلم عنه ده أرجل راجل أنا عرفته في حياتي كلها، الكلب ده هو اللي بيتشطر على واحدة ست وبيحاول يبينلها أد أيه هو راجل وهو ناقصله حجاب ويبقى واحدة ست.
هوى على وجهها بصفعةٍ جعلت الدماء تنسدل من جانب شفتيها، فلم تترك له أي فرصة للهجوم عليها، ودفعته بكل قوتها بعيدًا عنها، ثم ركضت تجاه باب الشقة تصرخ مستنجدة بجيران الطابق الذي تقطن به، حيث كان يضم كل طابق ثلاثة شُقَقٌ.
خرج الجيران مسرعين على صوت استغاثتها، فأحاطوا معتز بقوة قبل أن يصل لها، أشارت لها احد السيدات بالخروج من المبنى، لعلمهم بهمجية زوجها المعتادة بالمبنى.
عدلت خديجة نقابها على وجهها جيدًا، وهرولت للأسفل راكضة، فوجدت فارس بطريق صعوده للأعلى، صرخت به:
_فارس تعالى بسرعة.
ركض إليها الصغير فضمته إليها ووقفت توزع بصره بين الدرج السفلي والعلوي بحيرةٍ، إن هبطت للأسفل سيلحق بها على الفور وستعرض الشيخ مهران وزوجته الحاجة رقية لمشاكلٍ لا غنى عنها.
تعلقت عينيها ببابه الموصود، فتحرك جسدها دون ارادة منها إليه، تطرق بابه بعنفٍ وتارة تدق الجرس، وما أن فُتح بابه ليرى القادم حتى دفعته وولجت بصغيرها للداخل مغلقة الباب وجسدها ينتفض برعبٍ بينما تراقب العين السحرية بالباب.
اندهش يُونس من فعلتها، كيف تجرأ على الصعود لشقته ودفعه بتلك الطريقة، وفوق كل ذلك لم تبرر تقف وتراقب الطريق بجراءةٍ جعلته يهدر بغضبٍ:
_إنتِ مبتفهميش مش أنا سبق وقولتلك مش عايز أشوف خلقتك تاني! طالعلي وداخلة شقتي بمنتهى البجاحة!!
استدارت تجاهه وأنفاسها الهادرة تجعل صدرها يعلو ويهبط دون توقف، وبتوسلٍ قالت:
_شوية وهطلع بس من فضلك وطي صوتك.
شملها بنظرة مستحقرة وصاح بانفعالٍ:
_أنا اعمل اللي انا عايزه، مش مستني أخد أوامر من واحدة رخيصة زيك، وحالًا هتطلعي من شقتي ومن بيتي كله.
وأشار عليها بكرهٍ شديد:
_أوعي تفكري إن أسلوبك ووشك القذر ده هتقدري تخدعيني من تاني زي ما عملتي مع ابن عمي والشيخ مهران، يونس الأهبل اللي كنتي تعرفيه الله يرحمه، اللي قدامك أسوء إنسان ممكن تقابليه في حياتك.
اقتربت منه ووقفت بمسافة معقولة منه، قائلة ببكاءٍ لمع بعينيها وصوتها المتحشرج:
_يُونس اللي حبيته مماتش، موجود جواك حتى لو بتحاول تدفنه ومتعترفش بوجوده أنا قادرة أحس بيه وأشوفه.
تهدلت شفتيه بسخرية، وشملها بنظرة جابتها من رأسها لأخمص قدميها، ومال يهمس لها حتى لا يستمع فارس لما سيقول:
_مستعد أكون هو لو مفتقداه أوي كده ، ومتقلقيش سرك هيفضل في بير ميرضنيش أخرب جوازتك من الآريل اللي متجوازه.
برقت بعينيها بصدمةٍ جعلتها تشعر وكأن روحها قد سُلبت منها عنوة، انهمرت دموعها وبصعوبة رددت:
_أيه اللي بتقوله ده؟!
_حقيقتك!
قالها بقوةٍ وصلابة، وتابع:
_حقيقتك اللي مكنتش قادر أشوفها، مهو مش معقول واحدة محترمة جوزها دخل السجن ترفع عليه قضية خلع وبعد عدتها بيوم ترتبط بواحد تاني الا لو كانت مقضياها معاه من قبل جوازها وكانت مستنية الطريق يخلى ليه، أو يمكن هي اللي عملت فيه كده وساعدت عشيقها في خطته الوضيعة عشان تخلص من جوزها المغفل.
هزت رأسها تنفي بشراسة ما يوجهه لها، فتابع بهدوءٍ مخيف:
_اسمعي اللي فات اتدفن ولو اتفتح دلوقتي مش هتخرجي من هنا على رجلك، فخدي ابنك واتفضلي من هنا.
بقيت محلها دون أن يهتز لها جفن وقالت:
_مهما حاولت تبين كرهك ليا، عمرك ما هتنجح يا يونس، إنت لسه بتحبني وآ..
صرخ بجنونٍ وعصبية بالغة:
_كنت بس وحياة كل نبضة نبضها قلبي ليكِ لأخد حق كل يوم قضيته وأنا مخلص لحبك، أقسملك إني هكسر قلبك زي ما كسرتي قلبي، وهدفن جواه حبك الأعمى.. هزله بكل دقة دقها لواحدة رخيصة وخاينة زيك!
وتابع وعينيه لا تحيل عنها:
_هدفن اللين والرأفة اللي جوايا ومش هيكون عندي ليكي غير جبروت وقسوة وكره... هنتقم للأيام اللي قضيتها بين أربع حيطان عاجز وموجوع من اللي عملتيه..
وفتح باب شقته صارخًا بغضب:
_اطلعي من هنا ومتورنيش وشك تاني لا انتي ولا ابنك!
هرعت راكضة تغلق الباب وتتخفى خلفه برهبةٍ، فتعالت شهقات بكائها الواصل لإذنيه رغم أن ملامحها مختبئة خلف نقابها الأسود، ويدها تضم صغيرها المتمسك بساقيها برعبٍ من خوض تلك الأحداث المضطربة، تحرر صوتها أخيرًا تتوسل له باكية:
_أبوس إيدك متخرجنيش دلوقتي..أوعدك إني هخرج من حياتك ومش هضايقك تاني لا أنا ولا ابني بس استنى لما معتز يمشي من العمارة وهخرج على طول.. لو شافني هنا هيأذيني!
ابتسامة ساخرة تسللت على شفتيه، فطوفها بنظرةٍ مستحقرة جابتها من رأسها حتى أخمص قدميها.
تراجعت للحائط من خلفها وهي تبتلع ريقها برعبٍ من نظراته الغامضة، فانحنى بقامته الطويلة ليصل إليها وحرر صوته المبحوح من فرط صراخه بها:
_ولو قتلك تفتكري هيفرق معايا!
وجذب ذراعها واتجه ليفتح بابه فترجته باكية وهي تضم صغيرها إليها:
_بالله عليك وحياة أغلى حاجة عندك!
استدار لها ويده تشدد حول معصمها بقوةٍ جعلتها تتأوه ألمًا، بينما يهتف هو بجمودٍ:
_ماتت.. أغلى حاجة في حياتي ماتت واندفنت ومبقاش ليها رجوع تاني.
وانهى كلماته وهو يدفعها خارج شقته، يطالعها بنظرة حملت كره وحقد لم تتوقعه يومًا، فاحتضنها صغيرها وهو يبكي بانهيارٍ بين ذراعيها وانتقل كل شعورٍ بالحب تجاه يُونس داخل الصغير إلى كره شديد لما يتسبب به لوالدته، فتركها أرضًا واندفع تجاه ذاك العملاق يسدد له ركلات بساقيه الصغيرة وهو يصرخ بها ببكاء:
_أنت وحش وحش.. أنا بكرهك!
_أخر حاجة كنت أتوقعها انك جوه عنده يا بنت ال***
صوتًا صاخبًا اقتحم مشهدهم جعلها تنتفض برقدتها، فدفعت جسدها الهزيل للخلف وهي تتطلع لمن يهبط الدرج مسرعًا حينما تسلل له صوت الطفل.
جحظت عينيها صدمة وخاصة حينما جذبها من حجابها بقوةٍ جعلت نقابها يرتخي عن وجهها وصرخ بها باستحقارٍ:
_عشان كده مكنتيش عايزة ترجعيلي واتجرأتي ورفعتي قضية خلع عليا!! وديني لاقتلك يا فاجرة.
صرخت وهي تحاول تفادي ضرباته القاسية، تصرخ بكل ما فيها عسى ذاك أن يتحرك ذلك القاسي لنجدتها، ولكنها لم ترى بعينيه سوى نظرة مستمتعة لما يقع عليها، ويده تلتف على صغيرها الذي يجاهد لنجدتها من ذلك المتوحش مرددًا ببكاء:
_ماما... ماماااا.
ورفع الصغير وجهه إليه يتوسل له:
_ابعده عنها أرجوك!
انحنى بقامته الطويلة ليكون على نفس مستوى الصغير، أحاط وجهه بيديه معًا ومسد على شعره بحنانٍ وهو يخبره:
_صدقني متستاهلش حبك وخوفك عليها... مامتك دي حرباية هتعرف تخلص نفسها وتتلون للون اللي هيرضيه!!
وانتصب بوقفته يطالعها بنظرة أخيرة قبل أن يجذبه عنوةٍ ويتجه به لشقته تاركها تعافر بقوةٍ، حتى ارتخى جسدها على الدرج ومع ذلك لم يرحمها، حرر حزامه الجلدي ليلقنها ضربات قاتلة جعلت الأخير يحارب لأن يغلق بابه وهو يرى ما يفعله ذلك الآرعن، مقيدًا داخله غضبه العظيم ومطالبة عاجلة للقصاص لما فعله به، يحاول بكافة السبل أن يجعلها تثق بأن حبها قد قُتل داخله.
نظرة عينيها الواثقة بأنه سيهرع لنجدتها قيدته بقسوةٍ ليريها كيف يكون الخذلان؟ يريدها أن تذق القليل مما جعلته يتناوله، ولكنها لم تكن لتشاهد ما حدث له ولقلبه المسكين، صرخاته الصاخبة ليلًا باسمها، تواسلاته المتكررة أن لا تترك يده وتتحلى بالصبر حتى يحرر الأغلال عن يده، فأتته بطعنةٍ أكثر من سابقتها حينما علم بأمر زواجها منه.
كل ليلة قضاها يتخيلها بين ذراعيه بفراش ذلك الحقير كان يموت ألف مرةٍ، لدرجة جعلته يدعو بكل صلاة أن يقبض الله روحه المعذبة، وها هي الآن قابعة بين ذراع جلادها الذي فضلته عليه هو، قهرته وانتزعت رجولته دون رحمة، والآن حان وقت الخلاص لروحه وقلبه المتعبان!
أغلقت عينيها تستعد لمصيرٍ قاسٍ، وقبل أن تطولها أول ضربة من حزامه تفاجئت بأحدٍ يمسك الحزام بقوة، ويسدد له ضربة بعصاه الغليظة، تطلعت بصدمة لمن يقف خلفه، فرددت ببكاءٍ خافت:
_شيخ مهران!
حانت من ذاك الشيخ الموقر نظرة تجاه من يقف أمام باب شقته يتابع ما يحدث بجمود، فاتجه بعصاه العتيقة ليقف قبالته يحدجه بنظرة قاتلة وبخشونة قال:
_يا خسارة تربيتي فيك! أخر حاجة كنت أتوقعها إنك تقف تتفرج ببرود على واحدة ست عاجزة تدافع عن نفسها.
عاتبه بنظرة مطولة وقال يذكره:
_أدافع عن دي!!!!! انت ناسي اللي عملته فيا.. دي أخر واحدة ممكن أدافع عنها، أنا لولا أخلاقي اللي بتتكلم عنها كنت أنا اللي عملت فيها كده مش هو.
قاطعه بطرق عصاه أرضًا صارخًا بعصبية بالغة:
_يُونــس!!
ابتلع كلماته بجوفه وتحلى بالصمت، نهض معتز عن الارض بغيظٍ مما فعله هذا العجوز الكهل، فانحنى يحمل عصاه الملقاة أرضًا واتجه إليه ليبرحه ضربًا، وما كاد برفعها حتى وجد ثقل جاسم فوق طرفها.
استدار للخلف ليتقابل مع نظرات يُونس المحتقنة، حرر وحشه المعقود بسلساله مطالبًا بالثائر للماضي والحاضر والمستقبل الذي سيحمل وصمة ذلك الحقير بذكرياته.
ألقى يونس العصا أرضًا وقابله بلكمةٍ قاسية أطاحته أرضًا، فلم يترك له فرصة المناص من شراسته، جلس بركبتيه عليه وسدد له لكمات متفرقة استهدفت وجهه بأكمله وهو يصرخ به بجنون ودون وعي لما يتفوه به:
_بتتشطر على الحريم يابن ال***، جيت لقضاك برجليك يا ****، اللي عملته كوم واللي كنت هتعمله في عمي كوم تاني يا حقير، وأقسم بالله لتخرج منها على نقالة.
قال كلماته الاخيرة وقد جذبه ليقف قبالته عنوة، يخرج كل ما كبت داخله، ويحركه بعصبية مفرطة:
_دافع عن نفسك يا سبع الرجال ولا خلاص لسانك اتقطع!!
سقط جسد معتز أرضًا في حالة من عدم اللاوعي، ومازالت خديجة تجلس على أول درجات الدرج العلوي تضم ابنها وتتابع ما يحدث بابتسامة واسعة، رلما كانت تخشى ذلك المشهد كثيرًا، ولكن بمجرد رؤية ما يحدث لزوجها المعتوه شُفيت جروحها بأكملها، أيامًا وسنوات مضت عليها تختبر بها شعور العجز أمام قوته التي يتباهى بها، وقد أتى يونس يحطم له غروره وكبريائه الزائف.
ابتسم الشيخ مهران وهو يرى غيرته وغضبه الجحيمي، يعلم جيدًا بأنه كان يتحجج ليدافع عنها وحجته قد أتت له على طبقٍ من ذهب، ضربه المبرح لمعتز لم يكن طبيعيًا، أول جملة تحررت على لسانه ذاكرًا ضربه للنساء برهنت سبب غضبه الحقيقي، ولكن الآن عليه التدخل سريعًا والا سيقتله.
أسرع إليه وحاول ابعده من فوق جسد معتز، هادرًا بصرامة:
_خلاص يا يونس، سيبه.
فشل بالفصل بينهما، او حتى باقناع يونس بتركه، كان لا يرى أمامه من فرط النيران التي تلتهمه فتركها تشعل غريمه بحقد دافين.
*******
بالأسفل وخاصة بمطبخ شقة الشيخ مهران.
جلست الحاجة رقية تطوي الأرز بالرقائق، لتصنع أصابع من (المحشي) ، ومن ثم تضعها بالوعاء أمامها، مرددة مع صوت الشيخ "محمد رفعت" لتراجع وردها خشية من أن تنسى حفظها للقرآن الكريم.
_حجة ركيا (حاجة رقية)
اقتحم مطبخها المفعم بصوت القرآن المرتفع صوت نداء مضحك من آديرا التي تتابعها بمللٍ، فأخفضت المذياع الصغير الموضوع على الطاولة جوارها، مدمدة باستهزاءٍ:
_ركيا!! الله يسامحك يا آيوب يابني، أنا كنت ناقصة فقعة مرارة!
وتطلعت لها تشير وهي تجتهد لتجعلها تفهم ما تقول:
_عايزة حاجة؟
عبست بضجرٍ وقالت بعربية مضحكة:
_أنا عاوز يخرج!
ضحكت رغمًا عنها على نبرتها وهمست:
_والله كلامك زي السكر وشكلي كده هحبك يابت، بس لو ربنا هداكي وبقيتي على الصراط المستقيم وفكيتك من حوار يـ. ـهودية دي هحبك بضمير.
رفعت كتفيها بضيق:
_أنا لا أفهم ما تقولينه؟
ورددت بصعوبة جعلتها تشعر بالضيق:
_الشيخ مهران راحت فين؟
قهقهت ضاحكة حتى احمر، وجهها الممتلىء، ورددت بضحكات مجلجلة:
_يخيبك ده لو سمعك هيروح فيها!
وحاولت التمسك قائلة بلومٍ:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، طيب دي أتكلم معاها ازاي دي يا ربي، هو أنا فالحة في العربي لما يجيبولي اجبنية!
وجذبت المنشفة تزيح بقايا الطعام عنها وهي تخبرها:
_استني أما انادي البت خديجة تيجي تترجملك لحسن أنا ضغطي عالي وعندي القولون ملتهب..
وتركت المطبخ واتجهت لغرفتها تتمتم بضيق:
_والله أنا مش عارفة هأكلها أيه خايفة اديها محشي كرومب تروح فيها وأتسجن أنا! أبقى أعملها دقية ورق عنب اهو خفيف وهيتهضم معاها مع صاروخ حاجة ساقعة هتبقى زي الفل بإذن الله.
فتحت باب غرفتها وهي تصيح:
_الله يسامحك يا آيوب يابن بطني!
ورددت تنادي فور رؤية الفراش فارغًا:
_خديجــــــة، تعالي يا بنتي شوفي الخواجاية دي عايزة ايه لحسن دماغي وجعتني!
لم تجدها حتى بالحمام الملحق بالغرفة، فأسرعت للغرف بأكملها بقلقٍ توغل لها، وخاصة حينما تسلل لها صوت صرخات تأتي من الاعلى.
جذبت حجابها الاسود الطويل وارتدته، ثم خرجت باتجاه الدرج، فتفاجئت بآيوب وصديقه يهرعان للأعلى، أوقفته تسأله بخوف:
_في أيه يا آيوب؟
ربت على كفها وهو يركض للاعلى:
_مفيش يا ماما، خليكي جوه متطلعيش.
وتركها حائرة وأكمل طريقه للأعلى راكضًا ومن خلفه آدهم، ليتفاجئوا معًا بيونس الذي يلف ذراعه حول رقبة معتز المستسلم للموت بعد معاناة بالدفاع عن نفسه للفكاك من يد ذلك الشرس.
كان آدهم الأسرع من آيوب باستيعاب الأمر، وجذب يُونس للخلف بقوة أحكمت سطوتها عليه، حاول المناص منه وهو يصرخ بانفعال:
_سني هموته عشان ناري تبرد... هأخد حقي بدراعي!
صاح آدهم بعصبية بالغة وهو يقيد ذراعيه خلف ظهره بتحكمٍ:
_حقك هيرجعلك أنا وعدتك يا يونس!
ردد بغضب جحيمي:
_أنا مش هطاطي قدامه تاني، هقتله يعني هقتله.. مش عايزك ترجعلي حقي يا باشا أنا اللي هرجعه وبدراعي.
وقف آيوب في مواجهته يردد باندفاع:
_يُونس آنت مش قتال قتلة فوووق من الجنان ده، خلاص حقك هتاخده بالقانون مش بالطريقة دي!
وتابع بهدوء يحاول التمسك به:
_صدقني لو عملتها وايدك طالتها الندم مش هتعرف تعيش ولا هتتقبل اللي إنت عملته، فوق يا يُونس احنا مش شبهه ولا دي تربيتنا يابن عمي!
أثرت كلمات آيوب به، فهدأ تدريجيًا، وصل ايثان للأعلى واندفع تجاه يونس يتساءل وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:
_في أيه يا يونس، الكلب ده عملك حاجة؟
استغل معتز وقوف إيثان وآيوب أمام أعين يونس وآدهم والشيخ مهران، واستـل من جيبه سكيـ.ـنه الصغير المطوي، حرره ونظراته الشريرة تحيط جسد يونس المقيد بفعل قوة ذراعي آدهم القوي.
كان هدفه محدود وملقن، ولا أحدٌ يرى استقامة جلسته وهمه بالوقوف والتقدم تجاهه سوى تلك الجالسة من خلفه على الدرج.
أبعدت خديجة ابنها عن احضانها وانفلتت دموعها دون أي حديثًا يذكر، نهضت تحتمل على وجع جسدها بصعوبة، ولا تعلم كيف تجسدت قوتها المهدورة إليها، فهرعت راكضة تلقي ذاتها من أمامه لتكن درعًا واقي لصدره المستهدف، تتعلق برقبته بقوة وصرختها تعلو ناطقة بإسمه بجنون:
_يُــــــــــــونـس!!
إلتحم خنجره بظهرها بسرعة الريح، وقلبه العاشق طاله النصل قبل أن يطولها، تعلقت عينيه بها ولسانه يهمس بحروفٍ قرأتها باستمتاعٍ وحب:
_خديجـة!!!
منحته ابتسامة ونظرة لمع بها حبه الصريح، واستسلمت ركبتها لتعانق الأرض أسفل قدميه.
ذُهل الجميع مما يحدث، وكل شيء يحدث بسرعة لا يستعبها أي منهم، ترك آدهم يونس الذي سقط أرضًا جوارها، وأسرع تجاه معتز يقيد حركته بركبته التي تضعط على ظهره ويديه تتقيد من خلفه.
تعالى صراخ الحاجة رقية بجنون فور رؤيتها لخديجة تجلس أرضًا على ركبتها والدماء تنهمر من ظهرها بغزارةٍ.
أخرج ايثان هاتفه يطلب الاسعاف بعدما صرخ به آيوب، أما يونس فقبض على كفها وعينيه الدامعتان تراقبها كأنه يرطم ذاته لتقبل ما فعلته وأصابها.
تمسكت خديجة بكفه ورفعت وجهها إليه تهمس بروحٍ تزهق انفاسها الأخيرة:
_أنا بريئة يا يونس... والله العظيم ما خونتك ولا عملت كده آآآه....آآنا.... آنااااأ......
ابتلعت كلماتها بصرخة كتمتها بجوفها، فاستقام بجلسته يرفع ذراعيه في محاولة لضمها إليه،ولكنه توقف بعجز أمام حقيقة كونها محرمة عليه.
أجلى صوته الباكي بثبات يجاهد له رغم انهمار دموعه على وجنته:
_ليه عملتي كده؟ أنا كده كده ميت ضربته مش هتقصر فيا.
هزت رأسها ويدها تكبت جنبها النازف، ناطقة بأنفاسٍ متحشرجة:
_أنا اللي هموت يا يونس! مكنش عندي أي دليل يأكدلي إنك عايش، كنت عايشة ميتة من غيرك فمستحيل هرجع للأيام دي تاني وآ..... آآآه.
ترجتها الحاجة رقية وهي تحاول ان تساندها:
_اسكتي يا بنتي انتي تعبانه اسكتي.
مسكت خديجة يد يونس وتابعت لتبرأ نفسها قبل أن تلقي حتفها، بينما الاخير يراقب جرحها الذي يزداد نزيفه بوجعٍ يتلخص بقطرات دموعه المنهمرة، ليفق على كف يدها ورجائها بأن يستمع لحديثها.
قاطعهم إيثان هادرًا بلهفة:
_الاسعاف وصلت.
صرخ آيوب بيونس:
_ساعدها يا يونس مفيش وقت!
أبعد يونس زوجة عمه وحملها سريعًا متجهًا للأسفل، بينما أمسك الشيخ مهران فارس قبل لحاقه بهم،وصراخه الباكي يمزق القلوب.
مالت خديجة على صدره، صرخاتها تخترقه مستهدفة قلبه دون عوائق، يدها مازالت تلتف حول رقبته، همسها يصل له فيويد من بكائه وألمه:
_مش إنت لوحدك اللي كنت في السجن يا يونس، أنا كمان كنت عايشة في سجن، أنا كمان اتظلمت واتهانت أنوثتي على ايد كلب عرف ازاي يجبرني إني أبعد عنك ويعيشني عنده زي الجواري.
ورفعت وجهها الثقيل إليه لتتمكن من رؤية عينيه لمرتها الاخيرة فوجدته يبكي ويقول برجاء:
_كفايا، كلامك هيتعبك أكتر، عشان خاطري اسكتي يا خديجة.
هزت رأسها نافية وبابتسامة شملت معنى مبطن من الوجع قالت:
_كان بيعتـ.ـدي عليا يا يُونس! كان بيستمتع لما بيلاقيني بصرخ وبطلب منه الرحمة!
تهدل رأسها للخلف وأخر ما رددته:
_قتلـ.ـني يا يُونس!!
ارتخى ذراعيه فاستند بها على حائط الدرج، وانهار باكيًا بصوتٍ يصمم الآذان، يشعر بأنه يفقد قوته حتى بحملها رغم وزنها الذي بات هزيلًا للغاية، هبط آيوب من خلفه يتأمل حالتها الغريبة بدهشة، فصرخ به:
_انت لسه هنا! هتمـ.ـوت في ايدك يا يونس، انزل بسرعة!
استيقظت قوته المهدورة، استعاد عقله بعد جملته، روحه سيخسرها إن حدث لها سوءًا، ضربته كلماتها في مقتل فنهشت المتبقى به، ود لو تركها لآيوب وصعد ينهش لحم هذا المقيت نهشًا.
ضمها يُونس إليه واستكمل الدرج الاخير، فاستقبله رجال الاسعاف بالسرير المتحرك، وضعها من فوقه وحزموا الاحزمة من فوقها ومن ثم دفعوها للأعلى.
وقف يونس عاجزًا، يتطلع تجاه مدخل البناية بعزيمة العودة وقتل ذلك المتبجح وبينها، فإذا بها ترفع رأسها إليه وتفرد ذراعها مشيرة له بعدم تركها.
صعد يونس من خلفهما، وإتجه يجلس جوار الفراش الرفيع الذي يتوسط سيارة الاسعاف، تحركت بهم على الفور والمسعفان يحاولان تقديم الاسعافات الاولية لايقاف النزيف ومنحها قناع الاكسجين الذي رفضته رفضًا قاطع، ومالت بوجهها ليونس تجاهد لنطق الكلمات الثقيلة عنها فلقد ازداد وجعها عن سابق وفقدت كل قوتها:
_يُـ.. و... نـس.
مال إليه باكيًا:
_حطي المسك يا خديجة، بعدين هنتكلم في كل حاجة يا ست البنات!
ابتسمت بتعبٍ مرهق، وهمست له:
_وحشتني الكلمة دي.
سعلت بقوةٍ موحشة، فانحنى بقدميه أرضًا يتشبث بكفها برعبٍ، وتوسل لها:
_خليكِ قوية عشاني، أنا مش حمل كسر تاني يا خديجة، اتكسرت في بعدك والمرادي مش هيكونلي قومة.
وقبل كفها ببكاء:
_قومي عشان خاطري.
أطبقت على كفه وعينيها تجاهد الظلام الذي يبتلعها، فأسرع المسعف ليضع قناع الاكسجين لها، ليتفاجئ بحركة يدها الضعيفة تبعده عن وجهها ومالت ليونس تهمس له:
_فارس.
ظنها توصيه على ابنها فأسرع بنطق:
_متقلقيش فارس معانا مش هسمح إن الكلب ده يقرب منه وآ...
_ابنك! ..... فارس ابنك يا يُونس!
........يتبع 💣........
#صرخات_أنثى.... #بقلمي_آية_محمد_رفعت..
متنسوش التصويت على الواتباد، قراء الفيس ارفعوا الفصل بالتعليقات واللايك... بحبكم في الله ❤
********___________********