تحميل رواية «الطاووس الوقح (صرخات انثى)» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجروح أدمت قلوبهن ومازالت كلًا منهن تحارب للبقاء، مذاق الألم لا يفارق حلقهن، جروحهن متشابهة ولكن لكلًا منهن حكاية خاصة هي ضحيتها، الأولى نهشتها الذئاب البشرية وتركتها كالخرقة البالية تعاني بمفردها، والثانية واجهت إنسان مريض نفسي يريد أن يُجحمها داخل قوانين لعبته القذرة فبات كاللعنة تسبب لها هوس الجنون، والثالثة تخوض رحلة معتادة على بعض الزوجات التي تُجبر بالعيش دون زوجها المغترب ولكنها كانت دونه هشة تخشى أن ينتصر شياطين الإنس عليها، وهناك أخرى طمست حبها حينما تخلى عنها محبوبها وتزوجت أخيه وبعد...
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الحادي وثلاثون 31 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#حبيبتي_العبرية...)
#الفصل_الحادي_والثلاثون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"سارة جمال"، "ملك الرافعي" شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
راقب "علي" أخيه وهو يلتهم الحلوى بنهمٍ واستمتاعًا غريب، بينما تتابعه "مايسان"بنظرة محتقنة جعلته يجذب أحد المحارم ويزيل ما بأصابعه وانحنى يجذب مقعدها إليه بطريقة أفزعتها.
أبقاها مقابل مقعده وردد بابتسامة واسعة:
_حبيب قلبه لسه شايل الهم ليه، يا قلبي إنتِ جوزك عمران الغرباوي قاصف الجبهات وبالذات جبهة نعمان الملزق، اطمني ومتخافيش لو قال لفريدة هانم حاجة أنا هدافع عنك لأخر نفس.. ده لو عنده الجرأة إنه يقولها أساسًا.
ابتلعت ريقها بارتباكٍ من جراءة حركته، فأبعدت ذراعيه عنها وتراجعت بالمقعد لمكانه الصائب أمام مقعد علي الرئيسي.
هز علي رأسه بمللٍ من تغير أخيه الوقح، ومال بجسده لحافة مكتبه الزجاجي يخبره بجدية تامة:
_هدي اللعب شوية يا عمران، إنت عارف إن فريدة هانم بتتضايق جدًا من الصراعات اللي بينك وبين خالك، بلاش تضايقها وبالأخص بالفترة اللي هي بتمر بيها، خلي الكام يوم اللي هيقعدهم معانا يمروا بسلام.
احتدت معالمه بشدةٍ، وانجرف بمقعده يقابل أخيه، هاتفًا باستنكارٍ:
_أنا اللي بخلق مشاكل بيني وبينه يا علي! خالك الملزق ده مش بيفوت فرصة واحدة غير وبيحاربني فيها.. كل هدفه إنه يسيطر على شركة العيلة عشان يكون المساهم الأكبر فيها!
وتابع بغيظٍ يزيد من قتامة نبرته:
_واللي مضايقني بجد إننا كلنا كاشفين حقارته الا فريدة هانم الوحيدة اللي شايفاه ملاك بأجنحة!
_لا يا عمران.. فريدة هانم أكتر واحدة فاهمه خالك وفاهماه كويس أوي كمان.
حطم علي ثقة أخيه بعدم معرفة والدته لأهداف ذاك اللعين، فابتسم ساخرًا وفاض:
_ولما هي عارفة قذارته دي ساكتة ليه.. ماسك عليها شيء بجبرها إنها تتعامل معاه وتستقبله في بيتها كل اجازة ينزلها!
تغاضى عن سخريته لعلمه كم يكره أخيه ذاك الرجل الذي لم يترك أي فرصة الا وحاربه بكل قوته لإنه يعد الشوكة العالقة بحلق نعمان، على عكس علي البعيد كل البعد عن مجال عمل عمران والذي نفسه مجال عمل نعمان الغرباوي وأحمد الغرباوي وباقي العائلة، لذا أجابه بعقلانية:
_مش ماسك حاجة عليها يا عمران، فريدة هانم بتحاول بكافة السبل تحافظ على علاقتها بنعمان لإنه أخوها الوحيد اللي اتبقالها من كل عيلتها، بعد وفاة خالتك وجدتك مبقاش ليها حد غيره، بتتجاهل كل تصرفاته لإنه أخوها الوحيد.
سكنت معالم وجه مايسان بحزن، وأجلت صوتها الخاضع لفترة صمته:
_بس يا علي سكوتها خلاه يتمادى.. إنت مشفتهوش وهو بيكلمني الصبح ازاي.. مصمم إنه يخليني أبيعله نصيب مامي الله يرحمها وعنده ثقة غريبة إنه هيقنع خالتي تبيعله نصيبها.
طرق عمران المكتب بعصبية جعلته يهتز من أمامهما:
_ده على جثتي.. عمري ما هنوله اللي في باله أبدًا.
وتابع وهو يحدق بوجه أخيه:
_هو مش مدرك إن اللي عايزه ده هيتسببله في خساير ملهاش أخر، طول ما أنا شريك ليه مش بيعرضه إنه يكون منافس ليا، يوم ما فريدة هانم تخضعله وتبيعله نصيبها هيكون نفس اليوم اللي هواجهه في السوق ونشوف بقى ساعتها هيقدر يصد ولا هيجيب ورا.
مسح علي وجهه بعصبية بالغة، يحاول جاهدًا التشبث بطائفة من الصبر ولكنها تنفذ منه الآن، فقال بنزقٍ:
_عمران إعقل وبلاش مشاكل مع خالك، صدقني فريدة هانم حالتها متسمحش لكل اللي بيحصل ده.
تريث قليلًا بانفعالاته المقتضبة حينما تذكر حالتها وبكائها بين ذراعيه، لانت تعابير وجهه بطريقة مدت الأمل لعلي وقد تسنى له معرفة شيئًا يخفيه عنه عمران، حسنًا هو الآن على ثقة بأنه يعلم مقصده عن حالة والدته جيدًا.
اكتفى عمران بهزة بسيطة من رأسه توافق على حديث علي، وانتصب بوقفته بكل عنجهية مشيرًا لزوجته:
_يلا يا مايا.
نهضت تجذب حقيبتها، فجذب علي مفاتيحه ولحق به قائلًا بفضول:
_على فين؟
اجابه وهو يحرر باب غرفته:
_هرجع البيت أغير هدومي علشان حفلة افتتاح عيادة دكتورة ليلى، أوعى تنسى يا علي، يوسف هيزعل لو مجتش.
أغلق الباب فور عبورهم للخارج، وقال:
_كويس انك فكرتني، هخلي فاطيما تلبس وهنحصلكم على طول.
هز رأسه بخفة، واستدار إليه يخبره بعدما تذكر أمر أيوب:
_أنا هغير وهنزل على طول وإنت ابقى هات معاك مايا لإن في مشوار مهم جدًا لازم أعمله الأول.
أجابه ببسمة جذابة:
_مفيش مشكلة، روح إنت مشوارك ومتقلقش.
منحه ابتسامة ممتنة قبل ان يحيط بخصر زوجته ويتجه للمغادرة للمنزل، ومن خلفه علي بسيارته.
******
ما أن حرر السائق باب السيارة لفريدة وشمس حتى هرولت للمبنى راكضة وقلبها يتقافز كالطفلة الصغيرة، هبط أحمد يغلق زر جاكيته الأسود وإتجه بخطواتٍ متوازية مقدمًا يده لفريدة بحركةٍ لا يفعلها سوى الرجل الملقب بين فئة النساء (جنتل مان) .
منحته ابتسامة رقيقة وهي تمد يدها الملتفة بملبس اليد الحريري الأسود الذي يصل لمنتصف ذراعيها، لتقف أمامه بتنورتها البيضاء وجاكيتها المماثل، وقبعتها التي أضافت لطالتها لمسة تعيد زمن انتهى بحرافية طالته وجمال لمساته.
خلعت فريدة عنها معصم اليد ووضعته بحقيبتها المعلقة على ذراعها، وخطت جوار أحمد برشاقة وانسيابية تاركة كعب حذائها المرتفع يطرق صداه على الأرضية، بينما نظرات ذاك العاشق تحيط بها ويده تشدد من ضم كف يدها الرقيق.
انسجما كثنائي متوافق، بالرغم من أنهم ليس كهؤلاء المراهقين ولكن انسجامهما معًا كان رائعًا، وكأنهما هربوا معًا من فيلمٍ قديمٍ بلونه الأسود والأبيض.
صعدوا الدرج قاصدين الطابق الثالث، فابتسم أحمد بسخرية وهو يراقب شمس التي تسبقهما بطابقٍ كامل، وصاح بمشاكسة:
_اطلعي بهدوء يا شمس، عارفين إنك واقعة في حب سيادة الرائد وبالشكل ده هتقعي في حضن المستشفى كام يوم، انتبهي لخطواتك.
توقفت عن الصعود بخجل من سماع صوت ضحكات والدتها وعمها، فادعت اتزانها الغير موجود، وحملت طرف فستانها بشكلٍ راقي اعتادته من والدتها ثم صعدت بخطواتٍ بطيئة نسبيًا، ورغمًا عنها عادت لنفس سرعتها السابقة حتى وصلت أمام باب الشقة تدق الجرس بفرحة عارمة وشوقًا يزين عينيها لرؤيته.
وصل أحمد وفريدة للطرقة المتصلة بالطابق العلوي، فبدت زواية الشقة وجسد شمس واضحًا لهما، فهمس لفريدة ببسمة ماكرة:
_في علاقة حب من الطراز الأول كانت بتم من ورا ضهرنا يا فريدة هانم.
تابعت فريدة لهفة ابنتها لرؤية ذاك الشاب ببسمة هادئة، فانتقلت بنظراتها لأحمد الواقف قبالتها يراقب شمس عن بعد، وقالت بألم استكشفه هو:
_يا رب ميجرحهاش يا أحمد ويكون يستاهلها.
أتاهما صوتًا رجوليًا يقتحم آذانهما فرفعوا أبصارهما تجاه باب الشقة، فوجدوه يقف قبالة شمس يردد بصدمة:
_شمس!! أيه اللي جابك هنا؟!
وخرج لها يوارب باب الشقة ويهاتفها بانزعاجٍ وضح لفريدة وأحمد المتابعان للمشهد برمته:
_أنا مش نبهت عليكي يا شمس إنك متحاوليش تتصلي بيا تقومي تجيني هنا في شقة كلها شباب!! عايزة تزعلي دكتور علي مني وتكسري ثقته اللي حطاها فيا!
كانت مغيبة أمامه تستكشف بعينيها ملامح وجهه، وتنزلق لكتفيه العاري البادي من قميصه المفتوح، تتفحص جرحه الملتف بشاش أبيض بنظراتٍ حزينة، فدنى منها هو يخبرها برفقٍ حينما إلتمس حزنها وتأثرها برؤية اصابته ومازال أحمد يتابع ذلك الشاب بإعجابٍ تسرب له من رجولته الظاهرة لهما دون حتى أن يعي بوجودهما:
_حبيبتي أنا كويس والله، عشان خاطري تمشي من هنا مش حابب دكتور يوسف أو حد من الشباب يشوفك هنا معايا، كلها كام يوم وهجي أقابل فريدة هانم وهقنعها بجوازنا بس لحد ما ده يحصل حافظي على مسافة بينا لإني مش هتحمل مخلوق يجيب سيرتك بكلمة.
أتاه صوتًا أنوثي رقيق يجيبه:
_وفريدة هانم جتلك بنفسها لحد عندك يا سيادة الرائد.
انجرفت عينيه للدرج فتفاجئ آدهم بوجود فريدة وأحمد الغرباوي قبالته، ضم شفتيه بارتباكٍ لاندفاعه بالحديث مع شمس دون أن يستدير حتى جانبه، ففتح الباب الموصود من خلفه ونظف حلقه بتوترٍ:
_أهلًا وسهلًا فريدة هانم... أنا بعتذر منكم مخدتش بالي أنكم مع شمس... اتفضلوا.
استكمل أحمد وفريدة طريقها للأعلى، فمد يده يصافح كف آدهم قائلًا بلباقة لا تليق سوى به:
_مفيش داعي للاعتذار يا حضرة الظابط، اللي عملته من شوية ده هيسهل علينا بموضوعنا اللي جينلك عشانه.
فهم مغزى حديثه بسهولةٍ، فتقوس فمه ببسمة هادئة، وأعاد الاشارة لهم:
_اتفضلوا.
ولجت شمس برفقة فريدة ومن خلفهما أحمد وآدهم الذي أغلق الباب واتبعهم للصالون بخطوات حذرة لا تزيد من تألم جرحه.
جلس قبالتهم ويده تغلق أزرار قميصه بحرجٍ من خروجه بتلك الهيئة، وازدادت ربكته من نظرات الحب القابعة داخل مقلتيها، وكأنها تحاربه بكل أسلحتها ليتجرد من رداء ثباته ويهرع ليضمها لصدره.
كان أحمد اول من قطع ذاك الصمت المربك، فقال بابتسامة جذابة ورماديته تحتضن شمس:
_كان عندها حق تنجذب ليك يا سيادة الرائد، والحق يُقال إختارت راجل..قادر يصونها ويحفظها في أي لقاء بيجمعهم
تجلى له تخمين منظور الأمر الغائم حول جملته،هو ليس إنسانًا عاديًا، عمله حتم عليه ألا يكف عقله عن دراسة أي منظور، فأجلى آدهم صوته أخيرًا حينما قال:
_مكنش في لقاءات بتجمعنا يا أحمد باشا، علاقة شمس بيا سطحية جدًا، يمكن مهمتي هي اللي أرغمتنا نكون في مكان واحد.
ابتسمت فريدة بإعجاب، يدافع عن ابنتها وكأنهم يلقون عليها تهمة قد تعرضها لعقابٍ قاتلٍ، لم تنكر بأنها كانت فضولية لمقابلة ذاك الشرطي الذي فاز بقلب ابنتها، وها هي تحمد الله عز وجل بأن فتاتها اختارت مثل هذا الرجل الذي سيجعلها تضع يدهت بيده باطمئنان.
انطلق صوتها الانوثي ينغرس بأحاديث زوجها قائلة:
_شمس حكتلي كل حاجة يا سيادة الرائد، وده اللي دفعني أجيلك بنفسي النهاردة وأشكرك على انقاذك وحمايتك لشمس أكتر من مرة.
خطف آدهم نظرة سريعة لشمس المبتسمة، يلتمس بها إلى أي حد أخبرت والدتها وبناء عليه سيتم تحديد مجرى الحديث بينهم، هل سيتعامل برسمية شديدة أم سيخوض حديث من نوع أخر؟
ينجح دائمًا بقراءة ما تلقنه عينيها، فعاد بنظراته تجاه فريدة وقال بصوته الرخيم اللبق:
_فريدة هانم زيارة حضرتك أنتِ وأحمد باشا ده شرف عظيم ليا، إتعودت في شغلي ان الفرصة اللي تقربني من هدفي أستغلها صح لإنها مش بتتكرر تاني، فبما إن فرصتي جتني لحد عندي فتسمحيلي أطلب من حضرتك إيد شمس وطبعًا أنا كنت أتمنى إني أجي أطلبها بنفسي بس صدقيني مش عارف اذا كنت هتحمل لحد ما استعيد عافيتي ولا لأ، حاسس بقلق وتوتر من البعد بجربهم لأول مرة.
استدارت فريدة لأحمد ومنحته ابتسامة واشارة خفيفة جعلته ينوب بالحديث عنها مقدمًا تهنئته المسبقة:
_انت اختيار شمس يا حضرة الظابط يعني القرار اتاخد من عندها من قبل ما تطلب، فاسترد صحتك وأول ما تقف على رجليك مستنينك.
تهللت تعابير وجهه بفرحة، واتجهت نظراته لشمس المبتسمة بسعادة، طال بتأملها بعشق جعله يعي لذاته فتنحنح بحرجٍ من نظرات فريدة وأحمد له، ثم قال:
_أنا نازل مصر في نهاية الاسبوع ده عشان والدي محتاجني جنبه، فأنا كنت أكتب كتابي على شمس قبل سفري ونعمل الفرح بعد تخرجها.
ضحك أحمد وصاح مشاكسًا:
_حيلك حيلك يا سيادة الرائد، مالك داخل على طمع كده ليه، إحنا لسه بنتكلم على خطوبة تدخل على جواز وكتب كتاب!
ابتسم وكاد بأن يجيبه فقاطعته فريدة قائلة:
_وأنا موافقة.. قبل سفرك بيوم هيكون كتب كتابك على بنتي، بعد اللي شوفته وسمعته على باب بيتك من شوية يخليني أسلملك بنتي وأنا مطمنة يا حضرة الظابط.
تركت شمس الأريكة وهرولت لفريدة تنحني على ذراع المقعد وتضمها إليه مرددة بسعادة:
_روح قلبي يا مامتي، أنا بحبك أد الكون كله.
ضحكت برقة وخاصة حينما ردد أحمد بخبث:
_بتحبيها بردو ولا واقعة في غرام سيادة الرائد وجاي على هواكِ فن استغلاله الفرص.
تلون وجهها خجلًا وخاصة حينما وجدته يبتسم لها، فقال آدهم بحب يتمرد بنبرته الدافئة:
_أنا بشكركم جدًت على تفهمكم وبوعدكم إني هحميها بروحي، وهقدملها السعادة والفرح وهكون ليها العوض عن كل شيء شافته مع راكان الكلب..
تحلى أحمد برزانته وهدوئه، منحه ابتسامة هادئة قائلًا:
_ربنا يخليكم لبعض وميفرقش بينكم، الفراق أصعب شيء ممكن يهدم أي قصة حب.. واللي بينكم كبير يا آدهم عشان كده حافظ عليها.
واستدار بجسده للخلف ليؤكد على شمس:
_وانتي كمان يا شمس حافظي عليه.
ومن ثم أشار لفريدة التي تتمعن بمضمون كلماته:
_فريدة هانم مش يلا.. كده هنتأخر ومش هنلحق نتفرج على البيت.
هزت رأسها إليه وهي تنهض لتنضم إليه، فودعهم آدهم بحبورٍ، واتجه برفقتهم للأسف غير مباليًا باعتراضات أحمد وفريدة واصرارهما على بقائه ليرتاح قليلًا ولكنه رفض بشدة.
وقف يراقبهم وهم يعتلون السيارة البيضاء، حتى غادروا من أمامه وأخر ما تسنى له رؤية كفها الرقيق يلوح له بوداعٍ مؤقت أرق قلبه وجعله يخفق دون رحمة، فمسد على صدره كأنه يطبطب على قلبه ليهدأ قليلًا عن عنف دقاته على وعد بأن اللقاء سيكون قريب بينهما حينما تصبح زوجة تحل له!
*****
هائمة هي بغرفتها، يحاوط ساقيها جسدها، وتندفع إليها ذكرى جمعتها بمن ظنته الحبيب المقدر لها لنجدتها من تلك الوحدة القاتلة التي تخوضها بوجود شقيقها.
**
الآن تقضي أوقات سعيدة برفقته، يشملها باهتمامه وعاطفته وحنانه الدائم، تجده كاملًا لا عيبًا فيه يذكر، وها هي الآن تجلس برفقته تعود بعد يومًا ممتعًا قضته برفقته، فتأخرت لموعدها المسموح لها بالعودة به، وكالعادة اقتص منها أخيها بأن أذاقها الويل من ضرباته المؤلمة، فاتجهت لجامعتها في صباح اليوم التالي تخفي وجهها خلف نظارة سوداء قاتمة تخفى كدمة عينيها ولكنها لم تتمكن من اخفاء السيل النازف جوار شفتيها.
وحينما انتهت محاضراتها واتجهت للرحيل وجدته يقترب منها بسيارته الفاخرة، وهبط منها يدنو إليها بابتسامة جذابة ومشاكسة قوله:
_واخده في وشك وماشية من غير ما ترقبي الطريق وتتأكدي إذا كنت جتلك النهاردة ولا اتشغلت، قلبي لمحك وادالي إشارة انك خرجتي.
ارتبكت "زينب" للغاية، واستدارت بنصف جسدها إليه حرجًا من رؤيته لشفتيها المتورمة، وقالت متصنعة الابتسامة:
_يمان معلش أنا لازم أرجع البيت بدري النهارده، هشوفك بعدين.
وأسرعت بخطواتها فرارًا منه، فلحق بها يناديها باستغرابٍ:
_زينب!
لم تهدأ خطواتها السريعة، وبداخلها تدعو الا يتمكن من أن يلحق بها مع أنه صار خلفها بالتحديد، وحينما عجز عن ايقافها جذب ذراعها إليه وصاح بانفعال:
_في أيه؟ بتهربي مني ورافضة تقفي تتكلمي معايا ليه؟
أخفضت رأسها أرضًا عنه تنتحب بصوتٍ منخفض متألم دفعه لرفع ذقنها هاتفًا بحدة:
_بتداري نفسك مني ليه يا زينب؟!
برق بحدقتيه بصدمة حينما وجد شفتيها متورمة للغاية، نزع عنها نظارتها الشمسية ليتلقن صفعه أخرى حينما لمح تلك الكدمة الزرقاء تحيط بعينيها، فصاح بانفعال شرس:
_أخوكي اللي عمل فيكي كده صح؟
اكتفت بهز رأسها والحرج والخذلان ينعكسان عليها دون راجع، كاد "يمان" أن ينطق بما هاجمه من سباب لعين يطول شقيقها ولكنه تراجع وادعى ثباته الزائف، مشيرًا بيده لسيارته:
_طيب اركبي.
اعتراها الخوف وتقاذف إليها كل ما امتلكته من مشاهد متقطعة لضربات أخيها المؤلمة لها، فرددت بهلعٍ:
_لأ.. لأ أنا هرجع البيت قبل ما يرجع وبعدين نتقابل.
اكتفى بهز رأسه والغموض المخيف يقمع داخل مقلتيه، عادت زينب لمنزلها هذا اليوم، وعلى غير العادة تأخر شقيقها بالعودة، وحينما عاد صُدمت من كثرة الكدمات والاصابات القاتلة المحدثة به، يدلف للمنزل مستندًا على يد اثنين من الجيران، وأحدهما أخبرها بأن هناك بلطجية سرقوا ماله وهاتفه وأبرحوه ضربًا، ربط عقلها ما حدث لشقيقها بحديثها بيمان بالصباح، جحظت عينيها صدمة من تفكيرها فهزت رأسها تنفي ما يعتريها ويبعد شكوكها عن أن يمان هو الفاعل!
استفاقت من شرودها على هزة يد "فاطمة"، انتفضت" زينب"بجلستها وكأن مسها جان، فأسرعت الاخرى باخبارها:
_انتي سرحانه في أيه يا زينب بقالي ساعة بناديكي!
وانحنت بجسدها إليها تخبرها:
_اقفلي ستوسة الفستان مش راضية تتقفل
ازاحت الغطاء عن جسدها، واعتدلت تغلق سحاب فستان أختها متسائلة باستغرابٍ وهي تراقب ملابسها:
_انتي خارجة؟
اتجهت للسراحه تستكمل ارتداء حجابها والتفت برأسها تجيبها:
_علي كلمني وطلب مني أجهز علشان أروح معاه حفلة افتتاح عيادة دكتورة ليلى زوجة دكتور يوسف صديق عمران.
هزت رأسها بخفة، وعادت تتمدد على الفراش بحزن وتجهم يعتلي ملامحها دون راجع، انتبهت لها فاطمة فاتجهت لها تسألها بقلقٍ:
_مالك يا زينب؟
ابتلعت ريقها المرير ومالت برأسها على قدميها تضم ذاتها وصوتها الهزيل يخبرها:
_أنا كويسة يا فاطيما حاسة بس بشوية ارهاق.
جلست جوارها ومدت يدها تجذبها لحضنها وقلقها يزداد بالتدريج:
_طمنيني عليكي يا زينب حاسة إنك مش كويسة وبتحاولي تبينلي عكس كده، فيكِ أيه بتدفنيه جوه عينك وبتحاولي تداريه بكل طاقتك عني.
تمسكت بها وكأنها طاقة نور بعد ظلامها الدامس، وانفرطت بنوبة من البكاء لا تعلم سببه، ودت لو بقيت بأحضان شقيقتها لأخر عمرها، وبالرغم من أنها هي الهزيلة، الجريحة، المفتقدة إلى لمسة حنونة تضمها الا أنها الآن هي من تقوم بتقديم الدعم بكل ما فيها لشقيقتها، فربتت عليها وببكاءٍ قالت:
_مالك يا قلب أختك؟ احكيلي عن اللي مضايقك.
رفعت أصابعها تزيح دموعها عن مقلتيها، وزيفت ابتسامة شاخصة تخادعها:
_أنا كويسة يا فاطيما، أنا بس مفتقدة لبابا وماما ربنا يرحمهم ويغفرلهم.
اعتلى الحزن معالمها، مازالت تتعافى من عدة طعنات منهم فراقها عن والديها وأخرهم معرفتها بوفاة أبيها، تحرر صوتها القابع داخلها:
_ومين مبيفتقدش أبوه وأمه حتى وهما حواليه يا زينب، ادعيلهم بالرحمة والمغفرة يا حبيبتي، وبلاش تعيشي نفسك في حزن وقهر هيقضي عليكي وعلى نفسيتك.. صدقيني مفيش وجع بالدنيا كلها زي وجع النفسية بتحسي روحك بتروح ونفسك بيضيق، بتوصلي لمرحلة إن كل اللي بيدور حوليكي بيكون مشفر ومش ملموس مجرد خطوط بيضة بتحاوطك بالرغم من إن نظرك سليم وقوي، عشان خاطري فوقي وبلاش تسمحي لأي شيء جواكي سواء وفاة بابا وماما أو شيء تاني يكسرك ويوصلك للحالة المخيفة دي أنا مرت بيها وعارفة أد أيه هي قاسية ومتمناش لحد يعيش فيها أبدًا.
أزاحت دموعها بقوة اكتسبتها من حديثها الذي صفعها بحقيقة الأوجاع الذي تحملها "فاطمة"، فهي ليست بحاجة لوجعٍ أضافي حتى تحتمل وجع"زينب" ، فرسمت ابتسامة واسعة وهي تخبرها:
_لا خلاص مفيش عياط تاني، حتى شوفي!
ارتسمت ابتسامة رضا على ملامح وجهها وانحنت تطبع قبلة على خد أختها، مرددة باستحسانٍ:
_شطورة يا دكتورة زينب، ودلوقتي قومي يلا إلبسي علشان تيجي معانا الحفلة، علي مصمم انك تيجي معانا بس لما دخلت ولقيتك نايمة قولت أسيبك ترتاحي لانك طول اليوم بالجامعة.
كادت بالاعتراض والتحجج بأي شيء أوقفتها باصرار وعناد:
_مش هسمع حاجة، هتقومي حالًا وهتلبسي فستان شيك من اللي ادتهملك.
وتابعت بارتباكٍ تمكنت زينب من الشعور به بحديثها:
_أنا محتاجالك جنبي يا زينب، أنا مش بحب الاختلاط بحد ودي يعتبر من المرات القليلة اللي هنخرج فيها فعايزاكِ جنبي.
احتوت وجنتيها بيدها، وبحنان ورقة قالت:
_أنا جنبك يا فاطيما وعمري ما هتخلى عنك.. اديني نصاية وهكون جاهزة.
اومأت برأسها ونهضت تحمل طرف فستانها قائلة:
_هستناكِ تحت.. متتأخريش.
وتركتها "فاطمة" وهبطت للأسفل تنتظر عودة علي، فجلست على الأريكة المقابلة لدرج المنزل الرئيسي، تحرك رأسها تلقائيًا تجاه صوت الحذاء المسموع لها، اعتلاها التعجب فهي تعلم بأن فريدة وأحمد وشمس بالخارج ولا يوجد غيرها هي وشقيقتها بالمنزل.
انتفضت عن مقعدها بذعرٍ حينما وجدت رجلًا غريبًا يهبط الدرج ويتجه إليها، يتفحصها بنظرة سلبت الروح عن جسدها الذي بات هزيلًا، بشرتها قد شحبت وانتهى الأمر، قلبها يخفق بضعف وكأنه سيتوقف بأي لحظة.
منحها "نعمان" نظرة متفحصة من رأسها لأخمص قدميها كأنه يقيمها بنظرة متعالية، ليرضي فضوله حول تلك التي ولجت لعائلتهم الآرستقراطية محيطة بكبير أبناء "سالم الغرباوي"، فردد بتهكمٍ ساخرٍ:
_انتي بقى مرات علي!
ارتجف جسدها من نظراته التي دفعت لها بأنها عارية لا ترتدي ثيابًا، اندفع نحوها بخطواتٍ متهدجة، هاتفًا بسخرية:
_أيه شوفتي عفريت!
تراجعت للخلف لا اراديًا، فاصطدمت بجسدٍ صلبًا من خلفها يعيق عن سقوطها ويردد بلسانٍ كسواط الحاد:
_الله وكيل إنت خلقتك تتوب الشياطين عن أشغالهم يا خال!
امتعضت معالم وجهه حينما وجد"عُمران" يقابله، ولجواره مايسان، وما لبث سوى ثوان حتى فرغ "علي" من صف سيارته بالخارج فانضم اليهم واستمع لنعمان يردد ساخرًا:
_أمال إنت متوبتش ليه اما شوفت خلقتي؟
لوى فمه بازدراء وكره مبين، مرددًا:
_أما أنا أتوب مين يلقنك دروس الردح وقصف الجبهات يا خال؟
تخطاه نعمان واتجه إليها يقدم يده لها، قائلًا بسخط:
_مش هتسلمي عليا ولا متعلمتيش الذوق في بلدكم.
اقتتمت ملامح "علي" الذي يراقب ما يحدث من دخلة باب المنزل، فكاد بالاندفاع للداخل ولكنه توقف حينما وجد عمران يقدم يده بيد خاله مرددًا بابتسامة ساخرة:
_متأخذناش يا نعمان .. مرات أخويا لسه في حالة صدمة مراتي قدرت تتخطاها في كام دقيقة لانها متعودة على الخلقة العكرة دي لكن مرات علي محتاجة فرصة تتقبلك..
سحب نعمان يده بعنفٍ اهتز جسد عمران لاجله، فتابع بخبث:
_قولتلك لما تظهر لحد متظهرش مرة واحدة، خدها مراحل وإن شاء الله المرحلة الاخيرة ينفجر مقياس القبول ليك عند الناس في وشك وتلاقيه بيقولك جيم أوڤر بالبنط العريض!
كبتت "مايسان" ضحكاتها بصعوبة بالغة، ومازالت تقف خلف ظهر عمران يضم جسدها من الخلف بذراعٍ والذراع الأخر يقترب من "فاطمة" المرتجفة من خلفه، وكأنه محاربًا شرسًا يقف بساحة القتال يحارب وحشًا مخيفًا ومن خلفه يضم أفراد عائلته.
احتقنت معالم وجه نعمان، وصاح بعصبية بالغة:
_أتأدب معايا في الكلام يا ولد والا هآآ...
قطع عبارته حينما تعالت ضحكات عمران وبمشاكسة صاح:
_هتآيه يا خال؟
واسترسل بصوتٍ منخفض كان مسموعًا بوضوحٍ متعمد:
_لولا البنات واقفين كنت قلعت القميص ووريتك أخر مهاراتي في الجيم وصلت جسمي لفين، وقتها هتشوف الفرق بين الطفل الصغير اللي كنت بتتشطر عليه وبين عمران الغرباوي اللي واقف قدامك وأوعدك بعدها هتخدها عوم لمصر.
انفلتت ضحكات "مايسان" عن مسار صمتها مما جعل الاخير يحتقن بغيظٍ فصاح بغضب:
_أيه كلامه جاي على هواكي يا بنت عثمان؟ بكره نشوف نهاية اللي بينكم أيه مش بعيد تلاقيه رجعالك بليل مع واحدة من اللي بيشقطهم.
اتسعت ابتسامة عمران مما زاد ضجر الأخير واستسلامه من أن يصيبه بأي هدف، وخاصة حينما ردد:
_مالك بيها يا نعمان كلامك معايا أنا .. وبعدين ما أنا أكيد هرجع بليل بنسوان بس مش ليا، هختارلك على ذوقي وهوصيهم يدلعوك يا خال بس يا رب يجي بفايدة .. على الأقل كسفتك وفضحتك تندفن هنا وسط الاجانب بدل ما المصريين يطلعوك المسرح ويسفوا عليك لحد ما يبانلك صاحب وساعتها الكل هيتبرى منك زي ما بيحصل دلوقتي كده.
تصببت الدماء من أوردته وانفجرت بوريده الغاضب:
_انت بتقول أيه يا ابن الآآ....
قاطعه بصرامة مقبضة:
_هتشتم وهتقل أدبك تطلع برة البيت ده، أنا مش ناسي قذارتك اللي كنت بتعملها معانا في غياب فريدة هانم، بس ده كان زمان يعني ماضي وانتهى وحاليًا الحاضر والمستقبل ليهم شكل تاني يا نعمان.
أسرع "علي" إليهما حينما وجد الامور تحتد عت مسارها، انزوى بينهما يدفع عمران للخلف بحركة سريعة، وقابل الاخير ببسمة يرسمها بالكد قائلًا:
_حمدلله على سلامتك يا خالي.. نورت لندن.
منحه نظرة بغيضة مردفًا بسخطٍ:
_مهو باين من وقاحة أخوك.. ربي أخوك يا دكتور.
كاد بأن يطعنه بكلمة تقصف جبهاته للمرة الربعمائة ولكن منعه علي حينما صاح بحزمٍ:
_عمران.. اطلع غير هدومك عشان تلحق مشوارك وأنا هجيب مايا وفاطيما وهحصلك.
سدد له نظرة أخيرة وهمس إليه بنزقٍ:
_تلاشاني عشان متعضش ايدك ندمًا يا خال!
وأشار لمن خلفه ببسمة كادت بأن تصيب نعمان بذبحة صدرية:
_حبيب قلب جوزه بعتذرلك على التلوث السمعي ده، ولو أمكن نتحرك على فوق بسرعة قبل ما التلوث يبقى بصري وكلي!
دثت يدها بين يده وصعدت برفقته للاعلى، أما علي مازال يقف قبالة نعمان يتحكم بضحكاته بصعوبة جعلت وجهه محتقن بحمرة زادت من جاذبيته، فما أن عاد نعمان بنظراته إليه حتى بدد كل تعابيره لجدية تامة قائلًا بمكر:
_معلش يا خالو.. إنت عارف عُمران لسانه طويل بس قلبه أبيض.
لوى شفتيه بتهكم:
_مين يشهد على العروسة ياخويا... هغور على اوضتي أريح شوية عما الهانم أختي وجوزها يرجعوا يشوفولي حل مع الوقح ده.
وتركهما وصعد للأعلى مجددًا، بينما استدار علي ليقابل زوجته المرتبكة من وجود ذلك الرجل الغريب، فدنى منها يفرق ذراعيه مرددًا بهمسٍ خافت:
_متخافيش يا حبيبتي.. خالي فيه العبر بس عينه مبتترفعش في ست.
وأضاف مازحًا وهو يضمها بقوة لتلامس أنفاسها عنقه سامحًا لذاته استنشاق أنفاسها:
_تأكدي طول ما أنتي بعيدة عن أي مسمى يجمعك بعمران أخويا فأنتي بمنطقة الأمان بالنسبة لنعمان الغرباوي لانه اتخلق يكره عمران وأي شيء يخص عمران واللي قاتله إن عمران أستاذه ومعلم عليه بالجامد أوي، فلو حسيتي بتوتر من الخال الملزق إلجئي لعمران هو الوحيد اللي بيعرف يعمله استوب لذا هو عمنا وعم عيلة الغرباوي لأخدان الحق بالردح وبفردة الصدر!
انفجرت ضاحكة بين أحضانه فشاركها بقهقة مرتفعة، فتجمد فجأة قبالتها حينما تسلل له صوت فريدة الغاضب:
_أيه اللي بتقوله لمراتك ده يا علي؟!
......... يتبع.....
بعتذر لحضراتكم عن الغياب، الدور اللي كان عندي رجعلي أصعب من الاول، الفصل ده المفروض كان فيه مشاهد كتير هتتحط فيه بس انا اصريت انزله ليكم عشان اتحمس اني اتخطى الدور ده وأرجع نستكمل الرواية، هنتظر رأيكم وتصويتكم على الفصل... بحبكم في الله ♥
****_____****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثاني وثلاثون 32 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!...)
#الفصل_الثاني_والثلاثين.
(اللهم إني أعوذ بك من عينٍ تصيب القلب فتُحزنه والرزق فتُنقصه، والبال فتتعبه والنجاح فتُفشله.. واخرجني اللهم من أشد الضيق إلى أوسع الفرج، واجعلني اللهم مِمَّن نظَرت إليه فرحمته وسَمِعت دعاءه فأجَبته، وأخرجنا اللهم من حولنا إلى حولك ومن عزمنا إلى عزمك ومن ضعفنا إلى قوتك ومن انكسارنا إلى عزتك ومن ضيق اختيارنا إلى براح إرادتك)
انتهى "عمران" من ارتداء بذلته السوداء الآنيقة، وأخر ما وضعه ليكتمل طالته الجذابة كان البرفيوم الخاص به، وزعه على ذقنه النابتة ورقبته واستدار ليغادر مرددًا بحبٍ:
_مايا حبيبتي أنا نازل وعلي هيجيبك زي ما أتفقنا.
طلت برأسها من خلف زجاج خزانتها المنفصلة تخبره باستياءٍ:
_وليه متستناش لما أجي معاك؟
أجابها وهو يعقد ساعته حول معصمه بتركيزٍ:
_لإني لازم أعدي على الشركة الأول، في صديق ليا سبته في عهدة أستاذ ممدوح وزمانه حاليًا بيستغيث.
تمردت ضحكة مشاكسة على وجهها، وتركت فستانها وخرجت تضم خصره مستندة برأسها على صدره هامسة بسخرية:
_ مين صاحبك البائس ده اللي وقع في طريقك وطريق أستاذ ممدوح؟
إهتز جسده بخفة تأثرًا بلمساتها، فاستدار يحيطها بذراعيه وهو يتنعم بقربها ونظرات عينيها المهلكة، فوجدها تترك كل كلمة احتفظت بها له وأخذت تتأمل ثيابه ووجهه بانبهارٍ فشلت بأخفائه، فقالت بتذمرٍ:
_إنت رايح حفلة افتتاح ولا رايح تدور على عروسة فحابب تلفت الانتباه؟
عاد بوجهه للخلف من شدة ضحكاته، واستقام قبالتها فور انتهائه ليخبرها بخبث:
_أنا بلفت الإنتباه دايمًا من غير أي مجهود يا بيبي، بس أنا كعُمران مش عايز حد من الصنف الناعم غير حبيب قلبه!
واستكمل بغمزة ماكرة:
_اللي الغيرة هتطق من عينها من اللحظة اللي واقفة فيها قدامي لحد ما نرجع هنا تاني.
ومال عليها يفترس ملامحها بنظراته الدافئة، ويهمس بصوتٍ كان مغريًا يحارب كل لحظة صمدت بها أمامه:
_لو حابه نكسنل الخروجة دي وندبس علي أنا معنديش أي مانع يا بيبي!
أبعدت يديه عنها واتجهت للخزانة تردد بضحكة مرحة:
_وصاحبك اللي وقع في مصيدة أستاذ ممدوح ده! لا طبعًا حرام تقسى عليه بالشكل ده، روح خرج صاحبك ونبقى نتكلم بعدين.
مرر يده بين خصلاته الطويلة يصففها أمام المرآة وهو يردد بجدية تامة:
_أنا اللي تعمدت أخد أيوب للخطوة دي، أولًا أستاذ ممدوح خبرة وهو السبب الأساسي بعد ربنا سبحانه وتعالى للي أنا وصلت ليه وبفضله كان زمان نعمان لسه بيستغفلنا وبيضربنا على قفانا وهو متأكد إني عيل صغير مش هيكشف تلاعبه بالميزانية والمشروعات اللي بيتتممها من غير ما يسيب وراه أي ورق، ولسه في شيء مبهر هيفرحه أوي خصوصًا لما يعرف إن المشروع اللي جاي من مصر عشانه أنا رفضت أمضي العقود النهاردة والخبر زمانه رايحله.
واستطرد وهو يراقبها حائرة بالاختيار بين الفساتين المعلقة من أمامه:
_ثانيًا أنا وديت صاحبي لاستاذ ممدوح لإني عارفه كويس وعارف إنه هيكون شبه اللي في السجن ال٢٤ساعة شغل وده اللي أنا عايزه لإن أيوب مدبس نفسه في مصيبة هتجبله مشاكل ملهاش أخر، عشان كده أخدته بنفسي لعنده.
استدارت "مايسان" إليه تطالعه باهتمامٍ، فوجدته ينزوي بين أغراضها، يجذب بنطال أسود ينتهي ساقيه باتساعٍ، وقميصًا أبيض اللون، قدمهما لها وغادر لخزانته ليعود لها بجاكيت أسود يخصه، فرده من أمامها وهو يردد بحيرةٍ:
_أعتقد ده ممكن يكون مقاسك.. هو ضايق عليا حبتين يبقى هيناسبك.
التقطته منه وهي توزع بصرها بين القطع بحيرةٍ، فسألته بتوتر:
_ملبستش الاستيل ده قبل كده.. مش عارفة هيبقى حلو عليا ولا أيه؟
جلس على حافة السراحة وببسمة جذابة قال:
_أنا هحكم حلو ولا وحش.
اتسعت ابتسامتها وأسرعت بغلق باب الخزانة لترتدي ما تحمله بيدها بلهفةٍ، اتسعت حدقتيها بانبهارٍ من تناسق ملابسها المختارة، لدرجة جعلت لسانها عاجز عن الحديث، تجزم بأن زوجها هذا هو أعظم انتصارًا لها كأنثى تحتار بكل مناسبة طارئة ماذا سترتدي؟
فتحت "مايسان" الباب وخرجت تتدلل محدثة صوتًا بكعب حذائها الأبيض المرتفع، لتلفت انتباهه عن هاتفه المستقبل رسالة من "سيف" الذي يبحث عن صديقه "أيوب" بقلقٍ وصل للأخير من نبرته المرتشعة المسجلة بمقطع صوتي، فبث طمأنينته له حينما أخبره بأنه برفقته وسيعود به بعد خمسة عشر دقيقة.
ابتعدت عينيه عن الهاتف ليرى تلك الفاتنة الرقيقة، ببنطاله المتسع من الأسفل وتتاسق قميصها مع جاكيته، وكأنها اليوم تتعهد له بأنه لن يغادرها، تستخدم كل سحرها لتفتك به بشكلٍ يجعله يود أن يكون ندلًا يتخلى عن "يوسف" بمناسبة هامة كتلك، وعن "أيوب" المحتبس بوكر البشمهندس "ممدوح"!
طال صمته مما جعله ترتبك، فسألته بريبة:
_وحش؟
عمران؟
نهض عن السراحة يتجه إليها، فدار حولها مطلقًا صفيرًا شمل إعجابه الشديد بها، رفع" عمران" يدها يحثها على الدوران بين يديه هامسًا بصوته الذكوري:
_عمران مسكين قدام جمال حبيب قلبه..مايا هو إنتِ مش عايزانا نروح المشوار ده فبتعملي فيا كده عشان أخد أنا القرار؟
تسلل لها مفهوم حديثه المحرج فهزت رأسها نافية باستحياءٍ:
_لأ.... إنت اللي مختار اللبس مش أنا.
رفع أحد حاجبيه بسخطٍ:
_مهو المصيبة إن أنا!
تنحنح وهو يحاول الثبات بوقفته رغم انحراف رماديته عليها، فأشار وهو يتجه سريعًا للفرار:
_طيب يا بيبي أنا هروح أنقذ أيوب وانتِ كملي لبس وانزلي.. علي مستنيكِ.
وإلتفت يغمز لها بخبث:
_هيجمعنا لقاء تاني.
أغلقت الباب من خلفه ويده تمسد على قلبها الذي يكاد يقفز من خلفه، زاد من حبال عشقه حولها وتركها ضعيفة تحارب كل تلك الأحاسيس المرهفة وكأنها تلك المراهقة التي وقعت في حبه منذ إن كانت في الثانية عشر من عمرها.
اتجهت للسراحة تستكمل ارتداء حجابها وابتسامة هيامها به لا تفارقها، فودت لو تمكنت من الجلوس بمفردها تتذكر كل كلمة ونظرة شملها به منذ قليل حتى لا تنسى أي لافتة صغيرة حدثت بينهما!
*******
ارتبكت "فاطمة" للغاية حينما وجدت "فريدة" تقف خلفهما، وتتساءل باسترابةٍ:
_إنت تقصد خالك بالكلام ده يا علي؟
تهدلت شفتيه بابتسامة هادئة، ودنى ليصبح بالقرب من والدته هاتفًا بمكرٍ:
_فريدة هانم حمدلله على السلامة.
واقترب منها متفحصًا لما ترتديه بإعجابٍ انطبع على نظراته ومعالمه باجتيازٍ:
_أيه الجمال ده كله، حضرتك كنتِ في سهرة ولا بتقيمي البيت... مش ممكن دايمًا شيك حتى في أبسط خروجاتك مش كده ولا أيه يا عمي؟
منع "أحمد" ظهور تلك الابتسامة على شفتيه، فحك أنفه وإتجه يميل بقامته الطويلة تجاهه هامسًا:
_ده أنت اللي عمي!
وتنحنح رافعًا من صوته:
_طبعًا يا علي فريدة هانم طول عمرها شيك ومحافظة على جمالها بشكل مش طبيعي إسالني أنا!
ربعت يديها وعينيها تتوزعان بينهما بنظراتٍ مفترسة جعلت "شمس" و"فاطمة" تسيطران على ضحكتهن بصعوبة.
نزعت فريدة قبعتها وهي تعيد السؤال بطريقة أكثر حدة:
_علي بطل بكش وجاوبني تقصد مين بكلامك ده؟
مال أحمد يخبره بحزنٍ:
_حاولت أساعد بس إنت عارف إن فريدة مبتتثبتش!
أكد علي بإيماءة رأسه، وقرر اللجوء لطريقة عمران المشاكسة، فقال ببسمة هادئة:
_مفيش أنا بس كنت بهزر مع فطيمة ومقصدتش بكلامي حد!
اتجهت نظراتها لفاطمة التي هزت رأسها أكثر من مرة وابتسامتها تزداد بطريقة زرعت الابتسامة على وجه فريدة فتخلت عن اصرارها لمعرفة الحقيقة، فاستغل أحمد الفرصة وأشار لها بحنان:
_بعد الجولة المرهقة دي تحبي نطلع نرتاح شوية في جناحنا يا فريدة هانم؟
تسللت حمرة الخجل على وجهها، فخطفت نظرة سريعة لعلي فوجدته يمنحها ابتسامته الدائمة، لذا منحته يدها واتجهت برفقته للمصعد، بينما استقلت شمس الدرج قائلة:
_بتمنالكم سهرة سعيدة.. تصبحوا على خير.
وما كادت باستكمال طريقها حتى اعترض عمران طريقها، اختلس نظرة شملتها وهبط ما تبقى بينهما مرددًا بغموضٍ:
_شكلك انبسطي من المشوار اللي كنتي فيه... للدرجادي عجبك البيت الجديد؟
لعقت شفتيها الجافة بتوترٍ اتبع منهج نبرتها المهتزة:
_هااا.. آآه... جدًا بيت مريح وذوقه عالي جدًا يا عمران.
اتسعت ابتسامته وانحنى لآذنيها يهمس لها:
_خدي بالك من المدخل أصله بابه لسه معلق!
واستكمل على نفس منواله:
_هتغاضى عن اللي حصل عشان لو علي عرف هيزعلك وميهنش عليا زعلك.
اتسعت حدقتيها بخوفٍ، وهزت رأسها بخفة، انتصب عمران بوقفته ومد يديه يعدل من الوشاح الملتف حول رقبتها، فأحاط بأصابعه السلسال، اتسعت ابتسامته الخبيثة ورفع أهدابه يواجهها بكلماته البطيئة:
_زي ما سمحت إنه يوصلك قادر أقطعه حولين رقبتك لو حسيت إنك هتسغفليني يا شمس، هسامحك المرادي عشان ماما وعمي كانوا معاكي مرة تانية تروحي فيها الشقة دي هزعلك بجد.
أدمعت عينيها تأثرًا بسماعها نبرة جديدة يخوضها معها عمران لأول مرة، فتابع وهو يجذبها لتقف على نفس مستوى الدرج، وأحاطها بين ذراعيه يسترسل همسه بحنان مبالغ به:
_مش هعتذر على طريقة كلامي معاكي لإن ده خوف عليكي..فريدة هانم غلطت لما أخدتك معاها هناك.. أنا عايزك عزيزة وغالية يا شمس حتى لو كان الشخص ده عارف قيمتك وفاهم دماغك.. مينفعش أديله أكتر من فرصة وأقول مش هيأخد عني فكرة سيئة... بتمنى تكوني فهمتي كلامي.
أبعدها عنه يزيح دموعها فوجدها تبتسم له وتخبره بصوتٍ يطمسه البكاء:
_فهمت.. وأوعدك مش هتتكرر تاني.
منحها ابتسامة هادئة وانحنى يطبع قبلة على جبينها قائلًا:
_شوفي مذكرتك.
هزت رأسها بطاعةٍ واستكملت طريقها للأعلى، بينما هبط الاخير للأسفل، فتفاجئ بأخيه يجلس بالصالون جوار زوجته، فقال باستغرابٍ:
_إنت لسه مغيرتش هدومك يا علي؟
نهض عن الأريكة يشير له:
_كنت مستنيك... تعالى.
إتجه إليه عمران بدهشة، خاصة حينما نهضت فاطمة تقف قبالته، تفرك أصابعها بحرجٍ طفيف، فقطع صمتهما علي الذي ردد:
_فطيمة مصممة تعتذرلك عن اللي حصل الصبح، وأنا بحاول أفهمها إنك رغم وقاحتك وقلة أدبك بس قلبك أبيض.
زم شفتيه بضيقٍ، وردد ساخرًا:
_ولزمتها أيه تختمها بالقلب الأبيض ما بكمالة الجملة بقى!
سدد له نظرة أخرسته فحك جبهته يهمس بسخط:
_هيبرقلي بقى مهي ناقصة!!
وتجاهله وهو يتطلع لزوجة أخيه يمنحها ابتسامة دافئة يبدد بها ارتباكها الظاهر له، وقبل أن يعرضها لاحراج اعتذار تقدمه له قال:
_أنا مزعلتش من اللي حصل علشان تعتذري يا فاطيما، وبعدين أنا سبق وقولتلك إنك بالنسبالي زي شمس بالظبط ومفيش بيني وبين أختي اعتذار أو مبررات باللي حصل، صدقيني أنا مش زعلان.
رفعت عينيها المحتقنة إليه، وبتلعثمٍ وارتباك قالت:
_لأ أنا كنت قليلة الذوق معاك يا عمران ولازم أعتذر.
هز رأسه نافيًا وصاح:
_مفيش داعي تعتذري لشيء تافه يا فاطيما.
وبمكرٍ استرسل:
_بس لو مصرة يبقى تعمليلي نفس الأكلة الغريبة اللي عملتيها يوم ما كان جمال ويوسف هنا أعتقد إسمها كسكس صح؟
ضحكت بصوتٍ أطرب سماع علي، فكان سعيدًا بأنها ولأول مرة تتبادل حديث يجمعهما بأخيه إشارة مقبولة للقادم، واستمع لها تخبره:
_عنيا، بكره إن شاء الله هعملك.
اتسعت ابتسامته وحذرها وعينيه تلتفت من حوله بشكل مضحك:
_خلصيها في المطبخ واديني إشارة أدخل أكل في الخباثة لحسن فريدة هانم لو قفشتني هتطردني بالحلة برة البيت.
عاد الضحك يفرد سلطانه عليها من جديد وهي تؤكد له:
_متقلقش هخلي مايا توصلهالك.
قدم يده لها ليفاجئها قائلًا:
_اتفقنا؟
تلاشت ابتسامتها بشكلٍ ملحوظ، فوزعت نظراتها بين كف عمران الممدود وبين علي الذي منحها بسمة وإيماءة خافتة، جعلتها تصافحه مرددة بوجهها البشوش:
_اتفقنا.
تركهما عمران وغادر لسيارته رافعًا من صوته:
_لو وصلت قبلي عرف يوسف إني مش هتأخر يا علي... سلام.
وغادر بسيارته بينما ترك علي فاطمة قائلًا بابتسامة هادئة:
_هطلع أغير هدومي عشان منتاخرش.
وتركها وصعد للأعلى بينما ظلت هي بانتظاره بالاسفل، فانضمت لها زينب ومايسان وبعد قليل هبط علي متألقًا ببذلة آنيقة من اللون الرمادي، مصففًا شعره لنهاية رقبته بشكلٍ لفت انتباه فاطمة وهي تراه يصففه كذلك للمرة الأولى، فأخذت تختلس النظرات إليه في السيارة من وقتًا لأخر حتى وصلوا للعمارة القابع بها عيادة "ليلى".
*******
انهى لمساته الأخيرة أمام باب العيادة، فثبت عمود الورود جيدًا وولج للداخل يبحث عنها بعينيه، فوجدها تستند على باب الشرفة، تتأمل مدخل العمارة بنظرة هائمة، وفجأة تسلل لجسدها البارد دفء يحاوطها، مالت" ليلى"برأسها فوجدت "يوسف" يحاوطها ويميل برأسه يعانق رأسها بحنانٍ، وهمس لها بفرحةٍ:
_مبروك يا أجمل وأرق دكتورة.
انزوت داخل ذراعيه تشدد من عناقه قائلة بكل امتنان تمتلكه:
_من يوم ما دخلت حياتي يا يوسف وبقى ليها طعم تاني، كل حاجة بتعملها عشان ترضيني أنا حتى لو كانت على حسابك إنت، أنا مقدرتش أقدملك أي شيء أردلك بيه حنانك وحبك الكبير ليا.
رفع ذقنها ليجبر رأسها المدفون بصدره على التطلع إليه، فرأت أجمل ابتسامة يحررها لها خصيصًا، وذراعه يقرب خصرها إليه بتملكٍ لتستمع إليه يردد:
_ادتيني قلبك وده كفايا عليا يا ليلى.. وحبك ليا أكبر مكافأة قدمتهالي.
أغلقت عينيها تستمع بهمساته بعشقٍ يزاحم قلبها في عقر داره، فانتقلت إليها عاطفته التي تتقرب منها بلمساته، استسلمت تتمنى أن لا يبتعد إلى أن تسلل إليهما صوت "سيف" الساخر:
_بعتني أجيب الورد علشان تستفرض بالدكتورة، طيب ما كنت تقول من الأول إنك بتوزعني وأنا كنت هتوزع باحترام بدل أم الفرهدة دي!
انتفضت مبتعدة عن زوجها بخجلٍ جعل حديثها يخرج بتلعثم:
_هو والله يا سيف هو اللي آآ..
قاطعها "يوسف" بحدةٍ:
_بتبرري لمين يا ليلى، أنا جوزك مش واحد ماشية معاه يا حبيبتي!
واستدار يحذره بنظرةٍ صارمة:
_سيف إتادب بكلامك مع لوليتا مش واخده منك على كده.. تحذير ما قبل إنذار الخطر.
رفع يديه معًا باستسلامٍ:
_أنا مجتش.
وتابع بابتسامةٍ هادئة:
_مبروك الافتتاح الرائع ده يا دكتورة ليلى.
أجابته على استحياءٍ:
_الله يبارك فيك يا سيف عقبال ما نفرح بيك مع بنوتة بنت حلال تستاهلك.
رفع "يوسف" يديه بتمني وكأن الدعوة من نصيبه هو:
_ دي الدعوات ولا بلاش.. لو ربنا تقبل دعوتك يا لوليتا بالي هيرتاح.
زم شفتيه ساخطًا:
_إنت نفسك تتخلص مني بس مش هنولهالك يا يوسف، أنا قاعد معاك شوية.
لف يده حول رقبته وجذبه إليه بالقوة يخبره:
_بس أنا مش هسيبك تقعد كتير يا سيفو..أول ما ألقى البنت المناسبة ليك هسحبك تتقدملها رغمًا عن أنفك.
تعالت ضحكات "ليلى" وهي تراقب تعابير وجه سيف المضحكة، وكأنه سيلقى بين نيران جهنم، فترك الردهة وإتجه بما يحمله للشرفة، فلحق به "يوسف" يتساءل وعينيه تتفحص ساعة يده:
_فين أيوب وآدهم؟
جذب إحدى باقات الزهور وقدمها إليه:
_آدهم بعتلك الورد ده وبيعتذرلك، الجرح شد عليه ومقدرش إنه يجي.. أما بقى أيوب فأنا لحد الآن معرفش هو فين؟ آدهم قال انه مرجعش البيت من الصبح قلقت عليه ليكون ورط نفسه في مصيبة تانية، دورت عليه في المطعم اللي بيشتغل فيه وفي الجامعة وملقتهوش فكلمت عمران وقالي كلمتين مختصرين "متقلقش هو معايا" وبعدها معتش رد على رسايلي!
ابتسم وهو يراقب انزعاج معالمه، فربت على كتفه قائلًا بمرحٍ:
_مدام قالك متقلقش يبقى من حقك تقلق!
*******
طرق على الباب الحديدي، فانتبه له "ممدوح" ، نهض عن مقعده وهو يعيد ضبط نظارته الطبية، فحرر الباب هاتفًا بحيرةٍ:
_أيه رجعك بالوقت ده يا عمران؟
اشرأب بعنقه للأعلى في محاولةٍ لرؤية صديقه البائس، فوجده يطفو من خلف ذاك المكتب المتهالك، وبين يده لوحة بيضاء سميكة، وبيده عدة أقلام ومسطرة ضخمة، رمش بعدم استيعاب هل توجه للتصميم بأول جلسة جمعتهما!
استعاد ثباته المهدور مصدرًا تنهيدة مقلقة:
_أنا كنت جاي أستأذن حضرتك في أيوب، معزومين أنا وهو على حفلة مهمة والصبح هيكون موجود في مواعيده.
أخفى عُمران ابتسامته الساخرة بصعوبة، وكأنه يأتي لروضة الأطفال لطلب سماح الانصراف لاخيه الصغير، ومع ذلك احتلت معالمه بادعاء صلابته، وأخذ يراقبه وهو يعود لمكتبه مشيرًا لأيوب:
_روح وعلى معادنا بكره.
لا يصدق ما إلتقطته آذنيه، هل سمح له بالمغادرة أخيرًا؟
ترك "أيوب" مقعده وهرول لحقيبته الصغيرة يجذبها وهرول للخارج كمن نجى بروحه من تابوت محكم الإنغلاق، فتفاجئ بعمران ينتظره، وما أن رأه حتى استقبله بابتسامة بلهاء:
_أيوب وحشتني يا راجل!
قابله الأخير بلكمة قاسية أطاحت بالأخير أرضًا، فتمردت ضحكاته واستند على درابزين الدرج ليستعيد استقامة جسده، ليجد الأخير يهرول للأعلى مرددًا بحنقٍ:
_لو جيت ورايا هصفيك لدرجة أنهم مش هيلاقوا فيك حاجة تدفن.
نفض الغبار العالق على بذلته ولحق به للأعلى يناديه ضاحكًا:
_طب استنى بس..يعني ده جزائي إني جيت وأخدت الأذن عشان تلحق تروش نفسه للحفلة؟
توقف عن الصعود واستدار إليه يقابله بنظرة شرسة، فأطبق على أصابعه مشيرًا بحدة:
_اخفى من قدامي يا عمران، أنا بقالي هنا عشر ساعات وحقيقي مش شايف قدامي من التعب والإرهاق، لأ والاستاذ ممدوح ده على ما يبدو مكمل في شغله ومش همه، والدي تقريبًا من عمره وبيحتاج كام ساعة في اليوم يستريح فيها واتعشمت إنه يديني ساعه راحه لكنه ما شاء الله مستمر في الشغل كأنه ألة مش بني آدم، ده حتى معاد خروج موظفين الشركة جيه ومازال مستمر!
واسترسل بدهشة أحاطته منذ الوهلة التي خطت قدميه للداخل:
_هو مطلعش يروح ليه، ولا هيبات هنا؟
راقب "عمران" الباب السفلي وأشار لأيوب بتتبعه:
_طيب تعالى نخرج من هنا وهحكيلك كل حاجة، بس الأول حسام اداك الأكل والعصير؟
احتل الغضب معالمه بشكلٍ جعله كالقنبلة المهددة بالإنفجار، فأحاطه "عمران" بذراعيه ضاحكًا:
_خلاص بقى ميبقاش قلبك أسود.. وبعدين منتكرش إنك استفدت منه جدًا بدليل إنك ما شاء الله من أول درس بتصمم بنفسك!
لوى شفتيه بسخطٍ:
_ولو كنت اتاخرت شوية كنت هتلاقيني مع فريق التنفيذ بنفذ اللي صممته بنفسي! الراجل ده غريب تحس إنه إنسان ألي مش بني آدم!
دفعه برفقٍ للمصعد فأبعده أيوب عنه بغيظٍ، صعد بهما المصعد للأعلى وحرب النظرات سائدة بينهما حتى خرج به فتركه وغادر دون أن يستمع إليه.
أسرع "عمران" لسيارته يتبعه على محاذاة خطاه، ففتح الشرفة الزجاجية يناديه:
_أيوب اركب بقى وفكك من شغل الأولاد ده.
منحه نظرة مشتعلة وردد بانفعال:
_امشي يا عمران بجد، أنا مش ضامن رد فعلي على اللي عملته معايا النهاردة... امشي.
كسر الطريق عليه بسيارته ليصيح بحدة:
_اركب ومتخرجش جنوني عليك.. أنت مش عاملي فيها راجل مكافح نخيت ليه من أولها؟
نظم أنفاسه الحارقة حتى هدأ قليلًا، فاحتل المقعد المجاور له، تحرك به عمران لشقة سيف، والصمت الحائل بينهما فقطعه عمران مجددًا حينما قال:
_أيوب بلاش تفكر بالطريقة دي، أنا عملت كل ده علشانك صدقني، وعارف أنك بتفكر إني بعدتك عشان متختلطش بالمشاكل مع البنت اليـهودية دي، وأنا مش هنكر ده بس كمان عملت كده عشان تستفاد من خبرة أستاذ ممدوح، بذمتك الكام ساعة اللي قضتهم معاه مستفدتش منه؟
ارتخت تعابيره المشدودة رويدًا رويدًا، واعترف له:
_استفدت جدًا بس الضغط والإرهاق ده خلاني مش قادر أستوعب أغلب اللي قاله.
والتفت له يسأله باهتمامٍ:
_هو معندوش بيت ولا أهل يا عمران، يعني بقالي معاه يوم كامل ومشوفتوش حتى طلع موبيله يكلم حد!
رد عليه بحزنٍ وعينيه تراقب الطريق بعناية:
_كان له بيت وأولاد، اتغرب طول عمره عشانهم.. بنى ليهم بيت كبير وصرف على تعليمهم لحد ما دخلوا كليات كويسة، وبعدها طلب من بابا الله يرحمه أجازة طويلة علشان ينزل ويقعد وسط أولاده بس بعدها باسبوعين رجع وهو حزين لانهم طلبوا منه يرجع تاني للشغل لان ابنه الكبير كان خاطب وعايزه يجهزله شقته ومصاريف الجواز.
واستدار، يقابله بنظرة ألم وابتسامة فارقة:
_جوازة ورا التانية وطلباتهم مش بتنتهي، لحد ما أخد على الغربة والوحدة اللي هو بقى فيها، أنا كنت جنبه لحظة بلحظة وسامع أغلب مكالمتهم ليه وطلباتهم اللي مش بتنتهي، لحد ما استلمت الشركة واطمن أني قادر أديرها من غيره فنزل مصر وهو عنده النية ميرجعش تاني، بس اللي حصله خلاه يرجع لندن تاني يوم..
سأله بفضول بعدما نجح الاخير بسحب كل اهتمامه لقصة ممدوح المؤلمة:
_حصل أيه؟
رد عليه بحزنٍ عميق:
_ولاده ومراته لما عرفوا انه نزل بشكل نهائي طردوه من البيت ومحدش من عياله رضى يقعده عنده ولا يستقبله في شقته، كلهم كانوا هيتجننوا ويخلوه يرجع تاني حتى وهو بالسن ده، ولما رجع واتاكدوا إنه سافر تاني رجعوا يكلموه ويشدوا معاه ناعم من تاني بس هو رمى موبيله وبقى زي ما أنت شايف حياته كلها شغل..
وتابع بألمٍ يطغي على نبرته المبحوحة:
_قدمتله شقة فخمة وعربية ومكافأة مالية كبيرة اكرامًا لتعبه واخلاصه لأبويا الله يرحمه، كنت بحاول أرد جزء بسيط من جمايله عليا، الاستاذ ممدوح الشخص الوحيد اللي علمني يعني أيه راجل مخلص وابن اصول في حين إن بعد خالي وأهل أبويا أول ناس نهشوا فينا بعد وفاة والدي الله يرحمه، وفجائني تاني لما رفض كل اللي قدمتهوله وطلب مني أسلمه الآرشيف وخزنة التصميمات والملفات المهمة ومن وقت للتاني خصص لنفسه أوضة صغيرة تحت فيها سرير صغير وحمام، عايش فيها وببشتغل ليل نهار ولو حاولت أساعده وزودتله مرتبه بيرجعلي الفلوس وبيتضايق جدًا.
واستدار تجاه أيوب يخبره بحزن بالغ:
_بحس إني عاجز ومش عارف أزاي أكافئه أو أردله جزء من جمايله... كل ما بشوفه قلبي بيتقطع عليه هو إنسان كويس وعظيم وميستاهلش اللي أولاده بيعملوه فيه ده.
تغلغل الحزن معالم "أيوب" بتمكنٍ، واحتقن صوته المتأثر بما استمع إليه:
_الزمن ده بينجح إنه يفاجئنا باللي مخبيه، الناس عادت وحشة أوي يا عمران، اللي سمعته منك ده كبره في نظري وخلاني متحمس أكون معاه الفترة الجاية، عارف إنه صعب يندمج مع أي حد وده باين جدًا بس على الأقل هكون ونس ليه الفترة الجاية وبتمنى بس يخف عليا ساعات العمل لإني كده مش هتخرج من الجامعة هتخرج من الدنيا كلها.
ضحك الأخر وربت على كتفه يمازحه:
_متخافش يالا عمران الغرباوي معاك ومش هيسيبك.
_علامة مسجلة إنت ولا أيه مش فاهم!
_بتتريق! طب خلاص هوديك الحضانه كل يوم الصبح ومش هروح أخدك.. هسيبك كده كل يوم معاه لحد ما تستنجد بالشيخ مهران تقوله يبعت حد ياخدك!
قالها بمرحٍ جعل الأخير يضحك متغلبًا على غيظه، فتابعه وهو يصف السيارة أمام العمارة وأشار له:
_اطلع غير هدومك وانزل بسرعة.. مش عايزين نتأخر أكتر من كده.
حرر حزام الأمان عنه وقال وهو يتثاءب:
_ما تروح إنت وفكك مني.
دفعه للخارج بضيق:
_انزل يا عم هي ناقصة رخامة سيف..ده كل نص ساعة يتصل عليا ويتمم إنك بخير ورايح معايا..مش بعيد لو ملقكش داخل معايا يطلبلي بوليس النجدة!
ضحك بصوته كله، وأشار وهو يستدعي المصعد بضغطة الزر:
_مش هتأخر متقلقش.
وولج للداخل حتى وصل للشقة،طرق بابها حتى فتح "آدهم" فوجد جسدًا ثقيلًا يندفع إليه حتى كاد بأن يسقط به، فردد باستغرابٍ:
_أيوب!!
أغلق عينيه باستسلامٍ على كتف آدهم وكأنه طفلًا صغيرًا يغفو على كتف والده، فأحاطه آدهم بقوة وهو يجاهد الا يصيب جسد أيوب كتفه المصاب.
جذبه بقوة للداخل وأغلق الباب، قائلًا بقلقٍ:
_مالك يا ابني؟ وكنت فين لحد دلوقتي سيف قالب عليك الدنيا ومش مبطل رن؟
خرج صوته هامس وعينيه تنغلق استسلامًا للنوم:
_خدني لأقرب سرير أو كنبة.. بنام على نفسي!
أبعده عن كتفه يتفحص وجهه وجسده ظنًا من أنه قد مسه أذى جعله مرهقًا لتلك الدرجة، وحينما اطمئن بأنه على ما يراه أعاده لكتفه فأحاطه أيوب بذراعيه تلقائيًا وغفى واقفًا.
تحرك به آدهم بتعبٍ سيطر على كتفه المصاب، حتى وصل لغرفته القريبة، طرحه على الفراش وهو يتهامس بسخرية:
_أيه وصلك للحالة دي!!
واتجه إليه يناديه:
_طيب قوم حتى غير هدومك يا أيوب!
لم يأتيه أي ردًا، صوت انتظام أنفاسه يتصاعد ليخبره بنومه الشبيه بفقدان الروح، لم يستطيع السيطرة على ضحكاته وهو يراقبه كطفلٍ لم يحتمل عناء أول يوم دراسي إليه وعاد لفراشه يغفو بملابسه وحقيبته.
انحنى آدهم ينزع عنه حذائه ورفع قدميه للفراش ليمنحه نومة مريحة، وجذب عليه الغطاء فتحركت يد أيوب تجذبه على وجهه تلقائيًا رغم غفوته.
رمش آدهم بدهشةٍ مما فعل، واتسعت ضحكته الساخرة مرددًا:
_مش معقول في دي كمان شبهي!
انحنى إليه يزيح الغطاء عن رأسه ووضعه على صدره حتى يتمكن من التتفس بشكلٍ منتظمٍ، ففجأه مرة أخرى حينما تحركت يده تحذب الغطاء على رأسه مما زاد من دهشة آدهم المعتاد على أن يغلف جسده بأكمله بالغطاء وقت نومه، يتذكر كيف كانت تستاء والدته من تلك الحركة التي تجعلها يتهييء لها وكأن جسد إبنها جثمان وليس ينبض بالروح، وما يزيد ضجرها بأنه يرث حركته السخيفة تلك عن أباه.
قطع شروده صوت طرق الباب مجددًا، فأحاطه بنظرةٍ أخيرة قبل أن يتحرك ليفتح الباب.
ولج عمران للداخل يتساءل بضيق:
_هو فين يا آدهم.. كل ده بيلبس؟
وشمله بنظرة متفحصة ليزيد من غضبه:
_وإنت ليه ملبستش لحد دلوقتي! انتوا بتهزروا يا جدعان!
أجابه قبل أن يندفع بحديثه الغاضب:
_انا اعتذرت من دكتور يوسف مش هقدر أنزل.. ولو بتسأل عن أيوب فمتستنهوش إنزل إنت لإنه في سابع نومة.
رمش بعدم استيعاب وهو يلتقط تلك الكلمة الساخرة، فصاح بتهكم:
_لحق ينام؟
ضحك يشاكسه:
_هو طالع نايم أساسًا... اترمى عليا شبه المقتول وبمعجزة قدرت أسنده لسريري!
زم شفتيه ساخطًا على من أدعى قوته الزائفة وردد:
_أمال عاملي فيها شجيع السيما ليه.. ده مخدش غلوة في إيد استاذ ممدوح.
منحه نظرة مشككة تحيط بمضمون حديثه، فقال:
_إنت عملت أيه فيه يا عمران؟
رفع كتفيه مداعيًا براءته:
_ولا حاجة... شغلته في شركتي!
واستطرد مقدمًا عرضه المغري:
_طيب خلاص تعالى إنت معايا... ده يوسف محضرلنا أكلة سمك بعد الحفلة إنما أيه.
اتجه آدهم للردهة، فجلس على المقعد يتأوه بتعبٍ:
_ألف هنا ليكم.. أنا مش قادر أتحرك قدامك يا عمران.. تتعوض مرة تانية.
إتجه إليه يراقبه بقلقٍ انتقل لنبرته الرجولية:
_شكلك موجوع.. تحب أكلم دكتورة ليلى تيجي تشوفك؟
هز رأسه نافيًا:
_الموضوع مش مستاهل... هأخد المسكن والألم هيروح على طول إن شاء الله.
منحه ابتسامة هادئة، وربت على كتفه بهدوء:
_يلا خف قوام قوام عشان نجوزك ونخلص من البت اللي قارفاني في البيت دي.
ضحك بشدةٍ وردد بحبٍ:
_عنيا يا سيدي... هأخدها تنور حياتي المكفهرة دي.
انتصب عمران بوقفته وأشار له:
_هبقى أكلمك أطمن عليك... سلام.
_مع السلامة... متتساش توصل مُباركتي لدكتورة ليلى ودكتور يوسف.
أجابه وهو يستعد لغلق الباب:
_اعتبرها وصلت.
*******
صف "جمال" سيارته أسفل البناية، وانضم لزوجته التي تنتظره حاملة طرف فستانها الأسود الطويل، فانضم إليها ومازال يلاحظ وجهها العابث، جدد ذاكرته عساه قد اقترف شيئًا أزعجها وحينما لم يجد قال:
_افردي وشك ده شوية هو أنا جايبك معايا غصب؟
تعمقت بنظراتها الغاضبة إليه، وأردفت:
_مش جاية غصب بس جوايا في بركان نار احذر منه لينفجر في وشك.
جحظت عينيه صدمة، فأبعد الورود التي يحملها جانبًا وقال:
_بركان مرة واحدة... ليه كل ده؟
منحته نظرة ضاقت عليه وكأنها تعتصره داخل مقبضة من حديدٍ لتطلق ما تدفنه إليه:
_أي مشوار أو خروجة ليها علاقة بعمران أو يوسف صاحبك بتجهز وتجري هوى، لكن لو أنا اللي طلبت منك نخرج شوية مش هتعبرني، معرفش صحابك دول عاملين ليك أيه؟
رفرف بأهدابه بعدم استيعاب والكارثة تحليله لمغزى حديثها فقال باستنكارٍ:
_انتي بتغيري من عمران ويوسف يا صبا؟
ولجت للمصعد توليه ظهرها والأخر يلحق بها بصدمة تجعل تعابيره متجمدة كالثلج وهو يراقبها بحاجبيه المرفوع، ليجد ذاته يضحك دون توقف، فاستدارت إليه تلكمه بغيظٍ:
_متضحكش.. اسكت!
أحاطها بين ذراعيه لتكف عن تسديد الضربات إليه، مرددًا بدهشةٍ:
_متهزريش يا صبا، انتي بتغيري من علاقتي بصحابي يعني من رجالة!! أنا بحاول أتخيل موقفي السييء لو حد سمعك هيأخدوا عننا فكرة شكلها عاملة ازاي!!
راقبت ضحكاته باستياءٍ، ورددت بضيقٍ:
_انت السبب.. لانك بتهتم بيهم أكتر مني.. إنت حتى مش بتقولي كلام حلو أوازن بيه المقارنة بيني وبينهم!
اختصر ضحكاته بابتسامةٍ جذابة، فتغاضى عن توقف المصعد بالطابق المنشود واحتوى وجهها بيديه بحنانٍ:
_صبا سبق وقولتلك قبل كده أنا مبعرفش أقول كلام حلو ومتزوق.. بس إنتِ عارفة ومتأكدة إني بحبك وبتمنالك الرضى ترضي.. كون إنك تحطي نفسك بمقارنة مع عمران ويوسف فده غباء منك لإنك في مكانه إنتِ واللي في بطنك صعب حد يتقارن فيها معاكي.
اتسعت ابتسامتها والفرحة تجعل وجهها مشرق، عينيها تشعان بجاذبية جعلته عاجزًا عن سحب نظراته عنها، فوجد ذاته يضمها رغم أنه يستغرب ما يفعله ربما لإنه زوجًا عاديًا إعتاد أن لا تفارق مشاعره غرفة نومه، ولكن موقفها الذي حررته الآن أكد له بأنها ليست مرتها الأولى التي تفكر هكذا.
ارتعشت بين ذراعيه التي تحيطها ورددت بعشقٍ وصل إليه:
_بحبك أوي يا جمال.. وأي كلمة بسيطة منك بترضيني.. صدقني أنا مش طمعانة غير في قربك مني.
ربت على ظهرها ويده الأخرى تقرب رأسها لعنقه، فاهتز بهما المصعد ليهبط للأسفل، ابتعد عنها "جمال" ضاحكًا:
_شوفتي إدينا نزلنا تاني للدور الأرضي!
شاركته الضحك ورددت بمشاكسة:
_حد قالك تحضني!
غمز لها بخبث:
_مستعد نطلع وننزل طول اليوم بالاسانسير عشان الحضن الجميل ده.
اكتست الحمرة معالمها، فأبعدت وجهها عنه، فُتح باب المصعد وطل "عُمران" من أمامهما متسائلًا بحيرة وعينيه تجوب بينهما:
_انتوا طالعين ولا نازلين؟!
ارتبكت صبا بينما أجابه جمال:
_هتفرق يعني.. اركب خلينا نطلع!
منحه نظرة وقحة جعلت جمال يدفعه للوحة قائلًا:
_دوس على الزرار وصفي نيتك!
ضحك بصوته كله وغمز له:
_وماله نصفيها يا جيمي.
ومال إليه يهمس له بصوتٍ منخفض:
_هو مش جو قالك تهدى شوية ولا إنت مبتحرمش!
احتدت نظراته القاتمة، فلكمه بعنفٍ جعله يرتد لمرآة المصعد، فتراجعت صبا للخلف برعب:
_في أيه يا جمال؟
ضحك عمران وهمس له:
_رد يا جيمي.
جز على شفتيه بغضب، واعتدل بوقفته يعدل من جاكيت بذلة عمران وينفض كتفيه بقوة مؤلمة ولكنها تبدو مساعدة نبيلة منه لزوجته التي تراقب ما يحدث بينهما بقلقٍ:
_مفيش يا صبا دا كان في ناموسة رزلة واقفة على خد عمران ومصممة تمص دمه ادتها اللي فيه النصيب.
هزت رأسها بتفهمٍ رغم عدم اقتناعها بما يخبرها به، فاستقام كلاهما بوقفتهما حتى توقف المصعد فخرجوا جميعًا.
استغل عمران دخول صبا وجذب جمال للخلف يعيد له لكمته هاتفًا بضجرٍ:
_ناموس في لندن فاكر نفسك في سيوة!!
وقبل أن تطوله يديه ركض للداخل سريعًا، فتنحنح جمال واستعاد اتزان هيبته المهدورة ولحق بالاخير.
*******
رحب "يوسف" بعلي وإتجه به للداخل ليريه الأجهزة التي استوردها من الصين خصيصًا لزوجته، فنالت استحسانه وأبدى اعجابه قائلًا:
_لو على ضمنتك نتواصل معاه عشان المركز خلاص عمران قالي قدامه عشر أيام بالظبط وفريقه ينجز.
رد عليه يوسف بابتسامة واسعة:
_عظيم.. استغل الفترة دي في اختيار الدكاترة والممرضات اللي هيشتغلوا بالمركز على الأقل نزل اعلان واستغل السوشيل ميديا.
جذب علي أحد المقاعد القريبة منه، اعتلاه وهو يراقب يوسف الذي جذب المقعد المقابل له، فقال:
_أنا ناوي أنزل مصر وأختار فريقي بنفسي يا يوسف، مش حابب شغل الموبيلات ده.
استحسن فكرته وأبدى اعجابه:
_كده أفضل ألف مرة... رتب أمورك وتوكل على الله وسيب حكاية الأجهزة دي عليا وعمران موجود مع العمال وده شغله.
نهض علي يلتقط كوب العصير من ليلى وقال بلباقة ورقي:
_الدكتورة بنفسها اللي بتقدم الضيافة.. تسلم إيدك.
ابتسمت إليه بحبور:
_وجودك هنا إنت وفاطيما والبنات غالي عندي يا دكتور... نورتونا كلكم.
رد عليها وعينيه مازالت أرضًا:
_متقوليش كده احنا زمايل.. ومبروك عليكي مرة تانية عندي ثقة إنك هتكوني من أهم دكاترة الجراحة بانجلترا كلها.
وبمزحٍ أضاف:
_عشان كده إنتي والدكتور يوسف من أوائل الناس اللي هتكون معايا في المركز الطبي.
كانت هي أول من أجابته:
_ده شرف لينا يا دكتور علي.
ردد يوسف بابتسامة:
_الافتتاح الجاي هنكون متجمعين عندك في المركز ان شاء الله.
ردد بخفوت:
_بإذن الله.
*******
بالخارج.
انسجمت "فاطمة" مع "مايسان"، ومازالت"زينب" تحيطها غمامة الماضي، تركتهما واتجهت للشرفة التي انعشت وجهها بالهواء البارد، فأغلقت عينيها تستمتع بتلك الانتعاشة التي تندفع إليها، متجاهلة كل شيءٍ حولها، إلى أن تسلل لمخضعها الخاص صوته العميق:
_المنظر من هنا مسحرنيش لوحدي!
التفتت جوارها فوجدته يجلس على أحد الأرائك يتابعها ببسمته الهادئة، اعتدلت "زينب" بوقفتها هامسة بخفوت:
_سيف!
تمكن من قراءة حركة شفايفها بحرافيةٍ، فاندفع قلبه يهوى بتمنى أن لو تمكنت أذنه من سماع صوتها.
نهض عن محله واقترب منها يردد:
_توقعت إني ممكن أشوفك تاني صدفة في الجامعة لكن هنا كان صعب!
لقائها به الآن يطيب جزءًا من وجعها، هي الآن مشتتة، بائسة، يركض شبح الماضي من خلفها، نهض سيف عن محله المظلم إليها،وبمجرد أن رأته يرتدي جاكيت مشابه لجاكت "يمان"، انقبض صدرها وتراجعت للخلف بذعرٍ مقبض بينما الأخير يراقبها بذهولٍ ودهشة، فحرر صوته أخيرًا متسائلًا:
_انتي كويسة؟
هزت رأسها نافية ومازالت تتراجع بجسدها للخلف بذعرٍ، شخوص عينيها ونظراتها إلهمته بأنه وحشًا مفترسًا هرول من أحد أفلام الرعب ليقتحم مخيلاتها البريئة، ومع ذلك أعاد سؤالها بحنان:
_دكتورة زينب مالك؟
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة بالغة، ودون وعي منها ترجته:
_ممكن تقلع الجاكت ده من فضلك إقلعه!
برق" سيف"لوهلة مندهشًا، فمشط الشرفة المطولة بنظرة متفحصة وبدون أي تفكير نزع عنه جاكيته الجلدي وأسقطه أرضًا هاتفًا بقلقٍ:
_أهو.. لو ده اللي مسببلك الحالة الغريبة دي مش هلبسه تاني أوعدك بس طمنيني إنتِ كويسة؟!
استعادت جزء من ثباتها فابتعدت عن المقعد الذي تتمسك، وقد أحاطها حرجًا جعل وجهها أحمر قاني، فتلعثم قولها المرتبك:
_آآ... أنا أسفة...أنا بس افتكرت شخص مش حابة أفتكره... أنا بعتذرلك تاني يا دكتور سيف..
وهرولت من جواره تهمس بحرج:
_عن إذنك.
أوقفها حينما طالت يده معصمها دون ارادة منه ليوقفها:
_استني... متخرجيش كده إهدي بس وخدي نفسك الأول
ارتعش جسدها وعينيها جاحظة على يده الممسكة به، فدفعته بكل قوتها وهي تصرخ:
_يماااان ابعد!!
تجمد محله فور أن استمع إليها تنطق بإسم رجلًا يجعله لأول مرة يشعر بالكره الشديد تجاه هذا الرجل الذي لم يراه ولا مرة ولا يعلم حتى الصلة التي تجمعهما، كل ما يشعر به بأن كره إسم "يمان" ولا يود سماعه مرة أخرى.
هدأت قليلًا وتغلبها الحرج لما تفعله منذ تجمعها به، فهمست بصوتٍ لا يحمل الا الخجل الشديد:
_أنا آسفة أرجوك سامحني.
واستدارت لتتجه للمغادرة فأوقفها متسائلًا:
_راحة فين؟
أجابته ومازالت توليه ظهرها:
_همشي مش حابة أقعد.
دنى منها سيف حتى بات قريبًا، فابتلع غصته المؤلمة داخله وسيطر على انفعالاته قائلًا:
_السهرة لسه في أولها.
واستطرد بمحاولة لتلطيف الاجواء:
_لو لسه لابس أي حاجة مسببلك ازعاج هقلعها فورًا.
ومسك ياقة قميصه الأسود المندث ببنطاله:
_مش عجبك القميص ده أقلعه هو كمان؟
أشارت له بهسترية:
_لأ... لأ كويس.
منحها ضحكة جعلتها تبتسم، فاقترب منها يحاول اختلاق أحاديث تجمعهما:
_طمنيني حد اتعرضلك بالجامعة النهاردة تاني؟
أجابته وهى تستند على السور بخفة:
_لأ خالص.. واتفاجئت بالبروفيسور بيبهدلهم على اللي حصل في الفصل، وكان هيعملهم فصل.
استند على السور بمسافة معقولة بينهما:
_طب كويس.. كان لازم حد يحطلهم حدود.
هزت رأسها وعادت تتطلع إليه لتخبره بانزعاجٍ:
_بس أنا لسه قلقانه يحطوني في دماغهم بعد اللي حصل وكده، لإن الشاب ده نظراته ليا مكنتش لطيفة.
بث لها الأمان والطمأنينة:
_ولا يعرف يعملك حاجة.. ولو حصل أنا موجود مش هتخلى عنك أبدًا يا زينب.
عاد قلبها يخفق مجددًا، ذاك الأبله الذي سبق وإنخدع تحت شراع الحب الكاذب، ذاك الذي وضعت من حوله ألف سور وختم على ميثاق بعدم سقوطه بتلك الأكاذيب مجددًا.
توترت من أمامه وسحبت عينيها للأسفل، تراقب المارة بشرودٍ تام بينما مازال سيف يراقبها.
*******
بالخارج.
قدم جمال الزهور إلى ليلى قائلًا:
_مبروك الافتتاح يا دكتورة ليلى.
التقطته منه بابتسامة عذباء:
_الله يبارك فيك يا بشمهندس.. ليه بس تعبت نفسك؟
أجابتها صبا التي تحتضنها:
_تعبك راحة يا دكتورة... قوليلي بس أيه الجمال ده كله؟
سحبتها جانبًا لغرفة الفتيات، بينما انضم يوسف وعلي لعمران وجمال، فتساءل وهو يتطلع خلفهما بذهول:
_آدهم واعتذر فين أيوب هو كمان؟
أجابه عمران:
_رجع مقتول بعد ما قضى اليوم مع استاذ ممدوح.
برق علي بعينيه بدهشة:
_سلمته لاستاذ ممدوح يا عمران؟
ضحك وهو يجيبه بوقاحة:
_مش أحسن ما تستلمه البت اليهوديه، على الأقل الاستاذ ممدوح مننا وعلينا ومعروف أخره أيه!
أمسك جمال كف يوسف يتساءل:
_فكك من الواد ده وطمني أخبار أكلة السمك أيه كله تمام ولا هنقضيها مطاعم؟
اتجهت الانظار إلى يوسف المصعوق، تجردت عنه الكلمات وجحظت عينيه بوميضٍ جعلهم يتجهون بابصارهم تجاه ما يجذب انتباهه فوجدوا سيف يقف بالشرفة ولجواره فتاة لم يتعرف عليها الا علي وعمران الذي تنهد بيأس وتيقن بأن يوسف سيخطف زينب رغمًا عن الجميع لأخيه!
فرقع جمال أصابعه أمام يوسف مناديًا:
_يوسف.. إنت يا ابني روحت فين؟
خرج عن صدماته مرددًا بابتسامة واسعة:
_مين البنت اللي واقفة مع سيف دي؟
ووزع نظراته بينهم:
_أكيد تبع حد فيكم.. وبما إنكم كلكم متجوزين يبقى أكيد دي سينجل وبما إن سيف واقف منشكح معاها بقاله فترة يبقى هي المنشودة وبما إنها المنشودة بينا نكتب كتب الكتاب ونحدد الفرح والذي منه.
دفعه عمران ساخطًا:
_حيلك يا عم إنت مصدقت قفشته واقف مع واحدة.. على كده هتجوزه نص بنات الجامعة والجيران بالمرة!
عاد لمحله يتابعه بسعادة وكأنها امرأة تتمنى أن تجد عريس مناسب لابنتها التي قفزت من قطار الزواج، ليعود بوجهه إليهم بحزم:
_تبع مين دي بقولكم؟!!
ابتسم علي وهو يجيبه:
_أخت مراتي يا يوسف هديت؟!
هز رأسه نافيًا:
_مش ههدى الا لما أجوزهم.
ضرب جمال كف بالأخر:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، هو أنت مصدقت تمسك أخوك واقف مع واحده، طيب اصبر حتى يمكن البنت تكون مرتبطة أو اللي بينهم شيء بريء مش واصل لحوار جواز والكلام ده!
ردد باصرار:
_هجوزهم يعني هجوزهم إن شاء الله حتى أخطفها.
ضحك علي بعدم تصديق، بينما أحاط عمران كتفه:
_في أيه يالا إنت ليه محسسني إنك أول مرة تشوف نسوان... حبيبي لو دكتورة ليلى طلعت وشافتك بحالتك الغريبة دي هتقلب الليلة عليك ومش بعيد نتلم كلنا في محكمة الأسرة.
وتابع بسخط:
_ أمسك نفسك مش كده.. مش من أول مزة تقفشها مع الواد تجوزهاله إتقل تأخد حاجة على الزيرو مش بعيد تعتر في خواجية تغيرلكم النسل لألوان مبهجة إيشي شعر أصفر وعين أزرقكيك وآ..
أحاط علي كتف عمران وهمس له بنظرة جامدة:
_أيه رأيك تسيبك من دكتور يوسف وتخليك معايا.. نأخد وندي مع بعض ونشوف العينات والنسل ده على مزاج!
ترك عمران يوسف ورسم ابتسامة حمقاء:
_مالك يا علوى أنا بهزر مع جو.. وزيادة تأكيد أنا اللي هجوزهاله يا جدع!
تعالت ضحكات جمال الرجولية وشاركه علي، تركهم يوسف وإتجه للشرفة فهمس جمال:
_إلحقوا.
اتبعت النظرات يوسف بذهول، فوجدوه يدلف للشرفة بابتسامة واسعة جعلت زينب تستدير لذلك الغامض الذي يقترب منها، بينما اتسعت عين سيف بصدمة وأسرع لاخيه يترجاه بهمسٍ منخفض:
_اارجع يا يوسف أبوس إيدك متفضحناش.. ارجع.
أبعده من أمامه بقوة وكأنه نسمة هواء عابرة، فسانده عمران ليحيل عن سقوطه فهمس له برجاء:
_الحق صاحبك هيفضحني قدامها يا عمران.
اتاهما صوت يوسف المتفائل وهو يمد يده لمن تراقبه بدهشةٍ:
_دكتور يوسف أخو دكتور سيف الكبير والمسؤول عن أموره الشخصية والعاطفية يعني تقدري تقولي كل شيء يخصه.
وجود عمران لجوارها وعلي الذي يقترب إليها جعلها ترسم ابتسامة رقيقة وبادلته الصفح قائلة برقة:
_أهلًا بحضرتك يا دكتور..اتشرفت بيك.
ابتسم بحبورٍ وقال:
_أنا اللي كلي شرف أقسم بالله.
وتابع بلهفة:
_إنتي بتدرسي؟
رغم غرابة ما يحدث الا أنها تطلعت لعلي وأشارت:
_أنا مع دكتور سيف بنفس الكلية.
تهللت أساريره بشكلٍ ملحوظ واستدار يشير للشباب بفرحة:
_معاه في الجامعة هااا....يعني دكتورة كمان! متدينة وجميلة مفيش أي موانع هنا.
وعاد يسألها:
_مرتبطة يا أنسة؟
جذبه عمران للخلف وهو يهمس له:
_استهدى بالله يا يوسف مش كده!!
أبعده يوسف بغضب:
_اصبر يا عمران... اديها فرصة ترد... ها يا آنسة؟
ارتسم الخوف على معالم وجهها وهزت رأسها بالنفي، فصاح بحماس:
_يبقى نتوكل على الله ونيجي البيت نطلب إيدك لدكتور سيف.
جذبه جمال وعمران يحاول إبعاده هاتفًا بحنقٍ:
_يا عم فزعت البت اهدى بقى إنت أول مرة تشوف لحمة!
أخذت زينب خطوة تجاه علي فتغلب على ضحكاته قائلًا بهدوء يحاول التمسك به:
_متقلقيش يا زينب دكتور يوسف بس بيحب يهزر.
هز سيف رأسه بتأكيد وقال بحرج:
_أنا بعتذرلك بالنيابة عن أخويا، هو بس مش واخد إني أقف مع أي واحدة فتلاقيه بس رسم كذا سنياريو غرامي.
كبتت ضحكة كادت بالانفلات منها وخاصة حينما دفعه يوسف للخلف قائلًا:
_بتعتذر ليه عجبني ذوقك وهندخل البيت من بابه وأبوابه الاتنين هنا أهو تحب نبدأ بدكتور علي ولا عمران الوقح؟
ضحك علي بقوةٍ فترك زينب وجذب يوسف قائلًا:
_تعالى معايا يا يوسف... عايزك جوه.
وأشار لاخيه:
_خد زينب عند البنات يا عمران.
اتبع سيف علي وردد برهبة:
_خد بالك منه يا دكتور علي، لينزل ويرجع بالمأذون وتبقى الفضيحة كملت!
استدار يوسف إليه يؤكد له:
_هجوزهالك يالا أقسم بالله النهاردة من بكره مش هتفرق!
طرق بيده على جبينه بقلة حيلة، بينما انفجر جمال ضاحكًا حتى أحمر وجهه، فقال عمران بغضب:
_حبكت يعني تقف معاها قدام أخوك! ده بيتمنى لحظة زي دي!
رد عليه بضيق:
_وأنا إيش عرفني إنه هيعمل اللي عمله ده!!
واستطرد بخوفٍ:
_أمال لو عرف إني اتخانقت مع الشاب في الجامعة عشانها هيعمل أيه؟
**********
بالداخل.
سيطر "علي" على ضحكاته بصعوبة وردد بابتسامته الهادئة:
_خلاص والله هكلمها وأشوف دماغها.. مع إني متأكد إنها رافضة الارتباط بالوقت الحالي لإنها لسه في تانية جامعة...
وتابع بثبات:
_سبلي إنت الموضوع ده ومتشلش هم يا دكتور.
طرق على ساقه ونهض يشير له:
_بينا بقى نأكل، الجمبري والسمك زمانهم بردوا.
لحق به علي للخارج، فتجمع الشباب من حولهما، فتساءل سيف بارتباك:
_ها يا يوسف أحسن دلوقتي؟
منحه نظرة ساخطة:
_حد قالك أني كنت بطلع في الروح!
واستطرد ببسمة انتصار:
_وكلت الموضوع لدكتور علي هيشوف دماغ البنت وهيرد علينا.
صدم سيف وتغلف بالصمت، لا يعلم لما شعر بفرحة داخله رغم أنه يرتدي قناع التذمر، راق له الأمر حتى وأن كان ما يحمله تجاهها إعجاب مبدئي.
*****
بالغرفة المجتمع بها الفتيات.
فردت مايا أطباق الطعام على المنضدة برفقة صبا وليلى، ووزعت فاطمة العصائر قائلة:
_مكنش له داعي ترهقي نفسك بالشكل ده يا دكتورة ليلى.
ابتسمت لها برقة وقالت:
_ولا تعب ولا حاجة.. كله يهون عشان عيونكم بس يا رب أكلي يعجبكم.
أجابتها مايا وهي توزع الأطباق:
_من ريحته باين إن في عظمة مستنيانا.
بنفس الابتسامة الرقيقة قالت:
_ألف هنا على قلوبكم..
وتابعت وهي تكشف الغطاء عن اللحم:
_أنا عملتلكم لحوم أفضل من الاسماك اللي عملتها للشباب... يوسف وسيف مصممين أعملهم سمك معرفش ليه؟
ضحك صبا ورددت:
_هما الرجالة كده دايمًا خلف خلاف... يعني كوني على ثقة لو كنتي عملتي لينا سمك كانوا طلبوا لحوم.
تعالت الضحكات بينهن الا تلك الشاردة التي تعيد بمخيلاتها ما حدث منذ قليل، فمالت عليها فاطمة تتساءل بقلق:
_مالك ساكتة ليه؟
ارتسمت بسمة مخادعة على وجهها وقالت:
_مفيش أنا بس سرحت شوية.
وضعت فاطمة الطبق من أمامها وهمست مجددًا:
_طيب كلي عيب كده دكتورة ليلى تعبت في الأكل وممكن تفكرك قرفانه أو مش عجبك.
هزت رأسها بتفهمٍ وبدأت تتناول ما قُدم لها، أما بالخارج هبط الشباب جميعًا لسيارة عمران، بينما نادى "يوسف" "ليلى" يخبرها بحنان:
_حبيبتي إحنا نازلين خدوا راحتكم واحنا ساعة أو ساعتين وراجعين.
ضيقت حاحبيها بذهول:
_رايحين على فين يا يوسف؟
رد عليها وهو يجذب الحقيبة الصغيرة الخاصة بباقي الاطعمة:
_هنروح شقة سيف، أيوب وآدهم مقدروش يجوا فميصحش نأكل من غيرهم، هننزل نأكل مع بعض وبعدين نرجع على هنا... خدوا راحتكم.
هزت رأسها بابتسامة هادئة، ففجأها حينما ضمها لصدره طابعًا قبلة أعلى جبينها:
_تسلم إيدك على الأكل مبدئيًا.. انا عارف انك تعبانه طول الليل وبتحضري فيه من بدري.
تمسكت بجاكيته الأزرق قائلة:
_كله يهون عشان عيونك يا حبيبي... يلا انزل عشان متتأخرش على اصحابك.
ودعها يوسف وهرول للأسفل لينضم للشباب فتحرك بهم عمران لشقة سيف.
*****
صعدوا للأعلى وجذب علي ويوسف طاولة يضعون الطعام من فوقها، بينما ولج سيف لغرفة آدهم يحاول إيقاظ أيوب الذي غمغم بانزعاجٍ:
_يا سيف سبني أنام أنا راجع تعبان.
انتصب بوقفته تاستدار تجاه عمران المستند على باب الغرفة جوار آدهم، فسأله بشكٍ:
_انت عملت فيه أيه يا عمران؟؟؟
نزع عنه جاكيت بذلته وشمر قميصه لأعلى ساعديه مشيرًا بحدة:
_قتلته... ارجع ورا كده وسبني بقى أصحيه من الموت بمعرفتي.
وجذبه من تلباب قميصه كأنه يسحب مجرمًا لزنزانته، صائحًا بعنفوان:
_فوق يا عم القتيل جايبلنا الكلام ونايم مستمتع، إنت من رجال الكهوف اللي أول مرة تشوف مرتبة فيبر!!!
ضحك آدهم وانضم إليه يحرر رقبة أيوب الذي يوزع نظراته بينهما بغضب ساحق، فأخبره آدهم:
_تعالى كل معانا وارجع نام براحتك... سيف مش جايله قلب يخليك تنام من غير ما تأكل.
خطف نظرة سريعة لسيف الذي أكد له بإيماءة رأسه، فاستقام بوقفته يصيح بنفور:
_طيب طرقونا أغسل وأغير هدومي ولا هتشاركوني في دي كمان؟
غمز له عمران بمكر:
_لا ميصحش تقلعي قدام تلات رجالة يا عسلية، كله الا الشرف مبقاش حلتنا غيره من الدنيا!
واستطرد بسخرية وهو يتجه للخروج:
_أمال لو مكنتش البت مثبتاك قدامنا!!
كبت آدهم ضحكاته وأشار لايوب:
_معلش معلش... عديها.
ولحق بعمران بينما صاح سيف بغضب:
_ممكن تفهمني إنت كنت فين وقافل موبيلك ليه من الصبح والأهم أيه اللي يجمعك بعمران ده من الأساس؟!
دفعه أيوب للخارج وصفق الباب من خلفه:
_بعدين يا سيف الحكاية مش نقصاك.
بدل أيوب ملابسه واتجه للخارج لينضم لطاولة الطعام التي صنعها علي ويوسف، وشرع بتناول طعامه مبتسمًا وسط أجواء المرح المتبادلة بينهم جميعًا.
قاطع أجوائهم صوت دقات الباب الخافتة، فتطوع هو ليفتح الباب بعدما وجد الشباب يتهربون من فتح الباب وكأنهم سيواجهون وحشًا سيفترسهم لا محالة، حرر أيوب باب الشقة، فجحظت عينيه صدمة مما رآه، وجهها متورم بشدة والدماء تنفجر من كل أنش به، بينما يدها تضم بطنها النازف لنفورة من الدماء فردد بهمسٍ مرتعب:
_آديرا!!
تراخى جسدها أسفل قدميه فلم يجد ذاته الا بأنه يحيط بها رغمًا عنه، فوجدها تحرر صوتها المتألم إليه ودموعها لا تتوقف عن الهبوط:
_لقد كنت محقًا أيها الإرهابي!
.... يتبـــــع...
#حبيبتي_العبرية.... #صرخات_أنثى....#آية_محمد_رفعت.
****____******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثالث وثلاثون 33 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثالث_والثلاثون..
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "منة الله مصطفى"،"ملك مصطفى"،"نورهان هيكل"،"سندس ناصر"،"اسلام عادل"،"هاجر محمد"،"اماني ابراهيم" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
ارتخى جسدها بين ذراعيه باستسلامٍ لمصيرها المحترم، دمعاتها لا تكف عن التوقف ويدها تضم جرح بطنها الغارقة بالدماء، انحنى خلفها "أيوب" يمنع سقوطها القوي على أرضية الردهة، وصراخه لا يتوقف عن ندائها:
_آديــــــــرا!
أغلقت عينيها بين ذراعيه وأخر ما التقطته آذنيها إسمها الذي يردده لمرته الأولى بكل تلك الوضوح، نظرته المرتعبة عليها والمتألمة لما أصابها، صدقًا بالغًا إلتمسته بين يديه لم يكن زائف مثل الذي اختبرته بين عائلتها المزيفة.
خرج الشباب تباعًا حينما تسلل إليهم صراخ "أيوب"، فاندهشوا جميعًا حينما وجدوها غارقة بدمائها بين ذراعيه، على الفور تحرك يوسف وإنحنى إليه يجذبها عنه وهو يتفحص عرقها النابض، فصاح بانفعالٍ:
_لسه عايشة... بسرعة جهز العربية يا سيف.
أفاق من صدمته على صرخة أخيه فاندفع للخارج يخرج سيارته من جراج البناية، بينما انحنى جمال إليهما يردد بصدمة:
_مين اللي عمل فيها كده؟
أجابه أيوب بصوتٍ احتقن من خلف غصته:
_أكيد عمها مش محتاجة تفكير.
ساندها علي قبالة يوسف الذي يحاول الكشف عن اصابتها للتحقق من نجاتها وسأله بقلقٍ:
_هنأخدها على فين يا يوسف؟
رفع عينيه إليه بقلة حيلة:
_مش عارف.
هتف" آدهم" بصرامة:
_لو أخدتها المستشفى أيوب كده هيدخل في سين وجيم وديانتها هتكون نقطة مش في صالحه نهائي.
حديثه كان صائب، علاقة أيوب بتلك الفتاة كانت خطيرة للغاية وهي الآن تحصد أول مخاطرها، وزع يوسف نظراته الحائرة بينها وبينهم وردد بعد تفكير:
_هناخدها عيادة ليلى.. هي هتقدر تعالجها.
شمله "عمران" بنظرة ساخطة، وصاح بتهكمٍ صريح:
_وتعالجها ليه أصلًا ما تغور في داهية تأخدها.. أنا كنت خايف تسبب الأذى لأيوب وأهي قرفته معاها حتى وهي بتطلع في الروح مش عتقاه!
حديثه كان يزيد من اختناق أيوب، وكأنه يسحب باقة الهواء الطفيفة من حوله، فشدد حازمًا:
_عمران من فضلك!
حجز على مقدمة قميصه بيديه معًا، ليرفعه أمامه وهو يهدر منفعلًا:
_الشهامة والنُبل اللي عندك ده تحطهم للأشخاص اللي يستحقوها مش واحد من اليهود الأنج*** ولاد ال**** دول، أنا مش مصدق المبالغة اللي عندك دي ليها! مصيبة تكون فعلًا حبتها ونسيت ملتها لو ناسي أفتح موبيلك واعمل سيرش بسيط عن اللي بيعملوه في غــزة مع اخواتك المسلمين، لو ناسي إسأل أي واحد فلسطيني مغترب عن الذل والمرار اللي شايفينه على إيدهم، لو فاكر إنك باللي بتعمله هتجبرها تدخل دينك فبأي حق عندك الثقة والاطمئنان إنها متطعنكش في ضهرك زي مهما بيعملوا ومتعودين!
واسترسل بعصبية جعلت أخيه ويوسف والشباب بدهشة من الكراهية الشديدة التي يتخذها عمران ضد تلك الفتاة، بالرغم من نفورهم جميعًا منها ولكنهم أطباء يحاولون التعامل مع الحالة دون التعارف عن جنسيتها، لا يفرق أي شيء الا أن ينقذوها من حافة الموت، تحرر شرارته المقبضة حينما استكمل وهو يهز جسد أيوب بعنفٍ عساه يعود لعقله:
_إنت مش قادر تستوعب إن اللي عمل معاها كده عمها اللي من دمها ده ميأكدلكش إنهم معندهمش ملة! يا غبي إفهم مستقبلك هيضيع بسبب واحدة متستهلش فووووق!
انهمرت دمعة خائنة من عين أيوب وتطلع لعمران كالغريق الذي يستنجد بقشة نجاته فقال باكيًا:
_أخوها سابهالي أمانة في رقبتي وأنا متعودتش أخون الأمانة ولا العهد يا عمران.. بالله عليك قولي هقابله إزاي ولا هجاوبه بأنهي وش! عارف إن اللي بعمله ده غلط بس مقدرش أخون يا عمران... الشيخ مهران رباني على كده رباني مخونش ثقة ولا أخون عهد ولا وعد قطعته على نفسي.
واستطرد وصوت بكائه يؤلم من حوله فألتمعت أعينهم بالدموع شفقة على تربية أخلاقثة عظيمة زرعها أبًا عظيمًا بشخصٌ يخوض معارك قاتلة بين هؤلاء اللعناء، فخرج صوته المتحشرج يخبره:
_على قد ما عشت حياتي كلها حُر وماليش لوية إيد على قد ما كرهت الظروف اللي بتجبرني دايمًا أخضع لكل كلمة خارجة مني، واللي خرج مني على لساني كان وعد لأخوها إني هحافظ عليها، وفي الوقت ده أنا بجلد نفسي فيه لإني قصرت معاها جاي إنت تزيدها عليا! بلاش أرجوك والله أنا موجوع ولو جرالها حاجة هتوجع أكتر وهخاف يومي يجي بعد ما كنت بستناه.. هخاف يجي يزورني ويسألني عن أمانته!
جذبه عمران لصدره يربت عليه كالطفل الصغير المنزوي بين أحضان والده، استدار "آدهم" للخلف يخفي دموعه مثلما اعتاد أن يجعلهما ستارًا لا يراه غيره، بينما دفع علي يوسف يخبره بصوت مبحوح من أثر كبته للبكاء:
_مفيش وقت يا يوسف لازم نتحرك قبل ما نفقد المريضة.
تعمد نطقه للفظ "مريضة" ليتعامل الجميع معها بناءًا على ذلك، متجاهلون كنايتها لأجل رفيقهم الذي يعاني لأجل وعده، فحملها أيوب عنهما وأسرع للمصعد فلحقوا به باستخدام الدرج، تشبث بها أيوب ونادها بلهفة:
_آديرا...هل تسمعيني!
تمسكي قليلًا عزيزتي!
غيوم عينيه تزيح عنه تلك النيران فتهاوى دموعه دون توقف ورأسه يهتز رافضًا لأفكاره السيئة:
_لن يصيبك سوءًا... يا الله أقسم أنني لن أحتمل مواجهته... تحملي آديرا.. أتوسل إليكِ تحملي لأجل أخيكِ.
وفور أن توقف المصعد خرج بها راكضًا، وكأنه يصارع لالتقاط أنفاسه المحتبسة، فكرة خسارتها تذبح فؤاده، كيف سيقابل أخيها بتقصيره بأمانة وضعها برقبته؟
اعتاد دومًا على النبل والشهامة، لم يخون أبدًا أمانة أو وعدًا اقتطعه على نفسه، فإن حدث الآن يقسم بأنه سيموت ولن يحتمل على خوض تأنيب ضميره القاتل هذا، ولكن ماذا كان سيفعل أكثر مما فعله؟
طوال الطريق كان صامتًا، عينيه تراقبها بحزنٍ وألمٍ يترسخ بأعين عمران وسيف والجميع، هبط بها للأعلى بينما أسرع يوسف ينادي زوجته فخرجت الفتيات على صوته بفزعٍ ازداد برؤيتهن تلك الفتاة.
أسرع يوسف إليها يخبرها:
_بسرعة يا ليلى... البنت نبضها ضعيف والنزيف مش راضي يقف.
خطفت نظرة متفحصة إليها وعادت لتستقر عليه:
_مأخدتهاش على مستشفى ليه يا يوسف، أنا مش هقدر أعالجها هنا!
تجاهل ما قالته وأشار لعمران قائلًا:
_خدوها لأوضة العمليات جوه يا عمران بسرعة.
هرع عمران للباب يدفعه ويتبعه أيوب، بينما أحاط يوسف وجه زوجته يخبرها بحنان:
_ليلى حبيبتي كل اللي هتحتاجيه في المستشفى موجود هنا، مفيش وقت من فضلك فوقي.
رفعت يدها تحيط يديه مرددة بارتباكٍ:
_معرفش أماكن الأجهزة جوه يا يوسف ولا أعرف أي حاجة، كمان مفيش ممرضة تساعدني ولا دكتور جنبي!
هز رأسه بتفهمٍ واستكمل بابتسامةٍ هادئة تمد لها الثقة وما فقدته بتلك اللحظة:
_أنا جنبك هساعدك بكل اللي أقدر عليه، وسيف ودكتور علي موجود.. كلنا هنساعد يا ليلى.
وأشار لها بحزمٍ:
_أنا واثق فيكِ وواثق إنك هتقدري تنقذيها.
إيماءة رأسها المرتجف كان كافيًا ليجعله يجذبها للداخل، قدم لها يوسف رداء معقم وإرتدى هو الأخر، أسرعوا للداخل فوجدوا سيف وعلي يحاولان السيطرة على النزيف، فردد علي بصوتٍ مرتفع:
_في جرح تاني في كتفها واختناق تنفسها أعتقد راجع لانكسار ضلع من ضلوعها.
أسرعت ليلى إليها، فأخفضت قناع التنفس لتحيط بها وجهها، بينما شرع "يوسف" بتجهيز المخدر الكلي ليحقنه ببراعةٍ بالمحلول الذي أعده "سيف" لوريدها، بينما سحب علي أيوب للخارج وتبقى "يوسف" و"سيف" مع "ليلى"، يحاول" سيف" استكشاف أماكن الأجهزة والأدوية المضادة، بينما يعاون يوسف زوجته بكل خطوة تتخذها لإنقاذ "آديرا" لخبرته بحياكة الجروح الناتجة عن الولادة القيصرية.
سحب "سيف" الأدوات وقام بتعقيمها قبل أن يناولها ليوسف الذي كشف عن كتفها الأيمن فصدم حينما وجد قطع من الزجاج ينغرس داخل لحمها، سحب عنها الشظايا بالملقاط الحاد، وقام بحياكة الجروح الغائرة بكتفيها لحين تنتهي ليلى مما تفعله.
******
طلب علي من عمران أن يوصل الفتيات للمنزل، فذهبت فاطمة وزينب ومايسان برفقته، حتى صبا أمرها جمال بالصعود معهن ليصلها عمران بالطريق، فأوصلهن وعاد فوجد أن الأمور كما هي، مازالت "آديرا" بالداخل و"أيوب" يجلس بالخارج شاردًا بما سيحدث الآن، ولجواره جمال وعلي الذي يدخل من وقتًا للأخر ليتابع الحالة ويطمنه بأنها مستقرة إلى الآن.
إتجه لأقرب مقعد يلقي ثقل جسده عليه، ويراقبهم بصمتٍ بالغ، انسحب "علي" وإتجه ليجاوره بجلسته وقال بهدوءٍ يلومه:
_مكنش ينفع اللي عملته ده يا عمران... أيوب في حالة متسمحلوش إنك تتكلم معاه بالشكل ده.
خطف نظرة سريعة لأيوب الذي لا يكف لسانه عن الدعوات وقراءة القرآن الكريم، ومن ثم استدار لأخيه:
_طيب قولي يا علي كنت هعمل أيه وأنا شايفه كده! أنا بحاول أبعده عنها بكافة السبل وأخرهم شغله معايا وتيجي وهي بتموت ورافضة بردو تحل عنه!
زوى حاجبيه بدهشة انتقلت لسؤاله:
_على حد علمي إن أقرب أصدقائك هما يوسف وجمال فغريب إني أشوفك مهتم جدًا بشخص لسه شايفه ومتعرف عليه من كام يوم!
ارتخت معالمه المشدودة تدريجيًا وردد وعينيه لا تفارق وجه أيوب البشوش:
_أنا نفسي معرفش أيه اللي علقني بيه بالشكل ده.. أيوب تحسه شخص نضيف أوي موجود في مستنقع مينفعش يكون موجود فيه.. طيب زيادة عن اللزوم ومسالم بالدرجة اللي مخلياني عايز أحميه من الدنيا كلها كأنه ابني!!!
وبتيهةٍ حائرة سأله:
_فهمت حاجة؟
ابتسم "علي" إليه ومسح على كتفه بحنان يصل بنبرته الرخيمة الحنونة:
_اللي فهمته إنك اتغيرت يا عمران... والطيبة دي إنعكاس لقلبك الصافي.. كل مرة بتفاجئني بيك وبتخليني فخور بيك.
انتقلت ابتسامته لعمران الذي تعلق به بحبٍ، وهمس له:
_علي أنا جنبك بحس إني طفل صغير مستني من أبوه يطمنه على كل تصرف بيعمله وبيخاف يقوله إنه غلط.. أنا بدعي ربنا دايمًا في كل صلاة ليا أنك تكون جنبي دايمًا.. متضايقش لو قولتلك إني عمري ما حسيت بإحساس إني يكونلي أب بس لما بتكون جنبي بحس إنك أبويا.
زاد من ضمه بقوةٍ ورفع رأسه يطبع قبلة على جبينه هامسًا له بصوتٍ منخفض عن الجميع مثلما يتحدث:
_أنا جنبك وعمري ما هبعد يا عُمران... حتى لو مكنش فرق السن بينا كبير أنا راضي أكونلك بالمكانة اللي تحبني أكون فيها... ولو ربنا اداني ابن فإنت ابني البكري وهو هيكون التاني من بعدك.
أدمعت رماديته تأثرًا واحتبسها داخل ذراع علي الذي شعر بدمعاته، فبقى ساكنًا لا يحركه لحين أن يعود لطبيعته، هو يعلم كم يعلم أقرب أصدقائه بأنه يكاد يقتل على أن يلمح أحدًا دموعه أو يشعر بضعفه.
مازحهما جمال الذي اقترب يردد:
_ده وقته! البنت بتصارع الموت وأيوب هيحصلها وإنتوا قاعدين تحبوا في بعض!
ابتعد عُمران عن أخيه حينما طرد كل لمعة دامعة بعينيه، وسأل جمال باهتمامٍ:
_محدش خرج؟
هز رأسه نافيًا، فنهض عمران يتجه لأيوب وجلس جواره بصمتٍ جعل الأخير يرفع عينيه تجاهه ثم عاد يتطلع للأرض مجددًا، ومازال منحني بجسده للأسفل قليلًا.
انحنى عمران ليماثله بجلسته وتنحنح بخشونة:
_إنت زعلان مني!
نفى ذلك بهزته، وفرك أصابعه معًا بتوترٍ، فضم عمران يديه بكفه وهو يمنحه الأمان الذي افتقده:
_هتبقى كويسة وده بتمناه عشان وعدك الغبي مش عشانها.
وتمتم بسخطٍ وهو يظن صوته غير مسموع للأخر:
_لو عليا عايز أدخل أديها حقنه هوا عشان تخلص وتخلصنا!
رفع "أيوب" عينيه إليه بصدمة من سماع حديثه المباشر، فرفع كتفيه مداعيًا برائته:
_هعمل أيه مش قادر أحبها وهي مصدر خطر عليك!
تمردت ضحكة منه رغم لمعة عينيه الباكية، فهزه "عمران" بمزحٍ:
_أيوه كده اضحك اللي يشوفك وإنت قاعد القعدة دي يقول مراتك بتولد جوه!
وتابع بوقاحته المعتادة:
_يا راجل استتضف حتى لو واحدة خواجيه احنا راضين وهنراضي الشيخ مهران ونخليه يجوزهالك لكن يهـودية يا أيوب! يهـودية يا جدع!!!!!
تمادت ضحكاته بصوتٍ مسموع جعل "جمال" و"علي" يبتسمان بخفة على "عمران" الذي يحاول ازاحة كل قلقٍ يملئ "أيوب".
رن هاتف" علي" فرفعه بدهشة من رؤية إسم "عمر الرشيدي" ، فاستمع لصوته يهتف:
_دكتور علي أنا تحت قدام العمارة انتوا في الدور الكام؟
انتفض بوقفته يتجه للمصعد وهو يتحدث بقلقٍ:
_أيه اللي جابك يا عمر إنت تعبان ومش قادر تتحرك!
توقف المصعد واندفع للخارج فأخفض هاتفه وأجابه حينما وقف أمامه:
_مقدرتش بصراحة أسيب أيوب في ظرف زي ده.. الولد ده غالي عليا بشكل غريب.
ضحك علي وأجابه ساخرًا:
_حتى إنت!!
سأله بدهشة:
_حتى أنا أيه مش فاهم!
سانده للمصعد وهو يقول بابتسامة جذابة:
_أصله طلع غالي عندنا كلنا وأولنا عمران اللي فجأني باللي قاله وعمله!
هز رأسه بتفهمٍ وقال يبدي وجهة نظره:
_عمران كلامه صح.. إنت عارف لو البنت دي جرالها حاجة والموضوع إتعرف أيه اللي هيحصل؟ القضية دي هتقلب الدنيا وهتحطنا في وضع سياسي خطير واثبت بقى إنه بريء!
توقف المصعد فعاونه علي على الخروج، فما أن رآه جمال حتى اندفع إليه قائلًا بدهشة:
_سيادة الرائد!! جيت ليه؟
بحثت عينيه عن أيوب فما أن اهتدت عليه جالسًا جوار عمران حتى عاد يطالع جمال قائلًا:
_قولت يمكن تحتاجوا حاجة... كمان عندي قلق إن عمها يحاول يتخلص من أيوب أو يمكن يكون مراقبها أساسًا... لازم نفكر هنعمل أيه عشان نحميه منه.
هداهم لنقطة هامة للغاية، الخطر يحوم الآن حول أيوب كأشباح الليل الجامحة، تبادلوا الحديث معًا وكلا منهم يطرح نظريته حول ما سيفعلونه إلى أن تسلل صوت "آدهم" العميق لأيوب الذي نهض عن مقعده يتجه لمكان وقوفهم وهو يردد بفرحة غريبة:
_آدهم!
استدار إليه فتفاجئ به يهرول إليه، ضمه أيوب بقوةٍ جعلته يكبت تأوهاته من شدة احتكاكه باصابة كتفه ومع ذلك كان سعيدًا به، أحاطه بحبٍ وهو يخبره بصوت ذكوري حاد:
_اطمن هتبقى كويسة.
ابتعد عنه أيوب يطالعه بنظرة مندهشة تتسع رويدًا رويدًا والأخر يراقب حالته تلك بقلقٍ، انسحب أيوب واتحه يجلس على الأريكة المعدنية بشرودٍ جعل قلق آدهم يزداد أضعافًا، فاستغل انشغال عمران وعلي وجمال بالحديث عن عم الفتاة الذي سيحوم حول أيوب وإتجه إليه يجاوره.
رفع عينيه الدامعة إليه فوجده يسأله بلهفةٍ:
_مالك؟!
ابتسم ببلاهة وقال:
_كنت مفتقد أبويا وبفكر فيه وبتخيله لو جنبي في موقف زي ده أكيد كان هيهون عليا كتير، وفجأة سمعت صوتك وشوفتك قدامي، معرفش ليه لما ضميتك شميت ريحته فيك!!
وتابع بحيرة دمجها بتوترٍ:
_آدهم إنت غريب لأ..لأ.. قريب مني أوي بشكل مخليني مرتبك وبسأل نفسي ليه لما بشوفك بحس إني مرتاح ومطمن!
بالرغم من أنه يشعر بالغرابة مثلما يشعر هو الا أنه مازحه ليخفف من وطأة الاجواء:
_أيوه يعني أنا غريب ولا قريب حيرتني معاك؟!
ضحك وهو يشير بكتفيه:
_صدقني مش عارف بس إنت بمكانة غريبة مش زي سيف صديقي المقرب ولا زي عمران اللي لسه متعرف عليه وحبيته واحترمته جدًا... إنت تركيبة غريبة موردتش عليا قبل كده!
منحه ابتسامة جذابة وقال:
_مش مهم المكانة اللي أكون فيها المهم اني جنبك.
على ذكر إنه لجواره ظلل له بأنه قد أتى بالفعل، فقال بضيقٍ:
_إنت جيت ليه وإنت تعبان؟
اتسعت ابتسامته وأجابه:
_هتصدقني لو قولتلك إنك بنفس التركيبة الغريبة اللي مخلياني موجود جنبك النهاردة.
أزاح "أيوب" دمعة تهدلت عن عينيه وابتسامته البشوشة تتسع بينما عينيه تمر على الوجوه بداية من آدهم نهاية بعمران وعلي وجمال، يشعر بأن الله يحبه كثيرًا حينما منحه تلك الصحبة وعلى رأسهم يوسف وسيف المستمران بالحرب بداخل غرفة الجراحة للحفاظ على وعده.
مرت ساعة أخرى وخرج سيف يبحث عنه بلهفة، فركض إليه يخبره:
_متقلقش والله العظيم حالتها استقرت وشوية وخارجة... اطمن مش هيحصل حاجة.
يعلم جيدًا بأن صديقه وعده قد يعذبه طيلة حياته لذا كان الوحيد من بينهما الذي يتفهم حالته وقد التمس أيوب ذلك، فجلس لجواره يراقب باب غرفة العمليات بانتظار خروجها.
*******
داخل غرفة الجراحه.
ارتخى جسدها على أقرب مقعد، تشعر وكأنها كانت في سباقٍ عنيفٍ، لم تكن جراحتها الأولى ولكن وجودها هنا بمكانٍ حديث لا تعلم أماكن أبسط الأشياء التي تحتاجها لاجراء جراحة صعبة مثل التي اجرتها جعلتها تختبر شعورًا مهدد بالفشل مقبض.
رفعت رأسها لزوجها الذي جذب أحد المناديل الورقية يزيح عرقه بعد فرط مجهوده لانقاذها، فجلس قبالتها يلتقط أنفاسه بصعوبة، ليجدها تمنحه نظرة شرسة نهايتها صراخها المتعصب وهي تراقب يدها الملطخة بالدماء:
_أنا بكرهك إنت وأصحابك يا يوسف... حقيقي بكرهك.
ضحك واتجه بمقعده إليها، فجذب المناديل يزيح عرقها بحنان وهمس لها:
_ عارف إني بضغط عليكي عشان كده راضي بكرهك وبكل غضبك اللي مالي عيونك الجميلة دي.
فشلت بمنع ظهور ارتخاء معالمها وراحتها في قربه، فطبع قبلة على جبينها وبهمسه المغري قال:
_طب بذمتك وقفتنا مع بعض مكنتش مميزة! مطلعناش ثنائي مميز في الحياة العملية بس لأ احنا ننفع نكون فريق مع بعض أنتي تفتحي وأنا أخيط!
انفلتت ضحكاتها فضمها إليه ومازالت تبعد يدها عنه حتى لا يتلوث ملابس الجراحة الذي يرتديها، وما زادها فرحة حينما ابعدها يوسف عنه يتعمق بمقلتيها:
_إنتِ دكتورة شاطرة وأنا بتباهى بيكِ يا ليلى.. بالرغم من التوتر اللي كنتي فيه الا إنك اتعاملتي مع الحالة ببراعة حقيقي أنا فخور بيكِ يا حبيبة قلبي.
انزوت باحضانه بفرحةٍ كانت تود أن تستغل حفلة اليوم باخباره ما أخفته عنه بعد تأكدها صباح هذا اليوم ولكن ما حدث حطم كل ترتيباتها، فاستغلت حديثه المعسول وقالت بدلال:
_يوسف في حاجة عايزة أقولك عليها.
أغلق عينيه ومازال يضمها إليه بشغفٍ:
_سامعك يا روحي... اتكلمي.
لعقت شفتيها بارتباكٍ يجعلها تشعر وكأنها مضت ثلاثة أيام دون قطرة ماء واحدة ورددت:
_آآ... أنا..... آ....
رفرف باهدابه بذهول لارتباكها الملحوظ، فرفع ذقنها إليه يسألها بقلق:
_انتي أيه يا ليلى اتكلمي!
هربت كلماتها عنها، ولم تجد سوى أن تخدعه عساها تحصل على وقتٍ أخر مناسبًا لسماعه خبرًا كذلك:
_أنا بحبك.
ابتسم لها وضمها إليه يدفن وجهها بعنقه:
_وأنا بعشقك لدرجة مخلياني عايز أخرج أطرد الأوباش دول بره بالحالة اللي نايمة دي.
واستدار بوجهه لسرير الجراحة الذي تعتليه آديرا فهمس لها ضاحكًا:
_تفتكري هي سامعة كل اللي بنعمله ده! المفروض إنها هتفوق من البنج على أي لحظة.
ضحكت ومازال رأسها مسنود على صدره:
_مش بتقول إنها مبتفهمش عربي يعني إحنا في أمان يا جو!
_وطب بالنسبة ليا هتعملوا معايا أيه ما أنا بفهم عربي!
قالها سيف وهو يراقبهما بتسليةٍ ومكر، دفعه ليلى مقعد يوسف للخلف بقوة فاستجابت عجلات المقعد لدفعتها، فاصطدم بالطاولة وهوى أرضًا بمقعده بينما هرولت الاخيرة للخارج وهي تردد على استحياء:
_نادي حد ينقلها معاك الأوضة.. وأنا شوية وهدخلها.
وتركتهما وهربت للمرحاض المجاور لغرفة الجراحة، فاتجه سيف ينحني لأخيه الذي يمسك ظهره بألمٍ وقال بتسلية:
_محتاج مساعدة؟
كز على أسنانه بغيظٍ فدفع المقعد إليه فانحنى سيف يفرك ساقه بألمٍ وصوت ضحكاته لا تتوقف، ليردد مازحًا:
_طيب على الأقل مش قدام الحالة يا دكتور.. لو فاقت من البنج وقفشتكم متلبسين في الوضع الرومانسي ده هيكون أي وضعها، راعوا شعور المرضى!!
انتصب يوسف بوقفته ونزع عنه ملابسه ثم جذب قميصه يرتديه وهو يصيح بانفعالٍ:
_اطلع بره يالا.
رد عليه وهو يتجه للخارج:
_كده كده طالع... بس راجع تاني فمتستغلش الوضع ها؟
كاد بأن يدفعه بالسلة المجاورة له فركض الاخير مسرعًا وعاد بعد قليل بأيوب وعمران، تعاونوا معًا على رفع الملاءة دون أن يمسها أحدًا أو يحملها، كان أيوب مضطرًا أسفًا بحملها للمشفى ولكنه الآن ليس مضطرًا لذلك لذا اقتراح جمال بحمل مفرش السرير الطبي كان مرحب به.
تحرك السرير المتحرك للغرفة ومن ثم رفعوها للفراش، بينما قامت ليلى بدث المحاليل الطبية بوريدها فقال سيف وهو يتأملها:
_بتفوق أهي!
هزت ليلى رأسها إليه وانحنت إليها تتفحصها بعناية، بينما جلس آدهم وعمران وجمال على الآريكة الموضوعة بنهاية الغرفة، ولجوارهم جلس علي وجواره سيف ويوسف وأيوب يترقبون لحظة افاقتها وسماع ما حدث معها.
فتحت "آديرا" عينيها تردد بتعبٍ شديد:
_أين أنا؟
أجابتها ليلى بابتسامة تجاهد لرسمها:
_إنتي بأمانٍ لا تقلقي.
هزت رأسها بإرهاقٍ وراحت تتساءل بقلق:
_أيوب... أين هو؟
نهض أيوب عن مقعده واقترب لمسافة مناسبة قائلًا:
_أنا هنا لجوارك.
رفعت رأسها إليه وحاولت الاعتدال بمجلسها فسقطت على الفراش تبكي من قسوة الألم الذي اجتاح بطنها وكتفيها، ساعدتها ليلى سريعًا على الاسترخاء وهي تأمرها بضيق:
_استرخي من فضلك لم يمضي على جراحتك سوى دقائق.
تجاهلتها آديرا وصوبت نظراتها لأيوب بانكسار اخترق صوتها الباكي بنيران قتلتها:
_لا أصدق أن من وددت قتله هو من قام بإنقاذي من الموت... بينما عمي الحبيب هو من تسبب لي بكل تلك الجروح.
واستطردت ودموعها تغرقان وجهها الأبيض:
_ليته تمكن من قتلي أهون من أن أعيش بتلك الحقيقة القاتلة.
وتطلعت لأيوب تشكو له ما يؤلمها بصراخ باكي:
_أيها الأرهابي لقد اعترف لي عمي بأنه من قام بقتل أخي.. لقد صدقت أنت لم تفعلها!
ردد عمران ساخطًا من بين الشباب بالخلف:
_لسه بتقوله ارهابي أقتلها وأقتله ولا أعمل أيه؟!!!
ولكز يوسف بقوةٍ جعلته يضم بطنه بألم صارخًا به:
_كنت قتلتها جوه وخلصنا بتنقذها ليه بروح أمك!!
أشار له آدهم بجدية:
_عمران ده مش وقتك نهائي... لازم نتحرك من هنا عمها ده شكله مش هيسكت!
أتى حدث آدهم على محمله حينما تابعت آديرا:
_كان يظن بأنه سينجح بقتلي فكشف لي عن حقيقة ما ارتكبه بأخي، وأخبرني بأنه سيقتلك.. هربت منه وخشيت أن يفعلها فأتيت لأحذرك.. اهرب أيوب انجو بحياتك ما رأيته على يده وما فعله بي بالرغم من كوني ابنة أخيه يجعلني أرتعب مما سيفعله بك أنت.
تحرر أيوب أخيرًا عن صمته:
_فليفعل ما يشاء أنا لست جبانًا يهرب من ساحة المعركة... إن أراد حربي أهلًا به ولكني تلك المرة سأسقطه قتيلًا ولتهدأ ثورة ثأري مما فعله بمحمدًا وربما سيهدأ قلبي بعدها.
اتجه إليه آدهم يصيح بغضب:
_حرب أيه اللي عايز تدخلها يا أيوب، إنت أكيد جرى لعقلك حاجة كلنا بنحاول نخليك تستوعب حجم الكارثة اللي انت فيها وإنت مش قادر تفهم!
نهض علي هو الأخر يتدخل بحديثهما:
_آدهم معاه حق يا أيوب كفايا مشاكل لحد كده.. الناس دي خاينه وملهاش ذمة مش هيقف يواجهك ويديك فرصة تدافع عن نفسك أصلًا هتلاقي الخبطة جيالك من ورا ضهرك فالحل انك تبعد وتختفي لحد ما تخلص امتحاناتك وتنزل على مصر على طول.
خطف نظرة لفراشها فوجدها تحاول فهم أي من حديثهم وعاد يتطلع إليه متسائلًا:
_طيب وآديرا هسيبها ليه!! مهو أنا مش هبعد من هنا وأسيبه يأذيها ده مستحيل.
نهض عمران واتجه إليهم صارخًا بغلظة:
_قولتلكم شكله بيحبها محدش مصدقني!
برر سريعًا:
_لا يا عمران وأنت واثق من كلامي كويس، ومش هبرر تاني موقفي لإني شرحتلك ألف مرة.
نهض سيف وأسرع إليهم قائلًا بما يثق به:
_أيوب عنيد مش هيبعد من هنا غير وهو مطمن عليها أنا عارفه أكتر من نفسي علشان كده الحل الوحيد إنها تهرب معاه.
اتجه يوسف إليهم متسائلًا بسخرية:
_بأي حق هيكونوا مع بعض يا دكتور سيف؟
صمتوا جميعًا وعقل أيوب هو الذي يصرخ دون توقف حتى نطق لسانه بحروفٍ ثقيلة هوت لتصفعهم جميعًا:
_هتجوزها.
ران الصمت عليهم حتى أفاقهم صوت ضوضاء نتجت من ترنح جسد أيوب فوق حامل المحلول المعدني بعد أن ناوله عمران لكمة قوية جعلته يفقد اتزانه ومن ثم انقض عليه يعيد الكره وصراخه يجعل آديرا ترتعب بين يد ليلى التي تجاهد لتثبيت المحلول بيدها.
صاح بعنفوان قاتل:
_تتجوز مين يا روح أمك، أقسم بالله أنا عارف إن دي نهايتها من الأول بس صبرت عليك تحسبًا لانك ممكن تفوق بس كل مرة بكتشف انك أهطل وغبي.
سحبه جمال ويوسف، بينما عاون سيف أيوب على الوقوف ودون أي بوادر انطلق لعمران مستغلًا تقيد جمال ويوسف إليه وسدد له لكمة قوية اتبعها تهديده الصريح:
_لو لمسته تاني هدفنك هنا يا عمران.
دفعهما علي للخلف هادرًا باندفاع:
_ارجع لورا انت وهو واحترموا ان في مريضة حالتها حرجة..
استنجدت به ليلى قائلة:
_خدهم بره يا دكتور علي.. من فضلك كده مينفعش.
استعادوا ثباتهم الانفعالي حينما وجدوا ليلى تنحني بجسدها على آديرا لتحميها من أن يمسها أن احتكاك دون قصدًا، نظرات الذعر الساكنة داخل أعين الفتياتين أشعرتهم بالحرج جميعًا فانسحبوا للخارج واحدًا تلو الأخر، وأخرهم جمال الذي قال بأسف:
_أنا بعتذرلك عن اللي حصل ده يا دكتورة ليلى، إن شاء الله مش هتتكرر تاني.
وأغلق الباب من خلفه ليمنحهما مساحة آمنة، واتجه للردهة الواسعة يتخد أحد المقاعد مجلسًا وعينيه تجوب وجوههم جميعًا.
هدأت أنفاسهم والسكون يخيم على الأوجه، يتفرقون بالجلسات كلًا منهم يجلس بمفرده ولكن نظراتهم جميعًا تحيط أيوب الذي يتهرب بنظراته للأرض من معاتبة كل منهم، حتى استغرق نصف ساعة بالصمت فرفع بصره لهم يردد بخزي:
_أنا عارف إن قراري ده غلط بس قولولي أعمل أيه؟؟!
مش هقدر أهرب من هنا وأمن حياتي وأسيبها ورايا وعدي لأخوها هيقتلني كل يوم أفضالي أوجهه ويقتلني أهون من إني أسيبها! ولو اخدتها معايا مقدرش أختلي بيها ولا أكون معاها على طول مش هتحمل أشيل وزر زي ده!!
كان يوسف أول من تحرر من صمته:
_أيوب قرارك ده مش بس هيدمرك لوحدك لو وصل لعيلتك أبوك ممكن يجراله حاجة لإنك مش ابن شخص عادي ده شيخ أزهري يا أيوب المفروض أنك تكون قدوة مش تخذله بجوازك من واحدة يهود**!!
قال جمال بعد تفكيرًا:
_طب أيه رأيك نأمنلها مكان آمن بعيد عن عمها حتى لو هننزلها مصر؟
رد عليه أيوب قائلًا:
_وتفتكر مش هيعرف يوصلها! عمها ده صعب ووراه اللي بيسانده.
سحب علي نفسًا مطولًا وقال:
_طيب يا أيوب لو ده حلك الوحيد فلازم تعرف إن جوازك منها متوقف على شرط عشان يجوز إنك تتجوزها عارفه؟
أومئ برأسه ونهض فجأة يتجه لغرفتها يطرق على بابها مستأذنًا من ليلى بالخروج وترك باب الغرفة مفتوح ففعلت وانضمت إليهم مختارة البقاء جوار زوجها وسيف الذي نطق بعدم فهم:
_شرط أيه ده يا دكتور علي؟
أخفض علي عينيه أرضًا بحرجٍ من اجابته بوجود ليلى، بينما هدر عمران بشراسة:
_إن شاء الله تكون مقضياها عشان تكون جت من عند ربنا وخلصنا!
****"
بالداخل.
جلس أيوب على المقعد المقابل إليها بصمتٍ، فوجدها تتأمل وجهه وخاصة البقعة الزرقاء المحاطة جوار فمه وبحزنٍ قالت:
_ما الذي حدث بينك وبينهم؟
وتابعت بدموعها التي لم تجف عن خديها:
_بالطبع لم يتقبل أحدًا منهم مساعدتك لي.. أنا لا أستحق معاملتك تلك أيوب.
_هل إنتِ عذراء؟
باغتها بسؤاله الذي يحاول منذ دلوفه بالبوح به، فالتقط نفسًا مطولًا يرتاح عن شدة أعصابه بعدما نجح باخراجه كأنه يحارب لقولها.
رمشت عدة مرات بعدم استيعاب ورددت:
_ماذا؟
لا يود أن يكرر سؤاله مرة أخرى فقال بحزمٍ:
_أظنك سمعتي سؤالي والآن أجيبيني.
اكتسى وجهها حمرة من جراءة سؤاله، وقالت بصوتٍ متقطع:
_ولماذا قد تسئلني سؤالًا هكذا؟
شرح لها بإيجازٍ وتشعر هي بعدم راحته لبقائه معها:
_سنرحل من هنا لمكانٍ آمن وبعد اختباراتي سنسافر لمصر... مختصر حديثي سأحميكِ من عمك ولأتمكن من فعلها سأتزوج بكِ لإنني لا أختلي بالنساء،ولن أفعلها إن كنتِ غير عذراء والآن أخبريني اجابة لسؤالي ولننتهي من ذلك!
كانت تحاول استيعاب كلماته السريعة التي قذفها بوجهها، وبالرغم من صدمتها بما قال ولكنها على ثقة تامة بأنه الوحيد الذي سيتمكن من انقاذها من عمها وإلى من ستلجئ وهي لا تمتلك الا عمها الذي، هو بذاته يريد قتلها.
تنحنحت بخفوتٍ تام وهي تخبره بأسفٍ شديد التمسه هو:
_لم أجد الشخص المناسب لأفعلها... لذا اطمئن مازلت عذراء.
سحقًا تلك المرأة تخبره بحزنٍ أنها لم تتمكن من فعلها وكأنها تخبره بأنها تخجل لعدم تسلميها لشرفها الذي تصونها المرأة ألف مرة لزوجها، رمش باهدابه ويده تلتف من حول قبضته التي تحاول المرور لتحطيم وجهها المتجهم بحسرة لعدم فعلها كبيرة كذلك، ومع ذلك نظم أنفاسه الهادرة يحاول الاسترخاء ناظرًا لنقطة بعيدة، ظهورها إليه كل تلك الاحداث الغريبة نهاية بنقاء عفتها يلوح له بأنها إشارة من الله عز وجل ليكون هو طريقها الصائب، تلك الفتاة تحمل بذرة صالحة سيجاهد ليجعلها تنمو وإن فشل فلتذهب لطريقها وليذهب هو لطريقه ولكن على الأقل سيكون راضيًا لحمايتها.
خرج أيوب إليهم والجميع يترقب اشارته باهتمامٍ، فخاب أمل عُمران حينما هز رأسه بأنها تقية بعد، لذا زواجهما الآن أمرًا حتمي ومؤكد!
نهى يوسف أي حديث قد يجدد الخناق بينهم من جديد فقال:
_علي يكلم المحامي اللي كتب كتابه يجهز العقد على ما تجهز ورقك إنت وهي وبعد يومين نكتب كتابكم ونكون خلالها لقينالك شقة في مكان مناسب، تقضي التلات شهور دول بأي شكل وبعد ما تمتحن تنزل مصر بأقرب وقت.
واستطرد قائلًا:
_وجودكم هنا مالوش لزمة.. روحوا ارتاحوا وأنا ودكتورة ليلى هنفضل جنبها.
بمجرد ما انتهى من حديثه تفرقوا جميعًا للأسفل، كُلًا يذهب لسيارته، أما عمران فمنح أيوب نظرة أخيرة مردفًا بسخرية:
_يا فرحة أمك فيك يا ابن الشيخ مهران.
وارتدى نظارته وهو يشير له بصرامة كانت مخيفة:
_بكره الصبح تكون عند استاذ ممدوح وخد بالك من مواعيدك معاه لاني مش هتدخلك في شيء، ولا هسلكك منه تاني لانك متساهلش... ومن غير، سلام.
كبت أيوب ضحكاته وهو يتابعه يغادر باستياءٍ، فصعد لسيارة سيف جوار آدهم بالخلف بينما صعد عمران لسيارته ليتبع علي لمنزله، حتى جمال تحرك هو الاخير لمنزله.
********
جاب غرفته ذهابًا وإيابًا والغضب يبتلعه بجحيمه الناري، ينتهي بخطواته متفحصًا شرفة المنزل عساه يهتدي برؤية سيارته، ضرب كف بالأخر وهو يصيح بنزقٍ:
_بقى أنا تعمل معايا كده يا عمران وربي لأوريك يابن فريدة!
وبغرفتها.
تجوبها بقلقٍ فمنذ عودتها أوقفها "نعمان" على الدرج يهيم بعصبية بالغة:
_جوزك فين؟؟
ارتعبت من معالمه المخيفة، ولكنها اشتدت قواها بوجود فاطمة وزينب لجوارها وقالت:
_لسه مرجعش من بره.
بتهكمٍ سألها:
_أمال انتي راجعه مع مين؟
ابتلعت ريقها بارتباكٍ وقالت:
_وصلنا ورجع تاني.
توعد له بنظرة حانقة وصاح بنفور:
_ماشي يا بنت عثمان صبرك عليا انتي والمحروس جوزك.. لو كان ليكي دخل باللي بيحصل هوريكِ النجوم في عز الظهر!
********
صعد عمران لغرفته وحينما كان علي بطريقه لجناحه تفاجئ بشمس تقف أمام غرفتها تشير له بالاقتراب، رفع يده عن مقبض بابه واتجه إليها متسائلًا باهتمامٍ:
_أيه اللي مسهرلك للوقت ده يا شمس؟
بدى ارتباكها ملموح له، وخاصة حينما رددت بتريثٍ:
_ممكن نتكلم جوه.
هز رأسه بخفة ولحق بها لغرفتها، فجلس على الفراش جوارها ينتظر أن تتحدث ولكنها لم تستحوذ الا على اهتمامه بربكة فرك أصابع يديها، وانجراف نظراتها بطريقةٍ تجعله كطبيب ماهرًا يلمح توترها الشديد، فرفع يده يحاوط كتفها بحنان يمنحها الأمان:
_مالك يا شمس مرتبكة ومترددة ليه؟ قولي اللي عايزة تقوليه أنا من أمته قسيت عليكي عشان تخافي مني بالشكل ده!!
ازدردت حلقها الجاف تخبره بحزنٍ:
_متعودتش أخبي عنك حاجة وبما إن عمران عرف يبقى من حقك تعرف إنت كمان يا علي.
زوى حاجبيه باستغراب:
_أعرف أيه؟
رفعت عينيها له، وأفاضت بارتباكٍ:
_بصراحة أنا روحت مع مامي وأنكل أحمد شوفت آدهم.
كان مندهشًا بسماعه ذلك، ولكنه عقل الأمر بأنه من الواجب زيارة أسرته إليه أقل واجب تقديرًا لانقاذ حياة ابنتهما، ولكن الجدير بالسؤال هل تعلم والدته بعلاقة شمس وآدهم وآن كانت تعلم بالأمر لما سمحت لها بالذهاب؟
بقائه صامتًا دون حديث جعلها تبرر له:
_أنا عارفة إني مكنش ينفع أروح هناك بس غصب عني يا علي كنت عايزة أطمن عليه وأشوفه بس هو اتضايق جدًا وطلب مني مرحلوش تاني نهائي.. أنا خوفت تزعل مني فحبيت أعرفك.
ومدت يدها على يده المستند بها على الفراش تسأله بخوف:
_متزعلش مني يا علي.
فك تكشيرة وجهه لابتسامة مشرقة، فسحبها لأحضانه برفقٍ ويده تفرك خصلاتها برقةٍ وقال:
_لو زعلت من الدنيا كلها معرفش أزعل منك يا شمس، حتى لو اتضايقت في الأول فمفيش مكان للزعل وإنتي بتوعديني بنفسك إنها مش هتتكرر.. أنا وأخوكِ كل اللي يهمنا سعادتك.. مش غاية إننا نمنع عنك حاجة الا لما تكون في مصلحتك.. حتى لو آدهم أو عمر اللي محدش عاد عارف يناديله بأيه ده شاريكي فلازم احنا كمان نبينله أد أيه انتي غالية.
ونهض ينحني ليجذب ساقيها للفراش ومن فوقها الغطاء:
_نامي يا حبيبتي ومتفكريش في حاجة تزعلك أبدًا... انا هنا جنبك وعمران رغم وقاحته هتلاقيه بيحاول يسعدك... كل واحد مننا له طريقته بس النهاية بتصب في مصلحتك يا شمس.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها، وتدللت عليه قائلة:
_طيب خليك جنبي لحد ما أنام.
نزع عنه جاكيته وأشمر عن ساعديه وهو يتجه للناحية الاخرى:
_بس كده.. عنيا هكونلك إستبن لحد ما سي آدهم يشرف هو مكاني.
خبأت وجهها بصدره بخجلٍ فتعالت ضحكاته وهو يضمها متقبلًا تهربها دون أن يحرجها.
********
ما أن حرر باب غرفته حتى أسرعت إليه بلهفة:
_عمران الحمدلله إنك رجعت.
منحها ابتسامة جذابة ونظرة أحاطتها لتشعرها بربكة جعلت قلبها يخشى أن يقترب فيكاد ينصهر طوعًا له، غمز لها برماديته متواقحًا:
_حبيب قلب جوزه مشتاقله وقاعد يستناه بشوق ولهفة يا ناس!
شهقت صدمة من جراءة كلماته واحتدت نبرتها:
_أيه اللي بتقوله ده.. بقولك خالك نعمان قالب عليك الدنيا وشكله متعصب جدًا انت عملت أيه يا عمران؟
حاوط خصرها يضمها إليه قائلًا بوقاحة بعاطفة تسري إليها:
_خف عليا أنا مش حملك يا بطل... لما تلاقيني راجع متهلش عليا مرة واحدة... خدي وقت ألحق أتفاجئ فيه.
كزت على أسنانها بعصبية كادت بتهشيمها، ضربته على صدره بعنفٍ:
_سبني يا عمران أنا بقولك أيه وانت بتقول أيه.. بقولك نعمان ناويلك على شر.
فك حصار يده عنها واتجه لخزانته ينزع جاكيته وقميصه دون مبالاة بها، أسرعت خلفه تتساءل بخوف:
_إنت عملت أيه؟
دندن بأغانيه الأجنبية متجاهلها تمامًا، فجذبت منه التيشرت تلقيه أرضًا بحنقٍ:
_عمران بكلمك... رد عليا!
دنى منها حتى سقطت بخزانته، فانحنى يستند على حوائطه يمنحها نظرة تخاطب مقلتيها بكل غرام امتلكه لها، اخفض عينه يتأمل التيشرت الملقي أرضًا ثم عاد يتأملها مرددًا بمكرٍ:
_شكلك مبقتيش تتحرجي مني زي الأول ومبقاش عندك مشكلة أنام من غير تيشرت وبما انك رضيتي عني فأنا قلبي وروحي وكلي راضي عنك يا بيبي.
وقدم لها يده فرفعت يدها ومازالت الصدمة تستحوذ على ملامحها، جذبها إليه بقوة جعلتها تراقبه بصدمة وكأنها فقدت النطق تمامًا، فابتسم بخبث:
_عايزة تقولي أيه طيب؟
رفعت كتفيها بحيرةٍ فتعالت ضحكاته وانحنى يحملها مرددًا ببراءة مخادعة:
_شكلك مرهقة يا بيبي تعالي ريحي في حضن جوزك حبيبك وفكك من خالك الملزق ده.
والقى نفسه وهي باحضانه على الفراش مسترسلًا بسخطٍ مضحك:
_هو بس تلاقي القفا اللي خده معلم عليه ومطير النوم من عينه فعايز أي خناقة يهون بيها عن نفسه ليجيله ذبحة صدرية وهو منكدش على حد النهاردة.
ولف جسده لها يسألها بابتسامة هادئة:
_قوليلي بقى وحشتك أد أيه؟
تعمق بعينيها وهو يجد ذاته يفقد كل قوة يسيطر بها على عاطفته، أصبح عاشقًا متيمًا لا يقوى على بعدها، عاشوا معًا بعالمهما فضمها لصدره يغلق عينيه باستسلامٍ للنوم وأخر ما رأته عينيه استرخائها واستسلامها للنوم على صدره.
حرك عُمران رأسه يمينًا ويسارًا بانزعاجٍ من خبطات تحيط بابه، وفجأة انفتح الباب على مصراعيه وولج ذاك الآرعن للداخل مستباح حرمة مكانه الخاص، هاتفًا بغضب بالغ:
_عمـــــــــران بقالي خمس ساعات مستنيك تشرف! انت ازاي تعمل اللي عملته ده فهمني!
تراه يتخيل وجوده،عساه حلمًا غليظًا فربما من كثرة حديث مايا عنه يقتحم الآن أحلامه، ولكن قربه منه وعينيه الشاخصة أوحت له بأنه بالفعل يقف قبالته.
جذب عمران الغطاء يخفي به جسد زوجته ونهض يقف قبالته بأعين من لهيبٍ وصوتٍ منفعلًا يكاد يقتل الأخير بمرقده:
_إنت اتجننــت ازاي تدخل عليا أوضتي بالشكل ده!!!! إنت الظاهر كده مبقاش ينفعك غير مستشفى المجانين تكمل فيها حياتك يا نعمان يا غرباوي!!
انتفضت مايا بمنامتها، فجحظت عينيها صدمة من وجود خالها بغرفتها الخاصة، شملت جسدها بالغطاء متشبثة به بصدمة وحرجًا عظيمًا استشفه زوجها فدفعه للخارج بقوةٍ وشراسة جعلت الاخير يكاد يسقط أرضًا فما أن خرج بها خارج الغرفة حتى تماسك على الطاولة من خلفه واستقام بوقفته يجابهه باستنكارٍ:
_إنت اللي شكلك اتجننت بتداري مراتك عني دي بنت اختي يعني بنتي!!
قبض على قبضته بعصبية ورفعها قبالته يصيح بصراخ كالرعد المزلزل:
_ولو أبوها عثمان نفسه مش هسمحله بكده... انت اتجاوزت كل حدودك يا نعمان وحسابك تقل أوي.
خرجت فريدة مسرعة واتباعها أحمد وعلي وشمس وجميع من بالمنزل، فتفاجئ علي بأخيه يقف قبالة خاله بالبنطال دون قميصه، فجذبه للخلف يحدثه بدهشة:
_في أيه يا عمران وأيه اللي موقفك بالشكل ده؟!
تساءلت فريدة بصدمة هي الاخرى:
_في أيه يا نعمان؟ عمران بتزعق لخالك كدليه؟
بينما ردد أحمد وهو يحاول تهدئة عمران:
_ما تتكلم يا ابني مالك في أيه وازاي تخرج كده من أوضتك!
تحركت نظراته النارية إليهم وردد بحدة:
_مهو أنا معرفش أني هصحى القى خالي المحترم فوق سريري وأنا مع مراتي!! ووقف دلوقتي يشرحلي انه عادي!! ده أنا أمي نفسها متقدرش تعملها عشان يجي هو ويتجرأ يعملها.
صدم الجميع وتحولت معالم وجه علي للغضب الشديد لتفهمه ما يمر به أخيه، فاستكمل عمران بغضبٍ لوالدته:
_لو أنا مش لاقي خصوصية في البيت اللي المفروض يكون بيتي يبقى ماليش قعاد فيه أنا مش عيل صغير عشان يتعامل معايا بالشكل ده انا راجل وقادر اشتري بدل البيت عشرة، هي كلمة واحدة يا أنا يا هو في البيت ده يا فريدة هانم!
تبلدت محلها تعجز عن الحديث، فناب عنها أحمد حينما صاح بالاخير بعصبية:
_انت ازاي تفتح عليه باب اوضته وتدخله لسريره يا نعمان أيه البجاحة دي مفيش احترام لخصوصياته!!
رد ببرود قاتل وكأنه لم يفعل شيئًا:
_أنا مش فاهم انتوا مكبرين الموضوع كدليه... دول عيال اخواتي متخيلين اني هبص لمراته اللي زي بنتي ازاي!
تخلى علي عن هدوئه وصاح منفعلًا:
_مالكش الحق تعمل كده يا خالي، حتى لو كانت بنتك في حاجة اسمها خصوصية.. تخبط مرة واتنين وألف ومليون لو مفتحش بابه يبقى مش جاهز يقابلك في الوقت الحالي.. في صبح نتكلم فيه وتقوله اللي انت عايزه القيامة مش هتقوم يعني!!
استدار لعلي يمنحه نظرة ساخطة وصاح بحدة:
_يعني لما اجي من مصر لهنا عشان مشروع مهم وأتفاجئ ان البيه رفض يوقع على العقود ورفض المشروع من أساسه بعد ما صرفت في اتفاقيته أكتر من ٧مليون جنيه أقابله ازاي بالاحضان ولا استنى عليه للصبح ازاي!!
دفع عمران علي وقابله وجهًا لوجه بشراسه فتاكة'
_رفضته عشان مشروع فاشل زيك بالظبط يا خال... مش مستعد أعرض نفسي لخساير بالملايين عشان دماغك ميالة لصاحبة المشروع اللي اخرها ليلتين في فندق مشبوه ده لو قدرت توصل للمرحلة دي أساسًا... عيش جو المراهقة والمقابلات دي بره الشغل.
صرخ الاخير باندفاع:
_اللي فيك هتجيبه فيا ولا أيه.. ما كلنا عارفين انك خباص وبتاع ستات نسيت اصلك ولا أيه؟
أبعد علي عمران ليواجه خاله بهدوء:
_عمران ارجع.... خالي من فضلك نقي ألفاظك وكلامك أخويا مش الشخص اللي بتتكلم عنه ده... عمران الغرباوي لا عمره كان بتاع ستات ولا خباص يا خالي.. عمران كان بيحب واحدة ورفضت الارتباط بيه وخلصنا من الحدوتة دي.
تجاهل دفاعهما وردد بعصبية:
_ميهمنيش انا اللي يهمني المشروع ده هنأخده يعني هنأخده.. يا اما بقى يتنازل عن نصييه في الشركة دي هو ومراته ويغور في داهية .
ضحك عمران بطريقة استفزته ودث يديه بجيوب بنطاله يطالعه بنظرة مستحقرة وقال:
_انت ليه مش عايز تفهم إنك معايا أفضل ألف مرة لما تواجهني... ارهنك انك لما نفض الشراكة دي هتواجه شركاتي وبعدها متبقاش تيجي تعيط لفريدة هانم وتقولها خلي ابنك يخف عليا ويرحمني فاحمد ربنا ان في شركة جمعنا في شراكة والا كنت نسفتك من زمان وإنت عارف كده كويس يا نعمان.
رفع كفه ليضرب خد عمران فسبقته يده ومنعته من أن تطوله هاتفًا بتحدي:
_قولتلك ألف مرة معتش العيل الصغير اللي تتشطر عليه ده أنا لو نفخت فيك هطيرك لسريرك اللي في الشقة اياها وسط الرقصات فاكرهم يا خال!
دفع أحمد نعمان للخلف وصاح بعصبية:
_هي حصلت انك ترفع ايدك عليه.. انت فاكؤ نفسك ايه يا أخي فوق بقى كرهت فيك الاولاد ومبقاش حد طيقك غير اختك ومعرفش على أيه؟
حاولت شمس وزينب تهدئة فريدة التي تلتقط أنفاسها بحدة، تحاول أن تبكي لتريح قلبها ولكن دموعها تأبي الهبوط، بينما تقف فاطمة على بعد منهم برعب جلي ومن خلف باب غرفة عمران كانت مايا تتابع ما يحدث ببكاء.
اسرع علي لوالدته يضمها إليه وهو يردد بخوف:
_اتنفسي يا حبيبتي خدي نفس عميق... متقلقيش مفيش حاجة.
وفرك صدرها بقلق ويعود لتعليماته:
_خدي نفس واطرديه بهدوء..
اتبعت ما يقول حتى انتظمت انفاسها، وتحررت عقدتها فتحركت برفقة علي تستند على معصمه حتى وصلت لاخيها، ترفع رأسها اليه ببطءٍ تواجهه فقال:
_تعالي يا هانم شوفي تربيتك الزبالة.. ابنك عايز يمد ايده عليا!
خرجت عن صمتها اخيرا حينما قالت بصوت مبحوح يسمع بالكاد:
_ابني متربي أحسن تربية يا نعمان.. هيتنازلك حاضر هو ومايا عن الشركة..
_بس يا ماما آ..
اوقفت فريدة عمران باشارة يدها وعادت تردد بقوة:
_هيتنازلولك وهتاخدها زي ما كنت بتحلم بس من اللحظة دي انسى انك ليك اخت.. أنا كنت باقية عليك لانك اخويا الوحيد بس توصل لانك تعمل كل ده فأنا آسفة ولادي عندي أهم من الكون كله.
وأشارت لعمران قائلة:
_سندني لاوضتي يا عمران.
تعمدت ابعاده بذكاء عن ساحة المعركة، فامسك يدها الاخرى قبالة علي وقبل ان يغادر بها قال:
_من اللحظة دي انت في مواجهتي يا نعمان!
بينما رددت فريدة بنظرة شاخصة:
_احنا هنعزل من هنا لبيتنا الجديد من بكره تقدر تشوفلك أي فندق..
وتركوه يحتقن من الغضب وغادر الجميع من أمامه، لم تتبقى سوى فاطمة التي راقبته بنظرة مرتعبة وعادت لغرفتها تجلس على الفراش تضم جسدها بيدها وتهتز دون توقف... يدها تمتد لاذنيها تكبت تلك الاصوات المتداخلة، لتسقط بنوبة أشد حدة من زي قبل، ولسانها لا يكف عن ترديد:
_علي... علي!!!
....... يتبع.......
#صرخات_أنثى... #حبيبتي_العبرية... #آية_محمد_رفعت.. #الاقوى_قادم..
البوست اللي فات كان عليه تفاعل مبشر اننا رجعنا نقوي التفاعل ونساعد في نجاح الرواية رجاءًا بلاش نوقع الفصل.. اتفاعلوا وعلقوا عليه بحيث يظهر للقراء ونتحمس للقادم، شكرا مقدمًا ❤
******______******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الرابع وثلاثون 34 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#حبيبتي_العبرية...)
#الفصل_الرابع_والثلاثون.
(إهداء الفصل للقراء الأفاضل "Shosho eyad ziyad talin"،"صافي محمد"،"محمد قاسم"،"زهراء وائل ربنا ينجحك ويوفقك حياتي"،"كوثر مصطفى"،"سارة حربي"،"كاترين عبود"،"اسلام عادل"،"سلمى مطاوع"،"ايمان الرفاعي ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تبلد قاتل يزحف لجسدها فأفقدها القدرة على الحركة تدريجيًا، تمدد جسد "فاطمة" على الفراش تاركة تلك الغمامة القاتلة تستحوذ على جسدها بكل ما تمتلكه من قوةٍ، أغلقت عينيها الباكية باستسلامٍ رغم معافرتها لعدم اغلاقها، ولسانها مازال يخفق دون توقف:
_علي... علي تعالى متسبنيش ليهم يا علي!
فقدت سيطرتها على جسدها بشكلٍ نهائيًا لتصبح كالمقيدة تشاهد ما يحدث برضوخٍ تام، ها هم الثلاثة وجوه يلتفون من حولها ، مثلما التف "عمران" و"علي"و "نعمان" بالخارج، يتشاجرون بعنفٍ بالغ على من يكون أول من يحصل على تلك النقية التي لم يمسها رجلًا قط، تعود لترى نفسها مقيدة بعجزٍ على سريرٍ حديدي وعينيها المحتقنة من البكاء تتوزع بينهم بتوسلٍ أن يرحموا ضعفها وبرائتها.
الشجار العنيف فقط هو ما تستمعه، مقايضات بينهم وتفاوضات ليحظو احدهم بالمرة الاولى، وبعد نصف ساعة من الجدال والاتفاقات على زهاق روحًا طاهرة عفيفة، اعتدى أولهم عليها اعتداء وحشي انتهكت فيه برائتها وذُبحت فيها لمرتها الأولى.
أغلقت عينيها باستسلام لمصيرها وأخر ما تحتفظ به وجه كل شخصٍ منهم، حتى اجتمع ثلاثتهم من حولها يتطلعون لها بانتصار لما أقترفوه بتلك المسكينة..
هزت رأسها المتعرق رافضة تواجدها بغرفة الذكريات القاتلة، تختبئ بالخلف وهي تشاهدوهم يعتدون على جسدها المقيد بالسرير بعدما انفصلت روحها عنه، يدها تكبت شهقاتها ظنًا من أنهم سيستمعون لها وينتبهون لوجودها فتذبح روحها هي الاخرى مثلما ذُبح جسدها.
انتفاضة فالاخرى وجسدها يرتعش كالغريق، تشعر وكأنها ستفارق الحياة في أي لحظة، فسقطت أرضًا تنزوي بأحدى الأركان، تضم ساقيها لصدرها وتبكي دون توقف إلى أن أتاها صوتًا من بعيدٍ يناديها بقوةٍ:
_فطيمـــــــة.
نغز قلبها بنغزة أعلمتها بأنها تعرف صاحب هذا الصوت قلبًا وقالبًا، فنهضت عن الأرض تحاول تتبع الصوت وهي تردد ببكاءٍ:
_علــي.... علـي ساعدني!
يد حنونة تزيح قطرات عرقها وصوتًا رجوليًا دافيء يخبرها:
_أنا جنبك وايدي في ايدك يا فطيمة... فوقي اللي إنتي شايفاه ده حلم مش حقيقة.. افصلي نفسك عنه وافتحي عيونك!
انقطعت انفاسها المحتبسة بصدرها، وتلوى جسدها الذي يحاول الحصول على الخلاص، فارتعب علي ورفعها إليه جالسًا من خلفها يحيطها بكلتا يديه إليه وهو يعود لحديثه:
_حبيبتي أنا جنبك مستحيل حد يأذيكِ وأنا حي.. افتحي عيونك هتلاقيني جنبك وحواليكي ومش هتلاقي وجود لأي حد غيري.
وتابع حينما لم تهدأ اضطراب أنفاسها:
_ثقي فيا زي ما اتعودتي.. أنتِ هنا معايا وفي حضني اللي مفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يطولك فيه... افتحي عينك يا فطيمة.
البرودة تتسلل لأطرافها، تزداد حالتها سوءًا بدرجة جعلته يفطن بأنها أبشع النوبات التي تتعرض لها، شعوره بالعجز جعله يضم وجهها بيديه وهو يترجاها بتوسلٍ حزين:
_فوقي يا فاطمة عشان خاطري... أنا آسف اني سبتك لوحدك كل ده مش هعملها تاني صدقيني!
ومرر يده بين خصلات شعرها وهو يقربها لصدره عسى رائحته المحببة لها تعيدها إليه، ولكنها مازالت متيبسة بين يديه تردد ببكاء:
_متسبنيش ليهم يا علي.. متسبنيش!
جذبها لأحضانه يضمها بكل ما فيه هامسًا بصوتٍ اخنقته دموعه العزيزة:
_على عيني اللي حصلك يا قلب علي... يا ريت الزمن يوقف بينا ويرجع من تاني أقسملك ما كنت هخلي مخلوق يمسك بشر.. كنت هحارب الكون كله عشانك يا فاطمة من أول خطيبك الحقير لحد الكلاب اللي اتسببولك في اللي انتي فيه ده.
واستطرد بتوسل وهو يقبل جبينها بعشقٍ:
_ارجعي لوعيك عشان خاطري... يهون عليكي وجع قلبي يا فطيمة؟ ... افتحي عيونك!!
ومدد ساقيه ليتمكن من السيطرة على جسدها الماسد بين يديه، فأدارها إليه وضم وجهها بيديه يهزه بعنفٍ وصرامة:
_اسمعيني انتي هتفتحي عيونك حالًا ومش هتخليني ألجئ للمهدئ تاني... هتقومي وهتلاقيني هنا جنبك وهتتأكدي إن اللي في دماغك وهم مالوش مكان غير في مخيلاتك.
وسيطر على دموعه بقوةٍ وهو يهزها بنبرة آمرة:
_افتحي عينك يا فاطمة حالًا!
رفرفت بأهدابها على مهلٍ حتى تحررت من ظلام مقلتيها، فكان وجهه أول من قابلها، سحبت "فاطمة" عينيها للغرفة وهي تنسحب للخلف بفزعٍ، تراقب كل زواية لتتأكد بأنهم ليسوا هنا بالفعل.
استكانت حدقتيها بلقاء رمادية عينيه الدامعة، ففرق ذراعيه فاستجابت له وانزوت فيه وإليه!
شملها "علي" بين أحضانه وأعصابه مازالت ترتعش نافرة عن جسده لما خاضه ليجعلها تستعيد وعيها، فهتفت بصوت مبحوح:
_علي أنا كنت خايفة متجيش وتسبني ليهم يا علي.
ربت على رأسها ومازال شاردًا بالفراغ، جسده منهك للغاية، يشعر وكأنه هو الذي سيفقد وعيه الآن.
افتقدت لصوته الغائب عنها منذ عودة وعيها فنادته بقلقٍ ورأسها مستكين على صدره بتعبٍ:
_علي!
طال غياب صوته الدافيء، لا يصل إليها سوى صوت أنفاسه العالية، ابتعدت عنه واعتدلت بجلستها تتطلع له بذهولٍ يزداد مع كل دمعة تراها تنهمر من عينيه الشاخصة بالفراغ!!
بكت فاطمة بصدمة وحركته بتأثرٍ:
_علي!!!!.
رمش بعينيه وتمعن بها فوجدها تراقبه بخوفٍ وقلق ينهشه بعتاب نظراتها المستكشفة لحزنه، بدى حائرًا بما يقتحم رأسه بتلك اللحظة، ولم يجد سوى المجازفة ترحب به،فدنى منها وعينيه لا تفارق خاصتها، يعوض خوفه بها وحينما وجد يدها تتعلق برقبته أحاطها بفيضٍ من شوقه الجارف.
أزاح اسدال صلاتها وعينيه لا تفارق عينيها،يحاول أن يستشف أول خطواته بالنيل من هاجس خوفها، ترك عاطفته تعبر لها عن حبه البريء الذي لا يطمع بها جسديًا، يدفن شهواته بكل ما يملكه من قوة صبر ليجعلها لا ترى الا نظرات عينيه الدافئة التي لا تفارق عينيها بالرغم من أنها الآن باتت بين ذراعيه كأي زوجة.
أراد أن يحطم الصورة التي تكونت بعقلها عن شكل العلاقة بين أي راجل وامرأة بعدما نجح هؤلاء الاوغاد بترك تلك الصورة تزدهر بعقلها، فلجئ "علي" لطريقته هو ليعاونها على رسم صورة أخرى تنافس ما تُركت لها بقوة تجعلها تتمزق ولا تعود لمخيلتها أبدًا.
كان يمارس أقسى مرحلة من انضباط النفس ومعشوقته التي تمناها بين ذراعيه، يحارب ويحارب ليجعلها لا تفارق عينيه الشغوفة بعشقها، يجعلها تعتاد على وجوده بحياتها بشكلٍ جديد يمهدها للقادم من مستحدثات بعلاقتهما، يعلم بأن الأمر ليس هين عليه ولكنه سيفعل أي شيء ليعاونها أن تمحو كل ذكرياتها وتبدأ معه هو من جديد.
خطفت فاطمة نظرة خاطفة لذاتها فجحظت عينيها صدمة وابتعدت عنه مرددة بخفوتٍ حرج:
_علي!!
دنى منها يوقفها عن التراجع، محيطًا وجهها بيديه يرفعه بقوة إليه، تقابلت عينيها معه من جديد وتحرر صوته المحتفظ ببحته المميزة:
_قولتهالك قبل كده اني مش فارق معايا أي شيء غير قلبك يا فطيمة... مش عايز غيره!
واقترب يستند بجبينه على جبينها هامسًا بعشق:
_ارمي كل حاجة ورا ضهرك ومتشوفيش غيري أنا... ركزي في تفاصيل حبنا وقصتنا اللي ابتدت من أول لقاء جمعنا في مصر.
وأغلق عينيه بقوةٍ يجابه انتفاضة قلبه من قربها إليه لهذا الحد:
_اللي فات مش بتاعنا يا فطيمة اللي جاي هو اللي ملكنا... أنا الحاضر ومستقبلك.. أنا كل ذكرى حلوة هتتحفر جواكِ للأبد.
وفتح رماديته يتفحص تأثير كلماته وقربه منها فوجدها تغلق عينيها بخجلٍ بعيدًا كل البعد عن النفور تمكن من تفسيره جيدًا، فناداها بلوعةٍ:
_فاطمة.
فتحت شمس عينيها تقابل سكنة عينيه الثابتة كسطوع القمر المحتل ليله المظلم بضيائه الباهي، وألماسته تنفلت على لسانه الناطق:
_بيقولوا إن كل طبيب نفسي بيحتاج كل فترة إنه يزور طبيب زميل ليه يسمعه وأنا مستكفي بعيونك هما طبيبي فبالله متحرمنيش من الراحة والسكينة اللي بحسها وأنا جواهم!
أدمعت عينيها تأثرًا بكلماته، فأجبرت لسانها على تحرر كلمة واحدة تشمل ردها على كل حرف خرج منه:
_بحبك يا علي.
سحب نفسًا مطولًا وعاد يستند على جبينها من جديدٍ، يخبرها:
_وده المهدئ لكل وجع جوايا.. ردديها في كل مرة تلاقيني فيها مهموم أقسملك هتلاقيني بتولد من جديد على ايديكِ يا فطيمة!
ابتعدت برأسها للخلف ففتح رماديته يراقبها باهتمامٍ، فوجدها تبتسم وهي تنخفض عنه لتضع رأسها على صدره باستحياءٍ.
اعتدل "علي" بمنامته ليمنحها نومة مريحة بعدما تسلل النوم إليها، ضمها إليه وهو يتنهد بوجعٍ يزيد من حدته كلما تذكر ما مر به برفقتها منذ قليل، كان على وشك خسارة كل تقدم أحرزه بحالتها مع تلك النوبة الشديدة التي لم يختبرها رفقتها من قبل، لا يعلم كيف تماسك ليعيدها من جديد، ولكنه ركز على ثقته وإيمانه بالله عز وجل وفي حبه الشديد المدفون داخل صدرها محتلًا قلبها، حركه وتركه يعاونه على استعادتها وها هو تعود له وهو يحرز هدفًا أخرًا حينما فتح معها باب أخرًا بعلاقتهما المعقدة، ومازال يأمل بأنها ستكون زوجة له بارادتها!
******
أغلق باب غرفته وتحرك للفراش غاضبًا من اتخاذ والدته قرارًا كهذا، لم يكن بالشخص الذي يرضخ لأحدٍ مهما فعل، تسلل له صوتًا خافتًا يناديه:
_عُمران.
استدار بجسده للخلف فوجدها تقف أمام الخزانة ترتدي كامل ثيابها حتى حجابها، تألم قلبه لرؤيتها تأخذ حذرها بما ترتديه حتى وهي بغرفتها، فأشار لها بالاقتراب منه.
جلست "مايسان" جواره فضمها إليه بقوةٍ:
_اقلعي اللبس ده واقعدي على راحتك مستحيل يكررها تاني يا مايا.
أومأت له بخفةٍ وبالفعل نزعت عنها الجلباب الأسود والحجاب فجذبها لتغفو جواره، التقطت نفسًا مطولًا وأخرجته على مهلٍ قائلة:
_عمران عشان خاطري نفذ الكلام اللي خالتو قالت عليه، خلينا تتفادى شره وأذاه ونعيش في سلام.. إنت مش محتاج للشركة دي في حاجة ما شاء الله شركاتك محققة نجاح ونص المشاريع اللي بتيجي على شركة العيلة بتيجي عشانك إنت.
جذب ذراعها يجذبها إليه يربت بعشق على ظهرها، قائلًا بنبرته الرخيمة:
_هعمل اللي يريحك يا مايا.. بس وربي لأدفعه تمن اللي عمله النهاردة ده وبالغالي أوي.
شددت من تعلقها به بفرحةٍ انتقلت إليه:
_أيوه كده تبقى حبيبي الطيب الكيوت اللي بيسمع الكلام.
ضحك بصوته الرجولي وصحح لها ساخرًا:
_قصدك كده حبيب قلب جوزه قرطسه ومفكر نفسه قادر يمشي كلمة عليه!
شاركته الضحك وتنعمت بنومها مجددًا بين ذراعيه وتلك المرة قد حرص عُمران على غلق باب غرفته بالمفتاح تحسبًا لوجود شقيق والدته الآرعن!
********
مطرقة عنيفة هوت على ظهرها تقسمه لمرتها الثانية، فنزعت أخر ما تبقى لها من السند العتي، نالت مطرقتها الأولى بفعل زوجها الراحل والآن حان الدور لأخيها ينال منها بأسوء الطرق.
انزوت على فراشها تضم يدها من حولها، تهز كفيها على ذراعيها دون توقف وكأنها تزيح برودة جسدها المتبلد، ساقيها لا تتوقف عن الاهتزاز ودموعها تنغسق على وجهها كغسق الأمطار في ليلة شديدة الغيوم، تحاول تهدئة نفسها ولكن دون جدوى تزداد أنفاسها بالاختناق ويحتقن داخلها أمل الاسترخاء.
التقطت آذنيها صوت دعسات حذائه الثقيلة تقترب منها، ومن قبل أن ترفع عينيها الزرقاء إليه تسللت رائحته التي سكنتها لأعوامٍ تجعلها تتعرف عليه من على بعد حتى وإن كانت تخوض ظلامًا قاتلًا.
انخفض بها الفراش المنظم قليلًا فعلمت بأنه يجلس قبالتها الآن، فزادت من انغماس عينيها للأسفل تتحاشى رؤيته فتنفضح دموعها وحالتها الضعيفة إليه.
أصابع قوية دُفنت بين أصابع كفيها الرقيق بسيطرةٍ تخضعها لوجوده جبريًا، وقبضته الاخرى تدفع جسدها إلى صدره، وجهه الآن يميل على رأسها مدفونًا بين خصلات شعرها القصير بسكونٍ زاد من ربكتها، صوته الآن يتحرر بنبرة مغرية خافتة:
_متحاوليش تخبي ضعفك عني يا فريدة.. ممكن تخدعي كل عيلتك وأولهم سالم لكن أنا لأ.. أنا مدفون جواكِ وفيكِ.. فاهم وعارف كل نظرة خارجة منك.. ومقدر طول الفترة اللي فاتت تحكمك في نفسك عشان تحافظي على علاقة نعمان بيكِ.
واسترسل يهون عليها ما قد تلقيه على عاتقها:
_إنتِ عملتي اللي عليكِ علشان تحافظي عليه بس هو اللي للأسف طمعه وجشعه خلاه كفيف عن أي علاقات ودية يا فريدة..
وتابع ومازال رأسه ينحني فوق رأسها:
_طول عمره كده مستحيل يتغير أبدًا.. كل اللي في دماغه يسيطر على الشركة الأم المسيطرة على فروع عيلة الغرباوي..زمان عمي وأبويا وقفوا قدام بعض عشان الشركة دي جدي قاطعهم وفارقهم لحد ما اترجعوا عن اللي في دماغهم واتنازل أبويا لأبوكي عن الشركة عشان ميخسروش بعض.. موقفك اللي عملتيه من شوية ده فكرني باللي حصل زمان فمتندميش على قرارك اللي اخدتيه يا فريدة بالعكس انتي أخدتيه متأخر أوي. . شخص زيه مينفعش يكون موجود في حياتك وبين أولادك.
تحررت شهقة متقهقهرة داخلها، فرفعت يدها تتعلق بقميصه مرددة ببكاءٍ:
_ده اللي فاضلي من عيلتي يا أحمد... بابا وماما وأختي الوحيدة كلهم ماتوا مكنش ليا غيره وكنت بعتبره عيلتي كلها بس عمره ما حسسني إني أفرقله في شيء.. مفيش مرة نزل فيها لندن الا وطلب مني إتنازله عن الشركة كأنه بيعرفني إن ده الشيء الوحيد اللي بيربطنا ببعض!
أحاطها بقوة بين أضلعه وردد إليها بحزنٍ عميقٍ:
_ميستهلش... والله العظيم ميستاهل دمعة واحدة من عنيكِ الغالية دي.... اللي استغنى عنا احنا في غنى عنه يا فريدة.. قوي نفسك وادعمي قرارك لإنه هو الصح.. نُعمان عايز يكسر شوكة عُمران بأي شكل من الأشكال لآنه تبارك الله بقى له إسمه وده عمله بعيد عن شركات براند "الغرباوي"، وزي ما قال ابنك كون إنه سحب الشراكة بينهم فده هيوقع أسهم شركاته كلها لإن أغلب المشاريع اللي الشركة الأم بتنفذها عملائها مختارين الشركة لوجود" عُمران سالم" شريك مساهم فيها.. ضربة نُعمان القاضية جاية وبقوة.
انهمرت دموعها على وجنتها حتى ابتل قميصه من شدتها، وحررت صوتها الخافت تخبره:
_مكنتش عايزاه يهتم بالاملاك والثروة وكل ده كنت عايزاه يحتويني ويتمسك باللي فاضله من عيلته زي ما أنا كنت متماسكة بيه يا أحمد.
رفع ذقنها إليه لتقابل نظراته العاشقة لكل تفاصيلها، مشددًا على حروف كلماته:
_أنا عيلتك كلها يا فريدة... أنا أخوكي وأبوكي وحبيبك وجوزك وكل ما ليكِ في الدنيا كلها فبالله متقوليش إنك مالكيش حد في وجودي!
رفع ذراعيها تحيط برقبته وتضم ذاتها إليه، فاحتواها إليه وهو يعود لعاطفة كلماته العاشقة:
_عيشي يا فريدة وارمي وراكِ كل شخص وجعك وأذاكِ... عيشي جوه قلبي هو الوحيد الآمن ليكِ وقادر هيحميكِ وهيصونك بعيد عن كل ده.
وعاتبها بحزنٍ يلف يفترسه:
_هو ده عوض البعد وسنين الفراق يا فريدة؟ بعد كل اللي مرينا بيه رجعنا نكون مع بعض من تاني.. انسي كل الناس وكل الوحش وسبينا نعيش اللي اتحرمنا نعيشه مع بعض.. بلاش نفكر في اللي هيوجعنا لإننا مبقناش حمل وجع تاني.
وأبعدها عنه يطالبها بصرامة:
_اوعديني.
رفعت يدها تزيح دموعها ومنحته ابتسامة جعلت تعابيره المشدودة ترتخي تدريجيًا:
_أوعدك يا حبيبي إني هعيش اللي جاي من حياتي علشانك إنت وبس... كل حلم حلمت بيه عنك هحققه وأنت معايا.
ودنت منه تردد بحبٍ جعل قلبه يرتجف من قوة عشقها:
_أنا مش عايزة غيرك إنت يا أحمد!
عند ذاك الحد لم يكن عليه محاربة مشاعره، دنى إليها يعبر عن عاطفته حتى اختطفها لعالمٍ بُني على حقيقة شغفهما معًا.
*******
استيقظ باكرًا قبل الموعد الرسمي المحدد لموظفين الشركة، فنهض يتجه للراديو الصغير الخاص به، يفتح إذاعة القرآن الكريم ويحرر شرفة غرفته الصغيرة، ومن ثم يتجه للركن الصغير الخاص به يعد شطائر الفول الطازج وقدح من شاي النعناع الساخن، ثم حملهما وخرج يتناول طعامه ومن ثم إتجه لمكتبه المتواضع يرتدي نظارته الكبيرة ويباشر عمله بكل محبةٍ.
مضت عليه نصف ساعة كاملة حتى استمع لدقات بابه الحديدي، فرفع عينيه عن دفتر الحسابات فوجد أمامه نفس الشاب الذي أتى به "عُمران" بالأمس، رفرف بأهدابه بدهشةٍ، ونهض بخطواته الثقيلة التي تناسب جسده الكهل ليحرر مزلاق بابه وعاد لمقعده مرددًا:
_غريبة يعني إنك رجعت ولوحدك من غير ما عمران يجبرك!
اتشحت ابتسامة جميلة على وجهه البشوش، وإتجه لمقعده المقابل لمكتب "ممدوح" قائلًا بحماسٍ ولباقة:
_جيت عشان مفيش بشمهندس عاقل يفوت فرصة إنه يتعلم على إيد استاذ عظيم زيك.
ضم كفيه معًا وانحنى يستند عليه قائلًا بابتسامة صغيرة:
_مكنش باينلك رجوع على ملامحك المُجهدة امبارح؟
خلع "أيوب" عنه ذراع الحقيبة وقال بابتسامة مشرقة:
_والدي الشيخ مهران علمني مستسلمش بسهولة، وبعد اللي حضرتك عملته معايا امبارح كان لازم أبينلك اني مش الشخص اللي كونت عنه أفكارك امبارح.
بدى خبيثًا، ماكرًا، متحاذق مما دفع "ممدوح" ليسأله بنزقٍ:
_تقصد أيه!
أجابه ببساطة ومصدقية:
_من خلال الكام ساعة اللي قضتهم مع حضرتك حسيت أد أيه انك بتحترم وقتك وبتقدسه جدًا، فكنت بتحاول تضغط عليا بكل السُبل عشان تشوف إذا كنت هرجع تاني ولا لأ.. ولو رجعت يبقى أستحق وقتك اللي هيضيع معايا في تعليمك الخطوات الجاية لو مرجعتش يبقى وفرت عليا وعليك وقت ومناهدة.
تراخت شفتيه الغليظة عن ابتسامة تظهر لمرتها الأولى، فسحب رشفة من الشاي وقال:
_عجبتني... وشكلك هتكون تلميذي التاني بعد "عُمران الغرباوي".
وأشار إليه بنظرة ارتخت عن حزمها قليلًا:
_تحب نبدأ؟
فتح سحاب حقيبته يخرج دفتره وبعضًا من اللوح هاتفًا بحماسٍ:
_أنا جاهز...اتفضل!
******
هبط للأسفل يفرك عينيه وهو يجاهد النوم بكل ما فيه، فكان بطريقه للمطبخ ليعد كوب من القهوة تزيح صداعه القاتل، فتوقف محله حينما لمح أخيه يجلس بالصالون يرتشف كوبًا من القهوة ويقرأ بأحد الكتب كالمعتاد عنه.
اقترب منه عُمران يردد ببسمة عابثة:
_صباح الخير يا دكتور.
انتبه"علي" إليه وأجابه بابتسامة هادئة:
_صباح الخير يا عمران... منزلتش شغلك ليه؟
إتجه إليه يجلس على ذراع المقعد ينتزع من يده الكوب وهو يرتشف منه كالمدمن المفتقد لمذاق الكوفين، وردد:
_بفكر منزلش النهاردة.. ورايا كام حاجة هخلصهم هنا على اللاب وكمان ساعة هنزل مشوار على السريع كده ممكن بعدها أعدي على الفرع اللي هنا أشوف الدنيا وأرجع تاني.
أغلق كتابه وأعاده على الطاولة وقال:
_المهم تنهي حوار الشراكة ده خلينا نخلص.
هز رأسه بخفوتٍ وردد بتهكمٍ :
_كلمت امبارح المحامي وبيرتب الاوراق... متقلقش.
هز رأسه بخفوت، فاتجه عُمران للأريكة يحتلها، وصاح بأحدى الخادمات:
_احضري لي حاسوبي من غرفتي رجاءًا.
أماءت له باحترامٍ وغادرت لتعود بعد دقائق بما تحمله فوضعته من أمامه، فتحه عُمران وشرع ببعض أعماله، وبين الوقت والأخر يختطف نظرات سريعة لأخيه الشارد والهموم تتثاقل بين حدقتيه الرمادية، فأخفض عمران شاشة حاسوبه وسأله بلهفة:
_مالك؟!
مسح على فمه بحركةٍ عشوائية وأجابه:
_مفيش.. بفكر ألغي سفري لمصر بس للأسف لازم أعمل المشوار ده.
اعتدل بجلسته يعيد سؤاله باستغرابٍ:
_وعايز تلغيه ليه؟ المركز أساسًا شبه مكتمل مكنش فيه غير المساحة اللي انت ضمتها ليه والفريق بينجز فيه على أكمل وجه لازم إنت كمان تتحرك وتختار الدكاترة والممرضين اللي هتحتاجلهم وبسرعة.
لف وجهه المهموم إليه:
_عارف بس اللي ربكني من السفر فاطمة حالتها مش مستقرة.. خايف أجازف وأبعد عنها يحصلها حاجة وأنا مش جانبها... فاطمة لسه متعافتش بشكل كامل.
ترك عُمران حاسوبه ونهض عن أريكته متجهًا لمقعد يجاور مقعد أخيه، وازدرد ريقه بارتباكٍ اتبع منهج سؤاله المتردد:
_علي.. هو إنت وفاطيما بتمارسوا حياتكم بشكل طبيعي؟
تقوس جبينه بشكلٍ ملحوظ، فاعتدل عُمران بجلسته يوضح له:
_أصل حالتها غريبة ومقلقة!
تعمق بالتطلع لعينيه الشبيهة لخاصته بلونها، ومنحه بسمة خافتة اتبعها قوله الذكي:
_لو سألتك نفس السؤال عنك إنت ومايا هتجاوبني؟
رمش بأهدابه عدة مرات في محاولةٍ لاستكشاف ما يود قوله، فتابع علي بنبرة رزينة:
_إنت قومت الدنيا كلها لما خالك اقتحم أوضة نومك وإنت دلوقتي بتعمل نفس الشيء يا عمران بتقتحم خصوصياتي أنا ومراتي فمتوقع مني أيه مثلًا؟
ابتلع ريقه بتوترٍ أخفاه بقوله:
_أنا آسف لو سؤالي ضايقك يا علي.. أنا بس آآ..
قاطعه بابتسامة واسعة وملامحه لم تتأثر مطلقًا:
_متعتذرش يا عمران أنا فاهمك وعارف إنك متعمدتش ده بس اللي لازم تفهمه إن مهما كان قربنا وحبنا لبعض في النهاية في خطوط حمرا محدش مننا يقدر يتخطاها.
هز رأسه بتفهمٍ:
_عندك حق.
اتجهت نظرات علي لحاسوب عمران وسأله باهتمامٍ:
_كنت بتقول إنك معاك تصميم لمكتبي بعد التعديل.. وريني أنا متحمس جدًا أشوف هترتبلي مكتبي ازاي انت وفريقك يا بشمهندس!
ضحك وهو يشير له بغرورٍ:
_بعينك تشوف حاجة... سافر إنت وارجع وكن على ثقة إن عمران الغرباوي هيبهرك.. يا ابني كفايا عليك إني مش بعمل ديكور لحد!
ضحك وهو يراقبه يعود لأريكته رافعًا رأسه للأعلى كالطاووس، فجذب الوسادة التي تجاوره وألقاها بوجهه هاتفًا:
_طاووس وقح!
غمز لها برماديته يجيبه بسخرية:
_طب انصرف علشان بخاف من الحسد وعايز أفرد ريشي!
تعالت ضحكات "علي" واستكان بجلسته يجذب كتبه، يعود لقرائته الصامتة بينما الاخير يتلذذ بكوب القهوة التي اتخذها عنوة ويتابع حاسوبه هو الأخر.
مرت الساعات ومازال كلا منهما منشغلًا بما يفعله، حتى اقتحم مجلسهما "مايسان" و"فاطمة"التي كانت تدفع طاولة صغيرة لتستقر أمام "عُمران" فاستقام بجلسته منتبهًا لها، فوجدها تردد ببسمة صغيرة:
_نسيت الاتفاق؟
وزع نظراته على أطباق الطعام الشهي ورفع عينيه لها يجيبها بامتنانٍ:
_أيه كل ده.. تسلم ايدك يا فاطمة تعبتك معايا .
أجابته بلباقة:
_يا رب يعجبك.
ابتسمت مايا ورددت بمشاكسة:
_كان نفسي أطبخلك الأكلة دي بنفسي بس للأسف مقدرش أنافس في الأكل المغربي قدام فاطيما خسرانة بالعشرة.
ضحكت لها ورددت بخجل:
_أنا أجي أيه جنبك يا مايا.
أشارت لعمران الذي يتابعهما مبتسمًا:
_متصدقهاش يا عمران دي بتشيل عنها العين.
واستدارت تجاه علي تشير إليه:
_تعالى هنا جنبه يا علي.. الأكل يجنن.
رفع معصمه إليه متفقدًا ساعته:
_الساعة لسه ١٢.. أنا بتغدى على الساعة ٣ فمش هقدر أعذروني.
منحه نظرة ساخطة وهو يلتهم ما بملعقته مرددًا:
_خليك حافظ على أكلك ومواعيده لما بقيت شبه خلة السنان.. نفسي تقتنع بكلامي وتأكل وتعيش حياتك وتقضيها ساعتين جيم كل يوم هتفرق معاك.
قذف علي وسادة أخرى إليه:
_كمل أكلك وانت ساكت.
ضحكت فاطمة وهي تتبعهما باستحياءٍ، فاخفضت عينيها للحاسوب المجاور لعمران حيث تركه مفتوحًا، لفت انتباهها جدول الحسابات المعدة وتقنيات تعيد لها ذكريات العامين التي مضتهما بالجامعة وبعدهما لم تتمكن من استكمال تعليمها.
لاحظ عمران وعلي تعلق نظراتها بالحاسوب وشرودها، فجذب عمران المنديل الورقي وأزاح بقايا الطعام عن منديله، وبخفة دفع الحاسوب قبالتها قائلًا باهتمامٍ:
_الSystem ده مش غريب عليكي صح؟
هزت رأسها بخفة، فقال ببسمة واسعة خبيثة لقرب تحقيق هدفه:
_تحبي تجربي؟
خطفت نظرة مرتبكة لعلي الذي ترك كتابه وراقبهما باهتمامٍ يفوق اهتمام أخيه، فقالت:
_أنا مش فاكرة أي حاجة.. فات فترة طويلة على ما كنت بالجامعة فمش عارفة هقدر ولا لأ.
ابتسم وهو يشير لها بالاقتراب بحماسٍ:
_بسيطة هعمل معاكي أول حسبة ومع الشرح هتفتكري.. تحبي نجرب؟
عادت ببصرها لعلي الذي منحها ابتسامة تبث لها الآمان المفقود، فعادت لعمران تكتفي بهزة رأسها، نهض على الفور يحمل صينية الطعام جانبًا ثم وضع حاسوبه عليها ودفعه لتكون بينها وبين فاطمة الجالسة على نهاية الأريكة، فاختار جلوسه على مسافة بعيدة منها لتفهمه حالتها باجتيازٍ.
ثلاثون دقيقة استغرقها لينتهي من أول ملف بمفهومه النظامي، بينما كانت تتذكر كل ما تلقتنه من قبل رويدًا رويدًا، ففتح لها ملفًا جديدًا ودفع الحاسوب لها يشجعها:
_نفذي الخطوات اللي عملتها لوحدك وبهدوء.. وأنا هشوف لما تخلصي.
هزت رأسها إليه وحملت الحاسوب لقدميها تفعل كما أخبرها به، بينما اتجه عمران ليجلس جوار مايا يستكمل تناول طعامه فوجدها تميل عليه تهمس:
_بتحاول تعمل أيه؟
مال لها يهمس هو الأخر:
_هساعد علي في علاج فاطمة!
بدأ يتسرب لها مفهوم ما يود عمران فعله، فتحمست للغاية لرغبتها الشديدة باستعادتها اتزانها النفسي.
لم يفوت علي تفصيلة صغيرة متعلقة بجلستها تلك، ليس كزوجٍ محبًا بل كطبيب يشخص حالة مريضته التي توشك على اتخاذ أول خطوة بمواجهة العالم بعدما كان افتراضي لها، يشعر بالامتنان لخطة اخيه باستدرجها للعمل، آن نجح بتلك الخطوة حينها سيُفتح لها العديد من الأفاق أولهم العودة لجامعتها وعيش حياتها الطبيعية.
جميع الانظار مسلطة عليها، حتى انتهت مما تفعله ورفعت عينيها لعمران الذي يتناول طعامها بهدوءٍ قائلة:
_خلصت.
جذب المناديل المعطرة ومسح يديه وفمه ثم اتجه إليها يجذب الحاسوب ويتابع ما فعلته ببسمة واسعة تدعي كل نقطة بها الانبهار رغم أن هناك بعض التعديلاات التي سيحتاجها من بعدها ولكنه وجدها نقطة محمسة للقادم، فأجلى صوته الرخيم:
_براڤو يا فاطيما.. لأ بجد ممتازة.
وأشار لمايا بجدية تامة:
_من بكره فاطمة تنزل معاكي الشركة وأنا النهاردة هخلي حسام يحط مكتب زيادة في أوضة مكتبك عشان تكونوا مع بعض وتعرفيها أكتر عن شغلنا ده لو مكنش عندها أي مانع إنها تشتغل معانا.
ترقب ردها على عرضه الذي فجأها، وخاصة حينما سألتها مايا:
_ها يا فاطمة أيه رأيك؟
وتابعت بمكرٍ تعاون زوجها وأخيه:
_أكيد مش هترفضي تكوني معايا ونروح ونيجي مع بعض.. أنا طول الوقت في الشركة وانتي هنا ومش بنلحق نتكلم ولا نقعد مع بعض!
لعقت شفتيها الجافة بلسانها وقالت:
_أصل.. أنا... آاآ..
وصمتت حينما لم تجد ما تقول، حينها رفعت مقلتيها تجاه ملاكها الحارس، ذاك الذي بعد كالبُوصلة لانحراف اتجاهاتها فوجدته يشير لها قائلًا:
_لو حاسة إن القرار ده هيريحك وافقي عليه بدون تردد يا فاطمة... متقلقيش وجود عُمران ومايسان جنبك هيديكي الأمان اللي هتفتقديه في عدم وجودي معاكي هناك.
قام بمهامه على أكمل وجه كطبيبٍ وكزوجٍ، يدعمها بقرارها ويخبرها بأن حالتها ستكون مستقرة فلا داعي للخوف، لذا لم تجد الا أن تؤمي برأسها مبتسمة فصاحت مايا بحماسٍ وهرولت إليها تحتضنها بفرحة، بينما سند عمران ظهره لمقعده وهو يغمز بمكرٍ لعلي الذي قابل خبثه بابتسامته الهادئة الجذابة.
*******
ساعات قليلة مضت وتفرق جمعتهم، اتجه عمران لشركته واتجه علي ليوصل زينب لجامعتها لحضور تلك المحاضرة المسائية، فحاول أن يعلم ما برأسها حتى يعرض عليها عرض الزواج من سيف كما شدد عليه يوسف، فقال:
_ها يا دكتورة طمنيني أمورك تمام بالجامعة؟
ابعدت عينيها عن هاتفها وأجابته ببسمة رقيقة:
_الحمد لله يا علي.. أول يوم كان صعب بس بعد كده الأمور تمام.
تابع القيادة بتركيز وقال بمكرٍ:
_طب الحمد لله... أنا من لما شوفتك واقفة مع سيف امبارح وأنا اتطمنت إنك هتقدري تكوني صداقات تساعدك جوه الجامعة.
ارتبكت للغاية فرفعت يدها تعدل من حجابها:
_دكتور سيف شخص محترم جدًا قابلته صدفة في الجامعة وفي عيادة دكتورة ليلى.
حرك رأسه بخفة ومازالت رماديته مركزة على الطريق، فلحق به فترة صمت قبل أن يسألها بلباقة:
_زينب هو أنا ممكن أسألك سؤال شخصي شوية ولو هيضايقك متجاوبيش وأنا هتفاهم ده.
_طبعًا يا علي إسأل بدون كل المقدمات دي.
هدأ من سرعة السيارة والتفت يتطلع لها ومازالت يده تتحكم بالمقود:
_انتي في حد في حياتك؟ يعني بتحبي حد أو مرتبطة بشكل خاص؟
تجهمت معالمها بشكلٍ مقبض، وكأنها ستستقبل الموت بين أحضانها بعد قليل، مجرد حديثه عن الأمر أعاد صورة "يمان" بمخيلاتها من جديدٍ، تمسكت بجزء من قوتها وقالت بتلعثمٍ وفوضوية:
_لأ طبعًا مفيش... وبعدين أنا متوقعتش انك تسألني سؤال زي ده لاني طبيعي قدامك وقدام الكل مش مرتبطة.
أسرع بالحديث مبررًا:
_فاهم كلامك طبعًا بس افترضت يكون في حد حتى لو علاقتكم سطحية.
هزت رأسها تتفي ذلك باقتضابٍ:
_لا مفيش.
سحب نفسًا مطولًا واسترده قائلًا بهدوء:
_طيب يا زينب امبارح دكتور يوسف طلب ايدك مني لاخوه سيف، يعني بشكلٍ ما حابب يكون في بينكم رابط رسمي بحيث تقدروا تتعرفوا على بعض ولو حصل توافق بينكم آآ...
اقتطعت حديثه بحدة وعصبية فجأته كثيرًا:
_أنا مش هتجوز يا علي.. هو عشان ساعدني في الجامعة ووقفت معاه يبقى هتجوزه!!! وبعدين انا لسه طالبة في ٢طب وبكمل لسه تعليمي جواز أيه اللي بيتكلم عنه!!!
صف سيارته أمام جامعتها والتفت إليها يحدثها بهدوء وعقلانية:
_اهدي يا زينب الموضوع مش مستاهل العصبية دي كلها منك هل أنا فرضت عليكي شيء!! أنا مملكش الحق ده عليكِ من الأساس أنا وصلتلك طلب دكتور يوسف ومن حقك تقبلي أو ترفضي ولازم تعرفي إني وصلتلك العرض ده لاني أعرف سيف وأعرف دكتور يوسف مربيه على أيه، الولد ده راجل وهيقدر يصونك ويحافظ عليكي وآ...
قاطعته للمرة الثانية بانفعالٍ:
_مش عايزة أسمع يا علي!!.. حتى لو كان ملاك بجناحين أنا مش عايزة ارتبط بحد من فضلك بلغهم بكده.
تمعن بحدقتيها بعمقٍ جعلها تشعر وكأنها مجردة أمامه، وقد لاقت حدثها حينما قال بشكٍ:
_مالك يا زينب؟ مندفعه وعصبية بشكل مش طبيعي، انتي في حاجة حصلت معاكي؟!
ابتلعت مرارة ريقها بصعوبة بالغة، وتعلقت بحقيبتها بكل قوتها، ففتحت باب السيارة وهي ترمقه بنظرة أخيرة هاتفة بحنقٍ:
_بطل تمارس مهنتك عليا يا دكتور.. أنا مفيش شيء!
وتركته وهرولت للجامعة راكضًا من أمامه بينما ظل هو محله يتابعها بنظرة ثاقبة ترى بوضوح ما تخفيه من حالة نفسية يقسم بأنها مازالت تخوضها حتى الآن.
تهدل جسد "علي" على مقعده باستسلامٍ وحزن اتبع همسه الخافت:
_فاطمة... ماما... ودلوقتي زينب... وجعي في عيلتي بيزيد!
*******
راقب "أيوب" مكتب "ممدوح" مطولًا ومن ثم عادت نظراته للطعام الذي تركه له "حسام" السكرتير الخاص بعمران على مكتبه، فنهض واتجه إليه يناديه بحرج:
_ممكن أستأذن عشر دقايق يا بشمهندس؟
رفع ممدوح عينيه له، فازاح نظاراته الطبية متسائلًا بدهشة:
_رايح فين في العشر دقايق دول؟!
رد عليه بوقارٍ:
_مش هتأخر عنهم والله... هطلع لعمران مكتبه وهرجع على طول.
ابتسامة صغيرة عادت تداعب وجه العجوز، فعاد ليستند على يديه كمعتاده وقال:
_أممم... عمران مجاش يوصلك النهاردة وبعتلك الأكل مع سكرتيره من غير ما ينزلك ودلوقتي عايز تطلعله مكتبه... انتوا متخانقين صح؟
أخفض عينيه أرضًا وكأنه يخشى لقاء مدرسه بفعلته التي أودت لتلك المشاجرة، ولكنه اضطر لاجابته بتحفظٍ:
_سوء تفاهم بسيط.
هز رأسه ومازالت أثر الابتسامة على شفتيه، فرفع اصبعه يحركه له:
_اطلع ولما تنزل نتكلم ونشوف إذا كان بسيط ولا يستاهل!
ابتسم أيوب بسرورٍ لتطور العلاقة بينهما، فخرج للمصعد يتجه لمكتب عمران بعدما سأل عليه من احد الموظفين.
اتجه لمكتب "حسام" السكرتير الذي ما أن رآه حتى رحب به بوداعةٍ، فهو يعلم بأن من قام عُمران بالسماح له بالدخول للسجلات برفقة استاذ ممدوح فمن المؤكد بأنه شخصًا هامًا للغاية إليه فبسط كفه يشير له بمحبة:
_بشمهندس أيوب هنا بنفسه! نورت الطابق كله.
ابتسم له وقال بتوترٍ جعله يكاد بالعودة مثلما أتى:
_هو أنا ينفع أقابل عُمران؟
أشار له باحترام للمقعد المقابل إليه:
_طبعًا... اتفضل استريح هدي مستر عُمران خبر حالًا.
اعتلى المقعد المقابل له، ورفع حسام السماعة يهاتف عُمران قائلًا:
_مستر عُمران بشمهندس أيوب هنا وعايز يقابل حضرتك.
لف بمقعده بالداخل بعصبيةٍ اعتلت حركة جسده الهادئ، فابتسم بتسلية وصرح له:
_سيبه قاعد نص ساعة وبعدين دخله.
ودون أي كلمة أخرى أغلق هاتفه بوجه حسام المتعجب لردة فعل عمران، فحجب انفعالاته بامتيازٍ وقال:
_شوية وهدخلك يا بشمهندس.. مستر عُمران معاه تليفون مهم.
هز رأسه وبسمته الساخرة بادية كسطوع الشمس بأحضان السماء، وهتف ببرود:
_مفيش مشكلة نستناه!
مرت خمسة وعشرون دقيقة ومازال أيوب يرسم دور البرود حتى سئم من ادعائه الكاذب، فنهض عن مقعده واندفع لمكتبه بكل ما أتى من عصبية اختفت حينما وجده ينهي صلاته وينهض بسجادته يطويها على الأريكة ونظراته الباردة تطعن الاخير دون اكتثار.
أتى حسام مهرولًا من خلف أيوب يردد بخوف:
_مستر عُمران أنا أسف والله بس البشمهندس آ..
أشار له عُمران قائلًا:
_روح انت يا حسام وبعد كده لما أيوب يعوز يشوفني يدخل على طول حتى لو كان مين عندي.
غادر السكرتير حائرًا بما يحدث، بينما اتجه عمران لمقعده يتأمل ذاك الذي يسدد قنابله إليه من مكانه فكبت ضحكة كادت بالانفلات منه وهو يشير له قائلًا بسخط:
_هتفضل واقف مبحلقلي كده كتير...اتفضل.
دنى ليجلس على المقعد ونظراته القاتلة لا تحيل عنه،فرفع الهاتف يتساءل:
_تشرب أيه يا عم الارهابي؟
بقى صامتًا يراقبه بغيظٍ يندفع داخله، فردد عمران لمن ينتظر سماع طلبه بالهاتف:
_كوبين من القهوة أعدها في الحال.
ثم اقترب بمقعده المتحرك مقتربًا من الطاولة الفاصلة بينهما، قائلًا بعمليةٍ مخادعة:
_خير يا بشمهندس أيوب.. في حاجة بتشتكي منها وجاي مخصوص تشتكيلي، أتفضل أنا سامعك.
خرج عن صمته أخيرًا، طارقًا بعنف على سطح المكتب الزجاجي:
_اسمع يا جدع إنت متحاولش تلعب بأعصابي وتختبرني كتير علشان صدقني أنا واخد حزام في الكارتيه وأقدر أبوظ خلقتك اللي فرحانلي بيها دي!
تحررت ضحكة منه وقال وهو يقترب متمعنًا التطلع للكدمة الزرقاء المحتضنة لوجه أيوب قائلًا:
_طيب اهدى انت بس عشان العلامة الحلوة دي ميصبهاش بكتيريا وتتنقل لوشك كله.
انتصب بوقفته وصاح بعنفوان:
_الظاهر اني غلطت لما طلعتلك... سيبني مرمي بره بقالي نص ساعة وعايشلي دور رجل الأعمال اللي معندوش وقت يهرش، لا فوق ده أنا أيوب ابن الشيخ مهران!
نهض يجابهه بجمودٍ:
_تو تو اهدى شوية يابن الشيخ مهران.. أخرة الرغي ده كله وبيتقالك ارهابي!! فاسمعني كده وهدي عضلاتك دي، أنا مسمحتلكش تدخل على طول علشان أنا ببقى غبي وغشيم لما بتعصب للأسف فكنت بهدي نفسي قبل ما أتنيل أشوفك بعد العملة السودة اللي هببتها!
وأشار للمقعد مجددًا بتحذير:
_فاهدى كده واقعد.. أنا أساسًا دماغي فيها كلاب صعرانه بتتعارك جوه ونفسها ونفسي أنا كمان معاهم أطلقهم عليك ونخلص!
طوفه بنظرة ساخرة أحاطته من رأسه حتى أخمص قدميه، وفجأة بادر بسحب عمران من جاكيته بقوة كادت باسقاطه على طاولته، فردد عُمران بتهديدٍ:
_متخلاهاش تبقى الناهية يا أيوب!
تركه بغضبٍ واتجه ليغادر فلحق به يناديه:
_استنى يا ابني..
وحينما لم يستجيب له قال:
_طيب والقهوة طيب؟!
تعالت ضحكات عمران وهو يراقب اشتعال ملامحه وهو يتجه للمصعد، فصعد خلفه ووقف جواره صامتًا حتى قال:
_هعنذرلك وأخدك في حصني وأبوس رأسك كمان بس بشرط تصرف نظر عن الجوازة السودة دي!
تنهد أيوب بتعبٍ من عناد عمران الذي مازال يصر على حديثه، فاستدار له يقول بإرهاقٍ:
_يا عمران افهمني حرام عليك فرهدتني معاك، أنا مقدميش حلول تانية... استسلم بقى وارضى بقراري وخليك جنبي الصديق الجدع اللي اتعودت عليه منك.
صوب له نظرة مقززة، واستدار عنه يمسح وجهه عده مرات، ثم عاد إلى مكانه يشير بيده:
_تعالى يالا تعالى أنا قلبي الحنين ده اللي مطمع المعاتيه اللي زيك فيا.
ضحك وهو يحتضنه بفرحة وشعوره المفتقد لوجود شقيق يكبره يعوضه به، شدد عمران من ضمه حتى توقف المصعد وانفتح أمام مجموعة من الموظفين الاجانب، اعتلت الصدمة وجوههم جميعًا وراقبوا ما يحدث بالمصعد بأعين جاحظة جعلت عمران يدفع أيوب للخلف وهو يصيح من بين اصطكاك أسنانه:
_الله يحرقك انت وهي في ساعة واحدة... خسرت سمعتي قدام الموظفين وشوية وهيعلقولي العلم الملون قدام مكتبي!!
وركله لخارج المصعد بعصبية:
_غور مش عايز أشوف وشك تاني.
سقط أيوب من فرط الضحك حتى عمران لحق به ولم يتمكن من السيطرة على ضحكاته. حتى وصلوا لدخل الشركة فسأله باستغراب حينما وجده ينحرف للمصعد السفلي؛
_مش جاي ولا أيه؟
رد عليه وهو يستعد لدلوف المصعد الاخر:
_أنا أخدت عشر دقايق من أستاذ ممدوح وبفضل برودك ووقاحتك بقوا ساعة وهتعاقب عليهم لبكره الصبح فأكيد مش ههرب وأخرج معاك هرجع لاستاذي واشوف اللي يرضيه وأعمله.
رفع عمران يديه للاعلى يدعو بفرحة:
_يارب يعاقبك بشهرين حبس انفرادي معاه تحت وتكون أم قردان دي حلت عننا وفكتها منك.
وعاد يتطلع له بصدمة:
_مصيبة تكون حبتها يابن الشيخ مهران!!! أقسم بالله لو حصل ولعبت بديلك كده أو كده متلومش الا نفسك.. متفكرهاش جوازة وتعيش سامعني!
هز رأسه في يأسٍ في تغير عقليته حتى وآن ظل باقي عمره يحدثه في الأمر، فتركه واتجه للمصعد بصمت بينما غادر عمران والسخط يعلو ملامحه كلما تخيل أيوب النقي.. التقي، مع تلك الفتاة العبرانية!
******
كانت تتابع حالة "آديرا" من وقتٍ لأخرٍ، فاستغلت وجود الممرضة التي استلمت العمل بالعيادة منذ صباح اليوم ووقفت أمام المرآة تتأكد من تناسق طالتها بفستانها الوردي البسيط وحجابها المشابه له، ومن ثم اتجهت لعيادة زوجها المجاورة لعيادتها بعد أن تأكدت من أنها لم تعد مزدحمة منذ ما كانت منذ ساعتين، فولجت لغرفة مكتبه فوجدته يسترخي على مقعده بارهاقٍ وحينما استمع للباب يُفتح استعد بجلسته للقاء القادم فتهللت أساريره حينما وجدها قبالته تتدلل بخطواتها إليه، فردد:
_ليلى!
تجاوزت المكتب وإتجهت لتجلس على ذراع مقعدن قائلة بابتسامة عذباء:
_بقالي فترة بستنى عشان أدخلك.. مكنتش أعرف إن جوزي حبيبي مشهور للدرجة دي!
ابتسم وأحاطها بذراعه إليه:
_جوزك حبيبك محتاج لفترة راحة جوه حضنك ينفع؟
نهضت عن المقعد وهي تشير له بحزمٍ غاضب:
_لا مينفعش.. أنا جايالك هنا زي أي مريضة ودورك تهتم بيا وتشوف مشكلتي أيه مش تحب فيا يا دكتور يا محترم.
ضحك بصوته الرجولي وقال بخشونة مصطنعة:
_طبعًا طبعًا... اتفضلي يا مدام ليلى وقوليلي مشكلتك أيه بالظبط.
جلست قبالته بابتسامة واسعة واستندت على مكتبه تتمعن التطلع به بدرجة أصابته بالفتنة فشعر وكأنه أحمقًا لاستماعه لدلالها، أما هي فقالت بمكر:
_جوزي يا دكتور نفسه يكون عندنا بيبي، فحبيت أجي النهاردة أكشف وأطمن على نفسي، وأكيد حضرتك هتكتبلي على مقويات ومنشطات وأي حاجة تسهل الموضوع ولا أيه؟!
رفع احد حاجبيه ساخطًا:
_منشطات!!
وزفر بنزقٍ:
_عنيا ليكي انتي وجوزك يا دكتورة... اتفضلي حضرتك.
صفقت بيدها بفرحة، واتجهت للفراش تستعد، ويوسف يتابعها بدهشة.
اتجه إليها واستند على العمود المطول مربعًا يديه أمام صدره العضلي، يراقبها وهي تكشف عن بطنها وتضع الملاءة البيضاء من حولها، مرددًا بسخرية:
_وبعدين؟!!! أخرة جنانك ده أيه يا ليلى!
ادعت البراءة هاتفة:
_جنان أيه يا يوسف؟.. مش قولت اتفضلي للكشف فاتفضلت.
هز رأسه بارهاقٍ وأشار لها:
_قومي يا ليلى أنا هكتبلك على تحاليل معينة هتعمليها وهديكي شوية أدوية .
هزت رأسها نافية وبتحدي قالت:
_لأ.. هتكشف عليا الأول وبعدها اكتب زي ما تكتب.
ضحك بسخرية:
_مش ده الجهاز أساسًا!
شددت على طلبها وعينيها لا تفارق خاصته بنظرة بعيدة كل البعد عن المرح:
_عايزاك تكشف عليا بالجهاز ده يا يوسف.
اندهش من طريقتها الغريب. واصرارها، ومع ذلك رضخ لها وجذب المقعد الصغير إليه، ثم وضع الجل الطبي ومرر الجهاز عليها ليريحها هي، ولكن لما لبث حتى جحظت عينيه في صدمةٍ وهو يتابع الشاشة من أمامه غير مصدقًا لما يراه، بينما هي تراقب كل انفعالاته بأعين دامعة وابتسامة واسعة.
تطلع يوسف لها وردد بعدم استيعاب:
_ليلى إنتي حامل!!!!
هزت رأسها تؤكد له رغم أنه طبيبًا ويرى الحمل بوضوحٍ على جهازه، ضحك يوسف بفرحة أدمعت عينيه وجذبها لتنهض أمامه محتضنها بحب ويديه تلتف من حوله ويدور بها بارجاء غرفته هاتفًا بسعادة:
_هكون أب... هشيل ابني أنا بين ايديا!! أنا بأحبك يا ليلى... ده أجمل خبر ممكن بسعدني لباقي حياتي.
ووضعها عن يده وخرج لعيادته فاتبعته باستغراب لتجده يقف بالخارج قائلًا بابتسامة جذابة للممرضة وهو يقدم لها مبلغ من المال:
_وزعي الحلوى اليوم على العيادة بأكملها.. زوجتي حامل وقريبًا سأرزق بابن.
ضحكت ليلى على مظهره وخاصة حينما التف من حوله عدد من النساء الحوامل الجالسات لترقب دورهن.
فطرقت على جبهتها بقلة حيلة والابتسامة تزداد على وجهها.
*******
بمكتب جمال.
فتح باب المكتب واشرأب بعنقه يخبره بابتسامة واسعة:
_فاضي يا بشمهندس؟
استدار للمتحدث هاتفًا بسرور:
_عمران! تعالى.
اتجه ليجلس أمامه واضعًا قدمًا فوق الاخرى بعنجهيةٍ تامة:
_وجودي هنا بشكل رسمي فسيبك من جو الصداقات اللي مبيأكلش عيش ده.. عايزك في شغل.
رفع احد حاجبيه باستنكارٍ:
_شغل أيه ده!!
............ يتبع.....
#صرخات_أنثى... #آية_محمد_رفعت..
التفاعل يا بنات ❤
****___*******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الخامس وثلاثون 35 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الخامس_والثلاثون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "om nour"," Marwa Magde", أبرار محمد.، كريمة رشوان
إيمان صلاح، إيمان عبد اللطيف ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تعجب من ثبات ملامحه الغامضة قبالته، وبالرغم من أنه طرح سؤاله الفضولي حول سبب وجوده بمكتبه وحواره المتعلق بأنه هنا لأجل العمل ومع ذلك مازال ذاك "الطاووس الوقح" يتمادى بصمته، إلى أن ردد "جمال" بنفاذ صبر:
_عمران أنا أساسًا متوتر من غير حاجة... بكره عملية أمي ولسه دابب خناقة مع صبا قبل ما أنزل الشركة فأرجوك بلاش تختبر أعصابي ببرودك المستفز ده!
حرر زر جاكيته ورفع ساقًا فوق الأخرى بتعالي:
_مستغربك بجد!! وأنا أيه علاقتي بأمورك الشخصية ولا إنت متعود تحكي لكل عميل عندك عن سبب توترك!
تجعد جبينه بدهشةٍ من الجدية التامة التي يتحلى بها الأخير وكأنه بمقابلة عمل، فصاح بنزقٍ:
_عابز أيه يا عمران لخص!
أخرج من جيب جاكيت بذلته الفخمة فلاشة صغيرة قدمها إليه، جذبها منه جمال باستغرابٍ، ولكنه أثر صمته عن سؤاله بما لا يجيد الاخير اجابته.
جذب حاسوبه ووضع به الفلاشة ليتابع ما عليها باهتمامٍ، تسللت ابتسامة صغيرة على وجه جمال وعاد بها لرفيقه يخبره بفخرٍ وفرحة تنم عن حبه الخالص إليه:
_ده تصميم المول التجاري اللي هيتعمل هنا في لندن.. مشروع ضخم وتقيل فرحت جدًا إنهم اختاروا شركاتك تنفذ المشروع ده مع إن كان الأغلب مستبعد إن اللي يأخد المشروع ده شركة عربية البعض أجزم إنهم هيتعاملوا مع شركة أجنبية تتبنى المشروع لحد ما اتشاع إنهم احتاروك للمشروع ده الصدمة نزلت جامدة عليهم بس أنا متفاجئتش إنت تستحق كل خير يا عمران.. تعبك ومجهودك المتواصل في مجال الهندسة والمعمار وخصوصًا الفروع الجديدة اللي خليتك تستغنى عن اللجوء لأي مهندس إنشائي أو مهندس ديكور أو حد يكمل وراك الشغل ده خلى العيون كلها عليك.
تنمق عن شفتيه ابتسامة صغيرة وهو يطالعه بنظرة مطولة، فاستطرد جمال باستغرابٍ:
_بس أنا مش فاهم ليه جايبلي التصميم المعماري للمشروع!
وتابع بعد تفكير:
_حابب تأخد رأيي فيه مثلًا؟
كسر قاعدة صمته قائلًا:
_أنا مش داخل المشروع ده لوحدي.
زوى حاجبيه بدهشةٍ:
_في حد معاك يعني!
صمت الأخير مما دفع جمال يستكمل:
_أوكي المشروع ضخم ووارد تحتاج لحد معاك يساندك بس أنت لوحدك بشركاتك كفايا يا عمران... ومعاك الميزانية اللي تأهلك تشيله لوحدك.
أنهى وصلة تفكيره المتواصلة مطلقًا قنبلته بوجهه:
_إنت اللي هتكون معايا في المشروع ده يا جمال.
رمش بعدم استيعاب لما يقول، وحينما بدأ باستيعاب ما قال سحب الفلاشة من حاسوبه ووضعها قبالته قائلًا بجمودٍ:
_آسف مش هقدر.
مزق شفتيه السفلى من فرط ضغط أسنانه المغتاظة عليها، وصاح منفعلًا:
_مش هتقدر ليه إن شاء الله!!
عاد يستكمل عمله على الحاسوب وهو يخاطبه بصفة رسمية:
_عرضك مرفوض.. شرفتنا يا بشمهندس.
نهض "عمران" عن مقعده يغلق الحاسوب من أمامه هاتفًا بحنقٍ:
_وحياة أمك!! بتطردني يا جمال!
كبت "جمال" ضحكة كادت بالتسلل لشفتيه وصاح مداعيًا براءته الكامنة:
_مش إنت بالبداية قولت إننا نركن الصداقة على جنب وإنك هنا بصفة رسمية عشان نتكلم في الشغل وبس! زعلان ليه دلوقتي!!
ترك محله بعدما فشل بترويض غضبه، فجذب جمال من تلباب ملابسه هادرًا من بين اصطكاك أسنانه:
_النية كانت النقاش بينا بشكل ودي وراقي الفعل هنا إنك هتنضرب وحالًا.
سدد له لكمة قوية أعادته لمقعده الهزاز مجددًا، فاحتضن جمال عينيه بألمٍ وبعينه الأخرى يمنحه نظرة محتقنة بثورة غضبه القاتل.
انحنى تجاهه عمران يحرك رقبته يمينًا ويسارًا مصدرًا صوت طرقعه مخيفة، وسحب نفسًا مطولاً وأطلقه بتنهيدة ثقيلة راسمًا بسمة لم تمس أوتار عينيه ولا معالمه:
_بشمهندس جمال أقدر أعرف عرضي مرفوض ليه؟
دفعه جمال للخلف ونهض يقابله بضيقٍ:
_لإني عارف مغزى عرضك ده يا عمران.
وتابع ومازال يلتحف برداء الثبات المخادع:
_مشروع ضخم زي ده يوم ما تحب تدخل شريك فيه المنطقي هتلجئ لشركة كبيرة ليها إسمها وتقدر تساندك وأعتقد أحمد الغرباوي أو نعمان الغرباوي أكتر اتنين مناسبين ليك ولو انت مش حابب يجمعك بعيلتك أي شغل يبقى المفروض تدور على شركة كبيرة تضيف ليك مش تنزلك!
كتم غيظه من حديثه الذي يستهان من قدرته، وردد بهدوءٍ:
_وإنت شايف إنك هتنزل من مكانتي يا جمال؟
عاد لمقعده يجيبه باتزانٍ وصلابة:
_لا طبعًا.. بس إنت عارف إن شركتي صغيرة ومتقدرش تتحمل ميزانية مشروع ضخم زي ده، يمكن لو من فترة كنت هقدر أدخل شريك معاك لكن حاليًا مقدرش.
وتابع وهو يشير له باستنكار متعجب:
_إذا كان إنت بنفسك اللي شايل تكاليف عملية والدتي لإنك عارف الظروف!!
سحب عمران أحد المقاعد وإتجه بها ليجاوره، قائلًا:
_أنا همول للمشروع ولما نحصد الأرباح هأخد منك المبلغ اللي صرفته.
هز رأسه نافيًا بجنون ما يقول فأسرع عمران بالحديث في محاولة لاستعطافه:
_جمال أنا محتاجك معايا انت وفريقك المشروع ده لو اتنفذ صح شركاتنا هتكون وجهة عالمية إنت مش متخيل أهمية المول ده وموقعه!
استدار بمقعده المتحرك ليكون قبالة جسد رفيقه يخبره:
_هساعدك بكل اللي أقدر عليه بس من غير عقود ولا شراكة، أنا رقبتي ليك يا عمران لكن أرجوك بلاش كده.. احنا من يوم ما دخلنا المجال ده وأنا شرطت عليك إن كل واحد فينا يكون مستقل عن التاني وانت احترمت رغبتي طول السنين دي هتيجي دلوقتي وهتعمل شيء أنا مش راضي عنه، لإن ببساطة العرض ده جاي لاسمك إنت بسبب تعبك ومجهودك الكبير مينفعش أدخل معاك شريك بالغصب وأشاركك نجاحك وتعبك!! متخيل إني أرضالك بالخسارة يا صاحبي!
احتدت معالمه بغضب جامح، وصاح بعنفوان:
_لما مراتي اتهانت في بيت آشيلي بتخطيط من آلكس وقتها طلبت منك تسحب تعاملاتك مع جوزها وبالرغم من إن ده سببلك خساير كتيرة وأكتر من حد خاف يتعامل معاك تسحب اتفاقك زي ما عملت مع جوزها وإنت كنت عارف إن كل ده هيحصلك بس مترددتش ثانية واحدة ووقفت معايا وفي ضهري ورفضت تأخد فلوس الشرط الجزائي اللي دفعتها لوليام فجاي دلوقتي وبتلومني على أيه يا جمال؟؟
ونهض يطرق على سطح المكتب الزجاجي بعصبية بالغة:
_المشروع ده هيجمعنا مع بعض ولو مكونتش معايا فيه ميلزمنيش وإنت عارف إني أد كل كلمة خارجة مني مات الكلام!
انتصب جمال بقامته قبالة الاخير، يهاتفه بدهشة:
_انت بتقارن أيه بأيه؟ بطل تكون عنيد ومتسرع أنا قولتلك إني معاك وهساندك بس مش هقدر أكون شريك كمان أنا الفترة الجاية هكون مشغول مع أمي مش هكون متفرغ!
ضحك ساخرًا:
_دورلك على حجة مقنعة طيب!
زفر بضجرٍ، فقال عمران باصرار:
_يا تكون معايا يا هلغي العقد وانت عارف الاضرار اللي هتطول شركتي لو عملتها.... ها معايا ولا فركش؟
نزع رابطة عنقه وألقاها أرضًا بشراسة ونظراته تكاد تحرق من يقابله، وردد بنزقٍ:
_بني آدم مستفز.
قال ببرودٍ:
_مسمعتش ردك؟
جذب جمال كوب المياه من جواره وألقاه تجاه عمران الذي تفاداه بمهارةٍ وصاح به:
_والله او كسرت المكتب كله ولا يفرق معايا.
وردد مجددًا:
_معايا ولا فركش يا جيمي؟
عانقت يديه وجهه تمسحه عدة مرات فابتسم عمران بخبث وهو يخرج من حقيبته الجلدية ملفًا بني اللون، وضعه قبالته وسحب أحد الأقلام ليضعه بيد جمال المندهش فتساءل:
_ده أيه؟
رد عليه بابتسامةٍ واسعة:
_العقود يا حبيبي.. أنا عامل حسابي لا تفكرني هأخد منك كلمة تسكتني بيها وتخلع عيب عليك ده أنا عمران الغرباوي!
ووجه اصبعه لمكان التوقيع قائلًا:
_وقع هنا يا جيمس!.
زم شفتيه بغيظٍ فغمز له عمران مرددًا كالبغبغاء:
_لو موقعتش مش داخل وهكون بكده بسحب كلمتي مع الناس وإنت عارف بقى ده هيتسببلي في أيه ترضهالي جدع؟!
وجد ذاته يحرك قلمه مدون توقيعه وفور أن انتهى سحب عمران الملف مهرولًا للخارج بابتسامة منتصرة بينما جابت أعين جمال الفراغ ناطقًا بعدم تصديق:
_أنا وقعت ازاي!
******
حملت متعلقاتها فور انتهاء المحاضرة واتجهت للمغادرة، هبطت "زينب" الدرج ومازالت علامات الضيق تحتل ملامح وجهها الرقيق، خشيت أن ما فعلته قد أثار شكوك "علي" تجاهها، خرجت من المبنى واستكملت طريقها للبوابة الخارجية فتسلل لها صوتًا ذكوريًا مألوفًا:
_دكتورة زينب!
رفعت عينيها عن الأرض تتطلع لمن أمامها، فوجدته ذاك الوسيم الذي تعرضه لها الصدف لطريقها المظلم، يبتسم فيزيد من خفقات قلبها الضعيف، والآن يقترب حتى يقف قبالتها فيتسلل لها رائحة البرفيوم الجذابة التي تعتادها منه.
توترت بوقفتها أمامه وخاصة حينما سألها باهتمامٍ:
_ماشية ولا أيه؟
اكتفت بهزة رأسها وتحاشته لتغادر فلحق بها "سيف" مندهشًا من توتر ملامحها وفرارها الملحوظ وكأنها رأت شبحًا، فناداها مجددًا:
_دكتورة زينب!
وقفت محلها ضاغطة بأسنانها على شفتيها السفلية بضيقٍ وحينما شعرت باقترابه إليها مجددًا استرخت ملامح وجهها المشدود ووجهت له وقاحة غير مسبقة:
_خير يا دكتور سيف؟! واضح جدًا من طريقتي إني مستعجلة وحضرتك مصمم إني أقف معاك!!
ضيق عينيه بذهولٍ من طريقتها وبالرغم من فظاظتها الا أنه سألها بقلقٍ من أن يكون أحدٌ تعرض لها:
_مالك يا زينب إنتِ كويسة؟
سددت نظرة حازمة لعسلية عينيه وحاربته بقسوة:
_دكتورة زينب ياريت مترفعش الألقاب بينا ومتنساش إن اللي بيجمعني بيك موقف كنت فيه شهم معايا وشكرتك مرة واتنين يعني خلصنا.. فمن فضلك ابعد عني لآن قربك ده مهد لأخوك إن في شيء بينا فطلبني من علي ليك!!
تلاشت ملامحه الهادئة خلف عاصفة أوقظتها تلك البلهاء، فمال بالبلطو الطبي على ذراعه واعتدل بوقفته قبالتها يرد على اهانتها:
_أنا بعتذرلك إني تجاوزت معاكي وشلت الألقاب يا دكتور أوعدك إنها مش هتتكرر تاني، وبعتذرلك مرة تانية على موقف أخويا وتأكدي إني لو كنت أعرف إني لو وقفت معاكي بالحفلة ده هيخلي يوسف يتقدم لعلي بشكل رسمي مكنتش حضرت الحفلة من الأساس.. عن إذنك.
تركها وغادر وأوردته تثور بها دمائه كالحمم البركانية بينما هي حررت تلك الدمعات الحارقة عن مقلتيها، فانتابها ألمًا قاتلًا جعلها تشعر بالعجز، فتشت زينب من حولها فوجدت أريكة معدنية تجوب أطراف الجامعة كاستراحة للطلاب، اتجهت إليها بخطواتٍ غير متزنة ورؤية مشوشة من فرط بكائها، ليحين دور الذكريات المؤلمة لتخطتفها دون رأفة بحالتها.
##
تخلت عن صمتها وارتشحت بعزيمتها لمواجهته بعد أسابيع من الصمت، كانت تخرج برفقته طوال الأيام الماضية وكلما حاولت أن تحرر سؤالها إليه كان يتحجر على طرف لسانها الثقيل، واليوم تشعر بأنها استكفت من الصمت.
اندهش "يمان" من صمتها الغريب حتى أنها لم تستمع لحديثه المطول لها عن رحلته لمصر وعودته للمغرب مجددًا إليها، فكانت تقلب بالملعقة كوب الشاي من أمامها وعينيها شاردة بالفراغ، فناداها بقلقٍ:
_مالك يا زينب؟
رفعت عينيها المحتقنة إليه ورددت بما تدفنه داخلها:
_يمان إنت اللي ضربت أخويا بعربيتك؟
لم تتأثر ملامحه الباردة بما تفوهت به، بل سحب كوبه يرتشفه بجمودٍ تام مما عزز الرعب داخلها، فتلعثمت بقولها:
_ساكت ليه.. ما ترد؟
ترك كوبه وانحنى على الطاولة المستديرة الفاصلة بينهما متعمدًا الاطالة بالنظر لعينيها قبل أن يخبرها دون ندمًا:
_قرصت ودنه علشان يبقى يمد إيده عليكي تاني ولو اتكررت المرادي هتكون بموته.
جحظت عينيها صدمة وتعصبت حركة جسدها، فأسقطت يدها كوب الشاي الساخن فهوى على ساقيها، ارتدت زينب للخلف وهي تبعد فستانها عن ساقيها بألمٍ ومازالت عينيها متعلقة به بخوفٍ، فانتابتها نوبة من البكاء والرعشة تجعل جسدها كالثليج.
تراجعت للخلف بخوفٍ حينما وجدته يقترب منها بالمحارم في محاولة لمسح الشاي عن فستانها، فرفعت أصابعها إليه تشير له:
_خليك مكانك آآ... أنا هنضف الفستان في الحمام.
قالتها وفرت لحمام السيدات بعدما جذبت حقيبتها، ولجت للداخل تضع الحقيبة قبالة المرآة لتنخرط بنوبة من البكاء وهي تتأمل انعكاس صوتها ويتردد لها جملته المخيفة.
الخوف هو المحيط لها من تلك الشخصية التي بدأت بالسطوع إليها لتكشف جانب حالك، مخيف، لا تعلم ماذا حدث لها فور أن نطقها بوجهها شعرت وكأنها تود الفرار من أمامه فتعمدت اسقاط الكوب عليها لتهرب للمرحاض والآن تستعيد قوتها لتنجو من براثينه، فهرولت من باب المطعم الخلفي مستقلة سيارة أجرة لتعود لمنزلها بعدما أغلقت هاتفها.
انزوت على ذاتها بالفراش وهي تبكي بخوف كلما عادت كلماته لذكراها، ربما كانت بحاجة لوجود رجلًا يحميها من بطش أخيها ولكن ليس بالضرورة يكون قاتل فبالنهاية من سيقتل؟ إنه أخيها بنهاية الأمر! .
بداخلها شعورًا أنه عدائيًا بدرجة تطلب منها الخوف والحذر من قربه ولكن ماذا ستفعل بقلبها العاشق له؟!
انتفض جسد زينب بعنف لذكرى هذا اليوم التعيس لها، فاهتز جسدها بعصبية وعينيها تفتش من حولها بذعرٍ، تخشب جسدها على الأريكة المعدنية ولم تقوى حتى الخروج من الجامعة، كأنها باتت عاجزة عن الحركة، تراقب رحيل الطلاب ببكاء وعقلًا شُل عن التفكير، كل ما تتمناه عودتها لشقيقتها ولكن كيف ومتى لا تعلم!
انتهى "سيف" من محاضرته واستعد للرحيل ومازال يشعر بالضيق لما تلقنه منها، فحمل كتبه والبلطو الطبي على ذراعه ثم أتجه للمغادرة.
اندهش حينما وجدها مازالت بالجامعة، ظنها رحلت منذ الساعتين التي تفرقا بهما، بدد معالمه بحزمٍ وجمود وكاد باستكمال طريقه ولكنه ما أن خطف نظرة سريعة إليها حتى توقف عن المضي قدمًا، رؤية بكائها مزق فؤاده وشل حركته التي تلتحف بالبرود وعدم اللامبالة بها، فكور قبضة يده بغضب من عدم تمكنه بالسيطرة على عاطفته، فوجد ذاته يستدير لها يناديها بصوته الحنون:
_إنتِ كويسة؟
رفعت رأسها إليه فارتسمت بسمة عابرة من وسط سحابة أمطار عينيها، كالتائه الذي لا يعلم أين مبتغاه، همست بصوتٍ متحشرج منخفض:
_سيف!
طُرب قلبه وتذبذب خفقاته من تلك النظرة المتلهفة التي تواجه عسليته، ونطقها لاسمه بذاك الحنين كاد أن يفقده صوابه، حك طرف أنفه بحرجٍ مما يواجه هنا، وتنحنح بخفوت:
_مروحتيش ليه؟
أخفضت عينيها تبكي بصوتٍ كان مسموعٍ له، فاسرع ليجلس على بعدٍ مناسب منها:
_مالك؟ حصل حاجة؟!
استدرت له ورددت ببكاء:
_مش عارفة أروح ونسيت أقول لعلي على معاد خروجي.. حتى موبيلي نسيته!!
لم تكن حجة مقنعة لبكائها الشديد هذا، ولكنه حاول أن يطمنها قائلًا:
_متقلقيش أنا موجود جنبك ومش هسيبك.
رفعت أهدابها لتقابل عينيه المهتمة بها، فقال وهو يستقيم بوقفته:
_اركبي التاكسي معايا هوصلك وبعدها هروح.
هزت رأسها باستسلامٍ غامضًا إليها، ونهضت دون أن تعي لما تحمله على ساقيها فسقطت حقيبتها وكتبها وأغراضها أرضًا، فانحنت تلملم بارتباك ورعشة كل ما تتلقفه يدها.
أمرها سيف بحزمٍ وهو يتطلع من حوله:
_متوطيش.. قومي أنا هلمهم!
انصاعت إليه وتركت ما بيدها ونهضت واقفة، فانحنى هو يلم أغراضها بضيق من انحنائها هكذا أمام الشباب من حولها، غيرة غريبة تجتاحه بقوةٍ فأشعلت به لهيب العشق الخالص لها، لطالما كان حازمًا، صارمًا، لا يتهاون مع أحدٌ طال بكرامته وكبريائه، وبعد ما فعلته به منذ ساعاتٍ كان يقسم بأنها لا تعنيه بعد اليوم، ولكن بمجرد رؤيتها هكذا لان قلبه كالأم التي تستشيط غضبًا على أبنائها وفور أن يمس أحدهم سوءًا تكون أول من تهرول إليه!
انتصب بوقفته بعدما جمع كتبها وحقيبتها، واحتفظ بهم مع أغراضه لشعوره برعشة يدها وارتباكها الغريب، كونه طبيبًا يعلم بأن حالتها وبكائها هذا خلفه سببًا عظيمًا وليس ما قالته هي له.
لحقت به زينب للخارج ووقفت خلفه كالابنة التي تلحق أبيها، حينما ينجرف جانبًا تلحق به دون تفكير أو تسديد رؤيتها إلى أين يذهب؟
أوقف "سيف" سيارة الأجرة وفتح لها الباب الخلفي بينما استقر هو جوار السائق وألقن إليه منزل عمران الذي سبق وزاره برفقة أخيه مرات عديدة.
وإن طال الطريق كان قصيرًا وهو يتأمل انعكاسها بالمرآة الأمامية، مازالت مجهدة يبدو عليها أثر البكاء فكانت تزيل دمعاتها من وقتٍ للأخر، حتى أنها لم تنتبه لتوقفت السيارة أمام المنزل إلى أن نبهها سيف بصوته الدافيء:
_وصلنا.
انتبهت له وهبطت تتجه للداخل ولكنها عادت تقف قبالته تجاهد لرفع عينيها إليه، وحينما فشلت وضعتها أرضًا ورددت بحرجٍ:
_أنا آسفة على الكلام اللي قولتهولك أنا بس كنت مضغوطة شوية.
ورفعت عينيها إليه تستكشف مفعول كلماتها عليه وحينما وجدته جامدًا استطردت:
_وشكرًا لإنك وبالرغم من اللي عملته معاك ساعدتني ومتخلتش عني.
سحب الهواء لأنفه وكأنه ينعش ذاته، وانحنى للخلف يجذب أغراضها وقدمها إليه قائلًا بنبرة جامدة:
_أنا معملتش غير الواجب.. اتفضلي حاجتك.
التقطتها منه بحزنٍ فعلى ما يبدو لم يتقبل اعتذارها، عاد سيف لمقعده آمرًا للسائق بالتحرك وبقيت هي تراقبه بندمٍ لما تفوهت به إليه، عليها الاعتراف بأنه يتسلل داخلها ببطءٍ لدرجةٍ جعلتها تشعر بالخوف من أن يعود ذاك الداء القاتل لقلبها، فإن عاد يخفق بالحب ربما سيعود بها لذاك المطاف المغلق!
*******
انتهى من محادثته المتبادلة مع رفيقه من مصر، يعلمه بها بأنه سيسافر لمصر الاسبوع القادم ليختار فريق المركز الطبي بذاته، أغلق "علي" حاسوبه وانتبه لزينب التي تقف على باب مكتب المنزل تتردد بالدلوف إليه، فنهض عن مقعده ودنى إليها متسائلًا:
_رجعتي أمته يا زينب؟
تجاهلت سؤاله واتجهت إليه باكية تردد بجملٍ غير منتظمة:
_أنا آسفة على طريقة كلامي معاك يا علي، إنت صح أنا فعلًا بحاول أداري اللي اتعرضت له.. أنا كان في حياتي حد يا علي.. حبيته واتعلقت بيه بس حبه ضرني وخلاني أعيش في اضطراب وخوف وكره لنفسي ولكل اللي حواليا.
وتابعت بارتجافٍ مرضي:
_بخاف أوي يا علي بحس إنه حواليا ومعايا في كل مكان، بخاف لما حد بيقربلي.. علي أنا هربت من المغرب وسافرت القاهرة شهرين وقدر يوصلي، هربت المرادي على هنا وأنا متأكدة إنه هيوصلي بردو كلها مسألة وقت.. مسألة وقت يا علي.
الصدمة لم يتلاقها علي فحسب، بل كانت نصيبها الأكبر لذاك الذي عاد للمنزل بعدما انتبه لدفترها الملقي على مقعده فأمر السائق بالعودة، وحينما دق باب المنزل أستقبلته فريدة وأخبرته بأن عمران بالخارج وعلي هو الذي بالداخل بغرفة مكتبه، فأشارت له على مكانها وطالبته بالدخول فكان بطريقه للداخل ليمنحه دفترها وبداخله عزيمة ليعرف من علي أي شيء عن حالتها الغريبة تلك، فشُلت قدميه فور سماعه ما قالت، فاستند على الباب الزجاجي يغلق عينيه بقوةٍ ويستمع لها تخبره:
_هيقتلني يا علي... يمان هيقتلني لو وصلي المرادي.
عجز علي عن السيطرة عليها، فردد برزانة:
_اهدي يا زينب... مفيش مخلوق يقدر يمس شعرة منك وانتي هنا وسطينا.. اهدي وخدي نفسك عشان حالتك متسوئش.
هزت رأسها نافية واستندت على ذراعه حينما تمايل جسدها، لتحرر ما كبت داخلها حتى وإن كان مبعثر، غير منتظم كحالتها:
_خدعني ودخل حياتي.. رسم عليا الحب ووعدني إنه هيحميني بس الحماية دي طلعت مؤذية أوي يا علي، أي حد بيقربلي بيأذيه، أخويا رفع إيده عليا ضربه بعربيته وأخرهم واحد عكسني وأنا معاه ضربه بالنار قدام عيني، ولما طلبت منه يسبني هددني بمية نار وكان هيعتدي عليا لولا إني هربت منه.
وسقطت على ركبتها تردد بانهيارٍ:
_ كل ما بهرب منه بيلاقيني وبيعاقبني.. المرة اللي فاتت هددني إني لو هربت هيقتلني وأنا هربت منه.. كرهته وكرهت الحب وكرهت التملك اللي عنده... كرهت حياتي يا علي ومقدرش أحكم على شخص محترم زي سيف بالموت.. هو ميستهلش الأذية دي يا علي... يمان هيقتله وهيقتلني!
تأثر بها علي، فربت على ظهرها بحنانٍ وهو يحاول تهدئتها:
_ أقسم بالله قبل ما ايده تلمسك لأكون قطعهاله.. أنا مش قولتلك قبل كده أنا أخوكي وسندك.. اطمني يا زينب انتي مش لوحدك.
تعالت شهقاتها بانكسارٍ وفاضت إليه برعشةٍ اهتز جسدها بأكملها إليها:
_أنا حاسة إني عايشة في كابوس ومش قادرة أصحى منه يا علي، نفسي أتكلم وأخرج اللي جوايا بس مقدرش أشيل فاطمة أكتر من اللي شيلاه.
أمسك بها وعاونها على الوقوف متعمدًا الضغط على حروفه:
_زينب بلاش تعيشي نفسك في الضعف ده اللي فات من حياتك ادفنيه ومتخلهوش يأثر عليكي، أنا جاهز أسمعك وأساعدك بس مش وانتي في الحالة دي.. عايزك قوية زي ما اتعودت أشوفك.
منحته ابتسامة صغيرة وهي تهز رأسها بخفوتٍ، فتابع وهو يشير لها:
_يلا ادخلي اغسلي وشك في حمام المكتب مش عايز فطيمة تشوفك وانتي في الحالة دي.
تحاملت على ذاتها واتجهت للحمام الصغير التابع لغرفة مكتبه ونظرات علي تتابعها بحزن حتى اختفت للداخل.
بينما بالخارج ابتلع تلك الغصة القاتلة التي استحوذت عليه، يعلم بأنه لم يصل لدرجة الحب فيما بينهما، ربنا أُعجب بها منذ لقائهما الأول ووجدها زوجة مناسبة إليه من عدة مناظير، ولكن الآن يشعر بالحزن والشفقة عليها.
حرك كتفيه وكأنه يعدل من هيئته مستعيدًا ثبات ملامحه الرجولية، طرق على الباب الزجاجي مرتين متتاليتين ومن ثم ولج للداخل يرسم ابتسامته الزائفة:
_دكتور علي.
نهص علي عن مقعده بابتسامته البشوشة، قائلًا بدهشةٍ:
_سيف مش معقول!
صافحه بترحابٍ فرفع سيف الدفتر إليه يبلغه بحرجٍ:
_الدفتر ده وقع من دكتورة زينب بالجامعة كنت هديهولك بالليل لما تيجي عشان حوار أيوب بس كنت لسه قريب من البيت.
التقطه منه علي بامتنان بدى بنظراته قبل نبرته:
_شكرًا لاهتمامك يا دكتور سيف.. وبمناسبة لقائنا فانتظرني نص ساعة بس أغير هدومي وأجي معاك نفوت على المحامي ونطلع على الشقة.
جذب المقعد المجاور لمكتبه وهو يجيبه:
_خلاص هستناك ونروح سوا.
منحه ابتسامة جذابة وإتجه لباب الحمام الموصود يطرق عليه وهو يناديها بلطف خشية من أن يصعد للأعلى فتتفاجئ بسيف بالخارج:
_زينب انتي كويسة؟
تابعه سيف باهتمام رغم أن نظراته منصوبة للامام، فتحت الباب وهي تجفف وجهها بالمناديل الورقية:
_بقيت أفضل يا علي.. تسلم.
قدم لها ما بيده وأشار تجاه المقعد القريب منهما:
_دكتور سيف جابلك الدفتر ده بنفسه.
رفعت مقلتيها تجاه ما يشير فتفاجئت بسيف يجلس وهو يوليها ظهره، تناولته من يد زوج أختها ورددت بتوتر:
_شكرًا على تعبك يا دكتور.
تنحنح بخشونة يجيبها دون أن يلتفت:
_العفو.
جذبت زينب باقي أغراضها وصعدت للأعلى، واتبعها علي بعدما هاتفه:
_مش هتأخر يا سيف.
قال الاخير وهو يعبث بهاتفه:
_خد راحتك يا دكتور.
صعد علي للأعلى وتبقى سيف شاردًا فيما استمع اليه منذ قليل وبداخله اصرار وعزيمة على أن يرافقها بطريقها للنهاية حتى وإن كان مطعم بالعوائق والصعاب!
******
مررت أصابعها حول سلساله الجلدي الأسود بشوقٍ وحنين إليه، تفتقده بشكلٍ يجعلها تود البكاء دونه، جذبت "شمس" هاتفها وآرسلت إليه رسالة وهي لا تملك الأمل بأن يجيبها
«آدهم أنا عايزة أشوفك.. عشان خاطري محتاجة أتكلم معاك.»
ألقت هاتفها وهي تضم السلسال إليها الى أن أتاها صوت رسالته التي أحيت نبض قلبها
«خير يا شمس.. في حاجة؟»
ردت عليه
«هو في أكتر من إني أكون محتاجالك يا آدهم!!
بقولك عايزة أشوفك صعبة دي!!»
أجابها على الفور
«شمس سبق وأتكلمنا وقولتلك مينفعش نتقابل ولا نشوف بعض لحد ما أجي عندكم البيت وأقابل فريدة هانم ودكتور علي وأطالبك بشكل رسمي، أنا مش الانسان اللي بيخالف عادتنا وتقليدنا وقبلهم أخلاقي اللي اتربيت عليها من فضلك قدري ده ولو في شيء مهم قوليلي حالًا»
كتبت بعصبية كادت باحراق هاتفها
«أنت ليه بتبالغ بالشكل ده!! وليه بتحسسني إني لما هشوفك هعمل شيء يشيلك ذنوب أو يقلل من أخلاقك.. خلاص يا آدهم أنا اللي مش عايزاك ولا عايزة أشوفك..»
وأغلقت هاتفها ودموعها تنهمر على خديها بألمٍ، تشعر وكأن ما يفعله ليس الا تهربًا منها على الرغم من أنه طلب بالزواج منها من فريدة، ولكن ابتعاده التام عنها دون أن يحدثها حتى يزعجها ويجعلها تشعر بأنه لا يرغب بها وكأنها من فرضت ذاتها عليه!
*****
صف عمران سيارته أمام شركته ينتظر أيوب الذي خرج إليه مبتسمًا، احتل المقعد المجاور إليه فتحرك به عمران وهو يسيطر على أعصابه المشدودة بصعوبة بالغة.
تعجب أيوب من صمته الغريب ولكنه كان أفضل من أن يمنحه سباب لازع ومواعظ ستعيق بينهما الاجواء.
خاب أماله حينما ضغط عمران الفرامل بكل قوته جعلت الاخير يكاد يرتد للأمام من توقفه المفاجئ،استدار عمران إليه يخبره بنبرة شبيهة بالرجاء المنفر:
_راجع نفسك يالا.. لو مش لاقي أي حجج أنا ممكن أخطفك كام يوم عشان يكون معاك سند قوي للحلفان انك اتخطفت فعلًا.
مرر يده على جبينه وهو يستند للخلف بإرهاق لحق همسه الخافت:
_تاني يا عمران.. تاني!!!!
وتهدل ذراعه بانهاكٍ تام مسترسلًا:
_أنا تعبت أقسم بالله تعبت من الكلام والتبرير ليك... أقولك نزلني أركب تاكسي أفضل من التعب ده.
جذبه بغضبٍ شرس:
_اتلقح مكانك لأعلم عليك... متسربع على أيه بروح أمك!!!
مرر يده بخصلات شعره الطويل يحاول تقبل الأمر للمرة المائة والحادية والعشرون وحينما فشل استدار إليه يجذبه من تلباب قميصه بعنف:
_اتجوزها يا أيوب بس وأقسم بالله العلي العظيم لو استهبلت فيها وقربت لبنت ال*** دي لأكون قاتلك.. الجوازة معروف سببها يبقى تسيطر على نفسك كده وتخليك بعيد سامعني يابن الشيخ مهران؟
انفجر ضاحكًا وهو يهز رأسه موافقًا حتى أدمعت عينيه فدفعه عمران لمقعده وعاد للقيادة بانفعالٍ من صوت ضحكاته الصاعدة، طرق أيوب كفًا بالأخر وقال ساخرًا:
_كنت بتلوم على سيف وغيرته عليا إديك قلبت على الزوجة اللي خايفة جوزها يدخل على ضرتها!!
لكزه عمران هادرًا بغضبٍ:
_اظبط بروح أمك.. تحب أركن على جنب وأنزل أوريلك الرجولة اللي على أوصلها وبعدها ابقى قابلني لو كان فيك حيل تخطي نحية اليهوديه بنت ال** دي!
وتابع وهو يتحكم بالمقود:
_أنا نفسي أفهم عرفتها من أنهي داهية دي، مالقتش الا عمها شغال في الجيش الإسرائيـ**لي، ده سفاح يا ابني!!
تنهد أيوب بتعبٍ، فمال على النافذة يتحكم بصمته تاركًا عمران يخرج ما بداخله مستنزفًا كل مجهوده في محاولة لاقناعه، وبالرغم مما بذله الا أنه وجده يتثاءب ويغلق عينيه استسلامًا للنوم مما جعل الاخير يقتاد غيظًا، فانحنى يجذب زجاجة المياه وفك غطائها بفمه ملقيها على وجه الأخير وهو يصيح بغضب:
_هو أنا بحكيلك حدوتة قبل النوم بروح أمك!!!!
زفر أيوب بحنقٍ:
_يادي روح أمي اللي انتي مسكهالي آه لو الحاجة رقية سمعتك هتخليني أقطع علاقتي بيك، اذا كانت منعتني من نزول الحارة لمجرد إن واحد من اصحابي قالي شتيمة بريئة أمال لو قعدت معاك شوية هتعمل أيه؟
منحه نظرة ساخرة مضيفًا بعنجهية:
_ادعي ربنا إنها متقابلنيش، هتزور إنت وأبوك محكمة الآسرة لأول مرة، عمران الغرباوي بيبقى جنتل مان وقت ما بيحب وده هيخلي قلب الحاجة ميشوفش غيري..
واستطرد وهو يعدل بذلته بغرور:
_وجودي هنا بعيد عن مصر مانع كوارث كتيرة هتحصل لو نزلتها.. هتلاقي محكمة الآسرة بتروج من كتر قواضي الطلاق لدرجة إنهم هيبوسوا ايدي إني أرجع لندن وأرحمهم!
زوى أيوب حاجبيه بتهكمٍ، فهز عمران رأسه حالفًا:_آه والله يا ابني.. ومش بعيد تلاقي القاضي واقف مع التيم ومش لاقي اللي يحكم في قضيته هو كمان لإن مراته انضمت لمعجبات عمران سالم الغرباوي.
ابتسم أيوب وصاح بنزق:
_عمران انت حد قالك قبل كده إنك مغرور؟
غمز له بمشاكسة:
_لأ.. اتقلي إني وسيم وجذاب ومعاكسات تانية من الحريم عيب تسمعها وإنت في السن ده!!
تمادى في الضحك وهو يهز رأسه بقلة حيلة مرددًا:
_انت مش طبيعي!!
*******
اجتمع الشباب بأكملهم بشقة سيف، وبعد أن جهز المحامي عقود الزواج تم عقد زواج أيوب على آديرا بشكلٍ قانونيًا، فاستغل عمران وجود محامي عائلته وجعله يجهز أوراق تخص فض الشراكة بينه وبين نعمان الغرباوي، فاتفقا على أن يزورهم المحامي بالغد بعد أن يجهز الاوراق، وفور أن غادر جلسوا جميعًا بالصالون تاركين ليلى بالداخل برفقة آديرا تنتظر ما سيفعلونه الآن.
حطم آدهم جلسة صمتهم بعد أن أخرج من جيب جاكيته الأسود مفتاحًا وضعه على الطاولة الموضوعه بالمنتصف قائلًا:
_ده مفتاح شقتي يا أيوب خد مراتك واقعد فيها لحد ما التلات شهور دول يعدوا وترجعوا مصر.
اعتدل بجلسته رافضًا ما يقدم آدهم على فعله:
_لأ طبعًا مش هقدر أعرضك لخطر زي ده يا آدهم إنت بنفسك لسه كاشفلنا منصب عمها يعني الخطر اللي هتعرضله كبير ومش هين فانسى إني أقبل أعرض حد فيكم لخطر زي ده، مش هقبل مساعده من حد فيكم.
رد عليه آدهم بهدوء:
_شقتي آمن مكان ممكن تكون فيه يا أيوب، متنساش إني بشتغل في المخابرات ومأمن الشقة دي كويس جدًا فمستحيل حد يوصلك هناك ده أولًا... ثانيًا أنا نازل مصر الاسبوع الجاي يعني مفيش خطر هتعرضله من الاساس، وحاليًا أنا قاعد مع سيف والشباب هنا.. هنزل معاك دلوقتي أخد هدومي عشان هسافر، من هنا على طول.
أضاف يوسف موكدًا:
_كلام آدهم عين العقل يا أيوب، إنت لازم تتدارى الفترة دي على قد ما تقدر لحد ما ترجع مصر، وأكيد شقته أمن مكان لأنه كان متخفي هنا.
قال علي بعقلانية:
_هروب آديرا من عمها هيزود العداء اللي بينك وبينه عشان كده لازم تتحرك بسرعة وتبطل تظهر كتير لحد ما تمتحن وتنزل على مصر.
ردد سيف بحزن:
_يعني أيه؟ مش هعرف أشوفه ولا هعرف عنوانه؟
أجابه أيوب بحنان:
_لا طبعًا مش هقدر أكون بعيد عنك يا سيف.
ووزع نظراته بينهم وهو يتابع بحرج:
_ولا عنكم.. أكيد هجي أشوفكم كلكم.
زم عمران شفتيها مرددًا بسخطٍ:
_الله وكيل ما هنبقى طايقين نشوف خلقتك يا جوز العبرانية!
حذره علي بنظرة صارمة، فصاح بتهكم:
_مش على معدتي الجوازة دي يا علي الله!!
ضحك جمال وقال:
_حرام عليك يا عمران قتلت البنت من الخوف وهي بتوقع على العقد، هترضى عنه أمته!
وضع ساقًا فوق الاخرى مرددًا:
_هرضى عليه لما يطلقها ويتجوز بنت متدينة تليق بيه.
ضحك يوسف وقال بسرور:
_طيب يا عمران بما انك مكتئب كده أيه رأيك تغنيلنا أغنية بطعم المرار الطافح اللي سقيه للواد ده!
تعالت الضحكات الرجولية فيما بينهم، ونهض علي يشير لأدهم قائلًا:.
_الوقت اتاخر يالا يا سيادة الرائد نوصل أيوب لشقتك وأرجعك هنا تاني.
انتصب أيوب بوقفته وقال:
_ثواني هجيب آديرا.
لوى عمران شفتيه حانقًا:
_سبها هنا تبات مع سيف وروح عند آدهم ادرى أهو لو عمها وصل لهنا حلال فيه وفيها القتل.
سعل سيف بقوةٍ وصاح بلهفة:
_ميبقاش قلبك أسود يا عمران مش اعتذرتلك وبوست رأسك قدام الرجالة دي كلها؟
منحه نظرة ساخطة غير راضية:
_معفتش عنك لسه، ايدك تقيلة ومعلمة في وش استاذك اللي شربك الصنعة!
وضع كوب العصير على الطاولة ونهض يجذب أخيه عن الاريكة ليجلس هو جواره قائلًا:
_طب قولي أعمل أيه عشان تتصافى؟
ارتشف من كوبه بتلذذ مستفز، وقال:
_تروح تبات مع صاحبك أو تجبره يأخد منوم عشان أنا شامم ريحة الحب فايحة من بوقه ومش مطمنله.
برق علي بصدمة من حديث أخيه الجريء وصاح يحذره:
_عمران ميصحش!!
نهض يقترب منهم:
_أمال أيه اللي يصح يا دكتور لما تلاقيه داخل عليك يبشرك بحمل اليهودية ونقف نتفرج على انتاجه؟!
احمرت بشرة أيوب حرجًا، فوزع نظراته بين الشباب بتوتر لحق نبرته:
_حلفتله إني مش هعمل كده ومش مصدقني والله!
ربت آدهم على كتفه وهو يهمس له:
_ولو حصل دي مراتك!!
هز اصبعه بالنفي القاطع:
_أقسم بالله ما في دماغي الكلام ده أسمعني يا آدهم انا مش هكمل معاها أساسًا أنا وبنت عمي شبه مخطوبين والمفروض اني هخلص تعليمي وهنزل أخطبها بشكل رسمي.
قال علي بابتسامة مشفقة على ارتباك أيوب:
_متبررش للوقح ده حاجة يا أيوب، ادخل هات مراتك وتعالى.
دعس عمران قدم سيف المجاور له وهو يهتف بغيظ:
_هيقولي مراته بردو!!
تأوه سيف بصراخ رعبهم وفاض بعصبية:
_وأنا ذنب أهلي أيه يا عمران.. أنا سنجل وهفضل طول عمري سنجل اطمن!
صرخ يوسف بتعصب:
_لاااا متقولش كده ده أنا أروح فيها.. هجوزك يالا والله العظيم لاجوزك!!
ضرب جمال كف بالاخر وأشار لعلي:
_يلا ننزل يا دكتور لحسن مخهم ضرب بسبب الطاووس الوقح ده.
هبطوا معًا للاسفل بينما ولج أيوب لغرفة آديرا، فاقترب منها يخبرها بثباتٍ:
_سنرحل من هنا.. هيا.
هزت رأسها له، واتكأت على طرف الفراش في محاولة للنهوض، فتناثرت دموعها جراء ألم بطنها، كانت ليلى أول من ركضت إليها تخبرها:
_هل ستتمكنين من المشي؟
نفت بهزة رأسها والألم يعتصر ملامحها، فانحنى أيوب يحملها بين ذراعيه وانطلق للمصعد وآديرا تتطلع له بصدمة جعلت عينيها تبرقان بشكلٍ مضحك، ذاك الشاب الذي كان يرفض اقترابها منه ويحذرها بالابتعاد يحملها ويمضي بها هكذا.
ارتابت من أمره وخشيت أن يلقي بها بأي وقت، فما أن توقف بها وخرج للسيارات حتى لفت ذراعيها من حول رقبته وهمست له بخوف:
_ هل ستلقي بي أمام احدى السيارات لتقتلني ما الذي تخطط له أيها الإرهابي!!
اندفع تجاهها عمران يصيح بشراسة قاتلة:
_أقسم بالله الواحد الأحد إنني سأقتطع لسانك القذر هذا إن سب أخي بالارهاب، الإرهابي هذا هو عمك الحقير يا امرأة!!! وإن خدعك بأننا إرهاب دعيني أريكِ ما أنا بصانعه لكِ الآن!
ارتعبت آديرا حينما وجدته أمامها فشددت من لف ذراعيها حول أيوب وهي تترجاه:
_يا ويلي هذا الشرس سيقطع لساني.. أيوب أتوسل إليك أعدني لشقتك أو لعمي أنا راضية بما سيفعله ولكن صديقك هذا مخيف للغاية!!
فشل بكبت ضحكاته بينما دفع علي عمران لسيارته بحدة:
_عمران كفايا كده.. يلا ارجع البيت وأنا شوية وهحصلك.
منحها نظرة قاتلة وردد وهو يشير على رقبته بحركة مخيفة:
_انتبهي لما ستقولين بحقه والا سأنحر عنقكِ.
لعقت شفتيها وهتفت له:
_اطمئن لن أكررها مجددًا أعدك!!
ضحك جمال وشاركه يوسف الذي أحمر وجهه من فرط الضحك، بينما صعد آدهم بسيارة علي وبالخلف أيوب وآديرا التي تراقب أعين عمران برعبٍ وكأنها ترى شبحها القاتل!
اتبع علي الطريق الذي شرحه له علي حتى أوصلهما واتجه بآدهم ليعود به لشقة سيف ولكنه تفاجئ به يخبره:
_دكتور علي هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟
استدار إليه باهتمامٍ:
_طلب أيه؟
*******
بغرفة زينب.
اتجهت لفراشها تستعد للنوم فدق هاتفها برقمٍ مجهولٍ، رفضت اجابته وتركته على الكومود فوصل لها رسالة جعلتها تستقيم بنومتها ففتحتها وهي تقرأ محتوياتها، فشهقت بصدمة جعلتها تنهض عن الفراش وهي تصرخ برعبٍ ومحتوى الرسالة تلحق برأسها فجعله يدور كالمزلاج
«أنا رجعت يا حبيبي اشتقتيلي!. »
...... يتبع....
#صرخات_أنثى... #حبيبتي_العبرانية.. #آية_محمد_رفعت.
****____******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السادس وثلاثون 36 - بقلم آية محمد رفعت
_شايف رجالتي اللي حوليك دول مستنين إشارة واحده مني علشان يخلصوا عليك بس أنا مازلت واقف قدامك بديلك فرصة أخيرة انك تفكر وتعقلها!
تحررت الكلمات من فم "يمان" ببطءٍ قاتلٍ متعمدًا غرس الخوف بغريمه الذي يجابهه بكل كبرياء وصلابة تضرب الأخر في مقتلٍ، وكأنه غير عابئ بتهديده وبرجاله المسلحين.
ارتعش كفها الصغير المتمسك بقميصه، تختبئ من خلف ظهره باكية، مرتابة لما سيحدث لها ولمن أحبته بصدقٍ، فتحرر "سيف" عن صمته راسمًا بسمة باردة اتبعت قوله الثابت:
_لو فاكر إنك كده خوفتني فأنت صعبان عليا.. كنت فاكر إن شخص باجرامك تاجر أسلحة وهارس سكك قطاع الطرق دول هيكون عنده رجولة وشجاعة تخليه يتباهى بقوته هو مش بقوة رجالته.. فلو لسه محتفظ برجولتك واجهني راجل لراجل ونشوف وقتها كفة مين الرابحة فينا!
تمسكت به زينب بقوة هامسة له:
_سيف خرجني من هنا مش عايزة أشوفه يا سيف.
إلتقطها لاحضانه أمام نظرات عين يمان الملتهبة، فرفع سلاحه يصوبه تجاه رأس سيف الذي لم يهتز له شعرة ليعود لتهديده:
_طلقها والا رصاصتي هتصفيك مكانك.
أعادها لخلف ظهره واقترب يقف قبالته وجهًا لوجه:
_بموتي... مش هفترق عنها الا بموتي! وحتى بعدها مش هتقدر تفصلنا عن بعض لإني عايش جواها.. هتقدر تطردني من قلبها اللي اختارني أنا!!!
...... يتبع...... #الاقوى_قادم.... 💣... #ترقبوا...
#صرخات_أنثى... #حبيبتي_العبرية
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السابع وثلاثون 37 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_السادس_والثلاثون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "إيمان أحمد"،"آية مجدي"،"إسراء عادل" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
حملت الهاتف بين يدها وهرولت للخارج بعدما طرحت حجابها على رأسها بعشوائيةٍ، هبطت "زينب" للأسفل تبحث عن مغيثها بمكتبه السفلي، وحينما لم تجده خرجت تلهث بتوترٍ كاد أن يصيبها في مقتلٍ، وكأنها فقدت عقلها وكل زمام أمورها.
ولج "عمران" للداخل بعدما مرر مفتاحه بباب المنزل الداخلي، فلفت انتباهه حالتها المذرية، شملها بنظرة خاطفة ودنى إليها يسألها بقلقٍ:
_أيه اللي مسهرك لحد دلوقتي يا زينب موركيش جامعة الصبح ولا أيه؟
أسرعت إليه تسأله بلهفةٍ التمسها عمران:
_علي.. عايزة علي.
بالرغم من عدم تنساق جملتها وحالتها الغامضة الا أنه أجابها بهدوء:
_بيوصل واحد صاحبنا وزمانه راجع.
وسألها باهتمامٍ بالغ:
_في حاجة ولا أيه.. قلقتيني!
ارتعشت أصابعها المُمسكة للهاتف حتى كاد بالسقوط عن يدها، فرفعت يدها إليه وهي تردد بتوترٍ وارتباك:
_رجع... يمان رجع.. هيقتلني هو وعدني إني لو هربت هيقتلني!
تحفزت معالمه وانصاع لكلماتها المهاترة، فالتقط عنها الهاتف وهو يشير لها:
_اهدي بس وفهميني مين يمان ده؟ وهيقتلك ازاي الدنيا سايبه بروح أمه!!!
أضاءت شاشة هاتفها من أمامه ليتفاجئ من رسالته الاخيرة يتبعها رسالة أخرى وصلت للتو
«فاكرة انك هتعرفي تهربي مني، انتي لو في أخر الدنيا هجيبك وهعاقبك يا زينب!»
حرر عُمران زر التسجيل وصاح بعنفوانٍ قاطعٍ:
_عقاب أيه يابن ال** لو دكر اظهر وشوف هعمل فيك أيه؟ وإبقى اتعب نفسك وإسأل عن عمران سالم الغرباوي كويس وتأكد إن أبويا مات قبل ما يربيني فلو باقي على روح سبايدرمان اللي جواك دي اظهرلي وأنا أوريك مين فينا اللي في وضع يسمحله بالتهديد يا و***.
أبعد الهاتف وهو يراقب وصولها إليه، فتأكد من سماعه لرسالته وانتظر أن يجيبه وحينما لم يجيب عاد عُمران يسجل له تحت نظرات زينب المصعوقة من تحوله المفاجئ لشخصٍ أخافها هي شخصيًا وانطلق يستكمل:
_أيه يا دكر صوتك راح فين!! كويس إنك قلبت دكر بط كبيرك يزغطوك في بوقك، بس عشان أنا راجل وقد كلمتي هبعتلك عنوان بيتي اللي عايشة فيه زينب لو حسيت إن كلمة دكر بط هانتك ومست رجولتك تعالالي نتفاهم.
وقدم لها الهاتف مضيفًا:
_لو بعتلك حاجة تاني مع إني أشك ناديلي أنا مريح فوق.
التقطت منه الهاتف بفمٍ مفتوحٍ، واكتفت بهزة رأسها بخفة وهي تتابعه يغادر للأعلى مطلقًا صفيرًا متراقصًا بينما يده تلهو بمفاتيحه باستمتاعٍ.
دقائق استغرقتها واقفة جامدة محلها هكذا لتفق على صوت "علي" القادم من خلفها:
_زينب بتعملي أيه هنا بالوقت ده؟
انتفضت بوقفتها بفزعٍ وأشارت له بعدم اتزان كلماتها:
_يمان عرف مكاني وبعت هددني وعمران آ...
ابتلعت باقي كلماتها بحرجٍ دفع علي يتساءل بخوف من اندفاع أخيه:
_عمل أيه عمران!
قدمت له الهاتف ليتمكن من ايجاد الاجابة المناسبة لسؤاله المحرج، قرأ علي مضمون رسائله، واستمع لفويسات أخيه ببسمة جعلته يشعر بالانتشاء، فقدم لها الهاتف قائلًا:
_عُمران مخلاش كلام يتقال من بعده.. اطمني يا زينب ومتقلقيش مش هيمس شعرة منك زي ما وعدتك... يالا اطلعي نامي عشان تقومي لجامعتك فايقة.
هزت رأسها باسمة وغادرت للأعلى، بينما ردد علي ساخرًا:
_مربي بلطجي أنا!!!
*******
تسلل عُمران للداخل على أطراف أصابعه حاملًا بين يده جاكيته وحذائه الفاخر، فتحرر ضوء الغرفة بمكبس ريموت تحمله مايا بيدها قائلة بسخرية:
_مفيش داعي تتسحب يا حبيبي أنا صاحية.
ألقى ما بيده مزعنًا ثباته المخادع، فتهدلت شفتيه مبتسمة رغمًا عن جمود معالمه، واقترب يردد:
_حبيب قلب جوزه مش جايله نوم من غيره يا ناس!!
زمت شفتيها ساخطة على محاولته الواضحة للضحك على عقلها:
_متحاولش يا عمران أنا زعلانه منك.. النهاردة قولت إنك مش نازل الشركة فخمنت إنك حابب تقضي اليوم معايا ودلوقتي رجعالي وش الصبح!
حاوط وجهها بيده ورماديته تحتضنها رغمًا عن تباعد جسدها عنه، فاستند بجبهته على جبهتها يهمس لها:
_حقك عليا يا بيبي أنا مقصر معاكِ عارف.. النهاردة كان كتب كتاب أيوب على البنت اللي حكتلك عنها وانشغلت معاه وكنت أتمنى أعوضك بكره بس هكون مع جمال بالمستشفى عشان عملية والدته بعدها على طول هكون ملكك لوحدك أي مكان هتشاوري عليه هأخدك ليه وإنتي بين أحضاني... ها مرضي يا حبيب قلب عمران؟
زار ثغرها ابتسامة عذباء وهزت رأسها إليه فضمها بكل قوته مرددًا بنبرة صادقة:
_كله يهون الا زعلك يا حبيب قلبي!
تعلقت به وهي تميل على عنقه دافنة ذاتها داخله، فاستغل فرصة بقائها داخله ليهاتفها بنبرة الغرام فتفاجئ بها تبتعد عنه وهي تشير إليه بخجل:
_لأ.. أنا من ساعة اللي حصل أخر مرة وأنا مرعوبة.. خليك بعيد أفضل.
زوى حاجبيه بدهشةٍ وجذبها إليه مجددًا يخبرها:
_نعمان غار في داهية وبكره واحنا في الشركة هنوقعله العقود وبعدها هنبه عليه معتش يورينا وشه تاني.. وبعدين أنا مش عايزك تبعدي عن حضني بالشكل ده تاني يا مايا.. معقول تكوني خايفة وانا معاكِ وانتي بين ايديا!!
رفعت ذراعيها لتحتضنه فوجدته يبتعد عن الفراش بضيقٍ من تصرفاتها، واتجه لخزانته يبدل ملابسه بصمتٍ.
نهضت عن الفراش ولحقت به تناديه بدلالٍ:
_عُمران.
سدد لها نظرة محتقنة من رماديته ونزع عنه قميصه يتجاهل وجودها مما عزز غضبها فجذبته بقوة إليها مرددة بغيظٍ:
_بناديلك يا بارد!!
تغاضى عن كلماتها الأخيرة قاصدًا الانتقام منها، فغمز لها بمكرٍ:
_غريبة الكلمة دي متقالتليش من أي ست غيرك!
احتقن وجهها بغيرة ظاهرة مما أرضى غروره فانطلقت ضحكاته الرجولية تجلجل على احتقان معالمها لسوء فهمها لجملته وهذا ما راق له.
اندفعت إليه مايا بكل غيظها تضرب صدره بقوةٍ وتسدد له لكمات تحيط بصدره الصلب، انفصلت عنه ضحكاته وتبلدت معالمه مما دفعها للاستغراب، فسحبت يدها وراقبت ملامحه بدهشة.
رفع عمران يديه يحاوط جانب وجهها ومازالت الجدية تنحر ملامح وجهه المنحوت، ليخبرها بثباتٍ شعرت بأنه يجاهد به أمامها:
_مايا أوعي تمد إيدك عليا تاني لا بهزار ولا جد أنا مش عايز أذيكِ!
رمشت بعينيها بتوترٍ وخوف، فضمها إليه وهو يخبرها بحنان:
_حبيبتي الهزار لو بدأناه بالضرب والاهانة هيكون ده مفهوم حياتنا الطبيعي، أنا زي ما بحترمك وعمري ما مديت إيدي عليكِ إنتِ كمان لازم تحترميني يا مايا.. أوعديني متعملهاش تاني.
هزت رأسها من بين أحضانه وهتفت بخجل من تصرفها الذي ضايقه لحدًا لم تتوقعه:
_أنا أسفة.
دفنها داخله وهو يهمس لها:
_وأنا كمان آسف لو كلامي ضايقك يا حبيب قلبي.. وأدي رأسك أهي.
وطبع قبلة عميقة على جبينها جعلتها تبتسم إليه بحبٍ، فانحنى يحملها إليه وهو يردد بخبث:
_حبيب قلب جوزه قلبه قسى عليه وشكله كده لسه زعلان منه!
أشارت له نافية الا أنها عاد بها للداخل يجذبها للاندماج برفقته بدوامة عشقهما التي سحبتهما بخوفها بترحابٍ.
*********
ولج "علي" لغرفته فوجدها تجلس على الأريكة مندمجة بقراءة أحد الكتب بتركيزٍ تام، وما أن تخلل لها رائحة البرفيوم خاصته حتى أغلقت عينيها تسحب نفسًا بعبقه الخاص هامسة بعشقٍ:
_علي!
فتحت عينيها فوجدته يستند على الكومود، مربعًا يديه أمام صدره، يتطلع لها بحنينٍ عاشق، راق له شعورها به وتسلل رائحته التي بات يدمنها لأجل تعلقها وحبها الشديد لها، فما أن نطقت إسمه حتى تبسم بجاذبيته الخاطفة، ودنى يستند على المكتب مرددًا بصوته الرخيم:
_مش قولنا ممنوع السهر يا فاطيما هانم! ولا الكتاب ده عمل اللي مقدرتش أعمله وخلاكي منجذبة ليه كل الوقت ده!
وانتصب بوقفته يسترسل بحزنٍ مصطنع:
_أنا شكلي كده هغير من الثقافة والكتب وأي شيء يلفت نظرك!
نهضت تلحق به وهي تغلق الكتاب قائلة بصوتها الهادئ:
_مش هقرأ تاني لو ده هيزعلك يا علي.
التفت لها ومازال محتفظ بأثر ابتسامته:
_لأ يا حبيبتي اعملي اللي يخليكِ مرتاحة وتأكدي إن ده هيسعدني.
ابتسمت واتجهت لطرف الفراش تنتظره لحين أن ينتهي من حمامه الدافئ، فخرج يجفف خصلات شعره الطويل لرقبته وهو يتفحص انعكاسها بالمرآة، فاتجه ليحتل مكانه قائلًا بنظرة دافئة:
_عايزة تقوليلي أيه وربكك بالشكل ده!
وكأنها كانت تنتظره أن يشعر بتوترها كالمعتاد منه، فقالت:
_أنا خايفة يا علي.. مش حاسة إني هقدر أنزل مع عمران ومايا بكره الشركة.. خايفة يحصل شيء يحطني أنا وعمران في موقف محرج.
وزمت شفتيها بتيهةٍ:
_انت فهمني!
فرق ذراعيه وضمها إليه يخبرها بحنانٍ رزين:
_مفيش حد في الكون ده كله فهمك أدي يا فاطيما.. بس أنا عايزك تتأكدي ان الخطوة دي مهمة ليكي، لازم تختلطي بالعالم الخارجي يا فاطمة مينفعش عالمك يتوقف عليا أنا بس.. اندمجي مع مايسان وعمران وخليكِ متأكدة إنهم أهل ثقة وأكيد عمران هيقدر حالتك وهيأخد احتياطاته.
مالت برأسها على صدره وتعلقت به، اعتدل بمنامته وضمها إليه هامسًا بحبٍ:
_نامي يا حبيبتي بكره مستنيكِ يوم مهم.. ومتقلقيش أنا جنبك ومعاكِ.. مش هسيبك أبدًا يا فاطمة!
أغلقت عينيها باسترخاء وسرعان ما غفت بين ذراعيه فطبع قبلة على رأسها وأغلق عينيه هو الأخر باستسلامٍ.
******
رفعها عنه ووضعها على الوسادة بحذرٍ، ثم جذب التيشرت الخاص به يرتديه، سحب عُمران هاتفه وخرج لشرفة غرفته يحرر زر الاتصال ويرفع سماعته لاذنيه بترقب لسماع صوت المتصل به، فأتاه بعد دقيقة يجيبه بنعاسٍ مرهقٍ:
_عمران!! خير في أيه!
أجابه بسخطٍ وهو يميل للسور الحديدي:
_أخبارك يا عريس... أمورك تمام؟
اتاه صوته المتعصب:
_متصل بيا الساعة تلاتة الفجر تقولي أخبارك!! عمران انت عايز أيه أنا تعبان ومرهق ولازم أكون عند استاذ ممدوح الساعة 8الصبح!
واسترسل أيوب قبل أن يأتيه رد عمران الوقح:
_اطمن أنا نايم في أوضة لوحدي ومحصلش حاجة لإني ببساطة عمري ما هعملها ونفسي تصدق ده!! الشباب كلهم مصدقيني وانت الوحيد اللي مصمم على اللي في دماغك معرفش ليه؟!
استدار عمران يولي السور ظهره وهو يراقب زوجته الغافلة على فراشها بنظرة عاشقة، فاضت بنبرته الهامسة لأيوب:
_لآن محدش شايف النظرة اللي بتداريها جوه عيونك غيري، بتحاول تقنع نفسك إنك مبتحبهاش وبتنفر منها بس في شيء جواك بيثور عليك كل مرة وبيقولك إنها مالكة جزء منك إنت متعرفهوش، جواك شيء بينبهك بالعاصفة اللي جايلك تحاربك بكل قوتها وهتبان قدامها ضعفك وفقدان سيطرتك على قلبك ونفسك!
_ببساطة فاهمك لإني خضت نفس التجربة قبل كده بس الفرق البسيط إن الانسانه اللي كنت بحارب نفسي عشان مكنش معاها كانت تستاهل وتستاهل أخوض علشانها معارك وحروب، لكن إنت معركتك خسرانه يا أيوب.. صدقني يا ابن الشيخ مهران مينفعش!!
تعمد تذكيره للمرة المائة والثلاثون بكناية أبيه ليعود عما سيختلق داخله، فهتف أيوب بجدية تامة:
_مفيش شيء جوايا ليها أكتر من إني بصون وعدي يا عُمران.. أرجوك إفهمني أنا عمري ما حبيت قبل كده حتى بنت عمي اللي المفروض في حكم المخطوبين عمري ما رفعت عيني وبصتلها مجرد بصة هتخليني مخنوق وأنا شايل الذنب ده بين ضلوعي، مستني اللحظة اللي تكون فيها حلالي بس كُلي ثقة إنها الانسانة المناسبة تكونلي زوجة تحافظ على عرضي وشرفي وأولادي فحتى لو قلبي مال لآديرا في يوم من الايام فمش دي الإنسانه اللي أمنها على حتة مني يا عمران فتأكد إني كأيوب هكون غيرك في حربك لإني مش هطلع منها خسران أنا بقدر أسيطر على نفسي ومشاعري كويس.. إتربيت كده وعيشت كده وهموت كده!
ابتسامة مريحة شقت على شفتيه، فتنهد براحة غمرته وقال:
_ريحتني.. روح نام عشان تكون فايقلي بكره أصل بصراحة مش هعديلك اللي عملته على خير، عشان تبقى تشيلها بعد كده بضمير يا عريس الغفلة!
وتابع بسخرية:
_متنساش قبل ما تتخمد تعقم نفسك كويس وبالذات ايدك ورقبتك اللي كانت لفة دراعاتها حوليها....وحسابنا يجمع بكره يا ابن الشيخ مهران!!
وأغلق بهاتفه دون أن يودعه ومن ثم ولج لغرفته متوعدًا للأخر لحين رؤيته بالغد!
*******
غردت الشمس بفستانها الذهبي تستقبل يومها الجديد بمحبةٍ ودفءٍ، اجتمعت العائلة صباحًا على مائدة الافطار، فاستغلت "فريدة" اجتماعهم وقالت:
_ابتدوا لموا الحاجات المهمة اللي هتحتاجوها لإننا هننقل بكره.
ردت عليها مايا وهي تلهو بشوكتها بطبقها:
_أنا جهزت هدومي امبارح بالشنط لما حضرتك قولتيلي باقي حاجات عمران وده مش عارفة هننقلها ازاي محتاجين تريلا!!
توقف عن مضغ طعامه وصاح متعصبًا:
_محدش يقرب من لبسي وساعاتي وجزمي أنا دافع فيهم نص ثروتي.. عزلوا انتوا على بركة الله وسبيوني هنا مع خزنتي أنا عنيت لحد ما صممتها بالنظام اللي يريحني ويريح تنسيق لبسي!!
ضحك أحمد حتى ظهرت غمازات وجهه وصاح بتهكم ساخر:
_وماله يا بشمهندس البيت هناك واسع ويكفي كل اللي يخصك ولو زعلان أوي على تصميم الخزنة بتاعتك تقدر تختار الجناح اللي يناسبك وصمم لنفسك مكان لهدومك زي ما تحب محدش هيمانع!
زم شفتيه بسخطٍ:
_هو أنا فاضي يا عمي!! أنا ورايا مشروع ضخم داخل فيه أنا وجمال هيحتاج كل وقتي وطاقتي كلها.
ابتسم بحبورٍ ومحبة عظيمة:
_المول التجاري اللي بقى حديث كل شركات المعمار.. حقيقي أنا فخور بيك يا عمران ومتحمس أشوفه بشكله النهائي.
منحه ايتسامة ممتنة لدعمه المتواصل إليه، بالرغم من أن نعمان الغرباوي من العائلة الا أنه يواجه نجاحه بكل حقد يمتلكه بينما بالمقابل يأتي عمه الحنون ويدعمه قلبًا وقالبًا.
قاطعتهما فريدة غاضبة بنبرتها المتعصبة:
_يعني أيه يا عمران!! هنفضل في البيت ده علشان حضرتك خايف على لبسك وجزمك وساعاتك الغالية لتتبهدل!!
وأزاحت منديلها الورقي عن تنورتها وهي تصيح بضيقٍ شديد:
_أنا مش طايقة أقعد في البيت ده استحملت طول الفترة اللي فاتت لحد ما نلاقي البيت المناسب وخلاص أحمد لاقاه وفاضل اننا نمشي من هنا وللأسف مش هقدر أطلع من هنا لوحدي لازم كلكم تكونوا معايا!
نهض علي مسرعًا إليها يقبل يدها بحنانٍ:
_اهدي يا حبيبتي عمران ما يقصدش حاجة احنا معاكي مكان ما تكوني، ومعندناش مشكلة نعيش في بيت تاني.. ولو على حاجة عمران الغالية يقدر يأخد شوية هدوم ليه بشنطة صغيرة ويسيب باقي حاجته هنا لحد ما يفضى ويعمل غرفة مجهزة لحاجته زي اللي هنا ويبقى وقتها ينقل حاجته..الموضوع بسيط ومحلول مش كده ولا أيه يا عم الوقح؟
ترك الخبز عن يده وأسرع تجاهها بضيق من ذاته لما قاله، وردد بنبرة رخيمة هادئة:
_مقصدتش والله يا فريدة هانم..لو عايزانا ننقل حالًا معنديش مانع مدام ده هيريح حضرتك.
لانت معالمها ورفع يديه تحيط باليمني خد عمران وباليسري خد علي مرددة بصوتٍ محتقن بالدموع:
_ربنا ما يحرمني منكم أبدًا.
وضمت كتفيهم بعناق ثلاثي جعل الفتيات يبتسمن بحبٍ، فاندفع احمد إليهم يبعدهما للخلف ويضم فريدة بتملكٍ مضحك، هاتفًا بمرحٍ:
_ايدك يالا منك ليه.. مش كفايا السنين اللي اتعذبتها وهي في حضن غيري جايين تكملوا على اللي فاضل جوايا من صبر!!
تعالت ضحكاتهما الرجولية، وخاصة حينما ردد عمران بنزقٍ:
_شوف الراجل اللي دبرنا خطط وعملنا اجتماعات عشان نجوزهاله!
وتابع بغمزة ماكرة:
_ماشي الله يسهلو يا عم..
وأشار لفاطمة ومايا:
_يلا نتحرك احنا علشان منتأخرش.
ابتعدت فريدة عن أحمد متسائلة باستغراب:
_واخد فاطمة على فين يا عمران؟
ضمت مايا فاطمة لها وأجابتها:
_هتنزل معانا الشغل من النهاردة يا فريدة هانم.
ابتسمت بفرحة لتأكدها بأن ما يفعله ابنها الصغير سيأتي بثماره لحالة فاطمة، ان تولت هي العمل بشركات زوجها بعد وفاته واكتسبت تلك القوة والرزانة من المؤكد بأنها ستحمل نفس الصفات التي هي بحاجة لها، أجلت حنجرتها قائلة بتمني:
_ربنا يوفقك يا حبيبتي، روحوا انتوا وأنا هأخد زينب وشمس ونلم الحاجات المهمة عشان بكره الصبح هنتحرك على طول.
وعلى ذكر ابنتها التفتت من حولها تتساءل باستغراب؛
_هي فين شمس؟
اجابتها وهي تهبط للاسفل بابتسامة شاحبة:
_أنا هنا يا مامي... صباح الخير.
اجابوها بودٍ فاتجهت لمقعدها وجذبت طبق الطعام تتناوله بآليةٍ، جذب علي المقعد المجاور لها ومنحها نظرة متفحصة قبل أن يردد بخبث:
_بمناسبة اللمة الحلوة دي في خبر يخص شمس ولازم تعرفوه.
انتبهت له شمس باهتمامٍ حتى الجميع، فكانت زينب أول من تسائلت باهتمام:
_خبر أيه؟ انتي امتحنتي يا شمس والنتيجة ظهرت ولا أيه؟
نفت ذلك قائلة:
_أنا لسه مش امتحنت أصلًا.
ارتشف علي من كوب قهوته بهدوء جعل عمران يردد بضيق وهو يتفحص ساعة يده:
_ما تنجز يا دكتور مش فاضيلك!
ترك الكوب وتطلع تجاه عمه ووالدته وقال:
_آدهم نازل مصر الاسبوع اللي جاي وطلب مني آنه يكتب الكتاب بعد بكره ويأخد شمس معاه تتعرف على والده وعيلته، وعايز الفرح بعد امتحانات شمس على طول يعني بعد شهرين.. أنا قولتله هبلغ فريدة هانم وهرد عليك.
تلون وجهها بالأحمر القاني، واخفضت عينيها أرضًا تخفي توترها الشديد، وتابعت رد والدتها وعمها، فكان أحمد أول من قال:
_والله الولد ده راجل وبصراحه ابن اصول متربي على قيم مبقتش موجودة في شباب اليومين دول، أنا عن نفسي معنديش مانع طالما شمس بتحبه وهو بيحبها هنعوز أيه أكتر من كده؟!
واستدار لزوجته يتساءل بلطفٍ:
_ولا أيه رأيك يا فريدة؟
سحبت نفسًا مطولًا تمنع به دموعها، ابنتها الوحيدة ستغادرها بعد فترة زمنية محددة وبدايتها الزواج، ولكنها ستكون مع من أحبت وهي تعلم جيدًا فراق علاقة كانت تنعم بالحب بينهما، لذا قالت ببسمةٍ صغيرة:
_لو ده هيخليها تكون سعيدة فأوكي معنديش مانع.
اتسعت ابتسامة شمس بفرحةٍ، على الرغم من حزنها الشديد منه ولكنه فجأها حينما طلب من عائلته أن تسافر برفقته للقاهرة، كانت حزينة لإنها بعيدة عنه وهو بنفس الدولة وما يزيد حزنها سفره لدولة أخرى فإن كان يصعب عليها رؤيته هنا فكيف ستتمكن من رؤيته وهو بعيدًا عنها.
اتجهت إليها فاطمة تضمها قائلة ببسمة جذابة:
_مبروك يا شمس.. ألف مبروك يا حبيبتي.
ضمتها بكل ود لصدرها وردت عليها:
_الله يبارك فيكي يا فاطيما تسلميلي يا جميلة.
لفت مايا ذراعها حول كتفيها قائلة بمشاكسة:
_مبروك يا شموسة.. كان نفسك تنزلي مصر أهو حضرة الظابط هيخطفك مننا وهيحقق أمنيتك.
اخفت وجهها بكتفيها بخجل وهمست لها:
_ميرسي يا مايا.
ابتسمت لها زينب وقالت بفرحة صادقة:
_مبروك يا شمس ربنا يهنيكِ يا حبيبتي.
ابتعدت عن مايا وأحاطتها بسعادة:
_الله يبارك فيكي يا زوزو عقبالك يارب.
ابتسم عمران وقال بمكر:
_عريسها موجود ومتقدم ومنتظر الرد.
اسبلت فاطمة بعينيه مندهشة:
_ مين ده يا عمران؟
رد عليها وهو يتابع زينب المنكمشة بخجل:
_دكتور سيف أخو دكتور يوسف صاحبي، معاها في نفس الجامعة وفي اخر سنة وبصراحة ولد راجل ويوسف مربيه تلاتين مرة وأنا كعمران صعب أرفضه بس نقول أيه لدكتور علي الديمُقراطي قالك الرأي رأيها وأدينا مستنين!
رددت فريدة بلباقة:
_سيف شاب محترم جدًا بس ده ميمنعش إن زينب بنوتة زي العسل ومكسب ليه مش العكس يا حامي اصدقائك ونافش ريشهم جنب ريشك!!
تعالت الضحكات فيما بينهم، فأشار عمران للفتيات:
_نكمل كلامنا بعدين يا فريدة هانم المهم ننجز علشان مش فاضي ورايا كذه حاجة لازم أخلصها قبل ما أروح لجمال المستشفى والدته هتعمل الجراحة النهاردة.
قالت بتمنى:
_ربنا يقومها بالسلامة... هبقى أروح معاك زيارة ليها بعد ما ترجع البيت.
هز رأسه بتفهمٍ والابتسامة الممتنة تجوب على وجهه، فانطلق برفقة مايا وفاطمة لسيارته قاصدًا شركته.
********
تركت فريدة ابنتها برفقة زينب يجمعون الأغراض الهامة بجناحها واتجهت لغرفة علي، وجدته يضع شهاداته التقديرية ودروعًا حصد عليها بمراحله التعليمية بكرتونٍ متين، واستكمل وضع كتبه وأغراضه الشخصية حتى ملابس فاطمة وما يخصها، وما أن شعر بأنفاسٍ على قرب منه حتى استقام بقامته واستدار للخلف فوجدها تقف أمامه مرتبكة للغاية، أشار لها ببسمته الجذابة:
_فريدة هانم.. اتفضلي.
منحته ابتسامة خافتة وولجت تغلق باب غرفته من خلفها، متجهة لطرف الفراش القريب من مكتبته حيث يحزم كتبه وأغراضه.
عادت تفرك أصابعها بتوترٍ تسلل لنبرتها المهتزة:
_عايزة نبدأ من النهاردة ينفع؟
جذب المقعد الخشبي ووضعه قبالتها بحماسٍ:
_طبعًا... اتكلمي باللي حابه تقوليه.
استندت على عمود الفراش الخارجي وربعت يدها أمام صدرها تحيل بها ذكريات الطفولة، وبدأت بتحرر صوتها الرقيق:
_من لما كنت طفلة وأنا مكنتش لوحدي، كان حوليا أخويا وأختي الله يرحمها بس مكنش ده اللي مخليني محسش بالوحدة، السر كان في وجود أحمد جنبي، كنت بحس إنه بيكملني، كأننا روح واحدة في جسمين.. مفيش حلم حلمته مكنش هو فيه، حتى حلم شكلي بفستان الفرح زي أي بنت كنت بتمناه بس وجنبي أحمد.
اتسعت ابتسامتها وهي تستطرد:
_أحمد مكنش بس ابن عمي وحبيبي.. كان صديقي اللي محرم عليا يكونلي صديق.. كان أبويا اللي بيخاف عليا وقت ما برجع متأخر أو بلبس لبس عريان... أمي الحنينه اللي بتنصحني أحافظ على نفسي ازاي وأهون على نفسي وقت زعلي حتى وقت مرضي.. كان أختي اللي قادرة تفهم وتصون أسراري بدون ما تتعصب عليا وتقولي هبلغ ماما باللي عملتيه.. كان حبيبي اللي بيوعدني إنه هيكون جنبي لأخر العمر وفجأة قطع وعده وسبني وحيدة.
مجرد تذكر ما خاضته جعل عينيها تدمعان مستكملة:
_حسيت إني كنت في دفا وفجأة بقيت بين التلج وجسمي بيتجمد وعاجز يحس بأي شيء.. احساس آنه اتخلى عني وبإرادته كان أبشع من كابوس قومت منه، كل اللي اتبقالي من حبيبي ساعة وبرفيوم خاص بيه وقت ما بشتقاله بضمهم ليا وبعدها بكره ضعفي اللي خلاني ألجئ ليهم وبحس إني أقذر ست.. ست خاينة بتخون جوزها وبتحن للماضي اللي كان حقها في يوم من الأيام... عشت في معاناة كل ما بفتكرها قلبي بيتلف حوليه شوك.
وتمعنت برمادية عينيه اللامعة بدمع رافض سقوطه وقالت بابتسامة:
_لحد ما جيت انت يا علي، كأنك كنت بتهون عليا كل اللي أنا عايشاه لوحدي.. من أول ما شيلتك بين ايديا وأنا واثقة إنك هتكون ليا العوض عن كل ده، اتمنيت اسميك أحمد بس خوفت سالم يحس باللي كان بيني وبينه، خوفت أكرهك بسببه لإني مكنتش لسه أعرف الحقيقة.
وشردت بالفراغ وقد احتل وجهها كتلة من الجمود:
_طول عمري عايشة دور الست القوية اللي قادرة تتغلب على كل ظرف تتعرضله لحد ما اكتشفت اني كنت ضعيفة وساذجة لدرجة إن الانسان اللي عشت عمري كله في تأنيب ضمير علشانه طلع هو الأمهر في التمثيل... كان الشيطان اللي كان بيوسوس ليا إني بخونه لمجرد تفكيري في اللي فات.. وجعني وداس على قلبي وكأنه كان بيملك الحق على حياتي ونفسي!
وتعمقت بالتطلع إليه وهي تردد بنفور:
_أنا بكرهه ومش مسامحاه يا علي... كان نفسي يكون عايش ويشوفني مع أحمد.. كان نفسي يتأكد إنه منجحش يبعدنا عن بعض حتى لما كنت معاه كان قلبي مع أخوه.. لما كنت بديله حقوقه الشرعية كنت بتكوي بالنار وأوقات كنت بوهم نفسي إني مش معاه مع أحمد!
أزاحت تلك الدمعة المتمردة على خدها وقالت وهي تتجه هاربة منه:
_هروح أشوف زينب وشمس خلصوا ولا لسه.. ونكمل بعدين.
نهض خلفها يناديها:
_ماما!
توقفت عن الخطى وبقيت جامدة محلها دون الاستدارة له، فدنى قائلًا:
_مكنتيش خاينة كنتِ إنسانة عظيمة قدرت تضحي طول السنين دي كلها علشان أولادها.. إنسانة بالرغم من عشقها الكبير لشخص اتمنتت تعيش معاه الا أنها حاربت وصمدت وافترقت عنه علشان تكون مع أولادها... صدقيني اللي فات ده مهما كان صعب ومؤلم بس قواكي وقوى علاقتك بينا لدرجة خلتنا مؤهلين لجوازك من عمي وإنكم بعد كل العوائق دي اتجمعتوا.
استدارت إليه باكية وهرولت لأحضانه كالطفلة الصغيرة التي تتخفى داخل حضن أبيها، طوفها علي ودموعه تهوى على خديه، يعلم بأنها مازالت تكبت الكثير بداخلها ولكن كونها قالت تلك الكلمات القليلة سيأتي البقية بعدها وستخبره بكل شيء.
ربت بحنان على ظهرها حتى ابتعدت عنه تمنحه ابتسامة صغيرة، وتركته وغادرت لجناحها تنفرد بذاتها قليلًا وتستجمع قوتها لتواجهه بباقي ما بداخلها ولكن أولًا ستعاون الفتيات لترحل من هذا المكان الذي يضيق عليها كلما استعابت ما فعله زوجها بها.
******
اتبعتهما فاطمة للداخل، فأشارت لها مايا للمكتب الذي يقابلها متسائلة بحماسٍ:
_ها أيه رأيك بقى؟
سلطت نظراتها على المكتب الفخم المقابل لها، لونه الأبيض زاد من راحتها، كان يحوي على حاسوب ولجواره هاتف أرضي، اتجهت للمقعد تحتله بابتسامة صغيرة، وأخذت تتفقد سلة الأقلام بانبهارٍ.
أحاط عمران كتف مايا التي تراقبها بفرحةٍ، وضمها لاحضانه مستغلًا انشغال فاطمة بتأمل مكتبها، وهمس لها:
_خلي بالك منها يا مايا وأكدي على حسام محدش يدخل المكتب هنا ولا يزعجها بأي شكل من الأشكال لحد ما على الأقل تأخد على المكان.
هزت رأسها بتفهمٍ وهمست له:
_متقلقش يا حبيبي هبلغه وهشدد عليه.. وأنا كمان هكون معاها ومش هسيبها.
طبع قبلة على جبينها وهو يردد بحبٍ:
_حبيب قلب حبيبك إنتِ!
وابتعد عنها يتحنح بخشونة ليلفت انتباه فاطمة:
_أنا هنا في مكتبي يا فاطمة لو عوزتي أي حاجة مايا موجودة وأنا هنا جنبكم لو احتاجتي حاجة متتردديش.
رددت بابتسامة مشرقة:
_حاضر..
غادر عمران لمكتبه فوجد المحامي ونعمان بانتظاره، منح نعمان نظرة منفرة واتجه يحتل مكتبه بكبرياءٍ، ليجد الأخر يقابله بغلظة:
_ما بدري يا ابن فريدة مش عارف إن في معاد بينا ولا بتستهبل!
وضع قدمًا فوق الأخرى بتعالي وعدم مبالاة بحديثه، ووجه حديثه للمحامي متجاهلًا وجوده:
_جهزت الأوراق كلها يا مسعد؟
أكد له باحترامٍ:
_أيوه يا باشا.
تابع وهو يجذب حاسوبه يراقب مقابلاته لليوم:
_حطيت فيه الشرط اللي قولتلك عليه؟
أكد له مجددًا:
_أيوه.. وتقدر حضرتك تتأكد بنفسك.
حمل عنه الملف يراقب ذاك البند المشروط بالعقد بينما يتابعهما نعمان بدهشة لحقت سؤاله:
_شرط أيه ده؟!
رفع رماديته المحتقنة يقابله بها وصاح بحزمٍ:
_بند من بنود العقد اللي هتوقع عليه بيقيدك عن بيع الشركة لأي شخص غريب، في حالة إنك عايز تبيع الشركة مسموحلك بشرط يكون الشخص ده من جوه عيلة الغرباوي.
وتابع بقوة صارمة:
_مهو أنا مش بعد كل التعب ده أقدملك الشركة على طبق من دهب وتأخدها إنت وتديها للي لفة عليك زي الحية علشان توصل لهدفها.
انتفض بوقفته يصرخ بعصبية وجنون لمجرد تخيله بأنه انكشف أمره أمامه:
_تقصد أيه بكلامك القذر ده يا ابن فريدة!
بقى محله على مقعده يراقبه ببرودٍ:
_يا خال متخلنيش أشك في ذكائك! أنا من على الكرسي ده قادر أعرف كل كبيرة وصغيرة عن بلاويك السودة، بس اللي عايزك تعرفه إنك مش أول واحد هيلينا ترسم عليه دور الحب أبو أجنحه وردية، سبق وعملتها على تلات رجال أعمال معروفين وأخدت اللي وراهم واللي قدامهم وإنت ما شاء الله مبقاش وراك اللي يتأخد منك غير الحنجرة والخيلة الكدابة اللي واهم نفسك بيهم.
صرخ بانفعالٍ يخفي به تدهور موقفه أمام المحامي الذي يشهد اهانته بوضوح الشمس:
_اخرس قطع لسانك عيل قليل الرباية.
اتسعت ابتسامة عمران وحذره بمكر:
_أبويا الله يرحمه بقى مات وسبني أمانه في رقبتك وإنت اللي معرفتش تربيني يا خال كنت مشغول مع الراقصات.
واستطرد بغمزة وقحة:
_لو فاكر إن هيلينا هترجعلك شقاوة زمان تبقى غلطان دي هتأخدك لحم وترميك عضم يا خال ووقتها متجيش هنا تعيط زي النسوان لإن وقتها هتشوف وش تالت لعمران الغرباوي مصدفش ليك إنك اتقابلت فيه.
جذب العقد من يده ووقع عليه، ثم دفعه تجاهه يشير له:
_موافق على شرطك إمضي وخليني أغور من وشك.
سحب القلم يوقع وهو يهتف ساخرًا:
_وأنا اللي واقع في دباديبك أوي... إنت تلزق أي مكان تكون فيه يا خال... فلتصحبك السلامة في أي مكان تغور ليه!
وحمل العقد لمايا وقعته وعاد به يلقيه إليه مشيرًا لباب مكتبه:
_مش عايز أشوفك ولو صدفة.. لما يتقرص ودنك وتخسر وقتها افتكر اني حذرتك ونبهتك.
منحه نظرة حاقدة وهتف له بوعيدٍ:
_هتدفع التمن غالي يا عمران... وديني لأندمك على معاملتك وطريقتك معايا وساعتها هنشوف مين اللي هيبوس رجل مين.
منحه قبلة بالهواء وغمز له:
_مستنيك يا خال.. ربنا يديك طولة العمر!!
وفتح الباب يشير له:
_مع السلامة يا نعمان!
*******
ارتدى مريال المطبخ على خصره وشرع بجلي الأطباق، ومن ثم اتجه ليقلب القهوة على نيران هادئة، وانحنى يجذب الملابس من المغسلة ومن ثم خرج للشرفة يقوم بفردها على الحبال الداخلية، وولج يضع الشطائر التي صنعها على الصينية ووضع القهوة، ثم اتجه لغرفة شقيقه يهزه برفقٍ:
_سيف... قوم يالا إنت مش مأكد على ليلى إنك وراك محاضرة مهمة!
جذب الغطاء على صدره العاري يخفي وجهه من أسفله وهو يهتف بانزعاجٍ:
_يووه يا يوسف بقى انت كل يوم الصبح تقلق منامي!
جذب الغطاء عنه وشمله بنظرة خاطفة جعلته يزوى حاجبيه:
_إنت نايم كده ليه مش خايف تأخد برد!
تطلع للغطاء الذي أصبح بيد أخيه فنهض على الفور يرتدي بنطاله بحرجٍ:
_أيه يا يوسف الله.. مش عارف أخد راحتي في أوضتي كمان ما تعتقني لوجه الله!!
ضحك ساخرًا من ذاك الذي يسرع بارتداء ملابسه باحراجٍ، وردد:
_الله يرحم لما كنت بتعملها على روحك وأنا اللي كنت بحميك وآ..
كبت سيف فمه بصدمة مما تفوه به وترجاه بدهشة:
_آدهم هنا لو سمعك هيقول أيه، عايز تفضح أخوك يا يوسف!!
ارتفع صوت ضحكاته وأخبره مازحًا:
_خلاص يا دكتور سيفو متزعلش.. وبعدين ما أنت اللي صاحي تتدلع وأنا ورايا حالة ولادة عايز أروح المستشفى انجز قبل ما أروح لجمال!
جذب المنشفة واتجه لحمام الغرفة:
_اعتبرني لبست وجهزت... انزل انت.
لحق به مستندًا على باب المرحاض، وابتسم له وهو يناديه:
_سيف.
مرر فرشاة الاسنان لينظفها وهمهم له:
_مممم
ربع ذراعيه أمام صدره وقال:
_هتبقى عم قريب... ليلى حامل.
بصق المعجون من فمه واستدار له بابتسامةٍ واسعة وصاح:
_بجد يا يوسف؟
هز رأسه بتأكيدٍ فاحتضنه بقوة وهو يردد بفرحة:
_مبروك يا حبيبي ألف مبروك... ربنا يكملها على خير ويرزقك بولد صالح بار بيك وبيها.
ضمه بحبٍ وطبع قبلة على كتفه بحنان، وفجأة دفعه للخلف وهو يتأمل قميصه بصدمة:
_بهدلت القميص الله يخربيت معرفتك..هنزل المستشفى ازاي دلوقتي يا حيوان!!
انفجر ضاحكًا وهو يتأمل بقايا معجون الاسنان على قميص يوسف الابيض، وقال بصعوبة بالحديث:
_خدلك قميص تاني من عندي.
رفع احد حاجبيه بنزقٍ، فحك سيف لحيته النابتة بتفكير:
_صحيح انك أعرض من فوق شوية عني بس إن شاء الله نلاقيلك حاجة تناسبك. . أول ممكن نستعير من آدهم واحد هو هوجان في نفسه زيك كده.
قال من بين اصطكاك أسنانه:
_ادخل كمل اللي بتعمله وكُل واشرب قهوتك وانزل جامعتك بمنتهى الهدوء.
ووضع يده بجيبه يجذب مبلغ من المال يضعه بيده بقوة وكأنه يصفع يده قائلًا:
_اتفضل مصروفك..
واتجه للمغادرة وهو يحذره بشراسة:
_مش عايز ألمح خلقتك النهاردة... القميص جديد وبالتكت بتاعه يا حيوان.
فور مغادرته ضحك سيف وهتف يناديه:
_هتقاطع اخوك عشان الفميص يا جو!!!
******
فتح الباب الحديدي وولج يبحث عنه بمقلتيه المحتقنة إلى أن وجده يتفنن بأحد التصميمات ولجواره يجلس الاستاذ ممدوح يراقبه ببسمة هادئة، فما أن رأى من يقترب منهما حتى تساءل بدهشة:
_خير يا عمران؟
انتبه أيوب لنطق إسم رفيقه فاستدار للخلف فوجده يضع يديه بجيب سرواله الرمادي، ويمنحه نظرة النمر الواشك على افتراس فريسته.
ابتلع ريقه بخوفٍ غريبٍ يداهمه لمرته الأولى، فحتى مكانة أبيه لم تجعله خائفًا مثل الآن، اقترب منه عمران يستند على اللوح ويتأمل ما صنعه مبديًا عدم اعجابه بما فعله:
_مش بطال!
واستقام بوقفته وهو يخطو بين الرفوف الضخمة متمعنًا بها بنظرة غير مرضية، أتت بقوله:
_هو الأرشيف ده متنضفش من أمته يا أستاذ ممدوح التراب مالي الدنيا بشكل غير طبيعي!
سيطر الكهل المتحاذق على ابتسامته فهو يعلم ماذا يحاول تلميذه الأول بصنعه خاصة بعد أن قص له أيوب تفاصيل ما حدث بالأمس، فقال:
_مش فاكر والله يا بشمهندس.. بس بتسأل ليه؟
قال وقد استقرت عينيه على أيوب المتأهب لما سيفعله ليعاقبه كما وعده:
_بقول إن ميصحش البشمهندس يشتغل وسط التراب والفوضي دي عشان كده لازم ينضف مكانه بنفسه لاننا مش بنسمح لأي حد يدخل أرشيف وسجلات الشركة ولا أيه يا أيوب؟
عبس بعينيه بضجرٍ، فلم يترك له عمران فرصة المناص بل جذب المجلدات الضخمة ووضعها بيده ومن ثم الأخر فالأخر حتى اختفى أيوب خلف طابق كامل من المجلدات جعلته يصيح بلهاثٍ:
_كفايا يا عمران مش قادر أشيل كل ده!
أتاه رده الساخر:
_شيل يا عريس والا إنت مبتقدرش تشيل غير الحتت الطرية!!
ضحك ممدوح بعدم تصديق لما يحدث أمام عينيه، فتحرك أيوب ليضع ما بيده جانبًا ويعود لعمران يناوله المتبقي من المجلدات، وحينما انتهى قال وهو يطعنه بنظرة اخيرة:
_امسح الرفوف ورجعهم مكانهم زي الشاطر كده... ولما تخلص اطلع فوق لحسام هيفهمك هتعمل أيه لانك هتكون بدالي النهاردة طول اليوم.
كاد بالرحيل فجذبه أيوب بعدم استيعاب:
_مكانك فين!! عمران أنا شاب جامعي وبتعلم لسه فبالله هكون مكانك ازاي متهزرش!!
أخفض رماديته ليد أيوب الممتدة لجاكيته الباهظ فسحبها أيوب وهو يدمس شفتيه بغيظٍ، فأجابه الاخير ببرودٍ:
_استاذ ممدوح معاك هيساعدك.
وتركه واتجه للمغادرة فأوقفه تلك المرة بمسكة يده وهو يخبره:
_طيب وجمال أنا عايز أكون موجود معاه في يوم زي ده.
منحه بسمة باردة وصاح؛
_واجبك وصل يا عريس... ركز في المطلوب منك وبس.
وتركه وغادر وهو يشير للممدوح بتتابعه فما أن خرج خلفه حتى أغلق باب المكتب على أيوب ومال عليه يهمس له:
_استاذ ممدوح أنا عايزك تتوصى بأيوب، تفرمه من الشغل لدرجة إنه يرجع ميحلمش غير بسريره وبس ميجيش في دماغه شيء غير إنه يريح جسمه ويرجع هنا تاني... حضرتك فاهمني؟
ضحك ممدوح وهز رأسه:
_وصلت... بس خد بالك الولد معندوش نية إنه يقرب منها وأنا شايف الصدق في عنيه.
رد عليه بخوف صادق:
_الشيطان شاطر يا استاذ ممدوح ولو حصل هتبقى كارثة لو البنت دي حملت منه... أرجوك ساعدني أنا خايف عليه.. عصرت دماغي عشان ألقى حل مش لاقي غير إنها تأسلم وده مستحيل.
ربت على يده بحنان:
_مفيش مستحيل على ربنا يا ابني.. عمومًا اطمن أيوب بقى زي ابني وجوه عيني متقلقش.
ودعه بابتسامة صغيرة وغادر على الفور فعاد ممدوح للداخل فوجد أيوب يقف على الدرج الخشبي ينظف الرفوف وما أن رآه حتى قال متهكمًا:
_كان بيوصيك عليا مش كده!!
ضحك وهو يهز رأسه فمال على الدرج يستند عليه بتعبٍ:
_والله ما أنا عارف بيعمل كده ليه.. ده أنا لو عند أخ أكبر مني مش هخاف منه بالشكل ده!
******
بالاعلى.
تابعت مايا عمل فاطيما باهتمامٍ، عاونتها على تنسيق الملفات بشكلٍ اكثر احترافية، وحينما قدمت ملفها الأول قالت بإعجاب:
_الله عليكِ يا طمطم هو ده الشغل ولا بلاش.
ابتسمت لها بمحبة وقالت:
_بفضل الله ثم تواجهيهاتك يا بشمهندسة.
مالت تقبل جبهتها بحب:
_حبيبتي يا فاطمة والله أنا مبسوطة من وجود معايا أوي... كنت بحس إن هنا لوحدي وماليش حد ولما عمران قال إن صبا ممكن تنزل معايا فرحت بس الهبلة اتحججت بتعب الحمل وكنسلت الموضوع وأهو ربنا عوضني بسلفتي وأختي القمراية.
اختبرت فاطمة أحاسيس غريبة من ضمة مايا لها، فأحاطتها بابتسامة مشرقة وقالت:
_انتي اللي زي القمر وتتحبي يا مايسان ربنا يسعدك ويفرح قلبك الأبيض.
أغلقت مايا الحاسوب وقالت بحماس:
_حيث كده بقى فكك من الشغل وتعالي ننزل نتغدى في أي مطعم... في مكان هنا جنب الشركة بيعملوا بيتزا إنما أيه عجب... بينا؟
التقطت حقيبتها مشيرة لها بنفس مصطلحها:
_بينا يا ريسة!
تعالت ضحكاتها وشاركتها الاخرى ومن ثم هبطوا معًا للأسفل.
*******
أوصل حسام الضيف الزائر للأسفل بعد أن هاتفه عُمران وأوصاه أن يُوصله للأرشيف بنفسه، فشكره بتهذبٍ:
_شكرًا يا بشمهندس.
رد عليه حسام باستحسان:
_أنا في خدمتك يا باشا.
وتركه وغادر بينما أكمل الضيف طريقه للأسفل حتى وصل للباب الحديدي، دفعه وأخذ يتطلع لذاك العالق على الدرج الخشبي بكتلة مجلدات ضخمة يرصها بانتظامٍ ويبدو الانهاك يشكل خرائطه على وجهه، فناداه بخفوتٍ:
_أيوب!
أطل من فوق المجلد يتأمل من يناديه، فابتسم وهو يناديه بلهفة:
_آدهم!!!!
وهبط إليه مبتسمًا ومتسائلًا:
_بتعمل أيه هنا؟!
أجابه وهو يتفحص ملابسه المتسخة باستغرابٍ:
_جاي علشانك.
وسأله وهو ينفض الأتربة عن قميص بذلته:
_إنت أيه اللي بهدلك بالشكل ده؟!
أمسك أيوب يده ودفعه ليجلس قبالته على الطاولة الخشبية المتهالكة، قائلًا بتوسل:
_أبوس إيدك خلصني من عمران.. من ساعة ما شافني نازل إمبارح شايل آديرا وهو اتجنن، هالكني في الشغل وفاهم إنه كده بينتقم مني.
تمردت ضحكة رجولية على شفتيه جعلت الاخير يرتاب لامره متسائلًا بحيرة:
_بتضحك على أيه يا آدهم؟
استعاد اتزانه رغم احتفاظه ببسمته الجذابة وقال:
_مش بينتقم منك يابو قلب طيب بيهدك عشان لما ترجع بيتك ميكنش عندك أي نية شيطانية غير النوم والاسترخاء... فهمت حاجة؟
فرك أنفه بحرجٍ طفيف وهمس له:
_طيب وليه كل ده والله ما عندي نية لحاجة يا جدعان!!!
رفع يديه بغمزة مرحة:
_مصدقك يا عم الشيخ بس الطاووس الوقح عنده وجهة نظر محتلفة.. حظك!
ضم شفتيه معًا بقوة وصمت قليلًا ومن ثم قال:
_طيب ما تلين انت دماغه وتخليه يخف عني!
استند على الطاولة وهتف له متصنعًا الحزن:
_كنت أتمنى يا أيوب والله بس كتب كتابي بعد بكره على أخته فلو أنا اللي اتدخلت هيسيبك ويستلمني أنا!
اعتدل بوقفته بابتسامة واسعة:
_بجد.. هتتجوز يا آدهم؟
صحح له بابتسامة هادئة:
_كتب كتاب بس والفرح بعد امتحانتها ان شاء الله.
وضع يده على كتفه بسرورٍ:
_مبروووك يا عمهم.. أهي دي الاخبار اللي تفرح وسط الجو المترب ده.
رفع آدهم يده يشدد على كتفه مثلما فعل وقال:
_عقبالك بس مع اللي تستاهلك.
ابتسم وهو يجمع شمل الحديث، فتابع آدهم بجدية:
_نستني كنت جايلك ليه.
وأخرج من جيب بنطاله ساعو رجالية فخمة، قدمها له مشددًا على حروفه:
_إلبسها ومتقلعهاش أبدًا يا أيوب على الأقل لحد ما ترجع مصر.
تناولها منه وتفحصها باستغرابٍ:
_ليه؟
نزع ادهم عنه ساعته ووضعها جانبًا، ثم وضع الاخرى بمعصمه قائلًا:
_انت بتقول انك بتعزني معزة كبيرة فوجود الساعة دي في ايدك هتأكدلي كلامك خصوصًا اني مسافر القاهرة الاسبوع الجاي.
انقبضت ملامح أيوب وفاضت بالحزن، فأمسك يده وقال برجاءٍ صغيرًا في عهده الثاني:
_مينفعش تخليك هنا معانا.
ابتسم وهو يراقب مسكة يده وقال:
_والدي راجل قعيد ومن بعد وفاة والدتي مبقاش ليه غيري.. كل فترة بيكلمني وبيترجاني أرجع والمرادي مصمم إني أرجعله وشكله مريض فعلًا.. أنا وعدته ومقدرش أتراجع.. خايف يجراله حاجة فذنبه يكون في رقبتي.
هز رأسه متفهمًا وردد بنبرة متحشرجة من الحزن:
_ربنا يشفيه ويباركلك فيه.
أحاط كتفه بذراعه وقال بابتسامة جذابة:
_هنتقابل تاني يابن الشيخ مهران... وعد لما تنزل مصر هتلاقيني أنا اللي بستقبلك في المطار.. هما كلهم تلات شهور هيعدوا بسرعة البرق.. وبعدين الموبيل اخترعوه ليه؟
اتسعت ابتسامة ايوب وضمه إليه، فاحتواه آدهم ومازالت تعابيره مندهشة من الحب الاخوي الغريب المتبادل بينهما، لوهلة تمناه أن يكون ذاك الأخ الذي تمنى أن يمتلكه، كان دومًا حزينًا يتساءل لماذا ابقاه والديه وحيدًا دون شقيق أو شقيقة وحينما اشتد عوده علم بأمر تعب والدته وعدم قدرتها على الانجاب فتقبل الأمر واعتاد عليه... ودعه آدهم واتجه للمحامي يرتب أوراق عقد القران بعد أن تحدث علي إليه وزف له موافقة عمه ووالدته.
*****
بالمشفى.
وقف جمال جوار والدته يحبس دموعه بتمكنٍ، ولجواره تقف زوجته عاجزة عن الحديث إليه أو حتى تهدئته، تعود الحاجة أشرقت لحديثها الباكي فتزيد من وجعه:
_وصيتي أخواتك يا جمال، لو جرالي حاجة حطهم في عينك يا ابني.. أنا عارفة اننا تقلنا عليك وشيلناك فوق طاقتك.. مصاريف علاجي وتعليم اخواتك وجوازتهم وعمرك مرة ما اشتكيت ولا قولت مش قادر... طول عمرك اللي في ايدك مش ليك يا حبيبي.. عشان كده لو جرالي حاجه هموت وأنا راضية عنك يا ضنايا.
انحنى تجاهها يقبل يدها الممتلئة بالمحاليل والأجهزة وردد برعشة باكية:
_متقوليش كده عشان خاطري يامه... هتخرجي والله وهتبقي زي الفل.
ربتت على خصلات شعره الفحمي بيدها الاخرى وقالت:
_ربنا يراضيك ويسعدك زي ما انت سبب سعادتي... ربنا يجبر بخاطرك زي ما انت جابر بخاطري أنا واخواتك يا حبيبي.
لم يحتمل سماع المزيد فبكى على يدها وهو يترجاها:
_كفايا عشان خاطري متوجعيش قلبي يامه.
طرقات باب الغرفة ومن ثم ولج ذاك البشوش بالورود، ليقترب منها يسيطر على حزنه لرؤيته انهيار رفيقه بحرافية، فهتف بمرح:
_مساءو فل على أجمل ست اتخلقت في الكون كله... شوفتي المرادي جبتلك ورد أحمر علشان تعرفي إن علاقتنا اتطورت من حب وتسبيل لمرحلة مينفعش فيها الحبيب!
ضحكت أشرقت بكل ما فيها وقالت بتعبٍ:
_اخص عليك يا عمران يا ابني مش هتبطل بكش أبدًا.
أبعد جمال عنها واحتل مقعده، مال لها يخبرها:
_قومي يا شوشوو وفكك من رقدة السرير دي، بالك انتي لو غمزتلك غمزة بعيني الاجنبية دي هتقومي تجري زي الفرسة.
انفجرت ضاحكة بشكل جعل جمال يبتسم وهو يتطلع له بامتنان لقدومه باكرًا قبل ولوجها للجراحة، وفجأة انقلبت ضحكتها لبكاء وقالت:
_كويس انك جيت دلوقتي عشان أوصيك على جمال... انا وصيته على اخواته وماليش حد أوصيه عليه غيرك يا ابني.. أنا عارفة انك ابن اصول وصاحب صاحبك.. جمال دايما بيكلمنا عنك وعن اللي بتعمله معاه.. بالله عليك لو جرالي حاجه قوله ميزعلش وآ..
أمسك يدها وباحتقان صوته المعافر لبكاء صريح قال:
_بتوصيني على ابنك ده محتاج اللي يوصيه عليا.. ابنك يا حاجة كيف الطور الهايج اللي مالوش ماسكة... ده مسكني امبارح في مكتبه مسبش حاجة الا وكسرها فوق دماغي لدرجة اني جالي ارتجاج في المخ.
جحظت عينيها بصدمة وتطلعت لجمال بغضب لتدفعه بلوم:
_كده يا جمال.. اخص عليك اخص!!
راقص عمران حاجبيه لجمال المنصدم من انقلاب ما حدث ليدفع كفة الميزان إليه، فعاد عمران يجذب يدها قائلًا:
_فكك منه.. المهم يا أشرقت يا حبيبتي إنتي عارفة ايه اللي هيحصل دلوقتي؟
ابتسمت وهي تتساءل:
_لا والله يا ابني!
ضحك وقال مشاكسة:
_والدتك الله يرحمها وهي بتولدك ألقت عليكي تعويذة غريبة، إنك تستحوذي على قلوب رجالة مصر والعالم العربي كله.. قوم أيه الحاج اتضايق وكلم جمال وقاله يتصرف قبل ما البيت يتخرب مهو الراجل معزور بردو مش عارف يلم خطابك يا هانم..
انفجرت ضاحكة فاستطرد هو:
_فكان لازم جمال يتصرف فاتفقنا مع دكتور شاطر هيأخد قلبك الجميل ده يفك من عليه التعويذة ويرجعهولك تاني بحيث تعيشي مع الحاج الكام يوم اللي فضلين ليه بسلام ولما يتكل على الله نجدد التعويذة ونختار على مزاج بقى.. بس أنا في أول القايمة ها؟؟
أحمر وجهها من فرط الضحك لدرجة جعلت صبا وجمال يبتسمان بفرحة، حتى ذاك الطبيب الذي ولج يردد:
_جيد أن نفسيتها لم تتأثر للسوء... نحن مستعدون فلنتحرك الآن.
كانت أصعب لحظة مرت عليهم، التحف جمال برداء القوة حتى ولجت للداخل فألقاه بمرمى الحجر وعاد للغرفة يجلس على فراشها يضم سبحتها وقرآنها ببكاء متأثر، حاولت صبا الدخول إليه ولكنها توقفت حينما وجدت عمران بالداخل فاتجهت للجلوس على الاريكة الخارجية.
وضع عمران يده على كتف جمال وقال بخشونة:
_أيه يالا هتعيط زي النسوان!!! قوم اقف كده واجمد مراتك بره يا عبيط هتقول عليك أيه!!
رفع عينه المحتقنة بالدموع إليه وقال:
_أمي يا عمران لو حصلها حاجة هموت وراها.
لكزه بغضب:
_متفولش عليها والله هتخرج وهتبقى زي الفل... قوم معايا بره.
هز رأسه نافيًا، فجلس جواره لدقائق ثم قال:
_تحب أنزل أجبلك قهوة؟
هز رأسه نافيًا، فقال مرة اخرى:
_طيب عايز دوا للصداع ولا أي حاجة؟
هز رأسه نافيًا، فعاد يبتسم بخفوت ويتساءل:
_طب عايز حضن طيب؟
منحه نظرة غامضة فدفعه عمران بتهكمٍ:
_انت حر.. هروح أشوف يوسف والشباب وصلوا ولا أيه؟
كاد بالخروج ولكنه توقف على صوت جمال الهامس:
_عُمران.
استدار له فقال الاخير ببكاء:
_عايز الحضن!!
دنى إليه وضمه بين ذراعيه فبكى جمال بخوفٍ، بينما ادمعت رمادية عمران وهمس يمازحه:
_شوفت عمران الغرباوي اتخلى عن برستيجه وحضنك مع إن لو حد دخل علينا واحنا في الوضع ده هتضيع الهيبة وخصوصا اننا وسط الاجانب اللي ممنوع فيها سلام الرجال.. خدت بالك انا بجازف بأيه عشانك يالا!!
ضحك حتى ادمعت عينيه فشاركه عمران الضحك حتى ولج الشباب فأسرع سيف إليه يسأله بغلظة:
_أيوب فين يا عمران!..
..... يتبع.....
#صرخات_أنثى... #حبيبتي_العبرية.. #آية_محمد_رفعت..
****___******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثامن وثلاثون 38 - بقلم آية محمد رفعت
_وحياة كل نبضة نبضها قلبي ليكِ لأخد حق كل يوم قضيته وأنا مخلص لحبك، أقسملك إني هكسر قلبك زي ما كسرتي قلبي، وهدفن جواه حبك الأعمى.. هزله بكل دقة دقها لواحدة رخيصة زيك!
وتابع وزرقة عينيه لا تحيل عنها:
_هدفن اللين والرأفة اللي جوايا ومش هيكون عندي ليكي غير جبروت وقسوة وكره... هنتقم للأيام اللي قضيتها بين أربع حيطان عاجز وموجوع من اللي عملتيه..
وفتح باب شقته صارخًا بغضب:
_اطلعي من هنا ومتورنيش وشك تاني لا انتي ولا ابنك!
هرعت راكضة تغلق الباب وتتخفى خلفه برهبةٍ، فتعالت شهقات بكائها الواصل لإذنيه رغم أن ملامحها مختبئة خلف نقابها الأسود، ويدها تضم صغيرها المتمسك بساقيها برعبٍ من خوض تلك الأحداث المضطربة، تحرر صوتها أخيرًا تتوسل له باكية:
_أبوس إيدك متخرجنيش دلوقتي..أوعدك إني هخرج من حياتك ومش هضايقك تاني لا أنا ولا ابني بس استنى لما يمشي من العمارة وهخرج على طول.. لو شافني هنا هيأذيني!
ابتسامة ساخرة تسللت على شفتيه، فطوفها بنظرةٍ مستحقرة جابتها من رأسها حتى أخمص قدميها.
تراجعت للحائط من خلفها وهي تبتلع ريقها برعبٍ من نظراته الغامضة، فانحنى بقامته الطويلة ليصل إليها وحرر صوته المبحوح من فرط صراخه بها:
_ولو قتلك تفتكري هيفرق معايا!
وجذب ذراعها واتجه ليفتح بابه فترجته باكية وهي تضم صغيرها إليها:
_بالله عليك وحياة أغلى حاجة عندك!
استدار لها ويده تشدد حول معصمها بقوةٍ جعلتها تتأوه ألمًا، بينما يهتف هو بجمودٍ:
_ماتت.. أغلى حاجة في حياتي ماتت واندفنت ومبقاش ليها رجوع تاني.
وانهى كلماته وهو يدفعها خارج شقته، يطالعها بنظرة حملت كره وحقد لم تتوقعه يومًا، فاحتضنها صغيرها يبكي بانهيارٍ بين ذراعيها وانتقل كل شعورٍ مألوف داخله بالحب إليه للكره الشديد، فترك والدته أرضًا واندفع تجاه ذاك العملاق يسدد له ركلات بساقيه الصغيرة وهو يصرخ بها ببكاء:
_أنت وحش وحش.. أنا بكرهك!
_أخر حاجة كنت أتوقعها انك جوه عنده يا بنت ال***
صوتًا صاخبًا اقتحم مشهدهم جعلها تنتفض برقدتها، فدفعت جسدها الهزيل للخلف وهي تتطلع لمن يهبط الدرج مسرعًا حينما تسلل له صوت الطفل.
جحظت عينيها صدمة وخاصة حينما جذبها من حجابها بقوةٍ جعلت نقابها يرتخي عن وجهها وصرخ بها باستحقارٍ:
_عشان كده مكنتيش عايزة ترجعيلي المرادي!! وديني لاقتلك يا فاجرة.
صرخت وهي تحاول تفادي ضرباته القاسية، تصرخ بكل ما فيها عسى ذاك القاسي يتحرك لنجدتها، ولكنها لم ترى بعينيه سوى نظرة مستمتعة بما يقع عليها، ويده تلتف على صغيرها الذي يجاهد لنجدتها من ذاك الغليظ مرددًا ببكاء:
_ماما... ماماااا.
ورفع الصغير وجهه إليه يتوسل له:
_ابعده عنها أرجوك!
انحنى بقامته الطويلة ليكون على نفس مستوى الصغير، أحاط وجهه بيديه معًا ومسد على شعره بحنانٍ وهو يخبره:
_صدقني متستاهلش حبك وخوفك عليها... مامتك دي حرباية هتعرف تخلص نفسها وتتلون للون اللي هيرضيه!!
وانتصب بوقفته يطالعها بنظرة أخيرة قبل أن يجذبه عنوةٍ ويتجه به لشقته تاركها تعافر بقوةٍ، حتى ارتخى جسدها على الدرج ومع ذلك لم يرحمها، حرر حزامه الجلدي ليلقنها ضربات قاتلة جعلت الأخير يحارب لأن يغلق بابه وهو يرى ما يفعله ذاك الآرعن.
أغلقت عينيها تستعد لمصيرٍ قاسٍ، وقبل أن تطولها أول ضربة من حزامه تفاجئت بأحدٍ يمسك الحزام بقوة، ويسدد له ضربة بعصاه الغليظة، تطلعت بصدمة لمن يقف خلفه، فرددت ببكاءٍ خافت:
_شيخ مهران!
حانت من ذاك الشيخ الموقر نظرة تجاه من يقف أمام باب شقته يتابع ما يحدث بجمود، فاتجه بعصاه العتيقة ليقف قبالته يحدجه بنظرة قاتلة وبخشونة قال:
_يا خسارة تربيتي فيك! أخر حاجة كنت أتوقعها إنك تقف تتفرج ببرود على واحدة ست عاجزة تدافع عن نفسها.
عاتبه بنظرة مطولة وقال يذكره:
_أدافع عن دي!!!!! انت ناسي اللي عملته فيا.. دي أخر واحدة ممكن أدافع عنها، أنا لولا أخلاقي اللي بتتكلم عنها كنت أنا اللي عملت فيها كده مش هو..
قاطعه بطرق عصاه أرضًا صارخًا بعصبية بالغة:
_يونــس!!
ليس بطلًا رئيسي ولكن دوره هامًا وملفت ... ترقبوا ظهور وجهًا جديدًا سينضم لأبطال رواية #صرخات_أنثى... وبالأخص (#حبيبتي_العبرية!)...
يونس شخصية اتعرضت لظلم كبير أوي والمفاجأة إن قصته حقيقية، كان من ابطال نوفيلا حبيبتي العبرية واستثنيته لما دمجت النوڤيلا مع الرواية، وكالعادة ظهور الشخصيات هو اللي بيفرض نفسه عليا يونس فرض نفسه بظهوره.. فأعزائي القراء استنوا شخصية قوية هتنضم لينا قريب واللي يحمس إنها من عيلة أيوب مهران هنعرف عنه أكتر مع الفصول وكالعادة هقولكم #كونوا_بالقرب ❤🫢🙈
سلام أنا بقى 🙌🏻👋🏻
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل التاسع وثلاثون 39 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_السابع_والثلاثون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"دعاء علي"،"نشوى جمال"، "بسملة مصطفى"، ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أغلق عينيه بقوةٍ ويده تضغط بغيظٍ على يد "جمال" الذي دفعه للخلف هاتفًا بألمٍ:
_دراعي يا عمران مالك؟!
استدار يقابل سيف بنظرة مشتعلة، اتبعها وابل من غضبه:
_هو انت كل ما تشوف خلقتي تسألني عنه! حد قالك إني المدام بتاعته بروح أمك وأنا معرفش!
زم سيف شفتيه بغيظٍ وأشار ليوسف بحنقٍ:
_شوفت طريقته بالكلام يا يوسف وفي الأخر تقولي أحترمه!
ربت على كتف شقيقه وكأنه يواسيه، واتجه لعمران يخبره بنزق:
_خف على الواد شوية يا عم الوقح، أيه محدش عارف يكلمك!
كاد بأن يمنحه وابل من فظاظته فأسرع جمال يمسك بيديه وهو يخبره بسخريةٍ:
_والله ما هي ناقصة... قعدت تقولي بروح أمك لحد ما أمي روحها بتطلع جوه أهي!
وتابع بنبرة متوسلة تترجاه:
_خف على دكتور سيفو مالوش في كلامك الدبش ده.. خليك الكبير العاقل يا عم الطاووس .
أحاطهم بنظرةٍ ساخرة شملت علي الذي تجاهله واستكمل طريقه ليكون مجاور لجمال يسأله باهتمامٍ:
_الدكتور مخرجش من جوه؟
هز رأسه نافيًا وقد تسلل الحزن إليه بنبرته:
_لأ لسه.. بقالهم فترة جوه.
ربت على كتفه وهو يخبره:
_العملية دي بتأخد وقت كبير.. ادعيلها يا جمال وخليك متفائل.
رفع رأسه عاليًا وردد بخفوت:
_يا رب متحرمنيش منها يارب!
جلس يوسف جواره هو الأخر وأحاط كتفه يشد عليه:
_هتخرج وهتبقى زي الفل.. أنا شوية وهدخل أطمن على الأمور بنفسي متقلقش.
اتجه سيف للأريكة المقابله إليهم فجلس يعبث بهاتفه في محاولة للوصول لأيوب بعد أن هاتفه للمرة الثامنة، فتهللت أساريره حينما أجابه تلك المرة فسأله بلهفة:
_أيوب إنت فين؟ وليه مبتردش على موبيلك؟
أتاه صوته حزينًا حتى وإن حاول اخفائه:
_معلش يا سيف كنت بكلم الشيخ مهران وبعدها سبت الموبيل.. أنا كنت لسه هكلمك حالًا عشان أسالك انتوا في أنهي دور؟
سأله باهتمامٍ:
_انت فين دلوقتي؟
_قدام البوابة تحت.
_طيب خليك عندك متتحركش أنا نازلك.
وأغلق سيف هاتفه وأسرع للمصعد يحرر زر هبوطه الطابق السُفلي قاصدًا البوابة الخارجية، جاب الطريق ببصره فأهتدت مقلتيه على صديقه المستند بجسده على العمود الحجري المجاور للبوابة، فاتجه إليه يناديه بلهفةٍ:
_أيوب.
استقام الاخير بوقفته ليقابله بابتسامةٍ صنعها بحرفية لتخدعه ولكن صوته كان كفيل بعكس كل ما يمر به، فكان أول سؤال منه:
_مالك؟
تلاشت ابتسامته وتنهد بضيقٍ وهو يستدير للخارج، لحق به سيف ووقف بالجانب الأخير مستطردًا:
_الشيخ مهران قالك أيه مزعلك كده؟ متقوليش إنه عرف بموضوع جوازك من آديرا!
هز رأسه نافيـًا وقد امتقع وجهه بحزنٍ مضاعف وهو يصرح له:
_أبويا حزنه بيزيد يوم بعد يوم يا سيف، ولحد النهاردة مش قادر يعرف مكانه ولا حد عارف يوصله.. مش هاين عليه إنه يفرط في أمانة أخوه بالشكل ده!
رفع يده يربت بها على ظهره المنحي، وقد وصل إليه سبب حزنه، فقال:
_لسه بردو مش عارفين مكانه؟
أكد له بإيماءةٍ رأسه وقال بصوتٍ احتقن بالدموع:
_٥ سنين يا سيف! خمس سنين بندور في كل الاقسام ومش لاقينله أثر.. والله العظيم مظلوم.. يونس ابن عمي مستحيل يكون منهم يا سيف!
تهاوت دمعة عن فيروزته رغمًا عن كبريائه، فاحاطه سيف بين ضلوعه وهتف إليه:
_بس عشان خاطري.. أنا مش بستحمل أشوفك زعلان تقوم توريني نفسك وإنت كده يا أيوب!
شكى له ذاك الظلم المستبد الذي تعرض له ابن عمه:
_ذنبه أيه يتأخد بالطريقة دي من شقته وقدام مراته! ده معداش على جوازهم غير اسبوعين يا سيف! وكل اللي مسكوه عليه شوية أوراق ادثتله في المحل بتاعه ومن يومها لحد النهاردة محدش عارفله طريق! أنا مش عارف أساسًا إذا كان عايش ولا لأ.....
واستطرد بلوعةٍ:
_وحشني أوي.. عمري ما كان ليا أخ بس كنت معاه بحس إنه أخويا الكبير، كنت برتاح أوي لما بسمعه بيرفع الآذان لو الشيخ مهران كان تعبان، أقسم بالله إن يونس مستحيل يكون تبعهم وإن اللي حصل ده كان مقصود من الكلب ده.
أدمعت عينيه تأثرًا به، فزاد من احتضانه ومازحه قائلًا:
_خلاص يا أيوب... يا أخي قدر موقفي هغير عليك أنا من عمران ولا من سي يونس ده كمان!!
تمردت ضحكة صاخبة منه، فلكزه سيف بمزحٍ:
_اضحك اضحك ما انتي خطابك كتير يا شابة!
ارتفعت صوت ضحكاته مجددًا وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا بقلة حيلة، تطلع سيف للرصيف البعيد عنهما وردد بدهشةٍ:
_مش ده آدهم!
استدروا معًا للسيارة التي تقترب منهما، فانخفض زجاج النافذة وأشار لهما آدهم بأن ينتظروه لحين أن يصف سيارته بچراچ المشفى ويعود إليهما.
غامت أعين سيف بشرودٍ فناداه أيوب باستغراب:
_روحت فين يا ابني!
وبسخرية استطرد:
_أيه غيران عليا من آدهم هو كمان؟!
قابله بنظرةٍ جادة للغاية وقال وهو يمسك يده كمن وجد المنقذ لعائقته:
_آدهم يا أيوب.
رمش بعدم استيعاب وقال:
_ماله آدهم؟
أوضح له بابتسامة واسعة:
_آدهم الاسم الحركي لعمر الرشيدي ظابط في المخابرات.
لوى شفتيه ساخطًا، وكأنه يخبره بما لا يعلمه، فاستكمل سيف:
_يا ابني افهمني، ابن عمك اتاخد من الأمن الوطني وانتوا بقالكم خمس سنين بتدورا عليه ومش عارفين توصلوا لحاجة، آدهم أو عمر الرشيدي يقدر بمنتهى السهولة يعرف طريقه!
اهداه لنظريته فتعلقت نظرات أيوب بآدهم الذي يقترب منهما على بعد مسافة منهما، فاستدار لسيف يحذره بصوتٍ منخفض:
_لا يا سيف أوعى تقوله حاجه... كفايا مشكلة آديرا اللي الكل بقى فيها معايا وأولهم آدهم اللي اداني شقته وواقف جنبي لحد دلوقتي.. متقولوش حاجة من فضلك.
هز رأسه بتفهمٍ:
_زي ما تحب.
وقف أيوب جوار سيف ينتظرونه حتى قطع المسافة الطويلة ووصل إليهما، قائلًا ببسمته الجذابة:
_مساء الخير يا رجالة.
أجابه سيف بابتسامة صغيرة:
_مساء الفل يا عريس... مبروك مقدمًا.
اتسعت ابتسامته وهو يجيبه:
_الله يبارك فيك يا دكتور عقبالك.
رفع يديه يردد بمرح:
_اسمع منه بأقرب وقت يا رب قبل ما يوسف أخويا يفضحني في انجلترا كلها بدور الخاطبة اللي عايشيلي فيه ده.
ضحك آدهم وشاركه سيف الضحك بينما ظل أيوب مكفهر الملامح لا يرى أمامه سوى حديث سيف، يشعر بالقلق حيال ذلك الأمر، يعز عليه أن يكون مفتاح خلاص ابن عمه بيده ويعجز عن تقدميه إليه، ولكنه لم يعتاد على أن يكون جشعًا بطلباته أو أن يستغل صداقاته لتحقيق ما يريد.
تفحصه آدهم بنظراتٍ غامضة، وقد أتت فرصته على طبقٍ من ذهب حينما دق هاتف سيف ولم يكن سوى يوسف يطالبه بالذهاب لأحد المطاعم واحضار بعض الشطائر والعصائر لإن الجراحة ستستغرق العديد من الساعات، فوضع الهاتف بجيب بنطاله الجينز وقال بتهكمٍ:
_لو عايزين تطلعوا اطلعوا أنا نص ساعة وراجع.
ألقى له آدهم مفاتيح سيارته وقال:
_خد عربيتي عشان ترجع بسرعة... احنا هنستناك هنا.
ابتسم له بامتنان واتجه لجراج المشفى يعتلي سيارة آدهم الذي ابتاعها منذ ساعات قليلة عوضًا عن سيارته القديمة التي لا تصلح سوى للبيع خردة.
أشار آدهم بيده لاحدى الاستراحات قائلًا:
_تعالى نقعد هناك عما يجي.
أومأ برأسه ولحق به، فجلس جواره صامتًا، شاردًا، والابتسامة الغامضة مازالت تزين فم آدهم إلى أن كسر حاجز صمتهما قائلًا:
_قولي بقى أيه اللي سيف عايزاني أعرفه وإنت رفضت تقولهولي؟
جحظت أعين أيوب بصدمة، فاستدار إليه يمنحه نظرة مندهشة، إن تركه آدهم لدقيقة لظن بأن سيف قد هاتفه وأخبره ولكنه لم يتركهما معًا فكيف علم بذلك.
على الأرجح بأنه قرأ ما يدور بعينيه فابتسم قائلًا:
_سيف مقاليش حاجة، أنا اللي قريت حركة شفايفكم وأنا بقرب منكم.. وبصراحة فضولي جاني لما قريت إسمي اللي اتردد بينكم.
ودفع كتفه برفقٍ وهو يسأله باهتمامٍ:
_ها هتقولي؟
أخفض عينيه أرضًا بحرجٍ، والأخير يترجم كل حركةٍ ولو صغيرة تصدر عنه، فصاح بعصبية بالغة:
_جرى أيه يا أيوب إنت ليه محسسني إننا أول مرة نعرف بعض!! أنا قولتلك ألف مرة انت زي أخويا الصغير لما تحتاج حاجة تقولي عليها على طول مش قاعد قدامي عامل شبه العيل الصغير اللي عملها على نفسه في أول يوم دراسي!!
تطلع له أيوب بدهشة من تغيره المفاجئ، على ما يبدو بأن عمران الغرباوي ليس الوحيد بينهم الذي يحمل أعصابه على ريشة.
التقط آدهم نفسًا مطولًا وأطلقه هاتفًا برجاء:
_اتكلم بقى ومتعصبنيش أكتر من كده.
أجلى صوته بخشونة:
_ابن عمي مقبوض عليه من خمس سنين ومش عارفين ليه طريق، ولا عارفين هو عايش ولا ميت!
سأله باستفهامٍ:
_اتفبض عليه في أيه؟!
قابله بجلسته يخبره بحزنٍ عميق انتقل لآدهم تلقائيًا:
_بص يا آدهم والله العظيم أنا مبكدب عليك، ابن عمي ده ميتخيرش عني في شيء، شاب محترم ومتدين وفي حاله، اللي حصل ده أصلًا متلفقاله عشان يبعد عن مراته ويطلقها وده اللي حصل فعلًا مراته من تاني شهر حبس ليه رفعت عليه قضية خلع وكسبتها واتجوزت الخاين اللي حبسه.
حديثه كان مشتتًا وجعل الاخير غير ملم بالاحداث، فسأله بهدوء:
_تقصد إن اللي اتجوزته ده هو اللي اتسبب في سجن ابن عمك؟
هز رأسه يؤكد له ذلك، وقال باستفاضة:
_بص الموضوع ده قديم أوي، خديجة ساكنة عندنا في العماره اللي ورثها أبويا الشيخ مهران وعمي محمد الله يرحمه، فكانت شقتها في الدور الرابع بعد شقة يونس ابن عمي، الاتنين حبوا بعض من صغرهم وأبويا اتقدم بشكل رسمي لوالدتها عشان الكلام ميكترش في الحارة واحنا ناس متدينة، وقتها الست فوزية والدة خديجة اتكلمت مع عيلة جوزها على يونس وواحد من اعمامها اعترض، كان عايز يجوز خديجة لابنه عشان يضمن ان الاراضي الزراعية اللي ورثتها خديجة عن ابوها مترحش بعيد.. عمل المستحيل هو وابنه عشان يوقف الجوازة دي بس معرفش.
وتابع بحزن:
_كنا فاكرين ان بعد ما كتبوا الكتاب وفرحهم اتعمل إنهم هيتهدوا وهيسبوهم في حالهم، بس اللي حصل إن معتز ابن عمها وابوه حطوله في المحل بتاعه منشورات وأوراق تودي في داهية، وبلغوا عنه وآ...
هز آدهم رأسه واسترسل هو:
_اتهموه بأنه من الجماعة إياهم واللي زاد في الأمر أمر هو تدينه مش صح كده؟
حرك رأسه موافقًا لحديثه وقد تشكل الحزن على معالمه بتأثرٍ، وقال:
_أبويا حزين وعاجز، بقاله خمس سنين بيروح من قسم لقسم وبيحاول يجيب أي وسطة، وبعد كل ده ميأسش مرة، عمي الله يرحمه كان عنده كانسر وقبل ما روحه تطلع للي خلقها وصى أبويا على ابنه الوحيد، وده أكتر شيء وجع أبويا حتى لو بيحاول يبنلي في التليفون إنه كويس بس أنا حاسس بيه وعارف هو حاسس بأيه بالوقت ده.
ابتسامة صغيرة شقت طريقها على ثغره،وقال بصوته الرخيم:
_إنت ووالدك عندكم استعداد تخسروا نفسكم قدام وعد وعدوته.. كنت مستغرب إنت ازاي قابل تعرض نفسك لكل المخاطر دي عشان بنت عبرانية بس دلوقتي عرفت إنك اتربيت على ايد انسان عظيم بيحترم الوعود وبيسعى ليها.
وربت على ساقه وهو يستطرد:
_اطمن يا أيوب.. أنا نازل مصر الاسبوع اللي جاي أوعدك إني مش بس هوصل ليونس ابن عمك أنا هفتح قضيته من تاني وأنا بنفسي اللي هحقق فيها أنا وفريقي وهقدر بإذن الله أثبت برائته.
دنى منه متلهفًا:
_بجد يا آدهم؟
ابتسم وهو يردد بثقة:
_سيب الموضوع ده عليا واطمن مش هخذلك أبدًا.. وإذا كان معتز ده اللي ورا الموضوع فأنا هوديه ورا الشمس هو واللي وراه.. كله هيتحاسب وبالقانون!!
******
اضطرت أسفًا للعودة لجناحها لتحضير ثيابها وأغراضها الشخصية بالحقيبة، وقفت فريدة مترددة على باب الجناح، حرمت على ذاتها الدخول إلى هنا بعد أن كشف لها أحمد حقيقة زوجها الشيطاني، والآن تعود إليه اجباريًا.
مررت باب الغرفة وولجت للداخل تحارب كل ذكرى مقززة تندفع إليها، تزاحم عقلها بتلك اللحظة حينما سُلطت عينيها على فراشها، فرأته ينهض عنها وهو يصيح بجمودٍ:
«مش عارف أمته هتحسي بيا يا فريدة، انتي أيه لوح تلج!!!»
جملة اخرى لا تغيب عن ذكراها
«أنا بحاول أعمل كل شيء يرضيكِ ويسعدك بس الظاهر إنك عمرك ما حبتيني يا فريدة!..»
«عشان خاطري حسسيني إنك بتحبيني وعايزاني ولو لمرة واحدة يا فريدة، أنا لما بكون معاكي بكره نفسي لما بحسك بتنفري مني ومش طايقاني حتى لو لسانك منطقهاش كل حتة فيكِ بتقولها!!.»
الآن ترى انعكاس لصورتها، دموعها تحتضن وسادتها ويدها تضم الغطاء لجسدها المهتز من فرط احتباس البكاء، قلبها يتمزق ومازال يستغيث بمحبوبها، مذاق ذلك الألم قاتل لدرجة جعلتها لا تريد أن تتذكره، فركضت بعيدًا عن مخضع تلك الذاكرة التي لا تحتوي معشوقها معها.
صعدت للطابق العلوي قاصدة غرفته، فتحتها وهي تناديه بهلعٍ، وكأن أحدًا يحجر ندائها عنه ليفرقهما من جديدٍ:
_أحمـــــــد!
لم تجده بفراشه مثلما تركته، فكاد أن يجن جنونها، عادت تصرخ مجددًا:
_أحمــــــــــــــــــد!
ارتعب لسماع صوتها الباكي يناديه، فأغلق مياه الدُوش ولف من حوله المنشفة الكبيرة، خرج يهرول للخارج، فوجدها تناديه وهي ترتجف دون توقف، أسرع إليها يحاوط كتفيها باستغراب:
_فريدة!
التقطت أنفاسها على مهلٍ حينما رأته أمامها، وراحت تردد بتشتتٍ:
_شوفته تحت يا أحمد.. كان بيلومني بمنتهى البجاحة، أنا كنت فاكرة إني هواجهه بمنتهى القوة بس محصلش يا أحمد.. خوفت يفرقني عنك تاني.. الوجع صعب ومستحيل هقدر أتحمله تاني.. والله قلبي مش هيقدر يعيش الألم ده مرة تانية، لو اتفرض عليا أعيشه هقتل نفسي!
انصدم من حالتها الغريبة، كانت تغفو جواره منذ قليلٍ ونهضت تخبره بأنها ستغتسل وستجهز حقيبتها الخاصة، تفاجئ بحالتها الغريبة تلك لمجرد دخولها للجناح!
حمد الله بأنهم سيغادرون هذا المنزل، فرؤيتها هكذا سيزيد فوق وجعه وجعًا لا يطاق، أفاق من شروده على توسلها المؤلم:
_متبعدش عني تاني يا أحمد.. أرجوك متتخلاش عني!
ضمها إليه وهو يهدهدها كالطفلة الصغيرة، وردد بحبٍ:
_مالك بس يا حبيبتي؟ أيه جاب سيرة الفراق! بذمتك ينفع نتكلم عنه واحنا حاليًا بنأسس لحياتنا في مملكتنا الجديدة؟
ومرر يده على خصلات شعرها القصير وهو يخبرها:
_صدقيني لو أعرف إنك هتكوني بالحالة دي لمجرد دخولك الجناح مكنتش سبتك تدخليه من غيري.
وأبعدها وهو يخبرها بابتسامة جذابة:
_استنيني هنا هلبس هدومي وننزل مع بعض.
وبمرحٍ قال:
_ونشوف بقى شبح الأخ سالم ده هيطلعلك ازاي وحبيبك موجود ومعاه تعويذة العشق اللي هتحرق أعتى العفاريت والأشباح حتى لو كان مارد!!
رحل عنها الاستياء وتمردت ابتسامة واسعة جعلته يبتسم بحبٍ، فانسحب يبدل ثيابه واتجه بها للأسفل يعاونها على حزم أمتعتها!
*****
جلست على الفراش تراقب ما بيدها بوجهًا اصطبغ بحمرة الخجل، لا تعلم كيف فعلتها؟ ، فبعد أن انتهت من العمل صعدت برفقة مايسان بسيارتها، وتفاجئت لها تذهب لأحد محلات الملابس للسيدات، فاشترت لها قميصًا أبيض من الستان وصممت أن تقدمه لفاطمة التي رفضت وبشدةٍ، ومع اصرارها أخذته منها ووقفت تراقبها وهي تشتري لنفسها من نفس المكان.
وضعته فاطمة لجوارها وهي تخبئ وجهها خلف يدها باحراجٍ، كيف ستفعل ذلك وهي لا تعلم كيف ستستقبل حالتها النفسية ما قد تخوضه برفقة "علي" ، تخشى أن يزداد الأمر سوءًا فهي لا تحتمل أن تخوض حالة نفسية تزيد ما تواجهه، حتى وإن كانت على علم بأنه الوحيد القادر على التعامل مع حالتها.
تمكن منها الحزن والضيق فبداخلها يرغب أن يمنح علي حياة زوجية طبيعية مثل باقي الأزواج ورغمًا عنها تخشى خوض تلك التجربة التي قد تزيد من قسوة ما تحمله من ذكرياتٍ.
استدارت تجاه الفراش بعد أن اتخذت قرارها، فجذبت القميص واتجهت لحمام غرفتها تغتسل وقد عزمت أمرها بارتدائه!
******"
الساعات تمضي ومازال الشباب بأكملهم متراصون أمام غرفة الجراحه تاركين "صبا" تستريح بغرفة والدة جمال لحين خروجها، ومازال عمران ويوسف يلتصقون به على نفس الأريكة في محاولة لتخفيف حدة الأمور عنه، حتى أن يوسف أرغمه بتناول الطعام الذي أحضره سيف.
وعلى الأريكة الحديدية المقابلة لهم جلس علي ولجواره آدهم، والأريكة المجاورة لهما حملت سيف وأيوب..
مرت عليهم ثلاثون دقيقة أخرى حتى خرج الأطباء تباعًا يُبشرونهم بنجاح الجراحه الحرجة، وأن الممرضات بالداخل يُهيئونها للخروج لغرفتها، أدمعت عين جمال فرحًا وأسرع يستقبل سرير والدته المتحرك بصدرٍ رحب ولجواره علي الذي أشار له بضرورة التمهل بحركتها.
حمل عمران ويوسف طرف الغطاء وعلي وجمال فحملوها معًا لفراشها، وأسرعت صبا بتعديل ملابسها طابعه قبلة على جبينها ويدها، فهي لم تعاملها الا كأبنة وقد بادلتها الاخرى بأسمى معاملة الابنة للأم!
امتلأت الغرفة بالاطباء يعيدون توصيل الاجهزة إليها، ورفضوا وجود أحدًا بالغرفة لحين استقرار وضعها، فبقى جمال برفقتها وطلب منهم جميعًا بالانصراف فالوقت بات متاخرًا، وأمام اصراره رضخ الجميع.
اجتمعوا أمام بوابة المشفى يستعدون للرحيل، فمال يوسف على أذن آدهم يهمس له:
_حاول تبعد عمران وتلهيه شوية، محتاج أتكلم مع أيوب عن حالة آديرا ولو سمعني هيبهدلني أنا وهو.
ترددت عنه ضحكة رجولية مرحة، واكتفى بهزة رأسه، إتجه إليه يلف ذراعه حول كتفه يخبره بملامح جادة:
_عايزك يا عمران.
اتبعه عُمران ليميل على طرف الطريق في مقابلة الشباب بينما سحب يوسف أيوب جانبًا يسأله:
_طمني الجرح عامل أيه؟
زوى حاجبيه باستغراب:
_جرح أيه!! آآه لو تقصد جرح آديرا فأنا معرفش مشوفتهاش غير امبارح وأنا بوصلها لأوضتها.
ازدادت دهشة يوسف، فتجعد جبينه وصاح به:
_أيوب إنت بتهزر مش كده!!
وجذبه إليه يعاتبه بصدمة:
_أوعى تكون بتنفذ كلام عمران وبتتجنبها وهي بالحالة دي! يا ابني جرح بطنها خطير وكتفها متصاب لازم تأخد ادويتها في مواعدها، إنت عايز تموتها جوه بيتك وتجيب لنفسك المشاكل!
شعر بتأنيب الضمير، لم يكن يومًا من هؤلاء القاسية قلوبهم حتى يفعل ذلك بها، هو الوحيد الذي يحمل ذاك السر الخفي الذي تركه له صديقه الراحل، هو الوحيد الذي يعلم جنسية آديرا وقصتها المجهولة عن الجميع حتى عن عمها، فلا يملك حق القسوة على تلك الفتاة بأي شكل من الأشكال، يعلم بأنه سيعاني ليجعلها تفق على حقيقتها ولكنه لطالما كان صبورًا معطئًا.
ترى ماذا فعلت طيلة اليوم وهي بمفردها، اصابة بطنها وكتفها ستعجزها عن الحركة بالتأكيد فهل تمكنت من تناول طعامها وأدويتها؟
تركه أيوب وهرول لأول سيارة أجرة، أوقفها وصعد بها أمام أعين يوسف الحانقة، وسيف الذي استمع الحوار المتبادل بينه وبين أخيه.
******
حاور آدهم عمران بعدة أحاديث وعينيه تتابع يوسف كالصقر، وحينما اهتدت لرمادية عمران وجده يمنحه نظرة ساخرة انهاها بقوله الجريء:
_مالوش لازمة تعمل الحوار الفاكس ده علشان تطرقني، ما أنا عارف إن يوسف هيعمل تحقيقه الطبي مع أيوب فميستهبلش بروح أمه على المسا!!
ضحك آدهم وردد مازحًا:
_طيب أيه اللي مضايقك بالظبط إنه قدر يقوله الكلمتين ولا انك وقفت معايا الكام دقيقة دول!
ابتسم وهو يغمز له بمشاكسة:
_أنا أقف معاك من غير أي حاجة يا باشا.
تلاشت ابتسامة آدهم بشكلٍ مقبض حينما وجد انعكاس ضوءًا أحمر يحيط بكتف عمران، فعلي الفور سحبه للأسفل وهو يصرخ بفزع:
_حاسب يا عمران!!!
انطلقت الطلقة النارية مستهدفة قلب غريمها، على أخر لحظة انتشلها بها آدهم لتلتصق الطلقة النارية بسيارة عمران مسببة انهيار لزجاج النافذة.
صعق الشباب الثلاث وكان أولهم بالاستيعاب علي الذي هرول تجاه أخيه صارخًا بهلع:
_عُمــــــــــرااان!
ومن خلفه ركض سيف ويوسف يحيطان بمن يجلس أرضًا جوار آدهم الذي يحاول الوصول لذاك المسلح فصاح إليهم محذرًا:
_محدش يقرب.. ابعدوا.
وجذبهم جانبًا حتى اكتشف أمره فترك المسلح محله ولاذ بالفرار، انتصبوا جميعًا بوقفتهم فأسرع علي لأخيه يسأله بلهفة:
_حصلك حاجة؟ وريني.
بحث بجسده والاخير يتمسك به بشفقة:
_علي أنا كويس متخافش الرصاصة مصابتنيش آدهم شدني.
ضمه علي إليه بكل قوته بينما صاح يوسف بصدمة:
_مين ده وعايز يقتلك ليه يا عمران؟!
هز كتفيه باهمالٍ، فسأله آدهم بتخمين:
_إنت ليك عداوة مع حد.
أجابه وهو ينظم أنفاسه المتوترة:
_أنا رجل أعمال يا آدهم، رصيدي في البنوك بيزيد مع الوقت وشغلي بيزيد بشكل يخليني عندي أعداء بعدد شعر رأسي، بس الجدير بالذكر إننا كلنا بنتنافس بشرف في السوق، اللي يقدر يقدم جودة وسعر أفضل فمسبقش اني اتعرضت ولا مرة لمحاولة قتل.
تساءل سيف بدهشة:
_لو مش حد من شغلك أمال مين؟!
أجابه وهو يزيح جاكيته وجرفاته باختناق:
_أكيد الكلب اللي ييهدد زينب.
واتجه برأسه لاخيه يهتف:
_بعد رسالة امبارح اللي وصلتله وده كان رده .
ردد آدهم بحيطةٍ:
_مهما كان اللي بينكم مدام لجئ للسلاح يبقى الشخص ده مش عادي ولازم تحذر منه يا عمران، عملها مرة مش هيتردد يعملها مرة تانية خد بالك.
ارتاب سيف لأمره الغامض، فقال بقلق:
_اذا كان ده رده عليك يا عمران هيكون رده أيه على زينب! الشخص ده مجرم خطير يا علي لازم تخلوا بالكم.
استند على جسد السيارة وردد بتمعن:
_احنا استهونا بيه ولازم نرتبهاله صح!
*******
وصل أيوب لشقة آدهم بوقتٍ قصير، هرول للداخل قاصدًا غرفتها، طرق على بابها وهو يناديها بقلقٍ زرعه يوسف داخله:
_آديرا!
لم يأتيه ردها فعاد يكرر ندائه مضيفًا:
_آديرا.. هل أنتِ على ما يرام؟
وحينما لم يأتيه أي رد قال:
_سأدخل للغرفة الآن.
وبالفعل حرر مقبض الباب وولج للداخل يبحث عنها، فصعق حينما وجدها ملقاة أرضًا جوار الفراش فاقدة للوعي، وبقع الدماء تحيط بطنها وكتفها..
أسرع إليها ينحني ويرفع جسدها إليه وهو يحركها بصدمة:
_آديرا ما بكِ؟
فتحت جفونها الثقيلة ببطءٍ فتمكن من رؤية التورم المحيط بهما من أثر البكاء، وبصوتها المبحوح همست:
_أيها الإرهابي هل تنتوي قتلي؟
وانهمرت دموعها تلك المرة وهي تخبره بلومٍ:
_تركتني دون طعامًا أو ماءًا أتناول به دوائي وأنا عاجزة عن النهوض للبحث بالخارج، إن كنت تنفر مني لهذا الحد لما لم تتركني ألقى حتفي أمام باب منزل صديقك!
وأغلقت عينيها تستسلم للظلام مجددًا وهي تستكمل بعتابها:
_حتى الهاتف لم تتركه لي فكيف سأصل لك ولست أملكه!
وعادت تهسهس بكلمة أخيرة أضحكته رغمًا عنه:
_أيها الإرهابي أرجو منك أن لا تخبر صديقك المتوحش بأنني نعتك بها والا سينحر عنقي المسكين!
ساندها أيوب للفراش وجذب هاتفه يرسل برسالة ليوسف ببقع الدماء المحيطة لكتفها وجرح بطنها فأرسل له رسالة قصيرة
«غيرلها على الجروح وعقهما بسرعة قبل ما تلتهب ومتنساش الادوية مهمة جدًا لان فيها مسكنات شديدة»
برق بفيروزته بصدمة مما طُلب منه، فخرج للمرحاض يبحث به عن عدة الاسعافات الأولية، حملها وعاد لغرفتها.
وقف أيوب قبالة فراشها يوزع نظراته بين العُلبة التي يحملها وبين بقع الدماء المحيطة بأماكن جروحها، فجلس على الفراش يردد بارتباكٍ:
_هعملها ازاي دي بس!! ده عمران لو شم خبر مش بعيد يلفني في علبة هدايا ويبعتني مصر للشيخ مهران باعتراف بخط ايدي!!
وعاد يتطلع لها وهي غائبة الوعي، فزفر هاتفًا بحنقٍ:
_وبعدين بقاا هعمل أيه؟!
........ يتبع.....
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية..)
طبعًا بعد اقتباس ظهور يونس والناس نازلة تخمينات عن الاحداث وعن ظهور شخصيته على الجروب وما شاء الله بوستات تفرح القلب مفيش حد قدر يخمن عن يونس حاجة، الكل ربط ظهوره بماضي خاص بآدهم وأيوب.. يونس هينضم لابطال صرخات أنثى وحكايته على قد ما هي صعبة بس حقيقية تمت بالفعل، بالنسبة لسر والد آدهم فخلاص قربنا من الاحداث وبمجرد نزول آدهم مصر هتتحل الالغاز فاضل شوية وهتكون هانت جدًا متستعجلوش... كمان حابة اعتذرلكم ان الفصل قصير ان شاء الله هعوضكم الفصل اللي جاي... بحبكم في الله ❤
******_____********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الأربعون 40 - بقلم آية محمد رفعت
_علــــــي.... اطلع حالًا يا علي والا هكسر عليك الباب ولا هيهمني أنت في أنهي وضع!!
صراخ عمران جعل علي يقع عن فراشه وهو يحاول الوصول لقميصه الملقي أرضًا بإهمالٍ، بينما تحاول فاطيما السيطرة على ضحكاتها لرؤية علي يتدحرج للأسفل بفزعٍ
ارتدى قميصه باهمالٍ وهرع يفتح باب جناحه، فوجد أخيه يجوب الطرقة ذهابًا وإيابًا وهو يطرق كفًا بالأخر ويثرثر بصوتٍ منخفض لم يكن مفهوم إليه، فصاح بانفعال:
_في أيه يالا!!
انتبه لخروجه فأسرع إليه راكضًا يردد:
_الحق!
سأله باستغراب:
_ألحق أيه؟!
ببسمة واسعة بلهاء قال:
_أمك بتولد! أنا مش عارف اتصرف ازاي كلمت عمك قالي خدها المستشفى وهو هينزل من مصر على أقرب طيارة بس أنا مش عارف أوديها المركز عندك نتفضح هناك بيها ولا نطلع على المستشفى اللي على رأس الشارع والصحافة تنشر الخبر وتبقى فضيحة جماعية، رأيك أيه؟
تسلل لعلي صوت صراخ والدته المؤلم فجذبه من تلباب قميصه بعصبية:
_انت سايبها بتصرخ وواقف تفكر في الفضايح هترف علينا من أنهي باب!! إنت متخلف يا عُمران!
حرر ذاته منه هاتفًا بانزعاجٍ:
_وأنا ايش عرفني بالحاجات دي أنا مهندس معماري مش دكتور أمراض نسا! اتصرف إنت بقى يا دكتور ومتقوليش كلم يوسف لإني قطعت علاقتي بيه من كتر الاحراج!
أشار له علي بحدة:
_اجري جهزها عما أغير هدومي وأجيب مفاتيح عربيتي... بسرعة اتحرك!
.... 😂 هنعيش احداث جاية مضحكة وممتعة بس خلونا الاول نوصل لمرحلة السلام النفسي لكل الثنائيات وللاسف مش هنوصل ليه الا بعد عدد ضخم من الاحداث النارية بس نهايتها طريفة وممتعة... كونوا بالقرب يا شباب 🫢، ممكن على بليل تلاقوني بعلن ان الفصل انهاردة خصوصا ان خلصت فيه جزء كبير الحمدلله.. بحبكم في الله ♥