تحميل رواية «الطاووس الوقح (صرخات انثى)» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجروح أدمت قلوبهن ومازالت كلًا منهن تحارب للبقاء، مذاق الألم لا يفارق حلقهن، جروحهن متشابهة ولكن لكلًا منهن حكاية خاصة هي ضحيتها، الأولى نهشتها الذئاب البشرية وتركتها كالخرقة البالية تعاني بمفردها، والثانية واجهت إنسان مريض نفسي يريد أن يُجحمها داخل قوانين لعبته القذرة فبات كاللعنة تسبب لها هوس الجنون، والثالثة تخوض رحلة معتادة على بعض الزوجات التي تُجبر بالعيش دون زوجها المغترب ولكنها كانت دونه هشة تخشى أن ينتصر شياطين الإنس عليها، وهناك أخرى طمست حبها حينما تخلى عنها محبوبها وتزوجت أخيه وبعد...
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 141 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#عودة_الطاووس!!..)
#الفصل_الـ109.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات Ruqayyah Ramadan - Radwa Magdy - Asya Mahmoud - El-Reem - Lina Taha -
اسماء ياسر البنا ـ hadeer ayman
malak mahmoud
ولاء السيد فدوى الخمليشي، ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أشرقت معالمه عن ضبابها المعتم، وكأن عودة ذاكرة رفيقه أزاحت الغبار عنه، فعاد لمنزله يتأنق بالملابس الذي إشتراها "عُمران" له خصيصًا من البويتك الخاص بـ"إيثان"، وقد حرص على تهذيب ذقنه الغزير وشعره، لقد أعاده لمظهره المبدئي بشكلٍ قريبًا.
وقف "جمال" أمام باب شقته، مرتبكًا مما يحمله بين بيديه، فلقد أصر عُمران أن يبيت بشقته القابعة بحي الشيخ "مهران" وأن يعود بباقة الزهور ومظهره المرتب، ليعوض زوجته عن تلك الفترة البائسة التي قضاها حزنًا على فقدان رفيقه.
حرر "جمال" تنهيدات عميقة، خرجت لتحرر الأغلال التي جعلته يشعر بالعجز عن التنفس بشكلٍ منتظم ، ومعه صوت تحرير مقبض الباب، ولج للداخل وهو يعلم بأنه سيلقي إنزعاجًا منها لعودته بصباح اليوم التالي، ولكنه لن يترك لها مجالًا للحزن.
إتجه لغرفة نومه ليترك الزهور جوارها، لتكن أول ما تراها في صباح يومها، ولكنه توقف حينما وجد إنارة غرفة الضيوف يشع، فإتجه ليراقب من بالداخل، فوجدها تغفو على المقعد، وعلى ما يبدو أنها كانت بانتظاره.
اتسعت ابتسامته فرحة، أقل تصرف منها بات يرضيه، من كان يصدق أن علاقتهما التي سبق لها الانتهاء والحكم عليها مسبقًا بالانقطاع، إلتحم فيها الوصال وعادت أمتن وأقوى من سابق عهدها، ماذا إن لم يتنحى عن كبريائه وعاندنها حينما ثار موجها، لربما كان سينتهي كل شيءٍ، وقبله الخسارة.. خسارتها... خسارة الدفء الذي يحاوط منزله الصغير الآن.
انحنى جمال قبالتها، يراقب ملامحها الباهتة من سهرها الدائم برفقة ابنه الرضيع، امرأة كسائر النساء اللاتي يتكلفن برعاية أبنائهم دون التقصير في شيء من واجباتهن، ولكنه يرى أنها تفعل ذلك من أعماق قلبها، لأجل راحته أولًا وراحة صغيرها.
رفع يده يلامس كفها المسنود على كتف المقعد، وبصوتٍ دافئ ناداها:
_صبـا.
مالت برأسها للجانب الآخر، بينما تمتم بنومٍ، فابتسم وهو يعود لندائها:
_صبــــا.
فتحت عينيها بتعبٍ، وإذا بها تعتدل وهي تعاتبه بقلقٍ:
_جمال!! إنت كنت فين كل داا وموبايلـ....
ابتلعت باقي كلماتها بجوفها، وهي تراقب مظهره الجذاب، راقبته بابتسامةٍ واسعة، انقلبت لحياء وتورد بشرتها الدليل القاطع، حينما رفع باقة الزهور لها، قربتها إليها ورددت بشكٍ، وهي تتابع ما يرتديه:
_الذاكرة رجعت لعُمران، صح؟!
انفرجت عنه بسمة واسعة، وهز رأسه مؤكدًا، فهتفت بسعادةٍ:
_يا ريتها رجعتله من زمان، كنت مفتقدة أشوفك بالسعادة والروقان ده يا جمال.
استند على ركبتيه ليكون على نفس مستواها، ومال يقدم الزهور لها قائلًا بصوتٍ دافئ:
_وأنا كمان كنت مفتقد نفسي يا صبا، كنت حاسس أني متغرب وتايه، بس اللي كان بيهونها عليا وجودك جنبي طول الفترة اللي فاتت، أي ذكرى مرت عليا سيئة مواقفك فيها مش بتروح من بالي.
واتسعت بسمته الهادئة، وهو يسترسل لها:
_عرفتي إن حبنا مختلف، الأفعال دايمًا بتعبر عننا مش بالأقوال، أبسط الاشياء اللي بعملها وبتعمليها دول البرهان القوي على حبنا لبعض، بس ده ميمنعش إني أعبرلك عن مشاعري.
وإستطرد بعشقه الجارف، بينما ينحني مقبلًا باطن يدها:
_بحبك يا صبا، بحبـــك.
انخفضت عن مقعدها، تتعلق بعنقه، تعانقه بقوةٍ تملكتها من هالة مشاعره القوية، بينما ينطق لسانها بعاطفة:
_وأنا كمان يا جمال، بحبك وبحب أشوفك سعيد ومرتاح، بعد كل العذاب اللي مريت بيه.
أحاطها يستقبلها بين ذراعيه بحبٍ، بينما ينهض بها ويرفع جسدها عن الأرض، مشى بها للاريكة، يضعها جواره، ناطقًا بحشرجة:
_لو عايزاني سعيد ومرتاح دايمًا متفارقنيش يا صبا.
أحاطت جانب وجهه بلهفةٍ، سبقت ما حكته نظراتها:
_عمري ما أفارقك أبدًا، أنا عايشة عشانك إنت وابني يا جمال، أنا بحبك.
ضمها إليه مجددًا، وهو يتمتم بعاطفةٍ:
_وأنا بحبك وهفضل أحبك لأخر نفس خارج عني يا صبا، وعمري ما هسمح إن شيء يبعدني ولا يفرقنا عن بعض.
قالها ومال بها يتعمق بعينيها الشاردة به، يتبع عاطفة عشقه المتيم، ويصطحبها في رحلة غير روتينيه، بل جعلها تستشكف عشقه الخفي لها.
*****
بالمركز الخاص بعلي الغرباوي.
ارتعب الممرض قبالة هذا الشاب الثائر، والأخر يمدد ذراعه في محاولةٍ للنيل منه، ولكنه لم يتمكن بفضل ذراعي "علي" الذي يمنعه كليًا من المساس به؛ فبات ملاكًا بجناحين حال لينقذه من براثين هذا المتمرد، وود أن يقدم له كل أنواع الشكر والعرفان، بينما يتحرر صراخ "عُمران" هادرًا بعنفوانٍ:
_أمك معلمتكش الاحترام في بيتكم يالا!!
ابتلع الممرض ريقه بتوترٍ، وقال مستفهمًا:
_أنا عملت أيه بس؟
حاول عُمران دفع علي مجددًا وهو يصيح:
_وكمان بتسأل!! ده أنا هطلع بروح أمك النهاردة!
تحرر صوت علي أخيرًا، وقد إلتحف بالحزم:
_عُمران وقف الجنان اللي إنت عامله ده حالًا، أنت جرالك أيه؟؟
استجاب لدفعة يد أخيه، واستدار يقابله بسؤالٍ:
_هو انت متأكد إنك مدير المخروبة دي؟؟
عقد حاجبيه بدهشةٍ من سؤاله، وقال بثبات مضحك:
_واجهك أي مشاكل في المركز؟ لو عندك أي شكاوي قولي عليها وهجمع فريق العمل ونحلها مع بعض.
جحظت عيني الشاب صدمة، لقد علم بهوية من أمامه الآن، وبالرغم من حالة الرعب التي تهاجمه في تلك اللحظة، الا أنه فضل أن يتابعهما في صمتٍ.
شحذ عُمران همته وطقطق رقبته ببرودٍ لحق نبرته:
_مستحيل هقولك ترفد الغبي ده مع إنه يستحق الرفد، بس لو ممكن تخفيه من وشي، وتنبه عليهم إني لو شوفت راجل بجناح العمليات هسحب منه البطاقة وهخليه يحولها من ذكر لأنثى.
اندهش علي من رد فعله بينما يخبره بما تبقى من صبره:
_ازاي!! دكتور التخدير لازم يكون جاهز عشان لو حصل أي حاجة، وكمان دكتور يوسف هو المتابع الاساسي لحالة فريدة هانم، أنا بعت ممرضة تستدعيه.
قبض على جاكيت أخيه، وصرخ فيه:
_عايز تدخل رجالة على أمك يا علي!! إنت حصل لعقلك أيه؟؟
أجابه ببرود ودون أن يرمش له جفن:
_أنا زي الفل، أنت اللي مش تمام نهائي يا حبيبي.
وأشار للممرض المصعوق مما يحدث، يخبره:
_روح إنت وابعتلنا ليمون بالنعناع، أخويا محتاج حاجة تهدي أعصابه.
قالها وهو يدفع عُمران للمقعد المعدني، بينما يشير عُمران للشاب:
_لو لمحتك هنا تاني أنت أو أي راجل هطلع بروح أمك وأمه، تقف حراسة على الطابق كله، عايز كل اللي فيه ستات وبس، سامع!
دفعه علي بغضب وقد خرج عن رزانته:
_اخرس بقى، أيه الغباء اللي بتقوله ده!
جلس يميل للأمام، بينما تهتز ساقيه بتوترٍ، ومازال يحاول جاهدًا أن يتمسك بثباته:
_بقول اللي هيحصل يا علي، ولو عايز اليوم ده يعدي بسلام جاريني بدل ما أرتكبلك جناية هنا.
لمس توتره وارتباكه الملحوظ، فجلس جواره وقد ترك كل شيءٍ جانبًا، وتعامل برقي مهنته التي تحاوطه بكل موقف تقريبًا، فناداه بصوته الرخيم الهادئ:
_عُمـران.
رفع عينيه المرتبكة إليه، فوجده يبتسم وهو يخبره:
_فريدة هانم هتبقى كويسة، كل اللي بتمر بيه ده شيء طبيعي وأعراض طبيعية جدًا، الدكتورة اللي معاها جوه ممتازة، بس أنا بفضل إن يوسف هو اللي يتابع حالتها، لإنه على دارية بكل شيء يخصها من البداية، غير إنه من أشطر دكاترة النسا والتوليد في المركز كله.
لانت تعابيره المشدودة، وإكتفى بهزة بسيطة من رأسه، فجذب علي هاتفه، وحرر رقم الاتصال بيوسف، فأتاه صوته هامسًا:
_دكتور علي، صباح الخير.
رد عليه علي مبتسمًا، بينما يعتدل عُمران بجلسته وكلتا أذنيه تنتبه لصوت رفيقه الغير طبيعي:
_صباح الورد يا يوسف، أنا طلبت من الممرضة تديك خبر إن فريدة هانم بغرفة العمليات، بس ملقتكش بمكتبك، إنت لسه موصلتش المركز ولا أيه؟
أجابه يوسف بدهشة:
_أنا مش في مكتبي، بس موجود بالمركز، حالًا هكون عندكم وآ..
انقطعت باقي جملته، حينما سحب عُمران الهاتف يسأله بلهفة:
_صوتك ماله؟
رد عليه وابتسامته تصل لهما من دون أن تُرى:
_أنا زي الفل، ونازلك يا وقح.
قالها وأغلق الهاتف، ثم نهض ينزع عنه المحاليل، فإذا بسيف يدلف حاملًا صينية الطعام والعصائر، وما أن رأه يقف عن الفراش، حتى أسرع يضع ما بيده ويتساءل:
_قومت ليه يا يوسف؟!
أحاطه وكأنه سيسقط فاقدًا للوعي، فابتسم "يوسف" وضمه بحنان وفرحة تنبع من داخله لما فعله أخيه اليوم:
_أنا فرحتي بيك النهاردة عالمية يا دكتور، وأخيرًا شطبت لقب حقنة من ورا لقبك، وبقيت دكتور سيف آيوب على سن ورمح.
زوى حاجبيه بعدم فهم لما يقوله، ظنه سيخبره بأنه على ما يرام، أو ربما يشرح له الحالة التي يشعر بها بالتحديد، ولكنه فجأه بحديثه الغامض، وسعادته الغير مفهومة بالمرة، فهتف بحيرةٍ:
_لقب أيه؟!
احتوته ذراعيه تعمقًا، والسرور ينتقل في جملته:
_مش إنت النهاردة إتغلبت على عقدتك وعلقتلي المحلول، يبقى كده العقدة إتحلت ومبقتش تخاق من المحاقن والمحاليل.
وابتعد يقابله بامعانٍ بدى بترتيب جملته الهامة:
_لو كنت أعرف إنك علاجك عندي كنت هدعي تعبي من أجل هذا الانجاز اللي أسعد قلبي.
تغاضى عما يقصه وطالعه بعينان غائرتان بالدموع، جعلت ابتسامته تتلاشى، ويعود ليقابله بوقفته مرددًا بقلقٍ:
_سيف!!
استدار سريعًا يحارب ألا يرى دموعه المنهمرة، إعتاد أن يكون رجلًا صلبًا، عزيزًا على أحدٌ رؤية دموعه، ولكن حينما تعلق الأمر بأكثر شخص يحبه بتلك الحياة، أظهر ضعفه، عجزه، قلة حيلته، كل ما تمكن من إخفاءه يومًا كُشف عنه الآن.
لحق به "يوسف" وقد تبخرت سعادته، حينما رأى أخيه بتلك الحالة، فوضع يده على كتفه يجبره على التوقف محله دون الهرب من لقائه، وقف قبالته يتطلع له باسترابةٍ وقلق:
_مالك يا سيف؟
رفع عينيه الباكية إليه، وبصوتٍ إختنق فيه وجعه قال:
_أنت شايف إن مرضك هيشفي عقدتي يا يوسف، أنت تعبك هيتعبني مش هيداويني، وبعدين لو أنا شخص معقد في كام صفة فيا، فدول ليهم سبب مبرر، وطالما ليهم تبرير يبقى انا شخص طبيعي.
وبايتسامة باهتة قال:
_وعشان تطمن إني طبيعي مية في المية، تحب أبدألك بأول عقدة، أو وجع راجع للي حسيته وقت ما شوفتها بتلومني وبتوصفني إني شيطان، مكنتش فارق معاها وجعي ولا النزيف الصعب اللي كان عندي، كان كل اللي شاغلها إنها هتسيب شغلها ازاي الكام يوم اللي هتقعدهم معايا في المستشفى، مش فارق معاها الاصابة الحساسة والخطيرة اللي اتعرضت ليها، الذل والغضب اللي لمسته منها خلاني كرهت الوسيلة اللي كانت سبب تعريتها من أخر شيء كنت فاكر إنه موجود جواها، والصدمة كانت إن مكنش عندها ذرة خوف وحنان ليا.
أدمعت عيني "يوسف" ووخزة الألم تخدر صدره، تناسى مكالمته مع" علي "، تناسى كل شيءٍ، الا وجع أخيه البارز باعترافاته التي يشهدها لأول مرة، بينما يسترسل" سيف"حديثه باكيًا:
_وتاني عقدة محسوبة عليا، هي إني إتسندت عليك وكنت كل حاجة في حياتي، إنت كل عيلتي يا يوسف، كنت مكفيني وغنيني عن كل علاقة ممكن يكون ليها وجود في حياتي، كنت أبويا وأمي وأخويا وصاحبي.
وضحك بسخرية تنافت مع دموعه:
_وعلى فكرة مكنش عندي أي نية إني أرتبط، كنت بشوفك متشعلق ومتحمس إنك تجوزني، ومن جوايا عايز أقولك إنسى، أنا تقبلت آيوب بصعوبة فمكنتش هقدر أتأقلم على دخول حد تاني حياتي المحدودة، مفيش أبشع من إنك تتصدم في أقرب الأشخاص ليك وأنا كانت صدمتي في أبويا وأمي، ومع ذلك اتفاجئت إن قلبي طبيعي زي البني آدمين دق وحب واختار، بس برغم كل ده علاقتي بيك مكنش ليها مسمى ولا قادر أصنفها بأولوية العلاقات اللي في حياتي لإنك أساسها!
دنى منه يوسف مجددًا في محاولة لضمه، ولكنه أدهشه حينما دفعه للخلف وهو يصيح ببحة إعتلت صوته :
_إنت إزاي فاكر إن بتعبك هتعافى من أي عقدة كان وراها وجع كبير!! إزاي فكرت في كده؟؟ أنا كنت هتجنن وإنت واقع من طولك وإنت قايم تهزر وتقولي عقدتك اتحلت!!
وأضاف وهو يبتعد عنه متجهًا للمقعد المنعزل بعيدًا عن محل وقوفه، هامسًا بضيقٍ شديد:
_أنا من غير حاجه بأنب نفسي لإني عمري ما ضغطت عليك تتكلم وتفضفض، إنت كتوم بشكل أوهمني إنك بخير وكويس، أنا مش أناني يا يوسف، إنت اللي عامل حاجز حولين نفسك وعازلني عنه.
تزداد صدماته تدريجيًا كلما كشف أخيه عن حجم الألم المختبئ داخله، انتزع نظارته الطبية يزيح دموعه، بعدما عبئ رئتيه بهواءٍ قد يحرره من ضيق تنفسه، ثم إتجه يسحب أحد المقاعد بخفة، ووضعه جوار أخيه، وجلس بهدوءٍ استرعى انتباه "سيف" لما سيقوله، فرفع رأسه يتابعه بتركيزٍ، فاذا به يمازحه رغم مرارة ما يشعر به:
_كنت كاتم كل ده عني يا سيفو!
شيعه بنظرة مغتاظة، ورد بنزقٍ:
_فاكر نفسك أنت اللي كتوم بس!
ضحك يوسف وقال:
_أنا كتوم!! بالعكس ده أنا أكتر شخص بيتكلم وبيفضفض عن كل حاجة بتحصل معاه.
منحه نظرة مشككة في حديثه، فاستطرد يوسف بجدية:
_على سجادة الصلاة بتكلم وبقول كل اللي مضايقني يا سيف، وكون إني مش بتكلم معاك ده يمهدلك إني بخبي عنك، أنت زي ما قولت شايفني كل حاجة في حياتك، فميهونش عليا أوجعك بوجعي وبهمومي، وبعدين أنا دايمًا بقولك الشكوى للعبد عمرها ما هتقدم ولا هتأخر، شكوتك لرب العباد وخالقهم هي اللي هتريحك وهتحل ليك كل مشاكلك.
وأضاف ويده تمتد على كتفه ليحثه على التمعن بحديثه:
_مش عايز أديك فرصة تسرح بخيالك، فلازم تعرف إن عمر ما كان في بينا أسرار، كل الحكاية أني محبتش أتكلم معاك عن ماضي فات والمفروض يكون انتهى وصفحته اتقفلت.
قاطعه سيف قائلًا بتشكيك:
_وهو اتقفل معاك يا يوسف! هو سبب تعبك النهاردة فازاي عدى وانتهى!
منحه ابتسامة جذابة وقد أعاد له ذكريات اللقاء الختامي بينه وبين تلك التي تدعو بوالدته، وقال:
_انتهى يا سيف، النهاردة قفلت الصفحة وقطعتها كمان، وصدقني بعد تهديداتي ليها بنقطة ضعفها مش هيكون ليها ظهور في حياتنا تاني.
هز رأسه بحركةٍ بطيئة، بينما يعركل ساقيه من أمامه كمحاولة لاخفاء نصل سكينه الطاعن بمنتصف قلبه، وبابتسامة مخادعة أخبر أخيه:
_كنت فاكر أن هيجي عليها اليوم اللي تفوق فيه وتتغير، كنت مستني أشوف منها الندم على اللي عملوه معانا.
صدرت عن يوسف ضحكة رن صداها لأخيه، وقال ساخطًا:
_النهايات السعيدة اللي في أحلامك دي أتعملت عشان تتحط في أخر مشهد الافلام والروايات سا سيف، لكن اللي أنا وانت واثقين منه إن اللي زي دول عمرهم ما هيتغيروا أبـدًا.
وأضاف وهو يتمعن بمُقلتيه، قاصدًا لمس أوتاره:
_ولو إنت شايف اني معوضك عنهم هتقفل صفحتهم معايا.
ترك مقعده وجلس أرضًا يميل برأسه على ساقي يوسف، هادرًا بحزنٍ :
_إنت معوضني عن الدنيا كلها يا يوسف.
مرر يده بين خصلات شعره بحنان، وبابتسامةٍ راضية قال:
_ربنا يقدرني وأكون دايمًا جنبك وسندك يا سيف، أنا هحاول أدور على شقتين في مكان قريب من المركز هنا، عشان متعرفش توصلنا تاني، مع أني أشك إنها تقدر.
رد عليه ومازال يسترخي على ساقيه:
_يبقى أفضل.
وما كاد بأن يسترسل حديثه، حتى انقطع عنهما الحديث فور أن قاطعهما صوتًا ساخرًا:
_وحياة أمك!!
قالها ذلك الذي اقتحم الغرفة التي دلته عليها إحدى الممرضات، فرنا إليهما وهو يصيح بعصبية أرعبتهما:
_بقى أنا قاعد تحت على أعصابي وأنت بتحبلي هنا في أخوك بروح أمك!! مش مقدر اللي بتنازع جوه أوضة العمليات دي!!
وسحبه من تلباب قميصه وقد تخلى عن هدوئه المخادع:
_ده أنا هطربق المركز ده على نفوخ أمك النهاردة إنت وشريكك اللي قاعد بارد تحت وكأن اللي مرمية جوه دي واحدة ميعرفهاش!
جاهد يوسف ألا تسقط نظارته عن عينيه، بينما تموج عن وجهه كلما يدفع عُمران جسده بعنف، ففصل سيف بينهما قائلًا بغضب:
_سيبه يا بشمهندس، أخويا تعبان ومش قادر يدخل عمليات، شوف دكتور تاني يدخل للمدام.
سدد له يوسف نظرة قاتلة، بينما يتمتم بغيظٍ:
_مدام مين، اسكت بدل ما يفكني ويعلقك إنت، روح مكتبك أنا بعرف أتعامل مع عصبية الوقح ده.
رفض الانصياع له، ومازال يجاهد لتخليص أخيه من بين يدي عُمران، هادرًا بانزعاج:
_سيبه أنت قافش حرامي غسيل!!
أمسك عُمران يوسف بذراعٍ واحد، بينما يميل بالأخر فوق خصلات شعر سيف الفوضوية، يرتبها بهدوءٍ أرعب كلاهما، بينما يحدثه ببسمة ثابتة:
_اسمع كلام أخوك الكبير يا سيفو، عايزين نأخد راحتنا بالكلام وميصحش الكتاكيت الصغننه اللي زيك تسمع كلام الكبار، عيب يا حبيبي!
وأضاف ومازال يعامله برقة من يراها يقسم أنه يعاني من انفصام الشخصية:
_لازم تتعود في حياتك تسمع كلام الأوعى منك،فاسمع مثلًا كلام بابا يوسف واحتياطي تسمع كلامي قبل منه، عشان أنا أدرى بمصلحتك أكتر من دكتور الحالات المتعسرة.
واستدار تجاه رفيقه يسأله بنظرة شرسة:
_صح يا جو؟
هز رأسه عدة مرات وهو يؤيده:
_صح طبعًا، الطاووس كلمته مسموعه على الكل وأولهم أنا.
كبت سيف ضحكاته بصعوبة، ومع ذلك أخمد عناده راسمًا بسمة صغيرة، عشرته لشخصية الطاووس الوقح دمغته بالأمان، أينما كان فإن المنطقة التي يزورها تصبح أمنة، لذا قرر الانصراق بلطفٍ لحق نبرته المُحايدة:
_تمام هرجع لمكتبي، وربنا يقوملك المدام بخير يا بشمهندس.
فتك عُمران بقبضة يده الفارغة، فصاح يوسف بتحذير:
_اجري يا سيــف.
غادر على الفور، بينما يرسم يوسف ضحكة واسعة تتبعها قوله المبرر:
_اعذره ميعرفش حاجة، وده دليل إن سرك جوه البير من وقت ما ثبتني في العربية بالحتة الشمال دي فاكرها؟
تركه وهو يعدل من قميصه بينما تعلو عنه صوت أنفاسًا منفعلة:
_فاكرها يا حبيبي، لو اشتاقتلها أطلبها تجيلك بالاحضان ولا أنت أيه رأيك؟
ابتلع لعابه برعبٍ مضحك:
_كتر خيرك، أنا طول عمري سكتي حلال، ماليش في الشمال أنا.
ضحك عُمران ومال يشاكسه:
_وماله نخليه بالحلال ونكتب كتابك عليها، قولي إنت بس عايزها مواصفاتها أيه وأنا تحت أمرك،مع إني أخاف عليك من الحامية هتطير صوابعك قبل ما تعلم بيها على اللي قدامك.
عدل من نظرته وهو يصيح بانزعاجٍ وعصبية:
_أنا دكتور محترم، قولتلك ماليش في سحبة المطوة بتاعتك دي.
_وأنا اللي صايع يعني بروح أمك؟!
قالها وهو يرنو إليه، فضحك وهو يجابهه:
_للاسف صايع ووقح الاتنين مع بعض، وكلمة زيادة مش مسؤول عن حالة فريدة هانم، أنت الظاهر طالع تهزر وأنا معنديش وقت، عن إذنك.
قالها وأسرع للمصعد ومنه إتجه لطابق المخصص لجراحة قسم النساء والتوليد.
******
خرجت الطبيبة من الغرف المخصصة للعمليات، فإتجهت إلى "علي" تخبره بمهنيةٍ:
_دكتور علي، زي ما بلغت حضرتك ولادتها بشكل طبيعي هيكون صعب، فكده هنضطر نلجئ للجراحة، تحب حضرتك أبلغهم يجهزوها؟
انقبضت معالم "علي" خوفًا وقلقًا على والدته، فامتص توتره بكلماته الرزينة:
_هنستنى دكتور يوسف لإنه المسؤول عن حالتها من البداية، بشكرك لتعبك يا دكتورة، تقدري حضرتك ترجعي لشغلك.
منحته ابتسامة عملية، تواجه بها رقيه بالتعامل، واستدارت لتغادر، فوجدت يوسف يخرج من المصعد، شرحت له الحالة بإيجازٍ، وغادرت على الفور، فإتجه إلى علي، الذي واجهه بكلماتٍ مختصرة تسجل وجعه:
_هتخضع للجراحة يا يوسف؟
رد بعملية باحتة:
_مقدرش أكد على كلامها الا لما أعين الحالة بنفسي، متقلقش هطمنك.
وإستكمل طريقه للداخل، بينما جلس عُمران بالمقعد المنزوي بعيدًا عن الأعين، لقد خسر اتزانه فور أن استمع لحديث الطبيبة مع يوسف، بحث عنه علي فأتجه إليه، جاور جلسته وتابع صمته بقلقٍ، جعله يبدأ بالحديث بينهما:
_أنا كلمت فاطمة ونبهت عليها متجيش هنا هي ومايا، الاتنين غلط عليهم يحضروا التوتر والارتباك ده.
إكتفى بتحريك رأسه كإشارة منه أنه يوافقه على حديثه، ربت على ساقه بحنان وقال:
_هتبقى كويسة يا عُمران، كل ده طبيعي وبيحصل.
وأضاف وهو يجذب هاتفه:
_أنا هتصل بعمي أبلغه.
انتزع عُمران الهاتف منه بعداونٍ، وعنف:
_لا مش هتكلمه، هو السبب في اللي هي بتمر بيه ده
فشل بإخفاء ضحكته، فمال على كتفه وقد تحرر عنه الضحك بشكلٍ جعل جسده يهتز، فضحك عُمران هو الأخر وهتف بحيرة:
_هي في الحالة اللي زي دي المفروض نتصرف ازاي؟!
هاجم ضحكاته بصعوبة وقال:
_المفروض تكون عاقل وده اللي بتمنى تتمسك بيه حاليًا.
تحرك بجسده لنهاية المقاعد، وكتف ساعديه أمام صدره، ناطقًا بضيق:
_سبتلك العقل والحكمة، اتفضل اتعامل أنت.
سحب هاتفه وابتعد عن محيط تواجده خشية من أن يرتكب أي فعلًا أحمقًا، بينما تتعلق رماديتاه بباب الغرفة والخوف يكاد أن يذيقه من جحيمٍ.
مرت عليهما أربعون دقيقة كالسوط الذي سلخ جلد عُمران الذي يختبر شعور القلق والرعب بشكلٍ غريب، حتى انتهى بخروج الممرضة، حاملة بين يدها تلك الصغيرة التي شارفت لتنير عائلة الغرباوي، منذ لحظة خروجها وهي تتنقل بنظراتها الحائرة بين علي وعُمران، وكان أول من تحرك إليها بخطواتٍ حماسية، حملها إليه بكل رفقٍ وحنان يمتلكه، واختلى بنفس مقعده البعيد، يرفع الغطاء الرقيق عن وجهها الملائكي، فابصر وجهه المتوتر عن ابتسامة جذابة، فمرر إصبعه على وجنتها البيضاء الناعمة، هامسًا بفرحة:
_يا روح قلبي على الجمال، نورتِ عيلة الغرباوي كلها يا سكرة.
رنا إليه علي متلصصًا على ما يحمله، فقال عُمران بابتسامة مشرقة:
_تعالى يا علي شوف القمر اللي هل علينا ده.
جلس جواره يراقبها بابتسامة حنونة، وانحنى في محاولة ليقبلها، فاذا بعمران يستدير بها بغضب:
_بتعمل أيه؟؟ دي صغيرة جدًا مينفعش تبوسها، استنى سنتين تلاتة لما تجمد شوية!!
اندهش علي مما يحدث قبالته، وخاصة حينما انزوى بها عُمران مجددًا، واضعًا يده على جبينها وبرجاءًا همس لها:
_روح قلبي اللي هتسمع كلامي وتفتح عيونها، عايز أشوف لونهم أيه؟
ضحك وهو يجيبه ساخرًا:
_وهي هتفهمك كده مثلًا، دي لسه مختارناش ليها اسم يا أخرة صبري!
منحه نظرة محذرة، وعاد يتعمق بملامحها الملائكية، حتى نطق دون وعي لحديثه:
_فيروزة! فيروزة هانم الغرباوي.
وخطف اصبعها يقبله بحنان، بينما يهمس لها:
_أيه رأيك في الأسم يا صغنن، لو مش عاجبك إديني أي إشارة وأنا أسارحلك بخيالي للفجر لو تحبي.
ابتسم علي وهو يراقبه بحبٍ، بداخله يعلم أن أخيه سيكون أبًا عظيمًا، مال عُمران له بها بحماسٍ:
_علي هي نايمة كده صح؟؟ طيب هتصحى أمته أنا عايز أشوف لون عنيها.
رد بنفس ابتسامته، وكأنه يعامل طفلًا صغيرًا:
_وهيفرق معاك لون عيونها في أيه بقى؟؟
شرح ببساطة أضحكت علي للغاية:
_طبعًا تفرق، عايز أشوف هتطلع رمادي شبهنا ولا شبه فريدة هانم وشمس!
تحررت كلمات علي بصعوبة من بين ضحكاته:
_لا الموضوع فعلًا مهم، راقبها لما تفتح عيونها لحد ما أشوف يوسف وأرجعلك.
وبالفعل تركه واتجه ليوسف الذي خرج للتو، ينزع كمامته والارهاق يبدو على معالمه، فأسرع بسؤاله:
_طمني يا يوسف.
لمس قلقه الصريح على والدته، وخاصة لعمرها، فقال يطمئنه، وعينيه تفتشان عن عُمران بدهشة:
_عملت محاولة أخيرة قبل ما دكتور التخدير يجهزها للعملية، وبفضل الله ولدت بشكل طبيعي وحالتها مستقرة جدًا الحمد لله.
تنهد علي بارتياح، وبثقة قال:
_مشكتش في لحظة فيك يا دكتور، إنت يترفع عنك لقب دكتور الحالات المتعسرة ويتحط لقب تاني أفخم.
ابتسم على حديثه الراقي، بينما لم يتمكن من سحب بصره عن رفيقه، فأشار لعلي:
_هو عُمران مش كان قاعد على أعصابه بره، أنا توقعته يكون أول واحد واقف يستقبلني لما أخرج!!
تعالت ضحكاته الرجولية، بينما يخبره:
_فيروزة هانم لحست عقله!
شاركه الضحك وقال بتمني:
_لو هتثبته التثبيتة دي، سيبها معاه أنا اتفائلت بيها والله.
خربت الممرضة المشهد العاطفي بين عُمران والصغيرة، حينما أرادت أن تصطحبها للطبيب، الذي سيشرف على تطعميها وتفحص حالتها الصحية، فنهض عُمران يسألها على مضض:
_مش قولتي إن كان في دكتور أطفال جوه بغرفة العمليات وشافها، عايزة توديهاله تاني ليه؟!!!
قالت بعمليةٍ باحتة:
_لازم تأخد تطعيمة الكعب يا بشمهندس، هخليه يدلها الحقنة وهرجعها لحضرتك بسرعة.
جحظت رماديتاه في صدمة قاسية، أرعبت الممرضة منه، بينما يقترب إليها مرددًا بخشونة:
_حقنة أيه اللي هتديها لملاك بريء لسه عداد عمره ييبتدي!! أنتِ خرفتي على كبر ولا خرجتي من بيتك شايلة معاكي كل حاجتك الا عقلك!! لا ومتخيلة أني هسلمهالك يا عديمة المشاعر!! ازاي يهون عليكي تعملي كده مع الاطفال ومع بنتي أنا!!
تطلع علي ويوسف لبعضهما بصدمة، ومن ثم هرول كلاهما إليه، يحاولان بكافة السبل أن يهدئان ذلك الذي فقد عقله للتو، وقد حلت العصبية نبرته المنفعلة:
_علي إنت محتاج تفوق لموظفينك هنا، المركز كله عايز إبادة.
واستدار ببصره تجاه يوسف، ليسأله بحدة:
_فريدة هانم اتنقلت أي أوضة؟؟
رمش بعدم استيعاب وهو يشير بيده للغرفة التي تجاور العمليات، فصوب نظرة نارية أخيرة لهم، ثم غادر يحمل الصغيرة والصدمة مازالت تتراقص عليهم بينما يمر من جوارهم وهو يهمس للصغيرة بصوتٍ مسموع:
_فيروزة هانم..جاهزة نتعرف على مامي؟
وأضاف وهو يحاول أن يفيق نومتها:
_طيب افتحي عيونك طيب.
انصاعت له الصغيرة، وكأنها تجيد سماع كلماته، فأفرجت عن جفنيها، فضمها إليه بفرحة:
_يا عُمري أنا على الجمال الكوتي ده، على فكرة لون عنيكي لسه مش باين بس حاسس بخيانة من أولها وشكلك هتطلعي تنتمي لحزب شمس وفريدة هانم.
قالها وهو يحرر باب الغرفة، فازدادت فرحته حينما وجد والدته قد استردت وعيها، وتغفو بسلام على الفراش، ابتسمت وهي تناديه بوهنٍ فور أن رأته:
_عُمران.
أسرع بخطواته لها، يميل مقبلًا رأسها وينحني يقبل يدها بحب:
_حمدلله على السلامة يا حبيبتي، أنا كنت قلقان عليكي أوي، طمنيني أحسن دلوقتي؟
تعلق به وابتسامتها الباهتة تسنقر على وجهها :
_أنا كويسة يا حبيبي اطمن.
وتابعت وهي تفرد ذراعيها له:
_هاتها.
حمل الصغيرة بابتسامة جذابة، ومال يضعها بين يديها، بينما يجلس هو جوارها ويميل على كتفها، بينما يتأملان الصغيرة بإمعانٍ، فمالت فريدة على كتف عُمران وابنتها تضمها بين ذراعيها.
انقبض قلب عُمران وهو يرى ملامحها مُضجرة من الألم، فسألها باهتمامٍ:
_لو لسه حاسة بتعب ريحي، أنا موجود هنا متقلقيش على الجميل الكوتي ده، هحطها في عيوني لحد ما تصحي.
قدمتها له فريدة، ومالت تستند برأسها على ساقه بتعبٍ شديد، فأخذ يربت بيده على خصلات شعرها القصير، متعمدًا أن يفرك جبهتها بمساج خفيف، وناداها حينما اكتسح فضوله سؤاله المكبوت فحرره بشكلٍ مرح:
_بقيت ملاحظ تعلقك الغريب بيا، حتى وإحنا جايين رفضتي أن علي يشيلك وكنتي مصممة محدش يشيلك غيري
وأضاف بمشاغبة:
_أيه يا فيري بابا علي فقد امتيازاته، ولا أنتي بتحاولي تحطيني في خانة الولد المميز اللي سبق وادتيها لعلي؟
حلت عقدة حاجبيه ببسمة متعجرفة، وجهتها لتزيح غروره باعترافها الذي هبط صارمًا، حارقًا عليه:
_لا طبعًا، أنا بس خوفت عليه ليهبط ويوقع ويوقعني معاه، علي جسمه ضعيف أوي لكن أنت أنا عندي ثقة أنك هتنزلني زي ما أنا، طالما قدرت تشيل مايا أكتر من مرة وهي بحجمها ده، يبقى هتقدر تشلني أنا وبنتي وترجعنا بسلام.
_تقصدي أيه يا فريدة هانم بحجمها ده!!! إنتي شايفاني دراكولا ولا البنج لسه مأثر عليكي!!
رددت باستغراب لتواجدها بتلك اللحظة:
_مايا أنتي هنا من أمته؟
ضحك عمران وهتف باستمتاعٍ:
_حبيب قلب جوزه الشرس إنت!!
وبكل فخر استطرد:
_تربيتي!
طرقات باب الغرفة السريعة، اتبعه اقتحام أحمد الغرفة وعرقه يتصبب أعلى جبينه من سفره المفاجئ، وجل ما ينطقه بتلك اللحظة، غير واعيًا لنظرات عمران المتوعدة:
_فريـدة!!
....... يتبع......
الفصل القادم غدًا بإذن الله إن أراد الله اللقاء والبقاء، حرق الفون خلى الفصل يتأخر عليكم، زائد اني عدت كتابة المشاهد الاولى بعد الحذف، قراءة ممتعة ❤
*****______*********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 142 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#عودة_الطاووس!...)
#الفصل_الـ110.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات أسماء سمير، بسمه دياب، منه الله صبحي، زينب الوتيدي، Esraa Ghazy، سلمى مودة، اميره نصير، Norhan Khaled، شروق ماهر، صفاء محمد بيومي، حنين عمر آلاء السيد ، إيمان الرفاعى، نجلاء طلعت، اريج عبد الحليم، زهراء علي سوريا ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
غمس أصابعه بين أصابعها، وقبلته تلثم جبينها، فلمستها دموعه الدافئة، تعلمها كيف قضى طريقه ليصل لها، رفعت "فريدة" رأسها إليه، تتفحصه بقلقٍ، اتبع نبرة صوتها الرقيق:
_أنا كويسة يا أحمد، والبيبي كمان بخير.
قالتها وأشارت لعُمران بأن يحملها إليه، فإتجه يحمل الصغيرة من الفراش، ثم وضعها بيديه هامسًا له:
_هتغاضى عن كلابي السعرانة اللي بتتعارك معايا عشان حالتك النفسية الغريبة دي، بس لينا عتاب قاسي وجامد يا أحمد يا غرباوي، وأهي محكمة الأسرة فاتحه كل يوم، هنروح من بعض فين يعني!
ومع وضعه لها بين يديه، ختم قوله بتحذيرٍ قاطع:
_إتفضل الانتاج الأول والأخيـر، واخد بالك إنت!!
وبإصبعه حذره:
_ممنوع البوس، أجل مشاعرك لما تكبر سنتين تلاتة.
وتركه يحمل الصغيرة مصدومًا مما قال، لدرجة جعلته لم يركز بملامح الصغيرة، وتابع عُمران الذي مال تجاه والدته التي استسلمت للنوم بعد هذا الإرهاق، قبل جبينها وجذب الغطاء من حولها، بعدم رضا لما ترتديه، بينما يتمتم بسخطٍ وصوتًا مسموعًا للجميع:
_ومتضايق إني مانع الدكاترة والممرضين يطلعوا هنا، عايزهم يدخلوا ويشوفوا أمه باللبس الغريب ده!!
وأضاف وهو يتطلع للممرضة التي تعدل المحلول جيدًا:
_هو مفيش لبس تاني عندكم غير اللبس ده!
أجابته بدهشةٍ لما يلمح له:
_ده اللي الهانم اختارته.
هز رأسه بعدم اكتراث، واستدار يشير لأحيه قائلًا:
_علي عايزك لو سمحت.
قالها وإتجه لباب الغرفة القابعة للجناح الطبي المكون من ردهة تحوي على صالون صغير وغرفة خاصة بفريدة، وقف ينتظر أن ينضم له، نهض علي من جوار فاطمة التي تشاهد ما يحدث بتسلية.
أغلق "علي" باب الغرفة، وأتجه يقف قبالة أخيه يطالعه بغيظٍ ومحاولاته جميعها سخرها بالسيطرة على انفعالاته، بينما يتلقى تعليمات عُمران:
_أنا خارج لمايا، عايزك تشد الحراسة هنا مكاني، أديك شايف أمك نايمة بلبس شبه قمصان النوم!!
وأضاف وهو يستخدم أسلوبه التهديدي:
_عارف لو رجعت شميت ريحة راجل دخل الجناح تاني، هقدم فيك بلاغ أتهمك بتجارة الاعضاء وأهو إثبات الحالة عندي، فريدة هانم خارجة من غير المشيمة، يعني كل شيء هيتكشف ويبان، خاف على المخروبة دي بدل ما أشردك أنت ودكتور الحالات المتعسرة.
واتجه ليغادر ولكنه عاد يخبره:
_آدهم نفسه ميدخلش جوه، يقعد هنا لحد ما شمس تخرجله، وياريت تشد معاه عمك، وقوله يفكه من أسلوب المحن ده! نازل بوس وأحضان جوه ولا كأننا موجودين معاه، مش مكفيه مصايبه اللي بنلم فيها من الصبح!!
أغلق علي عينيه ومال على الحائط بجبينه الذي ضربها بصوتٍ مسموعًا، جعل الاخير يعود له، يتفحصه بقلقٍ:
_مالك يا علي، إنت كويس؟
مال برأسه تجاهه، فاسترسل عُمران حديثه:
_شكلك مجهد وتعبان، حالًا هشوفلك أي دكتورة نفسية تعالجك، بس دعواتك ألقى دكتورة في أم المخروبة دي، سوري يا علي مش هقدر أخالف تربيتي ولا أخلاقي اللي اختفوا عندك فجأة وأسمح بدخول دكتور هنا عشانك، بص عالج نفسك بنفسك ونوفرها عليا بمجهود البحث.
تحرر الجليد عنه بامتيازٍ، فدفعه من تلباب جاكيته الرياضي الأسود على الحائط، بقوةٍ أذهلت عُمران، بينما يتحرر صوت علي من بين اصطكاك أسنانه:
_أنت عايز أيه، أقتلك وتكون دي نهاية علاقتنا المثالية؟ ولا أتعامل معاك كحالة من الحالات اللي بفضل تعبك لاعصابي بطلت أتابعهم!!
جحظت عيني عُمران بصدمة، بينما يستطرد "علي" بصوتٍ كان هادئًا ولكن مضمون حديثه عنيفًا:
_لو عايزني دكتور ليك فخليني أصارحك بالحقيقة، إنت عندك انفصام بالشخصية يا حبيب قلب أخوك، وأنا جاهز اعالجك منه، كل ما تنفصم هفصل دماغك بأقرب حيطة عشان تفوق وترجع لعقلك كده!!
ابتلع ريقه بتوترٍ من انفجار علي المفاجئ، فوزع نظراته بينه وبين يده المحيطة له بقوةٍ أدهشته، ثم قال:
_إهدى وخد نفس بانتظام يا حبيبي، كده وحش على أعصابك، إحنا لينا مين غيرك يا علي، اهدى يا روح قلب أخوك من جوه.
قالها وسحبه لأقرب مقعد، يعاونه بالجلوس، بينما ينزع عنه جاكيته وجرفاته، ويجذب ريموت التكيف، يرفع من درجته ويتابع علي الذي يتطلع له بدهشةٍ وتعبًا من التعامل مع هذا الشخص، فماب يضم كفيه على وجهه، ليجده يفرقهما ويطالعه بدقة بجسدٍ منحني إليه، وسؤاله الساذج:
_أحسن دلوقتي ولا تحب أطلبك دكتور؟!!
أجابه وهو يستمد نفسًا طويلًا:
_إنت كنت رايح مشوار؟
هز رأسه يؤكد له:
_كنت خارج ورا مايا، كلام فريدة هانم ضايقها فخرجت أصلح الدنيا.
وأضاف بسخطٍ:
_انتوا عيلة لسانكم استغفر الله، سحليني ألم وراكم مصايبكم، على أساس أني ممسك الادارة لحد وصايع طول اليوم من هنا لهنا.
منحه علي نظرة نارية، فمسح على كتفه وقال مبتسمًا:
_مش بلقح عليك يا حبيبي، وبعدين الاجازة اللي خدتها والصياعه اللي صعتها كانت لأجل مين يعني؟!! أنا منساش أي حركة أصيلة تتعمل معايا، وإنت مجدع ورجولة.
مال علي يستند على كفه، وتركه يرتب ملابسه حتى انتهى، فنهض عمران يلقي نظرة أخيرة على أخيه، بعدما حرره من ربطة عنقه وجاكيت بذلته الذي اعتاد ارتدائهما بشكلٍ روتيني، فمنحه ابتسامة أخيرة وأثنى على ذاته:
_كده أفضل.
ومال يقبل رأسه وهو يتمتم:
_ربنا يهديك ويحفظك بعقلك يا حبيبي، يلا سلام مؤقت.
قالها وغادر على الفور، فزفر علي بتعبٍ، وعاد يتجه للداخل، مستقلًا محله جوار فاطمة على الأريكة، فاذا بأحمد يميل تجاهه متسائلًا ومازال الصغيرة:
_ماله أخوك يا علي؟
زم شفتيه في حزنٍ مضحك:
_معرفش، من ساعة ما شاف فريدة هانم بالحالة دي وهو طايح في كل البشر، اتجنن تقريبًا.
وأضاف بجدية أضحكت أحمد:
_أنا كنت خايف عليك منه والله، بس الظاهر خوفك وتوترك خلاه يرأف بيك، بس ده مش معناه أنك فلت، هيجيلك وقت معاه أكيد.
ضحك على حديثه، بينما يتمتم بسخطٍ:
_يا منجي من المهالك يا رب.
وحينما إنحنى ليطبع قبلة على خد صغيرته، تذكر تعليمات الطاووس الوقح، فاكتفي بتقبيل يدها ودموع فرحته تتراقص بمُقلتيه، فتابعه "علي" و"فاطمة"بتأثرٍ، وهو يتأمل صغيرته بسعادة، وعدم تصديق أن من يحملها هي فلذة كبده، من كان يصدق أنه سيحمل ذاك يومًا ابنة من معشوقته، التي حرم منها ومن وصالها طوال تلك الأعوام.
****
جاور محل جاوسها، بينما تربع يديها أمام صدرها، والغيظ والضيق يتنافسان للبقاء معًا، ابتسم وهو يختطف النظرات لها، فدفع يدها برفقٍ وهو يقول:
_حبيب قلبه وهو زعلان شكله بيكون مش لطيف أبدًا.
فكت يديها عن بعضهما، وقالت تشكو له:
_يرضيك الكلام اللي بتقوله فريدة هانم ده، قصدها أيه بكلامها ده، على فكرة أنا زي أي ست حامل ، هي اللي مش طبيعية.
حك أنفه ليخفي عنها ضحكته، وتنحنح بخشونة وثبات:
_عندك حق يا بيبي، وبعدين يا روحي أنتِ متضايقة ليه، أنا اللي بعين وبشيل وعلى قلبي زي العسل، كفايا إنك مش حارمة ابني من حاجة، كل اللي نفسه فيه بيلاقيه.
قال جملته الاخيرة وابتسم حينما وجد حزنها يتبدل لسعادةٍ، وبرمشة عينيها قالت:
_بجد يا عُمران؟
ضحك بصوتٍ مسموع، وهتف:
_حلوة قلبة العين دي، رموشك ثبتتني!
وأضاف وهو يجذب كفها، يمرر إبهامه من فوقه بلطفٍ:
_أنا مبتكلمش الا الجد يا روح قلبه من جوه، وعشان تصدقي إني مش فارقلي شيء، هننزل أنا وإنتي نفطر في الكافيه اللي تحت، أهو فرصة نقييم واجبات المركز، أهو يبقى فيه حاجة عدلة في المكان المخروب ده.
وأضاف وهو يتجه بها للمصعد:
_يلا اسبقيني تحت وإختاري على مزاجك، وأنا شوية وهحصلك.
أومأت برأسها إليه بسعادةٍ، وافترقوا عند المصعد، بينما صعد عُمران الدرج للأعلى، قاصدًا مكتب رفيقه، فتح بابه وولج للداخل، فوجده يميل على سطح مكتبه، مستندًا على ذراعيه، ناداه ليوقظه بخفة، وهو يحرك ذراعه:
_يوسف!
فتح عينيه بانزعاجٍ، وحينما وجد عُمران يجلس قبالته، تساءل بقلقٍ:
_فريدة هانم كويسة؟؟
تنهد بحزنٍ بدى عليه:
_ماما كويسة بس إنت اللي مش كويس.
واستطرد باختناقٍ يحاور نبرته:
_من أول ما سمعت صوتك وانت بتكلم علي وأنا واثق أنك فيك شيء، وإتاكدت شكوكي لما دخلت ولقيت سيف حضنك وكان باين عليكم أن في حاجة وكبيرة كمان، أنا محبتش أسالك وسيف هنا، ولا وعلي معانا، فحالًا قولي مالك؟؟
ابتسم "يوسف" وقد راق له اهتمامه الدقيق به، كعادته لا تفوته التفاصيل، حتى أصغر الأشياء، ترك مقعد مكتبه وإتجه يجلس قبالته، وأخرج الهواء الثقيل داخله، ليلحق به حديثه:
_ماما ظهرت من كام يوم وعندها اصرار مش طبيعي إن سيف وزينب ينفصلوا عن بعض، يعني رجوعها ووجودها المزيف سببه إنها تبعدهم عن بعض.
وتابع وقد تلألأ الدموع بعينيه:
_أنا حاربت نفسي كتير عشان أعاملها باحترام، بس في الاخر مقدرتش، مقدرتش أقف وأتفرج عليها وهي بتهدم حياة سيف يا عُمران ، روحتلها وهددتها إنها لو مبعدتش هفضحها في مكان شغلها، بس بعد ما خرجت من عندها لومت نفسي، أنا خايف من عقوق الوالدين يا عُمران، خايف ومرعوب أشيل الذنب الكبير ده بسببها، يعني هي مرأفتش بيا وهي بعيدة ولا وهي قريبة.
سحب علبة المناديل الموضوعة لجواره، قذفها إليه وبأمرٍ متعصب قال:
_امسح دموعك بسرعة، متخرجش شيطاني عليك، خليه محبوس محتاج أكون هادي شوية.
سحب المناديل يزيح دموعه، بينما يجوب عُمران الغرفة ذهابًا وإيابًا بغضبٍ، ليت شكواه ضد أي شخصًا أخر، يقسم أنه كان ليقتله بكل صدر رحب، لقد جعلت صديقه القوي ينهار، الوحيد من بينهم الذي كان يراه نموذج متقارب من أخيه، فلم يعهد الضعف والحزن يتجسدان بهما، لم يحتمل أبدًا.
مال إليه يحاول سحبه من تلك البقعة السوداء، فمنحه نظرة جعلته يعتدل بمحل جلوسه بارتباكٍ:
_في أيه يا عُمران، خيلتني!
خطى ببطء ليحتل محل جلوسه مجددًا، واضعًا ساقًا فوق الاخرى بعنجهية:
_أنت مش واخد بالك أني سبت والدتي وفيروزة هانم وعمي اللي محتاج يتأدب وجيتلك؟
زوى حاجبيه بعدم فهم، ومع ذلك قال:
_واخد بالي.
تابع وهو يعدل من جاكيته الرياضي:
_وده ميدكش إحساس بشيء؟
زفر بانزعاجٍ اتبع نبرته:
_احساس بأيه، مهو أنا مش فاهمك!
اندفع يدفعه للمقعد وهو يصيح بعنفوان أفزع يوسف:
_إنك مهم عندي يا بجم! هفهمك أكتر من كده أيه؟!!!
حبس ضحكاته بصعوبة، وقال وهو يحاول أن يحرر يديه من حول عنقه:
_أووه الباشا عُمران سالم الغرباوي ساب قسم النسا بحاله وجاي ورايا، تصدق عندك حق!
وأضاف وقد انتابته نوبة من الضحك:
_ده ربنا بيحب الناس اللي تحت، رأف بيهم لما عقلك اتشتت بيا ورحلت.
عاد يجلس محله وهو يزفر بضيقٍ، فأشمر عن ساعديه ولفظ:
_بص أنا معاك أني كنت عصبي حبتين، بس غصب عني أنا مكنتش متحمل أسمع صوتها وهي بتتألم بالشكل ده، حتى لو سنها كويس ومش كبيرة أوي، بس بردو أنا مش شايفها غير والدتي، فغصب عني جنوني طلعت ومهدتش الا لما شوفتها بخير.
مال إليه يوسف يخبره بجدية تامة:
_عارف أنك كنت مرتبك ومتوتر، بس حاول تعتذر من الممرضة على الأقل لانك كنت مزودها معاها أوي.
قال دون أن يجادل:
_أكيد هعمل كده، أنا مكنتش أعرف أصلًا بالتطعيمة دي، غير لما الدكتور دخل وشرحلي.
وأضاف وقد سُلطت رماديتاه إليه، تستهدفه بكل ما سيقول:
_يوسف أنا متعودتش أشوفك بالشكل ده، إنت أقوى من كده، مش معقول يعني ظهورها المؤقت قدامك هيخليك تخرب حياتك وتدمرها، إحنا ياما اتكلمنا في موضوع العقوق ده مع أكتر من شيخ في لندن وأكدولك أنك مظلمتهاش هي اللي ظلمت نفسها هي وباباك باللي بيعملوه ده، فلو أنت مش مقتنع بده تعالى معايا نصلي العصر بمسجد الشيح مهران واقعد اتكلم معاه، صدقني هترتاح بعدها.
تعمق بكل جملة خرجت منه، لمس فيها تواجده الفعلي قولًا وفعلًا جواره، يتذكر حينما كان يصمد دون أي حديثًا عما يؤلمه، ربما كان يخدع الجميع أنه على ما يرام، ولكنه كان يفشل باقناع عُمران، كأنه بنظرةٍ يعلم ما يخفيه، عاد يتطلع له حينما استكمل حديثه:
_يوسف سيف بيستقوى بيك، لو شافك كده هيحس فعلًا إنه يتيم الأم والأب، يرضيك بعد ما تعبت وكبرته وعملت كل ده عشان تداويه، تيجي في الأخر وتكسره بايدك؟!!!
عادت دموعه تلمع بعينيه تأثرًا بحديثه، فازداد عمق الألم برمادية عُمران، حتى اختنق صوته الذي صاح بعنفوانٍ:
_عارف لو كان اللي مزعلك ده أي شخص تاني، أقسملك بالله كنت طلعت روح أمه، دي دعت عليه في ليلة مفترجة وكلها رعد وبرق وعواصف.
ابتسم على حديثه، فلكزه عُمران وهو يستطرد:
_وبعدين إنت عايز أيه تاني في حياتك وأنا فيها!! متبقاش طماع يالا!!
تحرر صوت ضحكاته، مجاهدًا للحديث:
_أنا فعلًا محظوظ، ربنا رزقني بعبحليم أبو دماغ لاسعة ورزقني بالبلطجي الوقح، هعوز أيه أكتر من كده؟!
مزق شفتيه السفلية بأسنانه، هادرًا من بين اصطكاكهما:
_لا ده أنت عايز تتروق وأنا محبكش تموت ونفسك في حاجة.
قهقه ضاحكًا، بينما يخبره:
_اهدى يا بشمهندس، محبكش وإنت كده!
سحبه من تلباب قميصه مجددًا:
_فوق للكلام بدل ما أطلع بروح أمك هنا، ولا هيهمني بوقين الجنتالة اللي رزعتهملك من أول ما دخلت، أعرف تمامك وخد حذرك مني، من خاف سلم يا دكتور.
تماسك من فرط الضحك، ومسح على كتفه:
_عندي دي يا معلم، اهدى وعديها.
عاد يحتل مقعده واضعًا ساقًا فوق الاخرى:
_تعجبني لما تقييم المسائل، أنت متخدش في إيدي غلوة.
وأضاق بضيقٍ ملحوظ:
_المهم، نسيبنا من اللي فات ونخلينا في اللي كنت طالعلك عشانه.
انصاع له يوسف، حينما وجده يسلك درب الجدية، فاذا به يخبره:
_هو مينفعش يعني نشوف بديل للتطعيمة دي، يعني لو ينفع يكون دوا شرب، حرام يا يوسف البنت كوتي أوي، مش هتستحمل، ده دراعها ورجليها أد كده!!
تأمله بصدمة، انتهت بسقوطه أرضًا من فرط الضحك، من يصدق أن هذا الطاووس العنيف، يملك كل مشاعر الرأفة هذة، نظراته المتعصبة جعلته يسترد رزانته، ويعود لمقعده مرتديًا نظارته الطبية، بينما يخبره بخشونة وحزم:
_مبدئيًا كده، تشوفلك دكتور تاني يولد المدام مايا، أنا بقولك من دلوقتي أهو متعملش حسابي في الليلة دي!
******
فتحت عينيها والنشاط يتجدد إليها، بعد أن حظيت بمدة طويلة بالنوم جوار زوجها بعد استيقاظها صباحًا، نهضت تفرد ذراعيها بدلال، وجذبت مئزرها الحريري ترتديه على عجالة من أمرها، والدهشة تحيط وجهها حينما رأت الوقت بهاتفها الموضوع للكومود، فعاتبت ذاتها:
_يا خبر إزاي أنام لحد دلوقتي، أنا محضرتش أي أكل للغدا، جمال هيقول أيه مصدقت!
وتركت ملابسها والمنشفة التي تحملها استعدادًا للاستحمام، ثم خرجت سريعًا للمطبخ لتعد غدءًا سريعًا، ولكنها توقفت على صوت بكاء صغيرها، فرددت بحزنٍ:
_طيب أنا هشيلك ولا هحضر الغدا!
ولجت لغرفة صغيرها، فاندهشت حينما رأته يجلس على فراشه، يبدل له ملابسه، وعلى ما يبدو من رؤيتها للمنشفة الموضوعة لجواره بأنه كان يحممه، ويعاونه الآن على إرتداء ملابسه، أعادت خصلاتها للخلف والفرحة لا تسعها، وخاصة حينما رفع رأسه لها بابتسامة افتقدتها منه:
_هتفضلي واقفة عندك كتير! تعالي شوفي الباشا بعد الدوش العظيم اللي أخده.
ولجت للداخل وابتسامتها تتسع فرحة به، فجلست على السرير المقابل للسرير الذي يحتله هو وصغيره، وقالت بحرجٍ:
_محستش بيه لما صحى، زمانه غلبك معاه.
ماله على كتفه، حتى يتمكن من ترتيب التيشرت الصغير على جسده، بينما يجيبها:
_أبدًا، أنا أصلًا اللي قلقت نومه، حسيت إنه وحشني وعايز أقعد معاه.
راقبتهما ببسمة زرع فيها عشقه، ربما كان يلتمس حبها من قبل، حبًا روتينيًا، ولكن الآن بات يلمس فيها لوعة العشق الذي كان يسمع عنه كالحلم المحال حدوثه.
شرد جمال بكلمات عُمران له، أن الأنثى لا تحتاج سوى الاهتمام، والحنان وحينها ستغمرك بضعف ما قدمته أنت لها!
عاد ليتعمق بوجه زوجته، ومازال يضع صغيره على كتفه، ويده موضوعة على ظهره بتحكمٍ، فلاحظ أن وجهها يشرق بسعادة وفرحة لم يراها من قبلٍ.
طوال الفترة الماضية كان يعاملها بكل احترام، لم يترك فرصة الا وعبر بالقول لها عن حبه، حتى حينما مر بخبر وفاة عُمران، وبالرغم من انكساره الا أنه كان يطالبها بالبقاء جواره، لأنه وأخيرًا لمس الأمان والسكن بها، منحها ما أرادت من عواطفه وحبه فأغرقته بدفء حبها ومشاعرها.
تعجبت صبا من شروده الطويل، ونادته بقلق:
_جمال!!
لم يستمع لها بالرغم من أن عينيه تحتضن عينيها في لقاءٍ صامت، فرفعت يدها تحركها باشارة له حتى أستفاق، فوجدها تسأله:
_سرحت في أيه؟
وضع صغيره على السرير، وسحب البيبرونه يضعها بفمه، ثم نهض يجمع ملابسه الملقاة أرضًا بينما يجيبها:
_ولا حاجة.
تفاجأ بها تنحني لتجمع الاغراض معه، وهي تخبؤه بحرجٍ:
_لا سيب كل حاجة، أنا هرتب الدنيا، كفايا اللي عملته مع عُمران.
سحب عنها ملابس الصغير، وقال بابتسامته الهادئة:
_هو مش ابني ومن حقه إني أدلعه ولو ليوم واحد.
تبسمت له في محبةٍ، ورددت:
_ربنا يخليك ليه يا حبيبي.
وقف قبالتها يتذوق تلك الكلمة التي لم يعتاد على سماعها، فابتسم وردد بنفس سياقها:
_ويخليكِ ليا يا حبيبتي.
رفرفت بأهدابها وهي تتهرب منه بخجلٍ، فقالت وهي تعيد خصلاتها للخلف:
_طيب هروح أحضر أي غدا بسيط، أنا كنت ناوية أعملك أكلة حلوة بس راحت عليا نومة.
أمسك يدها يمنعها عن الخروج:
_مفيش داعي، احنا هنخرج نتغدى بره، أنا لبست الباشا عشان أول ما تصحي متاخديش وقت في اللبس، روحي جهزي نفسك.
وكأن ما يحدث أمامها حلمًا يزداد جماله تدريجيًا، فوقفت تطالعه بدهشةٍ، فمال لها هامسًا:
_ها وصلتي لفين؟؟ لو هتقضيها سرحان فيا وفي تصرفاتي مش هيبقالنا خروج، ووقتها مش هتنازل عن طاجن ورق عنب وبطاية من على سطوح شوشو، ها قادرة تنضفي بط وتحشي ولا هتجري تلبسي في خمس دقايق؟!
فور أن انتهى من حديثه كانت تركض لغرفة نومها وهي تصرخ بخوف:
_ربع ساعة وهكون جاهزة يا جيمي.
تحررت ضحكاته وصوته يصل لها، فزاد من سعادتها أضعاف، وبالفعل ما هي الا خمسة وعشرون دقيقة وكانت تعقد حجابها فوق فستانها البني المطرز من الأطراف، ثم جذبت حقيبة يدها وكادت أن تخرج إليه، ولكنها توقفت واتجهت للخزانة، تبحث عن مفتاح الحزنة السرية، لتستخرج باقي مقتنياتها الذهبية، التي لا ترتديها بالكامل الا بالمناسبات الهامه، وأي مناسبة ستكون هامة لها مثل تلك.
سحبت عُلبة المجوهرات ووضعتها فوق الخزنة، ترتدي سلسالها وأسورتها الذهبية، والخواتم الخاصة بها، ثم جذبتها لتعيدها، فاذا بها تنتبه لدفتر صغير يحتل منتصفه عدد من الاوراق، كانت به ورقة مفتوحة تحمل إسمها، سحبت "صبا" الدفتر والاوراق، وبدأت تقرأ محتوياتها، فانعقد حاجبيها دهشة وصدمة، جعلتها تتجه للردهة حيث يجلس بالخارج يحمل الصغير، ويحاول مداعبته لحين أن تنتهي، وما أن رأها حتى نهض يهتف بضجرٍ:
_وأخيرًا!
وجدها تتطلع له بنظراتٍ غريبة، وبين يديها تحمل الأوراق التي يعلم ما بداخلها جيدًا، ازدردت ريقها ببطء وقالت:
_ده أيه يا جمال؟
هدهد صغيره وهو يجيبها بثبات:
_حقك.
زوت حاجبيها باستغراب لمنطق كلمته:
_حقي إزاي!!
رنا إليها وقد تمكن من تهدئة صغيره، فوقف قبالتها يخبرها بمرارة:
_اللي حصل معانا في لندن كان تجربة قاسية، وخلتني أعيد حساباتي من كل الزوايا، اللحظة اللي قررنا فيها الانفصال كنت شايف بعيونك كسرة وخوف من اللي جاي، وإنتي بطولك، ونفس اللي حصل اتكرر لما نعمان الكلب لعب لعبته القذرة دي، مكنش ليكي ملجأ غير يوسف، هو اللي وقف جنبك ووفرلك سكن انتي وعُمران، والله أعلم من غيره كان هيحصل أيه، باختصار محبش أشوفك بالشكل ده تاني يا صبا، حتى لو في يوم لقدر الله حصل بينا شيء تقدري تأخدي قرارك وأنتي مسنودة ومش محتاجة لحد.
تهاوت دمعة على خدها، بينما تخبره باستنكارٍ:
_ ولما تكتب الشقة باسمي، وتعملي حساب بنكي بالمبلغ الكبير ده هتكون بكده بتسندني يا جمال؟!
هز رأسه مؤكدًا لها:
_أيوه، ده من أبسط حقوقك عليا، وقفتي جنبي في كل عقبة عدتها وأهو الحمد لله ربنا كرمني، مش غلط ولا حرام أني أمنلك مستقبلك، عشان متحتاجيش لأي حد في يوم من الايام حتى لو كان الحد ده أنا يا صبا.
أخفضت رأسها تخفي بكائها المسموع له، وصوتها المختنق بعبراتها يتردد له:
_بس أنا مش عايزة حاجة غيرك.
ترك صغيره أرضًا جوار ألعابه، واقترب منها يفاجئها بضمته لها، ويطمنها بحديثه الرزين:
_وأنا بعدتك عني!! أنا بس عايزك تكوني مطمنة، وبعدين إنتي أم ابني يعني اللي معاكي هيروح فين غير ليه هو.
وأضاف ممازحًا إياها:
_وعشان يوم ما أتجن وتلاقيني بغلط معاكي تأخدي قرارك بقلب جامد وتطرديني من بيتك، ما أنا هنا مجرد ضيف ولازم أقعد باحترامي.
بعدته عنها وهي تمنحه نظرة نارية، فضحك وهو يجذبها مجددًا قائلًا:
_أبو اللي يزعلك، خشي في حضني تاني تعالي.
سكنت تلك المرة وسعادتها تتضاعف بما فعله، حتى ولو أبدت إنزعاجها أمامه، ولكنها احترمت ما فعله كثيرًا.
_أيه رأيك نلغي الخروجة ونطلب دليڤري!
افاقت على همسه الخبيث، فدفعته وهي تخبره بعنجهيةٍ أضحكته:
_لا يا حبيبي هنخرج يعني هنخرج.
تعالت ضحكاته، وغمز لها بمرحٍ وهو يخرج لها الفيزا الموضوعه داخل الاوراق التي تحملها:
_حيث كده بقى العزومة دي على حسابك، وكلمة السر عيد ميلاد عُمران باشا.
التقطت ما يقدمه لها، وقالت بضحكة رقيقة:
_لو هتقبل تخليني أحاسب في وجودك معنديش مانع.
انحنى يحمل الصغير، وتمتم بسخرية:
_لا ودي تيجي، العزومة وشيلة ابنك الاتنين عليا، المهم تكوني مبسوطة ومرتاحة!
اجابته بصدقٍ:
_مبسوطة فوق ما تتخيل بشويتين.
مال يقبل أعلى حجابها في حبٍ:
_ربنا يقدرني وأخليكي دايمًا مبسوطة ومرتاحة يا صبا!
******
صعد "عُمران" رفقة زوجته، بعد أن قضوا معًا ساعة كاملة بالاسفل، ولج للداخل بها، وعينيه تتفحص الغرفة بنظرة صقر جارح.
والدته مازالت تغفو في سلامٍ، وعلى الأريكة يتمدد عمه يغفو من تعب سفره، وبالخارج تجلس فاطمة تتابع أعمالها على الحاسوب، بينما سرير الصغيرة الدائري فارغًا تمامًا، مما دفعه للخروج لفاطمة يسألها بلهفةٍ:
_فاطمة فيروزة فين؟؟
تركت الحاسوب قبالتها مفتوحًا، وقالت ببسمة لطيفة:
_علي خدها يطعمها تحت.
برق بعينيه في صدمة، وهتف:
_أيه!!!
وقفت مايا خلفه تكبت ضحكتها خلف حديثها الثابت:
_وفيها أيه يعني يا عُمران، يا حبيبي كل الاطفال بتأخد نفس التطعيمة.
منحها نظرة خاطفة، وقال وهو يجوب الردهة الصغيرة ذهابًا وإيابًا:
_عارف، عارف.
اتجهت مايا تجاور فاطمة بمحل جلوسها، وكلتهما تراقبن اشارة مرور الطاووس الوقح بضحكات مكبوتة، كان وكأن زوجته تلد بالداخل، وما ان انفتح باب الجناح وطل منه علي، واجهه بنظرة حادة وهو يختطف منه الصغيرة، وبلسانه اللاذع قال:
_ ارتحت أنت دلوقتي!!
كانت الصغيرة مازالت تبكي، والاخر يحاول أن يهدهدها هامسًا لها بمحبة وحزن:
_معلشي يا روحي، اخوكي الكبير قلبه جاحد، حقك عليا أنا يا صغنن!
بينما يعود ليواجه علي الذي يطالعه ببرودٍ:
_طول عمرك حنين علينا أيه حصلك فجأة يا علي!! بقيت قاسي من قعدتك مع الجزارين اللي هنا، أنا لازم أشوفلك شغلانه تانية وبسرعة، أنزل امسك فرع من فروع شركاتي، أنا مش هستنى إن أطيب وأحن قلب فينا يبقى بالجحود ده!
تجاهله علي وكأنه نسمة عابرة، بل دنى لركن القهوة والمشروبات الباردة، سحب كوبه وأتجه يجذب أحد الكتب الموضوعة بالكورنر، ثم جلس يقرأ الكتاب في صمتٍ أضحك الفتيات، بينما يمنحه عُمران نظرة منفرة، وهو يتجه لأقرب أريكة، يحل عن الصغيرة الغطاء، ويتفحص ساقيها بحزنٍ، بينما يقبل قدمها وهو يهتف بهمس كان مسموعًا رغم انخفاضه:
_أنا آسف والله، متزعليش هحطلك عليها أي مرطب من هنا.
واستطرد وهو يتأمل النقطة الحمراء الصغيرة:
_ دول حتى مش حاطينلك لاصق طبي الجاحدين، بردو مش ههدى الا لما أقفلهم المخروبة دي، مبقاش عُمران سالم الغرباوي أما عملتها.
أحاطه علي بنظرة ساخرة، بينما يلف مقعده تجاه الشرفة، اما فاطمة فوضعت رأسها داخل شاشة حاسوبها تختبئ من فرط ضحكها، أما مايا فمسدت على بطنها المنتفخ وهي تهمس بخفوتٍ:
_اطمنت على مستقبلك، هو وقح بس طيب وحنين!
*****
بالأعلى، وبالطابق المخصص للاطفال.
سلط الضوء بفم الصغير، ليتفحص سبب ألمه، فجاورته زوجته وقالت:
_إلتهاب في الحلق.
أشار لها سيف بأن ملاحظتها صائبة، فعادت للمكتب تدون للأم العلاج المناسب للصغير، ثم قدمته إلى زوجها، فراجع على ما دونته ومنحها ابتسامة كانت تأكيد لعملها الممتاز، فقدمت الروشته للأم وبدأت تشرح لها المواعيد الخاصة بالادوية، والمصرح له بتناوله، فشكرتها بامتنانٍ وخرجت على الفور.
انتزع سيف قفازاته الطبية، ووضعها بسلة المهملات، ثم عاد لمكتبه، فوجدها تصعد فوق الطاولة المقابلة له وتردد بهيام:
_ولد جميل أوي ما شاء الله.
ابتسم وهو يراقبها، فلقد اعتاد منها سماع مدحها بكل طفل يزور غرفتهما، وفجأة وجدها تخبره:
_سيف أنا خارجة شوية، وراجعه.
أوقفها حينما قال ضاحكًا:
_يوسف تعبان ودماغه مبكسلة لوحدها أصلًا.
علمه بسرها الحربي جعلها تتطلع له بضيق، فضحك وأخبرها ليشغل وقتها:
_تقدري تنزلي تحت تطمني على مدام مايا، عرفت إنها بتولد.
اندهشت لسماع ما قال، ورددت:
_بس انا كنت عند فاطمة من قريب ومايا قالتلي إنها لسه بنص التامن.
واستكملت بعدما استوعبت:
_ممكن تكون فريدة هانم لانها هي اللي كانت بالتاسع.
توسعت مُقلتيه بذهولٍ:
_هي فريدة هانم كانت حامل!! أنا شوفتها كام مرة ومكنش باين عليها خالص!! عشان كده يوسف كان بيهربني من قدام عُمران!!
قهقهت ضاحكة على صدمته المتوقعة، وفاهت بحماس وهي تنزع مئزرها الطبي:
_عما تستوعب إنت أكون نزلت لعبت مع البيبي بتاعها شوية.
وتركته وهرولت للاسفل، تستعلم عن رقم غرفتها، فاذا بهاتفه يدق برقم رفيقه، حرر زر الاجابة وهو يصيح بمشاكسةٍ رجولية:
_معقول جيت في بال العريس وافتكرني في وسط مسؤولياته!
أتاه صوت آيوب الغاضب ينفجر بوجهه:
_سيادتك فين؟ قولتلي هعدي على يوسف وهجيلك، إنت خلعت عشان متنصبش خيمة الحنة مع الرجالة!! ده إيثان الواطي بيشتغل معاهم من الصبح كأنها حنة أخوه وإنت بتخلع بعد اتفاقك أنك هتبات معايا في شقة عُمران!!!!!
أبعد الهاتف عن أذنه بانزعاجٍ من صراخه، ثم عاد يقربه وهو يصيح بخشونة:
_إديني فرصة أرد عليك طيب، أنت متصل ونيتك كلها تهزيق مفيش أي مجال لنقاش محترم بينا!!
رد عليه آيوب بنزقٍ:
_النقاش المحترم مش هجيب نتيجة مع أشكالك، الخلاصة تجيب نفسك وتيجي، متندمنيش إني طاوعتك ووصلتك الصبح المركز، يا أخي ده حتى آدهم سايب كل اللي وراه وواقف معايا أقولك أيه تاني عشان تخلي عندك دم وتيجي!
تحررت ضحكته الرجولية، واتبعها قوله:
_متقولش حاجة تانية، جايلك يابن الشيخ مهران!
*****
بدأت فريدة بفتح عينيها، فوجدت الغرفة تغمرها اضاءة خفيفة، ولا يوجد من حولها سوى زوجها الذي يغفو على مقعد ملتصق بفراشها، ورأسه موضوع فوق كفها، ابتسمت وهي تميل تجاهه بحبٍ، فبدأت تمرر يدها بين خصلات شعره الذي يغلب سواده بعض الشعيرات البيضاء، فاذا به يفتح عينيه لها، ويبتسم هاتفًا بنعاسٍ:
_صحيتي يا حبيبتي؟
منحته ابتسامة عاشقة، ورددت بغموضٍ جعله يعتدل بجلسته لفهم مضمون حديثها:
_كل مرة فوقت فيها بعد ولادة ليا كنت بتمنى أشوفك وإنت قاعد القعدة دي.
وتابعت ومازالت تحافظ على ابتسامتها، وجمود دموعها التي لا تظهر:
_ومن جوايا بتمنى أن البيبي اللي جبته يكون شبهك، وسبحان الله علي وعُمران جيهم شبهك أوي.
سحبت نفسًا مسموعًا، وقالت في راحة:
_المرادي حلمي اتحقق وصحيت لاقيتك أنت اللي جنبي!
منحها ابتسامة جذابة رغم دموعه التي استحضرتها كلماتها، فمال يمرر يده على خصلاتها بنعومة:
_قولتلك هنحقق كل اللي كنا بنتمناه وإحنا مع بعض يا فريدة، وأهو ربنا سبحانه وتعالى من علينا ورزقنا بأجمل بنوتة، أنا مبسوط إنها طلعت شبهك، فسهل جدا إني أقع في حبها زي ما وقعت في حب مامتها.
اتسعت ابتسامتها فرحة لفرحته، ومالت تتطلع لسريرها، فتساءلت باسترابة حينما لم تجدها:
_هي فين؟
مال على وسادتها يخبرها بضحكاتٍ مكبوتة:
_عُمران عامل حظر عليها بره، مطلع عين علي حاسس أنه هيقع من طوله في أي لحظة!
شاركته الضحك، وقالت:
_حبيب قلبي، عمره ما هيتغير أبدًا!
******
بالخارج.
اجتمعت فاطمة ومايا، زينب، شمس التي وصلت للتو حول الصغيرة، ومن بعيد يتابعهم عُمران بانزعاج، يود أن يختطفها من بينهن، ولكن بوجود زينب أبدى بعض الاحترام، وجلس قبالة علي، الذي يطعنه بنظرة منفرة من الحين والأخر، ثم يعود للقراءة من جديد، حتى انتبه لهمس أخيه
_كل دقيقتين بوسة من واحدة فيهم!! البنت لسه كوتي وصغيرة متستحملش كل ده، علي قوم هاتها!
قلب علي صفحة الكتاب، وكأنه هواء عابر يمر بسلامٍ، فعاد يسدده بنظرة عنيفة ونبرة أعنف:
_إنت هتفضل عايش في جو تماثيل اسكندرية ده كتير، أيه البرود ده!! لا وكمان رفعت ايدك عليا النهاردة، إنت مش طبيعي يا علي،واللي يضحك أن فريدة هانم خايفة عليك تشيلها لضهرك يتقطم، بعد اللي شوفته ده أنت مية فل وعشرة، وجاهز لنقل أي حالة ولادة للمركز المنيل بنيلة ده!
واستطرد بعدما تذكر ما نسى اخباره به:
_بالمناسبة الكافيه اللي تحت ممتاز، حقيقي ده الحسنة الوحيدة بالمخروب ده، رغم إنهم وهما بيقدمولي الكروسول مكنوش حاطين تشوكليت زيادة بس But overall it's good (في المجمل كويس!)
ترك علي الكتاب من يده جانبًا، وأشار لاحدى الممرضات التي كانت بطريق الخروج من غرفة فريدة:
_من فضلك هاتيلي أي أدوية للصداع.
هزت رأسها بكل احترام له:
_حاضر يا دكتور.
تابعها علي لحين خروجها، وحينما عاد ببصره لمقعد أخيه وجدها فارغًا، وقبل أن يبحث عنه وجده يبدأ بجلسة تدليك فروة رأسه وبلهفة ردد:
_ألف سلامة عليك يا علي، أنا أصلًا شكيت أنك تعبان ومش طبيعي من الصبح، يمكن ده راجع لتوترك وخوفك على فريدة هانم، اطمن يا حبيبي ماما بخير وكويسة.
رمش بعدم استيعاب، وردد:
_أنا اللي مش طبيعي!!!
هز رأسه بكل تأكيد، فتنهد علي بتعب واستجاب للمسات يده، فمال على المقعد برأسه وبخبث قال:
_عندك حق أنا تعبان أوي والمساج بتاعك شكله بيجيب بفايدة، دلك عما البنات يلحقوا يشبعوا من البنت.
ضحك عُمران واجابه:
_من حقك تتدلع يومين!
*****
انسحبت مايا للداخل، وهي تحمل شطيرة البرجر بين يدها، وبالاخرى كيس البطاطا المحمرة، تلتهمه بنهمٍ وتتابع فريدة التي تهيم عشقًا بمعشوقها، فاذا بجلستهما السرية تنفصل حينما وجدتها ترتكن على الباب وتلتهم الطعام بابتسامة عريضة:
_حمدلله على سلامتك يا حماتي، كان نفسي أعمل حسابك معايا بس للاسف دكتور يوسف قال ممنوع ومشدد على المسلوق، تحبي أجبلك حلبة ولا أعملك المُغات!!
جحظت عينيها صدمة لما تراه، وكأنها فقدت فتاتها الراقية التي علمتها أن تأكل برقي، وعنوانها الاساسي الشوكة والسكين والمناديل تحيطها.
نهض أحمد يميل في وجه فريدة، يخلق أي حديث، ويشير بيده لمايا بأن تنصرف قبل أن تلتهمها فريدة، بينما يقول هو:
_فريدة بقولك نعمان عايز يجيلك المركز وخايف تطرديه، هو انتي ممكن تطرديه فعلًا.
دفعته بغضبٍ، وصراخ هيستري:
_أوعــــــا من وشــــي!!
كاد بأن يسقط أرضًا من شدة دفعتها، بينما تجاهد فريدة للنهوض عن فراشها صارخة بحدة:
_أنتي بتقولي لمين حماتي، وعايزة تشربيني أنا حلبة ومغات!!
وبهدوء لعين قالت:
_إنتي مين أفسد أخلاقك وخلاكي بالشكل ده إنطقي!!
قضمت مايا قطعة من البرجر وقالت:
_حضرتك مكبرة الموضوع ليه يا فريدة هانم، واحدة وقايمة من ولادة هتشرب أيه يعني أيس لاتيه!!
أشار أحمد من خلفها:
_إجري يا مايا، اجري!!
لم تفهم حديثه الا حينما جذبتها فريدة، وهي تصرخ بجنون:
_أنا هعيد تربيتك من أول وجديد.
تركت مايا ما بيدها وقالت ضاحكة:
_لو كنا في وضع تاني كنت هقولك أنا مامتي مربياني أحسن تربية، بس أنتي مامتي وأدرى بقى بتربيتي!
انسحب أحمد من بينهما، وخرج يستنجد بعلي، فوجده يجلس جوار شمس وعمران، وصغيرته على ساقي شمس الجالسة بالمنتصف، فأفضى ما بجعبته قائلًا:
_فريدة ومايا على وشك يشتبكوا مع بعض!!
........... يتبع........
#الخاتمات_بنفس_قوة_البدايات.... #ترقبوا_الاقوى_قادم..
#صرخات_أنثى ❤
******_________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 143 - بقلم آية محمد رفعت
مساء الخير حبيباتي، بشكركم من كل قلبي على سؤالكم الغالي ودعواتكم اللي كانت دعمي وسندي الوحيد، وحبيت أنزلكم البوست ده عشان أطمنكم عليا، وأطمنكم كمان بعودتنا لختام رواية صرخات، محبتش أن الأغلب فاكر إني بعيدة بسبب الانتقادات اللي نزلت عن الرواية بالفترة الاخيرة، بل بالعكس أنا تعمدت الظهور والرد ببوست توضيحي لكل اللي اتقال، واللي طبعًا ملخصه في جملة واحدة اقرأ الرواية من أول لأخر فصل وأتفضل قدم انتقادك بشكل راقي وهتلاقي مني كل الاحترام ونفس الرقي لإني مش الشخص اللي بيقلل من أي حد حتى لو هو نزل من مستواه وقل مني شخصيًا 💙
بالنسبة لوضعي الحالي، فأنا بخير الحمدلله الورم والالتهابات خفت ، والوجع خف عن الأول، حاليًا ماشية على مضاد حيوي ومسكنات قوية لحد ما الالتهابات تختفي تمامًا، لان من أخر زيارة ليا لدكتور الاسنان لاقي لسه في التهابات داخلية، انا بتمنى أخلص من ضرس العقل اللي متمسك بيا ده 😂، بس المشكلة أنه كله تقريبًا تحت اللسة 🤷🏼♀️🫢، دعواتكم عشان أنا شخص جبان أصلًا، وصدقوني بعدي طول الفترة اللي فاتت كان بسبب الصداع الشديد اللي حاصلي بسبب الالتهابات، وعيوني كانت مقفولة، ووجع بشع الحمد لله على كل حال، حاليًا اتحسنت بشكل ما على المضاد حيوي ، وهحاول أكمل الفصل وأطرحه لحضراتكم بأقرب وقت ❤
بالنسبة لوجود كلام عن صرخات2 فده أكيد باذن الله، لان علي عمران الغرباوي يستاهل جزء له ولأبوه الطاووس الوقح، ولأول مرة هنبعد بقى عن فكرة الاب العاقل اللي بيجوز بنته وبيكون عيله 😂، بس ده طبعًا بعد تنفيذ وعودي او التدبيسات اللي أنا فيها من فترة، زي أشباح وليل العربي الا بالمناسبة هيتم الدمج ما بين الروايتين بشكل أبهرني، ولسه رواية مغاوير آرام اللي حابة أجدد بيها في وسط زحمة الروايات دي ❤
وأخيرًا أنا حابة أوجه شكر خاص لقراء الواتباد هنا على صفحتي الشخصية، أنا اكتشفت طول الفترة اللي فاتت اني اتعلقت بيهم وبكومنتاتهم اللطيفة، ليا صديقة كل ما بتكلمني فون بتحكيلي عن تعليقات القراء عن كل جزئية من فصول صرخات، حقيقي فرحتني وأسعدت قلبي وزادت من حبي ليهم، وبقيت بتمنى أخف من الصداع وكل ده وأرجع اقرأ التعليقات دي عاشر ومليون، أنا بالفترة الاخيرة بتابعهم أول بأول، بس حاليًا انضم لينا شريحة جديدة من القراء، فبجد أنا ممتنة ليكم ولدعمكم، ودعم قراء الفيس اللي محاوطني في كل مكان ، شكـــًرا إنكم دايمـًا في دهري وبتدافعوا عني في غيابي وفي وجودي، بحبكم في الله وده أسمى وأعمق العلاقات لانه حب غير مشروط ولا له أي مصلحة أو وسيلة ❤
آية محمد 💙
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 144 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#عودة_الطاووس!..)
#الفصل_الـ111..
(إهداء الفصل لصديقتي الغالية "إيمي علاء" ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك..مازال أول لقاء لنا مميز في دفتر ذكرياتي، أحبك في الله...قراءة ممتعة 💙)
إقتحم "عُمران" غرفة والدته، ومن خلفه "علي" الذي أوشك على الانيهار، فوجدوها تحبس "مايا" من الحائط، وتنتظر سماع إجابتها، بينما الاخيرة تتناول شطيرة البرجر ببرودٍ تام، كاد بأن يضحك "عُمران" الذي تردد بخاطره إحدى جملته لها حينما كانت تهاب "نعمان"
«لما تخافي من حد أقفي ثابتة قدامه ومتبينيش خوفك ليه.»
تذكر حينما تساءلت بفضولٍ:
_ليه؟؟
رده الاسطوري لها
«عشان هيتمادى بروح أمه!»
وأضاف
«لكن لما تديله نظرة ثقة وثبات هيشك في نفسه وفي تأثيره الوهمي، وهنا بقى هيكتشف إنه ضعيف قصادك، فهمتي؟»
خرج من ذكريات حديثه، حينما ردد بصوتٍ منخفض استمع له علي من خلفه:
_الظاهر أنها بتطبق الدروس في الجهة الغلط!!
أحاطه "علي" بنظرة ساخطة، جعلته يسبل ببراءةٍ بعيدة كل البعد عنه، وإذا به يتخطاه ويندفع تجاه زوجته، يفصلها عن بقعة والدته، بخفة منه مد ساقه يعركل قدميها دون أن يراها أحدٌ، وقبل أن تسقط كان يتلقفها بمهارةٍ، وبينما يميل إليها يغمز لها بخبثٍ لحق نبرتها الصائحة:
_مايــــا!! مالك يا حبيبتي فيكِ أيه؟!
علمت ما يود فعله لنجدتها، فتركت الكوب من يدها بينما تضم جبينها ، متصنعة مرضها:
_حاسة إني دايخة ومش شايفة قدامي نهائيًا.
نجحت بسلب قلق فريدة الكلي تجاهها، فتحملت على ذاتها وأتجهت لها والقلق يساورها:
_كانت كويسة من شوية، إبعد كده يا عُمران.
أسندها ومال للخلف، بينما تتفقدها فريدة، التي أشارت بحنان للفراش:
_هاتها هنا.. وإنت يا علي كلم يوسف بسرعة ينزل يشوفها.
مال بوجهه تجاه زوجة أخيه، وعينيه تستهدف أخيه الذي يمنحه غمزة ثقة بحله للمشكلة التي كادت بالنشوب هنا، تنهد بقلة حيلة وغادر من الغرفة، قبل أن يفشل خطتهما الحويطة.
صعدت "فريدة" جوار "مايا" على الفراش، نزعت عنها حجابها وأخذت تمسد على رأسها بحبٍ إلتمسه عُمران، فتابعهما بابتسامة جذابة، العلاقة بينهما قد تكون قريبة من القط والفأر، ولكن حينما ينقلب الميزان تجدهما أم وصغيرتها.
مالت مايا تجاهها، وأغلقت عينيها بتعبٍ، بينما تخبرها بصوتٍ ناعس:
_أنا نرفزتك من شوية، فبدل ما تعاقبيني بتكافئيني بالنومة المريحة دي!
إرتسمت ابتسامة هادئة على وجهها، وقالت ومازالت تمسد على خصلاتها:
_مضطرة أستحملك وهحط حجتي على الهرمونات، أما بقى لو النومة مريحة وعجباكي فكلها كام يوم وهتيجي هنا إجباري.
تملك الخوف معالمها، وهمست لها بارتباكٍ:
_كل ما معاد الولادة بيقرب بخاف.
ضمت الغطاء الخفيف عليها، وردت بحنان:
_بمجرد ما تفكري في لحظة ما تشيلي ابنك بين ايديكي هتنسي كل الخوف اللي جواكي، فكري في لقائك بيه وبس.
اتسعت بسمتها ومالت بجسدها تضع رأسها على صدر فريدة، فاحتوتها بين ذراعيها ومالت على الوسادة من خلفها، تشمل ابنها بنظرة حازمة، اتبعها أمرها الساخر:
_قول لأخوك ميجبش دكتور يوسف، المشهد التمثيلي بتاعك أنت ومراتك متبلعش.
ضحك بصوتٍ زرع البسمة على وجهها الرقيق، واستقام بوقفته عن الحائط، يخبرها:
_أهو حبك الكبير لبنتك ده اللي مخليكي دايمًا في صفها، حتى لو المظلوم كان ابنك، كفة ميزان مايا دايمًا طابة!!
أحاطت مايا الناعسة جوارها، بينما تخبره بمشاكسة:
_أنت أي طرف هيتحط قصادك في الميزان خارج منه مظلوم يا حبيبي، بطل بكش وإخرج عايزة أرتاح شوية.
رنى إليها يقبل رأسها وكفها الذي يحيط زوجته، وبجدية همس لها:
_ربنا ما يحرمنا منك ولا من طيبة قلبك ورقة مشاعرك.
واضاف وهو يستعد للمغادرة:
_أنا بره لو حضرتك احتاجتي حاجة ناديلي.
قالت وهي تمرر يدها على خصلاته النابتة:
_خد أخوك وارجع القصر، النومة برة مش مريحة.
ربت على يدها بحنان وقال:
_مش هعرف أسيبك لوحدك وأمشي، ممكن أخلي علي يرجع هو وشمس، وأنا هشوف أي أوضة في المخروبة دي انام فيها.
ضحكت على صياغته للمركز، فابتسم وهو يستطرد:
_تصبحي على خير فريدة هانم.
قالها وأتجه للخارج، غالقًا الباب من خلفه، فوجد "آدهم" قد إنضم لمجلس العائلة الصغير، يجلس على الأريكة الجلدية، ويحمل الصغيرة بين يديه، وشقيقته الآخرى تلتصق به، وتطبع قبلاتها على يد الصغيرة، وعلى الاريكة الاخرى يجلس أخيه وزوجته، أما أحمد فكان يقف برفقة أحدى الممرضات ترشده على الأدوية الخاصة بزوجته.
أتجه للمقعد القريب من آدهم، وقد لاحظ نظرات علي التحذيرية إليه، بالآ يفتعل أي مشكلة لحمل آدهم للصغيرة" فيروزة"، فإذا به يتطلع له وإلى شمس المتلهفة لكل حركة تفعلها الصغيرة، ثم قال:
_عقبال ما نشيل ليكم عن قريب إن شاء الله.
منحه آدهم بسمة وبلطفٍ أجابه:
_نشيل ليك وللدكتور علي الأول وبعد كده يجي دورنا بعدكم إن شاء الله.
راقبت فاطمة ملامح علي بابتسامة خجولة، فأحاطها بذراعه وقال بحب:
_يا رب.
راقب عُمران نظرات شمس المنزعجة إليه، وقد ظنت بأنه لن يلاحظها، فإذا به يسألها باسترابة:
_شمس هانم عينك بتطلع شرار ليا ولا أنا فاهم غلط؟
اتجهت جميع الأعين إليها، فاذا بها تترك يد الصغيرة التي يحملها زوجها، وتعود بجسدها لظهر الأريكة، عاقدة ذراعيها أمام صدرها بتذمرٍ:
_لا فاهم صح وصح أوي كمان، أنت وعدتني أنك عمرك ما هتفرق بينا ومن أول يوم نسيتني خالص وإتلهيت بفيروزة هانم!
إندهش آدهم من سماع ما قالت، بينما ابتسم علي وهو يراقب رد فعل عُمران على ما قالته شقيقته باهتمامٍ، فاذا به يترك مقعده ويجلس جوارها على الاريكة هاتفًا بذهولٍ:
_أنا فرقت بينكم!! أيه التهمة القاسية دي يا شمس!!
نهضت من جواره وإتجهت إلى أريكة علي، جلست جواره وضمت ذراعه لها، فضمها إليه بينما تتطلع للاخر وهي تخبره:
_دي الحقيقة، مفيش حد أهتم بوصولي غير علي، أنت من ساعة ما جيت هنا وإنت بتلف ورا فيروزة هانم ومش سأل فيا؟!
اتسعت مُقلتي آدهم بصدمة، فاستدار تجاه عُمران وعينيه يملأها علامة استفهام لسؤاله الواضح، ماذا حدث لزوجته؟
منحه الطاووس بسمة ساخرة وهمس له قبل أن ينتصب بقامته الممشوقة:
_هرمونات وإجباري تتعود عليها يا حضرت الظابط.
بصقها إليه وإتجه لشقيقته، ينحني قبالتها وهو يضم كفيها بين كفيه، وببراعةٍ استمدها إليه بحديثه اللبق:
_مين يقدر يتجاهل حضورك يا شموسه، أنا كنت بوقف حرب كانت هتحصل بين فريدة هانم وبنت خالتك البائسة، وبعدين أنتي بتتهميني إني مأثر معاكِ وأنا لسه من ساعات بسيطة عامل أوردر للبس مواليد لفيروزة وللبيبي بتاعك، أنا عارف إنك بتحبي ذوقي فأختارتلك كام طقم شياكة بناتي وأولادي، اللي ينفعك لما تحددي جنس البيبي خديه.
أبصرته بحماسٍ:
_بجد!!
أكد لها وهو يسحب هاتفه:
_تحبي تشوفي الكولكشن اللي إختارته؟
هزت رأسها بتأكيدٍ، فسحبها لأريكة منعزلة، ثم بدأ يريها ما اختاره بالفعل، مالت فاطمة على كتف علي وهمست له:
_عُمران حنين أوي.
رد عليها ومازال يراقبهما بحبٍ:
_دي حقيقة.
أضافت وهي تسحب هاتفها إليه:
_بعتلي من شوية مجموعة أختار منها لبس للبيبي، بس أنا محتارة يا علي، تفتكر هيجيلنا ولد ولا بنت.
حمل منها الهاتف، يتابع الصور المرسلة لها على حسابها الشخصي، والابتسامة تتسع على وجهه شيئًا فشيء:
_اللبس اللي بعته ينفع الاتنين يا فاطمة.
دققت بالصور مرة أخرى بدهشةٍ:
_تصدق مأخدتش بالي!
تمتم وهو يعود ببصره تجاه أخيه:
_هو دايمًا بيهتم بالتفاصيل!
*****
انتفض بمقعده فزعًا فانسكب كوب القهوة عليه، حينما اقتحمت زوجة أخيه غرفة مكتبه، سحب "يوسف" المناديل الورقية يجفف قميصه المتسخ، هادرًا بضيق:
_في حد يفزع حد كده!!
شيعته بنظرة جعلته يعود لمقعده بارتباكٍ من حالتها الغريبة، فلحق نبرته المرتشعة:
_سيف طلقك!!
اتجهت بخطواتها البطيئة منه، فكاد أن يسقط بالمقعد للخلف وهو يجاهد لخروج كلماته:
_كل مشكلة وليها حل!
طرقت فوق مكتبه بيديها وهي تصيح بانفعالٍ:
_الا مشكلتي ملهاش معاك أي حل!
انتفض مجددًا بوقفته، فعاد يعدل نظارته الطبية:
_في أيه يا زينب، إهدي وفكك من دخلة المخبرين دي!!
نطقت باصرارٍ مضحك:
_عايزة أبقى مامي!!
زفر بانزعاجٍ من تكرار نفس السيناريو مجددًا، فتمعن بالفراغ من حوله وهو يهتف بنزقْ:
_كمالة حظي النحس، اليوم مش راضي يتقفل!
ورفع من صوته مع ابتسامة زائفة:
_استهدي بالله وربنا هيكرمك باتنين تؤام مرة واحدة بس قولي يا رب.
جلست على المقعد المقابل لمكتبه وهي تشير للنوت:
_مش هتعرف تقنعني المرادي يا دكتور، أكتبلي على أي منشطات أو أي أدوية تساعد.
عدل من نظارته وهو يعود لمقعده الرئيسي، والإرهاق قد تمكن منه، فسألها بهدوء لا يلتمسه بتاتًا:
_كالعادة أكيد شايفالك طفل عجبك وجايالي أشوفلك الحل اللي معرفهوش ده، صح؟
هزت رأسها أكثر من مرة، وهي تشرح له بابتسامة واسعة:
_بيبي فريدة هانم، بنوتة زي السكر يا يوسف، ما شاء الله قمراية.
خاطبها قائلًا:
_طالما حلم الامومة ملاحقك بالشكل اللي هيأثر على دراستك وشغلك فأنا عندي الحل.
استندت بيديها على مكتبه الابيض، تتساءل باهتمام:
_أيه هو؟
أجابها بمرحٍ والضحكة تلاحقه:
_تقعدي مع الدكتورة ليلى يومين، وبعدها هتنسي الحلم ده نهائيًا، أنا هوصيها تسيبلك البنت ليل نهار لحد ما تتوبي توبة خالصة لوجه الله.
ضم شفتيها بغضب:
_يا يوسف أنا بتكلم بجد، من فضلك متقلبش الموضوع بهزار، لو أنا عندي حاجه صارحني وقولي.
زوى حاجبيه مندهشًا من انفعالها، فأسرع يبدد عنها ظنونها:
_مفيش عندك أي موانع يا زينب، وأنا مأكدلك ده بنفسي أكتر من مرة، وزي ما قولتلك قبل كده مسألة وقت مش أكتر.
وأردف بثباتٍ وعقلانية:
_متشغليش بالك بالموضوع ده عشان نفسيتك هتتأثر، فكري بالعقل، إنتِ لسه بتدرسي وصعب تتحملي مسؤولية طفل بالتوقيت ده يا زينب.
تنهدت بحزنٍ، ونهضت تخبره:
_عندك حق.
وقف قبالتها يسألها حينما همت بالرحيل:
_رايحة فين؟!
ردت وهي تبدد عنها الحزن حتى لا ينفضح أمرها:
_ فاطمة وعلي مستانيني تحت هنزلهم عشان أروح معاهم.
نزع البلطو الطبي عنه، وقال وهو يتجه خلفها:
_استني هنزل معاكي أطمن على فريدة هانم، وهوصلك بطريقي أنا خلصت الشفت بتاعي.
راقبته وهو يغلق حاسوبه وأدراج مكتبه، ثم تمتمت بسخطٍ:
_شفت!! مصر تعامل نفسك أنك موظف هنا، هتقتنع أمته إنك صاحب المركز؟
قهقه ضاحكًا وقد أغلق الباب من خلفهما:
_لو إقتنعت هعتزل المهنة وأنا للأسف بحبها.
وأضاف وهو يشير لها على المصعد بعدما طلب حضوره:
_وبصراحه بقيت بفكر جديًا أعتزل، على الاقل هروق منكم!!
رمقته بنظرة حارقة، وهتفت:
_ياريت تعملها، إنت أصلًا فاشل في علاج حالات تأخر الانجاب يا دكتور!
مال للمصعد يقاوم نوبة الضحك الذي سقط فيها، بينما يهتف بصعوبة بالحديث:
_لما الحالة تتعسر هبقى أتدخل إن شاء الله.
لوت شفتيها بتهكمٍ وحدثت ذاتها باستنكارٍ:
_هتتعسر أكتر من كده، شكلك مش هتأخد خطوة في علاجي الا لما أكمل التلاتين، يا ميلة بختك يا زينب!!
*****
تجرع مرارة الوجع لأعوام، كان الصبر هو وسامه الوحيد، إلتحف به بكل ما فيه، والآن حصد مكافأة عبر بها العوائق والعقبات برُمتها، وها هو يحمل بين يديه أخر ما يستعبه عقله بأنه سيخصه ذات يومًا، ابنته من معشوقة طفولته، وحبه الذي حُكم عليه بالإبادة قبل أن يثمر جذوره.
أدمعت عيني أحمد وهو يحمل صغيرته بين يديه لأكثر من ثلاثون دقيقة، كل ما يفعله هو التأمل الصامت لملامحها، يستغل انشغال الجمع من حوله بتناول وجبة خفيفة قبل العودة للقصر، ويقضي بعض الوقت برفقة صغيرته.
شعر بالخواء جواره يتلاشى فور أن إحتك جسد علي به، فأسرع بمسح قطرات دموعه عن وجهه، واستدار يطالعه بابتسامة اصطنعها بشكلٍ لم يقنع علي، الذي أجلى صوته الرخيم:
_زعلك على اللي راح عمره ما هيوهبك الراحة والخلاص، نظرتك للي حققته وبتملكه حاليًا هو اللي هيفرق معاك وهيقفل كل جرح قديم كان بينزف جواك.
لامسته كلماته باتقانٍ، وكأنه يقرأ كل ما يحدث له، ويشاركه رحلته الطويلة بالمعاناة، فمال برأسه تجاهه وقال:
_اللي فات صعب يا علي، بس زي ما قولت العوض كبير وقادر يرمم كل الاصابات والجروح.
وأضاف وهو ينحني طابعًا قبلاته فوق وجه صغيرته:
_مش مصدق إن بعد العمر ده ربنا من عليا وبقيت أب.
وأخبره بكل حماس وسعادة:
_أنت متتصورش أنا فرحان إزاي، عايز أقول لكل الدنيا كلها إني بقيت أب، ومن مين، من حب عمري، فريدة يا علي!
تبسم في وجهه ببشاشةٍ، وقال:
_ربنا عوضك لإنك تستحق يا عمي، ربنا يباركلك فيها ويحفظهالك من كل سوء.
تمعن برماديتاه وملامحه الطيبة في محبةٍ خالصة:
_أنت عارف إني مش قادر أشوفك باللحظة دي غير صاحبي الوحيد اللي بمتلكه، كل ما ببصلك مش راكبة معايا انك ابن اخويا والمفروض قي مقام ابني، علي إنت بعقلك وطيبتك دي بحسك أكبر مني، أخويا الكبير مثلًا!
ضحك بصوتٍ مسموع، وقال في لطف:
_شوفني زي ما تحب، المهم دلوقتي.
قالها وهو يميل إليه فمال له أحمد بانصاتٍ:
_بقالك ساعة شايل فيروزة هانم ونازل فيها بوس لو عُمران لمحك بالحالة دي هسلكك منه إزاي!!
قهقه ضحكًا حتى أحمر وجهه بشدةٍ:
_هيحبسني، الوقح ده فلتت منه على الأخر، بس على مين مش هسمحله يعمل كماشة شمس وحضرة الظابط على بنتي!
زم شفتيه بسخطٍ مضحك:
_أنا خايف يجيلي بنت من اللحظة دي، عُمران غيور على هوانم عيلة الغرباوي بشكل مريض.
عادت نوبة الضحك تسيطر عليه، وقال مازحًا:
_إدعي ربنا يكرمك بولد.
اتجهت عينيه لزوجته الجالسة جوار شمس تراقب ما اختارته من ملابس، وقد تلألأ عشقها برماديتاه، هامسًا بصوته الهادئ:
_حاسس إنها هتكون بنت، الحرب قايمة قايمة!
انتزع هدوء الأجواء طرقات باب الجناح الطبي، وظهر يوسف وزينب من خلف الباب، ولجوا للداخل وانضموا للجميع.
******
إرتمى سيف على الأريكة الخشبية الخاصة بشقة "عُمران" بتعبٍ شديد، ولحق به "آيوب" على الآريكة المقابلة له والإنهاك يتمكن من كلاهما، إذ بدى على صوت سيف الهامس:
_خيمتك جهزت يا عريس، أقدر أخد إفراج وأرجع بيتي؟
أسند رقبته لذراعه المثني، وهدر باصرارٍ:
_لا يا سيفو إحنا بينا اتفاق، أنت مبيت معايا النهاردة وبكره، ولو إنسحبت من الاتفاق هتبقى راجل لمؤاخذة آ... أظن فاهمني أنت!
مال على جانبه الأيسر، يطعنه بنظرة شرسة، وتهديدًا أشرس:
_إنت الظاهر شغلك مع الطاووس الوقح خلاك تنفش ريشك على حسه، لمها وعديها يابن الشيخ مهران.
مال على جانبه قبالته هو الآخر، وبابتسامة باردة قال:
_لا هلمها ولا هعديها، وبردو هتبات هنا النهاردة وبكره يا سيڤو.
حُل جموده وأفتر عنه ابتسامة، اتبعها قوله الخشن:
_من حقك ما أنت عريس!
تمدد على ظهره يتأمل سقف الردهة بإعجاب، استفز فضوله، فناداه:
_آيوب.
همم وعينيه مُغلقة بتعب:
_أممم.
أفرغ سيف فضوله الزائد بحديثه التالي:
_عُمران بشمهندس ناجح جدًا، وتصميماته دايمًا مميزة، تحس إن ليه التتش بتاعه ولمسة خاصة بيه في كل حاجة، حتى في الشقة اللي كان واخدها مع يوسف وبشمهندس جمال في لندن، كان عامل أكتر من حاجه مميزة فيها، اشمعنا الشقة دي اللي سابها زي ما هي ومغيرش فيها حاجة!
حرر فيروزته الساحرة برفع أجفانه ببطءٍ، وأجابه ببسمةٍ خاطفة:
_عُمران مهما حاول يحاوط نفسه بذوقه الا أنه في ميول جواه للبساطة، الإنسان ده غريب، مهما عاشرته بحس إني عمري ما هفهمه، في الشركة شخصية ومع أصحابه شخصية، ومع أخوه نفسه شخصية تانية.
وإستطرد شاردًا بالشرفة المفتوحة على مصرعيها:
_وجوده هنا معانا في الحارة واندماجه السريع بينا شيء غريب، تحسه زي العجينة اللي بتتشكل لأي وضع.
مال على جانبه الأيسر مجددًا، مستندًا على ذراعه، ومشيرًا له:
_ما تتصل عليه هو وحضرة الظابط والشباب وتخليهم يجوا يباتوا معانا النهارده، وأهي تبقى حفلة توديع عزوبية جماعية، مش فردية.
استقام آيوب بجلسته، يتمعن فيه بدهشةٍ:
_أتصل بيهم!! من قلبك الكلام ده يا سيف؟!
هز رأسه بابتسامةٍ ساخرة، فأضاف آيوب موضحًا مغزى حديثه الغير منطقي:
_يعني أنت عايزني أتصل على الطاووس وآدهم ودكتور علي ودكتور يوسف، والبشمهندس جمال!!
صفق بيديه باستنكارٍ:
_أيه اللي مش مفهوم في كلامي أنا!
ونهض ينزع جاكيته بذلته الأسود، مضيفًا:
_وكلم ابن عمك وإيثان الرزل بالمرة.
رفع أحد حاجبيه بدهشةٍ:
_سيف أنت كويس يا حبيبي؟!
عدل من وسادته وتمدد واضعًا قدمًا فوق الاخرى، مستندًا على كلتا ذراعيه، بينما يطلق صوت صفارة مستمتعة زادت من ريبة آيوب، ومع ذلك اتبع تعليماته، وجذب الهاتف يتصل برئيس العصابة الدولية، مفعلًا سماعة الهاتف الخارجية، فأتاه صوته المشاكس:
_حنيت لصوتي يابن الشيخ مهران!
ابتسم وحياه بمشاغبة:
_مش أنا بس اللي حنيت ليك يا طاووس، سيفو بنفسه طالبك بالحضور، وعايز نقيم حفلة توديع العزوبية هنا في شقتك.
أتاه صوت ضحكته الرجولية، وبعدها نبرته الواثقة:
_أنا محدش يجرأ يطالبني بشيء يالا، بس لاجل عنيك نعديها مهو معذور، أي حد عاشر الطاووس الوقح لازم يكون عنده حنين وشوق ليه، بس للاسف مش هينفع النهاردة، قضي الليلة أنت والكتكوت اللي معاك وبكره نتجمع كلنا بعد الحنة ونقضيها للفجر مفيش مانع.
وأضاف بخشونة أسقطت آيوب من الضحك:
_وبلاش ترمي عقلك لسيف، أنت عاقل وهادي مش كده ولا أيه يابن الشيخ مهران؟
كاد أن يسقط عن الاريكة من شدة ضحكه، بينما ينهض إليه سيف، منتزعًا الهاتف بغضب:
_هو مش محتاج نصايح من حد، عشرته لوقاحتك عاملة معاه مفعول خرافي، أنا أصلًا قلقان منه!
شاركه عُمران الضحك، وقال بخبث:
_اطمن يا دكتور ابننا عاقل ومتربي، ولو عايز ضمانات عليه كلم أخوه لإني للاسف مش بضمن حد!
قهقه من شدة الضحك، وبجدية قال:
_طيب ما تيجي تبات معانا النهاردة.
أجابه بتهذبٍ وجدية تامة:
_مش هينفع والله يا سيف، أنا اللي هبات بالمركز هنا.
فهم رسالته دون التلميح لوجود والدته، فاحترم سيف حديثه وقال بثبات:
_خلاص تمام نتقابل بكره ان شاء الله.
رد عليه:
_بإذن الله نتقابل، تصبح على خير يا دكتور.
أغلق سيف الهاتف، ثم منحه لآيوب متمتمًا:
_شوف حضرة الظابط.
رفرف بأهدابه بذهولٍ، وقال:
_آدهم ماشي من حوالي أربع ساعات، مش عارف هيقبل يرجعلنا تاني ولا أيه؟
عاد للأريكة، يعتليها بهدوءٍ:
_جرب مش خسران حاجة!
******
فور أن إنتهى عُمران من المكالمه، عاد للجناح حيث زوج شقيقته ورفيقه يوسف بالصالون المنزوي بالجناح.
جلس جوار أخيه وهو يشير على الهاتف الذي يحمله:
_ده آيوب، كان عايز آآ...
قاطع حديثه صوت رنين هاتف "آدهم"، فترك كوب القهوة من يده، ورفع الهاتف لهم:
_بيتصل عليا أنا كمان!
حرر زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنه، استمع لما قال، ورد بابتسامة هادئة:
_مش هينفع النهاردة يا آيوب، بكره هبات معاك بإذن الله.
قالها وأغلق الهاتف، فابتسم عُمران وردد بسخط:
_دول شكلهم عندهم فضى وعايزين يملوه.
أتاه تأكيدًا لحديثه حينما تعالى رنين هاتف يوسف، فتعالت الضحكات الرجولية بينهم، وقد حرر يوسف سماعته الخارجية وقرب الهاتف لعُمران، هامسًا بخفوت:
_إرزعهم واحدة بروح أمكم تنيمهم مكانهم.
غمز برماديته بتسليةٍ، وحرر رده اللاذع:
_حفلة الاتصالات بتاعتكم دي هتقفل أمته؟ أنا حاسس إن كمان شوية والاتصال هيوصل لعلي أخويا الطاهر البريء!!
أتاهم صوت ضحكهما، وتأكيد سيف على حديثه:
_كنا هنتصل بيه فعلًا بعد يوسف، وهندخل بعده على البشمهندس جمال بإذن الله.
قاطع ضحكاتهما عُمران:
_أنا بقول تأخد أخوك في حضنك وتلحق سريرك، كل تنام بدري أحسن ليك.
تساءل آيوب ببلاهة:
_ليه؟
أجابه عُمران بصدر رحب:
_عشان أنا قولت كده!
وأضاف بسخرية أضحكت آدهم ويوسف للغاية:
_وعشان الأولاد الشاطرين بيسمعوا كلام الأعقل منهم ومش بيكسروه أبدًا أبدًا، فلازم نغسل أسنانا ورجلينا وننام بدري زي الشاطرين.
واحتله قافلة من الوجوم كأنه تبدل لشخصٍ أخر:
_والأهم نعقل ونبطل هبل المسا ده ، وياريت نقفل سنترال الشعب اللي طارح علينا ده خلوا ليلة أمك أنت وهو تعدي!
انطلق صوت انغلاق المكالمة كبادرة لطيفة بإنصياعهما لحديثه، فسحب يوسف الهاتف ووضعه بجيب سرواله ضاحكًا:
_هما كانوا محتاجين الدخلة دي، أنا مقلق منهم أصلًا من ساعة ما شوفتهم بيجروا زي الهبل.
هز آدهم رأسه بتأكيدٍ، وأردف بسخرية:
_دخلة عُمران ليها شنة ورنة، هيبطلوا يستعملوا التليفونات تاني أصلًا.
واستقام يجمع هاتفه ومفتاح سيارته قائلًا:
_الوقت أتاخر، همشي أنا وشمس ولو احتاجت أي حاجة كلمني يا عُمران.
أحاطه بضمة حنونة، وشكره بامتنانٍ:
_مش محتاج توصيني،انا واثق أنك دايمًا موجود من غير ما تعرض عليا ده.
ربت على ظهره بحبٍ، فبادله عُمران، وقال وهو يتجه للغرفة:
_هنادي لشمس وللدكتورة زينب.
ردد يوسف يعلمه:
_زينب نزلت مع علي ومدام فاطمة لما لاقتني طولت معاك بالقعدة، يلا همشي أنا وهشوفكم بكره بإذن الله.
ودعهما يوسف وغادر على الفور، ومن بعده آدهم برفقة زوجته، فلم يتبقى بالجناح سوى مايا التي تغفو جوار فريدة بالغرفة، وبالجناح عُمران، وأحمد الذي إنزعج من بقائه وهدر بضيقٍ:
_ما ترجع القصر إنت كمان عُمران، أكيد تعبت ومحتاج تريح.
استكمل فتح أزرار قميصه وهو يطالعه بجمودٍ، بينما يحرر الأريكة السفلية لتتحول إلى فراش، جلس من فوقه وهو يتمعن به بنظرة ثاقبة، جعلت أحمد يزدرد ريقه بارتباكٍ من صمته، حتى مزقه صوته الثابت:
_متلفش وتدور على الشخص الغلط يا عمي، ما قولتهالك قبل كده الصياعة متخدش معايا سكة، أنا لاعيب قديم.
وأستكمل وهو ينزع حذائه:
_عمومًا مش محتاج تعمل كل ده.
لم يفهم مغزى حديثه، الا حينما عرج للغرفة يخرج بالصغيرة، ويتجه بها للفراش، تمدد جوارها، ومال يحاوطها، وضعها بالمنتصف وترك الجزء الاخر من الفراش إليه، أغلق جفنيه وتمتم بنزقٍ:
_تعالى نام جنب بنتك، لما نشوف أخرتها معاك أيه؟
انتزع أحمد جاكيته وأشمر قميصه الأبيض، بينما يتمدد جوار الصغيرة بسعادة، مر عليه بعض الوقت فتطلع لعُمران الذي يضع يده من فوق عينيه، فناداه بصوت منخفض:
_عُمران، ما ترجعها سريرها الصغير أحسن نتقلب عليها وإحنا نايمين ومناخدش بالنا!
ابتسم على جملته، ومال يحملها ويضعها من فوق صدره، دافنًا أنفه بين خصلاتها الصغيرة:
_أنا نومي ثابت ومش بتقلب، إدخل عركتك لوحدك ومتقلقش عليها.
شيعه بنظرة حنونة وهو يراقب تعلقه الشديد بابنته، فمال يجذب جاكيته المطروح على المقعد ووضعه من فوق الصغيرة، ولكنه لم يطول صدره العاري، فلم يتمكن من حجب اقتراحه إليه:
_ما تقوم تلبس قميصك!.
ردد ومازالت عينيه مغلقة:
_ فريدة هانم مش فايقة ولا مركزة للمقارنات وهي بحالتها دي، متقلقش جوازتك لسه فيها أمل أهتم إنت بالرياضة اللي نسيتها وإصبغ شعرك ده وإن شاء الله ربنا يكرم وتشوفك "آرنولد شوارزنيجر"، ركز على الدعوات أنت بس يا باشا.
اعتصر فكيه بغضبٍ، ومال يتمتم:
_وقح!
انطبعت ابتسامة خاطفة على وجهه، قبل أن ينسحب بنومٍ منتظم، وبين أحضانه أميرة عائلة الغرباوي التي أشرفت عليهم بحضورها المفاجئ!
******
صف"علي" سيارته بالأسفل، وهبط من السيارة، ينتظر انضمام زوجته، وحينما طال غيابها، هبط يفتح باب السيارة المجاور لمقعدها، فوجدها تستكين للخلف وقد غفاها النوم.
ابتسم وهو يميل على الباب، يتأملها لوقتٍ ليس بقليل، فانزعجت حينما لفح جسدها تيار الهواء البارد الذي كان يعيقه إنغلاق الباب، ففتحت مُقلتيها لتعانق رمادية عينيه، فنادته بخفوتٍ:
_علـي!
اعتدلت بمقعدها تفرك عينيها بنعاسٍ، وهي تتساءل:
_مش تصحيني، راحت عليا نومة!
ترك محله واقترب إليها يجيب:
_كنت بحاول بس مقدرتش أقلقك.
حركت رأسها قبالة وجهه القريب منها، وقالت ضاحكة:
_يعني كنت هتقضي الليل كله بتتأملني كده، ولا خايف على ضهرك يتأذى لو شلتني لفوق، زي ما فريدة هانم كانت خايفة عليك.
صدر عنه ضحكة جلجلت بصوته الدافئ، فطالعها بنصف عين:
_إظهار رغبة مبطنة ورا تحدي زايف، في سبيل إني إتنرفز وأحققلك رغبتك وأشيلك عشان أثبتلك إني جامد أخر تلات أربع حاجات.
تلاشت ابتسامتها الماكرة، بينما مازال يطالعها بثقة وابتسامة أذابت جليد ليلة قارصة البرودة، فبدد حيرتها حينما قال:
_قولتلك قبل كده مينفعش تتذاكي على بابي يا فطيمة، أنا فاهمك من نظرة مش من كلمة!
أخرجت ساقيها خارج السيارة، ورددت بانفعال:
_بطل تستغل خبرتك في المهنة عليا، ودلوقتي هتشيل ولا أطلع بالأسانسير يا علي؟
إنحنى إليها ببطءٍ سلب كل تركيزها، وخاصة مع تحرر كلماته:
_سبق وقولتلك قبل كده حُضني مفتوحلك في أي وقت يا روح قلب علي.
قالها وقد وضع يده أسفل ساقيها، والأخرى أحاط بها خصرها، وبتمكنٍ رفعها إليه، بينما يدفع بقدمه باب السيارة المفتوح، صعد بها للداخل وتعمد عدم اللجوء للمصعد، حملها للطابق العلوي وهو يحرص عدم قطع اتصالهما البصري، يرى بوضوح استعانتها بالألفة والأمان بنظرته العاشقة لها، فرفعت يدها عن كتفه وأحاطت رقبته، فمال بذقنه فوق جبينها، وأردف بحنانٍ:
_قلقانه من أيه يا حبيبتي؟
اختبأت أسفل رأسه والفرحة تتسلل لها، زوجها يحبها بنفس درجة عشقه للكتب، حتى أنه يقرأ إنفعالات وجهها كصفحة كتاب عابرة لا تستغرق معه سوى دقيقتين.
طبع قبلة على جبينها، وهمس بحنان:
_إحكيلي، أنا سامعك.
رددت وابتسامتها لم تمحو بعد:
_مش قلقانه بس البيت من غير فريدة هانم ومايا شكله يقبض، بتمنى الصبح يطلع عشان أروحلهم على طول.
نبع عن بسمته صوتًا هادئ، ففتح باب جناحهما وولج يتحدث لها:
_اعتبري إنك قضيتي اليوم كله معاهم هنا في القصر، ودلوقتي معاد النوم.
ازدادت تعلقًا به وهي تغلق عينيها بنعاسٍ:
_هتنام ولا هتطلع لضرتي؟
مال يضعها على الفراش مسبلًا بذهول:
_ضرتك!!!
رفعت رأسها إليه تؤكد له بحاجبي معقود:
_مكتبتك يا دكتور!!
تحررت ضحكاته من جديد، وقال وهو ينزع حجابها وحذائها برفقٍ:
_لا مفيش ضرة هتشاركك فيا النهاردة يا فطيمة إطمني.
قالها وتمدد جوارها بابتسامته الجذابة، فمالت تغفو على صدره، وقد كان أكثر من مرحبًا بها، وابتسامته رفضت الابتعاد عنه كلما تذكر كلماتها وانعكاس وجهها الجميل حينما تلفظت بلفظ "ضرتي"!
******
عاد يدق الجرس للمرة الثالثة، بينما يسند صينية الطعام بذراع واحد، فتمتم بسخطٍ:
_هما راحوا فين! يكنوش خلصوا على بعض!!
وأضاف بعدما عاد لدق الباب بيده:
_طيب أعمل أيه دلوقتي، أرجع بصينية الأكل للشيخ مهران وأقوله جوز الزغاليل بيأيلوا بدري، ولا أتصل بحضرة الظابط يجي يقتحم الشقة عليهم!!
كاد بأن يعود بما يحمله، ولكنه توقف حينما فتح آيوب الباب وهو يتثاءب بنومٍ:
_خير يا إيثان، فايتك مقلب وحابب تجربه فينا تاني على أخر اليوم!
ضحك وهو يراقب ملامحه، شعره المشعث وملابسه الغير مهندمة وكأنه كان بمعركة مصيرية، رفع الصينية إليه وقال ضاحكًا:
_مستغناش عنك يا بوب، ده الشيخ مهران حالف ما تنام أنت ولا مراتك من غير أكل، وأيه باعتني مخصوص أجبلكم كفتة وسجق، متوصي بيك وبزيادة، وأنا عملت حسابي معاكم عشان أفتح نفسكم بس.
أحاطه بنظرة مشككة، فاتسعت بسمته الخبيثة، زفر آيوب ومال عن الباب بتذمرٍ، ولج إيثان للداخل يراقب سيف الذي جلس على الأريكة يطالعه بصمتٍ، فاشار لآيوب بأن يحضر الطاولة الأرضية، وضعها أرضًا وجلس ثلاثتهم من حولها، ثم بدأوا بتناول الطعام، وما أن انتهوا حتى نهض إيثان يمسح يديه ويتجه للخروج:
_هطلع أعمل الشاي عندنا وجاي.
أشار له سيف:
_مفيش داعي، خلاص كده تمام أوي الحمدلله.
شدد بحزمٍ غير قابل للنقاش:
_والله ما يحصل ده إنت ضيفنا يا دكتور، هيفوتك نص عمرك لو مجربتش الشاي بالنعناع اللي بعمله، دقايق وراجع.
غادر من أمامهما ومازال سيف يراقب محله الفارف بفمٍ مفتوح ببلاهةٍ، تناول آيوب قطعة الخبز بنهمٍ وردد ضاحكًا:
_متستغربش، هو إيثان كده يضايق في خلق الله كلهم ولما يكونوا عنده لازم يأخدوا واجب الضيافة كامل.
استدار تجاهه يخبره:
_مش مستغرب اللي بيعمله، المعروف عننا كمصريين الكرم وخدمة الغريب قبل القريب، أنا بس مستغرب إنه بيحلف بالله، هو مش مسيحي!!
تعالت ضحكات آيوب ورد عليه:
_ولما بيلمح أي خناقة في الحارة تسمع منه أحلى جملة صلي على النبي يا جدعان، هو متطبع على طباعنا ده عشرة عمر يا سيف.
اتسعت بسمته استمتاعًا بحديثه، حتى عاد إيثان يحمل صينية كبيرة تحوي أكواب الشاي وأطباق التسالي والحلوى، وبيده الأخرى كان يحمل سماعة ضخمة، جعلت آيوب يترك الطعام ويهرع له في صدمةٍ:
_أيه ده!!
اجابه بسعادة مضحكة:
_السماعات بتاعتي، عارف ان الشيخ مهران عاملك صوان عزا مش فرح، فعندي نية بعد الحنة نيجي نهيص هنا أنا وانت والخواجة والشباب كلهم، وأهو لا الشيخ مهران هيكون موجود ولا هيكون في بنات يعني كله في السليم.
تحمس سيف لما قاله، بينما تمتم آيوب بقلق:
_إعقل يا إيثان، الشيخ مهران لو شم خبر هيبلغ عننا واحد واحد، وبدل ما أدخل دنيا هتزف لأبو زعبل!
انحنى تجاه السماعات يصلها بهاتفه وهو يشير له بعدم مبالاة:
_أنت هنا بأمان يالا، متخفش طول ما أنت في بيتي.
وتابع وهو يجذب هاتفه بضحكة خبيثة أثارت حافظة سيف وآيوب:
_ودلوقتي اسمع الاغنية دي هتقع من الضحك.
قالها وهو يحرر اصوات لشباب يغنون بشكلٍ شعبي، فتمايل إيثان وهو يردد بمرحٍ
«إسمع مني هقول أيه هتسمع زرط السنين،
وأنا طالع ع المواسير، شوفت الفيل وحمار بيطير
أبويا عور الانجليز، وهو راكب على المعايز
دا أنا أعوم في البحر ولا اتبلش، كلامي صح ومش ألش
دا أنا وأنا ساكت بتلكم، والناس مني بتتعلم
انا في البرد بعوم في النيل، لابس نضارة بالليل
أنا شعري سرحتو برجلي، وكونت برقص وانا بجري
أبويا حارب الهكسوس، وهو راكب على النموس
أبويا راقص ماردونا، في حته قد البلكونة
طب انا كداب لا لا، طب أنا فشار لا لا وضحكت عليكو!!»
سقط سيف من شدة الضحك، بينما يتابع إيثان وهو يثني يديه بحركات شعبية أبهرت كلاهما:
«أنا شوفت النملة شايلة الفيل، والعربية كانت بتطير
شوفت نموسة شايلة جموسة، وعدت بيها من تحت الباب.
شوفت القطة جالها زغطة وراحت أوم شربت عناب، لابس ع البدلة كاب، وفي رجلي لابس أوباب، والأسد مسكوا في أيدي والكل عاملي حساب، وعزمت أنا عندي الفأر، قولت له من الجبنة إختار
وعملت البذر عصير، وعزمت عليه العصافير
طب أنا كداب؟؟؟
قطع سيف ضحكته وقال وهو يهز جسده بفوضوية:
_لا لا
عاد إيثان يردد:
_ طب أنا فشار؟؟؟
رد سيف وقد أحمر وجهه من شدة الضحك:
_ لا لا
صاح إيثان:
_وضحكت عليكواا
عندي جزيرة في لبنان، طولها لحد اليابان
عامل جوه أوضة نومي مول ومصانع للدخان،
بمشي لوحدي في الغابة، بفطر خرتيت وديابة
عامل أنا كورة بهدومي حاشي مخدتي بسحابه .
بجري وف أيدي سجارة، وفي بيتنا راكب طيارة
دكتور عزمني في فرحوا كان عامله تحت العمارة
راضع شاي العروسة، فطموني بكيلو بسبوسة
مولود أكبر من جدي، وزرافة في بيتي محبوسة!
طب انا كداب؟؟؟
صعد سيف فوق الاريكة، وأخذ يتمايل هاتفًا:
_ لا لا
صعد إيثان على الاريكة المقابلة له وصرخ:
_طب أنا فشار
سيف يدندن:
_ لا لا
ضحك إيثان وهتف:
«وضحكت عليكوا
وأطلع شبرا بطيارة، وأروح لندن بحمارة
ولابس في رجلي ساعة، ومصاحب الولاعة
وبروح عند النجار، إحلق شعري بمنشار
أنفخ بلونة برجلي، لالعب كوتشينة بودني
ومربي في بيتي تنين، شربه المخصوص بتدين
وفي مرة ماشي وبتمشى علي السحابة ريح أتعشا
فجاة لاقيت صاحبي بيناديني، غابة واقفة بتلاغيني، باكل بلاستيك بالفطيس، بلعب جيم في أتوبيس يبقى أنا كداب؟؟؟؟
صاح سيف وهو يصفق ويتمايل:
_ لا لا .
راقبهما آيوب بصدمة من افعالهما الصبيانية، وصرخ فيهما بغضبٍ:
_إنزل يا تافه منك له.
وسحب الوسادة يلقيها بوجه إيثان مشيرًا على باب المنزل:
_غور على بيتكم يا فشار!!
خرج إيثان وهو يطوقه بنظرة مستهزأة، وعاد يطل من الباب فجأة يتطلع تجاه سيف ويصيح وهو يحرك رأسه يسارًا ويمينًا:
_يبقى أنا فشــــــــــــــار؟؟؟
رد سيف ضاحكًا:
_لا آيوب اللي فشار مش إنت يا إيثو!
منحه قبلة في الهواء وغادر، فصفق آيوب الباب بعنفٍ واستدار يقابل رفيقه بنظراتٍ نارية، محتجًا بحديثه:
_من أمته وصلة المحن والمحبة دي يا حقنة؟
ضحك بملء ما فيه، وقال بسخريةٍ:
_سبحان مقلوب القلوب يا أخي!
******
تخفى الليل بظلامه القابض، وأشرقت الشمس بضيائها الذهبي، لتعلن عن اشراقة صباح يومًا جديدًا، حيث أُضاءت امتلأ منزل الشيخ مهران بالضيافة، وعلى رأسهم "مصطفى" الذي حضر برفقة "آدهم" و"شمس" التي لازمت "سدن" و"خديجة"منذ الصباح.
عادت "فريدة" إلى القصر بسيارة أحمد، واهتمت مايا بحمل الصغيرة بسيارة عُمران، بعد أن صرح لها يوسف بالخروج بعد فحصها.
وبالمساء كان منزل الشيخ مهران وجهة اجتماع الجميع، حيث خصص لرجال خيمة فخمة أسفل المنزل، وللنساء أعد لهم مجلس داخلي بشقة الشيخ مهران، حيث كانت تجلس "سدن" بالردهة الواسعة لباحة المنزل، ترتدي فستانًا وردي اللون، من الستان، ويعلوه خمار فضفاض يخفي منتصف جسدها العلوي، وأعلاه تزينت بتاج من الورود البيضاء، وقد برعت "شمس" بصنع زينة بسيطة لها.
بينما بالأسفل.
كان "آيوب" محاط بالشباب، الحفل كان بسيطًا متواضعًا، لا يسمع لصوت شيء سوى التهاني والمباركات، وجبات الطعام توزع من قبل "إيثان" و"يُونس" ويشاركهما "سيف" الذي تحمل المسؤولية وكأنه يزف أخيه اليوم، ومن خلفهم تعاون "آدهم" و"عُمران" بتوزيع العصائر والمشروبات على الشباب والجميع، ثم انضموا للجلسة من جديد، ومازال إيثان يغمز لهم بخطتهم بالاحتفال بالاعلى بعيدًا عن تلك الاجواء التي يراها مملة!
******
تسللت الفتيات لاعلى سطح منزل الشيخ مهران، حتى يراقبن الشباب، ظنًا من أنهم سيقدمون عرضًا راقصًا مثلما إعتدوا بحفل زفاف شمس، فلقد أدوا رقصة خرجت بشكلٍ أبهر الجميع وباتت معلقة بالأذهان وقتها.
كسى الوجوم الوجوه، وإذا شمس تنطق بضجرٍ:
_مفيش رقص ولا حتى أي music!
ردت عليها صبا بمللٍ:
_طلعنا على الفاضي.
قالت ليلى مبتسمة:
_بالعكس الجو هنا رائع، خلونا نقعد هنا شوية.
جمعت خديجة وكريستينا خطيبة إيثان، الكثير من المقاعد الخشبية، ووضعوها بالغرفة التي يعلوها برج الحمام الخاص بإيثان، وجلسوا في حلقة دائرية حول "سدن"، التي تلتقط عدد من الصور برفقة شمس ومايا.
قطعت زينب الاجواء قائلة بانزعاجٍ:
_بقولكم أيه ما تيجوا نشغل الموبايل على مهرجان كده ونهز شوية بعد أكلة المحاشي اللي قومنا بيها تحت دي.
سقطت الفتيات ضحكًا، بينما لكزتها فاطمة بغضب:
_اش نشطحو انتي حماقيتي،ولا هبطتي من دارك هازة معاكي كل حاجة الا عقلك نستيه تماك!
(نهز أيه انتي اتجننتي، ولا نزلتي من بيتك شايلة كل حاجه معاكي الا عقلك!!)
أجابتها زينب وقد أثارت لهجتهم انتباه واهتمام الفتيات:
_انا اشنو درت لهادشي كله،انا لقيت الدنيا مملة قولت نبلبلو الاجواء،انتي عارفة لو كانت هاد الحنة عندنا كن راه احنا دابا جالسين كنقشو الحنة ماشي جالسين كنتشاوفو في بعضياتنا
(أنا عملت ايه لكل ده، الدنيا مملة فبحاول أفك الأجواء، عارفة الحنة دي لو عندنا كان زمانا زايطين في رسم الحنة المغربي، مش قاعدين نتأمل في سحنة بعض!)
قطعت مايا صدمتها المشتركة مع الفتيات وقالت:
_حنة مغربية الحمد لله فهمت جملة!
اعتدلت سدن بجلستها وتساءلت ببراءة:
_يعني أيه حن مغاربي!
ردت عليها شمس مبتسمة:
_دي حنة يا سدن بتترسم على الجسم زي التاتو أو الوشم كده.
اتسعت ابتسامتها ونطقت بحماس:
_مش حرام سدن تحطه؟
أجابتها صبا بهدوء:
_لا طبعًا مش حرام، دي حنة متقلقيش منها.
رفعت يديها لزينب وقالت بلهفة:
_أنا عاوز يعمل من ده زينب.
شملتها بنظرة مشاكسة وقالت:
_العروسة عايزة تدلع العريس.
لكزتها فاطمة وهي تمنحها نظرة محذرة، قائلة:
_هتكسفي البنت!
قالت مايا مبتسمة بمحبة لها:
_هنخليها تعملك أحلى تاتو يا سدن متقلقيش زينب شاطرة ولهلوبه، هتعملك وهتعملي صح يا زوزو.
كادت أن تجيبها، فقالت شمس:
_وانا يا زينب نفسي أجرب الحنة المغربي بليز.
ورددت صبا بحياء:
_وأنا كمان لو مش هتعبك يا دكتورة.
صاحت ليلى هي الاخرى:
_بت يا زينب لو عملتي ليهم من غيري انا وخديجة وكرستين هنقيم عليكي الحد.
هتفت كرستين بحماس هي الاخرى وهي تسلط الهاتف لهم:
_بصوا لما بحثت عنها على الانترنت طلعلي أيه، الاشكال خرافية، بس يا ترى زينب هتقدر تنفذ الاشكال دي؟
شمرت زينب كم فستانها الفضفاض وقالت في سرور:
_هقدر ونص يا كوكي، مهو أنا معايا عامل هيساعدني في النقاشة دي، بس العامل ده هيتكاسل عن مساعدة الصنايعي.
قالتها واتجهت ببصرها لشقيقتها، فرددت فاطمة بخجل:
_هي اللي خبرة فيها أنا على بسيط كده، بس عشان عيونكم مفيش مانع أحاول!
تحمست الفتيات للفكرة، فأتاتهم زينب تخبرهن:
_بس في مشكلة تانية، لازم أنزل بنفسي اشتري الحاجات اللي هنحتاجها،ومش هنعرف نعمل الكلام ده الا بعد ما الحنة تخلص والمعازيم تمشي،عشان اعرف أرسم للعروسة على جسمها، عايزة أظبطها وأظبطكم.
حل الصمت بينهن مجددًا، بالفعل لن يتمكنوا من خلع ثيابهم وحجابهم بوجود أحد بالمنزل، فقطعت خديجة الصمت قائلة:
_بسيطة بعد الحنة ما تخلص نطلع عندي في الشقة ونعمل اللي عايزينه.
ردت فاطمة بعقلانية:
_هو كده احسن بس بردو هنتاخر جدًا والحنة بتأخد وقت عما تنشف أصلًا.
قالت سدن بابتسامتها الساحرة:
_قضوا اليوم مع سدن وخديجا، أنا مش عندي family تشارك معايا في فرح سدن، هكون سعيد إن انت كلها يقعدوا معايا.
قالت صبا:
_كلنا إخواتك يا روح قلبي، متقوليش كده تاني.
نطقت مايا بعد تفكير:
_بصي أنا أخر السهرة هكلم عُمران وأستأذنه أفضل معاكي لبكره، وانتوا كمان اعملوا كده، أعتقد محدش هيرفض فيهم.
هزت ليلى رأسها وقالت:
_خلاص اتفقنا، هبعت ليوسف وهقوله.
ردت شمس بغرور مرح:
_آدهم كده كده هيوافق.
اضافت زينب:
_كده كده سيف بايت مع آيوب فمش هيقول حاجه.
واتجهوا بأبصارهن لكرستين التي قالت:
_إيثان بردو هيوافق، بيت الشيخ مهران أكتر مكان بيثق عليا فيه.
اتجهت الاعين لصبا، فقالت:
_هكلم ماما أشرقت الاول استأذنها لان عُمران معاها فمش عارفة هيسكت معاها ولا لا.
ردت مايا برقة:
_أكيد مش هيسكت يا صبا، خلي البشمهندس جمال يجبهولك عادي، المهم انه هو بس يوافق.
قالت خديجة:
_أوضة فارس مليانه ألعاب هيلعب معاه وهيتسلوا مع بعض.
ابتسمت فاطمة وقالت:
_حليتوا كل المشاكل بسرعة البرق!!
وكأن جملة البرق تلفظت لتضرب السماء التي أصابها الرعد، فأصابها ببريق لامعًا، بينما تنهمر المياه بغزارةٍ على الأسطح، ومن بينهم سطح منزل الشيخ "مهران"، فتحوا باب الغرفة. وكانت "خديجة" أول من طلت من الداخل، تردد باستغراب:
_الجو مكنش مغمي يعني!
وقفت "صبا" جوارها تراقب الامطار الغزيرة هاتفة بدهشةٍ:
_سبحان الله النهاردة الجو كان جميل ومش برد!
زمت "سدن" شفتيها بحزنٍ:
_ليه تمطر في حنة بتاعي!
وأضافت:
_شكل ليلة بتاعي باظ!
ضحكت شمس وهتفت بمرحٍ:
_بالعكس دي شكلها هتحلو.
لكزتها مايا بتحذير:
_بدل ما تعقلي سلفتك هتتجني ولا أيه؟
ضحكت زينب وقالت بمشاكسة:
_وماله لما نتجن، على الاقل احنا على السطوح، هنقول مثلا ملحقناش نجري، وكده كده إحنا بايتين هنا!
صاحت فاطمة بغضب:
_بس يا زينب بطلي هبل!
هتفت ليلى بضجر:
_يوووه هو انتوا لسه هتتخانقوا، أنا عن نفسي حابة أخوض التجربة وأحكم بنفسي.
قالتلها وهي تخرج للمساحة المكشوفة، فغمرتها المياه من فوقها، رفرفت بيديها وأشارت لهن:
_هيفوتكوا نص عمركم عندكم بجد.
كانت شمس أول من لحق بها، ولحقت بها زينب وخديجة، وركضت سدن وكرستين إليهن، وما كان على صبا ومايا الا أن تتبعهن بينما بقيت فاطمة تراقبهن بصدمة تعلو ملامحها.
تعالت ضحكاتهن باستمتاع، فتشابكت كلا منهم بيد الاخرى وأخذت تدور بها بحلقات دائرية بينما تتفاوت حبات المطر بقوتها، وما ان ارهقهم الدوار جلسوا أرضًا على الرخام يعبثون بالمياه، فرددت مايا بمزح:
_زمان خيمة الرجالة غرقت تحت.
لكزت خديجة سدن بمشاكسة:
_العروسة قدمها وش خير، دي ممطرتش كده طول الشتا!
اقترحت صبا عليهن:
_ما تيجوا نقوم من على الارض ونقعد على الكنبة دي أحسن.
مررت شمس يدها على ذراعها، وقالت:
_فكرتكم لطيفة وحلوة بس أنا بردانه!
تسلل لمسمعهم جميعًا صوت سحاب يفتح، استدرن للخلف لتتفاجئ كلا منهن بزوجها من خلفها يحاوطها بجاكيته الجلدي، بينما من خلفهما يقف علي جوار زوجته قائلًا بخبث:
_حبيبي العاقل آنت!
توزع اعينهن بين بعضهن والأيدي الممدودة لسحبهم برعبٍ سرى إليهن حينما قال عُمران بسخرية:
_لا وإحنا اللي طالعين جري نأمن طريق نزولهم
لتحت، طلعوا قالبنها رأس البر!
ردت عليه سدن وقد تركت آيوب يحاوطها بجاكيت بذلته:
_ كله كويس مش تخافي علينا!
جحظت عيني آيوب صدمة، بينما كبت باقي الشباب ضحكاتهم بصعوبة لم تمتلكها الفتيات وتعالى عنهن صوت ضحكاتهن على ما تفوهت به بحق الطاووس الوقح، الذي مال لآيوب يهمس له من بين اصطكاك اسنانه:
_متخلهاش تكلمني عربي تاني بدل ما أندمها على اليوم اللي رجلها خطت فيه مصر، سامعني يابن الشيخ مهران؟
ابتلع آيوب ريقه بذعرٍ مضحك، ومال يجذب آدهم يدفعه صوب عُمران الغاضب وهو يخبره:
_قوله إني جاهز أطلق وفوري.
لكمته سدن بصدمة:
_تطلقي مين آيوب، أنتي عاوز تبعدي عن سدن عشان المتوحش دي!
جذب الجاكت عن كتفها ووضعه فوق راسها هادرًا:
_إقفلي بوقك الله يرضي عليكي، عاوز أخش بيكي دنيا، وإنتي ناوية تخرجيني من على العتبة بدري بدري!
امتزج الضحك بينهم، وقد هبط الشباب للاسفل، تاركين لهم المساحة للهبوط لشقة خديجة، بعدما أخبرت كلًا منهن زوجها برغبتها بقضاء اليوم برفقة سدن، لحاجتها لوجود العائلة والصديقات التي حرمت من وجودهم حولها.
ولجت الفتيات لشقة خديجة وغادر الشباب لشقة عُمران، باستثناء آيوب الذي عاون "مصطفى" على الصعود برفقة الشبخ مهران الذي أصر أن يبيت في منزله رفقته بهذا اليوم، فانحنى يقبل يده حينما أدخله لغرفة أبيه، مرر "مصطفى" يده على خصلاته بحب وفرحته تفسرها دموع عينيه، وصوته القاتم:
_مبروك يا آيوب، ربنا يكرمك بالذرية الصالحة يا حبيبي.
منحه ابتسامة تشكل فيها حبه الخالص له، بعدما تمكن مصطفى بالفترة الاخيرة من التقرب منه، ومع حفاظه على وعده الذي قطعه له زاد من حب واحترام آيوب له، فلقد كان يحترم أن المكانة الاولى، تخص الحاجة رقية والشيخ مهران، ولم يضع ذاته يومًا بمواجهة معه، بل كان يضع ذاته بعدهما، وقد تقرب بذلك إليه.
قبل كفيه ويعلو مقبلًا جبينه:
_الله يبارك فيك يا حبيبي، متتصورش أنا سعيد بوجودك هنا أوي، وكان نفسي أبات معاك، بس للاسف إيثان محضر لحفلة شبابي وواخدني حجز لبكره الصبح.
ضحك حتى أحمر وجهه، وقال بحنان:
_لا يا حبيبي روح وانبسط معاهم، ده الليلة ليلتك يا عريس.
وأضاف بحكمة:
_أنا والشيخ مهران بنعرف نندمج مع بعض، يلا روح لاصحابك بقى وفارقنا خليني اعرف أفضفض مع الشيخ شوية.
تعالت ضحكاته الجاذبة، ونهض يرفع يديه بمرح:
_أنا خالع أهو، هسيبكم في مجلسكم الهادي ده.
وأتجه ليخرج من الشقة، فوجد أبيه يطالعه بابتسامة فخر وسعادة، وبدون مقدمات اختطفه بين ذراعيه بحنانٍ:
_مبروك يا عريس.
مال يقبل يكفه ورأسه بامتنانٍ وحب:
_الله يبارك فيك يا بابا، ولا زي ما بتحبني أقولك يا عم الشيخ.
هز رأسه وقال ببشاشة:
_اللي تحب تناديني بيه ناديني، النهاردة يوم دلعك يا حبة قلبي.
صاح باطراء مستمتعًا:
_الله الله أخدنا الدلع والمزاج العالي من الحاجة رقية، دي هتعمل مني صوابع كفتة برز، دي نايمة جوه بالمطبخ بتجهزها من ساعة ما المعازيم مشوا.
تحررت ضحكاته ومال يهمس له بمزح:
_هبعتلك طبق محمر مع فارس لما تنام.
جحظت عينيه في صدمة مضحكة:
_هتسرق عشاني يا شيخ مهران؟
شاركه الضحك وقال بمزحٍ:
_سرقة الزوجة للزوج حلال والعكس صحيح، مدام لصالح إرضاء الابناء، وإنت ابني الوحيد.
عاد يقبل كلتا يديه ورأسه، فمسح على رأسه وقال:
_يلا روح لاصحابك ميصحش تسيب ضيوفك كده.
أومأ له بخفة وغادر إلى شقة عُمران، وما أن فتح بابها حتى تسمر محله صدمة ودهشته تزداد أضعافًا مما يراه، بينما يردد لسانه بعجزٍ لما يستمع إليه من تلوثٍ كاد أن يصيبه بالاغماء:
_أسيح الزبدة!!!!! إيثان يا حقيـ.....
................. يتبع........
#القادم_دمه_خفيف 🙈
#الخاتمات_بقوة_البدايات.
#ترقبـــــــــــــــــــــــــــــوا.
********_____________*********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 145 - بقلم آية محمد رفعت
#صـرخات_أنثـى....(#عـــودة_الطـاووس!..)
#الفصل_الـ112.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات فاطمه جابر، هبه البرومى، فريال صبري، ميمي ابراهيم، علا حاتم، أمنية محمد، اماني سعد، شرين, ياسر بوتاجاز، شروق عماد، israa badr, eslam awad,Nada Mohamed ـ Mody Ktamesh -
Heba Ayman -
SHimaa Darder ـ
أسماء وليد، حنين حسن_ أميرة محمد بمناسبة عيد ميلادها ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
صعق "آيوب" حينما انبلجت الصورة من أمامه كاملة، "إيثان" يراقص "سيف" الذي خلقت بينهما محبة فجأة، ولجوارهما يتمايل "يونس" رفقة "جمال" ، أما على الأريكة الخشبية يجلس "علي" ولجواره "يوسف" وكلاهما يتابعان ما يحدث بين الشباب بدهشةٍ تشاركها معهما "آيوب"، وأزداد لمركبهم الطاووس الذي انهى إتصاله للتو مع" حسام" السكرتير الخاص بمكتبه، وولج للداخل، فعقد حاجبيه بسخرية خبيثة، اختلج عنها بنبرته التي فرقت الجماعات:
_هو انتوا كده أخركم المهرجنات التافهة اللي زيكم!
ركض "سيف" يغلق الهاتف المتصل بالسماعات، وهو يردد بتذمرٍ:
_بنحاول نحتفل بالعريس.
استند على مقدمة المقعد بيديه، واجابه ساخرًا:
_واضح أن احتفالكم نال كامل إعجابه لدرجة أنه لزق مكانه ومش قادر يتحرك.
انتقل برماديتاه صوب "جمال"، قيمه بنظرة ساخرة قبل أن تطول حديثه:
_دراسة في لندن كل السنين دي، وأخرتها بترقص على شوح الكبدة يا عبحليم!!!
استدار يرتب قميصه الأبيض داخل بنطاله، متهربًا من لسان الطاووس الوقح، بينما يجيبه يونس:
_مش إحنا يا بشمهندس والله، ده إيثان اللي مصمم نشوح الكبدة معاه!!
سحب بصره للمتهم الذي أشارت كافة الأدلة إليه، فزم شفتيه ساخطًا وهدر بصوتٍ منخفض ولكنه كان مسموعًا:
_هيعملنا فيها خواجة بقى.
ورفع من نبرته بعدك مبالاة:
_أنا مبعرفش أفرح الا كده، صاحبي دخلته بكره وفرحان بيه أيه الإشكال هنا!!
استقام بوقفته يطالعه بثباتٍ، ويده تشير على الأريكة القابع عليها "علي":
_يعني عشان سيادتك تفرح تجيب لأخويا تلوث سمعي!!
اتجهت الأعين جمعيها إليه، فابتسم وقال وهو يعدل نظارته الطبية:
_أنا تمام جدًا، إتفضل يا إيثان كمل إحتفالك.
قاطع يوسف حديثه بانزعاج:
_يكمل أيه يا علي، ده أفسد أخلاق دكتور سيف، أنا مش مصدق أن ده أخويا اللي تعبت عليه ليل نهار عشان يكمل تعليمه ويبقى دكتور محترم، أخرتها بيحط مش عارف أيه ده في الزبدة يا علي!!!!!!
لوي"إيثان" شفتيه بتهكمٍ:
_متعرضهوش يا دكترة منك ليه.
تحرك "آيوب" عن محله الصامت، وأتخذ من جاكيت إيثان مأوى ليده المتعصبة، صارخًا فيه من بين أسنانه بغيظٍ:
_إنت عايز أيه يا إيثان، عايز تعرنا قدام دكتور علي، ودكتور يوسف، الناس دي راقية جدًا ومش شبهنا، أبوس إيدك تلم المصمت اللي فتحته ده!!
وأشار ليونس يطالبه بالدعم:
_تعالى يا يونس لم صاحبك.
إلتقط يونس زجاجة المياه من جمال، وقبل أن يتجرعه قال:
_معرفهوش!
اعتلاه الغضب من تخليه عن مسؤوليته، فاستدار تجاه منقذه الوحيد، الذي يطالعه ببسمة ماكرة، وكأنه كان يتوقع طلبه للدعم، وأتاه حينما مال يشير بيديه، يفسح له الساحة:
_طلعتك يا طاووس، إتفضل.
بقى "عُمران" محله ونظرته الخبيثة تقيم إيثان من الأسفل للأعلى، فارتبك قبالته، وأحاط صدره بيديه في حركة درامية أحاطت حديثه المرح:
_هتعمل أيه بعد البصة دي!!!
سقط جمال ضاحكًا، حتى يوسف كاد بالسقوط عن الأريكة من الضحك، بينما يكسر خشونة صوت عُمران الضحك:
_معلم يونس.
أسرع يونس إليه ضاحكًا، وبتسلية قال بنبرة شعبية تواكب نبرة عُمران الشعبية:
_أومرني يا خواجة.
قال ومازال يتطلع تجاه إيثان المترقب لما سيفعله به:
_مفيش مكان هنا بيبيع كبدة درجة أولى.
علم ما يدبره عُمران لرفيقه، وصاح بحماس:
_أعرف طبعًا.
عاد يحدد له ما يريد:
_نية، عايزاها نية يا معلم!
صدر عنه ضحكة مسموعه وقد تبين له الصورة كاملة:
_عنيا حاضر، هنزل حالًا اجبلك أحلى كبدة، كده كده الشيخ مهران هيضحي كمان ربع ساعة عشان الفرح، ألحق الكبدة وهي طازة بقى.
قالها وأنطلق، بينما ازدرد إيثان ريقه بارتباكٍ، وصاح:
_عايز أيه من الكبدة النية يا خواجة، لا لو فاكر أني لقمة سهلة تبقي متعرفنيش.
ضحك آيوب وقال بشماتة:
_هو تقريبًا حس إنك بتتوحم على الكبدة فقال يجبهالك، بس السؤال هنا هتأكلها نية ولا هتسويها يا إيثو.
أحاط عُمران كتف آيوب وقال بغمزة:
_لا طبعًا هيسويها وإحنا عشان بنحبه هنأكل معاه كلنا.
واضاف وهو يتطلع لايثان الذي أختمر وجهه من شدة الغضب:
_ها يا إيثو هتأخد وقت أد أيه لحد ما تشوح الكبدة وتحط الزبدة؟!!
استدار للخلف، يستعين بأخيه قائلًا:
_عجبك كده يا دكتور علي، أخوك بيتمسخر بيا!
ترددت ضحكات علي ولجواره يوسف، فتخطى عُمران آيوب ووقف قبالة إيثان يردد ببسمة ساخرة:
_بتشكيني لولي أمري!! قولتلك قبل كده أنا متربتش فريح نفسك وإدخل حط الطاسة على البوتجاز.
رفع اصبعيه للاعلى وقال بغيظٍ:
_حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا على المفتري الظالم.
قالها وانطلق على المطبخ، بينما يهدر جمال ضاحكًا:
_الواد ده عنده وحدة وطنية عالية أوي!
نطق سيف أخيرًا من بينهم وهو ينهض من جوار أخيه:
_حرام عليكم كبدة أيه اللي هيقف يعملها دلوقتي، أنا هروح أساعده وخليكم قاعدين كده.
جحظت عيني آيوب صدمة، ومن جواره يوسف، الذي نطق بصعوبة:
_الواطي ده عمره ما غسل طبق ولا عمل لنفسه كوباية شاي حتى!!! هو في أيــه؟؟
رد عليه علي وهو يربت على كتفه المشدود:
_الظاهر أنه وأخيرًا قرر يعتمد على نفسه يا دكتور يوسف!
أجابه باستهزاء:
_ولما قرر القرار المصيري ده جاي يقرره هنا!!
إزدادت ضحكات علي بشكلٍ جعل عُمران يتابعه بسعادة، بينما يقاطعهم آيوب متسائلًا بدهشةٍ:
_آدهم فيــــــن؟!!!!
********
بزقاق شوارع حارة الشيخ مهران، كان يستند على مقدمة سيارته، يعبث بهاتفه وملامحه مطعمة بالانزعاج والضيق لما إنجبر قسرًا لفعله، وها قد تمت مهمته على أكمل وجه، حينما توقفت قبالته آحدى السيارات السوداء، وهبط منها ذلك الشاب يهرول إليه، وبكل حماس يؤدي تحيته العسكرية قبالة رئيسه.
إلتفت آدهم من حوله، وهو يهدر بصرامة:
_نزل إيدك بسرعة مش ناقصة فضايح الله يكرمك.
إنصاع له الشاب وقد أخفض يده، قائلًا بنبرته الرسمية التي أعتاد عليها تحت قيادته:
_جبت المطلوب وكله تمام يا باشا.
تشربت بشرته حرجًا لما وضع به، فتنحنح بخشونة قائلًا:
_تمام يا محمود، بعتذر لو أزعجتك في الوقت ده.
رد في حبورٍ ومازال يقف بآلية تامة قبالته:
_أنا تحت أمرك في أي وقت يا عمر باشا، تحب حضرتك أدخل الحاجة اللي معايا جوه.
أسرع بإيجابته:
_لا أنا هخدها منك، وإرجع إنت.
وأبرز تحذيراته بقليل من الصرامة المفقودة:
_وأتمنى الموضوع ده يفضل بينا، مرحش الصبح ألقى الجهاز كله عارف بطلبي الغريب ده.
منع الشاب ضحكته بالظهور، وقال بنفس الثبات وكأنه يقدم تحيته العسكرية على الملأ:
_اطمن يا باشا، وألف مبروك لأخو حضرتك ربنا يتمم عليه بخير.
منحه ابتسامة جذابة، وقال بلباقةٍ:
_تسلم يا محمود، عقبالك.
فتح آدهم باب سيارته وحمل الأكياس البلاستيكة التي يحملها الشاب، ثم غادر عائدًا لوجهته مرة أخرى، وهاتفه على أذنه يهتف بنزقٍ:
_طلبات جنابك كلها اكتملت!
****
صفقت بيديها بعدما ألقت الهاتف بحماسٍ، وبتفاخرٍ قالت للفتيات:
_آدهم لاقى نوع الحنة اللي عايزنها، عشان تصدقوني لما قولتلكم إنه الوحيد اللي هيجبلنا كل اللي عايزنه.
أثنت زينب عليها قائلة:
_جدعة يا بت، أنا كنت هزعل أوي لو اتجبرنا نعمل بالحنة المنيلة اللي جابها فارس دي.
ضحكت خديجة ومالت تطبع قبلة على خد ابنها، قائلة:
_الراجل حاول يخدم يبقى ده جزاته!
مالت مايا تتلقفه من يدي والدته، وضمته تقبله في حنانٍ ولين:
_سيبك منها يا فارس، أنت شهم وراجل كفايا أنك عرضت مساعدتك.
أضافت فاطمة وهي تمرر يدها على خصلات شعره الطويل:
_القمر ده تعبان معانا لف من ساعتها، ربنا يباركلك فيه يا خديجة.
قاطعتهن شمس التي جذبت حجابها تعقده جيدًا:
_انا هنزل أجيب من آدهم الحاجة وجاية.
أسرعت من خلفها سدن تهتف بحماس:
_أنا يروح معاك شمس، عاوز شوف حنى.
ضحكت الفتيات على حديثها، ورددت صبا بمرح:
_والله سدن دي زي السكر.
أخبرت ليلى شمس:
_خديها معاكي يا شمس بس الاحسن متطلعوش من البيت، اقفي تحت وخديهم منه.
هزت شمس رأسها بخفة، ثم سحبت كف سدن وهبطوا معًا للاسفل.
راقب آدهم مدخل منزل الشيخ مهران بتأففٍ، فاستند بجسده على مقدمة سيارته مجددًا، حتى أتاه صوتًا ينادي:
_عمـــــــــر!!!!
أغلق عينيه بانزعاجٍ وضيق من الموقف الذي وضع فيه برمته، وباتزانٍ مفاجئ إستعاد هيبته المفقودة، ورفع رأسه تجاه محل صدور الصوت، حيث وجد أبيه يجلس بالشرفة قبالة الشيخ مهران، ويحمل بيده كوبًا من الشاي، واليد الاخرى التسالي، فكسر حالة الصمت والترقب بسؤاله المتوقع من "مصطفى":
_أنت سايب أخوك وبتعمل أيه هنا؟
بدى كأنه تائهًا ، يحاول الوصول لبرٍ آمن، فقال:
_جيت أطمن على حضرتك لو محتاج حاجة.
ابتسم الشيخ مهران وقد لمح شمس تشير لآدهم أمام باب المنزل، وقد لاحظ أبيه ذلك، فقال ساخطًا:
_تطمن عليا أنا بردو!!
واشار للشيخ مهران مستطردًا:
_إبقى إديله خطبة عن الكذب، وأكد عليه إن نهايته النار.
اتسعت ابتسامة الشيخ حتى برزت أسنانه البيضاء، وقال:
_حضرة الظابط مكدبش يا مصطفى، جاي يطمن عليك وعلى أهل بيته.
وأضاف ومازالت ابتسامته البشوشة تزين وجهه:
_متقلقش يابني البيت أمان هو وسكانه، إديك اطمنت على والدك إطمن على الجماعة وإرجع لصحابك.
أشار له آدهم بامتنانٍ، وخاصة بعد أن قطع المعركة التي كانت بدايتها لأبيه، فأسرع بما يحمله تجاه محل وقوف" شمس"، وعينيه تجتاحها عاصفة رعدية، انصهرت فور أن رأى السعادة تلمع بمُقلتيها، حماسها جعله يبتسم ببساطةٍ وكأنها استمدت عنه كل الضيق والسخط، فتمنى لو تبقى يتأملها لاخر لحظة بحياته!
لطالما كان يتمنى من الله أن يودع دنياه شهيدًا، وهو يدافع عن وطنه، ويحمل أمنية آخرى أن تكون هي أخر من يراه.
أفاق "آدهم" على صوتها الرقيق:
_كنت عارفة إنك هتعرف تتصرف ، ما أنا جوزي مش أي حد بردو.
وإلتفتت تجاه "سدن"، تريها ما وضع بالأكياس:
_بصي يا سدن، الأشكال اللي جابها تحفة ورقيقة مووت.
حملت منها النقوش التي شكلت على شكل عقد من الزهور، ونقوش متعددة منها، فرددت بانبهار:
_ده حلو أوي أوي، شكرًا كتير آدهم.
إنتبه لوجود زوجة أخيه، فاستعاد صوته الغائب عنه:
_العفو، لو احتاجتوا حاجة تانية إبعتولي مسدج.
ناولت شمس الاغراض بأكملها إليها، وقالت بنبرة حويطة:
_خدي الحاجة وإطلعي وريها لزينب وأنا شوية وهحصلك.
حملت الاكياس وهي تبتسم ساخرة منها:
_إنت بتوزع سدن عشان تتكلمي كلام سر مع آدهم، قولي عاوز أتكلم معاها وأنا هطلع.
ردد باستنكارٍ:
_معاها!!
تحلى ببسمة زائفة وهو يخبرها:
_أنا بقول تعملي بنصيحة عُمران وتتكلمي معانا بالانجليزي أهون من ضياع نص الهيبة دي.
تساءلت شمس بصوتٍ منخفض:
_والنص التاني ضاع في أيه!!
أجابها والغيظ يتنافر مع هدوئه المخادع:
_مع وصول أوردر الحنة بتاع جنابك!
غردت ضحكتها بصوتٍ أخلج قلبه بينما تشاكسه:
_الشرطة في خدمة الشعب يا حضرة الظابط، ما بالك بقى بزوجة مقدم له قدره ووزنه في الجهاز!!
مال بكتفيه العريض على الحائط، فأصبح على مقربةٍ من طولها، هامسًا بصوتٍ مغري:
_من غير المقدمات الطويلة دي، أنا في خدمتك دايمًا شمس هانم.
تلاشت أمامه كأنها قد غادرت للتو ولم يتبقى سوى عبيرها، تتأمله بابتسامة ناعمة، وأصابعها تعبث بأطراف حجابها الطويل، تختطف نظرة عابرة سريعة من عينيه، وتعود لمستقرها أرضًا جوار بقعة حذائه الثمين بالتحديد، فاذا به يرفع ذقنها عاليًا، يمازحها بصوته الذكوري:
_هنتكسف لحد أمته! كلها كام شهر والباشا الصغير يشرفنا، فطمنيني هتأخدي عليا في الطفل الكام عشان أعمل حسابي بس!
تنافر عنها ملامح الخجل، وصرخت مستنكرة جملته:
_ليه هو حضرتك ناوي نجيب كام طفل؟
رفع عينيه لسقف المدخل بتفكيرٍ:
_أممم، خمسة ستة مثلًا!
أبعدت كفه عن ذقنها بنفورٍ، وكأنها لم تكن تلك ذابت فيه غرامًا منذ دقائق، على الأغلب تحمل إنفصام بالشخصية، وقبل أن تفكر في قولًا يُقال، أتاه هلاك موته مع رنين هاتفه، فرفع الهاتف مرددًا بضحكة مكبوتة لتوقيت إتصاله وكأنه ينصت لهما بجهاز لاسكي:
_البشمهندس عُمران سالم الغرباوي بيتصل بيا بذات نفسه!!
_ده يعرفك أنك مبقتش شخص عادي، غلاوتك زادت شوية يا حضرة الظابط.
وردد ساخرًا قبل أن يتحدث آدهم:
_أخوك بيعيط عايزك وملهوف عليك!! ، بصعوبة سكته وقولتله هكلم أخوك يجيلك حالًا يا حبيبي، وأهو بالمرة أنبهك إن الوقفة الكتير غلط على شمس، ولا فراقها عنك ببيت الشيخ مهران صحى مشاعر المراهقة المكبوتة عندك!!
إلتفت "آدهم" للخلف، وخرج للطريق المتوازي، فرأى "عُمران" يقف بشرفة شقته، ينتزع هاتفه عن أذنيه ويغمز له بخبثٍ جعل الاخير يبتسم، ويعود ليودع زوجته قائلًا:
_إطلعي للبنات قبل ما عُمران ينزل، فقدت الأمل أنه يتغير!
حملت طرف الاسدال بدلال، وبعنجهية قالت:
_مضايقك إني أبقى مسنودة من برنس عيلة الغرباوي، مش هقدر أطمنك، هفضل طول عمري على رأس قائمة اهتماماته، فحاول تتأقلم يا كابتن.
قالتها وإختفت من أمامه للطابق العلوي، فتحررت عنه ضحكة مسموعه، وإتجه لسيارته يقود للامام قليلًا، حتى صفها أمام مبنى "إيثان"
*******
انهمرت دموعه بغزارةٍ حتى أغرقت وجهه، ومن جواره يجلس "يونس" على رخامة المطبخ، يقدم له منديلًا ورقيًا بابتسامةٍ متشفية، يلتقطه "إيثان" منه بغيظٍ، يزيح دموعه ويلقي المنديل أرضًا جوار باقة المناديل المتناثرة أرضًا، حتى أنتهى من تقطيع كميات البصل بأكملها، وسكبها بالمقلاة، وما ان نضج حتى وضع قطع الكبدة.
مال عُمران على باب المطبخ يراقبه ببسمةٍ خبيثة:
_ها يا إيثو أخبار الكبدة أيه؟؟
لكم المعلقة بالمقلاة بحدة، وعينيه تلتهمه بعدائيةٍ شديدة، يود لو ألقى الوعاء الساخن بما يحمله بوجهه، ولكنه تماسك ليحقق غايته الخبيثة التي يريدها بحفل زفاف آيوب، فلزم الصمت حتى أنهى ما يفعله.
وضع "سيف" السلطات التي أنهاها بمعاونة جمال على السفرة البسيطة، ووزع آيوب الخبز ثم اتجه لعمران يسأله:
_آدهم قالك أيه؟
تأمله قليلًا، ثم ضحك:
_في أيه يا آيوب، أنت ليه محسسني إنك بيبي صغير منتظر رجوع مامته!! ما تسترجل شوية يا عريس!
احتقنت ملامح آيوب غيظًا، فغمز عُمران بسخرية:
_متعيطش يا حبيبي، ماما طالعه على السلم وحالًا هترن الجرس.
وما أن إنتهى من قوله حتى دق جرس الباب، فهرول آيوب مفتقدًا وجود آدهم جواره، فصاح بتذمر:
_كنت فين لحد دلوقتي يا آدهم؟!
ابتسم آدهم باستغرابٍ، حينما تأكد من صدق حديث عُمران فور رؤيته للهفة أخيه بحضوره، فأغلق الباب وإتجه برفقته للداخل:
_كنت بجيب حاجة لشمس.
وإتجه للردهة حيث محل جلوس "علي" و"يوسف"، جاور جلستهما حتى إنتهى الشباب من رص طاولة الطعام الصغيرة، فاجتمعوا من حولها يتناولون الطعام بجو من المرح والمزح، وخاصة حينما طرق فارس باب الشقة، وولج يحمل طبق من الطعام، قدمه لايوب قائلًا:
_الشيخ مهران بعتلك كفتة الرز المسروقة!
******
وقفت سدن أمام المرآة تتأمل إنعكاس نقش الحنة المغربي أعلى كتفها، حيث وشمت بالحنة إسم آيوب كاملًا باللغة الانجليزية، انبهرت بالرسم المتقن، وأبدت إعجابها:
_حلوة أوي أوي زينب، إسم آيوب طالعه حلوة أوي أوي، هو أنا ينفع أروح أوريهالها؟
تبادلت الفتيات النظرات بصدمة مما قالت، وفجأة انطلقت الضحكات تجلجل بينهن، وكانت كرستين أول من قالت:
_مينفعش طبعًا يا سدن، آيوب لو شافك كده هيقع من طوله، ده شاب خجول!!
مالت الفتيات على بعضهن من كثرة الضحك، وقد تحرر عن مايا:
_مستعجلة على أيه يا سدن، كل شيئًا هينكشف ويبان لوحده!!
لكزتها فاطمة بصدمة:
_بس يا مايا بتقولي أيه؟؟ عيب كده!
رفعت كتفيها ببراءة:
_أنا قولت غير الحقيقة!! هنغش الولية يعني!
اقتحمت شمس حديثهما قائلة:
_على فكرة سدن من الغرب، وبنات الغرب مفتحين جدًا، إحنا اللي كوتي أوي.
تصاعدت ضحكة صبا بقوةٍ، وهتفت ببشرة قد صبغها الحياء:
_مهو باين من قرارها المفاجئ إنها توريه!! أنا بقول بجملة السهرة الجميلة دي نعلمها تتعامل إزاي!
تركت زينب ما تحمله ونزعت القفازات قائلة بنزق:
_ما تسيبوا البت تتعامل بحريتها، دول صبروا صبر آيوب، خطوبة وجواز وجواز تاني والفرح كل شوية يتأجل، هتبقوا أنتوا والزمن عليهم!!!
ربتت خديجة على ساقها، ومنحتها كوب العصير قائلة:
_هدي أعصابك يا زوزو، وخدي اشربي العصير ده.
منحتها قبلة بالهواء وقالت:
_حبيبي اللي فاهمني إنت، انزلي عليا بطبق الحلويات اللي محدش بصله من ساعة ما دخل علينا ده.
قربت الصينية منها بترحابٍ، ينما تتخذ ليلى خطوة حازمة لتسطو عليهن بصرامة:
_ما خلاص يا جماعه هي البنت قالت أيه لكل ده، هتقيموا عليها الحد!!!!
راقبت سدن حديثهن بتشتتٍ، إتبع نبرتها:
_أنا مش فاهم حاجة منكم، هو أنا عمل حاجة غلط يعني.
نهضت فاطمة تحمل طرف جلباب الحاجة رقية التي أصرت أن تبدل الفتيات الفساتين بالجلابيب المنزلية المريحة، وإتجهت إليها تطمئن قلبها بابتسامتها النقية:
_لا يا حبيبتي معملتيش حاجة غلط ولا حاجة، هما بس بيقولولك إنك توريه للعريس بكره عشان دي زي المفاجأة كده مينفعش توريه من دلوقتي، فهمتيني؟
اتسعت ابتسامتها وانزوت بين أحضان فاطمة، قائلة:
_فهمت، أنت بتتكلم بهدوء وبتخلي سدن يفهم أنا بحبك كتير كتير فاطم!
شددت من ضمتها والابتسامة تتسلل للوجوه بأكملها بفرحة نشوب علاقة قوية بين الفتيات بأكملهن بدايتها من حفل زفاف سدن البسيط!
******
تفرق الشباب على الأرائك الخشبية، وكلا منهم يحمل كوب الشاي بالنعناع الذي أعده إيثان للجميع، والصمت يتراقص بينهم، حتى مزقه آيوب:
_وحـــــــدوه.
أجابوه معًا:
_لا إله الا الله.
عاد آيوب يردد في حسرةٍ:
_هو إنتوا جايين عزايا ولا أيه، هو ده اللي هتحتفلوا بيا وتعملولي حفل توديع العزوبية.
صفق إيثان كوبه على الطاولة بغضب:
_وأنا كنت بعمل أيه يعني، إنت اتقمصت والخواجة البلطجي بتاعك عقابني!
أجابه آيوب بسخط:
_وهي دي أغاني تتسمع يا كابتن!! دي عايزة تتذاع في مصمت مش هنا!
شارك جمال بمقترحه:
_طيب ما عُمران يغني لينا بدل التلبك المعوي ده، ولا إنت رأيك أيه يا دكتور علي؟
منع عُمران علي من الحديث حينما شدد على كفه، وقال غاضبًا:
_هو كل اللي عايز مني حاجه بيطلبها من علي ليه، مش مالي عين أمكم أنا!!!!
ومال لأخيه يشكو له:
_دول بيعاملوني كأني طفل صغير وليا ولي أمر يا علي!
منع ضحكاته من الانبلاج بصعوبة، ورفع يده يحاوط كتفه:
_هو أنت بتكبر لحد يا وقح!! هما بس بيحاولوا يعملولك كنترول بوجودي، يلا قوم غني حاجة لآيوب يودع بيها العزوبية زي مهو عايز.
رد ببرود مضحك:
_خليه يشوف غيري أنا توبت.
وأضاف وهو يتطلع تجاه آيوب الحزين:
_عايزني أغنيلك وأطلع الفجر أم بالناس يابن الشيخ مهران!!
ربع يديه أمام صدره بضيق مضحك، فردد يوسف ضاحكًا:
_فتح الله عليك يا عم الشيخ، الله يرحم أيام الجامعة، الجيتار بتاعك لسه في شقة لندن يشهدلك بالتقوى!
انزعج آدهم لحزن أخيه، فمال لعُمران يخبره بلطف:
_مفيش معازف ولا نغمات هنا، غنيله أي حاجة هادية.
تفحص عُمران ملامح آيوب، وقال بانزعاجٍ:
_مبقتش حافظ حاجة والله، بس لو مصرين فاغنية واحدة بس اللي معلقة معايا، كلت معاكم كان به ومكلتش أقعد وشغلوا انتوا تشويح الكبدة بتاعت الكابتن.
صاح آيوب وسيف بحماس:
_موافقين.
نهض إيثان ويونس يبعدون الطاولة الصغيرة، ويفرغون الساحة لعمران الذي بدأ يدندن لهم إحدى الأغاني، جذب يونس آيوب وبدأ كلاهما يتشاركان الرقص الشرقي برفقة إيثان، وبدأ "يوسف" قرع الطاولة بيديه، أما جمال فقد أقدم على مغامرة خطيرة حينما جذب عُمران وبدأ يتمايل قبالته، فاستجاب له وتمايل برفقته بحركات رجولية أبهرت إيثان، فترك آيوب ويونس، وأتجه يوازيه.
اكتفى علي بالمتابعة وهو يراقب رقص أخيه بذهول، بينما اختطف آدهم هاتفه وأخذ يسجل مقاطع للفيديو بسعادة، وأولى اهتماماته إلتقاط حركات أخيه وعُمران، الذي قلب الاغنية الراقية لما جعل الجميع يتهاوى من الضحك حينما قال
«يا ليل يا عين، يا ليل يا ليل، يا يا عين
كان ليا في يوم حبيب يا خسارة باعني
بالغالي إشتريت وبالرخيص باعني
وأنا لا ندمان عليه
ولا هبكي في يوم عليه
وأنــــا
أجابه إيثان وسيف وآيوب ضاحكين:
_ أيـــــــــــه؟
عاد يخبرهما وهو يرفع أصبعه مشيرًا لذاته بعنجهيةٍ:
_ أنـــــــــــــــــا
قال فارس تلك المرة وابتسامته الجميلة تزين وجهه:
_ أيه.
حمله عُمران والتقف ذراعه وراح يتمايل به مستكملًا:
_أنا لا مسطول ولا بطوح
أنا جاي أجامل ومروح
وأشوف اللي باعني وسابني وخاني
خلى قلبي بيتمطوح!!
تعالت ضحكات آدهم حتى كاد هاتفه الباهظ بالسقوط، بينما مال علي وهو يخفي وجهه من شدة الضحك، والآخر يتابع:
_آه ياما آه وآه يابا
دي عيلة واطية ونصابة!!!
أخرج إيثان مدته (مطوة) ، وأخذ يتراقص بها بمهارته الشعبية، وهو يصيح بحماس:
_آه يمة آه وآه يابا
دي عيلة واطية ونصابة.
إلتقفها عُمران منه، وحركها ببراعة أدهشت إيثان وعلي الذي انصدم من أخيه، بينما يصيح:
_والليلة جينا نهنيكوا
هتف الشباب بأكملهم ضاحكين:
_هاتوا الفلوس اللي عليكـــــــــــوا!
ضحك عمران وغنى بصوت مرتعش من الضحك:
عادوا يرددوا مرة أخرى بضحك:
هاتوا الفلوس اللي عليكوا
هاتوا الفلوس اللي عليكــــــــــــوا!!
سقط عمران جوار علي يضحك بقوة جعلت وجهه يحمر، والجميع يسيطر الضحك عليهم، ردد علي بسخرية:
_الاغنية دي معلقة معاك ومكبوتة طول السنين اللي فاتت دي، مجتش تطلعها الا لآيوب الغلبان!!
رفع كتفيه ببراءة زادت من ضحك الشباب:
_ابن محظوظة هعمله أيه يعني!!
رد عليه آيوب بمرحٍ:
_طبعًا محظوظ ده الطاووس الوقح غنالي أغنيتين!
ضحك سيف وحذره:
_لا وكان السبب في إننا نكتشف مواهب ابن الشيخ مهران بالرقص، وللعلم يا آيوب أخوك صورك من أول هزة لأخرها، شكله ناوي يبلغ عنك الشيخ مهران!!
تلاشت ضحكة آيوب، وهرع تجاه آدهم الذي يتابعه من اعلى قامته الطويلة مقارنة له:
_آدهم إنت ناوي تغدر بيا!!
تحررت ضحكته الجذابة، ونطق:
_هعملها إزاي وإنت ساحبني حيطة سد في وش أي مشكلة تتحط فيها!! تفتكر هحطك وهحط نفسي في وضع زي ده؟
أجابه ببسمة ثقة:
_لا.
إتجه إيثان ليجاور عُمران بمحل جلوسه، وبنفس دهشته التي إحتلته فور رؤية حركاته الراقصة بالمدة، قال:
_إنت بتعرف ترقص بالمطوة إزاي!! خواجة أنت بلطجي مش مهندس!!
اعتدل يعدل من قميصه الغير مرتب، وببراءة لا تمت له بصلة قال:
_عيب تقول عني كده يا إيثان، طيب حتى أعمل احترام لاخويا الكبير!!
رفع علي آحدى حاجبيه بنزقٍ لحق نبرته الشبيهة بالقنبلة بالنسبة للشباب المندهشين:
_على بابا يلا!!
تهاوى الشباب ضحكًا، وعلى رأسهم آدهم الذي هدر بخبث:
_أنا أكتر واحد فاهم مضمون كلام البابا علي!!
عدل علي من نظارته الطبية:
_ميبقاش قلبك أسود يا حضرة الظابط.
سحب آيوب المساند الخاصة بالآرائك، ووضعها أرضًا، فجلس من فوقها جمال ويونس وإيثان، واستقر علي وعمران فوق الاريكة، أما آدهم فجلس على المقعد المقابل لهم.
قضوا الليل بأكمله بالحديث المرح، كانت جلستهم تلتهم الوقت كاشتعال عود ثقاب، حتى اقترب موعد آذان الفجر، فقال عُمران إلى علي وهو يراقب ساعته:
_الوقت أتاخر جدًا، ده مش فاضل على الفجر غير ساعتين، هنصلي الفجر بالمسجد وهنرجع القصر.
تذمر آيوب وقد أبدى ذلك بحديثه:
_أنت وعدتني تكون معايا طول اليوم إنت والشباب.
أجابه آدهم بعقلانية:
_لازم نرجع البيت يا آيوب عشان نغير هدومنا، أنت عايزنا نحضر الفرح كده.
أتت فرصة إيثان على طبق من ذهب، فنهض يصيح:
_الحل عندي يا باشا، أنتوا مش عايزين تزعلوا العريس، يبقى تباتوا وتقضوا اليوم كله معاه، وبليل نطلع على البوتيك بربطة المعلم واختاروا اللي يناسبكم، ومن غير ولا مليم، خير الخواجة سابق ومغطي لسنين جاية قدام.
وأضاف قبل أن يعترض أحد منهم:
_لو مقلقين من الاختيار فـ الفاشونيستا معانا، البشمهندس عُمران ذوقه عالمي، هيكجولنا كجولة بنت ناس.
تمتم عمران من بين اصطكاك أسنانه:
_فاشونيستا!! مبدئيًا الكائن ده يخرس خالص، كلامه بيخرجني عن شعوري وأنا إنسان آرستقراطي محترم، أخويا الدكتور علي الغرباوي مربيني تربية محصلتش في تاريخ لندن ستين سنة جايين.
شهد على حديثه علي:
_طبعًا أمال أيه.
وهمس بخفوتٍ:
_ أنا دافن كل بلاويك يا حبيب قلب أخوك.
تنهد آيوب بنفاذ صبر:
_ها يا عُمران هتباتوا؟
منحه ابتسامة هادئة، لم يرغب بها كسر خاطره وفرحته:
_معاك لحد ما نزفك لعروستك يابن الشيخ مهران!
****
إنقسم الشباب على الثلاث غرف، حيث إحتل "إيثان" و"يونس" غرفة، و"آيوب" و"سيف" غرفة، وجمال ويوسف غرفة، أما على وعمران جلسا بالخارج على الأريكة، بعد خروج آدهم المفاجئ لظروف عمله العاجل.
وضع "علي" الوسادتين على الاريكتين، حيث كان يجلس عمران قبالته يتحدث بالهاتف، ويردد بحبٍ شديد:
_أيه اللي مسهرك لحد دلوقتي يا حبيبتي؟
تعجب علي مما يستمع إليه، لم يصدف لعُمران التحدث مع زوجته أمامه قط، فأتاه ظنونه حينما ابعد الهاتف وفتح كاميرا المكالمة، مبتسمًا:
_وريني فيروزة هانم الشقية دي، من أولها رافضة تنام ومسهرة فريدة هانم، لأ انا هشد عليها بنفسي، وريهاني بس من فضلك.
ضحكت فريدة برقة، وعكست الهاتف لوجه صغيرتها، قائلة:
_أخوكي هيبهدلك عشان مسهرة مامي.
ترقبت سماع ما سيقول من حزمٍ مضحك، ولكنها وجدته يتمعن بها هامسًا بحنان:
_يا روحي على الجمال، معقول الملاك الصغنن ده يعمل مشاكل، أكيد فريدة هانم بتتبلى عليك يا صغنن.
رددت فريدة بضيق مضحك:
_ولد بكاش، بعتني بسرعة كده!
ضحك وقال:
_غصب عني صدقيني، أنا شكلي كده هخالف بوعدي مع آيوب وهاجي.
وإتجه إلى علي، يجلس جواره ويشير لهاتفه بسعادة:
_بص يا علي، أول مرة أشوفها وهي مفتحة عيونها بالوضوح ده.
تناول علي الهاتف من أخيه، وأخذ يراقب الصغيرة ببسمة جذابة، ثم قال:
_ملاك فعلًا تبارك الله.
نادته فريدة بلهفة:
_علي أنت مرجعتش ليه؟!!
رد عليها بهدوء:
_آيوب مصمم أننا كلنا نفضل معاه، هرجع على بليل إن شاء الله.
وأضاف وهو يتمعن بوجه والدته:
_وش حضرتك مجهد أوي، لو حاسة بتعب أجي أنقل حضرتك للمركز أو أجيب دكتور يوسف يبص عليكي.
اتسعت ابتسامته سعادة وفرحة به:
_لا يا حبيبي ده بس من قلة نومي، بعد كده هسيبها معاكم وأعوض الاجهاد ده.
مال عُمران برأسه تجاه كاميرا الهاتف يخبرها:
_أنا جاهز لده بس بعد رجوعي من السفر، زي ما قولتلك يا فيري هسافر أحضر فرح موسى وأرجع.
تنهدت فريدة والخوف يتعمق على تعابيرها:
_ما تبعتلهم برقية مع بوكيه ورد شيك وخلاص، مش لازم تسافر يا عُمران.
تطلع لعلي بنظرة علم مكنونها جيدًا، وبالرغم من أنه يوافق حديث والدته لخوفه الشديد على أخيه من أي سفر مفاجئ يعيد ذكرياتهم السيئة، الا أنه قال برزانة عقله:
_مينفعش، دول ناس بسيطة ملهمش في جو مجاملات رجال الاعمال دول يا فريدة هانم، وكمان الناس دي كانت السبب بعد ربنا في رجوع عُمران لينا من تاني، فده أقل واجب يقدر يعمله معاهم، وخصوصًا المشروع اللي هنعمله انا وعمران هناك، فلازم يسافر بنفسه.
هزت فريدة رأسها بخفة، ولكن الخوف مازال يتعمق على ملامحها، وعادت تسلط الهاتف للصغيرة، حتى انتهت المكالمة.
نهض علي يعود للاريكة المخصصة به، انتزع جاكيته الذي حمله له فارس وللشباب بأكملهم، ثم جلس يطويه ويضعه على الطاولة الصغيرة من جواره، تفحص محل أخيه باستغراب حينما لم يجده على الاريكة المقابلة له، واذا به يشعر بثقل على ساقيه، فابتسم بقلة حيلة حينما وجده تمدد على أريكته واضعًا رأسه على ساقي أخيه، ضحك علي وردد:
_مبتفوتش فرصة إنت!
سحب كفه يضعه على شعره الذي بدأ بالنمو بشكلٍ كثيف:
_تقدر تروح مكاني بس لما أروح في النوم!
اتسعت ضحكاته، وأخذ يمرر يده على خصلات شعره، حتى غفى تمامًا، فعاد القلق يتفرس ملامح علي من جديد، لا يرغب بسفره مجددًا، وحتى وإن أراد السفر برفقته لن يستطيع، كيف له بترك والدته وزوجته وشئون المركز بالوقت الحالي!!
مال للخلف مستندًا برأسه للخلف، متنهدًا بحزنٍ شديد، وهو يعود للدعاء مجددًا أن يحفظ الله أخيه من كل مكروه، هامسًا:
_اللهم أخي لا تُصعب عليه أمراً ، ولا تحنِ له ظهراً ، ولا تُريني فيه ضرر ، اللهم احفظ أخي أينما حلّت خُطاه.
تحلى بالصمت والسكون، وبالرغم من تثاقل عُمران بالنوم الا أنه لم ينسحب لمحله، طالته الأفكار وهو يرتب أموره عساه يتمكن بالسفر رفقته، وإذا بباب غرفة يوسف وجمال ينفتح ويخرج كلاهما إليهما.
وقف جمال يبرق للمشهد الذي يراه بدهشةٍ، ومن جواره يوسف الذي هتف مستنكرًا وهو يشير على عُمران الذي يغفو بسلامٍ:
_هو ده البلطجي اللي مربيلنا الرعب!!!!
ضحك جمال وبسخرية قال:
_نايم بسكينة زي الاطفال!!
سحب يوسف هاتفه وناوله لجمال ثم ركض ينحني جوار محل عُمران متخذًا وضعية السلفي:
_صور صور خلي الهيبة تضيع على الأرض.
وجد قبضة تعتصر رقبته وصوتًا خشن يهتف بوعيد:
_هيبة مين اللي تضيع يا حيلة أمك!!
..... يتبع.....
#الاقوى_قادم..
موعدنا يوم الاتنين القادم بإذن الله ❤
جواز آيوب مليان بالتفاصيل، لانه هيضم مواقف فريدة من نوعها، الراجل صبر ويستحق فرح مميز، هنعيش معاه لحظات مميزة بين الشباب والبنات، بشكركم على دعمكم للرواية، بحبكم في الله ♥
****_____*****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 146 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#عودة_الطاووس!..)
#الفصل_الـ113.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات Om abdulrahman, hanady hatem, المسلمه الطائعه،ريهام محمد الدكروري، اميره محمد الدكروري، Farha ali elazazy، مني سلامة،حنان الوصيف،ام ملوكة، سلمى، كاترين بشارة، ام بيبرس،سمية عبد السلام aliaa esmail, gana mahmoud, fatma ali,زهره، مريم محمد، alshimaa gabr, asmaa ibrahim, منة الله محمود،ميار محمد، ام مكه،شروق،اميرة رفعت، همس،محمد، اية محمود، بسملة، amira yasser,منى وجيه، mamet mousa، Haneen Maher، aml ragab، Shrouk khaled ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تحكم "عُمران" بحكم ذراعه من حول رقبة "يوسف" بسيطرة فشل "جمال" بإزاحته عنه كليًا، والضحك يزيد من فشله، فاستنجد بعلي:
_دكتور علي، يوسف مش أد البلطجي ده.
سدد "علي" نظرة حازمة لأخيه، وبإنذارٍ صريح قال:
_سيبه يا عُمران.
إختلج الغيظ رماديتاه، فترك "يوسف"،وجذب جمال يلف يده حول رقبته ويدفعه بكل قوته للحائط من خلفه:
_بتقوم أخويا عليا يابن أشرقت، وطالع تصورني!
_عُمـــران!
نداء هادئ، يبطنه الغضب، تحرر على لسان" علي"الجالس بهدوء على أريكته، زفر عُمــران غضبًا، فأغلق عينيه يطقطق رقبته يمينًا ويسارًا، حتى تمكن من استعادة هدوئه الكامل، فترك جمال الذي هادر ضاحكًا:
_ملحقتش أصورك متقلقش!
لم يعبأ به وإتجه لأخيه ينحني تجاهه، هامسًا:
_قوم روح يا علي، أنا قربت أفقد السيطرة بسبب حبي واحترامي ليك!
استمع يوسف لما قاله، فضحك ساخرًا:
_والله ما يحصل أبدًا، طالما وجوده بيأدبك كده يبقى كل ما نتقابل نجيب الدكتور علي وسيط بينا.
منحه عُمران نظرة محتقنة وهدده:
_بطل تتعامل معايا كأني عيل صغير وبتشتكيني لأبويا، أوعى تفكر أنك هتقدر تكسب علي لصفك، كونك شريك معاه في المخروبة بتاعتكم دي ميخلهوش يبيع أخوه أبدًا.
واستدار يسأل أخيه:
_مش كده يا علي؟
سلك يوسف نفس طريقته، ولف ذراعه حول كتف علي:
_لا مش صح كلامك يا عُمران، متنساش إن أنا وعلي نفس الدماغ والفكر تقريبًا، بقينا أصدقاء مقربين جدًا، يابني بص ودقق في التفاصيل ده حتى النضارات شبه بعض!!
وأضاف مشيرًا تجاه جمال الجالس على المقعد من خلفه:
_إنت وجمال لايقين على بعض.
حرك جمال شفتيه ليوسف باشارات تمكن من ترجمتها:
_عُمران هيطلع روح مامتك يا يوسف!
استمتع علي بالحوار القائم، حينما لمح بأعين أخيه قلقًا غريبا من حديث يوسف، لدرجة جعلته يعود ببصره لأخيه، يتحقق من حديث يوسف، الذي أنقلب من المرح للجدية، لم يسبق لعلي أن شكى حزنه لأخيه يومًا، لم يكن كثير الحديث أبدًا، بل كان ينصت أكثر من تحدثه.
وبالرغم من إرتباكه الا أنه ابتسم، وقال وعينيه لا تفارق أخيه:
_أنا بتمنى يكون لعلي أصدقاء أساسًا، هعوز أيه أكتر من إنه يكون سعيد ومبسوط، بس للأسف يا يوسف إنت مراهن على جهة خسرانه، لإن مفيش أب هيكون عنده أغلى من ابنه، ولا الابن هيكون عنده أغلى من أبوه.
وتابع وهو يتجه بثباتٍ ليفرق جلستهما، جالسًا بالمنتصف، وبجسده الضخم استطاع ضم أخيه ومال تجاه يوسف يخبره:
_لازم تتقبل إن زي ما علي رقم واحد في حياتي أنا كمان رقم واحد في حياته، ودورك جاي بعد كده يا دكتور.
لم يصدق "يوسف" ما يستمع إليه، فاتسعت ابتسامته وقال ضاحكًا:
_يا نهار أبيض، معقول تكون نسخة من سيف يا عُمران، بتغير على دكتور علي!!!
ضحك جمال وابتسم علي، على عكس عُمران لم يهتز له رمشًا، بل أصمت أفواه الجميع بنطقه الصارم:
_علي أبويا مش صاحبي يا يوسف!
تشبع "علي" بحديثه، استمد صبره وطال لسماع ما سيقوله أخوه، ولقد أرضاه بكل حرف نطقه، فضمه إليه وقال بمحبةٍ لا تقدر بمال:
_ومين في صحابك ميعرفش إنك ابني!! دكتور يوسف أول حد عارف أنت بالنسبالي أيه وأنا بالنسبالك أيه؟
راقبه بابتسامة صغيرة، وعينيه تنطق بشيء لم يفعله، فضحك علي ومال إليه يهمس بسخرية:
_خايف تحضنني يزيد سخريتهم عليك، خلاص بعد ما نروح تعالى وأنا هأخدك في حضني ولو حابب تكمل نومتك دي معنديش مانع!
مال مستندًا على كتفه من شدة الضحك، وقال بجدية تامة:
_أنا أتشرف بيك وسط الدنيا كلها يا علي.
تابعهما يوسف بسعادة وجمال، الذي قال:
_خلص وصلة الحب اللي بينك وبين باباك دي بسرعة عشان في قرار مهم أخدناه أنا ويوسف وكنا جايين نقولهولك.
استقام بجلسته واستدار تجاههما باهتمام:
_قرار أيه اللي مهم! حد فيكم عايز يطلق؟!
هز علي رأسه بقلة حيلة، وهمس وهو ينتصب بوقفته:
_هيموت ويطلق حد!!
وأخبرهم والنعاس يتغلب منه:
_أنا هدخل أنام جوه، وانتوا كملوا نقاش في القرار بتاعكم وعمومًا دكتور يوسف واصله موفقتي ودعمي الكامل، تصبحوا على خير.
قالها وغادر للغرفة، فسحب عُمران بصره عنه وردد وهو يتفحصهما:
_قرار أيه اللي علي داعمكم فيه، انطقوا!
ابتلع يوسف ريقه بارتباكٍ، ولكز جمال ليتحدث هو، فقال:
_إنت محتاج حد متمكن في تنفيذ المشاريع اللي حابب تعملها في سوهاج، هتحتاج مثلا ليوسف يشرح لصابر عن المستشفى اللي حابين نفتتحها، وتحتاجني بردو أشرح لموسى عن مصنع قطع غيار السيارات اللي عايز تفتحه، لذا قررنا نسافر معاك أنا ويوسف.
رشقهما بنظرة طاعنه، جعلت يوسف يبتعد عنه ويجلس بنهاية الاريكة، معدلًا من نظارته بخوفٍ:
_أنا بقول نكمل كلامنا بكره لحسن أنا النوم كابس عليا بشكل مش طبيعي، هما كده الدكاترة بيناموا بدري بدري، وبالمرة أطمن على دكتور علي، من ساعة ما دخل ومش سامعله أي صوت!!
قبض عُمران على كتفه يدفعه للاريكة مجددًا، ورماديتاه تتسلطان على جمال، وبخشونة صاح:
_بقى على أخر الزمن بيتلعب بيا الكرة!!
رد يوسف بتلعثم:
_مين اللي يجرأ يلاعبك يا باشا، ده إنت صايع قديم.
وصاح لجمال الذي مال ضاحكًا:
_بص إهدى كده وخد الكلام بصدر رحب، هدي كلابك السعرانة الأول وصدقني هنوصل لحل ودي.
وركل جمال بغيظ:
_ما تتكلم يالا!
ردد من بين ضحكاته:
_هتكلم أقول أيه، هو ده بينفع معاه كلام!!
واستجمع شجاعته ليخبره بجدية تامة:
_عُمران إحنا مستحيل هنخليك تسافر لوحدك تاني، أنا ويوسف رجلينا على رجلك، أساسًا إنت لو مكانا هتعمل كده وأكتر.
ترك عُمران يوسف، وتراخى عنه المزح المتبادل بينهما، ثم قال بثبات:
_جمال أنا مش ممانع أنكم تيجوا معايا، بس هما كلهم يومين وراجع تاني ده أولًا، ثانيًا المكان هناك مش مناسب ليكم، ثانيًا وده الأهم أنا رايح ضيف هناك فمينفعش أخد معايا حد أزود بيه أحمالهم، المكان صغير، حتى مفيش هناك فنادق الا بعيد جدًا جدًا.
رد عليه يوسف بعقلانية:
_لو حابب إننا منحضرش المناسبة دي تمام، بس بردو يا عُمران مش هنسيبك تروح لوحدك، انا واثق إنك قادر تحل حوار السكن ده زي ما كنت بتعمل واحنا في لندن.
شرد بمكنون حديثه، وابتسم حينما تذكر ما كان يفعله بأيام اجازاتهم الدراسية:
_الكرفان ده كان يتماشى في لندن هنا صعب يا يوسف.
تحداه دون أن يرمش له جفن:
_مفيش حاجة صعبة عليك، شوفلنا كرفان كويس نستأجره ونسافر فيه، وياريت يكون مكيف لإن الجو هناك صعب.
تحلى الصمت على ملامح عُمران الغامضة، والتي أكدت شكوك جمال ويوسف حول ما يخطط له عُمران من ذلك السفر المفاجئ، فأسرع جمال بقوله:
_بعد فرح آيوب هننزل وننقي كرفان مناسب، أنا أصلا بفكر نشتريه عشان نعيد ذكرياتنا من فترة للتانية.
وزع عُمران نظراته الباردة بينهما، وفجأة تسلل لذلك الظل المندس من خلف باب غرفة أخيه، لقد تجمعت الأحزاب واجتمعوا عليه، ولكن المجمل الشامل خوفهم الشديد عليه، وبالرغم من إن ذلك سيعوق تخطيطه الخفي، الا أنه قال بحب:
_تمام يا جيمي، ننزل وننقي الكرفان اللي يعجبكم، أنا أساسًا وحشني القعدة معاكم، وحاسس إن الشغل أخدنا من بعض، فأكيد مرحب بالفكرة، أنتوا تشرفوا أي حد أساسًا
ارتسمت السعادة والراحة على وجهي "يوسف" و"جمال"، ومن الداخل "علي" !
*******
بعد فترة من الوقت، ومازال "عُمران" يجلس بالشرفة، يقرأ ورده الليلي، وبالداخل يغفو جمال على الأريكة بعدما ولج "يوسف" ينام جوار علي، إنتهى عُمران من ورده وجلس يراقب الحارة بشرودٍ لم يفق منه الا على صوتٍ ناعس يناديه:
_خواجة! إنت لسه صاحي!
إلتفت للخلف، فوجد إيثان يرنو إليه وهو يفرك عينيه بنومٍ، فأجابه:
_مش جايلي نوم، وإنت أيه صحاك دلوقتي؟
جفف قطرات المياه عن وجهه، وفاه:
_أمي أتصلت بيا عشان أطلع أساعدها قبل الفجر ما يأذن.
تساءل بدهشةٍ:
_تساعدها في أيه؟
قال مبتسمًا:
_بفرح يونس كنت بوزع شربات على الحارة كلها،فزي ما عملت ليونس هعمل لآيوب، بس ومعاها واجبات خفيفة للفطار عشان الشيخ مهران محضر الغدا.
ارتسمت على شفتي عُمران ابتسامة فخر وبات يراقبه بنظرة مختلفة، هناك شخصية خفية حول طباع إيثان المتعصبة، يراه محبًا، مخلصًا لرفيقه ولشقيق رفيقه، يحترم الجيرة ويبذل قصارى جهده ليكرم ضيوفه، فحرر أعجابه ببضعة كلمات:
_إنت راجل أصيل وشهم يا إيثان.
زوى حاجبيه بدهشة، هل حصل على إطراء من الطاووس للتو! ، لم يجد ما يعبر فيه عن فرحته سوى كلماته الممتنة:
_وإنت صديق وأخ متتعوضش يا خواجة.
وأضاف بمزح:
_ أنا دايما عندي فضول لو كان عندي أخ أكبر مني تعامله معايا هيكون ازاي، وخصوصًا إني عرفت انهم بيرزلوا على بعض، وللاسف أنا حابب رزلتنا دي، وبما اني بحس إنك أكبر مني وأعقل تقبل تكون أخويا الكبير؟؟
تابعه بنفس ابتسامته الحنونة وقال:
_كده هنقتل بعض يا إيثان، إنت عنيد وأنا أعند منك، إختار حد عاقل غيري زي يوسف وعلي، صدقني أنا بفقد أعصابي أكتر ما بتعامل بعقلي!
صفق كفه بكفيه وقال مازحا:
_صدقني أنا راضي بيك بكل عيوبك وانت راضي بيا مش كده ولا أيه يا خواجة.
بادله البسمة بابتسامةٍ جذابة، بينما الأخير يتفقد هاتفه، وجد والدته تعجل من استدعائه، فإستأذن منه وغادر على الفور.
******
فتح عينيه بانزعاجٍ على صوت رسالة زارت هاتفه، اعتدل بمنامته يجذب نظارته الطبية، يقرأ محتوياتها، فابتسم حينما رأى زوجته ترسل له
«علي، إنت نمت؟»
«خايفة؟»
«عرفت أزاي؟!»
«كنت عارف أنك مش هتقدري تنامي بعيد عن حُضني..»
«علي أنت بقيت مغرور وأنا مش واخده عليك كده.»
اتسعت ابتسامته ودون لها
«مش غرور يا قلب علي، دي ثقة في تأثير حُضني وقربي منك.»
ترقب أن تجيبه ولكنها بقيت بالمحادثة دون حرفًا منها، أجزم بأنها تنصهر الإن خجلًا، فعاد يكتب لها
«تخيليني جنبك وواخدك في حضني، أنا معاكِ وجنبك يا فطيمة، نامي وأوعي تخافي من شيء، هبعتلك الرقية الشرعية بصوت الشيخ عبد الباسط زي ما بتحبيها، شغليها ونامي يا حبيبتي»
قبلت الهاتف ومالت على الفراش جوار مايا، بينما يجاورها على الفراش الاخر زينب وليلى، غفت فاطمة وحديث علي لا يفارقها، وصوت القرآن يتردد لها من السماعات الصغيرة، حتى غفت تمامًا.
******
مرت ساعة كاملة وإتجه الجميع للمسجد لأداء صلاة الفجر جماعة، خلف الشيخ مهران، وقف من خلفه الشباب جميعًا، يؤدون الصلاة بخشوعٍ تام، وفور أن انتهى جلسوا بالمسجد ساعة كاملة، حتى أشرقت شمس اليوم التالي، فخرجوا وأغلق آيوب وعُمران باب المسجد.
تفاجئ الشباب بإيثان يقف أسفل درج المسجد، يوزع الواجبات والشربات بسعادة، أذهلت الشباب، ولكن أكثر ما أذهلهما ضحكات يونس وآيوب، التي جعلت سيف يتساءل بفضول:
_بتضحكوا على أيه؟
أجابه يونس وعينيه لا تفارق مشهد إيثان:
_المرادي أتعلم من غلطه وبيوزع سندوتشات مع الشربات، كده مش هنضطر نجري على المستشفى بحد الحمد لله.
سأله آدهم بعدم فهم:
_وانتوا سبق وجريتوا بحد؟
تمردت ضحكات آيوب بصوتٍ أضحكهم وخاصة حينما قال:
_يوم فرح يونس كان إيثان واقف نفس الواقفة دي، الطالع والداخل يقدملهم الشربات، فكان في شاب خارج من المسجد، رفض يأخد منه الشربات، فاتضايق منه وأصر يأخد شربات صاحب عمره، والواد اتكسف يرفض، فأخد منه الكوباية بس إيثان أصر يشربها كلها.
تساءل جمال بفضول:
_وبعدين؟
أجابه يونس ضاحكًا:
_الشاب شربها مرة واحدة فإيثان اعتقد إنها عجبته، فأصر يشرب واحدة كمان، وهنا الواد فرفر بين ايديه، لانه للاسف عنده السكر وشارب جرعة مكثفة وأيه على غير ريق!
وتابع والضحك قد تمكن من الجميع:
_بدل ما أطلع من المسجد على البيت أستعد طلعنا بالواد على المستشفى، والفرح كان هيتلغى لولا ستر ربنا!
أضاف آيوب بتفاخر:
_لا ذكي المرادي بيوزع معجنات وسندوتشات، شكله ابتدى يفهم.
ردد علي بنبرة مازحة:
_ربنا يسترها وتعدي على خير.
هدر عمران ضاحكًا:
_لو حصل حاجه اطمن معانا طقم دكاترة على أعلى مستوى، جاهزين يقلبوا الحارة لوحدة صحية!
قهقه الشباب ضاحكين وانطلقوا جميعًا لمنزل الشيخ مهران، حيث أعد طعام الافطار لهم.
*****
انتهت ليلى وصبا من رص أطباق الطعام على المائدة الطويلة، ووضعت زينب قدح الشاي الساخن والأكواب الفارغة جانبًا، بينما وزعت فاطمة زجاجات المياه، ووضعت شمس الخبز بالتساوي على المقاعد.
تأكدت الحاجة رقية من اكتمال سفرتها البسيطة، فأشارت للفتيات قائلة:
_يلا يا بنات، نروح نحضرلنا الفطار إحنا كمان في الصالة.
خرجوا برفقتها، وتخفوا حتى منحوا المساحة الكافية لمرور الشباب لغرفة الضيافة.
بقى بالخلف يستكمل مكالمته الطويلة مع موسى، وفور أن انتهى أتبع الشباب لغرفة الضيافة المخصصة بمنزل الشيخ "مهران"، فاذا به يرى الفتيات بالردهة المطولة، وما أن انتبهوا له حتى تلاشى جمعهن، وقد أخفض رماديتاه لحين أن يتركوا له مساحة المرور، فاذا بزوجته ترنو إليه مبتسمة، تناديه بلهفةٍ:
_عُمـران.
رفع بصره إليها، يطالعها بثباتٍ أنقلب لدهشةٍ وذهول، وهو يراها ترتدي جلبابا منزليا بسيطا، خاص بالحجة رقية، كان مبهورًا بمظهرها البسيط الجذاب، بينما ترفع كفيها له وتخبره بفرحةٍ:
_عملت حنة مغربي، زينب عملتهالي.. أيه رأيك؟
علم الآن سر اصرار الفتيات بالمبيت في منزل الشيخ مهران، ظن هو والشباب بأنهم يقلدونهم أو لربما يردون الصاع لهم، فضحك بصوتٍ مسموع وقال:
_مش الحنة بس اللي جميلة، شكلك باللبس ده مختلف ومميز، قمراية إنتِ أوي!!
تلألأت مُقلتيها فرحة بإعجابه بما ترتديه، فاستعرضت الجلباب المنزلي بحركات آرستقراطية علمتها إياها فريدة، قائلة بضحكة مازالت تتردد داخله:
_عجبتك بجد، دي مريحة جدًا جدًا، بفكر أخدها استعارة من الحاجة رقية، بس مكسوفة.
مال يستند على الحائط ويطل إليها بكلماته التي أيقظتها من حلمها:
_ومين هيخلصك من فريدة هانم يا بيبي؟ أنا مسافر لموسى وصابر ومش راجع الا بعد يومين، هتستني رجوعي ولا هتقدر تحارب لوحدك يا وحش!!!
تلاشت ضحكاتها وكأنها لم تجيد التبسم يومًا، وقالت عابسة:
_وعلى أيه الطيب أحسن! أنا حماتي للأسف ست مفترية..
_مايـــا!!! بتقولي على مامي مفترية!!!!
قالتها شمس بصدمةٍ، فاستدار عُمران إليها، وحينما رأى ما ترتديه هي الاخرى سقط أرضًا من فرط الضحك، وهتف بصعوبة:
_دي حفلة على شرف جلاليب الحاجة رقية بقى!!!
تلاشى غضب "شمس" ومالت تستعرض ذاتها وهي تلف بما ترتديه قائلة:
_بص يا عُمران، دي حلوة أوي.
كبت ضحكاته بصعوبة، وتنحنح قائلًا:
_أعتقد إنها هتبقى حلوة ومظبوطة عليكي في التاسع إن شاء الله يا شمس!
كشرت عن أنيابها، بينما تحدج مايا بنظرة غاضبة، فأحاطت الجلباب من الخلف، حتى تجسد على قوامها الممشق:
_طيب بص كده، بقت أشيك.
إلتفت عُمران من حوله يتفقد المكان بآعين مشتعلة غضبًا:
_بتعملي أيه، إبعدي إيدك!
قالها بغضب جعلها تعيدها لوضعها الفضفاض قائلة بحزن مصطنع:
_يووه هو كل حاجة مش عجباك كده!
تصنع ابتسامة رسمها بالكد، ورنا يضمها إليه:
_ إنتِ جميلة وزي القمر في أي حاجة تلبسيها يا شمس.
وسحب هاتفه لها مبتسمًا:
_هصورك أحلى سلفي وهبعتها لآدهم ينكاد بيها.
اعتدلت بوقفتها تستند على جاكيته وترسم ابتسامة سعيدة بمقترحه، جعلته يضحك على تفاهتها، فسايرها بسخرية:
_عسولة يا شموسة!
تابعتهما مايا بضجرٍ، جعلها تلفظ بنفاذ صبر:
_ما تقفلوا الاستديو اللي فتحتوه ده، عايزة أوريلك الحنة عشان أدخل، أنا مش قادرة أقف!
أعاد هاتفه لجيب سرواله، واستدار لها، فرفعت كفيها تشمر أكمام جلبابها وهي تشير له مبتسمة:
_طلع حروف إسمك.
استدار من حوله وهو يقبض على كفيها، ويعاود تمرير كم الجلباب ليغطي معصميها المكشوفان للأعلى، مرددًا من بين اصطكاك أسنانه:
_أيه اللي بتعمليه ده، ما تقعليها أحسن!!
ردت ببراءة:
_بوريك النقش.
هتف بضيق:
_في البيت نشوف ونعين مش على الملأ يا مايا!
اعتاظت من دلاله الزائد لشمس، وكأنها طفلة صغيرة، والآن يستخدم عنفوانه عليها، فقالت تهدده:
_مش راجعه معاك البيت، عشان تبقى تعلي صوتك عليا أوي.
رفع أحد حاجبيه مستنكرًا حديثها، فاستغل ابتعاد شمس عنهما، ودفعها خلف باب الشقة المفتوح، بينما يهمس لها ببسمة مخيفة:
_حبيب قلبه استقوى على جوزه وقلبه قسى يا ناس، بس متقلقيش راجعلك يا بيبي!
قالها وصفق الباب بعنف جعلها تنتفض بفزعٍ، بينما يغمز لها بخبث أقلقها:
_ليكِ روقة يا عسولة!
قالها وأتجه لغرفة الشباب يغلقها من خلفه، بينما تضم شفتيها معًا وهي تهمس برعب:
_أيه اللي أنا هببته ده، يادي النيلة هو أنا ناقصة!!!
******
جلس "عُمران" جوار "آدهم"، فوجده يكبت الضحكات بصعوبة، حتى أنه جذب هاتفه، ورفعه إليه باستهزاء:
_أيه الأوتفت الجامد ده؟!
رفع يديه يدعي أنه يمسح فمه، بينما ينساق خلف جملته ضحكـًا، حتى انتهى فقدم نصيحة مثالية له:
_زوق كلامك بجملتين غزل، وأوعى ترميلها اللي رميته ده، بدل ما تترمى بره أوضتك طول الفترة الجاية.
وأضاف وهو يرتشف الشاي الساخن:
_كل عيش أحسنلك يا حضرة الظابط، قلبة الستات أنت مش قدها!!
سحب شطيرة الخبز، يغمسها بالفول، ووضعها بفمه ناطقًا بابتسامته المازحه:
_اقتنعت!
*******
مرت الساعات وقد أحضر الشباب لزوجتهن احتياجاتهن الخاصة من المنزل، ليستعدن برفقة العروس.
اصطحب إيثان الشباب للبوتيك الخاص به، وفور دخولها أغلق بابه عليهم، واستدار يراقبهم ببسمة ماكرة، عبرت عن طبخته الموضوعة على نيران هادئة منذ تلك اللحظة التي اقترح فيها أن يبيتوا ويستعدون لحفل الزفاف من البوتيك الخاص به.
إختار كل شاب منهم ما يناسبه، حتى انتهوا جميعًا من ارتداء بذلات غاية في الأناقة، والاغلب كان يرتدي من القطع التي جمعها عُمران وجعل منها حلى أنيقة ومختلفة.
عبر إيثان عن خطته حينما صفق بيديه لينتبه له الجميع، فما أن رأى جميع النظرات مصوبة إليه، وهو يجذب الحقيبة السوداء التي أخفاها أسفل مكتب الكاشير، يستخرج منها الكاميرا، قائلًا:
_بصوا بقى، إحنا نتعاون مع بعض كده بمنتهى الهدوء، هنتصور كام صورة كده نعمل بيهم دعايا للبوتيك اللي حاله واقف ده، وانتوا ما شاء الله وجهة مشرفة، بالذات الخواجة وحضرة الظابط!
تعالت ضحكات سيف، وقال ساخرًا:
_بقى دي خلق يتعمل بيها دعايا!! لك طالة في اختياراتك يا إيثو!!
بينما أشار له آدهم بمنتهى الجدية:
_أنا منصبي حساس ومينفعش نهائي أعمل كده.
بينما ردد يوسف بابتسامة هادئة:
_أنا تمام مفيش مشكلة.
ردد جمال ومازال يبحث بين الملابس بحيرة:
_أنا لسه مش لاقي حاجة تناسبني أصلًا.
ناوله عُمران ما يحمله بيده، بينما يحدج إيثان بنظرة تحذيرية، قبل أن يخبره باستهزاء:
_إنت فاكر إن الهبل ده هيأكل معايا، بلاش تستفزني عشان مندمش أمك على اليوم اللي فكرت تفكر فيه بفكرتك المنيلة دي.
صاح بتلقائية مضحكة:
_البوتيك حالته واقفة، ده أنا حتى معملتش له افتتاح من كتر الاحداث اللي اتعرضنا ليها.
كسر علي صمته، حينما فاه ببسمة ماكرة:
_هو إنت محتاج للوشوش في أيه، صور البدل بدون ما تجيب الوجوه، وبكده كلنا هنكون بأمان.
بدت الفكرة رائعة للجميع، ولكنها لم تنال استحسان إيثان الذي قال بدون ترتيب:
_بس أنا كنت عايز أستغل صفحة الخواجة عشان أتشهر، وصفحتي تتعرف، عايز أدخل قفشة الدولارات من أوسع أبوابها، وخصوصًا لما أنزل الفيديو اللي صورته ليه وهو بيرقص على عيلة واطية!
اتجهت جميع الأعين إلى عُمران الذي انتزع القميص الجديد الذي ارتداه منذ قليل، ورنا إليه ببطء وهو يهتف بعنفوان:
_مصر يتضرب النهاردة.
ترك إيثان الكاميرا على سطح المكتب، وهرع للشارع راكضًا، فوقف عُمران على عتبة البوتيك يشير له بالقطع في العنق:
_لو لمحتك هنا هضحي بيك بدل عجل الشيخ مهران.
قالها وولج للداخل يغلق الباب من خلفه، فوجد يوسف يردد في صدمة:
_طردت الراجل صاحب المحل بره، وقافل علينا جوه، أيه الجبروت ده!!
أشار له بتحذير، هاتفًا بسخرية:
_إستر نفسك لتأخد برد يا حبيبي!
وأضاف وهو يرفع من صوته بنفاذ صبر:
_عبحليم، لو تنيت القميص كده تاني وعهد الله لأجي أتني رقبتك على كتفك، إنت مش محتاج لوجودي في حياتك إنت محتاج الزمن يقف بيك ويقذفوك على زمن البناطيل أم رجل وسعه دي عارفها!!
سقط آدهم ضاحكًا ومن جواره يونس، أما جمال استشهد بعلي يشكو له:
_عاجبك كده يا دكتور علي.
أتاه رد عمران باختناق:
_أنا الصايع الوحيد في عيلة الغرباوي يالا، ريح نفسك محدش هيقدر يحطلي راجع، فاعقل كده وإظبط بدل ما أظبطلك أنا الاعدادات من أول وجديد.
منحه علي نظرة حادة، فتنحنح وهو يهتف بضحكة:
_ سحبت كل كلامي وأترجعت فيه،مرضي يا بابا؟
أتجه إليه سيف يشير له بقلق:
_ها أيه رأيك يا طاووس، قميص متظبط وكله عشرة على عشرة أهو، ألحق أروح لآيوب بقى عند الحلاق.
منحه نظرة متفحصة، وبهدوء جذب الكرفاتة، وفتح أول زر له، فمنحه طالة أكثر شبابية، أحاطه ببسمة جذابة وقال:
_كده أحسن.
وتابع وهو يسحب الكاميرا الموضوعة على المكتب، مشيرًا له بالخروج لخارج البوتيك:
_معلش يا دكتور هتعبك معايا عشر دقايق.
استدار سيف لأخيه، مشيرًا له باستفهامٍ، فتطلع لعلي الذي ابتسم وقال بعد خروج أخيه:
_عُمران عمره ما كسر بخاطر حد، حتى لو بدأها بلوي دراع!
******
أتخذ عُمران من حارة الشيخ مهران الحاملة لمعالم الحياة القديمة، بروائحها المفتقدة بعصرنا الحالي، مكانًا ليجعله استديو رائعًا لالتقاط الصور بحرافية ودقة عالية، عن طريق هاتفه، فلقد وجده أكثر امكانيات من الكاميرا، وقد منح الشباب أقنعة كلاسكية، أخفت منتصف الوجه، وأبرزت تضارب مميز بين اللمحة العصرية، وحارة الشيخ مهران.
كان يقف بالخارج بملابسه التي قضى بها ليلة الامس، يشرف بذاته على ملابسهم ومحل وقوفهم، فكان لكل شاب محل وقوف مختلف بزواية مختلفة، حتى انتهى تمامًا، وختامها بأخيه الذي أصر أن يصوره صور مشابهة للشباب، وصورًا أخرى
حملها بملفه الخاص دون أقنعة، ليحتفظ هو بها.
ترقب علي مراجعته للصور، وقال مبتسمًا:
_كده تمام يا حضرة photographer (المصور)
ردد في حبور:
_تمام يا علي، صورك جميلة أوي، أنا بصعوبة بقنعك أنك تتصور وأنت نادرًا لما بتعملها.
Today I am very lucky(النهاردة أنا محظوظ جدًا)
اتسعت ابتسامة علي، وأتجه لمحل وقوفه يراقب ما التقطه، فتفاجئ بجمال وبراعة ألتقاط الصور، كأنما بث إليه كل حبه، فأصبح يتفنن بالتقاط الصورة، وهو الشخص الذي يكره أن يقف أمام آلة للتصوير، كونه مقتنعًا أنه لا يبدو جميلًا بها، لذا من النادر له أن يلتقط لذاته صورة، وعلى ما يبدو بأن عمران سينجح بتغيير نظريته.
مال بيده الحاملة للهاتف تجاهه، متسائلًا بفضول:
_أيه رأيك يا علي؟
رد وعينيه تتطلع له هو بحب:
_مبتعملش حاجة وحشة إنت.
واستطرد وهو يضع يده على كتفه بحنان:
_يلا ادخل إجهز معتش وقت.
هز رأسه بخفة، وقدم له الهاتف قائلًا:
_عشر، دقايق و راجع عشان تصورني.
أومئ له، فغادر على الفور، وعاد بعد قليل يتآلق ببنطال أسود اللون، وقميصًا أسود احتفظ به داخل بنطاله، وحزم من حوله حزامه الثمين الشبيه للون الحذاء الذي يرتديه، عاقدًا قميصه لمنتصف ذراعيه، فكان بسيطًا للغاية دون أي مبالغة، وبالرغم من ذلك كان جذابًا.
خرج عُمران يقف محل أخيه، ويشير له بالتقاط الصور، بعدما ارتدى نظارته الشمسية، ووقف يضع كلتا يديه بجيوب سرواله، ورأسه مرفوع بعنجهيةٍ الطاووس المتفاخر، أمام اللافتة التي تحمل اسم البوتيك.
ابتسم علي ورفع الهاتف ليلتقط الصورة، فتذكر القناع الذي يحمله، رفعه للاعلى وأخبره:
_القناع نسيته.
رد عليه ببساطة:
_لا مش عايزه، أنا كده كده هرفع الصور على صفحتي، وشي هينفعه أكتر، هرفعهم بكره بس لما أبعتهم لحد متخصص يظبطهم، أساسًا شكل الحارة من بره جميل وملفت جدًا، أحسن من الصور اللي كان هياخدها جوه بجودة واقعة، وعمرها ما كانت هتتشاف، لان المعروف انه مجرد اعلان عادي، لكن الصور اللي أخدناها هتفيد جدًا إن شاء الله.
وضع علي القناع جانبًا وسعادته به تزداد:
_إن شاء الله.
ومضى جواره يفتخر بصغيره الذي قدم إنجازًا سيراه دومًا بمثابة ابنه.
التقط العديد من الصور له، وحينما انتهوا أغلقوا البوتيك وغادروا لينضموا لخيمة الرجال، التي امتلأت بالرجال، بعد أن بدأت الاغاني الاسلامية احتفالًا بزواج ابن شيخ الحارة، الشيخ مهران وتلك الفتاة الاجنبية التي باتت قصة اسلامها وتوبتها علامة بيضاء في كتابه المحفل بالاعمال التي يتذكرها الناس ويرددوها دومًا.
******
تحول سطح منزل الشيخ مهران، لقاعة فخمه محاطة بالفرش الباهظ، والديكورات، والانوار، لقد صنعت قاعة مثالية لاستقبال العروس والسيدات، وخصص مقعد مذهب للعروس، و وضعت من حولها الورود الحمراء، التي جلست "سدن" من حولها بفستانها الأبيض البسيط، فلقد اختارت فستان يضيق على جسدها حتى النهاية، وتركت خصلات شعرها الذهبية حرة طليقة، بما أنه لن يراها أي رجل سوى زوجها، وجهها خالي من أي تجميل الا من روج يشبه لون شفتيها، وعلى رأسها تاج صغير، وحول عنقها القلادة وذهبها الخاص بزواجها.
جلست تراقب رقص الفتيات الشعبي بانبهارٍ، حتى أنها حاولت تقليدهن بتحريك يديها بعشوائية، فنهضت زينب من بين الحضور، بفستانها الوردي المحتشم، تجذب يدها للمنصة الصغيرة، وتتمايل بها، ونهضت من خلفهن الفتيات تحيط بهما وتصفقن بحماسٍ وفرحة.
*****
بالأسفل.
كان الشباب يرددون الاغاني الاسلامية بفرحة وصلت لقلب آيوب الجالس بين أبويه، الشيخ مهران من يمينه وعلى يساره مصطفى، عينيه تختطف النظرات الحالمة حول أعلى المنزل، يود لو ينتهي الأمر سريعًا وينضم إليها.
إقتحم حفل الزفاف شابًا ينصب عينيه باحثًا عن آحدهما، وحينما حدد وجهته إتجه إليه، يقدم تحيته بشكلٍ ملفت، ومن ثم أنحنى يهمس لآدهم بشيءٍ جعله ينهض ويتجه برفقته لمدخل الحفل، حيث وجد سيارة سوداء، يهبط منها أخر من توقع قدومه، يمد يده ويقدم تحيته، هاتفًا:
_مش محتاج منك دعوة عشان أحضر فرح أخوك.
صافحه بحرارة، وبفرحة قال:
_نورت الدنيا كلها يا مراد باشا، أنا عارف بانشغالك بأخر مهمة كلفت بيها، فمكنتش عايز أزعج حضرتك .
منحه ابتسامة هادئة، وزُرقته تجوب الحفل من خلفه:
_قولتلك إنت بالذات عمرك ما تسببلي أي إزعاج يا عمر.
واسترسل وهو يشير تجاه الحاضرين:
_أنت عارف إن تواجدي هنا مش مستحب خاصة في ظرف المهمة اللي أنا مكلف بيها أنا والفريق، فإدخل نادي العريس أباركله، وبالمرة دكتور علي، وحشني.
سحب آدهم هاتفه، وأرسل برسالة إلى علي، بأن يحضر آيوب ويخرج به:
_بعت لدكتور علي وحالًا خارج يا باشا.
هز رأسه بتفهمٍ، بينما يشير له على محل السيارة المعتم،قائلًا:
_معايا شخص مهم جدًا، مبطلش كلام عنك وعن بطولتك في مهمة الميكروفيلم اللي بقت حديث الجهاز والداخلية كلها، فرصة ليك تتعرف عليه وتشكره على تأمين رجوع المدام.
علم آدهم بكناية الشخصية الهامة المذكورة، وقد صدقت ظنونه، حينما هبط الوحش من المقعد الخلفي للسائق، يقابله بحفاوة وتقدير لمجهوده، رغم علو رتبته التي تتساوى للجوكر وللاسطورة، فإذا بعمر يقدم تحيته العسكرية إليه، فأبعد كفه وهو يضمه بمحبة:
_مفيش داعي للرسميات دي، إحنا بره الشغل يا سيادة المقدم.
وتابع وهو يبتعد ليمنحه ابتسامة ثابتة:
_مبروك الترقية ومبروك لأخوك.
رد بارتباكٍ وعدم تصديق لما حملته مكانته بحضور قائده و"عدي الجارحي" بنفسه لتهنئته، فقال:
_الله يبارك في حضرتك يا فندم، أنا سعيد جدًا بتشريف سعاتك لينا.
وأضاف بامتنانٍ واضح:
_ومهما حاولت أشكر حضرتك على إنقاذك وتأمينك لرجوع المدام مصر مش هوفي حضرتك حقك.
رد بمهارة ورقي:
_ده أقل واجب نعمله لبطل عظيم زيك، اللي يفدي بلده بروحه نفديه هو واللي يخصه بأرواحنا.
وتابع بنفس ابتسامته الجذابة:
_أنا كمان بوصلك سلام ومباركة دكتور عمر، هو صراحة كان مصر يحضر معايا بس أنا كالعادة مبحبش الرغي فمجبتوش للأسف.
تصاعدت ضحكاتهم الرجولية، ليقطعها دخول علي وآيوب، فأسرع مراد يعانق علي في لقاءٍ ودي، يفسر مدى ترابط علاقتهما بالفترة الاخيرة، يسأله بلهفة:
_عامل أيه يا دكتور، طمني عنك وعن فطيمة؟
ربت على كتفه وهو يبث الطمأنينة له:
_احنا بخير يا مراد، اطمن جدًا.
وهمس له بصوتٍ منخفض للغاية:
_عايز أكدلك تعافي فطيمة بنسبة 99في المية، وبالمناسبة قريب هيشرفنا ولي العهد.
ابتعد يتعمق برماديتاه بحماس:
_بتتكلم جد؟؟
هز رأسه مؤكدًا له، فعاد يضمه بفرحة والراحة تستحوذ عليه:
_ألف مليون مبروك يا علي، حقيقي أسعدتني جدًا.
تبادلا العناق مجددًا وهو يجيبه:
_الله يبارك فيك يا باشا.
مازحه وهو يبتعد عنه ويتجه ليصافح آيوب:
_إنت اللي باشا، شكلي هتحفظ عليك قريب بالجهاز.
ضحك وهو يجيبه بمرح وعينيه تشير على صهره:
_معانا وسطة للاسف.
انطلقت الضحكات بينهم، حتى عانق آيوب بحفاوة:
_مبروك يا عريس، ألف مبروك.
ابتسم آيوب وأجابه:
_الله يبارك في حضرتك يا باشا، نورت الحارة كلها والله.
ربت على كتفه بامتنان:
_منورة بيك وبأخوك البطل.
التفت آيوب تجاه أخيه مبتسمًا بفخر، بينما أقدم عدي يقدم مصافحته الروتينية لذلك الغريب عنه:
_ألف مبروك.
صافحه بحرارة وهي يجيبه:
_الله يبارك في حضرتك يا باشا.
أنسحب عدي للسيارة بعدما ودع آدهم، وكذلك ودعهم مراد بعد أن منح آيوب ظرفا مطويا يحمل مبلغا ضخما من الدولارات وقد شدد بأنه هدية خاصة للعروسين، وبالرغم من رفض آيوب لذلك رفضًا قاطعا الا أنه وأمام اشارة أخيه قبل به.
غادروا على الفور لحساسية بقائهما بمثل تلك الاجواء الشعبية بوقتٍ كذلك، غادروا بعدما تركوا من خلفهم جوًا مثاليًا أنعشهم.
فعاد ثلاثتهم للحفل مجددًا، وقد كانت المفاجأة لا توصف، حينما وجدوا عُمران يبدأ بالغناء بناء على اصرار أهل الحارة.
وضعوا له مقعدًا بمنتصف الحفل، فرضخ لهم وبدأ يدندن بصوته العذب:.
«يا عشاق النبي
يا عشّاق النّبي صلّو على جماله
دي عروسة البيه تعالوا بنا نسندها له
آدي نور جمالها أهوه هل هلاله
يـا هـنيّـه للّـي ينـولها يـا هنـيّـالـــه
يــا قـمـر مــنـــــوّر سبحـــان مــن صــوّر
جولييت وسفيره عزيزة مــــين ده إســم مـزوّر
مين شاف كده بني آدمين راح تطلعي وحشه لمين
الأمّ لـــون اليــاسـمـين والأب عريض وسمين
يا سلام يــا حتّة سكّـره يا ترياق اللّي معــكَّره
يا عريسها يا زين ما التقيت
عريسك من يـــــومه آهـــو ملو هــــــــدومـه
اتهنّي به وافرحي به وكيدي اللّي يلــــــــوموا
فنجرته دي كلّها إيــه بحبوح اسم اللّه علـيه
يبدر بالألـف جنيــــه تقوليش ملاليم في إيديه
إن شا اللّه تملّي سبهللي على حسّك انت يا فلّلي
يا جنان يا ناس على ده تواليت
يا عشّاق النّبي صلّو على جماله
دي عروسة البيه تعالوا بنا نسندها له
آدي نور جمالها أهوه هل هلاله
يـا هـنيّـه للّـي ينـولها يـا هنـيّـالـــه
وما أن انتهى كان الحضور يتمايلون ويصفقون بسعادة، ومن الاعلى تراقب الفتيات ما يحدث بحماس بعدما ارتدين الحجاب، ووقفن يحضرن غناء عُمران حتى أنهى ختام الحفل، وصعد من بعده العريس بمفرده لينضم للعروس بالأعلى، جلس جوارها دقائق معدودة ثم ولج بها لمنزلهما الذي حمل جملة تتزين على بابه جملة بخط يد آيوب
«من خلف الأبواب بداية القصة، وقصتنا ستُبنى بالحب، وبالوفاء بوصية رسول الله!»
آيوب مهران.
ترك لها دليلا يطمن به قلبها من بداية الدخول لعالمهما، وكأنه يعاهدها من اليوم الأول بأنه سيوفي بوصية رسوله الحبيب، عليه أفضل الصلاة والسلام، ينزع الخوف والتوتر منه، بل يسلخه منها ويتركها تذوب بقراءة جملته، وقد رأى إنعكاسها بلمعة عينيها الغائرة، وجملتها التي نطقت بها فور إنغلاق بابهما:
_آيوب أنتِ كتبتي ليا ده.
تمعن بعينيها كالغريق الذي يستهدى لمنارته، ويديه تحتوي كفيها بحنانٍ، احتوى نبرته الرجولية:
_كتبتهالك من قلبي ومن جوه روحي يا سدن.
كسرت حواجزها، واندست بين ذراعيه، فأحاطها بعشقٍ تاركًا لذاته مساحة احتوائها، حتى وجدها تتعامل بطبيعتها دون أي وجود لخوف مرهون بينهما، فحرر صوته الهادر:
_إدخلي غيري هدومك واتوضي، أنا شوية وجاي وراكي.
هزت رأسها ببسمة خجلة، وما كادت بالتحرك حتى عادت تسأله باستغراب:
_صوت ده أيه!
تمسك بابتسامته المصطنعة وقال بثباته:
_مفيش حاجة يا حبيبتي، يلا ادخلي غيري.
انصاعت له و ولجت لغرفة نومهما، بينما اندفع آيوب للشرفة باحثًا عن موضع وقوف إيثان من فوق الشجرة القريبة من المنزل، فكان يناديه ضاحكًا:
_آيــــــــــــــــــوب.
خرج يصوب بصره الناري تجاهه، فوجد يونس يحاول أن يقنعه بالهبوط عن الشجرة، ولكنه لم يستطيع، بل زاد إيثان من صراخه المرح:
_الحاجة رقية أخدت مني 8 أجوز حمام لسيادتك، آحدفلي منهم جوز، يا تحدفلي تمنهم.
أشار له آيوب بغضب:
_وربي لو ما نزلت وعقلت يا إيثان لارش عليك مية.
تجاهل ما يقوله، وصاح ضاحكًا:
_طب بلاش حمام، شوفلي أي دكر بط تايه عندك في المطبخ، آحدفه أقسمه بيني أنا وابن عمك الغلبان ده.
ركل يونس قدمه وهو يصيح بعصبية:
_انزل الله يخربيتك فضحتنا، الناس هتتلم علينا.
ردد آيوب بعنف وحدة:
_يونس خده من هنا، أنا على أخرى منه أصلًا.
رد عليه بقلة حيلة:
_بحاول معاه زي ما أنت شايف.
واستطرد لايثان كأنه يناشد طفلًا صغيرًا:
_إيثو يا حبببي الحاجة رقية حاطه الاكل جوه، في حمام وبط ورومي ولحمة وكل ما لذ وطاب إنزل بقى الناس هتتلم علينا!
أشار من فوق فرع الشجرة:
_أبــــــــدًا مش نازل الا لما العريس ينزلي هو بنفسه.
صرخ فيه آيوب بغضب:
_أنزلك ازاي يا متخلف إنت، يونــــــس لم صاحبك!
غمز له ببسمة شيطانية:
_انت عارف مين اللي هيلمه!
******
على مسافة منهما، صعدت شمس بسيارة آدهم بعد أن وضع عُمران أغراضها الشخصية بصندوق سيارة آدهم، وعاون علي آدهم بمساندة أبيه بالمقعد الأمامي، ثم تحركت السيارة.
ومن بعده تحركت سيارة يوسف وجمال، ومن بعدهم علي، وكاد عُمران باتباعهم بعد أن تعطل بالخلف لضيق شوارع الحارة، فاتته رسالة استنجاد آيوب به، أحاط مقدمة أنفه بغيظٍ، ومال لزوجته وهو ينزع حزام السيارة:
_ثواني وراجع يا حبيبتي مش هتأخر عليكِ.
هبط يتجه لمدخل المنزل، فوجد يونس يحاول أن يجعل إيثان يهبط عن تلك الشجرة، أو يتوقف عن الثرثرة بالترهات، وفجأة وجد قبضة قوية تسحبه عن محل وقوفه، وتلقفه أرضًا بقوةٍ أفزعته، فسقط يتمدد بجسده أرضًا، وما كاد بالجلوس حتى وجد سكينًا حادًا، مسلطًا على رقبته والغضب يموج برماديتين أشد خطورة من مجرمٍ دولي هارب من العدالة، وصوتًا خشن يصدر منه:
_إسمعني عشان مبكررش كلامي ولا بدي فرصة مرتين، أنا هنسى كل الهبل اللي عملته ده بداية من موقفك السخيف بالبوتيك ونهاية بالطالعة الجنونية دي، هتعامل وكأنك عيل عبيط ومضطر أخده على قد عقله، هتقوم حالًا تنفض هدومك وترجع لبيتكم بمنتهى الاحترام المفقود عندك، وطول ما أنت ماشي هتفتكر إنك الحيلة، وأنا للأسف بديلك الفرصة لهذا الاساس، فهمتني؟
هز رأسه رعبًا من ثباته المرعب، وانفجار كلماته المرتبة بسرعة أربكته، فاذا به يبعد ما يحمله ويرتب مقدمة جاكيت بابتسامة خبيثة:
_شاطر يا إيثو، فكرني أجبلك كاندي عشان سمعت الكلام مرة في حياتك، يلا يا حبيبي إمسك في ايد بابا يونس وهو عارف الطريق وهيوصلك.
احتلت ابتسامة ضاحكة على وجهه وقال:
_طيب ما تيجي توصلني انت وتبات معايا لحد آذان الفجر، بدل ما تتبهدل في المواصلات وإنت راجع للحارة تاني.
تبدد غضب عمران، ورسم ابتسامة هادئة، بينما يحيط كتفه:
_إنت حابب تقلب مودك وتعكره ليه، صدقني أنت في أمان بعيد عني وعن دبشي.
منحه نظرة محتقنة وبضيق قال:
_يعني هتيجي ولا مش هتيجي؟
رد عليه بابتسامة غامضة:
_هعدي عليك بكره في الاتيليه أفطر معاك وأشرب الشاي بالنعناع اللي بتعمله.. بس لو رجعت تضايق ايوب تاني اعتبرني بسحب اتفاقي تاني.
ابتهجت ملامح إيثان بسعادة وغادر برفقة يونس الذي يهز رأسه ببلاهة وصدمة من انقلاب شخصية عُمران، غادر ايثان وهو، يتلصص إليه بنصف استدارة فوجده يتابعه بقامة مشدوهة، دون أن يرف له جفن، وببرود يخبره:
_إمسك في ايد بابا يونس ومتخفش، هيوديك لماما أكيد قالبة الدنيا عليك دلوقتي عشان تنيمك في سريرك وتغنيلك اغنية بيبي شارك.
انفجر يونس ضاحكًا، فسدد له ايثان نظرة مشتعلة، وخطى جواره يفور غيظًا.
استدار عُمران تجاه شرفة آيوب، فوجده يلوح له بسعادة، وتشفي بما فعله بإيثان، ضم عُمران اصبعين لحاجبيه باشارة له أن كل شيئًا تحت سيطرته، وغادر لسيارته بينما ولج آيوب للداخل، فوجد زوجته بانتظاره لاداء صلاتهما.
صلى بها بخشوع تام، ودعا ربه أن يجعلها زوجة صالحة له وأن يكون آمينا عليها، استدار يواجهها بدعواته وترك الآن أخر حاجز الذي كان يضعه بينهما تركه يسقط، بقوله العاشق:
_عمري ما كنت هصدق أن اللحظة دي هتيجي معاكِ، سبحان الله يهدي من يشاء.
ابتسمت وهي تخبره:
_الله سبحان وتعالى بيحب سدن عشان كده رزقه بآيوب.
ضحك على أجمل جملتها، وقال:
_ده يا بخته آيوب بيكِ والله، بس إبعدي عن المؤنث خالص لو ممكن.
صمتت قليلًا واقترحت حتى لا تزعجه:
_هل تريد أن أحدثك بالانجليزية مثلما يطالبني أخيك والمتوحش؟
ازدادت ضحكاته حتى احمر وجهه، وزحف تجاهها يبعد خصلاتها خلف أذنها وبرقة قال:
_لا، أنا بحب المكسرات وكلامك المكسر ده بحلي بيه، فمعنديش أي مانع تأكلي الحروف بينا، لكن بره اتكلمي انجليزي أكيد.
عبست في دهشة، لحقت نبرتها:
_إنتي عاوزة سدن تأكل حروف آيوب!! أنت بتتمسخري من سدن، مش في حروف بتتأكل أنا زعلان منك.
قهقه مجددًا، ومال يحملها عن الارض، ثم قال بمكر:
_المرادي هصالح بقلب جامد، اشهار وفرح وعملت، موافقة الشيخ مهران وأخدت، تخرج واتخرجت، شغل واشتغلت، من الاخر مبقاش في بينا عقبات!!!
قالها وسمح لنفسه بسحبها حول عالمهما الاول، وكما كان دخولهما للمنزل لاول مرة، كان الدخول لنفس العالم للمرة الاولى، حيث طغى فيه عشقهما وتبدد الخوف والارتباك وباتت رأية العشق ترفرف على أرض صلبة!
******
عكس عُمران وجهة سيارته، حينما شعر باختناق أنفاس زوجته، سلك الطريق ليصطف السيارة أمام النهر، وهبط يفتح باب السيارة لها، فاخفضت ساقيها وبقيت تجلس على المقعد، بينما جذب هو للكافيه القريب، يحضر كوبين من العصير، وحمل مقعد صغير، وضعه قبالتها.
قدم لها الكوب، وجلس يتمعن بها، راقبته بنظرة متوترة، جعلته يسألها:
_مالك يا مايا، من ساعة ما اتحركنا وأنتِ ساكتة مش بتتكلمي!
رفعت عينيها إليه، وقالت بحزن:
_مش عايزاك تسافر تاني يا عُمران ، أنا قلبي بيبقى مقبوض عليك وانت بعيد.
ترك الكوب من يدها أرضًا، ثم قال بصوته الرخيم:
_مايا خلينا نتكلم كلام الناس العاقلة، اللي في نصيبه شيء بيشوفه حتى لو كان نايم بسلام على فرشته، أنا مش مجبر أوقف حياتي كلها عشان حادثة اتعرضت ليها، أنتِ حزنك وزعلك مش هين عليا، بس عدم سفري مش حل يا مايا، طيب ما أنا مسافر لندن كمان شهرين في شغل، هل بردو هضطر أوقف شغلي عشان الخوف!!
هزت رأسها بنفيٍ، فضم جانب وجهها وقال:
_اطمني أنا كويس، هما يومين تلاتة وراجعلك باذن الله وعشان تطمني يا ستي، يوسف وجمال لازقين معايا، علي زاقهم عليا بشياكة، ومفكرني مش قافش الليلة.
واستطرد بسخرية:
_مش عارف أقنعه ازاي اني صايع والحركات دي قرعه ومكشوفة بالنسبالي!!
ضحكت على حديثه بشدة، فشاركها الضحك وهمس:
_أهو أنا كده قلبي حصله أنعاش طبيعي بدون ما يحتاج لصدمات كهربا!
ارتشفت كوبها ونظراتها العاشقة مدفونه بين رماديتاه، حتى انتهت من الكوب، فحمله عُمران واتجه لأقرب صندوق قمامة، وضعه وعاد يشير لها:
_تعالي نتمشى شوية، المكان هنا جميل أوي.
ردت بحرجٍ:
_مش هعرف أنزل.
عقد حاجبيه متسائلًا:
_ليه؟
تطلعت لحذائها المفتوح، ولبطنها المنتفخ، فلم تستطيع الانحناء لتعود لربطه من جديد، ففاجأها بعفويته حينما انحنى دون أي غرور يتهم ذاته به!
تراه سيد القوم، القوة الداهية لاسترجاع كل الحقوق، تفتخر بأنه لم ينحني يومًا، يروق لها أنه نقطة التلاقي لكل أفراد العائلة، حتى أصدقائه، هو ببساطة كمالة أي شيء لم يكتمل، ولربما تتوقع منه نفس التعامل الحازم ولكنه يعزل بقعتها عن شخصه المعهود، لقد تملك قلبها بحنانه، رقي تعامله، عاطفته، مشاعره، عشقه الجنوني، كل ذلك أكد لها بأنه سيدًا للجميع وخاضع لها!
لا يترك فرصة الا وعبر فيها عن حبه لها، حتى بتلك الخروجة القصيرة التي خصصها لها، ونهاية لمحاولته لعقد رباط حذائها المريح، ولم تحبه هي، فرفعت قدميها داخل السيارة، ناطقة باستحياءٍ:
_أنا هحاول أربطه لوحدي.
صوب بصره تجاهها، وجذب ساقيها خارج السيارة مجددًا، يعقد الرباط، هاتفًا ببسمة ساخرة وعينيه تراقب عقده للرابطة بشكلٍ مثالي:
_كل السرحان والضيق ده عشان بربط رباط الشوز!!!
نهض يستقيم بوقفته، ومال يستند على الباب المفتوح يراقبها بتمعنٍ، ثم هدر ببطءٍ:
_عاجبني أوي نظرتك ليا يا بيبي، في المجمل شخصيتي عجباكي، ولا حابة تضيفي أي تعديلات؟؟
زوت حاجبيها متسائلة بسخرية أضحكته:
_ولو عايزة أغير فيك حاجة تفتكر هعرف!!
انتهت ضحكاته الساخرة، حينما قال بثباتٍ مضحك:
_هتتعبي نفسك في محاولات فاشلة ليه، إنتِ مش حمل إرهاق وإنتِ في الوضع ده يا بيبي!!
لفت جسدها للجهة الاخرى، وهدرت بانفعالٍ:
_مستفز.
مال لنافذة السيارة يراقب ما تفعله، ثم قال:
_أنا جايبك هنا عشان نغير جو، مش نتخانق، لو طالبة معاكي نكد هوصلك وأخلع أنا مش بتاع نكد أنا!!
عبثت في صدمة:
_تخلع!! لا وفريدة هانم شادة حيلها عليا أوي، تيجي تشوف ابنها!!
منع ابتسامته من الظهور وإتخذ وضعية الجدية التامة:
_ماله ابنها!! سارق النوم من عيون ستات مصر كلها، وعينه مش شايفة غيرك إنتِ!
راق لها حديثه، فابتسمت رغمًا عنها، ورددت باستحياء:
_بجد يا عُمران، عينك مش شايفة غيري فعلًا، ولا كاميرا متنقلة على كل بنت معدية قدامك؟
تعمق بعينيها بتلك المسافة القريبة منها، ورسم بسمة طفى بها العشق:
_الكاميرا دي أنتِ موجودة في كل صورها يا مايا.
وضعت يدها على يده المستند بها على نافذة السيارة، وابتسامتها تسلب خفقاته، بينما تخبره بسعادة:
_أنا واثقة فيك وفي حبك ده، مستحيل أصدق فيك حاجة وحشة، لإني شايفة كل الحلو اللي جواك.
سحب كفها ومال يقبل باطن يدها بحنانٍ، فسحبت كفها داخل السيارة وهي تحذره بعينين جاحظتين، ونبرة تحذيرية:
_عُمـــــــــران!
ضحك على تصرفها، ومع ذلك ردد بنبرته المغرية:
_حبيب قلبه وروحه ودنيته وكل شيء بيملكه.
شاركته الضحك، وهتفت باستنكارٍ:
_إنت مش طبيعي على فكرة قولي أنت ضربت أيه في الحارة يا بشمهندس.
ازدادت ضحكاته بشكل جذب انتباه المارة، فاذا بفتاة تتمعن فيه بشكل جعل مايا تقول متعصبة:
_بطل ضحك ولا أنت مبسوط بنظرات البنات ليك، إنت أساسًا متعمد ده لا وطالع تغني في الفرح، وأنت عارف ان البنات واقفين على السطوح، إنت للاسف شخص لعوب وبتستمع بكده!
سيطر على ضحكاته ومال يسند كتفه للسيارة، وبخبث قال:
_على مهلك يا بيبي، العربية هتولع وإنتِ فيها، إشربي العصير هيهدي أعصابك.
لطمت تابلو السيارة بعصبية:
_متستفزنيش يا عُمران.
رمش ببراءة لا تمس له بصلة، وصاح بمكر:
_حبيب قلبي قلبه قوي على جوزه حبيبه ومن الصبح نازل فيه اتهامات بشعة، أنا كده مصر على المدة اللي هقعدها مع موسى.
وبغمزة همس بتسلية:
_يمكن البعد يخليك تحن يا جميل!!!
تبدل ضيقها لبسمة، وهبطت تستند على ذراعه، خطت جواره باستمتاعٍ لاجواء البحر الهادئة، فتسلل لها رائحة الذرة المشوية، فاستدارت تخبره:
_عُمران عايزة درة!
تطلع تجاه السيدة القريبة من الرصيف، وعاد يتفحص أماكن الاستراحات، عثر على بقعة آمنة، جوار فتاة تجلس جوار رجل كهل وعلى ما يبدو بأنه والدها.
تركها جوارهما، وغادر يحضر ما طلبت، بينما تسبح عيني مايا على تلك الفتاة التي بدت لها بأنها متزوجة وتحمل بجنينها الاول، حتى كانت تحمل بيدها روشتة الكشف والأدوية التي كانت تتناولها ببداية حملها.
حاولت أن تشتت نظرها على المياه، ولكنه كانت تعود كل مرة للتطلع إليهما، حيث اختلج قلبها حزنًا حينما وجدت الرجل يمنح ابنته ثمرة التين الشوكي ويقبل رأسها بحبٍ، بالرغم من بساطتهما الا أن حب الرجل لابنته وحبها له كانت تنطق بالكثير.
غارت عينيها بالدموع، وأسمى ما يحاربها أسئلة بدايتها لماذا؟؟
لماذا لم يمنحها أبيها هذة العاطفة والحب الذي افتقدته منذ طفولته؟
لماذا يحترق قلبها كلما تذكرت نهاية أبيها المؤلمة التي انتهت بالسجن؟؟
سؤال والاخر، انتهى بضمة تجتاحها، فوجدت عُمران قبالتها يضمها من محل وقوفه، حتى وجلس جوارها، يميل كالحاجز ليمنعها من رؤية هذا المشهد، بل بات هو محتل المشهد برمته أمامها، وببسمة رسمها بالكد رغم أن عينيه باتت غائرة حزنًا عليها:
_معقول تعيشي لحظة زي دي وأنا موجود، هو أنا مش كفايا؟؟ ولا فشلت أعوضك عنه يا مايا؟
مسحت دموعها التي انهمرت ما أن رمشت بجفنيها، وقالت بابتسامة مؤلمة:
_هو مكنش له وجود في حياتي أصلًا.
وسحبت نفسًا عميقًا وهي تراقب ما جذب انتباهها، فاستدار عُمران تجاه ما تتطلع، فوجد الرجل يغادر برفقة الفتاة التي منحت زوجته نظرة غامضة، فما أن تطلع لها حتى قالت بصوتها المحتقن وابتسامتها الهادئة:
_البصة اللي بصتهالي دي عكست ليا التساوي بينا، وعرفتني أد أيه أنا غلط.
حاول الوصول لقاعها، فسألها:
_ازاي؟
قالت بوجعٍ وهي تحمل الذرة الساخن تلتهمها بتشتتٍ:
_بصتي ليها كان غصب عني فيها استكتار لحب والدها ليها، ونفس البصة جات في عنيها وقت ما إنت ظهرت، ونفس الاستكتار.
وأضافت وهي تعود لعناق مُقلتيه:
_ربنا سبحانه وتعالى عادل، بيقسمها بالتساوي، أنا من شوية كنت حاسة إن أنا بس اللي عندي النقص ده، فربنا ألهمني أشوف بعنيا نظرة الحزن والاستكتار في عيونها، فإتاكدت ان ربنا معوضها بأبوها عن جوزها، يعني بالنهاية كلنا متساويين.
وضع يده خلف رقبتها، وقربها تستند على كتفه، ووضع رأسه من فوقه، ظلوا هكذا لدقائق انتهت فيه من الذرة، ولم يملك هو أي شهية لتناول شيء بعد رؤيتها هكذا، فنادته مايا بتعب:
_عُمران يلا نرجع أنا تعبت وعايزة أنام.
نهض يجذبها مبتسمًا:
_بس كده، أوامرك مجابة مايا هانم.
ضحكت بصوتٍ مسموع وعينيه تتبع ما بيده، فقالت بمرح:
_حيث كده بقى هات الدرة اللي معاك، ابنك أكل بتاعته وأنا لسه مخدتش.
قدمه لها والضحك يسيطر عليه، بينما يهتف بسخرية:
_تحبي نأخد الست بالفرن بتاعها القصر.
رددت بنزق:
_بايعني إنت لفريدة هانم!
فتح باب السيارة ومال يستند من فوقها، يهيم بنبرته التي أخجلتها:
_أنا شاري التراب اللي ماشية عليه، فازاي أبيع!
رفعت رأسها بغرور وقلدت نبرته:
_ميرسي على الاطراء يا بيبي.
ضحك وهتف باستنكار:
_أنا بيبي ازاي!! مش راكبة من أي زواية.
استدارت تخبره بعدما اعتلى السيارة:
_أنت بتعرف تعدل أي زوايا تدخلها.
رد وهو يقود لطريق عودته:
_الظاهر إنك تخطيتي ليڤل الكياتة ودخلتي على ليڤل الوحش، بس إوعي تنسي إنك تربية إيدي يا بيبي.
رمشت ببراءة مصطنعة ونعمت صوتها بشكل مضحك:
_قصدك إني مبقتش كيوتة يا سي عُمران.
مال للخلف من شدة الضحك، وفاه:
_الله، قعدتك بالحارة قلبت، أنا بقول نطلع على أي أوتيل، لإني حاليًا مش قادر أخوض معارك فريدة هانم الغرباوي.
اسندت ظهرها للمقعد، وبثقة قالت:
_ارجع على القصر واطمن انت في حمايتي.
منحها نظرة شملتها بسخرية:
_كده ضمنتها نار بعد ما كنت متعشم في الجنه.
ابتسمت وقالت:
_لا جنة إن شاء الله، انت بس ادعيلي بالقيام ربنا يجمعني بيك.
تلاشت ابتسامته وتذكر طريقه الغامض الذي قرر التحري إليه لينهي هذا العذاب، فشرد لدقائق لم يستمع فيها لنداء مايا المتكرر، حتى وضعت يدها على يده:
_عُمران روحت فين؟؟
رد وهو يصطنع ابتسامة:
_معاك يا حبيبي، كنتي بتقولي أيه؟
مالت على كتفه، وهي تهتف بتعب:
_بقولك إقفل الشباك بردانة.
أغلق النافذة الكترونيًا، وضمها بذراع والاخر يقود به، في محاولة لنزع الشرود عنه، فلقد حسم الامر وقرر أن يلجئ للخلاص، رغم معاناة ما سيقدم على فعله!!!
....... يتبع......
#الاقوى_قادم... #صرخات_أنثى.. #آية_محمد_رفعت..
الفصل هينزلكم الساعه 4 الصبح، وده معاد الريتش فيه بيكون واقع، فبتمنى متخذلونيش ونعلي تفاعل وتصويت الفصل، على الاقل يكون في تفاعل كويس على خاتمات الرواية، خلاص الرواية بتخلص تستحق تفاعل كويس نختم بيه، بحبكم في الله، وبانتظار تعليقاتكم الجميلة على الفصل، وبالاخص الواتباد، تعليقكم على كل جزئية في الفصل بتسعدني فوق ما تتخيلوا، فشكرًا جزيلًا ليكم، بحبكم في الله ❤
******________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 147 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#عودة_الطاووس!..)
#الفصل_الـ114.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات Mal Oka - Aesha Altaher Abdo
Nada Mohmoud ـ ميار نور الدين، إسراء وليد، شروق وليد، حنان، فرح العزيز، إيمان، آيه رضا، أميره عبد النبي، شهد سليم
Bosa mohamed
حنان الوكيل ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
جل المنادي
جل المنادي
ينادي ينادي
ينادي ينادي
ياعبادي أنا ماحي الذنوب والأوزار
جل المنادي
ينادى ينادي
جل المنادي
ينادى ينادي
ياعبادي أنا ماحي الذنوب والأوزار
إلهي إلهى
بنورك اهتدينا
وبفضلك استعنا
وبك أصبحنا وأمسينا
بين يديك نستغفرك.
رأسه مسنود للحائط، دمعاته تنهمر على وجهه، رغم أنه يغلقهما باسترخاء لصوت الشيخ نصر الدين طوبار، يشعر بالسكينة حينما يستمع لصوته، لقد انتهى من صلاة قيامه وقراءة ورده، وجلس يستمع لما أطرب به قلبه.
حرر عن رماديتاه القاتمة، ووخزة قلبه يزداد ألمها، لقد شارف على تنفيذ أبشع جزء كان يهرب منه، سحب "عُمران" هاتفه، يفصل التواشيح عنه، فإذا به يبتسم ويتجه للاستديو مشتاقًا لملامح الصغيرة، التي ظن أنه نساها، دقق النظر في ملامحها وابتسامته تزداد، حتى أنه أراد الصعود ليراها، ولكنه تراجع حينما تفقد الوقت المتأخر.
مرت عليه الدقائق، ومضى فيها يرتب نشر الفيديوهات التي أرسلها له فريق متخصص، قد عملت لانشاء فيديو يضم أزياء بوتيك "إيثان" بشكلٍ احترافي.
رفعه على حسابه الشخصي، وما كاد بغلق هاتفه حتى وجد عمه يضع قلبًا وتعليقًا على المنشور، فتشجع ليراسله كاتبًا.
«حضرتك صاحي؟»
رد عليه
«فيروزة هانم مش راضية تبطل عياط، فريدة لما زهقت إدتهاني ونامت هي!»
«أنا سهران لحد الفجر، ينفع أطلع أخدها»
«أنت بتستأذن عشان تطلع، معقول، راحت فين وقاحتك!!»
تجاهل رسالته، ونهض يصعد للدرج، وقف يطرق باب الجناح، ففتح أحمد وتعجب لبقائه بالخارج:
_مدخلتش ليه!
عبث حينما لم يجده يحملها:
_هي فين؟
رد وهو يتثاءب بتعب:
_جوه هجبهالك وراجع.
توجه للداخل وحملها بارهاقٍ شديد، ثم خرج يناوله إياها ويديه تهتز باجهاد، انحنى يحملها منه والضيق قد نزع مرءه، فقال:
_شايل كيس جوافه أنت، ما بالراحة عليها!! وبعدين ده غطى تغطيه بيها.
وزع نظراته المندهشة بينه وبين صغيرته، وبرر بصدقٍ مضحك:
_معرفش، أنا معنديش خبرة تعامل، دي أول مرة ليا!
منحه نظرة ساخرة، وكأنه يمتلك عشرة الأطفال،فتأهل بشهادة خبرة، فهم أحمد مضمون حديثه، فضحك ساخرًا من ذاته:
_هحاول أكتسب الخبرة، هدخل أجبلها بطانية تقيلة حاضر.
غاب لدقائق وعاد يضع حولها ما يحمله، وما كاد بأن يطبع قبلة على جبينها، سحبها عُمران وهو يحذره:
_قولتلك البوس ممنوع، لما قدامي بتعمل معاها كده من وراها بتهبب أيه؟؟!
فتح فمه ببلاهةٍ، وقال:
_عُمران دي بنتي!! غيران عليها من أبوها!!!
وكأنه جن ليفعلها، ضم الصغيرة له وقال:
_لو إتنقلها البرد اللي عندك ده ولا أي عدوى، هتبقى تقول للدكتور ببوسها عشان أبوها!!
ابتسم وهو يحاول أن يرسم الاقتناع على وجهه:
_عندك حق، خلاص يا سيدي ممنوع البوس، ها كده مرضي.
أحاط الصغيرة وهو يطول بنظرته إليه، وبخبث ماكر قال:
_عشان ترضيني التمن غالي.
استعد لمواجهته بقوةٍ، وشجاعة تحلى بها أخيرًا:
_حبيبي هما بيدوك عمولة على حالات الانفصال، لو كده هديك أنا العمولة وتسبني أعيش اللي باقي في حياتي بسلام.
توقع أن يشاكسه ردًا على حديثه، فخالف توقعاته حينما قال:
_لو عايز تراضيني خلي بالك من فريدة هانم، ومن فيروزة، متخليش شغلك يبعدك عنها، متفكرش إزاي تأمن ليها مستقبلها وتنسى تكون ليها أب وأخ وصديق، من حقك تفكر في شغلك اللي هيكون ميراث ليها بعد عمرًا طويل، حاول تلغي النقطة دي لإنها عمرها ما هتحتاج لحاجه طول ما علي موجود
وأضاف بعمق بدد النوم الذي كان يسيطر على أحمد منذ قليل:
_صدقني يا عمي المشاعر أثمن وأرقى بكتير من الثروة والأملاك.
قطع "أحمد" مسافتهما الفاصلة، والخوف والتوتر يحلقان فوق بقعته، فلفظهما:
_نبرتك غامضة بشكل يرعب، أنت ناوي على أيه يا عُمران؟؟
ضم الصغيرة لكتفه، وبابتسامته التي لم تصل لعينيه قال:
_هو عشان بنصحك نصيحة يبقى عندي نية لحاجة! أنا بفوقك من دلوقتي عشان متكنش نسخة من سالم الغرباوي ولا من عثمان الحقير اللي بسببه مايا بتعاني، أنا كل ما بشوف دموعها ببقى هاين عليا أروح أشرحه بإيدي.
كان صادقًا بما قال، لقد استطاع أن يوصل له مدى معاناته، وبالرغم من ذلك لم يستطيع أن يطمس الخوف والارتباك عن أحمد، الذي عاد يسأله بقلقٍ:
_عُمران أنا عارف إنك حاطط علي في مكانة الأب اللي أنا مش قادر أوصلها معاك، فلو أنت بتمر بشيء مش قادر تحكيه ليا روح لعلي وقوله، أنا مش مطمن عليك بعد الكلام اللي قولته ده بصراحة.
عدل من الغطاء حول الصغيرة، ومال يقبل جبهة عمه، ثم انحنى يطبع قبلة على كفه، وبحبورٍ قال:
_لو أنا مش بعتبرك من العيلة مكنتش وافقت على الجوازة دي وإنت عارف إني كنت أقدر أمنعها زي ما بردو تعرف يعني أيه عيلة بالنسبالي، كل فرد فيكم له مكانته وحبه الكبير عندي، حتى لو كل شخص مكانته لها ترتيب في قلبي، بالنهاية أفديكم كلكم بروحي ومن غير أي تردد.
أحاطه أحمد بمحبة صادقة:
_واثق من كل كلمة قولتلها، أنت روح العيلة دي وعلي قلبها اللي بينبض، لا تنفع تكون من غيرك ولا من غيره يا عُمران.
أنعكس توتر طفيف برماديتاه، تخطاه حينما قال بصوتٍ شجي:
_ولا من غيرك يا عمي.
ابتعد عن شق الحديث الجدي، ومازحه بحزمٍ:
_إنت كده بتضيع الوقت اللي هقضيه مع فيروزة قبل صلاة الفجر، قول إنك غيران وبتلهيني عشان ملحقش أقعد معاها.
جذب البيبرونة والحليب الخاص بها، وقدمه بابتسامة واسعة:
_خليها معاك لحد ما تتعود تنام باحترامها.
سدد له نظرة تحذرية، اتبعها خشونته:
_أنا أختي محترمة غصب عين أي حد، متعكش في الكلام بدل ما تندم يا أحمد يا غرباوي.
ضحك بصوته الرجولي العذب، وعدل من صياغته:
_خلاص حاول تقنعها إن عضمتي كبرت ومش حمل السهر ده.
أتجه للمصعد بابتسامة خبيثة، والمكر قد تساقط من حديثه:
_يبقى تعقل كده وتأخد القرار السليم، عشان غلطة كمان والبيبي الجديد هيطلعك على القبر.
هرع تجاه المصعد والدماء تغلو غضبًا، وهو يتمتم:
_آه يا وقح!!
تسرب له صوت ضحكات "عُمران" فأرغمه على التبسم، وعاد لجناحه يهرول لفراشه بنعاسٍ يطبق أنفاسه.
*******
الظلام يسيطر على المكان برمته، ومازال يمضي بطريقه تائهًا، استوقفه أنينًا مكتومًا، جعله يتتبع مصدره، فوجد شخصًا متكورًا على ذاته، يبكي بكاءًا غير طبيعي، وكأنه ينازع وجع شيء أصاب جسده.
انحنى يحيط كتفه، ليرغمه على رفع رأسه المدسوس بين ساقيه، رفع الباكي عينيه المتورمة إليه وناداه ببحة محت نبرته:
_علـي!
جحظت عينيه في صدمة، وعقله لا يستوعب ما يراه، لسانه تجلد حتى عن السؤال، كل ما يخرج عنه كلمة:
_عُمران!
رد عليه ببكاء مزق أضلعه:
_مش قادر أقف!
أحاطه علي بخوفٍ، وقدم له كل الدعم الجسدي، حتى تمكن من أن يوقفه، يعاونه ليتحرك معه، ولكنه لم يستطيع التحرك، مما جعله يعود لسؤاله:
_مالك؟
انقطع عنه الحديث، وظلت نظراته توازي أخيه، فتحول قميصه الأبيض لوابل من الدماء، فاندفع إليه يفتش فيه بفزع:
_مالـك؟؟
دار للخلف فصعق علي، بعد رؤيته جروح بالغة استهدفت جسده من الخلف، من أعلى رقبته حتى ساقيه، والدماء لا تتوقف عن الانهمار حتى صنعت بركة من حوله، جعلت الأخير يحاول الصراخ ولكن صوته كان كالهفوة التي اختنقت بالحلق.
فتح "علي" عينيه ونهض مفزوعًا على فراشه، العرق ينهمر على جبينه، ودقات قلبه تختلج عنفًا داخله، مال جواره يلتقط زجاجة المياه، ارتشفها بالكامل ومازال نبضه غير مستقر.
تفحص ساعته وخطف نظرة يتفحص بها زوجته، فوجدها تغفو في سلامٍ، أبعد الغطاء عنه وهرع للأسفل يبحث عن أخيه، وهو يعلم جيدًا بأنه بذلك الوقت يختلي بنفسه بالحديقة لقيام الليل.
اتقبض قلب "علي" حينما وجد سجادته مفروشة، ولجوارها مصحفه مغلق، وكأنه غادر للمكان، عاد للداخل ينزع هاتفه من جيب سرواله، يبحث عن رقمه، ولكن استوقفه صوت قادم من مطبخ القصر، فأسرع إليه.
عادت أنفاسه لمجراها الطبيعي، حينما وجد أخيه يقف بالداخل، حاملًا شقيقتهما على كتفه، ويصنع لها الطعام وهو يخاطبها بنبرة جعلت علي يبتسم لا إدرايًا:
_ثواني وأكل فيروزة هانم هيكون جاهز، من وقت ما أخدتك من مامي وإنتي قلقانه.
ورفع البيبرون يريها وهو يمازحها:
_شوفتي بقى أن قلقك وخوفك مكنش ليهم داعي، أخوكي بيعرف يتصرف رغم قلة خبرته، أنا بابي ناجح وأحمد الغرباوي هو اللي فاشل.
استدار بها ليعود، فتفاجئ بأخيه على باب المطبخ، يميل برأسه على الحائط ويتابعهما بملامح غير مفهومة:
_علي! بتعمل أيه هنا؟
استقام بوقفته ورنى إليه يكشف عن وجه الصغيرة بابتسامة جذابة، ثم مال يقبلها، وحملها منه، بينما يرفع بصره صوبه بارتباكٍ يحاول محوه بتصرفاته الشبه طبيعية:
_مفيش، مكنش جايلي نوم، فنزلت أتمشى شوية قبل صلاة الفجر.
ردد بحماسٍ:
_طيب هات فيري وإلحق صلي ركعتين قيام قبل الفجر.
انتزع حزنه ببسمة صغيرة، فعاد يضعها له مكتفيًا بهز رأسه، عبث عُمران بقلقٍ، فجذب البيبرون ولحق أخيه للحمام الجانبي، وقف يراقبه وهو يقف أمام حوض الاغتسال بشرود، فناداه:
_علي! أنت كويس؟
أفاق من شروده، ففتح الصنوبر وشرع بالوضاء وهو يهز رأسه دون اصدار أي صوت، مما فشل باقتناع عُمران.
انتظره حتى خرج وسأله سؤالًا مباشر:
_إنت مخنوق من حاجة؟
جذب "علي " سجادة الصلاة يفردها، ويثبت المصحف جواره ليتابع قراءته أثناء صلاة القيام، فالمستحب لصلاتها قراءة السور الطويلة، ويجوز حمل المصحف للقراءة منه في صلاة القيام.
انسحب عُمران للصالون المفتوح حينما وجده شرع بالصلاة، فترك له المساحة وغادر يطعم الصغيرة، التي استجابت له، مرر أصبعه على خصلات شعرها البني النابت بحنان، وهمس لها مبتسمًا:
_بكره هيطول متقلقيش.
ودس إصبعه بين كف يدها الصغير، فتحاملت عليه، فمال يقبل يدها، وقال ضاحكًا:
_أيه النعومة والكياتة دي كلها، احط ايدك في توست نوتيلا وأكلها ولا أعمل أيه؟!
هزت يدها بعشوائية، فتحرر عنه ضحكة مسموعه، ومال يخبرها بصوتٍ هامس:
_تمام تمام مش هسيب إيدك ولا هتخلى عنك أبدًا بس في مقابل للاسف ولازم توفي بيه، رجوعك يكون ليا في كل صغيرة وكبيرة، هتيجي في يوم تقوليلي أنا بحب فلان وعايزة أتجوزه هعلقك على باب القصر إنتي وهو، أنا كنت رحيم بشمس عشان كنت لسه داخل في علاقة حب مستجدة، لكن لما يجيلك الدور هكون طلعت على المعاش وعقلي هيكون أصغر من خرم الأبرة، أما عن خلقي فتقريبًا هيكون سافر مع شبابي، ها متفقين ولا عندك أي تعقيبات؟
_وهو في حد عاقل هيوافق على جنانك ده!
رفع بصره تجاه أخيه الذي أجابه على سؤاله بسخرية، فمازحه:
_أيه يا علي، أزاي تدخل علينا كده من غير ما تكح، بيوت الناس وأسرارهم ليها حرمة يا أخي.
اتجه إليهما، يجلس جواره، ثم حمل الصغيرة، يرفعها لكتفه ويطرق برفق على ظهرها بعد تناول الطعام، وقرر أن يجيبه:
_هي دي أسرار، دي عقدك النفسية اللي هتخرجها بدري بدري عليها، بس متقلقش يا حبيبي أنا موجود وهعالجك.
منع ضحكاته من الظهور بينما يخبره بجدية مصطنعة:
_أنا أحب شروطي تكون واضحة كلها من البداية.
هز رأسه بقلة حيلة، وعاد يضم الصغيرة على قدميه حينما وجدها قد غفت تمامًا، تردد إليه كابوسه السييء فجعله شاردًا.
تعجب عُمران من حالته الغامضة، وعاد يناديه:
_علي!
لم يسمع حتى ندائه بالرغم من قربه منه، فحركه برفق:
_روحت فين بقولك فيروزة خلاص نامت.
وزع نظراته بينه وبينها، فقال:
_هات هدخلها في الاوضة اللي جوه.
منحه إياها وانحنى يستند على ساقيه، فاركًا يديه معًا، غاب عُمران دقائق وعاد إليه مصرًا لمعرفة ما به:
_في أيه يا علي أنت مش طبيعي خالص!
سند ظهره للأريكة، وإرخى يديه من فوقه:
_أنا كويس، متقلقش.
ترك محله ونهض يجاور محل جلوسه، وبنظرة جعله يستطرد:
_شوفت كابوس ومتحاولش تضغط عليا عشان أحكيه.
ارتسمت ابتسامة حزينة على وجه عُمران، وهتف:
_لما بنحلم بحد حلم وحش بيكون أول شخص بنجري عليه أول ما بنصحى، فنزولك هنا بيأكدلي إن الكابوس كان ليا صح.
ظهر الوجع بمُقلتيه، وبحشرجة زبحت قلب عُمران هدر:
_بقيت شاعر كمان، أنا هطلع أكمل نومي، وهسيبك تنظر براحتك.
استوقفه بندائه، وإشارته لقدميه:
_تعالى أرقيك يا علي.
استدار تجاهه مندهشًا، فوجده يتطلع له بجدية تامة:
_مش هتعرف تنام صدقني.
تكوم الوجع داخله أكوام، وبتلك الجملة جعلته يتجه إليه، تمدد على الاريكة، واضعًا رأسه على ساقيه مثلما يفعل هو، فوضع عُمران يده على جبينه وأخذ يرتل بصوته العذب من آيات القرآن الكريم، صوته جعل علي يقشعر من شدة الخشوع، يدعو بداخله أن لا يتحقق حلمه مع أنه يعلم أن أخيه لن يتراجع عن ذلك.
مضت بهما الدقائق ولم يغفو لعلي جفنًا، لقد حال الكابوس بينه وبين نومه، فاذا بهاتف عُمران يصدح عاليًا، سحبه من جيب جاكيته المنزلي، يهتف بتعجب:
_إيثان!
نهض علي يستقيم بجلسته جواره، بينما يجيب عُمران بدهشة من توقيت المكالمة، فوجده يقول:
_اتاخرت ليه يا خواجة، مش عوايدك يعني تيجي المسجد متأخر، أنا واقف في البلكونة من ساعتها واستغربت اما ملقتش عربيتك، فنزلت سألت الشيخ مهران وقالي انك شكلك مش جاي النهاردة!!
رفع ساعة يده يتفحص الوقت باستغراب:
_أنا اتلهيت ونسيت خالص، وللاسف مش هلحق أجي، هصلي مع علي بالمسجد اللي بيصلي فيه جنب البيت.
=يعني أيه مش هتيجي تفطر معايا، إنت وعدتني يا خواجة.
ردد بسخرية مضحكة:
_إغريني وأنا أجي.
ضحك وهو يخبره:
_طعمية وفول من عند أم عزت، وبنتجان مخلل، وهجيبلك فطير وعسل وجبنه قديمة من اللي قلبك يحبها.
ابتسم وقال:
_هقاباك بعد ساعه في الجيم وننزل بعده نرتكب الجناية دي.
بحماس رد:
_هستناك.
أغلق عُمران الهاتف، وأشار إلى علي:
_يلا يا علي.
منحه ابتسامة جذابة، وقرر أن يشاكسه:
_ابتديت تنفذ كلامي، فبدأت بتطوير علاقتك بإيثان.
ترك الهاتف عن يده، وقال مهمومًا:
_بحاول والله، أنت عارفني دبش ومش بقدر أسيطر على لساني، أنا كل يوم بالشغل بشد مع حد من الموظفين وأرجع ألوم نفسي تاني!
وأضاف بحرج:
_بقيت بعتذرلهم أكتر، ما بديهم راتبهم!
ضحك علي، فعاتبه عُمران بضيق:
_بتضحك! علي ده عيب بشع فيا، ومش قادر أتخطاه، أول ما بتعصب بتحول 360 درجة، أنا بفكر أعين آيوب مكاني مع جمال، لاني مش بقدر أتعامل مع الموظفين، أنا برجع بليل افتكر الناس اللي زعلانين مني بيطلعلي لستة تدخلني جهنم حدف.
وأضاف وهو يغلق زر جاكيته استعدادًا للرحيل:
_عايز أعلق ورقة على وشي، إني جوايا بلطجي بيتلكك على أي كلمة تعصبني عشان يخرج، وأفضل أنا أحمل ذنوب من وراه!!
قيد علي مجال حديثه، بثباته الرزين:
_إنت إنسان يا عُمران مش ملاك نازل على الارض بجناحين، طبيعي إنك بتتنرفز وبتغلط زي أي إنسان، عارف إنك عصبي زيادة عن اللزوم بس مازلت بتحاول ولو فشلت كفايا أنك بتراجع نفسك.
ضحك مستهزأ:
_أراجع نفسي بعد أيه؟ أنا أي حد اشتغل أو إتعامل معايا، بيطلع يقول ده مغرور وشايف نفسه.
أمسك بعصب الحوار، فاذا به يشرق جانبه المعتم:
_لو مغرور مش هتعتذر لما تغلط.
_وليه أغلط من الاساس، ليه أخرج الغلط مني وأرجع أعاتب نفسي عليه!!
قالها مستنكرًا تقبل أخيه لعيوبه، فلم تهتز ثقة علي، وقال بصلابة:
_لنفس الاجابة اللي قولتهالك من شوية، لانك بني آدم مخلوق من طين، فعندك عيوب زي كل البشر.
ضم شفتيه ضيقًا، وراقب أخيه في محاولة لنطق القادم، فتشجع بالاعتراف:
_وعندي الأنا عالية عندي أوي يا علي، مش بحب حد يعلي عليا، هعمل في دي أيه كمان!!
ضحك على تكشيرته، فبدى وكأنه يتعامل مع طفلًا صغير:
_ولا حاجة، هتحاول تقلل الأنا اللي مضيقاك دي، ولو صدف وقبلت حد بيحاول يشوف نفسه عليك مع إني أشك في ده، حاول تتجاهله.
صرخ فيه بحدة:
_أتجاهل مين، ده أنا أطلع روح أمه لو فكر يتمنظر عليا!!
راقبه بصمتٍ ثم توالت ضحكاته، بينما يشتد عبوس عُمران معاتبًا:
_صدقت إن صعب أتغير!!
وأضاف وهو يقييم أخيه بنظرة طويلة:
_هو أنا ليه مطلعتش هادي ومتواضع زيك يا علي؟
زحف بجسده حتى بقى مقابله:
_هو إنت أيه مفهومك عن التواضع يا عُمران!
هز كتفيه بحيرة:
_مش عارف، بس أنا شايفك متواضع.
ابتسم بحنان ودفء وصل لأخيه من محله، وقال بعقلانية:
_لو إنت مش متواضع مكنش في علاقات صداقة في حياتك من حارة الشيخ مهران، ولا كنت حافظت على علاقتك بموسى وصابر، عُمران أنت أبعد ما تكون عن الغرور والتكبر.
وتابع علي حينما وجده يستمع بكل اهتمام له:
_لو شايف إني هادي فده راجع لطبيعة شغلي، ودي ميزة بس بردو عيبها خطير، أنا في حياتي الاجتماعية مبقدرش أكون صداقات ولا بعرف اندمج مع أي حد، بحس إن طاقتي ومقدرتي مش كفاية عشان أدخل حد في حياتي.
وأوضح بحديثه المستفيض:
_عند أولويات وهي عيلتي، آه بقدر أدي مساحة لكل شخص بره العيلة سواء مريض أو شخص معرفة، بس هو ده أخري ظهوري لحل مشكلة فقط، لكن إنت عندك المقدرة تكون صديق ناجح وتأدي دورك بردو مع عيلتك بشكل ناجح.
واتسعت بسمته وهو ينهي حالة الجدال القائمة بعقل أخيه الأصغر، بحديثه الذي ضمد كل جروحه:
_لا أنا كامل ولا إنت كامل يا عُمران، كلنا فينا عيوبنا ومميزاتنا، فأوعى تكره نفسك، حاول تغير الوحش اللي فيك، عاتب نفسك بس متجلدهاش إنت بالنهاية بشر.
وقف علي يشير له:
_ويلا علشان نلحق صلاة الفجر.
هز عُمران رأسه مبتسمًا، ونهض يتطلع له بنظرة عميقة، ودفع ذاته إليه، يضمه بكل مشاعر الحب الساكنة لقلبه، اتشحت البسمة على وجهه، فبادله الضمة بشدةٍ، وأقسم بأنه هو من كان بحاجة لضمه بعد رؤيته لهذا الكابوس البشع.
قاطعهما صوت الآذان، فابتعد علي بعدما سيطر على مشاعره ومسح دمعاته الغائرة، ثم قال:
_هنتأخر، يلا.
خرجوا معًا للصلاة، بعد أن تركوا الصغيرة برعاية المربية الخاصة بها.
*******
أنهت صلاتها، ونهضت تعد الفطار الصحي المعهود لزوجها، والتي باتت تدمنه لحبه الشديد له، وخاصة الأفوكادو، اعتادت أن يعود من المسجد يشاركها طعامًا خاص بهما فقط، قبل تناوله برفقة الجميع بالتاسعة صباحًا، حتى ولو كان ذلك يقتصر على طبق من الفاكهة.
أغلق "علي" باب الجناح، ومضى شاردًا للداخل، حتى إنتبه لها تقدم له ابتسامة يعشقها هو، رؤيته لتلك الراحة المنبعثة منها يزيل همومه، عينيها التي تجدد فيهما أمل الحياة بعد قتامتها وتمنياتها للموت.
سحب نفسًا يستمد به طاقته ونشاطه، ثم أتجه إليها مبتسمًا، فقالت:
_صباح الخير يا علي.
رد بصوته الدافئ وهو يسحب مقعدًا قبالتها:
_صباح المسك يا روح قلب علي.
اتسعت بسمتها فرحة لدلاله المعتاد لها، فجلست قبالته باسدالها الرقيق، تعد له شطيرة خفيفة بالافوكادو مثلما يحبها، قدمتها له، فتناولها هاتفًا:
_تسلم إيدك.
تناولها بخفة وهو يتابعها تحاول صنع ما ستتناول، فاذا بها تترك كل شيء وتجذب بعض حبات الزيتون المخلل، قرب "علي" يده يقبض على كفها المغلق وببسمته الهادئة قال:
_رجعي اللي أخدتيه للطبق يا فطيمة.
رسمت الحزن على ملامحها حتى يترك معصمها:
_مش جايلي نفس للأكل، يمكن لما أكلهم نفسي تتفتح.
بقى بنفس ابتسامته وصبره:
_رجعيهم مكانهم، أنا عارف نفسك هتتفتح بأيه.
عبثت وهي تترك ما بيدها له بضيقٍ، فضحك وهو يتأمل انزعاجها الواضح، نهض علي يتجه للبراد، يحمل بعض الفواكه ويتابعها وهي تستند على كفيها المسنود على الطاولة بغيظٍ، ضحك وهو يمضي للكورنر الجانبي، يضع ما بيده بالخلاط للكهربائي، ويهتف بمرحٍ:
_متزعليش يا حبيبتي، ثواني وبابي راجعلك بحاجة هتحبيها وهترجعي لحضنه مكافاة ليه!
طعنته بنظرة مستهزأة، وعادت تتطلع أمامها، فازدادت ضحكاته، وهي تحاول حجب ابتسامتها على كلماته التي تستهدفها ليكن محور اهتماماتها رغمًا عن أنفها!
عاد بعد دقائق يحمل الكوب، جلس وهو يضعه من أمامها، كانت تشتهي الموالح ولكن في اللحظة التي تأملت بها ألوان الكوب الطبيعية اشتهت أن تتذوقه، فجذبت الشلموه، وبدأت تتذوقه، فاذا بها تبتسم وتمتص جرعه كبيرة، هاتفة باعجاب:
_الله يا علي، ده جميل أوي.
منحها بسمة عاشقة، وقولًا دافئ:
_هعملك غيره لو خلصتيه.
قالت تجاريه:
_هأخده معايا الشركة، عندنا حاجات كتيرة مهمة لازم تخلص النهاردة لإن عُمران مسافر بكره.
غامت رماديتاه بسكون، نمى له بأفكار، ختمها بقوله الغريب:
_فطيمة، أنا عارف إن اللي هقوله ده غريب، بس من فضلك ممكن تعمليه بدون نقاش.
تركت الكوب من يدها، وتساءلت باهتمام:
_أعمل أيه؟
تعمق بعينيها ليسترعي انتباهها لما سيقول:
_لو لاحظتي حاجة مش طبيعية على عُمران، بلغيني بيها فورًا.
ساقها احساسها لوجود خطبًا ما:
_ليه يا علي، هو في حاجة؟
استكمل تناول طعامه وهو يتصنع طبيعته:
_أبدًا، أنا بس قلقان من موضوع سفره ده، المرة اللي فاتت اتهاجم لما فكر ينفذ مشروع واحد بس، المرادي رايح بمشروعين، ورافض أي حماية من الشرطة، إنتِ عارفاه دماغه ناشف وعنيد.
تفهمت ما قاله، وحاولت أن تطمن قلبه بكلماتها:
_اطمن يا علي، المرة اللي فاتت كان بيوصله تهديدات على حسابه وكنت بشوفها، لكن المرادي مش بيوصله حاجة لان اللي بيهددوه اتقبض عليهم، فاعتقد أي حد هيحاول يعمل كده هيخاف وهيفكر ألف مرة، عشان ميبقاش مصيره زي اللي راحوا.
تصنع ابتسامة صغيرة، يخفي بها توتره الشديد، لجئ لسبب وهمي ليبلغها بأن تراقب أخيه بشكلٍ غير مباشر، فلم يعد هناك خطورة على حياته بتنفيذ مشاريعه، الخطر الحقيقي يكمن بقراراته وفيما هو ماضي إليه!
*******
ارتدى ملابسه الرياضية، وانحنى يربط حذائه الرياضي، ارتدى قفازاته السوداء لتساعده على حمل الاثقال، وجذب حقيبة ظهره يضع بها بذلة أنيقة وحذاء يليق بها، البرفيوم الخاص به ومشط صغير، حتى ساعته الفخمة لم ينساها، ومشروبه الذي يتناوله بالجيم وضعه بها.
حملها على كتفٍ واحد، وانطلق تجاه فراش زوجته، اندهش حينما لم يجدها مستيقظة ككل يوم لقضاء صلاة الفجر، حتى وإن استغرقت بالنوم كانت تستيقظ فور شعورها به بالغرفة، انحنى عمران تجاهها، وناداها بخفوت:
_مايـا.
تمتمت بخفوت ومازالت تسبح بنومها، مرت يده على خدها وهو يعود لندائها:
_مايــــا.
فتحت عينيها بتعبٍ يبوح به احمرار حدقتيها، راقبها والقلق قد ساوره:
_مقومتيش تصلي ليه؟ وعنيكي مالها حمرا كده؟
أجابته بصوتٍ جاهدت لتجعله طبيعيًا:
_روحت في النوم ومحستش، هقوم أتوضى وأصلي حالًا.
مرر يدها على خصلات شعرها الغير مرتب:
_لو تعبانه صلي وإنتي قاعدة.
هزت رأسها ونهضت تهاجم تعبها، الذي يجعل الكسل يكاد أن يتمكن منها، ولجت للمرحاض، وخرجت بعد دقائق، فوجدته مازال يجلس بالخارج، فتسائلت بدهشة:
_إنت لسه هنا؟
ابتسم له بجاذبيته التي لحقت نبرته الرخيمة:
_مش جايلي قلب أمشي الا لما أطمن عليكي يا بيبي.
أبعدت المنشفة عنها وقالت بابتسامتها الفاتنة:
_أنا كويسة، روح إنت عشان متتأخرش على معادك في الشركة.
نهض يجذب اسدالها، ناوله إياها ، ثم ثبت سجادتها ومقعدًا يريحها به، ومال يقبل رأسها:
_حاضر، خلي بالك من نفسك، ولو احتاجتي حاجة اتصلي بيا، اتفقنا؟
أكدت بايماءة رأسها، فغادر بعدما شعر بأنها تحسنت، ومضت مايا بقضاء صلاتها.
*******
وصل "عُمران" إلى حارة الشيخ مهران، قاصدًا الجيم الرياضي، شرع بأداء تدريباته، حتى انتهى تمامًا بعد ساعة كاملة، فجلس يجفف وجهه بالمنشفة، ويرتشف بعض المياه، ثم جذب هاتفه يراسل إيثان متعجبًا من عدم حضوره، فوجد هاتفه مغلقًا.
حمل حقيبته وإتجه إلى البوتيك، فوجده يجلس بالداخل ويبدو أنه ينتظره، ترك حقيبته على إحدى المقاعد، وجلس أمامه يتطلع له بدهشةٍ، لم تصل لنبرته الساخرة:
_خلعت من الجيم ليه يا إيثو، مالكش في لعب على غير ريق، ولا خايف تقع من طولك؟
طالعه بصمت كان يزيد من دهشة عُمران، حتى حطمه بسؤاله:
_إنت ليه بتعمل معايا كل ده؟
رمش ببراءة، مدعيًا عدم فهمه:
_عملت أيه؟! ما تخش دوغري وتفكك من تكشيرة وش الستات دي!
سحب هاتفه وسلطه بوجه "عُمران" الذي منحه نظرة قصيرة ثم قال بثبات:
_أوه غيرت صورة البروفيل، مبروك!
صفق الهاتف على الطاولة، وصاح بغضب:
_خواجة متصعش عليا، أنت عارف أني بوريك عدد المتابعات اللي زاد، ولما استغربت الحوار، اكتشفت انك عاملي ترويج على صفحتك!
وأضاف والحيرة تقطر من حديثه:
_في أيه رفضت اني اصوركم وكنت معارض الفكرة وفي أيه نزلتها، وأنت ليه بتساعدني وبتعمل معايا كل ده أصلًا!
وتنهد وهو يعبث بتفكيرٍ لفظه بسؤاله الأبله:
_خواجة هو انت عندك فشل كلوي وعايزني أتبرعلك بكليتي، فبتغرقني بجمايلك عشان أوافق؟
أغلق عُمران عينيه وسند رأسه للمقعد الخشبي من خلفه، فرطم القلق إيثان الذي أخذ يتساءل:
_خواجة، مالك؟!
أجابه ومازال يغلق عينيه:
_بتمرن.
زوى حاجبيه باستغراب:
_على أيه؟
اجابه بنفس وتيرة الهدوء الخطير:
_على تطبيق نصايح دكتور علي، ههدى وأرجعلك.
ضحك وهو يتمازح:
_طيب ما تتأخرش عليا، أصلك بتوحشني.
انتصب بوقفته يستغل انحناءته للاطمئنان عليه، فقبض ياقة قميصه بيده وبالاخرى يخنق اوردته، وابتسامته الشيطانية تحتله بفظاظة نبرته:
_مقدرش أتأخر عليك يا إيثو، ده أنت حبيبي.
ابتلع ريقه بارتباك من انقلاب معالمه لشيء لا يمت للهدوء بصلة، بينما يستكمل عمران بابتسامة خطيرة:
_أنا أقول على نفسي صايع، أقول على نفسي بلطجي، أنا حر لكن أنت No يا إيثو، مالكش مطلق الحرية تقول عليا صايع، ولا ترمي إفيهات عليا أنا، لاني وببساطة هفلق جبهة أمك ووقتي، فأهدى كده وإعرف تمامك، ده لو عايزنا نمشي في نفس السكة مع بعض.
هز رأسه بكثرة، وهو يقول:
_فهمت، اهدى انت بس وصلي على النبي.
ضحك على حديثه، وقال:
_عليه أفضل الصلاة والسلام، إنت كده عرفت المهدأ النفسي ليا.
قالها وعاد يجلس محله، يضع ساقًا فوق الاخرى، وهو يطرق مكتبه باصبعيه مطلقًا صفيرًا مستمتعًا، والاخر يراقبه بصمت، تمزق حينما سأله عُمران باستهزاء:
_كنت سامع ان في فطير وفول وطعمية، كلامك ساح بدري بدري يعني!
نهض يخبره بسعادة رسمت إليه فجأة:
_بجد هتفطر معايا؟
ضحك وهو يجيبه:
_وأنا من أمتى برجع في كلامي، قولتلك هاجيلك وهفطر معاك، واديني جيت وواقع من الجوع بعد الجيم.
أبعد المقعد وهرع للخارج يخبره:
_هـــــــــواااا.
غادر إيثان تاركًا عُمران من خلفه يلهو بهاتفه، وحينما ولج للبوتيك بعض الشباب، نهض يساعدهما باختيار ما يناسبهما، وحينما عاد ايثان يحمل صينية الطعام، وقف على باب المحل مندهشًا، حينما وجده يضع المشتريات بالاكياس البلاستيكة التي تحمل شعار البوتيك، ويقدمها لهما بابتسامة لابقة، ويضع الاموال بدرج الخزانة الخاص بإيثان.
دنى يضع الصينية على المكتب الفاصل بينهما، رفع عُمران الغطاء الابيض عن الطعام، وبدأ يتناول طعامه بنهمٍ، بينما يراقبه ايثان مشدوهًا، حتى انتبه له الاخير، فردد بذهول:
_مبتاكلش ليه؟
تنهد بارهاقٍ وقال:
_هو إنت دنيتك راسية على أيه يا خواجة، حيرتني معاك، لسه من شوية نافش ريشك عليا عشان تفكرني انك طاووس ووقح، وادخل القيك بتعامل الزباين بمنتهى التواضع، هو إنت مين بالظبط؟!
قهقه ضاحكًا، وقال:
_والله يا إيثان أنا نفسي ما أعرفش أنا أيه، بس شوف أيًا كان اللي أنا عليه فأنا معجب بيا، مبحبش أكون مفهوم لحد، فكده أنا متكيف بصراحة.
زم شفتيه بعدم رضا، وشرد مجددًا، فصاح عُمران بضيق مصطنع:
_هتأكل ولا أقوم أغير هدومي وأمشي، أنا ورايا شغل ومش فاضي للعب العيال ده!
قال يستجديه بهدوء:
_ طيب رسيني على حوار الصفحة ده!
زفر بنزقٍ، وسحب المناديل الورقية يجفف يديه، ثم قال بنبرة عقلانية بعض الشيء:
_أنا مكنتش معارض الفكرة نفسها، بس إنت مستفز وعارف إني مش بحب لوي الدراع، ده بالنسبة لتبرير طردك من البوتيك، بالنسبة للمتابعات اللي زادت عندك فده راجع لشغلك مش ليا، الموضوع بس كان عايز شوية ذكاء في الدعايا.
دى لا يستوعب ما يقول، فشرح له عُمران:
_فكرة القناع كانت كلاسكية وظريفة، وكمان في وسط الحارة ده شيء ملفت ويعمل جدل، وهو ده المطلوب، يعني لو أنا مثلًا صورتلك علبة جبنة في وسط سوبر ماركت، هتهتم تدقق في الصورة وتشوف التفاصيل اللي جواها، لانك خلاص عقلك راسملك باقي التفاصيل من قبل ما تبص فيها، سوبر ماركت هيكون فيه ايه طبعا غير الجبن وكام حاجة معروفين، لكن لما أخد علبة الجبنة وأحطها في مكان مختلف عن مكانها وأحط مثلا حواليها أي نوع شوكولاته، التصوير نفسه هيبقى مستفز وملفت، وده اللي عملته لما صورت بره البوتيك.
وانهى حديثه بجملة:
_فهمت! ينفع أكمل أكلي بقى ولا هنقضيها رغي!
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه، وقال بامتنان:
_خواجة إنت راجل مجدع وابن بلد، أنا مبقتش عارف أشكرك على أيه ولا أيه؟
سحب قطعه الفطير يتناولها وهو يخبره:
_أشكرني بإنك تسيب آيوب في حاله، ده عريس وفرحه جيه بعد عناء وصبر، فلم روحك شوية عشان ما أريحكش منها.
تساءل بعدم فهم:
_تريحني من أيه؟
أجابه ببرود مضحك:
_وحياة الست الوالدة تركز معايا، مبعدش كلامي مرتين أنا!
*****
فتح عينيه بانزعاج حينما تسلل له رائحة حريق، جعله يسعل مرارًا، وما زاده رعبًا حجم الادخنة التي وجدها أمامه، فانتفض بالفراش يبحث عن زوجته، وحينما لم يجدها هرع للخارج يناديها:
_سـدن!!
انتبه للمطبخ القادم منه الادخنة، فصعق حينما وجدها تحاول انقاذ المقلاة التي تفحمت من النيران التي أشعلتها.
أبعدها آيوب للخلف، صارخًا فيها:
_ايدك، حاسبي.
وحمل المقلاة بآحدى الاقمشة، ثم أسرع بفتح الصنوبر فوقها، وفتح النافذة وشفاط الهواء، استغرق الامر خمسة وعشرون دقيقة حتى هدأت الأجواء، وعادت الرؤيا تتضح له، فوجدها تجلس على سفرة المطبخ باكية، وبتلعثمها الذي يعشقه قالت:
_أنا آسف آيوب، أنا كان عاوز يعملك ليك أكل كتير ويصحيك تأكل، بس مش عارف حصل أيه!
تبدد خوفه وتوتره اللحظي، لابتسامة ناعمة:
_طيب ومصحتنيش ليه؟
رددت وشفتيها تميل للاسف:
_كان عاوز اعمل ليكي مفاجأة.
وضع يديه بمنتصف خصره، وأخذ يراقب الاضرار التي ستحتاج لنظافة عميقة، هاتفًا بسخطٍ:
_هي فعلًا مفاجأة!
وعاد يتطلع لها مجددًا:
_هتساعديني لما نتاوي الجريمة دي، ولا أبلغ عنك الحاجة رقية؟
ردت بكل تأكيد:
_هساعدك آيوب، بس بسرعة قبل الحاج ركيا ما يجي.
ضحك بصوته كله، ومال يقبل يديها، قائلًا:
_يلا يا أخرة صبر آيوب!
*******
بالأعلى.
حزمت "خديجة" حقيبتها الصغيرة، وقد وضعت بها القليل من الملابس، ثم خرجت ليونس الذي جلس ينتظرها، فما أن رآها حتى استقام بوقفته قبالتها.
أخفت وابل الخوف الممطر بعينيها، ورددت:
_أنا جاهزة يا يونس.
ازدرد ريقه القاحل ببطء، وحرر نبرته:
_مصرة بردو متعرفيش حد.
تركت ما تحمله وقالت بخجل:
_الموضوغ محرج بالنسبالي يا يونس، مش عايزة حد يعرفه، وكمان أنا أجلت العملية لبعد الفرح، ده التوقيت المناسب، الكل مشغول بآيوب وسدن، محدش هيركز معايا.
وأضافت بنغزة اتتقلت لقلب زوجها تلقائيًا:
_أنا مش عايزة حد يعرف أننا مش قادرين نعيش حياتنا بشكل طبيعي يا يونس، أنا عارفة انك مستحيل تتكلم مع حد في أي شيء يخصنا، لكن مجرد ما حد يعرف اني عملت عملية تجميل، يبقى كل اللي خبيته اتعرف.
اخشوشنت نبرته الحادة:
_اللي يعرف يعرف يا خديجة، محدش هيحاسبنا على حياتنا، إحنا مرينا باللي لا يمكن حد يقدر يتحمله، فمفيش حد هيكون عنده الجرأة يجي ويتكلم في شيء.
ردت بحزن شديد:
_محدش فاهم ولا عارف حاجة عن اللي مرينا بيه غير الشيخ مهران والحاجة رقية وآيوب، دول اللي هيقدرونا وهيشلونا فوق راسهم، أنا هعرف الحاجة رقية بس لما نرجع.
هز رأسه بتفهم، وانحنى يحمل الحقيبة، قائلًا:
_فارس هيفضل مع ايثان، أنا فهمته اننا رايحين فرح حد من أهلك وهنرجع بعد يومين.
منحته ابتسامة أخفت فيها ارتباكها وتوترها الملحوظ، فترك الحقيبة واقترب يضمها هامسًا:
_متخافيش من حاجة، أنا مش هسيبك يا خديجة، أنا هفضل جنبك.
شددت من التعلق به، وقالت ببكاء:
_سامحني لو معرفتش أعوضك عن كل اللي مريت بيه، أنا كنت ابتلاء عليك طول الفترة اللي فاتت.
مال يقبل جبينها بعشق، وصرامته توقف حديثها:
_إنتي عمرك ما كنتِ ابتلاء يا خديجة، إنتِ دعوتي المستحيلة اللي مبطلتش أدعيها وأنا على يقين إن مفيش مستحيل على ربنا عز وجل، وأدي الدعوة استجابت وبقيتي ليا من تاني!
رددت ببحة جرحت صوتها:
_بحبك يا يونس.
ابتسم وقال بعشق:
_وأنا بعشقك يا ست البنات!
*******
ولج "عُمران" لمكتبه، ومن خلفه يتبعه "حسام" حاملًا للتابلت، ينقل له مواعيده واجتماعاته الهامه، يلخص له سريعًا النقاط التي سيبدأ العمل عليها، فأشار له أن يغادر، وبدأ بالعمل على ما قدم له.
مضت ساعتين كاملتين، حتى أتاه اتصالًا من حسام يخبره بأن نعمان بالخارج ويود مقابلته، زفر بضيقٍ، وقال:
_دخله ما أنا عارف إنه يوم ما يعلم بيه الا ربنا.
وما أن وضع سماعة الهاتف حتى تعالى رنين الآخر، رفعه عمران وهو يهتف بفظاظة:
_نعم، مين؟
أتاه صوت جمال الضاحك:
_لو متعصب أرن عليك وقت تاني.
اتاه ردًا مرحبًا:
_يستحسن.
قالها وأغلق بوجهه، فعاد يدق مرة آخرى وهو يخبره:
_يوسف اللي قايلي أرن أسالك لقيت كرفان مناسب؟
أغلق الهاتف بوجهه دون أي رد، فرن لمرته الثالثة وتلك المرة هدر عمران من بين اصطكاك أسنانه:
_رنة تانية وهاجي ألبس التليفون في وش أمك!
=طيب اسمعني بس.
قطع نقاشه بحدة:
_اللي بين وبينك حدود أوضة واحدة، يوسف في أمان بالمخروبة بتاعته، إنت لا، احسبها صح يا عبحليم.
عاد يغلق بوجهه، ويستمد أنفاسه الهادرة ليستقبل هذا البغيض، جاهد عمران ليحافظ على ثباته، بتمارين الاسترخاء الذي تلقاها مؤخرًا من أخيه.
اتسعت ابتسامة نعمان فرحة حينما قبل عمران بلقائه السريع، فأسرع ليضمه كتحية مبدئية، ولكن ذراعه اعترض طريقه قائلًا:
_ما تفكك من جو العشق الممنوع ده عشان مبيأكلش معايا يا خال، مش خلاص فضناها وخلصت، جاي ليه؟
غامت ملامحه بحزن، وقال:
_مش إنت سامحتني.
رفع إحدى حاجبيه بسخط:
_ده حلم شوفته ولا سيناريو بترسمه عشان تريح ضميرك.
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة، واستدعى كلماته التي جعلها مؤثرة قدر ما تمكن:
_هو أنا طالب كتير، كل اللي بطلبه إنك تسامحني.
ربع يديه أمام صدره العريض، يتفحصه بنظرة ساخرة:
_واللي إنت عملته كان قليل! نعمان يا غرباوي وفر مجهودك ومحاولاتك دي مع المدام اللي خلعتك يمكن هي تحن وتشفق عليك وترجعلك مع إني أشك في ده، زمانها ما صدقت تروق من سحنتك!
تعجب من اندفاعه الشرس، وردد:
_هو أيه اللي حصل، مش أخر مرة كنت بتتكلم معايا عادي وآ..
قاطعه بحدة وغضب:
_عمر اللي بينا ما هيبقى عادي يا نعمان، إنت ناسي إنت عملت أيه؟! أنا مش معترض على علاقتك بفريدة هانم دي مهما كان أختك، لكن أنا الا مش هسمحلك تتخطى حدود فرضتها بينا، فابعد بمنتهى الهدوء وسبني.
جر أزيال الخيبة، وغادر بينما يجلس عمران على كرسيه، وأنفاسه اللاهثة تجعله كمن كان يقود حلبة مصارعة طاحنة.
دق باب المكتب، وولجت فاطمة تحمل حاسوبها، وضعته من أمامه وقالت:
_عمران المصانع اللي طلبت منهم المكينات بعتوا الصور ومعاهم العقود، أنا معنديش خبرة بالعربيات ومش عارفة أرد بأيه؟
وجدته شاردًا حتى أنه لم يشعر بدخولها، فنادته لتلفت انتباهه:
_عُمــــــران!
تحطمت دائرة شروده حينما هتف:
_فاطيما، أنا آسف مخدتش بالي منك.
وسألها وهو يميل تجاه شاشة الحاسوب:
_معاكِ.
عادت تكرر حديثها مجددًا، وهي يتابع الصور والعقود، ثم قال:
_أنا كمان معنديش الخبرة الكافية عشان أقيم، ابعتيلي نسخة من العقود والصور وهبعتهم لحد متخصص، قبل ما نوافق عليهم.
هزت رأسها بخفة، ومالت تحمل الحاسوب، وتتجه للمغادرة، في نفس توقيت اقتحام جمال للمكتب، فارتطم بها بشكلٍ عنيف، أسقط حاسوبها، وجعلها ترتد للحائط بقوةٍ ألمت معصمها.
نهض عُمران عن مكتبه سريعًا، ينحني ليجذب الحاسوب ويسرع لها متسائلًا بقلقٍ:
_فاطمة أنتِ كويسة؟
تفحصت ذراعه بوجعٍ، واصنطعت نبرة عادية:
_الحمد لله.
_أنا آسف يا بشمهندسة، أنا آ...
قطعت فاطمة جملة جمال:
_حضرتك مغلطتش أنا اللي كنت مشغولة في اللاب ومخدتش بالي.
سدد له عُمران نظرة حارقة، وتمتم ساخطًا:
_لا هو اللي دايما بيقتحم مكتبي زي الطور، بيلحق قبل ما أطرده من على الباب.
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_هو أنا بوصل للباب أصلًا، أنا بأخد انذار الطرد من مكتبي!
تجاهل ما يقول، وفتح الحاسوب يتفحصه، وحينما انتهى قدمه لها قائلًا:
_اللاب في خدش بسيط في الشاشة، استعمليه مؤقتًا لحد ما أطلبلك واحد غيره.
حملته منه قائلة ببسمتها الرقيقة:
_مفيش داعي، اللاب الاساسي بتاعي في البيت.
وأضافت وهي تغادر:
_هروح أكمل شغلي.
ابتسم لها باحترامٍ:
_اتفضلي.
غادرت وأغلقت الباب من خلفها، فلكز عمران جمال بغيظ:
_مش تأخد بالك يالا، داخل شبه الطور ولا على بالك حد!!!
زفر بنفاذ صبر وقال:
_خلاص يا وقح، ما المدام فاطمة زي الفل أهي.
لكزه مجددًا بعصبية:
_احمد ربنا إنها عدت ومتأذتش، البنت حامل يا بجم!
حك رقبته بحرج من فعلته، وردد:
_الحمد لله ربنا سترها.
وأضاف ببسمة واسعة أضحكت عمران:
_المرة الجاية هرمي فرامل وتلكس قبل ما أدخل، مرضي كده يا طاووس!
هز رأسه بغرور، وأشار لمقاعد المكتب:
_تعالى اقعد.. تشرب أيه الأول؟
وما كاد بأن يحمل سماعه الهاتف ليطلب سكرتيره الخاص، حتى وجده يقتحم الغرفة هو الاخر ويصيح برعب:
_إلحق يا مستر عُمران!
ألقى عُمران الهاتف بتعصب شديد:
_ألحق أيـــــــه تـــــــــاني إنت حكايتك أيه النهاردة بروح أمك إنت كمان، قطعتلي الخلف من ساعة ما رجلي دبت أم المروستان ده!!
ارتعب حسام حينما رأه بتلك العصبية الشديدة، واتنقل ببصره إلى جمال الذي شجعه قائلًا:
_ارمي المصيبة واجري على بره.
فعل مثلما قال، وفاه قبل أن يركض للخارج:
_نعمان الغرباوي طب ساكت بالجراش تحت!
مال جسده الواشك على الانهيار، هاتفًا بحنق:
_يعني سايب الدنيا كلها وجاي يفلسع عندي هنا!
*****
كان يتمدد أرضًا جوار سيارته، يلتف من حوله عدد من موظفي الشركة، ولم يجرأ أحدهم على الاقتراب منه.
توقف مصعد الشركة، وخرج منه جمال ومن خلفه يواصل عُمران خطاه البارد، كان متبلدًا، يقسم أن رؤيته له بتلك الحالة لن يحرك فيه شيئًا، فتحطمت أماله المبالغ بها، فور أن رأه بتلك الحالة، وهو الذي لم يهون عليه وجع رفيقه وزوجته، لو تعلق الامر به فقط، لغفر له ما فعله عن طيب خاطر، ولكن الامر يخص ثلاثة أطرف غيره.
توسعت مُقلتيه صدمة من الوضع الذي وجده فيه، كان يظن بأنه ولربما يعاني من دوار عنيف، أو عساه يصطنع فيلمًا حتى ينال مبتغاه من صفح عُمران عنه.
تخطى عُمران جمال بعدما كان يسبق خطواته البطيئة، مر من حول الشباب يصرخ فيهم بغضب:
_إنتوا واقفين تتفرجوا عليه!!
وانحنى إليه يتفقده بقلقٍ، وخاصة حينما مال برأسه فوق صدره حينما شك بأنه غادر الحياة بالفعل، فوجد دقات قلبه بطيئة للغاية، فتش "عُمران" بجيب جاكيته، يحاول الوصول لهاتفه، فتذكر بأنه تركه بالاعلى، فرفع بصره لرفيقه يطالبه:
_اتصل بعلي يا جمال، قوله يبعت عربية الاسعاف بسرعة.
استنكر جمال فعلته، ووقف يتطلع له بضيقٍ، وتردد بفعل ما يطالبه بفعله، ذلك اللعين هو من قام بتعرية زوجته ورفيقه، ذلك هو ذاته الذي كان سيجعله يفقد ابنه وزوجته وربما كان ليفقد أعز صديق وأخ يمتلكه، قبض على هاتفه بغضب، ومع ذلك حرر الاتصال بعلي، الذي هتف بحبورٍ:
_إزيك يا بشمهندس.
_عايزين الاسعاف على الشركة .
رددها جمال بايجازٍ أسقط قلب "علي"، فصرخ بجنون أكاد بأن يفقده الوعي:
_عُمـــــــــران ماله يا جمال، أخويا حصله أيـــــــه؟
لعن ذاته بأنه تسبب له بذلك الفزع، وأسرع يوضح له:
_لا لا عمران كويس وزي الفل الحمد لله، ده نعمان اللي واقع من طوله، يا رب يكون فطس عشان نرتاح.
تثني له سماع صوت تنهيدة عميقة، وبعد دقيقة قال:
_هبعتلكم الاسعاف حالًا.
*****
بالطابق المخصص للاطفال.
وقفت جواره حتى انتهى بالكشف على الصغيرة، ثم أتجه للمكتب ليدون الادوية المطلوبة لها، عدلت لها" زينب" ملابسها بذاتها، رافضة ان تفعل ذلك الممرضة، وحملتها وهي تربت عليها بحنان وابتسامة صافية، سلبت عقل ذلك الرجل الذي يتابعها بنظرات وقحة، وخاصة حينما استمع لصوتها الرقيق:
_ربنا يشفيهالك ويباركلك فيها أنت ووالدتها يا رب.
تعمد أن يقترب بمساحة غير مسموحة، وهو يقول لها بنبرة ثعبانية:
_والدتها متوفية من شهرين، وأنا اللي قايم بيها.
وخز قلب "زينب" الرقيق، لمعاناة تلك الطفلة التي تبلغ الأربع أعوام، فضمتها وهي تهمس بخفوت:
_يا حبيبتي!
وعادت تزعن لحكمة الله هاتفة:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، ربنا يرحمها ويغفر لها.
ردد وهو يلتقطها منها متعمدًا لمس كف يدها، بشكلٍ أفزعها وجعلها تشهق بصوتٍ لفت إنتباه "سيف" الذي رفع رأسه ليتفاجئ بقرب هذا الوضيع من زوجته، فابعد مقعده بقوةٍ رطمته بالحائط من خلفه، وهو يصبح بعنفوانٍ:
_أنت مقرب منها كدليـــه يا حضرة!
ظن أنها لقمة سائغة، فقال بخشونة مصطنعة، مدعي فيها الرجولة الغير مكتملة:
_الله وإنت مالك يا دكتور، بنت خالتي وبتطمن على البت، وقريب هنقرأ الشبكة وهنعزمك باذن الله.
كادت عينيها أن تخرج من محجرهما، بل رددت بتيهة وتلعثم:
_آآ... تآ... هو... اسمعني... دكتور.... يا سيف آآ..
أشار بكف يده يخرسها، ومازالت عينيه تتلقف من يقف أمامه، فرددت زينب تتوسل له:
_سيف بلاش!
رسم ابتسامة مرعبة للرجل، وقال:
_يا راجل مش تقول، كنا على الاقل نبل الشربات.
اتسعت ابتسامة الرجل بتباهي، بينما يجذب منه الصغيرة، ويقدمها لزوجته قائلًا بأمرٍ قاطع:
_خديها واستنوا بره شوية.
حملت منه الصغيرة، وترجته وهي تكاد تبكي:
_سيف آ...
أغلق الباب بوجهها، فمالت من فوقه بقلة حيلة وهي تستمع لصوت المفتاح يغلق من الداخل، والرجل يصيح بغضب:
_إنت مودي بنتي معاها على فين يا جدع إنت!!
نزع سيف البلطو الطبي، وقال مبتسمًا:
_متقلقش أنا بعمل فيك جميلة.
تساءل بعدم فهم:
_جميلة أيه؟
ناوله أول لكمة قوية أطاحت به أرضًا، وانبطح من فوقه يجيبه ببسمة واسعة:
_مينفعش نجيب للبنت عقدة لما تشوف أبوها البقف بيتضرب.
وعزف بيديه معًا سفمونية يتبعها قوله:
_بقى إنت بتتحرش بمراتي وقدام عيني، ده إنت هيطلع عين أمك هنا!
*******
الصمت المطول اتبعه صوت صراخ الرجل، انتفضت زينب محلها، وتحركت بالصغيرة الباكية بارتباك:
_هيموت الراجل، أعمل أيه أنا دلوقتي؟
اهتدى عقلها للطابق العلوي، فركضت بالصغيرة الباكية هاتفة:
_يوسف، هو مفيش غيره اللي هينجدني!
وبالفعل اقتحمت مكتبه، فوجدته يجلس جوار احدى الحالات يتفحص نبض الجنين، فاذا بمن تقف فوق رأسه بشكلٍ أفزع المريضة وأفزعه هو شخصيًا، فازدرد ريقه وهو يحاول رسم بسمة صغيرة:
_دكتورة زينب، أكيد في حالة ولادة مستعجلة صح؟
وزعت نظراتها تجاهه وتجاه من تراقبهما بنزقٍ، ثم قالت:
_مستعجلة أوي أوي، قوم معايا بسرعة يا دكتور.
قالتها وهي تجذبه من أعلى المقعد، فسقط أرضًا من دفعتها، ونهض يعدل من نظارته التي سقطت مع سقوطه بشكل مضحك، ولكن بكاء تلك الصغيرة أرعبه، فسألها:
_مين دي؟ إنتي هوسك المرضي إنك تكوني أم يوصلك إنك تخطفي طفلة بريئة من أهلها يا زينب؟
كزت على أسنانها بغيظ وقالت:
_خطف أيه، دي بنت الحالة اللي بتفرفر جوه تحت ايد أخوك.
جحظت عينيه صدمة وفاه ببلاهة:
_ومال سيف ومال قسم جراحة النسا!
ردت بابتسامة واسعة:
_لا قلبه قسم جراحة عقم وبواسير!
وصرخت فيه بجنون بعدما فقدت صبرها، للحفاظ على سمعة المركز أمام المريضة:
_إلحق أخوك هيقتل الراجل وهيتعدم!!
قالتها ومن بعدها اختفى يوسف من أمامها، قفز فوق الدرج وسقط على أخر الدرج، فتفاجئ بيدي تعاونه على الوقوف، عدل من نظارته وردد بتعجب:
_جمال! إنت بتعمل أيه هنا؟
أجابه بنفور والضيق يستولى عليه:
_جاي مع عُمران، خاله الزفت نعمان مغمي عليه، عقبال ما نطلع على الدفنة.
تغاضى عما قال وهتف بفرحة:
_عُمران هنا؟
هز رأسه بتعجب لحالته المذرية تلك، فدفعه بشكلٍ مفاجئ وقال:
_وريني مكانه بسرعة، مستقبل سيڤو في خطر!!!
*****
حملوه الاطباء لغرفة الجراحة، واتجه عُمران للمقعد المعدني يجلس من فوقه باهمال، فاذا بنداء علي المتلهف يناديه:
_عُمـــــــــران!
ردت روحه إليه حينما وجده بخير، بالرغم من الحزن الثاقل من فوقه، عاد يقبع رأسه أرضًا، وما أن شعر بجلوسه جواره، حتى قال بضيق:
_قولتلك إني بقع في دايرة العتاب واللوم على طول.
وأوضح حديثه الغامض حينما استطرد:
_كان عندي وعايزني اسامحه بس أنا مقدرش أسامح بالبساطة دي يا علي، الموضوع مكنش بتاعي لوحدي، فيه أطراف كتيرة اتضرت نفسيًا وجسديًا فيه، أنا اقل واحد خارج بخساير، مش هقدر أسامحه على وجع جمال وهو شايف مراته بالوضع ده، ولا قادر أصفحله الألم النفسي اللي عاشته مايا، ولا اللي أنا عشته وعانيت منه، مش هقدر أسامحه يا علي، مش هقدر.
ضم كفه بين كفيه وقال بهدوء نبرته:
_مش محبور تسامح، أهدى وبطل تلوم نفسك.
ابتسم ساخرًا، والوجع يتراقص بعينيه:
_ازاي وهو هنا بسببي، والله أعلم هيعيش ولا هشيل طول عمري أتعذي بتأنيب ضميري!
هدر فيه علي بصرامة:
_ده قدره ومكتوبله، كفايا اللي بتعمله في نفسك ده، أنا الصبح قولتلك انك انسان مش ملاك، هتقدر تسامح في حقك مرات وهيجي عليك الوقت اللي متقدرش تعملها، كل دي صفات عادية وعند كل البشر، فاهمني.
هز رأسه ببطء، فضمه علي ومازحه بابتسامة هادئة:
_قولي بقى أيه رأيك في التجديدات اللي عملتها في المخروبة، عجبتك؟
ضحك بصوته الرجولي وقال:
_عجبني كرير الاستقبال رائع، حالات الذكور بتخصص ممرض والستات ليها ممرضات بتساعدها، عجبني جدًا.
غمز بابتسامة كانت مشاغبة:
_عشان نعجب بس، وتشطب اللقب ده اللي هيوقف حالنا أنا ودكتور يوسف.
على ذكر يوسف هرع إليهما، يصرخ باستنجاد:
_عُمران الحقني يا عُمــــــــرااااان!!
******
اجتمع عدد من الاطباء حول باب الغرفة، يحاولون ارغام "سيف" على فتح باب الغرفة، اقتحم عُمران ويوسف وحاول علي وجمال تخفيف الحشد.
طرق يوسف مرارًا عليه وطالبه أن يفتح باب الغرفة، ولكنه لم ينصاع له، فمال لعمران يسأله بقلق:
_هنعمل أيه يا عُـ....
بترت كلمته حينما ضرب عُمران الباب بساقه بقوة حررته، لتبدو الصورة كاملة لهما، الرجل مازال ينازع أسفل يدي سيف الذي يحاول أن يعذبه بالابرة التي يحملها.
تفاجئ سيف بوجود أخيه وجمال وعلي والمشفى برمتها، ومن فوق رأسه عُمران ، فترك ضحيته ونهض يسرع له قائلًا بحماس:
_لازم تبقى فخور بيا، إديته علقة هتخليه ماشي زاحف سنتين جايين.
سدد علي نظرة لاخيه المرتبك، فقال بخبث:
_ليه بس كده يا سيف، أعقل وحاول تتحكم بأعصابك أكتر من كده، وبعدين ده تلاقيه كان بتدور على واحدة تعمله تنظيف عميق للبشرية واسكين كير، فحظ أمه الوحش وقعه في شر أعماله.
نظرة أخرى من علي، جعلته يهتف وهو يدعي الفضيلة:
_بس غلط اللي عملته ده يا سيف، في حاجة إسمها العفو عند المقدرة وأنت قدراتك عالية يا سيفو، إعفي وطرق دماغك تروق!
جذبه يوسف من تلباب قميصه يصرخ فيه:
_أنا عايز أعرف تربيتي وتعبي عليك راح فين، عاملي فيها بلطجي يا سيف!!
أجابه بعصبية بالغة:
_الحقير بيتعدى على زينب في حضوري! بكلمه بالاصول بيقولي بنت خالتي ورايح أخطبها، الحقير!!
احتقنت ملامح الشباب جميعًا، وكالعادة أسرعهم بردة الفعل كان الطاووس الذي ركله بغضب، وهو يهدر بوجوم:
دايما الأصول بتزعل اللي مترباش عليها!
وأضاف وهو ينحني إليه قاصدًا التطلع لسيف:
_لم تيجي تضرب متركزش على الوش عشان متخشش في سين وجيم، نشل في الأماكن المتدارية عن العين.
قالها وهو يلكمه بكل قوته ببطنه، فصرخ الرجل وهو يصيح بجنون:
_حرمت والله حرمت، انجدوووني يا حكومة، أنا عايز أتعاقب بالقانون، هاتولي الحكومة.
لكمه عُمران في وجهه فسقط فاقدًا للوعي، فمال له سيف يتساءل:
_كسرت درسك الاخير له، مش قولت الوش هيدخلنا في سين وجيم؟
رد ببسمة خبيثة:
_طلبها ونالها، الله يرحم أمه كان ابن محظوظة!
ضحك سيف وطرق كفًا فوق كف عُمران، ومن خلفهما يتابع جمال ويوسف ما يحدث بصدمة، وعلي مازال يقف بالخارج يحاول صرف الزحام.
مال يوسف على ذراع جمال، وهمس:
_يا ميلة بختك في تربية أخوك يا يوسف!!
وهتف بصعوبة قبل فقدانه للوعي:
_مالقتش الا عُمران الوقح اللي تخده مثل أعلى ليك!!
قالها وأغلق عينيه فوق ذراعي يوسف، فناداه سيف فزعًا:
_يوســـــف.
أمسك يده عُمران وقال بخشونة ومازال يستقر أعلى الرجل:
_أنا مثل أعلى ليكم كلكم غصب عن أمك يا دكتور الحالات المتعسرة ، ولو مش عايز تطلع من هنا على نقالة مع الحقير ده غور من وشي عشان معملش معاك الغلط.
فور أن نطق جملته نهض يوسف يهرول للخارج، وسقط جمال أرضًا من فرط الضحك، بينما مال سيف بحماس إليه وقال:
_تحب أفوقهولك وتكملي بقيت الدروس عملي!!
*****
ولجت "فاطمة" لغرفة المكتب الخاصة بعمران، تستخدم مفتاح الخزنة السري الخاص به، الذي خصصه لها عُمران.
وضعت الملفات التي تحملها داخل الخزنة الضخمة، وما كادت بغلقها حتى سقط منها ظرف أبيض مطوي، انحنت تلتقطه بتعبٍ، وتعيده لمحله، ولكنها توقفت حينما وجدت بيدها شيئًا أثار دهشتها.
قربتها منها وهمست بدهشة:
_تذكرة سفر باسم عُمران!!!
أرادت فاطمة أن تعيدها للخزنة على الفور، لم تكن تلك التي تؤتمن على الشيء فتخونه، لم يثق عُمران بأحدٍ يومًا مثلما وثق فيها، ولكن حديث علي أضرم قلقها، لقد رأت بعينيها كيف عاش زوجها أيامًا سوداء كالجحيم دون أخيه، فماذا لو تعرض لشيء أو لربما يمر بشيء يخفيه.
فتحت فاطمة التذكرة، قرأت الموعد وتفاصيل الرحلة بصدمة زادت وتضاعفت أضعاف مضاعفة، وجعلتها تسقط على مقعد مكتبه وهي تهمس بقلة حيلة:
_علي لازم يعرف!!!
....... يتبع....
#االاقـــــــوى_قــــــــــــادم 💣
#صرخــــــات_أنثـــــــــى 🔥
#ملكة_الابداع_آية_محمد.
متنسوش التفاعل والتصويت، نحاول نوصل الفصل ل3000لايك، أنا سهرانه عليه بقالي يومين والله، فأرجو تعبي ميضعش بقلة تفاعلكم اللي للاسف بقيت بتعود عليه 🤷🏻♀️🙂
*********__________***********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 148 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#عودة_الطاووس!...)
#الفصل_الـ115.
(إهداء الفصل لأبطال غزة الكرام، تهنية لهم من القلب على وقف إطلاق النار، سلامٌُ عليكم، سلامٌ عليكم بما صبرتم ورابطتم، وثبتّم في وجه الطغيان، سلامٌ على أرواحكم و شهدائكم وأطفالكم الأبرياء، وأهلكم المظلومين، سلامٌ على أرواحكم التي ستحلق يومًا في سماء قدسكم، وأقصاكم المحرر المطهّر من دنس قاتليكم 🇵🇸💙)
ثغرات الماضي تحاوطها، ظلامًا يبتلعها بين الحين والآخر، وكأن تواجدها هنا وبتلك اللحظة بمثابة بوابة العبور للماضي، الماضي الذي بذلت كل ما تستطيع للفرار منه، وباتت الآن محتجزة بقبوٍ ينعشها بكل المشاهد التي ذاقت فيه قسوة وسادية شخصًا مريضًا، جعلها تدفع ثمن حبها التقي النقي.
حالها كأي فتاة ارتبط بشكلٍ شرعي بـ زوجًا صالحًا، عشقته عشقًا محلل لها، لم تكن مخطئة في شيء فعلته، حملها منه شيئًا طبيعيًا وجده ذلك اللعين ذنبًا فاضحًا، دفعت ثمنه على مدار تلك الاعوام، حتى تشوهت نفسيًا وجسديًا.
لسانها الثقيل تحرر تدريجيًا، صداه بالبداية لم يكن مسموعًا حتى إليها، ثم بدأ يعلو بهمسٍ لطالما كان ملجئها الوحيد بتلك الفترة التي قضتها رفقة هذا اللعين:
_يُونس.
كان يغفو جوارها على الأريكة الموضوعة، ينتظرها منذ ساعاتٍ أن تستعيد وعيها، كل طبيبٍ مر عليها كان يؤكد له أن غفوتها أمرًا طبيعيًا، لاجراءها لجراحة خطيرة مثل تلك التي أجرتها ، ومع كل دقيقة تمر عليها وهي فاقدة للوعي، كان يزداد ألمًا وقلقًا عليها، حتى أفرجت عن اعتقاله بندائها الخافت.
هرع ينحني من فوقها، يضم كفها بين كفه الخشن، يؤكد لها بصوته الرخيم:
_أنا هنا جنبك يا ست البنات.
عادت تناديه ودموعها قد تهاوت من عينيها المغلقة:
_يُونس... إلحقني يا يُونس.
إنتفض قلبه بين أضلعه لسماع ما تقول، فظن أن هناك شيئًا يؤلمها، فردد بلهفة وهو يركض صوب باب الغرفة:
_هنادي الدكتورة تيجي.
تصلب كفه فوق مقبض الباب، حينما بكت بنداء أخير متوسل:
_هيضربني تاني، خليه يبعد عني، يُونس!
استدار تجاهها بحاجبي منعقدان، وقد تفهم الآن ما تمر به بالتحديد، كوابيس الماضي التي نجحت بإخفائها عنه طوال مدتها الماضية، تحاوطها بتلك اللحظة وهي في أضعف حالاتها.
أجبر ساقيه على التحرك صوبها، حتى سقط جسده على المقعد جوارها، يستمع لها بانكسارٍ وهي ترتجف باكية، مرددة:
_حرام عليك، إرحمني!
وتابعت وبكائها يعلو:
_مش هقدر أعمل كده، مش هقدر!
أحنى رأسه فوق صدره وترك عنه دموعه، شاركه البكاء، عاجزًا عن مساعدتها، لم يملك الجرأة لافاقتها، شعر بأن رجولته قد طعنت في كل مرة فعل بها هذا اللعين ما فعل.
تحرر قيدها وأفرج ماضيها عنها، أبصرت تنظر في بقعة النور الغير واضح، حتى تمكنت من استعادة وعيها ورؤيتها بوضوحٍ.
مالت برأسها تبحث عنه، فوجدته يجلس على المقعد بسكونٍ تام، تمعنت فيه حتى أمسكت بعينيه فور أن رفعهما تجاهها، علمت من إحمرارها أنها كانت تهذي وهي تخوض تلك المشاهد القاسية، تصدى لها صوت بكائها المتعالي، وكأنها تعود لتسلم رقبته على حطبة الذبح، فتحرك إليها يساندها لتستقيم بين أحضانه، وضعت رأسها على صدره وبكت هاتفة:
_ذلني وكسرني يا يُونس!
سحب نفسًا مسموعًا يبدد اختناق رئتيه، ليته يفتعل أي جريمة تمكنه من العودة للمعتقل الذي سيجده فيه، وحينها سيقسم بالله العظيم بأنه لن يتركه حيًا بعدها.
جبر "يُونس" ذاته على الاسترخاء، فأخذ يستعيد كل حديث طبيبه المعالج "علي الغرباوي"، طبقها بكل تركيز لحاجته الشديدة للهدوء بتلك اللحظة، ليتصرف بحكمة معها.
ثلاث دقائق كانت كافية له أن يبعدها عن صدره، ويواجهها، محاوطًا وجهها بين يديه وابتسامته تبث لها إشراقة الأمل:
_خديجة الماضي لو فكرتي فيه هيكسرك وهيكسرني، بصي للحاضر واللي فيه أنا وأنتي مع بعض، فترة الاختبار الصعب انتهت ومكافأة صبرك وصبري على الابتلاء بنحصدها دلوقتي.
وأضاف وهو يتعمق بحدقتيها، قاصدًا منحها الأمان:
_أنا قصادك ومعاكِ، مستحيل الكلب ده ولا مليون زيه يأذيكي بنظرة وأنا حي، أنا رجعت يا خديجة، رجعت ومش هبعد، مش هترفعي صوتك وانتي تناديني عشان أسمعك، لاني بقيت بمكان أقرب، ويوم ما يبعد هيكون لقبري وبس يا خديجة.
هزت رأسها مبتسمةٍ له رغم بكائها ووجعها، بل مالت تنزوي بين ذراعيه، ومازال يفرق هو ذراعيه، يخشى أن يحاوط ظهرها الممتلأ بالشاش الابيض، حتى ساقيها كانت ملتفة.
تعامل بكل حرصًا مع حالتها حتى بعد فحص الطبيبة لها، أطعمها بيديه وناولها الأدوية، ثم جذب الغطاء عليها وجلس جوارها يمرر يده على حجابها المفتوح، وبدأ يرقيها ويقرأ ما تيسير من السور القصيرة حتى لا تعود كوابيسها مجددًا، وبداخله يحسم قراره بأن تقطع متابعتها مع طبيبتها النفسية تلك، فلم تجدي بعلاجٍ متقدم بحالتها، لذا إرغم على اتخاذ قراره بأن يكون"علي الغرباوي" طبيبها المعالج!
******
نزع جاكيت بذلته، يلقيه جواره بضجرٍ، وحل أزرار قميصه العلوية، ثم مال على الحائط من خلفه يتابع أخيه الذي يتفحص الأوراق التي تقدمه له آحدى الممرضات، وعلى الأغلب كانت تشرح له الحالة بالتفصيل.
راقبهما "عُمران" بمللٍ، جعله يرفع يده مناديًا:
_علـي!
أغلق "علي" الملف وإتجه إليه، بملامح متجهمة، استرعت انتباه الاخير، فسأله مازحًا:
_الخال الملزق شيع ولا أيه؟
قدم الاوراق إليه قائلًا:
_عنده القلب.
وزع نظراته بينه وبين الاوراق التي يحملها بدهشةٍ:
_عشان كده كان مصر إني أسامحه!
إكتفى بهز رأسه وهو يحتل الاريكة، ولجواره يتمتم عُمران:
_طيب وهنعمل أيه، هنبلغ فريدة هانم؟
هز كتفيه في حيرةٍ، سيطر الصمت عليهما لدقائقٍ، حتى قاطعتهما إحدى الممرضات تهتف:
_المريض فاق يا دكتور علي.
تبادلا كلاهما النظرات الحائرة، ما بين تردد ونفورًا بلقائه، وما بين هذا وذلك، نهض كلاهما يتجهان لغرفته قسرًا.
ولج "علي" أولًا، وإتبعه "عُمران" بسخطٍ مما خضعته الظروف لفعله، لانت قسوة نظراته حينما رأه يتمدد على فراشٍ يكتظم بعدد مهول من الاجهزة، صوت حشرجة أنفاسه جعلت جسده يقشعر وهو يتخيل قسوة خروج الروح من الجسد العاصي، أتبع خطى أخيه حتى جاور وقوفه أمام أعين "نعمان" الناعسة من شدة التعب، فإذا به يهتف غير مصدقًا لوجودهما:
_علي!
وتابع بصوتٍ أكثر دهشة من ذي قبل:
_عُمران!
اختزل "علي"الصمت حينما قال بصوتٍ مسالمًا:
_حمدلله على سلامتك يا خالي، ربنا يشفيك ويعافيك.
وتابع يبث له الاطمئان:
_الدكتور طمني عليك، وقال أن حالتك دلوقتي مستقرة، متقلقش احنا جنبك ومعاك لحد ما تبقى كويس وبخير.
أدمعت عينيه تأثرًا بحنانه المبالغ به، بينما يميل تجاه عُمران بلهفةٍ، ينتظر سماع أي كلمة تتردد على لسانه، ولكنه لم يجد سوى نظرة صامتة، يكبت من خلفها عاصفة لا مرسى لها.
مد" نعمان" ذراعه الموصول بالاجهزة، تجاه عُمران ودموعه تنهمر فوق لحيته تغرفها كالسيول، وصوته الذي يحتضر يناديه متوسلًا:
_سامحني!
استدار "علي" تجاهه وعينيه تدمعان شفقة على أخيه الذي يُوضع باختبارات أصعب من ذي قبل، فاذا بعمران يستنير بغربته بشراع أخيه، الذي هز رأسه بكل أسفًا له، سحب "عُمران" نفسًا مطولًا وهو يهتف بصوتٍ شبه مسموعًا:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم.
قالها وبات يستمد منها كل العون، حتى بات قادرًا على مواصلة ما قد رأه سابقًا محال، فسحب مقعدًا دائريًا، بعجلاته السوداء، يقربه للفراش، يضع كفه يكف "نعمان" الممدود، وقال بصلابة تعجب منها "علي" الذي يراقب رد فعله باهتمامٍ:
_سماحي ليك ولا غفران ربنا ليك، أي فيهم هيريحك أكتر؟
زعزعت ربكته قلبه الضعيف، فتابع عُمران بنبرة أكثر لينًا:
_طيب أنا سامحتك لوجه الله، مسامحك في حقي كده إنت مرتاح؟
هز رأسه باكيًا، فرد عُمران بصوتٍ متحشرج من كبته للبكاء:
_راحة بالك مش هتتحقق بسماحي ليك، الاولى والاهم فى اللحظات دي توبتك ورجوعك لربنا، عمره ما هيردك ولا هيقفل بابه في وشك، يمكن دي تكون فرصتك الاخيرة، ربنا سبحانه وتعالى إدهالك عشان تستغلها صح وتتوب عن كل اللي عملته في حياتك.
رد بصوتٍ شاحب كحال وجهه:
_عمره ما هيغفرلي، أنا إرتكبت ذنوب متتغفرش يا عُمران.
ابتسم وقال:
_بتقول كده عشان كنت مسلم دماغك لشيطانك من زمان، باب التوبة عمره ما اتقفل في وش حد، لحظات الضعف اللي بتواجهك في حياتك ما هي الا اختبار عشان ترجع لربنا سبحانه وتعالى، اللحظات دي هتعدي بس وإنت علاقتك بربنا أقوى وأمتن.
واستطرد وهو يربت على اصبعيه:
_أنت محتاج تتقرب من ربنا وتتلهف على سماحه ليك مش عليا أنا.
ازداد بكائه لدرجة هلعت قلبهما، فانفجرت أعينهما بكاءًا، وخاصة مع نطقه المتحشرج:
_إزاي وأنا عمري ما ركعتها! أنا عمري ما أتوضيت ولا حتى عارف أصلي ازاي!
انهمرت دموع عُمران، ومال يتطلع لأخيه، يخبره بصمت أن يعاونه فلقد فقد طاقة صموده، فرنى علي إليه يهتف بثبات:
_دي مشكلة مقدور عليها، أنا وعُمران هنساعد حضرتك لحد ما تتعلم.
مال تجاه محل عُمران متسائلًا بدموع فرحته:
_هتعلموني بجد؟!!
هز "علي" و"عُمران " رأسهما، فهتف نعمان بسعادة،ودموعه تشهد على تلك اللحظة الغريبة عليه كليًا:
_كرمتني بكرمك ولطفك وأنا مستحقش ده، ألف حمد وشكر ليك يا رب.
*******
سحب المقلاة بما فيها، واستدار ليضعها بالطبق الموضوع أمام زوجته الجالسة أعلى رخامة المطبخ، وقف محله يبتسم بحنانٍ، حينما وجدها تدمس زبدة الفول السوداني بشطيرة التوست، وتلتهمها بتلذذٍ كأنها لم تتناول طعامًا شهيًا من قبل.
فتحت زُرقتها، فتفاجئت به يميل قبالتها هائمًا، فوضعت ما بيدها بحرجٍ:
_أنا كنت جعانه وإنت بقالك ساعة بتعمل المكرونة والبانية، فقولت أسلي نفسي لحد ما تخلص.
ضحك "آدهم" بصوته كله، وجذب أحد الأطباق يسكب فيها المعكرونة قائلًا وهو يحني جسده الممشوق:
_المكرونة بالوايت سوس جاهزة شمس هانم، طباخك تحت أمر معاليكِ.
صفقت بيديها بحماسٍ، ونهضت تحمل الطبق للطاولة، ثم دست معلقتها تحمل الطعام لفمها، بينما يربع يديه أمام صدره مستندًا على الرخامة، يتابعها بكل توقٍ وعاطفة، بينما تهتف بحب:
_دي أحلى مكرونة دوقتها في حياتي، أنا تقريبًا عملتها 40 ألف مرة بليل في الخباثة، عمري ما ظبطتها يمكن من كتر الخوف ان فريدة هانم تقفشني، المرادي بأكلها باستمتاع رهيب.
تحرر من وقفته وأتجه يجذب مقعدًا جوارها، يخبرها بصوته الهادئ:
_ألف هنا على قلبك يا روح قلبي.
منحته ابتسامة صغيرة، وسحبت معلقتها تقربها إليه، رفض تناول ما قدمت مبررًا:
_مبأكلش بالتوقيت ده يا شمس، ما إنتِ عارفة نظام أكلي.
رددت بمحيالاة وهي تميل تجاهه برأسها، كالطفلة التي تستميل أبيها:
_بليز آدهم، طعمها جميل ولازم تدوقها.
تبسم هادرًا بعنجهية مازحه:
_مصدقك يا روحي ، أنا مبعملش حاجة وحشة.
زمت شفتيها في سخطٍ، فضحك وهو يختطف الملعقة ويتناولها مبررًا لها:
_عشان خاطر شمسي.
فرحت بخضوعه لها، وعادت تستكمل تناول طعامها بنهمٍ، حتى أنها لم تشعر بانتهاء طبقها، فنهض آدهم يحمل الكمية المتبقية بالمقلاة، ويسكبها من أمامها، ممررًا يده على خصلاتها بحنان، فرفعت عينيها إليه تقدم له نظرة امتنان، وترقبت عودته لمقعده، ثم قالت بمكرٍ:
_موافق تعملي الاكلة دي كل يوم يا شيف؟
توالت ضحكاته ومن بينها قال:
_حاضر الصبح هتابع شغلي في الجهاز واستقبل تحيات العساكر بكل شموخ، وبليل هرجع أستلم منك مريول المطبخ بكل شموخ بردو.
تركت الملعقة بالطبق، ومالت بجسدها للجانب الاخر تلوي شفتيها بشكلٍ أضحكه، مال يسحب مقعدها بيديه حتى عادت تقابله مجددًا، وحل عقدة ذراعيها هاتفًا:
_في أيه بس أنا معترضتس على شيء عشان تزعلي مني، أنا موافق أكونلك شيف طول الليل، معترضتش على شيء!
رفعت وجهها للاعلى بكبرياء مضحك:
_الكلام مش خارج من قلبك يا كابتن.
سقط بضحكاته الرجولية بشكلٍ أضحكها، فسحب كفها يضعه فوق صدره وقال بجدية زادت من ضحكاتها:
_أتعهد أنا سيادة المقدم عمر مصطفى الرشيدي، بأن أكون زوجًا لطيفًا، يحترم زوجته وتقلبات هروموناتها، وأن أقدم واجبي كاملًا بما فيه العمل ليلًا كـ شيف محترف،وأنا أعمل على توفير كل الاحتياجات اللازمة بما فيها المكرونة والبانيه، والله على ما أقولٌ شهيد.
وتابع ضاحكًا:
_ها مرضية كده؟
هزت رأسها والدلال يقطر من حركاتها الرقيقة، قرب طبقها منها مجددًا، فعادت تتناوله وهي تختطف النظرات الخجلة إليه، بينما يتعمق هو بتأملها دون أن يرف له جفنًا، من كان النظر لها محرمًا باتت تحل له بأكملها، فليقضي عمره بالكامل وهو يتفنن بالعثور على أقرب شاطئ لتلاحم مياه مُقلتيها الفاتنة!
******
استند على كتفي أبناء شقيقته، كلاهما لم يشهدان لحظة دافئة طمس فيها حنانه، ومع ذلك يشهد منهما حنانًا جعله يستحي مما فعله بكلاهما، لقد عاوناه على الوضوء وكأنه طفلًا بالسابعة من عمره، استبدلوا ثيابه المتسخة بآخرى نظيفة، وحملوه لسجادة الصلاة الموضوعة بالخارج.
رنى إليه "عُمران" بالمنشفة، يجفف قطرات المياه التي امتزجت فيها دموعه، بينما ينحني "علي" ليفرد بنطاله المطوي من الاسفل حتى لا تطوله المياه، عز عليه نفسه فمال على يد عُمران يوقفه عما يفعل ويبعد ساقيه عن يدي علي، بينما يبكي بانهيارٍ أسقطه عن مقعده أرضًا، هاتفًا بحشرجة ثقيلة:
_أنا مستهلش والله ما أستهل!
دعم علي محل جلوسه حتى لا يقع، بينما يخبره بصوته الهادئ:
_الحالة اللي أنت فيها دي هتضرك، قلبك مش متحمل كل ده، من فضلك حاول تهدى وتأخد نفسك بانتظام، إنت بتضر نفسك صدقني.
سحب عُمران دمعة عن جفنه، وقال بخشونة صارمة:
_بقولك أيه يا نعمان طريقنا لسه طويل مع بعض، هتنخ من قبل أول ركعة هسيبك وأمشي، أنا خلقي أصغر من خرم الأبرة!
ابتسم من بين بكائه وقال:
_عارف.. عارف يابن فريدة.
زم شفتيه مدعيًا سخطه، ومتابعًا بصرامته المضحكة:
_وفرت عليا معركة طويلة، قوم بقى إصلب طولك كده عشان صلاة العشا أربع ركعات ووقفتها طويلة، استعيد بطولة شبابك الهادر وكل ما تتعب افتكر وقفتك وإنت بتهز بالاربع ساعات جنب الراقصة! فمتجيش في فرد ربنا وتستموت يا خال!
منحه "علي" نظرة حملت الصدمة والصرامة بنفس الوقت، بينما ينفجر نعمان ضاحكًا، ويهز رأسه مرددًا:
_متقلقش هقف وهعمل زي ما هتقولي.
أومأ له بخفة وراقب أخيه الذي ابتسم رغمًا عن أنفه، لقد سهل عُمران مهمة معرفة نعمان بأن العشاء أربعة ركعات بطريقة رغم وقاحتها الا أنها كانت مرحة، فكان يخجل أن يسأل خاله عن علمه بعدد ركعات صلاة العشاء أم لا.
انتظر عُمران أن يختار أخيه محل صلاته، فلم يقبل أن يكون إمامًا في حضرته وهو الأكبر سنًا بينهما، ولكن علي سبقه بالاختيار حينما ترك السجادة التي تحتل المقدمة ووقف جوار نعمان الذي طالعه باستغرابٍ تفتت عنه فور أن سمع صوت عُمران العذب!!
قشعر جسده من حلاوة خشوع صوته وهو يرفع آذان الإقامة، لدرجة جعلته يتلوع من شدة البكاء، لقد اندهش حقًا من سماعه، وتفاجئ بما يمتلكه من موهبة لما كان يظنه يمتلكها يومًا، لقد ذاق كلمات الله متفننًا في معانيها لمرته الاولى، بينما من جواره يرفع علي من صوته ويقرأ ببطء ليتمكن من الترديد خلفه، حتى انتهت أول صلاة له برفقة من حاربهما كعدوًا لدودًا له.
جلس على السجادة يطمس رأسه للاسفل خزيًا وحرجًا، حتى شعر بكف علي يسانده وهو يخبره:
_لازم ترتاح في سريرك، معاد المحلول والأدوية.
أومأ له بخفة، ومنح عُمران نظرة أخيرة، بينما يتهرب منه الاخير، مازال يحمل بصدره غصة تجاه ما فعله برفيقه، ولكنه انجبر لمنحه السماح ليوقف قلبه عن لومه ومع ذلك مازال يئن وجعًا!!
بقى محله على سجادة الصلاة يراقب أخيه، وهو يعاونه على اعتلاء الفراش، ويقدم له الادوية عن طيب خاطر، معاونًا الممرض الذي ولج للتو، حتى استجاب جسده للادوية وغفى على الفور.
استدار علي لاخيه، يرنو جالسًا على مقعدٍ مجاور له، يخبره:
_روح إنت جهز شنطتك، عشان هتسافر الصبح بدري مع جمال ويوسف، أنا هقعد معاه.
سحب بصره المتعلق بالفراش وتطلع لاخيه بحزنٍ ألم قلب علي، الذي يفهم أقل تفاصيله، فسأله باهتمام:
_طيب سامحته ليه طالما مش قادر؟
تمعن بعيني أخيه، وبوجعٍ اقتحمه قال:
_الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، اختبر على قدرته على المسامحة، فمن شدة تسامحه غفر وصفح عن وحشي بن حرب الحبشي اللي قتل عمه حمزة بن عبد المطلب، وده كان من أصعب غفران وسماح لرسول الله، لإنه مش بس قتل عمه ده شق بطنه ومثل بجسمانه، وبالرغم من بشاعة كل ده سامحه بس طلب منه إنه يحاول يخبي وشه عنه أو يقلل ظهوره قدامه رأفة بمشاعره صلوات ربي وسلامه عليه.
وبدمعة شقت رماديته كبرقٍ يشق سماه، استكمل:
_ده النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ما بالك بعبد زيي، حاولت أكظم غيظي وسامحت في حقي، بس غصب عني مش قادر أتقبل وجودي جنبه، لإني بحس بالانانية إني اتهاونت في وجع جمال، وهو وجعه أكبر من وجعي، وبالنهاية وجعنا واحد.
وردد ودموعه تنهمر بغزارة أدهشت علي:
_أنا كنت فاكر إن إرتكاب الذنب شيء بشع، منحك السماح والغفران لشخص وجعك أوي أصعب بكتير، مطلعش سهل زي ما كنت متخيله يا علي.
ترك مقعده وجلس جواره أرضًا، يضمه بين ذراعيه، ويقبل رأسه قائلًا بوجوم قد يدفعه للبكاء هو الآخر:
_لإنك قلبك أبيض ومفيش زيه، أنا فخور بيك يا عُمران.
وأضاف وهو يبعده، ويتطلع له بقوة تسترعي إنتباه الاخير لما سيقول:
_أنا بقالي سنين في الطب النفسي، ياما عالجت حالات وانبهرت بتحول شخصياتهم بعد رحلة علاجهم الطويلة، بس عمري ما أثر فيا تجارب أشخاص زي ما إتأثرت بفاطمة وبيك، هي قاومت ونجحت وإنت واجهت وانتصرت.
أزاح دموعه وهو يرسم ابتسامة باهتة على وجهه، بينما يشاكسه ليغير الاجواء التعيسة من حولهما:
_يعني أنا حالة من حالاتك يا دكتور؟! ازاي وأنا ولا مرة قطعت تذكرة كشف!!
وأضاف وهو يغمز له:
_لا بقولك أيه أنا مبجيش بالاجبار، وجو تثبتني على شازلونج الكهربا ده، ده أنا اللي أثبت أجدعها شنب وليا طرقي الخاصة.
ضحك علي وسايره بالحديث:
_وأيه هي طرقك يا وقح؟
رد متفاخرًا:
_لا دول كتير، بس وماله عد يا دكتور.
ونهض يستقيم بوقفته مرتديًا جاكيته ونظارته بعنجهية:
_جاذبيتي أهم طرقي، لبق وده لوحده يدوب القلوب، صوتي سحر بيسحر اللي قدامي ويخليه بيقدملي فروض الطاعة والولاء وابتسام فوقهم كمان.
تحررت ضحكات علي، ونهض يربع يديه أمام صدره باستهزاء:
_وأيه كمان يا طاووس؟
رد وهو يتفحص المكان من حوله:
_وفي طريقة أخيرة لمواخذة مش هينفع أقولهالك هنا عشان الرقابة وعشان انت ابن ناس ومحترم يا دكتور.
زوى حاجبيه بدهشة، وقال:
_وإنت ابن أيه؟!
قال ضاحكًا:
_لا أنا أبويا مات بدري وملحقتش يشرف على تربيتي.
وجد من ينتزع قميصه ويرفعه من فوق جاكيته، فأسرع ينطق بما يحرر قميصه قبل أن ينكسر:
_بس أخويا الكبير رباني تربية آرستقراطية راقية، تقدر تقول إنه مبخلش عليا بحاجه.
واستطرد وهو يسحب ما بجيب سرواله الخلفي:
_عشان تضمن تربية بيضة على نضيف.
جحظت عيني علي وهو يتفحص المطوة التي وضعها عُمران بين يده، وعاد يتطلع له فسحب ذاته وهو يهرول تجاه الباب ضاحكًا:
_دي نزوة شيطان وراحت لحالها، والله ما بتطلع الا للضرورة القصوى واللي بردو كنت محتفظ بيها معايا لاجلهم بما انهم هيفضلوا معايا يومين.
ردد علي بتلعثم بعدما علم مقصده:
_بترفع على أصحابك مطوة يا أوقح خلق الله!!
منحه قبلة بالهواء هاتفًا:
_عندي سفر بكره بدري، تصبح على خير يا دكتور.
وعاد يفتح باب الغرفة وهو يخبره:
_متنساش تقرى لنعمان قصة قبل النوم، بس بلاش القصص الكئيبة اللي كنت بتحكهالي يا بابا الله يكرمك.
صوب علي الوسادة على الباب، فأسرع عُمران بغلقه وصوت ضحكاته تجبر "علي" على التبسم، فاتجه لمقعده وهو يتأمل ما بيده بصدمة آخرى، بينما يهتف باستنكارٍ:
_مطوة يا عُمران!!!!
******
انتهى "جمال" من حزم بعضًا من ملابسه، فاغلق سحاب حقيبته وخرج يبحث عن زوجته، تفاجئ بها تقف بالمطبخ، تعد طعامًا بذلك الوقت المتأخر من الليل، مما دفعه لسؤالها بدهشةٍ:
_غريب إنك ولأول مرة بتجهزي أكل تاني يوم من دلوقتي!
فزعت لصوته ببداية الأمر، ولكنها هدأت واستمعت لباقي حديثه بتمعنٍ، فقالت تجيبه وهي تقلب اللحم:
_مش غريب ولا حاجة، وبعدين الأكل ده بحضره ليك ولأصحابك مش لينا.
زوى حاجبيه بدهشةٍ:
_لينا!
أكدت له وهي تجذب الخضار تجهزه:
_أيوه بدل ما تطلبوا أكل جاهز على الطريق، عملتلكم أكل بيتي.
وأضافت عابسة الحاجبين:
_ولا الاكل الجاهز هيكون أحسن من طبيخي؟!
رنا إليها مبتسمًا بفرحةٍ لما تطورت إليه، فضمها بين أحضانه ومال من خلفها هاتفًا:
_مفيش أكل يتقارن بعمايل إيدك، أنا مش مصدق بس إنك قومتي في الوقت ده عشان تجهزيلي أكل، كبيرة عندي دي أوي يا صبا.
ومال يطبع قبلة على كف يدها، ممتنًا لها:
_تسلم إيدك مقدمًا.
أشرقت بسمتها فرحة، بل تحمست لصنع المزيد من الاطعمة والعصائر له، سحبت كفها وعادت لتقطيع الخضروات، فتحرك هو يرتدي المريول، ويرنو منها متسائلًا:
_عايزاني أساعدك في أيه؟
قربت منه خضروات السلطات التي ستحضرها، فضحك قائلًا:
_ هو أنا دايمًا بلبس في السلطات، شكلك محددة إمكانياتي كويس.
شاركته الضحك وردت بمزحٍ:
_الحمد لله إنك بتعرف تعمل حاجة، في رجالة مبتعرفش تمسك السكينة أصلًا.
مازحها وهو يقطع بعشوائيةٍ:
_لا أنا هبهرك بعون الله!
******
بعد وصوله للقصر تردد بالصعود لجناحه، فولج لغرفة الصالون وجلس منهمكًا على المقعد، يمسح وجهه بتعبٍ، حتى أنه لم يشعر بالوقت الذي بات يشرف على سطوع شمس اليوم التالي.
دقات خافتة على الباب، جعلته يفرج عن رماديتاه بعد احتسبهما لمدة طويلة، ويستدير ليرى من الطارق، فوقف مندهشًا يراقب ساعة يده الباهظة:
_فاطمة!!
ولجت للداخل ووجهها يعكس توترها وارتباكها الشديد أمامه، رددت وترددها واضح:
_شوفت عربيتك تحت، استنيتك على السلم مطلعتش.
انعقد حاجبيه بدهشة، إنقلبت لقلق:
_ليه في حاجة ولا أيه؟
ضمت شفتيها بارتباكٍ، ولم تعلم بماذا ستخبره، مما دفعه للخوف، فتلهف بسؤاله:
_قلقتيني يا فاطمة، إتكلمي!
نزعت عنها ربكتها ورددت بقوةٍ تحلت بها:
_أنا رجعت الملفات للخزنة بتاعت المكتب زي ما طلبت، وبدون ما أقصد وقعت ظرف أبيض فيه تذكرة سفر!!
اتسعت مُقلتيه في ذهولٍ، وخاصة حينما استطردت:
_استغربت إنك مسافر مكة ومايا ولادتها اتحددت بعد اسبوع!!
لانت تعابيره في أسى، وبثبات تحرك يتفحص الردهة والقاعة ثم عاد يقف قبالتها، قائلًا:
_قولتي لعلي حاجة؟
هزت رأسها نافية، وقلبها يرتجف خوفًا من صمته وحزنه الغامض، الذي تحرر بنطقها:
_أنت ناوي على أيه يا عُمران؟
ابتسم رغم الآنين الذي يقطر من عينيه:
_ناوي أخلص نفسي من عتابها اللي مش بيخلص.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وصوتها يتحرر متقطعًا:
_لا... إنت آآ... لأ... ومايا؟؟ أنت هتسبها تاني لوحدها!!
لم تسعفها كلماتها للخروج، بينما يبتسم بمرارة:
_غصب عني يا فاطمة، أنا بعمل كل ده عشانها، مش عايز ابني يتولد ويلاقيني حامل ذنب كبير وبشع زي ده.
اهتز جسدها من شدة توترها، فجلست على الاريكة تهتف بعدم تصديق:
_عقوبة الزنا الجلد والسفر سنة، إنت مسافر سنة!! وعلي!! علي هيستحمل إزاي!!
إختار الجلوس على بعدٍ منها، وبمسافة حذرة، يخبرها بنبرة شبيهة بالتوسل:
_لا يا فاطمة علي مينفعش يعرف حاجة، علي لو عرف هيوقف كل حاجة، أرجوكِ يا فاطمة أوعي تبلغيه بحاجة.
تطلعت إليه بنظرة تعمق بها الحزن، وقد أدمعت عينيها:
_راجع نفسك في قرارك يا عُمران، إنت هتأذي كل اللي حوليك بيه، وأولهم مايا وعلي، إنت كده بتتخلى عنها في أكتر وقت هتكون محتاجالك فيه، أنت راجع بعد غياب وفراق وجع الكل، فبدل ما تعوضهم عن اللي عاشوه تقوم تفارقهم تاني!!
أجابها بثباتٍ وقوة:
_أنا بعمل كده عشانهم يا فاطمة، أنا مش هلمس ابني وأنا عليا بقعة سودة بتفكرني باللي عملته، قراري ده أنسب وقت لتنفيذه، ومفيش أي قوة في الكون هتخليني أرجع عن القرار ده.
استفزها اصراره، وجل ما تراه زوجها الذي سقط في حالة دامية بفراق أخيه، تخلت عن هدوئها الفطري، ونهضت تصرخ وصوتها ممزوج بالبكاء:
_أنت أناني يا عُمران، أنانــــي.
تفاجئ باندفاعها الذي يشهده المرة الاولى، فوقف قبالتها يعاتبها:
_أنا أناني عشان عايز أطبق شرع ربنا يا فاطمة؟!
ازاحت دموعها وأجابته بعصبية:
_ربنا عادل ورحيم، وطالما إنت اتغيرت للاحسن ومرجعتش لذنبك يبقى غفرلك اللي عملته، وآه أنت أناني يا عُمران، اللي عايز يتخلى عن مراته بالتوقيت ده يبقى أناني، اللي عايز يوجع أخوه من تاني يبقى قمة الأنانية، أنت متعرفش علي عانى أزاي في غيابك، متعرفش الحالة اللي كان عايشها، أنا مش هستحمل أشوفه كده تاني ولسنة كاملة!!
تألم قلبه لسماع ما قالت، فحاول بكل ثباتٍ أن يحجب دموعه، بينما يخبرها بهدوء مخادع:
_فاطمة أنا بحب علي أكتر من روحي، وعمري ما أرضاله العذاب، أنا لو طولت أكونله دراع واقي عن أي أذى ممكن يطوله والله ما هتردد، بس حاولي تفهميني أنا مش مرتاح، مبعرفش أنام من كتر خوفي من الموت، أنا نفسي أوصل لمرحلة إني أحب لقاء ربنا عز وجل، مش قادر أوصل لحب لقائه من خوفي من ذنبي، عذاب الدنيا ووجعها أهون ميت ألف مرة من عذاب الأخرة، أنا عارف إن قراري ده عذاب للكل وأولهم مايا، بس غصب عني، أنا غلطت ولازم أتطهر نفسي، فأرجوكِ بلاش تخوني ثقتي فيكِ وتبلغي علي بسفري.
أشفقت عليه رغم وجعها وخوفها، أخفضت رأسها أرضًا واكتفت بإيماءة صغيرة قدمتها له، وغادرت بخيبة أملها تتجه للدرج، لحق بها يناديها، فوقفت دون أن تستدير إليه، فردد بمرارةٍ:
_فاطمة أنا بعتبرك أختي العاقلة اللي دايمًا بثق فيها، أرجوكِ متزعليش مني، حاولي تساعديني، وتكوني الوسطة بيني وبين أقرب الناس ليا، عايزك تصبري علي ومايا على غيابي، هوني عليهم لحد ما مدتي تنتهي وأرجع ليهم من تاني، متخليهمش يكرهوني أرجوكِ يا فاطمة ساعديني.
رفعت رأسها للأعلى تزيح دموعها، استدارت تقابله بنظرة غائرة بالدموع، وشحب صوتها الذي نطق:
_مش هقدر أعوض وجودك في الكفتين، بس أوعدك إني هحاول.
رسم بسمة صغيرة، وقال:
_ودي كبيرة عندي جدًا.
ردت بسمته ببسمة لم تصل لعينيها، واستدارت تعود لجناحها، بينما يزفر هو براحةٍ، لقد رتب لكل شيئًا بحرافية، ولن يسمح بأي شيء يعوق تخطيطه، لقد وفق الشيخ "مهران" له كل شيء، حتى السنة الكاملة التي سيقضيها في مكة الشريفة.
خرج عُمران للحديقة، متجهًا لركنه الخاص، الذي يقضي فيه قيام ليله، إرتكن على سجادته يجذب مصحفه، وبدأ بالقراءة فيه بتركيزٍ استدرجه دون وعي حتى قرآن الفجر.
تفحص ساعته بدهشة، ونهض بتجه للمسجد القريب من المنزل، قضى صلاته بتمعنٍ وخشوع، وجلس بآحدى زوايا المسجد يستكمل قراءة القرآن حتى أشرقت شمس اليوم التالي.
استلم على هاتفه رسالة من "يوسف"
«جمال عندي هتعدي علينا أمته عشان نتحرك؟»
عبس بأزرار هاتفه وهو يخرج من المسجد
«ساعة وهعدي عليكم..»
إتجه "عُمران" للقصر، وصعد إلى جناحه المظلم، تلصص بنظراته الحنونة لزوجته التي تغفو على فراشها في سلامٍ، ابتسم وهو يراقبها وهي تستحوذ على وسادات الفراش بأكمله، فنهض يجذب الغطاء المتدلي أسفل ساقيها، وأعاده عليها برفقٍ، إنحنى يطبع قبلة على رأسها، وبطنها المنتفخ، وهو يتمنى أن تصل قبلته لصغيره، عساه يعلم بأنه يفعل كل ذلك لأجله هو!
نهض يتجه لحمامه الخاص، إغتسل وأبدل ثيابه، لبنطال من الجينز وتيشرت أبيض، ومن فوقه قميصًا أسود بنفس لون الحذاء الرياضي، والحزام الجلد، ثم وقف يرتب خصلاته القصيرة، ويضع البرفيوم الخاص به.
جهز "عُمران" حقيبة كانت كبيرة عكس المتوقع لمحتويات ملابس يرتديها ليومين، بينما تقطر حدقتيه حزنًا وألمًا للفراق المحتوم أن يختبره، بينما يضع مصحفه ومسبحته، وعدد من الكتب الدينية التي بدأ بقرائتها بالآوانة الاخيرة، ليتمكن من كسب خبرة تفيده بالصلاة بالناس، فلم يعد يرغب الاعتماد على صوته العذب فقط، أراد أن يكون مهيأ بالكامل لذلك.
أغلقها وسحب ذراعها، ثم أتجه للخروج من الجناح، ولكن ساقيه وقفت على بابه تتخشب عن الخروج، لم يأتي من قلبه أن يفترق عنها بتلك الطريقة القاسية، ولكن إن أخبرها بما ينتوي فعله سيزداد الأمر سوءًا وربما حالتها الصحية تتأثر بما يود فعله.
ضم قصبتي أنفه بحيرةٍ يطمسها الوجع، واستدار يتأملها مجددًا وهو يجزم بأن صوت بكاء قلبه مسموعًا له، ترك الحقيبة وأتجه يجاور جلوسها على الفراش، يراقبها بانكسارٍ وألمًا.
مال إليها يضم بكفه جانب وجهها، يمرره برفقٍ بينما يناديها:
_مايـا.
تحرك جفنيها بانزعاجٍ، وفتحتهما مع ندائه الثاني، فابتسمت وهي تردد بنعاسٍ:
_عُمران!
أعاد خصلاتها المبعثرة بفوضوية للخلف، وهو يجيبها بحبٍ:
_ حبيب قلبه وروحه أنتِ يا مايا.
اتسعت ابتسامتها ونهضت تستقيم بجلستها، قائلة باستغراب:
_أيه الشياكة دي كلها، أنت متأكد أنك مش رايح تتجوز عليا وعامل حوار.
أجابها بنفس ثبات بسمته:
_أنا قولتلك قبل كده أني متجوزك أربع مرات، فالخامسة لا تجوز يا بيبي ولا أيه؟
غمزت بعينيها تشاكسه:
_بتغلبني بكلامك الساحر ده يابن أنطي فريدة!
رد مستنكرّا:
_ولما أحولك للتحقيق معاها هيبقى أيه وضعك بقى!
حركت كتفيها بدلال:
_هقولها بكل شجاعة أني جوزي حبيبي علمني مخافش من أي حد على وجه الأرض غير ربنا.
رمش لوهلة متعجبًا نبرتها، وقهقه ضاحكًا وهو يقرص خدها بمشاكسة:
_حبيبة قلب جوزك اللي محافظة دايمًا على كل نصايحه وتعليماته.
وأضاف مبتسمًا بفخر:
_تربيتي طمرت فيكِ.
نفضت كتفيها وكأنها تزيح غبار الغرور بعنجهية أضحكته وشاركته هي الضحك، وفجأة تلاشت ضحكاتها حينما لمحت الحقيبة الموضوعة جوار باب الجناح الاساسي.
أخفضت ساقيها حتى لامست الارض، لتتمكن من أتخاذ رؤية كاملة للحقيبة، ومالت برأسها تسأله:
_ليه واخد الشنطة دي كلها، مش أنت هتوصل يوم الحنة وهتبات ليوم الفرح، يعني يوم واحد بس!!
تعمق بعينيها بشكلٍ جعلها ترتاب لأمره، وخاصة حينما تنهد ملتقطًا نفسًا طويلًا، ثم مد يديه يداعب أصابع يديها، وبدأ يمهد ذاته لما سيقول وهي تراقبه بقلبٍ يكاد يقف من شدة ارتباكها، حتى حرر صوته:
_مايا، أنا عايزك تكوني هادية وتسمعيني، أنا مش عايز أعمل حاجة من وراكِ، مش قادر أمشي وأسيبك موجوعة ورايا، إنتِ نقطة ضعفي إنتِ واللي في بطنك.
انتفض جسدها من شدة الرجفة التي نخرت عظامها، فتحشرج صوتها الناطق برعبٍ:
_في أيـه يا عُمران؟!
لعق شفتيه وهو يضغط عليهما بقوة، ثم تطلع لها واضعًا كفه على وجنتيها:
_يوسف حددلك معاد الولادة.
ظنته سؤالًا، فهزت رأسها قائلة:
_أيوه حددلي، ما أنت كنت معايا!!
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة، وهو يلقي ما يخفيه بابتسامة مصطنعة:
_مش قادر أوصفلك لهفتي وحماسي الكبير ليه عامل ازاي، نفسي أشوفه وأحضنه، أكيد هتعلق بيه من أول نظرة زي ما أتعلقت بفيروزة.
وأضاف بنبرة حزينة:
_أو يمكن أتعلق بيه أكتر منها، وساعتها هفضل أجل في خطوة كان لازم أعملها من زمان، عشان كده أخدت قراري أني أخدها قبل ما أشوفه وأتعلق بيه، عايز لما أشيله على ايديا أشيله وأنا نضيف وطاهر من ذنوبي كلها يا مايا.
لطمتها صدمة جعلتها تحملق فيه بأعين متسعة، ووجهها ينصاع بصعوبة لها، فأبعدت وجهها للخلف عن يديه، وبصعوبة نطقت:
_إنت هتعمل أيـه يا عُمران؟؟ لأ... قولي إن اللي بفكر فيه ده مش صح!!
قرب جلوسه منها، حتى تمكن من ضم وجهها مجددًا بالقوة:
_مايا، حبيبتي إفهميني أنا بعمل كل ده عشانك وعشان ابننا، عايز أطهر نفسي من قذارة الماضي اللي ملاحقاني لحد النهاردة.
أبعدت كفيه بغضب جعلها تصرخ بانفعالٍ:
_إنت عايز تموتنا بالبطيء، عايز تتخلى عني وعن ابنك وبتقولي عشانا!! إنت عايز تعمل فيا أيه تاني يا عُمران، حرام عليك أنا معتش متحملة صدقني أنا تعبت!
رد بهدوء عساه يمتص غضبها:
_وأنا كمان تعبان ومخنوق يا مايا، عامل زي اللي محبوس في أزازة ومش قادر يخرج منها، عايز أنسى مش عارف.
وأضاف وهو يطمس أصابعه بين أصابعها المسنودة للفراش:
_الشيخ مهران إداني بدل الفرصة عشرة بس أنا مصر على قراري، كل ما كنت بتراجع عنه عشانك وعشان اللي في بطنك كنت بشوف الأربع مرات اللي خنتك فيهم يا مايا، كل تفصيلة ولو صغيرة مش راحة عن بالي، أنا عايز أرتاح من كل ده، عايز أبعد عني الذنب ده بأي شكل من الاشكال، مش هقبل إني ألوث بإيديا دول ابني!
سحبت كفها ونهضت تقف قبالتها وصوتها يحتد بعنفوان:
_وأنا راحتي هلاقيها أمته وفين؟ أنا لسه متعافتش من اللي حصل معانا بعد الحادثة فازاي عايزني أرجع تاني أختبر بعدك عني سنة، ولا هقدر أستحمل ازاي إنك تنجلد!! حرام عليك يا عُمران إرحمني من اختبارات العذاب اللي دايمًا بتحطني فيها.
قالتها وسقطت على المقعد تبكي بانهيارٍ، لا لن تقبل أن تعيش هذة الظروف القاسية مجددًا، قبضت بيدها على ذراع المقعد بغضب، بينما يجلس هو محله يتطلع أرضًا برأسٍ منحني، تمر عليه الدقائق ومازال يخفي وجهه عنها، حتى إرتابت لامره، توقعت أن يعود لحديثه الذي لن ينتهي، أن يحاول إرضائها كالمعتاد، ولكن صمته وانحناءه لتلك الدرجة أربكها.
توقفت عن البكاء وتابعته بخوفٍ فشلت فشل ذريع بإخفائه، فرددت برعشة طفيفة:
_عُمران!
قبض قبضته يستجمع فيها كبريائه وغروره الذي حافظ عليه على الدوام، قبضه بين كفه ورفع رأسه ببطءٍ لها، إحترق قلبها وانتهى أمره حينما رأت دموعه تنهمر لمرته الاولى، تعلم بأنه لربما بكى سابقًا، ولكنه لم يجعلها تراه يومًا، كان عزيزًا، سيدًا، شامخًا، يتحلى بكل قوته رغم أوقات ضعفه!!
شق قلبها صدرها، وإن مر عليها دهرًا كاملًا لا تريد أن تراه هكذا مجددًا، بل زاد من قهرها حينما تحرك لمقعدها بخطوات متهدجة، وانحنى أمامها، يميل برأسه على كفيها المسنود على ساقيها، دموعه تلامس يديها، وصوته يخترق مسمعها:
_أرجوكِ يا مايا ساعديني، أنا عايش في عذاب ما بين واجبي تجاهك وما بين خلاصي من الذنب ده.
وتابع ومازال يسند رأسه على ساقيها:
_ مش سهل عليا إني أسيبك، والله العظيم بعدي عنكم هيكون أصعب من الموت، بس أنا عايز أحط دماغي على مخدتي وأنام من غير خوف، عايز أرتاح يا مايا، أرجـــوكي ساعديني.
أغلقت عينيها تعتصر دموعها، يريدها أن تعاونه على تحمل ما يفوق طاقتها، فعاد يجلدها حينما شعرت بدموعه فوق اصابعها مجددًا، بترت بكائها واستمدت نفسًا مطولًا تسترد فيه قوتها، تنشط عقلها بأنها لم تكن ضعيفة يومًا قط، ستكون قوية مجددًا لأجل حبها، لاجله هو، حبيبها وزوجها ووالد صغيرها يستحق أن تمنحه هذا الخلاص، حتى لو عاشت تعاني.
سحبت كفيها تضعه فوق رأسه، وبقوة لا تعلم كيف استمدتها قالت:
_طمني عليك من فترة للتانية، متحرمنيش من صوتك هو اللي هيديني الصبر أنا وابنك لحد رجوعك لينا من تاني.
أزاح دموعه واسترد كامل ثباته، قبل أن يرفع رأسه لها مبتسمًا، فوجدها تحذره باشارة صريحة:
_بس بعد رجوعك لو فكرت تسافر ولا تبعد لأي سبب من الاسباب ساعتها هقتلك بايديا يا عُمران!
قبل يديها وجذبها بقوةٍ بين ذراعيه، فخرت باكية، تتمسك به بكل قوتها، وهي تكبت شهقاتها التي فضحتها رجفة جسدها بين ذراعيه، وصوتها الذي هتف بانكسارٍ:
_أنا عارفة أنك عنيد وكده كده هتنفذ اللي في دماغك، فعشان خاطري متقساش على نفسك، افتكر إنك سايبني أنا وابنك وراك، افتكر حبي الكبير وتضحياتي عشان الحب ده.
ابتعد يقابلها بنظرة حملت عشقها المخلص داخله، وقال بصوته المحتقن:
_أنساكي إزاي وإنتِ حتة من قلبي وروحي يا مايا..
وأضاف وهو يتعمق بمُقلتيها:
_مش إنتِ بتحبي الواد ده عشان حتة منك، أنا كمان بعشقك عشان إنتِ مني..
وابتسم وهو يمازحها مستندًا بجبينه على جبينها:
_حبك مأثر على قلبي ومسيطر سيطرة الجن العاشق، فمش مضطر ألجئ لشيخ يحررني لإني قابل بسيطرتك على كل شبر مني، ولا بخاف أتلبس من جنية تانية لإن جنيتي شرسة ومتقبلش بعفريته تشاركني فيها.
ضحكت بصوتٍ مسموع وقالت رغم بحة صوتها الحزين:
_اللي تفكر تقربلك ولا تبصلك بصة مش تمام بس هطلع عين أمها، مهو مش بعد الصبر والمرمطة دي وهسيبك ملكية عامة للي تسوى واللي متسواش!!
شاركها الضحك وقال غامزًا:
_حبيب قلبي شرس ومالي مركزه يا ناااس.
ضحكت والضحكة تغادرها حينما قرأت بعينيه نيته بالرحيل باستقامة وقفته، وقفت قبالته تكبت بكائها وتتمسك بيده قائلة بصوتٍ باكي رغمًا عن قوة صمودها:
_طيب بلاش تروح الفرح واقعد معايا.
أجابها بحنان وهو يبعد دموعها:
_مش هينفع يا حبيبتي، موسى وصابر ليهم دين في رقبتي لسه مردتهوش.
هزت رأسها مدعية ثباتها وتفهمها، ورددت بوجع:
_طيب ينفع تسافر بعد الولادة.
أغلق عينيه يتحمل مذاق الألم الطاعن، وردد بهمس يئن:
_هتعلق بيه يا مايا، ومش هيبقى عندي الارادة أني أسافر، كده أحسن.
هزت رأسها مجددًا، وعادت تتمتم:
_طيب أنا هطمن عليك إزاي؟
احترم محاولاتها للحفاظ على قوتها أمامه، فمال يقبل جبينها ويضمها:
_موبايلي هسيبه مفتوح على طول عشانك، كلميني في أي وقت.
وأضاف وهو يمسد عليها برجاء:
_متعيطيش في غيابي بالله عليكِ، قلبي مش هيتحمل، كفايا الوجع اللي هعيشه وأنا بعاتب نفسي على بعدي عنك بالتوقيت ده بالذات، عشان خاطري خليكي قوية يا مايا، إحنا اتجاوزنا محن كتير، وهنقدر نتجاوز المحنة دي كمان.
هزت رأسها وهي تتمسك به ببكاء، فتابع وهو يقربها اليه:
_أنا معرفتش أي حد غيرك انتي وفاطمة، أوعي تعرفي علي ولا فريدة هانم بحاجة.
حركت رأسها بخفة، فقبل جبينها ويديها، وتحرك على الفور قبل أن تضعفه دموعها، سحب حقيبته وخرج بينما تمد ذراعها تجاه محل خروجه، ويدها الاخرى تكبت شهقاتها عنفًا، تتراجع لطرف الفراش، جلست وهي توزع نظراتها بين باب الرحيل وبين بطنها المنتفخ، فمسدت عليها وأزاحت دموعها قائلة:
_يا رب إلهمني القوة والصبر، أنا مش هقدر أتحمل، وجعه هيوجعني أنا مش هو!!!
قالتها ومالت على الفراش تستكين بتعبٍ، وتخمد بكائها في الوسادة، فشعرت بكف يد ممدود على ظهرها، فتحت عينيها فوجدت فاطمة تقابلها بأعين باكية، تحمل كل الشفقة والحزن عليها.
******
حمل "علي" صينية الطعام، ووضعها قبالة "نعمان"، ثم دعمه حتى أن جلس بشكلٍ مريح، فمنحه ابتسامة امتنان وقال:
_تعبتك معايا يا دكتور.
بابتسامة عملية أجابه:
_تعبك راحة يا خالي.
وجذب الطبق الصغير، يقدم له ما به من أقراص، ومنحه المياه مرددًا:
_الدوا ده قبل الأكل.
التقطه وابتسامة الامتنان تزداد على وجهه، بينما يستطرد علي:
_هسيب حضرتك تفطر وهروح المكتب أوقع كام ورقة مهمين وهرجعلك تاني على طول.
رد عليه بمحبة تغلغلت داخله جديدًا:
_روح يا حبيبي، كتر خيرك سهران معايا طول الليل.
ربت على يده المسنودة جوار طاولة الطعام، وابتسامته البشوشة تزين وجهه.
أتجه" علي" لمكتبه، وبدأ "نعمان" تناول طعامه حتى إنتهى منه، فمال للوسادة شاردًا بكل أفعاله التي لا تسحب من خلفها الا الحرج والندم، حتى تلقفه طرقات باب الغرفة، فتنحنح بخشونة:
_إدخل.
انفتح الباب وظهر من خلفه من جعله يعتدل على الفراش بابتسامة واسعة، ولسانه ينطق باستغرابٍ:
_عُمـــــران!!
لم يتمكن من أن يبادله ابتسامته، ولج بما يحمله للداخل، فسحب المقعد يضعه قبالته، وجلس يردد بصلابة:
_عامل أيه دلوقتي يا نعمان؟
اتسعت سعادته لاهتمامه بحالته، وسؤاله القيم، فرد بلهفة:
_الحمد لله أحسن بكتير.
حرك رأسه ببطءٍ، ومال يتطلع أمامه بغموضٍ اتبع سؤاله:
_ناوي على أيه بعد طلوعك من هنا؟
اختزلت معالمه حزنًا، فابتلع غصته وقال:
_والله يابني ما أنا عارف!
عاد يسلط رماديتاه إليه، وفاه:
_واضح من اجابتك العايمة إنك معرفتش تصلح غلطك مع مراتك.
هز رأسه بكل خيبة أمل، فابتسم عُمران ساخرًا:
_قايمة الغُشم عمالة تزيد!
تساءل نعمان باستغراب:
_بتقول حاجة؟
هز رأسه وبابتسامة واسعة ققال:
_بقول إنك غشيم يا خال، مخك متربس على الخواجات والرقصات!
وأضاف وهو يتمعن به:
_بس أنا كسبت فيك ثواب وبعت لمراتك إنك بتموت، فعايزك أول ما تخش عليك تجدد عهدك مع ماضيك القذر وتعمل إن الكفن على بعد خطوة منك، لحد ما المصلحة تقضى.
ارتسمت سعادة على وجهه، وأسرع يؤكد له:
_بجد! لا متخافش أنا مش هفوت الفرصة دي الا وكل شيء راجع لمجاريه.
زم شفتيه ساخطًا:
_طول عمرك ريحتك بتعبر عن مخططاتك القذرة يا خال!
وأضاف وهو ينتصب بوقفته، ويميل تجاه الحقيبة الصغيرة الموضوعة على الفراش، قائلًا:
_ أنا جبتلك حاجة معايا.
تابع ما يفعله باهتمامٍ، حتى أخرج له عُمران كتابًا ملفوف، نزع عنه العلبة، ليتفاجئ بأنه يحمل مصحفًا شريفًا إليه، رفعه تجاهه عُمران، وقبل أن تتلقفه يدي نعمان، سأله:
_إنت على وضوء؟
هز رأسه وهو يخبره بأعين دامعة من فرط السعادة لما يفعله معه:
_صليت الفجر مع علي، فلسه على وضوء.
سلمه له عُمران ومنحه من بعده تاب متوسط الحجم، التقطة منه نعمان بحيرةٍ، فتعمق بالتطلع إليه وقال:
_كل إنسان بيمر في حياته بعقبة، بتفتح من قدامه ماضيه، وبترهبه من الموت، الإنسان الذكي هو اللي بيعدي منها وهو مطهر نفسه من الماضي ومحقق سلامه من الحاضر، ومأمن مستقبله كمان.
واستطرد بنظراته الثابتة القوية:
_والغبي اللي بتمر عليه بلحظات مؤقتة، أخد فيها سماح أشخاص ظلمهم، وصلى كام يوم وبعدها بعد تاني ورجع أبشع من الأول، كده هو خسر خسارة أكبر من الاولى، خسر دنيته وأخرته.
أدمعت عيني نعمان تأثرًا وصدمة من حديثه، ربما عهد أن يستمع تلك الجمل من علي، لما يتناسب مع أخلاقه وشخصيته، ولكن عمران كان أمرًا محيرًا له.
عاد يردد له بهدوء صوته الرخيم:
_أنا كمان سبق ومريت بظرف، وعديت منه بصعوبة، بس عديت وأنا بغير من نفسي لحد ما بقيت إنسان تاني، إنسان داق حلاوة القرب من ربنا ومستحيل في يوم يبعد، عشان كده عايزك تستغل الفترة دي وتقرب منه، إقرأ في القرآن وأتعمق بمعانيه، وهتلاقي على التاب خطب حملتهملك هتفيدك جدًا وهتعلمك حاجات كتيرة عن دينك.
وختم حديثه بقوله الاخير:
_انتصر على شيطانك واقتله من نص الطريق،لإنه لو كمله معاك هيتخلى عنك على باب النار، بعد ما ضمن دخولك ليها.
تهاوت دموعه كالسيل، ومازال بتعمق به، فنهض عُمران يستعد للرحيل قائلًا:
_أنا لازم أمشي أتاخرت.
واستدار ليغادر، فأوقفه بسؤاله المتلهف:
_هشوفك تاني أمته؟؟
أجابه مازحًا دون أن يستدير له:
_لما أشتاق لسحنتك هجيلك يا خال، مع إني أشك في ده!
قهقه نعمان ضاحكًا، حتى غادر عُمران صافقًا الباب من خلفه، ومتجهًا لمكتب أخيه، يريد أن يضمه قبل رحيله.
*****
انتهى "علي" من توقيع الأوراق، وشملها بملف واحد، ثم مال بيده يجذب فنجان قهوته الساخن ليرتشفه، فلم تصل يده له، بل لامست الطابق الفارغ، مما دفعه ليستدير للمكتب المنجرف جانبًا، فوجد أخيه يجلس من فوقه وهو يرتشف الكوب بتلذذٍ أرغمه على الضحك، وقال:
_هو أنت بتتكيف من القهوة اللي بكون شارب منها ولا وضعك أيه؟
وضع الكوب الفارغ بالطبق، ووضع ساقًا فوق الاخرى وهو يجيبه:
_مش بالظبط.
سأله بمرحٍ:
_طيب ما تصارحني عشان أقدر أحللك مشاكلك يا حبيبي، أهي فرصة متتعوضش، في مكتبي ومعنديش شغل، تعالى مدد على الشازلونج ونشوف حكايتك أيه؟
عبث باللافتة التي تحمل إسم "علي الغرباوي" وهو يردد:
_الحكاية إني بالع بلطجي جوايا، لما بتعصب بيبتدي يضرب دماغي زي الكلاب السعرانة لما بتنهش في اللحم الني، وهنا بقى مفيش حل غير من الاتنين، الأول أحاربه وللاسف ده تصرف غبي لإني مستحيل هقدر عليه بتربية كوتي موتي اللي إنت وفريدة هانم ربتوني عليها، والتاني إني أمهدله سكه وأخدلي منه ساتر لحد ما يخلص مهمته ويهدي أعصابه وده الحل الأمثل، إتقاء الشر عشان هو خلقه أضيق من خرم الأبرة.
تعالت ضحكات علي الرجولية، ونهض عن مقعده يتجه ليجلس قبالته:
_متقلقش أنا هعرف أعالجك وأختارلك واحد ابن حلال هو اللي يسيطر.
رد ضاحكًا:
_الحلال مبيجبش سكة مع الاشكال دي، إرجع للسماعة والبلطو يدفيك يا دكتور.
ونهض يشير لساعته:
_وأنا يدوب أعدي على يوسف، عشان نلحق معاد الطيارة.
تساءل بفضول:
_حجزت الكرفان؟
هز رأسه وقال يجيبه:
_هيكون جاهز قدام المطار.
وإتجه يقف قبالته بتردد، وقلقًا من أن يكشف أمره، فشعر علي بما فيه، فتساءل:
_بتفكر في أيه؟
رد باسلوب مضحك:
_بفكر في برودك، بقالي ساعة بقولك أنا ماشي عشان يظهر عليك شوية تأثر وزعل فتقوم تحضني زي أي أب بيودع ابنه المسافر، بس إنت معندكش دم وواقف بارد قدامي يا علي!!
رفع أحد حاجبيه بسخط:
_طيب ولزمتها أيه اللف والدوران، ما تقول إنك مرتبك من سفرك وعايز تتطمن! ولا مش جاية على كرامتك يا طاووس!!
ولكزه ضاحكًا:
_قولتلك متتذكاش على بابا، عشان قفشك من ساعة ما لفيت ولاقيتك قاعد قدامي.
منحه ابتسامة ساكنة، وبجدية تامة زرعت القلق بقلب علي، قال:
_أنا لو معترفتش أنك طمأنينة وضماد قلبي، أبقى غبي فعلًا يا علي.
تلاشت ابتسامته، وهو يركز ببصره تجاه عُمران بشكِ، ولكن الاخير لم يترك له فرصة حينما اندفع يضمه بكل قوته، ويقول ليبدد شكوكه حول أمره المريب:
_هو بس فكرة السفر دي موتراتي، لإن أخر سفر ليا مرتبط بذكريات فقدان الذاكرة وكل اللي عشته.
وأضاف وهو يشدد من ضم أخيه:
_بس دلوقتي إطمنت يا علي.
ربت على ظهره بخوفٍ انتباه فجأة، وقال:
_عُمران لو عايزني أسافر معاك، هسيب كل حاجة وهاجي معاك حالًا.
نظم أنفاسه بمهارةٍ، وابتعد يرسم ابتسامة مخادعة:
_مش للدرجادي يا دكتور، ابنك راجل ويعتمد عليه.
وأضاف وهو يغمز له بخبث:
_وبعدين مش كفايا المرشدين اللي بعتهم مخصوص معايا، طيب كنت وفرت محاولاتك لاقناعهم وطلعت معايا إنت من الاول!!
جلجلت ضحكات علي الرجولية بشدةٍ، وردد بمكر:
_مهو عشان انت مشاغب وبتلعب في الطين كتير لازم أشوف حد يراقبك، وده راجع لخوفي عليك يا حبيبي، يرضيك أتعب وأشقى، وأربي وفي الآخر يتقال دكتور علي معرفش يربي!!
ضحك وهو يجيبه:
_لا ميرضنيش.
وأضاف بجدية مضحكة:
_على فكرة أنت راجل خبيث يا علي.
ردد بنفس سياق جملته:
_ما أنا قولتهالك قبل كده، أنا بابا يالا!
صفاء ابتسامته جعلت عُمران يتابعه ببسمة حزينة، وقبل أن يكشف أمره غادر على الفور، يتجه بسيارته لمنزل يوسف، ترقب لدقائق حتى إنضما إليه.
فهبط يحرر صندوق السياره، وضع يوسف حقيبته وبدأ جمال بتكديس أغراضه العديدة، حتى لم يتمكن عُمران من غلق الغطاء، فصاح بدهشة:
_أيه كل الشنط دي، إنت طالع رحلة بروح أمك!!!
ردد جمال من خلفه متأسفًا:
_لازم اعمل حسابي لكل ثغرة ممكن تقابلنا، المشكلة دلوقتي هنحط باقي الكراتين دي فين؟؟
رد يوسف بعد تفكير:
_بص عمران هيقعد جنب السواق، اديهاله يشيلها على رجليه واحنا نقعد ورا.
قال جمال بعد تفكير:
_ما ناخدها بينا انا وانت بالنص.
صاح يوسف بنفي:
_لا أنا كده مش هعرف أقعد واخد حريتي بالقعدة، عمران بيحب الاوزان التقيلة والحديد، يشيل هو وإحنا نرحرح ورا.
تابعهما عُمران بنظرة خطيرة، أنهاها حينما جذب الكرتونة يضعها بالمقعد الخلفي، ثم صعد جوار سائقه يغلق الابواب أتوماتيكًا، ارتدى نظارته السوداء وأدلى برأسه من النافذة مرددًا:
_اتوبيس الشعب بيقف في الموقف عشر دقايق، عند الحداشر دقيقة في المطار، هكون واقف حداد على روح أمك أنت وهو.
وأشار للشاب القابع جواره:
_إطلع يا علي!
ابتسم الشاب بخفة وقاد السيارة على الفور، تاركًا من خلفه الصدمة تحتلهما، بينما يبتسم السائق وبعد محاولات لقتل فضوله نطق:
_باشا!
نزع عُمران نظارته وقال ومازال يسند رأسه للمقعد باسترخاء:
_هنرجع تاني لوصلة الزن ورغي الحريم!
ابتسم الشاب وقال:
_اعذر فضولي يا باشا، أنا بقالي يومين معاك ودماغي هتتفلق من الفضول.
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_يارتها تتفلق وتريحني من رغي أمك ده، قال قولي يا علي، هو أنت الحيلة ولا عندها رغايين غيرك؟
ضحك وقال بفخر:
_لا عندها غيري كتير، أنت نسيت ولا أيه يا باشا ما أنا حكيلك يوم العركة ياها!
تمتم باستهزاء:
_العركة اللي شرحتك فيها، ذكرى هتدخلك التاريخ من أوسع أبوابه.
ابتسم وقال بامتنانٍ أدهش عُمران:
_دي كانت أحلى عركة أدخلها في حياتي، عشان عرفتني عليك يا باشا، أنت ابن حلال وتستاهل كل خير والله، كفايا جدعنتك ورجولتك معايا.
وأضاف وهو يركز على طريقه بتركيز:
_أنا لما فوقت كنت فاكر اني هلاقي نفسي في الترب لامواخذة، اتصدمت لما لاقيت نفسي في مستشفي شبه الفنادق الخمس نجوم، لا وأيه سايبلي مبلغ عمري ما أحلم بيه، يعني بدل ما تبلغ عني وتسجني يا باشا أكرمتني.
واستطرد وعمران يتابعه ببسمة يرسمها بالكد وهو يحاول السيطرة على وجع رأسه الذي يهاجمه لعدم نومه:
_بالك يا باشا أنا مسبتش السكرتيرة بتاعت المستشفى الا لما جابتلي اسمك وعنوانك، روحتلها أربع مرات لحد ما زهقت مني وادتني العنوان، مش هكدب عليك في الاول قلقت لما لاقيتك قيمة وسيما ومركز علوي، بس اتكلت على الله وقولت لازم اشوفك وارجعلك فلوسك، بس بردو طلعت ابن اصول يا باشا ومردتش تاخدهم لا وشغلتني عندك شوفت عز أكتر من كده.
وتابع بتفاخر أضحك عُمران:
_حكم أنا أمي طول عمرها تقول عليا إني مرزق، شوف كان حالي فين وبقيت فين يا جدع... آآ.. أقصد يا باشا.
مرر يده على جبينه، وهمس بتعب:
_باشا، باشا، فلقت دماغي بسفونية علي بيه الكبير دي!
قهقه ضاحكًا وقال:
_سلمت دماغك يا باشا البشوات كلهم.
مال برأسه للاسفل بقلة حيلة، بينما بهتف الشاب بحماس:
_أسأل سؤالي بقى يا باشا.
اشرأب بعنقه بصدمة:
_هو انت كل الرغي ده ومسألتش سؤالك!!! علي أنا تعبان وبحتضر جنبك هنا، إعتقني لوجه الله.
قال وهو يبتسم:
_خلاص يا باشا ريح.
أعاد رأسه واغلق عينيه بتعبٍ لدقائقٍ، ثم قال بتأففٍ:
_عشان غلاوة صاحب الاسم بس، أتفضل اسال يا علي باشا.
ابتهج الشاب، وقال مستفهمًا:
_كنت عايز أسالك عن الشاب الغريب ده تعرفه منين، دكهون يبقى شريكك عرفناها دي، التاني الابيضاني ده شريكك بردو ولا صاحبك كدهون وخلاص.
عبس عُمران وهو يهتف بدهشة:
_دكهون!! أبيضاني!!!
رد عليه بجدية:
_أيوه دكهون قمحاوي ده ابيضاني وحليوة كده.
أشار له عُمران وكأنه على وشك الاغماء:
_اركن على جنب، اركن.
ارتعب الشاب وصف السيارة سريعًا على طرف الطريق، ولسانه لا يتوقف عن ترديد:
_مالك يا باشا، قولي حاسس بأيه؟!؟
جذبه من تلباب قميصه، يقربه من عينيه المكتاظة بغضب جعله يبتلع ريقه بصعوبة، وصوته المخيف يغرد كفحيح الافعى:
_عارف لو سمعت صوت أمك ده هعمل فيك أيه؟؟
هز رأسه نافيًا، فأوضح له باستفاضة:
_هخليك تأخد الاسفلت بالاحضان، تسوق وتطلع على المطار بمنتهى الهدوء، متحاولش حتى تبص جنبك عشان لو عملتها هطلق عليك كلابي السعرانة كلب كلب، ولم يخلصوا عليك هأخد عضمك ده في شوال أبيضاني وحليوة لأمك!
ابتلع ريقه بصعوبة، وهدر:
_إنت طلعت خِطر أوي يا باشا.
رد بكل تأكيد:
_أخطر مما تتصور، تحب تجرب نفشة ريشي ورقصة مطوتي؟؟!
همس بفحيح يسمع بصعوبة:
_مطوة كمان!!
أكد له مبتسمًا:
_إنت نسيت إن دشملتي ليك كانت سبب التعارف المنيل ده، هو إنت اللي كنت فاقد الذاكرة ولا أنا!!
قال بعقلانية حررت ضحكات عُمران:
_العفو عنك يا باشا، أنا اللي دماغي ملحوسة ومفوتة، إنت دماغك توزن بلد إسم الله على مقامك!
مال على النافذة ضاحكًا بصفاء، وكأنه لم يكن ذاته الشخص الذي كان يثبته بغضب، وبهدوءٍ ردد:
_اطلع يا علي، الطيارة لو فاتتني مش هعتق أمك النهارده!
.............. يتبع......
#الاقـــــــــوى_قــــــــــــــــــــــــادم..
محتاجين نثق في بعض الفصلين الجايين دووول، في أحداث عظمة جاية في الطريق، متنسوووووش التفااااااعل، التفاااااعل، يلاتصبحوا على ألف خير ❤
*****__________********
تعـــــــــــــديل
ما شاء الله في عدد كويس لسه صاحيين ومتفاعلين على الفصل، تيجوا نتفق اتفاق؟
اقرأي الفصل وقومي قبل ما تنامي اتوضي وصلي ركعتين بس للقيام، وادعي من كل قلبك بالدعاء اللي هكتبهولك ده
يا حيُّ يا قيُّومُ برحمتِكَ أستغيثُ أصلِح لي شأني كلَّهُ ولا تَكلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ.
عارف "طرفة عين" يعني إيه؟
يعني رمشة! أبسط حركة لا إرادية في جسمك!
النبي ﷺ دعا إنه حتى في "الرمشة" دي... ما يعتمدش على نفسه!
ليه؟
لأنك من غير ربنا... ولا حاجة.
تخيل لو ربك سابك تدبّر أكلك؟ ضغطك؟ هضمك؟ هتضيع!
أنت محتاج لربنا في كل لحظة... في كل نفس بتتنفسه.
مهما كنت فاكر نفسك قوي أو فاهم أو متحكم... الحقيقة إنك ضعيف جدًا من غير ربك.
وكل ما زاد شعورك بالافتقار، كل ما زادت رحمة ربنا ليك.
💭 فكر فيها:
إللي بيطلب من ربنا حتى في "رمشة العين"...
عمره ما هيتساب في وجع ولا في همّ ولا في لحظة ضعف.. ومتنسيش تدعيلي دعوة حلوة من قلبك، بحبك في الله ♥🙈
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 149 - بقلم آية محمد رفعت
صباح الخير يا بنات، انا كنت عارفة ومتأكدة أن الاحداث الحالية هتعمل حالة من الجدل كبيرة جدًا، سابقًا لما كنت بخوض نقاط شائكة زي دي كنت بفضل الفصل مينزلش الا لما تكون واضحة فيه كل شيء، لكن هنا الامر يختلف، لان الاحداث بتكمل بعض، لذا كنت بأكدلكم اننا محتاجين نثق في بعض شوية، المشكلة كمان إني مقيدة مش عارفة أكلمكم بحرية، وأوضح اللي عايزة أتكلم فيه عشان محرقـش الاحــــــداااث!!!!
الاحداث اللي البعض منكم مش صابر عليها ونازلين اتهامات فيا وان الدين دين يسر وعمران رد فعله أفور، وعمران اناني، وعمران الخ الخ، جماعه الرواية متختمش هنا، الرواية فصولها لسه بتنزل، أكدتلكم كذه مرة ان لسه في احداث جاية، أنا بقالي شهور بدرس وبرجع لاكتؤ من شيخ لحد ما وصلت لبينة أكيدة هتنزل بمشهد من المشاهد الجاية، من فضلكم كفـــــــــايا لغط كتير، استنوا باقي الفصـــــول، انا نزلتلكم قبل كده اقتباس لعلي وعمران عشان اكدلكم ان حواره منتهاش، لسه له بقية، اللفة اللي بنلفها دي أنا اللي قصدها عشان هدف في دماغي، ارجوكم بلاش تتسرعوا وتقلبوها حلبة مصارعة بينكم!! رد الكومنتات على بعض قفلني حقيقي.
طيب خليني أوضح نقطة وللاسف في نقطة تانية مفقودة مش هعرف اتكلم عنها حاليًا عشان الاحداث الجاية، بس انتوا اللي أجبرتوني على كده، اولًا عقوبة الزاني المتزوج الرجم حتى الموت مفهاش اي نقاش، وبالرغم من أن عمران كان متزوج بس يعامل معاملة الأعزب، لانه لم يدخل بزوجته (مهم جدًا ✅)
عقوبة الزاني الاعزب وهو اللي اتذكر في القرآن الكريم 100جلدة، بس ورد عن السنة التغريب لمدة عام بره البلد، وده بهدف العقوبة وإن التائب يكون له فرصة والوقت انه يتوب ويرجع الى الله، وخدوا بالكم ان عمران بالفعل تـــــــــــاب، واللي هيقولي ان التوبة بتعفي كل اللي حصل قبلها هقوله فعلًا كلامك صح 100 في المية وانتظر الاحداث القادمة لان كده هنحرق الرواية بس هعمل ايه مش هقدر اشوف حالة الجدال دي واقف أتفرج، فنقفل النقطة دي باستكمال الفصول الجاية (مهم ✅)
النقطة الاخيرة اللي عندي وهي بتعبر عن صدمتي صراحة، معلش هو عمران اناني في أيه؟؟ عمران كل تفكيره وخوفه من إنه أتعلق بأخته التعلق الرهيب ده فبديهي انه هيتعلق بابنه اكتر، خاف يتراجع عن قراره لما يشوفه، واللي هيقولي قاعد طول الرواية وجاي ياخد القرار ده دلوقتي، هرد عليه إنه يراجع الاحداث تاني، هل كان في فترات هادية في حياته ومستغلهاش لده؟!
همشي بردو معاك في كل الاتجاهات
الفصول الاولى كانت كلها عن محاربة عمران لنفسه، لحد ما اتمكن وبدأ في طريق توبته.
بعدها كان بيرمم علاقته بمايا
اتهامه بالخيانة وده بسبب اللي حصل معاه ومع صبا من نعمان.
نزوله مصر.
بعدها احداث كتيرة كانت في غاية الاهمية واللي من ضمنها انه فقد الذاكرة، ولما رجعتله وقرر يخضع للعقوبة، الشيخ مهران رجعه لانه كان لسه مريض من الحادث، دلوقتي الامور بدات تستقر، وقراره بالفعل كان لبعد ولادة زوجته، بس لنفس السبب اللي قولته من شوية خايف يتعلق بابنه وميطبقهوش، وبردو عنده احساس إنه حابب يتطهر من ذنب عمله قبل ما يشيل ابنه بين ايديه، وشايف بردو انه ده اقل حق لزوجته عليه انه يكون نقي زيها، دي وجهة نظر شخصية عمران مش وجهة نظر الكاتبة آية محمد رفعت ولا وجهة نظر القراء، ولا وجهة نظر شخصيات جوه الرواية زي دكتور علي وغيره، كلنا لينا وجهة نظر ومبادئ وشخصية مختلفة أرجو فهم النقطة دي (مهم ✅)
بالنسبة لتشكيك بعض القراء في حب عمران لمايا!!!!!!!
!!!!!!!!!!!
!!!!!!!
أنا مش هتكلم كتير ولا هجيب حصر لمشاهدهم اللي اتهمت بتقصيري فيها وهما من أهم الثتائيات اللي اتذكرت أصلًا، أنا هقول كلمتين انتين إن عمران من أكتر الشخصيات تعبيرًا عن حبها لزوجته في العلن والخفاء فقط لا غير.
بالنسبة للي بيقولي مشاهده كتيرة مع اصحابه ومش عارفة ايه، فهو شخص مبيقعدش في البيت حرفيًا، شخصية ايجابية بتحب الحياة، خروج وتنسيق ما بين شغل وجيم وبيت وعيلة وزوجة والعيلة هنا مهمة وشاملة من اخ، ام، أخت، وبيحب اصدقائه كتير بس الاكيد واللي مستغربة اني بتكلم فيها انه بيحب مراته اكتر من كل شيء، مش مضطرة اعمل مقارنه بين حبه لزوجته ولاصدقائه لاني مستغربة الوضع كله بصراحة..
احنا بنمشي حسب تتبع الاحداث، كل حدث له قيمته وأهميته، كل شخصية واخدة حقها وبالكامل ده من وجهة نظري أنا ولكل وجهة نظر تحترم، بس خليني اشرحلك اخر نقطة، وقت ظهوره مع زوجته بمضاعفة المشاهد كان لحل نقطة معينة، ظهوره المضاعف مثلا مع ايوب في محنته، غيره مع ادهم، علي، وكلامي مش عن عمران، انا بوضحلكم ان كل شخصية كانت ليها البطولة في جزء معين من الرواية، لان ظهورها هنا مطلوب، طيب مفيش حدث مذكور ولا أصلًا متهييء له أنه يحصل؟؟
انا مبحبش الحشو اللي مالوش لازمة، بحاول وبجتهد أني أوفق الفصل من كل شيء، بس مش هعمله كله عن عمران ومايا طيب وباقي الشخصيات وباقي الاحداث؟
الرواية نصنيفها اجتماعي ضامة من ضمنها عدة أقسام زي اكشن، كوميدي بسيط، ورومانسي، فلو حضرتك عايز تقرأ رواية كلها بتتكلم عن رومانسية البطل والبطلة اللي واخدين 3/4 الرواية فللاسف مش هتلاقيه في رواياتي، فبعتذرلك إن حضرتك ضيعت وقتك في رواية مكننش بالشكل المطلوب ❤
كلمة أخيرة وانمنى تكون الاخيرة، انتظروا باقي الاحداث، لسه في احداث مهمة مكملة للاحداث، لسه في احداااث مهمة، علي دوره قوي في اللي جاي، لسه الموضوع منتهاش ولا خلص هنا، فأرجو منكم شوية صبر، وأنا أسفة لو كنت احتديت شوية في الكلام بس صدقوني شوفت كمية تعليقات خلتني مندهشة، دايمًا شخصية عمران عليها جدال وده المطلوب، بس ظلمكم لشخصيته في الاخر هو ظلم كبير منكم، وعمومًا هنشوف الدنيا رايحة على فين، وهو هيرجع يعدل كفة الميزان ازاي.، بعتذرلكم مرة تانية... يسعد صباحكم بالخير واليمن والبركات ❤
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 150 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#عودة_الطاووس!..)
#الفصل_الـ116
(إهداء الفصل تلك المرة مميزًا، إهداء إلى ابنة عمتي المستشارة المستقبلية "أمـل الحجــراتي" وصديقتها الجميلة "حنيــــن محمــــود"، حبيبتي التي توصل لي باستمرار إعجابها بالرواية مع ابنة عمتي، أشكركما جزيلًا، وأتمنى من الله أن أكون دائمـــــــًا عند حســن ظنكما، ولي كل الامنيات لكما بالنجاح والتوفيق بحياتكما الدراسية حبيباتي، أحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
الليل يحتدم بصراعه القوي ليطغي بسلطته الواهية، والصمت يستحوذ على المكان، يعلن تربع النوم بعرشه الثقيل على أغلب ركاب الطائرة، الا هو، كان يستند برأسه على حافة نافذة الطائرة، شاردًا بالفراغ من أمامه، وعقله يتضخم بجل ما يهاجمه.
استمد "عُمران" نفسًا طويلًا، واستدار جواره، يتأمل غفوة يوسف فوق كتف جمال الجالس بالمنتصف، ابتسم وهو يراقبهما قليلًا من الوقت، ثم جذب هاتفه يتلصص على حسابات زوجته الاجتماعية، فعلم من نشاطه بأنها مازالت مستيقظة.
فعل مكالمة فيديو، ومال برأسه تجاه النافذة مجددًا، يحكم الهاتف حتى لا يراها أحدٌ، فأتاته تجيب مرحبة بوصلة غرامه، وتهتف بعشقٍ:
_عُمران!
ابتسم وهو يطالعها بهوسٍ، وبدون أن يتطرق عنه كلمة، يستمتع بصوتها من السماعات بينما يحافظ على صمته حتى لا يشعر بهما أحدٌ، في حين أنه يكتب لها على المحادثة
«لسه صاحية ليه؟»
علمت بأنه لا يريد الحديث حتى لا يستيقظ أحدٌ جواره، أو يستمع أحدٌ لحديثه، فأجابته بضجرٍ:
_مش جايلي نوم، بحاول أشتغل على الملفات اللي فاطمة إدتهاني، وبصراحة كده أنا كنت شاكة إنك ورا الحركة دي، وكنت ناوية أتصل بيك أخانقك جامد بس أنت قلبك حس بيا وسبقتني .
تهدلت شفتيه بابتسامة ناعمة، بينما يكتب لها
«قلبي اللي حن واشتاقلك، زي ما اشتاق لوجودك جنبي في الشغل كتف بكتف، كنتِ بتقضي معايا وقت أطول بالشركة، وبردو كنت بحس أني مفتقدك، أنا عشان تعبك وفيت بوعدي ومأجبرتكيش تنزلي الشغل، بس خلاص يا بيبي
Your vacation is over أجازتك انتهت..
«
منحته نظرة غاضبة، وصاحت:
_خلصت إزاي أنا هولد بعد اسبوع! إنت محضرتش كلام دكتور يوسف!
راقب انفعالاتها بابتسامة هادئة، وكتب لها
«مين قال أني عايزك تنزلي دلوقتي، أنا بس بعملك تنشيط ذاكرة عشان لما تقومي بالسلامة تكوني بدل فاطمة، لانها هتأخد أجازة فترة حملها. فلازم تكوني جاهزة لكل شيء»
وأضاف بجدية تامة
«كيانك هو شغلك يا مايا، بلاش أجازتك تنسيكِ اجتهادك ونجاحك طول السنين اللي فاتت، أنا بحب أشوفك ناجحة وقوية، وشغلك هو اللي علمك تكوني كده»
غامت ملامحها في بقعة الحزن الدامية، وانخرط بصوتها حشرجة البكاء:
_إنت مش عايز تنزلني عشان أكون مكان فاطمة، إنت عايز تنزلني عشان أكون بدالك إنت طول السنة دي صح؟
وخز قلبه بقسوةٍ وهو يراها تحاول إزاحة دموعها دون أن يراها، فكتب لها:
«جمال أو آيوب يقدروا يعملوا ده، أنا عايزك تكوني بقوتك اللي اتعودت عليها منك..
مايا حبيبتي، دموعك أغلى من روحي يا عمري، أنا عارف إني ظلمتك معايا، عارف أني أناني، بس صدقيني أنا مش عايز أكتر من السلام النفسي اللي يخليني مطمن وقادر أوهبك كل الحب والسعادة اللي شوشت عقلي من كتر التفكير»
رسالة أخرى كتبها، ومازال يتطلع لها عبر الكاميرا
«إنتِ عمرك ما رضيتي بعذابي، بس باللي بتعمليه ده بتجلديني يا مايا!..»
أزاحت دموعها فور سماع كلماته، وعادت ترسم ابتسامة صغيرة:
_أنا بس بحاول أهون عن نفسي غيابك، أنا مش عارفة هستحمل إزاي من غيرك.
كتب لها ببسمة هادئة:
_هتبقي في أحسن حال، أنا راسملك صورة من مكاني هنا، هتبقي
The best business woman(أفضل سيدة أعمال)
أجمل وأحن مامي في الدنيا، أعظم زوجة، وأقرب صديقة وحبيبة لقلب جوزك، شوفتي حبيب قلبه صورته جميلة في عيونه ازاي؟»
تحررت ضحكاتها وقالت بتفاخر:
_كده هأخد مقلب في نفسي فاخر من الأخر.
بنفس ابتسامته دون لها
«يحقلك كل الدلال يا حبيبي..
على فكرة جوزك حبيبك بيعمل كل ده عشان يساعدك تسترجعي نشاطك، أنتِ من ساعة ما قعدتي من الشغل وإنتِ بقيتي كسولة، ومش بتحبي الخروج، كل حياتك بقت نوم في نوم، زمان كنتِ بتتمنى إننا نخرج مع بعض، حاليًا أنا اللي بقيت بسعى لده واجابتك مبلحقش أخدها من كتر تفكيرك في النوم يا بيبي!»
قهقهت ضاحكة ، وصاحت باستهزاءٍ:
_كنت عارفة إني حسدتك من كتر كلامي عنك، وإنك هتمل وهتبعد.
واعتدلت تقص له وضحكاتها ترتفع:
_كنت بتكلم مع صديقاتي من كام يوم في جروب الدفعه، كانوا أغلبهم بيشتكوا إن أزواجهم ملوا من هرمونات الحمل، وفي منهم اللي زهق من كتر ما مقضين أغلب يومهم على السرير، وأنا طلعت بكل فخر واديتهم حتة ريكورد تمجيد في البشمهندس اللي أحن عليا من مامي الله يرحمها، ولما كان يقولي تعالي نتغدى بره أو نخرج كان بيرجع يلاقيني نمت في سابع نومه، عمره ما اتضايق أبدًا ولا واجهني بأي تقصير، فشكلي كده اديتك عين حمرا وجاي تجبرني أنزل الشغل!!
شاركها الضحك ويده تدعم استناده على النافذة، بينما يشير باصبعه بأن تصمت ولا تضحكه، وحينما فشل أرسل لها ينبهها
«جمال ويوسف جنبي، صوتك خارج من الايربودز!»
كممت فمها تحجب ضحكاتها،فسلم رأسه للمقعد ومال يتأملها ببسمة جعلتها تعود لحزنها من جديدٍ، هاتفة بارتباكٍ:
_عُمران أنا مش هقدر أتحمل اللي هيحصل معاك، أنا خايفة عليك أوي.
شاركها الحزن والضيق يستحوذ عليه، فكتب لها
«متفكريش في أي حاجة غير ابننا يا مايا، ابننا اللي هيأخد نصيبه الاكبر من حبك ودعمك ليه، أوعدك أني هرجع أعوضك عن كل حاجة، هنقضي أجازة طويلة أنا وانتِ وعلي ابننا في أي مكان ترتاحي ليه، بس البداية هتكون بمكة، نفسي أعمل عمرة وإنتِ وهو معانا.»
هزت رأسها بخفة، فعاد يدون لها
«يلا يا حبيبتي، استرجعي مهاراتك في مراجعة التصميمات، مش عايز ثغرة تعدي عليكِ، حاولي تنظمي وقتك ومش تضغطي على نفسك، مع السلامة».
قالها وأغلق مكالمة الفيديو، ثم نزع السماعات من أذنيه واستدار يراقب النافذة بشرود بما قرر أن يخوضه.
*******
مرت ساعات الليل حتى أشرقت شمس اليوم التالي، توقفت سيارة "أحمد" أمام المركز، فهبط يحرر باب زوجته الحزينة منذ أن تلقت من علي ما حدث مع أخيها، وبالرغم من تزعزع الأمور بينهما الا أنها لم تتمكن من عدم زيارته بالمشفى.
هبطت تتبع زوجها بصمتٍ، متخفية خلف نظارتها السوداء ووشاحها القصير الذي عقدته أسفل قبعتها، ليخفي رقبتها ورأسها بشكلٍ كامل.
استعلم أحمد عن رقم الغرفة، وصعد بها بالمصعد حتى الطابق المنشود، فمر يبحث عن رقم الغرفة، طرق الباب وفتحه مشيرًا لها بالدخول.
نزعت نظارتها وتلفظت أنفاسها الساخنة، ثم ولجت للداخل بقوةٍ وثبات، فوجدت علي يرنو إليها يستقبلها:
_فريدة هانم.
قالها وهو ينحني مقبلًا يدها، فمنحته ابتسامة رقيقة، ومالت تتفحص "نعمان" الذي هتف بعدم تصديق:
_فريدة!
تخطت علي، وجلست بخفة على المقعد المقابل له، وبصوتها الرقيق سألته:
_عامل أيه دلوقتي يا نعمان؟
رد ببسمة واسعة:
_أنا الحمد لله بخير، وبقيت أحسن لما شوفتك.
زمم أحمد شفتيه بنزقٍ، لحق بقوله:
_حمدلله على سلامتك.
رفع رأسه إليه وقال:
_الله يسلمك يا جوز أختي.
استدار أحمد إلى علي، وردد من بين اصطكاك أسنانه بغيظٍ:
_شوفت بيستفزني إزاي، ده اتخلق عشان يستفز اللي حوليه يا علي!
منع ضحكاته من الظهور، فهو يعلم مدى كره عمه إلى نعمان، فمال يهمس له برزانة، وكأنه يتعامل مع طفلٌ صغير:
_معلش يا عمي، هو ميقصدش ولا عنده المقدرة يجر شكلك وهو بالحالة دي.
لم تلين ملامحه بشكلٍ كاملًا، بل تمتم ساخطًا:
_الغلط عليك أنت يا دكتور، مكنش لازم تعرف فريدة بتعب الملزق ده، الله أعلم هو بيخطط لأي مصيبة، وحظه أن عُمران مش موجود، جايز أصلًا يكون بيستغل إنه مسافر كام يوم، مهو عارف إن لا انا ولا إنت نقدر نتعامل معاه، وإنت ما شاء الله مهدتله الطرق كلها وخصوصًا برجوعه معانا القصر، لو لسه مصر على قرارك ده اتصل بعمران وخليه يرجع.
وضع كفه يخفي بسمته، وتصنع بأنه يميل ليهمس له، مستغلًا انشغال نعمان بالحديث مع والدته:
_متقلقش يا عمي، لو حصل أي مخالفات منه أنا اللي هقف في وشه.
بعد أحمد رأسه للخلف ليمنحه نظرة ساخرة، مشككة بكل حرفًا نطقه، وباستهجان قال:
_أنت!!
اتسعت ضحكته وقال بكلمات بطيئة، سحبت انتباهه:
_متنساش يا عمي إن عُمران تربية إيدي، فخليك واثق إن لو خالي ضايقك بشيء هجبلك حقك وقتي.
زم شفتيه بعدم اقتناع، بينما يواصل علي حديثه، كأنه يحاول تهدئة طفلًا صغيرًا يريد مغادر المدرسة بأول يوم دراسي:
_طول ما أنا موجود إطمن ومتخافش، هقدر أعمله كنترول.
أدلى بشفتيه مستنكرًا امكانياته:
_ربنا يستر!
******
خرج "عُمران" برفقة أصدقائه من المطار، فوجدوا سائق الكرفان بانتظارهم، صعد "جمال" و"يوسف" على متنه، وتفحصا أرجائه بانبهارٍ شديد، حيث كان يتكون من مطبخ صغير، وحمام بنفس مقاسه، فراش طابقين علوي وسفلي، ومن جواره أريكة تنقلب لفراش مريح.
صعد جمال طابق الفراش العلوي، تمدد من فوقه هاتفًا باستمتاعٍ:
_مش عايز حد يصحيني غير بعد عشر خمستاشر، ساعه.
إرتكن يوسف على السرير السفلي، متمتمًا في سخطٍ:
_على الاساس إنك مهم أوي، ومصالح الدولة كلها هتعطل على عبحليم الغشيم!
أجابه بصوتٍ تحشرج بفعل نعاسه السريع:
_لم نفسك يا متعسر ونام، بدل ما اتقلب بالسرير فوق أنفاسك.
راقبهما عُمران بضجرٍ، فألقى حقيبته جانبًا ثم حل الاريكة ليصنع منها فراش، واحتله بهدوءٍ جعل يوسف يستريب لامره، فحاول جذبه لأطراف الحديث:
_سمعت يا عُمران، لولا دخولنا كلنا مع بعض كنت شكيت إنه فك السرير عشان يقع فوقي بيه زي ما كان بيعمل أيام الدراسة.
وجده يغلق عينيه مستندًا على ذراعه المثني أسفل رقبته، وبهدوءٍ غريب هدر:
_سيب كلابي هادية عنكم يا يوسف، بدل ما تنهش أمك أنت وهو!
ضم شفتيه باستنكارٍ:
_هتوقع أيه منك غير الوقاحة يعني، إنت مش محترم إن دي أول رحلة وأول أجازة أخدها من فترة طويلة، أساسًا لولا المصلحة تخص علي الغرباوي نفسه مكنش إداني الأذن بالسهولة دي، أنا من غيري المركز حاله يقف، عشرات الستات هتمتنع عن الولادة، ووارد يتضاعف حالات الطلاق بسبب الحوار ده، أنا آ...
استكمل عنه عُمران باقي حديثه:
_ما تنزل من مركبة أحلامك على الأرض، وتدفي نفسك لحسن تأخد لطشة برد يا جو، أنا طالع رحلة تهون عليا مش فاضي أجري على قتيل بينازع ومحتاج سرنجة للبرد، أنا بفكر أكلملك سيفو سرنجة من دلوقتي احتياطي!
لملم سخطه وغيظه الشديد، وتمدد يفرد غطائه على ذاته وهو يتمتم بخفوت:
_أنا هخلص منك النهاردة، ومن غير تصبح على خير.
مال يدير له ظهره، فابتسم عُمران وحاول هو الأخير أن يستلقي، ولكنه لم يهتدي لنومه؛ فجذب هاتفه وأخذ يتفحصه بمللٍ، حتى استوقفه فيديو لأحد الشيوخ الذي يحب سماعهم، فاذا به يبتسم مع نهاية المحاضرة، ووجد ذاته يفتتح صفحته الرئيسية ويدون ما تلقاه من الشيخ الفاضل.
«الانسان بيتولد في لفة، ولما بيموت بيتلف في لفة، وما بين اللفة واللفة بيلف لفه، إما يلف على طريق النبي، أما يلف على طريق أجنبي، لو لف على طريق النبي يدخل الجنه يرتوى، ولو على طريق الاجنبى مصيره بالنار يتشوى!»
أغلق الهاتف ووضعه جانبًا، ونهض يتجه للجزء المخصص للمشروبات، صنع كوبين من العصير، وعاد للأسرة، ينحني هامسًا بصوتٍ خافت:
_يوسف.
لم يأتيه ردًا من المنادي، فابتسم هاتفًا بسخرية:
_أنا عارف إنك صاحي فبلاش تصيع عليا.
فتح مُقلتيه وجلس بانزعاجٍ:
_نعم عايز أيه؟
ناوله الكوب، وإتجه يجلس قبالته على الأريكة، ناطقًا باستهزاء:
_هعوز أيه منك يا متعسر، مليت ومش لاقي حاجه تسليني، لسه ساعتين عما نوصل، فأيه رأيك ترغي في أي حوار.
وضع الكوب جواره، وسحب نظارة النظر الخاصة به يرتديها، مدققًا النظر فيه والدهشة تتحرر لتبدي واضحة عليه:
_عايزني أرغي معاك إنت!! لا كده أنا أتاكدت إن في حاجة مش طبيعية.
وأضاف وهو يميل مشيرًا على هاتف عُمران الملقي جواره:
_لو الشيخ ده سره باتع أوي كده هنزل كل الخطب بتاعته وأول ما ألقيك حررت كلابك السعرانة هشغلك خطبة، قولتلي بقى إسمه أيه؟
رد بهدوءٍ مدروس:
_إسمه أحمد عزب، ومش متابعه لوحده بس، متابع كمان الدكتور حازم شومان وأسامي كتير جدًا.
وبمكرٍ استطرد وهو يرتشف من كوبه:
_بس إنت مش محتاج للمشايخ عشان أكون هادي معاك، ده إنت حبيب قلبي من جوه يا جوو.
جحظت عينيه بشكل حرر ضحكات عُمران، فمال من كثرة الضحك، بينما يردد يوسف بصدمة:
_حبيب قلبك!! أنا كده إتاكدت إن شكوك دكتور علي كلها في محلها، إنت مش طبيعي يا حبيبي!
رفع الكوب يرتشفه بأكمله على ثلاث جرعات، ووضعه جواره مشيرًا له بحزمٍ:
_أنا غلطان إني ببل ريقك بكلمتين رايقين، نام يا يوسف.
تناول ما بيده وعينيه شاردة بالفراغ بذهولٍ، وما ان انتهى من كوبه، حتى تمدد قبالته بدهشةٍ، جعلته يناديه مجددًا:
_عُمران.
وضع يده فوق عينيه يمنع الاضاءة من التغلل بمُقلتيه، وهمهم يجيبه:
_أممم.
استدار يخبره بجدية مضحكة:
_إنت كويس!
اجابه وقد بدأ يندمج بالنعاس:
_نام يا يوسف.
تحلى بالصمت لخمسة عشر دقائق، وعاد يتمتم بعدم راحة:
_عُمران أنت فيك حاجة صدقني أنا أدرى منك بالحوار ده.
تحرر عن كل ثبات امتلكه وصرخ بعصبية:
_هو أنا مش قولتلك اتخمد، ولا لازم أقوم اطلع روح أمك عشان تتزفت!
انبهرت تعابيره، واتسعت ابتسامته بشكل جعل الاخير يعقد حاجبيه بدهشة، وخاصة حينما وجده يسحب الغطاء ويتمدد هامسًا بسعادةٍ:
_يا شيخ قلقتني عليك، كده اتطمنت!
راقبه عُمران بصدمة، وألقى بثقل جسده على الوسادة مرددًا بضيق:
_أتحكم في لساني الوقح إزاي ودول ورايا!! استغفر الله العظيم وأتوب إليه، يا رب سامحني أنا بحاول والله بس هما اللي معاتيه!
وعاد يتمتم من بين اصطكاك اسنانه على تجرد لسانه بالسب مجددًا رغمًا عنه:
_استغفر الله!
******
ولج بسيارته للچراچ المخصص للسيارات، كعادته لم يهين يومًا العامل المسؤول عن چراچ القصر، والذي يتمنى يومًا أن يترك سيارته بالخارج ليدخلها هو، بل كان يصفها بالداخل بتوازنٍ، ويمنحه أروع ابتسامة ويختم بقوله الذي يعود لنطقه في التو:
_تسلم إيدك يا عم سعد.
استدار العامل الذي ينظف سيارة من السيارات الخاصة بسيدة القصر "فريدة الغرباوي" ، يبتسم ببشاشةٍ، وهو يشيد به:
_الله يسلم عمرك يا دكتور علي، أنا هنقل لعربيتك، هخليهالك فلة، شمعة منورة.
وبالفعل حمل الرجل المسن أدوات التنظيف، وانتقل إلى سيارته، فترك "علي" حقيبته على أحد المقاعد البلاستكية، ونزع عنه جاكيته الجلد، أشمر عن ساعديه وإتجه إليه، يجذب الفرشاة المبللة بمسحوق التنظيف، وشرع بمعاونته لتنظيف السيارة، فابتسم العم وقال:
_المرادي مش هتخانق معاك، هفضل أعيد وأزيد وبردو هتعمل اللي في دماغك وهتساعدني، فهسكت أحسن.
ضحك "علي" وأجابه باحترامٍ لطالما إلتمسه منه الرجل:
_على فكرة أنا بحب أقف معاك الكام دقيقة اللي بخطفهم بغسيل العربية دول، وبعدين أنا سبق وقولت لحضرتك أني اتعودت أعمل كل حاجة ليا بنفسي، ومع ذلك حبيت مشاركتك معايا، انا بفضلك أصلًا عرفت تكات وأسرار تخلي إزاز العربية يبقى مرآيا، كنت مهما أغسل فيه كان بيجير بشكل غريب.
اتسعت بسمة العجوز، وقال يثني عليه:
_إنت ما شاء الله مش ناقصك علام من حد، ده أنا بدعي ربنا ليل نهار إن رامي ابني يبقى في أخلاقك وتربيتك وعلامك العالي.
عصر "علي" قطعة القماش وأخبره بتواضعه الملموس:
_إن شاء الله يبقى أحسن مني كمان، ربنا يباركلك فيه وتشوفه زي ما أتمنيت وأكتر.
رفع الرجل بصره للسماء وردد بتمني:
_يسمع منك ربنا يابني.
انتهى كلاهما من تنظيف سيارته، فتركه "علي" وإتجه يرتدي جاكيته ويعيد ترتيب ملابسه، ثم سحب ظرفًا مطويًا، وعاد يقترب منه، وعلى استحياء ناداه:
_عم مسعد.
أتى إليه يجيبه:
_أمرني يا دكتور.
مد الظرف إليه مبتسمًا، وقال:
_ده مصروف رامي، بلغه سلامي وقوله إني هستنى نتيجته السنادي على أحر من الجمر، عايزه يشرفني ويدخل طب، قوله دكتور علي بيقولك مكانك محفوظ عنده بالمركز.
التقط الرجل منه الظرف الذي إعتاد أخذه كل شهر لمتابعة دراسة ابنه بالثانوية العامة، وشكره بامتنانٍ لرقي أخلاقه حتى وهو يقدم له صدقة، أحاطها بقوله الحذر دون التطرق لأي لفظ يخدش به كرامته:
_يوصل يا دكتور، جزاك الله كل خير، ربنا يزيدك ويكرمك بابن صالح يكون بار بيك وبالهانم يارب.
اتسعت ابتسامة علي فرحة بدعوته البسيطة، فشكره وحمل حقيبته وإتجه للقصر، ومنه للمصعد، وفور أن خرج منه وجد زوجة أخيه تحمل عدد من الملفات ومن فوقهم الحاسوب، فاسرع تجاهها يجذب الحاسوب من فوق ما تحمله، وردد بانزعاجٍ مما تفعله:
_أيه كل ده يا مايا، أنتِ ناسية إنك على وش ولادة!
حلت عقدة معالمها من فرط اجهادها لما تحمله، فوضعت الملفات فوق الحاسوب الذي يحمله، وقالت وهي تستريح على أحد المقاعد المنتشرة بين الجناحين:
_كويس انك جيت يا علي، شيل بقى أنت، وإكسب فيا ثواب دخلهم لفاطمة وأنا هحصلك بس على مهلي.
ضحك على كلماتها، وردد مازحًا:
_هتركبي الدور الجاي ولا أيه؟!
منحته نظرة حازمة وهتفت بضجر:
_مش قادرة أرد عليك للاسف، روح يا دكتور هشم نفسي الأول وهاجي أخد حقي منك أنت ومراتك اللي قلبت على مرات أبويا فجأة دي، انا معرفش بجد أيه اللي حصلها وحولها بالشكل ده.
ضيق عينيه باستغرابٍ من جملتها:
_فاطمة!! دي بتحبك جدًا وبتعتبرك زي زينب بالظبط، وبعدين هي فاطمة ممكن تعمل حاجة في حد دي ملاك!
أشارت بيديها بغضب قبل حتى أن تستمع لحديثه:
_أهو طول ما أنت شايفها ملاك بجناحين كده مش هعرف أخد منك ولا منها حق ولا باطل.
وتابعت وهي ترتب حجابها الطويل بابتسامة هيام، وبصوت رغم أنه كان منخفض الا أنه كان مسموعًا إلى علي:
_هلوم عليك ليه، ما أنا بعمل المصيبة وبتدارى في أخوك، وأهو بردو بيطبلي وشايفني بسكوتة نواعم.
اتسعت ضحكة علي، وجذب أحد المقاعد يقربه من محل جلوسها، متسائلًا بجدية تامة:
_خلاص أوعدك أني مش هتحيز للطرف الأخر، وهسمع منك المشكلة كلها وكمان هحاول ألقى حل يرضي جميع الأطراف، ها كده تمام؟
هزت رأسها بعنجهيةٍ، وقالت وهي ترفع كتفيها بشموخٍ:
_بص يا دكتور، مراتك المصون اتفقت مع مديرها المغرور عليا، مع إني شاكة أنها عاملة معايا الواجب وبزيادة من وراه كمان.
ضم شفتيه بعدم فهم، فاستطردت توضح له:
_اخوك فجأة قرر يرجعني الشركة، وعايزني أستغل الاسبوع اللي قبل الولادة في مراجعة كام ملف بحيث لما ارجع بعد الولادة الشغل تكون ذاكرتي اتنشطت، بس فاطمة زودتها أوي ومدياني خمس ملفات لخمس مشاريع كبار، أنا من امبارح وأنا مشتتة بينهم ومش عارفة إذا كان تصميمات وحسابات المشاربع مظبوطه ولا لا، فكنت راحة أتخانق معاها وأخليها تشيل معايا ملفين تلاتة، بدل مهي ما صدقت ورمت عليا كل حاجة.
وأدلت شفتيها السفلية ببراءة مصطنعة:
_ شكلها كده عايزة تخلع الفترة اللي بقيالها من الحمل، وللاسف معاها حق ومحدش هيقدر يغلطها!
لم ينتبه علي لمزحها بالحديث، فلم يلتقط الا شيئًا هامًا، جعله يشرد بتفكيره إليه، وفسره كليًا بسؤاله الجاد:
_وليه عُمران عايزك تنزلي الشغل دلوقتي؟
ارتبكت مايا قبالته، لقد شدد عليها زوجها الا يعلم أخيه عن أمر سفره وخضوعه للعقوبة التي أتمنها عليها، فرمشت بارتباكٍ فاح رائحته إلى علي، وخاصة حينما تلعثمت:
_بيقول إني بقيت بقضي أغلب وقتي بالبيت وإن ده مش كويس، فعايزني أنزل عشان كمان لو فاطمة حبت ترتاح وتأخد أجازة عشان حملها أكون بدالها.
لم يبتلع علي حديثها، وبداخله يشعر أن هناك خطبًا ما، ولكنه احترم خصوصيتهما، ولم يشئ بطرح المزيد من الاسئلة، بل رسم بسمة مصطنعة، ونهض يحمل الملفات والحاسوب الوردي الخاص بها قائلًا:
_هدخلك الملفات واللاب لمكتب فاطمة، وهخليها تيجي تساعدك.
بددت توترها من صمته الغامض، وقالت:
_لا مش عايزاها تساعدني، أنا هدخل أدب خناقة معاها، بس إدعيلي انت أوصل بالسلامة.
قهقه ضاحكًا، وهو يخبرها:
_الجناح على بعد متر واحد منك يا مايا، شكل فعلًا قرار عُمران صح جدًا.
لوت شفتيها وبنزقٍ قالت:
_ومين هيقول آمين على وقاحته غير باباه!
ونهضت تجذب منه الملفات قائلة بنفور:
_هات الملفات أنا مش عايزة منك مساعدة نهائي، إنت اتخلقت عشان تشوف مراتك وأخوك وفريدة هانم ملايكة، معرفش مين هيجبلي حقوقي المهدورة في البيت ده!!
اتبعها وهو يكاد ينهار من الضحك، فحاول إيقافها قائلًا:
_ليه كده بس، أنا دايمًا بساعدك في كل كارثة بتعمليها، فاكرة الخناقة الاخيرة اللي حصلت مع فريدة هانم في أوضة السفرة، ولا خناقتك مع عُمران وقت ما فتحتلك باب المكتبة؟؟
وقفت محلها تفكر مليًا في حديثه، وعادت تضع الملفات فوق تلحاسوب الذي يحمله، هاتفة ببسمة رضا:
_فاكرة يا باشا أنت أفضالك مغرقاني.
حمل الملفات وخطى جوارها مبتسمًا حتى ولج للجناح، بينما استقلت هي غرفة المكتب، تنتظر أن تنظم لها "فاطمة"، الذي تكلف "علي" بإرسالها.
وجدها "علي" تجلس على الأريكة، وجهها يحمل بقايا لملامح الحزن التي حاولت إخفائه فور أن شعرت بوجوده، اعتدلت بجلستها وقالت مبتسمة:
_إنت رجعت يا علي؟
قرأها ككتابٍ مفتوح، وقد صدقت شكوكه كاملة، تحرر صوته الرجولي الرزين:
_ مايا بمكتبك، ومعاها ملفات خاصة بشغلكم.
انتصبت بوقفتها تتجه للمشجب، جذبت اسدالها ترتديه، قائلة :
_أنا كنت لسه رايحلها، كويس إنها جت.
راقبها بصمت، حتى اتجهت للسراحة تعدل حجابها، فلحق بها يتساءل:
_مش غريبة إن عُمران يسمحلها بالنزول وهي بالوضع ده!
تطلعت لانعكاس صورته ورددت بتوترٍ:
_عادي يعني، يمكن مش حابب إنها أتأقلمت على قاعدة البيت، متنساش أن مايا كانت شايلة نص شغل الشركة كله، وفجأة مبقتش تنزل خالص.
رنا إليها حتى بات قبالة عينيها اللاتي تتهربان منه:
_مخبية عني أيه يا فاطمة؟
ردت بنبرةٍ جاهدت لجعلها أكثر من هادئة:
_هخبي أيه يا علي، أنا مع القيء والدوخة المستمرة، مبقتش قادرة أنزل الشركة زي الاول، وعُمران ابتدى يلاحظ ده، فطبيعي إنه يطلب من مايا تكون جانبه.
شعر بأنه ولربما يتمادى، فضمها مقبلًا جبينها بحنانٍ:
_سؤالي مش محتاج منك ضغط الاعصاب ده كله، أنا واثق فيكِ لأبعد حد، وعارف أنك لا يمكن تخذليني أبدًا، زي ما أنا أمانك إنتِ كمان أماني وثقتي، وعُمري كله يا فطيمة.
اعتصرت دمعة حبستها قدر ما تمكنت داخل جفنيها، وفكت أسر يديها تحاوطه والحاجة إليه يلمسها برعشةٍ أصابعها المشددة على جاكيته، شدد من ضمتها والقلق يساوره بتلك اللحظة، وخاصة حينما نطقت بصوتٍ واجم:
_متسبنيش يا علي!
رده السريع أتى يطمئنها:
_وأنا ليا مكان تاني جنبك يا قلب علي!
ابتسمت والعشق يختلج أوردتها، فمنحها بسمة تحمل من العاطفة ما تمكنت من ضمها، بينما يخبرها بمزحٍ:
_ميسان هتقيم عليكي الحد.
انتفضت بفزعٍ، حينما تذكرت أمرها، فدفعته وركضت صوب باب الغرفة الجانبي، وضحكة علي تتبعها برنينها الساحر.
*****
فتحت باب المكتب، وولجت للداخل تبحث عنها، تمهلت بخطواتها حتى ألقت بثقلها على المقعد المقابل لمكتبها، تتطلع إليها بحزنٍ شديد، وصمتًا مزقته مايا بنزقٍ:
_لا بقولك أيه أنا لسه واخده إفراج من علي فمش ناقصة فرهدة التفكير في اللي مزعلك، إرمي مصيبتك مرة واحدة، أنا واحدة على وش ولادة ومستبيعة.
تنهدت بحزنٍ شديد، وقالت:
_علي شاكك أننا مخبين حاجة عليه.
انتقل الحزن إلى مايا، التي تجاهد للبقاء صامدة قدر ما تمكنت، فاحتشد بنبرتها:
_سألني وتوهت بالكلام، بالنهاية هيعرف.
وأضافت وقد تلألأت دموعها:
_أنا قلبي موجوع على عُمران، وزعلانه من نفسي أوي، لأني كنت أقدر أوقفه عن اللي هيعمله، بس شوفت بعنيا معاناته وعذابه الكبير طول الفترة اللي فاتت.
وبابتسامة ألم أبكت فاطمة، قالت:
_السبب الوحيد اللي خلاني مصدقش المشهد اللي شوفت فيه جوزي مع واحدة غريبة على سرير واحد هو إني كنت شايفة بعنيا إزاي كان بيجلد نفسه بعد ما فاق من الذنب البشع اللي ارتكبه مع الحقيرة دي.
وتابعت ببسمة واثقة رغم دموع عينيها، وبقوة تعجبت منها فاطمة:
_عُمران مفيش زي قلبه، مهما اكتسب عمر فوق عمره، مهما اتغيرت فيه صفات، حتى شكله الخارجي، قلبه مستحيل يتغير.
لم تشأ فاطمة أن تقطع حديثها الذي يهون عما تخوضه ميسان، فاستطردت ونظراتها تشرد بالفراغ:
_أنا عارفة إنه اتخلى عني في توقيت مهم بالنسبالي، بس مهما كان اهمية اللي أنا داخلة عليه مش هيكون بأهمية راحته وسلامه النفسي، صلاح توبته نفسها بتطمني على شكل علاقتنا اللي جاية، بتديني القوة والثقة في علاقتنا، بتشفي وجعي اللي قضيته طول فترة معرفته بالكلبة دي، وبتخليني عندي الثقة الكاملة إنه مش هيخوني أبدًا.
وتطلعت إلى فاطمة، تخبرها بابتسامة واسعة:
_تعرفي إني كنت في كل أجازة بينزلها عُمران لمصر كنت بصمم أخليه يحضر معايا حصتي مع المحفظة بتاعتي، كان بيحفظ معايا كل أجازة جزء، وعلى مدار السنين اللي كان بينزلها حفظ معايا القرآن كله.
وتنهدت في راحة وسكون:
_من صغره وهو مفيش في نقاء قلبه، كان بيعمل كل اللي يقدر عليه عشان ميشوفنيش حزينة، عمري ما أنسى وقفته جنبي وقت وفاة ماما الله يرحمها، كان أكتر حد حاسس بوجعي، وبيطبطب عليا من جوه قلبه، ولما أكون كويسة بحس أنه هو كمان مرتاح وحاسس بتحسن.
وابتسمت ودموعها تشق الطريق على وجنتيها:
_كنت بخبي جيتاره في كل مرة كان بيسفر فيها، عشان أضمن إنه يرجع السنة اللي بعدها، مهو عُمران زمان كان بيغني وكان متعلق جدًا بجيتاره، لحد ما علي منعه منه تمامًا.
ورفعت كتفيها بحيرة، وهي تخبر فاطمة:
_معرفش ليه فجأة اتحولت علاقتنا الجميلة لتعاسة بمجرد دخول العقربة دي لحياته، مبقاش ينزل مصر ولا بقى يرد على مكالماتي، عُمران اتبدل حرفيًا، وده شوفته بعنيا لما سافرت لندن أكمل تعليمي.
أخفضت وجهها تخفي دموعها المنهمرة، وهي تعبث بخاتم زواجها الألماس الذي ترتديه، استمدت قوتها وعادت تواجه فاطمة التي تستمع لها باهتمام ودهشة لسماعها تلك التفاصيل الخاصة عن قصة عشق "مايسان" و"الطاووس الوقح".
وحينما شعرت بأنها تخطت غصتها المؤلمة، قالت:
_إنتِ عارفة باقي تفاصيل اجبار فريدة هانم بجواز عُمران مني، وبالرغم من إن رفضي ليه كان ممكن ينهي الجوزاة دي الا أني وافقت.
وضحكت بصوتٍ ساخر وهي تخبرها:
_ممكن تفكري زي ما اغلب صديقاتي فكروني إني كده ببيع كرامتي، بس أنا كنت باصة على الموضوع من منظور تاني، إن الشخص ده في جوه قلبه مكان يخصني، زي ما في جوه قلبه مكان فيه ضوء بسيط مليان بالايمان وحب القرب من ربنا
سحبت نفسًا عميقًا، ورددت بكل فخر:
_ كنت عارفة إني هخوض حرب عشان أفوز بيه، وإنها مش أي حرب، حرب هتعود عليا بوجع نفسي كبير، خضتها عشان حبيته وعشان هو زمان وقف جنبي في كل مرة احتاجتله فيها، آه أوقات كتير كنت بستسلم وأفتكر اني حاولت أهرب منه مرة والمرة التانية أخدت قرار نهائي بالطلاق، بس في المرتين لمحت منه مشاعر بتديني الأمل ان خلاص هانت وأكسب الحرب اللي تعبتني، وفعلًا انتصرت وفزت بقلبه يا فاطمة، فأي شيء تاني مجرد رتوش هتداويها الايام.
ازاحت دموعها ومازالت ابتسامتها مرسومة:
_عُمران كان بينزل كل سنة لمصر تلات شهور، وبيفارقني تسعة، أنا عشت ألم فراقه باستمرار، تقدري تقولي اتعودت أن مهما بعد هيرجعلي، وبالذات المرادي.
تهاوى دمع فاطمة، ولم تجد ما ستقوله، فنهضت تضمها والاخيرة تحاوطها بحبٍ، والاحاديث قد توقفت عن مجراها بعد حديثها.
******
وصل الكرفان حي "موسى"، وقد اصطف بالمكان الذي وصفه مسبقًا للسائق عن طريق الهاتف، هبطوا يرتدون حقائبهم الصغيرة، وحملوا الأكياس الفخمة التي اشتراها عُمران خصيصًا إلى موسى من بوتيك" إيثان"، ليحضر بهم الحنة وحفل الزفاف.
تعجب "يوسف" و"جمال" من تدني الاجواء المحيطة بهما، بينما يتجول "عُمران" بسهولة بين الشوارع، حتى وصل لأحد البيوت البسيطة، وبالاخص لورشة صغيرة، مدون على لافتة عريضة خارجية لها "ورشة الاسطـى موسـى".
سبق" عُمران "خطاهم، وأسرع تجاه ذلك المنبطح أرضًا أسفل السيارة، يهاتفه بسخرية:
_حد يحن للشحم ليلة حنته يا بغل!
أتاه صوتًا مختنقًا من أسفل السيارة يهتف بعدم تصديق:
_خواجــــــه!!
دفع جسده القوي من أسفل السيارة، ونهض يبتسم ابتسامة واسعة، والشوق يحفل في عينيه بحماسٍ، فتح ذراعيه وهرع إليه ليحتضنه، ولكنه توقف يخفض ذراعيه الملطخان من الشحم بحرجٍ، ففجأه عُمران حينما لم يهتم باتساخ يديه وبادر بضمه بكل حبٍ، جعل الاخير يبعدهما عنه حتى لا يوسخ ملابسه، بينما يهتف ببسمة صافية:
_ليك وحشة يا خواجة، والله ما صدقت أما قولتلي إنك هتيجي وهتبات معايا ليلة بحالها، فكرتك لمواخذة بتأخدني على أد عقلي.
ربت على ظهره بحنانٍ، وردد بمحبة نبعت من أعماقه:
_أنا هروح لأعز منك يا أسطى!
ازدادت ضحكته وقال بحبورٍ:
_طب والله العظيم بحبك وليك وحشة، ده صابر هيزقطط لما يشوفك، ولا قمر مش هتصدق، على فكرة انا ركبت تكيف زي ما يكون قلبي حاسس أنك هتيجي تاني.
واستطرد وهو يشير للسيارة:
_اطلع سلم عليه عما أخلص المصلحة دي على السريع وأحصلك.
تفحص عُمران السيارة وبسخطٍ قال:
_هو إنت مش هتحرم تغشم! النهارده المفروض تكون بتستعد زي أي عريس.
قال بتلقائية وصلت إلى قلبه:
_أهي مصلحة هتقضى على السريع وهيطلعلي منها سبوبة حلوة، حد يقول للرزق لا.
اهتدت ابتسامة عُمران لمغزى ذلك الشاب البسيط، فقال يحمسه:
_ربنا يعينك يا أسطى، خلص وأنا هستناك فوق.
أنساه الحديث رفقته، رفقائه اللذان يتابعان حوارهما بدهشةٍ، أشار لهما بالاقتراب، وبدأ يعرفهما به:
_ده جمال وده يوسف اصحابي اللي كلمتك عنهم يا موسى.
جفف "موسى" يديه بالمنشفة، وصافحهما بحرارةٍ، هاتفًا بكل ترحاب:
_يا مليون مراحب بضيوف الخواجة، نورتوا الحي كله، أتفضلوا اتفضلوا يا بهوات.
رد عليه يوسف بابتسامة واسعة:
_منور بيك يا أستاذ موسى وألف مبروك لحضرتك.
مال تجاه عُمران يبتسم له بسمة علم مكنونها، وخاصة حينما همس له:
_حضرتك!!
عاد يصافح جمال الذي قال له بقمة الود والمحبة:
_أنا أصريت أجي مع عُمران عشان أشكرك على كل اللي عملته مع عُمران، حضرتك راجل محترم وعندك أخلاق عالية يا أستاذ موسى.
هز رأسه له بشكر وامتنان بينما يميل تجاه عُمران هامسًا بمرحٍ:
_آلاه حضرتك بردك!! الاتنين ولاد ذوات زيك يا خواجة!
تطلع جمال ليوسف بدهشة، فسرها بحديثه الهامس له:
_هو كل شوية يوشوش عُمران ليه؟ هو أنا كلامي فيه حاجة غلط يا يوسف؟
رفع كتفيه في حيرة:
_مش عارف يا عبحليم!
وما كادوا بالتوجه للداخل، حتى أنغمر الحي بتكدسات من الكتل البشرية، تهرع هنا وهناك، فارتد "جمال" و"يوسف" تجاه ورشة "موسى"، بينما يعلو الهتافات من خلفهما:
_الدبيحة هربت من حمص تاااااني يا رجـــــــالــــــــة!!
ألقى موسى المنشفة متمتمًا بسخطٍ:
_قصدك عاشر.
صعد جمال فوق ذراعي يوسف، وراح يتساءل بصدمة وخوف:
_دبيحة أيه؟؟ يلا نمشي من هنا أنا من البداية وأنا مش مطمن.
جحظت عيني يوسف وتخشبت ذراعيه، وخاصة حينما ظهر (عجل) سمين، يركض صوبهما، ومن أمامه يركض شابًا يحمل سكينًا يكاد يصل طوله لطول ذراعيه، ويصرخ باستغاثة:
_الحقنــــــي يا اسطى موســـــــــى!
ألقاه"موسى" فوق صندوق السيارة وهدر فيه غاضبًا:
_هو أنا مش هخلص منك ولا من بلاويك السودة دي، قولتلك ألف مرة سيب الجزارة لناسها، ولا أنت عاجبك فضايح كل اتنين وخميس دي، عرتني قدام الضيوف الله يعرك!
قبل يده وهو يخبره بنبرته الشعبية:
_انجدني يا اسطى الله يسترك دنيا وأخرة، دي جايه عليا وناوية تبج كرشي اكمني ادتها بطرف السطور على فومه، خد السطور دبها دبتين وهتفرفر منك.
لكزه بعصبية مضحكة:
_إلهي يفرفروك في ساعة رايقة، وأطلعك منها زي ما بيطلعوا الفار المبلول من المصيدة يا بعيد.
مال يوسف على جمال هامسًا برعب:
_يعني أيه يفرفروك يا جمال؟
أجابه وهو يراقب حركة الجاموس بخوف:
_اللي أعرفه حاجة واحدة بس، إننا لازم نمشي من هنا وحالًا.
طرق على كتفه لينتبه لما يتطلع إليه:
_إلحق!!
تطلع لما يتطلع إليه، فوجد عُمران ينزع جاكيته، ثم ثنى أكمام قميصه الابيض، وإتجه يفضل بين م
"موسى" و"حمص" الذي تمعن فيه بذهولٍ، يحاول تذكر أين رأه من قبلٍ، وبالرغم من تغيير شكل عُمران كليًا بعد نمو شعره، وارتدائه لملابس مختلفة عما كان يرتديها، الا أنه وأخيرًا تمكن من التعرف عليه، فهتف في سعادةٍ:
_خواجــــــــة!
منحه نظرة مرحبة، بينما ينتشل منه ما يحمله، وتخطاه بثباتٍ ترك الافواه مفتوحة على مصرعيها من خلفه، وخاصة حينما تمثل بنبرة شعبية زادت من صدمة جمال ويوسف:
_قيدوه حلو يا رجالة، شدوا الحبل جامد أوعوا يرخي منكم.
ضغط بركبته حتى تمكن منه، ومال يردد بصوتٍ خفيض:
_بسم الله... الله أكبـــر.
قالها وحرر السكين الكبير، بذبحة الخلاص ومن حوله تتعالى الهتافات، وكأنه حرر سيناء للتو:
_الله أكبــــــــــــــــر.
رفع موسى يده يحيي عُمران بتفاخر:
_عاش يا خواجــــة.
بينما من خلفه يهمس جمال إلى يوسف:
_طلع موبايلك وصور البشمهندس المحترم، وإبعتها للدكتور علي، هو كان شاكك فيه من الاول خليه يتأكد أنه بالفعل قلب على سفاح المعادي!
*******
حملت فريدة الصغيرة وخطت بالطرقة الخارجية، تحاول تهدئتها، بكائها يزداد بشكلٍ أهدر أعصابها، فربتت على ظهرها وهي تردد بانزعاج:
_مش معقول حقيقي، أنا مش قادرة أقف بيكِ كتير كده يا بنت!!
واستطرد وكأن الصغيرة ستفهم عليها:
_أنا مبحبش الدلع يا فيروزة فـ بليز متخلنيش أنزعج منك، خليكِ هادية وكيوتة زي ما كنتِ.
وأضافت ومازالت تشير لها:
_أنتِ مش بس شقية إنتِ مش بتسمعي الكلام وده في حد ذاته بيزعلني كتير، فممكن نوصل لحل متوسط تنامي ساعتين وتصحي ساعة كاملة بهدوء، أنا عايزاكِ تكوني في هدوء علي أخوكي وهو بيبي، بلاش عُمران وشمس كانوا مشاغبين جدًا.
كبت من خلفها ضحكاتًا كادت أن تصل إليها، بينما يتحرر صوته الرجولي الهادئ:
_فريدة هانم.
استدارت للخلف بلهفة، تحررت بمنادتها له:
_علــي!
رنا إليها، فأخذت تشكو إليه:
_شوف فيروزة الشقية مبهدلاني من ساعة ما رجعت من عند نعمان وهي رافضة تبطل بكى، أنا تعبت يا علي.
مد يديه يلتقفها منها، بينما يميل مقبلًا جبين والدته بحنان:
_سلامة قلبك من التعب يا حبيبتي، هاخدها معايا المكتبة ، وحضرتك تقدري ترتاحي في جناحك.
ابتهجت ملامحها وباتت تردد بصوتها الرقيق:
_Ali, you are very nice(علي إنت لطيف جدًا)
ومنحته إياها وأسرعت لجناحها، تندث بفراشها بإرهاقٍ، بينما يتمعن علي بالصغيرة التي بدأت بالهدوء بين ذراعيه، فضم شفتيه قائلًا:
_وأيه اللي زاعج فيروزة هانم يا ترى؟!
قبل يديها الصغيرة برفقٍ، وهمس وهو يتجه بها للمصعد:
_أيه رأيك أعرفك بالمقر السري بتاعي أنا والوقح، وأهو بالمرة أقرألك قصة لطيفة، هتعجبك جدًا، بس ننزل الأول نجهزلك البيبرونة بحيث يبقى أكل فيروزة هانم جاهز في أي وقت.
حركت الصغيرة يدها حركة خافتة، فعاد يقبل أصابعها وبضحكٍ قال:
_لو عُمران قفشني هيرفع عليا قضية!
وبالفعل ولج للمطبخ، يضع البيبرونة الخاصة بها بالجهاز الذي يحافظ على دفء الحليب، ثم حملها للمصعد مجددًا، ومنه إلى مكتبته السرية، حيث كان يقص لها بالفعل قصة، وكثيرًا ما كان يحملها ويخطو بها بأرجاء المكتبة حتى استسلمت للنوم أخيرًا.
******
عاونها على التمدد على الفراش، دعم "يونس" جلوسها حينما وضع وسادة خلف ظهرها، ومال ينزع ححابها برفقٍ متسائلًا:
_مرتاحة كده؟
منحته ابتسامة صافية، ومازالت ترتكن بيدها فوق ذراعه:
_ربنا يريح قلبك وبالك يا يونس.
جلس جوارها وبحذر من ملامستها لجروحها البارزة، قال بعاطفة ومحبة:
_بالي وقلبي هيرتاحوا لما تكوني بخير يا ست البنات.
تبسمت ومالت برأسها فوق صدره قائلة:
_أنا بقيت كويسة بوجودك جنبي يا يونس!
******
اتسعت مُقلتيها إنبهارًا بالالعاب التي يفترشها "عُمران" من أمامها، فحملت إحدهن وسألته بفرحةٍ:
_دي ليا يا خواجة؟!
مرر يده على طول شعرها الطويل بحنان:
_روح قلبه يا قمري، كل اللي شايفاه ده ليكِ يا صغنن.
أشار بيده لجمال الذي ناوله أحد الحقائب وهو يتابع الفتاة الصغيرة بفرحة:
_وبصي كمان جبتلك أيه!
طرح الفستان الأبيض من أمامها، فتركت لعبتها ونهضت تتلقفه وهي تدور به بسعادة:
_الله ده جميل أوي أوي، أحلى من الفستان اللي جابه موسى!
استقام بوقفته عن الأرض، ونطق برزانة:
_بتاع موسى جميل هو كمان، أيه رأيك تلبسيه النهاردة وإلبسي ده بكره؟
هزت رأسها باقتناعٍ تام، واستأذنت بتهذبٍ راق ليوسف وجمال:
_هو ينفع أنزل أوريه لماما صباح؟
قرص وجنتها برفقٍ ومال يطبع قبلة على خدها:
_ينفع طبعًا، يلا إنزلي.
حملته وهرولت للاسفل، فتابع رحيلها يوسف، وقال:
_سكر أوي البنت دي يا عُمران.
أكد جمال حديثه بقوله:
_فعلًا قمراية تبارك الله، بس مفهاش شكل من موسى خالص.
رد عليهما وهو يتجه للغرفة الجانبية، حيث وضع فيها حقائبه:
_شبه طليقته.
أتبعه يوسف للداخل، فوجده يبحث بين الحقائب بطريقة فوضوية، مما دفعه للسؤال:
_بتدور على حاجة؟
أجابه ومازال يبحث بين الاغراض:
_شنطة اللاب فين؟
رد يوسف وهو يحاول تذكر أين تركها بالتحديد:
_أعتقد بالكرڤان مع حاجتي أنا وجمال.
وأضاف باستغراب:
_هو أنت هتقعد هنا، مش هتبات معانا بالكرڤان؟
توقف عما يفعله، وحمل الحقائب يضعها جانبًا:
_مش هينفع أبات معاكم، كده هكون بهين موسى.
وأضاف مازحًا وهو يشير على المبرد من فوقه:
_ده ركب التكيف مخصوص عشاني، أقوم أسيبه وأنزل معاكم الكرڤان، أعقلها يا دوك.
ابتسم في حبورٍ، وقال يثني عليه:
_ربنا يجبر بخاطرك دايمًا يا عُمران.
اقتحم جمال مجلسهما، يردد بنزقٍ مضحك:
_يجبر بخاطره!! ده ردك على اصراره أنه يبات هنا، لا واضح إن علاقته اتطورت أوي باللي اسمه الاسطى ده، انا اتعاملت معاه بكل رقي واحترام عشان ردلي روحي من تاني، لكن أكتر من كده متتوقعش مني انت وهو.
واستطرد بغيظٍ أضحك يوسف:
_ولعلمك انا رجلي على رجلك، هتبات هبات معاك.
رد عليه عُمران ومازالت نظراته الثابتة تسقط يوسف ضحكًا:
_وهاخدك بالحضن كمان، مرضي يا عبحليم؟!
تعالت ضحكات يوسف، فمال عُمران يخبره:
_سيف سرنجة عدى الشلة كلها، حتى عبحليم يا يوسف!!
اقتحم صابر الغرفة، وهو يصرخ بجنون ولهفة:
_خـــــــــواجــــــــــــــة!!
وقبل أن يتحرك عُمران من محله، هرع إليه صابر يقفز من فوقه، وهو يضمه بسعادة غريبة للغاية، جعلت يوسف ينسحب وهو يهتف بضحكات مكبوتة على مظهر جمال الذي بدى وكأن زوجته تضم رجلًا أخرًا:
_طيب هأخد عبحليم أفسحه في المنطقة، وبالمرة أجيبلك شنطة اللاب وأرجع.
هتف فيه عُمران ومازال يضم صابر، المتعلق به:
_وهات شنطتي الخاصة يا يوسف، وأتأكد أن فيها مكنة الحلاقة، عايزين نروق العريس وصاحبه.
هز يوسف رأسه بتأكيدٍ، بينما هدر صابر ضاحكًا:
_أنا معاك على أي وضع.
دفع يوسف، جمال للخلف بينما يهتف الاخير باصرار:
_روح أنت انا هستناك هنا.
حاول يوسف أن يجعله يرافقه، ولكنه زاد من تمسكه بكلماته:
_قولتلك مش هتنقل لمكان يا يوسف، روح هات اللي تجيبه أنا هنا مع الوقح ده، أنا كنت هموت عشانه وسيادته بيحبلي هنا في الاسطى واللي داخله بحضن يودي الاداب ده.
قهقه ضاحكًا، وحاول اقناعه بقوله:
_عيب يا جمال إحنا أعقل من شغل العيال بتاع سيف وآيوب ده.
صاح فيه بتهجمٍ:
_هتمشي ولا أقلبلك على البلطجي ده وأشرحك زي ما شرح الجاموسة اللي تحت!
جذب يديه وقال باستسلامٍ:
_لا وعلى أيه، هنزل لوحدي وأمري إلى الله!
وبالفعل تركه يوسف وهبط للاسفل، متجهًا للكرفان، اغتسل وأبدل ثيابه، ثم بدأ يلملم الأغراض التي طلبها عُمران منه.
جذب حقيبة اللاب يضعها جانبًا، ثم وضع جوارها الحقيبة الخاصة به، فتحها يوسف ليطمئن بأن ماكينة الحلاقة موجودة بالفعل، وباقي اغراضه الخاصة، لف يوسف السحاب الكبير، فانتبه بأن السحاب الصغير لم يكن مغلقًا بالكامل، وعدد من الفيزات الخاصة به كانت مسربة منه.
حملها يوسف وهو يتمتم بتريث:
_مهمل طول عمرك!
تفاجئ يوسف بوجود جواز سفر خاص بعمران، وتذكرة سفر تاريخها بعد غد اليوم إلى السعودية، وخاصة مكة المشرفة، وجوارها ورقة صغيرة مدون بها عنوان إلى مكانًا معروفًا للغاية، وقد نسب بأنه قد تخصص بتطبيق شرع الله.
ارتجفت كل خلية في جسده، بشكلٍ جعل يديه هاشة عن حمله، فسقط من يديه أرضًا ومن خلفه سقط يوسف على المقعد، الآن يعلم كل ما خطط له عُمران، الإن تبين له صدق شكوك علي.
انزلقت دمعة من عينيه في وجعٍ شديد، وجل ما يمر إليه الأيام التي ذاق فيها الجميع مرارة بعده، أن احتملوا أمر سفر لعامٍ كامل هل سيحتملون أمر جلده؟؟
خرجت حشرجت صوته المحتقن بدموعه:
_ليه كده يا عُمران؟ ليه؟!!
ظل على تلك الحالة لثلاثون دقيقة، لا يعلم ما الذي، عليه فعله، هو ليس الشخص المناسب الذي سيفوز بأي تحدي قبالة شخص بعناد الطاووس!
شخصًا واحدًا فقط هو من سيتمكن من فعلها، هو الوحيد المؤهل لذلك، أزاح يوسف دموعه، ومدد ساقه ينتزع الهاتف من جيب بنطاله، رفعه لاذنيه بعد أن اختار جهة اتصاله، ترقب سماع صوته، وراح يردد ببكاءٍ:
_علـــي!!!!
........... يتبـــــــــــــع..... 💣💣... #الاقــــــــوى_قـــــــــــادم.... 💣💣..... #ترقبـــــــــــوا... #آيـــــــة_محمــــــــد_رفعــــــت...
*******________*****