تحميل رواية «الطاووس الوقح (صرخات انثى)» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجروح أدمت قلوبهن ومازالت كلًا منهن تحارب للبقاء، مذاق الألم لا يفارق حلقهن، جروحهن متشابهة ولكن لكلًا منهن حكاية خاصة هي ضحيتها، الأولى نهشتها الذئاب البشرية وتركتها كالخرقة البالية تعاني بمفردها، والثانية واجهت إنسان مريض نفسي يريد أن يُجحمها داخل قوانين لعبته القذرة فبات كاللعنة تسبب لها هوس الجنون، والثالثة تخوض رحلة معتادة على بعض الزوجات التي تُجبر بالعيش دون زوجها المغترب ولكنها كانت دونه هشة تخشى أن ينتصر شياطين الإنس عليها، وهناك أخرى طمست حبها حينما تخلى عنها محبوبها وتزوجت أخيه وبعد...
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 121 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_السادس_والتسعون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات فرحة احمد ـ ايمان الرفاعي ـ اسماء سليمان ـ سحاب الرفاعي ـ هدى عرفه ـ مروة زعلول ـ رشا محمد جمال ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
منذ الثامنة صباحًا ومازال علي والشباب بمكان الحادث، وها هي تمضي للثالثة فجرًا، صباح يومًا أخرًا دون أي جدوى.
وباصرارٍ من الجوكر عاد الجميع مهمومًا لمنازلهم، فتقاسمت العائلات الحزن الشديد معهم، وعلى رأسهم الشيخ مهران، الذي كان يدعو له في كل صلاة جماعة، ويستمع بآذنيه صوت بكاء الأناس من حوله، الجميع كان يحبون هذا الشاب، ذو الصوت العذب، الذي كان يبتهل قبل آذان الفجر، ربما ليس بشكلٍ دائم ولكن اليوم الذي ينطلق صوته بحارة الشيخ مهران، كان الاطفال يخرجون بهواتفهم ليسجلون صوته.
لم يترك حبه صغيرًا ولا كبيرًا، ليس لأنه وسيمًا ولا لثرائه، فكم من ثري يهتم بلياقته وجماله، ولكن ليس فيهم ذلك الذي يمتلك قلبًا رحيمًا، لا يمتلك حنان عُمران ورحمته بغيره!
انعزل جمال بغرفته ، تاركًا زوجته ووالدته تدقان بابه ببكاءٍ شديد، وبالأخص آشرقت التي جن جنونها فور أن استمعت للخبر، تقاسمت الخوف على ابنها وعلى ذلك الشاب البار بها وبابنها، بينما انقبض قلب صبا رعبًا على زوجها، لحبه الشديد لعمران.
اما يوسف فما أن أغلق باب شقته حتى تهاوى من خلفه يبكي بانهيار، ومن خارج باب منزله يستند سيف على باب شقة أخيه، يستمع لصوت بكائه ودموعه تنساب قهرًا وشفقة عليه، يمد اصبعيه للجرس حتى يدقه ويكون جواره، ولكنه تراجع حينما استمع لصوت ليلى، فاطمئن حينما وجدها تساند أخيه بكل حب، لذا ترك لهما مساحتهما وغادر لشقته مهمومًا.
أما آيوب ففور أن غادر المسجد جميع المصلين، حتى تمدد واضعًا رأسه على ساق الشيخ مهران، الذي يحاول جاهدًا التربيت على قلبه الجريح، فمضى يرقيه ويدعو له بصمتٍ، ومن جواره يجلس يونس الذي لمعت عينيه بالدمع تأثرًا بحالة ابن عمه ورفيقه إيثان.
بينما يجلس ايثان على درج الجيم الخاص به، يتطلع لكل تفصيلة وضعها عُمران بلمسته الخاصة، فتنسكب دمعاته ويُوخز قلبه بقوة، كأنما خسر شقيقًا لم يمتلكه أبدًا، بالرغم من مشاكستهما المعتادة الا أنه بات صديقًا هامًا له.
تدارك الحزن قلوب أعتى الرجال، فاستشف فيهم الحزن والبكاء، فأشفقوا جميعًا على حال النساء، وخاصة والدته وزوجته التي لم تعلم بعد، فكان لهم نصيب مضاعف من الوجع، فلقد ترك عمران بصمة تذكارية للجميع، بداية من سدن التي أسلمت على يده هو دونًا عن الاخرين، ونهاية بصبا التي حماها من غضب زوجها في تلك الليلة، والا كان سيقتلها هي وزوجها.
حتى زينب قدم لها حماية كاملة حينما ألقن يمان درسًا قاسيًا، ويتدارج كل تلك الأدوار البسيطة أمام فاطيما، التي كان لها ونعم الأخ والسند، فباتت بغرفتها تطول بسجودها وتدعو له ببكاءٍ ورم عينيها، تتمسك بقرآنها وتقرأ له، وحينما استدار لفراشها وجدت علي يتمدد من فوقه، يضم ساقيه لوجهه بشكلٍ قبض صدرها.
ركضت إليه تناديه بهلعٍ:
_علـي!
شهدت ضعفه للمرة الأولى، فاذا بدموعه تغرق وجهه، وصوته المبحوح يهمس لها:
_احضنيني يا فاطمة!
تدفقت دموعها بتأثرٍ، وبدون أي تردد تمددت جواره وتدفنه بين ذراعيها، فوجدته ينتفض من الحين والآخر حتى أغلق عينيه باستسلام لنومٍ لم يشهده منذ ثمانية وأربعون ساعة!
*****
وقف "آدهم" أمام باب غرفتها التي اعتصرت داخلها كل آلامها حينما رأت ما فعله أخيها بداخلها لتكن باستقبالها بأي وقتًا تحتاج فيه للراحة.
يصل لمسمعه صوت بكائها، فاستند بجبينه على الباب وهو يغلق عينيه في وجعٍ، أرشده أحمد لغرفتها وطلب منه أن يظل برفقتها هنا، بينما يغادى الطبيب جناح فريدة بعد ان طمن أحمد وآدهم عليها.
حرر آدهم مقبض الباب، وولج يتلمس الطريق من أمامه، لم تستمع شمس لصوت الباب من كثرة بكائها وصرخاتها المتآلمة.
كانت الغرفة شاسعة لدرجة جعلته بفشل بتحديد مصدر صوتها، فناداها بلهفة:
_شمس.
استقامت بجلستها على الفراش الوثير، تراقب وجوده بعدم تصديق، وببسمة ارتسمت رغمًا عنها همست:
_آدهــم!
قالتها ونهضت تركض صوبه، اندفعت لأحضانه فتراجع بها خطوتين من قوة ارتطامها به، فكبت صوت وجعه الذي عصف باصاباته، ومع ذلك رحب بها بضمته القوية داخله، بينما تتمسح هي بصدره وهي تشكو له:
_عُمران إتخلى عننا يا آدهم، عُمران سابنا ومشي!
وتابعت وجسدها ينتفض من فرط البكاء:
_لما بابي مات كنت صغيرة ومش فاهمه حاجة، وكل ما كنت بشتاقله وبحتاج لوجوده كان علي وعُمران جانبي، عمرهم ما حسسوني إني يتيمة الأب، أنا دلوقتي بقيت يتيمة يا آدهم.
أدمعت عينيه تأثرًا بحديثها، رفع يده يمررها على طول خصلاتها، وقال بحزن:
_عارف إني مهما اتكلمت ومهما حاولت أطمنك وأعوضك مش هعرف، لأن عُمران ما يتعوضش ولا يسكن وجع فراقه أي كلام، بس أنا مش قادر أشوفك بالحالة دي يا شمس، فريدة هانم تعبانه ومحتاجاكِ جنبها.
تمسكت بقميصه وتعالى صوت شهقاتها، بينما تخبره بانكسار:
_أنا اللي محتاجاها جنبي، آدهم أنا أول مرة أشوف مامي في الحالة دي، مامي عمر ما في حاجة كسرتها.
ورفعت رأسها إليه تتفقده بحبٍ، فاذا بها تبتعد عن ذراعيه وهي تبتسم بألمٍ ساخر:
_إنت عيونك ورامة من البكى!!! للدرجادي عُمران فارقالك أنت كمان؟؟؟
زوى حاجبيه وهو يجيبها بدهشة:
_أكيد فارقلي يا شمس، عُمران طوب الأرض بيحبه وبيحترمه، إنتِ عندك شك إني مش هكون أول واحد زعلان عليه؟
هزت رأسها بالنفي، وعادت لأحضانه تخبره ببكاء:
_لأ.. معنديش أي شك في حبك تجاهه، بس استغربت من الحالة اللي إنت فيها.
واسترسلت ببكاءٍ:
_خليك جانبي يا آدهم، أنا محتاجالك أوي، خليك معايا هنا، بلاش ترجع البيت.
قبل جبينها وخصلاتها بحبٍ:
_أنا مش رايح لأي مكان.. أنا هنا جانبك يا شمس.
ابتسمت من بين دموع عينيها، ومالت على صدره تجاهد الا تغفو، شعر بها آدهم فضمها وخطى برفقتها، حتى أوصلته للفراش، تمدد برفقتها واحتواها بحنانٍ، جعلها تستسلم بين ذراعيه للنوم سريعًا.
*****
كان أثقل ليلًا يمر على الجميع، حتى أتى صباح يومًا جديدًا، فتح "علي" عينيه المُسلطة على الفراغ بشرود، وببطءٍ انتقل ببصره لمن تغفو على كتفه، انسلت من الفراش وخرج بنفس ملابسه الذي إرتداها يوم حادث أخيه وبقى بها حتى تلك اللحظة.
خرج يتجه لجناح والدته بالطابق الأول، وقف أمام الباب مترددًا بالطرق، ولكنه استجمع كل قوته وطرق الباب، فاذا بأحمد يقف من أمامه، وفور أن رآه حتى سحبه للخارج ويسأله بكل لهفة:
_طمني، لقيتوه؟
غامت رماديتاه بعاصفة كبت فيها الدمع وإنهارت حصونه، فاكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه، ضم أحمد شفتيه بألمٍ، وارتكن على الحائط المجاور له يحرر بكائه المحتبس، وهو يواجهه:
_يعني أيه؟!!!!
قبض على كفه يمنعه من السقوط، وتوسل له ببكاء:
_أبوس ايدك يا عمي أنا مش متحمل، إرحمني بالله عليك.
رفع عينيه له يطالعه بشفقةٍ، من سيساند في تلك العائلة، نصب أحمد عوده وضمه إلى صدره بكل قوته، هاتفًا بشهقاتٍ تئن وجعًا:
_هيرجع يا علي، هيرجع وبكره هتشوف.
اعتصر عينيه يحرر نزيفهما، وهو يتمنى من داخل أعماقه أن يعود في تلك اللحظة، يتخيل بكل دقيقة تمر عليه أنه سيفتح باب جناحه ويركض لأحضانه معتذرًا عما فعله به، ولكن الدقائق والساعات مرت ولم يعود أخيه، لم يعود ابنه البكري!
استمد علي القليل من قوته، وسأل احمد بصوته الشاحب:
_ماما عامله أيه؟
رد يجيبه بتأثرٍ:
_نايمه من ساعة ما عرفت، الدكتور قال إن كده أحسن ليها بالوقت الراهن.
منحه نظرة غائرة، احتشدت فيها أوجاعه، كم من نزيف سيخترق قلبه الضعيف، نزيف أخيه أم والدته أم شقيقته أم زوجة أخيه، أم أصدقائه؟ كم وجعًا عليه احتماله؟!!!
ولج علي للداخل، يراقب والدته الراقدة على فراشها لا حول لها ولا قوة، أزاح دموعه ووقف ينظم أنفاسه، حتى يهدأ عنه ذلك الوجع الذي يشعر به داخل صدره، والذي بات على علمًا كاملًا أنه إن لم يخف من حدته سيُصاب بجلطة فورية، كونه طبيبًا يعلم بوادرها.
مال على الكومود يفرك صدره وهو يهمس بوجعًا:
_لو وقعت إنت كمان يا علي مين هيساندهم غيرك!
وأغلق عينيه يهتف بألمٍ:
_اللهم ارحمني برحمتك، ولطفك، وأيدني بالصبر وإصرف عني الهم والغم والسخط، اللهم أصلح لي أمري كله، وصبرني على ما أصابني، وإرضى عني يا لطيف، اللهم اشدد أزري، وثبتني وأرزقني الصبر.
ومال يتطلع لوالدته، فبكى رغمًا عنه وهو يتابع:
_اللهم إني أسألك لطفك بي وبمن أحب اللهم ارزقهم الصبر والثبات.
ونهض عن الكومود ينحني تجاه يدها المنغرز بها المحلول، يقبلها ودموعه تتساقط على كف فريدة،فتحركت أصابعها كأنما تشعر بكسرته وإنهياره.
نصب عوده ومال على رأسها يقبلها بعمقٍ، ومن بين دموعه يهمس لها:
_هيرجع والله، هيرجع لحضنك لأنه ميقدرش يبعد عنك ولا عني، مهما بعد هيرجع!
مال على كتفها يبكي كالصغير، يسترد معنى جملته، وسؤاله يحير باله، ماذا لو لم يكن على قيد الحياة!!!
ولج احمد الجناح بعد أن ترك له الوقت برفقتها، فوجده يميل على كتفها ويبكي دون أي صوت، يحتبس صوت صراخها بينما تفضحه دموعه، امتد كف أحمد يشدد على كتفه، يجدد فيه قوته، فرفع نفسه عنها وأزاح دموعه، ثم انتصب بعوده وغادر على الفور.
مضى للطابق العلوي، وما كاد بالتوجه لجناحه حتى توقف على صوتًا باكي يأتي من خلفه، يناديه:
_علي!
قبض معصمه وضم شفتيه بقوة أدمتهم، يحاول الآن أن يستحضر ثباته الهادر لتلك المواجهة، استدار للخلف ببطء فوجدها تقابله بعينيها المتورمة، ووجهها المجهد، تقف على بعدٍ منه وتبكي بانهيارٍ، صوت وجعها يصل له من محله، تدفقت دمعاته وهو يتطلع لها بعجزٍ تام، وبدون أي كلمة تقال فرق ذراعيه لها.
هرولت إليه شمس، حتى استقرت بين ذراعيه تبكي بصوتٍ تعالى عن مجمله الطبيعي، تلاشت الكلمات عنهما، فأي كلمة ستُقال الآن!
ربت عليها بضعفٍ، وتركها تخرج ما بها دون أن يصدر عنه حرفًا، بينما تهتف بانهيارٍ:
_أنا مش مصدقة يا علي، ده كان لسه عندي قبل ما يسافر، حضني وقالي أنا جانبك وسندك، وفجأة كده يتخلى عني يا علي؟؟؟
اعتصر دموعه ويديه ترتخي بضعفٍ عنها، تثاقلت أنفاسه وحجم أوجاعه تتضاعف، اهتزت الصورة من حوله، ومال على شقيقته.
انتفضت شمس بفزعٍ من رؤية أخيها بتلك الحالة، لفت ذراعيها حول خصره تدعم وقفته، وهي تناديه بفزعٍ:
_علــي!
مال عليها يستند بذقنه على رأسها، فهدرت برعب:
_مالك يا حبيبي؟ إنت هتتخلى عني انت كمانيا علي!!
وصرخت بجنون:
_آدهــــــــــم!
فتح عينيه بصعوبة، والدوار يتمكن منه كليًا، فشد عليها قائلًا:
_انا كويس يا شمس، إهدي..
صرخت به وبكائها يزداد:
_لا إنت مش كويس، إنت مش قادر تقف على رجلك!
منحها ابتسامة مؤلمة، وقال:
_ولو فضلتوا بحالتكم دي هموت من عجزي قدامكم.
تعلقت به بخوفٍ، وهدرت بانفعال:
_بعد الشر عليك يا حبيبي، إحنا مبقاش لينا غيرك يا علي متتخلاش عني ولا عن مامي بليز!
ضمها وربت على ظهرها بحنانٍ، فابتعدت تزيح دموعها وتحاول قدر المستطاع السيطرة على حزنها، ستفقد أخيها الآخر إن تركت الاحزان تتمرد عليها، كانت تظن أن علي سيمدها بالدعم الكامل حتى تتخطى ما تمر، به مثلما إعتاد أن يفعل، ولكنها تفاجآت بمدى ألمه الغير محتمل على فراق عُمران وعلى حزنهم الشديد عليه.
ابتعدت عنه ورددت بابتسامة رسمتها بالكد:
_أنا هنزل اجبلك سندوتش خفيف وكوباية عصير، لو فطرت هتتحسن شوية.
وتركته وهرولت للاسفل، فما أن تأكد من ابتعادها حتى سقط على المقعد القريب منه يعتصر رأسه وهو يتآوه بخفوت تام، فإذا بفاطمة تخرج للبحث عنه بعدما ارتدت حجابها، فصعقت حينما وجدته يجلس على المقعد ويتآوه بصوتٍ مذبوح.
انحنت قبالته تناديه ببكاء:
_مالك يا علي؟؟؟؟
تعمق بعينيها الباكية، وحجم ألمه يتضاعف، مد يده لها وقال بانكسارٍ:
_امسكي إيدي وفوقيني من اللي أنا فيه، قوليلي إنه حلم وهينتهي، أو كابوس وهيعدي، لو دي الحقيقة اللي هعشها مش عايز أكون فيها.
وأضاف وهو يميل برأسه للخلف:
_أنا كنت بعلم الناس الصبر، بأخد بايدهم لحد ما يمروا بالمطب اللي حولهم لمرضى نفسيين، ودلوقتي أنا اللي محتاج لحد يعديني، أنا مش كويس ولا بخير نهائي، قلبي مش متحمل كل ده، كل ما بقوي نفسي وبصلب طولي انتوا كلكم بتكسروني.
انهارت باكية من شدة ألمه، بينما تنهمر دموع أحمد القريب منه وآدهم الذي خرج منذ لحظة نداء شمس، واختار البقاء جانبًا يستمع لعلي ودموعه تنساق دون ارادة منه!
اقترب منه أحمد وناداه بتأثرٍ:
_علي، قوم يا حبيبي، إحنا كلنا بنقوى بيك!
منحه نظرة منكسرة وسأله:
_وأنا مين يقويني يا عمي؟!!
ظهر آدهم من خلف الحائط يهتف باستنكارٍ:
_معقول يا علي، أنا توقعتك هتقدر تتعامل مع فريدة هانم وشمس، بالشكل ده هتضعفهم أكتر، لازم تفوق عشانهم على الأقل.
كاد أن يجيبه ولكنه صعق حينما انفتح باب جناح أخيه، وخرجت منه مايا، علامات القلق والتوتر يشكلان على ملامحها، احاطت الجميع بنظرة ذهول، ولكنها تجاهلت كل شيء في سبيل الاقتراب من علي، تناديه بارتباك:
_علي، إنت كلمت عُمران؟ مرجعش من امبارح لحد الوقتي، ومبيردش على مكالماتي!! انا قلقانه عليه أوي.
ارتبكت الوجوه جميعًا، وخاصة علي الذي لم ينقصه الا تلك اللحظة لتقضي عليه، عادت شمس حاملة للطعام والعصير، فتفاجئت مايا بوجودها:
_شمس أنتِ جيتي أمته؟!
ارتبكت قبالتها بشكلٍ دفعها لتتساءل وعينيها تجوب بين الجميع:
_هو في أيه؟ مالكم؟!!
اقتربت منها فاطمة تجاهد لرسم ابتسامة صغيرة:
_مفيش حاجة يا حبيبتي، دي شمس وحضرة الظابط بينهم مشكلة بسيطة بس وآ..
دعمها آدهم كليًا حينما استكمل عنها الحديث:
_فريدة هانم وأحمد باشا حلوا الموضوع امبارح بس زي مانتِ شايفة كده يا مدام مايا، دكتور علي مزود العيار عليا ومش عايز شمس ترجع معايا البيت يرضيكِ؟
نجحوا باستمالتها إلى مجرى الحديث، فاقتربت من علي الذي يدفن وجهه أرضًا من شدة الدوار، وعاتبته برقةٍ:
_من أمته وإنت قاسي كده يا علي، وأنا اللي بقول لعمران إنك اللي هتربي الولد عشان يطلع عاقل ومتفاهم زيك كده، وميطلعش في وقاحته!
رفع رماديتاه إليها وعاصفة من ألمه تجتاحه دون رحمة، انهمرت دموعه رغمًا عنه بشكلٍ أحزن مايا وجعلها عاجزة عن استيعاب أن من أمامها هو علي، نغزه أحمد ومال يهمس له برجاءٍ:
_فوق يا علي، مايا هتأخد بالها.
الجميع يودنه قويًا، شامخًا، وقد إنكسرت فقارات ظهره بأكملها للتو، وكلما تندرج الأحداث يزداد الأمر سوءًا.
كسرت مايا صمته المطول، وسألت في ريبة:
_علي إنت كويس؟!!
هز رأسه وأجلى أحباله الصوتية بصعوبة:
_آآ.. أنا بس مش عاجبني اللي عمله آدهم بسفرهم، وزاد الأمر بالمشكلة اللي بينهم دي.
تدفقت دموع شمس مستغلة الوضع، بالطبع لن يُلتفت لها بعد أن صرحوا أن ثمة خطب ما بينها وبين زوجها، فأسرع آدهم اليها يضمها وهو يترجاها بالصمود حتى لا ينكشف الامر لمايا التي
تركت محلها ودنت من المقعد الذي يحتله، ويلتف من حوله الجميع، تأكدت من ابتعاد شمس وآدهم عنها، :
_علي إنت بتتكلم جد!! إنت بنفسك كنت بتنبه عُمران إنه ميتكلمش بالموضوع ده، وبعدين إنت طول عمرك شخص عظيم وبتتعامل برقي جدًا، فازاي سمحت لنفسك تتدخل في حياتهم الشخصية.
وتابعت ببسمة مرح:
_هو إنت إتعديت من عُمران ولا أيه؟
رفع بصره نحوها، ثم اندرج رغمًا عنه لبطنها المنتفخ، لا يرى سوى ابن أخيه الذي بات يتيمًا قبل ولادته، أغلق عينيه بقوةٍ يجلد دموعه داخل جفنيه، ورسم بسمة باهتة كحال حياته القادمة، ثم قال:
_عندك حق، إنتِ عارفة إن غلاوتك عندي زي غلاوة شمس بالظبط، عشان كده أنا هسامحه وهخليه يرجع بيها.
اتسعت ابتسامة مايا بسعادة، واستدارت تراقب شمس المندثة بين احضان زوجها تختبئ وتنهار من سماع حديثهما، حتى أحمد وفاطمة أدمعت عينيهما شفقة على طيبة قلب مايا.
زاعها بسمة حماس وهي ترنو إليهما قائلة:
_متعيطيش يا شمس، إنتِ مسمعتيش علي قال أيه! يلا روحي اغسلي وشك وانزلي نفطر مع بعض قبل ما ترجعي مع آدهم.
هزت رأسها بخفة ودون أي كلمة تُضاف اقتربت تضمها باحتواء وشفقة تمزقها، تنحنح أحمد يفك عقدة حاجبي مايا المندهشة من أمر الجميع وقال:
_طيب يلا يا جماعة ننزل نفطر مع بعض، يلا يا مايا.
اتبعته مايا وهي تحوذو بجواره، بينما تميل برأسها للخلف تجاه علي بالتحديد، ثم سلطت نظرها على أحمد تسأله بعدما ولجت برفقته المصعد:
_هو علي تعبان يا أنكل؟
حفه التوتر من كل جانب، فضغط على زر المصعد وقال:
_لا يا حبيبتي هو بس اتضايق من حوار شمس وآدهم، وكان منشف دماغه جدًا قدامهم بس الحمد لله بشمهندستنا الذكية حلت الموضوع بمنتهى السهولة.
ضحكت وهي تخبره بمزحٍ:
_لا الموضوع مش مستاهل المجاملات دي كلها، علي عاقل ويفهم اللي قدامه من كلمة، على عكس عُمران اللي مطلع عيني ده.
ورددت بحزن وهي تخبره:
_عارف إني بقلق عليه لما يكون على طريق سفر، وقافل موبيله.
خرجت برفقته للقاعة، وهي تجذب هاتفها الاحتياطي بعدما فشلت بايجاد الاخر، تحاول التواصل معه عبر الماسنجر، فاذا برسالة تصل لها عن طريق حسابه
«أنا كويس يا مايا هتأخر بس في الرجوع، ورايا كذه حاجة لازم أخلصها..»
قلبت الهاتف لاحمد وهي تخبره في سخط:
_شوفت بالنهاية باعتلي أيه، وقفل على طول، بني آدم مستفز..
تعالت ضحكات أحمد بينما يميل كفه ليزيح دموعه خشية من أن تراها، وأشار لها ببسمته المزيفة:
_طيب يلا نلحق الأكل وهو سخن عما الجماعة اللي فوق دول يخلصوا نقاش ويحصلونا.
وضعت الهاتف بجيب فستانها الأبيض، وأشارت له:
_يلا يا باشا، أنا واقعه من الجوع أصلًا.
*****
ترك علي الهاتف بعدما أرسل الرسالة من هاتف أخيه، ودموعه تنزف على وجهه دون توقف، ربت آدهم على كفه وقال يشد آزره:
_كنت مضطر تعمل كده يا علي.
أحاطه بنظرة غائرة بدموعٍ جديدة تكونت برماديتاه، وقال:
_أنا هتجبر أعمل حاجات كتيرة خارجه عن ارادتي يا آدهم، بس أنا واثق أننا مش هننجح معاها كتير، بالنهاية هتعرف.
خيم عليه الحزن بمظلته السوداء، وهتف قائلًا:
_ربنا يصبرها ويصبرك يا علي، أنا صحيح مش شايفك بس صوتك المكسور موصلي الحالة اللي إنت فيها، ربنا يهونها عليك.
مسد علي على ساقه، وقال بامتنانٍ:
_شكرًا على وقفتك جنبي بالرغم من ظروفك دي، ولو حابب تخدمني بجد استغل كلام مايا قدام شمس واقنعها إنكم لازم ترجعوا البيت عشان مايا متشكش في حاجة، وخليك إنت جنبها يا آدهم أنا مش متحمل أشوفها بالحالة دي.
حرك رأسه بتفهمٍ، وقال:
_متقلقش شمس جوه قلبي وعنيا.
منحه ابتسامة لم تصل لعينيه، وتركه يهبط للاسفل بعد عودة شمس، بينما تقترب منه فاطمة متسائلة بقلق:
_بقيت أحسن يا حبيبي؟
رفع عينيه لها، وقال بتعبٍ شديد وهو يمد كفه لها:
_رجعيني الجناح يا فطيمة.
ساندته على الفور والهلع يختلج قلبها عليه، بينما كان يسرع بكل قوته حتى لا يشعر به أحدٌ فور أن يغيب عن الوعي، يشعر بكل حركة تصدر عن حالته.
ولج برفقتها الجناح، فأغلقه ومال على كتفها يهمس لها بتعبٍ شديد:
_مهما يحصلي أوعي تعرفي حد يا فاطمة.
ارتابت لأمره وهتفت باستنكارٍ:
_تقصد أيه؟؟
لمحت شحوب ملامحه، وارتخاء جسده من فوقها، فصرخت بفزعٍ:
_علي مالـــــــك؟
ارتكن عليها وقال بتعبٍ:
_هبقى كويس، بس مش عايز حد يعرف بحاجة.
قالها وهو يلقي بذاته على الفراش، وعينيه تستجيب لفقدان وعيه، بينما تراقبه فاطمة بصدمة، صعدت فوق الفراش تخبط وجنته برفقٍ، وتناديه ببكاء:
_علي!!....... سامعني!!!.... رد عليا يا علي!
سقط جسده الذي ظنه سيصمد للنهاية، كان يشعر بأن لحظة إنهياره تقترب، وها هي تتلقفه إليها ص
بصدرٍ رحيمًا.
ركضت فاطمة للطابق الرابع حيث خصصه عُمران لغرف الضيوف، فتحت الغرفة التي قضت بها شقيقتها ليلتها بالامس، أيقظتها وهرولت بها للجناح مجددًا، وهي تدعو الله ألا يراها أحدٌ، لا تريد أن تخالف رغبته.
اسرعت زينب تجاه علي، ترفع جفن عينيه تتفحص عينيه بقلقٍ، بينما تتفحص نبضه، راقبتها فاطمة وهي تكبت شهقاتها بصعوبة وتحدثت بارتباكٍ:
_طمنيني يا زينب.
استدارت لها تخبرها وهي تجذب هاتفها:
_متقلقيش يا فاطمة، أنا هخلي سيف يكلم دكتور تبع المركز يستفسر بيها عن حالته ويجبله العلاج المناسب من غير ما حد يحس، هو في الطريق وزمانه جاي.
وأضافت تطمنها:
_متقلقيش انا مبلاغاه ميتكلمش عن حاجة قدام مايا.
أمأت برأسها ودموعها لا تتوقف عن وجهها، فتركتها تتحدث بالهاتف مع زوجها، وصعدت على الفراش جوار علي، تتمسك بكفه الدافئ وتراقبه بقلبٍ مفطور.
بينما هو غارق بعالمٍ ولج فيه بارادته، وإن أراد الخروج منه سيكون بارادته، كونه طبيبًا يعلم كيف يعالج ذاته ولكنه يرغب بالبقاء داخله ليتمكن من رؤية شقيقه ولو لمرة!!
وجده يركض لغرفته، والخوف يتمكن من ملامح وجهه الصغير، يزيح عنه الغطاء وهو يناديه ببكاءٍ:
_علـي!
فتح عينيه بانزعاجٍ، فتفاجئ به بغرفته، استقام بجلسته وسأله بنومٍ:
_عُمران إنت لسه صاحي لحد دلوقتي؟
ترك الصغير لعبته وجلس على الفراش يخبره ببكاء:
_I'm so scared, Ali
(أنا خايف جدًا يا علي!)
عبس بحاجبيه باستغرابٍ، وسأله:
_من أيه؟
أجابه ذلك الصغير البالغ من عمره خمسة أعوام:
_مامي مش بتبطل عياط من وقت ما Papi died (بابي مات) ، وشمس كمان بتعيط كتير، أنا بخاف من أصوات العياط، وخايف أنام في أوضتي، طلبت من الناني تفضل معايا بس.. She refused to stay with me (رفضت تفضل معايا).
وأضاف برجاءٍ وهو يتعمق بعيني أخيه:
_Can I sleep next to you tonight?
(هل يمكنني النوم جوارك الليلة؟)
وخز قلبه ألمًا، وبالرغم من أنه يكبره بأعوامٍ بسيطة، الا أنه كان يفوقه عمرًا، وكأنه الأب الحامي إليه، أزاح "علي" الغطاء وتزحزح للخلف حتى يترك له مساحة، فاندث عُمران جواره يرتجف من الخوف، لطالما كان يكره رؤية أحدًت يبكي، وأكثر ما يزعجه أن يرى والدته حزينة، فاختلط عليه أمر حزنها وبكاء شمس الرضيعة، فبات برتجف رعبًا، والوحيد الذي يشعر به هو أخيه!
مسد "علي" على ظهره بحنانٍ، ولم يرغب من ان يديره إليه، تركه كما أحب أن يكون، بل همس له بالانجليزية ليتفهمه، فشقيقه الصغير مازال متأثرًا باجواء لندن ومعلماته الاجنبيات:
_Don't be afraid Imran, I am with you, I will never leave you
(لا تخف عمران أنا معك، لن أتركك أبدًا!)
هدأ الصغير رويدًا، واستدار لأخيه يتطلع له بامتنانٍ، فضمه علي لصدره ومازال يربت على ظهره ويهدأ من روعه، حتى استسلم للنوم أخيرًا، راقبه ببسمة هادئة ومال يقبل جبينه ووجنته الحمراء، بينما يجذب الغطاء ليداثره بحنانٍ.
منذ تلك الليلة التي إلتمس بها عُمران حنان أبيه الراحل، بات يقضي ليله رفقة علي، بل ولمس فيه كل ما يخص أبيه، كان يراه المسؤول عنه، ولي أمره حينما تمنحه المدرسة برقية الحضور للحفلات، منحه المسؤولية وتلاقاها علي بصدرٍ رحب رغم ان فرق العمر بينهما لم يكن كبيرًا..
انهمرت الدموع من عيني علي، وفاطمة تراها بوضوحٍ، قبضت على كفه تناديه ببكاء:
_افتح عينك يا علي، متسبنيش بالله عليك!
اقتحم صوتها بقعته التي يضم فيها جسده تاركًا الدماء تنسدل من موضع قلبه، بعدما إفترق كفه عن كف أخيه، يرى حبل غليظ نثرت من فوقه صور مضغوطه لكل ذكرى جمعته به، يرى أخيه بمراحل متفرقة من عمره، يركض لاحضانه ويشاكسه بضحكته وألفاظه التي تثير، جنونه، يراه وهو يتجه ليغفو على ساقه مثلما يحب، حتى بعد أن اشتد عوده وبات يزن حجم علي مرتين رغم أن علي يفوقه طولًا، وبالرغم من ذلك كان يستقل ساقيه وصدره موطنًا له، حتى بعد أن تزوج وعلى وشك أن يصبح أبًا.
ازداد حدة الصوت ليصبح مسموعًا لعلي، فوجدها زوجته تترجاه أن يعود، بينما استمع لصوتٍ يجاورها وعلى ما يبدو بأنه صوت سيف يقول بآسف:
_أنا حقنته بالآبرة اللي حضرهالي دكتور عبد المنعم، ودلوقتي زي ما قال إن علي اللي بإيده يفوق نفسه، كل ده عرض نفسي لازم يفوق منه بمساعدة دكتور نفسي، ومفيش دكتور أشطر منه عشان يعملها!
عادت فاطمة للفراش تركض إليه، فسحب سيف زينب وخرج للصالون المنحدر بالجناح تاركًا لها مساحتها الخاصة، مالت على صدره تبكي وهي تعاتبه بوجعٍ:
_كده يا علي، عايز تتخلى عني! طيب قولي أنا هعمل أيه من غيرك؟ ده أنت السبب اللي خلتني أتقبل الدنيا دي بعد ما كنت خلاص عايشة فيها ميتة، انا بستقوى بيك، جاي دلوقتي تضعفني!!
واستطردت ودموعها تنساب على قميصه الأبيض:
_أنا عمري ما شوفتك بالضعف ده، عارفة إن عُمران مش مجرد أخ ليك، عُمران حياتك كلها. بس هو مش هيكون مبسوط بحالتك دي.
ورفعت نفسها إليه تتطلع لوجهه بانكسار:
_إنت اللي بتقويني، وبتقوينا كلنا يا علي، قوم عشان خاطري أنا محتاجالك جنبي، أنا خايفة من غيرك يا علي!
قالتها ومالت على صدره تبكي بانهيارٍ، فاذا بذراعه يلتف من حولها بقوةٍ، جعلتها ترفع رأسها إليه تلقائيًا بعينين متسعتان من الدهشة، فوجدته يطالعها بنظرة طال بها الغرام وعبر بها بين الأمواج العاتية، كفه يضم وجنتها وابتسامة ألم تشكلت وهو يهمس لها بصوته المبحوح:
_إيدي إنفلتت منه والتانية لسه ماسكاكِ، أنا بينكم مقسوم لا قادر أفارقه ولا أفارقك.
مالت على كتفه تبكي وتتوسل له:
_لو ليا غلاوة فوق، أنا مش قادرة أشوفك كده يا علي!
قبل رأسها بحبٍ، بينما يميل تجاهها:
_ إنتِ أغلى من حياتي كلها يا فطيمة.
ورفعها إليه يتطلع لوجهها بابتسامة صغيرة وذهول:
_سبحان من ألهمك القوة عشان تقدري ترجعيني عن اللي كنت فيه، وبتقولي إني بقويكِ!
أزاحت دموعها وهتفت، وعينيها تغرق برماديتاه:
_ حبك يا علي، أنا حياتي كلها معتمدة عليك، يوم ما تفكر تسحب إيدك وتتخلى عني هتخلى انا عن حياتي وهختار الموت أهون ليا، سامع!
ضمها إليه بخوفٍ، ووجع من سماع ما قالت، بل هدر بانفعالٍ جنوني:
_متعديش اللي قولتيه ده تاني، كفايا تزيدي وجعي يا فاطمة، كفايا.
اعتدلت بجلستها تتطلع إليه، وهي تجاهد لرسم ابتسامة صغيرة:
_يبقى هتقوم تنزل معايا، تأكل وتشرب قهوتك وتأخد الادوية اللي جابها سيف.
استند على جذعيه، ونهض يجلس قبالتها، متسائلًا:
_سيف! هو هنا؟
أكدت له قائلة:
_زينب شرحتله حالتك وهو كلم دكتور متخصص من المركز عندك فكتبله على الدوا اللي ادهولك، بس لسه نصه.
وتابعت وهي تتطلع لعينيه بعتاب:
_وقالوا إنك بايدك تفوق نفسك وبايدك تفضل في حالتك دي، يعني أنت اللي اخترت تسبني وتسيبنا كلنا!
اكتسى الحزن معالمه، قبل أن يردف:
_غصب عني يا فاطمة، غصب عني.
غمست أصابعها بين أصابعه، خشية من أن يعود لحالته:
_طيب قوم يلا غير هدومك عشان ننزل.
أومأ لها ونهض عن الفراش يجذب ملابسه، ويتجه لحمام الجناح بآليةٍ تامة.
******
جلست جواره بالخلف، بينما يقود السائق السيارة، ازاحت دموعها واستدارت له تعاتبه بضيقٍ:
_انا مكنتش عايزة أسيب مامي وهي في الحالة دي يا آدهم!
أحاطها وقربها منه، يضمها بقوةٍ يود بها احتباس كل الوجع، فينتقل منها إليه:
_شمس حبيبتي، إحنا قولنا أيه؟
مالت أسفل ذقنه، تتلمس الدفء من حنان ضمته، وقالت:
_يعني أنا وجودي هو اللي هيكشفلها اللي حصل يعني!
رفع رأسه للأعلى لتتمكن من الاسترخاء داخل أحضانه، بينما يجيب سؤالها:
_وجودنا هيخليها تشك أن في شيء مش طبيعي يا شمس، متنسيش إننا عرسان جداد ده أولًا، ثانيًا إني لسه تعبان ومتصاب، فأيه اللي يجبرنا نكون هنا الا لو في حاجة تانية، كده أحسن بلاش نضغط على علي أكتر من كده، كفايا اللي هو بيمر بيه.
تمسكت به ورددت ببكاء:
_أنا مكنتش متخيلة إن علي هيكون بالحالة دي، أنا مقهورة عليه أوي يا آدهم.
وأضافت وهي تحبس شهقاتها:
_حاسة إن عُمران عامل فينا مقلب، وشوية وهيظهر من تاني، عايز يختبر معزته ومكانته عند كل واحد فينا.
ابتعدت عنه تخفي وجهها بين يديها وتبكي بانهيارٍ:
_ياريته يشوف ويعرف إنه غالي، يا ريته يعرف إن حياتنا كلها وقفت من بعده، لدرجة اننا كلنا بنتمنى نحصله.
سحبها آدهم إليه بكل قوته، وصاح فيها:
_كفايا يا شمس، حرام اللي بتعمليه في نفسك ده، هيجرالك حاجة لو فضلتي كده.
مازالت تعزل نفسها بين كفيها المنسنودان لصدره الآن، وأنفاسها تختلج بينهما، بينما صوتها يتحرر شاحبًا:
_يارب معاناتي تخلص وتنتهي بموتي، أنا عايزة أرتاح من الاحساس البشع اللي أنا حساه دلوقتي.
وسحبت كفيها عنها تطالعه بغضب، فتفاجئ بها تضربه على صدره وهي تصرخ بجنون:
_انتوا ليه بتعملوا فيا كده! مرة إنت ومرة هو، حرام عليكم أنا مبقتش حمل اللي بشوفه ده، أنا حياتي كلها اتحولت لجحيم من لحظة ما اتجوزتك، وقفت نفس الواقفة دي وأنا كنت هتجنن عشان أطمن عليك، ودلوقتي عمران بيكمل عليا!!
تآوه بألمٍ من ضرباتها التي لامست جرحه، كبت تآويهاته قدر ما تمكن، تجمدت ذراعيها على صدره حينما قرأت تعابيره المتألمة من فعلتها، فاذا بهت تكمم فمها من فرط صدمتها مما فعلته وتفوهت به.
فتحت نافذة السيارة تتنفس الهواء البارد، بينما تستعيد السيطرة على انهيارها، وبحرجٍ مالت له:
_أنا آسفة.
منحها ابتسامة ساخرة، وقال:
_على أيه؟ إنتِ مقولتيش غير الحقيقة، أنا حولت حياتك لجحيم فعلًا.
وضعت يدها على كفه وترجته ببكاء:
_آدهم أنا مش عارفة أنا بقول أيه، متزعلش مني عشان خاطري، أنا مش في حالتي الطبيعية.
ودنت إليه مجددًا تهمس على استحياء:
_أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك، إنت عارف ده ولا لأ؟
رفع كفه يبحث عن وجهها، فمالت تجاه كفه المفرود، فتحرر صوته الرخيم:
_عارف، وأنا بعشقك يا شمس هانم.
ضحكت رغمًا عنها على كلمته الاخيرة، فقطعت ضحكاتها بكاء بصوت مسموع، تألم لاجلها فعاد يقربها منه مجددًا، وتلك المرة اغلقت عينيها على صدره وتركته يحاول أن يمحو ما بها.
*****
قلب علي بالطعام من أمامه بشرودٍ، بينما يجلس برفقته سيف وزينب، وفاطمة، وأحمد، الجميع يراقبه بحزنٍ، وتأثر به.
توقف المصعد وخرجت منه مايا، تنادي على الخادمة التي أتت إليها تركض صوبها، فقالت بانزعاج:
_موبيلي اختفى من إمبارح، قالبة عليه الدنيا، من فضلك ممكن تدوري عليه في جناحي.
هزت رأسها باحترام وغادرت تبحث عنه، بينما ارتبكت فاطمة وهي تتطلع لأحمد وعلي، فلقد كانت تخفيه بفستانها.
سألتها زينب وهي تتطلع لما تحمله باستغراب:
_امال أيه اللي في إيدك ده يا مايا؟
جذبت احد مقاعد السفرة الضخمة وجلست تجيبها:
_ده موبيل احتياطي، مفيش عليه أي حاجه غير رقم عُمران.
واستطردت بضيق:
_معرفش موبيلي اختفى فين!
وأضافت وهي تعبث به:
_هحاول أطلبه من هنا، يمكن صوفيا تسمعه لو في الجناح.
ارتبكت فاطمة وتشبثت بعلي الذي أفاق من شروده بفضل لمسة كفها، تحرر رنين هاتف مايا من تجاه فاطمة، وساد التوتر والارتباك جميع الوجوه، التي لدت لمايا بعلمهم لما فعلته فاطمة.
ابتلعت فاطمة ريقها بصعوبة بالغة، بينما تتطلع لها مايا بدهشةٍ، اتبعت سؤالها:
_موبيلي معاكِ يا فاطيما!
انتابتها شكوك استجمعتها من حالة علي، وحالة الجميع، لذا قالت بارتباكٍ:
_هاتي الموبيل.
سقطت دموع فاطمة وهزت رأسها ترفض منحها إياه، وخز قلب مايا وهدرت بانفعالٍ ونظراتها تحوم تجاههم:
_انتوا بتحاولوا تخبوا عني أيه من الصبح! وليه فاطمة تاخد تليفوني وتخبيه بالشكل ده؟ أنا عايزة أفهم وحالًا.
كان أحمد أول من رد عليها:
_هيكون في أيه بس يا بنتي، فاطمة تلاقيها بتهزر معاكِ بس.
تطلعت تجاهه ونفت ما قال:
_لا فاطمة متعملش كده الا لو عايزة تخبي عني حاجة.
قالت زينب وهي تراقب شقيقتها:
_هتخبي عنك أيه بس يا ميسان، مفيش الكلام ده!
تركت الجميع وتابعت علي الذي ينظر أرضًا بصمت، تجمع لها المشاهد التي التقطتها حدقتيها منذ الصبح، علي يعيش حالة لم تراه بها يومًا قط، فاذا بها تناديه بثبات رغم استجماع دموعها:
_علـــــــي!
أغلق عينيه بقوةٍ يعتصرهما ألمًا، يعلم أن تلك اللحظة قادمة لا محالة، شحذ قوته الواهية وتطلع لها، فاذا بها تردد بلسانٍ مرتجف:
_عُمران حصله حاجة؟
خذلته دمعاته المحتبسة، وتدفقت على خده، هزت مايا رأسها بصدمة:
_لأ..
أسرعت فاطمة إليها تحيط مقعدها ببكاء:
_اهدي يا مايا عشان اللي في بطنك.
استغلت قرب فاطمة منها، وانتشلت الهاتف من جيب فستانها، لحقت بها فاطمة وهي تحاول جذبه منها ولكنها ما ان فتحت الهاتف حتى تفاجئت بعدد مهول من الرسائل الخاصة بأقاربها وصديقاتها، الجميع يقدم تعازيه الحارة لها، والاغلب يرسل لها لينكات خاصة بالجرائد التي نشرت خبر وفاة زوجها ويرسلون معه سؤالًا طعنها حتى استنزف دمائها«الخبر ده صحيح؟»
سقط الهاتف من يدها والعالم يدور بها، كأنها تركب على منطاد يقسم بأن يقتلها من شدة الدوار، وفاطمة تحيط بكفها وتبكي بانهيار، بينما أحمد يحاول السيطرة عليها.
مالت برأسها تجاه احمد ورددت بصعوبة بالحديث:
_هما بيعزوني في مين يا عمي؟ آآ.. قصدهم مين!!
تساقطت دموع أحمد وهو يرى حالتها التي لا تنذر بأي خير:
_اهدي يا بنتي، ده كلام فارغ مالوش أي أساس، اهدي بس وإسمعيني عُمران كويس وهيرجع.
وضعت كفها على بطنها من الاسفل، تحاول السيطرة على ذلك الوجع المقبض الذي اعترلها، فتمسكت بها فاطمة وسألتها بهلعٍ:
_مالك يا مايا؟ إنتِ كويسة؟
اتجه بصرها تجاه علي، الذي مال على كفيه يبكي دون أن يصدر عنه أي صوت، دفعت عنها فاطمة واتجهت إليه بسرعة كادت بأن تسقط أسفل قدميه، ولكنه كان الاسرع لها، أمسكها جيدًا بينما تتطلع بعينيه تتلمس الحقيقة، وبحروفٍ بطيئة قالت:
_عُمران عايش؟
أطبق على يدها وخطى بها تجاه الأريكة، ساعدها بالجلوس ومازالت تترقب سماع اجابته، راقب سيف ما يحدث بتأثرٍ، الجميع يحملون الشفقة تجاه زوجته، إن كانت تلك حالتهم فماذا ستكون حالتها؟
انتظرت أن ينفي حديثها، ولكنه بقى صامتًا، حتى بعدما جلست على الاريكة وجلس هو قبالتها على المقعد البعيد مسافة عنها، مالت تجاهه تنتظر سماع اجابة سؤالها، كان يحاول الحديث ولكنه فشل، تساقطت دموعه ولم يأتي من قلبه نطقها، هزت مايا رأسها بوجعٍ، وقالت:
_علي إتكلم، إنت ساكت ليه؟؟ أنا عمري ما شوفتك كده!!
وتابعت بتوسل ودموعها أغرفت وجهها:
_عُمران عايش صح!! رد وقولي إنه كويس.
رفع رماديتاه لها، وحرر صوته الذي احتبس داخله فترة:
_إنتِ قلبك بيقولك أيه؟
رمشت بعدم استبعاب وقالت باستنكار:
_يعني أيه قلبي بيقولي أيه؟ متردش على سؤالي بسؤال، فهمني أيه الاخبار دي، عُمران فعلا عمل حادثة ولحد الإن مش لاقينه
خلصها مما تعاني منه قائلًا:
_هنلاقيه يا مايا، أنا كلفت سباحين محترفين ينزلوا يدوروا عليه تاني، وأن شاء الله هيلاقوه.
أكد لها حقيقة الحادث بما قال، فاذا بها تضحك بصوت مسموع رغم بكاء عينيها:
_يلاقوه! تقصد يلاقوا جثته صح؟؟؟
وتابعت وهي تبرق فيه بغضب:
_جالك قلب تقول كده؟ جالك قلب تتكلم عنه كده!!
أحاطتها فاطمة وزينب، يحاولن تهدئتها ولكنها صرخت بجنون وتشنج جسدها بشكلٍ جعلهم لم يستطيعون الامساك بها، صراخها أبكى الحجر، اصرار كلماتها وتصريحها القوي:
_عُمران عايـــــــش وهيرجع، كل ده كــــــــدب يا علي، إنت كداب سامعني،كلكم كدابيـــــن، عُمران عايش، ميقدرش يعمل فيا ولا في ابنه كده، كلكم كدابين.
بكى الجميع تأثرًا بها، بينما تستطرد بانهيار تام:
_ طول ما قلبي بينبض يبقى هو عايش وبخير، مش هيجي من قلبه يكسرني بعد كل اللي عملته عشانه!! أنا استحملت اللي مفيش واحدة ست تستحمله على كرامتها عشان بحبه، استحملت خيانته وكل اللي عمله ببداية جوازنا عشان بحبه، مش بعد كل ده هيمشي ويسيبني بالسهولة دي!!
سحبتها فاطمة لاحضانها، تحاول تهدئتها قائلة:
_اهدي عشان اللي في بطنك مالوش ذنب يا مايا.
تمسكت بفاطمة وانهارت داخل ذراعيها تجيبها بحسرة:
_وهو ليه مفكرش فيه ولا فيا يا فاطمة، أنا مش هستنى لحظة واحدة من غيره.
قالتها ودفعت عنها فاطمة، ثم نهضت تجذب علي بقوة فجأته:
_قوم يا علي، إنت قاعد ليه!!! روح ومترجعش الا وعُمران معاك، يلا!
تلاشى عنه الدموع والحزن، وبدأ بستعيد ثباته كليًا، لقد أدرك حالة زوجة أخيه ببراعة، وعليه الآن التعامل مع الوضع، فقال يهدئها:
_حاضر يا مايا، هعملك اللي إنتِ عايزاه بس اهدي كده وإرتاحي.
هزت رأسها بجنون وقالت:
_مش ههدى الا لما تجبهولي،أقولك كلم جمال أو يوسف ممكن يكون سهران مع حد فيهم، استنى ممكن يكون في مسجد الشيخ مهران هو بيرتاح أوي هناك، أو ممكن يكون في الجيم بتاع اللي اسمه إيثان ده، روح شوفه هناك وبلغني، أو استنى أنا هغير هدومي وجاية معاك.
قالتها وهرولت لتبدل ثيابها، وبعد أقل من خمسة عشر دقيقة كانت تهبط للأسفل مشيرة له:
_يلا يا علي أنا جاهزة.
اعترض أحمد طريقها وقال:
_هتروحي فين بس يا بنتي، إهدي بس وعلي هيروح هو يدور عليه.
أزاحت دموعها وقالت:
_لا انا هروح معاه أحسن.
أحاطت علي بقيود العجز والألم، وتركته يعاني، إتجهت إليه تشير له بأن يرافقها، ولكن وقبل أن تتحرك من محلها وجدت المصعد يُفتح من أمامها وتخرج لها فريدة، بملابس سوداء ووجههًا شاحب، غادرت عنه مظاهر البهجة.
صعقت مايا من رؤيتها لخالتها بتلك الحالة، تلك التي عُهد عنها كل مظاهر الآناقة، والاهتمام بما ترتديه تظهر في حالة لم تراها من قبل!
دنت منها مايا تراقبها بصدمة وذهول اتبع قولها:
_أيه اللي إنتِ عملاه في نفسك ده!! ليه لابسه أسود!!!
تساقطت دموع فريدة تأثرًا بابنتها، فربتت على كتفها وقالت بنبرة مرتعشة:
_خليكِ أقوى مني يا مايا، قلبي موجوع عشان فراق ابني وعشان وجعك عليه يا حبيبتي.
صرخت بوجهها وهي تنفي جملتها:
_لأ متقوليش كده، عُمران عايش وبخير، وهنروح أنا وعلي نرجعه.
كبتت بكفها بكائها بينما يضمها أحمد بحزن، التمست بنظراتها الانكسار والألم، بل نظرات الجميع، موت عمران كان حقيقة مصدقة بجميع الأعين، وكأنها الوحيدة التي تحارب لتلك الحقيقة.
تراجعت للخلف وهي تهمس بصدمة:
_يعني أيه؟
صمت بطنها الذي يحتد فيه الألم، وانصاع ركبتيها لاحتضان الارض وهي تبكي بجنون:
_لأ... لأ... انتوا كدابين، عمران عايش وهيرجع..
وفجاة صرخت وهي تحتضن بطنها بوجع، جعلهم يركضون تجاهها، فاذا بفاطمة ترى الدماء الذي لطخت فستانها الزهري، فنادت زوجها بذعرٍ:
_علـــــــــي!
ركض إليهم يحملها ويهرول بها تجاه سيارة سيف، الذي فتح الباب الخلفي له، وصعد بالامام وزوجته جواره.
صاح به علي بخوف:
_كلم يوسف وخليه يقابلنا في المركز حالا يا سيف!!
******
فتحت باب الغرفة، فاستقبلت من خلفه عتمة مُظلمة، ولجت تبحث عنه، فوجدته يجلس أرضًا ومازال يضم جسده، ودموعه تتساقط دون توقف.
جلست جواره تراقبه ببكاء، لم تكن تتخيل مدى قربه الشديد إليه، حملت صغيرها، ووضعته على ساقيه المرفوعة، قائلة بصوتها الشاحب:
_عُمران موحشكش؟
خطف جمال نظرة لابنه الذي يتطلع له ببراءة، بينما مال برأسه تجاه زوجته، يمنحه نظرة شملت سخطه وسخريته منها، الآن وبعد موته تتحرر من عقدتها وتنطق اسم صغيره الحقيقي لأول مرة.
تألمت لألمه، فحملت صغيره ووضعته جانبًا، ثم احاطت وجهه بكفيه وقالت ببكاء:
_متعملش في نفسك كده يا جمال، أنا هموت من وجعي عليك.
وضمته إليها وهي تستكمل بوجع:
_ادعيله بالرحمة يا حبيبي، ربنا يصبر قلبك ويهونها عليك.
اعتصر أهدابه ليحرر دموعه، وبدون أي كلمة منه رفع يديه يتمسك بها، ومال إليها يغفو على ساقيها، استقبلته بكل ترحاب وتركته يغمض جفنيه حتى لو دقائق، يرتاح بهما عن حزنه العميق!
*****
بذلت ليلى قصارى جهدها حتى تمكنت من إرغام يوسف على الذهاب للمركز، لولا أنها أخبرته بأن تلك الحالة التي تحتاج له هي مايا زوجة حبيب قلبه لما خرج من غرفته أبدًا.
قادت ليلى السيارة حينما أخبرها بأنه لن يستطيع القيادة، جلس جوارها بوجهًا منطفئ، يرتكن على النافذة بصمتٍ.
وما أن توقفت السيارة حتى هبط يتحرك برفقتها بآلية تامة.
وصل لغرف العمليات الخاصة بقسم النساء والتوليد، فوجد علي بانتظاره، وما أن اقترب منه يخبره:
_مايا بتنزف، والدكتورة بتحاول توقف النزيف مش عارفة.
وأمسك كفه يهتف بألمٍ:
_دي الحاجة الوحيدة اللي بقيالي منه، اعمل أي حاجة وإنقذه أرجوك يا يوسف.
ربت على كتفه وانطلق لغرف العمليات دون أي كلمة، بينما جلس علي يميل بجسده للأمام مستندًا على كفيه، يجابه همومه بكل ما اعتراه من قوة، ولكنه بالنهاية بشرًا.
****
حمل الملف الموضوع به مواصفات الحالتين المتبقيان بالعناية، واتجه للاستقبال، يقدم ما بيده، فسألته احدى الممرضات:
_مفيش حد سأل عن الحالة اللي في العناية بردو؟
رد عليها صاير ومعالم الشفقة تحتل ملامحه:
_لا خالص، مع إن الحالات كلها يعتبر أهاليهم وصلوا ليهم.
ذمت شفتيها بحزن وقالت:
_آن شاء الله يوصلوله، أو حتى هو يفوق ويكلم حد فيهم، متنساش كمان أن مش كل الحالات هنا، اللي بيروح المستشفى العام يسأل وميلاقيش بيجوا هنا، فممكن يكونوا بيلفوا عليه في باقي المستشفيات..
واضافت بابتسامة صغيرة:
_ربنا يشفيه ويرده لأهله يارب.
إكتفى بتحريك رأسه، وغادر ينتهي من عمله، ومازال هذا الشاب يشغل عقله وتفكيره.
****
خرج يوسف بعد ساعة كاملة، فأسرع علي إليه يسأله بقلقٍ:
_طمني يا يوسف؟
نزع الكمامة عنه، وقال بحزن:
_انا قدرت أوقف النزيف، بس للاسف مؤقتًا، فمفيش قدامنا أي حل تاني غير إنك تديها مهدأ بنسبة بسيطة، لحد ما نقدر نسيطر على الحالة.
ردد علي بدهشة:
_مهدأ!! بس ده غلط عليها وهي في الحالة دي.
هز رأسه بخفة، واضاف:
_هحددلك الكمية اللي هتخدها، ده وضع مؤقت، لازم تتقبل الامر والا آ..
ابتلع باقي جملته بنغزة تحجرت على لسانه، وأشار له باتباعه بغرفة الافاقة، رفع علي رأسه للاعلى وهمس بالم:
_اللهم لا إعتراض على قضائك ولكني أسالك اللطف فيه.
أزاح دمعاته وانطلق خلف يوسف للداخل، وجدها تغفو على الفراش، بعدما أبدلت لها الممرضة لرداء خاص بالمركز، منح يوسف لعلي الآبرة الطبية بعدما صرح له عن الكمية المحددة لها.
جذب ما بيده واتجه للفراش، فوجدها تفتح عينيها المتورمة بتعبٍ، بدى من يقف امامها مشوشًا للغاية، فابتسمت ورفعت يدها تشير له بهمسٍ مزق قلب علي ويوسف:
_عُمران!
أزاحت الغشاوة عنها، وخاصة حينما جلس علي جوارها على الفراش ليتمكن من حقنها بما بيده، اتضحت ملامحها إليه، فانكمش جبينها، وهتفت باستنكارٍ:
_علي!! ده إنت!!
ومالت برأسها تبحث بالغرفة:
_عُمران فين؟ مجاش ليه؟؟ هو معرفش اللي حصلي؟؟
تدفقت دموعه رغمًا عنه، وقال:
_مايا اهدي، اللي بتعمليه ده فيه خطورة على الولد.
تطلعت لعينيه بصدمة، وهتفت باستنكارٍ:
_معقول يعرف إني في المستشفى وميجيش!! يبقى كلامهم صح وعُمران جراله حاجة!
اقترب منهما يوسف مشيرًا لعلي:
_اديها المهدأ يا علي، كده خطر عليها وعلى الجنين.
سحب علي الآبرة، يدسها بوريدها ودموعه لا تتوقف على الانهمار بينما تناديه مايا وتترجاه:
_علي... رجعلي عُمران بالله عليك كلمه وخليه يجي، آآآ... أنا مقدرش أعيش من غيره والله العظيم ما هقدر، كلمه...
قالت كلماتها الاخيرة واستجاب جسدها للمهدأ، فاغلقت عينينها وأخر ما نطقته:
_كلمه يا علي.
ألقى علي المحقن أرضًا وانحنى عن الفراش يجلس أرضًا، يضع كلتا يديه فوق رأسه، جاوره يوسف بجلسته، يمسد عليه ودموعه هو الاخر بحاجه لمن يزيحها.
رفق بحالته وقال ليلهيه:
_قوم يلا عشان نشوف السباحين اللي كلمتهم عملوا أيه؟
ذكره بما نساه، فرفع رأسه إليه وقال:
_أنا مديهم رقمي لو في حاجه هيبلغوني، بس إنت صح انا هروح وأشوف بنفسي لو في جديد.
نزع البلطو الطبي عنه وقال باصرار:
_وأنا جاي معاك.
*****
جلست فريدة رفقة أحمد بالحديقة، تبتعد عن القصر قدر ما تمكنت، تتطلع لهاتفها في انتظار مكالمة من علي ليطمنها على ابنتها، وتنتظر أي مكالمة من فريق الاتقاذ الذي كلف بالبحث عن عمران مرة أخيرة.
فتفاجئت بنعمان يركض صوبها، يصيح بجنون وعدم تصديق:
_أيه اللي الاخبار منزلاه ده يا فريدة، إزاي ينزلوا الاخبار الكاذبة دي ومتخديش ضدهم موقف؟
وتابع وهو يتطلع لما ترتديه بصدمة:
_وليه عاملة في نفسك كده؟
وبصعوبة رفع بصره تجاه أحمد الذي يجاور مقعد فريدة، يتفوه بخوف:
_اتكلم إنت يا أحمد، قولي إن الاخبار دي مش صح، وإن عمران محصلوش حاجة؟
منحه بسمة ساخرة، ونزع عنه نظارته الشمسية السوداء:
_من أمته الحنان ده كله يا نعمان؟! مش ده عُمران اللي مكنتش طايقه وطول عمرك بتغل من نحيته، خلاص إطمن مات وخلالك الساحة تجتهد فيها براحتك.
تهاوت دموعه وبكي بجنون، بينما يتمتم بارتباك:
_لا متقولش كده، حرام عليك يا أحمد، متفولش على الولد، انتوا بتهرجوا ولا أيه؟
تمايل حتى جلس على الاريكة من خلفه، ينهار تدريجيًا، حتى انسحبت أنفاسه، وفريدة وأحمد يراقبان ردة فعله بدهشة.
تحرر عن بكائه وهو يهتف بندم:
_انا عمري ما قدمتله غير الشر والأذية، عملت كل اللي أقدر عليه عشان اوقعه وهو مردش على أي فعل من أفعالي، بعد كل اللي عملته معاه رجعلي أملاكي وسابني! أنا اترجيته يسامحني ومقبلش، يقوم يموت وذنبه متعلق في رقبتي.
وأضاف ودموعه تنساب دون توقف:
_طيب ليه؟
بكت فريدة بألم وهي ترى العدو يبكي على صغيرها قبل الصديق، رأت زوجها يتزحزح عنها ويتجه لشقيقها ذو القلب المتحجر، يربت عليه بتأثرٍ:
_خلاص يا نعمان استهدى بالله، سبحان من غير حالك!
تطلع له بخجل من افعاله، وقال ببكاء:
_عُمران مينفعش تكون دي نهايته يا أحمد، النهاية دي تليق لشخص بسواد قلبي، وجُرم أفعالي مش بشخص بطيبة قلبه.
انهمرت دموع أحمد تأثرًا به، فربت مجددًا عليه وقال بصوت مختنق بالدموع:
_هنعترض على قضاء ربنا يعني يا نعمان ولا أيه؟ ده بدل ما تعقل وتصبر اختك على اللي بتمر بيه بتزيدها عليها!!
خطف نظرة لفريدة التي تتطلع له ودموعها لا تتوقف، ثم رد عليه بانكسار:
_ليها حق تنكسر وتبكي عليه العمر كله، يا ريته كان سامحني واديني فرصة أكفر عن اللي عملته، أنا كنت بكرهه عشان كان لامس وسـ**، هو الوحيد اللي كان بيقف في وشي ومبيهمهوش، انا حتى بعد ما بعدت عن الطريق ده كنت خايف أرجعلكم واطلب السماح، كنت خايف منه يا أحمد حتى بعد اللي عمله معايا.
ونهض عن الاريكة وهو يصيح ببكاء:
_انا مش هقعد زيكم وهحط ايدي على خدي، أنا هشوف حد ينزل ويدور عليه، على الاقل نأخد عزاه، ده أقل شيء ممكن نقدمه ليه.
وتركهما مندهشان من حديثه وحالته، وغادر على الفور.
مالت فريدة على كتف أحمد تبكي وهي تهتف ببسمة وجع:
_ده حال عدو ابني عليه، ما بالك بحالنا كلنا عليه!
*****
وصلت سيارة سيف للجسر، فهبط علي برفقة يوسف، كاد بأن يتجهان للمسؤول عن السباحين، ولكن استوقفهما جمال الذي يجلس على نهاية الجسر ومن جواره آيوب.
اتجهوا معًا إليهما، فما ان رآهما آيوب حتى نهض يمسح دموعه ويخبرهما:
_ جيت لقيت البشمهندس جمال قاعد كده، وباين عليه مش في واعيه، أنا خايف يرمي نفسه ولا يعمل حاجة، بقالي فترة بكلمه مش بيرد عليا!
ضم يوسف صدره قاصدًا الضغط على وجع قلبه، يكاد أن يخسر رفيقه الآخر، وهو يعلم بأنه قد فقده بعد خسارة الآخر بالفعل.
رأى علي يقترب منه فأشار لاخيه ولايوب:
_تعالوا نرجع العربية، سيبوا علي معاه لوحدهم.
هز آيوب رأسه واتبع سيف للسيارة، بينما دنى علي من محل جمال، كان يجلس على حافة الجسر وقدميه ممدودة للخارج، يتطلع للمياه بشرودٍ.
جاور علي جلسته، وناداه بصوتٍ هادئ:
_جمال!
بقى كما هو يتطلع للمياه بتركيزٍ وإمعان، وكأنه يتوقع خروج عُمران بين لحظة وضحاها، سقطت دموع علي رغمًا عنه، رفع كفه يهز جسد جمال وهو يناديه:
_جمال.
استدار يتطلع له بنظرة قسمت علي وقضت عليه وخاصة بعد سماع حديثه:
_زقني وراه يا علي، هعتبرها خدمة منك ملهاش مكافاة، عُمران غدر بيا وحدفني من العربية، لحد اللحظة دي ضايع ومش لاقي نفسي، في حاجة منعاني أقتل نفسي، بس إنت ممكن تعملها وترحمني من عذابي ده.
نهض علي يجذبه بخوف من أن يفعله ويلقي بذاته في المياه:
_قوم معايا يا جمال، قوم.
نجح بجذبه بعيدًا عن نهاية الجسر، وسانده حتى نصب عوده، يطالعه بسخرية:
_متخافش لو كنت عايز أموت نفسي كنت عملتها، أنا بس بحاول أقنع نفسي إن هنا كان أخر مشهد جمعنا مع بعض.
واسترسل ببسمة نازفة بوجع قلبه:
_أنا صمدت في لندن أربع أيام من غيره وجيتله جري على مصر، مش عارف المرادي هصمد من غيره كام يوم!
وعاد يتطلع للمياه ويبكي بحسرة:
_الا لو رأف هو بحالي وطلع منها حي!
ومال له يسأله:
_تفتكر ممكن تحصل ويطلع حي بعد المدة دي كلها؟
سحبه علي يخطو به لسيارة يوسف، ولم يمتلك اجابة صريحة غير بكائه المكبوت، يود أن يختلي به المكان ليصرخ بملء ما فيه.
أشار ليوسف الذي هرول إليه يدعم مساندة جمال من الجانب الاخر، استدعى علي صوته المبحوح وقال:
_خده البيت يريح يا يوسف.
اعترض هادرًا:
_مش هتنقل لاي مكان.
رد عليه يوسف بغضب:
_كفايا يا جمال، حرام عليك أنا مش مستحمل، ولا مستعد أخسرك انت التاني، كفايا أرجوك.
وسحبه بقوة من يد علي، مطلقًا أمره القاطع:
_امشي معايا.
أوقفه وهو يميل تجاه علي، يتطلع بعينيه بشكلٍ أثار استغراب الجميع، بينما يحاول سحب كفه قائلًا:
_طيب هاجي معاك بس استنى.
أشار علي ليوسف بأن يتركه، فاتجه جمال بخطوات متخبطة إليه، وقف قبالته يتطلع له بآعين دامعة بينما يتمزق قلب علي، يعلم بأن جمال يلتمس فيه الشبه البسيط بينه وبين أخيه، وفجأة تعلق بعنقه يحتضنه، يود أن يشعر بأن رفيقه حي داخل شقيقه الوحيد!
بكى جمال وهو يحتضنه، متنفسًا رائحة البرفيوم الذي قدمه عُمران سابقًا لعلي ولم يهتم أبدًا ان يضعه الا قبل خروجه في صباح هذا اليوم، وكأنه يود أن يلتمس وجوده، فشعر به جمال منذ جلوسه بقربه.
تساقطت دموع آيوب وسيف، حتى يوسف استدار حتى لا يرى أحدٌ بكائه، ربت علي بحزن على كتف جمال، ولم يبتعد حتى ابتعد هو، وانسحب بهدوء تجاه يوسف الذي فتح له باب السيارة بآلية تامة، بينما يخبره جمال وهو يصعد للسيارة:
_وديني شقة عُمران اللي بحارة الشيخ مهران.
اغلق يوسف الباب ومال يرتكن عليه باكيًا، سيعاني من أجل رفيقه الراحل ورفيقه الاخر الذي يبدو وكأنه ينازع للبقاء حيًا.
منع سيف، يوسف من الصعود لمقعد القيادة، وقال بتهذبٍ:
_مش هتقدر تسوق وإنت في الحالة دي، اركب ورا جنب آيوب، انا هسوق أنا.
تحرك دون أي جدال وصعد بالخلف، بينما رفض آيوب الصعود وقال:
_انا هفضل مع دكتور علي.
لم يجادله أحدٌ، فليتركوا أحدٌ رفقة علي المجروح، ليشد أزره، غادرت سيارة سيف، في نفس لحظة وصول سيارة إيثان الذي يقودها برفقة يونس والشيخ مهران.
هبط الشيخ يقترب من علي، يربت على كتفه والدموع تتلألأ بمُقلتيه تأثرًا بوفاة عُمران:
_ربنا يصبر قلبك يابني.
منحه علي ابتسامة هادئة، وقال:
_مش عايز غير الدعوة دي، ادعيلي ربنا يهونها عليا، عشان حاسس إني هحصله من كتر وجعي.
******
عشرة أيام مرت ثقيلة على الجميع بدون أي استثناء، الجميع قلوبهم تنزف، وحياتهم توقفت منذ رحيل الغالي عنهم، يحاولون أن يمدون العون لاحدهم الاخر، وجميعهم بحاجه للدعم النفسي قبل الجسدي.
ومازالت تلك الحالة المتبقية من حادث الزفاف تثير الجدل والغموض بالمشفى، وتثير الشفقة والحزن بقلب صابر، الممرض الشاب الذي يود أن يطمئن قلبه المفطور على شابًا مثله، فمازال غائب عن الوعي، تلتهمه الغيبوبة بجوفها.
ولج لغرفة العناية، يدث محقن الأدوية بالمحلول المتصل بوريده، ووقف يتطلع له بحزنٍ، ثم همس بشفقة:
_كل الحالات اللي دخلت معاك خرجوا مع أهاليهم الا أنت، معقول مالكش أهل يسألوا عنك، مع إنك سبحان الله من لبسك والدولارات اللي كانت بجيب البنطلون بتاعك بيبنوا إنك ابن ناس!
صدر عن ذاك الغافي تآويهات منخفضة، بينما يجاهد لفتح عينيه، استقام قبالته صابر بلهفة، ومال إليه يتساءل:
_إنت فوقت؟؟ سامعني؟
هز رأسه ومازال يجاهد لفتح عينيه، فركض صابر يستدعي الطبيب مناديًا بحماسٍ:
_يا دكتور ممدوح الحالة فاقت يا دكتور.
ترك الطبيب الاربعيني الشطائر وكوب القهوة بانزعاجٍ، بينما يطالعه بتذمر:
_ومالك يا اخويا داخل متسرسع وكأنك بتزف ليا مكافاة نهاية الخدمة، اتنيل على عينك.
ابتلع صابر حديثه الملعون بالنسبة له، وقال:
_إن شاء الله يتحقق حلمك ويرفدوك باذن الله.
صاح بغضب:
_بتقول أيه؟
عدل من حديثه وهو يخفي كرهه وبغضه منه:
_بقول يرقوك ويعينوك مدير المستشفى بحالها كده قول إن شاء الله.
مر الطبيب من أمامه، بينما يلحق به صابر وهو يسبه بداخله، ولج من خلفه لغرف العناية المشددة، بينما يسحب كشافه ويميل تجاهه بنفور من مهنته، رفع جفنيه يتفحصه، ويعاونه على استرداد وعيه، حتى فتح عينيه.
وزع عمران نظراته بين ذلك الطبيب والممرض بذهولٍ، بينما يتآوه بوجعٍ، حينما حاول أن يرفع رأسه، هدر فيه ممدوح برعونة:
_ريح إنت جرحك لسه طاري.
واسترسل بعملية باحتة،لصابر:
_سيبه النهاردة تحت الملاحظة وبكره انقله أوضة عادية.
وتابع وهو يمر من جواره متفحصًا للجهاز:
_وخليه يطلب أهله يشيلوه من هنا أخره يومين عشان يسيب مكان لمريض غيره.
حدقه صابر بنفور، ومال يبتسم لمن يراقبهما بذهول:
_حمد لله على سلامتك، انا مصدقت أنك فوقت عشان أطلب ليك حد من أهلك، انت بقالك هنا ١٢ يوم ومحدش قدر يوصلك.
وتابع وهو يسحب هاتفه:
_مليني رقم أي حد من قرايبك وانا هبلغهم باسم المستشفى واطمنهم عليك.
وبفضولٍ سأله:
_انت اسمك أيه؟
رفع بصره إليه، وقال بتخبطٍ:
_معرفش!!
وتابع وهو يضم كتفه بوجعٍ:
_أنا مش فاكر حاجة!!!!!!
... .... يتبع.... #الاقوى_قادم 💣..... #ترقبوا....
كلمة مهمة ليكم..
أولًا البطل اللي كلمتكم عنه مظهرش لسه، هيظهر الفصل الجاي، وبطل جديد خاص بيا يا بنات مش برواية كاتب تاني، حاجة تانية حابة أقولهالكم، الاحداث اللي جاية قوية فوق ما تتخيلوا، عشان لمحت كام كومنت بيقولوا لو عمران فقد الذاكرة هتبقى احداث مهروسة، انا ليا خط خاص بيا أنا، وكل كاتب وله دماغه، أنا بس عايزة منكم شوية صبر، أنا محبتش ازيد الوجع عليكم وتخطيت العشر ايام، هنشوف اللي جاي هيكون ازاي وخاصة مع دخول عمران لعالم هيضيف ليه كتير اوي، وبلاش حدوتة إنه هيرجع يحب تاني ده، وهيرجع بواحدة بلاش أفورة الافلام الهندي دي أكرمكم الله 😂..
عايزة اقولكم اني بقالي كام يوم نفسيتي وحشة بسبب الفصل اللي فات وبسبب الفصل ده، لكن الفصل القادم وبظهور الشخصية المنتظرة هيتحسن مودنا شوية، وخليني اوعدكم للمرة الاخيرة ان لقاء عمران ومايا وعلي باخوه، لقاء مش هيتنسى، وخاصة لقائه مع اصدقائه، اللي جاي مش سهل، فكونوا بالقرب حبيباتي.. بحبكم في الله وبتمنى نعلي تفاعل الفيس وتصويت الواتباد كدعم منكم. بسيط.... ❤
*****_______******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 122 - بقلم آية محمد رفعت
#الاقتباس_المنتظر.
تقلب على الفراش بانزعاجٍ، هل من المفترض أن يعتاد على هذا الصياح الصباحي المزعج، الا يكفيه قرص تلك الحشرات الغريبة ليلًا.
ازاح "عُمران" الغطاء عنه ونهض يجذب قميصه، يرتديه على عجالةٍ، وخرج يستمع لنفس الاسطوانة المملة، بينما يربع يديه ويميل على الحائط.
رفعت اصبعها تشير إليه وتحذره بغضب:
_صوتك ميترفعش عليا يا بلطجي أنت والا والله العظيم أقلع اللي في رجليا وأنسله على دماغك.
توسعت مُقلتيه البنيتان في صدمة حقيقة، بينما يعيد قول ما تفوهت به وقد تزاحم غضبه وإلتحم بعرقه الرجولي:
_تعملي أيه؟ اظبطي كلامك معايا والا وربي ما هعمل حساب للجيرة ولا لاهلك، هو كل من مسك شهادة شاف نفسه ولا أيه، لا فوقي كده يا نغة وإفتكري إنك واقفة قدام الاسطا موسى عُربان على سن ورمح.
واستطرد وهو يحيطها بنظرة تقلل منها:
_مبقاش غير النسوان اللي هتقف وتبجح فينا، لا خدي تمامك وإركني بدل ما أهب في وشك.
ضمت شفتيها معًا بغضب، وأبعدت وشحها الطويل للخلف، بينما تجيبه:
_هو إنت شايف نفسك على أيه؟ ده أنت حتى دروس بنتك مش عارف تذكرهالها، ولولا إني بقعد معاها ساعتين كل يوم مكنتش نجحت بسبب اهمالك، ولا إنت معندكش وقت تذاكرلها من بلطجتك على الناس كل يوم والتاني.
اعاد خصلات شعره السوداء للخلف بغضب، وسحب نفسًا من سيجاره حتى أزهقه، ألقاه أرضًا ودعسه بقوةٍ أرعبتها، بينما يكز على أسنانه وهو يتمنى أن تكون هي محلها، ثم هدر ببسمة باردة:
_بقولك أيه يا أبلة صباح، مش جبتي الناهية وقولتي إني بلطجي، خلاص مالك بقى ببنتي شاغلة بالك بيها ليه؟ هي يعني لو اتخرجت هتأخد البكالوريا! دي هيالله في تانية ابتدائي!
جحظت عينيها في صدمة وصرخت بوجهه بشكلٍ ردعه للخلف بتوتر:
_وكمان مش عارف بنتك في أي سنة، بنتك يا اسطا موسى عُربان في تالتة ابتدائي، بس هقول أيه هتلاقيك مبرشم زيك زي أشكال الحي الآآ...
وضع أصابعه الخامسة على بعد من وجهها مثلما اعتاد أن يصمتها، وكعادتها تخفي بسمتها لحركته الذي يخصها هي بها، ولكنه مع أي شخصًا أخر يكورها بوجهه وهو يخرسه بكل جراءة، تنهد وصاح من بين اصطكاك أسنانه:
_خديلك راجع مني يا أبله بدل ما أقل منك ومن شهادتك، وخدي بالك موسى عُربان مقالش بقيمة واحدة ست قبل كده، يعني هتخشي التاريخ من أوسع ابوابه خدي بالك.
تراجعت خطوتين للخلف وهي تشير له باستخفاف:
_على أخر الزمن هدخل التاريخ على إيد ميكانيكي!!
بالرغم من أن الجملة أوجعته، الا أنه ضحك قائلًا:
_ألاه طيب وماله الميكانيكي، بيأكل برجله ولا لسانه ناقص حتة يا أبله!
وتابع يحذرها:
_خدي بالك انا عملك احترام عشان خاطر قمر بنتي بس.
زوت حاجبيها في دهشة:
_كل ده وعاملي احترام، ده إنت بتكلمني زي العربجي! ولسه من شوية كنت بتهددني!
ضيق عينيه الساحرة وقال ببراءة أضحكتها:
_ألاه! مش بقولك اللي هيحصل لو كترتي في الكلام!!
وتابع وهو يشير بسخط:
_ما أنا مش كل يوم والتاني هتمسخر قدام الصبيان بتوعي بسببك مرة وانتي رايحة المدرسة ومرة وانتي راجعه، أبله هو انتِ مبتزهقيش!!
ربعت يديها ومالت بفستانها الازرق جانبًا معللة سبب استيائها:
_مهو انا كل ما أشوفك سايب قمر بتلعب في الشارع ومش بتذاكر بتنرفزني، وباجي أجر شكلك.
زفر وهو يخبرها:
_يعني أسيبها فين بس، مهي بتلعب قدام عنيا لحد ما ترجعي من السنتر بتاعك، بتطلع معاكِ على طول، معرفش بعد ما تروحي بيت عدلك هتعمل أيه دي متعلقة بيكِ أوي يا أبلة صباح.
استفزها حديثه، والقاتل انه يتحدث بجدية تامة، ذلك الاخرق الذي لم يسمع يومًا لهمس قلبها، لا يراها الا معلمة ابنته، واحدى سكان منزله.
منحته نظرة شرسة وقالت بغضب:
_هتفضل طول عمرك غبي ومبتفهمش.
قالتها وهبطت للاسفل، بينما يتابعها بضيق وغيظ من اسلوبها، فانتظر حتى هبطت الدرج وصاح بأثرها:
_وانتي مغرورة وعرقك طاير فوق، بصي تحت شوية لتقعي على قفاكي، نسوان تجيب الفقر، الحمد لله إني خلعت من مُكنة النكد دي، أنا عرقي حامي ومعنديش مرارة انا!
سحب جاكيته الموضوع على المشجب الذي صنعه خصيصًا لجاكيته، يرتديه وهو يهدر بانزعاج:
_دي كل ما تشوف سحنتي تنزل عليا بالمواعظ والدبش، دي طليقتي معملتهاش!!
_غلطانه مس صباح، المفروض تنزل على دماغك بالشماعة اللي شايفلي نفسك بيها دي!
قالها عُمران وهو يطالعه بسخطٍ، جانت منه نظرة تجاهه وقال مبتسمًا:
_خواجه إنت قومت!!
فرك جبينه بتعبٍ، بينما يتجه إليه موسى يشكو له:
_صدقتني لما قولتلك إنها نفورة ازعاج.
منحه نظرة ساخطة ثم هدر فيه:
_وآنت كتلة غباء يا آآ... يا أسطا.
وتركه وعاد لغرفته فلحق به الاخير بضيقٍ:
_انا غبي!! بقى دي أخرتها تطلع صاحبك غبي!!
جلس على الفراش يمرر يده على رأسه بانزعاجٍ:
_هي دي معاملة تعامل بيها واحدة ست بذمتك؟؟؟ إنت متأكد إنك كنت متجوز قبل كده؟
أجابه ببلاهة مضحكة:
_ألاه!!! ، أمال يعني كنت كاسب البت قمر في كيس شبسي!!
وأضاف بنزق:
_بص اتجوزت وكان ليا في كام سكة شمال قبل ما ربنا يتوب عليا بس عينة الابلة صباح دي موردش عليا قبل كده.
وصاح بفتور وهو يسحب جاكيته:
_ربنا يكون في عين البغل اللي هيشيلها من الحي،ولا تلاقيها عايزة تعيشي مع هوانم جردن سيتي!
واتجه للخارج وهو يصيح بانفعال:
_دي مُولفة مع وبور غاز، بتهب في وش أي حد يكلمها، ده الواحد بيترعب يقولها صباح الخير، يلا هنزل الورشة ولما قمر تيجي من المدرسة هاتها في ايدك وإنت نازل ومتنساش براد الشاي سلام.
زم عمران شفتيه وتمتم بسخرية:
_سلام يا بغل!
وتمدد ساحبًا الغطاء وهو يردد بارهاق:
_المعتوه ده محتاج مني تربية وإعادة تأهيل في فن التعامل مع أنثى! لا ده محتاج معجزة!
#البطل_المنتظر.. 🔥
#الابلة_صباح_والاُسطى_موسى_عُربان..
ترقبوا 💣
مش قولتلكم الاقوى قادم مش بتصدقوا ليه 😂
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 123 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#زخات_بين_الأحياء!!..)
#الفصل_السابع_والتسعون.
(إهداء الفصل لصديقاتي الأعزاء "زينب"،" جهاد"، شكرًا على حبكم ودعمكم لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
للمرة الأولى منذ أفاقته يجد ذاته يقف قبالة المرآة، عجبًا لشخص لا يعرف حتى شكل وجهه؟ وقف يتطلع لوجهه المشوه بالكدمات بنظرةٍ حزينة، رأسه كان حليقًا ليتمكن الاطباء من معالجة اصابة رأسه الخطيرة، وجهه عبارة عن خريطة أدمت ملامحه الوسيمة، فلم يتبقى له سوى جمال عينيه الرمادية، يجاهد ليتذكر شكل وجهه ولكنه لم يستطيع فكيف إن رآه أحدٌ من أسرته، ترى هل سيتمكن أحدٌ من التعرف عليه بعد تلك الاصابات القاتلة؟!
_وضع مؤقت، بعد كده كل ده هيختفي وهترجع زي الفل إن شاء الله.
قالتها الممرضة التي تسانده للفراش، فاكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه، وانصاع لذراعيها التي تدفعه للفراش، سكن جسده بوجعٍ كان يعصف بكتفه وببطنه، فحقنت المحلول بوريده، لقد مضى عليه يومين أخرين بتلك الغرفة، ولم يمتنع "صابر" عن زيارته من الحين للاخر، رغم أن عمله يختص بغرف الافاقة، وقد خرج منها عُمران بالفعل.
مضى اليوم بأكمله حتى تفاجئ ليلًا، بشخص يتسلل لغرفته بمقعدٍ متحرك، يدنو للفراش، بذل عُمران مجهودًا ليرفع رأسه حتى يتمكن من رؤية القادم، ولكنه لم يستطيع.
مال إليه بكمامته وهمس له برعبٍ استطاع نقله إليه:
_قوم معايا بسرعة.
تعرف عليه من صوته، وناداه ما بين الغفوة والافاقة:
_صابر!
انتزع كمامته مشيرًا له وهو يراقب باب الغرفة بخوف:
_أيوه أنا صابر، قووم معايا إنت لازم تمشي من هنا وفورًا.
جسده ارتخى استجابة للادوية المخدرة، فمال على الوسادة يهتف بتعب:
_هخرج أروح فين؟
منعه صابر من النوم، وضم جسده إليه يحاول سحبه للمقعد بينما يصيح فيه:
_هخدك عندي، الدكتور ممدوح ناويلك على نية سودة، عايز يستغل فقدان الذاكرة اللي عندك لصالحه، أنا سمعته وهو بيدي للموظفة الاستقبال بطاقة مضروبة وبيقول انها ليك، عايز ياخدك على عيادته الخارجية عشان يعمل عملته الو**.
مال عُمران برأسه جانبًا، بعد أن فقد وعيه كليًا، فلم يستسلم صابر، بل سحبه بكل قوته للمقعد، وسقط يلهث بتعبٍ:
_جسمك تقيل أوي! إنت شكلك رياضي وخرابها جيم!
وتابع وهو ينهض من رقدته:
_هشوف حد يطلعك معايا الشقة، أنا وسطي كده هيتقطم.
قالها وهرول بيه للخارج من الطريق المعاكس للرئيسي، فوجد رفيقه ينتظره بسيارة الأجرة الخاصة به، وما أن رآه حتى القى سيجاره يدعسه وهو يصيح بضيق:
_هو أنت مش هتبطل تقلب الشقتين اللي حيلتك مستشفى، جدعنتك دي هتلبسك في مصيبة مع أكك ونسوانك!
استقام بوقفته يراقب الطريق من حوله بينما يشير بنفور تجاهه:
_ما خلاص يا "حمص"، ام الكلمتين اللي حافظهم هيحمضوا لو مبختهمش في وشي كل ما أكلمك، مش بتاخد أُجرتك على داير مليم، عايز أيه بقى!!
صعد بمقعده وأشار له:
_متبقاش تتصل بيا تاني طول ما معاك قتيل، أنا مش ناقص مصايب يا عم، أنا متمرمط الصبح في محل الجزارة وبليل على التاكسي عشان أكلها بالحلال.
سدد له صابر نظرة ساخرة، وهتف فيه مستنكرًا:
_واللي بتعمله ده أيه الحرام اللي فيه معلش!! شايفنا بنهرب هيرويين ولا سيجارتين بفرة! لم لسانك وسوق خلينا نوصل الحي سلام، مش ناقصة تناكة على المسى!
زود من سرعة السيارة، ومال برأسه للخلف يقتبس نظرة تجاه الراقد على الأريكة الخلفية فاقدًا للوعي، ثم تطلع لمن يرمقه بغضب، وقال:
_مش الاسطا موسى منبه عليك ترجع بايدك فاضية من المخروبة دي، هتعمل أيه معاه المرادي بقى؟
زفر وهو يضم زواية عينيه بنفاذ صبر:
_وإنت مالك يا عم، أنا وهو صحاب وعشرة عمر، هنتصافى واللي بينا بينا، بتحشر منخيرك ليه؟؟؟
زم شفتيه بسخطٍ وقال:
_انا بقولك بس عشان تأخد بالك، مهما كان الشقتين بتوعك إيجار في بين الاسطا موسى، وممكن ببساطة يطردك من البيت إنت وأمك ونسوانك.
صاح بعنفوان وهو يلكز ذراعه بحدة:
_نسوانك، نسوانك في أيه يا عم، ما تلم لسانك بدل ما أقطعهولك.
ضحك المدعو "حمص" حتى قهقه بشدةٍ، وقال بنزق:
_خلاص ما تتحمقش أوي كده ، مهو مفيش شاب صغير وحليوة زيك كده يوقع نفسه في جوازتين مرة واحدة!، ده اللي متجوز واحدة بيلطم وبيرمي نفسه من فوق قبة جامع الحي على المصاريف المنيلة اللي غرز نفسه فيها، تقوم تعمل في روحك كده، بتجيب طولة بال منين إنت!!
صاح بعصبية وقد أخرجه ببروده عن مرقد هدوئه:
_جرى أيه يا حمص، إنت جاي تقر عليا ولا وضعك أيه!! خلصنا من أم الليلة دي بأقل خساير ممكنة.
وأضاف وهو يصفع رقبته:
_ طفي كشافاتك عني، أنا اللي فيا مكفيني!
وبدل ما انت مركز معايا كده ركز في الجزارة، ده الحي كله معلهوش سيرة غير مغامرات سي حمص مع دبايح الحج وفيق، وكل مرة موسى اللي بينجدك وإنت بتفرفر زي الدبيحة تحت العجل!
حك منخاره يخفي حرجه من الأمر، معللًا:
_أعملكم أيه يعني، ما أنا قولت للحاج وفيق، يشوفله حد يدبح وأنا أشفي بس هو قالك الشيلة واحدة مش هجيب اتنين، راجل معفن مستخسر أجرة زيادة.
واستطرد وهو يتطلع تجاهه:
_أنا معرفش بيجيب العتايق دي منين يا أخي، العجل من ده ميرتحش ولا يجيله بال الا لما يسحلني وراه في الحي كله، والمرة اللي فاتت دخل صيدلية الدكتور وهدان دشمل أمها، وكان طالع على عمك عكاشة الحلاق، والراجل أصله عنده القلب ومش متحمل رفسة رجل.
حرك رأسه مستكملًا بحزن اضحك صابر:
_الله يكرمه الاسطى موسى لولاه كان زمان مستقبل الحي كله اتشرد، أخر ما بيزهق من الهرج والمرج بتاعنا بيطلع يدبحه هو ويجيب الناهية، صحيح بيرميلنا كلمتين في جنابتنا انا والحج وفيق بس لاجل عضلاته نبلعله الزلط.
تمايل صابر من فرط الضحك، حتى كادت دموعها بالانهمار، وشاكسه بمزح:
_المرة الجاية لو الدبيحة طللت شغل موسى هيعلقك إنت مكانها، خد بالك خلقه كنز وله نهاية، فمن رأيي تكلبش العجل حلو بعد كده بدل ما تتكلبش إنت!
أوقف سيارته، وأشار له بنزقٍ:
_طيب إنزل ياخويا، وشوفلك حد يطلع الجثة دي معاك.
أغلق باب السيارة بقوةٍ كادت باسقاط بابها، فصرخ الاخير فيه:
_بالراحة يا عم، بقسط لسه في تمنها.
لف صابر ذراع عمران من حول رقبته، ومال به للاريكة الموضوعة جوار ورشة موسى المُغلقة، ثم اتجه للخلف، ورفع وجهه للأعلى يناديه:
_يا أسطى موســــــــــــى، يا اسطااااا.
*****
بأعلى المنزل المكون من خمسة طوابق، وخاصة بالسطح الاخير منه، تذمر ذلك الذي يغفو بآحدى الغرف الأربعة، محتضًا صغيرته بين ذراعيه المفتولة، متمتمًا بانزعاج:
_الله يقلق منامك، لو وقعت تحت إيدي مش هعتقك.
وعاد يضم صغيرته وهو يحاول تجاهل الصوت الذي عاد أقوى من السابق، ففتح بنيتاه وانتفض عن الفراش بغضبٍ شديد، متجهًا لسور السطوح (بفنلته السوداء الداخلية)، يميل تجاه الذي يصيح قائلًا بانفعالٍ:
_هو أنا مش هخلص منكم النهاردة، عايز أيه يا زفت؟
أشار له صابر هادرًا من بين أنفاسه:
_إنزل عايزينك في مسألة حياة أو موت!
أجابه"موسى" ساخرًا:
_وإنت بيجي أيه من وراك اللي المصايب، إياكش مصيبة تشيلك من الحتة كلها ونخلص منك ومن اللي وراك.
عبث صابر منزعجًا من وقاحته المعتادة، وهدر:
_ما تنجز يا موسى، العملية المرادي بطول وعرض، وعضلات، حاجة كده أفرنجي!
لكم المزهرية التي تجاور سطل المزهريات المحيطة بالسطح:
_آلاه!!! وأنا مال أمي بعملياتك اللي هتوديك في ستين داهية دي، أنا ورايا بت وعايز أربيها، لكن إنت موركش لا عيل ولا تيل.
وأشار باصبعيه بعلامة تحذير:
_خدلك راجع عني، ومتبقاش زي الضرس اللي بيزن على خراب عشه، لو خلعتك مش هترجع!
اختار صابر الجلوس على مصطبة الجيران قائلًا بعدم مبالاة:
_طيب أخرك هاته بقى، أنا مش هتنقل من هنا الا لما تنزل تشيل القتيل ده معايا.
جحظت عيني موسى بصدمة وراح يهسهس له:
_هوووش يخربيت أمك هتفضحنا، هنتحط في كلبوش واحد يا معفن، آخرس نازلك أهو، بس وديني لأعلقك في الورشة جنب عربية الزبون!
وهرول موسى راكضًا للباب الخلفي، المقابل لمحل جلوس صابر بالتحديد، جذبه من تلباب قميصه الأسود وصاح فيه:
_الاسطا موسى عُربان مبيتهددش يا تمرجي من غير تصريح، انا قولت لامك بلاش تدخلك المخروبة دي ومسمعتش الكلام، أديك مش جايبلها غير المشاكل والهم.
تلاشت ضحكاته وارتسمت جدية حديثه:
_هعمل أيه بس يا موسى قلبي الحنين مش بيقدر يستقوى على حد، بيلين أول ما بيلاقي حد محتاج مساعدة.
وضع يديه حول خصره المجسم ببراعة عمله الشاق، ودمدم ساخطًا:
_عارفه انا ياخويا مش محتاج تعرفني عليه، مهو قلبك المنيل ده اللي وقعك في الجوازة الاخرنية اللي مش جايالي على حجر ولا بالعها، ولولا الصحوبية اللي بينا كنت طردت مراتك الاخيرة دي بعفشها برة البيت، بس أنا سايبك تفوق بمزاجي، بكره تعرف إنت خسرت أيه وروحت لمين!
واستدار يراقب الشارع من حوله، هادرًا بانفعال:
_فين القتيل بتاعك خلينا نخلص من أم الليلة السودة دي!!!
أشار له بغضب:
_عند الباب التاني، جنب ورشتك.
ركله بساقه بغضب يفوقه:
_كمان!!! إنت هتقف حالي أكتر مهو موقوف، إتجر قدامي لما نشوف مصيبتك المرادي شكلها أيه؟؟
*****
فتحت "مايا" عينيها بتعبٍ شديد، انقضت أيامها بالمشفى كالاعوام الثقيلة بدونه، تحاول فيها التماسك قدر المستطاع، وخاصة بعد أن جلس "يوسف" برفقتها، وأوضح لها خطورة حالتها وحالة جنينها.
وضعها أمام خيار فقدان جنينها وبين الصبر والصمود لاجل حياة صغيرها، حياة من بات أخر ذكرى من معشوقها، لذا صمودها كان مرهونًا لأجله، أُجبرت على تناول الطعام والأدوية، أجبرت على حبس حزنها داخل أعماقها، حتى يتوقف نزيف الدماء التي ستنتهك حياة صغيرها.
وبالرغم من تحسن حالتها الا أن علي أصر على بقائها بالمركز تحت إشراف يوسف والممرضات، حتى يضمن أنها تخطت مرحلة الخطورة باجتيازٍ.
وها هي تستعيد وعيها الآن، فتميل برأسها باحثة عن فاطمة، فوجدتها تتمدد على الأريكة ويدها متصلة بكف علي الذي يغفو على المقعد المجاور لها، بينما يميل تجاه رأس زوجته، وكفيه مغموس بين أصابعها.
تهاوت الدموع على وجه مايا، وقد ارتسم لها ذكرياتها المرافقة لزوجها، في كل مرة افاقت فيها بالمشفى وكان هو لجوارها، كانت تراه يغفو على الأريكة، أو جوارها على المقعد الملحق لفراشها.
حاولت كبت شهقاتها بصعوبة، ولكنها انفلتت عنها، تجعد جبين "علي" وبدأ بفتح عينيه، وفور أن تسلل له صوتها انتفض يهرع لفراشها بلهفةٍ:
_مايا!
شعل الاضاءة الخافتة المجاورة لفراشها، يتفحصها بدقةٍ، وما ان لمح دموعها حتى قال:
_حاسة بحاجة؟ أكلم يوسف؟؟؟
رددت من بين شهقاتها وهي تميل تجاهه:
_مفيش أي أخبار عنه، فات أكتر من عشر أيام، معقول محدش قدر يعرف حاجة عنه؟
تهدلت معالمه بحزنٍ، وتحرك يجذب احد المقاعد ويضعه جوارها، جلس يتطلع إليها بشفقة وحزن على حالها، الوحيدة التي لم تستسلم أن أخيه قد فارق الحياة، استمد صبره المعتاد وقال بصوته الرخيم، الهادئ:
_مراد مش ساكت، أكيد لما يوصل لحاجة هيبلغنا يا مايا.
حاولت رفع رأسها إليه، فأسرع يرفع الزر الجانبي للفراش حتى تمكنت من الجلوس براحة، طالعته بنظرة متوسلة:
_يعني فعلًا مالقتهوش يا علي، ولا إنت مخبي عليا؟
ضم شفتيه معًا يعتصرهما بوجعٍ، وبالكد سيطر على دموعه:
_لا يا مايا ملقناش حاجة، ممكن بقى تبطلي تشغلي دماغك بالموضوع ده، إنتِ سمعتي بنفسك يوسف قال أيه.
واضاف وهو يمنحه نظرة حثتها على سماع ما سيقول بإنصاتٍ:
_عُمران عايش جواكِ، وباللي بتعمليه ده بتقتليه، متخيلة هتوصلي نفسك لفين بحالتك دي؟
حركت رأسها بصدمة قوله، وضمت بطنها المنتفخ بحمايةٍ تامة، بينما تزيح دمعاتها النازفة وترسم ابتسامة اختلجت قلب علي:
_لا أنا عايزاه وهحميه لأخر نفس خارج مني، هبطل أسالك تاني،أنا عارفة وواثقة إنه حي وهيرجعلي، هي بس مسألة وقت مش أكتر.
قالتها وزحفت بساقيها للاسفل، حتى تتمدد باسترخاء، خطف علي دمعة من على وجنته يزيحها بسرعة قبل أن تراها، ونهض يعيد السرير لوضعه المريح، ثم جذب الغطاء يداثرها، بينما يعود لمقعده المجاور لفاطمة بصمتٍ قاتل.
استقبل هاتفه رسالة، جعلته ينهض وهو يراقب مايا باهتمام، فما ان وجدها تنام بعمق، حتى خرج من الغرفة يجيب:
_عملت أيه يا عمي؟
اتاه صوت أحمد المتعصب يجيبه:
_مفيش فايدة فيه يا علي، عثمان دماغه فوتت واتجن، مصمم يجي المركز ويأخد مايا من هنا على سويسرا متخيل!
احتدت معالمه بغضب كالجحيم:
_قبل ما إيده تطولها هكون كسرهاله، لو عُمران مش موجود فأنا هنا، ومش هسمحله ينفذ اللي في دماغه أبدًا، الظاهر إنه استهون بكلامي وكل فكرته عني الطيبة والاخلاق، بس تمام خليه يجي هنا وأنا هقابله.
_مش عايزين مشاكل يا علي، كفايا اللي بنمر بيه يابني، فريدة حالتها صعبة واللي قاله الحيوان ده النهاردة زود حزنها وخوفها.
=قال أيه يا عمي؟
ارتبك أحمد قبالته وحاول خداعه:
_مفيش، ما أنت سمعته أول ما وصل مصر، جالنا القصر وقال إنه عايز يرجع بنته معاه، ولولا وضعها الصحي مكنش سكت وآ..
قاطعه بحزمٍ:
_قال أيه النهاردة يا عمي، كل ده أنا عارفه وحاضره، قولي اللي بتحاول تخبيه عني!
زفر بضيق وقال:
_اتجنن رسمي، وقف قدام فريدة وقالها أن خلاص عمران مات وبنته مينفعش تعيش هنا تاني، عايز ياخدها بره وبيقول أنه هيآآ... هيجوزها.
صعق علي من سماع ما قال، وكأن هناك أحدٌ قذفه بصاروخ مزق البقعة التي يقف بها، تمايل على السور الحديدي وقال:
_بتقول أيه يا عمي!!
=زي ما سمعت كده يا علي، الحقير ده شكله كان معبي من عمران في شيء، ما صدق سمع الخبر وجيه عزى وتاني يوم جيه يقول عايز بنته وهو أصلًا مكنش بيسأل عليها ومايا كذه مرة شكيالي أنا وفريدة منه، ودلوقتي لما اتخانقت معاه وقولتله اننا في ظروف صعبة، ومايا حالتها الصحية متسمحلهاش بالسفر، ولو هو حابب يكون جنب بنته زي ما بيقول يخليه هنا، رد وقالي أنها كده كده هتسافر معاه لانها بعد ما تولد هيجوزها على طول، شكله كده حاطط عينه على حد من كبار رجال الاعمال، ما انت عارفه طول عمره بيدور على مصلحته، وسكاته عن اللي كانت بتمر بيه مايا مع عمران لان عمران له سلطته ووزنه، فعشان كده مكنش مهتم باللي بتعيشه بنته معاه..
تحرر عن صمته حينما هدر بانفعال:
_ده اتجنن رسمي، يجوزها إزاي!!! وهي بالوضع ده، مايا لو قعدت ١٠٠سنة بعد عمران مش هتفكر ترتبط بحد، وبعدين ازاي يفكر أصلًا بالموضوع ده وأخويا دمه لسه مبردش، ده احنا حتى مش عارفين ندفنه!!!
رد عليه احمد بقلق من عصبية المريبة:
_اهدى يا علي، إحنا مش هنسكتله ولا هنسمحله يعمل كده، المهم خد بالك على مايا ومتعرفهاش حاجة، هي مش ناقصة، كفايا اللي هي فيه.
أعاد خصلاته الطويلة للخلف بعنف، ورد عليه:
_لا طبعًا عمري ما هقولها حاجة، بس أنا اكيد مش هسكت على اللي بيحصل ده، وردي مش هيعجب الباشا.
قالها وأغلق الهاتف ثم اعاده لجاكيته بينما يميل للسور الخارجي، يتطلع للاشجار والحديقة الشاسعة بنظرة خاوية، بينما يهمس بدموع تكتلت على وجهه:
_لو حالي ده يرضيك زيد في فراقك عني، بس خليك عارف إن أخوك مات في اليوم اللي أنت إختفيت فيه، أنا روحي ماتت واتحبست جوه جسم بيتحرك وبيتمنى الموت يحوم حوليه عشان يقربه منك.
ومال برأسه على كفيه، ناطقًا ببكاء:
_أرجوك متبعدش عني أكتر من كده، صبري نفذ يا عُمران!
اشتد جسده حينما لامسه كف رقيق، يعلم مصدره، فرفع قامته الطويلة، يزيح دموعه، ثم استدار للخلف، فوجد فاطمة تراقبه بأعين دامعة، ابتسم فور رؤيتها ومال على كتفها، ربتت على ظهره وقالت:
_إرمي عليا كل وجعك وأنا والله ما هشتكي ولا هقولك كفايا، إعمل كل اللي إنت عايز تعمله بس بلاش اللي بتعمله في نفسك ده يا علي، أنا موجوعة عشانك!
تحركت به للاريكة الجلدية السوداء، جلس برفقتها وراقبها بنظرات غامضة، بينما تتشبث هي بكفه وتتطلع له بحبٍ وجرحًا ينزف وجعًا عليه:
_علي إنت لو حاسس إنك محتاج تستريح إرجع البيت ومتخافش أنا هنا مع ميسان، هفضل معاها ومش هسيبها، روح إنت ارتاح.
واستطردت وهي تمسد عليه:
_أنا آسفة لو انشغلت عنك الايام اللي فاتت، بس كل المشاريع اللي عُمران كان عايز يعملها اتعطلت ومكنش ينفع تقف أكتر من كده، وبصراحه يا علي أنا مش هسكت الا لما أحققله كل اللي كان بيتمناه، المشاريع كلها هتتنفذ مهما كان التمن.
وأضافت وهي تتعمق برمادية عينيه:
_بس أنا هحتاج ليك تدعمني وتقف جنبي، بشمهندس جمال بطل ينزل الشركة من وقت الحادثة، وفي حاجات واقفة عليه، حاول تكلمه إنت يا علي، دي ضربتنا الوحيدة اللي هتشفي صدرنا قدام الكلاب دول، إن بعد اللي عملوه متقصرناش ولسه صامدين وهنفذ مشروع عُمران وكأنه موجود.
اتسعت ابتسامته وعينيه لا تنحل عنها، فتعجبت وقلقت من صمته المطول، فاذا بها تتساءل:
_إنت مبتردش ليه يا علي؟
طالعها ببسمةٍ خافتة، استغربت لاجلها، بينما يضم وجهها بين يديه وبفرحةٍ نطق:
_تعرفي إنك اتعافيتي بشكل كامل، ومبقتيش محتاجة لدكتور علي الغرباوي خلاص،بقيتي قوية وب١٠٠ راجل زي ما بيقولوا.
وبعشقٍ لمع برماديتاه فاض لها:
_أنا فخور بيكِ يا فطيمة.
طبعت قبلة عميقة على باطن يده التي تضم وجهها، قائلة بمشاعرها النابعة من داخلها:
_وأنا فخورة بيك يا علي، إنت دكتور عظيم وأنا من ضمن إنجازاتك ونجاحاتك، مكنتش أتخيل إني هقدر أتخطى كل ده، كنت حاسة إن نهايتي مصير إجباري عليا ولازم أرضى بيه، لحد ما اتبدل بيك... أنت نصيبي الحلو بعد مرارة اللي اتعرضت ليه يا علي.
جذبها إليه يضمها بكل حبًا، فابتسمت ومالت على كتفه تخبره على استحياء:
_أنا عارفه إن الوقت مش مناسب على اللي عايزة أقوله، بس أنا مش قادرة أخبي عنك أكتر من كده.
ارتاب من جملتها، وابعدها عنه يطالعها بقلق:
_تخبي أيه! إتكلمي يا فطيمة في أيه؟
ابتعدت عنه تعبث بحقيبة يدها حتى تخرج له ما تحمله داخل حقيبتها الصغيرة، ثم جذبت الاوراق المطوية وقدمتها إليه، انتشلها منها وهو يراقب ملامحها بقلقٍ، وبينما يقرأ محتوياتها تخبره هي:
_بزود مسؤولياتك أنا عارفة، بس مش هتأخد بالك من مايا لوحدها بس بعد كده... آآ... أنا حامل يا علي!
سحب بصره عما بيده وتطلع لها بدهشةٍ، بينما ينحني بصره لموضع جنينها، كأنه يتأكد بنفسه، ارتبكت فاطمة بجلستها ، وقالت تمازحه:
_أكيد يعني مش هيبان عليا دلوقتي!!
أضاءت السعادة وجهه، فترك ما بيده ونهض يجذبها إليه، ضمها ورفع جسدها تجاهه، فرفعت ساقيها عن الارض وتركته يدور بها بينما يميل على كتفها، هامسًا بفرحة:
_ألف مبروك يا حبيبتي، الخبر ده نور العتمة اللي بقيت عايش فيها، بجد مش مصدق كرم ربنا عليا في توقيت صعب زي ده.
عاونها على الوقوف باستقامة، بينما يمنحها ابتسامة عاشقة، واختلج بحة صوته بحزن انتشر على وجهه:
_عُمران كان هيفرح أوي بالخبر ده.
تلألأت مُقلتيها بالدموع تأثرًا بجملته، وقالت بتلقائية:
_أيوه كان نفسه ربنا يكرمنا بولد أوي.
هز علي رأسه بحزنٍ، فقالت مبتسمة وهي تتمسك بكفه الذي يسحبه منها:
_لو جبنا ولد هنسميه عُمران، أيه رأيك؟
قبع حزنه داخله، زوجته لا ذنب لها أن يقلب ذكرى حملها بجنين منه لذكرى مأساوية بحزنه، لذا منحها ابتسامة مشرقة وقال:
_الاسم اللي يعجبك أنا موافق عليه وأنا مغمض، وأكيد مفيش إسم أحسن من اللي اختارتيه يا فاطمة.
وانحنى يجذب حقيبتها من على الاريكة، ثم حاوط خصرها وهو يخبرها:
_يلا عشان ترتاحي شوية.
ثم أشار للممرضة قائلًا:
_منة معلشي تطلبي من حد ينقلي سرير إضافي في أوضة مايا هانم، عشان المدام تريح عليه.
أشارت له الممرضة باحترام وبسمة بشوشة:
_هبلغهم حالًا يا دكتور.
وعاد يجذب فاطمة، ويتجه بها لغرفة مايا، بينما تهمس له باستحياء:
_مالوش داعي، أنا مرتاحة على الكنبة.
لف يده من حولها وقال مبتسمًا:
_لا مش مريحة للبيبي يا فطيمة، كويس إنك بلغتيني عشان بعد كده أخد بالي من تصرفاتك كويس.
ضحكت رغمًا عنها ومالت على كتفه بحب، فاذا به يقف جوار باب الغرفة حتى ابتعدت عن أحضانه، فمال يهمس لها قبل أن يفتح الباب:
_فاطمة أنا عارف أنك عاقلة وعمرك ما هتفهمي اللي هقوله غلط.
ارتابت لامره وتساءلت:
_في أيه يا علي؟
ابتلع ريقه الجاف، ورد عليها بتأثرٍ:
_خلينا نتعامل بحدود قدام مايا، مشاعرها أكيد متأذية من فقدان عُمران وأقل شيء هيفكرها بيه، عشان كده أنا هخليكي معاها وهرجع انام في مكتبي، ولو حصل حاجه كلميني على طول.
ربتت على يده بتفهمٍ، وقالت:
_روح المكتب وأنا معاها اطمن.
مال يقبل رأسها وهو يشكرها بلطفٍ:
_أكيد لازم أطمن... تصبحي على خير يا حبيبتي.
وتركها وغادر بينما تودعه بابتسامة حزينة، على ما أصابهم جميعًا بفراق عُمران!
*****
خلى صابر شقته الصغيرة، بعد أن أصرف زوجته الثانية لشقة والدته التي تقطن بها زوجته الاولى، ووضع عُمران على الفراش بمساندة موسى، الذي وقف يراقب وجه عُمران بفضول لم يستطيع منعه، بقوله المتعجب:
_هو أيه اللي حصل معاه يا صابر؟ وليه جبته هنا؟
أجابه "صابر" وهو يتطلع على عمران الذي يغفو بتعب شديد:
_مش عارف يا موسى، حكايته غريبة وتحير، المفروض إنه كان من الباص الكبير اللي اتقلب في البحر، بس كتفه في طعنه بسكينة واصاباته خطيرى بشكل تحير.
وسحب الكيس البلاستيكي الذي بحوزته، ثم أخرج منه بنطاله وحذاء عمران وساعته، وحزمو الدولارات:
_بص من حاجته باين أنه مش شخص عادي، مهو مش معقول واحد من توبنا يلبس ساعة تخشلها في ٢٠٠ألف ج، ولا يمشي بالمبلغ ده.
راقب موسى محتويات الكيس، بنظرة شاملة، ثم قال:
_طيب هو مفاقش ولا قالك هو مين؟
ضم شفتيه بشفقة:
_مش فاكر حاجة، والزفت ممدوح كان عايز يستغل ده.
تساءل موسى بعدم فهم:
_يستغله ازاي مش فاهم؟؟
رد يجيبه وهو يتجه للاريكة البلدية الموضوعه أسفل النافذة:
_كنت طالع أديله الشاي وسمعته بيحاول يقنع الدكتور عماد إنهم يضحكوا عليه ويدوله ٥٠ألف ج عشان يتبرع بكليته لواحد من الاكابر، وإنهم لو رفض هيبنجوه وهيعملوله العملية بردو، مهو واحد قدامهم، مالوش أهل، وفاقد الذاكرة، عايز يستغله!
وأضاف وهو يشرح له:
_وطالعله بطاقة مضروبة باسم واحد تبعه، وخلص اجراءات المستشفى،كاتبله على خروج عشان ياخده يستفرض بيه بعيادته، أنا سمعتهم من هنا وجريت هربته من هنا، الحمد لله اني خفيت الفلوس دي وحاجته من ممدوح ده دكتور طماع وفيه العبر،معرفش أمته المستشفى هتنضف منه ومن أشكاله، ده مبيحرمش.
من كام يوم حاول يقنع راجل على قد حاله إنه يتبرع بكليته بردو،والراجل وافق عشان يجوز بنته،اغراه بالمبلغ ومضاه على الورق ودخله عمليات وقدام ادارة المستشفى داخل يعمل الزايدة،الراجل مات تحت ايده ولا همه،منه لله.
جلس موسى جواره على الاريكة،وقال بغضب:
_وأيه اللي يسكتك على الجزار ده ما تبلغ ادارة المستشفى عنه..
ضحك وهو يخبره:
_ومين هيصدقني طول ما أوراقه سليمه،مهو مبيعملش العمليات دي غير بموافقة المريض، بقولك عامل زي الشيطان بيختار ضحاياه كويس أوي،بيغريهم بالفلوس ودول غلابة يا موسى.
واستطرد بوعيدٍ قاطع:
_بس أنا مش هسكت،هحاول أجمع أي دليل ضده وهبلغ عنه الحكومة.
ربت على كتفه بشجاعة رجلٌ يرتدي جلباب وعمة الرجولة:
_هات ضده دليل واحد وهطلع معاك على المركز نبلغ عنه،متخافش انا معاك وفي ضهرك يالا!
ربت على كفه وقال:
_عارف إنك مجدع ودايما جنبي، المهم هعمل أيه عشان أوصل لاهله.
اتجهت نظرات موسى تلقائيًا لعمران وقال بحيرة:
_مش عارف، ملامحه كلها متدمرة من الضرب اللي أخده،بس ممكن نصوره وننزل صوره على جروب بلدنا يمكن حد يعرفه مع اني أشك ان حد يتعرف عليه وهو متدمر كده، الاحسن تستنى لما جروحه تخف ووشه يبان شوية.
هز رأسه باقتتاعٍ، بينما نهض الاخر يخبره بنوم:
_هطلع انام والصباح رباح، لو احتجت حاجة تاني ناديلي.
وأضاف وهو يشير بسخرية تجاه الشقة المقابلة لهم:
_ده لو عرفت تنام النهاردة بعد ما زنقت النار مع البنزين في شقة واحدة، هيولعوا في أمك جوه!!
ضحك وهو يشير له على المفتاح الذي يحمله:
_ولا أعرفهم، هقفل على نفسي بالمفتاح وهما يحلوا أمورهم مع بعض، العملية مش ناقصة فرهدة ووجع دماغ.
أشار بلايك ابهامه بتشجيع:
_إثبت على موقفك، يلا هخلع انا وادعيلي الأبله متقفشنيش على السلم تقطم من معنوياتي على درجات البت قمر، شكلها كده هتشيل كحك كتير، والابلة كل ما النتيجة بتطلع بتيجي تحاسبني أنا تقولش أنا اللي بمتحن!!
ضحك بملء ما فيه، وقال:
_لا مستحيل الابلة صباح تبقى سهرانه لحد دلوقتي، خصوصًا انها كانت بالوحدة عندنا النهاردة عشان أدوية الكلى بتاعت الحاجة صفاء والدتها.
عاد يهبط إليه ويسأله بحزن:
_صحيح يا صابر هي حالتها ميؤس منها فعلًا.
رد عليه بملامح تشاركه الحزن:
_بصراحه الست اتبهدلت أوي يا موسى، ولازم تعمل العملية دي في أقصى سرعة، بس مينفعش تعملها هنا، لازم تروح مستشفى متخصص ولو عملولها هتتكلف فوق ال٢٥٠ ألف ج.
تنهد بقلة حيلة وقال:
_لو معايا الفلوس دي أقسم بالله ما أحوشهم عنها، إنت عارف جوزها الله يرحمه كان صاحب أبويا الروح بالروح.
ربت على كتف صديقه، وقال مبتسمًا:
_كفايا إنك مبتخدش منهم ولا مليم إيجار الشقة، إنت جدع يا موسى وبتحاول تساند على قد ما تقدر.
أجابه ببسمة ساخرة:
_برد جزء من جمايل الابلة صباح على قمر بنتي، مع إن لسانها معايا وبور جاز بس هنعمل ايه البت قمر بتحبها ومبتتنقلش من عندها،وهي كمان بتحبها بصراحه،وبتهتم بغيارتها ومذكرتها وكل اللي يخصها،ربنا يجعله في ميزان حسناتها ويشفيلها أمها.
رد بحبور:._اللهم آمين.
تركه موسى وقال:
_يلا هشوفك بكره، هبقى أجي اطمن على القتيل اللي عندك ده.
ضحك وهو يهز رأسه بينما يعود لغرفة الاطفال الخاصة بشقته، يتأكد ان المحلول الذي علقه لعمران يعمل بشكله الصحيح..
******
غردت الشمس على غصون السماء لاستقبال يومًا جديدًا، ومازال يتبع خطوات قائده الجديد، فمنذ أن تولى تدريبه وهو يختص وقته الليلي برفقته، ويعود لمنزله قبل الصباح ليكون جوار زوجته.
نزع "رحيم" قفازات يديه السوداء. وهو يراقب آدهم يغير ملابسه ليعود لمنزله، بينما يخبره بفخرٍ:
_الصورة اللي طبعتها عنك كانت في محلها، قوة تحملك وصبرك هتخليك تتقن أي تدريب تخش فيه.
مال رأس آدهم صوب صوت قائده، وقال مبتسمًا:
_أكيد لازم أكون صبور قدام خبرة حضرتك، ولازم أكون ذكي وأستغل كل لحظة في التمرين معاك، عدد قليل اللي كان محظوظ بالتدريب على، إيد الاسطورة، فأكيد بردو مش هفوت فرصتي دي.
إتجه إليه يطالعه بزيتونته بثباتٍ:
_ذكي وبتعرف تختار ألفاظك، بس دول لوحدهم مش كفايا يا سيادة المقدم.
نهض يتجه برأسه صوب محله وكأنه يراه، ينفذ تعليمات رحيم وما بذله برفقته طيلة الايام الماضية ببراعة:
_أنا جاهز عشان أكون على المستوى اللي حضرتك تختاره ليا.
منحه ابتسامة صغيرة ونظرة غامضة:
_هنشوف... يلا إرجع بيتك وبليل هنتقابل في نفس معادنا.
أدى تحيته بصدرٍ رحب، وما أن استمع لصوت مغادرة خطواته، حتى عاد يستكمل تبديل ملابسه ببراعة، ولحق بثبات خطواته بشكلٍ يجعل جميع من بالجهاز يستدرون تجاهه بتعجبٍ، لقد كان يعهد خطواته وكأنه يرى كل شيء، يتعامل بشكلٍ طبيعيًا للغاية.
اجتاز آدهم المكاتب، حتى وصل لجناح مراد، وبخبرة اجتازاها من تدريب رحيم، كان يعد خطاه حتى وصل للمنشود، ولج الشرطي يبلغ الجوكر بمن أتى لبابه كصباح كل يوم، فابتسم وهو يخبره:
_قولتلك لما آدهم يجي تدخله على طول.
أدى التحية العسكرية وخرج يخبره:
_الباشا في انتظارك يا سيادة الرائد.
صحح له مراد من خلفه:
_سيادة المقدم.
أومأ الشرطي برأسه ومال للاخر يحيه بينما يخبره آدهم ببشاشة بسمته:
_بسيطة.
تعمد مراد أن يقف بمحل غير مكتبه، أراد أن يختبر تدريب أخيه، فقد كان يأتي آدهم لرؤيته كل صباح قبل عودته للمنزل.
مال رأس آدهم تجاه قاعة الاجتماعات بالرغم من أن صوت مراد كان يأتي من صوب مكتبه، فعلم بأنه غير محله عن عمدًا، إتجه إليه وقال:
_غريبة، حضرتك مش بترتاح غير على مكتبك!
ابتسم مراد وهو يرنو إليه، فانتظر جلوسه ومال تجاهه يسأله بشكٍ:
_علاج دكتور عمر شكله جاب نتيجة معاك.
نزع نظارته السوداء ليرى الجوكر ثبات نظرة آدهم باتجاه آخر بينما يجيبه:
_أنا لسه بادئ علاج معاه من أربع أيام، فأكيد ملحقتش يعني، بس اللي نقدر نقوله ده بعد تدريب مضاعف من حضرتك ومن الاسطورة.
مال يستند على كفيه ويخبره:
_طيب عظيم أوي، كده رجوعك للجهاز قرب وقرب أوي كمان.
قال بابتسامة غامضة:
_لا أنا عايز أطول في مدة راحتي كمان.
ضحك مراد وهتف ساخرًا:
_تقصد مدة تدريبك مع رحيم.
ابتسم وهو يشير له:
_عارف إن حضرتك فاهمني، انا فعلا حابب أكمل مع الباشا شوية، حاسس إني اتغيرت وبقيت لاماح أكتر، لدرجة إن الاغلب بقوا بيشككوا إني أعمى!
تحررت ضحكاته الرجولية وهو يستمتع بحديثه رفقته، وشاكسه بمرح:
_لا باين فعلًا عليك، بقيت واثق في نفسك أكتر وداخل محدد مكاني بالتحديد من غير ما اتكلم أو أحط برفيوم ريحته قوية.
اتسعت ابتسامة آدهم، وقد بترها الجوكر فور أن استطرد:
_بس متحلمش تطلع مهمات معاه بردو، أخره معاك تدريب وبس.
تذمر كالطفل المشاكس، وهدر وهو يحبس اعتراضه:
_اللي تشوفه يا باشا.
كبت ضحكاته على مظهره المضحك وقال:
_تعجبني وإنت مطيع وبتحترم كلام القائد بتاعك.
وأضاف بمكرٍ:
_الذكاء إنك تميز بين القائد المؤقت والقائد الدائم ليك يا حضرة الظابط، ثم إنك مش لازم أخلاقك تنحدر مع شخص زي رحيم، طول ما أنت معايا فتأكد إن عندك قلب، هتروح معاه هتدوس فوق قلبك ومشاعرك وبعدها قضية خلع على طول، مهو المدام مش هتتحملك بعد كده.
تمردت ضحكات آدهم رغمًا عنه، وتساءل بفضول:
_باشا انتوا اخوات ازاي!!!!
هز كتفيه بحيرة مضحكة:
_والله يا ابني ما أنا عارف!
ضحكوا معًا، ونهض مراد يتجه للبراد الصغير قائلًا:
_هجبلك عصير برتقان.
وانحنى يجذب علبتين من عصير البرتقال الطازج والليمون، ثم عاد للطاولة مجددًا، يضع كوبًا أمامه وأمام آدهم، كاد مراد أن يسكب البرتقال من أمام آدهم، ولكنه ابتسم بخبث وهو يسكب الليمون، ويعود لمحله ساكبًا البرتقال بخاصته، ثم جلس يراقبه بنظرات صقرًا ماكرًا.
ابتسم آدهم وهو يدرس كل تفصيلة قبالته، وأنفه يلتقط الرائحة، أمسك كوبه وقربه من مراد قائلًا:
_باشا إنت اتلخبطت وحطتتلي ليمون، مش قولت هتديني برتقان!!
سحب الكوب منه ووضع خاصته أمامه بينما يطالعه ببسمة واسعة:
_أنت عارف آني متلخبطتش.
ضحك وقال:
_عارف بس محبتش أسقط في الامتحان.
ضحك الجوكر رفقته، بينما يرتشف آدهم من عصيره، وضعه جانبًا وقد تجهمت معالمه فجأة بشكل استرعى انتباه مراد، وخاصة حينما سأله آدهم بوجع:
_هو مفيش جديد عن عُمران يا باشا؟
ترك "مراد" كوبه ومال تجاه آدهم الذي نبضت عينيه بكم الوجع والحزن، فتنهد بضيق وقال:
_في يا آدهم بس أنا مخبي اللي وصلني عن علي، مش حابب أزرعله أمل كاذب وأكون السبب في انهياره من تاني.
كاد بأن يتساءل بلهفته الصريحة لمراد ولكنه أوقفه قائلًا:
_مستعد أبلغك بالتفاصيل اللي وصلها الفريق، بس بعهد مهنتك إن التفاصيل دي متطلعش بره حتى لزوجتك.
هز رأسه بكل تأكيد، فقال مراد برزانة وهيبة لا تليق سوى به:
_مصادرنا الخاصة توصلت لحادث كبير حصل في قرية جنب المكان اللي حصل فيه حادث عُمران، الحادث كان ضخم ونتج عنه 34 حالة ما بين اصابات ووفيات، وطبعًا إنت عارف إن الوحدات مش مجهزة بشكل كامل عشان تتعامل مع الاصابات الخطيرة،فالعدد ده اتوزع بشكل عشوائي على مستشفيات سوهاج.
وأضاف بعملية باحتة:
_احتمال وصول جثة عمران للمكان ده متتعداش ال20في المية، واحتمال وصوله حي للمكان ده فوق ال50في المية، فلو افترضنا إنه اتحدف من على الكوبري حي وقدر يعوم باتجاه الموج يبقى بأكدلك مليون في المية إن عمران حي.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه آدهم، وسأله بلهفة:
_طيب وهنتأكد ازاي؟
أجابه وهو يجذب الاكواب بعيدًا عن ذراع آدهم الذي بات مرتبكًا لسماع ما قال:
_انا كلفت مجموعة سباحين تباعنا تدور في نفس المكان اللي وقع فيه الباص، ومجموعة تانية بتدور في الوحدات والمستشفيات العامة، ولو حد فيهم توصل لحاجه هيبلغني فورًا، متقلقش أنا متابع الموضوع بس مش موصل لعلي حاجة رأفة بمشاعره.
هز رأسه بتفهمٍ، وقال:
_بس لو وصلت لحاجة بلغني يا باشا، أنا مستني منك أي خبر يطمن قلبي وقلوبنا كلنا عليه.
منحه ابتسامة هادئة:
_اطمن يا آدهم.
*******
إتجه "علي" لمكتب يوسف فور أن علم من الممرضة بأنه بالمركز منذ ساعتين، دق باب مكتبه وترقب سماع صوته، ولكنه لم يستمع، فولج للداخل يرسم بسمة زائفة:
_صباح الخير يا يوسف.
لم يأتيه اي ردًا منه، وكأنه لم يستمع دقات الباب وصوت علي، اقترب يتطلع لما هو شارد به، فإذا به يتطلع للصورة الموضوعة على مكتبه، والتي كانت تحوي عُمران وجمال ويوسف، الثلاثة يجلسون على مقدمة آحدى السيارات التابعة لعمران، ويتشاركون قطع البيتزا.
اعتصر علي جفنيه ألمًا، ومال يهز مقعد يوسف، فانتبه له وأزاح دموعه سريعًا، راسمًا ابتسامة فاترة:
_علي! .
واشار للمقعد الذي يقابله بحرج:
_معلش مخدتش بالي منك، اتفصل إرتاح.
استند على سطح مكتبه، وقال:
_لا أنا مش جاي أقعد، انا عايزك تيجي معايا بيت جمال، أنا مش فاكر طريق بيته.
نهض عن مقعد مكتبه يجيبه بحزن:
_بس جمال مش في بيته، من وقت الحادثة وهو في الشقة اللي عمران كان مشتريها من إيثان، بالرغم من إن عمران ماقضاش فيها غير يوم واحد الا أن جمال مش راضي يفارقها.
وتنهد بوجعٍ وهو يشكو إليه:
_جمال انطفى، لا راضي يأكل ولا يشرب، وتقريبًا خس النص، والدته ومراته كل يوم بيكلموني عشان أحاول أخليه يرجع بيته بس مفيش فايدة مش راضي يسمع مني ولا يسمع لحد.
تساقطت دمعة خائنة من عيني علي، ازاحها وقال بصوت متقطع من البكاء:
_قوم يا يوسف نروحله.
نهض يجذب مفتاح سيارته وأتبعه دون أن يضيف كلمة واحدة.
******
نهض "يونس" من نومه فوجد فارس يغفو على ذراعه، ابتسم وهو يطبع قبلة على رأس صغيره، بينما تتجه فيروزته لزوجته التي مازالت تغفو جواره باسدال صلاتها، متعمدة أن تضع صغيرهما بينهما، وكلما حاول يُونس نقله لغرفته كانت ترفص بشدةٍ، فتلمس من حججها تهربها الصريح من بقائها بمفردها برفقته، ومع ذلك تركها تفعل ما يحلو لها، على أمل أن تختار قربه بارادته.
نهض يتجه لخزانته، جاذبًا قميصه وبنطاله، ثم خرج للغرفة الاخرى يرتدي ملابسه دون أن يزعج أحدٌ منهما،فاذا برائحتها المميزة تتسلل إليه، استدار فوجدها تقف خلفه تعدل من حجابها وتخبره ببسمتها الساحرة:
_إنت نازل؟
تألم قلبه لفعلتها، فتغاضى عنها واستدار يكمل ارتداء ملابسه وهو يجيبها:
_إيثان مشغول في الجيم، فانا بنزل بدري عن كل يوم.
هزت رأسها بتفهمٍ، وقالت وهي تتجه للخروج:
_هعملك الفطار قبل ما تنزل.
تركها تغادر ولم يعلق، وخرج يجلس بانتظار ما ستقدمه له.
عادت تحمل صينية مستديرة،تحمل الشطائر الجبن واللبن الساخن إليه، مازالت تحفظ كل ما يريحه عن طيب خاطر، وذلك يعرضه لمأزقٍ يجد فيه تصرفات تعارض أفعالها.
خطف نظرة سريعة لها، فوجدها مازالت تجلس جواره على السفرة، أراد أن يريح قلبه النازف، فتسلل بكفه يضم كفها، ارتعش كفها بين كفه ومع ذلك تركته رهين بين قوة مسكته.
جذبها يونس لتنهض عن مقعدها وتتجه جواره، ارتبكت من فعلته، فطوال تلك الايام الماضية لم يبذل أي مجهود ليقربها منه، وكأن الصبر قد تمزق عنه كليًا.
رفع يُونس يده يحرر حجابها ومازالت عينيه رهينة نظراتها، بينما يعاتبها:
_ليه حرماني أشوف حتى شعرك يا خديجة؟
ارتبكت من قربه وابتعدت قليلًا بتوترٍ:
_بتعمل أيه يا يونس؟ فارس آ..
ترك كفها وتطلع للامام بضيقٍ، متعمدًا الضغط على حروفه:
_فارس نايم يا خديجة، بطلي تتحججي بالولد عشان تبعدي عني!
قالها ونهض يغادر دون أن يتذوق الطعام حتى، وما أن أغلق الباب حتى سقطت دموعها، ويديها تنضمان على وجهها بانكسارٍ وقهر، يتمزق قلبها حزنًا على حاله، فمنذ زواجهما وهو تعيسًا، تستطيع رؤية ذلك بوضوحٍ، ولم تمتلك سوى عجزها الشاهد عما مضى من حياتها.
******
هبط من الاعلى، يراقب شقتها القابعة بالطابق الذي يقع أسفل السطوح بطابق واحد، عقد موسى العزم حينما وجد الهدوء يخيم على الطابق وحمل نفسه وهرول سريعًا قبل أن توقفه سليطة اللسان، وما أن تخطى طابقها حتى استعاد اتزانه واستكمل هبوطه بابتسامة واسعة، تلاشت حينما وجدها تنتظره أمام الورشة الخاصة به.
تنهد بقلة حيلة، وتحرر صوته الخشن يهتف:
_اصطبحنا واصطبح الملك لله.
منحته نظرة هادرة، وهبطت من سيارتها ذات الطرز القديم للغاية، بلونها الاحمر الباهت، تصيح فيه:
_أيه شوفت عفريت قدامك يا أسطى!!
لوى موسى شفتيه هادرًا من بين اصطكاك أسنانه:
_ودي تيجي يا أبلة، ده حتى العفريت بيكون له صرفة وبينصرف، لكن إنتِ ما شاء الله مفيش آية في القرآن كله هتنفع معاكي!
والقى المنشفة التي يحملها تجاه الصبي الذي أتي يناوله بكوب الشاي فور أن رآه، ثم قال:
_خير يا أبله، واقفة تستنيني تحت ليه؟ وبور التهزيق المرادي هيحدف في أي إتجاه؟؟
شملته بنظرة مغتاظة من الفاظه، بينما تعدل حجابها الأبيض على فستانها الأسود الفضفاض، قائلة:
_العربية مش عايزة تدور، مع أنك لسه عاملها آمبارح، أنا قولتلك قبل كده إنت متنفعش في الشغلانه دي مش بتصدق، بتصلح العربية النهاردة وبتعطل تاني يوم.
استدار يكبت جُم غضبه بشكلٍ أرعب الصبية اللذين يعملون رفقته، فهرولوا للداخل فرارًا من غضبه الذي سيطول لليوم بأكمله.
صاحت "صباح" بغضب:
_إنت بتديني ضهرك ليه؟؟ مش بشتكيلك أنا من العربية؟
لف لها يطالع عينيها الواسعة بضيق، ثم قال:
_يا أبلة أنا قولتلك ألف مرة إن العربية دي عايزة تترمى في الخردة لا مواخذة، وإنتي مش مقتنعة ولا مصدقاني، أعملك انا أيه يعني عشان أقنع دماغك!!!
وأضاف بسخط:
_وأخرتها بتشككي في شغلي اللي مفيش راجل في الحي يستجري ويعملها معايا، أساسًا إنتي تحمدي ربك وتبوسي ايدك وش وضهر إني قدرت أخليها تتحرك من مكانها، إكسبي فيا ثواب وبعيها وهاتيلك اي عربية نص عمر حتى، أو أقولك بلاها الفشخرة الكدابة دي وروحي المدرسة مشي زي بفيت مخاليق ربنا، فكك من رفعة المناخير دي بدل ما تتسحلي بيها على الأرض، خدي مني ومترجعيش ورايا.
انتفضت بوجهه تصرخ بغضب:
_ما تتكلمش على عربية أبويا كده، أنا مستحيل هبعها ولا هفرط فيها ساااامع،وبعدين إنت مش لاقي شماعة تعلق عليها فشلك غير شماعة إن العربية قديمة!!
ضحك بملء ما فيه، وقال:
_قديمة!!! يا أبلة صباح العربية دي ياما أبويا صلحها قبل ما يتكل، والحمد لله جابت أجله، وشكلها هتجيب أجلي انا كمان، دي عربية تُراثية من أيام الخديوي توفيق، وعُكاشة أنور!!!!
إحمرت بشرتها القمحاوية بغضب، ورفعت اصبعها تحذره:
_إنت ابتديت تتمادى ياسطى، وبعدين بدل ما انت نافش ريشك كده فوق لدرجات بنتك، تقدر تقولي بنتك جابت كام؟؟
ارتبك قبالتها، وقال وهو يتصنع انشغاله بتأمل سيارتها:
_جابت اللي جابته بقى، حمدينه وشاكرين فضله حتى لو جابت درجتين تلاتة، أنا وقمورتي مُتصالحين جدًا مع بعض، بس اخرجي منها إنتي يا أبله.
كادت بأن تسدد جبهته بحديثها، ولكنها ابتلعته فور ان انطلق سكان الحي يهرعون من أمامهم، ومن بينهم شاب يصرخ بفزعٍ:
_الدبيحة هربت من حمص يا رجــــــــــالة!!!
ارتابت "صباح" من محلها حينما لمحت المدعو "حمص" يهرول ركضًا ومن خلفه تركض بقرة ضخمة، ذات جسدًا ضخمًا مخيفًا، ابتلعت حدة صوتها وركضت تختبئ خلف جسد موسى الضخم، الذي أخفاها وكأنها لا تزن نصف وزنه.
خطف موسى نظرة خلفه يطالعها بسخرية:
_مالك يا أبلة؟ متخافيش دي مبتعملش حاجة غير النطح، وأنتوا الاتنين شبه بعض، هي بتنطح برجليها وإنتِ بلسانك.
منحته نظرة حادة، وصرخت بوجهه:
_لسانك ده عايز قطعه، إياك أشوفها دايسة عليك وناطحة نفوخك يا بعيد.
عبث ببراءة لا تمت له بصلة:
_آلاه!! بقى دي أخرتها!
وأضاف بمقتٍ:
_ولما انا اتنطح هتعمل هي معاكي أيه؟ ما أنا اللطخ اللي متصدر في الوجهة.
ضحكت بانتصارٍ وقالت:
_كويس إنك عارف إنك لطخ.
احتقنت بنيتاه وهدر فيها يحذرها:
_لمي لسانك وخديلك راجع عني يا أبله، والا هميل مع الشباب في الورشة وهسيبك منك ليها!
تطلعت من خلف كتفه، فوجدتها تركض صوبهما، فصرخت فيه وهي تستنجد به:
_إلحق دي جاية علينا يا موسى!!!
تذوق نطق اسمه منها لأول مرة دون ألقاب، بات يراقبها بهيامٍ، بينما تصرخ فيه أن يرى تلك التي تركض تجاههما.
صعد حمص فوق السيارة يحاول الهروب، فصعدت البقرة بحوافرها تجاه الزجاج الامامي، الذي سقط ومال دون أي مجهود منها.
باتت السيارة كالخرقة البالية، بينما تصرخ صباح بصوت يصمم الآذان:
_لاااااا عربيتي!!
منع موسى ابتسامته من الانبلاج، لقد تكبد عناءًا في اصلاح السيارة كل يومين تقريبًا، ولاول مرة يشعر بالامتنان تجاه أحمق الحي، فمال يسحب الحبل المسكوب حول رقبته، وبكل قوته أحكم سيطرته عليها بقوة تتناسب مع جسده، ثم صاح بصوته الغليظ:
_السكينة ياض!
هرع حمص تجاهه، وتعاون الشباب بالامساك بها، بينما يذبح موسى البقرة، التي تناثر دمائها على السيارة وعلى صباح التي تحاول انقاذ سيارتها.
وفور ان انتهى حملوا الرجال البقرة للجزارة الواقعه بالقرب منه، بينما يهدر في حمص بغضب:
_بقولك ايه مش كل يوم ليك منكش كده، أتلم إنت ومصايبك مش ناقصة هي.
ورفع صوته مداعيًا حزنه الشديد:
_مانتش شايف عربية المرحوم بقت عاملة ازاي، الابلة هتروح مننا بسبب غباوة أمك يالا!!!
ربت على صدر موسى بخوف من غضبه:
_حقك علينا يا اسطى، بعد كده هكتفها حلو قبل ما أدبح!
منحه السكين الضخم وقال:
_طيب يلا انصرف من هنا قبل ما الابلة تعكشك، هي لسه في حالة الافاقة من الصدمه اللي خدتها، انصرف بقى بسحنتك دي.
ركض حمص يفر من غضب تلك الفتاة المعهود عنها قوة شخصيتها، وتحجر رأسها الذي لا يلين، بالرغم من انها على وشك تخطي الثلاثين من عمرها الا أنها ترفض كل شباب الحي بلا استثناءات، تنصب كل اهتمامها بعملها بمدرسة الحي كمدرسة اللغة الانجليزية، وعلى السنتر الخاص بها لتعيل والدتها بعد وفاة والدها.
إتجه إليها موسى يناديها بقلقٍ من صمتها الغريب:
_أبله إنتِ حلوة ولا نظامك أيه؟ لو كده أخدك في التوكتوك للوحدة؟
اتجهت عينيها الدامعة إليه وقالت برجاءٍ:
_العربية معتش ينفع تتصلح صح يا أسطى؟
رق قلبه الحجر لها، فحك ذقنه النابتة وقال وهو يتطلع حالة السيارة بنظرة شاملة:
_هتأخد وقت ومجهود بس هعملها متقلقيش.
واشار يحذرها:
_بس ملقكيش كل يوم نطالي في الورشة، أنا هخلصها وهبعتلك البت قمر تناديلك لما هخلص، أنا ماليش في دوشة النسوان والرغي بتاعهم أنا!
عاد الغضب لمُقلتيها بينما تهتف باستنكار:
_نسوان!! إنت لسانك ده أيه مبرد!!!
تأفف بغضب وعاد يصيح:
_يا ابله الله يهديكِ آطلعي غيري هدومك وأتكلي على الله ورانا مصالح ومش فاضيين إحنا.
تخصرت بيديها بينما ترنو إليه، فتراجع للخلف بخوف جعله يميل على مقدمة السيارة جالسًا:
_ألالالاه، أيه يا آبلة في أيه؟؟؟
صاحت بوجهه كالقنبلة:
_وأنت مالك بلبسي يا محترم!! أيه صدقت نفسك وعايشلي دور بطل الحي ولا أيه؟
رمش باهدابه بصدمة وقال ببسمة واسعة:
_حقك عليا انا، اتكلي على الله إلحقي مدرستك أنا غلطانلك.
تركته وخطت للامام وهي تخبره بعنجهية:
_طبعا هروح المدرسة أمال هقف أتكلم معاك طول النهار!!
وتركته وخطت بطريقها، فخبط كفًا بالاخر وهو يقول:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، دي لاسعة منها خالص!!
قالها واتجه للداخل ليبدأ عمله اليومي، وما مر سوى نصف ساعة ووجدها تهرول للمبنى، فضحك على مظهرها بعد ان تيقن أن احدهما أخبرها بالدماء التي تغرق وجهها وملابسها، فرفع صوته الساخر:
_كده شباب الحي كلهم طلع عندهم نخوة!!! مطلعتش أنا لوحدي اللي غيور!!
استدارت تلقفه بحقيبة يدها، فتعالت ضحكاته بعدم تصديق لما تفعله، بينما يهمس بصدمة:
_دي لاسعة لاسعة يعني مفيش كلام!!
******
أشرقت جفنيه عن رماديته الساحرة، فمال برأسه يتفحص المكان الذي انتقل إليه برفقة صابر،ذلك الشاب الخالوق الذي لم يتركه طوال تلك المدة التي قضاها بالمشفى اعتاد على وجوده، فكان له الأهل والرفيق، حتى حينما وجده يخرجه فجأة منها، كان يحمل خوفًا غامضًا عليه.
إتجه "عُمران" للاريكة بخطواته المتهدجة، جلس يراقب صابر الذي وضع من أمامه صينية الطعام المعدنية، قائلًا ببسمته المشرقة:
_خليت الجماعة حضرولك لقمة خفيفة كده، قبل ما أنزل المستشفى .
زوى عُمران حاجبيه باستغرابٍ:
_جماعة!
ضحك وهو يصحح له مفهوم حديثه:
_مراتي يعني، بس هنا بنقول الجماعة.
هز رأسه بخفة، وعاد يتمعن فيه بشكٍ، جعله يطرد ما احتبس داخله:
_أنا من وقت ما جيت معاك هنا وأنا مسألتكش عن الطريقة الغريبة اللي خرجتني بيها من المستشفى، ولا اعرف حتى المكان اللي جبتني فيه، زي ما أنت شايف دي أول مرة أقوم من على السرير فيها، فمحتاج إجابات منطقية للي بتعمله معايا!
ترك صابر شطيرة الخبز وتطلع له بانزعاجٍ، فربع قدميه وقال بوجومٍ:
_عايز تعرف أيه؟
رد عليه ورماديته لا تحيلان عنه:
_إنت قولتلي آن ممدوح ده ناويلي على نية!
رد عليه بهدوء:.
_بص دكتور ممدوح ده مش تمام، بيعمل عمليات زرع كلى بدون تصريح ولا معرفة حد من الادارة، بيقنع الناس الفقرا بالعمليات دي مقابل مبالغ كبيرة، وفي شخص مهم جدًا عايز يعمل العملية دي بأسرع وقت، فسمعته بيقول إنه هيحاول معاك ولو رفضت هيعملك من غير ما تعرف لانه الوحيد في المستشفى اللي عارف أنك بقيت ميحة.
زوى حاجبيه بدهشة:
_ميحة!!
عدل من حديثه قائلًا:
_فقدت الذاكرة يعني!
وأضاف إليه:
_خرجلك ورق باسم آشرف شعبان عشان الدنيا تبان طبيعي، وأنا مملكش ضده دليل واحد عشان كده هربتك.
تطلع له عُمران بنظرة غامضة، وسأله:
_وساعدتني ليه وإنت متعرفش عني حاجه؟
التقط قطعة من الخبز ومضغها قائلًا:
_متعودتش أشوف الغلط وأسكت عليه، ولا أسيب حد محتاج لمساعدة، وبصراحه من جوايا حاسس انك شخص كويس.
ابتسم له وقال بسخرية:
_إذا كان انا نفسي معرفش إذا كنت شخص كويس ولا لأ!
نهض صابر يتجه للكومود، سحب الكيس البلاستيكي، وقدمه له قائلا:
_لا، شكلك شخص كويس، وابن ناس أوي على فكرة.
تفحص عُمران ما بالكيس هاتفًا ببسمة هادئة:
_يعني الدورلات دي اللي بتأكدلك إني ابن ناس! أنت يا طيب أوي يا ساذج أوي يا صابر.
ضحك رغمًا عنه، وقال ببساطة:
_سواء كنت طيب أو ساذج المهم اني أنقذتك.
ارتسم الحزن والألم على ملامحه، وقال:
_مكنتش هتفرق صدقني، يمكن الموت يكونلي رحمة عن اللي أنا فيه، أنا حتى اسمي مش فاكره.
ورفع يده إليه يتطلع تلك الدبلة المميزة باستغراب، فتابع صابر نظراته وقال:
_شكلك يا خاطب يا متجوز.
احتقنت رماديتاه بحزن، وقال:
_بقالي اكتر من عشر أيام فاقد الوعي، يا ترى عاملة أيه في غيابي، أو ممكن تكون بتفكر في أيه بالوقت ده!
شعر بثقل مشاعره ووجعه، فربت على ساقه وقال:
_متفكرش في حد غير نفسك دلوقتي، افطر وخد دواك عشان تقدر تقف على رجليك.
اكتفى بايماءة من رأسه، وبدأ يتناول طعامه. بينما يشاركه صابر، حانت من عُمران نظرة للغرفة، ثم قال:
_إنت عايش هنا لوحدك؟
ابتسم وهو يجيبه:
_لا انا والمدام، بس انا بعتها عند أمي في الشقة اللي قصادنا عشان تأخد راحتك.
حرك رأسه بتفهمٍ، وقال:
_طيب أنا مش حابب أفضل هنا كتير، لو ممكن تشوفلي فندق قريب من هنا.
اندهش وهو يطالعه، ثم قال:
_فندق وهنا أنت بتحلم ولا أيه؟!!
وضحك وهو يضيف:
_أنا هكلم موسى يديك أوضة من الأوض اللي فوق السطوح، هنفرشهالك وتنقل فيها لحد ما ربك ييسيرها وتفتكر أي حاجة عن نفسك.
جحظت عيني عُمران في دهشة:
_اوضة فين؟؟ لا طبعًا انت بتهزر ولا أيه؟؟؟؟؟
ضحك صابر رغمًا عنه وقال بشك:
_زي ما قولتلك شكلك ابن ناس، بس لو فكرت فيها هتلاقيني بتكلم لمصلحتك، الاصابات اللي عندك بتأكد إنك متعرضتش لحادثة عادية، دي محاولة قتل، كمان مفيش فندق هيقبل بيك من غير بطاقتك ولا أوراقك، وبعدين انت متعرفش حد دلوقتي غيري فهتكون قريب مني وتحت عيني.
حرك رأسه بخفة واستكمل تناول طعامه حتى دق جرس الباب، فانتفض صابر بلهفة:
_ده أكيد موسى.
قالها وهرول يفتح الباب، فولج يحمل الأكياس، ووضعها على المقعد قائلًا:
_جبت للقتيل شوية عصير يرموا عضمه.
أشار له صابر بضيق:
_اسكت يا موسى، هيسمعك.
استدار يسأله باسترابة:
_هو فاق؟
هز رأسه بتأكيدٍ، فولج للداخل يتطلع له بانبهارٍ بعدما تمكن من رؤية ملامحه بوضوح جعل عمران يراقبه باستغراب، بينما يميل تجاه صابر وقال بصوتٍ مسموع لعمران:
_ده عينه رمادي وشكله قالب على خواجات أوي، أنت متأكد أنه مصري، شكلك هتلبسنا مصيبة يلا!!
ضحك صابر وقال له:
_امال لو شوفت لون شعره واحنا بنحلقه، شعره بني أوي، وشكله فعلا خواجه بس لسانه مصري أصيل!!
زم شفتيه بسخطٍ وهو يراقبهما، لم يجد شيئًا جذاب بملامحه المشوهه، فما بال هؤلاء يتطلعون له وكأنه وسيمًا!
تنحنح موسى ودنى يهتف:
_يا رب يا ساتر.
ضربه صابر بسخط:
_داخل على واحدة ست، إنت مش واخد بالك من العضلات!!
لكزه بكوعه بغضب:
_اتنيل بقى خليني أتعرف على القتيل قبل ما يفلسع مننا!
جذب مقعد السراحة وقربه من عمران الذي يتطلع له بثباتٍ طاغي، وبنبرة باردة قال:
_متقلقش مش هموت وأسيبك ميت من فضولك عشان تتعرف عليا!
برق موسى في دهشة، حتى صابر تعجب من قوة رده، رسم موسى بسمة صغيرة وقال:
_شكله فعلًا مصري يا واد يا صابر، قال قولي يا حبيبي هو إنت مش فاكر ماما ولا بابا ولا حد من عيلتك بصحيح!
تشربت دماء عمران بجرعة جعلته فجأة يستحضر داخله شخصًا لم يكن يتخيل أنه يحمله داخله:
_لا مش فاكر غير طولة لساني مع الأشكال اللي تستاهل يتقل منها يا آآ، قولتلي اسمه أيه يا صابر؟
ابتلع صابر ريقه بارتباك، وبدى حائرًا بين فرسين كلاهما أشرس من الآخر، وإن بدى أن بهدوء عمران وثقته قد يحقق أكثر من معركة أمام موسى الذي طالعه بغيظٍ، وقال:
_أممم... شكلك لسانك طويل؟
ابتسم عمران وقال:
_مش عارف، بس معاك هكتشف حاجات معرفهاش عن نفسي!
ابتسم موسى رغمًا عنه، وردد بمشاكسة:
_يبقى لسانك الطويل ده سبب الدشمالة السودة اللي إنت فيها دي، وأكيد وقعك مع جتت مقدرتش تصد ولا ترد قدامها.
لم تتعصب ملامحه أبدًا، بل حرك كتفيه بحيرة:
_أعتقد إني من النوع اللي مبيسبش حقه، وإذا كنت فلت منها عايش بأكدلك أني خصمي ميت لا محالة!
سحب صابر موسى الذي يطالع عمران بغيظ، وهمس له:
_مش كده يا موسى، الراجل تعبان وشكله معلم، فبلاش ترهقه وترهق نفسك، تعالى نطلع نظبطله الاوضة اللي فوق عشان هو مش حابب يفضل هنا.
سحب يده منه وصاح بغضب:
_أوضة مين ده أنا هرميك إنت وهو من هنا؟
واجهه صابر بعدما لمس ما قد يجعله يلين:
_كل ده عشان قصف جبهتك العالية، ده إنت طلعت حقود يا جدع.
جذبه من تلباب قميصه وصاع بغضب:
_مين ده اللي قصفني يالا!! ده انا أعمل من لسانه فرقلة!
جذب عمران العصير المعلب يرتشفه وهو يطالعه ببرود جعل موسى يصعق من تعامل هذا الرجل الذي بدى أستاذًا ورئيس قسم، بينما يحاول صابر اقناعه،فصعد برفقته على مضض ليحضر له الغرفة التي تقابل غرفته،حيث كان يقسم السطح ويضع طاولة بالمنتصف، والتلفاز على خزانة قديمة،بينما يحيط بالسطح زهريات من الازهار تزينه بشكل مريحًا للعين.
******
فتح يوسف باب الشقة باستخدام مفتاحه الخاص، اتبعه علي لاحدى الغرف حيث يوجد جمال، يتمدد على الفراش بتعبٍ، فتح علي مصباح الغرفة وولج يقترب من الفراش قائلًا بحزن:
_وأخرتها يا جمال، هتفضل على الحال ده لأمته؟
مال برأسه جانبًا تجاه محل جلوس علي، يتطلع له بصمتٍ يذبح الفؤاد، بينما يتطلع علي لصواني الطعام الموضوع جواره.
صاح يوسف بعصبية بالغة:
_بردو مكلتش! إنت عايز تموت نفسك بالبطيء صح؟؟
وجذبه ليستقيم بجلسته بالفراش:
_قوم كلمنا، عايز توصل لأيه؟؟
رد بارهاق تام:
_للموت، يمكن بعدها أرتاح من كل أوجاعي.
طالعه علي بشفقة، وقال بهدوء استرعى انتباه جمال:
_وهو ده الحل يعني يا جمال؟ معقول استسلمت وقبلت تخلي دم عمران يضيع بالسهولة دي، حبك ليه المفروض تخليه داعم ليك مش يدمرك بالشكل ده، تخليه يقومك باصرار وعزيمة إنك تكمل اللي عماه عمران مش تهد اللي كان بيعمله.
عبث بعدم فهم،وتساءل:
_قصدك أيه يا علي؟
رد عليه بقوة وشموخ:
_المشروع اللي اخويا وصاحبك دفع تمنه حياته إنت لازم تكمله وتحققله حلمه، مفيش غيرك يا جمال اللي يقدر يعمل كده ويساند فاطمة وعمي،ولو على فلوس التمويل فأنا متكفل بكل المصاريف، لحد ما المصنع والمشروع كله يكتمل.
وأضاف بوعيد وكره ناطق:
_عايزك تحرق دم الكلاب دول،وتعرفهم إن مفيش حاجة هتهدنا،مهما حصل هنقف من تاني وهنكمل.
وتطلع إليه يسأله بقوة:
_مستعد تكمل وتحقق حلم صاحبك اللي مكتملش يا جمال؟
هز رأسه دموعه تتساقط دون توقف:
_مستعد يا علي، أوعدك إني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان انفذ خطة مشاريع عمران كلها،حتى لو كان التمن حياتي.
أزاح يوسف دمعة خائنة من عينيه،وقال يدعمه:
_الاول تأكلك لقمة،وتحلق دقنك دي وبعد كده هنوصلك في طريقنا للشركة، واحنا هنقضي معاك اليوم كله النهاردة عشان نتأكد إنك هتشتغل مش هتروح تنام هناك.
اضاف علي لحديث يوسف:
_كلم آيوب يروح الشركة،جمال هيحتاج وجوده بالفترة دي!
******
صعد عمران برفقتهما للاعلى بصعوبة، بعد أن أصر على بقائه بالاعلى بعيدًا عن شقة صابر، مال يستند على باب الغرفة بينما يتجه موسى ليحرر نافذة الغرفة.
تطلع عمران للغرفة بنظرة ذهول، بينما يعاونه صابر على الجلوس على الفراش البالي، تردد منه سؤالًا مندهش:
_هو مفيش تكيف هنا؟
تطلع صابر إلى موسى الذي ضحك وهو يسخر منه:
_شكلك هتطلع ابن ذوات، أنا قولت كده من أول ما لمحت خلقتك.
تجاهل حديثه وتطلع لصابر مرددًا:
_صابر أنا مش هعرف أنام من غير تكيف!!
ذم شفتيه بتفكيرٍ، بينما تتعالى ضحكات موسى وهو يخبره:
_مفيش عندنا هنا غير مروحة سقف، تفضل تزن فوقك لحد ما عداد الكهربا يفصل أو تقع فوق دماغك بقدرة قادر.
قوس حاجبيه بغضب، وهدر بنبرة مندفعة:
_ أنا مالي بتجارب أمك إنت، ثم أنك بتتكلم معايا على أنهي أساس، ولا عشان ما أنت صاحب البيت هتشوف نفسك عليا، إنت يعتبر عملت اللي عليك لما وصلتني هنا، أتفضل بره الأوضة عشان وجودك ساحب الاكسجين من الاوضة أكتر مهو مسحوب.
وأضاف وهو يضيق رماديتاه بنظرة انتصار:
_صابر يا حبيبي، باين عليك طيب وحنين مينفعش تصاحب الاشكال دي، هتخلي لسانك أطول منك صدقني!
استعد موسى ليهجم عليه، لقد انقضى عنه صبره كليًا، سحبه صابر للخارج وهو يصيح فيه:
_اعقل يا موسى الراجل تعبان ومش حملك.
أشار على الغرفة بغضب:
_ده مش حملي!! ده حمل مديرية، لسانه عايز قصه، سبني عليه اللي معرفلوش إسم ده، أوعى ميل!!
كبت صابر ضحكاته وعاد يلوي ذراعيه بحديثه:
_إنت مقهور عشان بيصد كلامك أول بأول، حقدك هيعميك وهينسيك الاصول، ده راجل تعبان ومتصاب يا أسطى!!!
زفر بعصبية، ودفعه عنه، ثم اتجه للدرج قائلًا:
_أنا نازل الورشة لاصورلك قتيل هنا انهاردة.
راقبه صابر حتى اختفى من أمامه، وعاد للغرفة يتطلع تجاهه، كان عمران يستند على الحائط ويتطلع من النافذة بشرود في هذا الحي البسيط جدا، بداخله شعورًا قويًا أنه لا يمكن أن يكون ينتمي لهذا المكان أبدًا.
_قصفت جبهة الاسطى موسى عُربان بذات نفسه، عملتها ازاي دي؟
قالها صابر وهو يكاد يسقط من فرط الضحك، فاستدار ببطء إليه وهو يضم كتفه المصاب بتعب:
_صاحبك الا لسانه سابقه، وأنا محبتش أسلوبه ولا طريقته، اللي يحترمني أحترمه واللي يفكر يسخر مني أخليه مضحكة أدام نفسه قبل اللي حوليه!
تبسم صابر وقال:
_شكلك شخصيتك قوية ومالكش كاسر، ده باين من ثقتك في نفسك.
أخفض رأسه للاسفل وقال:
_مش عارف كلامك صح ولا لا، أنا حاسس إني ورقة بيضة مفهاش ولا سطر واحد ينفع يتقرأ.
ربت على كتفه السليم وقال:
_هتفتكر كل حاجة واحدة واحدة، بس خد ادويتك بس وارتاح.
رفع رأسه له ومنحه ابتسامة أشرقت وجهه المصاب:
_شكرًا على كل اللي عملته عشاني يا صابر، ممنون ليك وبتمنى أقدر أرد جزء بسيط من جمايلك عليا.
اجابه وابتسامته لم تفارقه:
_متقولش كده، انا من أول ما شوفتك حبيتك وربنا اللي يعلم، يلا هسيبك وانزل شغلي بقى، وهطل عليك بليل يلا سلام.
وتركه وغادر بينما يجلس هو بحزن على فراشه، مضت به الساعات وشعر فيها بالملل، فدعم جسده الذي يتآوه من شدة اصاباته وخرج للسطح.
انتعش وجهه المتعرق من الحرارة بنسمات الهواء القوية، جذبته الاجواء بشدةٍ، وخاصة تلك الاريكة المتطرفة للسور الخارجي.
جلس عليها يراقب البيوت والورود المندثرة من حوله، حتى افاق على صوتًا يهتف باسترابة:
_أنت مين يا عمو؟؟
استدار عُمران للخلف، فوجد فتاة صغيرة تقف قبالته، تمتلك جدلتين ينحدران على أذنيها، تراقبه بخضرة عينيها الساحرة، وتنتظر سماع ما سيقول، ابتسم رغمًا عنه وقال:
_اعتبريني الساكن الجديد هنا، إنتِ بقى تبقي مين يا جميلة؟
ابتسمت وأجابته:
_أنا كمان ساكنة هنا وإسمي قمر.
اتسعت ابتسامته وقال:
_أنتِ فعلًا قمر، إسم على مسمى.
ضحكت وهي تخبره بطفولية:
_بابا دايمًا بيقولي كده.
تحررت ضحكة منه وقال:
_عنده حق، باباكِ بيفهم جدًا.
تلاشت ابتسامتها وقالت وهي تراقب جروح وجهه بحزن:
_التعويرات دي بتوجعك؟
زوى حاجبيه بعدم فهم:
_الـ أيه؟ مش فاهم.
أشارت على وجهه، فابتسم وقال:
_يعني مش أوي.
دنت إليه تتطلع لعينيه قليلًا، ثم قالت:
_عد يوم ويوم ويوم وهي هتمشي وهتبقى حلو يا عمو... هو إنت اسمك أيه؟
وخز قلبه من سؤالها، ورد عليها؛
_مش عارف، قوليلي يا أنكل وخلاص.. أقصد عمو زي ما بتقولي.
هزت رأسها بخفة وأخرجت له الحلوى التي تحملها قائلة:
_تاخد توفي!
تعجب من كلماتها، ولكنه التقط واحدة مما تحملها قائلًا:
_شكرًا يا صغنن.
وأضاف وهو يبتسم لها:
_تعرفي إني كنت حاسس بملل لحد ما ظهرتيلي بجمالك ده، قوليلي بقى إنتِ في سنة كام؟؟
ردت عليه وهي تضحك:
_المفروض إني داخلة تالتة ابتدائي، بس أنا مش حليت كويس وحاسة إني هرجع تانية تاني يا عمو..
شاركها الضحك وقال:
_عوضيها المرادي وذكري كويس، مفيش مشكلة تُذكر يعني!
هتفت بحنق:
_مش بحب الانجليزي، صعب أوي.
اجابها بتلقائية:
_
On the contrary, it is very easy and fun
(بالعكس ده سهل وممتع جدًا!)
_مش قولتلك ابن ذوات!
قالها موسى وهو يتابع حوارهما منذ بدايته، وقد راق له تعامله اللطيف مع ابنته، فوضع ما يحمله على الطاولة، ونادى ابنته:
_تعالي يا قمر يلا، هاتي معالق من جوه عما أفرش الأكل.
ركضت الصغيرة صوب المطبخ الصغير، بينما يشير له موسى:
_يلا عشان نتغدى ما بعض.
هز رأسه بهدوء:
_شكرًا ليك، بس أنا ماليش نفس.
اتجه موسى إليه، وقال بجدية تامة:
_زعلك على اللي فات إركنه، إقبل باللي ربنا كتبه وعليك، وهو أكيد هيرشدك للصح.
رفع رماديتاه له، ووجد ذاته يشكو له:
_مش سهل إنك تصحى في يوم تلاقي نفسك مش فاكر أي حاجة عن نفسك، وكل اللي بيربطك بحياتك مجرد دبلة في ايدك، أنا حتى اسمي مش عارفه!
وأضاف وهو يتطلع لكتفه واصابة جنبه الايمن:
_الله أعلم أنا اتعرضت لأيه، جايز أكون واحد من اللي الدنيا جت عليه، وجايز اكون أنا اللي جيت عليها، كل اللي أنا حاسس بيه هو الخوف من اللي فات ومن اللي جاي.
حزن موسى لاجله وقال:
_أوعى تفكرها دايمة لحد، دي واخدانا على حجرها، بتمرجح فينا لحد ما تغربلك وتجيب أجلك، ولو مكنتش همجي وعارف تجاريها هتجيب هي وهتحط عليك!
تطلع تجاهه وشعر بارتياحٍ غريب إليه، فأشار له موسى حينما وجد ابنته تعود:
_يلا قوم عشان نتغدى وبعد كده نكمل كلامنا.
واضاف وهو يسانده للمقعد:
_بص نص الشعب المصري إن مكنش أغلبه اسمهم يا أما أحمد يا أما محمد، فنتوكل على الله ونناديك محمد، ولا أيه رأيك يا بت يا قمر؟
قالت الصغيرة بعد تفكير:
_لا أحمد حلو.
هز رأسه باقتناعٍ وناداه قائلًا:
_هات ازازة المية اللي جنبك دي يا محمد!
تعجب عُمران من الاسمين وشرد بهما، شعر بأنه لم يقبلهما البتة، فعاد يناديه بالاسم الآخر ظنًا من انه لم يرغب بهذا:
_هات المية يا أحمد.
لم يستجيب له عمران وسبح بشروده، كأنه يجاهد لايجاد اسمه من بين كل الاسماء التي تهاجم رأسه، فاذا بموسى يناديه بقلقٍ وبتلقائية شديدة:
_خواجة!
عند ذلك الاسم ورفع عمران رأسه له بدهشة تامة، فضحك موسى وقال:
_والله شكلك مش هتطلع ابن ذوات بس، لا هتطلع من بلاد بره وصايع معانا هنا، خلاص هناديلك خواجه مدام لافتة انتباهك.
رد عليه وهو يحاول تذكر أي شيء:
_معرفش، بس حاسس إن الاسم مش غريب عليا، حاسس إني اتناديت بيه قبل كده!!!!!
........ يتبع......
#الاقوى_قادم...
#ترقبــــــــــوا..
#زقاق_بين_الاحياء (صرخات_أنثى!)
#آية_محمد_رفعت.
***_____******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 124 - بقلم آية محمد رفعت
السلام عليكم ورحمة الله
مش عارفة اكتبلكم أيه، اترددت كتير قبل ما أكتب البوست ده، بس بأمانه حاسة اني لو معبرتش عن اللي جوايا هيجرالي حاجه، أنا فتحت من شوية ودخلت على التعليقات بتاعتكم على أخر فصل ويارتني مدخلت ولا قريت شيء، اتمنيت احذف الفصل كله عشان مقرأش حاجة.
جماعة أنا مش هبرر اللي بمر بيه ولا هقدر أحكيه لحد عشان دي حياتي الشخصية، بس هرد على كلام وجعني أوي وزاد من الحالة اللي أنا فيها،والكلام يخص القراء الجدد لان تقريبًا القراء المستمرين معايا من بدايتي مستحيل يسئوا الظن فيا بالشكل ده، مين قالكم اني مبقدرش قرائي ومبنزلش اعتذارات وقت ما بقدرش أنزل؟!! أنا بتابع معاهم على الجروب او البيدج بس زي ما قولتلكم إني هنا على الواتباد مبعرفش أتعامل نهائي، كل اللي بعرف اعمله هو رفع الفصل فقط لا غير، كمان أنا مبحبش انزل اقتباسات ولا اعتذارات بألبوم الرواية، بحس إنها بتفصل القراء وقت القراءة، مبحبش أزحم الالبوم لذا بخصص جروبي والبيدج لشيء زي المواعيد او الاعتذارات او غيره.
نقطة كمان، أوقات بنمر بظروف مبنعرفش ننوه عنها، سابقًا كنت بنزلكم بوست حاليًا مقدرتش انزلكم بوست الاعتذار فده معناه انكم تغلطوا فيا بالشكل المهين ده؟!!!
بالنسبة للقراء اللي بيقولوا الرواية داخلة في سنة وشوية، حضرتك مش واخده بالك من عدد فصول الرواية؟!
سلسلة احفاد الجارحي كانت خمس اجزاء عبارة عن ١٠٠فصل خلصت على أكتر من سنة
سلسلة الجوكر والاسطورة ١٢٠فصل اعتقد ةخلصت على سنتين وشوية.
رواية صرخات انثى٩٧فصل ومازلنا مستمرين يعني بتعادل سلسلتين نزولوا على ٥اجزاء، يعني الرواية ضخمة فوق ما تتخيلوا هل هتفرق معاكم لو كنت قسمتها على اجزاء زي الجارحي والجوكر؟ هيكون في فرق يعني؟؟
جماعة أنا كنت مترددة اني اعمل حسابي الجديد على الواتباد ده لاني بحس اني مبعرفش اتواصل معاكم زي قراء الفيس وكنت بحاول على قد ما أقدر، معرفش أذنبت في أيه؟؟
أنا الفترة اللي فاتت كنت بعيدة عن كل شيء، عيلتي وأصدقائي وكل شيء، مكنش عندي المقدرة حتى افتح وأنزل بوست اعتذار، مش تكبر مني اقسم بالله من احراجي منكم، بس كنت بلتمس منكم التفهم ومراعاة اللي بمر بيه، اوقات ما بتواجد بعوضكم بفصول ضخمه وبقرب مواعيد الفصول على قد ما بقدر بردو، ثم إني نزلت قبل كده ولغيت المواعيد اللي حطيتها لاني زي ما قولت قبل كده مبقدرش أضغط على نفسي لمجرد كتابة فصل يوفي بالالتزام، أنا لما بحس ان الفصل مكتمل بالنسبالي بنشر على طول.
أنا مش عارفة اعاتبكم بأيه، حتى وأنا بقرأ تعلبقاتكم كنت مدياكم عذر، كل اللي أنا حاسة بيه هو الندم اني دخلت للفصل وده من تنبيه اختي ليا، أنا بحس إني شايلة عبء زيادة عليا، مش بقدر أتعامل مع الكتابة وقت ما بيكون بالي مشغول بشيء أو في شيء مزعلني، وهرجع وأقولكم إنكم مالكوش ذنب في حاجه، بس رأفة بمشاعر الاخرين بلاش تحكم وتكون صورة كاملة عن شخص إنت متعرفش هو فيه أيه أو بيمر بأيه!
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 125 - بقلم آية محمد رفعت
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 126 - بقلم آية محمد رفعت
#زقاق_بين_الأحياء...(#صرخات_أنثى!..)
#الفصل_الثامن_والتسعون.
(إهداء الفصل إلى صديقتي المميزة وأختي "نادية" ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك، لي شرف متابعتك الكريمة ..بحبك في الله...قراءة ممتعة 💙)
تقلب على السرير الصغير، محاولًا أن يغفو قليلًا ولكنه لم يستطيع، حتى بعدما نزع عنه ثيابه العلوية من شدة إرتفاع الحرارة، استقام "عُمران" بجلسته على الفراش، وهو يراقب ساعة يده الباهظة، الشيء الوحيد الذي بات يمتلكه، وجدها الواحدة ليلًا، وبالرغم من تأكيد "صابر" بأنه يتناول أدوية من المفترض أن تجعله يغفو لساعاتٍ طويلة، الا أنه لم يستطيع أبدًا.
كان يشعر بأن هناك شيئًا ينقصه، وكأنه كان معتاد على فعل شيء بذلك الوقت، لقد تعثر عقله ونُثرت ذكرياته، بات كالهاتف الذي أعد له إعادة مصنع، ففقد كل شيءٍ يمتلكه!
نهض عن الفراش وخرج يرتدي القميص الزيتوني الذي قدمه له صابر من قبل، كانت خطواته بطيئة للغاية، ويده تدعم محل الألم المنتشر بكتفه، استند على السور الخارجي للسطح، يغلق عينيه بانتشاء حينما استقبله تيار هواء بارد، أزاح عنه انزعاجه من الطقس، وكأن الغرفة التي كان يسكنها كانت بباطن الأرض!
استدار عمران يتأمل سطح المنزل بنظرة دقيقة، فلمح المرحاض المتطرف جوار المطبخ، وجد ذاته يتجه إليه، وبتلقائية شديدة بدأ يغتسل ويتوضئ استعدادًا لصلاة القيام مثلما إعتاد أن يفعل!
قام بصلاته بركن على سطح موسى، ثم جلس يقرأ بالمصحف الذي وجده على الطاولة القريبة منه، حتى موعد الفجر.
نهض عن السجادة يطويها ويتجه لغرفة "موسى"، طرقها ثلاث مرات، حتى وجده قبالته يفرك عينيه بنومٍ، متسائلًا بانزعاجٍ:
_خير يا خواجة؟ مش عارف تنام من الحر ولا الناموس؟؟
تغاضى عما قال، وسأله بثباتٍ:
_أنا آسف لو قلقتك، بس آذان الفجر قرب يأذن، مش نازل المسجد؟!!
أزاح يده عن عينيه، وبات يطالعه بدهشةٍ:
_أنزل فين؟!
زوى حاجبيه بذهولٍ منه، وكأنه يتحدث مع شخصٍ جاهل في دينه:
_أكيد مش هتنزل الملاهي مثلًا في وقت زي ده، المفروض إنك هتروح فين غير المسجد عشان صلاة الفجر!!
وتابع بسخطٍ مضحك:
_شكلك لسه مفوقتش من نومك يا آآ يا اسطى!!
تنحنح موسى بحرجٍ جعله يشعر بالنيران تلتهمه:
_لا العبارة بس إني متعود أصلي الصبح خطف كده قبل ما انزل الورشة، ومبرحش الجامع الا في يوم الجمعة عشان بتبقى اجازتي، أصلًا ده اليوم الوحيد اللي الجامع بيبقى زحمة فيه.
منحه نظرة حزينة من رماديتاه، وقال متغاضيًا عن أمره:
_طيب شاورلي على طريق المسجد وكمل نومك لو تحب.
طالعه بدهشةٍ امتزجت بصدمته التي تحررت بسؤاله:
_عايز تنزل الجامع وإنت بحالتك دي!
راقب رد فعله بتمعنٍ، وابتسم يجيبه:
_الصحابة رضي الله عنهم، مكنوش بيفوتوا فرد حتى لو كانوا بيموتوا أو حتى كانوا في الحرب.
وأضاف بتلقائية جعلته هو ذاته مندهشًا مما يقول:
_ كان في واحد من الصحابة أيام رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، كان بيتناوب مع صحابي تاني لحماية الرسول ومن معه، لما لاقى الدنيا هادية قال يصلي ركعتين لله، ولما بدأ يصلي واحد من المشركين استغل الأمر، وضرب عليه سهم أصاب كتفه، فاتصدم لما الصحابي الجليل كسر السهم وكمل صلاة عادي وكأنه لم يصاب.
المشرك إتجنن واتغاظ من ثبات المسلم، فصوب سهم تاني أصاب كتفه التاني، وبردو الصحابي عمل نفس اللي عمله بالمرة الاولى وكسر السهم وكمل صلاته وهو بينازع حرفيًا، وكل ده كان بيزود حقد المشرك، فاصابه المرادي في رجله، وده خلاه ميقدرش يكمل صلاته فعلًا، فاضطر يلجئ لصاحبه اللي بيتناوب معاه على الحراسة، فلما سأله وقاله منادتنيش ليه من السهم الأول، قاله بكل بساطة وأقطع صلاتي؟! متخيل إنه بالرغم من إنه بيموت مش عايز يقطع صلاته وخشوعه اللي في الصلاة وبقراءة القرآن!
لو فضلت أحكيلك من هنا لبكره مش هنتهي من حكايات الصحابة والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، بس الخلاصة إن اللي فيا ده شيء لا يذكر في سبيل اللي اتعرضوا ليه.
وتابع وهو يتعمق بعيني موسى الذي التمعت بالحرج والتأثر لحديثه:
_لو إتعاملت مع الصلاة إنك بتريح نفسك منها عمرك ما هتحس بلذة الخشوع بين يدي الله عز وجل، الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام كان لما بينادي سيدنا بلال عشان يرفع الآذان كان بيقوله أرحنا بها يا بلال مش منها، لان الصلاة بتريح قلوبنا من الهم والحزن وكل شيء واجع روحنا، بمجرد ما بتقف على سجادتك وبتكبر بإيدك فإنت بترمي من وراك كل شيء، الله أكبر مش مجرد كلمتين حافظهم وبترددهم، إنت بتقر وبتعترف إن ربنا سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء في الكون، أكبر من ابتلاءاتك ومن مركزك حتى لو كنت رئيس جمهورية، ولو عقلك شرد وسهى في الصلاة بأي شيء من وساوس الشيطان، فكر نفسك إن اللي إنت واقف قدامه ده قادر يحللك كل اللي في بالك، سواء دين أو فقر أو اي شيء يخطر في بالك.
وتابع وهو يتركه ويتجه للدرج:
_تقدر تدخل تريح، أنا هسأل أي حد وإن شاء الله هيدلني.
عبثت يدها بين خصلاته الفحمية بانزعاجٍ، وصاح به:
_استنى يا خواجه، هتوضى وجايلك على طول.
وتمتم وهو يشمر عن ساعديه:
_وأهو بالمرة نصحي الواد صابر ونأخد أجره!
********
مضت عشرة دقائق، وكانوا الثلاثة يقفون بأول صفوف الصلاة خلف إمام المسجد، ومن خلفه عدد قليل لا يذكر، مما أحزن قلب "عُمران" كثيرًا، صلى خلف الإمام صلاة الفجر، وما أن انتهى حتى خرج برفقتهما ليعودا للمنزل.
توقف "موسى" أسفل المنزل، يشير لصابر قائلًا:
_بقولك أيه يا صابر، خد الخواجة وإطلعوا انتوا، أنا كده كده مش هيجيلي نوم طالما قومت، هفتح الورشة وأشوف شغلي أحسن.
تثاءب صابر بنعاسٍ، وقال بدون مجادلة:
_يلا يا خواجة.
تجاهل عُمران حديثهما ووقف يراقب الحي بنظرات متفحصة، ودقيقة، انغمست الدهشة بين طيأت رماديتاه، وكأنه يرى تلك المظاهر للمرة الاولى!
أفاق على هزة يد صابر على كتفه السليم، فاستدار تجاهه يخبره:
_إطلع إنت يا صابر، أنا مش جايلي نوم.
عبث بدهشة لحقت سؤاله المنطقي:
_هتروح فين تاني وإنت بحالتك دي؟
انتقل ببصره لموسى الذي رفع الباب المعدني بخفة تتناسب مع جسده المفتول، بينما يميل إليهما بفضولٍ لسماع إجابته على سؤال صابر، فوجده يقول:
_هقعد مع موسى.
ضم صابر فمه بكفه يمنع تثائبه بارهاق، وإتجه يصعد الدرج هادرًا بخفوت:
_زي ما تحب، بس أوعى تروح هنا ولا هنا.
وتركهما وصعد للاعلى، يينما جذب موسى أحد المقاعد البلاستيكية، وقربها من محل وقوفه:
_ريح رجلك يا خواجه.
إلتقطه منه وجلس من فوقه يتأمل الحي الذي لم يشغله أحدٌ بعد، بينما يرتب موسى ورشته، استعدادًا للعمل، ومن فترة للأخرى يراقبه، حتى خرج له بعد قليل، يقدم له كوبًا من الشاي الساخن بينما يجلس على المقعد المجاور له متسائلًا:
_سرحان في أيه؟
التقط الكوب منه بينما يتطلع إليه بحيرةٍ:
_بفكر هعمل أيه؟ المفروض إني مش فاكر حاجة، فمحتار أيه اللي ممكن أبدأ بيه بعد كده.
سحب موسى رشفة من كوبه، وقال:
_الموضوع صعب عليك وعلى أي حد ممكن يتحط في اللي إنت اتحطيت فيه، بس أنا لو مكانك هفك الدولارات اللي معايا وهعمل بيها أي مصلحة تأكلني عيش.
استدار إليه عُمران يتمعن بحديثه ليتمكن من فك شفراته، وما أن تفهم مقصده حتى قال:
_لا أنا أول حاجة هعملها هشتري تكيف، وبعد كده هشتري لبس لإن بصراحة ذوقك إنت وصابر local (بلدي)
قالها وهو يتطلع لما يرتديه بنفور، جعل موسى يضحك بصخبٍ وهو يشير له مشككًا:
_قولتلك هتطلع ابن ذوات محدش مصدقني.
وسحب رشفة طويلة أنهت كوبه، مما جعل عُمران على وشك أن يتقيأ، ونهض يتجه ليستكمل عمله، ترك عُمران الكوب من يده ولحق به يصيح بغيظٍ فشل بكبته داخله:
_هو إنت متعرفش تشرب بأسلوب أرقى من كده وبدون ما تعمل الأصوات المقززة دي!!
نزع عنه القميص المخطط، وبقى بملابسه العلوية، يحدجه بنظرة استفزت عُمران، وخاصة حينما قال:
_أنا كل ما بشوف تصرفاتك بحس إني شايف عيل توتو قدامي، لكن لما ببص على هيكلك اللي شبه المقطورة ده براجع نفسي بس إنت بترجع وبتثبتلي إنك فعلًا عيل توتو!!
حدجه عُمران بنظرة نارية، ختمها بقوله الوقح:
_ما توزن كلامك بدل ما أطلع بروح أمك هنا!
توالت ضحكات موسى دون توقف، بينما يهز رأسه في يأسٍ:
_إنت بني آدم مش مفهوم بالنسبالي!
وانتصب بعوده عن جلسته الأرضية، يرنو إليه قائلًا بجديةٍ تامة:
_عارف لو حد تاني غيرك اللي نطق الكلمتين دول أنا كنت عملت فيه ايه؟
تحداه بنظرة شرسة، وهو يجيبه ساخرًا:
_ده لو حد تاني، لكن دراعك الحلو ده هيتكسر قبل ما يفكر يطولني.
ضحك مجددًا وتلك المرة أدمعت عينيه من فرط الضحك:
_خواجة أنت الجروح اللي عندك دي مش هتأهلك لأول جولة!
وتابع، ويديه تنخصر منتصف خصره، بينما يتابعه بحيرة:
_أنا مش فاهمك!!! شوية بحس إنك ابن ناس علوي أوي، ولما بتقلب بحسك ابن حتة زينا كده، أنا محتار ومش عارف انت دنيتك أيه؟
استند عُمران على سطح السيارة من خلفه، مبتسمًا بمكر:
_خليك كده محتار لألف سنة قدام، وبردو مستحيل هتوصل للخلطة.
وأضاف بخبثٍ:
_بس ممكن أسهلك الليلة في كلمة إني للأسف ماليش كتالوج!
كاد موسى أن يناظره بنفس طريقته، ولكنه وجده يصفن قليلًا عن الحديث القتالي بينهما، فقال بريبة:
_مالك، سرحت في أيه؟
هز كتفه وهو يخبره بسخرية:
_حاسس أني قولت الكلمة دي قبل كده!
ضحك موسى وهدر ساخطًا:
_شكلك بتاع نوش، ومبيهمكش!
********
أعاد الطرق الخافت على باب المنزل، بينما يمسك بين كفيه المفتاح، تردد كثيرًا بفتح الباب، وكأنه يحاول أن يخبر ذاته أنه لا يحق له ذلك، مع أن له كامل الصلاحيات لذلك.
وبعد تفكير اضطر "آيوب" باستعمال مفتاحه الخاص، وما أن حرر الباب وولج للداخل، حتى وجد مصطفى يجلس على مقعده، يراقب الباب بكل لهفة، وبات أمر انتظاره لأن يستخدم آيوب المفتاح أمرًا مكشوفًا إليه.
لوهلة إرتبك آيوب، رغمًا عن أنفه أصبحت علاقته بمصطفى وآدهم أقوى مما تخيله سابقًا، وبدون تعمد منه بدأ يحطم القيود واحدًا تلو الآخر، حتى بات جزء بداخله يتقبل مصطفى بكل كيانه.
تنحنح بخشونة وهو يفيق من شروده، ثم قال:
_خبطت كتير ومحدش سمعني، فخوفت آدهم يتأخر على معاد الدكتور.
منحه مصطفى ابتسامة واسعة:
_وتخبط ليه يا حبيبي، ما انا مديك المفتاح وقايلك ده بيتك تدخل وتطلع منه وقت ما تحب.
طالعه بنظرة متوترة، اختصرها بقوله المرتبك:
_عارف، بس مبحبش أستخدمه عشان لو شمس تحت مش حابب أحرجها.
رد عليه وهو يدنو بمقعده المتحرك تجاهه:
_وحتى لو مرات أخوك كانت تحت، ده بيتك وليك فيه زي ما آدهم له بالظبط.
وأضاف في محاولة لقطع توتره:
_متقلقش شمس مبتنزلش من فوق غير بحجابها، إنت ناسي أني موجود هنا ولا أيه؟
حرك رأسه وقطع حديثهما الغير مرغوب فيه، متسائلًا:
_غريبة إن آدهم منزلش، ده لسه مكلمني وقالي إنه جاهز!
اقتحم صوت توقف المصعد اجتماعهما، وخرج منه آدهم يتحرك وكأنه يرى كل العوائق أمامه، اختباراته طوال الفترة الماضية جعلته متمكنًا من خطاه وطريقة تعامله.
رنا إليه آيوب، يردد باعجاب:
_أيه الشياكة دي كلها يا سيادة المقدم! قولي إنت ناوي تتجوز مرة تانية ولا حاجة؟
ابتسم آدهم وقال يحذره:
_إذا كنت جاي وفي نيتك تقيم عليا الحد، فأجل نيتك لإن شمس بايتة عند فريدة هانم النهاردة، فتقدر تعدي علينا بكره يا بشمهندس.
تعالت ضحكات آيوب، وعقد العزم مصرحًا:
_عنيا بكره هجيلك وكلي نية وعزيمة.
تشاركا الضحك ومصطفى يراقبهما بحبٍ وسعادة، كم يود أن يظل كلاهما جواره لأخر أيام حياته المتبقية، ولكن يكفيه رؤية آيوب باستمرار، وبدون أن يكون بينهما أي قيود.
صعد آدهم برفقة آيوب، الذي تناول منه مفتاح سيارته الخاصة، ليقودها آيوب مثلما إعتاد، وما أن خرج من محيط المنزل حتى استدار يخبره:
_ليه خبيت على مراتك وباباك إنك رايح تعمل العملية النهاردة يا آدهم؟!
نزع آدهم نظارته السوداء، وأجابه بينما يميل لنافذة السيارة:
_هو أنت مش كنت معايا وسمعت الدكتور عمر الجارحي وهو بيأكدلنا إنها مش عملية بالمعنى، فمش مستاهلة أقلقهم عشان موضوع بسيط زي ده.
رد عليه بعدم اقتناع:
_بس الأحسن إنهم يعرفوا، حتى لو الموضوع بسيط زي ما بتقول الاسم إنها عملية وبالليزر!
تنهد والحزن يتعمق على ملامحه الوسيمة:
_شمس بعد اللي حصل مع عُمران مبقتش متحملة حاجة يا آيوب، وبابا زي ما أنت شايفه، صحته مش مستقرة، كده أحسن صدقني.
واستطرد بابتسامة جذابة:
_وبعدين إنت معايا وده كفايا أوي عندي.
انجرف بالسيارة للطريق الصحيح وأجابه بكل ثقة:
_جنبك ومعاك على طول يا حضرة الظابط.
وأضاف مازحًا:
_بس لما تتقفش معرفكش، خليك فاكر أني قولتلك تبلغ شمس وإنت اللي رفضت هاا؟
ضحك بصوته الرجولي وقال:
_عارف أنك هتبعني ومش هتحتاج لأي قلم!
*******
خرجت من المشفى برفقة فاطمة وزينب، وعادت برفقتهما لقصر عائلة "الغرباوي" الذي لم يسكنه عُمران قط، صعدت "مايا" لجناحها باهتة، فاقدة لمذاق الحياة، كأنما تُساق لمثواها الآخير.
استقرت بفراشها كالجثة الهامدة، بينما عينيها تتعلق بالخزانة الموصودة من أمامها، تستعيد ذكرياتها الاخيرة برفقة زوجها قبل رحيله، ليتها اوقفته ومنعته من الرحيل، فإن كانت تعلم بأنه سيكون لقائهما الاخير لما كانت سمحت له بالرحيل عنها أبدًا.
******
بالاسفل وبالأخص بغرفة المكتب المخصصة لأحمد الغرباوي.
حملت "شمس" كوب المياه لوالدتها التي جلست على المقعد ترتجف برعبٍ، بينما يحاول "أحمد " السيطرة على غضبه الجحيمي، الاجواء توترت بأكملها منذ رحيل والد "مايا".
أبعدت" فريدة"يد ابنتها قائلة بانهيار:
_مش عايزة أي حاجة يا شمس.
وتطلعت تجاه زوجها تناجيه ببكاء:
_هنعمل أيه يا أحمد؟ عثمان مش هيسكت، وهيجبر ميسان تمشي معاه.
أبعد يديه عن وجهه، وقال بغضب:
_أنا مش قادر أفهم ده أب إزاي ده؟!! عايز يتأجر ببنته ويجوزها باقرب وقت، ده حتى مش مهتم بمشاعرها ولا بالحالة الصحية اللي بتمر بيها!!
انهمرت دمعات شمس على وجهها، ورددت بصوتها المبحوح:
_طيب هو مفيش أي حل نمنعه يعمل كده يا أنكل، إحنا مبقاش لينا من عُمران غير البيبي اللي في بطنها، لو عمل كده هيحرمنا منه.
زم أحمد شفتيه بضيق، وقال:
_عثمان طمعه عميه يا شمس، حاسس إنه ممكن يعمل أي حاجة عشان يكون في نسب بينه وبين "سلطان المُحمدي"، واهي فرصته وجاتله على طبق من دهب، هيعرف يستغلها كويس حتى لو التمن خسارة مايا لابنها!!
بعدت فريدة المقعد عنها وصرخت بجنون:
_على جثتي لو لمس شعرة واحدة من حفيدي، أنا عايشة على أمل إنه هيداوي جزء بسيط من وجعي الكبير على ابني، أنا هعرف أوقفه عند حده.
وقف أحمد قبالتها، وقال بصوته الحنون:
_فريدة حبيبتي ممكن تهدي شوية، لا أنا ولا علي هنسمحله بكده، حتى لو اضطرينا نهرب مايا في مكان ميعرفوش الجن الازرق.
استدارت تقابله بوجهها الشاحب ووزنها الذي ضعف تأثرًا بحزنها الشديد على ابنها:
_ده مش حل يا أحمد، الهروب حل مؤقت.
وتابعت وهي تخرج من الغرفة بعزمٍ:
_وأنا مش هقبل أعيش في توتر وخوف من اللي ممكن يعمله بعد كده، مفيش غير علي اللي هيقدر يمنع كل ده.
قالتها وانطلقت خارج الغرفة، تاركة شمس مندهشة من حديثها، بينما جحظت عيني احمد بصدمة من تحليله لمغزى حديثها، فاذا به يركض من خلفها وهو يناديها بعصبيةٍ:
_فريــــــــدة!
********
ولجت فاطمة لجناح مايا، رفعت الستار المحاط للشرفة الزجاجية بالريموت المتحكم بالغرفة، واتجهت للفراش تخبرها بابتسامة رائعة:
_أنا حضرت فطار ملوكي على التراس، وقولت أستغل فرصة إن شمس هنا وعلي، هنتجمع وهنفطر مع بعض وقبل ما تعترضي فأنا مش هقبل أي اعذار منك، هتقومي حالًا معايا.
تنهدت مايا بقلة حيلة، بينما تساعدها فاطمة بأن تخفض ساقيها، وتجذب كفيها حتى استقامت بوقفتها، فحاولت أن تستميلها قائلة بتعبٍ:
_ماليش نفس يا فاطيما.
تابعت المضي بها للشرفة التي تتصل بالتراس المحاط لجناح عُمران وجناح علي:
_قولتلك مفيش أي أعذار، وبعدين أنا عايزاكي تشيدي حيلك شوية عشان تنزلي معايا تساعديني في الشغل.
وأستكملت وهي تستكمل بطريقها لمساحة التراس حول جناحها:
_أنتِ عارفة أن النهاردة أول يوم هينزل فيه البشمهندس جمال معانا، يدوب هفطر معاكم وهنزل عشان أساعده، متحمسة أوي نستكمل المشاريع اللي كان عُمران الله يرحمه شغال عليها.
توقفت مايا عن المضي قدمًا وشددت من كفها المستند على كف فاطمة، ثم رفعت عينيها لها بنظرة معاتبة بينما تصحح لها:
_متطلبيش الرحمة لشخص حي يا فاطمة، أوعي تتكلمي عن عُمران قدامي تاني بالشكل ده!
وتابعت بقوة ونظرة ثقة:
_أنا جوزي عايش وراجع!
ارتبكت "فاطمة" قبالتها، وخاصة مع استرجاعها لتحذيرات "يوسف" المشددة، فعادت تتشبث بكفها هاتفه بتوتر:
_أنا أسفة مقصدتش يا حبيبتي!
تقبلت اعتذارها، ومضت برفقتها تحاول أن تحتمل حجم الألم القابع بداخلها، ترى الجميع يتقبل موت زوجها، حتى خالتها منذ أن رأتها اليوم بتلك الحالة الهزيلة، رؤية وجهها المنطفئ أكد لها ما تعانيه وتتقبله.
مضوا معًا حتى وصلوا للطاولة التي أعدتها فاطمة، والتي تقابل الباب الزجاجي الخاص بشرفة جناحها، فما أن وصلت كلتاهما للمكان حتى تلصص لهما صوت علي الغاضي، وهو ينطق بعصبيةٍ:
_أنا مش مضطر أنفذ اللي بتأمريني بيه ده يا فريدة هانم، أنتِ بقرارك ده بتدمري العيلة كلها، أنا مش متخيل إنك إنتِ اللي بتطلبي مني حاجة زي دي!!!
تطلعت فاطمة لمايا بدهشة مما يحدث، واقتربت الاثنتان معًا للجناح، في محاولة لفهم ما يحدث بين فريدة هانم وعلي الذي اهتز القصر لصوته المنفعل لمرته الأولى.
بينما بداخل جناح علي الخاص.
وقف قبالة والدته مصعوقًا مما تمليه عليه، مازال يجاهد لأن يتفهم ما قالته للتو، ألا يكفيه ما خاضه منذ فقدان أخيه حتى تلك اللحظة!!!
دنى أحمد منها يحاول أن يحجب عنها تلك الفكرة الزريعة، فهمس بصوت غير مسموع الا لها:
_كفايا لحد كده يا فريدة وإخرجي معايا بهدوء، حرام عليكِ الولد مش متحمل إنك تضغطي عليه أكتر من كده.
انتشلت ذراعها منه واتجهت تقابل علي بوقفته، تخبره بصوتٍ باكي:
_عُمران لو كان مكانك مكنش أتردد ثانية واحدة، كان هيعمل أي شيء في سبيل إنه يحمي مراتك يا علي!
تحرر عن هدوئه الرزين وصرخ بكل طاقته:
_كفـايا، من فضـلك كفايـــــــا، إنتِ مش متخيلة بطلبك ده عملتي فيا أيه؟
ردت عليه بحزن:
_مفيش قدامنا أي حل تاني.
أجابها باستنكار:
_هو ده حل!! إنتِ بتحكمي عليا وعليها بالموت، مايا عايشة على أمل واحد وهو رجوع عُمران، فبأي حق عايزاها تكونلي زوجة؟!!!!!
بمجرد نطقه لتلك الكلمات التي برهنت سبب الشجار العنيف بينهما، توقف كل شيء من حولهم، الا صوت ارتطام هاتف فاطمة عن يدها، ملامسًا أرضية الجناح البيضاء، معلنًا عن تمزق قلبين من خلفهم، قلب زوجته التي كرسته لنفسها، لدرجة جعلتها لا تود تخيله برفقة امرأة غيرها، وقلب زوجة أخيه تلك العاشقة التي عشقت أخيه منذ الصغر، ولم يكن حبها مراهقًا، بل كان وسامًا حاربت لأجله ألف معركة، أثبت فيها إليه وإلى الجميع كم أنها عاشقة تصون عشق عُمران الغرباوي حتى أخر قطرة دماء تسري بدمائها!
استدار علي يبعد خصلات شعره الطويل المندثر على عينيه، بينما يضم شفتيه بين أسنانه، يبث فيهما كل الغضب المكبوت بداخله، حتى كاد بأن يدمهما، وضعته والدته في أصعب تجربة قد يخوضها يومًا، لقد كان يجاهد ذاته، يبث في كل من حوله الادارة لعودة الحياة شبه طبيعية للجميع.
منذ رحيل أخيه والجميع من حوله يموتون بالبطيء، زوجته، والدته، شقيقته، أصدقائه، الجميع يتمسحون فيه حبًا بأن يكون العون والداعم لهم، وبينما يضمد جرح ذاك وهذا نسى أنه يمتلك الجرح الأكبر، تناسى ذاته لدرجة أنه بات كالورقة الهاشة بين لهيب الرياح القاسية، وأمواج المياه العاتية، وبينهما هو قتيلًا لا محالة!
لم يتركوه يئن في صمتٍ، فزادت والدته من حجر العقدة على رقبته، وبات الآن في صراعٍ بين وجع زوجته ووجع زوجة أخيه في تلك اللحظة!!!!
"علي" القوي بات لا يملك الا قلة حيلته! ، ينساب خلف الهدوء الذي غمر جناحه، الا من دقات حذاء مايا التي تقترب لتقف في مواجهة فريدة، تسلط عينيها الجاحظة إليها، وتساءلت وتأثير الصدمة مازال قائمًا عليها:
_حضرتك كنتِ بتقولي لعلي أيه؟
سقطت دموع "فريدة" في خزي، ولكنها لا تملك الا هذا الأمل المتبقي، ماذا عساها تفعل ووجود الجميع حولها لم يعوضها عن فقدان فلذة كبدها، ماذا ستفعل إن كان هناك ما يهددها بأن يفرق ابنه عنها؟ ماذا ينبغي لها أن تفعل وقد ارتكنت آلامها وأوجاعها على أن يخفف صغيره عنها! ماذا تخبرهم؟
هل تخبرهم أنها تترقب لحظة ولادة زوجة ابنها بصبرًا لا يطاق، ترسم كل يومًا صورة لمن تحمله، وتدعو الله أن يكون شبيه ابنها فيعوضها عنه.
صمتها جعل "مايا" تهز يدها وتعود لسؤالها:
_ممكن تجاوبيني، أنا سمعت غلط صح يا خالتو!!! ردي عليا من فضلك؟
رنت منها شمس الباكية، تضمها بحنان وتحاول سحبها خارج الجناح:
_تعالي معايا يا مايا، أنتِ سمعتي غلط، مامي مش قصدها كده.
أبعدت شمس عنها، وعينيها لا تفارق عيني فريدة الباكية، تنتظر اجابة سؤالها، فحررت لسانها الثقيل تخبرها ببكاء:
_مفيش حل تاني غير ده يا مايا، علي الوحيد اللي هيقدر يحميكِ، إنتِ وابنك محتاجين ليه، عشان كده أخدت القرار ده، إنك تنجوزي عـ..
بترت حديثها حينما صرخت فيها مايا بصوت قد بُح تأثرًا بانهيارها:
_متكمليـــش، أنا مش قادرة أصدق أنك استسلمتي بالشكل المهين ده، خلاص صدقتي أن ابنك مات ومش راجع!!! صدقتي وبتقكري تجوزيني لابنك التاني؟
ونقلت بصرها بصعوبة لعلي الذي مازال يوليهم ظهره بصمت:
_عايزة تجوزيني لأخويا الوحيد يا فريدة هانم!!
وعادت تصرخ بجنون:
_عايزة تجوزيني وجوزي حي!!! إنتِ جايبة الجبروت ده منيـــن؟!
انهارت فريدة كليًا وحررت ما حُشر داخلها:
_ابني مـات يا مايا، سامعـــــــــة عُمران مــــــــــات ومش راجــــــــع تاني، فوقي من الوهم اللي إنتِ فيه ده.
ضمها أحمد وسحبها للخلف عن مواجهة مايا، وهو يترجاها بدموعٍ انشطرت دون ارادة منه:
_كفايا يا فريدة، البنت مش متحملة.
استدارت تقابله بنظرة مستنكرة، كأنها تصرخ فيه لرؤية وجعها هي الاخرى:
_ولا أنا متحملة كل اللي بيحصلي ده يا أحمد، مايا لازم تفوق وتفهم إن عُمران لو عايش مستحيل يقبل يعيشنا في العذاب اللي احنا فيه ده، عمران أحن من إنه يسيبنا نموت بالبطيء كده، الحاجة الوحيدة اللي ممكن تعجزه وتخليه بعيد كل المدة دي هي الموت اللي بدأت أقتنع بيه ولازم هي كمان تقتنع بيه وتنفذ اللي أنا بقوله.
وتابعت وهي تتطلع تجاه مايا التي مازالت صامدة بوقوفها قبالتها بينما من خلفها على مسافة بعيدة تضم فاطمة بطنها المسطح وتراقب المشهد بآعين دامعة لا تستوعب ما تراه، فأخر ما تتوقعه أن يتزوج علي لمرته الثانية، ومن؟ صديقتها وشقيقتها!!:
_اسمعيني يا ميسان، أنا ربيتك زي شمس بنتي بالظبط، وطول عمري بدور على مصلحتك، زمان واجهت ابني بكل قوتي عشان أحمي حبك، ودلوقتي جوازك من علي هيحميكِ إنتِ واللي في بطنك.
انتقلت مايا من محل وقوفها، بخطوات بطيئة، حتى توقفت قبالة فريدة التي يحاوطها أحمد بذراعيه ومازال يلتصق بها، خطفت نظرة ساخرة لأحمد الذي طالعها باستغراب، وعادت تتمعن بآعين فريدة التي تحاول هي الآخرى فهم ما تود فعله، حتى ترنحت كلماتها لتقسم قلب فريدة:
_هو إنك تعيشيني نفس اللي عيشتيه قبل كده ده بتسميه حب!!! زمان أنتِ اتجبرتي تتجوزي أخو الشخص اللي بتحبيه، وقبلتي بالحياة اللي عيشتها، لكن مش أنا الست اللي مخلوق يقدر يجبرها على حاجة مش عايزاها يا فريدة هانم!
اهتزت فريدة غضبًا بين ذراعي أحمد، لقد مسها خنجر مايا باجتيازٍ، بينما تستكمل قائلة:
_ولو كلامك صح وجوزي مات هعيش مخلصة ليه لأخر نفس خارج مني، وصدقيني لو سمعتك بتقولي كده تاني هحرمك من حفيدك العمر كله، واعتبري إنك دفنتي بنتك مايا جنب ابنك اللي شايفاه خلاص مات ومش راجع.
رفعت كفها لتهوى على خدها بكل قوة وهي تصرخ فيها:
_اخرسي، إنتِ ازاي تتجرأي وتكلميني بالشكل ده، إنتِ فاكرة أني هسكت على وقاحتك، قولتلك إنتي بنتي يعني لما تقللي احترامي هرفع ايدي عليكي وهعرف ازاي أربيكِ من تاني!!
أمسك علي كف يدها قبل أن تمس وجه مايا، وهدر بهدوءٍ يخفي تعبه الشديد من خلفه:
_فريدة هانم المهزلة دي لازم تقف وفورًا، كفايا بقى، اللي بتقوليه ده مش هيحصل، ولو خايفة على ابن عُمران ومراته فأنا أفديهم بروحي لو تطلب الامر، أنا عليا مسؤوليات تجاههم، هنفذها كلها بدون جواز.
تطلعت له بنظرة غاضبة، بينما تعود ببصرها تجاه مايا التي تتطلع لها بعناد وشراهة، ثم قالت:
_هتتجوزها غصب عنك وعنها يا علي، والا وأقسم بالله هسيبلكم البيت كله ومحدش هيقدر يوصلي، هروح زي ما راح عُمران، أنا خلاص تعبت ومش متحملة كل التهديدات دي.
وتركتهم وغادرت بينهما تنساب مايا خلف لفظ "تهديدات" فبماذا تقصد؟!
ولكن ما حدث لها بتلك الاحداث الغير متوقعه بالمرة جعلها لا تود أن تستهلك تفكيرها بشيء، سوى الفرار من هنا، هي الأحق بالعلم بأن فريدة ستنفذ ما قالته دون أن يتمكن أي أحدٌ من إيقافها.
اقترب علي منها وقال بحزنٍ:
_مايا أنا بعتذرلك على الكلام اللي قالته فريدة هانم وآ..
أشارت بكفها توقفه عن استكمال حديثه، ورددت بحزمٍ وكره شديد:
_من اللحظة دي مش عايزة أشوفك جنبي بأي شكل من الاشكال، الظاهر إن صورة فريدة هانم اكتملت بوجودك جنبي طول الفترة اللي فاتت، فأوعى تقرب من مكان أكون فيه.
وتركته وغادرت من الجناح بينما شمس تلاحقها، اختار علي أقرب مقعد له، يحرر جسده باهمالٍ على سطحه، يشعر بأنه سيفقد الوعي بين لحظة والآخرى.
حانت منه نظرة جانبية تجاه زوجته التي تتطلع للفراغ ودموعها تنهمر في صمتٍ تام، تشعر وكأن جسدها قد تحجر بمحل جلوسها، وبصعوبة تحرك رأسها تجاه علي، وجدته يستند على ساقيه بجسده العلوي، رأسه مطموس أرضًا، يحاول أن يستمد كل القوة الهادرة عنه ليضمد جرح زوجته، ولكن كعادته يتناسى جرحه الغائر بين محيط صدره، وبينما ينهض من محله حتى يتجه لها، أحاطه الدوار الشديد وسقط على المقعد بعنف جعل فاطمة تهرع إليه وهي تناديه بألـــمٍ:
_علــــــــــي!!
انحنت قبالته تحاول رفع رأسه للاعلى عن ساقيه، مال على كتفها وهمس بضعفٍ:
_مش قادر يا فطيمة، كل ده كتير وخارج عن مقدرتي!
تساقطت دموعها وهي تراه يميل عليها، أزاحت دموعها وجلست على مسند المقعد الجانبي، تسمح لرأسه أن يميل على ساقيها، بينما تمرر يدها على رأسه، وبصعوبة تمكنت من الحديث:
_لو جوازك منها فيه حماية ليها ولابنها من شر ابوها، اتجوزها يا علي.
رفع رأسه عن ساقيها لها، يطالعها بدهشةٍ، بينما يحرر صوته المكبوت خلف أنفاسه العالية:
_بتقولي أيه يا فطيمة؟ مايا أختي متنفعنيش بأي شكل، عايزاني أقول أيه لعمران لما يرجع؟؟؟
تمعنت برماديتاه المتألمتان بينما تجاهد لسؤاله:
_علي أنت لسه عندك أمل أنه يرجع؟
شرد بسؤالها قليلًا لقد مضى شهرًا كاملًا ولم يعود شقيقه، شهرًا كان أصعب عليه من الموت، عاد يتطلع لعينيها وقد سقطت دموعه الآن:
_لو الأمل ده اتقتل جوايا هموت يا فاطمة! أنا بوهم نفسي إنه عايش مع إن كل حاجة بتأكدلي إنه مات، أنا هنا في البيت ميت من وجعي لما بشوف ماما وشمس ومايا، وبره البيت لما بخرج عشان أتنفس شوية بموت ألف مرة وأنا شايف أصحابه بيتمسحوا فيا عشان يحسوا بوجوده!!! كل شيء حوليا بيطالبني برجوعه، كل شخص أتعامل معاه وشاف منه شهامة أو خير، عنيه بتسألني عنه قبل لسانه، وأنا عاجز ومش قادر أقولهم إني حتى معرفش لأخويا قبر أزوره فيه!!!!!
وعاد يتمدد على ساقيها وهي يبكي بانهيارٍ:
_كلهم بيزدوا من وجعي ومحدش حاسس أنا بمر بأيه، انتهت الحروب بره ودلوقتي دور حرب فريدة هانم!
ضمته فاطمة وهمست له:
_إرتاح يا علي، أنا جنبك ومش هسيبك، ومعاك في أي قرار هتأخده.
جذب يدها يلثم باطنها بحبٍ، وعشقًا، بينما بداخله يهتف في وعيدٍ :
_الظاهر إن طيبتي مش هتجيب نتيجة معاك يا عثمان ولازملك ضربة تهد حيلك، عشان تحس أني أسوء من عُمران!
********
استمتع عُمران بقضاء أغلب وقته برفقة موسى، اندمج معه بالحديث سريعًا، وها هو يشاركه بتناول طعام الغداء، داخل الورشة الصغيرة، تناول عُمران من طبق الكشري المصري، وسأله بايجاز:
_تعرف حد نستبدل منه الدولارات.
رد عليه موسى وهو يلتهم العلبة الثانية من أمامه:
_تقصد تفكها يعني، عمومًا آه يا سيدي أعرف، بس امسك ايدك شوية ومتفكش المبلغ ده كله على اللبس!
وتمتم وهو يراقب طريقة طعامه الراقية:
_أما أنت بني آدم عجيب!
منحه عُمران نظرة ساخرة وقال:
_وهي طريقتك المقززة دي اللي طبيعية يعني؟
أكد له وهو يقرب الطبق إليه بينما يتلقف بالملعقة كمية كبيرة:
_طبيعية أوي يا عم، أنت اللي ابن ذوات خد مني ومتراجعش ورايا.
وضع الملعقة من يده، وقال:
_طيب قوم يلا نروح نـغير الفلوس، ويا ريت تشوف صابر معانا.
سحب المنشفة يجفف يده وهو يخبره:
_هكلمه وأحنا على الطريق يقابلنا في المحل هناك.
حرك رأسه وانتظر حتى خرج فاتبعه للخارج، فإذت بموسى يستدير وهو يتمتم بسخط:
_يادي النيلة، هو يوم مش باينله ملامح.
راقب عُمران ما يقصده بحديثه، فاذا بفتاة تقترب منه وتناديه بضجر:
_يا اسطــا موسى، يا اسطـــــــــــا!!!
ابتسم عُمران وهو يراقب ما يحدث باستمتاعٍ، بينما يدعي موسى انشغاله بمسح السيارة التي تقابله، فمال إليه عمران يسأله بحاجب مرفوع:
_طليقتك؟
أجابه بنبرة شبه مغتاظة:
_لا دي عملي الاسود بعيد عنك وعن السامعين.
وما كاد بالحديث، فاذا بها تقترب إليه وتناديه بغضب:
_لا بقى ده أنت محتاج تكشف على ودانك، كل ما أجيلك أناديلك تعمل أنك أطرش ومش سامع!
القى موسى المنشفة واستدار يهتف بنزق:
_خير يا أبلة، حد من الابلوات اللي معاكي في المدرسة عربيته عطلت ومش لاقيلها بطارية، ولا شوقك هفك لعربية المرحوم؟
عبث عُمران بدهشة من طريقة حوارهما السوقي، بينما تجيبه الفتاة بحدة:
_مش هرد عليك، هو اللي زيك ده يترد عليه بأيه، عمومًا أنا كنت جاية أفكرك إن قمر عندها امتحان بكره عندي، فلو مجتش مذكرة كويس هاجي بعد بكره أشد في خناقك، ياريت تفوق شوية لبنتك ودروسها بدل طولة لسانك ده!
قضم شفتيه السفليه بغيظ منها، فسحب المفتاح الحديدي المجاور لعمران واتجه إليها، فاذا بقوة خشنة تسحبه للخلف، ليتفاجئ بقبضة يد عمران تعتصر كفه بقوة ألمته وجعلته يصيح بوجعٍ:
_ايدي يا خواجة!
سحب عمران ما بيده ببراعة، وصاح فيه بذهول:
_إنت مش بس بني آدم مقزز إنت طور وطايح ومفيش عندك أدنى رقي بالتعامل مع الجنس الناعم.
وتابع وهو يقف قبالته يمنعه عن صباح التي تشاهد ما يحدث عن كثب:
_هي المرجالة أنك تمد ايدك على البنات يا آآ يا أسطى!
ضحك مستهزءًا:
_وهي دي بنات! دي عقربة بسبع تلسنة.
صاحت فيه صباح بغضب:
_عقربة لما تنهشك حي يا بعيد.
أبعد ذراع عمران وراح يحذرها:
_خديلك راجع عني يا أبلة، هقل بيكِ صدقيني.
وتابع باستنكار:._وبعدين بنتي وأنا حر فيها، مش عايز أعلمها الانجليزي يا ستي أنا حر!!
صاحت فيه متحدية اياه:
_لا مش حر، أنا مربياها معاك وليا فيها زي ما ليك، وبعدين لما أنت مش أد المسؤولية بتتجوز ليه! ويا ريتك عندك ذوق، ده أنت رافع مناخيرك لسابع سما لحد ما ربنا اداك من وسع، ووريتك النجوم في عز الدهر.
ابتسم عُمران بخبث وقد تحلل له غيرتها وحبها الصريح لذاك الأبله، الذي يود أن يبعد ذراعي عُمران عنه ليتمكن منها، بينما يصيح:
_وأنت مالك بيا يا أبله، أن شالله اتجوز ألف، شغاله بالك بحالي ليه؟
لكمه عمران بقوة أسقطته أرضًا داخل ورشته واتجه يقابل صباح بينما يتابعه موسى بصدمة، وهو يخبرها برزانة:
_انا بعتذر لحضرتك على أسلوبه الفظ ده، واوعدك إن قمر هتيجي بكره مذاكرة كل دروسها أن شاء الله.
منحته ابتسامة هادئة وقالت برقة على غير عادتها:
_مفيش داعي للاعتذار يا آآ... هو حضرتك اسمك أيه وتقرب للاسطا أيه؟
صاح موسى بغضب وهو ينفض ثيابه:
_وإنتِ مالك يا أبلة، هتطلعيله بطاقة؟
تجاهلته عن عمدٍ وقالت:
_أكيد لازم اعرف لان بعد كده التعامل هيكون مع الشخص المحترم ده مش معاك يا دبش.
ابتسم عُمران وقال بخفة:
_انا صديق الدبش ده، وإسمي حاليًا معرفوش بس تقدري تناديلي خواجة زي ما الدبش بيناديلي.
اتجه له موسى يصيح بعنفوان:
_دبش، دبش ما تخف من الفاظ الابلة أم لسان طويل دي!
دفعه للخلف بحركة أضحكت صباح، وقد راق لها رؤية شخص يفوقه قوة وتحكمًا به، بينما يشير لها عمران بتهذبٍ:
_اتفضلي حضرتك عشان متتعطليش وانا على وعدي.
أشارت له بخفة، وقبل أن تصعد للدرج عادت تناديه:
_خواجة.
استدار عُمران لها بتعجب، فقالت وهي تخطف نظرة لموسى الذي يكاد ينصهر من فرط الغضب:
_بلغه أن قمر عندي، لما يخلص ويطلع يرن الجرس وأنا هطلعها ليه.
هز رأسه بينما تغادر للاعلى بخفة، استدار عُمران يقابل ذلك الذي بتطلع له بغضب، فابتسم وهو يسأله بخبث:
_مرتبطة الأبلة دي يا دبش؟
احتقنت معالمه بغضب شديد، بينما يشير للفتى أن يتوالى المهام عنه، واتجه يقابله في وقوفه قائلًا بضجر:
_والدبلة اللي في ايدك دي وضعها أيه؟
زوى حاجبيه ببراءة خبيثة:
_مش أنا مسلم، يبقى مثنى وثلاث ورباع!
ربت على كتفه بقوة عنيفة:
_جايز لما ترجعلك الذاكرة تلاقيهم سبعة وينفجروا في وشك إن شاء الله... امشي خلينا نلحق حمص.
ضحك وهو يشير له:
_على حد علمي أنك مش طايقها، بس أنا ليه شامم ريحة شياط، هو إنت بتولع ولا أيه يا أسطى؟
استدار إليه يخبره بسخرية:
_شياط! لاااا آنت فهمت غلط، أنا توبت عن صنف الحريم كله.
استرعى عمران حديثها، فتساءل بجدية:
_هي ليه كانت بتقولك إنك باصص فوق؟!
ابتسم بوجعٍ وهو يخطو جواره حتى يشاركه بالحديث:
_قصدها جوازتي من أم قمر، أصلي اتشديت للعود الأمريكاني، وقولت أجرب حظي، بس طلع فقر بعد كده.
ضيق رماديتاه بضيق:
_مش فاهم كلامك!
قال يوضح له:
_اتجوزت واحدة بنت ذوات، كانت بتعمل عندي عربيتها وعجبتها وعجبتني، زي ما تقول اتشدينا لبعض، هي أول مرة تشوف واحد من الاحياء الشعبية وأنا كذلك، اتشديت ليها وكنت فاكرها حاجة مختلفة عن بنات الحتة، كتبت عليها واتجوزتها، بس بعد كده اكتشفت إني كنت غلط لما قررت أتجوزها.
اهتم عُمران لحديثه، وراح يتساءل:
_ليه؟
توقف عن استكمال طريقه وواجه عمران يجيبه وهو يبتلع غصته:
_حنت لعيشة العز في فيلا أبوها، ومقدرتش تعيش معايا يا خواجة، اتضح إن كلام الحب والغرام اللي كانت بتقوله كان كله متفبرك، وفوق إهانتها ليا كانت بتاخد حبوب لمواخذة لمنع الجمل، بس ربك لما يريد بقى، حملت وكانت عايزة تسقط نفسها عشان خايفة ان الحمل يبوظ جسمها البلاستك، بس على مين حبستها في الشقة لحد ما ولدت غصب عنها وعن شنب ابوها، وبعد كده رميتها زي الكلبة.
واضاف وهو يطالعه بنظرة حزن تظهر لمرتها الاولى:
_كنت فاكر إن غريزة الامومة هتنقح عليها وهتجيلي جري تبوس رجليا عشان تشوف بنتها، معملتهاش ولا مرة، اتجوزت واد من العيال التوتو دول وسافرت معاه دبي، وزي مانت شايف انا بقيت الاب والأم لقمر بنتي.
أدمعت عيني عُمران تأثرًا به، بل صاح له باتسامة جذابة:
_اللي عيشته في حياتك كان مقسوم ومفروض عليك يا موسى، وبالرغم من إنه ممكن يكون جانب اسود من ذكرياتك بس هتلاقي الجانب الأبيض يتلخص في قمر بنتك، وعلى فكرة أنتأب عظيم وأنا باللي سمعته ده زدت فخر واحترام ليك، واحد غيرك كان اتجوز وعاش حياته ولا همه مشاعر بنته، لكن إنت معملتش كده وفضلتها حتى على نفسك، حاربت من وهي في بطن مامتها لحد ما اتولدت للدنيا، أنت كنت محارب وأب يا موسى فأوعى تزعل أبدًا.
رمش بعدم استيعاب لما يستمع إليه، كان يظن ما فعله أمرًا عاديًا، حتى سلط له عمران على الجانب الايجابي بشخصيته المظلمة، بينما يمسد على كتفه وقال يمازحه:
_بس ده مش مبرر يخليك تتدنى في معاملة الستات بالشكل ده، موسى انا قرفت من طريقتك مع المس صباح! حسيت إني شوية وهمد إيدي عليك.
احتقنت معالمه، وقال وهو يتطلع لاصابته:
_ودي هتعملها لوحدك ولا هتشوف حد يساعدك؟
منحه نظرة باردة واستكمل طريقه مبتسمًا بخبث:
_إسأل أمك!
واستدار يسأله باهتمام مضحك:
_قال قولي يا موسى هو إنت الحيلة ولا ماما مخلفة دبش غيرك؟
كبت ضحكاته وقال يجيبه:
_الله يرحمها ملحقتش تجيب غيري، جابتني واتكلت على طول.
ربت على كتفه وهو يهتف:
_ربنا يرحمها ويصبر قلبك، بس خد بالك من لسانك مع المس بعد كده، لتسحبك من لسان أمك ده وتتدفن جنب الحاجة بدري بدري.
توالت ضحكات موسى، وردد بعدم تصديق:
_أنت خواجة من العتبة يالا؟
هز كتفيه في حيرة، وخطى جواره، فقال موسى:
_أنت بني آدم محير، مش راسيلي معاك على بر، بس بنسبة كبيرة انت ابن ذوات، أصلي خبرة بعد معاشرة العقربة اللي اتجوزتها.
ضحك عمران على حديثه، وسأله بسخريةٍ:
_هو إنت كنت مقعدها على السطوح ومنتظر منها إنها تعيش معاك؟ مع إن على ما أسمع إن البيت كله بتاعك؟
هز رأسه نافيًا، وقال يوضح له:
_لا كنت مقعدها في الشقة اللي قاعد فيها صابر دلوقتي مع مراته الحرباية، انا اول ما عرفت هو عايز يتجوز مين اديته مفتاح الشقة وش، وطلعت انا وقمر عيشنا على السطح، حولته لمملكة وبقى احسن ميت مرة من الشقة العكرة دي، تحس إنها اتصممت للافاعي، عقبال ما يغورها هي كمان.
توقف عن الخطى وسأله باسترابة:
_أيه كل الكره ده! شكل الجوازة مش على هواك؟
ضحك وهو يهتف باعجاب:
_انت ذكي اوي على فكرة، بتلقطها وهي طايره، هنكمل كلامنا بعدين، احنا خلاص وصلنا.
راقب عُمران المكان من أمامه بدهشة، واستدار يخبره:
_وصلنا فين؟ دي جزارة يا موسى؟
هز رأسه بخفة، ورفع صوته عاليًا:
_يا حمــــــص، واد يا حمـــــــــص.
زوى حاجبيه بدهشة مما يحدث، بينهما يهسهس:
_حمص!!!!
*******
وقف يتابع العمل في اليوم الأول، بينما يميل بذكرياته لرفيقه، انسحب جمال من اجواء العمل الذي يضج بموقع المصنع، واختار الجلوس بسيارته، قبل ان يرى أحدٌ دمعاته، بينما يميل على دريكسيون السيارة وهو يهمس بانهيار:
_يا رب اجمعني بيه يا رب.
وسحب هاتفه يحرر الاتصال بيوسف وما ان استمع لصوته حتى قال:
_عملت أيه في الموضوع اللي كلمتك عنه امبارح يا يوسف؟
انغمس الحزن بصوت يوسف وهو يجيبه:
_كلمت السمسار وطلبت منه يدور على أرضية بالمساحة اللي إنت عايزها، بس قولي يا جمال، عايزة الارضية دي بالسرعة دي ليه؟ وليه بعت شقتك في زايد؟ انا مش قادر افهمك ولا أفهم دماغك!
رد عليه وهو يزيح دموعه:
_مفيش يا يوسف، انا كده كده مش مستفاد بالشقة بحاجة، صبا قاعدة في الشقة اللي اتجوزنا فيها مع أمي، ومبسوطة فيها، فقولت ملهاش لزمة يعني.
لم يتقبل اجابته، لانها غير منطقية، أو بالمعنى الحرفي أجاب عن نصف سؤاله، فعاد يكرره بشكلٍ آخر:
_طيب عايز الارضية بالمساحة دي كلها ليه؟ جمال خليك صريح معايا وبطل تلف وتدور عليا.
تنهد باستسلامٍ من إخفاء الأمر وقال:
_هعملها مسجد لعمران يا يوسف، إرتحت!
تحشر صوته بالبكاء، حتى أنه لم يستطيع الحديث، بل تحررت شهقاته واندمجت معها شهقات بكاء جمال، فاذا بيوسف يردد بصوت مكتوم ببكائه:
_ربنا يجعله في ميزان حسناته وحسناتك يا حبيبي، لو محتاج أي حاجة أنا معايا مبلغ في حسابي هنا في مصر، قولي وهحولك على طول يا جمال.
رد عليه وهو يجاهد الا يبكي:
_المهم بس تكلم السمسار ده، أنا كنت أقدر ألاقي حتة أرض بسهولة بس مشغول جدا في الشغل ومعنديش وقت لذا هعتمد عليك يا يوسف.
اجابه بود:
_متقلقش هزن عليه ليل نهار وقريب هجيبلك منه أخبار تسعد قلبك يا جيمي.
أغلق جمال الهاتف، وقاد سيارته للطريق السريع، حتى توقف أمام نفس الكوبري الغير مكتمل، بنفس ذات المحل الذي فقد فيه رفيق روحه، هبط عن سيارته واتجه يستند على مقدمتها، بينما تجوب عينيه المكان وتطلق دموع دون توقف، بينما يموج الألم بداخله، كالوحش المحتبس داخل قفصًا من حديد.
*****
ترك المياه تتغلغل داخل خصلات شعره الطويل، يتمنى من داخل قلبه أن تتمكن من اطفاء النيران المشتعلة داخل صدره.
سحب "علي" المنشفة الطويلة، يضعها من حوله، وخرج للجناح يسرع للهاتف الخاص بالغرفة الخاصة به، يحاول أن يمنعه من الرنين حتى لا تنزعج فاطمة التي غفلت للتو من شدة إرهاقها، فلقد فجأته اليوم بعد أن أراد أن يكون داعمها ومطيب جرحها الذي تسببت به والدته، فجأته هي وطيبت جرحه بل ولم تبدي أي من حزنها وجعها الشديد لما حدث اليوم، تفهمت كل ما يعاني منه وأرادت الا تثقل من همومه.
رفع علي السماعة، ليتفاجئ بالحارس يخبره:
_دكتور علي، مايا هانم لسه خارجة من شوية مع السواق الخاص بتاعها، وكان معاها شنطة سفر صغيرة.
ضغط على الهاتف بقوة، مال للأمام فجأة، وبصعوبة استحضر صوته:
_اتصل بيه حالًا إساله وصلها فين بالظبط، وابعتلي اللوكيشن.
قالها وأغلق الهاتف، بينما يركض لخزانته، جذب أقرب بنطال وقميصًا أسود، ثم طرح من فوقه جاكيته، وسحب أغراضه الشخصية بينما يركض لسيارته على الفور.
*******
تركهما بداخل المحل، وخرج على الفور قبل أن يُصاب بذبحة صدرية من الملابس المبالغ بها، خرج صابر يبحث عنه وما ان وجده بالخارج، أشار لموسى فخرج إليه يهتف في حنق:
_ده سادس محل ملابس ندخله وميعجيش جنابك حاجة، لا إنت تحط هنا وتسيبك من رافعة الحاجب دي.
أشار له بضيق شديد:
_أيه الاذواق دي يا بني آدم!! ده أغلب اللبس عليه malabis astrs (استرس ملابس) مبالغ فيه ومتنفعش للرجالة بأي شكل من الأشكال!
ضحك صابر وقال وهو يحاول أن يهدأ موسى:
_طيب بقولك أيه يا موسى، ما ناخده المول الفخم اللي بنجيب منه طقم العيد كل سنة لقمر، كنت لامح هناك كام محل رجالي فيهم لبس كويس.
رد عليه وهو يضع يديه بجيوب سرواله:
_ياض ده مش حاطط هنا هيصرف كل فلوسه على اللبس، وهناك أقل طقم معدي الألفين جنيه.
صاح فيه عُمران بغضب:
_وإنت مال أمك أنت هتدفعلي من جيبك!!! مش كفايا واخدني لواحد شبه رد السجون يغيرلي الفلوس وكمان إسمه حمص!!
انهار صابر، من الضحك، وقال يشاكسه:
_هو فعلا رد سجون بس طيب وقلبه أبيض ، ده حتى هو اللي نقلك معايا من المستشفى على الحي على طول، بس مرضاش ينزلك معايا قالي اتصرف وشوف حد ينزل معاك القتيل ده.
افرجت عينيه عن وميضٍ خطير وهمس بوعيد:
_وماله الجزارة بتاعته قريبة من ورشة موسى، بكره الصبح هروح بنفسي أشكره، لازم واجبه يوصله كامل.
تمتم موسى بانزعاج وهو يحاول أن يوقف سياىة أجرة مجددًا:
_طيب يلا يا عم منك ليه، واد يا صابر نبه عليه ميشتريش غير طقمين اتنين بس، كويس أصلًا إن الواد حمص مكنش معاه يغير الدولارات كلها، مع إني قلقان على ال١٢ ألف اللي معاه، ده مش شايل هم بكره نهائي.
ضحك عمران وأجابه بمكر:
_ما تقلقش عليا لما فلوسي تخلص هنزل أشتغل معاك في الورشة ياسطى.
استدار تجاهه ومنحه نظرة ساخرة ثم قال:
_هتجر علينا الحتت الناعمة بشكلك ده وأنا مبحبش الصنف الملزق ده، كفايا عليا اصطبحة الأبلة.
وعلى ذكر اسمها راح يهرول من أمامهما:
_انجزوا في يومكم ده، البت وراها امتحان بكره وإنت وعدتها انك هتذاكرلها، مش ناقصة طولة لسانها دي.
ضحك عُمران وصابر، ولحقوا به حتى صعدوا بإحدى سيارات الاجرة، حتى وصلوا للمول التجاري، ولجوا لاحدى المحلات، ولم يتمكن أحدٌ منهما من أن يقنعوه بطقمين من الملابس كالمتفق عليه، بل انتقى عدد من الملابس المريحة، بالرغم من إنهم لم يحوزوا على اعجابه ولكن الذوق كان مختلف عن المحلات البسيطة بالحي الشعبي، لذا لم يكن أمامه خيارًا آخرًا.
حمل عمران وصابر الأكياس البلاستيكة، وخرجوا من المحل بعد ان أجدى الموظف إعجابه بذوق عمران الراقي باختيار قطع مخالفة للطقم المعلق، فاذا لموسى يجذبه بعنفوان:
_مش الحمد لله اشتريت اللبس اللي كنت عايزه، لسه داخل عند لبس الحريم ليه؟
انخفضت رماديتاه ببطء ليد موسى التي تتمسك بمعصمه، فرفعها عنه بقلق من نظراته الغريبة، بينما يمضي للداخل بصمتٍ، جعل صابر يكاد ينصهر من فرط كبته للضحك، انقلبت الآية على الساحر وتلقن موسى ما يستحقه، بعدما كان يفرد سلطاته على صابر.
تفاجئوا به ينتقي فساتين وملابس بيتيه لسن لا يليق الا بقمر ابنة موسى، وخاصة حينما اشترى بعض الالعاب الخاصة بالفتيات، وما أن خرج إليهما حتى وجدهما يتطلعان له بنظرات غامضة، فقال مبتسمًا:
_لا دول مش ليا دول لقمر.
رد عليه موسى بحرج ملموس:
_مالوش داعي يا خواجة، قمر عندها كل حاجة.
رد عليه بثبات:
_ولو عندها الدنيا كلها، مش مسمحولي يعني اجبلها هدية؟
اجابه صابر مبتسمًا:
_قول هدايا مش هدية، بس أنا نفسي معنديش أي مشكلة، شوف الاسطى موسى دماغه تقيلة حبتين.
لكزه موسى بغضب:
_من كتر معاشرتك للحرباية مراتك لسانك بقى بينقط سم، خف شوية من قعدتك معاها، وإبقى روح عند امك شوية يا صابر.
رسالة مبطنه حملها صابر بوضوح، فامتقعت ملامحه بوضوح لعمران الذي احترم خصوصياتهما ولم يرد أن يتعمق فيما بينهما، بل أشار لهما قائلًا بصدق:
_أنا تعبت وحاسس بحرقان في جرح كتفي، يلا نمشي.
سحب صابر عينيه الغاضبة عن موسى بصعوبة وقال:
_عشان مشيت كتير بس، لما هنوصل البيت هغيرلك على الجرح وهتبقى زي الفل بإذن الله.
*****
تفحصت قمر الألعاب والملابس بفرحةٍ، بينما تقفز بالهواء وهي تستعرض الفستان ذو النقوش الهادئة والتصميم الرائع من أمام أبيها وعُمران الذي مدحها:
_أيه الجمال ده كله يا صغنن، قمراية يا قمر.
ضحكت وركضت صوبه تعانق عنقه بيديها، ومالت تطبع على خده قبلة عميقة:
_شكرًا أوي على الهدوم الجميلة والعروسة اللي جبتهالي حلوة أوي أوي يا خواجة.
ابتسم لها وقال:
_فرحان إن الباربي عحبت السينوريتا قمر، ووعد مني المرة الجاية هاخدك معايا تشتري اللعبة اللي على ذوقك أنتِ
ردت عليه بنبرتها الطفولية:
_لا عجبتني اللعبة اللي جبتها.
قاطعهما موسى الجالس على الاريكة المنطوية بغرفته الكبيرة، وقال:
_طيب ادخلي يلا غيري الفستان ليتبهدل، وتعالي بكتبك للخواجة يذاكرك الله يسترك مش ناقصين مشاكل مع أم لسانين.
هزت رأسها وهرولت للداخل بينما يتابع موسى عمران الذي صمت وشرد بخاتم الزواج الذي يحمله بين إصبعيه، ابتسم وقال:
_لو بتحبك بجد هتستناك.
رفع بصره عن الخاتم وتطلع إليه بنظرة غائمة:
_الله أعلم، جايز اختفائي طول الفترة دي خلاها تفتكر إني ميت مثلًا!
لمس اختناقه الشديد من صوته المتعب، فنطق بمحبة له:
_الحنان اللي لمسته منك على بنتي بياكدلي أنك إنسان حنين وقلبك أبيض، وشكلك كده كمان خبرة، ده إنت لفيت البت لدرجة إنها ممكن تتبرى مني وتمشي معاك في أي سكة، حتى الابلة ام لسانين سحبت دبشها وطلعت من سكات، فمتقلقش هتلاقيها مستنياك بصبر كبير، ولو جالها فعلا خبر وفاتك هتفضل مخلصة ليك لحد ما ربنا ينفخ في صورتك والذاكرة ترجعلك.
تلاشت ابتسامته حينما استمع لصوت شجار يأتي من الاسفل، فتساءل عمران باستغراب:
_أيه الأصوات دي؟
زم شفتيه ساخطًا ونهض يحمل وسادة واحدى الاغطية قائلًا:
_متاخدش في بالك.
وخرج من الغرفة، يضع الوسادة والغطاء على إحدى الآرائك الخارجية، فخرج له عمران يخبره:
_ده صوت صابر!! باين بيتخانق مع حد.
هز رأسه وأكد له:
_متقلقش شوية وهتلقيه طالع، أنا حضرتله المُوكنة بتاعته أهي، كل مرة يتخانق مع مرتاته بيجيب بعضه ويطلع يلقف الكنبة في حضنه وينام.
رمش بعدم استيعاب لما قال، وهدر:
_مرتاته!!! ليه هو متجوز كام واحدة؟؟؟؟؟
ضحك وهو يشير له:
_اتنين بعد عنك، واحدة زي النسمة وواحدة حرباية اللي سكنتها في شقة العقارب أنت نسيت ولا أيه؟؟؟!
وأضاف بجدية تامة:
_انا مكنتش باخد منه ايجار الشقة اللي فيها أمه ومراته الاولى بس لما اتجوز الحرباية دي باخد منه إيجار الشقة مضاعف، عشان يتراجع عن اللي في دماغه ويطلق العقربة دي، ولما بدبح كل عيد بطلع لأمه كيلو لحمة ومراته التانية دي مبدهاش ولا حتة، ودوس على كده إشارات عشان يفهم ويطلقها بس للاسف لسه صامد.
صعق مما استمع إليه، وما كاد بالحديث حتى وجد صابر يطل من امامه بوجه ممتعض، ويتجه للاريكة يفرد غطائها وهو يدمدم بكلماتٍ على ما بدى إنه كان يلوم ذاته لما وضع به نفسه.
ربت موسى على كتفه وقال:
_سيبك منه مش هيتكلم مع حد غير بكره الصبح هيكون روق ومزاجه بقى عنب، ادخل راجع للبت لغة الخواجات دي، واجتهد معاها عشان ترحمني من أم لسانين.
خرج عن صمته أخيرًا:
_هو إنت مش عايز تريح نفسك ليه وتصارحها أنك أمي مالكش في القراية ولا الكتابة؟
برق في حدة وصاح:
_على جثتي إن الابلة دي تشمت فيا، على أخر الزمن أم لسانين تمسكلي زلة!
وإذا بها تطل من أمامه، فارتعب واختبئ خلف عُمران الذي كاد أن يضحك لولا أن لمح دموعها المنهمرة على وجهها، وصراخها المستنجد به:
_إلحقني يا أسطى موسى، ماما تعبانه أوي ومش لاقية صابر تحت.
نهض صابر عن الاريكة وهرع إليها متسائلًا:
_خير يا ابلة صباح، مالها الحاجة؟
ردت ببكاء وهي تحاول أن تهدأ من روعها:
_معرفش تعبانه ووشها أصفر، ومش قادرة تاخد نفسها، بالله عليك تشوف حمص نوديها المستشفى.
ركض للاسفل وهو يخبرها:
_هناديله وانتي جهزيها بسرعة.
تحرك موسى وعمران برفقتها للاسفل، يعاونوها بحمل المرأة للسيارة، التي قادها بهم حمص للمستشفى، والتي اقرت بأنها من الضروري السفر بها لمشفى بالقاهرة متخصص بالغسيل الكلوي، فلم يكن أمامهم أي خيارات أخرى الا بالسفر، ومع رفض حمص بالذهاب للقاهرة لانشغاله بالعمل، سلم مفتاح السيارة لموسى، فقادها ولجواره عمران الذي أصر بالذهاب رفقة موسى، وكانت قمر تجلس بالخلف جوار صباح ووالدتها، بينما بقى صابر لعمله الحكومي الصباحي.
******
بحثت عينيه عنها من بين زحام المسافرين بالمطار، وبعد معاناة وجدها تجلس على احدى المقاعد المعدنية، تضم بطنها المنتفخ بيدها، وعينيها يملأها البكاء والحسرة، كان يعلم بأن حالتها ستزداد سوءًا بعدما استمعت لحديث والدته، ولكنه لم يتخيل أنها ستفر هاربة وهي بتلك الحالة.
تمهل بخطاه إليها، حتى جاورها بجلستها، لثانِ مرة يبدو عاجزًا عن إيجاد الكلمات المناسبة، استدار يطالعها بنظرةٍ مشفقة، وقال بنبرة سكنها الألم كسهم يمزق وريده:
_قدرتي تعمليها يا مايا!
استدارت إليه ولم تبدو أنها متفاجئة بوجوده، بل سددت أكثر من شرارة كادت بأن تحرقه بمحله، قبل أن تصيح بصوتها المبحوح:
_إنت إزاي تديها الفرصة إنها تقولك كده؟ أنا ولأول مرة بستحقرك يا علي!
أغلق عينيه يعتصرهما وجعًا، وبصعوبة ازدرد حديثه:
_مايا أنا مش هدافع عن نفسي، أنا أكتر واحد موجوع وعايش معاكم جسم من غير روح، روحي دفنوها مع عُمران.
وتابع وهو يتطلع لها بعينين غائرة بالدموع:
_انا موفقتهاش ولا عمري هوافق فريدة هانم بقرارها ده، مش لانك بنت خالتي وأختي ، لإنك كنتِ ومازالتِ مرات أخويا اللي مقدرش في يوم أرفع عيني ليها، إنتِ محرمة عليا من اللحظة اللي أتكتب فيها اسمك جنب اسم عُمران، وكلامي مش هيفرق سواء كان حي أو ميت!
مجرد سماعها لتلك الكلمة صرخت بوجهه كالبركان:
_عُمران ممتش عُمران عايــــش، وهيرجع.
وتابعت ببكاءٍ جعل الجميع يلتفون من حولهما للاستكشاف عن أمرهما المشكوك به:
_وأول ما هيرجع هقوله على قرار فريدة هانم بجوازي منك يا علي، هيأخدلي حقي منها ومنك إنت كمان.
نهض عن المقعد يدنو إليه بقلقٍ من أن تسوء حالتها:
_طيب ممكن تهدي ونخرج نشرب حاجه، أنا موفقتهاش ومستحيل أوافق على قرارها ده يا مايا انا بحاول أهديها حالتها صعبة ولو عرفت بهروبك هتتعب أكتر، أرجوكِ ترجعي معايا وأنا أوعدك إنك مش هتسمعي منها الكلام ده تاني أبدًا.
تراجعت خطوتين للخلف وهدرت بعنف:
_مش هرجع معاك يا علي، أنا هسافر تركيا عند بابا، ومفيش حاجه هترجعني عن قراري.
كان يود أن يخبرها بما فعله والدها، ود لو أن يخبرها ان ما وصلوا إليه الآن كان بسببه هو، اقترب منها علي بحذر، وقال يكسب عاطفتها:
_مايا قرارك ده حكم بالموت على فريدة هانم، اللي في بطنك اللي مصبرها على فقدان عُمران، أرجوكِ متعمليش فيها كده، هي متستحقش منك ده.
وأضاف برجاءٍ طفيف:
_متقسيش عليها بالشكل ده، دي مهما كان هي اللي ربيتك.
صاحت بعنفوانٍ:
_هي اللي ابتدت بالقسوة لما طلبت منك تعمل ده، مستكترة عليا الانتظار، مستكترة عليا أستناه!! عُمران هيرجع سامع يا علــــــي، عُمران راجعلي ومش هيتخلى عني ولا عن ابنه!
تهاوت دموعه الآن وباتت واضحة، ذاك القوي فقد حصون ثباته واحدًا تلو الاخر، وبحزنه العميق همس:
_دي دعوتي الوحيدة كل صلاة، إنه يكون حي ويرجع، الايام بتعدي عليا زي السكينه التالمة اللي بتنازع في قطع رقبتي، لا منها بتديني الخلاص ولا الرأفة بحالي، مفيش حاجة بالكون كله ممكن تهون عليا بعده، ده ابني اللي مخلفتهوش يا مايا.
قال كلماته الاخيرة وتحرك كالصنم المختزل، يلقي جسده المشلول على المقعد المعدني من جديد، يخفي وجهه خلف كفيه، ويترك العنان لدموعه، ومن بعد المسافات تطالعه مايا بصدمة وألمًا، وببطءٍ تحركت إليه، تجاور محل جلوسه، وتوزع نظراته إليه وإلى موضع قلبها النابض.
رفعت مايا يدها على ذراعه، ورددت برعشة صوتها المذبوح:
_عُمران عايش يا علي، والله العظيم عايش!
وتابعت بشهقات اختزلت دموعها:
_بس أنا خايفة يتأخر وميلحقش ولادة إبنه! تفتكر ممكن يتخلى عني في وقت زي ده؟
وبنظرة رجاءًا قالت:
_ممكن تكون إنت وفاطيما جانبي لحد ما يرجع؟
استدار لها وقال بصوته المبحوح:
_قولتلك قبل كده أن أخوكِ وجنبك في كل وقت هتحتاجيني بيه.
سقطت دمعاتها بالرغم من أنها تبتسم له الإن، ورددت:
_طيب ليه فريدة هانم عايزة تسحب الحق ده مني يا علي، انا اترعبت من كلامها وخوفت من علاقتي بيك، أنا مش شايفاك غير أخويا الكبير، والملجأ ليا ولعمران ولكل فرد في العيلة لأي مشكلة تقابلنا، ليه فريدة هانم عايزة تعمل فيا كده؟
تنهد وهو يسحب أكبر قدر متمكن من الهواء، بينما يميل لها وهو يخبرها:
_غصب عنها، انجبرت تعمل كده عشان توقف باباكِ عن اللي في دماغه.
رمشت بعدم استيعاب وقد عاد لها كلمة التهديدات التي نطقتها فريدة مسبقًا، فسألته بفضول:
_توقفه عن أيه بالظبط يا علي؟؟؟
راقب انفعالاتها جيدًا بعيني طبيب، وحينما درس حالتها قال:
_مايا عثمان باشا مش في تركيا، موجود في مصر، من وقت حادث عمران، ومصمم إنه بعد ولادتك يجوزك في اقرب وقت، عشان كده فريدة هانم فكرت في جوازنا بعد ولادتك على طول، عشان تحميكي منه.
انقبض قلبها في هلعٍ، بل وتحلت بالصمت لدقائق تستعيد تفكيرها بحديثه، ثم عادت تتطلع له ببسمة ألم:
_موجود هنا في مصر! ده أنا مشوفتوش ولا مرة، مفكرش يجيني ويكون جنبي في الظروف اللي بمر بيها، وكمان عايز يجوزني مرة واحدة!!! ويا ترى هيبعني المرادي لمين؟ رجل أعمال ولا مهندس بيشتغل في المعمار وهيخدم مصالحه زي ما كان بيستغل عمران؟
وهزت رأسها في سخط:
_لا وأنا اللي كنت هسافر ليه؟
خشي علي عليها، فردد بصوته الرخيم:
_مش هيقدر يعمل كده، أنا حذرته قبل كده وهو تجاهل تحذيراتي، دلوقتي هيشوف بعينه نتيجة استهتاره بيا وباللي أقدر أعمله.
رفعت عينيها إليه ومازالت يدها تضم بطنها بخوفٍ:
_أنا خايفة يأذي اللي في بطني عشان يجبرني على اللي عايزه يا علي.
احتبس غضبه الجحيمي، وقال بحنان يحاول سحبها خارج دائرتها السوداء:
_ده على جثتي، مش هيلحق يفكر أساسًا، الله يعينه على اللي مستانيه مني.
وأشار لها وهو يستقيم بوقفته:
_يلا قومي نرجع قبل ما حد من القصر يحس بحاجة.
رفعت حقيبة يدها على كتفها واتبعته للخارج، وقفت تراقبه وهو يضع حقائبها بسيارته، وفتح لها الباب، وزعت نظراتها بينه وبين السيارة ثم قالت برجاء:
_علي أنا مش عايزة أرجع القصر، لو ممكن توديني الكمبوند بتاع أنكل أحمد، انا هرتاح هناك أكتر، أنا مش حابة الجناح، عمران مقضاش فيه ولا ليلة واحدة، أنا هناك هكون مرتاحة، وخصوصًا بعد مشكلتي مع فريدة هانم...
كاد بأن يتحدث، ولكنها استوقفته قائلة:
_عشان خاطري يا علي، ومتقلقش مش ههرب تاني، أنا مبقاش ليا حد غيركم أساسًا.
رد عليها مبتسمًا:
_لا مش هتعرفي تهربي، لإني انا وفاطمة هنعيش معاكي هناك، ولو عايزة فاطمة بس أنا معنديش مشكلة أتأقلم مع معاناتي ضد فريدة هانم وقرارها المفاجئ ده.
ردت عليه في حبور:
_لا طبعًا هفرح لو كلكم جيتوا معايا.
زوى حاجبيه بسخرية:
_مش من شوية كنتِ بتستحقريني ومن شوية قبلها كنتِ بتقوليلي إبعد عني ومتظهرش قدامي تاني!! إمشيها هرمونات ولا شمس أختي الصغيرة لما بتغلط؟
أخفضت عينيها أرضًا في حرج وقالت:
_لا هرمونات أيه بقى أنا على وش ولادة، مشيها اختك وغلطت يا دكتور.
ابتسم في محبة وقال:
_مشيتها خلاص يا بشمهندسة.
ضحكت وصعدت برفقته، بينما يخطو لمقعده وهو يبتسم في راحة من أنه قد تمكن الآن من حل تلك العقبة التي واجهته ببراعته كطبيب، لا ينكر بأن خبرته بالتعامل لطالما كانت ومازالت تجدي نفعًا وتحرز نجاحًا باهرًا.
*******
مرت الساعات واشرقت شمس يومًا جديدًا، ربما سيحمل ذرة أمل بأن اللقاء بين الأحبة قد اقترب، أما علي فقد اصطحب زوجته وزوجه أخيه بسيارته بعد ان تجهزت فاطمة وعلي بالحقائب الخاصة بهما ليتجه علي بهما للكمبوند وفي طريقها أصر عليهما أن يتجهان لإحد المطاعم بالطريق.
جلس الثلاثة يتناولون الطعام على الطاولة الداخلية للمطعم، حيث كان التوقيت لا يتخطى التاسعة صباحًا، أشار لهما علي بتحذير:
_على فكرة مش هنتنقل من هنا غير لما الأكل ده كله يخلص سمعتم!
تطلعت كلتهما للاخرى بيأس، فابتسم بانتصار حينما بدأوا بتناول الطعام.
انتشلت مايا منديلًا ورقيًا تجفف به يدها، وقالت وهي تنهض عن المقعد:
_هروح اغسل وأعدل الحجاب قبل ما نتحرك.
واستدارت لفاطمة تسألها:
_هتيجي معايا يا فاطمة؟
قالت وهي ترتشف كوب القهوة:
_هشربها وهحصلك على طول.
أومأت لها واتجهت للحمامات المنحازة على طرفي المطعم الكبير، وحينما كانت تمر للداخل فإذا بها تتوقف عن خطاها، كالصنم المتحجر، لم يترك أي طرفًا منها الا عينيها التي تلصصت لذلك الغريب، على بعد مسافة ليست بقليلة ولا كبيرة عنها، كان يرتدي كاب أسود ولكن ملامح وجهه محفورة داخل أعماقها، رأته يحمل أكياس الطعام، وبرفقته امرأة تساعده على حمل ما بيديه، وجوارها فتاة صغيرة تحمل أكياس الحلوى، وتترقب ما يقدمه لها.
ظنت أنها تتوهم، عساه رجلًا وزوجته وابنته، طمست مايا عينيها عدة مرات وتمعنت فيه مجددًا، فاذا بدموعها تنهمر كالشلال، وكل الرجاء كان لعقلها ان يمنحها الاشارة ليتحرك جسدها المشلول، ولكنه كان متخشب محله.
لسانه بات ثقيلًا، ولكن حروفه بارزة:
_عُـ مـران!!!
وجدته يغادر من المطعم ويتجه بالصغيرة والمرأة الشابة التي برفقته لاحدى السيارات، أطلقت لساقيها العنان، وركضت وهي تصرخ ببكاء:
_عُمــــــــــــــرااااان!!!
كادت أن ترطمها سيارة أتية بسرعة الرياح، فإذا بيد تنتشلها عنها، وتحذرها بصرامة:
_مينفعش كده يا مدام بصي قدامك وإنتي معدية الطريق، خافي على اللي في بطنك على الاقل!!
ولم يكن سوى موسى الذي عنفها، بينما هي تتطلع لذلك الذي يوليها ظهره، على مسافة كبيرة منها، تركها موسى واتجه للسيارة يصفق كفًا بالآخر وهو يردد:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم!
بينما يصعد للسيارة جوار من صعد إليها بمقعد السائق، ليتمكن موسى من ان يستريح قليلًا بعد سفرهم الليلي حتى المشفى والإن وبعد أن تلقت والدة صباح الرعاية الكاملة، يستعدون للرحيل.
دنت مايا من السيارة ولم يقابلها الا ظهر السيارة، ركضت لتتمكن من الوصول للمقدمة، لتتمكن من التأكد من شكوكها، وقبل أن تصل لها تحركت السيارة وغادرت من أمامها بينما تصرخ مايا بجنون:
_عمـــــــــــــــران!
هرع علي إليها بعد أن أخبره النادل بما يحدث بالخارج، عاونها على الوقوف وهو يصرخ بها:
_مايا أيه اللي بتعمليه ده؟
أشارت باصبها المرتعش على السيارة، ورددت بحروف متقطعة قبل أن تسقط فاقدة للوعي بين ذراعيه:
_عمران يا علي!
........ يتبع...............
#صرخات_أنثى.... #الاقـــــــــوى_قـــــــــادم
#آيـــــــــة_محمـــد_رفعــــت
*****____*******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 127 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#زقاق_بين_الأحياء)
#الفصل_التاسع_والتسعون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "منة الله سامي" نورا ماهر ـ ميسان عماد الدين - منة الله سامي ـ
Kholoud Emad - Ťab Ark - NaDia Samir
- Samah Hesham - Esra Esmail -
Mervat Mammdouh- SHimaa Darder ـ Eslam Awad
، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
طرق على باب الغرفة، قبل أن يدلف للداخل بهيبته الحاضرة، يتجه بخطوات مسموعة للفراش الذي يتوسده "آدهم"، خطف المقعد المجاور له ولازم صمته، حتى حرك آدهم رأسه الموضوع من فوق عينيه الشاش ومن فوقها قناع بلاستيكي صغير «Eye Shield» تجاه الحركة الخافتة جواره، ظن بأن آيوب قد صعد من الكافتريا بالقهوة والطعام، ولكنه التقط كل خبرة الاسطورة، وابتسم مرددًا:
_ باشا؟
وضع ساقًا فوق الآخرى واستند على كفه يراقبه ببرود لحق نبرته:
_كنت فاكر أنك لما تنجح تخبي عن عيلتك كلهم هتقدر كمان تخبي عن القائد بتاعك!
رفع جسده للاعلى، وحاول الاعتدال بجلسته أكثر:
_الموضوع بسيط ومش مستاهل أن حضرتك تيجيلي بنفسك والله، دكتور عمر قالي إن العملية مش هتتخطى الساعة والنص، وفعلًا ٤٠ دقيقة وخرجت، وبعدها بتلات ساعات بدأت البشاير.
غير الجوكر محل جلوسه، وجلس يجاوره، ثم مد يده يتفحص الشاش الابيض باستغراب:
_عمر قالي إن العملية نجحت، بس أنت لسه لابس القناع ده ليه؟؟
أجابه وهو يحاول الوصول لمحل جلوسه:
_امبارح لما شالوا الشاش حسيت بنور قوي، مقدرتش أتحمله، فالدكتور عمر قالي هفضل بالشاش ده لحد النهاردة بليل، وبعد كده هيتشال على مراحل لحد ما يطمن إن العين رجعت لطبيعيتها.
هز رأسه وهو يتساءل بمكر:
_يعني التعافي الكلي في أد أيه؟
أجابه وقد لمس فيه رائحة الخبث:
_خلال أسبوعين.
اتسعت ابتسامته خبثًا، ومال إليه يخبره:
_المهمة اللي عندي مش هتستناك للمدة دي، أنا هتكلم مع عمر بنفسي وهظبط معاه الامور.
_مهمة أيه؟؟
سؤال تلقائي، فضولي خرج بلهفة منه، فابتعد عن محله وإتجه ليميل جوار محل جلوسه، يهمس له:
_من اللحظة اللي هترجع فيها طبيعي هينكشف أمري ليك، فقولت اختصر على نفسي وعليك المسافات وأوكلك بالمهمة الخطيرة دي.
حديثه كان غير مفهومًا، لطالما كان لغزًا متحرك، يصعب على أي شخص أن يحل عقدته، درس مراد اندهشه، وقد وصل الفضول لمحله فقال وهو يدور حول الفراش، حتى وصل للشرفة، يزيح الستار عن النافذة، ووقف يراقب أحد رجاله وهو يقوم بتعطيل آيوب باستعلامه عن عنوان معين،ليمنح لهما الوقت للحديث بسرية تامة، فقال ويده موضوعة بجيب بنطاله:
_إنت عرفت إن زوجة دكتور علي كانت بتباشر شغلها على نفس مشروع عمران، والجديد إن صاحبه جمال نزل الموقع وبدأ شغل بالفعل.
وأضاف وقد استدار له في التو:
_وده خلى الكلاب تخرج من حجرهم وعايزين يكرروا اللي عملوه مرة تانية، يتخلصوا منها ومنه ومن أي حد هيستكمل اللي بدأه عمران، ويمكن نجاح خطتهم الاولى وإشاعة وفاة عمران خلاهم يتحركوا بعشوائية وبدون ما ياخدوا احتياطاتهم، تقدر تقول وقعوا ورا الاشاعة اللي سبكنها زي ما توقعنا بالظبط.
حاول آدهم النهوض عن الفراش، بينما يهتف بصدمة:
_إشاعة!!!
وصل بالفعل لمحل وقوف الجوكر، وقد تسارعت أنفاسه الحادة:
_لما كنت في مكتب حضرتك، قولتلي إنك لسه بتدور ورا الموضوع وهتبلغني أول ما هتوصل لمعلومات تخص عمران؟!!
ابتسم وهو يراقب ملامحه المنفعلة، وقال مدعيًا براءته التامة:
_أنا!!! حصل امته ده يا آدهم؟؟ وبعدين هو إنت بتيجي الجهاز عندنا وإنت في حالتك دي؟؟
سيطر على انفعالاته بصعوبة بالغة، واتجه حتى بات يقابل محل وقوفه، وبهدوء زائف قال:
_أنا لما كنت براجع السيناريو كله، وقفت عند مكالمتك ليا يوم حادثة عمران، وده معناها إنك كنت على علم بكل اللي بيحصل، مهو مش معقول علي يبلغك قبلها بساعات بسيطة وفريقك بيوصل للمكان بالسرعة دي، باشا إنت مخبي أيه؟
نزع يده من جيبه، وقال بخبث داهي:
_آدهم عيب تكلم القائد بتاعك بالنبرة دي، أنا مش حاوي يعني!!
تخلى آدهم عن نطاق صبره الطفيف، وقال برجاءٍ ملموس:
_مراد باشا، عمران عايش؟
سحب نفسًا طويلًا واستدار يتمتم بحزمٍ:
_فك الشاش ده وتعالى بكره استلم مهمتك يا سيادة المقدم.
قبض بقبضته على حواف المقعد المقابل له، حتى كاد أن يدميه بين ذراعيه، رق له الجوكر وابتسم بمكر:
_مش حابب تعرف تفاصيل المهمة طيب؟
حبس غيظه الشديد وقال يجيبه:
_مش هتفرق، بما إن العملية نجحت هستلم من حضرتك الملف وهبدأ اشتغل على طول، وأنا بنفسي هعرف الاجابة على سؤالي ده.
تأمله مراد قليلًا وبثباتٍ رزين قال:
_الفريق لما إتحرك عشان يقدموا الدعم لعمران وصاحبه فعلا ملحقهوش، وزي ما قولتلك بالظبط، احتمال وقوعه بالمية عايش بيقطع الشك إنه ميت، بس اللي انا خبيته عنك هو أني بالفعل أتاكدت من المستشفى اللي هو موجود فيها، وامنتله حماية من بعيد لبعيد، لحد ما أقدر أمسك الكلاب دول، اصرارهم رهيب بايقاف المشاريع اللي عمران وفريقه شغال عليهم، بس المرادي هنقدر نوقعهم.
غزت الكلمات عقله الذكي الذي تعطل فجأة عن استيعاب مغزاه، فتساءل بشكل مباشر:
_يعني عمران عايـــــــش!
رد عليه بابتسامة صغيرة:
_عايش ومع واحد من رجالتنا بيشتغل في المستشفى اللي كان فيها، وحاليًا عايش معاه في بيته، الخلاصة إنه تحت عنينا يا آدهم، لازم تسافر واستنى إشارة مني بعد ما تتمم مهمتك، محتاجك تأمنله الحماية اللازمة وترجع بيه للقاهرة، بعد ما تنفذ مهمتك وتقضي عليهم.
سقط المقعد الذي يستند على حافته ارضًا بينما يحاول نزع الشاش عن وجهه ليتمكن من رؤيته، فاذا بمراد يندفع إليه ويصيح فيه:
_أيه اللي بتعمله ده، إنت فقدت عقلك ولا أيه؟
هدر بانفعالٍ جنوني:
_جبت القسوة دي منين يا باشا؟؟ كنت حاضر وشايف بنفسك علي وهو بيموت قدامك، لما عرفت الاخبار دي كلها مبلغتوش ليه؟
أسنده مراد للفراش وقال بهدوءٍ يمتص من خلفه غضبه:
_أنا هراعي الحالة اللي إنت فيها كويس يا آدهم، بس خد بالك إنك أكتر شخص مينفعش يتكلم بالنبرة دي، مسامحتي ليك لإني اتعرضت لنفس الموقف اللي إنت بتمر بيه دلوقتي، ووقتها وقفت في وش رحيم عشانك، بس أنا عارف إنه قراره صح زي ما أنت عارف إن اللي أنا عملته ده هو الصح.
وأضاف بصوتٍ جهوري صارم:
_أولًا أنا مكنش ينفع أجازف وأعرض حياة عمران للخطر وهو أساسًا مكنش تخطاها لسه، ثانيًا ودي الاهم مكنش ينفع أوجع علي مرتين، لأن بمجرد ما هيتعرف إنه لسه حي هيحاولوا يتخلصوا منه تاني، وتالت وعاشر وإنت عارف كويس إنهم مش أشخاص عاديين، باللي أنا عملته ده خليتهم يفقدوا الامل أن المشاريع هتقف، باستمرار فاطمة زوجة علي وجمال صاحب عمران، ومع أول حركة هتيجي منهم هيتكشف قدامنا مين من رجال الاعمال اللي بيساعدوهم في مخططاتهم القذرة دي جوه مصر، الموضوع مطلعش يخص عمران بس، في أكتر من رجل أعمال مصري اتقتل بنفس الطريقة.
عبثت معالم وجه آدهم بحيرة، وردد بعدم تصديق:
_معقول عمران يعمل كده، يبعد عن علي وعن مراته وأهله ويقبل يعيشهم بالعذاب ده؟
ابتسامة حزينة تشكلت على وجه الجوكر، بينما يصدمه مرة أخرى:
_مش بإرادته إنه يبعد، مجبور... عمران فقد الذاكرة بعد الحادثة اللي إتعرض ليها يا آدهم!
*****
قاد فترة من الوقت، وهو يهاجم ذاك الوجع الخافت بمنتصف صدره، ثمة شيئًا يئن داخله، لدرجة جعلته يتوقف بالسيارة فجأة، فاذا بموسى يتمسك بكفه وهو يسأله بقلقٍ:
_خواجـــــة مالـك!!!
وأتاه صوت صباح هي الاخرى تتساءل بقلقٍ:
_خد إديله يشرب يا اسطى موسى.
تناول منها الزجاجة وقربها إليه، فتجرع المياه ومال على مقبض السيارة يهمس:
_مش عارف مالي، قلبي بينبض بسرعة غريبة وحاسس إن مخنوق ومش قادر أخد نفسي.
فك موسى حزام السيارة عنه، وظن ما به لجهد ما تعرض له:
_ما أنا قولتلك بلاش تسوق إنت لسه تعبان وإنت اللي اصريت.
فتح باب السيارة ومضى إليه، يساعده بالهبوط عن السيارة، ونقله لمقعده بحرصٍ، بينما يعود للقيادة، وبعد دقائق سأله بريبةٍ من صمته الغريب:
_أحسن دلوقتي، ولا ألف وأرجع المستشفى اللي كنا فيها؟
وضع يده فوق رأسه وردد له:
_لا مش مستاهلة أنا كويس، كمل طريقك.
استكمل القيادة، وعينيه تختطف نظرات للمرآة الامامية، حتى قبضت عليها عيني صباح، فسأله ليخفي حرجه:
_الحاجة بقت أحسن دلوقتي يا أبلة؟
هزت رأسها بامتنان:
_الحمد لله اتحسنت بعد الجلسة اللي عملتها، معلش يا أسطى موسى عطلتك إنت والخواجة معايا.
ارتسمت بسمة هادئة على وجهه الرجولي، بينما يجيبها:
_مفيش المجاملات دي بينا يا أبلة، الحاجة في مقام أمي الله يرحمها، ربنا يقومهالك بالسلامة يا رب.
التفت لها يتفحص ابنته، ومال يتابع القيادة بفرحة زارته فور أن رأها تغفو بين ذراعيها:
_ما تصحيها لتتعب رجلك يا أبلة، الطريق لسه طويل!
استحضرها نعومة بصوتها تجهلها هي:
_هي مش تقيلة للدرجادي، اطمن أنا مرتاحة.
حانت من عُمران ابتسامة صغيرة، وقد أيقن أن شرارة الحب الأولى قد اندلعت بينهما، بينما استمر الحديث يقودهما بينما تغفو والدتها وابنته ويدعي عُمران هو الآخر استكانته، ومازال ذراعه موضوع على عينيه.
تهافت الحديث بينهما من كل صوب، حتى قص لها موسى بإيجازٍ عن الموقف الذي استرعاه حينما كان يشتري المياه والمناديل الورقية:
_لما رجعت ملقتكوش، والحاجة قالتلي ان الخواجة نزل معاكم تشتروا أكل، يدوب بلف ورايا لقيت واحدة ست حامل ماشية على الرصيف تايهة خالص، لدرجة إن كان في اتوبيس كان هيشيلها من على الرصيف، لولا إني شدتها، معرفش كان مالها، مساهمه قدامها ومش فايقة لأي حاجة بتحصل حوليها.
أبعد عمران يده عن جبينه وقد إزداد فجأة وجع قلبه، بينما ردت صباح بحزن:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، يمكن شافت حاجة فزعتها، أو جالها خبر وفاة حد من أهلها وهي على الطريق، متعلمش.
حرك كتفيه بعدم علمه الصريح:
_معرفش، بس لمحت شاب وبنت بيجروا عليها، ممكن يكون ده جوزها وقفشته بيخونها، حكم الناس العلوي دول بيغيروا الحريم زي الجزم لمواخذة.
انتهى الحديث بينهما، بينما مازال عالق داخل عُمران، لا يعلم ما الذي يصيبه بالتحديد، ما له بقصة تلك الفتاة التي قصها موسى وحدثت بالصدفة الباحتة.
انخفضت رماديتاه لدبلته، ولا يعلم لما اعتصر اصبعه بين يديه كأنه يضم صاحبة الخاتم باحتواء، مال للنافذة وقد ازدادت العتمة القاحلة داخله.
*******
ترك سيارته مصفوفة بالاسفل باهمال، وإتجه للمقعد الخلفي حيث تحتضن زوجته مايا، وتبكي متأثرة بحالها، التقفها منها بينما تصرخ فيه فاطمة:
_مش عارفة تأخد نفسها، بسرعة يا علي.
حملها منها وهرول بيها لداخل المركز الطبي الخاص به، فهرولت إليه الممرضات بالسرير المتحرك، وضعها علي وصاح بتوتر:
_دكتور يوسف فين؟؟
قالت آحدهم:
_الاستقبال اتصلوا بيه وبلغوه.
وقد أتاهم يوسف راكضًا، يعين حالة مايا بنظرة مروعة:
_مالها يا علي، حصل أيه تاني؟!
لم يتمكن من الحديث، لقد غادرت عنه الكلمات وتركته وحيدًا، نظرة خاطفة من "يوسف" إليه، جعلته يشعر بحجم ما يعيشه، فالتقط منه السرير ودفعه برفقة الممرضات داخل باب العمليات المفتوح، ومال يهمس له:
_طالما مفيش نزيف، اطمن.
وتركه يميل على المقاعد المجاورة لغرف العمليات بانهاكٍ شديد، توقفت "فاطمة" على بعدٍ منه، تضم الحائط وتخفي وجهها الباكي من خلفه، لم ترغب في رؤية زوجها بتلك الحالة، احتبست شهقاتها قدر ما تمكنت وانهارت دون أن يصل صوتها إليه.
شعرت بكفه الدافئ يلامس كتفها، فراقبت المقعد حيثما كان يجلس، فوجدته فارغ، استدارت خلفها فاذا به من يشد من مسكتها، بكت وعينيها تشكو إليه وجعها العميق عليه، ورددت بصوتٍ مبحوح:
_أنا عاجزة ومش قادرة أهون عليك كل اللي بيحصل ده، حقك عليا يا علي.
وضع يده خلف رأسها، وجذبها إليه، بينما يحيط بذراعه الاخر خصرها، يرفعها عن الأرض ويميل هو على كتفها كأنما هو من بحاجة لضمتها وليس العكس.
تراجع بخطاه للخلف ومازال يحملها ويضمها بعاطفته، تراجع حتى اختبئ بها بزواية معتمة بجانب الطرقة، بعيدًا عن الآعين التي قد تلمح طرفًا صغيرًا من رفعة فستانها الأسود، زوجته الحبيبة مازالت ترتدي الاسود حزنًا على أخيه!
مزق لحظات الصمت بينهما، بصوته المبحوح:
_خليكِ جنبي ومعايا، وأنا مستعد أتحمل ضعف الوجع اللي بعيشه يا فاطمة.
مالت ليتركها تلامس بقدميها الأرضية الرخامية البيضاء، بينما مازالت يديه تحتضن وجهها، مالت "فاطمة" تطبع قبلة عميقة على باطن كفه، ورددت بعشقٍ لم يصل له أحدٌ من قبل:
_سلامة قلبك من كل وجع، أنا عارفة أن كل اللي بيحصلك ده من كتر حب ربنا سبحانه وتعالى ليك.
وتابعت وهو ترسم ابتسامة تغاير دموعها المنسدلة كالشلال:
_وأمنيتي الوحيدة إنك تكون زوج ليا في الآخرة زي ما كنت ونعم الزوج ليا في الدنيا يا علي.
فجأته بمدى حبها الشديد له، لدرجة تخلت عنه كلمات الغزل في غرامها، بينما يلتفت لنظراتها الغاضبة وإذا بها تدفع يديه عن وجهها قائلة بغيرة:
_أنت أكيد هتفرح بالحور العين وهتفكك مني، أنا بدعي ربنا يجمعني بيك وإنت مش هيبقى همك غير الحور العين!
ضحك رغمًا عنه، واتبعها، فوجدها تجلس على المقعد القريب من غرفة العمليات، ترمقه بضيق، جاور جلستها وقال ضاحكًا:
_طيب بالنسبة لتضيحتك العظيمة بتاعت امبارح، مش كنتِ عايزة تضحي بيا وتجوزيني مايا؟
اشارت باصبعها تحذره:
_ده في سبيل حمايتها وحماية ابنها، بس بصراحه اتصنت عليك وإنت بتتكلم في الموبيل امبارح بليل، وفرحت جدًا لما عرفت إنك بتدور على أدلة ضد باباها، اتصدمت لما عرفت انه شغله مش نضيف.
ورفعت عينيها إليه تخبره باعجاب:
_مطلعتش سهل يا علي، عايز تحبس الراجل!!
تأهبت رماديتاه بغضب استحضره مجرد التفكير بما فعله هذا المقيت، فهدر بخشونة:
_هدفعه تمن اللعب مع حد من جوه عيلة الغرباوي، هو السبب في الحالة اللي وصلتلها مايا، بسبب خناقتها مع فريدة اتوهمت إنها شافت عمران قدامها.
تلاشت ابتسامتها فور أن تذكرت الحالة التي باتت عليها "مايا" فجاة:
_طيب مش ممكن تكون شافته فعلًا يا علي؟
حرر الهواء العالق برئتيه وقال بألم:
_أنا شوفت الشاب اللي كانت واقفة معاه، وفاكره إنه عمران، هو اللي شدها من قدام العربية ووقف اتكلم معاها.
واستدار إليها يتعمق بعينيها:
_أنا حاسس إنه عايش يا فاطمة، بس زي ما ماما قالت مستحيل يكون عايش ويقبل يسيبنا في الحالة دي!
أردات الا تزيد من وجعه، ولكن رغمًا عنها قالت وقد تركت العنان لدموعها وحزنها المركون:
_أنا عمري ما عرفت يعني أيه أخ الا لما كان جنبي، عيشت حياة غريبة، محستش فيها بذرة حنية مرة من أخ من اخواتي، عُمران كان بيأكدلي كل مرة إنه كان الرزق والعوض عن قسوة اخواتي التلاتة، خوفه عليا واحترامه الكبير ليا حسسني إن مش بس أنت اللي ادتني الاحترام اللي اتجردت منه يا علي، هو كمان ساهم في جزء كبير من علاجي، فمش سهل عليا إنه فجأة كده يختفي، أنا ممكن اكون اتغيرت وبقيت أقوى من الأول، بس من وقت ما اختفى من الشركة ومن كل مكان وأنا حاسة بوجع مش قادرة اوصفهولك، عشان كده بديكم كلكم أكتر من عذر على الحالة اللي وصلتوا ليها.
ورفعت عينيها الباكية إليه، تشكو له ذاتها وهي تجفف دموعها في طرف حجابها :
_أنا أسفة بزيد عليك أنا كمان يا علي.
فرق ذراعيه فمالت إليه، ربت على رأسها بخفة وعينيه تتقطر منها الدمع، دقائق وخرج يوسف، فتركها واتجه إليه يسأله في لهفة:
_طمني يا يوسف.
ربت على كتفه وهو ينزع نظارته:
_الحمد لله ده اغماء بسيط، حالتها وحالة البيبي مستقرة جدًا، هتخرج حالًا لاوضة عادية، هتعلق المحلول ده وتقدروا تمشوا على طول.
واتجه ليغادر وهو يشير لعلي:
_تعالى معايا يا علي، عايزك.
ترك زوجته واتجه خلفه يتبعه إلى المكتب، وما أن جلس قبالته حتى قال باسترابة:
_لما حاولت أفوقها كانت بتقول إنها شافت عمران!!!
تنهد بوجعٍ، وقال:
_اعتقد إنها اتوهمت ده، بسبب مشكلة بسيطة حصلت بينها وبين فريدة هانم، لكن أنا شوفت الشاب اللي كانت واقفة بتتكلم معاه، مكنش هو يا يوسف.
تهدلت معالمه بحزنٍ شديد وهمس بخفوت:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم!
******
_يعني أيه عايز تخرج؟ آدهم متهرجش الدكتور بيقول مينفعش تخرج الا بكره الصبح، عشان عينك!
قالها آيوب بغضب شديد من أخيه الذي ما لبث الا يومه الثاني بالمشفى الخاص ويريد الآن الخروج، اغلق جفنيه نصفه في محاولةٍ لمواجهة الضوء القوي، حتى يتمكن من رؤية حذائه، ولكنه لم يحتمل فاغلقهما سريعًا.
انحنى آيوب يجذب الحذاء ويعاونه بارتدائه، بينما يهتف آدهم بثبات:
_هو قال إن بالكام ساعة دول النور اللي ضارب عيني ده هيبدأ يهدأ واحدة واحدة مع العلاج والتعليمات اللي قالها، فأنا هلتزم باللي قاله وهلبس النضارة.
انتصب آيوب قبالته وقال بضيق:
_مفيش فايدة فيك يا آدهم، دماغك ناشف وعنيد.
استقام بوقفته هو الآخر وأمسك يده:
_خرجني بس من هنا، ويا ريت توديني بيت البشمهندس جمال، محتاج أشوفه وحالًا.
تعجب من مطلبه الغريب، وهتف مستنكرًا:
_اشمعنا!!
زفر بنفاذ صبر:
_وبعدين معاك بقى يا آيوب، انجز مفيش معايا وقت.
استند على كتفه، وما كاد بالتوجه لباب الغرفة، حتى وجد "عمر" بوجهه، يحمل كيسًا بلاستيكًا ممتلئ بالأدوية، ويبتسم لهما ببسمته الجذابة، تنحنح آيوب ومال لأخيه يهمس له:
_أهو الدكتور قفشنا وإحنا بنهرب، عاجبك إنت وضعنا كده!!
تعالت ضحكات عمر، واقترب منهما يهدر بابتسامته التي زادت من وسامته:
_ميهمكش يا بشمهندس آيوب، أنا واخد على كده، ما قولتلك عندي نسخة زي اخوك الكبير في البيت.
وتابع وهو يمد يده بالادوية له:
_وعشان عارف إنه هيعمل كده جبتلكم الادوية بنفسي، وقولت اطمن آيوب لان الباشا مش هيفرقله صحته زي النسخة اللي عندنا في البيت، فتأكد أن ظباط الداخلية والمخابرات معندهمش قلب ولا اهتمام بحجم اصابتهم، من الآخر طول ما أنت بره المجالين دول فانت عندك قلب.
تنحنح آدهم بحرجٍ، وقال يخفي فعلته:
_هو مش حضرتك أكدتلي إن العملية نجحت، يبقى أيه لزمة قعدتي هنا.
مازحه مدعيًا جديته:
_آه ده انت لحقت تزهق مني بقى، طيب مش تستنى لبكره عشان تشوف شكلي على الأقل!!
قاطعه بابتسامة جذابة:
_بالعكس ده أنا متحمس أشوفك يا دكتور عمر، اول ما الرؤية توضح عندي هاجي بنفسي ازورك في مكتبك.
كان من دواعي شرفه التعرف على ضابطًا بشهامة عمر الرشيدي، وهو يعلم كل العلم بذلك الامر، قدم عمر الدواء إلى آيوب وقال:
_غلبتني بذوقك يا حضرة الظابط، وعمومًا بنجاح العملية وبعد ما تأخد الدوا ده هتبتدي تشوف وشوش مبهمة بالاول، وتميز ملامح قريبة، خطوط خفيفة، وطبعًا لازم راحة تامة و ممنوع أي إجهاد بصري أو بدني وده إعتبرني مقولتوش لانك مش هتعمل بيه.
ضحك آيوب ونطق باستهزاء:
_ده مخالف من تاني يوم سعاتك!
أكد له عمر ضاحكًا:
_لولا تشديداتي عليه كان عمل العملية إمبارح ومشى على طول.
صافحه آدهم بحرارة وشكره بامتنان:
_شكرًا على تعبك معايا يا دكتور، وأوعدك إن هيكون لينا لقاء قريب بإذن الله.
قالها وانصرف برفقة أخيه على الفور، مغادرًا للمشفى الخاص بـ"عمر الجارحي" ومتجهًا لمنزل "جمال" ليبدأ بتنفيذ أول خطوات مهمته للقضاء على شبكة الخنازير المتفرعة داخل رجال الأعمال.
********
رسم حياة متكاملة تعوضه عن فراق تلك الليالي التي قضاها بعيدًا عنها، ولكنه اكتشف إنه مجرد عالم افتراضي، سقط من فوقه فجأة، الحياة أصبحت سوادوية من حوله، لا تزهر فيها أزهار الحب النابتة في الصبى ولا تزورها قطرة مياه واحدة تمنح الأمل للحديقة الجرداء!
كان يتمنى أن ينال وصالها، يود أن يسحق ذكرياتها مع هذا اللعين، يوصمها بعشقٍ يجعلها لا ترى في دفتر ذكرياتها سواه هو! ولكنها خذلته بما تفعله وتختبره به حتى تلك اللحظة!
أغلق "يونس" الدفتر من امامه، ونهض يتجه كالصاروخ المتحرر، فلحق به "إيثان" يناديه باستغراب:
_على فين يا يونس؟!!
تجاهله ومضى لعمارة الشيخ مهران، كان يود الصعود للأعلى، ولكنه توقف فجأة حينما انفتح باب شقة عمه، وخرجت له "سدن"تناديه بارتباكٍ:
_استني يونس أنا عاوزك في هاجه (حاجة).
تمرن بالالتحاق بالصبر، قبل أن بستدير إليها، فاذا بها تعقد حجابها جيدًا وتتجه إليه قائلة:
_أنتِ راجعه من شغل بدري ليه؟
تعجب من تدخلها بما يخص مواعيده، ومع ذلك قال:
_عادي يعني هو معاد حكومي ولا أيه يا سدن؟!
ابتلعت ريقها بتوترٍ شديد، جعل يونس يتابعها باهتمام:
_هو في حاجة ولا أيه؟ مالك وشك مخضوض كده ليه؟
راقبت الدرج بخوفٍ، ثم بدأت تستدعي دمعات زائفة وهي تشكو له:
_آه في وكتير كمان، أنا عاوز يروح المسجد ويخلي الشيخ يفسخ عقد جواز بتاعي من آيوب، أنا مش عاوز يكمل معاه.
صعق مما استمع إليه، فهبط الدرجتين الفاصلتين بينهما، ووقف على بعد مسافة منها:
_بعيدًا إن المسجد مالوش دخل في حوارات الطلاق دي، بس أيه اللي وصلك للقرار المصيري ده؟!!!
استدارت توليه ظهرها وهي تعض اصبعها بينما تتمتم بالانجليزية:
_ماذا سأفعل الآن حتى لا ينكشف أمر تلك الحمقاء؟؟ يا الله ماذا سأفعل؟؟
وصرحت لذاتها بابتسامة واسعة:
_كذبة بيضاء من أجل إنقاذ زواج هذا المتهور، عزيزتي سدن لا بأس، فقط استرخي وإنطلقي!!
ارتاب يونس من أمرها، فخطى إليها بشكٍ:
_هو الموضوع محتاج للتفكير ده كله، عمل أيه يا سدن قوليلي وأنا أخلي الشيخ مهران يقيم عليه الحد!!
التفتت إليه تدعي بكائها بصوتٍ مرتفع وبدون أن تسقط منها قطرة مياه واحدة:
_آيوب بتخوني، مش بترجع البيت خالص، أنا حاسس إنه مش عادت بيحبني، ولا مهتمه بحفظي ولا بيا يا يونس، دي بقالها يومين مش بتديني الـــ الايه؟!!!
ولطمت جبينها بينما تجاهد لتذكر صيغة الجملة، فمنع ضحكته بصعوبة وهو يساعدها:
_المصروف؟
هزت رأسها واستمرت بالشكوى بينما من يقف خلفها يكاد أن يصاب بذبحة صدرية من كثرة كذب زوجته، لدرجة جعلته يلعن الساعة التي أصر فيها على أخيه أن يننظره بالاسفل لحين أن يبدل ملابسه التي بقى بها ليومين متتاليين برفقته بالمشفى قبل الذهاب برفقته إلى جمال.
تابعت سدن وهي تشهد يونس على أخيه الاصغر:
_يرضيكي يونس أقولها خديني معاكِ اتعرف على باباك وعلى أختها قصدي أخوه ده الظابط المصري اللي أنقذنا من عمي الحقير بس مرضتش تأخد سدن تعرفها عليهم ولا على شمس!! يرضيكي يونس.
حك يونس لحيته المنمقة وتمتم بسخط:
_لا ميرضنيش ولا يرضي حد لغة المؤنث المهينة دي!
واستعد ليخمد نيرانها، في عزيمة الحديث عن قصة حب آيوب العتيقة، في سبيل إنقاذ زيجته، وقبل ان يقدم على العمل البطولي هذا تفاجئ بمن يجذب سدن من تلباب فستانها، ويحركها كزجاجة مياه سقطت تتدحرج أرضًا:
_بقى أنا حارمك ماديًا وعاطفيًا؟؟ أنا كل الاشياء البشعة دي؟؟ ده أنا صفارة قلبي كانت هتقف من كتر كدبك، بتشتغليه بالزور عني!! بتكدبي يا سدن؟؟!! عايزة تدخلي النار!
تعلقت بحجابها وهي تكاد أن تموت من صدمتها، حاول يونس إبعاده عنها وهو يصيح بغضب:
_إنت هتمد إيدك عليها ولا أيه؟؟ شكلك محتاج إعادة تربية يابن الشيخ مهران، ولعلمك بقى انا مصدقها بعد مسكة المجرمين دي!
كادت ان تلطم على وجهها من صدمة ما أوقعت ذاتها به، بينما يدفع آيوب ذراع يونس وهو يحذره:
_متتدخلش إنت يا يونس لما أشوف الهانم حكايتها أيه؟
مالت تتعلق برقبته وهو تهمس له برجاء مستغلة قربها الشديد إليه:
_اهدي آيوب أنا إشتغل يونس، والله انا اشتغل يونس، كدبة بيضة مش سودة، مش هروح النار متقلقيش عليا!!
تبلدت يده عليها ومازال يتطلع ليونس بصدمة، زادت من فضوله لمعرفة ماذا تهمس له سدن، بينما الاخيرة تستغل فرصتها للرمق الاخير وتعود لاخباره:
_يونس راجعه بدري من الشغل وخديجا مشى من وراه مشوار سر، لو يونس عرف هتقبض روح خديجا وهيروح يتحاسب عن جريمتها، حرام إديه فرصة يتوب ان بحب خديجا، بليز آيوب help me!
تحررت يديه عنها وتراجع يتابعها بنظرات مصدومة، مندهش من طريقة حوارها أو ربما تفكيرها، هو لا يعلم ماذا اصابه بالتحديد؟!
اندفع إليه يُونس يسانده من الخلف، ويتفحصه بريبة:
_قالتلك أيه جابت بيه أجلك كده، صارحني أنا أخوك!
خطف نظرة إليه ثم عاد يتطلع لزوجته التي تشير بيدها وهي تنطق دون صوت:
_ساعديني آيوب بليز، يونس هتقتل خديجــــــا.
وكانت تشير بكفها على رقبتها، دلالة على قطعه لرقبتها، وكأن أخيه بات سفاح المعادي!!!
ارتاب يونس لامر آيوب المقلق، فناداه بريبة:
_مالك يا آيوب؟ لو حاسس بحالة إغماء اخدك وأجري بيك قبل ما تقضي عليك!
خطف نظرة لاخيه وعاد يتطلع للفراغ، فلمح طيف خديجة مختبئة بالطابق السفلي بملابس الخروج، وعلى ما يبدو أنها عادت للتو، وصعقت بعودة زوجها باكرًا من عمله.
تشبث آيوب بكف يونس، وردد له:
_اسندني لأوضتي يا يونس، حاسس إني مخنوق ومش قادر اخد نفسي من كتر الكدب والخداع اللي بيتم ده.
إنصاع له وهو يدعمه كليًا ويتجه به لغرفته، بينما تهرول خديجة راكضة للاعلى، فتوعدت لها سدن قائلة:
_آخر مرة خديجا، آيوب هتقبض روحي انا مش إنتِ.
أشارت لها وهي تتخطى الطابق العلوي:
_بعدين نتكلم يا سدن، سبيني اغير هدومي قبل ما أقفش!.
زوت حاجبيها بعدم فهم:
_أيه تتقفشي دي مش فاهم حاجه؟
اشارت لها بعدم مبالاة وهرولت للاعلى، بينما تعود سدن للداخل حيث تجد يونس يقدم المياه وكوب من العصير لآيوب الذي يسدد له نظرة قاتلة، بينما تشير له بعلامة لايك أن الامر قد تم، وقد نجحت خديجة بالفرار.
ترك آيوب الكوب وابتسم لاخيه قائلًا:
_خلاص بقيت أحسن يا حبيبي، يلا اطلع ريح شوية وفكك من سدن، دي بتهزر معاك.
رسمت ابتسامة بلهاء وقالت تؤكد له:
_آه يونس أنا كنت أضحك معاك، مش انتوا قولوا على الكدب الأبيض هزار!
عبث بمقلتيه بصدمة:
_ايه؟!
سحب آيوب وجهه إليه:
_فكك منها واطلع شقتك يا يونس، أنا كده كده قايم أغير هدومي ونازل على طول، آدهم مستنيني تحت في عربيته، رايحين مشوار على السريع كده.
حرك رأسه له وقال وهو يميل اليه:
_خدها تتعرف على مراته وعلى باباك الجديد بدل ما المرة الجاية تتبلى عليك وتفضحك في الحارة كلها يابن الشيخ مهران!
ضحك رغمًا عنه حينما تذكر حديثها:
_عنيا هاخدها حاضر.
ضحك يونس هو الآخر وتركهما وغادر، وما أن استمع آيوب لغلق باب الشقة الخارجي حتى هرع إليها، فركضت للردهة وهي تصرخ:
_حاچا رقيا الحقينـــــــــي!
أصبح الآن قبالة الطاولة، بينما هي تحاول الجري من الجانبين، وهو يصيح بعصبية:
_هو أنا مش منبه عليكي متقفيش مع يونس ولا مع ايثان قبل كده؟؟؟؟!
هزت رأسها بتأكيد وقالت:
_مضطر أنا مضطر آيوب!
كاد بأن يصعد لها من فوق طاولة السفرة:
_مضطرة لأيه ولا أيه؟؟؟ ده أنتِ نزلتي بمجلد كدب ميمحهوش حسنات الدنيا كلها، وكل ده لايه عشان تداري على جريمة أبشع!!!!!
وصعد بالفعل فوق الطاولة، في محاولة للامساك بها، فجذبها من حجابها وهو يصيح:
_تعالـــــــــــي!
انتزعت عنها الحجاب وتركته عالقًا بين يده، وهرولت بخصلاتها الصفراء المسترسلة خلف ظهرها بحريةٍ، تعلقت عينيه بها كالمسحور، ولم يرى سوى سحرها الذي بات مهلكًا إليه، بينما تدور حول الطاولة وهي تخبره بخوف:
_خديجا محتاج للدكتور النفسية بتاعه، وخايف يقول ليونس لانها مش هتفهمها آيوب، انا عاوز ساعد خديجا لحد ما تبقى كويس.
آين أيوب؟!! يقف مشدوهًا وحجابها بين يده، يطالعها بمكرٍ ودهاء، فزفر وهي يتمتم:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، كده تخليني أظلمك؟ طيب كان ليه من الأول يا بنت الحلال، كنتِ قولتيلي كده وانا أكيد كنت هكون متفاهم بإذن الله.
اتسعت ابتسامتها وقالت:
_بجد آيوب، يعني انتي مش زعلانة من سدن؟
ابتسم ابتسامة سحرتها، ولعب على وترها:
_ومين يقدر يزعل من أم كدب أبيض وقلب أبيض منه، أنا بحبك يا سو!
سد حديثه كل فجواتها، بل وتركته يقترب حتى بات قبالتها، كان يعقد عزيمته أن يأدبها على مساعدتها لخطيئة خديجة فيما تفعله، ولكنه انصهر أمام ابتسامتها ونظرتها الناطقة بعشقها الصريح إليه.
ضم وجهها بين كفه، بينما يتعمق بعينيها، فرددت بحب:
_أنا كمان بحبك آيوب، وعاوز فرح كبير أوي، عشان أطبخ ليكِ فوق زي خديجا ما بيعمل.
مال يضحك على حديثها وقال بتلاعبٍ:
_ده أقصى طموحاتك في الجواز يعني؟؟؟!
هزت رأسها بكل تأكيد، وقالت:
_إنتي محترمة آيوب، ومش زي الشباب الوحشين دول، صح؟
تعالت ضحكاته دون توقف، بينما يجاهد للحديث:
_لا مهو أنا مش هغض بصري ٢٤ سنة عشان تبقى دي نهايتي كمان، مهو أنا بشر طبيعي، وإنتِ ذنبي الوحيد اللي هشيله في دنيتي بس الأجمل إنه ذنب حلال لإنك حلالي يا سدن!
تاهت في سحر حديثه وشاركته عاطفته، حتى أتاهما صوت ذكوريًا صارمًا:
_بتهبب أيه يابن الشيخ مهران!!!! يا بشمهندس يا محترم!
جحظت فيروزته في صدمة حينما وجد أبيه يقف قبالته ولجواره آدهم الذي صعد برفقته بعد اصراره على الصعود، اختبأت سدن خلف آيوب وهي تتعلق بملابسه، بينما هو يوزع نظراته بين أبيه والحجاب الذي يحمله، وبين طاولة السفرة التي يسقط عنها مقاعدها في منظر لا يوحي الا بما يبتعد عنه كليًا.
ابتلع ريقه بارتباكٍ ونطق:
_لا الموضوع فيه لبس يا حاج، ده ده آآ... ده آه كنا بندور على فردة الحلق بتاعت سدن، وللاسف ملقنهاش.
طلت من فوق كتفه تخبره:
_إنتي بتكدبي ليه آيوب، إنتي عاوز تخشي النار!!!
هز الشيخ رأسه في ضيق، وقال برزانة:
_ادخلي جوه انتي يا حبيبتي، وسبيلي البشمهندس المحترم عاوزه في كلمتين.
واستدار يشير لادهم الذي بسيطر على ضحكاته بصعوبة بالغة:
_اتفضل يابني، بيتك ومطرحك، معلش ابني معندوش ذوق، سايبك في الشارع وطالع يتصرمح هنا!
أشار آيوب بحرج:
_محصلش الكلام ده يا آدهم، أنا غرضي شريف والله، منك لله يا يونس!!
صاح الشيخ منفعلًا:
_اخرس بقولك.
عادت له سدن تجذب ما بيده قائلة بحدة:
_سيب حجابي أوعي!
والتقطته وولجت للداخل في صمتٍ كان مهيبًا، قاتلًا لادهم الذي احمر وجهه من فرط ضحكه المكبوت، راقبه آيوب بحرج، واتجه لغرفته يستبدل ثيابه ثم خرج يشير له:
_يلا يا آدهم عشان منتاخرش.
شيعه الشيخ بنظرة ساخرة:
_لا وأنت تبارك الله دقيق أوي في مواعيدك!
تنحنح بحرج مما حدث، وأجلى حنجرته بخشونة:
_آدهم يلا!!
نهض وهو يستأذن باحترام:
_عن إذن حضرتك يا عم الشيخ.
ربت على يده بحب وقال:
_اذنك معاك يا حبيبي.
أمسك آيوب يده وارشده للخروج، ولكنه توقف حينما ناداه والده بصرامه:
_آيـــــــــــوب.
استدار له بارتباكٍ، فاذا به يشير على السفرة بعنفوان:
_رتب اللي بهدلته ده قبل ما تتحرك، مش ناقص مشاكل مع الحاجة بسبب لعب العيال ده!
أومأ برأسه وانحنى يعيد ترتيب المقاعد بينما يزجره أبيه بنظرات قاتلة، جعلته يود الهروب في الحال، وحينما انتهى قال:
_روقت البيت كله يا حاج، أتكل على الله أنا؟
أشار بسخط وقال:
_اتكل والافضل تبات مع أخوك النهاردة، لسه خارج من العمليات وعايزك في حضنه.
حك رقبته بحيرة:
_بتطردني يا شيخ مهران؟
رد بسخرية:
_لا بحمي بنتي من تصرفاتك الغير لائقة!
انفجر آدهم ضاحكًا وهو لا يستوعب ما يحدث هنا، فاتجه له آيوب وسحب كفه:
_المسرحية خلصت خلاص، اتفضل خلينا نحلع قبل ما يخليني أخد الصالة فومين بالفتالة.
مال آدهم يهمس له:
_مش لايق عليك الانحراف يا شيخ آيوب!
لكزه بغضب:
_بتتماكر عليا يا آدهم، انزل بدل ما أسيبك على سلم العمارة وأخلع.
نزل برفقته وقال:
_وعلى أيه الطيب أحسن.
وصل معه للسيارة، عاونه على الصعود وما كاد بالتوجه لمقعد السائق، حتى تفاجئ بفارس يركض تجاهه:
_آيـــــــوب.
حمله بين ذراعيه بحب وهو ينثر وجهه بالقبلات:
_أبو الفوارس، جاي منين؟
رد عليه الصغير:
_كنت بلعب..
وتعلق برقبته وهو يترجاه:
_إنت رايح فين خدني معاك.
رد عليه بهدوء:
_مش هينفع يا حبيبي، أنا خارج مع عمو آدهم وراجع تاني متقلقش.
فتح آدهم النافذ ومال يخبره بابتسامته الجذبة:
_هاته معانا يا آيوب، طلبات فارس باشا أوامر علينا.
هز رأسه وجذب هاتفه يتمتم:
_طيب هقول ليونس الاول!
*****
هرعت راكضة تجاه مكتب "يوسف"، اقتحمته لأول مرة دون أن تطرق حتى على بابه، ترك" علي" كوب قهوته، ونهض يسرع لزوجته التي يتصبب وجهها بالعرق، وملامح الرعب والفزع تشكلان على معالمها بوضوحٍ، ونطقها لحروف شاحبة كحال وجهها:
_ علـــــــــــــي.
أسرع يساندها إليه وهو يسألها بقلقٍ:
_في أيه؟؟
رددت بتلعثم بحروف كلماتها:
_والد مايا دخل علينا أوضتها ومصمم ياخدها بالغصب.
احتقنت أوردة علي غضبًا، فترك يوسف يهرول من خلفه في محاولةٍ لفهم ما يحدث، وانطلق كالشرارة المشتعلة تجاه غرفة زوجة أخيه، بينما جمعت فاطمة مفتاح سيارة علي وهاتفه ومتعلقاته الشخصية من على مكتب يوسف ثم لحقت بهما.
******
جذب معصمها بكل قوته غير عابئًا بنزيف يدها من إبرة الكانيولا المندثة بعروقها:
_هتمشي معايا وحالًا، أنا كنت غلطان لما وافقتك على الجوازة دي من الأول، وأهو غار في ستين داهية، هتتجوزي اللي انا عايزه مهما كان التمن سامعة يا مايــــا.
حاولت ميسان أن تدفعه عنها بكل قوة، بينما تصرخ فيه بانهيار:
_على جثتي سامع، بكره عُمران هيرجع وهيعرف إزاي يعاقبك على اللي بتعمله ده، خوفك منه وهو موجود هيبقى مضاعف لما يرجع ويقف في وشك.
ضحك مستهزءًا:
_هي دي لعبة فريدة هانم الجديدة عشان تثبتك جنبها؟ وهمتك ان ابنها لسه حي وراجع يكمل قصة عشقه وغرامه معاكي!!
وأضاف بحقد جعلها تكرهه أضعافًا:
_أمال لو مكنش مرافق عليكي البنت الخواجاية الزبالة دي كنتِ عملتي أيه عشانه؟
تطلعت لوجهه بكره ومازالت تتشبث بالعمود المعدني المعلق عليه المحلول:
_أنت إزاي بالحقارة دي! معقول طمعك في السلطة والنفوذ يوصلك للمرحلة دي!! عايز تقتل بنتك الوحيدة بالحيا عشان تقوي من نفوذك!
وأضافت وهي تستند على العمود لتنهض عن الفراش أمامه:
_يا ريتك انت اللي كنت ميت ومامي كانت هي اللي عايشة معايا دلوقتي، كانت هتعوضني عن طمعك وجشعك.
رفع كفه الغليظ بغضبٍ ليصفعها بقوةٍ، وجدت قوة معاكسة تكور كفه بين لائحته فبات صوت طقطقة عظامه مسموعة لرجاله الذين أُحيطوا برجال أمن المركز، ويقفون يتأملون يد سيدهم وهي تتهشم عظامها بين يد "علي" الذي يرمقه بحدة وبدون أن يرمش له جفن.
أحاط مايا شعور الأمان فور أن حال علي بينها وبين أبيها، فاستندت على العمود المعدني حتى جلست على الفراش تضم بطنها في خوف وتراقب ما سيفعله علي بتوترٍ.
صعق "عثمان" وهو يرى أن من يقف أمامه هو الدكتور "علي"، أخر ما توقعه، حرر علي كف يده وقال بعنفوان خشن:
_هو إنت كنت فاكر أني في وقت يسمحلي أهزر معاك! فاستهزأت بتهديداتي ليك ولا أنت فاضي وحابب تشوف اللي أقدر أعمله عملي؟
فرك عثمان يده ومال يخطف نظرة لرجاله الذين باتوا تحت عهدة رجال الأمن، ثم تطلع لعلي وقال:
_اسمع يا دكتور علي، أنا طول عمري بحبك وبحترمك، فمن فضلك حافظ على علاقتنا المتحضرة وسيبني اخد بنتي وأمشي بهدوء.
ضم علي شفتيه وبدى كأنه يفكر فيما يقول:
_أممم... بنتك!!!... آه إنت تقصد مايا الغرباوي؟؟؟ حرم عُمران سالم الغرباوي!! طيب ما تراجع نفسك في نطق اسمها كده، وتحاول تفوق من وهمك، مايا الغرباوي، يعني بحسبتها البسيطة تبع عيلتنا متنطبقش ليك يا عثمان باشا..
وتابع وهو ينحني بقامته الطويلة إليه:
_أنا بنصحك تزور دكتور نفسي، اعصابك مشدودة بعد اختفاء عُمران، حزنك عليها باين جدًا ومحتاج لعلاج نفسي.
وأضاف وهو يتطلع ليوسف المصعوق من مراقبة نسخة علي المخيفة:
_والله لولا انشغالي في ادارة المركز مع دكتور يوسف شريكي كنت عالجتك بنفسي، بس للأسف معنديش لا القدرة ولا نفسية تأهلني أعالج جنانك ده يا باشا.
تشربت بشرته نيران مستعارة من حديث علي، وصاح فيه:
_علي متنساش نفسك، فوق لكلامك لتندم!
ضحك بصوتٍ مسموع وقال:
_الندم ده تأجله ليك، هيكون عندك وقت طويل في التخشيبة تراجع فيه نفسك وتندم براحة راحتك.
ابتلع عثمان ريقه بصدمة مما استمع إليه، بينما قطعت فاطمة الصفوف وقدمت لعلي الهاتف ببسمة ثقة غامزة له:
_في رسالة مهمة ليك يا علي.
جذب الهاتف ببسمة جذابة، وقد علم من اشارتها أنه قد وصل المطلوب، عبث بالهاتف واتجه لعثمان يضع يده حول كتفه والجميع يراقبون ما يحدث بينما يقرب علي الشاشة لعين عثمان المصعوقة:
_أيه رأيك بالفيلم القصير ده يا عثمان باشا، عايزك تتفرج كده بهدوء وتسترخي لاستقبال الصدمات، لإن للاسف جهاز تنظيم ضربات القلب عطلان، مش كده ولا أيه يا دكتور يوسف؟
كبت يوسف ضحكاته وأمأ برأسه، بينما ينصعق عثمان من رؤية وثائق لعملياته المشبوهة، وأخرى المتعلقة بغسيل الاموال، كاد أن يصيب بذبحة صدرية، فنزع جرفاته وهو يشير لعلي بانكسار:
_إنت عايز أيه يا دكتور علي؟
أعاد الهاتف لجيب سرواله ببطءٍ شديد، وخطى بالغرفة ببطءٍ أشد، حتى وصل لرجال الامن فسحب السلاح من يده وأخذ يتطلع له كأنه يتأمل سلاحًا ناريًا للمرة الاولى، بينما بالخلف يبتلع عثمان ريقه الهادر في هلعٍ:
_والله ده يتوقف على اللي إنت عايزه يا باشا، يعني لو رحلت بمنتهى الهدوء من مصر كلها وقتها أن هحتفظ بملفك الاسود ده بمنتهى الهدوء بردو، لكن لو ناوي على الشر فأوعى عقلك يصورلك إن الدكتور علي الغرباوي هيهتم بكل تاريخه ويتنازل عن مرات أخوه وابنه بمنتهى السهولة.
واستدار يسلط السلاح بين منتصف جبهته بقوة:
_ أنا ممكن أفرغ رصاص المسدس ده كله في رأسك ومش هأخد فيك ساعة واحدة حبس، داخلي بشوية بلطجية لحد مكاني وبتحاول تتعدى عليا وعلى أهل بيتي، وعندي ألف مين هيشاهد على الكلام ده، أو ممكن السيناريو التاني يعجبك اكتر، حاولت تتخلص مني عشان الادلة اللي تثبت نشاطك الوسـ* فسبقتك انا ودفعت عن نفسي بمنتهى الشجاعة، ها أيه رأيك أنفع!!
سحبت الدماء عن اوردته حتى كاد بالسقوط الإن في الحال، بينما يستكمل علي ببسمة شامتة:
_هو أنت نسيت باب الخروج منين ولا أيه يا عثمان باشا تحب أساعدك؟!!
قالها ومد السلاح لفرد الأمن، فالتقطه منه واعاده للحزام الجلدي، بينما يتجه علي إليه، يسانده ويخطو جواره للخارج حتى وصل به للسيارات الخارجية، فهمس له وهو يرسم ابتسامة باردة:
_وإنت بتشتكيلي من تصرفات عُمران معاك بالفترة الاخيرة وأنا كنت بحاول أهديك نسيت أقولك إنه تربية ايدي!! مع السلامة يا باشا.
قالها ودفعه لمقعد السيارة التي يفتح بابها احد رجاله، فسقط كالبرميل المثقوب داخلها، وأخر ما يراه هو نظرات عيني علي التي كادت بقتله في محله بالتو والحال.
*******
انتهى "عُمران" من الدراسة لقمر، التي استوعبت ما قاله بسبب حبها الشديد إليه، غفت على ذراعيه فمسد على شعرها بحنان..
بينما وقف موسى قبالة صابر بداخل المطبخ، يتابعه وهو يصنع الشاي بعينين تضخان بالشك، ارتاب صابر لامره وقال:
_مالك يا عم بتبصلي كدليه؟
دنى منه وقال:
_هو إنت مسمعتش باللي حصل؟ بيقولك الحكومة خدت الدكتور ممدوح النهاردة ومحدش عارف مين اللي بلغ عنه!
ارتبك وهو يتصنع انشغاله بما يصنعه:
_طيب وفيها أيه يعني، مهو كده كده كان هيقع!
مال يستند على الطاولة الخشبية التي يقلب عليها صابر الشاي:
_قال قولي يا صابر هو إنت ليه قافش في الخواجة كده، يعني ساعدت ناس كتير وطرقتهم من بره بره اشمعنا الخواجه يعني؟!
ابتلع ريقه بارتباك وهمهم:
_هو في أيه يا موسى، انت شغالي في وصلة التحقيقات دي ليه؟
رد عليه ونظراته تتصوب تجاهه:
_ولا صارحني باللي في جوفك، إنت شغال مع الجماعة إياهم؟ جندوك يعني في المخابرات عشان تنقلهم اخبار المنطقة زي الواد ابراهيم؟
برق في صدمة وخوف من أن ينكشف أمره:
_ يجندوا مين! هو انت افلام نادية الجندي قصرت على نفوخك ولا أيه؟!
سحب كوبه يتجرعه جرعة واحدة وعينيه لا تنجرف عنه:
_ماشي يا صابر، اديني وراك لحد ما أشوف نهايتك أيه!
وتركه وخرج يتجه لعمران، حمل عنه الفتاة وقال:
_هات عنك هدخلها سريرها.
حرك رأسه بارهاقٍ وشرد بالاجواء من حوله، جلس صابر جواره يضع صينية الشاي على الطاولة الارضية، يشير له ببسمة هادئة:
_الشاي يا خواجة.
التقط عمران منه الكوب وهو يمنحه ابتسامة صغيرة، بينما يجلس صابر مقابله، طال الصمت بينهما حتى قاطعه عمران:
_هو إنت هتبات هنا النهاردة كمان ولا أيه؟
ضحك وهو يقول:
_مدام طولت للوقت ده يبقى أكيد هبات وش.
استدار له يسأله باهتمام:
_صحيح انك متجوز اتنين؟
هز رأسه يجيبه:
_أيوه جوازة مش على كيفي وجوازة بكيفي!
عبث بعدم فهم:
_مش فاهم!
أجابه صابر بايجاز والالم يتبختر بنبرته:
_أمي أجبرتني أتجوز مرات أخويا الله يرحمه، فاتجوزتها بشرط اني اتجوز مرة تانية البنت اللي تعجبني.
=ومين فيهم اللي موسى مش حاببها؟
ضحك وهو يجيبه:
_الجوازة الاخيرة اللي وهي اختياري، بس مش فاهم مش عجباه في ايه؟ هو اللي هيعاشرها ولا أنا؟
تمعن بحديثه وسأله مجددًا:
_طيب وانت قادر تعدل بينهم يا صابر؟
ترك كوبه وهو يجيبه بضحكة:
_لا أنت فاهم غلط، أنا اللي بيني وبين مرات اخويا ورقة جواز بس، وبيها عايشة مع امي وراضية، لكن عيشتي كلها مع مراتي التانية في الشقة اللي كان متجوز فيها موسى.
=هو ده منظور الجواز من وجهة نظرك!
أجابه بجدية تامة وغموض:
_هي راضية على كده أنا مأجبرتهاش توافق على الجواز مني.
جابهه عُمران بضيق:
_بس انت بتخالف شرع الله وهتتسأل عنها! لو مش قادر تكون ليها زوج خلاص طلقها وسبها لحال سبيلها.
رد بجمود:
_وهتروح فين؟ خالي عنده اربع بنات غيرها بيجري عليهم ومش هيقدر يشيل همها كمان.
احتدت رماديتاه وصاح فيه:
_آه يعني انت بتعطف عليها بقى! طيب وليه المنطق ده مهي لو اتجوزت غيرك هيكرمها بردو بس وهي زوجة ليه مش متسولة منه.
احتقنت عينيه بلهيب الغضب، وقال يحذره:
_خد بالك من كلامك يا خواجة.
هدر بعصبية بالغة:
_لا خد بالك انت من تصرفاتك، أنت مش متخيل حجم الذنوب اللي شايلها على أكتافك، كسرة قلب الست مش سهلة، ومهما كان قوة تحملها أكيد بيجيلها لحظات ضعف وانكسار، ويا ويلك يا صابر لو كانت شكوتها منك لرب العباد، صدقني مفيش قوة في الكون كله هتحميك من غضبه عليك!
ترك الكوب ونهض يتطلع له بغضب:
_انت مش فاهم حاجة، ولا عمرك هتفهم.
نهض قبالته عُمران وقد لمس في عينيه سرًا دفين يحيطه وجعًا نازف، فقال ليستدرجه:
_ولا عايز أعرف حاجة، بسبب اللي زيك بقى سائد للناس ان الزوجة الاولى دايمًا فيها نقص، بقى أي حكاية البطولة المطلقة للزوجة التانية حتى لو مكنتش تستحق ده، أنا اللي فهمته من كلامك في اللحظة دي انك مدتهاش حتى فرصة تعيش معاك عشان تحكم عليها!! يبقى ليه تتجوزها وانت عارف طبيعة علاقتك بيها هتكون ازاي؟ ظلمتها الظلم ده كله وقادر تقاوح قدامي!!
تابعهما موسى وفضوله المخزون لسنوات قد تمرد لمعرفة نفس الاجابات على أسئلته، ففضل الاستماع لهما من بعيدًا وهو يتمنى أن يتمكن عُمران من الوصول لما بداخل رفيفه، فاذا به ينخلى عن صمته الدافين ويصرخ بجنون:
_هي السبب في كل ده، هي اللي من الأول رفضتني واختارت صبري أخويا، وقفت قدامي بكل بجاحة وقالتلي آنها بترفض عرض جوازي منها، لانها بتحب أخويا!!! اخويا مدمن المخدرات اللي كان كل يوم يمسيها بعلقة ويصبحها بعلقة، ومحدش كان بيعرف يحوشها من تحت ايده غيري أنا، وكنت ببصلها بشماتة وأنا بقولها شوفتي اختيارك عامل ازاي!!
أنا بالرغم من سواد قلبي الا أني كنت بحبها، عايز بعد كل اللي عملته فيا ده أخليها زوجة ليا؟؟؟
لا انا اتشرطت وأتأمرت ورفضت حتى أشاركها أوضتها، من أول يوم وأنا معرفها إني أول نصيبي هتكون بنت من اختياري و مدخلش في حياتها راجل غيري، دوقتها المر اللي هي دوقتهوني، ولو قعدت ميت سنة عمري ما هبصلها، سامع عمري ما هبصلها!!!
رمقه عُمران بنظرة محتقرة، بينما يسود الهدوء الاجواء بينهما، الا من صوت انفاس صابر الصاخبة، لينهي معاناته حينما قال:
_راجل إنت كده مثلًا!! فاكر إنك لما تستقوي عليها باللي تعمله ده رجولة منك! أنا استحقرتك يا صابر بعد ما كنت مستجدعك.
قالها وتركه وغادر لغرفته يغلق بابها، بينما يقف صابر يتخبط بوقفته في حيرة من أمره، فاذا به يستمع لصوت صفقات تأتي من خلفه، وحينما استدار وجد موسى يقابله:
_هو ده بقى سر كرهك لنعمة؟ ده أنا شقيت سنين عشان اعرف ميتك ايه وجيه الخواجة قررك في دقايق.
واتجه اليه فاذا به يقول بتعب:
_مش ناقصاك يا موسى بالله عليك.
ابتسم ساخرًا:
_تعرف يا صابر إنك حمار حتى في اختياراتك، البت اللي اتجوزتها على مراتك دي كانت دايرة على حل شعرها مع الصبي اللي عندي مرة ومرة مع صاحبه، واللي هيصدمك بقى إنها حتى حاولت تجاريني معاها في الحرام وأنا هزقت بكرامة أمها الارض.
جحظت عيني صابر بصدمة، بينما يتابع موسى:
_متقولش محذرتنيش ليه، لانك عمرك ما كنت هتصدقني، ولولا الكلمتين اللي بعيت بيهم للخواجة دول مكنتش اتشجعت وقولتلك يا هفق.
وتركه هو الاخر واتجه لغرفة ابنته، بينما يهبط الاخر للاسفل كالمجنون، فاذا بصوته يختل أذن موسة وعمران وهو يعتدي على زوجته الثانية بالضرب، ولحسن الحظ لم تنكر حديث موسى أبدًا فإذا به يلقيها خارج الشقة وهو ينهي زواجه منها بجملة مختصرة:
_إنتي طالق يا رخيصة!
******
وضعت "صبا" صينية العصائر على الطاولة وخرجت على الفور تنضم لصغيرها وفارس الذي يشاركه الغرفة ويلهو فيها.
رفع جمال يده لهما قائلًا ببسمة يرسمها بالكد على وجهه الشاحب:
_اتفضلوا.
حزن آيوب على حال جمال، بينما قال آدهم:
_بشمهندس جمال انا آسف على زيارتي المفاجئة ليك دي، بس أنا محتاج اعرف منك حاجة مهمة جدا.
رد عليه باحترام وقال:
_أولًا البيت ده مفتوح لكل حبايب عُمران، وإنت مش بس نسيبه يا آدهم، انت كنت صديق ليه وكان بيعزك أوي، ثانيًا أنا تحت أمرك في أي شيء تطلبه.
حزن آدهم لما استمع له، ود لو يفصح عما بجوفه ولكن تعليمات القائد المشددة تحتمه على حماية جميع المتورطين، فاذا به يقول:
_بعد نزولك النهاردة لاسيوط جالك رسايل تهديد من أي نوع؟
وزع نظراته بينهما في حيرة، وقال:
_أيوه وصلني رسالة النهاردة، بيهددوني بيها إني لو كملت المشروع هموت نفس موتة عمران، بس انا ولا هممني تهديداتهم، وهكمل اللي عُمران بدأه حتى لو كانت ساعتي الاخيرة في الدنيا.
ابتسم آيوب باعجاب على جمال الذي فاجئ الجميع بوفائه واخلاصه الشديد لصديق طفولته، بينما هتف آدهم بمكر:
_وده اللي انا عايزه، بس في شوية تعديلات هتساعدني أوصل للشبكة دي، وهتخليك مساهم كبير في أخد تار عمران من الكلاب دول، هتساعدني يا بشمهندس؟
انتصب بجلسته وقال باهتمام:
_قولي مطلوب مني أيه؟؟
******
سحبت فاطمة الغطاء على مايا التي استسلمت للمهدأ الذي يحقنه علي الآن بوريدها، بينما تتطلع له ولا تستسلم بقولها:
_صدقني يا علي، أنا شوفته قدامي... عُمران عايش... أنا ناديته وهو مردش عليا، علي خليه يرجع أنا اتبهدلت من بعده، محدش رحمني، لا أمي ولا حتى أبويا!
قالتها ودموعها تنهمر على وسادتها، بينما تبكي فاطمة لجوارها، ومازال علي متماسكًا قدر ما تمكن...
فترك الغرفة وخرج للشرفة يسحب الهواء ويلفظه باختناقٍ، ثم سحب هاتفه وقال:
_عمي ممكن تبعت حد من رجالتك للمكان اللي هبعتلك عنوانه يجبلي منه تسجيلات الكاميرات من حوالي الساعة ٨ونص الصبح لحد الساعه ١١؟
*****
اليوم صرح لها برغبته في أن يزيل الحواجز بينهما، فولجت لغرفتها بحجة تغيير ملابسها.
صوت الأغلال الحديدية تكتظم مسمعها، تضربها بكل قوة امتلكتها، الذكريات تتكاتف من أمامها، تختلج كل آهة مُنعت من الخروج عنها، تبحث عن نقاط ضعفها، وهي ضعيفة، تئن عن وجع ماضيها دماء تزحف عوضًا عن دموع عينيها!
تراقب باب الغرفة كالسجين الذي يترقب لحظة دخول السجان إليه، ويدها تتشبث باسدال صلاتها كطوق النجاة، كل صوتًا يُصدر من حولها يُوقظ معه كل العنف الجسدي الذي سبق ونالته على يد وحشًا تجردت عنه رجولته، وتركته وضيعًا، لا فرق بينه وبين الحيوانات.
تحتبس شهقاتها قدر ما تمكنت، ورعشة جسدها ازدادت حد المبالغة، بينما لسانها يهتف بهمسٍ خافت:
_اهدي يا خديجة، معتز خلاص مبقاش موجود في حياتك!
وعادت تصبر ذاتها، بابتسامة تجاهد لرسمها:
_ده يُونس... حبيبك وأبو ابنك!
طل من خلف بابها بعد أن طرق لمرته الثالثة، يتساءل بحاجبي معقود:
_خديجة بقالك ساعتين حابسة نفسك! معقول كل ده بتصلي؟
نهضت عن الأرض تلملم سجادتها، ووضعتها وهي تجبره بثباتٍ مخادع:
_أنا كنت خارجة..
وتابعت بارتباكٍ ملموس لمن يراقبها:
_فين فارس؟
أحاطها بنظرة حزينة، وهو يقرأ كل ما تحاول اخفائه منذ زواجهما:
_آيوب آخده معاه عند آدهم، واتصل من شوية وقال إن آدهم مصر يبات عنده، فهيبات معاه وهيجي الصبح.
تجهمت معالم وجهها، وبث فيها توتر جعل صوتها يتحرر برعشةٍ خافتة:
_مآآ.. مينفعش يبات معاه.. خليه يوصله ويرجع يبات هو مع أخوه.
ضم أنفه بيده يفرك ما بين عينيه بارهاقٍ، لا يود أن يسحبها لحديث مؤلم، ستُجرح به لا محالة، ولكنها تستنزف كل صبره حرفيًا، لدرجة جعلته متردد بالحديث، تنهد يُونس وهو يقترب منها، حتى جلس على نهاية طرف الفراش، يتطلع أمامه بسكون لم لحق نبرته الغائمة:
_فارس مكنش بيبات معاكِ فوق يا خديجة، كان هنا معايا، من وقت ما اتقفل علينا باب واحد وإنتِ بتحاولي تقنعيني إنه مش بيقدر ينام بعيد عنك وأنا بجاريكي عشان أريحك من العذاب والحيرة اللي شايفها جوه عنيكِ دي.
واستطرد وفيروزته ترفع إليها:
_أنا مبقتش فاهم في أيه؟ ولا قادر أشخص حالتك الغريبة دي!
ازدردت ريقها الجاف بصعوبة بالغة ورددت باستغرابٍ زائف، وكأنها لا تعلم مقصده:
_حالة أيه اللي بتتكلم عنها؟
ضم شفتيه السفلي بأسنانه بنفاذ صبر، وفجأة نصب عوده قبالتها يصيح بانفعالٍ:
_بعدك عني، طريقتك الغريبة معايا، اسدالك اللي مش بيفارقك ده!!
وأضاف بحيرة وهو يرنو إليها:
_فهميني فيكِ أيه بالظبط، لإني حاسس إني تايه ومش فاهم حاجة!!!
تراجعت للخلف والخوف يتراقص بمُقلتيها، وبينما يحتل الارتباك كل خلية بها، حديثها يجاهد ليبدو أكثر أتزانًا أمامه:
_انا قولتلك من البداية، وأنت اللي رفضت يا يونس.
وأضافت ودموعها تنهمر دون توقف:
_كنت أناني وعايز تشفي غليلك من الماضي اللي بيعذبك حتى لو كان بقائه فيه عذاب ليا، اترجيتك تسيبني أتخلص من الذكريات اللي هتفضل تطاردني طول عمري وإنت مهمكش غير نفسك وتارك وبس، فجاي دلوقتي بتحاسبني على أيه؟؟
واستردت قوة لا تعلم من أين حضرت لها وهي تجابه غريمها:
_بس أنا كمان هبقى أنانية زيك وهخليك تعيش معايا وجعي وضعفي وذلي يا يونس.
وقطعت مسافتها الباقية بينهما تخبره ببسمة حملت بها كل آلامها، تضم داخلها الأنثى التي أجاد هذا الحقير كسرها:
_مش ده اللي هيهديك عن السنين اللي كنت فيها على ذمة غيرك؟
وأضافت وهي تنزع اسدالها ودموعها لا تتوقف:
_هو ده الدليل اللي هينسيك!
جحظت عينيه في صدمة ووجعًا عظيمًا، ينغز صدره دون أي رحمة، لدرجة جعلته يهتز بوقفته فاحتمل على حامل الفراش الخشبي، وكأنه لم يعد يتحكم بقوة جسده، يراقب من بات جسدها مشدوهًا بشكلٍ قضى على ما تبقى بداخله، بينما تنهار هي أرضًا أسفل ساقيه، باكية، منكسرة، تضم ذاتها بأيدي مرتعشة، وصوتها المرتجف يجاهد للخروج عن حنجرتها:
_نارك اتطفت يا يونس ولا لسه عايزني أحكيلك كان بيعذبني إزاي؟؟؟
سقط أمامها يضمها إليه وهو يشاركها البكاء وبرجاءًا قال:
_كفايا يا خديجة، حرام عليكي كفايا!!!!
وأضاف وهو يقبل خصلاتها:
_عمر ده ما هيغير نظرتي ليكِ، أنا بحبك يا ست البنات، بحبك وعمري ما حبيت غيرك، ولو عندي نية إنك تتعالجي فعلا فمش هسيبك الا لما تكوني ليا، لازم تفهمي ان مفيش حاجة تهمني غيرك... قلبك ومشاعرك هما دنيتي كلها يا خديجة.
قالها وسحبها إليه، يعيدها لقلعة عشقهما التي هاجروها منذ سنواتٍ، فعادت تنير بوجودهما مجددًا، شاركه وجعها، وعاد يزرع بمشاعره وعاطفته حياة جديدة، جعلتها تستعيد ثقتها بنفسها من جديد، وتستقبل منه كل ما يقدمه لها بلهفة.
*****
ها قد مر على الجميع اسبوعًا كاملًا حدث فيهم الكثير، وأولاهم هو النجاح الباهر لمهمة آدهم، فقد نجح بكشف أسماء الرجال المتطورون في هذا العمل الدنيء، أخذ بثأر عُمران، حينما وضع الكلبشات بإيدي كل هؤلاء اللعناء، والذي يصدف بصدمة كبيرة وهو اشتراك عثمان والد ميسان معهم، ولم يتبقى الا الجزء الاخير من مهمته، تأمين عودة عُمران!
والأهم من ذلك استعادة آدهم بصره تدريجيًا المتوقع بعد نجاح عمليته، ولكنه مازال لم يصرح لأحد بالامر الا أخيه آيوب.
فشل علي بالوصول لاي شيء، فلم تبدي التسجيلات الا مشهد غير مكتملًا.
والآن يستعد آدهم للسفر لموقع عُمران، ولكنه قبل أن يفعل، اتجه بسيارته لكمبوند أحمد، حيث توجد زوجته وأخيها.
جلس بسيارته يسحب نفسًا طويلًا يستعد به للقائها، لقد مرت عليه الايام بصعوبة، وقد افتقدها بكل دقيقة، كان يخبرها بأنه ليس بمصر، وبأن الجهاز كلفه بمهمة خارجها، والآن وحينما بات يبصر كل شيء، يحترق شوقًا لرويتها، لقد اشتاق لها حد الجنون.
ترك السيارة للحارس، ومضى للداخل مرتديًا نظارته السوداء، متماسكًا لرؤية فرحة شمس ورد فعلها حينما تكتشف أمر عودة بصره.
ولج للداخل برفقة الخادم، فاذا بعلي ينهض عن المقعد ويقابله وهو يضمه مبتسمًا:
_أهلًا بسيادة المقدم، عارف لو مكنتش جيت كنت زعلت منك على اهمالك لشمس ده، بس تقدر تقول إن اللي عملته شفعلك عندي،وخصوصًا إنك بردت ناري من الكلاب دول.
مسد آدهم على ظهره وقال بوجوم:
_ناري أنا كمان بردت يا علي، إنت مش متخيل أنا كنت محروق ازاي من اللي حصل؟
ابتعد عنه علي وقال بصوت غائم:
_اخدوا اللي يستحقوه.
وتابع وهو يرسم ابتسامة مرحة:
_إنت لسه متخفي بنضارتك السودة ليه؟ حنيت للضلمة تاني ولا ايه؟
ضحك وهو يخبره:
_لا حابب أفاجئ شمس مش أكتر.. المهم طمني مدام مايا عاملة أيه؟
لاح الحزن على وجهه وقال:
_لسه مصرة إن اللي شافته قدام المطعم هو عمران، وزي ما أنت عارف أنا مسبتش تسجيلات الكاميرات الا ودورت فيها!
واضاف وهو يرتكن على الطاولة من خلفه:
_لولا وجود فاطمة وشمس جنبها كان زمانها جرالها حاجة.
ربت على كتفه وقال بغموض:
_الغمة دي هتتزاح قريب يا علي.
قالها وأسرع بتغير الحديث:
_هو أنا مسموحلي أبات هنا النهاردة قبل سفري؟
زوى حاجبيه بدهشة:
_هو انت لحقت تأخد هدنة من سفرك الأولاني عشان تسافر تاني!!!
ابتسم وهو يخرج من جيب سترته تذكرتين لسوهاج قائلًا:
_ما أنا مش مسافر لوحدي المرادي، إنت هتكون معايا، ولا هتسبني يابو نسب!
راقب ما بيده باستغراب:
_مش فاهم عايزني اسافر معاك سوهاج ليه؟
رد عليه بعد تفكير:
_في فحص أخير عملته، والدكتور عمر عرض عليا أوريه لدكتور مخ وأعصاب من أمريكا ونازل في سوهاج سياحة، وبصعوبة أقنعته اني أقابله، ها يا علي هتيجي معايا.
بالرغم من عدم اقتناع علي الا أنه قال بدون تفكير:
_أكيد طبعًا.
رد عليه ادهم بابتسامة واسعة:
_يبقى تجهز نفسك التذكرة الساعة ١٢ بليل، من فضلك بقى ممكن توريني أوضة شمس، عايز أسلم عليها قبل السفر.
خطى به للطابق العلوي وهو يتمتم بشك:
_مش مرتحالك يا آدهم.
منحه ابتسامة صغيرة واتجه للغرفة التي أشار لها، ولج آدهم للداخل ومازال يرتدي نظارته السوداء، بحث عنها بالغرفة فوجدها تخرج من حمامها الخاص تجفف خصلاتها التي ازدادت طولًا.
وقف يراقبها بشوقٍ،بينما تسير للخزانة،ارتدت قميص قطني مريح،وخرجت لتمشط شعرها قبل النوم،فاذا بها تصل لها رائحة البرفيوم الخاصة به،تركت المشط عن يدها وهمست:
_آدهم!
اتاها صوته الرجولي الهامس:
_شمس هانم!
التفتت من خلفها تبحث عنه بلهفة،فوجدته يجلس على أحد المقاعد المتطرقة بالصالون المنعزل،هرولت إليه بشوقها الذي يسبق خطواتها، بينما تصرخ بحماسٍ:
_آدهـــــــــم!
استقام بوقفته يتلقفها بين ذراعيه، ويدور بها باشتياقٍ بينما تعاتبه وهي بداخله:
_إنت قولتلي انك هتبعد يومين تلاته،كنت بتكدب عليا يا كابتن!
جلس يعاونها على الجلوس جواره وهو يجيبها:
_أنا أقدر اكدب على شمس هانم!! بالله ده كلام؟
حدجته بنظرة قاتلة وهدرت:
_متحاولش تلفني يا آدهم أنا مش طايقاك أصلًا،انت بعدت وسبتني غرقانه في مشاكل العيلة هنا،مش متخيل فريدة هانم كانت عايزة تعمل أيه، كانت عايزة تجوز مايا لعلي تخيل؟
تطلع لما ترتديه مبتسمًا، يا لصدمتها حينما تعلم بأنه يراها الان،فطوال تلك الايام التي فقد فيها بصره كانت تتحرك بحريتها وكان يعلم ذلك، ولكن الامر يروق له الان!
لكزته شمس بغضب:
_آدهم، سامعني!!
مال لها يخبرها بحنين:
_ومش سامع غيرك.
مالت على ذراعه برأسها وقالت بتعب:
_كل حاجة اتدمرت وانهارت بعد موت عمران يا آدهم... أنا موجوعة أوي
ضمها إليه وقال بحزن:
_سلامة قلبك من الوجع يا روح قلبي، عارفة يا شمس أنا بتمنى إننا نبعد عن كل ده، نفسي أعوضك عن كل اللي شوفتيه وده هيحصل بإذن الله بس لما أطيب وجعك الأول، بعدها هبعدك عن كل ده.
حديثه المبهم جعلها تبتعد عنها وتتطلع إليه:
_مش فاهمه تطيب وجعي ازاي يا آدهم.
استغل قربها منه وتعمق بزرقة عينيها، مما جعلها تطالعه بذهولٍ، فنزعت نظارته وهي تقول ببسمة صغيرة:
_وبعدين انت لابس النضارة هنا ليه، عيونك وحشتني.
قابلها بنظرة أربكتها، عينيه تمر على وجهها في شوقٍ، ارتابت شمس وتراجعت للاريكة بشكٍ منه، بينما يبتسم لها بخبث:
_وأنتِ كمان وحشتيني بكل ما فيكِ، تعرفي إنك شكلك أجمل وشعرك طويل؟؟
رفرفت بأهدابها بصدمة، بينما يسترسل وهو يتطلع لما ترتديه:
_واللبس ده حلو كمان، شبه الاميرات يا شمسي!
ابتلعت ريقها بتوترٍ، ورددت وهي تسحب مفرش الطاولة إليها:
_آدهم إنت شايفني؟؟؟؟؟؟
تعالت ضحكاته بعدم تصديق:
_المفروض ده خبر يفرحك ولا أيه يا شمس هانم؟!
انتفضت من على الاريكة تركض للفراش وهي تصرخ:
_اطلع بره، علـــــــــــي!!
كاد أن يسقط من فرط الضحك، فنهض يلحق بها وهي يتمتم بسخرية:
_مش هلوم آيوب تاني على عملته، شكلي انا اللي هبقى مهزلة!!
تطلعت له شمس بعدم استيعاب، لقد عادت نظراته العاشقة تحيطها مثلما كان يفعل، عادت بشرتها تصطبغ بالحمرة وهي ترى انعكاس حبها فيه، بينما هو يصطحبه معه لرحلة تعوضهما عن فترة الفراق القصير بينهما.
*******
الثانية عشر ليلًا.
كان يجلس "علي" جوار "آدهم" على متن الطائرة المتجهة إلى سوهاج، كان يقرأ الكتاب الذي بحوزته بينما يدعي آدهم نومه المستريح على المقعد المجاور له، وجل ما يجول خاطره لحظة اللقاء بين علي وعُمران، لحظة من المؤكد بأنه يُصعب نسيانها، وخاصة وهو يعلم بعمق العلاقة بينهما، هما ليس أخ وشقيقه، بل علاقة يصعب وصفه وكتابتها بين السطور، ولنترك ملاحمة اللقاء بينهما تسجل ما سيشهده بذاته!
....... يتبع.........
#الاقوى_قادم..
#آية_محمد_رفعت.
حبياتي رواياتي الورقية كلها اتوفرت بمكتبات عصير الكتب، وكمان تقدروا تطلبوها من الدار مباشرة وتوصلكم لباب البيت على واتساب 01121530961...
بانتظار رأيكم بالفصل، بحبكم في الله ♥
****____******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 128 - بقلم آية محمد رفعت
#زقاق_بين_الأحياء...(#صرخات_أنثى!..)
#الفصل_الــ100.. #عودة_الطاووس!
(إهداء الفصل تلك المرة سيكون مختلفًا، الكثير من القراء طالبوا أن يكون الاهداء لهم، وانا لا أريد أن أضع بعضًا من الاسماء بشكلٍ عشوائي حتى لا يحزن أي قارئ، لذا إهداء الفصل المميز لكل محبين رواية صرحات أنثى على كافة المنصات، اليوم الفصل سيكون عابرًا بالمشاعر والسعادة، ربما تكون تعويض لحزنكم على فراق أبطال الرواية، أعتذر منكم جميعًا إن تسببت الرواية بتقليب احزانكم على فقدان أشخاص قريبون منكم،وأخيرًا شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
جوار سور السطح الأعلى، وبمكانه الذي خصصه لخلوته الليلية، جلس على سجادته فور أن انتهى من قيام الليل، فإذا به يستكين على الحائط، وقلبه يضيق عليه، كأنه احتبس داخل قفصًا صغيرًا، يمنع عنه الهواء.
طوال ذلك الاسبوع كان يقضي أغلب وقته بالمسجد الذي بات مسكنًا إليه، حتى أنه مؤخرًا بات رفيقًا محببًا لإمام المسجد، وقد سبق له أن إختبر صوته العذب، وقد لجئ له ذات مرة ليكون امامًا للناس حينما كان الشيخ متعبًا وصوته قد بُح تأثرًا بالزكام.
مال عُمران برأسه للحائط، أغلق رماديتاه، وكل محاولة صدرت عنه لمحاربة ذلك الوجع الذي يخنقه قد فشلت، فوجد ذاته يتمتم بصوته العذب:
_سال دمعي يا إلهي
ولولا غربتي ما كان دمعي يسيلٌ
غربتي نجوى، ونيران شوقي
وأسى باكٍ وليلٌ طويلٌ
وما لي رجاء غير أن تسعى إليك السبيل
إذا ضاقت، فنجوى دعائي
حسبي الله
حسبي الله ونعم الوكيل
بالله إيماني وفيه رجائي
وإلى علاه ضراعتي وبكائي
يا مؤنسي في وحدتي
يا منقذي في شدتي
يا سامعا لندائي
فإذا دجا ليلي وطال ظلامه
ناديت يا رب كنت ضيائي
سبحانك جل جلالك يا الله.
قالها ودموعه تغسل وجهه، ثمة شعور بالحنين يزهقه، وأكثر ما يُؤلمه أنه لا يعلم إلى من يحن؟؟ يتمنى أن يتذكر أي شيء عن نفسه، وعن صاحبة هذا الخاتم الذي بقى صامدًا باصبعه رغم فقدانه كل شيء، وكأنه يثبت له مدى قوة الترابط بينه وبين الاصبع الذي ما أن وضع فيه لم يخرج منه أبدًا.
******
اكتسح العرق جبينه من فرط احتباس أنفاسه، قيود حديدية تحتجز ذراعيه تعيق حركته، لسانه قد شُل عن الصراخ، جسده يموج غضبًا في محاولة للتحرر، عينيه الوحيدة الشاهدة على ما يحدث قبالته، فتنهمر الدموع منها مع انهمار الدماء النازفة من جرح رفيقه!
نفس المشهد يُعاد مجددًا، حمل أسوء ذكرى جعلت حياته تقف عند هذا الحد، نفس الوجع ، بنفس حدته وعمقه، ويتجدد معهما شعور العجز.
نهض من نومه مفزوعًا وصرخته تتحرر أخيرًا:
_عُمــــــــــــران!
انتفضت "صبا" من نومها، تميل على الكومود لتضيء نور الغرفة، وزحفت إليه تتفحصه وهي تهمس بفزعٍ:
_بسم الله الرحمن الرحيم!
جذبت المناديل الورقية تزيح عرقه الممزوج بدموعه، فشاركته البكاء المكبوت رغمًا عنها، أبعد "جمال " يدها برفقٍ، وقال بصوته المبحوح:
_أنا كويس، كملي نومك يا صبا.
قالها وخرج من الغرفة، قاصدًا شرفة الردهة يستمع لصوت الابتهالات قبيل الفجر، مال على السور الحديدي للشرفة، يضم وجهه ويبكي بين ذراعيه، الألم يزيد في حدته، وجملة الطاووس تلاحقه أينما ذهب
«أنا عمري ما أتخلى عن اللي مني، وإنت كلي يا جمال!»
بكى ولفظ بشهقاته المكبوتة داخله:
_عملتها واتخليت خلاص يا صاحبي!
وقفت صبا تراقبه من خلف الستار، وقلبها يتمزق من حزنها عليه، لقد جرده فراق رفيقه عن الحياة بأكملها، خسر تقريبًا نصف وزنه، من شدة زهده في الطعام، مقت كل شيء حتى كونه حيًا.
أزاحت دموعها، وتقدمت إليه تحتضن كتفه، كنوعٍ من المساندة، فاذا به يستدير وهو يتطلع لها بوجعٍ، فقالت بتوسلٍ:
_بالله عليك تنسى يا جمال، هتموت لو فضلت كده!
أجابها وابتسامته تغاير تلك الدمعات:
_هنساه إزاي وأنا حفظته من كتر ما المشهد بيتعاد قدامي؟
سحب نفسًا مطولًا أطلقه على دفعتين، ثم أحاط كفيها معًا، يفركهم بين أصابعه، لامسًا دبلتها الذهبية التي تحتفظ بها منذ لحظة زواجهما، حتى إنطفئت، تعلق بصره بها وهو يقول:
_أنا مقصر معاكي ومع ابني، ومعنديش الجرأة أطلب منك السماح يا صبا! بحاول أكمل حياتي بصورة طبيعية بس مش عارف، والله ما عارف أعملها!
عانقت أصابعه بحنان، وقالت باكية:
_لو عايز ترضيني إهتم بنفسك وبأكلك، إنت صحتك اتدمرت يا جمال.
وتابعت ودموعها تنهمر بحزن:
_أنا مكنتش متخيلة ان علاقتك بيه بالقوة دي، يمكن لو كنت لامساها مكنتش هآ..
منعها من الحديث، حينما قال:
_بلاش نتكلم عن اللي فات وانتهى، ادعيله بالرحمة وإدعيلي بالصبر يا صبا.
وتابع بحب دمجه بنبرته، قاصدًا أن يمازحها :
_يعني إنتي كده معندكيش مشكلة نخاوي الولد بعُمران تاني، يعني عمران رقم 1 هيكون تكفير لذنبك الأول وعمران رقم 2 نخليه صدقة على ذنبك المعترف بيه!
ضحكت وردت بمشاكسة:
_وعلى أيه ما اجبلك نص دستة عمرنات تعلمهم بالأرقام!!
بات على نفس معالمه الباهتة، وردد:
_قابل بدستة كاملة، المهم إنهم كلهم يبقوا منك يا صبا!
منحته ابتسامة أرغمته على التبسم، فاقتربت منه على استحياءٍ وانحصرت بين ذراعيه، ضمها جمال واستند برأسه على رأسها، بينما يتطلع للأمام بسكون مخادع عن العاصفة العالقة داخله.
********
قطعت السيارة الخاصة الطرق، وانجرفت لعدة شوارع جانبية، بينما يتابع "علي" الطريق من خلف نظارته المعتمة بدهشةٍ، ولكنه تمسك بصبره المميز حتى توقف بهما السائق أمام إحدى مسجد صغير.
التفت "علي" تجاه "آدهم"، وقال باسترابةٍ:
_عدينا على مساجد كتير، إشمعنا المسجد ده اللي أصريت نصلي الفجر فيه؟
منحه ابتسامة صغيرة، وقال وهو يتفحص ساعته:
_عادي يا علي، حبيت نصلي قبل ما نروح الاوتيل، يلا إنزل الفجر هيأذن.
قالها وهبط مسرعًا، فلحق به علي، واتبع خطواته، وهو يهدر ببسمة ساخرة:
_لو في اعتقادك إنهم علموك تميز الكدب من العين وحركات الجسم، فأنا أستاذ ورئيس قسم يا حضرة الظابط.
توقف آدهم بمنتصف درج المسجد، واستدار إليه، فوجده ينزع نظارته بهدوءٍ ورزانة ماكرة:
_ها تحب تفضفض هنا ولا أدورلك على شازلونج تمدد وتأخد راحتك في الكلام عليه؟
فشل باخفاء ابتسامة إعجابه بشخصية" علي"الذي تفاجئ به كليًا، حينما قربتهما الظروف بالفترة الاخيرة، فهبط الدرج مجددًا حتى بات يقف قبالته:
_مسبقش ليا إني استهونت مرة بذكائك يا دكتور علي، وعارف إنك مسافر معايا وانت مش مقتنع بكلامي، وهدوئك ده مهو الا مهلة عشان أكشفلك عن حقيقة وجودنا هنا.
هز رأسه وهو يتابعه برزانته، أفصحت عن حكمته:
_وأنا مازلت منتظر إنك تتكلم، هنصلي الفجر وهكون جاهز أسمعك.
وتركه وصعد الدرج، فاذا به يوقفه:
_علـي.
استدار إليه من محله السابق، فاتسعت ابتسامة آدهم وقال:
_هو إنت ممكن تدخل شمس بينا لو حصل بيني أنا وانت خلاف بسيط مثلًا؟
زوى حاجبيه ورماديتاه لا تنحرفان عنه، بينما يستطرد آدهم بخبث:
_معتقدش إنك من النوع السييء ده، عُمران بس اللي كده.
قطع نطقه لتلك الكلمات الماكرة، صوت المؤذن بصلاة الفجر، ومازال "علي" يوالي ظهره للمسجد، ووجهه يقابل وجه آدهم.
احتجز الحديث على لسانه، فسحب رده عليه، وهو يحارب حالة من العجز التام، التي شُلت أطرافه كليًا، بينما مازال يتطلع لآدهم، يستحضر صوته ولكنه غادره في حالة من الصدمة.
حبس كل شيء من حوله، حتى صوت أنفاسه، وأذنيه تميل تجاه الصوت، اهتزت كل خلية في بدنه، بينما تتوسع مُقلتيه بشكلٍ أثر في آدهم، رفرف أهدابه بصعوبة، وهو يحاول أن يضغط على ساقيه لتستدير به تجاه المسجد، أذنيه تغوص في عمق الصوت الذي أوقظ كل ما دُفن داخله.
تزاحمت الدموع برماديتاه، ويده تستكين على درابزين الدرج من جواره، بينما يقطع الصمت القاتل عنه وهو يهمس بخفوتٍ:
_عُمران!!!!!
أدمعت عيني آدهم تأثرًا به، فصعد خلفه مسرعًا، يحاول مساندته للصعود، مال علي إليه وهو يشير بعينيه تجاه قبة المسجد:
_ده صوت عُمران يا آدهم!! ده صوته صح؟؟
قبض على كفه ودموعه تنهمر وجعًا، صمت آدهم اعتصره لدرجة كادت بأن تمزقه، فأراد أن يقطع شكه، بصعوده السريع للمسجد، ولكن قدميه خذلته ولك تنصاع لعزيمته، وشوقه الذي ينازع بين أضلعه.
تعركلت ساقيه كالصغير الذي يتعلم الخطى لمرته الأولى، فما أن ترك آدهم وصعد عنه أربع درجات، حتى سقط على الخامسة بساقيه، يبكي وهو يسمع حبيب قلبه يردد بخشوعٍ تام
«الصلاة خيرًا من النــــــــــوم! ...»
سند معصمه على الدرجة العلوية، بينما ينحني رأسه من فوقه، وعينيه لا تفارق مدخل المسجد، يخشى أن يكون مجرد تشابه بين صوت المؤذن وصوت أخيه، خشى أن يرى أحدٌ سواه فور أن يصل لباب المسجد.
هرع آدهم إليه يساعده بالوقوف، محررًا صوته الباكي:
_قوم يا علي!
حل جرفاته الأسود عن قميص بذلته السوداء الفخمة، بينما يميل على ذراعي آدهم، يمنحه الأذن الكافي بسحبه ليقف على قامته، مال عليه وعينيه متعلقتان بالميكرفون النابع عنه ذلك الصوت العذب.
مال برأسه إليه وقال بصعوبة:
_عُمران؟
أكد له بإيماءته بينما يغرق بنوبة من البكاء تأثرًا بالحالة التي أصابته، فتركه علي وهرول مُسرعًا للمسجد، بينما يحاول هو السيطرة على بكائه وإتباعه للداخل.
نزع حذائه وولج للداخل، عينيه تفتشان على منبر الإقامة، فوجده فارغًا، كاد أن يفقد عقله بتلك اللحظة، وخاصة حينما وجد شابًا أخر يضع الميكرفون محله.
ابتلع علي ريقه الجاف بصعوبة، وسرعان ما استدعى ثباته في موقفٍ يُحسب له:
_من فضلك، هو حضرتك اللي كنت بترفع الآذان من شوية؟
اجابه الشاب مبتسمًا:
_لا ده الخواجة، صوته تبارك الله عليه.
قيد كل ما بداخله من أسئلة وفضول، وقال بصعوبة حديثه:
_هو فين؟
استدار الشاب يبحث عنه بارجاء المسجد الذي يحوي عدد لا بأس به من المصلين، بينما يتمتم بنبرة مسموعه إليه:
_كان هنا دلوقتي، هتلاقيه واقف مع الاسطى موسى وصابر هناك، ممكن تروح تسألهم، عمومًا كلها عشر دقايق وهيقيم الصلاة، الشيخ زياد هيخليه يصلي بينا النهاردة زي المرة اللي فاتت.
تجاهل كل ما استمع إليه، بينما يراقب المحل الذي أشار عليه، حيث كان يقف صابر جانبًا، وموسى في وجهة من أراد رؤيته بكل لهفة ومحبة لا تخص سواه.
بحث فيهم وكل لحظة تمر عليه يشرف على فقدان ثباته، فاذا به يدقق بملامح موسى، ذلك هو نفسه الشاب الذي كانت تقف مايا برفقته في هذا اليوم، دنى بخطاه إليهم، ليفك كل الخطوط الغامضة التي وُضعت أمامه، وخاصة بأن جسد موسى الضخم يخفي شخصًا من خلفه.
مع اقترابه منهم، ظهر من أمامه كتف الشخص المجهول، ومن ثم وجهه، حتى بات ظاهرًا كليًا أمام علي!
تحررت الدمعات عن مسكنها، وابتسامته تعاكس كل ما يعتريه، لسانه الثقيل يتعلم نطق الحروف الذي غابت عنه:
_عُمران!!
بللت دموعه قميصه الأبيض، وبات يجاهد كل القيود التي تعجز حركة قدميه للوصول إليه، حاول رفع صوته عسى أن يستمع إليه، ولكنه لم يملك صلاحية التحكم به.
تحركت قدميه في طريقه إليه، ورفع صوته يناديه بقوةٍ:
_عُمــــران!
استدار عُمران تجاه الصوت بتلقائية، ومعه صابر وموسى، فاذا بآدهم يظهر قبالة علي فجأة، ويخفيه متصنعًا أنه يضمه، فاعتقد ثلاثتهم أن هناك سلامًا حارًا بين صديقين.
تحرك موسى وصابر تجاه المصليين، بينما حاول عُمران التطلع لوجوههما، وما كاد بالتوجه إليهما حتى أشار له الشاب بأن المدة الفاصلة بين الاقامة والصلاة قد انتهت.
فهرع للمكان المخصص له متناسيًا شعوره الغريب، وفضوله تجاه هذا الصوت المألوف، تناسى كل شيء حينما تعلق الأمر بصلاته.
بينما على بعد منه، يفرد آدهم قوته العضلية، بتحكمه بالسيطرة على جسد "علي"، وتثبيته في محله، ومع تأثر علي بما يحدث، بات هزيلًا في تلك اللحظة، حتى أنه فقد أعصابه فلم يتمكن حتى من دفعه عنه، كل ما يتحرر عنه صوته الهزيل:
_عُمران عايش!! إبعد عني يا آدهم.
صاح برجاءٍ لطيف:
_اهدى يا علي، إنت طول عمرك عاقل وبتعرف توزنها صح، عُمران مش في حالته الطبيعية وظهورك ليه دلوقتي ممكن يأثر عليه، انا مكدبتش عليك لما قولتلك أني عندي معاد مع الدكتور، أنا فعلًا حددت المقابلة معاه عشان نعرض عليه أوراق حالته، وهو اللي هيحدد نتعامل معاه ازاي، إنت هتقدر تنفذ تعليماته، إنت أكتر حد مؤهل إنك تتعامل مع عُمران وهو في الحالة دي.
شُلت أطرافه من سماع ما قال، والمنذر عن وجود خطبًا ما بأخيه، فأبعده عنه والدموع تغرق وجهه. بينما يفصح له آدهم عن غموض حديثه:
_عُمران فقد الذكرة يا علي.
مال تلك المرة على كتفه باستسلامٍ، ودموعه تمس كتف آدهم، فاقدًا القدرة على التحكم بجسده، بكى وتلك المرة فك آدهم حصاره وضمه بحنانه الذي يخص به معاملة أخيه فقط، وجده يحتاج إليه فدعمه قلبًا وقالبًا.
سمح علي لذاته بالانهيار، لقد طالت مدة صموده، وبقائه شامخًا، وقد تناسى كونه بشريًا، بحاجة إلى الراحة، ربت آدهم على ظهره وقال يواسيه:
_الحمد لله إننا اطمنا عليه، عُمران حي وبخير وده الأهم ، خليك قوي عشان خاطري، ده أكتر وقت هو محتاجك فيه يا علي.
تعالت شهقاته الممزقة للقلوب، وترجاه كأنه يحبس أخيه عنه:
_أضمه مرة واحدة بس، أنا ملحقتش حتى أبص عليه!
ابتعد عنه وواجهه بعينيه المحمرة من البكاء:
_أنا مين عشان امنعك عنه، أنا خايف عليه وعليك يا علي، بس عشان تتطمن أنا هجمعك بيه النهاردة بس بعد مقابلتنا للدكتور، إنت المفروض دكتور وفاهم!!
هز رأسه بخفة وازاح دموعه، ربت آدهم على كتفه والأمل قد زرع فيه حينما وجده يجاهد لاستعادة ثباته، ثم تركه ووقف بأخر صف، يحازي المصليين ليصلي خلف أخيه!!
وفي سجوده أطال ودموعه تعانق سجادته، ودعواته تناجي بعويلٍ يصل لادهم من جواره فبكى هو الآخر، بينه وبين أخيه خمسة صفوف من المصلين إن شاء سيصل له، وإن أراد ستقيده ضمته حتى الموت، ولكنه عاجز عن المضي قدمًا، وصوته العذب يجعله يبتسم في حنين ويبكي في ذات اللحظة!
ومع أخر سجدة له قال:
_اللهم إحفظ أخي في رعايتك وكنفك، اللهم إجمعني به وامنحني الصبر فسبحانك وحدك أعلم بما في صدر عبدك!
قالها وأنهى صلاته خلف شقيقه، وما أن سلم بالصلاة، حتى جذبه آدهم قائلًا:
_يلا يا علي بسرعة.
لم يمنحه الفرصة لرؤيته مرة أخرى، سحبه للخارج، وعيني علي متعلقة عليه، تحيطه بنظرة أخيرة، ويتمنى أن يرفع عينيه ليراه، بالرغم من أنه يعلم خطورة حديث آدهم.
فتح آدهم باب السيارة الخلفي، ودفع علي بداخله، وما أن وجده يهبط برفقة موسى وصابر، حتى استدار تجاه السيارة وهو يرتدي نظارته السوداء.
مضى عُمران من جوار السيارة، بينما يصيح به صابر:
_يعني هتفضل مقاطعني كده كتير يا خواجة، بقالك أسبوع بحاله متجنبني، ونازل طالع مع الاسطى اللي نسي صاحبه هو كمان ده!
منحه موسى نظرة غاضبة، بينما قال عُمران ببرود:
_وإنت مالك أنزل وأطلع مع اللي انا عايزه، ولا تكنش المدام وأنا معرفش!
ضحك موسى، بينما ابتسم علي وهو يميل باكيًا على النافذة المغلقة، الحائل بينه وبين أخيه تلك المرة رقيقًا للغاية، يتمنى أن يفتح باب السيارة ويخرج إليه غير مباليًا بما سيحدث، ولكن لأجل سلامة أخيه سيحتمل بضعة ساعات أخرى للقائه.
استدار يشير لموسى قائلًا:
_يلا يا موسى، أصل صاحبك شكله عايز يتكيف وأنا مش فايقله بروح أمه دلوقتي!
أجابه موسى وهو يشير له بشماتة:
_يروح لبيت العقربة، ذكرياتها هتكيفه من غير أي مجهود.
خطى عمران تجاه الحي، بينما عاد موسى يهمس لصابر بنزق:
_انت طرقت العقربة بس لسه معملتش الصح، لما تعمله هبقى اعترف بيك مرة تانية، يلا سلام يا تمرجي.
وتركه وغادر بينما الاخير يموج غضبًا وهو يلحق بهما.
تأكد "علي" من رحيل شقيقه، ففتح باب السيارة وخرج في نية تتبعه ليعلم إلى أي مكان سيذهب، فأوقفه آدهم قائلًا من خلفه:
_انا عارف مكانه وكل تحركاته متقلقش.
توقف محله والغيظ يموج به، فيجعله خطيرًا للغاية، لا يصدق أنه كان يخفي أمر أخيه، وهو السبب بمنع لقائهما الآن، استدار إليه ببطءٍ حتى توقف قبالته.
رسم آدهم بسمة خوف مصطنعه:
_بتبصلي كدليه يا دكتور!! مش اتفقنا انك هتكون متفهم وصبور.
رفع علي يده ببطء وهدوء مخيف، حتى لامس رقبة آدهم، وقبل أن يستوعب ما يخطط له كان الأسرع منه، ففجأه بحركة مدروسة، جعلته ينهار أرضًا بنوبة أشبه بالشلل المفاجئ، بينما الاخير يرمقه بغضبٍ وبلا ذرة ندم واحدة.
استغرق الأمر دقيقة كاملة حتى خفت حدتها، فبدأ بتحريك يديه أولًا ومازال جسده ينازع، في نفس اللحظة يهرع رجاله إليه من كل صوب،فور ان رأوا حالته الغريبة، حتى أن الاسلحة كانت ستُصوب تجاه علي، ولكن اشارة يد آدهم منعتهم وجعلتهم ينصرفون لمواقعهم المتوزع على الحارة بشكل يأمن الحماية لعمران.
نزع "علي" جاكيته، والقاه على درج المسجد ثم جلس جواره يتطلع للأرض بحزنٍ جارف، يتمنى أن يضم أخيه مرة واحدة، يريد أن يشعر من صوت أنفاسه ودقاته أنه حي.
جلس آدهم يفرك صدره وهو يستعيد حركات جسده بألمٍ، ونهض يلحق به، مشاكسًا إياه:
_لو الجوكر بلغه إنك بتأدي الحركة بالحرافية العالية دي هيجندك لصالح الجهاز يا دكتور.
تجاهله علي وبقى على وضعه، فنزع هو الاخر جاكيته وألقاه على الدرج ثم جلس من فوقه يردد ببسمة واسعة:
_تعرف إن العضلات متوزنش قصاد كفة العقل، لذا بيتخاف من الشخص المثقف جدًا، لأنه بيكون أخطر من اللي دراعه سابقه، وانا لامس فيك الخطورة دي من وقت ما أدبتني بالقائد بتاعي، ومن يومها لحد الإن بتعاقب بالتدريبات المكثفة وطلعت انت منها باشا!
واسترسل بمحبة:
_بس قرصة الودن دي اللي فوقتني وساهمت في علاجي بشكل كبير، بس بردو خلتني أحرس منك ومن عقلك ده.
وهمس ضاحكًا:
_على رأي عُمران علي ده البابا بتاعنا كلنا!
أبعد "علي" يديه عن وجهه المحمر، ومنحه نظرة حزينة، تشتاق لمجرد سماع إسمه، تلاشت ابتسامته وأخذ يبرر له باحراج:
_صدقني يا علي مكنش عندي تعليمات اني أبلغك بأي حاجة تخص عمران، أنا لسه عارف من قريب، وآآ..
أشار له علي وهو يعيد خصلاته للخلف بقوةٍ لحقت نبرته التي جعلت آدهم متفاجئ بشيءٍ جديد به:
_متبررش ليا شيء، أنت ردتلي روحي وخليت قلبي يرجع يطمن، أنا مديونلك بعمري كله يا آدهم.
أسرع بالرد عليه:
_أيه اللي بتقوله ده، عُمران ده أخويا عليا واجبات تجاهه زيك بالظبط، ولا انت لسه مش معتبرني من العيلة يا دكتور؟
ابتسم وهو يخبره بمكرٍ:
_إنت منها من لحظة ما كنت إختيار شمس، وبعدين أنا أدبتك بناء على مكانتك ومعزتك عندي، أنا دايمًا بعاقب عُمران بالاعتذار، لكن معاك مكنتش هتكفيني بصراحة.
تربع الحزن بين رماديتاه وهو يكمل:
_أنا عارف إنك صح في كل اللي قولته، انا كنت ماسك حالات مشابهة من دي مع دكتور مخ وأعصاب وكذه تخصص تاني، بس العذاب اللي كنت فيه كان أكبر مني.
ومع انهمار دموعه أخبره:
_ أنا روحي غابت بغيابه عني يا آدهم!
مسح على ظهره وشاركته دموعه هو الآخر:
_هترجعلك من تاني، وهيرجع لحضنك لانه مالوش غيرك يا علي، قوم يلا ورانا طريق سفر نقابل الدكتور وهنرجع على بليل، لازم عُمران يكون في القاهرة الصبح، مراد باشا باعت طيارة مخصوص ترجعنا المطار.
نهض علي يجذب جاكيته ويرتديه مجددًا، ثم لحقه للسيارة وبينما يقدم آدهم الهاتف إليه قائلًا:
_دي الاشعة والتحاليل الخاصة بحالة عُمران، جبناها من المستشفى والدكتور "فرنك" وصله نسخه منها.
التقط الهاتف منه وتابع الفحوصات الكاملة وتفاصيل الاصابات التي تلاقاها باهتمام، ووجع لما تعرض له أخيه!!
******
أضاء نور الجناح، فقطع العتمة التي إعتادتها بأيامها الأخيرة، تنزوي داخلها على الفراش، الذي بات مستقرها الوحيد.
اقترب منها حاملًا صينية الطعام، يفعل اضاءة الكومود ويدنو منها، يتشرب ملامح الحزن من وجهها إلى وجهه، قرب ذراعه منها يمسد عليها بحنان:
_فريدة حبيبتي، حضرتلك فطار بسيط، قومي كلي حاجة، بقالك كام يوم رافضة الأكل ومقضياها عصاير.
أتاه صوتها المكبوت بالوسادة، ومازالت توليه ظهرها:
_ماليش نفس يا أحمد، طفي النور واخرج من فضلك.
تفاقم الوجع داخله، لم يعد يحتمل أن يراها في تلك الحالة ويشاهدها مكتوف الأيدي، فلفظ ما بداخله من ضيقٍ:
_لا يا فريدة لا هخرج ولا هطفيلك النور، هتقومي حالًا وهتأكلي، انتِ الظاهر نسيتي إنك حامل، الطفل ده مالوش ذنب في اللي بنمر بيه.
ابعدت الغطاء عن جسدها، ونهضت تواجهه بكل غضبٍ، أنساها السيطرة على ما ستقول:
_إنت كل اللي يهمك اللي في بطني؟ مش همك أنا بمر بأيه؟؟ إنت طول عمرك أناني ومبيهمكش الا نفسك يا أحمد باشا.
تبلدت نظراته عليها، كالمجسم الحجري، يحاول استيعاب أنها تنسب تلك التهمة الباطلة إليه، اتسع من الوقت حتى تمكن من نطق:
_وتفتكري لو كنت بفكر بأنانية زي ما بتقول كان ده بقى حالي؟!
صمتت واختبأت خلف كفيها تبكي بضعفٍ، إنهار نصف عالمها بوفاة ابنها،والنصف الآخر ينهار بسببها هي!
صرخ أحمد بها وهو يحثها على العودة للحديث،فصمتها يقتله أكثر:
_ لو كنت أناني زي ما بتقولي كنت عيشت حياتي كلها بالطول وبالعرض من تاني رفض منك على جوازنا، أنا لو أناني مش هقدم كل التنازلات دي عشان،مهمنيش غير أنك تكوني ليا ومعايا، حتى بعد ما شرطتي أن جوازنا يكون بدون أولاد وافقتك ومرفضتلكيش أي طلب، وبعد كل ده شايفة إني ماليش حق أخاف عليكِ وإني أناني!! جاوبيني يا هانـــــــــم!!
زادت من حدة بكائها، بينما هو ينتظر سماع اجابة تطفئ نيرانه التي شعلتها هي وتركته يُعاني، لقد احتمل كل شيءٍ لأجلها هي، حتى تلك اللحظة التي ود أن يكون فيها جوار ابنه وصديقه "علي"،ابتعد واختار البقاء لجوارها.
انزوى بجلسته يعيد حساباته، يحاول أن يجد هو إجابة لسؤاله، فهدر بضيقٍ شديد:
_أنا مبقتش فاهم أنتِ فيكِ أيه بالظبط، كلامك بقى جارح لكل اللي حواليكِ،وبتأخدي قرارات غريبة، وبالرغم من اللي عملتيه الا أن مايا تفهمت موقفك ومبقتش زعلانه منك، وعلي كذلك جالك أكتر من مرة وقالك نرجع للكمبوند ونعيش مع بعض زي الأول انتِ اللي رفضتي وأصريتي نكون هنا، وبردو محدش ضغط عليكي وكلنا بنعمل اللي إنتِ عايزاه، بس حتى ده مش راضيكِ، لسه عايزة أيه تاني معرفــش!!!!!!
أبعدت كفيها عن وجهها وصرخت بعنفوانٍ قطع حبالها الصوتية:
_عايــزة ابنـي يا أحمد، وحشنـــي أوي ومش قادرة أتحمل فراقه أكتر من كده، عايــــزة أفـوق من الكابوس ده بقى.
قشعر جسده ألمًا من سماع نبرتها، تمزق نياط قلبه من رؤيتها تنهار بذلك الشكل الذي لم يراها به منذ تلاقيها لخبر وفاته.
دنت منه فريدة، وتشبثت بقميصه الأسود، تناجيه ببكاءٍ مؤلم:
_ عايزة إبني، أنا مش حاسة إني طبيعية من ساعة ما فارقني، أنا هفضل وحيدة حتى لو كنتوا كلكم جنبي، وحشني صوته وهو بيقرأ القرآن، عايزة أنام على رجليه وإسمعه وهو بيقرأ زي ما كان بيعمل، عايزة أخده في حضني حتى لو مرة واحدة.
قالتها ومالت على يديها المتمسكة بقميصه، فحاوطها يضمها ودموعه تنهمر حزنًا عليها، فتعالى صوتها بالبكاء:
_أنا آسفة إني قولتلك كده، أنا تعبانه أوي يا أحمد.
شدد عليها بكل ما فيه، بينما يضمها وهو يردد بصوت باكي:
_بسم الله على قلبك حتى يُشفى، وعلى روحك حتى تستريح، بسم الله من وجعًا لست أملك الصبر في تحمله، فديت قلبك ووجعك بنفسي وبروحي!
قالها ومال عليها يشاركها البكاء، ولكنه لم يصدر عنه أي صوتًا، بينما تصرخ هي بصوتها الذي قضى عليه تدريجيًا، حتى استكانت خاضعة بين ذراعيه، فسحبها ومال بها للوسادة، يتركها تستغرق في نومها، بينما عينيه تتعلق بالفراغ، ويده تضمها بكل عشق!
******
تقلب على الفراش بانزعاجٍ، هل من المفترض أن يعتاد على هذا الصياح الصباحي المزعج، الا يكفيه قرص تلك الحشرات الغريبة ليلًا.
ازاح "عُمران" الغطاء عنه ونهض يجذب قميصه، يرتديه على عجالةٍ، وخرج يستمع لنفس الاسطوانة المملة، بينما يربع يديه ويميل على الحائط.
رفعت اصبعها تشير إليه وتحذره بغضب:
_صوتك ميترفعش عليا يا بلطجي أنت والا والله العظيم أقلع اللي في رجليا وأنسله على دماغك.
توسعت مُقلتيه البنيتان في صدمة حقيقة، بينما يعيد قول ما تفوهت به وقد تزاحم غضبه وإلتحم بعرقه الرجولي:
_تعملي أيه؟ اظبطي كلامك معايا والا وربي ما هعمل حساب للجيرة ولا لاهلك، هو كل من مسك شهادة شاف نفسه ولا أيه، لا فوقي كده يا نغة وإفتكري إنك واقفة قدام الاسطا موسى عُربان على سن ورمح.
واستطرد وهو يحيطها بنظرة تقلل منها:
_مبقاش غير النسوان اللي هتقف وتبجح فينا، لا خدي تمامك وإركني بدل ما أهب في وشك.
ضمت شفتيها معًا بغضب، وأبعدت وشحها الطويل للخلف، بينما تجيبه:
_هو إنت شايف نفسك على أيه؟ ده أنت حتى دروس بنتك مش عارف تذكرهالها، ولولا إني بقعد معاها ساعتين كل يوم مكنتش نجحت بسبب اهمالك، ولا إنت معندكش وقت تذاكرلها من بلطجتك على الناس كل يوم والتاني.
أعاد خصلات شعره السوداء للخلف بغضب، وسحب نفسًا من سيجاره حتى أزهقه، ألقاه أرضًا ودعسه بقوةٍ أرعبتها، بينما يكز على أسنانه وهو يتمنى أن تكون هي محلها، ثم هدر ببسمة باردة:
_بقولك أيه يا أبلة صباح، مش جبتي الناهية وقولتي إني بلطجي، خلاص مالك بقى ببنتي شاغلة بالك بيها ليه؟ هي يعني لو اتخرجت هتأخد البكالوريا! دي هيالله في تانية ابتدائي!
جحظت عينيها في صدمة وصرخت بوجهه بشكلٍ ردعه للخلف بتوتر:
_وكمان مش عارف بنتك في أي سنة، بنتك يا اسطا موسى عُربان في تالتة ابتدائي، بس هقول أيه هتلاقيك مبرشم زيك زي أشكال الحي الآآ...
وضع أصابعه الخامسة على بعد من وجهها مثلما اعتاد أن يصمتها، وكعادتها تخفي بسمتها لحركته الذي يخصها هي بها، ولكنه مع أي شخصًا أخر يكورها بوجهه وهو يخرسه بكل جراءة، تنهد وصاح من بين اصطكاك أسنانه:
_خديلك راجع عني يا أبله بدل ما أقل منك ومن شهادتك، وخدي بالك موسى عُربان مقالش بقيمة واحدة ست قبل كده، يعني هتخشي التاريخ من أوسع ابوابه خدي بالك.
تراجعت خطوتين للخلف وهي تشير له باستخفاف:
_على أخر الزمن هدخل التاريخ على إيد ميكانيكي!!
بالرغم من أن الجملة أوجعته، الا أنه ضحك قائلًا:
_ألاه طيب وماله الميكانيكي، بيأكل برجله ولا لسانه ناقص حتة يا أبله!
وتابع يحذرها:
_خدي بالك انا عملك احترام عشان خاطر قمر بنتي بس.
زوت حاجبيها في دهشة:
_كل ده وعاملي احترام، ده إنت بتكلمني زي العربجي! ولسه من شوية كنت بتهددني!
ضيق عينيه الساحرة وقال ببراءة أضحكتها:
_ألاه! مش بقولك اللي هيحصل لو كترتي في الكلام!!
وتابع وهو يشير بسخط:
_ما أنا مش كل يوم والتاني هتمسخر قدام الصبيان بتوعي بسببك مرة وانتي رايحة المدرسة ومرة وانتي راجعه، أبله هو انتِ مبتزهقيش!!
ربعت يديها ومالت بفستانها الازرق جانبًا معللة سبب استيائها:
_مهو انا كل ما أشوفك سايب قمر بتلعب في الشارع ومش بتذاكر بتنرفزني، وباجي أجر شكلك.
زفر وهو يخبرها:
_يعني أسيبها فين بس، مهي بتلعب قدام عنيا لحد ما ترجعي من السنتر بتاعك، بتطلع معاكِ على طول، وشوية مع الخواجة وأهي ماشية، معرفش بعد ما تروحي بيت عدلك هتعمل أيه دي متعلقة بيكِ أوي يا أبلة صباح.
استفزها حديثه، والقاتل انه يتحدث بجدية تامة، ذلك الاخرق الذي لم يسمع يومًا لهمس قلبها، لا يراها الا معلمة ابنته، واحدى سكان منزله.
منحته نظرة شرسة وقالت بغضب:
_هتفضل طول عمرك غبي ومبتفهمش.
قالتها وهبطت للاسفل، بينما يتابعها بضيق وغيظ من اسلوبها، فانتظر حتى هبطت الدرج وصاح بأثرها:
_وانتي مغرورة وعرقك طاير فوق، بصي تحت شوية لتقعي على قفاكي، نسوان تجيب الفقر، الحمد لله إني خلعت من مُكنة النكد دي، أنا عرقي حامي ومعنديش مرارة انا!
سحب جاكيته الموضوع على المشجب الذي صنعه خصيصًا لجاكيته، يرتديه وهو يهدر بانزعاج:
_دي كل ما تشوف سحنتي تنزل عليا بالمواعظ والدبش، دي طليقتي معملتهاش!!
_غلطانه مس صباح، المفروض تنزل على دماغ أمك بالشماعة اللي شايفلي نفسك بيها دي!
قالها عُمران وهو يطالعه بسخطٍ، جانت منه نظرة تجاهه وقال مبتسمًا:
_خواجه إنت قومت!!
فرك جبينه بتعبٍ، بينما يتجه إليه موسى يشكو له:
_صدقتني لما قولتلك إنها نفورة ازعاج.
منحه نظرة ساخطة ثم هدر فيه:
_وآنت كتلة غباء يا آآ... يا أسطا.
وتركه وعاد لغرفته فلحق به الاخير بضيقٍ:
_انا غبي!! بقى دي أخرتها تطلع صاحبك غبي!!
جلس على الفراش يمرر يده على رأسه الذي بدأت تنمو فيها خصلاته البنية:
_هي دي معاملة تعامل بيها واحدة ست بذمتك؟؟؟ إنت متأكد إنك كنت متجوز قبل كده؟
أجابه ببلاهة مضحكة:
_ألاه!!! ، أمال يعني كنت كاسب البت قمر في كيس شبسي!!
وأضاف بنزق:
_بص اتجوزت وكان ليا في كام سكة شمال قبل ما ربنا يتوب عليا بس عينة الابلة صباح دي موردش عليا قبل كده.
وصاح بفتور وهو يسحب جاكيته:
_ربنا يكون في عين البغل اللي هيشيلها من الحي،ولا تلاقيها عايزة تعيش مع هوانم جردن سيتي بنت محروس!
واتجه للخارج وهو يصيح بانفعال:
_دي مُولفة مع وبور غاز، بتهب في وش أي حد يكلمها، ده الواحد بيترعب يقولها صباح الخير، يلا هنزل الورشة ولما قمر تيجي من المدرسة هاتها في ايدك وإنت نازل ومتنساش براد الشاي سلام.
زم عمران شفتيه وتمتم بسخرية:
_سلام يا بغل!
وتمدد ساحبًا الغطاء، وهو يردد بارهاق:
_المعتوه ده محتاج مني تربية وإعادة تأهيل في فن التعامل مع أنثى! لا ده محتاج معجزة!
عاد صوت قرع بالاسفل يخترق مسمعه، وصوتًا شعبي يتردد لبيع الاسطوانات الغازية، فابعد الغطاء ونهض يتمتم بسخطٍ:
_مفهاش نوم تاني كده.
نهض يتجه للحقيبة المتكدسة بالملابس الذي اشتراها برفقة صابر وموسى، انتقى منها بنطال جينز من اللون الرمادي، وتيشرت رمادي، بينما يلتف بحزام جلدي أسود وقميص أسود مفتوح من فوق التيشرت، حتى الحذاء والساعة كانت سوداء، أتقن في مظهره بشكلٍ جذاب وملفت كعادته، مازال طاووسًا لا يتنازل عن اكتمال طلته!
اتجه عُمران للمطبخ حيث وجد موسى يضع قدح الشاي على نيران هادئة، رفع مستواها ليتمكن من سكبها بالبراد ليهبط لمحل عمل موسى، كما اعتاد بفترته الاخيرة، فاذا به يرى صباح تقتحم السطح مجددًا وهي تتساءل بغضب:
_هو فيــن؟
أجابها باستغراب:
_نزل من شوية، في حاجة ولا أيه؟
قالت بعزمٍ قاطع:
_هأخد منه مفتاح عربيتب اشوف حد غيره يصلحها، ده إنسان فاشل مبيعرفش يعمل حاجة غير يطول لسانه، وفي الاخر يتهمني أنا اللي لساني طويل، انسان مستفز، كل ما يشوفني يدعيلي أغور من هنا عشان يروق، تقولش قاعدة على قلبه!!
راقبها عُمران بهدوء وابتسامة خبيثة، جعلتها تنقطع عن حديثها وتسأله بدهشة:
_أيه؟
استدار عنها وهو يهتف بجمود:
_ولا حاجه تقدري تنزليله تحت وتقوليله اللي قولتيه ده.
ارتبكت من غموضه، عينيه تخبئ شيئًا ما، جموده وثقل ردوده دفعها للبقاء، حمل البراد والمياه وأتجه ليهبط فوجدها مازالت تقف محلها، تفكر فيما ستخلقه من حديثًا، حتى تسحبه لمعرفة سبب نظرته الغريبة، فقالت بتلعثم:
_على فكرة مذكرتك لقمر باينة جدًا، ما شاء الله اتحسنت كتير، انت شكلك تعليم عالي على فكرة.
حدجها بنظرة كالميكروسكوب، وردد بثبات:
_بتحبيه؟
برقت في صدمةٍ، لم تكن تتخيل أن يكون جريئًا لتلك الدرجة، كانت تظن أنه سيلمح أو ربما لم يعلم بأمرها الخفي عن الجميع حتى عن صاحب الشأن!
لعقت شفتيها بارتباكٍ:
_انت بتقول أيه؟!! أنا أحب المتخلف ده؟
رد عليها بعتابٍ لطيف:
_على فكرة ألفاظك إنتي وهو هتتحاسبوا عليها، وياريت متجادليش معايا لأنك مكشوفة ليا من أول خناقة ليكي معاه تحت في الورشة.
لم يكن بالهين أبدًا، وهي تعلم ذلك، تركته واتجهت للطاولة الخشبية الصغيرة الموضوعة بمنتصف السطح، جلست وتركت العنان لدموعها تنهمر.
ترك عمران الاكياس التي يحملها، وأتجه يجذب مقعدًا على بعد مسافة معقولة منها، ينتظر أن تتحدث عما بداخلها، يفطن انها ستخرج ما دفن داخلها، وإذا بها تقول:
_بحبه من وأنا عيلة بضفاير، بس هو لما فكر يتجوز راح نقى من برة الحي، عاش حياته عادي وأنا حياتي وقفت.
وأضافت وهي تحاول ازاحة دموعها التي تزحزحت عن لجام قسوتها:
_رفضت كل اللي اتقدمولي، لاني مش قادره أشوف غيره، بس هو عمره ما شافني أصلًا، حتى بعد ما طلق مراته!
وأضافت ببسمةٍ ساخرة:
_زي ما أنت شايف معاملته ليا كده!
سحب عُمران منديلًا ورقيًا من جيب بنطاله، قدمه لها فالتقطته بامتنانٍ، مسحت وجهها بينما يخفض هو عينيه أرضًا، ينتظر أن تهدأ قليلًا، ثم قال:
_أنا فاهمك جدًا، ومقدر اخلاصك لحبك، بس لو دورنا مع بعض هنلاقي إن في نسبة من الغلط واقع عليكي بردو.
توقفت عما تفعل، ورددت باستنكارٍ:
_عليا أنا!! ليه عملت أيه؟؟
رد عليها بنبرته الهادئة الرتيبة:
_اولًا خلينا متفقين أن موسى مغلطتش في البداية، زي أي شاب عجبته واحدة وراح اتجوزها، اكيد ماخدش باله من حبك ده أبدًا، وخصوصًا أنك دايمًا بتتناقري معاه، يعني موصلاله إنك بتكرهيه لأبعد حد!
واضاف بعقلانية:
_على حسب كلامك انك فضلتي تحبيه وانتظرتي بعد انفصاله عشان بحس بحبك، بس اللي انا شايفه إنك معملتيش أي حاجة عشان تلفتي إنتباهه ليكي حتى.
صاحت بعصبية بالغة كادت بحطام الطاولة بينهما:
_نعم!! اعمل ايه يعني عشان الفت انتباه سيادته، أروحله اقوله بحبك يا طور مثلًا.
ضحك رغمًا عنه وقال:
_لا هو بغل مش طور.
ابتسمت هي الآخرى على حديثه، بينما استمد هو نفسًا طويلًا وأوضح مقصده:
_مقصدتش ده أبدًا، أنا مدرك المكان اللي إحنا فيه، قصدي إنك محاولتيش تحسني علاقتك بيه بعد انفصاله، دي لوحدها كانت لافتة انتباه، لكن مش على طول خناق ده الراجل بيخاف يقابلك صدفة على السلم يا صباح!!
وتابع وهو يراها تمتقع حرجًا لصحة حديثه:
_أخرها النهاردة مثلًا، نازلة فيه بدون ما حتى تأخدي فواصل، فبالله عليكي هيحس بحبك ازاي!!!
ضحك وهو يخبرها:
_عارفة موسى لو عرف إنك بتحبيه هيأخد صدمة هتجيب اجله، هو مستحيل يلمس حبك ده نهائي، هيحس إن في حاجة غلط، فحاولي تهدي شوية.
عادت تجفف دموعها، وتهدر في نزقٍ:
_والله لو عملت أيه، عمره ما هيحس ده طور قولتلك!
ابتسم في راحةٍ لتحقق هدفه باجتيازٍ، فسحب نظراته الغامضة تجاه الدرج، ثم قال لها:
_ثواني يا صباح، راجعلك حالًا.
حركت رأسها باشارة له، وبقيت بمحلها ترتب حجابها وتزيح دموعها، بينما يتسلل عُمران ليقبض على ذلك المتصنم محله كأنه تلقى عاصفة عصفت به بشكلٍ مذري.
كبت ضحكاته على مظهره، فكان العرق يتصبب على جبينه كالبحر المرتطم، بينما ترتعش يديه، سحبه عُمران للطرقة المنجرفة داخل الدرج، وهمس إليه:
_ها يا بغل، أيه رأيك؟
تطلع له ومازال يرتجف من هول ما استمع إليه:
_آآ... أنا.... هو.... الأبلة بتتكلم عن مين؟ ... هي... بتحبني أنا!!!!.... لا.. لا.. مش معقول!
وتابع وهو يحك جبينه:
_أنا كنت... ناسي السجاير والولاعة... يا رتني ما طلعت!
زم شفتيه ساخطًا:
_مالك نخيت كده يا اسطى، مش عاملي فيها بسبع ألسنة، الوقتي قلبت فرخة بلدي!!!!!
أجابه وهو يزيح عرقه بارتباكٍ:
_ما أنا قولتلك ماليش في الصنف ده، توبت منه يا خواجة!
لكزه عُمران بغضب قد وصل به لطريق مسدود:
_هو أنا عازمك على سيجارة حشيش، ما تفوق وتظبط معايا كده بروح أمك على الصبح!
وأضاف وهو يحاول أن يتمسك بالصبر قدر المستطاع:
_دي فرصتك الوحيدة، آدخل واتكلم معاها ومتحاولش تكابر إنت بتحبها انت كمان بس عشان غبي مش عارف ولا فاهم مشاعرك لانك زي ما اعترفت مالكش في أي حاجة خالص.
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة بالغة، وراح يتمتم بحيرة:
_لا... لا... أدخلها أيه؟! مش هعرف أواجهها.
احتقنت رماديتاه بنفاذ الصبر الخطير للقضاء على هذا الآرعن، فمنحه نظرة مهينة بينما يهتف:
_أمال بتعرف تعمل ايه يا سطا غير نصب العركة كل يوم والتاني تحت! قولي مهاراتك أيه؟
لعق شفتيه بتردد:
_طيب هقولها أيه؟؟؟؟
رمقه عُمران بدهشةٍ، ثم ضم مقدمة أنفه وهو يخفي ضحكته:
_حاسس إني هيجرالي حاجة والله، مالك يا حبيبي؟؟ ليه محسسني إنك فقدت كل شيء فجأة كده؟ إنت اتعديت مني وفقدت الذاكرة إنت كمان ولا أيه؟؟؟؟
وفجأة تلاشت عنه ضحكته ودفعه بعنف حتى سقط أمام باب السطح، بينما يهدر فيه بنبرة متوعدة:
_استرجل كده وادخل بصدرك، وحاول تربط لسانك البيئة ده، نقي كلامك وأوزنه قبل ما تتكلم، وإنجر عشان أنا اتخنقت وجبت أخري منكم!
قالها وعمل الأكياس وهبط للاسفل، بينما نهض موسى ينفض ثيابه، ويستعيد خشونته الهادرة بصعوبة، فولج للداخل وهو يهسهس بحرج:
_الخواجة دبسني وخلع!!
*****
كان بطريقه للاسفل، حتى تفاجئ بصابر يفتح باب شقته ويهرول إليه:
_خواجــــــه.
توقف محله يتنهد بضجر:
_نعم، انتوا واخديني بالدور إنت وصاحبك.
تغاضى عن حديثه وقال بضيق:
_بقالك أسبوع بتتجاهلني وزعلان مني، وموسى الصبح في صلاة الفجر يقولي لما تعمل الصح هكلمك، هو أنا كل ده ومعملتش الصح!!! ما انا طلقتها خلاص أعملكم أيه تاني يعني أروح أولع فيها؟
استدار إليه يطالعه في مللٍ، ثم ناوله الاكياس التي يحملها قائلًا بعنجهيةٍ:
_نزل الحاجة دي ورشة موسى وتعالى نكمل كلامنا يا عسول.
رفرف باهدابه باسترابة، بينما يتجه عُمران لشقته قائلًا بسخرية:
_هستناك في شقة العقارب، وخد بالك مبستناش حد أنا!
حمل صابر ما بيده وهرول للاسفل، بينما يمضي عُمران حتى أقرب مقعد، وجلس يضع قدمًا فوق الاخرى، هامسًا:
_حلال العقد، شكلها بقت شغلتني الجديدة!
*****
كانت بانتظاره، حتى سُحب المقعد، وجلس أمامها أخر شخصًا توقعت رؤيته، رفرفت بأهدابها بصدمة، ولكن سرعان ما اخفتها وتصنعت الثبات أمامه:
_هو انت مش كنت تحت؟
وبارتباكٍ من أن يكون سمع حديثها تساءلت:
_إنت هنا من أمته؟؟
تمعن بها بحرجٍ، ثم تنحنح:
_يعني مش من كتير.
طريقته كانت غامضة للغاية، مما جعلها تنبشه لتعلم ما به:
_طيب حيث كده كنت طالعه أقولك هات مفتاح عربيتي أنا هشوف حد تاني غيرك يصلحها، أنت آآ..
قاطعها متلهفًا وبأسلوب تشهده منه لاول مرة:
_يمين بالله محد حاطك ايده فيها غيري يا أبلة، هخلصهالك هوى والله، أنا عنيا ليكِ.
رمشت بعدم استيعاب، وتيقنت مئة بالمئة بأنه سمع حديثها، فامتقع وجهها بحمرة شديدة، وإذا بها تهرول هاربة:
_طيب أنا هنزل عشان ورايا حصة بالسنتر.
قالتها وكادت بالهبوط، فلحق بها يوقفها:
_تتجوزيني يا أبله؟
توقفت محلها ويدها تحتجر الدرابزين بعدم تصديق، ظنته سيواجهها بما سمع ليحطم غرورها مثلما اعتاد، ولكن ما قاله أخر ما توقعته.
وقف موسى على بعد محسوب منها، واحترم عدم رغبتها بالاستدارة اليه، فوقف خلفها وقال:
_أنا متخيلتش ولا حلمت إني أكون في قلبك إنتِ، أنا طول عمري شايفك حاجة كبيرة أوي يا أبلة، ولحد الآن مستخسرك فيا، مهما كان إنتِ ما شاء الله حلوة ومتعلمة، يعني تستاهلي واحد أحسن مني، ده أنا حتى معيش شهادة ابتدائية!
في تلك اللحظة استدارت إليه تطلع له بعينيها الغائرة بالدموع:
_عمر ده ما يعيبك أبدًا يا موسى، إنت أرجل راجل في الحي كله، كفايا أنك بتأكلها بالحلال وعمرك ما مديت ايدك للحرام، وحنية قلبك على قمر مش بتتشرى لا بشهادة ولا بالملايين.
جحظت عينيه في ذهول تام، وردد رغمًا عنه:
_معقول انتِ الابلة ام لسان شبه الوبور!!
كبتت ضحكتها وقالت تهدده:
_هتلم نفسك ولا ألسن جزمتي عليك؟
ضحك وقال بحب:
_لا وعلى أيه خلينا في دور روميو وجوليت ده رايق وروش كده، المهم مجاوبتنيش أنزل أكلم الحاجة؟؟
لفت وجهها للدرج تفرك أصابعها بخجل:
_لما تصلح العربية الاول، أعتبرها مهري يا أسطى.
قالتها وهرولت للاسفل، فمسح على خصلات شعره الفحمي وهو يردد في سعادة:
_وماله نصلح عربية المرحوم لأجل ما نول المراد!!!
****
طال الحديث بينهما عن تفاصيل حالة عُمران، وأتمها بقوله المستفيض،مستندًا بذراعيه على الطاولة،حيثما يجلس علي وآدهم قبالته:
_في حالات فقدان الذاكرة الجزئي (Retrograde Amnesia):
الشخص يفقد ذكريات الماضي قبل الحادث لكن يحتفظ بالمهارات التلقائية أو العادات الراسخة بمعنى إنه مكن يصلي بطريقة تلقائية لو الصلاة كانت جزء من روتينه، وممكن يلبس بنفس الأسلوب أو يختار ألوان معينة بدون ما يعرف ليه
ياكل بطريقة معينة، يفضل أكل معين يشرب بطريقة معينة، من غير ما يتذكر السبب أو الذكرى نفيها ودي اسمها "الذاكرة الإجرائية" (Procedural Memory) وهي نوع من الذاكرة بيخزن العادات والحركات التلقائية، وبتكون موجودة غالبًا، حتى لو الذاكرة الشخصية اتأثرت، ومبقاش فاكر هو مين أو فاكر حاجة عن حياته.
ممكن الشخص يفتكر العادات والسلوكيات التلقائية حتى لو نسي الأشخاص أو الأحداث أو اسمه دي من الحاجات العجيبة في المخ البشري وبتظهر قد أيه السلوك الإنساني أعمق من مجرد "الذكريات اللفظية"، شخص إتربى طول عمره بيصلي الفجر قبل الشغل ممكن تلاقيه بعد فقدان الذاكرة:
يصحى من نفسه بدري، يقوم يتوضى ويصلي بشكل آلي
بس لما تسأله "أنت بتعمل إيه؟" هيقولك: مش عارف بس حاسس ده اللي المفروض أعمله
ممكن يفتكر "كلام سمعه" قبل فقدان الذاكر بس تحت شروط معينة:
لو الكلام كان متكرر جدا أو مرتبط بمشاعر قوية (زي جملة حد بيقولها له دايما أو موقف مؤلم)
لو كان الكلام اتحفر في الذاكرة طويلة المدى قبل الإصابة فالمخ ممكن يخزنه بشكل دائم، جملة مثلًا كان بيسمعها من شخص عزيز قالها له كتير
كلمات أغنية كان بيحبها، وبيسمعها كتير
الذاكرة السمعية التلقائية (زي الأغاني أو الجمل المحفوظة) بتتخزن في مناطق مختلفة عن الذاكرة الشخصية وعشان كده ممكن تفضل موجودة حتى لو نسي الناس أو الأحداث!
هز آدهم رأسه بخفة، بينما تساءل علي بفضول:
_طيب إزاي أقدر اواجهه بالعلاقة اللي بينا، وأخليه جاهز يقابل عيلته وأصدقائه؟
ترك الطبيب كوب قهوته وقال يجيب:
_مش فرض حدوث أمر متكرر مع تصرفات كل مريض فقد الذاكرة، الموضوع بيختلف من شخص للتاني، بس اللي أقدر أقولهولك إن ده بيتوقف على حسب قدرته، ونخلي مقابلته بالدكتور علي اختبار قصير، ظهورك ليه هو بوابة للي جاي، لو تقبل وجودك هيقدر يتقبل علاقته بالعيلة والاصدقاء.
كسر آدهم صمته حينما قال:
_يعني مقابلة علي ليه هي اللي هتحدد كل حاجه؟
أشار له بايجاب:
_بالظبط.. بس زي ما حذرتكم في بداية كلامنا إن الموضوع ممكن يكون له مضاعفات، عشان كده بفضل إنه يشوفه من بعيد، وردة فعله هي اللي هتبين الطريق قدامك يا دكتور علي، لو متأثرش بيك يبقى الافضل إنك تكون في حياته بشكل مؤقت، كصديق جديد بيتعرف عليه وبعدها هتصارحه بالحقيقة واحدة واحدة، لكن لو حس بشيء من نحيتك أو بنسبة قليلة ممكن يفتكرك او يشوف ليه مشاهد من ذكرياته بتجمعه بيك التلات حاجات دول نقاط ايجابية وبشارة إنه هيتقبلك وجاهز يستكشف كل شيء عن حياته.
توترت معالمه بشكلٍ مقبض، كل مرة تزداد حدة وصعوبة ما يجتازه، ولكنه جاهز لفعل أي شيء من أجل أخيه.
شكر آدهم الطبيب ونهض يلحق بعلي في السيارة التي تحركت للعودة، بينما يميل علي شاردًا بلقاء أخيه، وبأي طريق سيسلكه معه، طريق الصديق الذي وقع بطريقه صدفه أو طريق الأخ الذي عاد يطالبه بالعودة برفقته، لتعود الحياة إليه وإلى كل من أفتقدوه!
******
زفر "عُمران" بنفورٍ من تكرار "صابر لنفس الحديث مجددًا:
_صابر أنت لسه هتحاكي في نفس الحوار، فين الجديد عشان خلقي ضاق من أمك!
سحب كوب العصير من أمامه، تجرعه مرة واحدة، وقال يصارحه:
_تلخيص الرغي ده إني مش قادر أقربلها، قلبي موجوع من خيانتها ليا ومش قادر حتى أبص في خلقتها.
انفعل عليه الاخر وصاح:
_خيانة أيه اللي بتتكلم عنها، دي كانت مراته على سنة الله ورسوله!! بقولك أيه أنا دماغي فيها كلاب سعرانه بتتعارك جوه، أوزن كلامك لأطلقهم عليك وأخلص!
قالها وصفن قليلًا، في تلك الكلمة التي شعر وكأنه رددها أكثر من مرة، حتى أنه لم يستمع لرد صابر عليه، فناداه بقلق:
_خواجه، روحت فين؟
أبصر برماديتاه وقال بثبات:
_معاك.
رواض ما بداخله وقال يسأله:
_قولي يا صابر، هي كانت تعرف أن أخوك بيشرب قبل ما تتجوزه.
لوى شفتيه بتهكمٍ وغيظ من تذكره لما مر:
_لا مكنتش تعرف ولا حد كان يعرف أصلًا، لانه كان لسه بادئ يتعاطى قبل ما يتجوزها بشهرين تلاته.
هز رأسه بتفهمٍ، وقال برزانة:
_ده المتوقع، لأنها مستحيل كانت هترمي نفسها للهلاك بايدها، فده المفروض يشفعلها عندك، كمان في نقطة لازم حضرتك تتقبلها، مفيش حد بيملك سلطان على قلبه، هي قلبها مال لأخوك، وكانت فاكرة إن اختيارها صح، بعد كده اتصدمت من اختيارها، وأكيد لامت نفسها وندمت على اختيارها ليه ورفضها ليك، إنت زودت فوق عذابها عذاب يا صابر، ومكنتش عادل معاها، ظلمتها زي ما أخوك ظلمها.
غامت سحابة الحزن والقهر على ملامحه، وبدى يحارب شيئًا ما داخله، ليتمكن من قوله:
_كل ده كنت بفكر فيه الايام اللي فاتت، بس انت مش فاهمني مفيش راجل هيقبل على نفسه آ...
قاطع حديثه عن الاندراج لتلك الجزئية:
_الخلاصة عندي في سؤال واحد، ردك عليه هينهي النقاش ده.
نصب كل تركيزه عليه، فسأله عُمران:
_لو كانت قبلت بيك واتجوزتك انت من الاول، ولقدر الله حصلها حادثة واتشوهت، أو تعبت بمرض خطير، كنت هتتخلى عنها؟
اجابه بلهفة وبدون أي تردد:
_مستحيل أتخلى عنها.
رد عليه بنفس الهدوء:
_خلاص اعتبر إنها تعبانه أو فيها شيء مشوه، بالرغم من ان جوازها شيء طبيعي ومش مستاهل كل ده بس تخيل انها كده وخلاص.
وأستطرد بوجومٍ:
_الحب كفيل يجملك كل العيوب اللي في شريكك يا صابر، فإزاي مش قادر تتخطى شيء بسيط خارج عن ارداتها.
وانتصب بعوده عن المقعد، ثم استدار يخبره بضيق من عجزه:
_تخيل انت بتحارب نفسك من أد أيه، وبينك وبين اللي بتحبها طرقة بين الشقتين، صدقني لو نجحت تشيل الغشاوة السودة دي عن عينك وقلبك فالحب اللي بينكم كفيل يغير شقة العقارب دي لقصر.
قالها وغادر على الفور، ليتركه محله يفكر في حديثه، حتى نهض بكل عزم، وإتجه لشقة والدته، طرق بابها فاذا بزوجته الاولى تفتح الباب باسدال صلاتها، وما أن رأته حتى تساءلت بتردد:
_خير يا صابر، عايز حاجه؟
تعمق بالنظر إليها، تلك الزهرة التي ذُبلت أطرافها هنا في هذا المنزل، على يد أخيه والآن على يديه، ومع اصرار والدته طوال تلك الايام الماضية لتعلم لماذا طلق زوجته لم يرى منها أي اهتمام بما فعله، لا سعادة ولا حزن، وكأن أمره بات لا يعنيها!!!
أفاق من شروده على صوتها الهامس:
_إنت تعبان ولا أيه؟؟
سحب كفها فجأة وهو يهتف:
_تعالي معايا.
توقفت "نعمة" محلها في محاولة لنزع يدها منه:
_على فين؟؟ استنى!!
لم يجيبها بشيء، بل دفعها برفق داخل شقته، ثم أغلق بابها، راقبته نعمة بقلقٍ، وقد اندث فيها الخوف، تخشى أن تكون إرتكبت شيء ما يجعله يعاقبها وهو بتلك الحالة.
دار صابر من حولها، ومازالت تقف في محلها برعبٍ، تنصت لما سيقوله، فاذا به يستقر أمامها ويفاجئها بسؤالٍ أدهشها:
_لسه بتحبيه؟
رفرفت باهدابها بعدم استيعاب:
_مين؟
هدر بانفعال وهو يحجز ذراعها بين قبضته:
_أنتِ عارفة انا بتكلم عن مين يا نعمة، لسه بتحبيه ولا لا؟؟؟؟
ارتجفت قبالته بخوف، بالرغم من انه لم يرفع يومًا يده عليها ولكنها باتت تخشى أي صوتًا صاخب من حولها، فاذا بها تبكي وهي تردد بشحوب:
_متضربنيش يا صابر، ورحمة أبوك ما تكرهني فيك.
أصاب سهمًا قلبه دون أن يرف له جفنًا، بينما تتابع رميه حيًا:
_قولي إنت عايز أيه وأنا هعمولهولك، عايز تتجوز تاني اتجوز، أنا مش عايزة حاجة غير أني اعيش مع عمتي، وعمري ما هطالبك بحاجة تانية والله العظيم.
دقق النظر فيها وقال مصعوقًا:
_اتجوز تاني!! هو إنتي مش ناوية تحنني قلبك وتحاولي تحبيني زي ما بحبك، إنت بتحبي اللي هانك وداس عليكي ومش مستعدة تدي فرصة للي بيحبك؟؟؟
طالعته بدهشة ولم تعد تعلم ماذا يريد بالتحديد؟ :
_أنا مبقتش أحبه من اول مرة رفع فيها ايده عليا، أنا بدعيله بالرحمة عشان خاطر عمتي وعشان خاطر اكرامك ليا، مفيش في قلبي ليه حاجة.
كالقتيل المتعلق بأي أمل، زرعت له البسمة في طريقه العابث، فاذا به يستند بجبينه على جبينها ويقول:
_ما أنا كمان عملت فيكي كتير يا نعمة.
طالعته بعينيها الدامعة وقال:
_عملتها عشان كنت مجروح مني ومن اللي عملته، وبالرغم من كده عمرك ما رفعت ايدك عليا ولا هنتني، أكرمتني وكنت شايف كل طلباتي من غير ما أطلب منك، ده كله وعايزني أكرهك.
سقطت دموعه في تلك اللحظة، وبحت نبرته:
_قصرت في أهم حاجة، حقوقك الشرعية!
ردت عليه بابتسامة مؤلمة:
_كده هبقى طماعة أوي، أنت احترمتني وده كفايا عليا.
لم يستطيع قول كلمة اخرى، بل ضمها إليه بقوة جعلتها تتمسك به بفرحةٍ، ازددت بنطق ما حُرمت منه منذ سنوات:
_أنا لسه بحبك يا نعمة... وعمري ما بطلت أحبك!!
قالها ودعمها إليه، يصطحبها لعالمه الذي حرمها منه، وكأن الله قد أوقع عُمران بطريقه ليزيح غمامته السوداء عن ظلم تلك الفتاة، فدخل بها لتكن زوجته الآن!
*******
تقلبت في الفراش بوجعٍ يقتحم بطنها المنتفخ، وما أن فتحت عينيها حتى تفاجئت بالمياه تحاوط الفراش من حولها.
جحظت عينيها في صدمة، وأبعدت الغطاء عنها، وهي تحاول أن تستكشف ما يحدث، وإذا بها تصرخ بصوتٍ صاخب:
_إلحقنــــــــي يا يـــــــوسف!
أتى مهرولًا من المطبخ بعدما كان يتناول الافطار استعدادًا للهبوط لعمله، فوجدها تصرخ بانهيار، رنى إليها يتساءل بقلق:
_ليلــــى مالك؟؟
أشارت على الفراش وهي تبكي بخوف:
_أنت لسه هتسأل، أنا شكلي بولد يا يوسف!!
وزع بصره نحوها ونحو الفراش، ثم ركض نحوها يهتف ببلاهة:
_أه دي باينها ولادة فعلًا.
منعت صرخة ألمها وقالت بسخط:
_فعلًا!!!! أنت بتهرج يا دكتور!!!!
حك جبهتها وهو يصارحها بما سيقضي به عليها:
_لا مش القصد، بس أنا مش هقدر أولدك يا حبيبتي، قلبي رهيف وهيتوجع عشانك، فأيه رأيك نشوف دكتور تاني أحسن؟
حاربت وجعها. وأنفاسها التي تختنق، في محاولة لكبح غيظها، فجذبت كوب المياه المجاور لها، قم قذفته تجاهه بعنفوان:
_بتتخلى عني في أول مطب يا يوسف، طيب طلقني بقى أنا يستحيل اكمل معاك أنا وبنتي.
تفادى الكوب بصعوبة، وراقبها بتمعنٍ:
_وماله يا قلب يوسف لينا محكمة تلمنا، المهم الوقتي استريحي كده عشان أكشف عليكي وأقيم الوضع.
أشارت له بتحذيرٍ:
_ايدك عني، أنا هشوف دكتور غيرك، فاكر نفسك دكتور مهم!!
قالتها ومالت على الفراش تجذب هاتفها، بينما يستغل هو انشغالها ويجذب حقيبته الخاصة، ارتدى الجلفز وبدأ يفحصها بدقةٍ، ثم همس دون ان تستمع له:
_لسه معانا ساعتين تلاتة، الصبر من عندك يارب.
اطمئن على وضعها واتجه يجلس على المقعد، يراقب ما تفعله، فاذا به تتحدث بالهاتف قائلة:
_الحقيني يا زينب، بولد ومش قادرة، ويوسف أبو قلب جاحد مش راضي يولدني، صحي سيف ينزل يوديني المركز ولا يشوفلي اي دكتورة!
رفرف باهدابه بصدمة من تلك التهمة التي تلقيها عليه، فنهض من محله يرسم فزعه الشديد:
_أيــــــــه بتولدي بجد يا لولا!!! ازاي متقوليش!!
عبثت بصدمة من تمثيله، وهو الذي كان يفحصها منذ قليل ويعلم كل العلم بأنها تلد بالفعل!! حملها يوسف ومال لسماعة الهاتف:
_خلي سيف يقابلني بسرعه يا زينب.
قالها واتجه بها للغرفة المخصصة لملابسها، عاونها على ارتداء الجلباب الاسود، بينما تتطلع له بصدمة انستها الألم، وهو ما أراده أن يشغلها كليًا عن الالم، بينما يقف أمام الخزانة خاصته يدندن وهو ينتقي ملابسه:
_اعتقد الطقم ده هيبقى حلو لاستقبال نوجة!
قالها وسحب بنطاله يرتديه ببرود، ثم منحها ابتسامة يخفي بها قلقه عليها، وانحنى يجذب لها الكيس البلاستيكي قائلًا:
_خدي يا حبيبتي كيس البقسماط بتاعك اتسلي بيه عما ألبس.
وتركها وخرج يختبئ ليبلغ المركز باعداد غرفة العمليات وهو يتمنى أن لا يلجئ للجراحه.
عاد اليها فوجدها مازالت تتطلع على الباب الذي خرج منه بصدمة، وفجأة لمح الشراسة تلتمع بمُقلتيها، وجذبت ما قابلها من المزهريات، تلقفها له بصراخ عنيف:
_يا بارد يا عديم المسؤولية، إنت دكتور انت، أنت جزار بلا قلب.
تفادى قدر المستطاع ما تلقيه، وتركها واتجه يفتح باب الشقة، فوجد سيف يخبره بهلع:
_انا جاهز فين ليلى؟
اشار على الداخل دون ان يتحدث، فولج سيف وزينب للداخل وما كادوا بالاقتراب من الخزانة حتى القت الشمعدان تجاههما، فتراجعوا ليوسف، وسأله سيف بصدمة:
_مالها ليلى؟
أجابه ببسمة واسعة:
_بتولد يا حبيبي، بس زي ما انت شايف عايزة تيتم البنت من قبل ما تيجي على وش الدنيا.
وأشار لهما مسترسلًا:
_يلا هدخل أحاول اقيدها واخرج بيها تكون دورت العربية.
وتمتم بخوف لمصيره القادم:
_استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
قالها واقتحم الخزانة حتى تمكن من حولها، وهرع بها للخارج ومازال تصرخ فيه ان يتركها، فمالت تجرح وجهه باصابعها، بينما تراقبها زينب بخوف وصدمة، وكأنها باتت كمصاصين الدماء.
اتبعتهما للمصعد وسيطرت على يديها بعيدًا عن وجه يوسف الذي قال بارهاق:
_نردهالك في ولادتك بإذن الله يا دكتورة، مش أنتِ كل ما تكشفي على طفل حلو تجري عليا ومصممة أديكي منشط، تحبي أكتبلك على جرعة؟؟
هزت زينب رأسها نافية ذلك بكل اقتناع، بينما يخفي يوسف قلقه الصريح على زوجته التي مالت على كتفه تبكي من شدة ألمها!
*****
أتى الليل بعد ساعات كانت أعوامًا بالنسبة إلى "علي"، وها هو الآن يقف قبالة منزل" موسى"، يواجه"آدهم"، "صابر" بعد كشفه عن هويته، ويضع له خطة بسيطة لظهور "علي" إلى" عُمران ".
بينما على بعد من المنزل، كان عُمران بطريق عودته من صلاة العشاء برفقة موسى الذي يخطو مبتسمًا وسعيدًا منذ الصباح، استدار عُمران للخلف باستغراب حينما لم يجده جواره، فوجده يمشي ببطءٍ شديد.
ابتسم وهو يهز رأسه بيأسٍ وانتظره حتى أتى إليه ثم قال:
_لما انت واقع أوي كده، معترفتلهاش من زمان ليه؟
اتسعت ابتسامته بهيامٍ ومشاعره تتراقص في مُقلتيه:
_مكنتش اعرف إني بحبها أصلًا، ولا كنت أجرأ أفكر فيها، الفرق بينا في التعليم كبير يا خواجة.
تابع المضي بنفس خطاه البطيء، وقال:
_وعشان متحسش بالنقص ده، اتعلم الكتابة والقراءة يا موسى، صدقني هتفرق معاك في شغلك وفي حياتك مع قمر.
شرد قليلًا في حديثه، ثم هتف بحماس:
_هعمل كده.
واضاف مبتسمًا والحيرة تنهشه:
_سبحان من جعلك سبب لتغير حياتي أن والواد صابر، لا وكنت بقول عليك قتيل، ده انا اللي كنت ميت يا عم!
رفع احدى حاجبيه بغضب، فضحك موسى وبرر:
_غلطة وخدت راجع عني متزعلش، بس بصراحه انت شقلبت كياني، بقيت بصلي معاك كل فرد في الجامع والله اكبر عليك صوتك في القرآن جميل اوي.
تنهد وهو يخفي حزنه، ومازحه:
_ما خلاص يا موسى، هتخليني اقع في حب نفسي أكتر من كده؟!
مضى بنظرة دقيقة فيه ثم ققال:
_ليك حق تنفش ريشك زي الطاووس!
غامت معالم عُمران، ومصدر الكلمة تتردد داخله دون توقف، مع دمج كلمة "وقح" مع "الطاووس" تجمعت الآن برأسه "الطاووس الوقح"!
أفاق على هزة يده، فانفض عنه ما تردد داخله، ثم قال بجدية تامة:
_بقولك ايه يا موسى، أنا كنت عايزك تشوف حمص عشان محتاج أستبدل المبلغ اللي معايا.
اندهش من سماع ما قال، وتساءل:
_ليه تاني؟!
رد عليه وعينيه تراقب المارة بلا هدف:
_حابب اساعد بيهم مس صباح، والدتها لازم تعمل العملية باقرب وقت، وانت على حسب كلامك ان معاها حوالى140ألف، هنشوف اللي معايا هيبقوا كام، يمكن يكملوا المبلغ اللي محتاجاه كله.
تطلع له بصمت، يفشل في فهمه، ذلك الغريب يمتلك قلبًا من ذهب، طال الصمت بموسى حتى صاح فيه عمران:
_ها يا موسى هنروحله دلوقتي ولا هتكلمه الاول؟!
تحرر صوته المكبوت أخيرًا:
_عايز تديها الفلوس طيب وإنت هتعمل أيه يا خواجة؟ وبعدين مش آنت قولتلي هنروح بكره نجيب التكيف اللي عايزه ده.
نزع قميصه وتبقى بالتيشرت حينما شعر بالحرارة تجتاحه:
_هنشتري مروحة صغيرة، المهم نلحقها قبل ما الحالة تتدهور أكتر من كده.
تحرر عن ملامحه المندهشة ابتسامة حب له:
_إنت راجل أصلي يا خواجة، روح يا شيخ ربنا يردلك أحبابك ويجمعك بيهم.
لمسته دعوته حتى قشعر جسده، ترى هل يمتلك أصدقاء في حياته مثل موسى؟ هل يمتلك أمًا وأبًا أو شقيق!!!!
منح عُمران المال لموسى ووكله بتلك المهمة، وعاد هو إلى المنزل ليستكين قليلًا، صعد إلى الأعلى، حتى وصل إلى السطح، فتفاجئ بصابر يجلس على الدرج، وكأنه كان بانتظاره.
فناداه حتى ينتبه له:
_صابر!
انتفض واقفًا، والحزن واللهفة تكتسح مُقلتيه، فاذا به يلمح شخصًا واقفًا خلفه، والذي لم يكن سوى آدهم، يتطلع له بنظرات غريبة هو الآخر، سحب بصره بصعوبة عن آدهم وسأل صابر:
_في أيه يا صابر؟ وأيه اللي مقعدك كده؟
بدى مرتبكًا للغاية، ولكنه أجابه بما أملاه عليه آدهم:
_مفيش دول ناس تبعي، كانوا في زيارة عندي وواحد فيهم جاتله مكالمة بس الشبكة نيلة تحت، بنستناه يخلص وهننزل على طول.
حرك رأسه بخفة، وتخطاه ليمرأ من أمام آدهم، ونظرتهما متعلقة ببعضهما البعض، حتى أبتعد عمران عنه، فابتسم ومسح دمعة من عينيه المفتقدة له، بل ودعى الله أن يلهم علي الصبر، فإن لم يحتمل هو لقائه، ماذا سيفعل؟!
يحث عمران عن قمر فوجدها تقف تراقب، ذلك الرجل الذي يوليه ظهره ويضع الهاتف على أذنيه، فناداها بحزمٍ لتبتعد عنه:
_قمر، تعالي هنا!
ركضت تضع كفها الصغير بكفه، فوقف يتطلع لمن يزال يوليه ظهره بفضولٍ لرؤية ملامحه، ولكن الآخر كان يتطلب مجهودًا عظيمًا ليستدير، والهاتف على أذنيه يضج بصوت آدهم المحمس:
_لف يا علي، خليه يشوفك.
تهاوت دموعه تباعًا، لن يأتي من قلبه أن يمر على أخيه مرور الكرام، لن يحتمل أن لا يتعرف عليه، نزع الهاتف عن أذنه، وضعه بجيب جاكيته، وأزاح دموعه ليستعد للقاء أخيه بكل شجاعةٍ، سحب أكبر قدر من الاكسجين، واستدار ببطءٍ شديد إليه!
لف عُمران بالفتاة في نية التوجه بها لغرفته، ولكنه توقف فجأة حينما بات "علي" مقابل وجهه، عاد بجسده الكامل في اتجاهه تاركًا يد الصغيرة، وعينيه لا تفارق عيني "علي" الذي يتابع كل صغيرة صادرة عنه.
اقترب منهما آدهم على مسافة قريبة منهما، يدرس انفعالات عمران خشية من أن يتعرض للمضاعفات، صمته يطول ولم يعلم عنه شيء بعد!
الصمت يطول به، وعينيه تدرس وجه "علي" بتركيزٍ، ومشاعر غريبة، وفجأة لفظ لسانه بما لا يعرفه:
_علـي!!
تحرر بكاء علي الصامت وتحرر بصوتٍ أبكى آدهم وصابر، حتى عُمران سقطت دموعه تلقائيًا، فترك محله ورنا إليه، يجتاحه وجعًا طفيفًا حاوط رأسه، بينما تدمع عينيه بدون إرادة منه، تساقطت دموع عمران وقلبه يخفق كالرعد داخله، كأنه يود أن يقسم صدره ويركض إلى ذلك الشخص، ثمة شيئًا غريبًا يينهما، والأهم كيف علم إسمه؟ وهل بالفعل هذا هو إسمه؟
وقف على مسافة قريبة منه، دموعها الشيء المشترك بينهما، يدرس كل ملامحه في محاولة مستميتة لتذكر أي شيء يخصه، بينما ينتظر علي خطوته الثانية بفارغ الصبر، ليحدد بها هل عادت ذاكرته أم أن نطق اسمه كان أمرًا معتادًا كما أخبره الطبيب؟!
فاذا به يشق الصمت المطول مجددًا:
_هو أنا أعرفك؟
انحنى وجه علي يغسل بدموعه عينيه، ولكنها بالنهاية مؤشر ممتاز، قبض قبضة يده بقوة هائلة، عليه أن يجتاز تلك الحرب، فالمكسب فيها عودة أخيه، وحينها سيتمكن هو من العيش في سلامٍ.
لفظ ما بداخله، ورفع رأسه يواجهه مجددًا، وتلك المرة قطع هو المسافة بينهما، حتى وقف قبالة عمران، يمنحه ابتسامة رغم نزيف عينيه من كثرة البكاء، ثم بصوتٍ مبحوح قال:
_تعرفني أكتر من نفسك، لسانك نطق إسمي رغم إنك مش فاكر حد، ده لإني كنت اقرب حد ليك ، زي ما أنت أقربلي من روحي.
صوته سحبه داخل هالة من الأمان، زلزل كيانه لدرجة جعلته يود أن يختبئ فيه، بينما يتابع علي:
_أنا أخوك بالنسبة للدنيا كلها، بس كنت بالنسبالك الأب والاخ والصديق يا عُمران!
تعمد لفظ إسمه ليوقظ بداخله ما فقده، فانهمرت دموعه وهو يردد بهمسٍ:
_عُمران!!
لم يترك له "علي" وقتًا للاندراج خلف ما قد ينتج عنه المضاعفات، بل دنى إليه يسحبه داخل أحضانه، عساه يشعر بالألفة.
أصابه في مقتلٍ، بما فعله، سحب كل السلييات عنه في ذلك العناق، وبالرغم من أنه لا يندمج سريعًا في عناق الاشخاص الغريبة، الا أنه لف يديه حول علي في سرعةٍ ومشاعر مشتاقة، تعجب منها عُمران، وهنا ترك بكى علي ومال عليه،فدعمه جسد عُمران بقوة تليق بجسده المفتول، بينما يهمس له ببكاءٍ:
_مش مصدق إنك واقف قدامي ولمسك بايديا، أنا روحي اتردتلي من تاني، صدقني مبقاش فارق معايا حاجة بعد ما لاقيتك.
وابعده وهو يضم وجهه بيديه، بينما يتطلع له بغرابة:
_جالك قلب تعمل فيا كده يا عُمران؟ جالك قلب!!
تدفقت دموعه وهو يتطلع إليه، لسانه ثقيل عن النطق، لا يجيد التعبير له عن تلك السعادة والراحة الغريبة التي أدمغته بمجرد رؤيته، والآن تتضاعف بضمته، يود ان يطالبه بأن يعود لضمه مجددًا، ولكنه مشوش للغاية.
قرأ فيه علي رغبته بأن يبقيه بين ذراعيه، فعاد يضمه دون أن ينطق بحرفٍ أخر، وكلاهما تنسدل دموعهما دون أي حديث.
ازاح آدهم دموعه واقترب يضع كفه على كتف عُمران، فاستدار له في غرابة، فوجده يبتسم وهو يخبره:
_ حمدلله على السلامة يا عُمران.
تلقائيًا ذهبت أعين عُمران تتلصص بعيني علي، في بادرة ناجحة بأنه بات مرشده، والأهم من ذلك أنه يصدقه، فاذا به يخبره بابتسامة حزينة:
_ده آدهم، يبقى جوز شمس، أختنا الوحيدة.
تطلع له عُمران بنظرة عميقة، يود لو أن يتذكر أي شيء عنه، ولكنه فشل فشل ذريع، أضاف آدهم بمرح للاجواء:
_مش عرفته عني! ابعد بقى عشان أسلم عليه.
تراجع عنه علي ليمنح آدهم المساحة، فاذا بكف عمران يشدد من كف علي، كأنه يخشى أن يتركه، وخز قلب علي بشدة، فاذا به يربت عليه ويخبره بابتسامة لا يعلم كيف رسمها:
_أنا هنا جنبك.
تعجب عُمران من فعلته، ما له يبدو كطفلٍ صغيرًا في حضور ذلك الذي يخبره انه أخيه! ، ما له يخسر ثباته كـ رجلًا، تعلقت عينيه به حتى انه لم يرى آدهم الذي أقبل عليه، فأفاق على ضمته.
ابقى كفه محاصرًا لكف علي، ورفع ذراعه الاخر يستقبل ضمة ذلك الآدهم، كبت "علي" دموع سعادته، مازال يعني الكثير لاخيه حتى وهو لم يتذكر أي شيء.
ربت آدهم على ظهره وقال بمحبة:
_ألف حمدلله على سلامتك يا طاووس.
التقطت أذنيه ما يقول، فابتعد يتطلع له بدهشةٍ:
_طاووس!!
ضحك علي وقال:
_كلنا مسمينك الطاووس الوقح!
اندمج حديثه بشروده اثناء حديث موسى، وقد كانت بشارة بأنه يتمكن من التميز بين الصدق والتلفيق، وبكل تأكيد هذا شقيقه وبمثابة الأب له كما أخبره للتو.
فصله علي عن شروده حينما قال:
_يلا يا عُمران، لازم نتحرك عشان نرجع، مش عايز تتعرف على باقي عيلتك؟
هز رأسه بخفة بينما يخبره بتردد:
_بس أنا مش هقدر أفتكر حد.
منحه ابتسامة مشرقة، وقال بصوته الرخيم:
_زي ما قدرت تحس بيا هتقدر تحس بيهم، متخافش أنا جنبك ومعاك يا حبيبي.
واسترد مهاراته بالتعامل، متسائلًا:
_مش إنت مرتاح ليا؟
هز رأسه بتأكيدٍ، فجذب علي هاتفه ثم عبث له ليقدمه له قائلًا بحب:
_وده عشان تكون مطمن ليا أكتر.
حمل منه الهاتف يتفحص ما به، فوجدها صورة تضمه معه، تنطق فيها عن مدى الحب والاحترام الشديد بينهما، قلب يسارًا ويمينًا فوجده ألبوم كامل لهما برفقة بعضهما البعض، في سنوات مختلفة من الاعمار.
أكثر من خمسون صوره لهما فقط، فلقد حرص علي الا يشوش تفكيره بظهور مايا أو فريدة، حتى لا يخسر التقدم الذي أحرزه، عليه ان يخطو برفقته الدرج درجة درجة!
قدم له الهاتف ودموعه تتأنق بمُقلتيه، وقال بصوته المحتقن:
_من غير ما أشوف الصور، أنا حسيت بيك من أول ما شوفتك.
_يعني خلاص هتفارقنا يا خواجة؟
قالها موسى ببكاءٍ بعدما انضم إلى صابر، واستمع ورأى ما يحدث أمامه، استدار عُمران تجاه علي الذي يفهم عنه كل اشارة لم يفهمه عمران حتى عن نفسه، فاذا به يرنو من موسى، يقدم كفه إليه، فصافحه موسى وهو يراقب الشبه الكبير بينه وبين عُمران، فابتسم وقال:
_انت شبه فعلًا يا باشا.
ابتسم علي وقال بمحبة:
_لو قدمتلك عمري كله مقابل اللي عملته إنت وصابر مع اخويا مش هيوفيكم حقوقكم، ومهما أقدملكم هيكون قليل.
وفجأة سحب من جيب جاكيته دفتره الخاص، يدون لكلا منهما مبلغًا مالي كبير، فاذا بموسى يوقفه بضيق:
_أنت بتعمل ايه يا باشا، احنا مش منتظرين مقابل للي عملناه، وبعدين الخواجة بقى واحد مننا فآ..
اوقفه علي بدبلوماسيته الحكيمة:
_هو إنت ليه شايفها مقابل يا أستاذ موسى، دي حلوة رجوع أخويا ليا، ولو مش قابلها فأنا بهادي بيها القمر اللي استقبلتنا أجمل استقبال، بس مقبلتش تقولي إسمها!.
رد عليه عُمران بنفس التلقائية:
_إسمها قمر يا علي!
استدار تجاهه مبتسمًا حينما نطق اسمه للمرة الثانية، وعاد يتمعن بموسى قائلًا:
_ما شاء الله، ربنا يباركلك فيها ياررب.
تبسم موسى واجابه:
_تسلم يارب.
واضاف وهو يتطلع لعمران بمزح بعد أن رأى المبلغ المدون بالشيك :
_مش قولتلك هتطلع ابن ذوات! وبعيدًا عن كل ده تربيتك متخرجش الا من بيت فيه شخص زي علي باشا.
اتسعت بسمته على مجاملته اللطيفة، وقال يشيده:
_تسلم يا أستاذ موسى، بس بتمنى بلاش باشا دي قولي يا علي بس.
هرولت قمر لاحضان عمران وعلى ما يبدو بأنها كانت تراقبهم، لفت يديها حول عنقه وقالت ببكاء:
_انت هتمشي وتسبنا يا خواجة؟
ضمها إليه بكل حب وقال وهو يزيح دموعها:
_أوعدك اني هاجي على طول أزورك يا قمر، انا اتعلقت بيكي انتي وبابا وصابر وبالحي هنا، فمش هفارقكم بالسهولة دي.
طبعت قبلة على وجنته بعدما التمست الصدق فيه، تركها عمران، واتجه لموسى الباكي، فابتسم وقال يشاكسه:
_ما انت طلعت بتعيط وعندك دم أهو!!
لكزه باختناق شديد، وقال:
_خليك معانا وأنا هجبلك تكيف على حسابي.
ضحك عمران وضمه إليه، ثم همس له:
_أنا مش بتخلى عن اللي مني، وإنت بقيت مني إنت وقمر يا موسى، بس أنا محتاج أعرف أصلي، او أي حاجة تفكرني بنفسي..
انتهى من ضمه ومال تجاه صابر الذي بكى بشدة وقال:
_انت فوقتني لحاجات كتيرة كنت غايب عنها، انا كنت بستأنس بيك يا خواجة، خليك معانا والله حبيتك واتعلقت بيك.
ربت عليه وقال وهو يتطلع له والى موسى :
_خليكم على تواصل معايا، ولو ينفع تعالوا زوروني.
واستدار إلى علي حتى يطالبه بالعنوان أو رقم هاتف يقدمه لهم، وقبل أن ينطق بحرف اذا به يرنو اليهم:
_ده الكارت الشخصي بتاع عمران فيه كل تليفوناته وعنوان شركته.
تطلع له عُمران بغرابة، كيف يعلم ما يود قوله قبل نطقه حتى، بينما ينطق صابر بدهشة:
_وكمان بشمهندس، دارس في انجلترا، طلعت على حق ياسطا موسى، ده خواجة خواجه يعني.
تركه علي يودعهم واتجه إلى آدهم الذي كان يدرس كل حركة بسيطة لعمران:
_براڤو يا علي، نجحت تكسبه بسرعة مهولة، انا شايف فى عنيه حيرة إنك فاهم كل تصرفاته، وفي نفس الوقت اطمئنانه الكبير ليك، بقى عندي ثقة إنك هتنجح معاه.
تنهد وهو يميل له بوجعٍ:
_هعمل كل اللي اقدر عليه يا آدهم!
هبط "عُمران" برفقتهما، فصعد آدهم جوار السائق، وصعد عمران بالخلف جوار علي، كان هائمًا بتوديع أرجاء الحي، حتى خرجوا للطريق الرئيسي، فاستدار جواره، وجد علي يراقبه بابتسامة هادئة.
لاحظ تصبب العرق على وجهه، فقال:
_ارفع درجة المكيف يا آدهم، عمران بيكره الحر.
انزوى حاجبيه بشدة، وقد تسلله الهواء فجعله مسترخي شوقًا لتلك الرفاهية، بينما يلوذ بصمته لاكثر من نصف ساعة حتى استدار إليه وقال مشيرًا على ما بيده:
_أنا متجوز؟
أومأ علي له بابتسامة حزينة وقال:
_شافتك يوم ما كنت على طريق السفر، كانت متأكدة إنها شافتك، بس أنا مقدرتش اشوف غير موسى وهو بيبعدها عن الطريق.
انتفض قلبه بشدة، وتذكر حديث موسى عن الفتاة الحامل، فتجرع الغصة بحلقه وتساءل:
_هي حامل؟
اتسعت ابتسامة علي وقال بلهفة:
_افتكرت؟؟
هز رأسه نافيًا، والألم يموج برماديتاه:
_موسى حكالي عنها، ووقتها حسيت بوجع رهيب، دقات قلبي كانت عالية واحساسي كان مخيف.
واستطرد بعدما ابتلع ريقه الجاف:
_عايز أشوفها.
ربت "علي " على ذراعه وقال:
_هخدك ليها بس بعد ما نروح أي أوتيل ترتاح، خايف يحصلك مضاعفات أو آ...
قاطعه بنبرة ثابتة:
_أنا كويس، متخفش عليا.
أدمعت عينيه رغمًا عنه، ودفع رقبته ليضمه له بينما يخبره:
_مش عايز غير كده، إنك تكون كويس وبخير ، أنا جنبك وهساعدك ترجع زي الأول وأحسن يا عُمران.
تعلق به وابتسامته تعاكس دموعه، هامسًا:
_وجودك مطمني فخليك جانبي!
شدد من ضمته وكلاهما يبكيان بصمت، حتى أن آدهم والسائق تأثروا بهما، وصلوا الى المطار وبعد ساعتين تقريبًاوصلت الطائرة للقاهرة، ومنها إلى الكمبوند الخاص بأحمد الغرباوي.
كان الليل يلتهم أرجاء المنزل الفخم، بينما يصطحب علي أخيه بالمصعد الطابق المخصص بزوجة أخيه.
وقف به أمام باب الغرفة بعدما أرسل لها الخادمة تخبرها برغبته بالدخول، لانها لا تقوى على الهبوط، فنهضت ترتدي اسدال الصلاة.
بينما بالخارج.
أمسك علي كف أخيه وقال بصوتٍ حنون:
_لو حاسس إنك مش جاهز للخطوة دي دلوقتي، ممكن نأجلها.
أصر عليه قائلًا:
_لا يا علي، أنا حاسس بوجعها من اللحظة اللي فوقت فيها، ربنا سبحانه وتعالى له حكمة إني أنسى كل جاجة وأفقد كل حاجة تخصني الا الدبلة دي، الرابط اللي فضل يفكرني إن في واحدة بتستناني!
ربت على كتفه بابتسامة حنونة، وما ان خرجت الخادمة الجديدة تخبره بأنها تقبل بدخوله ولج يشير له بتتبعه.
بقى عمران محله يستمد نفسًا طويلًا، ويلحق بأخيه، فاذا به يرى فتاة تقف قبالة الشرفة، توليه ظهرها، وتهتف في غضبٍ شديد:
_عايز أيه يا علـي، مش إنت عايز تثبتلي أني اتجننت وبتوهم إني شوفت عُمران، جاي تشوف المجنونة ليه؟
وتابعت ومازالت توالي علي ظهرها ومن خلفه:
_أنا مش محتاجة لمساعدتك تاني، أنا هدور عليه حتى لو نزلت بنفسي!
استدار علي تجاه عمران يتفحصه بقلقٍ، فوجده يراقبها بفضولٍ وقد أبدى مشاعر قد سرت بوضوحٍ فقط لسماع صوتها المألوف!!
فتحمس وقال يستفزها لتستدير:
_كده يا مايا، بتقابليني بالمقابلة دي وأنا مسافر مخصوص اجبلك هدية تفك مودك!
استدارت بغضب وعصبية:
_مش عايزة منك حآآ....
ابتلعت باقي جملتها في صدمة، جعلتها عاجزة عن النطق، فخرجت حروفها متقطعة:
_عُــ.. مــــــــران!!!!!
.......... يتبـــــــــع....
#الاقوى_قــــــــــــــادم 💣...
#آية_محمد_رفعت.
****_______*******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 129 - بقلم آية محمد رفعت
أبعد اللاب عنه، ونهض يستقبل أخيه بابتسامة جذابة، بينما يقف الآخر خارج باب المكتب بتردد من الدخول، فإذا بـ "علي" يشير له بحنان:
_عُمران، تعالى يا حبيبي، إدخل.
ولج للداخل يتفحص الغرفة بنظرة دقيقة، حتى جلس على المقعد المقابل لمكتب "علي"، فإذا به ينهض ويتجه ليقابله بالمقعد المقابل له، يدرس التوتر والارتباك المختبئان بين رماديتاه، منذ لقاء الأمس وهو يمنحه مساحته الخاصة، حتى لا تنتكس حالته، بالرغم من أنه يملك الكثير من الاسئلة على مغادرته الغامضة لشقة رفقاته.
كسر صوته الواجم الصمت المخيم بينهما:
_في شخص شوفته امبارح وحابب أزوره، ينفع تأخدني ليه؟
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه، وسأله باهتمامٍ:
_شخص مين؟ تقصد من أصدقائك اللي عرفتك عليهم؟
حرك رأسه بإشارة موافقة لحديثه، فتابع علي بسؤالٍ أخر:
_مين فيهم؟
امتقعت معالمه بحزنٍ شديد، بينما يشير له في عجزٍ تام:
_مش عارف إسمه.
مال يربت على ساقه بقوةٍ:
_ولا يهمك.
ونهض يتجه لمقعد مكتبه الرئيسي، جاذبًا الحاسوب الشخصي،ثم وجهه له، فوجده يريه صورة تضمهما وباقي الشباب في حفل زفاف آدهم، راقبه علي وسأله بفضولٍ:
_مين فيهم؟
رد عليه وعينيه لا تفارق أول من لفت انتباهه:
_ده.
تطلع علي لما يشير إليه، فتبسم وهو يعود للمقعد المقابل له:
_مشاعرك تجاه الأشخاص متغيرتش لسه زي ما هي.
وأضاف موضحًا له:
_ده أقرب شخص فيهم ليك، رفيق طفولتك وصديق الجامعة، وشريكك في شغلك، وأكتر واحد فيهم أتأثر بغيابك، إسمه جمـــ...
_جمال.
استكمل عُمران الاسم بتلقائية جعلته يبتسم وهو يهز رأسه بإجابته الصحيحة،دقق عُمران النظر في شاشة الحاسوب، ومال له يخبره بضيقٍ:
_أنا عايز أخرج وأشوفه لوحدي، ممكن تديني اللوكيشين بتاعه، وتسبني أروحله لوحدي؟
وخز قلبه خشية من أن يصيبه سوءًا، طال صمته حتى حل الأمر ببراعة:
_طيب هخلي معاك السواق، يوصلك ويرجعك.
انصاع إليه، وصعد بالمقعد الخلفي للسائق الذي علم الطريق جيدًا، وصل لمنزل جمال فيما يقرب الخمسة وعشرون دقيقة، أخبره السائق على الطابق الخاص بشقته، فصعد على الفور.
وقف قبالة باب شقته بتوترٍ يقتحمه، ولكنه لن يمنع رغبته لقوية في البقاء بجواره، ثمة شيئًا داخله مال إليه منذ أول لقاء.، قرع الجرس وانتظر قليلًا، حتى انفتح الباب، ويطل من داخله عينان جحظتان في دهشة وذهول، وفرحة تزف بنطق كلماته الغير مصدقة:
_عُمــــــــــــــــــراااان!!!
#اقتباس_الفصل_االقادم.
قراء رواية صرخات أنثى، عايزاكم كلكم تجمعوا جوه اللينك في أول تعليق مفاجاة تخص الرواية، بتمنى نهتم باللينك ونرفع التفاعل جواه ده اقل تقدير للطاووس الوقح 😂
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 130 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#وقلوبًا_جمعها_اللقاء!)
#الفصل_الـ101
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"بسملة بلال" Hager Jnjona ـ Menna Taha - لوجينا مصطفى بكير ـ Samah Ameen ،Noha Emad ، ـ مليكة محمد ـ ام محمد من غزه ـ Wafaa Wahed
Mariam Elsayed ،Aya Mohamed ـ نور الرشاد ـ
Adool Ahmad Alrameny - Nawal Abd Elaziz - Rahma Abdelrady - Menna Sherif- Eman Nassar -Om Khaled Adel - نور ناصر ـ
Aesha Altaher Abdo - Safey Mostafa - وأخيرًا للتؤام العسلات بزيادة بشمهندس "ياسين" ودكتور "يوسف" چووو ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
اختلجت أنفاسها، وكأنها تساق لنقطة فاصلة لقطع شكوكها، تزاحمت الدموع في عقر دارها، ومُقلتيها تتلصص على ملامحه بكل عشقها المركون داخلها، بينما الآخر يقف قبالتها في سكون، وخفقات ضربت نياط قلبه، فرعش جسده بأكمله استجابة لتلك الذبذبات التي أنعشته، وجعلته يشعر بأنه على قيد الحياة!
أصدرت أمرها بتحرك جسدها، فتحرك إليه بخطوات بطيئة، دموعها كانت أسرع من خطواتها التي خطتها إليه، ولسانها لا يتوقف عن تردد إسمه بكل لهفة واشتياق.
مال جسدها حتى كادت بالسقوط، فأسرع "علي" لمساعدتها ولكن ذراعي زوجها كانت الأسرع لها، أمسكها بقوة جعلتها تستعيد كل ذكرى كان يشد من قوتها ودعمها، فعاد يساندها مثلما إعتاد.
أحاطها يدعمها بقوته ، مالت إليه وعينيها لا تفارق خاصته، أحاطت وجهه بيديها وقد تركت عنها البكاء ليخبره كم عانت دونه، مالت على صدره باكية، ارتطم جبينها به، فتيقنت كل اليقين أنه حيًا.
ثمة نبضات تخفق من أسفل أذنيها، فحررت جليد جسدها، أحاطته بكل قوتها، وقالت شاكية له:
_كلهم قالولي إنك مش راجع، كلهم قالوا إنك مت خلاص، أنا كنت عارفة أنك هترجعلي، كنت واثقة إنك مش هتقدر تعمل فيا كده.
رفع ذراعيه يبادلها ضمتها الهزيلة بقوة، بينما يترك أحاسيسه تخترق تلك البرودة، فشعر، وكأنه ارتدى ملابس مبطنه من نيران عشقها المتسرب إليه.
تهاوى الدمع بعيني "علي" تأثرًا بحديثها، ولولا حساسية ما يمر به "عُمران" لترك لهما مساحتهما الخاصة، ولكن عليه أن يفصلهما لينبهها بحالته.
شددت "مايا" من التعلق به، بينما يميل بها لداخله، لقد بادلها مشاعرها بدون أي مجهود منه للمعارضة، الأمر كان يبدو غريبًا له، كان تفكيره الأساسي منذ قليل يحوم على كيفية التعامل معها، ولكنها بمجرد أن اقتربت وطالبت بأن تنزوي بين حصن قلعته، استقبلها بكل ذرة بمشاعره.
مالت تطبع قبلة على كتفه، بينما تستطرد ببكاءٍ حارق:
_أنا مملتش ثانية من انتظارك، كنت مستعدة أستناك عمري كله بس ترجعلي!
اختلجته دموع وغصة مؤلمة تزداد عليه، بينما يحتوي جسدها إليه، ترقبت أن يتحدث لها، ولكنه كان صامتًا، يصغي لكل كلمة صادرة عنها بامعانٍ، بينما تعود هي لاحتضانه تارة، ولتأمل وجهه بعدم تصديق تارة آخرى.
وضع علي عينيه أرضًا واقترب بمسافة معقولة منهما:
_مايا ممكن تيجي معايا بره شوية، في حاجة مهمة لازم تعرفيها.
رفعت رأسها عن كتفه، تراقب معالم وجهه بتركيزٍ، فتجاهلت حديث علي ونادته بخوفٍ:
_إنت ساكت ليه يا عُمران؟ أتكلم معايا من فضلك!
تعمق بنظرته الحزينة لها، وشعور العجز يضعفه كليًا، فإذا بـ علي يصر على طلبه:
_مايا من فضلك تعالي معايا.
أحاطها الخوف برداء ثقيل، فضمت وجهه بين يديها ورددت بصوتها المبحوح:
_صوتك وحشني، متسكتش أتكلم، قولي أيه اللي منعك ترجعلي طول الفترة اللي فاتت دي، إزاي هان عليك تسبني أتعذب في بعدك عني كل ده، رد عليا، فهمنـي!
سحب عينيه من لقائها، وتلك المرة لم يسمح لها "علي" بقول المزيد، فشدد على حديثه حينما أبعد أخيه للخلف وواجهها بنظرة صارمة:
_إطلعي معايا حالًا، اللي بتعمليه ده ممكن يجيب معاه نتيجة عكسية يا مايا.
وزنت حديثه المحذر لها، فانقبض قلبها مما يختبئ خلف صمته الغامض، نبئتها حواسها أن هناك جزءًا مظلمًا يخفيه كلاهما عنها!
******
داعب صوته الحنون نومها الثقيل، ففتحت عينيها بتعب شديد، فرأت دمعاته تحتل مُقلتيه، ونظراته المهتمة تسكنه، مرر يده على خصلاتها الملتصقة على جيينها، ويده الآخرى تزيح عرقها النازح.
تعجبت لرؤيته بتلك الحالة، فنادته بغرابةٍ:
_يوسف!!
أبعد يدها، وجلس جوارها يميل من فوقها، طابعًا قبلة أعلى جبينها:
_حمدلله على سلامتك يا دكتورة.
منحته ابتسامة متعبة كحال جسدها الهزيل، ومالت بعينيها تراقب السرير الصغير المجاور لها، متسائلة:
_فين البيبي، عايزة أشوفها؟
مال يعيد قبلته على جبينها، ونطق بكل حب:
_هجبها حاضر، ارتاحي إنتِ بس.
ونهض يرنو من صغيرته، حملها وعاد يضغها بين ذراعيها، حملتها "ليلى" وقبلت جبينها بفرحةٍ، بينما يحاوطهما "يوسف" بين ذراعيه، ويمسل بهما على، الفراش.
راقبت "ليلى" ملامح الصغيرة بابتسامةٍ واسعة، ورددت بانبهارٍ:
_دي شبه الملاك يا يوسف، بص ملامحها صغيرة أوي ازاي!!! حاسة كأني أول مرة أشوف بيبي مولود.
نذر عنه ضحكة مسموعه، بينما يخبرها:
_أنا واخد على الحجم ده لإني بشوفه تقريبًا بشكل شبه يومي يا ليلى، بس بالنسبالي بنتي أحلى قمراية شالتها وشافتها عنيا.
منحته نظرة محذرة بحاجبيها المعقودان:
_ومامت بنت جنابك، محلها أيه من الاعراب يا دكتور؟
ضحك وهو يضمها بحبٍ:
_محلها شامل بكل الاعراب، دي رافعة الادرينالين، وجره قلبي وراها جر، ولو ترضى تنصبني أب تاني لابن منها أكون سعيد الحظ.
تخلت عنها ابتسامتها، وكأنها لم تزورها قط، فاذا بها تبتعد عنه وتشير بعينيها أن ينهض، ويضع الوسادة من خلفها، نفذ ما طلبته منه بقلقٍ من طريقته الجافة، وإذا بها تخبره:
_اطلع بقى بره ويا ريت متورنيش وشك لأربع خمس سنين قدام، كده كده سيف راح يسجل نوجة، وزينب بتحضرلي حاجة سخنة أشربها، يعني إنت مالكش أي لزمة يا دكتور.
جعل نظرته مصدومة، وقال:
_بتطرديني يا لوليتا؟
هز رأسها بكل ترحاب:
_بالظبط.. اتفضل بقى خليني أخد راحتي أنا والبنت.
أخفى ابتسامته وأعدل من البلطو الطبي الذي يرتديه:
_همشي ولما مفعول المسكن يخلص إنتِ حافظة رقمي، بس فكري في العرض اللي هتغريني بيه عشان اقبل اديكي جرعة المخدر أقصد المسكن.
قالها وخرج بكل كبرياء، بينما الاخيرة ترمقه بحنقٍ، وبينما كان بطريقه للخارج، فاذا به يرى جمال قبالته، وكان الاسرع له، وبسؤاله:
_طمني يا يوسف، مدام ليلى قامت بالسلامة؟
سكن الحزن معالمه فور أن رأه، كان بحاجة لأحدٌ منهما جواره، غادر الآخر الحياة، ولم يبقى له سوى من أتى مهرولًا إليه.
أفاق يوسف من شروده على هزة يد جمال، فرسم ابتسامة مخادعة وقال:
_فاقت الحمد لله، وربنا رزقنا بعروسة ابنك، ها جاهز تشيل من دلوقتي ولا تصبر عليها لما تسنن؟
لفظ أنفاسه على مهلٍ، وصاح فيه:
_يا أخي وقعت قلبي، أمال مالك وشك عمل كدليه لما شوفتني؟!
انسحب من لقاء عينيه وادعى انشغاله بالملف الذس يحمله:
_عملت أيه، أنا كويس وزي الفل قدامك أهو!
أبعد جمال عنه الملف، وعاد يتفرس بعينيه الدامعتان، وجده يجاهد ألا تسقط عنه دموعه، يخشى أن يضعفه وهو يعاني ولم يتعافى من الاساس، علم جمال بأنه يفتقد وجود عُمران رفقته بذلك الوقت الذي لم يكن ليتخلى عنه فيه أبدًا.
أمسك "جمال" بدموعه طوعًا، وبدون أي حرفًا يقال عنه، سحبه يضمه في عناقٍ صامت، يكبت كلاهما دمعاته بصعوبة، يستمدان الصبر من بعضهما البعض، وأكثر ما أوجع جمال إنهيار يوسف الغير متوقع في مناسبة هامة كتلك.
*****
_يعني أيه يا علي؟؟!
قالتها مايا وصدمتها تحرر كل الوجع ليموج داخل مُقلتيها بشكلٍ انتحاري، حاول "علي" أن يهدأ من روعها، فقال بصوته الرخيم:
_عُمران كان بين الحيا والموت يا مايا، ربنا سبحانه وتعالى إدله عمر جديد، أي حاجة تانية مش المفروض نهتم بيها، عارف انه فقدان الذاكرة شيء مؤلم ومش محتمل ليكِ ولا ليا، بس عندي الثقة إن الست اللي حارب عشان تكسب قلب جوزها بعد ما كان ميال لغيرها، هتعمل ألف حاجة عشان تكسب الحرب التانية وهترجعه لنفسه.
وأضاف وهو يتابعها تبكي بانهيارٍ:
_مايا القوية اللي وقفت تواجه فريدة هانم بمنتهى الشجاعة، قادرة تقف في وش الظرف ده وتغلبه ولا عُمران ميستحقش منك كده؟
أزاحت دموعها المنهمرة على وجنتها الحمراء، وباتت تهمس ببحة صوتها المنخفض:
_يستاهل يا علي.
قالتها وانطلقت لغرفتها دون أن تضيف كلمة أخرى، وبداخلها تستجمع كل ما غاب عنها لمواجهة تلك العقبة التي ستجعل من زوجها رجلًا غريبًا عنها!
بالغرفة.
تلصصت عينيه على محتويات الغرفة ببطءٍ، ما زواية بها حملت له صور غير مكتملة، صوت الضحكات تخترق أذنيه، كل مكان حمل له عن مشاهد رومانسية عبرت له عن عشقٍ دافين خُلق بينه وبين زوجته، كل شيءٍ يدور من حوله بسرعة البرق، جمل مقتطفة، عبارات تخترق رأسه، لدرجة جعلته يشعر بدوارٍ عنيف يراوده، حتى شعر بكفها الرقيق يستحوذ على ظهره.
استدار إليها فوجدها تتطلع له بقوة لا يعلم من أين أتت بها تلك الهزيلة، بينما تراقب هي كل فعلٍ صادر عنه، وبثباتٍ قالت:
_مهما علي أكدلي إنك فاقد الذاكرة انا عمري ما هقتنع إنك مش فاكرني، لو نسيت الكون كله مستحيل أنك تنساني يا عُمران.
واقتربت منه تتطلع له في تحدٍ سافر:
_بصلي كويس وقولي إنك مش فاكرني! بص في عنيا زي ما كنت بتعمل وقولي معرفهمش، إنت في اللحظة اللي واقف فيها قدامي صوت نبض قلبك واصلي من مكاني هنا!
وأمسكته من تلباب قميصه تصرخ في وجهه:
_ساكت ليـــــه، أتكلــــم!!!
وأضافت وقد ألقت كل تحذيرات علي عرض الحائط، بينما تنهار باكية اسفل قدمي عُمران الذي يتابعها بوجعٍ:
_استنيتك ترجع وتأخدلي حقي وحق وجع قلبي من اللي وجعوني، كنت مستنياك تأخدني في حضنك واشتكيلك من اللي شوفته في بعدك، أوصفلك وجع قلبي، والايام اللي قضتها من غيرك في المستشفى، كنت مستنياك بصبر كبير وكنت مستعدة أستناك لاخر يوم في عمري، والله مستعدة لأي وجع بس صعب عليا أتحمل نظراتك الغريبة دي.
واستطردت وشهقاتها تنحسر بوجعٍ:
_علي عايزني أحارب عشانك بس أنا ضعيفة وبعدك عني في وجودك قتلني!
قالتها وضمت ذاتها، تدفن رأسها بين ذراعيها وتترك العنان لدموعها، تابعها عُمران في عجزٍ تام، بداخله معركة طاحنة بين عجزه عن التعامل مع تلك الفتاة، ومواجهة أخرى لصوت يوضح له أنها زوجته، يود الاقتراب ولكنه يخشى أن يتخطى حدوده المحرمة بينهما، خلوته مع تلك الفتاة تقشعر بدنه في حد ذاته.
ألقى ما يعتريه، وأخرس كل الاصوات بصوتٍ واحد، أن تلك الفتاة زوجته، الحقائق بأكمله تنص أنه "عُمران سالم الغرباوي" ، فليضع كل شيءٍ جانبًا وليتعامل على هذا الاساس.
إنحنى عُمران وجلس قبالتها أرضًا، ثم وضع كفه فوق كفيها، وقال بتوترٍ:
_بس أنا جنبك ومش بعيد يا مايا!
وأضاف بحنانٍ صوته الرجولي الدافئ:
_أنا آسف لو مكنتش جنبك في كل اللي مريتي بيه ده، بس أوعدك إنك مش هتعاني تاني في وجودي.
رفعت رأسها إليه، تتطلع له بدهشةٍ،، تود أن يتحدث إليها لأخر لحظة بحياتها، تود سماع صوته فحسب، ارتسمت ابتسامة تعاكس دموعها المنهمرة، بينما تهتف بذهولٍ:
_عُمران!
زحفت إليه حتى قطعت مسافته الاخيرة بينهما، وترجته بشكلٍ مزق قلبها:
_إتكلم تاني عشان خاطري، صوتك وحشني، وإنت آآ... إنت كمان وحشتني أوي.
وأضافت والمُقل تحتضن بعضها:
_بالله عليك قولي انك فاكرني ومنستنيش حتى لو هتكدب عليا.
غارت عينيه بالدمعات القابعه داخلها، بينما يجلي صوته الهادر:
_من لحظة ما عنيا شافتك وقلبي مطمنلك، حسيت إنك مني وتخصيني.
وأضاف بصدقٍ وهو يراقب بسمتها الرقيقة:
_قربك من قلبي عوضني إحساس النقص اللي كنت حاسس بيه طول الفترة اللي فاتت، أنا عارف إن اللي بيحصل ده صعب عليا وعليكي، فلو علي وصفلك غربتي عنكم إنها حرب فمش هسيبك تخوضيها لوحدك، أنا معاكِ وهفضل جنبك على طول، بس أنا كمان محتاجك جنبي ومعايا.
احتملت على ركبتيها وحبت تجاهه تخبره بكل محبةٍ وعشق:
_أنا مش هفارقك الا بموتي يا عُمران.
تلك المرة هو الذي بادر بضمها، احتضنها بقوةٍ وكأنها أخر ذكرى ستجمعه بها، ولم يشعر كلاهما بطول الوقت وهما على هذة الحالة، فارتكن بها عُمران على الحائط وتركها تغفو على صدره بينما هو يفرد قدميه، ويثني الاخرى من خلف ظهرها ليمنحها نومة مريحة، حظت بها بعدما هاجرها النوم المريح لأيامًا، بينما بقى هو يراقب ملامحها بحب بدأ يتربع داخله لمرته الثانية، وكأنه يختار حبها بملء إرادته في كل عهدًا بات فيه!
*******
أشرقت الشمس بيومها الصباحي، فداعبت أهدابها المُغلقة، مالت "مايا" بانزعاجٍ مما يراودها في منامها، فانتفضت جالسه وهي تراقب المكان من حوله في هلعٍ ورعب من أن تكون تتوهم بوجوده وبما حدث بالأمس، فإذا بالسكينة تغمرها حينما وجدته يغفو على الحائط، وجسدها يستريح على ساقه المثنية.
عادت تميل على ساقه وتلك المرة وجهها يميل إليه، يراقب ملامحه بشوقٍ وحب، فاذا به يفرج عن رماديتاه ليقابل نظرات عينيها المهلكة.
بقى مسترخي على الحائط، وبادلها النظرات بسكينة نزلت على قلبه ببقائها لجواره، لقد داهمه النون أخيرًا بشكلٍ جعله لا يستوعب بأن نومته غير مريحة، تدلت شفتيها بابتسامة رقيقة، ورددت بصوت نعاسها المغري:
_ عُمران.
بادلها الابتسامة وردد بعشقٍ هاجمه كالداء:
_حبيب قلبه وروحه أنتِ يا مايا!!!!!!
💣💣💣
....... يتبع الجزء الثاني من الفصل يوم الخميس.......
مايا وجعها ألمني بشكل كبير، يمكن لانها لمست وجع كبير جوايا، اللي عايزة أقوله أن اللقاء الاصعب لقاء عمران بفريدة ، مقدرتش اوجع قلبي بلقائهم ، جرعه النكد استكفت عليا لحد هنا 😢💔
حابة أنوه عن #خبر_مهـــم_جـــدًا_لمحبين_رواية_صرخات_أنثى..
صرخات انثى اتحولت لرواية ورقية بفضل الله، وتقدروا حالا تطلبوها على رقم الواتساب 01121530961 وتحجزوا النسخ بالحجوزات الخاصة اللي معمولة للقراء مخصوص.
ودي تفاصيل الاسئلة اللي ممكن تتسأل 👇🏻❤
صباح الخير والجمال على أجمل قراء بالكون كله، جزيل الشكر والامتنان لدعمكم الكبير ليا، شكرًا إنكم دايمًا مشرفيني ورافعين رأسي فوق بأي مكان، وأي خطوة أخدها، كنت حابة أنزلكم البوست ده إمبارح بس مقدرتش، في كذا كومنت وبوستات كتيرة يتسأل كم كبير من الاسئلة.
_هل بنزول الرواية ورقي هتتسحب من الواتباد والفيس؟
هو أنا أول مرة أحول عمل إلكتروني لورقي!! انتوا معايا من سنين وعارفين إني مش من النوع اللي بيسحب أعماله لمجرد إنها تحقق ترجت مبيعات عالي، أنا سعي كله إن الرواية تبقى في متناول الجميع، سواء ورقي أو الكتروني، وتحويلي للرواية ورقي وأنا عارفة إنها هتكون ضخمة جدًا ده راجع لسببين
الأول إن الرواية دي بقت في مكانه كبيرة أوي أوي عندي، فعندي الرواية الوحيدة اللي بقرأها من الاول لحد ما أنا واقفة أكتر من عشرين مرة مع إن نادرًا لما بقرأ أي عمل ليا، وللاسف عندي مشكلة ومش بقدر ابص في الموبيل كتير فحابة أحتفظ بيها في مكتبتي، لاني مهما هقراها مش همل أبدًا، ولاني كمان حابة أوثقها.
التاني وده الاهم، إن في قراء كتير أوي بيستنوا الرواية تخلص عشان يقروها pdf فسهلت عليهم ونزلتها ورقي لو حابين يقروها، وكمان في بنات وصديقات كتير ليا طلبوا مني أحولها ورقي، فسعيت لتحقيق طلبهم.
الخلاصة ان مفيش عمل ليا إتسحب ولا هيتسحب من الواتباد او الفيسبوك، أنا هدفي من النشر التوسع في الانتشار أولًا وأخرًا ❤
_هل الرواية هتنزل كاملة؟
الرد طبعًا هتنزل كلها كاملة، بس أنا اقترحت اني هقسمها، هنزلكم دلوقتي منها جزء، والتكملة في المعرض بحيث ميبقاش الموضوع مكلف عليكم لما تشتروها كلها مرة واحدة.
_حجز الرواية بيتم ازاي؟
تقدروا تدخلوا على رسايل بيدج الدار مدينة الأدباء للنشر والتوزيع
وتحجزوا نسختكم بالخصومات اللي استاذ محمود عاملها مخصوص لقراء صرخات...
أو على واتساب الدار على رقم 01121530961
احجزوا النسخ بالخصم اللي معمول ليها، وانتظروا اعلان الغلاف الرسمي للرواية ❤
_الرواية هتقف على الفصل ال100 وهتكمليها ورقي؟
ارجعوا لاول سؤال فوق، رديت بعدم سحب الرواية اطلاقًا، فبالتالي مستحيل هسيب عمل ليا مش كامل، والدليل ان معادنا النهارده بالفصل الجديد، ومازلنا مستمرين ❤
الهدف الاول والاخير هو إسعاد القراء، فأكيد كل خطوة وقرار بفكر فيكم الاول قبل نفسي، صباحكم سعادة وجمال، انتظروا عودة الطاووس الوقح لقصر الغرباوي في الجزء التاني من الفصل، ومتتسوش إني بحبكم جميعًا في الله ♥
****_____****