تحميل رواية «الطاووس الوقح (صرخات انثى)» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجروح أدمت قلوبهن ومازالت كلًا منهن تحارب للبقاء، مذاق الألم لا يفارق حلقهن، جروحهن متشابهة ولكن لكلًا منهن حكاية خاصة هي ضحيتها، الأولى نهشتها الذئاب البشرية وتركتها كالخرقة البالية تعاني بمفردها، والثانية واجهت إنسان مريض نفسي يريد أن يُجحمها داخل قوانين لعبته القذرة فبات كاللعنة تسبب لها هوس الجنون، والثالثة تخوض رحلة معتادة على بعض الزوجات التي تُجبر بالعيش دون زوجها المغترب ولكنها كانت دونه هشة تخشى أن ينتصر شياطين الإنس عليها، وهناك أخرى طمست حبها حينما تخلى عنها محبوبها وتزوجت أخيه وبعد...
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الحادي وثمانون 81 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى (#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الخامس_والستون
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "ياسمين رجب"،"اسراء إسماعيل"،"مارو ميرو"،"ام مكة مصطفى"، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
ضمت صغيرها لصدرها بحمايةٍ فور سماعها لصوته، مالت رأسها جانبًا وهي تتمنى أن لا تلمح وجهه مرة أخرى بحياتها، مجرد سماعها لصوته يجعلها تنفر منه بشكلٍ مخيفًا، فماذا لو لمحته أمامها؟!!
ابتلع مرارة العلقم بفمه، بتلك اللحظة فقد خبرته بالحديث، حتى حديثه المرتب بعناية طيلة الطريق تساقط عن لسانه، ما فعله بها أفقده الحق حتى بالاعتذار، ومع ذلك قال بندمٍ إختزله:
_أنا عارف إن غلطتي متتغفرش، بس عشان خاطر ابننا اديني فرصة تانية يا صبا.
ضمت صغيرها بقوةٍ ومازالت تتطلع للفراغ، جسدها ينتفض بعنفٍ، يقسم بأنه يستمع لخفقات قلبها من محل جلوسه، استمر "جمال" بحديثه، فأجلى أحباله الهادرة بصعوبة:
_أنا ظلمتك كتير، والمرادي ظلمي ليكِ ميشفعلوش كلمة إعتذار، بس أقسملك بالله إني قبل ما أوجعك أتوجعت، قبل ما أمد إيدي عليكِ إتمدت عليا ونهشت فيا، صبا أنا مش هبررلك ولا هقولك إني مكنتش في وعيي لإن بالنسبالي مش هتفرق انا بالنهاية غلطت ولازم أتعاق، أنا راضي وقابل منك أي عقاب.
واستطرد ودمعاته قد تحررت على وجهه دون ارادة منه:
_لو هيريحك إنك تكسريني فأنا راضي، لو يريحك إنك توجعيني زي ما وجعتك قابلها ، بس متبعديش عني يا صبا، اديني فرصة أصلح من نفسي ومن العلاقة اللي كنت السبب إنها وصلت لهنا.
مالت بجسدها للاتجاه الأخر من الفراش، زحفت حتى وصلت للسرير الصغير الموضوع جوارها، تركت الصغير به وداثرته جيدًا وعادت تجلس على أول الفراش موالية ظهرها له.
نهض جمال عن المقعد، ولف حول الفراش متجهًا إليها، انحنى أسفل قدميها يمسك يديها يفركهما بين أصابعه، يقربهما إليه يطبع قبلاته على، أطرافها بندمٍ وحرج من لقاء عينيها.
استطاعت الشعور بملمس دموعه على كفيها، كان يتمسح بها كالقطة الصغيرة، بينما هي جامدة كالصخرة، رفع وجهه إليها يحثها على الحديث:
_من حقك تعاقبيني وأنا قابل والله، اعملي فيا كل اللي إنتِ عايزاه.
وابتعد عنها ينزع عنه حزامه الجلدي، فاهتزت للخلف برعبٍ ظنًا من أنه سيبرحها ضربًا، فإذ به يجثو مجددًا ويمنحها حزامه قائلًا بقهرٍ:
_خدي حقك مني يا صبا، يمكن وجعي يخف!
ألقت ما وضع بيدها بعيدًا عنها كأنه قطع من زجاجٍ ستجرح كفها، استجمعت قوتها الواهنة وطالعته بنظرة مرت من جسده واخترقت شرفة قلبه المنكسرة، وبلسانٍ ثقيل رددت:
_طلقني.
كان يعلم بأنها ستطالبه بذلك، أمسك كفيها وتعمق بمُقلتيها التي تبتعد عن لقائه الغير محبب، وقال:
_مش هيحصل يا صبا، أنا ظلمتك فمستحيل هقدر أكمل حياتي وأنا شايل الذنب ده، لازم أكفر عنه وإنتِ في بيتي وعلى عصمتي.
وتابع وهو يتطلع للفراش الصغير بنظرة حنونة:
_وفي حضني إنتِ وابني.
سحبت يديها منه ورددت بابتسامةٍ مؤلمة:
_ابنك!! صحيح هو إنت عملت تحليل DNA ولا لسه؟ أصلي مش فاكرة بصراحة ده ابنك ولا لأ!!
ضغط بيديه على مرتبة الفراش من حولها فكادت بالسقوط عن الفراش، لولا احتمالها على مقدمته الخشبية.
هدأت انفعالاته رويدًا رويدًا، فنصب عوده مستكملًا ببحته الهادرة:
_يوسف قالي إنه هيقدر يتابعك وانتِ في البيت، هنزل أدفع مصاريف المركز ونرجع بيتنا يا صبا، وهناك هنتكلم ونتعاتب زي ما تحبي.
استندت على حافة الفراش ونهضت تقابله بوجعٍ رسم على ملامح وجهها:
_رجوع لبيتك ده تنساه، أنا عمري ما هدخل بيت شخص هني وداس عليا بعزم ما فيه، إنت بدل ما تغطيني عن عيون صحابك عرتني قدامهم يا جمال، خلتني مقدرش أرفع عنيا في عين أي حد.
وببسمةٍ رغم سخريتها طالها ألمًا مقهر:
_إنت حتى محطتش اللوم عليا وعليه، إنت لومتني أنا!!! إنت فضحتني قدامهم وكل ده ليه عشان غلطة صغيرة ارتكبتها بدون ما أقصد!!
واستطردت بصراخٍ أنثى احتسبت داخل معتقلًا بعد أن نُسبت إليها أكثر من جريمة ولم يستمع لها القاضي:
_العيون بتقارن يا جمال، الأم نفسها لما ابنها بيصاحب شخص مبتبقاش عايزاه يكون أحسن منه ولو قالت غير كده تبقى كدابة!
وببكاء تعالى صداه قالت:
_والله العظيم نظرتي ليه كانت إعجاب لأفعاله مش لشخصه، كان نفسي تتعامل معايا زي تعامله مع مراته، ولو مضايقك مقارناتي فانت شوفت بنفسك هو اتعامل معاها ازاي وإنت عاملتني ازاي، وجاي بعد كل ده تقولي نرجع بيتنا، بيت أيه!! مهو خلاص اتهد وبايدك!
واتجهت للفراش تستكين بجلستها حينما شعرت بألمٍ حاد يستهدف جرحها الحديث، تشير له:
_مش عايزة أشوفك تاني قدامي، وبطل تتكلم عن الولد إنه ابنك لانه مش ابنك وأنا بأكدلك ده.
اقترب منها بعينيه الغارقة بالدموع وقال يستجديها:
_أنا مقدر كل اللي هتقوليه وهتعمليه وجاهز لأي حاجه، هنزل أدفع الفلوس وهخرج أشتريلك لبس كويس نرجع بيه بدل لبس المستشفى ده وهعملك كل اللي انتِ عايزاه يا صبا.
وتركها وخرج يخفي دموعه المنهمرة على خديه، راقبت "صبا" الباب بنظرة قاتمة، وعزيمتها تتضاعف بما تريد فعله.
شملت الصغير بنظرةٍ حزينة ونهضت تتفحص ملابسها، كانت ترتدي ما يشبه المريال معقود من الخلف بعدة أربطة، يصل لنهاية قدميها.
استندت على الحائط تحاول التغلب على ذلك الوجع الذي هاجمها بقوةٍ، حتى وصلت للمرآة، جذبت "صبا" الجلباب الأسود الخاص بها، كان مازال يحتفظ بدمائها، وخزت ألمًا حينما تفرد إليها ذكريات تتمنى أن لو كان أصاب رأسها بضربة أفقدتها الذاكرة فتنسى ما فعله بها.
ارتدت جلبابها المفتوح فوق مريول المشفى، وعقدت حجابها جيدًا، ثم حملت صغيرها وخرجت بخطاها المتهدجة، تراقب الطرقة الخارجية بتمعنٍ، فما أن وجدت الطريق خالي حتى تسللت للخارج مستخدمة المصعد لعدم قدرتها على هبوط الدرج.
ضمت بطنها وهي تئن بوجعٍ هاجمها مع أول خطوات لها، ولكنها وإن تعرضت للموت لن تتوقف الا بالفرار من هنا، ما تعرضت له على يديه يحتمها على البعد.
توقف المصعد بالطابق الاخير، فخرجت تحمل صغيرها بيد وباليد الاخرى تضم جرح بطنها بألمٍ، تثاقلت خطواتها وتباطئت من فرط وجعها.
ارتكنت على الدرج الخارجي وانهمرت دموعها وهي تردد دون توقف:
_يا رب.
مال رأسها على ذراعها المستند على درابزين الدرج الخارجي ودموعها لا تتوقف، فإذا بصوتٍ رجوليًا يقتحم الصمت المغلف من حولها:
_مدام صبا!!
رفعت رأسها تتأمل الواقف أمامها، فتفاجئت ب"يوسف" يقف قبالتها، تعجب من رؤيتها بتلك الحالة، فوزع نظراته بينها وبين خط الدماء البارز من ثيابها.
شددت من تمسكها بابنها، وطالعته بنظرةٍ مرتعبة، صعد يوسف الدرج يطالعها بصدمة بعدما تحلل له موقفها، فسألها بريبة:
_ إنتِ راحة فين بالوقت ده؟
أجابته وهي تستند على الدرابزين وتحاول استكمال طريقها للأسفل:
_مالكش دعوة بيا.
لحق بها واقترب على بعدٍ قريب:
_مدام صبا إنتِ بتنزفي، من فضلك خليني أشوف جرحك.
ردت عليه بعصبية بالغة:
_مالكش دعوة بيا، أنا مستحيل هقعد هنا ولا هراجع معاه تاني، كفايا اللي عمله فيا كفايا!!
تفهم حالتها وصدقًا تمتلك كل الحق، هبط من خلفها وحاول ايقافها قائلًا بهدوءٍ:
_طيب ممكن تسمعيني، صدقيني أنا ميهمنيش غير مصلحتك إنتِ والولد بس فكري فيها بالعقل، هتخرجي من هنا تروحي فين؟
نجح باستمالتها للحديث، فوقفت محلها تتطلع للفراغ بكسرةٍ وقلة حيلة، هي الآن مغتربة، وحيدة، في بلدٍ غريبًا عنها، لا تمتلك المال ولا حتى جواز سفرها، وفوق كل ذلك تحمل بين يدها طفلًا صغيرًا.
استغل يوسف نقطة ضعفها الظاهرة بمُقلتيها وتابع بمكرٍ:
_طيب إنتِ جاهزة تتحملي أي ظرف هتواجهيه بره الولد ده ذنبه أيه؟
قابلت عينيه بدموعٍ الحسرة والقهر، ورددت:
_لو هموت أنا وهو أهون ألف مرة إني أرجعله تاني.
هز رأسه متفهمًا، واضاف يطمنها:
_وأنا معاكي، جمال غلط ولازم يتعاقب، بس لو تسمحيلي أساعدك عشان خاطر الولد.
زوت حاجبيها باستفهامٍ، فأضاف موضحًا:
_دكتورة ليلى كانت قاعدة في شقة صغيرة قبل جوازنا، هخدك إنتِ والولد تعيشوا فيها وأوعدك إني عمري ما هقول لجمال حرف، لحد ما تقرري إنتِ أنه يعرف مكانك.
تمكن منها التعب وصغيرها بدأ ينزعج من برودة الجو، فاقترب يوسف يلتقطه منها وهو يستطرد:
_فكري في الولد، هيتبهدل معاكي وهو مالهوش ذنب!
راقبته وهو يحمل الصغير ويداثره بجاكيته الجلدي بحنانٍ، فأخبرته بسخرية شملت ألمها النازف:
_مش خايف إنه يفكر إن في حاجة بيني وبينك إنت كمان؟
شعر بما تخفيه داخلها، يبدو أن رفيقه سيعاني عمرًا كاملًا ليحصل على السماح منها:
_مدام صبا أنا عارف إن جمال غلطه كبير، بس صدقيني مكنش في وعيه، أنا عايز أساعدك عشان الولد فتأكدي إني في صفك إنتِ مش هو.
وتابع يبعث لها الطمأنينة:
_كمان ليلى مش هتسيبك هتكون معاكي على الأقل الفترة دي لحد ما تقومي بالسلامة.
ومال بجسده لليسار، يجذب مقعد متحرك، قربه لها وقال:
_ثقي فيا وصدقيني مش هخذلك.
كانت قليلة الحيلة، لا تملك رفاهية الاختيار، وربما ساهم بكاء صغيرها باتخاذها القرار السريع، فمالت بجسدها بتعبٍ وجلست على المقعد.
انحنى "يوسف" يضع الصغير فوق قدميها، وانجرف بالمقعد للجهة الاخرى من الدرج المخصص لاستخدام مثل تلك المقاعد.
دفعها للاسفل واتجه بها لسيارته، عاونها بالصعود بالمقعد الخلفي وقدم لها الصغير، ثم وقف خارج السيارة يرفع هاتفه، طالبًا أحد الارقام وما أن أتاه الرد حتى قال بغموضٍ:
_دكتور علي، عايز منك خدمة!!
*******
احتل مقعد مكتبه، يحجب عينيه خلف نظارته السوداء، ومن خلفه يسرع سكرتيره الخاص، فإذا به يخبره دون أي مقدمات:
_بلغ العملاء اللي جيهم من فترة تبع "نعمان الغرباوي" إننا قبلنا عروضهم، وبسعر أقل من اللي بنشتغل بيه.
برق "حسام" مندهشًا من تغير رأيه، فتساءل بحيرةٍ:
_حضرتك متأكد من قرارك ده؟
بفظاظة أجابه:
_لا مستني أخد إذن سعاتك! روح نفذ اللي قولتلك عليه بدون رغي كتير.
تأكد بأنه اليوم خارج هدوئه، فهرول للخارج ينفذ ما طلب منه، فور خروجه نزع "عُمران" نظارته السوداء ولف بمقعده للجانب المعتم من الشرفةٍ، فإذا بدقات خافتة على باب مكتبه وصوت أنوثي رقيق يتساءل على استحياءٍ:
_ممكن أدخل؟
نهض عن مقعده يردد بفرحةٍ مطعمة بعدم تصديق:
_شمس!!
وإتجه إليها يفتح ذراعيه، فانزوت بينهما وهو يضمها بحبٍ:
_أيه المفاجأة الحلوة دي!
اتجهت للمقعد المقابل إليه، تخبره باستياءٍ:
_مهو أنا مبقتش عارفة أتلم عليك قولت أجي أشوفك.
نزع جاكيته واتجه للبراد الصغير يجذب زجاجة معلبة من العصير، وعاد يضعها قبالتها قائلًا:
_نورتي الدنيا كلها يا حبيبي.
التقطت ما يقدمه وارتشفته بامتنانٍ:
_قلبي يا ميرو.
رفع حاجبه بغضب جعلها تعيد تعديل ما تفوهت به:
_مش هدلعك تاني بس بلاش البصة دي.
منحها ابتسامة هادئة وقال:
_شمس هانم تعمل اللي يعجبها.
أحاطته بنظرةٍ مشككة، وتساءلت:
_من أمته ده!!! إنت كويس يا عُمران.
إتكأ على الأريكة الصغيرة الفاصلة بينهما، وجذب طرف الحجاب الذي تثبته بإبرة صغيرة على كتفها، حرره ليغطي صدرها، متخذًا شكل الخمار، وعاد يثبت الأبرة بطرف فستانها مرددًا بابتسامته الجذابة:
_كده أحلى.
تمعن بعينيه الحائرة به وقال:
_أنا كويس يا شمسي، إطمني.
ونهض يتجه لمقعده الاساسي، مضيفًا بخبثٍ:
_بالمناسبة مش عايزة حاجه من مصر، يعني لو في جواب غرامي لحضرة الظابط موافق أوصله في سبيل الزيارة الجميلة دي.
مالت للأمام تستند على حافة مكتبه، وتساءلت بصدمة:
_إنت مسافر مصر!!!
*******
_هو إنت مبتفهمش يالا!! بقولك نزل الخلاطات دي من الرف ده مش عجبني منظرهم كده يا أخي أنا حر!!!!
تحرر صراخه بين العمال، فمنذ أن أتى وهو يصيح دون توقف، تزداد انفعالاته إن رأى أحد العمال يجلس دون عملًا.
لف العامل إليه وسأله بارتباكٍ من غضبه الثائر:
_شوف كده يا معلم، مسحت كل الريش بتاعت المراوح، مسبتش مروحة غير، لما سنجفتها.
استدار "إيثان" الغاضب إليه، يحدجه بنظرة صارمة:
_أيه معلم دي شايفني واقف في سوق الخضار!! ما تظبط يا جدع بدل ما أقل معاك.
ابتلع ريقه الهادر بتوترٍ وقال:
_حقك عليا يا كابتن، تؤمر بحاجة تانية؟
أشار لوجهة المحل بضيقٍ:
_امسحلي ازاز المحل كله، عايزك تشوف قفاك فيه وبسرعة.
هرول العامل للخارج، بينما وقف إيثان يتابع الجميع بأعين مشتعلة، حتى سقطت على "يونس" الذي يتابعه من غرفة مكتبه بابتسامة شامتة
وضع "إيثان" يديه حول خصره وحدجه بنظرةٍ مغتاظة، واستدار يصرخ بالعمال هادرًا:
_حـــــاســـب يابنـــــــي على التلاجة هتتتخدش يا طــــــور!!
مر آيوب من جواره منصدمًا من سبه للعامل، فابتلع ريقه بتوترٍ وهو يشير لابن عمه هامسًا:
_هي الحالة اشتغلت عنده؟؟
أشار الأخير له بإبهامه مؤكدًا ذلك، كاد أن ينفد بجلده من عرينه الا أنه انتبه له فقال بتهكمٍ:
_نعم جاي هنا ليه يابن الشيخ مهران؟! موركش مذكرة ولا أيه!!
ارتعب آيوب فور رؤيته لعينيه الحمراء، فجاهد لخروج صوته:
_جاي ليونس أشوفه.
زوى شفتيه ساخطًا:
_ده مكان أكل عيش مش حضانة هي!!
ردد بخوفٍ من حالته الغير طبيعية:
_لو مضايقك أطلع أستناه فوق عادي.
رفع يونس صوته ليلفت انتباه آيوب:
_تعالى يا آيوب، واقف عندك ليه؟
صوته كان نجاة صريحة له من الوقوع بالشرك، هرع لداخل الغرفة وأوصد النافذة الزجاجية المطلة على إيثان، ثم أسرع للمقعد يتساءل:
_أيه اللي مخليه بالشكل ده اتخنقتوا؟!
هز رأسه نافيًا، واجابه ببسمة واسعة وهو يرتشف من كوب قهوته بتلذذ:
_اتعلم عليه.
تسللت الدهشة لتعابيره:
_من مين؟!
ضحك وهو يخبره:
_بنت خالته رفضته وختمت قفاه، وبصراحة اتكيفت أوي وهو راجع معايا بالبوكيه والشوكولاته، أصله كان مالي ايده منها أوي.
وتابع بسخرية مضحكة:
_كان مفكر هيلف لفته المنحرفة ويرجع يلاقيها لسه مستنياه وتقوله شوبيك لوبيك!! غبي هو طول عمره مفيش جديد يا بوب!
طالعه بنظرةٍ سعادة، كلما رأى الضحكة تصل لشفتيه تحفه الفرحة والسعادة، فمال للمكتب قبالته يسأله بمشاكسةٍ:
_وإنت أيه اللي مروق مزاجك كده، اوعى تكون بتلعب بديلك؟
أجابه ومازال هائمًا بكوب قهوته:
_حب جديد.
جحظت عين آيوب وصاح:
_حب أيه؟ وخديجـة؟!!!
فور نطقه لاسمها احتشد الغضب جيوشه وهاجم الأخير، هادرًا بخشونةٍ:
_اسمها ام فارس، متنطقش اسمها على لسانك بدون ألقاب يا بن الشيخ مهران.
وتابع بنفس الابتسامة كأنه يتلبس شخصين بجسده:
_وبعدين مين قالك إني واقع في غيرها؟ حرام الواحد يقع في حب طليقته!!! كان نفسي أقولك مراته بس مش هتركب لإن هيبقى فيها تعابير تانية!!
ضحك بصوته الرجولي الجذاب، وقال:
_ومالو يا معلم يونس يفرحنا إنك تكون مبسوط وسعيد.
هدأت ابتسامته وتنحنح يقول بتوتر:
_ده بفضل الله سبحانه وتعالى وبفضل الدكتور علي، أنا من ساعة ما خديجة دخلت المستشفى وأنا بتواصل معاه يا آيوب، ولولاه مكنتش هقدر أسامحها ولا هديها فرصة تانية، أنا عارف إنك السبب في مجيته هنا وآ..
قاطعه آيوب ليرفع عنه الحرج:
_متتكلمش في اللي فات يا يُونس، المهم دلوقتي وبكره، أنا كنت سبب وضعه ربنا سبحانه وتعالى عشان تتعرف على دكتور علي.
ابتسم بمحبة له وما كاد بضمه لصدره حتى انتفضوا معًا على صراخ أحد العمال الذي سقط بين براثين "كابتن إيثو" كما يلقبه "آيوب"
******"
لم يترك إنش بالمركز الطبي الا وبحث عنها فيه، كاد أن يصيب بالجنون، فلم يجد الا اللجوء لعلي، صعد "جمال" لمكتب "علي الغرباوي"، طرق بابه وولج يخبره وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:
_دكتور علي أرجوك ساعدني، مش لاقي صبا!
نزع عنه نظارته الطبية ومنحه نظرة غامضة، ثابتة، وبهدوءٍ مدروس قال:
_مش لاقيها ازاي يا جمال؟
تعالت أنفاسه داخل صدره، فحاول تنظيم تنفسه وهو يخبره:
_سبتها هنا لحد ما أجبلها هدوم ورجعت ملقتهاش في الاوضة لا هي ولا الولد.
سادت معالمه الحزن وهو يستطرد:
_أكيد أخدت ابني وهربت بعد اللي عملته فيها..
ترك علي محله وإتجه إليه يقرب منه المقعد:
_طيب اهدي واقعد.
نفى ذلك مشددًا على قوله:
_لا أنا عايز من حضرتك خدمة، لو نقدر تشوفلي الكاميرات، لو خرجت من هنا أكيد هتكون سجلت،على الأقل هعرف خرجت ازاي ومع مين او ركبت عربية نمارها أيه،من فضلك ساعدني!
نصب عوده يضع يديه بجيوب زيه الخاص:
_هسمحلك بده طبعًا لو هيساعدك...ثواني.
وإتجه لمقعده مجددًا ثم عبث بالحاسوب من أمامه بخبثٍ وجملة"يوسف" تتردد إليه.
«عايز من حضرتك خدمة يا دكتور علي، الكاميرات جايباني وأنا خارج مع صبا دلوقتي،من فضلك أحذفها بسرعة لإن جمال ذكي وأول حاجة هيدور فيها هي السجل!»
لف الحاسوب إليه يخبره بجدية زائفة:
_اتفضل يا جمال، الجهاز كله تحت أمرك.
انحنى تجاه الطاولة يبحث بلهفة عساه يهتدي لأي معلومة تدله عليها، عاد محل جلوسه يردد بحزنٍ:
_مش باينه في أي لقطة!
ضم يديه يستند بها على ذقنه، مدعيًا تفكيره العميق:
_يمكن خرجت من الباب الخلفي للمركز، مفيش هناك للاسف تغطية بالكاميرات.
تملكه العجز وجعله يبدو أكبر من عمره، فخرج صوته مبحوحًا:
_صبا أخدت قرارها ونفذته، جيه دوري أتحمل قسوة العقاب لإني أستحقه!
******
أصر أن يوصلها للأسفل بنفسه، واطمئن أنها صعدت بالسيارة برفقة السائق، انحنى عُمران للنافذة الخلفية للسيارة وقال بابتسامته التي نجحت بأن تخفي وجعه:
_متقلقيش يا حبيبتي، أوعدك هدية عيد ميلاد آدهم هتكون موجودة قبل عيد ميلاده، إنتِ لجئتيلي وأنا عمري ما أخذلك.
اتسعت ابتسامة شمس فرحة، فمسدت على يده المسنود على النافذة وقالت بحماسٍ:
_كنت واثقة إنك الوحيد اللي هتساعدني، ذوقك وأفكارك في حتة تانية يا ميرو.
اعتصر، شفتيه معًا:
_ميرو تاني!! امشي يا شمس أنا هتصل حالًا بباريس وهلغي الأوردر!
خرجت من نافذة السيارة تتعلق برقبته:
_لا خلاص Sorry مش هدلعك تاني لحد ما تجبلي الهدية.
قبل رأسها ويدها المتعلقة به، قائلًا بمزحٍ:
_أنا مش ضد الدلع نهائي، بس مش عارفين نختار اللي يخدم الشخصية اللي قدامنا يبقى بلاش مته يا شمس!!
وبمكرٍ أضاف:
_أقولك دلعي آدهم، وزيدي في الدلع على قد ما تقدري يمكن ربنا يكرمنا جميعًا ونتلم في محكمة الأسرة.
عبست بعدم فهم لحديثه، فسألته ببلاهةٍ:
_هنروح محكمة الأسرة ليه أنا فرحي في قاعة بالقاهرة!!
منع ضحكة بالانفلات منه وقال وهو يعيدها لمقعدها برفق:
_يلا يا حبيبتي إتاخرتي وشغلتيني عن المكالمات اللي عندي.
جلست محلها تودعه ببسمة هادئة، بينما أشار للسائق بصرامة:
_خد الهانم للبيت، وخلي بالك وإنت سايق.
هز السائق رأسه في طاعةٍ وانطلق على الفور، بينما صعد عُمران للأعلى ليستكمل عمله قبل أن يستعد لسفره اليوم.
استكان بمكتبه وابتسامة شامتة تحيط شفتيه، بعدما تلقى فوق السبعة عشر رسالة شكر من العملاء، سحبوا المشاريع وأودعوها إليه، ليدق أول مسمار بنصل "نعمان الغرباوي".
صدح صوت السكرتير بالسماعة الجانبية يخبره:
_بشمهندس جمال برة وعايز يقابل حضرتك.
تسللت البرودة لأطرافه، عدة مشاعر ضربته في مقتلٍ، لم يعتاد يومًا طرده من بابه، ولكن ما فعله يرغمه على ذلك، فتنحنح ليخرج صوته جامدًا رغم أنه يتخبط من الداخل:
_شوف طلبات البشمهندس من عندك، أنا مشغول.
ظنه سيقتنع بما سيخبره به، ولكنه تفاجئ به يقتحم مكتبه، ومن خلفه حسام الذي يهتف بخوف منه:
_مينفعش كده يا بشمهندس، قولت لحضرتك الباشا مش فاضي.
رفع عينيه له بصعوبة، وأشار له ليغادر، تقابلت أعينهما لفترة قصيرة، سحبها عنه عُمران وجذب قلمه يدعي انشغاله بتوقيع الاوراق من امامه، وهو يقول بجمودٍ:
_لو في حاجة خاصة بشراكتنا تقدر تخلصها مع حسام برة.
تماسك قبالته وقال بصوتٍ منكسر:
_شراكة أيه!! أنا ميهمنيش غيرك.
وردد بما جعل عُمران مندهشًا:
_مكنتش عايز تشوفني يا عُمران؟
قال ومازالت عينيه تتابع الملف بثباتٍ عجيب:
_لأ.. مش عايز أشوفك يا جمال، ويا ريت تتفضل لو سمحت لإني مش فاضي.
اقترب إليه وكأنه لم يخبره بالخروج، واستند على مقدمة المقعد الأسود، يقول بنبرة وضع بها حزنه كله:
_صبا هربت بالولد من المستشفى ومش عارف أوصلها.
رمش بعدم استيعاب لما يستمع له، وقال متناسيًا حزنه:
_هربت ازاي!!! وهتروح فين وهي ملهاش حد!!
رفع كتفيه بقلة حيلة:
_مش عارف!
ضيق رماديته وهو يحيطه بنظرةٍ ساخرة:
_وكنت مستني أيه منها بعد اللي عملته؟
رفع عينيه له، يتمعن بلقائه، متعمدًا التباطئ بحديثه:
_آسف.
_متنفعش!!
نطق بها بعصبية منفعله وأضاف بنفس الحدة:
_قولتلك خلصت مش مصدق ليه؟
تحرر غضبه المكبوت وبصراخ هيستري قال:
_متقولش خلصت دي!! يعني أيـه خلصت؟ أنت أخويا مش صاحبي عشان أزعلك تتقمص مني وتقطع علاقتك بيا، طبعًا متقدرش تقول الكلام ده لدكتور علي لإنه أخوك من لحمك ودمك لكن أنا بالنهاية جمال صاحبك مهما تظاهرت قربنا من بعض!
واقترب منه يتمعن بعينيه، يقابله بكل ألمٍ حمله داخله:
_هتنهي صداقة السنين دي كلها عشان غلطت! كنت فاكرك هتعاقبني على اللي قولته، هتثور في وشي وتخرج اللي جواك بس أخر حاجة توقعتها إنك تكون جبان وتهرب من مواجهتي بسفرك!
شقت بسمته المتألمة طريقها لثغره، فمال إليه يحدجه بنظرة أشعلها الغضب:
_إنت باللي عملته لا حصلت تكون أخويا ولا حتى صديق! ، مش فارق معايا إذا كنت وقتها مغيب عن الوعي ولا لأ، اللي فارق معايا وجعي اللي عمره ما هيخف!!! جمال إنت كشفت عيوبي اللي ربنا سبحانه وتعالى سترها، عايرتني بكل الوحش اللي مريت بيه!! وفوق كل ده اتهمتني بالخيانة ومع مين مع مراتك!!
وتابع وهو يشير على باب مكتبه:
_امشي يا جمال، مراتك أولى بلحظات ندمك مني، روح دور عليها واعتذرلها، متسبهاش غير لما تتقبل وجودك في حياتها، وسبني ألم الجرح اللي كنت السبب فيه.
أدمعت أعينه حزنًا، أنكس رأسه وإتجه ليغادر بعدما خُذل على يديه، فتح الباب وقبل أن يغادر استدار يراقبه، فتهرب عُمران من لقاءٍ مؤلمًا، يفيق داخله آنينًا لا يحتمله.
انهمرت دمعة من عين جمال، وبنبرته المبحوحة قال:
_هتتخلى عني يا صاحبي؟
شدد جفونه عنفًا، ساحبًا أطول نفسًا قد يمنحه بعض السكينة، ابتلع عُمران ريقه الجاف وقال وهو يجابه نظراته المنهزمة:
_عُمران الغرباوي عمره ما أتخلى عن اللي منه يا جمال!
واستطرد بوجعٍ بدى عليه لمرته الاولى:
_إنت اللي اتخليت وبعت كل حاجة.
لف مقعده ليوليه ظهره:
_امشي يا جمال، امشي وسبني لحد ما اتعافى من اللي عملته.
واستكمل ورأسه ينحني قليلًا:
_من فضلك سبني لوحدي.
جر أذيال خيبته وخرج مهزومًا، فقد كل شيءٍ بلمح البصر، ضغط عمران على زر الهاتف وردد بصوتٍ متحشرج:
_حسام احجزلي على أول طيارة نازلة مصر حالًا!
......... يتبع........
#صرخات_أنثى...
#الاقوى_قادم.
حبيباتي وحشتوني اوي اوي والله، معلش الفصل صغير بس انتوا عارفين يدوب بحرك ايدي والله الكتابة صعبى عليا اوووي بس مهنش ابعد اكتر من كده، دعواتكم شهر، ١٤ يعدي على خير، خايفة منه اوي لاني هكون مضغوطة فيه، مش عارفة هقدر اوقف الرواية فترة الاسبةعبن دول ولا لا، بس حتى لة هنزلكم كل اسبوع فصل صغير لحد ما اعدي الفترة دي واوعدكم هعوضكم والله، متزعلوش مني غصب عني دي مسؤوليات مفروضة عليا ولازم اكون قدها، بس زي ما وعدتكم لو كل اسبوغ عملتلكم فصل صغير لحد ما اقولكم خلاص يلا نرجع ❤
بعتذر لو فب اخطاء املائية بالفصل، انتوا عارفين بقى، دعواتكم الغالية، متنسوش تصويت الواتباد، ولو بتابعوا فيس متنسوش اللايك.. متنسوش كمان اني هنشر ليكم نوفيلا قريب كاملة تبع احتفالية صديقة غالية ودي من ضمن التزاماتي، بحبكم في الله ♥
******________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثاني وثمانون 82 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى..(#حبيبتي_العبرية.)
#الفصل_السادس_والستون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"شهد ياسين"،"شيماء صابر"،"عائشة بن عزيز"،"نورهان جمال"،"إيمان صلاح"،"أسماء جمعة"،"نوال زعاترة"،"نهى عماد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
ها قد شارف القمر ببداية ليله، وما زال يجوب بسيارته الطرق، حائرًا لا يعلم إلى أي وجهة سلكتها فيذهب للسؤال عنها، خمس ساعات متواصلة يسير بلا أي هدف، وكأنه هو التائه بين تلك الزقاق، عساه فقد ذاته بين إحدى الزقاق والأرصفة.
أوقف سيارته على جانبي الطريق، وفتح بابها يخفض ساقيه للخارج ويميل على الجزء الجانبي منها برأسه، انهمرت دموعه من شدة العجز، وكلما جابه بأنها بمفردها الآن ببلدٍ غريبة موحشة يؤلمه قلبه، ترى كيف حالها وحال صغيره؟ ترى ماذا تفعل الآن وهي وحيدة؟ ماذا عن جرحها الحديث وماذا عن جرح قلبها النازف؟!!
يشعر الآن بقمة ضعفه وهو الذي لم يكن يومًا ضعيفًا، هو نفسه الشاب المكافح الذي تغرب منذ صباه لأجل عائلته، لطالما كان رجلًا مسؤولًا، يتعلق برقبته مسؤولية والدته وعائلته وزوجته، فكيف السبيل لراحةٍ وهو فقد أحد الاشخاص العالقون برقبته؟! كيف السبيل للراحة هذة زوجته وهذا ابنه؟!!!
_آآآه!
صرخة موجوعة تحررت منه وسقط بعدها أرضًا أمام سيارته يبكي كالطفل الصغير، بكاءًا متواصل لو استمع إليه الجاحد لضمه لصدره من شدة تأثره به.
ماذا يفعل وقد خسر زوجته، ابنه، أخيه!! يا ويل قلبه المسكين من شعور ألمٍ لم يكن ليختبره بإرادته يومًا.
جذب "جمال" هاتفه، يتطلع لصورتها، هو اليوم محظوظ وله كل الحظ، يتذكر بالماضي أنها كانت تطالبه دومًا بالتقاط صور لها برفقته، وكم كان أحمقًا حينما كان يتذمر وينعتها بالتفاهةٍ، وبتلك المرات نجحت باستمالته لالتقاط تلك الصورة الوحيدة التي آرسلتها لهاتفه بالآجبارٍ، ها هو اليوم ممتن لذلك!
مرر إبهامه على ملامحها المشرقة جواره، رغم انزعاجه مما تفعله والمعكوس بالصورة، راح يخاطبها بآنينٍ قاتل:
_آسف، حقك عليا من اللي عملته! أنا آسف إني حطيتك في الموقف ده! آسف إنك بسببي موجوعة ومش عارفة تروحي بابننا فين!
وتابع وكأنها قبالته تستمع إليه:
_بس عشان خاطري إرجعي، إرجعي يا صبا! إرجعي وشوفي ذنبك وهو بيخلص مني، إنتي عارفة أنا من شوية روحت المكان اللي بيسهر فيه الكلب نعمان واتفقت مع اللي هيجبلي حقك منه، بكره هتشوفي بنفسك حقك وهو بيرجع، مفضلش غيري إرجعي وخدي حقك مني!!!!
ضم الهاتف لصدره وانهمر باكيًا، يتمنى أن يريحه الله من هذا العذاب، فأتاه هاتفه يصيح برنينه للمرة الثلاثون برقم "يوسف"، فأغلق" جمال" هاتفه نهائيًا ليتخلص من ضجته، وهو بحالة لا يحتمل بها سماع صوت نسمة الهواء!
******
دفع "يوسف" حساب الأغراض التي اشتراها، شكر البائع وحمل الاغراض وخرج يتفحص هاتفه بخوفٍ، وحينما وجد الهاتف مغلق، اتصل بعُمران الذي أجابه بعد المرة الرابعة:
_خير يا يوسف، مش قايلك مترنش عليا وإنسى الحوار ده خالص، أنا كلها ساعتين وهكون في المطار ولو عملت أيه مش هتراجع عن اللي في دماغي.
اندفع يخبره قبل أن يغلق الهاتف بوجهه مثلما يفعل:
_جمال مختفي ومش عارف أوصله، حالته مخيفة وممكن يأذي نفسه، عُمران مهما حصل بينكم ده أخوك متسبهوش يا عُمران، بالله عليك!
هدأت وتيرته حينما لمس بحة حزنه وإنكساره، فقال بهدوء:
_متخافش يا يوسف، أنا باعت رجالة وراه من أول ما خرج من مكتبي، هخلي واحد منهم يبعتلك موقعه، هو كويس اطمن.
وتابع بارتباكٍ يخفي من خلفه حزنه:
_متزعلش مني إني مبردش على مكالماتك، أنا محتاج أكون لوحدي فترة صدقني اللي بعمله ده عشاني وعشان جمال، لو فضلت هنا هفارقه بجد وأنا مش عايز ده يحصل.
مسح وجهه بضيقٍ، واضطر بالحديث برزانة:
_زي ما تحب يا عُمران، المهم تكون كويس ومرتاح، خليهم يبعتولي موقعه.
أغلق الهاتف ووضع الاغراض المنزلية والادوية بشنطة السيارة ثم قادها متجهًا لشقة "ليلى" القديمة.
******
فتح "يونس" باب منزله، متذمرًا من الطارق الغليظ الذي لا يكف عن ضرب الجرس، فوجد "إيثان" يقف قبالته يطالعه بوجهٍ متخشب، ولج للداخل وصفق الباب هادرًا:
_مش عايزين النهاردة عدي علينا بكره.
عركل قدمه بفاصل الباب، ودفعه للداخل بكل قوته، فسقط يونس على الحائط من خلفه بينما تابع إيثان طريقه للداخل بآليةٍ تامة، صفق يونس الباب بعصبية وتابعه للداخل يصيح:
_داخل زريبة إنت!!!
واستطرد ببسمةٍ خبيثة:
_أنا كنت عايز أحميك من الصدمة العصبية اللي هتاخدها لو دخلت بس وماله، ابن حلال وتستاهل.
ولج للردهة فإذا به يتوقف فجأة، ليستدير تجاه يونس المبتسم من تأثير المشهد عليه، فتخطاه واتجه للأريكة حيث يجلس فارس الذي يحمل كرتون الشوكولا الفاخر يتناولها بنهمٍ.
جلس يونس جواره يشاركه تناول لوح الشوكولا باستمتاعٍ، وأشار لمن يراقبهما بغيظٍ يتصاعد من حدقتيه:
_واقف عندك ليه يا إيثو، ما تقعد يا حبيبي.
اتجهت نظرات إيثان للطاولة التي تتوسط الصالون، فإذا بالورود التي سبق لها شراءها برفقة الشوكولا تزين المزهرية، كبت يونس ضحكاته وأشار بيده عليها:
_آه. ده الورد اللي كنت شاريه عشان المرحومة، استخسرت والله أرميه فحطيته في الڤازة دي بدل ما هي بتنش كده.
واستكمل بابتسامة شامتة وهو يلعق إصبعه الملطخ بالشوكولا:
_بس بصراحه ذوقك في الشكولاته يهوس، لا بجد حاجة فاخرة، ودي دفعت فيها كام يا إيثو؟
احتقنت عينيه بحمرةٍ قابضة، فتابع وهو يتناول قطعة اضافية:
_حلوة يا فارس؟
هز الصغير رأسه باعجابٍ شديد، فقال يونس بسخريةٍ:
_عمو إيثان اللي جيبهالك يا حبيبي، ادعي إن ربنا يكتر من أمثال بنت خالته عشان يكونلك فرصة تأكل شكولاته من نفس النوع على طول!
خرج عن طور، هدوئه، فجذب المزهرية وألقاها تجاه يونس الذي انحنى يتفادها ببراعةٍ وصوت ضحكاته تعلو صاخبة، فإذا بإيثان ينقض عليه، وهو يصيح غاضبًا:
_يعني إنت من الصبح شمتان فيا يا حقير، بدل ما تقلبها صوان عشان صاحبك بتشمت فيه وقاعد تحتفل إنت وابنك برفضها ليا!
حاول التصدي له ولكنه لم يستطيع من فرط الضحك، فقال بصعوبة بالحديث:
_شمتان ومتكيف بصراحه، مش إنت اللي رايح نافش ريشك؟ وبعدين عندها حق ترفضك ده أنا صاحبك وبستحملك الكام ساعة اللي بشوف خلقتك فيهم بالعافية ما بالك هي!! وإنتوا ما شاء الله عندكم اعتكاف لطوال العمر، يعني لا رد ولا استبدال هتعمل أيه يعني لازم تتمعن بالاختيار وتراجع نفسها يا إيثو!
صب غضبه عليه، وهو يصرخ بانفعالٍ:
_هنشوف مين فينا اللي محتاج يراجع نفسه.
هرول الصغير للاسفل يستدعي آيوب بعد رؤيته لما يحدث، فولج للداخل يهرول حينما وجد الباب مواربًا.
إتجه لغرفة المكتبة المخصصة للشيخ "مهران"، حيث يتخذها آيوب محله بالفترة الاخيرة يدرس التعاليم الإسلامية والقرآن الكريم لسدن.
وها هي اليوم تجلس قبالته تنتهي من أول جزء من القرآن الكريم، وما أن انتهت حتى ردد مندهشًا:
_ما شاء الله عليكِ يا سدن، حفظتي أول جزء في مدة صغيرة أوي.
منحته ابتسامة عريضة وراحت تخبره بغرورٍ:
_فارس بتقول لسدن إنه يحفظ جزء عامة قبله، خديجة حفظ سدن الجزء الاول كُوله..
تحررت ضحكة جذابة على شفتيه وهو يستمع لها بحبٍ، وقال يمازحها:
_أنا راضي عنك في كل حاجة حتى المصري بتاعك المكسر ده، على قلبي زي العسل.
عبثت بحاجبيها تتابعه بعدم فهم، ورددت بعد فترة من الاستيعاب:
_إنتي عايزة عسل آيوب؟
تعمق بزُرقة عينيها قليلًا ومن ثم انفجر ضاحكًا، هاتفًا بصعوبة بالحديث وهو يستقيم بوقفته:
_عندك حق أنا فعلًا عايز عسل،بس أنا طماع وعايز البرطمان كله،عشان كده هحترم نفسي وهطلع أذاكر، يعني من مبدأ أمتحن الأول وبعد كده نشوف حوار العسل ده...يلا تصبحي على خير.
حاولت النهوض من خلفه باسدالها الواسع، فوقفت على اطرافه بقدميها وكادت بالسقوط على وجهها لولا يديه التي أحكمت تمسكها بها، ضحك رغمًا عنه وقال:
_كل مرة بنزل اديكِ الدرس بتقعي نفس الوقعه وبنفس إسدال أمي ده، فمبقتش اتفاجئ بالعكس ببقى مجهز نفسي قبلها للحركة دي.
قُتل الحديث على شفتيها وهي تناظر فيروزته من هذا القرب المؤذي لمشاعرها، تلاشت ضحكته من آسر نظراتها، فأحاط وجهها بيده ليجدها تهمس له بكل حب:
_سدن بيحبك آيوب!
سقط بسحر عينيها، صوتها الرقيق المعترف بحبها له، عشقها له النابع قولًا وفعلًا، أحاطها بوابل من عاطفته، وهو يخبرها:
_يا بخت آيوب بحبك يا نور عين آيوب.
انساقت معه بسحابة وردية، جعلتها تتمنى قربه ولا تعلم لما يتراجع دومًا من إتخاذ هذا القرار، ابتعد وتهيئ لفتح باب الغرفة، وخرج لفارس الذي يناديه، انحنى تجاهه وسأله بابتسامة واسعة:
_أيه اللي خلاك تسيب الاحتفال وتنزل يا فارس؟ يونس هيخلص الحلاويات لوحده.
أجابه الصغير بخوفٍ:
_بابا وعمو إيثان بيتخانقوا!
عبث بخصلات شعره ببرود:
_سيبك منهم شوية وهيتصافوا.
وسحب من جيب بنطاله بعض المال ثم قدمه له يخبره:
_إنزل اشتري عصير وبسكويت ليك، واطلع على طول يا فارس.
هز الصغير رأسه بفرحة وطبع قبلة على خد آيوب ثم هرول للاسفل بسعادة.
******
تمددت على الفراش بتعبٍ شديد، يجتاح الألم جسدها بأكمله فيصيبها بشعورٍ قوي بقربها من الموتٍ، ليته يتمكن منها فوالله لن تقاومه، ستسلم روحها إليه بكل صدر رحب.
أغلقت جفونها تحرر دموع قهرها وهي ترى "ليلى" تقرب صغيرها إليها، وتخبرها بشفقةٍ حتى أنها تستطيع رؤية الدموع تتلألأ داخل مُقلتيها بوضوحٍ:
_صبا حبيبتي حاولي تقومي عشان تأكلي الولد، بيعيط وشكله يا حبيبي جعان.
أغلقت جفونها باستسلامٍ للنوم بعد مجهودًا شاقًا بذلته بالفرار من مكانٍ كان سيجمعها به مجددًا، بالرغم من ألم قلبها لترك الصغير باكيـًا.
ضمت "ليلى" الصغير إليها بحزنٍ، حملته وإتجهت به للخارج حيث محل جلوس زوجها بغرفة الضيافة.
نهض إليها "يوسف" يحمل الصغير من يديها ويتساءل بريبةٍ من أمر بكائها:
_في أيه يا ليلى؟ المدام صبا كويسة؟
هزت رأسها تنفي سؤاله، وأجابته بقهرٍ:
_غيرتلها على الجرح ونامت على طول، والبيبي زي ما أنت شايف بيعيط ومش راضي يسكت، شكله جعان يا يوسف!
منع ابتسامة كادت بالانفلات على وجهه الوسيم، وقال بجدية مصطنعة:
_طيب إنتِ بتعيطي عشانها ولا عشانه؟
تمعنت بالتطلع للصغير، وقالت باكية:
_عشانه طبعًا، شكله يا قلبي جعان وأنا مش عارفة أكله أيه؟
إلى هنا ولم يستطيع منع ضحكاته، فتعالت صاخبًا وهو يتابعها بعدم تصديق:
_معقول!! والله هشك إنك دكتورة!!
صوبت سهامها إليه بشكلٍ جعله يفكر مرتين بالأمر، فتراجع عما يفعله وقال:
_خلاص متزعليش هحاول أتأقلم إن لسه مفيش خبرة بالأمر.
وتابع يشير لها وهو يتجه للمطبخ:
_عمومًا أنا كنت عامل حسابي، تعالي نجهز الأكل للباشا اللي أخد قلبك أسرع مني ده.
تعجبت مما يقول، ولكنها إتبعته للمطبخ مثلما أخبرها، فوقفت على عتبته تراقبه بدهشةٍ، حمل "يوسف" الصغير بيده وباليد الأخرى شرع بتجهيز المياه لإعداد رضعة صناعية، فإذا بزوجته تندفع تجاهه وتخطف الصغير من يده.
التفت يوسف إليها باستغرابٍ، فوجدها تطالعه بصدمةٍ، وكأنه يفعل شيئًا لا يمت لكوكب الأرض بصلةٍ، فإذا بها تصرخ بوجهه:
_إنت بتعمل أيه يا عديم الانسانية، بتأكل الولد لبن صناعي!!
وتابعت وهي تتراجع به للخلف وتحتضن الصغير، كأنما تحميه من ذئبٍ بشريًا مفترس:
_يعني مش كفايا عليه كل اللي شايفه من أبوه اللي إنت ماشي تلم في غلطاته، كمان بتديله لبن صناعي!! إنت معندكش قلب يا يوسف!!!
إرتاب من أمرها، فوضع احتمالًا بأنها لم تفهم ما يصنعه، وببسمةٍ بلهاء أخبرها:
_أنا بعمله أكل مش سم!!
صرخت بوجهه تنفي إنسانيته الكاذبة:
_أسوء من السم يا دكتور، تديله ليه لبن صناعي ومامته جوه، أنا هحاول معاها تاني تقوم تأكله.
وتركته وكادت بالرحيل، ولكنها استدارت تضم بطنها المسطوح هادرة بهلعٍ:
_ابتديت أخاف على اللي في بطني منك ومن قسوتك، يا خسارة يا يوسف، يا خســــــارة!
وتركته مصعوقًا وإتجهت لغرفة النوم، تدفع بابها بقسوةٍ بوجهه، أغلق فمها المتسع بصعوبة، وترك عُلبة الحليب الصناعي من يده هامسًا بسخطٍ:
_الهرمونات بدأت بدري أهو! بجملة هي جت عليكِ يعني!!
وخرج من الشقة متجهًا لسيارته حينما آرسل له رقمًا غريبًا موقع سيارة جمال معرفًا ذاته بأنه من رجال "عُمران الغرباوي"، صعد لسيارته ومازال موقفها يلاحقه، فانطلق ولسانه لا يتوقف عن نطق:
_مخها لحس!! لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم!!
*******
انتهى من قراءة جزء كبير من كتابه الخاص، فاغلقه ونهض يغلق باب مكتبه، كان" علي" بطريق صعوده للأعلى، إلى أن أوقفه صوتًا قادم من المطبخ، عكس وجهته وإتجه للأسفل، فوقف يتابع من بالداخل بهذا الوقت المتأخر بصدمة.
حملت "فريدة" طبق الجبن والخضروات واستدارت لتغادر بهدوءٍ دون أن يشعر بها الخدم، فتصبح أضحوكة القصر، فما أن استدارت حتى تخشبت محله بالصينية قبالة علي المتفاجئ مما يراه.
تركت الصينية على رخامة المطبخ، وكأنها تنفي جريمتها، ابتسم "علي" على تصرفها الطفولة، وإتجه إليها يقرب الصينية لها وهو يخبرها برفق:
_الجبن والخضروات مفيدة بس مش كفايا لتغذية الجنين.
وتابع وهو يتجه للبراد:
_هشوف في أيه ينفع نزود بيه البروتين.
تابعته وهو يحمل المقلاة ويشرع بتحضير وجبة صحية سريعة لها، وقالت بحرجٍ ملموس:
_كفايا يا علي، أنا هاخد الجبنه والسلطة بس عشان وزني ميزدش.
تجاهل طلبها وفور انتهائه من صنع شرائح الدجاج بالمعكرونة، حتى أبعد الصينية عنها ووضع ما بيده قبالتها:
_بعد الولادة هتقدري ترجعي وزنك.
راقبت الطبق الشهي الموضوع أمامها، فلعقت شفتيها بجوعٍ، وجذبته تتناوله بنهمٍ غير مصدق.
تابعها "علي" بابتسامة حنونة، سكب لها كوب من المياه ووضعه قبالتها، ربما كانت سابقًا لا تتناول المياه بنصف طعامها أبدًا، ولكن الآن استثنت بعض القواعد لاجل صغيرها.
تناولت فريدة الطبق بجوعٍ، وبعدما انتهت منه شعرت بالحرج وباتت تبرر:
_تسلم إيدك يا علي، أنا شكلي كنت جعانه أوي، ومقدرتش أستحمل الجوع زي الأول.
حمل الطبق من أمامها ونظف الطاولة بالمناديل المبللة، مرددًا بحب:
_ألف هنا على قلبك يا حبيبتي، هجهزلك كوباية لبن ومتقلقيش مش هحط سكر نهائي.
ضحكت بصوتها كله، وقالت مستنكرة؛
_سكر، أيه بقى، ده أنا أكلة مكرونة وفراخ الساعة 9 يا علي!!
مال على الطاولة قبالتها يجيبها بابتسامة هادئة:
_مش إنتِ يا فريدة هانم، ده البيبي.
راق لها رفعه الحرج عنها حتى لو كان مازحًا، فوجدت ذاتها تجذب رأسه طابعة قبلة على خده وهي تهمس له:
_تصبح على خير يا حبيبي.
شعر وكأنه طفلًا صغيرًا، يعاد له ذكريات طفولته المميزة رفقتها، وكأن هذا الصغير يجدد روابط الطفولة بحضرته.
أجابها علي ومازال يحافظ على ابتسامته:
وحضرتك من أهل الخير فريدة هانم.
فور أن غادرت حمد الله انها لم تشك بسفر عُمران لمصر، وبأنها لم تلاحظ شيئًا مما يحدث.
صعد علي لغرفته حزينًا على أخيه وما حدث له، ولج لغرفته فوجد زوجته تغفو على الأريكة ومن حولها عدد من الملفات والحاسوب الخاص بعمران، على ما يبدو بأنه ترك العمل بإشرافها قبل رحيله.
*******
ترك سيارته بمنتصف الطريق وهرع لجمال الذي مازال يجلس أرضًا يناديه بلهفةٍ:
_جمـــــــــال!
انتبه إليه ذلك الشارد، فتوسعت عينيه بدهشةٍ، نهض ينفض الغبار عن ملابسه وهو يتساءل باستغراب:
_إنت عرفت مكاني إزاي يا يوسف؟؟
تغضى عن سؤاله ودنى يراقبه باهتمامٍ وخوف، حالته كانت مريبة لدرجة أقلقته، فسأله بهلعٍ:
_مال عينك حمرا كده؟ ومبتردش على تليفونك ليه يا جمال؟؟
وكأنه يتلبسه شبحًا يردد دون توقف:
_عرفت مكاني ازاي؟؟؟
ارتبك قبالته، وفكر جيدًا فيما سيقول،فردد دون مبالاة:
_مش مهم، المهم إني قدرت أوصلك.
تضخم شكوك جمال بشعوره المسبق بأن هناك من يتبعه، فزاد من اصراره بحزمٍ شرس:
_مش هعيد سؤالي تاني، رد عليا؟
لطالما كان ذكيًا، سريع الملاحظة، لذا استسلم بمحاولة التمويه الفاشلة وأجابه:
_عُمران كان قلقان عليك لما خرجت من مكتبه، فخلى اتنين من رجالته يرقبوك.
اعتصر جفنيه بوجعٍ، بالرغم مما فعله ومازال يهتم لأمره، أخفض رأسه بقلة حيلة وغمامته لا تصل لسمعه حديث يوسف، يرى شفتيه تتحركان بأحاديث عديدة ولكنها لم تصل إليه.
انتفض فجأة يسرع لسيارته، فركض يوسف من خلفه يناديه:
_رايح فين يا جمال، استنى!!!
لم يجيبه وحرك مقود سيارته بسرعةٍ جعلتها تحتك بالرصيف بصوتٍ مرعب، زفر يوسف بنفاذ صبر واستدار يتأمل المكان وهو يهتف بغيظٍ:
_متسرع وغبي!!!
******
وصل للمطار بزمنٍ قياسي، ترك سيارته بالخارج وهرول للداخل يبحث عنه بين الوجوه، وكأنه طفلًا صغيرًا فقد والده، طال بوقوفه حتى استجمع ذاته، فاستعلم عن رحلة القاهرة القريبة، ومنه اندفع للبوابة الخاصة، يتمنى أن يلحق به قبل دلوفه للداخل.
انحنى يستند على ساقيه وهو يلتقط أنفاسه الهادرة بصعوبةٍ، ثم انتصب بفرحة حينما وجد يجلس بين أحد الزوايا يتابع هاتفه.
اتجه إليه بخطواتٍ مترددة، حتى بات قبالته، ابتسامة صغيرة داعبت شفتيه وهو يراقب الحذاء الاسود الواقف قبالته، ودون ان يرفع عينيه للأعلى كان يعلم صاحبه، فقال ومازال يستكين بجلوسه:
_وبعدين؟
جلس جمال جواره وقال بتعبٍ:
_مش هتسافر.
اتسعت ابتسامته رغمًا عنه واستدار بوجهه إليه يمنحه نظرة ساخرة:
_أوامرك تتنفذ عليك مش على عُمران سالم الغرباوي!
هز رأسه باستسلام ونهض يخبره:
_خلاص يبقى رجلي على رجلك، هنسافر مع بعض.
لم يستطيع منع ضحكة انفلتت صاخبة منه، وقال مستهزءًا:
_هو إنت ايه محسسني إني سايب ابني الصغير ورايا ومسافر؟
وتابع وهو يشير له على وجهه:
_وأيه اللي إنت عامله في نفسك ده؟ ده هيهون عليك اللي حصل يعني؟! بدل ما تفوق وتقف على حيلك وتفكر ترجع حقك وحق مراتك وصاحبك ازاي؟
رمش بدهشةٍ من حديثه، فتابع عُمران بغضب بعدما نهض يستعد للرحيل فور سماع النداء الاخير:
_أنا عايز حقي وإنت اللي هترجعهولي يا جمال، بكره الصبح هتكون ضربتي وصلت لنعمان، عايزك تكمل في اللي بتعمله وتخليها القاضية ليه، يمكن ساعتها أقدر أسامحك بجد.
خسر قوة ثباته قبالته، فأمسك يده يترجاه:
_متسافرش أنا محتاجلك جنبي، متبعدش يا عُمران أنا غلطت في حقك وده قتلني، لو مشيت مش هسامح نفسي.
ترقرقت رماديته بالدموع، فأحاطه بيديه يضمه بقوةٍ، فتعلق به جمال كتعلق الغريق بقشة نجاته، ربت على ظهره بحنان وقال:
_قولتهالك قبل كده عُمران الغرباوي مبيتخلاش عن اللي منه.
وابتعد يقابله بنظرة دافئة مستطردًا:
_وإنت كُلي يا جمال، مهما دخل لحياتي أصدقاء أو قرابة عمر ما حد فهمني قدك.
وربت على كتفه يدعمه:
_بس صدقني لو سافرت معايا وسبت نعمان الكلب ده من غير ما ترجع حق مراتك، عمرك ما هتقدر ترفع رأسك في وش حد تاني.
واستطرد بوجعٍ لمسه جمال ببحة صوته:
_أأنا اللي قدرت أعمله اني أضره في شغله، مقدرتش اعمل أكتر من كده لانه للاسف بالنهاية خالي، لكن باللي رجالتي قالولي عليه وهما بيراقبوك بقولك نفذ ومتفكرش في حاجة غير تارك وتار مراتك، يمكن ناري تبرد وتكون الخلاص ليا من النار اللي بتأكل فيا.
أزاح جمال دموعه وقال بصوت مبحوح:
_خليك هنا وشوف بنفسك اللي هعمله فيه، متمشيش.
اتسعت ابتسامته رغم دموعه الهابطة على وجنته، فأزاحها وهو يدعي سخريته الكاملة:
_مش بقولك طفل!! أنا يعني لو سافرت هقعد العمر كله، دول كلهم اسبوعين تلاتة وراجع.
واستكمل بخبث يشتت ذهنه:
_ أنا هسافر أريح دماغي منك تقوم تيجي ورايا!! وبعدين إنت ناسي المشروع ولا أيه، لو الممولين لقونا احنا الاتنين اختفينا مش بعيد يلبسونا قضية نصب.
يعاد تكرار النداء الاخير وازداد تشبث جمال به، ولأخر مرة يخبره بحزنٍ:
_عشان خاطري خليك...آآ..أنا آسف آآ..
قاطعه عُمران بما اعتاده من وقاحته:
_مش نقصاك بروح أمك،ما صدقت خلعت من مايا، مش ناقص انا خنقة هرمونات حمل وحوارات حريم ماليش فيها،سبني أدلع نفسي يومين وأشوف طريقة أفركش بيها جوازة شمس المنيلة دي، أنا مش هستحمل إنه يأخد البت بالسهولة دي.
وربت على كتفه بعنف:
_روح دور على مراتك وسبني أشوف حالي.
رد عليه بحزن:
_مسبتش مكان الا ودورت عليها، مش لاقيها يا عُمران.
حمل الحقيبة الصغيرة على كتفيه، وضمه إليه لمرته الاخيرة، ليتفاجئ به جمال يهمس قرب أذنيه مازحًا:
_راقب يوسف هتوصل لمراتك يا بجم!
وغمز له يشاكسه:
_ هتفضل طول عمرك غبي يا جيمي!
استعد للرحيل وتلك المرة التفت له يخبره:
_اللي حصل في اليوم ده اتمحي من ذاكرتي وذاكرتك، مفيش كلام ولا عتاب تاني فيه يا جمال، ولو عايز تريحني بجد اكسب حب مراتك وثقتها فيك من تاني، لإن هي أكتر حد اتوجع في اليوم ده.
ومر من البوابة قبالة عينيه، واستدار يشير له بالوداع مشيرًا بأنه سيهاتفه فور وصوله.
أقلعت الطائرة وتباعدت عنه، وكلما ارتفعت زادت من وجع قلبه النازف، استعاد جمال كامل قوته فأزاح دموعه الغائرة وتحرك بعد هذا اللقاء الغريب بينهما، فاتجه لسيارته يقودها بسرعةٍ فائقة متجهًا لمحل ما وجهه "عُمران" وهو يكاد يشتعل من الغضب والغيظ، متوعدًا ليوسف أشد وعيدًا، ورغمًا عنه لا يستطيع منع ابتسامته السعيدة التي تخلق فجأة كلما تذكر حديث عُمران ومسامحته الصريحة له.
******
بمبنى الجهاز المصري.
إنقلب المبنى رأسًا على عقب، مع تسرب ذلك الخبر المقبض، والمهين في حق المخابرات المصرية، بالرغم من تعنت الخبر وعدم وصوله لأي صحافة دولية الا أنه ذاع في الجهاز كخبر موسمي خطير.
اندهش "آدهم" من التكدس بالطابق الأول من المبنى، وتجهمر عدد من المتدربين يتهامسون فيما بينهم مما استرعى فضوله.
سُلطت عينيه على أفواههم واستطاع ببراعةٍ قراءة ما يقولون.
«المقدم يحيى اللي إختاره القادة إتقتل على الطيارة من قبل ما ينزل منها، والغريبة إنه كان متنكر كشفوه إزاي!!»
توجه مباشرة لمكتب "الجوكر"، استأذن العسكري لدخوله، وبعدها ولج للداخل فوجد غرفة مكتبه الضخمة تعج بعدد مهول من القادة وكبار الرتب الاستخباراتية، غادروا المكان تباعًا ولم يتبقى سوى"الجوكر مراد زيدان" يضم رأسه المشغول بالفكر ويكاد يصيب بالجنون.
تنحنح ليلفت إنتباهه، نهض "مراد" عن المقعد الرئيسي للطاولة الزجاجية الضخمة، التي تساع لأكثر من عشرونٍ شخصًا، وإتجه لمكتبه الجانبي، جلس وأشار له بثباتٍ عجيبٍ، كأنه لم يحدث شيئًا هز الجهاز بسرعة زلزالًا:
_إتفضل يا عمر.
بقى واقفًا محله يتطلع له بجمودٍ، نصب اهتمام الاخير، فقال:
_مالك؟
سحب أكبر قدر من الهواء ولفظه مع تحرر كلماته:
_أنا عايز أستلم المهمة دي يا باشا.
ألقى الجوكر قلمه الثمين على المكتب بانفعالٍ:
_تــــاني!! هو إنت مستغني عن عمرك يابني!!
وتابع بعصبيةٍ بالغة:
_مش فرحك بعد عشر أيام؟ وبعدين مش المفروض إنك في أجازة؟
بإصرارٍ قال:
_يتأجل، المهم الميكروفيلم مآآآ..
بترت حروفه فور أن ارتفعت نبرة الجوكر بضيقٍ من تمسكه بما يريد:
_أنا كلمتي واحدة وإنت عارف، وجودك هنا في مكتبي لو عشان الحوار ده فاتفضل معنديش وقت أضيعه في تفاهات هتعطلني.
وجذب الحاسوب من أمامه يستعد لمتابعة عمله، فإذا بآدهم يصيح منفعلًا:
_انا عايز أفهم أيه اللي مخلي حضرتك خايف بالشكل ده وإنت عارف كويس إني أقدر أرجع بالميكروفيلم.
انتصب الجوكر بوقفته المهيبة قبالته يحدجه بنظرة قاتلة:
_إنت إزاي تسمح لنفسك تكلمني بالشكل ده؟ نسيت نفسك ولا أيه؟ ثابت يا سيادة الرائد بدل ما أحولك للمحاكمة!
أدى تحيته بكل احترامٍ، وقال:
_أنا آسف إني اتجاوزت حدودي، عن إذن حضرتك.
وما كاد بالمغادرة حتى تسلل له صوت "مراد" الهادئ، وندائه بإسمه المحبب:
_تعالى يا آدهم.
عاد لمحل وقوفه يتابعه باهتمامٍ، فأشار بزورقة عينيه الساحرة لاحد المقعدين:
_اقعد.
إتجه للمقعد واقفًا محله بانتظار جلوس قائده، جلس مراد فاتبعه وهو يتابعه بملامح واجمة، تنهد مراد وقال:
_أنا مبقللش منك برفضي إنك تقوم بالمهمة دي، أنا أكتر واحد عارف أيه اللي تقدر تعمله، متنساش إنك من تلاميذتي.
واسترسل يوضح له:
_اللي عايزك تعرفه إني يهمني مصلحتك بالاساس لانك إنت نفسك تهمني، فرحك بعد كام يوم فإزاي عايزني أرميك لخطر زي ده؟ إنت بقالك سنين بتشتغل وبعيد عن والدك القعيد، وأكيد ما صدق يفرح بيك أقوم أبعدك تاني عنه.
ومنحه ابتسامة جذابة وهو يخبره بمشاكسة:
_يا سيدي اتجوز وعيشلك يومين وبعدها إرجع وأوعدك مش هخليك تشوف البيت ولا المدام مرة تانية لو ده هيرضيك.
بدا الحزن واضحًا على ملامحه، وما كاد بأن يستميله مرة ثانية، حتى ظهر من أمامهما ذلك الواقف على بعدٍ يتابعهما بضجرٍ منذ بداية حديثهما:
_مش فاضي أنا لمحايلاتك العظيمة مع تلميذك النجيب!
استدار "آدهم" للخلف، وانتفض يؤدي التحية للاسطورة الذي نصب طوله بعدما كان يستند بجسده على الطاولةٍ البعيدة عنهما.
فك تربيعة يديه واتجه يحتل المقعد الذي كان يحتله "آدهم" منذ قليلٍ، واضعًا قدمًا فوق الاخرى، وبيده يلهو بالكرة الجلدية التي تزين مكتب أخيه، بينما زيتونيته تتابع آدهم الواقف على بعدٍ منهما بنظراتٍ لطالما كانت غامضة.
كسر "مراد" حاجز الصمت بينهما، حينما قال:
_عمر في أجازة عشان فرحه.
مرر اصبعيه جوار شفتيه متابعًا بخبث:
_شكله مش قادر يستغنى عنك!
وتابع وهو يشير له بمكرٍ:
_أتمنى تكون المهمة اللي جمعتنا مع بعض فادتك يا حضرة الرائد.
منحه ابتسامة صغيرة وقال ومازالت عينيه أرضًا:
_فادتني جدًا وبتمنى لو تتكرر يا باشا.
قاطع الجوكر حديثهما الشاعري، قائلًا:
_وأنا بتمنى متتقابلش فيه حتى لو صدفة يا آدهم، يلا روح حضر لفرحك وحاول تستمع بأجازتك بعيد عن الشغل.
أجابه رحيم بنظرة ساخرة:
_وإنت بقى هتقف للصدف ولا هتعين حراسة ورانا!
كاد بأن يجيبه فاستوقفه رنين الهاتف الأساسي للمكتب الرئيسي، تركهما مراد واتجه يجلس على حافة المكتب ليتمكن نن الوصول لسماعة الهاتف.
بالقرب منه.
بقى آدهم محله، عزم على انتظار مراد ليتمكن من اقناعه للمرة الأخيرة، فجذب انتباهه نظرات الاسطورة الغامضة، وسؤاله الغريب:
_إنت فعلًا فرحك بعد عشر أيام؟
هز رأسه بخفوتٍ، فتابع بابتسامة خبيثة:
عظيم!
وإعتدل بجلسته يخبره بنظرة كانت غير مفهومة لآدهم:
_ويا ترى قررت هتقضي شهر العسل فين؟
ارتاب آدهم لأمره، لم يكن رحيم بالشخص السلسل بالتعامل مع أحدٌ، دومًا كان جامدًا لا يرغب بالحديث فيما لا يعنيه، أفطن بأن هناك رسالة غامضة يرسلها له الاسطورة، فراقب حروفه بتمعنٍ وخاصة حينما تابع بثبات مقبض:
_خليني أرشحلك ميلانو، بس نصيحه خدلك أسبوع هنا في مصر، قبل ما تستعد للسفر، لإنك لما تشوف جمال الطبيعة هناك مش هترضى ترجع هنا تاني.
يدون عقله كل ملحوظة يخبره بها ذلك الحاذق، وتابع ببراعته الشيطانيه:
_بس خد بالك يا حضرة الظابط مش الكل بيكون محظوظ وبيقضي شهر العسل بسلام، الله أعلم ممكن أيه يحصل.. يعني لو كنت محظوظ كفايا مش هيظهرلك علاقة سابقة في حياتك تهد أحلامك الوردية هناك، ومهما حلفت للمدام إنك مقابلتهاش في حياتك غير مرة واحدة بس مش هتصدقك، هو كده العلاقات اللي فاتت وانتهت ليها وقت ظهور بيقلب في اللي فات واتردم.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه آدهم بعدما وصل إليه مفهوم الرسالة السرية التي أرسلها له الاسطورة، فاتجه إليه يصافحه وهو يردد بفرحةٍ:
_شكرًا لنصيحتك يا باشا، أوعدك اعمل بيها.
_نصيحة أيه؟!
قالها مراد بذعرٍ بعدما انتهى من مكالمته، فوقف يوزع نظراته المصعوقة بينهما، ودون أي رد فعل اتجه لاخيه يصيح منفعلًا:
_قولتله أيه يا رحيم؟!
ابتلع آدهم ريقه بارتباكٍ وقال:
_مفيش الباشا كان بينصحني أبعد عن المهمة دي لإن في الأكفئ مني.
استقام بوقفته وأسرع بالفرار، قبل أن ينكشف أمره لقائده، بينما جلس مراد قبالة أخيه يحاوطه بنظرات شك، فعاد يضع قدمًا فوق الاخرى ويطالعه بنفس الثبات الحاد، متسائلًا بسخريةٍ:
_خدت كام صورة؟
انفجر به بضيقٍ من بروده الدائم:
_رحيم متستعبطش، قولت أيه لعمر خلاه ماشي بالسعادة الغريبة دي؟
رفع كتفيه ببراءة واجابه:
_ولا حاجة!
ضم شفتيه معًا يعتصرهما معًا واغلق عينيه يستمد الهدوء وهو يخبره:
_رحيم إبعد آدهم عن المهمة دي، فرحه بعد عشر أيام والمهمة دب عايز حد متمكن أكتر منه، وطبعًا بعيدًا عن انهم كشفيني أنا وانت محتاجين حد بنفس الكفاءة تقريبًا ويكون وش جديد.
اعتدل رحيم بجلسته وقد تلاشى عنه البرود وهو يصيح منفعلًا:
_اللي عملوه النهاردة ده مش هيعدي بالساهل، ولو مخدناش الميكروفيلم ده مكانتنا هتتهز وسط الاستخبارات الدولية!
أيد حديثه حينما قال:
_عشان كده لازم نتحرك وبأسرع وقت.
وأضاف الجوكر حائرًا:
_بس للاسف اللي عملوه مع يحيى ده بيأكد إنهم واخدين حذرهم جدًا وده هيخلي المهمة أصعب.
نهض عن المقعد، ودث يديه بجيوب بنطاله، تتثاقل خطوات حذائه بخطواتٍ مدروسة، أنهاها حينما قال بغيومٍ أبادت مقلتيه بشكلٍ مخيف:
_مفيش غيره اللي يقدر يعمل كده.
انتصب الجوكر بوقفته، ولحق به يتساءل بلهفةٍ:
_مين؟
اتسعت ابتسامته الشيطانية وهو يردد ببطءٍ قاتل:
_ليل... ليل العربي!
جحظت زُرقة عينيه بصدمةٍ، فابتلع ريقه وراح يردد بصعوبة حديثه:
_إنت اتجننت يا رحيم!!!!!! ده سفاح دولي مطلوب من كل أجهزة المخابرات الدولية، عايزينا نلجئ ليه!!!! إنت مش في عقلك الطبيعي، اتجننت مؤكد إنك اتجننت!
_بالعكس ده قرار ذكي وخبيث!
قالها ذلك الذي ظهر فجأة من خلفهما، فاستدار مراد خلفه فابتسم مرددًا بعدم استيعاب:
_والله زمان يا وحش!!!
نزع جاكيته وألقاه على المقعد، ثم اقترب منهما يثني أطراف قميصه الابيض، مرددًا بسخرية وهو يرفرف برموشه الطويلة :
_أفتقدت للمة الشياطين دي، وخصوصًا لو مع الجوكر والاسطورة.
تابعه رحيم بنظرةٍ ساخطة، وقال:
_بس المرادي اللمة مش هتكون علينا بس يابن الجارحي، في دخيل من جهنم معانا، هنأخد حذرنا من عدونا مرة ومنه ألف مرة!
إبتسامة تسلية تشكلت على وجه "عدي الجارحي"، وبثقةٍ قال:
_المارد الصح ميهمهوش لا جن ولا شياطين.
وتابع وهو يشير لباب الخروج السري:
_ هنتحرك لمكان المصباح دلوقتي ولا تحبوا نروح أمته؟
................ يتبع........
حبيباتي زي ما ذكرتلكم كتير ان شهر 11 مشغولة فيه وهحتاج اخر اسبوعين منه للاجازة بتاعتي، فأنا الفترة دي بحاول على قد ما اقدر انزلكم فصول، هنتعاون انا وانتوا لحد ما يعدي على خير، وعندي ثقة في ربنا عز وجل ❤.
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثالث وثمانون 83 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!)
#الفصل_السابع_والستون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "ندى محمد"،"ملاك روحي"،" سوما رافت"، "هانم هاني" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
نزع نظارته السوداء عن وجهه، ووقف يراقب الوجهة الخارجية بشوقٍ يرفرف لحبيبته، وبلده "مصر"، سحب نفسًا طويلًا يجدد خلاياه بانتعاشٍ، وابتسامته الجاذبة تزيد من وسامته المهلكة، ربما ليست أروع دولة قد يزورها، زار أماكن على مستوى مرتفع من الرقي والتطورات، ولكنها ستبقى بلده، ستبقى أفضل مكانًا قد يزوره يومًا.
نظرية حنينه إليها، كذلك العاشق لزوجة قد يرى آلاف النساء الأكثر جمالًا، فإن تعلق الأمر بالأكثر جمالًا لما سكنت قلبه، ثمة أحاسيس لا تقاس بثمنٍ ولا مقارنات.
يعلم بأن العالم هنا مختلف عن مكان نشأته، ولكنه إن خُير سيفضل البقاء هنا وللأبد، رفع" عُمران" يد حقيبته وجذبها من خلفه متجهًا للخارج، فتوقف محله يراقب ذلك الذي يرتكن على سيارته السوداء بانتظاره، وما أن رآه حتى انتصب بوقفته يستقبله بابتسامةٍ صغيرة:
_نورت مصر يا طاووس!
زوى شفتيه ضيقًا منه، وردد بفتورٍ:
_هي لحقت تبلغك؟
جذب "آدهم" الحقيبة منه، ووضعها بالصندوق الخلفي، قائلًا بابتسامة رزينة:
_إنت كنت فاكر إنك هتنزل مصر ومش هعرف مثلًا!
تخطاه وفتح باب السيارة الأمامي، فتنهد عُمران بتعبٍ ملحوظ بنبرته:
_آدهم انا نازل مصر عشان أكون لوحدي، من فضلك سبني أطلب أوبر للمكان اللي حجزته.
شعر بخطبٍ ما يحطمه داخليًا، يسعى لإخفاءه بجدارةٍ، ليس وقحًا كالمعتاد عنه، ثمة شيئًا هُزم داخله لا يعلمه.
تنحنح آدهم بخشونة:
_من حقك طبعًا، بس إسمحلي أنا مش هقبل تكون في مصر وتنزل بفندق، هتيجي بيتي وهتفضل عندي لحد رجوعك للندن، أوعدك إني هديك الخصوصية اللي تحبها.
وتابع مبتسمًا:
_وبعدين دي فرصة إني اقرب منك وأصلح علاقة الحموات اللي بتعاملني بيها دي.
اغتصب ابتسامة صغيرة على وجهه، ودون أي كلمة صعد جواره، وانطلق به على الفور.
*******
انتهى من صنع فنجان قهوته، وخرج يرتشفها بتلذذٍ، فإذا بهاتفه يصدح بصوت رسالة، رفع فنجانه يرتشف منه وهو يراقب الرسالة التي وصلت للتو، بصق "يوسف" القهوة، وهو يعيد قراءة رسالة "عمران" بهلعٍ.
«الطور لما بترخيله اللجان بتكون إنت أول ضحاياه، بالشفى يا دوك، هستناك تهرب وتجيلي على مصر!»
جحظت عينيه صدمة، فازدرد ريقه الهادر بصعوبةٍ بالغة، أزاح "يوسف" عرقه النابض على جبينه وهو يهمس برعبٍ:
_الله يخربيت معرفتك إنت وهو يا أخي، هعمل أيه دلوقتي!!
مرر يده على وجهه بتوترٍ، وما كاد بالوصول لحلٍ يخلصه من بين براثين ذاك المتهور، حتى أتاته طرقات باب منزله الهائجة، ابتلع ريقه بصعوبةٍ بالغة، وردد بخوفٍ:
_مش هفتحله لأ، ده هيقتلني!
وتابع بعد تفكيرًا في حل ذلك المأزق الذي ألقاه به الطاووس الوقح:
_أطلب النجدة؟
ترك الهاتف على المنضدة بحزن من اقتراحه، وهدر:
_ده مهما كان صاحبي، هسجنه بايدي!
وما كاد بالتوصل لحلٍ آخر حتى تسلل إليه صراخ "جمال" المتعصب:
_افتح يا يـوسـف، أنا عارف إنك جوا، افتح بدل ما أكسر الباب ده على نفوخك!
أسرع لغرفة نومه يبدل ملابسه البيتية، حمل هاتفه ومفاتيحه ومتعلقاته الشخصية، وأسرع لباب المطبخ عساه ينجو بنفسه.
سلك الدرج المعدني الرفيع، حتى وصل لنهاية العمارة، وما أن انخفض عنه، حتى أنفض يديه من الغبار العالق على الدرابزين، جذب منديلًا ورقيًا يمسح بقايا الغبار وهو يصيح بنفورٍ:
_البواب ده لازم يغيروه، معندوش اهتمام بنضافة السلم الاحتياطي.
_مهو ميعرفش إنك هتهرب منه زي الفيران!
جحظت عيني "يوسف" بصدمةٍ، لعق شفتيه يمنحهما بعض الرطوبة، واستدار ببطئ تجاه الصوت المسموع، فوجده يستند على العمود الحجري، مربعًا يديه أمام صدره ويراقبه بنظراتٍ مشتعلة.
تجمد لوهلةٍ قبالته، فبرع برسم ابتسامة ثابتة وهو يقول:
_جيمي!! إزيك يا حبيبي عامل ايه؟ أيه اللي جابك هنا، المنور كله تراب وقرف، ده أنا نسيت مفاتيحي وكنت بحاول اتصرف وأعدي الشقة من المطبخ بس للاسف معرفتش، كويس إنك جيت، خلي بالك بقى عشان باب المطبخ على وسعه، عما أشوف سباك يجي يشوف الباب اللي مش عارف أفتحه ده!!
وتركه وفر من أمامه راكضًا للچراچ، دث مفتاحه بباب سيارته، وما كاد بفتحها حتى أغلق جمال الباب ووقف قبالته يصوبه بنظرةٍ قاتلة، وبصوتٍ واجمًا قال:
_صبا فين يا يوسف؟!
وصل لنقطةٍ لم يكن يريدها من البداية، فتنهد واستدار يقابله وجهًا لوجه:
_في مكان أمين، وليلى معاها.
تسلل الغضب بمُقلتيه وجعله مخيفًا، بينما الأخر يواجهه بثباتٍ وقوة:
_عارف إنك كان لازم تعرف من البداية، بس أنا وعدتها إنك مش هتعرف بمكانها، مكنش قدامي حل تاني، وانا عارف إنها ملهاش مكان تروحه، خبيت عنك وكنت هخبي لحد ما هي بنفسها اللي تطلب مني أقولك.
واستطرد بجديةٍ تامة، وعينيها لا تفارقه:
_جمال أنا مش ندمان إني عملت كده، بالعكس أنا اتعاملت مع الموقف كأنها مرات سيف أخويا واتحطت في موقف مشابه زي ده.
جموده قبالته، صمته المريب، رزانته المفاجئة، كل شيءٍ به يثير قلق يوسف، لدرجة جعلته يناديه بقلقٍ:
_جمال!
اقترب منه في حركةٍ مفاجئة، فتراجع يوسف للخلف خوفًا من ان يتلقى لكمة، فاذا بجمال يحتضنه بقوة كالغريق الذي ينازع انفاسه الأخيرة.
تشتت يوسف لوهلةٍ، وفقد التعامل مع رد فعله، ظن بأنه سينهال عليه باللكمات القاسية، يعلم بأنه ليس بأفضل حالاته، فتوقع الأسوء منه.
شدد جمال من ضمته بقوةٍ، جعلته يطوقه بذراعيه بألمٍ يذبح فؤاده، يشعر بانهزامه وضعفه، وهو الذي اعتاداه قويًا، متهورًا.
مال برأسه على كتفه يخفي دموعه، وهو لا يعلم بأنه يشعر بها دون أن يراه، وقال من بين أنفاسه المتحشرجة:
_اللي مريت بيه ده كان كفيل يخليكم كلكم تبعدوا عني، إنت كنت جنبي على طول يا يوسف، متخلاتش عني، صدقتني وفضلت في صفي، رغم إني الجاني مش المجني عليه.
واستطرد وهو يتشبث بجاكيت بذلته الأسود:
_إنت كنت من اختياراتي الصح يا يوسف، وصعب أتخلى عنك أو ألومك على شيء.
وتابع بصوتٍ احتنق بعباراته:
_أنا بس كنت محتاج أطمن، ودلوقتي اطمنت.
ربت على ظهره بحنانٍ، وكأنه طفلًا صغيرًا، وقال بحزنٍ:
_هتعدي والله، هي بس محتاجة وقت تتخطى اللي عاشته.
ابتعد عنه يزيح دموعه، ويرسم ابتسامة صغيرة:
_عارف وهستنى.
مال على مقدمةٍ سيارته يميل نصف جلسة، وسأله بارتباكٍ:
_الولد كويس؟
هز رأسه بتأكيدٍ، فربع يديه أمام صدره بتوترٍ جلي:
_الحمد لله.
ورفع عينيه له يتلاشى نظراته المشفقة على حاله وقال برجاءٍ مؤلم:
_ممكن تخلي دكتورة ليلى تصوره، عايز أشوفه!
أخرج هاتفه من جيب بنطاله يجيبه:
_أكيد طبعًا.
استغرق دقيقتين، وسلط له الهاتف، تناوله منه بلهفةٍ، واتسعت بسمته بشكلٍ اجبر يوسف على الابتسام بمحبة.
آرسل جمال الصورة لحسابه الشخصي، واعاد الهاتف ليوسف قائلًا:
_اطلع ارتاح، أنا همشي أنا.
لحق به يتساءل بريبة:
_رايح فين؟
فتح باب سيارته المصفوفة في بداية الچراچ واخبره:
_ مشوار مهم ولازم اعمله.
أمسك ذراعه يمنعه من الصعود، ووقف قبالته يتساءل بشكٍ:
_رايح فين يا جمال؟
نزع ذراعه من حصاره وقال:
_رايح أرجع حق مراتي وصاحبي يا يوسف، ولو معترض على ده هعمله بردو.
رد عليه بهدوءٍ يحاول به امتصاص غضبه:
_مش معترض، بس افهم رايح فين؟
عاد يفتح باب سيارته، ولج داخلها واخفض زجاجها يخبره:
_استنى واتفرج على اللي هيحصل، ووقتها هتعرف أنا رايح فين؟!
قالها وانطلق بسيارته بسرعةٍ البرق، متجاهلًا صراخ يوسف وندائه المتكرر، فصفق كفًا بالأخر وهو يردد بعجزٍ:
_هيجيلي الراحة منين طول ما الكائنات دي في حياتي!!!!
*****
بمكانٍ منعزل عن السكان، حيث يبتلعه الظلام من كل صوب، وكأنه أخر بقاع الأرض، تعمه الصحراء القاحلة، وأصوات حشرات الليل المفترسة تحوم به كناقوس الخطر المزلزل للأبدان، هنا حيث يسكن كل شيءٍ، لا ضجيج المدن ولا ثرثارة الناس، يمزق سُكنة المكان، صوت إطار ثلاث سيارات فاخرة، تصطف ثلاثتها قبالة بعضها البعض، مشكلة حلقة دائرية.
أضواء كشافتها تضيء المكان المعتم بشكلٍ كبيرٍ، هبط الثلاثة من سيارتهم وإتجهوا لتلك الحلقة الدائرية.
وضع "مراد" يده بجيب جاكيته الأسود، ووقف يتابع أخيه بنظرةٍ منزعجة، فشرع بإعلانه الاخير:
_خليك عارف إني مش راضي عن قرارك المتهور ده، إنت اللي هتتحمل مسؤوليته قدام الجهات.
منحه "رحيم" ابتسامة جانبية، وتمعن بعدي الذي يتابع المكان بدهشةٍ، فسأله باستكانةٍ ماكرة:
_عجبك المكان يا سيادة العقيد؟
استقرت عسليته عليه وتمتم باستهانةٍ:
_مش بطال، بس أيه سببب تواجدنا هنا في وقت زي ده؟
واستطرد بسخريةٍ:
_هو جو الفيلم الرعب ده مسلي جدًا، بس اللي بنمر بيه مش محتاج تضيع وقت يا رحيم.
استند بذراعيه على مقدمةٍ سيارته وجلس فوقها واضعًا ساقًا فوق الاخرى ببرودٍ اتبع نبرته:
_متقلقش مش بضيع وقتك، ده كله في مضمون المهمة اللي اتبعت للجهاز عشانها.
وزع "عدي" نظراته الحائرة بينه وبين الجوكر المنزعج من أخيه، يبدو وكأنه على وشك سحب سلاحه من غمده واطاحة رأس أخيه الفضيل.
عاد ببصره تجاهه وسأله بدهشة:
_طيب فهمني إحنا بنعمل أيه في مكان زي ده؟ مش المفروض نقابل المارد!
ربع يديه أمام صدره وسند رأسه لزجاج سيارته يستكين باسترخاءٍ تام، كأنه يستعد للنوم بتلك الاجواء المرعبة:
_هو هيعرف يطلع من العلبة لوحده.
إنزعج من بروده وغموضه بالحديث، فاستدار إلى "مراد" الذي جلس على مقدمة سيارته يتابعهما بضجرٍ، فما أن تطلع عدي له حتى تمتم بعصبيةٍ:
_متبصليش كده، أنا مبعرفش أحل مع كتلة البرود ده في شيء، هو حل من الاتنين يا نقتله هنا أنا وإنت يا نسيبه مكانه هنا للصبح ونرجعله بليل يكون اتشمس وفك من البرودة.
إتجه "عدي" لسيارة "رحيم"، جلس جواره يتطلع له بحنقٍ، فناداه على مضضٍ:
_رحيم إنت عارف خطورة المهمة دي، كل دقيقة بتمر علينا بتعرضنا لخطر أكبر، فقولي نلاقي فين ليل العربي عشان نتحرك بسرعة.
بقى ساكنًا وكأنه يسبح بنومٍ عميق، أذنيه تتركز بسماع أي بصيص قد يفيده، وفجأة حرر زيتونية عينيه بابتسامةٍ مخيفة، وفاه:
_قرينه بيحوم حولينا، شوية وهيظهر.
تعجب"عدي" من حديثه، ورفع عينيه للأعلى يراقب هذا الصوت المرعب، تفاجئ بصقرٍ جانحًا، ضخمًا، مخيفًا للغاية، لونه أسود مخطوط جبهته بغارة بيضاء كالشهب، يرفرف بجناحيه الكبيران بشموخٍ وكبرياء، يحيط بمكانهم في نطاقٍ دائري، كأنه يود استكشاف هويتهم.
حلق بعنجهيةٍ، متفاخرًا بقوته، ومال يتجه إليهم، حتى استقر على سيارة "عدي" الفارغة، حيث كانت سيارة رحيم تحمل مقدمتها رحيم وعدي، والجوكر يحتل مقدمة سيارته.
برز حجمه حينما قابلهم بمحل وقوفه، أجزم مراد بأنه يرى هذا الطائر الغريب لمرته الاولى، كان يثني جناحيه خلف، وكأنه ملكًا يطل على حاشيته، يطالعهم بعجرفة ربما اكتسبها من صاحبه.
نهض رحيم عن سيارته واتجه ليقترب منه، فأوقفه مراد يخاطبه بقلقٍ:
_متقربش منه يا رحيم.
اعتاد من أخيه على محبته، وخوفه الهيستري عليه، فطمنه بمسحة يده على ذراعه وقال:
_اطمن، أنا اتعاملت مع عُقاب قبل كده.
تمسك به بقوةٍ ورفض أن يتركه يتقدم للأمام، فزفر بغضبٍ:
_مراد قولتلك مش هيعملي حاجة!
دفعه الجوكر للخلف بعنفٍ يتناسب مع قوة جسده العضلي، هادرًا من بين اصطكاك أسنانه:
_انا مش هفضل أخد اوامر منك طول الوقت، إرجع إنت وسبني أنا اتعامل.
تنهد عدي بقلة حيلة، الحرب مستمرة بينهما وعلى ما يبدو بأنها لن تنتهي يومًا، نصب الاسطورة عوده، وأخرج من جيبه بطاقة سوداء، تحمل رمزًا مصغرًا لهيئة الصقر المقابل لهم.
اقترب لاخيه يشرح له على مضضٍ، بعدما فقد الامل بأنه سيتخطاه:
_هحط دي قدامه عشان يتعرف علينا، فهمت!
انتشل منه الجوكر البطاقة، واختار المضي قدمًا تجاه الصقر، كعادته يضع نفسه بالمقدمة حينما يحيط الخطر أحد أحبابه، ما يجعل رحيم غير راضيًا عنه.
ترك البطاقة أمام "عُقاب"، الذي مازال يتابعهم بشموخٍ، فانحنى بمنقاره المنجرف يحمل البطاقة، حلق عاليًا واختفى من أمامهم في لمح البصر، مما دفع عدي ليتساءل:
_فيها أيه البطاقة دي يا رحيم؟
أتاه ردًا صريحًا حينما استمع لصهيل خيلًا، عربيًا، أصيل، استدروا معًا تجاه تلك الاتربة التي خلفت من حول ذلك الفارس محترف التحكم بفرسٍ غريب الأطوار، يتحكم بسرجه بقبضةٍ حديدية، يجابه بشموخه شموخ صقره المحلق من فوقه.
وشاحه الأسود يتدلى من خلفه مصدرًا صوتًا كحفيف الموت الذي يحوم بالقبور الصامتة، غدافية مُقلتيه تبرز من خلف القماش الذي يلثم وجهه ويخفيه عن الأنظار شفقةٍ عليهم مما يخفيه، صقره الأسود يهبط الآن ويستكين على كتفه، يعلن بشموخٍ أنه الصديق الوحيد الذي يمتلكه، نقيض هذا الحصان البائس الذي يكون رفيق طريقه المؤقت برحلة لا تدوم طويلًا، ولكنه لا يبرع الا بانتقاء من يشابه سواد ليله الكحيل!
غريبًا هو حتى وإن وطئت قدميه واحد وخمسون دولة، لم يجد وطنه بأي بلدًا قبع بها، مِسْفَار يحمل أمتعته من مكانٍ لأخر ولكن ما عليك أن تكون حذرًا وللحق إن أتخذت كل الحذر لن تتمكن من إيقافه!!
عساك تظن أنك تمتلك من الذكاء ما يؤهلك على الوقوف أمامه بساحة الحرب، لك أن تعلم عزيزي أنه ليس هناك لغزًا من الأساس لتجتهد بحله، فهو ليس لغزًا بل متاهة مقبضة، يسيطر جاويد ليله عليها فيجعلها مقبضة، لن يمنحك حتى فرصة خوض جولة تجربية تستعلم بها مدى امكانية فرصة فوزك، لآنك ستقتل في أرضك قبل أن تخطو خطوة واحدة!!
هو غريبًا، غامضًا، مخيفًا، متفردًا، حيث من المحال أن تلمح طرف وشاحه، حتى إسمه يصعب على أحدًا تخمينه ولكنني لست أحدًا فأنا بالنهاية من شكلت شخصية مقبضة مثل هذا الرحال الغريب، لذا فلأخبرك سرًا قارئي العزيز أخر ما نسب إليه من الأسماء كان #ليل_العربي! ولتعلم بإن إسمه الحقيقي بذاته لغزًا وإسمه الحالي لا أعلمه، ربما يخدمنا الحظ ويصادف أنه مازال يحمل نفس الإسم بالوقت الراهن.
وقف "رحيم" قبالة الفرس، يطالعه بنظرة قاتمة، فإذا به ينتقل بعينيه المتخفية خلف وشاحه عليهم، وبرشاقة لا تتناسب مع جسده الضخم انخفض عن فرسه.
وقف جواره يمرر يده ببطءٍ قاتل على ظهر الفرس، بحركاتٍ عشوائية، جعلته ينحني برأسه وكأنه يعلن طاعته لأمر فهمه من سيده، وعلى الفور تحرك ليختفي عن الأعين.
اقترب مراد وعدي منهما، فاذا به يقف قبالتهم رافعًا الرأس، بنية عينيه الشبيهة بحبات القهوة الداكنة تنتقل بين وجوههم، وبثباتٍ محسوم ردد:
_خير؟
منحه رحيم ابتسامة خبيثة، وقال:
_وجودنا مع بعض ميدلش عليه.
حام "عُقاب" من حوله وانخفض بكل قوته، فمد "ليل" ذراعه ليتلقف طائره الغاضب على ذراعه بكل مهارة، ويده الاخرى تمر على جسده الضخم، قائلًا وعين اهتمامه منصبة على الطائر:
_خير أو شر، وجودكم هنا محظور.
تدخل عدي بالحديث، منفعلًا من بروده بالتعامل:
_لولا إننا محتاجين لسيادتك مكناش جينا هنا.
توقفت يده على جسد طائره، واستدار بوشاحه له، وبجمودٍ هتف من خلف لثام نصف وجهه، الذي يخفيه كليًا كالشبح:
_وجودك على أرضي غير مرحب بيه يا سيادة العقيد، ارجع مكان ما جيت ومتكررش الزيارة.
تجعد جبينه غضبًا، وكاد بمهاجمته فاوقفه الجوكر هادرًا:
_احنا مش جاين عشان نرجع يا ليل، في مهمة حساسة وتقريبًا كلنا مكشوفين فيها، عايزينك فيها.
لم يصدر عنها صوت الضحك، ولكن هزت رأسه امعنت سخريته الواضحة، وخاصة بحديثه:
_عايزني انا!! هو في جهاز أمن دولة بيحتاج لظابط خان بلده!!
تحرر رحيم عن صمته وقال:
_أسقطنا التهمة من عليك، وإنت اللي مصمم تنعزل عن الكل، وتبقى السفاح الدولي المطلوب من كل الاجهزة الدولية، في حين إنك ممكن تكون بطل وآ..
استوقفه باشارة قفازه الاسود الذي يرتديه قائلًا:
_ميلزمنيش الدور ده، أنا مرتاح في مكاني ومش مرحب بوجودكم.
وتابع وهو يستدير ليغادر:
_المرادي رحيلكم أمان، المرة الجاية خدوا حذركم.
_على حد علمي إنك مديونلي بحياتك!
توقفت خطاه الثقيلة عن المضي قدمًا، فور سماع كلمات الاسطورة، مال برأسه فوق كتفه وقال بعزةٍ وكبرياء:
_ديني مردودلك بالوقت اللي أحسه مناسب.
تابع رحيم بقوةٍ وشموخ تجابهه:
_يبقى ميلزمنيش، أنا اللي اختار المناسب لرد دينك، وده أنسب وقت.
اضاف مراد بعدما اكتملت فكرة غير واضحة عن هذا الشخص الأكثر غموضًا:
_بعيدًا عن الدين ورده، فبلدك محتاجالك يا ليل.
استدار بجسده الضخم إليه، يخبره بنبرة قاسية:
_ أنا غريب عن أرضي، المكان اللي رجلي بتدوسه بيبقى خاضع ليا وملكي.
وسحب بندقية عينيه لرحيم، هادرًا بحزمٍ:
_دينك هيترد يابن زيدان، مكاني من دلوقتي محرم عليكم دخوله، أنا هعرف أقابلكم تاني ازاي.
هز رأسه بتفهمٍ، وأشار لعدي ومراد بالصعود لسيارتهما، ورنا إليه يخبره بابتسامةٍ صغيرة:
_تعرف إني عمري ما شكيت في ذكائك، استغنائك عن التكنولوجيا واعتمادك على أبسط الاشياء زي البدو مخليك مبهم لأي أجهزة دولية.
وتابع وهو يضع يده بجيب بنطاله:
_إنت طبعًا لسه فاكر وعدك ليا.
رفع بنيته له، وقال بخشونةٍ:
_طلبك اتقبل وبناءًا عليه وعدتك، بس لسه وقته مبقاش مناسب.
هز رأسه بتفهمٍ، وأضاف:
_بس انا مش عايزه يتدرب على ايدك لوحده، ليا ابن تاني يخصني.
ليت الوشاح يسطع ليتمكن من رؤية ابتسامته الساخرة، فاكتفى بايماءة رأسه تجاه سيارة عدي وقال:
_حفيد "ياسين الجارحي" لو شبه أبوه يبقى هلتزم بوعدي ليك بس.
هز رأسه بابتسامةٍ شيطانية:
_اعتبره نسخة مني أنا، لإني أنا اللي هتولى تدريبه مع ابني، اطمن مش هتخلى بالوعد ولا باتفاقي معاك.. هستنى ظهورك بالوقت المناسب.
مال برأسه ايماءة صغيرة غير ملحوظة، فمنحه ابتسامة خبيثة واتجه لسيارته يلحق بالسيارتين، بينما يقف "ليل" محله، يتابع رحيلهم بآعين لامعة كمن يرتخي على كتفه يتابع ما يحدث بتحفزٍ.
رفع كفه فتحرك عُقاب يحتل لائحته، رفعه ليل نصب عينيه يراقبه بتمعنٍ خبيث، وهمسًا شيطانيًا:
_هنجهز لجولة جديدة يا صديقي!
******
خرجت تلك الفتاة المتبرجة من حانة الرقص، بملابسها القصيرة التي توضح مفاتن جسدها بشكلٍ مقزز، تمايلت بمشيتها خارج الحانة المحرمة التي تعمل بها، حتى وصلت لتلك السيارة.
طرقت على نافذتها ، فانحنى الزجاج وطلت يدًا رجولية، بمبلغ طائلًا من المال، وضعت الظرف المغلق في يده والتقطت المال بفرحةٍ، تنحت جانبًا ليمر بسيارته مبتعدًا، وابتسامة خبيثة تحتل ثغره، وهو يهدر بوعيدٍ:
_وقعت يا نعمان!
صف "جمال" سيارته، بمنطقة منعزلة، وجذب حاسوبه يضع به الفلاشة من الظرف، وما أن شاهد محتوياته حتى لاحت على شفتيه ابتسامة ماكرة، وعلى الفور استخدم حنكته وبدأ بالعمل، وهو يحرص كل الحرص أن يصيبه في مقتلٍ.
*****
بعد الاستقبال الحافل بين والد آدهم وعُمران، رفض تناول الطعام واصر على الصعود للراحة، غفى باستسلامٍ لتعبه الجسدي، وحينما حان الصباح أخذ حمامًا ساخنًا وهبط يبحث عن آدهم.
وجده يقف بالمطبخ، يصنع طعام الافطار بمفرده، وضع يديه بجيوب بنطاله الأسود، ومال على الباب الزجاجي يتابعه، مطلقًا صفيرًا مشجعًا:
_مكنتش أعرف إن رجالة الشرطة ستات بيوت شاطرة كده.
استكمل تنصفية أصابع البطاطس بحرافيةٍ، وأجابه دون الاستدارة له:
_وكمان صعب استفزازهم.
ابتسم على كلماته وقال:
_أنا عايز أعرف عنوان آيوب.
هز رأسه ومازال يعد ما يفعله ببراعة:
_مفيش مشكلة بعد الفطار هخدك ليه.
قال معترضًا:
_ماليش نفس، عايز اشوفه.
أغلق النيران واتجه للطاولة الموضوعة بالمنتصف، يردد:
_امبارح قولت مش جعان، والنهاردة رافض تفطر، ممكن أفهم بتأكل أيه؟
واستطرد بجدية تامة:
_لو عايزني اعملك Healthy Food معنديش مانع.
سحب المقعد وجلس يخبره ببساطةٍ:
_عمري ما حبيته، بحسه شبه أكل الجيش اللي مشفتوش في حياتي ده.
وجذب شطيرة يغمسها بالجبن وبدأ بتناول طعامه، جذب آدهم مقعدًا وجلس قبالته يشاركه الطعام، فكبت ابتسامة صغيرة استحوذت عليه وهو يناديه:
_عُمران.
ترك الشطيرة وجذب كوب العصير يرتشفه هادرًا بانزعاجٍ:
_هات اللي عندك، متنادنيش بالصوت الرقيق اللي بيفكرني بمراتي وقت ما تعوز حاجة ده!
ضحك بصوت الرجولي وقال:
_عايز أعرف أخرة حرب الحما بتاعتك دي أيه؟! مش خلاص بقى؟
تعمق بالتطلع له وقال ببساطةٍ:
_لما الجوازة دي تتفكرش وقتها هحبك.
وتابع وهو يتناول طعامه ببرودٍ:
_عارف يا آدهم، إنت شخص كويس وكويس جدًا كمان، ويمكن لو كنا اتعرفنا في ظروف أحسن من كده كنا هنبقى كابل أصدقاء رائع، بس للاسف طلعت غبي ومكسبتش صداقتي.
وأضاف لمن يستمع له بصدمةٍ:
_لما فركشت حوار شمس وراكان ابتديت أحبك وأحسك واحد بتفهم، بس لما اكتشفت إنك بتخلعه عشان تبقى مكانه قلبت عليك وبالجامد أوي.
رفع أحد حاجبيه بسخريةٍ، لحقت نبرته:
_طيب وناوي تحن أمته؟
وضع (الكاتشب) فوق أصابع البطاطس وتناولها هاتفًا بتفاؤل:
_بعد الطلاق إن شاء الله.
واضاف بضيقٍ:
_شمس دي ملكية خاصة، وإنت يعتبر دخيل فهتنسحب هتنسحب مفيش اختيار تالت!
هز رأسه وابعد المناديل عنه هادرًا باستهزاءٍ:
_طمنتني الله يطمنك! أنا عمري ما أفوز بحاجة سهلة كده أبدًا، لازم أحارب ويطلع عين اللي خلفوني!
استكمل باقي كوبه، وقال:
_وهي متستهلش إنك تحارب؟
ارتسمت ابتسامة عاشقة على وجهه وقال:
_تستاهل إني أخوض عشانها مئات الحروب!
طرق الكوب بقوةٍ على الطاولةٍ، وتفرس بملامحه هادرًا بانزعاجٍ:
_عايز أروح لآيوب.
كبت ضحكاته وقال وهو ينهض عن طاولته:
_هغير هدومي وجايلك.
وعاد لها يشاكسه بحنكة وذكاء:
_بقولك يا عُمران كنت محتاج جواز سفر شمس، عشان أحجز تذاكر شهر العسل.
احتقنت رماديته، فتابع آدهم بخبث:
_أصل انا قررت إننا هنسافر ميلانو بعد الفرح باسبوع، يعني إنت فاهم إن العرسان اللي بيعملوا الفرح وبيسافروا على طول دول بيتبهدلوا في السفر وبتضيع عليهم ليلة الفرح، فأنا بقول نقضي هنا اسبوع ونسافر براحتنا.
خرج عن طور هدوئه، فجذب زجاجة مخفوق البندورة، والقاه تجاه آدهم الذي صعد الدرج يقهقه عاليًا، تاركًا من خلفه نيرانًا تستعير غضبًا.
******
خرج من حمامه الخاص، يزيح قطرات المياه عن وجهه، وما أن ازاحها حتى تفاجئ بفاطمة تقف من أمامه مرتبكة للغاية.
منحها ابتسامة جذابة، وردد بصوته الرخيم:
_كنتِ فين على الصبح كده يا حبيبتي؟
اقتربت منه تجيبه وهي تتحاشى التطلع لعينيه:
_كنت قاعدة مع شمس ومايا.
لمس تهربها من لقاء مُقلتيه، درس حركات أصابعها المرتبكة بعنايةٍ، وتعامل بخبرته المتمارسة، فقال يستمد انتباهها من فجوتها:
_النهاردة عندي اجتماع مهم مع فريق التمريض الجديد، هخلص وهعدي عليكِ عشان نروح لزينب.
نجح في سبر اغوارها، فدنت منه وهو يرتدي ملابسه استعدادًا للرحيل، وهتفت:
_بجد، هنروحلها النهاردة.
قال وهو يرتدي قميصه الابيض:
_ جهزي نفسك أنا كلها ساعتين وهاجي بإذن الله.
هزت رأسها بفرحةٍ، بينما يستمر هو بصمته وثباته المخادع، كانت توده أن يسألها عما بها، ولكنها لا تعلم بأنه إن فعلها كانت لتنكر ما بها كأي أنثى، ولربما لا تعلم أيضًا أنه يمتلك خبرة التعامل معها ومع غيرها!
كبت ابتسامته وهو يراقبها بالزجاج المعاكس لها، كانت تتجه للجانب الآخر من خزانة الملابس، تقف أمام احدى فساتين الخروج بشرودٍ.
استدارت إليه فوجدته يقف الآن أمام السراحة، يستعد للرحيل بعدما صفف شعره الطويل، فأسرعت تناديه لهفةٍ:
_علـي!
زفر بسعادةٍ لسرعة نجاح مخططه، فلم يكن ليغادر دون أن يعلم ما بها على كل الاحوال، استدار يرسم جديته وثباته ببراعةٍ، متسائلًا باستغرابٍ:
_أيوه يا حبيبتي.
اقتربت منه ومازالت تفرك أصابعها كالطفلة الصغيرة التي تحاول ايجاد حديثًا لطيفًا يصرف عنها عقوبة ما فعلت، وقفت أمامه الآن تجاهد للحديث:
_أنا... آآ... كنت عايزة آآ...
اتسعت ابتسامته الجذابة وقال:
_عايزة أيه يا فطيمة، اتكلمي؟
ضمت شفتيها معًا بحزنٍ، وقالت:
_عُمران قبل ما يسافر سلملي كام ملف مهمين لازم أشتغل عليهم وأسلمهم للادارة.
فهم الآن سبب ارتباكها، باتت مشكلتها ملموسة له، ولسعده بأنه سيعاونها دون ان تعلم بأنها تتراجع بخطواتها الايجابية بعلاجها، فقال بهدوءٍ حذر:
_طيب وفين المشكلة؟
قالت بربكة جعلتها تزدرد ريقها باستياءٍ:
_أولًا هضطر أحضر اجتماعات بداله بما إنه مش موجود لا هو ولا مايا، ثانيًا وقتي هناك هيكون اطول وتعاملي مع الموظفين هيكون اجباري، وكمان آآ...
دفعها بنظرة عينيه باستكمال حديثها، فقالت على استحياءٍ:
_أنا قللت النزول للشركة بعد الموقف اللي حصل مع سكرتير عُمران.
تنهد براحةٍ بعدما نجح بجعلها تخرج ما بصدرها دون أن يطالبها بذلك، فقطع مسافته القاطعه بينهما، وجذب كفيها يرفعه إليه ببطءٍ، طابعًا قبلة على يديها.
واجه نظرتها العاشقة، بعاطفة ومشاعر تتراقص بالمُقل، وقال:
_كل ده طبيعي يا حبيبتي، بس اللي أنا واثق منه إنك هتقدري تعدي كل عقبة رصتيها قدامك بنفسك، كل ده وهم، أبواب من حديد محاوطه نفسك بيها يا فاطيما.
وتابع وهو يشير لها عليها:
_حاولي تصدقي من جواكِ إنك بقيتي أقوى، وإن اللي فات من حياتك عدى وانتهى، لإنه مكنش بتاعك اللي جاي هو اللي ملكك وبايدك تغيره.
وبثقةٍ هتف بها:
_إنتِ قوية وقادرة تواجهي من غيري ومن غير المهدأ، من غير أي حاجة كانت بتدعمك.
اتسعت ابتسامتها فرحة، وهزت رأسها بخفة بموافقتها حديثه، جذبها بين ذراعيه، يضمها بحبٍ وهو يهمس لها:
_وحتى لو نص كلامي معناه إنك لوحدك في مخططاتك، فأنا هفضل جنبك ومعاكِ وقت ما تحتاجيني.
وضم جبينها بقبلة أخيرة، يتبعها صوته المخملي:
_أنا على طول هنا يا فطيمة!
أغلقت عينيها بسعادةٍ وقالت:
_واثقة إنك جنبي ومعايا دايمًا يا علي.
وسعت ابتسامته وقال:
_لأخر عمري جنبك ومعاكِ يا قلب علي!
ودعها وهبط للأسفل، فوجد شقيقته ترتدي مريول المطبخ، وتحمل طبقين كبيرين، عليهما العديد من أصناف الطعام الغني بالبروتين.
وضعت احدهما أمام مايا والاخر أمام والدته، مرددة بفخرٍ:
_أنا قومت من بدري وجهزتلكم فطار مليان بروتين وفوايد كتيرة، عشان كتاكيتي الصغننه تتغذى.
وضعت مايا يدها على أنفها بنفورٍ، ورددت:
_أنا مش طايقة ريحة الأكل يا شمس، اعفيني عن المهمة دي، فريدة هانم سابقاني بشهر فعدت موضوع القيي والتعب ده، ادخلي عليها واتناقشوا مع بعض، أنا هأخد ابني ونطلع نريح فوق شوية.
صاحت بحزمٍ أضحك علي الذي يراقب ما يحدث من أعلى الدرج:
_مفيش حد هيقوم من غير ما يخلص طبقه، عُمران موصيني عليكم!
وضعت فريدة قدمًا فوق الاخرى، وخاطبتها بتعاليٍ:
_كأن صوتك عالي شوية يا شمس.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبةٍ، وهتفت:
_يوطي يا فريدة هانم.
استدار علي خلفه على أثر لكزة خفيفة بكتفه، فوجد احمد يقابله بنظرة مندهشة،وتساءل:
_واقف كده ليه يا دكتور؟
أشار له هامسًا:
_بحاول أكتسب معلومات من شمس عن تغذية الحوامل، المفروض تكافئ البنت دي بتساعدك بدون ما تتعبك يا بشمهندس.
ابتهجت معالمه وابتسم مرددًا بسعادةٍ:
_شمس دي حبيبة قلب عمها ومن هي بيبي صغير.
شاركه البسمة وهمس له:
_تعالى نتسحب من الباب اللي ورا، فريدة هانم لو شافتنا هتبطل فطار وهتقوم تعمل رياضة وقتي!
هز رأسه باقتناعٍ وقال:
_وعلى أيه، يلا بينا.
لحق به والابتسامة مشرقة على وجهه، يحمد الله أن هناك ستار عظيم من الله عز وجل على أغلب اخطائنا، ليس كل ما نرتكبه من جرائم وذنوب وأخطاء تُكشف للجميع، فلربما منح الله فريدة فرصة عظيمة بعدم خسارة زوجًا، وعاشقًا، محبًا مثل أحمد.
******
طرق الباب وتراجع للخلف بمسافة تمنح خصوصية لاهل المنزل، فتحت "سدن" الباب وفور أن رأته قالت:
_اتفضلي!
كبت يونس ضحكته بصعوبة وقال:
_لا أنا مستعجل على المحل، ناديلي أم فارس لو سمحتي.
هزت رأسها وقالت بلهجةٍ غير صحيحة:
_هناديله ماشي.
فور دخولها ضحك من قلبه على حديثها، ولا يعلم كيف حمل معزة لها بعدما كان يتقزز منها، باتت تحمل المعزة والمعاملة الحسنة من جميع افراد العائلة بأكملهم.
خرجت خديجة تعدل من نقابها جيدًا، وقفت قبالته تستقبله بأعين تتلألأ بفرحةٍ، سلخ نظراته عنها بصعوبةٍ، ومد يده بظرفٍ مطوي:
_خدي المبلغ ده خليه معاكِ يا خديجة.
رفضت أن تحمله منه،وقالت:
_الظرف اللي ادته لفارس الاسبوع اللي فات لسه معايا زي مهو مفتحتهوش، الشيخ مهران والحاجة رقية مش مخليني محتاجة حاجة يا يونس.
رفع فيروزته لها يشدد عليها باصرارٍ:
_لما أديكي حاجة مترفضيش، وبعدين مالي بعمي ومراته إنتِ ملزومة مني يا خديجة لحد ما ترجعي لبيتك ولعصمتي من تاني يا ست البنات.
خفق قلبها طربًا، فبقيت نظراتها تحتضن نظراته العاشقة، ويدها تجذب ما قدمه بشرودٍ، تنحنح بخشونة وانسحب من أمامها يستغفر ربه، يدعوه من صمام قلبه أن تمر أيام عدتها سريعًا لينعم بقربها مرة أخرى.
*****
بالمركز الطبي الخاص بالدكتور"علي الغرباوي"
ولج للمركز متجهًا لمكتب "يوسف" ، ما ان رآه حتى سأله بلهفةٍ:
_طمني يا يوسف عملت أيه؟
لف مقعده له وقال يمازحه:
_طيب قول صباح الخير الاول.
جلس على المقاعد المقابلة لمكتبه، قائلًا بجدية:
_أسمع اللي عايزه الأول وبعدها هصبح وأمسي.
ارتسمت ابتسامة فخورة على شفتيه وقال:
_زي ما سهلتلك دخول الاجهزة للمركز، قدرت أمنع دخول الأجهزة الطبية اللي طلبها نعمان للمركز اللي بيحضرله في السر.
وتابع بفرحةٍ وسعادة:
_يعني إنت لغيتله التوكيل وضرته في الأرضية، وأنا كملت عليه بمنع الشحنة، يعني ضربه اتنين معلمين.
برزت أسنانه البيضاء من بين ابتساماته، ورفع كفه يطرق كف يوسف:
_ كده أقدر أقولك صباحك أبيض وورد يا دووك.
قهقه ضاحكًة يوسف وقال:
_وصباح أسود على دماغ نعمان الغرباوي ل100 سنة قدام!!!
*********
راقب الهاتف وهو يجلس على المكتب المندس وسط العمال بمحل يونس، فما ان اجاب حتى صرخ بحماس مسموع لإيثان الذي يراقبه بنفورٍ:
_سيف أوعـــــــــا تقفل، سيف اسمعني حرام عليك اللي بتعمله ده يا أخي، كل ما أكلمك من حساب تبلكه!!
كل يومين ترفع البلوك وتبعتلي محاضراتي وجدولي وترجع تبلكني تاني طيب ليه أنا عملت أيه لكل ده؟!
أتاه صوته الناعس يخبره بوجومٍ:
_قول معملتش أيه! إنت من ساعة ما نزلت من السفر وآنت مقضيها مع حضرة الظابط ولا انا فارقلك في شيء.
جحظت عيني آيوب بصدمة، وردد ببراءة زائفة:
_أمته ده!! محصلش غير كام مرة والله.
_كام مرة!! لهو إنت عايز تلم هدومك وتروح تعيش معاه!!
=طيب خلاص متزعلش حقك عليا، هقطع علاقتي بآدهم خالص لو ده هيخليك ترفع البلوك عني.
_فرقالك أنا صدقت!
=طبعًا فارقالي ده انت صاحب عمري يا أهبل، وبعدين متخدنيش في الكلام ألف مبرووك يا عريس.
_الله يبارك فيك يابن الشيخ مهران، عقبالك.
=قريب جدًا وهتبقى فرحتين، فرحة آدهم وأنا.
_آدهم تاني!!! والله أظرفك بلوك عاشر!
_خلاص خلاص متزعلش، فرحة واحدة ها مرضي!
مسح إيثان على وجهه بمكرٍ، ودنى إليه يحاوطه وهو يردد بخبث:
_فينك يا آيوب وحشني يا راجل من امبارح، كده متسألش على صاحبك الأنتيم اخص عليك، اخص!
جحظت عينيه صدمة، وأشار له بهمس:
_أبوس ايدك بلاش، سيف غشيم ومصدقت أكلمه.
تابع وهو يرمقه بانتشاء:
_ده أنا وانت عمرنا ما فارقنا بعض، وطول عمرك بتقولي مفيش حد في غلاوتك عندي يا إيثو.
حاول كبت سماعة هاتفه قدر المستطاع، وما كاد بالركض من أمامه حتى اتاه صوت سيف المتعصب:
_أنا مش عايز أعرفك تاني يا آيوب، خليهم ينفعوك.
أغلق الهاتف بوجهه، فأسرع ليسجل ريكورد يخبره بما حدث، فوجده قد وضعه بالفعل على قائمة الحظر.
ترك آيوب هاتفه وتطلع جانبه لإيثان الجالس على طاولة المكتب جواره، مبتسمًا بشماتة ويسأله:
_بلكك ولا لسه؟
ألقى الهاتف وانقض عليه يحاول بكل جهد تسديد لكمة له، ولكنه لوى ذراعه من خلفه بكل سهولة، لفرق قوته الجسمانية، ومال برأسه للخلف ثم اندفع يرطم رأسه برأس آيوب الذي ترنح للخلف، فسقط بين ذراع آدهم، ومن جواره طلت نظرات عُمران المشتعلة، وبعدها ترنح إيثان أرضًا غير مستوعبًا لسرعة الاحداث، بينما يهتف آيوب بعدم تصديق:
_عُمـــــــــــران!!!!
*******
بالشركة الأم الخاصة بعائلة "الغرباوي"
يجلس على مقعد مكتبه بانتشاءٍ يشعر به بالاونة الأخيرة، وخاصة حينما علم اليوم بسفر عُمران بالأمس، ظنه ترك له الساحة بعدما كسر جناحيه، كان مستمتعًا بانكساره، وضعفه الذي بدى بهروبه لمصر.
تعالت دقات باب مكتبه فسمح للطارق بالولوج، ولج السكرتير الخاص به يهتف بتوترٍ:
_العملا سحبوا ملفات المشاريع اللي بينا، ورفضوا التعامل معانا بشكل نهائي.
توسعت مُقلتيه بصدمة، وردد بعدم تصديق:
_أنت بتقول أيه؟ سحبوها ليه وعشان أيه؟!!!
ابتلع ريقه بارتباكٍ وهو يجيبه:
_البشمهندس عُمران قدم عروض ممتازة وأقل سعر مننا، ومن غير ما يعمل كده هما كانوا حابين يشتغلوا معاه وهو اللي رفضهم، ودلوقتي قبلهم!!
ألقى المزهرية من جواره وهو يصرخ بغضبٍ:
_عملها ابن فريــــــدة!!
وما كاد بمحاولته للهدوء، حتى ولج للداخل أحد الموظفين، يحاول التقاط أنفاسه وهو يتحدث بصعوبةٍ:
_الأرض اللي كنا هنعمل عليها المركز الطبي انسحب توكيلها مننا، والأجهزة اللي بعتنا نستوردها من الصين انسحبوا بالاتفاق ووقفوا الشحنة.
دارت به الغرفة، ونطق بحروفٍ متقطعه:
_انت بتقول أيه إنت كمان؟!!!
رفع الورقة أمامه وهو يوضح:
_الفاكس لسه واصلنا من شوية.
لطم بيديه على المكتب وهو يصرخ:
_عمران الكلب اللي ورا اللي بيحصل ده.
نفى الموظف ذلك، ناطقًا بخوف:
_اللي ورا الغاء التوكيل "علي الغرباوي" ، أما الأجهزة الطبية فعرفت إن مالك المصنع يبقى صديق دكتور "يوسف".
هز رأسه بغضب كاد بأن يفجرها، والقى متعلقات مكتبه وهو يصرخ بجنون:
_دول اتفقوا عليا بقــــى، وربي لأدفعهم التمن واحد واحد!!!
واستطرد بزعيق شرس:
_هوريهم مين هو نعمان الغربـــاوي.
سيطر على غضبه بصعوبةٍ فور أنا رأى" هيلينا" زوجته، تدخل من باب مكتبه مسرعة، بأعين متتفخة، إتجهت اليه وصفعته بكل قوتها أمام موظفينه، وهي تصرخ بغضب:
_أيها الخائن، كيف تفعل ذلك بي!!
وتابعت وهي تشير له:
_من الآن فصاعد لا تريني وجهك، لقد قمت بكتابة المنزل والشركة لي سأعدهم هدية انفصالنا.
حاول التماسك وسألها بذهول:
_ما الذي حدث لكل ذلك هيلين!
فتحت حقيبتها وألقت اليه الهاتف، بعدما فتحت احد مواقع الاباحـ**ـة الشهيرة، انهار نعمان على مقعده بعدما فقد القدرة على تحرك أي جزء من جسده، وهو يرى مقطع فيديو له برفقة تلك الفتاة الاجنبية التي قضى السهرة برفقتها بالأمس، وما كاد باصابته بذبحة صدرية وصول المقطع لملالين من المشاهدات، وانطلاق عدد من الاخبار للحديث عن "نعمان الغرباوي"، وبالطبع بعدما ضربه عُمران بعمله، واستكمل علي ويوسف ضربته، كان مؤكدًا له ممن تلقى تلك الضربة، فلم يكن سوى" جمال".
******
استمعت لجرس الباب الذي دق لمرتين متتاليتين، فذهبت تناديه من أمام باب الحمام:
_سيف إنت طلبت حاجة.
لف المنشفة حول خصره وأجابها:
_آه يا حبيبي، كنت طالب من البواب جل حلاقة وشوية حاجات ليا، البسي الاسداا وخديهم منه، عندك المحفظة في درج الجزامة.
ابتسمت وهي تجيبه بحب:
_حاضر.
وبالفعل ارتدت اسدالها وخرجت تحمل المال لمكافأة البواب، وجدت قبالتها شاب يحني رأسه المغطي بالقبعه.
تناولت منه الكيس البلاستيكي، وقدمت له المال قائلة ببسمة صغيرة:
_عذرًا... تفضل.
منحها الكيس البلاستيكي وقبض على راسخها، حاولت زينب سحب يدها وقد تشكل عليها أمارات الرعب، فرددت بهلع:
_اترك يدي!! ماذا تريد؟!
أزاح قبعته ورفع عينيه يقابلها وجهًا لوجه، هربت الدماء منها، ونخرت عظامها رعشة قوية ضربتها دون رحمة، رددت بصعوبة بالحديث:
_يـمـان!!
استوعب عقله المتخشب ما تراه، فتحررت صرخاتها بانهيارٍ:
_سيـــــــــــــــف!!!!
.......... يتبع 💣...........
#صرخات_أنثى. .
#الاقـــــــــــــــــــــوى_قـــــــــــادم.
#ملكة_الابداع_آية_محمد_رفعت.
حبيباتي بعتذرلكم على الاستمرار بالنشر كل اسبوع، بس انتوا طبعًا عارفين ظروفي، أنا بحاول اكون موجودة قبل ما ابعد الاسبوعين، والله ربنا يعلم أنا مضغوطة أد أيه وبحاول بقدر الامكان أوفق بين الكتابة وظروفي الحالية، متنسوش التصويت والتعليق بآرائكم عن الرواية، ومتنسوش اني والله أحبكم في الله ❤
#Aya.
******_________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الرابع وثمانون 84 - بقلم آية محمد رفعت
صباح الخير يا بنات، ممكن أعرف أيه لزمته التجريح وبوستات الهجوم دي كلها بمجرد إن الفصل متأخر بنزوله؟! أنا كان ممكن أطلع واقولكم هاخد اجازتي بدون ما أقول إن في فصل، أنا من فترة طويلة مش عارفة أبعد، كان ممكن بردو أقول ان الرواية ليها جزء تاني واغيب شهر واتنين وتلاتة، نزل منها 65 فصل ميشفعوش ليا اخد راحة؟
طيب يا جماعة خليني اقولكم تاخيري الفترة دي راجع لظروف شغلي والله العظيم، ومش مستمرة هتتحل بإذن الله، الاسبوعين اللي بتمنى أخدهم دول عشان اكمل فيهم رواية المعرض، لاني للاسف حاولت اعتذر أكتر من عشرين الف مرة وأنا أخده قرار منزلش السنادي لاني مرهقة ومريت بظروف صعبة طول السنة ربنا اللي يعلم بيها، صاحب الدار أستاذ محمود رفض إني مكنش موجودة وزي ما المكان اللي بشتغل فيه له عليا حق، جمهوري اللي بينتظرني كل سنة بعمل ورقي ليهم عليا حق، يعني الاجازة اللي هاخدها مش للراحه زي ما البعض متخيل، بحاول اوازن أموري على قد ما أقدر أقسم بالله، بس تعليقاتكم وبوستاتكم محبطة ومحسساني اني بدور في حلقة مقفولة، نراعي شوية بالله عليكم وكلامي هنا مش للكل بتاتًا... قولت أنزلكم رواية بشرية تتسلوا معاها لحد ما الامور تتوازن عندي، منزلين بوستات تنتقدوني فيها اني بنزل رواية تانية في حين اني بقولكم النت عندي فيه مشكلة، طيب خليني اقولكم ان الجروب وكل بيدجاتي تحت ادارة الادمنز، حسابي الشخصي نفسه أختي أوقات بتنزل الفصول نيابة عني، يعني مش أنا اللي متواجدة والله، هحاول انزلكم الفصل والله بأقرب وقت، دعواتكم بس ❤
قراء الواتباد هسبلكم لينك روايتي الورقية اللي نزلتها الكتروني اول تعليق هنا، تابعوا كل يوم هنزل فصل، طبعا انتوا مالكوش ذنب في اللي بيحصل على جروباتي، بس حبيت انقلكم هنا البوست اللي نزلته عشان تكوني معانا وعارفين اللي بينزل واللي بجهزله، وقريب هتلاقوني بنزلكم الفصل اللي هختم بيه صرخات قبل الاجازة لكتابة عمل المعرض، وهنرجع نستكمل مع بعض، بحبكم في الله ♥
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الخامس وثمانون 85 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى..(#حبيبتي_العبرية!)
#الفصل_الثامن_والستون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "غوث مقدس"،"غادة محسن طلال"،"صفاء عاطف"،"فرحة أحمد"،"سارة سيد"،"فاطمة الزهراء،"سارة وليد"،"عبير رزق"، "،"Ahmed Tharwat، Amina Hdiay،" سارة سيد"، وإلى حبيبة الرحمن بمناسبة عيد ميلادها،، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
اجتمعت مخاوفها جميعًا، وتجسدت قبالتها فجأة، انهار عالمها الآمن ، فور أن رأته يقف قبالتها، نظراته كادت أن تحرقها حية، جحظت عينيها صدمة لما تراه، تراجعت "زينب" للخلف، وهي تهز رأسها رافضة تصديق ما تراه.
تحرر لسانها الثقيل أخيرًا، فصرخت هلعًا:
_سيــــــف!!
ارتكن ظهرها للحائط من خلفها، استندت عليه وسقطت أرضًا على ركبتيها، تناديه ببكاءٍ هيستري:
_سيف، سيــــــــف!!
جذب مئزر الاستحمام الشتوي، يرتديه مسرعًا، ومن ثم ركض للخارج باحثًا عنها بقلقٍ، وجدها تميل أرضًا مستندة على الحائط من خلفها، جسدها يرتجف بعنفٍ، ونظراتها المرتعبة مُسلطة على باب المنزل، المفتوح على مصرعيه.
انحنى إليها يحيط جسدها المرتجف، يتساءل بقلقٍ وخوف:
_مالك يا زينب؟ في أيه؟
عينيها الجاحظتين، مازالت تتطلع لباب المنزل، رفعت اصبعها المرتعش للباب، وأخبرته بحروفها المتقطعة:
_يـمـــان!
زوى حاجبيه بذهولٍ، تركها ونهض يتجه للباب، فتفاجئ بأحد عمال الماركت، يحمل الأكياس، يبدو على ملامحها الدهشة لما يحدث، وما أن رأى سيف حتى ردد بانزعاجٍ:
_من فضلك سيدي ادفع لي لأغادر، عليا إيصال طلباتًا آخرى.
مشط الطرقة الفاصلة بين شقته، وشقة أخيه بنظرةٍ متفحصة، وهز رأسه إليه، فعاد للداخل متجهًا لغرفة نومه، ونظرات زوجته المرتعبة تلاحقه.
عاد يحمل المال وخرج يدفع ثمن الأغراض، ثم ولج للداخل يضع الأكياس على أقرب طاولة، فإذا بها تتساءل برعبٍ:
_يمان برة يا سيف!!!
ضم شفتيه معًا بضيقٍ، واستدار يوجهها بنظرةٍ غاضبة:
_مفيش حد برة يا زينب، الظاهر إن أعصابك بايظة ومن كتر خوفك منه مبقتيش قادرة تشليه من تفكيرك.
أتكأت على الأرض بجذعيها، ونهضت تتجه إليه بخطواتٍ متهدجة،قائلة باصرارٍ:
_أنا شوفته يا سيف، كان برة صدقني.
ورفعت كم اسدالها تشير له على يدها، مستطردة:
_ومسكني من ايدي، حتى كانت زرقة دلوقتي، بص!.
تطلع لمعصمها مثلما فعلت هي، فجحظت عينيها صدمةٍ، حينما لم وجدت جلدها باللون الطبيعي، عادت تتطلع له بأعين غائرة بالدموع ورأسها يهتز بحركة صغيرة:
_لأ!! صدقني يا سيف يمان كان بره والله كان برة.
قالتها وأحاطت وجهها بكفيها، تبكي بانهيارٍ وخز قلبه له، فسحبها إليه بقوة، يحيطها داخل أحضانه، ويده تمر على طول ذراعه، ليمدها بالحرارة بعدما شعر ببرودة جسدها، من شدة الخوف.
ضم رقبتها بكفه الأخر، وهمس لها بصوتٍ حنونٍ:
_حبيبتي ميقدرش يمس منك شعرة وأنا جنبك ومعاكِ، خلاص يا زينب مبقتيش لوحدك في الحرب دي، أنا هنا وهفضل هنا على طول يا عمري.
وإتجه للأريكة يجلس عليها برفقتها، ومازالت تميل على صدره، نزع حجابها، وغمس أصابعه بين خصلاتها المبتلة، قائلًا بصوتٍ رخيمٍ:
_شليه من تفكيرك، إطرديه بره حياتنا يا زينب.
ورفع رأسها إليه، يتعمق بمُقلتيها الفاتنة، هاتفًا بصوتٍ منخفض:
_مبقاش في غيري أنا وإنتِ، مفيش غيرنا يا حبيبي!
وتابع ببسمة زادت من جاذبيته:
_طيب مش بعد الكلام الحلو ده تقومي تعمليلنا فطار ملوكي كده، ده احنا حتى عرسان جداد.
ابتسمت من بين دموعها، وهزت رأسها بخفةٍ، فمال يقبل جبينها وهو يزيد من طمأنينتها:
_حضري الفطار عما أكمل الشاور اللي حسداني عليه ده، ومتنسيش تشغلي القرآن في الشقة كل يوم الصبح على صوت الشيخ "محمد رفعت" أنا بحب كده.
اتسعت ابتسامتها، ونهضت تتجه لشاشة التلفاز، قائلة بسعادةٍ هاجمتها لوجوده:
_وأنا كمان بحبه جدًا، وفعلًا بعمل كده كل يوم.
ابتسم بمحبةٍ لها، سبق أن أخبرته كثيرًا بما تحب فعله صباح كل يوم، فاستغله الآن ليشغل عقلها عما يهاجمه، غادرت أمامه للمطبخ بحماسٍ لما ستصنعه له، وبمجرد اختفائها من أمامه، عاد الوجوم والغضب لملامحه، فأسرع لغرفة نومه، يجذب من مكتبه الحاسوب.
فتحه سيف وأعاد تسجيل الكاميرات الخارجية، فازداد تجهم معالمه غضبًا، كان يعلم منذ اللحظة الأولى بأنه سيحاول فعل أي شيء أحمق، والآن باتت خطته واضحة له.
جاب الغرفة ذهابًا وإيابًا، والغضب يحبس أوردته كالقنبلة المُوقتة، ذلك اللعين ليس سهلًا بالمرة، عقله شيطانيًا بدرجةٍ مخيفة.
أغلق سيف حاسوبه، وجذب هاتفه يبحث عن رقم "علي الغرباوي"، وما أن أجابه حتى قال:
_دكتور علي أنا محتاج أتكلم معاك ضروري.
اتاه صوته ومن حوله أصوات السيارات المجاورة له:
_وأخيرًا فتحت موبيلك، بعتلك كتير عشان اقولك إن أنو وفاطمة جاين ليكم.
هتف بحماسٍ:
_طيب كويس، تعالى لإني عايزك.
تساءل بريبةٍ من حديثه:
_في أيه يا سيف، قلقتني!
ضم مقدمة أنفه بيديه، واستطرد:
_مفيش موضوع بسيط، لما تيجي هكلمك فيه.
اجابه بتفهمٍ:
_نص ساعة بالكتير وهكون عندك إن شاء الله.
اغلق الهاتف ووضعه على الكومود، ثم اتجه لخزانته ينتقي ما يناسبة، قبل وصولهما.
******
سقط على المكتب من خلفه، يحاول فتح عينيه، عقله لا يستوعب أن ابن الشيخ مهران، يمتلك قبضة قوية هكذا، لقد سبق له أن قام بالاشراف على تدريبه بالجيم الرياضي الخاص به، ويعلم منظور كل شخصٍ قام بتدريبه، عاد يفتح عينيه من جديدٍ، في محاولةٍ لاستعادة ثباته، استند على سطح المكتب، وعاد يدعم وقفته، مستديرًا بغضبٍ للخلف.
رمش"إيثان" بعدم تصديق، فور أن رأى صديق آيوب، والذي انتظر قدومه بحماسٍ، تغاضى عن ذلك الأمر، وقابله بنظرةٍ غاضبة، بينما اصبعه يشير على الورم المجاور لشفتيه، هادرًا:
_فهمني أيه اللي عملته ده؟!
شمله بنظرة ساخطة، جابته من رأسه لأخمص قدميه، وببرودٍ استدار لأيوب الذي يحاول أدهم مساندته بالوقوف:
_مش أنا نبهت عليك وقولتلك متلعبش مع أولاد الشوارع يابن الشيخ مهران!
كبت أدهم ضحكاته، بينما عاد آيوب يهتف في عدم تصديق:
_عُمران!! إنت نزلت مصر أمته؟
استدار إليه يواجهه ببسمة جذابة، فاذا بأيوب يحتضنه بحبٍ، والاخر يستقبله بترحابٍ، ربع أدهم يديه أمام صدره، ووقف يراقبهم بابتسامةٍ عذباء، بينما اشتعلت أعين إيثان غضبًا، واندفع يفصلهما قائلًا بسخريةٍ:
_نأجل أحضان العشق الممنوع ده، أنا ليا تار عنده ولازم أخلصه.
ابتلع آيوب ريقه بتوترٍ، وقال يحذره:
_بلاش يا إيثان، إنت مش قده!
تراقص حاجبيه من فرط الغيظ والغضب، فدفع آيوب تجاه أدهم الذي تلقفه مجددًا، وعاد عاقدًا العزم على أن يطيح غريمه، كور يده وصوب لكمته تجاه وجه عُمران، الذي يقابله بابتسامةٍ جامدة، ومازالت يحتفظ بنظارته السوداء.
اتجه إليه بيده المتكورة، فانحنى عُمران يتفادى لكمته، وسقط عليه بركلة، أصابت أسفل ظهره فأسقطته بمكتبه أرضًا أسفل أقدام يونس الذي يدلف للتو، بينما اعتدل عُمران يلتقط نظارته التي اطاحها انحناء جسده، وارتداها بغرورٍ.
تابع يونس ما يحدث باستغرابٍ، وانتقل بعينيه لابن عمه، يتساءل:
_أيه اللي بيحصل هنا ده؟
إتجه إليه آيوب يشكو له، كالصغير:
_صاحبك مش ناوي يبطل حركاته المستفزة دي يا يونس، خليه يبعد عني عشان المرادي الطاووس الوقح هيسويه زي أسفلت الحارة.
اعتدل إيثان بجلسته للتو، مزيحًا أجزاء الطاولة المتناثرة من فوقه، واتكأ على ذراع يونس، حتى نهض يصيح:
_مش هحله الخواجة ده، هجيبه هجيبه.
دنى إليه عُمران، يردد بسخريةٍ:
_ما تجيني ولا الطريق مرهق عليك يا حيلتها!
راقب يونس من يقف قبالته، بنظرة متفحصة، تذكر تلك المكالمة التي سبقت ان جمعت آيوب برفيقه، ومال على آيوب يسأله بريبة:
_متأكد إن ده أخو دكتور علي الغرباوي؟
هز رأسه عدة مرات، يؤكد ذلك، بينما في الخلف يضم أدهم مقدمة انفه ليخفي وجهه المحمر من فرط الضحك.
ترك إيثان كتف يونس، واتجه لعمران، والغيظ يحشد جيوشه على معالمه، راقبه الاخير بضجرٍ، بقى ثابتًا محله، يحرك رقبته بمللٍ، وما أن وصل إليه إيثان حتى تنحي نصف استدارة فاذا به يقتحم الحائط بجسده كالكرة التي تتلقفها الشبكة بكل ترحابٍ!
أغلق يونس عينيه بشفقةٍ، وفتحهما ليقابل من يقف قبالته، تنحنح بتوترٍ وقال:
_أهلًا بيك.
وبصعوبة نطق ما قد يضع له العداء بينه وبين رفيقه:
_نورتنا!
اعتدل إيثان بجلسته، وجاهد ليفتح حدقتيه صارخًا:
_يونس يا حقيــــــــــر، بترحب بيه وهو معلم على صاحبك!!
وتابع وهو يلتقط أنفاسه بعنف:
_ده بدل ما تمسك شومة وتروق الخواجة اللي شايف نفسه ده.
ردد عُمران جملته المعتادة:
_ميغركش لبس الخواجات ده، أنا أصلًا من العتبة!
فشل يونس بإبادة ابتسامته، ربما إن كان بوضعٍ أخر لكان غير راضيًا من معرفة ابن عمه بشخصيةٍ هكذا، ولكن للعجب أثار عُمران فضوله بشكلٍ غريبٍ.
اتجه يونس لأدهم الصامت، مال يهمس له:
_أيه يا حضرة الظابط، شايفك واقف بتتفرج في صمت، مش عادتك يعني!
ابتسم ساخرًا، وهتف:
_اللي قدامك ده نازلي من لندن بيدورلي على حجة عشان يفض الفرح قبل ما يبدأ، فانسى إنك تشوف مني أي شهامة ممكن تضيع مستقبلي مع شمس هانم.
تعالت ضحكات يونس، وتابع آيوب الذي يحاول معاونة إيثان بينما يتابعهما عُمران بملل على بعد منهما، وقال بهمس له بدهشةٍ:
_مش كاتب كتاب إنت!
شاكسه بسخريةٍ:
_ولو دخلت بيتي لازم أقلق منه وحياتك!
ارتفعت ضحكاته بشكل جعل ايثان يتوعده بغضب، فاتجه يعاون آيوب بمساندته، سحب ايثان يده منه ولكزه ببطنه بكوع يده، هادرًا بغيظٍ:
_روح كمل ضحك على صاحبك، ابعد.
كبت ضحكاته بثباتٍ مخادع، وقال:
_أنا عملتلك أيه، الله!!
عاد يلكزه ومازال يحتمل على ذراع آيوب:
_واقف تحب في الخواجة اللي علم على صاحبك الوحيد!!
أشار على ذاته مستنكرًا:
_أنا!!! أنا كنت واقف مع حضرة الظابط واساله!
واستدار يطالب شهادته:
_مش صح يا آدهم؟
هز رأسه يؤكد ببسمة صاخبة، بينما تآوه يونس حينما عاد يلكزه بعنفٍ، هاتفًا:
_صوتك الحقير جايلي من هنا، بطل كدب، ده عندكم حرام ولا أيه يابن الشيخ مهران؟
ضحك آيوب وأكد له:
_صح يا إيثو.
لوى شفتيه بتهكمٍ، وقال:
_يعني اللي حصلك ده كله بسبب آيوب، وفي الآخر تقلب عليا أنا!
استجاب ليد آيوب وجلس على المقعد الخسبي يجيب يونس بمكرٍ:
_كُل هيأخد نصيبه متقلقش، أصلب طولي وهظبطله فيديو هو والخواجة اللي جايبه ده، وهبعته لمراته ام سفيان هخليها تنزله على أول طيارة وتعلقه في نص الحي.
ترك آيوب يده، وهدر بانفعالٍ:
_مالكش دعوة بعلاقتي بسيف يا إيثان، وبعدين إنت اللي لسانك وحركاتك الطايشة اللي وصلتك هنا.
أشار له بتحذيرٍ:
_إنت بتعلي صوتك عليا!!
هز رأسه ينفي ذلك، بينما من خلفه يؤكد الطاووس الوقح:
_أنا سمعته من برة يبقى عالي، تمامك أيه؟
وجذب آيوب ليقف قبالته، متسائلًا بسخرية:
_تحب تتشقط بأحضان أنهي حيطة المرادي؟!
دنى إليه أدهم يردد ببسمة ساخرة:
_كفايا عليه كده، إنت نسيت إنك جاي تشوف آيوب وده في العموم فعل خيري بعيدًا عن العنف يا بشمهندس!
منحه نظرة متفحصة، قبل أن يلتزم صمته، احتقنت اوردة إيثان، فنهض يجذب المطرقة جواره، وهم إليه، هاتفًا بعزمٍ:
_بقى إنت داخل لهنا تعلم عليا، مش هحلك النهاردة.
سقط آيوب على ذراعه، ويونس على الذراع الأخر، ومال إليه يُذكره:
_افتكر البوتيك الرجالي اللي عايز تفتحه يا إيثو، لو كونت عداء مع الخواجة مين هيساعدك؟
رمش بأهدابه يفكر فيما يقول بتمعنٍ، بينما استطرد آيوب يُحمسه:
_بص عليه كده، ذوقه شيك جدًا وإنت محتاج تستفاد من ده.
ارتخت معالمه قليلًا، وترك العصا ليونس، رفع إيثان عينيه لعمران الذي يتابعه بتسليةٍ، وقال:
_هعدهالك بس عشان ضيف، لكـــــــــــن آآ..
ومال يسأل يونس بتخبط:
_لكن أيه؟
كبت ضحكاته وهو يجيبه:
_ملكنش يا إيثان، صلي على النبي كده واستهدى بالله. .
عبث بملامحه كفاقد الذاكرة:
_ أنا مسيحي يا عم!
وهتف بابتسامة مشاكسة:
_بتستغفلني وأنا متطوح؟
مازحه وهو يدعم وقفته المهتزة:
_هيبقى أنا وكريستينا عليك! كفايا هي غفلتك!
احتدت معالمه واستدار يبحث خلفه مرددًا:
_فين الشومة، في قتلين هنا النهاردة.
تركه آيوب وهو يردد بضجر:
_بص بقى أنا بحاول أهديك وإنت مش قابل، سلام انا.
وإتجه لعمران وآدهم يشير لهما بالدخول لمكتب يونس المنفرد، فاتبعوه للداخل، بينما بقى إيثان يجذب يونس من تلباب قميصه، صارخًا بحدة:
_بتعاريني يا يونس؟
*****
انتهت ليلى من صنع العصير، وانشغلت بسكبه بالأكواب، فمالت فاطمة لشقيقتها تسألها باهتمامٍ:
_مالك يا زينب، وشك مش طبيعي من ساعة ما جينا؟
أجابتها وهي ترسم ابتسامة هادئة:
_مالي يا فطيمة، أنا كويسة جدًا، وسيف حد كويس جدًا حتى في طريقة تعامله معايا.
خشيت أن تضغط عليها، وخاصة بوجود زوجة يوسف، فضمتها لصدرها بحبٍ وهمست لها:
_هكلمك لما أروح، عشان نقدر نتكلم على راحتنا.
هزت رأسها بخفةٍ، وابتسامتها تجاهد لرسمها، خرجت ليلى حاملة للأكواب، وضعتها وجلست تردد ببسمتها البشوشة:
_نورتي الدنيا كلها يا فاطمة.
أجابتها ببسمة رقيقة:
_بنورك يا دكتورة.
قدمت لها الكوب، فحملته منها وهي تردد على استحياء:
_تعبتي نفسك ليه بس.
رددت بحبٍ:
_تعبك راحة يا روح قلبي
تناولت منها زينب الكوب، وقالت باحترام وحب:
_بجد والله من غيرك كنت هحتاس.
واستدارت تخبر شقيقتها:
_دكتورة ليلى يا فاطمة مش سايباني، وبجد كل ما بحتاج شيء من قبل ما أطلبه بتكون مفكرة فيه.
ابتسمت فاطمة بمحبةٍ، وقالت بدعوةٍ صادقة:
_ربنا يخليكم لبعض يا رب.
*******
أغلق سيف باب الشرفة الخارجية، تاركة زوجته برفقة شقيقتها وزوجة اخيه، واتجه للطاولة المستديرة، يجذب احد المقاعد المجاورة لأخيه الذي يتفحص الحاسوب برفقة علي.
أغلق علي الشاشة، وتمتم بضيق:
_الواد ده عايز يتحطله حد وبأسرع وقت.
هز يوسف رأسه، وقال بقلقٍ سيطر على ملامحه:
_قدر يعرف ازاي عنوانه، ووصل ازاي بالسرعة دي!!
صاح سيف بانفعالٍ:
_وبعدين يعني، هستنى أيه تاني!! ده جالي لحد باب بيتي يا يوسف!
استدار علي للخلف وأشار له:
_ممكن تهدى شوية، مش عايزين نلفت النظر للي بيحصل ده، زينب من غير حاجه متوترة وباين جدًا إنها بتحاول تكون طبيعية.
نظم انفاسه الهادرة، وردد بصوتٍ منخفض:
_انا خايف يا دكتور علي، أنا مش هستحمل حد يأذيها.
ربت يوسف على يده بحنانٍ وأخبره:
_اهدى يا سيف، مفيش حاجة هتمسك ولا هتمسها.
اقترب علي بجسده للطاولة، وقال:
_سيف، ليه مبتفكرش تأخد زينب وتنزل مصر تغير جو، ومنه تتدارى بعيد عنه كام يوم.
صمت قليلًا يوازن ما أخبره به، وعاد بنظراته ليوسف بحزنٍ، قرأ ما يفكر فيه أخيه فربت مجددًا على كتفه، وقال:
_مش هزعل، صدقني إنك هتكون في أمان إنت ومراتك ده يهمني أكتر من أي مشاعر هبلة، وكده كده أنا هحصلك، أحل بس حوار جمال وزوجته وهحصلك في أقرب وقت.
هز رأسه بضيقٍ، وقال:
_يومين أحضر الأوراق وهسافر كام يوم لحد ما أشوف هتخلص على أيه؟
نهض علي بخبره بابتسامته الجذابة:
_كل خير إن شاء الله، على الاقل أدهم موجود في مصر، لو فكر يعمل اي حاجه هيكون فايقله.
وحمل هاتفه ومفاتيحه مستأذنًا بالانصراف بلباقة:
_بقالنا ساعتين هنا، مش يالا بينا يا دكتور يوسف ولا عاجبك نقطع على العريس من أولها كده؟
تعالت ضحكاته الرجولية، فنهض يتبعه هادرًا بمرحٍ:
_متقلقش على دكتور سيڤو في الجزئية دي.
شاركهما الضحك بالرغم من توتره حيال هذا الأمر، ولحق بهما للخارج.
******
إتجه "نعمان" لسيارته، منكس الرأس، يشعر بالهزيمة التي تحيطه لمرته الأولى، ومن خلفه يتبعه أفراد الأمن الخاص بحماية شركته، كان قد عينهما لحمايته بعد أن انتزع الشركة من عُمران، كان يظن بأنه سيفعل أي شيءٍ، ربما لإن تفكيره المسمم شرع له ذلك.
فتح له إحدى الرجلين باب سيارته، وما كاد بصعوده حتى أتاه صوتًا، ذكوريًا من خلفه:
_خروجك مكسور بالشكل ده رمم كل وجع جوايا، بس يا خسارة موبيلي أغلي من إني أوثق الخلقة القذرة دي عندي، لوقت الشماتة وتشفية الغليل.
استدار للخلف ليتفاجئ بجمال قبالته، يستند على مقدمة سيارته واضعًا يديه بجيوب جاكيته، يتابعه بنظرة غمرتها التشفية والانتصار.
انتصب بوقفته وإتجه إليه، حتى بات يقف أمامه، واستطرد ببسمة ساخرة:
_رافع إنت رأسنا هنا بالفيديو اللي نزل، بس المفروض تشكرني، انا دافع وموصي عليك بالاهتمام الحونين!
غدفت عدائية مُقلتيه واكتظمت بالكراهية والحقد، فصاح بعنفوان:
_بقى حتة واد جربوع زيك يآآ..
_اخــــــرس، أنا أنضف منك ومن عشرة زيك يا حقير.
صرخ بوجهه يوقفه عن استكمال حديثه، ورفع اصبعه يحذره وجسده يرتعش من فرط كبته لغضبه العظيم:
_أنا لحد اللحظة دي ايدي مرفوعة عنك، مش لانك راجل كبير وعايب، لانك مهما كان حامل نسب أعز صاحب ليا، مش هقدر أرفع ايدي عليك وأبص في وشه حتى لو كنت كلب وو**
انتفخت أوردته حقدًا، فاستدار للرجلين يصرخ بهما:
_ماذا تنتظرون أيها الحمقى؟ هيا اقضوا عليه.
هاجموه معًا، فتأهب جمال للتصدي لهما، ولكن قبل أن تمسه الأيدي، توقفت سيارة فاخرة امامهم، وهبط منها أربعة رجال ببنية مخيفة، أحاط اثنين منهم جمال بشكلٍ دائري، بينما هاجم الرجلين رجال نعمان المندهش مما يحدث.
ابرحوهما ضربًا، فسقطوا ينزفون بغزارةٍ، أما نعمان فتراجع للخلف برعبٍ، وأراد أن يصعد للسيارة ليفر هاربًا، ولكن قبل أن يصل لباب السيارة، أغلقه أحدهما وقال بخشونةٍ مرعبة:
_اتفضل معانا يا باشا، بهدوءٍ ومن غير شوشرة.
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة، فجاهد لخروج صوته:
_على فين؟ وانتوا مين؟
تجاهل أسئلته، كأنه حشرة، وقال:
_معانا أوامر بترحيلك لمصر حالًا، ووقت وصولك هتلاقي اللي في انتظارك.
تعجب جمال مما يحدث، وخصوصًا من ظهورهم الذي يبدو له بأنهم كانوا يتعقبونه من البدايةٍ، انفعل نعمان وقال:
_أوامر من مين؟
جذبه أحد الرجال للسيارة، قائلًا:
_اتفضل معانا والا هنضطر نلجئ للقوة.
ارتعب من نبرته ونظراته الخطيرة، فصعد باستسلام للسيارة، وصعد الرجلين من الطرفين، متعمدين احكام اي محاولة هروبه، وبالامام صعد أحد الرجلين المحاصران لجمال لمقعد القيادة، وقال الآخر بلطفٍ:
_بشمهندس جمال، اتفضل حضرتك لعربيتك واتحرك عشان نطمن إن حضرتك بأمان ونقدر نتحرك.
بدأت له الخطوط بالظهور، فقال:
_انتوا مين؟ وكنتوا بترقبوني ليه؟
اجابه بتحفظٍ شديد:
_معنديش أوامر أبلغ حضرتك بأكتر من كده.
زوى حاجبيه بدهشةٍ، وقال:
_عُمران اللي عمل كده صح؟
صمته المطول كان اجابة صريحه على سؤاله، جذب جمال هاتفه واتصل بعُمران، مرة، مرتين، ثلاث مرات، ولا يوجد أي رد.
أبعد الهاتف عن أذنه، يتابعه بنظرات مندهشة، ومازال الحارس يقف قبالته، ينتظر مغادرته للمكان تحسبًا لسلامته، تصاعد رنين هاتف الحارس، فرفعه وهو يردد بوقار:
_أيوه يا باشا.
لأ محدش لمسه، اطمن كله تحت السيطرة.
ضيق عينيه بنظرة مستنكرة، فانتزع منه الهاتف، يراقب اسم المتصل بحزنٍ، لقد رفض اجابته وفضل الاطمئنان عليه عن طريق أحد رجاله، اذًا مازال غير قابل لأسفه، فلماذا خدعه؟
رفع الهاتف لاذنه، فاستمع لصوته يشدد بحزمٍ:
_أمن جمال وخرجه من عندك، مهما حصل متطلعش من مقر الشركة الا لما تتأكد إنه مشي، وإن نعمان معاك وتحت سيطرتك، مفهـوم؟
تحرر صوته الحزين، يردد بانكسارٍ:
_تهمك في أيه سلامتي وإنت مش قابل تسامحني؟
قابله بصمتٍ مزق قلب جمال، فتابع جمال بنبرة تحشرجت من فرط كبته دموعه:
_خدعتني ليه يا عُمران؟ عشان أسيبك تسافر صح!!
تنهد بألمٍ، وقال:
_وبعدين معاك يا جمال، مش قولتلك هحتاج وقت؟
انهمرت دموعه رغمًا عنه، فاستدار للخلف حتى لا يرى أحدٌ دموعه، وقال:
_مش عايزك تأخد أي وقت، مش عايزك تفكر في اللي حصل ولا تفتكره أصلًا.
واستطرد بنبرته المبحوحة:
_عُمران، هو إنت ممكن تسامحني لو دعيت ربنا إنك تفقد الذاكرة ويتمحى الموقف ده من ذكرياتك!
وتابع بانهيارٍ تام:
_وجعك وجعني يا صاحبي!
تمكن جمال من سماع شهقاتٍ يحاول الأخير كبتها، ولكنه يعلم جيدًا بأنه يبكي، فقال بوجعٍ:
_خلاص زي ما تحب، المهم تكون كويس وبخير.
وتابع ببسمةٍ يجاهد برسمها:
_إنت بتحب آيوب وبترتحله، روحله يمكن يهون عليك اللي عملته أنا فيك.
تحرر صوت عمران المتحشرج يقول:
_ولو صاحبت طوب الأرض إنت في مكان لوحدك، مفيش حد هيوصل ليه أبدًا يا عبحليم!
انقلب بكائه لضحكٍ، فأزاح دموعه متسائلًا بمزحٍ:
_طيب هترجعني لعصمتك أمته يا سي السيد؟
سقط الاخير بنوبة من الضحك، وقال:
_أقسم بالله لو ما بينا عيش وملح لكنت إتبريت منك ومنكم كلكم نفر نفر، بس هعمل أيه إنتوا قفشين في رقبتي كأني أمكم التانية.
واستطرد بهدوءٍ اجتازه:
_يلا روح ريحلك كام ساعة، وشوف هتصالح مراتك ازاي.
أسرع يتساءل في لهفةٍ:
_طيب هتكلمني تاني أمته؟
زفر عُمران، وهدر بانفعال:
_ما خلاص بقى يا جمال، هو أنا سايب عيل بيرضع ورايا!! وبعدين عشان تكون في الصورة أنا بكره معزوم عند أشرقت، بقولك من دلوقتي عشان متستغلش ده وتهري أمي رن بكره، لو عملتها هظرف أمك بلوك فوري.
واسترسل يأمره:
_اقفل بقى وشوف مراتك وابنك، صحيح هتوفي بوعدك ولا هتطلع بجم؟
ضحك وقال:
_وفيت وبقى عُمران جمال بهجت.
سحب نفسًا مطولًا، زفره على مهلٍ وقال:
_ربنا يباركلك فيه ويطلع على قدر من الاحترام ده لو فلت من تحت ايدي يعني!
تلاشت ابتسامته، وقال بجدية تامة:
_مهما حاولت تهزر وتضحك، حاسس بوجعك وبعجزي معاه، أنا عاجز أخففلك وجع أنا السبب فيه!
وبرجاءٍ شديد قال:
_هو إنت ممكن تنسى اللي حصل في يوم من الأيام؟
طال صمته، وازدرد انفاسه الثقيلة يخبره:
_روح راضي مراتك ورجع ابنك لحضنك يا جمال.
قالها وأغلق الهاتف على الفور، سالبًا قلب الاخير النازف، استدار يمنحه الهاتف واتجه لسيارته بآليةٍ تامة.
******
فور انتهاء المكالمه استدار يعود حيث محل اجتماع الشباب، جذب المقعد وجلس بوجهٍ يلوح به الحزن كالشراعٍ، لاحظ آيوب معالمه، فتساءل باستغراب:
_مالك يا عمران؟
وتساءل بشكٍ:
_هو بشمهندس جمال كويس؟
هز رأسه وهو يرسم ابتسامة هادئة:
_كويس يا آيوب الحمدلله.
فتح يونس باب المكتب، وولج للداخل يضم إيثان أسفل يده، يردد بابتسامة واسعة:
_كابتن إيثو جاي بنفسه يصالحك يا بشمهندس.
سدد له إيثان نظرة مستشيطة، فمال يهمس له:
_البوتيك يا إيثو.
زفر وردد على مضضٍ:
_متزعلش، أنا بحب أرخم على آيوب شوية.
رفع قدمًا فوق الاخرى، ومال يستند على كفه ناطقًا بثباتٍ مستفز:
_ده وأنا بره مصر، لكن دلوقتي إنت مجبر تحترمه، وتسحب رخامتك وبرودك ده لحد معندوش اللي يعز عليه.
اتسعت ابتسامة آيوب فرحة، فوقف خلف مقعد عُمران يلف يديه ويتراقص، متعمدًا اغاظة إيثان، الذي يراقبه بآعين مشتعلة، بينما تتسع ابتسامة آدهم، فنزع هاتفه يراقب الرسالة المرسلة له باهتمامٍ، نهض يستأذن قائلًا:
_في مشوار مهم لازم اعمله، هتيجي أوصلك بطريقي يا عمران؟
أجابه عُمران وعينيه مازالت تقابل ايثان:
_هقعد مع آيوب شوية، متقلقش عارف طريق الرجوع.
ردد آيوب باصرارٍ:
_مستحيل هسيبك تمشي، إنت هتبات معايا اليومين دول قبل ما أسافر عشان اسبوع امتحاناتي.
جذب أدهم أحد هواتفه، وقدمه لعمران قائلًا:
_ده فيه خط مصري، خليه معاك عشان أكون على تواصل معاك.
هز رأسه بخفة وتناول الهاتف يضعه بجيب جاكيته، ردد أدهم في حبور:
_عن إذنكم.
قالها وغادر، ومن خلفه آيوب الذي ركض حتى اوقفه قبل صعوده للسيارة، استدار، يقابله، فقال بانزعاجٍ:
_ماشي بدري كده ليه يا حضرة الظابط؟
اغلق أدهم باب السيارة وقال بابتسامةٍ هادئة:
_عندي مشوار مهم يا آيوب، وبعدين عايز أيه من حضرة الظابط ما الطاووس بوقاحته كلها نزلك!
صعدت قدمه على اطار السيارة، حتى جلس على مقدمتها، وقال بضحكة مرحة:
_عمران صاحبي بس إنت أبويا.
زوى حاجبيه بسخطٍ:
_أبوك!! مكنوش 9 سنين فرق دول!
هدأت ضحكاته، وقال بجدية:
_والله ده اللي يحسه من نحيتك، بحس إن معزتي ليك زي يونس أو بابا كده، مش قادر أشوفك صديق
ارتسم الألم على ملامح وجهه، فتصنع الثبات وهو يجيبه:
_حطني في المكانة اللي تحبها، أنا جنبك وهفضل معاك على طول.
تعمق بالتطلع له، وقال بحيرة مضحكة:
_أنا خايف من اللي بحسه تجاهك، حاسس إنه هيقلب فيلم هندي وهتطلع أخويا في الآخر.
قالها وانفجر من الضحك، على عكس أدهم الذي جاهد ليحتفظ بابتسامته الصغيرة، فأراد أن يهرب من مواجهته، فقال بحزم جاهد له:
_طيب انزل من على العربية، خليني ألحق مشواري.
هبط آيوب، واتجه ادهم للسيارة سريعًا، وقبل أن يشغل محركه وجد آيوب يطل من النافذة ويخبره بمزحٍ:
_من ساعة ما نزلنا من لندن وبطلت تقولي يابن الشيخ مهران! هل ده معناه انك أخدت عليا بزيادة وهتقولي ياض ولا أعتبرك حبيت اسمي فجأة؟
اهتز جسد أدهم والحزن يتمكن منه، فقال بخشونة وهو يتصنع انشغاله بتشغيل السيارة:
_أنا هتأخر كده والقائد هيجازيني بسببك.
وتابع يشير له:
_روح شوف الخواجة بدل ما يقتل صاحبكم ده.
انتبه آيوب لكلماته، وصاح بدهشة:
_أنا نسيته اصلا، أبقى كلمني لما ترجع.
قالها وركض للمحلات، قاصدًا مكتب يونس، بينما تحرك أدهم بسيارته على الفور، وكل ما يشغل عقله، ماذا سيفعل آيوب حينما يعلم الحقيقة؟ الايام تمضي ولم يتبقى عن اختباراته سوى القليل، كيف سيتقبل الامر؟
*******
صعدت فريدة للأعلى، تتبع خطواته، وأعينها معصوبة، تستمع لصوته الرجولي الدافئ:
_شوية كمان هنا.. براڤوو.
زفرت بنفاذ صبر، هتفت:
_إنت واخدني على فين يا أحمد!
مرر إبهاميه على كفيها الرقيقان، وقال يحمسها:
_هانت ونوصل يا قلبي.
تتابعته على مضضٍ، حتى أحاطها بذراعيه، يهمس لها بصوته الرخيم:
_هنا بالظبط.
وقفت محلها تراقب ما سيفعله، شعرت بأنفاسه القريبة منها، فعلمت بأنه يقابلها بوقفته الآن، شدد أحمد على كفيها وقال بسعادة ملموسة بصوته الحماسي:
_من يوم ما افترقنا وأنا حياتي كلها وقفت، كنت بصبر نفسي إن أكيد هيجي وقت وهنسى، بقول مش كل اللي افترق عن حبيبه مات في بعده، بس أنا مت يا فريدة!
واستطرد بألمٍ كالعلقم بفمه:
_ السنين كانت بتعدي عليا، وأنا لا قادر أنسى ولا أقادر أخمد وجعي، استسلمت إنك هتكونلي في يوم من الأيام.
وتابع وهو يقبل كفيها:
_بس ربنا سبحانه وتعالى كافئني بيكِ بعد صبر، وكملها معايا ووهبني طفل منك إنتِ يا فريدة.
انهمرت دموعها من أسفل الشاش الأسود، المحيط لعينيها، فازدردت صوتها الهامس:
_ليه بتقول كده يا أحمد؟
أزاح عنها العصبة، ومنحها ابتسامة طيبت وجعها الذي أيقظه داخلها، قائلًا بعشق:
_عشان اللي فات اتردم ومش هيبقى فيه غير الحلو اللي بينا وبس يا فريدة هانم.
اتسعت ابتسامتها وهي تتأمل الغرفة التي أعدها بالكامل، لاستقبال المولود، أعادها سنواتًا من عمرها، وكأنها مازالت المرآة التي تحتفل بأول طفل لها، وكأنها لم تنجب من قبل.
مررت عينيها على السرير الصغير الذي يتوسط الغرفة، والأخر الذي يعلو لصعوده درج عريض، باللون الوردي، يزاحمه الكثير من العرائس والألعاب، وعلى أحد الاطراف بيانو وردي اللون، ومكتبة صغيرة.
جذب انتباهها اللون الوردي الذي يكسو أغلب ملامحه الغرفة، فاستدارت تتساءل بمكرٍ:
_اشمعنا البينك!
ودنت إليه تسأله ببسمة رقيقة:
_إنت عايز بنت يا أحمد باشا؟
أحاطها بيده والاخرى تضم وجهها بحب:
_شبهك، عايز بنت شبهك يا فريدة.
واستطرد وهو يتطلع لعينيها بهيامٍ:
_نفس لون عيونك اللي مداوباني دول.
لمس خصلات شعرها، مستكملًا:
_نفس لون شعرك.
وتابع بعشقٍ صريح:
_عايزها تشاركك كل حاجة فيكِ.
انزوت بأحضانه بفرحةٍ أدمعت عينيها، ضمها إليه وهو يقبل رأسها بحبٍ، بينما تهمس له على استحياءٍ:
_أنت دواء تعبي النفسي اللي عشته طول السنين اللي فاتت.
وابتعدت تطالعه بنظراتٍ جسدت عشقه بحرفيةٍ، أزاحت دموعها وهي تخبره بابتسامة:
_تعرف إني كنت هكمل علاجي عند علي، وانتظرني كتير أروحله بس مرحتش، عارف ليه؟
هز رأسه ينفي وعينيه غائرة بدموع فرحته بحديثها:
_عشان وجودك جنبي شفاني من كل اللي أخوك عمله فيا يا أحمد، لدرجة إني بقيت قادرة أسامح وأغفر، لو أنت التمن لصبري ومعاناتي معاه فأنا والله مسامحه!
احاط رقبتها بيده، يقربها إليه بقوةٍ، بينما تتمسك هي به، كأنهما يتعاهدان الا يفترقان مجددًا، ولو تعاهد القدر سيحاربان معًا للبقاء على قيد الحياة، وما قربهما الا حياة!!
******
عاد يحمل أكواب القهوة الساخنة بين ييديه، قدمه لها وصعد على مقدمة السيارة جوارها، حملت الكوب منه ويديها تفركان ببعضهما من فرط البرودة، فسألها باهتمامٍ:
_تحبي ندخل العربية؟
أشارت فاطمة نافية:
_لأ، أنا حابة المنظر هنا، بس الجو برد شوية.
منحها ابتسامة عاشقة، ترك علي كوبه على سقف السيارة العلوي، وهبط ينزع عنه البالطو الجلدي، الذي يرتديه، عاد يجلس جوارها ويداثرها به بحنانٍ، ضمته فاطمة حولها فقالت وهي تمنحه ابتسامة مرحى:
_مش خايف تتعب يا دكتور؟
رفع رماديته لها وقال بعاطفة أججت مشاعره إليها:
_فداكِ يا عمر الدكتور.
وتابع يشاكسها، بضحكة عالية:
_وبعدين الدكتور اتمرمط واتسحل ورا قفل الأبواب في وشه، ما صدق إن اتفتحله باب واحد فيهم، تفتكري هيفرط فيه؟
ضحكت بقوة فور تذكرها غلقها للباب باستمرارٍ بوجهه، شاركها الضحك وقال:
_أنا بحمد ربنا إن الوقح أخويا ميعلمش بقفلة الأبواب دي، لإنه لو عرف كان زلني قدام عيلة الغرباوي كلها.
أحاطت جاكيته بحب، يتلألأ بمُقلتيها، وقالت:
_عُمران شخص لطيف جدًا على فكرة، مش زي ما إنت أو أنكل أحمد بتتكلموا عنه.
هز رأسه وبابتسامته الساحرة، أخبرها:
_مهو ليه ميت وش، محدش يقدر يجزم إن ده طباعه الدايمة.
وتنهد بحزنٍ فشل باخفاءه:
_أنا بفتقده جدًا لما بيغيب طول اليوم في الشغل، ما بالك بسفره بعيد عني!
وتابع وقد تأثرت بما يقصه:
_اتعودت أسافر مؤتمرات كتيره، بروح كل مكان وبرجع وأنا على ثقة إنه موجود، وقايم بواجباني على أكمل وجه، لما كنا بننزل مصر كنا بننزل مع بعض، المرادي فراقه صعب، يمكن عشان أنا عارف إنه مسافر وهو موجوع.
انكمشت تعابيرها بحزنٍ، وقالت:
_اللي حكيتهولي مكنش سهل يا علي، بس اللي مفهمتوش إزاي خالك قدر يعمل كده؟
عصف قبضته بعصبية، واختنق صوته وهو يقول:
_من طول عمره وهو كده، كل مرة بنستهون بحقده بتكون قرصته أصعب من الأول، بس المرادي القضيا.
ربع يديه لصدره، واستند بظهره على زجاج السيارة الأمامي، يتابع الأشجار من حوله بتمعنٍ، بينما تضم جاكيته بكل محبةٍ.
قبض عليها فوجدها تدمس أنفها بالجاكيت، كأنها تستمد جرعة أكسجين الحياة، تلقفها إليه، يضمها بحبٍ، وقال يشاكسها بهمسه المغري:
_قولتلك الأمان في حضني أنا، مش في ريحة البرفيوم!
*******
كانت السيارة شاهد قوي لغرام طبيبًا وقع في حب مريضته منذ النظرة الأولى، وكانت أيضًا تشهد على ذلك المجروح الذي قضى ساعات يغفو على الدريكسون وعينيه تتابع الشقة التي تقطن بها زوجته وابنه.
انهمر الدمع من آعين جمال، وهو يتابع ضوء الغرفة مفتوح، تتبع يوسف حتى وجده يصعد لها الآن برفقة زوجته، فصف سيارته بعيدًا عن مدخل المبنى، وراقب الشرفة بألمٍ.
يفصله عن ابنه وزوجته بضعة خطوات، لا يقوى على قطعها، فأغلق عينيه يسترخي بجلسته بعد أن حقق انتصارًا حافلًا على من سحق شرفه وطال بظلمه صديقه.
******
جلس جوارهم على طاولة الطعام، كانت تضم أنواع عديدة من الأطعمة الشهية، والأفضل من كل ذلك، رؤية وجه هذا الشيخ البشوش، الذي ما أن قابله حتى غمره بالأحضان، معبرًا عن امتنانه اما فعله مع ابنه بالغربة.
تطلع عُمران للشيخ مهران باعجابٍ شديد، ملامحه الطيبة بشوشة للغاية، كرمه وحسن ضيافته كانت بارزة منذ لحظة استقباله، ولج "إيثان" للداخل بعدما طرق الباب مرتين، فأشار له الشيخ مهران:
_تعالى يا إيثان ادخل.
جذب يونس المقعد وقربه للطاولة قائلًا:
_اقعد، الاكل برد!
جلس على المقعد جوار آيوب يحدج عُمران بنظرةٍ شرسة، بينما الاخير يبتسم له ببرودٍ، لاحظ الشيخ مهران الورم المجاور لفمه، فتساءل بدهشةٍ:
_أيه اللي عمل فيك كده يابني؟
تطلع لمن يقابله بنظرة عنيفة، وقال من بين اصطكاك أسنانه:
_بعد عنك يا عم الشيخ البقرة اللي جابها متولي الجزار عشان يدبحها فكت الحبل وزقتني في الحيطة.
ضحك يونس وآيوب بشدةٍ، بينما تابع عمران تناول طعامه بجمود تام، جعل الاخير يراقبه بغيظٍ، قرب الشيخ أطباق الطعام إليه وأشار له:
_مبتكلش ليه يابني، أوعى يكون مش عاجبك أكلنا؟
رسم ابتسامة هادئة، وقال:
_بالعكس والله أنا أكلت كتير جدًا، تسلم إيد ست الكل.
برق إيثان بدهشة من اسلوبه الرقيق بالتعامل، عكس شخصه الهمجي، فردد بسخطٍ:
_ابن ناس اوي!
مال آيوب يخبره بشماتة:
_جدًا، وعلى فكرة مبينساش حقه.
أحاطه بنظرةٍ قاتلة، ويده تغمس الملعقة بالطاولة، فتنحنح عمران يخبره بهدوءٍ بريء:
_ألف سلامة عليك يا أستاذ إيثان، بس خد بالك بعد كده وإنت بتعدي من قدام محل الجزارة، الله أعلم المرة الجاية يمكن تلاقي مثلًا طور يفرمك ويساويك بأسفلت الحارة، لازم تكون حريص!
واستدار يردد ببراءة مخادعة:
_مش كده ولا أيه يا شيخ مهران؟
ابتسم الشيخ وقال:
_كده يابني، الانسان لازم يكون حذر!
فشل يونس بكبت ضحكاته، فضحك وهو يتابع وجه إيثان الواشك على الانفجار، وخاصة بإنه ترك مقعده واتجه ليجاوره هو، كأنه ينفذ رسالة عمران المبطنة ببعده عن آيوب.
ولج فارس للداخل، حاملًا زجاجات المياه، وضعها على الطاولة، واتجه يجلس على ساق أبيه، يراقب من أمامه بنظراتٍ شملت الاعجاب، فمال إليه يهمس بصوتٍ كان مسموع لآيوب الذي يجاور أبيه:
_عمو ده مز أوي يا بابا؟
احتقنت معالم إيثان وهو يرمق غريمه، فلكز يونس بعتف:
_شوف ابنك لاعلقه في مروحة السقف.
سيطر تلك المرة على ضحكاته وقال:
_هفهمه حاضر.
ومال يهمس لابنه:
_بس يا فارس، الضيف هيسمعك عيب!
ضحك آيوب وردد بسخرية:
_عيب ليه هو بيذم فيه، بيقولك مز!
منحه ايثان نظرة متوعدة، فمنحه قبلة بالهواء، وانتبه لفارس يسأله:
_صاحبك ده يا آيوب؟
هز رأسه مؤكدًا بغرور:
_آيوه صاحبي، ومن لندن كمان.
عاد يتساءل وهو يراقبه يتحدث مع الشيخ مهران على مقدمة الطاولة:
_اسمه أيـه يا آيوب؟
جذب يونس ملعقة الشوربة، يضعها بفمه ليكف عن الحديث بينما نظرات ايثان تشتعل كالجمرات، وبحزمٍ قال:
_مش قولنا متتكلمش على الاكل وتبطل تقول آيوب كده تاني، إسمه عمو!
اختطفه آيوب وأجلسه على ساقيه، هادرًا بانفعالٍ لابن عمه:
_إنت مالك يا يونس، أنا اللي قايله يناديني كده، مش عايز أكبر يا أخي أنا حر!!
ونهض يحمله على ذراعيه، متجهًا للمقعد المجاور لعمران، جلس جواره وأشار على الصغير ببسمته الجذابة:
_ده فارس ابن يونس يا عُمران، وشكله كده معجب من معجبين الطاووس الوقح.
منحه نظرة تحذيريه وهو يتنحنح أمام الشيخ باحراجٍ، جعل آيوب يبتلع ريقه بخوفٍ منه، وتابع قائلًا ليبدد ما سبق قوله:
_ده إسمه البشمهندس عُمران سالم الغرباوي يا كابتن فارس.
منحه عُمران ابتسامة هادئة، وجذب منديلًا ورقيًا يجفف يده، ثم قدم كفه يصافح الصغير بحرارةٍ:
_أهلًا بالجميل.
صافحه الصغير بسعادةٍ، وقال بعفوية:
_ده إنت اللي جميل اوي يا عمو، وعينك لونها حلو ما شاء الله.
وتابع رافعًا يده للشيخ مهران، يبرر:
_بقول ما شاء الله اهو عشان محسدوش يا جدو
ضحكوا جميعًا ومازالت نظرات إيثان تهاجمه، نهض عُمران يردد بحرجٍ:
_الحمد لله، أنا شبعت.
نهض الشيخ يشير على طبقه:
_فين ده يابني طبقك لسه زي ما هو؟
التهم إيثان ما بمعلقته، وهو يردد ببرودٍ:
_هتلاقيه عامل دايت وخايف على وزنه، لكن اللي زينا مبيهموش، بتقل براحته ويحرقه على الأجهزة، باين البشمهندس راجع مرهق من السفر ومش حمل لعب الاجهزة.
تمعن بالتطلع له بنظرةٍ ثابتة، بينما شفتيه تنجبر ببسمة صغيرة، يعلم بأنه يستفذه ليخرج وحشه الوقح قبالة الشيخ، ففجأه حينما قال:
_ربنا يهديك ويصلح حالك يا أخ إيثان، أنا خايف تفوتني صلاة المغرب جماعة في المسجد مع الشيخ مهران، ولو على الأجهزة، فصاحبك بيعشق الحديد، والاوزان التقيلة، نعوضها في يوم تاخدني وتعزمني على أكلة دسمة ونطلع على الأجهزة مع بعض.
وتابع بغمزة ساخرة، رغم جدية نبرته الواصلة للشيخ من خلفه:
_معرفش ليه من أول ما شوفتك وأنا حاسس إني بحبك لله في الله كده يا اخي، فعلا في خلق تشوفها تحس إنها عشرة عمر، واحنا سبق واتعرفنا في محل المعلم يونس من شوية، وكلنا عيش وملح دلوقتي مع بعض، هعوز أيه أكتر من كده عشان أحبك مثلًا
واشار للشيخ وهو يتجه للخروج:
_يلا يا شيخنا عشان نلحق الصلاة.
ابتسم الشيخ وجذب سبحته واتبعه يردد:
_بينا يابني.
وأشار لابنه وابن شقيقه، قائلًا:
_خلصوا أكل وحصلونا على المسجد.
خرج عمران برفقة الشيخ مهران، وتبقى إيثان الذي مازال يتطلع لمحل عمران الفارغ بصدمة، بينما اتسعت ابتسامة يونس بالاعجاب، ومال لآيوب يخبره:
_أيه الشخص الجامد ده، ده هيجيب لإيثو صدمة عصبية!.
كبت ضحكاته وقال يهمس له:
_ماله وشه قلب ألوان كدليه، قوم خده الصيدلية بسرعة، باين ضغطه علي!
أشار بلا مبالاة وقال بجدية مضحكة:
_فكك منه ده بسبع أرواح، وقولي إنت اتعرفت على عُمران ده ازاي؟
واستطرد بفضول:
_شخصيته ملفتة أوي، قولي كل حاجه عنه وبالتفاصيل!
******
_وبعدين يعني يا أدهم، مش هتبطل لف ودوران عليا!
قالها "مراد" بغضبٍ شرس، وهو يطرق الطاولة الفاصلة بينهما، بينما يحاول أدهم الحفاظ على ثباته وقال:
_أنا مش فاهم أيه اللي معصب حضرتك بالشكل ده؟ كل ده عشان بقول لحضرتك إني سمعت نصيحتك واهتميت بتفاصيل الفرح، وهسافر على طول انا وزوجتي لميلانو؟
منحه نظرة جعلته يبتلع ريقه بارتباكٍ، وخاصة حينما مال يضم كفيه على الطاولةٍ:
_واشمعنا ميلانو؟!
حافظ على ثباته، وهو يجيبه:
_زوجتي اللي مختارها، وأنا طبيعي وافقت على المكان اللي هي نفسها تزوره، ده فيه شيء يزعل حضرتك أو القادة مني!
دعس شفتيه السفلية بين أسنانه، ونهض يقترب إليه بخطواتٍ ثقيلة، زادت من ارتباكه، انحنى إليه وتطلع له مباشرة وهو يعيد بنبرة أشد خطورة:
_هعيد لأخر مرة، اشمعنا ميلانو يا أدهم؟
تصنع عدم معرفته بما يقول، وردد بدهشة:
_هو في حاجة يا باشا؟ لو انا ممنوع من السفر عرفني؟
استند بذراعيه على ذراعي المقعد خاصته، وردد بهدوء مخيف:
_أنا اللي دربتك وعرفتك امته تستخدم ذكائك، وامته تلف وتدور، فيوم ما تحاول تخش في تحدي معايا افتكر إني أستاذك وقائدك!
اهتزت مقلتيه قبالته، بينما نصب الجوكر عوده وقال:
_أنا عارف إن في حاجه بينك وبين رحيم، واللي مطمني إن المهمة مش في ميلانو أصلا.
واتجه لمقعده، يجلس واضعًا ساقًا فوق الاخرى:
_أنا جبتك هنا النهاردة، عشان لو شميت إنك اشتركت في المهمة دي من قريب أو من بعيد يبقى وصلك تحذيري المسبق للي هعمله معاك.
جف حلقه رعبًا مما استمع إليه، فاشار مراد بزورقة عينيه للباب:
_روح كمل ترتيبات فرحك يا آآ.. يا عريس!
نهض عن المقعد وغادر للخارج، يقتبس النظرات المرتبكة إليه، لا يخشاه أكثر مما يخشى أن يفعل شيئًا يضايقه، العلاقة بينهما غامضة حتى على الاسطورة، الذي حاول فهم طبيعة علاقة أخيه به، ولكنه يعلم بأن هناك مشاعر نبيلة بينهما.
******
وقف عمران أمام المسجد بالخارج برفقة يونس وآيوب، بعد صلاة المغرب، وما أن وجدهما يستعدان للرحيل حتى تساءل باستغراب:
_والشيخ مهران؟
ابتسم آيوب وأجابه:
_ الشيخ مهران بيدي دروس بالمسجد بعد صلاة المغرب لطلاب الأزهر يا عمران.
نزع حذائه وولج مجددًا يراقب المسجد، ابتسم عمران والحزن يزحف لعينيه رغم ابتسامته، حينما رآه يجلس أرضًا، ويلتف من حوله عدد من التلاميذ، كانوا يتشاركون بصف الصلاة جواره، والآن يحيطونه بحبٍ.
خرج إليهما مجددًا، فلف آيوب ذراعه حول كتفه، وبحماسٍ سأله:
_قولي بقى عايز تروح فين وأنا معاك؟
استرخت معالمه، فمنذ اللحظة التي وطأت قدميه حارة الشيخ مهران، وهو يشعر براحة وصفاء، ازداد بدخوله لمنزله.
وقفوا امام عمارة الشيخ مهران، فرفع عُمران بصره للأعلى، وقال:
_عايز اطلع عند البرج ده لو ينفع؟
رفعوا رؤؤسهما للأعلى، وقال يونس مبتسمًا:
_عند الحمام تقصد؟
هز رأسه بحماس، فضحك آيوب وقال:
_إنت مُصر تحتك ليه بإيثان.
عاد ببصره إليه، متسائلًا بعدم فهم:
_ماله بالبرج، مش ده بيتك؟
تمادت ضحكاته الرجولية، فرد عليه يونس:
_أيوه بس إيثان مسيطر على السطوح، وعامل فيها البرج لإن والدته بتكره الحمام، كل ما بيعمل البرج فوق عمارتهم بتطلع تهده وتطفش الحمام، لحد ما الشيخ مهران قاله يجبهم عندنا فوق.
وضع يديه بجيوب جاكيته، وقال باصرار عنيد:
_حابب أشوفه.
هم آيوب للداخل، وقال:
_يارب يكون مشي، تعالى!
صعد عُمران خلفه للاعلى، واتباعهما يونس، وصلوا للطابق الاخير من البناء المرتفع، فوقف آيوب جوار عُمران يلتقط انفاسه، بينما تسلل لهما صوت إيثان، الذي يغفو على الأريكة الخشبية المحاطة بمرتبة من القطن، واضعًا قدمًا فوق الاخرى ويصيح بانفعال:
_يعني أيه مش راضية بيا!! هي نسيت نفسها ولا أيه يا ماما؟ كلمي خالتي وقوليلها تضغط عليها.
وتابع وهو يحرك قدمه بعصبيةٍ:
_أمال كانت نازلة رفض في العرسان ليه، مانا عارف إنها كانت بتعمل كده عشان مستنياني أحن ولما اتنيلت وحنيت بتشوف نفسها عليا بنت إيفون!
وعدل من جاكيته الرياضي، مستطردًا:
_هي تطول إني أتقدملها ومرتين!! تفوق لنفسها.
وأضاف بعدما اعتدل بجلسته:
_لا بصي الكلام في التليفونات ده لا هيقدم ولا هيأخر، خدي بعضك واطلعي على خالتي، إديهملهم هما الاتنين وارجعي على طول.
سلام.
اغلق الهاتف وابتسامة الغرور تحفل على وجهه، فتسلل له صوتًا غليظًا يهتف:
_ده مش عايز بقرة تنطحه، ده عايز لودر يدوس فوقه أربع مرات!
احتدت مُقلتيه فور أن رأه يستند على دربزاين الدرج، مربعًا يديه أمام صدره، ويتابعه بنظرةٍ ساخرة، هرع إلى آيوب الذي يتطلع له بصدمة مما استمع إليه، وصاح:
_ده بيعمل أيه هنا؟
أتاه الرد من خلفهما:
_ما خلاص يا إيثو الله، ده انا جبتلك البشمهندس لعندك عشان تخططوا للبوتيك جنب الحمام بمزاج عالي!
ضيق عينيه وهو يرمقه نظرة الحما التقيمية لزوجة ابنها، بينما يتطلع له الاخر ببرود.
تخطاه عُمران واتجه لسور السطح، وقف يتطلع للمباني القديمة بابتسامة هادئة، يعشق تلك الاجواء ولطالما رغب أن يكون جزءًا منها، جذب انتباهه الشرف الخشبية العتيقة المحيطة لأكثر من منزل، المباني من حوله بسيطة التكوين، ولكن يغمرها الكثير من الفرحة والراحة التي يستطيع لمسها داخله الآن.
هو الذي ذاع صيته، باحترافية صناعته، وفخامة منشئاته حديثة الطراز، يجد أن ما صنعه لا يضاهي شعوره بوقفه بهذا المكان.
سحب يونس إيثان للأسفل، اقنعه بالعودة لمنزله والقدوم غدًا حتى لا يشب شجارًا جديدًا بينه وبين عُمران.
وقف آيوب جواره، يطالعه بابتسامة جذابة، ختمها بسؤاله المتعجب:
_شايفك مبسوط وحالك اتبدل بعد ما طلعنا هنا؟
وضع يديه بجيوب سترته وقال:
_المكان ده كفيل يغيرني أنا شخصيًا يا آيوب.
ولف برأسه له، يخبره بامتنانٍ:
_يارتني جتلك امبارح، كنت محتاج لاجواء زي دي تسكن النار اللي جوايا.
رمش باهدابه بعدم فهم، وقال:
_مالك يا عُمران؟ إنت فيك شيء صح!
تنهد بوجعٍ لمسه الاخير، فاتجه للأريكة، جلس فوقها يتطلع لسطح المنزل بسكينة واعجاب، وما أن اتبعه آيوب حتى قال بآنينه الخافت:
_من غير ما تحاول معايا، الخلاصة في كلمات بيكونوا أبشع جملة ممكن تتحفر جوايا.
ورفع رماديته له، يخبره بانكسارٍ:
_خالي قرر يفرقني عن صاحب عمري، فعراني وحطاني مع مراته في سرير واحد عشان يضمن إنه يفرقنا وللأبد!!
********
أحاطت جسدها بيديها ودموعها تنهمر دون توقف، وحينما شعرت بعلو شهقاتها، كممت خديجة فمها بيدها وتركت العنان لعبراتها تفيض عنها ما يحجرها.
طرقت سدن الغرفة وولجت، تتساءل وعينيها معلقة بالقرآن الكريم:
_خديجا، في آية مش إعرف اقرأها، ممكن ساعدني!
ورفعت عينيها إليها، لتتفاجئ بها تحاول ازاحة دموعها والاعتدال بجلستها، راسمة بسمة مصطنعة، وصوتها المتحشرج يردد:
_آه طبعًا، تعالي يا حبيبتي.
مالت سدن للخارج تراقب الحاجة رقية، فما ان وجدتها تعد العشاء، ولجت بعدما أغلقت الباب من خلفها، جلست قبالتها وقالت بلهفة:
_مالك خديجا، بتعيط ليه؟
جذبت منديلًا ورقيًا، تزيح دموعها، وقالت:
_مفيش يا حبيبتي، أنا بس اوقات كده بقعد اقلب في القديم واللي يعكنن مزاجي.
رددت بالانجليزية بعدم فهم:
_أتعنين حياتك السابقة مع زوجك السابق؟
هزت رأسها ببكاءٍ، واجابتها:
_أجل، أحمل منه ذكرياتًا سيئة، لقد كان يتفنن باهانتي، كنت أتمنى الموت كل ليلة، لم يصبرني على هذا الابتلاء الا ابني فارس، حفظه الله لي.
أشفقت عليها، تعلم جيدًا كيف يكون ألم اهانة أثنى، ازدردت صوتها، قائلة:
_هل كان يعتدي بالضرب عليكِ خديجا.
ضحكت بصوتٍ مسموع، رغم هبوط دموعها، وقالت:
_بل فعل الأبشع من ذلك.
زوت سدن حاجبيها بعدم فهم، فرفع خديجة جلبابها تريها ساقيها وجسدها، بترت شهقاتها بكبت كفها لفمها، تتسع حدقتيها بشكلٍ مفزع، أعادت جلبابها عليها، وبانكسار قالت:
_مش عايزة يونس يشوفني كده يا سدن، كل ما أيام عدتي بتمر كل ما بترعب وبخاف، لو رفضت جوازي منه مرة تانية هكون بخسر فرصتي الأخيرة معاه.
ادمعت عينيها ألمًا، واتشحت بابتسامةٍ موجوعة، ورفعت لها بلوزتها تريها مخطوطة السكين التي تحملها إلى الآن، تعجبت خديجة مما رأته، فازاحت دموعها وتساءلت باستغراب:
_دي ضربة سكينة!! من ايه دي؟؟؟
بابتسامة لخصت معاناتها هي الآخرى، كأنثى ممزقة:
_لقد ترك لي عمي تذكارًا أبديًا، بعد أن قتل أخي.
تشاركتا الوجع، نفس المذاق المرير، كلاهما أنثى تم الاعتداء عليهما من أقرب أناسًا إليهما، ضمتها خديجة، تربت على ظهرها بحنان، بينما هي بحاجة من يضمها إليه.
ابتعدت سدن تزيح دموعها، وبابتسامة مشرقة قالت:
_حسنًا خديجة، إن كانت رؤية جروحك تذكرك بما مضى، لماذا لا تتخلصي من ذكرياتك السيئة هذة.
زوت حاجبيها بعدم فهم:
_ماذا تقصدين؟
ردت عليها تشرح:
_عليكِ بمعالجة جروحك، بجراحة تجملية، إن رغبتي ألا يراكِ يونس بتلك الحالة.
نصب تركيزها معها، وقالت:
_بس مش حرام ده؟
ابتسمت سدن وضمت المصحف الشريف لها، مستطردة:
_لا أعلم، مازلت أجتهد للعلم عن دينينا ولكني على ثقة بإن الله عز وجل لن يحرم شيئًا هكذا بمثل حالتك تلك، كلما ازددت تعمقًا بالدين الاسلامي أجده سلسًا، الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده.
واضافت باقتراحٍ:
_فلننتظر الشيخ مهران ولنسأله معًا، إن وجدناه غير، محرم فلنذهب معًا لطبيبة متخصصة، ما رأيك؟
اتسعت ابتسامتها بفرحةٍ، وأخذت تشير لها بالموافقة، فابتسمت الاخيرة والدموع مازالت بأعينهما، فعادت تضمها إليها مجددًا، وتلك المرة قالت:
_ما مر من حياتك مضى ولن يعود، لقد انتهى الشطر السييء والآن حان الوقت لتكتبي حياتك بيدكِ خديجة!
*******
بالأعلى.
وضع يونس الشعلة الصغيرة على الطاولة، ثم وضع قدح الشاي الكبير عليه، ومن جواره يجلس آيوب جوار عُمران، سكب الشاي بالأكواب التي تحمل أعواد النعناع، قدمه يونس إليه، فالتقطه مرددًا:
_تسلم يا يونس.
منحه ابتسامة صغيرة، وقدم لآيوب الاخر، ثم جلس جوارهما يتساءل:
_هنفضل قاعدين هنا كتير، صلينا العشا وقعدين بقالنا اربع ساعات، ومازلت مصر تقعد هنا!
وأضاف مقترحًا:
_ما تيجي ننزل عندي تحت.
ارتشف من كوبه، وأجابه:
_أنا حابب القعدة هنا لحد ما أدهم يجي.
ابتسم آيوب يخبره بمكر:
_مش هيجي، أنا كلمته وقولتله انك هتبات معايا.
ووضع قدمًا فوق الاخرى، يخبره بعنجهيةٍ وهو يرتشف من كوب الشاي خاصته:
_فاكرني هتخلى عنك بالسهولة دي يا طاووس!
ارتشف عُمران من كوبه، وقال بنفس الثبات والابتسامة الصغيرة:
_وأنا مش عايز أفارقك يابن الشيخ مهران!
تنحنح يونس هادرًا:
_ما نكمل وصلة العشق الممنوع ده عندي تحت، الجو بدأ يبرد!
لف رأسه له وقال:
_أنا حابب أفضل هنا.
اصراره كان غريبًا، لدرجة جعلت آيوب يقول:
_خلاص يا يونس انزل انت تحت عشان فارس، وأنا هفضل هنا مع عُمران.
هز رأسه في يأس، ونهض يشير له:
_طيب تعالى معايا خد فرشة نضيفة وبطاطين.
هبط معه آيوب للأسفل، فتمدد عمران محله على الأريكة، يعيد فتح هاتفه، فتفاجئ بعدد من الرسائل من زوجته، على حسابه الخاص، حرر زر الاتصال، وما أن استمع لصوتها فشم فيه غضبها، أسرع يمتصه بحيلته:
_حبيب قلبي وروحي، وحشني صوتك أوي.
_والله!! تصدق إني شوية وهصدقك، بحاول أكلمك من امبارح وانت قافل تليفونك، أنا كنت هموت من القلق عليك يا عمران!!
وضع يده أسفل رأسه، وقال:
_أنا كويس يا مايا، غاوية تتعبي أعصابك وتقلقي ابني حبيبي عليا!
بغضبٍ هدرت:
_ابنك ومامته زعلانين منك، إنت مش بس هان عليك تمشي وتسبني، لا وهان عليك تنام من غير ما تكلمني يا عُمران!
ردد بحزنٍ مصطنع:
_أنا معرفتش أنام من غيرك، ولا عارف اعيش أصلًا، آنتِ عارفة إن آيوب زهق معايا عشان يخليني أفك ولما فشل قالي قوم روح إنت مالكش علاج.
صعق من يقف خلفه، يحمل الأغطية، بينما يتابع هو:
_صدقيني حابب أرجعلك النهاردة قبل بكره بس للأسف مضطر أفضل عشان آيوب محتاجني أذكرله، امتحاناته بعد اسبوع، وآدهم كمان عايزني أفضل معاه عشان ترتبيات الفرح، إنت عارفة معزته عندي فبالتالي مقدرش أقوله لأ.
تنحنح آيوب لينتبه لوجوه، فاعتدل بجلسته، وقال:
_طيب يا حبيبتي هكلمك بكره، تصبحي على خير.
اغلق الهاتف وقابل تلك النظرات المندهشة، تحرر آيوب عن صمته أخيرًا قائلًا بسخريةٍ:
_دي شكلها كنبة اتصنعت للفشارين!!
وتابع وهو يلقي الغطاء إليه:
_ايه يا عم الفشر ده، ده أنا بنفسي شاهد انك عايز تخلع آدهم من الجوازة النهاردة قبل بكره.
تعالت ضحكات عمران، فالتقط الاغطية وطرحها أرضًا قائلًا:
_آيوب يا حبيبي، الست طول ما حاسة أن جوزها مجبور يبعد عنها هتنام وتعيش حياتها، لو شكت صفر في المية إنه بعيد بارادته ومرتاح وسعيد فورًا هتلاقيها فوق دماغه، أو على الاقل هتنكد عيشته وعيشة اللي خلفوه!
شاركه الضحك وانحنى يعدل الغطاء جواره، ثم وضع الوسادة وتمدد، فقال عمران حتى يرفع عنه الحرج:
_لو عايز تنزل تنام تحت انزل، أو حتى نام على الكنبة.
وضع ساقًا فوق الاخرى، وقال بسخرية:
_انا لا نازل تحت ولا هنام على كنبة الفشارين دول، خليني هنا لحد ما ربنا ياخد بيدي وأعدي الامتحانات وبعدين نجرب كنبة الفشر دي.
انفجر عُمران ضاحكًا، وقال:
_زي ما تحب البيت بيتك، خد راحتك.
نزع عنه جاكيته وخلع التيشرت الخاص به، ثم تمدد جواره، جحظت أعين آيوب، وصاح بصدمة:
_انت بتعمل أيه، الجو تلج!!
قال ساخرًا:
_ده برد ده!! بالنسبالنا كأنك معلي التكيف شوية، نام يا آيوب أنا مبسوط كده.
طرح الغطاء عليهما وقال وهو يتثاءب:
_زي ما تحب.
وسرعان ما غفوا معًا، بينما أعلى البرج، طل إيثان من الاعلى يرمقهما بنظرة خبيثة، جذب هاتفه وشرع بالتقاط عدة صور، هاتفًا بمكرٍ:
_لما نشوف سيفو هيعمل أيه لما يلاقي في حضن جوزه ضرة تانية!
....... يتبع....
#صرخات_أنثى.... #الاقوى_قادم.... 💣
حبيباتي، ممكن تقروا الكلام المهم اللي هكتبه هنا.
أنا دلوقتي وفيت بوعدي ليكم، ونزلتلكم فصل طويل ومشبع، حاولت اظهرلكم كل الاشخاص، وحرصت متكنش فيه قفلة تشويقية، كل ده عشان راحتكم، انا حاليًا هرفع الفصل وخايفة من التفاعل أو التصويتات على الواتباد، أنا عارفة اني لما اوقف الرواية دلوقتي شيء مش لطيف، بس صدقوني غصب عني، عايزة أكمل رواية المعرض عشان في بنات زعلت اني مش نازلة، أنا مش طالبة منكم غير انكم تتفاعلوا على الفصل ده عشان أبعد وأنا مزاجي كويس فاقدر انجز وأرجع بسرعة نكمل الرواية، صرخات أنثى هانت خالص ونختمها ونبدأ باشباح المخابرات عام جديد ومختلف، وطبعا بالايام اللي فاتت نزلتلكم الجزء الاول من بشرية أسرت قلبي، وهكمل معاكم من يوم السبت الجزء التاني، بتمنى العمل ينال اعجابكم، وبتمنى من كل قلبي انكم تدعموني زي ما اتعودت منكم، إن شاء الله مش هتأخر، هخلص باقي الرواية وهرجع ليكم نستكمل صرخات ونخلصها في اقرب وقت، خليكم واثقين اني بسعى دائمًا لارضاء الناس اللي بتحبني وبتقدرني سواء الكترونيًا أو ورقيًا، بحبكم في الله.
#Aya...
****________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السادس وثمانون 86 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#حبيبتي_العبرية!)
#الفصل_التاسع_والستون.
(إهداء الفصل لمتابعات رواية صرخات أنثى الغاليات ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
احتل قرص الشمس كبد السماء، غامرة الكون بأشعتها الذهبية، خاطفة خيط من خيوطها، لنافذة تلك السيارة، أزعجت ذلك الذي يغفو على آليتها، فتح "جمال" عينيه بانزعاجٍ، والألم يطمس أنحاء جسده بأكمله ، من نومته الغير مريحة بالمرةٍ، أحاط رقبته بيده، وحركها بخفةٍ حتى يخفف من حدة الألم المتركز بنسبةٍ كبيرةٍ بها، بينما عينيه تراقب شرفتها بحزنٍ جعله يكبر عمرًا فوق عمره، يشعر، وكأنها فارقته منذ عشرة أعوام، يشعر ولأول مرة بأنه يتيمًا، لا يملك مآوى ولا رفيق.
عقد عزمه على المواجهةٍ، مهما كانت النتائج، جذب هاتفه، وحرر مكالمة لرقم "يوسف"، انتظر حتى أتاه صوته الناعس:
_خير على الصبح يا بشمهندس؟ إفتكرت كارثة جديدة نسيت تبلغني بيها، فقولت أصبح عليه.
تجاهل حديثه الساخر، وسأله بجديةٍ:
_دكتورة ليلى فوق عند صبا؟
اتسعت مُقلتيه، وانتفض بجلسته يأمره بغضب:
_إرجع عن اللي في دماغك ده يا عبحليم، اهدى وسبها تهدى وبعد كده آآ...
قاطع دور الناصح العقلاني، وصاح:
_أيه اللي مش مفهوم في كلامي! سألتك سؤال جاوبني!
زفر وهو يضم أعلى أنفه بضجرٍ:
_لا يا جمال، ليلى هنا مبتتش عندها النهاردة، بس صدقني اللي بتعمله ده آ...
بتر حديثه فور سماعه صفارة إنهاء المكالمة، ألقى "يوسف" هاتفه وتمتم بانزعاجٍ:
_غشيم ورأسه رأس صعايدة صعب يقتنع!!
طرق "جمال" بابها، وصوت اضطراب أنفاسه يختلج داخل رئتيه، يخشي تلك اللحظة التي يحملها ضغينة فوق قلبه، لا يريدها أن تأتي لمخيلاته، ولكنها آتية لا محالة، سيواجهها بنهاية الأمر!
سقطت عنه الكلمات، وتلاشت، فور أن وجدها تقف أمامه، تطالعه بصدمة جعلتها تكاد أن تغلق الباب بوجهه مجددًا، ولكنه كان الأسرع حينما ولج للداخل، مغلقًا الباب من خلفه، وعينيه تتفقدها بشوقٍ، بينما يهتف بهمسٍ:
_مقدرتش أصبر أكتر من كده يا صبا.
مازالت الصدمة تسيطر عليها، ولكنها لم تترك لها بالًا، وهدرت منفعلة:
_إنت عرفت مكاني إزاي؟
رنا إليها يفوه بحزنٍ:
_مش مهم، المهم إني قدامك دلوقتي، وطمعان إنك تسامحيني يا صبا.
أغدفت مُقلتيها بازدراء منه، بينما مازالت تتراجع للخلف، وهو يقترب إليها، فأوقفته بإشارة صارمة:
_متتخطاش حدودك وتقرب أكتر من كده، الأفضل ليك إنك تمشي حالًا، ومتورنيش وشك تاني.
توقف محله بينما عينيه تضم ملامحها بشغفٍ، احتفظ برغبتها بالابتعاد عنه بمسافةٍ، وكان راضيا في سبيل رؤيتها، أجلى صوته العالق بين حنجرته، وقال:
_أنا لسه مفقدتش الأمل إنك هتسامحيني، في يوم من الأيام.
ضحكت بصوت مسموع، رغم هطول أمطار عينيها، وقالت بسخريةٍ:
_إنت بتحلم يا بشمهندس اللي بينا مفهوش سماح ولا غفران.
واستطردت، وهي تصرخ بجنون:
_وياريت تطلع من هنا حالًا، وتقدر إني مش طايقة أشوف وشك.
نغز قلبه دون رحمة، وقرر أن يغادرها الآن حتى تهدأ قليلًا، فتنهد وهو يخبرها:
_هشوف ابني وهمشي على طول لو ده هيريحك.
عارضته بكل قوةٍ، وصاحت:
_مش هتشوفه حتى لو فضلت واقف مكانك العمر كله.
ابتلع مرارته، وقال في محاولةٍ لاستعطافها:
_مرة واحدة بس يا صبا، ملحقتش أحفظ ملامحه ولا أخده في حضني.
وأضاف بوجعٍ:
_ده ابني وليا فيه زيك بالظبط، حرام تحرميني منه!
راق لها رؤيته منكسرًا كذلك، ولأول مرة منذ دخوله تقترب هي منه، وتجابهه بكل شموخٍ:
_غريب إنك بتهين نفسك وبتقلل من كرامتك قدامي عشان تشوف طفل مش طفلك.
وضمت شفتيها بشفقةٍ:
_إنت صعبان عليا يا جمال، معشم نفسك إنه ابنك والحقيقة غير كده.
احتقنت حدقتيه بجحيمٍ كان ليحرقها حية، ولكنه بالرغم من ذلك تمسك بكل ذرة صبر داخله، كفه ينطبق حول بعضه بشكل جعل أوردته على وشك الانفجار، مازالت عينيه تطالعه والصمت لا يتناهى عنه، إلى أن تحرر صوته أخيرًا:
_بلاش يا صبا، أنا عارف إني وجعتك وجع عمره ما هيتنسى، بس صدقيني اللي بتحاولي تعمليه دلوقتي ده نتيجته أنا مش ضامنها.
دفعته بكلتا يديها على صدره بقوةٍ فجأته، بينما صراخها الباكي يعلو ليصمم أذنيه:
_هتعمل أيه يعنـي؟! أيه هتضربني تاني وتكسر ضلوعي؟! هتعمل أيـه المرادي عرفني!
واستطردت وهي تسير له بابتسامة شملت كل كسر مسها كأنثى:
_المرة اللي فاتت ثقتك في صاحبك كانت كبيرة، وكل اللي إنت شايفه إن أنا اللي وصلته لخيانتك، المرادي مفيش حجة مقنعة هتلاقيها لصاحبك التاني، هو اللي جابني هنا وهو اللي بيصرف عليا وعلى الولد، تفتكر ليه؟ يمكن أكون خنتك معاه هو كمان والله أعلم يمكن الولد يكون ابنه!
وبابتسامة متشفية قالت:
_أنت محتاج تعمل DNA يا جمال، لإن الولد مستحيل يكون ابنك.
دفعها للحائط بقوةٍ، وبساقه دفع الطاولة الزجاجية حتى سقطت محتوياتها، ناشرة شظاياها كقلب تلك الأنثى الجريحة، وصراخ جرح رجولته الهادر بغضبٍ:
_اخــرســي يا صبــا، اخــــــــرســــــــي!
لم تتأثر بسمة سخريتها، حتى وهو يقابلها وجهًا لوجه، بملامح وجه خطيرة، أعين ضائعة، كل شيءٍ به يوحي بمدى معاناته وتشتته، ومع ذلك لم ترأف به مثلما لم بمنحها هو من الرأفة وسامًا، فإذا به تنزع مئزرها الشتوي عنها، وبابتسامتها التي أطاحت به رددت:
_هتعمل فيا أيه أكتر من كده؟ إتفرج وشوف!
انتقلت عينيه لكدماتها الزرقاء التي تحيط بذراعيها، الجيبرة البيضاء تغلف أكثر من نصفها العلوي، ربما بدأ وجهها بالتعافي، ولكن ما تخفيه أسفل جسدها لا يهول على عقل بشري، عجزت عينيه عن مواجهته، مازال يتطلع لجروحه بألمٍ، تساقطت دموعها رغمًا عنها وبحشرجة كالعلقم قالت باستهزاءٍ طعنها:
_كتر خيره صاحبك لولاه كان زماني أنا واللي بتقول عليه ابنك تحت التراب.
أغلق عينيه يعتصر دمعاته بعنفٍ، وهمس بقهرٍ وهو يميل برأسه على كتفها:
_سامحيني بالله عليكِ، عاقبيني زي ما تحبي أقسملك بالله ما هنطق بحرف لإني أستاهل، شيطاني عماني وخلاني مش شايف قدامي.
دفعته عنها بشراسةٍ، وباحتقارٍ قالت:
_وشيطاني عميني عن إني أرحمك.
وتابعت بحقدٍ وكرهٍ تلألأ بمُقلتيها:
_إنت لو بتموت قدامي يا جمال وبإيدي أريحك من عذابك عمري ما هريحك، إنت مسبتش ليا شيء ممكن يشفعلك عندي، إنت مش بس هنتني وكسرتني قدام أصحابك، إنت منعت عني الرحمة وكنت عايز تقف لدكتور يوسف لما كان عايز ينقذني أنا واللي في بطني فبأي حق أرحمك؟!!!!
واستطردت بدموعٍ كالسيل لم تستطيع السيطرة عليها، رغم أنها ثابتة أمامه:
_اخرج من هنا أنا بمجرد ما بشوفك بقرف من نفسي إنك كنت في حياتي في يوم من الايام، ولو لسه جواك شيء من الكرامة هتخرج من هنا على أقرب محامي وتعتقني لوجه الله.
اقتربت إليه تلك الخطوة الفاصلة، وسألته بقهرٍ:
_ينفع تعتقني لوجه الله يا بشمهندس؟
أي حديث سيشفع له الآن، كل شيء يتلاشى، حتى الأمل بأن تصفح عنه يومًا، إتجه للخروج بآلية تامة، وقبل أن يفتح باب الشقة، أخرج من جيب جاكيته مبلغًا ضخمًا من المال، وضعه على الطاولة القريبة منه، استكمل طريقه للخارج مغلقًا الباب من خلفه، فإذا بها تفتحه من خلفه وتوقفه قائلة:
_استنى عندك.
وقف محله دون أن يستدير لها، خرجت "صبا" إليه، ووقف قبالته، ألقت المال إليه، وقالت:
_أنا مبقبلش صدقة من حد، من بكره هنزل اشتغل وهصرف على نفسي وعلى ابني، وفر فلوسك لجوازتك التانية يا بشمهندس.
واستدارت تعود لشقتها، وقبل أن تدلف قالت بتشفي:
_آه قبل ما أنسى، عشان متقولش عليا ظالمة ومعنديش قلب، لو عايز تشوف الولد انا معنديش مانع، بس لما تدق بابي هات معاك نتيجة التحليل، ويمكن وقتها ابقى أسمحلك تصرف عليه.
وتابعت دون رأفة:
_استنى هنا، شوية ورجعالك.
ولجت للداخل بينما اهتز جسده بضعفٍ، فاستند على الدرابزين يدعم من وقوفه، كل شيءٍ يتلاشى من حوله، عادت له من جديد تقترب منه، تلاحظ إرهاق وجهه الشديد، اختلال وقوفه، لطالما كان ينصب عوده بشموخٍ، تراه يحمل من الانكسار ما جعله يشاركها حالتها، دفعت كيسًا بلاستيكًا له، وضعته بيده، وقالت:
_هتحتاج دي عشان الDNA.
قالتها وغادرت بهدوءٍ، صافقة الباب من خلفه، بينما يتطلع هو لتلك الشعيرات الصغيرة الموضوعه بين كفه بوجعٍ، أطبق عليها بحنانٍ، وكأنه يضم بذلك صغيره، وفجأة أبدل طريق هبوط الدرج للمصعد المجاور له، وما ان ولج حتى لكم حائطه بكل قوته وهو يصرخ بآنينٍ:
_الرحمة يـا رررب، الرحمة!!
*****
لكزه برفقٍ وهو يناديه لمرته الثالثة، وحينما لم يجيبه، هدر منفعلًا:
_ما تفوق بقى يابن الشيخ مهران، هنقضي النهار كله على السطوح ولا أيه؟!
فتح فيروزته بانزعاجٍ، واعتدل بجلسته يسأله بنومٍ:
_هي الساعه كام؟
رفع "عُمران" معصمه يتفحص ساعته، وبفتورٍ قال:
_ستة ونص.
رمش بعدم استيعاب:
_بتقول كام؟
ضيق رماديته بضيقٍ:
_أعتقد إنك سمعتني، ولا أيه؟
هز رأسه يؤكد له، ثم طرح سؤال أخر:
_مصحيني في الوقت ده ليه يا باشا؟
منحه ابتسامة صغيرة، وقال:
_تعجبني لما تخش مباشر من غير، لف ودوران.
واستطرد وهو يجذب قميصه الملقي جواره:
_قوم نلف شوية، أنا مش جاي أنام أنا!
جحظت عينيه في عدم استيعاب:
_دلوقتي!!
زفر في ضجرٍ، وردد:
_هتقوم ولا أنزل لوحدي؟
قال وهو يبحث عن حذائه:
_لا طبعًا هنزل معاك، لتوه مني!
زرر قميصه والبسمة الساخرة تحيطه، فدغمها بقوله:
_أمك ممكن تخاف إنك تضيع منها في زقاق حارتكم يابن الشيخ مهران، لكن عُمران الغرباوي ميتخفش عليه، حتى لو راح أرض الجن هيعرف يتعامل!
ضحك رغمًا عنه، وقال مؤيدًا:
_في دي عندك حق يا طاووس.
أحاطه بنظرة حملت إنذار خطير، ومن ثم أعاد خصلاته للخلف وهو يهتف بتذكرٍ:
_على ذكرك للطاووس.
جذبه فجأة لينهض عن الأرض، فقال متفاجئًا من فعلته:
_في أيه يا عُمران، ما كنا كويسين؟
يمتلك نقطة ضعف تجاه هذا الشاب المتدين، كلما ثأر تجاهه غاضبًا تهدأ ثورته في نفس ذات اللحظةٍ، يكن على أتم الاستعداد لاحراق الكوكب بأكمله لأجله، هدأ من انفعالاته، تهدلت مسكة يديه الشرسة حول رقبته، بل أخذ يهندم ملابسه بنفسه ويربت على كتفيه متصنعًا ابتسامة يخفي من خلفها غيظه الملحوظ إلى "آيوب":
_طول ما أنا معاك هنا تفكك من حوار الطاووس الوقح ده، إحنا هنا في بيت الشيخ مهران، براه اتمادى زي ما تحب، كلامي مفهوم؟
أومأ برأسه وهو يتابعه بدهشةٍ، منحه الطاووس ابتسامة فخورة بسرعة استيعابه، وإتجه ليمضي بطريق هبوطه، ثم استدار يخبره:
_آه نسيت، طول ما أنا هنا حاول تمنع رجل صاحبك المستفز ده من هنا، لإني مبقدرش أسيطر على نفسي لوقت طويل.
اتسعت ابتسامته فرحة، وقال:
_ده أنا هجيبه هنا كل يوم، ولو مشكلتك الشيخ مهران مش هخليه يرجع البيت طول اليوم، المهم إيثو يتربى.
وضع يديه بجيوب جاكيته الأسود، وقال بمكرٍ:
_شكلنا هنتفق ولأول مرة يابن الشيخ مهران!
******
أزاح خصلاتها المنسدلة على عينيها بحنانٍ، وناداها برفقٍ:
_فريدة.
أسبلت بجفونها بتثاقلٍ، فعاد يناديها:
_فيري!
كشفت عن زُرقتها الساحرة، تطالعه بانزعاجٍ، وبصوتها الناعس تساءلت:
_في أيه يا أحمد؟
جذب الصينية المسنودة على الكومود، ووضعها على قدميها، فركت عينيها بنومٍ، وتفحصت ما وضعه على ساقيها بدهشةٍ:
_أيه ده؟
رد عليها بابتسامةٍ مشرقة:
_فطار يا حبيبي.
عبثت بأهدابها بذهولٍ، وهتفت وهي تشير على ساعة الحائط:
_دلوقتي!
جذب الشطيرة يغميها بالجبن، ووضعها بفمها قائلًا بابتسامة، وفرحة أعادته عشرون عامًا مضى:
_وفيها أيه؟ أنتِ عارفة إني هنزل الشركة على الساعه 8 ومش هرجع غير بليل، فحبيت أخطف وقت معاكِ ومع حبيبة قلب بابي، وبالمرة أدوقها فطار، من صنع إيدي.
أبعدت الشطيرة عن فمها، وقالت باسترابةٍ:
_تدوقها أيه يا أحمد، حرام عليك أنا من غير حاجة وتخنانة تلاته كيلو من بداية الحمل، وبحاول أقاوم الجوع بأقصى ما بوسعى، تقوم تفطرني الصبح بدري كده!!
كبت ضحكاته بصعوبةٍ، وقال مدعيًا البراءة:
_مش ليكِ يا فريدة، بأكل بنتي!
ربعت يدها أمام صدرها بغيظٍ، وأجابته:
_لما تجيلك أبقى غذيها براحتك، لكن دلوقتي أنا بقاوم ومحتاجة اللي يدعمني مش يزيد من ابتلائي.
زم شفتيه بحزنٍ مصطنع، وقال:
_وفيها أيه لما تزيدي خمسة، ستة كيلو وتحرقيهم بعد الولادة! أنا كده مش هعرف اشيل بنتي وأخدها في حضني، وزنها مش هيتشاف يا فريدة.
راقبته بصدمة، ومن ثم انفجرت بالضحك، بينما يتابعها بضيقٍ، لحق نبرته المتعصبة:
_إنتِ بتسخري مني يا فريدة هانم!
أمسكت كفه وهي تهز رأسها نافية لما يقول:
_أبدًا والله أنا مستغرباك بس، أحمد إنت فكرتك عن الحمل كلها غلط، وبعدين دي مش أول مرة ليا دي الرابعة يا أحمد باشا!
ابتسامته انبلجت على شفتيه، بينما يردد بعشقٍ:
_بالنسبالي مش شايف غير إنها الأولى، حاسس آننا بنعيش اللحظات اللي اتحرمنا منها، مش شايف قدامي غير حب طفولتي، من سنين فاتت كنت حاسس نفسي عجزت وكبرت مية ألف سنة، دلوقتي وأنا جانبك بحس إني شاب عشريني، عايش عمره من تاني يا فريدة.
أدمعت عينيها تأثرًا بكلماته؛ فمالت تزيحهما عن جفنيها، ثم قالت بحب:
_طيب ممكن تأكلني بسرعة عشان البيبي جاع!
اتسعت ابتسامته فرحة، وعاد يجذب الصينية إليها، ثم جذب الطعام يضعه بفمها بسعادة وصلت لقلبها قبل أن تمسه.
*****
اختنقت أنفاسه داخل تلك الغرفة المستطيلة المعدنية، حاول أن يستكشف المكان المحتبس به، ولكنه كان يضيق به كالزنزانة، نهض يطرق على الحوائط؛ فاكتشف أنه حبيس آحدى سيارات الكرفانات الضخمة، واصل الطرق وهو يصرخ بانفعالٍ:
_انتوا يا بهايم ياللي برة، انتوا اخدتوني على فين؟ حد يرد عليا!
لم يجيبه أحدٌ، وكأنه نكرة، لقد بُح صوته منذ أن ألقوا به هنا منذ المساءٍ، يأس من محاولته الثامنة باستفزازهم للحديث، أتجه "نعمان" للسرير المنجرف بنهاية الكرڤان، جلس عليه يتطلع للفراغ بشرودٍ، فإذا بالباب يُفتح، ويدلف منه أحد الرجال، حاملًا بيديه الطعام، وضعه على الطاولةٍ بحدة، وأمره:
_كُل وإقعد عاقل في يومك اللي مش معدي ده.
وتابع بازدراء:
_اهدى ولينها لو طبيت ساكت مننا هتجبلنا الكلام مع الباشا، فاقعد عاقل كده وراعي سنك، آحنا عندنا عيال عايزين نربيهم.
استقام بوقفته وهرع له، يسأله بغضب:
_أنا عايزك تكلملي الباشا بتاعك ده وتقوله يجي يواجهني وش لوش، مهي الحركات ال** دي متطلعش الا من أحمد الغرباوي.
زمجر الرجل بعصبية:
_وبعدين معاك يا جدع إنت، أنا دماغي مصدعة ومش ناقصك مناهدة، اتنيل اقعد في جنب لحد ما يجيلي تعليمات تخصك.
وتركه وغادر وهو يتمتم بنفورٍ:
_معرفش أيه البلا اللي اترمى عليا ده، بلا هم!
اعتراه غيظًا كفيلًا بأن يقتله، دفع "نعمان" المقاعظ المحاطة للطاولة الصغيرة بجنونٍ، وهدر بعنف:
_مش هسيبكم، وربي لأخلص عليكم واحد واحد.
****
استمتع بالهواء النقي بين أجواء الحارة الشعبية، تبادل برفقة آيوب الكثير من الأحاديث التي نجحت أن تخرجه من الحالةٍ التي كان آسيرها، وبينما يمضيان معًا بالطرقات، أشار له "آيوب" قائلًا:
_أقف هنا يا عُمران، هجيب عيش سخن من الفرن عشان نفطر.
زوى حاجبيه بدهشةٍ:
_هتفطر عيش بس!
ضحك وهو يخبره:
_لا طبعًا ودي تيجي!
ومضى يشرح له:
_هجيب من عمي عثمان العيش وهنروح للست أم عزت، نأكل أحلى فول وطعمية وبتنجان مخلل إنما أيه يستاهل بوقك.
وبقلقٍ تساءل:
_أوعى تكون معدتك معدة أجانب متودكش زيوتنا!! لو كده هجبلك جبنه ولنشون!
ضحك بصوته الرجولي، وقال يسايره:
_روح هات العيش وتعالى بسرعة يا آيوب.
أشار له بحماسٍ، وغادر على الفور، ارتكن "عُمران" على الحائط من خلفه، يتفحص هاتفه باهتمامٍ، فاذا بصوتٍ من خلفه يناديه:
_بقولك يا حليوة.
نزع نظارته السوداء عنه واستدار يراقب من يناديه بدهشةٍ، فإذا بسيدة عجوز تشير له بالاقتراب، فردد متسائلًا:
_أنا؟!
هزت رأسها تؤكد له، اقترب منها عُمران باستغرابٍ، فاذا بها تشير على الاسطوانة المعدنية قائلة:
_ساعدني أطلع الأنبوبة دي لحسن تقيلة ملح بحاول أحركها مبتتزحزحش.
ضيق عينيه مندهشًا، وهمس:
_تقيلة ملح إزاي!
دعه من التفكير بمصطلحاتها، وانحنى يرفع الأنبوب على كتفه بذراعٍ واحد، توسعت مُقلتيها بانبهارٍ وهتفت بحماسٍ:
_يا ما شاء الله عليك، ربنا يحميك ويديك الصحة يابني.
سيطر على خوفه الهيستري من أن يتسخ قميصه الأبيض وجاكيته، وقال يسألها في تهذبٍ:
_شقتك الدور الكام يا حاجة؟
أشارت ومازالت تراقبه:
_بالتاني.
تركها وصعد للطابق الثاني، وضع ما بيده داخل الشقة، ثم إتجه، ليغادر، فأوقفته تسأله بفضولٍ:
_إنت ابن مين يابني؟
رد عليها باستغراب:
_ليه؟
شملته العجوز بتفحصٍ، وقالت مبتسمة:
_عندي ليك حتة عروسة إنما أيه مال وجمال وأخلاق، وإنت شكلك ابن حلال.
تنحنح يخفي ابتسامته، ليت الأمر لا ينكشف لزوجته، حينها ستحمل الأنبوب المعدني وستهشم رأسه بها.
طال صمته، ومازالت العجوز تترقب سماع اجابته، فقال وهو يرفع كفه لها، يريها دبلته السوداء:
_متجوز وعندي عيلين وطافح الكوتة عشان أربيهم يا حاجة.
ظهر الحزن باديًا على ملامحها، وتمتمت بانزعاجٍ واضح:
_ربنا يرزقك برزقهم يابني.
كبت ضحكاته وهو يردد بحزن مصطنع:
_أيوه ادعيلي من قلبك لإني محتاج الدعوات طول فترة قعادي هنا!
بالأسفل.
عاد يبحث عنه بريبةٍ، وقد جن جنونه لاختفائه السريع، جذب "آيوب" هاتفه يحاول الاتصال به، فأتاه صوته المشاكس من خلفه:
_حاجة تاهت منك؟
ابتهجت معالمه فرحةٍ:
_عُمــــــــــران.
أحاطه بنظرة ساخرة، اتبعت مزحه المضحك:
_مش هقدر أقولك حبيب قلبه عشان ملهوش غيره.
واستطرد بتسليةٍ:
_جبت العيش؟
ضحك وهو يحرك رأسه بتأكيدٍ، فسبقه الطاووس يشير له:
_أنا جعت، هتفضل واقف عندك طول اليوم؟
تعالت ضحكاته وصاح بسخرية:
_أم عزت طريقها من هنا يا وقح!
*****
مدد ذراعه بحنان لمحلها، حينما افتقد وجودها داخل أحضانه، ولكنه تفاجئ بالطرف الآخر من فراشه فارغًا، كشف عن رماديته يبحث عنها جواره، وبصوت الناعس ناداها:
_فطيمة؟
استقام "علي" بجلسته بفرك عينيه، جذب نظارته الطبية عن الكومود وارتداها، ثم تأمل ساعته والدهشة تحتله كليًا، نهض عن الفراش يبحث عنها بأرجاء جناحه، وحينما لم يجدها هبط للأسفل يبحث عنها، توارى إليه بصيص ضوءًا من غرفة مكتب أخيه، انكمشت تعابيره بدهشةٍ:
_عُمران!
إتجه إليه، وجد الباب غير منغلق كليًا، فكشف له عن زوجته التي تجلس محل أخيه، تتابع العمل من حاسوبه، وأمامها عدد مهول من الملفات، كانت تعمل كسيدة أعمال ناجحة، من يراها لا يصدق أنها نفسها تلك الأنثى الجريحة، كسى رماديته فخرًا وحبًا لا يحملانه إلا لها، تلك التي تغنيه عن كل نساء العالم.
_اللي قدامك ده مكافآة تعبك ودليل نجاحك يا علي.
استدار خلفه تجاه الصوت الذكوري الهادئ، فوجد عمه يقابله بابتسامة شملت فخرًا عريقًا به، ابتسم "علي" وقال باسترابةٍ:
_متوقعتش إني مهما بذلت مجهود معاها إنها هتوصل لده.
ربت على كتفه بحبٍ أبوي يحمله خصيصًا لذلك الرفيق المشابه له:
_وصلت وحققت الأكبر من المستحيل يا علي، إنت مكنتش الأمل اللي اتمسكت بيه فاطمة للنجاة، إنت كنت النجاة ليها من المهالك اللي خاضتها وهتخوضها، ونفس النجاة لفريدة هانم وقت احتياجها لصديق، ولعمران وقت احتياجه لأخ، ولشمس وقت احتياجها لأب.
واستطرد ببسمةٍ هادئة:
_إنت كنت دايمًا قارب النجاة لكل اللي حوليك يا علي!
سيطر على تلك الدمعة التي كادت بالانسدال على وجهه، وردد بمرحٍ:
_أيه يا أحمد باشا إنت صحيت لقيت فريدة هانم نايمه قولت تكتب قصيدة شعر فيا ولا أيه، ده أنا بنفسي اللي مسلمك الديوان عشان تتعلملك كلمتين، يوم ما تتعلم تجربهم فيا أنا ولا أيه؟
انفجر بنوبة من الضحك الرجولي، وشدد بحزمٍ مصطنع:
_إنت بتفضح أسرارنا على الملأ يا دكتور، هيبقى وضعنا أيه لو اتكشفنا إننا بنقلش من قصايد الشعر؟
شاركه الضحك، وقال:
_وماله يا باشا، على الاقل التهمة تشرف، وأهي كلها محاولات لرفع مستوى الثقافة في العلاقة.
هز راسه ساخطًا:
_شكلي هفكني من كتبك وقصايدك دي وأشوفلي سكة مع الوقح أخوك، يمكن يعلمني ازاي ألف فريدة هانم زي مهو زمانه لافف نص ستات مصر دلوقتي!
راقب "علي" الطريق من حوله، وهتف بحنقٍ:
_لو هتتبع طريقه يبقى هتعتزل الساحة بدري مع فريدة هانم يا أحمد باشا، اعقل وكل بقصايدي عيش، بدل ما ترجع تعتزل تاني والله أعلم هترجع تعتكف كام سنة المرادي؟
حك ذقنه النابتة بتفكيرٍ:
_إنت شايف كده؟.
أومأ عدة مرات، مؤكدًا:
_ومش شايف غير كده.
صاح وهو يستعد للرحيل:
_طب سلام يا بتاع الكتب، أشوفك بليل.
انبلجت ابتسامة جذابة على وجهه، وقال:
_في رعاية الله.
غادر "أحمد" لعمله، بينما اتجه "علي" للمطبخ، يعد فنجانين من القهوة، وشطيرة من الجبن لزوجته، يعلم بأنها تفعل كل شيءٍ لتساعد أخيه بعمله، لعلمها بما حدث بينه وبين "جمال"، وحاجته الماسة بالابتعاد عن لندن، استدار يسكب الأكواب، ويضع الجبن على الشطائر، ولجت" مايسان" للمطبخ بإرهاق شديد، فرددت باستغرابٍ:
_علي! بتعمل أيه؟
تفحص وجهها الشاحب بقلقٍ، وأجابها:
_بعمل فطار سريع.
وسألها باهتمامٍ ومازال يتطلع لاصفرار وجهها:
_إنتِ كويسة؟ وشك مجهد ومخطوف!
جذبت أحد المقاعد القريبة من رخامة المطبخ المرتفعة، وجلست قبالته تحاول أن تبدو طبيعية أمامه:
_مفيش أنا بس مفتقدة عمران مش أكتر.
تدفقت دموعها على وجهها رغمًا عنها، أزاحتها "مايا" سريعًا، وقالت بحزنٍ:
_أنا زعلانه إني مش قادرة أخفف عنه اللي مر بيه يا علي، ومش قادرة أتقبل بعده عني لمجرد إنه عايز يتعافى من اللي مر بيه، كنت متوقعة إنه هيفضل يكون معايا، بس هو قالهالي صريحة، إنه عايز يكون لوحده.
ترك ما يفعله وإتجه يجذب مناديل ورقية من الباقة، تركها أمامها وقال بصوته الرخيم:
_قبل أي كلام، امسحي دموعك وبطلي بكى لأن ده مضر للي في بطنك قبل ما يضرك.
انصاعت إليه، وجذبت المناديل تزيح ما علق بأهدابها، وتنظم انفاسها المضطربة، شهيقًا وزفيرًا حتى هدأت تمامًا.
وضع "علي" كوب الحليب الساخن أمامها، وبعض البسكويت المملح، وآمرها بحسمٍ:
_اشربي ده عشان تقدري تفهمي اللي هقوله كويس.
يا لقدرته الماكرة بالاقناع، ربما كانت سترفض أي شيء يقدمه لها، لعدم رغبتها بتناول أي شيء، ولكنه يخبرها بأنه أن تناولته سيخبرها بشيءٍ ربما يفيدها، سياسية خبيثة للاقناع، تناولت "مايا" بعض البسكويت وارتشفت نصف كوب الحليب، ووضعته جانبًا وهي تسأله بلهفة:
_عايز تقولي أيه يا علي؟
جذب أحد مقاعد طاولة المطبخ الضخمة، ووضعه على الجانب المقابل لها، بينما تفصل الرخام بينهما، جلس قبالتها يستمد نفسًا طويلًا ثم قال:
_بصي يا مايا، أنا مش هقولك إن تصرف عُمران صح مية في المية، كده مش هكون عادل لا معاه ولا معاكِ، بس اللي هقولهولك يمكن يريحك.
أنصتت له باهتمامٍ، رأه يملأ حدقتيها، فاضاف:
_مفيش حد فينا شبه التاني يا مايا، أنا قدرت أحلل شخصيتك من نص كلامك اللي قولتليه، أعتقد لو مريتي بنفس مشكلة عُمران هتفضلي تتخطيها معاه لأنه هو العزيز على قلبك واللي هيساعدك إنك تخرجي من اللي إنتِ فيه، صح ولا كلامي غلط؟
هزت رأسها بتأكيدٍ لصحة حديثه، فاستطرد برزانةٍ:
_طريقتك للتعافي مش غلط، بس بالنسبة لشخصية عُمران أكبر غلط، عُمران يا مايا مبيحبش العزاز على قلبه يشوفوه ضعيف ومهزوز أبدًا، وكون إنه بعدك عن حالة الاضطراب اللي هيعشها بسبب اللي حصل فده لحبه وخوفه الشديد عليكي، عايز يحميكِ من نفسه وقت إنكسارها، الإنسان المجروح يا مايا مبيبقاش عنده طاقة ولا خلق لأي شيء حوليه، ممكن ببساطة يخسر أكتر من علاقة في حياته بسبب اللي بيمر بيه، عشان كده البعد للشخصيات اللي زي دي بتفادي كل المقربين منه من غضب خارج عن إردته.
صمتها يبرز اقناعها بكل حرف تفوه به، لم تناقشه بما قال، ولكنها سألته مباشرة:
_وهتستمر حالته دي لحد أمته؟
أجابها بهدوءٍ:
_أعتقد إنه هيحاول يتخطاها بأقصى ما بوسعه، عشان عُمران ميقدرش يبعد عن جمال ولا عن المحيط اللي صنعه لنفسه.
وأضاف ببسمةٍ ماكرة، وهو يقرب نصف كوب الحليب لها:
_والله أعلم لو كملتي الكوباية والكام توست ده أنا هيكون عندي أيه أقوله!
زحفت اللهفة إليها، فأيقظت دمويتها الهادرة، سحبت مايا الكوب ترتشفه بأكمله، بينما نهض "علي" يستكمل صنع القهوة، وهو يتابعها باهتمامٍ، وما أن انتهت حتى وضعت الطبق والكوب أمامه، وسألته بحنقٍ حينما طال بصمته:
_ما تتكلم يا علي!
ضحك وهو يمازحها:
_طيب مثلي عليا أنك مش واقعه وهصدقك طيب!
سددته بنظرة مشتعلة، فازدادت ضحكاته وأردف بتسليةٍ:
_طيب خلاص،هتكلم.
ترك الصينية عن يده، وقال بنبرة ماكرة:
_والله أنا كدكتور شايف إننا نديله يومين تلاته يريح فيهم أعصابه، وبعدين نطب عليه بربطة المعلم، مهو بصراحه اللي بيعمله ده لا ينفع كزوج مسؤول ولا كأخ ملزوم من إنه يطمن اخوه الكبير، ونشوف فريدة هانم وشمس هانم هيشاركوا معانا في المبادرة دي ولا أيـه؟
_شوف فريدة هانم لكن أنا لأ يا علي متشكرة!
قالتها شمس التي ولجت للداخل تحمل الكتب، وتستعد للذهاب لجامعتها، زمت مايا شفتيها بسخطٍ، وصاحت بنفورٍ:
_وإنتِ معترضة على أيه بقى؟
اقتربت منهما، ووضعت الكتب على الرخام قائلة بارتباكٍ:
_مش هينفع، بينا أنا وعُمران مصالح مشتركة اليومين دول، لما تتفض أبقى أنضم لحزبكم.
وأضافت بابتسامة واسعة، كأنها تخبرهما قرارًا جمهوري:
_أنا وآدهم شايفين إن مش من مصلحتنا نعارض عُمران في أي شيء عشان كده أنا خارج أي اتفاقات.
رمقها علي بنظرة ساخرة، وبشكٍ فاه:
_ هو لسه موصلش الهدية؟
اعتلاها الضيق والغيظ، وانفجرت بما تخبئه:
_زلني يا علي ومش راضي يدي لآدهم الهدية اللي خليته يطلبهاله على ذوقه، ندمني إني طلبت منه يساعدني، كل ما اقوله يقولي أنا لسه واصل، لما أستريح من السفر أبقى افتح الشنط واديله الهدية بتاعتك، كأنه كان مسافر على جمل في الصحرا مش على طيارة درجة أولى!
ضحكت مايا وشاركها علي بالضحك، تركهما تتناقشان وحمل الصينية، ثم أتجه لغرفة المكتب، طرق على الباب المفتوح لتنتبه له، وقال بحب:
_ممكن أدخل يا سيادة المديرة.
ابتسمت فاطمة ونهضت تهتف على استحياءٍ:
_علي!
أبعد الحاسوب والأوراق من أمامها، ثم وضع ما يحمله، مشددًت بحزمٍ:
_مفيش شغل دلوقتي من غير لما تفطري وتشربي قهوتك كمان، ومش أي قهوة ده بن مخصوص من تحت ايد دكتور علي الغرباوي، وسرها مبيطلعش غير للغاليين وحياتك، تحبي نكتشفه مع بعض؟
جذبتها رائحة القهوة، فجذبتها إليها تشم رائحتها بإعجابٍ:
_ريحتها باينة من قبل ما أدوقها.
فصلها عن ارتشافها، وأبعد الكوب من يدها، واضعًا الشطيرة:
_مش هتخدعيني يا روح قلبي، نفطر الأول وبعدين أسيبك تستكشفي قهوتي براحتك.
هزت رأسها في استحسانٍ، فتناولت شطيرة من الجبن، ثم تناولت منه الكوب وارتشفته بإعجاب طرد على لسانها:
_أممم، جميلة أوي بجد.
ابتسم ومازال يجلس على المكتب جوارها، ومن ثم استقام بوقفته وقال باحتواءٍ:
_هسيبك تكملي شغلك وهطلع أغير عشان المركز.
منحته ابتسامة رائعة، وهي تهم بالنهوض:
_طيب ثواني هطلع أحضرلك هدومك.
أعادها للمقعد برفقٍ:
_خليكِ حبيبتي أنا هعرف أدبر نفسي.
ومال يطبع قبلة أعلى رأسها ثم صعد للأعلى على الفور، ولج لحمام الجناح، يغتسل، ثم خرج يلف جسده بمنشفة سواء قطنية.
وقف "علي" أمام الخزانة ينتقي حلة هادئة ليومه، اختار واحدة، وارتداها، ثم فتح الجزء الآخير المشترك بينه وبين زوجته؛ ليتنقي جرفات مناسب لها، سحب واحدة باللون الأسود، تحمل خطين من اللون الرمادي، وما كاد بغلق باب الخزانة، حتى وجد ما لفت انتباهه بصندوق المجوهرات الخاص بها، فكان مفتوح على مصراعيه، وما يحمله داخله جعله يتصنم محله من شدة دهشته.
جذب "علي" شريط الأقراص الموضوع بالعلبة، يطالعه بصدمةٍ، لا يصدق ما يراه، بل أخر ما توقعه أن تختار فطيمة عدم الانجاب منه وبرغبتها!!! كيف تناولت تلك العقاقير، ولم تخبره حتى بذلك!
أعاد "علي" الشريط للعُلبة مجددًا، وأغلقها بهدوءٍ كأن لم يكن، حتى الخزانة اغلقها، واتجه يربط الجرفات أمام المرآة، ومازال شاردًا ، مال يستند على السراحه ليقابل المرآة بشكلٍ أقرب، وهمس بدهشةٍ:
_ليه يا فطيمة؟!
......... يتبع.....
حبيباتي القارئات وحشتوني جدًا جدًا، عارفة إن ممكن يكون فصل صغير لعودتنا، بس زي ما شوفتوا كده أنا امبارح خلصت رواية المعرض والنهاردة حضرلت الفصل، وإن شاء الله هحاول أنزلكم يوم ويوم عشان نفوق كده ونعوض اللي فاتنا، وبتمنى نبدأ رجوعنا بتفاعل مرضي ميقفلش نفسي في بداية رجوعنا، بحبكم في الله ♥
***____****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السابع وثمانون 87 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!.)
#الفصل_السبعون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "ميادة ممدوح"،" جني محمود"، "ولاء موسي"،" نجلاء محمد" "تالين علي"،" هبة أزهري"، "عبير الأشقر"،" أميرة حسام"، "أماني سعد"،" جهاد عبد الرشيد"، "ياسمين سيد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
ما مرت به لم يكن هينًا، ولهذا ربما دفعها بإتخاذ قرارًا صعبًا عليها قبله، أعاد "علي" الدواء محله، وغلق العُلبة المفتوحة، ثم خرج يصفف شعره الطويل بحزنٍ إلتهمه دون رأفة، ما يؤلمه بتلك اللحظة أنها لم تتعافى كليًا مثلما إعتقد، وإخفاءها لأمر هكذا عنه يؤكد بأنه خسر علاقته بها كطبيب، باتت تخشى الفصح عن المتعلق بها حتى لا ينزعج منها.
سبق وأخبرها من قبل أنها وقت احتياجها إليه كطبيب سيلبيها، وحينما تختاره زوجًا سيكون ونعم الزوج والحبيب، بل إن شاءت سيكون الصديق والرفيق وكل ما يغنيها عن صنف الذكور إن أرادت.
_علـي!
تناديه لمرتها الثالثة، ومازال يقف أمام المرآة يصفف شعره بشرودٍ، حجره عن سماعها، اقتربت منه "فاطمة" تهزه برفقٍ وترفع من صوتها تلك المرةٍ:
_علـــــي!
استدار جانبًا يرسم ابتسامة هادئة:
_آيوه يا حبيبتي.
انكمشت تعابيرها بانزعاجٍ، وسألته:
_بقالي فترة بناديك ومش بترد، سرحان في أيه؟
ترك(المشط) من يده، وقال مبتسمًا:
_في الشغل اللي ورايا، وبالأخص حالة عندي مخلياني عاجز معاها .
زوت حاجبيها بدهشةٍ، وهتفت:
_هو معقول في حالة بيقف قدامها دكتور علي الغرباوي عاجز!
شقت بسمته الحزينة صفحة وجهه، وقال بتبرمٍ:
_شوفتي!
ومضى بحديثه ورماديته لا تفارق مُقلتيها البريئة:
_بقالي فترة شغال معاها عشان الحالة تثق فيا وتقولي كل اللي مرت وبتمر بيه بصدق، اكتشفت إنها خبت عليا اللي كان لازم أعرفه عشان أقدر أساعدها، الظاهر موثقتش فيا بالشكل الكافي صح؟
توترت أمامه بشكلٍ ملحوظ، ازدردت صوتها الهادر وقالت:
_لو موثقتش فيك يبقى العيب من عندها هي، لإنك عملتلها كل اللي لازم يتعمل، وممكن تكون محتاجة وقت.
ضم وجهها بكفيه معًا، وقال يمازحها:
_مهما طالت مدة الحالات اللي عندي محدش هيوصل لطول مدتك لحد ما بس سمعت صوتك، إنتِ طلعتي عيني وروحي وقلبي وكل اللي أملكه يا فطيمة.
ضربت الحمرة وجهها، فهمست له على استحياءٍ:
_يعني مستهلش يا دكتور علي؟
تمعن بعينيها تائهًا في محرابها، ليتها تعلم أنه يعود من غربته لموطنه فور أن تتعانق مُقلتيه بمُقلتيها، يتمنى لو لم يكن قارب نجاتها، بل يطمع بأن يكون الموج العتي الذي يحوم هلاكًا بمن يحاول المساس بقاربها، وإن كان شرسًا يلتهم من يبدأ التسلسل إليه، سيكون في سكنته الوديعة لأجلها هي، ربما يسقط سفن عملاقة بباطنه، ولكنه سيسعى أن يحيط قاربها الصغير بكل احتواء وأمان يمتلكه.
تعجبت فاطمة من صمته، رغم أن عينيه حملت لها من العشق أبياتًا، أعاد خصلاتها المتمردة خلف أذنيها، وقال بصوته الرخيم:
_كلما اندمجت بعينيكِ وجدت كمالة قصتي، ونبضي يرُفل شوقًا إليكِ، وبين محراب فؤادي ستجديني أحملكِ بين الوريد، غاليتي أنتِ وحبيبتي، خليلة وجدني، وإجابة دعوتي في ليالي خلواتي، مهما قوي رابطي، سأظل أدعو الله أن أكون جنتك، وأن لا أكون شكوتك!
(علي الغرباوي)
انتهى من كلماته العاشقة لها، فوجد عينيها تدمعان فرحة بما قاله لها، أزاحهما، ومال يقبل رأسها بعاطفةٍ وعشق، هامسًا لها بإجابة سؤالها الذي ظنته تناساه مع صمته المطول :
_تستاهلي كل الدلال يا روح قلب علي من جوه.
وشملها بين ذراعيه بقوةٍ، يحجب على شيطانه كل محاولةٍ مستميتة يبذلها؛ ليفرق بينهما، لا يعينه ما فعلته يعلم أن ما خلفته شيئًا مؤلمًا لها، كطبيبٍ محترف لن يكون من الجيد مواجهتها الآن أبدًا، وكزوج يتمزق من داخله لسماع اجابتها سيكون من الصعب عليه الانتظار، وكعاشقًا سيقتلهما وسيظل يدللها حتى وإن أرادت أن تفارقه!!
******
فور أن انتهوا من تناول طعامهما، جابوا الطرقات بلا أي وجهة، وجلسوا على أحدى الآرائك الخشبية، الموضوعة أمام أحد المنازل، راقب "آيوب" صمت "عُمران" بقلقٍ، ولكنه أثار السكون حينما وجده يراقب تفاصيل الحارة باستمتاعٍ، وكلما مر عليهما أحدٌ كان يحيي "آيوب" بحفاوةٍ، والآخر يستقبل ترحباتهم بابتسامةٍ بشوشة، ابتسم"عُمران" وقال يشاكسه:
_معجبينك كتير أوي يابن الشيخ مهران!
استدار إليه وقال بتجهمٍ:
_معجبين أيه يا عم، دول رجالة الحتة هتوديني في داهية ليه بس!
شمله بنظرةٍ متفحصة، وقال ساخرًا:
_فزعك ده وراه طلبك للطاعة والولاء من الجنس الناعم، شكلك وقعت ومحدش سمى عليك.
زم شفتيه بسخطٍ، وتمتم بصوتٍ وصل لعُمران من مجلسه:
_حسرة عليا، هو أنا عارف ألمح طرفها، مبشفهاش غير كل أسبوعين مرة وياريتها بتبقى قعدة ود، دي قعدة تسميع قرآن.
واستطرد يدمدم بضيقٍ:
_أنا بالنسبالها بقيت مجلد الأسئلة المتعثرة عليها في الدين!!
وتابع بصوتٍ مرتفع وابتسامته الساخرة اضحكت الطاووس رغمًا عنه:
_طب ده أنا رحمة عن يونس، الشيخ مهران سامحلي بقعدة كل أسبوعين لتسميع الورد، يونس لا، طايل سما ولا أرض، ولا حتى يلمحها صدفة على السلم، الشيخ مهران مبيسبش حاجه للصدف يا عُمران.
انتهى من رفع شكوته، واستدار يقابل نظرات الآخير الثابتة، ابتلع ريقه بتوترٍ وردد:
_هي النية كانت إني أساعدها تهرب من عمها على مصر، بس اللي حصل بعد كده مش بتاعي صدقني.
منحه ابتسامة جذابة، وبرخامة صوته قال:
_متبررش يا آيوب، زمان كان ممكن أشد معاك ونتكلم عن تفاصيل مينفعش أعرفها عنك أصلًا بس ده كان لخوفي عليك، جوازك منها كان غلطة وكل اللي حواليك من الشباب كانوا بيحاولوا يبعدوك عنها بذوق، كل شخص وله طريقته، وأنا كمان استعملت طريقتي عشان ابعدك عنها بس سبحان الله كل اللي بيحصل ده كان مقدر من ربنا سبحانه وتعالى، عشان توبتها تكون على إيدك.
وأضاف بعقلانية جعلت "آيوب" يزداد احترامًا له:
_من اللحظة اللي اتطمنت فيها عليك حياتك الخاصة معاها بقت دايرة مغلقة ليا ولأي حد مهما كانت مكانته عندك.
انزوى بجلسته إليه، وقال بحيرةٍ:
_ليه بتقولي كده يا عُمران؟
انتظر سماع اجابة سؤاله، ولكنه وجده يتطلع لنقطة بعيدة عنهما، انتقل بصر آيوب تجاه ما يتطلع إليه، فوجده يتأمل رجلًا عجوزًا يحاول رفع ثقل باب محل البقالة الخاص به، ليبدأ رزق يومه، نهض عُمران من جواره، وأسرع إليه يرفع الباب الحديدي بكل قوته، وهو يخبره برفقٍ:
_عنك يا حاج.
استدار الكهل خلفه، فوجد شابًا آنيقًا، يبدو عليه الثراء، يعاونه برفع ثقل الباب الجرار، بل ومضى يسحب الحاملات المعدنية للخارج، ابتسم العجوز ودعى له بقلبٍ مجبور:
_ربنا يراضيك يابني ويريح قلبك.
وكأنه يعلم أنه إمتلك أغلب الأشياء، الا السعادة، دعوته أصابته بالصميم، منحه ابتسامة مشرقة، وعاد للجهة المقابلة للطريق، حيث محل جلوس "آيوب"، الذي يطالعه بدهشةٍ انزوت داخل مُقلتيه، وما أن جلس جواره حتى صاح بحيرةٍ:
_ازاي قادر تتشكل بأي مكان تدخله بالشكل ده، الشخص اللي ساعد الراجل العجوز ده وكلمه بنبرة ولاد البلد مش هو الطاووس الوقح ولا هو النسخة الآرستقراطية لعُمران سالم الغرباوي!
مازحه ضاحكًا:
_أمال لو شوفتني وأنا رافع انبوبة غاز على كتفي من شوية، لا والست الله يكرمها كانت عايزة تكافئني وتجوزني بنتها!
ضحك آيوب حتى أحمر وجهه، وهدر من يين ضحكاته بصعوبة:
_إنت شيلت أنبوبة!!!
احتدت معالمه فجأة بشكل جعله يتنحنح بجدية، تبتلع كل ضحكاته، وبخوفٍ مصطنع قال:
_سرك في بير يا بشمهندس.
تلاشت ابتسامته فور أن ذكر آيوب مهنته، شرد عُمران ونظراته تحيط محل البقالة من أمامه، وتتجول على المحلات البسيطة من حوله، تحولت ملامحه البشوشة لحزنٍ بالغ، جعل آيوب يسأله بقلق:
_مالك يا عُمران؟
رد عليه ومازالت عينيه تتجول بالحارة:
_عارف أن بدخل كام في اليوم الواحد يا آيوب؟
بفرف بأهدابه بعدم فهم، فاستدار له عُمران يسترسل بقهرٍ:
_بدخل بالعملة الصعبة اللي مخليهم يشيلوني على كفوف الراحة، وأنا حقير وغبي ومستمر هناك بالمشاريع وبزيد عليهم ربح الدولة من اللي بدخلها، حقارتي خلتني أعمى عن ناس بلدي اللي ممكن يستفادوا من مشاريع ضخمة زي دي.
وبألمٍ فاه:
_خيري طالع للأجانب يا آيوب، أد أيه أنا حقير!
فهم آيوب ما يزعجه بتلك اللحظة، كل مرةٍ يتأكد من جودة معدن عمران الأصلي، أجلى أحباله الهادرة قائلًا:
_مكنش بايدك حاجة يا عمران إنت اتولدت بره، فأكيد ميولك كانت هتسبقك للمكان اللي اتربيت فيه وآآ..
_أنا مش هرجع لندن تاني يا آيوب.
قالها مباشرة بشكلٍ قطع الحديث عنه، فاتسعت ابتسامته ونسى ما سيقول:
_بجد؟؟؟
هز رأسه بابتسامة جذابة، وقال:
_هفتتح مشاريع كتيرة هنا، وأول خطوة هعملها هختار مكاني السري ليا، في لندن اختارت مكان منعزل كنت بحب أقضي فيه وقت كتير مع نفسي، وعلى ما يبدو اني اختارت مكاني السري قبل ما أخد خطوة تانية مجنونة..
واستدار إليه يخبره:
_عايز أشتري شقة هنا في حارتك يابن الشيخ مهران.
ابتهجت معالمه، وصاح بفرحةٍ:
_يا فرحتها حارة الشيخ مهران بيك يا عم الطاووس.
قهقه ضاحكًا وقال:
_تاني؟
حمى وجهه بيديه وصاح:
_صلي على رسول الله واستهدى، إحنا لوحدنا يا هندسة؟
راق له رؤيته مرتعبًا لهذا الحد، فرفع ساقه فوق الاخرى وقال متعجبًا:
_هندسة دي لقب مشتق من مهندس ولا لفظ شعبي متداول؟
ابتسم وهو يراه يتساءل باهتمامٍ سخي، فقال يجيبه:
_هو يمشي الاتنين، بس مال برنس الطبقة الراقية بالالفاظ الشعبية؟
بجدية تامة قال:
_الست بتاعت الانبوبة، بتقول عليها تقيلة ملح!
وطرح سؤاله الجادي:
_هو الملح تقيل عندك ولا أيه؟
راقبه لدقيقةٍ ومن ثم انفجر ضاحكًا حتى احمرت عينيه، بينما جدية ملامح الطاووس لم تهتز مطلقًا، سيطر على ضحكاته وقال:
_ده لفظ شعبي، بيتقال عشان نعبر بيه عن حاجة تقيلة مش قادرين نشيلها، وآه الملح لو شيكارة بحجم الانبوبة صعب تتشال تنكر؟
أزاح خصلاته البنية عن عينيه وقال:
_خلصنا فكرة الاسئلة، شوفلي اللي قولتلك عليه وياريت في اقرب وقت.
رد عليه بمشاكسة:
_للاسف طلبك صعب هنا، بس الوحيد اللي لسه عامل معمار جديد من فترة، وطلبك بحذافيره عنده أعتقد مش هتحب تعرف هو مين.
زم شفتيه معًا، وهدر ساخطًا:
_شميت ريحة الرزالة من كلامك يبقى عرفت.
هز رأسه يؤكد له:
_بالظبط، هو نفسه كابتن إيثو اللي مخلتش حيطة في الحارة الا وخلتها تسلم عليه بالاحضان.
ابتسم والمكر يتربع بين رماديته الفاتنة، وقال بوجوم:
_كل طرقه تؤدي لبطشي، شكل اللي جاي هيجمعنا كتير.
تغاضى آيوب عما يقول، وسأله باهتمامٍ:
_هو إنت مالكش أي أملاك أو بيوت هنا يا عُمران.
اتسعت ابتسامته وقال يجيبه:
_تراث عيلة الغرباوي كله هنا يا آيوب، وأهمهم قصر أجدادنا، أنا وعلي من أهم المالكين له، لينا نصيب كبير فيه، ومفيش حد معانا فيه غير عمي.
وأضاف بخبثٍ:
_بما إني قررت أعيش هنا، خليني أحضر المملكة لفريدة هانم بشكل يخليها ترفض الرجوع تاني للندن.
واستدار إليه يسأله:
_هتساعدني في التصميمات يا برجل؟
تلاشت ابتسامته، هاتفًا بدهشةٍ:
_برجل!!
أكد له بجدية مضحكة:
_مش لسه قايل من شوية إني عجينه بتتشكل وقتما شاءت، زيد عليها إني حريف وأنا بأخد حقي، ادتني لقب شامل الهندسة، فرمتك بما يليق بك يابن الشيخ مهران.
وأضاف مازحًا:
_لو مش عاجبك برجل نشوف حاجة تانية.
انتصب بوقفته يردد ببسمة واسعة:
_لا تانية ولا تالتة حقك عليا يا بشمهندس، اللي يعرفك يجاهل مقامك يا عُمران باشا.
مشطه بنظرةٍ ساخرة:
_مضطرين نعفو عنك، عشان هنحتاجك كتير الفترة الجاية.
ونهض يشير له:
_يلا طلعني على رأس الحارة عندي مشوار مهم عايز أعمله.
وتابع بحيرة:
_تفتكر أطلب أوبر ولا أرن لآدهم؟
اجابه آيوب بعد تفكير:
_آدهم أكيد مشغول في ترتيبات جوازه، نطلب أوبر أفضل.
هز رأسه باقتناع تام، وسحب هاتفه من جيب بنطاله، رفعه على أذنيه وقال بعد مدة من الصمت:
_أنا على أول الحارة بتاعت آيوب، متتاخرش يا حضرة الظابط.
أغلق عمران الهاتف ومضى بطريقه، بينما يضرب آيوب كفًا بالآخر، ولحق به هاتفًت بحنق:
_طيب بتأخد رأيي ليه مدام هتمشي بدماغك؟
أجابه وهو يلهو بمفاتيحه بتسلية:
_بحاول أحسسك إنك مهم، بس للأسف قرارتي من دماغي طول عمري ومتغيرتش حتى بعد نزولي مصر.
دمدم الاخير بغيظٍ:
_يا صبر آيوب!
******
انتهى من ارتداء جاكيته الأسود، واتجه للأسفل، يستعد للذهاب لحارة آيوب، كان بطريقه للخروج حينما أوقفه "مصطفى" بحدة:
_على فين؟
زفر بضيقٍ، واستدار يوجهه:
_خارج زي ما حضرتك شايف.
حرك مقعده ودنى إليه، يهتف بغضب:
_مش هتخرج من هنا الا لما توعدني.
سئم من الحديث بالأمر منذ وقت عودته، ومع ذلك تصنع الهدوء وقال:
_يا بابا اللي بتطلبه ده صعب، مينفعش آيوب يعرف خالص بالموضوع ده قبل امتحاناته، استنى لما يمتحن ووقتها هنقوله.
وأضاف مستنكرًا تصرفه:
_مش ده اللي اتفقت عليه مع الشيخ مهران؟
صرخ بعصبية هادرة بعدما فشل باستمالته:
_وإنت تضمن منين إني هعيش لحد ما يمتحن ويرجع، أنا تعبان يا عمر، وحاسس إن أيامي معدودة، عايز اخده في حضني وأكفر عن سيئاتي يابني.
تنهد بقلة حيلة، وإتجه ينحني إليه، قبل أعلى رأسه وقال:
_بعد الشر عليك يا حبيبي، أنا نفسي أريحك والله العظيم بس أنا عاجز عن الخطوة دي، خايف من رد فعل آيوب، بس أوعدك بعد فرحي على طول وقبل سفري هيكون آيوب عارف الحقيقة كلها!
*****
تعالى رنين الجرس لمرته الخامسة، ومازال يتمدد على الأريكة، ساهمًا لنقطة فارغة من أمامه، مثل حياته التي باتت لا تحتوي سواه، عاد الرنين يزداد مصاحبًا لطرقات قوية على بابه، تلاه صوت "يوسف" المرتفع:
_جمال افتح أنا عارف إنك جوه افتح.
أغلق عينيه يعتصر مُقلتيه، فأفاضت بدموعه، ازداد يوسف بحدة طرقاته وصاح بعصبية:
_هتفتح الباب ده ولا أكسره على دماغك!
نهض بخطواتٍ متهدجة، منكسرة كحال قلبه، مال على الباب بجبينه يهمس بصوتٍ حُطم مثله:
_إمشي يا يوسف، انا مبعملش حاجة غير إني بأذي كل اللي حوليا.
وتابع ودموعه لا تفارقه:
_إمشي قبل ما أذيك إنت كمان.
ضرب الباب بقبضته، وبعصبية صاح:
_أذية أيه اللي بتتكلم عنها، افتح الباب بقولك.
استند بظهره عليه، وكأنه يسد مجال دخوله، وبهمس شاحب ردد:
_مش عايز حد جنبي، عايز أكون لوحدي، احترم قراري يا يوسف.
كز على أسنانه بغيظٍ:
_هحترمه لو مقتنع بكلامك، افتح الباب وخلينا نتكلم لإني مش هتنقل من هنا أساسًا.
وتابع بمكرٍ:
_وبعدين أنا كنت جاي أقولك خبر مهم عن صبا.
اعتدل بوقفته، وسأله باهتمامٍ:
_خبر أيه؟
استغل لهفته لمعرفة الأمر، وقال:
_افتح وهقولك طيب.
حرر مقبض الباب واتجه للداخل بيأسٍ، يستحوذ عليه كليًا، أغلق يوسف الباب ولحق به، يردد بغضب:
_مش عايز تفتحلي يا جمال، بقى بعد كل البهدلة اللي اتبهدلتها بسببك دي وعايز تكنسنلي من برة برة.
وازاح الملابس الملقاة أرضًا، قائلًا بضجرٍ:
_وأيه اللي إنت عامله بالبيت ده؟! كل ما أجيلك القيك قالبها على سوق الخميس.
تمدد على الأريكة بتعبٍ، بينما نزع يوسف جاكيته، وانحنى يلملم ملابس جمال الملقاة أرضًا، أشمر عن ساعديه واتجه للمطبخ يجمع الاطباق وأكواب القهوة الفارغة لمنظفة الأطباق، بينما يقوم بجمع الملابس للمنظفة الكهربائية، أعاد تنظيف الردهة وغرفة الضيافة والمطبخ، وامتنع عن دخول غرفة النوم لخصوصيته، بينما يتابعه جمال بفتورٍ تام.
وضع يوسف طبق المعكرونة بالصوص الأبيض وقطع البانيه التي صنعها، على الطاولة أمام جمال، وأشار له:
_قوم كلك لقمة عشان محتاجين نتكلم مع بعض.
وضع يده على عينيه وردد:
_مش عايز أكل يا يوسف، قولتلك سبني عايز أكون لوحدي شوية.
ترك الصينية أمامه، وجلس جواره يصيح بانفعالٍ:
_وبعدين معاك يا جمال، أخرة اللي إنت فيه ده أيه؟!
مال بوجهه إليه؛ فتمكن يوسف من رؤية دموعه، انقبض صدره وتحشرجت أنفاسه، فوضع يده على ساقه وردد بحزنٍ:
_جمال في أيه؟
همس له بصوتٍ مبحوح:
_أنا عايز أرجع مصر يا يوسف.
وتابع وهو يميل على كتفه ببكاء:
_ أحجزلي على أول طيارة لو خايف عليا بجد، خلاص معتش قادر، حاسس بخنقة رهيبة وهو مش جانبي، الوجع اللي جوه عينه رافض يسيبني، أنا هنا بتوجع وأنا لوحدي يا يوسف، عايز أتطمن بيه جنبي، هطالبه يسامحني تاني، مش هستسلم يا يوسف.
أدمعت عين يوسف تأثرًا برفيقه، فضم عينيه بيده يزيحهما عنه، وربت على ذراعه هاتفًا بصوتٍ متحشرج:
_سافر يا جمال، أنا كنت عارف إنك مش هتستحمل تكون هنا من غير عُمران، توقعت إنك هتأخد القرار ده بعد يومين تلاته من سفره، بس آنت كالعادة بتفاجئني وأخدته من أول يوم يا عبحليم!
ضحك جمال من بين بكائه، وقال بمرحٍ:
_معتش بعمل تسريحته المنيلة، زيحوا اللقب عني إلهي ربنا يسهلك حالاتك المتعسرة.
رد عليه باصرار:
_ولو بردو هتفضل عبحليم مهما تتكجول!
مسح دموعه المتدفقة، وقال:
_عبحليم عبحليم المهم تحجزلي على أول طيارة.
هز رأسه بخفة وأضاف:
_هعمل كده بس مش على اول طيارة، هحجزلك مع سيف ومراته على الأقل أكون مطمن عليه معاك.
ابتعد عنه يقابله بنظرة فضولية، وتساءل:
_معقول هتخلي سيف ينزل مصر بالسهولة دي؟!
سحب نفسًا ثقيلًا، وقال:
_غصب عني يا جمال، الظاهر إننا استهونا باللي اسمه يامن ده قوي، الشخص ده مش سهل والتعامل معاه مش عايز ناس عادية زينا.
وأضاف يخبره بما حدث بالفترة الماضية، حتى ظهوره بالكاميرات لزوجة أخيه، وانتهى بقوله:
_كلمنا آدهم وقالنا إن نزول سيف مصر لصالحه، واكدلي إنه هيقدر يحميه وهو هناك جنبه.
شعر بالخزي من نفسه لعدم مشاركته رفيقه لما يمر به، وبالرغم من الاحمال الثقيلة التي يحملها، الا أنه لم يتخلى عنه للحظةٍ، فقال بحرجٍ:
_بتمر بكل ده وأنا زايد عليك بمشاكلي وهمومي! حقك عليا يا يوسف.
أحاطه بنظرةٍ معاتبة، وقال بضيقٍ:
_بطل الغشومية دي يا عبحليم، إنت آه ساعات بتتصرف بعقل وبتحسسني انك الكبير فينا، بس وماله لما تدلعلك يومين، صحيح لو عُمران كان هنا كان ظرفك واحدة بطل دلع بروح أمك ظبطت اعدادتك المنعرجة دي فورًا، بس أهو أديني بحاول اعدلك باللتي هي أحسن وحاسس إنك مش جاي معايا سكة، إنت عايز وقاحة الطاووس، وأديك داخل خندقه وبرجليك يا بشمهندس!
ابتهجت معالمه المنطفئة، وقال بلهفة:
_أقوم أجبلك جواز سفري.
تمعن به بنظرة حزينة وهو يرى لهفته للاجتماع بعمران، يخشى أن يصده حينها سينتهي، تنحنح يوسف وسأله:
_طيب وصبا يا جمال؟
تلاشت دمويته بشكلٍ ملحوظ، أسند ظهره للأريكة وقال يجيبه بحزنٍ:
_الظاهر إن رجوعنا بقى شبه مستحيل.
مسح على ساقه وقال بثبات:
_متقولش كده، مدام صبا يتحبك بس محتاجة وقت، وآنت لازم تقدر ده.
حرك رأسه بخفةٍ ومازال شاردًا فيما حدث اليوم، وحينما تذكر ما قال، اعتدل إليه يسأله:
_كنت عايز تقولي أيه عنها؟
تنهد بحزنٍ، وقال:
_مصممة إنها تشتغل، طالبة من ليلى تدورلها على شغل، وليلى كلمت دكتور علي، ووظفها المدير المسؤول عن حسابات المركز، يومين تلاته وهتستلم مكتبها.
خيم الهدوء عليه بشكلٍ أقلق يوسف، فناداه بتوترٍ:
_جمال روحت فين؟
أجابه وهو يجاهد برسم ابتسامة على وجهه المنطفئ:
_خليها تشتغل يمكن انشغالها يهون عليها اللي عاشته بالفترة الآخيرة.
ابتسم رغم مرارة الألم العالقة بحلقه، وردد بتمني:
_ربنا يهديلك الحال يا صاحبي.
منحه ابتسامة لم تصل لعينيه المظلمة، وقال بنفس لهفته:
_أجبلك الجواز؟
ضحك وقال مشاكسًا:
_متقدرش تبعد عنه إنت! قوم يا سيدي هاته، ده أنا لو مربي نعجة بلدي كانت نفعتني عنكم إنتوا الاتنين وتالتكم أخويا الحقير!
*****
احتقنت معالمه وهو يراقب الرسائل المرسلة إليه، والمنسوبة بجملة ساخرة
«ابن الشيخ مهران مدورها مع تمناتشر شاب غيرك، عشان بس لو مخليك تفكر إنك الصاحب الوحيد اللي في حياته، واتفضل الاثبات أهو، صاحبك المنحط مقضياها شوية مع ابن عمه يونس، وشوية مع حضرة الظابط، ودلوقتي في أحضان الخواجة، البلوك مش حل لتصرفاته لازم تنتقم لكرامتك المهدورة دي.
فاعل خيرطيب وابن حلال، غرضة الوحيد مصلحتك!»
دفع سيف الهاتف عن يده وهو يصيح بغيظٍ:
_ماشي يا آيوب، وربي لأعيد تربيتك من أول وجديد، هانت وراجعلك.
_سيـــــــــف!!
انتفض محله فور أن تسلل إليه صوت صراخ زوجته، خرج يبحث عنها، فوجدها تدلف من الشرفة الخارجية باكية وهي ترتدي اسدالها، وما أن رأته حتى هرولت إليه تختبئ خلف ظهره برجفة زلزت جسده أسفل أصابعه المرتعشة، بينما صوتها المتقطع يخرج له:
_يـامن!، أنا شوفته بره.
أغلق عينيه بقوةٍ يحاول التعامل بذكاء مع الموقف، فقال بخشونة:
_زينب أطلعي من ورايا وأقفي قدامي هنا.
بقيت كما هي، عينيها متعلقة بالشرفة ورعشتها تزداد، فصاح بعنفوان:
_اخرجي وواجهيني حالًا.
بكت من خلفه وهي تهز رأسها بالنفي، جذب معصمها لتقف قبالته، فصاح بعصبية هادرة:
_ممكن تفهميني لحد أمته هنفصل بالوضع ده، طول النهار والليل على نفس السيناريو، إنتي أيه مبتزهقيش!! أنا خلاص مبقتش قادر بجد، إحنا يعتبر لسه بنبدأ حياتنا مع بعض وإنتِ تقريبًا مش شايفه غير الحقير ده.
ضمت كفيها معًا، وببكاء قالت:
_يامن هنا يا سيف، صدقني.
تمزق نياط قلبه العاشق لها، ولكنه مازال يحافظ على ثباته واتزان نبرته، بل هدر بغضب:
_مفيش حد هنا غيري أنا وانتي يا زينب، تحبي أثبتلك؟
جذبها بشراسةٍ للشرفة الواسعة، وصرخ:
_هو فين اتفضلي شاوريلي!
ازدادت بالبكاء، وفتشت بشرفة الشقة المجاورة لها، ورددت من بين بكائها:
_كان هنا يا سيف والله.
استجمع كل ثباته وهدر:
_يـــــوووه أنا اتخنقت خلاص، هخرج وأسيبلك الشقة كلها عشان ترتاحي.
وتركها وولج لغرفة نومهما، فهرولت من خلفه تتمسك بيده ببكاءٍ:
_سيف عشان خاطري متسبنيش لوحدي، إنت عندك حق انا مزودها وبتخيل وجوده، أنا آسفة مش هتكلم تاني والله، بس خليك معايا.
جذبها لأحضانه وهمس لها بصوتٍ منخفض للغاية:
_مصدقك يا زينب، إنتِ مبتتوهمش، الحقير ده فعلا هنا وبيحاول يدمر، علاقتنا باللي بيعمله، أنا اللي آسف يا عمري، كنت مضطر، أجاريه وأثبتله إن خطته جايبه نتيجة بلهيه لحد ما نسافر، محبتس أقولك عشان لو حس إننا بنمثل هيأخد رد فعل مش هنكون جاهزين ليه.
تعلقت بقميصه بقوة، وطالبته بتكرار ما قاله، حينما قالت:
_يعني إنت مصدقني يا سيف؟
قبل جبينه بحبٍ:
_مصدقك من أول يوم يا زينب، اطمني أنا جنبك المرادي وأنا اللي هحطله حد.
وابعدها عنه يقبل يديها وبحب قال:
_يلا يا حبيبتي روحي حضري شنطتك والحاجة المهمة اللي هتحتاجيها بس، عشان منلفتش الانتباه للي هنعمله.
هزت راسها وهو تزيح دموعها:
_حاضر.
ابتسم وغازلها بحب:
_يسلملي القمر وهو مطيع كده!
اختلجت معالمها حمرة طفيفة، واتجهت للخزانة على الفور تعد أغراضها، بينما هدر سيف بغيظٍ من بين اصطكاك أسنانه:
_هلاقيها من ابن الشيخ مهران ولا من الحقير ده!
*****
_فين الخواجة، ملقتوش على السطوح!
قالها "إيثان" وهو يغلق دفتر الحسابات المفتوح أمام يُونس، الذي سحب كوب الشاب الساخن يدمسه بالنعناع الطازج، ويرتشفه وهو يطالعه ببرودٍ، بينما الآخير يقتاد غيظًا:
_ما تنطق يا يونس راح فين الخواجة؟
وضع الكوب عن يده وقال بسئم:
_عايز أيه على الصبح يا إيثان، إنت حالك مبقاش عاجبني، من ساعه ما الخواجة ظهر وإنت عقلك اتلحس!
وتابع وهو يشير على القدح المغموس بين طاسة الفحم:
_اشرب شاي بنعناع بيروق الدماغ وبيهدي التعبان!
ألقى الكوب من يده وهو يصرخ بعصبية:
_يونـــس متعصبنيش، بقولك فين الخواجة ده عايز أحط عليه!
أبعد مقعده، ونهض يجابه غضبه:
_إنت من كتر رفض بنت خالتك ليك عقلك لحس ولا أيه، مالك يا إيثان ما تظبط الحوار معايا بدل ما أظبطك على الصبح، شايل اعصابي وحاططلك تلاجة لمصلحتك، لو فكتها هنلقفك على القرافة مش الحيطة زي ما الخواجة بيلقفك عليها.
منحه نظرة مستنكرة لما قال، دفعه للخلف وهدر منفعلًا:
_كانت فين عصبيتك دي امبارح، ولا جاي على هواك اللي حصل لصاحبك.
لانت تعابيره وتمتم بخفوتٍ:
_استغفر الله العظيم واتوب إليه.
زفر وهو يستعيد قوته، واشار له:
_تعالى يا إيثو، شوف مهما تعمل هتفضل عملي الرضي، عايز اخبلك شخشيخه أطفال زي بتاعت يونس كل ما عفريتك يحضر أهشتكه.
وكبت ضحكاته وهو يخبره بجدية مضحكة:
_يعني خلاص هنسيب اشغالنا ومالنا وهنقعد للخواجة على الساقطة واللاقطة يا إيثوو، بالله ده كلام!!
وتابع وهو يلف ذراعه حول كتفه:
_بص انا حاسس إنك اعصابك تعبانه من فترة، روح استهدى بالله وافتح الجيم بتاعك، العبك سبع تمن ساعات على الأجهزة بتاعتك وهترجع فلة ومسك.
واضاف بمزحٍ:
_لو اتاخرت عن كده هجي أبص عليك أهو أسلكك من خناقة الاجهزة المعقربة بتاعتك دي وأهو كله بثوابه.
هز إيثان رأسه باقتناع، وقال وهو يتجه للخروج:
_هروح فعلا أعمل كده، بس راجعلك إنت وهو تاني وآ..
تلاشت جملته فور أن تلاطم جسده بسفح جبلي، استدار ليرى من؟ فاحتقنت مُقلتيه بغضب، بينما أدمى يونس شفتيه من فرط كبته للضحك، وهو يرى القدر يجمع بينهما رغمًا عن أنوفهم.
منحه عُمران نظرة مستحقرة، جابته من رأسه لأطراف قدميه، وببرود قال:
_طول ما انت باصص وراك في مشيتك مش هتنطحك بقرة بس، ده هيعدي عليك طوب الأسفلت.
صاح بعنفوان:
_مين ده اللي يعدي عليا، ده أنا شقيته نصين زي ما هتبتدي معاك من دلوقتي.
جحظت عيني آيوب صدمة، فأشار ليونس بجدية تامة، فأسرع يجذب إيثان للخلف بينما يطالعه عمران ببرود وثبات انهاه قائلًا:
_البداية على طول بتكون من عندي، بس أنت عشان معرفة حد غالي عليا هخليك تبدأ، وريني تمامك أيه يا كابتن؟
احتجت أعصابه غيظًا من برودته بالتعامل، فحاول دفع يونس للخلف وهو يصيح بغيظٍ:
_وسع يا يونس، أبعد كده.
_إيثـــــــــان.
صوتًا أنوثيًا رقيقًا اقتحم محل وقوفهم، استدروا للخلف، فوجدوا فتاة ترتدي جيب أسود طويل، وقميصًا أبيض يعلوه جاكيت أسود من الجلد، شعرها قصير بعض الشيء، تطالعه بحدةٍ ببنيتها الثائرة.
اعتدل "إيثان" بوقفته بعيدًا عن يونس، وهمس بمشاعرٍ مرهفة:
_كريستينا!
استدارت رؤؤس الشباب عنها، بينما مضى هو بخطواتٍ مرتبكة حتى وقف قبالتها، فاذا بها تندفع بصوتٍ مرتفع سمعه جميع من بالمحل وعلى رأسهم الشباب:
_باعت خالتي تهددنا يا إيثان، قولتلك لو إنت أخر واحد على الكوكب كله أنا مش هوافق بيك، أنا مش الاستبن اللي قاعدلك في خانة الاحتياط، تلف لفتك وبالآخر ترجع ليه، فوق لنفسك.
وتابعت وعينيها تلمعان بدموع الكبرياء:
_لو فاكر إني موافقتش على أي عريس من اللي متقدملي لإني بحبك ومستانية جنابك تحن تبقى عبيط وأهبل، أنا معتش شايفاك أصلًا، مستانية أختار الإنسان اللي يستاهلني وأستاهله بجد.
كاد بأن يبرر لها فعلته، ولكنها أشارت بيدها بتحذيرٍ، وشراسة:
_أوعى تدخل خالتي بالموضوع ده تاني، فاهم!
وتركته ورحلت بينما الثلاث شباب يتابعون ما يحدث من خلفه، مال عُمران ليونس يخبره:
_صاحبك طلع غشيم ونطع!
لم يستوعب ما قاله عُمران، بل كان مشدوهًا لما يحدث، لم يتخيل أن تواجهه بتلك الحدة وعلى مسمع ومرأى الجميع، دنى عمران من إيثان الذي يتابع خروجها بغضبٍ، رأى بعينيه رغبته بالثأر والانتقام لكرامته التي أهدرتها تلك الفتاة، فعزم الرحيل خلفها؛ لتحقيق مبتغاه، أوقفه عمران حينما دفع كتفه للخلف وركز رماديته إليه هاتفًا بحروفًا بطيئة ربما يستوعب:
_غلط! اللي هتعمله غلط وهيضيعها من ايدك نهائي يا غشيم.
برزت حدقتيه بحدة، لحق نبرته:
_وإنت مالك أصلًا، إبعد عن طريقي.
لم يتذحزح قيد انامله، بل تابع بثقةٍ لا تليق سوى به:
_عقلك مصورلك لحظة غضب إنها باللي عملته دلوقتي نهاية لاي فرص بينكم، بس الحقيقة هي فرصة لو استغلتها صح هتكون ليك، زي مانت عايز وخايف تعترف بيه.
لانت تعابيره قليلًا، واندفع فضوله لسماع المزيد منه، فتابع عُمران برزانة وهدوء يراه يونس وإيثان فيه لأول مرة:
_نص كلامها كدب ومش صحيح، لو كانت عايزة ترتبط بشخص كويس كانت عملت كده من زمان، باقي كلامها عبرت فيه بدون ما تحس أنها بتحبك وعايزاك بس رافضة طريقتك نفسها يا غشيم!
تغاضى عن جملته التي ينهي بها أي جملة، وقال بتأففٍ:
_يعني أيه؟ مش فاهمك أنا!
أخبره باستفاضةٍ:
_اللي فهمته من كلامها ومن تصرفك العبيط على كنبة الفشارين امبارح إنها كانت بتحبك من زمان وإنت عارف كده، الظاهر كمان انها حاسة إن كان في واحدة في حياتك غيرها، ولما رفضتك او الموضوع اتفشكل لأي سبب رجعت تتقدم ليها، كأنك رضيت إنك هتكون ليها.
عبث بعينيه بعدم فهم، فابتسم ساخرًا:
_Sorry, I forgot you're stupid
آسف، نسيت انك غشيم!(غبي)
صاح ايثان بغضب:
_وبعدين في طولة لسانك دي بقى!
زوى حاجبيه بدهشة،وأشار على نفسه ببراءة أضحكت يونس وآيوب اللذان يتابعان ما يحدث بذهول بينهما:
_أنا يا إيثو اللي لساني طويل، ولا مامي اللي معرفتش تربي الحيلة؟
واستطرد بفتور:
_عمومًا مش موضوعنا دلوقتي، إفهمني بقى عشان مش هعيد كلامي تاني ومعنديش وقت لده اساسًا، انت كنت غشيم معاها، حسستها إنها استبن وإنك عايزها لمجرد انك تتجوز وخلاص، كان المفروض تلطف الدنيا وتقول كلمتين حب والذي منه عشان تكسب قلبها المجروح، الست يا كابتن إيثو مفيش أرق من قلبها، خصوصًا لو شالك في يوم ذرة حب، قصاد حبها مستعدة تعديلك كل حاجة.
واضاف متنهدًا بنبرة حزن مطموس:
_نبرتها وهي بتتكلم فيها وجع كبير، الظاهر إنك مكنتش غشيم بس، لا كنت غبي كمان، ولازم تراضي غرورها كأنثى.
أشار عُمران على باب المحل الضخم الخاص ببونس وقال:
_فرصتك الوحيدة قدامك، الحقها وهي بالحالة دي اقف قدامها وبصلها وقولها بحبك وإن كل الكلام اللي قالته ده غلط، هتتراضى حتى لو عارفة انك كداب، لكن لو عايز تخسرها روح واعمل اللي في دماغك، استعيد كرامتك اللي شايفها اتبعترت قدامنا وقدام العمال، بس بخسارتها، خليك عارف إن في الحب مفيش كرامة.
وببسمة جذابة اخبره:
_الراجل المغرور بيكون أول واحد بيقع في المعركة، العلاقة الصحيحة لازم يكون فيها تنازلات، اتنازل عشان تفوز بالساحة كلها مش في حرب واحدة من حروبها، وخليك عارف إن طول ما في ست في حياتك طول ما احتياجك للسيف وأدوات الحروب أكتر من احتياجك للأكل، أتمنى تكون فهمتني يا إيثو ولو إني أشك!
وتمتم بسخطٍ:
_شكلك هطلع غشيم وأنا مبحبش النوع ده، وللاسف ربنا ابتلاني بواحد وشكل التاني على الطريق!
أحاطه إيثان بنظرةٍ حائرة، فتحرك يونس ودفعه بغضب:
_لسه واقف تنيل أيـــــــه؟ اجري نفذ اللي قالك عليه يا غشيـــــــــــــم!
تلقفه احد العمال قبل سقوطه أرضًا، فنهض يتمتم بغيظ:
_متزقش يا يونس الله.
واشار لايوب بقلق:
_مالي ايدك من الخواجة ده ولا يكون بيسوحني عشان ينتقم.
منحه آيوب نظرة ساخطة وقال:
_عُمران صح انت غبي مش غشيم!
ونكز يونس بحنق:
_اتعامل انت عشان ورايا امتحان ومذكرة انا!
ردد العامل الذي حال بينه وبين السقوط بنزقٍ:
_زمان الهانم وصلت البيت وخسرت فرصتك يا غشيم آآ.. أقصد يا كابتن إيثان.
تنحنح بخشونة غليظة وهو يستعيد هيبته المفقودة:
_روح شوف شغلك يابو لسان طويل، يـلا كل واحد على شغله، فضيناها.
انفض الجمع من حوله، حرك كتفيه يعدل من جاكيته، واستدار يخبرهم وهو يمرر يده على رقبته بحرج:
_طيب هروح انا بقى وراجع.
وشمل يونس الذي يطالعه باستحقار:
_خد بالك من المحل، شوية وراجع مش هعوق أنا.
فور مغادرته تساءل عُمران بدهشة:
_أيه أعوق دي، مش دي بتتقال لما تحس اللي قدامك تمادى بالامر فبتقوله مش عايز عوق أنا، يقصد أيه باللي قاله؟!
ضحك يونس وقال:
_لا ده قصده مش هيتأخر يعني، مستحيل يشد في خناقك تاني يا خواجة، إنت يعتبر مواجب معاه ومركبه واحد.
زوى حاجبيه بذهولٍ، وتمتم:
_مركبه واحد!!
نهر آيوب يونس بضجر:
_ألفاظك إنت وصاحبك قذرة.
ومال إليه يهمس له بصوتٍ مسموع للطاووس:
_كفايا عليه اللغات اللي معاه مش عايزين نخليه أوقح من كده، هيطلعه على بشمهندس جمال ودكتور يوسف لو رجع لندن، إهمد إنت والغشيم اللي مصاحبه.
_ما تسيبك من حوارك العبيط ده وترفع صوتك يابن الشيخ مهران.
استدار آيوب إليه، وقال مبتسمًا بتصنع:
_ده أنا خايف عليك وعلى لغتك الراقية لتنحدر هنا يا بشمهندس.
رد عليه بسخرية:
_قولتلك قبل كده أنا لو حطوني في عالم الجن هعرف أتعامل، خاف على نفسك إنت يا برجل!
تعالت ضحكات يونس وهتف بعدم تصديق:
_حلوة برجل دي جديدة.
_السلام عليكم ورحمة الله
قالها آدهم الذي ولج للتو، لينتبه له الجميع، استدروا إليه، يرددوا السلام، والابتسامة تنبلج على وجه آيوب بحفاوةٍ، الذي لم يكتفي بسلامه واتجه يضمه بكل محبة، ويساله بلهفةٍ:
_أخبارك يا آدهم؟
ربت على ظهره والحزن يعتريه، يشعر بالمكانه المختلفة التي يميزه بها آيوب، وهو العاجز عن بوح الحقيقة إليه، يتمنى أن يحصل والده على الخلاص، ولكنه يخشى أن يكون في ذلك خسارة آيوب الابدية!
تحرر من صمته يجيبه مبتسمًا:
_بخير الحمد لله، طمني عليك إنت وعلى مذكرتك، الامتحانات خلاص قربت!
لاحظ الحزن الذي يملأ مقلتيه، وقال:
_إطمن هشرفكم.
هز رأسه وقال بفخر:
_واثق إنك هتعمل ده.
دنى إليه عُمران يشاكسه:
_أيه يا حضرة الظابط مفيش أهلًا ولا سهلًا، شكلي موحشتكش!
أجابه ببسمة بشوشة تعكس صدق حديثه:
_وحشتني والله وصاصا كان هيبعتني امبارح نص الليل عشان ترجع معايا، بس آيوب ثبته على الفون.
وأضاف بتهذبٍ:
_كنت جايلك أصلًا قبل ما تكلمني، شوف حابب تروح فين وأنا تحت أمرك.
همس له بصوتٍ منخفض، يملأه المكر:
_مكان حبيبنا، واجب نواجب معاه ولا أيه رأيك يا حضرة الظابط؟
ضحك بملء ما فيه، وقال ساخرًا:
_حضرة الظابط دي متكلش مع المشوار اللي رحينه ده، مشيها إسمي الحركي أحسن!
ارتاب آيوب لامرهما، وتساءل بشكٍ:
_انتوا رايحين فين بالظبط؟
دفعه عُمران بخفة:
_روح ذاكر يا آيوب، هنروح مشوار على السريع كده وهشوفك بليل.
أصر أن يعلم ما بينهما، فردد باصرارٍ:
_هاجي معاكم لو مقولتوش رايحين على فين؟
ربت على كتفه وقال يمازحه:
_مشوار للكبار يا حبيبي، روح ذاكر زي ما قولتلك.
قالها عُمران وغادر للخارج ومن بعده آدهم بعدما ربت على كتف آيوب ومنحه ابتسامة هادئة.
*****
_كريستــــــــين استني!
التفتت خلفها تجاه صوته المنادي، فصعقت حينما وجدته يركض من خلفها، انحنى إيثان مستندًا على ركبتيه، يلتقط انفاسه بصعوبة، ما كان ليلحق بها الا لاعتياده على ممارسة الرياضة الشاقة، وبالأخص الركض المتواصل على الأجهزة.
استعاد اتزانه، ونهض يقترب منها، طالعها بدهشةٍ حينما وجد أثر البكاء على وجهها، لقد واجهته بقوةٍ وشراسة، ومضت تكشف عن ضعفها بين الطرقات، لاحظت تعمقه بها، فاستدارت تزيح دموعها وواجهته بقوةٍ إلتحفت بها مجددًا:
_خير؟
وخز قلبه دون رحمة، فقال وهو يرنو إليها:
_أنا آسف.
منحته نظرة ساخرة، وتساءلت بسخطٍ:
_على أيه؟
ضم شفتيه معًا والحزن يتغلغل داخل مُقلتيه، وبوجع ردد:
_على كل لحظة ضيعتك فيها من ايدي بسبب غبائي، كريستينا أنا بحبك، اكتشفتها متأخر أوي بس دي الحقيقة، أنا غبي وحيوان، ومتسرع وكل العيوب اللي في الكون اتجمعت فيا، بس صدقيني معملتش كده عشان ارتبط بيكِ وخلاص، أنا بس اتاكدت من مشاعري مش أكتر.
رمشت بعدم استيعاب مما قال، وكأن من يقف أمامها شخصًا آخر غير ذلك السليط، وجد هدوء يحيط عاصفتها الجامحة، على ما يبدو بأن ذلك الوقح يمتلك خبرة بالتعامل مع النساء، فتابع قوله:
_أنا عايزك يا كرتستين، وده لاني بحبك ومحتاحالك جنبي، تصرفي مكنش كويس عارف، بس أنا هقدر اي رد فعل ليكي، حتى لو اختارتي تكوني لغيري.
وأضاف مازحًا:
_لو كنني لغيري هاجي فرحك وهغنيلك اغنية اعذريني يوم زفافك وأنا صوتي أصلا لوحده هيطفش العريس والمعازيم، وميبقاش غيري انا وأنت يا جميل، ووقتها مش هحلك، هتجوزك يعنس هتجوزك حتى لو هخطفك.
ومال إليها يسألها بنظرة اجتهدت لتنقل حبه لها:
_ما تيجي أخطفك من دلوقتي ونوفر الفيلم الهندي ده؟.
ابتسمت رغمًا عنها، فصاح بحماس:
_هو ده، ضحكت يعني قلبها مال.
تلون وجهها من شدة حيائها، وخاصة حينما سألها:
_أجيب خالتك وأجي بليل؟
رفعت عينيها إليه، وبرقةٍ هزت رأسها وغادرت من أمامه سريعًا، فابتسم وهو يهمس بسخرية:
_بركاتك يا خواجة!
******
_طيب ممكن تفهميني إنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟ مش عملتي اللي في دماغك وهنتيه وكسرتيه!!
قالتها ليلى بعصبية بالغة إلى صبا المنهارة من البكاء، تنهدت بقلة حيلة وقالت:
_يا صبا صدقيني إنتِ كده بتدمري نفسك، خلاص مدام شايفة إنك عملتي الصح زعلانه ليه؟ عيشي حياتك عشان نفسك أولًا وعشان ابنك.
أزاحت دموعها وبانكسارٍ قالت:
_غصب عني يا ليلى، هو وجعني وجع كبير، كنت عايزة أنتقم منه وأشفي الجرح اللي جوايا، بس لا وجعه دواني ولا كسرته شفت جروحي.
تدفقت الدموع من عيني ليلى تأثرًا بها، فضمتها لصدرها وقالت بحنان:
_صبا حبيبتي اللي مريتي بيه مكنش سهل نهائي، أنا فخورة بيكِ انك وبالرغم كل اللي مريتي بيه مازالتي واقفة على رجليكِ وبتحاربي عشان ابنك وكرامتك.
وابعدتها عنها تقابل عينيها وهي تخبرها بعزيمةٍ:
_انسي كل اللي فات ادي لنفسك فرصة تعيشي الحياة من غيره، وشوفي هتقدري ولا لأ، انزلي شغلك الجديد بالمركز وخصصي وقت لنفسك ولابنك، لو عدت عليكي أيام نستيه فيها،تأكدي إنك فعلا مش قادرة تسامحي وحياتك بقت أفضل من غيره فصممي على قرارك بالانفصال، لو حسيتي إنك ضعفتي ومحتاجة تديله فرصة، إعملي كده عشان خاطر ابنك بس وانتِ واخده حقك كامل ومكمل، وانتي حاليًا بدأتي أول درس باسترداد حقك.
رسمت بسمة باهتة على وجهها وقالت بامتنانٍ:
_تفتكري من غير وجودك ودعمك ليا كان هيجرالي أيه؟
ضمتها مجددًا إليها وقالت بحب:
_ربنا يعلم بمعزتك عندي يا صبا، وأكتر حاجة مفرحاني انك هتنزلي الشغل معايا وهنكون مع بعض.
******
كان يعمل على أحد الملفات الهامة من أمامه، حينما ولج أخيه لمكتبه، دنى إليه بكل عنجهيةٍ، ووضع أمامه ظرفًا أبيض مطوي، وزع الجوكر نظراته عليه وعلى ما وُضع أمامه وبذهولٍ تساءل:
_أيه ده؟!
أجابه رحيم وهو يجذب اللافتة الخشبية الصغيرة، الموضوعة على مكتبه، يلهو بها بتسليةٍ:
_تذكرة سفرك.
رفرف بأهدابها الطويلة بدهشةٍ:
_سفر مين؟!!
ضم حاجبيه ببراءةٍ مصطنعة:
_إنت يا مراد، هتسافر كمان ساعتين ايطاليا، يلا يا بطل جهز نفسك وفي المطار هتلاقي شريكك في المهمة جاهز وفي انتظارك.
نهض يجابه وقوفه، وصاح بدهشة:
_مهمة أيه؟ ومين ده اللي باعتينه معايا؟ إنت بتقول ايه!!!!
سحب الاسطورة كوب العصير الأزرق الخاص بمراد، ارتشفه مرة واحدة، زم شفتيه ووضع الكوب هادرًا:
_غريب عصيرك ده!!
كز على اسنانه بغيظٍ وهدر:
_رحيم متستفزنيش مهمة أيه اللي حجزلي فيها التذكرة بنفسك دي؟
نهض يعدل جاكيته،وقال بجمود:
_مهمة الميكروفيلم، رحلتك لايطاليا بعد ساعتين، تذكرتك جاهزة، سلام يا جوكر.
واتجه ليغادر وقبل أن يخرج من الغرفة استدار يبلغه ببسمة خبيثة:
_الاماكن المحظور عليك دخولها عشان هتكشفك قدامهم عايزك تزورها يوميًا، من الآخر عايزهم يعرفوا بوجودك من أول يوم، واوعى تتنكر.
وبابتسامةٍ شيطانية قال:
_خليهم يعرفوا أننا مش هنسكت.
ضرب كفًا بالآخر وهدر منفعلًا:
_هو مش سيادة اللوا قال المهمة دي مينفعش فيها حد معروف!!
ببسمة باردة قال:
_بس أنا بقول ينفع، غير هدومك واتحرك على طول هتتأخر، على معاد الطيارة.
أوقفه بعصبية طائلة:
_وانا همشي كده من غير اي خطة مدروسة!
استدار إليه يواجهه بنظرة شيطانية:
_اخدت جزءك من الخطة بالفعل، هتتحرك فوق الستار وباقي التيم من تحته، هنغربلهم في النص، عايز تفهم أيه أكتر من كده!
ومنحه ابتسامة كشفت عن اسنانه، وسأله بخبث:
_موحشكش جو التوابيت؟
زوى حاجبيه بصدمة من بروده، بينما دث رحيم يديه بجيب جاكيته وغادر يطلق صفيرًا مستمتعًا تاركًا الجوكر يحارب ذاته الا يسحب احد قنابله النووية يفجر بها أخيه لينهي عذابه من هذا الشخص الاحمق!
*****
فتح الرجال الباب، ليدلف عُمران وآدهم للداخل، حتى وصل للسرير الصغير الذي يعتليه نعمان، ابتسم ساخرًا وهو يردد:
_سمكة دولفين بريئة نايمه!
وأشار لآدهم بسخرية:
_خد بالك ده أبشع من الدولفين، شوفت اخطبوط البحر، ده نسخته بس على أرزل.
وتركه واقترب يهزه بعنف وهو يصيح:
_قـــــوم يا نعمـان قيامتك قامت!!
........ يتبع.......
#االاقوى_قـــــــــادم..
صرخات أنثى بقلمي آية محمد رفعت.
هسبلكم لينك فيه اقتباس ورقي ليا، بتمنى تحطوا لايك وكومنت لطيف زيكم، بحبكم في الله ♥
اللينك 👇
***____*****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثامن وثمانون 88 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!)
#الفصل_الواحد_والسبعون.
__الجزء الأول__
(إهداء الفصل للقارئة العزيزة بسمة أحمد،بمناسبة عيد ميلادها، كل عام وانتِ إلى الله أقرب، كل عام وإنتِ بخير وسعادة، بتمنى أن ينال الفصل إعجابك، أحبك في الله...قراءة ممتعة 💙)
طرق باب الشقة، وتمنى أن تفتح هي الباب، فلبت نداء قلبه المشتاق، حينما طلت من أمامه، ابتهجت معالم "آيوب" حينما رآها أمامه، بينما رددت "سدن" بابتسامة هادئة:
_آيوب!
منحها ابتسامة جذابة وقال وهو يضع أكياس المشتريات جانبًا:
_عاملة أيه يا سدن؟
رددت بنبرتها التي بات يعشقها:
_الحمدو لله، أنا كويس أوي، وإنتي عامله أيه؟
اتسعت ابتسامته وانقلبت لضحكةٍ جعلتها تتابعه بابتسامة يتلألأ بها حبه الساكن بين مُقلتيها، استعاد اتزان نبرته المرتشعة من الضحك وقال:
_الحمد لله بخير، أينعم مطحون في المذاكرة بس بخير، هسافر بعد يومين إن شاء الله عشان امتحاناتي.
تلاشت ابتسامتها ، بل شحبت تعابيرها وتجمدت، لدرجة جعلتها تتمسك بكف يده وتتساءل بدهشةٍ:
_هتمشي وتسيب سدن هنا!
خفق قلبه طربًا، لمستها جعلت جسده ينتفض من فرط مشاعره، تعمق بحدقتيها وقال يهمس لها:
_لازم أسافر عشان امتحاناتي يا سدن، ومينفعش أخدك معايا، لسه حوار عمك متنساش.
سحبت كفها منه وبعصبيةٍ رددت بالانجليزيه ما يعني وصولها لذروة غضبها:
_وكأنك تكثر من حجتك بما حدث، فلتكن صادقًا آيوب أنت تريد الذهاب بمفردك، لقد أخبرني الشيخ مهران أن الكذب من المعاصي والمحرمات ومازلت تلجئ لحجتك الكاذبة كلما رأيتني.
واستطردت ودموعها تنهمر من مُقلتيها:
_قول إنك عاوزة تبعدي عن سدن، بس مش تكذبي آيوب حرام عليكي الكذب حرام.
وتركته وغادرت لغرفته، بينما يتابعها هو في صدمةٍ وعدم استيعاب، دفع "آيوب" باب الشقة بيده وتفحص الردهة بحرجٍ، يخشى الولوج للداخل بوجود "خديجة"، ابتسمت من تراقبه من على بعدٍ، فتركت المنشفة والملعقة من يدها، واتجهت له تخبره:
_تعالى يا قلب أمك، هو أنت غريب!
استدار تجاه الرواق؛ فوجد والدته تتابعه ببسمةٍ خبيثة، أوحت له بسماعها لحواره مع زوجته من البداية، تنحنح بخشونةٍ وهو يشير لها على الأكياس المركونة خلف باب الشقة:
_يونس جابلك الطلبات اللي بعتيها مع فارس بالورقة يا حاجة، إتاكدي إن مش ناقصك حاجة، لو كده هنزل أجبها من المحل.
ربعت يديها أمام صدرها وهدرت بسخريةٍ:
_بتتماكر على أمك يابن الشيخ مهران.
وأشارت على نفسها باعتزازٍ:
_ده انا اللي مربياك وأفهمك من نظرة يا بشمهندس.
واستطردت وهي تشير له:
_هات الحاجة وادخل، خديجة طلعت تهوي الشقة بتاعت أمها، وقررت إنها هتنقل فيها بعد ما الدكتور طمنا أنها بقت أحسن.
وأضافت بمكرٍ:
_يعني تقدر تدخل وتطلع براحتك، مفيش حد غريب.
حمل الأغراض ووضعها بالمطبخ وهو يتهرب من عينيها بحرجٍ، فغادر يتجه لباب الشقة قائلًا:
_طيب هطلع أكمل مذكرة أنا بقى.
إهتز بوقفته فزعًا حينما صرخت به:
_استنى عندك يالا!!
استدار للخلف لها، فوجدها تسرع إليه، انتشلته الحاجة" رقية" وأبعدته من أمام باب الشقة الذي أغلقته بغضبٍ، ووقفت قبالته تصيح بغيظٍ:
_واد يابن الشيخ مهران إنت، ارحمني أنا عندي الضغط.
ارتاب آيوب من أمرها، وقال:
_ألف سلامة عليكي يا حبيبتي اطلبلك دكتور؟!
راقبته بصدمةٍ، بينما يتابع بفزعٍ:
_أكيد نسيتي تأخدي الحباية بتاعت الضغط النهاردة صح!
واستطرد وهو يتجه لغرفتها:
_حالًا هجيبها لحضرتك.
جذبتها بعصبيةٍ وانفجرت به:
_إنت اللي هتجلطني، بقولك محدش هنا ومفيش حد غريب، اتلحلح وادخل صالح مراتك، أنا شوفتها وهي بتجري كانت بتعيط!!
اعتلاه الحرج، وتمكن منه لاقصى درجة، فقال بارتباكٍ:
_ميصحش أدخل وحضرتك موجودة.
طرقت جبينها بقوةٍ ورددت بتعبٍ:
_عوض عليا عوض الصابرين يا ررب، أقوله أيه ده!!
وتابعت بنزقٍ:
_يابني الله يحفظك افهمني، تربية الشيخ مهران دي مش هتنفعك مع مراتك صدقني، اتحرك وكده وخليك زي الشباب الروشة، دي مراااااتك مراتك على سنة الله ورسوله، فاهمني!
أسبل بجفنيه بصدمة مما توحي به وقال:
_يعني حضرتك عايزاني أعمل أيه؟ الشيخ مهران لو رجع من المحل ولقاني هنا هيتضايق مني، سبيني أطلع شقة يونس قبل ما يرجع.
نزعت الحاجة "رقية" حجابها، وعصبت به رأسها وراحت تردد في تعبٍ:
_عوض عليا عوض الصابرين يارب!
أحاطه القلق فأمسك يدها وسألها بخوف:
_مالك يا ماما، إنتِ مش طبيعية النهاردة.
شملته بنظرةٍ محتقنة، وهتفت بسخريةٍ:
_والله يابني ما حد عارف مين فينا اللي مش طبيعي.
ونادته ببسمة مغتاظة:
_آيوب.
اجابها بلهفة:
_آيوه يا أمي، قوليلي بس حاسة بأيه وأنا هتصرف.
أجابته بصدر رحب:
_حاسة بمرارتي هتفرقع في وشي وشك بعد شوية يا روح قلب أمك!
وسحبت كفها بعنفٍ من بين يديه، وصرخت بانفعال:
_اجري من وشي روح صالح مراتك وثبتها بكلمتين من بتوع الشباب بدل ما أقلب عليك قلبة القطة على عيالها، وأحرمك من كفتة الرز اللي مهدود حيلي فيها لبكره دي.
جحظت عينيه صدمة، فرمش بعدم استيعاب، وراح يتساءل:
_يعني إنتِ كويسة، مش حاسة بأي تعب؟
رمقته بنظرة شرسة واستدارت تبحث عن أي شيء يجاورها، جذبت المكنسة اليدوية، وهرع إليه تصرخ:
_روح صالح البت هتجلطني بتربيتك دي!
ركض آيوب تجاه غرفته ضاحكًا، بينما تابعت "رقية" بغيظ:
_ده الشيخ مهران رومانسي وبيفهم عنه!
على ذكر محبوب قلبها، جلست على مقعد السفرة، تهيم به مستندة على ذراعها، وقالت ببسمة هائمة:
_ربنا يباركلي فيه ويحفظهولي يارب!
بينما بداخل غرفة "آيوب".
ولج للداخل يكبت ضحكاته بصعوبة، لقد أجاد تمثيل دور العفاف على والدته جيدًا، بينما بداخله يتراقص فرحة ويتمنى أن تصر على دخوله لها، ليضمن إن تم القبض عليه من قبل الشيخ مهران فيخبره بصدق أنها من دفعت به إلى ذلك، دون اللجوء إلى الكذب.
بحث عنها آيوب فوجدها تجلس على الأريكة القريبة من الشرفة، تميل على ذراعيها وتبكي بخفوتٍ، وما أن شعرت بحركة خلفها حتى رددت ببكاء:
_آيوب عاوز يسيب سدن ويمشي لندن وحده خديجة، أنا قولت ليك إنه مش يحبني، هو عمل كده عشان محمد.
أتاها صوته الحنون ينفي اتهامها:
_سبكتي التهمة على مقاسي يا سدن!
استدارت خلفها، فتفاجئت به يقف قبالتها، نهضت تبحث عن حجابها وهي تردد بغضب:
_إنتي داخله هنا ليه، امشي بره، أنا مش لابس!
ضحك رغمًا عنه على مظهرها المضحك وهي تبحث عن اسدالها، فكانت تجلس ببيجامة من اللون الأسود، وشعرها الأصفر يندرج من خلفها بحريةٍ، بينما وجهها يضربه حمرة البكاء فجعلها فاتنة بكل معنى الكلمة.
تركها آيوب ترتدي اسدالها ولم يرغب في مضايقتها، بل استدار عنها حتى انتهت من عقد حجابها، وفور أن انتهت هتفت بحنقٍ:
_كيف تجرأ على الدخول إلى هنا؟ هيا انصرف قبل عودة الشيخ مهران!
دنى إليها مبتسمًا، وقال ببساطة:
_ولو حضر العالم بأكمله إلى هنا لا يعنيني، إنتِ زوجتي سدن! هل تعي ذلك؟
وقال بثقة يشير لها من حيث وقوفه:
_اقتربي مني!
زوت حاجبيه باستغراب، ومع ذلك اقتربت، أمسك يدها المضمومة على الأخرى وقال وفيروزته تحاوطها:
_لم أكن يومًا كاذبًا، أقسم بالله أن قلبي إنفلت زمام الأمر عنه وبات سجينًا داخل قلعتك، أنا أحبك وإحتسبتك زوجة لي من اللحظة التي أعتنقتي بها الإسلام.
وتابع بحبٍ:
_كل ما في الأمر أنني أريد الأمان لكِ، وسفرك الآن برفقتي ليس لصالحك.
ومنحها ابتسامة هادئة، ريثما يردد بعاطفة:
_أتركِ من خلفي وما أنتِ بمنسية، وضعتك داخل قلبي ووهبتك كل ما تمنيت أن أمنحه لمن ستكون زوجة لي، ومع ذلك مازلتِ تشككين بحبي لكِ!
انهمرت دموعها عن مُقلتيها، بينما يدها ترتعش بين كفيه، جذب كفه برفقٍ إليه، فانساقت من خلفها، أزاح دموعها وقال:
_طيب أفهمك بأي لغة تانية إني بحبك!
وأضاف مازحًا:
_ده الحاجة رقية لمحتها من على بعد ومدخلاني ليكي بإيد المقشة!
ضحكت رغمًا عنها وهو يمنحها نظرة دافئة، وابتسامة لا تفارقه، أحاطها إليه، وضمها بحنانٍ، فتعلقت به بقوةٍ وقالت:
_مش تتاخري ماشي؟
انفصل عن لحظة رومانسيته ومال على كتفها يضحك بصخبٍ، وهو يخبرها بصعوبة:
_خلي الشيخ مهران يعلمك الفرق بين المذكر والمؤنث عشان الوضع ده مش نافع بأي شكل!
ابتسمت وهي تخبره على استحياء:
_لا تقلق آيوب، السيدة رقية تبذل قصارى جهدها.
مازحها ضاحكًا:
_جهودها منطلقة في كل الاتجاهات ست الكل خيرها مغطي!
تلونت عينيها حزنًا، وقالت بحياءٍ:
_سأفتقدك أتعلم ذلك؟
اتسعت ابتسامته، وبعشقٍ قال:
_يارتني أقدر أترجم مشاعري ليكِ، بس أنا واثق إن لما يجي الوقت اللي نشهر فيه جوازنا هتقدري تكتشفيني بالشكل اللي أنا عايزه.
واستطرد بمشاكسةٍ جعلتها تضحك من قلبها:
_هطلع قبل ما الشيخ مهران يقفشني معاكي هنا، هيحرمني من الامتحانات وفيها اعادة سنة تأديب واصلاح وأنا عايز أنجز عشان أدخل دنيا!
واتجه ليغادر هاتفًا بحنان:
_قبل ما أسافر هنخرج انت وأنتِ وهنلف بالسكوتر بتاعي للصبح، على فكرة مخدتش حد قبل كده ورايا.
غمز بفيروزته يشاكسها:
_انتي هتبقي الأولى.
****
أغلقت باب شقتها، واستعدت للهبوط وابنها يتشبث بيدها، مرت من طابقها واتبعت الطابق الآخر، فسحب ابنها كفها منها فور أن رأى ذلك الذي كان بطريقه لشقته، ركض الصغير اليه وهو يناديه بلهفةٍ:
_بــــابـــــــا.
حمله "يونس" بين ذراعيه بفرحةٍ، وضمه إليه، وعينيه تراقب من تقف على بعدٍ منهما، حمله واتجه إليه يتساءل باستغرابٍ:
_رايحين فين بالوقت ده؟
أجلت أحبالها وعينيها تتهرب من لقائه:
_نازلين محل البقالة اللي على رأس الشارع نجيب شوية طلبات.
وما كاد بالحديث حتى قال فارس:
_أنا طلبت من ماما تعملي سندوتشات لنشون وسحلب سخن فقالتلي هننزل نجيب ونرجع.
ترك الصغير عن ذراعه، ونهض يستقيم بوقفته، يعاتبها بضيقٍ:
_مش أنا قولتلك لما تعوزي أي حاجة أبعتيلي رسالة وأنا هجبلك طلباتك، بتكسري كلامي من أولها يا خديجة؟!
ردت عليه من خلف نقابها الأسود:
_أبدًا والله، بس محبتش أشغلك عشان طلب بسيط زي ده، أنا قولت هنزل بسرعة وهرجع.
إحتدت نبرته غضبًا:
_ونازلة من غير إذن!
قرأ بعينيها تكدس حديث لا تستطيع البوح به، لكنه بارعًا بقراءتها، لطالما كانت كالكتاب المفتوح إليه منذ أن كانت بالعاشرة من عمرها، وما أزعجه الآن بقراءته، التفت "يونس" لصغيره وقال:
_انزل عند آيوب تحت يا فارس، شوية وجايلك.
هز الصغير رأسه وهرع للاسفل، بينما اقترب "يونس" منها يتفوه بعصبيةٍ:
_إنتِ مراتي وفي عصمتي وملزومة مني غصب عنك وعن الكل، الفاصل بينا فترة عدتك واللي بتمنى آنها تخلص وتنتهي لأنها بتفكرني بأسوء ذكريات بتمنى أنساها وتتمحى من ذاكرتي.
رفع اصبعه يشير لها بغضبٍ:
_نظرة الانتظار اللي في عينك دي بتقتلني أكتر من اللي فات ده كله، مسؤوليتي معاكي مش شفقة مني ده واجب عليا لانك مراتي حتى لو فاضل كام يوم على كتب كتابنا.
كسى الحزن تعابيره، وتشربته نبرته حينما أردف:
_أنا لحد اللحظة دي مش مستوعب إننا افترقنا وإنك بقيتي لغيري، لسه شايفك مراتي اللي اتحرمت من حضنها، طول السنين اللي فاتت دي كنت بعد الأيام عشان أطلع وأرجع هنا يقولولي إن كل ده وهم، خديجة مستنياك، كل ده كدب ومحصلش.
واستكمل بعجزٍ شعرت به:
_اللي فات ده مش هيرجع تاني يا خديجة، هترجعي تكوني ملكي وحلالي، والمرادي مش هيفرقنا غير الموت.
انهمرت دموعها تباعًا وهي تتطلع إليه، وكسرت صمتها، حينما هتفت بانكسار:
_أنا اتبهدلت أوي من غيرك يا يونس، كل اللي بتمناه إنك تاخدني في حضنك وتطبطب عليا زي زمان.
ابتسم وهو يتطلع لها بحبٍ، وقال:
_أول حاجة هعملها بعد ما المأذون يكتب الكتاب.
وأشار بعينيه للدرج قائلًا بحزمٍ:
_ودلوقتي على فوق ومتخطيش السلم ده برجليكِ من غير إذن، طاوعيني أنا مش عايز أبتديها بزعل من أولها يا ست البنات!
ضحكت من قلبها، وازاحت دموعها التي أغرقت نقابها، مرددة بفرحةٍ:
_لسه ست البنات في عيونك يا يونس؟
انتعش بنطقها لاسمه وقال بحب:
_في عين يونس وقلبه ست الهوانم كلها يا خديجة.
تاهت بعينيه وابتسامتها الخجولة ترفرف بالارجاء، فمازحها ببسمة جذابة:
_أنا بقول كفايا ذنوب كده وتطلعي فوق يام فارس، وانا هنزل أخده واجيبله اللي هو عايزه وهطلعلهولك تاني.
أومات برأسها بخفة وصعدت للأعلى بملامح مبهجة، تتشرب الحب بعد جفاء، فارتوت أرضها القاحلة وأينعت بثمارها.
*****
لم يصدق أنه هو نفسه الذي قام باختطافه، وقف يطالعه بغرابةٍ بينما يحدجه الطاووس بنظرة متعالية لا تليق الا به، وببرودٍ قال:
_قولتلك قبل كده إن العيلة اللي مفهاش صايع حقها ضايع، وأنا فاضيلك ومعاك للآخر يا نعمان، كل اللي عملته في حياتك وعدتهولك كوم واللي عملته معايا ومع جمال ده كوم لوحده.
احتقنت معالمه وبعصبيةٍ صاح:
_إنت ليك عين تقف وتهددني، مسلط بلطجية يخطفوا خالك يا عُمران!!
منحه بسمة ساخرة، وببرودٍ قال:
_عادي يا خال ما أنت سلط نفس البلطجية عليا وخلتهم يعملوا اللي إبليس ميفكرش فيه!
وأضاف ساخطًا:
_ مش كل اللي مسك طبلة ورا العالمة بقى طبال يا نعمان، كنت فاكر إنك طلعتني المسرح جنبها بس أنا اللي طلعتك وبلبسها.
كبت آدهم ضحكاته بصعوبةٍ، صمد لدرجةٍ غير معقولة حتى لا تتوارى عنه، بينما هتف نعمان بعصبية:
_أنت بتتخطى حدودك معايا، صدقني مش هعدهالك يابن فريدة.
رنا إليه بخطواتٍ متهدجة، يطالعه ببرودٍ لحق نبرته الواثقة:
_هات أخرك وأنا جاهز وهديك اللي فيه النصيب يا خال.
واستطرد بعدائية شديدة:
_خروج من هنا انسى، إنت نزلت من نفسك باللي عملته معايا، وعشان إنت للاسف الشديد حامل نسل الغرباوي، مضطر أنزل لمستواك وأعيد تربيتك الناقصة من تاني.
وقبل أن يترك له مجال الحديث، صاح بخشونة:
_مغرفة!
هرول إليه أحد الرجال يجيب:
_أمرك يا باشا.
قال ومازالت رماديته تحيطان بنعمان:
_اهتم بالخال ووجب معاه عشان اللي جاي سواد على دماغه.
وتركه دون أي كلمه وغادر على الفور، جحظت أعين نعمان صدمة، فصرخ به يوقفه وهو يصيح بانفعال:
_هتدفع التمن غالي يا عمــــــرااان مش هسيبك سااااامع!
*****
طرق الباب للمرة الثانية والعرق ينهمر على وجهه من فرط مجهوده المبذول، فتحت الخادمة الباب وقالت بابتسامة واسعة:
_بشمهندس آيوب البيه بانتظارك جوه.
أومأ برأسه بخفة، واتجه سريعًا للداخل، قاصدًا غرفته، وجده يتمدد على الفراش والتعب يجول ملامحه كالوحش الكاسح، أشار له بيده وهمس:
_آيوب تعالى يابني!
رنا إليه متلهفًا وهو يردد:
_ألف سلامة على حضرتك يا عمي، أول ما كلمتني سبت كل حاجة وجتلي، تحب أطلب الدكتور؟
تمعن به مصطفى بنظرةٍ حزينة، وقال:
_لا يا حبيبي أنا خدت أدويتي وهبقى كويس.
وبحرج قال:
_معلش ازعجتك في وقت متأخر زي ده، أنا كنت فاكر عمر معاك موبيله مقفول وبحاول أكلمه من الصبح.
ابتسامته البشوشة تشكلت على وجهه وهو يجيب:
_مفيش إزعاج ولا حاجة، مش انا زي آدهم ولا أيه؟
تدفق الدمع من عينيه وهو يطالعه بنظرة شملت كل آلآمه، تفاجئ آيوب باشارة يده التي تطالبه بالاقتراب، فترك مقعده ودنى إليه.
اعتدل مصطفى بجلسته وضمه إليه يبكي كالطفل الصغير، اخترق سهام الألم قلب آيوب وبات عاجزًا عن التصرف أمامه، فرفع ذراعيه يحيطه والقلق يعتلي ملامحه، تحرر مصطفى عن صمته أخيرًا، وقال:
_سامحني يابني، حقك عليا يا آيوب، مش عايز منك غير السماح والغفران على ذنبي!
ابتعد عنه آيوب يقابله بنظرة حائرة:
_مش فاهم حضرتك بتتكلم عن أيه؟ أسامحك على أيه بالظبط؟!
******
عاد علي للقصر بعد يوم عمل طويل، ولج جناحه يحرر جرفاته وينزع جاكيته بارهاقٍ، صوبت نظراته تجاه فراشه، وهو يتوقع رؤية ملاكه يغفو بسكون، زوى حاجبيه بذهول حينما وجده فارغًا.
اضاءت المصباح المجاور لمقعدها، فاستدار علي للخلف، فوجدها تجلس بانتظاره، اقترب منها فتفاجئ بآعينيها المتورمة من أثر البكاء، انقبض قلبه من رؤيتها هكذا، فأسرع اليها ينحني أسفل مقعدها، يناديها بلهفة:
_فطيمـة!
رفعت عينيها ببطءٍ له، وقالت بصوتها المبحوح:
_أنا آسفة.
ابتلع ريقه بارتباكٍ وتساءل:
_على أيه يا فاطمة؟
انتقلت ببصرها للخزانة المفتوحة على مصرعيها، فتطلع لما تتأمله، فوجدها تتأمل علبة مجوهراتها المغلقة، ضم شفتيه بغضب لتذكره أنها كانت مفتوحة وقام هو باغلاقها بنفسه، بالتأكيد علمت بأنه قد رآها، استمد ثباته ورزانته، وقال:
_مفيش حد يملك القرار ده غيرك يا فاطمة، أوعي تعتذري أبدًا، إنتِ مغلطتيش.
هزت رأسها نافية، وقالت:
_لازم أعتذرلك ألف مرة، علي أنا مش هقدر أجبلك الابن اللي بتتمناه، لاني ببساطة مش عايزة أكون أم، ولا إنت هتكون أب لاني هكون أنانية ومش هسمحلك تتجوز عليا ولا يكونلك أولاد من غيري ســـــامع!!
*****
صعد الجوكر على متن الطائرة يموج غضبًا من أخيه، يتمنى لو يعود لمبنى الجهاز ويقتله بدم بارد، عساه يحصل على الراحة الابدية من شخصًا برأسٍ سامة مثل "رحيم زيدان" ، وبينما كان منشغلًا بأفكاره الاجرامية، انتباه صوتًا يجاوره، يهتف بحنقٍ:
_اشتقتلي يا شريك؟!
....... يتبع للجزء التاني من الفصل 💣......
#الاقوى قادم.
موعدنا غدا مع الجزء الثاني من الفصل، ترقبوا 🔥
*****____******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل التاسع وثمانون 89 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!)
#الفصل_الواحد_والسبعون.
__الجزء الثاني__
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "سلمي عبد العزيز" كل سنة وإنتِ الى الله اقرب يا جميلة، وإلى القارئة الجميلة "افيرونيا فكتر" سنة سعيدة عليكِ غاليتي، وإلى الجميلة
"Dina Goda"بشكرك على حسن المتابعة وبتمنالك السعادة والرضا،
شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
اتسعت زُرقته بصدمة من رؤيته يجاوره على متن الطائرة، بينما الآخير ينزع نظارته السوداء، ويمرر منديله الورقي يمسحها وابتسامته لا تفارق وجهه، بل أضاف لجملته:
_بقالنا كتير مطلعناش مهمة مع بعض، شامم ريحة افتقادك ليا من مكاني.
تخلى "مراد" عن صبره، نزع حزامه ونهض يلف يده حول رقبته بقوةٍ وإحكام أدهشت الآخير الذي ردد باختناقٍ:
_عيب، في حد يقابل أخوه بعد كل 8 ساعات فراق بالقسوة دي!
تحرر عن هدوئه وصرخ به:
_رحيـــــــم إتقي شري أحسنلك، أنا خلاص مش باقي على حاجة وشكلك كده هتتصفى هنا وقبل ما نتحرك لأي مكان.
حاول أن يخفف حدة يده عن رقبته، متمتمًا:
_إنت أد المسكة دي؟
منحه نظرة ساخرة، وهتف بتحدٍ واثق:
_فك نفسك لو عرفت!
ابتسم في سخطٍ، وهتف مغتاظًا:
_بتستغل إني معنديش خبرة في التعامل مع مسكاتك يعني؟
ضحك وانحنى يهمس له ساخرًا:
_مش مفتقد الخبرة يا اسطورة، مفتقد المصدقية، خليك صادق مع نفسك وللمرة الاولى اعترف إنك ضعيف ومبتقدرش تحرر نفسك من أي تثبيتة بثبتك فيها.
اعتلى الغضب زيتونة عينيه، ومع ذلك منحه بسمة هادئة، وببرود قال:
_على فكرة احنا مسافرين على طيارة 90 في المية منهم سياح راجعه بلدهم، بتختملهم الزيارة بصورة مش تمام عن مصر، يرضيك يا سيادة العقيد؟
رمش بعدم استيعاب، استدار من حوله، فوجد الجميع يتابعون ما يحدث بصدمة وذهول، كان مراد يثبت ركبتيه بمنتصف مقعد "رحيم " المجاور لنافذة الطائرة، بينما ذراعيه تلتف من حول رقبته بحركة خبيرة، فشل الاغلب باحكام عقدته أو حلها من الجهاز، جسده العلوي ينحني فوق رحيم، حتى أخفاه كليًا عن الأعين.
انتزع يديه من حوله، وانتصب بوقفته بشموخٍ يخفي من خلفه غضبه الساخط، عاد يعتلي مقعده المجاور له وقبضته تعتصر ذاتها بغيظٍ.
اعتدل "رحيم" بجلسته، وابتسامة الغموض تحفل على وجهه، استدار إليه "مراد" فوجده يتطلع لمقعد أحد المسافرين القابع على بعدٍ منهما، فسأله بريبة:
_في أيه؟
أرخى رأسه لخلف المقعد، وأغلق عينيه باسترخاء بينما يخبره بجمودٍ:
_نجحنا نلفت الانتباه لينا، مبروك نجاح أول جزء من خطتنا.
عبث بحاجبيه بدهشةٍ:
_خطة أيه؟ ونلفت انتباه مين؟؟
فتح نصف عين يطالعه بابتسامة زادت من قلق مراد حول ما يخطط له أخيه، وخاصة حينما أخبره:
_هو إحنا طالعنا رحلات استجمام قبل كده يا جوكر؟
وتابع وهو يغلق زيتونيته من جديد:
_فكرني أول ما نوصل نروح مكان كويس نعمل مساج وجاكوزي!
******
هرول الشرطي تجاه المقر السري، يقدم تحيته بكامل الوقار، يبلغه باحترامٍ:
_الطيارة جاهزة وفي انتظار معاليك يا باشا.
أشار له "عدي" واستدار يتفرس بمن يجاوره بصمتٍ، وشاحه الأسود مازال يخفي معالمه، لا يبدو منه سوى بندقية عينيه، تنحنح يجذب انتباهه، قائلًا:
_ده أنسب وقت نتحرك فيه، مراد ورحيم نجحوا يشتتوا العين عننا.
مازال الآخير يتطلع أمامه بصمتٍ، بدد غيظ الاخير، فقال بنزقٍ:
_ممكن نتحرك؟!
نهض عن المقعد يتحرك بخطواتٍ رزينة، للطائرة التي تقف على بعدٍ من المقر السري، سحب عدي نفسًا طويلًا ولفظه على مهلٍ، هاتفًا بضجرٍ:
_اختيارات مثالية يا أسطورة، مردودلك وفي وقتها.
رفع قبعة جاكيته الأسود على رأسه، واتبعه للخارج، وفور صعوده للطائرة نزعها عنه، وجلس بمقعده المخصص، لفت انتباه "عدي" عُقاب الذي يعتلي كتف "ليل"، حاول التحكم بصمته مطولًا ولكنه فشل، فتساءل بشيءٍ من السخرية:
_هو الاستاذ عُقاب طالع معانا المهمة دي بردو ولا أيه؟
انتقلت بندقيته إليه، يتطلع له ببرودٍ، شقه صوته النافذ:
_فريقي مكتمل بيه، أعتقد أنا أولى بتحديد مين المهم في فريقي ومين كمالة عدد ولا أيه يا باشا؟
كاد أن يهشم فكيه من فرط ضغطه على أسنانه، سدده بنظرةٍ قاتلة، لاحقها قوله المستهزأ:
_باشا أيه بقى!
وتابع بحدةٍ:
_هو مش المفروض إني أعلى رتبة منك وواجب عليك احترامي ولا أنا بقيت بنسى!
رفع ذراعه يلتقط عُقاب على معصمه، وبيده الاخرى يمررها على جسده ببطءٍ، وردد بعد فترة صمته:
_أنا مش جاي عشان نتنافس على مين رتبته أعلى من التانية، الغريب إنكم تلجئوا لشخص بالنسبالكم بقى خارج عن القانون، فده اجابة صريحة على سؤالك وتأكدلك إن الجهاز معترف باللي أقدر أعمله حتى وأنا براه.
ورفع عُقاب ليجوب الطائرة، بينما تتمركز بنية عينيه تجاه عدي، وهدر برزانة ماكرة:
_لما حد بيخرج من بينا بنصفيه عشان نضمن أن آسرارنا مدفونة تحت التراب، محدش قدر يعمل كده معايا، مش لإنهم ميقدروش علي، لآنهم عارفين إن هيجي وقت يحتاجوني فيه.
ابتسم يردد بتهكمٍ:
_عندك حق، هيجي الوقت يختاروا شخص خارج عن القانون!!
لم يهتز ثبات "ليل" قبالته، بل صحح له باسلوبٍ إستفز عدي:
_وجي نفس الوقت اللي اضطروا فيه يلجئوا لحد خارج مجالنا ، زيك كده يا باشا!
وأضاف ببسمة خبيثة:
_المستحيل لو هيخدم بلدنا وهيكون في الصميم بيتعمل بدون أي نقاش، زي جمعتنا كده يابن الجارحي!
زفر في سئمٍ، وتمتم:
_شكلك أبرد من رحيم زيدان!
*****
ترك عُمران بالأسفل، وهرول للأعلى راكضًا فور أن أخبرته الخادمة بوصول "آيوب" ، اقتحم الغرفة ملتقطًا أنفاسه بصعوبة، انفصل خناقهما، واستدروا تجاه "آدهم" الذي استطاع السيطرة حدة أنفاسه، وقال راسمًا بسمة هادئة:
_آيوب!
جملة "مصطفى" مازالت تشغل خاطره، استدار تجاهه مجددًا متغاضيًا عن وجود آدهم، وسأله بحيرةٍ:
_حضرتك تقصد أيه بكلامك ده؟
تعلقت آعين مصطفى بابنه، يتوسل له أن يتركه يخبره الحقيقة، ولكنه أعرض عن ذلك باشارة رأسه الحازمة، عادت مُقلتيه الحائرة تسكن بأعين آيوب المتلهف لسماع رد سؤاله، ابتلع ريقه الجاف وقال وهو يزيف ابتسامة:
_قصدي إني تقلت عليك، وجبتك على ملى وشك في وقت متأخر زي ده حقك عليا.
شعر وكأن هناك شيئًا غير الذي يخبره به، وكأنه يخفيه عمدًا لوجود "آدهم" بذلك الوقت، رنا إليهما آدهم يردد بتوترٍ:
_آيوب إنت هنا من أمته؟
نهض عن الفراش يقابله، وأجابه:
_لسه واصل من شوية.
واستطرد يوضح له سبب وجوده بوقتٍ متأخرًا كذلك:
_قلقت لما سمعت صوت والدك، فجيت أطمن عليه.
ربت "آدهم" على كتفه بحنان وقال:
_تسلم يا آيوب.
شعر آيوب بتوتر الاجواء بين آدهم ووالده من نظراتهما المتبادلة، فتنحنح بحرجٍ:
_هنزل أشوف عُمران عايزه في حوار كده.
أومأ برأسه له، فهبط للأسفل تاركهما بمفردهما، أسرع آدهم إلى الدرج يتأكد من هبوطه، ثم عاد يعاتب والده بغضب:
_هو أنا مش قولت لحضرتك إننا هنأجل الموضوع ده لبعد امتحانات آيوب، ليه مصر ترجعنا لنقطة الصفر!
تدفق الدمع من عينيه، كيف يخبره بكل ما احتبس بداخله، ردد بصعوبة بحديثه:
_حاضر يابني هصبر ومش هعمل حاجة، بس عشان خاطري متخليهوش يبعد عني تاني يا عمر.
شحب صدى صوته الهادر:
_أنا موافق على أي حاجة، مش مهم يعرف، المهم إني أشوفه قدامي، أخده في حضني وأشم ريحته.
شعوره بالعجز يكاد يقتله، لم يعد بامكانه التحمل أكثر من ذلك، يشعر بأنه ضعيفًا لدرجة أفقدته توازنه، جلس على حافة الفراش، وانحنى يستند بيده على ساقيه، يترك العنان لدموعه، عساها تهون عنه ما يمر به ويجعله بهذا العجز، تألم مصطفى حينما رأه بتلك الحالة التي وضعه بها اجباريا، زحف إليه، أحاطه من الخلف ومال على كتفه، يردد ببكاء:
_حقك عليا والله ما هتصرف بأنانية تاني، متزعلش مني يا عمر، متزعلش مني يا بني!
استدار إليه يضمه إليه وقال بحزنٍ:
_بابا كفايا تزود احساسي بالعجز، كفايا عشان خاطري، والله بعمل اللي بقدر عليه عشان اجمعك بيه،بس بلاش دلوقتي، على الاقل لما يمتحن .
مسح على ظهره وقال:
_ولو معرفش خالص مش مهم، المهم إنك جانبي يا عمر، أوعى تكون الدين اللي هدفعه، وتتخلى عني زي ما اتخليت عن آيوب زمان
وببكاء ردد له:
_كنت مجبور والله، كنت ضعيف ومش أد المواجهة، لكن إنت غيري ومش شبهي يا عمر، أوعى تتخلى عني.
انحنى يقبل كف يده وجبينه بحب، وردد بانكسارٍ:
_كفايا توجع قلبك وقلبي عشان خاطري.
مال على كتفه تاركًا عبراته تتطهر ذنوبه وما ارتكبه من ذنبٍ، بحق أقرب أناسًا لقلبه، سدد فاتورته طوال تلك الأيام ومازال يسدد ثمنها إلى الآن، لم يهنئ يومًا على فراشه، حتى مذاق الطعام كان كالعلقم بفمه، كان يخشى أن تمتليء معدته بالطعام بينما صغيره لا يعلم هل تناول طعامه أم بقي جائعًا!
******
قربها إليه، يرويها من حنان ضمته، بينما ابتسامته لا تفارقه، مضت الدقائق ومازالت ترتكن على صدره، بينما يده تنغمس بخصلاتها، يميل مقبل أعلى جبينها بكل حبٍ، وهو يهمس لها بعشقٍ:
_اللي قولتليه من شوية ده شفى أوجاعي كلها يا فطيمة.
مالت للخلف تقابل عينيه، فضم وجهها بكلتا يديه وقال بابتسامته الجذابة:
_زي مانتِ كلك تخصيني أنا كمان أخصك إنتِ بس، ومستحيل أكون لواحدة غيرك حتى لو كان بارادتك.
تدفقت عبراتها على وجنتها بانهيار، وبوجع لمسه بنبرتها قالت:
_أنا آسفة إني خبيت عليك حاجة مهمة زي دي يا علي، بس غصب عني أنا مش هقدر أجيبلك أولاد، مش هقدر صدقني.
واختبأت بين لائحتها تبكي بانهيارٍ، أبعد علي خصلاتها للخلف وأعادها لمواجهته مجددًا، وبصوته الهادئ قال:
_ليه يا فطيمة؟ مش حابة يكون عندك أولاد مني!
أجابته بصوتها المبحوح عما يكمن داخلها:
_أنا مستعدة أتنازل عن قراري وأرمي الأدوية دي كلها، بس تكون ضامن ليا.
قوس حاجبيه بعدم فهم، وتساءل بفضول لمعرفة ما يكمن داخل رأسها:
_ضامن لأيه يا فطيمة؟
تمعنت برماديته بآنينها الصامت، وهمست له بانكسار:
_إضمنلي لو ربنا كرمنا ببنت إنك هتحميها ومش هتخليها تتعرض للمصير اللي أنا اتعرضت ليه، ولو كرمنا بولد اضمنلي إنه ميكنش زي الديابة اللي نهشت لحمي، أضمنلي ده يا علي وأوعدك أنك لما تقنعني أنا بنفسي هرمي الأدوية كلها حالًا.
شق السكين صدره وانتزع عنه قلبه دون رأفة، ثمة خناجر تستهدف أطرافه دون رأفة، ومع ذلك رسم بسمة باهتة، وازدرد صوته الهادر:
_مش صامن بس عندي ثقة كبيرة في ربنا عز وجل، عندي ثقة إني هقدر أربي ابني كويس، عندي ثقة اني هقدر أقدم الحماية الكافية لبنتي، عندي كل الثقة إني هكون أب مثالي وإنك هتكوني أحلى مامي بالدنيا كلها، لإن مفيس في نقاء قلبك وطيبتك يا فطيمة.
وتابع وهو يعيدها لصدرها بكل حب:
_وبعدين مين قالك إني عايز أولاد دلوقتي، أنا عايز أشغل وقتك كله وميكنش معايا شريك، مش مستعد في الوقت الراهن لكن بعد كده الله أعلم الكلام هيبقى على أيه!
أحاط الأمر ببراعة، بعد سماعه لسبب تخبئتها عنه الأمر، كطبيب يعلم أن حملها الأن ليس القرار الصائب، لذا دعمها دون أن يتطرف لتحليل حالتها، تعلقت فاطمة به ومالت تسترخي، استعدادًا للنوم، بينما تهمس له براحة غمرتها بعد مشقة:
_أنا بحبك أوي يا علي.
غمسها داخل رقبته بحنان وهمس بحب:
_ربنا ما يحرمني من حبك وقربك يا روح قلب علي من جوه!
******
الراحة النفسية التي شعر بها عُمران بمنزل آيوب لا تقدر بثمن، بل كانت السبب الأساسي في اقتناعه بالحاح آيوب عليه بأن ينتقل معه إلى شقة يونس، فشل آدهم بإبقائه برفقته، وحتى لا يحزنه عمران، حمل حقيبة صغيرة من ملابسه وترك أغراضه كاملة بمنزله.
استقرت سيارة آدهم أمام حارة الشيخ مهران، هبط منها آيوب وعمران الذي قال بابتسامة جذابة،ونبرة مرحة:
_تُشكر يا ذوق.
انفجر آدهم ضاحكًا، وقال بتعجب:
_دول كام ساعة لحقت تقلب؟!
ابتسم عمران وشاكسه:
_بمزاجي، كله بيحصل بمزاجي يا حضرة الظابط.
وتابع مشيرًا له:
_يلا ارجع إنت الوقت اتاخر ومينفعش تسيب والدك لوحده وهو تعبان كده.
هز رأسه بتفهمٍ وعاد لسيارته، بينما صعد عُمران برفقة يونس الذي كان بطريقه للصعود لمنزله بعد عودته من العمل متأخرًا اليوم، كاد أدهم يتحرك بسيارته، ولكنه تفاجئ بـ آيوب ينحني لنافذة سيارته ويقول بلهفة:
_إبقى طمني عليه يا آدهم.
احتبست اوجاعه داخل مُقلتيه، وقال يجيبه:
_حاضر يا آيوب..
واضاف راسمًا بسمة صغيرة:
_يلا اطلع الوقت اتاخر جدًا.
أومأ إليه وصعد للأعلى، بينما غادر آدهم على الفور، كان آيوب بطريقه للصعود، بعد أن مر من أمام شقة والده، وبمنتصف مسافته من الدرج، وجد الباب يُفتح وطل من أمامه الشيخ مهران الذي صاح غاضبًا:
_ما بدري يا بشمهندس!
عبث بمقلتيه بدهشةٍ، ما بال والده يحدثه وكأنه فتاة تأخرت بالعودة لمنزلها، والمقلق أنه يعلم أين كان؟
هبط الدرج وإتجه يقابل محل وقوفه، قائلًا باحترام:
_حقك عليا يا حاج، أنا كنت بستنى آدهم لحد ما يرجع، مهو ميصحش أسيب والده لوحده وهو تعبان كده.
خرج عن رزانة اعتاد التعامل بها، ولكنه بشريًا بنهابة الأمر، فقال بعصبية مبالغ بها:
_وتاعب نفسك في الرجوع ليه، خليك جنبه يومين تلاته لحد ما تطمن عليه براحتك.
زوى آيوب حاجبيه بدهشةٍ، لوهلةٍ شعر وكأنه تخبط بالرجوع لمنزل أخر غير منزله، فهمس بذهولٍ:
_بابا!
غلبته مشاعره وخوفه من القادم، كان يعد الساعات لعودته، لا يتقبل أنه ذات يومٍ قد يفارقه، سحب أكثر، من نفسًا يهدئ به البركان القابع داخله، ثم قال بهدوء:
_متتاخرش في الرجوع تاني يا آيوب، وأوعى مهما حصل تبات بره بيتك، ده بيتك يا ابني فاهم؟
مال كل الاشخاص من حوله غامضون اليوم لتلك الدرجة، دنى إليه متلهفًا:
_حضرتك كويس؟!
أخفى ارتباكه وقال بابتسامة زرعها بالكد:
_أنا بخير يا حبيبي قلقت عليك بس مش أكتر.
وأضاف قبل أن يطرح سؤالا أخر:
_يلا اطلع ريح ساعتين قبل صلاة الفجر.
هز رأسه بطاعةٍ رغم حيرته، صعد للأعلى ومازالت نظرات الشيخ مهران تلاحقه، لا يعلم كيف تغلب على السيطرة على أعصابه، طوال تلك الساعات كان يراقب الشارع من شرفته، يخشى ألا يعود آيوب إليه!! يعلم أن كشف الحقيقة اقترب وما باقترابه الا وجعًا يتوسط صدره، وخوفًا يبتلعه بجوفه حتى تلك اللحظة الغير محببة!
****
اختلى عُمران بالغرفة التي منحها يونس له، جلس على سجادته يقيم الليل كما اعتاد، ودعى من قلبه أن يجمد نيران قلب صديقه، كلما استلم رسالة منه على هاتفه يزداد شعور حزنه عليه، اتجه عمران للفراش تمدد من فوفه بارهاق، ولم يعلم كيف غرق بالنوم، حتى شعر، بيد آيوب تحركه وهو يناديه:
_عُمــــــــران! اصحى يلا.
فتح عينيه بانزعاجٍ، وبصوت الناعس قال:
_خير يا آيوب، لسه ساعة عن الفجر بتصحيني ليه!
ابتسم بسعادة وهو يخبره ما يخطط له:
_أنا أخدت مفتاح المسجد من بابا وهنأخد يُونس ونروح نفتح المسجد ونستنى لحد ما بابا يجي يرفع الآذان.
مال على الوسادة بتعبٍ:
_ماشي روحوا وأنا قبل الفجر بدقايق هحصلكم بإذن الله.
جذب الغطاء عن جسده وجذبه بحماسٍ:
_لا ما أنت لازم تكون موجود.
رفع رأسه إليه من فوق كتفه متسائلًا بحيرةٍ:
_ليه يابن الشيخ مهران؟ ناوي على أيه بالظبط!
حرك كتفيه ببراءة وحزن خبيث:
_ده بيت ربنا هكون ناوي على أيه يعني!
واسترسل بابتسامة واسعة أقلقت عُمران:
_نويت والنية لله أسمع الناس صوتك اللي يسحر ده.
اعتدل بنومته بصدمةٍ، وبات متخبطًا باختيار ما سيقول، فردد بذهول:
_عايزيني أرجع للغنى تاني وفي المسجد يابن الشيخ مهران! هي لسعت منك على الفجر ولا أيه؟
أجابه وهو يتجه لخزانة الغرفة، يبحث عن ملابس مناسبة لعُمران:
_مش بالظبط.. متقلقش!
أزاح الغطاء كاملًا ونهض إليه يتساءل بشكٍ:
_أمال أيه؟
واستطرد وهو يجذبه بعيدًا عن الخزانة بغضب:
_وبعدين مالك بهدومي أنا مبحبش حد يلعب في أغراضي الشخصية!
شمل خزانته بنظرة ساخرة، وبفتور قال:
_دي مفهاش أي جلبية بيضة تليق على الطقم اللي هنضربه، يلا مش مهم هجبلك واحدة من عندي ومتقلقش مكوية ونضيفة ومتعطرة وزي الفل.
فقد السيطرة على هدوئه، فأحاط عنقه برفقٍ وهو يهدده:
_هتنطق وتقول بتخطط لأيه تاني ولا أكمل اللي بعمله وتتكل من الدنيا خالص!! أنا ما صدقت أريح دماغ أمي ساعتين كل دقيقة تنطلي!!
وزع نظراته المندهشة بينه، وبين الكف المحاط لرقبته وبحزنٍ قال:
_ الجلبية يا عُمران، الحاجة رقية بقالها ساعة بتكوي فيها، الله يسامحك يا أخي!!
زفر بمللٍ، واتجه لفراشه يريح قدميه بقلة حيلة من مجابهة آيوب بعد نسخته المعدلة الاخيرة التي باتت تقربه لحدٍ صادمًا.
انفتح الباب وولج يونس بابتسامته البشوية يتساءل:
_ها جاهزين يا شباب؟
طالعه عُمران فوجده يرتدي نفس الجلباب الأبيض الذي يرتديه آيوب، وما جعله مذهولًا حينما انضم لهما إيثان يرتدي جلباب أبيض ويهتف بحماس:
_حضرتلك على الفون الابتهال اللي طلبته يا آيوب!
رمش عُمران بحيرةٍ، وهتف باستنكارٍ:
_ابتهال أيه! والواد ده مش مسيحي لابس كدليه!!
أجابه ايثان بضحكة مستفزة:
_أه إنت تقصد الجلبية يعني، شحتها من يونس عشان أجي بنفسي وأتفرج عليك وأسجلك صوت وصورة وإنت بتغني.
_أغني أيه!! أنا مش فاهم أي حاجة؟
لف آيوب يده من حول كتفه الذي يفوقه طولًا وقال:
_ما أنا قولتلك هخلي الناس تسمع صوتك العذب ده، إيثان حضرلك كلمات الابتهال ويونس هيظبطلك الميكرفون بتاع المسجد وكله هيبقى تمام متقلقش.
برق بذهولٍ:
_مقلقش!! إنت أكيد اتجننت أنا مقدرش أعمل كده أبدًا...مستحيـــــــل!
بعد عشر دقائق بالتحديد، انطلق صوت عُمران يردد الابتهال وعينيه متعلقة بهاتف إيثان لدرجة قشعرت بدنه.. فأعاد لسانه قول
«مَوّلاي إنّي ببابك قَد بَسطتُ يَدي..
مَن لي ألوذ به ألاك يا سَندي؟
أقُوم بالليّل و الأسّحار سَاهيةٌ
أدّعُو و هَمّسُ دعائي.. بالدموع نَدى
بنُور وجهك إني عائد و جل..
ومن يعد بك لَن يَشّقى إلى الأبد..
مَهما لقيت من الدُنيا و عَارضها..
فَأنّتَ لي شغل عمّا يَرى جَسدي..
تَحّلو مرارة عيش رضاك..
و مَا أطيق سخطاَ على عيش من الرغد..
من لي سواك..؟ و من سواك يرى قلبي؟
و يسمَعُه كُل الخلائق ظل في الصَمد..
أدّعوك يَاربّ فأغّفر ذلّتي كَرماً..
و أجّعَل شفيع دعائي حُسن مُتَقدّي
و أنّظُر لحالي..في خَوّف و في طَمع..
هَلّ يرحم العَبّد بعد الله من أحد؟
مَوّلاي إنّي ببابك قَد بَسطتُ يَدي..
مَن لي ألوذ به ألاك يا سَندي؟»
وما أن انتهى حتى سقط أرضًا، فاقدًا كل قوته، مهما بدى قويًا، صلبًا، حتمًا ستأتي لحظة ضعف تضربه في مقتلٍ!
*****
نهضت باكرًا ترتب المنزل، وتعد الطعام كعادتها كل صباحٍ قبل ذهابها للمركز، انتهت ليلى من صنع الطعام وولجت لغرفة نومها لتبدل ثيابها، كانت تود الذهاب برفقة زوجها كعادتها كل يومٍ، ولكنه اضطر أن يتجه للمركز منذ ساعتين لحالة ولادة طارئة.
ارتدت فستانها البنفسج، ووقفت تبحث عن شالها الصوف فور أن شعرت بالبرودة، رفعت رأسها للخزانة العلوية وهي تردد بحيرة:
_أنا كنت شايلاه فين؟ ممكن أكون حطيته هنا ونسيته بالزهايمر اللي عندي ده.
جذبت المقعد الخشبي، قربته بمسافة معقولة من الخزانة، صعدت ليلى فوقه تحاول الوصول لحقيبة السفر التي تحوي على بعض من ملابس الشتاء الثقيلة، سحبتها بكل قوتها للخلف، فاختل مقعدها سقطت أرضًا والحقيبة من فوقها، اجتاحها الألم بشكلٍ جعلها تصرخ بجنونٍ.
أبعدت الحقيبة عن نصفها السفلي، وهي تبكي بوجعٍ اجتاح ساقيها وبطنها، أحاطت موضع جنينها وهي تردد بانهيار:
_ابني!! لأااا.
أصابها ذعرًا من أن يكون مسه ضرًا، بكت بوجعٍ وهي تحاول النهوض على ساقيها لتبحث عن هاتفها، ولكنها فور أن احتملت عليها سقطت أرضًا من جديد.
زحفت أرضًا حتى وصلت لحقيبتها، أخرجت هاتفها واتصلت بيوسف على الفور، ولخيبة أمالها هاتفه خارج نطاق التغطية.
تركت الهاتف عنها وبكائها يزداد، كلما ازداد الألم بحدته، لم تجد ملجئ سوى شقيق زوجها، زحفت ليلى وبصعوبة فتحت باب شقتها، واصلت الزحف حتى وصلت أمام شقة سيف المجاورة لها، ضمت موضع جنينها بألمٍ، فسكبت النيران من فوقها فور أن لمحت بقعة الدماء تحتل فستانها بوضوحٍ، ازداد نحيبها ومع طرقات استغاثتها على باب شقة "سيف" .
تململ بمنامته على صوت طرق باب شقته، انتفضت زينب عن فراشها تتساءل بقلق:
_مين اللي بيخبط بالشكل ده؟
هز كتفيه بحيرةٍ، نهض يرتدي ملابسه وهو يجيب:
_هشوف مين وراجع.
انقبض قلب زينب، فأسرعت إليه تمنعه من الخروج:
_متفتحش يا سيف مين اللي هيجيلنا الساعه 6 الصبح ومرنش الجرس ليه، أنا خايفة!
مرر يدها على طول ذراعها بحنان:
_حبيبتي مفيش حاجه تستدعي القلق ده، يمكن حد من سكان العمارة ابنه تعبان ولا حاجة، أنتِ ناسية اني اتعينت رسمي خلاص.
وابعدها عنه قائلًا بتحذير:
_خليكِ هنا هخرج اشوف مين وراجعالك.
هزت رأسها إليه، وفور خروجه اختبأت خلف باب الغرفة تراقب ما يحدث باهتمام، فتح سيف الباب ليرى من الطارق؟ فصعق حينما وجد زوجة أخيه تجلس أرضًا، تضم بطنها بشكلٍ أثار ريبته.
رفعت ليلى رأسها إليه ببطءٍ، وبصعوبة رددت وهي تحارب الدوار الذي انتابها:
_الحقني يا سيف، ابني!
انحنى إليها يتساءل بلهفةٍ:
_أيه اللي حصل؟
اجابته بينما عينيه تتغلق استسلامًا للغشاوة:
_وقعت، ابني أرجوك!
هرولت زينب للخارج فور أن رأت ما يحدث، مالت إليها تساندها وهي تناديها بذعرٍ:
_ليلى!
ركض سيف للداخل يجذب هاتفه، يحاول الوصوب لاخيه أكثر من مرة، زفر بغضب حينما وجده خارج نطاق التغطية، سحب مفاتيح سيارته واسدال الصلاة الخاص بزوجته، وخرج يركض إليهما.
منحها ما بيده وقال:
_البسي بسرعة يا زينب لازم ننقلها المركز.
أومات له ونهضت ترتديه فوق بيجامتها الحرير، بينما انحنى سيف يتفحص نبض ليلى بقلق، لطم وجنتها وهو يناديها بخوف:
_ليلى سامعاني!! ليلى فووقي.
جحظت عينيه صدمة فور أن رأى فستانها المبلل بالدماء، على الفور حملها وصرخ بزينب من خلفه:
_حصليني يا زينب، أنا مش هعرف امشي وأسيبك هنا لوحدك.
بالرغم من أن حديثه يبرهن علمه بما يحدث لها، ويوضح خوفه الصريح من تركها بمفردها لهذا الشيطان، الا ان الحالة المربكة جعلتها لا تعي ما يقول، سحبت زينب باب شقتها وهرولت للجهة الاخرى تسحب باب شقة ليلى، واتجهت للاسفل من خلفه.
وجدته يضعها بالمقعد الخلفي للسيارة، فصعدت جوارها، تحرك بهما سيف وتطلع لها بالمرآة يخبرها بحزمٍ:
_خلي رأسها تحت وحاولي ترفعي رجليها عشان نقلل النزيف.
على الفور نفذت ما طلبه منها، بينما اسرع سيف تجاه إحدى الصيداليات، تركهما بالسيارة وهبط للداخل، وعاد اليهما بعد دقيقتين، فتح الباب الخلفي وانحنى تجاه زوجة أخيه.
وجدته زينب يملأ أكثر من إبرة، ويجمعهما بواحدة ضخمة، فسألته بقلق:
_سيف إنت بتعمل ايه؟ إحنا لازم نتحرك للمركز حالا النزيف مش راضي يقف.
اجابها وهو يجذب ذراع ليلى باحثًا عن وريدها:
_مش هستنى لحد ما نوصل ليوسف، هحاول أوقف النزيف، على الأقل لحد ما نوصل المركز، والا هتكون للأسف اجهضت.
هزت رأسها بتفهمٍ بينما دموعها تتساقط عن مقلتيها وهي تتطلع إلى ليلى بشفقةٍ، نجح سيف بحقنها بالوريد، كأنها خضعت لجرعة كاملًا بتأثير ما فعله،تركها وعاد لمقعده يسرع من القيادة للطريق الرئيسي، حتى يصل للمركز الخاص بـ "علي الغرباوي"، وبينما هو يقود عاد يسأل زينب:
_النزيف وقف؟
تفحصتها جيدًا، وأجابته ببكاءٍ:
_لا لسه بتنزف، سوق بسرعة يا سيف!!
زاد من سرعته القصوى، وهو يسارع للوصول للمركز البعيد عن منزلهما ما يقارب الخمسة وأربعون دقيقة، وبينما هو يسابق الزمان لنجاة زوجة أخيه إذ يعترض طريقه سيارتين تحاوطان سيارة سيف بشكلٍ ملحوظ.
اتقبض قلب زينب المتنبأ بتلك الاحداث كل يومٍ تقريبًا، ابتلعت ريقها مرارًا وهي تجاهد لخروج صوتها المرتعش:
_هو فيه أيه يا سيف؟
لم يجيبها بل لكم الدريكسيون وهو يصيح بعصبية بالغة:
_مش وقتك يا حيوان.
سحب هاتفه وأرسل برسالة نصية، قبل أن يخبئه داخل قميصه، بينما يتابع قيادته لنجاة زوجة أخيه وابنه، فاذا بسيارة ثالثة تشق الطريق فجأة، على ما يبدو بأنها كانت تنتظره هنا، تاركة زمام الامور للسيارتين التي اجبرته على اتباع طريقهما.
صرخت زينب بجنون وهي ترى ما يحدث:
_سيف في أيـــه!!
تلاشى صوتها عن حنجرتها فور أن انفتح باب السيارة الثالثة وخرج منها أسوء شيطان مقتته بحياتها، لم يكن مجرمًا عاديًا أبدًا، بل مجرمًا نجح بالفرار من حكم الاعدام الذي تلاقاه بمصر، وبالفرار من أكثر من دولة نال بها أحكام دولية، لم يكن شخصًا يسهل التغلب عليه بالمرة، وها هو الآن بمواجهة سيف.
تحرر لجمة لسانها الثقيل هاتفًا بحروف مرتجفة كحال جسدها:
_يمان!
......... يتبع.........
يلا نوصل الفصل ل2000 لايك عشان الفصل الجاي مفهوش هزار، فصلنا فيه ضرب نار 🔥.
#الاقوى_قادم.
#صرخات_أنثى.
****_______*******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل التسعون 90 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثاني_والسبعون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "سماح حماده"،" نور علي ـ" ذكرى احمد" ـ "سندس ناصر ـ" رجاء علاء" ـ" حنين عبدالعال" ـ" أشرقت عبدالسلام "ـ" سارة جمال" ـ" فاطمة خالد" ـ " آيه محمود" ـ" ام عثمان ابو العز"،"بسنت فريد"، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
كابوسها يتجسد أمام عينيها، يتحرك عن صورته الملصقة على الحائط الأسود، ليصبح حيًا أمامها، لطالما كانت تراه بمنامها وما أبشع أن تستكين بنومٍ كان هو زائره، لم تحظو بالراحة الا بقرب زوجها الحبيب منها، الذي يؤكد لها أن ما تراه ما هو الا وهمًا، وأن ذلك اللعين قد مضى وعبر ولن يعود مجددًا، وها هو يخالف كل الأقاويل، ويقف أمام السيارة يطالعها بخيلاءٍ .
مالت "زينب" على المقعد الأمامي ، تتشبث بقميص "سيف" الأسود، تجبر لسانها المتحجر لينطق:
_سيف، يمان!
بقيت نظرات المحتقنة تطالع من يقف قبالته بغضبٍ، وكلما ازداد تشبث زوجته به خوفًا، كلما تصاعدت أدخنة النيران داخله، تلك الحرب اجبارية، عليه أن يخوضها ضد هذا الحقير، عليه أن ينتهي منه وللأبد ، حتمًا ستكون هناك خسائر، وإن كانت روحه هو فلا بأس، ولكن روح معشوقته ثمنًا لن يجازف بدفعه، والأغلى عليه زوجة أخيه الحبيب وما تمتلكه برحمها المعرض للخطر، فتح سيف المزلاج الأمامي، ساحبًا أخر أبرة إحتفظ بها، يجازف بتلك اللحظة ، وهو يعلم ذلك، ولكنه لن يخذل "ليلى" التي لجأت إليه، لن يواجهها حينما تستعيد وعيها بأنه فشل بالحفاظ على حياة جنينها، مرر ما يحمله لزينب وقال ومازال نظراته للأمام حتى لا يجذب الانتباه إليه:
_زينب فوقي واسمعيني، الحقنة دي لازم ليلى تأخدها وحالًا، لاننا مش هنقدر ننقلها للمستشفى.
عبثت بمقلتيها بعدم فهم لما يخبرها به، تبلغه بأن الموت يحوم من حولها، ويخبرها بأن تحقن ليلى بتلك الآبرة الغريبة، صمتها المطول جعل سيف يصيح بحزم:
_زينب ركزي في اللي بقولهولك، أنا هنزل وهشتت انتباه عنكم، اديها الحقنة وافتحي الكرسي لورا فاهماني يا زينب!
التقطتها منه تتفحصها بدموع جعلت عينيها كالغشاوة:
_دي أيه يا سيف؟
رد عليها بقلة حيلة:
_مفيش قدامي اختيار تاني.
قالت برعشة ازدادت بها:
_سيف الحقنة دي خطيرة، لازم يتعملها فحوصات بالمركز قبل ما تاخدها!
شدد عليها بصرامة وهو يحل حزام السيارة عنه:
_نفذي اللي بقولك عليه، أنا المسؤول.
نزع عنه الحزام وفتح باب سيارته وما كاد بالخروج، حتى تمسكت بيده باكية:
_رايح فين!
أبعد يدها عنه وقال:
_زينب نفذي اللي قولتلك عليه، متخافيش أنا جنبك.
نجح بسحب يده منها، وأغلق باب السيارة ثم إتجه يقف قبالة ذاك اللعين الماكر، كبتت زينب صرخاتها بانهيارٍ، لا تعلم كيف سحبت الأمبول وملأت الآبرة الطبية، حاولت السيطرة على رعشة يدها لتفعل ما أراد سيف، لقد منحها وقت قصير لتتمكن من انقاذ ليلى، مهما كان ما تواجهه زينب بتلك اللحظة لا ذنب لها فيما تخوضه.
وقف "سيف" بوجهه بشجاعةٍ، يطالعه ببرودٍ جعل الأخير يهتز توترًا منه، ولكنه تصنع قوته بكل عنجهيةٍ، وقال:
_ذكي إنت أوي ومش همك كل اللي عملته الفترة اللي فاتت عشان تبعد، مصمم تتحداني والنهاردة الرد هيكون بموتك!
ارتخت شفتيه بابتسامةٍ ساخرة، لحقت نبرته:
_تقصد لعب العيال اللي كنت بتعمله؟ بالعكس أنا كنت مستمتع جدًا بجو الشبح الأهبل اللي عملته ده، بالعكس أنا أشفقت عليك وكنت عايز أحطلك ملاحظاتي على غباءك وأنا براجع تسجيلات الكاميرات كل يوم.
ودث سيف يديه بجيب بنطاله واستطرد بحزن مصطنع:
_صعبت عليا وإنت بتحاول تقصر فيا، بس متقلقش زينب اتقصرت ما أنت عارف قلب الستات رهيف، ده مش تقليل منك بالعكس، ولا حافز إنك تصلح غلطك المرة الجاية، لان للاسف معتش في مرة تانية.
وبجمودٍ استطرد:
_النهاردة يا هكون أنا القاتل يا مقتول، مش هسيبك تخرج من هنا حي!
تعالت ضحكات "يمان" بصخبٍ، جعل زينب تصمم أذنيها بيدها فور انتهائها من حقن ليلى، لا تريد حتى سماع صوته اللعين، فنحت شرفة السيارة وراقبت ما يحدث؛ فصعقت حينما وجدته يسلط مسدسه بوجه زوجها، ويصيح بانفعالٍ نجح سيف باشعاله داخله:
_مش هتلحق لاني هقتلك في أرضك، زينب ليا أنا وعمرها ما هتكون لغيري سامــــع!
فتحت باب السيارة، وهرولت مسرعة تقف أمام سيف كالحاجز الواقي، تدفعه بكل قوتها للخلف وهي تهمس ببكاء:
_سيف!
اهتز رأس يمان بشكلٍ مرضي وهو يراها تحاول أن تفديه بروحها، بينما جذبها سيف من خلفه يعنفها:
_أيه اللي نزلك من العربية، ارجعي .
دفعها للخلف لتعود، ولكن إشارة يمان كانت الأسرع، فالتف من حولهما رجاله، تراجعت زينب للخلف وهي تراقب اقترابهم منها بذعرٍ، حتى ارتطمت بسيف الذي ضمها بحمايةٍ.
_شايف رجالتي اللي حوليك دول مستنين إشارة واحده مني علشان يخلصوا عليك بس أنا مازلت واقف قدامك بديلك فرصة أخيرة انك تفكر وتعقلها!
تحررت الكلمات من فم "يمان" ببطءٍ قاتلٍ متعمدًا غرس الخوف بغريمه الذي يجابهه بكل كبرياء وصلابة تضرب الأخر في مقتلٍ، وكأنه غير عابئ بتهديده وبرجاله المسلحين.
ارتعش كفها الصغير المتمسك بقميصه، تختبئ من خلف ظهره باكية، مرتابة لما سيحدث لها ولمن أحبته بصدقٍ، فتحرر "سيف" عن صمته راسمًا بسمة باردة اتبعت قوله الثابت:
_لو فاكر إنك كده خوفتني فأنت صعبان عليا.. كنت فاكر إن شخص باجرامك تاجر أسلحة وهارس سكك قطاع الطرق دول هيكون عنده رجولة وشجاعة تخليه يتباهى بقوته هو مش بقوة رجالته، فلو لسه محتفظ برجولتك واجهني راجل لراجل ونشوف وقتها كفة مين الرابحة فينا!
تمسكت به زينب بقوة هامسة له:
_سيف خرجني من هنا مش عايزة أشوفه يا سيف.
إلتقطها لاحضانه أمام نظرات عين يمان الملتهبة، فرفع سلاحه يصوبه تجاه رأس سيف الذي لم يهتز له شعرة ليعود لتهديده:
_طلقها والا رصاصتي هتصفيك مكانك.
أعادها لخلف ظهره، واقترب يقف قبالته وجهًا لوجه:
_بموتي، مش هفترق عنها الا بموتي! وحتى بعدها مش هتقدر تفصلنا عن بعض لإني عايش جواها.. هتقدر تطردني من قلبها اللي اختارني أنا!!
استفزته كلماته بشكلٍ كبيرٍ، فصرخ برجاله وهو يتجه لسيارته:
_هاتوهم.
فور أن صرح بأمره دفعوهما الرجال تجاه السيارة، فما كان من سيف الا أن يضمها ليبعد أيدهم عنها، حتى صعد بالسيارة عنوة، فتحركت بهما خلف سيارة يمان.
تركزت نظرات سيف على سيارته بقلقٍ، وهمس بصوتٍ خافت:
_يارب تفهم الرسالة يا يوسف!
*****
تسلل من جواره، يرتدي جاكيته الرياضي، وسحب محفظة نقوده، ثم ارتدى حذائه الرياضي، وخرج من شقة يونس، بعدما عاد برفقتهم من صلاة الفجر، غفى لساعتين ونهض الآن يتمشى بالحارة، يريد أن ينعش رئتيه بالهواء المنعش، واضعًا بأذنيه سماعته الباهظة، يستمع لصوت الشيخ "عبد الرحمن مسعد"، صوته الدافئ يجعله يشعر بارتياحٍ يداهم كل خلية من جسده.
ركض" عُمران" مسافة طويلة تاركًا العرق يتصبب على جبينه، يود أن يغسل روحه من الداخل مثلما يبلل وجهه، نجح بالهروب من حصار آيوب ويونس لمعرفة ما يحزنه لتلك الدرجة، حتى أنه يتهرب من نفسه من الاجابة عما يضيق بصدره، التقط هاتفه مكالمة هاتفية، تفحصها باستغراب ودهشة حينما وجدها زوجته، حرر زر الاتصال ومازالت سماعته على أذنيه، فقال ببسمة جذابة وهو يرتكن على سياج النيل:
_حبيب قلبي صاحي بدري كده ليه؟
اتاه صوتها الحزين:
_لو كنت حبيب قلبك زي ما بتقول مكنش هان عليك تبعد وتفترق عني كل ده يا عُمران.
استند بذراعيه على السور يجيبها بحب:
_روح قلبه وحياته إنتِ يا مايا، أقسملك بالله غصب عني يا حبيبي، أنا تعبان ومحتاج أكون لوحدي، عايزك تقدري ده؟
انهارت باكية وهي تردد:
_طيب أنا غلطت في أيه؟ خايفة أكون وجعتك انا كمان عشان كده سبتني زيهم ومشيت.
ردد بحنان وعشق:
_عمرك ما وجعتيني يا مايا، إدتيني كل حاجة حلوة أمتلكها في حياتي، ادتيني حبك وقلبك ووقت ضعفي قوتيني، وقت انكساري كنت سندي، كنتِ بميت راجل رغم رقتك، وثقتي فيا في وقت أنا نفسي كنت شاكك فيها!
وابتسم وهو يستطرد:
_ وفوق كل ده ادتيني أغلى حاجة، البيبي اللي في بطنك، بعد كل ثانية عشان اشيله بين ايديا، عندي فضول أعرف هيطلع يشبهني ولا يشبه القمر اللي نور ليلي!
شهقاتها تصل إليه، فجعلته يأمرها بغضب:
_وقفي عياط وحالًا، مش هسمحلك تنكدي على الولد يا هانم!
ابتسمت رغمًا عنها، فتابع يمازحها:
_اهدي كده يا بيبي، ده أنا مسافر مكملتش تلات أيام على بعض، هتخلي فريدة هانم تديكي دروس قوة المرأة واستغنائها عن الرجل!
ضحكت حتى أشرقت وجهه ببسمته الجذابة، فردد بمرحٍ:
_هو ده اللي يعلي الأنسولين طبيعي، الصوت ده كفيل يغسل قلب عُمران الغرباوي من جوه!
كفت عن الضحك وقالت بصوت بحت نبرته:
_أنا عايزة أجيلك مش عايزة أقعد هنا، مصر وحشتني.
تبسم وأخبرها بمكر:
_مصر بردو اللي وحشتك يا بيبي، ما تيجي صريحة طيب عشان أقابلك بنص الطريق!
تنحنحت بحرجٍ، وقد ارتسم له صورتها الآن وهي بقمة خجلها، وبتوتر شديد قالت:
_إنت اللي وحشتني أوي.
أجابها بعشقٍ:
_كأنهم تلات سنين في بعدك يا مايا، مش فارقلي أي حاجة في اللحظة دي غير قربك!
وأضاف مبتسمًا:
_حاسس إني حبيب قلبي كبر بالتلات أيام دول عما سبته، قوليلي طيب كبر ولا لسه مش باين عليكِ؟
هتفت باستنكار:
_كل ده ومش باين عليا؟!
ضحك يمازحها:
_مش باين صدقيني، كأنك أكلة ومتقلة شوتين، متحمس أشوفك بشكل الحوامل على وش ولادة يا بيبي!
رددت بحماسٍ:
_بسيطة أجيلك يا عُمران!
ضحك بصوته كله، وقال يشاكسها:
_حبيب قلبه بقى شقي وبيتخابث على باباه، طيب ينفع كده يا بيبي!
زمت شفتيها بسخطٍ، فابتسم وقال بجدية:
_هخدك يا مايا، بس الأول خليني أظبط قصر الغرباوي القديم عشان يكون جاهز ليكِ يا حبيبي.
تساءلت باستغراب:
_قصر الغرباوي!! إنت ناوي على أيه عُمران؟
أجابها بهمس مغري:
_ناوي نستقر هنا أنا وإنتِ وعلي.
نقلت سعادتها بصوتها الحماسي:
_مش مصدقة اللي بسمعه معقول، حاسة إني اتلخبطت في الرقم!
ضحك بصوته الرجولي، وقال يشاكسها:
_ولو طلبتي مية رقم هجاريكي على أي وضع يا قمراية، أنا لئيم وأعجبك.
شاركته الضحك وقالت باستنكار:
_فين جوزي يا معلم رجعهولي لو سمحت؟؟؟!
رد عليها بخبث:
_نادي عليه بقلبك وهيخرجلك على طول يا بيبي، أصل صوتك سره باتع، بيحضر شخصية بتلبسه مخصوص عشان عيون حبيب قلبه.
ابتسمت وقالت بحبٍ:
_أوعدني إنك متبعدنيش عنك أكتر من كده.
اتاها صوته الجادي يخبرها:
_مقدرش أبعدك عني، إنتِ حتة مني مش اللي في بطنك بس.
وأضاف ببسمة هادئة:
_يالا يا بيبي اقفلي ونامي شوية، ده معاد نومك، ارتاحي واطمني ، عُمران الغرباوي لو بعد عن عشه ميت ألف ميل، عمره ما يتغرب عنه ولا يطول بعده، هنتجمع وقريب أوي يا مايا أوعدك.
قال جملته الاخيرة وأغلق الهاتف مبتسمًا بتلك الراحة التي تعتريه الآن، أعاد الهاتف لجاكيته ومضى بطريقه للحارة، فوقف بمنتصفها يحاول تذكرة الطريق الذي مضاه برفقة آيوب للمخبز ولتلك السيدة التي تعد الفلافل الشهية، وبالفعل وصل إلى المخبز أولًا، اشترى الخبز الساخن واتجه للسيدة التي تقابله، اقترب من محل وقوفها وقال بتعابيره البشوشة:
_صباح الخير والجمال كله يام عزت.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه العجوز، وهي تتأمل ذلك الوسيم، فإذا بها تجيبه، وهي تعيد طنجرة الفول لمحلها:
_صباح النور يابشمهندز، طالع لوحدك على الصبح من غير صاحبك ليه؟ مش خايف تتوه في الحارة؟
ابتسم "عُمران" حتى لمعت رماديته، وقال وهو يرفع الكيس البلاستيكي لها:
_لا أنا ميتخافش عليا، حتى شوفي روحت لعم عباس واداني عيش طازة.
وتابع وهو يشير لها عما أمامها:
_عايز بقى فول وطعمية وبيتنجان بالدقة الرهيبة زي اللي إدتيه لآيوب امبارح.
تهللت أسارير المرأة فرحًا، بعدما أشاد ذلك الأجنبي بما تعده يدها، على الرغم من أنه أقسم لها أنه مصريًا أبًا عن جد الا أن حالها كأغلب ممن تعرف عليه بحارة الشيخ "مهران" بما يطلقون عليه باللفظ العامي (خواجة) .
جذبت الأكياس تضع له ما طلب، قائلة ببسمةٍ هادئة:
_بس كده عنيـــا، وهتوصي بيك كمان عشان إنت من طرف ابن الغالي.
بابتسامته وطريقته الأنيقة قال:
_تسلم عنيكِ يا ست الكل.
حمل منها الأغراض ومنحها نقود من فئة المائتين جنيهًا، فقالت وهي تشير لصبي يلعب برفقة مجموعة من الأطفال:
_هخلي مصطفى يفك ويجبلك الباقي.
أشار لها وهو يتجه للمغادرة:
_لا خليه لمصطفى.
وغادر تاركًا الابتسامة مرسومة على وجه ذلك العجوز، بينما صعد هو قاصدًا شقة يونس حيث بات مقر الشباب بالاوانة الأخيرة، طرق وانتظر حتى فتح له يونس، فقال باستغرابٍ وهو يتفحص ما يحمله:
_عُمران!! إنت كنت فين؟
وتابع وهو يتفحص ما يحمله:
_وأيه كل اللي معاك ده!!!
ناوله الأكياس التي يحملها هادرًا بانزعاجٍ:
_طب شيل مني الأول وبعدين حقق معايا!!!
حمل عنه ما يحمله، مطلقًا ضحكة صاخبة لم يستطيع منعها:
_معقول!! البشمهندس عُمران سالم الغرباوي نازل بنفسه يجيب عيش وفول وطعمية!!
ربع يديه أمام صدره يمنحه نظرة ساخرة:
_وأنا مش بني آدم ولا أيه يا معلم يونس، مش بيقولولك معلم بردو!!
تمادى بضحكه وهز رأسه متمتمًا:
_ورد عليا ناس أشكال وألوان، بس في تركيبتك العجيبة دي مشوفتش، لا قادر أحدد إنت خواجة ولا مصري ولا نظامك أيه!! بس في المطلق إنت عاجبني!!
جذب الأطباق يوزعها على الطاولة المستديرة قائلًا بعنجهية الطاووس داخله:
_ده الطبيعي مجبتش جديد!!
انفرط بموجة من الضحك، ومال يتساءل بدهشة:
_حقك يا عم الطاووس، بس أنا اللي هيجنني ازاي إنت أخو دكتور علي؟
ترك الجبن الذي يحمله ونصب عوده يشمله بنظرة تقييمية:
_زي ما أنت ابن عم آيوب!!
قاطعهما صوت إيثان الذي يردد بنعاس:
_أنا شامم ريحة طعمية وعيش سخن! معقول يا يونس نزلت وعملتها!
قدم له يونس الفلافل وهو يخبره:
_لا ده الخواجة اللي نزل بنفسه يلم الشمل!
جحظت عين إيثان صدمة، فاخذ يوزع نظراته بينه وبين ما يحمله بين أصابعه، وما كاد بالحديث حتى أتاهم صوت جرس المنزل.
خرج آيوب من الغرفة يفرك عينيه بنومٍ:
_انتوا واقفين وسايبن الجرس يضرب!!
واتجه يفتح الباب فاذا بجارتهم تناوله قدحًا من الحليب، وكيسًا بلاستيكيًا مغلقًا، قائلة بحبور:
_ده لبن صابح والجبنة قريش اللي وصى عليها البشمهندس.
أسبل بدهشةٍ وهو يعود برأسه لمحل عُمران الذي يتناول قطعة من الخيار ويتابعهما بصمتٍ، فردد إيثان بصدمة:
_صاحبك هيعمل انقلاب في الحارة يا آيوب!!!!
*******
قاد سيارته تجاه الموقع الذي أستلمه برسالة نصية من أخيه، حاول الوصول إليه كثيرًا عبر المكالمات الهاتفية، والرسائل ولكنه لم يستطيع، فترك المركز واتجه للموقع وقلبه يخفق توترًا لما قد يراه، وصل "يوسف" للموقع المحدد، لمح سيارة أخيه تصطف بمنتصف الطريق بعشوائية رسمت القلق على ملامحه، وجعلته يهرول مسرعًا تجاه السيارة.
تفقد المقعد الأمامي بلهفةٍ، فلم يجده بالداخل، انتصب بوقفته يعيد الاتصال به، فلمح ضوء يتسلل من مقعد السائق، والهاتف على ما يبدو على وضع صامت، وبينما كان بمحاولاته لفتح الباب محكوم الانغلاق تسلل له صوتًا يئن بالخلف، انعكست اهدافه لفتح الباب الخلفي، والقلق ينهشه كالوحش المفترس، نجح يوسف بفتح باب السيارة، لتضربه صدمة جعلته متجمد محله حينما وجد زوجته تغفو باهمالٍ على الاريكةٍ الخلفية، فستانها ملوث بالدماء ووجهها شاحب يميل للاصفرار.
مال إليها يناديها بفزعٍ:
_ليــــــــلى!!!
التقطت صوته على الفور، فجاهدت لفتح عينيها الملطخة بالكُحْلَ الأسود، وغمغمت بتعبٍ شديد:
_يوسف.
ساندها حتى جلست جواره، وأخذ يتفحصها وهو يتساءل بصدمة:
_أيه اللي حصل؟ وأيه الدم ده؟؟؟
همست له بارهاقٍ ويدها تشدد على كفه، بينما تبتلعها الغمامة بين ذراعيها:
_ابني يا يوسف، ابني!
رددتها وفقدت الوعي على الفور، بينما سن السكين يمزق صدره دون رأفة، لطم وجنتها برفق وهو يصيح بها:
_ليلى فوووقي، سيف فين وأيه اللي حصل؟ جاوبيـــني!!
لم تتمكن من اجابته، لقد فقدت الوعي كليًا الآن، استعاب عقله ما أخبرته به للتو، لقد ذكرت ابنها، والدماء تلك التي تلطخ ملابسها، انتفض يوسف بجلسته إليها يمددها وهو يفحصها برعبٍ، مرر يده على جبينه وهو يردد بارتباكٍ:
_إنتِ لازم تتنقلي المركز فورًا.
وأضاف بقلق:
_طيب وسيف؟
مال على النافذة يقول بعجز:
_أعمل أيه يا رب!!
سحب هاتفه بعد ان اعتصر رأسه، وضعه على أذنيه وما أن استمع لصوت المتصل به حتى صاح بفزع:
_دكتور علي، يمان الكلب شكله هاجم سيف.
استمع لما قال وأضاف:
_معرفش حاجة، أنا لقيته باعتلي لوكيشن مكان، بتصل بيه من ساعتها مكنش بيرد، سبت شغلي وجيت جري على هنا ملقتش غير عربيته ومراتي جواها وبتنزف، أنا لازم انقلها للمركز حالا، بس مش قادر اتحرك وأنا مش فاهم ايه اللي حصل لسيف!!
رد عليه علي بصرامة:
_ابعتلي اللوكيشن وروح بمراتك على المركز بسرعة.
أغلق يوسف الهاتف وارسل الموقع إليه، ثم حمل ليلى وأسرع لسيارته، وضعها ووقف يتطلع لسيارة أخيه بقلبٍ منشطر، ما بين انقاذ زوجته وما تحمله بأحشائها إن كان ما زال على قيد الحياة، وما بين أخيه الذي يعد بمثابة ابنه الاكبر.
انتشله صوت ليلى المئن من دوامته، فرفعت يدها تتشبث بكفه وهي تردد ببكاء:
_بطني بتتقطع ، مش قادرة.
أغلق عينيه بقوةٌ، وحسم قراره، صعد جوارها وقاد سيارته بسرعةٍ فائقة حتى وصل بها للمركز، ولج بها مسرعًا لغرفة العمليات، يعيد فحصها على الاجهزة، تأكد له أن النزيف قد انقطع منذ فترة، وعلى ما بدى له أن الفستان ملوث منذ وقتٍ بعيد، شك بأنها تلقت الآبر المطلوبة لحالتها، فكشف عن معصمها ليتأكد ظنونه من رؤية آثرها.
مرر يديه بخصلاته السوداء وهو يردد بحيرةٍ:
_اخدت الحقن دي أمته وازاي؟
همهمت ليلى مجددًا بتعب، فأسرع إليها يميل على رأسها، يسألها برجاء:
_ليلى فوقي عشان خاطري، قوليلي أيه اللي حصل؟ سيف فين؟
رفعت جفنيها الثقيل بصعوبة، وما أن رأته حتى بكت بصوتٍ مسموع، وسألته برعب من سماع اجابته:
_ابني؟
أعاد خصلاتها خلف حجابها، وانحنى يقبل جبينها وهو يخبرها بحزن على حالها:
_مش هقدر أحدد دلوقتي، بس الحمد لله الحقن اللي اخدتيها وقفت النزيف.
تعالت شهقاتها بانهيارٍ، وهمست له بتعب:
_إعمل أي حاجة يا يوسف، مش عايزة أخسره عشان خاطري!
ازاح دموعها وقال بابتسامةٍ هادئة:
_هعمل كل اللي أقدر عليه يا ليلى، بس في الأول وفي الأخر اللي ربنا عايزه هو اللي هيكون، لو لينا نصيب فيه هتعدي مرحلة الخطر دي، ملناش يبقى ده الصالح لينا يا حبيبتي.
هزت رأسها بخفوتٍ، ومازالت تبكي بتأثرٍ، فقال يجذب انتباهها:
_ليلى حبيبتي جاوبيني، سيف كان معاكي صح؟
زوت حاجبيها تحاول تذكر ما حدث، فطرح سؤالا اخر:
_طيب أيه اللي حصلك وخلاكي تنزفي كده.
أجابته ببكاء اعتراها فور تذكرها ما حدث:
_كنت واقفة على كرسي بطلع شال صوف من الخزنة لاني بردانه، غصب عني وقعت والشنطة وقعت على بطني، حسيت بوجع رهيب حاولت أتصل عليك بس تليفونك كان مغلق، فخبطت على سيف وزينب.
وأضافت وهي تلعق شفتيها الجافة بوجعٍ:
_بعدها مش فاكرة أيه اللي حصل، أخر حاجة فاكراها كانت زينب وهي جنبي في العربية وسيف كان بيسوق،وبعدها محستش بنفسي.
نغز قلبه بعنفٍ،لقد تأكدت شكوكه بالكامل، اختفاء أخيه وزوجته لا يعني الا احتمال واحد...يمان!
*****
اجتمعوا جميعًا على مائدة الطعام التي أحضرها "عُمران"، وشرعوا بتناوله، ارتشف يونس من كوب الشاي الساخن قائلًا بمزحٍ:
_مين يصدق إن اللي محضرلنا الفطار الملوكي ده هو نفسه الخواجة.
التهم إيثان الفول وصاح بتهكمٍ:
_شكله كده نزل هنا يبطط الكام عضلة اللي فرحانلي بيهم دول بالزيوت!
تناول عمران ما بيده وهو يطالعه ببرودٍ، مزقه حينما قال:
_بتهزرش مع واحد بيعشق ريحة الحديد، عشان هتكح ضروسك من أول ضربة يا كابتن إيثو.
وأضاف وهو يلوك الخبز المغموس بالباذنجان:
_أنا سمعت إنك عندك جيم، خلينا نروح بعد الفطار ونشوف مين فينا اللي مش محافظ على عضلاته، ولا أيه رأيك؟
اجابه بتحدٍ وعنجهية:
_نروح منروحش ليه؟! أنا صحيح بقالي شهور مبفتحهوش بس وماله نفتحه لاجل عيونك يا خواجه.
مال يونس إليه يدعي السعال بينما يهمس له:
_ايثان بلاش.
لكزه بغضب:
_اقعد على جنب يا عم يونس، الخواجه بتاعكم ده شايف نفسه أوي، خلينا أنزله على التراب.
ردد يونس ساخطًا:
_أنا خايف عليك لتنزل إنت التربة!
دفعه بعيدا عنه بغضب:
_كل جرجير وفكك مني يا يونس.
جذب حزمة الجرجير يتناولها باستفزازٍ:
_رغم إنك اللي في أشد الحاجة ليه بس وماله.
على بعد منهما حيث يجلس آيوب جوار عُمران الذي لاحظ شروده وتعلقه بالهاتف من أمامه باهتمامٍ، فتساءل وعينيه تراقب إيثان:
_قالب وشك يابن الشيخ مهران؟
ترك الهاتف من يده وقال بغيظ:
_سيف بلكني من كل حتة تاني، أنا ما صدقت إن الدكتور يوسف أقنعه يشيل البلوكات، أعمل أيه تاني معاه غُلبت!!
سحب كويه يرتشفه وعينيه تتابع إيثان، وتنحنح بخشونة:
_بلكك بسبب اللي وصله عنك.
عبث بمقلتيه بعدم فهم، واستدار يسأله بذهولٍ:
_وصله أيه مش فاهم.
وضع الكوب وقال ببسمة ساخرة:
_الكابتن غشيمو صورلك وإنت لازق فيا ويعتبر نايم في حُضني!
برقت جفونه بصدمةٍ، وقبل أن يتخذ أي رد فعل تساءل:
_وإنت عرفت منين؟
أجابه وهو يتناول طعامه ببرودٍ:
_شوفته وكنت مرهق من السفر فسيبته بمزاجي.
منحه نظرة مشككة، فترك عُمران الكوب عن يده وقال:
_يدوب أغير هدومي وأنزل أقضي كام مشوار كده قبل ما أروح للحاجة آشرقت، كل يوم بأجل عزومتها لما شكلي بقى زبالة.
وتابع ببراءةٍ مصطنعة:
_مش عايز حاجه يا بوب؟
هز رأسه باستسلام، فنهض يجذب قطعة من الفلافل مرددًا بتلذذٍ:
_أممم... تعرف لو رجعت لندن هفتقد لطعمية أم عزت.
وتابع ببسمة خبيثة:
_بفكر أفتحلها فرح في لندن، بس تفتكر سيف هيسمحلك تعدي هناك بعد خيانتك ليه؟
هشم أسنانه غيظًا، فضحك عمران واتجه يشير لايثان بحزمٍ مصطنع:
_يلا عشان نهضم زيت الطعمية يا كابتن ايثو، بس ياريت تجيب يونس معاك لاني مبسندش حد أنا.
قالها واتجه للاسفل، كبت يونس ضحكاته، بينما تمرد ايثان بغيظٍ:
_يسند مين؟ يقصد أيه الخواجه ده يا يونس؟
رد عليه وهو يحبس ضحكاته بصعوبة:
_ميبقاش عقلك مقفل أُمال، ده خايف عليك يجيلك تروما ولا تشنج عضلي ولا حاجة، فعايزني معاك زيادة آمان ليك، شكله ابتدى يحبك يا إيثووو.
وزع آيوب نظراته المحتقنة بينهما، والغضب يجوب فيروزته حتى تحرر عنه قوله المتعصب:
_إنت بعت لسيف أيه يا إيثان؟
شتت انتباهه بما قال، فتعالت ضحكاته وهو يقول:
_بعتلك ورقة الطلاق ولا لسه!
وأضاف بتسلية:
_ده أنا خدت ليكوا شوية لقطات إنما أيه لوز.
دفع آيوب زجاجة المياه فأصابته بوجهه، وصاح بانفعال:
_أنا منبهك إن سيف عقله صغير ومع ذلك عملتها، ناشي يا إيثان مردودلك، الأيام جاية مش رايحه.
وتركه وغادر ونظرات عينيه المحتقنة تعبر عما يجوب داخله.
******
اجتمع "علي" و"أحمد الغرباوي" بمكان سيارة سيف، ولحق بهما "يوسف"و" جمال" الذي علم بالأمر منه، لحق أحمد بعض من الحرس الخاص به، وقفوا جميعًا بحاولون العثور على أي دليل أو إشارة توصلهم إليه.
ركل يوسف عجل السيارة بقدمه وهو يصرخ بهلعٍ:
_هيكون أخدهم على فين؟؟
ربت أحمد على كتفه وقال بشفقة:
_اهدى يا يوسف، الحرس بيلفوا حولين المكان ولو لاحظوا حاجة غريبة هيكلموني على طول
أكد علي لهم وهو يدقق بالخريطة التي يمتلكها:
_هما مستحيل يلحقوا يبعدوا عن هنا خصوصًا إنه مش هيجازف ويعدي من طريق رئيسي ومكشوف.
رد جمال بتأكيدٍ:
_عندك حق يا دكتور علي، اللي زي يمان ده حويط ومش ممكن يجازف وهو مطلوب من القانون.
ارتكن يوسف على مقدمة السيارة، وهدر بحزن:
_أنا السبب،كان عايز يسافر مصر ورا آيوب من زمان وأنا اللي منعته، لو جراله حاجة عمري ما هسامح نفسي.
أحاطه علي بنظرة حزينة، وقال:
_إنت مربي راجل يا يوسف، لا الحقير ده ولا عشرة زيه يقدروا عليه.
أضاف أحمد بتأثر:
_إن شاء الله هنوصله قبل ما يأذيهم.
ونطق بحماس حينما رن هاتفه:
_الحارس بيتصل.
حرر زر الاتصال وفعل السماعة الخارجية ليستمعوا جميعًا لصوت الحارس يقول:
_سيدي لقد عثرنا على ثلاث سيارات دون لاوائح أرقام مرخصة، أمام مصنع مهجور بالجوار، أعتقد أنهم قد يكونوا بالداخل.
جذب علي الهاتف من يد أحمد وهدر:
_حاصروا المكان من جميع الجهات وتأكدوا إنهم بالداخل، إن لزم الأمر تدخلوا على الفور لحين وصولنا.
_حسنًا سيدي.
أغلق علي الهاتف وأسرع لسيارته ولجواره أحمد، وصعد يوسف جوار جمال بسيارته، لتنطلق السيارتين للوجهة المحددة.
******
ابتعدت للخلف ومازال يدنو منها، عينيها تبرقان في صدمةٍ وخوف، تتطلع تجاه الباب الموصود بهلعٍ، وبهمس خافت تخشى حتى أن يستمع له من يقف أمامها رددت:
_سيف!
صرخت ألمًا فور أن تلقت لطمة من يده الخشنة، صارخًا بكل عصبية:
_متنطقيش إسمه قدامي يا *****، كنتِ فاكرة إني هسيبك تتهني معاه يا ***، أنا هدفعك التمن غالي يا زينب، هخليكي تقولي حقي برقبتك، هندمك على كل لحظة فكرتي في حد تاني غيري، هروبك من المغرب ولجوئك للحقير اللي زمان رجالتي قتلوه بره ده هدفعك تمن روحك.
زحفت للخلف وهي تهز رأسها بجنون، عينيها تنتقل لباب الغرفة المتهالك، وبخفوتٍ تردد:
_سيف!
تخشى أن ترفع صوتها، تخوض أبشع مرحلة من التعب النفسي، وهي تراه ينفرد بها بغرفة بعيدة عن مكان زوجها، قلبها يتآكل كالصديد حينما دفعها أمامه وأمر رجاله بقتله على الفور.
تمسكت بأملها المتردد وباتت تردد بتوسل:
_سيف، تعالى!
انحنى إليها يجذبها من حجابها وهو يصرخ بعصبية بالغة:
_اخرسي متنطقيش اسمه يا ***، خلاص هو أخد اللي يستحقه، هترجعي تاني زي الكلبة ليا، والمرادي مش هتعرفي تهربي لانك لو عملتيها هوريكي العذاب شكله ازاي يا زينب، هتجوزك غصب عنك وعن اللي يتشددلك.
_هتعملها ازاي يا حيلة أمك!
قالها من يقف خلفه، يحمل بيده عصا حديدية يملأها الدماء، ألقاها سيف أسفل قدمي يمان ومسح فمه المنسدل بالدماء، على ما يبدو كان بمعركة مصيرية نهايتها انتصاره الساحق على فئرانه، أزاح الدماء عن فمه وقال بسخرية:
_كان بودي أقولك خليك شهم وأطلب الاسعاف لرجالتك مهما كان انتوا واكلين عيش وملح مع بعض، بس أنا ميخلصنيش أوجب معاهم وميوصلكش واجبي.
ارتسمت بسمة السعادة على وجهه، تلبستها قوة غريبة جعلتها تدفعه بكل ما أؤتت من عزم وهرولت تجاهه، ضمها سيف إليه وسألها بقلق:
_عملك حاجة؟
فهمت معزى سؤاله، فعدلت من حجابها وهي تشير له بالنفي، قبل رأسها وعينيه تواجه ذلك الذي يشتعل من فرط الغيرة والحقد.
أبعدها سيف عنه وأمرها بصرامةٍ:
_خليكِ هنا ومهما حصل أوعي تخرجي بره الاوضة دي سامعه؟
ارتابت زينب لامره، لأول مرة يكون حادًا لتلك الدرجة، أومأت له بخوف وتراجعت للخلف، بينما اتجه سيف إليه وانحنى يجذبه من تلباب قميصه، فناوله يمان لكمة قاتلة بحجارة تمسك بها بيدها، تفادها سيف وضرب يده بالحائط حتى سقطت الحجارة، وفجأه بعدد من اللكمات القوية، حتى غرق بدمائه وسقط أرضًا ينزاع الدوار الذي هاجمه، انحنى سيف وجذب ساقه ثم سحبه للخارج وقال دون أن يستدير لها:
_نفذي الا قولتلك عليه وأوعي ألمحك بره.
وبسخريةٍ قال:
_ورايا عملية تخصص حرج غير مسموح للنساء بالتواجد فيها!
رفرفت باهدابها بعدم فهم، بينما انفلت قلب يمان وردد بذعرٍ حينما وجد سيف يغلق باب الغرفة على زوجته ويدنو منه بالعصا:
_إنت هتعمل أيه؟
اجابه ببسمة واسعة:
_ولا حاجة، هبعزقلك الحمقة الكدابة اللي مخليك تحس إنك راجل وإنت متساوش في سوق الرجالة 2 سنت!
وانحنى إليه يستند على ذراعيه مدعيًا التفكير:
_بس قبل ما أبدأ بالعملية الدقيقة دي لازم تعرف حاجتين، الأولى متعتبرش سر والتانية سر حربي هيتدفن مع اللي هيتدفن هنا.
وتابع وهو ينزع قميصه الاسود الملطخ بالدماء ببطءٍ استنزف رعب غريمه الذي يحاول الزحف للخلف بكل قوته:
_السر الاول واللي ميعتبرش سر إني للأسف دكتور أطفال والسر التاني آني بخاف من الحقن جدا وعمري ما مسكت مشرط.
ورفع العصا للأعلى وهو يستطرد ببسمة خبيثة:
_ها تحب نبدأ بالتخدير ولا من غيره؟
ودنى إليه هاتفـًا بجدية مضحكة:
_انا بقول إن اللي أكلته جوه عامل الواجب معاك ومبنجك فمش هتقرفني.
جذبه سيف من ساقه مجددًا كالجرذ الذي يفر من شبلٍ خرج عن حدود غابته، منحه نظرة قاتمة، مخيفة وقال بخشونة لازعة:
_عاملي فيها مجنون ليلى بروح أمك، علاجك عندي هخليك مش بس تكره اسم مراتي هخليك تكره تشوف أي ست قدامك يا ***
وانهال عليه بأول ضربة أصابته في مقتلٍ وجعلته يصرخ كالنساء، بل بكى بشكلٍ جعل زينب تنتفض من الداخل رعبًا مما يفعله سيف بالخارج.
ثلاثون دقيقة استغرقهم لينتهي من عمليته الجراحية كما أشاد بها، ليعود بعد دقائق إليها وهو يرتدي قميصه، بحث عنها فوجدها تختبئ خلف مكتب متهالك، لم يبقى منه سوى ألواحًا من الخشب، كانت زينب تطالعه بذعرٍ، وخاصة حينما أشار لها بيده لتخرج، ابتلعت زينب ريقها بارتباك، ونهضت تطل من خلف لوح الخشب، تسأله بتوتر:
_هو راح فين؟
ادعى اندهاشه من سؤاله والتفت من حوله يتسائل :
_هو مين يا حبيبتي؟
بصعوبة أجبرت لسانها على نطق:
_يمان!
زم شفتيه معًا وقال بحيرة:
_هو إحنا نعرف خنزير بالاسم ده؟
ورفع كتفيه ببراءة:
_معرفهوش، إنتِ تعرفيه؟؟
هزت رأسها بالنفي والذعر يتلألأ داخل مقلتيها، فأشار لها وهو يكبت ضحكاته بصعوبة:
_واقفة بعيد ليه طيب، قربي عشان نطلع من المكان ولا انتي عاجبك القعاد هنا؟
هزت رأسها وهرولت اليه:
_لا لا.
ابتسم وهو يحتويها بين ذراعيه، فخرج برفقتها للخارج، استدارت زينب تجاه يمان المتمدد أرضًا باهمال، يحيطه بركة من الدماء بشكل جعل حدقتيها تتوسعان بصدمةٍ.
لف وجهها اليه وتابع الخطى بها هادرًا ببسمة هادئة:
_تفتكري هنلاقي تاكسي ياخدنا من هنا ولا نسرق عربية من بتاعت الكلاب دول؟
وأضاف مازحًا:
_فكري كويس لاني ضهري ملوح من واجب الرجالة ومش هقدر أشيل!
ابتلعت ريقها برعب وتمتمت:
_ها!
مال يقبل حجابها وهو يردد بضحك مكبوت:
_مفيش يا زينب بسلك الحنجرة.
وأضاف بتنهيدة:
_أحسن حاجه اننا هنروق من مقالبه الرمة اللي شبهه، عاملي فيها شبح بروح أمه!
وتابع بنوبة من الضحك:
_عُمران الغرباوي طبع عليا بس بأمانه عنده حق، الاشكال دي ميمشيش معاها توب الدكتور المحترم، عايزة الوش الخصوصي بتاع الطاووس الوقح، ابقي فكريني ارنله واشكره على الدروس اللي أخويا الغلبان نفسه مقدمهليش.
وهمس بسخط:
_الاحترام اللي رباني عليه مكنش هينهار قدامهم من أول قلم!
توقفا عن المضي قدمًا فور ان وصلت سيارات الشباب ومن خلفها الشرطة، ركض يوسف إلى سيف يضمه إليه وهو يردد بقلقٍ:
_كنت هموت من القلق عليك، طمني انت كويس!
قالها وهو يتفحصه جيدًا، عاد سيف يضمه من جديد وهو يخبره بحنان:
_أنا كويس يا يوسف، المهم طمني على ليلى، قولي إنك وصلتلها!
هز رأسه والحزن ينبلج على ملامحه، وخاصة حينما تساءل سيف بلهفة:
_طمني.
همس له بألمٍ:
_الحقن اللي ادتهالها وقفت النزيف مؤقتًا، حاليًا مش هقدر أحكم، بكره هيبان.
ردد بأمل وتمني:
_إن شاء الله هيكونوا الاتنين بخير.
هز رأسه بخفة، بينما دنى إليه جمال يردد ببسمة جذابة:
_حمدلله على السلامة يا دكتور سيفو.
بادله البسمة باحترام:
_الله يسلمك يا بشمهندس.
دنى علي من زينب يسألها باهتمام:
_انتِ كويسة يا زينب؟
اكتفت بالايماءة له وعينيه تفترش الارض، اقترب احمد اليه يشير على سيارة الاسعاف التي تنقل المصابين واحدًا تلو الآخر، فردد بفضول:
_أيه كل ده! هو أيه اللي حصل بالظبط؟
اتجهت الأعين لسيف الذي هز رأسه في أسف وقال:
_اتقلبت بيهم العربية جوه المصنع المهجور، قضاء وقدر.
خرج المسعفون بيمان الذي ينسدل الدماء من جميع أنحاء جسده، وضعوه بالسيارة وانطلقوا، فاتجهت الابصار إليه، فهز رأسه وقال:
_سقف الاوضة وقع عليه، قضاء وقدر.
تعالت ضحكات أحمد وردد بعدم تصديق:
_طلعت حكاية يا سيف وأنا اللي مفكرك طيب وعلى نياتك!
ضحك وشاكسه بتسلية:
_محدش دخل حياته عُمران سالم الغرباوي وفضل طيب وعلى نياته الا يوسف أخويا، أنا أخدت درس احترافي منه.
لكز أحمد علي وصاح:
_شوفت أخوك وعمايله ضيع سيف!
ضحك يوسف وقال:
_بالعكس لولاه الله أعلم كنا هنوصل نلاقي إليه، أنا لأول مرة أكون ممنون لوقاحة الطاووس.
احتل الألم نبرة صوت جمال حينما أضاف:
_عُمران دايما بيأثر في اللي حوليه.
ابتعد علي عنهم يتفقد هاتفه، دقائق وعاد اليهم يخبرهم:
_آدهم بيشدد عليك يا سيف انك ترجع نصر باقرب وقت.
ردد أحمد بثبات:
_وأنا معاه وجودك هنا ممكن يجبرك تدخل في تفاصيل القواضي اللي مرفوعة على الحقير ده، ومش انت وبس وزينب كمان.
ضم يوسف كتف شقيقه وقال بخوف:
_أنا مش هستنى أصلًا حالا هخليه يحضر جوازه ويسافر حالا.
رد عليه سيف باعتراض:
_مش هسافر قبل ما أطمن على دكتورة ليلى يا يوسف،وبعدين حجز أيه اللي هحجزه في يوم ده.
تدخل علي قائلًا:
_لو على السفر متقلقش أنا هقدر أحلهالك،عمران عنده طيارة خاصة الاجراءات مش هتاخد وقت.
أصر يوسف بخوف عليه هادرًا:
_اسمع كلامي يا سيف،اطلع حالا على شقتك لموا الحاجات المهمة ودكتور علي هيكون معاك.
تدخل جمال بالحديث قائلًا بعتاب:
_انت نسيتني ولا أيه يا يوسف؟
زوى علي حاجبيه باستغراب:
_هو انت مسافر يا جمال؟!
رد عليه بحرج:
_عمران هرب مني وأنا هروح وراه.
استغل علي انفردها بعيدا عن عمه الذي يعاون زينب على الصعود لسيارته وسيف لجواره، وسأله بدهشة:
_طيب ومراتك يا جمال؟
سكن الألم مُقلتيه، حتى فارت مرارته، وأجابه:
_حاسس إنها محتاجة لوقت عشان تقدر تسامحني، ومش هتقدر تعمل ده وأنا في وشها.
واستطرد بآنين يذبحه:
_رفضها انها تسامحني وكرهها ليا مطفي جزء من النار اللي جوايا يا علي، لكن مسامحة عمران السريعة وحمايته ليا بعد كل اللي عملته فيه ده اللي دبحني، لو كان عاملني بقسوة ورفضني كنت هكون مرتاح لاني أستحق.
انهمرت دمعة من عينيه وهو يخبره:
_عمران وجعني بسمحاه ليا، محتاج أبعد وأفصل عن كل ده بس وهو معايا.
ربت على كتفه بتفهم، وفاه إليه:
_طيب مش حابب تاخدها معاك، يعني انت شايف إنها لو فضلت هنا هتكون بأمان؟
تمعن برماديته بنظرة منكسرة، وقال بوجوم:
_ولما كانت معايا حققتلها الأمان! آه يا علي هي بعيد عني وفي أمانة يوسف ومراته بأمان، أنا لو فكرت أديها الجواز او أخدها معايا مصر، أكون بحكم على نفسي بالفراق الابدي بيني وبين ابني، صبا لو رجعت مصر، هتحرمني من ابني فعلا ومش هعرف أطوله، لكن بوجودها هنا بحافظ على الفرصة الوحيدة اللي فاضلالي، بحاول أتمسك بيها وأخليها تسامحني بس اللي عملته ميشفعش له سماح.
منحه ابتسامة هادئة وقال بأمل:
_هتسامح وهتغفر بس أكيد محتاجة وقت.
رد عليه بتفهم:
_عارف وعشان كده بديها كل الوقت وأنا بعيد.
وتابع وهو يتجه لسيارته:
_هروح احضر شنطتي وجوازي، وهقابلك بعد ساعتين في المطار زي ما اتفقنا.
*****
شعر بحركة خاطفة جواره، تسللت يده أسفل وسادته ليتنزع سلاحه، وقبل أن يصل له تفاجئ بذراعيه يقيدان باحكامٍ بسلسال من الحديد، يلتف من حول رقبته، يصل لأعلى الفراش، وينتهى أطرافه بتقيد قدميه، احتقنت زيتونية عينيه بغضبٍ، واتجهت لمن يجاور فراشه على أحد المقاعد، يتابعه بنظرة تشفي وبسمة انتصار، كز على أسنانه بغيظٍ وهدر:
_أيه اللي إنت مهببه ده، فكني!
ظهر على وجه الجوكر بسمة تسلية، ووضع قدمًا فوق الاخرى مرددًا بجمودٍ:
_كنت عايز تعمل سونا وجاكوزي فقولت أهيئلك أنا الاجواء المناسبة.
وتابع ساخرًا منه:
_هخليك تكتشف جانب يسعدك معايا بديل عن جو التوابيت اللي إنت عايش فيه ده، بس مع اختلاف بسيط إن اللعبة لعبتي، بدايتها ونهايتها في إيدي أنا!
تمدد باستقامة وقال وهو يسترخي:
_لما تخلص فقرة الساحر دي ابقى صحيني.
نهض إليه مراد يجذبه بعنف من تلباب قميصه:
_رحيم يا زيدان متخلنيش أصفيك وقتي ومفيش حد هيحميك من غضبي، انطق وجاوبني لو مش احنا اللي هنعمل المهمة دي أمال مين اللي هيعملها،بالعربي كده قولي احنا طالعين ستارة لمين؟
اتسعت ابتسامة رحيم الشيطانية وهمس له بفحيحٍ خبيث:
_اللي عمرهم ما اتفقوا ولا هيتفقوا في يوم.
حرر رقبته بصدمةٍ، جعلته يزدرد ريقه الهارب بصعوبة،مردفًا:
_ده هزار سخيف؟
******
فتح الباب وولج يبحث عنه، بالشقة بأكملها، فتح الحمام فوجده يستكين بالمسبح الصغير، مغلقًا عسليته باسترخاء، ربع ليل يديه أمام صدره وتابعه بسخط، حتى ردد ومازال مغلق العينين:
_أخدت كام صورة؟
وأضاف ومازال يسترخي بجلوسه:
_انت بتتخطى حدودك معايا وده أنا مسمحتش بيه لحد.
فتح عسليته يطعنه بنظرة صارمة واستطرد:
_حوار اللثام الغريب اللي لبسه ال24ساعة تداري بيه وشك ده مش واكل معايا، بس مضطر أقبل بيه زي ما أنا مستحمل شخصيتك اللي مش مبلوعة دي.
جلس ليل على حافة الخزانة العالية يطالعه ببرودٍ جعل عدي يمنحه نظرة ساخطة وهدر:
_فجأتني انك أطرش!
زفر ليل بسئم وقال:
_باشا هو احنا هنبدأ شغل امته أنا بمل بسرعة.
جذب المنشفة الطويلة يجفف بها المياه المنسدلة فوق بنطاله وصدره العاري، نهض يقابل المرآة، يتفحص ذقنه بنزقٍ، سحب عدي احدى حقائبه يستخرج منها أدواته الخاصة بالحلاقة وقال بجمود:
_شكلك نسيت الشغل من كتر ما اجازة تقاعدك طولت.
واستدار إليه يخبره ببسمة استهزاء:
_لما يجي الوقت المناسب هعرفك.
وتابع وهو يعود للمرآة:
_اسحب الباب في ايدك وياريت متدخلش الكائن بتاعك ده أوضتي مرة تانية، والا أنا مش مسؤول عن أي رصاصة طايشة تطوله.
رفع يده يلتقط عُقاب على ذراعه، وضعه على كتفه وقال بسخرية:
_بس ابقى خد بالك من ايدك يا باشا وإنت بتعملها، عقاب أسرع من الرصاصة!
وغادر والابتسامة تعتلي ثغره من أسفل الوشاح، بينما راقبه عدي ببسمة جذابة، وعاد يستكمل ما يفعل هامسًا:
_شكلي هستلطف الكائن الغريب ده هو وصاحبه المزعج!
******
_مسحملكش تقول على أجهزتي خردة إنت فاهـــــــم!
قالها ايثان بغضبٍ، لعمران الذي يتفحص المكان بعدم رضا، ثبت رماديته عليه وقال بازدراء:
_هو ده الجيم اللي صدعت من كتر عزومة التحديات بتاعتك، أنا ازاي دخلت هنا اصلًا!
ربت يونس على صدر ايثان وراح يهدئه:
_اهدى يا إيثو الخواجة ميقصدش.
ردد آيوب بشماتة:
_لا عمران يقصد ونص، إنت رافع نجمك أوي وعايز اللي يقذفك يجيبك الأرض.
طالعه يونس باستغراب وتساءل:
_مالك انت التاني يابن الشيخ مهران؟
قال من بين اصطكاك اسنانه:
_الكابتن المحترم مصورني وانا نايم جنب عمران وبعتها لسيف وكعادته بلكني!
ضحك ايثان وقال من خلف يونس:
_وانت زعلان ليه مش مفضل الخواجة عليه متوقع رد فعله يكون أيه يعني؟
استند عمران على حافة جهاز الماشية وقال ساخرًا:
_الظاهر إنك محتاج تركن في بيتكم كام يوم جنب السيدة الوالدة تراعيك، إنت فعلا محتاج رعاية عشان تكون قادر إن تقف وتتكلم بدون ما تتهز زي فرقع لوز كده.
وتابع لايوب يشير له:
_بينا يا آيوب صلاة العصر هتفوتنا، خلي الكابتن يشوف أكل عيشه على الاجهزة الخربانه دي، ده إن حد عبره ودخله حتة!
لحق به يخبره بغيظ:
_هو إنت فاكر إن نوعية الاجهزة بتاعتك دي حد من اللي هنا هيقدر على اشتراكها كل شهر! ده الخردة اللي مش عجباك دي بلم حقها بالتقسيط كل تلات شهور، وبسبب كده الجيم حاله وقف ومبقاش ماشي زي الاول.
جذب جاكيته الرياضي يضعه على كتفه وقال يتحداه:
_ولو خليتهولك يشتغل أفضل من الاول ومش بس كده هتكسب من وراه عشر أضعاف.
حك لحيته بدهشة، وقال:
_وماله ورينا شطارتك.
ظنه سيتراجع بعد قبوله التحدي ولكنه تفاجئ به يفنح يده ويطالبه:
_هات المفتاح، وطول الفترة الجاية مالكش دعوة بالجيم.
وزع ايثان نظراته بين يونس المندهش وآيوب المبتسم بشماتة، وسحب المفاتيح ووضعها إليه، فوضعها عمران بجيب بنطاله وأشار لآيوب:
_بينا نلحق صلاة العصر.
خرجوا معًا واتبعهما يونس، فحاول ايثان ايقافه متسائلًا باستنكار:
_ناوي على أيه الخواجة ده؟
سحب كفه منه وقال بنزق:
_أنا اللي مبقتش عارف ولا فاهم إنت ناوي على أيه؟
اجابه ببسمة بلهاء:
_استغل الخواجة وأفتح بوتيك بس لما أعلم عليه بواحدة الاول، خلينا نتفرج على خيبته التقيلة مع أهل الحتة والجيم.
منحه نظرة ساخطة وهتف:
_الظاهر آن خيبتك إنت اللي هتسمع يا إيثو!
******
قرر أن ينهي رحلة عذابه اليوم، هو غير مقدر لها، حمل "جمال" الحقيبة، وصعد للأعلى، وقف أمام بابها مترددًا بالطرق أم بالمغادرة، ولكنه فعلها وطرق الباب.
ظنت بأن ليلى كعادتها مرت عليها باكرًا قبل ذهابها للعمل، فتحت الباب وهي تردد ببسمة واسعة:
_في معادك يا دكتور.
تجمدت البسمة على وجهها فور أن رأته أمامها، كانت تظن أن ما فعلته به سيجعله لا يأتي مجددًا، وبرؤيته الآن أمامها زرعت فيها جزء من السعادة، تمعنت به بنظرة شاردة، وكأنها باتت تكتشف جانب جديد منه، ملامحه الهادئة، عينيه بالرغم من انطفاء بريقها الا أنها مازالت تجذبها.
تلاشت جاذبيته من أمامها، تجمد شوقها المنصهر، ومشاعرها تجاهه، التحفت برداء القوة الذي لم تعهده من قبل، لتواجهه بكل كبرياء وعنجهيةٍ أنثى سبق أن اختزلها الوجع والآنين:
_جاي ليه يا بشمهندس؟ خير؟
تنهد بقلة حيلة أمامها، وقال بانهاكٍ اختزل روحها داخله:
_لحد أمتى يا صبا؟ كفايا أرجوكِ!
تجاهلت نص حديثه، ورددت بثباتٍ وقوة، ويدها تتربع أمامها:
_سبق واتكلمنا قبل كده، إن وجودك هنا مش مستحب، فراجع هنا على أي أساس!
مرر يده على وجهه بعنفٍ، وبمحاولة عسيرة استعاد هدوء أعصابه المهدورة، وهتف بهدوءٍ زائف:
_راجع عشان ابني يا صبا!
وتابع في محاولةٍ لاستمالتها:
_ ابننا اللي مالوش أي ذنب في اللي أنا عملته، بتعاقبيه على أيه فهميني؟
تعالى صدرها هبوطًا من فرط انفعالاتها المتعصبة، فصاحت بحدةٍ وغلظة:
_متتكلمش في حوارات أنا سبق وقفلتها يا بشمهندس، أخر مرة جيت لحد هنا قولتلك لو عايز تشوف ابنك تعمل أيه بس الظاهر إنك غاوي تضيع وقتك ووقتي!
كور يده بغضب جنوني، وهدر بعصبيةٍ بالغة:
_اللي طلبتيه مني ده مستحيـــــل أعمله فاهمـــــــه!!
جابهته بشموخٍ، وقوة:
_لا هتعمله، لإن دي الطريقة الوحيدة عشان تشوف ابنك.
اقترب منها وقد شعت عينيه بلهيبٍ حارق، كاد أن يحرقها بأرضها:
_صبا أنا عارف إني غلطت بس بلاش تدمري اللي بينا بطلبك ده.
دفعته عنها بقوةٍ للخلف، وباصرارٍ عجيب هدرت:
_اللي عندي قولته، لو عايز تشوف ابنك تعمل الDNA، وتجبهولي في ايدي وقدام عيني، وقتها هسمحلك تشوفه يا بشمهندس، غير كده فأنا بعتذر عندي شغل ومش فاضية!
غامت بعينيه بعواصفها، فقال مستنكرًا سبب شجاعتها:
_وإنتِ فاكرة إني لو عايز أدخل وأخده منك حالًا، هتقدري توقفيني؟
حلت عقدة ذراعيها وطالعته بشراسةٍ غاضبة:
_متقدرش يا جمال، هقتلك لو قربت لابني.
منحها ابتسامة ساخرة، وبسعادة قال:
_ياريت تبقي ريحتيني.
وتركها ومضى تجاه باب الغرفة الموصود، بينما الاخيرة تجوب من حول ذاتها كالمجنونة، لمست يده مقبض الباب، فتحه وما كاد بفتحه حتى صرخت به بغلظة وصوتًا مبحوح:
_جمـــــــــال.
استدار خلفه؛ فصعق حينما وجدها تسلط السكين على رقبته وتصرخ بجنون:
_أقسم بالله لو قربت من ابني لأكون قاتلة نفسي هنا وقدامك حالًا.
وبرعشةٍ قالت:
_اخرج بره أحسنلك،أنا مبهددش.
رمش بعدم استيعاب لما تفعل، فدنا منها بخطوات بطيئة ويده تمتد لها هاتفًا بحزمٍ:
_صبا بطلي جنان وإرمي السكينه دي من ايدك، أنا مش بالقسوة اللي تخليني أحرم طفل من أمه،أنا بس عايز أشوفه قبل ما أسافر.
جحظت عينيها صدمة، جعلت السكين يسقط عن يدها ورددت بلسانٍ ثقيل بينما عينيها تتجه لخارج الشقة لمحل حقائبه:
_مسافر!
أومأ لها وقال بوجومٍ:
_حاسس إني بتخنق هنا وبخنقك معايا، هريحك مني كام يوم لحد ما نستقر على حل للي احنا فيه ده.
منحته بسمة منكسرة وهتفت:
_هتهرب يعني!
وتابعت وهي تقترب منه:
_ولا مش قادر على بعد صاحبك؟
تعمق بعينيها المتألمة، يحاول أن يستكشف ما بها، انقلب سكون وجهها لغضبٍ، فصرخت بانفعال:
_إنت أيه يا أخـــــــي!! إنت مفيش عندك دم، إنت مستحيل تكون بني آدم إنت حقير.
أغلق عينيه بقوةٍ يحتمل ما تقول، بينما تتابع هي بغضب:
_كل اللي يهمك زعله، طيب وأنا!!
قابلها بنظرة منكسرة، فكورت يديه ورطمت صدره بقوة وهي تصرخ فيه:
_بعد كل اللي عملته فيا ومش شايف غيره، إنت حقير يا جمـــــــــال.
لم يدافع عن ذاته، وقف قبالتها مثلما فعلها بالمرة السابقة، تركها تفعل ما تشاء، حتى خارت قواها وجلست أرضًا تتطلع ليدها الحمراء من فرط ما بذلته، بينما مازال يقف كما هو.
اتجه بخطواتٍ آلية للخارج جذب الحقيبة وإتجه ليغادر، فتح باب المصعد وما كاد بالصعود حتى تصنم محله فور أن تسلل له صوت بكاء الصغير، تمزق قلبه شوقًا لرؤيته، مال بجبينه على باب المصعد المفتوح، وعينيه تنهمر منها الدموع، انخفض بصره لصبا التي تحتل الأرض وتطالعه بألمٍ، قرأت بمُقلتيه كل ما فشل بقوله.
أزاحت دموعها ونهضت تحتمل على الحائط، حتى انتصبت بعودها تطالعه بنظرة غامضة، صدرها يعلو وينخفض من فرط انفعالها، وبقوة قالت:
_مستعدة أجبهولك تشوفه حالا، ومش بس كده أنا موافقة أرجعلك بس بشرط.
لوح له الأمل من بعيدٍ، فاتجه لها يسألها:
_شرط أيه؟ أنا مستعد أحققلك كل شروطك.
تمعنت بعينيه جيدًا وقالت:
_تقطع علاقتك باللي كان السبب في كل ده.
زوى حاجبيه بعدم فهم:
_تقصدي مين؟
طالعته بصلابة وهتفت:
_عمران!
............ يتبع..........
#هـــــــــام_جدًا.
قراء الواتباد، أنا محتاجة دعمكم وبتمنى تكوني جنبي وتساندوني، النهاردة وبعد تلات سنين من تنفيذ فكرة أهم رواية ليا نزل اعلانها على صفحة الدار، هسبلكم اللينك في التعليقات، هستناكم تكونوا موجودين معايا وياريت اللي تعلق تكتبلي أنها من جمهور الواتباد عشان أعرف الاكونتات بتاعتكم، هنتظر دعمكم وشكرًا مقدمًا لحضراتكم، اللينك اول تعليق ❤
*****______******