تحميل رواية «الطاووس الوقح (صرخات انثى)» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجروح أدمت قلوبهن ومازالت كلًا منهن تحارب للبقاء، مذاق الألم لا يفارق حلقهن، جروحهن متشابهة ولكن لكلًا منهن حكاية خاصة هي ضحيتها، الأولى نهشتها الذئاب البشرية وتركتها كالخرقة البالية تعاني بمفردها، والثانية واجهت إنسان مريض نفسي يريد أن يُجحمها داخل قوانين لعبته القذرة فبات كاللعنة تسبب لها هوس الجنون، والثالثة تخوض رحلة معتادة على بعض الزوجات التي تُجبر بالعيش دون زوجها المغترب ولكنها كانت دونه هشة تخشى أن ينتصر شياطين الإنس عليها، وهناك أخرى طمست حبها حينما تخلى عنها محبوبها وتزوجت أخيه وبعد...
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الحادي وسبعون 71 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى..(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_السابع_والخمسون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات ولاء "السيد"،"نجلاء سعد"
" هبه ونس" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
استند على ظهر سيارته يراقب ساعة يده بضجرٍ، فجذب هاتفه يحاول التواصل معه، فإذا بسيارته القاتمة تحذوا بالقرب منه، فأشار له جمال بضيقٍ:
_بقالي ساعة الا ربع واقف مستني حضرتك!
انخفضت نافذة سيارته ليطل بوجهه إليه، نازعًا نظارته الشمسية:
_إركن عربيتك وتعالى اركب .
اندهش من طلبه الغامض، واتجه إليه ينحني للنافذة قبالته:
_يعني أنت مصحيني من النجمة وقايلي أنزلك ضروري ودلوقتي واقف تتكلم بالألغاز! ما تلخص وتقولي في أيه يا عُمران؟
ضم شفتيه بقوةٍ وهتف بتبجحٍ:
_ما تخلص في يوم أمك ده يا جمال! قولتلك اركن واركب مش فاهم أيه اللي مش مفهوم في كلامي أنا!!
رفع حاجبيه باستنكارٍ لطريقته، فزفر الاخير متمتمًا بحنقٍ:
_استغفر الله العظيم يا رب.
ومال إليه يحاول الثبات على أخلاقٍ يجاهد التمسك بها:
_جمال أنا مفيش قدامي غير ساعتين فانجز نقضي الكام مشوار ده قبل ما أعدي على مايا بالمستشفى.
زم شفتيه ساخطًا من غموضه، فتركه واتجه لسيارته يصفها على طرف الطريق، تأكد من انغلاقها بالريموت الالكتروني، ثم اتجه ليجلس جواره فتحرك الاخير على الفور.
راقب جمال معالم عُمران التي يبدو عليها الضيق، لذا حاول أن يحترم صمته لحين أن يتحدث بالأمر، فذاك الوقح لا يزعجه الا الأمور التي تستحق ذلك.
وصل عُمران أمام أحد محلات الملابس الرجالي المعروفة بلندن وانجلترا بأكملها، ذات البراند الشهير الذي يتعامل معهم، أطفئ محرك السيارة وقال بحزمٍ:
_انزل.
تفحص المكان وتساءل بحيرةٍ:
_هنا!
هز رأسه مؤكدًا، وبهدوءٍ قال:
_أيوه يا جمال، انزل.
ضيق عينيه باستغراب:
_وانت جايبني هنا ليه يا عُمران؟
زفر الاخير بنفاذ صبر:
_يا أخي انزل وهنتكلم! أنا سبتك ومشيت يعني!!
أطلق زفرة حارة، وانصاع إليه صافقًا الباب بعنفٍ، جعل عُمران يخرج رأسه من نافذة السيارة هاتفًا بتوعدٍ:
_إنت قد رزعة الباب دي يالا! وحياة أمك لمكسرلك بابين عربيتك!
كبت جمال ضحكة كادت بالانفلات منه وتصنع الجدية والثبات هادرًا:
_ولو منطقتش وقولت ناوي على أيه مش هيعجبك ردود أفعالي يا وقح!
صف السيارة وهبط له يكز على أسنانه بغضب، كور يده ليلكمه ولكنه تراجع فما يحتاج له الآن أن يكسبه بالود لعلمه بالعناد الساكنة لرأس جمال الحجري، لذا فتح ذراعه المتكور ورسم ابتسامة صفراء تخفي غضبه الجم، ليحيط صديقه الذي يجاهد لفهم غموض عمران الغير مفهوم بالمرةٍ، بينما ردد الاخير ببراءة لا تمت لشخصه بصلةٍ:
_أيه يا جيمي شدة الأعصاب اللي إنت فيها دي، حبيبي والله صاحبك مطحون ما بين هرمونات حمل ونوبات والذي منه فمش مستحمل عصبيتك وطخن دماغك النهاردة.
منحه نظرة ساخرة وقال:
_يبقى ترسيني على الحوار وتقولي جايبني هنا ليه؟
ربت على كتفه بقوة وهو يتصنع حنانه، قائلًا بخبث:
_القصة وما فيها إن الممول بعتلي دفعة كبيرة من الفلوس، فقولت أدلع نفسي وأنزل أشتري شوية هدوم وقولت أخدك معايا بالمرة تساعدني.
ردد باستهزاءٍ:
_أساعدك! أنا!!!!! هو إنت بتلبس على ذوق حد عشان تلبس على ذوقي!
ورفع يده على جبينه يتحسسه بدهشةٍ:
_عُمران إنت كويس؟
منحه نظرة غاضبة وبات على وشك كسر رقبته بتلك اللحظة ولتذهب صداقتهما للجحيم، ولكن أهدافه عادت تلمع من أمامه فقال بابتسامة يرسمها بالكد:
_مهو أنا مش جايبك عشان تساعدني لقدر الله، أنا جبتك لانك شريكي في المشروع وفي الارباح فقولت أديك نصيبك وأجبرك تشتري منهم بدلة شيك كده عشان افتتاح المركز الطبي لعلي بكره،ومفيش مانع نجبلك شوية لبس على ذوقي لانك بصراحة يا جمال ذوقك في اللبس معفن ومبيعجبنيش، بتروح تصرف فلوسك على تلوث بصري بيأذيني كل ما بلمحك قدامي.
وتابع بغضب مضحك:
_وأنا زي ما اتنيلت وقولت محتاج أعصابي تكون فريش على الاقل لو مش في البيت يبقى في الشغل، وبمناسبة اننا للاسف بقينا شركا فهضطر أشوف خلقة أمك كل يوم تقريبًا، عشان كده قررت أظهرك بالصورة اللي تريح بصري المسكين.
ورفع اصبعه يشير له بتحذير:
_مش لأجلك لأجلي!
احتدت نظرات جمال غضبًا، وصاح بحدة:
_ولما أن تلوث بصري بالنسبالك بتعرفني ليه! أنا غلطان إني سمعت كلامك من الأول، أنا راجع عربيتي.
أمسك ذراعه يوقفه هادرًا بملل:
_وبعدين معاك بقى يا جمال، بقولك مش فايقلك الدنيا هرساني وعمال اطلع من مصيبة أقع في التانية فبالله عليك يا شيخ مش ناقص، أنا جيت أفضي دماغي وأعمل حاجة بحبها، وحبيت تكون معايا لو مش هتستحمل هزاري السخيف ولساني الوقح امشي يا جمال.
وتابع بمكرٍ داهي وهو يصعد الدرج الفخم للمبنى العتيق:
_امشي وصاحبك محتاجلك.
وتركه وصعد للأعلى وابتسامة الخبث تشق الطريق على وجهه الوسيم، فتطلع من فوق كتفه ليراه يقف حائرًا، مترددًا بالرحيل، فاستكمل طريقه بثقةٍ من أن انضمامه السريع إليه.
ركل جمال الأرض بغضب، وهو يتفرس بباب الاتليه لدقائق، فحسم أمره ولحق بالاخير للداخل.
رآه عُمران وهو يجذب أحد التيشرتات المعلقة ويتظاهر بانشغاله بتأمل الموديل،وبأنه لم يراه منذ دخوله، كبت جمال حنقه واتجه ليقف جواره ناطقًا بغيظٍ:
_ماشي هبقى معاك لحد ما تخلص بس أنا مش عايز اشتري حاجة تمام؟
منحه نظرة مغرورة، واشارة عدم اللامبالة لقراره، اختار جمال الجلوس على المقعد الذهبي الوثير، بينما ترك عُمران يمضي رحلة البحث بين الملابس بمفرده.
صدح صوت هاتف جمال بعدة رسائل، ليجدها من زوجته، تأفف بضيقٍ ومرر فتحها على مضضٍ، ليجدها تكتب له
«ممكن أفهم إنت مبتردش على مكالماتي ولا بترجع البيت ليه؟ طيب لو لسه زعلان مني ردتني ليه يا جمال؟ وليه قولتلي انك سامحتني!! ، أنا حاسة انك متعمد تبعد عني، بتعاقبني يا جمال!! أنا اعتذرتلك واعترفتلك اني كنت غلطانه من فضلك ارجع البيت»
اعاد هاتفه لجيب بنطاله الجينز بوجومٍ، ونهض يخطو وهو بتفحص المكان بمللٍ، بحث عن عُمران فوجده بالطابق العلوي منشغلًا باختيار الملابس بدقة وتركيزًا جعله مندهشًا للغاية.
اندفع باب الاتليه الضخم وولج للداخل رجلًا ملامحه مألوفة له، يضم خصر فتاة بجراءة مقززة، عاد ببصره لوجه الرجل فرمش بدهشةٍ.
صعد جمال للأعلى واتجه لعُمران الذي أشار للعاملة التي تحاول اقناعه بأن القطعتين على بعضهما مناسبة للغاية، فقال باعتراضٍ:
_لا أريد هذا البنطال، أنا سأختار أخر.
تعجبت للغاية من اصراره، وتفاجئت حينما جذب سروالًا أخر بلون جريء، وفقهما على بعضهما بطريقة أبهرت تلك العاملة التي تيقنت ذوقه الرفيع الذي يبدأ من طريقة ارتدائه لملابسه وينتهي بذوقه الآنيق.
نغز جمال كتف عُمران هادرًا باهتمامٍ:
_عُمران بص كده!
انتصب بوقفته يطالع رفيقه، فوجده يشير للأسفل قائلًا:
_مش ده تايمون!!
بدى منعقد الملامح فتابع بايضاح:
_اللي كان معانا في الجامعة، اللي كنا مسمينه مجنون جورينا البنت اللي كان بيعشقها وكل يوم والتاني عامل حوار في الجامعه عشانها، افتكرته؟
هز رأسه دون مبالاة:
_أيوه، ماله يعني؟
عاد يشير بضيق:
_داخل وقافش في واحدة كده وشكلهم استغفر الله مقضينها.
تركه واتجه خطوة ينتقي جرفات يناسب البذلة التي اختارها، قائلًا:
_مش فاهم يعني أيه الملفت في كده؟
مشى على محاذاته قائلًا بانزعاج:
_يعني كنت فاكر إن قصة الحب الاسطورية دي هتنتهي بالجواز!
منحه بسمة ساخرة وقال:
_دول معندهمش جواز يا جمال، سبق وقولتلك ان الحكاية دي هتتلخص بعلاقة وبعدها هيحصل زي ما أنت شوفت بعينك، ولو كان حصل واتجوزها فعلًا ممكن يكون بيلفت نظرها دلوقتي بعلاقته الجديدة.
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_يعني الراجل عشان يلفت نظر مراته ليه لازم يزني يعني.
حل الخبث رماديته، لقد قدمت له الصدفة فرصة على طبق من ذهبٍ، ولابد له من اغتنامها، فقال وهو يدعي انشغاله بتفحص الملابس المعلقة من أمامه:
_لأ احنا لينا بقى وضع تاني نقدر نلفت بيه النظر من غير ما نزني أو نغضب ربنا!
وتركه مشدوهًا لكلماته واتجه للركن البعيد عنه وهو يتابعه ببسمة ماكرة، فإذا بالاخير يلحق به ويناديه بتوترٍ:
_عُمران.
كبت ابتسامته الخبيثة وهمم وهو يجذب أحد القمصان:
_أمممم.
لحق به وقال وهو يدعي فضوله فقط للعلم بالشيء:
_تقصد أيه بأننا ممكن نلفت الانتباه بدون ما نعمل حاجة حرام؟
تحررت ابتسامة جذابة على وجه ذلك الماكر، واستدار يقابله وهو يقول:
_الست العربية ست بسيطة يا جمال، أقل شيء بيعمله جوزها بيلفت إنتباها ليه.
واسترسل وهو ينتقل لحاملة الجواكت المقابلة له:
_يعني لو الراجل غير مثلًا تسريحة شعره او حلاقة دقنه هيلفت انتباهها، غير في شكله أو في لبسه مش بس هيلفت انتباهها ده هيثير حرب الغيرة والافتراضات عندها، إنه يكون مثلًا بيعرف ست غيرها.
وتابع مدعي المرح والمزح:
_يا أخي الست دي كائن غريب،تهتم بنفسها وتقف قدام المرايا بالساعات وعادي بالنسبالها مأجرمتش لكن وقت ما تلاقي وقفة جوزها طولت قدام المرايا واهتم بنفسه شوية يبقى بيلعب بديله وفي حياته واحدة تانية.
أشعل فتيل القنبلة وتركه وغادر مبتسم بانتصار، تركه لعشر دقائق يدور حديثه برأسه ويستخرج معناه المبطن، ليفق من شروده حينما قال بمكرٍ:
_ها يا جيمي هتقيس البدلة اللي اختارتهلك؟
اتجه إليه باستسلامٍ غريب، وانتشل منه ما قدم له يتفحص ذوقه بدهشةٍ:
_بس البنطلون ده مش هيليق على الجاكت والقميص يا عُمران!!
أشار له باصرار:
_البسهم وهتتفاجئ بتناسقهم على بعض، ولو معجبكش أوعدك هسيبك تنقي اللي يعجبك.
هز رأسه بعدم اقتناع بما قال، وولج يجربه حتى يغلق مناقشة عريضة قد تفتح بينهما، يتأمل بأنه حينما يراه بعدها يتأكد من حديثه، ولكن فور أن ارتدى جمال ما اختاره عُمران حتى وقف مندهشًا من اتقان تناسق طالته، واختياره الذي ناسبه بكل المعنى الحرفي، فاكتشف بتلك اللحظة أنه يمتلك جاذبيته لم يكتشفها بنفسه، فقد جعلته تلك الملابس يصغر عن عمره بما كان يرتديه.
خرج جمال للخارج تجاه عُمران الذي ابتسم فور رؤيته، وتفاجئ جمال باندهاش أوجه المشتريين، حتى أن البعض منهم طلبوا من العاملات تقديم نفس البذلة بنفس الاختيارات التي نسقها عُمران.
اقترب من رفيقه وسأله وهو يتصنع عدم الاهتمام حتى لا تفشل مخططاته:
_ها يا جيمي عجبتك؟
هز رأسه وقال بحرجٍ:
_هأخد منها اتنين كمان، لانها عجبتني بصراحة.
اتسعت ابتسامة عُمران وقال وهو يشير للعاملات اللاتي يحملن العديد من الحقائب:
_اختارتلك فعلا أكتر من استايل وكام طقم تاني على ذوقي، جربهم وهيعجبوك جدًا.
توسعت مقلتيه وهو يتفحص حجم الحقائب بصدمة:
_أيه كل ده؟!!! انت متخيل إني هشتري كل ده؟!!!
إتجه إليه يجيبه ببسمة واسعة:
_متقلقش أنا ليا هنا (discount خصم) خاص بيا لاني يعتبر اللي مشغلهم المكان، فاديني الفلوس وأنا هحاسب أنا.
رمقه بنظرة شك، فزفر بغضب:
_أوووف منك!!! تعالى معايا وشوف بنفسك يا جمال!!
لحق به جمال، وبالفعل تأكد من صحة حديثه، فلقد أظهر المالك احترامًا كبيرًا لعمران، مشيرًا بأنه من أهم الزبائن لديه، وبالفعل قدم له خصمًا كبيرًا.
حمل الأكياس الكبيرة ولحق به للخارج، بينما يمضي الطاووس الوقح مبتخترًا، طالقًا صفيرًا مستمتعًا لتحقيق أول أهدافه، فتح صندوق سيارته وأشار لجمال الذي يلحق به بغيظٍ، أن يضع ما يحمله بالداخل.
ألقى جمال الحقائب ووقف قبالته متأهبًا لجدالٍ مشحون:
_أنا شايفك خارج برنس من المحل ومشترتش حتى جوز شربات!! أمال احنا جايين هنا ليه؟!
نزع نظارته القاتمة وأشار له ببرودٍ:
_مفيش حاجة عجبتني المرادي، لما الCollection الجديد يوصل هيبعتولي.
وتركه يكظم نفسه غيظًا واتجه لمقعد القيادة، فلحق به جمال صافقًا باب السيارة بعنفٍ، جعل الاخير يصرخ بجنون متوعدًا:
_وديني لأدشملك عربيتك، صبرك عليا يابن أشرقت!
جذب جمال نظارته الشمسية، يرتديها ببرودٍ يجابه الاخير وردد بجمود :
_اطلع على أي مطعم هادي نأخد كوبيتين قهوة تعدل دماغي اللي اتعوجت منك على الصبح دي.
مزق شفتيه السفلي بين أسنانه، فنزع نظارته واستدار تجاهه يحذره باشارة يده:
_جمال مش عايز أسيب لساني الوقح عليك، بس لو محترمتش نفسك هآ..
_هتطلق كلابك الصعرانه! مممم غير الاسطوانة واطلع دماغي اتفلقت منك!
قالها وهو يسترخي على المقعد جواره، فجذبه عُمران من تلباب قميصه هادرًا بانفعالٍ:
_هظبطلك أمها الوقتي ومن غير قهوة يا حبيبي، يا سلام غالي وصاحب الطلب رخيص.
وأشار بيده وهو ينحني لتابلو السيارة:
_اديني بس ثانيتين وهظبطك على الأخير.
ابتلع جمال ريقه بتوترٍ جلي، وتساءل:
_بتعمل أيه يا عُمران؟
مال للأسفل بجسده أكثر من السابق وهمس له:
_هي راحت فين! أهي لقيتها!
_هي أيه؟
تساءل بارتباك، فاتاه الرد حينما سلط سكينه على رقبته ونهض عن مقعده ليحيط بالاخير بسرعة فجئت الاخير وجعلته يهدر برعب:
_عُمران إنت بتعمل أيه؟
وزع نظراته بينه وبين يديه التي تحيط رقبة جمال، وأجابه ببراءةٍ شيطانية:
_مثبتك يا جمال! هكون بعمل أيه يا حبيبي؟!
ومال عليه يهمس من بين اصطكاك أسنانه:
_مش أنا من ساعة ما شوفت خلقة أمك وأنا بحذرك مني! قولتلك إني(خارج المود Out of mode) النهاردة، نبهتك ولا لا يا جيمي؟
لعق شفتيه وهو يراقب مدته (مطوة) بصدمة، فصاح الاخير:
_رد يا حبيبي، نبهتك ولا لا؟
هز رأسه وعينيه معلقة على ما يحمله، فاسترسل بغضب:
_ولما هو آه بتستحضر عفاريتي ليه بروح أمك!!! قولتلك أنا على أخري كفايا كل الضغوطات اللي في حياتي هتزيد عليا هحط عليك يابن آشرقت.
زفر بقلة حيلة وقال:
_يا عُمران إنت بشمهندس محترم، سيبك بقى من اسلوب البلطجية ده واعقل!!
حرك عُمران رأسه لليسار واليمين مطلقة طقطقة لطالما كانت مرعبة لمن أمامه، أخفض سلاحه وعاد لمقعده وهو يردد:
_استغفر الله العظيم يا رب، بيخرجوني عن شعوري وأنا إنسان آرستقراطي مهذب!!
راقبه جمال ساخطًا من جملته الاخيرة، فتابع عُمران وهو يتفرس بملامحه الساخرة:
_حبيب قلبي يا جيمي، عايز تشرب قهوة؟ عيووووني هاخدك على حتة مكان تشرب فيه قهوة وبالمرة أظبطلك دقنك وحلقة عب حليم حافظ اللي معتزلي بيها دي، بس استأذنك الأول أروح بيتنا القديم أجيب منه أدوات الحلاقة والـ(سكين كير Skincare) بتاعي، بس للأسف الشديد هروح لوحدي وإنت هتستناني في مكان ظريف هيعجبك أوي أوي.
صعق مما يقال أمامه، لم يترك له عُمران فرصة الغضب على جملة الا وانتقل على جملة أخرى جددت له نوبة غضبه، فصاح بعصبية:
_حلاقة أيه ومكان أيه اللي هتوديني ليه، عُمران في أيه يا عُمران وفكك من هزارك السخيف ده وكلمني؟!!
قاد السيارة مدندنًا احدى الاغاني الاسلامية التي لا تتناسق مع سطوة لسانه المستبد على رفيقه، فلكزه جمال بغضب:
_ما تكلمني يا عم الشيخ!!
استدار له يدعي دهشته:
_بتناديني يا جمال؟ خير يا حبيبي طمني إنت كويس؟ مش مرتاح في الكرسي هنا؟ تحب أقف على جنب لحد ما ترجع تمدد ورا؟ ولا سحبت هوا المخيف فتحب أنزل سقف العربية ونخليها بحري؟
جحظت أعين جمال بصدمة جعلته لا يجد ما يجيب به على ذلك الطاووس، فاسترخى بمقعده محافظًا على أخر ما تبقى لديه، أعصابه المهددة أمام كتلة برود "عُمران سالم الغرباوي"!.
******
من قال أن بعد الموت راحة؟!
كان يظن بأنه نالها بعدما قُتل قلبه، وماتت مشاعره، لقد أصبح كالخرقة البالية لا يعني أي مكان سيتلقفه، ولكن الخواء الذي شعر به بتلك اللحظة أبشع من أي ألمًا خاضه بحياته بأكملها.
تفرقت يده عن يدها، الازدحام يحيط به من كلا الجانبين، وهو شاردًا لا يستطيع رؤية أي شيء، الضباب الأسود يحيط بمُقلتيه، يشعر بمرور الناس من جواره وهو لا يراهم، يصطدم جسده بأكثر من أحد يقدم اعتذاره له وهو المخطئ والغير مدرك لمكان وقوفه.
تزلزل كلماتها أعماقه بقوةٍ، هل تظن بأنه سيحصل على الخلاص فور أن تخبره الحقيقة، لا والله لقد ألمته بمنتصف صدره وإنتزعت أخر ما تبقى لديه!
شعورًا غريبًا يستحوذ عليه بتلك اللحظة، من المفترض أن يكون سعيدًا بما سمعه، حبيبته تؤكد له بأنها ليست خائنة، ليست كما ظن، ولكن ما أبشع أن يحصرها المشهد في دور المظلومة وليست الظالمة، ما أبشع أن يتخيل الآن معاناة تلك الضعيفة بين يد ذلك الهمجي الذي لم يسلم لشره.
يقال أن قهر الرجال لا مثيل لوجعه، ولكنه بتلك اللحظة يصعب عليه تحمل وجعها فور تخيلها لما تلقته من ألمٍ وضرب وإهانة، إهانة استهدفت جسدها لتحطم أنوثتها وتزلزل كيانها الضعيف، وهو الوحيد الأدرى بضعف بنيتها الجسدية، هو الوحيد الذي كان يهتم لأصغر تفاصيلها، هو الذي كان يحرص على الاحتفاظ ببخاخ أكسجين احتياطي بجيبه حينما يصطحبها للخارج حتى إن مسها السوء يمدها بالتنفس حرصًا على بقائه هو على قيد الحياة، هو الذي كان يحميها حتى من هفوة دخان عابرة قد تهيج حساسية صدرها المزمنة، هو يُونس الفتى الذي غرق في عشق ذات الجديلتين منذ الطفولة!
هو الذي قسم على أن يذيقها من الألم بأبشع ما قد ذاقته بحياتها، وهو نفسه الذي وقف عاجزًا أمامها بأول لقاء، مع أنه كان يحمس نفسه لأن يبرحها ضربًا يشفي غليله، ولكن جسده الخائن تراجع عن أوامره برفع يده لصفعها أو لكمها!
شعر يُونس بيدٍ تحيط به وتبعده عن الطريق، وتسنده للمقاعد المعدنية المتطرفة، دقق به وبصوته المسموع فوجده آيوب ولجواره الحاجة رقية الباكية، بقى صامتًا يتطلع للأمام وصوتًا يصل لمسمعه ويتكرر بقلقٍ:
_يُونس إنت كويس؟
تمعن بحركة شفتي آيوب وعينيه في محاولة لسماع وفهم ما يقول، ولكنه على الأرجح فقد كل شيء، وبدون أي مقدمات سقط عن مقعده أرضًا مستسلمًا للغشاوة التي تقبض روحه مشفقة على معاناته بينما قلبه يبتعد عن محل جسده عدة أمتار.
التقطت عينيه الناعسة صراخ آيوب بالأطباء، وجه آدهم القريب منه بعدما وصل للتو بعدما أودع معتز للشرطة، ومعاونته لآيوب بحمله لاقرب فراش، تجمهر الاطباء من حوله، ضوءًا يسلط على فيروزته، أصواتًا تتباعد ببطءٍ، ظلامًا دامس، هدوء مخيف، صمتًا تامًا!
******
هبطت بفستانها الرمادي تتهادى بخطواتها حتى لا تدعس طرفه الطويل، تخطف النظرات المهتمة لمن ينتظرها فاتحًا باب سيارته بذوقه الرفيع، جلست فاطمة بالمقعد فإذا به ينحني ليضع طرف الفستان جوارها في لافتة لطيفة منه أسعدتها.
استقل علي مقعده وقاد السيارة متجهًا للمركز الطبي، ليشرف على التجهيزات النهائية قبل حفل الافتتاح غدًا، بينما تذهب فاطمة للاطمئنان على مايسان وقد حملت لها بعض الملابس والأغراض الشخصية.
وصل للمركز سريعًا فلقد كان لا يبعد عن منزله كثيرًا، هبطت فاطمة واتجهت لتجذب الحقائب الصغيرة، فإذا به يجذبها قائلًا بابتسامة هادئة:
_عنك يا حبيبتي.
وأشار بأن ترافقه للمصعد:
_يلا.
تعجب علي من توقفها عن إتباعه، وتسمرها بالخارج قبالته، منع الباب من الانغلاق ومد كفه لها:
_فطيمة متخافيش أنا معاكي!
ابتلعت ريقها بارتباك فذكريات الأمس القريب لم تكن لتنساها بتلك السرعة، ولكن جملته المحببة لقلبها شرعت لها بمد كفها الرقيق بين كفه، واتبعته للداخل.
وجدت الارتباك والتوتر ينعزل عنها نهائيًا في حضرته، ولتكن صادقة لم يمدها علي بالأمان فحسب، منحها إياه عُمران ومن قبله منحته لها تلك المرآة الارستقراطية الراقية "فريدة هانم" ، كذلك مايسان وأحمد بظهوره القليل بحياتها ولكنها لا تخشاه أبدًا .
خرج علي بالطابق الأول مشيرًا لها بحماسٍ:
_قبل ما نطلع لمايا حابب أوريكِ مكتبي ومكتب فريدة هانم.
غمرتها السعادة باهتمامه لإن يشاركها تفاصيل مغيبة عنها، مضت معه من غرفة للأخرى، حتى أراها الغرف بأكملها، الاستقبال، جناح الجراحة، الحضانات المخصصة بقسم النساء والتوليد، غرف الاطفال المجهزة لاستقبال المولود، لم يترك مكان الا وآراه لها، سعدت كثيرًا لتحقيقه حلمه الوحيد، سألها علي وهو يتجه بها لغرفة زوجة أخيه:
_مقولتليش رأيك يا فطيمة؟
توقفت عن المشي وضغطت على كفه الماسد بين كفيه لتسترعى اهتمامه لنقطة كانت تود البوح بها:
_جميل يا علي، كل شيء معمول بحب كبير أوي بس إنعكاس الفرحة اللي في عنيك هو اللي مبهر بالنسبالي، أنا عارفة إن ده حلمك من زمان، كنت بتيجي وبتحكيلي أول بأول، وفاكرة كمان لما كنت زعلان إنك فشلت في ادارة المستشفى لوحدك لإنك كنت مشغول معايا أغلب وقتك، بصراحة كنت بسمعك وأنا حاسة بالذنب بس دلوقتي بعد ما اتحقق حلمك بشكل إنت نفسك مكنتش متوقعه خلاني سعيدة ومبسوطة أوي عشانك يا علي.
أشرقت ملامح وجهه بفرحةٍ وعشق تعدى أفاقه، فرفع كفها يقبله بحبٍ:
_حلمي هو حلمك يا فاطمة، ده مش مكاني لوحدك ده مكانك معايا، اللي يخصني يخصك واللي أملكه إنتِ تملكيه.. يعني برأيك بعد ما ملكتي قلبي وشاركتيني فيه مش هتشاركيني بكل حاجة ليا.
اتسعت ابتسامتها بشكلٍ جعلها فاتنة بكل معنى الكلمة، فأكدت له بحماسٍ:
_أول ما مايا تقوم بالسلامة هاجي اشتغل معاك، فريدة هانم قالتلي وأنا وعدتها.
سعد لقرارها هذا، ولكنه تساءل بدهشة:
_وليه لما مايا تولد؟
ردت عليه باستنكارٍ:
_عُمران هيبقى كده لوحده هو طلب مني أساعده لحد ما مايا ترجع لشغلها.
هو بتلك اللحظة فخور بها وبتعبه الذي جعلها تتخطى مراحل هامة برحلتها، ظنها ستتأثر بما حدث وسترفض العودة للعمل بشركات عُمران، وها هي تخرج بقوة من نوبتها وكأنها لم تمر بها من الأساس.
رنا إليه يطبع على جبينها قبلة تعبر عن احترامه وحبه الكبير لها، هامسًا:
_مكان ما تكوني مرتاحة أنا مش ممانع يا حبيبتي.
كسى وجهها حمرة يعشقها هو، فدفعته بخفة وهي تأنبه بحرج:
_بتعمل أيه يا علي!!
ضحك بصوته كله وأشار على الغرفة القريبة منه هادرًا بمزح:
_هنا عادي الكلام ده، بس أنا دكتور محترم ومعملتش حاجة تذكر يعني!!
كلما تطلع لصدمتها تعالت ضحكاته دون توقف، طرق علي باب الغرفة مرتين متتاليتين وما أن استمع لصوت زوجة أخيه تأذن للطارق بالدخول، حتى ولج يردد :
_نورتي المركز كله يا بشمهندسة، كنت أتمنى إن زيارتك ليه تكون بشكل ودي مش مرضي بس مش مهم المهم إنك شرفتينا.
ابتسمت مايا بفرحةٍ وقالت بلطفٍ:
_علي!! حمدلله على السلامة.
اقترب من فراشها وأجابها ببسمة هادئة:
_الله يسلمك.. طمنيني أحسن النهاردة ولا لسه تعبانه؟
أشارت على يدها المنغرز بها الأبر الطبية:
_حاسة إن المحاليل اللي دكتور يوسف عالقهالي دي فوقتني الحمد لله.
وانحنت برأسها تلمح تلك الواقفة بارتباك خلفه، مرددة بابتسامة واسعة:
_وفاطمة كمان جاية تشوفني بنفسها لا أنا كده هفضل يومين هنا.
صعدت فاطمة جوارها على الفراش وقالت بحرج:
_أنا آسفة إني مكلمتكيش إمبارح ولا جتلك بس أنا كنت آ...
قاطعتها وهي تربت على كفها المسنود على ساقها:
_عارفة يا حبيبي انك رجعتي انتِ وعُمران متأخر من الشركة، وبعدين احنا بينا الكلام ده يا فاطمة!! أنا كده كده الحمد لله كويسة وبخير، وزينب الله يباركلها مسبتنيش لحظة والله.
سألها علي باستغراب:
_وهي فين؟
ردت عليه فاطمة :
_كانت مكلماني من شوية وقالتلي آنها في الجامعة النهاردة أخر يوم ليها في الامتحانات، وبعدها هتأخد الاجازة.
رد بتفهمٍ:
_ربنا معاها، الاجازه دي تلزمني أوي، المركز محتاجلها.
مازحته مايا بمرحٍ:
_حيلك يا دكتور إنت هتجمعنا كلنا هنا حوليك ولا أيه؟
تعالت ضحكاته الرجولية وصاح:
_ده اللي هيحصل، بس إنتِ للأسف هتكوني شبه مقيمة هنا لحد ما حبيب قلب عمه يشرف على خير، شوفت رؤيا من كام يوم إن هيجلكم ولد.
مسدت على بطنها الذي بدأ بالظهور وقالت بتمني:
_أنا متحمسة أعرف نوع البيبي بس أنا راضية سواء بنت او ولد المهم بالله عليك ما تسيبه لأخوك هيطلعه وقح زيه وأعصابي هتبوظ بينهم الاتنين.
ضحكت فاطمة بقوة حتى أدمعت عينيها، بينما ابتسم علي وأشار بكتفيه بحيرة:
_مش عارف يا مايا، مسبقش إني اتوليت تربية بيبي صغنن، مش بعرف أتعامل معاهم وهما حتت كده، لكن وعد لما يقف على رجله ويمسك نفسه كده هكون جنبه وهحميه من الطاووس الوقح اللي داير يطلق لسانه السليط على العيلة ده!
_أد كده اشتاقتلي ومش قادر على بعدي!! أنا جيت ألبي النداء من أول ندهة!
قالها ذلك المستند على باب الغرفة، مربعًا يديه أمام صدره، ونظراته تتفرسان بأخيه، تنهد علي وردد بقلة حيلة:
_جالك كلامي يا مايا!
هزت رأسها تؤكد له وهي تتابع زوجها بنظرة مغتاظة، فتحرك ببرود تجاهها، وانحنى يقبل جبينها متسائلًا باهتمام بدى رغم بروده:
_أخبارك أيه النهاردة يا حبيبي؟
ابتسمت رغمًا عنها وقالت:
_الحمد لله بخير.
جلس على نهاية طرف الفراش باتجاه زوجته، بينما جلس علي بالمقعد القريب من باب الغرفة، اتجهت نظرات عُمران لفاطمة التي تتحاشى التطلع إليه، فنقل بصره لعلي يشير بكف يده عن طريقة تعامله، فأشار له الاخير بالتعامل بطبيعته فقد تجاوزت الامر، لذا قال بمزحه المعتاد:
_أيه يا فاطمة إنتِ ما صدقتي إني أزوغ من الشغل فقعدتي إنتي كمان، يرضي مين الكلام ده؟؟
رفعت رأسها إليه وقالت بلهفة:
_أنا!! لا والله مكنتش أعرف إنك مرحتش الشركة النهاردة، بس علي لسه راجع فمحبتش أنزل وأسيبه في أول يوم كده.
اشتعلت خجلًا حينما نطقت بتلقائية جملتها، ففركت أصابعها بتوتر جعل مايا تنفجر ضاحكة وتلكز زوجها بحدة:
_بس بقى كسفتها الله، واحدة جوزها راجع من سفر شغل أيه اللي تروحه؟!!
رمق أخيه بنظرة ساخرة، وهدر:
_هو يعني كان مسافر الهند!! ثم ان كلهم على بعضهم سبع أيام!
زوى علي حاجبيه بنزقٍ:
_ولو كترت في كلامك ده هقعدها خالص وتيجي تساعدني، جوزها أولى بيها يا بشمهندس.
تحداه ببسمةٍ شرسة، واستدار لفاطمة يخبرها:
_حقا يا فاطمة هتسبيني غرقان في الحسابات وهتيجي وسط المرضى والدم والمحاليل!
ابتسمت وتطلعت لزوجها تخبره:
_أنا مرتاحة في شغلي يا علي، وقولتلك الكلام ده من شوية.
تطلع عُمران لأخيه وصاح بانتصار:
_قوم يا دكتور شوف شغلك، ومتشغلش بالك بموظفيني!
ضحك علي ونهض عن مقعده يغلق جاكيت بذلته السوداء:
_ماشي يا وقح، هعديها بس عشان اللي عملته في المركز يستاهل إنك تتكافئ مش تتعاقب، الديكورات وتنفيذ الاستقبال كل شيء معمول باتقان عالي، تسلم إيدك انت وفريقك.
تمدد للخلف قليلًا يجذب هاتفه من جيب بنطاله، ثم نهض لاخيه يخبره وهو يعبث بشاشة الهاتف:
_ولسه لما تشوف الدعايا اللي اتعملتلك على صفحة البشمهندس عُمران سالم الغرباوي، الفيديو لوحده اتخطى ال١٥ مليون مشاهدة.
التقط منه علي الهاتف، يتطلع للفيديو الملتقط لمدخل المركز الطبي وتصميمه الداخلي، تفاعل الجماهير وتعليقاتهم على اناقة وذوق المركز الطبي، ابتسم وهو يخبره:
_حلو الشغل ده، وأخيرًا استفدنا من صفحتك دي بشيء بعيدًا عن أغلب كومنتات المعاكسة على صورك الاستعراضية الشبيهة لغرورك.
التقطت آذنيها سماع أخر جملته، فرددت بتحفز:
_معاكسات أيه يا علي؟
منحه عُمران نظرة تهديد صريحة، فدنى إليه يهمس:
_هنقذك المرادي بس عشان جمايل فيديو الدعايا، لو مخفتش من حوار تغير صورة البروفيل كل ساعتين دي هقول لمايا ووقتها هتطلق هرموناتها عليك.
واستدار تجاه مايا يردد بهدوءٍ وثبات مخادع:
_أي معاكسات! أنا بتكلم عن حاجة تانية يا مايا، ارتاحي وأنا هنزل أشوف الترتيبات.
اتبعه عُمران يناديه، وبجدية قال:
_علي بما إن فاطمة هنا مع مايا، إبقى خدها وانت راجع، أنا عديت عليها أشوف لو كانت جاهزة أخدها في طريقي لكن كده هتأخر على جمال.
استدار عن الدرج يسأله باهتمام:
_ليه هو جمال فين؟
ارتسمت الابتسامة الخبيثة على وجه عُمران واحتفظ بصمته بينما يغادر بمشيته الثابتة، تاركًا علي أعلى الدرج يجتاحه القلق حول صمت الطاووس الوقح! وعقله لا يتوانى عن التفكير، ترى أي مصيبة يفتعلها ذلك الوقح الآن!!
*******
فتح عينيه على صوت رجولي يناديه باستماتة وقلق:
_يُــــــونس!
تشوش رؤيته بالبداية، ولكنه تمكن من التقاط ملامح وجه آيوب القريبة منه، فهمس بخفوت:
_آيوب.
استطاع سماع همسه الخافت:
_الحمد لله، قلقتني عليك يا يونس.
استعاد عصبة تفكيره الهادر، فتحمل على حواف السرير المعدني ونهض يردد بذعرٍ:
_أيه اللي حصلي! خديجة!! خديجة عاملة أيه؟ خرجت من العمليات؟!
ربت على صدره وهو يحاول أن يحجب حركته:
_اهدى يا يونس، الابرة هتطلع من وريدك.
تطلع تجاه ما يشير فوجد أحد المحاليل ينغرز بوريده، فنزعها عنه وهو يصيح بانفعالٍ:
_أنا مش تعبان، عايز أطمن عليها هي فين يا آيوب.
نهض آدهم عن المقعد المقابل لفراشه وقال:
_مينفعش الطريقة دي يا يونس احنا في مستشفى حكومي، شدة أعصابك خليتك بالحالة دي فممكن تهدى شوية.
وتابع بهدوء:
_خديجة في الاوضة اللي جنبك ومعاها والدة آيوب، اطمن جرحها سطحي والدكتور لسه مأكد لآيوب من شوية.
عاد بجسده للخلف، واضعًا رأسه على الوسادة براحةٍ، فعاد آيوب إبرة المحلول لوريده وربت عليه بابتسامة بشوشة:
_عدت يا يونس، والكلب ده اتقبض عليه.
واستطرد ليفرح قلبه:
_آدهم قدم كل الادلة اللي كانت معاه ضده وضد الحقير سند والاتنين دلوقتي بياخدوا جزاتهم واللي يستحقوه.
أغلق عينيه بقوةٍ، وردد:
_ياريتني كنت قتلته ومسمعتش كلامكم، لو كنت أعرف باللي عمله مكنش فلت من تحت ايدي.
مال آدهم على الحائط المجاور لفراشه، مربعًا يديه أمام صدره، يحدجه بغضب:
_وبعدها هتفرق أيه عن أي مجرم!! هترتاح لما ايدك تتلوث بالدم؟
شرد بالفراغ يفكر بحديثه، سحب يونس نفسًا كبيرًا عساه يهدأ عصبيته، ثم أجابه:
_لا يا باشا مكنتش هرتاح بعدها، أنا دلوقتي بقى عندي بصيص أمل أعيش عشانه.
سأله آيوب باهتمامٍ لمعرفة مغزى حديثه:
_تقصد أيه؟
تعمق بالتطلع إليه وقال:
_فارس!
انفرجت شفتيه بصدمة، فاعتدل يونس بمرقده يلقط كل رد فعل للأخر، فردد بصعوبة بالحديث:
_متقوليش إنك كنت عارف إنه ابني ومتكلمتش يا آيوب!
أخفض وجهه عن مواجهة ابن عمه، فهز رأسه بصدمة:
_لأ!!
ازدرد ريقه متابعًا بشكٍ:
_وعمي عارف؟
صمته المطول جعل الاجابات واضحة للاخير، فابتسم بوجعٍة، تدخل آدهم على الفور حينما وجد أخيه في مأزقٍ فقال بخشونة:
_وكنت عايزهم يقولولك أيه يا يونس؟
أجابه بغضب وجمود:
_الحقيقة يا باشا!! أنا خارج من السجن ميت وحاجة زي دي كانت هتحيني!
رد عليه ببساطةٍ وعينيه لا تفارق خاصته:
_يونس متخليش عصبيتك وغضبك يخلوك غبي! أب عظيم زي الشيخ مهران وأخ زي آيوب مستحيل يقبلوا يرجعوك جهنم تاني.
استطاع أن يثير، حفيظته تجاه كلماته الغامضة فتابع :
_لو حد فيهم كان صارحك إنك عندك ولد واتاخد منك بالطريقة دي وهما عارفين إنك خارج عشان تنتقم من اللي عمل فيك كده فاسمحلي أقولك إن اللي رباك كان مجرد عم ليك مش أب، لكن اللي الشيخ مهران عمله يخليك تحترمه كأب خايف يخسر ابنه بعد فراق ووجع.
اخفض عينيه بخزيٍ من تسرعه، فاستطرد آدهم ببسمة واثقة:
_وعلى فكرة شهادة ابنك الاصلية مع الشيخ مهران، وهو بنفسه اللي مطلعها ومحتفظ بيها، كان ييحميك وبيحمي ابنه التاني في نفس الوقت، لانه مش من المنطق انه يوقفه في حرب بيلعب القذر فيها على الطرفين، هيكون بيقدم ابنه التاني للموت يا يونس.
نهض يخفض ساقيه عن الفراش، فأصبح يجاور آيوب، استدار بوجهه له ومنحه ابتسامة هادئة جعلت الاخير يتهلل أساريره لظنه بأنه سيقاطعه بعد معرفته بأنه يعلم بالحقيقة.
رفع يونس ذراعيه يحيط به آيوب المتعلق برقبته، مربتًا بقوة على كتفه، ثم أشار له:
_شيل الكانيولا هروح أبص على خديجة.
أومأ له وانتزاعها منه برفقٍ، مسددًا قطنه صغيرة توقف نزيفه المؤقت، فتركهما ورحل من الغرفة التي تحيط بعدد من المرضى.
نهض آيوب يمسك يد آدهم بفرحة:
_مش عارف من غيرك كنت هعمل أيه؟ أنا كنت شايل هم اللحظة دي أوي، آدهم أنت ملاكي الحارس!
تحررت ضحكاته تباعًا، فراقبه الاخير باستغرابٍ، كبت ضحكاته مرددًا:
_آسف.. بس الجملة دي اتقالتلي كتير قبل كده من شمس!
وتابع ببسمةٍ صغيرة وهو يربت على كتفه:
_كل مرة تبالغ وأرجع أقولك انك اخويا! يلا ألحق اروح انا قبل ما مصطفى يلتهم التورتة لوحده ووقتها هجري بيه طول الليل بالمستشفيات!
شاركه الضحك قائلًا:
_لازم يأكلها كلها مش عمايل ابن الشيخ مهران ولا أيه!!
تلاشت ابتسامة آدهم وحل الوجع بين سكنته، منذ أن علم بحقيقته وانقطع عن قوله لتلك الجملة، ما أبشع أن يكون أخيك قبالتك وأنت عاجز عن ضمه، عاجز عن أن تبوح له بحقيقتك!
أفاق من شروده على هزة يده وسؤاله:
_آدهم روحت فين؟
منحه ابتسامة صغيرة، وقال:
_معاك يا آيوب... همشي بقى ولو احتاجتني متترددش وإتصل.
هز رأسه بتأكيد، فاستأذن آدهم بالانصراف على الفور.
*******
بحث عنها بين أَسِرَّة المرضى، حتى لمح الحاجة "رقية" تجلس على مقعد خشبي يقابل الفراش وتقرأ بصوتها العذب بالمصحف الصغير، وتتمدد هي بشحوبٍ تام، شاردة بالفراغ ودموعها تنهمر على الوسادة.
تواثبت دقات قلبه بدفٍ يعلمه جيدًا، مالت برأسها للجانب الاخر وفور أن رأته حتى أزهرت وجوم تعابيرها، وهمست بصوتٍ كان مسموعًا:
_يُونس.
أغلق عينيه بقوةٍ مستمتعًا بصوتها الذي يشفيه من آلامه رويدًا رويدًا، ليتها تنطق إسمها خمسون مرة، أو خمسمائة حتى تدمل جروحه بأكملها.
الآن بات أمام فراشها، عينيه موضوعة أرضًا لا تتطلع إليها، اختزل الحزن تعابيرها وهي تظن أنه لا يحبذ رؤيتها، فإذا به يردد:
_ازاي سايباها قاعده من غير نقابها يا مرات عمي!
نهضت عن المقعد تجيبه بابتسامة هادئة:
_يابني دي لسه خارجه من العمليات وانت عارف إنها عندها ضيق تنفس، فقولت اسيبها تستريح شوية ولما تفوق ألبسهولها.
قال ومازالت عينيه أرضًا:
_طب لو سمحتي لبسيها.
انحنت للكومود الصغير جوارها تلتقط نقابها:
_حاضر يا حبيبي..
وبالفعل عاونتها على ارتدائه، ثم جذبت حقيبتها البلاستيكة وقالت:
_خليك معاها يا يونس، هخرج ألحق آيوب قبل ما يروح أقوله يحط حلة المحشي في التلاجة لتحمض!
بالرغم من صعوبة ما يتعرض له الا أنه رغمًا عنه اضحكته بساطة زوجة عمه التي لا تتفانى بالتفكير عن أصغر ما تنجزه، رآها تخرج من العنبر بأكمله، فتحرك للمقعد بآلية تامة.
أدمعة أعين خديجة وهي تراقبه باشتياقٍ وترقب لاول كلمة، تنتظر أن يأخذ أول خطواته إليها، فوجدته يرفع رأسها إليها ويردد بصوت الحنون:
_حمدلله على سلامتك يا ست البنات.
اتسعت ابتسامتها ودموعها تنهمر دون توقف، لا تعلم فرحة بسماعها لقبه المحبب لقلبها أم حزنًا على ما أصابهما.
باغتته حينما تمسكت بيده المسنود على الكومود هاتفة بعاصفة دارمة من الحب:
_يُونس.
اقشعر جسده بأكمله يعلن حالة الطوارئ لنجدة قلبه المسكين، سحب كفه سريع قائلًا بتوسلٍ:
_عمري ما أقبل أشيلك ذنب زي ده يا خديجة، انتِ لسه على عصمة راجل غيري، فعمري ما أقبل أعمل فيكِ كده.
وتابع بضيقٍ مما فرض عليهما:
_وجودي هنا في حد ذاته غلط، بس والله ما قادر أمشي من غير ما أطمن إنك بخير.
يا ويلها من تلك الآلآم التي استنزفت روحها الهالكة، أيخاف عليها لتلك الدرجة ولم تترك له ما يدفعه لذلك.
انخرطت خديجة بموجة من البكاء، انهيارًا سحبها من خلفه لدرجة جعلته ينتفض عن مقعده، مقتربًا منها، يتساءل بفزعٍ:
_مالك؟؟ حاسة بأيه؟؟ اهدي طيب هنادي للدكتور حالًا، متخافيش.
ما كاد بالرحيل الا وأمسكت يده توقفه، هامسة بندمٍ ووجع:
_سامحني يا يونس.. سامحني على ضعفي وقلة حيلتي قدامه.. بس مكنش عندي حل تاني.
عاد لمقعده يجلس ويتطلع لها، بينما تخبره ببكاء:
_هددني لو مرفعتش عليك القضية هيسقطني، وجاب ستات شكلها بشع كنت هموت تحت ايدهم لو موقعتش على الاوراق.
إلتاع قلبه وذرف دموع الخزي والوجع، بينما تتابع وهي تميل بوجهها الباكي على كفه، فأغرقته بالدموع:
_مكنتش عايزة أفرط في الحاجة الوحيدة اللي فاضالي منك يا يونس، آآ... أنا.. أنا بريئة من اتهاماتك آه أنا مخونتكش أنا مش وحشة يا يونس أنا مش رخيصة، أنا عملت كل ده عشان أحمي ابني، علشان احميه.
رفع يده الاخرى وكاد بأن يضم وجهها ولكنه أخفضها حينما تذكر بأنها ليست زوجته، فانحنى أسفل فراشها يحاول سحب يده الاخرى ولكنها تزيد من تمسكها به وهي تصرخ بوجع:
_لأ.. لأ.. مش هتمشي يا يونس هتسمعني وهترجعني ليك تاني، أنا معتش قادرة أستحمل أعيش مع الشيطان ده ثانية واحدة، إنت أملي الوحيد، متبعدش عني تاني، متسبنيش يا يونس، أرجوك.
_أبوس ايدك متسبنيش!!
قالتها وهي تقبل كف يده، فانهارت دموعه وقال وهو يسند جبينه على فراشها هامسًا بصوتٍ مبحوح:
_كفايا يا خديجة، ارحميني عشان خاطري! أنا عاجز ومش عارف أتعامل معاكي.
ورفع عينيه الغائرة إليها يخبرها:
_مينفعش أقرب افهمي!
تعمق بها الحزن والوجع فبات وجهها يشمل كل العتاب له، فأسرع يستكمل:
_آدهم قالي إنه هيقدر يخلصك منه في وقت قليل، بعد ما عدتك تخلص هنتجوز على طول.
وتابع وهو يتطلع لها بحبٍ فشل بكبته:
_اللي ملحقناش نعيشه هنعشه من تاني وابننا معانا يا خديجة... ولحد ما ترجعي تقفي على رجليكي وتنتهي شهور العدة هجهزلك الشقة بعفش جديد عشان يليق بيكِ يا ست البنات.
وتابع يمازحها:
_بس المرادي مش هخاف يطلع حاجات أحدث لإنهم ٣ شهور مش سنين الدراسة.
ضحكت حينما فهمت مغزى ما يقصد بحديثه، تذكرت كم كان حزينًا كلما طُرح لمحلاته أجهزة عصرية، كان يود الاحتفاظ بها لشقتهما ولكنها تعود وتخبره بأنها مازالت بالثانوية فمن المؤكد بأن الشركة ستطرح الاحدث.
تخاذلت السعادة داخلها وتطلعت له بنظرة منكسرة جعلته يطالعها باهتمامٍ لمعرفة ما ستقول، فتركت كفه ورددت:
_لا مش هينفع تتجوزني... لأ.. أنا منفعكش!
اندهش مما أصابها وتساءل باستغراب:
_أيه اللي بتقوليه ده يا خديجة؟
تصاعدت شهقاتها بانهيارٍ تامة، وهمست بصوت مذبوح:
_أنا اتشوهت يا يُونس!! مينفعش تتجوز واحدة مشوهة!
اعتصرت قلبه بين أضلعه، يا الله ما الذي اختبرته تلك المرأة بالتحديد؟ يزداد واردة أوجاعه وتزداد الفاتورة ويده مغلولة عن السداد، فابتسمت وهي تستكمل بدمعة تخزلها:
_ده كان تمن اخلاصي ليك ولحبك، ده دليلي الوحيد إني كنت بعافر لأخر يوم قضيته مع الحقير ده وآ..
ترجى بانهزامٍ تام:
_كفايا أرجوكي كفايا، متزديش وجعي بالله عليكِ اسكتي.... الموت أهون ألف مرة من اللي بسمعه، ارحميني يا خديجة!
أمسكت يده بقوة وقالت:
_خلاص مش هتكلم.. مش هقول حاجة عن اللي فات بس متسبنيش... متمشيش وتبعد عني تاني يا يُونس... سامحني وخليك جنبي.
وتعمقت بالتطلع له قائلة برعشة ورعب:
_إنت زعلت من كلامي؟ هتمشي وهتعاقبني بفراقك تاني صح؟ لو عملتها وسبتني المرادي مش هحارب تاني يا يُونس، هموت نفسي سااامع والله لأموت نفسي!
قبض أخيرًا على يدها التي تتمسك به، وقال:
_أبعد ازاي وانتِ اللي رجعتيني لحياتي يا خديجة، أنا عقلي وقف من كتر ما بحاول أنسى كلامك اللي قولتيه وأنا شايلك للاسعاف، صعب عليا أشوفك بترمي نفسك قدام الموت عشاني وبعدها اكتشف اني ظالمك!!
واستطرد وهو يشرد بنقطة فارغة:
_لو كنت عرفت الحقيقية مكنتش هسامحك عمري كله يا خديجة بس بعد اللي عملتيه ده أثبتيلي انك لسه بتحبيني، ساعدتيني أغفر اللي فات وإني أحاول.
وسحب كفه عنها ثم انتصب بوقفته يتأملها بنظرة عاشقة:
_أنا لازم أمشي عشان أشوف فارس، متقلقيش اطمني عليه، ولحد ما عدتك تخلص هنقلل مقابلاتنا وكلامنا، وبعد كده نخلي عتابنا في بيتنا!
اتسعت ابتسامتها فرحة، فمنحها ابتسامة جذابة ثم غادر برفقة آيوب على الفور تاركها لزوجة عمه تعتني بها.
مضى آيوب برفقته شاردًا بمكالمة آبيه، فقد أخبره بأن يعود للمنزل ليبت برفقة آديرا، وأرغمه بحزم أن يصارحها بحقيقتها، ويسلم لها دفتر والدتها، لتكتشف حقيقتها، وحقيقة ما خبأه آيوب عنها، حسنًا هو مجبر الآن على المواجهة، مجبر على كسر قلبها حينما تكتشف كيف قتلت عائلتها، مجبر أن يحتويها ويمدها بما قد ينزعج بفعله!
*******
بحث عنها بلهفةٍ، كعادته بعد أي امتحان لها لا يغادر الا حينما يتأكد بأنها لم يواجهها عقبات، لمحها سيف تخطو تجاهه برشاقة ورقة تجعله يود لو تزوجها في الحال ومنعها من الخروج أبدًا.
رنا إليها يتساءل متلهفًا:
_ها يا زينب طمنيني عملتي أيه؟
منحته ابتسامة صغيرة، وقالت:
_الحمد لله كان سهل جدًا
ابتسم هو الاخر وردد:
_المفروض أفرح بس للأسف أنا زعلان لإن ده أخر يوم هقدر أشوفك فيه جوه الجامعة، لكن براها هشوفك كل دقيقة، في المركز وفي البيت.
رمشت بصدمة:
_بيت أيه!!!!
ضحك وهو يمازحها:
_بيتنا يا دكتورة، هو مش دكتور علي رجع من السفر!!! معقول تكوني نسيتي اتفاقنا!
تلونت الحمرة على خدها، فضمت الكتب إليها وأردفت بتوترٍ:
_آآ... أنا لازم أمشي.. اتاخرت.
هرع للاريكة المعدنية يجذب كتبه والبلطو الطبي:
_طيب استني هوصلك.
استدارت زينب إليه لتخبره بأنها مصرة على الرحيل بمفردها ولم ترى ذلك الذي يكاد يصطدم بها، وفي لمح البصر قبض سيف على معصمها يبعدها عن هذا الصدام معتذرًا للطالب بايجازٍ.
سحبت يدها من احكام قبضته بخجلٍ وخرجت توقف سيارة أجرة، اعتلتها وعينيها لا تفارقه، وأكثر ما يزعجها ابتسامته وتفهمه لربكتها بوجوده جوارها.
مالت على الشرفة تبتسم بعشق تربع داخلها إليه، وترسم مشاهد مختلفة لها برفقته بعد أن تصبح زوجة له، فإذا بصوتٍ جهوري يقتحم عالمها الوردي
«عجبتك لمسته المقززة لايدك! ، مخوفتيش مني ولا من عقابي!!! قولتلك أنا جنبك ومعاكي حتى لو مكنتش موجود وعقابك حاضر يا زينب ووقتي!»
تراجعت للمقعد بذعرٍ وهي تراه عبر شاشة الهاتف الذي يسلطه لها سائق السيارة، ارتعبت وحاولت فتح الباب بصراخٍ جنوني فاذا به لا ينصاع لها، أسرعت للباب الاخر تحاول فتحه وقد انفطرت بالبكاء الحارق.
لحق السائق بها ليضع الهاتف بوجهها، فوجدته يضحك وهو يخبرها بجنون:
_مينفعش تنزلي من غير العقاب، عشان بعد كده تقدري تحافظي على نفسك يا زينب!
واستطرد بصرامة وفحيح سام:
_نفذ في الحال.. احرص أن تزيل أثار هذا الكريه عنها!
انصاع له السائق فاذ به يخرج من جيب سرواله، زجاجة قاتمة، فور ازاحة غطائها انتفضت بمقعدها لعلمها بمكنون ما تحتويه كطبيبة متخصصة، فصرخت بجنون:
_لا يا يمااااان.... أنا آسفة مش هعمل كده تاني، خليه يسيبني أرجـــــــــــوك!
حدقها بسخرية وأردف:
_مضطر يا روح قلبي عشان تتأكدي إن كلامي مش تهديد، وإنك لو فضلتي تشوفي الحقير ده هتتعاقبي، وعقابك هيكون على قد ما تتمادي، المرادي مسك ايدك المرة الجاية هيوصل لاوضة نومك لو مخدتش ليكي وله راجع.
واستطرد بوجومٍ مقبض:
_أفعلها الآن.
تعالى صرخها بفزعٍ وهي تعافر للخلاص، وأخر ما رددته دون ارادة منها كان اسمه هو، صارخة دون توقف لعل قصر المسافة بينها وبينه تجعل صداه مسموع لها، فرددت:
_سيـــــــــــــف!!!!
............ يتبع............
#صرخات_أنثى... #حبيبتي_العبرية.... #آية_محمد_رفعت.
محتاجين نرفع التفاعل شوية على الفيس يا بنات، قراء الواتباد متنسوش التصويت والكومنت اللطيف، بحبكم في الله ♥
****_____***
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثاني وسبعون 72 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية..)
#الفصل_الثامن_والخمسون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "حنان الوصيف" ،"آية أبو جاد"،"اسراء عزت عامر"،"Hamz wmaryam "،"HALA SABER"،"سلمى محمد"،"أسماء أشرف"،"حبيبة أحمد"،"جيهان علي"،"سمر محمد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
حاولت أن تدفعه عنها بكل قوتها، ولكنها هزيلة أمامه مهما حاولت، قوتها كأنثى لا تضاهي قوة جسده الذكوري، أغلقت "زينب" عينيها مستسلمة لمصيرٍ قاسٍ ينتظرها، تركته يمسك يدها وهي تعلم بأنه يتعمد احداث اصابة بنفس المكان الذي إلتف معصم "سيف" من حولها.
ترقبت لحظة مس يدها بالماء المعتج بالنيران، فلم تشعر بقطراته ولا بيد هذا اللعين تحيطها، أبعدت كفها الرقيق عن وجهها لتتفحص الجزء الأمامي للسيارة، فوجدت بابها مفتوح على مصرعيه وأحدهم يلقي بالسائق أرضًا ويكيل له اللكمات القاسية.
ارتعش جسدها بعنفٍ، وحاولت فتح الباب الموصود جوارها ولكنه لم يفتح، ومع محاولاتها المستميتة تمكنت أخيرًا من العبور خارجًا.
كادت أن تلوذ بالفرار من ذلك الشارع المظلم ولكنه توقفت فور أن تمعنت بظهر المستلقي فوق الرجل، تعرفت على جاكيته الأزرق المميز، مرددة بهمسٍ منخفض:
_سيف!
ناله لكمة أخيرة أفقده بها الوعي ووقف يجذب كتبه الملقاة أرضًا، وقبل أن يمر إليها ركله ببطنه بعنفوانٍ.
اقترب منها يسألها وهو يتفحصها بلهفةٍ:
_حاجة وقعت عليكي؟! طمنيني!
نفت بهزة بسيطة من رأسها، بينما البكاء يفترسها، وعينيها لا تفارق مقعد السائق الذي انتزعت المياه جلده المتين لحظة سحب سيف له للخارج فسُكب محتوياته عليه، متخيلة ماذا كان سيصيبها إن لفحتها تلك المياه الحارقة.
اجتاحها فكرة الفرار من كل ما يحيط بها، استدارت زينب وأطلقت لساقيها العنان، تاركة سيف يراقبها بدهشةٍ، فانحنى يجمع أغراضه وكتبها وحقيبتها الملقية أرضًا، أسرع خلفها يناديها وكأنها باتت صماء لا تسمعه من مسافته القريبة منها.
قبض على معصمها يوقفها صارخًا بها:
_ممكن تقفي وتكلميني مستحيل بعد اللي حصل ده أسيبك تروحي لوحدك، أنا هوصلك.
هزت رأسها بجنونٍ وكلمات "يمان" تسيطر عليها كالتعويذة السحرية:
_لأ... لأ...إبعد عني... متقربليش تاني هيقتلني!!
وتابعت وهي تنفض كفه عن ذراعها:
_ابعد عني!!
ارتعش جسدها لدرجة خيل لها بأنها لن تقوى أن تتقدم خطوة أخرى، فجلست على مقاعد المرور المنجرفة بجانب الطريق، تنحني بجسدها على ذراعيها، تبكي بحرقة ولسانها يهمس:
_مش عايز يسبني في حالي ليه؟!! الحب مش بالعافية! أنا محبتهوش ولا قادرة أحبه، قلبي اختار شخص غيره هيفهمها ازاي!!!!!
جلس سيف على مقربة منها، وتغاضى عما مروا به وما سيخوضه لاجلها، وبالاحرى لا يعنيه حتى وإن قتل، تستحق أن يهدر روحه لاجلها، فشاكسها ببسمته وسؤاله المخجل:
_مين الشخص اللي اختاره قلبك؟
رفعت عينيها إليه مندهشة من ابتسامته ونظراته المتغزلة بها غير مبالي بما مروا به منذ قليل!
أزاحت زينب دموعها بأصابعها ونهضت تتجه إليه، تقابله بجلسته:
_سيف أنت لازم تبعد عني، يمان مبعدش زي ما توقعنا، كلمني فيديو على موبيل السواق اللي ركبت معاه، يمان محاصرني ومش هيتخلى عني بسهولة.
نهض قبالتها يهدر منفعلًا:
_ولا أنا هسيبك يا زينب، والكلب ده مهما حاول يفرقنا مش هديله الفرصة ينجح بده
رفعت كفيها تحتضن وجهها، تردد ببكاءٍ:
_لو اتاخرت كان شوهني.
رق قلبه لها، فوقف عاجزًا عن احتوائها بين ذراعيه عساها تستمد الأمان منه، ولكنه مازال يحافظ على مسافته بينهما قائلًا بحب:
_زي ما حميتك دلوقتي هحميكِ منه، عيني هتكون دايمًا عليكِ.
وتابع وهو يراقب وجهها بعشقٍ بعدما أبعد كفيها:
_لو محاولاته نجحت ترعبك بالشكل ده فأنتِ بتحقيقله اللي هو عايزه يا زبنب، انسيه وفكري في اللي إنتِ عايزاه، وأنا أوعدك إني هكون جنبك ومش هتخلى عنك أبدًا..
تعمق بعينيها الساطعة بحبه، وعينيه تضمها داخلها بحنانٍ، فنطق بترقبٍ وخوفٍ:
_موافقة نواجه الحقير ده وإنتِ مراتي وعلى ذمتي يا دكتورة؟
رفرفت بأهدابها الثقيلة من دموعها بارتباكٍ، تركته وتوجهت للمقعد مجددًا، فأغلق عينيه بحزنٍ على حالتها، لا يعلم إن لم يلاحظ نظرات هذا السائق الوضيع وانجراف السيارة عن طريق منزلها ماذا كان سيحدث لها؟
أفاق من شروده على صوتها الذي تحرر أخيرًا:
_مفيش داعي إننا نعمل فرح، ولو هنكتب كتابنا يكون في السر عشان ميحسش بينا.
ابتهجت معالمه بفرحة، فاتجه يجلس جوارها، متسائلًا بضيق:
_مش عايزة فرح؟!!
هزت رأسها تنفي اقتراحه، فتابع باستغراب:
_ليه يا زينب؟
اجابته ببكاء وهي تحاول السيطرة على رعشة ذراعيها:
_مش عايزاه يعرف بحاجة يا سيف، كده أفضل، أنا هبلغ قراري لعلي وإنت كلمه ورتب معاه.
ردد بحزنٍ:
_بس أنا مش موافق على قرارك ده يا زينب، إنتِ مش ناقصك حاجة عن البنات عشان معملكيش فرح وآ..
قاطعته بحزمٍ:
_سيف من فضلك أنا مش عايزة أعمل فرح، مش هقدر أكون مبسوطة وأنا عارفة إنه في لحظة ممكن يبوظ الفرح أو يعمل أي شيء يخليه أسوء ذكرى ليا.. أنا عايزة أكون معاك فخلينا نتمم كل حاجة في السر.
تفهم سبب خوفها، وبعد تفكيرًا وجد أنه الحل الأنسب، فازدرد ريقه هادرًا:
_زي ما تحبي، المهم تكوني مرتاحة وسعيدة.
وتابع بهدوءٍ:
_يوسف كان واخدلي شقة جنبه في العمارة اللي اتجوز فيها هو ودكتورة ليلى، هي جاهزة بس ناقصها شوية حاجات.
رددت دون مبالاة:
_مش مهم، هنبقى نجهزها مع بعض بعد الجواز.
وأي سعادة ستطوف به بعد سماع اصرارها ورغبتها بالبقاء معه، منحها ابتسامة جعلتها لا تود ترك ضمة عينيه العاشقة، تطالبه بأن يكون لجوارها، يحطم تلك الحواجز لتصبح زوجته.
رافقها حتى المنزل، وأصر على مقابلة علي وعمران وأخبرهما على ما حدث، ورغبة زينب بأن يتم الزواج سريعًا بسرية تامة، فاتفقوا على أن يتم الزواج بعد ثلاثة أيام من الآن، بعد أن تأكد علي من رغبتها في ذلك.
******
بقيت الحاجة "رقية" برفقة "خديجة"، وعاد"يونس" و"آيوب" للمنزل، صعد متلهفًا للقاء ابنه، جذب مفتاح المنزل من ابن عمه ليفتحه سريعًا، وولج يناديه بلهفةٍ:
_فــــــــارس!
إلتقطت أذنيه صوت الشيخ مهران يرتل القرآن الكريم بصوته الخاشع، فاتبعه حتى وصل لغرفة الضيافة ومن خلفه آيوب، فوجده يجلس أرضًا ومن أمامه آديرا وفارس، يستمعون إليه بانصاتٍ تام.
تنحنح يونس بخشونةٍ وتراجع للخلف فور رؤيتها، بينما استكمل آيوب طريقه للداخل بابتسامةٍ تسللت إليه، فوقف يتابع أبيه وهو يبدأ بأول دروسه عن الدين الاسلامي لها، وللعجب يراها تنصت باهتمامٍ وانبهارًا تام، عينيه غائرة بدموعٍ وابتسامة لا تفارق شفتيها.
وفور أن انتهى من حديثه المسموع لها عبر السماعة قالت بتردد واضح:
_سيدي الشيخ كيف أثق إن دينكم هو الدين الحق؟
وبارتباكٍ استكملت:
_أنا لا أقصد اهانتك ولكني أخشى أن أكون مخطئة، حسنًا أن أشعر براحة غريبة من اتخاذ قرارًا مثل هذا، ربما لإنني تأثرت بأيوب وربما لرغبتي بالالتحاق بالدين الذي مات عليه أخي وقد تحمل ظلم عمي ليبقى عليه ولكن آآ..
قاطعها الشيخ مهران وابتسامته البشوشة لا تفارقه:
_فاهم يا بنتي، عشان كده هجاوبك بآيات من القرآن الكريم ، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19]. وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ *} [آل عمران: 85].
فالإسلامُ دين جميع الأنبياء والمرسلين، وإن اختلفت شرائعهم وأحكامهم، فإنّهم متفقون على الأصل الأول، وهو التوحيد والإسلام، فمثلاً:
أخبر الله عن نوح عليه السلام: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ *} [يونس :72].
وأخبر عن إبراهيم عليه السلام: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *} [البقرة :131].
وأخبر عن موسى عليه السلام: {يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ *} [يونس :84].
وأخبر عن حواريي المسيح: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا واشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ *} [المائدة :111].
وأخبر عن سليمان عليه السلام على لسان ملكة سبأ: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [النمل :44].
وأخبر سبحانه وتعالى عن الأنبياء الذين تقدموا: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة :44].
واستطرد باستفاضة:
_ أصل الدين واحدٌ، بعث الله به الأنبياء والمرسلين جميعاً، واتفقت دعوتهم إليه، وتوحّدت سبيلهم عليه، وإنّما التعدّد في شرائعهم المتفرعة عنه، وجعلهم الله سبحانه وسائطَ بينه وبين عباده في تعريفهم بذلك، ودلالتهم عليه، لمعرفة ما ينفعهم وما يضرّهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، بُعثوا جميعاً بالدّين الجامع، الذي هو عبادةُ اللهِ وحده، لا شريك له، بالدعوة إلى توحيد الله، والاستمساك بحبله المتين، وبُعثوا للتعريف بالطريق الموصل إليه، وبُعثوا ببيان حالهم بعد الوصول إليه، فاتّحدت دعوتهم الله تعالى في إثبات التوحيد، وتقريره، وعبادة الله وحده لا شريك له ، وترك عبادة ما سواه ، فالتوحيدُ دينُ العالم بأسره من آدم إلى آخر نفسٍ منفوسةٍ من هذه الأمة.
بدت حائرة غير مستوعبة لما قاله، فتسائلت بأكثر ما يتردد لها:
_هل يقبل الله توبتي يا عم الشيخ؟
ابتسم الشيخ مهران وقال:
_ربنا سبحانه وتعالى عمره ما قفل باب التوبة في وش عبد من عباده يا بنتي، قال سبحانه وتعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَـٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
صدق الله العظيم.
ارتاح بالها واطمئنت لما أقدمت عليه، فقالت بحماسٍ:
_علمني كيف أصلي؟
ابتسم الصغير وقال:
_جدو هي ازاي مش بتعرف تصلي!! أنا أصغر منها بكتير وبعرف، أنا شاطر عنها.
ضمه الشيخ بين ذراعيه وقال:
_واحنا هنعلمها مع بعض يا فارس بس لما عمك آيوب يرجع ويعلمها ازاي تتوضى وتغتسل.
تجهمت تعابيرها وأردفت بحزنٍ:
_وإلى متى سأنتظر؟
اقتحم صوت آيوب مجلسهم:
_لن أدعكِ تنتظري بعد الآن، هيا لنذهب.
اتسعت ابتسامتها بفرحةٍ، وهمست بحبٍ ملحوظ للشيخ مهران:
_آيوب!
نهضت واتجهت إليه فقال:
_انتظريني بغرفتي، سأنضم إليكِ بعد قليل.
هزت رأسها في طاعةٍ واتجهت للغرفة، حرك آيوب يده على شعر الصغير وقال:
_عمو يونس عايزك ومستنيك قدام الباب
كشر الصغير ولوى شفتيه بغضب:
_مش طالع ومش عايز أتكلم معاه تاني.
نهض الشيخ مهران واتجه إليهما يعاتبه بلطف:
_ميصحش كده يا فارس، احترم الأكبر منك ده اللي علمتهولك في دروس القرآن؟
أخفض وجهه بحزنٍ، وقال:
_حاضر يا جدو هروح أشوفه.
قبل وجنته بحنان:
_روح يا حبيبي.
غادر أمامهما فتابعه الشيخ مرددًا بحزن:
_ربنا يصلح لك الحال يا يونس يا ابني.
واستدار لابنه فوجده مرتبكًا للغاية، وما أن تلاقت أعينهما حتى نطق بتوتر:
_مش جاهز أواجهها بالحقيقة دلوقتي، خايف الموضوع يقصر فيها لما تعرف إن عمها قتل أمها وأبوها.
أجابه بحزمٍ ينهي تردده:
_لازم تعرف أصلها يابني، إنت مخبي عنها ديانتها وحقيقتها، إنت سمعت بنفسك إنها لسه مترددة من قرارها لازم تأكد لها إنها مش عبرية الأصل.
ورفع يده يمسك كتفه بقوة وابتسامة أدهشت آيوب:
_عايزك تجهز شقتك اللي فوق، عشان بعد امتحانانك نعمل فرح اسلامي في الحارة وربنا يكرم وصاحبك يقدر يخلص موضوع معتز لو كده نخلي الفرحة فرحتين بعد ما عدة خديجة تخلص.
وتابع بدهشة:
_سبحان الله ربنا عادل، معتز حبس يونس واستني لحد ما خديجة ولدت وخلصت عدتها واتجوزها والزمن يعيد نفسه ويتحبس هو ويرجع الحق لصاحبه!
كان شاردًا لا يستمع لما يقول، يتوقف استيعابه عند أول جملة نطق بها الشيخ مهران، فلعق شفتيه الجافة متسائلًا:
_أجهز شقتي لمين؟
منع تلك الابتسامة من الظهور، وبجدية تامة قال:
_لمراتك والا هتفضلوا قاعدين هنا معانا، لو هي موافقة أنا معنديش مشكلة.
وكأنه أصابته لعنة الغباء بهذا اليوم، فقال بدهشة:
_هنا فين!! يا عم الشيخ أنا حكيتلك طبيعة العلاقة بينا!
تهدلت شفتيه بابتسامةٍ هادئة، ورد عليه:
_لما حكيتلي اللي حصل مع أهلها واسمها الحقيقي شوفت رؤيا ليكم في بيت ربنا، "سدن" نصيبك يابني.
كان أبيه صالحًا، أحلامه أغلبها يتحقق، والآن يخبره بأن رؤيته قد جمعته بسدن زوجة له، فتخلد يقينه بأنها ستكون إليه سكنًا ومسكنًا.
ثقة حديث الشيخ مهران أكدت لآيوب رضاه التام عن زيجته، ربما لمس معدن سدن الذي التمسه آيوب منذ رؤيتها لأول مرة.
إتجه للغرفة فوجدها تنتظره ومازالت ترتدي اسدالها، فأشمر عن ساعديه وأخبرها أن تلحقه للمرحاض ليعلمها أول خطوات الوضوء.
*******
وجده يستند على درابزين الدرج، فدنى إليه يربع يديه أمام صدره وبنزقٍ قال:
_نعم آيوب قال إنك عايزيني!
استدار خلفه بلهفة وابتسامة واسعة، انحنى إليه يجذبه بقوةٍ لصدره ويده تحتوي رقبته ليضمن عدم ابتعاده عنه، همس بصوتٍ احتقنته الدموع:
_فارس!!
انصاع الصغير أمام ضمته الحنونة، فلف ذراعيه حوله رغم استيائه منه، طالت بهما الدقائق، فأزاح يُونس دموعه وتلبس الثبات راسمًا ابتسامة عذباء يقابله بها، وهو يرفع إليه كيس بلاستيكي ممتلئ بالحلويات والعصائر المعلبة قائلًا:
_جبتلك كل الحاجة حلوة اللي بتحبها.
شمل بصر الصغير ما يحمله بدون اهتمام، وقال بوجومٍ:
_شكرًا مش عايز حاجة.
استدار ليغادر، فأوقفه يونس وأعاده إليه قائلًا بحزنٍ:
_أنا عارف إنك زعلان مني عشان اللي حصل، بس أنا مسبتهوش وأخدت حق مامتك منه، انت كنت واقف وشوفت.
طالعه بنظرة أوجعت يونس وقال:
_عشان كده أنا طلعت أشوفك عايز أيه، بس أنا لسه زعلان منك ومن كلامك.
أخفض يونس رأسه أرضًا بحرجٍ منه، رفع كفيه الصغيران يقبلهما وهو يردد:
_أنا آسف، متزعلش مني.
انسدلت دموع الصغير وقال ليصدمه:
_مش عايزك تكون زيه عشان ماما بتحبك ولو عملت زيه هتكرهك يا بابا.
أطاحته صدمة مهلكة، رغم حلاوة كلمته، فرفع يديه يضم وجهه ودموعه تغزو لتغرق وجهه:
_بابا!! إنت عارف؟!!!!
هز الصغير رأسه وقال:
_ديجا قالتلي من أول ما رجعت هنا بس أنا وعدتها إني مش هقولك حاجة لحد ما هي تقولك.
جذبه لاحضانه بقوة وتحرر صوت بكائه المدفون، هامسًا بانكسار:
_ياريتك اتكلمت وقولتلي..
وتابع وهو يمسد على ظهره بحنان:
_عمري ما هبعد عنك أبدًا، هعوضك عن كل اللي شوفته مع الكلب ده، إنت عوضي بعد سنين العذاب اللي قضتها جوه الحبس يا فارس.
وابتعد يقبل وجهه بحنان ويعيده لصدره بقوةٍ، ثم حمله بين ذراعيه وجذب الكيس البلاستيكي:
_مش هتخلى عنك أبدًا، مكانا مع بعض... هتقعد معايا فوق.
تعلق برقبته وفور سماع ما قال ردد بتوترٍ:
_وماما؟
منحه ابتسامة هادئة، وقبل رأسه مردفًا:
_ماما بعد ما تخرج من المستشفى هتفضل هنا عند جدو الشيخ مهران لحد ما نشتري أنا وانت عفش جديد ونجدد البيت اللي هنقعد فيه كلنا مع بعض.
وسأله بمكر:
_ها هتكون راجل وتساعد أبوك ولا هتبقى طفل صغير لازق في أمه ومش عايز يسيبها.
أجابه بحماس وهو يضمه بقوة:
_لا هكون راجل وهساعدك.
ربت على ظهره بحب، وصعد به للأعلى.
*******
وقفت خلفه تقلد حركاته وتردد الآيات القصيرة التي عاونتها الحاجة رقية وخديجة بحفظها، وما أن انحنى آيوب ساجدًا، اتبعت حركته لتزيد تلك القشعرة والرجفة التي لمست قلبها وضربته في مقتلٍ، ذبذبة أرغمتها على البكاء، لمست الخشوع التام والقناعة بأنها تقف الآن بين يد الله عز وجل.
انتهت صلاتهما فاستدار آيوب للخلف، فوجد عينيها انتفخت من البكاء ووجهها تطوفه حمرة جعلتها رقيقة للغاية، الآن بات يتمعن بها، يلاحظ تفاصيلها بتمعنٍ
ابتسم حينما وجدها تمسح دموعها بكم الإسدال الفضفاض، فأخرج من جيبه منديلًا ورقيًا وقدمه لها.
التقطته منه ورددت ببكاءٍ:
_ليه آديرا مش اتولد مسلم زيك آيوب؟
جلس على سجادة الصلاة بشكلٍ مريح وأجابها بابتسامة جذابة:
_ومين اللي قالك إنك متولدتيش مسلمة؟
زوت حاجبيها بدهشةٍ:
_إنتي بتقولي أيه؟
ضحك رغمًا عنن وابتعد عن سياق الحديث الجدي هادرًا:
_اسمها إنت مش انتي!
زحف حتى وصل إليها، ارتبكت من قربه الغريب لها، لم تعتاد منه على الجراءة، مد يده يبعد حجابها ليجذب السلسال المحاط حول رقبتها، وعينيه تراقب ملامحها باهتمامٍ لما سيقول:
_إنتِ مش آديرا العبرية، إنتِ سدن المسلمة اللي اتولدت في آسرة مسلمة.
جحظت عينيها بصدمةٍ، ورددت:
_آيوب إنتِ بتكدبي!! أنا آآ.... آآ... لقد ولدت بأسرة يهودية، أمي وأبي وأخي وآ...
صدمها بما حرره لها:
_مش صح... والدتك مسلمة وباباكِ بسببها اعتنق الدين الاسلامي، عشان كده عمك قتله وقتلها، وأخدك إنتِ ومحمد ورباكم زي ما هو عايز.
لعقت شفتيها الجافة وهي تزدرد ريقها بصعوبة، فنهض آيوب عن محله واتجه لاحدى الخزانات الجانبية، يجذب الدفتر المحظور لها، وعاد يضعه على ساقيها قائلًا:
_هنا هتعرفي الحقيقة كاملة، وهتتأكدي إنك سدن مش آديرا.
تناولت منه الدفتر بأصابع مرتجفة، وفتحت أول صفحاته لتمضي رحلتها بالكشف عن الحقيقة الصادمة!
*******
اقتحم عُمران غرفة شمس، فوجدها مازالت تغفو بفراشها بتكاسلٍ زاد من شكوكه، نزع عنها الغطاء مشيرًا لها:
_قومي يا هانم.
تفاجئت به شمس، ففركت عينيها بنعاسٍ:
_أيه يا عُمران؟ بتقومني الساعة ١٢ ليه؟!
ربع يديه أمام صدره بسخرية:
_على أساس إنك مطبقة بقالك إسبوع! إنتِ من ساعة ما رجعتي وإنتي نايمة يا حبيبتي!
تمددت مجددًا جاذبة الوسادة لأحضانها، وهمست وهي تتثاءب:
_مرهقة أوي يا عُمران، مكنتش عارفة أنام في بيت آدهم، ممكن لإنه مكان جديد عليا
أطبق على شفتيه بعنفٍ، وأخذ يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا مفكرًا بما يتردد إليه، فاستل هاتفه من جيب بنطاله وأرسل رسالة لعلي، وما هي الا دقائق حتى ولج للداخل يتساءل:
_في أيه؟!
*******
بشقة سيف.
خرج من المطبخ حاملًا لوحًا اضافيًا من الثلج، مده لأخيه الذي التقطه منه وانحنى يضعه على قدم جمال المتورمة، فتأوه الاخير بألمٍ وتمتم بغضبٍ جحيمي:
_الوقح الحقير!!!! أشوفه بس هشرب من دمه.
كبت يوسف ضحكاته بصعوبة بالغة، وتابع تدليك كتفيه مرددًا بثبات مهتز:
_وإنت أيه بس اللي خلاك تسمع كلامه وتروح معاه الجيم؟
استدار برأسه تجاه يوسف الذي يباشر عمله بينما يقف سيف حاملًا صينية الثلج يتابعهما بمللٍ، وصاح بانفعالٍ:
_معرفش ازاي أقنعني!! قال أيه الهدوم اللي نقاها مينفعش ألبسها وأنا بكرش!!
واستشهد بهما مشيرًا على بطنه:
_بذمتكم أنا عندي كرش!!
واساه سيف مربتًا على كتفه:
_استهدى بالله يا بشمهندس هو الطاووس الوقح ده محدش مالي عينه الا عضلاته.
انحنى بظهره للأسفل يفرك قدميه المتورمة، مستطردًا بغيظ:
_مصمم إني طلعلي كرش بعد ما أمي جت هنا، بيقولي بكل بجاحة من ساعة ما أمك جت وطلعلك كرش يا جمال!!!
وتمعن بيوسف الذي احتقن وجهه من فرط الضحك، هاتفًا باستنكارٍ:
_إنت بتضحك يا يوسف، البيه رماني مع الكابتن الهمجي ده أربع ساعات ولولا كلمتك تجيني كان زماني مرمي في أي مستشفى وبتضحك!
وتابع من بين اصطكاك أسنانه:
_ومصمم يوديني تلات أيام في الاسبوع!! ده منظر الكابتن نفسه يفزع النفس ويقطع الخلف، تحسه لودر منحرف الزوايا، ماشي يحدف في خلق الله شمال ولمين!
سحب يوسف المقعد المقابل لمقعده، جلس وهو يتطلع له بهدوءٍ زرع القلق بجمال الذي تساءل:
_في أيه إنت التاني بتبصلي كدليه؟
أراد أن يكون بمفرده برفقته، أشار لسيف بعينيه فانسحب لغرفته، فصاح بضيقٍ:
_ممكن تسيبك من تفاهتك مع عُمران وتقولي حكايتك أيه بالظبط؟
أخفض ساقيه عن الطاولة الزجاجية متسائلًا باستغرابٍ:
_حكاية أيه؟
رد عليه بحدةٍ:
_حكايتك مع مراتك يا جمال، في أيه ردتها وفي أيه قاعد هنا مع سيف ليل نهار!!
أطلق تنهيدة عميقة لخوضه نقاشًا لا يفضله، فوجد أن الانسحاب هو الحل الأمثل، استقام بوقفته واتجه لغرفته بعيدًا عن صراخ يوسف المنفعل:
_كل ما أكلمك في الحوار ده تسبني وتمشي!!! عيل صغير انت!
ألقى بثقل جسده على الفراش هادرًا بانفعال:
_يوسف أنا راجع مدشمل وعايز أرتاح، بكره نتكلم.
حدجه بنظرة نارية وبسخرية هتف:
_هنتكلم أمته ان شاء الله؟ بكره افتتاح المركز ومش هكون فاضيلك!
وضع الوسادة أعلى رأسه قائلًا بنعاسٍ:
_يبقى بعد بكره تعالى ونتكلم، أنا قاعد ومرتاح هنا مع دكتور سيف، إنسان هادئ ومحترم بصراحة هو الوحيد اللي يستحق الثناء لإنه بيفهمني كويس أوي فعلى قد ما بيقدر بيتجاهل وجودي وده مخليني مستلطفه ودلوقتي عايزك تقفل النور وتشد الباب في ايدك... تصبح على خير يا جو.
وسحب الغطاء على رأسه هاتفًا من أسفله:
_متنساش البقسماط وإنت مروح لدكتورة ليلى تشرحك عملي!
حدم غضبه المستعار وكمد غيظه، فأغلق الضوء وسحب الباب بعنف كاد بإيقاعه، واتجه للخروج قبل أن يفتك بذلك المتحاذق، فإذا بأخيه يلحق به وقد عقد نيته للتحدث بأمر شقته، فأوقفه يوسف قائلًا:
_ارجع أوضتك يا سيف وبكره هنتكلم في حوار الشقة والجواز.
انصاع إليه مرحبًا بتقبله لفكرة زواجه السريع بينما مضى يوسف بطريق عودته لشقته.
*******
_بتتكلم بالألغاز إنت ولا أيه؟ ما تنطق يا عُمران قصدك أيه؟!
صاح بها علي بنفاذ صبر، بعد فشله بفهم ما يود أخيه البوح به، فلكزه عُمران بغضب وانفجر بعصبية أدهشت علي:
_هو أيه اللي مش مفهوم يا دكتور!! بقولك إنت كنت واخد بالك من شمس كويس ولا كنت ملهي في المستشفيات والعيانين اللي مش هنخلص منهم أبدًا.
واستطرد وهو يلكم الحائط بغيظٍ:
_أنا كنت عارف من الأول إنك مش الشخص المناسب اللي ينفع يشد عليها، رختلها الحبل واديها رجعت بالكارثة!!!
هز علي رأسه بصدمة وحيرة:
_كارثة أيه يابني آدم، فهمنــــــي شمس مالها؟
ابتلعت شمس ريقها بتوترٍ، وتعلقت بذراع علي تهمس برعب:
_هو في أيه يا علي؟ أنا هموت ولا أيه؟!!!
ضمها علي لصدره مربتًا عليها بحنان:
_بعد الشر عليكي يا حبيبتي، إنتِ عارفة إن ربنا ابتلانا بطاووس وقح ضيفي عليهم مجنون ومختل عقليًا، بإذن الله علاجه على ايدي.
احتدت رماديته بقسوةٍ وهدر:
_بقى أنا مجنون ومختل! يا أخي بدل طولة لسانك دي كنت حافظت على أختك وحطيت حد للسافل اللي استغلها ده يا آآ.. ياخويا يا كبير!!
ترك علي شمس واندفع تجاه أخيه، يلف يده حول رقبته بنفاذ صبر:
_يا تنطق تقصد أيه بكلامك السخيف ده يا تبلع لسانك الوقح
أبعد كفه عنه بنزقٍ:
_الهانم من ساعة ما رجعت من السفر وهي نايمة.
رمش بعدم استيعاب، متسائلًا بصدمة عساه لم يلتقط مفهوم حديثه:
_بتقول أيه؟
صرخ بحنقٍ:
_نايمة بقولك!!
عبثت معالم علي بحزنٍ بعدما تأكد بأن أخيه فقد عقله، وبدى حائرًا ما بين أن يعالجه بنفسه أم أن حالته تستدعي وجوده بمشفى الأمراض العقلية.
اندهش عُمران من صمته وحزنه الغائر، فظنه قد التمس حجم الكارثة فقال بحدة:
_حالًا تتصلي بيه أقسم بالله لاسافرله وأخليه عبرة لمن يعتبر، مش أخت عُمران سالم الغرباوي اللي يتضحك عليها يا علي.
اتجهت إليه شمس تحاول استيعاب حديثه فظنته يتحدث على رحلة اليخت وقد أصر علي وآدهم الا تعلمه بذلك، فقالت بضيق:
_هو مضحكش عليا يا عُمران أنا روحت معاه بمزاجي.
تزاحمت النيران في مقلتيه، وصاح من بين اصطكاك أسنانه:
_اخرسي يا شمس، هعتبره ضحك عليكي.
تشوش رأس علي من محاولة فهمه فابتلع ريقه هادرًا:
_أفهم أيه اللي مضايقك في نومها ويوصلك للشكل الجنوني ده؟
زفر بضيق:
_الحوامل بيناموا كتير كده يا علي، الكلب ده استغل انها مراته وغواها.
برق علي بصدمة، لوهلةٍ ظن بأنه سيترنح للخلف، فأسرعت شمس إليه تسانده وهي تتساءل بحيرة:
_هو إنت فهمت عُمران ماله!! لو متضايق من نومي هشرب قهوة وأسهرله!
بصعوبة استدار لها يهمس:
_روحي اوضتك يا شمس وآ..
صاح بغضب:
_لا مش هتمشي غير لما تتصلي بالبيه ده وآ..
كمم علي فمه وقال بصدمة:
_أوعى تقول الكلام الاهبل ده قدام أختك، إنت مش وقح إنت غبي وحمار يا عُمران!!!!
اقتربت منهم تزفر بمللٍ:
_حد فيكم يقولي في أيه؟
واتجهت عينيها لعمران تردد:
_إنت زعلان عشان ركبت مع آدهم اليخت لوحدينا يا عُمران! خلاص متزعلش المرة الجاية هخدك معايا.
منح أخيه نظرة يملأها الاتهامات وهدر بعصبية:
_ الله الله يخت كمان!!!! لا ده شغل على نضيف.
واستدار لاخيه يصبح بتهكم:
_ وإنت كنت فين وهو بيستفرض بيها في عرض البحر يا دكتور يا محترم!!
جلس علي بمقعده متخذًا من يديه حاجز يمنع به عينيه من رؤية أخيه الذي استفز كل خلية داخله، تاركًا شمس بمواجهة الطاووس الوقح يخبرها ببسمة مخيفة:
_ها يا شمس كنا واقفين عند مرواحك اليخت وبعدها حصل أيه؟
قلقت من طريقته الغريبة فتطلعت تجاه أخيها الأكبر مطالبة برجاءٍ:
_علي! الحقني يا علي!!
نزع يده عن جبينه ونهض يفصل بين عناقهما، مقبلًا جبهتها وبابتسامة رسمها بتمكنٍ قال:
_روحي نامي يا حبيبتي وسبيلي البيه ده لينا حسابات تانية مع بعض.
ولف ذراعه حول رقبة عُمران ثم دفعه خارج غرفتها، محافظًا على ابتسامته المزيفة حتى لحظة انغلاق بابها فاستدار يقابل الاخير بجفاءٍ وصاح به:
_عُمران خرج شمس وآدهم من دماغك، حاول تتقبل إنها أختك مش مراتك!!
جابهه الاخير بغضب:
_ولو أختي مينفعش أحافظ عليها يعني!!
مرر يده بين خصلاته الطويلة مرددًا بتنهيدة:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، يا حبيبي افهم ده جوزها وكلها أيام وهتسافر تعيش معاه، حاول تستوعب ده!!
_إنت بتقول أيه يا علي تسافر فين؟!! شمس هتتجوز وهتقعد هنا معانا ولو الكلام ده مش عاجب البيه يخليه زي مهو وكل شيء قسمة ونصيب.
تحرر حديثه المتعصب ليصدم علي صدمة جعلته يتجه لأقرب براد مياه يرتشف كوبين جرعة واحدة وعينيه لا تنجرفان عن أخيه الذي يطالعه بقوة وتبجح وكأنه صاحب حق.
ترك الكوب من يده ثم قال:
_الوقت اتاخر روح نام يا عُمران ونبقى نتكلم في المصيبة اللي بتخططلها دي بعدين.
واتجه لغرفته هادرًا بانفعال:
_ومن غير تصبح على خير لانك متستحقهاش!
وضع يديه بجيب جاكيته متمتمًا بغرور:
_أستحق ولا مستحقش اللي بقوله كده كده هيتنفذ!
******"
استند على الكومود يتابعها بحزنٍ وهي تتنقل بين صفحات الدفتر بلهفةٍ ودموعها تغزو وجهها، وُلد الألم بين أضلعه، وقد رق القلب لتلك العبرية التي قذفتها الحياة إليه وهيئتها لتكن أكبر لغزٍ خاضه بحياته.
هو الابن المتدين للشيخ الأزهري "مهران"، حياته كانت مسالمة بشكلٍ مريبًا، حتى تعرقل بها فأيقن بأنه كان يتهيء لاختبارٍ قاسٍ.
والآن ينجرف بطريقه خلف تلك النبضة الغريبة التي خفقت داخل صدره، اختناقه لرؤيتها تبكي يجعله يخشى أن يكون قد فعلها وسقط في الحب المحظور!
نهض آيوب عن الفراش وإتجه للأريكة التي تحتلها، جذب منها الدفتر بعدما وصلت لنصفه، وقال بنبرة حنونه:
_كفى، فلنذهب للنوم وغدًا بإمكانك أن تستكملي.
حاولت سحب الدفتر من بين يديه قائلة:
_سبيه آيوب أنا مش خلص قراية.
أبعد يدها وقال بأمرٍ قاطع:
_سدن.
استنكرت ندائه الغريب لها ولكن بعد قراءة النصف الأول من الدفتر باتت تصدق كل ما يخبرها به، حتى ذلك الأسم العربي، تركت ذراعه واتجهت بخطواتها البطيئة للفراش، جلست تضم وجهها بيديها وتبكي بانهيار تتمنى أن يريح ألم قلبها ، فما أصعب ما تلقته من صدماتٍ ذبح فؤادها.
راقبها آيوب وقد تخلل له الشعور بالندم لمساعدتها بمعرفة الحقيقة، فجلس جوارها ورفع يده يطبطب على ظهرها مرددًا:
_ماذا عساي أن أفعل سدن؟ لقد أوصاني محمدًا أن أسلمك الدفتر بعد موته ومع ذلك لم أفعلها حتى لا تظنيني أفعل ذلك لأرغمك بأعتناق الدين الاسلامي.
استدارت إليه بعينيها المنتفخة ورددت بصوتٍ بُحت نبرته:
_أنا لست بخير.. ضمني إليك آيوب.
احتواها بين ذراعيه بقوةٍ فانفجرت مرددة ببكاءٍ:
_بالله عليك أخبرني ما الذي يدفع الأخ إلى قتل أخيه؟!!! كيف فعلها؟
لقد ظننت أنه يتألم بعد موت أبي، ظننته يعوض شوقه إليه فيقوم بتربيتي أنا وأخي.
ورفعت رأسها القريب منه تخبره بوجعٍ:
_منذ أن ظهرت بحياة أخي وقد انكشف عنه وجهه الحقير، لقد أرسلك الله لنا لتخلصنا من هذا الشيطان آيوب.
مسد على ظهرها هامسًا برخامة صوته المحبب لها:
_اهدئي فحسب... لا أريد أن أشعر بالذنب لاخبارك بالامر... أرجوكِ!
ابتعدت عنه قليلًا هادرة بلهفة وهي تزيح دموعها بيديها معًا:
_أنا مش عيط.. شوف!
كلما تحدثت بكلمتها العربية تضحكه رغمًا عنها وعنه، يشعر وكأنها طفلة تحاول نطق كلمات تفوقها، تنحنح بخفوتٍ وسألها بدهشة:
_لماذا تبقين لهذا الوقت بإسدال الصلاة؟
اتجهت يدها تلقائيًا لحجابها مرددة ببلاهة:
_لإنك مازلت هنا!
تسللت الدهشة لتعابيره، فاستكملت باستفاضة:
_الحجة ركيا قال مش أقلع حجابي قدام أي راجل عشان حرام.
سقط بنوبة من الضحك وانبثقت كلماته بصعوبة:
_قدام أي راجل لكن أنا جوزك فحلال عادي.
مسكت طرف الحجاب وتساءلت بقلقٍ:
_يعني أقلع حجاب عادي؟
هز رأسه مؤكدًا ومازالت ضحكاته تتعالى حتى أدمعت عينيه، توقفت عن فك حجابها وقد ساورها الشك تجاهه، فتركت الفراش ونهضت تتجه للخارج، فسألها بذهول:
_انتِ راحه فين؟
قالت دون النظر إليه:
_إنتي بتكدبي عليا، الشيخ مهران هتقول الحقيقة.
وتركته مصدومًا وإتجهت لغرفة الشيخ مهران تطرق بابه، أفاق آيوب من صدمته، فهرع خلفها يناديها بحزمٍ:
_سدن توقفي الآن!!
تريث بخطواته فور أن انفتح باب غرفة أبيه، فامتقع وجهه حرجًا لما قد يظنه به فإذا بالشيخ مهران يتساءل:
_خير يا بنتي في حاجة؟
أجابته بنبرتها الشبه مفهومة:
_آيوب عايز آديرا يقلع حجاب، الحجة ركيا قال آديرا مش اقلع حجاب قدام راجل، وآيوب قال اقلع!
احتقنت نظرة الشيخ تجاه ابنه الذي يود أن تنشق الأرض وتبتلعه، فأجبر لسانه المصعوق على استجابة أوامره فنطق:
_هي تقريبًا فهمتني غلط يا عم الشيخ، أنا كل اللي قولته تقلع الطرحه وتنام مهو مش معقول هتنام وهي متكفنة كده!
بقت نظراته محيطة بآيوب بشكلٍ أقلقه للغاية، فلعق شفتيه بارتباكِ:
_مصدقني يا حاج؟
سند كفه على الكف الأخر ووقف يراقبهما بثباتٍ تضاعف به ارتباك آيوب الذي يتابع والده بحرجٍ، إلى أن مزق جلباب صمته مردفًا:
_خد مراتك وارجع أوضتكم، وقبل الفجر تنزل على وضوء صلاة الفجر يابن الشيخ مهران.
رسالة صريحة باطنها يعلمه آيوب، فهز رأسه مؤكدًا له، وأشار لتلك التي تترقب سماع اجابة سؤالها:
_فلنذهب هيا.
لحقت به للداخل بعد أن رأت حالة الصمت المطبقة على الشيخ، أغلق آيوب الباب خلفهما واستدار يقابلها بضيقٍ:
_بربك يا فتاة أي حماقة حلت عليكِ!!
هزت كتفيها ببراءةٍ:
_مش عارف إنت بتتكلمي عن أيه؟
_إنت وبتتكلمي!! يا صبر آيوب صبرني على ما ابتليتني بيه!
هدر بها منفعلًا، اتجه للفراش ينحني للأمام بجسده، فإذا بها تجلس جواره، تراقبه بضيقٍ لظنها بأنه حزين من فعلتها، فقالت ويدها تنزع الحجاب عنها:
_متزعليش آيوب قلعت حجاب.
لف رأسه لها مستنكرًا جملتها، مسح بيديه وجهه هامسًا بنزقٍ:
_هتجلطني!
تنهد وقال بقلة حيلة:
_مش زعلان، يلا اطلعي نامي.
هزت رأسها ونزعت عنها السماعة الصغيرة بآذنيها، بينما نهض آيوب واتجه لخزانته، يجذب بنطال وتيشرت مريح، وخرج للحمام الرئيسي ثم عاد لها فوجدها مازالت تجلس بنهاية الفراش، تغفو وهي تضم ذراعيها لساقيها بنومة غير مريحة بالمرة، حملها وإتجه ليضعها على الوسادة بشكلٍ مريحًا، فتعلقت برقبته بفزعٍ حينما شعرت بذراعيه، ردد بنبرةٍ جذبتها إليه:
_ أنا كنت بعدلك.. متخافيش!
تطلعت لفيروزته بانجذابٍ، ولمرتها الثانية لا تخجل من تصريحها بحبه الشديد، فقالت بالعربية:
_أنا بحبك آيوب.
ازدرد ريقه الهادر بصعوبة، فاستدار ليجلس هو على الفراش ووضعها أمامه، لا يعلم كيف استيقظ قلبه واعترف بسطوة حبها المستحيل، احتضن وجهها بيده واختلفت نظراته لها، تقسم بأن حبها بات يتلألأ بمُقلتيه كسطوع البدر في ليلة تمامه، مالت بوجهها على كفه وأغلقت عينيها بحبٍ وعاطفتها تتحرك إليه، تود أن ينزع عنها الألم ويطيب جرحها الغائر، عساه هو بلسم أوجاعها مثلما كان لأخيها.
كأجنبية تمنت خوض تجربة عاطفية مع شخصٍ تحبه، ولكن لم يحالفها الحظ مثلما وصفته، وها هي الآن تختبر أول قطفة من درب الغرام على يد زوجها.
أغلقت عينيها بقوةٍ تواجه تلك المشاعر الجديدة عليها، لا تعلم لما يخفق قلبها بكل هذا العنف، ربما لآنه لم يكن أي شخص، المؤكد لها لما تختبره من عاطفة وأحاسيس خاصة كانت لإنه آيوب الذي أحبته بصدقٍ، أحبت ذلك الشاب الذي خاض تسعمائة وتسعة وتسعون معركة وإنتصر بها بمعركته الألف، هو الذي قذف الحب بقلبها رويدًا رويدًا، لم تكن مفتونة به ولا بجاذبيته، بل ما جمعها به رغبة الانتقام والكره، الحبل الرفيع ما بين الحب وقد تمزق ليختل توازنها.
أفاق آيوب من انزلاقه خلف طوفان مشاعره التي تفاجئ بأنه يحملها لها، فابتعد عنها في الحال قبل أن يتطور بهما الامور.
وقف يلتقط أنفاسه بأعين متسعة، غير مصدق لما فعله الآن، يتطلع لها بنظراتٍ عبر فيها عن أسفه، فاستعاد ثباته وانتظام أنفاسه قائلًا:
_لا يمكن أن يحدث شيئًا بيننا سدن، آآ.. أنا.. لا أريد أن أرتكب حماقة الآن، لست جاهزًا على تحمل مسؤولية كبيرة مثل هذة الآن... أنا لم أنهي دراستي بعد وآآ...
اعتدلت بجلستها والألم يتسلل لتعابيرها ببطءٍ، شعور أنه مرغم ليكون معها طعنها بقسوةٍ، فرددت وهي تعتدل بنومتها لتحتل الجانب الأيسر من السرير:
_لا عليك.. أنا أتفاهمك.
لعن نفسه لما تفوه به، نظرة الانكسار بعينيها كسرته هو، ولكنه عاجز عن أن يشرح لها، بالنهاية ليست ملمة لتفاصيل عالمه، أن فعل ذلك لن يسامح ذاته أبدًا، عليه أن يجد عملًا مناسبًا أولًا وأن يعلن زواجه بها بالحي الذي يسكنه ثانيًا، عليه أن يقدم لها مسكنًا مناسبًا، وحفل زفاف حتى وإن كان بسيطًا، ليست لانها وصية صديقه، لإنه إن أحبها بصدق عليه أن يكرمها ويمنحها كرامة العيش وسط عالمه كما فعلها حينما اندث بعالمها الغربي.
وقف بمنتصف الغرفة حائرًا، يود الذهاب والنوم بغرفة والده ولكن ساقيه اللعينة لا تنساق إليه، عينيه الخائنة لا تكف عن التطلع لرجفة جسدها من أسفل غطائها، قلبه الاحمق يزيد من وتيرة دقاته وكأنه يعاقبه على ما ارتكبه.
تمدد آيوب جوارها، وبدون ارادة منه لف يديه من حولها ليعيدها لاحضانه مستنشقًا رائحة الزيوت المنعشة المنغمسة بخصلاتها الصفراء، هامسًا لها بنبرة جعلتها تحلق بسمائه:
_وذلك الإرهاربي أحبك رغمًا عن أنفه!
لوهلةٍ ظنته حلمًا يعوضها عما لاقته، ولكن رائحته وأنفاسه القريبة تفصلها عن أي تفكيرًا أحمق، استدارت تواجهه وخضرتها تواجه فيروزته بكل جيوشها، ازدادت حدة أنفاسه فقال ومازال يغرق بجنتها:
_كفى! أقسم أنني سأنسى حتى إسمي إن بقيتي تنظرين لي بتلك الطريقة.
ابتسمت ودموعها تنهمر دون توقف، فإذا به يزيحها عنها هاتفًا:
_بالله عليكِ توقفي عن البكاء، سدن أنا أحبك ولكن هنا الحياة محتلفة عما اعتدتي بالخارج، هنا إن لم أكن جاهز لتحمل مسؤوليتك كاملة فأنا لست مؤهلًا لكِ، إن أحببتيني بصدق فلتنتظري حتى أنهي دراستي وحينما أنتهي من تجهيز منزلي أعدك بأنني سأتزوج بكِ هنا في حفل يشهده عائلتي وأهالي الحي بأكمله.
تحمست لسماع الجزء الاخير من حديثه فقالت بفرحة:
_هل يعني ذلك بأنني سأرتدي فستان زفاف؟
هز رأسه يؤكد لها، مضيفًا:
_وهل ينقصكِ شيئًا عن الفتيات لترتديه!
طوقت عنقه بسعادة، وهي تردد دون توقف:
_أحبك آيوب.... أحبك!
نزع يديه من حول رقبته هادرًا بتوتر:
_حسنًا لنعقد اتفاق بيننا، لا تقتربي مني لهذا الحد مجددًا والا سأسحب وعدي لكِ وحينها لا يوجد زفاف ولا فستان.
سحبت ذراعيها وتراجعت للخلف فجذبها مجددًا مرددًا بخبث:
_ليس لهذا الحد، بامكانك النوم بين أحضاني ولكن بحذر يا فتاة!
كبتت ضحكاتها بصعوبة وأشارت له بموافقتها على اقتراحه، ضمها آيوب إليه وتصنع نومه حتى غفت مبتسمة، ففتح فيروزته يطالعها بحبٍ، وهمس لذاته ساخرًا:
_مطلعتش جامد زي ما كنت متخيل، وقعت يابن الشيخ مهران!!
*********
بصق الدماء من فمه بعدما تجرع أبشع أنواع العذاب، وها هو الآن يواجه ذلك الوجه الذي يصعب عليه نسيانه، سند طوله بصعوبة ليصل لطرف الحبل المعلق بسقفية المعتقل مرددًا بأنفاسٍ شاحبة:
_الرحمة يا باشا.
ابتسم من يقف أمامه بكبرياءٍ، فنهض عن مقعده ودث يده بجيب بنطاله الأسود، ثم دار من حوله بخطوات كانت تزلزل جسد غريمه، وبالأخص حينما قال بصوتٍ جهوري:
_طالب مني الرحمة طيب قولي إنت رحمت مين عشان أرحمك؟!
فتح معتز جفنيه المشقوق من أثر ذلك الجرح الغائر وسأله بخوفٍ:
_يونس اللي زقك عليا يا باشا؟
تعالت ضحكات "آدهم" وانحنى بقامته الطويلة قبالة وجهه المحني:
_تفتكر يونس ليه في قذارتك دي؟! معتقدش إن تربية الشيخ مهران تبقى بالدناءة اللي اتربيت عليها يا معتز
وانتصب بوقفته بعنجهيةٍ لا تليق الا سواه، مرددًا بقوة:
_العدالة الربانية قانون وداير، وجعت في يوم حد هيجي اليوم وحد هيوجعك وهيدوسك بالجامد، ظلمت ودلوفتي بتتظلم وبتدوق من نفس الكأس ال** اللي دوقته ليونس.
وتابع وعينيه تحدج به بشراسة:
_اللي كنت بتتحامى فيه ومشغله لاعمالك القذرة مرمي في زنانة جنبك فبهدوء كده هتنفذ كل اللي هقولك عليه والا إنت متتوقعش اللي ممكن أخليه يعملوه فيك.
ابتلع ريقه القاحل بصعوبة بالغة، وهدر برعب:
_هعمل كل اللي هتقول عليه يا باشا، أنا خدامك!
منحه ابتسامة خبيثة وردد:
_بدأت تعجبني!
*********
سيطرت الشمس بأشعتها الذهبية على ظلام الليل الدامس، وتباهت بضيائها الذي تفرد ليعلن بكبرياء بداية صباحها.
وبغرفتها كعادتها المزعجة مؤخرًا، تقيأت ما بجوفها صباحًا وهي تدعو الله أن لا يشعر زوجها بها، فتحطم أملها مع سماع طرقات باب الحمام وبعدها انطلق صوته الرجولي الحنون يتساءل:
_فريدة أنتِ كويسة؟
جذبت مناديلًا ورقية تجفف بها قطرات المياه المنتشرة على فمها، فتحت الباب فاندفع إليها يساند خصرها باحكامٍ وهو يتساءل بهلعٍ:
_إنتِ شكلك لسه تعبانه؟ كنتِ بتضحكي عليا وبتقوليلي بقيتي كويسة أديكي لسه تعبانه اهو.
جاهدت لتنطق بثبات:
_أنا كويسة.
انحنى يرفع ساقيها للفراش جاذبًا الغطاء عليها:
_لا يا فريدة مش كويسة، بقالك كام يوم على الحال ده وكل ما أكلمك تقوليلي أخده برد!!
باصرارٍ استرسل:
_هروح أطالبلك دكتور حالًا
تمسكت بيده قبل أن يتجه لهاتفه وقالت:
_مالوش داعي يا أحمد، أنا كلها ساعتين وراحه المركز عشان الافتتاح هخلي حد من الدكاترة يكشف عليا.
وتمايلت على الوسادة بتعبٍ ورددت:
_أنا بس عايزة أنام شوية، من فضلك خفف الاضاءة.
جذب الريموت الالكتروني يستجيب لطلبها، ثم فرد الغطاء عليها ومال يمسد على خصلاتها القصيرة المنثورة على الوسادة، هامسًا بعشقٍ:
_ارتاحي يا حبيبتي!
*****
بعد ساعات بغرفة زينب.
_أنا عايزة أفهم أيه اللي يخليكي متسرعة في قرار جوازك من دكتور سيف وانتي كنتي رافضة الموضوع من كام يوم بس؟! قوليلي يا زينب إنتِ بتحاولي تخبي عني أيه، اتكلمي!!
كلمات تحررت بغضب على لسان فاطمة بعدما علمت بقرار زواج زينب، توقفت زينب عن لف الحجاب لاستعدادها للذهاب برفقتهم للحفل.
استدارت تواجه شقيقتها باستسلامٍ، كانت تعلم بأن هذا اليوم قادمًا لا محالة، لذا رددت بحزنٍ:
_قررت ده عشان بحبه يا فاطمة وعشان أتخلص من علاقة حب مريضة بتطاردني لحد النهاردة.
زوت حاجبيها باستنكارٍ:
_علاقة حب!! تقصدي أيه يا زينب؟
فركت أصابعها بتوترٍ مما ستخبرها به، فتركت مقعد السراحة واتجهت لمحلها قائلة:
_كان في شخص في حياتي قبل ما أسافر على هنا، بس مع الوقت اكتشفت انه انسان مش طبيعي ومتملك بشكل مجنون، كنت فاكرة اني لما أسافر على هنا عمره ما هيوصلي بس كنت غلطانه، عرف مكاني وهددني كذه مرة ودكتور علي عارف الحوار ده..
واسترسلت باصرار:
_ودلوقتي عايز يفرقني عن سيف لانه بيراقبني وعارف كل تحركاتي عشان كده اتمسكت بيه لإني حبيته يا فاطمة ومش عايزة أبعد عنه.
صعقت مما استمعت إليه، خاضت شقيقتها حربًا نفسيًا طاحنة وهي أخر من يعلم بها! ، ضمتها فاطمة لاحضانها بقوة، ولم يسعها الا أن تضمها ودموعها تنهمر رغمًا عنها، لم تملك حتى جراءة المعاتبة لاخفائها الأمر لأنها تعلم بماذا ستجيبها، ولكن ما عليها الا لتطمنها فقالت:
_لو جوازك منه هيسعدك فاتجوزي وعيشي حياتك يا زينب، أنا كل اللي يهمني إنك تكوني مبسوطة وسعيدة في حياتك..
ضمتها بقوة ورددت:
_هكون سعيدة طول ما انتي جنبي يا فطيمة.
أبعدتها عنها وقالت وهي تزيح دموعها:
_يلا كملي لبس عشان منتاخرش عليهم.
هزت رأسها بابتسامة رقيقة، وهبطت فاطمة للاسفل تنتظر هبوط باقي أفراد العائلة
********
انتهى من عقد جرفاته بحرفيةٍ جعلته أنيقًا كعادته، وفور أن انتهى من ارتداء حذائه حتى خرج من الخزانة يناديها:
_حبيب قلبي خلص لبس ولا لسه؟
زحفت لحافة الفراش تطالعه بضجرٍ، فتطلع لها بدهشة:
_إنتِ لسه (بالـbijama.. بالبيچامة)!!
ضمت الدمية إليها، ثم مالت بجسدها للأمام مستندة عليها، وبإرهاقٍ قالت:
_مش قادرة أقوم من مكاني فقولي هلبس ازاي!!
واسترسلت بحزنٍ:
_أنا حتى وشي بقى مجهد وبقيت مش بقدر أقف ولا أتحرك زي الأول.. حتى لو بصيت لواحدة غيري هسامحك لاني شكلي بقى بشع جدًا!
جلس عُمران أمامها، وقال وهو يعقد خصلتها حول أصبعه:
_طيب ومين السبب في اللي انتِ فيه ده مش ابني!
راق لها ان وجد من يعلق تهمتها عليه، فهزت رأسها مؤكدة له، هبطت يده لتحتضن جنينها ثم انحنى يحدثه بأوامرٍ مضحكة:
_ممكن حضرتك تفهمني أيه اللي إنت عامله في حبيب قلب جوزه ده!! متخلنيش أزعلك مني وأحرمك من صوتي الحنين ده، فاهدى على مامي كده ومتعذبهاش معاك عشان بابي يحبك ويدلعك لما تيجي.
وتابع موضحًا بابتسامةٍ مختارة:
_أنا حتى هصمملك رفين في الخزنة اللي بدأت فيها، واول ما أتأكد إنك ولد هخلي (الـstylist مصمم أزياء) يعملنا كام طقم على زوقي عشان نلبس زي بعض.
ومال يطبع قبلة على كفه مستطردًا ببسمة خبيثة:
_في اغراءات كتيرة لمعاليك بس ممكن عشان خاطر بابي متضايقش مامي لحد ما تشرف؟
ابتسمت مايا ساخرة من طريقته، ورددت؛
_سمع كلامك هو!!
انتصب بجلسته يجيبها بغرور:
_لازم يسمع كلامي يا بيبي ده لإنه لو ذكي زيي هيعرف إن مصلحته معايا أنا وهيبتدي يحاول إزاي يراضيني!
ابتسمت رغمًا عنها ومالت تستند على كتفه مرددة بتعبٍ:
_تعبانه أوي مبقتش قادرة أقوم من مكاني الدوخة والهبوط اللي عندي مهما انتظمت على الادوية مش بيروحوا، أنا خايفة أكون بتقل عليك يا عُمران
ضمها بذراعٍ والاخر يمسد ابهامه على جلد يدها الرقيق:
_حبيب قلبه تقلي براحتك وميهمكيش جوزك جامد وميتخافش عليه يا بيبي!
ضحكت رغمًا عنها حينما وجدته يستعرض عضلاته قبالتها، شاركها الضحك قائلًا:
_ مستعد أشيلك من هنا لحد معاد الولادة المهم نفسيتك متتقصرش.. وبالنسبة لحالة الاكتئاب المبكر ده فمتقلقيش علاجه عندي يا بيبي.
نهض عن الفراش متجهًا للخزانة فتابعته بفضولٍ لمعرفة ما يقصده، دقائق وعاد إليها بفستان سماوي اللون وبيده الاخرى جاكيت من اللون الأبيض يخص فستان أخر غير ذلك، ولكنها لم تمانع أبدًا لتأكدها بأن القطعتين ستكون رائعًة الجمال، باتت تثق به وبذوقه الرفيع فاستسلمت له لتجده يساندها لحمام الغرفة.
عاونها عُمران على الاغتسال ثم خرج بها للغرفة، ساندها للسراحة وجذب أدوات التجميل البسيطة يحاول اخفاء عدم تطابق بشرتها بسبب الانميا بميكب بسيط صنعه لها، وفور أن أنتهى حتى أطلق صفيرًا معجبًا:
_أيـه الجمـال ده كله يا بيبي، أمممم شكلي هعيد حساباتي.
تساءلت وهي تتطلع لانعكاسها بالمرآة باعجاب:
_حسابات أيه؟
جذب الفستان يعاونها بارتدائه قائلًا:
_هتعرفي دلوقتي.
ارتدت الفستان ومدت ذراعيها ليضع لها الجاكيت فوجدته يلقيه بعيدًا ويفرد خصلات شعرها من حولها، ثم يمشطها بعناية وابتسامة عاشقة تطوفه، رددت باستغرابٍ:
_عُمران طرحتي؟
ألقى مثبت الشعر من يده باهمال وانحنى يحملها للفراش، وضعها على طرفه ونزع عنها حذائها وهي تتابع ما يفعله بدهشةٍ.
غاب عنها دقائق وعاد يحمل طاولة صغيرة، وضعها حولها وملأها بالتسالي المفيدة والعصائر والشوكولا، ومن ثم وضع فوقها حاسوبه الباهظ وقد أعده على سلسلة أفلام ديزني كما تحب.
راقبت ما يفعله متسائلة بذهول:
_بتعمل أيه؟
أجابها ببساطه وهي يفترسها بعينيه:
_مهو لو متوقعه إني هزينك بايدي وأخدك بالجمال الزايد ده أعرضك للخلق تبقي يا بتحلمي يا أنا هركب قرون قريب يا بيبي!
وتابع وهو يضم ذقنها كأنها طفلة:
_حبيبة قلب جوزها العاقلة هتقعد كده مكانها معززة مكرمة تتفرج على سندريلا وسنو وايت لحد ما أرجعلها نكمل سهرتنا مع بعض.
لم يعنيها أمر الخروج كثيرًا، فصدقًا باتت بعد حملها مرهقة بدرجة كبيرة، جذبت طبق اللوز تتناوله وهي تتطلع للشاشة باستسلامٍ تام، فاتسعت ابتسامته وانحنى يقبل خدها هاتفًا بمرحٍ:
_حبيبة قلب بابي اللي بتسمع الكلام تأخد قلبه وعينه وكلاويه وكل شيء يملكه الا لبسي وجزمي وساعاتي وبرفاناتي والجرفات دول خارج نطاف حساباتنا.
منحته نظرة محتقنة فغمز لها متابعًا:
_هسيبك مندمجة مع العالم الخيالي بتاعك ده مع إنك لو ركزتي كويس هتلاقيني أجمل وأشيك من الابطال اللي يصدوا النفس دول على الأقل أنا حقيقي وملموس مش حبر على ورق.. يلا يا بيبي سلام مؤقت.
وتركها واتجه للمغادرة وقبل أن يغلق الباب اشرأب بعنقه يشدد عليها:
_أوعي أرجع ألقيكِ نمتي أنا حططلك تسالي تجيبك أربع خمس ساعات واللاب مطول مش هيفصل دلوقتي اطمني.
هزت رأسها بنزق ليغادر، فاتسعت ابتسامته وقال بمكر:
_حبيبي شكلي وحشتك أنا كمان!
جذبت قالب الشوكولا وألقتها بوجهه صارخة بعصبية:
_امشي يا وقح.
نزع غلاف الشوكولا الفاخرة وتناولها مرددًا ببرود:
_مش كنتِ حدفتيها بالمكسرات، حد يبخل على جوزه حبيبه بردو!!
جذبت إحدى ثمار الفاكهة وألقتها بوجهه هادرة بعنف:
_امشي يا عُمران!!
قضم ثمرة التفاح بتلذذٍ وأشار بيده:
_روح قلبي عارف اني مش بتعشى غير فواكه، يلا أشوفك كمان ساعتين، هتصل بيكي كل ربع ساعة أتأكد إنك صاحية مهو لازم أطمن إن مجهودي مرحش هدر.
أغلق الباب وهو يستمع لصياحها المنفعل، فابتسم باستمتاعٍ ومضى للأسفل وهو يتناول التفاح بشهيةٍ مفتوحة، فإذا بالخادمة تستوقفه قائلة بارتباكٍ ملحوظ:
_سيدي.
استدار تجاهها وسألها باستغراب:
_ما الأمر؟
بارتباكٍ قالت:
_هناك من يريد مقابلتك بالصالون.
سألها بفضول:
_من؟
_مرحبًا عزيزي، هل أفتقدتني؟
تسلل لآذنيه أبشع صوتًا قد بسمعه يومًا، أغلق عينيه بقوة ومعصمه يلتف حول بعضه بعنف كاد بأن يفجر أوردته، فاستجمع ثباته الهادر واستدار تجاه الصوت يقابلها بنظرة صلبة، وبصرامة نطق بالحارس الواقف لجوارها:
_منذ متى ونحن نسمح للعاهرات بالدخول لمنزلنا؟!!!!
ضحكت بطريقتها الفجة ورددت بدلال وهي تقترب منه:
_ما بك عُمران هل تغيرت ملامحي لتلك الدرجة؟ أنا هي نفسها آلكس... حبيبتك آلكس!!!
.......... يتبع......
#الاقوى_قادم.. ... #صرخات_أنثى...#آية_محمد_رفعت..
*******__________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثالث وسبعون 73 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!...)
#الفصل_التاسع_والخمسون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "مصطفى وأمير وصفا"،"مي محمد"،"مريم عبد السلام"،"هبة حمادة"،"حسناء محمد"،"نورا خلف"،"ندى ابراهيم"،"إيناس عبدالله" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
الاشمئزاز والتقزز يحيطان بجسده فور رؤيتها تقف قبالته، يمر عليه ذكرى الأربعة مرات اللاتي أغضب فيهم الله واهتز عرشه غضبًا لما اقترفه بحق نفسه، لم يحتمل بقائها قبالته وكأنها سهام تهدد باختراق جسده.
كأنها تحمل شاشة تعرض له مفتطفات جريمته وذنبه الذي يحاول جاهدًا نسيانه، حشد قوته واستعد لسانه السليط لتلك المواجهة الذي كان يعلم بأنها أتية لامحالة، أشار بأصبعه يصرف الحارس والخادمة، وأجلى صوته بقوةٍ وصلابة:
_أي جراءة وعهر تمتلكينه لتأتي وتقفي أمامي بكل هذا التبجح!
اتسعت ابتسامتها وتغندجت بخطواتها وهي تتجه إليه، أحاطها بنظرة ساخطة بداية من تنورتها القصيرة والتوب الذي لا يخفى شيئًا من جسدها، فاستغلت صمته ظنًا بأنها عادت لتفرض سطوتها عليه مثل السابق وطوفت رقبته بذراعيها قائلة بدلالٍ وضيع:
_اشتقت لك كثيرًا، ألم تشتاق لي؟
نزع ذراعيها عن رقبته دافعها بكل قوته للخلف، وباستحقارٍ قال:
_لستُ أحمقًا لأشتاق لحية تنتظر فرصة بخ سمها اللعين.
اشتعلت غضبًا فتابع ببسمةٍ ساخرة:
_لا أعلم كيف تظلين على قيد الحياة وبداخلك كل تلك السموم؟!
صرخت غاضبة:
_هل أصبحت أنا الأفعى الآن! إنت من تخلى عني بعد ما فعلته لأجلك ولأجل أن أخلصك من زوجك من تلك المصرية الحقيرة.
لأول مرة يفعلها ويطلق غضبه على امرأة، ولكنها أذهبت عقله للجحيم وأبقت وحشه ثائرًا يتربص لها، طالتها لطمة من يده القوية أسالت الدماء على جانب شفتيها هادرًا بعنفوان تشهده لأول مرة:
_إياكِ وذكر زوجتي بالسوء والا نحرت عنقك أيتها ال****.
ضمت جانب وجهها وأنفاسها المنفعلة تصل لمسمعه، فحررت ما احتبس داخلها حينما قالت بحقدٍ:
_حسنًا عُمران.. أنا الآن أتيت لك بنفسي أطالبك بأن نعود مثل السابق، سننسى الماضي وسنبدأ من جديد، رغم إنك رفضت رجائي بأن تخرجني من السجن وطردت المحامي الخاص بي ولكني أسامحك الآن.
تمردت ضحكاته بشكلٍ جنوني، فراقبته بغضب من استهزائه بطلبها، وخاصة حينما قال باستهزاء:
_أعتذر ولكني لا أمتلك الوقت لسماع تلك التراهات، عائلتي تنتظرني وعلي الذهاب إليهم، هل سترحلين الآن أم أنكِ بحاجة لمساعدة الحرس؟
احتشد الغيظ داخل حدقتيها المحتقنة، فصرخت به:
_أنا لم أتى إلى هنا لتستهزأ بي عُمران، اسمعنى جيدًا لقد ساعدني عدوًا لك بالخروج من السجن قبل أن أقضي مدتي على أمل أن أسلمه ما معي ضدك وبالرغم من ذلك أتيت إليك لأنني مازلت أحبك وأرغب بك.
واسترسلت بغلٍ وتملك:
_أعدك بإنك إن لم تخضع لي لن أتردد لأضع رقبتك تحت قدميه، لقد سبق لي وقتلتك حينما شعرت بأنني خسرتك، كن ذكيًا الآن باختيارك والا سأقدم الفيديو إليه..
رمش بعدم استيعاب لما يحاول عقله تفسيره، فردد بتبهةٍ:
_ عدو! عن أي فيديو تتحدثين؟! ما هذا الهراء!
اتجهت لحقيبتها الموضوعة على المقعد، سحبت الهاتف من حقيبتها واتجهت إليه ببسمةٍ انتصار، حررت زره وقدمته إليه فالتقطته بعنفٍ، تراخت أعصابه رويدًا رويدًا، خفف نبضات قلبه المتسارعة، جحظت عينيه في صدمة حقيقية جعلته يشعر بتراخي جسده القوي ليصبح كالهلام المنهزم للسقوط، وهو يشاهد أخر ما توقعه، فيديو مسجل له وهو برفقة تلك الوضيعة، بينما الاخيرة تراقبه بابتسامة انتشاءٍ لتأكدها بأنها الإن تحمل نقطة من نقاط ضعف "عُمران سالم الغرباوي" ، إن نشر فيديو كذلك إليه سيهتز إسمه بسوق عمله وإسم عائلته الآرستقراطية المعروفة.
رفع عينيه عن الهاتف إليها بصعوبة، كيف لامرأة أن تصور نفسها بتلك المشاهد الحميمة القذرة، كيف تتأجر بنفسها بتلك السهولة، كل مرةٍ يزيد كرهه لنفسه بأنه سمح لتلك الحقيرة بالدخول لحياته، كل مرةٍ يتأكد بأنه كان أحمقًا قذرًا.
قذف الهاتف بعرض الحائط فسقط منكسرًا أسفل قدميها، وطالتها يده جاذبًا إياها من خصلاتها صارخًا بغضب جحيمي:
_أيتها القذرة اللعينة، هل تظنين بأنكِ ستهدديني؟!! أفعلي ما شئتي مهما فعلتي مستحيل أن أنخضع لكِ مرة ثانية، محال أن أدنس نفسي بعلاقة وضيعة مثل تلك.
وقذفها أرضًا يشير بعنف:
_اغربي عن وجههي والا سأقتلكِ في الحال.
نهضت تمرر يدها على ذراعها بألمٍ ومع ذلك مازالت ابتسامتها الخبيثة تعلو ثغرها، فحملت هاتفها وحقيبتها وقبل أن تتجه للخروج قالت:
_سأتركك تفكر بالأمر، أنا عاهدتك ذكيًا عُمران لست أحمقًا لتختار الفضيحة لك ولعائلتك.
وتابعت بابتسامة ماكرة:
_لقد سمعت أن زوجتك حامل وحملها متعب للغاية فكر بالأمر ماذا إن وصل مقطع الفيديو لها ؟
وتابعت وهي تخرج بثقة وغرور:
_إن حسمت أمرك فأنا بانتظارك غدًا بنفس الفندق الذي كان يجمع غرام أيامنا معًا.
رحلت وتركته يشتعل من فرط عصبيته، دفع عمران الطاولات الزجاجية وهو يصرخ بجنون:
_رخيـصة!
سقط على المقعد يشدد على خصلات شعره بعصبيةٍ مفرطة، يحاول أن يهدأ انفعالاته ولكنه كان خارج السيطرة، بقى ساعة كاملة محله لا يقوى على التفكير أو اتخاذ قرارًا مناسبًا، لا يعنيه أن يتعرض للخسارة بعمله فهو يمتلك من المال والثراء ما يجعله سيدًا عمرًا بأكمله، ولكن ما يقلقه هي "مايا"، إن كره نفسه أضعافًا لمجرد رؤيته لمقطع الفيديو ماذا سيحدث لها؟!، حتى وإن كانت على علم بما فعله سابقًا ولكن رؤيته سيكون مؤلمًا لها، يحمد الله بأن الأجنحة مزودة بكاتم الصوت والا كانت ستستمع لما يحدث الآن بالأسفل، ولكن مدة ذلك السكون مؤقتة، الخوف كل الخوف من القادم!
*******
احتشد المركز بأعداد غفيرة من أعيان الطبقة الآرستقراطية، منهم من خص السيدة" فريدة هانم الغرباوي" واخرون أتوا خصيصًا لمجاملة "أحمد الغرباوي" و"عُمران"، وأغلبهم من الأطباء والمرضى الذين تم شفائهم على يد "علي الغرباوي" .
انتقلت العاملات بين الطاولات الطويلة، توزعن أجود أنواع العصائر على المحاطون للطاولات، فعدم وجود مقاعد حول الطاولات منحت القاعة اتساعًا ومساحة ضخمة للمارة.
وعلى مقدمة الطاولات حيث الطاولة المستطيلة الخاصة بآل"الغرباوي"، وقفت "زينب" جوار شقيقتها، وعلى الطرف الأخر تقف "فريدة" هانم جوار زوجها وابنتها "شمس"، يراقبون الحفل باهتمامٍ، أما على المدخل الرئيسي فكان يقف "علي" ولجواره"يوسف" وعدد محدود من كبار أطباء المركز يستقبلون المدعون بكل ترحاب.
توجهت النساء لتقديم المباركات لفريدة بشكلٍ خاص، معلنين سرورهم بتنظيم قسم خاص بالكشف التجميلي للنساء.
تبادل "علي" السلام الحار مع جمال وسيف، فقدما الورود له ومضى للطاولة القريبة من وقوف علي ويوسف.
بحثت عين سيف تلقائيًا عنها، فوجدها بالطاولة المقابلة له، وفور أن تعانقت أعينهما حتى تخلل له سماع دقات قلبها الفاضحة، وتورد بشرتها الملحوظ لفاطمة التي ابتسمت بسعادة لشقيقتها، وابعدت بصرها لزوجها فشرع الحب بأعناق مُقلتيها كالعلم المضاهي بعنجهيةٍ فوق سور المدينة، وقفته الثابتة، ثيابه المنمقة، نظارته الطبية التي تنجح دائمًا أن تصنع له وقارًا خاص به، خصلات شعره الفحمي التي تصل لأسفل رقبته، نهيك عن ابتسامته البشوشة التي ترغمها على متابعته بابتسامة حالمة، عاشقة لذلك المثقف المتواضع.
ارتبكت فاطمة فور أن أمسكت بها رماديته وهي تراقبه بتلك الحالمية، فمنحها ابتسامة لا تراها الا لها وكأنها صنعت لأجلها.
تصنعت انشغالها بترتيب باقة الزهور بالمزهرية المقابلة لها، وفور أن عادت بعينيها له وجدته مازال يتطلع لها، فابتسمت بخجلٍ.
مر الوقت بالحفل ولم بحضر عُمران، نهض جمال واتجه ليوسف وعلي متسائلًا بدهشةٍ:
_هو عُمران مجاش لسه؟
رد عليه علي وهو ينزع هاتفه عن أذنه بقلقٍ:
_بكلمه بيكنسل ومش بيرد!
بدى القلق على الأوجه، فقال يوسف باستغرابٍ:
_وأنا كمان كلمته كذه مرة مردش، تأخيره مش طبيعي ربنا يستر.
سحب جمال هاتفه من جيب بنطاله واتجه للخارج ناطقًا:
_أنا هرن عليه من بره.
أشار له علي مرددًا:
_لو رد طمني يا جمال.
هز رأسه ومضى للخارج، يعيد الاتصال به بقلقٍ وتوتر، فإذا به يمنع مكالمته من الوصول لهاتفه، أعاد الاتصال للمرة الرابعة فإذا بيدٍ تطرق على كتفه، استدار للخلف فتهللت أساريره هاتفًا بلهفةٍ:
_عُمرااان!
منحه نظرة ثابتة لا تجيد داخلها، وردد بنزقٍ:
_أيه حفلة المكالمات دي، حد فيكم هيطلق تاني؟
زم شفتيه بسخطٍ:
_لسانك ده عايز الحرق، مبتردش على موبيلك وجاي متأخر ليه؟!
وضع يديه بجيب جاكيته الأبيض قائلًا بوقاحةٍ:
_قلقتي عليا انتي وضرايرك يا حبيبتي! متقلقوش مش هجبلكم الرابعة أنتوا عدمتوني العافية وسديتوا نفسي عن جنس الحريم كله.
صاح بغضب:
_عُمــــــــــران!!
استكمل وصلته المنفرة:
_صوتك يا بيبي عيب!
اشتعلت نظرات جمال بغضب وصاح وهو يتركه:
_أنا غلطان إني طلعت أكلمك وقلقت عليك، أقولك حاجه تتفلق يا عُمران.
ابتسم وهو يتفحصه يبتعد عنه بخطوات منفعلة، فجلس على الاريكة الخارجية بصمت كان مريب لجمال الذي يجزم أن هناك أمرًا ما، فعاد إليه يشير:
_إنت لسه هتقعد! دكتور علي مستنيك جوه وقلقان.
قال وهو يتطلع للفراغ:
_قوله إني جيت.
جلس جواره يتفرس بهدوئه المريب وصاح بشكٍ:
_مالك يا عُمران؟
أغلق جفنيه بقوةٍ ساندًا رأسه لظهر الأريكة المعدنية:
_مصدع ولو دخلت وسط الدوشة دي هيلموا المعدات الحديثة وهيتطوعوا يتدربوا عليا، أهو حفلة نظري وعملي على شخص فاقد الوعي!
وتابع وهو يبتسم ساخرًا:
_والله أعلم هيحولوني على دكتور مخ وأعصاب ولا علي هيقوم بالواجب ويصعقني بالكهربا ويمكن يشوفلي سرير في جناح المرضى النفسيين تحت اشرافه.
أصر على وجود شيئًا أخر، فقال:
_لأ، في حاجة تانية مغيراك.. في أيه؟
اعتدل بجلسته متنهدًا بمللٍ :
_مفيش حاجة مهمة، الحزبونه آلكس اقتحمت فجأة في حياتي، في الأول بعتتلي محامي طلب مني أخرجها من الحبس ولما طردته وبهدلته اتفاجئت بيها النهاردة واقفة قدامي وبتقولي إن في عدو ليا خرجها من الحبس في مقابل إنها تفضحني.
اعتدل بجلسته مبرقًا بصدمةٍ بينما الاخير يبلغه بما حدث بمنتهى الجمود التام وكأنه يخبره إنجازًا فعله، فصاح بصدمة:
_تفضحك ازاي؟!!
استدار إليه يريه الألم المتلألأ بحدقتيه رغم جفاء نبرته:
_الهانم مصورنا مع بعض.
صعق جمال وتجمد محله لوهلةٍ قبل أن يهمس:
_يا نهار أسود!! إنت ازاي مخدتش بالك من النقطة دي!!
ربع يديه أمام صدره وعاد يستند برأسه للخلف متأملًا السماء بتفحصٍ:
_يعني كنت هأخد بالي ازاي يا جمال! همسح الأوضة من الكاميرات ولا هفتش في كل زواية!! أنا كنت واثق إن اللي حصل زمان مستحيل يعدي من غير عقاب.
وتابع بحزنٍ:
_ العقوبة لو هتمسني لوحدي فأنا راضي، لكن أنا مش هقبل أوجع مايا بعد كل اللي عشته وعدته معايا، مش هسمحلها تنفذ اللي في دماغها حتى لو هقتلها بإيدي.
انقلبت معالمه بتقزز من تلك الشخصية المقيتة، وسأله باستفهامٍ:
_ لو عايزة قرشين أرميهملها وخلاص.
ضحك بصوتٍ ساخرًا ومال برأسه المستكين إليه:
_تفتكر إنها لو كانت طلبت ثروتي كلها كنت هعترض؟
زوى حاجبيه بدهشةٍ:
_أمال عايزة أيه؟
اتسعت ابتسامته وبخبث قال:
_اشتاقت لليالي القذرة وبكل بجاحة عايزاني أكون معاها!
_أوعى يا عُمران، أوعـــى بعد ما توبت ترجع للطريق ده!
نطقها فازعًا لفكرة عودة رفيقه لطريق الشيطان المحفور بالهلاكٍ، مرر عُمران يده على جبينه بارهاقٍ وبهدوءٍ قال:
_عمري ما هعملها حتى لو كان التمن دمار حياتي يا جمال.
وبإيمانٍ تام قال:
_أنا واثق إن ربنا سبحانه وتعالى بيختبرني، بعد فترة من المذاكرة جيه وقت الامتحان ومستحيل هسقط فيه.
وفتح عينيه يتطلع للسماء الصافية من أمامه وهو يستكمل بهمسٍ خافت:
_سبحان من قذف بقلب عبده حلاوة التوبة والبعد عن المعصية، حاشة أن يعود لطريق المعاصي وارتكاب الكبائر!
ارتسم الحزن بعمقٍ على ملامح جمال، فربت على ساقه وقال بثقةٍ وإيمان:
_ربنا عمره ما هيتخلى عنك يا عُمران، أكيد هتلاقي مخرج منها بس المهم تدور وتشوف مين اللي وراها.
_شامم ريحته من على بعد!
قالها وعينيه تراقب ذلك البغيض الذي يهبط من سيارته ويتجه إليهما من على بعدٍ، فاراد ان يبدل الحديث.
رمق جمال بنظرة جامدة والاخير يترقب أن يستكمل حديثه حول هذا العدو المنشود، ليفاجئه بانجرافه حول الحديث الهام لسؤالٍ طرحه بجدية مضحكة:
_ملبستش من الهدوم اللي جبناها ليه يا جمال؟ مصمم بردو تلبس زي البلياتشو!!
كز على أسنانه بغضبٍ، وقبل أن يقذف إليه كلماته وجده يستطرد ببرودٍ:
_ادخل اغضب جوه وأنا شوية وهاجي أصالحك.
رمش بعدم استيعاب وردد:
_انت مش طبيعي أقسم بالله.
وضع عُمران ساقًا فوق الاخرى وعاد برأسه للخلف هامسًا بسخرية:
_الحق عليا بنقذك من سماجة نعمان الملزق، خليك قاعد يا جمال أهو ينوبك من الكوباية شفطتين.
استدار جمال تجاه طريق السيارات فوجد المزعوم يقترب منهما، انتفض بجلسته هادرًا بوجومٍ:
_والنبي ما ناقصة على المسا، هستناك جوه أحسن.
وتركه وهرول للداخل، فسبق لجمال رؤية الكره والاحتقار يملئ أعين هذا البغيض تجاهه، حتى وإن جمعهما أي ندوة أو عملًا مشترك كان ينزعج من كلماته المبطنة والتي تقلل من شأنه، ولكن لم يفكر بالأمر كثيرًا فبالنهاية نعمان هو نفسه المقيت الذي يكره الجميع تواجده بأي مكانٍ.
همس عُمران من بين اصطكاك أسنانه:
_كانت نقصاك هي!!
اندفع إليه كالبركان الثائر، فتأكد بأنه لم يأتي للحفل كما توفع، بل كان اللقاء به هو غايته الوحيدة، وقد صدق حدثه حينما ألقى جواره عدد من المجلات بانفعالٍ، سحب بصره عنه يتطلع للمجلات الملقاة جواره، ثم رفعهما إليه وببرودٍ قاتل قال:
_خير أيه اللي مولعك المرادي؟
انحنى نعمان يلتقط احدى المجلات، يفتح إحدى الصفحات ووضعها نصب أعين عُمران هادرًا بحقدٍ:
_ممكن تفهمني أيه ده؟؟
أدلى شفتيه للاسفل مردفًا بشفقة:
_يا حبيبي جاي المشوار اللي قطع نفسك ده كله عشان تخليني أقرلك الخبر اللي نازل!! هو إنت مش معين عندك حد بيعرف فرنساوي ولا أيه نعمان؟
اكتظ من الغيظ بدرجة جعلت وجهه يكتسيه حمرة قاتمة، فانحنى عُمران على المجلة يقرأها بثبابٍ كاد أن يصيب الأخير بذبحةٍ صدرية:
_فيما يخص مشروع المول التجاري الضخم فلقد تم استبدال أحد الشركاء بالمهندس أحمد الغرباوي بنسبة تعد الأكبر بين الشركاء وتقدر ب30٪ وآ...
كور المجلة بين يده وألقاها أرضًا صارخًا بجنونٍ:
_متستفزنيش يابن فريدة!
وضع ساقًا فوق الاخرى يرمقه بنظرات ثابتة:
_إنت اللي بتنهار بسرعة أعمل لأمك أيه؟!
وجز على شفتيه السفلية هادرًا:
_خلتنا نتكلم على الاموات الله يسامحك، محضرك هو اللي مستفز!!
تغاضى عن وقاحته وصرخ به بحقد:
_إنت مستكتر عليا أدخل في مشروع مهم زي ده، رايح تديه لاحمد الغرباوي!!! طيب على الأقل اديله عشرة في المية وأنا عشرين، أنا مش فاهم هو عاملك أيه!!!!
وتابع يبخ ما بداخله من غضب:
_ ده أنا حتى خالك وأقربلك في صلة الدم أكتر منه، هو عاملك أيه مش فااااهم!
وصرخ بانفعالٍ:
_أخدت تصميم المشروع لجمال صاحبك ودخلت أحمد الغرباوي شريك فيه وأنا فيــــــــن من حساباتــك!!
انتصب بوقفته قبالته يرمقه باستحقارٍ وكره، وباستنكارٍ شديد قال:
_أيه كمية الكره والحقد اللي جواك دي! طايق نفسك ازاي؟ ، يا أخي اللي بيقسمها فوق فواقف وبتحاسبني على أيه؟! أنا مشفتش في بجاحتك!!
أجابه بكل تبجح:
_أيوه من حقي أحاسبك، إنت ناسي إني خالك!
ضحك بصوته كله حتى أدمعت عينيه، وتلاشت عنه فجأة ليردد بسخريةٍ:
_من أمته ده؟! فاكرني يمكن أنا عندي فقدان ذاكرة مؤقت!
زفر الاخير بضجرٍ، ووجد ان أسلم حل اتخاذ الطرف السلمي عساه يحصل على مبتغاه:
_طيب مش مهم اللي فات، أنا عرفت إن مركز إيفرينا اختارك عشان تكون المسؤول عن المركز الطبي اللي هيتعمل بعد ما نشرت فيديو مركز علي، خليني أدخل معاك فيه، من وقت انسحابك من الشركة والخساير نازلة ترف عليا وهيلينا طلباتها مبتنتهيش!
التقط نفسًا مطولًا وزفره على مهلٍ، هادرًا:
_كنت متوقع ايه بعد انسحابي من الشركة الأم؟!! إنت صممت وأنا نفذت جاي دلوقتي تتكلم في أيه؟! ثم إنك موصلتش للخساير دي بسبب انسحابي وصلت لكده بسبب اللي اتجوزتها وسبتلها السايب في السايب وأنا سبق وحذرتك منها وقولتلك هي تمامها معاك أيه، بس إنت مبتثقش غير في دماغك اللي هتسوحك إن شاء الله.
بغضبٍ صاح:
_خلصنا من حوارها لاني مش هتكلم فيه، اعمل حسابك أنا داخل معاك في مشروع المركز ده، محتاج أرجع بتقلي في السوق.
زفر بنزقٍ وأجابه:
_بس المشروع ده داخل معايا فيه شريك ومطلوب معايا بالإسم وتقدر تتأكد بنفسك.
زوى حاجبيه بوجومٍ ضاري، ونطق بحدة:
_الجربوع اللي مصاحبه مش كده!!!
رفع اصبعه يشير له بحزمٍ قاطع:
_إلزم حدك يا نعمان بدل ما وربي أتحول عليك.
صرخ بنزقٍ وشرارة طالت ألهبتها العنان:
_مش دي الحقيقة، الجربوع اللي من الشارع ده لف عليك وقدر يملي دماغك ويشاركك في كل شغلك، بس المرادي مش هتراجع يا عُمران انا اللي هكون معاك في المشروع ده غصب عنك وعن اللي يتشددلك.
احتدت مُقلتيه إليه، فهز رأسه بعدم استبعاب:
_إنت أيه بجد!! إنت ازاي فيك كل الحقارة دي!!!!!
خرج عن طور هدوئه ولم يبقى له ذرة عقل، في تلك اللحظة خرج "علي" يبحث عنه فور أن أبلغه جمال بجلوسه بالخارج، فصعق حينما استمع لأصوات صراخهم، اندفع إليهما يفرقهما وهو يتساءل برهبةٍ:
_في أيه يا عُمران؟ في أيه يا خالو؟
أشار عليه بفظاظة:
_شوف اخوك يا علي والا والله العظيم لأنسى إنه ابن اختي وأذيه بجد.
ابتسم ورد ببرود:
_تقصد الفيديو اللي بسببه خرجت العاهرة دي من الحبس!
وأبعد أخيه من المنتصف، ليجابهه رأسًا برأس وبابتسامة أرعبت الاخير قال:
_تو تو إلعب غيرها يا نعمان يا غرباوي ولا هيهز فيا شعرة، ولو على مايا مراتي فاطمن بيت عُمران الغرباوي مش مبني من ازاز عشان تيجي طوبتك وتهدمه.
ابتلع ريقه بصعوبة من سهولة كشفه لما فعل، بينما استدار علي لأخيه يسأله بدهشة:
_أيه اللي بتقوله ده يا عُمران؟ هي آلكس خرجت من السجن؟
ضحك باستهزاءٍ:
_إسأل اللي واقف يتباهى ويفكرني بصلة القرابة اللي بينا.
وتابع بتحدٍ صارخ:
_اسمع بقى يا نعمان يا غرباوي، شغل معايا تاني تنسى، وللمرة المليون هقولهالك ابعد عني عشان مدمركش وإنت عارف إني بمكالمة تليفون واحدة قادر أقعدك في بيتك زي الولايا!
اندفع تجاهه يقول بكره:
_متقدرش تعملها يابن فريدة، ومدام اللعب بقى على المكشوف فاستقبل اللي جاي، هتدفع التمن غالي أوي إنت والجربوع اللي فضلته عليا.
احتقنت اوردة علي من فرط الغضب والصدمة، فتخلى عن هدوئه وصاح بعنف لا يتواجب مع شخصه الهادئ:
_إنت بتهدده وفي وجودي! هتعمل ايه يعني؟! أنا اللي يمس شعرة واحدة من أخويا أردمه بالدم ولا هيفرق معايا إنت ميـن؟
تراجع نعمان للخلف بدهشة من عدائية نبرة علي الجديدة بينما ابتسم عُمران وتابعه بدهشة وحماس كأنه يشاهد فيلمًا صادمًا، فتابع علي:
_انا بحاول بقدر الامكان أحترمك ومقلش من كرامتك اكرامًا بس لفريدة هانم لكن لو فاكر إن سكوتي ده ضعف تبقى مبتفهمش! أنا يوم ما أخويا يتخدش او تبصله بس بطرف عينك هصفهالك، اتعلم بقى تشتغل بنزاهة، الغيرة بتنهشك من كل اللي حوليك من اول عمي لحد أخويا الصغير اللي من دور عيالك!!!! فوق لنفسك قبل ما الغيرة تحرقك!
ومد ذراعه تجاه الرصيف الاسمنتي:
_ودلوقتي اتفضل من هنا ميشرفنيش تواجدك بمناسبة عائلية زي دي، وحط في دماغك كلامي عشان هتحتاجله في يوم من الأيام.
وزع نظراته الشيطانية بينهما بكره، واتجه بخطواته المتعصبة للخارج، هدأ علي من انفعالاته فأزاح جرفاته عن عنقه بغضب، لا يصدق أن الحقارة وصلت بخاله لتلك الدرجة التي يهدد أخيه نصب عينيه.
ارتعب عُمران من رؤية علي يتصبب عرقًا وينتفس بعنفٍ هكذا، فاندفع إليه يمسك يده بخوف يناهز طفل صغير:
_علي مالـلك؟
استقام بوقفته المحنية وقال:
_انا قدامك كويس أهو، المهم بلاش تقول لفريدة هانم حاجة.
هز رأسه بتأكيد فتابع وهو يراقب مغادرة سيارته:
_خد بالك منه يا عُمران، شكله ناويلك على الشر.
ابتسم ساخرًا:
_الشر موجود جواه من زمان يا علي، ربنا يهديه لنفسه.
جذبه للاريكة المعدنية متسائلًا باهتمامٍ:
_احكيلي حوار آلكس وفيديو أيه اللي بتتكلم عنه!
*******
وقف قبالة محله الرئيسي يتابع العمال، وهم يثبتون اللافتة الضخمة التي ضمت إسمه ومع إسم "إيثان"، مشيرًا أن سلسلة المحلات تابعة إليهما، وعلى ذراعه يحمل ابنه" فارس"ويسأله بحبٍ:
_ها أيه رأيك؟
أجابه وهو يلتهم لوح الشوكولا بنهمٍ:
_أحلى من القديمة عشان دي مطبوعة عليها صورتي في الجنب.
ضحك يونس وقبل وجنته أكثر من مرةٍ قائلًا:
_طبعًا لازم تكون أحلى عشان صورة الدكتور فارس منورة.
ضم وجهها بيديه وقال بطفولية:
_انا بحبك اوي عشان من الصبح بتجبلي كل الحاجات اللي بحبها، لبس وحاجة حلوة كتير من الحلوة وكمان حطيت صورتي في الحارة.. بس أنا آآ...
ارتباكه دفع يونس يتساءل بلهفة:
_إنت أيه يا فارس اتكلم!
أدمعت أعين الصغير قائلًا بخوفٍ:
_عايز أشوف ديجا وخايف تزعل مني.
وخز قلبه ألمًا، فضمه لصدره مربتًا على ظهره بحنان:
_خايف ليه يا حبيبي، دي أمك ومستحيل افرقك عنها.
وأبعده عنه يطالعه بفيروزته الشبيهة له:
_وبعدين مش أنا قولتلك إن أنا وماما اتصالحنا ومعتش بينا زعل، وكلها كام يوم وهنعيش كلنا مع بعض؟
هز رأسه يؤكد له بتذكرٍ، فابتسم وهو يعيد تقبيله، ثم تركه أرضًا وأخبره:
_طيب اطلع يلا لأيوب خليه يغيرلك هدومك اللي اتبهدلت من الشوكولاته دي وتعالى عشان أخدك تزور ماما في المستشفى.
ابتهجت معالم الصغير واندفع يقبل كل انش بوجه أبيه هاتفًا بحماس:
_انا بحبك اوي يا بابا.. أنت طيب وجميل أوي أوي!
ضحك على لفظه الطفولي وابتعد بوجهه للخلف هادرًا بانزعاجٍ:
_هتبهدلني بالشوكولاته يا فارس انا غلطان اني اشترتها!
ضحك وهرول لعمارة الشيخ مهران، بينما اتجه يونس لمحله بابتسامة هادئة وهو يزيح بقايا الشوكولا عن وجهه.
لم يمضي الا دقائق واستمع لصوت رفيقه المتعصب يصيح وهو يندفع داخل المحل:
_عملت اللي في دماغك يا يُونس؟ ارتاحت انت كده يعني؟!!!
تنهد باريحية مستفزة للاخير:
_جـــدًا... حاسس براحة وسعادة بالقرار اللي أخدته، وإنت واثق ومتأكد إنك مهما تعمل مش هتقصر فيا شعرة، فاعقل واقعد تابع الحسابات والشغل لحد ما أوصل للمستشفى وأرجعلك.
جذب إيثان المقعد واتجه يجاوره بالمقعد الرئيسي للمكتب، هامسًا بمشاكسةٍ:
_مستشفى!! زياراتك الغرامية كترت ياسطا يونس! مش خير؟!
توترت معالمه فادعى انشغاله بسحب مبلغ من المال من درج الخزانة قائلًا:
_فارس مصر يروح يزورها، وانا وافقت دي مهما كانت بردو مامته.
مال على ذراعه يغلق عينيه ويتنحنح بسخرية:
_أممممم... قلبك رقيق ياسي يُونس، الله يرحم لما كنت حالف لتسحلها على أسفلت الحارة وتلعب في وشها البخت!!
أغلق باب الخزنة بغضب مصطنع يجاهد للتشبث به:
_وبعدين معاك بقى يا إيثـــــــــان نازل من الصبح نحنحه وتلسين كلام ليه!! ما قولتلك الواد اللي مصمم يشوفها، بتهري ليه في الفاضي!!
أشار له ضاحكًا:
_طيب خلاص اهدى احنا هنتعارك ولا أيه يابو فارس؟
تلاشى غضبه وحلت ابتسامة صغيرة، مرددًا بشرودٍ بحلاوة الاسم:
_أبو فارس!
ابتسم إيثان وهو يتابعه، فربت على كتفه بحبٍ:
_أيوه أبو فارس معلش الكلمة هتكبرك شوية بس الحقيقة اننا معندناش صغيرين يا يونس.
راقب ملامحه بابتسامة هادئة، وقال باهتمام:
_طيب أيه؟ مش ناوي ولا لما تبقى في سن جدو!
ارتبكت ملامح إيثان أمام رفيقه، وقال:
_لا يا يونس مش ناوي، وبطل تتكلم قي الحوار ده كتير عشان زي ما قولتلك مفيش عندي نية.
_طيب ليه؟!!
وبشكٍ قال:
_إيثان إنت في واحدة في بالك؟
تسلل الحزن رويدًا إليه وبحزنٍ قال:
_اللي في دماغي الفرق بيني وبينها فرق السما من الأرض يا يونس، إن يجمعنا طريق مشترك مستحيل!
لف مقعده إليه وبضيق قال:
_ليه بقى ان شاء الله؟ إنت ما شاء الله مبسوط فأكيد لو عشان الفرق الاجتماعي بينكم فميذكرش لانك آ...
قاطعه ببسمة ساخرة:
_ياريتها كده بس الموضوع أكبر من كده.
قذف الدفتر بعصبية:
_ما تنطق بقى يا إيثـــــــــان غلبتني يا أخي!
استجمع شجاعته ليبصق كلماته بخوف من رد فعل الاخير:
_اللي أنا بحبها تبقى..آآ...يُونس أنا بحب آآ...
صاح به منفعلًا:
_القطة كلت لسانك يالا!! ما تتزفت تتكلم.
هدر الاخير يخلص نفسه:
_أنا بحب بنت مسلمة وتبقى بنت الشيخ عثمان!
توقع أن ينصدم مما بصقه إليه، ولكنه وجده يربع يديه أمام صدره ويسأله ببرود:
_وبعدين؟
رمش بارتباك وقال:
_المعنى؟! ثم انك مش مصدوم يعني ولا قافش من الحوار!
ابتسم ساخرًا:
_لا مهو أنا من بعد آيوب مش هتصدم تاني!
ألقى سلة الاقلام عليه بغضب:
_بتهزر وأنا ببوحلك بأعظم أسراري!!
مال إليه يهمس له باستهزاء:
_مهوش سر ولا هي عقبة، خد نفسك وخليك راجل وروح للشيخ عثمان وقوله الحقيقة.
برق بحدقتيه بصدمة:
_هي الشمس ضربت دماغك ولا أيه يا يونس، أروح أقوله انا بحب بنتك جوازهاني!! لا يجوز في أي حال من الاحوال.
تابع ببسمة خبيثة وعينيه لا تنجرفان عنه:
_لا يا إيثان أنا أقصد حقيقتك اللي فاكر إنك قادر تخبيها عن الشبخ مهران وآيوب وعن كل اللي حواليك حتى عني يا صاحبي
وتابع بخبث:
_مهو مش منطقي اهتمامك الزايد بكل المتعلق بينا لدرجة إنك أشطر من الشيخ مهران نفسه في أصولنا.
جحظت عينيه حتى كادت بالخروج عن محجرهما، فلعق شفتيه وجاهد لرسم بسمة باهتة:
_آآ... أنت تقصد أيه؟
تعمق بحدقتيه قائلًا:
_حقيقة إنك مسلم يا إيثان!!!!!!
..............💣 يتبع..................................
#صرخات_أنثى.... #الأقوى_قـــــــــــــادم ... #بقلمي_آية_محمد_رفعت..
اللي جاي مفاجأة من العيار التقيل، عايزين نفوقله كده ونستقبل الفصل بتفاعل كبيييير تمهيدًا للي جاي، فمن فضلكم قراء الفيس الأعزاء وصلوا الفصل لالفين لايك كتحدي للي جاي، قراء الواتباد الحلوين التصويت والكومنت الجميل، ومتنسوش اني بحبكم في الله ♥
*******___________*********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الرابع وسبعون 74 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الستون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "عزة على" ،"صافي زهران" ،وإلى القارئة "شهد ياسين" بمناسبة عيد ميلادها كل عام وانتِ إلى الله أقرب ❤، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تجمد محله فور سماعه ما قال، فلجم صمته وتطلع له بصمتٍ، يحاول به استيعاب ما نطقه للتو، لعق شفتيه القاحلة وردد بتلعثمٍ:
_أيه اللي بتقوله ده يا يُونس؟!!
انحنى بجسده لدرج الخزانة الأخير، يجذب حزمة الكتب الإسلامية ، ثم دفعها قبالته على المكتب، قائلًا بابتسامة صغيرة:
_بيعملوا أيه دول في درج المكتب يا إيثان؟
رمش بتوترٍ هادرًا:
_عادي يعني، إنت عارف إني انسان فضولي حبتين فآآ..
اتسعت ابتسامة يونس الخبيثة قائلًا:
_يعني إنت بتثقف نفسك بأكتر من 28كتاب!! على بابا يالا!!
التفت خلفه يتفحص وجوه العمال بضيق، وجذب منه الكتب صارخًا بعصبية:
_هتفضحنا يا أخي!!! ما تطلع تنشر الخبر بره في الحارة.
رمش بعدم استيعاب، وبصدمة تساءل:
_إنت أسلمت فعلًا يا إيثان؟
أطاح صدمته فور نطقه لغزًا جديدًا:
_مش بالظبط كده.
نهض قبالته مرددًا من بين اصطكاك أسنانه:
_هو لغز!! ما تنطق بتهبب ايه بالكتب دي كلها؟!
مرر يده على طول شعره، ممسدًا رقبته وعقله يبحث عن حجةٍ مقنعة، فهمس بمكرٍ:
_لقيتها.
وتنحنح يرفع من صوته بعنجهيةٍ:
_مش أنا كنت بحضرلك مفاجأة بس إنت خرجت من السجن على غفلة ومكملتش للأسف.
ربع يديه أمام صدره بسخريةٍ:
_أممم والله! ده على أساس إني كنت في السعودية بعمل عمرة وراجع!
وحرر ذراعيه ليجذب الاخير من تلباب قميصه بعصبيةٍ بالغة:
_متلفش وتدور عليا وقولي الحكاية أيه؟
انحنى خلف يده هامسًا بغضب متخفي خلف نبرته المتوسلة:
_السلسلة هتتقطع يا يونس، كريستينا أمي هتبهدلك.
ترك قميصه ومد يده ينتشل سلساله، فتفحصه متسائلًا بخبثٍ:
_عيار كام دي يا إيثو؟
انتصب بوقفته يجيبه باستغرابٍ:
_21 ليه؟
نزعها عنه وأخذ يلهو بها بين لائحته بمكر:
_تلزمني، صاحبك مزنوق في قرشين.
وتركه واتجه لغرفة المكتب الداخلية، فلحق به يصيح بانفعالٍ:
_رجع السلسلة فورًا يا يُونس، أمي هتموتني لو ملقتهاش في رقبتي!!
وضعها بجيب جاكيته الجلدي، وتمدد على الشازلونج الجانبي، مستندًا برأسه على ذراعيه:
_مستكتر في صاحبك حتة سلسلة يلبسها!
كشر عن أنيابه بغضب:
_من أمته والرجالة عندكم بتلبس سلاسل ودهب يابن الشيخ مهران.
تحررت ضحكة صاخبة منه، فنهض يستقيم بجلسته تجاهه، يلعب على أعصابه بحذاقةٍ:
_شوفت ده انت حتى دي مش فايتة منك!! هتقول الحقيقة ولا آ..!!
تنهد بنزقٍ، واتجه بخطواته المتهدجة يجلس جواره بصمتٍ، قاطعه يونس بملل:
_ هنفضل قاعدين نبحلق في خلقة بعض كده كتير! انجز يابا زمان الواد نازل!
زفر بنفاذ صبر:
_عايز أيه يا يُونس مانا اتزفت وقولتلك بحب بنت الشيخ عثمان.
تلاشت معالم المرح عن وجهه، فأمسك ذراعه وهزه بعنفٍ:
_يعني أيه؟!!
واسترسل بصدمة وغضب عاصف:
_أوعى تقولي إنك عايز تدخل الاسلام عشان تتجوزها! إنت مش هتخدع ربنا يا إيثان!!
صاح به يوقفه عما تردد له:
_حيلك حيلك، الموضوع مش كده.
كز على أسنانه بغيظٍ:
_هتنطق ولا آ..
أسرع بالحديث بحرجٍ عما لفظه إليه:
_دي الطريقة الوحيدة عشان أشوفها، لانها واقفة في مكتبة بتبيع الكتب الدينية، فكل اسبوع بتحجج وبروح اشتري منها كتابين تلاتة عشان أشوفها!!
وزع نظراته المنصدمة بينه وبين الفراغ، وبصعوبة استجمع كلماته:
_طيب سيبك من النص الاول للمصايب اللي بتعملها ونيجي للنص التاني، معلش يعني في السؤال أنا وإنت وهي وناس حارتنا الجميلة دي عارفين انك مسيحي، أيه وضعك قدامها وإنت بتشتري الكتب دي أفهم؟!
ابتلع ريقه بتوترٍ، وتسلل يبتعد عن مجلسه مرددًا:
_مهو آآ.... مهو.. آآ...
شعر بأنه أرغمه بالفيلم الهندي الذي يجيد تمثيله، فنهض يتجه إليه، يحاول محاصرته حول الطاولة والاخر يفر من أمامه، فهدر يونس منفعلًا:
_مهو أيـــــه؟
توحشت ملامحه بشكل رعب إيثان، فالقى قنبلته إليه مرة واحدة:
_في الأول كنت بقولها بشتريهم هدية لآيوب وكانت منبهرة بيا جدًا وبأخلاقي، وبعد ما سافر عشان جامعته اضطريت أقولها اني بشتريهم ليك عشان وإنت في السجن محتاج كتب دينية تسليك في محنتك السودة دي مع إن محدش كان يعرفلك طريق جرة ولا إذا كنت عايش ولا ميت، عشان كده ندرت إنك لما تخرج أهديك بيهم واعملك مكتبة صغيرة هنا ولو كنت ميت كنت هطلعهم رحمة ونور على روحك!!!
قست تعابير يونس، مشيرًا على ذاته باستنكارٍ:
_رحمة ونور عليا أنا!!
هز الأخير رأسه مؤكدًا بوقاحةٍ:
_أكيد عليك إنت إحنا معندناش الكلام ده!!!
احتشدت أوردته من فرط العصبية، وكلما حاول أن يمسك به ركض للجانب الأخر من الطاولة المربعة، فجذب يونس حزمة من دفاترٍ الحسابات ودفعها تجاهه، انحنى أسفل الطاولة ليتفادى ما قذف إليه، فإذا بآيوب يظهر على عتبة الباب يتلقف نصيب "إيثان" مما دفع إليه.
تأوه بألمٍ والتف ليتفادى فارس الضربة، وقال بخوف لعلمه تلك حالة ابن عمه جيدًا:
_طيب يا حبيبي، ابنك اهو لبسته وخلتهولك برنس أتوكل أنا على الله وأشوفك بكره لو خلقك يسمح.
كلبش إيثان جسد آيوب الهزيل مقابل جسد الاخير الضخم، هاتفًا بهلعٍ:
_على فين يابن الشيخ مهران!! هتسبني مع المتوحش ده لوحدينا ده حتى ميصحش!!
تململ بين ذراعيه المحتجزة جسده العلوي هاتفًت بحنقٍ:
_سبني يالا يخربيتك مش قادر أخد نفسي!
تمسك به باصرارٍ، فدفعه آيوب للخلف قائلًا بغضب:
_أوعــى يا أخـي، بتتحامى فيا وإنت شبه درفة الدولاب!!
جحظت أعين إيثان الذي يتابع يونس المنحني خلف باب الخزانة المطولة ينتقي يدًا خشبية (يد مكنسة أرضية..مقشة) بعناية فائقة، وحينما وجد غايته استدار ليجده يختبئ خلف آيوب ويدفعه تجاهه، ابتلع آيوب ريقه الهادر بصعوبة:
_اهدى يا يونس مش كده، انتوا كبرتوا على جو المقشات والكلام ده!
بهدوءٍ مخيف هتف:
_ميل في جنب يا آيوب.
استدار برأسه لإيثان الذي همس له:
_أوعا تسيب مكانك يالا فاهم!
عاد يتطلع ليونس الذي يلاعب عصا(المقشة) بين يديه والشر يتراقص بين مُقلتيه كسطوع الشمس، رفع آيوب يده يحاول استجداء عاطفة ابن عمه:
_في أيه يا يونس؟ العمال بره يا حبيبي لو شافوكم وانتوا طايحين في بعض كده هيستهيفوكم!!
بنفس ذات الهدوء قال:
_ميل على جنب بدل ما تتروق معاه يا آيوب!
بنفس الهدوء قال إيثان:
_أوعـــــــــــــــــــــا.
محاولة أخيرة لجئ لها آيوب فقال:
_مش ده صاحبك اللي وقف أسد في دهرك وإنت غايب!!
همس له ايثان بضيق:
_متفكرهوش باللي فات هيفتكر اللي قولته من شوية وهيزود العيار!
مرر يونس عصاه، واتجه لفارس الذي يراقب ما يحدث بدهشةٍ، دث يده بجيب سرواله الجينز ثم حمل ورقة من النقود من فئة العشرون جنيهًا، أهداها للصغير قائلًا بابتسامة نجح برسمها على ملامحه الشريرة:
_روح اشتري عصير وشبسي قبل ما نمشي يا فارس.
التقط الصغير المال وغادر بسعادة، فما يحدث داخل الغرفة لا يعنيه بتاتًا، بينما ردد إيثان بذعر:
_وزع الواد! يبقى ناوي على نية سودة!
لف رقبته له يسأله بارتباك:
_إنت هببت أيه حوله كده؟
ببراءة بلهاء قال:
_ولا حاجة كنت ناوي أطلع رحمة ونور على روحه بذمتك غلطت؟
اتسعت حدقتيه بصدمة، وخاصة حينما استرسل ايثان:
_خليه يديني سلسلتي يا آيوب، أمي مش هتدخلني البيت! آ.... آآآه!!
ابتلع باقي جملته فور هبوط أول ضربة على ظهره مستغلًا انشغاله بالحديث مع آيوب، فصرخ بوجع:
_ايه الهزار التقيل ده يا يونس، ضهري اتقسم نصين يا جدع!!
ونغز آيوب الحائل بالمنتصف:
_ما تتصرف يا آيوب الواد خارج عقله طق!!
لف له يخبره من بين اصطكاك أسنانه:
_اخرس متعصبهوش أكتر!
واستدار ليونس يخبره ببسمة يرسمها بالكد:
_يا معلم يونس عمالك برة هيقولوا أيه وهما سامعين صراخ إيثو المريب ده!! اعقل يا حبيبي وخد فارس وشوف مشوارك، انا كمان اتاخرت وآدهم مستنيني بره على الحارة عشان نروح نحجز القاعة لفرحه.
لطمه إيثان على رقبته بغضب:
_فرح أيه دلوقتي!! أوعى تتنقل من مكانك قبل ما تهدي ابن عمك!!
تحرر صوت يونس أخيرًا:
_لا هو ولا بلطجي حارتنا هيخلصك من تحت ايدي النهاردة، ومتقلقش بفلوس السلسلة هعملك تلاجة مية في الحارة صدقة جارية على روحك بإذن الله.
ازدرد ريقه بتوتر من وعيده القاطع، وبدأت المعركة تحتد بينهم، وآيوب عاجزًا عن الفصل بينهما، فلقد احتدت ضربات يونس ويحاول إيثان وآيوب تفاديها حتى انكسر أكثر من أربع مقشات خاصة بالعمال، ومع ذلك لم يستسلم ابدًا فبحث عن عصا تخص أداة مسح الأرضية وانطلق من خلفهما.
تعالى رنين هاتف آيوب، فلقد طال انتظار آدهم بعد ان أكد له آيوب انه خرج من المنزل وسيصل لأول الحارة بعد عشرة دقاىق، وها قد مر ثلاثون دقيقة ولم يخرج إليه.
حرر آيوب هاتفه يستغيث بآدهم قائلًا وصوت أنفاسه اللاهثة تصل للاخير:
_الحقني يا آدهـــــــــم، يونس مش قادر اسيطر عليه.
وتابع وهو لا يستمع لصوته من صوت صرخات إيثان:
_بقولك أيـه اقتحم محل يونس اللي تحت بيتنا ولو معاك مسدسك ميضرش الوضع حرج!!
قالها وأغلق هاتفه يعيده لجيب قميصه العلوي، ثم اندفع يحاول تخليص ايثان بعد ان دفعه يونس فوق الاريكة ومال عليه يحيط برقبته.
تأوه آيوب ألمًا حينما ركله إيثان بقدمه صارخًا بعصبية:
_ده وقته تليفونات، ابعد الطور ده عني هيزهق روحي يالا!!!
انحنى يقتحم بينهما، يبعد تلاحم يونس عنه صارخًا بارهاق:
_خلاص بقى يا يونس هو كان قتلك قتيل!!!
فشل بابعاده عنه، والاخر لديه رغبة ملحة بالحصول على رقبة إيثان هادرًا بعنف:
_واخدني كوبري عشان تشوفها يا حقير!! وبكل بجاحة تقولي رحمة ونور على روحك!!
سأله آيوب بفضول:
_قولي بس هو عمل أيه ومتقلقش هكتفهولك!
لكمه إيثان بوجهه قائلًا بانفعال:
_تكتف مين!! ده انا اطوحك أنت وهو هنا، أنا مش جاي من قلبي أمد ايدي عليه ده صاحبي وأخويا وانت بدل ما توزعه عني عايز تكتفني يابن الشيخ مهران!
ضم آيوب عينيه بألمٍ فألقى يونس عصاه وإتجه إليه يتفحص عينيه متسائلًا بخوف:
_وجعتك؟! أنا عارفه ايده تقيلة!
استند آيوب على ذراعه واتجه معه بعيدًا عن ايثان الذي يعيد ترتيب ملابسه وقميصه الذي فتحت أزراره.
جلس يونس جوار آيوب الذي همس وهو يكبت ضحكاته بصعوبة:
_ولما انت عارف إن ايده تقيلة داخل في عركة معاه ليه يا يونس؟ ده لو نفخ فينا هيطلعنا شقتك في الدور الرابع فوق!!
أدمى شفتيه السفلية وعينيه مسلطة على ايثان البعيد عنهما:
_استفزني وكنت عايز انتقم منه بس أنا اللي فرهدت!!
ضحكوا معًا وإيثان يتابعهما وهدر بغضب:
_خلصت الطاقة السلبية اللي عندك اول اليوم رجعلي سلسلتي بقا بمنتهى الهدوء.
كاد بأن يجيبه ولكن اقتحام آدهم المفاجئ للمكان جعلهم بتابعونه باستغرابٍ، وخاصة ملامح الفزع والخوف التي تحتل ملامح وجهه الوسيم.
بحث بينهم بلهفةٍ حتى وقعت عينيه على آيوب، اندفع إليه آدهم راكضًا يقول بصعوبة من فرط التقاطه لأنفاسه:
_طمني انت كويس؟ أيه اللي حصل؟
اتجه اليهم ايثان، فمال بذراعه يستند على كتف يونس الذي يتابع حالة آدهم بدهشة، ابتسم ايثان وأحاط كتف يونس هامسًا بمزحٍ:
_الباشا شكله بيحب أختك أوي ما تجوزهاله واكسب ثواب يا يونس!
منحه نظرة محتفنة وبكوعه سدد له ضربة ببطنه مرددًا:
_ايدك عني حسابك لسه معكوك!
_تما تسيقه بديتول!!!
قالها وهو يضربه بالكف وصوت ضحكاته أرغمت يونس على الضحك فانخرطا معًا بنوبة من الضحك الرجولي، بينما تقتاد نظرات آيوب إليهما، فقال لآدهم الذي مازال ينتظر سماع أي اجابة منه يطمئن بها عليه:
_متقلقش يا آدهم ده قلب بهزار قدامك اهو، الاخين دول كانوا من شوية بيقطعوا في لحم بعص ودلوقتي زي ما أنت شايف كده.
استعاب الأمر ومعه استعاد كامل ثباته، فأشار لآيوب قائلًا بخشونة:
_يلا هنتأخر.
هز رأسه وسبقه للخارج، بينما وقف آدهم يراقبهما بنظرة ضيق، فاتجه ليغادر قائلًا ليونس:
_حوارك خلص يا يونس، من بكره اعتبر اجراءات الطلاق خلصانه..
وتابع وهو يمنحه ابتسامة ماكرة:
_ابقى شوف رسايل الواتساب، بعتلك هدية عليه النهاردة الصبح.
وتركه مبتهجًا بما قال وغادر دون ان يمنحه فرصة الشكر، رفع ايثان يده يستند على كتف يونس الشارد بابتسامته الحالمة، ليفق على صوت إيثان الخشن:
_ابن بلد الباشا ده، جدع وبيفهم كده.... وقعتوه ازاي ده يا يونس؟
اذا بيونس يستعيد وعيه فيدفع ذراع إيثان عن كتفه قائلًا بتذكارٍ:
_اطلع بره، في مكتب بره خليك فيه مش عايز ألمحك هنا تاني.
سحب المقعد قبالته هاتفًا بتعب:
_خلاص بقى يا يونس، أنا أساسًا بقالي شهرين مرحتش ليها المكتبة.
_ليه معتش لاقي حجج مناسبة ولا ثقافتك عليت واستكفت بال28 كتاب؟
قالها ساخرًا، فردد الاخير بجدية تامة:
_منعت نفسي أعمل كده لإنها مستحيل هتكون ليا في يوم من الايام فبلاش أعلق نفسي في امل مزيف.. خوفي من إني أعمل شيء مش عايزه ارغمني على البعد، بتمنى اقابل الانسانة المناسبة ليا.
ردد يونس بنفس جديته تاركًا مزحه جانبًا:
_ده عين العقل يا إيثان، لو كنت واخد قرار الإسلام بغرض جوازك منها فده مش مقبول، إنت صديقي بقالنا أكتر من عشرين سنة وعمرنا ما حاولنا نتكلم في حوار الدين، بس اسمعها مني نصيحة هقولهالك وتحطها حلقة في ودنك كل ما تحس انك هتضعف وتمشي ورا قلبك افتكر اللي هقولهولك كويس.
واستند بجسده العلوي على المكتب الفاصل بينهما ليكن قريبًا منه:
_يا إيثان أنا كصديقك من قد إيه عمري ماجيت قولتلك تأسلم علشاني او علشان حد، سايب الجزء دا ليك و مش عايز اضغط عليك في حاجة زي دي؛ لأن لا أنا هتحاسب مكانك ولا العكس، من حبي فيك بدعيلك دايمًا بالهدايا، وبتمنى ربنا سبحانه وتعالى ينور بصيرتك، ممكن خبر زي ده يفرحني جدًا جدًا، بس لو جيت في يوم تقول عايز أأسلم علشان بنت فأنت كدة عايز تعك، مينفعش تأسلم عشان حد، أنا بنصحك لو حبيت تعتنق الإسلام بجد تقرأ و تبحث وفي كلتا الأحوال أنا جنبك ومعاك.
واستطرد بحبٍ و:
_بالنسبة إنك بتحب والكلام ده، فليه متحاولش تدي لنفسك فرصة مع بنت خالتك، سبق وقولتلي إنها بتحبك ورافضة تتجوز لحد الآن وعندها أمل إنك تحس بيها.
تنهد والحزن بات يشع كالشرارة على ملامحه:
_مش هقدر يا يونس، صعب ارتبط طول العمر بواحدة محبتهاش ولا هحبها!
رد عليه ببلاغةٍ:
_وهو إنت كنت إدتلها فرصة او حتى لنفسك!! إنت عامي عنيك عنها يا إيثان، وبعدين يا سيدي مش بجبرك تكون معاها هي بالذات شوف غيرها المهم إنك تدي لنفسك فرصة وإنت مقتنع إنك مستحيل هتكون مع اللي حبيتها.
هز رأسه باقتناعٍ، وأردف بمرحٍ ليقطع جدية مجلسهما الغير معتاد:
_وماله نسعى من أجل الطرف الطري، بس عهد عليا اللي هتدخل ده مرة تانية مش هتخرج منه أبدًا غير بكلبشة الجواز.
قالها وهو يشير على موضع قلبه، مستطردًا بمزحٍ:
_آه بس ألقيها بس وساعتها هستلف منكم حتة الحجاب دي لإني هغير عليها من طوب الأرض.
طرق يونس كف بالأخر هادرًا بسخطٍ:
_يا أخي لقيها الأول وبعدين أبقى اتنيل غير!!!
وترك المكتب يشير له بانزعاجٍ:
_تابع انت بقى هشوف فارس ونروح المستشفى، وأرجع ألقيك متصرف بالكتب دي عشان مطلعهمش على روحك الطاهرة..
تساءل بحيرة:
_أتصرف فيهم ازاي!!!
أجابه وهو يستعد للرحيل:
_روح للشيخ مهران واديهمله هو هيرتبهم بمكتبة المسجد... سلام يا آ... كابتن إيثــــــووو.
حدجه بنظرةٍ مشتعلة بينما رحل الاخير مبتسمًا بانتشاءٍ.
***********
تركت هاتفها على الكومود باكية، لا تعلم لماذا يفعل بها هكذا، ظنته قد تناسى الأمر وصفح عنها ولكن ما يحدث الآن ما هو الا عقابًا قاسيًا عليها.
أسرعت بمسح دمعاتها فور استماعها لطرقات الغرفة الخافتة، وبصوتٍ جاهدت لأن يكون ثابتًا قالت:
_ادخل.
فتحت أشرقت باب الغرفة وتساءلت بحنان:
_صحيتك يا بنتي؟
نهضت صبا عن الفراش تجيبها بابتسامة هادئة:
_أبدًا، أنا كنت صاحية يا ماما... اتفضلي.
ولجت للداخل بخطواتٍ متريثة، حتى احتلت المقعد المقابل للسراحة، طالعتها بنظرة ثابتة حتى جلست قبالتها بنهاية السرير، فأجلت صوتها مرددة:
_بصي يا صبا أنا مش صغيرة ولا بريالة، أنا حاسة يا بنتي إن علاقتك إنتي وجمال مش زي الأول، ده حتى معدش بيجي البيت وآ..
قاطعتها صبا بتوترٍ:
_أيه اللي بتقوليه ده يا ماما!! إنتي عارفة إنه بيحب يقضي وقت مع عُمران ويوسف أصحابه وآ...
ربتت على ظهر يدها المسنود على ساقيها بحنان:
_متخبيش عني أنا زي أمك وهقدر أفهمك.
انهمرت دموعها بانكسارٍ، ورددت وهي تلتقط شهقاتها بصعوبة:
_والله حاولت أصالحه كتير بس هو مش مديني الفرصة، كنت هنزل مصر عشان أريحه مني ويرجع شقته بس هو رفض وأصر أكون هنا.
وتابعت وهي تزيح دموعها باحدى المناديل الورقية:
_مبقتش عارفة هو عايز أيه؟ ولا لسه زعلان مني ولا لا.
وبحرجٍ شديد قالت:
_يعني كان حصل حوار كده بينا ولما صالحني ورجعني الشقة ومنع سفري قولت انه خلاص مش زعلان مني.
احترمت أشرقت عدم رغبتها بالبوح عن تفاصيل مشاجرتهما، وقالت:
_طيب متزعليش نفسك عشان اللي في بطنك، هو جمال ابني كده يزعل ويعبي بس مبيحبش الفراق ولا بيبعد، كرامته عنده فوق الكل.
وربتت على ساقيها من جديد قائلة بحكمة:
_لكن في النهاية بيحبك وميقدرش يستغنى عنك يا عبيطة، طب ده مستناش وبعت خدك بعد الفرح بكام شهر على طول، واديكي قولتي أهو إنه مرضاش يسفرك وعايزك هنا!
وتابعت بلسانها الطيب:
_هو بس هتلاقيه واخد على خاطره منك وهيصفى متخافيش، أنا بكره هكلمه وهخليه يجي جري، وكلها يومين وهنزل مصر وإنتي بقى اتشطري كده واتنحنحي زي بنات اليومين دول.
وتشدجت مردفة باستنكار:
_أصلك مشفتيش النسوان اللي هنا عاملين ازاي!! ده اللي في عمري تحسي اني أمهم، حكم أنا محبش حد يعلي عليا وأهو حصل واللي ما تتسمى اللي اسمها فريدة دي علمت بالجامد، فلزمن ولابد أول ما ارجع مصر أعمل ريجيم واهتم بنفسي، ففرصة يا بت اول ما تخلفي ألحقي نفسك وخليكي سمبتيك كده.
وضمت يديه لوجهها بخوف:
_مصيبة لواحدة توقع الواحد هتهببي أيه ساعتها؟!
جحظت عين صبا صدمة، فهدرت بانفعال:
_واحدة مين دي! ده انا كنت قرقشتها على سناني!
ضحكت أشرقت بابتهاجٍ وباستحسانٍ رددت:
_جدعة يابت!
*******
عاد الجميع للقصر بعد انتهاء الافتتاح الا عُمران، أبدلت شمس ملابسها وهبطت للأسفل حينما لمحت فاطمة ومايا يجلسان بالحديقة.
مسدت مايا على بطنها بألمٍ وقالت:
_كويس إنك نزلتيني هنا يا فاطمة، كنت حاسة إني هتخنق فوق.
وتساءلت بدهشة:
_هو عُمران مرجعش معاكم ليه؟
ردت عليه فاطمة وهي تجذب طبق الفاكهة إليها:
_مش عارفة، سمعته بيقول لعلي إنه لازم يروح الشركة ضروري.
التهمت قطع الفروالة وقالت وهي تلوك قطعها:
_طيب ليه طلب مني استناه؟ الرجالة دي عاملة زي سلسلة الألغاز.
أتت من خلفهما بخفتها، تردد بفرحةٍ:
_مصدقتش عنيا لما شوفتكم من فوق، ها ايه سر القعدة دي أو بالمعنى الأدق بتنموا على مين يا حلوين؟
التفتت لها مايا تلطم صدرها بطريقةٍ درامية:
_العروسة أخيرًا طلعت من حبسها الانفرادي!!!!
حدجتها بغيظٍ من طريقتها، فجلست قبالتهما تشير لفاطمة:
_شوفتي يا فاطمة بتتريق عليا ازاي! مكنش يومين يعني اللي ريحتهم، أنا مكنتش عارفة أنام في Egypt.
ابتسمت فاطمة ورددت:
_يا حبيبتي محدش يقدر يعترض على أي تصرف عروستنا تعمله، اتدلعي وأعملي كل اللي في نفسك إنتي عروسة.
نهضت إليها تنحني على الاريكة وتضمها بحب:
_حبيبتي فطوم، أنا بحبك أد الكون كله، وبصراحة بقى عايزاكِ معايا عشان ناوية أعمل الحنة على الطريقة المغربية وألبس قفطان زي اللي كنتي لابساهم في فرحك كانوا شيك جدًا جدًا.
أحاطت رقبتها بذراعها قائلة:
_عيوني يا شموسة، هنزل معاكي وهجبلك كل اللي انتي عايزاه.
وزعت نظراتها بينهما، وقالت بحنق:
_كده يا شمس، بقت هي حبيبتك وانا بقيت بنت الناني يعني!! إخص عليكي يا ناكرة الجميل، ده انا كنت بلف وراكي في المول لحد ما كعب جزمتي ينكسر كل ده اتنسى لمجرد إني مفرهدة من الحمل حبتين تلاته يعني!
شعرت بالذنب لما اقترفته، حتى وإن كان الأمر فكاهي بينهن، فتركت فاطمة واتجهت اليها تمنحها ضمة مماثلة لزوجة أخيها، قائلة بشيء من الندم:
_أبدًا والله يا مايا، أنا أكيد مش هتحرك خطوة من غيرك إنتي كمان، هي في إيد وانتي في ايدي التانية آه هنضطر نريح كتير بسبب البيبي المتدلع ده بس its okay.
مسدت على بطنها المنتفخ قليلًا:
_مش بيتدلع هو تقريبًا وارث غرور أبوه وهيبقى طاووس نمبر2.
ضحكت شمس ومازحتها:
_لا انا كده لازم اتحرك بسرعة وأسرع معاد الفرح عشان أجبله عروسة كيوتة كده تخطفه، لاني من زمان بحلم بعريس شبه عمران، يبقى لازم نستغل الفرصة بحيث نقوي النسل.
ضحكت فاطمة حتى أدمعت عينيها، ومازحتها قائلة:
_ما يمكن أعملها وأسبقك يا شمس واجيبله بنونة كيوتة وعسل بردو ويغير رايه!
تابعت مزحها المضحك قائلة:
_هتبقى مشكلة فعلًا وبكده مش هيكون في غير حل واحد، إن مايا تلحق وتجبلنا كمان بيبي في اسرع وقت.
جحظت عين مايا من هول صدمتها، فجذبت علبة المناديل وقذفتها عليها هادرة بانفعال:
_ليه ياختي شايفاني أرنبة داخلة قفص اختبار!!.
وحاولت جادة النهوض عن الاريكة، مشيرة لفاطمة:
_قوميني بسرعة يا فاطيما عايزة اهبش في زمارة رقبتها، تعالي سانديني مش ههدى اللي اما أجبها من شعرها.
هرعت شمس تختبئ خلف الاشجار، بينما ساندت فاطمة مايسان ونصحتها بضحك:
_إنتي مش قادرة تصلبي طولك، في وضعك ده المسامح كريم صدقيني.
نهجت بتعب وهمست لفاطمة:
_قعديني تاني يا فاطيما، فرهدتني بنت فريدة هانم!!
عاونتها على الجلوس مجددًا، فرددت مايا بتعب:
_أيوه كده، هاتي بس المخدة دي ورا دهري وحطي التانية تحت رجليا الشمال.
كبتت فاطمة ضحكاتها وقالت بجدية مصطنعة:
_هو انتي كنتي هتربيها ازاي وانتي مش قادرة حتى تحركي رجلك!
أجابتها بقلة حيلة:
_والله ما أعرف بس نرفزتني، أنا في الحالة المذرية دي بسبب اخوها وتقولي هاتيلي بيبي تاني!! أنا عايزة ريست عشر سنين على الأقل عشان اقوم وأفكر في النقطة دي!!
سقطت على المقعد من فرط ضحكاتها، وخاصة حينما صرخت مايا لشمس التي تحاول الفرار من خلف الشجرة:
_شوفتك... لو جدعه اطلعي وشوفي هعمل فيكي ايه؟ خليكي متزنبة كده لبكره الصبح عشان تعيدي نظر في كل كلمة تقوليها بعد كده.
حاولت فاطمة استمالتها:
_ميصحش كده يا مايا دي بردو عروسة.
_عروسة على نفسها يا حبيبتي! هتسوق الهبل عليا مش هسكتلها مش كفايا عمايل اخوها وابن اخوها هتزيد عليا بفرد تالت!!
قالتها بعصبية مضحكة، فإذا بالخادمة تطل من شرفة شمس العلوية، تشير بالهاتف مرددة:
_شمس هانم موبيل حضرتك بيرن.
خرجت من خلف الشجرة تهرول للاعلى وهي تنطق بهيامٍ وفرحة:
_دي رنة آدهم حبيبي!!
تابعتها فاطمة بابتسامة هادئة بينما رددت مايا بسخرية:
_اجري ياختي،كان غيرك أشطر بكره يجيبك على بوزك وهتجري بردو نفس الجرية.
قهقهت فاطمة ضاحكة وقالت:
_مايا من أمته وانتِ قلبك أسود كده؟
ضمت يدها لصدرها وقالت بدهشة:
_مش عارفة بس تقريبًا ده اللي بيسموه هرمونات حمل متعصبة!!
وتابعت بابتسامة رقيقة:
_بقولك أيه يا فطوم.
ارتبكت فاطمة من تحولها المفاجئ، ولكنها قالت:
_قولي!
تنحنحت بارتباكٍ وقالت:
_أنا في سر عايزة اقولك عليه بس وحياة علي متعرفيش حد وتستري عليا.
انزوى حاجبيها باستغراب، وبقلق قالت:
_قولي يا مايا قلقتيني.
أشارت لها بالقدوم، فنهضت وانحنت لاريكتها فاذا بها تهمس:
_أنا بتوحم على حاجة غريبة مخلياني خايفة من نفسي ومن اللي في بطني.
تساءلت باستغراب:
_حاجة أيه دي؟
اابتلعت ريقها بتوترٍ وقالت:
_أنا يعني آآ... بصي مش انا اللي بتوحم دي طلبات البيبي وهو شغله هيطلع ما شاء الله دماغه عالية ومتكلفة.
بنفاذ صبر قالت:
_ما تقولي يا مايا؟
رددت بارتباك:
_عايزة أشم ريحة سجاير!!!!!
برقت الاخيرة بصدمة من طلبها بينما عادت مايا تهز رأسها موكدة لها تمام ما استمعت إليها، عادت فاطمة لمقعدها بنفس ملامح الصدمة، فلعقت شفتيها ورددت:
_أنا بسمع إن اللي بيتوحم بيكون بيتوحم على أكلة معينة ممكن شيء مالح أو حلو، لكن يشم وريحة سجاير دي موردتش عليا نهائي!!
استقامت بجلستها ودنت إليها تلتفت حولها بريبة:
_والله ما أعرف ازاي بس من إمبارح والموضوع بيلح عليا، فعايزاكي تساعديني.
ازدادت صدماتها وبنفس الذهول قالت:
_نعم!! اساعدك ازاي!! دي مضرة جدًا وحرام يا مايا.
صاحت بها بحدة:
_هو أنا بقولك هشربها انا عايزة اشمها بس! يرضيكِ الواد يطلعله سجارة في وشه ولا قفاه!!
رمشت بعدم استيعاب وقالت:
_بصي هي حاجة مضرة فالافضل تصرفي نظرك عنها، وبعدين لو افترضنا اني هساعدك هعملها ازاي! علي مش بيدخن ولا جوزك حتى بيدخن، فقوليلي هجبلك سجاير منين ولو حصل وجبتها مين هيشربها عشان حضرتك تتكيفي من الريحة؟!
حكت مايا خدها بحيرة وهي تفكر بالأمر، ومن ثم فرقعت أصابعها:
_الحرس، أنا بشوفهم على طول بيشربوا سجاير، ولو على مين يشربها فاحنا هنولعها كأنها عود بخور!
ابتلعت فاطمة ريقها الجاف بصعوبة وقالت:
_بلاش يا مايا دي هتضرك صدقيني.
باصرارٍ قالت:
_بالله عليكي يا فاطمة تتصرفي انا عارفة انه هبل بس والله ما اعرف مالي، بحب أشم الادخنه الغريبة وحتى حبيت ريحة الدهان الجديدة في الجناح بشمها شبه الهيروين!!
انتابها خوف من حالتها الغريبة، فقالت:
_طيب ما تروحي تكشفي عند دكتور يوسف ليكون الامر خطير.
زفرت بنفاذ صبر:
_يووه بقى يا فاطمة، هتحلي الموضوع ولا اتصرف لوحدي.
ضمت شفتيها ببراءة وقالت:
_طيب قوليلي هعمل ايه؟
*******
بمكتب عُمران.
الظلام الدامس كان يحيل به، بعد ان انصرف الموظفين بأكملهم ولم يبقى سواه، يتلاعب بمقعده والابتسامة الخبيثة تحتل شفتيه، وها قد أتت المكالمة المنتظرة من الرجل الذي خصه بالمهمة المطلوبة.
رفع الهاتف إليه فإذا بالرجل يخبره:
_تحصلنا على ارقامهم جميعًا سيدي، بماذا تأمر؟
رفع ساقيه لسطح المكتب وارتخى بجسده باستمتاعٍ مرددًا:
_أرسل موقع سكنها إليهن جميعًا، واحرص أن تذكرهن بما ارتكبته بعد ان تسببت بطلاقهن، لا أريد ان تنالها الضربات زد بالنيران لتحرقها حية إن شئت.
_فلنفعل إذًا!
اغلق عُمران هاتفه بابتسامة انتصار، فحمل مفاتيح سيارته وهبط للاسفل يطلق صفيرًا رائق، قاد سيارته عائدًا للمنزل وهو لا يكف عن الدندنة احتفالًا بتفكيره الخبيث بالانتقام من أول افعى هاجمته!
*******
ارتدى علي بيجامة من الستان الأسود، وخرج يبحث عن هاتفه الذي استقبل للتو رسالة أخيه ردًا على رسالته، قراها ليجده يكتب له
«متقلقش يا علي، أنا كويس وفي الطريق، لما أوصل هقولك عملت أيه عشان تكون فخور بتفكير أخوك، مع كامل تحياتي واحترماتك لشخصية الطاووس الوقح 😉»
ألقى الهاتف على الفراش ساخرًا بحنقٍ:
_مغرور حتى في حل مصايبه!!
اقترب من الشرفة فوجده قد وصل للقصر، فهبط علي للأسفل ليكون بانتظاره، فلم يحتمل حتى دخوله إليه واندفع للبوابة الخارجية ينتظره، فاذا به يلمح فاطمة تخرج من الغرفة المخصصة للحرس، تتلفت يسارًا ويمينًا بخوفٍ، ويدها مندثة خلف ظهرها.
نظراتها المريبة تشبه ذلك السارق المتخفي، أمرها برمته اثار شكوكه ، وقبل أن يخطو إليها وجد عُمران يقترب إليه قائلًا بابتسامة واسعة:
_كويس إنك موجود تقرى الفاتحة معايا على روح الحيزبونة ألكس، جنازتها بكره الساعة عشرة وعشرة.
اندهش من صمود ملامح أخيه امامه، اختفى فضولها عن الأمر وعلى ما يبدو بأن هناك ما يستحوذ على اهتمامه، اتبع مسار نظراته فانتبه لفاطمة التي تتسلل على أطراف أقدامها، ومازالت يدها تختبئ خلف خصرها.
وقف جواره يهمس له:
_هي فاطمة بتتسحب شبه الحرامية كدليه؟ شكلها كانت خارجة من أوضة الحرس!!!
هز علي رأسه مؤكدًا، وقال:
_خوفها وحرصها ان محدش يشوفها قلقني!
هز رأسه هو الاخر، مردفًا:
_أنا كمان قلقت.
وتابع ومازالوا يراقبنها بصمت:
_طيب ما تروح تسألها ولا تتصرف، مش آنت دكتورها وجوزها؟ لتكون داخلة على نوبة قلبت بسيناريو اللص والكتاب؟!!
استدار إليه يهدر بعصبية:
_تسمح تبلع لسانك ده شوية وتسبني أعرف أفكر!
اشار له مستنكرًا هدوئه؛
_هي دي محتاجة تفكير يا دكتور! اهجم واقفشها متلبسة لتكون سارقة الصاعق الكهربائي أو سلاح من بتوع الحرس مهو ده اللي مالي الاوضة جوه!
وتابع بشك وهو يتعلق بذراعه:
_علي انت متخانق معاها؟!! انا دلوقتي مستحيل اسيبك تروحلها لتضربك طلقة وأتيتم أنا!!
دفعه علي بغضب:
_يا أخي إبعد أنا في أيه ولا أيه؟
كاد بأن يتحدث مجددًا فأشار له بحزمٍ:
_اخرس وسبني افكر.
ابتلع جملته ووقف يراقبها في صمت، إلى ان وجده يتسلل خلفها بحرصٍ فخشى أن تصيبه فاطمة بما جاب عقله من ظنونٍ مضحكة لذا تسلل خلف أخيه بحذرٍ.
اختبئوا معًا خلف احدى الاشجار الضخمة، لتتضح لهما الرؤية كاملة، فاذا بفاطمة تلقي ما بيدها على مايا المتمددة براحةٍ، وهي تصرخ بغضب:
_اتفضلي ومتطلبيش مني الطلبات دي تاني، أنا مش مصدقة إني بقيت حرامية بسببك!! بقى إنتِ تخليني أدخل اوضة الحرس وأسرق سجارة!!! مفكرتيش في منظري لو اتقفشت جوه!!
اعتدلت مايا بجلستها تراقب الغنيمة بلهفة، غير مبالية بغضب فاطمة المشتعل، وما زاد حنقها حينما تساءلت مايا وهي تراقب السيجار بين يدها:
_نوعها أيه دي؟! وبعدين بعد كل النصايح والخطط دي وراجعالي بسيجارة واحدة؟!! حرامية نزيهة ولا بتتقي الله في المسروق!!
كزت على أسنانها بغيظ:
_انتي مش طبيعية والله العظيم!!! بقولك أنا بقيت حرامية سجاير بسببك!!
نهضت قبالتها تصرخ بانفعال:
_ما خلاص يا ستي الطاهرة، مصيري هردهالك وبعدين قوليلي انتي سارقة السيجارة من غير ولاعة هولعها انا باية دلوقتي!! مهو مش معقول هدخل المطبخ وفريدة هانم تقفشني بيها جوه، يبقى مشفهمش وهما بيسرقوا شافهم وهما بيولعوا!!
صفقت كف بالاخر وهي تراقبها بصدمة، بينما من خلف الشجرة يبرقان كلاهما بصدمة، فردد عُمران بعدم استيعاب:
_مراتك حرامية ومراتي بتدخن؟!!! شيء عظيم، تحب نطلب الاحداث ولا نطلب فريدة هانم تنزل تربيهم أحسن.
مازالت الصدمة تؤثر على علي بشكلٍ مقبض، لا يعلم أينفرط من فرط الضحك أم يظل متخشبًا من فرط صدمته.
تخطى عُمران الأمر اسرع منه وخرج إليهما يهتف بسخرية:
_مدوخة نفسك ليه يا بيبي ما كنتي طلبتيني وكنت جبلتك علبة وولاعة بالمرة عشان تتكيفي صح وتكيفي الواد!!
جحظت اعينهما صدمة، فالقت مايا السيجار أرضًا ورددت بتلعثم وهي تختبئ خلف فاطمة:
_عُمران!!! لا انت فهمت غلط أنا آآآ....
ابتسم ساخرًا:
_أيه السلك لمس ولا دماغك لسه متعمرتش يا بيبي! طيب مش تقوليلي على الأقل متفاجئش لما القى ابني طالب حجرين!
مدت رأسها من خلف فاطمة تبرر:
_لا إنت فهمت غلط أنا كنت عايزة اشم ريحتها بس، أكيد مكنتش هشربها يعني!!
وتابعت تبعد التهمة عنها:
_ابنك اللي عايز كده.
قال وابتسامته المخيفة تزداد:
_وماله يا حبيب قلبي هربيه وهربيكِ معاه أهو أكسب فيكم ثواب.
خرج علي من خلف الشجرة، يكتم ضحكاته بصعوبة، فتنحنح قائلًا بجدية مضحكة:
_سجاير يا مايا، سجاير!!!!!!!
وتابع وهو يشير على زوجته التي تتمنى ان تنشق الأرض وتبتلعها:
_وكمان بتحرضي فطيمة الملاك البريء على السرقة!!!
طلت من خلفها تخبره بضيق:
_هديها وعديها يا دكتور!
أشار عُمران لفاطمة:
_جنب شمال كده يا فاطيما، محتاج الهانم في كلمتين.
كادت بالتنحي جانبًا، ولكن مايا لم تسمح لها بذلك، تمسكت بها وبرجاءٍ قالت:
_اوعي تبعدي يا فاطمة.
ربع يديه أمام كتلته العضلية مستهزأ بها:
_يعني كده مش هطولك مثلًا! انتي بالبلونة دي مش هتقدري تجري تلاتة سنتي يا بيبي!!
نقلت بصرها لعلي تستنجد به:
_علي الحقني يا علي، والله كنا هنولعها زي عود البخور.
اهتز جسد علي من فرط الضحك، فأزاح دموعه وهو يجاهد ليتحدث بشكلٍ طبيعي:
_هو أكيد خايف عليكي يا مايا، الله أعلم المرة الجاية يمكن تتوحمي على هيرويين!!!!!
قالها وانخرط بضحكه مجددًا، فأشار عُمران لها بتحذير:
_هتيجي ولا أناديلك فريدة هانم تشهد على الواقعة بنفسها.
صرخت برعب:
_لااا كله الا فريدة هانم، أنا طالعه معاك.. اتفضل اسبقني وأنا شوية وهحصلك.
رمش بذهولٍ:
_أسيبك عشان تولعيها!! انا أسف يا حبيب قلبي على عيني أحرمك من الكيف بس ده خطر على ابني لذا وبكل حزم اتفضلي قدامي بدل ما نتحاسب هنا وعلى الملأ!
أنكست رأسها بخيبة أمل، واستدارت تستكمل طريقها للأعلى، وهو من خلفها..
تبقت فاطمة امام علي، تراقبه باحراجٍ وحزن، بينما هو لا يتمالك نفسه من فرط الضحك، فاتجه لها يردد بضحك:
_حرامية سجاير يا فاطمة!!!!
رددت بنبرة أشبه للبكاء:
_والله يا علي صعبت عليا، خوفت تطلع للبيبي في وشه وآ..
قطعت عبارتها حينما سقط يستند على حافة الاريكة من الضحك، وقال:
_يعني أنا كنت بفكر اهاديكِ كتب للشعراء المفضلين عندي، بعد اللي حصل ده هقدملك كتب تتعلمي ازاي تسرقي باحترافية لان ملامحك وانتي خارجة من الاوضة فضحتك فضيحة علنية!!
انكمشت تعابيرها بحزنٍ وقالت:
_كده يا علي، بتتريق عليا وانا زعلانه إني عملت كده.
سيطر على ذاته بصعوبة ولف يده حولها:
_خلاص يا حبيبتي مش هضحك تاني بس الموقف نفسه يفصل!
رفعت عينيها لشرفة جناح مايا وسألته بخوف:
_هو عُمران هيعمل أيه معاها؟
استدار ومازالت يده تضمها واليد الاخرى بجيب سرواله،متابعًا معها شرفة أخيه:
_اعتقد إنه هيعالجها قبل ما توصل لمرحلة الادمان!
ردت عليه بضيق:
_هي مبتشربش هي بس كانت عايزة تشم ريحتها.
فشل بالسيطرة على ضحكاته فهتفت بغضب:
_متضحكش يا علي، هزعل منك بجد.
هز رأسه بجدية وعاد للضحك مجددًا، وانحنى يحمل السيجار الملقي أرضًا يرفعها قبالتها ويقول:
_بقى دي اللي اتسببت في الخناقات دي كلها.
لمعت عين فاطمة بفرحة وقالت:
_الحمد لله إنها معاك.
وتابعت بنبرة زرعت فيها خبث الأنثى بدلالها:
_علي هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟
قال بصدمة مازحة:
_أيه عايزاني اولعهالك تاخدي نفسين إنتي كمان؟!
هزت رأسها تنفي ذلك وقالت بتلعثم:
_عايزاك ترجعها مكان ما أخدتها لاني حاسة بالذنب ومش هسامح نفسي!
برق بها لدقيقةٍ كاملة، ثم انطلقت ضحكاته بصوتٍ يعلو سابقه، ومن بينها قال:
_نعم!!! عايزة أيه؟!! يعني أروح أقول للحارس اتفضل المدام بس كانت بتجرب نوع جديد ومعجبهاش النوع بتاعك، ولا اقوله كابتن سيجارة واقعة منك! انتي بتهزري يا فاطيما!!!!!
ربعت يديها أمام صدرها وتابعته بنظرات خيبة أمل جعلته يتساءل بدهشة:
_ده انتي بتتكلمي جد بقى!!
هزت رأسها تؤكد له، وبرجاء قالت:
_بالله عليك يا علي!
وزع نظراته بينها وبين غرفة الحرس هاتفًا:
_صعب يا فاطمة! انتي عايزة تهزي مكانتي ولا أيه أنا دكتور محترم مش مصلح لسرقة السيجارة!!!
استندت على ذراعه وبحب قالت:
_ولو قولتلك عشان خاطري!
نظراتها وطريقتها تلين الصلب إن أرادت، ابتسم لها وهز رأسه بموافقة رغم سذاجة الموقف.
اتجه علي لمكان تجمع الحرس وهو يمرر يده على شعره الطويل بحيرةٍ وحرج.
وقف يتنحنح أكثر من مرة، مستحضرًا ثباته وخشونة صوته، ليشير لاحدهم فأتى يهرول إليه قائلًا:
_هل هناك خطبًا ما سيدي؟
قال ومازال يمرر يده على خصلاته:
_وجدت هذة هنا، خذها من هنا واحرص الا تسقطها مجددًا، أنا أكره رائحتها ولا أريد أن ينتزع مرائي برؤيتها.
التقطته منه ولم بستطيع اخفاء معالم دهشته ومع ذلك ردد بكل احترام:
_حسنًا سيدي، سنحرص الا يتكرر الأمر.
أشار له بخفة وعاد لها يكبت ضحكاته، وخاصة من رؤية ابتسامتها المشرقة وكأنه كان يعيد كنز من الذهب لصاحبه وليست ثقب سيجار مسروقة تعاد من سارقها! أغرب سرقة على الاطلاق!!
******
بالاعلى..
تتراجع مايا لحافة الفراش،بينما يصيح عُمران
بغضب:
_بتشربي سجاير يا مايا هي حصلت!! عايزة الواد يبقى خمورجي وبتاع سيجارة!!
صعدت فوق الفراش تركض للجهة الاخرى قائلة بخوف:
_محصلش والله زي ما قولتلك كنت هولعها كأنها عود بخور، صدقني مش انا اللي عايزة كده أنا مؤدبة يا عُمران!! مؤكد دي طلبات ابنك القليل الادب!!
صعد على الفراش خلفها يصيح:
_متغلطتيش في ابني قداااامي!! وبعدين هو لو طلبت معاه حشيش هجيبك من أنهى ظار!!
أشارت تنفي مقولته:
_لا إن شاء الله مش هتوصل لكده أبدًا
_وانا لسه هستنى لما توصل!! مش بعيد ألقيه نازلي بسيجارتين في ايده وبيمسي عليا بيهم!!!
هبطت من الجانب الاخر ببطءٍ مضحك، وبتعبٍ قالت:
_ما تيجي ننام ونأجل الخناق لبكره والله تعبت من الجري، فرهدت!!
دنى إليها بنبرة خطيرة:
_ما كانت صحتك حاضرة من شوية وكنتي هتهفي السيجارة تحت، مش عارف عقلك كان فين!! انتي أساسًا من اول الحمل وانتي من سرير المستشفى للبيت ما بالك لو كنتي نفذتي اللي في دماغك كنتي هتنامي فين المرادي!! عارفة فين؟
هزت رأسها تنفي معرفتها بالامر فمال عليها يهمس:
_القرافة يا مايا، لسه فاكراها ولا فريدة هانم مسحت مصطلحاتك الشعبية!!
مسدت بيدها على بطنها بارهاقٍ وقالت:
_فاكراها، سبني أريح بقى بدل ما اروحلها بحق وحقيقي.
ابتعد عنها قليلًا، فتمددت على الفراش باسترخاءٍ، تركها واتجه يخلع قميصه ليستعد لتبديل ملابسه وقبل ان ينتهي من ذلك خرج لها مغتاظًا:
_ثم اني مش قولتلك تقعدي وتستنيني!! غيرتي فستانك ونزلتي ليه؟
قالت وهي تتناول من طبق الكاجو جوارها:
_لو متخيل اني هقعد استناك اربع ساعات بالفستان التقيل وببطني المنفوخة دي تبقى لسه مش مقدر امكانيات حالتي البائسة.
مزق شفتيه السفلي من فرط ضغطه المتعصب وهدر بغيظٍ؛
_لا مقدر جدًا، مهو انتي بقيتي صاحبة مزاج بقى!
وتركها وعاد يستكمل ارتداء ملابسه، ليطل من جديد هاتفًا بحنق:
_بقى تقرفي من ريحتي أنــــــــا وتحبي ريحة السجاير!!!!!
والقى حذائه أرضًا بعصبية:
_هتجنن!!
ابتلعت العصير وقالت وهي تلتهم الشوكولا:
_خلاص بقى يا عُمران متكبرش الموضوع.
اتجه إليها يجذب التسالي الذي قد سبق وأعدها لها قائلًا بنزق:
_هو كبير أصلًا يا بيبي!
وتمدد جوارها يشير بانفعال:
_ودلوقتي هتيجي تننامي في حُضني ولا أستبدلك بالمخدة؟
أسرعت إليه تهمس بذعرٍ:
_أجي مجيش ليه!!
كبت ضحكاته على هلعها البادي بمُقلتيها، فاحتواها بين ذراعيه وغفى قرير العين بعد أن انتهى من اول عدو لدغه دون حقًا.
*******
انتهى آدهم من مكالمته اليومية مع شمس، وما ان استعد للنوم حتى تفاجئ بوالده يدخل بمقعده المتحرك بملامح واجمة للغاية، اعتدل بفراشه يفتح زر الانارة مرددًا بتعجب:
_إنت لسه صاحي يا بابا!
احتفاظ عينيه باحمرارها أوضح لآدهم حالة ابيه، استقام بجلسته أمامه متسائلًا باهتمام:
_مالك؟!
تحرر عن صمته أخيرًا مرددًا بانهزام غزى روحه قبل أن يمس جسده:
_وبعدين يا عمر؟ هفضل مفترق عن ابني كده كتير؟ بشوفه ومحروم من اني اضمه او أسمعه بيناديني باللي المفروض بينادي بيه غيري!! هفضل ساكت وانا شايفه مكتوب على اسم حد تاني!!
وتابع وقد ترقرقت دموعه بغزارة:
_يابني أنا صبرت بما فيه الكفايا، بتقطع وأنا شايفه قدامي وبسمعه بيتكلم عن أبوه، ببقى نفسي أصرخ وأقوله أنا أبوك!
زفر آدهم بضيق من خوض ذلك الحوار المتكرر، فقال:
_يا حبيبي انا فاهمك وعارف إنه صعب، أنا كمان بخوض نفس احساسك وأنا شايفه قدامي ومش قادر أقوله اني أخوك، بس صدقني ده لمصلحته ولمصلحتك، آيوب متعلق جدا بالشيخ مهران، ممكن يبيع الكون كله عشانه، غير انه عمره ما هيتقبل اللي انت عملته!
ردد بقوةٍ:
_مش مهم انه يتقبل أو لا المهم انه يعرف الحقيقة.
_لو حققتلك رغبتك هتكون بكده بنخسره بشكل نهائي!
هداه عساه يتراجع ولكنه أصر بقوله:
_مش هيبعد لإن لا أنا ولا إنت هنسمحله يبعد.
وببكاءٍ حارق قال:
_يابني معتش باقي في عمري كتير، عايز أكفر عن ذنبي قبل ما أموت، عايز أصحح غلطتي بنسبه لحد تاني، عايزه يسامحني قبل ما أموت.
انحنى يقبل يديه معًا وبتاثرٍ قال:
_بعد الشر عليك يا حبيبي متقولش كده عشان خاطري، حاضر أنا هتصرف وهشوف طريقة مناسبة اقوله بيها الحقيقة، اديني فرصة أخيرة.
تمسك بيده يضغط عليها بتوسل:
_اوعدني يا عمر.
هز رأسه بابتسامةٍ محبة:
_أوعدك يا صاصا!
*********
صباحًا بالمركز الطبي الخاص بدكتور "علي الغرباوي"
تلقى يوسف مكالمة هاتفية جعلته يجيب بابتسامة واسعة:
_بشمهندس آيوب بنفسه بيكلمني؟!
_دكتور يوسف إزيك أخبارك ايه؟
_أنا الحمد لله في فضل ونعمة، طمني عليك إنت أمورك تمام؟
_الحمد لله يا دكتور، بصراحة ومن غير لف ودوران أنا مكلمك عشان حوار قد يكون تافهه بس يفرق معايا.
ضحك يوسف وردد بتخمين:
_سيف مش كده؟
_من بعد ما نزلت مصر أول اسبوع كان بيكلمني عادي وجيت بعد كده كنت مشغول في حوار ابن عمي ومعرفتش ارد عليه فاتفجآت بيه مبلكني من كل الحسابات والنهاردة لقيته فكك الحظر وبعتلي إنه هيتجوز بعد بكره وقبل ما ارد او أستفهم لقيته بلكني تاني!!!!!
تعالت ضحكاته صاخبًا، وقال بمرحٍ:
_عشان كده مكتئب ومالي الفيسبوك منشورات كآبة عن غدر الاصدقاء!!
ضحك آيوب هو الاخر وقال:
_شوفت يا دكتور!! أنا حقيقي مش فاهم غلطت في أيه؟ خليه يكلمني عشان أصالحه حتى لو مغلطتش هخده على قد عقله!
_والله انتوا الاتنين نكتة، بتفكروني بنفسي وانا في الثانوي!! عمومًا حاضر لما هرجع بليل هتصل بيك وهخليه يكلمك.
_تسلم يا دكتور يوسف، وبعتذر لو عطلتك.
_لا يا حبيبي انا تحت أمرك إنت وتفاهة سيف أخويا.
ضحكوا معًا وأغلق يوسف هاتفه، فاذا بالممرضة تخبره:
_السيدة فريدة بالخارج تريد رؤيتك سيدي.
اندهش من الأمر، ورغم غرابته الا انه قال:
_ادخليها.
طلت فريدة بجاذبيتها ورقتها المعهودة، تجلس قبالته بكل عنجهية، وقبل أن تمنحه فرصة الترحاب بها قالت:
_في موضوع مهم عايزاك فيه يا يوسف، وبتمنى يكون بينا ميعرفهوش مخلوق!!
*****
وقفت سيارة الأجرة أمام منزل الشيخ مهران، تراجل منها يونس الذي يجلس بمقدمة السيارة حاملًا فارس الذي غفى على ذراعيه بعد ان قضى الليل برفقة يونس، بعدما اكدت له الطبيبة خروج خديجة في صباح اليوم التالي فظل بالاستقبال حتى انتهت من محلولها الاخير.
هبطت الحاجة رقية تساند خديجة التي تتألم بخفوتٍ يمزق قلبه دون رأفة بحاله، يود لو يحملها بين ذراعيه ولا يتركها تخطو خطوة واحدة تزيد من جرحها.
صعدت للطابق الاول بصعوبة وبطئ، حتى ولجت لغرفة آيوب بمساعدة رقية وسدن التي اندفعت اليهما بلهفة وحزن على حال تلك الفتاة التي سبق لها رؤيتها.
ظلت سدن برفقتها، وخرجت رقية تشير لصبيانها فاجتمع آيوب ويونس حولها، فصفقت بيدها بطريقة كوميدية:
_يلا يا جميل منك له، مشفش واحد فيكم هنا، آيوب هدخل ألملك هدومك في شنطتين بلاستك وتطلع في ايد أخوك على فوق.
زم شفتيه ساخطًا:
_اخرتها بتطرد بشنطتين بلاستك!
واستدار ليونس يلكزه بعنجهية:
_عشان تعرف أنا مضحي عشانك ازاي!
ردد بنزق:
_يا شيخ اتلهي ما انت هتطلع تقرفني فوق بكتبك ومذكرتك!!
لف يده حول كتفه بسعادة:
_وده أهم ما في الموضوع، زي مانت عارف امتحاناتي على الابواب ومحتاجلك عن أي وقت يابو فارس.
منحه نظرة محتقنة وقال بسخرية:
_هات الهدمتين بتوعك وحصلني.
أوقفه الشيخ مهران مبتسمًا:
_مش هتأخد الاستاذ فارس ولا مش محسوب من صنف الرجال؟ أنا عن نفسي هنزل الدكانة ومنها للمسجد.
اتجه يونس إليه ينحني على الاريكة التي يغفو عليها،طبع قبلة عميقة على خده وهو يردد بابتسامة جذابة:
_راجل وسيد الرجال كمان.
وحمله واتجه لعمه الذي ربت على كتفه بحبٍ:
_ربنا يحفظهولك ويباركلك فيه يا حبيبي.
قبل جبينه باحترام:
_ويباركلنا في عمرك يا عمي..
أشار لآيوب فحمل الأغراض من والدته ولحق به للأعلى.
******
مضى "علي" بين الطوابق مباشرًا عمل الاطباء وفريق التمريض برضا تام عن اختياره، إلى ان تفاجئ بأخيه يجلس على مقاعد الانتظار المعدنية المتطرفة بانحاء المركز.
رؤيته بالمركز كان مفاجأة صادمة إليه، فدنى إليه يتساءل باستغرابٍ:
_عُمران بتعمل أيه هنا؟
مازالت الصدمة تستحوذ على معالمه، فاستدار يتطلع لعلي بنظرة مطولة وكأنه يحاول بها استكشاف من يتحدث معه؟ فتابع علي بقلقٍ:
_مالك؟
خرج عن صمته يخبره ببسمةٍ بلهاء:
_أمك.
تابع الاخير بدهشةٍ:
_مالها.
اجابه بنفس الابتسامة الحمقاء:
_حامل!
جحظت أعين علي بصدمة وهو يراقب عمران الذي مازال يجلس على المقعد المعدني كأنه فقد القدرة على استخدام ساقيه، استغل عمران صدمة اخيه وألقى اليه قنبلة أخيرة بسخرية:
_ وجاية تسقط عند يوسف من ورا عمك! ... معطلها جوه على أمل إني أدخل أقنعها وأنا من الصدمة قاعد محلك سر، اقعد جنبي بسرعة.
جلس علي جوار عمران يحاول استيعاب ما ألقى عليه منذ الصباح، فضحك عمران ساخرًا:
_يعني أنا المفروض أعمل أيه أدخل اقولها سبيه وهربيه مع ابني!!! ولا همشي ازاي أنا!! هشيل ابني اللي مستنيه كمان كام شهر على ايدي واخويا على الايد التانية ولا هعمل أيه بالظبط؟!!!
والتفت بجسده لعلي يصيح به بعتاب:
_انت السبب قعدت تقولي نساعد عمك يتجوزها وادي النتيجة هنبقى مسخرة يا علي!!!!
وتطلع امامه يردد بهمس منصدم:
_ازاي مفكرتش في الكارثة دي!
وصاح في اخيها بتعصب:
_انت ساكت ليه ما تتنيل تقولي هنهبب أيه... ولا هنمنعها ازاي من قرار التخلي عن البيبي.. يوسف مبطلش رن عليا وانا بقالي ساعة مرمي قدام مكتبه معنديش الجرأة اوجهه هو شخصيًا!..
وحينما لم يجد رد فعل من اخيه هزه بقلقٍ:
_علي مالك؟
وبتخمينٍ قال:
_انت زعلان انك بدل ما تستقبل خبر حمل فاطمة جالك خبر أمك من حيث لا تحتسب!! انت دكتور نفسي وقادر تساعد نفسك فساعدها وانجز خليها تقولي هنعمل ايه نتصل بعمك نجيبه ويعرف بمصيبتها ويطلقها ونخلص ولا نعمل ايه؟؟؟؟؟
...... يتبع.... الاقوى قادم 💣
#صرخات_أنثى... #آية_محمد_رفعت..
الفصل مرح ولطيف متنسوش التفاااعل والتصويت يا قمرات، متنسوش دي جرعة لطيفة عشان تستحملوا الاحداث اللي جاية، عشان محدش يقول اني منكدة عليكم 😂 ، نلتقي الفصل القادم ويا خوفي بعده نخسر بعض 🫢بحبكم في الله ❤.
*******___________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الخامس وسبعون 75 - بقلم آية محمد رفعت
(في كلام مهم تحت الاقتباس من فضلكم اقروه)
_وريني معاك أيه يا فلامنكووو معاك أيه ورا ضهرك عشان لو طلع اللي في بالي صح هطلع بروح أمك وقتي!
كلمات متعصبة ترددت على لسان الطاووس الوقح، لذاك الذي يقف بالشرفة ومازال يخبئ يده خلف ظهره، وأجابه وهو يدعي اللامبالة:
_هيكون معايا أيه يعني!
احتدت رمادية عُمران، وهدر منفعلًا:
_طلع ايدك وافتحها قدامنا هنا.
هدر إيثان بتعصب:
_وإنت تقتحم خصوصياتي بتاع أيه؟
زفر آيوب بملل من مجادلتهما، بينما ردد يونس بنفاذ صبر:
_ما تريحه وتفتحله ايدك يا إيثان.
بينما تابع آيوب ساخرًا:
_تقتحام خصوصية أيه اللي بتتكلم عليه هو أحنا دخلنا عليك الحمام!
دفع إيثان آيوب بعنف وهو يصيح بشراسة:
_انت هتقف في صف صاحبك الاجنبي من أولها يابن الشيخ مهران!!
تعالت ضحكات عُمران وقال ساخرًا:
_يابني ميغركش ملامحي أنا مصري أبًا عن جد، وبعدين أعملك أيه عشان تصدق أكتر من إني مثبتك بمطوة ونازل قصف في جبهة أمك من الصبح!!
وبابتسامة واثقة استطرد:
_وبردو هتوريني اللي في ايدك حتى لو فضلنا نتكلم لسنتين قدام.
تنهد يونس بضجر:
_ما تخلص يا ايثان!!
أخرج كفه يفتحه بارتباكٍ، فاذا بالصدمة توزع بين الوجوه، وكان أول من تحدث هو آيوب الذي صرخ به بغضب:
_بقى إنت اللي بترمي علينا الصواريخ كل يوم بعد صلاة العشا!!!!
بابتسامة واسعة أكد له مصححًا:
_مش كل يوم سبت واتنين وأربع باقي الايام بكون مشغول فيهم.
جذبه عُمران من تلباب قميصه قائلًا باستهزاء:
_متزعلش يا حبيبي هنخليك متفرغ طول أيام الاسبوع للعلاج المجاني في مستشفى القصر العيني، أو الدمرداش!
ارتعب إيثان من تهديداه المخيف وبصعوبة قال:
_ناوي على أيه؟
.... #قريبًا........
ده اقتباس كنت محضراه من فترة، واختارت انزله ليكم الوقتي عشان تقروا كلامي اللي هكتبه دلوقتي، بصراحة يا بنات أنا أول مرة أوصل لمرحلة الزعل دي منكم، حاسة بخذلان رهيب، بالبداية خلاوني أنوه وأكد اني زعلي مش من الكل لان في ناس ملهاش ذنب بس أنا غصب عني والله حساسة وبتقصر بأي شيء، لما نزلت حوار ايثان وحصل الجدل والبوستات اللي نزلت وكان عليها خناق رهيب طلعت اكتر من لايف وعملت أكتر من بوست وضحتلكم فيه وجهة نظري المتوضعة، حتى اني نزلتلكم اقتباس هيحرق الفصل لمجرد اني افصل الجدل نهائيًا، طبعا مش هقولكم على كمية التعليقات المحبطة اللي اغلبها ليه احنا زعلنا انه مش أسلم ووقتها وضحت وقولت يا جماعة انا ككاتبة قصدت احط الشخصية دي لهدف مش اجباري انه يأسلم، طلعوا في نقطة تانية وقالوا هتجوزيه المسلمة ازاي بردو كنت برد وبقول استنوا الاحداث.
ولحد ما الفصل نزل كان عندي امل انكم واثقين فيا أو عايزين تشوفوا اللي في دماغي بس اللي حصل كان صادم ليا بشكل كبير، جماعه انا حذفت كمية تعليقات سلبية قهرتني وكسرتني بشكل ما اتعرضتش ليه من وقت ما بدأت لدرجة اني بقيت كل يوم بكلم شيخ اسالهم انا غلطت؟!!!
كمية هجوم وكلام زي (انتي غيرتي احداثك ليه خوفتي منهم، انتي ففدتي مصدقيتك، انتي ازاي متخلهوش يأسلم، انتي ازاي تخلي يونس يقوله براحتك والكلام ده! ، الخ، الخ، الخ..)
أأيه يا جماعه ايه في ايه لكل ده، أجرمت انا؟!!! جماعة انا في كلام مش هقدر أقوله بس انا من جوايا فخورة ومبسوطة ان متابعين الرواية فيهم نسبة كبيرة مش مسلمين، انا نجحت اوصلهم نماذج عظيمة اسلامية زي آيوب والشيخ مهران، وزي عمران جنتل الشباب اللي تاب ورجع من طريقه، نجحت ابرز عدد من الشخصيات بصورة رائعة يبقى ليه كل الانقلاب ده، ليه تقلبوا التعليقات لساحة حرب ما بينكم، حد بينتقدني وحد بيدافع عني بشكل يتعدى على الطرف الاخر وصلتوني لاني بخوض اسوء مرحلة عدت عليا والله ما عارف. اكتب حرف، عندي خوف رهيب خوف مميت من جمل بعض الناس اللي كتبولي بالنص(اانتي منصرتيش دينك!!!) يا نهار ابيض على الكلمة!! ، اازاي يا جماعة ازاااي دي رواية، شيء تاااافه يوصلكم انكم تتهموني تهمة بشعة زي دي!!
. وللعلم جزء من الفصل مبعوت لناس أكثر مني خبرة في أمور الدين والله العظيم اتقالي منهم احنا فخورين باللي قدمتيه، كفايا إنك طرحتي للقراء اللي على غير الاسلام تفاصيل عن الدين الاسلامي بشكل غير مباشر عن طريق قصة آديرا والشيخ مهران فازاي انتوا بتتهموني وبتحطموني كده... انا بقيت حذفه فوق ال150 تعليق واتباد ووفيس والله اعلم التطبيقات التانية اتكتب فيها ايه طيب ليه كل ده، حد يرد عليا انا غلطت في ايه؟!
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السادس وسبعون 76 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الواحد_والستون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات من يصادف اليوم عيد ميلادهن "زينب محمد"،" مروة محمد رشدي"
"إيناس نصر" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
يستكين رأسها على سرير العمليات، عينيه تغدقان بالدموع المائلة على جانبيها، عاشت طوال عمرها بصورة مخادعة، مشوشة عن طباعها، فلم تكن تلك القوية الشامخة، بل كانت امرأة مقهورة، مجبورة على كل شيءٍ.
قتل قلبها وفي نفس اليوم أُجبرت على أن تُقحم قلبها شخصًا أخر، زرع نطفة داخلها بالأجبار، بل فعلها ثلاث مرات وبالرغم من قسوة فعلتها الا أنها رزقت بأجمل ثلاث أبناء.
"علي" ابنها الأكبر، ينبوع الحنان والاحتواء، صديقها الذي لم تمتلكه يومًا، وبالرغم من كونها تكبرها فوق العمر عمرًا الا أن عقله يفوقها، حبه الشديد للقراءة وتنظيم حياته المنمق وبالأخص العملية، قرارته التي تميل أغلبها لقلبه، ربما لا يشبهها ولكن أكثر ما تحبه به بأنه النسخة المصغرة عن معشوقها ، وكأن "أحمد" تجسد فيه ليعوضها فراقهما!
"عُمران" الابن الثاني لها، طفلها المشاغب، لم يكن هادئًا بطفولته مثل "علي"، وبالرغم من أنه عنيدًا صعب المراس الا أنه كان يتفق معها بأغلب الاشياء، كطريقة ارتدائه للملابس الباهظة، حنكته ورقيه بالتعامل، اهتمامه بالرياضة كما تعشق هي، أحيانًا تشعر حينما يضمها بأنها ابنة أبيها المدللة، داخل حضنه تشعر بأنها طفلة صغيرة، وكثيرًا ما تخجل بأنه والدته، ولكنها على ثقة بأنه كان وسيظل دومًا لجوارها.
" شمس" طفلتها الثالثة، اشتق قدومها من اسمها فأشرقت حياتها المظلمة بها، طفلتها الجميلة، رقيقة القلب والمشاعر، شبيهتها المتطابقة لها، فلقد كان مناصفة غير عادلة حينما شبه "علي" "أحمد"، وورث" عُمران "ملامح والده، فأتت شمس نسخة عنها بأغلب ملامحها وبكل طباعها تقريبًا، لذا كانت تخشى عليها أن تلقى مصيرها، ربما اتخذت بحقها قرارات حاسمه ولكن بالنهاية فور أن خفق قلبها لشخصٍ دعمتها دون حتى أن تستعلم عنه شيء.
حياتها برمتها كانت مرهقة، شاقة، والآن قد تنعمت بين أحضان معشوقها، من حُرمت منه رُد لها، فهل ستقتل ثمرة حبهما بيدها!!!
وضعت" فريدة"يدها على بطنها، تهز رأسها بجنون وكأنها استشعرت الآن فضاحة ما ستفعله، كيف ستصبح قاتلة؟ كيف وهي لم تفعلها مع من كرهته فكيف ستفعلها مع من قُتلت عشقًا لأجله؟!
أزاحت الغطاء عنها ونهضت تخرج من جناح العمليات متجهة للخروج، فاذا بعلي يقف برفقة يوسف الذي وصل صوته لها:
_ أنا كنت بحاول أكسب وقت لحد ما عُمران يوصل، بس بما إن حضرتك هنا فأرجوك تتصرف يا دكتور، فريدة هانم في أخر الشهر الثالث يعني عملية الاجهاض خطر عليها جدًا أخطر من خطورة الولادة في سنها ده، فمن فضلك يا دكتور علي تحاول تفنعها لآنها مش مدياني فرصة، أنا حتى سايرتها بالكلام على قد ما أقدر وإنت عارف إني عمري ما عملت ولا هعمل العمليات دي.
أشار له بتفهمٍ، فتابع يوسف وهو يتجه للخروج:
_خد راحتك أنا مع عُمران بره.
تركه وخرج فاستدار علي ليتجه لجناح العمليات، فاذا بها تقف أمام عينيه، همس بذهولٍ:
_فريدة هانم!
أخفضت عينيها أرضًا بحرجٍ، وعادت لغرفة العمليات لتحضر حقيبة يدها، ولج علي خلفها، فوجدها تجذب حقببتها وتخرج منها مفاتيح سيارتها، وقبل ان تترك الغرفة أوقفها بقوله:
_ممكن نتكلم شوية؟ أنا مش هقدر اسيب حضرتك تخرجي من هنا وإنتِ بالحالة دي.
مالت برأسها من فوق كتفها قائلة دون أن تقابله عينيها:
_مش هخرج من هنا عند دكتور تاني، صرفت نظري عن الموضوع ده اطمن!
سبق خطاها ليقف في مواجهتها هادرًا بهدوءٍ:
_طيب وليه تاخدي قرار زي ده من البداية يا ماما!! حضرتك عارفة لو عمي عرف اللي كنتِ عايزة تعمليه رد فعله هيكون أيه؟
رفعت عينيها الغائرة بالدموع إليه فتابع بحزنٍ:
_صدقيني ومن عشرتي ليه بأكدلك إنك كنتي هتخسريه خسارة أبدية.
أنكست رأسها أرضًا تخفي بكائها الخافت، فأحاط كتفها بكفه، يفرك بإبهامه عليه بحنان:
_مهما كانت أسبابك فصدقيني مش مضطرة لده.
خرجت عن صمتها قائلة ببكاء:
_انت وأخوك مبقتوش صغيرين يا علي، بالرغم من غرابة جوازي وأنا بالسن ده الا أنكم مكنش عندكم أي مشكلة، دلوقتي أزيدها عليكم بحملي ده! هكون أنانية يا علي!
رفع بإبهامه رأسها إليه، يسألها بدهشة ووجع مما تعانيه والدته من اكتئاب استطاع بكل براعة التعرف عليه، هالتها البادية أسفل عينيها، كل رد فعل صادر عنها يبرز له مدى معاناتها:
_ليه بتفكري بالشكل ده؟ تفتكري إن موضوع زي ده هيأثر علينا!! حبيبتي إنتِ مأجرمتيش بجوازك من الانسان الوحيد اللي حبتيه!! لازم تكوني فخورة بنفسك وباللي مريتي بيه، مفيش ست تقدر تستحمل ربع اللي استحملتيه، مستحيل تقدر تعيش مع شخص محبتهوش وتعامله بالطريقة اللي اتعاملتي معاه بيه، حتى بعد ما مات محاولتيش تدي فرصة لقلبك إنه يعيش من تاني، حرمتي نفسك من كل حاجة علشان اولادك وبعدتي عن الانسان اللي حبتيه، ودلوقتي بعد كل ده عايزة تدمري الحب اللي بينكم ليه وعشان أيه؟
ابتعدت عنه واتجهت للشرفة تجيبه باكية وبصوتٍ شبه مبحوح:
_لإن المفروض إن في الوقت اللي المفروض هكون فيه جدة مينفعش أكون فيه أم يا علي، تفتكر منظري هيكون أيه لما الحمل ده يتعرف، هبقى مهزءة وسخرية.
اتجه خلفها لمكان وقوفها، وتخلى عن هدوئه هادرًا بانفعالٍ:
_فريدة هانم إنتِ هنا في لندن مش في مصر، وحتى لو كنا عايشين في مصر فكنت فاكر إنك شخصية قوية وقادرة توجهي الدنيا كلها عشان ابنك، معقول ضعفك وصلك إنك تتخلي عن ابنك وتقتليه عشان كلام الناس!!!
هزتها كلماته لدرجة جعلتها تشير له برعبٍ وهي تهاجم معنى كلماته القاسية:
_أقتل ابني!!! لأ... لا يا علي!!
وبعدم استيعاب لحجم ما ستفعله قالت:
_آآ... أنا وأحمد كنا متفقين إننا مش هنجيب أولاد، آآ.... أنا سألته تاني من فترة وقالي إنه راضي ومبسوط ومش عايز غيري آآ... عشان كده قولت آآ...
ابتلعت كلماتها بألمٍ، لم تستطيع أن تسترسل حديثها بنيتها بالتخلص من الجنين وكأنها استوعبت الآن بمقولة «قتله»، أخفضت رأسها تبكي بصوتٍ قهر قلب علي، فدنى إليها يجذب رأسها ليضعها على صدره فانهارت باكية بتأثرٍ.
ربت على ظهرها بحنان وقال بعقلانية:
_عمي اتخلى عن رغبته إنه يكون أب علشانك إنتِ، وممكن يضحى بأي حاجة بس يا فريدة هانم حصل وحملتي منه فعمره ما كان هيقبل إنك تتخلي عن ابنه.
ابتعدت تقابل نظراته بحزنٍ جعل زرقتها غائمة، وعلى استحياء سألته:
_ هتقوله يا علي؟
هز رأسه ينفي ما صيغه عقلها إليها:
_لا طبعًا مستحيل.
منحته ابتسامة ممتنة وقالت:
_أنا طول الفترة اللي فاتت دي كنت بحاول أقتله بس مقدرتش يا علي، أنا مش عايزة أخسر أحمد ولا عايزة أخسركم.
تفهم سبب خوفها، وسألها باسترابة:
_ازاي اقتنعتي انك باحتفاظ بيه هتخسرينا يا أمي؟ تفتكري مين فينا هيقبل يعرضك لخطر زي ده!! تفتكري مين فينا هيقبل يشيلك ذنب كبير زي ده؟! إنتِ لو عملتيها مش هتقدري تعيشي غير بعذاب ضميرك، ده روح يا فريدة هانم وعقوبة قتلها عند ربنا عظيم! ، ربنا سبحانه وتعالى أراد أن يكونلك ابن من عمي فبأي حق عايزة تقتليه!!
وتابع يعاتبها بلطف نبرته الهادئة:
_طيب عمي من وجهة نظرك ميستحقش إنه يكونله ابن منك؟ ، أحمد الغرباوي اللي عاش عمره كله وحيد من بعدك ورفض الارتباط علشانك وبالرغم كل ده اول ما جتله فرصة يكون زوج ليكي قبل بأصعب شرط فرضتيه عليه ميستهلش إنك تتنازلي عشانه يا فريدة هانم؟
أخفضت وجهها وببكاء قالت:
_خلاص يا علي من فضلك كفايا!
منحها ابتسامة جذابة وهو يمحي دموعها قائلًا ببهجة:
_حوارنا اتقفل ومش هيتفتح تاني، هيتدفن بينا ومفيش مخلوق هيعرف بيه حتى عمي، يلا نرجع القصر نفرح عمي بالخبر ده.
اندهشت من سرعة تقبله للأمر، فوجدته ينحني جاذبًا حقيبتها ويشير لها للخروج، فقالت بحرج:
_هو ممكن يوسف يقوله؟
أكد لها بجدية تامة:
_لا طبعًا يوسف مستحيل يعمل كده.
هزت رأسها بخفة وقالت:
_هو مفيش غيرك الا عرف؟
حك انفه يخفي ضحكته وقال:
_للأسف عُمران اللي مبلغني.
برقت لوهلةٍ وقالت:
_أيه!!!
اتسعت ضحكته رغمًا عنه، وخاصة حينما قالت:
_هتكسف منه لو كلمني في الموضوع ده، خليه ميتكلمش معايا فيه يا علي لو سمحت، أخوك وقح وهيقعد يتريق عليا وممكن بكلامه أرجع عن قراري وأتخلى عن البيبي!
تمردت ضحكاته وقال يسايرها كفتاته الصغيرة:
_حاضر مش هخليه يكلمك نهائي.
اتبعته للخارج باطمئنان، حتى صعدت لسيارته فاتجه بها للقصر ومازال يتردد لعقله سؤالًا هامًا
«أين الطاووس الوقح؟!!!»
******
بسيارة عُمران المصفوفة على طرف الطريق، زفر يوسف بمللٍ وقال:
_يابني فهمني موضوع أيه اللي عايزني فيه ومخليني سايب شغلي وجاي مخصوص لعربيتك!! هو مينفعش الكلام في مكان غير هنا؟
أكد له عُمران ومازال منحني يبحث عن شيءٍ مفقود باستماته:
_أيوه هو الحوار اللي عايزك فيه مينفعش الكلام عنه الا هنا، واخرس بقى خليني أركز!
تابعه بدهشة مما يفعله وتساءل:
_بتعمل أيه تحت الدواسة فهمني!!
زفر بعصبية:
_ما قولتلك اتزفت اصبر مش شايفني مشغول!
تنهد بقلة حيلة وراقب ساعة يده قائلًا:
_تمام بس انجز ورايا حالة ولادة بعد نص ساعة، أنا أساسًا كنت هكلمك عشان كنت عايزك في حوار مهم كده.
منحه نظرة شرسة وهتاف حاد:
_هو لسه في مصايب غير اللي بلغتني بيها؟!
زم شفتيه ساخطًا:
_هو حمل فريدة هانم مصيبة!
أجابه بتلقائية مضحكة:
_طبعًا!
قال يوسف بجدية تامة:
_وأيه المصيبة بقى في حملها!! ستات أكبر منها بكتير وبيحملوا وبيخلفوا عادي جدًا، وبعدين ما شاء الله فريدة هانم مهتمة بنفسها وبجسمها جدًا فحملها هيكون سلسل وآ...
ابتلع كلماته بصدمة مما وضع على رقبته، ابتلع يوسف ريقه بصعوبة وتساءل بهلعٍ:
_دي أيه دي يا عُمران؟
وكأن المشهد يعيد نفسه مستبدلًا شخصية جمال بالاخير، فإذا بابتسامته الخبيثة تبرز وفحيحه يلفح وجه يوسف:
_دي؟؟ دي مطوة يا دكتور!!
لعق شفتيه برعب وعدل من نظارته الطبية قائلًا:
_أيوه ولزمتها أيه يا حبيبي!
شدد من قبضته على تلباب قميصه الأبيض هادرًا:
_اسمعني كويس يا يوسف، لو حد شم خبر بحمل أمي هقطع رقبتك الحلوة دي وهبعتها لدكتورة ليلى كادو!
رمش بعدم استيعاب وسأله بريبة:
_طب وليه الشر ده كله؟ ثم إنك ليه بتتكلم وكأن فريدة هانم عندها مرض معدي، دي حامل يا حبيبي وده شيء لا يمكن تخبيه ولو نفترض انك نجحت وخبيت الموضوع هتيجي بعد 9 شهور هتقول للناس مين البيبي ده؟
أجابه بملامح جادة للغاية:
_عادي هقول مايا جابت تؤام.
كبت يوسف ضحكته وصدمه بقوله:
_ازاي وفريدة هانم سابقة مايا بشهر تقريبًا!! أيه نزل يمهد الطريق لاخوه ولا أيه بالظبط!
تهدل ذراعه عن رقبته وعاد لمقعده بملامح واجمة للغاية، ضحك يوسف وهو يراقب ملامحه بتسليةٍ، وتمتم باستنكارٍ:
_عُمران معقول فقدت عقلك!! حبيبي إحنا في لندن مش في مصر عشان تخاف على شكلك!! وبعدين فريدة هانم أساسًا اللي يشوفها ميصدقش إنها خلفت قبل كده.
فتح مدته (المطوة) مجددًا وسلطها على رقبته هاتفًا بغضب:
_إنت بتعاكس أمي قدامي يالا؟
رفع يديه يجيبه بخوف:
_أبدًا والله بحاول أخليك تستوعب بس، وبعدين فريدة هانم من خلال كلامي معاها حسيت إنها بتمر بحالة نفسية حادة فلو سمعت كلامك الأهبل ده حالتها هتسوء، عشان كده حاول تخليك بعيد عنها وتسيب حوارها لدكتور علي هو شخص عاقل ومتفاهم وهيقدر يتعامل معاها.
زوى حاجبيه بغدافيةٍ شديدة:
_حد قالك إني غبي ومبفهمش! وبعدين هتخاف على أمي أكتر مني!! جرى أيه يوسف إنت عقلك لسع منك ولا أيه؟
سقطت نظارته من فرط اهتزاز جسده تباعًا لحركة عُمران المتعصبة، فصاح منفعلًا:
_لا خايف ولا متزفت، سبني خليني أنزل أشوف شغلي!
عاد لمقعده يعيد سلاحه بتابلو السيارة، فاذا بيوسف يتساءل ساخرًا:
_لامؤاخذة في السؤال يا بشمهندس، هو إنت شايل مطوة معاك في العربية ليه؟
احتدت رماديته تجاهه، وبوقاحة قال:
_عشان اللي زيك وزي جمال الغبي بيضيقوا خلقي بعد عنك، فمينفعش معاهم غير المعاملة دي.
حك لحيته هادرًا بصدمة:
_يعني انت شاري المطوة للمقربين منك!! يا راجل وأنا اللي افتكرتك عندك عدوات في الشغل وخايف تتثبت على الطريق!
لكز الدريكسيون بغضب:
_وده مين ده اللي يثبت عُمران سالم الغرباوي!! مجابتوش أمه على وش الدنيا لسه اللي يعملها.
وتابع بتهديدٍ صريح:
_اظبط كلامك بدل ما أشرحك هنا عملي يا دكتور الحالات المتعسرة.
عدل من نظارته بغرور:
_هو أنت فاكر إني عندي مشكلة إنك تشرحني(أبسلوتلي. absolutely)، المشكلة عني إنك بتسخدم سكينة مش معقمة!!
أغلق عينيه بقوة ولسانه يعد من واحد لعشرةٍ، توتر يوسف من صمته الغريب فأسرع يبدل حديثهما المتهور:
_سيبك بقى من هزارك التقيل ده وخليك معايا في اللي عايز أقولهولك.
فتح حدقتيه وبابتسامة مغتاظة قال:
_ياريت.. بس لخص عشان مستعجل!
سحب نفسًا مطولًا ودفعه هادرًا بارتباكٍ:
_بص يا عُمران إنت عارف إني ماليش غير سيف، هو اللي طلعت بيه من الدنيا، أبويا وأمي من طول عمرهم وهما بعاد عننا، كل اللي في دماغهم الشغل وبس، انا اللي مسؤول عن سيف مسؤولية كاملة لحد ما بقيت بحس إنه ابني مش اخويا الصغير.
مال بجلسته إليه يسأله باهتمام:
_ليه بتقول الكلام ده يا يوسف؟
استند برأسه على ذراعه المائل بشرفة السيارة:
_لإني خايف أخسره يا عُمران، جوازه من زينب طول ما الكلب يمان ده لسه بيحوم حوليها هيخليني قلقان طول الوقت، الانسان ده شراني وأكيد أنا مش هقف وأتفرج عليه وهو بيأذي أخويا!!!
وتابع بنبرة اوضحت عجزه التام:
_وفي نفس الوقت مقدرش اقف في وشه وأمنعه جوازه من الانسانه اللي بيحبها خصوصًا إن أنا اللي كنت مصر عليه يرتبط!
رفع عمران زجاج شرفة مقعده، عسى أن يكف الهواء عن العبث بخصلاته، وتحلى بصمته ليجذب انتباه يوسف إليه وعن عدم رضاه بتفكيره المطلق، فازدرد حلقه قائلًا:
_أنا مش معاك يا يوسف، سيف حبها واختار إنه يكون معاها في الحرب دي، وده لو ثبتلك شيء قالمفروض يكون اثبات بحبه الكبير ليها، كون إنك خايف انه يأذيه لما يتجوزها فمين قالك إنه مكنش هيعملها وهو بعيد عنها!! هو خلاص بقى عارف ومتأكد إنهم بيحبوا بعض سواء اتجوزها أو لأ!
واستطرد بصرامة واضحة:
_وبعدين لا آدهم ساكت ولا حراس عمي ساكتين، بيحاولوا يوصلوا ليه وهيحصل آن شاء الله، ولو فكرت فيها هتلاقي مش من الرجولة نسيب زينب لوحدها في الحرب دي، بالعكس لازم الكلب ده يشوفنا كلنا حوليها وأولنا سيف، الموقف اللي عمله يوم الجامعة ودفاعه عنها ده هيقلقه وهيخليه يتهز، ولو حصل وهاجمه هيكون على ثقة إن كفته مستحيل هتطب لإن قلب زينب اللي معرفش يكسبه بقى مع سيف وده هيخلي سيف ينتصر عليه بسهولة ده إن حصل وهاجمه لاننا مش هنسمح بده بإذن الله.
اقتنع بحديثه فتنهد بحزن وقال:
_إن شاء الله..
وفتح باب السيارة قائلًا:
_هنزل أشوف شغلي وإنت روح مشوارك ومتنساش بكره تكون عند سيف من النجمة، عريس بقى وعايزك تظبطه باليوم ده.
واستكمل بابتسامة هادئة:
_انا وليلى ظبطناله حفلة صغيرة كده في شقتنا.
منعه عُمران من الهبوط حينما ضمه إليه، وبكل محبة قال:
_ألف مبروك، ربنا يفرحك بيه وبأولاده يارب.
ربت على ظهره بقوة وابتسامته تتسع شيئًا فشيء:
_تسلم يا حبيبي.
وابتعد يسأله بتذكر:
_بقولك أيه ما تتصل بالست أشرقت تعزمها وأهي فرصة تيجي هي ومدام صبا الحفلة وأهو نجبر جمال يرجع معاها لانه مش هيسيب مامته تروح لوحدها يعني، حتى لو هتروح تجبهم قبل الحفلة.
تنحنح بخشونة وقال:
_ فكرة كويسة، أنا هتصل بيها بس مش هقدر أعدي عليهم أجبهم، ممكن ابعتلهم سواق فريدة هانم يجبهم.
تعجب من رفضه الصريح بالذهاب لاحضارهما، وبدأت شكوكه تدفعه لسماع عُمران حوار جمال معه حينما أخبره سبب طلاقه، ولكنه لا يريد أن يحكم من موقفٍ هكذا عساه مشغولًا بالفعل، فازدرد قائلًا:
_خلاص تمام.. المهم تأكد عليها تجبها وتيجي.
هز رأسه بتأكيدٍ، هبط يوسف من السيارة وغادر عُمران على الفور.
********
مضت فاطمة برفقة زينب بأحد المولات لشراء بعض الملابس لزفافها الذي تحدد بسرعة البرق، وقد حرصت فاطمة على شراء القفطان الأخضر لشقيقتها لترتديه بالغد.
كانت تشعر بالسعادة بأنها تعاونها من مالها الخاص، حيث كانت تودع المبالغ التي تتحصل عليها من عملها برفقة عُمران بحساب خاص بها قد قام عُمران بفتحه لها لرفضها استلام المال منه.
وفور أن انتهوا تركوا الحرس يحملون الأكياس للسيارة وجلسوا باحد الكافيهات يتناولون الغداء بمفردهما لأول مرة.
فقالت فاطمة وابتسامتها الرقيقة لا تفارقها:
_صافي كبرتي أ زينب و غادي تتزوجي، انا فرحانة ليك بزاف و لكن في نفس الوقت مقلقة انا مازال ما شبعتش منك
(كبرتي خلاص يا زينب وهتتجوزي!! أنا فرحانه علشانك اوي بس في نفس الوقت زعلانه أنا ملحقتش أشبع منك!)
رسمت ابتسامة صغيرة على وجهها المجهد من قلة نومها قلقًا من ذلك المريض:
_و انا زعما فين غا نمشي ا فطيمة، هاا انا معاك و حداك
(وأنا يعني هروح فين يا فاطمة أنا معاكي وجنبك أهو!)
مالت على الطاولة البيضاوية تمسك يديه التي تفرق بها بتوترٍ:
_الخوف اللي ف الداخل ديالك ماتقدريش تخبيه عليا مهما حاولتي انك تبيني انك طبيعية،
اتكلمي معايا و متخافيش ماكينش ف هاد الكون اللي يقدر يفهمك قدي.
(الخوف اللي جواكي مش هتقدر تخبيه عني لو مهما حاولتي تبيني إنك طبيعية، اتكلمي معايا ومتخافيش محدش في الكون كله هيفهمك أدي.)
تدفق الدمع من عينيها المحتقنة بالدموع، فسددت لها سؤالها المباشر :
_انتي خايفة من يمان ولا من سيف يا زينب؟
ضمت شفتيها بقوة تكبت شهقاتها الباكية، وبعجزٍ هتفت:
_ ما عرفتش (مش عارفة!)
سحبت فاطمة مناديلًا ورقيًا، وقدمته لها قائلة والوجع بعتصرها:
_بلا ما تبكي، واش كاينة شي عروسة كتبكي فخال هكا و عرسها غدا، لو الجواب على سؤالي صعيب فاعتبريني ما سولتش من الاساس.
(بلاش العياط ده، في عروسة فرحها بكره تعيط بالشكل ده!! لو اجابة سؤالي صعبة يبقى اعتبريني مسألتش من الاساس.)
اعترضت حديثها قائلة:
_ماشي صعيب و لا حاجة،انا الخوف اللي اتبنى داخلي من يمان و فعايله،خلا عندي هواجس مخيفة، أفطيمة.
(مش صعب ولا حاجة، بس أنا الخوف اللي اتبنى جوايا من يمان وأفعاله خلاني عندي هواجس مخيفة يا فاطمة.)
واستطردت تشرح لها على استحياءٍ:
_ما غنقدرش نكون ليه مرا !
انا بمجرد ما كيقرب مني في بلاصته حدايا كنموت بالخوف من يمان!!
(مش هقدر أكونله زوجة! أنا بمجرد ما بيقرب بمكان جلوسه مني بترعب من يمان!!)
أدمعت أعين فاطمة تأثرًا بها، فكيف لا تشعر بما تعانيه وقد ذاقت هي أضعاف ما يحيط شقيقتها، غمست أصابعها بين أصابع الاخرى، وقالت بقوة تحاول مدها لها رغم أنها ضعيفة، هاشة:
_ كتبغيه أزينب؟ (بتحبيه يا زينب؟)
رمشت بارتباكٍ ملموس، فابتلعت ريقها الذي زارته رطوبة عجيبة فور سماعها لسؤال فاطمة:
_ماعرفتش، ولكن انا كنرتاح فاش كنشوفه،و كنحس انني ما بغياش يمشي او يبعد عليا،
كنفرح بزاف فاش كنشوفه في الجامعة،النهار اللي مكنشوفوش فيه كنحس انني مقلقة و مزيرة،
حتى كلامه و اصراره أنه يتزوجني بالرغم من أنه عارف انه غيعرض حياته للخطر كيخليني نحس بانه هادا هو الراجل اللي نقدر ننعس ف داره و انا مطمنة و مرتاحة.
(مش عارفة! بس انا برتاح لما بشوفه، وبحس إني مش عايزاه يمشي أو يبعد، بفرح أوي لما بشوفه بالجامعة، اليوم اللي مبشفهوش بحس إني مخنوقة ومتصايقة، حتى كلامه واصراره على إنه يتجوزني بالرغم من إنه عارف إنه بيعرض حياته للخطر بيخليني أحس إن ده الراجل اللي هقدر أنام في بيته وأنا مطمنة ومرتاحة.)
اتسعت ابتسامة فاطمة، ورددت باستنكارٍ:
_ايلا ما كانش هدا هو الحب،ايوا شنو يكون الحب من وجهة نظرك أ الدكتورة؟!
(لو ده مش حب أمال أيه الحب من وجهة نظرك يا دكتورة؟!)
أشرق وجهها بابتسامة تستحي من أن يراها أو يستمع لحديثهما أحدًا، ومن ثم ما تلاشت وبتوترٍ باحت:
_و لكن كلشي هادشي مسببلي خوف كبير أ فطيمة.
(بس كل ده مسببلي خوف كبير يا فاطمة.)
سألتها باستغراب:
_خوف من أنك بغيتيه؟!
(خوف من إنك حبتيه؟!)
رفرفت اهدابها المبتلة بدموعها وقالت:
_خوف أنه يتآذى،ماغنقدرش نستحمل توقع ليه شي حاجة بسبابي،آآ...انا كنبغيه!
(خوف من إنه يتأذي، مش هستحمل إنه يحصله حاجة بسببي، آآ... أنا بحبه!)
زفرت الهواء الساخن من انفها، وكأنها تحرر عنها التوتر الذي يجتاحها على شقيقتها، وقالت بإيمانٍ:
_زينب أحبيبة ديالي كيفاش ايمانك بربي سبحانه و تعالى يوصلك لهاد النقطة،
ربي سبحانه و تعالى قال في كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم
«قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» صدق الله العظيم.
يعني لو قدر الله. و ربي اراد انه يمسه بسوء فهادشي مقدر و مكتوب،
و اجي علاش انتي تحطي فراسك هاد الافكار الخايبة،حبيبة ديالي انتي عروسة فرحي و خلي كل هادشي على جنب، ماعرفتيش ربي خازن ليك الخير فين.
(حبيبتي زينب إزاي ايمانك بربنا سبحانه وتعالى يوصلك للنقطة دي، ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم
«قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» صدق الله العظيم.
يعني لو لقدر الله ربنا أراد أن يمسه بسوء فهو مقدر ومكتوب، ثم إنك ليه تحطي في رأسك الأفكار البشعة دي، حبيبتي انتي عروسة افرحي وسيبي كل ده على جنب، متعلميش ربنا شايلك الخير فين؟)
هزت رأسها وابتسامتها اتسعت بحبورٍ شديد:
_ونعم بالله.
******
إتجه جمال لشركته بعد أن مر على الموقع، يتأكد بنفسه أن كل الامور تجرى على ما يرام، وخاصة أن عُمران متغيب منذ الصباح.
احتل مقعد مكتبه الصغير يراجع ما وُضعه السكرتير من أمامه، فإذا بباب مكتبه يُفتح بهمجيةٍ شديدة ويدلف ذلك المستفز بكل عنجهيةٍ، كأنه يقتحم مكانًا يخصه.
استقام بوقفته يرمقه بنظراتٍ ملئها الضيق والتذمر لطريقته البربرية، ولكنه استثنى غضبه لأجل عُمران، فاجلى صوته الخشن:
_نعمان باشا نورت.
وأشار على المقعد وللسكرتير الذي لحق به بالمغادرة:
_اتفضل.
اتجه إليه بخطواتٍ متهدجة، مغرورة، يقف قبالته برأسٍ مرفوع بعنجهية مريضة، وبحقدٍ فاحت رائحته قال:
_أنا مش جاي عشان أقعد، أنا جاي أقولك كلمتين لو ذكي هتعمل بيهم وتنفد من غضبي، ولو كنت غبي وخبيث زي ما انا متوقعك هتكمل في مشوارك بس ساعتها مش هتشوف غير اللي ميعجبكش وهتعتبرها أسوء خاتمة ليك هنا في لندن قبل ما تترحل على مصر.
قبض قبضته بعنفٍ، وبحدة صاح بوجهه:
_أنت جايلي لحد مكتبي عشان تهددني!!
رفع اصبعه أمام وجهه يصمته ويهدر بتحذيرٍ:
_اسمع يالا انا مش أهبل ولا بريالة زي ابن فريدة، أنا فاهمك وفاهمك كويس أوي، وعارف إنك بتلف وبتدور حوليه عشان توصل للي إنت عايزه وبتخطط ليه من البداية.
وتابع بكرهٍ شديد:
_وأنا عشان جدع هسيبك تأكل معلقتين بس تهف الطبق كله هخليك تطرشه.
ربع يديه أمام صدره وقال بجمود تام:
_إنت مقدرتش على عُمران فقولت تجرب معايا ولا أيه؟ أيه قلة الحيلة دي!!
وقبل أن يتحدث نعمان اوقفه صوت جمال الجهوري:
_اسمعني إنت بقى، مفيش قوة على وجه الارض هتقدر تفرق بيني انا وعُمران، ولو فاكر إن الكلمتين دول بما فيهم تهديدك الوضيع هزوا شعرة واحدة فيا تبقى فعلًا أهبل وبريالة زي ما قولت.
واستطرد بشموخٍ وكبرياء:
_انا مش هقف وأدافع عن نفسي ولا عن علاقتي بعمران لإني واثق ومتأكد إنك عارف إن كل اللي بتقوله ده افترى وكدب أو زي ما عقلك مصورلك.
وعاد لمقعده وهو يقول بثبات:
_تقدر تمشي لإن كلامك مالوش لزمة.. ولو في حاجة في دماغك عايز تعملها اعملها بدون رغي هعمل وهسوي لإن اللي بيقول مبيعملش يا نعمان يا غرباوي!
احترق بلهيبه من فرط الادخنة الصاعدة من داخله، فركل الباب وغادر من مكتبه غاضبًا.
وقبل أن ينعطف خارج شركته وقف أمام مكتب السكرتير الخاص به، يخرج دفتر شيكاته ويتكئ على سطحه يدونه بمبلغ 500ألف دولار أمريكي، وضعه بين لائحة الشاب الذي يوزع نظراته الجاحظة بينه وبين الشيك بصدمة، بينما يردد نعمان بشرٍ أعج بداية مخططه الوضيع:
_ستفعل ما سأطلبه منك مقابل هذا المبلغ، ما رأيك؟
*******
ركضت بسعادة فور أن رأته يدخل من باب الشقة، قائلة بحماسٍ:
_شيخ مهران، سدن حفظ ثلاثة صفحة.
ابتسم الشيخ مبديًا فخره، وردد بسعادة:
_ما شاء الله تبارك الله عليكِ يا بنتي.
وسألها بحب:
_مين اللي حفظك؟
قالت وهي تنتظر سماع الترجمة عبر سماعتها:
_خديجا وحاج ركيا قول لسدن تروح لآيوب يسمعني وأنا قول اللي حفظه.
ضحك بصوتٍ اطرب قلب الحاجة رقية التي تعد السفرة بالطعام الشهي، فتركت ما بيدها ووقفت تراقبه بابتسامة واسعة، بينما قال هو:
_طيب يا بنتي، يونس نزل المحلات وآيوب فوق اطلعي خليه يسمعلك اللي حفظتيه وانزلي على طول.
واشار بيده المحاطة بسبحته البيضاء:
_واوعي تتأخري يا سدن.
هزت رأسها بسعادة، تختبر لاول مرة حنان أبًا مثله، وحب الأم المتمثل بالحاجة رقية، حتى خديجة رغم مرضها الشديد الا انها لم تتركها ومضت ليلها تحفظها آيات السور القصيرة بكل محبة.
صعدت "سدن" للأعلى، تطرق باب شقة "يونس"، فإذا بآيوب يفتح الباب وما أن رآها حتى ردد بابتسامة جذابة:
_سدن!
أخفضت عينيها باستحياء غريب يحيطها، وكأنها اكتسبت صفات لم تكن تتحلى بها يومًا!
رفعت المصحف الشريف إليه وقالت:
_أنا حفظ تلاتة صفحة، وعاوز إنت تسمعني وأنا قولهم.
اتسعت ابتسامته فخرًا وسعادة بها، وأشار لها بمحبة كبيرة:
_أكيد طبعًا، تعالي.
إتبعته للدخل حتى توجه بها بركنٍ خصصه يونس للصلاة، يوجد به ثلاث سجادات للصلاة، ومكتبه بها المصاحف والكتب الدينية.
تربع آيوب أرضًا ومن أمامه سدن بإسدالها الأبيض الملائكي، قدمت له المصحف، فحمله واغلقه ووضعه جانبًا.
زوت حاجبيها بدهشةٍ وتساءلت:
_قفلتي القرآن ليه؟ مش عاوز اسمع سدن وهو قول الايات؟
احمر وجهه من فرط منعه للضحك، وتنحنح قائلًا:
_طبعًا عايز أسمع سدن وجمال صوت سدن في القرآن العمر كله، متقلقيش أنا حافظ القرآن كله فمش محتاج أبص فيه عشان تسمعي الآيات القصيرة دي.
وأشار له بحنان:
_يلا إبدأي.
هزت رأسها في طاعة ومضت ترتل القرآن بصوتٍ عذب، لمس قلبه كإيقاع تأثير صوت العفاسي مفضله عليه، واوقفها فور نطقها لكلمة بنطق غير صحيح، فضم كفه يردد بقراءته الصحيحة للأية التي نطقتها بطريقة خاطئة:
_وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
صدق الله العظيم.
مالت مبتسمة على كفها تهتف بإعجاب شديد:
_صوتك جميلة أوي آيوب.
ضحك رغمًا عنه وقال:
_جميلة!! يا ستي إنتِ اللي زي القمر بس بلاش التاء المؤنثة دي عشان خاطر جمال صوتي لو حباه!!
رددت بعدم فهم:
_تاء تأثية!!!
توالت ضحكاته تباعًا، وقال بصعوبة لتنسيق جملته الانجليزية:
_لا عليكِ، مع الوقت ستكتسبين مهارة الحديث بالعربية.. دعك من هذا كله، أنا فخورًا بكِ سدن، رغبتك بتعلم الدين وحفظ القرآن الكريم بهذة السرعة لهو شيئًا يدعو للفخر.
منحته ابتسامة عذباء وقالت:
_رلما لإنني وبعد زمنًا طويلًا وجدت نفسي التائهة، كنت غير راضية على ما كنت عليه، والآن يتسع صدري واجدني شغوفة لسماع كل شيء عن ديني.
الآن نسبته دينها، لم تقل دينه وهذا ما أسعده بحق، فتعمق بالتطلع إليها وهي تستكمل:
_أتعلم أنا لا أطيق انتظار الشيخ مهران لحين عودته من الخارج، أذهب لخديجة تحدثني عن قصص النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وتحادثني الحاجة ركيا عن فرائضي وعن الصيام فناويت أن اصوم معها غدًا يوم الاثنين فلقد اخبرتني أن اعقد النية للصيام، وأحيانًا استدرج فارس بالحديث ليخبرني عن قصص الصحابة وما تعلمه، وها أنت تساعدني بحفظ القرآن بتلاوته الصحيحة، فماذا أريد بعد!!
وأخبرته بحماسٍ بينما هو شاردًا بها:
_هل أخبرتك أن الشيخ مهران علمني أن أدعو لأخي بكل صلاة لي، وكم أنا مسرورة أن دعواتي تصل له، عساه يعلم بأنني قد تركت تلك الديانة وأصبحت مسلمة، عفيفة الآن.
رفع كفه يضم جانب وجهها برقةٍ متناهية، وقال:
_وهل أخبرتك أنا بأنني لطالما دعوت الله أن يرزقني فتاة صالحة، أئتمنها زوجة لي وأمًا لأولادي، واستبعدت أن أكون وجدتها حتى تلك اللحظة التي تجمعنا الآن!
ودنى إليها يطبع قبلة أعلى حجابها هاتفًا بحبٍ وعاطفة تسللت لمسمعها:
_فاللهم إجعلني لكِ زوجًا صالحًا كما كان سيدنا محمد (صل الله عليه وسلم) زوجًا صالحًا لزوجته خديجة رضى الله عنها.
سرت بجسدها قشعريرة لذيذة، فخشيت أن تكسر تعليمات شيخها الفاضل إليها، فاذا بها تبتعد عنه، وجذبت مصحفها الوردي ونهضت تردد دون ان تطلع إليه خلفها:
_لقد أخبرني شيخي ألا أتأخر، أراك لاحقًا.
وهرولت من أمامه راكضة للأسفل، تاركة الابتسامة والعشق يتلألأ داخل مُقلتي ابن الشيخ مهران!
********
كان بغرفة مكتبه حينما ولجت هي إليه، حمرة بشرتها، عينيها المتورمة، أنفها الأحمر، كل ملامحها شكت له بكاء وحزن مرير.
نهض عن مقعده متجهًا إليها، يلتقط يدها المستندة على ذراع "علي"، متسائلًا بقلقٍ:
_في أيه؟ مالها؟!!!
منحه علي ابتسامة صغيرة:
_اطمن معندهاش حاجة تخض.
يعاونها الآن على الجلوس ومن ثم انتصب قبالة علي يردد بضيق من اسلوب حديثه:
_يعني أيه حاجة تخض!! هي عندها أيه أصلًا؟!
ضمه علي والاخر مازال ذراعيه مفرود لا يبادله ضمته، يراه مريبًا وقلقه يتضاعف مع صمتهما بينما الاخر يضمه!!
ابتعد عنه علي وقال بابتسامة واسعة:
_مبسوط عشانك.. عن إذنكم.
قالها ورحل بكل بساطة تاركًا أحمد يستشيط منه غضبًا، فاستدار واتجه لاريكة فريدة، جلس جوارها يسألها بلهفة وخوف:
_في أيه يا فريدة؟ انتِ تعبانه؟ وليه علي بيتكلم بالبرود ده!!!!
تقابلت عينيها الزرقاء مع رماديته بنظرة ضمت بها المُقل بعضها البعض، فأمسكت يدها تشدد عليها مما ضاعف قلقه وجعله يبتلع بتوترٍ، وبصعوبة ردد:
_فريدة سكوتك قلقني، اتكلمي فيه أيه؟
بوضوحٍ غريب قالت:
_أنا حامل يا أحمد.
استمر في البحلقة إليها، وكأنه ينتظر سماع ما بها، فقال بما برمج عقله به:
_متقلقيش هتبقي كويسة، هنروح لدكتور كويس وآآ....
توقف عما يقول وعاد يتطلع له متسائلًا بدهشة:
_هو إنتِ قولتي ايه؟
ضحكت وأزاحت دموعها المعاكسة لسعادتها بتأثيره بما قالت، ورددت بصوتٍ مرتعش:
_أنا حامل!
رفرف باهدابه القصيرة وقال بتخمينٍ:
_إنتِ بتهزري صح!!
أحجمت ابتسامتها وقالت بحزمٍ:
_أمتى فريدة هانم الغرباوي هزرت مع حد عشان تهزر معاك يا بشمهندس!!
أخفض عينيه لبطنها وكأنه يمتلك ميكروسكوب سحري سيخترق لحمها ليلقي نظرة يتأكد بها مما تخبره به.
ضحكت بصوتٍ مسموع وقالت:
_مهو مش معقول هيطلعلي بطن في التالت يا أحمد!!
امسك كفيها وترجاها بصوتٍ مهزوز:
_انتِ بتتكلمي بجد يا فريدة، يعني أنا هيكونلي ابن منك!! معقول بعد كل ده هشيل حتة مني ومنك، بالله عليكِ اتكلمي، اوعي تكوني بتهزري يا فريدة.
وتابع بحزن احتل قسمات وجهه الوسيم:
_أنا آه محطتش في أحلامي إني أكون أب في يوم من الايام لإني كنت عارف إنه شيء مستحيل فأرجوكِ بلاش تعشميني بالامنية دي!
انهمرت دموعها حزنًا عليه وقالت ببكاءٍ:
_يمكن انا كنت أنانية لما شرطت عليك الشرط ده، بس الحمد لله ربنا حققلك اللي بتتمناه.
خطفها بين ذراعه وقال باكيًا:
_ألف حمد وشكر ليك يا رب، أنا مش مصدق اللي بسمعه ده .
وفجأة ابعدها عنه يطالعها بتوترٍ وخوف، فابتلعت ريقها بقلقٍ من جموده الغريب هذا، فوجدته يقول بأنفاسٍ مسلوبة:
_ إنتِ من البداية مكنتيش عايزة ده يحصل، وأنا ممنعتكيش لما قولتي مش هينفع يكون بينا أولاد بس أهو حصل وربنا أراد أنك تخلفي مني فأرجوكِ حافظي عليه يا فريدة، أرجوكي أنا عايزه ومحتاجله أوي.
غُص قلبها، ماذا إن علم بما كانت ستفعله، ما لها يغادرها الهواء ويتحجر ريقها، ازدردته وقالت:
_أيه اللي بتقوله ده يا أحمد، اوعدك إني مش هكون أنانية مرة تانية، اطمن يا أحمد هحافظ على البيبي ده وإن شاء الله يتولد وتشيله وتفرح بيه.
أضيء وجهه من فرط سعادته، فعاد يضمها وهو يهمس بفرحة:
_أنا بحبك اوي يا فريدة... بتمنى ربنا يكرمنا ببنوتة تورث منك جمال عيونك وملامحك.
ضحكت وقالت بدلال:
_ولما تورث جمالي هنعيش في سلام ازاي يا بشمهندس!! أنا كده مش هبطل أتقاتل معاها عليك!!
شدد من ضمها وقال بعشق:
_هتتقاتلي عليا وأنا ملكك يا فيري!!
تشبثت بظهرها بقوة وبداخلها امتنان أن الطبيب الذي اختارت للذهاب إليه كان يوسف، الذي امهلها الوقت الكافي للتفكير فعادت نادمة، ومن بعده علي الذي استكمل باقي الطريق.
*********
وقف بسيارته قريبًا من المبنى، يراقب ساعته ببسمة انتشاء، صوت صراخها واستنجدها يزيده فرحة، خمسة عشر دقيقة وجدها حد كافي لتهذيبها، ففتح نافذة سيارته وأشار لاحد رجاله، فهز رأسه ومال للسيارة التي تعج بالحرس يشير لهم نفس الاشارة الصامتة، فاندفع الرجال للاعلى.
عشرة دقائق أخرى حتى تمكنوا من فض الاشتباك العالق بالطابق العاشر من المبنى، وإذا به يرى خمسة من النساء يغادرن برفقة حراسه بعدما تمكنوا من ارغماهن على الهبوط من المبنى وترك تلك الحقيرة التي تلقت درسًا على ايدهن لن ينسى.
هبط "عُمران" من سيارته، واتجه للأعلى بخطواته الواثقة، توجه للشقة التي تقطن بها، فوجدها ملقاة أرضًا تنزف بغزارة وقد استحقت ما حدث لها.
تمكنت برؤيتها المشوشة من رؤية وجهه، فهمست بشحوبٍ:
_عُمران!! ساعدني، هاتف الاسعاف عُمران.
مال إليها وقدمه يستند على المقعد:
_ولماذا سأفعلها؟ لقد استحقيتِ ذلك آلكس.
جحظت عينيها النازفة بصدمة، وتساءلت:
_أنت من فعلت ذلك؟
انزوى حاجبيه راسمًا الجزن، وبسخرية قال:
_آوه عزيزتي، لا أعلم أنهن متوحشات لتلك الدرجة.
وبضحكة خبيثة قال:
_ظننت بأنني سأجدك ميتة فور صعودي، ولكن هؤلاء الحمقاوات فشلوا بفعلها..
وأخرج سلاحًا من جيب بنطاله ووضعه نصب عينيها قائلًا بابتسامته المخيفة:
_ولكن لا تقلقي سأفعلها أنا.
ارتعبت وازداد رعبها أضعافًا مضاعفة، فزحفت للخلف وهي تردد بذعرٍ:
_ماذا تفعل؟!
قال وهو يلهو بسلاحه:
_كما ترين سأقتلكِ عزيزتي، أحاول أن أشفق على تلك الأرض المسكينة التي تتلوث من قذارة قدميكِ.
واصلت زحفها وتوسلت له:
_لا تفعل عُمران، أرجوك إتركني.
وتابعت بتلعثم ورعب:
_أعدك أنني لن أضايقك مجددًا.
انحصرت بالحائط من خلفها، فسحب مقعدًا خشبيًا وجلس قبالتها، واضعًا ساقًا فوق الاخرى:
_مجبرة على فعلها عزيزتي لإنكِ ستتركين هذا العالم وللابد..
ومال يستند على قدميه، يقابلها بنظرة ارعبتها:
_ماذا كنتِ تنتظرين مني فعله وأنت تقفين بمتتصف منزلي تهدديني!! والابشع من ذلك لسانك القذر الذي تردد بالسوء عن زوجتي!!
وتابع باستحقار:
_ولأخبرك بأنني حينما طلبت من أحد رجالي البحث عنكِ تبين لي أنني كنت أحمقًا لأقع بشباك امرأة ساقطة *** مثلك، قامت باغواء الرجال وكسب أموالهم ثم هربت من ولاية لاخرى بعد أن أطاحت بحياتهم!
ولكن حظك العسير أسقطك مع رجلًا لفظكِ أسفل قدميه، حتى بات رؤيتك مقززًا كرؤية المسلم للحم الخنزير!!
سحب الزناد وهو يصرخ بها:
_وبعد ان انتقمت النساء منكِ حان دوري الآن.
زحفت إليه تتعلق بقدمه وهي تردد ببكاء:
_ارحمني عُمران، اصفح عني أعدك بأنك لن ترى وجههي مجددًا، أرجوك لا تفعل.
ركلها بعيدًا عنه وبصق أرضًا هاتفًا:
_لقد انتزع وضوئي أيتها اللعينة.
رفع يده لاحد رجاله يناوله السلاح وهو يقول بتشديدٍ:
_حسنًا سامنحكِ فرصة إن لم تستغليها أعدك بإن لا أحدًا سيملك الحق ليمنحك الفرص لجثتك.
اعتدلت بجلستها ارضًا تتابعه بلهفة، فإذا به يخطو ذهابًا وإيابًا متعمدًا اللعب على أعصابها، حتى قال:
_منحتيني يومًا واحدًا للتفكير واستغليته أنا لتدميرك، والآن سأمنحكِ ساعة واحدة لترك لندن وانجلترا بأكملها، وإن لم تفعلي فلكِ مني ما لا يحمد.
وباصبعه أشار بوعيد أرهبها:
_وإن تجرأتي وفعلتي شيئًا حقيرًا يمس زوجتي حتى وإن كان نسمة هواء ساخنة لامست طرف قدميها، أقسم بالله بأنكِ وإن اختبأتي في أخر بقاع الأرض سأجدك وحينها لن يمنعني أحدٌ عن نحر عنقك..
وأشار لمن يقف خلفه:
_احرص أن تغادر أمام عينيك.
قالها وارتدى نظارته القاتمة، ثم غادر من أمامها بعد أن ألقنها درسًا لن تنساه وإن عاشت فوق عمرها عمرًا.
******
اصابتها شديدة وجعلتها طريحة الفراش، ولكنها فور سماعها بما قيل حتى ردت الروح فيها، وتجهزت مستندة على الحاجة رقية لتهبط برفقتها لسيارة آدهم حيث كان يونس بانتظارهما.
ركض فارس إليه فالتقطه بين ذراعيه يقبله بفرحةٍ، بينما عينيه متعلقة بها ويلاحظ فرحتها رغم تعابير الألم المجتازة لملامحها المتألمة لفرط حركتها.
أخبرها يونس ان تظل بالفراش حتى تتماثل الشفاء وبإمكانه الحديث مع آدهم بأن تذهب بوقتٍ لاحق، ولكنها اعترضت وأرادت الخلاص من عصمة ذلك المخنث القذر.
وصلت السيارة للسجون في سرية تامة، وبامتياز مكانة "عمر الرشيدي، آدهم" تمت الأمور بكل سلاسة، وها هو آدهم يوفي بوعده ليونس مرتين، مرة حينما آرسل له مقطعًا على الواتساب كهدية حدثه عنها ففتحه ليجده مقطع تعذيبي لمعتز، والآن حينما تمكن من ادخاله برفقة خديجة رغم عدم السماح للحاجة رقية وللصغير بالدخول، أراد أن يريه في موضع ذل كان قد تسبب له بوضعه به سابقًا.
رسالة حملت دائرتها بأن ما زرعته يومًا ستحصده يومًا أخر، وها هو يجلس منكس الرأس، ذليلًا بوجود يونس عدوه، الذي يشاهده يتنازل عن خديجة حقه هو..
يقسم بأنه لم يشمت به، بل حزن لأجله ولكن ما بيده؟ هو من أضرم النيران وقد اشتعلت وابتلعته بجوفها! ، كل ما أسعده بتلك اللحظة سماعه لكلمته التي أثلجت صدره وشُفيت جروحها "أنتِ طالق" ،كانت كالبلسم الشافي لكل الندوب والنتوءات داخله.
تهللت أسارير خديجة وهي توقع على الأوراق، فاستدارت بعينيها ليونس تنظر له بنظرة سعادة، تخبره بأنها تحررت وباتت امرأة حرة، سبحان من جعلها سابقًا تتمنى أن لا تنتهي فترة عدتها وفترة وضعها لطفلها حتى لا تزج بسجن معتز اللعين، والآن تتمنى أن تنقضي الثلاثة أشهر بسرعة الريح لتستكين بين ذراعي محبوبها!
وها قد منحه آدهم فرصة ثالثة يعجز عن شكره بها، حينما أرغم أسفًا أن يساندها للخارج، حيث مكان رقية، فلم يكن سواه جوارها والا لن يسمح لاحد العساكر ولا لادهم ان يساعد من كانت وستصبح زوجته!!
*********
_هنعمل أيه يا ماما أشرقت، هنروح؟
تساءلت صبا بحيرة بعدما استمعت لمكالمة حماتها مع عُمران، فتنهدت الاخيرة قائلة:
_والله يا بنتي ما أنا عارفة! بس مدام عُمران اللي عزمنا مقدرش أكسفه، هو قال إنه هيبعتلنا سواق بكره فنتوكل على الله ونروح مدام جمال لا بيرد على تليفونه ولا عاملي اي اعتبار.
أخفضت وجهها تخفي دموعها، فربتت الاخيرة على ظهرها بحنان:
_معلشي يا حبيبتي، بكره يعقل ويعرف غلطه، ومؤكد هيرجع معانا بكره على الشقة باذن الله لإني هسافر الفجر اكيد مش هيسبني كده.
هزت رأسها وهي تردد ببحة صوتها الخافت:
_آن شاء الله.
رددت بحبور وابتسامة واسعة:
_آن شاء الله يا حبيبتي.
وتطلعت لبطنها المنتفخ بعدما باتت على مشارف الشهر الاخير من الحمل:
_ربنا يقومك بالسلامة ويجعله ابن بار بيكي يا رررب
ربتت على بطنها بحنان وابتسامة ملأتها العاطفة:
_اللهم آمين يا رب.
*******
«السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»
انطلق صوت الشيخ مهران بالميكرفون القريب منه ينهي صلاة المغرب، ومن خلفه المصلين.
خرج الرجال من المسجد وبقى الشيخ محله، يسبح على مسبحته ويتكئ للأمام بخشوعٍ تام، وإذا به يهم بالنهوض للعودة لمنزله، فوجد يدًا قوية تسانده حتى وقف.
رفع عينيه يشكر من قدم له المساعدة:
_جزاك الله خيرًا.
اتسعت ابتسامته فرحة وقال:
_آدهم!! إزيك يابني عامل أيه؟
ارتسمت ابتسامة بشوشة على وجهه وهو يجيبه:
_أنا بخير الحمد لله يا شيخنا.
وبتوتر قُرأ بوضوح قال:
_أنا كنت جاي لحضرتك عايزك في موضوع مهم وحرج، لما اتقفلت في وشي ملقتش غير حضرتك أجيله!
انتبه له الشيخ باهتمامٍ، وسحبه للاريكة الموضوعه بالخلف لمن لا يقوى على الصلاة واقفًا، متسائلًا بتركيزٍ تام:
_خير يابني؟
............. يتبع....... #الاقوى_قادم 💣....
#صرخات_أنثى... #آية_محمد_رفعت.
التفاعل يا بنات حمسوني متأخرش في الكتابة، قلة تفاعلكم والله العظيم بيقفل نفسيتي فوق ما تتخيلوا... ❤
*********______******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السابع وسبعون 77 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثاني_والستون.
«اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمدًا ❤»
تطلعت لزوجها الذي يغفو بنظراتٍ عاشقة، يدها تمر ببطءٍ على خصلات شعره الفحمي، تفكر كيف كان سيكون رد فعله إن علم بالأمر؟
ربما أراد الله لها الستر عن جريمةٍ مشنة مثل تلك التي كانت سترتكبها، نهضت "فريدة" عن الفراش، تجذب مئزرها الأسود الحريري، ترتديه فوق قميصها الطويل وهي تخرج لشرفتها.
أحاطت السور بيدها وعينيها مغلقة بقوة، تستمع بنسمات الهواء الباردة قبل بزوغ الفجر، فإذا بهاتفها يصدح بوصول رسالة لها.
عادت للغرفة تبحث عنه والفضول يداعبها حول كناية من يراسلها بوقتٍ مثل هذا، فاتشحت ابتسامة رقيقة على ثغرها فور رؤية إسم "البشمهندس عُمران الغرباوي" كما يطلق إسمه على جمسع حسابات التواصل الإجتماعي، والذي يحظى على إعجاب الملايين .
فتحت رسالته فوجدته يدون لها
«أيه اللي مسهر، فريدة هانم لحد دلوقتي؟ هزعل لو كان المنافس الجديد اللي هيشرفنا هو السبب!»
تعجبت من علمه باستيقاظها، فاذا برسالة أخرى تجيبها
«مينفعش تخرجي باللبس الخفيف في الجو ده، هتتعبي إنتِ والبيبي!»
عادت للشرفة تبحث بالحديقة الواسعة ، محددة المكان المعتاد له، فوجدته يلوح لها وهو يجلس أرضًا على سجادة الصلاة خاصته، كما اعتاد أن يقيم الليل حتى آذان الفجر.
جذبت مئزر أخر من الصوف وهبطت إليه، بالرغم من ارتباكها من مواجهته ولكنها تعلم بأنها آتية لا محالة، فلقد سبق لها مواجهة علي، وابنتها وزوجات أبنائها وللعجب بأن الجميع كان سعيدًا بخبر حملها، الا أن داخلها يتزعزع قلقًا من ردة فعل عُمران.
استمدت قوة للمواجهة وخرجت من الباب الزجاجي للردهة السفلية، متخذة طريقها إليه.
ظنها عادت للنوم فحمل مصحفه وتابع قراءته بصوته الجميل، فإذا برائحتها تداعب أنفه، فصدق واستدار لها مبتسمًا:
_فريدة هانم نزلت ليا بنفسها!
ربعت يديها أمام صدرها تطالعه بتعالٍ:
_اسمع يا ولد إنت، أوعى تساهلي معاك يخليك تتخطى حدودك معايا، متنساش انك ابني أنا، مش العكس!
سيطر على ضحكاته وهو يلمس ارتباكها وتوترها الملحوظ منه، فنهض يلملم سجادته قائلًا بثباتٍ يطمس سخريته من خلفه:
_مش ناسي والله، وعلى يدك اتحيلت عليكي أناديكي ماما أو ياما مش راضية غير بفريدة هانم، عايزة تحافظي على سنك مع جسمك ولياقتك نعملك أيه بقى!!
نجح باثارة أعصابها وسحبها بعيدًا عما يسبب لها التوتر:
_أنا حرة ومش مضطرة أبررلك شيء، حتى البيبي ده بردو أنا حرة بالاحتفاظ بيه ومش هنزله!
تجمدت رماديته عليها، وبشيء من الدهشة قال:
_وهو مين اللي طلب منك تروحي ليوسف وتطلبي منه ينزلك الجنين؟!
وتابع ببعض الحدة:
_وليه بتتكلمي بالطريقة اللي مدياني الاحساس إنك ارتكبتي غلطة وبتحاولي تغطي عليها بكلامك وعصبيتك دي!
ابتلعت ريقها بارتباكٍ ومع ذلك قالت:
_لإني عارفة إنك بتهتم بصورتك وبرستيجك أكتر شيء، ومتأكدة إنك آ...
رفض سماح ما قالت وبالرغم من أنه يومًا لم يكن فظًا بحق والدته ليقاطعها بالحديث ولكنه لا يرغب في سماع ما يؤذيه فقال:
_وليه شايفني بالصورة دي!!! حضرتك متخيلة إني ممكن أعرضك لخطر وذنب كبير زي ده عشان صورتي وبرستيجي!!!!!
واسترسل وهو يشير على ذاته:
_مش أنا اللي يفضل برستيجه وشكله على حياة أمه يا فريدة هانم، أنا لما يوسف كلمني فضلت ملطوع بره ساعة ومش قادر أدخل عشان معرضكيش لموقف محرج.
مكنتش عارف حتى إذا كان ينفع اكلم علي ولا لأ، ولما شافني وعرف بالموضوع ده، فضلت إنه يدخلك لوحده وانسحبت عشان متحسيش بالحرج مننا، ولاني عارف إنه أكتر شخص هيقدر يهديكي ويرجعك عن قرارك بالتخلي عن البيبي.
شعرت بأنها قست بحديثها عليه، ربما من شدة خوفها أن يحرجها باسلوبه الجريء.
حمل عُمران مصحفه، هاتفه، سماعته، وباقي أغراضه الخاصة بعد ان حسم أن يؤدي صلاة الفجر بجناحه الخاص، فإذا به تلحقه وتناديه بحدة:
_من أمته بتسبني وتمشي من غير ما أخلص كلامي!!
توقفت قدميه عن المضي واستدار لها بأغراضه يمنحها نظرة شملت كل جرحٍ أخفاه داخله، واستحضر صوته المذبوح:
_من وقت ما اكتشفتي حقيقية جوزك البشعة اللي بتحاولي تنسبيها ليا لمجرد اني شبهه يا فريدة هانم!
اختذلت قدميها من شدة صدمتها بانكشاف أمرها له، وخاصة حينما استطرد:
_خوفك الوحيد في حوار الحمل ده مكنش عشان شكلك والكلام الفاضي ده خوفك كان من الماضي، من اللي عشتيه قبل كده.
وبألمٍ تابع:
_قوليلي ذنبي أيه إني طلعت شبهه!! أنا مش هو ولا هكون زيه في يوم من الايام.
وتركها ورحل للأعلى بصمتٍ، بينما جلست هي محلها تكبت شهقاتها بكفها، تبكي بانهيارٍ تام.
اتجه عُمران لجناحه وقبل أن تطول يده مقبض بابه وقف محله يمنع دموعه من الهبوط، منذ لحظة رؤيتها بالاسفل ورؤية كل ذلك الخوف والكره يمليء عينيها وهو يمنع قلبه من الانشقاق ويلف جبيرة من فوقه، علم الآن السر وراء ارتباك والدته وخوفها!!
ترك أغراضه فوق طاولة طويلة بأحد الطرقات، واتجه لجناح أخيه، يعلم بأنه يستيقظ بذلك الوقت استعدادًا لصلاة الفجر.
طرق الباب طرقة واحدة بخفوت تام حتى لا تنزعج زوجة أخيه، فإذا بصوت "علي" يرد ويظهر من خلف بابه مندهشًا:
_عُمران!!! خير في حاجة؟
حاول أن يخرج صوته طبيعيًا:
_فريدة هانم تحت جنب الpool، انزل شوفها.
وبدون أي إضافة أخرى تحرك لجناحه، خرج "علي" من خلفه يناديه:
_أنا مش فاهم حاجة!! استنى فهمني!! عُمــــــــران!!!!!
بإيجازٍ ودون أن يلتفت إليه أبلغه برغبته الصريحة بعدم الحديث:
_فريدة هانم محتاجالك تحت يا دكتور.
_ومين قالك إني محتاجاله!!!!
صوتها أوقفه عن استكمال طريقه، فاستدار صوب الدرج ليجدها تقف امامهما برأسٍ مرفوع، وقد استعادت قوتها وشموخها.
وزع "علي" نظراته الحائرة بينهما باستغراب، وخاصة حينما قالت والدته دون أن تحيل عينيها عن أخيه:
_ادخل نام يا علي لانك هتقوم بدري تعمل اللي طلبته منك، لإن زينب ملهاش غيرنا.
احترم رغبة والدته بالبقاء برفقة أخيه، فعلى ما بدى له أن هناك أمرًا ما بينهما، فقال:
_متقلقيش يا حبيبتي أنا هنزل بدري أستلم الاوردرات اللي طلبتيها وهوصلهم أنا وفاطمة شقتها.
واضاف وهو ينسحب لجناحه:
_تصبحوا على خير.
تركهما وغادر لغرفته، فدنت إليه تحدجه بنظرة غاضبة لم يراها يومًا عليها:
_أيه التخاريف اللي قولتلها تحت دي؟!
وما كاد بالتحدث حتى أوقفته باشارة يدها الحازمة:
_كل اللي قولته ده مش صح يا عُمران، أنا عمري ما أخدتك بذنب حد، ولا الكلام الفارغ اللي قولته ده، أنا بس كنت محروجة منك إنت بالذات لإني عارفة انك مشاكس ومش هتعدي الموضوع ده من غير ضحكك وهزارك المعتاد وأنا مش متحملة أسمع حاجة من حد في الوقت ده.
وجد أنه قد بالغ بردة فعله وخاصة حينما صاحت فريدة بشراسةٍ:
_أوعى تشبه نفسك بيه أبدًا، إنت مفيش في حنية قلبك ولا طيبتك يا عُمران.
ودنت إليه تضم وجهه بين يديها وبدموعٍ صادقة قالت:
_إنت محدش شبهك أبدًا.
وبابتسامة عاكست دموعها وبكائها همست:
_أقولك على حاجة وتخليها سر بينا.
أدمعت رماديته تأثرًا بمشاعرها الصادقة، فهز رأسه ومازال ثابتًا أمامها:
_أنا لو بعتبر علي صديق ليا زي ما قولت، فانت بحنانك عليا وطريقة معاملتك مخليني مش قادرة اشوفك غير أبويا.
وتابعت وهي تستدير تراقب الردهة بخوف من أن يستمع لها أحدًا:
_عشان كده بخاف أغلب الأوقات منك، حتى لبسي بقيت بنسقه أكتر من الأول من يوم ما كلمتني على الجيب القصير.
وتنحنحت بخشونة لا تليق بصوتها الرقيق:
_بس مش عشان قولتلك كده تسوق فيها وتتمادى بمعاملتك معايا، لأ أنا مامتك ويحقلك تحترمني ووقت ما أعوز أتعصب وأزعق تسمعني وصوتك ميطلعش وأوعى تسبني وتمشي زي ما عملت تحت من شوية، ســــــــــامع!!!!
قالتها بحدة وهي تشير له باصبعها، فضحك وهز رأسه يوافقها، مردفًا بنبرته المخملية:
_تحت أمرك فريدة هانم!
ابتسمت وهي تتطلع له برضا، ودون أن يفعل هو وجدها تميل إليه فضمها بصدرٍ رحب، ليجدها تهتف:
_اتعودت كل يوم بليل أشوفك بالجنينه بتصلي، بحس وقتها إني كنت مقصرة معاكم يا عُمران، بس أنا ازاي كنت هنصحكم وهوجهكم للصلاة وأنا نفسي مبركعهاش!
ابتعد عنها يطالعها بنظرات حنونة، وجذبها لأقرب مقعدين متطرفين:
_وده اللي نفسي أكلمك عنه ومتردد يا ماما، أنا مش قابل أشوفك تايهة في الدنيا وملكيش وجهة، صدقيني كل الاغراءات اللي حولينا في الدنيا فانية، الإنسان في لحظة بيسيب كل حاجة وبيبقى بين ايدين ربنا سبحانه وتعالى، ومفيش حوليه غير عمله!
وانحنى يقبل كفها وهو يضيف:
_طبيعي إني أخاف عليكي وواجب إني أنصحك، يمكن الظروف اللي مريت بيها هي اللي ادتني فرصة إني أفوق وأتوب من كل ذنوبي.
أنا واثق إن كل إنسان له أكتر من فرصة، فيه اللي بيتنازل عنها وفيه اللي بيتمسك بيها من أول مرة، بس الخوف إنه ميلحقش ينتهز فرصته الاخيرة!
تعمق بنظراته إليها قائلًا:
_أنا من حبي واحترامي الكبير لحضرتك مش قادر أشوفك بتضيعي فرصة ورا فرصة، اتمسكي بيها وصدقيني ربنا سبحانه وتعالى هيقوي عزيمتك.
أخفضت عينيها أرضًا حرجًا من صغيرها الذي يدعوها للصلاة بدلًا من أن تفعلها، فاخبرها بحبه الذي لا يتثنى أن يشعرها به لتستجيب لما يقول:
_الحجاب واللبس المحتشم عمره ما هيقلل من شياكة فريدة هانم، بالعكس زي ما ذوقك مميزة في اللبس ده هيكون مميز في اختيارك لبس واسع يليق بالحجاب.
منحته ابتسامة مشرقة وقالت:
_خلاص لما نرجع بكره من فرح زينب هنقعد أنا وانت نختار كام قطعة كده أون لاين ونجرب ونشوف.
جابهها بحماس مشجع:
_هندمج ذوق فريدة هانم مع ذوقي فأكيد هنختار ديزين عظيم جدًا.
اتسعت ابتسامتها حبًا وامتنان له، وخاصة حينما قال:
_والأهم من ده كله الصلاة، أنا لو موجود هنا هنصلي مع بعض، لو كنت بالشركة هتصل بيكِ أفكرك كل آذان.
انطلق هاتفه بصوت الآذان يعلن عن صلاة الفجر، فأشار لها متسائلًا:
_نصلي مع بعض؟
استقامت بوقفتها وهي تشير له:
_هجيب اسدالي وجاية.
وما كادت بالرحيل حتى عادت إليه تضع قبلة ممتنة على جبينه، وغادرت لجناحها دون أن تضيف كلمة أخرى.
********
جالس على سجادة الصلاة بغرفة مكتبته الصغيرة منذ ما يقرب الساعتين، يده تتحرك على السبحة ولسانه يردد التسبيحات بخشوعٍ، وأكثر ما يردده
«لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، اللهم أجرني في مصيبتي »
تجمعت تكتلات المياه في حدقتيه حتى تحررت بخط من الدموع، وغصة قلبه تكاد تزهق روحه من فرط ألمه، بينما يتردد له ما حدث.
##
_حضرتك ساكت ليه؟
قالها "آدهم" مستريبًا من صمت الشيخ "مهران" المطول، فحشد همته وقال بوجعٍ بح صوته من فرطه:
_بحاول أفهم اللي عايز تقوله من ورا قصتك دي يا حضرة الظابط!
يعلم بأنه شخصًا ذكيًا، لذا قال بهدوء:
_بس دي مش قصة يا شيخ مهران، ده حصل فعلًا وعشان كده بأخد رأيك فيه.
رفع عينيه إليه ومازالت حركة يده تتابع بانتظام فوق مسبحته:
_تأخد رأيي في أيه يا حضرة الظابط؟
ضم شفتيه بقوةٍ يحارب ما بداخله من هزيمة مصرحة وقال:
_في اللي حكتهولك، أنا عاجز ومش عارف أساعد صاحبي ازاي، والده مصمم إنه لازم يعرف أخوه الحقيقية وهو عاجز يقوله إن الشخص اللي رباه مش هو أبوه الحقيقي.
ارتسمت ابتسامة غامضة على وجه الشيخ مهران، وبصورة مباشرة قال:
_تقصد إن والدك بيضغط عليك إنت مش كده؟
ارتبك آدهم قبالته يينما تابع الشيخ بصلابة وقوة:
_قولي يا آدهم يابني إنت كنت قولتلي أبوك إسمه أيه؟
ابتلع وهو يجيبه بتوتر:
_مصطفى... مصطفى الرشيدي!
مال يستند على عكازه بجبهته، فنهض آدهم عن محله وانحنى على ركبتيه يناديه بقلقٍ من أن يكون تذكر الاسم:
_مالك يا شيخ؟ حضرتك كويس؟
رفع جسده عن انحناءته وسلط عينيه عليه صامتًا، يتزلزل إليه صوت ابنه بحديثه المقتطف
«أنا بحب آدهم جدًا يا بابا، بحس إنه بيشبهني في كل حاجة»
«لو عندي أخ مش هيعاملني زي ما آدهم بيعاملني! »
«بمناسبة انك بقيت عارف حكاية آديرا، تخيل إن آدهم مكنش واخد أوامر باقتحام المبنى اللي خطفونا فيه وبالرغم من كده مهمهوش واقتحم المكان وأنقذني!!!»
«عارف يا شيخ مهران، انا سبق وصاحبت كتير، منهم سيف وعُمران اللي حكيتلك عنه، والدكتور يوسف وإيثان وناس كتير جدًا عرفتهم في الغربة وفي مصر الا أن آدهم بحنيته بحس إنك إنت اللي جنبي، طيب عارف وأنا بره مصر كل ما كنت بتوحشني كنت بقوله يحُضني!!.»
تهاوى الدمع تباعًا على وجهه المجعد لكبر سنه، وهز رأسه بخفوتٍ بينما يتحرر صوته:
_قصة صديقك دي ما هي الا باب مغلق من أبواب الحقيقة، الاسم اللي نطقته خلى ذاكرتي الضعيفة وجهتني للي حصل من أكثر من عشرين سنة، لليوم اللي خرجوا وقالولي فيه ابنك مات!
وتعمق بعينيه بجمود وهو يباغته بسؤاله:
_آيوب أخوك؟
نهض آدهم من اسفل قدميه واستكان جواره، يردد بانكسار:
_صدقني أنا مجبور، مكنتش أتمنى أحطك ولا أحط نفسي في الموقف ده أبدًا.
ونكس جسده بانحناءة سفلية:
_أنا عارف إنه غلط لما عمل كده بس غصب عني ده بالنهاية أبويا مينفعش أقسى عليه وأفرقه عن ابنه وهو بأيامه الأخيرة.
وتابع يستعطفه رغم أن ذلك الاسلوب لا ينطبق على شخصه القوي:
_أرجوك تساعدني يا شيخنا، أبويا المرض بيأكل في جسمه يوم بعد يوم، وامنيته الوحيدة إنك تسامحه إنت وآيوب.
وبقلة حيلة اضاف:
_أنا حتى معنديش الجرأة اوجهه بالحقيقة لإني أكتر واحد عارف مدى تعلقه وحبه ليك.
من قال إنه سيخوض يومًا قاتلًا مثل هذا؟! ، والله إن قال له أحدٌ بإن أحدهم سيخبره بأن ابنه الوحيد ليس ابنه لاتهمه بالجنون، سبحان من انزل على قلبه السكينة والصبر، وجعل عقله يحوم بذكريات الماضي ما بين تذكره لذلك الرجل "مصطفى الرشيدي" .
وما ينغز قلبه بأنه يتذكر حكايته جيدًا، حيث أخبره ذات مرةٍ بحقيقة علاقته بتلك المرأة، وبأنه تزوج بها من دون علم زوجته، حتى ابنه الوحيد والقابع من أمامه الآن قد اخبره عنه سابقًا.
وبالرغم من أن آدهم لم يسرد له تفاصيل تبديل أبيه الاطفال، الا أن الشيخ مهران استطاع أن يرسم صورة تفصلية عما حدث.
طال صمته وعقله تعطل عن العمل عند استيعابه أن ابنه ليس ابنه! ، كيف وقد جمعته به صفات مشتركة جعلته فخورًا كونه ابنه!
هو الآن عاجز، ولولا تلك الورقة التي يحملها بين يديها تؤكد له تطابق التحليل بين ابنه ومصطفى بنسبة تسعة وتسعون بالمئة لكان جن من فرط وضع الافتراضات.
طال صمته وآدهم يراقبه بقلقٍ، صمته وحديثه القليل استدعى قلقه، فناداه بوجلٍ:
_شيخ مهران؟
أفرغ رأسه مما يزاحمه وقال بوقار مازال يلتحف به:
_أجل كلامك عن الموضوع ده لحد ما ابني يمتحن ويتخرج، مش عايزه يتأثر بأي حاجة ممكن تخليه يدمر مستقبله يا حضرة الظابط!
نسبه له ابنًا وإن لم يكن ابنًا له، فكيف ألا يعتاد لسانه على نطق "ابن الشيخ مهران!»، يتجرع أبشع أنواع الألم بتلك اللحظة ومع ذلك يواجه بكل ثباته، فتابع ودموعه تحجب عنه الرؤيا:
_بعد ما يمتحن هنعرفه الحقيقة وبعدها تبدا اجراءات تغير النسب، أنا عارف إنها مش صعبة على ظابط في مركزك لإني مش هتحمل أقابل ربنا عز وجل بذنب زي ده حتى لو تغير إسم أيوب هيسلخ روحي عن جسمي!
تأثر آدهم بحالته التي لا يبدو بأنه على ما يرام مطلقًا، فقال ليرضيه:
_هعمل كل اللي حضرتك تطلبه بس انا حاسس إنك مش بخير.
رفع عينيه القاتمة له ومنحه ابتسامة موجوعة:
_ضهري اتكسر يابني!
منع دموعه من أن تهبط أمامه وقال وبسمته البشوشة تسيطر على ثغره:
_عايزك تسأل أبوك دفن ابني فين؟
وتابع وهو ينهض ليتجه لركن الصلاة:
_ودلوقتي استسمحك تسبني لوحدي قبل ما المسجد يزدحم لصلاة العشاء.
تفهم رغبته بالبقاء بمفرده، فأستأذنه بالانصراف وبداخله ندم لما فاض به، ولكنه كان مرغمًا على ذلك، بينما لجئ الشيخ مهران لربه يصلي ركعتين ويفيض دامعًا بما يضيق به.
وها هو قبيلة صلاة الفجر يجلس على سجادته، يتذكر ما حدث منذ ساعاتٍ معدودة ويردد بحزنٍ:
_اللهم لا إعتراض.
********
الردهة مكتاظة بعدد من الملابس، وبعض الحقائب الضخمة ذات الثلاث طوابق، أريكة ضخمة تحتل منتصفها انحرافًا عن موضعها الاساسي، يقبع فوقها "جمال" و"يوسف"و"سيف"، الثلاث شباب جالسون باسترخاء بينما يغطي أوجوههم طبقة سميكة من المسكات الطبيعية الخاصة بالرجال.
وعلى بعد منهم يقف عُمران حائرًا باحتيار مكينة حلاقة مناسبة من بين الحقائب المفرودة بعرض الصالون، وقميصه الأبيض يشمر كمه لمنتصف ساعديه، مرتديًا مريول أسود مناسب للحلاقة، وقفازات سوداء ملتصقة بيديه كالجراح المحترف!
سئم "جمال" من تلك التكبيدة وصاح بفتور:
_وبعدين يا عم الوقح، هنفضل قاعدين كده كتير؟!!!
ردد يوسف غاضبًا:
_يا ابني تعالى شيل الزفت ده ورايا ولادة بعد ساعه، ثم إني موصيك على العريس مش علينا!
ابتسم بفخر فور عثوره على المكينة المناسبة، فاتجه إليهم ليبدأ بسيف الذي سئم من أخيه وأصدقائه ومن عُمران بالأخص.
وضع المشط الصغير على طرفي شعره وبدأ يمرر المكينة ببراعةٍ، وكلما مال للجانب يسحب رقبة سيف من خلفه بشكلٍ جعله يصرخ بضجر:
_سيب رقبتي واخدها وراك ليه مش فاهم أنا!!!!
وصرخ بضيق:
_ما تشوف صاحبك يا يوسف، زهقني يا أخي!
أخيرًا تخلى الجليد عن بروده وردد بصوتٍ فكاهي:
_رجب خد صاحبك عني!!! رجب صاحبك جنيني!! رجب قوله يسيب قلبي!!!
انفجر يوسف ضاحكًا وقال:
_بيكجولك وبيغنيلك أهو هتلاقي أحسن من كده فين؟ ده كفايا شغل الماكنة اللي شغالك بيها، دي لو حوشنا مرتبك على مرتبي لسنتين قدام مش هنشتريها يا سيفو!!
نزع جمال عنه المنشفة الضخمة، هادرًا بانفعالٍ:
_طيب انا لزمتي أيه في الحوار ده، بيكجول أخوك وخدك وشين معاه بالمرة مجاملة لاخ العريس انا ليه بقى؟!
أجابه عُمران مضيقًا جفونه وهو يقوم بعملية تهذيب الخصيلات بتركيزٍ:
_عشان اللبس اللي هتلبسه النهاردة مينفعش مع حلقة حليمو اللي عاملها دي يا جيمي!
ضحك يوسف ساخرًا وهو يشير على تسريحته القديمة، فلكزه جمال بغضب:
_اخرس يا دكتور الحالات المتعسرة! حسابك جاي بعدين.
على رنين هاتف يوسف، فنزع المنشفة ونهض يتطلع لاسم المتصل، هاتفًا بانزعاجٍ:
_أخوك بيتصل، أكيد اتاخرت عن الحالة وبيشوفني مجتش المركز ليه!
وتابع بانفعال:
_هقوله أيه بقى معلش عندي جلسة اسكين كير!!!!
رد عليه عُمران ومازال ممعنًا التركيز بما يفعله:
_وتروح المركز في يوم مهم زي ده ليه؟!! طنشه وإقفل تليفونك.
أشار له جمال متحفزًا:
_أوعى يا يوسف، ده فساد وعايز يخرب شغلك وبصراحة دكتور علي ميستهلش منك كده.
أزاح المسك بالمنشفة التي يرتديها وقال:
_لا طبعًا لازم اروح، أنا اللي صممت أولد الحالة دي لإنها عندها سيولة وصعب حد يتعامل معاها من الطاقم الطبي.
مال كف عُمران وجه سيف ليهذب لحيته الخفيفة، قائلًا:
_يعني مش هتستنى أحلقلك يا دكتور؟
رتب ثيابه وهو يجيبه بابتسامة واسعة:
_كنت اتمنى يابني والله بس النصيب نجدني من تحت ايدك الحمد لله..
وتابع وهو يشير لجمال:
_بس متقلقش أخويا وجيمي موجودين، عايزك تخليهم بينوروا في الضلمة.
صرخ سيف مستنجدًا:
_متسبنيش معاه يا يوسف، كده هتبقى خارجتي مش دخلتي!!!
نغز خديه برفقٍ هادرًا بسخرية:
_هتخافش مني يا حبيبي أنا مبكلش العيال الصغيرين!!
انتفخت أوردته من فرط الغضب، فمنح اخيه نظرة قاتلة استقبلها الاخير بعدم مبالاة:
_طول ما عُمران معاكم أنا مش هقلق عليكم أبسلوتلي!!
وتركهم وغادر على الفور وهو يحمد الله أنه نجى.
مضت ساعة كاملة ما بين حتى سحب عُمران المنشفة من حول رقبة سيف وهو يضع المسك الاخير له قائلًا:
_كده أقدر أقولك مبروك يا عريس، شاور سخن على السريع وابتدى اجهز على طول.
نهض عن الاريكة يردد بخفوت:
_أشهد أن لا اله الا الله!
وإتجه لاقرب مرآة بالردهة، يلقي نظرة متفحصة على نفسه، فكان كل دقيقتين يستدير لجمال يسأله بتوسل أن يخبره ما يصنع عُمران به، وما جعله يجلس بصمت اشارة جمال له بإعجابٍ صريح بما يفعله الطاووس الوقح به.
برق سيف بانبهارٍ، ذقنه مهذبة بطريقة احترافية، لم يشاهدها يومًا على عُمران نفسه، وكأنه قدم له أفضل ما يمتلكه ويفضله على ذاته بما صنعه له.
شعره قد جعله جميعه بنفس الطول بعدما كان يُفضل تقصيره من الجانبين فاعتاد على ذلك، وجده يبرع في تهذيبه بقصةٍ جعلته يبدو أفضل من السابق.
ولج لحمام الشقة يحمل اغراضه الخاصة، متلهقًا لازالة ذلك المسك الذي يحتل بشرته ليتأمل ماذا صنعته المنظفات الباهظة التي وضعها له.
بينما بالخارج.
تراجع جمال لنهاية الأريكة بارتباكٍ من الألة الحادة التي يحملها عُمران ويدنو منه مرددًا بشر واضح:
_فضيتلك يا جيمي، ها تحب قصة معينه ولا تسيبلي نفسك أحسن؟
ابتلع ريقه بتوترٍ وقال:
_مش عايز أحلق يا عُمران، أنا لسه مشيك على شعري من كام يوم بس!!
مرر رماديته على شعره بنظرة غير راضية بالمرة:
_مهو باين يا حبيبي!! إنت شكلك كنت عند حلاق الخرفان والحمير ده عارفه؟
نزع المنشفة عن رقبته واستقام بوقفته يصيح بخشونة:
_أنا حطيت المسك الغريب ده وقبلت لكن شعري ودقني لأ وألف لأ يا عُمــــــــــران!!
*****
انتهى سيف من حمامه فارتدى روب الاستحمام وخرج يبحث عن عُمران ليشكره بامتنان، وقف على مقدمة الردهة يردد بصدمة مما رآه:
_إنت حلقت دقنك يا بشمهندس جمال؟
استدار ذلك الماسد بين يدي عُمران إليه، وبأسفٍ قال:
_اليوم ده هيخلص من هنا وهقطع علاقتي بالمختل ده، تصور بيهددني بالمشرط اللي في ايده ده!!
مال إليه عُمران بحزن:
_عايز تقطع علاقتك بيا يا جمال؟
استجاب لمحاولته الخبيثة بالتأثير عليه فقال:
_مش بالظبط بس أنا قولتلك الا دقني وشعري!!
أجابه وهو يتصنع الطيبة:
_شكلك هيبقى أحلى بالشنب بس، الدقن مش حلوة عليك، غلطت لما عايزك تبقى أصغر وأجمل!!
اعاد التفكير بحديثه بتأنيب ضمير، بينما استغل عُمران هدوئه واستكمل عمله، ضحك سيف وقال:
_إنت خبيث وخطير يا عُمران! بس ما علينا أنا خرجت أشكرك على الحلاقة دي، صدقني بعد كده هسلملك رأسي وأنا مطمن!
رد عليه عُمران بغلظة:
_أنا لا عايز رأسك ولا رجلك، ادخل جوه إلبس لتأخد برد يا عريس!!!
ضحك سيف بعدم تصديق لرده، وعاد لغرفته يستعد لحفل زفافه.
انتهى عُمران من جمال بعدما تفنن بجعله أنيقًا، جذابًا، فبعدما أعاد شعره للخلف وقصره قليلًا بدا كأنه شاب عشريني.
موافقته الصريحة بالاهتمام بسيف كانت حيلة لأجل أن يهتم بجمال، ويعاونه بتغير طريقة خلاقته وتهذيب ذقنه.
ازاح جمال المنشفة وتطلع لعُمران بضيق، فربت على كتفه بابتسامة هادئة تناهز مشاكسته السابقة:
_ادخل خدلك شاور عما أجهزلك البدلة.
شعر وكأن به خطبًا ما، فسأله بجدية تامة:
_ هو حد قالك إن أنا العريس النهاردة؟ تصرفاتك معايا غريبة النهاردة إنت حاسس إني هموت ولا أيه؟ ولا يكنش نعمان الملزق قالك إنه هيقتلني!
سقط من يده المكينة فانحنى جمال يحملها لحقيبته مرددًا بضيق:
_ما تاخد بالك يا عم، ده يوسف لو شافها واقعه هيروح فيها بعد ما عرف سعرها!
جذبه عُمران من تلباب قميصه بيدٍ واحدة:
_أيه اللي قولته ده؟ نعمان جالك؟!!!
ارتبك أمامه وقال:
_متشغلش بالك بيه، ده آ...
ابتلع جملته فور أن صرخ الاخير بانفعال:
_ازاي متقوليش حاجة زي دي يا جمـــــــال!!
رد عليه وهو يحاول أن يهدئه:
_مكنتش عايز أشغلك كفايا موضوع آلكس اللي طلعلك فجأة ده.
مشط الردهة ذهابًا وإيابًا، متمتمًا بوعيدٍ:
_هي وصلت لكده، ماشي يا نعمان!!
وحينما استدار وجده بمحله يتطلع له بحزن فصاح بضيق:
_انت لسه واقف مكانك!!!
هرول جمال للحمام دون ان يهتم حتى برؤية وجهه، بينما دفن عُمران غيظه الشديد من خاله واتجه لغرفة جمال يبحث عن الحقائب التي تحمل الملابس التي اشتروها مؤخرًا، وما أن وجدها حتى جهز له احدى البذلات التي سبق وانتقاها له تلك المرة، ممررًا مكوته الحديثة من فوقها وهي معلقة على المشجب.
ولج جمال للداخل يمسح وجهها، فوجد عُمران يكوي البذلة بنفسه، حتى أنه نثر من فوقها البرفيوم خاصته، حتى لا يترك مساحة للمشاجرة بينهما حينما يطالبه بالوضع منه فوضعه هو قبل أن يرتدي الملابس.
استدار للخلف وما أن رآه حتى تنحنح بخشونة:
_واقف كدليه؟ يلا إلبس عما أجهز أنا كمان.
اعترض جمال طريقه للخروج من الغرفة واستمد نفسًا مرهقًا قبل أن يسأله مباشرة:
_إنت سمعتني وأنا بتكلم مع يوسف؟
توترت ملامح عُمران وبالرغم من ذلك بقى ثابتًا أمامه قدر المستطاع:
_أمته ده؟! وأي كلام تقصد؟
تعمق بالتطلع إليه لكشف مدى صدقه ولكن الاخير انسحب وهو يشير له بملل مصطنع:
_بقولك أيه يا جمال أنا معتش قادر أقف، إلبس عما أريح جسمي شوية وألبس أنا كمان.. مش كفايا حوار نعمان الملزق ده عليا، ابعد من وشي انت التاني.
وتركه شاردًا وغادر لغرفة يوسف حيث يوجد ملابسه، فتمدد على الفراش يستكين قليلًا قبل أن يبدأ بتجهيز ذاته.
*******
انتهى جمال من ارتداء ملابسه، ووقف أمام المرآة منصدمًا من مظهره، لم يكن اختيار عُمران للملابس رائعًا فحسب، بل طريقته بتنسيق ذقنه الحليقة وشاربه.
كان محقًا حينما أخبره بأن الشارب دون اللحية ستمنحه مظهر جذابًا، بل هو بتلك اللحظة يشعر وكأنه يصغر عن عمره كثيرًا.
ابتسم وهو يتابع وجهه وشكله، ولأول مرة يشعر بالفضول أن تراه زوجته بشكله الوسيم هذا، فلقد تحلى ببعض الثقة التي غادرته، وما تعجب له أنه وجد ذاته يحزم قراره بأنه سينتظم بالذهاب للجيم كما أخبره عُمران صديقه، الذي يمتن لأنه يمتلك صديقًا مثله.
خرج جمال للردهة فإذا بسيف يطالعه بانيهارٍ شديد، ولسرعة تخمينه بمن بشقته قال:
_بشمهندس جمال!!! أقسملك بالله إني معرفتك!! الاستايل ده جميل عليك جدًا وجديد.
وبتخمينٍ قال:
_عُمران مش كده؟
هز الاخير رأسه بإيماءة خفيفة، فابتسم سيف وبداخله يزداد احترام لشخص عُمران الذي رغم وقاحته وفنون رده النزقة الا أنه يستحق حب أصدقائه وأخيه إليه.
خرج إليهما عُمران بعد قليل، متألقًا ببنطال من القماش البني الفاتح، وقميصًا من نفس الدرجة، ومن فوقه جاكيت بدرجة أغمق، مصففًا شعره بتسريحته المعتادة، وبالرغم من اهتمامه بهما الا أنه لم ينسى الاهتمام بنفسه وبما سيرتديه.
قطع نظراتهما المعجبة به وقال:
_هنتحرك ولا هنقضيها نظرات!
*********
طرق الباب مرتين بعكازه، ففتح آيوب الباب حاملًا كتابه بين يديه، وما أن رآى الطارق حتى ردد بفرحة:
_بابا!!
أخفى الشيخ مهران دموعه واحتبسها داخله، وبدون كلمة واحدة جذبه لأحضانه، يده تقربه إليه وكأنه يود أن يدخله لصدره، ويخفيه عن الأعين.
يشعر وكأن هناك من سيخطف منه ابنه، وبالرغم من أنه واثق بإن آيوب لن يتخلى عنه مطلقًا الا أنه كان خائف من فراقه، لم يكن يومًا بالأنانيًا ليفرقه عن ابيه الحقيقي، ولكن ما يكترث به هي زوجته التي أرضعته من حليبها، لم يكن ليظن يومًا أنه ليس ابنه لتظن زوجته هذا الأمر!!
أبعده عنه وهو يرسم ابتسامة هادئة، منشبًا حوارًا طبيعيًا:
_عامل أيه يا حبيبي؟
أجابه وهو يشير له بالدخول:
_الحمدلله، ادخل يا بابا هنتكلم على الباب كده!!
أشار له بابتسامته:
_لا يا آيوب انا نازل الدكان وقولت أعدي عليك قبل ما أنزل، مانا معتش بلمحك تحت.
برر له وهو يرفع كتابه:
_الامتحانات بعد اسبوعين يا شيخ مهران، وبنفذ تعليمات الحاجة رقية، إنت ناسي إني واخد أنا ويونس حظر عشان خديجة وسدن!!!
ضحك الشيخ ومسح على ظهره:
_ربنا يوفقك يابني ويبعد الغم والحزن عنك وعن قلبك... يلا هسيبك أنا تركز في مذكرتك وهنزل الدكانه... سلام عليكم.
أجابه وهو يطالع هبوطه باهتمام:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وما أن غادر حتى ولج آيوب لشقة يونس يستكمل مذاكرته بينما ارتكن الشيخ مهران على درابزين الدرج يبكي ألمًا ولسانه لا يغفل عن قول:
_لا اله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
*********
وصلت لمكان الحفل برفقة والدة زوجها باحدى سيارة عائلة"الغرباوي"، صعدت "صبا" تحمل طرف فستانها الكريمي حتى لا تتعثر بخطواتها.
ولجوا للمصعد وهي ترتب حجابها الأسود متسائلة بلهفة:
_ماما شكلي حلو؟
اجابتها وهي تشير بيدها:
_زي القمر يا بنتي، جمال هيخطفك النهاردة ولو معملهاش باللي في رجلي وهنزل على نفوخه الخايب ده!
ضحكت من قلبها وشاركتها أشرقت الضحك، توقف المصعد بالطابق الثالث من المبنى حيث يقطن يوسف ولجواره سيف، بحث صبا عن اسم الشقة حتى وجدته فأمسكت يد أشرقت واتجهت للداخل، حيث تُرك الباب مفتوح لاستقبال الضيوف.
بالداخل.
بالرغم من بساطة تزين المكان، وعدد المدعوون القليل الا أن كل شيءٍ كان مثاليًا، حيث اجتمع الجميع حول طاولتيتن كبيرتين، احداهما للرجال والاخرى النساء، ومن أمامهم وضعت ليلى ويوسف مقعدين مذهبين للعروسين، وطاولة صغيرة ومقعد مقابل خاص بالمحامي.
لحظة دخول أشرقت وصبا كانت هي نفسها لحظة امضاء العروس على قسيمة الزواج، وكلمة معتادة تنطق على لسان المحامي:
_بارك الله لكما وجمع بينكما بالخير.
انطلقت الفتيات الاربعة "مايا"،" فاطمة"، "شمس"،" ليلى" يتجمعن من حول العروس، بينما ذهب الشباب يقدمون التهاني لسيف.
بينما اتجه يوسف يقابل السيدة أشرقت بنفسه، مرددًا بفرحة:
_نورتي المكان كله، كنت هزعل لو مجتيش.
ربتت على كتفه بحنان أمًا:
_ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يفرحه ويرزقه الذرية الصالحة.
أجابها ببسمة ممتنة:
_اللهم آمين..
وأشار للطاولات:
_اتفضلي يا حاجة أشرقت، اتفضلي يا مدام صبا.
اتجهت للطاولات وعينيها تبحث عن جمال بلهفة بين الشباب، إلى أن وجدته يقف جوار عُمران يتهامسان وصوت ضحكاتهما يعلو الآذان، انفلتت شهقة خافتة منها وهي تطالعه بصدمة، احاط بها الانبهار والاعجاب الشديد، لدرجة ان حماتها جلست على المقعد وبقيت هي واقفة محلها تتطالعه بدهشةٍ جعلت من حولها يلاحظون ما تفعله.
رأها جمال فاندهش من وجودها هي ووالدته، وزع نظراته بينهما ولكن عينيها اللاتي تبرق به جذبت انتباهه فبادلها النظرات.
شعرت صبا بيد تجذبها للمقعد، استدارت فوجدت حماتها تهمس لها بحنق:
_واقفة مبلمة قدام الواد كدليه، هتخليه يأخد مقلب في نفسه يا خايبة، اقعدي واتقلي كده وسيبي الحاجة أشرقت تلاعبه.
مالت إليها بفضول:
_هتعملي أيه يا ماما؟
مصمصت شفتيها بحركتها الشعبية وقالت:
_كتير يا قلب امك بس اتقلي انتي ومتدلقيش كده.
وجابت الجمع بنظرة شاملة، فانتفضت وهي تلكز ذراعها:
_فريدة هانم شرفت أهي، شوفتي الفستان اللي لابساه!! مخليها ولا العروسة! يخيبها ولية!!!!
أشارت له صبا وهي تتابع الاوجه:
_وطي صوتك يا ماما حد يسمعك!
ادارت وجهها عن محل جلوسها، ولكنها لم تستطيع كبت فضولها تجاه تلك المرآة، وخاصة حينما جلس هذا الشاب الآنيق جوارها، فاستفزها الا تعلم كنايته.
ترك عُمران المنصة واتجه لآشرقت يقبل يدها هاتفًا بمحبة:
_أيه الجمال ده كله يا شو!
ضحكت حتى بدت غمازاتها كسطوع شمس اليوم، وقالت:
_ازيك يا بكاش ياللي بطلت تسأل عني، ولا اهتميت حتى تيجي تودعني، أنا مسافرة النهاردة الفجر.
أجابها بابتسامة جذابة:
_ازاي يعني مش هاجي ده انا قايل لجيمس ان محدش هيوصلك للمطار غيري، وقبل المطار، هاخدك حالًا وهنطلع مع بعض مشوار هيعجبك.
سألته بفضول:
_مشوار فين ده؟
أبعد المقعد وعاونها على النهوض:
_لما نروح هتعرفي.
قالت وهي تتطلع للعروس:
_طيب استنى طيب ملحقتش أعين العروسة!!
ضحك بصوته الرجولي وقال:
_قصدك ملحقتيش تنمي!! ده انا بعمل فيكي خير وبنقذك من صحيفة أعمالك البلاك!!
تمردت ضحكاتها عاليًا، ومالت عليه تهمس له:
_هي أمك مش عايزة تعقل! لابسة فستان مخليها ولا العروسة!!!
تمعن بوالدته بنظرة متفحصة، كان ممتنٍ انها نفذت اول نصائحه، فكانت ترتدي فستانًا أحمر اللون طويلًا يصل لنهاية قدميها، ومن فوقه شال أبيض يحجب فتحة عنقها الصغيرة، وعلى رأسها تربون أبيض اللون جعلها مميزة للغاية، طبعت ابتسامة محبة لملامحها الرقيقة وهمس لها:
_مالها فريدة هانم زي القمر في تمامه؟
مالت إليه تراقب ما يراه وتساءلت:
_مين اللي جنبها ده، صاحبك!!
استدار لها بدهشة:
_مش فاكراه!! أنا سبق ووريتك صورته!
زمت شفتيها ساخطة وقد ظنته يؤكد لها اجابة سؤالها:
_ياخويا وسايب صاحبك لازق لامك كدليه، ده كل ودنها من كتر الرغي وهي نازلة ضحك ومرقعة روح لم أمك عليها الطمع يابني!
وتابعت بتعصب:
_وبعدين انت مش كنت قولتلي انك مجوزها لعمك فينه يلمها!!!
جحظت عينيه صدمة فور نطقها جملتها الاخيرة التي ولحظها السييء توقف بها الموسيقى الهادئة، فبرق بها الجميع.
رسم عُمران بسمة بلهاء وقال:
_كملوا سهرتكم يا جماعة أنا نازل مشوار سريع أنا وشوشو.
وأشار لها لتتقدمه، بينما تابعتهما صبا باستغراب، كانت مندهشة لمحل ذهابهما، فإلى أين سيذهب بها صديق زوجها؟
لم تلاحظ نظرات جمال المقتادة بالنيران إليها، فما أن لمحته حتى أخفضت عينيها بحزن، فبالطبع يظنها تراقب عُمران!! بعد أن ألصقت بها تلك التهمة بالطبع ستظل تخوض توابعها حتى الموت!!
بدأت الموسيقى واجتاح المنصة الثنائيات، ليلى ويوسف، علي وفاطمة، احمد وفريدة، سيف وزينب، وبقيت شمس ومايا بمحل العروس.
انسحب جمال مرغمًا للطاولة حيث محل جلوسها، فقال بوجوم:
_مالك بتبحقلي في اللي حواليكي بالشكل ده؟
تعلم مقصده جيدًا، ولكنها ابتلعت غصتها وقالت بابتسامة واسعة:
_البدلة دي جميلة عليك أوي يا جمال، حتى طريقة حلاقتك بجد طالع جميل أوي ومميز النهاردة.
بالرغم من أن الاطراء قد نال ارضاءه ولكنه بقى متخشب الملامح، اختزلت تعابيرها حزنًا من طريقته، وقالت تستحثه على الحديث:
_مش هترجع معانا النهاردة، ده حتى أخر يوم لماما أشرقت على الأقل خليها تمشي وهي حاسة آن كل شيء بينا طبيعي يا جمال.
منحها نظرة واجمة، ومال على الطاولة الفاصلة بينهما يردد:
_بس مفيش شيء هيكون طبيعي بينا يا صبا، ردي ليكي لعاصمتي كان لسبب واحد وانتي عارفاه كويس.
وانخفض بنظره لبطنها المنتفخ:
_ابني هو السبب، وبعد كده صدقيني مبقاش يهم!
أدمعت عينيها تأثرًا بحديثه، فمدت يدها لكفه وهي ترجوه:
_اديني فرصة أقربلك مني تاني يا جمال!
سحب كفه بعنف منها، وعاد بظهره للمقعد يتابع الحفل بصمت ألمها، فرسمت بسمة زائفة فور ان تقدمت ليلى ومايا إليها.
******
لم تزور الفرحة وجهها ولم تمس حتى قلبها، عينيها تتابع باب الشقة برعب وكأنها تنتظر لحظة وصوله، كانت موجودة بجسدها وعقلها وقلبها غائبان عنها.
لاحظ سيف شرودها وسكونها العجيب فناداها مرتين ولم تلاحظه، فأمسك يدها وسألها باستغراب:
_مالك يا زينب؟
انتفضت بجلستها فزعًا، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:
_آآ... أنا كويسة يا سيف.. بس كنت سرحانه شوية.
الشك توغل بحدقتيه فصاح:
_لا مش كويسة، إنتِ من الصبح مش طبيعية.
واستطرد بما يتردد إليه من تفسيرٍ:
_إنتِ ندمانه؟
نفت ذلك قائلة:
_أيه اللي بتقوله ده يا سيف، أنا بس مرتبكة شوية إنت عارف الموضوع جيه بسرعه كبيرة.
مررها حتى وهو لا يصدقها، حينما يصبحا بمفردهما سيتحدثان أفضل من حديثهما الإن.
*******
بسيارة عُمران.
تعالت ضحكات أشرقت هاتفه بعدم تصديق:
_بقى ده عمك؟!!!
ابتسم وهو يتابعها تضحك من قلبها هكذا، وأضاف:
_أيه الغريب في كده! ما أنا وريتك صورته قبل كده؟!
كبتت ضحكاته وهي تقول:
_يابني هو أنا فاكرة أنا اتعشيت أيه امبارح! طب تصدق بالله من كتر ما بنسى أنا كلت ولا لسه بقيت شبه الكرنبة!!
قالتها وانتابتها موجة من الضحك، فضحك رغمًا عنه وهو يستمع لحديثها بينما يباشر قيادته، فهو يحبها كثيرًا ويشعر بالألفة حينما يراها، ربما لانها والدة صديقه الذي يعده أخيه.
توقفت عن الضحك وسألته باسترابة:
_قولي بقى واخدني على فين؟
اجابها بعدما صف سيارته أمام أحد المحلات الفخمة الخاصة بأزياء المحجبات:
_مش أنا وعدتك إني هرجعك للحاج أبو جمال طلقة ألماني تزلزله!
اعتدلت بجلستها تمازحه:
_طلقة! قول صاروخ جوي!!
قالتها وضحكت فقهقه ضاحكًا وقال:
_طلقة، صاروخ مفرقتش المهم إنك تحافظي على الذخيرة عشان منشيعش الراجل!!!!
ضحكت حتى أحمر وجهها وقالت:
_يووه جتك أيه يا عُمران، يابني خلاص حملنا الاول والاخير بقى العيال.
استدار لها يخبرها:
_ومن بعد الاولاد هيبقى حملكم الاحفاد، هتفضلوا كده لنهاية العمر، عشان كده لازم تخطفولكم يومين لنفسكم.
وأشار لها وهو يغلق نوافذ السيارة أوتوماتيكيًا:
_يلا يا ست الكل انزلي عشان منتاخرش.
تردد بالنزول حرجًا وقالت:
_مالوش داعي للتكلفة دي يابني، جمال ربنا يسعده مش مخليني محتاجة حاجة والله.
زرعت بابنها الرضا بالقليل وهذا ما ميزه، لم يتطلع على ما يمتلكه غيره يومًا وهذا ما جعل عُمران يكن له مثل تلك المحبة التي شعر بها تجاه والدة صديقه.
تصنع بمداهمة الحزن ملامحه وقال:
_كنت فاكر إنك بتعتبريني زي جمال، بس الظاهر كنت غلطان!
راقبت انقلاب معالمه بتأنيب ضمير، وقالت:
_يابني والله انتي عندي زيه وإنت عارف.
_لو شايفاني زيه هتنزلي معايا وهتقبلي مني هديتي، اعتبريها تذكار مني عشان تفتكريني بيه بعد ما هترجعي للحاج ولا خايفة يعرف بعلاقتنا يا شوشو!!
تحررت ضحكاتها على أخر حديثه ومازحته قائلة:
_موافقة بس بشرط.
بجدية تامة قال:
_أنا تحت أمر معاليكِ.
توردت بشرتها من فرط الضحك وهي تخبره:
_عايزة بورنطة زي اللي أمك بتلبسهم دول!
تمعن بها قليلًا وصعدت ضحكاته تزلزل، وبصعوبة قال:
_عنيا حاضر.
******
بدأ يوسف بتنفيذ الجزء الأخر من الخطة، مع انتهاء الحفل فدنى إلى جمال يهمس له:
_الحاجة أشرقت مع عمران مش هترجع دلوقتي، قوم روح مراتك هتسبها تروح في تاكسي!!
زوى حاجبيه يسدده بسهامه الحارقة:
_رتبت إنت وهو الليلة وفكرين خطتكم هتدخل عليا صح؟!
ادعى برائته الكامنه مما نُسب إليه:
_ليلة أيه وخطة أيه يا جمال!! قوم وبطل تفكر بعقل العيال الصغيرين دول.
نهض عن المقعد يلف بجسده إليه، صائحًا بانفعال:
_ما تحاولش تتذاكى عليا يا دكتور، ده أنا أكتر واحد قافشك إنت وهو.
حك رأسه وبنفاذ صبر قال:
_آه يا جمال رتبناها وهتقوم حالًا تأخد مراتك وتتعامل زي أي راجل جنتل مان بيفتح باب عربيته لمراته وبيرفعلها طرف الفستان.
وتابع يستفزه:
_وبالمناسبة الكلام اللي لسه رميهولك حالًا سابهولك عُمران بنفسه، فزي الشاطر كده تنزل وتفتح الباب لمراتك.
كز على أسنانه غيظًا، فالتفت إلى محل وقوفها فلم يجدها، وكأنها سمعت نص الحوار فرفضت أن تكون همًا ثقيلًا عليه.
توقف المصعد فخرجت صبا تنتظر أي سيارة أجرة تمر من أمامها، ورغمًا عنها التقطت عينيها سيارة علي وبجواره زوجته وسيارة أحمد الغرباوي وبجواره فريدة وبالخلف مايا وشمس.
لا تعلم لما افتقدت عائلتها بتلك اللحظة، والاصعب من ذلك بأنها تفتقد زوجها وهو لجوارها!!
أزاحت صبا دموع عجزها، باتت مقيدة، لا تعلم ماذا يتوجب عليها فعله ليصفح عنها ، أفاقت من شرودها على صوت سيارته، فوجدته يقف قبالتها ويشير لها بالصعود.
تعلم بأنه أُجبر ان يصلها، فطرقت على نافذة سيارته، فأخفضها لتتمكن من الحديث:
_تقدر تمشي أنا هركب اي تاكسي.
وبدون اضافات استقامت شامخة بوقفتها واتجهت لمحلها، قبض على الدريكسون بغضب كاد باقتلاعه، فهبط من سيارته واتجه اليها يجذبها بقوة:
_أنا مش عايز أتعصب عليكي، اركبي!
ارتخى جسدها للخلف فاصطدمت بسيارته، تأوهت ألمًا وهي تضم بطنها بألمٍ جعله يهرع لها مسرعًا متسائلًا بقلقٍ:
_أيه اللي حصل؟ اتوجعتي!! وريني.
ابعدته للخلف وهي تصرخ به:
_إبعد عني يا جمال، روح شوف حالك مع اللي اختارتها.
ضيق عسليته باستغراب:
_اللي اختارتها!!
أحاطته بنظرة مشتعلة بنيران الغيرة، جابته من رأسه لأخمص قدميه، ويتهكمٍ قالت:
_مستغرب ليه! مش دي اللي غيرتك بالشكل ده وخليتك ترجع تهتم بنفسك وبلبسك!
كم أن صديقه خبيثًا، داهية، لم يتوقع أن تنزرع داخله الغيرة بتلك السرعة، ازدرد ريقه الجاف يجيبها:
_مش مضطر أبررلك، ودلوقتي اتفضلي اركبي بدون كلام مالوش أي تلاتين لزمة!
هزت رأسها وهي تزيح دموعها، واتجهت للسيارة دون أن تضيف كلمة أخرى، فغادر بها للمبنى الخاص بشقتهما، وللعجب صعد معها للأعلى.
******
بشرفة منزل الشيخ مهران، حيث تقف سدن جوار خديجة التي تستند على السور ممسكة ملابس فارس الواقف على المقعد الخشبي يتابع المارة، فتقف جواره خشية من السقوط وبالجهة الاخرى تستمع لها سدن، بعدما باتت الاثنتين مقربتين للغاية.
مالت سدن على ذراعيها تستمع لنهاية قصتهما بحزن فائق، وقالت:
_انت تعبت اوي خديجا، ويونس كمان تعبت من اللي شافه، انت قصتك حزين جدًا.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها لم تستطيع الاخرى رؤيتها من نقابها:
_ومستعدة أستحمل أكتر من كده بس أكون مع يونس بالنهاية.
غردت عينيها فراشات وسألتها:
_بتحبيها خديجا؟
استمعت لصوت ضحكاتها بوضوح وقالت:
_قصدك بتحبيه، وآه طبعًا بحبه جدًا، بحبه من اول ما وعيت على وش الدنيا وشوفته جنبي، اول ذكرى لأي شيء جميل جوايا هو وراها، بحب كل شيء فيه، طريقة حبه ليا وتشدده وغيرته عليا، بحب كلمة "ست البنات" اللي بتخرج من بوقه زي السكر.
استدارت تجاهها فوجدتها تتابعها بضيق وأردفت:
_انتظري قليلًا لقد نسيت سماعتي بالداخل ولم أفهم نصف حديثك.
وتركتها وهرولت للداخل راكضة، فضحكت وهي تخبط جبينهه بقلة حيلة على تلك الاجنبية التي باتت ونيسة لها.
رفرف قلب خديجة حينما سمعت فارس ينادي بصوت متحمس:
_بابــــــــــــا.
استدار للخلف فاذا به يدخل الحارة برفقة إيثان، وما أن استمع لصوت ابنه حتى رفع رأسه تجاه الشرفة فوجدها تقف جوار ابنه، تطالعه من خلف نقابها.
نقل بصره عنها بصعوبةٍ مستغفرًا، وأشار لفارس بالهبوط، فتركها وهرول للأسفل راكضًا ومازالت تقف محلها تراقبهما بحب.
التقطته بين ذراعيه يقبله واتجه بها لمحل البقالة يشتري له ما لذ وطاب، وتركه يصعد بينما غادر برفقة ايثان الذي قرر التقدم لخطبة ابنة خالته، وصمم أن يرافقه يُونس.
بينما بالاعلى قدم لها فارس لوحًا ضخمًا من الشوكولا الباهظة قائلًا:
_بابا بعتلك دي بس، باقي الحاجة ليا.
تناولته منها خديجة بفرحة جعل قلبها يتراقص، فاتجهت بخطواتها البطيئة للشرفة على أمل ان تراه، ولكنها وجدته قد غادر.
*******
مرت ساعة كاملة منذ أن ولجت لحمام الغرفة تبدل قفطانها، هاجمه القلق حيالها، طرق سيف باب الحمام يناديها برفقٍ:
_زينب محتاجة حاجة؟
انتفضت داخل الحمام محل جلوسها بملابس زفافها باكية، وبتوترٍ قالت:
_لا.
رفرف بأهدابه بذهولٍ من طريقتها وقال:
_طيب بتعملي أيه جوه كل ده؟ إنتِ حتى ماخدتيش هدومك معاكي؟
واستطرد بمزحٍ:
_زينب انتي بتهربي مني؟!
مال على بابها يحاول استماع صوتها أو أي صوت لمياه، ولكنها فجأته حينما فتحت الباب تواجهه بعينيها المتورمة من أثر البكاء، ضيق حاجبيه دهشة:
_زينب!!
تركته يقف مندهشًا واتجهت للفراش تبكي بصوتٍ مسموع، لحق بها ومازال يناديها:
_في أيه يا زينب؟!!
أوقفته محله تصرخ به:
_متقربش أرجوك... خليك بعيد.
رفعت ساقيها إلى الفراش، تحاوط جسدها بيديها، وعينيها تراقب أنحاء الغرفة بخوفٍ قاتل، تهمس بخفوتٍ:
_يمان مش هيسيبني، هيقتلني لو سمحتلك تقرب.. خليك بعيد.
صعق سيف من حالتها الغامضة، وخاصة حينما استمرت بهمسها وعينيها تتوزع بين شرفة الغرفة وبابها:
_هو قالي إنه هيقتلني! كان هيشوه ايدي عشان مسكتني، لو قربتلي هيقتلني.
عصف به الحزن وألمه، فقال:
_ميقدرش يعملها وأنا معاكي... هفديكِ بروحي يا زينب.
هزت رأسها ومازالت تصر على طلبها:
_سبني واخرج يا سيف... ابعد عني أرجوك!
لم يتخيل أن يصل به خوفها لتلك الدرجة، شعر وأنها تعاني من نوبة مرضية نجح بأن ينقلها لها هذا المعتوه، رفضت حتى أن تستمع إليه، وأمام رجائها وخوفها انصاع لها سيف واتجه لغرفة النوم الصغيرة يقضي بها أول ليلة التي كانت من المفترض أن تكون بداية لحياتهما معًا.
*********
خرج جمال من غرفة الضيافة حيث كان يغفو بها بعيدًا عن غرفة صبا، ليستفيق من نومته على صوت ضوضاء يأتي من الخارج.
خرج من الغرفة فوجد والدته تجلس بالردهة جوار زوجته، ومن حولها عدد ضخم من الأكياس، تجذب قطعة من الملابس وتضعها على نفسها، تريها لزوجته المنبهرة من رؤية ما عادت به والدته.
فوصل له صوتها العالي:
_ما شاء الله يا ماما الفساتين تحفة والحاجة كلها جميلة وشيك جدًا.
جذبت أشرقت باقي الاغراض وهي تقول:
_عُمران ده شاب زي العسل والله.
بالرغم من حساسية الموقف الا أنها كانت مرغمة لاجابتها حتى لا تزرع الشكوك برأسها فقالت مبتسمة:
_هو شاب ذوق جدًا وباين عليه بيعزك جدًا يا ماما.
اشتعل جمال ضيقًا، فعاد للغرفة يصفع الباب من خلفه وهو يفور غضبًا منها، ومن تبجحها بالحديث عنه أمام والدته، وإن يكن هي من تسببت بهذا الجرح الذي لم يندمل داخله بعد، وبأقل فعل منها حتى دون ارادة يعود لنزيفه من جديد!
*******
تقابل عمران مع جمال قبيلة الفجر، ليودعا معًا أشرقت، وبعدها توجها صباحًا ليمروا كلاهما على المشروع المشترك بينهما، يتممان على الموقع والعمال وفور ان تأكدوا من أن كل شيئًا على ما يرام سأله جمال عمران:
_هتروح على الشركة؟
استند على حافة السيارة وهو يطوي ورقة التصميم:
_لا هطلع على الفندق أغير هدومي قبل ما أتحرك على الشركة.
هز رأسه بدهشة:
_معقول يا عُمران لسه بتعمل كده؟
ضحك وهو يجيبه:
_يابني دي بقت عادة عندي، مهو مش معقول هفضل في الموقع ست سبع ساعات واتحرك على الشركة بعرقي ولبسي المبهدل ده، لازم اخد شاور وأغير هدومي، عشان كده أي مشروع بستلمه هيطول عن شهرين بحجز بأقرب فندق قريب منه، اخدلي فيه كام غيار.
وضع هاتفه بجيب بنطاله وسحب مفاتيح سيارته:
_خلاص براحتك، أنا ورايا شغل كتير في الشركة، هروح عشان السكرتير نازل رن عليا من الصبح.
وتساءل قبل أن يعتلي سيارته:
هشوفك بليل؟
صعد عُمران سيارته هو الأخر وأجابه بابتسامة صغيرة:
_هكلمك ونرتب مع بعض.. سلام.
منحه ابتسامة واسعة ولوح له ليفترق طريقها وكأنها إشارة سيئة للأعصار القادم!!!!!
*****
ولج جمال لمكتبه، فوجد الملفات موضوعة على مكتبه، نزع عنه جاكيته ووضع مفاتيحه وهاتفه جواره، جلس على مقعده يسحب اول ملف.
وبعد دقيقة ولج السكرتير يحمل كوب القهوة، وعينيه الخبيثة تجوب سطح المكتب باحثًا عن غايته، فما أن وجده حتي سحبه من خلف الصينية التي يحملها دون أن ينتبه له جمال!!
*****
خرج عُمران من حمام الفندق، يلف من حول خصره المنشقة السوداء، وبالاخرى يجفف عنقه، فاذا بهاتفه يعيد رنينه للمرة الرابعة.
ترك المنشفة من يده واتجه يتطلع لاسم المتصل، فإذا بجمال يعيد رنينه، رفع الهاتف إليه وقال بمشاكسة:
_لحقت أوحشك؟
اتاه صوتًا غريبًا يجيبه:
_عفوًا! لقد قمت بالاتصال بأخر رقم لهذا الهاتف، سيدي لقد أُصيب صاحب هذا الهاتف بحادث على الطريق ولقد قمت بنقله لمنزلي، من فضلك فلتحضر لنقله للمشفى أنا لن أجازف بنقله إليها فتعتقلني الشرطة.
جن جنونه وصرخ به:
_أرسل لي العنوان في الحال..
_حسنًا لك ذلك.
بلهفة وفزع سأله:
_هل هو على ما يرام؟ أعطه الهاتف من فضلك؟
بايجاز قال:
_لن يتمكن من الحديث.
اغلق الهاتف بينما هرع عُمران لخزانته يجذب اي ملابس تقابله وقلبه يكاد يتوقف عن الخفقان، لكم السراحة بكم غضبًا جحيمي وهي يصرخ:
_عملتها يا نعمــــــــان الكلب!!
جذب مفاتيح سيارته وركض بأقصى ما بوسعه على درج الفندق، يخرج بيده رقم يوسف، يحاول الاتصال به ولكنه لا يجيب، فعلم بأنه حتمًا بغرفة العمليات.
حرر زر التسجيل وسجل له ومازال يركض
«يـوسـف، جمـال عمل حادثة على الطريق، صاحب العربية خده بيته وبعتلي الموقع هبعتهولك حالًا ابعتلي الاسعاف وتعالى بسرعة يا يـــــــوسف!!!»
أغلق هاتفه وأعاده لجيب سرواله، اندفع عُمران لسيارته يقودها بشكلٍ جنوني، لا يعلم كم حادث تفاداه، كل ما يشغله انقاذ رفيقه.
وصل للعمارة المشار إليها بالموقع، هبط يركض للاعلى، حتى وصل للشقة، فتفاجئ ببابها مفتوحًا.
لا يعلم لما انقبض قلبه بشعورٍ مريبًا هكذا، دفع عُمران الباب واندفع ينادي بقلقٍ:
_جمـــــــــــــال!!!!!
******
غيوم سوداء تحيط به، طيف ضئيل من الضوء يحيط برماديته، ثقل جاسم فوق جفونه، يجاهد الآن لفتحهما، ولسانه لا يتوقف عن نطق إسم رفيفه، فاذا به يقف قبالته، اختذل جسده بشكلٍ غريبًا، حتى أنه جاهد للنهوض.
داهم عقله دهشة كبيرة، لماذا هو الذي يغفو على الفراش وجمال يقف متصنم محله، عساه حلمًا!!
رفع ذراعه المتمايل إليه يناديه:
_جمال! إنت كويس؟!!
ما أن رفع رأسه حتى تأوه ألمًا، فاستقام بصعوبة بجلسته، فاندهش من رؤية نفسه عاري الصدر، تفحص نفسه وتلك الغرفة الغريبة باستغرابٍ، وما صعقه وأصابه في مقتلٍ، حينما استدار جانبه ليجد أخر من توقع رؤيتها!!!!
شهق صدمة وتلقائيًا رفع الغطاء ليخفي زوجة رفيقه العارية عن عينيه وأعين ذلك المتخشب على باب الغرفة!!!!
عمل عقل عُمران بسرعة البرق، المكالمة، دخوله لتلك الشقة، الابرة التي شعر بها تخترق وريده، صبا الممددة جواره شبه عارية!!!!
بدت له الآن أمارات الخطة التي أحكمها نعمان الحقير، رفع عينيه تجاه جمال المستند على الحائط بصدمة، يشعر وكأنه اصيب بشللٍ تام، وجل ما يتردد على لسانه:
_ليه.!!!
أزاح الغطاء عنه ورفع كفيه إليه يشير:
_جمال أقسملك بالله ما في بيني ويين صبا حاجة، جمال نعمان ورا اللي، بيحصل ده صدقني!!
وتابع وهو يسحب هاتفه من جيب بنطاله الملقي جواره:
_حتى خد موبيلي وشوف الرسايل اللي عليه.. وآ...
ابتلع باقي جملته بصدمة حينما وجد زوجته تدلف للغرفة لتزيد صدمتها وهي تراه على الفراش جوار صبا التي مازالت فاقدة للوعي.
سدد إليها طعنتين قاتلتين، احداهما من نظرة زوجته والاخرى من رفيقه، سحب بنطاله وقميصه يرتديهما بسرعة الرياح وهو يسرع لمايسان يخبرها بخوف حينما رأها تبتعد للباب وهي تحتضن بطنها الذي يتمزق من فرط ألمها، فقال:
_مايا اهدي عشان اللي في بطنك، صدقيني يا حبيبتي انا مظلوم!!
تعطل عقل جمال عن العمل، بينما عينيه لا تلتقط الا زوجته التي ترتدي قميصًا أسود وتغفو براحةٍ.
يقال أن الشيطان يمتلك جنود من الجحيم يسخرهما وقتما يريد، وقد هالته جنوده بتلك اللحظة فجمعت من حول جمال مشاهد لما حدث من زوجته، حديثها عن عُمران المتكرر، اعجابها به وبشخصه، طريقته بتنظيم ملابسه، واهتمامه بجسده الرياضي.
كل ثغرة وُضعت من أمامه كالسوط القارص، وأقصى ما يضيق عليه ان تفعلها وهي حامل بابنه! مهلًا هل هو ابنه بالفعل بعدما خانته؟!
بدأت صبا تستعيد وعيها، فهمهمت بتعبٍ وهي تردد بخوفٍ دون أن تفتح عينيها:
_جمال!!
تحررت ظلمة عينيها أخيرًا، فاذا بها على فراش دون جلبابها الأسود وحجابها، رفعت رأسها قليلًا فصعقت حينما وجدت جمال يدنو إليها، ومن خلفه مايا الباكية ويقف قبالتها عُمران الذي يحاول ارتداء ملابسه!
اتضحت الرؤيا لها وبدت تفهم ما يحدث هنا، جذبها جمال من خصلات شعرها وهو يصيح بجنون اختزل عقله:
_بتخونيني أنا يا بنت ال**، كنتي هتموتي عليه ودلوقتي هديتي لما غوتيه يا زبــــــــالة!! خلتيه يخون صاحبه يا ****
لطمها بقوة ولم يعد يرى شيئًا امامه سوى لهيب الخيانة، بينما تجاهد هي لحماية صغيرها من بطشه، بدى كالمذبوح وهي يصرخ:
_هقتلك وهغسل عارك بايدي يا خاينة.
صعق عُمران مما يراه، فاندفع إليه يبعد يده عن عنقها، وبهدوء شديد قال:
_جمال اعقل، هتقتل ابنك بايدك!!! صدقني نعمان هو اللي ورا الحكاية، أنا واثق انك لو فتحت موبيلها هتلاقي نفس الرسايل اللي وصلتني.
اتجهت عاصفته الغاضبة تقابل نظراته بحدةٍ، وقال:
_إبعد من قدامي بدل ما أعمل اللي يخليني اندم بجد.
جابهه بألمٍ:
_وانت لما هتقتل ابنك مش هتندم يا جمال!
ضحك بعلو صوته مما زرع القلق داخل الاخير:
_ومين قالك إنه ابني؟ اذا كان انا مش واثق من الحكاية دي؟.
وبعصبية هادرة دفعه للخلف:
_ابعد... انا عارف انك مستحيل تقرب لواحدة بسهولة!! أكيد هي اللي حاولت معاك أكتر من مرة.
نهض عُمران مجددًا تاركًا زوجته تميل على الحائط ومازالت تبكي وتضم بيدها فمها بصدمة، وعاد لينزع خصلات شعر صبا من بين يديه صارخًا بوجهه:
_اهدى واقعد خلينا نتكلم ونشرحلك اللي حصل.
بكت بألم وقد نزف كل جزء بجسدها من فرط ضرباته القاسية، فاستغلت دفاع عُمران عنها وجذبت جلبابها ترتديه وتلف حجابها برجفة قاتلة.
نهض جمال عن الارض ودفع عُمران بغضبه الاعمى:
_انت بتدافع عن ال*** دي ليه، أيه وقعتك في شباكها!!
هدر بانفعال شرس:
_اخرس يا جمااال أنا بمنعك انك ترتكب ذنب عمرك ما هتسامح نفسك عليه، اللي في بطنها ده ابنك فووووق وارجع لعقلك.
اندفع إليه يصرخ:._مش عايزه لو من ال*** دي مش عايزه، ولا عايزك في حياتي تاااااني!
واستكمل بتسديد ذلك الخنجر إليه:
_لو أنا عاجز عن اني امد ايدي عليك فده لان الغلط من عندي أنا، أنا اللي سمحتلك تتقربلي وتدخل جياتي لحد ما مبقاش ليك خطوط حمرا، فالمفروض انك اتشاركت معايا كل حاجة بس اللي متوقعتهوش انك تشاركني في مراتي يا عُمران!!!!!
وتابع ببسمة شملت ألم إن أصاب الأبل لجعلته يودع حياته شامخًا دون ان يذوق وجعه:
_ولا انت عجبتك سياسية الغرب في تبادل الزوجات وحابب نطبقه من ضمن بند الصداقة اللي بينا.
صعق عُمران مما يستمع إليه ووقف يقابل رفيقه بنظرة منصدمة، استدار جمال خلفه حتى سلطت نظراته على مايا التي مازالت تتابعهما ببكاء حارق.
ارتعبت من نظرات جمال لها، فتراجعت للخلف بينما جمال يستطرد:
_وأنا معنديش مانع، مايسان جميلة وآ..
سقط آرضًا من شدة اللكمة التي تلاقاها منه، جذب عُمران زوجته خلف ظهره وجابه جمال بنظرة اندفع بها الوجع والصدمة قبل أن يهتف به:
_أنا مقدر كل اللي انت فيه وسايبك تعمل اللي إنت عايزه عشان الموقف صعب، لكن لحد هنا وكفايا أوي يا جمال إنت من اللحظة اللي رفعت عينك فيها لمراتي خسرتني وللأبد!!
لمع السكين الملقي جانبًا بعين جمال، وكأن أحدٌ تركه عمدًا ليحدث المراد، جذبه جمال وكل ما يراه عينيه صداقة عُمران العتيقة، علاقته التي دامت معه أكثر من عشرة سنوات، عمرًا يناهز العمر الذي قابل به زوجته، والمؤلم انه يعلم أنه من المحال أن يتقرب لأي فتاة
ربما أنها من اوقعت به، استدار جمال إليها فوجدها تحاول النهوض عن الفراش لتفر من تلك المهانة التي سقطت بها دون عمدًا، فاذا به يعترض طريقها وبيده سكينًا!!
تراجعت للخلف حتى سقطت على الفراش، وتوسلته ببكاء:
_بلاش ابني يا جمال! أنا بريئة!
قالتها بصوتٍ شاحب وانحنت تحمي بطنها وتبكي بانهيارٍ، رفع ذقنها لتقف قبالته، وقبض على سكينه يستهدف قلبها، فاذا بعمران يدفعه للخلف ويحاول ضرب يده بالحائط ليسقط السكين.
انفلت صراخ جمال الجنوني:
_سبنــــــــــي هقتلها الفاجرة، ابعد عن طريقي!!
هدر فيه عُمران وهو يحاول السيطرة على قوته، فمازال المخدر يضعف بنيته القوية:
_فوق يا جمــــــال، هتقتل ابنـــــــــك!! محصلش بيني وبينها حاجة فووووووق.
أمسك السكين باصرار ومازال عُمران يرفع يده للاعلى، وفي محاولة لتخليص يده من قبضته سقط سكينه على كتف عُمران محدثًا جرحًا أعلى كتفه، تأوه بوجعٍ وصراخ مايا يعلو:
_عُمــــــــــــــــــران!!!
سقط السكين عن يد جمال، وكأن دماء عُمران جعلته يسترد وعيه، فانحنى معه وهو يردد بعدم استيعاب:
_عُمران!!
ومن ثم صرخ:
_قولتلك اوعى من طريقي!! قولتلك هي اللي لازم تتعاقب وتموت!!
أمسك يده وردد بصعوبة بالحديث:
_لا أنا ولا هي غلطنا يا جمال.
ومال على الحقيبة النسائية الملقاة أرضًا وعلى الاحرى تخص صبا، جذبها يخرج هاتفها ومن ثم جذب هاتفه، وضعهما بين لائحته وخطى لزوجته التي ترتعش بخوف.
ضمها عُمران واستكان على كتفها يراقب جمال الذي يتفحص الهواتف بصدمة، لينتبه الآن لفقدانه هاتفه.
سقطت الهواتف عن يديه ورفع عينيه للفراش الذي تلطخ بدم زوجته، اتجه إليها بخطوات متهدجة، منهزمة، لا يعلم ما أصابه فور رؤيتها بتلك الحالة برفقة رجلًا كانت امارات الاعجاب تملأ عينيها إليه.
اقتحم يوسف الشقة يصيح عاليًا:
_جمـــــــــال.... عُمــــــــــــــــــران!!!
ولج للغرفة فصعق مما رآه، عمران جالس أرضًا بين احضان زوجته، كتفه ينزف بغزارة، بينما جمال يستكين أرضًا كالأسد الجامح.
بينما الفراش قد تحول لساحة من الدماء، صرخ بهما يوسف وهو يحاول استيعاب ما يحدث:
_في أيه اللي بيحصل هنا؟!!!
اندفع تجاه صبا الفاقدة للرعي، يتفحص وجهها النازف بصدمة، باتت الامور منصبة له هو الاخر، فتابع فحصه لها وهو يردد من بين اصطكاك اسنانه:
_جمااااااال عملت ايه يا مجنوووون!!
تفحص يوسف حجم النزيف، وجذب هاتفه مرددًا:
_نزفت كتير لازم تتنقل العمليات حالًا.
اتصل يوسف بعلي وطالبه بتعجل سيارة الاسعاف، الذي قد سبق وطلبها لجمال، ولحسن حظه بأنها بالقرب منهم.
حملها يوسف واتجه ليهرول بها للاسفل، فاذا بيد تمسك قدمه، توقف عن المضي فوجد جمال يخبره:
_سبها تموت يا يوسف، دي خاينة!!
وكأنه قد اصيب بعقله، جذب يوسف ساقه وصاح به:
_انت فقدت عقلك يا جمال، ابعد مراتك وابنك في خطر!!!
ترك عُمران محله وبصعوبة أبعد يد جمال عن قدم يوسف حتى تحرر وهبط للأسفل، استدار إليه ليمنحه نظرة قسمت قلب جمال لنصفين، قبل أن ينطق بكلمتين التصقوا به كالدمغة:
_خلصت يا صاحبي!!
................... يتبع..............
#صرخات_أنثى....... #حبيبتي_العبرية.
#آية_محمد_رفعت..
مساء الخير، أنا بحترم كل رسايلكم وبوستاتكم الجميلة، بس ياريت تقدروا زعلي ورغبتي، ادمن زينب ونادية هيتابعوا مع حضراتكم، بالنسبة لجزئية ان في ناس متفاعلة فانا بالفعل بكمل الرواية تقديرًا واحترامًا للناس دي، لكن بالتفاعل ده صدقوني مش هقدر أجازف بنفسيتي تاني، أنا عارفة حجم قرائي وبدليل اني لما بعمل تحدي على الفصول بيظهروا وبيتفاعلوا، ده حتى اعلان اشباح المخابرات تفاعله مخزي أوي، طيب ليه كل ده، عمومًا كلام تاني من النوعية دي اتقفلت، بتمنى تستمعوا بالفصل، وشكرًا لاي قارئ متفاعل وبيقدر تعب الكاتب سواء انا او غيري.. وعشان انا متعودتش ابعد وانا سايبة عمل معلق ليا هخلص معاكم صرخات أنثى وبعد كده تتيسر من عند الموالى.
#Aya.
*****_____******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثامن وسبعون 78 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثالث_والستون!
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات الجميلة "هاجر أيمن"، والغالية لقلبي"ليلى جمعة"، صديقتي"جهاد محمود" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
لم يخوض يومًا معركة عدوه بها هو أحد أحبابه، تلك المعركة حتمًا ستكون خاسرة لامحالة، اليوم شعر وكأن شياطين الإنس اجتمعت لتحول بذلك الدانيء"نعمان"، وأكثر ما يؤلمه أن من عراه ووضعه بفراش جوار زوجة أخيه هو الذي من المفترض أن يكون بمثابة والده!!!
أي ألمًا يقاسي الذي يخوضه الآن! يقسم أنه عاجز حتى عن تخيل الأمر، لم يتخيل أن يتدنى لمستوى حقيرًا لأجل الثروة ومكانته الآرستقراطية الوضيعة!
ليت وجع قلبه يكون بنفس حدة إبرة "ليلى" التي تلثم جلد كتفه الممزق، بعد أن رفض أن يخضع لحقنةٍ مخدرة، وترك محله أمام غرفة العمليات التي تنازع "صبا" من داخلها.
بالرغم من حاجته بالفرار والبقاء بمفرده الا أنه يشعر بتأنيب الضمير لما حدث لها، بالنهاية ذلك الشيطان شقيق والدته.
_خيطت الجرح وعمقته ، بس محتاجة أخد منك عينه دم قبل ما تأثير المخدر اللي اتحقنت بيه يروح من دمك ، يوسف مشدد عليا.
صوت "ليلى" فصله عن عالم صمته القاتل، فاستدار لها يجيبها بجفاء:
_مفيش داعي يا دكتورة.
ضمت شفتيها حزنًا عليه، ولكنها ستجاهد مع زوجها لكشف الحقيقة، ورفع تلك التهمة الباطلة عن تلك المرأة التي لم ترى منها الا كل خيرًا، ولربما كونها امرأة تعلم كيف تكون مصيبتها، فقالت:
_بشمهندس عُمران أنا مقدرة حالتك، بس لو فكرت في الموضوع بحكمة هتلاقي إن براءتك مش هتحررك لوحدك من التهمة دي.
وأشارت لغرفة العمليات مستطردة:
_صبا محتاجة البراءة دي أكتر منك، فلو مش هتعمل كده لنفسك فكر فيها وفي ابنها وهما بينازعوا للحياة!
أغلق جفونه بعنفٍ معتصرًا رماديته، فاكتفى بهزة من رأسه ومن ثم فرد ذراعه العاري لها بفعل تضميدها لجرحه منذ قليلٍ.
سحبت "ليلى" جرعة من دمائه، عازمة أن تظل بالمختبر لحين إثبات براءتهما المتأكدة منها، وقبل أن تستكمل طريقها أوقفها نداء عُمران:
_دكتورة ليلى.
استدارت إليه فقال وهو يرتدي كم قميصه الاخر:
_مايا كويسة؟
أسرعت تبث له الطمأنينة:
_الحمد لله حالتها ممتازة.
وأشارت بيدها خلف مكان جلوسها:
_أهي تقدر تطمن بنفسك.
وتركتهما وأسرعت للمختبر، بينما إلتفت عُمران للخلف فتفاجئ بوجودها بعدما انتهت من المحلول الذي وُضع لها فور وصولها للمشفى برفقة عُمران، فبقيت باحدى الغرف الطبية وبقى هو محله أمام غرفة العمليات.
أحاط التوتر والارتباك تلك اللحظة، وما هي الا لحظة المواجهة، استند عُمران على حواف الأريكة المعدنية، ينكس رأسه بحزنٍ، يدعو الله ألا يزيد من عمق جرحه إن صدمته زوجته هي الاخرى، يكفيه صديقه وما فعله به!، يقسم أنها إن فعلت فلم يعد بداخله ما يبقيه على قيد الحياة!!!!
شعر بجلوسها الملتصق به، صمتها القصير كان كالأعوام القارصة بالنسبة له، كتلك الأرض القاحلة التي تترقب بفارغ الصبر نزوع المطر فوق تربتها، وها قد أتاه الخلاص حينما مررت كفها الرقيق المحتفظ بالكانيولا الطبية على ذراعه، حتى وصلت لكفه فضمت أصابعها بين أصابعه.
عاد بظهره لمسند الأريكة يتمعن بعينيها كالغريق الذي يبحث عن قارب نجاته، فأتته تروي ظمأه حينما قالت باكية:
_إنت مستحيل تعمل كده، أنا مصدقاك يا عُمران.
بدا وكأنه لم يستمع لها، فعادت تؤكد ببكاء وحزن عليه ليس منه كما ظن:
_لو الكون كله كدبك فأنا الوحيدة اللي مصدقاك، إنت عمرك ما تخون.
أحاط رقبتها بيدها، جاذبها لصدره بقوته، يضمها بشغف، ممتنًا هو لوجودها بحياته المظلمة، كالطائر الشارد وكانت هي منارته، كذلك الخيل الحر الذي أصابه مرضًا لا نجاة منه سوى الرمي بالرصاص فكانت هي رصاصة رحمته!!
ضمته تحيطه بضعف جسدها الهزيل مقارنة به، تود لو أن ينشق صدرها لتخفيه عن الكون بأجمعه، ذلك المطعون غدرًا من أقرب الأقارب، مازال يحاول الصمود!!
ثلاثون دقيقة يحتمل على كتفها بثقله، ومع أنها تكبت أنينها ألمًا الا أنها لم تشتكي، تعلم بأنها بحاجة لها عن أي وقت مضى عليه.
ابتعد عنها الآن يطالعها بنظرة حفر الغرام بها وصمة عاشقة، أزاح عُمران دمعة فضحت موطن ضعفه، وسألها بصوتٍ لمست فيه انكساره بوضوحٍ:
_أنا آسف ألف مرة إني حطيتك في الموقف ده يا مايا.. ياريت نعمان كان ذكي وقتلني أفضل عندي ألف مرة من إني أخليكِ تشوفيني في وضع زي ده.
ابتعدت عنه تواجهه بنظرات اتسعت عن مُقلتيها، فجذبت كفه تحيط بها بطنها:
_طيب وده مين يربيه؟
ابتسم وقال ويده تزيح دمعاته:
_دكتور علي هيربيه،عشان ميطلعش وقح زيي إنتِ ناسية إن دي تعليماتك!!
هزت رأسها بحركة جنونية واستكان كفها محل قلبه:
_ولا أي شخص مهما كان صلة قرابته وقربه يتحط في مقارنة معاك يا عُمران!
ضم وجهها بين يديه ومال يقبل جبينها، هامسًا لها بعشقٍ:
_حبيب قلبه وروحه إنتِ يا مايا.
ابعد دموعها عن وجهها ومازال يقابلها بنظراته الدافئة، انتظر أن تهدأ الأوضاع بينهما ثم تساءل باهتمامٍ:
_وصلتي المكان ده ازاي؟
جذبت حقيبتها تحرر سحابها، وقدمت له الهاتف قائلة:
_الرسالة دي وصلتني وفيها العنوان.
جذب الهاتف يقرأ محتويات الرسالة بتمعنٍ
«جوزك بيخونك، لو عايزة تتأكدي هبعتلك اللوكيشن تتأكدي بنفسك»
منحها الهاتف وعينيه تكتاظ بعاصفة رملية تكاد تحيط من حوله، خطته كانت محكمة بدرجةٍ مخيفة، وأكثر ما يؤلمه انتصاره بتلك الجولة!
*******
ترك سيارته بمنتصف الطريق وصعد للأعلى الدماء تفور بأوردته، لم يعبئ بصياح أفراد أمن المشفى بإبعاد سيارته عن منتصف الطريق، واستكمل طريقه للأعلى.
سقطت نظراته عليه وهو يجلس أمام غرفة العمليات، عماه غضبه الجحيمي، فاندفع حتى بات قبالته، يهدر بانفعال وأنفاسه تعلو تدريجيًا كأنه بين ساحة الحرب:
_أيه مش قادر على بعدها؟ بعد كل اللي حصل ولسه ليك عين تيجي وراها لحد هنا؟!
رفع عُمران بصره لمن يقف أمامه، تفحص به بنظرةٍ حائرة، وكأنه يرى شبحًا لشخص يمتلك نفس ملامح رفيقه ولكنه ليس هو.
تمسكت مايا بذراع زوجها بخوفٍ فور رؤيتها لجمال، بينما صاح الاخير:
_أنا عايز أعرف إنت إزاي قدرت تعمل فيا أنا كده؟!!
أطبق على شفتيه يححب ما يعتليه من كلماتٍ حادة، ففجأه "جمال" حينما جذبه ليقف قبالته بهمجيةٍ:
_قوم كلمني، ساكت ليــــــه!!!
تعلقت رماديته به، وبانهزامٍ أجابه:
_ساكت لإني مش عارفك!
ضحك باستهزاءٍ:
_مين اللي طلع يعرف مين؟ أنا اتصدمت فيك صدمة عمري إنت والرخيصة اللي مرمية جوه!
مرت من خلف ظهر زوجها تصرخ بغضب لم تستطيع السيطرة عليه:
_مش من حقك ترميهم بالاتهام ده الا لو معاك دليل على كلامك، شوية ونتيجة التحاليل هتطلع ووقتها هتندم يا بشمهندس.
طالعها بنظرة محتقنة وصاح:
_عايزة دليل أيه أكتر من اللي شوفناه بعنينا!!
جادلته بقوةٍ وهي تشير على الهواتف التي مازال يحملها:
_عُمران قالك افتح الموبيلات وشوف الرسايل، افتحها وإتاكد تاني.
ابتسم ساخرًا منها، ففتح الهواتف وسلطها إليها:
_أنا لما فتحت ملقتش حاجة يا بشمهندسة! الظاهر إنه عملك غسيل مخ.
طال صمت عُمران وحدقتيه لا تفارق أعين رفيقه، كأنه يحفظ ملامحه، ويسجل كل حرفٍ يخرج عنه، ليقوي ذاته لإتخاذ قرار كهذا.
اعترض ذراعه التقدم أكثر، وبتحذيرٍ ردد:
_ارجعي مكانك ومتتكلميش تاني.
ابتلعت ريقها بتوترٍ من هدوئه، فتراجعت للخلف وتركته بمواجهته، طالعه عُمران بنظرات مظلمة وقال:
_هو أنا مش قولتلك إنها خلصت، لسه واقف وبتعاتب ليه؟ أنا قدامك أهو لو في نيتك شيء إعمله وصدقني مش همنعك!
دنى إليه يقتنص مسافاته، مرددًا بنبرة سكن بها الدمع والألم:
_مش بالسهولة دي، المنظر اللي شوفته ده ميمحهوش موت، إنت مخنتنيش بس إنت نهشت لحمي وأنا حي يا آآ... يا صاحبي!!
ونغز بصبعه صدر عمران الذي لم يتحرك إنشن واحدًا:
_بس إنت عارف، أنا اللي كنت غبي، واحد زيك عمل كل شيء محرم فالمفروض أتوقع منه أيه!!
وتابع يقضي على أخر ما تبقى داخل الاخير:
_إنت اللي زيك اللي حوليه لازم يحذروا من إنه يكون موجود في حياتهم، وأولهم أخوك!!
واستطرد بكره شديد:
_اللي محيرني ازاي دكتور علي بيأمن على مراته معاك إنت وهو عارف إن أخوه وضيع وزير ستات!!!
_جمـــــــــــال!!!
صرخة غاضبة انفلتت على لسان "علي"، بعدما هرع للأعلى راكضًا فور أن علم بما حدث من" ليلى"، فما أن وصل للطابق المخصص للجراحة، تصلب جسده منذ سماع حوار جمال لاخيه، كاد ان يسقط من طوله وهو يحاول استيعاب ما وصل به الأمر بينهما.
لم يكن من الصعب عليه تخمين الحقير الذي أوقعهما بهذا الفخ، تمزق قلب علي حينما رنا إليهم فتمكن من رؤية وجه أخيه الشاحب، ود لو خطفه بأحضانه، يربت عليه ويآزره بقوةٍ، يخبره بأن ما حدث ليس الا حلمًا، كابوس لن يعود.
وقف "علي" قبالة "جمال" يحدجه بغضبٍ ونفور، فقد توازنه، عقلانيته، هدوئه، أي اتزان داخله فور أن مس الأمر أخيه بشكلٍ مباشر، طوق مقدمة قميصه وهدر بثباتٍ وثقة:
_عُمران ميخنش يا جمال!! سامــــــــع!!!!
وتابع ورماديته لا تحيل عن الأخر:
_اللي حصل ده كله من تدبير نعمان عشان يفرقكم عن بعض وللأسف نجح، بس اللي انا مصدوم منه إنك وقعت بمنتهى السهولة، وواقف تتهم صاحب عمرك ومراتك الست الشريفة!!
تفتكر واحدة في شهرها الاخير من الحمل هتروح تخون جوزها!!! طيب ولو هو خاين هيشوفها امته وهيخونك أمته وهو تقريبًا معاك ال24ساعة!! ومراتك مش والدتك كانت معاها طول الفترة اللي فاتت، قالتلك مرة انها نزلت من وراك أو لاحظت عليها شيء مش طبيعي!!
أغلق جمال عينيه بقوة ويده تفرك رأسه بوجعٍ يهاجمه فجأة، زوى "علي" حاجبيه وهتف:
_مالك؟!
كبت ألم رأسه واستقام بوقفته قبالته يبلغه:
_مالهاش لزمة تنصب الحوار ده عشان تخرج أخوك منها يا دكتور علي.
تعمق بالتطلع لاحمرار عينيه بنظرةٍ خبيرة، وسأله:
_إنت شارب أيه يا جمال؟؟!
تمادى بالضحك وقد تمكن منه الوجع فانحنى يستند على الأريكة المعدنية:
_هتطلعني شارب ومجنون عشان تنجيه من اللي عمله! متقلقش أنا مبشربش ولا بتعاطى شيء.
ضم رأسه بيده وقد ازداد دواره بشكلٍ عنيف، فطرق على جانب رأسه وهو يصرخ بألمٍ قاتل، جعل الاطباء يهرون إليه من كل صوبٍ.
نزع عنه عُمران جاكيته وجرفاته، ليتمكن من التقاط أنفاسه، فاذا بلون احمرار جلده الصريح يؤكد صدق شكوك "علي".
تحامل على ذاته ودفع ذراع عُمران عنه هادرًا به:
_أوعى تقرب مني، إنت أخر واحد ممكن أستنى منه يساعدني.
تحرر غضبه المكبوت داخله منذ تلك الساعات الحرجة، فلكمه وهو يصرخ بوجعٍ:
_اخرس بقى، قولتلك ألف مرة إنها لعبة قذرة من الزفت نعمان، شوف مين اللي خد تليفونك وبعتلي أنا ومراتك الرسايل دي وحذفها.
دفع جمال الطبيب عنه وحاول أن يستقيم بوقفته:
_متحاولش تطلع منها يا عُمران، إنت خاين سامع خايــــــــن!!
جذب علي أخيه بعيدًا عن محل جمال قائلًا:
_سيبه دلوقتي يا عُمران، جمال مش طبيعي، أكيد اتحطله حاجة أو اتحقن بيها.
واستطرد وهو يسير على مايسان التي تقف بنهاية الطرقة:
_خد مايا وروح ارتاح شوية.
اعترض على قراره قائلًا:
_لما أطمن على مدام صبا، لا هي ولا اللي في بطنها ليهم ذنب في وساخ** نعمان الحقير.
واستطرد بقلقٍ:
_يوسف جوه بقاله ساعتين ونص!!
وقف عاجز أمام شهامة أخيه، بالرغم مما حدث مازال يُصر أن يكون جواره.
سكن الهدوء الاجواء بعدما حقن الطبيب ذراع جمال بمادة مضادة لنوع المخدر القوي الذي تعاطاه، فجلس شاردًا وهو يضم ذراعه، كيف وصل له هذا العقار؟ والاجابة كانت مرتبطة بمرارة القهوة العجيبة التي تناولها اليوم وماذا عن أمر الهاتف؟
داهم عقله ذكرى اليوم، حينما بحث عن هاتفه ليجرى مكالمة عمل هامة، فبحث على سطح المكتب وبالأدراج، وحينما لم يجده طلب السكرتير الخاص به يخبره بأنه لم يجد هاتفه، والمذهل أنه وجده بجوار حاسوبه الشخصي بالرغم من أنه بحث مرتين بنفسه!!!
رفع عينيه يقابل الأريكة المعدنية حيث يجلس عُمران جوار علي، بعدما أصر على مايا العودة رفقة سائق القصر، سلط بصره عليه طويلًا، فتدفقت من عينيه دمعة رأها عُمران بوضوحٍ، بينما أنكس علي رأسه حزنًا لعلمه بأنه الآن استعاد وعيه!!
عاد له وعيه بعد خسارته لرفيقه وزوجته وابنه الذي يواجه مصيره على بعدٍ منه، استدار علي لأخيه، ووضع كفه على يده الموضوعة جواره، هامسًا له:
_مكنش في وعيه يا عُمران.
منحه ابتسامة صُوبت لقلبه سهامًا اختذلت جراحه، لأول مرة يرى أخيه يحمل وجعًا طائلًا مثل الذي يحمله الآن.
صرير باب غرفة العمليات أطاح بسكنةٍ الجميع، نهض "علي" و"عُمران "يتجاهان ليوسف الذي رمق جمال بنظرة مغتاظة قبل أن يجيب على سؤال"علي":
_طمنا يا يوسف!
قال يجيبهم:
_بصعوبة أنقذت الجنين، أما مدام صبا فحالتها حرجة للأسف، ال12 ساعة الجايين دول هما اللي هيحددوا مصيرها، ربنا يستر.
مال عُمران يستند على الحائط القريب منه، تابعه يوسف بنظرة مشفقة على حالها وقال:
_روح غير هدومك وارتاح شوية، ولو في جديد هكلمك.
تمسك علي بحديثه وأصر عليه:
_يلا يا عُمران، وقفتك هنا ملهاش لزمة، وبعدين جمال محتاج يكون لوحده ويراجع حساباته.
منحه ابتسامة ساخرة وقال:
_معتش في حسابات تجمعنا تاني يا علي، من اللحظة دي وكل واحد ليه طريقه.
ربت يوسف على كتفه بحزن:
_انتوا الاتنين محتاجين ترتاحوا وتهدوا، روح غير وارتاح وبعدين نتكلم.
هز رأسه باقتناعٍ وغادر برفقة أخيه، دون أن يتطلع ناحيته، يثبت له بكل خطوة أن طرقاتهما افترقت!
*******
_أخر شيء كنت أتوقعه إن الخاين ده يبيع بلده!!، الميكروفيلم ده لو وصل في إيدهم متخيلين مصير البلد هيكون أيه؟؟!!!
هدر بها رئيس الإستخبارات العسكرية المصرية بعصبيةٍ بالغة، وقد تجمع من أمامه كبار قادة الجيش، الأمر كارثي ومخيف بعد أن نجح الكيان الصهـيـ. ـوني بتجنيد رجلين من رجال الشرطة، احدهم كان "سند" الذي كشفه (عمر الرشيدي، آدهم) .
كان الجوكر والاسطورة من أوائل القادة الذين حضروا لذلك الاجتماع الطارئ، وخاصة أن من بلغ بالأمر هو الجوكر "مراد زيدان"، مؤكدًا أن آدهم قد تحقق من الأمر ومن بعدن الجوكر.
ومن بين تلك الطاولة الضخمة المستديرة، التي تضم مراكز حساسة من المخابرات، تم تكلفة الجوكر" مراد زيدان" والاسطورة"رحيم زيدان" بضرورة التوجه لميلانو، لاعادة الميكروفيلم سريعًا قبل أن يقع بيد العدو، وإن تعثر الأمر فعليهما اتلافه وضرورة التأكد من أنه لا يوجد نسخة أخرى قد توقع بهم.
خرج القادة بشكلٍ سري، وقد اتجه الجوكر لمكتبه، يستعين بفريقه لضرورة التحرك في الحال، وقد استبعد "آدهم" من اجتماعه الطارئ.
ظل لساعتين يجتمع بهم وما أن انتهى الاجتماع وخرج الفريق حتى ولج إليه آدهم يواجهه بحزنٍ:
_زي ما توقعت آن حضرتك هتبعدني عن المهمة دي.
أغلق"مراد"حاسوبه وأعاده لحقيبته، قائلًا دون أن يستدير إليه:
_فكر في فرحك وانسى شغلك شوية يا سيادة الرائد.
دنى لمكتبه الفخم يستند على حافته:
_بس حضرتك عارف إن أي مهمة تكون معاك بشكل مباشر يهمني أكون معاك فيها، ليه بعدتني ومختارتنيش من الفريق!
استدار مراد إليه يحيطه بنظرة شملت الضيق منه، ذلك الأبله لن يعيش يومًا لنفسه أبدًا، يود العمل حتى يوم زفافه.
تمرن على ضبط معدل أنفاسه الثائرة، ولف من حول مكتبه يحيط كتفه:
_وبعدين معاك يا عمر، قولتلك ركز في فرحك وسيبك من الشغل، يابني عيشلك يومين صدقني هتندم.
رأى معالم الضيق يشق ملامحه فتابع:
_لو احتاجت لمساعدتك هستدعيك فورًا، مرتاح كده.
زوى حاجبيها يفكر بما قال، فهز رأسه باستسلامٍ، كونه يعلم أنه لن يتراجع عن قراره، فغادر لمكتبه بهدوءٍ، ربما لا يعلم أنه سيكون الحامي الوحيد لأسرار بلده العسكرية!
******
وقف عُمران أسفل المركز الطبي صافن بالمارة، يداهم أذنيه صوت أبواق السيارات، والاضاءة من حوله، بينما عقله مشحون بصراعٍ يكاد يفجره من فرط الضغط، يود لو طرق بيديه عليها لتكف عن اطلاق ذلك الصرير القوي.
وقف علي أمامه بسيارته يشير له بالصعود، فانحنى لنافذته المفتوحة يخبره بصوتٍ كسير:
_علي أنا عارف إنك هتعارضني بس أنا عايز أكون لوحدي ممكن.
ترك المقود والتفت إليه يشير بصرامةٍ:
_اركب يا عُمران أنا مش هسيبك.
باصرارٍ قال:
_بس أنا عايز أكون لوحدي يا علي.
قالها وإتجه لسيارته على الفور، يقودها بسرعة كبيرة، أرغمت "علي" أن يتبعه قلقًا عليه من تلك الحالة المريبة التي يبدو عليها.
وجده ينجرف بسيارته أمام أحد المحلات، صف سيارته وإتجه للداخل ثم عاد بعد قليل يحمل كيسًا بلاستيكيًا مغلقًا، ويعود لسيارته ومن ثم قادها لطريقٍ متطرف.
اندهش "علي" من المكان المنعزل الذي قاد "عُمران" سيارته إليه، فصف سيارته بعيدًا عن مكان وقوفه، وتسلل لمحله خلسة.
وجده يجلس أرضًا جوار سيارته، يضع الكيس البلاستيكي من أمامه، إتخذ "علي" الجانب الأخر من السيارة ستارة لتغطيته، وأخذ يراقب ما يفعله.
توسعت حدقتيه صدمة، حينما رآه يقرب من فمه زجاجة من الخمر، ويبكي أمامها بارتباكٍ، يبعدها ويعود ليقربها مترددًا بارتشاف أول قطرة منها، متخيلًا أنها ستريح وجع قلبه.
ضم علي ساقيه لجسده وأطلق العنان لدموعه، كلما وصل إليه صوت أخيه الباكي، لأول مرة يراه يبكي وينهار بتلك الدرجة التي تجعله عاجزًا حتى عن الاختيار، فهمس بصوتٍ ضعيف:
_لا يا عُمران أوعى تعملها!
بينما على الطرف الأخر.
يقرب منه زجاجة الخمر، وجسده ينتفض من فرط كبته للبكاء، يرى طريقًا قصيرًا يفصله عن مسكن مؤقتًا لأوجاعه، ويرى بعينه الاخرى طريق المعصية الذي يزينه له الشيطان ليعرض عن طريقه.
كانت أصعب معركة يقودها بحياته، ما بين رغبته العطشة لتسكين أوجاعه ووهم الشيطان له بأنه يحمل الجرعة بين يديه، وما بين الاعراض عن ارتكاب كبيرة مثل تلك التي تعهد بعدم العودة لها،وما بين هذا وذلك انتصرت ارادته وقوة إيمانه فاذا به يهشم الزجاجة على عجلة السيارة التي يرتكن عليها، محررًا صارخة احتبست بداخله طويلًا، ونهايتها مناجاة لشخصٍ انتهكته الحياة:
_يــــــــــا ررب!
صوت حطام الزجاجة أعاد الروح المنزوعة عن "علي"، فابتسم فرحة بانتصار أخيه على شيطانه اللعين، ولكن صوت بكائه يشق صدره فوالله يشعر وكأنه يستمع لصوت عظامه وهي تسحق.
زحف علي وانتقل بجلسته حتى وصل لمقدمة السيارة، فجلس جواره من الجانب الاخر، بينما يجلس عُمران مستندًا على بابها الجانبي، فاذا بصوت أخيه يذيع لسكنة الليل الذي ظن أنه وحيدًا تحت سقفها:
_عُمران أنا هنا وسامعك!! أنا عارف إنك مبتحبش حد يشوفك وإنت في الحالة دي، أنا هطلع قدامك حالًا وهشوفك!
أزاح دموعه سريعًا، ومال برأسه فتمكن من رؤية جسد علي بوضوحٍ، انزوى بجلسته حزنًا، وكأنه يخفي نفسه عنه، زحف علي حتى بات يجاوره، تعمد أن لا يتطلع إليه حتى لا يزيده ضيقًا، وقال:
_عارف يا عُمران، كل عقبة مرت عليك كنت بيني وبين نفسي بتراهن إنك هتعديها، بس المرادي حسيت إن شيطانك هيغلبك، بس إنت طلعت أقوى مما تخيلت!
واستدار بجسده كليًا إليه، يرفع ذقنه ليواجهه:
_بتنزل رأسك ليه؟ إنت معملتش اللي يخليك محني كده!! إنت مغلطتش يا عُمران!!
سال دمعه وكُسرت روحه معها، فجلى صوته المبحوح:
_لما اللي مني يعريني ويغدر بيا ده ميخليش دهري محني العمر كله يا علي!
واستطرد ودموعه تزداد في مجرى شلالها:
_صاحبي واللي كنت فاكره أخويا بيتهمني بالخيانة وواقف في وشي بيعايرني بماضي عدى وانتهى ده ميخلنيش محني؟
وبصوتٍ باكي قال:
_أنت نفسك يا علي وقت اللي حصل مع فاطيما شوفت في عيونك نفس النظرة، مع إنك كنت بتحاربها وبالنهاية انتصرت وقتلتها بس أنا شوفتها وحسيت باللي جواك من قبل ما تطلعه.
ورفع ساقيه يحاول بها ذاته، معلنًا اكتفائه بذاته مطيبًا لجروحه، مداويًا لوجعٍ مستمرًا مادام قلبه مازال يخفق:
_كلكم بتحاسبوني!! كلكم مش فاكرين غير الخطايا اللي عملتها!! كلكم بقيتوا جلادين، فقدتوا أدميتكوا وبقيتوا وحوش!!
وصرخ بصوته المبحوح:
_أنا أحسن منكم كلكـــــــم، أنا عمري ما كنت خبيث ولا منافق، عمري ما كنت كداب ولا بوشين، غلطت آآه انا غلطت لإني بني آدم مش ملاك، غلطت وندمت وبعدت عن الطريق ده اللي انتوا كلكم شايفين إني مينفعش أكون غير فيه!!
ارتعب "علي" من حالة أخيه، التي صرحت له ولوجه لأذمة نفسية حادة، انفلات أعصابه، صراخه الهادر، يسترعيه بضرورة التدخل لتهدئته قبل أن تطور الامور.
اندفع إليه علي يحتويه بين أحضانه، وبالرغم من أن الفرق الجسماني بينهما ملموسًا الا أنه استطاع أن يحيطه بهالة من الطمأنينة وسط حالة الضياع الذي يخوضها.
ضمدت مايا نص قلبه النازف، وضمد أخيه النصف الأخر، فشعر بأن سخونة جسده تنهمر ببرودة تجتاحه.
مال عُمران على كتف أخيه يغلق عينيه بتعبٍ شديد، فإذا بعلي يهمس له باكيًا:
_والله العظيم عُمري ما بصتلك النظرة دي، ده أنا أتعمي قبل ما أعملها يا حبيبي!
ومسد على ظهره وهو يردد أقرب دعاء لقلب عُمران:
_بسم الله على قلبك حتى يهدأ ، حتى يطمئن ، حتى يأخذ الأمان ويبتسم، بسم الله على خاطرك حتى يجبر، بسم الله على نفسك حتى تطيب ، استودعك يا الله أخي وقلبه وعافيته فاللهم أحفظه وعافاه.
تمدد عُمران ليصل برأسه على ساق "علي" المفرود، يبتسم وهو يستمع لهمساته القارئة للقرآن الكريم، وكفه يحيط شعره للخارج مع تلاوته المستمرة، غاص بنومٍ عميق وقذف من خلفه أوجاعه.
******
الرابعة فجرًا.
استيقظ من نومه ليجد محلولًا طبيًا مندث بأوردته، لا يعلم كيف أتى لتلك الغرفة، ومن قام بنقله، فأخر ما يتذكره جلوسه المستكين على المقعد بالخارج، وعُمران يغادر من أمامه.
استقام بجلسته ليجد يوسف يغفو على المقعد الذي يجاور فراشه، تأمله "جمال" بحزنٍ ونزع عنه الكانيولا، أراد أن ينصرف دون أن يراه أحدٌ.
هبط عن الفراش يتسلل على أطراف أصابعه، فما أن لمست يده مقبض الباب فاذا بصوتٍ رجولي يوقفه عن المضي قدمًا:
_والهروب هو الحل؟
استدار فوجد يوسف يطالعه بنظرةٍ ساخرة، وهو يشير على الفراش:
_اقعد عايزك.
اتجه لمحل اشارته، فجلس يردد بوهنٍ:
_يوسف أنا مش مستحمل نص كلمة.
اتسعت ابتسامته ومال للأمام مشبكًا يديه ببعضها:
_اطمن مفيش كلام هيصلح اللي حضرتك عملته، خلاص خسرت مراتك وخسرت صاحبك.
أغلق جفونه يعتصرهما بقوة، محررًا تلك العبارات القارصة عنه، وبحروفه المتقطعة قال:
_مكنتش حاسس بنفسي صدقني.
_مصدقك، وده الدليل.
قالها يوسف وهو يلقي له ثلاثة من التقارير، حملهم بين يديه وتساءل باستغرابٍ:
_دول أيه؟
رد عليه ومازال مستندًا على يديه:
_تحاليلك إنت وصبا وعُمران، إنت كنت واخد جرعة مخدرات من النوع الفاخر وعُمران وصبا اتخدروا.
وتابع ومازال يلتحف بالبرود:
_بص يا جمال أنا مش هزيدها عليك، لإن مينفعش أنا كمان أجي عليك،لما بيكون الانسان غلطان بنلاقي الكل واقف قدامه ومفيش شخص بيقف معاه فيمكن ده بيخليه يتمادى في الغلط عشان يحرر جزء من الكراهية اللي جواه ويثبت إنه فعلا وحش بل أوحش مما يتخيلوا، فأنا مش هسيبك توصل للنقطة دي وعايزك تسمعني.
اختزلت دمعاته حدقتيه، واكتفى بتحريك رأسه بانصياعٍ تام، فاذا بيوسف يقول:
_أولًا اللي في ايدك ده دليل كافي على براءة عُمران، ثانيًا ده دليل تاني يأكدلك برائتهم.
قالها وحرر زر هاتفه ليعيد رسالة عُمران على مسمعه
«يـوسـف، جمـال عمل حادثة على الطريق، صاحب العربية خده بيته وبعتلي الموقع هبعتهولك حالًا ابعتلي الاسعاف وتعالى بسرعة يا يـــــــوسف!!!»
ندت عنه شهقة مؤلمة، لسماعه صوت عُمران الذي نقل حالة فزعه ورعبه الشديد عليه، حتى أنه تبين من أنفاسه المتثاقلة إنه يركض بسرعة قطعت مجرى تنفسه.
انطلق صوت يوسف من بعده يقول بعدما أغلق هاتفه:
_أظن يا جمال مفيش واحد عاقل رايح يخون صاحبه هيكلم شخص تالت يروح يشهد على اللي بيعمله! اعقلها ده إنت بشمهندس!
وتابع بنفس هدوئه المتزن، المراعي لحالة جمال:
_ثالثًا، الرسايل المحذوفة على تليفوناتهم، واللي وصلت في نفس الوقت واتحذفت في نفس الوقت، والغريب إن عُمران مكلمني وهو بيجري على عربيته يعني وصل بعدها للمكان بعد حوالي 20دقيقة وانت وصلت بعده بعشر دقايق لحق يعمل اللي هيعمله ازاي الا إذا كان حد كان متربصله وأول ما دخل من باب الشقة اتخدر واتحط هو ومـآآ...
قاطعه برجاء وتوسل:_كفايا يا يوسف متنطقهاش، متجمعهاش معاه تاني، من فضلك كفايا إرحمني يا يوسف، ارحمني!!
تهدلت معالمه حزنًا وألمًا، ومن غير الرجل الشرقي يعلم مهانة ما تعرض له جمال، ربما كان قاسيًا مع رفيقه وزوجته ولكن الأمر في كلتا الحالتين سواء حقيقة أو خطة مدبرة فما هي الا طعنة نجحت باختراق صدره، ونهشت أمعائه وقلبه، لم تترك له الا أنفاس تزيد من دقائق تُحسب لحياته.
تمزق غطاء الفراش الأبيض أسفل كفي جمال، وردد بصوت مظلمًا، مرعب كسواد الليل:
_أقسم بالله العلي العظيم لأدفعه التمن، أنا عارف إن عُمران مقدرش يأذيه عشان خاله بالنهاية بس أنا مش هسمي عليه!!!
أطلق ذفيرًا قويًا، وهتف:
_أي قرار هتأخده الوقتي مش هيفيدك اهدى واحسبها يا جمال.
رفع عينيه الدامعة له وببسمة وجع قال:
_احسبها!! أنا حياتي اتدمرت يا يوسف!! أنا في لحظة بقيت لوحدي ومبقتش أملك أي حاجة، أنا بقيت بطولي من غير عُمران يا يوسف!!
أشفق عليه، فأراد أن يهون عليه:
_عُمران قلبه أبيض لما يعرف إنك كنت شارب المخدر ده هيسامحك.
هز رأسه وابتسامة شملت عذابه النفسي ارتسمت على محياه:
_لأ... إنت متعرفش عُمران أد ما أنا أعرفه، عُمران مستحيل يسامحني، أنا عيرته وكسرته يا يوسف!!
وأضاف وقد انهمرت دموعه:
_مش بس كده أنا معرفش ازاي كنت ببص لمراته وقولتله الجملة القذرة دي!!! إنت صح يا يوسف أنا مؤكد مكنتش في وعيي آآآ.. آنا كنت حاسس أن رأسي تقيل وفيه وساوس مخلياني مش عارف أفكر، أنا آآ... أنا اتغدر بيا أنا كمان يا يوسف.. آآ أنا كنت هقتل ابني بايدي لولا عُمران!! عُمران اللي اتهمته بالخيانة وقف قدامي ومنعني ارتكب ذنب مكنتش هسامح نفسي عليه.
نهض عن مقعده وإتجه إليه يخبره:
_اهدى يا جمال، قولتلك كل ده من أثر المخدر، فكر كويس وشوف انت شربت أيه خلاك بالشكل ده، وواضح إنه من قبل ما تروح المكان ده بساعة أو اتنين لإن مفعوله اشتغل على طول.
صفن قليلًا وقال متذكرًا:
_مشربتش غير قهوة في مكتبي، طعمها كان مر وغريب، وبعدها كنت بدور على موبيلي عشان أكلم المهندس المدني، ملقتش موبيلي هو كمان، حتى السكرتير دخل ودور معايا وآ..
حمسه يوسف:
_وآيه؟!!!
قال بعدما انحصر داخله مخطط هذا الوضيع:
_أول ما دخل لقاه وادهوني، أعتقد إن الكلب ده لما جاني مكتبي عشان يهددني قدر يجند الحقير ده لحسابه!
واستطرد بحزنٍ:
_أول ما مسكت موبيلي وصلي فيديو لعُمران وهو بيدخل العمارة اللي كان فيها الشقة وبعدها على طول فيديو لمراتي، وتحت الفيديو محطوط العنوان.
أخفى وجهه خلف يديه يمسح بها من فوقه متمتمًا:
_يارتني ما روحت ولا فتحت التليفون، يا ريت عربيتي كانت اتقلبت وعملت حادثة بجد أهون من اللي عملته فيها وفيه، يا رتني موت ولا عيشت يوم صعب زي ده!
ربت يوسف على كتفه بحزنٍ وقال:
_اجمد يا جمال وخلي عندك يقين بالله، سبحانه مبيعملش حاجة غير بحكمة، أكيد فيه مغزى ورسالة من ورا اللي حصل ده.
حرر يديه عن وجهه وتمعن به قليلًا قبل أن يتساءل بارتباكٍ، كأنه فقد الحق بها:
_هو آآ....أنا ينفع أشوفها؟
زوى حاجبيه بعدم فهم:
_مين؟ تقصد مدام صبا؟
هز رأسه بحرجٍ، فزاد من ربتته على كتفه وقال:
_طبعًا يا جمال، دي مراتك وأكيد عايز تشوف ابنك صح؟
أدمعت عينيه تأثرًا بكلمته وقال بحشرجة:
_لو هتحس بيا بلاش تدخلني، أنا أخر شخص تتمنى تشوفه.
ابتلع مرارة حزنه وقال:
_متقلقش هي الحمد لله فاقت من ساعتين ودلوقتي نايمة من تأثير المسكنات فمستحيل تحس بيك.
حرك رأسه بخفوت، ونهض يتبعه، اتجه به يوسف للحضانة أولًا ليرى صغيره، خشية من أن ينهار فور رؤيته لزوجته، فتمنحه رؤية الصغير القوة لمواجهة ما هو قادم.
حمله بين ذراعيه بسعادة وفرحة، فضمه لصدره وانهارت دموعه على وجنتيه، تأثر يوسف برؤيته له هكذا، فقال يغير الاجواء:
_ها يا جيمي هتسمي الملاك الجميل ده أيه؟
انحنى يطبع قبلة على خده وابتعد يتمعن بوجهه الملائكي ولسانه يردد:
_عُمران!
اتسعت ابتسامة يوسف وشاكسه قائلًا:
_لسه مُصر!! يعني بعد بهدالة أوضة العمليات دي مس ناوي تغير إسمه وتسميه يوسف مثلًا؟
قال باصرار وهو يعود لتقبيله:
_أنا اختارتله الاسم من قبل ما أعرف إذا كان ولد ولا بنت.
فرد يديه له بابتسامةٍ:
_طيب هاته عشان كده غلط عليه.
اعاده يوسف لمكانه المخصص، وإتجه به لغرفة صبا، حر مقبض بابها وقال ومازال بالخارج:
_هستناك هنا، خد راحتك..
منحه ابتسامة صغيرة، ولج يغلق الباب من خلفه، وما أن استدار حتى تخشبت قدميه فور رؤية وجهها المتورم من كثرة جروحها.
تحجر ريقه فإذا به تُسلب روحه، وتدمي جسده الهالك لا محالة، جر قدميه جرًا إليها، وما أن أصبح قريبًا حتى ركض ليكون مجاورها.
أراد أن يضمها إليه ولكنه عاجز، يخشى أن يقربها إليه فيزيد ألم جرح بطنها الحديث لولادتها القيصرية، حتى ضمة وجهها حُرم منها، فوجهها مازال يدميه الجروح البالغة.
انحنى برأسه على الوسادة جوارها، يطالعها ويبكي بقهرٍ، فخرج صوته مبحوحًا:
_ياريتها كانت اتقطعت قبل ما تتمد عليكي، أنا عارف إني مهما عملت عمري ما هنسيكي اليوم ده وأنا نفسي مش هقدر أنساه، أنا حتى كلمة آسف مش من حقي أنطقها يا صبا.
ورفع كفها المندث بالمحاليل يقبله وهو يستطرد:
_ربنا قادر ينتقملك مني ويأخد حقك مني يا صبا، هيجي عليا الدور وزي ما ظلمتك هتظلم.
وتابع وهو يغلق عينيه بكسرة:
_بس والله غصب عني، مش سهل عليا أشوفك كده، حتى لما الحقيقة بانت مخفش وجعي، مجرد ما بتخيل أن حد قرب منك ولمس بس حجابك بحس بنار بتفور جوايا، بس متخافيش هقطع إيد نعمان هو وكل اللي عملوا كده.
أزاح دموعه وردد مبتسمًا:
_إنتِ عارفة إني شوفت ابنننا، سبحان الله طالع شبهك بالظبط.
ومال يقبل كفيها مجددًا:
_سامحيني عشان خاطره يا صبا، عشان خاطر ابننا سامحيني.
انهمرت دمعة منها على خدها، جعلته ينتفض بنومته وهو يردد بذهول:
_صبا آنتي سامعاني!
لم يأتيه جوابًا منها، فطرح الغطاء عليها مجددًا وخرج من الغرفة ليشرع باول خطوة في خطة القصاص لزوجته.
********
بعد ساعات آشرقت الشمس بضيائها المتوهج، الذي تسلل من نافذة الغرفة التي قطن بها ليلته الأولى بتلك الشقة، فإذا بهاتفه تصله عدة رسائل.
جذب سيف الهاتف من على سطح الكومود، فتحه ومازال يحارب أثار النوم التي غادرته أبديًا فور رؤيته رسالة مصحوب بصورةٍ نزعت عنه أنفاسه.
«رفضت تسلمك نفسها مش كده؟ ، هتعملها ازاي وهي كانت لراجل غيرك!!»
كبر سيف الصورة بوضوح فصعق حينما تحقق مما رآه، ترك غرفته واتجه بعصبية بالغة يقتحم الغرفة المجاورة له وهو يصيح بغضبٍ:
_زينـــــــب!!
انتفضت بفراشها مفزوعة، فوجدته يقترب منها وعينيه تقتاد شرارًا، ليدفع هاتفه أمام بصرها متسائلًا:
_فهميني أيـه داااا؟!
جحظت عينيها بصدمة حقيقية، وتراجعت للخلف توزع نظراتها بينه وبين الهاتف، ناطقة بحروفٍ متعثرة:
_لأ... صدقني كداب وآ..
صرخ بجنونٍ هالكة:
_كداب ازاي وتوقعيك عليه!!!! معقــــــول إنتي كنتِ متجوزة الحقير ده عرفي!!!!!!!!!
*****
إستعد حينما أعلمته الخادمة بوجود ضيف يريد رؤيته، دفعت مارينا الخادمة المقعد للمصعد ومنه لغرفة الضيوف بينما يتساءل بدهشة:
_مقالكيش هو مين؟
نفت مرددة:
_مقالش أكتر من إنه صديق قديم.
هز رأسه دون اكتراث، فما أن دفعته للداخل حتى تركتهما ورحلت، شمل "مصطفى" الرجل الذي يقف أمامه بدهشة، وتساءل:
_حضرتك تعرفني!
استدار ذلك الرجل الطيب لرؤيته، فتمعن به قليلًا ومن ثم قال:
_اللي ليه أمانة عند حد بيفتكر صاحبها، وإنت ادتني أمانة من غير ما تعرفني بيها، وخلتني نسبتها لنفسي وأرتكب ذنب بدون ما أعرف، فجيت النهاردة أقف قصدك وأقولك ليه عملت فيا كده؟!
غادرت الدماء عروقه، وبلسانٍ ثقيل ردد:
_الشيخ مهران!!!
....... يتبع.....
#الاقوى_قادم...
#صرخات_أنثى... #آية_محمد_رفعت..
الادمن زينب ونادية هيرفعوا الفصل لحضراتكم فيس وواتباد وتليجرام بنفس المواعيد، اطمنوا أنا كويسة والله، شكرا لاسئلتكم واهتمامكم بيا ❤
****______*****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل التاسع وسبعون 79 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الرابع_والستون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "داليدا كامل"،"روان محمد"،ادمن"ءالاء محمد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أخترق أذنيه صوت زقزقة عصفورًا قريبًا، يزقزق باعلان سطوع يومًا جديد، أفرجت أهدابه عن رماديته، ففتحها وأغلقها مجددًا في محاولةٍ للاعتياد على الضوء النافذ بعينيه.
نهض عن ساق أخيه يتفاجئ ببقائهما هنا حتى طلوع النهار، وما ألم قلبه أن أخيه لم يزعج منامته وبقى محله حتى غفى مستندًا برأسه على السيارة من خلفه وذراعه يحيط بجسد عُمران كالذي يضم صغيره!
ابتسامة مشرقة شقت طريقها لوجهه، فناداه بخقوتٍ:
_علـي.
تسلل مسمعه إليه ففتح عينيه يهتف بعدم وعي وهو يتفقد ساقه:
_عُمران!!
هدأت انفعالاته حينما وجده يجلس جواره، ويطالعه باهتمامٍ، عاد يستند برقبته على السيارة من جديدٍ، تفحص ساعته قائلًا بدهشةٍ:
_معقول نمنا هنا لدلوقتي؟!
قطع عُمران صمته هادرًا:
_مفوقتنيش ليه يا علي؟!
رد عليه بابتسامته الجذابة:
_مصدقت إنك تنام شوية فمستحيل كنت هقومك.
وسأله وهو يتفحصه بعناية:
_إنت كويس؟
اتسعت ابتسامته ونهض ينفض ثيابه:
_أكيد هكون كويس وأنا عندي أخ طيب وحنين زيك يا دوك.
استند "علي" على مقدمة سيارته ونهض ينفض ملابسه هو الاخر:
_تعالى نروح مكان هادي نفطر ونتكلم شوية قبل ما نرجع البيت.
أومأ برأسه وأشار له:
_اركب.
أجابه علي وهو يهم بالتحرك لمحل سيارته:
_راكن عربيتي قدام شوية، اطلع وأنا وراك.
اجتاحته السعادة لتتبع أخيه إليه، ليس بكل الاحوال ما نقوله نقصد معناه، ربما يطالب لسانك من أمامك بالرحيل ولكنك من الداخل تتمنى أن يعارض حديثك ويتبعك رغمًا عن أنفك!
فتح عُمران باب سيارته باستخدام الريموت الالكتروني وقبل أن ينجرف علي للطريق قال بامتنان:
_شكرًا إنك متخلتش عني حتى بعد ما طلبت منك تكون بعيد.
مرر يده إليه ومازال يتابع طريقه كأنه لم يستمع له من الاساس:
_اركب وبطل عبط.
ضحك بملئ ما فيه وصعد لسيارته يتحرك للطريق الرئيسي ومن خلفه يتبعه علي.
********
تربع الألم بحدقتيه كالسهم النافذ، يواجهها بصدمته التي أعربت عن مدى حزنه، بينما الأخيرة عينيها ساهمة بالهاتف الموضوع من أمامها.
شعرت وكأن هناك فوم من النيران عالق بحلقها، لم تتمكن من ابتلاعها أو حتى طردها خارج جوفها، فرددت بهمسٍ باكي:
_كدب يا سيف، والله العظيم بيكدب .
مازال يقف أمام الفراش الذي تعتليه، صامتًا، حزينًا، يجلي صوته البائس:
_يعني الورقة دي مزورة؟
أعتصرت جفنيها من فرط بكائها وهزت رأسها بالنفي، قائلة بنحبٍ:
_لا مش مزورة، أنا فعلًا مضيت عليها بعد ما أقنعني إننا مينفعش نتقابل كتير بدون ما يكون بينا عقد جواز، ولإني كنت لسه بدرس فمستحيل أخواتي يوافقوا عليه عشان كده اقترح عليا العقد العرفي ده، احنا اساسًا معندناش الكلام ده بالمغرب بس هو أقنعني.
اهتز بوقفته قبالتها ومازال يحرك رأسه بصدمة ألا تسترسل حديثها، ولكنها استطردت موضحة:
_لما اكتشفت حقيقته سرقت العقد اللي عنده وقطعته ولما سألت شيخ قالي إنه مش جواز أصلًا، يعني هو كداب لا عمره كان ولا هيكون جوزي.
ما له يشعر بعظمه يسحق بقوةٍ حتى خرت قواه ولجئ بجلوسه لطرف الفراش، يحتضن رأسه بين يديه، بينما تلك القابعة من خلفه تراقبه بدموعها المنهمرة، فإذا بها تقترب إليه، تضع كفها على ظهره وهي تستجديه متوسلة:
_مسمحتلوش يقربلي يا سيف، والله العظيم بيكدب عليك محصلش بينا حاجة.
رعشة يدها انتقلت لضروعه، فطرق باب قلبه تنبهه بحالتها المؤلمة، اعتدلت بجلسته المحنية، وإلتف بجسده إليها حتى بات يجلس قبالتها، فوجدها تفرك يدها وهي تستكمل الجزء الاخر من حديثها:
_ولو عايز تتأكد من كلامي أنا مش همنعك ده حقـ.....
ابتلعت جملتها فور أن ضمها إليه، يحيط رقبتها بيد والأخرى يلفها حول خصرها بحمايةٍ، قائلًا بضيقٍ:
_يوم ما أشك في أخلاقك هتكون نهاية علاقتنا اللي مبتدتش يا زينب، أنا مصدقك يا حبيبتي وواثق فيكِ.
واستطرد يوضح سبب حزنه الصريح:
_أنا اتفاجئت بالورقة دي، لإنك مسبقش وحكتيلي عليها.
أراد أن يبعدها ليستكمل حديثه فإذا بها تتعلق بالتيشرت الخاص به وتناشده بتوسلٍ:
_متبعدش يا سيف!
ابتسم بفرحةٍ لرغبتها ببقائها بين حصاره بقلعته التي شيدها بعشقٍ لها، مسد عليها يحيطها بحبٍ بينما عقله شارد بذلك الحقير الذي لم يستسلم بعد، وبوصول تلك الرسالة يؤكد له بأنهما مازال تحت أعينه، ومن المؤكد بأنه سيفعل المُحال ليصل لها.
حبيبته وزوجته هي، إن فرط بنفسه لن يفرط بها، فليت ذلك المختل يعلم ذلك، مال "سيف" برأسه فوق رأسها وهمس لها ومازالت أصابعه تتغلغل خصلات شعرها الناعم:
_أول مرة أشوفك بشعرك..وشكلي كده مش هصمد كتير قدام الجمال ده كله.
وتايع مازحًا:
_زينب هو أنا ينفع أتحرش بيكِ؟
ضحكت بقوةٍ بينما يتابع هو بمرحه:
_بأدب والله العظيم هكون محترم قدر ما تمكنت!!
لكزته بقوة وهي تهدر بالمغربي:
_سيف احترم راسك،ولا غادي نهبط نشكيك و ندير ليك محضر تعدي و يضيع مستقبلك المهني يا دكتووور
رمش بعدم استيعاب لما نطقت به، وكأنها ألقت إليه تعويذة مخيفة، تابعته تنتظر سماع ما سيقول، متحفزة لمشاجرة عنيفة بينهما، ولكنه اهدر اعدادها فور أن نطق ببلاهةٍ:
_الترجمة هتنزل أمته؟!
تحررت ضحكاتها بصوتٍ أطربه، حتى أن عينيها أدمعت من فرط نوبة الضحك التي أعتلتها وقالت من بينها:
_نوضحلك بالمصري مفيش مشكلة، بقولك إحترم نفسك، بدل ما أنزل اعمل فيك محضر تعدي، ومستقبلك المهني هيضيع بعدها يا دكتور!!.
أشار على ذاته متصنعًا البراءة:
_محضر تعدي فيا أنا يا زينب!! عايزة تسجني جوزك عشان حلمه البريء إنه يدخل بيكِ دنيا!!
طرقت بكفها على كتفه العريض:
_متقلقش يا حبيبي هيدخلوك في الحبس دنيا وأخرة مع بعض!
تصنع الحزن بمهارةٍ:
_مكنتش أعرف إن قلبك قاسي كده! ليه تجرحي مشاعري بالشكل ده يا زينب؟!
أمسكت يده تمنعه من الرحيل قائلة بحزنٍ:
_أنا بهزر معاك يا سيف، أنا مقدرش أعملها لإني بحبك وآ..
ابتلعت باقي كلماتها فور أن تبدلت ملامحه، فأحاطها بيديه هاتفًا بمكرٍ:
_سامع يا قلبي نطقتها قدامي أنا وأنت ومن غير ما نضغط عليها.
وتمعن بمُقلتيها المنفرجة صدمة منه:
_اشجي جوزك حبيبك باللي جوه قلبك يا دكتورة!
أمال جسدها بين يديه، يده أسفل ظهرها وقدميها منعرجة خلف حركته، بينما خصلات شعرها الطويل يلامس الأرض، رفع كفه الأخر يحيط وجهها، ويقترب إليها ومازال يمنع سقوطها عن الأرض بمسكته القوية، فما أن اخترق مسافتهما حتى همس بافتتانٍ:
_حبك ليا ميتقارنش بحبي ليكِ يا نور عيني، أنا دايب في حبك يا زينب!
أسبلت تجابه تلك الرجفة التي دغدغت عذرية قلبها ومشاعرها، من قال إنها اختبرت الحب يومًا كان مغفلًا لا يفقه بفنون الحب، فها هي تكتشفه من جديد على يد زوجها الحبيب.
وجدته ينساق خلف نداء عينيها فأتاها ملبيًا، وما كان منها الا الاستسلام، وتلك المرة تمنحه من الثقة ما جعله لينًا متفهمًا حتى باتت زوجته قولًا وفعلًا.
أدمى محاولة ذلك السفيه لهدم حياتهما وبدأها هو مستعينًا بفروض عشقه، ليجعلها سكنة له ويكون هو مرساها!
********
ثبت دريكسيون السيارة جيدًا حتى تمكن من فتح هاتفه، فرفع السماعة الخارجية يجيبها:
_أيوه يا حبيبتي.
أتاه صوتها يجيب:
_يوسف طمني الوضع عندك أيه؟
أجابها والحزن والخوف يلتصقان به:
_جمال اختفى من المستشفى مش عارف راح فين، روحتله شقته مش هناك ودلوقتي طالع على الشركة، خايف عليه من اللي بيفكر يعمله يا ليلى.
تنهدت بوجع وقالت:
_هو معذور يا يوسف ومن حقه ينتقم لمراته، إنت مش متخيل هي حالتها هتكون عاملة ازاي لما هتفتكر اللي عمله فيها، حتى لو عرفت إنه كان مغيب عن الوعي.
_اللي حصل كان صعب، أنا عاجز ومش عارف أساند عُمران ولا جمال!! ، بس اللي متأكد منه آن دكتور علي مستحيل يسيب عُمران، لكن جمال اللي فعلًا لوحده!
_منه لله اللي عمل فيهم كده، أنا مش قادرة أستوعب ولا أصدق إن في ناس بالبشاعة دي يا يوسف، إزاي هان عليه يعمل كده في ابن أخته!! واللي يوجع إنه عارف إن حمل مايا صعب وإنها تشوف جوزها بوضع زي ده ممكن لا قدر الله تجهض الجنين وبالرغم من كده وصلها الخبر ومهموش!!
انجرف للطريق الجانبي يجيبها ببسمة ساخرة:
_اللي زي نعمان هما اللي بقوا بكترة يا ليلى.
واستطرد يغير الحديث:
_المهم إنتِ صاحية بدري ليه كده، انتِ راجعه البيت متأخر!
ابتسمت وأخبرته بتفاخر:
_أنا منمتش أصلًا، هنام ازاي وعندنا عريس وعروسة يا دكتور.
تقوس جبينه مستغربًا:
_وانتِ مالك بيهم مش فاهم!
فتحت الكاميرا تطالبه باتصالًا، فأبعد الهاتف عن أذنيه ووجهه لعينيه، فوجدها قبالته بابتسامتها التي يعشقها، تدير الهاتف للصينية الموضوعة على رخامة المطبخ خاصتها، تحمل الكثير من أصناف الطعام الفاخرة.
اتسعت ابتسامته سعادة بزوجته التي لم تقصر مع أخيه بالرغم مما تعرضوا له من ضغط الأمس بالعمل بالمركز، وازداد بما حدث مع جمال وصبا، فظلوا بالمركز لساعاتٍ إضافية، وبدلًا من أن تستريح ظلت بالمطبخ الساعات المنصرمة ترتب الاطعمة الشهية لهما.
عاتبها يوسف بحنان:
_ليلى إنتِ ليه ضغطي على نفسك وانتِ تعبانه، كنتِ لفتي نظري للموضوع ده وأنا كنت هطلب ليهم أكل جاهز.
اتجهت للمقعد الخاص بالرخامة ومالت تخبره بضيقٍ:
_أكل جاهز أيه!! والله ما هتعرف تجيبله الحمام اللي أنا عملاه ولا طاجن ورق العنب ده!
ضحك بصوته كله وقال يشاكسها:
_حمام ومحشي ورق عنب!! طب وأخو العريس مش هينوبه من الحب جانب ولا أيه؟
ارتكنت على معصمه تمنحه نظرة محتقنة:
_لا مفيش.
ابتسم وقال:
_خايف عليكي يا ليلى، ومش عايز أتقل عليكي، يومنا مكنش سهل النهاردة.
اهتمامه وخوفه عليها أرضى ضيقها، فقالت بحبٍ:
_متقلقش عليا يا حبيبي أنا كويسة، خلي بالك انت من نفسك، أنا عملت أكل زيادة ليك وللبشمهندس جمال عشان عارفة إنك مش هتسيبه، ابقى عدي عليا خده قبل ما تروح بيه شقة سيف.
انتفض بمحله حتى سقط الهاتف أسفل قدميه حينما ذكرته برفيقه:
_فكرتيني بجمال، اقفلي لازم أروح الشركة بسرعة قبل ما يتهور.
صرخت به قبل أن يغلق:
_ما تنساش البقسماط يا يــــــــوسف.
توقف عن لف مفتاح السيارة وعاد يسلط نظره للهاتف بعدم استيعاب، هدأ قليلًا حينما تذكر بأن المرأة ما هو الا متاهة مغلقة يصعب على أي رجل الخلاص من توابعها، لذا قال بايجاز ينهي مكالمته:
_أحل الكوارث اللي ورايا وهجبلك الخباز بالفرن لعندك حاضر.
وأغلق الهاتف بهدوءٍ يفتخر بأنه تحلى به لتلك اللحظة، وعاد لقيادته المتعجلة ليلحق به.
********
توقف الزمان من حوله، وكأنه لم يخوض حياته بطولها وعرضها ليُوضع بتلك اللحظة، اللحظة الحاسمة التي جمعته بذلك الصديق.
تحجر الحديث على شفتيه، فسابق الشيخ مهران بحديثه حينما قال ساخرًا من صمته وصدمته:
_المفروض إنك تتوقع الزيارة دي بعد ما رجعت تقلب في اللي فات!
انقبض الألم بين حدقتيه، وبصعوبة هدر:
_أنا آآ...
انتظر سماع ما سيقول ولكنه وللعجب لم يجد ما سيقول، بل اختذل عينيه عنه وأخفاها بحرجٍ منه، دنى إليه الشيخ مهران وجلس على مقعدٍ كان يجاور لمقعد مصطفى المتحرك، انشغل بسبحته قليلًا ومع كل حركة يلامس حباتها كان يمنع غضبه، يسيطر على شيطانه الا ينطق بالسوء وبما سيحمله ذنوبًا هو بغنى عنها، فارتفع صوته بعض الشيء وهو يصيح
«لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم»
استمد نفسًا طويلًا بعدها وقال بحزن:
_أنا مقدرش أعترض على حكمة ربنا ومشيئته، بس بعد ما عرفت الحقيقة من حضرة الظابط وأنا متقفليش جفن، وكل اللي بيترددلي ليه؟
رفع مصطفى وجهه المبتل بدموعه إليه، فتابع الشيخ مهران بحزن:
_ليه تعمل فيا كده؟ صحيح احنا مجمعتناش صداقة متينة بس الكام ساعة اللي كنا بنقعد فيهم كل ١٥ يوم عشان ندخل للكشف كانت بالنسبالي عشرة طيبة، سمعتك وعرفت عنك كل شيء ونصحتك وقتها تعرف زوجتك الاولى بجوازك وآنك تعترف باللي في بطنها، وقولتلي انك هتعمل كده فعلًا.
واستطرد يعاتبه بألم:
_صحيح علاقتنا اتقطعت بعدها ومعرفتش عملت أيه مع زوجتك التانية ولا الاولى بس أخر ما توقعته إنك تعمل فيا كده!!
تدفق الدمع على وجه الشيخ مهران، وبصوته الباكي قال:
_ليه تخليني ارتكب وزر بدون ما أعرف وأكتب آيوب باسمي!! عارف يا مصطفى لو كنت عرفتني الحقيقة وقتها وقولتلي ان ابني مات وإنك مش عايز الولد كنت هخليك تكتبه باسمك وكنت هربيه بردو بس على الأقل مكنتش هتحط في الوضع اللي إنت حطتني فيه ده!
وتابع وهو يشير بكفيه:
_أنا مش عارف هواجه الحاجة ازاي!! ولا آيوب نفسه لما يعرف هيعمل أيه؟!!
مال مصطفى على يد الشيخ مهران يقبلها:
_سامحني يا شيخ أبوس ايدك سامحني.
سحب كفه بدهشةٍ من فعلته التي توضح مدى عجزه:
_استغفر الله العظيم، مصمم تركبني ذنوب ليه!
بكى باختناق حجر على رئتيه وهو يخبره:
_كنت غبي محسبتش حساب للحظة دي، كل اللي كنت بفكر فيه هو عمر ابني ومراتي اللي بين الحيا والموت، والله العظيم لو كانت عرفت بحاجة زي دي كانت راحت فيها ومكنش ابني هيسامحني ولا كنت هسامح نفسي.
وتطلع له يستعطفه ليسامحه:
_كان ممكن أوديه ملجأ أو أشوف حد يعتني بيه فملقتش غيرك تكون أمين على ابني، بس خوفت أقولك فترفض كل اللي فكرت فيه وقتها إنك انسان خلوق، وهتربي ابني التربية اللي مش هعرف أربيهاله، وفي نفس الوقت كنت حزين لما عرفت إن ابنك اتولد ميت، صعب عليا كسرتك كل ما بفتكر فرحتك وكلامك عن الحمل اللي حصل بعد كل السنين دي، فكنت واثق انك هتحبه وهتديله اللي فشلت أديهوله.
وطرق بيديه معًا على أذرع المقعد المتحرك:
_أنا ظلمت ابني وظلمتك وظلمت مرتاتي الاتنين وربنا انتقملكم كلكم مني يا عم الشيخ، بقيت زي مانت شايف عاجز، وخلاص أيامي معدودة في الدنيا بسبب مرضي الخبيث (كانسر) ،عشان كده كشفت الحقيقة لابني، مش عايز اموت وأنا حامل ذنب زي ده يا شيخ مهران.
تغضنت معالمه بالشفقة تجاهه، فعاد يجلس محله وهو يهمس:
_لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، أسأل الله العلي العظيم أن يشفيك.
رفع عينيه الغائرة له حينما قبض مصطفى على كفه بقوةٍ، وبرجاء وتوسل قال:
_سامحني يا شيخ، سامحني وخلي آيوب يسامحني بالله عليك!
صوت شهقة مكبوتة جذبت انتباههما، فاستدار، الشيخ للباب حيث محل وقوف "آدهم" الباكي، يعز على قلبه رؤية أبيه بتلك الحالة ومع يعجز تدخله هو ترك فرصة عسى أن يسامحه الشيخ مهران فيرتاح والده.
تغلف قلب الشيخ مهران بضمادة طبية فور رؤيته وجه ذلك الشاب، شرد بكل لحظة مضت عليه منذ أن دلف لحياته وحياة عائلته.
أخبره مصطفى منذ قليل بأنه كان سيفشل بتربية آيوب!! لا والله لقد سبق له رؤية نبل أخلاق ذلك الشاب، سبق له ان رأى رجولته ومروءته، ما دفعه للتفكير باتجاه معاكس، أن ما حدث كانت ارادة الله سبحانه وتعالى ليحظى بابنًا كآيوب يكون عمله الصالح في الحياة من بعده!
الابن البار الذي لم ينجبه، ولم يقدر له بإنجابه، أزاح الشيخ بقايا دموعه ورسم ابتسامة هادئة هادرًا ومازالت عينيه تحتضن عين آدهم:
_اللي ابنك عمله معايا ومع عيلتي يشفعلي بأن أسامحك يا مصطفى.
وأخفض عينيه له يخبره:
_أنا مسامحك.. بس صدقني صعب ابني يسامحك انا عارفه أكتر من أي حد.
وبفخر قال:
_آيوب ابني وهيفضل ابني، أنا لو كلفت ابنك يغير نسبه فده عشان خوفي من ربنا عز وجل لكن ابني مش هيفارقني طول ما فيا النفس وحي، إنت اتخليت عنه فأنا مش هتخلى عنه ولو طالبت تقاسمني فيه اعذرني أنا هكون هنا أناني وهقولك لأ.
وببسمة شملت معنى الألم قال:
_أنا مش نبي من الانبياء أستغفر الله، أنا بشر فهكون أناني وهقولك ابني لأ يا مصطفى.
انهمرت دموعه رغمًا عنه واستكمل:
_أنا عشان محملش ذنوب أكتر من اللي هشيلها هخليك تغير اسمه وهخلي ابنك يصارحه بالحقيقة لكن يفارق بيتي ويفارق أمه ويفارقني ده عمره ما هيحصل ابدا، بس اطمن مش همنعه عنك أبدًا.
رد عليه مصطفى بلهفة:
_مش عايز أكتر من مسامحته يا شيخ، ولو فضل معاك أنا مطمن عليه بس بالله عليك متحرمنيش منه، خليه يزورني ولو مرة واحدة كل اسبوع وآ...
ابتلع باقي كلماته بمرارة الألم حينما أفاق على حقيقة صادمة، ابنه ليس طفلًا صغيرًا ليتلاقى أمر الشيخ مهران، فور علمه بالحقيقة لن يستمع لأحدٍ ولن يأتي لزيارته.
هز مصطفى رأسه بجنون وصرخ:
_لأاااا متقولوش الحقيقة يا شيخ مهران، معتش هشوفه تاني لو عرف... أرجوك متقولوش.
غامت عين آدهم بالدموع، فولج للداخل ينحني على مقعد ابيه يحاوطه بقوة ويترجاه:
_اهدى يا بابا... صحتك عشان خاطري.
استنجد به بفرحة لوجوده:
_عمر، تعالى يا عمر، الشيخ مهران لو قال لاخوك الحقيقة هيبطل يجي معاك هنا، قوله ميقولهوش حاجة، عشان خاطري يابني قوله.
قبل يديه معًا وبصوتٍ مبحوح قال:
_هعملك كل اللي انت عايزه بس اهدى.
بكى كالصغير على ذراع آدهم، فضمه إليه ومازال الشيخ يتابعهما، فابتسم وقال:
_من شخصية ابنك وطريقة تعامله معاك بيأكدلي انك كنت أب له عظيم يا مصطفى، فأكيد اللي حصل ده كان خير ليا.
ونصب عوده يخبره قبل رحيله بابتسامته البشوشة:
_اطمن أنا هخليه يسامحك، ومش هيبطل يجيلك متخافش، حتى لو عارض هجيبه بنفسي وأجيلك كل جمعة بإذن الله.
واستطرد بعدما خطى خطوتين لباب الغرفة:
_هستناك تنورني في الدكانة يا حضرة الظابط.. السلام عليكم ورحمة الله.
قالها ورحل على الفور تاركًا آدهم يضم أبيه باحتواءٍ وحبًا، فعاد به لغرفته ومدده على فراشه، ثم قدم له أدويته خشية من أن تتعثر حالته.
******
صف يوسف سيارته أسفل الشقة القابع بها محل عمل جمال البسيط، صعد للاعلى فتفاجئ بخلو المكان من الموظفين، ولج للداخل يتجه لمكتب جمال، فتخشبت يده على مقبض الباب فور سماعه صوت تأوهات خافتة تأتي من الداخل.
دفع الباب بجسده وولج للداخل يبحث عنه بذعرٍ، فصعق حينما وجده يلف يده حول عنق السكرتير الذي ينزف وجهه وجسده بغزارةٍ.
لوهلة فقد السيطرة على جسده وبات يردد كالصنم:
_عملت أيه تاني يا جمال؟ أنا مش ملاحق ألم بلاويك يا أخي!!!
مشطه جمال بنظرة شاملة ثم عاد لما يفعله وكأن حديث الأخير كجناح فراشة أزعجت خديه، رمش يوسف في محاولته لاستيعاب كتلة البرود التي أحاطت رفيقه، فهرع إليه يدفعه عنه صارخًا به:
_إنت فقدت عقلك ولا أيه؟؟ ذنبه أيه المسكين ده؟
حاول جمال إبعاده عن مرمى بصره الناري ولكنه لم يستطيع، فصاح منفعلًا:
_وسع يا يوسف، وأقسم بالله لأقتله، الكلب اللي بتدافع عنه ده بعني وقبض تمنى من نعمان الحقير، هو اللي، بعت الرسايل لصبا ولعمران من موبيلي وكلمهم على أنه ضربني بعربيته، ومسح الرسايل ورجع التليفون كأن لم يكن.
اندهش مما استمع إليه، ما بال هؤلاء بأصدقائه!! كأن العالم اتحد بأجمعه ليفرقونهما عن بعضهما!!
استغل جمال تصلب جسده واندفع لذلك الذي يسترخي باهمالٍ على أحد المقاعد الخشبية بعد أن تلقى عقابه، لكمه جمال بشراسةٍ تتصاعد منه كالبركان:
_هقتلك إنت واللي بعتني ليه يا ***، هدفعكم التمن غالي، ايدكم القذرة اللي، اترفعت ولمست مراتي لو متقطعتش مبقاش راجل.
بالرغم من عدم فهم السكرتير للغته العربية الا أنه كان يعلم السبب وراء موجة غضبه، فمن المؤكد بأن ما فعله قد كُشف، وهو الآن يتجرع أشد أنواع الخيبات والندم لما فعله.
عاد الوعي لذلك الغائب، فجذبه من تلباب قميصه الملطخ بالدماء:
_فوق يا جمال لو قتلته هتلبس نفسك بلوة!! اينك محتاجك بلاش تعمل كده.
منحه نظرة من جحيم أخافت يوسف وجعلته يخشى ما سيفعله جمال بنعمان إن كان هذا عقاب ذلك السفيه:
_ابعد يا يوسف، محدش هيقف قدامي ولا هيوقفني عن اللي هعمله سمعت!!
كتف يديه وصرخ بمن خلفه:
_اغرب عن وجهي قبل أن أتركه ينحر عنقك الرخيص هذا!!
هرول للخارج متعثرًا بخطواته فور سماعه إنذار النجاة، بينما دفع يوسف جمال للمقعد وانحنى يصرخ بوجهه:
_إنت عايز تضيع نفسك!! محدش قالك تتنازل عن حقك بس مش بالشكل ده يا جمال.
_قولي بأي شكل أخد حق مراتي اللي استباحوها يا دكتور يا محترم؟
قالها بهدوء قد يجعلك تخمن عقلانيته ولكنه من الاساس كان يصدر من اعماق شخصًا ذُبح دون رحمة، وبقانونه من لا يرحم لا يُرحم.
خرج يوسف عن صمته يخبره برزانته الحكيمة:
_جمال أنا معاك مش ضدك صدقني، ولو عايزني أساندك هساندك وأفديك بروحي وإنت عارف، بس أنا خايف عليك من نوبة الغضب اللي إنت عايشها دي، آنت محتاج تصلح اللي بوزته باللي بتعمله ده هتعك الدنيا لانك هتبعد عن صبا وابنك اجباريًا لما يحاكموك، فبلاش ترتكب اللي يخليك تخسر نفسك.
وتابع وهو يجلس قبالته:
_أنا كنت راجع بيتي اريح بعد ورديتي بس بما إنك فقدت عقلك فللأسف مضطر ألازمك عشان أطمن إنك مش هتأذي نفسك.
انتصب بوقفته يتجه للحمام الخاص بمكتبه، لحق به يوسف فاستدار إليه يقول بتهكمٍ:
_أيه هتدخل معايا الحمام كمان؟!
مال يستند على الحائط واضعًا يده بجيب بنطاله:
_هو مفيش فرق بينا بس مش للدرجادي يعني!! اتفضل أنا مبسوط هنا ومش ناقصني حاجة فخد راحتك!
أغلق الباب بوجهه فاغلق يوسف عينيه بفزعٍ وقال:
_بني آدم همجي أقسم بالله هيعش غبي وهيموت متخلف!!
وجلس على مقعد مكتبه يلف المقعد وهو يتابع:
_Zero عقل
********
خرج من المرحاض يلف منشفته من حوله، تاركًا المياه تعبر فوق وجهه كالشلال، فجذب منشفة قصيرة يمسح وجهه ويديه ليتمكن من التقاط هاتفه الذي يعلن تمرده للمرة الثانية.
مال يجلس على السراحه وفتح سماعة هاتفه يجيب بصوته الشجي:
_شمس هانم بنفسها بتتصل!
وصلت إليه صوت ضحكاتها، وبرقتها المهلكة قالت:
_بتتريق يا كابتن والامتحانات سحلاني!
وتابعت بدلال:
_انت المفروض تستخدم مركزك ده وتخليهم ينجحوني من غير فرهدة!
أو على الأقل تديني أي جهاز أو تعلمني كام حركة أقدر أغش بيها الامتحان وأطلع زي البرنسس.
ضم منخاره يفركه بضحك:
_ده أنا كده بشجعك للفساد رسمي! وبعدين ميرضنيش يقولوا حرم عمر الرشيدي غشاشة تيجي ازاي دي يا شمسي!!
تحلت بصمتها لتتمكن من سماع صوت ضحكاته، وفجأته حينما قالت:
_وحشتني أوي.
ابتسم وهو يخبرها بعاطفة:
_مش أكتر مني يا شمس، بس خلاص هانت إسبوعين وامتحاناتك تخلص وهتنوروني كلكم هنا عشان فرحنا.
بلهفة قالت:
_طيب ما تيجي يوم تقضيه معايا وترجع.
_ازاي ده؟!
_زي الناس، مش إنت ظابط مخابرات!
_بيقولوا! وفضولي بيقولك وراها أيه الجملة دي؟
_وراها إن ظباط المخابرات بيقدروا يعملوا أي حاجة في أي وقت.
ابتسم بسخرية وقال:
_شكلك بتشوفي أفلام هندي كتير يا شمس هانم.
ضحكت وقالت:
_الصراحة شوفت أفلام كتيرة بس اللي شوفته لما قابلتك خلاني أتصدم إن الهندي الأوفر حقيقي وموجود.
ابتسم وحبها يسكن وجع يومه، فقال:
_ازاي؟
تنحنحت بخجل وهي تخبره:
_يعني كنت بشوفك كده زي الراجل الخارق، وفعلًا من أول ما شوفتك وإنت كنت بطلي الخارق.
_وأيه كمان يا شمس؟
_آآ.... ها؟
_ما كنتي ماشية كويس، كملي أنا أيه بالنسبالك يا شمس؟
بخوفٍ مضحك قالت:
_معنديش تصريحات أقول أكتر من كده، عُمران هيقتلني!!
زفر بضجرٍ وهمس لها:
_يادي عُمران اللي لاعب عليا دور حماتي العقربة وحمايا الكشري مش مقصر نهائي!!!
كبتت ضحكاتها وقالت:
_متزعلش يا حبيبي.
بعشق ردد يتذوق جمال كلمتها:
_حبيبك!!
بخجل قالت:
_جوزي حبيبي ها يا كابتن عايز أحلى من كده كلام.
ضحك بصوته الرجولي وقال ساخرًا:
_لا ده أنا كده هبقى طماع وجشع، كفايا عليا كلمة جوزي دي هتديني الأمل إني مش هرجع أشوفك بالملحفة السودة تاني، ممكن نوصل لمرحلة النقاب أو الخمار أنا وحظي النحس بقى!
وتابع يشاكسها:
_بقولك أيه يا شمس؟
_أممم
_هو عُمران أخوكي ده بيشرف على شنطك اللي بتحضريها لجوازنا، أكيد بيشرف مهو حاشر مناخيره في كل كبيرة وصغيرة خاصة بينا!
_أيوه بيختار معايا أون لاين، إنت أصلك متعرفش ذوق عُمران باللبس عامل ازاي، وبالأخص فساتين السهرة اللي اختارهالي، بالعكس ده فدني جدًا باختيار فستانيني بعد الحجاب.
قضم شفتيه معًا بأسنانه ناطقًا من بين اصطكاك أسنانه:
_طمنتيني!
وهمس بصوت ظنه غير مسموع:
_كده هعمل حسابك معايا وأنا بشتري حاجتي.
_هتعمل حسابي في أيه؟
_لا يا حبيبتي متخديش في بالك، ركزيلي إنتِ بس في مذكرتك وامتحاناتك عشان مش ناقصة تلكيكة من سي عُمران أخوكي اللي مش مفهوم ده!!!
انفجرت ضاحكة وقالت:
_وفيها أيه يعني لو جبت ملحق يا كابتن!!
ردد ساخرًا:
_أهو ده اللي ناقص! أنا أترقى وانتِ تشيلي الكحك!!
ضحكت بملء ما فيها وقالت:
_اطمن مفيش هنا الكلام ده، أنا كده كده ناجحة وبعدين أنا كمان عايزة أمتحن وأخلص عشان أكون معاك يا آدهم.
_يااه معقول!! شكل كده أخر شخص شوفتيه النهاردة كان دكتور علي، خليكي جنبه اليومين دول هينفعك قبل الجواز وبعده.
_هحتاجه بعد الجواز في أيه مش فاهمه؟
ضحك وهو يخبره بمرح:
_أي ست بعد الجواز بتحتاج لدكتور نفسي يا حبيبي!!
_وليه الرجالة مش بتحتاج؟!
بنفس وتيرة ضحكاته قال:
_بعد الدراسات اللي اتعاملت على إيد بعض الستات أكدوا إن الرجالة تنحصر لدِبَبَةٌ القطب الشمالي حيث الثلج والبرق والرعد فبالتالي مفيش تقصير عكسي علينا.
احنا كائنات بنجلط ومبننجلطش!!!
_يعني إنت عايز تجلطني وتزهق نفسيتي وتخلي أخويا يعالجني نفسيًا يا آدهم؟
_مش أنا يا عيون آدهم دول كارم وكرم بإذن الله.
_مين دول؟
_دول أولادنا بإذن الله هنجيب تؤام يا شمسي.
_ومالك واثق أوي كده؟!
_مش عارف بس حاسس إن كرم ربنا كبير بعد صبري على الابتلاء فهيجبر بخاطري بإذن الله.
_ابتلاء!!
_أيوه وهو أخوكِ أي ابتلاء بردو!! ده عمل أسود من الدرجة اللي يصعب فكها بالملح ولا بالتعويذات!!
حبيبتي انا صبري عليكي وعلى أخوكِ بمثابة الجهاد في سبيل الله! هاتيلي واحد كاتب كتابه ومش عارف يطول نظرة بريئة!!
وتنهد يخبرها:
_أنا خايف يوم فرحنا يبلغ عني إني مرتشي يا شمس!!!
*****
غمس كفيه بالمياه ونثره على وجهه، يحاول أن يزيل عنه رواسب تلك الليلة القاتلة، فوجد المرآة ترتعش من أمامه وترسم له ملامح وجه زوجته المرتعشة، نظراتها التي تترجاه أن يصدقها بينما لسانها يعجز حتى عن الدفاع عن نفسها في موقف لا حديثًا بعده.
أدمعت عين جمال ومد يده بالمرآة كأنه يحاول لمس شبح زوجته الظاهر على سطحها، فوجد أنه يطالع ذاته، انقلبت نظراته للاستحقار ، ونظرات كارهة، فكور يده ولكم المرآة بكل قوته وهو يحرر آهة تضيق شريانه.
فسقط أرضًا يجلس بين الزجاج وهو يضع يديه معـًا فوق رأسه يمنع وصول صوت يوسف الذي يطرق الباب لمسمعه، بينما تنسدل الدماء من فوق رأسه وهو غير عابئ بها.
نجح يوسف بكسر الباب بعد أن دفع أحد المقاعد المعدنية بالباب عدة مرات حتى إنصاع إليه، وهرع يبحث عنه بفزعٍ.
انحنى إليه يبعد يديه عن رأسه ويشمله بنظرة قلقة:
_جمال!!
هدأت وتيرة أنفاسه فور أن اطمئن لسلامته، اتبع سير الدماء ليصل لاصابة يده فمنحه نظرة حزينة وقال:
_ليه كده يا جمال؟ عايز توصل لأيه باللي بتعمله في نفسك ده!
رفع عينيه الدامعتان له وقال:
_أنا شوهتها يا يوسف!! يارتني ضمتها وسمعتها، عمرها ما هتنسى ولا أنا هنسى، عمرها ما هتسامحني.
وبانكسارٍ استطرد:
_أنا خسرت صبا خلاص يا يوسف.
منحه نظرة حزينة ونهض يبحث بالادراج عن صندوق الاسعافات الاولية، وما أن وجده حتى عاد يضمد جرحه قائلًا وهو يباشر تعقيمه:
_صبا اللي استحملت كل ده معاك بتحبك يا جمال، يمكن تكونوا غلطوا انتوا الاتنين بس ممكن ابنكم يقرب ما بينكم ويدلكم الفرصة دي.
هز رأسه رغم عدم اقتناعه، ونهض فجأة يردد:
_خدني المستشفى عايز أشوفها قبل ما أروح مشوار مهم.
_مشوار فين؟
لم يجيبه الا بكلمات مختصرة:
_خدني ليها يا يوسف!
*******
انتفضت بنومتها فور أن انفتح باب الجناح، فهرولت إليه تصيح ببحة صوتها المفقود:
_عُمــــــــراان!
ضمها إليه بيده وربت عليها باحتواءٍ، فعاتبته ومازالت تتشبث به باكية:
_كده تسبني طول الليل قلقانه عليك!! موبيلك اتقفل ومرجعتش البيت! لولا علي كلم فاطمة وجت قالتلي انك معاه وفضلت معايا طول الليل أنا كان هيجرالي حاجة.
أبعد وجهها عنه يقبل عينيها الباكية:
_بعد الشر يا حبيب قلبي.. أنا كويس والله.. بس كنت محتاج أكون لوحدي شوية وآ..
بتر حديثه ببعض الارتباك، فسألته مايا بخوف:
_وأيه يا عُمران؟
جذبها للفراش وانحنى قبالتها يتمسك بيديها ويطالع عينيها بنظرة عاشقة:
_مايا أنا عارف إنك بتحبيني، وبسبب الحب ده حاربتي الكل وأولهم أنا، خلتيني في النهاية أخضعلك وأنهزم قدامك، أنا عارف إنك قوية وصعب حد يهزمك فمش عايزك تخسري قوة شخصيتك دي دلوقتي، حافظي على اللي في بطنك يا مايا، واجهي اللي بنمر وهنمر بيه بقوة، مش عايز أحس بالقلق والخوف عليكي طول الوقت.
سكن الخوف أضلعها فسألته بشكٍ:
_ليه بتقول كده يا عُمران؟
نهض عن الأرض وجلس جوارها بحزنٍ شبع ملامحه وهو يرفع هاتفه نصب أعينهما:
_بمكالمة تليفون واحدة هعملها همحي بيها إسم شركات نعمان وللأبد، هيخسر كل اللي بناه وبيمتلكه.
واستدار بوجهه لها يخبرها بعجزٍ:
_مش قادر أعملها، حاسس إني ضعيف!! مش قادر انتقم لكسرتي ولوجعك ولا لجمال ومراته.
وببسمةٍ ساخرة تعقبها دمعة من عينيه أضاف:
_مش قادر أنتقم من اللي عراني وعرى مرات أخويا يا مايا؟
انهمرت دموعها، فسحبت هاتفه وألقته بعيدًا عنهما، ثم أمسكت لائحته تخبره بحماسٍ:
_لانك مش زيه يا عُمران، ولا عمرك هتكون زيه، وبالرغم اللي عشته لسه قلبك صافي ومتقصرش.
هز رأسه ينفي ما تقول، مرددًا بوخزٍ يطحن قلبه:
_عايز أنتقم يا مايا، عايز أتشفى فيه، بس مش قادر، خايف من لحظة الندم اللي ممكن أعيشها بعد ما أفوق! خايف أكون سبب في حسرة أمي لو جراله حاجة، نعمان هيموت لو خسر ثروته وفلوسه يا مايا.
غمست أصابعها بين أصابعه وهتفت:
_بلاش تعمل كده، فكر فيا وفي ابنك وانسى اللي عشناه يا عُمران.
رفع وجهه لها وبابتسامته المؤلمة قال:
_وجمال وصبا هينسوا! وأنا هنسى اللي جمال عمله وقاله!!
سحب نفسًا طويلًا وزفره يخفف عن ذاته:
_يوسف بعتلي من شوية نتيجة تحليل جمال، كان أخد مخدر قوي.
تهللت أساريرها وتمسكت بالحجة المقنعة:
_طيب الحمد لله، يعني اللي عمله ميتحسبش عليه يا عُمران.
مال لها برقبته وابتسم يخبرها:
_سمعي قلبي اللي بينزف كلامك وقوليله ينساه ويعالج نفسه!
ولفظ ما داخله مستطردًا:
_جمال قال اللي مينفعش بعده تبرير ولا شفاعة... نهى كل اللي بينا حتى لو كان مش واعي، أنا مدرك إنه غصب عنه ومش بارادته بس مش هقدر أتعامل معاه لإني صعب أكون زي الاول.
وتعمق بعينيها وهو يستطرد الجزء الهام:
_عشان كده يا مايا أنا محتاج أبعد.. وبترجاكِ متعارضنيش.
أزاحت دموعها وسألته باهتمامٍ:
_تبعد فين؟
رد عليها بنفس هدوئه:
_مصر... هنزل مصر كام يوم أريح فيهم أعصابي.
بلهفة قالت:
_لو ده اللي هيريحك خلاص هنسافر من بكره.
ربت على كفها المسنود لصدره وقال:
_لوحدي يا مايا.. حابب أكون لوحدي.
سحبت كفها بحزنٍ، وصاحت بعصبية:
_ليه مصمم توجع قلبي عليك يا عُمران!!
جذبها لاحضانه مجددًا يخبرها:
_بعد الشر عليكي من أي وجع... أنا خايف عليكي يا مايا حملك صعب مينفعش تركبي طيارة بحالتك دي.. ممكن متقلقنيش عليكي وتكوني كويسة إنتِ والبيبي لحد رجوعي؟
ضمت شفتيها معًا بحيرة:
_طيب هترجع أمته؟
أجابها بحب:
_معرفش يمكن اسبوعين أو تلاتة مش أكتر من كده.
ونهض يتجه لخزانته يبدل ثيابه:
_هنزل دلوقتي عشان فاطمة كلمتني من الشركة، في كام حاجة ضرورية لازم أنجزها قبل ما أحجز التذكرة.. عايزك ترتاحي لحد ما أرجع.
أومأت برأسها بخفة وتابعته وهو يصفف شعره ويستعد للخروج ومازال يخادعها بأنه على ما يرام!
******
استردت جزء ضئيل من عافيتها، فرفعت لها الممرضة السرير لتتمكن من حمل صغيرها الباكي، تحاول أن تقوم باطعامه لمرتها الاولى.
ابتسمت وهي تتأمل ملامحه للمرة الاولى، ولكن بسمتها البسيطة سُلبت منها وصرخت ألمًا من شدة تورم شفتيها التي نزفت فور ان ابتسمت، قبض حياتها وألقاها بالظلام فحتى الابتسامة حرمت منها.
مالت صبا على جسد الصغير تضمه بقوة وقد انهالت دموعها، تمرر يدها على شعره الناعم وتهمس بصوتٍ قد جف صداه:
_زي القمر يا حبيبي، ربنا يحميك ويباركلي فيك.
وضمته لصدرها ثم مالت على الوسادة تتذكر كل ما فعله بها وتنهمر دموعها على عينيها، تتمنى من صمام قلبها الا تراه بحياتها قط، فأتاها القدر بما تبغضه حينما انفتح بابها وولج من خلفه يناديها بلهفة فور أن رآها قد استعادت وعيها:
_صبــــــا!
............ يتبع.............
بنات الواتباد ده بوست وتصويت مهم نزلته على الجروب النهاردة، هنقل ليكم نص البوست هنا ولينك التصويت، من حقكم تختاروا وتصوتوا بالاختيار اللي يناسبكم مع قراء الجروب، ده نص البوست 👇🏻
السلام عليكم يا بنات، الخبر ده كنت هعلن عنه في فصل النهاردة بس قولت أخد رأيكم هنا باستطلاع رأي هيشارك فيه قراء الواتباد والجروب بحيث نكون كلنا متفقين وميحصلش زعل بينا، أنا من كام شهر ومتقررلي حاجة خاصة بيا في أول ١١ مش هقدر أتكلم عنها، فأنا كنت بكمل في الرواية على أمل إني هختمها قبل ١١،وكنت متأكدة إني هنهيها قبلها حتى لو تلاحظوا هتلاقوني كنت بأكد اني الرواية قربت تخلص، بس اللي ممكن يفرح البعض ويزعل اللي منتظرين سلسلة اشباح ان الرواية لسه فيها احداث مقدرتش انهيها، وفي نفس الوقت أنا عاجزه ومش عارفة أعمل أيه، كنت هلغي الاحداث وانهيها بس مش هقدر أعمل كده عشان كده عملتلكم تصويت، بالاختيارين اللي قدامي زي ما اتعودت دايما أخد رأيكم في اللي يخصني.
الاختيار الأول
هوقف معاكم الرواية عند الفصل ال٦٥ وهحاول مقفلش عند جزئية مشوقة عشان متزعلوش ونرجع بعد الاجازة نستكمل الرواية بعد ما أخلص الفترة اللي هبعدها وبعدها نبدأ أشباح..
الاختيار التاني.
نوقف الرواية على فصل النهاردة ويكونلها جزء تاني بعد اشباح.
الاختيار ليكم، وتأكدوا اني حاولت بكل السبل أخلص قبل المعاد المحدد ليا، وربنا يعلم بده ولكن الرواية غصب عني كبرت مني ومينفعش أكروتها، من فصلكم اي حد يشوف البوست يشارك في التصويت عشان أعرف هعمل ايه، ومتزعلوش مني غصب عني والله، متقلقوش الفترة مش هتطول اسبوعين تلاته بالكتير.، بس دعواتكم انتوا، انا عندي ثقة بالله إن الفترة دي هتعدي ونرجع نكسر الدنيا باحداث الرواية لآن اللي، جاي مع آدهم وباقي الشخصيات دمار بجد. بحبكم في الله ♥
لينك التصويت 👇🏻
هتلاقوا لينك التصويت أول تعليق عشان غير مسموح هنا باللينكات.. هستنى تصويتكم برأيكم، بحبكم في الله ❤
*****______******