تحميل رواية «الطاووس الوقح (صرخات انثى)» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجروح أدمت قلوبهن ومازالت كلًا منهن تحارب للبقاء، مذاق الألم لا يفارق حلقهن، جروحهن متشابهة ولكن لكلًا منهن حكاية خاصة هي ضحيتها، الأولى نهشتها الذئاب البشرية وتركتها كالخرقة البالية تعاني بمفردها، والثانية واجهت إنسان مريض نفسي يريد أن يُجحمها داخل قوانين لعبته القذرة فبات كاللعنة تسبب لها هوس الجنون، والثالثة تخوض رحلة معتادة على بعض الزوجات التي تُجبر بالعيش دون زوجها المغترب ولكنها كانت دونه هشة تخشى أن ينتصر شياطين الإنس عليها، وهناك أخرى طمست حبها حينما تخلى عنها محبوبها وتزوجت أخيه وبعد...
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 131 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#عودة_الطاووس!)
#الجزء_الثاني_من_الفصل_الـ101.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات Huda Elhady - Mariam Shokr8 - Zoza abdo - ام محمد السمور ـ صفاء عماد ـ هاجر محمد ـ آلاء عبد الغني ـ
Yasmeen Ebraheem - Al Shai Maa -
Salma Ashraf - Omnia Asker - روكا انا ـ
Souzan Kamar- Asmaa Ibrahim -
Mona Wagih - Om Remas -Om Hosam-
Amira Mousa- Abeer Alashqar- Om Nour- ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
المُقل في عناقٍ طويل، لم يصل للأذرع بعد، إعتاد لسانه على تعظيمها وندائها بأسمى مواطن عشقه، فنطق بما اشتاق بقوله رغمًا عنه، ولولا تلك النظرة المترددة برماديتاه بعد نطق ما قال لصدقت بأنه قد استعاد ذاكرته.
نظرته بالرغم من أنها تمزج بين الحيرة والذهول من نطقه لتلك الكلمات، الا أنها عكست التيهة التي يخوضها بتلك الحالة، فرأفت به حينما رسمت أجمل ابتسامة سلبته:
_ده كان ردك اللي اتعودت عليه منك لما بناديك.
جاهد "عُمران" لرسم ابتسامة صغيرة على ثغره، وقال:
_لو حباني أقولها بشكل مستمر معنديش مانع لو ده هيسعدك.
اتسعت ابتسامتها الرقيقة، وأخبرته بثقةٍ:
_هترددها غصب عنك لان لسانك متعود عليها.
استقام برأسه يتطلع لها باستغرابٍ، نتج عنه قوله الساخر:
_على حسب ما سمعت منهم إن يُقال عليا الطاووس الوقح، بس اللي شايفه عكس ده، هو مين فينا المغرور بالظبط يا حرمي المصون؟!
راق لها حديثه، وقد بدأ يشعرها بأنه يتقبلها كزوجة رغم فقدانه كل ذكريتهما معًا:
_تقدر تقول من العشرة اللي بينا يا حبيبي.
ارتجفت نبضات قلبه تأثرًا بكلمتها العفوية، فصفن بجمال لون عينيها، وتضاعف فضوله حول رؤيته لخصلات شعرها التي مازالت تخفيها خلف إسدال صلاتها، ابتلعت ريقها بارتباكٍ من نظراته، وكأنها تتعرف عليه لمرتها الأولى.
فاذا بها تبتعد عن الاستناد عن ساقه، وتهتف:
_أكيد كالعادة هتحب تأخد شاور قبل ما تنزل تفطر، هقوم أحضرلك الحمام لحد ما تختار اللبس بنفسك ومتقلقش مش هاجي جنب لبسك ولا هختارلك شيء زي ما عودتني ، مش هبدأ علاقتي معاك بمشكلة.
قالتها وحاولت الإتكاء على يدها لتنهض عن الأرضية الرخامية، فاذا به ينتصب بقامته، ويجذبها برفقٍ حتى استقامت قبالته، تتطلع له بشوقٍ لحنانه ورقيه المعتاد معها، حبيبها لم يفقد شيئًا مما إعتاد عليه، ربما خسر ذاكرة التعرف على الأشخاص ولكنه هو ذاته نفس الشخص الذي سقطت ضحية عشقه حتى النخاع.
إنسحبت من زهوة التطلع لعينيه، وإتجهت تشير له على الخزانة، بينما تتجه لحمام الجناح لتحضره له بعطوره ومنظفاته الخاصة مثلما إعتادت، بينما وقف عُمران قبالة الخزانة الضخمة، يتأمل الجزء المخصص له بإعجابٍ وانبهارًا خالص.
أيقن كل اليقين بأنه ذو ذوقًا رفيعًا، وربما هذا ما دفعه لعدم قبول ملابس "صابر" و"موسى"، مرر يده على صفوف البذل الآنيقة بشرود، ومن بين الملابس المريحة، إختار بنطال رمادي، وقميصًا أبيض، ثم أتجه يجذب بقية متعلقاته، وتحركاته تتخذ سبيلها من مكانٍ لأخر، وكأنه يحفظها عن ظهر قلب!
وقف عُمران أمام المرآة الضخمه، يرى إنعكاس صورته الحالية، ويشمل صوره المُعلقة على الحوائط، بدى وسيمًا للغاية قبل أن يفقد شعره الطويل، ربما المسألة متعلقة بالوقت لاستعادته، ولكن أكثر، ما يطمح به أن يستعيد ذاكرته أولًا.
لاحظ خروج "مايا" من الحمام، ترنو إليه وهي تخبره بابتسامتها:
_الحمام جاهز.
استدار يراقب بإعجابٍ خصلات شعرها المتحررة عن حجابها الذي نزعته عنها، فارتبكت من نظراته التي تشعرها وكأنه رجلًا غريبًا، هدأت من روعها بصعوبةٍ، وأعادت قولها مجددًا:
_أنا جهزت الحمام يا عُمران، خلص الشاور بتاعك بسرعة عشان علي مستنينا تحت وعايزك ضروري.
إكتفى بإشارة هادئة من رأسه، وولج للحمام المنشود، بينما اتجهت هي للفراش، وهي تحرك أصابعها حتى تحصل على بعض الهواء الذي لا يصل لوجهها رغم برودة الأجواء الذي يحدثها مكيف الغرفة، غربته بتعاملها معها يمنحها شعور المراهقة، يعيدها لعذرية مشاعرها الأولى معه!
ظلت بانتظاره وبيدها الهاتف، تخبر علي الذي يشدد لها أن تهبط به للاسفل، ولا تعلم ما السبب، أخبرته بأنهما سيكونان بالأسفل بعد ربع ساعة.
****
بينما بالأسفل، وبالأخص بغرفة المكتب السفلي.
مالت تستند على الطاولةٍ، بينما تجاهد لالتقاط أنفاسها بشكلٍ طبيعي، على يمينها أخيها الذي يحاول أن ينظم مجرى أنفاسها العنيف، وعلى يسارها زوجها الذي يمنع تساقط خصلاتها الناعمة على وجهها الباكي.
كلاهما يبذلان أقصى ما بوسعهما لجعلها تتوقف عن البكاء، فإذا بآدهم يخرج عن صمته حينما إنحنى بقامته، يحاوط بكفه الذي يلامس خصلاتها وجنتها الناعمه:
_كده يا شمس، بتندميني إني قولتلك الحقيقه، هو ده الوعد اللي ادتهوني؟
فتحت عينيها الياكية تطالعه بدهشةٍ:
_عايزني أكون متماسكة إزاي بعد اللي قولتهولي يا آدهم، عُمران عايش ده خبر كفيل يبعدني عن كل الذكريات الوحشة اللي عشتها، بس كل ده انهدم في لحظة ما عرفت أنه مش فاكر حاجه عننا، أنا مصدومة ومش قادرة أصدق إنه هيتعامل معانا زي الغريب!!
مرر الألم جوفه وهو يرى شقيقته بتلك الحالة، فمنع "آدهم" من الحديث، وهتف بصرامة:
_بصيلي يا شمس.
استقام "آدهم" بقامته الممشقة، ووقف على مسافة منهما يراقبها ويديه موضعه بجيب سرواله، بينما يميل بساقه الاخرى على الحائط، ترك الساحة إلى "علي"، ومن سواه هو سيتمكن من سحر العقول.
استجابت له، ورفعت عينيها المتورمة إليه، تتطلع له بانكسارٍ، فاذا به يميل مستندًا على ركبتيه، ليكون بنفس طول المقعد الذي تعتليه، ضم وجهها بيديه الدافئة:
_حبيبتي أنا عارف إنك متعلقة بعُمران، وصعب تتعاملي معاه بطريقة معودكيش تتعاملي بيها معاه، عارف ومقدر وحاسس بيكِ، بس اللي عايزك تفهميه إن كل ده وضع مؤقت، عُمران من أول ما ظهرتله ولحد اللحظة دي بيجتاز كل التحذيرات اللي قالنا عليها الدكتور بشكل مبهر، صدقيني هيرجع وهيرجع أحسن من الأول كمان.
خطف نظرة سريعة للباب حينما استمع لصوت حذاء أنوثي يقترب من الغرفة، فوجد زوجته تقف وبيدها كوب العصير، الذي طلبه منها لشقيقته، وكانت تستمع لحديثه لها ودموع الشفقة والحزن تموج بعينيها، وها هي الآن تستعيد ثباتها، وترنو إليهم قائلة ببسمة رقيقة:
_العصير المفضل لأجمل شمس هانم بالدنيا.
رفعت زُرقتها إليها، تجاملها بابتسامة لم تصل لعينيها الباكية، بينما يحمل" علي"الكوب ويقربه من شقيقتها، متسرسلًا بحنان:
_يلا يا حبيبتي، اشربي ده وخدي نفسك بانتظام عشان تكوني مستعدة.
أبعدت فمها عن الكوب، بينما تتعمق بعيني أخيها:
_مش هقدر يا علي، أنا خلاص هديت والله، بس خليه ينزل بقى مش قادرة أستنى أكتر من كده، كلم مايا تاني.
أخفض ساقه، ورنا إليها يخبرها بصوته الرجولي العميق:
_وبعدين بقى يا شمس، ما علي قالك إنه شوية ونازل، متنسيش إنه راجع بعد غياب، ومن حقه يقعد مع زوجته شوية.
واستطرد وهو يقترب من "فاطمة" بمزحٍ:
_وبعدين بعد حنية وكلام علي ده ورافضة لسه العصير، ده أقنعني بيه أنا شخصيًا، ومش هشرب قهوتي وهأخد كوباية من العصير المغري ده.
سحب بالفعل كوب من على الصينية التي تحملها فاطمة، بينما يتبسم لها وعينيه أرضًا عنها:
_تسلم إيدك يا بشمهندسة فاطمة.
ابتسمت وقالت، وهي تضع ما بيدها على سطح المكتب:
_بشمهندسه مرة واحدة!
استهانت بما يُقدمه لها، ففاجئها "آدهم" حينما قال بنبرة فخر:
_وأشطر بشمهندسة، اللي عملتيه إنتِ وبشمهندس جمال ساعدنا جدًا إننا نرجع حق عُمران، وفعلًا كنتِ مثال لسيدة الأعمال الشاطرة اللي قادرة تدير كيان كامل بدون ما تتهز ولا تخاق من اي تهديدات من الكلاب دول.
اتسعت ابتسامتها فرحة بحديث "آدهم" المحفز عنها، حتى أنها مالت بوجهها تجاه زوجها الذي انعكس برماديتاه نظرات تنم عن فخره بها، فلم يبخل عنها بظهوره بحديثه حينما مال يقرب رأسها إليه، طابعًا قبلة حنونة أعلى حجابها قبالة شقيقته وزوجها:
_حبيبة قلبي اللي فخور بيها دايمًا، كنت واثق إنك قدها يا فطيمة.
اكتسى وجهها حمرة قاتمة، وهمست له على استحياءٍ:
_بتعمل أيه يا علي!
بنفس مستوى صوتها الهامس ردد لها:
_بوضح احترامي وعشقي ليكِ قدام الدنيا كلها يا روح قلب علي!
ارتبكت فاطمة ودفعته برفقٍ عنها، ثم قالت بتوترٍ لتبعد الآعين الباسمة عنهما:
_يلا يا شمس، إشربي العصير قبل ما عُمران ينزل.
أعادتهما لمنبط الحديث الأساسي، فتجرع "آدهم" من كوبه القليل، ومال يقدم كأسه بالقرب من شفتي زوجته:
_شمس هانم العاقلة، هتسمع كلامي وهتنفذه بالحرف، وحالًا هتشوف يا دكتور.
تمتم "علي" وهو يميل على سطح المكتب:
_أتمنى.
أبعدت "شمس" وجهها وهي تترجاه بتقززٍ انتباهها:
_عشان خاطري يا آدهم مش عايزاه، إبعده عني.
قالت كلمتها الاخيرة وهرولت لحمام المكتب، تطلق ما احتبس داخل فمها وكف يدها، بينما هرعت "فاطمة" من خلفها للداخل، تزيح خصلاتها وتساندها دون أي تقزز منها.
بينما على باب الحمام يقف "آدهم" مفزوعًا، ولجواره "علي" الذي تمتم بابتسامة جذابة:
_مبروك يا حضرة الظابط.
أبصره "آدهم" بدهشةٍ كبيرة من مباركته التي تأتي في وقتٍ غير وقته، ولكنه قال:
_مبروك علينا كلنا رجوع الطاووس الوقح يا علي؟
اتسعت ابتسامة علي، وهز رأسه باستنكارٍ:
_ذكاء ظباط المخابرات بقى محدود ولا أيه؟!
قالها وإتجه لمقعد مكتبه، بينما يخطف "آدهم" نظراته القلقة تجاه زوجته التي تساعدها فاطمة بالاغتسال، فما أن اطمئن على استقرار حالتها، حتى لحق به يردد:
_بابا علي إنت إتعديت من عُمران وبقيت تتكلم بالألغاز، طول عمرك واضح وصريح، جرالك أيه؟
ضحك بصوته الرجولي، وقال بغموضٍ لذلك الذي توقف عقله فجأة عن استيعاب أي شيئًا يخص حياته الزوجية:
_طيب دي أشرحهالك إزاي يعني؟! عمومًا تقدر تقول أمنية عُمران اتحققت، وشكلك كده على وشك إنك تكون أب يا سيادة المقدم.
اتسعت مُقلتي "آدهم" بصدمةٍ، وكأنه لم يكن خبرًا متوقعًا، ومنتظرًا لأي اثنان متزوجان حديثًا، ابتلع ريقه بارتباكٍ، وإتجه يجلس جواره على الأريكة، وكلاهما أعينيهما على باب الحمام، الذي خرجت منه "شمس" للتو، تتساءل وهي تزيح المنشفة عن وجهها باستغرابٍ:
_في أيه مالكم؟!
******
أتجه للخزانة، يستعد لارتداء ما انتقاه، بعدما خرج يلف المنشفة حول جسده الصلب، فإذا به يتوقف عما يفعله على صوت شهقة خافتة، ونداء مفزوع:
_عُمران!!!
استدار تجاه الفراش، فاذا بزوجته تركض تجاهه متناسية حملها تمامًا، انتابه فضولًا وقلقًا لمعرفة ما الذي أصابها فجأة، فاذا بها تقف قبالته وهي تتفحص صدره في نظرات اشتقت كل معاني الألم، وكفها يحجب بكائها الصاخب، بينما تهمس بلوعةٍ، وهي تراقب علامات اصابة كتفه وجانبه:
_يا عُمري أنا!
تعالى صوت بكائها، وراحت تتحسس جروحه التي مازالت لم تندمل بشكلٍ نهائيًا، قائلة بانهيارٍ أوجعه من شدة العشق البادية بعينيها المتألمة:
_إزاي عدت بده كله ومفيش حد فينا كان جانبك.
قالتها ومازال كفها موضوع فوق صدره، محل اصابته بالتحديد:
_بس أنا كنت حاسة بيك وبوجعك والله، كنت حاسة إنك مش بخير، حسيت بضيق نفسك وبألمك ده، يا ريتني كنت أنا بدالك يا حبيبي، يا ريت كان بإيدي أمنعك من السفر في اليوم ده.
أقتحمته مشاعر قوية عما كان يشعر به تجاهها، فاذا به يضمها إليه بقوةٍ أطرقت عظامها، يؤكد لها بنبرة مبحوحة من فرط العاطفة التي سيطرت عليه فجأة:
_أنا كويس يا مايا، كل ده عدى وانتهى، خلينا في النهاردة، في اللحظة دي بالذات، أنا رجعت وقدام عنيكي، ومش هبعد عنكم تاني.
وأضاف وهو يدفن نفسه بين خصلات شعرها الناعمة:
_أنا ما صدقت لقيت نفسي، فمستحيل هبعد تاني يا حبيبي.
انتفض جسده من كثرة إرتعاش جسدها لكبتها البكاء قدر المستطاع، فرفع وجهها إليه، وهو يخبره بصوته الرخيم:
_لو مبتطلتيش عياط هرجع مكان ما كنت وهنسى كل اللي قولته من شوية يا بيبي!
قوست حاجبيها بدهشةٍ، وبابتسامة بلهاء قالت:
_بيبي!
راقب ملامحها بحيرةٍ، وقال يشاكسها:
_لو بتضايقك الكلمة دي أغيرها؟ أنا مش فاكر أي حاجة عن اللي بتحبيه واللي بتكرهيه، فخلينا واضحين مع بعض كده من البداية.
ضحكت رغمًا عنها وقد أنعشته ضحكاتها هذا:
_لا مش بكرهها، أي حاجه منك بحبها، أنا بس مستغربة إن كلامك هو هو متغيريش، كل حاجة فيك زي ما هي.
ضيق عينيه الساحرة بتهكمٍ:
_وده حاجة وحشة ولا حلوة؟
غرقت في سحر عينيه ومالت برأسها تتقن شرودها بجنته:
_كل حاجة منك حلوة، خليك بس جنبي ومعايا، وأنا مش عايزة بعدها أي حاجة من الدنيا غيرك إنت وابني.
تلقائيًا انخفضت نظراته لبطنها المنتفخ، وهتف بحماسٍ:
_هو ولد؟
هزت رأسها تؤكد له بابتسامة حزينة:
_أيوه، وأنت حابب تسميه عـ.
_علي.
قالها ببسمة جذابة وعينيه لا تفارقان بطنها المنتفخ، أكدت له بإيمائتها ومازالت تراقب رد فعله بفرحةٍ، بدى مرتبكًا مما يود فعله، ولكن ثمة شعورًا داخله يحمسه بملامسة ابنه المزعوم، عساه اشتاق له هو الآخر!
دفعته مايا قائلة في لطفٍ أحبه منها:
_عُمران عمره ما إتردد في أي حاجة حابب يعملها.
أحاطت بطنها بيده، فاذا به يشعر بنبضاتٍ هادئة أسفل يده، قشعر جسده بذبذبة أحبها، بينما يختبر شعورًا غامضًا نابع من داخله، تابعته "مايا" بأعين غائرة بالدموع، ثم قالت لتخفف عنه حزنه الشديد الذي ظهر في رماديتاه فجأة:
_أوعى تستغل فقدانك للذاكرة وتخل باتفاقنا، لا أنا فايقالك وواعية لكل فعل هتعمله.
نجحت بكسب اهتمامه وفضوله:
_اتفاق أيه؟
اجابته وهي تتجه لتلتقط إسدال الصلاة ترتديه:
_إتفاقنا كان واضح يا بشمهندس، إن دكتور علي المحترم هو اللي هيربي ابننا، انت لا تصلح لتربية طفل صغير يا طاووس، لانك ببساطة هتعلمه الوقاحة وهو لسه ابن شهرين!
ضحك بصوته كله، ورد عليها باستنكارٍ مضحك:
_أنا ماليش دعوة بعمران القديم، أنا بنسختي الحالية، وأعتقد من احترامي الباين معاكِ من ساعة دخولي بيبنلك أد أيه إني محترم وماليش أي علاقة بالطاووس الوقح بتاعك ده!!
لحقت به وهو يستكمل ارتداء ملابسه، فاستند على السراحة وقالت بعنفوان:
_لو غلطت في حبيبي تاني هتشوف رد فعل ميعجبكش!
ترك زجاجة البرفيوم من يده واستدار يتمعن بها بذهولٍ مضحك، حينما اختبر غيرة مهلكة:
_حبيبك مين!! لسانك بدل ما أقصهولك يا بيبي!
ضحكت بملء ما فيها، وقالت باستمتاعٍ:
_إنت غيران من نفسك يا عُمران؟
ربع يديه أمام صدره العضلي، وقال يخبرها:
_محبكيش تفرقي بينا وكأننا شخصين مختلفين، ولنفترض إن شخصيتي اتغيرت، فإنتِ مجبورة تحبيني في كل حالاتي والا غضبي هيطولك يا عسلية!
اقتربت منه وقالت بصدقٍ:
_بس مفيش حاجة إتغيرت فيك، إنت زي ما أنت ولو حتى حصل وإتغيرت أنا قابلة بيك بكل حالاتك.
ارتخى ذراعيه وغرق بنظراتها التي تغوي أعتى الرجال، فإذا به يرنو إليها ولكنها ابتعدت للخلف بارتباكٍ يهاجمها، بعدما قرأت ما بعينيه بوضوحٍ، لقد باتت تفهم كل شاردة وواردة تصدر عنه.
تعجب من رد فعله المعاكس لحديثها، ولكنها أسرعت بالتبرير:
_علي مستني تحت، يلا ننزل.
على ذكرها لأخيه، شعر بأنه يفتقده كثيرًا رغم أنه لم يتركه الا ساعات معدودة، حرك رأسه لها بخفة، فسبقت خطاه وأشارت له بأن يتبعها.
شحذ "عُمران" قوته، واستعد للمواجهة التالية، لحق بزوجته للأسفل، فإذا بأخيه يخرج من غرفة المكتب ومن خلفه "آدهم"، ومن خلفهما فتاتين، إحداهما كانت تراقبه بشوقٍ، ولهفة سبقتها بركضها السريع إليه، وبدون أي مقدمات ارتمت تعانق رقبته بكلتا ذراعيها، بينما تهتف ببكاء:
_عُمران، أنا مش مصدقة بجد أني شايفاك، وحشتني أوي يا حبيبي، الحمد لله إن ربنا ردك لينا.
تيقن بأن من تضمه بتلك الألفة والمحبة، ما هي الا شقيقته التي أخبره عنها"علي" ، مال يستمع لقلبه، فإذا به يستكين بقربها، بنفس المشاعر التي شعر بها حينما ضمه أخيه، أحاطها "عُمران" ورفع رقبته التي يحنيها ليكون على مستوى طولها، فإذا به يرفع جسدها عن الأرض، ومازالت تمشط رقبته، ضمها دون أن يصدر عنه أي حرف، ينتابه الحزن الشديد كونه تسبب في نخر وجعًا طائلًا لجميع أفراد عائلته بلا استثناء.
مال بها للأرض حينما وجدها تبتعد لتتشبع من وجهه، فراقبته وهو يتطلع لعينيها الزرقاء ببسمةٍ هادئة، فاذا بها تقول بضحكة تنافر سيل دموعها:
_أنا كده اتاكدت أنك فاقد الذاكرة فعلًا، لأنك مستحيل تقصر شعرك بالشكل ده أبدًا.
واضافت بضحكة مسموعه:
_بس شكلك حلو أوي كده، طول عمرك وسيم ومميز يا حبيبي.
ابتسم عُمران وخرج بصوته الهادئ عنه:
_وإنتِ كمان ملامحك مألوفة وهادية يا شمس.
وتساءل باهتمامٍ فشل بالتخلى عنه:
_بس ليه مش طالعه شبهنا؟
قصد بالشكل عينيها الزرقاء وملامحها النابعة عن ملامح "فريدة" ، فاذا بأخيه يرنو منهما ويحاوطهما قائلًا:
_لأن شمس طالعه شبه فريدة هانم يا عُمران، أنا وإنت شبه بابا الله يرحمه.
تعلق الأسم بعقله، وبات يردد بصوتٍ غير مسموع:
_فريدة هانم!!
اندفع إليه ذكريات تخص تلك السيدة التي زرعت فيه من قيم الطبقة الآرستقراطية ما تمكنت، فشعر بوحشة تضرب قلبه حتى أضرمت نيران شوقه لها.
كان مازال يقبض على كتف شمس، فاذا به يفق على صوت أنوثي رقيق والذي لم تكن سوى فاطمة تخبره مبتسمًا:
_نورت الدنيا وسط عيلتك كلها يا عُمران.
انتقل ببصره لها، يتطلع لها بحيرةٍ، لقد ذكر له علي بأنه لا يمتلك الا شقيقة واحدة، إذًا فمن تلك الفتاة، ثمة شعورًا يمنعه من التطلع حتى لها، بل وبحجب ذراعيه عنها، كأن هناك ما يخبره بأنها محرمة عليه حتى من نظرة بريئة، ومن بين إرتباكه اتجه ببصره تجاه أخيه، يطالبه بالمساعدة بباطن نظرته العميقة، تفهمها علي وأشار له بابتسامته الجذابة:
_دي فاطمة مراتي، ودراعك اللمين في الشغل، سيادتك مجندها لصالحك من أول ما انا اتجوزتها، حاولت أخدها عندي في المركز بس هي مش مخلصة غير لاخوها البشمهندس عُمران سالم الغرباوي!
ارتسمت منه ابتسامة وقورة، بث فيها كل الاحترام لها، بينما تقابله هي بفرحةٍ، تبثها بقولها:
_وهفضل مخلصة للاخ الوحيد اللي حيلتي، يا رب إنت بس تبطل نفسانه يا دكتور علي.
انقلبت الاجواء للضحك والمرح بينهم، حتى اجتمعوا جميعًا على طاولة طعام الافطار، فاذا به ينتقل يتنجنح بحرجٍ حينما لاحظ أن نظرات الجميع مسلطة عليه باهتمام وسعادة، فحرر نبرته هاتفًا:
_هو محدش مهتم بالأكل غيري ليه؟
اجابته مايا ببسمة رقيقة:
_يمكن عشان قعدتك بينا دلوقتي شغلتنا عن كل حاجة.
ترك علي فنجان قهوته وقال برزانة:
_عُمران إنت رجوعك لينا رديت الحياة لكل شخص فينا.
واضاف بحذر:
_مش فاضل غير ماما وأصدقائك، مش عارف هل إنت جاهز لده دلوقتي ولا لأ، بس تجاوبك مع مايا وشمس ومعانا كان مؤشر ممتاز، ولا أيه يا آدهم؟
انتقلت نظرات عُمران تلقائيًا إلى آدهم الذي ابتسم وقال:
_ده يتوقف عليه هو يا علي، لو جاهز تشوف فريدة هانم نتحرك لقصر الغرباوي على طول.
ترك السكين عن يده وتساءل باستغراب:
_هي عايشة لوحدها بعيد عنك يا علي؟
هز رأسه بخفة، وأوضح له :
_لا يا حبيبي كلنا عايشين مع بعض وعمرنا ما افترقنا، احنا كنا عايشين في لندن مع بعض، لحد ما أنت حبيت تنزل مصر،فبالتالي كلنا نزلنا وراك وقعدنا هنا في الكمبوند بتاع عمنا، لحد ما فريقك يخلص قصر الغرباوي الخاص بتراث اجدادنا، واستلمناه بالفعل،بس كان في نفس يوم الحادثة بتاعتك، عشان كده مايا مقدرتش تقعد فيه من غيرك، وعشان حالتها الصحية كانت سيئة، جبت فطيمة وعشنا هنا بشكل مؤقت..
قرأ حجم الآلآم المتنقل بأوجه الجميع، واندرج داخل فجوة الصمت التي إلتهمت الجميع، إلى أن مزقها عُمران قائلًا:
_أنا شبعت الحمد لله، وحابب أروح القصر وأشوفها يا علي.
كان آدهم الاسرع بالحديث:
_احنا خايفين عليك يا عُمران، عايزينك ترتاح على الاقل يومين وبعد كده آ.
قاطعه وهو يجيبه برفقٍ ونبرة صفاء تتخذ طريقها بينهما لمرته الاولى:
_لا يا آدهم، كلكم اتعذبتوا بما فيه الكفاية، وأكيد هي كمان بتعاني، فلو عليا اتطمن أنا قادر أتعامل.
انصاعوا جميعًا لمطلبه، فصعدت شمس بسيارة زوجها، ولم يقبل علي بأن تقود سيارتها بعمران، كأنه يخشى أن يفترق عنه مجددًا، فجعلها تجلس جوار زوجته بالخلف وجعل أخيه يجلس جواره بالامام، تيقن عُمران بأن علي يخشى عليه من القيادة مجددًا، فانخضع له دون حتى السؤال عن سبب خوفه.
وبينما هو يجلس جواره، فاذا به يجذب من سيارته هاتف عُمران، ثم قدمه له قائلًا:
_ده موبيلك يا عُمران، كان معايا من وقت الحادثة، سجلتلك فيه رقم موسى وصابر، عشان عارف انك أكيد هتحب تتواصل معاهم.
ابتسم عُمران بامتنان إليه، والتقط الهاتف يتطلع له بدهشة، كان باهظ الثمن بشكل منحه خلفية بحجم الثراء الذي يصل إليه، أضاء شاشته فاذا به تنير بصورة له هو وعلي، أعز ما يمتلك حقًا، حرر شاشة القفل التي تحتفظ بصورتهما فاذا بصورته رفقة زوجته تطل بداخل الشاشة الرئيسية.
وصلت السيارات لبوابة القصر الرئيسي، فخطفت بتصميمها الاحترافي انتباه عُمران، كان يدقق في كل تفاصيل البناء، ويشعر بأنه يعلم كل شيء متعلق بالتجديدات الحادثة هنا، كان يلتفت ويسجل كل لقطة تجوب به، بينما يتابعه علي بتركيزٍ، وابتسامة هادئة، كالأب الذي يراقب تصرفات صغيره لاول مرة.
دخلوا جميعًا للقصر الداخلي، ومازالت أعين عُمران تنتقل من مكانٍ إلى أخر، والجميع يجتمعون من حوله، فاذا بصوتًا رجوليًا يقتحم محل تجمعهم:
_أيه الزيارة الجميلة دي، وأنا اللي كنت فاكر إنك نسيتنا يا دكتور علي!
قالها "أحمد" الذي ظهر أعلى الدرج، واستكمل طريقه لاسفل متجاهلًا الجميع، عينيه الغاضبة لا تفارق وجه علي، حتى أنه فشل أن يلاحظ وجود أحدٌ سواه:
_إنت عارف أنا كلمتك كام مرة، طيب عارف حالة فريدة ساءت إزاي؟! قولي المفروض أجيب مين يعالجها غيرك يا دكتور؟ خلاص ما صدقت تمشي من القصر ومبقاش فارقلك حد.
وتابع وهو يستدير تجاه آدهم يشهده:
_يرضيك كده يا سيادة المقدم، بدل ما يكون جنبها ويعوضها عن فقدان آآ...
انقطع الحديث على لسانه فور أن تأمل من يقف جوار "مايا" و"شمس"، توسعت مُقلتيه في عدم استيعاب، بينما يعود ببصره تجاه علي تارة وآدهم تارة آخرى، يود أن يتأكد بأنه لا يتوهم.
كلاهما منحاه ابتسامة تبث له الطمأنينة، ولكنه لم يكن بحاجة الا ليمسه، فاجتازهم جميعًا ودنى منه يرفع كفه، يقربه من جسده ليتأكد من أنه يقف بالفعل قبالته، انصهر تحجر عينيه حينما انهمرت دمعة من عينيه، بينما يستدير لعلي قائلًا:
_إزاي؟!
وخز قلبه حزنًا عليه، فاقترب يمسح على ظهره وقال بحنان:
_عُمران عايش يا عمي، هو فاقد الذاكرة بسبب إصابته بس الحمد لله زي ما أنت شايف واقف على رجليه وبخير.
سقطت دموعه وهو يعود ليتطلع لعمران الذي يُجاهد لتذكر أي شيء يخص عمه، ولكنه لم يجد شيء يتذكره به، فاذا بأحمد يقربه من صدره، يحتويه داخل أحضانه، فلمس فيه حنان الأب المفقود، بينما الاخر يخبره بحنان ويشدد من ضمته بجنون:
_المهم إنه بخير، أخوك بخير يا علي!!
وأبعده ليتطلع في رماديتاه بنظرة امتلأ فيها الحنان حينما وجده مشوش للغاية:
_ ولا يهمك من أي حاجه يا حبيبي، كلنا جنبك ومعاك، أنا وعلي ومايا وشمس وفريدة كلنا جنبك يا عُمران، بكره هتبقى أحسن من الاول وهترجع تشاكس فينا من تاني.
وأضاف وهو يضاحكه بينما دموعه تتساقط دون توقف:
_ويا عم أنا جاهز أروح معاك لمحكمة الأسرة اربع مرات في الشهر لأجل عيوونك.
واستدار لادهم يخبره:
_مش انت جاهز تفضي نفسك يا حضرة الظابط ونطلع معاه نحققله احلامه هناك.
ضحك آدهم حتى أحمر وجهه وقال:
_عنينا للبشمهندس، نسيب فريدة هانم وشمس يريحوا هنا ونروح نفسحه هناك ونرجع بيه تاني.
ضحك علي وأشار يحذرهما:
_خدوا بالكم إنه مش هينسى كلامكم ده، ولو الذاكرة رجعتله وفهم اللي بيتقال ده مش هيسيبكم فعلا الا لما تتجمعوا كلكم هناك في المحكمة، وأنا للاسف مش هعرف أخلصكم انتوا الاتنين، ما عليا الا اني هعالجكم نفسيًا بعد كسرة الطاووس ليكم.
وبالرغم مما فعلوه جميعًا لجعله يتحدث الا أنه كان مقبوضًا من المكان بشكلًا غريبًا، وكأنه لم يستمع لهم من الاساس، وجل تفكيره بلقاء والدته.
ارتاب علي من صمته المطول، فاقترب منه يحاوط كتفه ويهمس له بقلق:
_مالك يا عُمران، إنت كويس؟
هز رأسه وردد بخفوتٍ:
_خدني ليها، عايز أشوفها.
اقترب أحمد منه، وقال وهو يشير له على المصعد:
_تعالى يا حبيبي، أنا طالع معاك، ولا إنت مش عايز الا علي.
قبض عُمران على كف "علي" وردد باصرارٍ غريب جعل القلق يساور الجميع:
_تعالى يا علي.
انضم لهما على للمصعد على الفور، وبقى آدهم برفقة الفتيات توقف المصعد بالطابق المخصص لفريدة هانم، خرجوا معًا للجناح الذي يغمره الظلام وكأن لم يسكنه أحدٌ.
اندهش علي حينما وجد فريدة تتمدد على الفراش لا حول لها ولا قوة، لقد انشغل بالبحث عن أخيه وتناسى أمر والدته، اشتد عليها التعب لدرجة جعلتها لا تترك الفراش.
ترك أخيه على باب الجناح الضخم، وهرع راكضًا للفراش، يناديها بفزعٍ:
_فريدة هانم!!
فتحت عينيها ببطء وهي تراقب وجه علي القريب منها، جازفت برسم ابتسامة باهته على وجهها المنطفئ بينما يتحرر صوتها المبحوح:
_علي!
وأشارت بيديه لها ليرفعها إليه، فانزوت بين أحضانه تشم رائحته وتحبسها داخله قدر المستطاع:
_أنت كنت فين كل ده يا علي، عايز تحرمني منك زي ما عُمران حرمني منه؟
أدمعت اعين عُمران وجعًا، وقهرًا، إن تذكر إسم علي، فإنه يتذكر الآن بعض الذكريات التي جمعته بوالدته الحسناء، ابتسم من محله من فرط المشاهد التي جمعته بها، بينما شيئًا يحركه صوبها.
ومضت تخبره بانهيارٍ بينما تميل على صدره ويضمها هو بحنان:
_أنا مقسومة نصين لا عارقة أعيش من غيره ولا قادرة أدعي على نفسي بالموت عشان البيبي اللي في بطني، مالوش ذنب في كل ده، أنا مش قادرة اتحمل الوجع ده يا علي، خليك جنبي وحاول تعالجني، أنا تعبانه ومخنوقة أوي.
أزاح علي دموعها وقد امتزج وجهه بدموعه تأثرًا بحالتها التي يراها بها لمرتها الاولى:
_ ألف بعد الشر عليكِ يا حبيبتي، إنتِ فعلًا محتاجة لعلاج نفسي، عشان كده جبتلك أكتر حاجة ممكن تهديكي وتساعدك.
ردت ومازالت تندث بأحضانه وظهره محاصر لأحمد الباكي ولعمران الذي كلما اقترب للفراش كلما تدفقت ذكريات طفولته معها رويدًا رويدًا، حتى استمع لها تجيب أخيه:
_مفيش حاجه ممكن تهديني غير عُمران، وحشني أوي، وحشني صوته، أنا كل يوم بقوم أدور عليه بليل على أمل إني هلاقيه بيقيم الليل زي ما كان بيعمل، أنا كنت بحب أصلي معاه عشان أسمع صوته، انا عايزاه يرقيني زي ما كان بيعمل كل ما كنت بكون مخنوقة وضعيفة، هو كان بيقويني يا علي.
وأضافت وهي ترفع رأسها إليه، فوجدته ينهار باكيًا عليها وخاصة حينما قالت له:
_أنا كنت بتسند عليه وعليك، اتكسرت بفراقه فبالله ما تبعد عني انت كمان.
قالتها وانحنت على الفراش، تتمدد عليه واضعة رأسها على قدم علي، وتلف ذراعه من حولها، تحرر صوت بكاء أحمد، وهو يراقب بفضول وحماس رد فعلها حينما ترى عُمران الذي صعد من خلفها للفراش، زحف إليهما وعينيه تورمت من فرط البكاء، جلس جوارها وهي تغلق عينيها على ساق علي الذي يتطلع له برجاءٍ أن يتعامل معها في حذرٍ، فلم يسبق له أن رأها بتلك الحالة.
قرب "عُمران" يده إلى جبينه وأخذ يردد الآيات القصيرة بما اعتادت أذنيها سماعه من قبل، لينتهي بقوله:
_باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيكِ، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيكِ.
أفرجت عن جفنيها بهدوءًا صادمًا، حتى تقابلت بوجه علي المبتسم لها، تهاوت دموعها وهي تنظر له بصمت، بينما ينخفض بصرها لكلتا ذراعيه!! ولفمه المعقود، ومازال الصوت الذي يضرب ساحتها يتكرر بآياته.
مالت جانبًا تجاه المحل الذي كان يقف فيه أحمد، ظنًا من أنه قد تحرك من محله لها، ولكنه مازال يقف محله ونفس الابتسامة الباسمة مرسومة على شفتيه.
تحرك بؤبؤ عينيها في صدمة، ورائحته قد تشربتها أنفها بالكامل، مالت على الفراش بظهرها بعدما كانت تنام بجانبها على ساق علي، ووجهها مدفون داخل صدره.
تطلعت لسقف الغرفة لبرهةٍ، ومازالت تشعر بالكف الدافئ مسنود على وجهها، كممت شفتيها تكبت صراخها بينما يسترسل عُمران قراءته للآيات، مالت بعينيها جانبًا والخوف يكاد يقتلها، فإذا به يجلس جوارها، تخشبت محلها لوهلةٍ، استندت على جذعيها وجلست قبالته بصدمة ضربتها كالرعد، بينما تميل تجاه علي لتتأكد من أن بصرها لا يخونها، أو لربما حالتها النفسية ساءت لدرجة جعلتها تتهيئ وجوده، فاذا بعُمران يقطع حيرتها حينما قال بابتسامة هادئة:
_كنت عايز أشوف غلاوتي عندك يا فيري وشوفتها خلاص، ولو على صلاة القيام فخفي بسرعه وأنا هعوض معاكِ عن كل الصلاة اللي فاتتنا مع بعض.
توسعت حدقتيها في صدمة، بينما لسانها يجاهد لنطق:
_عُمران!!!
زحفت إليه في صدمة، تتطلع له لوقتٍ لا تعلمه، حتى أحاطت وجهه بيديها لتحطم أي قاعدة شك داخلها، مررت يدها على وجهه، صدره، ذراعه، هو بالفعل قبالتها، واذا فجأة تقبل وجهه وهي تبكي هاتفة في وجعٍ:
_ابنــــــــي!!!
فشل عُمران بالسيطرة على بكائه، حتى أن قواه خارت لما تفعله، فمال للخلف وهي مازالت تضم وجهه وتتطلع له بصدمة، بينما تستدير الى علي وزوجها تخبرهما بخوف:
_انا بحلم يا أحمد؟ علي أنا اتجننت رد عليا وقولي إنه هنا قدامي!!!
وقبل أن يجيبها كانت تعود ببصرها إلى عُمران وتهتف بابتسامة واسعة:
_لا مبحلمش ولا اتجننت، عُمران هنا قدامي، ده ابني!!!
قالتها وضمته إليها تبكي بانهيار، أحاطها عُمران وقال ببكاءٍ:
_أنا هو صدقيني، أنا كنت غريب وتايه ودلوقتي لقيت نفسي.
مالت على صدره تبكي دون توقف، بينما يحاول هو أن يهدأها، ولكنه فشل في ذلك، بل عادت تتمعن به ثم تقبل وجنتيه وجبينه، ثم تضمه، ظلت هكذا وقد اعتصرت دموعهم جميعًا، حتى استسلمت للنوم على كتف عُمران، الذي ربت عليها وكأنه يضم ابنته!! وخاصة أنها فقدت الكثير من الوزن بشكلٍ ملحوظ.
تمدد بها عُمران لحافة الفراش حيث استند بظهره للخلف وهي باحضانه، بينما طرح علي عليها الغطاء، وظل قبالتهما، تركهم أحمد وخرج من الجناح، وبقوا معًا جوارها.
مر الوقت وعمران شاردًا في كل لقاء جمعه بعائلته، وإذا به يميل تجاه علي وسأله:
_أيه اللي ممكن يساعدني في رجوع الذاكرة يا علي؟
طالعه من فوق كتفه الايمن ثم عاد يتطلع أمامه بحزن:
_وجودك بين اشخاص مألوفين أكتر، حاجه هتفيدك.
وأضاف وهو يشير له بترك فريدة ترتاح بفراشها، ثم قال له:
_تعالى ننزل، آدهم تحت مستنينا عشان هنروح للدكتور وبعد كده في مشوار مهم أخير لازم تعمله.
تطلع لفريدة المتعلقة به، وقال بقلق:
_أنا مش عايز أسيبها يا علي.
منحه ابتسامة جذابة ومال يساعده في وضعها بالفراش، قائلًا:
_مش هنتأخر أوعدك.
نهض من جوارها ومازالت عينيه متعلقة بها بحنان.راقبه علي بابتسامة حنونة، ومال يداثرها بالغطاء ثم اتبع أخيه إلى الأسفل،ومن ثم إلى الخارج،حيث كان آدهم بانتظارهما بالسيارة.
******
فُتحت شقة عُمران القابعة بحارة الشيخ مهران، وخاصة بعمارة إيثان، اجتمع فيها الشباب بأكملهم وقد ترك يونس باب الشقة مفتوحًا وقد كان أخر من حضر بينهم.
جلسوا جميعًا متفرقون على الأرائك بصمت، بينما يتراقص الحزن بين المُقل، وجودهم بتلك الشقة تحيي ذكريات عُمران داخلهم.
وكأنهم يجلسون في ميتم لقضاء واجب العزاء، فهذا جمال يميل على ذراع الاريكة يحتبس دموعه، بينما يميل يوسف للحائط ولجواره سيف يتطلع أرضًا بحزن.
بينما يجلس آيوب على المقعد البلاستيكي جوار إيثان، وعلى الاريكة المعزولة جلس يونس مهمومًا.
قطع إيثان الصمت المخيم على الوجوه حينما تساءل:
_طيب هو الدكتور علي مقالكش عايزينا ليه يا دكتور يوسف؟
رد عليه يوسف بتجهم:
_لا مقالش يا إيثان، كل اللي وصلني منه رسالة زيكم بالظبط.
تدفقت دمعة على خد آيوب، وقال دون أن يتطلع لهم:
_يمكن وصل لحاجة تخص عُمران..
سأله سيف باستغراب:
_حاجة زي ايه؟
رد آيوب بصوت مرتجف:
_ممكن يكونوا لاقوه.
ازداد الجميع ريبة من أن يكون حديث آيوب صحيحًا، ولكن ما يطاردهم هو العثور على جثمان عُمران المفقود، فاذا بيونس يتنحنح بخفوت:
_استهدوا بالله يا جماعة وبلاش نتشائم، يمكن الموضوع له علاقة بالمشاريع اللي كان عُمران عايز يعملها.
تخلى جمال عن صوته، وقال ببحة صوته المنقطع:
_كنت هعرف يا يونس، أنا اللي ماسك المشاريع أصلًا، علي مالهوش علاقة بالموضوع ده ولا بيفهم فيه أصلًا.
زفر إيثان بقلق ملموس:
_طيب أيه؟ هنضرب اخماس في اسداس كده.
قال سيف وهو يتطلع لايوب:
_طيب ما ترن على آدهم يا آيوب، لو في حاجة هيعرفك أكيد.
رشح يوسف قوله:
_إيثان بيتكلم صح، كلم اخوك يا آيوب.
احتقنت معالم سيف وتمتم بغيظ:
_متقولش أخوك دي، ما أنا قولتله كلم آدهم قدامك ولا لازم يعني!
اتجهت نظرات الدهشة من الجميع إليه، وكأنه وقته هذا، تنحنح في حرجٍ وقال يخفي تفاهته:
_انجز يا آيوب وكلمه، الموضوع يقلق وميتسكتش عليه.
أحاطه بنظرة ساخرة، ثم استل هاتفه وحرر زر الاتصال على أخيه، فاذا بصوت الهاتف يقبع على باب الشقة المفتوح على مصرعيه.
اتجهت الاعين إليه، فوجدوا آدهم قبالتهم، يرسم جديته الحازمة،ويهتف في غموض:
_أنا كمان جايلي رسالة زيكم تمامًا.
قالها وولج للداخل يجلس جوار يونس، ويرسم انتظاره الممل لحضور علي.
مرت خمسة عشر دقيقة، وظهر علي قبالتهم، اتجهت الأعين إليه بفضول، وجميعها سؤالها مشترك ما السر وراء اصراره على تجمعهم بهذا الوقت الغير مناسب للبعض منهم؟
منحهم علي ابتسامة جذابة، وخطى للداخل بخطاه الواثق، ليفسح الطريق لمن يتبعه، فدخل خلفه حينما وجده يدخل، ولج للداخل يبحث عن محل جلوس أخيه، واتبعه كالصغير الذي يحبو خلف أبيه، ثم جلس ملتصقًا به، وهنا بدأت رماديتاه تلتقطان الصورة كاملة له، من وجود هؤلاء من حوله، ونظراتهم إليه كمعتاد نظرات عائلته، أفواههم تكاد تصل للارض في صدمة، بينما ينتقلون ببصرهم إلى بعضهم البعض وتعود الابصار مجددًا إليه!!
....... يتبع......
#صرخات_أنثى...
#الاقوى_قادم...
لحجز نسختك الورقية من روايتكم المفضلة صرخات أنثى وباقي رواياتي الورقية (غارثا، مزرعة بني يعقوب، مافيا الحي الشعبي) ما عليكم سوى ارسال رسالة على واتساب 01121530961،واستفادوا من الخصومات، الاولوية للحجز ❤
متنسوش إني بحبكم في الله ♥
*******________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 132 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#عودة_الطاووس!..)
#الفصل_الـ102
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات فاطمة اللامى ـ Asmaa Hmada- ملاك الرحمة ـ
Mai Mohamed- Azza Eletreby- ليالي احمد
Yasmein Mohamed - Om Abdelfatyah
Adel Abd Elaziz - فرجينيا جميله الجميلات ـ Safaa Salh ـ Mayada Mohmed -
Rana Ragab Nail - Fifi Zain -Heba Ibrahim
Mervat Mammdouh - ام حفصه يحيى ـ
، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
شعر بغرابة ما يحدث أمامه، أعين الجميع تشاركها الدمع، وفرحة، عجزت الألسنه عن البوح عنها، يتطلعون لبعضهم البعض في عجزٍ وعدم استيعاب، كانوا ليركضون إليه يمطرونه بالأحضان والقبلات، ولكن ما حدث لهم جعلهم يلتصقون محلهم، يطالعونه في صدمة، الدموع تنهمر دون توقف، بينما تحاوطهم الدهشة والذهول.
نهض "يوسف" عن الاريكة، يتجه إليه ودموعه تنهمر على خديه، بينما يجاهد ليحرر صوته الهادر:
_عُمران!!
سحب بصره الذي يجول بين الاشخاص، لمن يقف قبالته، كان يظن أن هؤلاء الاشخاص يخصون علي، ربما تربطه بهم صداقة، ولكن الأمر يتضح له الآن بعكس ذلك.
جذبه إليه دون أي حديثًا أخر، يتعلق به بقوة، بينما يهتف ببكاء:
_أنا مش مصدق نفسي!! معقول!!
وأبعده عنه يتطلع فيه بذهولٍ، بينما يرتاب عُمران من عدم تذكره أي شيئًا يخصه، وإذ فجأة يركض "آيوب" صوبه وهو يناديه بلهفة:
_عُمــــــــــراااان!
تلقفه من ذراعي يوسف يضمه ويميل يقبل كتفه، بينما تحول أعين عُمران على أخيه، يحاول أن يفهم من هؤلاء، ولكنه لم يستطيع رؤيته فلقد وقف سيف ويونس على جانبه الآخر، يحاوطونه بفرحة مغموسة بدموعهم، بينما يخبره سيف بفرحة:
_دي معجزة وحصلت برجوعك يا طاووس، يوسف كان منهار من غيرك.
بينما ابتسم له يونس وقال:
_حمدلله على سلامتك يا بشمهندس، كنا كلنا مفتقدينك والله.
أحاطه "إيثان" بحبٍ شديد، ونطق من بين دموع فرحته بعدم استيعاب:
_خواجة!!
رمش بتيهةٍ وتوتر من نطقه للاسم، فبات لا يعلم ما يجرى هنا؟ لقد تشابكت جميع الخيوط، والتقمت فوق بعضها البعض بشكلٍ جعله مشوش بالكامل.
نهض علي يبعد جمعهم وهو يشير لهم بالابتعاد، وخز قلبه بألمٍ، حينما وجد أخيه ينازع شيئًا غامضًا، ومازالت رماديتاه تنعكسان على الأوجه بحيرة ودهشة، ارتاب الشباب لأمره فتنحوا جانبًا ليسمحوا لعلي بالمرور، فما أن تلاشى الجمع حتى برز محل جلوس جمال المنصدم بوضوحٍ.
اشتبكت عيني عُمران به، فازداد شعور الألم داخله، أحاطته غيمة كأن قطرات المياه أصمت أذنيه، فبات لا يستمع لحديث أخيه، ولا يرى أحدٌ سوى جمال، نظر إليه في تيهةٍ وارتباك، وجل ما يضربه بتلك اللحظة أصوات اصطدام سيارة بالرصيف، عبارات متفرقة، صراخ صوتًا رجوليًا غريبًا بإسمه، على ما يبدو بأنه نفسه صوت الشخص الماسد أمامه، ومن ثم احترق مسمع عُمران صوته هو، وهو يصرخ
«نط يا جمال، أنا هحصلك!!!!»
ازداد ألم رأسه بشكلٍ جعله لا يحتمله، وبالرغم من محاربة كل ما يحدث أمامه الا أنه لم ينزع عينيه من عيني رفيقه المقرب، بينما لجواره يحاول علي السيطرة عليه، يحاول سحب كفيه عن أذنه، وفجأة يتلاشى عنه كل هذا الضجيج، ويعود يوزع نظراته بين الشباب بعجز تام.
تعلق بذراع أخيه، وقال بارهاقٍ وشحوب انتابه:
_أنا عايز أمشي من هنا يا علي.
وأضاف وهو يجاهد تعبه الشديد:
_خدني من هنا.
انصاع له علي، وسنده كليًا ليخرج من الشقة والعمارة بأكملها، عاونه على صعود سيارته وغادر به على الفور.
بينما بالأعلى.
ارتمى كلا منهم بمقعده باهمالٍ، فور أن أخبرهم آدهم بالحقيقة الصادمة، والتي تلخصت بفقدان عُمران للذاكرة.
إتجه يوسف لجمال، يربت على ظهره بابتسامة تزور وجهه الباكي:
_افرح يا جيمي، تؤام روحك رجعلك يا عم.
حرك رأسه أخيرًا عن موضع سكونه، يمنحه نظرة منطفئة، ويجلي أحباله:
_عُمران كان هنا صح؟!
زوى يوسف حاجبيه بدهشةٍ من حالة جمال، لقد تعجب حينما بقى محله ولم يركض لعناقه، فتفسرت حالته الآن إليه، اتجه إليه آدهم والشفقة تكسو ملامحه:
_أيوه يا جمال، عُمران رجع، وكان هنا من شوية، إنت مش بتتوهم.
أزاح دموعه من وجهه واتسعت ابتسامته بشكلٍ غريبًا، بينما يهز رأسه:
_أيوه، عارف إني مش بتوهم، أنا أصلًا مكنتش مصدق إنه بالضعف ده، وفكرة انه يموت على ايدين الخنازير دول كانت قتلاني، أنا بس متأخد من الموقف، أصله مرجعنيش لحضنه من تاني، يعني رجع ومرجعش، فتلاقيني محستش بيه!!
وأضاف وابتسامته تزداد بشكل أقلق الجميع:
_سمعتك وإنت بتقولهم إنه فقد الذاكرة!، ده كدب يا حضرة الظابط، عُمران بيعاقبنا كلنا إننا مقدرناش نوصل لمكانه، فعامل نفسه ميعرفناش، بس إنت عارف بمجرد ما يعدي يومين تلاتة هيجي جري، هو مبيقدرش يبعد عننا ولا عني أنا بالذات، هو ممكن يكون مستني إني أروحله بس أنا مش هروح هستناه هو يجيني، عشان أنا زعلان منه أوي ووجعي كبير منه، يمكن لو كان سبني معاه في العربية كنت أنا كمان فقدت الذاكرة وقدرت أنسى مرارة الايام من غيره، أو على الاقل أنسى إنه نسيني!!!!
وأضاف ومازالت ابتسامته تعانق ثغره رغم بكاء عينيه:
_مكنتش أعرف ان لحظة ما رماني من العربية كان بيرميني برة حياته كلها، ده ظلم كان المفروض يعرفني اللي هيحصل بعد كده ويسيبني انا أختار، لو قالي إنه هيجي اليوم اللي هيقف قصادي وهو مش عارفني مكنتش سمحتله أنه يزقني أصلًا.
سقطت دموع آدهم في عجزًا تام أمام وجع جمال الذي أثر في الشباب جميعًا، جاوره يوسف وشدد من دعمه:
_جمال إنت هتموت نفسك باللي بتعمله ده، أنت المفروض تكون سعيد إنه بخير، هو إنت كنت متوقع إنه هيخرج من حادثة مميتة زي دي أصلًا؟؟ وحتى لو مفتكرناش مش هنقدر يعني نخليه يحبنا ويتعلق بينا من تاني؟؟؟ رد عليا، ساكت ليه؟
نهض عن محله اخيرًا وصرخ بوجع:
_أنا مش عايز أبدأ من تاني، أنا عايز أكمل على اللي فات لإنه أساس كل علاقتنا، أنا مش عايز أبدأ في صفحة بيضة ملانه بينا كلنا، أنا أناني وعايزه يحطني في المكانة اللي كنت فيها، أنا عايزه يعرف إني كنت أقرب شخص ليه، عايز أحضنه وهو يعرفني وفاكرني، أنا مش عايز أدخل سباق مش عادل يا يوسف.
اعتلت الدهشة الوجوه، والجميع ييقين أن جمال ليس في حالته الطبيعية بالمرة، دنى منه سيف والحزن يظلم مُقلتيه، ربت على كتفه وقال:
_القلوب بتحن يا بشمهندس، قلبه هيحنلك وهيحس بالصداقة والحب الكبير اللي كان بينكم، إنت أكتر حد اتوجع بغيابه وهو هيشوف ده.
بينما أضاف آيوب وهو يزيح دموع شفقته عليه:
_وفوق كل ده أمل رجوع ذاكرته كبير، آدهم قال إنه بيتحسن جدًا يعني المسألة مسألة وقت.
أكد أخيه الحديث مسترسلًا:
_دي حقيقة يا جمال، تعامله مع علي وفريدة هانم ومراته كان فوق الممتاز، أعتقد إنه كان لازم يشوفكم واحد واحد، يمكن جمعتنا شتته.
أنكس رأسه للأسفل وكتم بكائه، بينما يتزلزل جسده من فرط كبته لصوت بكائه، ربت يوسف على ظهره وقال باكيًا:
_هيفتكرك والله، عارف أنا مش فارق معايا يفتكرني ولا لا المهم إنه رجع وعايش وكويس، أنا عارف إنك متعلق بيه وبتحبه أكتر من نفسك، فخليك واثق إنه هيحبك بنفس القدر، فقدان الذاكرة مش بببدل مشاعر الحب والكره للاشخاص يا جمال.
أضاف إيثان هو الأخر متعاطفًا معه:
_يا بشمهندس اكسبه لصفك وبعد كده احكيله اللي كان بينكم، المهم إنه يتقبلنا كلنا في حياته.
تحدث يونس برزانة:
_عندك حق، وهو بصراحه كان دايمًا واقف مع الكل، وعمره ما أتخلى عن حد أبدًا، فده أقل واجب له عليك أنت ويوسف يا جمال، لازم تحاولوا تساعدوه.
سحب جمال جاكيت بذلته البني، المركون على الطاولة، ومن ثم جذب مفاتيح سيارته، إتجه ليغادر فلحق به يوسف ومضى برفقته خشية من أن يصيبه سوءًا وهو بتلك الحالة.
******
قاد "علي" السيارة وهو يختطف النظرات لأخيه المستند بذراعه على النافذة، بينما يضم جبينه في تعبٍ شديد، وإذا به يخبره بصوتٍ ينازع عدم فقدان الوعي:
_اركن على جنب يا علي.
إنصاع إليه، وإنجرف بعيدًا عن مرور الطريق الأسفلتي، مختارًا محازاة النيل على أرضية ترابية، فتح "عُمران" باب السيارة، وخرج منها يسعى للاقتراب من المياه، عسى أن يهلك الهواء احتدام أنفاسه، بينما يموج صوت مرور الهواء لقصبته، مصدرًا صوتًا ينم عن عدم مقدرته على التنفس بشكلٍ صحيح.
خر أرضًا يجثو على ركبتيه، ويستند على ذراعه، بينما يغلق عينيه بارهاقٍ شديد، هرع إليه "علي" يميل على ركبتيه مثله، يناديه بخوفٍ:
_عُمران، مالـك؟!
أفرج عن جفونه الثقيلة، وراح يتطلع بأخيه في ضعفٍ:
_مش عارف، حاسس إني مخنوق، في صوت رهيب هيفجر رأسي من قوته!
وتابع وهو يحرر أزرار قميصه لنهايتها:
_مش قادر أتنفس يا علي!
راقب حالته عن كثبٍ، وسرعان ما تخلى عن محله، أحاطه من الخلف بينما يردد بقوةٍ:
_ده عرض نفسي، إنت كويس ومفيش فيك حاجة، خد نفسك وخرجه تاني بهدوء وعلى مراحل.
وأكد عليه وهو يضمه بتمكنٍ:
_أنا جنبك متخافش، اتنفس يا عُمران!
فعل كما طلب منه أخيه، وبدأ ينظم أنفاسه بينما يمرن "علي" يده على ضلوعه وجسده ليساعده بتمرير الهواء داخله، اخباره المتواصل بأنه على ما يرام ساهم في أن يتخطى عُمران تلك النوبة التي تزوره لمرتها الأولى.
استكان لصدر أخيه ومال بسكونٍ، فجلس "علي" بشكلٍ مريح وإلتقفه إليه، فإذا به يميل على ساقه مثلما كان يفعل، في كل مأزق يواجهه كان هو ملاذه وغوثه.
سند "عُمران" يده على ساق "علي" وأغلق عينيه بتعبٍ شديد، مستسلمًا للنوم أخيرًا، وكأنه لم يحظى به منذ شهورًا، أزاح "علي" دمعة سقطت من رماديتاه تأثرًا بما يخوضه أخيه، وانحنى يقبل جبينه، هامسًا بألمٍ:
_مكنش لازم أعرضك لكل ده في وقت واحد، حقك عليا يا حبيبي.
ومال برأسه لاطار السيارة بينما يستطرد في عجزٍ:
_الكل عانى من غيرك، ويستحقوا إنهم يعرفوا برجوعك.
لفحهما تيار من الهواء، فأبعدت قميص عُمران المفتوح للخلف، فاذا به يرتجف فجأة، رفع "علي" القميص على كتفيه في محاولةٍ لأن يغلقه عليه، ولكنه مال على بطنه من فوق ساق أخيه، ففشل علي في إغلاقه، وعلى الفور إنتزع جاكيت بذلته الردمادي، وأحاط به ظهر أخيه، بينما يحرر أول أزرار قميصه حينما شعر بأن الاختناق انتقل من أخيه إليه هو!
سند رأسه للاعلى ثم مال يطالعه بآعين دامعة، متأثرة على حاله، لطالما كانت حياة "علي" مستقرة، لم يسبق له أن مرت عليه فاجعة حطمته داخليًا الا وكان أمرًا يتعلق بمن يحبهم، لقد أُبتلي في كلًا من وضع بخانة المحبوب داخل قلبه، زوجته، أخيه، والدته، شقيقته، لقد أُبتلي فيهم جميعًا، ليته هو الذي ابتلي في ذاته، فما أصعب أن يكون مكمن وجعك فيمن أحببت!
أخيه الذي مر بكل الصعاب، بداية من طفولته، ونهاية بمعارك الحياة التي تستدرجه لها، لقد تمزقت عيناه حزنًا على حاله، فاذا به يضمه ويميل فوق رأسه مستندًا به، بينما يهتف بحشرجة بددت حلقه:
_يا رب ناديتك بقلب يملؤه الأمل بالإجابة، فلا ترد قلبِي، اللهم اشفِ أخي، واغرس في نبضه الراحة، وفِي جسده عافية لا تفارقه أبدًا، اللهم اشف أخي شفاءً ليس بعده سقمًا أبدًا.
واضاف والضعف قد تغلب عليه:
_يا رب إنَّ أخي قطعه مني يؤلمني ألمه، ويبكيني تعبه، فاللهم طهر جسده من كل ما يعانيه، لا تدع يالله مكان ألم إلا وقد شفيته، واجعل الصحة والعافية تسري بجسده فلا تريني فيه مكروه يارب، استودعك يا الله أخي وقلبه وعافيته فاللهم أحفظه وعافاه.
******
فور أن استعاد الجميع ثباتهم الفعلي بعد مغادرة جمال ويوسف، هبطوا جميعًا للأسفل، ووقفوا يودعون بعضهم البعض، فإذا بسيف يراقب آيوب بنظرة منفعلة، فأغلق باب سيارته وأتجه إليه يشير باقترابه:
_هو إنت مش بيتك قريب من بيت إيثان؟
هز رأسه وملامح الدهشة تحيطه، فاذا به يستطرد بذهولٍ:
_أمال بسلامتك رايح تركب مع حضرة الظابط ليه؟ المسافة مش طويلة لدرجة إنك تحتاج عربية توصل جنابك، ولو عجزت بدري ولا رجلك اتكسرت فاتفضل عربيتي موجودة هوصلك أنا.
منع آيوب ضحكاته من السطوع، وقال بضيق:
_سيف ظهور عُمران وزعل بشمهندس جمال ملخبطنا كلنا، فبالله عليك ما هي ناقصة يا أخي، وبعدين أنا مش راجع البيت انا رايح لمصطفى الرشيدي باعتلي وقالي إنه عايزني، فمش وقتك خالص.
خرج عن توب صبره الذي يرتديه منذ أشهر، فاذا به يجذبه من تلباب قميصه إليه، ويصيح بعنفوان:
_أمال وقته أمته؟؟؟ طول الفترة اللي فاتت مش معبرني، ولازق في حضرة الظابط، أنا كنت شاكك فيك من لما كنا في لندن وكنت بتسرح بيا بكلمتين البكش بتوعك وحاليًا بقيت مكشوف ووشك الحقيقي باين وضوح الشمس، زي ما صدقت إنه طلع اخوك وعايشلي في الدور بسلامتك.
وأضاف بعد أن طرحه على مقدمة سيارته:
_كم مرة عزمتك إنت والجماعة ورفضت؟ كم مرة رنيت عليك وطنشت؟؟ كم مرة بعتلك تعدي عليا في المركز قبل ما تنزل شغلك؟؟؟ بقيت بقابلك بالصدفة وكل مرة تخلق أعذار وحجج سخيفة!
ابتلع "آيوب" ريقه برعبٍ من رؤية ملامح سيف تثور لتلك الدرجة الشرسة، بينما من خلفه يتابع "إيثان" حوار "يونس" و"آدهم"في مللٍ، أنهاه حينما قال وهو يلهو برمي الحجارة:
_جوز الزغاليل شبطوا في بعض!
فور نطقه لتلك الكلمات الصادرة عنه ببرود، حتى استدار وجوههم تجاه سيارة "سيف" التي تشهد على ما يجرى، اندفع "آدهم" و"يُونس" إليهما، كان أخيه أول من تساءل:
_في أيه يا سيف؟؟
أفلت يده عن عنق آيوب، وتركه يرتب قميصه الأسود وهو يراقبه بهلعٍ، بينما يستدير ليجيبه:
_عربيتي عطلت وبقوله خلي حضرة الظابط يوصلني، قل أدبه عليا ابن الشيخ مهران المتربي!
قطب"يُونس" حاجبيه بشكٍ:
_آيوب شتمك إنت!
رد وهو يشيعه بنظرة جامدة:
_تصور يا أستاذ يونس!!
توسعت مُقلتي آيوب بصدمة، بينما ابتسم آدهم ولف يده حول سيف يلقنه بخبثٍ:
_عربيتي تحت أمرك يا سيف، هات المفتاح وأنا هكلم حد يرجعهالك للبيت، وإنت اتفضل معايا.
رمش بحرجٍ حينما كشف آدهم أمر سيارته التي لم تتعطل من الاساس، فمد يده بالمفتاح له وإتجه يجلس بالمقعد الامامي ليمنع آيوب من الجلوس بالامام، راقبه آيوب ومال لآدهم يتمسك بذراعه كالطفل الصغير:
_روح انت معاه يا آدهم وأنا هاجي وراك مواصلات، لو ركبت معاه وهو بالحالة دي ممكن يخلص عليا، سيف بقى عصبي أوي!
ضحك بصوته الرجولي، وقال يشاكسه:
_تحب أخدك على حجري وأنا بسوق عشان متخفش منه!
رد وفيروزته تتابع سيف الذي يرمقه من السيارة بغضبًا قاتلًا:
_روح إنت وبلغ صاصا إني هعدي عليكم بكره، أو أقولك بلاش بكره هأخد سدن وأروح لسيف بكره نتعزم عنده يمكن يهدى شوية!
ازدادت نوبة ضحك آدهم بشكل زاد من وسامته، بينما تتابعه فتيات الحارة الذين يمرون من جواره، باهتمام من كنايته ومن بحوازته، فاذا بيونس يربت على كتفه ويخبره باستنكارٍ:
_بلاش لعب العيال ده يا آيوب، وروح شوف الاستاذ مصطفى عايزك ليه، ولو خايف على نفسك فكده كده هو سابلك الكنبة اللي ورا كلها إقعد وخد راحتك فيها.
أكد له آدهم بإيماءة رأسه، فاتجه بهدوء للسيارة، بينما يطرق آدهم على كتف يونس وهو يخبره:
_سلام مؤقت يا يونس، ومتقلقش الضرايب أمورها سهل، طول ما انت وايثان ماشين في السليم محدش هيضرك، انا بنفسي هشوف الموضوع ده.
منحه ابتسامة رسمية، وقال:
_تسلم يا آدهم، في رعاية الله.
اقترب منهما إيثان وصاح لادهم الواشك على الوصول لسيارته:
_خد بالك من الزغاليل دي لتلبس على الرصيف يا باشا.
استدار يغمز له بضحكة شبابية مشاغبة:
_متقلقش يا كابتن أنا أسيطر على دولة بحالها.
وضع إيثان يديه بجيوب سرواله ووقف يتطلع له بابتسامةٍ هادئة، واستدار يتجه إلى رفيقه، فوجده يجلس على الأريكة القابعة بمدخل منزله، فلحق به وجاوره في صمتٍ، أرغم يونس على أن يلتفت له ويجاهد للحديث:
_هو إنت لسه زعلان مني؟
أحاطه بنظرة ثقيلة، وعاد يتطلع أمامه وهو يحرك ساقيه بضجرٍ، شعر "يُونس" بأنه قد تمادى في الأمر، فمال بجسده تجاهه ووضع يده على ساقه، هادرًا في خزي:
_طيب حقك عليا متزعلش، كنت متعصب ومش طايق نفسي، وإنت مصر تعرف أنا فيا أيه، وللاسف الموضوع خاص مش هقدر أكلمك فيه.
راقب إيثان ساعة يده، ثم نهض يشير له:
_قوم خليني أوصلك، قبل ما أروح الجيم.
جذبه بقوةٍ جعلته يرتطم بالاريكة الخشبية:
_هو ده ردك على كلامي يا إيثان؟
واجهه بعنفوان، ونبرة متعصبة:
_عايزني أقولك أيه يعني؟ من يوم ما إتجوزت وانت بوزك قدامك شبرين ومش طايق نفسك، سألتك مرة ومليون عشان أعرف مالك وإنت ساكت ومبتتكلمش وجاي دلوقتي تقولي الموضوع خاص ومش هينفع أتكلم فيه؟!! من أمته وفي بينا حدود يا يونس، من أمته وإيثان بقى غريب عنك؟؟؟؟ أنا أي حاجة بتحصلي إنت أول واحد بجري عليه، ولما حصلت مشكلة تمس عرضي وشرفي لجئت ليك، عشان عارف إن اللي يمسني يمسك، وجاي إنت تبني حوليك حواجز وتقولي مالك؟!!!!
تزحزح بجلسته بعيدًا عنه وهتف بوجومٍ:
_مش أي حاجة ينفع إنها تتقال يا إيثان، وبعدين أيه يدخل علاقتنا باللي أنا بمر بيه!
تعلقت به نظراته الحزينة بدهشةٍ، ولوهلة شعر بأنه لم يعرفه جيدًا، ابتلع العلقم القابع بحلقه، وهتف:
_مين قالك إني عايز أعرف تفاصيل، أنا بس عايز أعرف مالك؟ مين زعلك ووصلك للحالة دي؟
زفر بضيق، ورغمًا عنه ارتفع نبرة صوته:
_مش عايز أتكلم يا إيثان، هو بالاجبار يا أخي؟!!!
شق صدره بحديثه القاس، وإذا به لا يحتمل رؤيته، فسحب الحديث عن لسانه، وإتجه ليعبر من بوابة منزلة الحديدية ليغادر، اندفع يونس إليه يمسك بذراعه:
_أنا آسف يا إيثان، أنا بقيت متلخبط ومش عارف اعمل أيه؟! كنت فاكر إن كل مشاكلي هتتحل لما أتجوز أنا وخ.. أم فارس.
حتى إسمها يخشى نطقه أمام رفيقه، فكيف سيخبره بما يضيق بصدره، رفق إيثان بحاله فور أن علم بما به وبمن يضيق صدره، فقال:
_خلاص يا يونس متكملش، إهدى أنا مش زعلان منك انا زعلان عليك وإنت عارف.
ثم أضاف بعد دقيقة من الصمت:
_لو كانت الظروف غير دي كنت قولتلك روح لدكتور علي، اتكلم معاه لو الموضوع مرتبط بحالتك النفسية، هو أكتر حد هيقدر يفيدك.
تركه ومال تجاه مدخل المنزل الخارجي:
_فكرت في الحل ده بس استبعدته لان الأمر يخصها هي مش أنا يا إيثان، إزاي عايزني أروح أتكلم عن مراتي في أمور خاصة بينا قدام راجل!!
تأكدت شكوك إيثان بأن الأمر الذي يمر به يونس ليس هينًا بالمرة، شحذ همته ولحق به للخارج، يخبره بتريث:
_الراجل ده دكتور نفسي هيساعدها وهيساعدك، وكلامك عن أمورك الشخصية هيكون بهدف الوصول لحل، وبالنهاية الامر خارج عن ارداتك الا بقى لو عايز تفضل في المعاناة اللي انت فيها دي كتير.
وأضاف وهو يربت على كتفه بحزن:
_اسمع كلامي يا يونس، دكتور علي فرق في علاجك أوي، وهيقدر يحل اللي بتمر بيه دلوقتي، بكره تتصل بيه وتأخد منه معاد، لازم تقابله وتتكلم معاه!
*****
سيطر "آدهم" على ضحكاته بصعوبة، وهو يراقب النظرات الشرسة بين سيف من جواره وأخيه من خلفه، كأنهما طفلان صغيران بكل ما تحمله معنى الكلمة، فتنحنح بخشونة:
_أيه يا شباب، مالكم كده في أيه؟
كان أخيه أول من مزق رداء الصمت:
_إسأله هو، لو مبطلش يتعامل معايا بالهمجية دي أنا اللي هبلكه المرادي من حياتي كلها.
منحه آدهم نظرة محذرة من المرآة الأمامية للسيارة، وأشار باصبعه:
_آيوب عيب!!
لكم المقعد من أمام وعاد يستند بظهره للخلف، فاستدار له سيف وقال بحدة:
_إنزل من دور الثقة الزايدة دي انت متعرفش تبلك حد أصلًا، وخصوصًا أنا، ومتقلقش أنا اللي هقطع علاقتي بيك تمامًا لانك متستهلش، إنت صاحبي بالاسم بس، مالكش وجود ولا دور في حياتي!
برقت فيروزته في صدمة:
_أنا صاحب بالاسم يا سيف!!
أكد له بثقة:
_أيوه، لما متسألش عليا كل ده، ولازق في حضرة الظابط ليل نهار يبقى ده إسمه أيه؟
تبسم آدهم وهز رأسه بعدم تصديق، بينما يهمس بصوت غير مسموع:
_أيه شغل العيال ده؟ كان الله في عونك يا دكتور يوسف!
ورفع من صوته ليصبح مسموعًا:
_اهدوا كده انتوا الاتنين، واتكلموا بهدوء بحيث نقدر نحل المشكلة المطروحة!
صرخ آيوب بانفعال:
_نحل أيه يا آدهم، ده فضحنا في كل مكان تكونوا فيه، بقيتوا كلكم بتتعملوا معانا كأننا أطفال!!
وأضاف بسخط:
_أنا بقيت بتحرج بسببه وبسبب طريقته معايا!
رد عليه سيف وقد استدار إليه:
_على فكرة بقى الكل عارف ان انت مقصر معايا ومحقوقلي جدًا كمان .
فتح آيوب النافذة من امامه وهو يهتف بضيق:
_استغفر الله العظيم واتوب اليه.
قالها وعاد يتطلع تجاهه، يخبره:
_يابني هو أنا كنت لاقي وقت لنفسي، مش كلنا اتسحلنا في حوار عُمران، ومن بعده كان آدهم بيعمل العملية وكنت جنبه، قصرت معاك آه، بس مقصر مع نفسي ومع كل اللي حوليا!
استدار إليه وأجابه:
_ده مش مبرر صدقني، ثم إنك كان معاك فرصة تراضيني بيها ونطلع نسهر في أي كافيه، ألقيك ببساطة طالع مع حضرة الظابط ومروح معاه، وإنت نايم طول الايام اللي فاتت معاه، أيه مش قادر تستغنى عنه!
مال آدهم إليه في دهشة فاذا به يستدير تجاهه ويخبره على مضض:
_لمواخذة يا باشا.
منحه ابتسامة يرسمها بالكد:
_خد راحتك يا سيڤو.
أشار له بامتنان ومال للخلف يستعرض باقي حديثه:
_وبعدين أنا مش كلمتك أكتر من مرة تجيني المركز؟
انفجر فيه آيوب بحدة:
_أجيلك فين؟ عشان نتخانق وتفضحنا قدام دكتور علي، مش كفايا اللي عملته فوق!! ولا همك اللي حصل مع بشمهندس جمال، وكله كووم وإنك شمت إيثان فينا ده كوم لوحده.
فصلهما آدهم حينما قال:
_آسف على المقاطعة بس عندي سؤال فضولي، شايفكم بتحترمونا كلنا، دكتور يوسف، بشمهندس جمال، معلم يونس، وأنا لحد اللحظة دي بردو حضرة الظابط! اشمعنا بقى إيثان!!
رد عليه آيوب ومازالت نظراته تحتد بسيف:
_لازم نحترمهم يا آدهم لانهم أكبر مننا بكتير، فرق من ٥ لـ٩ سنين.
منعه ضحكته من الانبلاج، واستمر بالمتابعة:
_ما إيثان الفرق بينكم نفس الرينج.
أجابه سيف بتلقائية:
_هنحترمه إزاي وهو بيتعمد يقلل من آيوب وبيضايقه في الطالعه والنازلة! والله لولا خايف من يوسف لكنت مطوحه مكانه.
تحررت ضحكة آدهم الرجولية بعدم تصديق من قوة علاقة سيف وآيوب، بالرغم من انهما دائمًا في مواجهة بعضهما البعض.
عاد سيف لآيوب يهدده:
_على فكرة يا آيوب أنا هشتكيك لباباك.
ابتسم ساخرًا منه:
_أي واحد فيهم بقى! وبعدين تعذب نفسك بزيارة واحد فيهم ليه وأخويا الكبير جنبك، اشتكيله يا عم اتفضل.
ضرم النيران إليه فاذا به يهدر بعنفوان:
_إنت مصر تخرجني عن شعوري، أنا مش عايز أعرفك تاني سااامع.
حاول آدهم تهدئة الامور بينهما وحينما فشل، أوقف سيارته بسرعةٍ جعلت سيارته تحتك بالرصيف بعنفوان، وبصرامة مخيفة هدر فيهما:
_انزلوا.
تطلعوا لبعضهما البعض في غرابة، وكان آيوب أول من استنكر فعلته:
_آدهم!!!
ردد بعصبية وهو يشير لهما بانذاره الاخير:
_انزلوا حالًا وألا...
قالها وسحب سلاحه الموضوع بتابلو السيارة، فاذا بهما يلوذان بالفرار من السيارة، سحب آدهم مفتاح سيارة سيف، فتح النافذة وألقاه بوجهه هادرًا بانزعاجٍ من كلاهما:
_وصل صاحبك في طريقك.
قالها وانطلق بسيارته كالذي يقود طائرة جوية، بينما يقفان كلًا منهما في مواجهة الاخر بنفور، ومن دون كلمة واحدة عاد كلاهما لحارة الشيخ مهران، قاصدين سيارة سيف المتروكة أمام عمارة إيثان، وتحركوا معًا ليوصل سيف رفيقه لمنزل آدهم الذي ألقاهما على الطريق بانزعاج منهما!
جذب هاتفه يحرر الاتصال بزوجته، ثم وضعه بعد أن فعل المكبر الصوتي، فاذا بصوتها الرقيق يأتيه:
_كابتن آدهم!
ابتسم وهمس بنبرته المغرية:
_شمس هانم! ها معاليكِ جاهزة، أنا قدامي عشر دقايق بالظبط وهكون عندك.
صمتت قليلًا، ثم رددت على استحياءٍ:
_بس أنا ملحقتش أشبع من عُمران، عشان خاطري يا آدهم خلينا هنا يومين كمان، أنا مش مصدقة إنه رجع، انا محتاجه أكون جنبه الفترة دي، تعالى إنت بس هنقعد ونتكلم هنا أحسن من الموبايل.
أجابها بصوته العميق وبتفهمه لما تقول:
حبيبتي أنا مش معترض إننا نفضل معاه، بس أنا بقالي كام يوم ببات معاكِ في القصر وبابا لوحده في البيت، النهاردة بكلمه من الصبح مش بيرد عليا وزعلان من بعدي عنه، وهو حالته الصحية مش أفضل حاجة أرجوكِ قدري ده.
شعرت بالذنب لما تسببت بفعله بدون أي قصدًا منها، فتحلت بالصمت ومن ثم قالت:
_خلاص روحله إنت وسبني أنا مع عُمران، وبكره هروح لبابا مصطفى أطمن عليه وارجع تاني.
=طيب وأنا!! أنا ممكن في أي لحظة يجيلي استدعاء لأي مهمة، والله أعلم سفري هيكون لمدة أد أيه؟ مش حابب إننا نبعد بالشكل ده، أنا عايز أشبع منك ومن وجودك جنبي يا شمس!
تنهدت بحزنٍ شديد، وقالت بعدما حسمت أمرها:
_هقوم أجهز شنطتي، على ما توصل.
أوقفها حينما قال برفقٍ منه:
_لا، هعدي عليكِ بكره بليل تكوني قضيتي اليوم كله مع عُمران.
ابتسمت بفرحةٍ لحقت نبرتها السعيدة:
_تمام يا حبيبي، ميرسي أوي على مشاعرك النبيلة دي.
مال على مقعد القيادة للخلف:
_حبيبي!! إنتِ بتحاولي تغيري قراري صح؟
أسرعت بالرد، ضاحكة:
_أبدًا والله، أنا بس بشكرك مش أكتر.
سرد لها بخبث:
_إبقي اشكريني بكره براحة راحتك.
وأضاف وهو ينجرف لطريق منزل أبيه:
_بكره هعدي عليكِ بدري باذن الله، عشان هنعدي على دكتور يوسف في المركز قبل ما نروح، يمكن يكون علي كلامه صح ويكون ولي العهد شرفنا يا شمس هانم.
تلاقاها الفرح وبرز في صوتها:
_يا رب يا آدهم، أنا نفسي في بيبي شبهك أوي.
ابتسم وقال:
_لو ولد بتمنى فعلًا إنه يجي شبهي لإني مش هيجي من قلبي أشد عليه وهو وارث منك شبه ولو بسيط، أكيد هضعف قدامه زي ما بضعف قدام جمال عيون مامته، ولو بنت فأكيد هدعي من كل قلبي إنها تورث جمالك ورقتك وطيبة قلبك يا شمس!
تعالى صوت أنفاسها المرتبكة عبر هاتفه، فرسمت أمامه صورة مصغرة عن احمرار وجهها خجلًا من حديثه، اتسعت ابتسامتع وقال بحنان:
_يلا يا حبيبي ارتاحي وبكره لينا مكالمة قبل ما أشوفك بليل، تصبحي على خير.
قالها وأغلق هاتفه، بينما جلست هي تمسد على بطنها بأملٍ زرع داخلها، وتمنت أن تكون شكوكهم صحيحة حيال أمر حملها، فكم تود أن تحمل ثمرة حبهما داخلها في أسرع وقتٍ.
******
فتح عينيه بانزعاجٍ، على صوت رنين هاتفه القابع بجيب سرواله، فوجد أنه مازال يتخذ من ساق أخيه وسادة له، وجاكيته يداثر جسده، استقام "عُمران" بجلسته، يراقب أخيه بحرجٍ:
_أنا فضلت كل ده نايم!
تبسم علي وأجابه وهو يغلق أزرار قميص أخيه المتحرر:
_وفيها أيه؟! لو مرتاح هنا ممكن نفضل للصبح عادي.
رفرف بأهدابه الكثيفة وهو يتمعن بالفراغ بشرودٍ، جعل علي يناديه بقلق:
_سرحان في أيه؟
عاد بوجهه للقاء عينيه المهتمة لسماع الاجابة، فهتف بحيرةٍ:
_حاسس آن قعدتنا دي اتكررت قبل كده.
اتسعت ابتسامة "علي" وقال بمزحٍ مضحك:
_لو قصدك قعدتنا على الارض جنب العربية فآه اتكررت مرة في لندن، لكن لو على استيلاءك على رجليا فده أنت متعود عليه يا حبيبي.
وأضاف ضاحكًا:
_بس كل مرة كنت بترشيني بفنجان قهوة وكتاب، المرادي القعدة ناشفة!
نجح برسم الضحكة على وجهه، فزحف حتى استقر جواره، يستند بظهره على السيارة مثلما يفعل علي، طال الصمت بينهما حتى عاد الهاتف يدق مجددًا، رفع عُمران الهاتف، فاذا بصورة مايا مرسومة على شاشته وأعلاها (My little sweetie)«حلوتي الصغيرة!».
ترك الهاتف جانبًا ومال تجاه علي، الذي ردد بتخمينٍ:
_مشتت؟
هز رأسه بخفة، وشكى له ما يشعر به:
_حاسس إني تايه ومحتار يا علي، محتاج وقت أقدر أتعامل فيه معاهم، خصوصًا دلوقتي.
تنهد بقلة حيلة، وشعور الذنب يطارده، زفيره خرج على مرات متتالية، ولحق به:
_ده غلطي أنا، إنت مكنتش جاهز تقابل أصحابك بالتوقيت ده، بس صدقني كلهم كانوا مجروحين وزعلانين عليك.
قطع حديثه حينما ضم كفيه بين يديه قائلًا:
_لا يا علي، أنا اللي أصريت عليك بظهوري لكل اللي حواليا، أنا كنت حاسس نفسي جاهز ومستعد، بس لحد ما آ...
راقبه "علي" باهتمامٍ، وسأله بحيطةٍ:
_لحد أيه؟ قولي أيه اللي حصل معاك، اتكلم واحكيلي يا عُمران.
ارتابت معالمه في توجس، انتشل يديه من بين كفي علي، وقال:
_مش عايز أتكلم حاليًا يا علي، عايز أرتاح أنا تعبان.
ضم وجهه بلهفة وخوف، بينما يتفحصه بنظرة متفحصه:
_تعبان مالك؟ تحب نرجع تاني للدكتور؟
هز رأسه ينفي له، بينما يوضح ما به بالتحديد:
_قلبي وجعني، حاسس بقبضة وخوف غريب.
دفع رقبته إليه، ليتمكن من أن يحتويه بين ذراعيه، بينما يهمس بصوت قشعر جسد عُمران، الذي يشعر في حضرته وكأنه طفلًا صغيرًا:
_بسم الله على قلبك حتى يهدأ ، حتى يطمئن ، حتى يأخذ الأمان ويبتسم، بسم الله على خاطرك حتى يجبر، بسم الله على نفسك حتى تطيب ، استودعك يا الله أخي وقلبه وعافيته فاللهم أحفظه وعافاه.
تعلق به وابتسامته تزداد فرحة بأنه يمتلك أخًا حنونًا مثله، ظل يمسد على ظهره بيده حتى هدأ كلاهما، فإذا بهاتف عُمران يعود للرنين مجددًا، أبتعد عنه علي وأشار له بلطف:
_رد يا حبيبي، مايا زمانها قلقانه عليك.
وزع نظراته بينه وبين الهاتف بنظرة مشوشة، ومن ثم قدمه له، قائلًا بصوت مبحوح من فرط الألم العالق فيه:
_مش جاهز أتكلم مع حد وأنا في حالتي دي.
قدر علي ما يجتازه، والاصعب عليه أنه يعلم جيدًا بما يعانيه أخيه، التقط منه الهاتف وابتعد عن محيطه يتحدث مع زوجه أخيه، يخبرها بأنهما عائدان للتو، وحينما استدار وجد أخيه قد اعتلى السيارة، فصعد جواره وعاد كلاهما لقصر الغرباوي.
******
وصل "آدهم" إلى المنزل، ولج للداخل ينزع جاكيته الجلد، ووضع مفاتيحه وأغراضه الشخصية، بينما يشمر عن قميصه الأسود، ليبرز عروق ذراعيه البارزة، اتجه للمطبخ باحثًا عن أبيه، فوجده يجهز السفرة وآيوب لجواره يساعده.
تابعهما بابتسامةٍ فرحة، يود لو أن يبقيان هكذا للأبد، تنحنح متعمدًا اصدار صوتًا لينتبه أبيه لوجوده، فما منه الا أنه طعنه بنظرة غاضبة، وحرك المقعد خاصته يستكمل ترتيب الطاولة متجاهله تمامًا،وآيوب يتابع رد فعله بذهولٍ.
تحرك آدهم إليه، ومال يقبل يده بحبٍ:
_عامل أيه يا حبيبي؟
سحب كفه منه وتحرك يجذب باقي الاطباق، بينما يتابعه آدهم باستغرابٍ، فأشار آيوب له بأن يتمهل، وإتجه إليه يشاكسه بابتسامته البشوشة:
_مالك يا صاصا، شادد حيلك على آدهم ليه؟
ترك ما بيده على طاولة الطعام، وفاه بغضب:
_والله فيه الخير إنه لسه فاكر أبوه، إسأله كان فين طول الفترة اللي فاتت دي؟ وعرفه أنه لو جاي يبص عليا فأنا كويس، خليه يرجع مكان مهو جاي.
تحرك آدهم إليه، وانحنى قبالته يعاتبه:
_ممكن تفهمني أيه المقابلة والكلام الغريب ده، أنت عارف أني كنت مشغول بحوار عُمران، ومكنش ينفع اسيب شمس ولا أهلها في ظروف زي دي!
جابهه بغضب وصرامة:
_لكن تسيب ابوك عادي! أساسًا شمس قاصدة كل اللي بيحصل ده، مش عاجبها عيشتنا فحنت لعيشة القصور بسرعة، وكل ده ما هو الا تلكيكة عشان تقعد معاها هناك وتسيبني.
اتسعت مُقلتي آدهم في صدمة من حديث أبيه، فلجم غضبه بصعوبة وقال بهدوء:
_بابا متنساش إن اللي بترمي عليها تهمك دي تبقى مراتي، وبعدين قصور أيه اللي بتتكلم عنها، شمس عمرها ما كانت بتفكر بالطريقة دي، ولو كانت زي ما بتقول مكنتش وافقت تتجوزني من الأول!
خشى آيوب أن يحتدم الأمر بينهما، فمال على آدهم يشير له:
_اهدى يا آدهم، هو ميقصدش أكيد.
أبعده آدهم جانبًا، ووقف في وجهة أبيه يتطلع له باستنكار لما حدث له فجأة:
_أنا مستغربك بجد، اللي توقعته منك إنك هتكون متفاهم، شمس خسرت أخوها وكانت بتمر بظروف صعبة، وحتى لما رجع رجع فاقد الذاكرة ومش فاكر حد، من يوم ما اتجوزنا وهي مشافتش يوم واحد حلو معايا، اللي اتعرضت ليه ده أنا كنت السبب فيه، ولما اتعميت كنت بطلع كل سلبياتي عليها ومع ذلك استحملت ووقفت جنبي، مستكتر عليا أكون جنبها في ظروف زي اللي بتمر بيها دي هي واهلها اللي مشفناش منهم غير كل خير، نسيت علي وعُمران عملوا معانا ومعايا أنا بالاخص أيه؟؟ بلاش انا، عُمران أفضاله على آيوب لا تحصى، تحبه يقولك عمل معاه أيه بره وجوه مصر؟!
تحلى عن صمته أخيرًا بحزنٍ عمق نبرته، وهو يوزع نظراته بينهما بالتساوي:
_يابني أنا مقصدتش ده، أنا عارف إن شمس وأهلها ناس محترمين وبيحبوك، بس أنا خوفت أنها تبعدك عني، هي أكيد مش سهل عليها تبعد عن أهلها، خوفت تستغلها فرصة وتفضل إنت معاها على طول هناك فأخسرك أنت التاني.
ترك آيوب آدهم واستدار يتطلع إليه، محاولًا فهم نهاية حديثه الغامض، فاذا به يبكي بانهيار:
_أنا ماليش حد من بعدك يا ابني، لما سبت البيت كنت حاسس أنه زي القبر اللي بيضيق عليا، أنا عاجز ولا قادر أجبرك ترجع ولا قادر أجبر أخوك يجيني، أنا خسرت ابني وعملت كل حاجة عشان يقبلني بس مازال بيعاملني كأني غريب عنه، تقوم انت كمان تسبني!!!!!!
عُصف بقلب آدهم بدرجة جعلت جسده يهتز فجأة، فأجبر جسده يتحرك تجاهه، هاتفًا بمحبة وندم مرير:
_مفيش مخلوق يقدر يبعدني عنك، أنا كمان ماليش غيرك وآ..
تراجع بمقعده للخلف وألقى الاطباق من فوق ساقيه:
_أقف مكانك أنا مش عايز حد جنبي خلاص، لو عايز ترجع لمراتك وتكون معاها إرجع، ولو أنت كمان عايز ترجع لشيخ مهران أبوك إرجع، ومتقلقش مش هتصل بيك تاني ولا هجبرك تيجيني.
قالها وتحرك بالمقعد لغرفته، تاركًا كلًا منهما يحدقان بالفراغ، فاذا بآدهم يتجه لأقرب مقعد ويجلس عليه في عجزٍ تام، تكاثرت مسؤولياته بشكل جعله يكون أول المقصرين في حق أبيه.
بينما يتدفق دموع آيوب في خزي، كان يفعل ما بوسعه حتى لا تشعر الحاجة رقية والشيخ مهران بانتمائه لغيرهما، فأتى بظلمٍ بين على أبيه، أزاح دموعه وإتجه لاخيه يضع يده على كتفه ويناديه بخفوت:
_هنعمل أيه يا آدهم؟
استدار إليه وقال بعد تفكير:
_ادخله إنت يا آيوب، مش هيجيله قلب يطردك.
تحرك دون كلمة أخرى لغرفة مصطفى، وقف يستجمع نفسه أمام بابها الموصود، الارتباك والتوتر يحيلان به، بينما يجاهد لضبط انفعالاته الحزينة، طرق على الباب وولج دون أن يستمع لأذن الدخول، فإذا بأبيه يواريه ظهره، وجهه للشرفة الزجاجية الطويلة.
تنحنح مصدرًا صوتًا خشن حتى ينتبه له أبيه، فاذا به يزيح دموعه ويردد بضيق:
_اخرج يا آدهم، اخرج وسبني لوحدي، مش عايز حد.
انغمرت فيروزته الدموع تأثرًا بضعف أبيه البادي من صوته الهزيل، رأسه المنحني على مقعده، هيئته الدامية مزقت نياط قلبه، فإذا بلسانه يردد رغمًا عن قوته بالتحكم بألفاظه:
_بابا!
رفع مصطفى رأسه عن انحناءته، فورما استمع لصوت آيوب، والصدمة تتمحور فيه لنطقه الكلمة المحظورة عنه، ظل يتطلع أمامه مشدوهًا، وببطء استدار للخلف تجاه محل وقوف آيوب، فأسرع بلف مقعده ودموعه لا تتوقف عن التدفق:
_قولت أيه؟!
لم يستطيع أن يتماسك وهو يرى أسمى امنيات أبيه أن يناديه بما يخصه، ركض آيوب إليه وانحنى يميل على ساقيه، يقبل يديه معًا وهو يخبره ببكاء:
_حقك عليا، أنا حرمتك من أبسط حقوقك، أنا كنت أناني.
ابعد يده عنه وضم فيها وجهه، بينما يشاركه البكاء:
_لا يا حبيبي أنا اللي غلطت وغلطتي متتغفرش، إنت عملت الصح، أنت مش أناني، لو كنت أناني كنت منعت نفسك من زيارتي، أنا كل ما ببعتلك بتجيني ودي بالدنيا عندي.
رفع نفسه يحتضنه وهو لا يسامح ذاته فيما فعل، بل ردد بايتسامة واسعة:
_ يعني انت راضي عني يا بابا؟
قشعر بدنه لسماعه الكلمة مرة أخرى، فشدد عليه بحب وقال:
_راضي عنك وعمري ما زعلت منك ده انت حتة من قلبي يا آيوب.
طبع قبلة على جبينه، ومال يتطلع لعينيه فابتسم له مصطفى بحب، يينما يستغل آيوب فرصته ويقول بخبث:
_طيب قولي يا حاج هتسامح أخويا كمان ولا هتبقى ظالم تسامح واحد و تسيب التاني؟
ضيق عينيه بمشاكسة محببة لقلبه:
_فين أخوك ده مش شايفه يعني؟! ، هو بعتك محامي عنه ولا أيه؟؟
_أنا لو اترافع في حقي مليون محامي مفيش حد فيهم هيقدر يرفع عني الذنب اللي عملته.
قالها آدهم وهو يميل على الحائط من خلفهما، يتابع ما يحدث بسعادة ودموع تتلألأ رغمًا عنه، انقبض قلب مصطفى بوحشية، لأول مرة يرى الدموع في عيني ابنه، بل كان هو سنده وداعمه الأول، فاذا به يردد بوجعٍ:
_عمر!!
تحرك آدهم تجاهه وانحنى على ركبتيه يستقبل ذراعيه المفتوحان، مال على كتفه برأسه وعينيه تتطلع لارضية الغرفة في خزي، والصمت يلجمه عن الحديث، مما اقلق مصطفى على حالته، فربت على ظهره العريض، وقال:
_متزعلش مني يا عمر، أنت طول عمرك تحت رجليا يابني، عمرك ما قصرت معايا، بالرغم من شغلك وحياتك كنت دايمًا أنا من أهم أولوياتك، أنا بس خوفت تبعد عني، وتمشي من هنا، حقك عليا إنت وشمس، شمس اصيلة وبنت ناس، مشوفتش منها حاجة وحشة، ولو هي عايزة تستقر عند أهلها حقها يابني هي اتربت وسطهم وواخده عليهم فآ..
قاطعه آدهم حينما ابتعد يواجهه:
_شمس راجعه بكره بليل، مكانها جنبي ومرتاحة معايا، عايزة تكمل معايا أنا مش مع عيلتها، شمس حابة بس تعوض غياب عمران عنها مش أكتر.
وتابع بينما يتصل بعينيه ليصدق ما سيقول:
_أنا عمري ما هتخلى عنك لأي سبب من الاسباب، ولو كلامك ده كان صح وشمس حبت تعيش مع عيلتها فتأكد إنك هتكون انت اختياري، ووقتها هقولها كل شيء قسمة ونصيب.
صاح بفزعٍ:
_لا أوعى تقول كده، ربنا ما يجيب فيك ولا فى أخوك أي شيء وحش يا حبيبي، ويفرحني باولادكم قبل ما أموت.
تلفظ كلاهما معًا:
_بعد الشر.
ابتسم مصطفى بفرحة وقال لادهم:
_آيوب قالي يا بابا من شوية يا آدهم سمعته؟؟
انهمر الدمع على وجه آدهم، تأثرًت بلهفة أبيه، فهز رأسه بالنفي مع أنه سبق واستمع لكل ما جرى بينهما، فاذا بآيوب يرنو منهما وهو يزيح دموع تأثره بهما، قائلًا بمرحٍ:
_لو بتسعدك كلمة بابا دي هصدعك بيها طول العمر، بس انا واقع من الجوع وإنت عامل أكل ريحته تجوع أصلًا، انتوا باعتين تجيبوني تمرمطوني هنا، ابنك يرميني على الطريق وانت تمنع عني الأكل!!
توسعت مقلتيه في دهشة، ومال لادهم يسأله بدهشة:
_انت رميت أخوك على الطريق يا آدهم؟!!!
ضحك وهو يخبره:
_ربنا ما يوقعك مخلص ليه هو وسيف صاحبه، مش بس هتطرده من البيت انت هتتبرى منه يا صاصا!
انفجر ثلاثتهم من الضحك، فاذا بمصطفى يشير لهم:
_طيب يلا نكمل كلامنا على السفرة، الاكل زمانه برد!
******
احترم "علي" رغبة "عُمران" بالبقاء بغرفة منعزلة بالطابق الخاص باستقبال الضيوف، شعر بأن شيئًا قد حطم تقدمه اللحظي بعد رؤيته للشباب ولجمال بالأخص، شك في أنه استرجع ذكريات يوم الحادث، وتلك النقطة ستظل مصدر اضطراب لأي شخص فقد الذاكرة.
وها هو يجلس الآن بغرفة تصغر جناحه بكثير، يقلب في الصور التي وجدها بهاتفه، وجميعها صور شخصية له ولزوجته، فلقد أخبره علي بأنه هاتفه الشخصي، وأنه يمتلك هاتف أخر خاص بالعمل وبأصدقائه!
فتح القائمة واستخرج رقم "موسى"، ثم حرر زر الاتصال به، حتى استمع إلى صوته يجيب بنومٍ:
_ألو.
وحينما لم يأتيه الرد قال بضيق:._مين معايا؟؟؟
ابتسم عمران وقال يشاكسه:
_لسه بتنام بدري زي الاطفال اللي وراهم مدرسة الصبح بدري.
=خواجــــــــه!!!!!
_عندك حق متنساش صوتي، أنا كلي على بعضي متنساش أصلًا!
=وحشتنا والله العظيم كلنا زعلانين، غيابك قطع فينا كلنا يا خواجة، انا لسه كنت بقول لصابر من شوية نكلمك تيجي تقعد معانا، بس قالي مينفعش نكلمه دلوقتي أكيد ملهي مع عيلته.
_انت تكلمني في أي وقت يا موسى، أنا كنت هكلمك امبارح بس إنشغلت، المهم طمني عليك وعلى قمر.
=كلنا بخير يا خواجه، المهم انت عامل أيه؟ والذاكرة رجعتلك لما شوفت عيلتك ولا لسه؟
ضم زواية أنفه ببسمة حزينة وقال:
_لا لسه، الظاهر إني مكتوب عليا أكمل هنا وهناك وأنا مش فاكر عن نفسي حاجة.
=متقولش كده، ربنا شايلك الاحسن كل ده الخير ليك مش ده كلامك ولا أيه يا عم الشيخ! ده أنا بسببك معتش بفوت صلاة الفجر، وبصلي الفروض كلها بالجامع والله.
اتسعت ابتسامته فرحة به، وقال بصوتٍ عذب:
_ربنا يباركلك يا موسى، أنا عايزك تجيب صابر وقمر وأبلة صباح وتجي تقضي يومين معايا، ومتقوليش الورشة، أنا كلامي أمر عليك ونافذ ولا ناسي؟
استمع لصوت ضحكاته الرجولية بينما يجيبه:
=طاووس وقح وقح يعني مفيش كلام، بس إنت اللي هتجيلي هنا الاول عشان كتب كتابي على الابله، وبعد كده هنجيلك احنا يا عم، وهجيلك مرة كمان بعد الفرح نقضي الهيرموني ده.
ضحك بملء ما فيه وصحح له:
_الـ honeymoon ، ركز يا أسطا بدل ما الأبلة تخلعك من قبل وصول المأذون!
شاركه الضحك وقال:
_متقدرش تعملها وقعت في حب الاسطى واللي كان كان يا بشمهندش عمران!
رد عليه عمران بضيق:
_خلينا في خواجة مؤقتًا لحد ما نتعود على الاسم.
واضاف باهتمام:
_تعرف إن في شخص هنا المفروض إنه من اصدقائي ناداني بخواجة! وشكله كان بيناديني بيها كتير.
أكد له موسى برزانة:
_يمكن عشان كده مستغربتش الاسم وقت ما ناديتك بيه.
تنهد بضجر وقال:
_يمكن.
طرح عليه موسى سؤالًا فضوليًا:
_طيب طمني لقيت صاحبة الخاتم؟
على ذكرها ابتسم عُمران حينما تذكرها، ورد بإيجازٍ:
_لقيتها مستنياني وكان عندها ثقة إني راجعلها.
وأضاف حينما شعر بحاجته للراحة:
_يلا مش عايز أسهرك أكتر من كده، هكلمك بعدين، ورقمي معاك اتصل بيا من غير ما تستأذن حد.
رد عليه موسى بتأكيد:
_هكلمك مرة والتانية والتالتة هدوشك متقلقش، مع السلامة يا خواجة.
أغلق الهاتف بينما يلقيه على الفراش، وهو يستكين على المقعد بتعبٍ، فوقع بصره على الباب الزجاجي المؤدي للتراس، فرأى خيال لأحدٌ يقف بالخارج.
خرج يتجه إليه، فوجدها تقف قبالته، تتطلع له بحزنٍ شديد نقلته له بسؤالها:
_قررت تبعد عني من تاني يا عُمران؟
شعر بالخزي من قراره بالبقاء منفردًا، فخطى ليكون قبالتها بالخارج، وقال بتعب:
_حاسس إني تايه وحبيت أكون لوحدي، آسف لو ده ضايقك.
هزت رأسها بخفة وتركته واتجهت للاريكة البعيده عن نطاق الغرفة، بل كانت متصلة بشرفة الغرفة المجاورة له:
_ادخل ارتاح، أنا مش هتطفل عليك متقلقش.
بقى محله على بعدٍ منها، يقف أمام شرفة غرفته وهي تجلس أمام شرفة الغرفة المجاورة له، وحينما وجدته يتطلع لها، ظنت بأنه لن يتمكن من النوم بسلام إن كانت هي تجلس هكذا، فولجت للغرفة وأغلقت بابها الزجاجي، ثم انطلقت للفراش وجلست تبكي من فوقه.
لقد بات جناحها بردًا قاسيًا بفقدانه، والآن يريد منها أن تبقى فيه بمفردها لتعود لذلك المأزق من جديد، فضلت أن تعيش معه بطابق الضيوف، وبالغرفة التي تجاوره، عساها تشعر به.
مزق وابل دموعها صوت طرقاته على باب الشرفة، فاذا بها تزيح دموعها وتسيطر على نفسها مستدعية كل القوة التي فرت عنها، واتجهت بثبات تفتح الباب وتواجهه بصمت، ضم شفتيه معًا في حيرة لما سيبدأ به الحديث، فقال دون ترتيب منه:
_إنتِ مش في جناحك ليه؟
تعمقت في رماديتاه بقوةٍ:
_ما أنت كمان مش فيه!
تنهد بقلةٍ حيلة وقال:
_غصب عني.
ردت بنفس النبرة:
_وانا كمان غصب عني.
عاد بعينيه لاحتضان عينيها الدامعتان، المشاعر تتواصل مع بعضها البعض في لقاءٍ أضرم نيران قلبه بشكل أعجزه عن فهم ما أصابه!
سقطت دمعة من عينيها، بينما الصمت يختلج الغرفة الواسعة من حولهما، تنطق عينيها بمواجهة صريحه له أنه سيتعرف عليها على الفور، وإذا بها تمزق جموده قبالتها بسؤالها الذي وضعت فيه كل بؤسها وحزنها:
_في واحدة تانية دخلت في حياتك يا عُمران؟
تعجب مما قالته، بينما تندرج دموعها دون توقف وهي تستطرد:
_هي نفسها البنت اللي شوفتها معاك في العربية صح؟؟
الصمت يموج عليه من تأثير دهشته بحديثها، بينما يخرج عنها تهديدًا صارمًا:
_أقسم بالله لو كنت عملتها ما في مخلوق بالكون كله هيقدر يرجعني ليك تاني يا عُمران، أنا مش مستعدة أدخل في حرب مع واحدة تانية عشانك، الحرب الاولى كنت متوقعه نتيجتها، لكن المرادي بالشخص اللي قدامي ده مش متوقعه حاجة!
قالتها واستدارت لتغادر خشية من أن تتأذى حالته بحديثها الذي خرج منه دون ارادة، فإذا به يمنع رحيلها حينما أمسك ذراعها، وأعاد بها قبالته من جديدٍ، وتلك المرة يحكم بيديه من حول وجنتها، فيجبرها على الاقتراب والتطلع له، بينما تبعد يديه وهي تهدر بارتباك:
_إبعد عني!
تغاضى عما طلبت، ومال يستند بجبينه على جبينها بينما يهمس لها بهدوءٍ:
_مفيش حد دخل حياتي، أنا مش من طبعي الخيانة، أقسملك بالله إن عيني ملمحتش طرف واحدة ست طول ما دبلتك كانت في ايدي!
وأضاف وهو يعيد تأكيده لها:
_قلبي مكنش بيدق بالطريقة دي غير في قربك إنتِ يا مايا.
فتحت عينيها الآن تقابل عينيها، وبرعشة اكتسحت نبرتها تساءلت:
_بجد يا عُمران؟
منحها ابتسامة جذابة، بينما يختار ما تحب أن يقوله لها:
_بجد يا عمره وروحه وحياته كلها.
مالت تلك المرة إليه، تلجئ لضمته، فإذا به يطوقها بعاطفة تفوق عاطفتها الهاشة، بكائها كلما استمع لصوته يتلقى ضربة من سوطٍ قاسٍ، فاذا به يترجاها:
_كفايا عشان خاطري، بلاش تعذبيني بالشكل ده أنا مش متحمل يا مايا.
أزاحت دموعها، وتعلقت به مجددًا، تخبره بانهاكٍ وتعب:
_أنا تعبانه وعايزة أنام، بس خايفة أقوم مش ألقيك جنبي.
مرر يده على حجابها وقال بصوته الرخيم:
_أنا ماليش مكان غير جنبك يا مايا، اطمني.
ثم اتجه بها للفراش، فاعترضت وقالت باصرار:
_لا هننزل جناحنا وهتنام في سريرك.
منحها ابتسامة سلبت عنها عقلها، وقال:
_أوامرك كلها مجابه يا بيبي.
ابتسمت على كلمته واتجهوا معًا للمصعد، ومن ثم ولجوا للجناح، ليشاركها عُمران للمرة الاولى له الفراش بالجناح الذي صممه خصيصًا له، تمدد وهي لجواره بعدما نزعت حجابها.
راقب خصلات شعرها الموضوعة جوارها على الوسادة، تنساق بنعومة، بينما عينيها لا تترك خاصته حتى استسلمت للنوم.
ابتسم وهو يجذب الغطاء من عليها، وتجرأ لاول مرة وطبع قبلة صغيرة أعلى جبينها، ثم تمدد هو الآخر وما حدث له بشقة الشباب لا يترك مخيله، حتى غلبه النوم هو الآخر.
غفى ساعات قليلة ونهض يتسلل من جوارها، اغتسل وحمل سجادته والقرآن الموضوع جانبًا، ثم هبط للحديقة، مثلما كان يعتاد أن يفعل.
أقام ليله في ذكر الله، صلاة قيامه لطالما كانت وستظل النجاة من كل ما يمر به، يطول في سجدته ودموعه تلامس مكان سجوده، يدعو الله أن يزيح غمته، ويفرج كربه.
انتهى من اداء ثلاثة عشر ركعة، وجلس يفتح مصحفه ويرتل بصوته العذب، المسموع من حوله لمساحاتٍ تضج بالحياة، وهو يردد بكل خشوع:
«وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى»
قالها ودموعه تنساق على وجهه دون توقف، وبينما هو ينسجم بين يدي الله، إذ يأتيه صوتًا باكيًا من خلفه، يعاتبه:
_كده يا عُمران، بتخلف بوعدك معايا، قولتلي هنصلي القيام مع بعض، وسحبت كلامك؟
نهض عن محله يسرع بمساعدة والدته بصعود الثلاث درجات الفاصلة بينهما، وهو يقول بابتسامة جميلة:
_كنت قاعد مستنيكِ يا حبيبتي، ومردتش أصحيكِ، خوفت تكوني تعبانه من الحمل وبتريحي!
وقفت قبالته تتشرب ملامح وجهه بشوق، تود أن يتحدث لأخر يومًا بعمرها، فاذا بها تزيح دموعها وتخبره بغضب مصطنع:
_ممنوع تحلق شعرك تاني، أنت جذاب بشعرك البني الطويل أكتر من كده.
ضحك وقال يشاكسها:
_مهو شعري البني الجذاب مكنش هيفيدني بشيء لو كانوا سابوا رأسي تنزف كنت هسافر سفر أبدي!
ردت بلوعة وهي تضمه إليها:
_بعد الشر عليك يا روح قلبي، الحمد لله إن ربنا ردك ليا سالم، ربنا رحم بيا وبقلبي المكسور من بعدك يا عُمران.
كانت هي من تحتويه ولكنها مالت من فوقه بتعب شعر به، فابتعد عنها وشملها هو بين جسده الضخم، تعلقت فيها مبتسمة بأنه يعود لطباعه وما اعتاد عليه، مثلما كان يحتويها ومثلما وصفته بالأب الروحي لها، كما تصف علي بالصديق الرائع المستمع لها بصدرٍ رحب، وبالاعلى يتابعهما أحمد بفرحة، وأخيرًا غادرت زوجته الفراش وتشرب وجهها حب الحياة.
أبعدها عنه وسحبها برفق لمكانه الساحر، بوجود مصحفه وسجادته، أسندها للمسند الصغير الموضوع وقال:
_ثواني وراجع.
تركها ودخل للقصر، وعاد بعد قليل يحمل سجادة صلاة اضافية، ومقعد صغير، فرش سجادتها ووضع المقعد وهو يشير لها قائلًا:
_استريحي على الكرسي وقت الصلاة عشان متتعبيش.
اومأت برأسها ويدها تميل على وجهه، هاتفة برقة تليق بها:
_شكرًا يا حبيبي.
عاد يبتسم لها ووقف يقيم الصلاة مجددًا، رغم أنه انتهى منها للتو، ولكنها من أحب الأعمال لقلبه،وإن ظل يفعلها لاخر يومًا بحياته لن يمل أبدًا.
صلى بها عمران وهي تستكين بسماع صوته الخاشع،فلم يطول بها وهو يعمل تعبها بالشهور الاخيرة من الحمل، إكتفى بأربع ركعات، ونهض يلملم سجادتهما، بينما تراقبه فريدة بابتسامتها الساحرة، وقالت لتسحب معه الحديث:
_أنا مش بأكل دلوقتي بس حاسة أني جعانه أوي، تعالى نعمل أكل خفيف لحد ما الفجر يأذن.
زوى ذراعه لها وقال:
_تحت أمر معاليكِ فريدة هانم، نعمل أحلى فطار لأجمل برنسس بالدنيا كلها.
ضحك وجهها سعادة، ولم تشك للحظة بأنه فقد الذاكرة، تعامله مشابه لتعامله السابق، فإذا بهما يدخلان لمطبخ القصر، ويتناولان الطعام حتى صلاة الفجر، صلوا معًا ثم صعد كلاهما للغرف بعد أن اطمئن قلب فريدة لعودة محبوب قلبها!
*******
فتح عينيه بانزعاجٍ مع اشراقة صباح اليوم التالي، مرر يده جواره باحثًا عنها، فاذا به خالي، أفرج عن رماديتاه يبحث بهما عنها، ولكنه لم يجدها.
نهض علي يعيد خصلاته المتمردة على عينيه واتجه يبحث عنها بمكتبها الخاص، الذي خصصه لها أخيه، فوجدها قد بدأت العمل بجد لتكون محل عُمران لحين عودته.
دنى منها ومال يحتضنها متمتمًا بنعاس:
_صباح الجمال كله فطيمة هانم.
مالت على ذراعه وهي تهمس بتعبٍ:
_صباح الورد يا دكتور، أيه كل ده نوم!!
جلس على سطح المكتب من أمامها، وقال ببسمة سرقت تركيزها المنسكب على اللوحات من أمامها:
_ما بخدش راحتي في النوم الا لما بكون مرتاح وسعيد، وأكيد بعد رجوع عمران من حقي أطول في النوم ولا أيه؟
راقبته بابتسامة مشرقة وقالت:
_من حقك طبعًا، إنت أكتر واحد عانيت في غيابه.
مال يقبل جبينها، ونهض يتجه للخروج قائلًا:
_هأخد شاور وهنزل المكتب تحت، بقالي فترة مبصتش على الحسابات طلبت منهم يبعتولي على اللاب.
وتركها وولج لحمام جناحه، استعد بارتدائه بنطال أسود وسترة بيضاء، ثم هبط يعد قهوته المفضلة وبدأ يتابع عمله، بعدما ترك كتابه المفضل جواره، عساه يقتبس بالقراءة صفحة أو صفحتان وقت عمله.
*****
هبط من الأعلى يتآلق ببنطال من الجينز الأزرق، وتيشرت أبيض اللون، ومن فوقه قميص أسود من براند عالمي، مرتدي نظارته الشمسية السوداء، عاد لجاذبيته الخاطفة بانتقاء قطع ملابسه بعناية كالمعهود عنه.
هبط للاسفل، يتجه لغرفة مكتب أخيه بعدما أرشدته آحدى خدامات القصر، وقف ينزع نظارته ويراقب الباب بتردد.
رأه علي فأبعد اللاب عنه، ونهض يستقبل أخيه بابتسامة جذابة، بينما يقف الآخر خارج باب المكتب بتردد من الدخول، فإذا بـ "علي" يشير له بحنان:
_عُمران، تعالى يا حبيبي، إدخل.
ولج للداخل يتفحص الغرفة بنظرة دقيقة، حتى جلس على المقعد المقابل لمكتب "علي"، فإذا به ينهض ويتجه ليقابله بالمقعد المقابل له، يدرس التوتر والارتباك المختبئان بين رماديتاه، منذ لقاء الأمس وهو يمنحه مساحته الخاصة، حتى لا تنتكس حالته، بالرغم من أنه يملك الكثير من الاسئلة على مغادرته الغامضة لشقة رفقاته.
كسر صوته الواجم الصمت المخيم بينهما:
_في شخص شوفته امبارح وحابب أزوره، ينفع تاخدني ليه؟
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه، وسأله باهتمامٍ:
_شخص مين؟ تقصد من أصدقائك اللي شوفتهم عليهم؟
حرك رأسه بإشارة موافقة لحديثه، فتابع علي بسؤالٍ أخر:
_مين فيهم؟
امتقعت معالمه بحزنٍ شديد، بينما يشير له في عجزٍ تام:
_مش عارف إسمه.
مال يربت على ساقه بقوةٍ:
_ولا يهمك.
ونهض يتجه لمقعد مكتبه الرئيسي، جاذبًا الحاسوب الشخصي،ثم وجهه له، فوجده يريه صورة تضمهما وباقي الشباب في حفل زفاف آدهم، راقبه علي وسأله بفضولٍ:
_مين فيهم؟
رد عليه، وعينيه لا تفارق أول من لفت انتباهه:
_ده.
تطلع علي لما يشير إليه، فتبسم وهو يعود للمقعد المقابل له:
_مشاعرك تجاه الأشخاص متغيرتش لسه زي ما هي.
وأضاف موضحًا له:
_ده أقرب شخص فيهم ليك، رفيق طفولتك وصديق الجامعة، وشريكك في شغلك، وأكتر واحد فيهم أتأثر بغيابك، إسمه جمـــ...
_جمال.
استكمل عُمران الاسم بتلقائية جعلته يبتسم وهو يهز رأسه بإجابته الصحيحة،دقق عُمران النظر في شاشة الحاسوب، ومال له يخبره بضيقٍ:
_أنا عايز أخرج وأشوفه لوحدي، ممكن تديني اللوكيشين بتاعه، وتسبني أروحله لوحدي؟
وخز قلبه خشية من أن يصيبه سوءًا، طال صمته حتى حل الأمر ببراعة:
_طيب هخلي معاك السواق، يوصلك ويرجعك.
انصاع إليه، وصعد بالمقعد الخلفي للسائق الذي علم الطريق جيدًا، وصل لمنزل جمال فيما يقرب الخمسة وعشرون دقيقة، أخبره السائق على الطابق الخاص بشقته، فصعد على الفور.
وقف قبالة باب شقته بتوترٍ يقتحمه، ولكنه لن يمنع رغبته لقوية في البقاء بجواره، ثمة شيئًا داخله مال إليه منذ أول لقاء.، قرع الجرس وانتظر قليلًا، حتى انفتح الباب، ويطل من داخله عينان جحظتان في دهشة وذهول، وفرحة تزف بنطق كلماته الغير مصدقة:
_عُمــــــــــــــــــراااان!!!
لم يصدق ببدأ الأمر أنه يقف قبالته، فخرج إليه يراقبه عن قرب، ودموعه لا تتوقف عن الانهمار، شعر "عُمران" بالعجز، فشل بتحديد خطوته الاولى، فاذا بجمال يسدد له لكمة تفاجئ بها عُمران وفشل في سدها من دهشته، بينما يجذبه جمال ليقف قبالته وهو يصرخ في وجهه بعنف:
_دي عشان زقتني من العربية وسبتني في العذاب اللي أنا فيه ده لحد النهاردة!.
ودفعه للخلف وهو يبكي بجنون بينما يصرخ بوجعٍ:
_أنت دبحتني وأنا شايفهم بيضربوك وأنا عاجز ومش قادر أوصلك، كل مرة بتفكر في حياة اللي، حواليك وإنت أخر حد بتفكر فيه، شوفت نتيجة اللي انت عملته أيه؟ رجعت ومش فاكرني يا عُمران، مش فاكر جمال صاحبك اللي مات في نفس اليوم اللي اختفيت انت فيه.
أدمعت عينيه تأثرًا بحجم وجعه، شعر وكأنه يقابل نسخة أخيه علي، وتعجب من أن يكون قد جمعته علاقة متينة بأحد غريبًا عنه!!
تطلع له جمال ومازال يبكي:
_كلهم بيقولولي حاول تكسب حبه وصداقته من تاني، بس أنا مش عارف أبدأ منين ولا أعمل أيه عشان أفكرك بيا!!
يحاول التماسك قبالته ولكنه يفشل، وإذا بعمران يقترب منه ويقول بصوت محتقن من كبت دموعه:
_بس أنت الوحيد اللي أنا حسيت بيه من بينهم، والوحيد اللي جتله برجليا.
رفع رأسه تجاهه يتمعن بصدق ما قال، لقد أتى إليه وهذا أروع ما بالامر، ربما يضمد جرحه الغائر، وخاصة حينما أضاف عُمران:
_إنت الوحيد اللي افتكرت إسمه، وأول ما شوفتك حسيت بوجع رهيب مقدرتش أستحمله، وأديني اهو جيتلك النهاردة عشان حابب أكون معاك وأسمعك.
اعتصر جفونه هادرًا كل دمعة احتقنت داخله، فاستند على ذراعه وضمه إليه بينما يخبره ببكاء يلاحق حديثه:
_لو جاي عشان تسمعني فأسمع، انت كنت أقرب ليا من روحي، عمرنا ما افترقنا عن بعض ولما حصلت كانت كام يوم يتعدوا على الايد الواحدة، محدش نجح يفرقنا أبدًا، والكل كان مستكتر صداقتك بيا، لإني من أسرة متوسطة وانت من عيلة ثرية، بس بالرغم من كده عمرك ما حسستني بالفرق اللي بينا، إنت كنت سند وداعم ليا في حياتي كلها.
ابتسم عمران وشدد من ضمه بتلك اللحظة، يينما توافد عليها ذكريات سارية تخص رفيق بملامح مشوشة، وإذا به يبتعد عنه ويتطلع بوجهه عساه بربط ملامحهما ببعض.
أشار له جمال بابتسامة زرعت الفرحة على وجهه المنطفئ، وقال باصرار:
_إنت مش هتمشي من عندي النهاردة، هتبات معايا وهنا، لو روحنا شقتك اللي في حارة الشيخ مهران هيطلع يوسف وآيوب والباقي، ومش هعرف أقعد معاك.
زوى حاجبيه بذهول:
_الشيخ مهران!
ابتسم وهو يجيبه:
_ده يبقى أبو آيوب، وإمام المسجد اللي كنت بتحب تصلي فيه دايما.
نطق بلهفة وشوق غريب:
_خدني ليه!
أشار بحزم وعدم تراجع:
_بكره هوديك مكان ما تحب، النهاردة هتقضيه معايا هنا.
ودفعه بسعادة للداخل:
_تعالى ادخل.
إنصاع له عُمران وولج للداخل، يتبعه لغرفة الصالون وعينيه أرضًا، فقد تسلل له أن جمال متزوج ولا يعلم لما شعر بذلك فجأة!!
ولجت إليهما صبا تحمل صغيرها وابتسامتها البشوشة تعلن دفن الماضي خلف قبرًا لا رجع فيه، بل تطلعت إليه وقالت بسعادة حقيقية:
_حمدلله على سلامتك يا بشمهندس عُمران، جمال كان هيجراله حاجة من غيرك، الحمد لله انك رجعت بخير.
أخفض عينيه أرضًا وقال ببسمة صغيرة:
_الله يسلم حضرتك من كل سوء، تسلمي.
مدت الصغير لجمال الذي حمله وقدمه لعمران قائلًا:
_عُمران موحشكش؟
وزع نظراته بينهما بذهول، والتقط الصغير منه يتفرس بملامحه بحنان، جعله يطبع قبلته على وجنتيه وهو يهمس بسعادة:
_عسول أوي تبارك الله.
وعاد يتطلع تجاه جمال متسائلًا بفضول:
_هو إسمه عُمران؟!!!
اجابته صبا مبتسمة:
_مختار إسمه من أول ما عرف بخبر حملي، جمال معندوش أغلى منك يا بشمهندس، ربنا يديمكم لبعض يارب.
واستطردت وهي تتجه للخارج:
_أنا هنزل عند ماما أشرقت وهسيبكم على راحتكم.
رد عمران باحترام ومازالت نظراته أرضًا:
_اتفضلي.
خرجت وتركتهما بمفردهما، فتطلع عُمران تجاهه وابتسم قائلًا:
_وزعلان إني مسبتكش في العربية، طيب مين كان هيربي السكر ده؟
احتقنت ملامح جمال وهدر فيه بعنفوان:
_متفكرنيش عشان هقوم أخلص عليك فعلًا.
حمل الصغير يقبله ويستتشق خصلات شعره بحب، بينما يداعبه وهو يخبره بمكرٍ:
_شكل باباك عايز يتقل قيمته قدامك، أنا عشان خاطرك سامحته على اللكمة اللي إدهاني دي، بس للاسف لو زاد فيها مضطر أطلع أدبلك أمه وقتي!
جلجلت ضحكات جمال الذي افتقد المنزل صوتها، بينما يهتف بعدم تصديق:
_الطاووس الوقح لسه مسيطر عليك بردو مهما عملت.
وضع الصغير جانبًا وقال يجيبه ببسمة شيطانية أخافت جمال:
_هو أنا لسه بستكشف أمور عن نفسي جديدة، فأنت أدرى الناس بيا وتعرف أخري رايح فين، فلو حابب تكملها كده عارف نهايتك أيه؟!
كاد أن يجيبه ولكن انفتح باب الشقة وولجت أشرقت تسرع تجاه غرفة الضيوف، تتطلع تجاه عمران،قائلة بعدم تصديق:
_مصدقتش صبا لما حكيتلي، الحمد لله على سلامتك يا غالي.
اتسعت ابتسامته فجأة، ورد عليها بحبورٍ:
_شوشو!!
أبعدت ابنها وضمته بفرحة، وهي تشير بيدها:
_هو مين ده اللي فقد الذاكرة والنبي مانتوا عارفين حاجة.
ضحك عُمران وقال:
_لا أنا فقدها فعلا بس الاسم خرج تلقائي.
تلاشت ابتسامتها بحزن، ولكنها عادت تبتسم وتخبره:
_بكره ترجع وتفتكر الحاجة اشرقت، مش بعيد لما أعملك طبق ورق عنب بالكوارع من ايديا تفتكرها وش، هنزل حالًا اعملهولك انت كنت بتحبه دايما من ايديا.
قالتها وحملت الصغير ثم غادرت على الفور، بينما ظل جمال برفقته، فاذا بعمران ينهض فجأة ويتجه للصورة الضخمة الموضوعة على حائط الردهة، كانت صورة تخص جمال ويوسف وعمران.
غام بها قليلًا وصداع رأسه يزداد، بشكلٍ جعله يضم زواية رأسه، أمسكه جمال بقلق يزداد حد الرعب:
_مالك يا عمران؟ حاسس بأيه؟
ضغط على ذراعه وكأنه يحتمل شدة الألم، الذي مر بعد دقيقة، فاذا به يعود لما يتطلع إليه ويردد بتعجب:
_يوسف!!
........ يتبع......
#صرخات_أنثى.... #الاقوى_قادم 💣...
لطلب النسخة الورقية من رواية صرخات أنثى _غارثا_مزرعة بني يعقوب _مافيا الحي الشعبي واتساب على رقم
01121530961
****______*****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 133 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#عودة_الطاووس!...)
#الفصل_الـ103.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"أمل إبراهيم"،"برنسس مي علي"،"سما سيد" ، والجميلة "مالك هاني" بمناسبة عيد زواجها ❤، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
توافد إليه مشاهد متفرقة، تجمعه بالمقربين منه، رأى فيها لمحات من السعادة تجمعه بجمال، وبهذا الشاب الذي سبق ونطق إسمه.
استدار "عُمران" تجاه "جمال" يترقب أن يؤكد له صحة ما قال، فإذا به يبتسم ويؤكد له بلهفة أب تجتاحه سعادة لنطق صغيره أولى كلماته:
_أيوه ده يوسف صاحبنا، أنا وإنت متصاحبين من وأنا في الثانوي تقريبًا، وبعد ما سافرت لندن كنت بدور على شقة بسعر كويس عشان الجامعة، فقابلت يوسف صدفة في الاوتيل اللي كنت نازل فيه، ووقتها اقترحت عليه نشترك في شقة بدل بهدالة أسعار الفنادق، بس أنت اعترضت إن يكون معايا شريك، وأصريت تشتريلي الشقة، أنا كنت عنيد ورفضت، فدخلت معايا أنا ويوسف شريك واشترينا احنا التلاته الشقة.
وأضاف بأعين دامعة من فرط مشاعر الحنين والفخر:
_كان ليك أوضة زينا، بتيجي تبات فيها من فترة للتانية عشان تكون جنبي، مع إننا كنا في جامعة واحدة ومكناش تقريبًا بنسيب بعض.
قالها ودمعة تختزل عينيه، فيما يجاهد ليخبره بنصيب صديقهما الأخر من القرابة والمكانة بقلب عُمران:
_يوسف بقى ضلع المثلث التالت، واللي بيه كان ناقص، حبناه وسمحناله يكون مقرب لينا، وفعلًا كان بيكملنا، أنا غشيم ومندفع، وإنت مغرور ووقح، وهو بصراحه أخلاقه عالية فكان بيقدر يحتويني ويحتويك بنفس الوقت.
خيم الحزن بجناحيه على ردمايتاه، لقد نسى كل شيئًا مرتبط به وبعائلته حتى أصدقائه، قلبه يتألم من ألمهم، استدار جمال يزيح دموعه سريعًا، ويرسم ابتسامة خافتة، يحاول بها أن يكسب صبرًا ليقص له عن ذكرياتهم، عساه أن يتذكر كل شيءٍ.
استدار إليه يجذب انتباهه للحديث:
_على فكرة مدام ليلى مرات يوسف ولدت إمبارح وجابت بنوتة زي القمر، تحب لما نتغدى نروح نباركله، هو أكيد لما هيشوفك هيفرح أوي.
لم يخسر الطاووس قناعته بتحليلاته المنمقة، يرى بآعين جمال وجعًا ومع ذلك يبتسم، ويقترح عليه أن يذهبان للقاء صديقهما الثالث، دنى عُمران منه وبدون أي كلمة أحاط يديه حوله، إندهش جمال من فعلته ولكنه لم يتردد عن ضمه بحبٍ أخوي، بل ولصدمته أنه انهار باكيًا بين ذراعيه، وبات يشكو له:
_قتلوك ورموك قدام عنيا يا عُمران، رجلي اتكسرت ومكنتش قادر أوصلك بسرعة ولا قادر أخلصك منهم.
وتابع وهو يحتبس شهقات وجعه الغائر:
_دورت في كل مكان في المية على أمل إني أنقذك، ولولا إنهم اتكتروا عليا وطلعوني كنت غرقت وارتاحت من العذاب اللي عشت فيه.
وأضاف وهو يقبض على جاكيته:
_فراقك كسر ضهري وخلاني عايش محني يا صاحبي.
تساقطت دموع عُمران رغمًا عنه، ومضى يبتلع غصته المؤلمة عن حلقه، تركه يبكي ويخبره بكل ما يحزن قلبه، وما أن انتهى حتى أبعده ومنحه نظرة جعلها مشاكسة قدر ما تمكن:
_ما خلاص بقى يا جيمي، هنفضل طول اليوم نعيط على الفراق، ما أنا رجعلتك تاني أهو، يعني أنا جيت برجليا للنكد!! لأ بقولك أيه أنا ماليش في الاجواء دي، فك كده بدل ما أفارقك وأمشي ومش هتعرفلي طريق.
أزاح دموعه بينما يلتقط أخر كلماته، فصاح بعصبية هادرة:
_مش هتتنقل لمكان، إنت هتبات معايا النهارده سامـع.
أحاطه عُمران بنظرة شرسة، بينما يجيبه بهدوء مخيف:
_مبخدش أوامر من حد أنا!
وأضاف مبتسمًا بمرحٍ:
_متقلقش مش هعرف أمشي لأني ببساطة معرفش طريق الرجوع، الا لو علي إفتكرني وبعتلي السواق يأخدني، فأنا معاك معاك متقلقش يا عبحليم!
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه، وردد بدهشةٍ:
_عبحليم!!
علم بسعادته البادية على ملامحه، بأنه لمس بكلمته الاخيرة احياء الذكريات بينهما، فابتسم وقال:
_متركزش معايا، الكلام بيخرج تلقائي صدقني!!
ضحك جمال ورد عليه:
_خليه يخرج زي ما بحب، كده كده لسانك الوقح ده مفيش أي قوة عظمى هتعرف تسيطر عليه.
اعتصر أسنانه بغضبٍ من حديثه، فرسم ابتسامة خبيثة وقال:
_روح إستعجل ماما في الغدا يا جمال، زمان سحنتك دي وحشتها وعايزة تشيك عليها وتطمن إنك خالي من أي تشويه!
*****
صعدت جواره بالسيارة والانزعاج يغرد فوق معالمها، حتى صوتها نطق بكل ما اعتمر داخلها:
_صباح الخير يا حبيبي.
نزع "آدهم" نظارته السوداء، ومال لها باهتمامٍ:
_صباح الخير يا روحي، إنتِ كويسة؟ حاسس إنك متضايقة من حاجة!
أجابت بكلماتٍ مختصرة:
_أنا كويسة الحمد لله، المهم كلمت آيوب وبعتله لوكيشن المكان زي ما فهمتك؟
تغاضى عن سؤالها، وسحب ذراعها لتستدير تجاهه:
_مالك يا حبيبتي فيكِ أيه؟
لفظت زفيرًا قويًا، عساها تخفف من احتقان أنفاسها، ورغمًا عنها انهمرت دموعها:
_معرفش يا آدهم، حاسة إن عُمران مش متقبلني، أنا عارفة إنه فاقد الذاكرة وأكيد بيحاول يفتكرنا كلنا، وطبيعي تكون معاملته مختلفة معانا، بس أنا حاسة إنه قريب من علي أكتر مني، مقابلته ليا كانت فاترة، وأغلب الوقت مع علي، كنت حابة أقضي معاه اليوم زي ما اتفقت معاك سبني وخرج، عشان كده كلمتك وأصريت أجي معاك.
حل آدهم حزام مقعد القيادة، وجذبها إليه، يتركها تبكي على صدره قدر ما شاءت، وحينما بدأت تستكين همس لها بصوته العذب:
_مش أنا قولتلك قبل كده إني مبحبش أشوفك بتعيطي، ولا إنتي مبتعرفيش غير إنك تكسري تعليماتي دايمًا يا شمس هانم!
ابتسمت رغمًا عنها، ومالت تخطتف المنديل الورقي، وتزيح دموعها قائلة:
_لا مقدرش أكسر كلامك يا آدهم، أنا آسف إني بدأتها نكد في يوم مميز ليك ولآيوب، أنا بس آ..
قاطعها حينما قال:
_مفيش حاجة هتكون مميزة عليا وحبيبة قلبي زعلانه ودموعها سبقاها.
ومال يزيح دمعاتها بإبهاميه، بينما يتعمق في زُرقة عينيها التي يعشقهما:
_حبيبتي أنا عارف مدى قربك وتعلقك من عُمران، وأي كلام ممكن أقوله مش هيهون وجعك أبدًا، بس اللي عايزك تقتنعي بيه إن عُمران تايه ومش مركز في أي حاجة، ولو متعلق بعلي فده لاسباب كتيرة يا شمس، أولهم أن علي مش مجرد أخ لعُمران ولا ليكِ يا شمس، علي أب بحنيته وطيبة قلبه، يمكن عشان كده عُمران قلبه مال ليه، لكن ده مش معناه إنه مش متقبلك والكلام الأهبل ده.
وأضاف حينما رأها تتابعه باهتمامٍ واقتناع:
_إنتِ نفسك لما بيمر عليكي مشكلة في حياتك بتختاري الشخص اللي هيكون جنبك مننا، مرة بتلجئي لعلي ومرة لعُمران ومرة ليا، لإنك أكتر واحدة بتعرف تحدد هي محتاجة لمين جانبها، وده مبيرجعش لمدى حبك للشخص ده.
وتابع مبتسمًا بسخرية:
_والا بقى من عدد المرات اللي لجئتي فيها لدكتور علي والطاووس الوقح هتأكد إنك مش بتحبيني بنفس قدرهم.
هزت رأسها تنفي تهمته، بينما تسرع بالحديث:
_لا طبعًا، أنا بحبك يا آدهم وإنت عارف كده كويس.
اتسعت ابتسامته ومال تجاهها يهمس ومُقلتيه غارقة بزُرقتها:
_عارف يا شمس، عارف كل اللي جوه قلبك ونطقاه عنيكي، من أول نظرة إعجاب بيا في أول لقاء، عارف وقاري كل أسرارك ، عارف إمته عيونك الجميلة دي نطقت بعشقك ليا، حتى إجابة سؤالي كانت مقروءة فيهم قبل ما تنطق شفايفك بالاجابة، واللي بسببها بقيتي حرم عمر باشا الرشيدي!
أحمر وجهها تأثرًا بحديثه، ومازالت تنساق لحصاره المُحكم من حولها، تتمنى أن تبقى جوارها يحيطها هالته، بينما يتشبع هو من عينيها الدافئة، فاذا بهاتفه يمزق سُبل النظرات العاشقة.
اعتدل بمقعده يمرر زر الاجابة، ويعود لتفعيل محرك السيارة، فأتاه صوت آيوب المنزعج:
_آدهم إنت فين؟ أنا وصلت المكان اللي بعته من عشر دقايق.
خرج من حدود قصر "الغرباوي" ، وقال:
_أنا في الطريق يا آيوب، ربع ساعة وهكون عندك بإذن الله.
قالها وأغلق الهاتف، فاذا بشمس تخبره بحماس:
_إن شاء الله تعجبه هديته، متتصورش فرحت أد أيه لما كلمتني إمبارح وفضلنا نفكر مع بعض نهادي البشمهندس بأيه؟
منحها نظرة عاشقة، وقال وهو يميل طابعًا قبلة على كفها الناعم المسنود على كتفه:
_هتعجبه أكيد لانها من اختيار شمس هانم.
مالت برأسها فوق كفها على كتفه وقالت بنعومة:
_اختياري، بس مين القمر الكيوت اللي ضحى بمكافآة أخر مهمة طلعها!
تلاشت ابتسامة آدهم، وانحنى يتلصص لها بنظرة حازمة:
_مين ده اللي قمر وكيوت يا شمس!! حبيبتي إنتِ الذاكرة خانتك ونسيتي أنا خلصت على خطيبك السابق إزاي ولا أيه؟؟
رفعت رأسها للاعلى تتطلع له بغضب، فانفلتت ضحكاته الرجولية باستمتاعٍ من رؤية الرعب يتمختر داخل مُقلتيها، فتابع ليثير أعصابها:
_ولو صادف وطلعتي معايا مهمة تانية، أعتقد أنك هتتعاملي معايا بحذر بعد كده.
رددت وهي تلكزه بعصبية:
_على فكرة أنا كنت بدلعك.
زم شفتيه باستنكارٍ:
_في واحدة تدلع ظابط في المخابرات، بقمر وكيوت!! لو حد من القادة وصله الدلع ده هبقى مسخرة في الجهاز كله يا حبيبتي.
وأضاف مبتسمًا بمكر:
_لو عايزة تدلعيني بعد كده دلعيني باشياء تليق بيا، قوليلي مثلا بحبك يا رجولة، حبيبي يا حضرة الظابط، ومتاح ليكِ تناديني بكابتن زي ما بتحبي.
لكزته بعنفٍ، وتوعدت له بتلقائية:
_شايف نفسك عليا يا آدهم، طيب والله لأقول لعمران عليك.
تلاشت بسمة الانتصار عن وجهها، ومر وابل معتم عليها، فاذا به يضحك بصوتٍ يجذبها إليه، ثم قال:
_لا مش عايزين ننفش ريش الطاووس ونجره للوقاحه وهو في فترة نقاهة.
نجح باضحكها وسحبها بعيدًا عن تفكيرها المعتم، واستطرد بلهفة وفرحة:
_بعد ما نخلص مشوار آيوب، هنطلع على المركز، دكتور يوسف مستنينا.
تنحنحت وهي تجيبه على استحياءٍ:
_احنا المفروض نعمل اختبار حمل الأول.
منحها نظرة حنونة متلهفة لرؤية عينيها التي تتهرب بها عنه:
_هنعمله هناك لو يوسف طلبه.
هزت رأسها بخفة، ومالت على كتفه مجددًا.
*****
إتجه علي لسيارته القابعة على مسافة معقولة من القصر الداخلي، فاذا بصوت ضحكات والدته تصل لمسمعه، أغلق باب السيارة واستدار صوب الحديقة، فرآها تجلس برفقة زوجته "فاطمة" ، تلك التي تملك من السحر ما يطيب القلوب، وقبلهم قلبه الذي غرق منها وفيها حد النخاع.
أتجه إليهما، ليطرب سمعه صوت "فريدة" وهي تخبرها:
_أنا فخورة بيكِ أوي يا فاطمة، وحقيقي مش قادرة أصدق ولا أستوعب انك قدرتي تعملي كل ده في غياب عُمران، أثبتيلي إنك فعلًا أدها، وإن الست تقدر تعمل أي حاجة.
وأضافت والحزن يتغمدها بوضوحٍ:
_فكرتيني بنفسي، بعد وفاة سالم الله يرحمه، كنت صيدة مغرية لعيلة الغرباوي، خصوصًا بعد الثروة اللي سابها لعلي وعُمران وشمس، الكل كان فاكرني هقع في عرض من العروض اللي اتقدمتلي للزواج، بس أنا بالرغم من أني كنت صغيرة، الا أني وقفت في وشهم بقوة أنا نفسي اندهشت منها، حتى في وش أحمد نفسه.
وازاحت القبعة السوداء عن حجابها المعقود للخلف، ثم مالت على الطاولة تخبرها ببسمة جذابة، تجعل من ملامحها الغربية لوحة فنية للتأمل:
_تعرفي إن علي شال معايا المسؤولية بدري، ومع ذلك عمره ما أشتكى، كنت بحس أنه سابق سنه بكتير أوي، أنا فاكره إن وهو عنده 15 سنة طلب مني موقفش حياتي، وأوافق على الشخص اللي أكمل معاه عن قناعة، بس أنا اختارت أولادي ومندمتش أبدًا.
اتسعت ابتسامة فاطمة، خاصة وهي ترى زوجها يقترب من والدته، فأحاطها بذراعيه ومال يقبل يدها ثم رأسها بحبٍ شديد:
_فريدة هانم نست تقولك إنها أعظم وأجمل أم بالكون كله.
مالت بوجنتها تجاهه، بينما تغلق عينيها بعاطفة:
_الدكتور البكاش، محدش قالك إن عيب تتصنت على حد!
ابتسم وهو يخبرها بعقلانية:
_ده لو حضرتك واخدة فطيمة وحبساها فوق وبتديها أسرار حربية، مش قعدة في الحديقة وبتتكلمي بمتتهى الأريحية عن شيء كلنا عارفينه الا هي.
ضمته لها وقالت برقةٍ:
_محدش هيغلب دكتور علي حتى فريدة هانم الغرباوي مش هتقدر تغلبه.
ضحك بصوتٍ مسموع، وقال بحب:
_أنا مش داخل ساحة قتال، أنا رافعالك رأية السلام!
تابعتهما فاطمة بحبٍ، دققت النظر فيهما بانبهارٍ، جعلها تردد دون مبالغة:
_أنا كده محتارة ومش عارفة أنا عايزة البيبي يجي شكل علي ولا شكل فريدة هانم!
ضحكت فريدة ونهضت تاركة علي من خلفها، بينما تضم فاطمة بلطف:
_أنا عايزاه يجي شبه مامته القمراية، فطيمة إنتِ جميلة من بره زي مانتِ جميلة من جوه، علي عنده ذوق في اختيار كل حاجة.
رفعت فاطمة يديها تحيط بها فريدة وعينيها تدمعان بتأثرٍ، بينما تحدق في زوجها الذي يتابعهما بابتسامة جذابة، ومن ثم غادر لسيارته والبهجة تغمر روحه وقلبه، بتطور العلاقة بين زوجته ووالدته رويدًا رويدًا.
******
راقب شكل السفرة الصغيرة ببسمةٍ هادئة، يشعر وكأنها ليست مرته الأولى بالجلوس بشقة أشرقت، وبتلك الغرفة بالتحديد، ولجت "أشرقت" للداخل حاملة الصواني، رصتها على الطاولة المستديرة وقالت بابتسامتها البشوشة:
_نورت الدنيا كلها يا غالي، مد إيدك قبل ما الأكل يبرد.
نهض عُمران يعاونها في وضع ما بيدها، هادرًا برقي:
_تسلم إيدك، الأكل شكله يجوع.
ربتت على ظهره في حبٍ منطوق:
_ألف هنا على قلبك يا نين عيني.
وجذبت الدجاج تقطعه وتضعه أمامه، فابتسم عُمران وبدأ بسكب بعض الأرز المعمر بطبقه، وما كاد بتناوله حتى مال عليه جمال يخبره:
_إنت مبتحبش المعمر، أنا عارف طلبك.
قالها وسحب الملعقة الكبيرة، يجذب قطعة من المعكرونة الشهية، ومد الطبق له بحنان لم يجده عُمران الا في أخيه.
وزع نظراته بين يده الممدودة والطبق الذي أمامه، وبدون أي تردد شرع بتناول الأرز، مستمتعًا برؤية الدهشة تستحوذ وجه جمال، وقبل أن يسحب يده بما يحمله، جذبه عُمران ووضعه جانبًا، وما أن انتهى من تناول كمية الأرز القليلة، حتى وضع الطبق أمامه وشرع بتناوله بتلذذٍ لحق نبرته:
_عندك حق، حبيت طعمها أوي.
عبر أخيرًا عن دهشته:
_أكلت ليه المعمر وأنت مبتحبهوش، ومتقولش حبيته كان باين على ملامحك إنك مش حابب طعمه!
منحه ابتسامة هادئة، وقال وهو يترك الملعقة من يده:
_لإني وببساطة مبقتش نفس الشخص يا جمال.
قوس حاجبيه بعدم فهم، فاستطرد عُمران بنبرة حملت رغم عنه وجعه:
_أنا لما رجعت هنا حسيت بالنعمة اللي كنت عايش فيها، أنا كنت عايش في أوضة بسيطة فوق السطوح، مع ناس بسيطة جدًا، كل همها في الدنيا الستر والصحة، الفلوس والعربيات والبرفيوم الفرنسي، ساعاتي اللي ملهاش عدد، كل دول حاجات ملهاش أي لزمة، أنا بقيت خايف من رجوع الذاكرة ليا، هتصدم لو اتواجهت مع نسخة بعيدة كل البعد عن تفكيري الحالي.
وأضاف ببسمة ساخرة:
_عشان كده أي حاجه مكنتش بحب اعملها هعملها.
حديثه بدد الانزعاج على ملامحه، بل دافع عن رفيقه باستماتة:
_مش معنى إنك كنت مهتم بنفسك وبشياكتك ده معناه إنك كنت ناسي أخرتك يا عُمران، إنت طول عمرك بتدي أكتر ما بتأخد، فأوعى تفكر إنك كنت سييء، انت مكنش في جمال قلبك وطيبتك ورحمتك بالضعيف قبل الفقير.
عاد يجذب الملعقة، يتناول بها المعكرونة بشهيةٍ:
_كل يا جمال، شوشو هتزعل لو رجعت لاقت الأكل زي مهو.
واستطرد بوقاحة أضحكت جمال حد البكاء:
_ولا تحب أكلك بايدي يا حبيبي!
شاركه الضحك بينما يضع قبالته جزء من الدجاج هامسًا له:
_مامتك متوصية بيا أوي، كل وحافظ على شكلي قدامها، ولا إنت ناوي تبيع صاحبك؟
تناول ما وضعه أمامه، وهتف بخبث:
_فاكرني هتخلى عنك زي ما زقتني من العربية!
تصاعدت ضحكاته الرجولية بشكل أبداه بأكثر جاذبية:
_ما خلاص يا جيمي هو أنا رميتك بالنار! وبعدين هو أنا كنت رايح أتفسح وإتخليت عنك، على حسب القصة اللي حكتهالي فأنا أتروقت ترويقة بنت ناس وشياكة.
وتابع برماديتاه الغائمة:
_أكتر حاجة مضايقاني أني معلمتش على ولاد الـ** دول.
ترك عُمران ما بيده وأردف بغضب:
_لو كنت سمعت كلامي ونطيت من الأول، مكنتش أخدت الوقت لحد ما وصول العربية لنص الجسر،ولا كان السيخ دخل في كتفي، والاهم بقى كنت روقت انا على الكلاب دول، بس ملحوقة تتعوض.
إلتهم جمال قطعة اللحم وهو يجيبه بجمود:
_أنا علمت عليهم، ومفيش بينا فرق.
رفع احد حاجبيه بذهول، فاذا به يخبره ضاحكًا:
_كله راجع لدروسك يا وقح.
ومد يده يجذب منديلًا ورقيًا، جفف يده وجذب من جيب سرواله، السكين الصغير يقدمه لعمران، الذي التقطه منه وسأله بصدمة:
_ماشي بمطوة يا جمال! مطوة!!!
تطلع له بدهشةٍ ومن ثم انفجر ضاحكًا، بينما يخبره بصعوبة:
_دي بتاعتك وإنت كنت ناسيها معايا يا حبيبي.
هتف باستنكار:
_إنت بتهرج!!
اعترض بإشارته وقال:
_عربياتك كلها مبتخلاش منها يا حبيبي، ولو مش مصدقني إسال يوسف لما نروحله.
وأكد له جمال ضاحكًا:
_إنت كنت طاووس وقح، وبلطجي في نفس ذات الوقت.
احتقن الغضب ملامح وجهه، فاذا به يجذب المنشفة الورقية، يجفف يديه ببطء ونظرات مخيفة تحتد تجاهه، تساءل جمال باستغراب:
_أنت لسه مأكلتش!
رد بنفس الهدوء وهو يتوانى بتنظيف أصابعه:
_هأكل بس بعد ما أدبك.
قالها وسحب للسكين ثم مال بالمقعد الخشبي الذي يحمل جمال للخلف، بينما يحاوطه سكينه، صعق جمال من سرعته بفعل ذلك، بينما يمنحه عُمران بنبرته الخشنة إنذارًا صريحًا:
_هتحترمني هحترمك، هتقل مني هحط عليك، وصلت؟
قالها وتركه يسقط بالمقعد، بينما يقهقه الاخير بعدم تصديق، وفور ان اعتدل بمقعده وجد عُمران يتناول طعامه ببرود والثقة تتوج رماديتاه مثل عهده السابق، دنى بمقعده للطاولة وهو يقول بحفاوة:
_الطاووس احتل ساحة الحرب، هتعامل معاك بحذر ماشي.
اتاه رده اللازع وعينيه منصوبة على ما يتناوله بتركيزٍ:
_غصب عنك مجبور تتعامل بحذر.
وتابع وهو يتطلع إليه بنظرة ساخرة:
_هو مش أنت الحيلة بردو يا جيمي، ولا شوشو عندها غيرك؟
******
منذ صعوده رفقتهما بالسيارة ولم يكف عن سؤال أخيه عن الوجهة التي يسلكونها، فاذا بشمس تجيبه:
_هو إحنا خاطفينك يا بشمهندس ولا أيه؟
أخفض عينيه عنها، وقال مبتسمًا:
_ورايا مشوار مهم عايز ألحقه، وبعدها اخطفوني زي ما تحبوا.
صف "آدهم" السيارة، واستدار يخبره:
_وصلنا.
أضافت شمس بابتسامة حماس:
_مش هنأخرك كتير على سدن، قالتلي المشوار المهم اللي مستعجلين عليه، وعلى فكرة انا جاية معاك لأنها حابة اختار معاها فستان الفرح.
رد عليها بنبرة لطيفة:
_انتوا بقيتوا فريق واحد ولا أيه؟
ضحك آدهم وأشار له:
_الستات طول عمرها فريق واحد يا آيوب، انزل.
هبطوا معًا في تلك البقعة المنعزلة، كانت تنجرف على شاطئ البحر، وبالمنتصف وضعت حوائط ضخمة من الكرتون الأسود، يحيطه قطعة من قماش الدنتل الأزرق.
راقب آيوب تلك العُلبة الضخمه التي احتجزت مساحة أربعة مترات في الطول والعرض، وجذب آدهم إليه هامسًا بغرابةٍ:
_آدهم إنت عامل لشمس مفاجأة لزمتي أنا أيه في الحوار ده؟!
ضم شفتيه معًا بمكر:
_هحتاج مصور مثلًا.
ضحك باستهزاء:
_اختيارك غلط يا حبيب قلب أخوك، أنا ماليش في الكلام ده.
نادتهما شمس حينما لم تجدهما خلفها، فاتجهوا معًا إليها، اندهش آيوب من جمود تعابير شمس، فلم تبدو اهتمامها لتلك الهدية الضخمة، بينما تراقبه هو بفضول، وقد اكتمل الحدث فور أن ناداه آدهم قائلًا:
_قرب يا آيوب.
دنى إليه فاذا به يمنحه شفرة حادة، ويشير إليه مبتسمًا:
_دي هديتك إنت مش هدية شمس.
تقابل حاجييه بذهولٍ، بينما يحمسه آدهم ليقطع الحبل، ففعل ووقف منصعق بمحله، فور أن رآى سيارة سوداء بموديل حديث فخم، وأخيه يؤكد له:
_كنت حابب أهاديك بحاجة بعد المكافأة اللي اخدتها من الشغل، فشمس اقترحت عليا أجبلك عربية أحدث موديل، وبصراحه اقتراحها في محله وعجبني جدًا.
واقترب يضع بيده المفتاح قائلًا ببسمته الجذابة:
_مبروك عليك يا حبيبي.
أعاده آيوب إليه في نفس ذات اللحظة، وقال بارتباكٍ:
_لا يا آدهم، مقدرش أقبل الهدية دي، أكيد غالية جدًا، وبعدين إنت ازاي تعمل كده، دي فلوس شغلك وتعبك، مكنش المفروض تعمل كده أبدًا.
أوقفه بصرامته الشديدة:
_متقولش كده، مفيش فرق بيني وبينك، وبعدين أنا مش جايبك هنا تنتاقش هتقبل الهدية ولا لا، أنا بسلمك مفتاحها وإنت هتأخده وبدون كلام كتير.
وزع نظراته بين السيارة تارة وبين يد أخيه الممدودة بالمفتاح، ثم هتف بتوتر:
_آدهم أنا خايف من زعل الشيخ مهران، هو عمره ما قصر معايا، مش عايز لا أزعله ولا أزعلك.
تدخلت شمس بالحديث، حينما قالت بعقلانية تحسب لها:
_وأيه اللي هيزعل الشيخ مهران يا آيوب، آدهم أخوك الكبير وأنت ليك حقوق عليه زي ما ليك حقوق عند بابا مصطفى ، الشيخ مهران عاقل ومستحيل يتضايق من الصح.
أضاف آدهم بينما يشير له بضيق:
_ها هتجرب العربية ولا هتنشف دماغك وتزعلني منك.
التقط المفتاح بابتسامة واسعة، وضمه بقوة وفرحة:
_مش عارف أشكرك إزاي يا آدهم.
ربت على ظهره بحب وقال:
_بطل كلام الاولاد ده ويلا اركب وإطلع على الحارة، خد سدن واتغدوا في أي حتة وأنا على بليل هقابلك أنا وشمس في البوتيك..
وأضاف وهو يشدد من ضمه مجددًا:
_مبرووك يا عريس.
قابله بابتسامة واسعة:
_لسه أسبوعين عن الفرح، بس عمومًا الله يبارك فيك يا باشا.
ضم آدهم وجهه بين يديه بينما يطبع القبل على جبينه، حتى صعد للسيارة وقادها متجهًا لحبيبته.
******
صعد "علي" لمكتبه، حيث كان "يونس" بانتظاره منذ ما يقرب الثلاثون دقيقة، ولج من الباب يستقبله بابتسامته البشوشة، ويده تصافح كفه بخشونة:
_إتاخرت عليك أنا آسف.
قبل اعتذاره الراقي بقوله:
_ولا يهمك يا دكتور.
أشار له على الأريكة المريحة بعيدًا عن المكتب قائلًا:
_اتفضل يا يُونس، نورت المكتب والمركز كله.
جلس بمحل اشارته بالتحديد، بينما يتجه علي للبراد، يسكب العصير بالكوب بتواضعه المعتاد، ثم قدمه له، حمل يُونس الكوب منه ثم أخذ يتطلع له بارتباكٍ خشية من التطلع إليه.
لاحظ علي ارتباكه الملموس إليه منذ لحظة وصوله، فتنحنح قائلًا بلين:
_متردد تقولي أيه يا يُونس، ده مش أول لقاء ولا حوار يجمعنا!
كاد أن يمزق شفتيه السفلية من فرط بث غضبه وتوتره بها بينما يتمتم في حرجٍ:
_لان الموضوع ميخصنيش أنا.
لمس فيه امرًا خاصًا، وسبق له دراسة شخصية يُونس جيدًا، فتنحنح ناطقًا بهدوء:
_يُونس مقابلتك ليا النهاردة بتأكد ثقتك فيا، فمش محتاج أمهدلك بمقدمات عشان تتكلم وتحكيلي المشكلة.
رفع كوب العصير إلى ريقه القاحل، تجرعه على مرتين كأنه يهدأ من نيران استعارت داخله، فكادت أن تلتهمه، ثم ترك الكوب مصدرًا على اللوح الزجاجي صوتًا صاخبًا، ثم تطلع له وقال:
_قبل جوازنا كانت لمحت ليا أن الحقير ده شوهها، وإنها عايزة تعمل عملية تجميل الأول، أنا رفضت ده، كنت فاكر إن الموضوع بسيط وآ..
قاطعه "علي" ونظراته لا تحيد عن آعين يُونس:
_كنت عايز تقتل غيرتك وتشفي غليلك إنها كانت مع راجل غيرك، صح؟
أخفض وجهه أرضًا في حرجٍ، وكأنه تجرد من الستر العازل للعلن، شجعه علي لاستكمال حديثه:
_كمل يا يُونس، أنا سامعك.
تلفظ نفسًا طويلًا، وقال بحزن:
_مكنتش اعرف إنها متشوهة بالشكل ده، الحقير كان بيستغل ضعفها، كان بيعتدي عليـــــها!!!!
صوت أنفاسها المرتفعة جعل علي ينتقل ليكون على قربٍ منه:
_اهدى وخد نفس عميق، أنا عارف وفاهم وجعك.
رفع فيروزته القاتمة إليه، وصاح منفعلًا:
_عمرك ما هتفهم وجعي ولا أي حد هيقدر يفهمه.
أبقى على ابتسامته الثابتة، وقال برزانة نبرته:
_وأيه اللي ممكن يكون صعب عليا فهمه يا يُونس، الاغتصاب والتعدي على الست ملوش مسمى ولا وصف تاني غير إنها جريمة حتى لو كان الشخص ده جوزها، بل بالعكس أنا أكتر حد ممكن يحس بيك وبوجعك وبدون ما أتطرف لتفاصيل، خد بالك انك مش الطرف المجروح الوحيد في العلاقة دي، هي بتعاني أكتر منك، هي اتقتلت كل مرة انجبرت تكون فيها مع الحقير ده، وإنت كمان كملت عليها لما مسبتهاش تتخلص من آثار الماضي عشان تعرف تبدأ معاك من الأول.
انسال الضيق والحسرة على ملامحه المكتئبة، وبات يردد في ندمٍ:
_مكنتش أعرف إن الموضوع واصل معاها لكده، أنا حاولت أبينلها أن كل ده مش فارق معايا، بس زعلها باين في عنيها حتى لو كانت بتضحك في وشي.
رد عليه علي، وهو يستريح بجلسته:
_الخطوة اللي عملتها مهمة وكنت محتاج ليها أكتر منها، دلوقتي الدور على الخطوة الجاية، وهي إنك تعملها اللي هي عايزاه وتساعدها تمحي الآثار دي، لانها رابطة وجودها باستمرار عذابها وذكرياتها اللي بتحاول تناسها، وقبل كل ده لازم توديها لدكتورة نفسية تعالجها من اللي الكلب ده سببه ليها.
واستطرد بعقلانية:
_بس لازم تفهمها إنك معندكش مشكلة تتعايش معاها بالتشويهات دي، لكن لو هي مصرة على ده عشان نفسها فأنت جاهز تدعمها في الخطوة دي.
لاحت ابتسامة راحة على وجه يُونس، وكأنه حصل على الخلاص أخيرًا، ولكنه منحه سؤالًا فضوليًا:
_ليه اقترحت عليا دكتورة مع إن كان ممكن تقولي أجبهالك، بما إنك على علم بقصتنا من البداية.
ارتسمت ابتسامة جذابة على وجهه الهادئ، فنهض يعدل من نظارته الطبية وهو يمازحه:
_التردد اللي باين عليك بيبين إنك أخدت الخطوة دي بعد معاناة، عشان تيجي وتتكلم عن الموضوع، فأكيد مش هتحب إني أكون الدكتور المعالج ليها، وده شيء ميزعلنيش يا يونس، انت راجل ومن حقك تحكم أهل بيتك بالطريقة اللي تناسبك، وبعدين انا يعتبر كونت فكرة عن شخصيتك.
انتصب يُونس قبالته، يقابله ببسمة فخورة وممتنة له:
_أنا مش عارف أشكرك ازاي بجد.
ربت على كتفه وقال:
_مفيش داعي لكل ده صدقني، إحنا بينا صداقة ولا نسيت؟
هز رأسه ضاحكًا:
_لا طبعًا مش ناسي، أنا ربنا عوضني بصداقة حضرتك إنت وحضرة الظابط، انتوا أكتر اتنين ساعدتوني أمر بأذمتي، فأنا مديون لربنا سبحانه وتعالى ثم ليكم انتوا.
تبسم له وقال بلطف:
_ولا دين ولا حاجة، بتمنى تكون أمورك كلها بخير، ووقت ما تحتاجني مش محتاج تطلب مقابلتي بمكالمة، أنت تجيني البيت أو المركز في أي وقت يا يُونس.
صافحه بكل محبة، وغادر من عنده باسمًا، بعدما كان مكفهر الملامح، لقد امتلك إيثان كل الحق حينما رشح له الذهاب له.
******
استقبل يُوسف آدهم وشمس بترحابٍ، وأخبرهما بأن يهبطان لسحب عينة دم للتأكد من حملها، الاجراء برمته لن يتخذ سوى أقل من ثلاثون دقيقة.
انتهت الممرضة من سحب عينة الدماء، ونهضت شمس تتجه برفقة زوجها للكافيه الخاص بالمركز لحين الحصول على نتيجة الفحص، وبينما هي بطريقها، فاذا بها تلمح عُمران وهي يخطو جوار جمال والابتسامة تشرق وجهه الوسيم.
انتبه لهما عُمران، فاقترب منهما يهتف باستغراب:
_شمس! بتعملوا أيه هنا؟؟
تجمعت تكتلات الدموع بعينيها، يتعامل بشكلٍ طبيعي مع أخيها، والآن مع صديقه، ولكن ثمة حاجز يضعه بينهما، انتظر عُمران سماع الاجابة منها بينما يتبادل آدهم السلام مع جمال، ويراقب بزوجته بدهشة من صمتها ونظراتها المُصوبة تجاه أخيها، وإذا بها تغادر من أمامه من دون اضافة كلمة واحدة، متجهة للكافيه
اتجهت نظرات عُمران لآدهم الذي قال ببسمة يحاول أن يطمنه بها:
_عملنا من شوية اختبار حمل وبنستنى نتيجته، فممكن تكون أعصابها متوترة من النتيجة.
لطالما كان ذكيًا، وخاصة إن تعلق الامر بالنساء، فلم تقنعه حجة زوج شقيقته، تابعها بنظراته حتى حدد الطاولة التي اعتلاتها، فاندفع صوبها مصدرًا أمره الحازم:
_مش عايز حد يجي ورايا.
رفع آدهم احد حاجبيه بتجهم:
_وكأنه بيأمرني، أنا جوزها يا وقح!!
ضحك جمال ومال يربت على كتفه، مصبرًا إياه:
_معلش يا حضرة الظابط، نوبة فقدان ذاكرة وهتعدي.
ابتسم ونطق بصدق:
_ولو طولت نستحمل عشان خاطر، عيون الطاووس.
وأشار له على اقرب طاولة:
_تعالى نشرب قهوة لحد ما يرجع.
وافقه ولحق به للطاولة التي اختارها، بينما على بعدٍ منهما سحب عُمران المقعد المقابل لشقيقته وجلس يتطلع لها بتفحصٍ، يحاول معرفة ما بها؟
حدجته شمس بنظرة معاتبة، ومن ثم قالت:
_جاي ليه؟؟ انت مش مرتاح مع علي ومع جمال صاحبك، روحلهم، إنت تقريبًا ارتاحت لكل اللي شوفتهم الا أنا!! مع إني كنت اقرب ليك من روحك، إنت كنت بتحسسني إنك صديقي واخويا وكل حاجة في حياتي، فجأة بتعاملني ببرود غريب، رغم انك بتحاول تندمج معاهم كلهم الا أنا!!
وخز قلبه لرؤية دموعها، لقد مزقته بسوطٍ استهدف فقط موضع قلبه، فإذا به يسحب مقعده ليجاور محلها، هاتفًا بنبرة عميقة:
_يعني أنا كنت فاكر أن آدهم اللي مزعلك وكنت عايز أروح أصفي دمه، أقوم أطلع أنا اللي زعلتك!! طيب قوليلي طيب أجبلك حقك مني إزاي يا شمس؟
جذبت المنديل الورقي تجفف دموعها، بينما يزداد صوت شهقاتها المسموع:
_لو هتتعامل معايا بالجفى ده فأنا محتاجة حقي منك فعلًا.
وأضافت وهي تشكو له منه:
_أنا رفضت أرجع مع آدهم عشان أفضل معاك بس أنت سبتني وخرجت ومهتمتش بوجودي أصلًا.
ازداد عمق ألمه، وكأنه يختبر شعور الأب لأول مرة، شعر وكأنه نسخة علي الآخرى في ذلك الوقت، فإذا به ينهض ويجذبها إليه، يضمها بين ذراعيه الضخم، بينما يردد بضجر:
_مفيش بني آدم عاقل يبكي عيون بالجمال ده، أنا أكيد غبي ومبفهمش، أوعدك أني هأخدلك حقك مني وهلعب 30مرة ضغط عشان زعلك يخف عني!
رفعت رأسها إليه تخبره وهي تجفف دموعها كالصغيرة:
_إنت شخص رياضي والرقم ده بالنسبالك مش حاجه يعني!!
ضحك بصوته الرجولي ومال يطرق جبينها بخفة:
_يا قلبك الاسود يا شمس، عايزة تنتقمي مني بجد بقى!!
عادت تندث بين أحضانه بقوة، هامسة بابتسامة:
_لو هتفضل جنبي مش عايزة ليك عقاب.
ضم رقبتها إليه وقال بحب:
_وأنا هفضل جنبك ومعاكٍ دايمًا يا حبيبتي.
_أنا ماليش مكان في الحضن القمر ده ولا أيه؟
قالها علي بعدما ابتعد عن مقعده، فقد كان يجلس يراقبهما بفرحة وسعادة، استدارت شمس إليه وإتجهت تجاور جلوسه مرددة بفرحة:
_علي إنت جيت امته؟
مال يقبل جبينها وهو يجيبها:
_لسه واصل من ساعة تقريبًا، وجيت عشان ابلغك بنتيجة الاختبار، ألف مبرووك يا روح قلبي.
توسعت مُقلتيها في دهشة، وأخذت تتساءل بفرحة:
_بجد يا علي؟
أكد لها بجدية تامة:
_بجد يا شمس، قريب هتيجي بنوتة أو ولد تورث جمال عيونك.
ضحك عمران ومال يمازحهما:
_لو بنت أنا حاجزها لعلي من دلوقتي، عشان تبقوا عارفين، ويا سلام لو عيونها زرقة، كده هنجدد النسل بأشباه متقاربة لفريدة هانم.
انطلقات الضحكات المجلجلة بينهم، فمال عمران لها وقال مبتسمًا:
_يلا روحي فرحي آدهم، أكيد متوتر هو كمان.
هزت رأسها بكل تأكيد، وغادرت تاركة إياهما بمفردهما، سحب عُمران المقعد المقابل لعلي، وقال بضجر:
_وبعدين يا علي، أنا كل ما بقابل حد بواجه عتاب أكبر على معاملتي معاه، صدقني أنا مش قاصد ده، غضب عني.
استند على الطاولة الفاصلة بينهما وقال برزانة:
_فاهمك ومقدر كل اللي حاسس بيه، عُمران إنت كان ليك طابع خاص في حياة كل واحد من عيلتك ومن اصدقائك، عشان كده كل اللي حواليك مستنين منك رد فعل معين.
رد عليه عُمران بتعبٍ:
_هو أنا ليه حاسس إن كل واحد بيوصفني بشخصية مختلفة عن التاني، انا مبقتش عارف انا مين يا علي!! أنا تايه ومش عارف أنا مين!!
ارتاب علي من أمره المقلق، وقال بنبرته الرخيمة:
_ إنت شخص واحد، قادر تتشكل وتكمل أي طرف علاقة دخلتها، سواء في حياتك مع مايا أو معانا أو مع أصحابك، فأوعى تضعف ولا تتهز، كل دي فترة توتر واضطراب هتعدي بيها وهنتنهي.
هز رأسه بخفوتٍ، وهو يجاهد لرسم ابتسامة صغيرة، وقد لاح له كلمة زوجته التي مازالت تتردد له، فقال بتذكرٍ:
_ علي، إمبارح مايا لمحتلي بحاجة غريبة، محبتش أسألها فيها لانها مكنتش في حالة طبيعية.
انصت له علي باهتمام:._حاجة أيه؟
كاد بأن يتساءل عن جملة زوجته التي قالتها حينما شكت أنه على علاقة بامرأة أخرى، وأنه سبق له ذلك، ولكنه تفاجئ بجمال يشير له، استأذن من أخيه واتجه إليه، فوجده يخبره:
_لسه قافل مع يوسف بيقول مدام ليلى هتخرج بعد عشر دقايق، تعالى نسلم عليهم قبل ما تخرج.
انصاع له ولحق به للمصعد، بينما عيني علي الحزينة منصوبة عليه، أخيه يمر بأصعب تجربة قد يخوضها بحياته، وأكثر ما يخشاه نوبات الاضطراب التي قد تهاجمه بضراوة، وخاصة حينما يصبح أمام مقارنة شرسة بين شخصيته الآن وشخصيته فيما مضى!
******
ولج برفقتها للمصعد، وهو يحاول فهم ما تفعله، وما ان إنغلق الباب عليهما حتى سألها بريبة:
_ممكن تفهميني إحنا رايحين فين يا شمس؟ وبعدين أيه الطريقة اللي اتعاملتي بيها مع عُمران دي؟!!
استدارت إليه بابتسامة واسعة رغم انهمار دموعها:
_آدهم أنا حامل!!
تبلد أي حديث على لسانه، بينما يخطو تجاهها بلهفة:
_بجد؟؟ بجد يا شمس؟!
هزت رأسها وأكدت له:
_علي استلم نتيجة الفحص وأكدلي ده، هبقى مامي يا آدهم!!
شملها بين ذراعيه بفرحة أدمعت عينيه بسعادة، بينما يخبرها:
_هيبقى عندي بنتين، انا بحسك بنتي الصغيرة أصلًا.
وتابع بحماس أضاء وجهه:
_مصطفى الرشيدي هيعمل فرح، متتخيليش هو مستني الخبر ده ازاي.
ردت عليه بفرحة:
_خلاص يلا نروح ونبلغه، ونبقى نعدي على دكتور يوسف في يوم تاني.
أخذه الحماس بفكرتها، فحملها بين يديه وخرج بها لسيارته قائلًا بنبرة مغرية:
_طلبات شمس هانم أوامر تتنفذ وقتي.
أحاطت عنقه ومالت تضع رقبتها بكتفه:
_مش خايف على هيبتك يا باشا
مال يضعها بسيارته وهمس قبالتها:
_فداكِ كل حاجة، منصبي وهيبتي وشكلي كل حاجة فداكِ يا قلب الباشا!
*****
طرق جمال على باب الغرفة الخاصة بزوجة يوسف، فإذا به يتجه لاستقباله بعد المكالمة التي حدثت بيهما، فأشار له مبتسمًا:
_ادخل يا جمال، سيف ومراته جوه.
قال بابتسامة مشرقة:
_بس انا مش جاي لوحدي يا يوسف، معايا ضيف.
زوى حاجبيه بدهشة، أي ضيفًا هذا الذي يأتي به جمال لغرفة زوجته:
_ضيف مين؟!
ظهر عُمران قبالته مبتسمًا، وقال وهو يراقب ملامحه بتوترٍ:
_مبارك ما جالك يا يوسف، تتربى في عزك.
توسعت حدقتيه بشكلٍ ملحوظ، لقد تحققت أمنيته بحضور رفيقه وتجسدت قبالته، ابتسم ودموعه تعكس ملامح سعادته:
_عُمران!
تخطى جمال وإلتقفه بين أحضانه، فتعلق به يوسف كالغريق، لقد بات الأمر واضحًا لعمران، بأن من حوله يقبع حبه داخل قلوبهم دون شك، الجميع بحاجة لوجوده، بحاجة أن يسبق هو لتلك الضمة التي تعتبر اعتذارًا صريحًا منه على غيابه المفروض عليه قبل أن يُفرض عليهم، لذا أقل شيئًا يمتلكه هي تلك الضمة الحنونة.
تشبث به يوسف، ودموعه تنساق على كتفه، بينما يخبره ببسمة غير مصدقة:
_كنت لسه بقول لجمال في نفس المكان أني محتاج لوجودك جنبي في وقت زي ده.
ربت على كتفه وقال بحنان:
_وأنا جانبك ومعاك دايمًا.
وابتعد يتطلع لوجهه بتدقيق، عساه يتهافت عليه أي ذكرى مرتبطة به، بينما يمازحه:
_وبعدين أنا جيت عشان أشوف القمراية بتاعتنا، هي فين العروسة؟
ضحك يوسف بملء ما فيه، وفتح الباب يشير له:
_ادخل يا عُمران، تعالى!
تفاجئ الجميع بوجوده، فاذا بسيف يتجه إليه ويحيه بفرحة:
_عُمران إزيك!
توترت نظراته ومال تجاه جمال، الذي حل محل علي:
_ده سيف اخو يوسف الصغير، ويعتبر أنه تربية ايد يوسف، بس انت ختمتها وربيته تربية نفعته بدل الدلع اللي يوسف رباه عليه.
ضحك رغمًا عنه على تلميح جمال له، ودنى يصافحه بلطفٍ:
_أهلًا بيك يا سيف، سعيد إني شوفتك.
ضيق عينيه في صدمة، من هذا الملاك البريء الذي احتل جسد الطاووس الوقح، بينما دنت منه زينب وقالت في سعادة:
_حمدلله على السلامة يا بشمهندس، وقبل ما تسأل البشمهندس جمال فأنا زينب اخت فطيمة مرات دكتور علي، ومرات سيف .
منحها ابتسامة صغيرة بينما عينيه تعانق الارضية الرخامية:
_الله يسلمك، اتشرفت بيكِ.
بينما هتفت ليلى بفرحة:
_الحمد لله انك بخير، ربنا سبحانه وتعالى نجاك من مكائد الكلاب دول لانك ماشي بما يرضي الله.
ومالت تضع الصغيرة بين يدي زوجها، قائلة:
_يوسف كان بيتمنى يجيلي ولد بعد اللي حصل معاك عشان يسميه عُمران.
اتسعت ابتسامته وهو يوزع نظراته بين جمال ويوسف:
_هو عُمران ده أحمد زويل، كل اللي أقابله عايز يسمي الأسم؟
ضحك يوسف ووضعها بين يديه، بينما يهتف جمال في حنقٍ:
_لو هتتكلم عليه كأنه شخص مخالف ليك فبأكدلك بعد التثبيته اللي ثبتهالي في البيت دي إنك هو بشحمه ولحمه ووقاحته.
انفجر يوسف وسيف من الضحك حينما ترسخ لهما فهم ما يرمي به جمال، بينما يتجاهلهما عُمران وينسجم بتأمل الصغيرة، واضعًا كف يده بين أصابعها، مرددًا بانبهارٍ:
_ما شاء الله زي القمر يا يوسف، هي صغننه أوي بس عسولة أوي تبارك الله.
اتسعت ابتسامة يوسف، وود لو ظلت ابنته بين يدي عُمران هكذا، بينما يغمر قلب عُمران حنين مفاجئ وحماس لحمل ابنه بين يديه ذات مرةٍ، بل تفاقم حنينه تجاه زوجته بالأخص.
مضى بالصغيرة للفراش المخصص لها، بينما يشير لجمال ونفس اشارته ليوسف، فخرجوا من خلفه.
وقف قبالتهما وقال بتوتر:
_أنا كنت حابب أقضي بقية اليوم معاك يا يوسف، وأبات معاك يا جمال زي مانت مصر، بس أنا حابب أرجع البيت ارتاح شوية، وأوعدكم إني بكره هنتجمع في الشقة اللي في الحارة اللي قولتلي عنها يا جمال، فبتمنى متزعلوش مني!
أشار له يوسف بعقلانية وتفهم لما يمر به:
_زيارتك ليا النهاردة بالدنيا وما فيها يا عُمران، أنا عارف ومقدر اللي انت حاسس بيه، عشان كده مش عايزك تضغط على نفسك أكتر، من كده يا حبيبي وجمال أكيد متفهم، مش كده يا جيمي.
زفر بقلة حيلة وقال:
_لو هيجي بكره فتمام سماح ليك.
تنهد في راحة بأنه سيرحل دون أن يضايق أحد منهما، تلقفه يوسف بعناق أخر وقال:
_متوترش نفسك باللي حوليك يا عُمران، وارجع اعمل أكتر، حاجة كنت بتحبها.
زوى حاجبيه بتيهةٍ:
_أيه هي؟
اجابه بصوته الرخيم:
_الرياضة، أنت بنحب تلعب رياضة جدًا، ومخصص صالة كاملة ليك في قصر الغرباوي، هون على نفسك وارجع للي بتحب تصفي بيه ذهنك.
منحه ابتسامة ممتنة، وغادر برفقة جمال، الذي أوصله للقصر بسيارته وغادر بعد أن أكد عليه مجددًا ضرورة حضوره بالغد.
ولج عُمران لجناحه الخاص، فوجد مايا تغط في نومها، إتجه لحمام الجناح، ينتعش بحمام سريع، ثم اتجه للخزانة يرتدي ملابسه، فاذا ببصره ينجرف تجاه الزر الجانبي الخاص بالباب السري للصالة الرياضية، صعد الدرج للاعلى، ووقف مشدوهًا أمام عدد الاجهزة الحديثة.
كانت مجهزة على أعلى مستوى، وكأنها تخص تمرين احد أبطال كمال الأجسام، تحسس الاجهزة بروحٍ تنبض داخله كالجنين الملتصق برحم أمه، وإذا به يبدأ أول دورات تدريبه، حيث كان الأمر بالبداية أكثر مشقة حتى اعتاد الأمر، وكأنه كان شيئًا معتادًا في حياته.
تلاحقت أنفاسه بشراسةٍ على الأجهزة، فكان يتنقل من جهازٍ إلى أخر بسرعة مهولة، بينما ينسال العرق على جسده بغزارةٍ، وكأنه يعوض غيابه الطويل عن ممارسة رياضته المفضلة.
هبط عُمران عن الجهاز، وإتجه يجذب المنشفة، بينما يستريح على أحد المقاعد، ينظم أنفاسه اللاهثة ببطء وتحكم، حتى هدأ تمامًا.
رفع المنشفة يمسح خلف رأسه، وعينيه تغوص بشرودٍ على الحائل الزجاجي الضخم، كان معتمًا بشكلٍ يوحي وكأنه حائط، ولكنه أثار اهتمامه بشكلٍ كبير، فاذا به يتجه إليه، يمرر يده عليه وكأنه يستكشفه، حتى ضغط على زر جانبي فيه، فإذا به يمر للجهة الاخرى من الحائل الزجاجي.
تفاجئ عُمران بوجود مكتبة هائلة من الكتب، وكأنه انتقل بالزمان للمكتبات الكلاسيكة القديمة، مع دمج عتيق باللمسة الحديثة، وقبل أن يستوعب شيئًا داعب أنفه رائحة قهوة مميزة، جعلته يهتف بتلقائية منه:
_علي!
ابتسم ذلك الذي يراقبه من محل جلوسه على الاريكة المريحه، يرتشف من كوب قهوته، ويتابع قراءته، مرددًا بصوته الرخيم:
_كنت هزعل أوي لو مكننش اكتشفت الباب السري ده وجيتلي!
اتسعت ابتسامته وكأنه وجد ضلته بين غياهب الجب، فاذا به يتجه إليه بخطوات متهدجة، حتى جلس جواره، أغلق علي الكتاب وجلس باستقامة أمامه، يتفحصه ببسمة جذابة:
_رجعت للرياضة تاني؟
نزع القفازات الرياضية عن بديه وقال بفخرٍ:
_كنت حاسس إن ناقصني حاجة ومش عارف أيه هي، لحد ما يوسف لمحلي بحبي ليها، ومن أول ما دخلت الصالة وأنا اندمجت مع الاجهزه.
حبس ابتسامته، وقال مصطنعًا الضيق:
_وضحلي حجم الاندماج اللي كنت فيه مع الاجهزه، بقالك ساعتين جوه!
لف جسده تجاهه وسأله بفضوله:
_هو انت كنت قاعد القعدة دي من ساعتين يا علي!
سحب الكتاب الذي عرق فيه للتو، ورد عليه:
_زي ما ليك مفضلاتك ليا مفضلاتي أنا كمان.
قالها ونهض من محله يعيد الكتاب بالخزانة، وحينما استدار ليعود لمحله، فوجد عُمران يخطف كوب قهوته ويرتشفه بأكمله، تحررت ضحكات علي وهتف بعدم تصديق:
_إنت عمرك ما هتتغير أبدًا.
ترك الكوب الفارغ جانبًا، وقال يمازحه:
_ولما انت عارف كده مبتعملش حسابي في فنجان زيادة ليه؟!
ربع يديه أمام صدره ورد برزانة:
_أخدت ساعتين عشان تلاقي الباب السري، تفتكر قهوتك كانت هتستناك المدة دي؟
هز رأسه بالنفي، فابتسم وهدر بمشاكسة:
_حبيب قلب بابا الشاطر، يلا إرجع لجناحك وأنا هنزل أغير هدومي وارتاح شوية.
اتجه للدرج المبطن لبهبط للاسفل، فاذا بعمران يوقفه قائلًا:
_علي استنى.
وقف محله يستدير إليه باستغراب، وخاصة حينما وجده يسرع للخزانة العملاقة، سحب أحد الكتب وعاد إليه يجذبه برفقٍ للاريكة مرة أخرى، وما أن انصاع له وجلس، حتى تمدد عليها ومال يستند برأسه فوق ساقيه، ويعدل من وضعيته بوضعية مريحة، أسفل عيني علي المندهشة مما يفعله.
سند رأسه لساقيه، ثم رفع يده بالكتاب يضعه بين يدي أخيه وهو يشير له:
_اقرأ الكتاب ده هيفيدك، شكله ملفت ومهم.
وترك الكتاب بين يديه، ثم أغلق عينيه في راحة وابتسامة سعيدة، وزع علي نظراته بين أخيه والكتاب المحمول بين يده، ثم انفجر ضاحكًا بعدم تصديق:
_ما تقول إنك عايز تستولى على رجليا بدل ما تلف وتدور على بابا !
ابتسم عمران وقال يحمسه:
_غلاف الكتاب مغري، اندمج معاه وسبني أندمج أنا كمان.
ترك الكتاب عن يده ووضع كفه على جسد أخيه، بينما يغلق الاخير عينيه حتى ظنه علي يغفو بسلام، فاذا به يحطم الصمت:
_علي، جمال لما نادني كان عندي سؤال ملحقتش أقوله ليك.
قال وهو يصغي إليه:
_إسال.
تساءل بما صدم به علي:
_هو أنا كان في حد في حياتي قبل مايا؟!!
تحجرت الكلمات على لسان علي، وقال وهو يدعي انشغاله بقراءة الكتاب:
_ليه بتقول كده؟
اجابه ومازال يسترخي على قدميه:
_مايا لمحتلي بحاجة زي كده.
طال صمت علي، بما دفع عُمران يستند على جزعيه ويجذب الكتاب منه:
_ساكت ليه؟
تنهد وهو يجيبه:
_هتعمل أيه بالماضي يا عُمران، كل ده عدي وأنتهى من حياتك.
استقام بجلسته جواره، وقال بنظرات ترتاب لسماع الاجابة:
_عدى وانتهى تمام، بس حابب أعرف العلاقة دي كانت بشكل أيه، يعني كنت خاطب قبل مايا أو متجوز؟!!
لعق شفتيه الجافة ونهض يعيد الكتاب محله:
_علاقة عابرة وانت نهيتها بدون أي مجازفات، فالموضوع منتهي، يلا قوم انزل ريح شوية، بكره انت وراك يوم طويل مع جمال ويوسف، عايزك تقرب منهم وتقضي وقت طويل معاهم، ده هيساعدك جدًا، أنت كنت بتحب تنزل مصر في اجازات الدراسة عشان تقابل جمال ومايا، ويوسف شخص عظيم اتعرفت عليه في لندن وبقى قريب منك جدًا.
ترك كل ما يقول وسأله بدهشة:
_ولما أنا بحب مايا من أيام دراستي زي ما بتقول أيه خلاني أسمح بدخول العلاقة العابرة دي؟!
ضم شفيته معًا بضيق، ودنى إليه يخبره:
_عُمران الماضي راح بكل الوحش اللي فيه، متحاولش توصل لأي حاجة ممكن تزود من حيرتك، انت في الاساس مشتت من غير حاجة، اسمع كلامي وانزل ارتاح، الوقت اتاخر.
حرك رأسه باستسلامٍ، وغادر من الصالة لجناحه الخاص، فوجد مايا تجلس على الفراش والقلق ينتقم من ملامحها الجميلة، فباتت باهتة، وما أن رأته حتى نهضت تركض صوبه:
_أنت كنت فين يا عُمران، أنا رنيت عليك كتير اوي؟
رسم ابتسامة رقيقة على وجهه الرجولي، وقال:
_الموبيل هنا وعامله صامت يا مايا، أنا مرحتش في مكان عشان أخده معايا، أنا كنت فوق في الصالة.
عادت تترك مساحة لانفاسها تمر وتخرج بشكلها الطبيعي، هامسة:
_قلقتني عليك.
رد بصوته الشجي:
_قلقك عليا مبالغ فيه يا حبيبي، أنا خلاص رجعت ومش هبعد تاني.
رفعت عينيها إليه، وبصوتٍ مرتعش قالت:
_بجد، يعني مش هصحى في يوم على الكابوس ده تاني؟
رفع اصبعه يبعد الدمعة عن وجهها الجميل:
_انتهى خلاص يا مايا.
ارتسمت ابتسامة فاتنة على وجهها، فمنحها ابتسامة عاشقة، بينما عينيه تغوص في عمق عينيها، وإذا به يتقدم إليها، ودعوة تجدد ميثاق الغرام تتقدم لها، فلم ترفض دعوته أبدًا، بل لبتها بكل شوقٍ وحنين إليه.
مال عُمران للفراش، وإذا به يبصر عدد من المشاهد، واللقطات التي تمر في باله لمشاهد مشابهة، فرمش بوجعٍ.
رفعت مايا رأسها تراقب ملامحه بقلقٍ، اتبع سؤالها:
_عُمران مالك؟
ضم وجهها بيده وقال بابتسامة زائفة:
_مفيش يا روحي، أنا كويس.
عاد يصطحبها برفقته لرحلتهما المشتاقة، ولكن احتد به الألم بشكلٍ جعله يميل جوارها وهو يضم رأسه ويتأوه بوجعٍ قاتل، فاذا بها تهرع إليه وهي تناديه بفزعٍ:
_عُمـــــــران!!
مرر يده على جبينه وهو يقاوم وجع الرأس القاتل، الوجع يتضاعف بشراسة وكل ما يطرح من امامه وجه فتاة شقراء، بشعر أصفر وعيني خضروتان، ملابسات جريمة الزنا التي حدثت بينهما من قبل، كره شديد مطعون بشخصه القديم.
يحتد الألم وتلك المرة ينتهي بـ صراخًا عاصفًا، جعل مايا تقف باكية قليلة الحيلة، فاذا به تجذب اسدال صلاتها، وتركض صوب جناح علي، تطرق الباب بشكلٍ جنوني، فاذا به يقف أمامها ويراقب حالة الذعر الناطق بها عينيها، بينما تلفظ بتوتر:
_عُمران!!
لم يستمع لأي كلمة أخرى، فقد كان يركض صوب جناح أخيه فور أن علم أن الامر يخصه، ولج للداخل يبحث عنه، ولكنه لم يجده، فاذا بصوت تحطيم شرس يقبع من خلف باب المرحاض الموصود.
ركض علي صوب الباب يدق بكل قوته وهو يناديه:
_عُمران افتح الباب!
وحينما لم يجد أي رد، استدار تجاه زوجه أخيه، يسألها بخوف:
_أيه اللي حصل يا مايــــا؟!!
في تلك اللحظة انضمت لهما فاطمة التي لحقت بهما فور سماع نبرة مايا المرتعبة، ابتلعت مايا ريقها في توترٍ، بينما يتابع علي باستفسارٍ ليتبين له حالة أخيه الغامضة تلك:
_ردي عليا، أيه اللي حصل، أنا لسه سايبه من شوية وكان كويس، اتكلمي عشان أقدر أساعده!!
بكت بانهيار، فضمتها فاطمة، وهتفت بانزعاج:
_بالراحة عليها يا علي، انت مش شايف حالتها عاملة ازاي!
اعتصر شفتيه بضيقٍ من الوضع برمته، وعاد يتطرق على الباب مجددًا، في محاولة أخيرة:
_عُمران، الباب ده يتفتح حالًا سامـــــــع!!
وحينما لم يجيبه، اتجه لها ينحني قبالة الاريكة التي تتخذها هي وزوجته متكئًا:
_مايا ساعديني، حصل أيه؟
رفعت عينيها له باستحياءٍ، وقالت:
_معرفش، كان كويس وفجأة مسك رأسه وكان بيتألم جدًا، جيت وناديتك على طول.
نظراتها أضرمت الموقف بأكمله له، فاستقام بوقفته وأشار لفاطمة:
_فطيمة خدي مايا جناحنا، سيبوني معاه شوية.
أومأت له، وساندتها حتى أغلقت باب الجناح من خلفها، بينما اتجه هو يصيح بعنف يعلم أنه سيجدي نفعًا:
_مفيش حد في الجناح غيري، هتطلع ولا هتفضل مستخبي جوه زي الجبان!!
تحرر مزلاق الباب وطل له عُمران بهيئته المخيفة، عينيه محمرة بلهيب من جهنم أضرم سحر رماديتاه، دنى منه حتى جابه محل وقوفه، وقال بغضب:
_مكنتش علاقة عابرة زي ما قولت، كانت كبيرة من الكبائر.
وأضاف بوجعٍ وكسرة:
_خوفت تصارحني بحقيقة إني كنت زاني يا دكتور!!
........ 💣 يتبع.......
#االاقـــــــــــوى_قــــــــــــادم
#صرخـــــــــــــــات_أنثــــــــى..
#آيـــــة_محمـــد_رفعــــــت..
لطلب رواياتي الورقية بخصومات تصل ل50في المية على رقم الواتساب 01121530961 لفترة محدودة ❤
بحبكم في الله ❤
****_________******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 134 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#عودة_الطاووس)
#الفصل_ال104
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات Nour Belkhery
Gana Mahmoud
Om Mostafa
Haneen Aomri
جودى محمد
Souzan kamar
Farida Elkasedبمناسبة عيد ميلادها ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
اهتز "علي" في وقفته صدمة مما استمع إليه، بينما يستمر "عُمران" في مواجهته، ووجعه ينطق بين رماديتاه من هول ما يحاول تصديقه، يتمنى أن ينفي أخيه كل ذلك، ولكن المشاهد داخل عقله تُعاد لتؤكد له إنها حدثت بالفعل!!
كلما إستراد جزءًا من ذاكرته المفقودة، يرى نفسه بشخصية شيطانية، تجعله لا يريد استردادها أبدًا، يبعد بينه وبين هذا الشخص الزاني فرق الأمد، وبداخله أمنية غالية ان لا يكون هو هذا الشخص.
أصبح "علي" جواره الآن، يحاوط ظهره العاري، ويخبره بكل ثباتًا يمتلكه:
_عُمران حبيبي، كل ده كان من الماضي، إنت اتغيرت وآ.
انفض كفه يعيدًا عنه، ومازالت نظراته تحيط عيني أخيه في صدمة،نطق بها لسانه:
_إتغيرت!! هو ده تبريرك على الجريمة اللي ارتكبتها.
تنهد علي بقلة حيلة، ورد:
_أنت توبت عنها يا عُمران.
ارتسمت بسمة القهر على وجهه، وقال بسخرية:
_أيه الضامن ليك إن توبتي اتقبلت عند ربنا؟ وأيه الضامن ليك إني رجعت عن القذارة دي؟؟؟
وتابع وهو يدنو إليه ببطءٍ:
_إنت نفسك خدعتني يا علي، كدبت عليا لما سألتك، فقولي بأي حق هرجع أثق فيك تاني؟؟
إرتاب "علي" حينما رأى الاضطراب يزحف على معالم أخيه، وهو بنفسه يعلم ما الذي سيواجهه حينما يفقد ثقته الكامنة به، فعاد يقترب منه، وهو يحاول أن يقربه إليه قائلًا:
_كان لازم أبعدك عن النقطة دي يا عُمران، لإنك بتواجه شخصيتك القديمة البعيدة عنك، أنت قبل ما تعمل الحادثة كنت شخص تاني، بعيد عن كل القذارة دي.
اتسعت ابتسامته الساخرة، وعينيه تسترسل ألف قصة بُنيت على وجعٍ وألمًا عتيق، فاذا ببحته تجرح حلقه:
_هو إنت ليه مش قادر تفهمني!! أنت محسسني إني إرتكبت شيء هين وبسيط وواقف تقولي إني اتغيرت! علي أنا زنيت!! أنا إرتكبت كبيرة من الكبائر اللي بتهز عرش الرحمن!!!
وأحنى رأسه أرضًا ودموعه تزحف على وجنتيه الساخنه:
_يمكن عشان كده ربنا عاقبني باللي حصلي!
هز علي راسه نافيًا ما ترسخ بعقل أخيه، بينما يستطرد عُمران في شرودٍ:
_لو كان مصيري الموت كنت هقابل ربنا إزاي وأنا حامل الذنب ده؟؟ كنت هقف قدامه إزاي!!
وتابع بارادة واصرار:
_أنا لازم أطهر نفسي من الذنب ده، أنا مش هقابل ربنا بيه أبدًا، عقابي في الدنيا أهون من عقابه في الآخرة.
واستدار إلى أخيه الذي يراقبه بخوفٍ، بعدما تفهم مغزى عباراته، فإذا بعُمران يتعمق برماديتاه وهو يخبره:
_عقاب الزاني 100جلدة ده لو كان عازب، أما لو كان متجوز فعقابه الرجم حتى الموت.
وتابع بعدما استدار بجسده إليه:
_ثقتي إتهزت فيك مرة فلو اتهزت التانية هتخسرني يا علي؟
فهم مغزى سؤاله الغامض، فارتعش جسده وخفق قلبه من ربكة ما يتودد لعقل أخيه، ابتلع لعابه الهادر وقال:
_عُمران بطل جنانك ده، وفوق آ..
قاطعه حينما حرر سؤاله المباشر:
_إرتكبت الذنب ده وأنا متجوز ولا قبلها يا علي؟
إرتخى جسده ضعفًا، وهو يشاهد في عيني عُمران اصرار لمعرفة الحقيقة، وتحدي بأنه إن لم يواجهه بالحقيقة سيخسره تلك المرة، سقط "علي" على المقعد بارتخاءٍ، ودموعه تنساق على وجنتيه، تعلن هزيمته الساحقة أمام أخيه الذي فطن الاجابة الصريحة على سؤاله، ازداد حجم الألم الساري بقلب عُمران، فاذا به يميل مستندًا على الحائل الزجاجي من خلفه، وقد ارتسم بسمة ساخرة على شفتيه:
_محكوم عليا بالموت!
حافظ "علي" على انتظام أنفاسه المنفعلة، ورد عليه:
_مش صحيح، ربنا سبحانه وتعالى رحيم بعباده، إنت بعدت عن معاصيته وتوبت منها، مبقتش تعمل غير اللي يقربك منه، سواء بقيامك أو بالصدقات اللي بتعملها.
رفع رأسه المحني، وتطلع فيه، قائلًا:
_مش كفايا يا علي، كل ده مش كفايا قدام ذنبي.
وابتعد عن الحائل وهو ينطق بعزيمة:
_أنا حياتي جحيم أصلًا فمش باكي عليها، أنا قابل بحكم ربنا سبحانه وتعالى، وجاهز ليه.
قالها وإندفع تجاه الخزانة، يتلقف أول قميصًا يقابله، ويرتديه فوق بنطاله باهمالٍ، صعق "علي" مما يراه، واتجه خلف أخيه يعركل طريق خروجه:
_لو فاكر إني هسيبك تخرج من هنا ولا تنفذ الا في دماغك ده تبقى بتحلم، كل اللي إنت فيه ده مجرد اضطرابات لمواجهتك بشخصيتك القديمة، مجرد رجوع ذاكرتك ليك هتفهم إنك امتنعت عن كل القرف ده وبقيت شخص تاني.
وتابع ليستميله:
_ثم إنك لما ارتكبت الذنب ده مكنش في علاقة تجمعك بمايا غير عقد الزواج، يعني لو هنمشيها بحكم الله فأنت هتتعامل معاملة الأعزب.
راقبه بصمتٍ بدى خطيرًا لأخيه الذي يترقب سماع رده، فإذا به ينزع حزامه الباهظ من حول خصره، ويقدمه لأخيه!
وزع "علي" نظراته بين عيني عُمران المتجهمه، وما بيده، وازدرد بصعوبة:
_عايز توصل لأيه يا عُمران؟
قطع صمته أخيرًا برده الصامت:
_عايز أتخلص من كل الاحاسيس المقيته اللي جوايا، عايز أحب نفسي اللي كل مدى بكرهها أكتر، من الأول، وإنت اللي هتساعدني يا علي.
ودنى منه يسحب كفه المبسوط ووضع فيه حزامه قائلًا بدموع متوسلة:
_إجلدني وطهرني من الذنب ده!
سقط الحزام أرضًا من يد علي المصدوم، فاحتكت طوقه الثمين بالأرضية مطلقًا صوتًا صاخبًا، كقرع قلوبهما، ومن بعده احتكاك ركبتي عُمران الذي ركع ينزع قميصه، وهو يتابع ببكاء:
_عقابي في الدنيا أهون من إني أقابله وأنا شايل القذارة دي!
وأضاف، وهو يميل برأسه على ساقي أخيه:
_بالله عليك ساعدني، أنا مش طايق نفسي، أنا عصيت ربنا وكنت عارف عقوبتي، أنا إتجرأت على ربنا يا علي!!
تهاوت دموع علي وقلبه يتمزق بين أضلعه وجعًا على أخيه الذي يطالبه بالقصاص، وهو غير أهل بفعل ذلك، فإن كان بيده لحمل عنه كل العذاب الذي يؤلمه يومًا، لو كان بيده لتجرع الكأس بأكمله دون أن يترك له رشفة تجدد بها وجعه وحزنه.
سحب عُمران حزامه المُلقي أرضًا، ورفعه إلى أخيه قائلًا:
_لو عايز تداري على أخوك عاملته البشعة دي هتعاقبني إنت، والا هخرج أنا وهروح لحد ينفذ بس خليك عارف إنك هتكون السبب برفع الستر عني.
رفع علي رأسه عاليًا والدموع تتدفق من عينيه دون توقف، خسر كل ما تعلمه في التعامل مع أخيه، الذي اجتاحته نوبة اضطراب قاتلة، ما بين مواجهته بماضيه وحاضره، ولم يفق من قتله البطيء الا على سوط التحام السوط بجلد أخيه، الذي قرر أن لا يضعه بهذا الاختبار القاس وقرر أن يعاقب هو ذاته.
جن جنون علي، وكأن السوط يهبط على ظهره هو، فانحنى يلتقط عنه الحزام، الذي ثناه ليجعله قاسيًا كضربة السوط، انتزعه "علي" منه وألقاه بعيدًا وهو يتفقد ظهر أخيه بجنونٍ لحق نبرته المبحوحة:
_عملت أيـــــــه يا مجنــون!!
أدمى جلده الأبيض جراء أول ضربة هوت على ظهره بقوته، بينما يحاول عُمران دفعه للخلف، حتى يصل لحزامه مجددًا، صرخ فيه علي وهو يحاوط جسده:
_حرام عليك اللي بتعمله فيا وفي نفسك ده، فوق يا عُمـــــــــران، إنت بتشكك في رحمة ربنا، ربنا سبحانه وتعالى رحيم بينا كلنا، مين فينا خالي من الذنوب، من فينا معصوم من الغلط، ربنا مبيقفلش باب التوبة في وش حد يا حبيبي، وإنت توبت وندمت على ذنبك ده، والدليل إنك لحد النهاردة بتأنب نفسك عليه، ومش قادر تناساه.
بكى بين ذراعيه وهتف بانكسارٍ:
_بس أنا مش هعرف أتعايش بالذنب ده، هكره نفسي يا علي.
شدد من الإحاطة به، وهو يراعي ألا يلامس جرحه الذي سرى بعرض ظهره العضلي، بينما يستطرد بدموعٍ تشق طريقها:
_إنت مش وحش عشان تكره نفسك، إنت لو كنت كملت في معصيتك كان ليك الحق في ده، لكن إنت بعدت وقربت من ربنا، ولو عندك شك أن ربنا مغفرلكش توبتك مكنتش لحد النهاردة محافظ على قيامك ولا صلاتك.
وأضاف بما يحاول أن يدمي به نيرانه:
_موسى حكالي على كل حاجة، إنت في عز تعبك ووجعك كنت بتقوم لصلاتك، مقدرتش تبعد عن ربنا سبحانه وتعالى، تفتكر لو هو كارهك كان هيحببك في طاعته وقربك منه بالشكل ده؟
مال على ذراعه وقال بوجومٍ:
_ذنبي هيقلل من درجتي عنده، ساعدني يا علي، بالله عليك تساعدني!
سند رأسه للخزانة من خلفه، وبكى بصوتٍ مكبوت، بينما يميل عُمران على ساقه مستندًا برأسه على ذراعه الأيمن، موليه ظهره المجروح.
رأى علي عُلبة الاسعافات الأولية، الموضوعة بأحد ادراج الخزانة الحاصة بمكينات الحلاقة الخاصة بأخيه، التقطة وفتحه بذراعه المتحرر، حتى جذب منها قطعة القطن ومطهر الجروح، سكب البعض منه على ظهر عُمران، وبدأ يداويه.
ابتسم عُمران ومازال يميل على ذراع "علي"، يتمتم بسخطٍ:
_بقولك عاقبني بتداويني!
أزاح دموعه بكم قميصه المرفوع وقال بحزمٍ لجئ له:
_اسكت مش عايز أسمع منك حرف تاني، إنت هتنفذ كل اللي أنا هقوله وهتعمل بيه بالحرف، سامعني!!
اتسعت ابتسامته رغم سقوط دمعاته، بل أجابه بسخرية:
_حاضر يا بابا.
انتهى علي من تضميد جرحه، ونهض يسانده وقد استسلم له عُمران بجسدًا مهلكًا، وبنظراتٍ تضخ بالغموض الخطير!
سحب علي قميصًا أخر لأخيه، طرحه عليه وقال:
_هنروح مكان بترتاح فيه، ولعلمك بقى إنت سهمت بتجديد المكان ده، والناس هناك بيحبوك جدًا.
استدار يسأله بلهفة أدهشته:
_فين؟؟
منحه ابتسامة رغم حزنه وبكاء عينيه:
_مسجد الشيخ مهران.
رفرف قلبه كالعصفور الطليق، والحنين يضرم مشاعره بشكلٍ أذهله، فاذا به بمسك كف أخيه كالصغير:
_أنا عايز أروح هناك يا علي.
زوى حاجبيه بمكرٍ، وقال ضاحكًا:
_اسمع كلام بابا اللي بيحبك وخايف على مصلحتك وأنا هوديك مكان ما تحب.
زارته بسمة في وسط الضياع الذي يخوضه، وقال بنبرة حزينة:
_وأنا بعمل أيه غير إني أسمع كلامك!
ضمه علي ومال يقبل جبهته، هاتفًا بآنينٍ:
_كل اللي بعمله لمصلحتك، أنا راحتي في سعادتك.
تعلق به بقوةٍ، ومن ثم قال:
_لو عايز تشوفني سعيد واجهني بكل اللي عملته، بلاش تخبي عني أي حاجة هتضايقني وقت ما أعرفها.
وابتعد عنها يطالعه بنظرة حمل فيها حرجه مما فعل:
_مايا كانت تعرف إني بعمل ده؟
ارتبك علي مجددًا قبالته، ولكنه خشى أن يخسر ثقته المهزوزة فيه:
_كانت تعرف، بس حبها ليك خلاها تحاربك أنت شخصيًا علشان تفوق من اللي إنت فيه يا عُمران.
هز رأسه بخفة، والألم يتضاخم داخله بشراسة، فاذا به يخبره:
_طيب ممكن أشوفها قبل ما نمشي؟
رد عليه مبتسمًا، رغم قلقه من مطلبه:
_آه طبعًا، هروح أناديها وهستناك في عربيتي.
وتركه وغادر لجناحه، بينما يميل عُمران على طرف فراشه، شاردًا في تلك اللحظات الخاطفة، التي تحطمت بذكرياته القاسية.
مرت الدقائق حتى أتاه صوتها الرقيق يناديه:
_عُمـران!
رفع رماديتاه صوبها، فوجدها تراقبه بلهفةٍ، وما زاد من وجعه نظراتها الناطقة بعشقه الذي لا يستحقه، طال صمته وهو يتأملها بنظراته الغريبة، فإذا بها تبادر بقربه، وقد جلست جواره تتساءل:
_إنت كويس؟
هز رأسه بخفة، ورسم ابتسامة باهته:
_أنا اللي المفروض أسالك السؤال ده، إنتِ كويسة؟
ردت عليه باسترابة من طريقته وسؤاله الغريب:
_الحمدلله.
وأضافت وهي تتابع نظراته الغامضة:
_مالك؟
ابتسم ونطق بسخرية شملت ألمًا مازال يعاني منه:
_بكتشف عن نفسي ماضيي المشرف، ولاقيت إني كنت انسان حقير، بس اللي خلاني أستغرب هو إنتي، معقول البنت القوية اللي شوفتها بتتحدى علي بإن جوزها عايش وهتدور عليه بنفسها، تكون قبلت تتنازل وتعيش مع شخص زاني وحقير زيي؟!
لعقت شفتيها ومزقتهما بين أسنانها، لتذكره أصعب جزء مر عليهما، بينما ينتظر هو سماع ما ستقول في لهفةٍ، حتى تلفظت:
_الشخص الحقير اللي بتتكلم عنه ده مات واندفن في اليوم اللي كان راجع فيه على الطريق ومش قادر يسوق وهو خايف يقابل ربنا بكل معاصيه، الشخص ده هو حبيبي اللي اتولد من جديد، وأقسملي إنه بدأ معايا حياته من تاني، بعد ما فتح بيها صفحه بيضة خالية من كل ذنوبه، الشخص ده نفسه اللي عمل كل اللي يقدر عليه عشان يعوضني عن اللي عيشته واستحملته عشانه، هو نفسه اللي كان ليا الصديق والزوج والحبيب والأب اللي عوضني عن قسوة أبويا، الشخص اللي انت شايفه حقير ده قلبه أبيض وشاركني فيه كل أحبابه، آه أنا كنت بغير منهم بس عذارهم لإن عُمران سالم الغرباوي يتحب من أي شخص يتعامل معاه، حنيته وطيبته على اللي حوليه قادرة تمسح عنه كل خطأ ارتكبه في حق كل واحد فيهم، وأنا واحدة منهم.
وأضافت وقد سرت دموعها:
_أنا مكنتش بالضعف اللي يخيلك اني كنت مكسورة الجناح وأنت بتخوني، أنا وقفت في وشك وحاربت عشان عارفة إنك جواك شخص تاني بتحاول تدفنه جواك، ومستني طاقة نور عشان يظهر، حتى لما كنت مدفون في العتمة اللي كنت فيها كنت وفي ورافض تكونلي زوج عشان متحسش انك بتخون الـكلبة اللي كنت معاها!
وتابعت بشراسة وغيرة رغمًا عنها:
_واللي كانت أول من افتكرتها بدل ما تفتكر حياتنا مع بعض!
ضحك رغمًا عنه، وهو يشاهد غيرتها القاتلة تتقافز من عينيها، فابتسمت هي الأخرى وقالت بمشاكسة:
_إنت شكلك حنيت ليها وعايزني أسن سكاكيني عليك، والمرادي محدش هيحوشني عنك يابن فريدة هانم!
تحرر صوته الضاحك أخيرًا:
_أهون عليكِ يا بيبي!
تلاشت ابتسامتها وقالت بغصتها المتألمة:
_عمرك ما هونت عليا.
جذبها إليه يضمها بقوة، فتعلقت به وقد تحرر عنها بكائها، فمال عليها يهمس بانكسارٍ:
_أنا مستاهلكيش ولا أستاهل حبك ده يا مايا، أنا بدور على حاجة واحدة ممكن تبررلي حبك ليا مش لاقي غير شخص أناني، خانته نزواته وأتخلى عن الإنسانة اللي حبيته بصدق، أنا مستخسرك فيه!
وصحح مبتسمًا بسخرية:
_فينا إحنا الاتنين، ما أنا لازم اتقبل النسختين لحد ما نسخة فينا تنتصر في حرب من أكون دي!
تعلقت به ورددت :
_ولو رجعت بمليون نسخة أنا بحبك بكل حالاتك!
ابتعد يتطلع لها بعشقٍ ناطق:
_أنا قادر أحبك في اللحظة دي وأختارك بارادتي يا مايا، حابب أتجوزك من تاني وأبدأ معاكِ من أول.
وابتسم يمازحها:
_وبما إن الشرع محلل أربعة.
توسعت مُقلتيها في صدمة، ورفعت ساقيها تلتقط من أسفل اسدالها حذائها المنزلي، فضحك وهو يستكمل:
_فأنا جاهز أتجوزك أربع مرات.
قالها وسحب الحذاء يتأمله بدهشة، فاذا به يتمتم والضحك يلاحقه:
_مش أنا اللي يترفع عليا شوذ يا بيبي، الرافعة دي نهايتها بزعل انتِ مش أده، فاهدي وخدي تمامك كده عشان الارهاق عشانك خطير وبالذات بالوضع ده!
سحبت منه الحذاء، ودفعته أرضًا، ثم حذرته:
_بقولك أيه يا حبيبي، لو فاكر أن عشان أنت فاقد الذاكرة ومفتكرتش الا ألكس الصفرا دي، فكده هسيبك تسبل وترمي كلام من ده فإنت متعرفش أنا أخري واصل لفين، إعقل كده وفكر كويس، اللي قدامك دي حرم الطاووس الوقح، يعني في لحظة ما تفكر تستهزأ بيا هكون فاتحه القامووس اللي قفلته من يوم ما فقدت كل شيء.
راقبها بصدمة وانهار في نوبة من الضحك، أطرب مسمعها، بينما يجاهد للحديث:
_حبيب قلب جوزه الشرس إنت!!
وتابع وهو يزيح حجابها بينما يمسد على خصلاتها بنعومة أخجلتها:
_إهدى كده ورجعلنا بسكوتة النواعم، عشان نقدر نتفاهم بس.
ابتسمت وهي تعود لرقتها:
_حاضرة وسامعة اتفضل.
هز رأسه بعدم استيعاب، بينما يسألها بفضول:
_هو أنا كنت بديكي الفرصة تكوني بالشراسة دي قدامي؟؟
ضحكت وهي تنفي ذلك، قائلة:
_إنت مبتديش فرصة لحد أصلًا يشوف نفسه عليك.
رفع حاجبه بمكر، وقال:
_أمال مالك يا بيبي، شادة نفسك عليا كده ليه؟
أجابته ضاحكة:
_وماله يا حبيبي لما أشوف نفسي عليك قبل ما ذاكرتك ترجعلك!
زاره الخبث فنطق:
_بس أنا لسه زي ما أنا، وزي ما كنت بعملك واقفة زمان قادر أعملها دلوقتي يا حبيبي، تحبي تجربي!
زفرت مدعية الغضب:
_هو اليوم غريب من أوله، كان بدايته ذكرياتك مع ألكس والوقتي عايز تستعرض طولة لسانك عليا!! شكلي كده هرجع لفاطيما وهسيبك هنا مع النسخ بتاعتك، تشوف مين فيهم هيغلب التاني.
تبسم وجاذبيته تزداد في فتنتها:
_أنا محدش يقدر يغلبني، مش قولتلك قبل كده أنا ماليش كتالوج!
مالت قبالته تمازحه بضحكة رقيقة:
_يعني افتكرت الكتالوج والصفرا ومش قادر تفتكرني!!
رفع رأسه وهو يضحك حتى أدمعت عينيه، وإذا به يتخابث:
_لو الشعر الأصفر مضايقك كده إصبغي شعرك أنتي كمان، بسيطة!
توسعت مُقلتيها في صدمة:
_نهارك أسود يا عُمران، انت افتكرت كمان لون شعرها!!!!!
مال على الفراش من فرط الضحك، لا يصدق أن غيرتها تدفعها عن نسيان التفاصيل التي نطقت بها للتو، بينما تميل من فوقه بالحذاء مجددًا وقد ازدادت غيرتها حد الجنون.
لف ذراعها ببراعة، ينتشل عنها ما بيدها وهو يقول بنبرة تحذيرية:
_عيب كده يا بيبي، ميصحش ترفعي الشوذ على أبو ابنك بالشكل ده، تفتكري لو فريدة هانم عرفت أنك عملتي كده هيكون أيه تصرفها معاكِ؟
ارتعبت مما قال، وتطلعت إليه بنظرة رجاء:
_هو انت ممكن تقولها يا عُمران؟
منع ابتسامته وأبعد خصلاتها الساقطة فوق عينيه، بينما يعتصر أسنانه من فرط ألمه لاحتمالها عليه وقد لامست جروحه بالفراش:
_مش لازم تعيد تربيتك يا بيبي، يعني مين يقبل إنه يتثبت بالشكل ده؟
تراجعت للخلف وقالت بتلعثم:
_على فكرة أنا مقصدتش أنا كنت بس بعرفك إني أحلى من الصفرا دي، ومش بحب اصبغ شعري عشان أكون زي حد، إنت حبتني وانا كده، فلو بطلت تحبني فدي مشكلتك إنت مش مشكلتي.
لمس الحزن في نبرتها الأخيرة، فاعتصر قبضته يحتمل على مدى تألمه، ثم نهض يتجه صوبها، ضمها إليه وقال بصدقٍ:
_أنا مش مقرف عشان أحطك في مقارنة مع واحدة رخيصة زي دي، دي متتسواش بضافر رجليكِ يا مايا.
ومالت إليه وهي تحمد الله أنه لم يرى دموعها، قبل جبنيها وهمس لها:
_عشقك ليا صحى مشاعر في قلبي مكنتش متخيل إنها موجودة لواحدة ست، أنا واثق إن حبي ليكِ إتخطى حدود عقلي العاجز عن أنه يفتكرك.
استدارت إليه مبتسمة في رضا، فإذا به يعود ليضمها إليه ويحتويها بكل حنان وحب، وعاطفة، فيما يعود ليخبرها بمزحٍ:
_يا خبر، أنا نسيت أن علي مستنيني تحت بعربيته كل ده.
عبثت في دهشة:
_مستنيك بالوقت المتأخر ده، ليه رايحين فين؟
قال وهو يرنو من السراحة، يجذب ساعته والبرفيوم الخاص به:
_قالي إنه هيوديني مسجد الشيخ مهران، هنقيم الليل ونصلي الفجر.
اتجهت إليه تخبره ببسمة حماس:
_انت كنت بتحب تصلي فيه جدًا، الناس هناك بيحبوا يصلوا وراك ويسمعوا صوتك.
استدار تجاهها وقال بلهفة:
_أنا كنت بصلي بيهم؟!
أكدت له ذلك، قائلة:
_أيوه، كنت كل يوم بتخرج من الكمبوند بدري ساعة عشان تلحق توصل هناك، بس الحمد لله القصر قريب من الحارة، يعني ربع ساعة وهتكون هناك بإذن الله.
ارتاح قلبه الحائر، حينما أكدت له زوجته بأنه كان قريبًا من الله عز وجل بحياته الاخيرة قبل الحادث، فاذا به يميل مقبلًا جبينها ويهمس بما جعلها تطالعه في غرابة:
_شكرًا يا مايا.
قالها وغادر على الفور، ومازالت تقف محلها باستغرابٍ من شكره الغامض لها، ليتها تعلم بأنها بعبارتها أراحت قلبه، وأكدت نصف حديث أخيه عن توبته الخالصة قبل الحادث المُفتعل.
******
جلست "زينب" على المقعد بالطفلة الصغيرة، وجلس سيف على ذراع مقعدها يتأمل الطفلة بانبهارٍ، وكأنه يرى دمية تتحرك، بينما على الفراش تراقبهما "ليلى" بابتسامةٍ حنونة.
طبعت زينب قبلة على يد الصغيرة، ثم هتفت بحماس لزوجها:
_شوف يا سيف ايدها صغننه ازاي؟
ضحك وهو يجيبها:
_شايف يا دكتورة، مش أنا مدرسلك عملي في المركز؟
وأضاف يمازحها:
_أنا اتعودت على هبلك ده جوه وبره الشقة، يوسف نفد من ليلى لما بطلت تنزل الشغل، وإنتي لزقة ليا، مع إني حاولت أقنع الدكتور علي أنك لسه بتدرسي بس هو مصر يخليكي تحت تدريبي.
واستدار يشهد زوجة أخيه:
_كل ما حالة تجيلنا تقوم تحضن الطفل وتبوس فيه بشكل يشكك أهله فينا، دي بتمسك الروشتة وتقعد تشرح للأم ازاي تكون حنينه مع ابنها وهي بتديه الدوا!!
تعالت ضحكات ليلى بينما ترمقه زينب بغضب لحق نبرته:
_أنت قلبك قاسي ومعندكش المقاييس اللي تخليك تحس بالبيبي وهو بيشرب دوا مر بالشكل ده.
رد عليها بذهولٍ:
_هو في السن ده مبيكنش قادر يفرق بين الدوا وأي حاجة تانية، وبعدين لو الدوا المر مش هيعالجه هيتعالج بأيه سيادته؟؟
نطقت ليلى بصعوبة وهي تجاهد لرفع صوتها:
_إنت فين يا يوسف، تعالى إلحق الخناقة قبل ما تبتدي، أنا مش قادرة!
ولج للغرفة، يحمل صينية الشوربة، هادرًا بصوتٍ صارم:
_بس يا ولد، بس يا بنت، اقعدوا بأدبكم النهاردة أنا مش فاضي لعركة الأطفال دي!
وجلس جوار زوجته يدعم جلوسها، حتى يتمكن من اطعامها بينما يهمس بصوتٍ منخفض لها:
_بذمتك دول دكاترة دول!! انا حاسس إننا قاعدين في كلاس كيجي تو!
استندت على ذراعه، وقالت وهي تكبت تأويهة نادية عنها:
_معلش يا جوو إنت موجود تفصل بينهم يا حبيبي، بس هات نوجة منهم، خطر تحضر العركة دي، مش عايزة اخلاقها تفسد.
ضحكوا معًا بشكلٍ لافت اتتباههما، فاذا بسيف يصيح بعنفوان:
_إنتوا بتقولوا أيه؟؟؟
رد عليه يوسف مصطنعًا نظرة الحنان خاصته:
_ولا حاجه يا سيفو، ده ليلى بتقول إنها حابة وجودكم معانا أوي، وبتقترح تباتوا مع نوجة النهاردة، أهو بالمرة تخدوا وردية الليل بدالي لحسن أنا ضهري وجعني بشكل!
نهضت زينب تضع الصغيرة بيد زوجها، وتشير لهم:
_لا أنا ماليش في الزن والسهر، خدوا سيف هو بيسهر لوش الفجر عادي.
واشارت لهم وهي تهرع للخروج:
_تصبحوا على خير يا حلوين.
قالتها وهرولت لباب الشقة، فما أن فتحته حتى وجدت سيدة في منتصف الاربعينات من عمرها، تكاد أن تقرع جرس الباب، فوقفت كلتهما تتطلع للاخرى باستغرابٍ، حتى خرج صوت السيدة تتساءل:
_إنتي مين؟
تعجبت زينب منها، وخاصة بحضورها بهذا الوقت المتأخر، فتنحنحت تتساءل عساها تخبطت بالطوابق:
_حضرتك عايزة مين؟
ابتعدت للخلف تتأمل اللافتة التي تحمل إسم"الدكتور يوسف"، ثم عادت تتفرس بملامحها بعجرفة تامة:
_إبعدي عن الباب خليني أدخل، لولا لبسك كنت فكرتك الشغالة، أكيد إنتي صديقة من صديقات ليلى، ليا عتب عليها إنها مش عارفة تصاحب حد عنده ذوق واحترام في استقبال أصحاب البيت.
تأجج الغضب بمُقلتي زينب، حتى أنها كادت أن تصفع الباب بوجهها، ولكنها تراجعت عساها تنحدر لعائلة ليلى، فقالت بتهذبٍ وهي تستعيد حقها:
_من سؤال واحد طلعتيني قليلة ذوق ومش محترمة! لو هنمشيها ذوقيات فمش من الذوق زيارة حد الساعة واحدة وش الصبح، ومع ذلك مرحب بحضرتك، بابنا عمره ما يتقفل في وش الضيف أبدًا.
مشطتها بنظرة مهينة، وقالت بعصبية بالغة وهي تعيد خصلات شعرها القصير للخلف:
_إنتِ بأي حق تكلميني كده يا قليلة الرباية، أوعي من طريقي.
دفعتها بقوة أسقطتها فوق الطاولة المحازية لباب الشقة، فسقطت الڤازة الزجاجية، ومن خلفها مالت زينب مستندة على شظاياها، فجرحت كف يدها.
بينما تصيح الاخيرة بعنفوان:
_يوســــــف!
خرج يوسف راكضًا حينما استمع لصوت كسر الزجاج، ومن خلفه ركض سيف، الذي كان الاسرع من أخيه، حينما وجد زوجته بتلك الحالة، هرع يساندها ويتفحص كف يدها بدهشة، بينما ينطق يوسف أخيرًا:
_ماما!
هوى قلب زينب من الصدمة، وتجمد جسدها أرضًا، كما تجمدت نظراتها على تلك المرأة البغيضة، التي تتفرس بابنها الصغير الذي يساعد تلك الفتاة الغير مهذبة من وجهة نظرها.
رفع سيف بصره تجاه والدته، التي تتطلع لزوجته بعدائية شديدة، وقد تسرب له مضمون المقابلة بينهما، فتطلع لزوجته وسألها:
_أيه اللي وقعك بالشكل ده؟
تعجبت "مروة" من تجاهل صغيرها لوجودها، واهتمامه بتلك الفتاة، فنادته بغيظ:
_إنت مش ملاحظ وجودي ولا أيه يا دكتور؟
كان قد وقف بها الآن، وبالرغم من ضيقه الشديد من وجودها، الا أنه ترك زوجته وأتجه يقبل وجنتها قائلًا بضيق:
_أهلًا بحضرتك، نورتي.
هزت رأسها بسطحيةٍ، ومازالت نظراتها تحيط بزينب، ثم استدارت تجاه يوسف تصيح بانفعالٍ:
_من أمته ليلى بتصاحب الاشكال القليلة الذوق دي يا يوسف، البنت دي مش متربية لازم تقطع علاقتها بيها، وفورًا تطردها من هنا.
توسعت عيني يوسف في صدمة، بينما رد عليها سيف بغضب:
_هو مين دي اللي مش متربية!!! ثم إنك طلعتي منين فجأة كده عشان تقولي نقطع علاقتنا بمين ونطرد مين؟
اندفع يوسف تجاه سيف، يميل عليه بصوتٍ منخفض:
_مش كده يا سيف، ماما أكيد متقصدش ومتعرفش لسه حاجة، اهدى وأنا هفهمها.
احتقنت مُقلتيها في غضب، فدفعت حقيبة يدها تجاه مقعد السفرة، واتجهت محل وقوف ابنها الاكبر،تعاتبه بجراءة:
_تربيتك لاخوك واضحه ما شاء الله، واقف بيبجح فيا وبيدافع عن البنت الغريبة دي، وبعدين ممكن تفهمني ازاي تقعد الهانم دي مع ليلى وأخوك عايش معاك، الا لو بينطبق عليها الكلام اللي بقوله، انها مش محترمة!
كاد يوسف ان يبدأ بشرح العلاقة التي تربطهما بها، ولكن سيف كان الاسرع حينما قال بسخرية:
_لا متخافيش على أخلاقي، يوسف لما لاقاكم مش فاضين تربوني رباني أحسن تربية، ولعلمك أنا مش ساكن هنا مع يوسف أنا ساكن في الشقة اللي قصاده مع مراتي، اللي أنتِ داخلة فيها شمال من لحظة دخولك هنا، ولو صدف وطلعت شكوكي صح وكنتي انتي اللي زقتيها وجرحتي ايدها بالشكل ده هتشوفي مني اللي مش هيعجبك أبدًا!
لطمتها صدمة كبيرة من سماع ما قاله، رمشت بعدم استيعاب وبصرت تجاه ابنها الآخر تتساءل:
_الكلام اللي بيقوله أخوك ده صح يا يوسف البنت دي تبقي مراته فعلًا؟؟
واستطردت وهي تجلس على المقعد من خلفها بدهشةٍ:
_ حصل أمته ده وإزاي متبلغونيش؟!!!
اتجه إليها يوسف يحاول تهدئتها بقوله:
_من فترة بسيطة، اتصلت على حضرتك أكتر من مرة بس مكنتيش بتردي ولا اتصلتي بيا طول الفترة اللي فاتت دي، أنا مستغرب إن حضرتك عرفتي بنزولي لمصر وبولادة ليلى!
استهزأ سيف منه قائلًا:
_وهي هتفضى أمته عشان ترد عليك يا يوسف، هي داخلة في دايرة تحدي المناصب ضد باباك، كل حد فيهم عايز يثبت للتاني انه أنجح منه ونسونا احنا الاتنين في النص، كويس أصلًا إنها فاكرة شكلنا ومنستناش.
حذره يوسف بنظرة حازمة منه، بينما يناديه:
_سيف!!
خرجت ليلى تحتمل على الحائط، تتابع ما يحدث في صدمة لم تكن تضعها بالحسبان، فجاهدت لرسم ابتسامة خافتة وقالت:
_أهلًا بحضرتك يا طنط، متوقعتش إنك هتيجي في نفس اليوم اللي كلمتك فيه.
انتصب مروة بوقفتها وتجاهلت حديث ليلى، ثم اتجهت تجاه سيف تصيح بكل حدة:
_كل الكلام اللي قولته ده مهزنيش، اختيارك أصلًا في حد ذاته وجوازتك اللي تمت من قبل ما حتى تتخرج وتتوظف وبالسرعة دي وراها لغز، واللغز واضحلي من تربية الشوارع اللي واقفة وراك دي، أكيد استدرجتك لمصيبة ولبستهالك.
كانت زينب أول من تخلت عن صمتها حينما صاحت ببسمة باردة لا تعلم كيف استحوذت عليها:
_عندك حق أنا استدرجته، وبما إن حضرتك كشفتي الموضوع بذكائك الكبير، فأيه رأيك تصلحيه وتخليه يطلقني، جربي كده!
استدار لها سيف يهدر بصدمة:
_زينب، بتقولي أيه؟!!!
اتسعت ابتسامتها ولم تحيل نظراتها عن اعين حماتها المشتعلة، فرفعت كتفيها بقلة حيلة:
_شوفتي الاستدارج موصل حبه لفين؟
وتابعت قبل أن تترك المساحة لسيف بالجدال بينه وبين والدته، وبحنكتها الماكرة:
_سيف أنا عايزة أرجع شقتي، وحاسة إن في ازاز دخل في رجلي!
كانت اشارة صريحة له بأن يحملها، فاذا به يتجه لها، وانحنى يرفعها بين ذراعيه، أحاط والدته بنظرة غاضبة واتجه ليغادر، فما ان استدار حتى رفعت زينب كفيها حول رقبته، وأشارت لها بوداع:
_كان نفسي أقعد مع حضرتك أكتر من كده، بس للأسف ورانا شغل الصبح، وحضرتك أكتر حد عارف الشغل بالنسبة للست أيه، آه وعلى فكرة أنا دكتورة أطفال زي سيفوو، وكنت بدرس في نفس الجامعة بتاعته في لندن، يعني مش تربية شوارع ولا حاجة يا أنطي!
قالتها ومنحتها قبلة في الهواء ثم مالت برأسها على كتفه قائلة بتعب مصطنع:
_بسرعة يا سيف حاسة إن هيغمي عليا من النزيف، أو حرارة الجو!
ضحك سيف وهو يحاول استيعاب ما فعلته زوجته، كان يخشى أن ينجرح قلبها لكلام والدته المهين، ولكنها إستعادت حقها دون اللجوء إليه أو حتى لأخيه الذي مازال يتعامل مع والدته بقيود.
منعت ليلى ابتسامتها من الظهور،فلقد تمادت حماتها ولكن صدمتهما زينب بما فعلته وقالته، عدل يوسف نظارته واستدار تجاه والدته،التي اندفعت فيه بجنون:
_انت ازاي تسيب البنت الحقيرة دي تلعب على أخوك، وتوقعه، انا كنت متكلة عليك إنك جنبه ومستحيل تخلي حد يضحك عليه، تقوم تدبسه في جوازة من آ..
قاطعها يوسف بنبرة هادئة ولكنها كانت غاضبة:
_من فضلك كفايا، اللي بتتكلمي عنها دي تبقى مرات ابنك، ومش قليلة الرباية ولا تربية شوارع، أختها تبقى زوجة دكتور علي الغرباوي، اعتقد إنك عارفة نسب العيلة دي كويس اوي، وبعدين أزاي تتهمي واحدة في اخلاقها بمنتهى البساطة كده، وحضرتك مجمعكيش بيها لقاء غير، من دقايق!! فهميني بنيتي عنها كل الافكار دي ازاي؟!!! ولا كل ده لانها معرفتكيش ولا قدرت تتعرف عليكي!
واضاف ومازال يتطلع لها بحزن:
_يمكن لو كنتي بتظهري في حياتي أنا وسيف حتى لو كان ظهور مكالمات، كانت عرفت أن ليها عيلة زوج غيري، مهي زيها زي أي حد عارف إني مسؤول عن سيف مسؤولية كاملة، لانه يتيم الاب والام.
انفجرت بصراخها الجنوني:
_يتيم!! بتموتنا واحنا عايشين يا يوسف،هي حصلت؟؟
أسرعت ليلى تتسند على الأثاث حتى وصلت لهما:
_لا يوسف ميقصدش طبعًا يا طنط، اتفضلي حضرتك معايا جوه، ريحي من الطريق وشوفي نجاة بنتي.
قوست حاجبيها بانفعال:
_نجاة مين!! أيه الاسم اللوكل ده؟ ثم انكم ازاي تختاروا الاسم من غير ما ترجعولي!!! الظاهر ان مش سيف بس اللي بيتعامل بقلة الادب دي بس!!
ابتسم يوسف مبتلعًا تلك الاهانه، وقال بمرارة:
_مهو أنا عشان أرجع لحضرتك في اختيار إسم بنتي، كده هقيدها بعد سنة من ولادتها، أساسًا لولا إنك ربنا كرمك وفتحتي على ليلى مكنتيش عرفتي إنها ولدت أصلًا.
مالت تسحب حقيبتها، واتجهت لباب الشقة، قائلة بغضب جامح:
_ماشي يا يوسف، إنت الغربة قست قلبك وخليتك قسيت قلب أخوك، أنا همشي ومش هتشوف وشي أبدًا.
قالتها واتجهت للخارج، فاندفعت ليلى لزوجها تترجاه:
_يوسف متسبهاش تنزل وهي زعلانه أرجوك.
تطلع لها بنظرة منكسرة، واختلج صوته المجروح:
_وأنا عملت أيه يا ليلى، هي اللي قدامك نازلة جرح فيا وفي سيف، حتى زينب مسلمتش منها.
مالت تقبل كتفه، كأنها تواسيه:
_معلش يا حبيبي حقك عليا أنا، إنزل وراها دي مهما كانت والدتك.
هز رأسه بهدوء، وخرج خلفها على الفور، وجدها تقف أمام المصعد، تنهد بقلة حيلة ودنى إليها يخبرها:
_ماما حقك عليا متزعليش، أنا مقصدتش والله، تعالي معايا الوقت إتاخر ومينفعش تنزلي وأنتِ زعلانه كده.
حانت منها نظرة غير، مرضية تجاهه، بينما تنتظر هبوط المصعد لطابقها، فاستكمل ببسمة جذابة:
_طيب مش عايزة تشوفي نوجة، دي قمر تبارك الله، تعالي شوفيها ولو تغير الاسم هيخليكي سعيدة اختاري اللي يعجبك ونناديها بيه، أيه رأيك؟
استدارت تجاهه بنظرة حزينة، يحاول استمالتها وهي المخطئة بحقه وحق أخيه، أرضاها بحديثه، وأرضى غرورها، فاذا به تحمل حقيبة يدها وتعود لشقته متبعة ليلى لغرفتها الخاصة، دون أن تضيف كلمة واحدة، بينما ارتمى يوسف على المقعد والحزن يتغلل بملامح وجهه، والخوف يحيطه من المعارك القادمة بين والدته وسيف وزوجته!!!
******
توقفت سيارة "علي" بزقاق حارة الشيخ مهران، وأمام المسجد بالتحديد، وبينما يصف "علي" سيارته، كان عُمران يسبق خطاه للمسجد، وكأنه يعلم طريقه جيدًا، نزع حذائه، وولج للداخل حيث كان المسجد فارغًا، فمازال يتبقى على صلاة الفجر ما يقرب الساعتين، بينما يجلس الشيخ مهران يرتل القرآن بصوته العذب، وما أن شعر بوجود أحدٌ حتى صدق، ورفع عينيه يراقب الزائر العزيز.
ابتهجت معالمه وردد بصوت الوقور، بينما مازال يجلس محله:
_يا ألف حمدلله على سلامتك يابني، كنت عارف أنك هتشتاق لمكانك وهترجع، مهما طالت غربتك أكيد هتحن!
وجد نفسه في كلماته المختصرة، فسمح لنفسه بالجلوس بالقرب منه، أمام حامل القرآن الفاصل بينه وبين جلوس الشيخ، يتطلع له بنظرة غائرة بالدموع، ثم قال بصوتٍ باكي:
_من أول ما وقفت على سلم المسجد وأنا حاسس بانتمائي ليه، عرفت من مراتي وأخويا إني كنت بقيم الصلاة بالناس!
هز الشيخ رأسه مبتسمًا وقال:
_صح، وبالرغم من إن الابتهالات غير مستحبة ابا إن الناس في الحارة كانوا بيحبوا صوتك، وبينزلوا بدري قبل كل صلاة عشان يسمعوا صوتك.
تساقطت دموعه بكثرةٍ، بينما يجاهد لنطق ما سيقول:
_وحضرتك عارف بالذنوب اللي ارتكبتها؟
قرأ الشيخ مهران كمية الآلآم، التي خيمت على هذا الشاب، علم بأنه استعاد بعض الذكريات المتعلقة بماضيه، فخطف نظرة سريعة إلى "علي" الذي بقى بنهاية المسجد يستند على العمود الرخامي، يتابع أخيه بدموع استفاضت بعينيه هو الآخر، عاد ببصره إلى عُمران وقال يجيبه:
_عارف يابني، إنت مخبتش عني حاجة.
اتسعت مُقلتيه بدهشة، وقال:
_وإزاي قبلت أكون إمام للناس وأنا شايل الذنوب دي كلها؟!!
زادت بسمة الشيخ بثباتٍ، أسبل فضول عُمران لاجابته، وإذا به يخبره بهدوءٍ:
_وأمنعك ليه وأنت توبت وندمت على اللي عملته، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
نطق بلهفة ومازال ينصت له بكل ذرة تركيز:
_وإنت عرفت منين إن ربنا قبل توبتي!!
مرر الشيخ يده على المسبحه بين يده، وقال يجيبه:
_ربنا سبحانه وتعالى مصرح في كتابه الكريم لما قال بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ {الزمر:53، 54}. وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ {البقرة: 222}.
وقد تضافرت دلائل الكتاب والسنة على وجوب التوبة، ولزوم المبادرة إليها، وأجمع على ذلك أئمة الإسلام ـ رحمهم الله تعالى.
إذا علم ذلك، فإن التائب لا يكون تائبا حقا إلا إذا توفرت في توبته خمسة شروط:
الشرط الأول: الإخلاص وهو أن يقصد بتوبته وجه الله -عز وجل-.
الثاني: الإقلاع عن الذنب.
الثالث: الندم على فعله.
الرابع: العزم على عدم الرجوع إليه.
الخامس: أن تكون التوبة قبل أن يصل العبد إلى حال الغرغرة عند الموت.
قال النووي في شرح مسلم: وللتوبة شرط آخر وهو أن يتوب قبل الغرغرة، كما جاء في الحديث الصحيح، وأما في حالة الغرغرة، وهي حالة النزع، فلا تقبل التوبة.
فهذه الشروط فيما إذا كان الذنب بين العبد وربه، كشرب الخمر وإرتكاب الزنا مثلاً. وأما إذا كان الذنب يدخل فيه حق العباد، فلا بد من إبراء الذمة من هذا الحق فإن كان مظلمة استحلها منه، أو حقا رده إليه، بالإضافة إلى الشروط الخمسة الآنفة الذكر.
إذا ثبت هذا فليعلم أن العبد إذا تاب، فينبغي أن يكون حاله بين رجاء قبول التوبة، ومخافة العقاب من الله تعالى، قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ {المؤمنون: 60}.
وقد خرج الترميذي بإسناد ثابت أن أم المؤمنين عائشة بنت الصديق -رضي الله عنهما- سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الآية فقالت: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فقال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات.
وتابع وهو يرسم ابتسامة مطمئنة لمن يراقبه:
_ العبد الذي يقبل الله توبته، هو الذي يجد حرقة في قلبه على ما فرط منه في جنب الله، هو الذي ينظر لنفسه بعين التقصير في حق الله، ويكون أشد تجافيا عن الذنب وعن أسبابه، نائيا بنفسه عن هذه المحرمات، يميل إلى الإقبال على ربه ومولاه، وأن يصاحب أهل الفضل والخير، ويقاطع أصدقاء السوء، ومن لا خير فيهم، وأن ينظر إلى توفيق الله له بالتوبة على أنه نعمة عظيمة من أعظم النعم عليه، فيفرح بها، ويحافظ عليها، ويخاف زوالها، ويخشى عقوبة نكثها.
واستطرد وهو يربت على ساقه بحنان:
_وإنت من قبل الحادث اللي عملته وإنت جيت هنا ندمان وتوبت لربنا يا بني، وحتى في اللحظة اللي إنت قاعد فيها قدامي دي لسه بتلوم نفسك، فتفتكر بعد كل ده وربنا سبحانه وتعالى ممكن يردك؟
تزاحمت الدموع بمُقلتيه، وإذا به يستدير للخلف مراقبًا موضع أخيه، ثم يعود ليتطلع للشيخ، وبتوسلٍ قال:
_مش هرتاح الا لما يقيم عليا الحد، أرجوك ساعدني يا شيخ.
تلفظ الشيخ بحزنٍ وهو يهتف:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم.
تابع عُمران برجاءٍ:
_أنا مش هقدر أعيش وأنا شايل الذنب ده، مش هقبل بيه لا أنا فاقد الذاكرة ولا لما ترجعلي، بالله عليك.
مرر يده على سبحته، وقال بهدوء:
_في حالتك دي لا يجوز يابني، يُفضل لما تسترد عافيتك الأول، إنت راجع من حادثة موت وغير كده فاقد ذاكرتك، على الاقل لما تبقى كويس وتتشافى من اصاباتك دي.
كاد أن يعترض، فقال الشيخ:
_أنا قولت اللي عندي، إنت مريض ولسه قايم من تعب، لما تبقى كويس تعالى وأنا هاجي معاك لناس أهل ثقة وأعلم مني في الامور دي، لإن لا أنا ولا غيري مصرح لينا بإقامة الحد في المواضيع دي.
ارتكن على ركبتيه وزحف قبالته، يطالب وعده بصوتٍ منخفض، خشية من أن يستمع له أخيه:
_توعدني إني لما أتعافى وأجيلك مش هتردني؟
منحه ابتسامة حزينة، وقال:
_مين أنا عشان اتدخل بينك وبين حدود الله، طالما إنك مصر على قرارك ليك مني وعد، وقت ما أشوفك قدامي بكامل صحتك هدلك على الطريق.
أشرق وجهه بسعادة بعد سماع ما قال، فربت على كتفه وقال يحمسه:
_يلا قوم صليلك ركعتين واجهز عشان صوتك وحشني أنا والحارة كلها.
أشار له بخفة، ونهض يسرع لحمام المسجد، فابتسم علي في راحة، وتيقن بأنه أتى بأخيه للمكان الصحيح، فإتجه للشيخ الذي قابله بابتسامة بشوشة، وقال يطمئنه:
_متخافش عليه، هيبقى كويس دلوقتي.
جاور جلوسه، وقال ممتنًا:
_كنت واثق أن حضرتك هتقدر تهديه، كان في حالة صعبة ومقدرتش أحتويه.
هز الشيخ رأسه نافيًا، وقال:
_بالعكس إنت احتويته لما جبته هنا.
منحه ابتسامة هادئة، واستدار يراقب أخيه وهو يؤدي صلاته في ركنٍ بعيدًا عنهما، فنهض هو الآخر يصلي.
مرت ساعة انتهى فيها "عُمران" من قضاء صلاة قيامه، ثم نهض يتجه للميكرفون، وبصوته العذب بدأ يردد
«
يا إله العالمين
يا إله العالمين حنيني دائم
والقلب شاك عليل
سال دمعي يا إلهي
ولولا غربتي ما كان دمعي يسيل
غربتي نجوى ونيران شوق
وأسى باك وليل طويل
وما لي رجاء غير أن تسعى إليك السبيل
إذا ضاقت فنجوى دعائي
حسبي الله
حسبي الله ونعم الوكيل
بالله إيماني وفيه رجائي
وإلى علاه ضراعتي وبكائي
يا مؤنسي في وحدتي
يا منقذي في شدتي
يا سامعا لندائي
فإذا دجا ليلي وطال ظلامه
ناديت يا رب كنت ضيائي
سبحانك جل جلالك يا الله»
انطلق صوته في حارة الشيخ مهران، تعيد الحنين لتلك الايام التي كان يقضيها برفقتهم، توافدت الاعداد للمسجد بفرحةٍ لعودة الغائب والحبيب، وعلى رأسهم آيوب الذي أتى برفقة يونس، وهو لا يصدق أنه يستمع لصوت عُمران ، حتى ايثان استيقظ من نومه، يهرول للمسجد بفرحة حينما استمع لصوته.
بمجرد انتهائه من الابتهالات، استدار للخلف فتفاجى بعدد المحيطين به، تتلقفه الأيادي، بضمتهم الحنونة، وتعابيراتهم بسعادة عودته، زرعت السعادة في قلبه.
مضت عدة دقائق، انتهى فيها من ترحابهم، حتى وجد آيوب قبالته يتطلع له بابتسامةٍ واسعة، تذكره عُمران على الفور، فاذا به يبتسم له قائلًا:
_هتفضل باصصلي كده كتير، هتسلم ولا هتحضن، إنجز قبل ما نقيم الصلاة!
ضحك آيوب بصوت مسموع، وركض صوبه، يضمه بكل حبٍ، إحتمل عُمران ألم ظهره الخفيف، وضم آيوب بمحبةٍ، زرعت داخله حينما علم من أخيه بأنه ابن الشيخ البار به، وإنه أحد أصدقائه المقربون، شمله آيوب لعشر دقائق يرفض تركه، بينما يخبره بصوتٍ محتقن:
_وحشني صوتك، وصلاتك بينا يا طاووس.
ربت على ظهره بحنان وقال مازحًا:
_هتزهق مني، أنا هعكتف هنا معاك كام يوم.
ابتعد برأسه وقال بفرحة:
_والله ما أزهق منك العمر كله.
اتسعت ابتسامة عُمران فازدادت جاذبيته، بينما يقترب منه يونس يصافحه بوجهه البشوش:
_نورت المسجد وحارة الشيخ مهران كلها يا بشمهندس.
اجابه في حبور:
_بنورك.
انسحب يونس وجاور علي في محل جلوسه، بينما ظل آيوب ملتصقًا بعُمران كظله، حتى اقتحم إيثان جلستهما، وهو يصيح بسعادة:
_خواجـــــــة.
زوى حاجبيه باستغرابٍ من نطقه لذلك اللقب المتفرد، فلم يترك له إيثان المجال وضمه قائلًا بحب:
_وحشتني يا خواجة، الجيم من غيرك ما يسواش، بامانة لما ترجع مش هناغشك ولا هغلس عليك أبدًا.
استدار تجاه آيوب فقال يعرفه:
_ده إيثان صاحب ابن عمي وصاحبك بردو، عملتوا مع بعض جيم هنا في الحارة.
أسبل بانبهار:
_جيم؟!
أكد له إيثان بسعادة:
_صلوا وهأخدك اوديك على طول.
رفع آحد حاجبيه بشكلٍ مضحك:
_نصلي! طب وإنت نظامك أيه؟!
رفع يده أمام وجهه وهو يجيبه:
_أنا مسيحي يا خواجة، فوق كده ونعنش الذاكرة، هما يسيبوك معايا يومين هجددلك الدورة الدموية كلها.
أحاطه بنظرة شاملة، ثم تمتم:
_ما بلاش أفوق، فوقتي بتبقى فقدان وعي لغيري، شكلي فعلًا واحشك وبالجامد أوي.
ضحك آيوب وهلل:
_آيوه بقى يا طاووس، إديله.
لوى إيثان شفتيه بتهكمٍ:
_مفيش فايدة فيك!
قالها وهم بالمغادرة قائلًا:
_هستناكم بره.
*******
انتهت صلاة الفجر، واجتمع الشباب أمام المسجد، وقف علي قبالة أخيه وقال بابتسامته الهادئة:
_خليك النهاردة مع آيوب، وأنا هكلم جمال ويوسف يقابلوك في شقتك اللي هنا، يمكن لما تفضي اليوم بين أصحابك مود النكد ده يفارقك.
أمسك كفه حينما كاد بفتح باب سيارته وقال:
_خليك معايا يا علي.
اتسعت ابتسامته وأحاطه بضمة جعلت الشباب يتابعونهما، بضحكات مشاكسة، بينما الوحيد الذي يتفهم حالته النفسية هو علي، الذي ربت عليه وقال يبث له الطمأنينه:
_أنا معاك دايمًا يا حبيبي، بس إنت محتاج تغير جو وتكون بينهم، خلص قعدتك وهعدي بليل عليك بالعربية.
حرك رأسه باستسلامٍ، وشعور الراحة يغمره بتواجده بهذا المكان الدافئ بين أحياء الطبقة المتوسطة، وخاصة برفقة آيوب وإيثان الذي أثار اهتمامه منذ لقائه الأول.
سحب آيوب كف عُمران وأبعده عن إيثان قائلًا:
_بينا على أم عزت نفطر هناك أحلى فول وطعمية وبنتجان ونجيب عيش سخن من عند عمي عباس.
وأكد عليه بثقة:
_أنت بتحب الاجواء دي صدقني.
أمسك إيثان كفه وقال:
_ام عزت أيه آحنا هنطلع على الجيم نسخن ولا أيه يا خواجة؟
وزع نظراته الحائرة بينهما، ثم قال بحزم:
_نطلع الجيم نسخن وننزل نأكل بعد كده.
أحاطه إيثان وقال بحماس:
_بينا يا خواجة.
لم ينجح بازاحة جسده، بينما يطالعه عُمران بنظرة غائمة، وبغلظة قال:
_شكلك هيبقى وحش من غيره.
سحب إيثان كفه وهتف بحنق:
_لسانك متغيريش لسه زي ما أنت.
ضحك ساخرًا:
_حد قالك أنهم استبدلوني في المصنع، أنا زي ما أنا مبتغيريش فبلاش تحط أمال.
جاراله بسخط:
_أمال أحط أيه؟؟ اعتماد؟
ضحك عُمران وقال:
_اعتماد دي الحتة اللي انت سارح معاها ولا إسم ماما؟
سقط آيوب من فرط الضحك، ومال يضمه وهو يصيح:
_أقسم بالله وحشتني، الحيوان ده كان مستغلني استغلال سييء.
زوى عُمران حاجبيه، وردد بوعيد:
_بينا على الجيم يا إيثو، شكلك ليك روقة!!
.............. يتبع 💣............
#الاقوى_قادم.
#صرخات_أنثى.
حبيباتي في تعويض جاي ليكم على اهمالي النشر الفترة اللي فاتت، وبالنسبة للبنات اللي بيسألوا عن العروض المتاحه على أعمالي الورقية، هكتبلكم العروض، بس لازم تعرفوا ان رواياتي كلها موجودة بمعرض اسكندرية في كلية سان مارك - الشاطبي - معرض كتاب الإسكندرية العاشر للكتاب
وإصداراتنا متواجدة في جناح رقم 8 جناح مدينة الأدباء
بالنسبة للعروض المتاحة أون لاين
العرض الاول متاح كتاب غارثا ومزرعة بني يعقوب الاتنين ب٢٠٠ج فقط
العرض التاني، خصم ٥٠في المية على مافيا الحي الشعبي ورواية صرخات أنثى..
الروايات متاحة للشحن لجميع المحافظات، للاستفسار على رقم واتساب 01121530961
بحبكم في الله ♥
********____________**********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 135 - بقلم آية محمد رفعت
#عودة_الطاووس 💣
#صرخات_أنثى...(#الطبقة_الأرستقراطية!..)
#الفصل_الــــــ105.
(إهداء الفصل لصديقاتي الغاليات التي كنا ونعم السند والدعم لي، بعد قضاء هذا اليوم الممتع برفقتهم أمس. كان الفضل لله عز وجل ولهما بتحسين نفسيتي وعودتي للكتابة بشغف من جديد ، صديقتي الغالية "احسان محسن"،والجميلة"منة"، حبيبتي نودي، غاليتي جهاد. والجميلة أمل. عزيزتي مارينا، والجميلات ميار ونورا، حبيبتي الراقية بوسي هانم بثينة ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
نزع القفازات الرياضية عن أصابعه ببطءٍ، ومن ثم حرر الصنبور المحاط بالحامل الخشبي الأنيق، شرد "عُمران" بوابل المياه المنهمر منه ، ورأسه يحوم بين متسع من الأحاديث المترددة، للاشخاص الذي سبق له التعرف عليهم، فأنحنى برأسه أسفل الصنوبر، تاركًا المياه تغطي شعره النابت، فإذا بأنفاسه تنسحب تدريجيًا، وكأنه يغرق أسفل المياه!
تحرك جسده بعنفوانٍ من أسفل الصنوبر، وكأنه تناسى أنه يغتسل وبإمكانه رفع رأسه عن الحوض، ولكن الأمر ازداد خطورة، وتحول لبحر هائل من الأمواج، يصارع فيه الغرق والنجاة، وفجأة شعر بكف صلب يسحبه بعيدًا عما قبع به، فسحب نفسًا طويلًا يجدد إحتباس الاكسجين عنه، عدة مرات متتالية، حتى استطاع أن يلتقط صوت "إيثان" القلق:
_خواجة مالك؟؟؟
هدأت أنفاسه الصاخبة تدريجيًا، وقد استعاد كامل ثباته، باستقامة جسده العضلي، بينما يجذب المنشفة يمسح وجهه وصدره العاري بهدوء لحق نبرته:
_مفيش.. أنا كويس يا إيثان.
لحق به للخزانة المتطرفة بغرفة تبديل الملابس بالجيم ، وقال بشكٍ:
_متأكد؟
هز رأسه بخفةٍ، وسحب ملابسه يرتديها بهدوءٍ مخادع، يضع من خلفه تلك الذكريات القصيرة عن رحلة غرقه بين أمواج المياه، وكأن الحادث كان بالأمس!
انتهى من ارتداء ملابسه، ونثر البرفيوم الخاص به، فإذا بإيثان يجلس على طرف الطاولة الخشبية الفاصلة بين الأحواض، ويهتف بإعجابٍ:
_تعرف إن شكلك بالشعر المنبت أحلى من وهو طويل، حاسك زي ما تكون مدرب في الجيم بصحيح.
طالعه بنظرةٍ ساخرة وقال وهو يجمع أغراضه بالحقيبة الصغيرة التي وجدها بالخزانة الخاصة به هنا:
_مش مهم إنت حاببني بأي شكل، الأهم أنا حابب أشوف نفسي على أيه.
تمكنت الدهشة منه بشكلٍ مضحك:
_يا أخي مهما حاولت أقتنع أنك فاقد الذاكرة مش قادر أقتنع ولا انت قادر تقنعني بطولة لسانك وغرورك ده.
استدار مقابله وأحاطه بنظرة متعالية:
_وإنت شاغل أمك بيا ليه؟ هتطلع ليا بطاقة ولا جواز سفر؟!
زم شفتيه بحنقٍ:
_لم ريشك يا طاووس، أنا مش عارف أجاريك في أي وضع، مرضي كده؟
رفع نظارته السوداء يرتديها بعنجهيةٍ زادت من جاذبيته:
_هفكر وأرد عليك.
وأضاف وهو يخرج من الباب ببرود:
_سلام يا إيثوو.
لوى شفتيه بتهكمٍ، بينما هبط "عُمران" للاسفل حيث كان "آيوب" في انتظاره، وما أن رآه حتى هرول إليه مبتسمًا، فانتقلت الابتسامة لوجه عُمران بتلقائيةٍ، وقال:
_هو أنت متعود كل ما تشوفني تجري عليا زي الطفل اللي بيقابل أبوه كده؟!
ضحك آيوب، وشاكسه:
_طول ما انت ناصفني على إيثووو إنت أبويا وأخويا وصاحبي وكفاءة، إنت عارف أنك الوحيد اللي بتطير جبهته خالص، ده يونس نفسه مبيسدش قدامه.
وأضاف وهو يمشي بمحاذاته:
_وبعدين إنت أي حد بيجي عندك وبيدوس فرامل لتدوسه.
اتسعت ابتسامته لفرحة آيوب الظاهرة، ولحق به حتى وصلوا لذلك الكشك الصغير، فإذا بسيده تخرج مبتهجة المعالم:
_يا مرحب يا بشمهندز، ليك وحشة والله.
استراب عُمران من أمرها، وتطلع إلى آيوب الذي همس له:
_الحارة كلها تعرفك، إنت عشرة عمر يا طاووس!
هز رأسه بخفة، ورسم ابتسامة لتلك السيدة، التي أسرعت تخبره في همةٍ:
_أنا عارفة طلبك، دقايق وهجهزلك أحلى سندوتشات فول وطعمية.
وتركتهما وعادت تهرول للكشك الصغير، بينما يميل عُمران جوار آيوب في انتظار ما ستعده تلك السيدة.
*****
زرعت الردهة ذهابًا وإيابًا، وهي لا تستوعب ما يحدث لها منذ الصباح، وكلما حاولت الولوج للمرحاض هرولت راكضة للخارج، الحيرة والتردد يسيطران على ملامحها، حتى أنتهت معاناتها فاتجهت صوب الفراش تناديه بعنفوانٍ:
_آدهـــــــم!.
فتح عينيه بانزعاجٍ، يطالعها بنعاسٍ، بينما يزيح الغطاء عن جسده:
_شمس! إنتِ كويسة؟
أجابته ببرودٍ تام:
_لأ.
أعاد خصلاته المتمردة للخلف، واستقام بجلسته يحاول استعادة اتزانه الغائب عنه، متسائلًا باهتمامٍ:
_مالك طيب؟!
ردت بحيرةٍ وهي تقيد يديها أمام صدرها:
_مش عارفة، بس تقريبًا مش طايقة ريحة الشامبو ولا الغسول بتاعك، حتى الشاور، بص هو تقريبًا كده أنا مش طايقة الحمام كله، فقوم اتصرف وشيل اللي تقدر عليه عشان محتاجة أخد شاور قبل ما أنزل.
أسبل في دهشةٍ، وهتف بسخرية:
_طيب ولما أنا هشيل كل ده هتأخدي إنتِ شاور بأيه؟
ردت ببسمة واسعة أضحكته:
_هعتزل كل المنظفات لحد بعد الولادة!
استقام بوقفته قبالتها بعدم تصديق:
_معقول!
هزت رأسها تؤكد له، وأضافت بدلال سلب بقايا النوم عنه:
_ومش بس كده، سيادة المقدم هينزل بنفسه يحضرلي أومليت من صنع إيده.
حك لحيته النابتة بمكر:
_هو شمس هانم طلباتها أوامر وكل حاجة، بس مش حاسة إن الحوار بدأ بدري، دي نتيجة الحمل لسه جايبنها من يومين يا شمسي!
امتلأت زُرقتها بوميض الغاضب، وسألته:
_أنت بطلت تحبني يا آدهم؟ كل ده عشان طلبت منك أومليت، خلاص مش عايزة منك حاجة، أنا هنزل أعمل لنفسي ولإبني.
عبث في صدمةٍ:
_ابنك!! بتحاولي تطلعيني أب سييء من بداية الطريق، عايزة الولد يكرهني من قبل ما يشوفني يا شمس!
وأضاف وهو ينحني جاذبًا التيشرت الخاص به، يرتديه وهو يتمتم بسخطٍ:
_البداية غير مُبشرة بالمرة!
مشط خصلاته بفوضوية ، وانطلق ليغادر الجناح، فاذا بها تصيح بغضب:
_شيل حاجتك من الحمام قبل ما تنزل.
استدار يطلعها بذهولٍ، وتمتم ساخطًا:
_يعني منظفاتي أنا اللي قالبة معدة شمس هانم!! وبالنسبة لمنظفاتك وضعها أيه؟
ردت بتلقائية أبادته:
_دي براند ومش هقدر أستغني عنها.
ضحك مستهزأ من حديثها:
_يعني حاجتك براند وحاجتي متصنعة تحت بير السلم يعني!!
تأففت بضيقٍ من صدق حديثه، فاذا بها تواليه ظهرها، وبدأت تتمتم بصوتٍ لم يكن مسموعًا له، ولكنه فطن بمراجعتها لقرارها القاس، عادت تستدير له قائلة على مضضٍ:
_خلاص لم كل حاجة في بوكس كبير لحد ما أتقبل الروايح دي، بس براحة على حاجتي بليز، عُمران نسى كل حاجة وأكيد مش هعرف أخليه يعملي أوردر تاني بيهم.
قالتها بآسفٍ أمطره بوابل من الضحكات، التي تخلت عنه فور أن سددته بنظرةٍ حازمة، فإنحنى بقامته الطويلة هادرًا بخشونة:
_تحت أمرك شمس هانم، هحسس عليهم بمنتهى الحنان وأنا بحطهم في البوكس حاضر، أي أوامر تانية؟
وأستطرد بصوتٍ هادئ مغري:
_في شغلي إترقيت وبقيت من أصحاب إصدار الأوامر وهنا عبد مطيع لأوامر شمس هانم!
قالها وانطلق لحمام الجناح، حاملًا حقيبة ضخمة، يضع بها البرفيوم الخاص بها وبه، ومتعلقاتهما الشخصية بحرصٍ حتى لا يقع فريسة لغضب هرموناتها الغير مستقرة الآن!
*******
أغلقت عينيها بانسجامٍ لتلك النسمات الباردة التي لفحت وجهها، بينما تميل بجسدها خارج السور، تترك برودة الاجواء تطفئ نيران ألمها، لقد عانت طوال تلك الأيام حتى تلك اللحظة، مازالت تصمد صمود الجبال رغم أنها كائن هاش ورقيق.
تدفقت عنها دمعة عبرت عن مرارة ما تخوضه بالفترة الأخيرة، وما منها الا أن مسحتها بكل قوة، وجعها الذي ينزف داخل قلبها هي وحدها القادرة على بتره، وإذا بحجابها يتساقط أرضًا، حينما هبت رياح قوية، فتحت "مايا" عينيها تبحث خلفها عما سقط منها، فاذا بمن تقترب حاملة حجابها المتحرر، تلفه حول رأسها والحزن يلمع بزُرقة عينيها، رسمت مايا ابتسامة مصطنعة وهمست:
_فريدة هانم!
حررت صوتها المبحوح عنها، وقالت:
_متخدعنيش بابتسامتك دي، أنا حسيت بوجعك من أول ما عنيا جت عليكي.
استدارت تجاه سور التراس مجددًا، قائلة ببسمة لم تصل لعينيها:
_وجع أيه بس، أنا كويسة جدًا على فكرة.
وقفت جوارها تميل بقامتها المثالية على السور، وردت بوجعٍ اخترق نبرتها الرقيقة:
_شكلك نسيتي إنك تربية إيدي يا مايا، لو مثلتي على الدنيا كلها مش هتقدري تمثلي على أمك اللي ربيتك.
وتابعت ببسمة تعاكس حزن عينيها:
_من لما حملت في علي وأنا كنت بتمنى أخلف بنت، بس ربنا مأردش وكرمني بيه، والامنية دي فضلت جوايا حتى في حملي بعمران بس بردو جبت ولد، استسلمت وقولت خلاص لحد ما جيتي إنتِ، كنت فرحانه بيكِ يمكن أكتر من أختي الله يرحمها، أنا اللي اختارتلك إسمك، ولبسك وكل شيء خاص بيكِ.
واستدارت تتطلع لها بآعين تنبع بالحب، فنجحت باخترق قلبها المهزوم:
_أنتِ كنتِ السبب اللي خلاني أرجع لمصر تاني بعد ما أقسمت إني مستحيل هرجع ليها، كنت بخاف أشوف أحمد وأتوجع من تاني، بس مهمنيش غيرك، أنا اتعلقت بيكِ بشكل خلاني بتمنى إنك تكوني بنتي أنا يا ميسان!
ابتسمت مايا ودموعها مازالت تنزف على وجهها، بينما تستكمل فريدة، وهي تسحب نفسًا ثقيلًا عليها:
_لما أختي توفت مسؤولياتي نحيتك زادت، وحبي ليكِ اتضاعف بشكل انا متخيلتوش، حتى بعد ولادتي لشمس تعلقي بيكِ مخفش، وكتير طلبت من عثمان يخليكي تعيشي معايا في لندن بس موافقش الا لما دخلتي الجامعة.
وأضافت وابتسامتها تنير وجهها:
_كنت عارفة إن الايام اللي هتقضيها معانا هتخليكي ترفضي تنزلي مصر، حتى لو حبيتي تنزلي أنا كنت همنعك، لإني خلاص مبقتش قادرة أعيش من غيرك.
انهمرت دمعات مايا تدريجيًا، ومع كل ذكرى تقصها خالتها كانت ترى أفق الماضي يلوح قبالتها، بينما تستطرد فريدة بحبورٍ:
_خوفي كان بيزيد كل ما معاد تخرجك من الجامعة بيقرب، ووقتها أخدت قرار إنك تكوني لحد من ولادي عشان تكوني جنبي على طول، أفتكر وقتها كان كل تفكيري منصوب على علي، فكنت مرتاحة إن مهمتي هتكون سهلة مش صعبة
واضافت وهي تطالعها ببسمة مكر، جعلت مايا تبتسم رغمًا عنها:
_بس إنتِ عيونك مكنتش شايفة غير عُمران! ، اختارتي العنيد اللي مطلع عنيا، ومع ذلك دخلت معاه في حرب طويلة كسبتها بجوازه منك، وكلي يقين إنك هتغيري فيه كتير، لإنك تربية ايدي وأنا واثقة إنك مش هتحتاجي حتى لمساعدتي.
وتمتمت بنغزة ضربت قلبها قسوة:
_أنا حاربت الدنيا بطولي وأنا فاكرة إن شخصيتي قوية، بس في كل مرة كان بيظهر فيها أحمد كانت بتنتهي أسطورة الست القوية اللي كنت مخدوعة فيها، عشت عمري كله موجوعة يا مايا، عشان كده كنت بتمنى من جوه قلبي متعشيش اللي أنا عشته، كنت بعمل كل اللي أقدر عليه عشان أبعد عُمران عن سكة الحية اللي خربت حياته دي، والنهاية كانت معاكي إنتِ، وده ريح قلبي.
رفعت كفها تحيط كتفها بحنانٍ أحاط مايا بحبٍ:
_الفترة اللي فاتت دي كانت صعبة عليكي، أنا كمان ضغطت عليكي بس والله ده من خوفي عليكي من غير عُمران، تعرفي إني لما هديت فرحت برد فعلك معايا، واتمنيت الزمن يرجع بيا وأعمل نفس اللي إنتِ عملتيه!
واتسعت ابتسامتها الجذابة، وهي تستطرد:
_كبرتي في نظري أوي يا مايا، وحسيت أن اللي فشلت اعمله زرعته في بنتي، اللي وقفت وحاربت الدنيا كلها لحد اللحظة دي بتحارب عشان حبها، فبعد كل ده يصعب عليا أشوف الحزن جوه عيونك، وأحس إنك معدتيش قادرة تكملي، صعب عليا أتحمل أشوفك كده!
تحرر صوت بكائها أخيرًا، واندفعت صوبها تتعلق برقبتها، وتشكو انكسارها إليها، ضمتها "فريدة" وقد شاركتها البكاء تأثرًا بها، طبطبت عليها بكلماتها الهادئة:
_عدينا بالصعب يا مايا، اللي بنعيشه دلوقتي هين عن اللي قبله وهيعدي، صدقيني يا حبيبتي هيعدي.
هدأتها حتى توقفت عن البكاء، وأبعدتها تتأكد بأنها قد ازاحت دموعها، دعمتها فريدة حتى جلست قبالتها على المقعد المحيط للطاولة البيضاوية، وعادت تبتسم في وجهها، فابتسمت فريدة وقالت بفرحة:
_أيوه كده مش عايزة أشوفك بالضعف ده تاني، والا هروح أجيب الواد ده من ودانه وشوفي هعمل فيه أيه قدامك، وانتي عارفة إن لسانه يطول على الدنيا كلها الا فريدة هانم الغرباوي!
ضحكت بصوتها كله وردت:
_طبعًا، هو مين أصلًا يجرأ يعلي صوته على حضرتك؟!
أرضت غرورها، فرفعت ساقًا فوق الاخرى وهي تبسط تنورتها الراقية بخفة:
_مفيش طبعًا.
زوت مايا حاجبيها وهمست بخفوت:
_شوفي حطت رجل على رجل ازاي، ده أنا بحاول من الشهر السادس اعملها مش جاية معايا، هو أنا بطني كبيرة للدرجادي!!!
استمعت لهسيسها الغير مفهوم، فتساءلت:
_بتقولي حاجة يا مايا؟
نفت سريعًا، قائلة:
_ابدًا، هكون بقول أيه يعني!
حركت رأسها بعدم اكتراث، وقالت بفضول:
_قوليلي بقى أيه اللي مزعلك كده، ومتحاوليش تلفي وتدوري عليا، عشان لو قولتي سبب تافه هقتلك حالًا، أنا بسببك رجعت للبكى تاني ومصدقت بشرتي رجعت لنضارتها تاني بعد رجوع عُمران، فحالًا تذكريلي أسباب تخليني أعفو عنك.
زمت شفتيها بسخطٍ لحق نبرتها الحادة:
_ابنك بدل ما يفتكرني أفتكر ألكس الحرباية، لا والذاكرة المرادي كانت قوية وجابتله لون شعرها!!
تجهمت معالمها بغضبٍ، فاذا بها تهدر بانفعالٍ:
_هي الحية دي ورانا ورانا، مش هنخلص منها!!، انا مش عارفة أعمل في الولد ده إيه عشان ينساها!!
عدلت من أطرف حجابها من حول رقبتها، وقالت بتفاخرٍ:
_لا متقلقيش أنا عملت.
انصاعت لقولها، وتساءلت في فضولٍ:
_عملتي أيه؟
بابتسامة واسعة قالت:
_اديته بالشبشب!
توسعت زُرقتها في صدمة، بل تجمدت جمود الموتى بشكلٍ جعل عداد مايا يصفر كالقنبلة التي توشك على الفتك بمن حولها، فاذا بها تبعد المقعد، وتستند على الطاولة حتى استقامت بوقفتها تردد بهلعٍ:
_طيب عن إذنك يا فريدة هانم، هلحق علي قبل ما ينزل المركز، هروح معاه أكشف عند دكتور يوسف، أصل في وجع بعيد عنك هيموتني من امبارح، باينها بوادر شلل رباعي بعد اللي ابنك عمله معايا، يلا سلام مؤقت يا روح قلبي.
خطوتان استطاعت بهما الهروب، وإذا بها تسقط بين يدي فريدة التي رفعت ياقة قميصها الذي ترتديه من فوق تنورتها الفضفاضة، بينما تصرخ في صدمة:
_إنتِ مسكتي الشوذ ورفعتيه على جوزك!! على ابني أنـــــــــا!!!!
رسمت ابتسامة بلهاء، ورددت:
_إنتِ مش لسه من شوية كنتِ بتأكديلي أني بنتك وآنك بتحبيني أكتر منهم، في أم ترضى إن جوز بنتها يتغزل في حرباية قدامها؟! لو كنتي أم مصرية جدعه كنتِ إنتِ اللي هتناوليني الشوذ وتقوليلي ربيه!
هزت فريدة رأسها بتأكيدٍ، وانحنت تنزع حذائها ذو الكعب المتوسط، ثم قالت:
_هو هيترفع فعلًا بس عشان أعيد تربيتك.
راقبت مايا ما تحمله، ثم قالت بضيق:
_إنتِ في التاسع ولابسة الكعب ده ازاي، ده أنا من الرابع وببص عليه من بعيد وبفكر نفسي إن ممنوع الاقتراب واللمس الا بعد سنتين من الولادة، فريدة هانم إنتي جابوكي في عنبر الحوامل غلط، أنا ببصلك وبحاول اقتنع إنك حامل بس مش جاي معايا غير إنك تشخيص غلط ومش هتطلعي حامل نهائي، الحل إني اشوف البيبي بنفسي عشان أتاكد!!!
حاولت فريدة تحليل حديثها بأكمله، فإذا بالصدمات تنهال من فوقها مما تستمع إليه، كلما ضاعفت العقاب تزيد منه حتى تيقنت بأنها ستقتلها في الحال.
هرولت خلفها فركضت مايا للمصعد، وأشارت لها قبل أن ينغلق:
_للاسف معنديش اللياقة أجري على السلالم، إركبي الاسانسير اللي جنبي وحصليني على تحت بقى!
*******
اجتمع الشباب جمعهم بشقة عُمران، وقد أعد "إيثان" أسياخ لشواء الدجاج، بينما وصل "جمال" باللحوم، وأتجه به للمطبخ، حيث كان "يوسف" يجهز الطعام ببراعة.
وضع جمال الاغراض من يديه لآيوب الذي وضعهم على رخامة المطبخ، وشرع كلاهما بسكب الاغراض، بينما على طاولة المطبخ يتابعهم عُمران وهو يقطع طبق الخضروات، وفجأة تعالت ضحكاته وهو يراقب يوسف الذي يقطع البصل بدموع عينيه، فقال يشاكسه:
_أي مساعدة يا شيف چو!
ترك السكين عن يده، وهدر بعنفوان:
_على أساس إنك هتتنازل وهتقف تقطع بصل مثلًا!
جذب قطعة الخيار يلتهمها وهو يجيبه:
_لا بس على الاقل برفع معنوياتك بالسؤال عشان متحسش إنك لوحدك!
ضحك جمال وإتجه يجذب المقعد من جواره، قائلًا:
_طول عمرك رافع معنوياتنا كلنا.
وتابع ما يفعله بتركيزٍ واسترابة:
_عُمران الخضروات دي مش هتكفي السلطة، كده هتبقى قليلة، احنا عددنا كبير.
دفع السكين بقطعة الجزر، وتناولها ببطءٍ وهو يخبره:
_ومين قال إن السلطة دي ليكم!! أنا مبعملش غير الحاجة اللي أنا هأكلها، أنا مش متبنيكم أنا!
تحررت ضحكات آيوب ويوسف بينما يتابعه جمال بغيظٍ، ازداد حينما أشار له عُمران:
_قوم جهز الطحينة يا جمال، أنا عندي احساس إني بحبها!
وضع إيثان الحطب بالشواية، وتمتم بتذمر:
_قوم هز طولك واعمل حاجة، بدل ما أنت قاعد تتشرط وتتأمر كده.
دفع المقعد للخلف قليلًا، ولف رقبته تجاهه، ثم قال ببرود:
_أنا أعمل اللي يعجبني ولو كترت في كلامك ده هخليك تقطع البصل بدل يوسف، ده لو عاجب سيادتك يعني!
وأضاف وهو يعود لتناول ما بيده بطرف السكين ونظرة متلاعبة:
_وبعدين أنا واخد استراحة رسمية من الدكتور بتاعي.
التفت له يوسف يتساءل بجدية:
_دكتور مين يا عُمران؟
اجابه وهو يلتهم الخيار بتلذذٍ اغاظ إيثان:
_بابا علي قالي ده بنفسه، تحب أرنلك عليه يأكدلك كلامي يا إيثو؟
ضحك يوسف ومال يهمس لجمال:
_شكل آيوب موصي على إيثان توصية جامدة.
ابتسم وتمتم بسخرية:
_باين من السعادة اللي ملية عينه، بص جنبك.
التفت يوسف تجاه آيوب، فوجده يغمز لعُمران بفرحة وحماس، ضحك على مشاكساته التي لن تنتهي بينه وبين إيثان، وعاد يصنع ما يفعل حتى انتهى منه، فحمل الدجاج المقطع ووضعه على الشواية التي صنعها إيثان.
*******
توقف المصعد بالطابق السفلي، فاذا بالخادمة تدفع طاولة الطعام، وما أن رأت مايا حتى أشارت له بابتسامة طيبة:
_الطعام جاهز بغرفة السفرة سيدتي، والجميع بانتظارك.
وكأنها نجاتها تحمل لها بشارة، فاندفعت صوب الغرفة، فوجدت علي يجلس جوار أحمد الذي يعتلي رأس الطاولة، وقبالته تجلس فاطمة، التي أشارت لها على المقعد الذي يجاورها قائلة:
_واخيرًا نزلتي مرة بدري، تعالي.
أغلقت مايا الباب من خلفها، بعدما تفحصت الطريق بالخارج بعناية، وركضت تجاههم بشكلٍ مضحك، تعجب أحمد وعلي من حالتها الغامضة، حيث كانت تدفع المقاعد بعيدًا عن الطاولة، فلماذا ستحتاج للجلوس على كل تلك المقاعد، قطع صوت علي الرجولي الصمت المطبق، حينما تساءل باستغراب:
_بتعملي أيه يا مايا؟
رفعت ظهرها بتعبٍ، وأشارت له لاهثة:
_إبعد الكرسي ده يا علي الله يكرمك ضهري مش قادره.
بثباته الهادئ تساءل:
_أفهم طيب بتبعدي كل الكراسي دول ليه؟
صاحت بغضب وهي تراقب باب الغرفة بخوف:
_هتبعده ولا أتصرف أنا.
لكز أحمد علي برفق:
_شيله يا علي، انا قلبي مش مطمن للي بيحصل ربنا يستر.
حمل علي المقعد للخلف، فإذا بزوجة اخيه تنحني وتختبئ أسفل الطاولة، مشيرة له:
_رجعهم مكانهم بسرعة.
مرر علي بصره نحوها ونحو المقاعد، ثم انحنى قبالتها يخبرها بهدوء حذر:
_عملتي أيه يا مايا؟
قضمت ظافرها وهي تحاول إيجاد ما ستخبره به، بينما تكاد فاطمة أن تنهار من الضحك على مظهرها، فاذا به تتمتم بسخط:
_معملتش حاجة، أنا بس اللي حظي ضلم فجأة، رجع الكراسي وإبقى أفتح جلستك النفسية دي بعدين.
تمتم أحمد بشفقة:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، يا بنتي اطلعي القعدة دي مش مريحة لا ليكِ ولا للي في بطنك.
أضافت فاطمة وهي تمد يدها إليها:
_ اطلعي يا حبيبتي واحكيلنا بس مالك وإن شاء الله هنحل الموضوع، صح يا علي؟؟
ابتسم لها وقال:
_والله علي ما بقى عارف يحل أيه ولا أيه يا فطيمة!!
انطلق صوت فريدة الغاضب تنادي من الخارج:
_مايــــــــا، اطلعي قدامي حالًا والا هعرف أجيبك ازاي.
اتسعت المُقل في صدمة، فهمست مايا برجاء:
_سمعتوا، رجعوا الكراسي بسرعة قبل ما تلاقيني.
اسرع أحمد بإعادة المقاعد قائلًا بصدمة:
_عملتي أيه يا مايا!!!
مدت رقبتها من بين المقاعد تخبره ببراءة زائفة:
_أنا بريئة يا أنكل، مراتك اللي عصبية زيادة عن اللزوم.
منع علي ضحكاته بصعوبة، وهو يعيد أخر مقعد جوار المقعد الذي وضعه عمه، وفور ان انفتح الباب عاد ثلاثتهم يتناولون الطعام بهدوء، وكأن شيئًا لم يكن!
اتجهت فريدة صوبهم، تمرر بصرها بين أنحاء الغرفة الواسعة، وبوجومٍ سألت:
_مايا فين؟
وضعت فاطمة ملعقتها وقالت:
_مش عارفة.
اتجه بصرها لزوجها الذي ابتلع ريقه بتوتر، وتمتم:
_مشفتهاش من ساعة ما عُمران رجع، شكلها بتجتهد عشان تساعده يفتكرها ويفتكرنا كلنا.
أحمر وجه علي من فرط كبته للضحك، وخاصة حينما اتجهت أعين فريدة إليه، ذاك الخلوق الذي يفشل بالكذب، وقبل أن تستجوبه نهض يجذب كفها برقة للمقعد الذي يصف بنهاية السفرة،أمام مقعد زوجها،قائلًا بلطفٍ:
_الأكل هيبرد وحضرتك بتحبيه سخن، إتفضلي ارتاحي وأنا هجهزلك طبقك.
أمام عرضه النبيل لم تستطيع الرفض، جلست وبالفعل صنع علي لها الطبق ووضعه قبالتها، ثم عاد لمقعده، نهضت فاطمة تعد طبقًا لها هي الاخرى، فاذا بفريدة تخطف نظرة لمحلها، فوجدت طبقها موضوع ويكاد يكون الطعام بأكمله، فسألتها في شكٍ:
_لمين الطبق ده يا فاطمة؟
ارتعبت نظراتها في خوف، واتجهت لعلي قبل أن تنطق على استحياء مصطنع:
_ليا يا طنط، حاسة إني جعانه جدًا والأكل اللي معايا مش هيكفيني.
منحته فريدة بسمة حنونة، وقالت:
_ألف هنا ليكِ وللبيبي يا حبيبتي، ارتاحي مكانك وعلي هيعملك الطبق بنفسه.
قالتها وأشارت لعلي الذي نهض بالفعل، يلتقط الطبق من زوجته، ويسكب لها الطعام، ثم عاد يضعه قبالته، فجذبته واستغلت انشغال فريدة بطعامها، وسربته من أسفل الطاولة لمايا، التي التقطته على مضضٍ، وهي تتمتم من بين اصطكاك أسنانها:
_فريدة هانم أم ذمتين، فاطمة ألف هنا لقلبك وأنا كرشك دلدل وبان!
وأضافت بغيظٍ:
_يعني هي حامل في بيبي وأنا حامل في بوبي!
ومالت بنظرات حالمة:
_فينك يا عُمران، بس بنسختك القديمة، الجديدة دي هتجلطني!!
ومالت تجاه ساق فاطمة تهز فستانها وهي تهمس بحنق:
_فين الشوكة هأكل بايديا!!!
رفع علي المنديل على فمه يتظاهر بمسح فمه من بقايا الطعام، بينما يكاد يسقط من فرط الضحك، ومن حظها أن فريدة تجلس بنهاية السفرة الكبيرة.
سحبت فاطمة شوكة نظيفة ومدتها لها من أسفل المفرش، بينما يجاهد أحمد للتضليل عنها، فاذا به يقول:
_أجبلك عصير يا فيري؟
هزت رأسها نافية، وقالت بتوعد:
_أنا مش عايزة أكل أساسًا بس مش قادرة أكسف علي، هأكل حاجات بسيطة وهقوم ألف القصر حتة حتة على مقصوفة الرقبة اللي مش عرفت أربيها دي، مش قادرة أصدق إن بنتي أنا ترفع الشوذ على جوزها!!!
سقط الكوب من يد أحمد، وتوسعت عيني فاطمة وعلي، بينما تستكمل مايا تناول طعامها بنهمٍ غير عابئة بما يُقال، وكأنها تتحدث عن فتاة أخرى!
ضمت فريدة يديها على الطاولة، ومالت تستند عليهما بذقنها، هاتفة بارتباك:
_عُمران مستحيل يتقبل بالوضع ده عادي، ده مش ابني لأ!
احتبس الطعام بجوف مايا، واذا بها تسعل، وكلما على سعالها تصنعت فاطمة أنها تسعل، حتى لا تستمع فريدة لها.
سحب علي زجاجة من المياه، ودفعها من أسفل الطاولة، فالتقطتها مايا وتجرعتها ببطء، وهي تهتف بتذمر:
_أنا مكنش لازم أحكيلها على اللي حصل، الندم بدأ يهاجمني.
إدعى أحمد أن الملعقة سقطت منه، وانحنى يجذبها، فتفاجئ بمايا تتناول طعامها بهدوء وكأنها لم ترتكب جناية، فقال ساخرًا:
_وليكِ نفس تاكلي، ده احنا بنتشاهد على روحك فوق!!!!!
ردت عليه بضيق:
_فريدة هانم كالعادة إنحازت لابنها يا أنكل!
رد عليها بعدوان:
_دي مش ملحوظة جديدة ليكِ، بتسلمي رقبتك ليها ليه وإنتِ عارفة الكلام ده؟!
قالها واستقام بجلسته، يتابع فريدة التي قالت:
_أنا عايزة أعرف هي راحت فين، صوفيا قالتلي أنها شافتها داخله هنا، وانتوا بتقولوا مشفناش حد!!
قال علي يشتت عنها الحديث:
_اهدي بس يا حبيبتي، العصبية غلط عشانك.
أتاهم صوتًا مطلوب حيًا لمن يبحث عنه يصيح باستهزاء:
_متخافش يا علي كل شيء ممكن يأثر على الحوامل مش هيعمل مفعول مع فريدة هانم، اطمن.
اتسعت الأعين صدمة، وخاصة حينما ألقت فريدة المقاعد وانحنت تراقب تلك التي زحفت لمقعد فاطمة التي تحاول اخراجها قبل أن تقبض عليها فريدة.
اختبأت خلف فاطمة، بينما تصيح الاخيرة وهي تحاول الامساك بها:
_أنا الظاهر أهملتك لدرجة أن كل اللي علمتهولك اتنسى، بقيتي لوكل ومحتاجة إعادة ضبط مصنع.
ضم أحمد كتفيها، وهو يحاول سحبها للخروج، قائلًا:
_ضبط مصنع أيه يا فريدة البنت حامل حرام عليكي، دي ساعة شيطان وراحت لحالها صدقيني!
أبعدت كفه عنها وقالت باصرار:
_إبعد يا أحمد، أنا مش هسبها النهارده.
خرج رأس مايا من خلف فاطمة وقالت بعصبية:
_حضرتك مش فارق معاكي غير تصرفي، ومش همك اللي ابنك عمله، هستنى أيه بقى لما يفصصلي في ملامحها!! مهو البداية كانت لون الشعر بعد كده هندخل على أيه بقى؟!!
قهقه علي ضاحكًا، حتى أحمد ضحك بصوت مسموع، بينما تحاول فاطمة تهدئتها قائلة:
_مايا هدي الدنيا، فريدة هانم هتولع فينا كلنا!!
وكأنها اقتنعت بحديثها، فاذا بها تبتعد من خلفها وتتجه صوب فريدة قائلة بمكر:
_فيري سيبك من خناق الحما العقربة ده لإنك كيوت جدًا ومش لايق عليكي، أنا طلبت أوردر مسكات طبيعية إنما أيه بتصغر الوش عشر سنين، بيقولوا حلوة أوي ما تيجي نجربها؟
ربعت يديها أمام صدرها بغضب:
_قصدك بكلامك السم ده أيه، إني كبرت عشر سنين وعايزة تصغريني بالمسك بتاعك؟
ضحكت مايا بقوة، وهتفت بسخرية:
_كبرتي مين صلي على النبي، ده أنا اللي بقيت كركوبة والله العظيم، حضرتك بقيتي أصغر من شمس نفسها، صح يا علي؟؟؟
ضحك بصوته كله، وقال بصعوبة بالحديث:
_صح.
مالت لفاطمة تشهدها على ما قالت:
_صح يا بطة؟
هزت رأسها عدة مرات، مالت لأحمد:
_ها يا أنكل، كلامي صح ولا غلط؟
رد ومازال مشدوهًا مما تفعله:
_صح طبعًا.
أرضت غرورها وإذ فجأة تلف يدها حولها وتقول:
_تعالي وريني المسك، بس مش هحطه الا لما أقرأ محتوياته وأبحث عنها الأول، أنا مبحطش أي حاجه على بشرتي بدون ما أتحرى عنها!!
رحلت كلتهما، وسقط أحمد على المقعد من بعد رحيلهما يستريح من المجهود الذهني المبذول، وهمس بدهشة:
_مايا نسخة عُمران المفقود يا علي!
*****
اندمج عُمران رفقتهم، وتناسى كل شيئًا كان يزعجه، وجد نفسه في صحبتهم، ولمس قلبه معزة كلًا منهم داخله، لقد مر اليوم سريعًا، والهدوء النفسي كان يقوده في مجلسهم.
توقفت سيارة "جمال" أمام قصر "الغرباوي"، وهبط منها" عُمران " في طريق عودته للداخل، فتح جمال بابه وناداه يذكره:
_هستناك قدام الشركة بكره، متنساش اتفقنا.
استدار إليه يمنحه بسمة ساخطة:
_حاضر يا حبيبي مش هنسى، حابب تفكرني بحاجه تانية بدل ما نعيد مشهد نداء الحبيبة ده، لو مش قادر على بعدي تعالى أتفضل قضي السهرة معايا وننزل الشركة بكره مع بعض.
انكمشت ملامح جمال غضبًا، بينما تمايل يوسف على الاريكة الخلفية للسيارة من فرط الضحك، صعد جمال للسيارة يغلقها بعنفٍ، متمتمًا:
_وقح!
لم يهتم لما قال وتابع المضي قدمًا للداخل، بينما أعاد جمال تشغيل السيارة، وتوجه إلى العمارة السكنيه القابع بها منزل يوسف، قاد والصمت يتراقص بينهما، بدرجةٍ زرعت القلق في نفس جمال، فمال بالمرآة الأمامية، يراقب يوسف، فوجده يميل على زجاج السيارة، وعينيه غائمة بالهموم والحزن.
ناداه جمال بلهفة وقلق:
_يوسف!
الهالة التي أحاطته عزلته عن سماع صوت جمال القريب منه، مما دفع الأخير أن يصف سيارته جانبًا، ويميل للخلف رافعًا صوته ويده تحرك ذراع رفيقه:
_يوســــف!!!!
انتبه له يوسف، فاعتدل بجلسته راسمًا بسمة باهته:
_معاك يا جمال معلش سرحت شوية.
تلك البسمة قد تخدع شخصًا غريبًا عنه، ولكنها لا تنطبق عليه، سأله بشكلٍ مباشر:
_مالك، أيه اللي شاغلك بالشكل ده؟
سؤاله عن ما أصابه كان شيئًا مبهمًا لا يعلم كيف السبيل لاجابته، ربما سيخبره أنه على ما يرام، ولكنه ليس كذلك!
وجد أنه لا سبيل لتصديقه سوى قول الحقيقة، فنطق بما ضاق به صدره:
_ماما جتلي امبارح.
اندهش جمال لما استمع إليه، وتلقائيًا قال:
_غريبة!!!!
ابتسم بألمٍ وخز نبرته المبحوحة:
_فعلًا هي غريبة ومش حاجة متوقعة منها، أنا فرحت إنها حابة تشوف حفيدتها، حتى لما عملت خناقة مع مرات أخويا، وطلبت منها تفضل معايا وافقت، فرحت إنها ممكن تكون حست بالندم ببعدها عني أنا وسيف، بس الحقيقة إني اكتشفت إن السبب في وجودها معانا حاليا إنها عايزة تفرقهم عن بعض، وأخر همها أنا أو سيف.
ثار غضبًا من تلك المرأة، وخاصة وهو يلمس وجع يوسف في صوته الناطق بحجم آلامه، فصاح بغلظةٍ:
_أنا مش عارف الست دي مخلوقة من أيه!!!
نهره يوسف بتحذيرٍ:
_جمال متنساش إنك بتتكلم عن والدتي.
تلاشى وجومه، وبرر بحرج:
_أنا آسف مقصدش، أنت عارف إني غشيم.
تنهد بحزنٍ وقال:
_أنا عارف إنك متضايق عشاني، بس أنا خلاص أخدت على كده منهم يا جمال، أنا كنت عايش معاهم مفتقد الحنان وكل المشاعر اللي ممكن تكون من الأهل لآولادهم، ويمكن ده السبب اللي خلاني أحتوي سيف وأحاول أعوضه عنهم الاتنين.
وأضاف وقد نطقت عينيه بالدموع العزيزة التي أبت بالانهمار:
_كنت بعوضه بحنان أنا انحرمت منه، عملت كل حاجة عشان ميفتقدش حد فيهم، عمري ما أنسى زعله وتعلقه بيا وأنا بالمطار، ولا رجائه ليا أني أبعت وأخده ومسبهوش وسطهم، أنا من أول ما سافرت وأنا بسعى في ورقه كأني بخلصه من الزنزانة اللي عايش فيها.
وابتسم ساخرًا رغم مرارة العلقم في فمه:
_كنت برجع بليل أتفرج على فيديوهات طبخ كتير عشان أتعلم أعمل أكل بيتي عشانه، كنت عايز أعوضه عن كل اللي اتحرمنا منه، وأبسط حاجة إننا نلاقيها في يوم عملنا أكل بيتي نضيف، مش كل يوم أكل من بره، لدرجة إن سيف كان على طول معدته تعباه.
وأضاف وقد رفع عينيه صوب جمال الذي تمزق لسماعه مدى الوجع الذي يخوضه يوسف:
_جاية بعد كل ده تتهمني أني اهملت وقصرت في تربيته!!! جاية وبتحاسبني على اختياره لزوجته!! لا يا جمال ملهاش أي حقوق عليه ده ابني أنا، أنا متكفل بيه وبكل اللي يخصه.
وأضاف بابتسامة اصطحبت دمعة خائنة من احدى عينيه:
_عارف إني مدلعه شويتين، وده أنا حابه فيه، عايزه يتدلع ويعيش حياته كلها بطولها وعرضها، مش عايزه يفتقد أي شيء في بعدهم عنه، أنا الوحيد اللي لامس وجعه، أنا اللي عارف بخوفه من إن أي حد يدخل حياته، سيف أخويا بيخاف يصاحب أو يندمج مع أي حد، سيف مبيثقش غير فيا وفي آيوب وزينب مراته بس، مكون العالم بتاعه علينا احنا التلاتة.
خرج جمال عن صمته، وقال بنبرة تحشرجت:
_إنت موجوع وبتعاني أكتر منه يا يوسف!
اتسعت ابتسامته وراح يردد في ثقة:
_ربنا مديني القوة أداوي نفسي يا جمال، ممكن أكون مش محظوظ، وانحرمت من حنان الأم والأب بس ربنا سبحانه وتعالى معوضني بالزوجة الصالحة وبأخويا ، وبيك وبعُمران، ومنّ عليا بكرمه ببنتي اللي نورت دنيتي، وأخر حاجه مش بأهميتكم بس تتماشى مع الحياة، شغلي وإسمي اللي بنيته بتعبي، أنا كنت دكتور نسا وفجأة بقيت شريك دكتور علي بالمركز وبدون ما أخد قرش واحد من فلوس أبويا.
توسعت بسمته الجذابة وهو يمازحه بلطف:
_ونسيت كمان دكتور علي، ده لوحده كنز، هطمع أكتر من كده!!!
وفجأة تلاشت عنه ابتسامته، وقال بانكسار:
_عارف أيه اللي مزعلني بجد؟
أزاح جمال دمعته المتدفقة، وأجلى أحباله الهادرة:
_أيه؟
رد عليه وهو يميل على نافذة السيارة باستكانة:
_إنهم مش هياخدوا حاجة من الفلوس اللي عاشوا يجنوها طول حياتهم معاهم القبر، فشلوا في أهم حاجة ممكن تفيدهم في حياتهم ومماتهم، الابن البار بيكون سند ودعم لاهله طول ما هما عايشين، ولما بيموتوا بيكون عملهم الصالح المتبقى ليهم، الثمرة اللي زرعوها، بس أنا مش هكون وحش زيهم، لو يومهم قبل يومي هدعيلهم بالرحمة وهتصدق ليهم باللي هقدر عليه.
وضحك بصوت مسموع رغم بكائه:
_ولا اقولك هتبرع بكل الثروة اللي عاشوا عمرهم كله يجروا عليها، وكأنهم هينزلوا بيها القبر.
تساقطت دموع جمال، وبات عاجزًا عن تضميد جرحه، وأي حديث قد يطيب وجعًا أدمى قلبه لدرجة الخذلان!!
اعتدل جمال بجلسته ومال برأسه للمقعد، وبصعوبة خرج صوته:
_يااه يا يوسف كل ده جواك وساكت!! أنت ولا مرة اتكلمت عن الموضوع ده.
ازاح دموعه واستعاد ثباته الفعلي:
_الموضوع مش شاغلني يعني عشان اتكلم فيه يا جمال، يلا اتحرك الوقت اتأخر، عايز أطمن انها معملتش حاجة تزعل بيها مرات سيف، والله لولا اتصال علي مكنتش خرجت النهاردة، بس أكيد مش هتخلى عن عُمران وهو في الحالة دي.
فعل جمال المحرك، وقال يجيبه:
_فعلا عندك حق، عُمران كان محتاجنا كلنا جنبه النهاردة، الحمد لله ان علي أجبره يروح للشيخ مهران وخلاه وسطنا النهاردة.
رد عليه وهو يحرر النافذة ليجعل الهواء ينعشه:
_علي دكتور ممتاز، حلل حالة عُمران ببراعة، عُمران مأثر فيه الناحية العصبية، الذكريات اللي بتكون فيها شحنة عاطفية قوية جدا زي العار،الخوف،التهديد، أو الذنب بتتخزن بعمق في أماكن بالمخ زي
Amygdala
(المسؤولة عن المشاعر خاصة الخوف والعار)،
وHippocampus
(المسؤول عن ترتيب الأحداث في الذاكرة)
العلاقة الآثمة بتكون زي شحنة نفسية شديدة
خوف + توتر + خجل + كتمان + صراع داخلي
كلها مشاعر بتخلي الذاكرة دي تتخزن كأنها منقوشة على حجر، انما العلاقة الزوجية المألوفة، بتكون هادئة روتينية، وبالتالي الذكريات دي أضعف في قوة استدعائها بعد الإصابة،
الذكريات الحرام أحيانا ترتبط بـالهوية القديمة.
واستكمل بوضوحٍ أكثر لجمال:
_عُمران قبل الحادث كان شخص تاني تمامًا،
والعلاقة الآثمة دي كانت مرتبطة بصورته قبل التغيير، فالمخ أحيانًا لما يحاول يسترجع هو أنا كنت مين؟ يبدأ بأكثر الذكريات تطرفًا وتميزًا
العلاقات الزوجية بتخزن كـ ذاكرة خبرية (Episodic Memory)
ودي أكتر نوع ذاكرة بيضيع بعد إصابات الدماغ
فلو عمران فقد ذاكرته الرجعية بالكامل مش هيفتكر تفاصيل علاقته الزوجية
لكن لو حصل له محفز جسدي أو عاطفي قوي أو مشهد مشابه ممكن تخرج ذاكرة منسية فجأة، واللي بيطلع الأول اللي محفور بالعاطفة والخطر مش المألوف الامن.
وختم بقوله المختصر:
_طبعًا انا شاكك إن دي حاجة من اللي حصلتله عشان يفتكر بيها اللي عمله، لكن اللي علي قاله كان باختصار شديد إن عُمران مش فاكر غير إنه زنى ومش فاكر توبته، وعلى فكرة استعادته لاجزاء من الذاكرة علامة ممتازة إنه هيستعدها كاملة في أي لحظة.
ارتسمت بسمة سعادة على وجه جمال، وقال بتمني:
_يا ررب يا يوسف، مش قادر أشوفه متلخبط كده.
ابتسم ومد ذراعه على كتفه يدعمه:
_هترجعله متقلقش.
وقال يمازحه:
_وبعدين إنت مفتقده في أيه، مهو لسانه لسه وقح زي مهو!!
انفجر ضاحكًا وشاركه يوسف الضحك، حتى توقف به قبالة العمارة، أوصله وغادر هو الأخر لمنزله.
*******
تعمد أن يريه ذاته وهو يقف بانتظاره بشرفة جناحه، وما أن اطمئن لوصوله حتى ولج للجناح بعدما شيعه بنظرة غامضة، وتركه بها يكاد يموت غيظًا.
جاب عُمران جناحه ذهابًا وإيابًا، وهو يكاد يموت غيظًا من برود أخيه، لقد تعمد أن يريه نفسه وهو يقف بانتظاره، وحينما رفع يده يشير له تجاهله علي وولج لجناحه كانه غير مرئيًا له.
نزع عُمران قميصه وجذب البيجامة الخاصة به، ارتداها وهو مشغول البال بأخيه، عسى ما فعله بالصباح قد أحزنه منه، عساه غاضبًا منه الآن!
حانت منه نظرة تجاه زوجته التي تغفو بالفراش بتعبٍ، فابتسم وهو يميل على الحائط مربعًا يديه أمام صدره، ولوهلة عاد له صراخه على أخيه بأنه فقد الثقة به، فعاد الوجوم إليه مما دفعه للخروج من جناحه، والتوجه لجناح أخيه.
أشمر عن ساعديه القويان، وشرع بالدق على بابه، ولكنه خطف نظرة لساعة يده الباهظة، فوجدها الواحدة بعد منتصف الليل، سحب كفه حرجًا واستدار ليعود لجناحه حزينًا مما ارتكبه بحق أخيه، وبينما يكاد يصل لباب جناحه، حتى استمع لصوت علي يوقفه:
_استنى!
تهللت أساريره، والتفت مسرعًا تجاهه، فوجده يتطلع له بنظرة منتصرة، وكأنه كان يعلم بأنه لن يعفو دون أن يحاول رؤيته، وما لفت نظره ما يحمله بين يديه، والذي لم يكن سوى عُلبة الاسعافات الأولية!
دنى منه علي، وتخطاه وهو يخبره:
_تعالى ورايا.
ضيق عينيه بانزعاجٍ من طريقته، وهو الذي لم يعتاد أن يأمره أحدٌ، ولج علي للمصعد وقال يزيح به غضبه:
_مش بأمرك يا عم الطاووس، اتفضل سيادتك!
لحق به بتذمر، وهو يشيعه بنظراتٍ طفولية، لا تليق سوى بطفلٍ يود أن يتبعك ولكنه لا يعجبه تفاخرك بتعلقه بك، فأخذ يتطلع له بحنقٍ كاد أن يضحك علي، الذي تمتم وهو يعيد تشغيل المصعد:
_الأسانسير ضيق للاسف، مش هتعرف تنفش فيه ريشك!
تحرر عن صمته وصاح بعصبية:
_إنت بتحاول تستفزني يا علي؟
منحه بسمة ثابتة، وباتزان كاد بقتل الآخير قال:
_ليه، عملت أيه عشان أستفزك بيه؟
مزق شفتيه السفلية، وقال:
_إنت بتلعب مع الشخص الغلط صدقني!
توقف المصعد بطابق الضيوف، فخرج علي وعُمران يلحق به، حتى ولجوا لإحدى الغرف، فإذا بعلي يترك العُلبة على الطاولة، ويستدير وهو يرتدي القفاز الطبي، هادرًا بمكرٍ:
_أنا ماليش في الألعاب، أنا لو عندي وقت فاضي هقضيه مع أصدقائي المقربين.
_قهوتك وكتبك، دول مش أصدقاء مقربين دول أمقت حاجة ممكن أعملها في حياتي.
وأضاف عُمران بسخط:
_Ali you’re so boring
(علي إنت ممل جدًا!)
ابتسم، وقال:
_الملل شيء غالب على حياتنا، مهما حاولنا نبعد عنه بالاشياء المبهجة، اللي يتعلم يتماشى معاه مش هيقصر فيه فقدان أي شيء في حياته.
وأضاف ببحة مؤلمة:
_أنا متأثرتش بشيء كنت بمتلكه وفقدته قبل كده، فقدانك انت اللي قلب موازيني.
واستطرد وهو يعود لرسم ابتسامته:
_وريني جرحك اللي هتعامل معاه إنه لحظة تهور وراحت لحالها.
منحه نظرة حائرة، ومن ثم نزع عنه التيشرت، واستدار إليه، فجذب القطنة المبللة وأخذ يقطب جرحه، والصمت طابق على أنفاس عُمران، حتى تحرر منه ينادي:
_علـي.
ابتسم وهو يجيبه من خلفه:
_متعتذرش أنا مزعلتش منك، وقولتلك ده الصبح قبل ما أمشي من المسجد.
التفت برأسه له وقال بضيق:
_بس مش حاسس إنك متقبل ده، أنت مش طبيعي معايا يا علي، عامل زي اللي بتعاقبني، أنا بنازع في كل اتجاه، وفكرة إنك ممكن تكون متضايق مني دي مش متقبلها، بحس إني بتخنق ومش قادر أخد نفسي!
انقبض قلبه لسماع ما قال، فأسرع بالقول:
_عُمران متشغلش عقلك بيا أنا، فكر في نفسك، أنا أخر شخص ممكن تتخيل إني أزعل منك وأقاطعك، أنا لو شايفك اتخطيت حدودك معايا هجبرك تعتذرلي، وأنا واثق انك مش هتكسرلي كلمة، صح ولا أيه؟
لوى شفتيه بتهكمٍ، وقال:
_وبتسميني مغرور، إنت فيك غرور بس على رقي مش وقاحة!!!
قهقه علي ضاحكًا، ونهض يجمع اغراضه مشيرًا له:
_طيب يلا يا لمض روح ارتاح، وراك بكره يوم مهم، نزولك الشركة في حد ذاته خطوة ممتازة بهني جمال على اصراره عليها.
منحه ابتسامة صغيرة، وقال بمكرٍ:
_بتهني جمال!! على أساس إني مش هارش إنك اللي ورا الحركة دي!!
وتخطاه وهو يتجه للمصعد بعنجهية أسعدت قلب علي شوقًا لعودته:
_ورايا يا دكتور أنزلك في طريقي.
اتبعه للمصعد فإذا به يخرج منه أولًا، ويلوح له بمشاكسة:
_تصبح على خير يا بابا علي، متنساش تأخد الكتب في حضنك كويس، وتحطلك كام جريدة على صدرك من البرد، ومتقلقش أنا هعرف أسلكك من فاطمة في محكمة الأسرة!
قالها وأغلق باب جناحه، بينما يصفق علي كف بالاخر وهو يهتف بصدمة:
_مفيش فايدة!!
*******
*******
انطوى ضوء القمر الخافت، وازدهرت الشمس بأشعتها الذهبية المنيرة، التي شهدها عُمران بنفسٍ صافية، بعد أن قضى ثلث ليله بالقيام وصلاة الفجر، حتى استلم رسالة من جمال تحثه على الاستعداد للقائه أمام الشركة بعد ساعة من الآن، فصعد لجناحه يستعد للذهاب.
ارتدى عُمران بذلة فخمة من اللون الأسود، وقميصًا أسود من أسفلها، وارتدي حذاءًا بني اللون مثل لون ساعته الباهظة، أعاد تهذيب خصلاته القصيرة، ونثر البرفيوم الخاص به، ثم هبط بالمصعد للطابق السفلي، ومنه للخارج حيث كان السائق بانتظاره.
وقف يتطلع للسائق بضيقٍ، وتجاهل وجوده ثم اتجه لچراچ القصر، فلحق به السائق، استدار عُمران إليه وقال باحترام حتى لا يجرحه:
_شكرًا لتعبك يا أشرف، بس أنا حابب أسوق النهاردة.
بهت وجه السائق، وقال:
_لا يا بشمهندس، دكتور علي منبه عليا مخليش حضرتك تسوق.
نزع نظارته السوداء عن جمال رماديتاه، وأحاطه بنظرةٍ ثاقبة:
_وأنا بقولك أنا مش محتاج سواق معايا.
هز السائق رأسه وانسحب للخارج، بعد أن أرسل رسالة نصية لعلي، يبلغه فيها بما حدث، وقف عُمران ينظر بين عدد السيارات بحيرةٍ، ولكن لم يعجبه أي منهم، حيث كانت اغلبها من النوع الكلاسيكي والطراز المتوسط، والذي تأكد بأن ولا واحدة منهم تخصه بذوقه.
وإذا به يلمح عدد من السيارات الرياضية الحديثه، مصفوفة بنهاية الچراچ، إتجه إليهم وتنقل بينهم بانبهارٍ، وإذا به يلمح سيارة منفردة بزواية منعزلة، يلفها قماش حريري جذاب اللون، أثارت فضوله وكاد بالتوجه إليها، ولكن قبل أن تتحرك ساقه، واستمع لصوت جهوري يصيح:
_عُمــــــــــــران.
استدار لمصدر الصوت، حيثما يقف أخيه، الذي هرع إليه والقلق والارتباك يسيطران عليه، وفجأة استعاد كامل ثباته وهو يسأله:
_واقف عندك بتعمل أيه؟ وأيه اللي أنا سمعته من أشرف ده؟!! إنت عايز تسوق انت!
رد عليه بهدوء وعينيه تحتشد بالتمرد:
_أيوه عايز أسوق، هتفضل مانعني لحد أمته يعني!!! اللي حصل كان حادث مدبر، وحتى لو مكنش مدبر فده قدري ونصيبي، لكل أجلٍ كتاب، لو ربنا سبحانه وتعالى كاتبلي أموت قدامك حالًا،الأمر نافذ.
صاح بهلعٍ وهو يضمه إليه:
_لأ، ألف بعد الشر عليك متقولش كداااا.
تعجب عُمران من طريقته، فاحتواه بضمته، وهو يعلم بأنه سيستعيد هدوئه للتو، وبالفعل ما هي الا ثلاثون ثانية وأبعده يحك طرف أنفه بحيرة:
_طيب تمام، سوق براحتك بس بشرط.
زفر بضجرٍ، فاستكمل علي بصرامةٍ:
_مش هتركب عربية إسبورت، هتركب عربية عادية من دول، ومتحلمش بأكتر من كده!
كز على أسنانه بغيظٍ، ولكنه لم يشئ خلق مشاجرة بينه وبين أخيه، فسحب احدى المفاتيح وقرأ الرقم المدون، ثم بحث عنها وقادها، وغادر بهدوء.
وصل عُمران للموقع الذي تتبعه على هاتفه، حتى وصل إلى جمال، الذي صعد به لمكتبه على الفور، فالتف الموظفون به يهنئون رجوعه بسرورٍ، وعلى رأسهم حسام السكرتير الخاص به، حتى انتهت المقابلات وجلس بمكتبه، برفقة جمال الذي لم يتركه لدقيقة واحدة طوال العشر ساعات التي قضاها داخل الشركة.
كان جواره كالظل المُتبع، حتى أتاه اتصالًا هاتفيًا فخرج للشرفة يجيبه، وترك عُمران يراجع حساباته التي تعرف عنها للتو، وقرر بناءًا على رؤية حجم الاموال والثروة التي يمتلكها أن يشارك جزءًا منها لموسى وصابر، وصباح في يوم سفره بالاسبوع القادم لهم.
وبينما هو منشغل بمراجعة الحاسوب، ولج حسام للداخل يقابله بارتباكٍ وتردد، جعله يتساءل بريبةٍ:
_في حاجه؟!
هز رأسه بتوتر:
_نعمان الغرباوي برة ومصمم يقابل حضرتك، أنا حاولت أتحجج بس هو مُصر.
أعاد نطق الاسم كمحاولة للتعرف عليه:
_نعمان الغرباوي!!
أكد له بما يستطيع القول به:
_أيوه، خال حضرتك يا مستر عُمران.
بدى حائرًا هو الاخر، وهتف باستسلامٍ:
_تمام دخله.
خرج السكرتير يمنح الأذن له بالدخول، فهرول راكضًا للداخل بلهفةٍ وحماس لرؤيته، فاذا به يتطلع له بآعين دامعة، ونظرات غير، مصدقة بأنه يراه.
انقبض قلب عُمران، وشعر بأنه يختنق تدريجيًا، فنهض عن مقعده يتأمل من أمامه بشعورًا غير مريح، اندفع نعمان إليه باكيًا يضمه في عناقٍ غير مصدق، ويهتف بعدم وعي:
_إنت عايـش، أنت ممتش فعلًا، أنا مكنتش متخيل أنك تمشي بالسهولة دي، إنت مينفعش تبقى دي نهايتك إنت.
حاول عُمران أن يرفع يديه ويضمه مثلما يفعل، ولكنه كان بداخله شعور نفور غريب تجاهه، وكره عظيم تجاهه لا يعلم سببه!
ابتعد عنه نعمان يتطلع به بإبتسامة واسعة، فازدرد عُمران ريقه مشيرًا على المقعد:
_أهلًا بحضرتك، اتفضل.
تراقصت فرحته وتمنى لو فقد ذاكرته للابد، حتى يمنحه مكانة بحياته، بعيدًا عما ارتكبه في ذنبه، وإذا بصوت جمال يحطم طموحات نعمان حينما دخل يهدر بانفعال وثورة:
_إنت بتعمل أيه هنا؟
ارتبك نعمان حينما رآه يدخل من الشرفة، بينما يحاول عُمران فهم ما حدث لجمال فجأة، الذي بدأ بالصراخ الجنوني:
_إنت ليك عين تورينا وشك بعد اللي عملته فينا، غور من هنا بدل ما وربي أنسى إنك راجل كبير وأسحلك قدام الموظفين.
ارتعب نعمان من نبرته، وتهديداته الواضحة، فركض للخارج ونظراته الحزينة تحاوط عُمران، والذي ترقب فور غلقه لباب المكتب، وسأل جمال ونظرات الشك تحيطه:
_أيه الطريقة اللي اتعاملت بيها معاه دي!!
طالعه بصدمة من حديثه، وصاح بعنف:
_طريقة أيه؟!! أنت لو بذاكرتك كنت قتلته إنه اتجرأ وجالك مكتبك بعد اللي عمله فينا.
عبث برماديتاه بدهشة، وقال:
_أقتله!! طيب ليه كل ده، هو عمل فينا أيه؟!!
ارتبك جمال قبالته، وخشى أن ينطق بشيء قد يسييء من حالته، فتمتم بارتباك:
_لا.. مفيش.
نهض عُمران عن مكتبه، ووقف في مواجهته بضيق:
_هو أيه اللي مفيش، انت مش شايف نفسك عامل ازاي!!!!
زفر جمال بغضب من ذاته، واستدعى سيطرته على انفعالاته بأكملها، قائلًا:
_عُمران أنا مش هقدر اتكلم عن اللي فات، ولا عايز أفتكره، بالله عليك متسألنيش عن حاجة، أنا مصدقت أنسى ولو صحيت كل الذكريات جوايا هنزل أقتله حالًا.
انفاسه المكبوتة من خلف طلته الهادئة المخادعة، جعلت عُمران يستشف خطورة حالته، فقال بهدوء يمتص فيه عصبيته:
_ خلاص تمام ، مش عايز أعرف حاجة بس إهدى.
أشار له بجمود، وعاد لمقعده، بينما شرد عُمران فيما قد يجعل جمال بتلك الحالة الشرسة، التي تكاد تجعل منه قاتل!
******
بعد الانتهاء من مراجعه حساباته الشخصية، غادر "عُمران" الشركة برفقة جمال، فصعد كلا منهما سيارته، وأبقى جمال على اتباعه حتى يضمن أنه وصل لقصر الغرباوي بسلامة، تعجب عُمران من خوف الجميع عليه المبالغ فيه، وكأنه طفلًا صغيرًا، فأوهم جمال بأنه يتجه لقصر الغرباوي، وحينما غادر انجرف بسيارته وإتجه بها لمكانٍ منعزل، يود أن يختلي بنفسه فيه.
نزع عُمران جاكيته وألقاه بالسيارة، ثم صعد على مقدمتها وتمدد بالهواء، مربعًا يديه وهو يسند ظهره لزجاجها الأمامي، وعينيه مغلقة بارهاقٍ وتعب مما يمر به.
يشعر وكأنه في حلقةٍ معقدة من الألغازٍ، التي لا نهاية لها، رأسه مشحون بالكثير من الافكار والاسئلة التي لا اجابة عنها، وبينما هو يشرد بذهنًا صافيًا، وعيني مغلقة، فاذا بملمس بارد وحاد يخترق رقبته، وصوتًا غليظًا يهتف:
_محفظتك وساعتك ومفاتيح العربية بشويش وبدون لابش، بدل ما تتقطع بالمطوة وتتاوى هنا مكانك يا حيلتها.
ابتسم بسخريةٍ، ومازال يجلس بنفس جلسته المريحة، فقط أطلق العنان لعينيه التي فتحت لتنير له ظلمته الحالكة، يتطلع لمن يصوب سكينه إليه، وببرود قال:
_خد بالك اللي في إيدك دي خاينة، ملهاش ولاء لحد، بتروح مع اللي رايح وبتيجي مع اللي جاي.
_وأنا مش ناوي أروح في طريق رجعت منه خلاص!
قالها وهو يقبض على كف المجرم، ويلويه للخلف بقوةٍ جعلت عظام يده تطقطق بشكلٍ، جعله يبكي ويصرخ بصدمة ما تعرض له، فإذا برفيقه الذي يراقب الطريق، ظنًا من أنه سيتمكن من الايقاع بهذا الشاب الأعزل، ظنوه لقمة سائغة كأغلب من نالوا نفس الفعل الدنييء، ولكن حظهم السييء أوقعهم في يد الطاووس!
سقط الشاب أرضًا وبقيت المدة (مطوة) ، في يد عُمران، الذي لهى بها بين يده ببراعةٍ واتقان، وهو يشيد بقوله:
_قولتلك ملهاش ولاء لحد، بس مرفقاني مهما غدرت بيها واستغنيت.
واستطرد باستهزاءٍ:
_وبعدين حيلتها دي كلمة متأكلش غير مع اللي يقدر يسد معاها، لما ترجع لأمك بوس ايدها ورجلها عشان تخاويك براجل يعرف يجبلك حقك ويعيد تربيتك من تاني.
وانحنى يقبض عليه بقوة، ويسدد لكماته وهو يصبح باستهزاء:
_ولحد ما الراجل ده تجيبه أمك، أنا سداد وهربيك من أول وجديد!
أتى رفيقه من الخلف، في محاولة للنيل منه، والاخر مطمن بأنه سيتمكن بفعلها، ولكن عُمران كان الاسرع حينما دفع الشاب من يده أرضًا، واستدار يدس المطوة بذراع الآخر، بشكلٍ جعل الدماء تنفجر من ذراعه، فسقطت عنه الحجارة التي كان ينتوي ضربه بها.
ركض الشاب غير عابئًا بسقوط رفيفه، الذي ترجاه الا يتركه يلقى حتفه، فابتسم عُمران ساخرًا وقال:
_وإنت فاكر إن صاحب السوء هيكون راجل معاك!!
وجلس جواره أرضًا مستندًا على اطار سيارته بحمود، بينما الاخر ينزف جواره ويبكي بتوسل، خشية من أن يعود عُمران بطعنه، فتحررت كلماته بعد صمت:
_اسمك أيه يلا؟
ارتبك الشاب وأزف رعبًا، وبرعبٍ قال:
_علي، إسمي علي.
وخز قلب عُمران بعنف، وكأن سماع إسمه بذلك الوقت يمنحه هالة من الأمان، والرأفة بذلك الجريح الذي كان يضمر له الشر والسوء، فنهض فجأة وأشار، له:
_قوم هوديك المستشفى.
جحظت عيني الشاب في صدمة وهلع:
_لا... لا... هتسلمني للحكومة، والله حرمت يا بيه مش هعمل كده تاني، مسعد اللي غواني بالحرام والله ما هعمل كده تاني.
رمقه عُمران ببرود، وردد ببطء خطير:
_إركب وإقفل بوقك.
ظل محله يبتلع بتوتر، حتى اتاه صوته الصارم وهو يصعد بسيارته:
_مبعدش كلامي أكتر من مرة أنا بروح أمك!!
نهض الشاب يحتمل على ذراعه السليم، وجلس قبالته بشيء من الاطمئنان، فاذا به يصله للمشفى، وقبل أن يصل له فريق التمريض كان فد فقد الوعي، مما دفع عُمران لحمله، ووضعه على السرير المتحرك.
وعقله يغيب عنه لمظهر الدماء، نزيف يحاوط كتفه، وبطنه، شعور بالألم يخترقه، صداع شديد يقتحم رأسه، دوار عنيف، مال على المقاعد المعدنية، سقط من فواقها وبعض الذكريات السابقة تندفع إليه دون سابق انذار.
أحاط رأسه بعنفٍ، والعرق يبلل وجهه بشدةٍ، حاول الانتصاب بوقفته ولكن ساقه كالهلام ألقته أرضًا، فسقط فاقدًا للوعي!!
إلتف من حوله الاطباء، ولا أحد يعلم ماذا أصابه، نقلوه لاحدى الغرف، ودعموه بالفحوصات وقياس الضغط، وقد تسرب لهم ارتفاعه عن المعدل الطبيعي، فتم حقنه بالمحلول والادوية اللازمة لضبطه.
بقى فاقدًا للوعي لثلاث ساعات متتالية، حتى أبصر فيهم عن رماديتاه، مال برأسه جانبًا يتفقد المكان الذي أصبح فيه، فاذا بالممرضة تدلف للداخل تخبره بابتسامة عملية:
_حمدلله على سلامتك، بقالك 3ساعات مغمي عليك.
شرد بكلماتها وقد أعاد إليه نفس صياغة الجملة على مسمعه من قبل، نهض عُمران يجذب قميصه الأسود، يرتديه بهدوء غامض، ويخرج تجاه الاستقبال، فاذا به يلمح مرآة بالطرقة، وقف يدقق النظر لنفسه ببسمة ساخرة، ومن ثم تحرك للموظفة يتحدث بنبرة ثابتة:
_من فضلك عايز أدفع حساب الشاب اللي دخل معايا من شوية مع حسابي.
هزت الممرضة رأسها، وقالت:
_تمام، بس حضرتك مينفعش تخرج من هنا قبل ما الشرطة تأخد أقوالك، كانوا هنا وانت فاقد الوعي وقالوا هيعدوا عليك تاني.
ألقى لها كرت يخصه، وبثقة قال:
_يقدروا يشرفوني في مكتبي، الموضوع بسيط أصلًا ومش محتاج تحقيقات، خناقة بسيطة وإتعور فيها الشاب اللي هنا واحنا بنحاول نفك الطرفين عن بعض.
قرأت اسمه بصدمة، فهزت رأسه بابتسامة واسعة، يينما يجذب منها قلمًا ويدون شيكًا بمبلغ بقيمة ثلاثمائة ألف جنيهًا، قدمه لها وقال:
_من فضلك الشيك ده يخص الشاب، لما يفوق إديهوله.
أمأت له برأسها، وقد منحها مبلغًا بسيطًا من المال، ثم خرج يتجه لسيارته ويغادر بها شاردًا، حتى كاد بأن يفتعل أكثر من حادث، لا يعلم كيف وصل للقصر وللچراچ بالاخص.
هبط عُمران من السيارة، وكاد بالخروج ولكنه توقف واتجه ناحية سيارته، متعمدًا قصد تلك السيارة المعزولة، سحب الغطاء عنها ووقف يطالعها بنظرات قوية، غير عابئ لتسرب باقي الاحداث إليه!
كانت نفسها هي تلك السيارة التي لاقى فيها حتفه، وربما عاد للحياة مجددًا بفضل الله عز وجل، ولكن روحه مازالت معلقة بذلك الحادث المأساوي الذي سيظل جحيمه يتلاقفه دائمًا.
مال بجسده المنهك على مقدمتها، والدوار مازال يهاجمه، حارب بتلك المعركة ببسالة حتى هدأت أنفاسه، واستكانت روحه، كأنه حصل على الخلاص، وأخيرًا!
*****
ألقت الهاتف بغضبٍ أرضًا، وأخذت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا، لقد تمكن منها الخوف لدرجة أنها ستنهار بين لحظة والاخرى، لقد تأخر للغاية وحتى مكالماتها لم يجيبها عليها، وكأنه يستكتر فيها أن تطمئن عليه.
انهمرت دموع "مايا" وهي تفكر أن تذهب لتوقظ علي، الذي اطمئن من جمال سابقًا بأن عُمران عاد للقصر، وانشغل هو بالمركز طوال اليوم، وفور عودته غفى على الفور.
جذبت مايا اسدالها، ارتدته ووضعت حجابها باهمال، ثم اندفعت لباب الجناح، ودموعها تغرق وجهها الباهت، وما أن حررت الباب حتى وجدته يقف قبالتها!
طالعته ببكاءٍ، وبنظرات تعاتبه، والآخر يتطلع له بنظرات غامضة، تخفق بوميضٍ لم تلاحظة مايا، بل اندفعت تصيح بانفعالٍ وهي تنزع حجابها وتعود للداخل:
_ممكن تفهمني مبتردش على تليفونك ليــــه؟!!!
أغلق الباب بيده وأتجه صوبها، حيث كانت تنزع اسدالها وتهدر بعنفوان والبكاء يندمج مع صراخها:
_إنت مش فارقلك مشاعري ولا اللي بحس بيه لما بتغيب برة شوية، حرام عليك يا عُمران، أنا مش قادرة أتلم على أعصابي.
رفعت الآن عينيها صوبه، وقالت تعاتبه:
_ده أول مرة تخرج فيها بعربية من وقت الحادثة، أنا آ...
ابتلعت كلماتها وهي تراقب نظراته الغريبة إليها، وكأنه يراها لأول مرة، حتى أنها استشعرت بأنها ولربما بها شيئًا ما، فأعادت النظر لذاتها، وعادت تتطلع له!
دققت النظر في رماديتاه، فإذا بها ترتجف من شدة توترها، نفس النظرات التي كان يغرقها بداخلها بحنانه وعشقه لها، نفس الاحتواء الذي يصل لها قبل أن تصل لها ذراعيه، نفس كل شيءٍ، وما ينقصها من الافاقة من حلمها الوردي سوى كلمة واحدة منه، أتت لتمنحها الخلاص، حينما همس لها بعمقٍ يحمل أسمى مشاعره:
_وحشتيـني!
اعتصرت عينيها تخرج دموعها، تحررهما، تزيحهما عنها، بينما تميل للخلف بأعصاب انفلتت عنها، فاستندت على الطاولة الطويلة من حولها، وهي تجاهد لخروج كلماتها، التي تخلت عنها فجأة!!
دنى منها ودموعها أوجعته بدرجة أيقظت دموعه في رماديتاه، بينما هي تستند بذراعيها على الطاولة وبكائها يندمج مع صوت أنفاسها المنفعلة، تراقبه بتركيز وتنتظر أول خطواته بكل لهفة، حتى أتى إليها يضم وجهها بين يديه، يقابل عينيها بنظراته العاشقة، يحكم يده من حول رقبتها، ليضعها بين صدره.
عناق لم يكن روتينيًا مثل المعتاد بينهما بالفترات الاخيرة، بل كان عناق لحبيب ابتعد عن معشوقته لقرون، وقد جمعه الله بها الآن، تعلقت به مايا والفرحة ترفع جسدها عن تربة الأرض، تجعلها ترفرف بالسماء دون أي قيود، فباتت تتساءل بسؤالٍ خرج بكلمة واحدة:
_عُمـــــــران!!!
ابتسم وهو يميل يشم عبيرها المفقود:
_روحه وقلبه اللي رجع ينبض من تاني يا مايا!
واستكمل ومازال يشدد من ضمتها:
_أنا إزاي نسيتك وإنتِ كلي!!! أنا كنت ميت وحياتي إتردتلي!
ابتعدت عنه تتأمله بسعادة، وضحكات فرحتها أنارت ظلمتها، فركضت صوب حجابها واسدالها تجذبهما وهي تردد بحماسٍ:
_علي وفريدة هانم هيفرحوا أوي.
قالتها وهي تهرول لباب الجناح، فإذا به يمنعها من الخروج، ويعيدها لأحضانه بعشقٍ، يخبرها بفعلته بأن عالمه يبدأ بها، يدمي نفسه ألمًا بأنه كان قاسيًا حينما تناساها، لقد تذكر إسم أخيه، علاقته به كانت مثل ما كانت، ولكنه ماذا فعل بتلك العاشقة التي ضحت وتحملت لاجله؟؟؟؟؟
تعالى خفقات قلبها شوقًا لمن طرب له، يذكرها بالعالم الذي لم يسمح لمشاعره الانجراف إليه الا بها وسواها، والآن تعود لتدخل برفقته من نفس الباب مجددًا!
ولأول مرة تغفو في راحة وسكينة، وابتسامتها تضيء وجهها المنير، ضمها عُمران إليه والدمع يتلألأ بعينيه، يكره ذاته لما فعله بحقها، وبحق أحبابه، أخيه، والدته، شقيقته!
وعلى ذكر الاحباء، تذكر جمال الذي نحف للغاية في فراقه، يوسف،آدهم، آيوب، إيثان، الجميع يتردد له واحدًا تلو الآخر، وبداخله حرجًا مما سيفعله ليصلح به عن جفاء مشاعره تجاههم حينما كان فاقد الذاكرة.
انخفض كفه لبطن زوجته المنتفخ، يمرر يده على صغيره، وبمرارة قال:
_حتى إنت اتعذبت بسببي!!
أزاح دموعه ومال يقبل جبينها، ثم سحب الغطاء يداثرها به، ونهض يتجه لحمام الجناح، اغتسل وخرج يصعد للدرج السري، هناك ما يخبره بأنه سيجد أخيه بالاعلى، بالمكتبة التي قدمها له قبل رحيله.
ولج عُمران للداخل، فوجده يغفو على الأريكة، والكتاب بين أحضانه، ابتسم وهو يراقب ملامحه كأنه يراه منذ زمنٍ بعيدٍ!
انزعج علي في منامته، ففتح أهدابه بانزعاجٍ، ارتسمت ابتسامته وردد بنومٍ:
_أيه اللي مطلعك هنا بالوقت ده؟!
ضمته نظرة حنونة منه، وإتجه إليه يحمل الكتاب الذي سقط منه حينما استقام بجلسته وقال:
_مستحيل هيجيني نوم في يوم زي ده.
عبس بعدم فهم:
_يوم أيه مش فاهم؟
وبقلق قال:
_في حاجة حصلت معاك؟؟ طمني؟
اتسعت ابتسامته وأخذ يراقبه بنظرة عميقة، جعلت علي يستريب لأمره، ويهتف بسرعة:
_حصل أيه يا عُمران، إتكلم متخبيش عني حاجة!
سحب نفسًا طويلًا، ونهض من جواره يتجه للجدار الزجاجي، يضع كلتا يديه بجيوب بنطاله، ويتطلع للحديقة بنظرة غامضة، انتقلت لعلي الجالس يترقب سماع ما سيقول، فإذا به يستدير ويخبره مبتسمًا:
_قال قولي يا علي، هو الرمادي منزلكش من هنا بردو؟!
توسعت عيني علي، والدموع تلألأت في فهم مغزى حديثه الذي سبق وذكره له قبل حادثه، سقطت دموع عُمران هو الآخر، وتنهد بوجعٍ:
_مستغربتش إنك الوحيد اللي نطقت إسمه وحسيت بيك من أول ما شوفتك، لإنك أقربلي من روحي!!!
............ يتبع............
#صرخات_أنثى.
#الاقـــــــوى_قـــــــادم.
الفصل مبذول فيه مجهود كبير، رجاءًا نوصله ب
ل3000 لايك على الاقل، ونعلي تصويت الواتباد ❤
ومتنسوش إن رواياتي موجودة في معرض اسكندرية منتظركم يوميا في الساعة 12 ظهرا وحتى 12 بعد منتصف الليل
في كلية سان مارك من جهة الترام - الشاطبي - إسكنــــــدرية
خصومات تصل إلى 50%
في جناح
#مدينة_الأدباء_للنشر_والتوزيع، رقم الجناح8،وفي خصومات 50في المية بردو على الاون لاين على رقم واتساب 01121530961.
*****______********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 136 - بقلم آية محمد رفعت
انحنى يحمله بين ذراعيه، ثم وضعه قبالته على السراحة، يطالعه بنظرة ماكرة، حتى وصل إلى ما سيفعله، فمال تجاهه يخبره ببسمة خبيثة:
_علي.. حبيب قلب بابي السكر، أنا محتاج مساعدة منك يا بطل، هتقدر تساعدني ولا هتطلع خرع من أولها؟
راقبه الصغير بتركيزٍ تام، وكأنه يخبره بسرًا حربيًا، يصعب عليه فهمه، فاذا بعُمران يتجه للخزانة، ويعود حاملًا بذلة صغيرة تحمل نفس لون بذلته، ساعد الصغير على النهوض، وبدأ بتبديل ملابسه وهو يخبره بإيجازٍ:
_مامي مش طايقاني، وحاسة تسيب البيت، فأنا وإنت هنحاول نخليها تغير قرارها، اتفقنا ولا هتخلع؟
ضحك الصغير ومال يختطف البرفيوم الخاص بأبيه، يلهو به، فاذا بعُمران يخطفه منه وهو يحذره بغضب:
_لا، قولتلك ألف مرة حاجتي لأ يا علي، سامع!
ضم الصغير شفتيه بحزنٍ، ومال على يديه يزحف لنهاية طرف السراحة بضيقٍ، جعل الاخير يزفر بضيقٍ من ذلك الذي يتخذ كل أغراضه الشخصية مباحة له، فتح إحدى الادراج وجذب منها زجاجة كانت على وشك أن تنتهي، وقد قبل التضحية بها.
إتجه إليه يمنحه إياها، قائلًا بسخط:
_أنا مش فاهم إنت مش مركز في ألعابك ليه، كل تركيزك على أشياء أكبر من سنك!
ضحك الصغير بسعادة فطلت أسنانه العلوية التي لم تكتمل بشكلٍ أضحك عُمران، ومال يقبل وجنتيه بحنانٍ، بينما يعود ليعاونه بالانتهاء من ارتداء البذلة الأنيقة، وفور أنا انتهى سحب الزجاجة منه وقال:
_تمام بقيت بتاعتك، ممكن تركز معايا بقى.
ومنحه إحدى الزهور قائلًا:
_هنأخد الورد ده لمامي، أنت هتديها وردة وبوسة جميلة عشان تحن عليا وتقبل تتناقش معايا، تمام؟
سلطت رمادية الصغير على باقة الزهور المفرودة، ثم عاد يتطلع على تلك الزهرة التي يحملها أبيه بعدم رضا، فتركها وحمل بعضًا من الزهور المنفردة، زفر عُمران بغيظٍ:
_آه منك أنت!! أووف.
ثم حاول أن يجذب الزهور من يده في محاولة اقناعه بحمل الزهرة المنفردة ولكنه أبى، فلم يريد أن يضغط عليه فيبكيه، ووضعه أرضًا يتمسك بيده، متبعًا خطواته المتعثرة حتى وصلوا للمصعد، صعدوا معًا وهبطوا للأسفل حيث تجلس مايا بالحديقة، منشغلة بحاسوبها الشخصي.
انحنى عُمران إليه وقال:
_مامي أهي، يلا إعمل زي ما قولتلك، وأنا هاجي وراك.
تركه الصغير وخرج يتجه صوب والدته، التي ما أن رأته حتى تهللت آساريرها، فحملته وهي تقبل وجهه قائلة برقة:
_روح قلبي نازل ومتشيك كده ورايح على فين؟
ضحك الصغير وحمل لها وردة من بين الزهور التي يحملها، ثم مال يطبع قبلة على وجنتها، فانكمشت تعابيرها غضبًا بعدما رأت من يختبئ بالخلف ويغمز لها بابتسامة واسعة، فتركت الصغير على الذي مازال يحمل بعض الزهور على الطاولة، واتجهت حيثما يقف الطاووس، الذي تظاهر بأنه يتأمل الحديقة مطلقًا صفيرًا مستمتعًا.
ربعت يديها أمام صدرها ووقفت تراقبه بغضب، فاذا به يستدير لها قائلًا:
_خلاص بقى يا مايا، متكبريش الحوار، أنا بقالي ساعة بدرب الولد على الحركة اللي تجاهلتيها دي، قلبك بقى قاسي أوي يا بيبي!
صرخت بوجهه بعنفوان:
_أنا اللي قلبي قسي!! اللي فيك هتجيبه فيا ولا أيه؟!!
دنى منها بنظراتٍ تحذيرية:
_صوتك عالي وده هيلغي أي نقاش سلمي بينا؟
استدارت تتجاهل حديثه، فاذا بها تبحث عن صغيرها في الطاولة التي تركته على أحد مقاعدها، فتمتمت بدهشةٍ:
_علي فين؟!!!
انتبه عُمران لحديثها ومال برقبته تجاه الطاولة والحديقة، فأسرع كلاهما إليها، يفتشان عنه بالحديقة، حتى وقف عُمران بمدخل القصر يشير لزوجته بأن تأتي لمحله.
ركضت تجاهه، تراقب ملامحه الغاضبة باستغراب، فاذا بها تفتح فاهها ببلاهة، حينما وجدته ينحني تجاه فراش ڤيروزة ابنة فريدة، ويحيطها بالزهور المتبقية معه، ثم يميل وهو يطبع قبلات على وجهها، وضحكاته تتعالى بشكلٍ مضحك.
تمتم عُمران من بين اصطكاك أسنانه:
_أقنعه إزاي أن دي عمته!!!!
انفجرت مايا ضاحكة وقالت بقلة حيلة:
_لما يكبر هيفهم أكيد.
وتساءلت باستغراب، حينما وجدته يحمل زهرتين ويركض صوب غرفة الصالون:
_هو رايح فين؟؟
تخطاها عُمران ولحق به، فتصنم حينما وجده يقدم الزهرة لفريدة ويطبع قبلة على وجنتها، ومن ثم انتقل لشمس التي تجاورها وكرر فعلته، فهتف ساخرًا:
_هو ده اللي هو فالح فيه!!!!!
أتاه صوت علي الضاحك من خلفه:
_مش تعليمك ده ولا هتتبرى من اللي زرعته فيه يا أوقح خلق الله!
زم شفتيه بنفور وقال:
_عملت أيه أنا، مش أحسن ما يطلع معقد وبتاع كتب زيك يا علي!
ارتشف من كوب قهوته التي يحملها بين يده، مرددًا بسخرية:
_خلاص متشتكيش يا حبيبي.
ترك عُمران محل زوجته، واتجه يسحب الكوب من أخيه، يرتشفه جرعة واحدة، ومنحه اياه بابتسامة خبيثة وهو ينادي صغيره:
_علـــــي!
انتبه الصغير لابيه، فانحنى على يديه وزحف تجاهه حتى يصل مسرعًا لأبيه، حمله عُمران وأخرج الزهرة التي احتفظ بها لزوجته، وقدمها إليه قائلًا بمكرٍ:
_عملت الواجب مع هوانم عيلة الغرباوي كلهم، ونسيت عروستك كده أنكل علي هيزعل منك يا حبيبي، بينا نطلع لفاطيما عشان نشوف كوكي، وتديها الوردة والأهم من الوردة.
وعدل من جاكيت الصغير، قائلًا وعينيه لا تفارق أخيه:
_لو زعلت كوكي منك هقيم الحد عليك، إتعامل بمنتهى الجنتلة والشياكة، مش عايز شكاوي منك، فاهم!
سقطت مايا بنوبة من الضحك، بينما انتزع علي، الصغير
من يد أخيه:
_سيب الولد أنا مش عايزه يطلع وقح زيك، أنا هربيه بنفسي عشان أضمن يتعامل مع البنت باحترام.
قالها وسحب من الصغير الزهرة التي بيده، فابتسم علي ومال يطبع قبلة على وجنتي عمه الذي اتسعت عينيه في صدمة من أخيه الذي ربط بعقل الصغير أن من يمنحه زهرة يمنحه قبلة بعدها!!
لف عُمران يده حول كتف أخيه المندهش من فعلة الصغير، ومال يهمس له:
_مش هتنجح يا علي، دي جينات يا حبيبي، أنت مش ساحر يعني عشان تغيرها!!
وأضاف ضاحكًا:
_أنا بقول نضربلهم ورقة عرفي، ولا نسفر الولد ده مدرسة داخلية من دلوقتي أيه رأيك؟!
...... 😂😂يتبع 😂😂...........
#عودة_الطاووس_الوقح..
#قريبًا.
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 137 - بقلم آية محمد رفعت
صباح الخير يا بنات، عساكم جميعًا بخير وبصحة وسعادة، أنا الحمد لله رجعت بيتي من امبارح الصبح، وكنت حابة أكلمكم عن كذه نقطة.
طول عمري صادقة معاكم وعمري ما خبيت عنكم حاجة، حاولت كتير أوي أفصل ما بين حياتي الشخصية وبينكم بس فشلت، لاني بحب أشاركم في كل حاجة تخصني سواء فرح أو حزن، حتى لو هلمح من بعيد أن في ظرف مزعلني وبمر بيه.
أنا كنت منزلة بوست بمعاد الفصل ورجعت نزلت بوست تاني ومعرفتش أنزل، وده غلط كبير مني مش هكابر عليه وأبرره، أنا غلطت وعارفة وزعلانه عشان ده، ويمكن عشان كده أصريت اصرار مش طبيعي ارجع المنصورة يوم الاحد الساعة ٤ الفجر ومستناش للمعاد اللي كنت هسافر بيه، وده دفعت تمنه ورجعت اخده دور برد وتعب صعب أنا وأولادي، لاننا كنا قبلها على البحر وبنلف اسكندرية مخدناش فترة راحة، واصراري ده لاني شوفت كومنتات أول لما قدرت أقوي باقة الموبيل، الفون من وقت وصولي اسكندرية وشبكته كانت سيئة جداا، وانتوا بنفسكم لاحظتوا ان مكنش ليا ظهور الا من موبيل صديقتي.
هرجع وأقولكم أنكم ليكم كل الحق لاني غلطت، بس مينفعش بعض التعليقات تنصب حكمها اني عايشة ولا على بالي وكلام كتير ظلم، وتريقة على رواية اشباح المخابرات من قبل ما تنزل، أنا كانت نفسيتي سيئة بالفترة الاخيرة عشان كده كان مقرر نسافر كلنا كام يوم للتغيير، بس ده كمان حصل فيه ظروف واعتذرت عن السفر، بس قبلها بيوم خالتو قدرت تقنع عيلتي انها تروح معايا لاني حرفيًا كنت في حالة صعبة، سواء من المشاكل اللي حواليا او من الخساير اللي اتعرض ليها زوجي في عمله تلات مرات في شهرين ورا بعض، وانتوا عارفين كويس الدنيا الحالية والغلاء الرهيب ده أي خساير مادية فيه بتكون عاملة ازاي، احنا تلاقينا الاخبار في شهرين وفي فترات متقاربة، فاحساس انك عاجز ده بشع بس الرضا بما قسمه الله مهون كتير جدًا.
عايزة اقولكم لما قولت هكتب بالطريق، معرفتش نهائي والله، العربية كانت بتتهز والموبيل كل دقيقتين يقع من ايديا، وفوق كل ده معايا طفلين سنهم مقارب لبعض طلعوا عنيا من اول الرحلة لحد رجوعنا، ومش هنكر بردو إن منظر اسكندرية سحرني، أنا بحب البلد دي جدًا ووقعت في غرامها ٣٦٠درجة بعد ما شوفتها، وشوفت جمال أهلها وطيبتهم وعلى رأسهم سوونه روح قلبي اللي ليها بوست لوحدها بس أفك الكالونا واخلص الفصل الاول وبعد كده هتكلم عن كل اللحظات الجميلة اللي قضتها معاها.
انا برد بس على اللي اتقال لاني مش حابة اسيبكم بكمية الاحكام اللي تكسر القلب دي، شوفت بردو كذا تعليق بيقولوا دي طالعه لايف وبتهزر وبتضحك ولا همها! بصراحه مش عارفة ارد بأيه، ده أنا من كتر حبي ليكم ولاني بحس انكم عيلتي التانية طالعه جوه الجروب معاكم ويمكن لاول مرة أدخل اكتب بوست على الواتباد الاول قبل الفيس لاني واخده على خاطري منكم وطيعًا مش الكل عشان حرام اكون ظالمة وأظلم الناس اللي بتقدرني وبتحترمني، قولتهالكم في لايف قبل كده الله أعلم بظروف الشخص اللي انت متعرفش عنه حاجة وعن حياته، واللي يوجع لما تلاقي كل اللي حواليك بيغرقوا في مركب مشابه ليك ومحدش قادر يكون جنبك لانه مُبتلي هو كمان، فانت موجوع لنفسك ولاقرب الناس ليك.
اول لايف ظهرتلكم فيه قولتلكم اني هرجع اكمل الفصل وانزله ليكم، والله العظيم رجعت وقعدت فعلا بس معرفش نمت ازاي من تعبي، لاننا كنا واصلين في نفس اليوم ونزلنا ساعة ونص بالطريق تاني عشان نروح كوبري ستانلي واللي من اجمل ما شوفته باسكندرية اللي سكنت روحي وانعشتها دي، وتاني يوم بردو حاولت أكتب بس طبعًا انت موجود في مكان اخده كام يوم، أكيد طبعًا فضولك هيجيبك تنزل وتأخد لفة فيه، واللي زايد كمان اللي قولته فوق النت والشبكة مكنوش ببشتغلوا غير نادرًا، وبأخر يوم بوادر البرد ظهرلي ومشتدتش غير بوصولي المنصورة، كأني خرجت من مكان طقسه معتدل لقمة الحر 😂، مع إن كلنا جوه مصر سبحان الله..
أنا كنت محروجة من إني أعملكم البوست ده، بس اقتنعت إن في نسبة بينكم كبيرة بتحبني وبتقدرني فانا من واجبي أحترمهم وأحترم نظرتهم فيا، فقولت هكتبلكم وهكون ريحت قلبي شوية، من وقت وصولي وأنا تعبانه انا والاولاد، واحنا التلاته نايمين والله جنب بعض بنفس الاعراض والتعب، أنا مش قادرة اقوم وجع عضمي ولا الصداع فبتوجع وانا شايفهم بنفس الاعراض دي...
الخلاصة في كلمة اعتذار مني ليكم كلكم، عارفة انكم صبرتوا عليا كتير بالفترة الاخيرة، وكنتوا جزء من اللي اتحملوا صعوبة اللي مريت بيه، ويمكن فيكم اللي لمس حزني وبوستاتي الغريبة، فصدقوني كنت محتاجة السفرية دي جدًا تهون عليا اللي فات، وبما اني رجعت دعواتكم لاولادي بالشفاء العاجل، والمرادي مش هتنقل من البيت الفترة دي الا بعد ختام الرواية، واللي خلاص هانت وبتفنش فعلا، واللي شايل هم اشباح المخابرات من دلوقتي، فأحب اطمنه مش هنشر الا وأنا كاتبة منها جزء أقدر بيه أنزل مواعيد ثابتة للنزول، واللي حابب يقرأ العمل كامل ليه كل الاحترام، و اللي اعتكف عن القراية بسبب تاخر الفصول بردو ليه نفس الاحترام ❤
عارفة ان بعد قراءة بوست طويل عريض زي ده هتقوليلي أيوه والفصل معاده امته بردو، هرد وأقول إني لو واثقة حتى من نزوله بكره مش هعلن، أنا كرهت أي اعلان أنزله والله العظيم، لاني حرفيا بتعب بعده ومش بقدر أكمله وأغلب تعبي بيكون برد لاني مناعتي زيرو على الشمال والكارثة لما بأخد ادوية للبرد بتخليني شبه السكرانة بالظبط وده كان من ضمن مواقفي الكوميدية مع ادمن احسان 😂، واللي بردو ليها بوست بس بعد الفصل 😂، من الاخر كده عزيزي القارئ تحديد موعد للفصول بيجبلي برد والعلاج منه بيخليني أفشي أسرار دولة بحالها من حباية برد، بتعلي الجي على طووول، واللي حاضر ده الاشخاص القربين مني 😂.
اعتذار أخير منكم، وإن شاء الله يكون الاخير فعلا، ومن ضمن الرغي ده نسيت أقولكم إني والله بحبكم في الله ♥🌗..... 💙💙... ♥♥♥♥♥
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 138 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى..(#عودة_الطاووس!..)
#الفصل_الـ106
إهداء الفصل لحبيبة قلبي "زينب يسين"، شقيقتي الكبيرة التي لم تنجبها أمي، لطالما كنتِ ونعم الدعم والسند لي، لطالما كنت الأقرب لقلبي حتى روحي، لطالما كنتِ وستظلي الحبيبة والقريبة والغالية، أحبك وإن بقى لروحي القليل بتلك الحياة ستكوني من ضمن الأهم بأولوياتي، كلماتٍ سجلتها لكِ من أمام بحر الاسكندرية، التي وجدت فيه الغائب عني، وللغرابة إنني عشقتها منذ أول نظرة لي،ربما لإنني لم أكن وحيدة، فكانت حبيبتي "إحسان" برفقتي، ربما لذلك لم أشعر بأنني ببلد غريب عني، ولأقص مرارًا عن تلك العروس الفاتنة التي سحرت عيني منذ أول نظرة وقعت عليها، ربما لأنها بلد أقرب صديقاتي، وعددٌ من قرائي المقربين ، والبلد التي تمنيت بها لقاء شقيقتي وغاليتي "زينب" 💙)
اتسعت مُقلتيه في دهشةٍ، وفرحة أحاطت قلبه المكلوم، أخيه يذكره بأخر جملة كانت بينهما قبل سفره مباشرة، يعلن له أنه استرد كل ما فاته من ذكرياتٍ جمعتهما معًا.
نهض "علي" عن الأريكة وإتجه إليه بخطواته المتهدجة، الحاملة للدهشة، بينما مازال يقف عُمران في مواجهته، عينيه تغرقان بالدموع، الترقب، اللهفة لضم أخيه مجددًا، فبتلك اللحظة يشعر وكأنه تغرب عنه لأعوامٍ، فيود أن يدفنه داخل أضلعه ليعوض حنينه الهادر إليه.
يقف الآن قبالته، يبكي بفرحة، ومن أمامه نظرات عُمران التي تئن ألمًا على وجعه الناطق به رماديتاه، فلم يقوى أن يقف محله طويلًا، يشتاق لعناقه، غمرة من حنانه، فإذا به يهرع إليه ويديه تحيط ظهر أخيه بقوة، طابعًا قبلات على كتفه، فإذا ب "علي" يبتسم ويحاوطه بحبٍ، تحرر صوت عُمران المتحشرج أخيرًا:
_أنا عذبتك كتير يا علي، أنت بتدفع تمن أي اختبار صعب أنا بمر بيه.
شدد من لف ذراعيه من حوله، وقال وصوته إنغمس فيه البكاء رغمًا عنه:
_وأنا وإنت أيه يا عُمران، إنت متخيل إني ممكن أكون كويس لو إنت فيك حاجة، يا حبيبي إنت لو فيك خدش وجعه أنا اللي بحس بيه مش إنت، عمرك ما هتفهم كلامي ولا معزتك الكبيرة عندي الا لما ابنك يشرف، وتشوف إنت هتعمله أيه وهتتعامل معاه ازاي.
انهمرت دموعه على كتف أخيه، الذي شعر بها، فنهره رغم أنه يبكي هو الأخر:
_طول ما دموعك نازلة مش هبعدك عني لإني مش هتحمل أشوفها، وبعدين أيه جرالك مش كنت مبتحبش حد يشوفك ضعيف!
ابتسم عُمران من بين دموعه، وقال:
_إنت شوفتني في كل مراحل ضعفي تقريبًا، فمش فارقلي تشوفني وأنا بأي حالة، كل اللي عايزه إنك تكون جنبي ومعايا يا علي.
بعد رأسه للخلف، جابرًا إياه على الابتعاد عنه، قائلًا:
_وأنا عمري بعدت عنك؟؟ أي حرب أنت داخل فيها هتلاقيني جنبك في نفس الصف بحارب معاك، أنا أفديك بروحي يا عُمران!
ابتسم وهو يزيح دموعه، ليفاجئه حينما مال يطبع قبلة أعلى جبينه، احترامًا وتقديرًا له، هامسًا:
_أنا لو حربي فيها خسارة أو أذى ليك مش هدخلها!
واسترسل بمحبةٍ:
_بدعي ربنا إنه ميفرقش بينا أبدًا.
ربت على ظهره بحنانٍ، فإذا به يتركه ويتجه للأريكة، وعينيه تتطلع تجاهه بنظرة علم مغزاها، فضحك بصوتٍ مجلجل، وإتجه يتخذ من أخر موضع بالأريكة محلًا له، فمال عُمران على ساقه فور أن جلس على الفور.
مرر علي يده على خصلات شعره النابت بغزارة، مداعبًا فروة رأسه بحركاتٍ مختصة لصنع مساج مريح، ساعده على الاسترخاء، فاذا به يغلق عينيه بتعبٍ جعله يندرج خلف نومه بسرعة فائقة.
******
قلق بمنامته على صوت بكاء صغيرته، فتح "يوسف" عينيه بانزعاجٍ، فوجد زوجته تحمل ابنته وتجلس بها على طرف الفراش، تحاول أن تخمدها للنوم ولكن دون جدوى، تميل من فوق الحامل الخشبي للفراش بتعبٍ واضح على ملامحها المجهدة، فاذا به ينهض عن محله، ويتجه إليها يحمل عنها الصغيرة، فمالت عليه تسند رأسها لصدره وتمتم بتعبٍ:
_مش عارفة مالها يا يوسف، بتعيط ومش راضية تنام أبدًا.
ضم مؤخرة رأسها بيده، ويده الآخرى تحمل صغيرته، وبحنانه الملموس قال:
_كل الاطفال بيبقوا كده في العمر ده يا حبيبتي، ارتاحي وأنا ههتم بيها.
أغلقت عينيها ومازال رأسها مسنود إليه:
_بس إنت عندك شغل الصبح بدري.
رد عليها بابتسامة روت فيها زرعة حبهما وهو يضم وجهها بيده:
_وفيها أيه، هعتبرني نزلت الشغل من دلوقتي، زي ما بيجيلي حالات طارئة بتخليني أنزل بأي وقت، ارتاحي ومتشليش همي يا لوليتا.
طبعت قبلة على كفه، وزحفت للفراش تتمدد من فوقه بإرهاق، ويده تتبعها بالغطاء، يداثرها بكل محبة، ومن ثم أغلق الضوء وخرج بالصغيرة للردهة حتى لا يزعجها بمنامتها.
حاول "يوسف" قدر الامكان تهدئتها، كان يمر بها ذهابًا وإيابًا، ولكنها لم تكف عن البكاء، حملها برفقٍ ومازال يحاول أن يسيطر على بكائها، حتى أتاه صوت جرس المنزل، تحرك بها يفتحه، فتفاجئ بأخيه من أمامه يتثاءب بنومٍ، وهو يسأله:
_مالها نوجة؟ صوت عياطها واصلني.
رد عليه يوسف، ومازال يضمها لصدره:
_مش عارف مالها يا سيف، بتعيط ومش راضية تسكت مع إنها لسه أكلة ومغيرة وكله تمام.
هز رأسه بخفة، ومال يحملها عنها، بحنانٍ زحف لأطرافه قبل أن يصل لجملته:
_روح قلبي إنتِ، مالك يا صغنن؟
إتجه بها لاريكة الصالون الخارجي، وضعها من فوقها، ثم شرع برفع ثيابها العلوية، كاشفًا منطقة البطن، وبدأ بيده يتفحصها، وما أن انتهى حتى قال مبتسمًا:
_الهانم مش بتتدلع عليك يا جو، هي فعلًا عندها سبب للازعاج اللي عاملاه، شوية انتفاخ بساط وهيروحوا لحال سبيلهم.
ورفعها يقبل وجنتها بحبٍ ولطف:
_ألف مليون سلامة عليكِ يا قلبي، بتعاني مع شخص مش فاهم إنتِ فيكِ أيه، وكل أدلته إنك أكلة ومغيرة البامبرز!
ربع يوسف يديه أمام صدره، والغيظ يتراقص على ملامحه المتهكمة:
_والشخص ده كان أيه الأدلة المعتمد عليها مع سيادتك؟ ولا كنت ماشي معاك ببركة ربنا أنا!!
ضحك بصوتٍ مجلجل، وقال يجيبه بينما يرتب ملابس الصغيرة:
_الخبرة لوحدها متأكلش عيش حاف يا جو، يؤسفني أقولك إنك وللاسف هتحتاجني معاك في الطلعة دي، والطلعة مطولة أوي، فلازم نتمرن على الإحترام المتبادل بينا ديل؟
رفع أحد حاجبيه بامتعاضٍ من حديثه، وبخبثٍ أجابه:
_وماله يا سيفوو، الدنيا خد وهات، وبما إنك على وشك إنك تدخل دايرة اللفافة لما زينبو تشيل جنين سمج زيك عن قريب إن شاء الله، فأنا يؤسفني أقولك إنك وللأسف هتحتاجني معاك في الطلعة دي.
حمل سيف الصغيرة، ورفعها لكتفه، بينما يطعن يوسف بنظرة ازدراء جعلته يضحك بملء ما فيه، فتمتم سيف بسخرية:
_شكلك عندك كبت من ساعة ما مامتك قعدت معاك هنا، فأنا عذرك وهدعمك قلبًا وقالبًا تفك شوية بدل التكشيرة اللي خابطة في وشك ومساوياه بالأسفلت ده.
تلاشت ضحكته تدريجيًا، حينما ذكره بما يضيق به صدره، فتحرك بآليةٍ تامة يحضر الدواء المخصص لعلاج الانتفاخات، ثم جذب الصغيرة منه يلقمها الدواء بخفةٍ.
امتعضت ملامح سيف حزنًا حينما لمس انزعاج أخيه، وعلى الفور استشفى أن وجودها قد خلق هالة من الانزعاج له، وما كاد بالاقتراب منه حتى وجد والدته تخرج من احدى الغرف، هاتفة بحنقٍ:
_هو احنا مش هننام النهاردة ولا أيه؟؟ أيه صوت الازعاج ده!
قالتها بعدما خرجت تغلق باب الغرفة، وملامحها يحتلها الضيق والنفور، فتفاجئت بوجود سيف برفقته، يطالعها بغضبٍ من طريقتها، وحينما وجدها استدار يغادر من أمامها، حتى لا يشتبك معها بالحديث المنزعج، فاذا بها تهاتفه بنزقٍ:
_هي الهانم محرجة عليك تكلمني ولا أيه؟
وقف قبالة باب الخروج، يستدير لها ببطءٍ مستفز، حتى واجهها:
_ أنا كنت مستغرب على صمتك الغريب ده، بس اتفسرلي دلوقتي، عدم وجودي أنا وزينب هنا امبارح مدكيش فرصة تبدأي الحرب!
تصنعت براءتها التامة من اتهاماته:
_حرب أيه اللي بتتكلم عنها، طبعًا أنا هتوقع أيه من واحدة تربية شوارع.
تنهد يوسف بقلة حيلة، مهما فعل لن ينجح بايقافها عما برأسها، وها هي تعلن لجام الحرب على شقيقه بتلك اللحظة، وقد قرر سيف أن يخوضها حتى وإن أنهكته هو الأخر، فنطق بعنفوان:
_مراتي مش تربية شوارع، ولو مصرة تشوفيها بالشكل ده هتبقي بتخسريني أكتر من كده.
ضحكت بتهكمٍ:
_هو أنا لسه هخسرك، ما خلاص الهانم خسرتك كل اللي حوليك، وأولهم أنا والله أعلم شكل علاقتك بأخوك بعد دخولها حياتك بقت عاملة ازاي.
حمل يوسف صغيرته للداخل، ثم عاد يقف قبالة والدته وأخيه، يحاول إنقاذ الموقف قبل أن يزداد بينهما:
_ماما من فضلك ممكن تهدي شوية، سيف مقالش حاجة تستدعي عصبيتك دي كلها.
تعالى صوتها بعنفوان:
_كل ده ومقالش حاجة، لسه منتظر يقول أيه تاني يا دكتور!
فتح يوسف باب شقته وجذب ذراع أخيه يحركه:
_سيف ارجع شقتك دلوقتي.
وقف محله يتطلع لوالدته بضيقٍ:
_لا يا يوسف مش راجع، أنا عايز أشوف أخرة اللي بيحصل ده أيه، ومش فاهم هي بأي حق واقفة وبتتكلم، وهي عمرها ما اتدخلت ولا ظهرت في حياتنا أصلًا، فجأة افتكرت إن ليها أولاد!
أصر يوسف على إخراجه، قائلًا بحزمٍ قاطع:
_سيف اخرج حالًا، مش هكرر كلامي مرة تانية.
سحب بصره عن والدته وتتطلع لأخيه بغيظٍ من اصراره الغريب، وانسحب على الفور حتى لا يحرجه أمام تلك التي تنتظر أي فرصة للشماتة، وبمجرد غلق الباب من خلفه، احتمل على ظهره بجبينه يحاول أن يصل لمرحلة من السلام النفسي قبل أن يخوض ما جبر عليه، فإذا به ينتزع نظارته الطبية ويستدير بطريقه تجاهها، وقف يتطلع لها بنظرة غائمة بالحزن والانكسار، وبصوته المتحشرج قال:
_عايزة توصلي لأيه باللي بتعمليه ده يا أمي؟
ربعت يديها أمام صدرها، وبفظاظة قالت:
_إنت غلطت لما قومت بدوري أنا وأبوك وجوزته من غير ما ترجعلنا، صحيح ليلى كانت اختيارك بس متجوزتهاش الا بموافقتنا، وأنا بقى مش موافقة على البنت دي يا يوسف.
ارتسمت ابتسامة غامضة على وجهه، ومعاها يلوح شعاع الألم القارص، بانتهائه تحررت كلماته الواثقة:
_وده مش هيحصل، مش لان سيف رافض لأ لاني مش هسمحلك تخربي حياته، لحظة ما رجعتي معايا الشقة فكرتك حنيتي تكوني قريبة مننا ومن حفيدتك، بس اللي عملتيه ومازالتي بتعمليه بيأكدلي أني كنت غلطان، كل اللي بتفكري فيه هو الشر لزينب، حتى لو هتكوني بتهدمي حياة ابنك، كل ده مش مهم المهم أنك ترضي غرورك.
صاحت بصوتٍ آمر:
_متنساش نفسك يا يوسف.
واجهها بشراسة لم يمتلكها يومًا في حضرتها:
_مش ناسي نفسي، أنا بحاول أفوقك من الدوامة اللي انتي فيها، أنتِ مش شايفه انك بالفعل خسرتينا!
رددت وهي تحل عقدة ذراعيها ببرود:
_يعني أيه؟؟
ابتلع ريقه ببطءٍ، وهو يتخذ قرارًا سيؤلم قلبه، ولكن حرصًا منه على حماية حياة أخيه:
_يعني حضرتك مش مهتمة بالقعدة هنا عشان حفيدتك ولا عشاني ولا عشان سيف، يبقى الافضل متبقيش هنا، لاني مش هسمحلك تخربي حياة سيف بعد ما وصل للاستقرار في حياته مع زينب.
واضاف بنبرة وضع فيها كل قوته:
_انا بانتظار حضرتك بعربيتي، هوصلك للفيلا أكيد بابا وحشك أو على الاقل هو حس بغيابك، ده لو مكنش الشغل سحله لدرجة إنه محسش بغيابك أصلًا.
قالها بسخرية ألمتها حينما أرشدها عقلها لتلك البقعة، لقد بقيت بمنزل يوسف ليلتين ولم يهاتفها ولو لمرة واحدة، شعرت بالضياع بتلك اللحظة، وكأن ما جنته وفعلته نهايته خسارة فاضحة لكل شيئًا حولها.
تحركت تبدل ملابسها، وهبطت تعتلي السيارة جواره بصمتٍ، وتقبل تام لحياتها التي صنعتها على قضبان شبيه بالقطار، يتوازيان ويمر من فوقهما بسرعة ثابتة، حتى اعتاد كلاهما على بعضهما البعض!
******
خرجت من جناحها، ترتدي بذلة سوداء اللون ومن أسفلها قميصًا أبيض اللون، عاقدة من فوقه حجابها الوردي يتماشى مع حذائها الوردي، وبيدها تحمل حقيبتها المخصصة لحاسوب عُمران الشخصي، الذي بات يخصها بالشهور الاخيرة.
خطت تجاه الدرج وقبل أن تندرج إليه، وجدته يتجه إليها مبتسمًا، وبتلك اللحظة يميل على حامل الدرج مستندًا عليه، ومتسائلًا بثباتٍ:
_على فين بدري كده؟
قوست "فاطمة" حاجبيها باستغرابٍ، لقد اعتادت على نسخته الغريبة، والتي كان يكتفي بمنحها بسمة مقتضبة من بعيدٍ، صعدت الدرج إليه مجددًا، وقالت:
_في اجتماع مهم جدًا متحددلنا من شهرين مع شركة فرنسية، المفروض كنت هتحضره مع بشمهندس جمال، فأنا هحضره بالنيابة عنك لإن تفاصيل المشروع كله كانت معايا من قبل فقدانك للذاكرة.
اتسعت ابتسامة عُمران، وقد تألقت نظرات الفخر بعينيه، وصمته الغامض بات يثير فضولها، وخاصة حينما هتف بتسليةٍ:
_مش دي الشركة اللي طلبت مننا ننشئ ليهم مقر جوه مصر، لمصانع الشوكولا الفرنسية الخام بتاعتهم.
اتسعت مُقلتي فاطمة بشكلٍ مبهر، بينما يأتي زوجها من خلف أخيه، يحيطها بنظراته الحنون، ونبرته الرخيمة:
_صباح الخير يا حبيبتي، معقولة نازلة من غير ما أوصلك، كده أكيد وراكي حاجة مستعجلة صح.
قالها وهو يرنو إليها، ومازالت تتطلع هي تجاه عُمران بصدمة تسيطر على حواسها، وقف علي جوارها وسألها باهتمامٍ:
_مالك يا فطيمة؟!
سحبت بصرها عن عُمران ومالت تهمس لعلي بخوفٍ:
_عُمران فاكر تفاصيل المشروع اللي كان ماسكه قبل الحادثة!!!
اتسعت ابتسامة علي وقد تفهم الإن ما أصابها، فما كاد بأن يخبرها هذا الخبر السعيد، حتى أتاه صوت عُمران يشاكسها من جديد:
_كنت هزعل أوي لو علي كان استغل فقدان الذاكرة ونجح باغراءاته المتواضغه يخليكي تشتغلي معاه بالمركز، حقيقي أبهرتيني بانجازاتك دي يا فاطمة، وخصوصًا اصرارك على تكملة المشروع حتى بعد اللي عملوه معايا.
تنحت عن صدمتها، بابتسامة مشرقة، بينما تهتف بسعادة معرفتها بعودة ذاكرته :
_حمدلله على سلامتك، وأخيرًا!!!
أشرقت ملامحها سعادة، والتفت تجاه علي بفرحة لرؤية تأثير هذا الخبر عليه، فمال يضمها قائلًا:
_اتفاجئت بيه من شوية، حاسس بارتياح بعد فترة كبيرة من التعب.
رد عليه عُمران ووخذة الألم تصاحب صوته المحتقن:
_قولتلك إني مش بسببلك غير التعب والوجع مصدقتنيش.
ضحك قائلًا:
_على قلبي زي العسل يا وقح.
شاركتهما فاطمة بالضحك، وقالت:
_طيب والله فرحانه أن الذاكرة رجعتلك قبل الmeeting ده، كل التيم الفرنسي شايف نفسه ورافعين مناخيرهم فوق، وأنا والبشمهندس جمال مش عارفين نتعامل وشايلين هم المقابلة دي جدًا، فكده أنا هستناك تحت تدخلهم دخلتك اللي يستاهلوا يشوفوك بيها.
اتسعت بسمته، وانتصب بوقفته الغير مريحة قائلًا:
_ورايا مشوار مهم ممكن اخلصه بعد ساعتين تلاتة كده وبعده نبقى نروح نشوف حكايتهم أيه.
وأتجه لجناحه مستطردًا بخبث:
_بلغي توصياتي لحسام، خليه يكرم ضيوفنا لحد ما أوصل.
ضحكت بصوتٍ طرب أذني علي الذي ابتهج لفرحتها، بل ورددت بفرحةٍ:
_يستاهلوا بصراحة، هسيبهم في قاعة الاحتماعات لأربع ساعات مش ساعتين .
لف علي ذراعه من حولها، وقال وهو يداعب جبهتها بجبهته:
_بقيتي شريرة يا فطيمة، ولا أنا فاهم غلط وعُمران هو اللي عداكِ!
مالت إلى صدره ترتوي بأمان ضمته الحنونة، قائلة بمشاكسة:
_لا دي ولا دي يا دكتور، تقدر تقول إن كل ست بتخبي مخالبها لوقت تحتاج فيهم ظهورها، والظهور ده متوقف على دعم معين، والدعم المعين ده هو البشمهندس عُمران سالم الغرباوي، اتفهمت؟
تمايل رأسه للخلف من فرط الضحك، حتى كاد أن يسقط بها عن الدرج، ولكنه تحامل على الدرابزين الذهبي، بينما يهتف باستنكارٍ:
_إنتِ عندك شك إنك ممكن تكوني مش مفهومه لبابي يا فطوم؟
عبثت بمكرٍ ومالت تتطلع له بسخرية:
_بابي!! هو إنت مش كنت بابا عُمران وشمس، بقيت بابي أنا كمان يا دكتور؟
لف يديه من حولها ومال يجيبها بابتسامة سحرتها:
_أنا أي مسمى هتحتاجيه في حياتك يا فاطمة، وبعدين أنا حابب أدلعك قبل ما ابننا أو بنتنا تشرف، عايز أتعود أسم حناني واهتمامي عليكم انتوا الاتنين، عشان كده هتلاقي نفس المعاملة مني ليكي عشان متغريش.
واستطرد حينما وجدها تهيم بعينيه:
_مقنع أنا صح؟
_لا بكاش كبير أوي يا دكتور.
قالتها فريدة وهي تشرف عليهما، بعدم تصديق لخروج ابنها العاقل عن هدوئه لقمة مشاغبته على درج القصر الرئيسي مع زوجته التي كادت بالانصهار خجلًا، تراجع علي للخلف يتأمل والدته بحرجٍ، تخلى عن حشرجة تخرج بين الحين والآخر، وقد أجزم أن الفرق بينه وبين أخيه فرق السماء والارض، فإن كان هو بنفس موقفه لعلم كيف يسيطر عليه بسرعة الرياح، ولكنه بتلك اللحظة يشعر وكأن وعاء من الثلج ينسكب من فوقه من شدة الحرج!
*******
وقف أمام المرآة يتطلع للمرة الأخيرة لطلته الجذابة، عينيه شاردة بشعره القصير، ومظهره الجديد، استعاد جزء كبير من ثقته الهادرة بعد عودة ذاكرته، شعر وكأنه استرد شيئًا غاب عنه، وبعودته اكتمل!
سحب البرفيوم الخاص به، ينثر من فوق بذلته السوداء، وساعته الباهظة تلمع حول معصمه، بينما رماديتاه شاردة بانعكاس ظل زوجته، التي تراقبه من خلف باب الخزانة الضيق، لاح على وجهه ابتسامة صغيرة، وقال دون أن يستدير تجاهها:
_مش هتملي وإنتِ بتراقبيني؟
زارت ابتسامتها شفتيها، وقالت تجيبه:
_لا مش همل، ولو فضلت لساعات طويلة.
استدار بكامل جسده بمواجهتها، وبنظراته التي اعتادت عليها منه قال:
_متهونيش عليا يا بيبي.
وفرق ذراعيه يخبرها بحبٍ:
_أيه رأيك تقربي؟
رنت إليه بخطواتٍ متمهلة، وبقيت على بعدٍ منه تحذره حينما وجدته يهم على ضمها:
_شعري مبلول.
تجاهل حديثها وضمها إليه، فمالت على كتفه تستكين ودموعها تتلألأ بعينيها المختبئة عن أنظاره، ولكنه شعر بها، فحاوطها داخله وقال وهو يطبع قبلة أعلى جبينها:
_بتداري نفسك مني ليه يا مايا، وجعك في بعدي وصلني في كل لحظة كنت بعيد وقريب منك، أنا اتسببتلك في وجع كبير مهما أحاول أدويه مش هعرف.
أطبقت بأصابعها على جاكيته من الخلف، بينما تخبره بلهفةٍ:
_قربك هيداويني، خليك جنبي.
مرر يده على خصلاتها بحنانٍ، وبرفق أبعدها تقابل نظراته التي اخترقتها، فجعلته يسألها بشكٍ:
_أيه حصلك في غيابي، إحكيلي يا مايا، احكيلي وهوني عن نفسك.
انهمرت دموعها رغمًا عنها، فحاولت تصنع ابتسامة رقيقة:
_هيحصلي أيه يألم أكتر من فقدانك يعني!! بعد الوجع اللي عشته لما جاني خبر موتك كل وجع بعده كان هين وقدرت أتحمله.
لمس ما تحاول تخبئه عنه، فضم وجنتها بيديه وقال:
_أيه اللي حصل تاني، احكيلي.
تزاحمت دموعها بعينيها، والخوف يغلب بحفاوته عليها، فمحت بكل تأكيد الجزء الخاص بوالدته، وقال ببكاء:
_انكشفت الوشوش على حقيقتها يا عُمران، وأولهم بابا، متوقعتش أنه يكون بالقسوة دي، مهمهوش اللي أنا بمر بيه ولا اللي بعيشه بعد فراقك، كل اللي همه هو إنه يستغلني في نسب يربطه بشخص مرموق يضمن بيه مركزه الآرستقراطي اللي ببسعى ليه!
احتقنت عينيه بجحيمٍ خانق، بينما تؤكد على صدق ما يجتاحه حينما استكملت:
_كان عايز يجوزني غصب عني، وأنا واثقة إنك عايش وراجعالي، ولولا علي واقفله وحبسه كان نفذ اللي في دماغه.
اعتصر قبضته حتى كادت أوردته أن تنفجر بتلك اللحظة، ولولا أن شعر برأسها يرتكن على كتفه ما كانت إرتخت من أسفل رأسها، بينما تشكو له باكية:
_مكنتش حاسة بفرح ولا بحزن بعد حبسه، كل اللي حسيت بيه هو الراحة من شره، مش قادرة أتخيل إنه فقد مشاعره بسبب قسوته، لدرجة أنه مفرقلوش اللي بمر بيه.
وانفجرت باكية، وهي تشكو له:
_مهتمش حتى لحياتي أنا وابني، كل اللي همه أنه يخرجني من المركز بالغصب.
ورفعت عينيها تتطلع لشرارة الغضب التي استيقظت:
_كنت محتاجالك ومستنياك تيجي تقف في وشه، بس إنت اتاخرت أوي يا عُمران.
ابتلع ساتر الألم بمرارةٍ، وقال بوجومٍ:
_غصب عني يا عمري، كل اللي فات وعيشتيه منتهاش يا مايا، صفحته أنا اللي هطويه وبايديا.
ونظر بعمق عينيها ونطق بوعدٍ:
_أقسملك بالله العلي العظيم لأنتقملك وأردلك حقك من كل شخص وجعك في غيابي!
تلاشى وجعها وارتسمت ابتسامة عاشقة لحبه الكبير لها، بينما تميل تجاهه:
_مش عايزاك تأخد حق اللي فات، عايزاك تكون جنبي وتعوضني .
وأضافت بمرحٍ:
_وخصوصًا لما افتكرت الحربوقة الصفرا، فاكر ولا نسيت.
رفع عينيه يتطلع لسقف الغرفة، مرددًا:
_حاسس أني فقدت الذاكرة تاني، آه الحقيني يا مايا، بدوخ وهقع منك تاني.
تناثرت ضحكاتها، ولكزته بغيظٍ:
_عُمران!
ابتسم وانحنى يقربها إليه، مرددًا بصوته الدافئ:
_حبيب قلبه وروحه أنتِ يا مايا.
تلاشى حزنها ومالت تتعمق برماديتاه بعشق:
_وحشني كل حاجة فيك، حتى كلامك.
غمز لها بمشاغبة وهو يحملها عن الرخام الفخم:
_وأيه تاني وحشك فيا يا بيبي، احكي كلتا أذناي تستمع.
ردت مسرعة:
_وقاحتك موحشتنيش على فكرة!
عبث بعينيه بشكلٍ أضحكها:
_يعني الاقوال بس اللي وحشتك؟
ضحكت وهي تهز رأسها بكل تأكيد، فعاد يضعها أرضًا بتذمرٍ جعلها تكاد تسقط في نوبة من الضحكٍ، جعله يشاركها الضحك بينما يغمز لها مجددًا:
_عمومًا أنا كان ورايا مشوار مهم بقوا مشوارين، وورايا ميتنج ويوم طويل فلو اشتاقتيلي لاغيني ، سلام يا بيبي.
قالها وانطلق للاسفل، وصوت ضحكاتها يصل لملامحه التي عادت تتجلد بقسوة فور ان استعاد حديثها عما فعله أبيها بغيابه عنها.
هبط مسرعًا يتجه للچراچ الخاص بالقصر، فإذا به يرى نعمان يهبط من سيارته، راكضًا صوبه بابتسامة واسعة، يناديه بكل لهفة:
_عُمــــــــــران.
وقف محله يراقبه بنظراتٍ غامضة، يخفي من خلفها غضبه الجحيمي، بينما يسترعى هدوئه واتزانه لكشف الوجه الخفي خلف تلك البراءة التي وجدها مصطنعة.
دنى إليه نعمان حتى وقف أمامه، وقال بحبورٍ:
_عامل أيه يا حبيبي، طمني عليك؟
شمله بنظرة ساخرة، وبصعوبة حجب وقاحته، وقال بخبث:
_هو إنت مش كنت عندي في الشركة واتطمنت عليا! ولا لحقت أوحشك يا خال!!
لم يلتقط أخر لقب قد يسترعى انتباهه لعودة الطاووس، بل ألقى ما بجعبته حينما قال بندمٍ:
_أنا كنت جاي أوضحلك سوء التفاهم اللي حصل بيني أنا وجمال صاحبك.
استرسل عُمران جملته الساخرة:
_سوء تفاهم!! آه انت تقصد لما طردك من المكتب!
وأضاف بمكر واستمتاعًا:
_أنا معرفش أيه اللي بينك وبينه، هو رفض يتكلم فلو حابب تحكيلي إنت اتفضل أنا سامعك.
لعق شفتيه بتوترٍ، وقال:
_اللي حصل كان من الماضي يا ابني، ومش عايز أرجع افتح فيه تاني، كل اللي عايزه وبتمناه إنك تسامحني يا عُمران.
رمقه بسخطٍ وسخرية، يلف ويدور بالحديث ولا يملك الجرأة للحديث عما فعله، ومع ذلك حبذ عُمران استغلال ما يفعل، وأدعى البلاهة قائلًا:
_أسامحك على أيه؟! مش سوء التفاهم بينك وبين جمال، أنا داخلي أيه؟
تهرب من التطلع تجاهه، وقال بوجع:
_لا إنت فاهم غلط، أنا زمان وقعت بينك وبينه، وعملت حاجات كتيرة غلط، فدلوقتي طالب سامحك وعفوك.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي عُمران، ورد:
_وقعت بيني وبينه!! يا شيخ هون عن نفسك وقول أن الغل ركبك وخلاك ترتكب اللي الشياطين نفسهم ميفكروش يعملوه، لا وفاكر أنك هتقدر عليا وأنا فاقد الذاكرة وهتخليني أسامحك، بس سبحان الله حظك طول عمره نحس زيك يا خال، حتى التوقيت اللي بتظهر فيه بيبقى شبه وشك بالظبط.
جحظت عينيه في صدمة، وبالرغم من ذلك ابتسم وهتف بتلعثمٍ:
_بجد الذاكرة رجعتلك؟!
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_تخيل!!
واستطرد وهو يتخطاه:
_عن إذنك بقى ورايا مشاوير مهمه.
لحق يه يسد طريقه:
_سامحني عشان خاطر ربنا، وحياة أغلى حاجة في حياتك.
نزع نظارته الشمسية وزفر بضجر:
_وأنت تعرف ربنا!!! وبعدين مالك يا نعمان سبت طرق العوالم وقلبت فجأة كدليه!! لو حواري مع الخنازير دول صحى الوطنية جواك فاركنها تاني أنا رجعت صالب طولي وقادر أرد الضربة بألف، ولو خايف من قلبتي فمتقلقش لو كنت ناويلك على الشر كنت عملته من زمان
تدفقت دموعه على وجنتيه وردد:
_مش عايز منك غير إنك تسامحني، أنا غلطت في حقك كتير، وإنت مقدمتليش غير آ..
قاطعه عُمران بضيق:
_بلاش تسلك الطريق ده معايا لانه مقفول، مش هقدر أتعاطف معاك مهما عملت، ودلوقتي أوعى من طريقي أنا مش فاضيلك.
تشبث بكتفه كالغريق، وقال يترجاه:
_هي كلمة صغيرة مش هتعطلك عن مشوارك المهم، قولها وريحني بيها وحياة اغلى حاجة عندك.
استدار إليه يتفحصه عن كثب، وبصمت قطعه بعد فترة:
_اللي يسمعك يصدق إنك سبت طريق أبو لهب وسلكت طريق النجاة من النار، ما تجيب من الاخر وتقولي فيك أيه يا نعمان!
وأضاف باستهزاء:
_وبلاش ترسم دور قليل الحيلة ده لحسن مبياكلش معايا، أنا راسملك مشهد مبيرحش من بالي، مشهدك بين الغوازي والعوالم، فاكرهم يا خال؟
ابتسم بوجعٍ، ورد:
_وعمرهم ما يتنسوا ولا يروحوا من بالي، أنا عارف إني كنت وحش معاك، بس الحلو اللي شوفته منك وجهني للسواد اللي جوايا، وعرفني واصل جوايا لأي مدى.
وأضاف ودموعه تتدفق على وجنتيه:
_لحظة ما عرفت بالحادثة بتاعتك كنت هقع من طولي، اتمنيت تكون دي أخرتي أنا مش أنت.
حك لحيته النابته بحافة نظارته، بينما يتتطلع له ببرود:
_ده إنت حكايتك باينها حكاية عايزة ميزان وجهاز كشف كدب وحوارات، عمومًا ليك روقة، أفوق بس وهيبقالنا لقاء.
ابتهجت معالمه فرحة، ومد كفه برقم يقدمه له:
_ده رقم الاوتيل اللي أنا نازل فيه، كلمني بأي وقت وهجيلك.
وزع نظراته بينه وبين الورقة بذهول:
_وإنت نازل في أوتيل ليه؟
امتقع وجهه بحرجٍ، فضحك عمران والتقط الورقة متمتمًا بسخط:
_وهتكون نهايتك أيه يعني غير الطرد من بيت الزوجية، خلي العوالم وجوازتك الشمال تبقى تنفعك يا خال.
ابتسم وهو يجيبه:
_عقاب وقابل بيه، اللي مأثر فيا الاولاد وحشوني أوي.
وخز قلبه بعدما لمس صدق نبرته، فاستدار إليه بعدما تخطى أخر الدرج الخارجي، يخبره بتهكمٍ:
_وإنت بايدك تنهي العقاب ده، لو شغلت مخك الشمال ده واستغليته جوه بيتك مش بره مع العوالم، اتلحلح ببوكيه ورد، احفظلك كلمتين من اللي بتنقط بيهم الغوازي وخش بيهم على ملك هانم هتأكل بيهم دماغها، من الاخر انحرف جوه مش بره يا نعمان.
قالها وانصرف يتمتم بسخرية:
_أنا اللي هعلمك!! ده أنت تربية عوالم يا خال!!!
تعالت ضحكاته حتى مال جالسًا على الدرج الخارجي، بينما يتجه عُمران صوب الچراچ، صعد لسيارته الرياضية وانطلق بها في نفس لحظة انطلاق صرخة العامل:
_الدكتور علي منبه إن حضرتك ما تركـ....
تقاطعت حروفه بنفس لحظة خروج عُمران بسيارته غير مباليًا بما يقُال!
******
صعدت فاطمة بسيارة علي، الذي دوام على إيصالها بالفترة الأخيرة، مالت بمقعدها تجاهه وقالت بفرحة منطوقة:
_انا فرحانه أوي إن عُمران رجعتله ذاكرته.
أدار مقبض القيادة، وقال يجيبها بابتسامته الرزينة:
_من ساعة ما عرفت وأنا حاسس إني طاير من السعادة، كنت حزين وأنا شايفه تايه ومكسور.
مدت كفها لكفه الممدود، ورددت بصوتها الرقيق:
_كل ده عدى وانتهى ، اللي جاي هيعوضنا كلنا عن الفترة الصعبة اللي عشناها، صح يا علي؟
ثبت المقبض بيد وسحبها لأحضانه بينما يقبل اعلى جبهتها بامتنانٍ لوجودها جواره:
_صح يا قلب علي، اللي جاي هيطوي مرارة اللي عشناه.
اغلقت عينيها ومالت على صدره باسترخاء، فاذا بهاتفها يدق معلنًا عن رقم شقيقتها، فتحت الهاتف وما أن وضعته على أذنها حتى ابعدته بانزعاجٍ من صوت سيف وزينب، وما وصل لها صراخها:
_فطيمة هاتي علي وتعالوا حالًا أنا خلاص هطلق من الشخص الأناني ده.
اغلقت زر الهاتف، وتطلعت لعلي المندهش، اعادت الهاتف لحقيبتها وقالت والصدمة مازالت تستحوذ عليها:
_زينب عايزانا نروح نطلقها من سيف.
توسعت حدقتيه في صدمةٍ:
_أيـــــــــــــــه؟!!!
عكس "علي" طريقه، وإنطلق لشقة سيف، صعدوا بالمصعد للطابق المحدد، حتى وصل كلاهما لباب المنزل، فاستقبلهما صوتهما الصاخب، استدارت فاطمة لزوجها وقالت وهي تبتلع بتوتر:
_هما صوتهم عالي أوي كدليه يا علي؟
منع ضحكاته من الانبلاج لمظهرها، فلف ذراعه حولها وقال:
_متخافيش يا فطيمة، هيطلع موضوع بسيط إن شاء الله.
ومال يقرع الجرس مرة تلو الأخرى، حتى ظهرت زينب من امامهما تشير له باكية:
_كويس أنك جيت يا علي، إدخل بسرعة.
ولجوا معًا للداخل، فوجدوا الردهة ممتلئة بحقائب زينب، التي ملأتها بملابسها وأغراضها الشخصية، ويعيدها سيف لداخل غرفة النوم مجددًا وملامحه أنهتك من شدة الارهاق، وما أن لاحظ وجود علي، حتى أسرع يستنجد به:
_دكتور علي ده أنا ربنا بيحبني حب!
وأضاف وهو يزيح عرقه المنهمر:
_النجدة يا دكتور، ضهري إتقطم من تحويل الشنط.
وتأكيدًا على حديثه عادت زينب من الغرفة تحمل الحقائب التي أدخلها للتو، فمنحه نظرة أن الادلة تكفي للبرهان، قطعت فاطمة صمتها وتساءلت باستغراب:
_في أيه يا زينب؟
ركض سيف للحقائب يعيدها للداخل مجددًا، بينما تجيب زينب شقيقتها:
_أنا خلاص مش عايزة اعيش معاه تاني، سيف اناني ومبيهموش غير نفسه وبس.
خرج سيف يستند على الحائط، حتى كاد بالسقوط، فاسرع علي يساعده بالتوجه للمقعد القريب من الرخامة المطلة على المطبخ، بينما يهتف بانهاكٍ:
_انا عايزك تسألها يا دكتور علي أنا عملت أيه بالظبط، عشان تعرف بس إنها هي اللي ظالمة مش أنا!
ربت "علي" على كتفه وقال:
_خد نفسك أنت بس الأول.
وتطلع لشقيقة زوجته، يسألها بهدوئه الرزين:
_زينب أيه اللي وصلك أنك تاخدي قرار تسيبي البيت، انا مش حابب أعرف سبب المشكلة اللي بينكم لأنها أمر يخصكم انتوا الاتنين، فمينفعش من أول عقبة تقابلك معاه تقرري تسيبي البيت وتطلبي الطلاق بالبساطة دي!!
زمت شفتيها بعدم رضا، وقالت وهي تكتف ساعديها:
_الموضوع مش خاص يا علي، الحكاية كلها أن مامته ظهرت فجأة، ومكنتش طايقاني مع أنها ملحقتش حتى تعرفني، ومع ذلك انا تعاملت مع إهانتها بهدوء، وسبناها مع يوسف ورجعنا شقتنا، وسيف كان متعصب منها جدًا وقالي انه مش هيسكت على اللي عملته معايا، بس انا معجبنيش إنه يقف في وشها عشاني، أنا مش عيلة صغيرة عشان اتحامى فيه يجبلي حقي، بالنهاية دي والدته ولازم يحافظ على علاقته بيها، أنا بالأول وبالأخر مهما حاولت عمري ما هكون بنفس مكانتها.
وتابعت وهي تتطلع تجاه زوجها بغضب:
_امبارح وعدني إنه مش هيعمل حاجة تخالف اتفاقنا والنهاردة عرفت من ليلى إنها مشت نص الليل، بعد خناقتها معاه، يعني نفذ اللي في دماغه بردو ومهتمش لكلامي!!
خرج سيف عن هدوئه، وصاح بعصبية بالغة:
_وعدتك إني مش هبدأ جدال معاها وهحاول أكون بعيد عنها، بس هي معملتش كده، وأكيد يعني مش هقف أسمعها وهي بتتكلم عنك بالطريقة دي، أنا راجل ومستحملش مخلوق يجيب سيرة مراتي مهما كان مين!
ردت عليه بحزنٍ شديد:
_انا مقدرة كل ده، بس مكنتش حابة أكون سبب ولو بسيط في بعدها عنك، أنا كنت قادرة ارد عن نفسي، وهعرف ازاي اتعامل معاها، كل اللي طلبته منك إنك تخرج نفسك بره الحوار ده.
ضحك بسخرية، لمست نبرته المتألمة:
_ومين قالك انك السبب، هي طول عمرها بعيدة أصلًا، وجودها المؤقت ده كان بسبب عدم رضاها عن جوازتي مش أكتر.
قطع علي حديثهما العنيف، قائلًا بصرامة:
_نبرة النقاش دي متنفعش بينكم، اهدوا شوية عشان نقدر، نتفاهم.
تدخلت فاطمة هي الاخرى حينما وجدت شقيقتها تندفع بالحديث للغاية:
_زينب اتهدني شوية،سيف ما غلطش في حقك باش غتتعصبي بهاد الشكل..
(زينب اهدي شوية، سيف مغلطتش في حقك عشان تتنرفزي بالشكل ده)
التفتت تجاه شقيقتها، وقالت باستنكارٍ لدفاعها عنه:
_فطيمة انتي كدافعي عليه!!!
يعني انا خاصني نكون فرحانة فاش غيقولوا ادابز مع امه و خرجت من الدار بسبابي!
(فطيمة انتي بتدافعي عنه!! يعني المفروض أكون مبسوطة لما يتقال إنه اتخانق مع والدته وسابت البيت عشاني!)
ردت بنبرتها المغربية، التي باتت كالشفرة المتنقلة بينهما، ويجهلها علي وسيف:
_لا بالطبع انا مافرحاناش بداكشي اللي وقع،و لكن مامزيانش من بعد داكشي كله اللي دارو على وديتك تهدديه بالانفصال و انك غتخويليه الدار،
(لا طبعًا مش مبسوطة باللي حصل، بس مينفعش إنك بعد اللي عمله عشانك تهدديه بالانفصال وبانك تسيبي البيت!!)
سحب سيف مقعد وقدمه لعلي مبتسمًا، فجلس جواره يتابع حوارهما بصدمة، وكأنهما يلقيان تعاويذ سحرية، فعاد بصرهما إليهما بامعانٍ، وقد كان الدور ينتقل لزينب التي قالت بضيق:
_بزاف عليا انا ماغنقدرش نتحمل هاد الذنب،و زايدون انا حزينة لانها اتعاملات معايا بهاد الطريقة،تصوري كتقول عليا تربية د الزناقي! !انا تربية الزناقي أفطيمة
(غصب عني مش قادرة اتحمل الذنب ده، وكمان انا حزينة إنها اتعاملت معايا بالطريقة دي، تخيلي بتقول عني تربية شوارع!! أنا تربية شوارع يا فاطمة!)
وأضافت ودموعها تتلألأ بعينيها:
_انتي مالك مابغيتيش تفهميني،انا كانت عندي فرصة انني نكسبها ف صفي و نخليها تبغيني كيما كتبغي ليلى،و لكن هو ضيع عليا هاد الفرصة و خلاها كتكرهني اكتر من الاول
(إنتي ليه مش قادرة تفهميني، أنا كان عندي فرصة أكسبها لصفي واخليها تحبني زي ما بتحب ليلى، بس هو ضيع عليا الفرصة دي وخلاها تكرهني أكتر من الاول)
مال سيف على كتف علي الذي يراقبهما بامعانٍ:
_فهمت حاجة؟؟
هز كتفيه بقلة حيلة، وقال ضاحكًا:
_ربنا يصبرنا لحد ما الترجمة تنزل.
عاد صوت فاطمة يسود الاجواء المضطربة:
_سيف كيقول انها بعيدة من زمان،و انتي علاش مصرة تحملي نفسك مسؤولية داكشي اللي وقع؟!
(سيف بيقول إنها بعيدة من الاول، فأنتي ليه مصرة تحملي نفسك مسؤولية اللي حصل؟!)
_ايوه يا فاطمة كلامك صح جدًا.
قالها سيف بسعادة بالغة، ولم تهتم كلتا الشقيقتين بحديثه، فجذبه علي متسائلًا:
_قالت أيه فهمني معاك.
قال بنفس البسمة المبالغ بها:
_بتقولها سيف واد ابن حلال وبيحبك وشاريكي، اصيلة مراتك دي يا دكتور علي.
منحه علي نظرة مشككة بترجمته البعيدة كل البعد عن الكلمات التي تلقفها، وعاد يتابع حوارهما مجددًا، فاذا بزينب تهتف بانزعاجٍ:
_واخا تكون هي بعيدة عليهم،انا منكونش السبب أفطيمة،انا اتعاملت معاها بالادب و قدرت ناخد حقي من غير ما نغلط فيها،
(حتى لو هي بعيدة عنهم، أنا مبقاش سبب بردو يا فاطمة، انا اتعاملت معاها بذوق وقدرت أخد حقي من غير ما أغلط فيها!)
وضع سيف كوب العصير قبالة علي، فاصدر عن احتكاك الكوب الزجاجي بالرخامة صوتًا، استرعى انتباه كلتاهما، فاستدورا إليهما، اشار لهما سيف وهو يعود لمقعده جوار علي:
_آسفين على الازعاج، كملوا كملوا.
وناول علي كوب العصير، فتناوله منه بامتنانٍ، ثم عاد يتطلع لزوجته التي مالت لشقيقتها تخبرها بانزعاج:
_مهما كان اللي وقع،مابغيتكش تطلبي منه الطلاق،انتي كيفاش قدرتي ديريها،و كأنه هاد الزواج بينكم لعبة!!!
(مهما كان اللي حصل محبتش منك انك تقوليله طلقني، إزاي قدرتي تعملي كده، وكأن الجواز بينكم لعبة!!)
اتجهت زينب للاريكة، تجلس ودموعها لا تكف عن الانهمار، فجلست فاطمة جوارها تربت على ظهرها بشفقة:
_أ زينب انا خايفة عليك،انا فاهمة كاع داكشي اللي باغا تقوليه،ماكينش اللي غيحس بيك قدي،انتي نسيتي انه حتى انا ام علي مكانتش متقبلاني كيفا انتي هكا تماما
(يا زينب انا خايفة عليكِ، أنا فاهمه كل اللي بتحاولي تقوليه، مفيش حد هيحس بيكِ ادي، انتي نسيتي إن انا كمان والدة علي مكنتش متقبلاني زيك تمامًا)
لكز سيف علي قائلًا:
_بينادوك يا دكتور قوم شوف عايزين أيه؟
ضحك علي وهدر باستهزاء:
_يعني اسمي بس اللي فهمته من بين كل اللي اتقال ده!!
تجرع نصف كوبه، وقال ملوحًا بيده:
_الحمد لله إن نطق الاسماء عندهم زي ما هو، والا كنت حسيت أن التهزيق ده كله عليا انا شخصيًا.
وأضاف بمرحٍ:
_انا ميهنيش اللي بيتقال، أكتر ما يهمني اني مشلش شنط تاني أبدًا، أنا تعبت من الشيل يا دكتور علي.
ضحك علي وتجرع كوبه متسائلًا باهتمام:
_امال فين يوسف؟
رد وهو يعود لتأمل زوجته التي تتبادل التعاويذ مع فاطمة:
_معرفش، بس تقريبًا في الشقة منزلش لسه المركز.
ومال يتطلع له بامعانٍ:
_عندي سؤال فضولي حابب أطرحه عليك بما اننا كده كده مش فاهمين أي حاجة من اللي بتحصل حولينا.
ابتسم علي وأشار له بالحديث، فقال:
_بما إنك في نفس سن يوسف تقريبًا ليه مضربتوش صداقة من بعض.
ترك الكوب من يده واجابه:
_ما احنا اصدقاء بالفعل، ولا إنت الصداقة عندك مفهومها أيه يا سيڤو!
خطف نظرة يطمئن بها أن زوجته مازال على قيد الحياة بحالتها المتعصبة تلك، ورد:
_الصداقة مفهومها عندي البشمهندس جمال وچو والطاووس الوقح، وهرجع أستغرب معاك إن يوسف أكبر منهم ومختلف عنهم ومع ذلك مندمج معاهم.
ابتسم علي وأجابه بثقة:
_لإن عُمران طرف مهم، بيقدر يشكل أي علاقة يدخلها.
استند على ذراعه تجاهه وقال:
_نص نظرة الفخر والثقة دي من يوسف فيا وهخرب الدنيا انا.
ضحك علي وقال:
_هتخربها أكتر من كده!! خلينا نلم المشكلة دي الأول وبعدين نشوف.
قاطعهم قرع جرس الباب، فنهض سيف يشير لهما ببلاهة:
_نوطي الصوت شوية عشان الجيران ابتدوا ينزعجوا مننا بس متقلقوش هسربهم وأجي، كملوا كملوا.
وأضاف مشيرًا لمن خلفهما:
_ركز معاهم يا دكتور علي، لحد ما أرجع.
فتح سيف باب شقته، فوجد أخيه يندفع للداخل مرددًا بقلق:
_أيه الصوت ده يا سيف؟
واستطرد باستغراب:
_علي!!
استدار لاخيه الذي يغلق الباب ويتبعه، فاذا به يجذبه من جاكيته الرياضي المفتوح:
_هببت أيه، أنطق؟!!!
*****
حملت سدن الأطباق رفقة آيوب وآدهم لطاولة الطعام، بينما تقف شمس على بعد من الطاولة تتطلع للطعام بنفورٍ شديد، رغم أن أغلب الاصناف من مفضلاتها.
جلس "مصطفى" على رأس الطاولة، ينتظر انضمام الجميع إليه، فجلس آيوب على يساره ولجواره زوجته، وكذلك جلس آدهم على يمينه ومازال ينتظر انضمام شمس إليه، ولكنها كلما تقدمت له خطوة عادت تركض صوب الشرفة وهي تتمتم بخجل:
_هيقولوا عليا أيه دلوقتي؟! دي أول مرة البنت تزورنا فيها، هتفكرني مغرورة أكيد؟
أفاقت على صوت آدهم يناديها للمرة الرابعة، فاستسلمت واتجهت تجاوره بالمقعد الآخر، وتجتهد برسم ابتسامة مشرقة لسدن التي ما أن تذوقت الطعام حتى هتفت بحماس لآدهم:
_الأكل جميل أوي، تسلم ايديكي.
جحظت عيني آيوب في ذعر، ولكن من حسن الحظ أن آدهم ظنها تتحدث مع زوجته، التي ردت بحياء:
_ألف هنا على قلبك يا حبيبتي، بس مش أنا اللي عاملة الأكل ده آدهم اللي واقف من الصبح يشوي على الفحم.
هزت رأسها وقالت:
_أنا عارف إنو آدهم عملت الأكل، تسلم ايدها الاكل جميل أوي.
سعل آيوب بقوةٍ، وهو يراقب غضب آدهم البارز بمقلتيه بينما يردد:
_ايدها!!
أشار أبيه له أن يمرر الأمر، فعاد يتناول طعامه بهدوء، بينما تعود سدن لالتهام الطعام بتلذذٍ كبير، جذب آدهم قطعة من اللحم المشوي وقربها من طبق شمس الفارغ، قائلًا بحنان:
_مش بتأكلي ليه يا حبيبتي؟
أبعدت الطبق ومالت تتوسل له:
_مش طايقة ريحة الأكل إبعده عني الله يخليك من غير ما حد يأخد باله.
أبعد الطبق عنها ومال يشاكسها:
_عنيا أنا النهاردة تحت أمرك بابعاد أي حاجة تنفري منها، بس الخوف ليجي عليا الدور وتقوليلي خدلك مكان جنبهم.
حاولت اغرائه بابتسامة حتى ينتهي من حمل الطعام من أمامها:
_عيب يا حبيبي لما تظلمني الظلم ده، وحتى لو حصل ولقدر الله زهقت منك هبعد أنا وأروح عند مامي يومين تلاتة وبعدين أرجعلك، معنديش قلب أنا عشان أطردك كمان من بيتك!!!!
سحب قطعة اللحم ووضعها قبالتها مجددًا، فمالت تخبره:
_مش هبعد ولا هبعدك، شيل بسرعة مش قادرة أجري على الحمام، هبطانة ودايخة!
أبعد الطبق والضحك يستحوذ عليه من مظهرها المضحك، فأتاه الرد العاجل، حينما تساءلت سدن:
_إنتِ بتشتغلي مع الشرطة من فترة كبيرة آدهم؟
رفع آيوب يديه للاعلى يسترعى انتباه أخيه قائلًا:
_والله العظيم ما هجيبها هنا تاني الا لما أعلمها تميز بين الذكر والأنثى، المهم بلاش تعصب نفسك يا سيادة المقدم، محتاجك تكون هادي وتتعامل وكأنها طفلة وغلطت.
تعالت ضحكات مصطفى، وقال يهدئ من روع آيوب:
_متخافش أنا ابني عاقل، ومستحيل يكون زعل من كلامها، مش صح يا عمر؟
كاد آدهم أن يقبل ما يحدث بصدر رحب، ولكن أتت سدن وأظلمت عليهم الستار حينما تساءلت:
_عمر مين دي؟ آيوب هي تقصد مين؟
لف يده حول فمها ومال يهمس لها من بين اصطكاك أسنانه:
_آدهم مش زي يونس وإيثان، بلاش تكلميه عربي نهائي والا آ..
واستكمل بالانجليزية:
_ما فشل عمك فعله بكِ سيفعله أخي الآن.
اتسعت عينيها في ذعرٍ، ويدها تلتف حول رقبتها بتلقائيةٍ، فاستدارت تجاه شمس تشير لها بارتباكٍ:
_أريد أن انظف يدي.
حركت رأسها بلطفٍ، وأرشدتها لحمام الطابق السفلي، فاتجهت إليه ونظراتها المرتعبة مازالت مسلطة على آدهم المندهش من طريقتها الغامضة بالتطلع تجاهه، مما جعل مصطفى يتساءل باسترابة:
_مالها يا آيوب، قولتلها أيه رعبها من أخوك كده؟!
رفع كتفيه ببراءةٍ:
_ولا حاجة!
******
جلست شمس بالحديقة، تنتظر انضمام سدن إليها فور أن تنتهي من الاغتسال، وبينما هي شاردة بالحديقة إذا بذراع تحيطها من الخلف، بشكلٍ أخجلها من أن يباغتها زوجها بذلك الفعل في وجود عائلته، ولكن جسدها تخشب في جلسته حينما رأت آدهم على بعدٍ منها يحمل الاطباق برفقة آيوب.
مالت للخلف فلفحتها رائحة برفيوم مميزة، جعلت لسنها ينطق بتلقائيةٍ:
_عُمران!
منحها ابتسامة جذابة، ورماديتاه تراقب كل انفعالاتها بشوقٍ، استقامت بوقفتها تطالعه بفرحة وعدم استيعاب بقدومه إليها، فرددت بتلعثم:
_معقولة جيت تزورني!
دنى منها يشتملها بضمة رفعتها عن الخضرة التي تداعب قدميها العارية من الحذاء، بينما يهمس لها:
_وحشتيني يا شمس، وحشتيني أوي.
اعتلتها دهشة من رد فعله، فابعدت وجهها للخلف، تتعمق بعينيه وتسأله بدموعٍ وابتسامة تعاكسها:
_عُمران؟؟؟؟؟؟
مال برأسها على كتفه ومازال يحملها:
_رجعت وأول خروج ليا لعندك إنتي، أنا كنت غبي في تعاملي معاكِ، إنتِ عمري كله يا شمسي.
واضاف ضاحكًا:
_أوعي تفكري أن عشان هيجيلك بيبي هشوفك بشكل تاني، هتفضلي بالنسبالي بنتي المسؤولة مني يا صغنن!!
تعلقت به وهي تبكي من فرط سعادتها، لقد استعادت أخيها وأخيرًا، مالت تحيط وجهه بيديها وتردد بصوتها المبحوح من فرط البكاء:
_انا كنت مفتقداك جدًا، وحاسة إنك بعيد أوي عني حتى وإنت قدامي.
مال بشفتيه يقبل يديها، قائلًا:
_حقك على قلبي يا شمس، صدقيني اللي حصل كله كان غصب عني وخارج عن إرادتي، أنا كنت شخص تاني معرفش عنه حاجة.
عادت تنزوي بين احضانه وهي تخبره برعشة:
_مش مهم، المهم إنك رجعت وبقيت كويس وبخير.
وابتعدت تزيح دموعها وتقفز بحماس:
_تعالى معايا، آدهم هيفرح أوي!
تلقفها بين ذراعيه، ومال يعنفها بطريقة أضحكتها:
_إعقلي يا حبيبتي، نسيتي أنك حامل ولا أيه؟
وأضاف وهو يمازحها بينما يتجه بها للداخل:
_ شكل حضرة الظابط مش قايم بواجباته في النصح والارشاد، أعتقد أنه مشتاق لوقاحتي ومناقرتي معاه زي زمان.
لفت ذراعيها من حول رقبته، وقالت وهي تزيح دموعها:
_سابقًا كنت بزعل لما بتشدوا قصاد بعض بس حاليًا مشتاقة لدفاعك عني ووقفتكم في وش بعض.
ضحك بصوته الرجولي الجذاب، ومال يطرق جبينها برفق:
_عنيا هقلبهالك حلبة مصارعة حاضر.
عاونها على الوقوف، واتبعها للداخل، بينما هي تسبق خطواته بحماسٍ لاخبار زوجها، وقف عُمران يستند على باب المطبخ، يتابعها وهي تتجه حيثما يقف آدهم يصنع القهوة، ولجواره يرص آيوب الاطباق بالغسالة.
تفاجئ بها آدهم قبالته، تتمتم بكلماتٍ غير مفهومة، لم يفهم منها سوى نطقها الصريح:
_آدهم عُمران.
استدار تجاه محل اشارتها هو وآيوب، فوجدوه يقف قبالتهما، انتزع آيوب مريوله وركض تجاهه مبتسمًا بحرارةٍ:
_عُمران!! نورت الدنيا كلها!
سحب آدهم المنشفة يجفف يديه، ويتجه لمقابلته ببسمة مرحبة به، بينما يقف الأخير قبالتهما ساكنًا، يستعيد كل ما مر عليه بالفترة الاخيرة على مهلٍ، مما دفع آيوب ليتساءل بقلق:
_أنت كويس؟
ضم شفتيه معًا، وهتف بتسلية وهو يرنو إليه:
_بتعمل أيه هنا يا آيوب؟
ظن أنه يتساءل فيما يخص الرابط الذي يجمعه بزوج شقيقته شمس، فأوضح له قائلًا:
_هو الموضوع ملخبط حبتين بس الخلاصة أن آدهم يبقى أخويا.
منحه نظرة ماكرة ختمت بقوله الساخر:
_الوسطة دي تستخدمها بره في أي شركة غير شركاتي، المفروض إنك في شغلك دلوقتي فمن مين اخدت الاجازة عشان تكون موجود هنا، ولا أنت استغليت إني فاقد الذاكرة ومش هسألك رايح فين وجاي منين؟!
عبث باهدابه بعدم استيعاب، واستدار تجاه آدهم الذي اتسعت ابتسامته بعدما استوعب الصدمة التي مازال لا يستوعبها أخيه، فتابع عُمران وهو يمنحه نظرة باردة:
_مش أنا سبق وقولتلك إنك عيل نغة ما بتصدق تلاقي فرصة عشان تهرب من الشغل! وكان ما بينا اتفاق إنك لما هتلتزم في شغلك هأخدك معايا المؤتمر الجاي، وأهو انت زي ما أنت متغيرتش، يبقى مبقاش في بينا اتفاق يابن الشيخ مهران.
رفرف باهدابه بدهشة، واتسعت ابتسامته البشوشة:
_يا هلا بالطــــــاووس!!
قالها ومال يضمه بفرحةٍ، جعلته يبتسم وهو يبادله ضمته، وعينيه تراقب سعادة آدهم وفرحته المقروءة بنظراته، فقال ومازال يضم آيوب:
_مبروك رجوع بصرك وبصيرتك يا حضرة الظابط.
وغمز بمشاكسة:
_عجبني وإنت عاقل كده، حظك إن نوبة الجنون بتاعتك انتهت قبل ما أرجعلك.
قهقه عاليًا، ومال يلتقف ذراعه يضمه:
_لو زعلان إنها انتهت، نجددها لأجل عيونك يا وقح.
منحهما آيوب مسافة ليضم كلاهما الاخر، فمال عُمران يهمس له:
_هنجدد حاجات تانية وأولهم نقلي من بني سويف لسوهاج ، وبالأخص عن صابر!
وأضاف وهو يبتعد ليقابله بنظرة غامضة:
_بس قبل كل ده هستغل منصبك لمصالحي الشخصية ولأول مرة!!
*******
_ظهر الحق وزهق الباطل، شوفتي ازاي كنتي ظالماني يا زينبـــو، اهو طلع چو اللي مسربها من العمارة كلها مش أنا!!!
شق صوت سيف الجمع المنصت لحديث يوسف، عما فعله لينهي هذا الجدال الحتمي، وبنسبة كبيرة بدد غضب زينب، ولكنه وسع الأفق في نفس علي، الذي لمس بيوسف ما يحاول تخبئته خلف صورته الثابتة.
فاتبعه للشرفة ووقف يجاوره، فابتسم له يوسف، وقد لمس فيه شكوكه:
_عارف إنك شايف ولامس اللي بحاول أداريه، مهما كان اللي عملته قاسي فكنت مجبور اعمله عشان سيف.
واضاف وعينيه تتابع طريق المارة بوجعٍ:
_عمري ما شوفت حد بالأنانية دي، فأكيد مش هستنى لما تدمر حياته، أنا عملت الصح واللي كان لازم يتعمل يا علي.
مال يستند جواره على السور، يؤكد على حديثه قائلًا برزانته:
_لا أنا ولا غيري يملك الحق في إنه يحط أي غلط عليك يا يوسف، بالعكس أنت عملت اللي لو أي شخص في مكانك كان عمله، إديتها الفرصة وهي مستغلتهاش، مصيرها في يوم هتعرف غلطها وهترجع ندمانة، وأكيد هتشكرك انك مدتهاش الفرصة تخرب حياة سيف وزينب.
غمدت الراحة ملامحه المعذبة، وكأنه كان ينتظر أن يريح علي قلبه، فاستدار جواره يتطلعان تجاه سيف وزينب الجالسان على الطاولة، يتهامسان بحبٍ، ومن خلفهما تعد فاطمة الغداء بعد اصرار سيف أن يتناولون جميعًا الطعام بشقته.
******
جلس على المقعد المعدني بانكسارٍ، وملامح الذل قد محى كبريائه، لم يتبقى منه الا وميضًا من الرفاهية التي ينالها بجلوسه على المقعد الذي يحمله، وكما اعتاد الانتقال من غرفة التحقيقات السرية لأخرى، بعد أن تم احتباسه بجهة سرية لفضاحة ما ارتكبه بحق نفسه وبحق بلاده.
وها هو يجلس منكس الرأس، ينتظر ما سيملي عليه من تهمٍ ظن انهم لن يكتشفوها عنه، والإن ينطلق صرير الباب العتيق، واتبعه دقات حذاء ثمينًا، يستطيع أن يستعلم عنها جيدًا، ولكن للغرابة ذلك الصوت المألوف الذي نطق بخشونة:
_ليك وحشة يا عثمان!
شعر بحاجز حديدي يعتصره بوحشية، وكأنه خرج من أعناق الجحيم لسفح جبلًا من الجليد، يرفع رأسه الهرم لذلك الذي يقابله بصلابة وشموخ، يمنحه نظرة تحمل بشائر من موته، فجمدت لسانه المهتز بنطق حروفه:
_عُمران!!
رفع ساقه على المقعد المقابل للطاولة الفاصلة بينها، ومال يستند عليه بجمودٍ:
_أمال بيقولوا إنك كبرت وخرفت ليه؟؟ ده فكرت هاخد ساعتين أفكرك بيا يمكن النيولوك الجديد ميخلاكش تفتكرني كويس.
وتلاشت ابتسامته وهو يستطرد باحتقان حذر:
_ويا ترى ذاكرتك جايبالك لأخر مكالمة كانت بينا؟
ازدرد ريقه بصعوبة بالغة، وراح يحاول الحديث:
_أنا... آآ.. أنا كنت عايز أمن مستقبل بنتي.
انفجر وابل من الضحك جعل جسده يهتز بصورة مقبضة لمن يراقبه، وخاصة حينما نصب رقبته قبالته وقال بصلابة:
_دخولها عيلة الغرباوي مأمنلهاش المستقبل اللي بتتكلم عنه!! محاولتك لاقناعي عجبتني بصراحة.
انتصب بوقفته بشكل مفاجئ، فتراجع عثمان للخلف برهبةٍ من أن يطوله أي أذى جسدي منه، فإذا به يرفع يديه للاعلى بتسلية:
_اطمن أنا معملهاش وأمد إيدي عليك، غصب عني هشوف مايا بينا وده للأسف هيضعفني قدامك، بس اطمن واجبك هيوصلك وبالكامل يا حمايا.
وأضاف وهو يميل إليه، محتجزه بذراعه على طرف مقعده والذراع الآخر على الطاولة:
_أنا حذرتك وأنت معملتش بكلامي، قولتلك هقف ضدك لو كنت السبب في دموعها مسبتش حاجه توجعها الا وعملتها، مصدقتهاش لما قالتلك جوزي حي وراجع أديني جيتلك وبنفسي عشان تملي عينك مني، وتفكر ألف مرة في اللي هعمله فيك.
وضاق بذراعه لدرجة جعلت الاخير على وشك السقوط عن المقعد، بينما يتحرر وحشه القابع:
_ قولي إنت ازاي قدرت تجمعها مع راجل غيري حتى لو في أحلامك!
شعر بضعفه أمامه، يواجه طوفان أكثر من قوته، فبرر له برعشة نخرت عظامه:
_أنا كنت بفكر في مصلحتها.
طالعه بكرهٍ شديد:
_قصدك مصالحك أنت وبس، ولا تكنش فاكرني بريالة معرفش النسب اللي كنت بتطالعها من ورا إسمي، كل ده كنت عارفه وبعدهولك بمزاجي عشانها ، كنت بستحملك ومستعد أستحمل الابشع من كده عشان خاطر عيونها هي، بس أنت بغبائك رجعتني لساحة معركة الخسارة فيها مش هتكون مايا ولا حتى قلبها، الخسارة هتكون حياتك انت يا عثمان.
أحاط يده يتوسل له بخوفٍ:
_سامحني يا عُمران، سامحني وخلي مايسان تسامحني، أنا غلطت ومعترف بغلطي.
وأضاف بخبثٍ عساه يجد مخرج من مأزقه:
_انا كنت فاكر اني اللي بعمله ده الصح ليها، زي ما فريدة هانم كانت بتفكر بمصلحتها هي كمان بجوازها من علي.
توسعت رماديتاه بصدمة، وكأن عقله تعطل عن العمل فجأة، فردد بلسانٍ ثقيل:
_جواز مين!!!
تحشرجت انفاسه رعبًا:
_علي ومايا.
......... يتبـــــــــع 💣......
#الاقـــــــوى_قـــــــــادم....
#صرخات_أنثى... #عودة_الطـاووس!
رجاءًا متنسوش سونه من دعواتكم، عملت العملية امبارح والنهاردة حالتها صعبة، الاكسجين قليل عندها ولسه في العناية، والله ربنا يعلم أنا كتبت ازاي الفصل عشان كمية الانتقادات اللي نازلة بالجروب والواتباد، اذكروها بدعوة وجزاكم الله خيرًا ❤
****______********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 139 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#عودة_الطاووس!..)
#الفصل_الـ107
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات Aya mabrouk. وردة مصطفى Hanem Hany. Shrouq Mohamed Mousy
Amal Abd Elmohsen
نور العيون عبده نور العيون عبده
Farha ali elhazazy
Malak mahmoud
Yasmin Nashaat
Shireen yasser
تيسير عثمان
Smah hesham بمناسبة عيد ميلادها ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أضرم النيران بكومة من القش، وانتظر أن تشتعل فيها اللهب، ولكن أصابته الحسرة حينما وجده يطالعه ببرودٍ، وثباتًا يُدرس للأجيال، وكأنه فقد حاسة السمع للتو، ازدرد "عُثمان" ريقه بتوترٍ من جمود ملامح الطاووس، الذي كسرت ثباته الفعلي ابتسامة ويا لها من بسمة مقبضة للأخير.
راقبه من نفس محل قربه، ومازال ساقه يستند به على المقعد الحديدي، وبصوتٍ خرج رزينًا، هامسًا:
_لو كان علي إختيارك إنت كمان كنت عفيت عنك يا عثمان.
توسعت مُقلتيه في صدمةٍ، بينما تتسع ابتسامة عُمران بانتشاء لرؤية الرعب يكاد أن يقبض روحه:
_يا ريتك كنت ذكي كفايا، واستوعبت إن خروج بنتك من قصر الغرباوي عمره ما هيتم وموجود فيه دكتور علي الغرباوي.
وتابع بشماتة ضاحكة:
_عيني عليك وإنت بتاخد الصدمة من رد فعل علي، صدم أمك صح؟؟
كاد أن يسقط بالمقعد من فرط التصاقه بأخره، والخوف يجلجل بدنه، بينما يستكمل عُمران حديثه:
_كنت فاكر إني الصايع الوحيد اللي بيعرف يلاعبك، بابا علي المثقف ختم قفاك بقلم هيفضل معلم على قفا أمك العمر كله.
قبض أسنانه ببعضهما، ودفع المقعد بساقه، فسقط أرضًا بمقعده متألمًا، والهلع يقتحمه بلا هوادة، مما سيفعله به عُمران.
إنحنى إليه يقابله بنظرة غمسها بالقسوة والكره، قبل أن يحرر كلماته:
_الست اللي تعاشر عُمران سالم الغرباوي، عمرها ما هتشوف راجل تاني من بعده.
ابتلع ريقه بصوتٍ مسموع، وقال باضطرابٍ من خوض تلك المعركة التي سيكون أول خسائرها روحه:
_حتى لو كان الراجل ده هو علي الغرباوي نفسه؟
سيطر على بوابة جحيمه الساطعة من رماديتاه التي فقدت كل جاذبيته وتوارت خلف تلك العاصفة خوفًا وطمعًا بمسكنٍ آمن، ومال إليه يفاجئه بلف يده حول عنقه، يرفعه تجاهه بجمودٍ بينما الاخير يسعل ويحاول تحرير ذاته من قبضة كانت كالفولاذ، ليصم أذنيه بخشونته المهددة:
_بتلعب مع مين يا عثمان، إعرف مقامك وشوف مين اللي قدامك، وقبل ما عقلك يصورلك إنك هتكرهني في أحب الناس على قلبي، افتكر أنك متملكش القوة إنك تقف في تحدي وإنت بعمرك وسنك ده، هتفرفر مني من أول جولة!
وأضاف قبل أن يطرق عنقه:
_وعشان فضولك ميقتلش أمك، خليني أكرمك مرة أخيرة لأجل عيون بنتك، لو كان ربنا كاتبلي الموت ورزق بنتك وكان ليها فرصة مع علي، فصدقني ده الشخص الوحيد اللي هأمن على مراتي وابني معاه، وعندي كل الثقة إنها لو فضلت معاه مليون سنة عمر عينه ما هتترفع في عينها.
وختم بقوله وابتسامة فخر تحتله:
_كل أخلاقي الكويسة اللي جوايا راجعه للي زرعه علي الغرباوي جوايا، والبلطجي اللي بيتصرف معاك دلوقتي ده إتربى على إيدي أنا، ودلوقتي وقت حسابك جيه.
قالها ودفعه أرضًا، بينما الاخير يزحف للخلف برعبٍ من سماع كلماته الاخيرة، ماذا ينتوي إليه؟ تراجع لأخر الغرفة، وترجاه بتعبٍ:
_هتعمل أيه يا عُمران، ده أنا في مقام أبوك يابني.
تمردت ضحكة رجولية منه، وصاح بتهكمٍ:
_هو إنت كنت أب لبنتك عشان تكونلي أب، إنت عندك عجز في سد الخانات يا حمايا العزيز.
ومال إليه يصوبه بنظرة حارقة، قبل أن يخبره:
_واجبي هيوصلك جوه الزنزانة، كل الرفاهية اللي أخدتها جوه السجن بسبب مركزك الآرستقراطي العبيط أنا هجردك منه، من اللحظة دي هتتنقل زنزانة جماعية، وخدمتهم كلهم هتكون عليك.
هز رأسه بصدمة، وقال:
_حرام عليك، أنا مش آ..
قاطعه حينما هدر بسخطٍ:
_معرفتش تقوم بدورك كأب هتحاول تكون أم مثالية، طبيخ وغسيل ومسح والذي منه.
واضاف بابتسامة ساخرة:
_مش عايز حد من العيال يشتكيلي منك يا عثمان، عايزك تشرفني باختيار المثالي ليك.
وربت على كتفه ببرود ضاحك:
_طولت عليك و وراك غسيل، أسيبك تشوف أشغالك، وكل ما نار اشتياقك ليا تزيد طفيها وإنت بتمرش الغسيل، وكتر الإريل متبقاش بخيل يا عثمان!
ولف ذراعه من حوله، فبدى وكأنه يضمه ولكنه كان يخنقه من فرط قوته الجسمانية:
_مش عارف أقولهالك إزاي، بس مضطر أنصحك تحافظ على نفسك وسط الاوباش دول، أصلهم بيتعاطوا، فحاول متظهرش بليل قدامهم ليتلخبطوا فيك!
وتركه ونهض واقفًا بشموخٍ، ونظرة تشيعه بكرهٍ وحقد، يلتمعان برماديتاه، وهو يتذكر بكاء زوجته بين ذراعيه في صباح هذا اليوم، فبرع بالحفاظ على أعصابه، وقمع كل الافكار الشيطانية التي تطالبه بقتله، أو بزيادة أنواع العذاب الذي يملك سلطان لها، ولكنه ولاجلها اختار أبسط الاشياء، بالاتفاق مع هؤلاء المجرمين الذي سيرافقهم بالحبس، حسنًا لقد كذب بجزئية أنهم يتعاطون المخدرات ولكن ليجعله يموت في جلده كل يومٍ، مثلما كتب الخوف والترقب مما كان سيفعل لزوجته، قرة عينه وقلبه!
أتجه ليغادر من الغرفة، تاركًا الاخير يتخيل نهايته البشعة بوقوعه بهذا المستنقع، وقبل أن ينجرف عن الباب الذي يحده اثنان من العساكر، استدار يخبره بنبرة واثقة لا تليق سوى بطاووس وقح مثله:
_خليك عارف إن نيتي معاك كانت الاحترام، وأنت اللي قليت بأدبك وخلتني أحط عليك وبالجامد، من غير سلام لإن اللي زيك ميستهلهوش!
*****
سئم "جمال" من المماطلة أمام الوفد الفرنسي، وكل لحظة والاخرى كان يتفقد هاتفه، عسى أن يتلقى رسالة صريحة من عُمران أو فاطمة، ولكن الأمر ينتهي دون أي جدوى، ومع بلوغ الثلاث ساعات بالانتظار، وقف إحدهما يهتف بضيقٍ:
_ما يحدث هنا إهانة صريحة لنا سيد جمال، لقد انتظرنا قرابة الأربع ساعات ولم يأتي بعد، لم نعتاد على عدم التقدير منكم، ولأكن صريح سيكون هذا أول وأخر تعامل لنا رفقتكم.
_ومن قال بأنه سيكون هناك تعامل بيننا بالاساس!
قالها الطاووس وهو يدلف لصالة الاجتماعات، بخطاه الواثق، فإذا بالجميع يقفون في أماكنهم بدهشةٍ وقلقًا من تصريحه، بينما يتطلع له جمال بذهولٍ من حدة نبرته المندفعة، وطريقته الغريبة بالحديث.
استكمل "عُمران" طريقه للمقعد الخاص برئيس مجلس الإدارة ، اعتلاه وهو يصوب نظراته للوفد الفرنسي المكون من ثلاث رجال، نطق أحدهم بلطف اصطنعه لتلطيف الأجواء:
_العفو والسماح منك سيد عُمران، ألبرت لم يقصد التقليل من احترامك.
لف مقعده المهتز تجاه محل وقوفه، ويده تطرق بقلمه الثمين من فوق الطاولة البيضاوية:
_ومن سيترك له الفرصة لتقليل من شأني أندريه!!
قبل أن يفكر بفعلها كان ليفكر ألف مرة.
وأضاف ومازالت عينيه تجوب من يقف أمامه مستاء:
_ يظن نفسه ذكيًا، يتحاشى التقليل مني ويفعل عكس ذلك لشريكي!
ذم ذراعه رفقة الاخير وهمس له:
_اعتذر للسيد جمال على الفور، والا لن يتمم السيد عُمران عملنا.
أزعن لمطلب رفيقه، واستدار تجاه جمال المدهوش لما يحدث قبالة عينيه، وأبدى اعتذاره أكثر من مرةٍ، ثم نظر تجاه عُمران ينتظر سماع رأيه فيما فعله، فقال ومازال يحرك مقعده بثبات:
_بامكانكم الرحيل والعودة غدًا، سيخبركم سكرتيري الخاص بالموعد الجديد.
تطلعوا لبعضهم البعض، وانسحبوا بهدوء تاركين الغرفة الواسعة تحوي الرفيقين، وبمجرد خلو القاعة تحرك جمال من محله، وإتجه إليه يحرر دهشته بسؤالٍ حائر:
_ممكن تفهمني أيه اللي بيحصل ده، وطريقتك بالتعامل مالها؟!!!
وأخيرًا سمح لنفسه التفرس بملامحه، فاحتل الحزن مُقلتيه حينما لاحظ انتقاص وزنه الملحوظ، لقد أدماه فراقه عنه، وجسده الهزيل يقص كل المعاناة التي حكاها، وبينما هو غارق بتأمله هز جمال المقعد وهو يناديه بقلق:
_عُمران جاوبني!
رفع "عُمران" يده، يفك ازرار قميصه الأسود، بعدما نزع عنه جاكيته ببطءٍ أثار فضول جمال وريبته حول ما أصاب رفيقه الذي يتصرف بغرابة، أشمر عن ساعديه وإنتزع ساعته الباهظة، بينما يعود جمال لهزه مجددًا:
_فهمني بتعمل أيه؟؟؟
رد بهمسٍ خافت وهو ينحني ليضع خاتمه جوار الساعه:
_خايف تتعور.
عقد حاجبيه بعدم فهم:
_أتعور من أيه؟
أجابته لكمته التي أصابت أنفه، فطرحته أعلى الطاولة الزجاجية الضخمة، وعينيه تتسع في صدمة، بينما يرنو إليه عُمران بخطواتٍ متهدجة، جعلته يردد بقلق:
_عُمران إنت جرالك أيه، اهدى كده وإعقل، انا هتصل على دكتور علي حالًا يجي يشوف جرالك أيه؟
طرحه بعنف على الطاولة مجددًا حينما كان بطريقه ليجذب هاتفه من جاكيت بذلته المعلق على مقعده، بينما يميل تجاهه وهو يصيح بغيظٍ:
_إنت الوحيد اللي حسيت ليه بالارتياح ويوم ما أجيلك بيتك تقابلني بلكمة يا حيوان!!!
وتابع ومازال يده تجذب قميصه بغضب:
_بتستغل إني ناسي كل حاجة!!
اتسعت عينيه بذهولٍ، بينما يسترسل عُمران:
_ثم إنك عامل في نفسك كدا ليه!! وأيه القرف اللي إنت لبسه ده!! حارم نفسك من متاع الدنيا بسبب موتي وإنت السبب فيه ، لو كنت سمعت كلامي ونطيت من غير ما تعيش دور سي روميو العاشق كان زماني نفدت من اصابتي وكنت على الاقل ربيت الكلاب دول، بس انت كالعادة مخلوق عشان تعاندني وبس.
أدمعت عيني جمال بعدم تصديق، بينما يستطرد الطاووس بعنجهيةٍ:
_اديني رجعتلك أهو وهنصفي القديم والجديد يابن أشرقت!!
تهاوت دمعته دون أي قيد، وهمس بعدم تصديق:
_عُمـران!!!
خيم الحزن عليه وانشق قلبه لما حدث له، وكأن تلك اللحظة هي الاولى لرؤياه، فسانده ليستقيم بجلسته، ثم عدل من قميصه الغير مرتب بشكلٍ لائق، وانحنى يجذب جاكيته، وساعده بارتدائه، وجسد جمال ينساق خلفه دون أي تحكم منه، فقط نظراته المندهشة تتابعه بعدم تصديق، وما أن انتهى حتى استدار يجذب من جيب جاكيته الخاص مشط صغير، ومال يرفع به شعر جمال، قائلًا بضيقٍ:
_مصمم على تسريحة عبحليم بردو، الظاهر أنك كسرت كل تعليماتي في غيابي، بس وحياة أمك هترجع تسف كل اللي فاتك عشان تتلاشى غضبي، وأولهم إنك ترجع لوزنك تاني.
وتابع ساخطًا:
_فكرك إنك كده هتصعب عليا يعني ومش هنزلك معايا الجيم، بعينك يابن أشرقت، هتنزل معايا يعني هتنزل.
وأضاف مازحًا:
بفكر أعملك إنت وعلي مختوم من صنع ايدي، هتجيب معاكم من الأخر.
تمعن به حينما وجده يتابعه بصمت، فقال مبتسمًا:
_أيه يا جيمي مش مبسوط أني رجعت ولا إنت كنت حابب تبدأ المنافسه على مكانتك من أول وجديد؟!!
تحرك إليه جمال باكيًا، وارتمى إليه محاوطًا عنقه ببكاءٍ بدد من ثبات عُمران، فضمه وهو يردد بصوتٍ محتقن بالبكاء:
_عملت في نفسك كدليه يا جمال؟ أنا معرفتكش!!
شرع بتحرير صوته الباكي هاتفًا:
_ولو كنت إتاخرت في ظهورك كنت هموت وراك، أنا حياتي كلها وقفت على مشهد موتك!
ربت على ظهره وقال وهو يجاهد لزرع المرح بينهما:
_وأديني رجعتلك أنظملك حياتك البائسة دي من تاني، بس على الله متزهقش مني، بس ناويت والنية لله أعملك عملية ترميم من تاني، هبدأ من البدروم وسقف الدور الأول، هتستحملني ولا هتنخ من أولها!
ضحك وهو يبتعد عنه، ويدفعه بمزح:
_لا ارجع مكان ما كنت، أنا كنت عايش مرتاح وبنط في أول لبس يقابلني، مش عايز أرجع اقف قدام المرايا ساعتين أنظم في نفسي عشان خوفي منك.
شاركه الضحك وهو يخبره:
_ياض لازم تبقى شيك وجنتل مان، أنت بمنظرك ده مش محصل حتى صبي جزارة، والله حمص في الرمق عنك.
زوى حاجبيه باستغرابٍ:
_مين حمص ده؟
مال يلتقط جاكيته وقال وهو يلف ذراعه حوله ليحركه تجاه الخارج:
_هحكيلك بس ننزل أي مطعم أزغطك الأول، لحسن أنا حاسس إنك هتقع مني.
وأضاف وهو يضغط على زر المصعد:
_اللي يشوفك يقول أن انت اللي داسك قطر الموت مش أنا!! ده أنا صالب طولي عنك!!! هموت وأعرف شوشو سكتت عليك بالوضع ده ازاي!!
أجابه ببسمة ساخطة:
_محدش يقدر عليا، دماغي ناشف وحجر صوان ولا نسيت!
زم شفتيه بتهكمٍ صرح عنه:
_ده على أمك يالا مش عليا، خف شوية عشان خلقي ضايق ودراعي سابقني، وإنت أصلًا مفيش فيك نفخة.
واستطرد بشفقة مضحكة:
_ده انا كنت ناويلك على نية، بس خوفت لتتقطم في ايدي، بقيت شبه خلة السنان يا جمال!!
وربت على كتفه وهو يطمئنه مازحًا:
_بس متقلقش يالا ولا يكون عندك أي خوف، أنا مش هتخلى عنك أبدًا، وهعالجك بعون الله، هخليهم يتوصوا بالسمنة البلدي وكل الأكل الدسم، لازم ترجع و بأقصى سرعة، عشان احساس الذنب اللي عندي ده يختفي، المهم أي حاجة تنزل على التربيزة تأكلها وانت ساكت.
وأضاف وهو يعتصر رأسه بالمأكولات التي ستعاونه برفع وزن جمال بأيام معدودة:
_هنكتر من الكوارع والحمام المحشي، وكمان الفطير البلدي والمحاشي والذي منه.
واستدار يشمله بنظرة تقيمية:
_أنت محتاج لكل حاجة فيها دهون، بفكر أخليهم يعملولك خروف بحاله،أيه رأيك؟؟
رد عليه وقد غلب نوبة ضحكه:
_لو هتأكل معايا معنديش مانع.
أجابه عُمران بجدية جعلت كلاهما يسقطان من فرط الضحك:
_أمال هسيبك تتدلع لوحدك بروح أمك!!!
*****
انتهى من مهمته حينما ساعد عُمران بالوصول لأهدافه داخل المعتقل، وها هو يتجول بلا وجهة بسيارته، ليقطعه صوت رسالة هاتفه على الواتساب، فتحها ليجد أخيه يستنجد به:
«آدهم إلحقني بسرعة، أنا واقع في مشكلة، بعتلك اللوكيشين، تعالى بسرعة!»
ارتعب فور أن انتهى من سماع الرسالة، وعلى الفور انعرج بسيارته تجاه الموقع المرسل، ولحظه أنه كان على بعد عشر دقائق منه .
كونه ظابطًا محترفًا، إعتاد التصرف بحكمة وذكاء، فلم يشغل عقله بالاتصال، حتى لا يربك عقله عن القيادة، فيطول طريقه عن العشرة دقائق.
وصل "أدهم" للموقع المنشود، فإذا به يتجمد على مقعده من دهشته، المشهد برمته كان غريبًا، سيارة أخيه موضوعة اعلى الحاجز الإسمنتي الصغير، المصفوف لمحاذاة الرصيف، ومن أعلاه يجلس آيوب داخل السيارة، ويلتف من حوله مجموعه من الرجال يحاولون أن يجعلوه يقفز من السيارة ولكنه يرفض بإصرارٍ عنيف.
هبط أدهم من السيارة واستطاع ان يفض الجمع، بينما يطرق على أسفل باب السيارة، مشيرًا له بأن يفتح الباب، ففتحه وهو يخبره بحزن:
_شوفت يا ادهم اللي حصل؟!
منع ابتسامة ساخرة من الانفلات:
_مش انا لوحدي اللي شايف يا آيوب.
وتابع بسؤالٍ هام:
_قولي أيه اللي طلعك الطلعه دي؟
توترت معالمه وكأنه طفلًا سيتعرض للعقوبة:
_شوفت الطلعه اللي قبل الحاجز.
استدار آدهم للخلف يتمعن بما ذكر، وعاد يتفرس بأخيه الذي قال بحرج:
_شوفت عُمران طلعها قبل كده ونزل منها عادي، بس معرفش لما عدتها أيه اللي حصل معايا، ملمستش بعدها الرصيف، العربية طارت وكملت على الحاجز اللي في نص الطريق، زي ما انت شايف كده!
تحررت ضحكته الرجولية، وهز رأسه هاتفًا:
_شايف، وحاسس ان سقف طموحاتك عليت أوي، كنت لسه بتتعلم تطلع بالعربية، دخلت في الطيران من غير ما تضيع وقت، طموح انت أوي!
ذم أيوب شفتيه ضيقًا:
_انت بتضحك!!
رد عليه وهو يتفرس باصابة السيارة، التي استهدفت اسفلها:
_مش عارف أهنيك على النطة ولا أواسيك علي الخبطة!
منحه نظرة غاضبة، فكبت ضحكاته بصعوبة وهو يفرد ذراعيه له:
_تعالى يا حبيبي، انزل.
لف رأسه باصرار:
_مش نازل قبل ما عربيتي تنزل.
فشل في السيطرة على ضحكاته مجددًا، وادعى الرزانة والتعقل بحديثه:
_الواقعة الحريفة دي عايزة ونش ينتشل العربية من فوق الحاجز، مينفعش معاها كتل بشرية يا بوب.
لف رأسه له مجددًا، واقترح ببلاهة اسقطت أدهم ضحكًا:
_ما تزق من ورا لحد ما نوصل لنهاية الحاجز تقوم العربية نازلة طوالي، كده كده الحاجز مش عالي اوي.
أتاه الرد من بين سيل ضحكاته:
_حد قالك إني هركليز عصرك، إنزل يا آيوب إنزل الله يسترك دنيا وأخرة.
احتقنت نظراته الاندفاعية تجاه أخيه، وباصرار طفلًا صغيرًا قال:
_طيب خلاصة الليلة دي يا أدهم إني مش نازل طول ما عربيتي متشعلقة الشعلاقة دي، اتصرف هات الونش ينزلها وأنا فيها، واعتبره تهديد بقى!
عقد حاجبيه بدهشة من أفعاله الطفولية:
_الناس هتتلم علينا تاني يا آيوب، انزل وبطل لعب العيال ده.
ردد بتحدٍ وضيق:
_هننزل مع بعض، مش هسبها كده.
منع ذاته من أن يشتبك معه لفظيًا، وسحب هاتفه يحرر اتصالًا بأحد الظباط، وما ان أنهاه حتى أعاد الهاتف متمتمًا بانزعاج وهو يدس يده بجيب بنطاله:
_لما أشوف أخرتها معاك أيه؟
*******
طرقت باب الغرفة مرارًا، وانتظرت أن يفتح بابه، فإذا بصوته الهادئ يأتيها:
_تعالي يا خديجة.
ولجت للداخل تبحث عنه، فوجدته يجلس على سجادة الصلاة، ومن خلفه يغفو صغيرها على الفراش، انتظرت حتى انتهى من التسبيح وقراءة آية الاخلاص والفلق والناس والكرسي ثلاث مرات، تعلم جيدًا قيمة تلك الايات خلف كل صلاة، مثلما علمهم الشيخ مهران.
انتهى عما يردد ونهض يحمل سجادة الصلاة، يضعها على ذراع المقعد، ودنا يتساءل:
_قولي اللي مترددة تقوليه وباين في عيونك.
سحبت نفسًا عميقًا من أنفها، ورددت بكل عزيمة:
_انا أخدت قراري يا يونس، وهعمل العملية.
ترقبت رد فعله بارتباكٍ، رغم أنه بالاوقات الماضية شرع له موافقته المبدئية بما تريد، فاذا به ينتهد بحزنٍ بدى بفيروزته، وانتقل عكسه بصوته الهادئ:
_اللي يريحك أنا معاكي فيه يا خديجة، معانا رقم الدكتورة اللي دكتور علي ادهوني، هنحجز ونروحلها، واللي فيه الخير ربنا يقدمه.
حُلت عقدة وجهها المترقب لردة فعله، ومالت إليه تلجئ لضمة صدره، فأحاطها بكل ترحابٍ، فرددت على استحياءٍ:
_أنا عارفة إنك كنت معارضني في قراري ده، وقبولك بيه دلوقتي عشاني، شكرًا يا يُونس.
قوى ضمته لها، وقال بعشقٍ صادق:
_ميهمنيش غير راحتك إنتِ يا ست البنات.
اتسعت ابتسامتها والراحة تتسلل لها، لتمنحها شعوى الأمان كلما كان هو لجوارها، وفجأة انتفضت بين ذراعيه حينما اندفع فارس عليهما، فتمردت الضحكات بينهم، وقد التقفه يونس بين ذراعيه هو الآخر.
******
وصلت سيارة "علي" في نفس لحظة وصول سيارة "أحمد" ، هبطت "فريدة" برفقته، وما أن رأت علي يخرج من سيارته برفقة فاطمة حتى اتجهت اليهما مبتسمة:
_عديت على فاطيما في الشغل ولا اتقابلتوا برة يا دكتور؟
ردت فاطمة بابتسامتها الرقيقة:
_مرحتش النهاردة يا فريدة هانم، روحنا لزينب وبعدها اتمشينا شوية بالعربية.
تعجبت من سماعها لما قالت، وتساءلت باسترابة:
_غريبة إنك منزلتيش الشركة النهاردة، طمنيني أنتي كويسة؟
اتخذ علي محلها بالاجابة حينما حاوط والدته بحنان:
_اتطمني حبيبتي، فاطمة كويسة، بس زينب كانت عازمانا عندها وعُمران كده كده نزل الشركة مع جمال النهاردة.
وأضاف وهو يتابع عمه الذي اقترب إليهم بعدما صف السيارة:
_طمنوني يومكم كان عامل ازاي؟
اجابه أحمد مبتسمًا:
_ممتاز يا علي، كويس انك اقترحت عليا أخذ فريدة معايا تغير جو، خلصت الmeeting بعد ساعتين من وصولنا، وبعدها اتمشينا على البلاج، المنظر ساحر حقيقي.
أضافت فريدة لحديثه:
_فعلًا يا علي الاجواء هناك ممتازة، وقررت اشتري شاليه هناك عشان نبقى نغير جو من فترة للتانية.
رفع يدها يقبلها برفقٍ، وقال:
_طلبات فريدة هانم كلها أوامر وتتتفذ.
مررت يدها على خصلات شعره الطويل، بفرحةٍ:
_متحرمش منك يا حبيبي.
وتابعت بلهفةٍ:
_طمني على أخوك، حالته احسن دلوقتي؟
ارتسمت بسمة ماكرة على شفتيه، وأجابها:
_أحسن الحمد لله، وهتشوفي ده بنفسك لما يرجع بإذن الله.
رددت في راحةٍ وارتياح:
_ربنا يطمن قلبي بيكم دايمًا يا حبيبي.
وأضافت وهي تشير لهما:
_هطلع أخد شاور وأريح شوية، لفينا كتير ورجليا تعبتني.
وتركتهما وصعدت للأعلى، فحمل أحمد الحقيبة، ونطق بنعاسٍ:
_وأنا كمان هطلع أنام قبل معاد الطيارة.
تساءلت فاطمة بدهشة:
_هو حضرتك مسافر؟
رد عليها بينما يميل بجسده الرياضي لحمل الحقيبة الصغيرة الخاصة بزوجته:
_عندي اجتماع مهم بكره في لندن، مش هتأخر هناك، يومين تلاتة وراجع بإذن الله.
منحته ابتسامة صافية، وهتفت برقة:
_تروح وترجع بألف سلامه يا عمي.
ابتسم لها بجاذبية تليق بعمره، وردد بامتنان:
_تسلمي يا حبيبتي، لو عايزة حاجة من هناك بلغيني بيها وأنا تحت أمرك.
انحنى علي يحمل عنه الحقيبة، ويجيبه بتهذب:
_عايزين سلامتك يا عمي، هنفتقدك اليومين دول.
منحه بسمة ممتنة لحمله الحقيبة، وقد أرهقته القيادة طوال الطريق، فمسح على ظهره بحب:
_متحرمش منك يا علي.
صعد ثلاثتهم بالمصعد، وكان أول من وصل لجناحه أحمد، وتابعوا معًا للطابق العلوي، فلف علي ذراعه حول فاطمة، واتجهوا لجناحهما، فسألته بفضول:
_مقولتش لفريدة هانم ليه أن عُمران رجعتله الذاكرة.
رد عليها ببساطة وهو يفتح الباب:
_خليه يفاجئها ويشوف بعيونه فرحتها، أكيد هيتخزن في عقله ردود أفعال كل الاشخاص المقربين ليه في لحظة زي دي.
ابتسمت ونطقت:
_دايمًا عندك حق وبعد نظر يا دكتور علي.
بابتسامتها الساحرة رد:
_قلب دكتور علي!
******
وأخيرًا تمت مهمة إنقاذ سيارة "آيوب" في سلام، وها هو يتفحصها بكل لهفة، وأخيه من خلفه يراقبه، فاذا به يستقيم بوقفته بفرحة:
_ما اتبهدلتش يا أدهم، ده جرح بسيط جدًا.
رسم بسمة صغيرة، يخفي ضحكاته الساخرة من خلفها وقال:
_الحمد لله ربنا نجدها نوسة من مغامراتك المتهورة.
جذب المنشفة المبللة يمسحها برفقٍ، وكأنه يملس على حيوانٍ أليف، ومن خلفه يحك آدهم أنفه عدة مرات حتى لا يبرز ضحكاته بالعلن، فتنحنح بخشونة:
_أيوب، العربية نضيفة ومعلهاش نقطة تراب واحدة، سيب اللي بتعمله وقولي كنت رايح فين؟
ترك ما يفعله واستدار ينفض ثيابه:
_حسيت بتقصير رهيب مع سيفو، فهحقق حلمه وهعدي عليه بالمركز بالعربية، نروح نأكل درة مشوي، تيجي معانا؟؟
اكتسحت بسمته الجذابة وجهه، وقال برزانة:
_لا مش هينفع أنط معاك في كل خروجه، احنا من الصبح مع بعض، من حق صاحبك يكونلكم وقت خاص بيكم.
واسترسل وهو يتجه لسيارته:
_يلا اتحرك قدامي عشان اطمن عليك من السواقة المتهورة دي، قبل ما ارجع البيت.
حرك رأسه بابتسامة هادئة، وأسرع لسيارته يقودها بسرعة متوسطة حتى إطمئن آدهم عليه، وغادر كلا منهما بطريقه.
وصل "آيوب" إلى المركز الطبي الخاص بـ"علي سالم الغرباوي"، صف سيارته بالأسفل، وصعد بالمصعد للطابق المخصص لعلاج الاطفال، واصل البحث بين غرف الكشف الحاملة لاسماء عدة أطباء، وقد علم من الاستقبال أن "سيف" يستلم الوردية المسائية اليوم، وقد وصل منذ نصف ساعة.
توقف عند لافتة تحمل«الدكتور سيف آيوب» ، طرق على الباب وولج دون أن يرى الممرضة الجالسة على مكتب بنهاية الطابق، ولج يهتف بابتسامة واسعة:
_سيــــــــــفـو!
تفاجئ من ينحني فوق الطفل الصغير، يتفحص بكشافه الصغير حلق الطفل البالغ من العمر الثماني سنوات، ولجواره يقف أبيه المندهش من اقتحام ذلك الغريب لغرفة الفحوصات.
تنحنح آيوب حرجًا، وحك رقبته بتوتر:
_إنت معاك حد، طيب أنا بره، لما تخلص ناديلي.
قالها وغادر للخارج، بينما انتهى سيف من تدوين الادوية الخاصة بالصغير، ورفع السماعه يشدد على الممرضة بأن تمنع آيوب من الدخول نهائيًا.
انتظر آيوب بالخارج قرابة الساعتين، جلس يكتف ساعديه أمام صدره، ويطرق بساقيه بغيظٍ، جعله يندفع تجاه الممرضة للمرة الرابعة:
_هو في أيه يا انسة، قولتيلي انتظر لما الكشوفات اللي عنده تخلص، احترمت ده وقعدت لأخر كشف، ودلوقتي القاعة فاضية ومفهاش ولا مريض، مستنية تدخليني أمته حضرتك؟!!
ضمت شفتيها بحرجٍ، لقد نفذت كل الحجج التي ستقدمها إليه، لذا نطقت بصدقٍ:
_أنا أسفه ليك والله، بس دي تعليمات الدكتور وآ..
قاطعها بغضبٍ وعصبية بالغة:
_تعليمات مين؟؟
قالها واندفع عائدًا، يقتحم مكتبه بهمجية لم يسبق له التحلى بها، فاذا بسيف يترك حاسوبه ويستدير تجاهه بجمودٍ تام، يقابل عنفوان حديثه:
_بقى أنت ترميني بره الرمية دي، عايش دور الدكتور المهم، أمال لو مكنتش دكتور أطفال يلا كنت عملت أيه؟!!
منحه نظرة باردة، وقال:
_عايز أيه يابن الشيخ مهران، ويا ريت تنجز عشان مش طايق أشوف خلقتك؟
زوى حاجبيه بدهشةٍ من اسلوبه الفظ:
_مش طايق تشوفني أنا!!
سحب الحاسوب وعاد يسجل حالات اليوم بعدم مبالاة به:
_مش كنت بتتحرج من أفعالي الطفولية، أديني بعدت وسبتلك الطريق مفتوح، مش كده أروق ليك؟
جلس على سطح مكتبه الفخم، وردد بحيرة:
_معقول تكون زعلت من هزاري يا سيف؟!
نبع ألمًا غامضًا بين مُقلتيه، فتوقف عن الكتابة، واستدار يخبره في لينٍ:
_لا مزعلتش يا آيوب، بس إنت فعلًا معاك حق في كل كلمة قولتها، أنا صاحب سييء وأناني، عشان كده مش لازم أتسببلك في احراج من أي نوع مرة تانية.
واستطرد بنبرة يلتمسها منه آيوب للمرة الاولى:
_أنا طول عمري كنت لوحدي، مكنش حوليا غير يوسف أخويا، الكل كانوا بيشوفوني غريب، وبيبعدوا عني، يمكن عشان مكنتش بحب الاختلاط، وكنت بميل للعزلة أكتر، لحد ما أنت ظهرتلي.
تحولت نظراته إليه، وقد قرأ آيوب في عينيه كسرة وحزن أوجعه للغاية:
_من اول ما شوفتك وأنا مرتاح ليك، حتى بعد ما عرفت اسمك، كرهي لابويا خلاني كاره أي حد بنفس الاسم، الا إنت معرفتش أكرهك ولا أعزلك عن العالم اللي أنا فيه بطولي، وبردو مش قابل أكون متحكم في حياتك بالشكل المرضي ده، إنت ليك حياتك ومن حقك يدخلها أكتر من صديق. .
ونهض عن مكتبه ينزع البلطو الطبي، ويتجه لغرفته الجانبية قائلًا:
_ العيب فيا أنا يا آيوب، أنا اللي وحش مش إنت، اخرج من هنا وانساني، خلي علاقتنا محدودة زي ما علاقتي مختصرة مع كل اللي حواليا.
قالها وولج يغلق الغرفة الصغيرة من خلفه، بينما مازال آيوب يجلس محله، في محاولات لاستيعاب ما لفظه بوجهه وهرب للداخل، تحرك بعد دقيقة اتخذها مهلة يتمعن بها لما قيل، ونهض يطرق على الغرفة بغضبٍ:
_سيف افتح وبطل هبل، إنت أكيد مش طبيعي، علاقة أيه اللي عايز تقطعها، هو احنا اللي بينا بيتمحي بالبساطة دي، اخرج هنا واجهني متبقاش جبان!!
عاد يطرق مجددًا، لدرجة جعلته يركل الباب بعنفوان:
_سيف اخرج حالًا والا هكسر الباب على رأسك، افتح!
لم يأتيه أي ردًا منه، فخرج يتجه لقسم النساء والتوليد والعصبية تستوحش معالمه، استعلم عن مكتب يوسف وطرق بيده، ثم ولج دون أن يستمع لاذن الدخول.
رأى يوسف يجلس مهمومًا على مكتبه، مستندًا بوجهه على يديه، وما أن رأه حتى ردد بابتسامة عذباء:
_آيوب! إنت بتعمل أيه هنا؟
وقف قبالة مكتبه يخبره بنغزة حاملة لوجعه الشديد:
_أخوك بيقولي علاقة الصداقة اللي بينا انتهت، وقافل على نفسه ومش راضي يفتح ليا، من فضلك يا دكتور يوسف تتصرف معاه، عشان أنا هضربه صدقني.
تعجب مما استمع إليه، واستقام بوقفته بذهولٍ:
_معقول!!
أكد له آيوب، والغضب يتضاعف بفيروزته:
_هتتصرف معاه ولا أكسر الباب وأدشملهولك في بعضه!
تهدلت شفتيه ضحكًا على حديثه، فنهض ينزع البلطو الطبي وهو يقول:
_لا هتصرف متقلقش.
وهمس بسخط:
_يعملوها الصغار ويقعوا فيها الكبار!
اتبعه يوسف للقسم الخاص بالاطفال، فولج لغرفة أخيه، ووجد غرفة تبدل الملابس مغلقة مثلما أخبره آيوب، طرق يوسف على الباب ونادى أخيه برفقٍ:
_سيف إفتح الباب.
أتاه صوت أخيه يردد بوجومٍ:
_إمشي إنت وهو يا يوسف، أنا مش هخرج طول ما هو بره.
كور آيوب قبضته بغضبٍ، بينما يربت يوسف على ظهره ليهدئه:
_اصبر وأنا هحل الدنيا.
وعاد يخبر أخيه:
_طيب فهمني أيه اللي حصل؟
بحزنٍ شديد قال:
_أنا شخص أناني يا يوسف، وعمري ما فكرت غير في نفسي، طول عمرك بتضحي عشاني وأنا عمري ما عملت شيء عشانك، حتى علاقتي بآيوب بنيتها على هذا الاساس، أنا مستحقش يكون ليا أخ زيك ولا صديق زيه، هي معاها حق في كلامها، اتخلت عني عشان أنا وحش وأناني.
طعن قلب يوسف في الصميم، وقد تسرب له شكوك ما يمر به أخيه، فمال على الباب يسأل برعبٍ:
_مين اللي قالك كده يا سيف؟؟؟؟
أتاه صوته مكبوتًا ببكاءٍ مختبئ خلف وجومه:
_أمك! كانت مستيناني قدام المركز، جت مخصوص تقولي أنها عمرها ما حبتني لاني أناني، حتى بعد كل اللي انت قدمتهولي كنت أناني معاك يا يوسف، هي صح أنا وحش واستحق أكون لوحدي من غيرك ومن غير آيوب ومن غير زينب كمان، أنا عايز أكون لوحدي زي ما كنت.
سقط يوسف أرضًا جوار الباب من الخارج، فهلع إليه آيوب قلقًا، وقد اخترقت كلمات سيف صدره كالحمم النارية:
_دكتور يوسف إنت كويس؟!!
أزاح نظارته الطبية عن عينيه، ليزيح دموعه، واستمد نفسًا يزيح به وجع حلقه، بينما يميل برأسه على باب الغرفة يخبره:
_سيف أوعى تقول على نفسك أناني تاني، إنت عمرك ما كنت أناني، إنت اتجبرت تكون وحيد جوه البيت بعد سفري، وبعدها اخترت تكون في الوحدة دي لانها حققتلك السلام، إنك كنت خايف تصاحب أو تخرج من عزلتك دي مش أنانية، حبك لآيوب واكتفائك بيه رغم ان حوليك أكتر من حد دي مش أنانية، إنت عمرك ما كنت أناني يا سيف، هي اللي وحشة وعايزة تنقل سواد قلبها ليك، عايزة تدمرك وترجعك للحالة اللي كنت فيها بغيابي عنك.
وبوجعٍ وكسرة، ودمعة تنهمر على وجهه قال:
_فلو فارقلك وجعي وكل اللي عملته عشانك، هتخرج حالًا وهتنسى كل اللي اتقالك، أنا مش متحمل أشوفك انت بالذات بالحالة دي، ولو أنا هونت عليك فعلًا هتكون أناني بجد يا سيف.
وسأله ودموعه تنهمر بمرارةٍ على امتلاكه أمًا قلبها كقبضة من حديدٍ قاس:
_هيهون عليك وجعي يا سيف؟
طرق آيوب على بابه وردد باحتقانٍ، من شدة تماسك دموعه فور أن علم بما أصاب رفيقه:
_افتح يا سيف بالله عليك.
حرر المزلاج أخيرًا، وخرج بعيني متورمتان من أثر البكاء، بعدما أزاح منهما الدموع، احتمل يوسف على ذراع آيوب، ونهض يقف قبالته، يعاتبه بضيق:
_انت عارف هي بتعمل كده ليه، تقوم تسهلها عليها؟؟؟
اختلج فيه الألم وتحرر:
_أنا مش عايز أكمل هنا يا يوسف، خلينا نرجع للندن، أنا مش عايز أفضل هنا تاني.
التقفه بين ذراعيه يضمه، فتعلق به سيف وتحرر بكائه بشكلٍ أبكى آيوب، وجعله ينسحب بالخارج، لا يقوى على رؤيته بتلك الحالة، بل انفرد بزواية بعيدة وأعاد الرنين بأخيه الذي هتف بقلق:
_خير يا آيوب لبست في أيه المرادي؟
أتاه صوته المحتقن، يشكو له:
_أنا في المركز عند سيف، تعالى يا آدهم!
قالها وأغلق الهاتف، وهو يجفف دموعه بحسرة على وجع رفيقه، لم يلمس فيه يومًا أي عقد، ربما لم يقص له سيف يومًا عن مشكلته مع والدته، وعما فعلته به ليصل لتلك الحالة.
خمسة وعشرون دقيقة أستغرقها آدهم بالعودة لمكان أخيه، صعد راكضًا للطابق العلوي، وصوت أخيه الباكي لا يفارقه، كان الطابق فارغًا، وبنهايته يجلس آيوب بين المقاعد المعدنية، أسرع بخطاه وهو يناديه بلهفة:
_آيــــــــوب!
نهض عن مقعده يقابله بنظرة وجع، وحينما اقترب قال شاكيًا:
_سيف عايز يقطع علاقته بيا يا آدهم، أنا السبب في اللي وصله ده، أخر مرة ركبنا معاك كنت بايخ في هزاري معاه، مكنتش اعرف أنه هياخدها بالحساسية دي، طلع الموضوع خاص بطفولته وهو عمره ما كلمني عن حاجه تخصه ولا تخص والدته، أنا مكنتش أعرف حاجة يا آدهم والله ما كنت أعرف.
ربت على كتفه بحنان، وهدأ من روعه قائلًا:
_اهدى بس عشان أفهم منك، هو فين سيف؟؟
أشار بيده للغرفة:
_جوه مع دكتور يوسف.
هز رأسه برزانة، وقال:
_طيب تعالى.
وتخطاه آدهم واتجه للغرفة، طرق الباب ثلاث مرات ولم يدخل الا حينما فتح يوسف الباب، واستقبله بذوقه المعتاد مرحبًا:
_المركز نور بيك يا حضرة الظابط، اتفضل.
أجابه ببسمة جذابة، وقد تملق للاحترام:
_منور بيك يا يوسف.
ولج للداخل ومن خلفه يتبعه آيوب، كالطفل الصغير الذي يحتمي بأبيه ليصلح ما أفسده دون قصدًا منه، بحثت عيني آدهم عن سيف، فوجده يتمدد على سرير الكشف وقد ضم يده فوق عينيه ليخبئ تورمهما، فمنحه شيئًا من الخصوصية، حينما استدار يقابل يوسف بحنكةٍ:
_طمني عن أخبارك يا يوسف، وعن القمراية الصغيرة
رد عليه ومازال يحافظ على ابتسامته:
_انا زي الفل ونوجه بخير والله، هجبها معايا حنة آيوب بعد بكره باذن الله، أنا حتى اشترتلها فستان قد كف ايدي.
ضحك آدهم ورد عليه:
_ما شاء الله ربنا يباركلك فيها يا ررب.
أجابه يوسف بمحبة:
_تسلم يا آدهم، وعقبال ما أناولك الباشا أو الهانم اللي هيشرفونا على التاسع باذن الله.
مازحه وهو يتابع أخيه الذي يتطلع لسيف بحزن:
_لا من الناحية دي فهيشرفنا على ايدك بشوات عيلة الغرباوي والشلة كلها تقريبًا.
واتجه إليه يخبره في حركة ذكية اعتاداها بعمله؛
_بالمناسبة في موضوع خاص عايزك فيه، تسمح.
فهم يوسف اشارته المبطنة، وخطى برفقته للخارج تاركًا لايوب المساحة:
_أكيد طبعًا اتفضل يا حضرة الظابط.
خرجوا معًا تاركين آيوب برفقة سيف، فدنى يجلس على المقعد المخصص لسيف حينما يفحص الاطفال على الفراش، جلس قبالته وردد بحشرجة أصابت حلقه:
_بقى كده يا سيف، عايز تقطع الصداقة اللي بينا بالسهولة دي، طيب على فكرة بقى أنا مش فارقلي كلامك كله، وهتنضرب يعني هتنضرب، عشان بعد كده متقولش اللي قولته.
حافظ على يده الموضوعه فوق عينيه، فردد آيوب بسئم:
_عكننت مودي وأنا اللي، جاي أخدك بالعربية الجديدة نأكل دره مشوي!!
وأضاف بعندٍ:
_وأنا مصر بقى اننا نخرج ونروح نأكل الدرة، نفسي رايحاله هتكسفني ولا هتقوم معايا!
ولكزه وهو يناديه:
_سيفوووووو، سيفـــــــــو قوووم نأكل دره سخن وننسى اللي فات، أنا لسه واخد طالعه على الرصيف معتبرة، فعشان نضمن اننا هنوصل بسلام سوق انت.
ضحك سيف رغمًا عنه، وأبعد يده، فتابع آيوب ضاحكًا:
_شالوني بالونش وأنا جوه العربية، وكل ده عشان أستسلم ومجيش ليك بس جيت ولا همني، حتى لو لبست في الرصيف مرة وعشرة ومليون، عشان تعرف معزتك بس!
تعالت ضحكاته على حديثه، واستقام بجلسته قبالته يخرج صوته الهادر بسخرية:
_إنت جايب أخوك الكبير يسلكلك الحوار!
شاركه الضحك وقال بقلة حيلة:
_هعملك ايه ما أنت انزويت جوه انت ودكتور يوسف، وأنا بره مش عارف أدخل ولا أمشي، فكلمت آدهم يتصرف، هو عاقل وبيعرف يواكب الموج صح.
وأضاف ضاحكًا:
_أنا حاسس أصلًا اننا قالبنا على أطفال في كيجي تو، هو الفرق بينا وبينهم 9سنين بس بردو شكلنا قدامهم أيه؟
رد عليه سيف ضاحكًا:
_أصلًا!!!!! مش شايفني وأنا مستخبي من ساعتها وعامل نفس مغمي عليا عشان آدهم ميشوفنيش هو كمان.
رد عليه آيوب بحماس وابتسامة مشرقة:
_أيه رأيك نغفلهم ونهرب من نحية السلالم اللي ورا، ونروح نحققلك الامنية بتاعتك ونأكل الدرة.
أجابه في لهفة وقد سُر بأنه خرج عن حالته:
_يلا.
نهض سيف يتسلل لباب الغرفة، ومن خلفه آيوب، فتحوا الباب معًا ومدت رأس سيف للخارج ومن فوقه رأس آيوب، يتفحصان موضع آدهم ويوسف، فوجدهما يجلسان بنهاية الطابق، جوار المصاعد، على احدى الطاولات، يرتشفان القهوة، همس له آيوب:
_دي اللحظة المناسبة، افتح ونجري على طول.
رفع سيف رأسه عاليًا له وقال:
_بالذمة ده كلام عريس حنته بعد بكره! مش همك منظري قدام الممرضات وهما شايفين دكتور بمركزي بيجري زي الاهبل كده!
لكزه باستنكار مضحك:
_ولا إنت هتشوف نفسك ولا أيه، ده انت دكتور أطفال، أمال لو كنت دكتور جراحه كان غرورك وصل لفين؟؟ لخص يا سيفوو بدل ما اعترفلهم بالسر ورا اللقب النبيل سيفو حقنة.
فور أن نطقها فتح سيف الباب وهرول راكضًا، ومن خلفه ركض آيوب وهو يردد بضيق:
_معدتش من واحد لتلاته ليه، انا مكنتش لسه مستعد يا غبي!!
ركضوا معًا للاسفل، ويوسف وآدهم يتابعان ما يحدث بصدمة، وكان أول من نطق يوسف المتساءل باستغراب:
_هما بيجروا كدليه؟؟
ضحك آدهم وأجابه بسخرية:
_محروجين من لعب العيال اللي عملوه قدامنا، وهو فعلا لعب العيال.
جلس يوسف مجددًا يحتسي كوبه:
_والله لسه قايل من شوية يعملوها الصغار ويقعوا فيها الكبار، إدينا قاعدين نحلل ونصالح وفي الاخر سابونا خلعوا.
قهقه آدهم بصوته الرجولي، وقال وهو يرتشف كوبه:
_أديها فرصة نقعد مع بعض في جو هادي، وهما يحلوا مشاكلهم النوتي دي مع بعض.
شاركه يوسف الضحك، وقال يستعرض له ما حدث:
_آيوب الشاب المتدين الطيب خرج عن شعوره، بيقولي هتتصرف مع أخوك ولا أدشملهولك!!! أنا اتصدمت وشبهت عليه، حسيت وكأن نسخة عُمران واقفة قدامي.
ترك كوبه وقال يؤكد له:
_الطاووس الوقح أسس مدرسة وضمنا كلنا ليها بالاجبار، فخد بالك من نفسك يا دكتور!!
عدل من نظارته الطبية بعنجهية مضحكة:
_لا انا انضميت لمدرسة علي باشا الغرباوي، ماليش أنا في جو المراجيح دي، بتعلي الضغط عندي، أوعى بعد القعدة الروشة دي تنقل الكلام ليه، ربنا يجعل كلامنا خفيف عليه، وخصوصًا بعد ما قولتلي ان الذاكرة رجعتله.
واستكمل بخوفٍ اضحك آدهم:
_ بفكر أتلاشاه شهرين تلاته لحد ما اعصابه تروق وتهدى، الانسان ده إتخلق عشان كل اللي حوليه يتلاشاه ويتقي غضبه!!
******
صف سيارته ببقعة منعزلة بالقصر، وبهدوءٍ مخيف نزع عنه جاكيته وجرفاته، وحل أزرار قميصه ببطءٍ، بينما تموج عينيه المساحات الخضراء، وحديث ذلك الأرعن يترك علاماته داخل أعماقه.
لم يكن بمخيلاته أن يوصل ألم زوجته لتلك الدرجة، لم يكن الأمر مقتصرًا على غيابه فحسب، بل كان للأغلب دورًا فيما خاضته بدونه، وما يُولم قلبه أن تكون والدته ممن تسببن بوجعٍ لها، لقد أقسم لها على أن يستعيد حقها كاملًا ممن تسببن لها بالأذى، فماذا سيفعل بوالدته بحق الله؟!
خرج عُمران من سيارته مهمومًا، بعد أن تمكن من معاونة جمال بالخروج من تلك الحالة التي كان سببًا بها، وفور أن انعزل ببقعته المعتمة، خنقه الألم وجعله يشعر بعدم مقدرته على التنفس بشكلٍ طبيعًا.
رطمه الهواء ففرق قميصه المفتوح، ضاربًا صدره بتياراتٍ باردة، تمنى لو نفذ من جلده السميك لنيران قلبه المستعيرة، مضى بطريقه قاصدًا مدخل الحديقة الخلفية، المطعم بالرخام الثمين، وإذا به يكاد أن يمر للداخل فوقعت رماديتاه عليها تغفو على أرجيحة القصر الخارجية، بين الورود، أتجه إلى محيطها والعتاب يقتنص من عينيه، ويزيد من وابلها.
وجدها تحني ساقيها وقد وضعت حولهما قربة من المياه الباردة، رفعها عُمران عنها، فلاحظ احمرار أصابعها، فعلم أنها تؤلمها، جذب المقعد الخشبي الخاص بالطاولات الخارجية، وقربه منها، وبلمساته الخبيرة بفك تشنجات الساقين وقتما يمارس التمارين الرياضية، استطاع أن يجفف من حدة ألمها، فاسترخت معالمها وبابتسامةٍ رددت:
_علي!
فتحت عينيها لتتفاجئ بصغيرها، الذي يضع عينيه نصب الوجع تهربًا من أن يتطلع لها، فابتسمت بسعادة ولهفتها تنطق بما فيها:
_عُمــــــــران!! رجعت أمته يا حبيبي، أنا بستناك من ساعتها!
ازدرد غصته وأجابها:
_من شوية..
وقال ومازال يفرك ساقيها برقة:
_مالها رجلك؟
أجابته بوجعٍ وهي تمدد ساقيها:
_كنت مع أحمد في العين السخنه، كان عنده اجتماع مهم هناك وروحت معاه، اتمشينا كتير ولما رجعت محستش برجليا.
ردد بحشرجة عميقة:
_ألف سلامة على حضرتك.
انتظرت أن يرفع رأسه ولكنه لم يفعل، فسحبت ساقيها من يده وجلست قبالته، تسحب ذقنه وتجبره ليقابلها، وهي تناديه:
_عُمـران!!
توسعت زُرقتها في صدمة، حينما رأت احمرار عينيه بشكلٍ نقل لها غضبه الشديد، فرددت بفزعٍ:
_مالك يا حبيبي؟
تهرب منها بابتسامة زائفة:
_مفيش، راجع مصدع شوية، هأخد مسكن وهرتاح.
لمست كذبته من قبل خروجها، وأصرت بقولها:
_أيه اللي مضايقك ومخليك بالشكل ده، اتكلم يا عُمران!!
تعمق بعينيها وعتابه يجلدها دون حديث، وبشجاعة حرر ما ابتلعه بارادته:
_مايا اتوجعت في بعدي، وزاد عثمان وجعها باصراره إنه يجوزها غصب عنها، فازاي جالك قلب تزيدي من وجعها لما قررتي تجوزيها من علي!!! إزاي قدرتي تعملي كده؟!!!
جحظت عينيها في صدمة، ورعب مما سيحدث بينها وبين صغيرها، انسحب كفها عن وجهه، وبالرغم من التماع الدموع بعينيها الا أنها ابتسمت فرحة نطقتها بحديثها:
_اللي قدامي ده عُمـران ابني، متتخيلش أنا ارتاحت ازاي أنك رجعت لقوتك ومبقاش في مجال لحيرتك بين شخصيتك اللي كنت وبقيت عليها.
رد بهدوءٍ والاحترام يلحق نبرته:
_مش دي اجابة سؤالي، سؤالي واضح يا فريدة هانم.
تطلعت له بارتباكٍ، وتساءلت بتلعثم:
_مين اللي قالك؟ عثمان أكيد لان مايا عمرها ما تعمل كده، تربيتي وأنا واثقة فيها.
ابتسم بألمٍ، وقال يعاتبها:
_ولما هي تربيتك، إزاي قدرتي تكوني قاسية عليها بالشكل ده، مفكرتيش في علي، ازاي قبلتي تحطيه في موقف زي ده هو وفاطيما، ازاي أخدتي قرار قاسي ومتهور زي ده قوليلي يا أمي!!!
وأضاف والوجع يحشرج صوته المبحوح:
_كان هيجيلك قلب تقدمي حياة ليها ولابني على حساب حياة علي وفاطمة؟؟!!
وبابتسامة ختم فيها وجعه المتضخم:
_للدرجادي كنتِ مصدقة إني مش راجع، محطتيش أمل صغير أني عايش طالما مشوفتيش بعنيكي جثتي!!
أخفضت وجهها أرضًا عسى أن تخفي تلك الدمعة الزاحفة على وجهها، فما أن رأها عُمران حتى نهض يزيحها عنها وهو يهتف:
_تعالي معايا أطلعك الجناح، إنتي محتاجة ترتاحي.
مالت على كفه الموضوع على وجنتها، قبلته وبكت بصوتٍ مزقه، لم يشهد بكائها الا مرات قليلة معدودة، ولم يأتي من قلبه أن يكون سبب بكائها، انحنى على ركبتيه قبالتها يهاتفها بألم:
_أنا مش هتحمل أشوفك كده، وغصب عني موجوع منك، قوليلي طيب المفروض أعمل ايه؟؟؟
أبصرت عن زُرقتها تتعمق في رماديتاه، ومزقت صمتها قائلة:
_كنت خايفة، من بعدك حسيت اني مبقاش ليا حماية، إنت اللي كنت بتحامى فيه، شخصيتك غير أحمد وعلي، عشان كده كنت بخاف عليك طول الوقت، لإنك عمرك ما سبت حقك وده خلى عيلة الغرباوي كلها تعملنا ألف حساب، ومن بعدك محدش كان هيعملهم راجع، مهما علي عمل هو وأحمد عمرهم ما كانوا هيسدوا قبالهم.
واستدارت وبكائها يتعالى وجعًا:
_عثمان اتخرس طول السنين اللي فاتت دي عشان كان عاملك ألف حساب، ولما قرر يجوز مايا كنت عارفة ان مفيش حد هيقدر يوقفه عن قراره، خوفت يخطفها و يجبرها على اللي في دماغه، وقتها مش هنقدر نعمل حاجه لو جوازها، العيشة اللي كانت هتنجبر تعيشها محدش هيقدر يحس بيها غيرها، أنا الوحيدة اللي تقدر عيشة واحدة مع واحد مغصوبة تكون معاه.
استرقت نفسًا طويلًا واستكملت:
_وفكرت في حفيدي، أنا استنيتك ترجع يا عُمران بس لما طولت في رجوعك عرفت انك مش راجع، لانك عمرك ما هتكون عايش وهتقبل بوجعي ولا بوجع مايا وعلي في فراقك، عشان كده اتقبلت بالحقيقة دي، مش بمزاجي غصب عني، عشان كده مكنش عندي اي اختيارات تانية غير اني اتمسك بابنك، هو ده كان هيكونلي العوض الوحيد. كنت هشم ريحتك فيه، وأنا واثقة إن علي هو الوحيد الأمين على بنتي، وعارفة انه عمره ما هيكونلها زوج بالمعنى الحرفي، بس كفايا انه يمنع عثمان يجوزها من أي حد.
أزاحت دموعها وقالت بانكسارٍ:
_ولما علي حبسه صرفت نظري عن الموضوع، ومبقتش افكر غير في لحظة خروجه، وكل لحظة بتمر بفتكرك وانت واقف بطولك قدامه وقدام نعمان وقدام كل شخص حاول يتعدى علينا، أنا كنت بتحامى ورا ضهرك، من قدامك بتنرفز عليك من تصرفاتك ومن وراك فرحانه وفخورة بيك، ويمكن كل ده كان بيزيد قلقي وخوفي عليك.
وضمت وجهه بين يديها وهي تخبره باكية:
_أنا أسفة لو جرحتك من غير ما أقصد، أنا كنت خايفة من لحظة ما تعرف وأديها جيت، أنا مش هستحمل انك دي تزعل مني أو تبعد عني يا عُمران، أنا عايزاك جنبي، تعوضني عن وجع غيابك.
واضافت ببكاء:
_سامحني كنت مجبورة، وعاجزة من غيرك.
استقام بوقفته يضمها لصدره بقوةٍ، فبكت وهي تتعلق به ومازالت تهتف:
_حقك عليا يا حبيبي، أنا آسفة.
قبل رأسها وقال بحشرجة مؤلمة:
_ أنا اللي آسف إني اتكلمت معاكي في الموضوع ده، اللي فات خلاص اتردم من اللحظة دي.
ومال يقبلها هامسًا بمزحٍ:
_وبعدين طالما انتي فخورة بيا وبوقاحتي مع الاشكال اللي متسواش دي بتصدريلي الوش الخشب ليه يا فيري!! ما تسبيني أتعامل وشجعيني بواحدة عفارم عليك اللي مبتطلعش غير لدكتور علي!!
انتزعت نفسها منه تطالعه بصدمة:
_أيه الالفاظ السوقي دي يا ولد!!
ضحك وهو يخبرها:
_ده أرقى حوار أنا خوضته أساسًا، بالك إنتي لو تعرفي عملت أيه في عثمان الكلب ده، خليته بيكلم نفسه في الحبس، كان فاكر إنه سلم مني بروح أمه!! بس على ميـن، ده أنا مبدئي ثابت، تحترمني أحترمك، هتقل مني هحط عليك، وأنا حطيت عليه حاطة هتقسم وسط أمه نصين وهتعمله تروما.
وتنهد بحزن مصطنع:
_يلا هو ابن حرام ويستاهل الطالعه دي.
ازداد اتساع بصرها في صدمات تتلاقاها بعدم استيعاب، فاذا بها تقف قبالته فهتف بتشجيع:
_المساج جاب نتيجة عظيمة أهي!
هزت رأسها بثبات مخيف، ورددت مشيرة على حذائها الموضوع أرضًا بتنساق:
_هات الشوز مش قادرة أوطي.
انحنى يحمل الزوجين، ويقربهما من ساقيها ليعاونها بارتدائه، ففاجئته حينما جذبتهما، تلقيهما عليه صارخة بجنون:
_آه يا وقح يا عديم الرباية، أنت ازاي وصلت للمستوى المتدني ده، ومش مكسوف وانت بتتكلم قدامي، قدام فريدة هانم الغرباوي!!
ركض للمصعد وصوت ضحكاته أرغمتها على التبسم وخاصة وهو يخبرها قبل انغلاق باب المصعد:
_كان نفسي أشيلك لجناحك وأقوم بدور جوزك المُقصر ده، اخلعيه في محكمة الاسره يا فيري.
وفور أن وصل للطابق العلوي، مد رأسه من السور يتطلع لمحلها بالاسفل:
_لو هديتي أنزل أطلعك جناحك، لو لسه غضبانه هضطر اقولك تصبحي على خير برنسس فريدة.
قالها وأسرع لجناحه، والابتسامة والفرحة مازالت على وجهها، فتنهدت وشعور الراحة يجتاحها، وصعدت لجناحها على الفور، تغدو بنومٍ مريح بعد أن أراحها التدليك الذي صنعه لها الطاووس.
******
ولج لجناحه والابتسامة تحتل ثغره، فوقع بصره على زوجته الغافلة بفراشها، دنى منها مبتسمًا، وصعد جوارها، يزيح خصلاتها المتمردة، وفجأة عاد مشهد والدته يتردد إليه، فسقط من أمامه ذكرى ما فعلته به مايا حينما كان فاقدًا للذاكرة، وهو ذاك الذي لم يتنازل عن حقه قط، فماذا سيفعل الآن!!
تململت في فراشها، حينما شعرت بأصابعه الباردة فوق وجهها، فتحت عينيها وابتسمت تناديه بصوتٍ رقيق:
_عُمران!
ابتسم رغمًا عن أنفه، ورد عليها بنفس رقة صوتها:
_حبيب قلبه وروحه إنتِ.
اتسعت ابتسامتها وعادت تهمس:
_اتاخرت أوي!
اجابها وهو ينزع حذائه بمكرٍ:
_اشتاقتلي يا بيبي!! أمال ملمحتش رنة ولا حتى مسدج منك ليه؟!
تابعت ما يفعل بدهشة، وخاصة وهي تراه ينزع حزامه الجلد بتأني:
_كنت مرهقة ونمت، لسه فايقة من شوية.
وتساءلت باستغراب:
_عُمران انت بتعمل أيه؟
قرب الحزام منها وهو يلهو به:
_أبدًا يا بيبي، ده انا ماشي من الصبح بصفي حساباتي كلها مع كل اللي غلطوا فيا نفر نفر، حتى جيمي كان عليه ليا لكماية روحت مخصوص وادتهوله، وبينما كنت بصفي عقلي استرجعت مشهد ليكي، وإنتي رافعه عليا الشوز مرتين، فقولت نصفي أمورنا مع بعض عشان ميبقاش في حساسية تعامل بينا ممكن لا قدر الله تؤدي إلى الكره، يرضيكِ نكره بعض يا بيبي؟!
ابتلعت ريقها برعبٍ، وبصعوبة هتفت:
_عُـ مــــــ... ر... ان!
أغلق عينيه محركًا رأسه كالراقص على أوتار الجيتار:
_متحاوليش، مفيش أي اغراءات منك هتنفعني، الحق حق يا بيبي!!
فور نطقه لتلك الكلمة، هرولت راكضت لخزانتها، وأسرعت بغلق الباب وهي تصرخ:
_فريـــــــــدة هانـــــــــــم، يا أنكل احمـــــــــــد، علـــــــــــي الحقووووني بليــــــــز..
ضحك من خلف الباب ومال يهمس لها:
_احبالك الصوتية يا بيبي، الجناح كاتم للصوت، أفتحي كده وخليكي عاقله، الباب مش هيأخد في ايدي غلوة!
ابتلعت ريقها برعبٍ، واذا بها تتذكر الباب السري للصالة الرياضية الخاصة به، فتحته وهرولت للاعلى، تبحث عن مكان تختبئ فيه منه، فتفاجئت بالحائط الحجري بنهاية الجناح، يتحول لشكل زجاج شفاف، ومن خلفه رأت "علي" يجلس على الاريكة منشغلًا بقراءة كتابًا وقهوته لجواره.
مشطت الصالة بنظرة متفحصة، فوجدت جاكيت عُمران الرياضي موضوع على المشجب، جذبته تريه فوق منامتها المحتشمة، صانعة من قبعته حجابًا لها، وهرولت تطرق على الزجاج بكل ما فيها، ولحسن حظها أن الصالة الرياضية والمكتبة لا تحوي على كاتم للصوت.
انتبه علي لصوت الطرق،تعجب بشدة حينما رأى مايا تطرق الباب وتستغيث به:
_علي، الحقني يا علــــي، حاول تكسر الازاز بسرعة، أخوك اتجنن وهيقتلني!!!
اتجه لها بينما تعيد شرح ما تود قوله:
_اكسره بسـ..
ابتلعت كلماتها في صدمة حينما فتح احد الابواب، فولجت تردد بصدمة:
_انتوا عاملين معدية لبعضكم!! اتاريكم بتختفوا بالساعاااات.
واردفت وهي تركض للداخل راكضة:
_يالا مش مهم، المهم ألقى مخبئ ليا قبل ما يلاقيني.
اتبعها علي وتساءل بشك؛
_عملتي أيه المرادي يا مايا، انتي مفيش وراكي غير فريدة هانم وعُمران!! اختيارات كلها عوق ومهالك.
استدارت ترمقه بغضب:
_هما اللي قلبهم قاسي وبيجرجروني لسكة ماليش فيها، المهم خبيني بسرعة يا علي.
ضحك وهو يخبرها:
_هخبيكي فين وهو اللي مصمم المكتبة وعارف مخبئاها ومداخلها.
منحته نظرة غاضبة وصاحت بعصبية:
_هو انت شمتان فيا، ميبقاش قلبك حجر زيهم على الاقل فكر في ابن اخوك مش فيا!!
قهقه ضاحكًا، وهو يقترح عليها:
_خلاص أنزلي تحت عند فطيمة، ده المكان الوحيد اللي مش ممكن يدخله.
زفرت بحنق:
_انا لسه هنزل تحت أنا ضهري اتقطم من الجري!
كاد أن يسقط من فرط الضحك وهو يقول لها:
_طيب اعمل أيه طيب!!
ردت بقلة حيلة:
_هنزل وأمري لله، هي فين طيب؟
قال وهو يتلصص لصعود أخيه المسموع:
_بتشتغل في أوضة مكتبها، عندها اجتماع أون لاين.
أشارت له وهي تهبط مسرعة:
_يعني لابسه حجابها وكله تمام، فل كده، خليك في حضن أخوك بقى تصبح على خير.
وتركته مصدومًا من حديثها عن أمر الحجاب، بينما يتلقف سماع صوت أخيه المتساءل بغضب:
_خبتها فين انطق يا علــــي؟!!!
............. يتبع........
#صرخات_أنثى... #الاقوى_قادم.. #آية_محمد_رفعت..
القراء الاعزاء اللي بره وجوه مصر، وعايزين يشتروا رواياتي الورقية بأسعار بسيطة، وشجن دولي بسيط، تقدروا تطلبوا كل رواياتي من مكتبات عصير الكتب، وانتوا عارفين ان المكتبات دي ثقة جدًا جدًا، هسيبلكم اللينك أول تعليق
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 140 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#عودة_الطاووس!..)
#الفصل_الـ108
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات شهد سليم ـ جيهان فاضل ـ اسراء عبدالرحمن ـ امل محمود ـ سحاب الرفاعى ـ نور معز ـ أميرة عادل الكمار ـ مروة مجدى ـ Mona El Nashar -Esraa Abdel Rahman
Mamet shadey - shimaa Ahmed - mohamed Gamal - Abeer Rizk - om yones - سارة عبد البارى ـ نجلاء فتحي ـ آلاء محمد ـ رحمه مصطفى ـ اماني محمد ـ مني سعيد ـ مريم مجدى ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
هرولت للأسفل ما أن وصل إليها صوته، وتبقت على أخر الدرج مترددة في الخروج، كانت بالبداية ترفض الهبوط للجناح، لربما كانت تجلس "فاطمة" بحريتها، الأمر برمته يخجلها.
ومع ذلك طرقت على الباب الفاصل بين الدرج والجناح، فاذا بفاطمة ترنو من الخزانة، هاتفة بدهشةٍ:
_علي!
وحينما لم تستمع لأي صوت، أسرعت بفتح الباب، فتدرجت دهشتها ورددت:
_مايا!
زفرت بارتياح حينما وجدتها مازالت ترتدي بذلتها النسائية السوداء، يبدو أنها انتهت للتو من الاجتماع، مدت يدها تجاهها وقالت وهي تراقب الدرج من خلفها بذعرٍ:
_طلعيني بسرعة قبل ما يمسكني.
زوت حاجبيها بعدم فهم:
_هو مين؟؟
صرخت بارتياب:
_عُمران.
فور نطقها سحبتها فاطمة للداخل، وأسرعت بغلق الباب قائلة بخوفٍ:
_عملتي فيه أيه تاني يا مايا، أنتِ واخده حبيتين جراءة اليومين دول ولا أيه؟!
تأكدت بأنها أغلقت المزلاج جيدًا، واستدارت تخبرها بغيظٍ:
_أنا معملتش حاجة جديدة، ده ماشي بيحاسب الخلق على اللي عملوه معاه، وجاي يحاسبني على القديم، تصوري يا فاطمة رافعلي الحزام وعايز يجلدني بيه زي أبطال الروايات التوكسيك.
وتابعت وهو تنزع جاكيت عُمران الكبير عن جسدها:
_أنا شاكة فيه من يوم ما اتجوزته أصلًا، يا خوفي ليكون فهد الفهود وأنا كنت غبية ومعرفش.
مالت فاطمة لطرف الخزانة من شدة سقوطها بالضحك، لدرجة أدمعت عينيها صدمة وتأثرًا بما قالته، فرمقتها مايا بغضب:
_بتضحكي على أيه؟ بقولك عايز يجلدني عشان يتكيف!! يا صدمة صبري وحبي الكبير ليه، طلع سادي مريض!
ركضت فاطمة تكمم فمها، وتحذرها برعبٍ:
_هووش أسكتي يا ميسان إنتي عايزة تموتي النهاردة بجد ولا أيه؟!
أبعدت كفها وهي تراقب باب الخزانة بخوف، ثم قالت:
_أنتِ مش هتتخلي عني أنتي وعلي صح يا فطوم؟؟
ضحكت وهي تخبرها مازحة:
_أنتِ بتجرينا لحرب مع الطاووس وعايزنا نكون معاكي!!
لطمت على صدرها بطريقة درامية، أذهلت فاطمة:
_بعتيني من أولها يا صاحبتي!!
وجذبتها من تلباب جاكيتها،تهزها بعنف:
_ أغراكي بكام ابن الغرباوي، انطقي بعتني بكام؟؟؟؟
أذعنت خوفها منها، وهمست بهلعٍ:
_دولارات الدنيا كلها فداك يا باشا، من الصبح هعمله اضراب في الشركة، ولو عايزاني أقدم استقالتي همضيها وقتي وقدامك.
ابتسمت فى رضا وهي تحررها:
_لا مش للدرجادي، لو استقالتي وبعدتي مين هيجبلي أخباره أول بأول.
وأضافت وهي تطرق كتفيها بفخرٍ، كأنما تحملها مسؤولية بلدها على عاتقها:
_إنتِ عنيا هناك يا فاطمة، ولاني للاسف ارتحت في الانتاخة بالبيت فمستحيل هرجع تاني، لذا مراقبتك للكائن ده مهمة ليا ولمعاهدة السلام والصداقة اللي بينا.
تعالت ضحكات فاطمة، وقالت في حبورٍ:
_أنا عنيا وسماعات أذني كلها تحت أمرك يا سلفتي.
مالت تضمها وهي تطبع قبلة على خدها:
_كده تبقي صاحبتي وحبيبة قلبي، وكفاءة!
واستطردت وعينيها تجوب الجناح بنظراتٍ فضولية:
_قوليلي بقى، عندك أيه يتأكل هنا؟!
****
_وبعدين؟؟
قالها "عُمران" بعصبية، وهو يرى أخه يتجاهله تمامًا، ويستكمل قراءة كتابه، محركًا مقعده الهزار ويرتشف من كوب قهوته ببرودٍ، بينما يجيبه ببراءةٍ:
_عُمران، هو أنت لسه قاعد هنا؟ فكرتك نزلت جناحك!
ضم شفتيه معًا بغيظٍ من طريقته، فاذا به ينحني ويخطو بالمقعد تجاه بقعة أخيه، حتى بات ينحني إليه، مرددًا بهدوءٍ خطير:
_عيب تصيع على واحد صايع يا دكتور، إستعيذ بالله من الشيطان كده واقوم نادي مايا من تحت، بمنتهى العقلانية والنضوج اللي اتربيت عليهم طول عمرك.
تحكم بضحكاته بصعوبة، وأغلق كتابه وهو يجيبه:
_مش أنا قولتلك من ساعة ما دخلت إني مش مانعك عن مراتك، ولا قافل عليها أبواب، أتصرف وكأنه مكانك يا حبيبي.
أدمى شفتيه السفلية من شدة غيظه الشديد، فهدر بخشونة:
_علي يا غرباوي بلاش تلوي دراعي بالخبث ده، انت مش قدي صدقني، انت عارف أني مستحيل هنزل للجناح فلزمتها أيه اللفة الصايعة دي.
دفعه للخلف فسقط على مقعده، بينما يصيح بحزمٍ وصرامه:
_في واحد محترم يكلم أخوه الكبير كده؟!! لو فاكر إني هديك الفرصة تحرر البلطجي اللي جواك ده قدامي تبقى بتحلم.
وقبل أن يتحدث عُمران بحرفٍ أشار يحذره:
_أنا مش عايز ضوضاء جنبي من أي نوع، محتاج هدوء لحد ما أخلص الكتاب اللي في ايدي، هتقعد اقعد بأدبك، مش قادر تسيطر على البلطجي اللي جواك خده وامشي.
عاد يجلس والابتسامة الخبيثة تتسلل لمعالمه الوسيمة:
_هكتفلك أمه دلوقتي، كمل استجمام في جوك الممل ده، أنا صايع وموريش أي حاجة.
قالها ومشى تجاهه، يختطف كوب قهوته، ويتجرعه مرة واحدة كأنه يبتلع دواء مر الطعم، غير مباليًا بشرارة علي المقتادة، بينما يتجه متبخترًا للشازلونج المتطرف بزواية المكتبة، تمدد من فوقه واضعًا كف يده فوق عينيه ومال يصفر باستمتاعٍ.
ابتسم "علي" وهو يتابع مشاكسات أخيه، التي تحاول استدراجه خارج نطاق بروده، ليصب جم غضبه عليه، لذا لم يحقق مراده، ونهض يتجه لماكينة القهوة الحديثة، يعد كوبًا أخر، ثم عاد يهز مقعده بانتظامٍ، وهو يتابع قراءته، حتى استمع لصوت ينذره بنضج القهوة، فنهض يحملها ويعود لمقعده يستكمل قراءته.
نهض عُمران عن الشازلونج، واقترب منه يميل متلصصًا على ما يقرأه، فجلس على حافة المقعد وهو يتابع الصفحة من أمامه بتركيزٍ أضحك علي، وبعد خمسة دقائق، انزعجت معالم وجهه وعبر:
_إقلب الصفحة بقى، خلاص قريناهم!
رد عليه ومازال يتمعن بالكتاب:
_أنا لسه! وبعدين إنت بتسمي قراءة الأرانب دي قراية!
أدلى شفتيه ساخطًا:
_وقراية السلاحف دي هي المعترف بيها ولا أيه مش فاهم!!
مال الكتاب جانبًا وزفر بانزعاجٍ:
_ما ترجع جناحك يا عُمران.
رد بنفس الانزعاج:
_اديني مراتي وهمشي، أنا مش غاوي فراهدة كلام أكيد، يمكن تقتنع إن حبالي طويلة.
منحه نظرة مستهزأة، وعاد يستكمل قراءته، فنهض عُمران في نية العودة لمحله، وقبل أن يخطو خطوة واحده، كان يرتشف كوب قهوته الثانية بعنادٍ، جر "علي" لساحة الحرب:
_أنا لو قومتلك هربيك من أول وجديد يا عديم التربية.
استكمل طريقه، وتمدد مرددًا بسخرية:
_مستنيك، بس متتأخرش لحسن بنام بدري.
ردد باستنكارٍ:
_بعد كمية القهوة اللي ضربتها دي مش هتنام الا على الاسبوع اللي جاي.
مال على جانبه، ليكون مقابله:
_طيب كويس، هسليك بدل ما أنت قاعد في هدوء الاشباح والموتى ده!
وأضاف وابتسامته تتسع بغرورٍ:
_ أنا حظك الطيب في الدنيا، من غيري كنت هتتحرم من التسلية ومن رفاهية الحياة كلها يا علي، أعترف إن كل ده متحققلك لاني أخوك.
ضحك باستهزاءٍ:
_غامرني بكرمك وأفضالك إنت، ممتن لوجودك المستفز يا قلب أخوك.
مال برأسه ضاحكًا، وحاول أن يستغرق بالنوم، بينما يمضي علي بقراءته، فمرت به ساعة كاملة ظن بها أن بهدوئه قد استسلم لنومه، فأغلق كتابه، ونهض يتجه للشازلونج الضخم، ينزع عنه نظارته الطبية ويتمدد جوار أخيه، وعينيه تراقب سقف الغرفة، الذي حفر فيه صفحات فارغة، بشكلٍ أبهر تصميمه، وما كاد بأن يغلق عينيه ليحظى بنومٍ مريح، حتى أتاه صوتًا مناديًا:
_علـي.
فتح رماديتاه مبتسمًا:
_القهوة جابتلك أرق!
نزع يده عن وجهه، فاذا به شاردًا ببقعة بعيدة، وبهدوئه الذي أقلق أخيه قال:
_تفتكر أني أستحق الكرم الكبير اللي ربنا سبحانه وتعالى من بيه عليا؟
عبث علي واستدار تجاهه، متسائلًا:
_مش فاهم سؤالك؟
وضح له ومازال يشرد بعيدًا عنه:
_هل أنا أستحق حب مايا، وتضحية جمال، ووجعك اللي كنت أكبر سبب فيه، انكسار فريدة هانم، عذاب كل اللي حواليا لفراقي، كل ده مخليني متلخبط وحاسس إني مستحقش كل ده، أنا مقدمتش ليكم كلكم الا الوجع، حتى بعد موتي الزائف، ويمكن لو كنت ميت بجد كنت هتتحمل مسؤولية مايا وابني فوق كتافك العمر كله، زي ما كنت شايل مسؤوليتي أنا وشمس!!
ارتطم الألم بمُقلتيه، فاذا به يتقلب باتجاهه، وبانقباضة قلبه قال:
_أيه التخاريف اللي بتقولها دي يا عُمران!! لو انت مستحقتش حبنا ليك وانت بالطيبة والحنان ده، بالله عليك مين اللي هيستحق؟
وأضاف والشك يتمختر برماديتاه، وقد نهض جالسًا على الشاذلونج:
_وبعدين أيه اللي يخليك تتكلم الكلام الغريب ده؟!! عُمران إنت مخبي عني أيه؟!!
تنهد بقلة حيلة من فشله بإخفاء أي أمرًا عن أخيه، فاستند على جذعيه واستقام بجلسته قبالته، وبارتباكِ قال:
_صفيت حسابي مع عثمان، أنت عارف إني مستحيل هسيب حقي.
توترت معالمه قبالة أخيه، فتجاهل ما قاله، وسأله بامعانٍ:
_قالك أيه يخليك تقولي الكلام ده؟!!
لفظ نفسه على مراحل، وقال:
_قولتله إن مفيش ست تعاشر عُمران سالم الغرباوي وتقدر تعيش مع راجل تاني من بعده، قالي حتى لو الراجل ده كان علي الغرباوي!
اتقبض قلب علي بخوفٍ، وترقب لما سيقول، فاستطرد بغضب:
_ابن العالمة بيحاول يخرجني عن شعوري بس أخوك راجل ويسد في أي خانة، سدتها عليه شرق وغرب، وزمانه دلوقتي مقضيها مرش في الهدوم وغسيل حلل.
تحلى عن صمته أخيرًا، وقال برزانة:
_عُمران أنا عمري مكنت هسمح لده إنه يحصل، أنا قادر أحمي مايا واللي في بطنها من غير ما ده يحصل وآ..
بتر حديثه حينما ضم كفيه:
_متكملش يا علي، أنا لو شكيت في نفسي بيوم من الايام إنت أخر شخص ممكن أرفع عنيا فيه.
وابتسم يشاكسه بابتسامته:
_زمان لما اتحطينا في نفس الموقف، قولتلي أنا أتعمي قبل ما أرميك بنظرة باطنها الشك وأتهام الخيانة، ودلوقتي الزمن دار وجيه عليا الدور أقولك إني أخون نفسي ألف مرة والا إن إسمك يتذكر في جملة فيها خيانة أو أي صفة كريهة.
وأضاف وهو يمازحه بغمزة:
_ده أقومها حرب تتطربق على نفوخ أم اللي يجيب سيرتك أو يرمشلك بجفن بس، ده أنا أصفهاله وأخليه ماشي يحسي في طريق كله عراقيل ومطبات.
تخلت عنه كل كلماته، فقط ضمه إليه مبتسمًا، وهمس ضاحكًا:
_هو أنا ليه مبسوط بالبلطجي اللي جواك!!
أجابه وهو يربت على ظهره:
_عشان جاي على هواك وكل بعقلك حلاوة يا علوة!!
وأضاف وهو يرفع يده يمررها على شعر علي الطويل:
_حبيب قلبي الطيوب هيسمع كلامي وهينزل يجيبلي مايا، شيطاني فاجر بعد عنك مش هيهدى الا لما يسترد حقه ووقتي.
دفع ذراعه عنه، وعاد يتمدد جواره، هاتفًا ببرودٍ وهو يرفع قدمًا فوق الاخرى:
_بعينك يا طاووس، البنت استنجد بيا ومستحيل أخذلها، هل انت ممكن تعملها لو فطيمة اللي كانت مكانها؟
مزق شفتيه السفلي بغيظٍ، ومال يتمدد جواره قائلًا بوعيد:
_وهي هتروح مني فين، مصيرها هتقع في ايدي بنت عثمان!
قهقه علي ضاحكًا، وتكلم بسخط:
_دلوقتي بنت عثمان!! أمال حبيب قلبه وروحه وبسكوتة النواعم والالقاب الملزقة بتاعتك دي راحت فين؟
قلد نومته، ووضع ساقًا فوق الاخرى وهو يجيبه:
_كله موجود وحياتك، بس هي اللي ضغطت الزرار الغلط في الوقت الغلط، وبعد ما نتصافى تعرف ترجعني عاشق عيونها، معاها مفتاح الصندوق كله، بس هنقول أيه ستات على الله حكايتها؟
واستدار تجاهه يراقب شعره الطويل بضيقٍ، لم ينجح باخفائه:
_بقولك أيه يا علي، من بكره تقص شعرك ده تضامنًا مع قرعة أخوك.
وأضاف بحزنٍ مضحك:
_عيب تفكرني بخسايري الفاضحة وتتباهى بشعرك، أمال فين التضحية والشعور بالغير يا دكتور يا محترم!!
مال على كتفه ساقطًا بنوبة من الضحك، وبصعوبة نطق:
_وهو شعري مضايقك في أيه يا وقح؟!!
ضحك هو الاخر وقال:
_بيفكرني بالذي مضى!
رد علي يحمسه والضحك يحمر وجهه وعينيه:
_متقلقش الأرض زرعت خالص وإخضرت، شهرين كمان وهيقع على عينك ورقبتك.
زفر بضجرٍ وهو يهتف:
_أتمنى.
وولاه ظهره وهو يشير له بانزعاج:
_نام بقى إنت أخدت عليا بزيادة، ورايا اجتماع تأديبي بكره مع فرنسا والجتت اللي حدفاها علينا، وأنت قاعد فاضي ومفيش وراك الا الكتب والقهوة ورغي المرضى النفسيين بتوعك.
أغلق علي عينيه بارهاق، وهمس له:
_حاضر يا حبيبي، تحب تيجي في حضن بابي عشان تنام بشكل أسرع، ولا خلاص كبرت وبقى يعتمد عليك.
استدار إليه يمشطه بنظرة غاضبة، واتجه يميل على كتفه ويضع ساقه من فوقه كأنه وسادة مريحة، وبمكر قال:
_مستغناش عنك يا بابي.
ضحك وهو يحاول دفعه بعيدًا عنه، قائلًا:
_لا استغنى وغني بعيد عني.
تجاهل حديثه وأغلق عينيه، فاستسلم للنوم سريعًا، وقد لحق علي به، فنام كلاهما بين بقعة الكتب، يجسدان أسمى المفردات وعمق العلاقات، التي تفشل ملايين الكتب بوصمها بين ورقاتها!
*****
القمر يموج في سماه بأخر الليل، وبذلك الوقت يتمشى كلاهما بطريق عودتهما لحارة الشيخ مهران، بعد أن نجح "آيوب" بأقناعه أن يبيت ليلته برفقته اليوم، فعاد كلاهما للحارة، وبينما كانوا بطريق المنزل فاذا بصوتٍ غليظ يوقفهما.
_مساءك لذيذ يا بوب عامل أيه؟
حذرته نظرة "آيوب" العابثة، ولكنه لم يعنيه، بل سأله "إيثان" باسترابة:
_مالك قافش كده ليه؟
لاحظ "إيثان" من يجاور "آيوب"، فانفجر ضاحكًا وهو يشير بيده:
_أيه ده إنتوا رجعتوا لبعض تاني؟
احتقنت عيني سيف بنظرة قاتمة، بل هدر ساخطًا:
_حد قالك إننا إفترقنا!
ازدادت ضحكاته وقال ساخرًا:
_أصلك بقالك فترة كبيرة مبتظهرش معاه هنا، فقولت أكيد فشكلوا!
زفر آيوب بنفورٍ، بينما دنا سيف يعدل ياقة قميص إيثان وتحدث بنبرة منخفضة حملت تهديد صريح:
_بقولك أيه يا كابتن، خف تعوم!
أبعد ايثان يديه عنه، وعدل من ياقته بذاته قائلًا:
_إنت واخد بالك من فرق السن بينا يا شاطر! إنت بكتيرك إنت والكتكوت اللي جنبك ده أجبلكم اتنين كاجو وأقفلكم على باب الحضانه أعرفكم طريق البيت!
ظهر يونس من خلفه، يدفعه للخلف، وهو يعنفه بانزعاج:
_وقتك ده يا إيثان!
مال سيف من خلف يونس، وهدر بانفعالٍ:
_شكلك محتاج إعادة تربية وأنا جيتلك وفاضيلك، تحب تشوف المرحلة الأولى ولا تأخد الناهية ونبقى خلصناها بدري بدري.
ربت يونس على ظهره بخفة وقال:
_فكك منه يا دكتور سيف ده مريض عقليًا.
أجابه باستهزاءٍ:
_مريض يتعالج، أنا أعرف دكتور شاطر أوي إسمه علي سالم الغرباوي تأخد رقمه ولا معاك؟
احتقنت أوردة إيثان غضبًا، فحاول دفع يونس وهو يصيح بانفعال:
_خده إنت محتاجله أكتر مني، محتاج يعالجك من غيرتك الغريبة دي، مهو مفيش منطق بيقول أن راجل يغير على راجل الا لو لمواخذة شمال.
جحظت عين آيوب صدمة وحذره:
_إنت كده بتخبط في الحلل يا إيثان، بلاش تستفز آآ..
ابتلع باقي كلماته حينما لكم سيف إيثان بكل قوته، ومال إليه يعيد الكرة حتى سقط أرضًا، فاستطرد آيوب ببسمة شامتة:
_ابن حلال وتستاهل.
حاول يونس الفصل بينهم، وهو يصيح بغضب:
_آنت موركش الا صحاب آيوب، عمران مرة وسيف مرة، والله أعلم الدور على مين تاني!!
هدر سيف بانفعال، ومازال يحاول لكمه من جديد:
_المرادي هتوبه يا معلم يونس، وقسمًا بالله لو مبطلت تضايق آيوب أو تضايقني لأكون جايبها سواد عليك، أنا هسيبك الوقتي احترامًا للمعلم هو هيرجعلك عقلك.
وتابع وهو يشير إلى يونس:
_ بس وإنت بتعقله قوله إني غشيم.
نجح إيثان بابعاده عنه، بل دفعه أرضًا وبات المتحكم الكلي به، وما كاد بلكمه حتى سقط آيوب فوق ذراعه يصيح به:
_إيدك لو اترفعت عليه هكسرهالك، سيبه حالًا.
دفعه إيثان ونهض يتابع يونس، وهو يساعده بدهشة، دفعته للصراخ بوجهه:
_إنت بتساعده!! مش شايف ابن عمك بيدافع عن صاحبه الغبي ده ازاي، وإنت بتكتفني له!
كز على أسنانه وهدر بغيظ:
_إنت اللي اتجننت، عامل عقلك بعقلهم، دول أصغر منك بتسع سنين يا إيثان، مالك بيهم!
مال يتفحص آيوب الذي يعاون سيف بتنظيف ملابسه من الغبار ثم عاد يهمس مبتسمًا:
_عجباني صداقتهم أوي جوز الزغاليل دول ، ومش راجع الا لما أخليهم يشبطوا في بعض!
احتقنت عيني يونس بسخط:
_إنت جبت الحقد ده منين يالا
رد عليه بجدية مضحكة:
_لما تحبني وتغير عليا زي الدكتور سيفوو حقنه وقتها مش هفكر أرخم على العيال دي تاني، توعدني يا معلم؟
منحه نظرة محتقرة، ومضى بطريقه، فحك إيثان جبهته وقال:
_واطي من يومك!
******
ومن بين سكون الليل، كان ينزوي بأحد أركان المسجد، يؤدي صلاة قيامه، ومن جواره مصحفه الموضوع جواره، والذي يستعين به بالقراءة في كل ركعة، حيث مصرح لمن أراد قيام الليل أن يحمل المصحف الشريف ويتلو منه في صلاة القيام، فكان يستعين به عُمران في كل ركعة.
انتهى من صلاته، وجلس جانبًا يسبح ويتلو بعض الأزكار، ولم يكن أحدٌ غيره بالمسجد، لقد سبق للشيخ مهران أن قدم له نسخة من مفتاح المسجد، حينما كان يصل مبكرًا عن موعد وصوله، فكان يجده يقيم صلاته بباحة المسجد الخارجية، لحين وصول الشيخ مهران، فقدم له نسخه من المسجد، وإعتاد من يومها أن يجد باب المسجد مفتوحًا، وأرجاء المسجد أنمق نظافة وترتيب مما تركه بالامس بعد صلاة العشاء، ورائحة البخور والعطور الثمينة بالمسك تعبق أجواء المسجد، فكان يدعو له ويزداد تعلقًا به، وها هو يصل الإن ليجده بالمكان الذي يجده به كل يومٍ، فرسم ابتسامة مشرقة وقال:
_السلام عليكم ورحمة الله.
صدق عُمران، ورفع رأسه إليه مبتسمًا باحترامٍ:
_وعليك السلام ورحمة الله وبركاته شيخنا الفاضل.
جلس الشيخ مهران قبالته مستربعًا، ويتابعه بنظراتٍ حنونة:
_كيف حالك يا ابني، عساكِ في أحسن حال.
تعمق بالتطلع إليه، وصمته المطول جعل الشيخ يتابعه بقلقٍ، تضخم حينما قال بغموضٍ:
_هكون في أحسن حال لو حضرتك ساعدتني في اللي سبق وطلبته منك.
علم ما يقصده، فابتسم ومرر يده على مسبحته، وهتف برزانة:
_فاكر اتفاقنا يا ابني، ومش هخل بيه أبدًا، بس إنت كمان فاكر نصوص اتفاقنا صح؟
سحب نفسًا مطولًا وهو يخبره:
_الذاكرة رجعتلي بالفعل، فتأكد إن القرار اللي أخدته متغيرش.
رد عليه بحكمته العقلانية:
_بس لسه النص التاني، إنت لم تشفى اصاباتك بالكامل، وأنا بفضل إنك تخليها بعد أن تضع زوجتك وتطمن على ابنك، ووقتها هروح معاك.
واستكمل بحبٍ ودعوات خالصة:
_ أسأل الله أن يريح قلبك، ويتقبل توبتك، ويرزقك طفلًا سليمًا، معافى، وأن يجعله بارًا بك وينشئه على دينه وطاعته.
بردت دعواته قلبه الذي يئن لذكرى ذنبه الفاحش، فاذا به يبتسم ويردد بكل إيمان:
_اللهم آمين.
منحه الشيخ ابتسامة كبيرةٍ، وربت على ساقه يذكره:
_يلا قوم ذكر الناس باقتراب موعد صلاة الفجر، الناس بتحبك وصوتك بيريح قلوبهم، قوم يا بشمهندس.
هز رأسه في طاعةٍ، ونهض يتجه للميكرفون، يتطلع للفراغ وما ارتكبه فيما مضى، وبكل احساسه ردد
« يا رب وإن عظمت ذنوبي كثرة.
فلقد علمت بأن عفوك أعظم.
إن كان لا يرجوك الا محسنٌ.
فمن الذي يدعو ويرجو الآثم
أدعوك ربي كما أمرت تضرعًا.
فلإن رددت يدي فمن ذا يرحم.
يـــــــــا رب.
أدعـــوك ربي.
أدعوك ربي كما أمرت تضـرعـًا.
فلإن رددت يدي فمن ذا يرحـــــــــــــمٌ.
ما لي إليـك وسيـلة الإ الرجــــا.
وجميـلٌ عفـوك ثم إنـي مســــلمٌ. »
وإنتهى ودموعه كالعادة تنهار من خشوع صوته، بدنه اهتزت فيه كل خلية، وكأن الكلمات سوط يجلده ويطهره من ذنبه، استدار بعدما استعاد كامل ثباته، فإذا به يرى آيوب يدخل لباب المسجد، برفقة سيف ويونس، وكعادته حينما رأه، هرول إليه راكضًا، وابتسامته تتسع لتكشف عن نواجذه، ويناديه بلهفةٍ محببة لقلب عُمران:
_عُمــــــران!
وقبل أن يستقبله، كان يلف يديه حول رقبة عُمران المبتسم، والابتسامة تحتل وجه يونس ووجه الشيخ مهران، الذي يلتمس مدى حب واحترام ابنه لعُمران.
ربت على ظهره، وقال مبتسمًا:
_جاي متأخر ليه النهارده يابن الشيخ مهران؟
ابتعد يجيبه وهو يشير برأسه لسيف القابل إليهما:
_عما سيفو صحى وفاق.
اندهش "عُمران" لتواجد سيف برفقة آيوب، ولكنه عانقه هو الآخر، هاتفًا:
_دكتور سيفو أيه سر التواجد الغامض ده!
تعلق به سيف وشعوره بتلك اللحظة، كمن تتبخر همومه، بينما يقول بحزنٍ:
_آيوب أصر أبات معاه، وسبحان الله كأن ليا نصيب أسمعك النهاردة، إنت كنت حاسس باللي بمر بيه ولا أيه يا بشمهندس!
ابتعد يطالعه في قلقٍ واهتمام:
_بتمر بأيه؟؟ إنت أمورك تمام؟
ابتسم بوجعٍ، وقال:
_ أمي مش حابة تكون أموري بخير.
تملق إليه الضيق والنفور:
_هي رجعت تاني؟؟
اكتفى باشارة رأسه، وابتعد للخلف حينما وجد يُونس يشرف إليهما، ليصافح عُمران، وغادر ليقف جوار الشيخ مهران، بينما يعود عُمران لسؤاله:
_طيب ويوسف إتأثر بظهورها؟؟
العلقم يقذف مرارته على طرف لسانه:
_معرفش، إنت عارف يوسف مش بيبين وجعه لحد، أنا بعتلك رسايل امبارح بليل عشان تكون جنبه، يوسف بيرتاح بوجودك.
تذكر أمر هاتفه الموثوق بالشحن، وحينما يخرج لصلاة قيامه لا يحمله برفقته، الا بعودته، فطرق بخفة على كتفه وقال:
_هعدي عليه في المركز بعد الظهر بإذن الله، متقلقش يا سيف.
استقبل حديثه بابتسامة عرفان، وحب لشخصه، واتجه ليجاور آيوب في جلسته، وبعد دقائق انطلق آذان الفجر يجلجل بزقاق الحي الشعبي، ومن ثم اصطفوا من خلف الشيخ مهران الذي صلى بهم إمام.
******
وما أن انتهت صلاة الفجر، غادر الجميع البعض لمنازلهم لاستكمال نومهم، والأغلب إلى أشغالهم، وقد عاد سيف برفقة آيوب لمنزل الشيخ مهران، فصعد برفقته بطريق الطابق الأول، وما كاد باجتياز الطابق الثاني، حتى أوقفته نداء أضحك سيف:
_آيــوب، إنزلي عايزاكي.
احتقنت نظراته المحذرة لسيف الذي رفع يديه، وهو يدعي براءته:
_بتبصلي كدليه أنا اللي ربطتك بتاء التأنيث، استهدى بالله وإنزلي أقصد إنزل شوفها عايزة أيه، واديني المفتاح أطلع أكمل نومي، وإياك تصحيني الا على الساعه ١١.
منحه المفتاح فحمله سيف، وصعد للاعلى، بينما هبط إليها آيوب، يطالعها بغيظٍ، وخاصة حينما وجدها تكتف ساعديها أمام صدرها والغضب شراره يتقاذف من عينيها، فهمس بصوتٍ متذمر:
_خير، أيه اللي موقفك كده؟
تحرر صمتها، بعتابٍ مغتاظ:
_أنت قعد صاحبك فوق في شقة سدن الجديدة، أنا وخديجا تعبوا واحنا بنحط الفرشات الجديدة والسجادة وتطلعي صاحبك فوق قبل سدن!!
اتسعت مُقلتيه في دهشته من حديثها، فابتسم على نبرتها المسكرة لقلبه العاشق، والتي أجادت بها لفت نظره لفعلته دون الاستئذان منها، كونها تمتلك الحق لذلك، فمال يقبل رأسها بعشقٍ تدفق لها فأخجلها وأربكها، وخاصة حينما قال:
_حقك عليا أنا معرفش ازاي تاهت عني أني أستأذنك، بس سيف كان نفسيته وحشة أوي، وأنا كنت عايز أكون معاه عشان أهون عليه.
ارتبكت من قربه وقبلته أعلى خمارها، جعلت شبحها الغاضب ينصرف، وببلاهة قالت وهي تتعمق بفيروزته:
_أنا مش زعلان خلاص آيوب، لو عاوز تقعده فوق كمان يوم ويوم سدن مش عنده مشكلة، أنا كمان هخلي الحاجة ركيا يعمل محشي كتير ليكم، عشان أنتي بتحبيه كتير آيوب.
جلجلت ضحكته وهو يرى اجتهادها لنطق الجملة باتقانٍ تفتقر له، فهمس لها بعشقٍ يقطر من نبرته:
_يا عيني على آيوب المسكين قصاد جمال عنيكِ وقلبك الكبير يا سدن، ومش مهون عليا الا اقتراب المعاد، بكره الحنة وبعده الفرح، يعني مبقاش في بعد تاني.
وأضاف غامزًا بخبث:
_هسرب سيف أكيد، وبعد دخولك للشقة مفيش حد من بعدك ينفع يدخلها يا جميل.
رفرفت بأهدابها بعدم فهم، ورددت بحزنٍ:
_أنت عاوز تحبس سدن فوق وتخليه مش يشوف خديجا والحاجة ركيا!! لا آيوب كده مش هاجي معاكي، أنا بيحفظ عند الشيخ مهران إنتي مش بتهتمي إن سدن يحفظ ويختم القرآن، الشيخ مهران بتحب سدن وعاوز يخليه يحفظ كله عشان ربنا يحبه ويدخله الجنه.
عادت نوبة الضحك تعتليه، ومال يطالعها بهيامٍ:
_مين قال كده بس، أنا بنفسي ههتم بحفظك بعد كده، أنا بحب سدن وعايزها أحسن الناس، إنتي معقول عندك شك في آيوب يا سدن؟؟
نجح باللعب على أوتارها الحساسة، فابتسمت له وقالت بعشق:
_أنا بحبك آيوب، ومش عندي شك ليكي، أنا مش بيثق في حد غير فيكي وفي الشيخ مهران، وفي الحاجة ركيا، وخديجا، ويونس وفارس وإيثان الوحشة.
قالتها وهي تعد له على أصابعها، فتوالت ضحكاته وهو يؤكد لها بصدرٍ رحب:
_وحش وبارد وسقيل بس للاسف يتوثق فيه.
_هو ده اللي بتعلمه ليها يابن الشيخ مهران!!
جحظت فيروزته بصدمة، فاستدار للخلف وهو يرسم ابتسامة واسعة، وقال:
_أنا!! أنا كنت بقولها إن مهما كانت عيوبه فهو شخص أمين ويتوثق فيه.
أسرعت سدن تبرر لاستاذها:
_لا آيوب بتكذب شيخ مهران، كانت بتقول إن إيثان وحش باردة وآآ... مش عارف الاخيرة.
منحها نظرة مشتعلة وهو يشير بيده تجاه ذقنه متوعدًا لها، فتساءلت بذهول:
_إنت بتعمل كده ليه آيوب، إنتي تعبانه؟
حك جبهته واستدار تجاه أبيه الذي يراقبه بنظرات الصقور، ثم قال:
_طيب هروح أنا اجيب طعمية وعيش سخن عشان نفطر، مش عايز حاجة يا والدي؟
طرق بعصاه أرضًا وهو يخبره:
_مش عايز أشوف وشك هنا الا يوم الفرح بليل، سمعت يابن الشيخ مهران؟
أحاطها بنظرة متوعدة، وعاد يجيبه مزعنًا طاعته:
_مفهوم يا عم الشيخ!
******
فتحت مايا عينيها بانزعاجٍ، ففردت ذراعيها بدلالٍ وهي تهمس:
_عُمــران.
تلاشت حروفها حينما سقطت عينيها على فاطمة الغافلة جوارها، فاحتل الوجع معالمها، حينما تسرب لها ذكريات تلك الايام التي كانت تستيقظ بها دون أن تراه، نبع ألمًا قويًا اخترق قلبها كالسهم الحارق، لقد بدأ الأمر بمزحةٍ طريفة بينهم وانتهى بمرارة ما طل عليها.
أبعدت الغطاء وانحنت بساقيها ترتدي حذائها، ثم جذبت جاكيته ترتديه، وهرولت لجناحها، كان يغوص بالظلام والفراش كما تركته بليلة الأمس، جف حلقها وبدون سيطرة منها راحت تنادي بصوتٍ مذعور:
_عُمــــران...... عُمـــــــران..... عُمـــــــــــــــران!!
ارتعش جسدها برجفة ضربتها كالعاصفة، فركضت صوب الكومود المجاور لمحل منامتها، تبحث عن هاتفها، فاذا بها تستمع لصوت صرير باب الخزانة، ومن خلفه يطل حاملًا التيشرت الخاص به بين يده، وشعره يقطر بالمياه التي كان يغتسل بها، يطالعها بقلقٍ وهلعًا على طريقة صراخها المريبة بإسمه.
سقط الهاتف من يدها، ومالت جالسة على الفراش، تستند بكفها على الكومود وتفجر بكائها المنهار، فور أن اطمئنت لوجوده!
هرع إليها والقلق ينهش وجهه دون رحمة، انحنى على قدميه يتوازى بطول جلستها، بينما يرفع ذقنها حتى ترفع وجهها المغموس بين كفيها، وهو يناديها بخوف:
_مايا!! في أيـه؟
رفعت أهدابها المبتلة بدموعها إليه، تتشرب كل ملامحه وتدفن بها فترة فراقه، فانحنت تجلس أرضًا قبالته، وتعلقت بضمة تلقفتها بصدرٍ رحب، بينما يمرر يده من فوقها بقلقٍ مما أصابها، وإذا بصوته العذب يصل لها وهو يحصنها بالقرآن، فاغلقت عينيها باستكانةٍ تامة، حتى هدأت كليًا فزحف بها يسند ظهره للحائط، ويمنحها وقتًا تجمع فيه شتات نفسها.
مرر يده على شعرها المفرود على ساقه بحنان، فمرت عليهما ثلاثون دقيقة هدأت فيهم مايا كليًا، وما أن اطمئن لانتظام أنفاسها، حتى ردد يمازحها:
_حبيب قلبه بيحور على جوزه عشان يخلع من عقابه، فيؤسفني أقولك سوري يا بيبي متثبتش.
أغلقت عينيها تستلذ سماع صوته، بعد نوبة هلعها تتمنى أن يتحدث وتستمع هي إليه للأبد، ظن أنها ستجيبه وسينجح باخراجها عن صمتها، ولكنها بقيت صامتة.
فتابع وهو يمرر يده على شعرها وقد انتابه نغزة قاتلة، حينما تسرب له أن حالة ذعرها تعود لحالة الرعب التي جعلها تعيش بها، لما بدر عنه بالمساء، فقال:
_مايا حبيبتي اللي حصل إمبارح ده كان هزار، أنا عمري ما أمد إيدي عليكِ، معقول بتخلطي الهزار بشكل يخليكي قايمة من نومك مفزوعة بالشكل ده!
انتفض جسدها لشدةٍ بكائها، فسحبها بقوة جسده، يجعلها تستقيم بجلستها أمامه، يحاوط وجهها بيديه، وبحزمٍ يناديها:
_مايـــا، قوليلي مالك؟؟!!
تمعنت برماديتاه ووجعها تترجمه دموعًا صامتة، ارتاب لأمرها وترجاها بخوف:
_أنتي بتقلقيني عليكي بسكوتك ده، عشان خاطري اتكلمي، حصل حاجة؟!
هزت رأسها تؤكد له، فأبعد خصلاتها لخلف أذنيها، وقال يحمسها على الحديث:
_اتخانقتوا أنتي وفاطيما؟؟
نفت ذلك، فعاد يهتف:
_طيب حصل أيه؟!
حررت صوتها الشاحب تخبره ببكاء:
_صحيت ملقتكش جنبي.
رفع أحد حاجبيه بدهشةٍ، فعاد ينصت وكأنه يتوهم سماع ما قالت، هل تبالغ برد فعلها لتلك الدرجة لأنها فارقته يومًا واحدًا، فاذا بها تدمي قلبه حينما استرسلت ببكاءٍ منكسر:
_كانت أبشع أيامي اللي بقوم ألاقي نفسي لوحدي على سريري من غيرك، كل يوم كنت بحاول أطمن نفسي إنك راجع، بس الوحدة اللي كانت محاوطني كانت بتحاول تخليني استسلم انك مش راجع تاني.
قالتها واحنت رأسها تبكي، فسحبها إليه مجددًا وهو يهدهدها:
_أيه يرجعك للي قفلاناه مع بعض يا مايا، أنا أهو جنبك ومستحيل هفارقك تاني، قولتلك ألف مرة دموعك دي متنزلش تاني، دموعك ضعف ومرات عُمران سالم الغرباوي عمرها ما كانت ضعيفة!
وأضاف مبتسمًا والمكر يحتل رماديتاه:
_إنتِ مش حبيب قلبه اللي ربيتها على ايدي، حبيبة حبيبها هي اللي وقفت في وش فريدة هانم الغرباوي بشجاعة خلت العيلة فخورة بتربية عُمران سالم الغرباوي!
رفعت رأسها إليه، تطالعه بصدمة، فضحك وقال:
_أبوكي وجب معايا بس على مين مهزش فيا شعرة.
واستطرد وهو يضمها بخبث:
_وبعدين يا بيبي مش قولتلك طول ما انتي مشتاقالي قربي، أنتي اللي فارقتيني وجريتي تتحامي في علي مني!!
لكزته بعصبية لحقت نبرتها الغير مرتبة:
_مش إنت اللي بتجري ورايا بالحزام وعاملي فيها فهد الفهود بروح أمـ......
لطمت فمها وعينيها جاحظتان في صدمة لما كادت بالتفوه به، بينما تظلمان رماديتاه بشكلٍ مقبض، فزحفت تتراجع للخلف وهو يتابعها بنصف أعين، ودنى يزحف إليها هاتفًا بهدوءٍ خطير:
_فهد الفهود!!! بقى أنا برومانسيتي وحناني معاكِ وشايفاني فهد الفهود!!
تنفست بعمقٍ حينما وجدته لم يلاحظ مصيبتها الاخيرة، فتنهدت وقالت:
_مش شايلي حزام وعايز تجلدني بيه!!
ضيق رماديتاه وعقله يبحر بعيدًا، وفجأة ردد:
_ويا ترى بقى قولتي أيه تاني لفاطمة عني!!
ردت بتلقائية قاتلة:
_قولتلها انك سادي ومريض!
مزق شفتيه من فرط ضغطه عليها، فواصل زحفه وهو يصيح بعنفوان:
_عنيا حاضر، إنتي مشتاقة لنسخة روايات البير سلم دي وأنا رقبتي سدادة يا بيبي.
لفت جسدها وحاولت النهوض لتنجو بنفسها، ولكنه سقطت محلها تلهث، بينما يجذبها من تلباب بيجامتها الستان:
_بقى أنتي بتسوقي سمعتي على أخر الزمن، وآ.... استني استني إنتي قولتيلي من شوية بروح أمـك!!!
هزت رأسها نافية تلك التهمه الباطلة:
_لا لاااا ده صوت الطاووس الوقح اللي جواك مش أنا لأ..
ومالت تمسد على صدره وهي تستعطفه بملامحها التي زرعت فيها البراءة:
_بالله عليك تأجل أي عقوبات عندك، أنا راجعه ميتة من الجوع، وتلاجة فاطمة مفيش فيها الا الفاكهة والاكل الصحي اللي يصد النفس ده، ولولا كيس المكسرات اللي لاقيته عندهم كنت وقعت من طولي، انا كان أقصى أمنياتي ألقى شوكولاته تايهة هناك، بس للاسف الجناح كله Healthy food (طعام صحي) .
منع ضحكاته بصعوبة، وخاصة حينما مالت تلف ذراعيها من حوله، وهي تهتف بارهاق:
_أنا وابنك واقعين من الجوع، إحنا من بعدك اتبهدلنا وجوعنا يا عُمران.
تحررت ضحكاته الرجولية بصخب، فانحنى يحملها لاقرب أريكة، ثم اتجه لبراده الصغير، يحمل العصائر والشطائر المعلبة، والشوكولا، وعاد لها يضعهم من أمامها، فاعتدلت وبدأت تتناول طعامها بشراهةٍ، وهو يتابعها بعشقٍ وحبٍ يصعب ان تنقله كلماته لها.
*******
أغلق باب شقته من خلفه، وترك الطعام على طاولة السفرة، ثم ركض للغرفة المخصصة للاطفال، يقفز فوق الفراش وهو يصيح بحماسٍ:
_سيـف، سيفـــــــــــوووو.
عبث بعينيه بنعاسٍ، وجذب الغطاء فوق رأسه بانزعاجٍ منها، فسحبه "آيوب" وهو يخبره بفرحة مضحكة:
_قـــــوم يالا، حفظت كلمات مهمة وعايز أقولهالك، قوم اسمعني قبل ما أنساهم.
كور قبضته غيظًا وود لو أطاح بعنقه، أو لربما يبرحه ضربًا ولكن بعد الغد زفافه، وبالتأكيد سيشوه وجهه لا محالة، فكظم غيظه ونهض يطالعه بدخان يخرج من أذنيه، وبجمودٍ قال:
_اتفضل، إرمي الكلمتين قبل ما يتحشروا في زورك.
ازدادت بسمته حد الهلاك، وردد وهو يحك بينه:
_أنت اللي شبهي، إنت آآآ... ناس......
تمعن به بدهشة وقال ساخرًا:
_السلوك لمست ولا أيه؟
لكزه بغضب وعنف صدم سيف:
_اخرس وسبني أفتكر كلمات الاغنية!!
برق في صدمة، وهتف:
_أغنية!!! من أمته وبتسمع أغاني يابن الشيخ مهران؟؟
اجابه بحماس:
_دي اغنية جميلة أوي سمعتها من توكتوك كان معدي وأنا بجيب الطعمية، استنا بس افتكرها.
وصفق بيديه بفرحة، وهو يردد:
_صاحبي يا صاحبي، إنت اللي لوحدك شبهي
ده في ناس في كروش بتعبي، وفي ناس بتنسى تربي
صاحبي يا صاحبي، إنت اللي مقوي لي قلبي
إنت اللي ساندني وجنبي وطول ما إنت كتف في كتفي!
تضاعفت صدمة سيف، ورؤية سعادة آيوب بالكلمات وترقبه لرد فعله، جعله يبتسم ويردد بحبور:
_اشمعنا الكلمات دي اللي علقت معاك وأنت عمرك ما حبيت تسمع أغاني!!
رد بتلقائية شديدة:
_عشان شوفتك في الكلمات.
منحه نصف نظرة من عينيه مشككة:
_حاسس انك من أمبارح متغير سيكا، أنت بتخطط لحاجة يا آيوب؟
هز رأسه بكل براءة، وقال:
_هخطط لأيه يا عم، أنا بس بعرفك أنك حاجة كبيرة بالنسبالي.
ضحك ومازحه قائلًا:
_مهو واضح، أول ما إنحرفت للاغاني انحرفت عشاني، في ذنوب أفضل من كده.
لكزه بقوة، ومال يسقط من فوقه:
_بقى أنا بحفظ الاغنية عشان أفرحك وبالنهاية تقفلها عليا، قــــــوم نفطر بدل ما أقلبها عليك.
أشار مستسلمًا، فتركه ونهض يشير له:
_يلا عشان بعد ما تفطر هوصلك بعربيتي للمركز، عشان تعرف معزتك بس.
ابتلع ريقه برعب، وهمس بصوتٍ خافت:
_يبقى مش هنوصل، هنطير مع بعض زيارة مريحة للمقابر!!
******
إتبع الخادمة التي أرشدته للصالون، وجلس مثلما أشارت له، وابتسامته الساخرة تحيطه كونها لم تتعرف عليه، فكيف ستعرف هويته وهو الغائب عن اصحاب هذا المنزل، كغيابهم عن مضمون الأسم والعلاقات.
دقائق وخرجت إليه "مروة"، لترى من الزائر الذي أتى بوقتٍ باكرًا هكذا، وقد كانت مستعدة بالفعل للذهاب إلى عملها.
_يوسف!
نطقتها بدهشةٍ، وعدم تصديق لوجوده بالمنزل، ولوهلة ظنته قد أتى ليعتذر لها عما فعله، وخاصة حينما أعادها لمنزلها بتهذب وجدته وقاحة، فتحركت للمقعد تجلس واضعة ساقًا فوق الاخرى، وببرودٍ قالت:
_نعم، جاي ليه؟
اختزل الوجع والألم طريقين مختلفين، التحموا بمنبع وجهه المعبر عما يحدث داخله، وقال باستهزاءٍ:
_هو مش ده المفروض إنه بيتي، ولا إتبريتي مننا خلاص.
ردت ببرود:
_يبقى بيتك لما تعقل وترجع بأخوك هنا، بس وهو بطوله، من غير البت دي، جوازته لازم تكون بموافقتي أنا وباباك غير كده فده مش بيتك وأنت غريب فيه.
أخفض وجهه تنزف دمعاته من خلف نظارته الطبية، وأصابعه تمر فوق بعضها، كأنه يكسر عظامه، حتى تمكن من تحرير كلماته:
_الحمد لله أني غريب عن البيت وعنك أنتي وهو، أنا ربنا نجاني أنا وأخويا ببعدنا عنكم انتوا الاتنين، كانت هتكون كارثة لو طلعنا شبهكم في حاجة.
أخفضت ساقيها وصرخت بغضب:
_يوســـــــــف!!
انتصب بوقفته قبالتها، وقال بشجاعة:
_أنا جايلك مرة تانية أحذرك تبعدي عن سيف، لان الظاهر في المرة الاولى فكرتيني بهرتل، المرادي جاي ومعايا الخلاص من العلاقة المقززة اللي إتلوثت بغرورك وأنانيتك.
واضاف بعصبية وقد تدفقت عروقه:
_المرادي حذرتك المرة اللي هتفكري تقربي فيها من سيف مرة تانية هجيلك في مكان شغلك اللي بتتباهي بنجاحك فيه، وهحكيلهم عن فشلك في اهم دور المفروض تكوني فيه مع أولادك، هفضحك قدامهم كلهم ومش هيهمني حد، فبهدوء كده تنسحبي من حياتنا وللأبد.
قالها وغادر من أمامها بعنف عاصفة اجتاحت الاخضر واليابس، فتح باب سيارته وهو يقاوم صداع رأسه الذي هاجمه فجأة، ومع ذلك سيطر على تعبه واستكمل قيادته للمركز.
*****
صعد سيف لمكتب أخيه فور وصوله للمركز، فوجد عدد مهول من النساء يجلسون بالخارج، والممرضة تخبرهم أنه على وصول، اتجه للشرفة المنحازة بنهاية الطابق، يرفع هاتفه وهو يعيد رنينه للمرة الثانية، والقلق يحاربه، فلم يسبق يومًا له أن يتأخر عن عمله.
راسل "ليلى" على حسابها الخاص، يسألها عنه، فأخبرته بأنه غادر مبكرًا، تلصص للشرفة يتحقق حينما وجد سيارته تصطف أمام المبنى، فطمن زوجة أخيه بأنه وصل، وهبط مسرعًا يقابله عند المصعد.
خرج يوسف مهمومًا، وهو يحارب صداع رأسه الذي ازداد بحدةٍ مبالغ بها، فوجد سيف يرنو إليه متسائلًا باسترابةٍ:
_كنت فين يا يوسف؟ أول مرة تتأخر بالشكل ده!
رفع عينيه إليه وقد اعتراه دوار يلازم حدة الصداع القاتل، فجاهد لأن ينطق بأي كلمة، ولكنه فقد القدرة لفعل أي شيء، فمال تجاه الحائط بشكلٍ جعل أخيه يسرع لمساندته، وهو يصرخ بهلعٍ:
_يوسف مااالك؟؟؟
رد بشحوبٍ، وأنفاسه تنهدر:
_أنا آ...
بترت كلمته حينما سقط على ذراع أخيه فاقدًا لوعي، فسقط به سيف وهو لا يستوعب ما يراه، فشقت صرخته الطابق بأكمله:
_يـوســــــــــف!!!
لطم وجهه بقوةٍ، وانفاسه تغيب عن وعيها هو الأخر، وكأنه يختنق خلف كيسًا بلاستيكًا لا يوصله أي هواء، فإذا بأحد الاطباء يميل إليه ويحمله برفقة طبيبًا أخر للسرير النقال.
حملوه وركضوا به صوب غرفة الكشف لأحد الاطباء المتخصصون، بينما بقى سيف جالسًا محله يتطلع للفراغ من أمامه، والطبيبة تجاوره وقد شخصت حالته بسرعة الرياح، فاذا بها تخبره:
_اهدى وخد نفسك يا دكتور سيف، إنت قادر تقف؟
رفرف بأهدابه بدهشة، وكأنها تلاقي عليه كلمات عبرية غير مفهومة، وفجأة تخلى عنه ذلك الصفار المزعج، وسقط معه تبلد جسده، فاذا به ينهض راكضًا صوب الغرفة التي دخل إليها أخيه، وصراخه يمزق الآذان:
_يوســـــــــف.
ولج للداخل يدفع عدد الاطباء المحاوطون إليه، وأذنه تلتقط حديث الطبيب:
_ضغطه عالي جدًا، الممرضة بتجيب المحلول، وبمجرد ما هينتهي هيفوق بإذن الله.
لف رأسه تلقائيًا للممرضة التي هرولت للداخل تحمل المطلوب، فدفع سيف الطبيب وجذب ما بيدها، ثم إتجه لاخيه ينتزع كم القميص عن ذراعه، ثم جذب إبرة المحلول، وقربها لعروقه بتوتر، وإرتباك أسقطها عن يده، فانحنى أحد الاطباء يجذبها ومشفقًا على حاله:
_أنا هوصله ، استريح أنت يا دكتور سيف.
جذبها منه وكأنه لم يحتمل المخاطرة بأخيه، كأن الطبيب سيتخذ آلأف الاعوام ليدث الأبرة المنقذة بوريد أخيه.
عاد يقترب من ذراع أخيه، ونظراته تحيط شحوب وجهه، فتساقطت دموعه وهو يتذكر كل وقتٍ كان به لجواره يستحوذ دور الأب، كل مرضٍ هاجمه وكان يتلبس دور الأم الذي يفتقدها سيف، وحينما يحتاجه صديقًا أو شقيقًا كان لجواره، هو عالمه بأكمله، جميع العلاقات تتلخص في يوسف.
ازاح دموعه وإختار عرقًا بارزًا، فقتل عقدة طفولته حينما دث الأبرة بوريده بمنتهى البراعة، وسحب الآبر يحقنها بكيس المحلول، والاطباء يباشرون قياس النبضات وتفحصه.
وبعد ما يقرب الأربعين دقيقة، سقط سيف على المقعد الملتصق بفراشه بانهاكٍ من انتظاره يسترد وعيه، فتهاوت دموعه تباعًا، وسأل الطبيب الوحيد المتبقي بالغرفة:
_المحلول قرب يخلص، مفاقش ليه يا دكتور؟؟؟
ربت على كتفه ببسمةٍ هادئة:
_وضع دكتور يوسف ممتاز دلوقتي، متقلقش شوية وهيفوق.
وما أن انتهى حديثه، بدأ يوسف بفتح عينيه تدريجيًا، فاسرع إليه سيف ينحني قربه، هدأت الصورة المشوشة أمامه، وبرز وجه أخيه واضحًا فردد بخفوتٍ حينما قرأ اللهفة والقلق القاتل بعينيه:
_سيف.. أنا كويس.
قالها واستسلم للنوم، فمال يضمه باكيًا بشكل مزق قلب الطبيب، فربت على كتفه وقال:
_اجمد يا دكتور، الحمد لله هو بخير وطمنك بنفسه.
واستأذن بتهذب:
_عن إذنك هروح أشوف شغلي، وهبلغهم يكلموا دكتورة نهلة تمسك مكان دكتور يوسف.
إكتفى سيف بهز رأسه، وعاد يميل على كتف أخيه الذي غرق بدموعه، ومازال يضمه بخوفٍ من أن يفقده أو يخوض نفس الشعور المقبض مجددًا.
******
ترك عُمران زوجته تغفو بسلامٍ، بعدما تناولت طعامها وشعرت بحاجتها للاسترخاء، فخرج من الجناح يرتدي ملابسه الرياضية حتى يركض صباحًا بالحديقة مثلما إعتاد.
هبط للطابق الأول، يتجه للبراد الضخم بالمطبخ المخصص للطابق الأول، يجذب زجاجة من المياه الباردة لترافقه برحلته، فإذا به يتسلل له صوت صراخ قادمًا من جناح والدته!!
سقط قلبه عن محله، فألقى الزجاجة وركض تجاه الباب المفتوح على مصرعيه، لذا تدفق له الصوت، فطرق من فوقه وقال بصوتٍ مرتفع:
_فريـــــدة هانم، حضرتك جوه؟!!!
أتاه صوت صراخها القادم من حمام الجناح، وقف مرتبكًا وحائرًا، ولكنه واصل الطرق يناديها:
_فريدة هانم، أنتي كويسة؟
وصل لها صوته فرددت ببكاءٍ، تستنجد به:
_إلحقنــــي يا عُمران.
دمس قلبه وتوترت معالمه، فتحول هدوئه لطاقة هائلة أسقطت باب الحمام، بعد ان دفعه للمرة الخامسة، فاذا به يراها ملقاة أرضًا، وتحتضن بطنها ببكاء مزقه، فركض صوبها وهو يهتف بهلعٍ:
_مامــــــــــا!!
تعلقت برقبته المنحني إليها، وبتعبٍ هتفت:
_أنا تعبانه أوي.
قالتها ومالت على صدره تبكي، فحملها وخرج بها لفراشها، فضمت ساقيها لبطنها وأخذت تصرخ وتبكي بشكل وتر أعصابه، وجعله يفقد كل معدلات الذكاء خاصته، وجعها ألمه بشكلٍ لم يسبق ابدًا، عجزه قبالتها، رؤيتها بتلك الحالة التي يشهدها لاول مرة جعلته كالابله.
فأفاق من غفلته حينما هرول صاعدًا للمكتبة حيث ترك أخيه، ولكنه لم يجده فعلم بأنه عاد لجناحه، هبط عُمران مجددًا، واتجه يطرق باب جناح أخيه بهمجيةٍ كادت بأن تسقطه هو الأخر، وبصراخ جنوني قال:
_علــــــي، اطلع حالًا يا علي والا هكسر عليك الباب ولا هيهمني أنت في أنهي وضع!!
صراخ عمران جعل علي يقع عن فراشه، وهو يحاول الوصول لقميصه الملقي أرضًا بإهمالٍ، بينما تحاول فاطيما السيطرة على ضحكاتها لرؤية زوجها يتدحرج للأسفل بفزعٍ من صراخ أخيه، ولوهلة ظن أنه قتل زوجته!
ارتدى قميصه باهمالٍ وهرع يفتح باب جناحه، فوجد أخيه يجوب الطرقة ذهابًا وإيابًا، وهو يطرق كفًا بالأخر ويثرثر بصوتٍ منخفض لم يكن مفهوم إليه، فصاح بانفعال:
_في أيه يالا!!
انتبه لخروجه فأسرع إليه راكضًا يردد:
_إلحق!
سأله باستغراب:
_ألحق أيه؟!
ببسمة واسعة بلهاء قال بعدما تسرب لعقله تفسير ما يحدث لفريدة:
_أمك باينها بتولد!
وأضاف وهو يحك جبينه:
_ وأنا مش عارف اتصرف ازاي أوديها المركز عندك نتفضح هناك بيها ولا نطلع على المستشفى اللي على رأس الشارع والصحافة تنشر الخبر وتبقى فضيحة جماعية، إنت رأيك أيه؟
تسلل لعلي صوت صراخ والدته المرتفع، فجذبه من تلباب ملابسه بعصبية:
_انت سايبها بتصرخ ، وواقف تفكر في الفضايح هترف علينا من أنهي باب!! إنت متخلف يا عُمران!
حرر ذاته منه هاتفًا بانزعاجٍ:
_وأنا إيش عرفني بالحاجات دي أنا مهندس معماري مش دكتور أمراض نسا! اتصرف إنت بقى يا دكتور ومتقوليش كلم يوسف لإني قطعت علاقتي بيه من كتر الاحراج!
دفعه بحدة:
_اجري جهزها عما أغير هدومي وأجيب مفاتيح عربيتي، بسرعة اتحرك!
هز رأسه في طاعةٍ، وهرول لجناح فريدة، يميل للفراش وهو يتفحصها بحزن:
_هاخدك حالًا المركز، متخافيش يا حبيبتي، أنا جانبك ومش هسيبك أبدًا.
تمسكت بيده ورددت بوجعٍ:
_إلحقني يا عُمران، أنا بولد!
هز رأسه مجددًا وقال:
_آه عارف، حالًا هخدك ليوسف، اتحملي بس.
وركض صوب الجناح، يبحث عن اسدال مناسب لها، بينما يتمتم بغضب جحيمي كلما استمع لصوت بكاء والدته:
_منك لله يا أحمد يا غرباوي، وربي لأدخلك محكمة الاسرة قبل ما تفكر تلعب بديلك تاني!
انتزع أقرب اسدال إليه، وخرج يعاونها على ارتدائه، وببكائها وجد نفسه يضمها ويبكي هو الاخر، قائلًا بوجع:
_معلشي يا حبيبتي، اتحملي، شوية وهنكون في المركز.
أتاه صوت علي الجهوري من خلفه:
_كل ده بتلبسها الاسدال، إنت بتنيل أيــــــه يا متخلف انت!!
أبعده عن والدته التي تحاول السيطرة على وجعها واستعادت قوتها فور أن رأت علي، ورددت بصراخ:
_متتخانقوش، أيه أول مرة تشوفوا ست بتولد!!
هز عمران رأسه يؤكد لها:
_أول مرة فعلًا، وأنت يا علي مرتك الاولى بردو؟
أدمى شفتيه من صدمة ما يتلاقاه من أخيه الذي فقد عقله فجأة، فمال يحمل والدته وركض بها على الدرج، فاحاطت عنقه وصرخت باعتراض:
_لااااااا، عُمران هو اللي يشيلني.
تعجب علي مما تقول، فصاحت بصرامة مضحكة:
_رجعني لاخوك حالًا، ساااامع.
تلقفها منه عُمران وهو يتطلع لاخيه بدهشة، رفرف علي باهدابه وتحدث مع ذاته:
_حاسس إني ولأول مرة هفقد أعصابي حقيقي!
واستدار، يتابع:
_يلا مستني أيه جنابك عشان تجري!!
هز كتفيه وقال بقلة حيلة أضحكت علي:
_معنديش أي خبرة في الامور دي!! كل حاجة ليها حد أدنى والحد الادنى عندي في الوقاحة موصلتش لpoint دي!
جذبه للدرج قائلًا:
_انزل وخلصني!
وقفت مايا وفاطمة تتابعان ما يحدث بصدمة وعدم فهم لما يحدث هنا، ولكن الصراخ ومشهد ركض كلاهما فسر ما يحدث بوضوح، فركصت كلتهما تستعدان بارتداء ملابسهن ليتجه خلفهما للمركو، بينما صعد بها عُمران للخلف، بينما قاد علي السيارة، كان رأس فريدة موضع على ساق عُمران، الذي يجفف عرقها بين لحظة وأخرى، وكلما صدر عنها تأويهة أو بكت بكى لاجلها، وحينما تمادى أمر الصراخ قال بغضب:
_اطلقي منه متكمليش مع الانسان ده!
رمقه علي من المرآة الامامية، يحذره:
_إنت بتحاول تخليها تسترخي ولا بتعصبها.
رد بحنق:
_بشجعها تأخد قرار مهم في حياتها، لو اللحظة دي عدت مش هتفكر بالقرار ده ابدًا.
أوقف علي السيارة، وهبط يجذب أخيه من تلباب ملابسه، ثم دفعه لمقعد القيادة صارخًا فيه:
_مكانك هنا، سووق واخرس.
وصعد هو جوار والدته يحاول أن يهدئها، ولكن الآلآم تزايدت عليها، وبكائها لا يتوقف، حتى وصلت للمشفى، فتجمع من حولها الممرضات يصطحبونها لغرفة العمليات.
وبقى عُمران واقفًا محله بضياعٍ، فاذا به يستدير تجاه محل اخيه، وببكاء ناداه:
_علـي!
اتجه إليه وقال بثبات:
_إنت عيل صغير!! إسترجل شوية والله عيب اقولك كده!
رد بصوتٍ محتقن:
_اللي بتنازع جوه دي أمي، عايزني أكون عامل ازاي!!
ضمه إليه ورد مبتسمًا:
_مش بتنازع ولا حاجة، دي حالة ولادة عادية يا عمران، امسك نفسك شوية.
وبينما كان علي يحاول تهدئة عمران، فاذا بالممرض الذي استلم العمل بالمركز حديثًا، يتساءل وهو يحمل استمارة بيانات:
_مين فيكم زوج الحالة اللي جوه دي؟
احتقنت رماديتي عمران، فدفع أخيه بقوة، بينما يجذب ذلك المتحاذق من تلباب قميصه، هادرًا بعنفوان شرس:
_بتقول أيه بروح أمـــك؟!!!
........ يتبع........ #الاقوى_قادم ❤
#صرخات_أنثى.
بنات ممكن اطلب منكم طلب وياريت محدش يكسل، ده لينك روايتي غارثا على تطبيق أبجد ممكن تدخلوا تحطوا تقييمات عليها، مجرد نجوم بتحطوها، واعملوا متابعه لحسابي على التطبيق، هتلاقوا صفحتي تحت خالص باسم اية محمد رفعت وشكرًا مقدمًا
https://www.abjjad.com/publisher/4456022022
****_______******