تحميل رواية «الطاووس الوقح (صرخات انثى)» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجروح أدمت قلوبهن ومازالت كلًا منهن تحارب للبقاء، مذاق الألم لا يفارق حلقهن، جروحهن متشابهة ولكن لكلًا منهن حكاية خاصة هي ضحيتها، الأولى نهشتها الذئاب البشرية وتركتها كالخرقة البالية تعاني بمفردها، والثانية واجهت إنسان مريض نفسي يريد أن يُجحمها داخل قوانين لعبته القذرة فبات كاللعنة تسبب لها هوس الجنون، والثالثة تخوض رحلة معتادة على بعض الزوجات التي تُجبر بالعيش دون زوجها المغترب ولكنها كانت دونه هشة تخشى أن ينتصر شياطين الإنس عليها، وهناك أخرى طمست حبها حينما تخلى عنها محبوبها وتزوجت أخيه وبعد...
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الحادي وأربعون 41 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثامن_والثلاثون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "آيه رجب"،" روناء ياسر"، "بيان القرالة"
"بسمة احمد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أزاح عنها كنزتها برفقٍ، ويدها تتشبث بكتفيه تكبت صرخاتها، دموعها تنهمر دون توقف، فهمس لها بصوته الحنون:
_تحملي قليلًا.. سأنتهي سريعًا أعدك بأن ذلك لن يؤلمك.
هزت "آديرا" رأسها إليه، ما تجهله هي بأنها أصبحت تكن له ثقة لم تضعها يومًا بعمها المخيف هذا، حمل "أيوب" القطنة البيضاء وغمسها بالمطهر ومن ثم مررها على جرحها برفقٍ، غمست أظافرها بكتفه وهي تصرخ ألمًا.
أغلق فيروزته يحتمل إلتحام أظافرها الحادة بلحم كتفه مسببة له إصابة دامية، وكأنه تود أن يشاركها ألمها ، احتمل واستكمل ما يفعله حتى عقم جرح كتفها الأيسر وفور أن انتهى وضع اللاصق الطبي ليضمن نظافة الجروح وعدم تلوثها.
جذب "أيوب" كنزتها الملقاة أرضًا ثم عاونها على ارتدائها مرة أخرى، وحملها للفراش لتحصل على راحة أكبر من بقائها على هذا المقعد، استدار ليغادر المطبخ فاعتدلت "آديرا" سريعًا حينما لاحظت بقع الدماء الخافتة المحيطة بكتف أيوب من الخلف، ما أحدثته أظافرها الحادة كان محرجًا لها للغاية، فنادته على استحياءٍ:
_أيوب.
توقف عن استكمال طريقه واستدار لها فقالت بحزنٍ:
_آسفة لم أقصد أن أؤلمك.
خطف نظرة سريعة لكتفه ثم قال وعينيه تتحاشى التطلع لها:
_لا عليكِ.. أنا بخير.
وترك الغرفة وإتجه للمطبخ يعد لها عشاءًا سريعًا، فجذب الشطائر ومرر عليها بالسكين الجُبن وصنع لها كوبًا من الحليب ومن ثم عاد إليها يضع الصينية على الكومود ومن جوارها الأدوية والمياه قائلًا:
_تناولي طعامك ولا تنسي الدواء.
جذبت الصينية إليها تلتهم ما بها بنهمٍ جعله يشعر بتأنيب الضمير، غادر أيوب غرفته وإتجه لحمامه الخاص يغتسل ومن ثم فرض سجادته وأدى صلاته بخشوعٍ تام، وحينما انهاها جلس أرضًا منهمكًا، وكل ما يجوب خاطره أخر كلمات تركها له صديقه، السر الذي وضعه بين صدره وتركه ورحل بمنتهى البساطة!
زحف بجسده حتى وصل لخزانة صغيرة موضوعة بالغرفة، جذب منها حقيبته التي يرتديها على ظهره حينما يذهب للجامعة، فتحها أيوب وأخرج منها ذاك الدفتر المدفون بكتاب صديقه الخاص وأخر ما يتردد له سماع صوته ووصيته
«أيوب حينما تشعر بأن آديرا قادرة على تقبل الحقيقة التي أخبرتك بها فسلمها ذلك الدفتر، وحينها سيكون أمامها خياران، أما أن تظل مستعمرة من قبل ذلك النَّجِسُ، وأما أن تسلك الطريق الذي سلكته أنا لألحق بمن ضحت بكل شيء لأجلي ولأجلها!.»
تشنجت يده على ما يحمله حينما فُتح الباب من أمامه وطلت آديرا منه، فدث أيوب الدفتر العتيق داخل الكتاب الخاص بصديقه وأعاده للحقيبة، بينما وضعت آديرا الصينية المتبقية بالطعام جانبًا وخطت إليه بخطواتٍ متهدجة تحتمل بها آلآم جسدها هاتفة بصوتٍ باكي:
_الكتاب الذي كنت تحمله يخص أخي! لطالما رأيته معه... أنا أريده من فضلك!
أعاد أيوب الحقيبة للخزانة وأغلقها مرددًا:
_ليس الآن.
استندت على الحائط واقتربت منه تتوسل إليه ببكاء:
_أرجوك أنا أريده.. كان أخي يكتب به باستمرار، لعله ترك لي رسالة أو أي شيء!
استدار إليها يخبرها بهدوءٍ:
_سأعيده لكِ بالوقت المناسب.. أعدك.
استسلمت أمام اصراره وهي تعلم بأنه لن يفعل الا ما يريد، فاستدارت لتغادر فإذا بها تحيط بالفراش بتعبٍ، دفعه ليمسك يدها، وعاتبها بضيق:
_ ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟
رفعت رأسها إليه وهي ترى النفور والرفض بملامسته لها باديًا بعينيه، رجفة يده التي تساندها كلما اقترب كانت تؤلمها، وأكثر ما يوجعها بأنها كانت تشعر بأنه مجبورًا على مساعدتها.
انهمرت دموعها تباعًا وسحبت كفها عن يده وهي تستند على الحائط قائلة:
_رأيتك تدخل الغرفة دون أن تتناول طعامك فجيئتك ببعض الشطائر، ولكني سأخرج الآن وأعدك بأنني لن أزعجك أبدًا.
تعلقت بالحائط وتحركت لتعود لغرفتها فكادت بالسقوط لترنح خطاها، حاصر خصرها بذراعه يمنعها من السقوط، وقال:
_دعيني أساعدك.. تحملك على جرحك سيؤلمك بالتأكيد.
ابعدته مجددًا وحاولت بمفردها وهي تهتف باكية:
_ابتعد فحسب... أنا مستعدة لتحمل الألم أهون من رؤيتك تنفر مني لتلك الدرجة.
تركته خلفها مشدوهًا، شاردًا بكلماتها وحزنها البادي على ملامح وجهها الأبيض، فأدركها تغادر الآن غرفته وتستند لتصل لغرفتها.
أسرع أيوب للخزانة، يجذب حقيبته مجددًا والتقط منها عُلبة قطيفة من اللون الأزرق، حملها وأسرع خلفها يوقفها:
_انتظري.
توقفت عن استكمال طريقها دون أن تلتفت إليه، فقال من خلفها:
_ألا تريدين الاحتفاظ بشيءٍ يُذكرك بأخيكِ؟
استدارت له بلهفةٍ، ورددت بسعادة:
_نعم بالطبع أريد ذلك.
قدم لها أيوب العُلبة، فاسندت جسدها للحائط ومدت يدها تلتقط العُلبة وتفتحها بتلهفٍ كبير، وجدت داخلها سلسال فضي اللون، ينتهي بزخرفة على شكل كلمة فشلت بالتعرف عليها، رفعتها إليها تلامس الكلمة باستغراب زوى تجاعيد جبينها وأيوب يتابعها باهتمامٍ، فتقابلت عينيها به وسألته بحيرة:
_بأي لغة كتبت تلك الكلمة؟
ابتسم وهو يجيبها:
_العربية.
رمشت بأهدابها الطويلة بدهشةٍ، فلماذا يترك لها أخيها كلمة عربية هل هي سرية ليجعلها مشفرة صعبة الفهم عليها، فماذا يقصد بكل ذلك؟
اهتدت برأسها لجنسية أيوب العربية، وسألته بنبرة رقيقة:
_هل تعرف تلك الكلمة؟
هز رأسه ببطءٍ، فقالت:
_أخبرني بها.
تمعن بالسلسال لثانيةٍ ثم قال لها:
_س... د... ن...
وبعد أن لفظ حروفها بالانجليزية نطقها لها بالعربية:
_"سدن".
رددتها من خلفه بحروفٍ منكسرة، تجاهد لنطقها صحيحًا:
_سداان... سن... سدن!
ابتسم وهو يراها تحاول جاهدة نطق الاسم الذي تجهل بأنه اسمها الحقيقي، ومع ذلك حافظ على جموده واتزان قامته قبالتها، ليستقبل سؤالها القادم:
_وما معناه؟
سحب نفسًا مطولًا وهو يخبرها بصدمة ستستقبلها الآن:
_إسمًا معناه خادمة الكعبة الشريفة.
ضيقت عينيها بعدم فهم لما قال، فاستفاض يخبرها:
_الكعبة المشرفة هي قبلة المسلمين في صلواتهم، وحولها يطوفون أثناء أداء فريضة الحج، كما أنها أول بيت يوضع في الأرض وفق المُعتقد الإسلامي، ومن مسمياتها أيضاً البيت الحرام، وسميت بذلك لأن الله حرم القتال فيها، ويعتبرها المسلمون أقدس مكان على وجه الأرض، فقد جاء في القرآن الكريم:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ٩٦﴾
صدق الله العظيم.
سرت رعشة مخيفة بجسدها وبدأت معالمها تنكمش بانزعاجٍ، فصاحت بانفعالٍ ظاهري:
_ولماذا قد يترك لي أخي شيئًا كذلك!!
ادعى برائته الكاذبة ورفع كتفيه بحيرة:
_لا أعلم.
وبخبثٍ ماكر قال وهو يمد يده لينتشلها منها:
_إن كنتِ لا تودين الاحتفاظ بها لا بأس سأعديها للحقيبة مجددًا.
أغلقت عليها يدها وكأنه سيتنزع روحها منها، أخر ذكرى تركها أخيها تعني لها الكثير ولن يستطيع أن يأخذه منها:
_لا.. سأحتفظ بها.
ووضعتها حول رقبتها أمامه فابتسم أيوب وتنهد براحةٍ، وحينما وجدها تستدير إليه رسم الثبات والهدوء فقالت:
_لعله كتب شيئًا بمذكراته يخص السلسال، فلتقدمه لي لأرى!
ابتسم على مكرها ومحاولتها لاستمالته لطلبها المتكرر، فقال بحزمٍ تحرر بخشونة صوته:
_انتهينا آديرا.. أخبرتك بأنك ستحصلين عليها بالوقت المناسب.. والآن غادري لفراشك واستريحي.
وتركها وغادر لغرفته يغلقها من خلفه ويتجه لفراشه يجذب كيسًا من البسكويت يتناوله ليسد جوعه، متجاهلًا طعامها الموضوع لجواره، يموت جوعًا ولا يمس طعامًا لمسته يدها، نعم يفعل ما يضطر لفعله ولكن إن تركت طريقها هذا ربما حينها سيتبدد داخله ظاهرة الاشمئزاز التي تنتابه دون ارادة منه!
*********
طرق باب الغرفة قبل أن يطل بوجهه من خلفه متسائلًا ببسمة جذابة:
_حبيبة قلب أخوها صاحية ولا نايمة؟
اعتدلت شمس بفراشها وهي تخبره ببسمتها الساحرة:
_صاحية يا دكتور.. اتفضل.
ولج علي للداخل يستند على خزانتها الوردية وهو يمنحها نظرة حنونة، تتشبع من معالمها وكأنها ستفارقه غدًا.
وضعت شمس حاسوبها وكتبها على الكومود واعتدلت بجلستها تتساءل بدهشة:
_في حاجة يا علي؟
ربع يديه أمام صدره الصلب وأجابها:
_بحاول أشبع منك.. مهو انتِ هتفارقيني مرتين مرة بعد كتب كتابك ومرة تانية بعد فرحك.. بالمناسبة أنا اديت لآدهم جواز سفرك علشان يحجز تذاكر السفر للقاهرة الاسبوع اللي جاي، أنا كمان نازل بعدكم بيومين فربنا يصبرني بقى لحد ما أجيلك.. ورجوعنا هيكون مع بعض لحد ما تمتحني وننزل كلنا عشان الفرح.
ابتسامة مشرقة اتسعت على ثغرها وهي تتخيل مرورها بكل تلك الاحداث مع حبيبها الذي احتل كل ذرة داخلها، وتمكن أخيها من رؤية حبه الذي فاق حد النخاع، فتنحنح ليجعلها تنتبه إليه، فقال:
_نامي بدري علشان آدهم هيجي ياخدك الصبح يجيبلك فستان كتب الكتاب.
وقبل أن تتفوه بحرف رفع يديه باستسلام:
_قولتله إن مفيش داعي بس هو اللي مُصر.. هيكون عندك على عشرة الصبح.
واقترب إليها ينحني طابعًا قبلة عميقة على جبينها قائلًا:
_ربنا يفرحك باللي اختاره قلبك يا روح قلبي... متسهريش كتير نامي وارتاحي.
وتركها وأغلق بابها وهو يهتف:
_تصبحي على خير.
غادر علي وتمددت هي على الفراش تحتضن ذاتها بفرحةٍ، ومن ثم نهضت ترفع جسدها وتقفز على الفراش مرددة بحماسٍ:
_هشوفه بكره!!
********
انتظرته كثيرًا وقد تأخر الوقت، شيئًا ما بداخلها يخبرها بأنه ليس على ما يرام، جذبت "مايا" اسدالها ترتديه واضعة حجابها على شعرها الطويل بإهمالٍ، فصادف أن لحظة خروجها من الغرفة هي ذاتها اللحظة التي وطأت بها قدم "عمران" أخر درجات الدرج، فابتسمت فور أن رأته، أما هو فهاجمه شعورًا غريبًا ما بين الاشتياق إليها والخوف من فكرة خسارتها الأبدية.
ماذا إن لم ينقذه آدهم من مقتبل تلك الرصاصة؟ ماذا إن تمكن منه شبح الموت فقبض روحه وغادر تلك الحياة؟ بالطبع كان سيفتقدها كثيرًا بل أكثر مما يتخيل، أسرع إليها عُمران يقطع تلك المسافة المتبقية بينهما وبحركةٍ واحدة ضمها إليه، يدفن رأسه بخصلاتها المنسدلة من خلفها.
قدميه تتحرك بها للخلف حتى ولج بها لداخل غرفتهما فأغلق بابها من خلفهما، يتجه للفراش بها ومازالت رأسه تميل على كتفيها، رفعت مايا يديها تحتضنه وسألته بقلقٍ:
_عمران مالك؟
ذراعيه القويتيان يُحاوطانها بشدةٍ، فألتمست حاجته لوجودها بالقرب منه، مسدت على ظهره بحنانٍ، فأحكم من عناقه وهمس في أذنها:
_متبعديش عني خليكِ جنبي... حُضنك بيريحني يا مايا!
قالها وهو يجذبها لصدره بقوةٍ ومال بها للفراش غير عابئ بحذائه وملابسه، أغلق عمران عينيه باستسلامٍ للنوم فتسللت عنه ونهضت تنزع عنه حذائه، وجذبت الغطاء تداثره بقلقٍ يعتريها تجاهه.
تمددت جواره واستندت برأسها على صدره تردد وعينيها تتأمل ملامح وجهه الرجولية:
_لأخر يوم في عمري هكون جنبك ومش هسيبك يا عُمران!
********
دخل غرفته وهو ينزع جاكيته وجرفاته باختناقٍ، خطف نظرة للفراش فوجده مرتبًا، اندهش علي لعدم وجود زوجته فاتجه للحمام يتفحصه وناداها بقلقٍ:
_فطيمــــة!
فركت أصابعها بارتباكٍ وتمتمت بخفوتٍ وهي تختبئ بالخزانة:
_أيه اللي خلاني أمشي ورا كلام مايا وألبس اللبس المحرج ده.. أروح فين دلوقتي يا ربي!!
أسرعت للجزء الخاص بملابسها تبحث عن مئزر لترتديه فطرقت على جبهتها بتذكرٍ:
_أنا لميت هدومي كلها وبعتها مع حاجة فريدة هانم بالعربية أيه الغباء ده!
جابت عينيها خزانة علي فوجدته يحتفظ ببذلة واحدة تركها ليرتديها بالغد وهو يستعد للذهاب للمركز الطبي، جذبت فاطمة جاكيت الحلى وإرتدته سريعًا، في نفس لحظة اقتحامه للخزانة فردد بلهفة:
_انتي هنا يا فاطيما وأنا آ...
ابتلع باقي كلماته حينما وجدها تقف قبالته بجاكيت تحاول اخفاء قميصها الأبيض الظاهر من خلفه عنه، كونها أردت أن ترتدي ثيابًا تريح نومها وإن كانت مغرية هكذا جعلته سعيدًا.
طال صمته ومازال يتطلع لها، فتنحنح وهو يستعيد صوته الهارب:
_إنتِ بتعملي أيه عندك؟
توزعت نظراتها لكل مكانٍ بالخزانة الا عينيه، فحك أنفه وهو يخفي ابتسامته لرؤيتها مرتبكة، خجولة أمامه هكذا، رنا إليها "علي" يجذبها بيده لتقترب منه وانحنى ليصل لقامتها الصغيرة، هامسًا بمكرٍ:
_لابسة جاكت البدالة بتاعتي ليه يا فطيمة؟
لعقت شفتيها بارتباكٍ وقد تلون وجهها كحبات الكريز، فتلعثم قولها:
_بردانة.
ضيق رماديته بشكٍ، ولكنه أراد أن يمشي بكل خطواتها فقال:
_أفتحلك الدفاية؟
هزت رأسها تشير بالنفي، فمال عليها يخبرها:
_رجعتي في قرارك ليه؟ أنا مستهلش إنك تثقي فيا يا فاطمة؟
تعانقت المُقل ببعضها البعض، فسرى إليها رعشة احتلت وجدانها، فأجلت أحبالها الصوتية:
_أنا بحاول عشانك يا علي.
اتسعت بسمته وجذبها لصدره يهمس بحبٍ:
_وده كافي بالنسبالي يا روح علي!
تمسكت به وسحبت نفسًا مطولًا من رائحته، كأنها باتت بآدمانه كالمخدر، وقالت على استحياءٍ:
_ليه ازازة البرفان اللي بتحط منها مبتبقاش بنفس الريحة اللي بشمها أول ما بقربلك!
ضحك مصدرًا صوتًا وقال:
_لإني مش بحط من نوع واحد يا فاطمة.
وأحاطها بقوةٍ وردد لها بصوتٍ مبحوح تأثرًا بعاطفته:
_قولتلك كل ما تحبي تشمي البرفيوم بتاعي احضنيني أنا!
رفع ذقنها إليه ليقابل عينيها، وقال بمكرٍ:
_على فكرة أنا كمان بحب ريحة الشاور بتاعك بس بحاول على قد ما أقدر مبينلكيش عشان متفكرنيش برمي كلام للقرب فتغيريه!
جابهته بنظرة قوية وثبات فجأه:
_ما أنا عارفة عشان كده بأخد دُوش بيه دايمًا.
رفع حاجبه باستنكارٍ، فتعالت ضحكاتها بانتصارٍ تحققه عليه، لانت تعابير وجهه المشدود وهو يراقب ضحكتها التي زادت من جمالها جمالًا، أصبحت كالفتنة التي تستنزف كل قوة داخله للصمود.
وجدته هائمًا بها فتوقفت عن الضحك وقابلته بنظرةٍ عاشقة، رفع علي يده يحيط خدها وبحبٍ قال:
_ضحكتك تجنن! ابتسامتك تغوي القديس!
ودنى إليها يستند على جبينها وهو يستطرد بهمسٍ:
_وأنا بني آدم بيتمنى قربك يا فاطيما.
أغلقت عينيها بقوةٍ حينما سبقها على درب الغرام يطالبها بتتبعه، فحاولت أن تسرع بخطاها لتتمسك بيده، وجدته ينزع عنها جاكيته فتركته وهي تكاد تقتل من فرط الخجل.
حملها علي للفراش، وتمدد جوارها متعمدًا أن يصل عينيه بعينيها، يحاول أن يجعلها ترى نظرات العشق الخامدة داخله، أصابعها تنغمس بين أصابع يدها، عاطفته توازيها فلم يسبقها بخطوةٍ لم تستعد لها بعد!
كان عطوفًا لينًا للغاية، يبرع بقراءة تعابير وجهها باهتمامٍ حتى إذا شعر بأي شيء يبتعد، يخشى أن تنتابها نوبة قاتلة وهي بين ذراعيه يقسم أنه إذا حدث حينها لن يسامح ذاته أبدًا، ولكنه يعلم بأنها مثله تريد أن تجمعهما علاقة عادية مثل أي زوجًا وزوجة، وكونه الرجل عليه أن يسبق بخطوته تجاهها، وكونه طبيبًا يعلم خطورة ما يقدم على فعله ولكنه يتمنى أن شهور علاجه لها تجني ثمارها، نجاح علاقتهما سيحقق نجاحه كطبيبٍ خاض مرحلة علاج كانت شبه مستحيلة.
تشنج جسدها بين يديه جعله يهمس لها بعشقٍ:
_بحبك يا فاطمة... بحبك!
استرخت وعينيها المترقرقة بالدموع تندمج بنظرة عينيه الدافئة، وحينما وجدته يبتعد ليتركها وضعت يدها على صدره مستهدفة موضع قلبه، فابتسم وهو يتمم زواجه بها فعليًا وقولًا حتى باتت زوجة له بعد معاناة قضتها وقضاها هو برفقتها!
*****
صمت الليل وتخفى بظلامه خشية من ضوء الشمس النافذ، تململت بفراشها بانزعاجٍ من صوت منبه الهاتف الذي أعدته للاستعداد للذهاب للعمل، فتحت عينيها فوجدته يغفو قبالتها ويده تحيطها بتملكٍ، ابتسمت فاطمة وهي تتأمله بحبٍ لدرجة جعلتها تتناسى كل شيءٍ، إلى أن استقبل هاتفها رسالة من مايا، فتحتها
«صباح الخير يا طمطم.. يلا استعدي ربع ساعة وهنزل.»
برقت وهي تهمس بصدمة:
_هتأخر من تاني يوم!!
أبعدت الغطاء عنها وهرعت لحمام الغرفة تغتسل وفور أن انتهت طرقت على جبهتها وهي تصيح بانفعال:
_نسيت أخد لبس معايا، أنا مالي كده!!
قضمت أظافرها بعنفٍ، واتجهت تفتح باب الحمام، تتطلع تجاه الفراش فوجدته مازال يغفو بعمقٍ، نادته بخفوتٍ:
_علي... علــي!
اعتدل بنومته على ظهره وفتح عينيه يردد بنوم:
_صباح الخير يا حبيبتي.
اندهش حينما لم يجدها جواره فاتجه ببصره للحمام فوجدها تختبئ وتخبره بصوت احتقن بخجلٍ قاتلٍ:
_معلش ممكن تفتح الشنطة اللي عندك وتخرجلي منها هدوم مناسبة للشركة، أنا اتاخرت ومايا بعتتلي.
منحها ابتسامة جذابة ونهض يتجه للحقيبة قائلًا:
_انتِ تؤمري أمر حبيبتي.
رفع الحقيبة يفتحها، بحث بين محتوياتها حتى انتقى بذلة نسائية من اللون البني، وسحب أغراضها الشخصية ثم اتجه إليها يقدم لها ما بيده، فقالت من خلف الباب:
_علي.
طرق على الباب باستغراب:
_أنا هنا يا فطيمة.. افتحي خدي اللبس!
بحرجٍ عظيمٍ قالت:
_ممكن تغمض عينك؟
تمردت ضحكاته وبصعوبة يقمعها حتى لا يخجلها، فأغلق عينيه وقال:
_حصل.
اشرأبت من خلف الباب تتأكد من أنه يغلقها بالتأكيد وسحبت ما بيده وأسرعت بغلق الباب بوجهه بعنفٍ، فلم يقوى بالسيطرة على ضحكاته التي انفجرت فجأة مرددًا باستنكارٍ:
_حبك أيه في قفل الأبواب بوشي هموت وأعرف!!
واتجه لخزانته يجذب بذلته الوحيدة المتبقية، انحنى يلتقط جاكيتها الملقي أرضًا فعادت إليها ذكريات ليلة الأمس، ابتسم علي ورفع جاكيته إليه يقربه لأنفه، أغلق عينيه بتلذذٍ حينما تركت رائحتها المنعشة أثرًا عليه.
خرج للغرفة ينتظر خروجها ليغتسل ويستعد ليومه المجهد، فما أن خرجت حتى ردد بانبهارٍ:
_ما شاء الله يا فطيمة زي القمر.
ارتبكت قبالته فأسرعت بلف حجابها واتجهت لباب الغرفة تهتف بتلعثمٍ مضحك:
_اتاخرت....أنا معرفش مكان الشركة.... عمران ومايا هيمشوا ويسبوني.. عملت المنبه بس انشغلت بيك ونسيت معاد الشركة.
لطمت شفتيها برفقٍ وهي تصيح بعدم تصديق:
_أيه اللي أنا بقوله ده!
ألقت كلمتها وهرولت راكضًا من أمامه فضحك من أعماق قلبه على ارتباكها البادي أمامه، فاتبعها حتى وصل لدربزاين الدرج يتأملها وهي تركض للأسفل بنظرات حالمة، رؤيتها اليوم بتلك الحيوية والنشاط يزيد من سعادته باتخاذ عمران قرار عملها، وحينما كان شاردًا أتاه صوتًا ذكوريًا من خلفه يردد
_بقالي قرن معاك جوه البيت ده وأول مرة في حياتي أشوفك من غير قميص! بس تصدق طلع عندك عضلات بالرغم من إنك كسول ومبتلعبش رياضة!
استدار علي للخلف فوجد عمران قبالته يتمعن به وكأنه لوحة فنية عرضت على أحد الحوائط، انتبه لكلماته فتطلع لذاته بدهشةٍ، كيف اتبعها للخارج دون أن يعي بأنه لا يرتدي سوى بنطاله الأسود.
أسرع علي لغرفته بحرجٍ، ليس هو ذلك الفتى الجريء الذي يستعرض جسده طوال الوقت، حتى حينما يغفو لا يستغنى عن ملابسه العلوية تحسبًا لدخول شقيقته أو والدته أو حتى أخيه.
تعالت ضحكات عمران المشاكسة، فاتبعه وهو يصيح ساخرًا:
_بتخزى من أخوك يا دكتور!!
أغلق علي باب غرفته بوجهه وصاح به:
_وصل شمس لآدهم تحت وبطل وقاحة على الصبح يا عُمران!
اتسعت ابتسامته واتجه لغرفة شقيقته، طرق بابها وولج فصعق حينما وجد الغرفة بأكملها عبارة عن مجموعة من الأَحْجِبَة والاسكارف، ومن بين تلك الفوضى تظهر شمس بالكد وهي تعقد الحجاب من حول رقبتها بقوة جعلتها تسعل بقوةٍ وتجاهد لالتقاط أنفاسها.
ركض عمران إليها يبعد عنها الحجاب من حولها وهو يصيح بدهشة:
_يخربيتك عايزة تنتحري يا بت!!
التقطت أنفاسها اللاهثة وهي تجيبه بصعوبة:
_وحياتك أبدًا يا عمران.. بحاول أتحجب بس الطرحة مش راضية تثبت!!
جحظت عينيه صدمة، فوزع نظراته بين لبسها المحتشم والحجاب القابع بين يده ثم ردد بسخرية:
_بركاتك يا سيادة الرائد!
وتنحنح بخشونة يخبرها:
_وماله ده شيء يسعدنا كلنا بس إلبسي بعقل بذمتك عمرك شوفتي واحدة بتلف الحجاب حولين رقبتها شبه اللي لافة حبل المشنقة كده!!
هزت رأسها بنفي، واتجهت للفراش تجلس عليه بارهاق:
_هعمل أيه بحاول وفشلت.
وضع حقيبته الصغيرة على السراحة، وجاب الغرفة بعينيه حتى سقطت نظراته على اسكارف صغير أسود، فجذبه وألقاه بوجهها قائلًا:
_أعتقد ده بيتلبس الأول.. بشوف مايا بتعمل كده!
التقطته منه بابتسامة واسعة، وقفت شمس أمام المرآة ترتدي ما بيدها، مسح عُمران على وجهه بعصبية:
_صبرني يا رب.. أنا بحاول أكون محترم مع الناس بس هما اللي بيجرجروني للوقاحة ولساني الطويل.
واتجه إليها يجذبها من شعرها البني الطويل المنسدل خلف ظهرها من داخل الأسكارف هاتفًا من بين اصطكاك أسنانه:
_ده أيه يا بت ديل حصان!!
وتابع بعصبية بالغة:
_ولا يكنش حجبتي النص القدماني واللي ورا لسه مدخلش في أوكازيون التوبة!!
برقت بعينيها بدهشة:
_مش المفروض الطرحة طويلة وهتدريه.
كور يده بشكلٍ جعلها تتراجع للخلف حتى صعدت على جسد السراحة:
_اهدى يا عمران مش كده الله... إنت اللي شكلك متعرفش في أمور الحريم هروح أشوف مايا أو فاطمة إبعد.
لحق بها وهي تهرول من أمامه:
_مشوا الاتنين يا فقر... روحي لزينب هتلاقيها في أوضتها لسه.
أمأت برأسها وهي تهرول لغرفة زينب تعاونها بارتداء حجابها لأول مرة، بينما هبط عمران للأسفل ليستقبل آدهم بنفسه، فصافحه بابتسامة مشرقة:
_أهلًا يا كابتن... شرفتنا.
رفع أحد حاجبيه بدهشةٍ من طريقته الرسمية، فمال عليه عمران يخبره:
_عشان الرقابة بس، بره البيت هتلاقيني واحد تاني بس هنا فريدة هانم ممكن يحصلها حاجة!
ابتسم آدهم واحتل مقعده المقابل لعمران، فتسللت عينيه للدرج يود لو يلمح طيفها ليطفئ ظمأ قلبه، ابتسم عمران ساخرًا منه وصاح:
_متبصش كتير مش هتنزل الوقتي وراها معركة الله يعينها عليها.
اخفض ساقه واعتدل بجلسته يسأله:
_معركة أيه!!
هبط علي للأسفل مرددًا ببسمة جذابة:
_أهلًا وسهلًا سيادة الرائد.. نورتنا
انتصب بوقفته قبالته يبتسم في حضرة ذاك الراقي:
_بنورك يا دكتور علي.
أشار للمقعد بتهذب:
_اتفضل.. استريح.
جلس محله مجددًا بينما اختار عمران الجلوس على ذراع مقعد علي، وانحنى عليه يهمس له:
_ها مش هتقولي كنت طالق عضلاتك وخارج بيها ليه كده على الصبح؟
منحه نظرة تحذره وهو يرسم ابتسامة لآدهم الذي نجح بقراءة حركة شفاة عمران فاخفى ضحكته بتمكنٍ، وفجأة أتاته هزة شببهة بالزلزال الذي يحيط بالمبنى العتيق فلا يترك له أثر فور رؤيته لتلك الفاتنة تهبط الدرج محدثة صوتًا موسيقي بحذائها، برق لوهلة يستوعب بأنها ترتدي حجابًا لمرتها الأولى... حسنًا كانت فاتنة بكل ما تحمله معنى الكلمة، لدرجة جعلته يتساءل بارتباكٍ:
_شمس؟
ضحك علي وأكد له بإيماءة من رأسه، بينما ذم عمران شفتيه وصاح:
_اصلب طولك يا حضرة الظابط وإياك تفكر تستفرض بالبنت وهي معاك، أنا مركب Gps يعني هتلاقيني معاك في أي مكان.
لكزه علي بغضب:
_عمران الله.
كز على أسنانه وهو يخبره بضيق:
_مش موافق على الخروجة دي يا علي، معقول تسيبه ياخدها كده عادي ولوحدها.. أنا هروح معاها!
استغل انشغال آدهم بتأمل شمس ومال عليه:
_ميصحش كده يا عمران، بكره هتكون مراته وآدهم مش الشخص اللي تشكك فيه.
جذبه إليه يخبره بنفس وتيرته:
_افرض استغل الوضع وباسها ولا اتحرش بيها مهي هتبقى مراته بكره بقى!
احتقنت نظرات علي فدفعه للخلف بنفورٍ:
_مش كل الشباب وقحة زيك يا وقح!
وتركه يستشيط غيظًا وإتجه لآدهم قائلًا:
_متتأخروش يا آدهم... ولما ترجعوا أبقى تعالى على الموقع اللي هبعتهولك في رسالة، لإننا هننقل من هنا حالًا والعنوان هبعتهولك.
هز رأسه متفهمًا، بينما صعد علي للأعلى قاصدًا غرفة زينب بينما دنى هو حتى أصبح قبالتها يجلي صوته الهارب بصعوبة:
_دي أجمل مرة أشوفك فيها يا شمس... الحجاب مخليكِ جميلة بشكل مش طبيعي.
رفعت عينيها إليه تخبره بحزن:
_ده اللي كنت عايزة أقولك عليه لما صدتني بالكلام.
تسلل الضيق لمعالمه فأزاح نظارته القاتمة ومنحها نظرة جعلتها لا تود إبعاد عينيها عنه:
_أنا آسف.. صدقيني والله أنا بعمل كل ده علشانك وبسبب زعلك ده أنا خليت دكتور علي يكتب كتابنا بكره عشان أكون معاكي بطبيعتي وأقولك على كل شيء دفنته جوايا للحظة ما تكوني حلالي يا شمس.
ارتبكت أمامه للغاية، فتمسكت بحقيبة يدها ورددت بتوتر:
_مش هنتحرك؟
أشار بذراعه نحو الباب:
_اتفضلي.
كادت بأن تتبعه فأوقفها عمران حينما جذبها لاحضانه فجأة بنظرات تتحدى آدهم المبتسم لذاك الطاووس الوقح بتحد، بينما يهمس عمران لشمس:
_لو قربلك رنيلي وأنا أجيلك... أوعي يستفرض بيكِ يا شمس.
ضحكت بصوتها الانوثي، فنهرها بحدة:
_مينفعش حد يسمع صوت ضحكتك غيري يا شمس.
تطلعت له شمس بعدم استيعاب ورددت بمزح:
_عمران مالك ده هيبقى جوزي!!
قال بغيظ:
_لما يبقى بقى!!
وتابع ورماديته مازالت تتحدى عين آدهم:
_المهم متتأخريش ولو قالك حاجة كده ولا كده كلميني على طول .
اتسعت ضحكتها وهي تهز رأسها بخفة، واتبعت آدهم للخارج وعمران يلحق بها، فتح آدهم لها الباب الأمامي فلوى عمران شفتيه قائلًا بحنق:
_كنت ناوي أقعدها ورا بس يلا هسامح بس عشان الصحوبية اللي كانت بينا.
ردد آدهم بمزح:
_كانت!! لأ والله فيك الخير يا عم الطاووس!
منحه نظرة ساخطة قبل أن ينحني ويحمل طرف فستان شقيقته الأزرق الطويل، ليضعه من خلفها على المقعد والحنان والحب يلمعان بحدقتيه تجاهها مما جعل آدهم يبتسم وهو يتابعه وللحق لم يشعر بالانزعاج منه أبدًا، لإنه بطبيعة مهنته يعلم بمكنون من أمامه وهو يرى حب عمران المبالغ به تجاه شقيقته الوحيدة لذا تركه كما شاء فلكلُ حقًا عليها.. إن كان سيكون زوجها فهو أخيها!
*******
ولج علي للداخل حينما استمع لسماحها له بالدخول، فولج يردد بهدوء:
_صباح الخير يا زينب... عاملة أيه؟
انتهت من عقد حجاب اسدالها وردت عليه بابتسامة واسعة:
_صباح النور يا دكتور.. أنا بخير الحمد لله وخلاص جهزت شنطي هغير هدومي وهنزل على طول.
ضيق حاجبيه باستغراب:
_والجامعة يا زينب؟
بارتباكٍ اجابته:
_مش هروح النهاردة.. مفيش حد مع فريدة هانم كلهم خرجوا فمينفعش أنا كمان مكنش معاها.
أشار لها بالجلوس، وهو يراقب وجهها المجهد وكأنها لم تغفو منذ سنواتٍ فقال:
_زينب متحاوليش تقترحي حجج وأعذار علشان متنزليش الجامعة، إنتي من ساعة ما رسالة الحيوان ده وصلتلك وانتي بطلتي تنزلي، طيب وبعدين؟!
ابتلعت ريقها بارتباكٍ لمجرد ذكر اسمه أمامها، فردت بصوتٍ مبحوح:
_خايفة يا علي، لإني سبق وشوفت غضبه عامل ازاي، وبعدين ده تاجر سلاح مش فارق معاه لا حكومة ولا غيره.
استند بجسده على الطاولة المجوفة من أمامه وقال:
_معنى كده انك هتضيعي مستقبلك عشان خوفك منه يا زينب... طول مهو شايفك ضعيفة بالشكل ده هيستقوى عليكِ بكل ما فيه.. أنا هسيبك النهاردة براحتك بس من بكره هتنزلي جامعتك تاني.. واطمني أنكل أحمد كلم شركة حراسة وهيكون في عربية حرس معاكي في كل مكان لحد ما نوصل للبيه اللي بيهدد من بعيد وآ..
ابتلع باقي جملته، فكاد أن يخبرها بأنه تعرض لعمران ولكنه تراجع خشية من أن يحزنها، فنهض عن الأريكة وقال:
_هسيبك تغيري هدومك وهستناكي تحت متتأخريش علشان بمجرد ما فريدة هانم تنزل هنتحرك للبيت الجديد على طول.
هزت رأسها مجيبة:
_حاضر.
تركها وهبط للاسفل ينتظرهم، وأرسل رسالة لعمه يؤكد عليه أن ينتهي من أمر شركة الحرس بعدما أخبره بالأمس عن تهديدات ذاك الأرعن لزينب وقد رأى أحمد أن الحل المناسب هو وجود حرس مُسلح لحمايتها فوافقه "علي"على الفور.
******
اتجه عمران بسيارته لشركته، فولج من بابها الرئيسي فوجد أيوب بانتظاره، ضيق جفونه بنظرة مرعبة جعلت الاخير يرسم ابتسامة زائفة وهو يدنو منه:
_صباح الخير يا بشمهندس.
نزع نظارته السوداء وهو يمنحه نظرة مشتعلة، وهتف:
_نعم!
تنحنح بخفوتٍ:
_نعم أيه بقولك صباح الخير!
اقترب منه عمران وردد بنبرة منخفضة:
_عجبك كلام يوسف اللي قالهولك امبارح صح!
ارتعبت نظرات أيوب تجاهه، فابتلع ريقه الجاف وهو يدعي عدم الفهم:
_كلام أيه؟
_غيرتلها على الجرح يا ابن الشيخ مهران!
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة، ورفع اصبعه يشير له بتوترٍ:
_عُمران أنا آآ...
هدر بانفعالٍ ونظراته الحادة تحيطه:
_ولا كلمة.. ورايا!
زفر أيوب حانقًا، يلعن تلك الظروف التي أوقعت آديرا بطريقه وأوقعته هو بطريق "عُمران الغرباوي" ، صعد خلفه للأعلى وولج لغرفة مكتبه.
نزع عنه جاكيته وألقاه لسكرتيره الخاص "حسام" ومن ثم ألقى إليه رابطة عنقه فتلقفها بصعوبة كادت باسقاطه فوق مكتبه، وعاد يفاجئه حينما قذف إليه ساعته الباهظة، التقطها بين يديه ولكنه فشل تلك المرة بانتصاب وقفته المذرية فسقط بها أرضًا وذراعيه تعلو بالساعة.
أشمر عُمران عن ساعديه ببسمةٍ مخيفة، فالتفت وجهه لحسام يخبره بنبرة لطالما كانت تخص القتلى المأجورين:
_كويس إنها منكسرتش والا كنت هتشرف جنب أخوك الشيخ أيوب في خارجته النهاردة.
وانتقلت رماديته لباب الغرفة يستطرد بفحيح الأشباح:
_خد الباب في إيدك وإنت خارج.. أي مقابلات أو اتصالات مهمة حولها لبشمهندسة مايا
. من الأخر مش عايز أي إزعاج يفصلنا أنا وابن الشيخ مهران عن طلعتنا.
جحظت أعين أيوب صدمة، وكأنه يستعد لتقطيع جسده بالمنشار الحاد، فمال على حسام الذي يوزع نظراته بينهما بقلقٍ، همس له أيوب يستجديه:
_متمشيش يا حسام!
رفع كتفيه بقلة حيلة وهرول للخارج، فتراجع أيوب للخلف حتى التصق بالمقعد الذي خلفه، فسقط أعلاه والاخير ينحني إليه ويصوب نظراته القاتمة تجاهه.
أجبر صوته على التحرر متسائلًا:
_في أيه يا عُمران؟ إنت هتتحول ولا أيه؟!
طرق على ذراعي المقعد وبانفعالٍ شرس قال:
_غيرتلها على الجرح يابن الشيخ مهران!! ويا ترى بقى أيه اللي نتج عن الفعل ده!! اتكلم أنا سامعك!
أبعد رأسه للخلف وهو يشير له بخوفٍ غريب:
_أقسملك بالله محصلش أي حاجة.. ولولا ان دكتور يوسف صاحبك اللي نبهني لخطورة اصابتها مكنت قربتلها نهائي!!
أخذت أسنانه شفتيه السفلية يسحقها بعنفٍ يود أن يطول ذاك القابع أمامه، ومع ذلك استكمل أسئلته الطارئة:
_عملت أيه بعدها يابن الشيخ مهران؟
رفع ركبتيه للمقعد وكأنه سيهرول به من أمام ذاك "االطاووس الوقح" وراح يردد دون توقف:
_محصلش والله العظيم محصل.. خد نفس عميق واستهدى بالله يا عمران عيب يا جدع تلميحاتك الوقحة دي.. أنا سبق وقولتلك أنا شاب جامعي جاي هنا أدرس وأمتحن وأخد الشهادة وأرجع لأبويا الحارة... معنديش أهداف تانية فبالله إقلع الوش اللي يرعب ده وسبني أمشي من هنا..
وتابع بنفس الوتيرة:
_هو كان يوم مش طبيعي يوم ما أخدني سيف أسكن معاه بشقته وهو نفسه اليوم اللي اسودت ملامحه يوم ما اتعرفت عليك مع إني اتعرفت على سيادة الرائد آدهم والبشمهندس جمال ودكتور علي بس شهادة لله ناس محترمة وزي موج البحر الهادي إنت اللي مالكش كتالوج، زي السما شوية صافية وشوية مغيمة وفجأة يضربها الرعد والبرق وكل العواصف!!
ابتسم بخبثٍ مخيف وقال بجمودٍ تام وكأن ما قال لم يهز به شعرة:
_لو مش عايز عواصفي كلها تحضر هنا هتقول اللي حصل بالحرف والا مش هرحمك يا ابن الشيخ مهران..
لعق شفتيه الجافة وهو يرفع صوته الذي تخلي عنه:
_مآآ... حص... لش.... محصلش!
صرخ به وقد تخلى عن كل هدوئه المخادع:
_انطق يا أيوب!!
دفعه أيوب للخلف بقوةٍ جعلت الاخير يسقط على المقعد المقابل إليه وهو يصيح بعصبيةٍ:
_أكلتها وأدتها دواها وغيرتلها على الجرح ورجعت أوضتي تاني ده اللي حصل تصدق أو متصدقش دي حاجة ترجعلك!!
تعالت صوت أنفاسه المنفعلة بينما ارتسمت ابتسامة تسلية على ملامح وجه عمران واتجه ليحتل مقعده باسترخاء استراب له أيوب!
سحب القلم وأخذ يوقع بآلية تامة على الأوراق من أمامه وكأن الأخر لا وجود له، فردد أيوب بنزقٍ:
_أيوه يعني أفهم أنا من برودك اللي نزل عليك ده فجأة أيـه؟!!!
رفع رماديته أيه ولف مقعده يهزه بتسلية، قائلًا:
_إني أخدت الحقيقة.
_ولا كنت برغي فيه من الصبح كان أيه؟
ترك مقعده ونهض يلهو بالقلم وهو يشير إليه:
_علميًا الإنسان لما بيتعصب بيخرج الحقيقة كلها عمليًا أنا مصدقك من أول ما اتكلمت بس كنت حابب إديك عينة بسيطة عن اللي هيحصلك لو لعبت بديلك مع العبرانية!
أطبق على يده بقوةٍ، فاحتبس غضبه داخله واستدار ليغادر، فأوقفه الاخير مردفًا:
_عايزك معايا النهاردة.. في مقابلة هتتم كمان نص ساعة هتفيدك جدًا.. خليك موجود.
عاد لمقعده بهدوءٍ زائف تحلى به، وما كاد بأن يفجر عاصفته إليه حتى وجد أحدهم يقتحم باب مكتب عمران وهو يصيح بغضب:
_بقى أنا الحيوان ده يمنعني من الدخول!!
كلماتٍ هدر بها "نعمان" غاضبًا،ومن خلفه ظهر حسام الذي ردد يدافع عن ذاته أمام تلك الأعين المحتقنة:
_مستر عمران حاولت أفهم الباشا إن حضرتك مشغول بس هو آآ..
_الطور الهايج مبيسمعش اللي قدامه عشان يفهمك يا حسام.. والخال ما شاء الله معندوش لا سمع ولا دم!
وابتسم عمران وهو يمنح ذاك البغيض نظرة ساخرة:
_خير يا خال؟ مش خلصنا من حوار الشركة وقولتلك مش عايز أشوف خلقتك هنا تاني، ولا وحشك طولة لساني ومقدرتش تحوش نفسك عن شوفتي!
اقترب نعمان من مكتبه وأيوب يراقب ما يحدث بدهشةٍ وصدمة تفوقه أضعافًا لمعرفة كناية ذلك الرجل الذي بات من كلمته يعلم بصلة القرابة بينهما.
وقف نعمان على مسافة قريبة من عمران وردد بهدوءٍ قاتل:
_قولتلك ما تلعبش بالنار لتحرقك وأديك جنيت على نفسك يابن فريدة!
رفع ساقًا فوق الاخرى وطوفه بنظرة متغطرسة، قبل أن يشدد على كلماته:
_حاسب الولاعة لتلسعك!
وتابع بنفس بروده:
_طريقك أخضر العباسية إن شاء الله يا خال... خد الباب في إيدك وخلي بالك الأُكرة تلزق!!
خرج نعمان بوجهًا مشتعل من فرط الاهانة التي تعرض لها، فما أن اغلق الباب حتى تساءل عمران:
_في أيه يا حسام؟!
رد عليه السكرتير يخبره:
_المشاريع اللي كانت هتتطبق في الشركة اللي كانت بتجمع حضرتك مع نعمان باشا الوكلاء لغوا العقود لما عرفوا إن حضرتك فسخت الشراكة، وكلهم اخدوا مواعيد عشان يقابلوا حضرتك.. فأعتقد إن الخبر وصل لنعمان باشا علشان كده اتعصب.
هز عمران مقعده وكفوف يديه تضم بعضها البعض بتفكيرٍ يستحوذ عليه، كان يحاول تخمين سبب انزعاج خاله هكذا، ولكن الأمر لم يعنيه والآن بعدما استمع لما قال، أشار لحسام:
_مش هقابل حد منهم يا حسام، إرفض التعامل مع أي حد فيهم أنا مبقطعش أرزاق حد حتى لو الحد ده الخال الملزق.
هز رأسه هاتفًا وهو يتجه للخارج:
_زي ما حضرتك تحب.
بعد خروجه شرد عمران قليلًا ليفق بعد ذلك على صوت أيوب المنبهر من شخصيته:
_بحاول أفهمك ومش عارف.. من شوية اتصدمت لما لقيتك بتكلم الشخص اللي يبقى خالك بالشكل ده، واتفاجئت من طريقة تهديده ليك كأنك عدو مش ابن أخته وبعد كده فهمت سبب عصبيته من كلام حسام وقولت يستاهل بس اندهشت أكتر بموقفك ده... عمران إنت محدد وعارف إنت عايز أيه؟!!!
سحب نفسًا طويلًا وأطلقه بتنهيدة حارة أوضحت لأيوب مدى معاناته، ترك عُمران مقعده ونهض يجلس قبالة رفيقه ثم قال مبتسمًا بألمٍ:
_اللي شوفته ده جزء بسيط أوي يا أيوب.. خالي من بعد وفاة أبويا وهو بينهش فينا، ولولا وقفة عمي أحمد ليه كان زمانه سيطر على أملاكنا كلها، عمي طول عمره واقف في وشه وبيحاربه بكل قوته وأنا مش هفضل أتدارى في ضل عمي طول العمر يا أيوب، بقيت أنا اللي في وشه.
وتابع بحزنٍ طفيف:
_علي طيب وقلبه أبيض، مالوش في المشاكل ولا في اللوع فكان لازم أنا اللي أقفله بكل قوتي وأواجهه، وزي ما أنت شايف كده مواجهتي ليه ودفاعي عن حقي وحقوق والدتي وأخواتي خلاه يزيد من حبي حبتين تلاته لدرجة إنه بيتمنى موتي النهاردة قبل بكره!
واستكمل وعينيه تتعلق بعين أيوب الذي تأثر به للغاية غير مدركًا بأنه يخوض كل ذلك بمفرده:
_كل ما بحاول ادفن العداوة بينا أنا وهو علشان خاطر فريدة هانم والدتي بيعمل حاجة أوسخ من اللي قبلها، ببساطة يا أيوب لو الشخص ده شاف حنيتي هيركبني زي ما بيقولوا وللأسف مينفعش لإني الوحيد اللي واقف في وشه وبيقاوم.
انحنى إليه أيوب يربت على ساقه بفخر:
_خليك جامد وقوي زي ما انت يا عمران.. في أشخاص ميستهلوش المعاملة الطيبة.
مازحه ليخفف من حدة الاجواء:
_زيك كده صح؟
تعالت ضحكاته الرجولية وردد:
_ميبقاش قلبك أسود بقى.
ابتسم عمران وأردف بجدية تامة:
_أيوب سامحني على معاملتي ليك بالطريقة دي صدقني ده من خوفي عليك وعلى ضياع مستقبلك، شخص محترم زي والدك ميستهلش يسمح عنك خبر كارثي زي ده، تعب وشقى عشان تأخد شهادتك من جامعة كبيرة زي دي، خوفي الاكبر من إنك تغلط معاها وفي لحظة تبعد عنك، تخيل لو حملت منك هيكون أيه مصير ابنك أو بنتك مع واحدة عبرية!
احتفظ ببقايا ابتسامته وقال بصوته الرخيم:
_عارف وفاهم كلامك ده يا عمران ومش متضايق بالعكس فرحان وحاسس بحبك الكبير ليا ويمكن ده اللي مخليني مستحملك إنت وشركتك واستاذ ممدوح!
انفجر ضاحكًا وصاح بسخرية:
_كده طيب حيلك عليا أنا هوريك اللي جاي هيكون عامل أزاي!
وأشار له وهو يتجه للمشجب ليجذب جاكيته:
_يلا استعد معاد الاجتماع.
******
صرخ بصوت جهوري مخيف:
_اللعينة نفدت من الموت وتزوجت من ذلك الإرهابي الحقير!!
وتابع وهو يشير لرجاله بجبروت سحيق:
_اذهبوا وجدوا لي صديق هذا الارهابي هو من سيوصلنا إليهما.
وردد بوعيد مخيف يهوي من عينيه العدائية المظلمة:
_إلى أين سيهربون مني، سأقتلكما معًا ولنرى من سيوقفني هذة المرة!
....... يتبع..... بووووم 💣....
#الاقوى_قادم..... #صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية)
التفاعل واقع يا شباب مينفعش كده احنا داخلين على الاحداث المهمة ❤
******_________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثاني وأربعون 42 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_التاسع_والثلاثون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "سهيلة فوزي"،"تغربد زينهم"،"جهاد محمود" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
حينما تهاجمك الدنيا بكل ما فيها ، وتكسر كل عزيمة تحليت بها، وحينما تجد ذاتك وحيدًا، بائسًا، تعتكف عن الحديث والشكوى حينما تصبح دون جدوى، حينها ستجد ذاتها تنحصر بجزءٍ صغيرًا يفترشه سجادة منظمة، وملابس نظيفة، وضوءًا كاملًا واقبالًا جميلًا يليق بالله عز وجل.
هي الآن ماسدة بين يديه، تبكي قهرًا وتفرغ كل ما بداخلها، خمسة سنوات مضت عليها ومازالت تدفع الثمن من عمرها الذي فنى فتقسم بأنها تخطت السبعون عامًا وإن كانت لا تتعدى الخامسة والعشرون، تجد سكينتها على سجادتها.
انتهت من صلاتها وجلست ترفع يدها وتردد بصوتٍ ذُبح فؤاده واحتقن بأوجاعها:
_يا رب لو كان حيًا يرزق هونها عليه وفك كربه وحبسه يا رب.
وتابعت ببكاء حارق وكأنها لا تحتمل نطق القادم:
_ولو كان ميت إرحمه وتقبله قبولًا حسن، يا رب لو كان عندك اجمعني بيه بعد موتي يا رب.
انهمرت دموعها تباعًا واهتزت يديها وهي تشكو بانهيار:
_حرموني منه يا رب.. أخدوني منه وعذبوني يا رب... فرقوني عن أكتر إنسان حبيته وطلبته منك في كل صلاة ليا.. حرموني من حبيبي!!.... أخدوه مني وأخدوني منه يا رب.
ومالت على الحائط تبكي ويدها تكبت صرخاتها خوفًا من أن يستمع لها زوجها البغيض الغافل بغرفته، فنزعت حجابها تمسح به دموعها الغزيرة وهي تهمس بضعفٍ:
_حقك عليا يا يونس... حقك عليا من ظلم الدنيا اللي شوفته كله يا نن عيني .. كنت عاجزة يا يونس.. معرفتش احاربه ولا أحارب أهلي.. هو اللي أرغمني أرفع عليك قضية الخلع هو السبب اللي فصلني عنك يا حبيبي.
ورفعت يدها تحيط صدرها بموضع القلب، تطرق بها بقوةٍ:
_ده مات من بعدك يا حبيبي... مات ومبقاش له وجود من غيرك.
تعالى صدرها بانقباضٍ من فرط الانفعالات التي تخوضها، تخشب جسدها الهزيل فزعًا حينما شعرت بيد ممدودة على كتفها، فاستدارت للخلف بخوفٍ غادرها حينما وجدته صغيرها.
ضمته لها خديجة وهي تسنشق رائحته بقوةٍ، وتهمس له:
_أيه اللي صحاك من النوم يا حبيبي؟
أجابها الصغير فارس:
_ملقتكيش جنبي فخوفت.
رفعت رأسه إليها وهي تعزز من شجاعته:
_مفيش راجل بيخاف يا فارس.. قولتلك قبل كده لازم تتعود تنام لوحدك وتعتمد على نفسك.
ضمها الصغير وهو يتأمل دموعها بقلقٍ، فتناست كل ما تردده وحاوطته بكل قوتها مرددة بخفوتٍ:
_عملت كل ده عشانك وعشانه.. سامحني يا يونس!
تحشرجت أنفاسها بشكلٍ نبهها لزيارة أزمتها الصدرية المعتادة لها، حينما يزداد بها الحزن والبكاء تزورها بحدةٍ وتواجهها بضراوةٍ، احتملت "خديجة" الآلآم واحتبست صوت أنفاسها المخيف عن ابنها، وضعته بفراشه وسحبت غطائه، وتسللت بخفة لغرفتها الرئيسية تبحث عن بخاختها لتنجو من اختناقها الذي يهاجمها.
وجدته يغفو على الفراش باستمتاعٍ مريضًا بعدما نجح بالمرة التي تفشل بعددها بالسيطرة على جسدها بعدما يرضخها إليه بالضرب المبرح كل مرةٍ، ارتجف جسدها بخوفٍ حينما تذكرت ما يفعله بها فسحبت كم الجلباب تخفي به آثار حروق جسدها البالغ واستكملت طريقها لدرج الكومود.
منحته نظرة منفرة قبل أن تسحب الكيس البلاستيكي تبحث بداخله عن بخاختها، فأصدر صوتًا أزعجه بمنامه فردد بفظاظة:
_اتهدي واتخمدي بدل ما أقوم أكمل على اللي باقي فيكي يا بنت ال****.
اعتادت سماع الاهانات المتكررة منه، فسحبت الكيس واتجهت للخروج، فشملها بنظرة محتقنة وادار ظهره هاتفًا:
_بخت تفطسي وأرتاح من قرفك إنتي وابنك!
تحجرت خطواتها على باب الغرفة واستدارت تختطف نظرة دامعة للمدعو زوجها، رغم أنه يعلم أنها تعاني من أزمة صدرية حادة إن انتابتها يومًا ولم تلجئ لجرعة البخاخ أو الأكسجين حينها ربما تغادر روحها جسدها المُنهك ومع ذلك يغفو براحةٍ وكأنها لا تعنيه بشيءٍ، تُجزم بأنه إن كان يعتني بجروٍ صغيرٍ لكان أبدى له تعاطفه الكامن.
سحبت أذيال الخيبة وإتجهت لغرفة ابنها مجددًا، تغلق بابها جيدًا، انزوت على الفراش المقابل لفراش صغيرها ترتشف البخاخ بقوةٍ كبيرة حتى هدأت أنفاسها واستعادتها رويدًا رويدًا، فارتخى جسدها كالمدمن الذي ارتشف جرعة من السموم فأرحته.
وضعت رأسها على الوسادة وارتخى جسدها يراحةٍ رغم عينيها الغارقة بالدموع، تشعر وكأن مفرش السرير الستان رغم نعومته بأنه خشن كالشوك، يزيد من جحيم جلدها المذري، تعيش هنا بذلٍ وإهانة، وخاصة خلف باب غرفة زوجها الموصود، بالداخل حيث يتم إهانته كأنثى تجرد من كل معنى الأنوثة، يعاملها بخشونةٍ وقسوة كأنها عاهرة أو فتاة ليل!!
كل ما تنجح بفعله كل تلك السنوات أنها تحتبس صرخاتها بتمكنٍ خشية من أن يستمع ابنها الصغير لصوتها، صغيرها الذي اعتاد رؤيتها بملابس محتشمة للغاية تخشى ان يرى حتى ذراعيها المحترقة نهيك عن جسدها المشوه!!!
انهمرت دمعة خارقة على وجهها الأبيض، وهي تتذكره، حبيبها وزوجها السابق، تقتل ألف مرة وهي تضطر آسفة بنسبه بالزوج السابق، ذاك الذي آراها من الحب ما أروها، ضمها لأحضانه التي تفتقد حنانه إلى تلك اللحظة... ذاك الذي أقسم لها بأنه سيظل يعشقها حتى الرمق الأخير من حياتها.
تسعة وعشرون يومًا قضتهما برفقته، تسعة وعشرون يومًا انحفر ذكراهم داخلها، وكأن الجنة استقبلتها بين ذراعيها لتسعة وعشرون يومًا وبعدها لفظتها بكل ما فيها لجُهنم!
لاح لها ذكرى استحوذتها بداخلها
##
_ممكن تفهميني أيه اللي يستاهل عياطك وحالتك دي!! وفيها أيه يعني لو مجموعك مجابش الكلية اللي بتحلمي بيها!
قالها بصوته الحنون المهتم بكل صغيرة تشملها، رفعت عينيها الباكية إليه تخبره ببكاء:
_مستقبلي إتدمر يا يونس!
ضم شفتيه معًا يحتمل تألم قلبه القافز بين ضلوعه، وردد بحبٍ وعينيه تجوب مكان جلوس والدتها:
_أنا مستقبلك يا خديجة!
وتابع بابتسامةٍ صغيرة:
_مش ده كلامك؟
أزاحت دموعها وهي ترسم ابتسامة صغيرة على وجهها، فقال بإصرارٍ:
_بطلي تقابلي كل مشكلة تقابلك وكأنها نهاية العالم، مستقبلك عمره ما هيتدمر لو مدخلتيش الكلية اللي بتحلمي بيها، لو شوفتي ربنا سبحانه وتعالى أختارلك أيه كنت بكيتي وإنتي بتحمديه على إنه مفتحلكيش باب وراه مصاعب ومشاكل إنتي في غنى عنها... قومي اغسلي وشك واقعدي مع نفسك اختاري الكلية اللي هقدملك فيها يا زينة البنات.
وعاد يخطف نظرة سريعة لوالدتها ثم دنى منها ليصبح قريبًا يهمس بعشق:
_هو أنا مش صعبان عليكِ ولا أيه، شيدي حيلك في المذاكرة كده عايز أدخل دنيا.. الحارة كلها تشهد إني صبرت عليكي صبر مصبروش واحد عازب.
وتابع ببسمة ساخرة:
_بذمتك حد أهبل يكتب كتابه على واحدة وهي في تالتة إعدادي ويقعد جنبها يستنى لما تأخد الجامعة؟
أزاحت دموعها وهزت رأسها بضحكة أشرقت تعابيره الجذابة، فردد مبتسمًا:
_منحرمش من الضحكة الجميلة دي يا زينة البنات!
تعلقت خضرة عينيها بعينيه البنية، ويدها تمتد تحتضن كف يده فبرق بمُقلتيه وهو يراقب والدتها هادرًا بتحذيرٍ:
_مامتك يا خديجة!
وتحرك بجسده لأخر الأريكة، ففركت أصابعها بحزنٍ، تعلم بأنه وبالرغم من أنه زوجها الا أنه يحفظه من نفسه جيدًا، الظروف الذي تزوجها بها ترغمه عنوة.
كان يريد أن ينتظرها لحين أن تنتهي من دراستها وحينها كان سيعقد القران يوم زفافهما، ولكن اصرار عمها عن أن يزوجها ابنه دفعه ليعقد قرانها بعد ان وجده عمه الشيخ مهران حلًا صائبًا خاصة بأنها تسكن بعمارته فلا يريد لابن أخيه ولتلك الفتاة بأحاديث تنطلق على ألسنة الناس من حولهم.
وتنحنح بخشونة وهو يشير له مازحًا:
_يلا يا عيوطة قومي كده غيري هدومك وارتاحي، لما أنزل ألم هيبتي اللي ضاعت وسط الصبيان في المحل وهما شايفين معلمهم بيجري شبه الأهبل وكل ده بسببك، واقف استناكي من ساعتها عشان تطمنيني وانتي راجعالي عينك ورامة وواخده في وشك قافش على فوق!
أشارت بكتفيها ببراءة مصطنعة:
_كنت زعلانه هعمل أيه؟
تنهد بقلة حيلة ونهض يتجه للخروج:
_هنزل أطمن على أيوب أشوفه عمل أيه هو كمان ما أنا ربنا إبتلاني بيكم.. طلعتوا عيني طول فترة امتحاناتكم بجري من لجنة للجنة كأني بطمن على عيالي الصغيرين!
ضحكت بصوتها كله فتابع بمزح:
_ولا وقت ما تخرجولي انتِ وهو وتراجعوا الاسئلة قدامي آه لما بيطلع عندك حاجة غلط وأشوف وشك بيجيب ميت لون ببقى هتهور وأقتل أيوب في كل مرة بيقولك على حاجة غلط.
تعالت ضحكاتها وأحمر وجهها من فرط سعادتها بحديثه المرح، فانحنى تجاهها يهمس بجدية تامة:
_أنا بسببك يا هانم كنت بحرضه إنه لو حصل يعني واتهوروا ولأول مرة يحطوا الشباب مع البنات بلجنة واحدة كنت بقوله يغششك في أي إجابة تقف عليكي، مع إني كنت لسه ظرفه خطبة طويلة عريضه عن الغش وجيت عندك وقولته حلال.. اتمسخر بيا بس هعمل أيه مراتي ولازم أبقى حنين عليها!!
وضعت يدها على صدرها تخبره من بين ضحكاتها:
_معتش قادرة يا يونس اسكت!
ابتسم وهو يتابعها بنظرة هائمة، وردد بعشقٍ:
_كده هتفائل بيومي كله.. وكل ما أشتاقلك صوت ضحكتك الجميلة دي هتواسيني لحد ما أشوفك تاني.
منحته ابتسامة هادئة، وعينيها تنطق له بحبه القابع داخلها، انتصب "يونس" بوقفته وقال:
_هنزل أشوف أيوب قبل ما أعدي على المحل، العمال مشغولين بتشطيب المحل الجديد ويافتة "يونس الزيات" بقت مسمعه بالسوق كله وخصوصًا العروضات اللي عملتها على الادوات الكهربائية.
وعاد ينحني قبالتها مستطردًا بغمزة مشاكسة:
_تصدقي بالله كل ما بينزلي أجهزة كهربائية جديدة أنقي لبيتنا كام حاجة وفي الأخر أخاف لوقت جوازنا يكونوا نزلوا حاجة أحدث عشان كده بحاول أتكى على الصبر حبتين لحد ما زينة البنات تخلص دراستها وتشاورلي بس أجهز البيت من مجاميعه.
تسلل الضيق لملامحها الهادئة فنهضت تقف قبالته وتخبره عاقدة الذراعين:
_يونس أنا قولتلك قبل كده مش عايزة اتجوز بالبيت اللي اشترته ده أنا عايزة أفضل هنا.. شقتك تحت أهي واسعة وجميلة محتاجة بس تتشطب وهتبقى جنة.
زوى حاجبيه بدهشةٍ وصاح:
_عايزة تتجوزي في شقة قديمة!! دي قيمتك عندي يا خديجة!
أصرت على حديثها قائلة:
_مالها الشقة يا يونس.. إنت ورثت في العمارة دي زي الشيخ مهران وعيشنا وكبرنا فيها، كمان محلاتك فيها من تحت يبقى لزمتها أيه تبعد ونسكن في نص البلد أنا مرتاحة هنا وخصوصًا إن ماما هتكون ساكنة فوقي.
تهدلت معالمه باستسلام لاقناعها، يعلم كم هي عنيدة لذا رضخ لها بابتسامته الساحرة:
_عنيا يا زينة البنات اللي تعوزيه كله يحضر!
اتسعت ابتسامتها ورددت باستحياء وهي تهرب من نظراته:
_تسلملي يا حبيبي.
ابتلع ريقه بارتباكٍ، ودنى إليها يهمس:
_قولتي أيه؟
تمعنت بعينيه الشبيهة بالقهوة التي تحتضن لوح من الشيكولا الساخن، وتجرأت بقولها العذب:
_حبيبي وجوزي وكل حياتي يا يونس.
اتسعت ابتسامته بشكلٍ عينيها لا تفارق وجهه، وقال:
_كتير عليا كل ده يا زينة البنات!
همست له ووجهها قد تشرب بحمرة الخجل:
_إنت اللي كتير عليا يا يونس!
وكأن جملتها قد أرهنت الزمان ليستجيب لها، انحرمت منه وألقت لأشباه الرجال يريها الفرق المعهود بينه وبين محبوبها، ذاك الذي كان يسميها على لسانه وقلبه وهاتفه "زينة البنات" ، وكانت تراه هو خير الرجال، الآن انتهت بها قصة عشقهما الخالد بفراق ووجعًا لن يهون على قلب بشريًا احتماله!
********
بلندن..
اتبعت سيارة آدهم الموقع المرسل إليه حتى وصل إليه، فوجد علي يفتح البوابة الحديدية البيضاء ويشير له بالدخول، فقاد سيارته للداخل وصفها بالچراچ الضخم التابع للقصر الفخم، هبط هو أولًا وأسرع يفتح لها الباب هادرًا بمزحٍ:
_شمس هانم.
ضحكت حينما ذكرها بمعاملته السابقة لها حينما مارس دور الحارس الشخصي باجتيازٍ، فحملت طرف فستانها وانحنت تردد بنعومة:
_كابتن آدهم.
تمردت ضحكته الرجولية بشكلٍ لفت انتباهها فوقفت تتأمله بسعادة، وقال لها يحذرها:
_أممم هعديها كابتن دي.. بس ولو لمرة ناديني باسمي الحقيقي يا شمس!
أدلت شفتيها للأسفل بحزنٍ مصطنع:
_والله ما لايق عليك الا آدهم صدقني!
ابتسم وهو يدنو إليها هامسًا بصوته المغري:
_أقولك سر؟
هزت رأسها بتأكيدٍ، فقال:
_وأنا كمان..
وتابع وعينيه تشرد بالفراغ:
_والدتي الله يرحمها مكنتش بتناديني غير بيه.. عشان كده حبيت الإسم وبستعمله أنا واللي حواليا في مصر.. كلهم بينادوني بيه بس عند شخص واحد والكل بيناديني قدامه بإسمي الحقيقي عشان كده بنبهك من دلوقتي أنا في مصر قدام بابا أنا عمر مش آدهم.
رمشت بعدم فهم لحديثه الشبيه بالألغاز، فقال مبتسمًا:
_بابا وماما الله يرحمها اتخانقوا بعد ولادتي، كانت عايزة تسميني آدهم وهو مصمم إن لقب عيلته ميلقش بيها غير "عمر الرشيدي" .. الظابط عمر الرشيدي زي ما طول عمره بيحلم... ومن هنا حصل انقسمات وخناقات فعاند وراح سجلني عمر وهي فضلت تناديني آدهم لحد ما في وقت من الاوقات كان بيحصلي لخبطة ومبقتش عارف أنا مين فيهم عمر ولا آدهم..
وتطلع لها بابتسامته الجذابة مسترسلًا:
_بس لما دخلت المخابرات اكتشفت إن دي نعمة.. بتنقل بإسم حركي متقبله والاغلب عارفني بيه بس قدام بابا بمثل الدور اللي يراضيه خصوصًا إنه دايمًا بيلمس حبي الزايد لوالدتي الله يرحمها.
كونه يتحدث معها عن ادق أموره، بقائه برفقتها بعض الوقت بعد وصولهما، صبره معها وهي تتنقل من محلٍ لأخر حتى انتقت فستانًا يليق بحجابها الذي ترتديه لمرتها الاولى، كل تلك الاشياء جعلتها أسعد نساء العالم بأكمله، تتمنى أن يظل يتحدث وتراقبه بصمتٍ، فمالت على يدها تستند على مقدمة السيارة وتراقبه وهو يتحدث بصمتٍ تعجب له آدهم فنادها:
_شمس!
اعتدلت بوقفتها تهتف بحرجٍ:
_هااا... نعم!
قال وهو يتجه لصندوق السيارة ليجذب الفستان المغلف بعناية:
_إنتِ مش معايا خالص.. شكلك تعبتي من اللف النهاردة.
لحقت به تراقبه وهو يحمل أغراضها بتريثٍ:
_لا أنا بس سرحت فيك شوية.
أغلق صندوق السيارة واستدار يسألها باهتمام:
_سرحتي في أيه؟
وضعت حقيبتها على كتفها وقالت بابتسامة عذباء:
_حاسة إنك شخص مختلف عن آدهم الحارس اللي عرفته طول الفترة اللي فاتت.
فهم ما تقصده بحديثها، وقال برزانة:
_لإن اللي شوفتيه قبل كده كان بيقوم بشغله وبس.. وسبق وقولتلك يا شمس تقربي منك كان من ضمن الخطة اللي حطناها عشان نوقع راكان بس اتقلبت ضدي وحبيتك.
وقطع المسافة المتبقية بينهما وهو يستطرد:
_بكره هتكوني مراتي على سنة الله ورسوله.. هتقربي مني وهتعرفيني على طبيعتي.. هحكيلك عن مشاعري وحبي الكبير ليكي.. وإزاي قدرتي تحركي قلبي اللي كان مشغول ومش شايف أي بنت حوليه!
وأشار لها بالخروج فاسندت يدها لصدرها، تربت على خفقاتها المتزايدة لحديثه، وعاونها بما تحمله ليقدمه لعلي الذي عرض عليه الدخول لرؤية المنزل من الداخل ولكنه اعتذر وأخبره بأنه سيراه بحفلة عقد القران غدًا، فوادعهما وغادر.
. ********
حمل باقة الزهور الحمراء بين يديه يقلبه وكأنه يتفحص ما يحمله، ثم عاد ببصره لمن يقف أمامه وتساءل بدهشةٍ رغم أنه أخبره منذ قليل:
_قولتلي الورد ده لمين ومن مين؟!
رغم غرابته ولكنه اعتاد عليه هكذا، فأجابه حسام:
_من دكتور علي لمدام فاطمة.
عقد حاجبيه بشكلٍ مضحك وهتف:
_علي أخويا أنا جايب ورد!
ورفع عينيه له يتساءل:
_متأكد يا حسام!!
وكأن ما وضعه بين يديه قنبلة ذرية وليست باقة ورد بريئة، فوضع قبالته الظرف المطوي قائلًا:
_المندوب سلمنا الظرف ده كمان.. ولإن حضرتك منبه علينا محدش يدخل مكتب البشمهندسة مايا جبتهم لمكتبك.
أشار بيده ومازالت رماديته تحيط الباقة بنظرة ساخرة:
_روح إنت... ومتنساش تسلم أيوب المبلغ اللي قولتلك عليه وتفهمه إن ده المرتب الاسبوعي ليه.
هز رأسه مؤكدًا، ولكنه لم يقمع فضوله فقال:
_بس الشركة ماشية بالنظام الشهري يا مستر عُمران!
رفع عينيه عن الباقة وسلطها إليه، وردد بعصبية:
_وإنت مالك دافع من جيب أمك!!
جحظت عين حسام صدمة، فسحب عمران نفسًا طويلًا وردد:
_يا ابني الله يكرمك بقالك معايا هنا أربع سنين وعارفني لما بتعصب ببقى طور فبالله ما تحاول تعصبني لإنك عارف إن التداخل فيما لا يُعني أمك ده أول شيء بيعصبني!
وتابع وهو يمرر أصابعه على الباقة التي يحملها:
_يلا انصرف إنت بقى وسبني أشوف حكاية أخويا الدكتور المراهق أيه!
غادر من أمامه على الفور، فترك عمران الباقة على المكتب وأعاد ظهره لمقعده يتفحصه بنظرة شاردة، استند بذقنه على ذراعه قائلًا :
_الصبح طالعالي من غير قميص ودلوقتي باعتلها ورد وظرف مقفول!
وتابع ببسمةٍ خبيثة:
_ شكل عِلوة دخل عش الزوجية!!
*****
انتهت أخيرًا من حسابات الملف المتبقى أمامها بارهاقٍ، فلقد استنزف جهدًا عظيمًا منها، نهضت "فاطمة" عن مكتبها واتجهت لمايا تضعه من أمامها:
_شوفي كده يا مايا.
أبعدت عينيها عن شاشة حاسوبها لتراقب ما فعلته فاطمة بانبهارٍ، فاستقامت بوقفتها أمامها وقالت:
_ما شاء الله يا فاطمة والله بدون مبالغة إنتي شاطرة ودقيقة جدًا في حساباتك.. حتى عمران لسه مورياه شغلك من شوية انبهر بيكِ.
وقبل أن تجيبها وجدت صوتًا ذكوريًا يقتحم حديثهما:
_حبيب قلبه جايب في سيرتي وشكله مشتاقلي وأديني جيت ألبي النداء!
صوبتله نظرة صارمة لوجود فاطمة ولكنه لم يبالي ودنى منهما، ووقف قبالة فاطمة يخبرها بابتسامة هادئة:
_كلامها صح يا فاطمة ، أنا شوفت حسابات المشروع اللي اشتغلتي عليه امبارح فأنا من دلوقتي هعتمد عليكي اعتماد كُلي، وهحتاجك الفترة الجاية جدًا.
سعادتها كانت تفوق حد الوصف، شعرت وكأنها بلحظةٍ أصبحت ذات قيمة، كانت ترى حياتها ساكنة دون جديد أو شيئًا يدعوها للحماس، كل ما بيومها يُذكر هو لقائها بزوجها الحنون، على ذكره الآن تلون وجهها بخجل وشوقًا لسماع صوته الغائب عنها طوال اليوم، بالطبع سيكون مشغولًا الآن بنقل بعض الأغراض للمنزل الجديد برفقة عمه ووالدته.
حانت من مايسان نظرة لما يحمله عمران بين يديه، فرددت بسخرية:
_جايبلي ورد يا مستر عمران؟
تأمل ما بيده ثم عاد يتطلع لها بنظرة أسقطتها بنبذ عشقه:
_الكون كله يحضرلك تحت رجلك يا حبيب قلبي بس الورد ده مش ليكِ.
ضيقت عينيها بنظرة تتحفز للانقضاض عليه، وببطءٍ شديد قالت:
_أمال لمين يا بشمهندس؟
قدمه عمران لفاطمة وهو يسرع بالتبرير:
_من دكتور علي الغرباوي لزوجته المصون..
وتابع وهو يخرج من جيب جاكيته الظرف:
_لأ وبعتلها جواب غرامي!
ابتسمت مايا بحماسٍ، بينما برقت فاطمة بدهشةٍ، حملت منه الظرف والورود ورددت بتلعثمٍ:
_ليا أنا!
اتجهت فاطمة لمقعد مكتبها بخجلٍ منهما، فلم يشاء أن يُخجلها فقال:
_لمي حاجتك انتي وفاطمة..عمي بعتلي وقالي لازم نرجع ضروري علشان نساعد معاهم.. هستناكم في العربية تحت.
هزت رأسها بتفهمٍ وأغلقت حاسوبها ثم جمعت أغراضها لحقيبتها، بينما نزعت فاطمة طرف الظرف والتقطت الورقة الصغيرة تقرأ ما بها بعينيها وابتسامة عاشقة تزداد مع كل كلمة.
«كانت أجمل ليلة في عمري كله، كنت حاسس إني ملكت الدنيا كلها، قلبي من أول نظرة ضمك جواه ورافض يضم غيرك، بقيتي ساكنة في كل دقة من دقاته يا فطيمة، إني أوصل لقلبك ومشاعرك كان حلمي الأول ودلوقتي إن يكونلي ابن منك حلمي التاني وبفضلك بقى قريب يا فطيمة..
بحبك وحبك بقى علاجي النفسي من كل الضغوطات اللي بمر بيها..
علي...»
ضمت الورقة إليها بكل حنان، وفرحتها لا تسع أحدٌ، لاحظتها مايا وهي تضع هاتفها ومتعلقاتها بحقيبتها فابتسمت لسعادتها وتمنت لها كل خيرًا صادق، وضعت الحقيبة على كتفها وتنحنحت لتفيق الأخرى قائلة:
_يلا يا فاطمة اتاخرنا على عُمران.
وضعت الورقة بحقيبتها ووضعت الورد بالمزهرية الموضوعة على مكتبها، ثم اتجهت إليها فهبطوا بالمصعد لعمران الذي تحرك بهما على الفور بعدما انهى مكالمته مع جمال يطمئن على والدته التي استردت وعيها وبدأت تتلقى الأدوية بشكلٍ مكثفٍ.
******
بالقصر.
انتقل برفقتهم خادمتين سيواصلون العمل هنا، فحملوا أغراض شمس وزينب لغرفتهن القابعة بالطابق الثاني الخاص بالفتيات، اما الطابق الثاني فصمم على شكل جناحين كبيران جدًا لعلي وعمران، والطابق الأول بأكمله خصص لفريدة وأحمد.
صعدت زينب وشمس تعاون الخادمات بترتيب الاغراض وتبقى علي بالأسفل جوار أحمد وفريدة يتناقشون بتزين القاعة الداخلية للحفل بالغد، فقال أحمد:
_متقلقيش أنا اتفقت مع شركة متخصصة هيجوا بكره على الساعة عشرة يعملوا ديكور وزينة بسيطة، لما يوصلوا بلغيهم باللي تحبيه.
هزت رأسها باستحسانٍ، واتجهت لعلي الذي يعمل على حاسوبه ومازالت حقائبه لجواره:
_ما تطلع يا علي تريح فوق إنت تعبت معانا من الصبح.. أو على الأقل خلي حد من الخدم يطلعلك شنطك.
وضع كوب قهوته جانبًا وأجابها ببسمة هادئة:
_هستنى عمران الأول يختار الجناح اللي يستريح فيه ويكون مناسب للخزانة اللي حابب يعملها.
_إنت اعظم أخ في الدنيا كلها أقسم بالله.
قالها عمران الذي استمع لحديثه، فجلس على ذراع مقعد علي كما اعتاد وقال:
_شوف أنا لو فضلت للصبح أقولك بحبك أد أيه مش هعرف.
وانحنى إليه يهمس بغمزة ماكرة:
_بس أيه حركات الورد الروشة دي، الظاهر إني استهونت بيك يا دكتور.
منحه نظرة حازمة فضحك وهو ينهض عن مقعده، بينما الأخر يبحث عنها حتى وجدها تدلف برفقة زوجة أخيه..
قاطع أحمد حديثهما حينما أشار لعلي على أحد غرف الطابق السفلي:
_دي أوضة مكتب نظمتهالك مخصوص يا علي، فيها مكتبة ضخمة لكتبك والأهم فيها شاذلونج عشان لو حبيت تعالج حد من العيلة ولا حاجة.
تهدلت شفتيه بابتسامة ممتنة، وراقب باب الغرفة بحماسٍ، فقال:
_شكرًا يا عمي... مكان زي ده هيريحني جدًا.
لوى عمران شفتيه بتهكمٍ وردد:
_طيب وأنا يابو حميد.. مفكرتش تعملي ليه خزنة محترمة أنقل ليها ساعاتي وجزمي وكل شيء غالي عليا.
منحه أحمد ابتسامة هادئة، وردد:
_مكنتش أعرف إنهم غاليين عندك كده، أنا فكرتي عنك إنك بتحب الحديد والأوزان جدًا علشان كده عملتلك في الدور الرابع جيم متكامل بأجهزة رياضية أحدث من بتاعتك.
جحظت عين عمران بانبهارٍ، وسأله بعدم تصديق:
_قول بجد؟
هز رأسه بتأكيدٍ فهرول إليه عمران ينحني ويحمله من ساقيه فاستند بيديه على كتفيه بصدمة، والأخر يدور به هاتفًا بفرحة:
_إنت أحسن عم وجوز أم محصلش ولا هيتكرر في العالم كله.
انصدم علي والفتيات حتى فريدة، بينما صاح احمد بغضب:
_ولد!!! نزلني!
نجحت فريدة بالتخلص من حالة صدمتها فرددت بحزمٍ:
_عمران!
جذبه علي وخلص عمه منه قائلًا:
_أيه اللي بتهببه ده!!
عدل أحمد جرفات بذلته السوداء وصاح بتهكم:
_بتستعرض عضلاتك علينا يا وقح! عارفين يا سيدي انك بتعرف تشيل أوزان ومش محتاجين اثباتات احنا!!
نزع عنه جاكيته وجرفاته وتطلع للدرج بنظرة شقية، كأنه يستعد للصعود للرقص، وصاح بحماس:
_مش فاضي للرد دلوقتي... ورايا الأهم من أي حاجة... وقت اختيار الجناح المناسب لتنفيذ فكرة الخزانة اللي جاتني.. لما أنفذها وأنزلها على حسابات السوشيل ميديا بتاعتي تقدروا تتابعوا القلبان اللي هتعمله أفكار البشمهندس عمران الغرباوي عن اذنكم!
وتركهم وصعد للاعلى ينتقي الجناح المناسب لتصميماته، بينما صعدت الفتيات لغرفة شمس يستعدون لحفلة الغد.
*******
انتهت من ترتيب ملابسها بالخزانة، تلك الغرفة تكبر الاخرى بمساحتها، حتى شرفتها كانت واسعة تطل على حديقة القصر الواسعة، أغلقت زينب عينيها تستمتع بنسمات الهواء الباردة التي تحيطها، توجهت للمقعد الهزاز القريب من السور، جلست عليه وأخذت تهزه برفقٍ حتى استجاب جسدها المنهك للنوم، كانت غفوة مخادعة تسحبها لذكرى قاتلة، تزيد من وجعها.
##
سئمت من انتظاره، مضت أكتر من ثلاثون دقيقة منذ أن ناداه أحد رجاله، فاستأذن منها وغادر المنزل الذي أصر أن يحضرها إليه بحجة أن يريها أحدث المفروشات استعدادًا لزوجهما بعد أن وافقت أن يزور أخيها ليطلبها بشكلٍ رسمي.
راقبت زينب ساعتها باستياءٍ لتأخره، فخشيت أن يغضب أخيها إن تأخرت بعودتها، سحبت حقيبتها واتجهت للمغادرة، فما ان اقتربت من باب الخروج حيث مكان وقوف "يمان" مع أحد رجاله، استمعت له يخبره:
_كله تمام يا باشا، فؤاد بيه استلم صفقة الاسلحة مننا على الحدود بنفسه وسلمنا شنط الفلوس.
هز يمان رأسه باستحسان وصاح:
_والكلب اللي زرعته الحكومة بينا عملتوا معاه أيه؟
لعق شفتيه باجرامٍ مخيف:
_تويناه يا باشا هو ومراته وابنه عشان يبقى عبرة لمن يعتبر.
برقت بمقلتيها صدمة لما استمعت إليه، فتراجعت للخلف ورأسه يميل يسارًا ويمينًا بعدم تصديق، تراجعت للخلف وكأن هناك شبحًا يتقدم تجاهها، فارتطم ساقها بقدم الطاولة من خلفها وعلى الفور سقطت الأنتيكة مصدرة صوت حطام قوي، أتى يمان على أثره ليتفاجئ بباب الشرفة الخارجي مفتوحًا على مصراعيه.
ركض للطابق العلوي يناديها ويفتش عنها بالمنزل بأكمله، حتى قابل الرجل التابع إليه بالأسفل يخبره:
_الهانم كانت بتجري على بره ووقفت تاكسي وركبته.
شدد من لكمته على درابزين الدرج بغضبٍ بعدما تأكد له بأنها استمعت لحديثهما، وأمر فرارها الآن أمرًا كارثي لا ينذر بالخير!
أفاقت من نومها تسعل بقوةٍ، وتلتقط أنفاسها المضطربة بانهيارٍ، وكأن ما رأته يحدث أمام عينيها الآن، ذلك اليوم كان بمثابة صفعة تركت أثرها على خدها إلى هذا اليوم، خروجها من المنزل جعلها ممتنة بأنها مازالت على قيد الحياة.
تأكدت بأن الخوف الذي كانت تشعر به كلما كانت برفقته كان لسببٍ، نظراته الحادة التي تطل وقت غضبه، غيرته المجنونة، همجيته بالتعامل مع أخيها وذاك النادل الذي تطلع لها كل تلك الأفعال لا تنتج الا عن مجرم مختل بالفعل!
*******
مر الليل بسكونه وأتى صباح اليوم المنتظر، استيقظ الجميع باكرًا وتجمعوا على طاولة الافطار ليبدأ من بعدها الجميع بأعمالهم الهامة، فجلست شمس جوار عمران ومالت عليه وهو يرتشف قهوته قائلة:
_مش هتغنيلي النهاردة؟
وضع فنجانه قبالته وردد باعتراضٍ:
_لا يوم الفرح هغنيلك وأرقصلك كمان.. النهاردة No.
أمسكت ذراعه تترجاه بدلالٍ:
_بليز يا عمران.. طيب غنيلي دلوقتي أغنية
النهاردة هكلم ابوكي، قالها وروحى راحت يانى
قالى ايه خدودك كسفوكي؟! ... لونهم برتقالي
قالى دة عيوني استنوكي.رديت روح جيب فستاني، اللي متزوق باللولي عقبال كل البنات.
ضحك علي وأحمد المتابعان لها، بينما اشمئز عمران هاتفًا بحنقٍ:
_مبحفظش الأغاني الهابطة أنا!
برقت بصدمة:
_دي هابطة دي.. أمال ليك في أيه؟!
خرجت مايا من المطبخ تحمل طبقًا وضع بداخله المسك الطبيعي:
_سيبك منه يا شمس وتعالي علشان نلحق نخلص.
رددت وهي تميل برأسها على كتف عمران:
_مش قبل ما يغنيلي.
تناول علي شطيرة الجبن وأمره برفق:
_غنيلها يا عمران احنا عندنا كام شمس!
صوب له أحمد نظرة منزعجة مما يفعله وقال بمكر:
_رغم إن صوت الطاووس الوقح ده بيزعجني بس عشان خاطر عيون شمس نستحمله.. غني يا وقح!
رفع فنجانه يرتشف المتبقي به مرة واحدة وكأنه يبتلع الخمر، وردد بخبث:
_شكلي كده مش هحارب نعمان لوحده... هترتاح إنت لما أقلب على عيلة الغرباوي كلها يا أحمد باشا!!
تعالت ضحكات أحمد ومازحه وهو يضع قدمًا فوق الاخرى بتعالي:
_لو حاربت العيلة كلها قلبك ميطوعكش تعملها معايا.
ابتسم عمران وقد ارتسمت الجدية على معالمه، فنهض عن مقعده واتجه يحتضن احمد طابعًا قبلة على منبت رأسه باحترام:
_إنت الوحيد اللي لو وقفت قدام الدنيا كلها أنحني قدامك بكل احترام يا عمي.
ضمه أحمد إليه بحبٍ، وارتسمت ابتسامة مشرقة على وجه فريدة التي تقترب وهي تتابعهما بفرحةٍ.
وبعد قليل نهضت فاطمة وزينب يرفعون الزينة خلف مقاعد العريس والعروس، ومن جوارهما يقف علي على الدرج يعلق الزينة بالمكان التي تشير له فريدة الواقفة بالأسفل بكل عنجهية، وخطواتها تترك أثرًا في نفس ذاك العاشق الذي يراقبها.
على بعد منهم جلس عمران يعد الموسيقى بهاتفه على السماعة الخارجية واتجه لمايا التي تضع المسك على وجه شمس بعناية، وما أن تحرر صوت الموسيقى حتى ارتفع صوته العذب يردد:
«قولي لأمك يابنت
جاية الليلة اطلب ايدك
ولا بعمري عاقل كنت
وحياة الاله بريدك
عشتا بطول وعرض الدني
مابعمرو راسي بينحني
لما دخلتِ بعمري غِني
من عمري نشالله يزيدك»
وارتفع صوته مجددًا وهو يحمل مايا عن المقعد يطوف بها بين ذراعيه هاتفًا
«أنا لما بحب بحن بجن
بهدم بحرق بقلب جن
الروح بغيباتك بتحن
بتنده وينك»
مال "علي" على مقدمة الدرج يتطلع لفاطمة التي رفعت رأسها عاليًا تقابل حضن عينيه الدافئ وصوت عمران يوثق عشق الدكتور علي ومريضته فاطيما
«أنا لما بحب بكفي بدربي بدوب بلحظة مني تقربي
بتضحك روحي بيفرح قلبي بضحكة عينك».
تركها عمران وإتجه لمقعد شمس التي تتمايل بفرحة وهي تستمع إليه، فانحني يضمها من ظهرها لصدره ورأسه مال على كتفها وهو يناغشها بكلماته
«بيك غلّى المهر كتير
فكرو بيغلى عليكِ الغالي
بيك عجزني ت يصير
عليا نجم وصولك عالي
لو فيي ألماس بجيب
مابعمرو بيغلى عالحبيب
بيرخصلك عمري و بطيب
أنا دمي ومالي»
وإتجه تلك المرة لفريدة، مسك ذراعها بخفة ورقص بها ويده تدور بها لتستلقى على ذراعه الاخر مع انحناءة جسده برقي وطريقة آرستقراطية تعلمها جيدًا، فاءا بضحكاتها تعلو وخطواتها توازي خطواته وهو يغني بصوته الرخيم
«أنا لما بحب بحن بجن
بهدم بحرق بقلب جن
الروح بغيباتك بتحن
بتنده وينك»
«غمزيني بعينك ياروح
بغمزة ببيع الكون وهمو
ع أبعد دنيا منروح
بيرخصلك هالقلب و دمو
ميلي بخصرك صوبي ميلي
تغنجي عليي تغميلي
ابني ع ذوقك سميلي
وعد تكوني وحدك امو!!»
وعاد يردد بسمفونية عذباء.
«أنا لما بحب بحن بجن
بهدم بحرق بقلب جن
الروح بغيباتك بتحن
بتنده وينك»
انتهى من اغنيته وانطلقت الصفقات المتحمسة من الفتيات، وبالاخص زينب التي قالت بانبهار:
_صوتك جميل أوي يا عُمران.. غنتها أحسن من صاحب الاغنية نفسه.
استدار تجاهها وقال بابتسامة بشوشة:
_اعمليها بس وارتبطي وهغنيلك للصبح في فرحك.
تلاشت ضحكتها الواسمة وانغمست خلف ابتسامة بسيطة وايماءة من رأسها امتنانًا إليه.
هبط علي من على الدرج الخشبي يشير للفتيات قائلًا:
_فضوا القاعة العمال وصلوا بره هيكملوا هما.
غادرت الفتيات للأعلى برفقة فريدة، فانقسموا ليستعدوا لارتداء ملابسهم.
*******
جهز عمران طاولة ضخمة بالخارج أمر الخدم يتحضير مشعل ضخم للشواء، وقد جهزوا اللحوم منذ الصباح وبانتظاره.
مرت ساعات النهار طويلًا وأتى المساء، فانزوى كلا منهم بغرفته يستعد لارتداء ملابسهم.
انتهت مايا من ارتداء فستانها الذهبي وقد انتهت من حجابها وزينتها البسيطة، أما عمران فخرج من الخزانة ببنطاله فقط والوجوم يحتل ملامحه وهو يهتف بضيق:
_لازم أعمل الخزنة وأنقل حاجتي بسرعة مش واخد أنا على عدم النظام ده!
راقبته مايا بابتسامة ساخرة، وطالعت انعكاس صورته بالمرآة تخبره:
_هتتأخر كده يا بشمهندس.
زفر بمللٍ، وأعاد فتح حقائبه مجددًا يبحث عن قميصًا مميزًا لجاكيته الرمادي، انطلقت طرقات باب جناحهما تزف لهما وجود الطارق، فرددت مايا بصوتها الرقيق:
_ادخل.
ولجت شمس للداخل تحمل طرف فستانها الطويل وحجابها وهي تهتف بحماس:
_مايا... عايزاكي تحطيلي نفس الميكيب السمبل اللي كنتِ حطاه يوم حفلة افتتاح دكتورة ليلى.
جحظت بعينيها بصدمة وبرقت لعمران الذي انتصب بوقفته عن الحقيبة يحذرها بعدم الحديث ولكنه ما أن رفع يده حتى رددت كالبلهاء:
_مش أنا اللي كنت عملاه.. عمران اللي كان عملهولي.
ألقى قميصه على الفراش هاتفًا بحنقٍ:
_أدي أخرة اللي يعمل حاجة للحريم!
رمشت شمس بعدم استيعابًا وتلقائيًا تحركت تجاهه، تقدم له حقيبتها المستديرة التي تخص أدواتها الخاصة، وقدمت له الحجاب، تناول عنها ما تقدمه ورفعه قبالتها بسخرية:
_ده أعمل بيه أيه ده كمان، أشنقك بيه بعد الميكب ولا أربط بيه لسان بنت خالتك الطويل!
جذبت منه الحجاب ببسمة عريضة:
_sorry نسيت انك ملكش في لفة الطُرح
أشار له بسخطٍ على مقعد السراحه:
_اتلقحي عندك أما أستر نفسي وأجيلك!
رددت باستغراب:
_تستر نفسك ازاي!
أشار على صدره العاري وهو يهتف بمزحٍ مضحك:
_ملي عينك من العضلات عشان نفسك تتصد من شوال العضم اللي هتتجوزيه.
رفع حاجبها تتشدق بعنجهيةٍ:
_مين ده اللي عضم... ده آدهم حبيبي طول بعرض بحلاوة بجمال بآآ..
كمم فمها بنظرة حانقة وبنزقٍ قال:
_عيب يا شمس.. عيب تتكلمي كده قدام أخوكي يا حبيبتي.. حتى لو الجثة اللي بتتكلمي عنها هتبقى جوزك كمان شوية.
هزت رأسها تطاوعه حتى لا تستفزه فيطردها من غرفته دون ان يضع لها الميكب، تابعتهما مايا وهي تكتم ضحكاتها بصعوبة، بينما حررها عمران وهو يخبرها بجدية مضحكة:
_اقتنعي إن مفيش راجل في الدنيا كلها عنده امكانيات عُمران سالم الغرباوي.. وده عشان متنصدميش بس!
وغمز لها بغرورٍ:
_أخوكي عينة واحدة نزلت وقطعوا بعدها الكتالوج!!
ربتت مايا على صدرها تستمحها بأن تسايره بالصمت وأن لا تستهدف عصبيته، فرددت شمس من بين اصطكاك أسنانها:
_يا حبيبي أنا عارفة ومتأكدة من ده.. طب تصدق بالله أنا بتمنى يطلعلنا حالًا واحدة شبه اللي في الافلام الهندي وتقول لأ ده ابني مش ابنكم وتطلع مش اخويا واترجاك تتجوزني.. مرضي كده يا عم؟
حك منخاره بانزعاجٍ ومن ثم ربع يديه حول خصره العاري:
_مش أوي كده!
وتركها واتجه للداخل مردفًا:
_هلبس وأجيلك نهيص في الألوان لحد ما نوصل للي عايزينه.
توجه للداخل يجذب قميصًا من الخزانة، ارتداه باهمالٍ وخرج إليها يجلس على طرف السراحة، اتخذ خمسة دقائق يتعرف على مستحضرات التجميل من أمامه.
مرر يده على خصلاته وهو يهمس:
_أشكالها اختلفت ليه كده!
اقتربت برأسها منه لترى ماذا يفعل:
_هو أيه اللي اختلف؟
أشار لها بانفعال:
_مكانك لو سمحتي محتاج أركز هنا! وبعدين أنا معرفش عملتها ازاي مع مايا صدقيني مكنتش متعمد أنها تطلع بالشكل ده.
وعاد يهمس وهو يدقق بوجهها وبالألوان التي يحملها:
_بشرتك أفتح من مايا يبقى نغمق اللون شوية... أممم... خلينا ندمج اللون البني مع اللون ده.... لأ وحش..
وجذب الأخر ودمجه فاحتل ثغره ابتسامة رائعة، اقترب منها وبدأ مرددًا:
_استعنا على الشقا بالله.
اقتربت منه مايا فابتسم وهو يراها تركز بما يفعله وكأنها تسجل كورسًا مهمًا، وحينما توقف عن دمج اللون فوق عين شمس تطلعت له فوجدته يتأملها بنظرة أخجلتها، وخاصة حينما قال ورماديته تغمز لها:
_حبيب قلب جوزه شكله استعجل ومكيج نفسه وشكله حاسس بالندم!!
ضحكت وهي تؤكد له بإيماءة رأسها فقال وهو يمنحها قبلة بالهواء:
_ولا يهمك يا بيبي.. حالًا اغسلي وشك وتعالي هخلص أختك وأزينك بإيدي انا ورايا أيه يعني!
ضحكت شمس وهتفت:
_عمران بما إنك مهندس وليك في تقنيات الألوان ينفع تختارلي لون مناكير كويس أحطه!
لزى شفتيه ساخطًا،وضرب وجهها بفرشاة الحمرة:
_مفكراني البيوتي سنتر بتاعك... انتي تحمدي ربنا اني قاعد أضرب الألوان وبحطلك، أنا أساسًا ماليش في الليلة دي، بس هعمل أيه قلبي الرهيف مش هاين عليه يزعلك وتفكري إني حطيت لحبيب قلبي وفكتني منك، واديني أهو بجتهد عشان أخرجلك شغل نضيف.. سبيني بقا أركز!
منعت ضحكتها من الانفلات وتركته يعمل بتركيزٍ كما أراد.
****
بالأسفل.
اجتمع يوسف وجمال وسيف وآيوب، حتى صبا وليلى بالأسفل، ينتظر الشباب انضمام عمران إليهم ويحاول علي بقدر الامكان التواجد برفقة أصدقاء عمران لحين ظهوره وأصبح سؤالًا واحد يتردد بينهم:
_أين عُمـران؟!
أتاهم الرد يحلق فوق الدرج، حينما ظهر ببذلته الرمادية الجذابة، ممسكًا بزوجته بيده وبيده الاخرى شقيقته، هبطوا ثلاثتهم وسط نظرات انبهار الفتيات باطلالة شمس ومايا، والملفت بأنظارهن الدقيقة الميكب الرقيق والمتناسق لكلًا منهما.
بحثت عين شمس تلقائيًا عنه، فانفلتت شفتيها بانبهارٍ من ذاك الوسيم الذي ينتظرها بنهاية الدرج ممسكًا باقة ورد ضخمة من اللون الأبيض، يتألق بحلى سوداء اللون وقميصًا أبيض، تحوم من حوله جرفات سوداء، شعره مصفف بعناية وملامح اللون تتألق بشكل جذبها للغاية.
أما هو فكان يراقب تناسق الفستان الأبيض الرقيق حولها، حجابها الذي تركت أطرافه تنغمر من خلفها، زينتها البسيطة الذي زادت جمالها حد الفتنة.
انتهت خطواتها حتى أصبحت أمامه، قدم يده لها وتمهل بخطواته حتى تناسق خطواتها البطيئة بسبب طول الفستان.
استقروا معًا أمام المحامي، وأحمد يجلس قبالة آدهم، بينما علي يجلس جوار شقيقته يضمها بابتسامة واسعة وهو لا يصدق بأن صغيرته باتت عروس.
لوهلة توقف عينيه على الدرج، فرأى فاطمة تهبط للاسفل برفقة زينب، ترتدي فستان من اللون السماوي، وترتدي حجابًا مماثل للونه، اتسعت ابتسامته وهو يطوفها بنظرة حنونة جعلتها تبادله البسمة، واتجهت لتجلس جوار صبا وليلى، ولجوارها زينب التي لاحظت اهتمام سيف برؤيتها وحملقته بها طوال الحفل.
وبعد أن انتهى المحامي من الاجراءات ووقع آدهم وشمس بارك لهما زوجهما، فنهض آدهم وفاجئ الجميع بضمته القوية لشمس وقبلته التي أحاطت جبينها، وقبل أن تستوعب ما فعله حملها بين ذراعيه ودار بها وهو يهمس لأذنيها:
_سحلتيني من أول نظرة وخلتيني مش عايز غيرك.. بحبك يا شمس.
وأوقفها بين ذراعيه فأمسكت به بقوة حينما شعرت بالدوار، لتقابل بابتسامة واسعة وهمس خجول:
_وأنا بحبك أوي يا آدهم..
ضمها إليه وردد بسعادة:
_خلاص بقيت ملكك وإنتِ كمان بقيتي ملكي يا شمس.
راقب عمران ما يحدث باستياءٍ ولكز علي الذي يتابعهما ببسمة واسعة:
_هتفضل واقف ومُنشكح كده كتير!
مال عليه علي يخبره بضحك:
_ده جوزها دلوقتي يا حبيبي، يعني بقت في عهدته فريح وروح سلم على أصحابك اللي متجاهلهم دول.
منحه نظرة ساخرة واتجه للمنصة الصغيرة قائلًا:
_استسلمت له بسهولة كده! بس أنا لأ!
واتجه ليفرقهما عن أحضان بعضهما البعض، ثم ضمها إليه وهو يمنح آدهم بسمة مستفزة قائلًا بمكر:
_معلش يا عريس ما أنا لازم أبارك وأعمل الواجب بردو.
ابتسم له آدهم وأشار له بتفهمٍ، فاغتاظ عمران، كلما حاول مضايقته يفاجئه آدهم ببرودة أعصابه وتقابله الأمر، يُقسم أنه إذا كانت مايا تمتلك أخًا وغمسها بأحضانه مثلما يفعل لغمسه هو بأحضان الموت.
بالأسفل.. على طاولة الشباب.
انفجر جمال ضاحكًا وصاح لهم:
_عمران بيطلع نار من ودانه!!
ضحك يوسف وردد:
_هيحط آدهم في دماغه من دلوقتي!!
سيف بضيق:
_صاحبكم ده مجنون والله.. بيغير على أخته من جوزها!!
زم يوسف شفتيه وردد ساخرًا:
_ما بلاش إنت يا دكتور سيڤو.. أيوب متلقح جنبك أهو ويشهد!
انقشعت ملامحه بضيق بينما ضحك أيوب قائلًا:
_طلع عمران نسخه من سيف!!
أضاف سيف بحزن مصطنع:
_آدهم صعبان عليا أوي! عمران محدش يقدر يلاعبه.
رد عليه أيوب:
_لا حضرة الظابط باللي عمله من شوية بين أد أيه هو عاقل وراسي وهيعرف يحتوي عمران كويس متقلقش.
قال يوسف بمزح وهو يضرب كف بكف جمال:
_محدش بيقدر يحتوي الطاووس الوقح اسالني أنا.
انطلقت الضحكات الرجولية فيما بينهم، حتى أدمها عمران حينما أشار لهم بتتبعه قائلًا:
_ورايا يا حلو انت وهو... علشان تبقوا تعرفوا تنموا عليا براحتكم!
اتبعوه للخارج بدهشة من حديثه، فصعقوا حينما وجدوه يقف جوار طاولة ضخمة من اللحوم ومشعل نار ضخم، أشار لهم ببسمة ماكرة:
_أنا بقول طقم البدل السودة دي حرام تبوظ من دخان الشوي فأيه رأيكم تقلعوا الجواكت.. متقلقوش وراكم اللي يساعدكم.
التفتوا للخلف فوجدوا الخدم بانتظارهم، نزع كلا منهم جاكيته وقدموهم لهم، فعلقوا الملابس على المشجب بينما احتل كلا منهم مهمة.
صاح يوسف بتهكم:
_اانت عازمنا نأكل ولا نشقى بلقمتنا!!
سعل جمال من رائحة الدخان وهتف:
_أنا غلطان اني سبت أمي وجيت أحضر الحفلة وأخرتها واقف أنش على اللحمة!
وضع سيف السيخ على الشواية وهو يلقي عمران نظرة غاضبة:
_وانت مقلعتش وجيت ليه تساعد يا عمران.
رفع كتفيه ببراءة مصطنعة:
_أنا أخو العروسة!
ردد علي بسخرية بعدما نزع عنه جاكيته ولحق بهم:
_على أساس انك عازب وواقف تصطادلك عروسة ولا أيه مش فاهم!
حانت منه نظرة للداخل وقال بخبث:
_لا وانت الصادق هوقع العريس.. وأهو نجيبه يساعد.
كاد بتجاوزهم للداخل فوقف أيوب قبالته ممسكًا بالخضار والسكين،وقال بسخط:
_سيب سيادة الرائد في حاله يا عمران... سييه يتهنى مع عروسته واحنا شغالين بداله أهو.. اتقي الله يا أخي!
ضيق جفونه بصدمة وأشار لذاته:
_أنا يتقالي اتقي الله ليه يا شيخ أيوب شايفني رايح أعزمه على ازازة خمرة!
وأشار بحدة:
_وسع من طريقي خليني أشوف شغلي!
*******
اجتمعت الفتيات بالداخل تتبادلن اطراف الحديث، فانسدلت زينب من بينهن لرغبتها بالخروج للحديقة، خطت بالخارج وسط الأشجار والزهور باستمتاعٍ، لتخطف نظرات ذلك العاشق الذي ترك ما يفعله واتبعها دون ارادة منه.
تعثر طرف فستانها وكأنه علق بشيءٍ من أسفل قدميها، فانحنت ترى ماذا هناك، تفاجئت بصندوقًا مغلق يخرج منه أداة حادة رفيعة للغاية انغرست بفستانها الازرق الطويل.
ابعدتها عنها وفتحت الصندوق بفضولٍ، فجحظت عينيها بصدمةٍ مما رأته بداخله لدرجة جعلتها تسقط أرضًا وتزحف للخلف وهي تصرخ بفزعٍ وبكاء دفع سيف بهرول تجاهها وانخفض يطوفها بذراعيه وهو يتساءل بهلع:
_في أيــــــــــه؟؟!
عاونها على الوقوف أمامه ولكنها مازالت تصرخ بانهيار، فصاح بها:
_زينب مالك؟؟!
أمسكت بساعديه ويدها تشير للعُلبة بجنون:
_هيقتلني... يمان هنا.... يمان هيقتلني!!!!!!
تطلع تجاه العُلبة فاحتقنت معالمه بصدمة وغضب، فشعر بثقلٍ يُفذق على صدره، فاذا بها ترتمي عليه فاقدة الوعي، أحاطها بين يديه بإحكامٍ وهو لا يدري كيف سيعود للحفل بها هكذا، فإتجه بها للأريكة القريبة من حمام السباحة، ثم حمل المياه بيده ونثر بها على وجهها وهو يناديها بقلقٍ:
_زينب.. افتحي عنيكي من فضلك!
وحينما لم تستجيب عاد يحمل المياه وينثرها مجددًا، هاتفًا:
_زينب سامعاني!
رددت ببكاء وشهقاتها لا تتوقف:
_سيف!
تصلبت أصابعه الحاملة لقطرات المياه وأكثر ما يسره سماعها تناديه حتى وإن لم تكن بواعيها الكامل.
استعادت زينب وعيها، فانتفضت على الاريكة تراقب المكان من حولها برعبٍ، فترك ما بيده واتجه إليها يردد بهدوء:
_اهدي يا زينب... مفيش حد هنا.
عادت تتطلع للعُلبة التي تحمل قطة مذبوحة ووجهها مشوه بمياه نار، تراجعت لأخر الأريكة وهي تضم جسدها إليها وعينيها مازالت مسلطة على العلبة، فجذبها سيف ووضعها في صندوق القمامه المجاور لهما قائلًا:
_تلاقيها وقعت جوه الصندوق صدفة.
هزت رأسها نافية وقالت ومازالت تضم جسدها المرتجف:
_هو اللي عمل كده... لما هربت مصر ووصلي هددني بمية نار إنه هيشوهني... وقالي لو هربت تاني هيدبحني.. هو اللي عمل كده علشان يخوفني... هيقتلني المرادي يا سيف... هيقتلني.
أشفق على حالها، فرفع بنطاله من ركبتيه وانحني قبالتها على قدميه يتطلع لها بحنانٍ، ليفاجئها حينما قال:
_تتجوزيني يا زينب؟
استقرت عينيها التي تفتش بالارجاء عليه ورددت بصدمة:
_أيه؟
ابتسم وهو يشير لها بجدية تامة لا تناسب الموقف:
_أنا مستعد أحميكي منه يا زينب.. أنا عايز أكون معاكي، عارف إن مستحيل يتولد بينا حب بالسرعة دي بس أنا برتاح لما بشوفك وحابب نكون مع بعض على طول.
نهضت عن الاريكة تشير له بجنون وكأن روحًا تلبستها، وراحت تهتف بتشتتٍ:
_هيقتلك يا سيف..إبعد عني... أي حد بيقربلي بيكون مصيره الموت... إبعد يا سيف.
وركضت لتعود للقصر مجددًا فركض خلفها وهو يصيح بها:
_جاهز لكل ده يا زينب... صدقيني لو بقيت جنبك محدش هيقدر يأذيكِ..
وقفت محلها تستمع إليه وصوت بكائها يعلو دون توقف، فاستدارت تجاهه تقول ببسمة ألم:
_تفتكر إني مش عايزة إنك تكون قريب وجنبي!! بس صدقني مينفعش إنت متعرفهوش يا سيف، ده شيطان!
وتابعت وهي تتراجع للخلف:
_إبعد عني يا سيف علشان خاطري ابعد!
......... يتبع...........
#صرخات_أنثى... #الاقوى_قادم..
*****________********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثالث وأربعون 43 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الأربعون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "Aya Hiba"،"سارة كامل"،"هدير السيد"،"أم العبادلة"،"فاطمة علي"،"رانيا رضا" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
ارتدت برأسها للخلف بعينين تبرقين بصدمة، فابتسم آدهم وهو يراقبها بنظرةٍ تتفحص إنعكاس تأثير قربه منها، رمشت بأهدابها بعدم استيعاب، بينما تختلج أنفاسها داخل صدرها بفعل إرتعاش قلبها البريء، تقسم بأنها إن كانت بمفردها معه لفقدت السيطرة على مشاعرها التي نجح هو باختراقها باجتيازٍ.
ابتسم بمكرٍ على ما أحدثه بها وقال مداعيًا البراءة:
_مالك يا شمس؟ انتِ كويسة؟!
لعقت شفتيها بارتباكٍ ورددت ببطءٍ وكأن صوتها احتبس داخلها:
_إنت قليل الأدب يا آدهم!
تمردت ضحكاته الرجولية دون توقف، فرفع يده يزيح دموع عينيه التي تساقطت من فرط نوبة ضحكاته، وقال بحنكٍ خبيث:
_ليه بس يا حبيبي، مش كنتِ زعلانه إني مش بعبرك عن مشاعري وإني قليل الكلام.
خطف نظرة للقاعة الخارجية ودنى إليها يهمس جوار أذنها:
_قولتلك وقت ما تكوني مراتي.. حلالي.. إسمي موشوم جنب إسمك هعبرلك بالشكل اللي يأكدلك إني وقعت في عشقك من أول لحظة عيني حضنت عيونك.. أنتِ كل دنيتي يا شمس!
رفع يده يحتضن خدها مستغلًا تركيزها الكامن على ما يقول، فوضع قبلة على جبينها واسترسل بنبرته الرخيمة:
_إنتِ شمسي اللي نورت عتمة ليلي!
وواصل في سبر أغوارها:
_شمس هانم الغرباوي أنا بعشقك ومستعد أخوض ألف معركة أموت فيها ألف مرة علشانك.
وأكمل بهمسٍ مغري:
_لإنك تستاهلي!
ارتبكت أمامه كالطفلة الصغيرة التي لا تجيد اختيار كلماتها، كانت تظنه هادئًا، لا يحب الحديث كثيرًا، وها هو الآن يفاجئها بغرامه المدفون داخله لها، يجذبها لباحة الرقص على ترانيم عشقًا جعلت قلبه ضعيفًا لا يقوى على مجابهته، بينما يستكمل هو الطريق لكسب المعركة كاملة على قلبها المسكين:
_طلعت ٢٦ مهمة على مدار تاريخي المهني مخسرتش أي عملية طلعتها.. كان أول طريق فشلي هي اللحظة اللي شوفتك فيها وسمعت صوتك.... وكملت باقي الطريق لما لفيتي من مكانك وبصيتي في عيوني!
كل مرة كنت بشوفك فيها كنت برتبك وبخاف أنكشف، مكنتش هقع لوحدي فريقي كله كان في خطر بسبب ظهورك ليا يا شمس!
جذبها إليه بقوةٍ لتلتصق بجلسته على الأريكة، مستطردًا بأنفاسٍ تحشرجت من كثرة مشاعره:
_صعب على أعدائي يكشفوا هويتي، اتدربت إني أكون محصن صعب حد يكتشف أنا مين؟ حتى لو حطوني على أجهزة كشف الكدب كلها مستحيل هيطلعوا مني بمعلومة.. الا قدامك أنتِ!
حسيت إني بضعف قدامك، وجودي جنبك ومساعدتك طول الفترة اللي كنت فيها جوه قصر راكان كان بيعرضنا كلنا لخطر كبير وأنا كنت جاهز ليه علشان بس أشوف ابتسامتك.. أقنعت اللي حواليا إني بتقربلك علشان ممكن استغلك توصلي لينا الملف والحقيقة إني استغليتك علشان أرضي قلبي!
مال يستند بجبينه على جبينها وعينيه تتمعن بحدقتيها الناطقة بعشقه:
_بحبك يا شمس.. بحبك أكتر مما تتخيلي.. أقسملك بالله العلي العظيم إن بعدي عنك طول الفترة اللي فاتت مكنش تقل مني عليكي ولا برود زي ما أنتي فاكرة.. بعدي كان حفاظ عليكي وعلى قيمتك الغالية، بعدي كان عشان أصونك مني ومن مشاعري اللي بتتحرك أول ما بلمحك...
وتابع ببسمة ساخرة:
_قربك كان هيدمر شغلي ويكشفني لأعدائي فما بالك لو قربت وأنا كاشفلك حبي وهويتي .. صدقيني بعدي كان خوف مني إني أضعف قدامك!
فتحت عينيها الخجولة إليه، ورددت على استحياءٍ:
_وأنا كمان بحبك أوي يا آ..
_اسمي الحقيقي علشان خاطري!
_بحبك يا عمر!
ضمها إليه وهو ينتهد بعاطفةٍ، يده تضم رأسها إليه، واليد الاخرى تدفنها داخله، سحبت نفسًا ثقيلًا يليه الأخر من رائحته التي تتسلل لها لأول مرة.
عطره كان هادئًا، لطيفًا مثل شخصيته، لا يفرد طاغيته الا حينما تقترب منه، لذا لم تشعر به الا وهي ساقطة بأحضانه.
فتح عينيه يستعيد وعيه من تلك الحالة التي ستفقده كل مهاراته حتمًا، فتنحنح وهو يبعدها عنه بلطفٍ:
_في حد جاي علينا.
وإتجه لمقعده المجاور للأريكة مسترسلًا ببسمة ساخرة:
_ومن خطواته المتعصبة دي أعتقد إنه عُمران.
برقت بدهشةٍ حينما انفلتت طرقات باب غرفة الضيافة، وطل رأس أخيها من خلفه يخبر الأخر بابتسامة مغتاظة:
_اطلع يا عريس.. عايزك!
هز آدهم رأسه إليه ونهض ليغادر، فأوقفته حينما تمسكت بيده متسائلة بحيرةٍ:
_عرفت ازاي؟!
اتسعت ابتسامته ومال يهمس لها وعينيه لا تفارق باب الغرفة:
_تدريبي كان على إيد شخص خلانا نستخدم حواس الجن نفسهم.. الشخص ده يبقى الجوكر!
_دعواتك أقدر أكسب عمران لصفي لإنه شكله هيحل محل الحمى العقربة!
قالها وهو يودعها بغمزة ساحرة وقبلة طائرة بالهواء، فما أن أغلق الباب من خلفه حتى ارتمت على الأريكة تضم قلبها الخافق، هاتفة بدهشة:
_إنت بقيت خطر على مشاعري يا سيادة الرائد.
وتابعت وهي تزدرد ريقها بارتباكٍ:
_هسافر معاه لوحدي ازاي ده؟!
********
وقف قبالته يمنحه ابتسامة هادئة، وسؤاله يتحرر على شفتيه:
_خير يا عُمران؟
ربع بديه بمنتصف خصره وهو يشمله بنظرةٍ تقيمية، ومن ثم صاح بمكرٍ:
_النهاردة عزمت الشباب على حفلة شوي على شرفك، وكلهم بلا استثناء واقفين برة بيحضروا المشواي في حين إن حضرتك قاعدلي جوه تحت التكيف ومش في دماغك حد!
راقبه وهو يجوب الردهة ذهابًا وإيابًا ولا يتوقف عن الحديث، حرر آدهم جاكيته ووضعه على ذراعه ثم حل أول أزرار قميصه والطاووس مازال يراقبه بعدم فهم، فوجده يشير بيده تجاه الباب المؤدي للحديقة:
_وريني المكان وأنا أساعد.
ارتسمت ابتسامة انتصار على وجهه، فأشار له بتتبعه حتى وصلوا معًا للباب الخارجي، فأمسك آدهم كتفه يمنعه من الخروج ووقف قبالته:
_عُمران أوعى تفكر إني ممكن أغير على شمس منك أو من علي، أنا آه بحبها وبعشقها بس عمر ما حبي وغيرتي عليها توصل لاخواتها اللي ربوها، بالعكس الحنية اللي بشوفك بتعاملها بيها إنت ودكتور علي بتفرحني وبتخليني سعيد جدًا من اختياري.
وضع عُمران يده بجيب سرواله القماشي ووقف يراقبه بثباتٍ قاتل، فتابع بابتسامةٍ واسعة:
_بتخيل شكل الحياة اللي هعيشها معاها لما ربنا يكرمنا بأولاد.. بقى عندي ثقة كبيرة إنها هتقدر تزرع الحب اللي شافته بينكم مع أولادي.. أنا ولد وحيد يا عُمران مكنش ليا لا أخ ولا أخت فمعنديش خلفية عن اللي بيكون بين الأخوات لكن شمس هتقدر تنقل اللي اتربت عليه لأولادي.
طال به الصمت وهو يستمع إليه، فحل يده جاذبًا جاكيت آدهم ووقف خلفه يعاونه على ارتدائه وسط نظرات دهشة الأخير، فقال:
_معناه أيه ده؟
ابتسم الطاووس الوقح وهو يجيبه:
_معناه بسيط.. إني عفوت عنك يا سيادة الرائد... ارجع لمراتك واقعد معاها وأنا هكون بدالك.
ونزع عنه الجاكيت خاصته واتجه للخروج غامزًا له بمكرٍ:
_إنت لسه عريس ميصحش!
اتبعه للخارج والابتسامة تنجرف على شفتيه بفرحة انتصاره الأول، فوجد الشباب بأكملهم يعملون بجهدًا كبيرًا حتى "علي".
جذب عُمران الكماشة الضخمة من" جمال"وأشار له بالتراجع عن الشعلة ليحتل هو محله، تراجع للخلف من شدة الأدخنة، فترك الكماشة ونزع عنه قميصه ووقف عاري الصدر.
ضحك يوسف وصاح بصوتٍ مرتفع ليكون مسموع لمن يقف أمام صوت النيران:
_دي مش حفلة شوي دي حفلة استعراض عضلات الطاووس الوقح على الملأ!
شاركه جمال الضحك وأردف:
_استر نفسك يا عمران الحفلة كلها بنات متخليش البشمهندسة مايا تطلب الطلاق النهاردة!
مسح أيوب بقايا الخضروات عن يديه وقال باستنكارٍ حينما وجد آدهم يجاوره:
_ عملت بردو اللي في دماغك وجبت العريس!
انتبه علي لجملة أيوب فتطلع تجاهه فوجده يقف جواره، فقال بحرجٍ من تصرفات أخيه الطفولية:
_آدهم.. متسمعش كلام الوقح ده وإدخل إنت لعروستك.. احنا خلاص قربنا نخلص.
حرك يده يبعد رائحة الدخن عن أنفه وقال:
_عُمران طلب مني أرجع بس أنا اللي حبيت أجي أبص عليكم عشان لو محتاجين حاجة.
قاطع أحاديثهم ولوج سيف بملامح ممتعضة، فدفع قبالتهم صندوقًا مغلقًا، تابعه الجميع باهتمامٍ وكان أيوب أول من تحدث:
_إنت جايبلي هدية ولا أيه يا سيفو؟
توقفوا جميعًا عن اعداد الطعام وراقبوا سيف الذي تزداد معالمه حدة، فترك جمال ما بيده واقترب من الصندوق الموضوع بمنتصف الطاولات وكشف عن غطاءه، فاشمئزت ملامحه وتراجع للخلف وهو يحجب فمه بيده ولكنه لم يتمكن من الاحتمال فتقييء لذاك المنظر المقزز الذي رأه.
اتجه يوسف لأخيه يسأله باستغرابٍ وحدة لظنه بأنه يمزح بأمرٍ كهذا:
_ده أيه يا سيف فهمني؟!!!
رد عليه وهو يوزع نظراته بين علي وعمران:
_الصندوق ده وصل لدكتورة زينب من يمان بيهددها فيه ببجاحة جوه بيتكم!
قال أيوب بحدةٍ:
_ازاي جاله قلب يعمل كده في حيوان بريء!! وكل ده ليه علشان بخوفها!!
ترك عمران محله وأسرع إليه يلقي نظرة عن قرب، حتى علي كان لجواره، كان الأمر محير للبعض ومفهوم للأخر، فتحرر آدهم عن صمته قائلًا:
_كونه إنه يبعت الصندوق ده في تاني يوم تنقلوا فيه هنا فده رسالة مباشرة إنه يقدر يوصلها في أي مكان تروحه.
واستطرد بوجومٍ قاس:
_اللي عمله مع عمران قبل كده ودلوقتي مع زينب بيأكد إن الشخص ده مش عادي ولازم نتعامل معاه قبل ما يأخد خطوة تانية يا دكتور علي.
سحب نظراته الغاضبة عن الصندوق وتطلع إليه يخبره:
_أنا فعلًا ابتديت أتحرك يا آدهم.. وخليت عمي يطلب حراسة مشددة من شركة معروفة هتوصل بعد بكره يحاوطوا البيت ومش هيفارقوا زينب.
جذب يوسف أحد مقاعد الطاولات وجلس يردد:
_مش كفايا يا علي.. أكيد راجل زي ده مش سهل وهيعمل حساب لوجود الحرس يعني ببساطة يقدر يتغلب عليهم.
جذب جمال مقعدًا وجاور يوسف قائلًا:
_المصيبة إنه وصلها هنا وهي جوه البيت لو مكنش عمل كده كنت قولتلكم خلوها في البيت اليومين دول عما تشوفوا هتحلوا الموضوع ده ازاي!
ركل عمران الصندوق بعيدًا عنهم وصاح بعنفوانٍ:
_ليه فاكرها سايبة بروح أمه ده ميخدش في إيدي غلوة ابن ال****... يظهرلي راجل لراجل وأنا أوريه مقامه.
جلس علي وسحب عمران لمقعد مجاور له هاتفًا:
_عمران اهدى مش عايزين نلفت الانظار لينا.
تحرر سيف عن صمته حينما قال:
_الحل عندي أنا.
اجتمعت نظرات الشباب إليه باهتمامٍ، فتنحنح بخشونة:
_لو أنا ودكتورة زينب اتجوزنا يمكن يمل ويبعد عنها.
جحظت عين يوسف صدمة، فصاح بسرور:
_أقسم بالله كان قلبي حاسس إنك وقعت يالا.. مدام طلبتها بلسانك هجوزهالك حتى لو خطفتها واجبرتها تتجوزك.
لكزه جمال بغضب:
_إتكن يا يوسف ده وقته بذمتك!!
تنهد علي بحزنٍ وصاح:
_ده مش حل يا سيف، شخص زي يمان عمل كل ده علشان يوصلها مش هيتقبل إنها تكون لغيره، فأنت كده بتحط نفسك في وش المدفع لإنه ببساطة زي ما قدر يضرب نار على عمران لمجرد إنه شتمه وهدده يبعد عنها قادر يعملها معاك.. فحاول تخليك بعيد عن الموضوع ده لحد ما نشوفله حل.
جلس آدهم جوار أيوب وقال:
_دكتور علي.. أنا محتاج أتكلم مع دكتورة زينب.. من فضلك ناديها.
لف برأسه لأخيه قائلًا:
_نادي زينب يا عمران.
نهض عن مقعده يجذب قميصه الأبيض، ارتداه بإهمالٍ وولج للداخل، يبحث عنها بين جلسة السيدات.
حضر الحفل بعض النساء الأجنبية ذات الطبقة الآرستقراطية، أغلبهن أتينا الحفل لأجل فريدة، خطف عُمران الأنظار فور دخوله من الباب الداخلي بقميصه المفتوح على مصرعيه وعينيه الرمادية التي تتنقل بين النساء، فأتى على مسمع فريدة قول احداهن:
_يا إلهي.. من هذا الوسيم؟
زاغت الأعين تجاه من استحوذ على عقل تلك المرأة، فجحظت الأعين بفجورٍ اعتادوا عليه الغرب، فأستدارت فريدة تجاه ما يتطلعوا تجاهه فبرقت بغضبٍ، تركت الجلسة وأسرعت إليه تناديه بحزمٍ:
_عُمــرااان!!
تركز ببصره على والدته التي ترنو إليه كالعاصفة، تشير له بحدة:
_أيه اللي مدخلك هنا بمنظرك ده؟!
خطف نظرة سريعة لقميصه ثم عاد يتطلع لها بدهشةٍ، وببساطة قال:
_كنت واقف قدام الفحم فأكيد مش هقف بالبدلة يعني!
شددت على كلماتها بغيظ من بروده:
_إقفل قميصك يا ولد... الستات عينهم هتتقلع عليك!
شملهم بنظرة عابثة ويده تعيد غلق أزرر قميصه، وبوقاحه قال:
_ما أنا طول عمري خاطف أنظار جنس حوا كله أيه الجديد؟!
بحزمٍ صاحت:
_عُمران!
انحنى برقيٍ داهي:
_فريدة هانم!
وانتصب بوقفته ليفاجئها بقبلة وضعها على وجنتها هامسًا بمكرٍ:
_متحاوليش تقوليلهم إني ابنك لان محدش هيصدقك!
وركض من أمامها للأعلى تاركها تتطلع إليه بصدمة، حسنًا فمن سيصدق بأن ذاك الشاب الذي يفوق حجمها مرتين تقريبًا يكون ابنها الصغير! وبالرغم من أن الأغلب من أصدقائها يعرفه جيدًا الا أنها ارتبكت وتوترت من الجمع الحاضر.
استدارت فريدة لتتجه لطاولتها فرفعت يدها تعيد خصلاتها المتمردة للخلف، فنفرت من رائحة يدها التي كانت تستند على صدر عمران فور انحنائه لتقبيلها.
قربتها فريدة لأنفها فوجدت رائحة البرفيوم الخاصة به عالقة بأصابعها، والمقبض لها بأنها شعرت بحاجتها المفاجئة لاستفراغ ما بداخل معدتها.
هرولت للحمام بتعبٍ، تفرغ ما بجوفها حتى انتهت، وقفت فريدة أمام المرآة الخارجية تعيد ترتيب خصلات شعرها ومكياجها البسيط، فاستندت على الحافة تردد بدهشة:
_أنا أيه حصلي!!
واسترسلت بذهولٍ يجتاحها:
_أنا دايمًا كنت معجبة بالبرفيوم بتاع عُمران.. أنا اللي كنت بطلبهوله مخصوص من فرنسا!!
ورفعت رأسها تقابل انعكاسها بالمرآة وكفها يكبت فمها بصدمة:
_لأ... مستحيل أكون آآ... حامل!!!!!!
*******
صعد للأعلى يبحث عنها، فوجدها برفقة زوجته وزوجة أخيه، وزوجات أصدقائه، غضب عمران بصره وتنحنح بحرجٍ من وجوده بجلستهن الخاصة فقال:
_أنا أسف لو قطعت كلامكم.. علي عايزك يا دكتورة زينب تحت.
وقفت فاطمة جوارها تتساءل بقلقٍ:
_خير يا عمران في حاجة؟
أجابها على الفور:
_أبدًا... أعتقد الموضوع خاص بالجامعة بتاعتها.
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، ومع ذلك رسمت ابتسامة صغيرة ومسدت على كف شقيقتها:
_هروح أشوفه عايزني ليه وجاية يا فطيمة.
هزت رأسها بتفهمٍ وأشارت بابتسامة هادئة:
_طيب يا حبيبتي.. متتأخريش القعدة مع دكتورة ليلى وصبا متتعوضش.
ابتسمت ليلى ورددت:
_والله انتوا اللي القعدة معاكم ميتشبعش منها.
ضحك عمران ومازحهن:
_لو القعدة عجباكم كده كنسلوا المرواح واقعدوا كام يوم غيروا جو... أهي تكون فرصة نرجع المتسلطين دول لايام العزوبية ويعرفوا قيمتكم كويس.
غمزت صبا بمكر للفتيات وقالت:
_طيب وليه ميبقاش العكس.. نأخد البشمهندسة مايا عندنا ونعرفك قيمتها؟
ضمت يديها معًا ورمقته بنظرة تسلية، فانصدمت حينما انحنى يميل على كتفيها ويضمها إليه بكل تملك:
_مقدرش أعيش من غير حبيب قلبي... مش إنتي عارفة إني مقدرش أبعد عنك يا بيبي؟
أحمر وجهها خجلًا فتراجعت بمقعدها وهي تردد:
_عُمران!
غمز لها وتراجع متنحنحًا:
_يلا يا دكتورة؟
هزت زينب رأسها بخفة واتبعته للأسفل.
********
أغلق عينيه يقاوم ارتعاش قلبه داخل صدره العضلي، يشعر بخطواتها الرقيقة تقترب خلفه، استدار برأسه من فوق كتفه يراها تدنو منهم برفقة عُمران، يدها المرتبكة تجذب طرف ححابها المتطاير بفعل نسمات الهواء، فستانها ينحدر أطرافه من حولها كالأميرات.
أصبحت قبالته تقف على استحياء، عينيها مثلما اعتاد تهرب من لقاء مُقلتيه، أشار لها علي بالجلوس على المقعد المقابل لآدهم وسيف الذي طلب منه آدهم أن يظل على الطاولة بينما عاد جمال ويوسف وأيوب يتابعون نضج اللحم على المشعل حتى لا تخجل من تجمعهم من حولها.
جلس عُمران جوار أخيه فبدأ آدهم بحديثه:
_دكتورة زينب أنا طلبت من دكتور علي أننا نتكلم شوية لإن باللي عمله يمان ده النهاردة باين انه مش سهل.. فمحتاج إنك تساعديني بأي معلومة تعرفيها عنه.
فور أن ذكر إسمه ارتبكت بجلستها، أصابعها تفرك ببعضها البعض فوق الطاولة بشكلٍ ملحوظ، طال صمتها بشكلٍ أرضخ علي ليناديها:
_زينب!
أجلت حلقها الجاف وهي تجاهد كلماتها للتحرر:
_يمان بيتاجر في الاسلحة... وله علاقات بناس مسنودة هي اللي بتحميه ومخلياه ميعملش حساب لحد.
قدم لها آدهم ورقة بيضاء وقلم أسود:
_اكتبي اسمه كامل وكل اللي تعرفيه عنه يا دكتورة.. ومتقلقيش هنقدر نتعامل معاه.
جذبت الورقة ودونت ما طلبه منها آدهم ونظرات سيف لا تفارقها، فانفرد بصوته الرجولي يخبرهم:
_دكتور علي الفترة الجاية هيحاول يظهرلها بأي شكل، لو الدكتورة هتنزل الجامعة يكون مع حضرتك ورجوعها معاك بردو.. وجوه الجامعة سيف عينه هتكون عليها علشان كده خليته يقعد معانا ويسمع الكلام.
ابتسم بسعادة كونه سيتكفل بحمايتها، يقسم أنه سيفديها بروحه إن تطلب الأمر، فقال:
_متقلقوش طول ما هي جوه الجامعة هتكون تحت عنيا.
لكزه عُمران وفاه بعصبية:
_متسبلش بروح أمك!!
كبت آدهم وعلي ضحكاتهما، تركت زينب الورقة وغادرت للأعلى على الفور.
وزع الشباب الأطباق على الطاولة الضخمة، وجهزوا أطباقًا للنساء، فحملهم علي وصعد بما يحمله للأعلى، تناولت منه فاطمة الاطباق ومررتها لمايا وزبنب ليضعوا الاطباق على طاولة السيدات، بينما اجتمع الشباب بالاسفل، يتناولون الطعام بجوٍ من المرح والحديث المتبادل حتى ساعات الليل المتأخر فتفرقوا جميعًا لمنازلهم.
******
عاد أيوب لشقته، وإتجه لغرفته حينما وجد ضوء غرفتها مغلق فعلم أنها قد غفت، أبدل ثيابه وإتجه لمكتب غرفته الصغير، يضع من أمامه عدد من الكتب ليبدأ مذاكرته استعدادًا لامتحانات السنة الأخيرة من الجامعة.
اندمج بمذاكرته فأتاه رنين الهاتف يزعجه عن التركيز، رفع أيوب الهاتف مرددًا بدهشة:
_أيه اللي مصحيك لحد دلوقتي؟!
أتاه صوت سيف الهائم كالسكير:
_عيونها وألف آه من عيونها، بتحكي مليون حكاية وكأنها تراث أثري، قدامها أنا عاجز حتى إني أفتكر إسمي، وبكل بجاحة واقف قدامها بقولها اللي بينا مش حب إرتياح!! لأ أنا بحبها ونفسي تكون ليا الزوجة اللي تساندني وتعفني عن كل الستات.. أنا عايزها ليا يا أيوب!
رمش بعدم استيعاب لما يستمع إليه، فأبعد عنه الهاتف وهو يتفحص شاشته ليتأكد بأن من يحدثه هو سيف صديقه، عاد يضع الهاتف فاستمع إليه يردد:
_روحت فين يا أيوب.. صاحبك عاشق وغرقان في عشقها!
عاد بظهره لمقعده وتنهد بضيقٍ:
_سيف أنا مش مبسوط باللي بسمعه منك... طول ما هي مش على ذمتك مينفعش تتكلم عنها بالشكل ده.. ثم إنك بأي حق تدقق في لون عنيها وشكلها إنت طول عمرك بتغض بصرك أيه حصلك! عايزها تكون السبب ورا ذنوبك يا سيف ترضهالها؟
أجابه بكل لهفة حملها داخله:
_مرضاش ليها غير بكل شيء جميل إتخلق علشانها... بس غصب عني يا أيوب... عشقها دخل لقلبي غصب عني!
وتابع بحرجٍ مما سيقول:
_عارف لما شوفتها بتتنفض ومرعوبة وهي شايفة الصندوق كان نفسي أجري عليها وأضمها جوه حُضني.. كان نفسي أطمنها يا أيوب... واتمنيت أشوف الكلب ده قدامي أقسم بالله كنت هعرفه مقامه ابن ال***
منع ابتسامة كادت أن تصدح إليه، وردد بعدم تصديق:
_معقول اللي بيتكلم ده سيف!!
رد عليه يجيبه:
_هو بغباوته بس بعد ما وقع في الغرام.. أنا بحبها وعايزها يا أيوب.
ضحك ساخرًا:
_طيب وهي مش موافقة نعمل أيه بقى يا دكتور سيف؟
مازحه قائلًا:
_نخطفها وأكتب عليها غصب عنها يا بشمهندس أيوب
تعالت ضحكاته بعدم تصديق:
_ده إنت طلعت واقع لأقصى درجة وأنا معرفش!
رد عليه بهيام:
_واقع من الدور العشرين والله... من ساعة ما شوفتها النهاردة ومش جايلي نوم... الحمد لله إن يوسف وصلني وروح لو شافني بالحالة دي هياخدني أنا والمأذون واتنين شهود وهيعسكر عندها لحد ما تمل وتواقق.
قال أيوب بمكرٍ:
_بص يا معلم إنت علاجك "عُمران سالم الغرباوي" ، اتصل بيه وهو يُظرفك كلمة بروح أمك المشهور بيها هيأتيك النوم من حيث لا تدري!
زفر بسخطٍ:
_ملقتش غير الطاووس الوقح.. إنت عايز تخلص مني يا أيوب!
جذب الكتب أمامه وصاح بنزقٍ:
_بص يا عم الحبيب أنا بدأت مراجعة عشان الامتحانات قربت، فأقفل الله يكرمك خلينا ألحق أراجع أي حاجة قبل ما غيبوبة النوم تحضر.
تأفف بغضب:
_هقفل وأبقى قابلني لو سهرت.. إنت أخرك نص ساعة وهيغمي عليك مكانك... سلام يا ابن الشيخ مهران.
أغلق الهاتف وابتسم رغمًا عنه حينما تردد إليه ذكرى قلبت عليه الحزن لتجعل مُقلتيه تدمعان تأثرًا
##
_أيوب أنا تعبت، أنا بشيل هم امتحاناتك بسبب التكديرة السودة دي، فأرجوك أنا مش عايز مشاكل مع عمي، هريح هنا جنبك نص ساعه أصحى ألقيك بتكمل مذكرتك.. فاهم.
قالها يونس باستعطافٍ لأيوب الذي يجاهد لفتح عينيه على مكتب غرفته، فهز رأسه يؤكد له بأنه سيلتزم بالتعليمات.
تمدد يونس بإرهاق على فراش أيوب، وقبل أن يغلق عينيه قال:
_متصحنيش الا لو حاجة وقفت عليك أو محتاج شرح حاجة.
هز رأسه وهو يتفحصه بمكرٍ، فما أن سقط يونس بنومه حتى ارتخى أيوب بجلسته، رافعًا قدميه على سطح المكتب، ووضع الكتب فوق رأسه ليمنع ضوء الغرفة من أن يزعجه.
مرت خمسة وعشرون دقيقة حتى فتح يونس مُقلتيه الساحرة بانزعاجٍ، ففتحهما على وسعيهما بصدمة فور رؤيته يغفو هو الأخر.
انتفض عن الفراش يصرخ بغلظةٍ:
_أيــــــوب!!!
سقط عن المقعد فزعًا، فأسرع الاخير إليه يجذبه من تلباب قميصه كاللص، وأعاده لمقعده وهو يدنو منه بنظراتٍ ملتهبة:
_بتستغفلني يا أيوب.. عايز تزعل عمي مني!!!!
وتابع ومازالت يده تقبض على مقدمة قميصه:
_ده أنا سايب شقتي يا حيوان ونايم هنا معاك في اقامة جبرية، بقولك هريح نص ساعة أصحى ألقيك متخمد قبلي! عارف لو عمي دخل علينا هيعمل فيا أنا أيه!!
تثاءب بنومٍ ومال برأسه يغفو على يد يونس مردفًا:
_معتش قادر يا يونس خلاص فصلت... سبني أنام كلها كام ساعة وهنزل الامتحان.
عاونه يستقيم بجلسته قائلًا:
_لا يا حبيب أخوك مش هقدر.. إنت عارف الشيخ مهران بيقتحم الاوضة مرة واحدة مقدرش أواجهه كده.. قوم شد حيلك عما أعملك كوباية قهوة من صنع ايديا.
هز الأخير رأسه، وراقبه حتى خرج للمطبخ فضم الكتاب إليه وغفى من فوقه على سطح المكتب، مرت الدقائق حتى عاد يونس بصينية القهوة وبعض شطائر الجبن هاتفًا بحماس:
_سيحتلك الرومي في السندوتش الرومي زي ما بتحب.. يلا يا بطل كمل مذاكرتك وآآ...
ابتلع باقي جملته بصدمة، فوضع الصينية على المكتب ورفع يده يهوى بها على رقبته صائحًا:
_انت ناوي على موتي النهاردة يابن الشيخ مهران!
زفر أيوب بضيق:
_يا يونس حرام.. انت عارف إني في العادي بنام من ٨ جاي تسهرني لتاني يوم الامتحان... سبني أنام قبل ما بابا يصحيني عشان صلاة الفجر والجو برد أهو وأنا مش قادر والله.
سحب يونس يده للفراش قائلًا بحنان:
_طيب تعالى اتغطى وأشرب قهوتك وهتسهر للصبح.. أنا حتى عملت لنفسي قهوة عشان أسهر معاك.
تناول كلاهما القهوة وبعد دقائق غفى أيوب على كتف يونس وسقط رأس يونس فوق رأسه بعد أن غلبه النوم هو الأخر.
مرت ساعة كاملة وولج الشيخ مهران بجلبابه الأبيض الوقور ومئزره العسلي ليخبرهما باقتراب موعد الفجر، وكعادته يصطحبهما معه لفتح المسجد قبل حضور المصلين، فتفاجئ بيونس يغفو وهو يضم أيوب بين أحضانه كالطفل الصغير.
ابتسم الشيخ مهران وهو يتابعهما بحبٍ، ظل لدقائق يراقبهما ومن ثم تنحنح وهو يستعيد ثباته وصاح بخشونة:
_فوق منك ليه... الفجر قرب يأذن.
انتفضوا بفزعٍ حينما وجدوه أمامهما، فردد يونس بتلعثم:
_متقلقش يا عمي كله تمام.
ابتسم ساخرًا:.
_لا مهو واضح... بقى أشدد عليك إنك تذاكرله أدخل ألقيك منيمه في حضنك يا معلم!
منحه يونس نظرة معاتبه فردد أيوب بخفوت:
_آسف والله.
عاد يونس يتطلع لعمه قائلًا ببسمة واسعة:
_أيوب لسه مخلص مذاكرة وكان بيرتاح قبل صلاة الفجر... صدقني يا عمي أيوب جدع وشاطر اللهم بارك... أنا واثق إنه هيرفع رأسك وهيحقق حلمه وحلمك.
ابتسم الشيخ مهران بحبٍ يحمله لابن أخيه والذي يعد ابنه الأول، فمرر يده على شعره الفحمي الطويل مرددًا بحب:
_واثق فيك قبل ما أثق فيه يا يونس.
وتابع بنبرة فخورة:
_زمان وإنت في تالتة ثانوي كنت خايف لتخذلني، خصوصًا إن مكنش في دماغك غير التجارة وادارة محل اجهزة الكهربائية بتاع أبوك، خوفت متجبش مجموع حلو بس إنت كنت بطمني دايمًا وبتقولي أنا هنجح يا عمي وهجيب مجموع يشرفك وعلى وعدي اني هكمل تعليمي للأخر بس مش هشتغل غير في تجارة أبويا... وفعلًا طلعت راجل وقد كلمتك دخلت كلية حاسبات ومعلومات ومع إن جالك تعين فيها كدكتور جامعة الا إنك رفضت ووقفت في محل أبوك.
وتابع بابتسامة صافية تشق تلك سنوات نجاح ابن شقيقه:
_لما سحبت فلوس ميراثك من البنك خوفت تضيعها منك في شيء يخسرك بس إنت طول عمرك شاطر وجدع... وأهو بفضل الله المحل الصغير بقى دكانين كبار في بعض واسمك بقى يتعمله حساب في شارع النجار كله...وفي كلتا الحالتين رفعت راس عمك فوق يا يونس.
انحنى يقبل يد عمه واستقام يقبل رأسه الأبيض الذي يغزو الشيب كله، وهو يردد باحترام وحب:
_ربنا يخليك ليا يا عمي... أنا ماليش غيرك في الدنيا بعد أبويا الله يرحمه... وربنا يعلم إن أيوب ده أخويا الصغير.
ضمه إليه وهو يربت على ظهره بحنانٍ:
_عارف يا حبيبي... يلا اتوضى وهات أيوب وحصلني على المسجد.
مرر أصابعه على سبحته البيضاء واتجه للخروج وهو يستطرد:
_متتأخرش علشان انت اللي هتقيم الصلاة بدالي النهاردة... واخد دور برد وصوتي تعبان.
أشمر عن ساعديه وهو يهز رأسه بفرحةٍ:
_حاضر يا عمي... مش هتأخر.
وفور خروجه إتجه لأيوب يجذبه عن الفراش صارخًا به:
_قوووم بقى متجبلناش الكلام تاني!!
عاد من ذكرياته بعينين دامعتين وابتسامة صغيرة على شفتيه ، أغلق أيوب كتابه ونهض بتوضئ واتجه لسجادته، يصلي ويطول سجوده داعيًا له من كل قلبه، يلح على الله أن يفرج كرب ابن عمه الشقيق!
******
هل سبق لك وسمعت صوت آنين روح؟ عزيزي القارئ هناك آنين خافت يصدر من داخلك لا يستمع إليه سواك أنت، ألمه الذي لا يطاق لن تستطيع تفسيره لأحدً، ولو اجتمعت كلمات ومفردات الألم لتشرح ما يعنيه لن تتمكن من أن تصل لغيرك مفهوم ما تخوضه روحك المغلولة!
هناك بذاك المكان حيث لن يستمع لصرخاتك أحدٌ ولا يقوى أحدًا على نجدتك، كأنك انعزلت عن بقعة البشر بأكملهم، هناك حيث تشعر وكأنك مغلوب على أمرك فتحاول تقبل واقعك المرير، ومن بين ذلك الظلام الكحيل كان يتقوقع على ذاته، يضم ساقيه لجسده الذي يهتز بعنفٍ ليثبت لذاته بأنه مازال على قيد الحياة، فإن سكن جسده حينها سيفقد إحساسه المدرك بالحياة التي تلزم قلبه اللعين الذي مازال متمسك بتلك الحياة الظالمة!
مال بجلسته ومازالت يديه تلتف من حوله، عينيه الفيروزية مغلقة بقوةٍ رغم أنها اعتادت على العيش بذلك الظلام، الظلام الذي تسلل لأعماقه فلمس أبعد نقطة بها..
عاش حياته كريمًا، مختارًا، لم يذق معنى الذل والاستحقار، وفجأة ألقى لفجوة جردته من كل ما امتاز به حتى ملابسه وحقوقه، وكل ما يمتلكه.
انتزعوا منه إسمه وسمعته التي كد ليصنعها، انتزعوا منه كرامته وكبريائه حتى عائلته.... انتزعوا منه حبيبته وزوجته التي لم يقضى برفقتها غير بضعة أيام، ولكن لما يلاقي اللوم عليهم زوجته هي التي تخلت عنه بملئ ارادتها، فور دخوله إلى هنا بتلك التهمة الباطلة رفعت عليه تلك القضية لتلوذ بالفرار عنه وكأنها كانت تنتظر ذلك لتنال حريتها!
انهمرت دمعة حارقة على وجهه المتورم باللكمات، ولسانه مازال يجاهد للنطق بصوتٍ مبحوح:
_يا ررب.
أغلق يونس عينيه بألمٍ وعاد يردد:
_لا إله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين...
وتابع بقهرٍ وصوتًا خافتًا:
_حسبي الله ونعم الوكيل!
*******
تخفى الليل بظلامه وسطعت شمس يومًا جديدًا ينذر ببداية لمجهولٍ سيحكم قوانين الأيام القادمة.
غادرت زينب برفقة علي للجامعة بعد أن اتفق معها الا تخطو خطوة واحدة خارج الجامعة دون أن يصل بالخارج ويُعلمها بأنه بانتظارها، فصعدت لفصلها لتحضر المحاضرة الهامة التي أتت لأجلها، فمضت الساعتين تسجل خلف المعيد الهام، وبعدها استعدت لتغادر للأسفل تنتظر قدوم علي مثلما أخبرها.
لمحها سيف تجلس بالأسفل بطالتها الخاطفة، كانت ترتدي تنورة واسعة من اللون الأبيض، وبادي من اللون الأسود وجاكيت من اللون الأبيض والاسود معًا، رآها تقرأ بأحد الكتب وتراقب هاتفها بين الحين والأخر، فحمل كتبه والبلطو الطبي الخاص به ثم هبط الدرج إليها.
دنى إليها يتنحنح لتلاحظ وجوده:
_صباح الخير يا دكتورة.
أغلقت كتابها وتطلعت له بمزيج من الارتباك والتوتر:
_صباح النور.
جلس على بعدٍ معقول منها وسألها:
_أخبارك أيه؟ أحسن؟
علمت مقصده بما حدث بالأمس فاشتعلت خجلًا حينما تذكرت قربه منها وهو يحاول أن يُفيقها، لعقت شفتيها الجافة ورددت على استحياءٍ:
_الحمد لله أحسن بكتير.
هز رأسه متفهمًا، ثم تطلع أمامه يراقب الجامعة بعينٍ شاردة، وفجأة قال:
_أيه رأيك لو خرجنا للكافيه اللي اتقابلنا فيه أول مرة... هعزمك على أيس كريم بالڤانيلا زي ما بتحبي ونقعد نتكلم شوية.
ارتبكت مما قال، وهتفت بضيق:
_مش هينفع أنا بستنى علي.. هو قالي نص ساعة وهيوصل.
انزوى بجسده تجاهها وقال:
_زينب أنا محتاج أتكلم معاكي... أنا آآ... أنا بحبك يا زينب وعايز أتجوزك.
اتسعت حدقتيها مما قال، ومع ذلك حاولت السيطرة على انفعالاتها وقالت بارهاق:
_تاني... أنا مش قولتلك مينفعش مصمم ليه تتعب نفسك يا دكتور؟
تعالى صوته دون ارادة منه:
_أنا مش جبان عشان أخاف من الكلب ده يا زينب.. أنا عايز أكون معاكي وواثق إنك بتبادليني نفس المشاعر اللي جوايا وإنك عايزة القرب ده أكتر مني.
وتابع بنبرة هادئة تحاول استمالتها:
_متقفليش أبوابها في وشنا يا زينب... اديني فرصة أدخل حياتك وأنا أوعدك أنساكي يمان واللي جابوه.
تعمد أن يزرع المرح بنهاية حديثه عسى أن تلين ملامحها قليلًا، اقترب سيف منها وقال بعاطفة تسللت لها:
_وافقي إنك تكوني ليا زوجة وأنا هحميكِ منه بروحي يا زينب!
ارتعبت من جملته التي حللت ما سيحدث إن وافقت، بالطبع سيفقد روحه وحياته حينها، جمعت زينب أغراضها ونهضت تهرول من أمامه تجاه بوابة الخروج.
اندهش سيف مما تفعله فحمل البلطو الطبي وكتبه وركض خلفها يناديها بخوف:
_زينب اقفي مكانك متخرجيش الا لما دكتور علي يوصل.
ألقت بحديثه عرض الحائط وخرجت من بوابة الجامعة تحاول إيقاف سيارة أجرة لتفر من أمامه، وسيف مازال يهرول من خلفها يحثها على التوقف.
أشارت لاحدى سيارات الاجرة فدنت منها، أسرعت زينب تفتح بابها الخلفي فجذبها سيف يمنعها من الصعود مشددًا على كلماته:
_زينب مينفعش اللي بتعمليه ده ادخلي جوه استني دكتور علي أو خليني أوصلك لكن مش هسمحلك تآآ...... آآآه.
قطع كلماته صارخًا بوجعٍ طاله مع تلك الضربة القوية التي طالت رأسه من الخلف، جعلته يضع يده على نفورة الدماء المنتشرة من رأسه، فاستدار للخلف فتفاجئ بأربع رجال ذو أجساد مهيبة، أحدهم يحمل عصا حديدية غليظة وتلك الضربة كانت أول هجماته.
جحظت أعينها رعبًا وفور أن استدار إليهم سيف تمكنت من رؤية دمائه فصرخت بهلعٍ:
_سيـــــــــف!!
ترك الكتب منه وقبل أن تطوله ضربة أخرى منع العصا من أن تلمس رأسه وركله بقوة ببطنه فسقط الرجل المقنع أرضًا يتلوى من ضربته، فأتاه الاخر يهاجمه.
تراجع سيف للخلف ويده تبعد جسد زينب الماسد خلفه، هامسًا لها:
_اركبي التاكسي وامشي من هنا حالًا.
تساقطت دموعها تباعًا ويديه تتعلق بذراعه الذي يعيدها خلفه كالستار الذي تحتمي من خلفه، فرددت باصرارٍ وحبًا تمرد بوقته ليخبره بما تخفيه:
_لأ... مش هسيبك لوحدك يا سيف..
وقبل أن يجيبها وجد أحدهم يدنو إليه، فسد سيف لكمته وواجهه ببراعةٍ حينما منحه لكمة حطمت أنفه بشكل جعل الاثنان الاخرين ينتبهون لمهاراته بالدفاع عن نفسه، فعلموا بأنه تدرب على فنون الملاكمة ما يجعله يسد هجماتهما لذا أشاروا لبعضهما اشارة توحي بالغدر والخيانة، فنفذت خطتهما أن يلهيه أحدهما لحين أن يجذب الاخر العصا الملقاة أرضًا ويواجهه بغتة.
تراجع سيف بها للخلف ودفعها لباب سيارة الاجرة المفتوح هادرًا بانفعال:
_اركبي يا زينب وامشي من هنا... أنا هبقى كويس مالكيش دعوة بيا.
بكت وهي تتعلق بذراعه وتراقب من يتقدمان إليه بفزع:
_لاااا... مش هسيبك لوحدك يا سيف.
أبعدها للخلف وهرع تجاه من يقترب إليه، رفع الرجل قدمه ليركله فأمسك بها سيف ورفع جسده ليسقط بثقله على قدم الاخر فصرخ بألمٍ، انهال عليه باللكمات وقبل أن تطوله لكمته الاخيرة شعر بضربة قاتلة فوق رأسه، تستهدف نفس إصابته فجعلت توازنه يختل وما حوله يدور به كالكرة المتراقصة.
أبعده المصاب أسفله عنه بينما الأخر رفع العصا وعاد يصوب ضربة إليه على كتفه، فتألم سيف وتأوه بوجعٍ قاتل، وما يتسلل إليه صراخها المرتعب:
_سيــــــــــــــف.... لأاااااا...
ضربة أخيرة نالت من مقدمة رأسه جعلت الدماء تندثر من فمه وأنفه بغزارة، فسقط جسده مستسلمًا لأوجاعه،ركضت زينب تحاول الوصول إليه وهي تبكي وتصرخ بجنون:
_سيف!!!
منعها أحد الرجال من الوصول إليه، بينما اقترب منه أحدهم يفتش بجيبه حتى عثر على هاتفه فحمله بجيبه وغادر هو ومن معه لتلك السيارة السوداء التي كانت بانتظاره.
اندهشت زينب مما حدث، كانت تظنهم رجال يمان ولكن حينما تركوها وغادروا تيقنت بأنهم ليسوا الا لصوص قاتلة.
هرولت إليه بكل قوتها، انحنت تحمل رأسه النازف ووضعتها على قدميها، فتلوثت تنورتها البيضاء بدمائه، خلعت عنها جاكيتها ووضعته فوق جرح رأسه تكبت النزيف الحاد وهي تناديه ببكاء وتوسل:
_فتح عينك يا سيف... بالله عليك فوق!
كان يستمع لصوتها فمازال لم يفقد وعيه تدريجيًا، رفعت عينيها للمارة المجتمعين من حولها وترجتهم ببكاء:
_فليطلب أحدكم سيارة اسعاف أرجوكم!
أشار لها احدهم بأنه طلبها وبالطريق بالفعل، فانحنت برأسها إليه تخبره بدموع اختلطت مع دماء وجهه:
_الاسعاف على وصول يا سيف... أوعى تستسلم عآآ.... آآ... علشاني يا سيف!
كلمة ثقيلة نطقتها بالكد، ومع نطقها انهمرت دمعاتها على رموش عينيه، فتح سيف عينيه لها ومنحها ابتسامة خافتة ثم أغلقهما مجددًا بسرعة كبيرة جعلتها تظن بأنها تتوهم.
دقائق معدودة وتوقفت سيارة الاسعاف، حملوه على السرير المتحرك بعدما علقوا برقبته مانع الكسور حتى إذا احدثت الاصابة كسر لا يتضاعف مع حركتهم.
كانت لجواره بالسيارة لم تتركه، صوت بكائها، حديثها إليه كل فترة والاخرى، دعواتها إليه برجاء، كان يصل له كل انفعال صغير يخرج منها كان يصل لمسمعه.
وكلما نادته ببكاء فتح عينيه يطمنها بنظرة خاطفة ويُعاود غلقهما تأثيرًا لألمه حتى فقد الوعي بشكلٍ أفزعها وجعل الممرض يصرخ بالسائق:
_إننا نخسر المريض... أسرع!
تعالى صوت بكائها وهمست بارتياعٍ:
_يا رررب!!!
وصلوا للمشفى ودفعوا السرير لغرفة العمليات، فاختل توازنها على الأريكة الحديدية المقابلة لغرفة الجراحة، تتطلع لبابها بشرود تام، وكأنها تحمل مستقبلها ومستقبل حبها بين طياتها.
الدقائق تمر ومازالت متيبسة محلها لا تقوى على التفكير أو الحركة، إلى أن خرجت لها الممرضة تحمل لها قميصه الملطخ بالدماء وبنطاله ومحفظته الجلدية، قربتهم زينب إليها وهي تبكي بانهيارٍ، إلى أن تسلل لها صوتًا رجوليًا:
_محتاجة لحضن حد يا حبيبي!
ودنى إليها مستغلًا صدمتها وتيبس جسدها بأرضها:
_عينك مشتقالي ومتلهفة للقائي وبالنهاية اجتمعنا يا زينب!
تراجعت للخلف وهي تضم أغراض سيف لصدرها وكأنه سيحضر بالحال ليدافع عنها، الصدمة جعلتها كالتي فقدت النطق، فتحاول جاهدة لتخرج صوتها المنقطع داخلها، وبصعوبة بالغة رددت:
_يمان!
......... يتبع........
#الاقوى_قادم...
#صرخات_أنثى..
#آية_محمد_رفعت..
*******______********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الرابع وأربعون 44 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!...)
#الفصل_الحادي_والأربعون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "هاجر حسن"،"ندى محمد" ،"أم مالك" شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
سرت البرودة لجسدها تدريجيًا، لدرجة جعلتها متصلبة لا تحتمل الحركة، بينما الأخر مازال يقترب بخطواته البطيئة، وكل خطوة يرنو بها إليها كأنه يزف هلاك موتها البطيء.
رأسها تهتز بجنون غير قابلة لتصديق رؤيتها له، ولكن عقلها يفسر ما يراه بسرعة كبيرة، نفس نظراته المحتقنة المخيفة، نفس رائحة البرفيوم المقززة تتسلل لأنفها كلما اقترب إليها، فحيحه السام يصل إليها:
_أيه يا زينب كنتِ متخيلة إني هسيبك؟
حجزها الحائط لتواجهه رغمًا عنها، فرفع ذراعيه يحتجزها هو الأخر هاتفًا ببطءٍ قاتلٍ:
_قولتلك إني مستحيل أتخلى عن حاجة تخصني وإنتِ تخصيني!
واستطرد بوجومٍ مفزع:
_كل مرة كنت بحاول أخليكِ ملكي كنت بتراجع علشان ثقتك فيا متنكسرش... كنت بحذر على قد ما أقدر علشان ما تخافيش مني بس دلوقتي مفيش قوة في الكون هتمنعني عنك!
هزت رأسها تعترض على ما يلقيه عليها، فزاد من وتيرته:
_متفكريش إن العيال اللي إنتي قاعدة عندهم دول هيحموكي مني، الكلب اللي هددني كانت ديته رصاصة واحدة صحيح نفد منها بس الجايات أكتر من اللي راح.
مشط الطرقة من حوله بنظرة ساخرة وعاد يتمعن بها هاتفًا بغضب:
_الدور كان على الحقير اللي مرمي جوه ده بس حد سبقني ووجب معاه.
واستطرد بحدة:
_ولو قام منها هقتله أنا بنفسي.
صرح لها بأنه سيتخلص من سيف، فاحتد بكائها وازداد خوفًا، بصعوبة بالغة رددت:
_لأ... حرام عليك سيبه في حاله هو مالوش ذنب!!
ازدادت ابتسامته وتلاشت فجاة بشكل أرعبها، ظلت صامته ولم تهتز لأي من تهديداته وحينما ذكره أسرعت بالحديث، غمس أظافر يده الطويلة بمرفقها فصرخت ألمًا كلما جذبها إليه، متسائلًا بغضبٍ مخيف:
_حبتيه؟؟
بكت وهي تتأوه بصراخ، متوسلة:
_أبعد عني بقى... لسه عايز مني أيه تاني؟
تجاهل كل ما تتفوه به وجذبها بشراسة تناهز ما فعله:
_ردي عليا حبيتي الكلب ده؟.
وشملها بنظرةٍ جريئة جعلتها تضم جسدها بخوفٍ:
_سلمتي نفسك ليه؟؟
برقت بصدمةٍ لاتهامه المهين لها، ومع ذلك رفعت يديها تدفع صدره بعيدًا عنها وهي تصرخ بجنون:
_أه حبيته ومش هكون غير ليه هو واللي عندك اعمله... عايز تقتلني اتفضل أنا قدامك ريحني من إني أشوف خلقتك.
وجدت الألم ينتقل منها إليه، رأته يهز رأسه ولسانه يهمس بكلمات غير مسموعه فتابعت بكل قوة:
_أنا بكرهك وبقرف منك يا يمان.. أنت أكبر غلطة في حياتي... خدعتني وخلتني أحب إنسان مريض ومجرم.. لو فاكر إنك لما هتتخلص من سيف ده هيخليني أرجع أحبك تبقى غلطان لإن الكره اللي جوايا أقوى من إنك تتغلب عليه فاستسلم وإبعد وسبني في حالي.
ظنت أنها أحرزت انتصارًا عليه مع تجمد ملامحه وسكونه عن الحركة والحديث، فانهار عالمها فجأة حينما تعالت ضحكاته تباعًا ومازال أظافره تنحر لحم ذراعها بحقدٍ، ودفع جسدها فجأة لأحد الغرف المجاورة لجناح العمليات، أغلقه بالمفتاح القابع خلفه ورفع يده إليها يزيح حجابها بغضبٍ فصرخت به مجفلة من فعلته، وما زادها صدمة محاولته للاعتداء عليها بقلب المشفى، فصرخت تستنجد بأي أحدًا ولكنه كان الأسرع منها حينما دفع محقن غريب بعرق رقبتها، فارتخى جسدها كالهلام بين يديه.
حملها وألقى بها على الفراش بعنفٍ ألم جسدها، ومال عليها يتطلع بعينيها قائلًا:
_كنت عايز أحترمك وأخدك وانتي مراتي على سنة الله ورسوله.. بس مدام بتكرهيني فكره بكره أخد اللي أنا عايزه ومن غير جواز.
وانحنى لأذنيها يهمس بفحيحه المقزز:
_هخليكي عاهرة ليا ولنزواتي يا زينب!
انهمر الدمع من عينيها كالشلال، وبكلمات تحجرت بحلقها رددت:
_ل.. أ... أ.. ر.. ج.. و... ك (لأ... أرجوك!!)
رجائها، انهزام روحها أمامه، دمعاتها المتدفقة، استسلام جسدها، بعثت البهجة بروحه المريضة، أسقط رأسه لرقبتها ينهشها كالذئب المفترس، ومازالت تعافر لأن تحرك أي جزء من جسدها لتدافع عن ذاتها، حتى صوتها احتبس داخلها وكأنه يضع داخل فمها حجرًا ثقيلًا..
جوارها ببضعة أمتار كان ينازع للحياة وهي تنازع لحماية عرضها، تخشى أن يُدنسها ذلك الحقير، رفعت رأسها للأعلى تدعو بكل انكسار أن ينقذها ربها مما سقطت هي به، فأتاتها استجابة سريعة تربت على روحها المكلومة حينما انكسر باب الغرفة ليطل من أمامها "عُمران" و"آدهم" وأخرهما كان "علي" الذي ترك أمره لأخيه ولزوج شقيقته وهرول إليها ينزع جاكيته ليخفي جسدها عن الأعين بغضبٍ وغيرة على عرضه وكأن من أمامه هي "شمس ".
انحنى إليها يضع ذراعيها بجاكيته وهو يناديها بفزعٍ:
_زينب... سمعاني!
تقابلت عينيها الباكية به، تشكو له ما تعرضت له بكلماتٍ غير متزنة:
_ع... ل... ي...(علي!!!)
انحنى يجذب حجابها الملقي أرضًا وعينيه تبعد عن رؤيتها، فوضعه باهمالٍ واتجهت نظراته لذاك الحقير صارخًا بعصبية بالغة:
_جيت لقدرك يا حقيــر!
أشار له عمران بأن يظل محله، مرددًا وعينيه تخترق عين من يتأمله:
_أهلًا بدكر البط... أخيرًا اتقابلنا وش لوش... فاكر لما قولتلك هتزعل لما تشوفني.. وإنت شكلك كنت مُطيع وخوفت تطلعلي.. بس قدرك بقى وقعك مع سيادة الرائد" عمر الرشيدي" جابنا لحد عندك في ظرف ساعتين زمن.
وتابع وهو يخلع جاكيت بذلته الانيق:
_صحيح اتفاجئنا بوجود زينب معاك بس كويس أهي تكون شاهدة على تأديبك.
ضحك مستهزأ مما قبالته، وردد:
_مين ده اللي، هيأدبني؟
أجابه بلكمةٍ قاسية نالت من فمه فأسكبته دماءًا، وصوت عُمران يصل إليه:
_مش مالي عينك أنا بروح أمك!!
وجذبه من ياقة قميصه المفتوح:
_بدل ما تتشطر على واحدة ست لاعب راجل يعرفك اللي فاتك في دروس الرجولة يا****.
وانهال عليه عُمران بكل قوته، بينما يراقبه آدهم باستمتاعٍ وجسده يستند على باب الغرفة، حاول يمان مجابهة عُمران ولكنه كان شرسًا، سريعًا بخطواته، جسده العريض الممتد بعضلاته أوحت له مدى تيقنه لفنون القتال والرياضة الشاقة أمدته بجسدٍ قويًا لا يستطيع أن يتمكن من التغلب عليه، فدث يده بجيب سرواله وضغط على زر يحمله بريموت.
سدد له عمران ركلات أسفل بطنه وهو يصرخ بوقاحة:
_أنا هديك درس يخليك تحرم تخاف تقرب لأي واحدة ست طول حياتك..
وتابع وهو يدفع وجهه بالخزانة الزجاجية فانطلق الزجاج داخل وجهه فصرخ مستغيثًا كالنساء، يينما يصيح عمران بعصبية بالغة:
_ما تدافع عن نفسك يا دكر!!!! فين قوتك اللي فارض بيها نفسك يا ابن ال**** مستقوي برجالتك وباعتهم يقتلوني!
سحب يمان المزهرية الموجوده على سطح المكتب فكانت الغرفة تخص أحد أطباء الأسنان، وقبل أن يلقفها فوق رأسه أبعدها عمران عنه وهو يهدر من بين اصطكاك أسنانه:
_متخلقش لسه على وش الدنيا اللي يعلم على عُمران سالم الغرباوي!
لف يده حول رقبته بشكل مقبض، فاندفع تجاهه آدهم يبعده هاتفًا بحزم:
_كفايا يا عمران... هيموت كده في ايدك!!
حاول عُمران دفعه للخلف:
_اابعد يا آدهم.. هقتله واللي يحصل يحصل... خاطفها في المستشفى ومفضي الدور كله فاكرها سيبه بروح أمه!!
استخدم آدهم قوته ولكم عُمران بشراسة جعلت جسده يرتد للخلف بعيدًا عن ذاك الذي سقط أرضًا يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة كالجراد المدعوس.
التقطت أذن آدهم الخطوات القادمة،فدفع عُمران خلفه وسحب سلاحه استعدادًا للقادم.
ملأت الغرفة بعدد من الرجال المسلحين، يصوبون تجاه آدهم الذي استغل كاتم الصوت الذي يضعه وأطلق مستهدفًا أيديهم فسقط عنهم الاسلحة، وحينها تواجهوا مع عمران وعلي الذي أسقط اثنان منهما بحركة تشل الجسد مؤقتًا تعلمها جيدًا.
استغلوا انشغالهم وسحب اثنان منهما رئيسهم الذي ينازع للبقاء حيًا، بينما غطى الباقية ظهورهم بالاسلحة حتى هرولوا جميعًا للخارج.
أعاد آدهم سلاحه فاندفع عمران للخارج هاتفًا بشراسة:
_هنسيبهم يمشوا بالبساطة دي.
أوقفه آدهم قائلًا:
_مينفعش نخرج وراهم يا عُمران.. متنساش احنا فين!
تهدلت ملامح علي بحزن وضيق:
_يعني لو مكناش هجمنا على المكان اللي وصل لآدهم اشارته كان اعتدى عليها!
غلت الدماء بعروق عمران، فاتجهت نظراته للفراش يخطتف نظرة سريعة عليها، وعاد ببصره لأخيه يسأله:
_أذاها؟
سكن الوجوم تعابيره ورفع كتفيه بقلة حيلة:
_مش عارف... لما تفوق من مفعول المخدر هنعرف.
خطف آدهم نظرة إليها وحينما وجد عينيها مفتوحة ودموعها تنهمر دون توقف علم نوعية المخدر المندث بأوردتها فردد بغيظٍ:
_المخدر ده محرم دوليًا إزاي قدر يوصله الحقير!!
تنهد عُمران بيأسٍ فمرر عينيه للاسفل ليبحث عن جاكيته، اندهش لوهلة حينما تعلقت نظراته بقميصٍ ملطخ بالدماء ولجواره محفظة جلدية، التقطها وفتحها فجحظت عينيه بصدمة حينما وجد هوايته فقال وهو يرفعها نصب أعينهما قائلًا:
_دي محفظة سيف، أيه اللي جابها هنا؟
التقط منه آدهم القميص الملطخ بالدماء فتوترت الأجواء بينهم خاصة حينما قال علي:
_وجود زينب هنا أصلًا غريب... مش معقول إن الكلب ده هيخطفها في مستشفى عام زي دي الا لو كانت هي هنا وهو اللي ظهرلها ومقدرش يتحكم في نفسه فدخلها هنا.
تساءل عمران باستغراب:
_وأيه اللي هيجيب زينب هنا؟ ومحفظة سيف وقميصه آآ..
ابتلع باقي جملته بوجعٍ هاجمه حينما حلل مغزى الاحداث، فهرول لغرفة العمليات وهو يصرخ:
_لأ...... مستحيل!!
اتبعه علي وآدهم للخارج، فوجدوه يقترب من أحدى الممرضات يتساءل بتوتر وهو يضع هوية سيف أمامها:
_عذرًا سيدتي هل من بالداخل هو هذا الشاب؟
تمعنت الفتاة الانجليزية بما يحمل وأومأت برأسها مؤكدة:
_نعم.. لقد أعطيت أغراضه الخاصة للفتاة التي حضرت برفقته.
وتابعت تنقل له وضعه:
_اصابة الرأس قوية مازال الأطباء يجاهدون لانقاذه..
ونهت حديثها القصير قائلة بلطفٍ:
_استسمحك عذرًا سيدي.
ضم عُمران المحفظة إليه وجلس على الأريكة من خلفه بصدمة، ومن جواره علي يحتضن رأسه بين يديه في محاولةٍ لفهم كل تلك الألغاز، فحللها ذو العقل المدبر لخبرته بعمله بالمخابرات لخمسة أعوام قائلًا:
_سيف اتهاجم وزينب جت معاه هنا علشان كده الكلب ده ظهرلها...
وتابع بغيومٍ قاتمة:
_بس أيه خلاه يجي وراها لحد هنا لما كان يقدر يخطفها من نفس المكان اللي قدر يسيطر فيه رجالته على سيف!!!
وجلس بمنتصف مجلسهما مستطردًا:
_الموضوع ده فيه حاجة غلط... علي حاول تفوق زينب حالًا... هي الوحيدة اللي عندها اجابات الاسئلة دي.
دمس رأسه بين ساقيه بحزنٍ جعل صوته يحتقن:
_المخدر اللي ادهولها قوي مستحيل تفوق منه الا بعد خمسة وعشرين دقيقة كحد أقصى.
واستدار بجلسته لعمران يضم كتفه بيده، ويهاتفه بحزن:
_كلم يوسف يجي... لازم يكون جنب أخوه يا عُمران.
لمعت عينه بدمعة خائنة فأزاحها سريعًا ومال على أخيه يخبره بصوته المتحشرج:
_هقوله أيه يا علي؟ مش هقدر!!
ربت على كتفه بحنانٍ مضاعف وقال:
_ابعتله رسالة وخليه يجي بدون ما تقوله تفاصيل.
أومأ برأسه وسحب هاتفه يرسل ليوسف، بينما نهض علي وولج للداخل يتابع حالة زينب بعدما نادى على أحد الطبيبات لتتفحصها، وتساعدها على استرداد وعيها سريعًا.
******
رسالة مختصرة أخبره بها بأنه ينتظره بالمشفى التي أرسل إليه عنوانها، فأسرع يوسف بسيارته للموقع المرسل إليه وبداخله نغزة تكاد تخترق صدره وغيظًا يفور داخله لتجاهل عُمران رسائله ومكالماته ليطمئن عليه.
صف سيارته وهرول للمصعد متمتمًا بخفوت:
_استر يا رب!
فور توقف المصعد رأى يوسف عُمران يجلس أمام غرفة العمليات ولجواره يقف آدهم، فهرول تجاههما يناديه بقلقٍ:
_عُمران.. في أيه ؟
رفع عينيه صوبه وهو لا يعلم ماذا سيخبره، ارتبك لسانه عن تردد ما سيقول، فوزع يوسف نظراته الحائرة بينه وبين آدهم:
_ما ترد يا ابني قلقتني!
صمته وتوتر ملامحه أمامه زرع القلق في نفس يوسف، فرفع عينيه لآدهم يسأله:
_في أيه يا آدهم.. جايبني المستشفى هنا وساكتين كده ليه؟
خرج علي من غرفة زينب فور سماعه صوت يوسف، فضيق الاخير عينيه بدهشةٍ:
_وإنت كمان هنا يا علي!
وبنفاذ صبر صاح:
_ما تفهموني في أيه!!
سحب عُمران نفسًا ثقيلًا واستدار تجاهه يقول بحزنٍ:
_يوسف من فضلك حاول تكون هادي وآآ..
_سيف جراله حاجة!!
نطق بها بمقلتيه القاتمة بعد أن ترسخ داخله تحليل لوجوم ملامحهم واستدعائه إلى هنا، أسرع علي يجيبه:
_هيبقى كويس يا يوسف.. إن شاء الله اصابته تكون سطحية جدًا.
اتسعت مقلتيه بصدمة، كان يتمنى أن ينفي ذلك ويخبره بأنه فهم ما يودون قوله بطريقة خاطئة، انتفضت عروقه بشكلٍ جعل العرق يتصبب على جبينه كالأمطار الغزيرة، وبدى كالتائه لا يعلم إلى أي طريق سيسلك الآن!
استعاد اتزانه بصعوبة واتجه لغرفة العمليات ولسانه يردد بخفوتٍ مؤلم:
_سيف أخويا جوه!!
واستدار إليهم يهتف بتشتتٍ:
_اتصاب ازاي؟ مين اللي عمل فيه كده؟ طب طب هو كويس يعني؟ طيب مخرجش ليه!! وبعدين ليه مكلمنيش!!! أأ... أنا كنت عنده الصبح ومجهزله الفطار بايدي لا.... لأ ده هزار سخيف منك يا عُمران.
وسحبه من تلباب قميصه بغضب كالجحيم:
_الا سيف يا عُمران متهزرش في شيء يخصه... أوعى تفول على أخويا بالسوء أقسم بالله هتكون النهاية بيني وبينك وتغور صداقتنا بعدها.... سامعني يا عُمران الا أخويــا!!!
انهمر الدمع عن مُقلتيه تأثرًا بصديقه، هو الوحيد الذي يعلم محبة يوسف الكبيرة لأخيه وكأنه صغيره الذي لم يُنجبه بعد.
رمش يوسف بصدمة، وحرر يديه عن عنق عمران فور أن تأكد من ملامحه بأنه لا يفتعل مزاح سخيفًا كهذا، فتراجع للخلف وعينيه تتجه تلقائيًا لباب غرفة العمليات.
هرع إليها وبعد أن قدم للاطباء هويته وتأكدوا بأنه طبيبًا ويقرب للحالة سمحوا له بالتواجد بالداخل.
دنى يوسف من الفراش القابع به أخيه بمنتصف غرفة الجراحه، يلتف من حوله عدد من الاطباء يحاولون بشتى الطرق انقاذه، مرددين بخطورة اصابته واحتمالية وجود نزيف داخلي.
انهمرت دمعاته تباعًا وهو يحدق بوجه أخيه الممتليء بالكدمات المؤلمة، فاختص مكان من وسط الاطباء ومال على أذنيه يترجاه ببكاء:
_أنا جنبك يا سيف!
وتابع وصوت بكائه يتخلل الغرفة:
_ألف مليون سلامة عليك يا حبيب قلب أخوك..والله ما هرحم اللي عمل فيك كده هقطعلك ايده..
وأزاح دموعها خاطفًا نظرة لمؤشرات الاجهزة من حوله، انتابته حالة من الفزع حينما ساء نبضات قلبه بشكل ملحوظ فمال عليه يصرخ به:
_متسبنيش يا سيف... خليك معايا علشان خاطري متبعدنيش عنك يا سيف هموت والله العظيم لو جرالك حاجة.
وأشار على صدره ودموعه تغرق وجهه:
_أهون عليك تعذبني يا سيف... يهون عليك وجعي؟
رفع جفنيه الثقيل ليحاول التأكد من سماع ذلك الصوت المألوف، ظن أنه يهلوس من أثر الجراحة والمخدر فبدأت صورته المشوسة تبدو واضحة، فتحركت شفتيه من بين قناع الاكسجين:
_ي.. و.. س.. ف (يوسف!)
أمسك يده المنغمسة بالمحلول وهو يردد بابتسامة تعاكس بكائه:
_أنا هنا جنبك يا سيف..
أغلق عينيه مجددًا ولسانه يردد من بين أبخرة الجهاز:
_زينب!
*******
بالخارج.
أشار علي لعمران أن يأتي لغرفة زينب، فما أن دنى إليه حتى همس له:
_كلم مايا تجيب لزينب لبس وتيجي.. مش هينفع ترجع البيت بلبسها المقطع ده فاطمة لو شافتها أو عرفت بحاجة هتدمر ومجهودي معاها كله هيروح في الفاضي.
هز رأسه بتفهمٍ وربت على كتفه:
_متقلقش هنبه على مايا متعرفهاش حاجة.. اطمن!
منحه ابتسامة صغيرة، بينما سحب عُمران هاتفه واتجه لأحد الأركان ينتظر سماع مهلكة فؤاده فأتته تجيبه بصوتها الناعس:
_عُمران!
ابتسامة مشرقة تجلت على ملامحه الجذابة فتهف بصوته الهامس المغري:
_حبيب قلبه وعيونه... صحيتك من النوم يا بيبي؟
أتاها ردها مرهقًا، كسولًا:
_أممم... مش عارفة مالي بنام بالنهار كتير ليه.
وتابعت تهاجمه بخبث الأنثى:
_يمكن علشان بقضى الليل كله بستناك لما ترجع من سهراتك الكتيرة مش بعرف أنام من كتر قلقي عليك!
ضحك وهو يردف بخبث:
_لا يا بيبي مش قلق.. ده علشان مبتعرفيش تنامي بعيد عن حضن جوزك حبيبي.. مش كده ولا أيه يا حبيب قلب جوزه؟
يكاد يحزم بأنه يستمع لصوت احتباس ضحكتها، فنجح بتهيئتها لما يود قوله:
_حبيب قلب جوزه ينفع يعتمد عليه في طلب؟
أتاه صوتها الجادي:
_طبعًا..قول!
أخبرها بنبرة هادئة:
_عايزك تدخلي أوضة زينب تجيبي منها لبس خروج كويس وتجيني على اللوكيشن اللي هبعتهولك بس بدون ما فاطمة تحس بشيء، هتقدري؟
اعتدلت بفراشها وتساءلت بجدية:
_ليه هي زينب مالها؟
أسرع بالرد عليها:
_كويسة جدًا متقلقيش ولما تيجي هتعرفي كل حاجة.. المهم خليكي عاقلة ومتلفتيش نظر فاطمة ليكي.. ولما تطلعي من البيت كلميني علشان أقف استناكي..
_حاضر.
_خدي بالك من نفسك وسوقي على مهلك.
_تمام يا حبيبي اطمن.
_قلب حبيبك ونور عيونه إنتِ يا مايا!
وبمجرد أن أغلق هاتفه تلاشت عنه ابتسامته وفترته المؤقتة بالحديث مع من أراحت قلبه.
عاد عُمران ينضم لمجلس آدهم وعلي، فاستمع آدهم يردد:
_اول ما نطمن على سيف لازم نوحد أقوالنا كلنا إن اللي عمل كده هو يمان... حظه الاسود وقعه إن عمل عملته في المستشفى والكاميرات مالية المقر، أكيد لما يعرف إنه اتهم باللي حصل لسيف ومهاجمته زينب هيهرب من انجلترا فترى مؤقتة نقدر فيها نرتبله على مزاج..
ووزع نظراته بينهما مستطردًا:
_عيبنا الوحيد إننا مش في دولتنا وحرفيًا هنا بيتلككوا على الوحدة لينا، فمحتاجين نتخلص منه بتخطيط تقيل أوي ميوقعش حد فينا في مشاكل!
هز علي رأسه بتفهمٍ فصاح عُمران ساخرًا:
_اطمن بعد العلقة المحترمة اللي أكلها هينام شهرين في السرير!
ابتسم آدهم بخبثٍ، وفور أن خرج يوسف اليهم التفوا من حوله، فسأله علي باهتمام:
_طمنا يا يوسف سيف بقى كويس؟
جلس على المقعد بعدما فقد القدرة على الوقوف وأجابهم بصوتٍ متحشرج:
_الحمد لله الدكاترة بيفوقه جوه وهينقلوه على أوضة عادية.
ورفع رأسه لعمران يسأله بحدة:
_أيه اللي حصل يا عُمران؟ ومين اللي عمل في أخويا كده؟
أجابه علي نيابة عنه:
_يمان ظهر هنا لزينب وكان هيتعدي عليها لولا إننا اتبعنا اشارة تليفونه ووصلناله هنا.
ضيق حاجبيه بصدمة:
_يعني هو اللي عمل فيه كده؟
نفى آدهم ذلك هاتفًا:
_صدقوني مستحيل يكون هو.. والا مكنش ساب زينب تيجي معاه هنا الموضوع غامض واجابة سؤالنا عند زينب.
والتفت لعلي يخبره:
_دكتور علي زينب لازم تفوق وحالًا.
*****
تحررت يدها أخيرًا وانصاع لها باقي أجزاء جسدها، ربما تغيب جسدها بالكامل عن الوعي الا عقلها وعينيها، تمنت لو تمكن منها المخدر وتسلل لرأسها فأفتك به هو الاخر.
ضرب جسدها برودة وبالرغم من احتفاظها بجاكيت علي الثقيل الا أنها كانت ترتجف بقوة جعلت أسنانها تصطك ببعضها البعض دون توقف، وبكائها لم يتوقف بعد.
استندت بجذعها على الفراش واعتدلت تضم الجاكيت من حولها بخوفٍ، أنكست رأسها باستسلامٍ لانهيار جسدها الهزيل.
تسلل لها صوت صرير الباب ومن ثم ولج علي وعمران الداخل ومن خلفهما يوسف وآدهم، رفعت كفها تزيح دموعها سريعًا وبداخلها تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها حرجًا لما تعرضت له بوجودهم.
جذب علي المقعد المعدني وقربه من فراشها قائلًا بابتسامة عذباء:
_حمدلله على سلامتك يا زينب..
أجابته بصوتها المتقطع من فرط البكاء:
_الله يسلمك يا علي.
مال عليها يسألها بهمسٍ منخفض:
_الكلب ده أذاكي؟
علمت مقصده الصريح فهزت رأسها نافية ذلك مما جعله يستقر بمقعده براحةٍ، فأشار له آدهم بحدة أن يتابع بسؤاله الهام، فتنحنح مردفًا:
_زينب أنا مقدر حالتك وعارف إنك مش قادرة تتكلمي ولا تشوفي حد بس سيف حياته كده في خطر لازم نعرف منك اللي حصل بالظبط عشان نعرف مين اللي ورا الموضوع.
رد عليه يوسف بانفعال:
_مش محتاجة تفكير يا دكتور علي أكيد يمان الكلب ده اللي عمل فيه كده.
اعترضت حديثه قائلة بصوتٍ مجهد:
_لأ... الناس اللي هجمت سيف مكنوش تبع يمان.
دنى إليها آدهم يسألها بتركيزٍ واهتمام:
_وأيه خلاكي متأكدة كده يا دكتورة زينب؟
قالت وهي تعدل حجابها وتحكم الجاكيت حول كنزتها الممزقة:
_لإني كنت موجودة معاه ومحاولوش يأذوني أو يقربولي كانوا مستهدفينه هو.
تابع آدهم بسؤاله القادم وقد بدأ حلقه يجف كالصحراء لمجرد توارد إليه مقصد ما حدث:
_دكتورة زينب أرجوكي حاولي تساعديني بأي شيء يدلنا على طرف الخيط... ملحظتيش شيء غريب مثلًا فيهم أو حصل حاجة لفتت نظرك.
صمتت قليلًا تفكر بالأمر وحينما وصل إليها لقطات تُعاد إليها قالت:
_آآه...لما ضربوه على رأسه ووقع على الأرض قرب واحد منهم وفتش جيوبه،افتكرت انهم حرامية وعايزين اللي معاه بس الغريب انهم مخدوش غير موبيله بس ومحفظته زي ما هي!
صدمة وقعت على عاتقهم، فوزعوا النظرات بينهم بفزعٍ، وخاصة حينما ردد آدهم بوجعٍ مقبض احتل صدره:
_مش سيف المقصود.
انتصب عمران بوقفته وصاح بهلعٍ:
_آيــــــــــــــــوب!!!!!!
*****
تنعم بحمامٍ دافئ بعد يومًا مهلكًا بالعمل، خاصة مع غياب عُمران الملحوظ، فوجد حسام سكرتيره الخاص يطالبه بالهاتف الخاص بمكتب الاستاذ ممدوح يطالبه بالصعود ليكون محله اليوم.
ارتدى "آيوب" بنطاله الجينس وخرج من حمامه يتجه للغرفة الخاصة به، وما أن ولج حتى تفاجئ بها تجلس أمام خزانته وتحمل بيدها الكتاب الذي يحمل الدفتر السري، وبيدها صورة فوتوغرافية كان يخفيها بمنتصف الدفتر.
ترك المنشفة من يده وهرع إليها يجذب الدفتر والصورة هاتفًا بعصبية لم تشاهدها منه قط:
_من سمح لكِ بالعبث بين أغراضي؟
منحته نظرة حادة، وبعدها ألقت إليه ثورتها المقتادة:
_من تلك المرآة؟ ولماذا قد تجمع الصورة أخي معها؟
وتابعت قبل أن يتحدث:
_الصورة تخص أخي وهو بالحادية عشر عامًا من عمره... أخبرني الآن من تلك المرآة؟
وضع آيوب الدفتر بالحقيبة وأجابها بضيقٍ:
_لا تحاولي العبث معي يا فتاة! ثم أنني ألم أخبرك ألا تقتحمين غرفتي هكذا؟!
تغاضت عن حديثه وصاحت باندفاع:
_لم تجيبني على سؤالي آيوب.. من تلك المرآة؟ وماذا يوجد بالدفتر؟
واستطردت بجنون يعتليها:
_ما الذي تحاول فعله أيها الإرهابي!!
تجاهل حديثها وأغلق خزانته جيدًا ثم استقام بوقفته قبالتها، فرمشت بارتباكٍ ملحوظ، أشار لها أيوب بغلظة:
_أنا متعب وأريد أن أحصل على بعض الهدوء هنا.. فلتخرجي الآن.
وجدها تتطلع به كالبلهاء، نظراتها جريئة مجردة من الحياء المعهود من الفتيات، فانتبه بأنه يقف دون ملابسه العلوية، لذا انحنى يجذب قميصه الأسود يرتديه وهو يصيح بعصبيةٍ:
_أغيثني يا الله!!
وتابع بنفورٍ ينتابه:
_ألا يمكنني البقاء بمفردي ؟!
انتبهت إليه فأماءت برأسها بخفةٍ واستدارت لتغادر غرفته فأوقفه قوله الصارم:
_سيأتي صديقي بعد قليل لا تغادري غرفتك في وجوده.
هزت رأسها بخفة واتجهت للمغادرة بينما جذب آيوب هاتفه يرسل برسالة لسيف:
_«انت فين يا ابني كل ده في الطريق؟! فين من ساعة ما طلبت مني اللوكيشن انت توهت ولا أيه يا دكتور سيفو!»
زوى حاجبيه دهشة حينما وجده يقرأ رسائله دون ردًا، وأكثر ما يثير دهشته طلبه المفاجئ لموقع المنزل ورغبته المقلقة بالقدوم إليه، حتى طريقة كتابته للرسالة كانت بايجاز لا ينطبق على شخصية سيف ومع ذلك جلس ينتظره ليعلم ما به.
اتجهت آديرا لغرفتها ولكنها توقفت فجأة حينما انطلق صوت همسات خافتة من أمام شقتها، ووجدت فتحة الباب تستجيب لمفتاح غريبًا من الخارج.
كبتت صرخاتها بصعوبة وتراجعت لغرفة آيوب بحذرٍ، فما أن ولجت للداخل حتى همست له برعب:
_هناك من يحاول فتح باب المنزل!
وما كادت باستكمال حديثها حتى تسللت إليهم أصوات أقدام تتقدم منهما وصوت سحب زناد الاسلحة يوضح لهم كناية الحاضرين، ارتعبت آديرا وتراجعت للخلف، فأعادها آيوب خلف ظهره وخرج يراقب ما يحدث بالخارج، فما أن رأي رجال ملثمين يقتحمون الشقة حتى أسرع إليها يحمل السرير الحديدي ليظهر تجوفه الداخلي مشيرًا لها بلهفة:
_اختبيء واحرصي الا تصدرين صوتًا.
تمددت آديرا بباطن الفراش المجوف وهي تهز رأسها إليه بينما كف يدها تكبت به شهقاتها المنفلتة عن فمها.
اعاد أيوب الفراش سريعًا ورتبه بشكلٍ منظم حتى لا يثير الشكوك إليه، متخذًا قراره المسبق بأنه سيحميها لأخر قطرة من دمائه.
أغلق الضوء بحذر واختبئ خلف باب الغرفة، فما أن انفتح بابها حتى هوى على رأس من ولج بالمشجب الخشبي الخاص بتعليق الملابس، تليه ذاك الذي أسرع من خلفه.
تأوه الرجلين حينما تغلب عليهما آيوب، فسحب أصواتهما انتباه باقي الرجال المنفردين بالشقة بأكملها يحاول العثور عليهم.
امتلأت الغرفة بأربعة منهم يحاولون السيطرة عليه وتقيده بالأساور الحديدية فرئيسهم يريده حيًا.
كان التغلب عليه مرهقًا للغاية، لتمرينه الدائم بدورات الملاكمة التي تلاقها برفقة سيف بالفترة الأخيرة، فسحب احدهم سلاحه ومال بطرفه على جبين أيوب فاختل توازنه جراء ذاك الدوار الذي هاجمه فجأة، ومع ذلك بقى صامدًا قبالتهم فاجتمعوا اللعناء الأخِسَّةٌ من حوله ينهشونه حتى يضمنون تبلد قوته الظاهرة على جسده الرياضي الممشق.
يلتفون ببذلتهم السوداء وتسريحة رأسهم المجتمعة بجديلة تشبه النساء، كان بمفرده يقاوم ضرباتهم، عاجزًا عن صد ضرباتهم الدنيئة التي لا تستهدف الا ظهره، ترى إن كان أصدقائه العرب لجواره هل كان سيتلقى كل تلك الضربات؟
إن اجتمع الشباب لجواره لكانت نهاية هؤلاء الخَنَازِيرُ الموت لا محالة، يحتمون بأسلحتهم وبوجودهم ببلاد متحررة تنصفهم ويقومون من قوتهم المصطنعة، إنما هم الا جُرْذَان حقيرة تدعس أسفل الأقدام، وما يثير السخرية إنهم يدركون قوة ذلك الشاب الذي إن اجتمع بصديقه الأخر لذا أول ما فعلوه هجموا عليهما منفردين ليضمنوا أنهم سيعيقوا دفاعهما.
مال آيوب أرضًا مستسلمًا لتلك الضربة القوية، فحملوه للسيارة بالأسفل ومشطوا الشقة بأكملها ليتمكنوا من ايجاد آديرا، وبالنهاية اختبئ أحدهم بحمام الغرفة وتصنعوا مغادرتهم، فرفعت حافة الفراش وصعدت لتلتقط أنفاسها ففوجئت بهم يحيطونها بكلبشٍ حديدي ودفعوها للسيارة جوار آيوب الفاقد للوعي وتحركوا بهما للقاء عمها الآرعن ليواجه ذاك المسلم الذي استكمل مسيرة أبادها منذ ثلاثة وعشرون عامًا فأتى ليوقظ الماضي الذي يذكره بنكسة انهزامه التي تشبه انتكاسة دولته العاهرة عام 1973، ولكن ترى هل سينتصر على ذاك الشاب التقي أم أن هناك انتكاسة أخرى ستنال من ذاك اللعين؟!.
...... يتبع......
#حبيبتي_العبرية.... #الاقوى_قـــــــــادم..
#آية_محمد_رفعت... #ترقبوا..
*******_______**********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الخامس وأربعون 45 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثاني_والأربعون!.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"جنه سلامة"،Bolla Anwer"، "تقى أحمد"،" سلمى عاطف، "وإلىAsma Sma" والى الكاتبة الجميلة "نجاة محمود"، وأخيرًا إلى أختي "دينا محمد رفعت"، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
صفت سيارتها بچراج المشفى وصعدت للطابق المنشود، فتفاجئت بوجود "علي" و"يوسف"و"آدهم"، بدى لها بأن الأمر ليس هينًا، أسرعت من خطواتها إليهم وبقلبٍ يصرخ نبضاته فور أن لمحت كدمة زرقاء تحيط بأسفل عين زوجها، فنادته بهلعٍ:
_عُمــران!!
التفت إليها فوجدها تندفع داخل صدره وهي تحيط بوجهه تتفحص اصابته برعبٍ ودون مبالاة بمن حوله، انهارت دموعها واحتقن صوتها:
_من أيه دي؟
ضم كفيها الرقيق يطبع قبلة على باطنه هاتفًا بحنان:
_حبيب قلبي أنا كويس.. صدقيني مفيش حاجة.
ابتعدت عنه بنظرة حملت الشك بين طياتها، واتجهت بعينيها لعلي تسأله بقلقٍ لظنها بأنه يخفي الأمر عنها:
_علي احكيلي في أيه؟
تنحنح آدهم ليخبرها هو:
_اهدي يا بشمهندسة الموضوع بسيط يمان هاجم زينب من شوية وأنا وعمران ودكتور علي اتدخلنا واتقذناها.
ارتعبت فور سماعها لما حدث، وبخوفٍ تساءلت:
_طيب وزينب كويسة؟
أشار لها علي بهدوء:
_في الأوضة جوه... ادخلي ساعديها تغير هدومها وخديها وارجعي القصر وأوعي يا مايا فاطمة تعرف أو تشك في حاجة، إنتِ عارفة حالتها.
هزت رأسها بتفهمٍ، وبنظرة شك احتلت مُقلتيها رددت:
_وانتوا مش جايين معايا؟
كاد زوجها أن يجيبها فقاطعه يوسف الذي كان يقف على بعدٍ منهم يضع هاتفه على أذنيه بترقب، فدنى يردد بضيقٍ نزع ملامحه الوسيمة:
_أيوب موبيله بيرن بس مفيش أي رد.. أنا قلقت.
صاح آدهم بقلقٍ:
_لازم نتحرك حالًا.
وتابع مشددًا بتعليماته:
_دكتور يوسف خليك هنا جنب أخوك وأنا وعُمران ودكتور علي هنتحرك على شقة آيوب.
يستقصيه عن صديق رفيقه الذي يعد بمثابة شقيقه الأصغر، أبدى اعتراضه هادرًا بانفعالٍ:
_رجلي على رجلك يا سيادة الرائد.. آيوب غالي عندي ويهمني زي سيف تمامًا.
تطلع آدهم لعلي بنظرةٍ تفهمها جيدًا، فرفع يده على كتف يوسف وهدر:
_اسمع الكلام يا يوسف... سيف حياته لسه في خطر ولازم لما يفوق يلاقيك جنبه.. متنساش إن الحيوان اللي اسمه يمان حطه في دماغه هو كمان، خليك جنبه ومتفرقهوش ولما يصحى بلغه باللي قولنهولك عشان يقوله في التحقيقات ونضمن إن الكلب ده يبعد عن لندن بالوقت الحالي لحد على الأقل لما نطمن على آيوب.
سكن الحزن معالمه، لن يمتلك القوة لمواجهة أخيه آن أصاب السوء رفيقه، هو الوحيد الذي يعلم إلى أي مدى تصل درجة صداقتهما، فاضطر أسفًا أن يرضخ لهم.
شدد عُمران عليه وهو يخبره بثقةٍ:
_متقلقش مش هنتخلى عن أيوب... إن شاء الله ميكنش الكلب ده وصله ولو عملها فآدهم معانا هيساعدنا نوصله.
منحه ابتسامة صغيرة وإيماءة صغيرة:
_خلي بالكم من نفسكم.
هزوا رؤؤسهم وإتجه آدهم وعلي للأسفل بينما بقى عُمران قبالة زوجته يحيطها بين ذراعيه:
_مايا خدي زينب وارجعي البيت وأنا شوية وهحصلك.
تعلقت بقميصه الأبيض وهو تهز رأسها ببكاء:
_لا مش هسيبك بعد اللي سمعته ده يا عمران، أنا عارفة إنت رايح فين وأبقى مجنونة لو سبتك تروح!
مرر يده بحنان على طول خصرها، كأنه يحاول أن يسحب عنها رعشة جسدها الباكي، احتواها بين أضلعه وهو يعلم بأنها لن تتخلى عنه بسهولةٍ، ولكن وقته ينفذ الآن.
سحبها عُمران حاملًا منها حقيبة الملابس، وجعلها تسترخي بجلوسها لجواره على الأريكة المعدنية المقابلة لغرفة زينب، فقدم لها يده وهي تراقب ما يفعل باهتمامٍ، وضعت مايا كفها بين كف يده الخشن، فمرر ابهامه على جلدها الناعم برقة جعلتها تود سحب كفها من فرط مشاعرها.
منحها ابتسامة ملأها الأمان والاطمئنان الذي انعكس لها، وقال:
_حبيبتي أنا متعودتش أتخلى عن حد محتاج مساعدتي.. أيوب صاحبي وبيشتغل معايا مقدرش أتخلى عنه... ثم إنك مكبرة الموضوع أوي أنا وعلي وآدهم هنروح شقته بس نطمن عليه ونشوفه مش بيرد على موبيله ليه!
رفعت عينيها إليه برجاء وتوسل ملأت مُقلتيها، فضم خدها بحنان ومزح:
_حبيب قلب جوزه اتمرد ومبقاش بيثق فيه يا ناااس!
رغمًا عنها ابتسمت، وكأنه يدلل ابنة أخيه أو ابنته، ذاك الرجل يكاد يقودها للجنون، أحيانًا يجعلها تشعر بأنها طفلة صغيرة يحيطها بدلال، وأحيانًا يجعلها أنثى تتراقص على أوتار العشق والغرام بين ذراعيه الخبيرة، وأحيانًا تكون عالقة بين وقاحته ومزحه الذي ينجح دائمًا برسم ابتسامتها على شفتيها، وبين ذاك وهذا هي عاشقة له حد الجنون.
تمكن من السيطرة عليها وعلى مخاوفها، فضم وجهها لعنقه وهو يعيد كلماته:
_يلا يا حبيبي ادخلي وساعدي زينب واعملي اللي قولتلك عليه... لازم أتحرك علي وآدهم مستنين تحت.
أمسكت ذراعه قبل أن يستقيم بوقفته وقالت بخوفٍ:
_خلي بالك من نفسك يا عُمران.
منحها ابتسامة جذابة وانحنى يتعمق من قبلة أعلى حجابها الطويل قائلًا بصوته الرخيم:
_حاضر يا حبيب قلبه وروحه!
*******
فور صعوده بالمقعد الخلفي انطلقت "علي" بالسيارة على الفور ليتوجه لشقة أيوب، بينما يتابع آدهم جهازه باهتمامٍ، ففور أن اهتدى لاشارته حتى أشار لعلي:
_أيوب مش في الشقة.
وأضاف ويده تشير لمقود السيارة:
_أقف على جنب أنا هسوق.
انصاع له علي وهبط ليبدل كلاهما مقاعدهما، جلس آدهم بمقعد السائق يده تشدد على المقود بشرودٍ لفت انتباههما، فقال عمران بضيق:
_ده وقت سرحان يا آدهم...اطلع بسرعة قبل ما الكلب ده ما يأذيه!
مال بجسده للخلف ليتمكن من التطلع إليه،وردد بتوترٍ:
_الموضوع ده مش سهل يا عُمران، احنا كده بنخبط على باب من أبواب الجحيم اللي لو اتفتحت مش هتبلعنا لوحدنا.
لكم عمران المقعد الأمامي بغضب:
_تبلع اللي تبلعه المهم نلحقه..أنا مش هتخلى عن أيوب حتى لو التمن كان روحي سامع!
نهره علي بحزمٍ:
_اتحكم في أعصابك يا عُمران وسيب آدهم يتكلم عشان نفهم هو عايز يقول أيه؟
وأشار باحترام عساه يلملم وقاحة أخيه الصغير:
_اتكلم يا آدهم.
تنهد بحزنٍ وصوتًا احتقن بألمٍ عظيم:
_الشخص ده مش يهودي بس ده من الجيش الاسرائيـ**ـلي، بعيدًا عن إنه هيكون واخد احتياطاته أوي فبمجرد أننا نشتبك معاه فده هيعمل توتر في العلاقات الدبلوماسية وهنضطر نعمل اعتذار وتوضيح إنه قتل خطأ وهيدخلنا في دوامة ملهاش أول من أخر.
وضعهما في مأزق يصعب على كلاهما فهم ما يود قوله، فردد عمران بعد تفكير:
_مش لازم تكون موجود معانا يا آدهم لإنك كده هتتعرض لمحاكمة عسكرية، دلنا على المكان وأنا هروح بنفسي حتى لو كان التمن حياتي.
زصل الغضب لذورته، فصاح بعصبية تتمكن منه للمرة الأولى:
_عمران أنا مش هتخلى عن أيوب حتى لو هخسر شغلي وحياتي كلها، أنا بعرفك بخطورة الوضع اللي احنا داخلينا عليه، لكن أنا جاهز من زمان لليوم ده بدليل جهاز التعقب اللي حطيته لأيوب واللي هيوصلنا لمكانه دلوقتي.
سحب علي أنفاسه بتثاقلٍ، فوزن أموره فيما يدفعه زوج شقيقته إليه، يخبرهما بطريقة غير مباشرة إن ما يقدمون على فعله قد يخسرهم مستقبلهم وعائلتهم، يعلم بأنه لشيءٍ مؤلم خسارته ولكنه على يقين بأنه لن يتخلى عن شاب مغترب، مسلم، يملك قلبًا ذهبيًا كآيوب، لذا كسر الصمت العالق بينهم وقال:
_اطلع يا آدهم احنا معاك!
فور أن نطق بتلك الكلمات حرك مفتاح السيارة وقاد بسرعةٍ خطيرةٍ جعلت اطارات السيارة تحتك بالرصيف مصدرة صوتًا مخيفًا كبداية حربًا تستلهم قلوبهم، حربًا ليست بهدف العيش والنجاة إنما هي حربًا للشرف والمروءة، حربًا لطالما كانت وستظل بيننا وبين هؤلاء الخنازير.
********
عاونتها مايا على ارتداء فسانها وعقد حجابها، وبالرغم من انشغال عقلها بالتفكير بزوجها الا أنها كانت حزينه حينما أخبرتها زينب عما حدث، فربتت بحنان على ظهرها وقالت:
_متخافيش يا زينب الكلب ده مستحيل يتعرضلك تاني بعد ما الشرطة أخدت أقوالك وأقوال سيف والكاميرا اللي بره كان فيها كل اللي حصل، أكيد هيجبوه.
لفت انتباهها تلفظها لاسمه، فسألتها بلهفةٍ واضحة:
_هو سيف فاق؟
ابتسمت بخفة وأجابتها:
_كنت لسه واقفة مع ليلى من شوية وقالت انه فاق وقال للشرطة زي ما آدهم فهمه.
أمسكت بحقيبتها ومتعلقاتها تشير لها:
_يلا يا حبيبتي نرجع البيت قبل ما الوقت يتأخر عن كده.
اتبعتها زينب للخارج، فمرت من أمام غرفته وعينيها تراقب الباب بلهفة وارتباك، تباطئت خطواتها حتى توقفت عن الخطى وعينيها تتطلع للباب بنظرةٍ مهتمة، فأفاقت على صوت مايا:
_زينب يلا!!
تحرر صوتها الدفين على استحياءٍ:
_هو أنا ممكن ادخل أطمن على دكتور سيف؟
كبتت مايسان ابتسامتها حتى لا تخجلها، ورددت بحنقٍ:
_أووف أنا إزاي نسيت، كويس إنك فكرتيني ميصحش نمشي من غير ما نطمن عليه ونتأكد إن ليلى ودكتور يوسف مش محتاجين حاجة.
واتجهت لباب الغرفة تطرق بخفة وفور استماع صوتًا يأمر الطارق بالولوج، ولجت كلتهما للداخل.
تحرك رأس سيف جانبًا ليتمكن من رؤية الطارق، فتهللت أساريره حينما وجدها برفقة مايا، تابع يوسف تغير ملامحها بنظرة غامضة، نهضت ليلى تستقبلهما لأقرب أريكة، فكانت مايا أول من تكلمت:
_عامل أيه يا دكتور سيف؟
أجلى صوته المبحوح ليجيبها وعينيه لا تترك زينب التي تضع عينيها أرضًا تهربًا من نظراته، وأكثر ما يخجلها صراخها متلهفة بأسمه فور أن تلقى الضربات التي أسقطته أرضًا:
_الحمد لله بخير..
انتظر أن تتحدث، يشتاق لسماع صوتها أو حتى نظرتها الدافئة إليه، حرمته بقسوةٍ من لمح مُقلتيها حتى صوتها، شعر سيف بأنها ليست على ما يرام، وقد أجاد ظنونه حينما جلست زوجة أخيه ليلى جوارها، تضع يدها على كتفها بشفقةٍ انتقلت بحديثها:
_انتِ كويسة يا زينب؟
رفعت رأسها إليها وهزتها بإيماءةٍ صغيرة فاهتزت دموعها وانهمرت، فضمتها بقوةٍ إليها قائلة:
_متزعليش يا حبيبتي إن شاء الله هيأخد جزاته، الشرطة أكيد مش هتسيبه بعد اللي عمله ده.
هاجمته ظنونًا فتكت به دون رأفة، فلعق شفتيه الجافة وبصعوبةٍ تساءل:
_هو أيه اللي حصل؟
فك يوسف عقدة ساعديه ونهض عن مقعده متخليًا عن صمته الغامض وانحنى تجاه أخيه يربت على يده المصابة بحنانٍ:
_محصلش حاجة يا حبيبي ارتاح انت.
ومنح نظرة تحذيرية لزوجته الا تتحدث بالأمر، فالتقطها سيف وحاول النهوض هاتفًا:
_في أيه يا يوسف؟ وزينب مالها؟ ....... آآآآآه!!!!
تأوه بألمٍ حينما رفع رأسه المصاب في محاولاته للنهوض، فسقط على الوسادة يتألم بصوتٍ اتتزع قلب أخيه من موضعه، فصاح به:
_اهدى يا سيف.. إنت لسه خارج من العمليات!!
مال برأسه تجاهها فوجدها تركت مقعدها ووقفت تراقبه بفزعٍ ولهفة جعلته يمنحها ابتسامة ضمتها بعاطفة تبدد عنها كل ما تعرضت له، هبط بنظراته لشفتيها المتورمة وبقعة الدماء المتجلطة جوارها، فأسبل بجفونه للحظة وصاح بعنفوان:
_أيه اللي في وشها ده؟
وشملهم بنظرة متعصبة:
_ما تقولولي في أيه بالظبط؟!
ندمت ليلى لتسرعها بالحديث أمام شقيق زوجها فمنحت يوسف نظرة نادمة، بينما ارتبكت زينب لرؤيته غاضبًا لتلك الدرجة فوجدت قرار رؤياه بتلك اللحظة لم يكن الصائب.
تدخلت مايا بالحديث حينما تصاعدت الامور، فقالت:
_مفيش حاجه يا دكتور اهدى من فضلك علشان العصبية غلط عليك.. زينب كويسة الحمد لله مفهاش حاجة.
راقب يوسف ملامح وجه أخيه فعلم أن لا مجال سوى الحقيقة، فقال بوضوحٍ:
_يمان هاجم زينب وانت بالعمليات، ودكتور علي وعمران وسيادة الرائد أنقذوها منه.
احتدت نظرات عينيه بثورةٍ عاصفة، وردد بوجومٍ:
_عشان كده طلبت مني اتهمه بشكل مباشر للي حصلي!
هز رأسه يؤكد له:
_آدهم اللي طلب مننا كده لان الكلب ده هاجم زينب في مكان عام ومش بعيد يكررها تاني وآ..
قاطعه بصراخ جهوري حاد:
_على جثتي لو طال منها شعرة واحدة... زينب خلاص هتبقى مراتي سواء رفضت أو قبلت.
جحظت أعينهم جميعًا وبالأخص زينب التي تخلى عنها الحديث وبدت بلهاء تتطلع له بفمٍ يكاد يصل للأرض، ويوسف الذي يرى جانب مغاير لشخص أخيه الهادئ، ربما كان سيطير فرحًا إن حدث ذلك من قبل ولكن الآن الآذى الذي طاله وتهديدات ذاك الآرعن جعلته مترددًا بالأمر، هو ليس على استعداد لخسارة أخيه الوحيد، الساعات التي قضاها داخل غرفة الجراحة لجواره كفيلة بأن تجعله لا يود أبدًا أن يخوض نفس تلك التجربة القاسية، وفي ذات الوقت لم يعتاد أن يقسو عليه أو يعارضه بأي قرار يتخذه، خاصة وإن كان هذا القرار متعلق بقلب أخيه، أخيه الذي يُعد قلبه هو!
تنحنحت مايا بارتباكٍ في محاولة لرفع الحرج عنهم جميعًا:
_كويس إننا اتطمنا عليك يا دكتور سيف، عن اذنكم هنمشي قبل ما الوقت يتأخر أكتر من كده.
وهزت تلك الساهمة التي تندث بأحضان مُقلتيه الجذابة:
_يلا يا زينب.
أفاقت على هزتها واستدارت سريعًا لتفر من أمامه، فاوقفهما يوسف قائلًا:
_ثواني يا بشمهندسة، جمال طالع على السلم يوصل بس وهنزل أوصلكم.
رفضت اقتراحه المسبق بلباقةٍ:
_مفيش داعي يا دكتور يوسف أنا معايا عربيتي.
رفع سيف رأسه بتعبٍ شديد وهتف بوهنٍ:
_روح معاهم يا يوسف، لو مشوا لوحدهم هكون قلقان الكلب ده يهاجمها تاني.
تعلقت البسمات على الوجوه، وزينب تكاد تنصهر من فرط الخجل، استدار إليه يوسف يغمز له بمشاكسة مرحة:
_استريح انت يا عم روميو.. أنا هوصلهم وراجع متقلقش.
ضحكت ليلى وقالت وهي تتابع المحلول الذي أوشك على الانتهاء:
_متحرجش دكتور سيڤو يا يوسف سيبه في اللي هو فيه.. مش كفايا قاعد عاقل ومتحمل المحلول والخمستاشر حقنه اللي أخدهم لحد دلوقتي.
جحظت عين سيف صدمة لما استمع إليه، وكأنه كان لا يعي بما يندث بأوردته وبما يحدث من حوله من أثر المخدر، فردد بتلعثم وتيهة:
_حقن!! محلول!!
قال كلمته الأخيرة وهو يراقب ما تفعله بذراعه ومن ثم انفجر صارخًا:
_لأ يا ليلى محلول لأاااا... شيليــــــــه بسرعة لأ!!
ساد الجمع صوت ضحكات زينب المترددة بعدم تصديق لما يحدث، توالت دون توقف حتى أدمعت عينيها من فرط الضحك، ارتخى ذراع سيف عن نزع المحلول من يده ومال على وسادته بجسده المسترخي وعينيه التي تتابع ضحكاتها بهيامٍ وحبًا يزاحم قلبه في عُقر داره.
كبتت مايا ضحكاتها بتمكنٍ، وخاصة حينما ردد يوسف بسخرية:
_عرتنا الله يكسفك!
وأشار لهما قائلًا:
_اتفضلوا.
اتبعوه للمصعد الذي اندفع منه جمال يلتقط أنفاسه بصعوبة من فرط الصدمة التي تلاقاها، فصاح ليوسف بلهفة:
_في أيه يا يوسف؟ وسيف ماله؟!!!
ربت على كتفه بابتسامة ممتنة لحضوره إليه في أقل من خمسة عشر دقيقة:
_اهدى وخذ نفسك يا جمال، سيف كويس أنا كلمتك عشان تقعد معاه عندي مشوار مهم لازم أعمله..
وتابع وهو يشدد على كلماته:
_خد بالك منه وأوعى تسيبه يا جمال.
هز رأسه بتفهمٍ وبشكٍ سأله:
_مين اللي عمل فيه كده؟
مال عليه يوسف يخبره:
_عم آديرا.. خليك جنبه لما نشوف الحكاية هترسى على أيه.. وأوعى تقوله اللي حصل مع أيوب أوعى يا جمال..
أكد له بتفهم:
_متقلقش روح مشوارك وأنا هستناك هنا.
منحه ابتسامة ممتنة ولحق بهما للأسفل، واتجه جمال لغرفة سيف ليكون جواره لحين عودة يوسف ليعلم منه التفاصيل بما حدث.
********
بمكانٍ مجوف كالصفيح، يحيطه الطلاء الأسود من الداخل والخارج كمحاولة تغطية عن كنايته، تغوص أعمدته بأعماق الأرض ومن فوقه الرصيف الاسمنتي المجوف، رائحة النفط تحيط بجوانب المكان من جميع الاتجاهات، والزجاج متناثر بكل زواية.
وعلى ذاك العمود كانت تستند بظهرها، ساقيها مضمومة ليدها برباطٍ قاسٍ، يجبرها على الجلوس بشكلٍ غير مريح، ومن أمامها ذاك الملقي أرضًا دون قيدًا حيث كان فاقدًا الوعي فلم يجدوا حاجة لتقيده، الدماء تنهر من جانب رأسه ووجهه تحيط به بعض الكدمات.
استرخاء جسده باستسلامٍ هكذا ذبحها دون رأفة، ومع كثرة رجائها وندائها المتكرر له مازالت لم تستسلم بعد، فعادت لتناديه مجددًا:
_أيها الإرهابي أجبني من فضلك!
تدفق الدمع على وجنتها فنادته بحسرةٍ لظنه فارق الحياة:
_آيوب... هيا انهض لا تتركني بمفردي!!
مجددًا تناديه ببكاءٍ:
_آيـــــــــــوب!
زحفت آديرا بصعوبةٍ حتى وصلت لجسده الملقي، فمالت برأسها على صدره تستمع لدقاته، فارتسمت ابتسامة سعيدة على وجهها حينما تأكدت بأنه مازال على قيد الحياة، فمالت برأسها تفرك على صدره وتناديه:
_آيــوب... انهض آيــــوب.
عادت تحركه مرات متتالية وهي تترجاه ببكاء:
_أيها الإرهابي انهض الآن.. أنا خائفة!
استجاب لتلك الدفعات المتتالية له من رأسها، فتأوه بخفوتٍ وهو يستعيد وعيه تدريجيًا، استند على ساعديه وجلس يراقب المكان ويراقبها بنظراتٍ مشوشة:
_أين نحن؟
سماعها صوته جعل الابتسامة تنبثق على شفتيها فرددت بعدم استيعاب:
_ايها الارهابي هل استعدت وعيك؟!
تطلع لها أيوب بصدمة، كانت الحبال تؤلم يدها وساقيها بشكلٍ مؤذي، جانب وجهها الأيسر متورم للغاية حتى عينيها وأطراف شفتيها، تحركت غريزة رجولته المنبثقة داخل أي رجلًا تجاه زوجته حتى وإن كان يبغضها حد الجحيم، فسألها بصوتٍ قاتمًا:
_هل لمسكِ أحدًا؟
هزت رأسه تنفي ذلك، وأضافت ببسمةٍ تهكم:
_صفعني أحدهم عدة مرات ولكنه لم يعتدي علي!
وأخفضت صوتها قليلًا تهتف بضجرٍ:
_ليته فعلها ولم يضربني بتلك القسوة، لقد شوه وجهي الجميل!!
اصطكت أسنانه غيظًا من تلك المرأة المعتوهة، فجذبها يحل عنها ذاك الرباط، فحزن حينما وجد حلقة من الدماء تحيط بكفيها التي احتضنته تفركه ببكاء من شدة الألم.
اجتاز قلبه خوفًا من القادم، يتعامل مع أناس قد جردت قلوبهم من الرحمة، فإن لم يشفق بابنة اخيه كيف سيكون بقلبه الرحمة!
رفعت آديرا رأسها إليه وسألته ببكاء:
_لا أريد الموت أيها الإرهابي!
مال للعمود القابع خلفه، استند عليه وأغلق عينيه مرددًا:
_كلنا سننالها يومًا، والآن إن قدر لي الله عز وجل لقائه فأنا مستعدًا لذلك.
زحفت إليه تخبره:
_ألا تخاف الموت أيها الإرهابي؟
ابتسم وهو يخبرها:
_من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، وأنا أرغب في لقائه ولم أقصر يومًا في طاعته حتى أخشى ذلك اليوم.
وتابع وعينيه تتوجس بالمكان المريب من حوله:
_كل ما أتمناه أن يكون عملي صالحًا، ويتقبلني الله من الشهداء حينها سبدخلني جناته دون حسابًا.
تعجبت مما تستمع إليه، استرخائه التام وترحيبه بالموت، لم يكن أيوب شخصًا عاديًا بالنسبة لها، كل ما فعله منذ أول لقاءًا جمعهما حتى اليوم وهو غامضًا بالنسبة لها، تكفله بطعامها ومسكنها، غض بصره المستمر عنها، مساعدته له حينما تلقت طعنة من عمها، حتى بعد زواجه منها يحافظ عليها، لم يطمع بجسدها يومًا مثل بقية الرجال حتى عمها القذر لطالما وجدته ينظر لها بطريقة مقززة، وإلى الآن مازال لجانبها يشاركها الموت بصدرٍ رحب، بل وكاد أن يضحى بذاته حينما خبئها أسفل فراشه وقرر هو مواجهة رجال عمها، والأكثر حيرة لها ثقة أخيها الكبيرة به لدرجة أن يضعها هي بامانته ويسلمه دفتره الخاص! أوليس بعد كل ذلك أهل للثقة؟
أغلق عينيه يجاهد ذلك الألم الذي يحتل جبينه فتفاجئ بها تمسك يديه وتناديه ببكاء:
_أيوب..
فتح فيروزته وتطلع لها باهتمامٍ، فقالت ببسمة صغيرة تعاكس كل ما تختبره بتلك اللحظة:
_إن خرجنا من هنا على قيد الحياة هل ستقص لي عن دينك مثلما فعلت مع آران أخي؟
وعدلت سريعًا من خطأها:
_أقصد أخي محمد!
أشرق وجهه الجذاب بسعادةٍ جعلته يشعر بارتعاش قلبه، ها هو على وشك أن ينجح بردعها عن ذاك الطريق وجعلها تختار اعتناق الدين الاسلامي دون ضغط منه، تركها ترى بعينيها الفرق، والآن تمد يدها له وتطالبه بأن يشدد عليها وهو على أتم الاستعداد بعدم تركها، كاد بأن يجيبها ولكنه ابتلع كلماته فور أن تحرر الباب الحديدي الغليظ وولج للداخل عمها البغيض ومن خلفه رجلين باجساد ضخمة للغاية.
ارتجفت آديرا فور أن رأته يقف قبالتها، فتسللت بخفة لتستقر مجلسها خلف ظهر أيوب، محتضنة ظهره من الخلف بأصابع مرتجفة وبكاء خافت يصل لمسمعه تليه همسها المنخفض:
_سيقتلني!
رفع يده يشد على يدها ومازالت عينيه تجابه ذلك الحقير بتحدٍ وقوة، فاقترب منه وهو يزيح نظارته السوداء ليرى نظارته المحتقرة، وردد بضحكة مخيفة:
_كنت أنتظر لقائك أيها السفيه! تحدتني بمرتك الأولى حينما سيطرت على آران اللعين والآن حان دور آديرا! أنت مختل مريضًا تظن أنك ستنجو بأفعالك!! والآن ستنال جزائك أيها ال******* اللعنة عليك وعلى دينـ**
بزغت عروقه غضبًا لم يزوره يومًا، يسب دينه بمنتهى الجراءة وما هو الا حشرة تحتمي خلف رجاله، استقام أيوب بوقفته يواجهه وجهًا لوجه، وصاح بعنفٍ:
_اللعنة على الحثالة مثلك أيها الخنزير... هل كنت تظن بأنه سيرضخ لك وهو بالأساس مسلمًا!!
وتابع بقوةٍ أزهلت الأخير الذي جحظت عينيه صدمة وخاصة حينما تابع باللغة العربية حتى لا تفهمه آديرا:
_كنت فاكر إنه مش هيعرف بحقيقتك القذرة! ولا افتكرت إن سرك اتدفن معاها!
ابتلع اليهودي ريقه الجاف بصعوبة بالغة وكأنه يبتلع النيران المشتعلة:
_إنت.. آآآنت... تقول أيه!
ضحك باستمتاعٍ لرؤية الخوف ينهش حدقتيه:
_الحقيقة اللي كنت فاكر إنها عمرها ما هتتكشف، حقيقة إنك خاين وحقير ومش مستبعد عنكم الغدر والخيانة علشان كده قتلت أخوك لإنه أسلم على إيد واحدة مسلمة حباها واتجوزها وهرب معاها منك ومن شرك، وبعد عشر سنين من جوازهم وصلتله وبعتله رسالة كلها خسة وندالة مثلت فيها دور الأخ الندمان واللي اشتاق لحضن أخوه، طلبت منه يقابلك وبرغم من إنه عارف شرك وخستك الا انه راح المكان اللي قولتله عليه وهناك قتله ودفنته بدم بارد!
وتابع وهو يدور من حوله ونظرات التقزز تشمله:
_الخيانة دي من صفاتكم انتوا مش احنا، تخيل الاخ بيقتل أخوه بمنتهى البرود لا ومستكفتش قتلت مراته واخدت أولاده حولت محمد لآران اليهودي وسدن لآديرا ولسه مستمر في كفرك ومتخيل إنك هتنتصر عليه حتى بعد موته لما تغير اسمائهم وديانتهم، بس اللي متعرفهوش إن ربنا إرادته فوق الكل، رجع الطفل اللي دنسته بوساختك لأصله والدور على آديرا وأنا سبب من الاسباب اللي هيرجعها لديانتها وأصلها غصب عنك وعين اللي يتشددلك يا كلب!
ارتبك الخنزير أمامه، وتراجع للخلف يصيح باستنكارٍ:
_كيف تعلم كل ذلك؟ من أنت بحق الجحيم؟
اتسعت ابتسامته وهو يجيبه:
_أنا الجحيم بعينه.. إن أردت اقترب وسألتهم بنيراني لحمك النجس!
تابعتهما آديرا بعدم فهم حتى ختم تهديده الصريح إليه، واستطرد ببسالةٍ وقوة:
_إن أردت قتلها فلتواجهني أولًا قبل أن تمسها!
استدار لرجاله يأمرهما بجنونٍ ورعب:
_ماذا تنتظران اقتلهما في الحال!
رفع احداهما السلاح تجاههما، فتراجع أيوب وأبعد آديرا خلف ظهره ليواجه فوه السلاح بنظرات أرعبتهم جميعًا، بينما مال الاخر تجاه أذنه وهمس له بشيءٍ جعل نظراته تنخفض للساعة التي يرتديها أيوب بفزعٍ!
********
قاد آدهم السيارة متبعًا اشارة الهاتف، فاندهش حينما وجد سيارة تسد الطريق عنه، فتحكم بالفرام وبصعوبة بالغة تفاداها، دقق النظر فيما أمامه ليجدها سيارة من نوع رولز رويس بوت تيل Rolls-Royce Boat Tail، تضاء مصابيحها ومن مقدمتها يجلس شخصًا ملامحه غير واضحة.
_في أيه يا آدهم؟
سؤال تمرد على لسان "عمران" الذي يتابع ما يحدث، نوعية السيارة واسترخاء صاحبها دفعت آدهم يخمن بكنايته، لذا قال بصرامة وهو يحرر حزام السيارة عنه:
_خليكم هنا.. ثواني وراجع.
هدوئه بالحديث وخروجه بتلك الطريقة، جعلتهما يظنوه صديقًا له أو زميل يخص عمله السري، لذا جلسا يراقبون ما يحدث بترقبٍ.
اقترب آدهم من السيارة، وكلما اقترب تزداد صدمته واندهاشه وهو يراقب صاحبها بعدم تصديق.
كان متمددًا باسترخاءٍ على سطح سيارته الفاخرة، يتناول كوب قهوته وجسده يميل على زجاجها الأمامي، فما أن اقترب آدهم إليه حتى ارتشف المتبقي من كوبه ومن ثم ألقاه أرضًا على الرصيف باهمالٍ، حرك رقبته يسارًا ويمينًا بضجرٍ من مدة انتظاره لمرور سيارة الاخير، وردد ومازال على نفس وضعية استرخائه:
_الرائد عمر مصطفى الرشيدي الكام مهمة اللي طلعتهم ادوك ثقة غبية في نفسك لدرجة إنك تقوم بمهمة أكبر منك وبره مستوى تدريباتك!
ورفع رأسه المسترخي للخلف ليحدجه بنظرة ساخرة من زيتونية عينيه الساحرة:
_لولا أنك اتدربت على إيد الجوكر كنت شكيت أنك دخلت وسطينا بالوسطة!
أخفض آدهم عينيه أرضًا وأجابه بوقارٍ:
_يا باشا أنا آ....
ألجم لسانه حينما نهض عن سيارته بطوله الفارع وجسده الضخم الذي تمتد العضلات لصدره وساعديه القوي بفعل تمارينه القاسية، يواجه الاخير بنظرة محتقنة وبالرغم من جموح عاصفته الا أن صوته هادئ، بارد:
_متقطعنيش وأنا بتكلم!
وتابع وهو يحوم من حوله كالوحش الواشك على التهام فريسته:
_حظك إن أنا اللي في انجلترا مش القائد بتاعك، وجودك هنا طول بالرغم من انتهاء مهمتك، اتحججت باصابتك رغم إنها متوجعش عيل صغير لسه داخل الجهاز جديد وقولنا ماشي نسيبه يتدلع المهمة اللي قام بيها تستحق إنه يرتاحله كام يوم، متفجئناش كتير بخبر جوازك رغم إنك المفروض تتجازى جاي دلوقتي وعايز تعرضنا لحرب إحنا مش جاهزين ليها!!
توترت ملامحه أمام ذاك الذي انتشر صيته بالمخابرات المصرية، ذاك الذي سحق غريمه بأي حربًا تشمله، لا ينكر أنه كان من ضمن هؤلاء الضباط الذين يتمنون يومًا العمل معه أو لقائه، فخدمه الحظ وأوقع به مع الجوكر عوضًا عنه، لم يستاء كثيرًا ولكنه كان يود لقائه، وها هو الآن يقف وجهًا لوجه قبالة «الاسطـورة رحيـم زيـدان»، من نجح بطمس صيته القوي على مدار تاريخه، لا يتهاون يومًا مع خصمه ولم يرأف بأحدٍ خارج عن القانون، فريقه يختاره بذاته رافضًا أي متدرب يحمل نقاط ضعف قد تخل بفريقه.
كسر قاعدة الصمت قائلًا باحترامٍ ودقة اختيار كلماته:
_يا فندم أنا عارف كويس أن اللي هعمله ده غلط بس أنا مش هقدر أقعد وأتفرج على الكلب ده وهو بيقتل واحد زي أيوب ده غير إنه آآ... إنه يكون صديق ليا.. فمن فضلك حاول تفهمني.
استند على طرف السيارة وربع ساعديه أمام صدره يرمقه بشراسةٍ وسخط:
_أمممم... شجاع إنت! بس للأسف غبي!
رفع عينيه إليه بعدم فهم لما يود قوله، فابتسم وردد:
_هو إنت فاكر إنك لما تقوم بمهمة زي دي بدون ما ترجع للقادة بتوعك ده هيعمل منك hero!! (بطل)
واستطرد ونظراته تشمله بقوة وغضب:
_بالعكس ده هيخليك صيدة سهلة لكلاب زي دول هتنجح تدينا قلم وتفتخر بيه وبسبب غباء ظابط زيك هيقلل من شأننا ومن اللي وصلناله!
واستطرد وهو يحدجه بجمودٍ واصبعه يشير للسيارة الخاصة بعلي:
_إنت باللي بتعمله دلوقتي بتعرض نفسك واللي معاك وصاحبك المخطوف للموت!
ازدحمت أسئلته المندفعه بمقلتيه ومازال رحيم يقف قبالته ثابتًا، إلى أن قال بوجوم:
_المكان اللي واخدهم عليه وفاكر إن صاحبك موجود فيه منصوبلكم فيه كمين يا سيادة الرائد، لإن ببساطة مستوى تدريبك موصلش لدرجة تأهلك تقوم بمهمة زي دي، فأول غلطة ارتكبته كانت زراعة جهاز يخصنا في ساعة صاحبك بطريقة بدائية خليتهم يكشفوه ويمكن ده السبب اللي خلاوه عايش لحد دلوقتي عشان يعرفوا جهاز يخص المخابرات المصرية بيعمل أيه معاه!!!!
رمش بعدم استيعاب حتى فقد القدرة على السيطرة على جسده فمال على سيارة رحيم يستند عليه، والاخر مازال يستقيم بوقفته، متابعًا:
_جهاز زي ده الأولى إنه يتزرع في أماكن معينة بالجسم ومش أي حد يقدر يعملها!
واستمر بالحديث المتعصب:
_تاني غلطة عملتها إنك رايح بنفسك تشتبك معاهم وإنت متعرفش احنا بنتعامل مع المواضيع الحساسة دي ازاي!
وبقوة وقسوة صاح:
_ودلوقتي أقدر أقولك ارجع باللي معاك وسيبنا احنا نتصرف وياريت ترجع مصر فورًا لانك متحول للمحاكمة يا سيادة الرائد!
اتجه رحيم لباب سيارته فلحق به آدهم يستجديه برجاء:
_هرجع وهعمل كل اللي حضرتك عايزه بس بالله عليك خليني أشارك معاكم.. حياته في خطر ولازم نتحرك.
ترك باب سيارته مفتوح واستدار إليه يضيق زيتونته بحدة:
_إنت سمعت الأوامر فأنصحك تنفذها تفاديًا للعقوبة الاضافية اللي هتطولك.
تعالى صوت آدهم دون ارادة منه:
_بس ده صاحبي وأنا مستحيل هنزل وأسيبه!!
استدار تجاهه بجسده وصاح بحزمٍ:
_ثابت يا سيادة الرائد!
قدم له التحية العسكرية بكل وقار:
_أفنـدم.
وتابع بغضب قاطع:
_شكلك نسيت نفسك ونسيت إنت واقف بتتكلم مع مين؟!! احمد ربنا إني قدرت أمنعك من الكارثة اللي كنت هتعملها وفوق كل ده لسه واقف بتضيع وقتي!
أخفض عينيه أرضًا وردد بأسف:
_بعتذر منك يا باشا.. أنا فعلًا معنديش خلفية عن التعامل مع النوعيات دي من المهمات.
_يبقى تبلغ القادة علشان تحمل الموضوع للي يستحقه!!
قالها بضجرٍ، وبعدها تنهد وهو يتفرس ملامحه بهدوءٍ، فأشار له:
_مشي اللي معاك واركب.
تهللت أسارير آدهم فرحًا، فتساءل بسعادة:
_بجد يا باشا!
ابتسامة صغيرة زينت طرف شفتيه وهو يجيبه:
_الجوكر موصيني عليك ومهدي القادة عنك، بس خليك عارف أنا مش زيه لو غلطت في اللي هيتطلب منك هترجع مصر في تابوت!
هز رأسه بحماسٍ، وهرع لسيارة علي ينحني للنافذة قائلًا:
_علي خد عمران وارجع، أنا لازم اتحرك حالًا مع القائد... مينفعش تكونوا موجودين معانا لإن الموضوع سري.
صاح عمران بغضب:
_يعني أيه يا آدهم؟ اديني الجهاز وأنا هروح
رد عليه وهو يتفحص سيارة رحيم:
_مفيش وقت يا عمران... أيوب اتنقل من المكان ده ومنصوبلنا كمين فيه... بعدين هفهمك أنا لازم اتحرك دلوقتي.
أشار له علي بتفهم:
_روح انت وخلي بالك من نفسك... واحنا هنستناك في شقتك.
هز رأسه وغادر سريعًا لسيارة الاسطورة فتحركت به على الفور تعاكس الطريق الذي كان يتجه إليه.
********
أصدر الأمر بنقل أيوب وآديرا لمكانٍ أخر، فعارض أيوب الرجال وسدد لكمات مهاجمة إليهم، أحاطوه وتمكنوا منهم، فأجبروهما على الصعود للسيارة والانتقال لمكانٍ أخر، وقد تسنى له فهم المغزى من وراء ذلك وخاصة حينما انتزعوا ساعته منه وأخرجوا منه جهاز التعقب، فعلم الآن لما أصر آدهم أن يرتديها طوال الوقت.
وضعوهم بأحد الغرف المنزوية بأسفل ذاك البناء التابع للموساد، كان مجهزًا بعدد من المسلحين، خُيل لهم بأنهم شياطين يتباهو بأن لا أحدًا يتمكن من السيطرة عليهم.
اندفعت آديرا تجاه أيوب تتمسك بقميصه المتهارى ببكاءٍ، ورجفة جسدها لا تتوانى عن الهدوء، شعر لوهلة بأنها ستترك الأرضية وستقفز على قدميه من فرط رعبها، وبالرغم من نفور جسده تلقائيًا من لمساتها الا أنه كان مشفق عليها.
استسلم لبقائها جواره هكذا وأغلق عينيه يسترخي مع ترديد أذكاره وبعض الأيات القرآنية، حتى وجدها تبتعد عن صدره وترفع رأسها إليه تسأله ببراءةٍ:
_أيها الإرهابي ألم تعد تنفر مني!!
كبت "آيوب" ابتسامته وهمس ساخرًا:
_آه لو عُمران قفشك وانتِ مكلبشة فيا كده مش هيسمي عليا..
وتنحنح بخشونة وهو يجيبها بمراوغةٍ:
_آديرا هل تظنيه وقتًا مناسبًا للنقاش فيما بيننا، دقائق قليلة وسيعود عمك السفيه لقتلنا!
تعلقت بقميصه وتهاوت دمعاتها تذكره بكلماته التي لم يمر عليها سوى القليل:
_ولكنك أخبرته منذ قليل بإنك لن تتركه يقتلني وأنت حيًا.
هز رأسه بقلة حيلة منها، تلك الحمقاء لا ترى ما ينتظرهما، أجلى صوته المبحوح وردد:
_حسنًا سأتركه يقتلني أولًا قبل أن يقتلك هل أنتِ راضية عني الآن؟
زحفت بجسدها تجاهه وهي تراقب باب المخزن برعبٍ، فرددت بهلعٍ:
_أيها الإرهابي هل تثق إن هؤلاء قادرون على انقاذك؟
زوى حاجبيه بتعجب:
_من!
اوضحت له:
_أصدقائك وهذا الشرس الذي كلما رأني هددني بأنه سينحر عنقي!
عاد لهمسه الساخر:
_يا ريت عمك يطلع ابن حلال ويخلص علينا بسرعة قبل ما عُمران اللي يوصلنا الله اعلم لو ظهر أنا هحميكي منه ولا من عمك ابن ال***
تابعت ما يقول بعدم فهم فسألته باستفهامٍ:
_أيها الإرهابي ما الذي تُثرثر به!
زفر وهو يحرك رأسه بيأس وصاح بها ساخرًا:
_إن كنت أنا بما أفعله لحمايتك إرهابيًا بالنهاية فماذا أنعت عمك الحقير بعد ما فعله وسيفعله بنا؟
********
اختطف آدهم النظرات السريعة للاسطورة المنشود، كان يجلس جواره بثباتٍ قاتل وكأن لا أحدٌ يشاركه السيارة، يصنع لذاته هالة من الهدوء والسكينة، وجهه حازمًا، مخيفًا بالرغم من وسامته، انتفض فزعًا حينما قال الاخير ومازالت عينيه على الطريق:
_لو مش هقطع لحظات تأملك فيا اسحب الجهاز اللي في التابلو وافتحه.
تنحنح الاخير بحرجٍ، وبالفعل سحب الجهاز وفتحه لينطلق صوتًا أنوثي لفتاة تتحدث بطريقة مخلة كالعاهرات:
_أووه بيبي هل اشتقت لي؟
جحظت نظرات آدهم لرحيم الذي يتابع قيادته بنفس هدوء معالمه، فتابعت الفتاة:
_أنا أتوق شوقًا لك.. وانتظرك بكثيرٍ من الصبر.. لا تتأخر والا احترقت من لوعة الانتظار... أتعلم أنا أفتقدك وأخشى أن يعود عمي باكرًا حينها لن أستطيع الجلوس برفقتك!
لا يصدق ما يستمع إليه وخاصة حينما قالت بميوعةٍ:
_أسرع فلم أعد أستطيع الانتظار!!
فور نطقها بتلك الكلمات، أحتدت نبرة صوته:
_اربط حزامك.
عبس آدهم بعينيه بعدم فهم، فصاح رحيم بحدة:
_لو مش عايز تطير على الطريق ويحضنك الاسفلت اربط حزامك.
انصاع إليه وربط حزامه، فانطلق رحيم بسرعةٍ جنونية وبالرغم من ذلك كان متحكم بمقود السيارة متفاديًا ازدحام الطريق ببراعةٍ.
الآن علم آدهم شفرة الرسالة السرية من تلك الفتاة التي قد يظنها البعض عاهرة، ولكن ما هي الا رسالة سرية حل أول حروفها وكلماتها ليردد بصوت سمعه رحيم:
_بتنبهك أنك توصل بسرعة قبل ما عم آديرا يرجع!
ابتسامة ساحرة اتشح بها:
_براڤو ابتديت تفهم!
ستة دقائق اضافية اتخذتها سيارة رحيم الحديثة حتى وصلت لمكانٍ يقرب العمارة المتهالكة، هبط آدهم واتجه ليقف قبالة رحيم الذي قال ببسمة مخيفة، وكأن الشيطان يمنحه فرصة للنجاة من براثينه:
_هتكون ظابط مميز لإنك جمعت في مهماتك بين الجوكر والاسطورة وانت عارف ان ده نادرًا لما بيحصل!
وتابع وهو يرفع قدمه ليستند على عجلة السيارة:
_ خاليني أحذرك للمرة الاخيرة المهمة دي مش سهلة فلو مش هتقدر تقوم بيها انسحب وسبني أنا ورجالتي هنتعامل.
لم يكن أحمقًا ليفوت فرصة العمل مع الاسطورة ليكتسب مهارة ستضاف إليه بتاريخه المهني:
_أنا يكون ليا الشرف لو كنت مع حضرتك في مهمة واحدة... هنفذ تعليماتك بالحرف، وإن شاء الله هكون عند حسن ظنك.
هز رأسه ببسمة هادئة وقال:
_كون إن مراد زيدان اللي مدربك ده مطمني يا عمر.
وتابع وهو يغمز له بمشاكسة:
_أقصد آدهم زي ما بتحب!
وارتسمت الجدية على ملامحه وهو يشير له على العمارة:
_صاحبك هنا في دور سري تحت جراشات العمارة، لازم تعرف إن المهمة دي صعبة لإننا مش هنتعامل بالسلاح ولا هنديهم الفرصة إنهم يستخدموا سلاحهم.
استطرد يوضح لمن يواجه صعوبة بفهمه:
_خليك واثق إن محدش من الكلاب دول هيخرج حي، بس الذكاء هنا هيرجع للقضاء والقدر.
ضيق عينيه في محاولة لفهم ما يود قوله، فرفع يده لاعلى البناية مشيرًا:
_رجالتي فوق مستنين مني اشارة عشان يبدأوا شغلهم.. بمعنى أوضح يا سيادة الرائد صاحبك ومراته لو مخرجوش من المكان ده بعد ١٤دقيقة من دلوقتي هيتنسفوا مع الكلب "ديفيد" عمها واللي معاه.
سأله بحيرةٍ وارتباك:
_لما حضرتك عايز تفجر المبنى مش عايزني ليه اتعامل بالسلاح!
ابتسم بسمة مخيفة، وفحيحه الخبيث يتحرر:
_مين قالك اننا هنفجر المبنى! قولتلك قبل كده احنا في وضع حساس ومستحيل هنتعامل بشكل يثير الشبوهات علينا، الموضوع هيبان انه قضاء وقدر، مثلًا حصل ماس كهربا أو أي حادث مالوش علاقة بتدخل انسان بس المهم في ده كله إننا نخرج بيهم من جوه من غير ما نشتبك معاهم ولا حد فيهم يتصاب أو يستخدم سلاحه، مش، عايزين البحث والتحليل الجنائي يمسك علينا غلطة وده شغل رجالتي هما مستنين بس عشان نقدر نخرج بصاحبك وباللي معاه وبعد المدة اللي ادتهالك هيشوفوا شغلهم فهمت يا سيادة الرائد؟
هز رأسه يؤكد له ببسمةٍ فخر، كان يظن بأنه تمكن من معرفة كل صغيرة وكبيرة تجعله مستعد لمواجهة أي عدو، والآن يكتشف بأن موهبته لا تضاهي من حمل لقب "الاسطورة" عن جدارة!
أفاق من شروده على صوت رحيم يؤكد له:
_معاك ١٤دقيقة بس، لو مخرجتش بعدها اعتبر نفسك شهيد معاهم!
واستكمل وهو يشدد عليه:
_اتحرك حالًا وأنا هكون جنبك هأمن الطريق وهحاول أشتتهم عنك لو اكتشفوا وجودك.
ودفع إليه قناع قماشي أسود اللون، ارتدوه وأشار له رحيم:
_جاهز يا سيادة الرائد.
هز رأسه يجيبه:
_جاهز يا فندم!
اشارة معينة بأصابعه جعلته يندفع بحذرٍ شديد للمبنى، مستهدفًا أحدى الأبواب بينما ولج رحيم من بابٍ أخر غير الذي سلكه آدهم، كانت مهمة شبه مستحيلة، كيف سيتعاملون مع أشخاص مسلحون دون أن سلاح أو حتى دون أن تنطلق رصاصة واحدة من أسلحتهم، ربما هي صعبة ولكنها ليست محالة بالنسبة لرجال الصعاب الذين اعتادوا أن يحولوا المستحيل لممكنٍ.
اندفع آدهم للداخل بتمهلٍ قاتل، عينيه تدرس مكان رجال ديفيد، وتستكشف المكان بحرصٍ شديد، حتى سُلطت على رحيم المختبئ بالجانب المقابل له، يشير بيده على زواية بعيدة، اتجهت نظراته إليها فتفاجئ بوجود كاميرا.
عاد ببصره لرحيم فأشار له بأصابعه باشارة يعلمها جيدًا فالحديث بين فريق المخابرات يعتمد على لغة الاشارات، وفهم لغة الاعين بما يود القائد اخبارك به دون حديث.
علم منه بأن هناك أربع كاميرات تحيطه، فانتبه إليهم، يتمكن كلاهما من السيطرة على الكاميرات بسهولة ولكن مهمتهم يتعمدون أن تبرز الكاميرات طبيعة الحدث حتى حينما يشهد تدمر المكان.
أشار رحيم لآدهم اشارات متتالية، على غرفة تكسل على طرف آدهم وغرفة تميل على طرف رحيم، ففهم بأنه يطالبه بالبحث عن أيوب بالغرفة المجاورة له وهو سيبحث بالغرفة التي تنحاز على جانبه، فهز رأسه وانحنى يتفادى الكاميرات حتى سلك كلا منهما الغرف.
*********
زحف آدهم بحرصٍ وتمكنٍ، حتى وصل للغرفة، طوفها بنظرةٍ متفحصة خشية من وجود كاميرات بالغرفة، فتنهد براحةٍ حينما لم يجد أي كاميرات، فلم يستطيع السيطرة على ذاته واندفع تجاه رفيقه، يهزه بخوفٍ من رؤيته يغلق عينيه ويسترخي بجلسته بشكلٍ جعله يظنه فارق الحياة، فناداه بلهفةٍ:
_أيــوب!!
فتح عينيه بارهاقٍ ومن ثم انتفض بجلسته فسقطت آديرا عن كتفه وفاقت من نومها هي الاخرى.
ردد بعدم استيعاب:
_آدهم!!! إنت وصلت هنا ازاي!!
ضم وجهه بيديه بحبٍ، وجذبه بقوة لاحضانه هاتفًا بصوت اختنق بالدموع رغمًا عنه:
_الحمد لله إنك بخير.. كنت مرعوب ليكون أذاك!
تعلق به بفرحة، فلم يتوقع أن يعرض ذاته لخطرٍ عظيم هكذا لاجله، وفجأة ابعده عنه وهو يشير:
_لازم نخرج من هنا حالًا.. مفيش وقت يا أيوب.
وحذره باشارة حازمة:
_خليك ورايا وأوعى تعمل أي صوت لا انت ولا هي.. في ناس معايا هتساعدنا بس لازم نخرج من هنا الأول.
هز رأسه بتفهمٍ، واستدار لآديرا المتعلقة به بخوف يخبرها:
_يريدنا أن نتبعه دون أن نصدر صوتًا يلفت انتباه رجال عمك لنا.
أشارت له بتفهمٍ، فاتبع آيوب آدهم، اتبعت آديرا أيوب بخطواتٍ حريصة، حتى بات على الطرف الذي كان يحتله قبالة الاسطورة، فوجده بانتظاره، أشار له بأنه وجد أيوب وزوجته، فأشار الاخير له بسرعة الخروج من المكان.
كاد بأن يسلك الطريق الذي مر به فتفاجئ بوجود أحد الرجال، لذا أبدل طريقه بطريقٍ أخر، اتسعت مقلتي رحيم حينما وجده يخطو لطريقٍ محفوف بالقنابل المزروعة، هؤلاء اللعناء يضرمون الخطط الخبيثة لحماية أنفسهم، فزرعوا قنابل بشكلٍ يستحيل تميزه.
حاول رحيم أن يحذره ولكنه تفاجئ ببراعةٍ آدهم بتميز أماكن القنابل، فكان يتحرك بخفة ويشير لهما بتتبعه، فاحتلت شفتيه ابتسامة فخورة بأخيه الجوكر المزعوم، لقد برع بتدريب أحد تلميذه بشكلٍ يستدعي الفخر.
نجح آدهم بالخروج بهما آمنين، فأشار لأيوب بهمس:
_خد آديرا وامشي من الطريق ده هتلاقي هناك عربية ( رولز رويس بوت تيل Rolls-Royce Boat Tail) سودة خليك جنبها لحد ما أجيلك.
تمسك آيوب بيده بخوف:
_وانت يا آدهم؟!
أخبره بحزمٍ وصرامة:
_مالكش دعوة بيا، اسمع الكلام يا أيوب... روح أنا بستنى القائد بتاعي وهنرجع مع بعض.
هز رأسه إليه وغادر سريعًا، بينما اتجه آدهم للباب الذي ولج منه رحيم، فتعجب من تأخره، انحنى يتفحص المدخل فتخشب جسده فجأة حينما سُلط فوه السلاح على رقبته وصوتًا مقيتًا يتردد:
_يديك للخلف، انهض بهدوءٍ والا ستجد رصاصتي طريقها إليك!
انتصب آدهم بوقفته بهدوءٍ، ويديه تحيط رقبته، يحافظ على ثباته بكل طاقته ويستعد للمواجهة، وما أن استدار ليواجهه حتى تفاجئ برحيم يقف خلف الرجل، يثبت أصبعين من أصابعه على حنجرة الرجل والاصبع الثالث يحيط بأصبعيه بشكلٍ دائري، فجحظت عين الرجل وسقط قتيلًا دون أن تسقط منه قطرة دماء واحدة!!
حمله رحيم وولج به لداخل المبنى ثم أشار لآدهم:
_ورايا!
اتبعه للخارج فوجده يتفحص الطريق بنظراته الصقرية، حتى وجد سيارة سوداء تخص عم آديرا تعود لداخل المبنى، ارتسمت ابتسامته الشريرة على شفتيه وقال:
_كنت هزعل أوي لو الحفلة بدأت من غير الكلب ده!
ورفع يده للأعلى وبسطها بشكل مخيف، إشارة صريحه لرجاله المترقبون لاشارته بأنهاء الأمر.
دقيقتين والثالثة كانت تضوي بصوتٍ لشرارة كهربائية نتجت احتكاك ضخمًا، اتسعت ابتسامة رحيم وهمس بمكر:
_بدأت الحفلة بس يخسارة من غير توابيت!
وتابع لخبث:
_الاغبية حاطين قنابل هتساعد معانا في الاحتفال شوفت أجمل من كده!
وأشار له قائلًا:
_يلا نخرج من هنا.
اتبعه لسيارته، فصعد لجواره بالامام وبالخلف أيوب وآديرا، انطلق رحيم مسرعًا وأخر ما يتثنى لهم رؤيته انهيار المبنى وسط شعلة هائلة من النيران المخيفة، التي تتحدى بعنجهيةٍ أن يخرج منها أحدًا على قيد الحياة.
غمر الصمت السيارة ومازال الفضول يغلب أيوب للتعرف على كناية ذلك الرجل المخيف، لاحظ آدهم نظراته بالمرآة الأمامية فابتسم بتهكمٍ على ما يصيبه من ذعر، وتابع الطريق حتى استقر بهم أسفل شقة آدهم التي كان يسكن بها أيوب.
هبط أيوب وآديرا، فأشار له آدهم:
_عُمران ودكتور علي فوق بانتظارك... أنا شوية وجاي.
هز رأسه بتفهمٍ وصعد بها للأعلى ومازال مشدوهًا لما حدث منذ قليل.
أما بسيارة رحيم.
استدار برأسه إليه ينتظر سماع أوامره القادمة، فقال:
_مساندتك ليا بالشكل المتقن ده هتسقط عقوبتك خصوصًا إني مش ناوي أتكلم عن أخطائك الغبية، هعتبرك لسه في فترة تدريبك لإنك ذكي وعجبتني.
ابتسم له آدهم بامتنانٍ، فتابع رحيم بجدية تامة:
_أنا ورجالتي هنتابع الموضوع عن قرب مع إن اللي عملناه كان برفكت بس زيادة تأكيد، وعلشان نبعد وجوه الاتهامات عنه خصوصًا القرابة اللي بين ديفيد والبنت لازم صاحبك ومراته ينزلوا مصر في أقرب وقت، على الأقل لحد لما الموضوع يهدى.
هز رأسه بتفهمٍ، وقال:
_ أيوب وآديرا هيسافروا معايا مصر على نفس الطيارة!!!
............. يتبع.......
💣💣
#صرخات_أنثى....
#حبيبتي_العبرية..
#آيه_محمد_رفعت..
#الاقوى_قادم...
******_________*********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السادس وأربعون 46 - بقلم آية محمد رفعت
طيب يا جماعة عشان نفصل بين الجدال اللي حاصل على اختياري لرحيم للمهمة دي عن مراد دي وجهة نظري
أول جملة قالها رحيم لما شاف آدهم أيه؟
قاله حظك ان انا اللي في انجلترا، الكارثة لما حصلت رحيم اتدخل فورا مش هيستنى مراد اللي، في مصر لما يسافر ويجي يحل، يا جماعه سواء مراد أو رحيم الاتنين قادرين ينجزوا المهمة ويخلصوا، مجمعتهمش مع بعض لاني ببساطة مش عايزاكم تربطوا اي مهمة يقوموا بيها مع بعض لان اغلب مهمتهم بيكونوا منعزلين مش بيجتمعوا الا لما يكون الموضوع كارثي، كوني اختارت رحيم ككاتبة فده لانه فعلا المناسب عن مراد، رحيم تفكيره شيطاني وأشرس من مراد، هو اللي هينهي الموضوع من جذوره وقد كان.
كمان مراد أنا طول السلسلة فهمتكم انه عاطفي عن رحيم، فاكرين لما دخل على مافيا تجارة الاعضاء وابتذوه بالطفل، استسلم ليهم وسبوه يشرحوه عشان يفادي الولد مش معنى كده انه ضعيف اطلاقا بس عنده عاطفة ومشاعر جميلة مش موجوده عند رحيم،لانه ببساطه مكنش هيحمل كده، ظباط المخابرات عندهم سرعة وتوازن الامور عالي جدا، يعني رحيم كان هيفكر انه لو استسلم هيموت هو والطفل ومش بس كده لا باقي الاطفال اللي بره!! يعني هو هيفادي طفل واحد وبقيت الاطفال؟!
للاسف تفكيرهم بيكون في صراع ما بين انقاذ روح واحدة ولا ارواح!! رحيم مكنش هيستسلم وهو بيعقل الوضع عشان كده المهمة دي بالذات كانت عايزاه هو بثباته وتخطيطه الجهنمي، رحيم متهاونش مع آدهم وقاله لو مخرجناش بعد ١٤دقيقة المبنى هيتنسف مهمهوش اذا كان جوه معاهم ولا براه المهم محدش يمس المخابرات بسوء لان سمعتهم هي اللي ترهب اللي حوليهم أفضل ما يتقال احنا علمنا على الجهاز!!! لكن مراد كان هيخاف على آدهم وأيوب وهيحطهم بالمقام الاول وده مش عيب فيه نهائي ولا معناه انه مش هيحط سمعة المخابرات المصرية بالاعتبار بالعكس بس كل واحد وتفكيره مختلف عن التاني... ولا هنا قللت من ده ولا من ده كمان اختارت رحيم عشان افرحكم بظهوره لان مراد ظهر بالرواية وهيظهر تاني وكنتم بتكتبوا كومنتات انكم نفسكم رحيم يظهر فلما لقيت الفرصة مترددتش 💕
مراد كان هيتهاون مع أخطاء آدهم ومكنش هيقدر يحفزه للمهمة بشكل أدق، ركزوا في كلام رحيم هدده بمنتهى الذكاء ان المهمة لو فشلت مش هتطلع حي هتكون شهيد لان رجالته هتنفذ هتنفذ ومش هيهمهم مين لسه جوه ومين بره حتى لو رحيم نفسه فشل في الخروج، رحيم قاسي جدا في شغله ولما بيدخل موضوع بينهيه من جذوره، لكن مراد عاطفي شوية كان هيحط آدهم وآيوب في اولى اهتماماته ومش هيهمه عمها يكشف ولا مبكشفوش، ولا هيهمه تقوم حرب ويتصدرلها هو... رحيم هو المنشود والمناسب من جميع الزوايا
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل السابع وأربعون 47 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثالث_والأربعون..
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "شيماء صابر"،"سماح البحراوي" ،"بشرى إياد"،"فرح أحمد"،"جنه جودت"،"ياسمين محمد"،"شيرين أحمد"،"سلمى عاطف" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
جاب الطرقة ذهابًا وإيابًا وهو يطرق كفًا بالأخر، الغضب والغيظ يكاد يفجر أورداته، فزفر "يوسف" الجالس على الدرج جوار "علي" هاتفًا بسخطٍ:
_ما تترزع في أي مكان يا عُمران خيلتنا يا أخي!
اتجه للدرج الجانبي حيث مكان جلوسهما وهدر بانفعالٍ:
_انتوا جايبن الهدوء الغبي ده منين، بقالنا ساعتين قاعدين القعدة دي، ومفيش أي جديد، لا موبيل آدهم بيجمع ولا عارفين نوصل لأي خبر عن أيوب!!
أجابه علي وهو يحيط قدميه بيديه بتعبٍ من تلك الجلسة الغير مريحة:
_يعني في ايدينا أيه نعمله يا بشمهندس!!
ربع يديه بمنتصف خصره وشمل أخيه بنظرةٍ متفحصة:
_علي هو إنت جايب برودة الاعصاب دي ازاي!
ابتسم وهو يجيبه بغموضٍ:
_جاتني من وقت ما آدهم نزل من عربيته يكلم الشخص اللي وقف بنص الطريق، ولو عرفت مين هو هتطمن وهتكون على ثقة إن أيوب راجع.
إتجه إليه مسرعًا بلهفة تتلألأ داخل رماديته:
_مين هو؟
اتجهت نظرات يوسف وعُمران المهتمة إليه، فأرضى فضولهما قائلًا:
_الاسطورة رحيم زيدان، أخو مراد زيدان الاتنين دول ظباط تقال في المخابرات وبالذات رحيم.
وتعمق بالتطلع لأخيه قائلًا:
_هو اللي أنقذ فطيمة من اللي اتعرضتله.
سكنت ملامح عُمران باطمئنان، أما يوسف فكان حديث علي يعد كاللغز من أمامه، ما علاقة زوجته برجلٍ كهذا وما الذي تعرضت له بالتحديد؟
لم يعينه الأمر كثيرًا ولكن تضاعفت آماله بعودة آيوب، الثقة البادية على "علي" جعلت خوفه يهدأ تدريجيًا، جلس ثلاثتهم على الدرج الجانبي، حتى إلتقطت آذانهم صوت المصعد ومن بعده خرج "أيوب" و"آديرا" التي تتمسك بيده وآثار الذعر يستحوذ عليها.
_آيـــــــــــوب!
تحرر نداء عُمران بلهفة جذبت انتباهه، فالتفت ليتفاجئ بهم يجلسون على الدرج قبالة شقته، ترك يدها وهرع إليهم، فضمه عُمران بقوةٍ ألمت جسده المحتفظ بأثر اللكمات التي نالها، ولكنه احتملها بسعادة، واستمع له يهتف بفرحةٍ:
_الحمد لله إنك كويس وبخير، أنا كنت هتجنن لما عرفت باللي حصل.. كنت خايف من اليوم ده والحمد لله إنه عدى ورجعت بالسلامة.
أغلق عينيه يستشعر حنان ضمته وحديثه الحنون، فوجد يد يوسف تمتد لتنتشله من بين ذراعيه هادرًا بمزحٍ:
_ما توسع خلينا نطمن على البشمهندس اللي موقع قلوبنا من صبحية ربنا.
وضمه يوسف بحبٍ مربتًا على ظهره:
_حمدلله على سلامتك يا بطل... لينا قعدة تفهمنا فيها اللي حصل.
أجابه وهو يبتعد عنه بفزعٍ ولهفة:
_سيف كويس!! بعتولي رسالة من موبيله وصلوا ليه ازاي؟
لم يكن يريد أن يداهمه بما يشغله بتلك اللحظة، فأسرع علي بالتداخل وهو يستقبله بابتسامة جذابة:
_حمدلله على سلامتك يا أيوب.
منحه ابتسامة واسعة ممتنة:
_الله يسلم حضرتك يا دكتور علي.
لف عُمران ذراعيه حول كتف أيوب وقال:
_هنقضيها كلام على السلم ولا أيه ما تفتح الباب بدل رميتنا بره بالساعات بسببك يابن الشيخ مهران.
أخرج من جيب بنطاله المفتاح واتجه للباب يفتحه بترحابٍ:
_لا ازاي طبعًا... انا متأسف أوي على القلق اللي عيشتوه بسببي.
رد عليه علي بلباقة:
_فداك المهم انك رجعت بخير!
أشار لهم بالدخول قائلًا:
_اتفضلوا.
ولجوا جميعًا وكاد بتتبعهم ولكن عقله أرشده لشيءٍ مبهم، أين آديرا؟
راقب الطرقة بنظراتٍ متفحصة، وبحث جوار المصعد، التفت ليكمل بحثه فوجد عمران يقابله مستفهمًا:
_بتدور على أيه؟
أجابه بصدمة من عدم رؤيتها:
_آديرا!
ارتفع بصر عُمران تلقائيًا على الدرج العلوي، فتطلع إليه أيوب، فتفاجئ بها تختبئ خلف درابزين الدرج وتراقب عُمران بنظرةٍ مرتعبة، كأنها ترى وحشًا مخيفًا يهرب من أسطورة مظلمة تكاد تبتلعها.
وزع أيوب نظراته الحائرة بينهما، فوجد عمران يسحب نظراته الحادة عنها ويدلف للشقة بصمتٍ قاتل، فصعد للأعلى يناديها وهو يصيح بتهكمٍ:
_بربك يا فتاة ما الذي تفعلينه هنا؟!
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، فحملت طرف فستانها الممزق واستقامت بوقفتها قبالته، تهمس له ونظراتها المرتعبة تراقب باب الشقة:
_أأخبرت صديقك الشرس هذا بأنني نعتك بالإرهابي اليوم؟ صدقني لم أكن أقصد ذلك، حتى حينما تعلقت بك فعلتها لإنني أثق بأنك لن تترك عمي يقتلني... آآ... أنا أثق بك أيوب!!
كلماتها المرتبكة الاخيرة جعلته يبتسم وهو يردد:
_وهذا ما أريده سدن!
رمشت بعدم استيعاب وهتفت في محاولةٍ لنطق العربية:
_سداان!! ماذا!!
فرك أنفه بارتباكٍ فمازال على عهده بعدم الضغط عليها لاستمالته لاعتناق الدين اجبارًا، سيجعلها تخطو لعودتها رويدًا رويدًا، فتنحنح بخشونة:
_هيا.. تعالي!
هزت رأسها نافية بذعرٍ:
_سأنتظر هنا لحين مغادرة ذلك المتوحش... أنت لا ترى نظراته لي وكأنه سيقتلني بأي لحظة!
وتابعت وهي تلعق شفتيها الجافة:
_أتعلم أنا أخشاه أكثر من عمي اللعين!
ضحك بصوته الرجولي الجذاب، وبعد محاولة من استعادة ثباته قال:
_ألم تخبريني منذ قليلٍ بأنكِ تثقين بي؟
هزت رأسها تؤكد له، فمد كفه يطرحه لها:
_حسنًا... أنا هنا.. لا بأس!!
تعلق كفها بكفه، وهبطت خلفه للأسفل بحذرٍ، ولجت آديرا للداخل وما أن خطت قدميها الشقة حتى سحبت كفها منه وهرولت للداخل وصفقت الباب بعنفٍ جعل يوسف يضحك:
_منك لله يا عمران مربي للبنت الرعب!
لم يعنيه أمرها من الأساس، فتابع أيوب الذي أغلق باب الشقة وإتجه إليهم، وسأله بلهفة:
_احكيلنا اللي حصل يا أيوب، وفين آدهم؟
رد عليه بحيرةٍ ظاهرة:
_اللي حصل كان غريب ومش مفهوم... آدهم تحت مع الشخص الغامض اللي انقذنا.
واستطرد بحماسٍ كالطفل الصغير:
_القائد بتاعه اللي خرجنا من جوه ده باين عليه إنه تقيل أوي، نظراته وشكله وهدوئه مخيف، طول ما احنا في العربية مفتحش بوقه بكلمة واحدة وفي لحظة خروجه من المكان اللي كنا محبوسين فيه المكان اتنسف في لحظتها وهو خارج ثابت ومرمش حتى!!!!
وتابع بضحكة ساخرة وهو يجاهد لوصف الموقف:
_عارفين أبطال الأفلام الهندي الأوفر، لما تلاقي البطل خارج ببرود من وسط الانفجار!!
ضحك يوسف بقوةٍ بينما ابتسم علي، أما عُمران فلم يستطيع السيطرة على غيظه القابع بداخله، فنهض عن الأريكة يجذب أيوب من تلباب قميصه بعصبية اتبعت نبرته المرتفعة:
_بقى أنا قاعد هموت من القلق عليك وعلى أعصابي من ساعتها وإنت راجع تحكيلنا عن بطولات الظابط اللي أنقذك، بروح أمك مش حاسس بالحالة اللي أنا فيها!!
منع ضحكة كادت بالانفلات منه فرفع رأسه فوق يده المنكمشة على عنق قميصه وقال:
_طيب نقعد وهحكيلك طيب، أبو اللي يعصبك يا جدع!
ضحك يوسف مؤكدًا له:
_حذرتك قبل كده ألف مرة يا أيوب، متحاولش تخرجلنا الطاووس الوقح من مكانه، سيبنا نتعامل مع البشمهندس عُمران الراقي على قد ما تقدر.
دفعه عمران بغضب وعاد يحتل مكانه، ومازال الغيظ يأجج أعصابه، يود أن يقتص من ذلك الحقير الذي اعتدى مرتين على أصدقائه، مرة نالها سيف والأخر أيوب الذي تضرر وجهه بشكلٍ ملحوظ.
ولج "آدهم" للداخل باستخدام مفتاحه الخاص، فانضم إليهم يهتف مازحًا:
_مساء الخير، أتمنى مكنش جيت متأخر!
أشار له أيوب بحماسٍ مضحك:
_تعالى يا آدهم احكيلهم على القائد اللي كان معاك ده محدش راضي يصدقني!
وضع مفاتيحه على الأريكة وجلس قبالتهم يقول بملامح جادة:
_أيوب إنت لازم ترجع مصر إنت وآديرا في أقرب فرصة، وجودك هنا الفترة دي مش في صالحك لحد ما الموضوع يتنسى.
اعتدل بجلسته بدهشةٍ، وصاح إليه:
_ازاي وامتحاناتي بعد شهرين ونص يا آدهم؟
رد عليه بهدوءٍ وحكمة:
_الباشا اللي طلب كده، متنساش إن الموضوع هيتحقق فيه بعناية والله أعلم إذا كان حد غيره عارف بموضوعك فيخدوها حجة ويلبسوك التهمة، انزل مصر وارجع تاني على امتحاناتك أسلم من كل ده... أنا هحجزلك معايا على نفس الطيارة اللي نازلة مصر.
ساد الصمت بينهم حتى قال علي برزانة:
_آدهم بيتكلم صح يا أيوب وجودك هنا بالتوقيت ده خطر عليك وعليها.
تسلل الحزن لملامح عمران، فتنحنح بارتباكٍ:
_يعني مفيش حل تاني غير إنه يرجع مصر، خليه هنا وانا هحاول أمن ليه مكان كويس.
ابتسم آدهم وهو يقرأ تعابيره الحزينة لمعرفته بسفر أيوب المحتمل، وأجابه بثبات:
_ونضمن منين إن اللي حصل ده ميتكررش تاني؟ ده أمن حل صدقني، وبعدين دي فترة مؤقتة وهيرجع تاني.
واستكمل يوضح لهم خطورة الموقف:
_احنا خايفين من الكام ساعة اللي هيقضيهم أيوب هنا لحد ما يركب الطيارة فما بالك لو قعد!!
وانتقلت نظراته لزوايا الشقة:
_الشقة دي معتش أمان بعد ما اتعرف مكانها.
أسرع عُمران بالحديث:
_خلاص لحد معاد الطيارة أيوب هيجي عندي في الملحق اللي جنب القصر، عمي أحمد لسه مكلمني من شوية وبلغني بأن الحرس اللي طلبهم وصلوا ومحاوطين البيت فكده هيكون في أمان لحد معاد سفره.
أجاد آدهم فكرته مناسبة فقال:
_خلاص يبقى أيوب يفضل عندك لحد ما نرتب للسفر.
رفع عينيه الدامعة إليهم وقال بصوتٍ محتقن:
_بس أنا مش عايز أسافر، أنا عايز أقعد هنا... مش هقدر أبعد عن سيف وعُمران.
واستدار برأسه تجاه الأخير يخبره على استحياء:
_ولا عنك يا آدهم... أنا مش هسافر!
استولى الصمت على المجلس، والحزن يصل لدرجة لا تطاق، مزقه يوسف حينما قال بعقلانية:
_ده لمصلحتك يا أيوب.. وإن كان عليهم فآدهم نازل معاك مصر على نفس الطيارة يعني مش هيبعد عنك يا عم، وعمران وسيف محلولة المكالمات الفيديو مفيش أكتر منها، كلمهم طول النهار والليل لحد ما ترجع تاني.
أزاح دمعة خائنة كادت بأن تفضحه، وهز رأسه بهدوء رغم تمزق قلبه من لوعة الفراق بينه وبين اصدقائه، فحطم علي حزنهم ذلك حينما قال بسخرية تامة:
_بعيدًا عن الجو الشاعري اللطيف ده بينكم بس انتوا نسيتوا حاجة مهمة.
اتجهت أعين الثلاثة إليه بترقب، فاستكمل حديثه ببسمة واسعة:
_آديرا هترجع مصر مع أيوب ازاي؟ أو بالمعنى الأدق هتظهر قدام الشيخ مهران بأي صلة؟
لوى عُمران شفتيه ساخطـًا:
_هيأخده بالاحضان وهيقوله يا فرحة أمك بيك!!
ارتبكت معالمه وهو يتابعهم بنظرات صامته، وردد بعد فترة طويلة من السكون:
_لو اضطريت هكشفله الحقيقة.
رد عليه الطاووس الوقح ساخرًا:
_وأيه هي الحقيقة يا ابن الشيخ مهران!! انك اتجوزت آديرا اليهوديه؟
هز رأسه ينفي مقصده المبطن وردد مصححًا:
_اتجوزت سدن المسلمة يا عمران!!
جحظت أعينهم من صدمة ما تفوه به، فلم يستطيع أحدٌ ربط ما يقول، فسبقهم علي وسأله:
_تقصد أيه؟ إنت مخبي أيه تاني يا أيوب؟
*******
وضعت أمامها أصنافًا عديدة من الجبنٍ، وأخذت تبحث بين محتوياته بحيرةٍ، فتابعت تلك التي تقبع أمام شعلة النيران تنتظر ما ستحضره فنادتها بيأسٍ:
_شمس!
استدارت إليها تشير بيدها:
_هااا... يالا اديني الجبنه!
أشارت لها فاطمة بتذمرٍ:
_في أنواع كتيرة قدامي عايزة أنهي نوع؟!
اتسعت بسمتها الخبيثة، وأردفت:
_هاتيهم كلهم يا فاطيما... هعمل صوص جبن مشكل للمكرونة هيبقى تحفة.
وأشارت على البراد قائلة:
_طلعي انتي الاستربس واعمليه لحد ما أخلص.
ربعت يديها أمام صدرها وتابعت بدهشةٍ ساخرة:
_شمس الساعة داخلة على ١١ وانتي واقفة تعملي مكرونة وفراخ!!
وضعت الملعقة بفمها تستطعم مكونات الحليب الممزوج بالطحين، وفور أن استمعت لصوتها الساخر هرولت إليها تصيح:
_وطي صوتك فريدة هانم هتسمعنا دي ممكن تحرمني من الأكل اسبوع جاي عشان أخس الكام كيلو اللي هيزيدهم بعد الواجبة دي، وبعدين يا فطوم فيها أيه لما نقوم نص الليل نضرب مكرونة واستربس وبانيه؟
جحظت عينيها صدمة:
_كمان بانيه!! انتِ الجواز فتح نفسك على الأكل ولا أيه؟!
جذبت عُلبة الجبن واتجهت لتضع بالبشمل المخفوق هادرة بسخرية:
_هو فين ده... حبيبتي أنا اتجوزت واحد عامل زي العفريت بيختفي فجأة وبيظهر فجأة.. أنا من ساعة الحفلة وأنا معرفش عنه حاجة!!
وزادت من وضع الجبن الكيري قائلة بسخط:
_مفكرش يكلمني مرة.. أنا خايفة أسافر معاه مصر ليسبني ويختفي!!
وتابعت وهي تضع الملح:
_اللي مطمني إن علي هيكون معايا.
تجهمت ملامح وجهها بحزنٍ، لا تعلم كيف ستظل تلك المدةٍ دونه، "علي" ليس زوجها فحسب، حسنًا هي تعشقه حد الجنون، سيطر على عاطفتها لدرجة جعلتها ترغب به!
لم يكن بأوسع مخيلاتها أن تمارس حياتها الطبيعية برفقته، وقد نجح هو بجعلها ترضخ له ولمشاعرها، ولكنه لا يعي بأنه بالنسبة لها كالهواء الذي يصعب على الإنسان العيش دونه، كيف تخبره بأنها حينما تلوث الهواء من حولها بفعل ما ارتكبه هؤلاء الجناة كان هو قناعها الذي مدها بالأكسجين النقي حتى تفادت كل تلك الغازات السامة!
تخيلها لفراقه عنها شعرت وكأنها تقف وسط وابل من الأمطار الباردة وللغرابة شعرت بأنها ترتجف دون ارادة منها، فرفعت ذراعيها تضم ذراعيها بخفةٍ.
أفاقت على شمس التي تخبرها بدهشة:
_الباب اتفتح... شكل علي أو عُمران رجعوا!
أزاحت مريول المطبخ واتجهت للرخام المجوف لتتمكن من رؤية القادم، فانزوى حاجبيها وهتفت بذهولٍ:
_مايا كنتِ فين انتي وزينب لحد دلوقتي!!
انكمشت تعابيرها صدمة من وجود شمس وفاطمة بالمطبخ بهذا الوقت، فقد عادت للقصر برفقة زينب ويوسف الذي أصر أن يُوصلهما ولكن زينب كانت تشعر بضيق أنفاسها فور أن استقرت السيارة أمام القصر، فطالبتها أن تتجه بهما لمكانٍ منعش، فرضخت لها مايسان حينما وجدتها بحالة نفسية سيئة.
ارتبكت زينب حينما وجدت شقيقتها تقترب منهما وتتساءل باستغراب:
_كنتي فين يا زينب؟
ابتلعت ريقها بارتباكٍ قاتل، وتطلعت تجاه مايا كأنها تطالبها بأن تنجدها، فطرقت حقيبتها على الطاولة القريبة وأسرعت لفاطمة تخبرها بتوتر:
_أنا كنت مخنوقة شوية يا فاطمة لاني اتخنقت مع عُمران النهاردة.. فقولت أنزل أتمشى شوية بالعربية وأخدت زينب معايا.
تعلقت عين فاطمة بأصابع الكف البادية على وجه زينب والتورم الملحوظ، انتفض جسدها فجأة وتراجعت للخلف تضم قبضة يدها تستمد القوة لمواجهة كل ما يعتريها من بعض مشاهد الاعتداء عليها المتفرقة، فاستمدت قوة ومجاهدة كبيرة لنطقها المرتبك:
_أيه اللي في وشك ده يا زينب... قوليلي الحقيقة انتي كنتي فين؟
تمعنت بملامحها المتوترة والمنفعلة، كطبيبة علمت بأن شقيقتها على وشك التعرض لنوبة قاتلة، انعكاس تعابير وجهها حركات أصابع يدها المتشنجة، حدة أنفاسها، لم تكن تعلم بأنها متضررة لتلك الدرجة، لذا استجمعت قوتها لتجيبها بهدوءٍ:
_مفيش يا فاطمة اتخانقت مع بنت في الجامعة وزي ما انتي شايفة ضربتني بالقلم بس الحمد لله مايا اتدخلت وحلت الموضوع وصممت تخرجني عشان أنسى اللي حصل.
واستدارت لمايا تحذرها بنظرة ثابتة:
_مفيش داعي انك تخبي عليها لإن الموضوع خلاص اتحل.
تنحنحت مايا وهي تدعي شعورها بالحرج ليمر الأمر، على فاطمة:
_أنا مكنتش عايزة أقلقها مش أكتر.
صاحت شمس بانفعالٍ وهي تندفع لتراقب اصابة زينب عن قرب:
_ودي مين المتوحشة دي... لازم تقدمي شكوة فيها للادارة يا زينب.
أكدت لها مايا بحزم:
_عملنا كده فعلًا والبنت اعتذرت.. الموضوع اتحل الحمد لله.
بخطواتٍ متوترة اقتربت فاطمة من زينب، تراقب اصابة وجهها وأصابعها موضوعة بفمها تضغط عليها ببكاءٍ، وما أن اقتربت منها حتى ضمتها إليهل بحركة مرتبكة وبكت وهي تتساءل بصوتٍ مزق قلب مايا وشمس:
_بتوجعك؟
تعلقت بها زينب وهي تجاهد أن لا تسقط دموعها، فرددت:
_لا خالص.. أنا كويسة والله.
كانت تحمل بداخلها ألمًا نازفًا لما حدث إليها، وما أن رأت حالة فاطمة شعرت بأنها تكتسب قوة يحيطها الخوف من أن تنتكس حالة شقيقتها، شددت زينب من ضمها فهي لا تمتلك سواها، فقدت أبيها ولم يكن لدي شقيقها الأكبر ولا الأصغر حنان تجاهها، لم تعد تمتلك سواها وبالطبع لن تسمح أن تعود لظلمتها القاتلة، إن كانت تعرضت لجرحٍ بعنق السكين شقيقتها انغرس بداخلها السكين بأكمله!
أدمعت أعين شمس ومايا تأثرًا بهما، فقالت مايا بصوتٍ باكي:
_خلاص يا أوفر إنتِ وهي!
أزاحت شمس دموعها بأصابعها وقالت بشهقاتٍ طفلة باكية:
_بطلوا عياط بقى الله.. وأنا اللي سهرانه أعمل مكرونة وبانيه ومزاجي كان رايق قلبتوهالي نكد.
جذبت مايا قبعة البيجامة للأعلى هاتفة بحنقٍ:
_آه يا حقيرة مكرونة وبانيه من ورايا!!
أجابتها سريعًا وهي تحاول تخليص ملابسها:
_عملت حسابك معانا يا طفسة بس آآ..
وسحبت نفسًا مطولًا من أنفها وهي تعيد كلماتها:
_أيه الريحة دي!!
ابتعدت فاطمة عن زينب واجابتها بضحكة صاخبة:
_المكرونة والبانيه اتحرقوا يا عروسة!!
هرولت للمطبخ وهي تصرخ بصدمة:
_مكرونتي.. فراخي... صوص الجبن المكس... أووووه لاااااا.
انفجرت الفتيات من الضحك، فأشمرت مايسان عن ساعديها وأشارت بمزح:
_بينا ننقذ ما يمكن إنقاذه أو نعمل غيرهم أنا بصراحة جعانه جدًا!
وصاحت وهي تهرول للمطبخ:
_هيا بنا يا فتيات!
********
اختلج السكون بينهم، ما قاله ليس هينًا بالمرةٍ، الجميع يجلس بصمتٍ قاتل، النظرات تحيل بهم وتجتمع لآيوب المتحفز لاي سؤالًا قد يُطرح، فكان عُمران أول من تحدث:
_يعني البنت دي المفروض إنها مسلمة؟
هز رأسه يؤكد له، مال يوسف يستند على ساعديه:
_ازاي الأخ يقتل أخوه بالشكل البشع ده، وبعد ما أخد أولاده وكبرهم جاله قلب يقتل أخوها ويحاول يقتلها!
أجابه عمران ببسمة ساخرة:
_ مستغرب ليه يا دكتور دول ولاد **** معندهمش ملة ولا ضمير.
تنهد علي بحزنٍ، وأخفض ساقيه عن طرف الاريكة ليعتدل بجلسته متسائلًا بحيرة:
_طيب ليه مش عايز تديها الدفتر اللي سابه أخوها يمكن لما تعرف الحقيقة الموضوع يفرق معاها وتأسلم!
رد عليه آيوب بعقلانية ورزانة:
_لآني ببساطة مش عايزها تحس إنها مجبورة إنها تأسلم، عايزها تختار ده بارادتها ووقتها هسبها تعرف الحقيقة.
وتابع بابتسامة جذابة:
_وبالمناسبة ده قرب يحصل لإنها واحنا مخطوفين قالتلي إنها عايزة تعرف أكتر عن ديني فده معناه إني قربت أوصل للي أنا عايزه.
ابتسم آدهم وأشار له باعجابٍ:
_مطلعتش سهل يابن الشيخ مهران!
تعالت ضحكاته الرجولية مرددًا بمشاكسةٍ:
_عيب عليك يا سيادة الرائد.
تعالت بينهم الضحكات الرجولية، ومن بينهم انطلق رنين هاتف يوسف فحمله وتطلع للمتصل وهو يقول بضيق:
_يا خبر أنا نسيت جمال خالص... أنا دبسته مع سيف في المستشفى كل ده.
برق آيوب بصدمة، وتساءل بقلقٍ:
_سيف في المستشفى بيعمل أيه؟
سيطر عليهم الوجوم، فانتفض بجلسته يردد بذعر:
_سيف حصله أيه يا دكتور يوسف؟
أخفض عينيه أرضًا بحزنٍ، فصاح منفعلًا:
_بسببي صح!! أنا السبب!!
وقف قبالته عُمران يمسك ذراعيه:
_اهدى سيف كويس وبخير.
غصته تزداد كلما تيقن بأنه السبب فيما أصابه، بالطبع تمكنوا منه ليحصلوا على الهاتف، انتفض بين ذراع عمران وهمس له باكيًا:
_عايز أشوفه يا عُمران!
ربت على ظهره بحنان وحزن يغترفه:
_هاخدك ليه بس اهدى.
وأبعده عنه مشيرًا له:
_هتوصلها الأول للملحق وبعدين هنطلع على المستشفى.
وتابع وهو يخرج برفقة الشباب:
_هاتها وانزل.
******
ولج أيوب للغرفة فوجدها تغفو على الفراش بانهاكٍ وبنفس ثيابها، حركها برفقٍ وهو يناديها:
_آديرا.. انهضي سنترك هذا المنزل.
نهضت بتعبٍ يهاجمها ورددت:
_إلى أين سنذهب؟
اتجه يجذب أغراضها بالحقيبة الموضوعة جانبًا، فخشى أن يخبرها بأنه من سيرحل برفقته هو نفسه صديقه الشرس الذي تهابه، فابتسم يجيب بخبث:
_سنذهب برفقة أحد أصدقائي، فالمكان لم يعد أمانًا.
هزت رأسها بخفوتٍ، ونهضت تحتضن كتفيها المصاب بتعبٍ تسلل لصوتها الهامس:
_أشعر وكأن هناك سكينًا يمزق كتفي.
استدار إليها يتفحص موضع الألم، وقال:
_لنغادر الآن وحينما نصل تقومين بتغير الضماد.
نهضت عن الفراش فاحتدت أنفاسها فور أن شعرت بالأرض تتراقص بها، وتلقائيًا استندت على ذراعه هامسة له:
_أنا لست بخير أيوب.. أشعر وكأن حوائط المنزل تدور من حولي!
أدمى شفتيه السفلية بضيق ومع ذلك ساندها حتى ولجوا للمصعد.
هبط بها أيوب للأسفل حيث تصطف سيارة يوسف وعُمران، فما أن رأته آديرا حتى تركت ذراع أيوب الذي يعد عكازها بعد يومًا متعب رأت به الموت أكثر من مرة.
كبت علي ضحكته بصعوبة، وأشار لأخيه:
_روح إركب مع آدهم وأنا هسوق أنا بدل ما البنت يجيلها سكتة قلبية قبل ما نوصل.
أومأ له باستسلامٍ غريب، وتركهما وغادر لسيارة آدهم فتحرك به على الفور.
عاد أيوب يساندها حتى استقرت بالمقعد الخلفي واستقر هو جوار علي، اتجهت السيارتين للقصر، ففتح علي الملحق لهما، وولج عُمران للداخل ليبلغ الخدم بوجود ضيوف بالخارج ليمدهم بما يحتاجوه.
*****
ولج عمران المطبخ من الباب الخلفي، فوجد شقيقته تجلس برفقة زوجة أخيه وزينب يتناولون الطعام بجو من المزح والضحك، فابتسم وغض بصره مستكملًا طريقه لغرف الخدم الجانبية للمطبخ، فتفاجئ بزوجته تهدأ النيران وتراقب القدح.
جذبت مايسان الملعقة ورفعتها لفمها وهي تحرك شعرها للخلف حتى لا يسقط بالملعقة، تناولت ما تحمله وهي تهمس بإعجابٍ:
_أممم البشاميل بتاعي أحلى من بتاع شمس بكتير.
تمردت خصلة من شعرها للأمام فرفعته بضيقٍ، وهي تعود لتقليب المحتويات، شعرت بيدٍ تجمع خصلاتها وتضعها برباطًا انسدل طرفه على وجهها فتمكنت من شم رائحة البرفيوم العالقة به باجتيازٍ، أغلقت عينيها بقوةٍ ولسانها يردد دون ارادة منها:
_عُمران!
مال على كتفها يضمها إليه وهمسه المغري يصل لمسمعها:
_جنبك وقريب منك يا حبيب قلبي!
طمستها مشاعرها وقربه الخطر يقتحم أسوارها، تناست كل شيءٍ، حتى وقوفها أمام نار الموقود، مالت إليه تستجيب لحبه المطالب بقربها بعد يومًا قضاه وهو يجاهد السيطرة على اعصابه المشدودة، استكانت على صدره وصوت اندفاع دقات قلبه لقربها يرضي طبلة أذنيها، فابتسم وهو يهمس لها بمكرٍ:
_الطبخة اللي اجتهدتي وبتتباهي بيها هتولع مع شرارة الحب يا بيبي!
رددت بعدم فهم:
_طبخة أيه!
مال بها يغلق الزر الألكتروني وهو يردد من بين ضحكاته:
_طيب خليني أنقذها لما تفوقي من سحر قربي!
برقت بصدمة وهي تستعيد ادراكها تدريجيًا، فدفعته للخلف وهي تراقب الجانب الخاص بطاولة الفتيات:
_عُمرااان أنت بتعمل أيه يا مجنون، أختك ومرات أخوك بره!!!
منحه نظرة جريئة غير مبالية بما ذكر، وقال ويده تمتد لتعدل من جرفاته الذي يحتضن خصلاتها بتملك:
_كده عندك ليا اتنين جرفات، واحد اتخليت عنه عشان حبيب قلب جوزه يعرف يأكل من غير ما يتضايق والتاني أخدتيه مني يوم فرح علي.
وانحنى تجاهها يهتف بخبث:
_فاكرة اليوم ده يا مايا؟
ارتبكت وعينيها تتسع صدمة من تلميحاته الوقحة، فرفعت الملعقة تهدده بها:
_امشي يا عُمران.. إمشي بدل ما أبهدلك بالبشاميل!!!
جذب الملعقة منها وتناول المعكرونة التي صنعتها ببطءٍ متعمدًا أن يهتف دون مبالاة بتعصبها:
_أمممم.. لذيذة أوي.
وغمز لها بمشاكسة وهو يتابع طريقه:
_شيلي ليا طبق لحد ما أرجع.. مش هتأخر عليكِ يا بيبي.
رفعت يدها تتحسس نبض قلبها المرتجف بحسرةٍ:
_هيموتني في مرة من أفعاله وجرائته دي!!
وزفرت بغيظٍ وهي تلقي الملعقة من يدها، تنهدت بقلة حيلة وهي تجذب أحد الاطباق لتسكب لها، فعاد لها حديثه يتكرر بمخيلاتها فهتفت بدهشة:
_هو رايح فين تاني!!
******
تجمعوا مرة أخرى قبالة باب القصر، فصعد عُمران بسيارة آدهم جوار أيوب بالخلف، بعد أن أقنع علي بالبقاء والاسترخاء بعد يومه المجهد هذا، فولج للداخل وغادرت سيارة آدهم للمشفى ومن خلفها سيارة يوسف.
اتجه للدرج ليصعد للأعلى ولكنه توقف فور سماعه صوت ضحكات قادمة من المطبخ، اتجه للداخل باستنكارٍ من استيقاظ أحدٌ بوقتٍ هكذا، فابتسم وهو يردد بسخرية:
_دي العيلة كلها هنا وأنا مش واخد بالي!
صاحت شمس بحماسٍ:
_علي... تعالـــى اقعد عما أجبلك طبق.
جذب المقعد المجاور لفاطمة التي تزيح بقايا الطعام على فمها بحرجٍ، فراقب الموضوع على الطاولة قائلًا بصدمة:
_حد يأكل مكرونة والساعة داخلة على ١٢!! شمس إنتي مش هتبطلي تعملي مصايب بليل دي.
اجابته بمزحٍ وهي تضع أحد الاطباق أمامه:
_الجوع كافر يا دكتور علي!
وتابعت بحنقٍ:
_وبعدين انت متضايق أوي ليه ما مراتك منسجمة معايا وعجبها الوضع.
ارتشفت فاطمة من كوب المياه بحرجٍ، فابتسم علي وسحب شوكته يلتهم الطعام وهو يردد بحب:
_اللي يعجبها يعجبني بالإجبار... ومستعد أنزل كل يوم بليل أطبخلها أنا بنفسي.
مالت شمس على الطاولة تستند على ذراعيها، ونظراتها تمر بينهما بمشاكسة:
_يا الله على الرومانسية والحب... أنا لو سمعت الكلام والحركات دي من عُمران مش هتفاجئ لكن دكتور علي أخويا الهادئ الخجول مش قادرة!!!
وتابعت وهي تغلق عينيها بتنهيدة:
_صحيح الحب بيصنع المعجزات!
أفاقت على ضربة خافتة أصابت أعلى رأسها وقولًا حازمًا:
_فوقي من أحلام العصر اللي انتي عايشاها دي وروحي هاتيلي مايونيز!
استقامت بوقفتها وهي تُتمتم بضيق:
_ماشي يا علي!!
ضحكت فاطمة بصوتها كله، فمال عليها يسألها باهتمامٍ:
_زينب فين؟
ردت عليه وهي تراقب طبقها حتى تهرب من نظراته الحنونة:
_أكلت معانا ولسه طالعه من شوية .
وحينما تذكرت ما حدث لها قابلته بنظرة حزينة:
_كانت راجعه من برة وشها وارم وقالتلي إن ليها زميلة في الجامعة اتخنقت معاها ومايا راحتلها وحلت الموضوع، كنت عايزاك يا علي تروحلها الجامعة وتشوف البنت دي لتضايقها تاني أو تعملها حاجة.
وتمردت دموعها وهي تخبره:
_أنا ماليش غيرها يا علي.
سحبها بأحضانه وربت على رأسها بحنانٍ وقلق من معرفتها الحقيقة، فقال:
_متخافيش يا حبيبتي أنا هروح معاها بكره بنفسي وهشوف الموضوع ده، المهم متزعليش نفسك.
رفعت رأسها إليه ومازالت قريبة منه:
_علي أنا حاسة إن زينب فيها حاجة، بتحاول تخبي عني ومش راضية تقولي مالها بس أنا حاسة بيها والله.
وتابعت بانهيارٍ هزمه:
_نفسي أخدها في حضني وأحتويها بس مش عارفة يا علي... أنا أول ما شوفت وشها كده اتخشبت وافتكرت اللي حصلي وآآ... وخوفت أوي يكون اتعرضت للي أنا اتعرضت ليه... آآ.. أنت مش فاهمني أنا أي عنف بشوفه بيفكرني باللي أنا شوفته.
خشى أن يتصاعد أمرها لنوبة قد تعيقه عن طريق تقدمه بما أحرزه، فربت على حجابها بحنانٍ وحب:
_اهدي يا فطيمة.. كل ده من خيالك إنتي، مفيش حاجة من دي صح.
نفت ذلك باشارة متعصبة:
_لأ يا علي.. صدقني أختي فيها حاجة بس هي خايفة تتكلم وتقولي علشان حالتي، إنت مشوفتنيش من شوية لما شوفتها حالتي كانت عاملة ازاي لدرجة انها خافت عليا ومكنتش حابة إني أشوفها بالوضع ده!
ضمها إليه بكل قوته وانحنى يقبل جبهتها، وهو يعمق نبرة صوته الرخيمة:
_خوفك عليها وخوفها عليكي ده شيء طبيعي يا فاطمة... مش معناه إنها بتحرص علشان تعبك، ثم إن مين اللي قالك إنك مريضة؟!! انتي بقيتي زي الفل ومبقتيش محتاجاني معاكي خلاص!
تعمقت بالتطلع إليه بنظرة متلهفة، فضم ذقنها بأبهامه وهو يستكمل بذكاءٍ:
_تفتكري لو بخدعك كنت هسيبك وانتِ تعبانه وهسافر مصر؟
أضاء الأمر بمُقلتيها، فقال بابتسامة جذابة:
_فاطمة انتي بقيتي كويسة من اللحظة اللي أخدتي فيها القرار إنك تكوني زوجة ليا.
اقتمع وجهها من فرط الخجل، فنهض وهو يقدم يده لها:
_الوقت إتاخر يالا نطلع.
أشارت تجاه المطبخ باستغراب:
_والمايونيز اللي طلبته!
جذبها بقوةٍ جعلتها تستند على صدره:
_مش عايز غير حضنك!
واتجه بها للأعلى تاركًا شمس تراقبه بنظراتٍ مغتاظة، فعادت إلى طبقها تلتهمه وهي تهدر بانفعال:
_أخوات أخر زمن الواد بيطرقني!!!
*****
زفر جمال بغضب وهو يراقب هاتفه:
_أخوك مبيردش لييه، أنا غُلبت معاك ومفيش أي فايدة!!
ضم يديه معًا أعلى صدره وهو يخبره ببسمة مستفزة:
_ولو جبتلي أبويا نفسه مش هأخد حقن بردو، فاستسلم بقى يا جيمي وفكك من الممرضات اللي هيخلونا نخسر بعض دول.
وزع نظراته المغتاظة بينه وبين فريق التمريض المنصدمين من ذلك المريض الملقب بالطبيب، فردد بحرج:
_أعتذر منكن صديقي الأبله لا يرغب بتناول الأبرة دون وجود أخيه، لقد هاتفته وعلى الأرجح هو على الطريق .
ضحك سيف وصاح وهو ينحني باحترام مضحك:
_حبيبي يا جيمي.
بالخارج.
وقف الشباب يتابعون الممرضات التي تخرج من الغرفة تباعًا بدهشةٍ، وما أن ولجوا للداخل حتى صاح جمال:
_يوسف إنت لبستني أخوك ومشيت!! الدكتور المحترم مفرج علينا المستشفى من ساعتها، مش راضي يأخد لا حقن ولا محاليل أمال جايبنه هنا يهبب أيه!!
ربت آدهم على كتفه بشفقةٍ:
_اهدى يا بشمهندس مش كده.
اتجه عُمران لفراشه يردد بسخرية:
_بقى كل المزز دي تعدي عليك ومفيش واحدة قدرت تغريك للحقنه!!
هز رأسه بتأكيدٍ:
_بخاف من الحقن يا عُمران.
_سيــف!!
نطقها أيوب الذي وقف يراقب اصابات جسد سيف بصدمة، فانتبه له الاخير وصاح بلهفة:
_أيوب!! آه يا ندل المستشفى بتتملى وبتتفرغ عليا من ساعتها وإنت لسه فاكر تآآ....
ابتلع باقي جملته حينما اقترب أيوب منه فلاحظ الكدمات الزرقاء التي تملئ وجهه، فتساءل بفزعٍ:
_مين اللي عمل فيك كده؟
ووزع نظراته بينهم بشكٍ:
_الصبح أنا ودلوقتي أيوب!!
وعاد يتمعن به هاتفًا بعدم تصديق:
_عمها وصلك!! عشان كده أخدوا تليفوني!!
مال عليه أيوب يحتضنه بقوة ألمته، واستمع له يقول بحزن:
_أنا السبب في اللي حصلك... قولتلك قبل كده إن الأذى هيطولك معايا.
ضمه إليه وقال بألمٍ يعتصر رأسه:
_ولو فيها موتي أنا راضي.. بس المهم أنك متتأذاش يا أيوب.
جلس عُمران يضع ساقًا فوق الاخرى بعنجهيةٍ:
_لو خلصتم حلقة العشق الممنوع ده اترزع مكانك يا عم أيوب... مش ناقصين تقطيع في القلب والشرايين بكفايا اللي عملته فينا!
ابتعد عنه واتجه يجلس جوار آدهم بالاريكة المقابلة لعمران، فتساءل سيف بفضول:
_أيوه يعني أيه اللي حصل، دخلت وحضنت ومحكتليش عمل فيك أيه ؟!
مرر عُمران يده على جبينه بتعبٍ، فلكزه بساقه الممتدة إليه:
_بكره يبقى يحكيلك واتكن يا سيف عشان وربي أطلق اللي في رأسي عليك.
تساءل أيوب ببعض الخوف:
_هو أيه اللي في رأسك يا عُمران؟
كبت آدهم ضحكاته ومال عليه يهمس له:
_كلاب صعرانه تقريبًا سمعته بيقولها تلاتين مرة!
ابتلع ريقه بارتباكٍ ومال على آدهم يخبره بصوت منخفض:
_عُمران بيبقى مخيف أوي لما بيتعصب، كويس إنك جيت هناك لوحدك، لو كان جيه وقفشها مقربة مني كده كان هيضيع مستقبلي!!!
تعالت ضحكات آدهم بصوتٍ ملحوظ، فاعتدل رأس عمران المسترخي على المقعد ليمنحه نظرة جعلته يتنحنح مستعيدًا ثبات تعابيره، ومازالت أذنيه ملتصقة بفم أيوب الذي يعيد قول:
_عارف لو آديرا عرفت آنها في بيت عُمران مش بعيد تسلم نفسها وتقر على الجريمة اللي حصلت، هي في اعتقادها إنه بيت علي وخدمنا الدكتور علي لما هو اللي فتحلنا البيت وفضل معانا، عن صدمتها لما تعرف إنهم اخوات وانهم في بيت واحد!!!
ابتسم آدهم بينما يسترسل ايوب حديثه الهامس مستغلًا انغلاق أعين عمران واسترخائه على المقعد، بينما مازال جمال ويوسف يقفان بالخارج برفقة احد الاطباء للاطمئنان على صحة سيف:
_تعرف أنا نفسي بترعب منه بس بحبه أوي والله! إنت مصدقني صح؟
استدار إليه يجيبه بضحكة ساخرة:
_مصدقك طبعًا يا ايوب ده أنت ناقص تدخل جوه ودني وتقولي الكلام فده اداني تأكيد أنك ميت في جلدك منه مش مرعوب بس!!!!
ضحك أيوب وأشار مؤكدًا له، ثم قال ببسمة هادئة:
_أنا صحيح زعلان اني نازل مصر بكره بس فرحان إنك هتكون معايا..
وبارتباكٍ سأله:
_آدهم هو أنا ينفع أفضل على تواصل معاك لما ننزل مصر؟
تبددت ابتسامته وأجابه بضيق:
_ إنت كنت هتقطع علاقتك بيا يابن الشيخ مهران!!!
وبسخرية قال وهو يقلد نبرته:
_أمال أيه أنا بحس باحساس غريب من نحيتك وبشم فيك ريحة أبويا كنت بتتسلى بيا!!
اتسعت ابتسامته وقال:
_خلاص هكلمك ونتقابل دايمًا.
ابتسم آدهم وأخبره بحب:
_مش بمزاجك يا أيوب هتقابلني غصب عنك وخصوصًا إني خلاص وصلت لمكان ابن عمك وهفتح القضية من تاني.
انتفض بلهفة:
_بجد؟
هز رأسه يؤكد له فكاد بأن يستفسر عما يقصده فناداه سيف بوجع:
_أيـــــــوب... تعالى هنا يا حيوان أنا مش ملاحق ألمك من جنب الخلق!! جاي تزورني وتخفف وجعي ولا تحب وتضرب صحوبية مع سيادة الرائد!!
انفجر آدهم ضاحكًا وهو يضرب كفًا بالأخر، بينما أسرع أيوب للمقعد القريب منه يخبره بضيق مصطنع:
_مالك بيا يا سيف مش شايفني متشلفط قدامك!!
منحه نظرة ساخرة اتبعها قوله:
_وأنا قدامك أيه حاطط مكياج!! انا اتدشملت بسببك مش واخد بالك ولا اللكمة اللي اخدتها ضيعت النظر!!
ضحك رغمًا عنه وانحنى يربت على صدره كالطفل الصغير:
_معلش يا سيڤو علقة تفوت وإن شاء الله متتكررش تاني.
رفع أحد حاجبيه باستنكار:
_معناه أيه الكلام ده... هتعقل وتبطل تحشر مناخيرك مع اليهود!!
هز رأسه وأجاب:
_عقلت وتوبت بعد المرمطة اللي اتمرمطتها.
وانحنى يهمس له بصوتٍ يدعي البكاء الساخر:
_صاحبك اتمرمط واتحط عليه بالجامد من عمها ابن الأ... شووفت كنت هشتم في ابتلاء أبشع من كده.
ضحك سيف ساخرًا:
_لا ده مش ابتلاء عمها ده من صحوبيتك مع عُمران الوقح.
_ماله عُمران يا دكتور؟! مش هتلم لسانك ده بروح أمك النهاردة!!!
لفظ بها ذاك الغاضب بعدما اعتدل بمقعده، ونهض يشير للاخر:
_هتيجي معايا ولا مشرف مع أبو لسان طويل!!
_معاك يا باشا بس اهدى كده وروق!!
قالها أيوب وهو يراقب ملامحه بتوترٍ، فولج جمال للداخل يشير لعمران:
_تعالى بره عايزك.
تركهم وخرج لجمال أمام الغرفة، فقال:
_عُمران أنا عارف إن الوقت مش مناسب للكلام ده بس اللي حصل النهاردة لازم تعرفه.
فرك رأسه المتعب وقال:
_اتكلم يا جمال أنا مش هسحب من على لسانك الكلام!
سحب نفسًا مطولًا وألقى قنبلته الموقتة:
_خالك جاني المستشفى النهاردة بحجة إنه بيزور والدتي وبصريح العبارة كده هددني إني انسحب من مشروع المول التجاري لإنه عايز يدخل معاك فيه.
احتد الغضب برماديته بشكلٍ سافر، وصاح بعنفوانٍ:
_مشروع أيه ده اللي عايزني أدخله معايا شريك فيه، اتجن ده بروح أمه!!! وبيهددك إنت ليه خايف يواجهني بطمعه وجشعه مش جديد عليا!!!
راقب جمال الوجوه من حوله وصاح:
_احنا في المستشفى يا عمران ميصحش كده.
هدأت انفاسه المنفعلة تدريجيًا، وأضاف بعزمٍ:
_ماشي يا نعمان أنا وراك لما اجيب أخرك .... وعلى رأي المثل العيلة اللي مفهاش صايع حقها ضايع!!!!
ارتعب جمال من رؤية ابتسامته المخيفة وسأله بارتباك:
_ناوي على أيه يا عُمران؟
اتسعت ابتسامته وأجابه بفحيحٍ مخيفٍ:
_كل خير يا جيمي ده الخال بردو!!
*******
بالداخل.
بذل يوسف مجهودًا مضاعفًا حتى تقبل سيف أن يوضع بيده أبرة المحلول، فاضطر الأطباء أن يضعوا بالمحلول الآبر، فجأتهم ليلى حينما ولجت تحمل عمود معدني من الطعام، وضعته على الكومود وسحبت أحد الاطباق ومن ثم سكبت له قائلة:
_عملتلك شوربة خضار وبإيدي عشان تعرف معزتك يا دكتور سيف.
ابتسم وهو يشير ليوسف:
_سندني يا يوسف الريحة تجوع لوحدها وأنا واقع من الجوع.
عاونه يوسف حينما رفع السرير بريموت متحكم، فقدمت له ليلى الطبق وقالت ببسمة رقيقة:
_ألف هنا.
اشار لها يوسف وهو يضع الصينيه أمامه:
_أعملي طبق لأيوب يا دكتورة ليلى، وشوفيله مضاد للالتهابات للاصابات اللي في وشه.
تنحنح أيوب بحرج لتقززه من تناول تلك الشوربة:
_انا كويس يا دكتور يوسف.
ضحك باستهزاءٍ وأعاد ما قال:
_اديله طبق وشوفيله الدوا يا دكتورة.
هزت رأسها بطاعةٍ واتجهت إليه تناوله الطبق:
_اتفضل يا بشمهندس... هروح أجبلك من الدوا وراجعه.
تناوله منها مرددًا باحترام:
_شكرًا.
غادرت ليلى الغرفة وانشغل يوسف باطعام سيف، بينما ظل أيوب يراقب طبق الشوربة بأعينٍ منفرة، وحينما رفع رأسه لمن يجاوره وجده يحدجه بنظرة مهتمة وقال:
_كل... مستني أيه؟
ابتلع ريقه بصوت مسموع وكأنه سيتناول شيئًا سام وقال:
_بقرف منها يا آدهم!
ابتسم ومال عليه يهمس له:
_ما انت عملتهالي قبل كده واجبرتني أكلها!
راقب الطبق لقليل من الوقت وقال:
_لازم أكل الدكتورة ممكن تفكرني قرفان من أكلها بس أنا والله مش بحبها.
اتسعت ابتسامة آدهم وقال كأنه يعامل طفلًا صغيرًا:
_جدع.. كل وخلص طبقك بسرعة قبل ما ترجع.
ابتلع سخريته وبدأ بنزع حبات البازلاء الخضراء(البسلة) ، ووضعها على أحراف الطبق، ثم بدأ بتناولها، فقد كانت شهية للغاية.
تابعه آدهم باستغراب، وكأن نسخته تعيد ما يفعله، انتشرت طرقات باب الغرفة ومن بعدها ولجت ليلى واقتربت من أيوب لتقدم له الدواء، فحاول سحب البازلاء عن سطح الطبق سريعًا قبل أن تراه، ففجأه آدهم حينما جذبها ووضعها بفمه سريعًا يتناولها وملامحه تشمئز وهو يلوكها بنفورٍ.
تمعن به أيوب بصدمة وتناسى يد ليلى التي تقدمها له بالدواء، فنادته لتجذب انتباهه:
_الدوا يا بشمهندس.
انتبه لها فتناول الحبوب والمياه منها وشكرها بامتنان وما ان غادرت حتى جذب منه آدهم زجاجة المياه يتجرعها مرة واحدة ليقابله بنظرة ساخرة:
_شوفت عشان بحبك بلعت أيه؟
هز رأسه بابتسامة واسعة:
_مش متخيل أساسًا إنك أكلتها، إنت كنت بتشيلها يوم ما حطتهالك في الشوربة!!
جذب المنديل يمسح فمه وأردف بتسلية:
_عد الجمايل يابن الشيخ مهران.
قاطعهما صوت الطاووس الوقح:
_هتبات هنا ولا أيه يا عم أيوب!!
ودع آدهم وهرول سريعًا للخارج يصيح:
_أوعى تتعصب أنا في ديلك!!
منحه نظرة ساخرة واتجه للمصعد فولج خلفه وهو يلوح لآدهم بيده فابتسم وهو يلوح له هو الاخر قبل ان ينغلق المصعد ويختفي بهما.
*******
تراجعت بعيدًا عن الرخام الأسود المحيط لحوض الاغتسال بصدمة، يديها مضمومة على فمها، ولسانها ينطق دون توقف:
_مش ممكن!! لأ مستحيل!
تراجعت فريدة حتى جلست على غطاء الحمام ومازالت نظراتها تحيط اختبار الحمل الايجابي الموضوع جوار حوض الاغتسال.
اعادت خصلات شعرها للخلف ومازالت تحت تأثير الصدمة:
_لأ!!! ازاي ده حصل!!
وتابعت ودموعها تلألأت بحدقتيها:
_هقول أيه للأولاد!! وشمس!! شمس فرحها بعد كام يوم لا مستحيل!!!
اعتلت الصدمة ملامحها لدرجة جعلتها تعيد الاختبار لأكثر من ثلاث مرات، وأكثر ما يهزمها بتلك اللحظة الندم والصدمة، نعم مازالت صغيرة تتمتع بجسدٍ ممشق، من يرآها لا يجزم بأنها قد أنجبت يومًا بفعل حفاظها على وزنها والرياضة المنتظمة ولكن كيف ستفعلها وأولادها بات كلًا منهما رجلًا على وشك استقبال خبر حمل زوجاتهما، وابنتها على بعد أيامًا من زواجها!
ضمت فمها ومازالت تحاول الاستيعاب وبعصبية صاحت وهي تلقي الاختبار بسلة القازورات:
_ازاي مأخدتش بالي!!!
********
وصل آيوب برفقة عُمران للقصر، فولج للملحق الخارجي واتجه لغرفة فارغة وغفى بها بتعبٍ، بينما صعد عُمران للأعلى واتجه لحمامه الخاص، انتعش بحمامٍ دافئ واتجه لفراشه بعد أن ضبط المنبه على وقت الفجر مثلما يعتاد.
مضت ثلاث ساعات حتى استيقظ، خرج للشرفة الخارجية يتفحص السماء ببسمة خافتة، ومن ثم عاد لجناحه يجذب سجادته الخاصة وحامل المصحف الخاص بمصحفه الكبير، وهبط للحديقة.
فرد سجادته ووضع حاملة المصحف جواره، أدى صلاته بخشوعٍ تام وحينما انتهى وقف يتمعن بالحديقة مستمتعًا بتلك الأجواء المحببة إليه.
جلس على سجادته يرتشف المياه وما أن استكان وسحب حاملة مصحفه الشريف وبدأ بالتلاوة بصوتٍ عذبٍ خاشع، فردد آية استحضرته بكل ذرة داخله
بسم الله الرحمن الرحيم.
«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا» (سورة المائدة).
صدق الله العظيم..
وتابع قراءته بصوته الخاشع إلى أن انتهى من وارده بشكلٍ متقن، حتى اتحنى يغلق مصحفه وقال بصرامةٍ دون أن بتطلع خلفه:
_هل ستمضين اليوم بأكمله وأنتِ تراقبيني؟!
انتفضت تلك المختئبة بين فروع الشجر العملاق، وكادت بالعودة وهي تلعن فضولها الأبله بالتنزه بتلك الحديقة الرائعة، فأسقطها قدرها بوجهة ذلك الشرس، فتعجبت حينما رأته يصلي مثلما يفعل أيوب.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، وكادت بأن تفر راكضًا ولكنها وجدته يردد ومازال يلملم أشيائه الخاصة:
_كنت فظًا معكِ طوال تلك الفترة أعتذر عن ذلك..
أسبلت بعدم تصديق وخرجت من بين الأشجار تراقبه بنظرات مشككة، فوجدته يتطلع أرضًا أسفل قدميها مثلما يفعل زوجها، فقالت بتيهةٍ:
_أنت تبغضني كثيرًا فلماذا تعتذر لي فجأة؟!
ابتسم بخبث، فبعد ما استمع له بالأمس من أيوب اكتشف أنه شابًا ذكيًا يستدرجها لقيم دينه دون اجبارًا منه، ربما كان يمقتها كثيرًا لإنه يكره جنسية هؤلاء الذين يتسببون بما يحدث بأرض فلسطيــن، ولكن ما هون عنه سماعه لقصتها فأشفق عليها..
تنحنح عن صمته يخبرها وهو يتجه للمقعد المجاور للمسبح الضخم:
_ليس لسببٍ معين، أخطأت وإعتذرت وانتهى الأمر!
فركت أصابعها بارتباكٍ وهي لا تعلم أتثق به أم تركض عائدة لآيوب مصدر أمانها، ولكن فضولها كان قاتلٍ، فاقتربت تبعد المقعد المجاور لطاولته لتكون على بعدٍ كبير منه، حتى تلوذ بالفرار الآمن إن تطلب الأمر.
منع ابتسامة ساخرة ارتسمت على محياه وانشغل بترقب المياه الصافية من أمامه ليعلم ما الذي تريده باقترابها هذا، فاتته تتساءل بفضول:
_رأيتك وأنت تصلي مثلما يفعل أيوب فاندهشت قليلًا.
رفع احد حاجبيه بذهولٍ:
_لماذا؟
أجابته بتلقائية مضحكة:
_أيوب يفعلها لذا هو خلوق للغاية وأنا أثق به كثيرًا وأنت تصلي مثله ولكنك لست مثله، أنت مخيفًا... آآ.. أعني أنت سيئًا آآ.... أنت آآآ...
واستطردت وهي تقبض على طرف المقعد:
_أعتذر ولكنك تخيفني للغاية.
تنهد واستند على ظهر المقعد:
_لا عليكِ... أنا أعلم ذلك.
عبست بحدقتيها صدمة:
_هل أنت على ما يرام سيدي؟
كبت ضحكته بصعوبة وقال بجدية مصطنعه:
_هل لي بسؤالك ما الذي تفعلينه خلف الشجرة؟
ردت تجيبه:
_رأيتك تصلي فتعحبت لذلك، أيوب يخبرني أن الصالحين لا يتركون صلواتهم وأنت شريرًا فاسقًا يا سيدي!
برق بغضب جعلها تتأهب لما هو قادم، ومع ذلك سيطر على غضبه وقال:
_وما الذي يدفعك للظن بأنني شرير فاسق يا امرأة؟
بتلقائية تتدعي البراءة اجابته:
_لانك كلما تراني تبرق بوجههي وكأنك ستتحول لأفعى سامة تعتصرني!
همس بسخط:
_يا ريت كنت اتحولت ولسعتك وخلصنا من خلقة أمك!!
عاد ينظم أنفاسه ويستعيد قوته المهدورة، واعترف لذاته ان آيوب يبذل مجهودًا مع تلك الحمقاء يستحق كاسًا ذهبيًا اجلالاً له، وقال:
_ولكني لم أفعلها أليس كذلك؟
هزت رأسها تؤكد له صدق حديثه، فتابع ببسمة زائفة:
_اطمئني ديني لا يسمح لي بقتل أي نفس، الله عز وجل حرم علينا ذلك ومن يفعلها مصيره جهنم وبئس المصير، أنتِ رأيتي بعينيكِ أنني أودي صلاتي لأتقرب من الله عز وجل فلما عساني أرتكب ذنبًا عظيمًا كذلك.
رمشت تستوعب ما قال، وسألته باهتمام:
_هل يعني ذلك بأن الله سيحاسب عمي عما ارتكبه بحقي وبحق أخي؟
أكد لها:
_بالطبع كلنا سنحاسب عن أفعالنا... وعن المعاصي التي ارتكباها بالدنيا.
_ألم ترتكب معاصي يومًا؟
ابتسم ساخرًا وقد تقاذف إليه كل السييء الذي فعله بحياته:
_بلى، فعلت كل شيء تقريبًا.. ولكني تراجعت عن ذلك حينما كشف الله عز وجل عن بصيرتي.
تابعته باهتمامٍ وتساءلت بلهفة:
_ومتي سيُكشف عن بصيرتي؟
التفت تجاهها وقد لمس ما بداخلها، فقال يطمنها:
_لا أعلم، ولكني أشعر بأنه سيحدث قريبًا... قريبًا جدًا.
اتسعت ابتسامتها بفرحةٍ وكأن الحياة فتحت ذراعيها وتلقفتها داخلها، فاعتدلت بجلستها وقالت بتحفزٍ:
_فلتخبرني إذًا كيف أعتنق دينك؟
وتابعت باستفهامٍ مهتم:
_هل يجب أن أذهب لمكانٍ محدد أو مقابلة أحدًا لفعل ذلك؟
كاد أن يجيبها حتى أستوقفهما صوتًا ذكوريًا يهتف بفزعٍ من بين أنفاسه اللاهثة بسبب ركضه السريع:
_آديـــــرا أنتِ هنا!! لم أترك مكانًا الا وبحثت عنكِ فيه.
وانحنى "أيوب" يستند على ركبته ليواجه موجة سعالها من فرط مجهوده، ومن ثم انتصب قبالتهما، يوزع نظراته بينهما بصدمة قد احاطته لحظة أدراكه فردد وعينيه تجوبهما باستنكارٍ:
_ما الذي يحدث هنا؟؟!!
نهضت آديرا واتجهت إليه تخبره بحماسٍ:
_ذلك المتوحش ليس سيئًا بالمرة أيوب... لقد كان لطيفًا للغاية.
بالطبع لم ترى تلك الأعين الملتهبة من خلفها، فكانت نصب أعين أيوب، وما زاد صدمته حينما اتجهت لعمران مجددًا تسأله بحماسٍ صدم أيوب وأصابه في مقتلٍ:
_فلتخبرني الآن كيف أصبح مسلمة مثلكم!
............ يتبع............
#صرخات_أنثى... #حبيبتي_العبرية.. #بقلمي_آية_محمد_رفعت...
#الاقوى_قادم..
********_______*******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الثامن وأربعون 48 - بقلم آية محمد رفعت
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل التاسع وأربعون 49 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الرابع_والأربعون..
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات " منة الله صبحي"، "اسراء دويدار"،" همسات مالك"،" بسملة مصطفى"، "سماح هجرس"،" ريم محمد"، "رهف شادي"،" عزة عبد المنعم "،" كريمان صبري" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أنا ذاك المغرور الذي عاش حياته بطولها وعرضها، أنا نفسه الشاب الوسيم المرغوب دائمًا من الفتيات، مظهري واهتمامي بجسدي الرياضي هما من أولوياتي، لا غالي وثمين لدي مثل خزانتي التي تمتلك أثمن الثياب ذات الماركات العالمية، أنا نفسه الذي برع بالهندسة وامتلكت رئاسة مقر الشركات الإنشائية التابعة لعائلتي وكنت على قدرٍ من الثقة لأكون من أصغر رجال الأعمال المعروفين، أنا نفسه ذاك العاصي الذي ارتكب من الذنوب ما أثقلها، أنا ابن الطبقة الأرستقراطية حيث تجد الخمور مشروبًا رئيسي للحفلات المُقامة وبالرغم من وجود الطاهر والعفيف عن المحرمات بيننا كنت أنا الفاجر والفاسق الذي ارتكب كل شيءٍ مُحرم، أنا هو الشاب الوقح الذي انتزعت منه طفولته، كنت وحيدًا ، يتيمًا، ولم أجد من يمسك يدي لبداية طريقي سوى أخي، ولكنني كنت بحاجة لوجود أب لجواري، أنا ابن فريدة هانم الغرباوي أهم نساء الوسط المخملي، وبالرغم من حبي الكبير إليها الا أن قلبي مازال يحمل لها عتابًا لها، أتعلمون لم أجدها يومًا تسحب يدي وتخبرني عن ديني!
قواعدها الخاصة والدقيقة تشمل اتيكت المظاهر الخارجية، نجحت بأن تجعلني رجلًا جذابًا، ملفتًا بملابسي الأنيقة وجسدي المفتول، وفشلت بأن تعصبني عن محرماتٍ طمست حياتي وأحالتها لجحيمٍ، وها أنا الآن أحاط برحمة الله عز وجل، ليجعلني أرتد عن ذلك الطريق!
لحظة! كانت لحظة فقط من جعلتني أعود من غفلتي، لحظة فارقة سلخت حياتي المظلمة، على طريقٍ جعلني قريبًا من الموت لأجد منارتي التي كنت غافلًا عنها، أقسمت بأنني لن أعود لتلك المعاصي مرة أخرى وسلكت طريق طاعته وأنا على ثقة بأنه سيغفر لي ذنوبي، وها هو يشملني برحمته ويختصني لأكون سببًا لاعتناق تلك العبرنية للدين الإسلامي، على الرغم من أن الحق الكامل يعود لزوجها.. أيوب بن الشيخ مهران!!.
لحظات من الصمت كانت ثقيلة عليهم وبالأخص آديرا التي تنتظر متلهفة سماع ما سيخبرها عُمران به، متجاهلة صدمة أيوب واتساع حدقتيه المندهشة مما يحدث.
تخلى عُمران عن صمته أخيرًا متنحنحًا بخفوت:
_إعتناق الإسلام لا يشترط بالذهاب لمكانٍ أو لشخصٍ معين.. جملة واحدة تعد بوابة العبور ولكن عليكي أولًا أن تكوني على ثقة تامة بقرارك وعن قناعة.
سبقتها لهفتها لسماع تلك الجملة المحفزة، وقلبها يحفزها بأنها ولأول مرة تفعل الصواب:
_أخبرني أيها المتوحش!
منحها نظرة عبرت بها ضيقه الشديد كالسهم النافذ، تارة تلقب أخيه بالإرهابي ونصيبه الآن بذلك اللقب الذي كان سابقًا يروق له، حسنًا عليه التخلي عن غروره المعتوه قليلًا وردد بخشوعٍ تام:
_أشهد أن لا إله الا الله.
ابتلعت ريقها الجاف مستحضرة كل حروفها المهتزة في محاولةٍ لنطق العربية:
_أأشهد أن لاا إله آلااا الله.
تابع يحفزها على استكمال نطقها للشهادة حتى وآن كانت لغتها العربية ضعيفة:
_وأشهد إن محمدًا رسول الله.
تابعت بسعادةٍ غريبة تنبعث داخلها، وكأنها تتحرر من ظلام ليلًا قاتل لنهارٍ سطعت فيه الشمس كالبلور:
_وآآشهد أن مُحمد رسول الله.
أغلق أيوب عينيه بسعادة حررت دمعة من عينيه، شعر وكأنه على وشك البكاء من رحمة الله عز وجل، كان هو الأصلح لطريق اسلامها فكان الاختيار لعُمران، الطاووس الوقح، بات مشوشًا لا يعلم ماذا بين ذاك الفتى وبين الله عز وجل ليختصه بأخر شيء لا يصدقه العقل، فمن كان سيصدق أنها ستأسلم على يد أكثر شخص بغضته وكادت تقتل رعبًا منه.
أفاق من غفلته على يدها التي تحيط كفيه، تسأله بحماسٍ وفرحة:
_أيها الارهابي هل أصبحت مسلمة الآن؟
اكتفى بهز رأسه وحينما شعر بأنه على وشك البكاء بينهما انسحب للجانب الاخر من الحديقة، جلس على المقعد باهمال يبكي فرحة كالصغير.
كاد عُمران بأن يتبعه ليرى ماذا أصابه؟ فأوقفته آديرا تسأله باهتمامٍ:
_ماذا علي فعله الآن؟
سحب نفسًا مطولًا وكأنه يستمد طاقة غادرته منذ زمن بعيدًا:
_لست أنا جدير لتلك الخطوة آديرا.. ولكنك الآن على وشك اللقاء بمن هو الأحق بذلك.
قوست حاجبيها بدهشةٍ:
_من تقصد؟
وتابعت بتخمينٍ:
_أيوب؟
هز رأسه نافيًا وببسمةٍ صغيرة قال ومازالت عينيه موضوعة أرضًا:
_الشيخ مهران والد أيوب.. الآن أنتِ مسلمة ينقصكِ سماع كل شيء متعلق بالدين الإسلامي،أركان الإسلام، طريقة الصلاة، الزي الشرعي، كل ذلك سيكون من أصول تعليمه لكِ.
ابتسمت بسعادةٍ، قد راق لها اختياره لمرشدها، فإن أعجبها خصال أيوب الطيب فمن المؤكد بأن والده سيكون المعلم الأمثل، لذا رددت بامتنانٍ:
_شكرًا لك.
واتجهت للمغادرة فما أن انخفضت عن الدرج القصير بين منطقة المسبح والحديقة حتى قالت بمرحٍ:
_أيها المتوحش.. لست سيئًا كما أعتقدت!
وتركته وغادرت فهز عمران رأسه هاتفًا بحنقٍ:
_مصرة تخرجني عن شعوري بروح أآآ.... استغفر الله العظيم ده أنا لسه كنت قدوة من شوية!!!
*********
وقفت سيارة الأجرة قبالة باب القصر الخارجي، فهبط آدهم يحمل حقيبته من الصندوق الخلفي للسيارة، ورفع حاملتها ليجذبها خلفه للداخل، كان بطريقه لباب المنزل الداخلي فلمح أيوب يجلس على احدى الطاولات الخارجية.
رنا إليه وهو ينزع نظاراته الشمسية قائلًا بابتسامة جذابة:
_صباح الخير يا بشمهندس.
رفع أيوب رأسه صوب الصوت المسموع، فما أن رأى آدهم قبالته حتى أسرع بمسح دمعاته بخزيٍ، وخز قلب آدهم بضرواةٍ، فصعد الدرجات القليلة إليه هاتفًا بقلقٍ:
_آيــوب!!
وما أن أصبح قبالته حتى ألقى لهفته بسؤاله:
_إنت كنت بتعيط؟!
هز رأسه نافيًا وهو يلتفت يتفحص المكان وكأنه ينطق بجريمة ارتكبها للتو، فرفض الأخر الانطواء خلف كذبه السخيف وردد باصرار:
_أنا مش أعمى.. مالك يا آيوب؟
تعمق بالتطلع إليه وهتف بسعادة التمسها الأخير:
_آديرا أسلمت يا آدهم.
اتسعت ابتسامته قائلًا:
_ما شاء الله.. وأيه المتوقع يعني بعد معاشرتها لابن الشيخ مهران؟!
نفى ظنونه رافعًا كتفيه بحيرةٍ وكأنه مازال غير مصدقًا:
_مش بسببي... خليني أصدمك معايا وأقولك إن اللي ورا ده الطاووس الوقح..
رفع احدى حاجبيه بصدمة فعاد يؤكد بهزات رأسه متابعًا بدقة:
_عُمران سالم الغرباوي!!
رمش آدهم بعدم استيعاب، لا يشكك بأخلاق عمران وانتمائه للدين، ولكنه الوحيد من بين الشباب الذي كان ينفر منها بشكلٍ مخيف، كيف ومتى فعلها؟
اتسعت ابتسامة آيوب الشامتة وردد:
_خدت الصدمة؟ اقعد جنبي يا حضرة الظابط نحاول نصدق الجملة اللي مش مصدقها من ساعه ما شوفتها على أرض الواقع!
انصاع إليه وجلس جواره، يتطلع كلاهما للامام بشكلٍ مضحك، الصمت يتراقص بينهما الى أن قطعه آدهم قائلًا باستغراب أتاه من حيث لا يحتسب:
_أيوه يعني ده يخليك تعيط زي العيل الصغير بالشكل ده!!
تنهد بصوتٍ مسموع واستدار يقابله بجلسته قائلًا بتردد:
_آدهم أنا اتربيت في حارة شعبية، والدي رباني أنا ويونس ابن عمي تريبة ميري زي ما بيقولوا، لدرجة إنه كان بيختار معايا أصدقائي.
وبارتباكٍ أضاف:
_اعتقد شخصية زي عُمران كان ممكن والدي يعترض إنه يكون له وجود في حياتي، لإن عُمران مختلف عننا.. بس أعتقد إنه لو شافه زي ما أنا شوفته هيتبناه!
يشعر وكأنه فقد مهاراته كظابط مخابرات محترف، يقف أمامه عاجزًا عن فهم ما يود قوله، فسأله بدهشة:
_تقصد أيه يا آيوب؟
رد عليه بابتسامة صغيرة:
_قصدي إن عُمران يبان من بره أنه شخص آرستقراطي مغرور.. وممكن من وقاحته تفكره إنه مدورها وبيرتكب كل شيء حرام، بس لما تقربله هتلاقيه شخص عظيم محصلش يا آدهم.
وتابع وهو يتطلع للأمام بشرود:
_أيه المبهر إن ابن الشيخ مهران بيصلي وعارف ربنا .. في حين إن واحد زي عمران اتولد في مستنقع كله مليان بالمحرمات وبالرغم من إنه انغمس فيها الا إنه خرج واقف على رجليه وصالب طوله.. هو اللي اختار طريقه وغيره بكل ارادة وده صعب جدًا مش سهل إنك تعيش حياة سهلة فيها المعاصي سهلة وتبعد..
واستدار يقابل نظرات آدهم مؤكدًا له:
_هو المبهر يا آدهم... أنا بحمد ربنا إنه رزقني بصديق زي عُمران.
انهمرت دمعة خائنة على وجهه، فأزاحها ورسم بسمة تصاحب قوله المرح:
_هو بس يعدل من كلامه ويعتزل أسلوب البلطجة اللي جواه ده وهيبقى برفكت!
مازحه آدهم وصوت ضحكاته الرجولية تعلو دون توقف:
_لو عمل كده ميبقاش الطاووس الوقح!
_لا يا خفيف هيبقى ليا كتالوج وأنا(قطعة واحدة one piece)
قالها عمران الذي يتكئ على الطاولة من خلفهما، انتفض آيوب بجلسته فسقط أرضًا وتراجع للخلف وهو يحدجه بذعرٍ، بينما مازال آدهم ساكنًا محله حتى أنه لم يكلف ذاته عناء الاستدارة لمقابلته، فهتف آيوب باستتكارٍ:
_آدهم.. انت كنت عارف إن الوقح ده واقف!
انتصب بوقفته يضع يديه بجيوب جاكيته الاسود، متمتمًا بحنقٍ:
_مش كل شوية هقولك اني ظابط وأشرحلك اللي اتدربت عليه.. بس ممكن نقول سبته يسمعك وانت بتعبر عن مشاعرك.
وتابع بغمزة مشاكسة:
_لحظة صفا قبل ما سيڤو يلمحك!
وتركهما واتجه للداخل، فتحرك عُمران واحتل مقعد آدهم، واضعًا قدمًا فوق الاخرى، ومال بنصفه العلوي ليستند على ذراعه هادرًا بسخطٍ:
_والسيد الوالد يمانع صحوبيتنا في أيه يا ابن الشيخ مهران!
ابتلع ريقه بتوترٍ، وكأنه تلميذًا سيعاقبه مدرسه، فتابع عمران بعنجهيةٍ:
_طب أيه رأيك إنك هتلاقيني في وشك، وهنشوف وقتها الشيخ مهران هيعمل أيه لما أقطع تذكرة العودة لانجلترا أما خليته يعمل مظاهرة في حارتكم مبقاش عمران سالم الغرباوي!!
ترك الحديث وكأنه لا يعنيه ونهض إليه، يجلس جواره ويده تتعلق بذراعه كالطفل الصغير:
_بجد يا عمران هتجيلي مصر؟
ابتسم وهو يرى سعادته الكبيرة، فهز رأسه يؤكد له:
_لما علي يسافر ويرجع علشان مينفعش أسيب والدتي والبنات لوحدهم.
عانقه بقوةٍ:
_هستناك تيجي عشان أعرفك على والدي وعيلتي.. أنا أساسًا مش مستوعب اني هسيبك وهمشي.
ربت على ظهره بحنانٍ، وردد بسخرية:
_بالعكس انت هترتاح من وقاحتي وأسلوبي السليط معاك.
ابتعد عنه يواجهه قائلًا بصوتٍ جاهد ليخفي به بكائه:
_أنا مش بتضايق منك ولا بخاف من غضبك.. أنا خوفي كله بيكون على زعلك يا عُمران.. مبحبش أشوفك زعلان مني.
منحه ابتسامة هادئة، ومازحه وهو ينغزه برفقٍ:
_يالا خليك صريح وقول إنك بتخاف من عضلاتي وغشومية ايدي!
ضحك بصوته كله، وأجابه:
_على فكرة أنا بعرف أدافع عن نفسي كويس، لإن اللي متعرفهوش إن بعد العلقة المحترمة اللي أكلها سيف على إيد جاره المصري اللي إنت اتنشلته منها دكتور يوسف شده من قفاه على مدرب ملاكمة وسيف حلف ما يروح لوحده شدني معاه فاتعلمت كام حاجه تنفعني مع أمثالك!
هز رأسه ساخطًا:
_أمثالي أمممم..
وربت على ظهره بقوة اسقطت آيوب أرضًا عدة مرات:
_متخرجش المتوحش اللي جوايا بدل ما ترجع لأبوك متشلفط يا ابن الشيخ مهران!
_أيهــــا الإرهـــــــــــــاربـي!!!
رفعوا رؤؤسهما عاليًا تجاه شرفة الملحق الخارجي للقصر، فوجدوا آديرا تصيح وهي تشير بيدها لآيوب قائلة بصراخها الصاخب:
_أصعد قليلًا... أواجه مشكلة هنا!!
مال عمران برقبته يمينًا ويسارًا بعصبية جعلت صوت طقطقة رقبته تجلد آيوب المرتعب، فمال عليه يهمس من بين اصطكاك أسنانه:
_أنا بحاول أسيطر على نفسي فوق المحتمل، فتطلع بمنتهى الهدوء اللي معنديش منه ذرة تقولها متنادلكش بالاسم ده تاني، والا هنسى معاهدة السلام اللي ما بينا وهرجع المتوحش اللي بتذم فيه تاني..
هز رأسه وهو يزحف للخلف، فتابع بغلظةٍ:
_متنساش تخليها تكتم بوقها وانتوا في المطار لإن لو نادتك بيه هناك هتشوف مصر في الأحلام يا سيدنا الشيخ.
وتركه وغادر وهو يتمتم بضيق:
_دي مش محتاجة الشيخ مهران دي محتاجة تروح الكُتاب!
********
تمسكت بحقيبته للمرة الرابعة كالطفلة الصغيرة التي ترفض ترك أبيها يذهب لعمله، فاستدار لها مبتسمًا:
_وبعدين يا فطيمة؟
ابعدت الحقيبة للخلف وكأنها تضمن عدم فراره، وقالت بعينين دامعتين:
_هو لازم تسافر؟ ما تبعت التذاكر للدكاترة مش لازم تسافر بنفسك يعني عشان تجبهم!
كبت ضحكاته داخله، وتنحنح ليبدو أكثر اتزانًا:
_مينفعش يا حبيبتي، لازم أنا اللي اختارهم بنفسي، وبعين الحكاية كلها يومين تلاته مش هتأخر يعني.
انفلتت شفتيها بصدمةٍ:
_يومين!! هقعد من غيرك يومين يا علي!
اتسعت ابتسامته حينما وجدها تقلب شفتيها كالطفلة الصغيرة، وانفجرت بالبكاء وهو تهز رأسها نافية:
_لا مش هتسافر لأ...
وضمت الحقيبة الصغيرة لصدرها مسترسلة:
_أنا لسه تعبانه وعندي كلام كتير عايزة أحكهولك يا علي.
وأسرعت تضع الحقيبة بالخزانة وأغلقتها، ثم عادت إليه وهو يضحك بقوةٍ ادمعت عينيه وجعلته ينحني بوقفته، فقالت غير مبالية به:
_تعالى أقعد على الكرسي وأنا على الشاذلونج وأحكيلك عن حاجات كتيرة أوي.. مش إنت دكتوري النفسي أنا تعبانه جدًا جدًا.
وسحبت كفه تضعه على جبينه قائلة باصرار:
_حتى شوف حرارتي!
انفجر ضاحكًا ورأسه يتحرك بعدم تصديق، يكتشف الآن جانب غامض من شخصية فاطمة، وللحق يستمتع كثيرًا بما يراه.
استند بذراعيه على كتفيها وقربها إليه يخبرها ببسمة جذابة:
_لولا السفرية دي مهمة وخصوصًا إن شمس مينفعش تسافر لوحدها كنت كنسلت أي سفارية تجيني مدى الحياة.
ظنته سيخبرها بأنه سيبقى لاجلها، فأبعدت ذراعيه عنها واتجهت للفراش تبكي بصوتٍ جعله لا يحتمل افتراقه عنها، فأسرع إليها ينحني أمامها، يديه تمسد على كفيها برقةٍ وحنان:
_حبيبتي والله غصب عني لازم أسافر المركز خلاص بقى جاهز فاضل بس الفريق اللي هيشتغل..أنا مش سهل عليا اني أبعد عنك ولو ينفع كنت أخدتك معايا..أوعدك اني هحاول أرجع بأقرب وقت.
رفعت عينيها إليه وقالت ويدها تضم كفه مثلما يفعل:
_خايفة من غيرك يا علي.
حاوط وجهها بحنان وعشقها يتربع سيدًا بمقلتيها:
_خايفة من أيه يا روح قلب علي.. أنا كنت ومازلت جنبك ومعاكِ... هكلمك على طول ولو انشغلت عنك كلميني في أي وقت.. فريدة هانم وإنكل أحمد معاكِ.... وعُمران ومايا مش هيسبوكي في الشغل طول اليوم.. وفوق كل ده زينب موجودة!
تعمقت برماديته وعلى استحياءٍ قالت:
_إنت عندي بالدنيا كلها يا علي!
خفق قلبه بجنون، فجذبها إليه يضمها بحبٍ يتغمده دون رحمة، بقي بجلسته الغير مريحة يتركها تتنعم بأحضانه، وما أن شعر بهدوئها ناداها، فوجدها تهمهم بنعاسٍ غلبها، فالوقت باكرًا للغاية، ضحك وهو يهمس لها:
_اديني شنطتي ونامي براحتك.
ما أن ذكر الحقيبة وأمر الرحيل حتى انتفضت من جلستها تسرع إليها تخفيها خلفها، فزفر باحباط:
_بعد المحاضرة دي ولسه بتخبي الشنطة يا فاطيما!!
وجلس على الفراش يدعي الحزن:
_اخص عليكي يا فاطمة... كنت فاكرك خايفة على المركز ومهتمه باسم جوزك حبيبك.. يرضيكِ الوسط المعفن ده يشمت فيا ويقولوا إنه فشل من قبل ما يبدأ.. مش كفايا فتحته كام شهر وقفلته هجي دلوقتي أقفله قبل ما أفتحه!
قضمت أظافرها بضيقٍ، وتأنيب ضميرها يصفعها دون رحمة، فاتجهت إليه تقدم له الحقيبة قائلة بحزن:
_متزعلش خلاص سافر بس متتأخرش عليا يا علي
ابتسم وهو يحمل عنها الحقيبة:
_ولا عمري أقدر أعملها يا روح قلب علي!
ارتدى ذراع الحقيبة واحتواها بين ذراعيه، ضمها إليه بحبٍ، طابعًا قبلة خاطفة على جبينها، فاشتد بكائها وهي تترجاه بتوسلٍ:
_خد بالك من نفسك.
هز رأسه بابتسامة واسعة، واتجه للاسفل فبقت بالاعلى حتى لا تنفجر باكية أمام الجميع.
******
بالملحق الخارجي للقصر.
صعد للأعلى قاصدًا غرفتها، فما أن استمع لاذنها بالدخول ولج للداخل، صعق آيوب وتوقف محله فارغ الفاه حينما رآها ترتدي فستانًا قصيرًا باللون الأزرق، ومن أعلاه تضع وشاحًا تحاول تغطية به شعرها.
استدارت إليه ببسمة متباهية:
_أعلم بأنك لا تصدق عينيك.
وتابعت وهي تعقد الوشاح جيدًا، فأمسكت بأطرافه الطويلة متسائلة بحيرةٍ:
_ماذا أفعل بها؟
اهتدت بفكرة وجدتها عبقرية، فأثنت الاطراف على شكل فراشة واستدارت تتمايل بدلال قبالته:
_والآن ما رأيك؟
ضم شفتيه معًا بعينين منغلقة تجاهد للاسترخاء، وكأنه يمارس اليوجا، ثم ردد بخفوت:
_ما الذي تحاولين صنعه يا امرأة!! هل جُننتِ؟ طوال فترة لقائي بكِ كنتِ محتشمة بارتداء البنطال الطويل بغض النظر عن الكَنْزَات العارية التي ترتديها والآن تختارين هذا الفستان العاري للسفر لمصر!!
وتابع وهو يمرر يده على لحيته النابتة:
_ثم أنكِ اعتنقتي الاسلام منذ قليل ألم يلفت ذلك نظرك لشيء!!
هزت رأسها مؤكدة فتهللت أساريره لتحطمها على رأسه حينما قالت وهي تشيل على وشاحها الشفاف فوق رأسها:
_ألهذا ارتديت هذا أليس هو ما يسمى حجابًا.
شعر وكأنه سيفقد وعيه بأي لحظة، ربما على بوادر الاصابة بذبحة صدرية، فأشار لها باختناقٍ:
_دعكِ من الأمر... اذهبي وارتدي شيئًا محتمشًا وحينما نصل إلى مصر سأعلمك ما استطاعت.
هزت رأسها بطاعة وتركته وغادرت، فارتشف من زجاجة المياه قبالته مرددًا برجاء:
_أغيثني يا الله!!
*******
حمل عمران الحقائب واتجه لسيارته يضعها بالصندوق، وحينما استدار وجدها تمنحه حقيبة أخرى فصاح مندهشًا:
_كل الشنط ده ليه هتهاجري يا بت!!
تفحصت شمس آدهم بخجل، فأجابه بسخط :
_هو أنت هتدفعلها وزن الطيارة ولا أيه يا عمران!
القى الحقيبة إليه ومفتاح سيارته:
_اخدم مراتك بنفسك بقى!
وارتدى نظارته السوداء مغلقًا سترته الزرقاء، واتجه يجلس بالسيارة بغرورٍ قاتل، فتح آدهم باب السيارة مشيرًا لها:
_شمس هانم.
ضحكت من قلبها، مالت تحمل طرف فستانها وانحنت مرددة:
_كابتن آدهم.
مال عليها يهمس:
_قدام بابا عمر مش آدهم.
وخطف يدها يطبع قبلة على باطنها مسترسلًا بمكرٍ:
_أبوس إيدك بلاش تخليه يطردني بره البيت بعد الغياب الطويل ده.
سحبت كفها بخجلٍ جعلها تخفض عينيها بارتباكٍ، انخفض زجاج نافذة عمران ليلقي له نظرة مشتعلة اتبعها قوله المتعصب:
_من هنا وقدامنا بتتواقح أمال لما تبقى في بيتك هتعمل أيه؟! حذر من جناني يا حضرة الظابط واتفضل سوق بسرعه خلينا نلحق أم الطيارة دي!
استقرت شمس جوار عمران وصعد آدهم بمقعد السائق وهو يسيطر على ضحكاته بصعوبة، فراقب عمران من المرآة الامامية وجده يحتضن شمس بتملكٍ ومال عليها هامسًا:
_عجبك عمايل سي روميو؟ ماشي يا شمس هتلفي لفتك وهترجعي للبيت تاني.
وضعت يدها على صدره حينما شدد من ضمها فقالت بألم:
_مش هكررها تاني أقسم بالله.
ربت على ظهرها ببسمة واسعة:
_كده تعجبيني يا بت... عايزك عسكري غفر طول ما انتي هناك... أوعي تسمحيله يقعد جنبك أو يتخطى حدوده.. صدقيني في نوعية من الرجالة وقحة تديله قطفة هيتجرأ ويطلب سلة المانجا كلها اساليني أنا.
ضحكت وسألته:
_واشمعنا أسالك انت!!
شاركها الضحك وهو يجيبها:
_عشان أنا من النوع ده.
تشاركا الضحك وكلاهما يضرب كفه بالاخر، بينما بالامام يبتسم آدهم وهو يرى ابتسامتها وفرحتها الظاهرة على وجهها المشرق.
صعد علي بالسيارة جوار السائق وبالخلف جلس أيوب وآديرا وتحركت السيارتين للمطار، وحينما وصلوا كان يوسف وسيف بانتظارهم.
*********
أطال بسجوده وهو يدعو بما يؤلمه، بعد تلك السنوات لم يهتز إيمانه أو يضعف مثقال ذرة، كان صامدًا كصمود الجبال، ممثلًا المعنى الحرفي لإسمه، وبالرغم من جموده وتحمله للبلاء الا أنه لم يشعر بالألم مثلما فعلت هي به، تعرض للعنف وخاض ألمًا جسديًا عنيفًا، ولكن ضربتها هي القاضية.
حبيبته، رفيقة طفولته، مسكن روحه، دوائه الشافي كانت الخنجر الذي طال صدره ليصيب قلبه فابادته... قلبه الشيء الوحيد الذي احتفظ به نقيًا، عفيفًا، عن تشويهات جسده الذي طاله السوط والعصا!
زحف يونس بجلسته حتى وصل لطاقة ضوء صغيرة تتسلل من فوق شرفة مظلمة حديدية، ضي النور البسيط التي تمنحه لغدافية الغرفة القاتلة.
استند على الحائط وأغلق فيروزته بتعبٍ، ليتجلى له رؤيتها، فستانها الاسلامي الفضفاض، خمارها المتلألأ من خلفها كوشاح الأميرات المتدلي، حياء مشيتها التي يميزها من بين نساء العالم بأكمله، ها هي تدخل لمحله الجديد، تردد على استحياء:
_السلام عليكم.
أجابها بعض العمال السلام، فتابعت مشيتها للداخل حتى وصلت قبالة مكتبه الصغير الذي يتوسط المحل، فانتصب بوقفته يستقبلها ببسمة هادئة:
_أيه الزيارة الجميلة دي يا زينة البنات... مش تعرفيني إنك جايلي وأنا بنفسي كنت جيت أخدتك لحد هنا.
فركت أصابعها وهي تجيبه بخجل:
_حبيت أعملهالك مفاجآة.
اتسعت ابتسامته حتى ظهرت غمازة خده الأيسر، فاستشاطت غضبًا واستدارت تتمعن بأعين الزبائن مشيرة له بالكيس البلاستيكي الذي تحمله:
_متضحكش... أنا مش محذرك!!
ضحك رغمًا عنه وهو يهمس لها:
_المفروض إن أنا اللي أغير عليكي يا خديجة مش العكس.
تمردت غيرتها بشكل شرس:
_ازاي يعني!! وبعدين متتفزلكش عليا.
نطقت كلمة تجعله يضحك دون مجهود منها فماذا يفعل الآن، حاول الصمود وهو يسألها بقلة حيلة:
_طيب أعمل أيه عشان أنول رضا زينة البنات؟
ابتسمت وهي تخبره بدلال:
_انت كده كده نولت الرضا من زمان.. بدليل إني جاية وجايبلك هدية من صنع ايديا.
وزع نظراته المتحمسة بينها وبين الكيس البلاستيكي:
_هدية أيه؟
فتحت الكيس وأخرجت منها تيشرت صنعته من الصوف، وقد طرزت عليه أول حرف من إسمه وإسمها بشكلٍ متقن، حمل يونس التيشرت بين يديه يتطلع إليه بانبهارٍ:
_ما شاء الله عليكِ يا خديجة.
سألته بتحفزٍ وعينيها تراقب كل تفاصيله:
_عجبك؟
منحها نظرة عاشقة وأشار لها:
_خليكي هنا راجعالك.
غاب دقائق بالداخل وعاد بعدما ارتداه، فادمعت عينيها بفرحةٍ، جلس على مقعد مكتبه الصغير وغمز لها بمشاغبة:
_حلو عليا؟
أشارت له عدة مرات وأردفت بضيق وهي تمسح دمعتها:
_أووف بقى يعني أنا بحاول أخبي غمازاتك تطلع بالتيشرت اللي يجنن عليك ده قولي أعمل فيك أيه يا معلم يونس؟
ضحك وهو يقلد نبرتها:
_معلم يونس!! أيه يا ديجا واقف في وكالة البلح أنا!!
نهضت عن المقعد تخبره:
_أنا هطلع بقى أحضر الغدا عشان ماما مش فوق.
سألها باستغراب:_أمال فين؟
أجابته وهي تعلق حقيبتها على كتفها:
_عند خالتي وهتيجي بليل.
لحق بها لخارج المحل قائلًا بحبٍ:
_مترهقيش نفسك في شغل البيت، ولو هتنضفي البسي كمامة عشان التراب بيقلب الحساسية عندك.
استدارت له ببسمة حملت كل حبٍ دفن داخلها لهذا الزوج الحنون وقالت:
_حاضر... أنا حفظت تعليماتك وبنفذها عشان أنا بخاف الأزمة تجيني مش بتحمل أشوف خوفك وحزنك عليا.. لكن أنا والله اتعودت.
مد يده على خمارها وهو يمررها بحنان:
_لا يا خديجة عشان نفسك ولإن صحتك لازم تهمك إنتِ أولًا...
وتابع ومازالت ابتسامته مرسومة بعشقٍ:
_يلا اطلعي ولو احتاجتي أي حاجة كلميني أبعتلك حد من الصيبان يجبلك اللي تعوزيه.
هزت رأسها بطاعه وقالت قبل مغادرتها:
_لما أخلص الغدا هنزلك طبق.
ضحك وهو يشاكسها:
_أطباقكم كلها عندي في المطبخ تحت كل يوم بغسل طبقين وبكمل تاني يوم... لو خالتي عرفت هتقولي تعالى خد مراتك من غير فرح أنا متنازلة.
اقتربت منه مجددًا تتمعن بعينيه وهي تخبره بصدق:
_راضية والله... من غير فرح ومن غير أي حاجة... كفايا وجودك جنبي يا يونس.
ابتلع ريقه بارتباك يهزم حصونه واحدًا تلو الأخر، فأشار لها:
_اطلعي يلا ميصحش تقفي في الشارع كده.. وخدي بالك أنا مازلت مصر على موضوع النقاب ها؟
هزت رأسها تخبره:
_أساسًا وأنا بجهز عاملة حسابي وجايبة لبسي كله للنقاب.
استدار من حوله يتفحص المارة، وانحنى يقبل يدها سريعًا هاتفًا بصوته الرخيم:
_روح قلبي اللي بيراضي حبيبه! ربنا يقدرني وأكونلك الزوج الصالح اللي يأخد يدك للجنه.
ورفع رأسه للأعلى يردد بطريقة درامية:
_يا ررب مش عايز غيرها يا رب... عايزها في دنيتي وفي الأخرة تكونلي زوجة، بحبها ومش شايف غيرها يا رب..
تابعت الاعين من حولها بحرجٍ، فصاحت وهي تلكزه بغضب:
_بس بس فضحتنا في الحارة يا يونس!!
تعالت ضحكاته وهمس لها:
_يونس محبش ولا هيحب زيك يا خديجة... بحبك وبالرغم من انك مراتي الا إني بطلبك من ربنا في كل صلاة ليا، بدعيله يقرب بينا وميفرقناش أبدًا!
أفاق من شروده ببسمة ساخرة ختم بها الوجع وبصم بكل ما امتلكه من ميثاق، فردد بصوتٍ محتقن بدموعه:
_لو مكتوبلي أخرج للدنيا هتكون أخرتك يا خديجة... وربي لأرميكِ بنار حبي اللي كانت في يوم جنتك!
*******
النداء الاخير للطائرة ومازال سيف يحتضن آيوب، ويشتد بالبكاء حتى أدمعت أعين من حوله، فربت آيوب على ظهره بحنان وهو يخبره:
_سيف كفايا إنت واقف على رجلك بقالك فترة هتتعب عشان خاطري ارجع مع دكتور يوسف، إنت لسه تعبان.
ابتعد يمنحه نظرة معاتبه وحديث اصابه في مقتلٍ:
_مش عايزني أجي أودعك يا آيوب ولا كنت عايز تسافر من غير ما تشوفني.
واستكمل بوجعٍ:
_أنا مش عارف هفضل الشهرين دول ازاي من غيرك.
ضمه آيوب وقد انهارت دمعاته، فهمس له:
_العشرة مبتهونش واحنا عشرة سنين.. هكلمك على طول يا سيف والله ما هتحس اني بعيد عنك وفي يوم هتنام وتصحى تلاقيني قدامك.. أنا أساسًا مش هقدر أقعد الشهرين في مصر أخري ٢٠يوم يالا.
اعترض بضيق:
_كتار بردو... خليهم اسبوعين وتعالى..
هز رأسه له وكاد بالحديث فاستوقفه حديث عمران الساخر وهو يرمقهما بسخط من خلف نظارته:
_لو خلصتم وصلة وداع الزوج ومراته النكدية فالطيارة قربت تفوتك.
التفتوا للخلف فتفاجئوا بالجميع يرمقونهم بدهشة وبالاخص شمس وآديرا، سحب آيوب حقيبته واتجه للداخل فلحق به سيف وردد:
_خلي بالك من نفسك يا أيوب... لا إله الا الله.
انهمرت دموعه فكلمته زرعت النيران داخله، وجد ذاته يعود ليضمه مجددًا وهو يخبره:
_وانت كمان خلي بالك من اللي اسمه يمان ده... حذر منه وعشان خاطري اتفادى اذاه على قد ما تقدر.
هز رأسه له، فردد آدهم:
_هنتأخر كده يا آيوب يلا.
فرقهما يوسف وهو يصيح بمرحٍ:
_ما خلاص يا عم منك ليه... ده أنا لو مسافر مش هتعمل عليا كده!!
ضحك آدهم وردد بمزح:
_على رأي عمران وصلة عشق ممنوع..
ردد علي وهو يتابعهما بابتسامة هادئة:
_ما تسيبوهم في حالهم.. والله بحسهم كتاكيت جنبكم!!
تحررت ضحكات عمران بانتصار لاختيار اخيه لفظًا جديرًا فصاح لهما:
_يلا يا كتكوت منك له...انت على طيارتك وانت استرجل واقف في جنب بدل ما أحرمك من زوزو ما احنا بناتنا ما تتجوزش الا الرجالة ولا أيه يا دكتور علي؟
هز رأسه بابتسامة صغيرة، فاتجه إليه يلف يده من حوله هامسًا وعينيه تتفحص الوجوه:
_بقولك يا علوة.
_علوة!!... قول وخلصني.
كبت عمران ضحكاته وقال:
_الواد سيف قافش في آيوب ومتقصر أوي انه مسافر مع انه صاحبه وبما إنك أخويا تعالى نعمل أي منكش كده يدل على عذاب الفراق بينا! أقولك أنا همدد هنا وكأني فاقد الوعي!!
اردف باستهزاءٍ:
_فراق أيه يا عمران ده هما تلات أيام وراجع!! ثم اني عايش حياتي على الطيارة كل يومين في حتة شكل... مهدتش غير بعد الجواز.
_مهو ده اللي حببني في جوازتك وخلاني احترم فاطيما احترام مبحترمهوش لشمس اختك نفسها!
وتابع حينما نطق اسمها:
_على سيرة أختك خد بالك منها...حطها في عنيك يا علي.. أنا مش عارف فريدة هانم وفقت ازاي انها تسافرها.. حاسس اني مش هقدر أقعد من غيرها!
فشل بكبت ضحكاته، فضحك بصوت لفت انتباه الشباب اليه، كمم عمران فمه وهو يصيح بانفعال:
_هتفضحنا عايزهم يقولوا أيه؟ منشكح انه هيسيب أخوه ويسافر لا يا علي لأ!!!
سحب كفه عن فمه واحتضنه بجدية تامة:
_خد بالك من فاطمة يا عُمران، انت عارف ان ليها ظروف خاصة أرجوك خلي عينك عليها.
ربت على ظهره بحنان:
_متقلقش يا علي فاطمة أختي وملزومة مني... سافر وانت مطمن... كل اللي في البيت في رقبتي ومسؤولين مني في غيابك.
ابتعد عنه بابتسامة هادئة وفجأه حينما قبل جبينه هاتفًا بحنان:
_عارف انك أد المسؤولية يا حبيب قلب أخوك... يلا سلام مؤقت يا وقح!
ضحك وهو يغمز له بمشاكسة:
_سيبه ملموم جوه بدل ما يطلعلك بواحدة بروح أمك في وسط المطار يقل قيمتك في وسط المجتمع المخملي!
شاركه الضحك وابتعد وهو يلوح له ومن جواره شمس الباكية التي تفترق عنه لاول مرة، وانتقل بيده لايوب يلوح له بحزن احتل معالم وجه الطاووس الوقح الذي فشل بالنهاية بالتحلي بالجمود، فاتجه مع يوسف وسيف للشقة بينما غادرت الطائرة لمصيرٍ محتوم سيجدد أحداث تشبه القنبلة المؤقتة... ومن هنا لنا لقاء قريب...
.... يتبع....
#آية_محمد_رفعت..
بشكركم جميعًا على دعواتكم... مش عايزة اتكلم عن الفترة اللي بعيشها حاليًا بس كل اللي هقوله اني بحبكم وبحاول ارجع للكتابة من تاني عشانكم وعشان بوستاتكم الجميلة على الجروب وكومنتاتكم الداعمة على كل المنصات اللي بنشر عليها... بحبكم في الله.. ❤
******_____********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل الخمسون 50 - بقلم آية محمد رفعت
السلام عليكم حبيباتي، في بوستات كتير وتوضيحات بنزلها للقراء على الجروب وصفحاتي الشخصية فبيكونوا عارفين معظم اجابتهم عن الاسئلة اللي محتارين فيها، حتى لو كنت مريضة واعتذرت عن الفصل بيكونوا عرفين، انتوا هنا بحس انكم متعرفوش حاجه عني عشان كده هسبلكم لينكات جروبنا الادبي وصفحاتي وهرد هنا على أسئلة اتكتبت في اكتر من كومنت...
السؤال المتكرر هل لايوب ويونس رواية منعزلة؟!
يا قمرات الحكاية وما فيها اني من حوالي سنتين كنت هعمل نوفيلا منعزلة اسمها حبيبتي العبرية واللي طبعاً خاصة بآيوب ويونس وكانت هتنزل بعد انتهاء اعمالي المحددة (الدهاشنة٣،الجارحي٥، نوفيلا صرخات أنثى، اشباح المخابرات)
خلصت جزء كبير من الروايات وجيت عملت رواية صرخات انثى فحبيت اضيف النوفيلا مع الرواية وفعلا اتوظفت بشكل ممتاز..
الخلاصة مفيش روايات لايوب ويونس منعزلة لان احنا بالفعل بدأناها مع صرخات أنثى وبقت رواية واحده، يعني ظهور آيوب مع سيف بالرواية كان ظهوره الأول وكذلك يونس.. ولسه قصتهم الاتنين هتوضح جدا جدااا في الفصول الجاية وخاصة بعد نزول آيوب مصر واهتمام آدهم بقضية يونس...
طيب امته رواية أشباح المخابرات، خلاص والله قربنا نختم صرخات أنثى بس هنحتاج حوالي 10 او 15 فصل لان دول روايتين مع بعض يا جماعه مش هينفع اكروت الاحداث ولان كمان اشباح رواية ضخمة من كذه كذه فهتحتاج وقتي كله.
أنا معاكم في أي سؤال عايزين تسألوه هرد عليكم، وبالنسبة لسؤالكم عن الفصل فانا الحمد لله خلصت جزء كبير منه على بليل او بكره بالكتير أوي باذن الله... ومتنسونيش بدعواتكم والله الفترة دي صعبة فوق ما تتخيلوا بس بفضل الله بتمر وهتمر ❤
بحبكم في الله
آية محمد رفعت ❤