تحميل رواية «الطاووس الوقح (صرخات انثى)» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجروح أدمت قلوبهن ومازالت كلًا منهن تحارب للبقاء، مذاق الألم لا يفارق حلقهن، جروحهن متشابهة ولكن لكلًا منهن حكاية خاصة هي ضحيتها، الأولى نهشتها الذئاب البشرية وتركتها كالخرقة البالية تعاني بمفردها، والثانية واجهت إنسان مريض نفسي يريد أن يُجحمها داخل قوانين لعبته القذرة فبات كاللعنة تسبب لها هوس الجنون، والثالثة تخوض رحلة معتادة على بعض الزوجات التي تُجبر بالعيش دون زوجها المغترب ولكنها كانت دونه هشة تخشى أن ينتصر شياطين الإنس عليها، وهناك أخرى طمست حبها حينما تخلى عنها محبوبها وتزوجت أخيه وبعد...
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 111 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!...)
#الفصل_السابع_والثمانون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات شيماء ايمن ـ امنيه عادل امنيه عادل ـ شيماء سيد LinaAli - MennaDakrory -
ياسمين نصر الدين ـ مالك هاني ـ نور الله ياسر -ايمان نصار،وصديقتي الجميلة مي ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
_آيـــوب.
صوته الخافت أعاد لآيوب روحه من جديدٍ، إبتسامة خافتة تشكلت على وجهه الباكي، تمنى لو فتح عينيه ليطمئن قلبه بابتسامته المعتادة، ولكنه وجده يستجيب لفقدان الوعي من جديد .
_من فضلك مينفعش كده، لو يعز عليك إخرج وسبنا نشوف شغلنا.
انطلق صوت الممرضة يترجاه للخروج، تابع الاطباء الذين يشيرون باستقرار الحالة، وخرج على الفور.
إختار البقاء بعيدًا عن الجمع، يستكين على المقعد الحديدي، يميل على ساقيه، محتضنًا وجهه ليخفي دموعه المنهمرة بغزارةٍ.
بينما على بعد منه، كان يحتضن عمران شقيقته الباكية، ويقف جوارهما علي يتحدث بالهاتف، وأغلقه ثم دنى من مراد يخبره:
_في ناس أصدقائنا تحت على البوابة يا مراد، لو ممكن تسمحلهم يطلعوهم.
هز رأسه بتفهمٍ، ورفع هاتفه يصدر أمر مباشر بالسماح لرفقاء علي بالصعود، فانضم لهم جمال ويوسف وسيف الذي بحث عن آيوب بينهم، وحينما وجده يجلس بعيدًا هرول إليه يناديه:
_آيـوب!
أزاح آيوب دموعه سريعًا قبل أن يصل سيف لمقعده، جاوره وهو يتساءل بلهفةٍ:
_طمني يا آيوب، آدهم كويس؟ حد من الدكاترة خرج؟
رمقه بنظرةٍ ساخطة، واستدار بساقيه للجانب الآخر، فترك سيف محله واتجه للمقعد الاخر:
_كده يحصل معاك كل ده ومتقوليش!
انتزع يده عن كتفه وقال غاضبًا:
_وهعرفك إزاي وسيادتك عاملي بلوك!
ضم شفتيه معًا حرجًا، وتمتم:
_ده مش مبرر، كنت تعالالي البيت! ولا سرمحتك مع عُمران وصاحب يونس المسيحي ده نسيتك صاحب عمرك؟
شمله بفيروزته بنظرة منفرة، فأضاف سيف بحزن:
_عمومًا ده مش وقته، نطمن على حضرة الظابط وبعدين نتكلم.
أشار باصبعيه بحدة وارتفع صوته رغمًا عنه:
_روح إقعد معاهم هناك واطمن براحتك.. متقعدش جانبي ولا عايز ألمحك!
على بعد مسافة قريبة منهما، سأل علي، يوسف بدهشة وهو يتابعهما:
_هما بيتخانقوا ولا أيه؟
هز يوسف رأسه بقلة حيلة:
_أكيد.. بس متقلقش شوية وهيتصافوا.
استدار علي إليه، يسأله:
_تحب أتدخل بينهم؟
رفض ذلك، معللًا:
_مش مستاهلة، أقل من خمس دقايق وهتلاقيهم زي السمنة على العسل، الاتنين على الله حكايتهم!
جلس يوسف جوار جمال وعلي، وبقى عمران رفقة شقيقته على أحد المقاعد المنفردة بعيدًا عن مجلس الشباب.
مضت أربعون دقيقة، وخرج طاقم التمريض يدفع الفراش المتحرك الحامل جسد آدهم المصاب، فأسرع آيوب وعلي، والشباب من أكملهم يدفعونه حتى باب الغرفة التي منعهم أفراد الأمن العسكري من الولوج للداخل، جذبوا منهم السرير وأغلقوا الباب من خلفهم، تاركين اثنان منهم على الباب يمنعون توافد أي شخص للداخل، مما زرع العصبية والغضب بآيوب الذي صاح بانفعالٍ:
_يعني أيـه ممنوع، وسع من قدامي، ده أخويا أنت مبتفهمش ولا أيــه؟!
جذبه علي بعيدًا عن ذلك المسلح، الذي بدى وكأنه يستعد لخوض معركة حتمية مع ذلك الشرس، فقال في محاولة لتهدئته:
_إهدى يا آيوب، هندخله بس لما الدكتور يخرج هو والممرضات.
أصر على مطلبه، وكأن روحه تنتزع منه:
_هدخله يعني هدخله، ويوريني هيعمل أيه بالبتاع اللي في إيده ده!
هدر جمال بعقلانية:
_هما بيقوموا بواجبهم يا آيوب، وواجبهم حماية آدهم.
أشار عُمران لعلي الذي أسرع يتلقف منه شمس، بينما دنى إليه يقاطعه بحدة:
_إطرد شيطانك وفوقلي، زي ما علي قالك لما الدكتور يطلع هندخل كلنا، فاهدى وإركز كده، مش ناقصة غباوتك على المسا يابن الشيخ مهران!
مال سيف يهمس لاخيه بسخرية:
_عنيف أوي صاحبك ده!
كبت يوسف ضحكاته ومال يخبره:
_طب لم لسانك عشان لو سمعك هيخبطك واحدة بروح أمك هتخليك تريح هنا أسبوعين تلاتة!
أدى الفردين التحية العسكرية باحترامٍ، فور أن إخترق الجوكر والاسطورة الجمع المحاط بالغرفة، ولج "رحيم" للداخل على الفور، بينما بقى الجوكر يتطلع لآيوب بنظرة غامضة، لفتت انتباه الجميع له ، وخاصة حينما قال:
_مبسوط بتقبلك علاقتك الجديدة مع عمر.
ضيق "آيوب" مُقلتيه بدهشةٍ، كيف يعلم بأمره هو الآخر، فابتسم مراد ومال يهمس له بمكرٍ:
_أنا اللي مخلصلك الشهادة.
واتجه للغرفة وصوته قد أصبح مسموعًا:
_لما يفوق هخليهم يدخلوكم، اطمنوا.
وتركهم وإتبع أخيه للداخل، فأسرع العساكر بغلق الباب من خلفه.
انتهى الطبيب من دث آبر المحلول الطبي بجسد آدهم، وبعدما تأكد من استقرار حالته، حتى بدأ بإفاقته انصياعًا لأوامر الاسطورة.
مال رأسه جانبًا، وصوت تأويهاته تتردد بخفوتٍ، عقله يبدأ باستعادة ما مر سريعًا عليه، أسرع إليه مراد يميل فوق رأسه، يناديه بلهفةٍ:
_عمر سامعني؟
اجتاح الألم جسده الذي بات يشعر به بعدما استعاد وعيه، وغادره تأثير المخدر، وبالرغم من محاربة الآلآم إليه، الا أنه مال تجاه محل وقوف مراد، وهمس بخفوتٍ شاحب:
_شمس؟
كأنه يذكره بوعده القاطع إليه، مسد مراد على كتفه المعافى وهو يؤكد له بصوتٍ مطمئن:
_إطمن برة مع عيلتها، عايزك تفوق بس وهدخلهالك هي وآيوب وكل أحبابك.
حاول فتح جفون عينيه الثقيلة وهو يهتف بدهشة:
_آيوب!!!
أكد له قائلًا:
_آيوب برة من بدري، ودخلك اتبرعلك بالدم.
لاحت بسمة حزينة على شفتيه، لم يكن يتوهم سماع صوته، لم تكن هلاوس، كان واقع ملموسًا، إلتقطت أذنيه صوتًا بات مميزًا إليه بالأيام الماضية، يخبره برزانته وثباته القاتل:
_حمدلله على السلامة يا بطل.
مال برأسه للاتجاه الآخر، مرددًا بابتسامة واسعة:
_رحيم باشا.
نزع نظارته السوداء، وهدر بحزمٍ مصطنع وهو ينحني لفراشه:
_حد قالك إنك أول حد يجرأ إنه يخالف أوامري! ولو دي حصلت فأكيد لازم ليها عقوبة تخلي أي حد يفكر عشرين مرة قبل ما يخالفني، فلو أنا معملتهاش فعشان حاجتين.
حاول آدهم فتح عينيه ولكنه لم يستعيد وعيه كليًا، فردد بصوتٍ واهن:
_أيه هما؟
أجابه رحيم بفحيح شيطاني مخيف:
_أو حاجة لانك عجبتني، واختياري ليك من البداية كان للسبب ده، أما الحاجة التانية فعشان الديناصور اللي بيطلع نار من عينه جنبك ده.
كان صوت مراد أسرع من آدهم، حينما صاح بعنفوان:.
_لو مش عايز الديناصور ده يحرقك وإنت حي تبعد عن آدهم ومالكش دعوة بيه، ده تلميذي وتحت قيادتي أنا، زي ما أنا مبتدخلش في شغلك يا ريت تجبر نفسك إنك تعمل نفس الشيء.
ابتسم رحيم وهدر بسخريةٍ:
_هنشوف حوار أولادك ده بعدين يا بابا مراد.
واستدار للطبيب يشير له بالاقتراب لتفحص آدهم بشكلٍ كليٍ، وبالاخص عينيه، فلقد لاحظه وهو يجاهد لفتح عينيه أكثر من مرة، ومع ذلك لم يستطيع.
سحب الطبيب كشافه، وانحنى يتفحص عيني آدهم، توقع الطبيب إنه سيغلق جفونه من شدة الضوء ولكن على ما يبدو بأن ظنونه قد أصابت، فسأله، وهو يسلط الكشاف على حدقتيه:
_ نور الكشاف شايفه يا سيادة الرائد؟
رد وهو يبتلع آلامه داخله:
_لأ.
استدار الطبيب لمراد يشير له إشارة صامتة بأن ما خشاه قد حدث بالفعل، تنحى جانبًا تاركًا لمراد مهمة إخبار آدهم بتضرر بصره جراء احتفاظه بالميكروفيلم أكثر من المدة المحددة، وما زادت الاصابة خطورة سقوطه من السيارة وتعرضه لتلك الاصابات.
مال الجوكر إليه يحاول التحكم بذاته، وتنحنح هادرًا بحزنٍ:
_إنت عارف إنك اتخطيت المدة المسموح بها للميكروفيلم، فاللي حصل لعينك ده كان متوقع.
قابل آدهم استقبله لخبر قاتلٍ مثل ذلك، بنفسٍ راضية وقولًا جعل الأجساد من حوله تقشعر:
_فدى بلدي يا باشا!
هتف الطبيب يقاطع حديثهما بعدما انتهى من فحص عينيه بشكل مبدئي، وقال يبدي ملاحظاته:
_عينه متضررتش بشكل كبير، اعتقد إنه هيحتاج لكذه فحص قبل تحديد العملية، وده هيقدر يقوم بيها دكتور تخصص عيون.
مسد مراد على كتفه بحنان،وقال بعزمٍ:
_متقلقش أنا أعرف دكتور شاطر جدًا، يبقى أخو العقيد عدي الجارحي، هكلمه وهخليه يشرف بنفسه على حالتك.
وأضاف وهو ينصب عوده استعدادًا للرحيل:
_حبايبك بره قلقانين عليك، هخليهم يدخلوهم يطمنوا عليك، وأنا هعدي عليك بكره الصبح باذن الله ومعايا دكتور عمر الجارحي.
وودعه مراد وغادر، بينما انحنى رحيم إليه يخبره بفخر:
_سيادة الوزير والقادة كلهم فخورين بيك يا آدهم، مستني رجوعك للساحة، وعلى فكرة دي مش آخر مهمة هكلفك بيها.
بالرغم من أنه يعلم بأنه يدفعه بحماسٍ ليستكمل رحلة علاجه ويعود لموطنه بالجهاز ، الا أنه إبتسم بسعادة، وقال يجيبه:
_وأنا تحت أمرك في أي وقت تحتاجني فيه يا باشا.
ربت على كتفه بقوةٍ مشددًا بإلقاء أوامره:
_شيد حيلك إنت وخف من قعدة السرير بدري، وهتلاقيني بكلمك يا سيادة المقدم.
زوى حاجبيه بدهشةٍ:
_مقدم!
مال رحيم يتفحص أخيه الذي يوشك على المغادرة واستدار يهمس له:
_الخبر أتاكدلي من سيادة الوزير بذات نفسه، سربتلك الترقية بوينت إضافي محسوب ليك، متنساش!
اتسعت ابتسامته وقد أشرقت السعادة وجهه الشاحب، وقال بامتنان:
_الله يبارك فيك يا سيادة العميد.
استقام رحيم يضع يده بجيب سرواله، يقابل اخيه بنظرة باردة، بينما يستعد الآخر لمهاجمته الآن وفي تلك اللحظة، حشد جيوشه خلف ثبات قاتل وهو يطلق سؤاله:
_كنت بتقوله أيه؟!!
رد بجمود تام:
_ولا حاجة.
هدر مراد بانفعالٍ حاد:
_انا سامعه وهو بيقولك الله يبارك فيك، جنابك بتباركله على أيه؟؟ إنت شكلك مش ناويها نية خير يا رحيم!
إدعى دهشته الكاملة مما يقول أخيه، وردد برزانة وبراءة مضحكة:
_كنت بباركله على فرحه يا بني آدم؟ أيه فاكرني عديم الذوق ومبفهمش!
كبت آدهم ضحكاته بصعوبة، بينما لم يبتلع الجوكر ما قاله أخيه، بل صاح بشراسة:
_أقسملك بالله يا رحيم لو جمعتك مهمة واحدة مع آدهم تاني لأكون مفرغ رصاص مسدسي في نص دماغك، ولا هيهمني أنك شايل إسم طلعت زيدان ورا إسمك ولا إنك أخويا اللي المفروض قدام الناس تؤامي معرفش ازاي دي!!
ترك رحيم محله، واتجه يضع يده حول كتفي الجوكر، يسحبه ليخرج بصحبته، بينما يهمس له:
_معقول عصبيتك وصلتك إنك تتكلم عن حياتنا الشخصية كده عادي وقدام أي حد!! راعي إننا في مستشفى عسكري، أجهزة التصنت هنا عالمية يا باشا.
وأضاف وهو يسحبه للخارج:
_بينا على القصر نتكلم هناك براحتنا، ونحل أمورنا العائلية مع بعض، أنا كده كده كلمت سليم يجهز هو وجان وريان ويحلوا امورنا مع بعض، لانها ابتدت تتطور!
(لمن يتساءل عن رواية رحيم زيدان ومراد زيدان، السلسلة عبارة عن خمسة أجزاء بإسم #الجوكر_والاسطورة، متاحة على حسابي الواتباد، وممكن تنزلوا بوست للادمن بالجروب تطلبوا لينكات السلسلة ❤)
*******
منذ قليل كان يطالبه بالجلوس بعيدًا عنه، وها هو الآن يميل على كتف سيف بإرهاق وتعب ضرب جسده بعد أن تبرع بالدماء لأخيه، توقف المصعد وخرج منه عُمران يحمل بالاكياس عصائر معلبة، وبعض الشطائر، منح أخيه أحد الاكياس ليحاول إطعام شمس، ومنح جمال باقي الاكياس ليوزعها على الجميع، بينما حمل هو الكيس المغلف وقدمه لسيف قائلًا بصرامة:
_صحيه يشرب كيس عصير، بدل ما يتطوح مننا جنب أخوه، مش ناقصة هي!!
استشف سيف عصبية عُمران البارزة من طريقته، وكان سببها معلوم للجميع، لذا سحب الكيس منه بهدوء وقال:
_هشربه تلات أربع أكياس اطمن.
أحاطه بنظرةٍ ساخرة، وغادر بمنتهى الهدوء، يحتل أحد المقاعد المنفردة بعيدًا عن تجمعهم، انسحب يوسف من جوار جمال وإتجه لمقعد علي وشمس، جلس جوار علي الذي يحاول آطعام شقيقته، ومال إليه يهمس له:
_بقولك أيه يا علي.
ترك ما بيده واستدار إليه ينصت له باهتمامٍ، فقال يوسف:
_حاول تهدي عُمران عن آدهم، أنا قلقان من عصبيته وغضبه ، لو دخلنا وهو بالوضع ده ممكن يرميله أي كلام وهو في حالة صعبة.
هز علي رأسه باقتناع، وتمتم:
_هقوم أشوفه قبل ما ندخل.
ترك علي شقيقته برفقة عمه الذي وصل للتو، وإتجه لأخر مقعد يعتليه شقيقه، جلس جواره يراقبه بهدوءٍ، جعل عُمران يهدر ساخطًا:
_دكتور الحالات المتعسرة خلع وبعتك، هو طول عمره جبان!
تغاضى علي عما قاله، ومال بجسده إليه يخاطبه بهدوء:
_عُمران ممكن متنفذش اللي في دماغك، على الأقل دلوقتي، آدهم حالته صعبة، وشمس هتموت عليه، مش هتتحمل تشوفك بتعنفه بكلامك ده وهو بالوضع الحالي.
احتقنت رماديته غضبًا، وصاح بعصبيةٍ:
_هو اللي عرضها وعرض نفسه للحالة دي، المفروض إنه عريس طالع يقضي الhoney moon بتاعه، مش طالع يغامر بروحه وروح مراته!
هز رأسه وحاول احتوائه بحديثه المنمق:
_فاهم كل اللي بتقوله ده ومعاك حق فيه، بس أقله مش دلوقتي، لما نطمن عليه ويرجع بيته، أنا عارف أنك عندك واجب فأكيد مش هتعاتب هنا ولا وهو بالحالة دي ولا أيه؟
منحه نظرة مغتاظة، وردد من بين اصطكاك أسنانه:
_ماشي يا علي، يخرج بس ولينا كلام تاني!
خرج الطبيب إليهم، فنهضوا جميعًا يجتمعون من حوله، كان أحمد أول من تساءل:
_طمنا يا دكتور من فضلك.
وزع نظراته بينهم، وبعملية باحتة قال:
_الحالة حاليًا مستقرة، إصابة جانبه كانت خطيرة بس الحمد لله النزيف وقف والجراحه كانت ناجحة جدًا، لكن عينه اللي اتضررت للأسف.
نزلت كلمات الطبيب على الجميع كالصاعقة، وخاصة حينما أضاف:
_سيادة الرائد فقد بصره نتيجة انسداد الوريد الشبكي، وللأسف مش هقدر اقولكم تفاصيل أكتر لان مراد باشا منع اي دكتور عيون من هنا يمسك حالة سيادة الرائد، وقال إنه هيوكل الحالة لدكتور عمر الجارحي وهو تبارك الله عليه من أشطر الدكاترة المتخصصة في المجال، فلما يوصل بكره بإذن الله هيكون عنده تفاصيل أكتر.
وانسحب بمنتهى الهدوء الذي لا يعهد التشبيه لاوجه الجميع ملقيًا تعليماته الاخيرة:
_ياريت مندخلش كلنا لجوه عشان كده غلط على المريض، عن إذنكم.
توقف قلب شمس مرتين، مرة حينما علمت بأمر إصابته والآخرى الآن وبتلك اللحظة التي تستقبل فيها خبر فقدانه للبصر، ارتخى جسدها للخلف تجاه علي الذي تلقفها، هاتفًا بقلقٍ:
_خليكِ قوية يا شمس، آدهم هيتخطاها وهيرجع أحسن من الأول.
انسكبت دمعات آيوب تباعًا بشكلٍ ملحوظ للجميع، فراقبه يوسف وجمال بحزن، بينما مسد سيف على كتفه وهو يستجديه لطفًا:
_هيبقى كويس والله، خليك واثق في ربنا.
بينما بذات الوقت نطق عُمران الذي سيطر على انفعالاته بصعوبة، إصابة آدهم لتلك الدرجة الخطيرة، جعلت قلبه يرق إليه:
_شمس إدخليله لوحدك، أكيد محتاجاك جنبه، ومحتاج يطمن.
سحب كفها يدفعها برفقٍ تجاه باب الغرفة، يحمسها بقوةٍ زائفة:
_إدخلي إنتِ محتاجة ده أكتر منه.
ومال يهمس لها بحفوت:
_بس بلاش تجبيله سيرة اللي حصل، وبالأخص حوار الاعتداء يا شمس.
هزت رأسها وهي تزيح دموعها بكفيها، سحبت شمس نفسًا طويلًا تستجمع به شتات نفسها الهادرة، تحاول مسح ذلك الجزء المؤلم عن حياتها، لأجله هو، حرر الشرطي الباب وقد استجمعت جزء من طاقتها المهدورة، ولجت للداخل بخطواتٍ بطيئة، مترددة، إيقاع قلبها يكاد يقرع كقرع الطبول الصاخب، ومن بعده صوت انغلاق الباب فور دخولها.
رأته يجلس على الفراش، يستند برأسه على الوسادة من خلفه، صدره عاري، يحيط منتصفه شاش أبيض يحيط به حتى نهاية خصره، وجهه يملأه الخدوش والكدمات تتفرق على وجهه مرورًا بذراعيه العارية، عينيه متورمة والاحمرار يملأهما، إحتجز صوته غير مبالي بمحاولاتها للحديث، وبصعوبة تحرر لينطق بحروف مهتزة:
_آدهم!
إعتدل بجلسته يناديها بلهفة:
_شمس!!
أسرعت إليه وصوت بكائها قد عاونه على تحديد محلها، سرعة خطواتها جعله يفطن حركتها القادمة، ففرق ذراعيه يستقبلها بين أحضانه بصدر رحب، بكت بانهيارٍ وهي تردد بوجعٍ:
_كنت خايفة تسبني وتتخلى عني، كنت خايفة إني مشفكش تاني، خوفت تكون أول خناقة بينا هي أخر ذكريات ليا معاك، أنا حتى ملحقتش أعتذرلك يا آدهم!
ضمها إليه بقوةٍ رغم شدة آلام جسده، يتمنى لو أن يترد إليه بصره لجزء من الثوانٍ يروي شوق عينيه لرؤيتها، يود لو ان ينشطر صدره ويضعها داخله ومن ثم يعيده من فوقها، ليظل محل قلبه هو مسكنها الوحيد، يسمع لها تتحدث بكثير من الكلمات ولكنه مغيب عن أي شيء سواها، وحينما استطرد كامل وعيه حاول أن يبعدها عنه ولكنها رفضت وتشبثت به بشكلٍ جنوني، جعله يتآوه بخفوتٍ.
أبقاها داخل ذراعيه وسألها بقلقٍ:
_شمس طمنيني عليكِ، حد إتعرضلك؟
ردت عليه بارتباكٍ حاولت التغلب عليه حتى لا يفضح أمرها بذكائه المعتاد:
_أنا كويسة يا حبيبي، المهم إنت.
مال على كتفيها يردد بعشق:
_بقيت بخير لما إتطمنت عليكِ يا شمس.
واستطرد يخبرها بحرجٍ:
_أنا آسف على كل اللي حصلك ده، صدقيني مكنتش أعرف إن الموضوع هيكبر كده، أنا عارف إني دمرت أجمل لحظات وذكريات كانت هتكون ما بينا، بس اوعدك إني هعوضك عن كل ده يا شمس.
قاطعته حينما قالت تعاتبه بمزحٍ:
_انا مسمحاك على كل حاجة الا نظراتك للبنت المايعة دي!
ضحك من كل قلبه، وأجابها بمشاكسة:
_شكلك دعيتي عليا بضمير لحد ما عيني اتعمت.
انهمرت دموعها تأثرًا بكلماته، وقالت:
_ألف بعد الشر عليك، مفيش حد بيدعي على روحه.
مال يقبل رأسها وهو يهمس لها بحب:
_وأنا مفيش واحدة في الدنيا كلها سحرتني غيرك، أنا مكتفي بيكِ وراضي كل الرضا يا شمس.
وأضاف بحزنٍ وهو يعترف لها:
_اللي حصل كله بيني وبينها للاسف كان من ضمن المهمة اللي طلعت عشانها، بس والله العظيم ما كان غرضي أعرضك لأي خطر، الموضوع كان بسيط ومتأمن كويس، بس فجأة كل حاجة باظت واتكشفت، حقك عليا.
ابتعدت عنه تطالعه بعينيها الدامعة وهي تخبره بحزن:
_المهم إنك بخير يا آدهم.
ابتسم وعشقها ينير ظلمة عينيه، ورفع كفه يقربه من وجهها ليلامس وجنتها الناعمة مثلما إعتاد، تناست شمس اصابتها البالغة جوار شفتيها المنتفخة من أثر الصفعة العنيفة التي تلقتها وأسقطتها أرضًا، فما أن لمستها يد آدهم حتى ضمت كفه على وجهها وهي تتآوه بوجعٍ شديد، مما دفعه ليتساءل بفزعٍ:
_مالك يا شمس؟
ارتبكت قبالته بشدةٍ، وبتلعثم قالت:
_مـ... مفيش.
هدر بانفعال وعقله لا يستقبل اشاراته الذكية:
_وشك ماله؟؟
أجابته بتوترٍ وهي تحاول إبعاد يده عن وجهها:
_مفيش يا آدهم.
صاح بعصبية أرعبتها:
_مفيش ازاي، وشك وارم!!
ازدردت ريقها بصعوبة، وقالت:
_آآ.. أنا... انا لما سمعت خبر اصابتك وقعت على سن التربيزة بـ.. بس الحمد لله أنا كويسة والله.
أحاط كتفيها بيديه يحركها بعنف:
_ريحة كدبك واصلالي من مكاني، إنطقي أيه اللي حصل؟ وحد لمسك؟؟!!
ارتابت من آجابته بما قد يزيده غضبًا وربما تتدهور حالته، بينما تطول في صمتها، هتف بانفعال:
_ردي عليا!!
تعالت شهقات بكائها تدريجيًا، ورفعت يدها ليديه تخبره ببكاء:
_سبني ، أنت بتوجعني يا آدهم!
خف من ضغط يديه من حولها، وقال وهو يحجب عاصفته بصعوبة:
_اتكلمي يا شمس، لو مش عايزة تجني جنوني إتكلمي!
ردت عليه وصوت شهقاتها تتبعها:
_محدش قربلي، في شخص مقنع شكله مريب هو اللي منعهم عني، مخلاش حد فيهم يقربلي.
وأضافت وجسدها يرتجف بين ذراعيه:
_خلصني منهم ووداني مكان بعيد عن السويت، لحد ما الظابط اللي إسمه عدي جالي وسفرني مصر.
وتمعنت بعينيه وهي تخبره بانهيار بكائها:
_بس أنا كنت هموت من الخوف منه يا آدهم، كان مشوه ومريب في تعامله، كنت مرعوبة وحاسة إنه هيقتلني في أي وقت، بس كان عندي أمل أنك هتظهر وهتخلصني من كل اللي عيشته ده، لحد ما الظابط قالي أنك في مهمة، حسيت وقتها إنك في خطر، لاني واثقة ومتأكدة إنك مستحيل تتخلى عني وتسبني ليهم!
احتواها بين ذراعيه بحزنٍ، وهو يهتف بألمٍ يخترق نصف صدره:
_حقك عليا يا روح قلبي، أنا السبب في كل اللي عشتيه يا شمس، أنا السبب!
وتابع وهو يدفنها داخل تجويف عنقه:
_بسببي أنا اتعرضتي لكل ده، أنا أذنبت في حقك سامحيني يا شمس.
رددت من بين بكائها:
_أنا كويسة صدقني، أنسى اللي حصل المهم أنك تقوم بخير وترجعلي يا آدهم، أنا عايزة أعيش عمري كله معاك وليك.
أغلق عينيه بقوة يعتصر دمعة خانته، لا يود أن تنهمر أمامها، لا يشعر الا بطعم العلقم يقتحم جوفه، مال للخلف ومازالت تستند على كتفه، تعوض حرمانها منه طوال تلك الساعات المنصرمة.
مرت الدقائق عليهما حتى مرت ساعة كاملة، تلاها صوت دقات الباب ومن ثم انفتح ببطء وطل علي من خلفه يستأذن بالدخول، فابتعدت شمس عنه للمقعد، ولج الجميع للداخل، وكان أسرعهم آيوب الذي أسرع لآدهم يسأله بهلعٍ:
_آدهم إنت كويس؟
مسكة يده القوية لكفه أيقظت لحظات ما مضت عليه داخل غرفة العمليات، ارتسمت بسمة عميقة على وجه آدهم وقال يذكره:
_مش انا طمنتك عليا وإنت في أوضة العمليات؟
عبث بمقلتيه بدهشة وتساءل باستغراب:
_أمته ده؟
أجابه بتلقائية أضحكت الجميع:
_مش ناديتك؟!! ولا يعني كان لازم أقوم واخدك بالحضن وأنا متدشمل الدشملة السودة دي!
قاطع سيف الحديث هادرًا بسخرية:
_متقلقش يا حضرة الظابط الممرضة عملت الواجب وسيطتك، أول ساعة بالعمليات كنت بتنادي بإسم مدام شمس، وختامها بتنادي بإسم آيوب.
دنى أحمد من آدهم، بقول بابتسامة جذابة:
_حمدلله على سلامتك يا آدهم.
أجابه ببسمة ممتنة:
_الله يسلم حضرتك يا عمي.
بينما قال يوسف:
_ألف سلامة عليك يا حضرة الظابط.
أجابه آدهم بامتنان، بينما ابتسم علي وقال:
_لسه من يومين كنا متجمعين عندك والنهاردة جمعتنا تاني شكلنا كده وحشناك بربطة المعلم.
ضحك جمال وهدر:
_احنا تحت أمره والله نجيله في أي وقت بس بلاش مستشفيات.
أضاف يوسف بمشاكسة:
_ذكرياتنا معاها كلنا زبالة بالذات دكتور سيڤوو!
لكزه سيف بغضب، فهمس بصوت كان مسموعًا للجميع:
_تحب أحكيلهم على العقدة اللي بسببها جوازتك واقفة على الطلاق!
زم سيف شفتيه وصاح:
_اتكلم براحتك أنا كده كده مش راجع البيت، شنطتي تحت في العربية وطالع بيها على حارة الشيخ مهران، آيوب محتاج لونس وأنا الونس ده، مش كده ولا أيه يا بوب؟
_ولا طايق أشوف خلقتك.
قالها ومازال يجلس جوار أخيه، فانطلقت ضحكات الجميع على مزحهم، وتساءل آدهم باستغراب:
_هو أيه اللي حصل الادوار اتبدلت ولا أيه؟
أجابه سيف بمزح:
_تبديل مؤقت، بس متقلقش على أخوك يا حضرة الظابط ده في عنيا الاتنين.
ضحك آدهم وقال:
_لا أنا مطمن عليه وهو معاك من غير اي حاجه يا سيف، ومن نحيتي اطمن طول ما أنت موجود أنا متبري من العلاقة اللي بتجمعني بيه.
تنحنح أحمد يشير للجميع، قائلًا:
_الدكتور منبه علينا من التجمع، يلا يا شباب نسيب حضرة الظابط يرتاح شوية.
انسحب الجميع تباعًا للخلف واحدًا تلو الآخر، ولم يتبقى برفقته سوى آيوب وشمس، مازال آيوب يجاور محل جلوسه، بينما تجلس شمس على بعد منهما، فنهض يستأذن بالمغادرة حتى لا يحرجها، استغل آدهم بقائه برفقته وقال:
_آيوب عايزك تروح البيت تجبلي لبس وغيارات ليا.
طال صمته ونظراته تصوب تجاه أخيه، فتابع آدهم بهدوءٍ:
_هتقدر تعمل ده؟
تحشرجت أنفاسه الخشنة، لا يود الذهاب لهذا المنزل، رؤية من يدعى أبيه تعكر صفوه، ومع ذلك قال:
_حاضر يا آدهم، بكره وأنا جاي هعدي أجبلك غيارات.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ممتنة، فربت آيوب على يده وقال بحب:
_ارتاح إنت ولو احتاجت أي حاجه رن عليا على طول.
قالها وإستأذن يغادر على الفور، بينما تبقت شمس برفقته، دنت تحتل محل آيوب، فسألها ادهم باسترابة:
_هو عُمران فين؟
_معتقدش إني وحشتك يا سيادة الرائد!
قالها ذلك الذي ولج للتو، بعد ان ودع الجميع، ابتسم آدهم وقال:
_وحشتني مشاكستك أكيد، حاسس من غيرك بملل.
سكن الحزن رماديته وهو يتأمل حجم إصابته، نهضت شمس عن المقعد، وقالت وتتجه لحمام الغرفة القابع داخلها:
_هدخل أغسل وشي وجاية.
ولجت شمس لحمام الغرفة، وتبقى آدهم برفقة عُمران، اقترب يسحب المقعد المجاور لفراشه، جلس يهتف بصوت ثابت عكس الحزن الذي يحيط به:
_ألف سلامة عليك يا آدهم، ربنا يقومك بالسلامه يارب.
زوى حاجبيه بعدم اقتناع وتساءل بدهشة بينما عينيه تتطلعان امامه في محاولة للاعتياد على الظلام الحديث له:
_بس كده؟
إدعى عُمران جهله لما يقصده:
_كده إزاي مش فاهم!
ابتسم آدهم وهتف بسخرية:
_انا إتعميت مفقدتش الذاكرة يا طاووس، على لسانك كلام كتير، وعارف إن معاك حق فيه، فمش هجادلك لإني غلطت لما جازفت بحياة شمس بمهمة زي دي فأنا بآ...
قاطعه عمران بحزم:
_مش وقته الكلام ده يا آدهم، إرتاح دلوقتي أنت أكيد تعبان.
ازدادت ملامحه دهشة، وهدر بصدمة مضحكة:
_إنت عُمران بجد ولا اتبدلت بدكتور علي؟
انحنى يزيح الوسادة من خلف ظهره، ثم أدار الريموت، ليعود الفراش لوضعه المريح، وتمتم بسخرية:
_كله بإيدك يا حضرة الظابط، عايزني بنسختي المحترمة موجوده، حابب تخرج الوقح المدفون جوايا جاهز ورهن إشارتك، ميهونش عليا أخلي نفسك في حاجة يا أبو نسب يا غالي.
ضحك آدهم من كل قلبه، وقال بصعوبة من بين ضحكاته:
_هو أصلًا إنك تقرر إنك تبات معايا ده في حد ذاته شيء مش مريح إطلاقًا.
سحب عليه الغطاء وهو يخبره بوقاحة:
_هنعملك أيه مهو أنا المناسب للتدبيسة دي، أخوك مش هينفع يبات معاك وشمس هنا، وعلي من يوم ما اتجوز مش بيبات بره نهائي وللاسف معرفش ليه، أما عمي فمصدق إنه لزق في فريدة هانم بعد حرمان عشرين سنة، فمستحيل هيتخلى عن الرفاهية الفارهة دي عشانك، فمكنش في غيري وأنا بقالي فترة طويلة ببات برة البيت وواخد إستمارة 6 من زمان فمفرقتش النهاردة يعني!!
وأضاف بعد ما قال:
_فاتفضل نام بكل هدوء، وسيبني بحاول أسيطر على وقاحتي وغضبي، بلاش تجرجرني للزيلة عشان إنت اللي هتزعل يا حضرة الظابط.
واستطرد وهو ينحني ليهمس له بفحيح شيطاني:
_بالبلدي كده تلاشيني عشان انا مريض نفسي ومش فاضي أتعالج!
كبت آدهم ضحكاته وقال في رعبٍ مصطنع:
_عنيا يا بشمهندس، بص إنت مش هتسمع صوتي نهائي.
منحه نظرة شك، وهدر بحيرة:
_ولا في مواعيد الحقن؟
هز كتفيه ببلاهةٍ أضحكت عمران:
_مش عارف بصراحه!
قال وهو ينصب عوده:
_هنشوف مع بعض كلنا يا حبيبي، ريح إنت دلوقتي!
******
حمل آيوب حقيبة سيف على كتفه، وهبط من سيارة يوسف، ينتظر سيف الذي ينحني لنافذة السيارة، يصغى لأخيه الذي يحاول جاهدًا لاقناعه بالعودة، والعزوف عن قراره، انتظر حتى فرغ من محاضرته الطويلة عن احتواء زوجته والاعتذار عن تركه للمنزل، وما ان انتهى حتى قال:
_الله عليك يا دكتور، تصبح على خير بقى، بكره في المركز نبقى نكمل بقية المحاضرة.
واتجه لآيوب يشير له بارهاقٍ:
_بينا يا بوب قبل ما يفتح محاضرة جديدة، يوسف وأنا عارفه عامل زي الأم اللتاتة.
وما كادا بالتحرك، حتى هبط يوسف يناديه بغضب:
_سيـف!!
لف سيف يده حول كتف آيوب ودفعه بشدة:
_اجري يالا!
ضحك آيوب وهو يستجيب لشدة يده، فاستدار يشير، ليوسف ومازال يركض من خلفه:
_أنا آسف يا دكتور.
آشار له ببسمة هادئة ثم عاد لسيارته يلكم المقود وهو يهدر بغيظ:
_يا ربي عليك يا سيف، ده أنا جوزتك بالعافية!! لو الجوازة خربت هجيبلك عروسة تانية منين أنا!!!!
ركض سيف وآيوب حتى مدخل الحارة، فتوقفا يلتقطان أنفاسهما بصعوبة، مال سيف يستند على ركبتيه، بينما سأله آيوب وهو يرتكن على الحائط من خلفه:
_سيف دكتور يوسف معاه حق، مينفعش تسيب البيت بالشكل ده.
استقام بوقفته يستند على الحائط جواره، وتمتم بغيظ:
_دكتور يوسف يقول اللي يقوله، أنا بعمل اللي على مزاجي واللي شايفه صح.
ارتاب آيوب لامره، فخشى أن تكون الامور تطورت بينهما حد الانفصال، فسأله بتردد:
_الدنيا تمام بينكم يعني، ولا وضعها أيه؟
منحه نظرة مغتاظة، وهتف باحتقان:
_لو قولتلك هتضحك؟
اشار على ذاته ببراءة:
_أأنا أضحك عليك يا سيف!! إزاي جالك قلب تفكر إني ممكن أشمت فيك في يوم من الايام!!
دفع يده بضيق وهدر:
_كفايا دراما زايدة يابن الشيخ مهران.
وتابع وهو يتفحص المارة من حوله:
_أصلها مصرة تعرف عقدة الحقن دي عندي من أيه!
تمعن به قليلًا ومن ثم احمر وجهه من فرط احتباسه للضحك، بينما يشير له الاخر بتحذير:
_أوعا، أقسم بالله هندم إني حكيتلك سر من أسراري.
تحررت ضحكاته رغمًا عنه، بينما تبرز مقلتي الاخر بغضب جحيمي، حاول آيوب التحكم بضحكاته وهو يقول:
_بلاش تقولها بلااااش.
وأضاف وقد سقط بنوبة الضحك:
_اللي صدمني بعد ما حكيتلي إنك عندك عزيمة رهيبة تدخل طب بعد اللي حصلك، مع إني لو مكانك هعتزل الدكاترة والمستشفيات باللي فيها، لأ عندك اصرار مش طبيعي تكمل، إنت هيرووو يا سيڤوو.
انتشل الحقيبة من كتفه، وصاح بعنفوان:
_هات شنطتي، أنا هروح أبات في أي فندق.
وما كاد بالابتعاد حتى هرع آيوب من خلفه يناديه، وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:
_استنى يا سيف، بهزر معاك يـــــالا!
******
حاولت فاطمة تهدئة زينب المشتعلة بالهاتف، والتي تصر إصرار غير، طبيعي بعدم الحديث عما حدث بينها وبين زوجها، ومع ذلك تود الحديث رفقتها، واصلت الحديث برفقتها لساعة كاملة، حتى هدرت فاطمة بغضب:
_مهو طول ما انتي بتلفي وتدوري أنا مش هقدر أساعدك، قوليلي في أيه بالظبط عشان أتنيل أساعدك، بقالك ساعة بترغي في الفاضي وأنا ورايا شغل الصبح ومش فاضية!
أجابتها بصدمة:
_اشمن شغل تابعك غدا ،ما بقاتش فيك خويتك تسمحي فيها و تسمحي في مشاكلها بسبب خدمتك؟
(وراكي شغل بكره يعني أيه؟؟ هانت عليكي أختك تهمليها وتهملي مشاكلها عشان الشغل!!)
واضافت زينب بغيظ:
_و لا صافي وليتي شايفة راسك سيدة اعمال ا الاستادة فطيمة!
(ولا خلاص بقيتي شايفة نفسك سيدة أعمال يا استاذة فاطمة!)
حاولت فاطمة الحديث، أو حتى الدفاع عن نفسها، ولكن الاخيرة لم تترك لها الفرصة لذلك، بل هاجمتها بشراسة:
_تامني بالله، انا اللي غلطانة كنتاصل بيك نشكيلك احزاني،و بلا الله يعاونك، يا ربي تخرج ليك الشياطين تضيع عليك الليلة ديالك، باش تمشي للخدمة و الكحل تحت من عينيك و شعرك واقف مشعكك و المنظر ديالك كيما دوك الاشباح المتحولة
(تصدقي بالله انا غلطانه اني بتصل بيكي أشكيلك احزاني، ومن غير في رعاية الله، ياكش تظهرلك الشياطين تعكنن عليكي ليلك، عشان تروحي الشغل ضاربة كحل تحت عينك وشعرك واقف وشكلك زي الاشباح المحولة دول!)
تركت فاطمة الهاتف من يدها بعدما تأكدت بأنها اغلقت المكالمة بوجهها، وضعته على الكومود وهي تردد بصدمة:
_هادي حماقت و لا هبلات! !!!
(مجنونة دي ولا إتهبلت!!)
******
حصل عُمران من الأريكة المزدوجة على فراش شبه مريح، مدده ونزع جاكيت بذلته الآنيقة، ثم تمدد على الفراش يضع يده أسفل رقبته، ويغلق عينيه بتعبٍ.
بدت شمس حائرة بين فراش زوجها المصاب وفراش أخيها، فظنت أن باغلاق عيني عُمران بأنه قد استسلم للنوم، لذا وبكل هدوء تسللت تتمدد جوار آدهم، تضع رأسها فوق صدره، ويدها تضم خصره، فتلامست يدها رغمًا عنه مكان اصابته، حيث يصعب عليها تحديده لان الشاش يلف منتصف خصره بأكمله.
تأوه آدهم بصوتٍ مسموع، وما أن شعر بها جواره حتى شملها بين ذراعيه وهو يبعد يدها عن اصابته، مما دفعتها لقولها:
_وجعتك؟ أنا آسفة.
ربت عليها بحنان، وقال:
_أنا فداكِ وفدى راحتك يا روح قلبي.
ومال يقبل جبينها، ويضمها إليه بشوقٍ، إنساق خلف عاطفته وتناسى كل شيء، ثم وفجأة فصل نفسه عنها وسألها بريبة:
_عُمران فين؟
أتاه صوته الساخر يجيبه:
_على بعد متر منك وحياتك!
وأضاف وهو يميل جانبًا لهما، مستندًا على ذراعيه:
_مش بقولك إنك محتاج إعادة تربية من أول وجديد، لأ وأنا اللي مشفق عليك وساحب لساني الوقح عنك وإنت أس الوقاحه كلها!
مالت شمس إليه تهمس برجاء شبيه بالبكاء:
_خبيني يا آدهم، بالله عليك خبيني!
أتاها صوت عُمران يسخر منها:
_حاسبي بس عشان الاصابة لسه طارية، انا بقول تسيبيله السرير وتيجي تنامي في حضن أخوكي لحد ما يتعافى أو يتربى أيهما أقرب!
وتابع وهو يشير لها على المحل المجاور له:
_حضن أخوكي أولى بيكِ يا حبيبي تعالي.
انسحبت شمس من بين أحضان آدهم وإتجهت لعمران، وجدته يضع آحدى وسادات الاريكة لها، ويجذب جاكيته الطويل يداثرها به، ثم نهض يتجه لآدهم يتفحص المحلول المعلق بيده، وفور ان تأكد بانتهائه حتى فصله وانتزعه من وريده، ثم ألقاه بسلة المهملات، وإتجه يميل إليه وهو يهمس له:
_نام وريح يا آدهم، الاصابات اللي عندك دي تودي لعشماوي عدل، وأنا خايف عليك يا حبيبي.
ضحك آدهم وشاكسه بقوله:
_إنت متأكد من حكاية خايف عليا دي يا عمران؟
أجابه بابتسامة هادئة:
_أغلب علاقات الحب قايمة على المناكفة والمشاكل المبدئية، بذمتك مش عاملين جو للعيلة دي، انا أساسًا بمل من غير ما أعكنن عليك، أصلي هكنن على مين يعني، علي اللي وشه مبيفرقش الكتب ومخلص ليهم أكتر من البشر!! ولا عمي اللي مصدق يدخل دنيا تبت فيها ومش راضي يطلع أبدا!!
وأضاف بحزن مضحك:
_مكنش في حد مسليني غير الخال الملزق حتى ده تاب وأناب وطالب الصفح والعفو، طب شياطني الوقح يتواقح على مين يا باشا؟
انفجر ضاحكًا وقال يجيبه بصعوبة:
_عليا يا باشا ولا يهمك.
ضحك هو الاخر وقال وهو يشمر عن ساعديه:
_ريحلك ساعة قبل الفجر.
سأله باستغراب حينما وجده يبتعد عنه:
_اانت رايح فين؟
قال وهو يفتح باب الحمام:
_هتوصى عشان صلاة القيام، وعشان خاطر عيون شمس هدعيلك دعوتين.
ابتسم آدهم ومال برأسه يهمس بغرابة:
_غريب إنت يا وقح!
******
تململت فاطمة بنومتها، ونهضت على صوت رسالة استقبلها هاتفها، فتحت الهاتف لتجدها رسالة على حساب عمران الشخصي، فتحتها وهي تتثأب بنومٍ، انقطع عنها فور ان قرأت محتويات الرسالة، فنهضت تستقيم بجلستها بفزعٍ، وصدمة جعلتها تصرخ بهلعٍ:
_علــــــــــــي!!!!
.... يتبع........
#الاقوى_قـــــــــادم..
#آية_محمد_رفعت.
بعتذر عن التأخير في النشر ابني والله مريض من امبارح، دور برد شديد حبتين بسبب تغير الجو بقى زي ما حضراتكم عارفين، واخيرا ممنونة لدعمكم الغالي وبانتظار أرائكم الجميلة والمحمسة ليا، بحبكم في الله ❤
****_______******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 112 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثامن_والثمانون.
(إهداء الفصل للقارئة الغالية "سما سيد" بمناسبة عيد ميلادها، كل عام وإنتِ طيبة وبخير غاليتي، كل عامٍ وإنتِ إلى الله أقرب، أسأل الله أن يمنحكِ حلاوة قربه، وفرحة رضاه، أحبكِ في الله ❤)
فزع بمنامته فور أن استمع لصوتها المنادي بإسمه، كاد قلبه أن يسقط في مقتلٍ، حينما ظن أن النوبات عادت لها بعدما تخلت عنها منذ فترة طويلة.
أحاط "علي" كتفيها، وهو يسأله بهلعٍ:
_مالك يا فطيمة؟ حاسه بأيه؟
نقلت بصرها عن الهاتف إليه، ورددت بشفتي مرتعشتان:
_عُمران يا علي.. عُمــران!
انقبض قلبه وهو يراها تتطلع للشاشة ودموعها تنهمر دون توقف، فسيطر على أعصابه بصعوبة، وردد باتزانٍ يتشبث به:
_ماله عُمران؟!
قدمت له الهاتف وهي تعيد خصلات شعرها القصير للخلف بارتباكٍ، بينما يقرأ علي محتوى رسالة التهديد بالقتل الموجهة بكل جراءة لأخيه.
رفع رأسه لها يسألها بغضب:
_مين الحقير ده؟ وبأي حق يهدد عُمران بالوقاحة دي؟
ضمت ساقيها إليها وقالت تجيبه ببكاء:
_دي شركة غريبة بتحاول بكل الطرق تخلي عُمران يوقف كل المشاريع اللي ابتدى فيهم في مصر، عايزينه يستثمر بره في لندن أو أي دولة من الدول الاوروبية، وكل ما كان بيرفض كان بيزودوا نسبة الأرباح لشراكة المفروض إنها هتم بينه وبينهم، وهما أصلًا شركة واهمية ملهاش وجود.
وتابعت وهي تشير على الهاتف بانهيار:
_ولما رفض زي ما أنت شايف بيهددوه بالقتل!
أحمرت رماديته غضبًا، وهدر بوعيدٍ قاطع:
_مفيش مخلوق هيمس من أخويا شعرة وأنا على وش الدنيا.
وقدم لها الهاتف، ثم جذب هاتفه:
_ابعتيلي اسكرينات بالمحادثة دي، أنا مش هسكت على الكلاب دول!
*****
السابعة صباحًا.
الرنين الثاني عشر للهاتف الذي لم يتوقف طوال الليل عن الرنين، مال آيوب بنومه على وجهه، واضعًا الوسادة فوق رأسه، في محاولةٍ بائسة للنوم، وحينما فشل تمتم بنعاسٍ:
_ سيف قوم رد يا تعمل أم التليفون ده صامت!
مال لجانبه يسترخي بنومته المريحة، وصوته المحتقن يخبره:
_رد إنت، قولهم الدكتور أجازة النهاردة، وشدد إن محدش يزعجني.
فتح فيروزته يطالعه بسخطٍ:
_دكتور أيه اللي أجازة، هو إنت لسه لحقت!! ده دكتور علي هيرزعك إستقالة رفد فورية متقربش بعدها لأي مستشفى!
ضم الوسادة إليه، غير عابئ بحديثه:
_رد أو ولع فيه، القرار ليك!
سحب ذراعه من أسفل الوسادة التي يضمها سيف، هادرًا بانزعاج:
_يا عم إيدي!!
وتابع بعصبية وهو يتفحص الفراش المجاور له:
_وبعدين أنت مش كنت نايم على السرير اللي جنبي، أيه اللي جابك هنا، أنا قايم مدغدغ من لزقتي في الحيطة!
سحب سيف الغطاء يداثر به رأسه، فهتف آيوب بسخرية:
_على الاساس إن صوتي كده مش هيوصلك يعني! ولا يكنش اللحاف بتاعنا كاتم للصوت!
اختنق من تجاهله التام لحديثه، ومال يسحب هاتفه المزعج بالنسبة له، حرر الاجابة ووضعه تلقائيًا على أذنيه ويده تفرك عينيه بنومٍ، كاد أن يطلق التحية المعتادة لاستقبال أي مكالمة، ولكنه فزع محله فور ان استمع لصوت الصراخ الهادر:
_واخا اسيف، ياك انا دير فيا كيما هاكا،
واخا!!! دابا بكل هدوء غدي تصيفط ليا بريتي و تطلقني من سكات، نلقاها على المكتب ديالي قبل ما نوصل لصونطر، و الا و الله العظيم حتى نفضحك في الصونطر كله
(بقى أنا تعمل فيا كده يا سيف، طيب بمنتهى الهدوء كده تبعتلي ورقة طلاقي، ألقيها على مكتبي قبل ما أوصل المركز، والا والله العظيم أفضحك في المركز كله.)
أغلقت الهاتف بوجهه، بينما يسحب "آيوب" الهاتف عن آذنيه مصعوقًا بما استمع إليه، ومال يجذب ذلك الذي يغفو بمنتهى السلام، كأنه لم يترك من خلفه تلك الأنثى الشرسة!
لكزه سيف بعنف وعاد يضم الوسادة من جديد، فركله آيوب عن الفراش ليفصل بينه وبين الوسادة هادرًا بعنف:
_سيب أم المخدة اللي مكلبش فيها دي وفوقلي، أقسم بالله عندها حق لما طلبت الطلاق، لانك تستاهلها وبالجامد.
جلس سيف على أرضية الرخام، يكبت فمه المتثأب، وسأله وهو يجاهد النوم:
_هي مين دي اللي طلبت الطلاق؟
أجابه بابتسامة واسعة:
_دكتورة زينب.
عبث بعينيه بصدمة:
_وإنت شوفت زينب فين؟
قذف الهاتف بوجهه، وهو يخبره:
_مش إنت اللي قولتلي رد قولهم الدكتور مش فاضي، لسه بفتح إنفجر في وشي كمية تعاويذ او طلاسم تقريبًا كانت بتعملك عمل تتسخط قرد أول ما تفتح الفون، بس يالا جيت من نصيبي والحمد لله قدر الله ما شاء فعل.
وسحب آيوب الوسادة ثم تمدد وهو يضمها مثلما كان يفعل سيف، انتفض الأخير يجذبه بهمجيةٍ:
_قوم يا بارد كلمني، قالتلك أيه؟
رد عليه بانزعاجٍ:
_ما انا قولتلك قالت كلام كتير ومفهمتش منه حرف أكتر من جملة طلقني من سكات!!
جلس جواره يحيط بذقنه بتفكيرٍ:
_ده كده الموضوع قلب جد!
أكد له آيوب وهو يسترخي بنومته من جديد:
_جد الجد، إلحق لمه بقى قبل ما يوسع منك، ووقتها هتخسر أخوك معاه، الراجل اتمرمط لحد ما لقى اللي تليق بيك.
سحب سيف هاتفه، فصعق وهو يتأمل عدد المكالمات والرسائل المرسلة إليه، وجميعها باللغة المغربية، التي تنم على عصبية زوجته البالغة، فحينما يحتد بينهما النقاش كانت تتحول نبرتها للمغربية تلقائيًا.
حرر زر الاتصال بها في محاولةٍ لانقاذ ما يمكن إنقاذه، فاذا به يبعد الهاتف عنه وهو يهتف في صدمة:
_بلكتني!
أتاته ضحكات آيوب تجلجل، وشماتة واضحة في جملته:
_تستاهل، عشان تجرب!
وختم قوله باستمتاعٍ:
_داين تدان يا مان!
ألقى سيف هاتفه، وانقض عليه يكيل له الضربات، بينما الاخير لا يستطيع الدفاع عن ذاته من فرط الضحك.
انفتح باب الغرفة وظهر "إيثان" من أمامهما، يلتهم قرص الفلافل وهو يتابعهما ببرودٍ تام، مال سيف جواره يتطلع له بازدراء، وكذلك آيوب الذي يتأفف بانزعاجٍ، قذف إيثان قطعة إضافية من الفلافل، ومازال يحمل الكيس البلاستيكي، وحينما وجدهما يتطلعان إليه، ردد باستغراب:
_وقفتوا ليه؟ خدوا راحتكم البيت بيتي بس مفيش فرق بينا!
مال سيف لآيوب يسأله بدهشة:
_مش دي شقة يونس ابن عمك؟
هز رأسه يؤكد له، بينما يسحب إيثان المقعد ويقربه منهما، واضعًا ساقًا فوق الآخرى،ويستكمل إلتهام الفلافل:
_لا مهو أي حاجة تخص المعلم يونس تخصني وش!
نهض آيوب يتجه له، وهدر من بين أسنانه بغيظٍ:
_هو إنت مش ناوي تحل عني يا إيثان؟
قذف قرص الفلافل وإلتقطه بفمه ببراعةٍ، وقال وهو يلوكه ببرودٍ:
_لأ.
طرق يُونس على باب الغرفة،وقال مبتسمًا:
_الفطار جاهز يا شباب، غيروا هدومكم بسرعة،عشان الشيخ مهران مستنينا تحت،هيجي معانا المستشفى، عايز يطمن على حضرة الظابط.
جذب سيف ملابسه من الحقيبة وأرشده آيوب للحمام، بينما دنا يُونس من إيثان يلتقط منه الكيس البلاستيكي، يتفحصه بصدمة:
_إنت أكلت الطعمية كلها؟
أجابه وهو يلوك أخر ما تبقى بتلذذٍ:
_آه.
دفعه للخلف وهو يصيح بانفعال:
_إنت عارف أنا وقفت في طابور عامل ازاي عشان أجبها!
رد عليه بابتسامة واسعة:
_فدايا.
احتقنت فيروزته غضبًا، فدفعه لباب الغرفة وهو يصدر أمره النافذ:
_ربع ساعة وألقيك قدامي بالطعمية ولو إتاخرت يا إيثان هخلي يومك شبه لبسك اللي مش باينله ملامح ده.
تفحص ملابسه التي كانت عبارة عن بنطال أسود قطني ، وتيشرت أسود فضفاض للغاية، بتبع موضة الشباب المنتشرة:
_ماله اللبس، ده أخر موديل، إيش فاهمك إنت في الموضة.
صرخ بوجهه بغضب:
_هات الطعمية وإطلـــع، غـــــــــور.
ارتمى لباب الغرفة بفزع منه، واستدار يخبره بضجرٍ:
_متزعقش، نازل أهو!
ربت آيوب على كتف يونس بفخر والفرحة تتراقص بعينيه:
_عاش يا يُونس، اديله على دماغه الرزل ده.
مال له يتفحص ما يرتديه بتفحصٍ:
_وجنابك ملبستش ليه؟ أنا قاعد هنا في حضانه، ما تنجز يالا!
كبت ضحكاته بصعوبة، وقال وهو يعيد خصلاته المنهمرة للامام:
_هنزل أغير وطالع، خد بالك من سيفو أما أجي.
همس بصوتٍ منخفض، وهو يراقب باب الحمام:
_متخافيش على ابنك في عنيا.
انفجر كلاهما من الضحك، وكلًا منهما يضرب الاخر بالكف، فإذا بذلك الصغير يفرقهما، وهو يهتف بانزعاج:
_انا مش عارف انام من صوتكم، أنا هطلع عند ماما فوق ومش هنام معاك تاني يا بابا يونس ولا معاك يا آيوب
وتركهما فارس وغادر بتأفف، فازدادت ضحكات كلًا منهما، وبالاخص حينما قال آيوب:
_حتى الواد طفش!
*****
انتهى "إيثان" من شراء الفلافل وبعض الاغراض التي شراها بمحبة لاستقبال صديق آيوب، واستدار ليعود لمنزل الشيخ مهران، فتفاجئ بخطيبته تقف مع شابٍ باحد الشوارع الجانبية، تبكي وهي تتمسك بيده، وعلى ما يبدو بأنها تتوسل إليه!!
جحظت مُقلتيه بشكلٍ جنوني، وحرر صوته المتحشرج يناديها:
_كريستيــــــــــــن!!
انتفضت بوقفتها بفزعٍ، بينما سحب هذا الشاب يده وهرول راكضًا، استغرق "إيثان" دقيقتين حتى تمكن من المرور من بين زحام المواصلات ليصل إليها.
تشبثت بحقيبة يدها بخوفٍ، والارتباك والتوتر كافيلان بقتلها في الحال، رنا إليها يتساءل بعصبية بالغة وهو يجذبها من مرفقها بعنف:
_مين الحقير اللي واقفه معاه وماسكة إيده بمتتهى البجاحة ده؟ ثم إنك بأي حق تخرجي بدون إذني.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبةٍ بالغة، وحينما استجمعت شتات ذاتها نطقت:
_ده.. آآ... ده.. آآ..
شدد من جذبها بعنفٍ، والغيرة تنهشه حيًا:
_ده أيـه، إنطقــــــــــي!!
أبعدت يديه عنها وهي توزع عينيها بين وجوه المارة الذين انتبهوا لصراخه:
_إيثان من فضلك سبني، الناس بتبص علينا.
زادت كلماتها من غضبه الهالك، فصاح ساخرًا:
_والناس مكنتش فارقة معاكي وإنتِ ماسكة ايد راجل غريب يا محترمة!
رفعت عينيها الباكية إليه، وقالت برجاء:
_عشان خاطري الناس بتتفرج علينا، أنا هحكيلك كل حاجة بس سيب ايدي.
تمعن بها لثوانٍ، ومن ثم سحب عنها يده، ووقف يسألها في هدوءٍ لم يصل لعينيه:
_مين ده؟
ازدردت حلقها بتوترٍ، وودت كأنها تبحث عن إجابة لسؤاله، وبعد صمتًا طال بها، قالت:
_ده أخو واحدة صاحبتي، مانعها تنزل الجامعة والامتحانات خلاص قربت، فكنت بترجاه إنه يسيبها تنزل، حرام يضيع عليها السنة.
منحها نظرة جامدة، وسكون كان مريبًا لها، فإذا به يشق الصمت بسؤاله :
_وأخو صاحبتك يهرب ليه بالطريقة دي لما يشوفني؟
عبثت بأصابعها بخوفٍ، وقالت بثباتٍ:
_وأنا أعرف منين، أنا اتفاجئت زيي زيك بالظبط!
أطبق بشفتيه ببعضهما على بعض، وأشار لها بعنف:
_هبلع اللي قولتليه مع إنه مش مهضوم، بس خروجك من غير إذني مش هعديهولك.
وتابع بحدة وحزم:
_امشي قدامي، هوصلك وليكِ روقة يا بنت إيفون!
****
انتهى عُمران من قراءة ورده المعتاد على هاتفه، بصوته العذب، فتسلل له صوت تأوُّهات "آدهم" الخافتة، نهض يحمل سجادة الصلاة، وضعها على الأريكة وإتجه لسريره، ينحني وهو يتفحصه، فوجده يغفو وملامحه يتشربها الألم.
هز كتفه برفقٍ وهو يناديه:
_آدهم، سامعني!!
فتح عينيه يحاول رؤيته من بين الظلام المفروض أمامه، لم يعتاد بعد عليه، رفع "عُمران" سنادة الفراش العلوي، ليتمكن من معاونته بالجلوس، فوجده يضم جانبه بألمٍ يعتصر وجهه.
سيطر القلق على عُمران حينما رأه هكذا، فقال وهو يستعد للخروج:
_هشوف الدكتور.
أوقفه وهو يتحكم بصوته المبحوح من فرط تألمه:
_استنى.
عاد يجاوره ، فوجده يسأله بلهفة:
_شمس فين؟
حانت منه نظرة لشقيقته، حيث تغفو محلها تلتحف بجاكيته الطويل، مثلما تركها، رد عليه يطمئنه:
_نايمه مكانها.
ضغط آدهم على جانبه يعتصره من شدة الألم، وتمتم:
_بلاش تنادي الدكتور مش عايز أقلقها، كفايا اللي شافته وأتعرضت ليه بسببي.
وتابع وهو يشير على أحد الأدراج التي تجاوره:
_في هنا حقنة مسكنة، سابتها الممرضة بليل احتياطي.
على الفور فتحه عُمران وبالفعل وجد آبرة طبية، يجاورها علبة زجاجية كبيرة، سحب محتوياتها بالآبرة الكبيرة، ومال جواره يسحب يده، يسكبها برفق وبحذر داخل الكانيولا، حتى انتهى منها.
سحب آدهم ذراعه ووضعه فوق عينيه، ثم مال يسترخي بجلسته، وهو يحارب كل وجع يعتصره، يحافظ على قوته قدر المستطاع، ليس رجلًا عاديًا لينازع أمام أحدٌ، لقد زرع فيه قائده شموخ لا يحنيه أحدٌ، حتى وإن زاد عليه التعب.
راقبه عُمران بحزنٍ مزق قلبه الحنون، من يعهد شخصية بقدره، ينسب لها القوة والقسوة، ولو قيل له أنه يمتلك قلبًا رقيق كالعصفور لم يصدق، ربما لذلك هو لغزًا متنقلًا، مهما تيقنت أنك جمعت أبوابه، ستفقد كل إرشاداتك فور دخولك إليه.
ترك له عُمران مساحة العشر دقائق، وحينما شعر بهدوء أنفاسه المتحشرجة بانفعالٍ، سأله برفقٍ:
_أحسن دلوقتي؟
أزاح يده وهو يجيبه بابتسامةٍ هادئة:
_الحمد لله أحسن، تسلم يا دكتور.
ابتسم عُمران وجلس جوار ساقيه، يمازحه بسخرية:
_والله ما أنا عارف أنا وظيفتي أيه في وسط الكوسة دي، بس عشانك همشيها.
ضحك آدهم وشكك بقوله:
_عشاني!! يعني مش عشان شمس!
رد عليه ورماديته تحيط موضع شقيقته بحنان:
_لأجلها تكرم ألف عين!
ابتسم آدهم وعلامات الانبهار تحتل ملامحه الوسيمة، لطالما كانت علاقة شمس بأشقائها تثير إعجابه، وبالأخص علاقتها بعمران، استدار تجاهه فلاحظ إبتسامته، ولا يعلم لما شعر بالضيق من نفسه، فرفع ساقيه يربعهما وهو يعتدل بجسده كليًا تجاهه، ثم قال بضيقٍ:
_آدهم أنا يوم ما كلمتك يوم فرحك مكنش تدخل مني في حياتك، أنا عارف أن إنت وشمس ليكم حياتكم الخاصة، اللي مينفعش لا أنا ولا غيري نكون فيها، بس اللي حصل كله قلقني.
وأضاف يوضح له عن سبب قلقه الصريح:
_لما صارحتني بحوار آيوب، إتفقنا أنا وإنت انك هتمهدله الموضوع واحدة واحدة وبعد كده أنا هكون معاه، وهفهمه، فجأة لقيتك باعتلي رسالة أنك قولتله كل حاجة!! وأتفاجئ إنك سفرت مرة واحدة!! التوقيت نفسه كان غريب، وسفرك أغرب لإنك مش من عادتك تهرب من المواجهة، كل ده قلقني وخلاني أشك إن في حاجة حاصلة معاك.
اتسعت إبتسامة "آدهم" لما يستمع إليه، فضيق الاخير عينيه وتساءل باستغراب:
_أيه اللي بيضحك في كلامي؟!
أجابه ومازال يحتفظ بابتسامته:
_شخصيتك غريبة بس تعجب الباشا.
واستطرد بمكرٍ:
_شكل كده هطلع من حوار تعبي ده بمصلحة، وأخيرًا الحرب بينا هتنتهي يا طاووس.
بدد أماله جميعها حينما قال:
_مش بالظبط، ما أنا قولتلك بتسلى!
قهقه ضاحكًا، وصاح يشاكسه:
_وماله اتسلى براحتك بس خد بالك أنا عندي صبر وعزيمة تتوب اليهود.
طرق على ساقه قائلًا بسخرية:
_كله هيبان مع اللي جاي يا حضرة الظابط.
ونهض عن الفراش، يتجه إلى شقيقته، يحاول أن يوقظها قبل أن يأتي أحد الاطباء، فإذا بها تبتسم وهي تردد بدلالٍ:
_آدهم!
أجابها عُمران ساخطًا وهو يستدير تجاه هذا الضاحك:
_حتى في الاحلام مش عاتقها، حل عن البنت أحسن ما أحلك أنا!
رفع يديه باستسلامٍ ومازال يتطلع أمامه:
_عملتلك أنا أيه دلوقتي، أنا أهو قدامك راقد على سرير في مستشفى! أعملك أيه تاني عشان توصل لمرحلة الارتياح؟ أكهربلك نفسي ولا أقطعلك شريان؟
ذم شفتيه ساخرًا:
_قال يعني هيقصر فيك! ده إنت سفاح يابا!
ازدادت ضحكات آدهم بلا توقف، وخاصة حينما سأله عُمران بجدية مضحكة:
_قال قولي يا آدهم هو إنت أيه اللي دشملك كده، كنت ناوي تقذف الرعب في أوراكهم فقذفوك هما من الدور العشرين، ولا إنت ملحقتش تعمل النمرة؟
تعالت ضحكات آدهم حتى أدمعت عينيه، بل وأجابه بضحكة:
_لا قذفوني بصاروخ أربجي فجر العربية!
ضحك عُمران وعاد يحرك شقيقته، التي فتحت عينيها بابتسامة واسعة، تلاشت فور أن رأت من يقابلها، استندت على جذعيها ونهضت تردد بحرج:
_عُمران؟!
ربع يديه أمام صدره يطالعها بنظرة ساخرة:
_كنتِ متوقعة تشوفي مين غيري؟ اللي بتحلمي بيه مش قادر حتى يقوم يصحيكِ يا حبيبتي!
اعترض آدهم حديثه قائلًا بمشاكسة:
_بكره أصحيها وأعملها أحلى فطار بايدي، أنا تحت أمر شمس هانم.
احتقن وجه شمس من فرط خجلها، وابتسامة عشقها له تتربع بين مُقلتيها، ابتسم عُمران وهو يتابع فرحتها، وتنحنح ليلفت انتباهها بخشونة:
_ادخلي اعدلي طرحتك، الدكتور زمانه على وصول.
هزت رأسها في طاعةٍ، وولجت لحمام الغرفة ترتب حجابها بالكامل.
******
استند إيثان على سيارته ينتظر الشيخ مهران والشباب بالاسفل، كان شاردًا بذلك المشهد الذي أجج فيه النيران.
كان "يونس" أول من هبط إلى الأسفل، فأسرع إليه يعاتبه بضيق:
_مقعدتش تفطر معانا ليه؟ رميت الاكياس على السفرة وجريت زي العيل الصغير!
وقدم له كيس بلاستيكي صغير، وعلبة من العصير المعلب:
_عملتلك كام سندوتش من صنع إيديا، ألف هنا على قلبك يا إيثو.
أبعد يده عنه وهو يهتف بهدوء:
_مش جعان.
ضيق فيروزته بدهشةٍ، لحقت نبرته:
_مش جعان إزاي إنت مأكلتش حاجه من الصبح.
وعاد يقرب ما بيده له، فألقاه إيثان على مقدمة السيارة هادرًا بانفعالٍ:
_مقولتلتك مش متزفت يا يونس، متعصبنيش!
تفحصه يونس بنظرة دقيقة، كادت ان تتسلل لأعماقه، وبقلقٍ سأله:
_أيه اللي حصل؟
مال لمقدمة سيارته يضم ذراعيه أمام صدره الهابط بعنفوان من فرط تعصب أنفاسه، عبثت قدمه بالأرض، ومن ثم رفعها إليه:
_شوفت موقف مش مفهوم ولا داخل دماغي.
سأله بجدية واهتمام:
_موقف أيه ده؟
تنهد بتثاقلٍ، جعله مهمومًا:
_كريستيـن كانت واقفة مع شاب غريب وماسكه ايده، وكان باين أن بينهم حاجه مش عارف بالتحديد، بس لما قربت منهم الواد جري وهي كانت مرتبكة بشكل غريب.
تمعن بحديثه جيدًا، وطرح سؤالًا عقلاني:
_مسألتهاش مين ده؟
أجابه وفمه قد تقوس بعدم اقتناع:
_ألفت عليا حوار، فكسان ميدخلش مخ عيل صغير.
وتابع وهو يسحب نفسًا طويلًا:
_انا شاكك أن الموضوع ده فيه حاجة، وحاجة كبيرة كمان.
أراد أن يجاري عقله، فسأله بوضوح:
_قصدك إن في حاجة بينهم؟
هز رأسه معارضًا بشكلٍ نهائيًا لما يقول:
_لأ، كريستينا عمرها ما حبت غيري، إذا كان كانت مخلصة ليا وأنا مش شايلها من أرضها، هتيجي وأنا واقع في حبها وهتخون... لأ يا يونس الموضوع في حاجه مريبة، وكدبها عليا مزود شكوكي.
مال يستند جواره، يقدر حزنه وقلقه، ذلك المشاكس المبتسم بشكلٍ دائم، ما أن يسكن الهم وجهه، تجد عالم يونس بأكمله ينهار تدريجيًا!
بقى صامت لدقيقتين، ثم قال بثباتٍ عقلاني:
_حاول تتكلم معاها مرة تانية، تحسسها بالأمان، وإنها لو مخبية عنك شيء وفاكرة إن رد فعلك هيكون عنيف فده بالعكس تمامًا، والافضل متكلمهاش وهي ببيت والدتها، يمكن تتردد تتكلم لحد من أهلها يسمعها، خرجها خروجه حلوة وحاول تعرف منها تفاصيل أكتر عن الموضوع.
هز رأسه باقتناعٍ تام، وهمس بعزيمة:
_هعمل كده أكيد.
هبط الشيخ مهران برفقة سيف وآيوب، فصعد يونس برفقة إيثان بسيارته، وصعد آيوب والشيخ مهران بسيارة سيف التي أحضرها يوسف بالصباح لأخيه، واتجه بسيارة أجرة إلى المطار لاستقبال زوجته.
كان آيوب مهمومًا، منزعجًا من ذهابه إلى منزل مصطفى الرشيدي، ود لو أرسل أحد الشباب ولكنه الوحيد الذي سمح له آدهم بدخول منزله وغرفته الخاصة، حتى وقت زفافه كان يعاونه بكل مستلزماته الخاصة، فتثنى له رؤية خزانته وأغراضه الشخصية، لذا هو المناسب لجلب متعلقات أخيه.
توقف سيف خلف سيارة إيثان أمام منزل آدهم، ومع ذلك ظل آيوب محله مترددًا بالهبوط، حتى وضع الشيخ مهران يده على كتفه يحثه في همة:
_إنزل هات لاخوك اللي طلبه منك يا ابني.
لف رأسه لأبيه، وقال بصوتٍ متحشرج:
_مش عايز أشوفه.
همس الشيخ بحزنٍ:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم.
وقال له بصوتٍ مسموع، بث فيه كل حنانه:
_إتكلمنا كتير في الموضوع ده يا آيوب، ولسه عايز تفتحه تاني يا ابني!
حزن سيف لاجل رفيقه، يقدر وجعه الملموس إليه، فأغلق مقود السيارة، وقال:
_يالا يا آيوب، أنا نازل معاك.
استمد آيوب قوته لمواجهة من لا يود اللقاء به نهائيًا، ورافق سيف لداخل المنزل، حتى فتح الممرض الخاص بمصطفى الباب، يتساءل عن هوية الطارق.
لزم آيوب الصمت، فتنحنح سيف يخبره:
_بلغه إن آيوب وصاحبه.
هز الممرض رأسه بخفة، وعاد للداخل يخبر سيده بالطارق، فإذا بمصطفى يتحرك بمقعده بكل سرعة، والسرور يحفل على وجهه، بستقبله بكل حب، ولهفة:
_آيـــــوب، إنت جيت يا حبيبي، ادخل إدخل واقف عندك كدليه، هو إنت غريب، ده بيتك يابني!
رفع عينيه إليه يطالعه بكرهٍ، ودون أن يطول بوقفه ولج يتخطاه وصعد للأعلى مباشرة، تألم قلب مصطفى وملأت الدموع عينيه، فاختزل شفقة سيف الذي انحنى إليه يخبره:
_متزعلش يا عمي، آيوب والله قلبه أبيض، هو بس محتاج وقت.
انتبه مصطفى لوجود هذا الشاب الغريب، فأزاح دموعه واستقبله بابتسامة:
_أنت صاحبه؟
هز رأسه بهدوء، فان سبق ورأه لم يكن ليتذكره، فقال مصطفى بتوسل:
_لو إنت قريب منه خليه يسامحني يابني، خليه يديني فرصة أقربه مني ويسمعني أرجوك.
ربت على كتفه وقال يوعده:
_هحاول بكل طاقتي والله.. اطمن.
منحه ابتسامة ممتنة، ولكن مازال هناك علامة استفهام لصعود آيوب لغرفة آدهم بتلك الطريقة، فتساءل مصطفى بقلق:
_هو ليه آيوب طلع على أوضة آدهم على طول، هو في حاجة ولا أيه؟
تلاشت ابتسامة سيف، ووقف متجمد كالعاجز، لا يعرف ماذا سيخبره؟ صمته قد زاد من قلق مصطفى، وخاصة حينما هبط آيوب يشير لسيف بضيقٍ:
_أنا جبت الهدوم، يالا يا سيف.
زوى حاجبيه بذهول:
_هدوم لمين؟ هو مش عمر مسافر؟
وزع نظراته بينهما في ريبة:
_ابني ماله؟؟؟؟؟؟
تجاهل آيوب حديثه، وحاول دفع سيف قائلًا:
_يالا يا سيف مش سامع!
لم يتحرك عن محله قنطرًا، بل انحنى يخبر مصطفى في آسف:
_آدهم في المستشفى اتعرض لاصابة في مهمة كان طالعها، بس اطمن هو كويس وحالته مستقرة جدًا دلوقتي.
اتسعت عيناه في صدمة، بل أنه شعر ببرودة مزقت ساقيه العاجزة عن الحركة، فردد بعدم استيعاب لثقل الكلمات:
_مستشفى أيه ومهمة أيه، أكيد في سوء تفاهم، آآ.. أنا ابني في شهر العسل هو وشمس مراته.
رد عليه سيف بشفقة:
_شمس معاه في المستشفى.
انسكبت دموعه كالدلو العتيق، واحتقنت أنفاسه بشكلٍ مقبض، جعل الممرض يهرع إليه، يحاول أن ينظم أنفاسه بالكبسولات المتاحة لديه، وجاهد سيف لمساندته حتى لا يسقط من المقعد، بينما يطالعه آيوب بنظراتٍ خاوية، وصاح غير مبالي به:
_يالا يا سيف هتيجي ولا أمشي؟
نصب سيف عوده واستدار يدفعه للحائط وهو يضرب صدره بعنفٍ:
_إنت أيه مبتحسش!! مش شايف الراجل قدامك مش قادر يأخد نفسه!! عمرك ما كنت بالقسوة والجبروت ده يا آيوب، خد بالك علاقتك بآدهم هتنتهي لو أبوه جراله حاجه بسببك!
منحه نظرة مشتعلة بغضبٍ مدفون داخله، ما بال الجميع لا يرون ما فعله هذا الرجل به، الجميع يشفقون عليه لمجرد أنه رجلًا مريضًا!
حانت منه نظرة سريعة لمصطفى الذي يلتقط أنفاسه المضطربة بالبخاخ الصغير الذي يحمله الممرض، ولوهلة أشفق على حاله البائس!
استند على الحائط من خلفه، وترك سيف والممرض يساعدوه حتى هدأ تمامًا، فأمسك يد سيف وقال باكيًا:
_خدني عند ابني ، وديني لعمر .
بدون أي كلمة دفع سيف المقعد للخارج، قاصدًا سيارته ويتبعه آيوب بغضب، فور أن رأه الشيخ مهران، هبط يعاون سيف حتى صعد بالمقعد الخلفي جوار الشيخ مهران الذي رحب به بطيبته وبشاشة وجهه.
صعد سيف لمقعده وفتح الباب المجاور له يشير لآيوب:
_إركب يالا يا آيوب.
أغلق آيوب الباب بعنف وهو يتطلع لابيه الذي يعاون مصطفى ويشد آزاره ليحتمل خبر اصابة ابنه، بل وقال بعدوان:
_اطلع إنت أنا هركب مع يونس وإيثان.
وبدون أي كلمة اخرى اتجه لسيارة إيثان يجلس بالخلف، مال مصطفى على النافذة، وهو يتمنى الموت من صمام قلبه، لربما حينها يتمكن آيوب من مسامحته!
ربت الشيخ مهران على كتفه وهو يقول بحكمته وتفائله:
_بكره هينسى وهيسامح.
أغلق عينيه يعتصر دموعه، هامسًا بتمني:
_يا رب.
******
رأها تسحب حقيبتها ويدها تضم بطنها الذي انتفخ قليلًا عن أخر مرة رأها بها، تقف بفستانها الابيض الفضفاض، تبحث عنه بعينين متلهفتين لرؤيته، وما أن رأته حتى اتسعت ابتسامتها ويدها تلوح له بفرحةٍ.
إقتحم "يوسف" الصفوف، ليقابلها بضمة غمرتها من فيض شوقه وعاطفته إليها، يردد بمشاعر:
_وحشتيني يا لوليتا، وحشتيني أوي!
انزوت بين أحضانه بسعادة، لم يكن مدة افتراقهما كبيرًا ومع ذلك يعبر عن افتقادها بكل حبًا وشغفًا، ردت عليه بعشقٍ يفوقه:
_وإنت كمان وحشتني يا يوسف، فراقك كان أصعب شيء مر عليا، بس الحمد لله اتجمعنا من تاني يا حبيبي
أبعدها يقبل جبينها، وهمس لها:
_يعيشلي الجميل اللي وحشته.
وتابع وهو يسحب عنها الحقيبة:
_عنك يا باشا، تشيل وأنا موجود طيب دي تيجي ازاي؟
ضحكت بخفة عليه، واستدارت تبحث من حوله، متسائلة بحيرة:
_أمال فين زينب وسيف؟
سحبها برفق للخارج، وقال بسخرية:
_سيف طفشان عند آيوب، وزينب في المركز بتدور على محامي كويس يرفعلها قضية خلع.
برقت بعينيها بصدمة:
_أيـــــــــــه؟!!
*****
اقتحم "علي" الغرفة، يبحث عن أخيه بلهفةٍ، تحررت على لسانه الناطق:
_عُمــــــــــران!!
تجمد يده الحامل لطاولة الطعام، يثبته حول آدهم بينما تقوم شمس بمعاونته على تناول طعامه، ترك عمران ما بيده واستدار يقابل اخيه، متسائلًا بدهشة:
_علي!
هرع إليه يتفحصه بقلقٍ، وبينما يحاول التحكم بذاته الا أنه فشل وبرز خوفه الصريح:
_طمني إنت كويس؟ فيك حاجه؟
رفع أحد حاجبيه بتهكمٍ:
_سلامة نظرك يا قلب أخوك! آدهم هو اللي مريض مش أنا!
ووضع يده على جبينه بدراما مضحكة:
_مفيش حرارة، الله أمال مالك يا علي؟!
دفع علي يده عنه، وجذب هاتفه يسلط الرسالة بوجه أخيه ويواجهه بغضب:
_في إن حياة حضرتك في خطر، وواقف تهزر ببرود قدامي!!
خطف نظرة سريعة لما يحمله، ثم قال بعدم مبالاة:
_إنت عامل كل ده عشان دي، فكك منهم دول عالم رايحة منهم، فاكرين إنهم هيختموني على قفايا، وأنا أختم قفا أمهم وبالجامد أوي!
استفزته كلماته بشكلٍ جعله يهدر بانفعال وعصبية:
_يعني أيه أفكني منهم، دول بيهددوك بالقتل!!
عاد يضع المنشفة حول رقبة آدهم الذي يستمع لكل ما يقال بتمعن:
_متكبرش الحوار يا علي، زي ما قولتلك دول أخرهم قفا معتبر مني وهيجيبوا ورا.
تحرر آدهم عن إنصاته، وتساءل باهتمام:
_في أيه يا علي؟ ومين اللي بيهدده؟
جلس علي قبالته يقص له بايجاز ما أخبرته به زوجته، فقال بعدما فرغ علي من حديثه:
_االموضوع ده ميتسكتش عليه يا عُمـــران، إصرار الناس دي إنك تسحب مشاريعك من هنا وراه شيء مريب.
وتابع بقلق وتوتر:
_ولو اللي في دماغي صح يبقى إنت في خطر كبير ولازم تأمن نفسك منه.
دنى إليه علي يسأله بخوف:
_أيه اللي في دماغك يا آدهم، قولي شاكك في أيه؟
اتبع محل صوت علي، وصمت قليلًا، لم يحبذ أن يزرع القلق إليه وإلى زوجته التي يشعر برعشة كفها بين كفه، لذا فاه بذكاء:
_ابعتلي الاسكرينات دي على تليفوني يا علي، وأنا هتصرف، لو طلع وراهم حاجه هوصل الموضوع لحد من القادة، متقلقش.
طرقتين متتاليتين لامست باب الغرفة، وبعدها انفتح الباب وولج منه شابًا وسيمًا للغاية، ابتسامته تحمل اشراقة حياة بأكملها، اجتمعت الجاذبية والقبول فيه بشكلٍ يأسر القلوب، ملابسه المكونة من بنطال رمادي وتيشرت أبيض ومن فوقه قميص رمادي مفتوح جعلته جاذبًا بالرغم من أنه يرتدي ملابس غير رسمية، وغير مبالغ بثمنها، رغم أنه ينحدر لعائلة من أغني عائلات الوطن العربي، عائلة #الجارحي!
دنى بخطواته الهادئة التي تعبر عن شخصه الهادئ، حتى توقف أمام فراش آدهم، اتسعت ابتسامته وقال بصوته الرخيم:
_صباح الخير يا حضرة الظابط، أنا الدكتور عمر الجارحي، طبعًا مش محتاج أقولك إني دكتور عيون شاطر ولا محتاج أعرفك أني هكون مسؤول عن حالتك بشكل كامل، لإن بمنتهى البساطة معاشر نسخة ميري في بيتي، ألا وهي أخويا التؤام، لذا أقدر أقولك بذكائي الخارق إنكم بتفهموها وهي على الشجرة من قبل ما توقع.
ابتسم آدهم ورفع يده يبحث عن يد عمر ليصافحه، فأمسك بها عمر، وصافحه بحرارة، بينما يرد آدهم باحترام:
_أهلًا بحضرتك يا دكتور، أعرفك ده دكتور علي الغرباوي وبشمهندس عُمران الغرباوي، نسايبي.
تبادل عمر السلام معهما، فأشار له عمران على المقعد القريب من ادهم:
_اتفضل يا دكتور.
جلس محل اشارته وهو يشكره بلباقة:
_شكرًا يا بشمهندس.
انسحب عمران برفقة شمس للخارج، وتبقى علي جوار آدهم، يتابع فحص عمر الكلي لعين آدهم، باستخدام أجهزة مختلفة، فعاد لمقعده يدون بعض الملاحظات، ثم قال ومازالت عسليته تتعلق بدفتره الخاص:
_واضح إن في شيء أذى عينك بشكل كبير، ولو هفترض إن وضعك ده نتيجة حادث فمستحيل يكون ده إزاز أو شيء حاد والا كانت هتكون الاصابة أخطر من كده.
ورفع عسليته له يمنحه بسمة خبيثة:
_اللي قولته سابقًا بحكم مهنتي، لكن بحكم آني وللاسف تؤام واحد منكم فأحب أقولك إنك زرعت شريحة أذيتك لطول الوقت اللي فضلت محتفظ بيها فيه.
اتسعت ابتسامة آدهم، وقال باعجاب:
_شكلهم مكدبوش لما قالوا عنك دكتور شاطر.
ضحك بصوته الجذاب، ومال يهمس له:
_لا ده أنا أعجبك أوي، مخابرات تلاقي، ادارة أعمال تلاقي، أي حاجه هتلاقيني ماشي فيها ببركة دعوات الوالدة، لكن الوالد دعواته مبتخرجش الا بتصاريح قومية!
ضحك آدهم وشاركه علي، الذي قال:
_المهم إن في أمل إنها بتطلع!
عاد يدون بعض الاشياء بدفتره وهو يمازحه:
_الأمل مفقود وملهوش وجود طول ما قدامه شخص زي ياسين الجارحي!
وتابع وهو يضحك:
_واللي يأكدلك أني بائس إني للاسف واقع مع نسخته واللي هو عدي أخويا، حضرتك أنا كنت في اسكندرية مع ولاد عمي بنقضي الاجازة بكل حب آسري، ألقيه باعتلي الساعة 1 بليل رسالة من كلمتين.
أحبه علي وارتاح للحديث برفقته، فسأله بفضول:
_أيه الرسالة؟
مزق عمر ورقة من دفتره، وقال وهو يدون الاخرى بمهارة:
_تسعة الصبح تكون في المستشفى العسكري، وبس يا باشا، تفتكر إني هحاول إني أعرف منه ليه مثلا؟ حضرتك أخويا ده لو تمثال رمسيس نطق شبيه ياسين الجارحي ده عمره ما هيقبل يقفل صفح التاريخ بكلمه يطلعها مفيدة، لذا أنا مبتعبش نفسي، جبت الشنطة وجيت.
وأضاف بجدية مضحكة:
_ وكده كده عندي نية المعالجة، سواء كان هو المصاب أو حد من اصحابه، طالما في نية كل الامور محلولة بأمر الله!
انفجر آدهم وعلي من الضحك، بينما ابتسم عمر بخفةٍ، ومزق الروشته وقدمها لعلي، ثم قال بحرافية تتناسب مع طبيب محترف مثله:
_بص يا حضرة الرائد، فقدان البصر اللي عندك ده مش مؤكد مؤقت ولا بشكل دائم، عشان كده محتاج تتابع معايا بشكل مستمر، هنعمل شوية فحوصات وهتابع معايا الفترة اللي جاية، عشان كده كتبتلك في الورقة اللي مع دكتور على عنوان المستشفى الخاص بتاعي، ورقمي الخاص.
وقدم الورقة الاخرى لعلي هادرًا:
_دي أدوية ومسكنات لحرقان وجروح عينك، لحد ما تهدى هنبدأ علاج على طول، وبناء على الفحوصات هقرر إذا كنت هتحتاج جراحه ولا لأ.
سأله علي باهتمام:
_يعني هو في مرحلة علاج ممكن تخليه ميخضعش لجراحه.
أكد له عمر بجدية تامة:
_بالظبط، همشيه على أدوية فعالة ونتايجها مضمونه بإذن الله، بس لما أبص على الفحوصات اللي هعملها بنفسي في المستشفى عشان احدد هبدأ معاه بأيه.
وبابتسامته البشوشة قال:
_وإن شاء الله الادوية تجيب بفايدة ومنحتاجش للجراحة دي.
رد عليه آدهم بامتنان:
_شكرًا يا دكتور.
اجابه عمر وهو يربت على يده:
_الشكر لله وحده يا آدهم باشا.
وتابع بمرح:
_شوفت منستش باشا ازاي، أصلي متعود اتفادى المخالفات مع سيادة العقيد، الموضوع بيقلب رعب لو ناديته باسمه كده عادي، مع أنه عمره ما احترمني وقالي يا دكتور!
ضحك آدهم وقال بثناء:
_عدي باشا من أكفئ ظباط الداخلية، صيته جايب ومسمع ما شاء الله، مكنش ليا الحظ إني أشوفه أو اتعرف عليه، بس ليا حظ اتعرف على حضرتك.
مازحه بعنجهية مصطنعة:
_الحمدلله انك مشفتهوش، وحظك الحلو وقعك فيا أنا!
ابتسم آدهم وقال بجدية:
_حظي حلو فعلا.
وأضاف بلطف:
_على فكرة أنا إسمي الحقيقي عمر.
صافح يده بقوة وقال بسعادة:
_وده تاني سبب أحبك عشانه، بعيدًا عن إنك ظابط لاني وللاسف عندي عقدة من كل الظباط والفضل لاخويا المعقد!
وسحب حقيبته مستأذنًا للمغادرة برقي:
_أنا اتشرفت بيك يا عمر، إن شاء الله ربنا يجعلني سبب ويسخرني لعلاجك.
وتابع وهو يربت على يده:
_هستناك في المستشفى، المعاد كتبتهولك على دهر الروشتة، حمدلله على سلامتك مرة تانية.
وغادر تاركًا الراحة تغمر قلب آدهم، تضخمت الآمال لديه وهمس بتفاؤل:
_تفتكر ممكن يكون فقدان البصر عندي مؤقت زي ما قال يا علي؟
انتبه له علي، فترك ما بيده ومال يخبره ببسمة هادئة:
_مفيش حاجه بعيدة عن ربنا سبحانه وتعالى يا آدهم، أنا واثق إنك مش هتحتاج للجراحه بإذن الله، انا متفائل جدا بالدكتور ده، شكله ابن ناس ومحترم جدا.
هز رأسه يؤكد له:
_باباه يبقى ياسين الجارحي، من أكبر وأهم رجال الاعمال في الشرق الاوسط، عيلته كلها تحت طوعه وراجل كلمته سيف على رقبة الكل، والداخلية بتعمله مليون حساب.
ابتسم علي وقال:
_بعيدًا عن كل ده فهو عرف يربي صح، لو مكنتش حكيتلي عنه كل ده مكنتش شكيت للحظة إن شخص زي دكتور عمر ده باباه بالنفوذ دي كلها، إنسان بسيط ومتواضع، حقيقي حبيته!
(القراء الجدد لمتابعة الرواية التي تضم عدي الجارحي، وعمر الجارحي اسمها #أحفاد_الجارحي..)
****
وصل الجميع للمشفى، واتجهوا لغرفة آدهم، الذي ما أن استمع لصوت أبيه حتى خشى أن يزداد بيه المرض لرؤيته هكذا.
عاونه سيف وايثان بدفع المقعد حتى فراش آدهم، فردد باكيًا:
_ طمني عليك يابني! أيه اللي حصل؟؟!
رفع آدهم يديه يبحث عن يد أبيه، يستكشف محله بالتحديد وهو يناديه بخفوت:
_بابا.
توسعت مُقلتي مصطفى بصدمة وهو يرى ابنه يبحث عنه وهو يجلس جواره، حركة يده وثبات عينيه دون حركة أفصحت بما فيه، فشقت صدره بقسوةٍ، وتحرر معه صوته الباكي ورفضه التام لاستقبال حقيقة أن فلذة كبده قد بات كفيفًا:
_عمـر!!
.......... يتبع...
#االاقوى_قـــــــــــــــــادم.
#آية_محمد_رفعت.
لطلب رواياتي الورقية اون لاين لباب البيت على واتساب 01121530961 بالخصومات، ادخلوا واسالوا عن رواياتي وهتوصلكم 💚، بحبكم في الله ♥
****_______*****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 113 - بقلم آية محمد رفعت
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرًا على رسائلكم وبوستاتكم، بعتذر لعدم مقدرتي على الرد، وده مش تجاهل مني ولا قلة ذوق والله لأي قارئة أو صديقة غالية سألت عني، أنا بقالي ايام مش بمسك الفون ولا قادرة أبص في أي شاشة سواء فون أو لاب...
الادمن قالولي على اهتمامكم الغالي وأسئلتكم عني، وكلهم أصروا احاول انزلكم بوست اطمنكم عني، مع اني مكسوفة من فترة غيابي بس من واجبكم عليا اني اطمنكم، بعتذرلكم من قلبي مرة تانية على القلق اللي اتسببت فيه ليكم وللادمن حبيباتي اللي دايما في ضهري، مش حابة اكتبلكم معاد الفصل خوفًا من ان يحصل حاجه ومقدرش انزله، بس بوعدكم بفصل كبير الاسبوع ده تعويض عن غيابي، وعايزاكم تذكروني بدعواتكم، وبتمنى محدش يكون زعلان مني، اللي حصل كله كان غصب عني، وعايزة اقولكم إن كتمان حاجة مزعلاك اضرارها أصعب من أي مرض، ربنا يبعد عننا قساة القلوب.... متنسوش اني بحبكم في الله، وبتأسفلكم إني مش قادرة اتابع بوستاتكم الجميلة بالوقت الحالي ❤
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 114 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_التاسع_والثمانون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات Aya Montaser - Rèhàb khàlèd-
Yasmin Nashaat- Waad Yassir- دودى محمد ـ زينب الطحان،شرين مينا ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
وجود الشيخ مهران جوار مصطفى بتلك اللحظة كان بمثابة ضمادة طبية، شُفيت جروحه، بل كان راضيًا، شاكرًا لله أن ابنه الوحيد مازال على قيد الحياة.
وها هو يعود برفقته للمنزل من جديد، بعد أن مر الطبيب عليه بحضور الشباب بأكملهم، فأعاد الكشف على جرحه، وحينما اطمئن على وضعه الصحي، قبل بطلب آدهم بعودته للمنزل، وبالفعل عاونه الشباب حتى عاد لمنزله من جديد، وبعد ان قضوا برفقته القليل من الوقت، غادر الجميع لأعمالهم ولم يتبقي برفقته سوى زوجته وأخيه الذي أصر أن يبقيه، مستغلًا حالته لإبقائه جوار أبيه قدر ما تمكن.
وانتهى الأمر بـ"آيوب" وهو ينتقي من بين ملابس أخيه المناسب له، فجذب ترنج رياضي باللون الأسود، واتجه للفراش حيث يجلس "آدهم" بانتظاره ليرتدي ما جلبه إليه.
انحنى "آيوب" يعاونه على ارتداء بنطاله، ثم جذب التيشرت يضعه فوق رأسه، وبعناية فائقة حرك يده مع مراعاة عدم المساس بجرحه، بينما تموج من عينيه دمعة خانته لرؤية اصابة أخيه عن قرب، وبوضوحٍ تام.
ابتسم آدهم وانصاع لذراعه الذي يدفعه برفقٍ للوسادة، وهتف بامتنانٍ:
_شكرًا يا بشمهندس.
أزاح دمعاته وعاون نفسه على إلتقاط أنفاسه بهدوءٍ، لا يود أن يكشف آدهم أمره، جاور جلسته وقال مبتسمًا:
_أنا تحت أمر معاليك يا حضرة الرائد، ولا تحب أقولك يا سيادة المقدم؟
لاحت هالة من الحزن على وجهه، ومع ذلك حافظ على ابتسامته وجعلها مزحه لما سيقول:
_معتقدش إنهم ممكن يرقوني أو يقبلوني في الجهاز طول ما أنا أعمى، فنمشيها رائد لحد ما نشوف الحكاية هتنتهي على أيه!
انتقل الحزن منه لأخيه، الذي اعترض على ما قال:
_مستحيل يستغنوا عن ظابط شجاع ومخلص زيك، ثم إن الدكتور مأكد إنها اصابة مؤقتة، يعني هتترقى وهيتعملك أحلى حفلة ترقية يا سيادة المقدم.
اتسعت ابتسامته بشكلٍ جعله أكثر جاذبية، وبنبرة صدق قال:
_ولا يعنيلي أي شيء غير وجودك جنبي في اللحظة دي يا آيوب.
ورفع يده يمررها جواره، في محاولة لإيجاده جواره، فرفع آيوب يده يمسك كف أخيه، شدد آدهم عليه:
_أوعى تكون لسه زعلان مني، أو تكون متضايق إني أصريت تقعد معايا، أنا متعودتش إن حد يساعدني قبل كده، عارف إن الكل حواليا ونفسهم يساعدوني وأولهم علي وعمران بس أنا مش قابل ده ولا قابل غيرك.
وأضاف وهو يتنهد بوجعٍ:
_بحاول أحارب أي إحساس بالعجز ممكن يهاجمني، وأنا عارف إنه مش سهل، خصوصًا إني اتعودت أعمل كل حاجه بنفسي، وطول ما انا هنا بالبيت مكنتش بسمح للشغالة تدخل أوضتي حتى وتنضفها.
ورسم بسمة باهتة وهو يخبره:
_حتى أبويا، الممرض ميجرأش يقربله طول ما أنا هنا، بكون مسؤول عنه مسؤولية كاملة.
وضغط على كف آيوب وهو يهتف بآنينٍ مكبوت:
_بقيت أنا كمان عاجز زيه، ومحتاج للي يساعدني!
سقطت دموعه بعدما فشل بالسيطرة عليها، واتبعها صوته المتحشرج تأثرًا ببكائه:
_هقطع لسانك لو نطق كلمة عاجز دي تاني، ولا هيهمني إنك ظابط ولا حتى إنك أخويا الكبير اللي المفروض أهابه وأخاف منه!.
طالعه بغرابةٍ وانفجر ضاحكًا، وهو يردد بصعوبةٍ بالحديث:
_بقيت نسخة من عُمران إنت كمان!!
شاركه الضحك وهو وهو يميل تجاهه:
_بصراحة عُمران ده برنس ومدرسة يُدرس فيها فنون الرد وقصف الجبهات.
وأضاف وقد أصبح يميل على كتف آدهم الضاحك:
_بس مهما تتعلم منه وتقف قصاده جبهتك هتطير هتطير مفيش مهرب من ده.
ضحك آدهم وقال ساخرًا:
_إنت هتكلمني عنه!! مهما تقول مش هتتخيله وهو راسم عليا دور الحما العقربة، كنت فاكر إن الحظ لاعب معايا وباعتلي فريدة هانم، وهي بصراحة قمة الذوق والرقي، ودكتور علي حقيقي إنسان رائع ومفيش زيه، استغربت لوهلة إن مفيش حروب هتحصل معايا زي اللي بسمع عنها، لحد ما جيه عمران وأخد حق كل العقارب اللي المفروض تكون موجودة بعيلة العروسة.
تعالت ضحكاتهما معًا دون توقف، حتى استمعوا لصوت دقات رقيقة على باب الغرفة، اعتدل آيوب وعينيه الغاضبة تحيط الباب ظنًا من أن مصطفى هو الطارق، ولمس آدهم ذلك حينما وجده يتوقف عن الضحك، فقال بنبرة لفحها عشقًا مهما بدت عادية:
_دي شمس، متقلقش.
يعرفها من رقة طرقاتها وكأن كل شيءٍ تفعله رقيق مثلها، فرفع صوته يحثها على الولوج قائلًا:
_تعالي يا شمس، إدخلي.
انساقت لأمره بالدخول، ففتحت باب الغرفة، وولجت تحمل صينيه دائرية، تحمل من فوقه طبق كبير من الحساء، حملته واتجهت إليه، تجلس قبالته بالجانب الاخر من الفراش، وقربت منه الملعقة بالحساء، قائلة:
_عملتلك شوربة خضار عشان تأخد بقية أدويتك زي ما الدكتور قال.
غادرته الابتسامة بشكلٍ أضحك آيوب بشدةٍ، بينما يعتدل آدهم بجلسته وهو يبتلع ريقه بتقززٍ، بينما يجاهد لثبات نبرته:
_شوربة أيه؟!
تابعت شمس آيوب الضاحك باستغرابٍ، واجابت سؤاله الغريب:
_خضار يا آدهم، مالك؟
رد عليها وهو يلكز آيوب ليتوقف عما يفعله:
_مالي يا حياتي، أنا زي الفل أهو.
لكزه من أسفل الغطاء مجددًا، فسارع آيوب بقوله:
_بقول أيه يا شمس، ما تجيبيله عصير فريش كده قبل ما ياكل لأن في دوا المفروض يتأخد قبل الأكل.
هزت رأسها بخفةٍ، وتركت ما تحمله على الكومود قائلة بلطفٍ أذاب قلب الآدهم العاشق:
_حاضر، هعمله حالًا وهرجع على طول.
أنصت جيدًا لباب الغرفة الذي أغلقته من خلفها، وعلى الفور أحاط رقبة آيوب بحركة فاجآته، بل وصدمته سرعة إحكام آدهم وتحديد محله، بينما جذبه إليه يهدر بوعيدٍ:
_عارف لو سبت بسلية واحدة بس في الطبق هعمل فيك أيه؟
احتنق آيوب وهو يحاول تحرير رقبته من بين قبضة آدهم القوية، هادرًا باختناقٍ:
_سبني طيب عشان أعرف أنقذك!
دفعه تجاه الكومود الحامل للطعام بعنف:
_اتنيل أنقذني بسرعة قبل ما ترجع.
سقط آيوب بنوبة من الضحك، وخاصة وهو يراقب النفور البادي على ملامح أخيه، فأحاط رقبته بألمٍ وصاح بسخطٍ:
_مش قادر تنسى إنك ظابط أبدًا، حتى وإنت في الحالة دي!
وجلس جوار الكومود يحمل الطبق على ساقيه، وينتشل بالملعقة حبات البازلاء الخضراء، ونفس الملامح المنفرة ترسم على ملامحه هو الآخر، بينما تلوح له ذكرى أول لقاء جمعه بأخيه بشقة سيف، فاستدار تجاه آدهم وقال بابتسامة شملت الحزن والمزح معًا:
_هو أنا كان المفروض أفهم أنك أخويا في اليوم ده؟
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي آدهم، وقال بنغزة احتلت صدره:
_مش عارف، بس اللي انا واثق منه إنك من اللحظة اللي شوفتك فيها وبقى يهمني أمرك بشكل مكنش متوقع ليا.
انتشل كمية لا بأس بها من البازلاء، وأردف ضاحكًا:
_طيب ما كنت تقولها أنك بتكره البسلة أسهل من كل ده!
لوى شفتيه بنزقٍ:
_نعم! إنت متخيل إني هكسر بخاطرها بالشكل ده! يكفيني فخرًا إن شمس هانم دخلت المطبخ ولأول مرة عشان تعملي حاجة من إيدها!
وأضاف ساخرًا وهو يعود لنوبة الضحك من جديد:
_هو اختيارها كان صدمة ليا بس وماله تعدي وأبلع عشانها الزلط.
حدجه آيوب بنظرة ساخطة، وقرب منه الطبق:
_طيب بألف هنا يا عم الحبيب.
أبعد الطبق عنه وهو يصيح بضيق:
_بطل غلاسه وشيلها بسرعة قبل ما ترجع!
انتشل أخر حبة ووضعها بكفه مع باقي حبات البازلاء، ثم أعاد الطبق للكومود فور أن استمع لدقات باب الغرفة وهو يتساءل بحيرة:
_طيب انا هعمل ايه بالبسلة دي دلوقتي؟
لاح له ذكرى يوم المشفى حينما كان يحتجز بها سيف في لندن، وقال بتسلية:
_اتصرف يا بشمهندس!
ولجت شمس للداخل، تقدم له العصير بابتسامة يتمنى لو يبصرها الآن بعينيه، دفعت حبتين من الدواء إليه، فتناوله آدهم وهو يشكرها، بينما لم يجد آيوب مهرب الا تناول ما بيده، فامتقعت ملامحه فور أن ابتلعها، وسعل بقوةٍ وعنف حتى شعر بأن معدته لا تقبل ما تناوله للتو، فانتزع كوب العصير من يد أخيه يتجرعه جرعة واحدة، يهدأ بها سعاله، بينما يكاد آدهم أن يسقط من الضحك وهو يعود بذكرياته لليوم الذي التهم فيه البازلاء بدلًا منه، فيشعر الآن بما يشعر به.
قلقت شمس وهو تراقب وضع آيوب الغامض، وتساءلت:
_مالك يا آيوب إنت كويس؟
استقام بوقفته وبعد يده عن بطنه، يجيبها:
_أنا كويس الحمد لله.
ورفع الكوب الفارغ بحرجٍ منها:
_آسف.
أجابته بلطفها:
_إنتوا الاتنين واحد.
وتابعت وهي تشير على الزجاجة :
_هات أجبلك كمان انا عاملة كتير.
دنى إليها يلتقط الزجاجة، سكب منها وقدم لاخيه قائلًا باحترام:
_تسلم إيدك طعمه جميل، بس انا خلاص مش قادر.
واستطرد ومازال بصره موضع أرضًا عنها، مثلما رباه الشيخ مهران:
_هستأذن أنا بقى،وبكره الصبح هعدي عليك بإذن الله.
أحاط آدهم كف آيوب المحاط بالكوب،وقال وزعله بادي عليه:
_هتسبني بردو يا آيوب!
ربت على كفه بيده الاخرى وقال:
_أول ما هصحى هجيلك على طول بإذن الله.
ومال يهمس له كأنه يودعه:
_لو اتاخرت إعرف إني بعمل غسيل معدة وراجع تاني، فمتقلقش عليا..
ضحك آدهم وشاركه آيوب، بينما تتابعهما شمس بابتسامة رقيقة، وكأن علاقة أشقائها تتجسد من أمامها الآن، غادر آيوب وفور إنغلاق الباب، وجدته شمس يسحبها لأحضانه، حرمانه من رؤيتها يزيد من ألم قلبه، يود لو أن يشعر برائحتها بأنه يراها.
جسده العضلي ألمها بقوةٍ، ومع ذلك لم تريد أن تبعده عنها، يترجم لها اشتياقه لها بطريقة كانت ملموسة إليها، فمالت على كتفه تهمس له بدهشة:
_من شوية كنت حزين إن آيوب هيمشي ويسيبك، لدرجة إني حسيتك مش عايزني جنبك، ودلوقتي بتحضني وكأنك كنت موجوع من بعدي عنك الشوية دول!
حررها عن حصاره القوي، وضم وجهها بتمكنٍ وعشقه يحوم بنبرته الحنونة:
_أنتِ وحشاني حتى في اللحظة اللي بتكلميني فيها دلوقتي، إنتِ نور الشمس اللي نور حياتي يا شمسي.
وتابع يوضح لها بحزنٍ:
_أنا عارف إني اللي هقولهولك ده غلط وغلط كبير جدًا كمان بس غصب عني، لازم أقرب آيوب من بابا، فعشان كده بحاول على قد أقدر أخليه جنبي، لكن ده مش معناه إني أستغنى عنك يا شمس.
انصاعت ليده التي تقرب رأسها لرقبته، يضمها مجددًا وتلك المرة تمددت جواره، وهدرت في محاولةٍ للاعتراض:
_الشوربة هتبرد يا آدهم.
وتابعت بشكٍ:
_هي مش عجباك؟
انتفض يجلس باستقامة وهو يشير لها:
_بالعكس، دي أطعم شوربة أكلتها في حياتي.
وأضاف مبتسمًا، وهو يطبع قبلة على باطن يدها :
_كفايا إنها من صنع إيد شمس هانم الغرباوي!
*****
هبط "آيوب" للأسفل، بطريق الردهة الواسعة للخروج من المنزل، فاعترض طريقه "مصطفى" الذي خرج للتو من غرفة مكتبه، يحرك مقعده تجاهه وهو يناديه بلهفةٍ:
_آيــوب!
توقف محله وهو يكور قبضة يده، يجاهد للتحلى بالصبر والحكمة بالتعامل، ولكنه فور رؤيته يتناسى كل شيء تعلمه على يد أبيه الوقور، فأغلق عينيه وصوت أنفاسه المتعصبة تفور كالموج الثائر، بينما يتطلع له مصطفى بحب لمس نبرته المتعجبة من رحيله المفاجئ:
_إنت نازل ليه؟ مش كنت هتبات مع آدهم النهاردة؟
ود لو تجاهله وتخاطاه ليغادر، ولكن نصايح أبيه وتشديداته بأن يكون لطيفًا، رحيمًا به، وخاصة بعد أن رأى طريقته بالتعامل معه بالصباح، فقال وهو يتخطاه ليغادر:
_هرجع تاني الصبح.
أدار مقعده بالتحكم الالكتروني، وصاح:
_ليه يا حبيبي ما تخليك هنا النهاردة، ده بيتك بردو!
إلى هنا وكفى، استدار يقابله بنظرة غاضبة، وعاد يقف أمامه يخبره بصوتٍ على الرغم من أنه منخفض الا أنه كان شرسًا متحديًا:
_بيتي هو بيت الشيخ مهران، وراحتي جوه بيته مش هنا، فأوعى عقلك يخيلك إنك ممكن تستغل فترة وجودي هنا، أنا مرغم أشوف وشك ده بالفترة الجاية كتير، فخليني أنبهك من البداية إني موجود هنا عشان آدهم وبس، فمن فضلك خليك بعيد عني وإرحمني من عذاب الضمير اللي بكون فيه من طريقة تعاملي معاك.
وأضاف بفخرٍ واعتزاز:
_الشيخ مهران رباني أحترم الصغير قبل الكبير، فمتحاولش بالحاحك ده تجبرني أتعامل معاك بشكل متعودتش أتعامل بيه مع حد، واضطر أواجه زعل أبويا مني بعد كده.
انسكبت دمعة من عيني مصطفى، ابنه لا يفوت فرصة الا ويستغلها ليؤكد له أن الشيخ مهران وحده من يملك السلطة الكاملة به، يفقده الأمل بالصفح عنه او السماح له بالتقرب منه تدريجيًا، وكأنه يقيده بعجزٍ يفوق عجزه.
أزاح مصطفى دمعته وتابعه وهو يحرر مقبض الباب العتيق ويغادر للحديقة، فلحق به لاطراف الدرج الحارجي، يخبره:
_طيب على الاقل خلي السواق يوصلك مكان ما تحب.
زفر بضجرٍ من أنه مازال يلاحقه، واستدار يصعد الدرج الضخم حتى بات قبالته، وانحنى إليه يخبره بكلماتٍ محذرة:
_قولتلك حاول تتجاهل وجودي، أنا لا عايز أكون في بيتك ولا عايز أركب حاجة تخصك، ولا عايز أشوفك من الاساس.
وأضاف بعدائية شديدة:
_ولو فاكر إن فرق المعيشة اللي بينك وبين الشيخ مهران هيخليني أفضل أعيش في الرفاهية دي فخليني أكدلك إن لو هعيش على حصير في بيت الشيخ مهران أهون ألف مرة من جنتك.
قالها وغادر بمنتهى البساطة، تاركه يبكي من خلفه بصوتٍ مسموع إليه، فأطلق العنان لساقيه، وهو يتمنى لو تقصر المسافة بينه وبين البوابة الخارجية لمنزل آدهم، وحينما وصل لها وقف يراجع ذاته وعينيه تلتمع بالدموع، استدار خلفه فوجد مصطفى مازال محله يبكي وهو يضم وجهه بين يديه.
رطم الأرض بعنف وهو يتمتم بضيق:
_لسه عايز مني أيه، حرام عليك!
خرج عن البوابة واتجه للطريق الرئيسي، ودموعه تنهمر دون توقف، وجل ما ينطق داخل عقله جملة أبيه الشيخ مهران
«أوعى تقسى عليه يا آيوب، متنساش يا ابني إنه أبوك، حتى لو مش معترف بيه، بص على حقيقة تانية إنه راجل كبير وعاجز، ولو مرأفتش بيه هتبقى كده بتضيع تربيتي وكل اللي زرعته فيك!»
أزاح آيوب دموعه واستدار عائدًا لمنزل آدهم، صعد الدرج ووقف قبالته بحزن جعله يبدو أكبر من سنه الصغير، راقبه وهو مازال يبكي ويخفي وجهه خلف يديه، أجبر ذاته على النطق بأمرٍ قاطع:
_بطل عياط وكأني أنا اللي ظلمك!
تفاجئ مصطفى بعودته إليه، فأبعد كفيه وتطلع له باندهاش وعدم تصديق، بينما ينسحب آيوب من لقاء عينيه بخزي لا يعلم لما يشعر به، بل قام بسحب مقعده للخلف، ودفعه للداخل حتى المصعد، ومنه لغرفة مصطفى الذي يطالعه بتعجبٍ.
قرب المقعد من فراشه وحمله إليه بصمتٍ، ثم جذب الغطاء يضعه من فوقه، واستدار يغادر بكل هدوءٍ، بينما يبتسم مصطفى والأمل يعود إليه، تلوح له فرصته بحصوله على العفو منه، وأغرب شيء فعله هو شكره لله أن الشيخ مهران هو الذي أشرف على تربية ابنه، وكأنه الآن يحمل وسام شرف.
*****
صعد للطابق العلوي من الجيم الرياضي مهرولًا، يبحث عنه بين العدد القليل المتبقي من الشباب لتأخر الوقت من الليل، وجده يركض على جهاز الماشية المنعزل عن الجميع، وعلى أذنيه سماعته.
هرول إليه "إيثان" حتى توقف قبالته، يهتف من بين أنفاسه اللاهثة:
_كويس إني لحقتك يا خواجة!
أزاح "عُمران" سماعته عن أذنيه، ثم أبطئ من حركة الجهاز وسارع خطاه وأبطئها بحركة مدروسة ومعتادة، حتى هبط عنه، واتجه لجهاز أخر، يرفع ساقيه بحملٍ ثقيل، وينهض بجسده للأمام، هادرًا بانزعاجٍ حينما لحقه إيثان:
_Ethan I'm not in a good mood right now, please leave me alone!
(إيثان أنا لست في مود جيدًا الآن، من فضلك دعني وشأني!)
عقد حاجبيه ساخرًا منه:
_ عارفين إنك متربي في بلاد بره وفي مدارس لغات، كلمنا عربي احنا كنا في مدارس حكومي.
ترك الجهاز واستقام بجلسته يسحب زجاجة المياه الباردة، يرتشف منها قدرًا كبيرًا، ثم نزع قفازاته السوداء وجذب المنشفة يجفف صدره العاري، متسائلًا بضجرٍ:
_عايز أيه يا إيثان؟
جذب الحقيبة من خلف ظهره وقدمها إليه، فعاد عُمران يتساءل:
_ده أيه؟
فتح سحابها ليبرز مبلغ من المال، فرفع رماديته إليه وقال بثباتٍ حاد:
_خير؟!
احتقنت نظرات إيثان المغتاظة، وقال:
_فلوسك، إنت عملت معجزة عشان الجيم ده يقف على رجله، بصراحه فكرة الشهر المجاني اللي عملتها دي مكنتش واكلة معايا، بس عجبت يُونس وقالي هيجي منها، وفعلًا الشباب جربوا الاجهزة اسبوع ودفعوا اشتراك الشهر اللي بعده مقدم، ده غير انهم عاملين احلى دعايا للجيم بكلامهم عنه وعن المدرب اللي انت اختارته، فعشان كده ده نصيبك لانك شريك معايا.
ابتسم عُمران على نقاء قلب إيثان، لطالما كان محقًا في معاونته لاشخاص هو على ثقة بأنهم يستحقون دعمه، لذا ربت على معصمه، وقال:
_ده رزقك يا إيثان، ربنا يباركلك فيه.
وتركه واتجه لغرفة تبديل الثياب، تاركًا الاخير من خلفه حائرًا، وحينما استفاق لحق به مهرولًا، فوجده يخرج ملابسه من احدى الخزانات الخشبية الفخمة الموضوعة بالمكان والتي أشرف على اختيار نوعيتها بنفسه، مثلما اختار كل شيئًا هنا، اختار، كل ما يريحه لأنه أراد مكانًا دائمًا له مثلما يرغب التواجد به.
دنى منه "إيثان" وهو يغلق أزرار قميصه الاسود، وقال بحيرة:
_ممكن تفهمني أنت رافض الفلوس ليه؟ يعني اشتريت الاجهزة وساعدتني في البوتيك وكل ده من غير مقابل، من فضلك متسخفش بعقلي أكتر، من كده؟
مجرد ان استمع لحديثه استدار إليه، يواجهه بنظرةٍ دافئة، ثم جلس على الرخام الخشبي الفاصل بين كل حوض والآخر، وقال يجيبه:
_إيثان أنا معملتش معاك حاجة تذكر، ثم إنك لو بتسألني عملت معاك كده ليه فهنا هعتبر إنك مش بتعاملني كصديق، ويا ويلك لو شايفني غير كده، هرجعالك استفزازي وأطلق عليك الشخص الوقح اللي بدفنه جوايا، وخد بالك معاه كلاب سعرانه مبترحمش!
جلس على فاصل الحوضين المجاوران له:
_مفيش حد بيساعد صاحبه بالمبالغ الكبيرة دي.
نافسه بنظرة غامضة، وشكك بحديثه:
_ازاي وإنت خدمت يونس بمالك ومجهودك ونفسك قبلهم!
يعلم أنه أمام شخصًا ذكيًا، لن يغلبه أبدًا، ولكنه جاراه قائلًا:
_يُونس صاحب عمري، صديق الطفولة وأخويا اللي مجبتهوش أمي!
ابتسم وقال:
_وإنت صديق ليا، مش مهم أرقملك خانة أو عدد بقايمة أصدقائي المقربين، بس اللي يلزمك عشان تعرفه إني كده مع كل أصحابي مش معاك بس، ولعلمك الايام مش مضمونة، الله أعلم أمته هحتاجلك تردلي اللي عملته، هيا ماشية كده النهاردة عليك بكره معاك.
وقفز بجسده الرياضي، يفتح حقيبته، مستخرجًا مشطه الصغير وبرفانه الخاص، يهندم شعره ويرتب ملابسه بالرغم من أنه سيعود ليأخذ دُوش سريع، وفور أن انتهى حمل أغراضه وقال يشير له:
_الوقت إتاخر، يدوب أرجع البيت قبل ما علي يفتح معايا تحقيق.
تركه إيثان يهبط للاسفل، ولحق به يوقفه قبل صعوده لسيارته، فتنهد عُمران بملل:
_وبعدين معاك بقى!
رد عليه بعندٍ:
_مش هقبل كل ده بدون مقابل، حتى لو بسيط والا مش هقبل بأي حاجة من دي.
مال عُمران على سيارته يطالعه بنظرة ضيق، وهو يعلم بأنه عنيد للغاية، تعلقت عينيه بعمارته وبالاخص بشرفة الطابق الاول، ثم تطلع له وقال بهدوء وصدق:
_بص أنا من ساعة ما نزلت حارة الشيخ مهران وانا بفكر أشتري هنا شقة بس تكون قريبة من مسجد الشيخ مهران عشان مش برتاح غير بالصلاة وراه، فلو هطلب منك شقة بطلبها بدون ما تفكر إني بأخدها مقابل للي عملته، عايزها بعقد وبخصم حلو، وياريت تكون بالدور الاول، لان منظر الشارع من تحت ساحرني.
لوى شفتيه بتهكمٍ مضحك:
_هي بحقها بدون خصم متسدش ربع الفلوس اللي دفعتها في البوتيك والجيم أصلًا.
ربع يديه أمام صدره وتطلع للاسفل بتفكيرٍ، ثم تطلع له هادرًا بسخرية:
_أصلًا!
هز إيثان رأسه بتأكيد، فنصب عمران عوده وقال:
_بالنسبالك كده، بالنسبالي أنا كأنك بتقدملي سرايا، المكان هنا بيريحني جدًا.
ابتسم وقال بمحبة صادقة:
_اعتبرها ملكك من دلوقتي، بكره هجيلك بالعقد ومش هأخد جنيه منك عشان خاطر آيوب.
ضحك عمران بصوته الرجولي، وردد بعدم تصديق:
_آيوب!!! أمال الرزالة بتاعتك دي هتطلقها على مين لو عملتله خاطر!
وضع يديه بجيوب بنطاله القماشي، وقال يجيبه:
_عليه بردو، آيوب مهما كبر، هيفضل العيل الصغير اللي كنت بوديه أنا ويونس الحضانه كل يوم، ومهما عملت مش هتقدر تغير نظرتي ليه يا خواجة.
حرك رأسه بخفةٍ وسأله باستغراب:
_هو يونس فين مش من عادتك تحله يعني؟
أجابه والضيق يزحف على وجهه:
_بيحضر شقته هيتجوز بعد بكره.
انفجر عُمران ضاحكًا، وقال يشاكسه بوقاحته:
_ومالك الغيرة واكلة قلبك كدليه يا مزة، مهو مصيره يرد مراته ويعيش حياته زي ما المفروض تعيشيها إنتي كمان مع ابن الحلال اللي يسترك.
يتحدث وكأنه أحد أفراد الحارة الشعبية، بعدما كان يتفوه بالانجليزية المحترفة منذ قليل، احتدت معالم إيثان وهدر بانزعاج:
_تصدق إني غلطان اني جريت وراك، اركب وروح بيتك أحسن.
وأردف بسخرية:
_وياريت تشوفلك حرس يمشوا معاك زي رجال الاعمال دول، اعمل لنفسك هيبة كده أو على الاقل اضمن لنفسك السلامة من لسانك الطويل ده.
أجابه عُمران باستفزاز:
_حد قالك إني اتشليت وعاجز عن حماية نفسي! ثم مين اللي أمه دعية عليه في ساعة صفى ويجرأ يطلع في وشي!!
وأضاف وهو يتجه لمقعد القيادة:
_روح نام في حضن أمك يا إيثوو ، بلاش تجرجرني للرزيلة وأنا لسه نازل من الفرن وعضلاتي سخنة.
انخفض نافذة سيارته ومال يخبره بمزحٍ:
_كل ما لسانك يتسحب منك، هديه وفكره إن اللي هتنافسه غير قابل للهزيمة... تصبح على خير يا حيلتها!
******
أزاحت الكتب التي تحتل مكتبه، ووضعت ملفاتها وحاسوبها، ثم جلست تعدل حجابها، واستعدت لبدء الاجتماع الالكتروني.
فتحت كاميرا الحاسوب وبدأت تعليماتها في حضور خمسة عشر موظفًا، وخمسة من الموظفات، لم يعد يعنيها أي كائن ذكوري، فلقد ألهمها "علي" القوة الكامنة لمواجهة جيشًا ذكوري بمفردها، فاذا به يدخل للغرفة ويستمع لها تردد في ثقة وثبات:
_بشمهندس مدحت، استاذ حسام بلغك بملحوظاتي على الميزانية اللي حضرتك خصصتها لمشروع زايد، ومع ذلك حضرتك تجاهلت كل التعليقات الموجهة ليك، عشان كده أنا حولت ملف المشروع لمستر عُمران فتواصلك يكون معاه.
وأنهت نقاش السريع باتخاذ القرار الحازم، وتابعت:
_أنا كده خلصت كل النقاط اللي كنت حابة أتكلم عنها، تقدروا تتابعوا مع استاذ حسام بأي سؤال، تصبحوا على خير.
قالتها واغلقت الحاسوب، تحرر حجابها بارهاق، بينما علي يتابعها بفخر وسعادة، اعادت فطيمة رأسها للخلف تفرك جبينها بتعبٍ، فاذا بأصابع تتسلل لرأسها، تتحرك برفقٍ من فوقها، ابتسمت واسترخت بجلستها وهي تهمس بارتياح:
_علي!
مال يقلد همسها الخافت:
_علي فخور بيكِ وباللي وصلتيله يا قلب علي.
ابتسمت ولفت مقعده إليه تخبره بابتسامة مشاكسة:
_فكرتك هتتضايق عشان استوليت على مكتبك.
تابع ما تشير إليه وانحنى يفرك يديها بابهاميه:
_ولا يهمك يا روحي، أنا أساسًا طلبت من عُمران يخصصلك مكتب كبير في الجناح بتاعنا بقصر الغرباوي، خلاص كلها يومين وهننقل هناك.
رمشت بعدم استيعاب:
_مكتب ليا أنا!
هز رأسه يؤكد لها:
_ليكِ طبعًا، إنتِ بقيتي محتاجة مكان مريح تتابعي فيه شغلك.
احتلتها الحيرة والارتباك، فنقلتها له هادرة:
_يعني إنت موافق اني اشتغل على طول!
أغلق عينيه بشكلٍ مغري وقال وهو يدعي انشغاله بالتفكير:
_موافق بس عندي شرط، إنك تسيبي الوقح ده بقى وتيجي تشتغلي معايا في المركز، إنتِ عارفة إن فريدة هانم رفضت تستلم مكتبها وشغلها الا بعد الولادة وأنا يعتبر اللي ماسك الدنيا انا ويوسف، فأكيد اني محتاج مديرة حسابات شاطرة زيك، ها أيه رأيك؟
قلدته وهي تغلق نصف عين، ورددت:
_أممم.. العرض مغري جداا، بس للاسف أنا مش هقدر أخون ثقة عمران فيا، متنساش إنه أول من دعمني عشان اشتغل والفضل لربنا سبحانه وتعالى ثم له وليك في اللي وصلت ليه، لذا انا مش هينفع أسيبه للاسف.
نصب عوده يطالعها بنظرة غاضبة، وتركها واستدار عنها مبتسمًا، واتجه للفراش، ركضت فاطمة خلفه تراقبه بحزن، وتناديه:
_علي، إنت زعلت مني؟
هز رأسه مؤكدًا، فعبثت بحاجبيها بحزن، وقالت:
_خلاص أول ما يرجع هبلغه وهاجي أشتغل معاك، أهم حاجة متكنش زعلان مني.
استدار لها يمنحها ابتسامة مهلكة لقلبها العاشق، بينما يقربها منه، يلثم جبينها، ويخبرها:
_عمري ما أزعل منك أبدًا يا روح قلبي، سبق وقولتلك المكان اللي يريحك وتلاقي فيه كيانك هكون أول من يدعمك، وعلى فكرة أنا مرتاح جدًا لشغلك مع عُمران، لانه قادر يحميكِ و يحافظ عليكِ.
ابتسمت وهي تخبره:
_أنا بحبك أوي على فكرة.
قرص وجنتها بخفة وقال يقلدها:
_وأنا بموت فيكِ على فكرة.
وأشار لها على الملابس الخاصة بها الموجودة على فراشه:
_يلا ادخلي خدي شاور وغيري هدومك.
نهضت تزيح جاكيتها الاسود الخاص ببذلتها النسائية، وحملت قميصها المنزلي، اتجهت لتدلف للحمام وعادت تخبره بمشاغبة:
_على فكرة يا علي أنا مش قابلة أشتغل معاك لمصلحتك.
استدار تجاهها وقال بعدم فهم:
_اازاي؟!
أجابته بضحكة سلبت تركيزه:
_عشان هسود عيشتك كل ما هلمحك قاعد تسمع لحد من المرضى بتوعك يا حبيبي، انا مش قادرة اتخيلك قاعد قدام واحدة نايمة على الشازلونج وعماله تحكيلك وانت بتسمعها!! أنا مش متخيلة أصلًا إنك بتسمع لواحدة غيري! وخصوصًا اني برتاح جدا في الكلام معاك، فأكيد كل البنات بترتاح ليك والمصيبة لو عملوا زيي ووقعوا في حبك!!!!
تخلى قلبه عنه من فرط دقاته الصاخبة، نهض عن الفراش يسرع لها، يحاصرها، وهو يردد بنبرة مغرية:
_ده حبيبي طلع هيموت من الغيرة عليا وأنا مش حاسس باللي جواه.
وبابتسامةٍ واسعة سألها:
_معقول بتغيري عليا يا فطيمة؟
منحته نظرة شرسة وقالت بسخرية:
_ليه مش ست ومن حقي أغير عليك!!
رفع كفها يقبله وهو يهمس لها بعشق:
_ست الستات طبعًا.
وأضاف وهو يطالعها برماديته:
_بالرغم من إن كلامك أسعدني الا إني لازم أكدلك إني ملكك، وعنيا كفيفة عن ستات الدنيا كلها يا فاطمة، أنا قلبي مدقش لحد غيرك!
تاهت في سحر كلماته، وسلمت رأيتها مع أول قطفة لحديقة ريحانها، فتركت ما بيدها ومالت معه لفراشها يجذبها لعالمهما الخاص.
*****
عاد يطرق على الباب بعدما فشل بفتحه بمفتاحه الخاص، وصاح بصوتٍ منخفض مغتاظ:
_زينب افتحي وبطلي شغل العيال ده، بقالك أربع ساعات رمياني قدام باب الشقة، افتحي!
أجابته من خلف الباب وهي تربع يديها أمام صدرها بغضب:
_ارجع مكان ما كنت يا دكتور يا محترم.
لكم الباب بعصبية بالغة:
_زينب افتحي أحسنلك، وبطلي ترمي كلامك المستفز ده، أنا لو سبت البيت فسيبته بسبب طريقتك معايا.
فتحت نافذة الباب الزجاجية وحدجته بنظرة شرسة، بينما تهتف بحدة:
_مالها طريقتي!! أنت اللي ما صدقت وعايز تروح تقضيلك يومين عند صاحبك ويا حرام مكنتش لاقيالك حاجة تقفش بيها معايا، ودلوقتي لما عرفت إني قلبتها جد وهخلعك جيت تجري جري بشنطة هدومك، مش كده ولا أيه؟
انتظرت سماع أي كلمة منه، ردًا على حديثها، ولكنها وجدته يطالعها بعينين متوسعتين، تحتلهما الدهشة والاعجاب الشديد بما ترتديه أمامه، خطفت "زينب" نظرة لقميصها الأسود القصير، فجحظت عينيها صدمة من رؤيته لها بما ترتديه، فأسرعت بغلق النافذة، فطرق وهو يردف بمكرٍ:
_عندك حق يا روح قلبي أنا غلطان والغلط راكبني من ساسي لراسي، افتحي وأنا هصالحك، ولو حابة أقطع علاقتي بالواد آيوب اعتبريني بلكته، إفتحي إنتِ بس.
وهمس بصوتٍ ظنه غير مسموع:
_يخربيت جمال أمك، إنتِ قاصدة تندميني وأنا ندمت، افتحي بسرعه.
ردت بدلال من خلف النافذة، كأنها تحقق انتقامها منه:
_بعينك، مش هتدخل يعني مش هتدخل.
عاتبها من بين اصطكاك أسنانه:
_ليه بس يا زوزو، ده أنا جوزك حبيبك! وبعدين انتِ من أمته بتلبسي كده عمرك ما عملتيها وأنا هنا تعمليها وأنا بره.
كبتت ضحكاتها بصعوبةٍ، وقالت تستفزه:
_بما إنك مش هنا أكيد هأخد راحتي في شقتي، وعلى فكرة أنت عاملي ازعاج وانا ورايا شغل الصبح، فروح نام عند صاحبك أو عند يوسف وبطل تعمل دوشة على السلم.
طرق على الباب بيده هادرًا بانفعال:
_يوسف أيه اللي أخبط عليه في وقت زي ده، ومراته لسه واصله من السفر، بطلي هبل وافتحي يا زينب.
ردت عليه ببرود:
_شقة يوسف وراك، وبيت صاحبك قريب اختار براحتك، تصبح على خير يا سيفو.
صاح بغضب:
_مش هتنقل من هنا وحالا هتفتحي والا هكسر الباب وساعتها متلوميش الا نفسك يا زينب.
تراقصت من خلف الباب وهدرت بانتصار تحققه عليه:
_وماله يا حبيبي، اكسره ووريني جمال عضلاتك.
عبث بمُقلتيه بدهشة:
_أنا مش هركيلز عشان أكسر باب مصفح زي ده، افتحي!!
تركته يغلي غضبًا واتجهت لغرفتها، ثم جذبت هاتفها وأرسلت رسالة ليوسف حينما وجدت منشور له
«بقولك يا يوسف، أخوك بره الشقة بقاله فترة، وعندي احساس إن الجيران هيقدموا فيه بلاغ بالازعاج اللي عامله، فياريت تلحق تتصرف..»
خرج يوسف يهرول للطرقة الفاصلة بين شقته وشقة أخيه، فاندهش حينما وجده يجلس على الدرج بحقيبته، خرج إليه يسأله بذهولٍ:
_أيه اللي مقعدك هنا؟!
رفع عينيه المحمرة إليه، وبسخرية اجابه:
_بحصل الايجار!
وألقى جاكيته الجلد على الحقيبة وهو يخبره بغيظ:
_الهانم قافلة الباب عليها ومش راضية تفتحلي، رمياني على السلم بقالي أربع ساعات.
زوى حاجبيه بتعجب:
_ومرنتش عليا ليه!!
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_هرن عليك أقولك أيه يعني وأنا عارف إن مراتك لسه واصلة!
كبت يوسف ضحكاته، وجلس جواره على الدرج يتمتم بسخرية:
_دكتورها الغبي عامل حظر تجوال فوجودك من عدمه مش فارق.
استدار تجاهه يردد بذهول:
_دكتورها مين! مش إنت اللي بتابع حالتها!
هز رأسه قائلًا بهدوء:
_مهو أنا الدكتور الغبي.
وربت على ساقه وهو ينهض جاذبًا الحقيبة:
_يلا قوم معايا بدل ما نتفضح في العمارة كلها.
جذب سيف جاكيته واتبعه وهو يتساءل باستغرابٍ:
_هو آنت عرفت ازاي إني برة؟
استدار، يخبره بابتسامة واسعة:
_زينب بعتتلي وقالتلي الحق أخوك قبل ما الجيران يعملوله محضر ازعاج.
احتشد الغضب بمُقلتيه، وتوقف عن اتباعه وهو يتمتم بحنقٍ:
_بقى كده! ماشي يا زينب حسابك تقل أوي، هنروح من بعض فين يعني؟!
******
صف سيارته وتوجه للأعلى، وفور أن خطى للدرج توقف حينما تسلل إليه رائحة الطعام، عبث برماديته وهو يتفحص الوقت، وبدون أي تفكير علم من بالداخل، فاتجه للمطبخ واستند على بابه يراقبها وهي تصنع المعكرونة بالصوص المعتاد لها.
ابتسم وهو يراقب حجابها المحاط لرقبتها، وخصلاتها المنهمرة من حولها كالمعتاد لها، انحنت تسكب المعكرونة بالطاجن الزجاجي، وقبل أن تضع شرائح الدجاج أعادت خصلاتها للخلف بانزعاج، فاذا ببديه تجمع خصلاتها الناعمة، وتعقدهما برابطة عنقه التي ما أن تلامستها حتى ابتسمت ورددت دون أن تستدير:
_عُمران!
مال على أذنيها ومازالت يديه تعقد خصلاتها:
_حبيب قلبه وعمره إنتِ يا مايا.
اتسعت بسمتها لجملته المعتادة، ورفعت رأسها تقابله بنظرة عاشقة له حد النخاع، أنهى ما يفعله، ومال يهتف بضجر:
_مش هتبطلي تدخلي المطبخ من غير ما تلمي شعرك، ولا طمعك في الكرفات بتاعي بيزيد لحد ما خلاص مبقتش لاقي أي كرفتة ألبسها!
استدارت تخبره ببراءةٍ مخادعه:
_أنت ظلمني على فكرة.
وارتفع صوت ضحكة منها وهي تؤكد له:
_طبعًا طمعانة فيك وفي حنية قلبك عليا، بس متقلقش أنا عارفة إن هدومك وساعاتك وكل اللي يخصك غاليين عليك، عشان كده مخصصة صندوق شيك وبحط فيك كل الكرفات بتاعك.
شملها بنظرة مرت ببطءٍ عليها، ليفاجئها حينما جذبها لذراعيه وهو يخبرها بعاطفة:
_وأنتِ كمان تخصيني إنتِ والباشا اللي قرفني من يوم ما شرف جوه.
ضحكت رغمًا عنه وهو يمرر يده على بطنها المنتفخ، ويردد بحزمٍ مضحك:
_أتمنى تكون مطيع النهاردة ومتتعبش مامي، بدل ما أعملها معاك وأسحب منك صينية المكرونة اللي مقومها نص الليل تعملهالك دي.
كادت أن تسقط من الضحك، فشاركها وهو يخبرها بخبث:
_أنا عارف إن دي كانت عادة عندك إنتِ وشمس، بس عشان نفسيتك لبستها للواد وأتهمته إنه بيرغمك تأكلي بكميات وأوقات غلط، شوفتي أد أيه أنا حنين وجنتل مان يا بيبي!
هزت رأسها ومازالت تستند بظهرها إليه بينما يحاوطها هو من خلفها ويراقب ما تفعله بطاجن المعكرونة، بينما تهمس له بصوتٍ أنوثي رقيق:
_أنا عارفة إن إنت بتضحي، ده كفايا تسترك عليا قدام فريدة هانم.
ورفعت رأسها إليه فقبل جبينها ومال على كتفها يسمع لهمسها المنخفض:
_إنت عارف إن فريدة هانم بتحافظ على أكلها موت لحد النهاردة، وأنا اللي مش قادرة أسيطر على نفسي نهائي، حاسة إني على طول جعانة ومش قادرة أشبع!
وتابعت له بأحد أسرارها:
_فاطمة بتسربلي أطباق أكل في الخباثة لإن فريدة هانم متابعاني وعينها عليا بسبب وزني الزايد، بس على مين أنا اللي براقبها أول ما بتخرج للتمرين بقتحم المطبخ أخد أشيائي وأطلع الاوضة قبل ما ترجع ولما بتنام بنزل المطبخ وأعمل جرايم زي الجريمة دي.
ومالت إليه تتساءل بقلق:
_عُمران تفتكر إن في أمل أخس بعد الولادة؟
ضم شفتيه يحتبس ضحكاته على طريقة حديثها، ورفع رأسه للاعلى ثم أخفضها فتعثرت بعض خصلاته الطويلة من حول عينيه ومال يخبرها بمشاكسة:
_متقلقيش يا روحي أنا عامل حسابي ومخصص ليا دور كامل في القصر للجيم، وأكيد بعد الولادة مش هسيبك الا لما تخسري كل الدهون اللي خزنتيها دي.
وابتعد عنها قائلًا بابتسامة جذابة:
_يلا أنا هأخد شاور سريع عشان لسه راجع من الجيم، وإنتِ خلصي جريمتك دي بسرعة وحصليني.
أمسكت معصمه توقفه عن الصعود، وقالت:
_ما تيجي تشاركني في الجريمة دي، وأهو تكون شريك في التضيحة اللي بعملها عشان خاطر ابننا.
راقب يدها المتشبثة بكفه، وأدارها بحركة سريعة على ذراعه كأنه يراقصها برومانسية جعلتها تنصهر خجلًا أمامه، بينما يستند لجبينها وهو يهمس لها:
_حبيبي أنا أضحى بحياتي كلها عشانك إنتِ لكن المشاغب اللي لسه مشرفش دنيا ده مينفعش أقدمله ساعات تعبي في الجيم عشان أبقى بضحي! ، مهو مش هربي عضل في سنين ويتحول لدهون في تسع شهور عشان روح أمه!
دفعته بعيدًا عنها والغضب قد جعلها تواجهه بنظراتها العدائية، مشيرة له:
_أنت ازاي تتكلم عن ابني بالشكل ده!! أنت مش عايز تضحي عشانه بس أنا هضحي!
تعالت ضحكاته الرجولية حتى أدمعت رماديتاه، وأردف بتسلية:
_هو إنتِ ليه محسساني إنهم بيضربوا عليه نار وأنا ناولتلهم سلاح يخلصوا بيه عليه، حبيبي الموضوع كله طاجن مكرونة بالوايت صوص!
ربعت يديها أمام صدرها بشراسة:
_أنت مش مستعد تضحي عشانه بس أنا مستعدة وبالفعل ضحيت برشاقتي وزني المثالي عشانه.
ضحك وهو يصفق كف بالاخر، هادرًا:
_ده طبيعي يا بيبي لانك أمه، لكن أنا المفروض أعمل أيه أحمل بدالك أنا!!
وتابع بسخط:
_أهو ده اللي ناقص!!
تجاهلته واتجهت للرخامه تستكمل ما تفعل وقد نهت النقاش بأخر جملة لها:
_اطلع خد الشاور بتاعك ونام متستنينيش.
حك ذقنه النابتة بنفاذ صبر، وهدر بانفعال:
_آه ده لوي دراع بقى!!
طرقت بالملعقة على الصينية ببرود:
_سميه زي ما تحب، لما تحترم ابني وإنت بتتكلم عنه نبقى وقتها نتكلم.
احتبس ضيقه من نبرتها، وعاد يضمها باحتواءٍ وهو يخبرها بابتسامةٍ لم تصل لعينيه المتعصبة:
_وليه كل ده يا بيبي، حالًا هأخد شاور وأنزلك نقتحم الصينية دي أنا وانتي.
ومال يلثم خدها، وقبل أن يغادر قال:
_اعمليلي ريزوتو بالمشروم والكريمة، هي كده كده خربانه.
قالها وانصرف بينما ضحكتها ترفرف فرحًا بما نجحت به، ولج عُمران غرفته وابتسامته المشاكسة تعلو ثغره، نزع جاكيته واتجه للخزانة يجذب إحدى ملابس نومه المريحة، وهو يردد بنزق:
_كان لازم تعارض يعني، ما أنت عارف أنك هتضعف قدامها وهتنزل تأكل اللي عملته!
وتابع بضيقٍ وهو يمضي لحمامه الخاص:
_مكنش له لزمة أنزل الجيم النهاردة بقى!
ولج لحمام الغرفة، بينما يعلو رنين هاتفها بالخارج، مضت الدقائق به وخرج يرتدي ملابسه، فعاد الرنين مجددًا للمرة التاسعة منذ ولوجه لحمام الغرفة.
انحنى يجذب هاتفها فوجده أبيها، امتقعت معالمه غضبًا ونفورًا حينما داعبته كلماتها وبكائها في ذلك اليوم الذي اشتكت له عما يفعله أبيها، فلم يجد ذاته الا أنه يحرر زر الاجابة وجُل ما يتردد له «أتيت لصاحب نصيبك» ، أجابه بهدوء خطير:
_عثمان باشا.. إزيك.
اتاه صوته المتعجب:
_عُمران!
وتلاشى ذهوله بسؤاله الروتيني:
_أخبارك أيه، وأخبار مايسان؟ أنا بقالي فترة برن عليه ومش بترد قلقتني عنها.
جلس على طرف الفراش يجيبه بسخرية خبيثة:
_سلامتك من الخضة يا حبيبي.
بالرغم من أن نبرته شبه ساخرة ولكنه لم ينحاز الا لجديته، فقال:
_الله يسلمك، لو هي جنبك اديها الموبيل أكلمك.
ببرود قال:
_لا مش جانبي، ولو موجودة مكنتش سمحتلي أرد عليك.
=ليه؟؟ انا عايز أعرف في أيه بالظبط يخليها تتجاهل مكالماتي بالشكل ده؟
رد عليه عُمران وهو يجاهد لاقماع غضبه:
_راجع طريقة تعاملك معاها، بنتك مش محتاجة لفلوسك اللي بتبعتهالها كل أول شهر يا باشا، أساسًا باللي بتعمله ده اهانة ليا أنا شخصيًا، حرم عُمران الغرباوي مش محتاجة لحد حتى لو كان الحد ده إنت!
ارتفعت نبرته غضبًا:
_إنت بتكلمني كده ازاي!!
نهض عن الفراش يجيبه بضجر:
_بكلمك باحترام راجع لسبب واحد إنك أبو مايا، يعني عشان خاطرها هي وبس، لكن لو عليا نفسي أوريلك وشي التاني اللي هيندمك ندم عمرك كله على اللي إنسببت فيه لمراتي.
_وأيه اللي أنا عملته فيها!! عُمران دي بنتي يعني مستحيل أكون أذيتها أو أتسببتلها في أذى! شكل في سوء تفاهم من فضلك فهمني بنتي مالها؟!
ضحك ساخرًا وقال:
_هو إنت متخيل إني هسيبك توصلها للأذى الجسدي!!! إذيتك مشاعرها باللي عملته وبتعمله كفيل يخليني أحرقك حي ومن غير ما يرأفلي جفن يا عثمان باشا!
ردد بصدمة وحيرة:
_أنا مش فاهم إنت مالك أنت أول مرة تكلمني بالاسلوب الوقح ده، شكلي كنت غلطان لما وافقت على جوازك من بنتي، حتى بعد فرحكم الامور بينكم مكنتش مستقرة حتى لو هي كانت بتخبي عليا ده.
صاح عُمران بحدة:
_صوت أم حضرتك عالي ليه!!
=لا إنت مش طبيعي، شكلك شارب حاجة، إنت الظاهر نسيت انا مين وأقدر أعمل أيه، ممكن ببساطة أطلق بنتي منك وحالًا بعد كلامك المهين ده، ليا كلام تاني مع فريدة هانم ودكتور علي.
اتاه صوته الصارم يخبره بغضب جحيمي:
_سيبك من الاسطوانة اللي بتشغلها للعاهرات اللي ماشي معاها دي وإسمع المفيد، إنت عارف أن مفيش حد في عيلة الغرباوي كلها يملك سلطة عليا، بنحني لأمي وأخويا بس مش في الصح.
وتابع والاخر يستمع له:
_بنتك اللي بتقول إنك كنت حاسس انها مش مبسوطة معايا في أول جوازي وبتهددني دلوقتي إنك تبعدني عنها فأحب أكدلك أنها أول واحده هتقف ضدك لو فكرت بس مجرد تفكير بانفصالنا لانك عارف ومتأكد إنها بتحبني زي ما بردو عارف إني دايب فيها، يعني ببساطة المعادلة بتاعتك مفكوكة وتهديدك ولا يهز شعرة فيا، فخليك عاقل كده واسمع اللي هقولهولك كويس ده لو عايزني أتقبلك جد لابني وأب لزوجتي اللي مش طايقاك ولا طايقة تكلمك.
ارتاب لكلماته الواثقة، بينما يضيف عُمران بثقة:
_ أنا بمكانتي دي ميشرفنيش أنك تكون جد لاولادي، تفتكر هيكون مستقبلهم أيه والجرايد مش مبطلة تكتب عنك وعن أخبارك القذرة مع العاهرات اللي ماشي معاهم، وكل يوم والتاني بتغير من واحدة للتانية، لا ويا ريتك بتستنضف اختياراتك كلها حقيرة لبنات من دور بنتك!!
وأضاف:
_لما تحترم نفسك وتبطل العهر ده وقتها هفتحلك بيتي وهرحب بيك غير كده منتنظرش مني غير المعاملة اللي إنت متفاجئ بيها دي، وخد بالك إني لا يمكن أسمحلك تكون سبب في أذية أقرب الناس لقلبي، وقتها هنسى إن في علاقة تربطني بيك.
وأضاف بحنق قبل أن يغلق هاتفه:
_يا شيخ إتقي الله وإعمل لاخرتك، ده انت رجل أمك على بعد خطوة من القبر.
قالها وأغلق الهاتف، ثم جذب ملابسه يرتديها، ويمشط شعره واضعًا البرفيوم الخاص به، ثم هبط ينضم لزوجته بمجلسهما الهادئ بعيدًا عن صراعه الذي خاضه بالاعلى لأجلها.
******
مر الليل وأشرقت شمس الصباح، الزحام كان يعج حارة الشيخ مهران، وخاصة أمام محلات "يونس"، حيث اصطفت مجموعة من التريلات، حاملة لشتى أنواع الاجهزة الكهربائية، حيث كان العمال يحملونها للمحلات والمخازن، بينما يراقبهم إيثان وهو يرتشف قهوته.
هبط يونس حاملًا فارس بين يديه، وانضم لايثان وهو يحيه:
_صباح الخير يا إيثو.
رفع بصره له بانزلاق، ولكنه ابتسم ما ان رأه يحمل فارس، فحمله منه يمطره بوابل من القبلات هاتفًا:
_صباحو فل على أبو الفوارس..
وسأله وهو يتفحص حقبيته الصغيرة:
_على فين كده؟
شاكسه يونس الذي لاحظ انزعاجه البادي:
_هوديه الحضانه وراجعلك تاني.
منعه من انتشاله من بين يديه، وقال:
_لا خليك مع الرجالة وأنا هوديه أنا، وهجيبله حلويات كتيرة جدًا.
تعلق به فارس وقال بحبٍ:
_أنا عايز عمو إيثان اللي يوصلني يا بابا.
ادعى يونس انزعاجه، وهدر:
_اشبع بيه يا نن عين أبوك.
لكزه إيثان بغضب جعله يترنح للخلف على عماله:
_طيب ميل بقى من طريقي عشان ما أشبعكش ضرب على الصبح.
ضحك بصوته كله، وابتعد عن ذراعي عماله يشير لهما بامتنان:
_ألف شكر يا رجالة.
وصاح بالاخر يثير غيظه:
_عارف أنا الغضب المتدكن ده، شوفته قبل فرحي من سنين ورجعلك دلوقتي قبل الفرح.
شيعه بنظرة قاتلة وغادر وهو يحمل الصغير، حتى أوصله للروضة المتطرفة على نهاية شارع الشيخ مهران.
اتجه إيثان ليعود للمحل، ولكنه توقف فور أن لمح خطيبته تصعد لأحد الباصات العامة، والغريب له أنه لم يكن متجهًا لمكان جامعتها، على الفور وبدون أي تردد ولج من الباب الخلفي للباص المزدحم، وبقى بالخلف يراقبها وهو يشعر بداخله أن هناك أمرًا ما بها.
كانت تستند بجسدها على الحامل الزجاجي جوار مجموعة من البنات، عينيه متورمة من البكاء ومازالت تنهمر الدموع من عينيها، وتزيحها بسرعة كبيرة، بينما يدها تتمسك بحقيبة يدها بشكل يثير الريبة والشكوك، كل تصرف ناتج عنها يؤكد له بأن هناك أمرًا ما عليه كشفه.
توقف الباص حينما طالبته كربستين بأن يصف جانبًا، هبطت تتطلع قبالتها دون أن يرمش لها جفن، بينما يتبعها إيثان وهو يحرص ألا تلاحظ وجوده.
وجدها تتجه لاحدى العمارات السكنية، فألقى بغضبه عرض الحائط وهرول خلفها، لقد تأكدت ظنونه بأكملها، وبرز وبوضوح الشمس أنها تعاني من خطب ما وبكل تأكيد.
انتهى بها الأمر أمام إحدى الطوابق، أمام الشقة الحادية عشر بالتحديد، مالت على الدرابزين تبكي ويدها تحجب صوت شهقاتها بصعوبة بالغة، بينما تتخذ خطوة جريئة بكل شجاعة، فتضع يدها بحقيبتها تتفحص ما أحضرته واتجهت لتقرع جرس الباب، وقبل أن تطرقه جذبها إيثان إليه بعاصفة كادت بقتلها بأرضها، وسؤاله الوحيد يُطرح بخشونة مقبضة:
_بتعملي أيه هنا يا محترمة؟
ارتعبت قبالته وكأنها تتحول لشبح موتى، صمتها ورعشتها قبالته جعله يهزها بعنف:
_ساكتة ليه انطقي!
سقطت حقيبتها منها ولجوارها سقط السكين الذي تحمله، توسعت عيني ايثان بصدمة، وانحنى يحمل السكين لها، متسائلًا بدهشة:
_ده أيه؟!!! إتكلمي وفهميني أيه اللي بيحصل معاكِ وجاية الشقة الغريبة دي ليه! انطقي.
بكت بصوتٍ مسموع ورددت بصعوبة حديثها:
_إيثان آآ... أنا.. آآ..
إلى هنا وكفى، دفعها عن يده واتجه لباب الشقة هادرًا:
_انا هعرف بنفسي.
سقطت فوق يديه تحيطه وهي تترجاه وتتوسل:
_لا يا إيثان أبوس إيدك لأ، تعالى معايا وأنا هحكيلك على كل حاجة.
فشلت في تحريك جسده القوي من محله سنتمتر، فازداد بكائها ومالت على صدره تتمسح به:
_عشان خاطري إنزل معايا، وأنا هحكيلك.
فك يديها من حول رقبته، ودفعها للمصعد وهو يصيح بوعيد:
_اتفضلي قدامي، بس لو مقتنعتش بكلامك هقومها حريقة على دماغك يا بنت إيفون!
******
خرجت فريدة من غرفتها تتآلق بتنورتها البيضاء الطويلة، وقميصها الابيض ومن فوقه جاكيتها الجلد الفخم، وفوق رأسها تخفي خصلاتها بحجاب أبيض معقود من أسفل رقبتها ويعلوه القبعة وساقيها يحيطه الحذاء ذو الرقبة، بينما نظارتها لا تفارق وجهها، وكأنها شابة بالعشرينات من عمرها.
خرجت تشير لأحمد وهي تحمل حقيبتها على معصمها بحركة مدروسة:
_أنا جاهزة يا أحمد، يلا شمس في انتظارنا.
ترك جريدته وكوب قهوته ونهض يشير لها بابتسامته الجذابة:
_وأنا كمان جاهز يا حبيبتي يلا بينا.
والتفت لعلي الذي يتناول طعامه المشبع بالخضروات الصحية يخبره:
_علي إحنا رايحين نطمن على آدهم، هتيجي معانا ولا هتحصلنا؟
اجابه وهو ينحني مقبلًا يد ورأس والدته:
_لا انا ورايا شغل كتير بالمركز النهاردة، بليل هاخد عمران ونعدي عليه باذن الله.
هز رأسه بخفة واتجه للسيارة، بينما مال علي لوالدته يشدد عليها برفق:
_فريدة هانم مش هوصي حضرتك آدهم في حالة مينفعش فيها عتاب على اللي حصل.
نزعت نظارتها عن زرُقة عينيها، وقالت برقتها المتناهية:
_متقلقش حبيبي أنا مش هعمل شيء يزعله عشان خاطر شمس، مش حابة إني أكون سبب في زعلها.
وابتسمت وهي تميل عليه هامسة:
_ولإني واثقة ان عمران أكيد لمح له، الولد ده مش بيقدر يسيطر على تصرفاته، أنا مش بحب أتكلم معاه وانا بوضعي المتعصب ده حاليًا لكن بعدين هيكون لي كلام كتير مع أخوك الوقح... يلا تشاوو.
وضع يديه بجيوب بنطاله وارتكن يراقب رحيلهما بالسيارة، وأغلق عينيه ينتعش بالهواء البارد المحيط للكمبوند، فاتاه ما يفصله عن لحظاته الاستثنائية، حينما وجد اخيه يهرول خلف زوجته وهو يهتف بانزعاج:
_فاطيما اقفي وكلميني، مينفعش ترميلي الكلمتين دول وتمشي من غير ما نتكلم.
استدارت من منتصف الدرج ترمقه بنظرة منزعجة، وصاحت بشراسة يكشفها علي لأول مرة:
_اللي عندي قولته، أنا هقبل بعرض علي وهنزل معاه المركز.
وقف قبالتها يكبت غيظه من طريقتها، فأدمى شفتيه السفلي وهو يسحب الهواء إليه قائلًا بهدوء مخادع:
_كل ده ليه يعني عشان رديت على الكلاب دول؟
صححت مفهومه لغضبها:
_طريقتك بالكلام استفزتهم لدرجة أنهم هددوك بالقتل ولو فضلت ترد بعدم مبالاة وتستفز فيهم هينفذوا اللي بيقوله عشان يكسروا كبريائك ده، الافضل أنك تتكلم بعقل لحد ما تقدر تكشفهم أو لحد ما مراد يقدر يوصل لحاجة، أنا كل ما بفتح ايميلك بتصدم من ردودك العنيفة، قولت لعلي امبارح وتوقعت انه هيتصرف معاك اصحى ألقيك كتبلهم آ...
وتخلت عن الكلمات بعصبية بالغة، فمنع ابتسامته وقال ببراءة مضحكة:
_مقولتش حاجه أكتر من مبتهددش بروح أمك! مالها دي؟؟؟؟
ركلت بقدميها قبل ان تستكمل الدرج:
_أنت عمرك ما هتعترف انك غلطان.
أسرع من خلفها يخبرها:
_طيب استني طيب، مش هرد عليهم خالص بس متسبيش الشغل يا فاطيما.
ضحك علي وهو يتابع أخيه المتغطرس يكاد أن يتوسل لزوجته ألا تترك العمل، وما يضحكه أنه يجد خدعة زوجته تمر على الطاووس الوقح مرور الكرام، تابعهما وهما يجلسان على، طاولة الطعام كأنه طيف غير مرئي، بينما يهتف عمران بلباقة:
_فاطمة أنتي قولتي لعلي وكبرتي الموضوع وهو ميستاهلش وهو من امبارح قلقان عليا وكل ساعة يتصل بيا بالتليفون وكأني عيل صغير، وعدتها ومزعلتش لاني عارف أنك عملتي كده من خوفك عليا، فمن فضلك بلاش تكبري الموضوع وتخلي مايا أو فريدة هانم يحسوا بحاجة.
تناولت ما بشوكتها وتمتمت:
_وأنا مش غبية عشان أقولهم.
استند على معصمه هادرًا بخبث:
_ولما تسيبي الشركة وتروحي تشتغلي مع علي مش هيشكوا في حاجة!
حركت كتفها بخفة:
_هشتغل مع جوزي وده طبيعي إني هعمله بالنهاية.
ضيق رماديته بغضب:
_طيب وأخوكي؟؟؟ هتتخلي عنه يا فاطمة؟
خطفت نظرة سريعه لعلي المبتسم، ثم جذبت منديل ورقي تزيح بقايا الطعام عن فمها وهي تخبره بجدية:
_هنزل معاك الشركة دلوقتي في حالة إنك تبطل ترد عليهم وتستفزهم، وتوعدني إنك هتسيب الموضوع لمراد وعلي ومتتدخلش فيه.
كز على أسنانه بغضب، ولكنه رضخ لها وقال:
_أوعدك..كده مرضية؟
هزت رأسها بتأكيد، فأشار لها بغيظ:
_طيب يلا عشان جمال اتاخر ولازم حد فينا يبدأ الmeeting.
جذبت حقيبتها ولحقت به، فاتجه لاخيه الجالس على المقعد البعيد عنهما، يدعي انشغاله بجريدة أحمد، ومال يهمس له بضيق:
_ملعوبة بتزق عليا فاطيما عشان تثبتني، ماشي يا علي مصيرك تقع وهتلاقيني بحدفك من زنقة للتانية لحد ما تتوب عن ذنبك الفاضح ده.
أبعد الجريدة عنه ومال يطالعه بنظرة ماكرة:
_متتأخرش بره البيت كتير، بابا علي بيقلق عليك يا حبيبي.
ودفعه للخلف ثم نهض يلحق بزوجته بينما يتبعه عمران ضاحكًا، ودمدم بسخط:
_حاضر يا بابا هسمع الكلام!
******
بالمركز الطبي الخاص بدكتور "علي الغرباوي"
بالطابق المخصص للكشف عن الاطفال، وبالاخص أمام غرفة الكشف الخاصة ب" زينب"، جذب "يوسف" زوجته وهو يترجاها:
_ليلى بلاش عشان خاطري، سيف لو عرف إنك عارفة عقدته هيقتلني.
جذبت ذراعها وقالت بعزم:
_يا يوسف الجوازة واقفة على الطلاق بسبب تافه، هقولها ونحل الامور بدل ما يتطلقوا فعلا، زينب عنيدة وتعملها.
اعترض على حديثها قائلًا:
_لا زينب عاقلة جدًا، هي بس بتستفزه عشان تعرف اللي هي عايزاه، خلينا بعيد احنا احسن.
أصرت على ما برأسها، واستدارت تبحث من حوله متسائلة باستغراب:
_قولي بس سيف فين دلوقتي؟
أجابها وهو يتمنى أن تعود عما برأسها:
_لسه نايم، عملتله الفطار قبل ما أنزل وسيبته جنبه معرفش بقى صحى ولا لسه!
صفقت بيدها بحماس:
_بس كده اتحلت، طالما اتاخر كده يبقى مش هيجي النهاردة، يبقى سبني ألحق أقولها الكلمتين وألطف الدنيا.
منعها قبل الولوج وهو يشير لها برفق:
_بلاش يا ليلى عشان خاطري، سيف هيقيم الحد عليا ومش بعيد يشيل شنطته ويمشي تاني.
ضحكت وردت عليه:
_هخلي زينب متقولهوش حاجه.
وأضافت وهي تشير له على النافذة الضخمة الزجاجية:
_دكتور علي جيه أهو، انزل قابله وشوف شغلكم ومالكش دعوة بحوارات الحريم دي.
دفعته عنها وقبل أن يعترض تلك المرة كانت تغلق الباب من خلفها.
تركت زينب حاسوبها ونهضت تضمها بفرحةٍ، هاتفة بعدم تصديق:
_معقول يا لولي نزلتي الشغل على طول كده، أنا فكرتك هتأخدي أجازة يومين تلاتة تتدلعي فيهم قبل ما تنزلي المركز.
أشارت لها تساندها للمقعدين المتقابلين، فجلست تمسد على بطنها المنتفخ وقالت:
_لا ما انا فعلا هأخد اجازة لحد ما أولد انا مبقتش أقدر أقف في عمليات وأنا بوضعي ده، وخاصة وأنا ماشية بكيس البقسماط.
قالتها وهي تخرج من حقيبة يدها وتتناولها بنهمٍ، ثم تابعت:
_وعلي عارف كده ومسامح من قلبه، بصراحه شغلي معاه مفرحني، انسان محترم وبيقدر جدًا.
ردت عليها زينب بمزح:
_مش جوزك شريك بالمركز هنا لازم يقدر طبعًا..
هزت رأسها نافية:
_دكتور علي طول عمره كده وبعدين إنتي هتوهي عن جوز أختك ولا ضاربة معاها خناقة فقالبة عليه وعليها مع سيف كمان!!
رفرفت باهدابها بحرج:
_هو موضوعي انا وسيفو بقى مفضوح أوي كده!!
أشارت على ذاتها بمرح:
_مش أنا عرفت يبقى الموضوع انتشر وعشان كده جيت عشان ألمه.
سمعت للطارق بالدخول، فدخل العامل بكوب قهوتها، وضعته على الطاولة ونهضت تخبرها:
_على فكرة أنا اللي بغلس عليه عشان شايفاه بيحن لصاحبه آيوب ده، بيتلكك سيادته عشان يروح يبات معاه، فقولت أربيه ولما جالي يجري كملت عليه من حيث لا يحتسب، عشان يحرم بسلامته.
لفت مقعدها اليها وتساءلت:
_يعني الموضوع مالوش علاقة بعقدة سيف من الحقن!
تركت الاستمارة من يدها وهرولت للمقعد من جديد تسألها بلهفة:
_ليلى إنتي عارفة سيف متعقد من الحقن ليه؟؟
هزت رأسها بكل تأكيد، فحركت زينب مقعدها اليها وقالت:
_قووووليلي وحالًا.
منعت ضحكاتها من الظهور وقالت:
_بس متجبيش سيرة ليه.
هزت رأسها بكل تأكيد، وقالت:
_مش هقول صدقيني وواضح كده ان دكتور يوسف جوزك بيبع كوسة، مرضاش يقولي وبيقول سر وبتاع وهو زايعلك من زمان، بس ما علينا قووولي.
حاربت كل موجات الضحك التي هاجمتها وقالت:
_الموضوع وما فيه آن سيفو كان شقي وهو صغير حبتين، فكان بيتابع قنوات على اليوتيوب، بتعرض تطريز ألعاب وأشكال مرسومة بأشكال من الزراير، او مجسمات صغيرة بيدوروا بيها حولين الرسمة، الموضوع عجبه، فجاب لوحه ورسم عليها مكعب، وللاسف دماغه مكنتش ذكية كفايا.
تساءلت زينب بفضول:
_حصل أيه انجزي يا ليلى!!
رددت والضحك يلاحقها:
_اشترى محاقن من الصيدلية واخد السن بتاعهم وعمل بيهم المجسم من الآبر.
_وبعدين؟!!
ضحكت وهي تجيبها:
_في يوم يوسف كان داخل عليه أوضته، فخاف يشوف المجسم، فجري وخباه تحت سجادة كانت محطوطة على كرسي أوضته، بص عليه وطلع تاني، ولما طلع سيف من خضته قعد يريح على أقرب كرسي، وللاسف الكرسي اللي قعد عليه كان هو نفس الكرسي اللي مداري فيه عملته!
جحظت عين زينب صدمة، وانهارت من الضحك وهي تردد:
_يا نهار أبيض!!!! معقول!!!!
انهارت ضحكات ليلى هي الاخرى وهي تخبرها:
_دي لوحدها عقدة غير عقدة المستشفى، اتحجز فيها عشرين يوم بياخد كل يوم تلات حقن في الوريد عشان يتعالج من اللي حصل له، فكره الطب على الآبر على اليوم اللي دخل فيه يوسف الاوضة ليه!
سقطت زينب ارضًا من الضحك بينما مازالت ليلى تستكمل:
_إه لو كنتي تشوفيه لما بيتعب بنعالجه ازاي، انا ويوسف بنجاهد في سبيل الله عشان يرضى يتعالج ومتسألنيش دخل طب ليه بعد كل ده!
ردت عليها زينب وهي تضربها كف:
_عشان عنده إرادة.
=دي أكيد ارادة من حديد اللي صعب تعرفي عنها حاجه ياما.
قالها سيف وهو يلقي باقة الزهور بوجهها، واستطرد بوعيد لزوجة أخيه:
_ مش هيصعب عليا في الموضوع ده الا ابن أخويا اللي في بطنك لانه مالوش ذنب في اللي هعمله.
مسدت على بطنها المنتفخ وهي تستند على زينب برعب:
_ليه هو إنت ناوي تعمل أيه يا سيڤو!!
جذب مفتاح الغرفة وخرج يغلق الباب عليهما وابتسامة الشر والوعيد تحتل مُقلتيه!
.... يتبع.... #الاقوى_قادم... #آية_محمد_رفعت..
***____*****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 115 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!...)
#الفصل_التسعون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات ام القيصر ـ ام أحمد حمدى ـ صباح ابراهيم ـ هبه مجدى ـ عبير الاشقر ـ اماني سعد ـ اسماء رمضان ,ام علي ،
Nour Belkhery- Amal Negm - Rania Gamal - Heba mohrous - Aesha Altaher Abdo - Aya tarek - malek malek-
Sara Hassan ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
وضع النادل كوبين من العصير على الطاولة القريبة من مياه البحر المحاط لجانبي المطعم، في جو مشحون بالتوتر والصمت القاتل، الا من صوت طرق حذائه الذي يطرق به أرضًا ليحجب عصبيته المفترسة، بينما يميل مستندًا على كفيه وهو يراقبها وهي تدفن وجهها أرضًا وكل فترة والآخرى تمسح دمعة منهمرة على وجهها، وما أن ابتعد النادل حتى شق صوته الرجولي أجواء الصمت بينهما:
_أنا مستني أسمع منك تفسير واضح وصريح، فياريت متختبريش صبري أكتر من كده لإني مش هقدر أسيطر على الوش الهادي اللي قدامك ده كتير، فأتكلمي أحسنلك.
تعالى صوت بكائها ومازالت يدها تكمم فمها خوفًا من أن يستمع أحدٌ حديثهما، بالرغم من أن المكان كان شبه فارغ من حولهما لأن الوقت كان باكرًا، بحثت عينيها في كل مكان حولها حتى استقرت بعيني "إيثان" الغاضبة، الذي أعاد تكرار كلماته وأسنانه تناطح بعضها البعض:
_مش هكرر سؤالي تاني يا كريستين، كنتِ طالعه الشقة دي لمين ومعاكِ السكينه دي ليه، فهميني عشان الشكوك اللي مالية رأسي هتخليني أكسر التربيزة دي فوق دماغك.
رفعت عينيها الباكية إليه تستجديه توسلًا ، وحررت صوتها المبحوح تخبره:
_خايفة أدخل الحرب دي وخسارتها هتكون ثقتك فيا يا إيثان، والمشكلة إن اللي بينا مكنش كفايا عشان تثق فيا يعني معاك عذرك.
ابتلع تلك الغصة المؤلمة لحلقه، وتلاشى عن غضبه، فبحث بعينيه عن النادل الذي أتى مهرولًا إليه، وخطيبته تراقبه باستغرابٍ، وخاصة حينما جذب مبلغ طائل من المال، وقدمه إليه قائلًا:
_أقفل باب المطعم ساعة واحدة بس، واعتبر المكان محجوز.
تعلقت نظرات الشاب بالمال وكأنه لم يرى تلك الحزمة من قبل، فهز رأسه بابتسامة واسعة:
_عنيا يا كابتن.
وغادر ينفذ تعليماته، بينما مال "إيثان" على الطاولة مستندًا بكلتا ذراعيه عليه، ينصب عينيه عليها وكأنها موضع اهتمامه بالكون بأكمله:
_أنا واثق فيكِ، وقعدتي قدامك دي أكبر إثبات ليكِ، أنتِ أكتر واحدة عارفاني يا كريستين، وعارفة إن إيثان مكنش هيعدي حوار الشاب اللي كنتِ واقفة معاه من كام يوم ده ولا كان هيتنقل من قدام باب الشقة دي من غير ما يعرف من اللي فيها، بس أنا إخترت أثق فيكِ وأنزل معاكِ وأسمعك زي ما طلبتي، ده ميبررلكيش ثقتي فيكِ؟؟؟
حركت رأسها توافق حديثه وقد تعالى صوت بكائها، وإنكسارها يصاحبه، لا تعلم كيف ستخبره بما يلاحقها، تسلل كفه يحيط يدها المسنود للطاولة، التي تحمل إحدى أصابعها دبلته، أحاطها بقوته الذكورية، فشعرت وكأن أصابعها الرقيقة ستهشم بين يده، بينما يردد بحبٍ:
_إتكلمي وإحكيلي يا كريستين، أنا عمري ما هكون ضدك.
سحبت حقيبتها تخرج منها هاتفها، عبثت فيه ثم أدارته إليه وهي تبكي دون توقف، جذب منها الهاتف فتفاجئ بفيديو فاضح لها مدته دقيقتين، تمارس فيه المحرمات مع شخص لم يتضح معالمه، بل وجهها الذي يبدو بوضوحٍ، وهي عارية تمامًا، اتسعت مُقلتيه في صدمةٍ كادت أن تصييه بذبحةٍ، وبصعوبةٍ تحركت عينيه لها، فتهربت منهما وهي تخبره بانهيارٍ:
_مش أنا، صدقني مش أنا.
عاد يتمعن بالفيديو بصدمة، نفس تعابير وجهها الخجول حينما يخبرها بكلمات الحب، نفس تفاصيل جسدها الخارجي، نفس الوزن تقريبًا، سحق أسنانه بعنفٍ، أغلق الهاتف وقلب وجهه بحدة على الطاولةٍ، لا يريد رؤية المزيد، لا يريد الحديث حتى عن الأمر، عقله يكاد أن يجن جنونه.
سحب كوب المياه البارد المجاور لكوب عصيره، يتجرعه مرة واحدة، عساه يطفئ من ثورته الشاعلة، ثم عاد يتطلع لها، وبصوتٍ آمر بالجحيم:
_احكيلي.
تعالت شهقاتها بانهيارٍ، بينما يفقد هو كل الهدوء المخزن لديه، يود الصعود في الحال ليقتل من بالشقة، لأنه بات الآن على خلفية واضحه بالأمر، من المؤكد أن هناك عملية ابتزاز إلكتروني تمس حبيبته، وذاك السفيه الذي إلتقت به في هذا اليوم من المؤكد أنه نفسه من يسكنها.
رطم الطاولة بيده وهو يصرخ بانفعالٍ:
_اتكلمي يا كريستين.
رفعت عينيها إليه ورددت باصرارٍ والخوف يتراقص بين حدقتيها:
_مصدق إن دي أنا ولا لا؟
زوى حاجبيه بدهشةٍ وقال:
_أنا لو مصدق إن دي إنتِ كنت هكون لسه قاعد قدامك، كنت هجيبك من شعرك ومش هيهمني إنك لسه خطيبتي مش مراتي، بعيدًا عن ثقتي فيكِ فأنا سامع كويس بقصص الابتزاز الالكتروني اللي انتشر بالفترة الاخيرة.
وتابع وكفه يعود ليحتوي كفها من جديد:
_اتكلمي واحكيلي بالتفصيل اللي حصل.
ردت عليه وقد عاد البكاء إليها:
_كنت بتفرج على فيديو ريلز من على الفيس بوك، وإتعرض قدامي اعلانات عادية، من بين الاعلانات كان اعلان لعبة شدتني وحملتها، وكنت بلعب عليها باستمرار لحد ما خلصت المرحلة الأولى فجاني إني كسبت إيفون.
وأضافت وقد امتلأت العبرات بعينيها من جديد:
_أنا كنت عارفة إنها اشتغالة بس قولت أسلي نفسي وأشوف أخرتها أيه، اتبعتلي اعلان إني لو عايزة أسجل على السحب أدخل اللينك وأملي البيانات، وفعلًا فتحت اللينك بس اول ما عملت كده موبيلي هنج بشكل غريب، وبعد كده رجع اشتغل طبيعي جدًا.
وتابعت وقد انهارت تمامًا:
_مكنتش أعرف إني بمجرد ضغطتي على اللينك ده موبيلي كله اتسرب للكلب اللي شوفتني واقفة معاه ده، ومعرفش قدر ازاي يعملي الفيديو المتقن ده، أنا قعدت ساعة بشكك في نفسي، البنت اللي في الفيديو دي متختلفش عني نهائي بشكل رعبني وخلاني أنخضع لتهديداته كلها.
احتقنت معالمه بأكملها، وقبل أن يسألها منح لذاته مدة ينظم أنفاسه الصاخبة:
_خضوع من أي نوع يا كريستين؟
سحبت كفها منه والخوف يزداد تمكننًا عليها، فأخبرته وصوت بكائها يرتفع:
_كان بالبداية بيطلب مني فلوس، لحد ما استنزفني، أنا سحبت كل فلوس اللي بابا حطهالي في البنك قبل موته، سحبتها من ورا ماما ومهمنيش غير انه يحذف الفيديو، بس لما لاقاني مقدرتش أدبرله أي مبالغ تانية، هددني وقالي أجيله أقابله بالشقة دي وأعمل اللي هيتطلب مني والا هينشر الفيديو ده، اترجيته يصرف نظر عن اللي طلبه ده وهو رفض، حتى لما قابلته طلبت انه يكون في الشارع عشان ميقدرش يأذيني وهو نفسه اليوم اللي إنت شوفتني فيه، بس مازال مصر وبيزيد في تهديداته، وكل ما أبلك حساباته بيعرف يوصلي!
انكمشت بمقعدها حينما صرخ بعصبية بالغة:
_وأنا فيـــــــن من كل ده؟؟؟ إزاي خبيتي عليا المصيبة دي وبكل جراءة طالعاله الشقة!! كنتِ مستانية يعمل معاكِ أيه تاني عشان تقوليلي!!!
خبأت وجهها بين يديها ورددت ببكاء:
_مقدرتش أصارحك بحاجة، أنا خوفت تصدق إن دي أنا يا إيثان.
وأبعدت كفها وهي تخبره بانكسار:
_زمان لما كانوا بيفركوا الصور كان بيبان إنها متفبركة لكن دلوقتي باللي شوفته ده أنا نفسي شكيت إن دي انا، متخيل!!
فرد كفه فوق الطاولة، وبنظرة واثقة قال:
_متسحبيش ايدك من إيدي أبدًا، وبصيلي وافهمي كلامي كويس.
مدت يدها له على استحياء، فقبض على كفها وقال وعينيها تذوب بين نظراته، كأنه ينقل لها كل الامان الذي افتقدته طوال تلك الفترة المنصرمة، تحرر صوته الخشن بصرامة:
_متفكريش في أي حاجة، أنا هتصرف بس بأمانه مش هقدر أعديلك انك خبيتي عني الموضوع ده، ولا هغفرلك إنك عيشتي في الضغط الكبير ده لوحدك والمصيبة إنك فكرتيني هصدق عنك كده.
واستطرد بغضب طل رغمًا عنه:
_كان قدامك أكتر من فرصة تعرفيني فيها اللي بيحصل معاكي، واليوم اللي الكلب ده كان واقف فيه معاكي لو كنتي قولتيلي كنت قتلته.
أجابته وهي تشير على حقيبتها:
_وأنا ميرضنيش تضر بسببي، عشان كده كنت هقتله عشان أرتاح منه ومن تهديداته، لانه كل مرة بياخد مني فلوس بيحذف قدامي الفيديو وبيرجع يفاجئني بنسخة تانية وبفيديوهات جديدة.
سحب الحقيبة منها ينتشل منها السكين، يلقيه بالنهر المجاور له، ثم جذب هاتفها، ودفعها أمامه برفق:
_انا هتعامل مع الكلب ده، هوصلك البيت الأول.
استدارت تتعلق به برعبٍ:
_هتعمل أيه يا إيثان؟؟؟
شدد على معصمها واتجه للخارج وهو يردد بغضب:
_مش عايز كلام كتير، امشي قدامي.
خطى جوارها للمنزل، ولم يهتف بكلمة واحدة، بينما قلبها لم يتوقف عن دق الطبول خشية من الحرب القادمة، تخشى ان يصيبه السوء بسببها، فوقفت أسفل بنايتها تتمسك بيده، وهي تهتف بتوسل:
_متروحلوش يا إيثان، أنا خايفة يأذيك، عشان خاطري بلاش.
سحب يده وأشار بحزمٍ:
_اطلعي فوق ومتدخليش في اللي هعمله.
انهمرت دموع حسرتها، وارتابت من أن يُشاع الأمر، فراقبت شرفة شقتها تتأكد من عدم وجود والدتها ثم عادت تتطلع له، وبوجعها الغائر همست له:
_طيب بلاش تعرف ماما حاجة، ولا توري الفيديو لحد.
تألم نياط قلبه لأجلها، نظرة الإنكسار المحاط بسحر عينيها كسره هو، فربت على معصمها يبث لها الطمأنينة:
_متخافيش يا كريستين أنا مش هتكلم معاها في حاجة ولا هسمح للحقير ده ينفذ اللي في دماغه، إطلعي بيتك واطمني، أنا موجود ومستحيل أسيب الكلب ده يلوث شرفي وعرضي.
لمستها كلامته بشكل جعلها تقشعر من نسبها له بكل تملك، راق لها موقفه وحديثه، خوفه وغيرته، حبه وغضبه، كل شيء به جعلها تتأكد إنه يستحقها ويستحق سنوات صبرها، ولكنها لم تستطيع التغلب على خوفها الشديد عليه، بداخلها يعلم بأن الأمر لا يخص شاب يهددها، الأمر اكبر مما تتخيله.
صعدت للأعلى بينما سحب هو هاتفه وقال بوجومٍ مخيف:
_اقفل المحلات وهات الرجالة كلها على العنوان اللي هبعتهولك.
أتاه صوتًا مفزوعًا:
_ليه هببت أيه يا إيثان!!
بحزمٍ قاطع هدر قبل أن يغلق بوجهه:
_حالًا يا يُـونس!
******
عادت "ليلى" تطرق الباب وهي تصيح بغضب:
_سيف افتح الباب ده، بقالي ساعة بناديلك!
وأضافت لتستميل عاطفته:
_طيب قدر إن ابن اخوك جعان!، يا تدخلي أكل يا تخرجني، او على الأقل وصل سلك التليفون بتاع مكتب زينب، إنت شلته ليه معتش فيه حرارة!!
طالعتها زينب بنظرة ساخرة وهدرت:
_وأنا بقالي ساعة بحاول أقنعك إن الغرف فيها عازل صوت مش مصدقاني، يعني لا سيف ولا مخلوق من اللي برة سامعنا!
استدارت للخلف وهي تتطلع لها بنظرة احتلتها الصدمة، وهمست:
_يعني أيه؟!
ضحكت وهي تخبرها:
_يعني اتصلي بجوزك الدكتور يجي يطالعنا، أنا هكلم علي وهخليه ينقلني تحت تدريب دكتور تاني غير سيفو حقنه ده، العملية مش ناقصة عقد.
واضافت وهي تستند على مرفقها:
_وبفكر جديًا في الطلاق، لانه مش هيتهاون إني كشفت سره وممكن يقتلني.
استدارت ليلى إليها والغيظ يكتسح معالمها، فجذبت حقيبة يدها وقذفتها من فوقها، وهي تصيح بضيق:
_هنموت هنا وإنتِ بتفكري في مستقبلك، فكري في الحاضر وشوفي هنطلع من هنا ازاي!
أبعدت زينب الحقيبة عن وجهها وهدرت:
_اتصلي بيوسف يطلعنا بقالي ساعة بقولك.
لمعت عقلها بما قالت، فانحنت تجذب حقيتها، هامسة بحماس:
_فاتت عني فين دي!
تحرر صوت الباب فاستدار كلًا منهما إليه، وفجأة قُذف يوسف تجاههما وانغلق الباب على الفور، فتلقفته الأرض بأحضانها، حتى سقطت عنه نظارته الطبية، التقطتها وارتداها وهو يصيح بانفعال:
_بقى كده يا سيف!
تقابلت عينيه مع زوجه أخيه وزوجته، فرسم بسمة بلهاء وقال:
_أكيد يا لولا معرفتيش تمسكي لسانك كالعادة، والمرادي التأديب طالك أنتِ واللي فتش سر العيلة.
ربعت يديها أمام صدرها بغضب:
_يعني أيه؟
هز كتفيها والضحك لا يفارقه:
_يعني سيڤو حبسني معاكم هنا لحين إصدار قرار الحكم في جريمتنا!
*****
خرج من غرفة الاجتماعات يتابعه، وهو يتحاشى الحديث معه، كان القلق يعج ملامحه ويسيطر عليه سيطرة كاملة، لحق به "عُمران" لمكتبه الخاص، ولج للداخل يغلق الباب من حوله، وتحرك للاريكة التي سبقه إليها "جمال"، جلس جواره وسأله بهدوء:
_مالك؟ وشك انخطف من ساعة ما قولتلك على رسايل التهديدات اللي بتوصلني!
لف جسده تجاه محل جلوسه، وقال باختناقٍ:
_عُمران إنت عارف كويس مين اللي ورا التهديدات دي، فبلاش تعمل نفسك عبيط.
تعمق بعينيه والصمت يجتازه، حتى قال بجرأة:
_عارف وميهمنيش، أنا مش هخضع للخنازير دول وانا عارف وفاهم إنهم بيعملوا كده معايا ومع أي رجل أعمال تقيل راجع يفيد بلده خاصة لو مصر، الكلاب دول مش عايزين البلد دي تتقدم خطوة، عايزين يوقعوها، بيدخلوا باغراءات الارباح وتوفير كل سبل الراحة للمستثمر عشان يعمل مشروعه برة مصر والعالم العربي كله، خايفين مننا ومن اللي ممكن نوصله في يوم من الأيام.
وأضاف وهو يسند ظهره للاريكة:
_وأنا مش راجع بمشروع واحد، راجع بمشاريع هتشغل ناس كتيرة جدًا، هتقلل البطالة وهتزود الدخل وتحسن اقتصاد البلد وده هما مش عايزينه.
رد عليه جمال بضيقٍ:
_مهما يحاولوا مش هيقدروا، بس كلامي هنا غير يا عمران، من حوالي سنة ونص ظهر"سلمان أحمد"، كان رجل أعمال تقيل وله قدره في البلد، بأخر فترة من حياته قرر يفتتح شركات أدوية معينة كنا بنستوردها من أمريكا، وسمعت انه جاله أكتر من إنذار إنه يتراجع عن اللي بيعمله، لكن للاسف مترجعش فبعدها مات في حادثة عربية بشكل غامض وغريب، الصحافة والتليفزيون أكدوا إن الخبر طبيعي، بس طبعًا اللي حوليه كانوا واثقين مليون في المية إنه مدبر ومقصود.
ووضع يده على ساقه وهو يتابع بحزنٍ وقلق:
_خايف عليك يا عُمران، الناس دي مبتهددش كده الا وهي قادرة تنفذ اللي بتقوله، احنا مش لازم نسكت على الرسايل دي، هنطلع ونقدمهم للنيابة.
راقب شدة يده بابتسامة جذابة، وقال يمازحه:
_متخافش على صاحبك، خاف عليهم مني أنا يا عبحليم!
ونهض يجذب مفاتيح السيارة وهو يشير له:
_سيبك بقى من جو مراتي الزنانة اللي مرعوبة عليا ده وقوم يلا ننزل حارة الشيخ مهران، واثق ان الشقة اللي اختارتها هتعجبك إنت ودكتور الحالات المتعثرة، أنا بعتله اللوكيشن بس هو موبيله مقفول، لما يفتح هيحصلنا.
وتابع وهو يستدير متفقدًا محله:
_انا مخلتش إيثان يشيل حاجة منها، عجبني اوي الكنب البلدي والديكور البسيط اللي فيها، بيقول إن الشقة دي كانت بتاعت جدته الله يرحمها ورفض يفرط فيها، وكالعادة لما حد ييقرر يفرط في الغالي مبيقدمهاش الا للغالي!
ضحك رغمًا عنه وقال:
_طاووس مغرور
شاركه الضحك الرجولي وهتف بعنجهيةٍ صارمة:
_قصر لأقص لسانك النهاردة.
أضاف جمال بعدما استمع لما قال:
_وزود عليها إنك وقح يا بشمهندس.
غمز له بمشاكسةٍ:
_لاغيني في أي حاجة هتلاقيني رقبتي سدادة.
تعالت ضحكات جمال ولحق به للاسفل، حتى صعد جواره بالسيارة وتحركوا معًا لحارة الشيخ مهران.
*****
وصل "يونس" أمام المبنى المنشود، فوجد إيثان بانتظاره، كان يرتشف سيجار بعنفٍ جعله يبدو كالبركان الواشك على الانفجار بأي لحظة وضحاها، ارتاب يونس لامره فامر الشباب الذين يعملون لديهما بالمحلات بالتوقف بعيدًا عنهما، واقترب منه يراقبه عن كثبٍ.
كان يستند على الحائط بقدم والاخرى مرفوعة من خلفه، يركل الحجارة الصغيرة من أمامه بعصبيةٍ بالغة، وما ان لمح يونس حتى ألقى السيجار من يده سريعًا، بينما الآخر يهتف بعدم تصديق:
_من امته وإنت بتدخن يا إيثان؟!!
تنهد بضيقٍ، ما كان ينقصه غضب يونس وطوفانه بتلك الظروف العصيبة، والآن يتلقى عن صمته لكزة عنيفة منه:
_مش بكلمك انطق ورد.
أجابه بحنقٍ:
_من فترة ومش بشربها على طول، اطمن.
هدر فيه منفعلًا:
_لا يا شيخ!! والمفروض إنك كده خرستني مثلًا.
شدد على فكه بعصبية بالغة وصرخ فيه:
_يُونس أجل حساباتك لبعدين وخليك معايا، كريستين واقعه في مشكلة، الكلب اللي شوفته معاها في السوق من كام يوم ده كان بيبتزها، ودلوقتي بدأ يهددها.
اندهش مما استمع إليه، وبديهيًا تساءل:
_بيهددها بأيه؟
حافظ على وعده، حينما تصرف بلباقةٍ:
_مش مهم بقى بيهددها بأيه، المهم إني عنده شيء يخصني وقبل ما أخد اللي عايزه لازم أربيه واخليه عبرة لمن يعتبر.
فهم يُونس أن الأمر حرج، ربما صنع لها فيديو خادش مثلما يحدث من عمليات الابتزاز الالكتروني المعروفة، لذا احترم رغبته ومسد على كتفه بقوة:
_متقلقش أنا هطلع معاك انا والرجالة وهنحل الموضوع.
صرح له بهدوءٍ:
_هطلع أنا والرجالة بس، إنت هتستناني هنا.
زوى حاجبيه بدهشةٍ، اتبعها قوله الساخر:
_ليه بقى إن شاء الله خايف عليا ولا وجودي هيشتتك عنه!
زفر بغضب من طريقته بالحديث، وقال يوضح له بعقلانية:
_يونس انت لسه طالع من الحبس ومش حمل بهدالة تانية، مش معقول هجازف بيك بعد اللي شوفته وخصوصًا إن كتب كتابك بكره.
رد عليه بغضبٍ:
_يعني إنت مالكش حق فيا زي ما هي وأهلي ليهم حق فيا يا إيثان، بلاش ده، لو إتعكست الادوار وكنت أنا اللي هنا كنت هتتخلى عني؟
هز رأسه بالنفي، فابتسم له وقال وهو يشير لرجاله باتبعه:
_الخسيس ده بالدور الكام؟
******
تخفى إيثان والشباب على الدرج، خشية من أن يتعرف عليه الشاب في اليوم الذي رأها تقف برفقته، دق يونس الجرس مرتين متتاليتين، وحينما لم يجد ردًا عاد يطرق الباب باصرارٍ أرغم من بالداخل على فتح جزء من الباب وقد توارى بجسده بأكمله من خلفه، لا يظهر منه الا رأسه، وبسؤاله الفظ هتف:
_عايز مين؟
شمله يونس بنظرة دقيقة، أنفاسه التي تنهج وكأنها في سباق، العرق الذي يجتاح جبينه، ارتدائه للملابس العلوية الداخلية، كل تلك الامارات أوصلت الحقارة التي يفعلها هذا الحقير بالداخل، لذا وبدون اي تردد قال:
_مش دي شقة إسماعيل لطفي؟
أجابه بفظاظة وضيعة:
_لا مش هي ياخويا، اتكل.
وما كاد بإغلاق الباب مجددًا حتى وجد قدمه الأسرع من رد فعله، فصرخ بحدة:
_إنت عايز أيه يا جدع إنت!
هاجمه بلكمة قوية في حين أن اجتمع الرجال من حوله، وأولهما إيثان الذي انهال عليه بالضربات القاتلة التي تستهدفه لتهينه مثلما أراد أن يفعل بحبيبته.
اغلق أحد رجال يونس باب الشقة وتركوا إيثان يتعامل معه، حتى بكى وصرخ وتوسل، فخرج على صوته من باب غرفة سرية رجلين يحمل كلا منهما سماعة خاصة بالحاسوب، فعلى ما يبدو بأنهم من يعملون على تلك القذارة، لذا تعامل معهم الرجال وقيدوهما جوار هذا السفيه، الذي سعل بكثرة دمائه، وهو يتساءل بصوتٍ يعلو بصعوبةٍ:
"إنتوا مين وعايزين أيه؟؟
ركله يونس بقدمه في بطنه وهو يجيبه:
_عملك الاسود في الدنيا.
أتى أحد الرجال مهرولًا يخبر يونس:
_ملقتش حد يا معلم يونس، مفهيش غير الكلبين دول وطالعين من الاوضة اللي هناك دي ومليانه أجهزة كمبيوتر كتيرة.
انضم له من ذهب لتفحص الجانب الآخر يخبرهما بتوتر:
_في بنت متربطة جوه في الاوضة دي، وشكلها مخطوفة يا معلم!
غلت الدماء بعروق يونس وإيثان، فانحنى إليه يجذبه من تلباب قميصه لاحد الغرف، بينما يشير ليونس ليخلص الفتاة، فهز رأسه بخفوت، وقال للرجال من حوله:
_استنونا هنا يا رجالة، متخلوش حد يطلع ولا يدخل أبدًا.
وتركهم وأسرع للغرفة، فتفاجئ بفتاة لا تتعدى العشرون من عمرها، وجهها ينزف بغزارة، ويديها متفرقتان على حوامل السرير المعدني، وبالرغم من أن فمها مكمم الا أن نظراتها نطقت كل الاستغثات والرحمة.
غض يُونس بصره عن ملابسها الممزقة، وأسرع يحررها وهو يردد بحزن عالق بصدره كلوح الثلج الجاف:
_متخافيش.
وما أن حرر يدها حتى منحها جاكيته الأسود، إلتحفت فيه تخفي ملابسها الممزقة، وتبكي بصوت جعله يشفق عليها، خاصة حينما انحنت تجذب حجابها وتضعه على رأسها.
اتخذت ما يقرب الخمسة دقائق لترتب ملابسها وتستعيد إدراكها، فرفعت بصرها نحوه واستدارت تجاه الكاميرا المزروعه بمنتصف الغرفة، وهي تردد بخفوت:
_أنت تبعهم؟
اجابها يونس ومازالت عينيه أرضًا:
_لأ.
وسألها هو بضيقٍ ذكوري:
_أيه اللي جاب واحدة متدينة زيك بمكان فيه أشكال زبالة زيهم؟
اعتصرت دمعاتها بقهرٍ ورددت بصوتٍ متقطع:
_ذنبي الكبير اللي حدفني هنا.
رفرف بأهدابه الثقيلة وسألها باسترابة:
_ذنب أيه؟!
رفعت وجهها المكدوم إليه، تتمنى لو تثق فيه، فقال بهدوء:
_متقلقيش اتكلمي عشان أحاول أساعدك.
أخفت وجهها أرضًا وقالت ببكاءٍ وندم لمسه بحديثها:
_حياتي كلها اتقلبت لجحيم من فيديو واحد شغلته على ريلز الفيسبوك.
تعجب من حديثها الغامض، وانتظر أن تقص له ما تقصد بحديثها، فقالت بشهقاتٍ مقهورة:
_فيديو رومانسي شدني بشكل خلاني أعيده أكتر من مرة، بس من بعده مقدرتش أخرج من الفرجة على الفيديوهات اللي من النوع ده، وأنا بقنع نفسي إنها فيديوهات رومانسية مش إباحيـ. ـة بس مع الوقت حسيت إني عندي شغف أتفرج على حاجات أكتر، وكل مرة حاولت أحارب نفسي إني برتكب معصية وذنب كبير كانت الفيديوهات بتتفتح قدامي بشكل غريب.
وسقطت بنوبة من البكاء، جعلتها تستغرق دقيقتين حتى عادت لتستجمع قوتها وهي تخبره:
_التطبيقات كلها كانت بتعرض قدامي فيديوهات بتشجعني أشوف القذارة دي، حتى لو فتحت فيديو عادي أتفرج عليه على أي تطبيق كانت الاعلانات نفسها فيها مقاطع من الافلام دي، لحد ما أجبروني أتفرج ولأول مرة على فيلم كامل إباحـ.ـي ودي كانت بداية المرار اللي عشت فيه طول الايام اللي، فاتت، كرهت نفسي وحياتي، مقدرتش اعيش وأنا حاسة بالنفور من نفسي ومن غضب ربنا اللي ملاحقني، حتى وقت النوم كنت بقوم مفزوعة إني أموت وأقابل ربنا وأنا بعصيه بذنب كبير، كل حاجة انهارت من حواليا، دراستي مبقتش مركزة فيها، خسرت أصدقائي كلهم لاني كنت بحب العزلة والوحدة عشان اتفرج على القذارة دي، اتسحبت جواها ومقدرتش أخرج، فيديو ورا التاني، وفيلم ورا التاني لحد ما بقيت مدمرة نفسيًا وجسديًا.
احتقنت معالم يونس حتى انه أوشك على الصراخ، لا يعقل أن تلك الفتاة البريئة سقطت في بئر الكبائر بسبب هاجس الرومانسيه الزائفة التي تبحث عنه، ومع ذلك حافظ على صمته فأي كلام سيُقال، بينما تستكمل هي ببكاء:
_وكل ما كنت بقرأ عن الاضرار الطبية وعقوبة ربنا عن اللي بعمله كنت بتراجع عنها فورًا، بس للاسف شيطاني كان بينتصر عليا، وبرجع أشوفها مرة واتنين وتلاتة لحد ما لقيت نفسي مشتركة في قنوات وشاتات على التليجرام والواتساب، بفتح أي صورة وأي فيديو وأي لينك بيتبعتلي لحد ما الحقير ده قدر يسرق فيديوهات ليا وانا بتفرج على القذارة دي ومعرفش عملها ازاي، قدر يخترق الموبيل بتاعي ويشوفني في كل مكان، حتى الفيديوهات الخاصة بتاعتي أخدها من الموبيل وابتزني بيها، وطلب بشكل صريح أجيله هنا عشان آآ... آآ..
انسكبت بالبكاء دون توقف، حتى واجهت الصعاب بالنطق:
_عشان نقلد اللي بشوفه والا هيفضحني.
وهزت رأسها وكتفيها بانهيار:
_كنت مجبورة ومفيش في ايدي حاجه اعملها، أبويا وأمي واخواتي لو شموا خبر هيقتلوني، احنا عيلة محافظة جدًا فتخيل لو سرب الفيديوهات دي وضعي ووضعهم هيكون أيه؟ مكنش قدامي اي حل غير إني اجيله، بس لما وصلت اتصدمت لما لقيته مثبت كاميرا ومعاه شابين، وعرفت من كلامهم واللي سمعته منهم انهم شبكة كبيرة على أعلى مستوى، ليهم شركاء تانين جوه وبره مصر، شغلانتهم الوحيدة يبتزوا البنات!
*****
نطق بعد أن تشوه وجهه من فرط الضربات القاسية التي تلاقاها على يد إيثان:
_أنا قولتلك على كل حاجه، سيبني بقى.
جذبه من عنقه ودفع رأسه بالحائط أكثر من مرة حتى نزف، فصرخ به:
_خد اللي ليك وإمشي إنت واللي معاك، أنا همسحلك فيديوهات البت اللي تخصك وهنكون وقتها خالصين.
بصق بوجهه وصاح بعنفوان:
_مش قبل ما أقبض روحك إنت واللي مشغلينك يا كلب.
وجذبه إليه مجددًا، يسأله باستحقار:
_لما إنت هدفك تصور البنات وتبيع الفيديوهات هنا بتبتزهم بالفلوس ليه من الاول؟؟
انسدلت دمائه من جميع أنجاء جسده، فلم يجد الا الصدق طريقًا للخلاص فقال:
_مش أنا اللي بعمل كده، إحنا شبكة دولية على أعلى مستوى، هدفنا إننا نستهدف شريحة كبيرة من البنات، من عن طريق الافلام الاباحيـ. ـة أو اللينكات اللي بتتحط في وسط الاعلانات او حتى الالعاب، اللي بتيجي سكة بالفلوس بنستزفها لحد ما تدفع كل اللي حيلتها، بعد كده بنحاول نجبها هنا الشقة لو قدرنا.
لكمه بعنف أسقطه أرضًا ثم عاد يدفعه إليه وهو يعود لسؤاله:
_بتعملوا أيه بعدها؟
سعل باختناق وقال:
_بنصور ليها فيديوهات مع حد فينا.
هتف بغرابة:
_ليه؟ مانتوا بتعملوا فيديوهات ابتزاز ليهم هتفرق عن الحقيقة؟
هز رأسه وهو يتابع بالكشف عن الجزء الاخطر:
_الفيديوهات اللي عملناها محدش بيهتم يشتريها على المواقع والمنصات، لانها معروف إنها متفبركة، لكن الحقيقية بتجيب فلوس أكتر، الاجانب بيشتروا الفيديوهات دي بآلآف الدولارات.، بالاخص لو البنات صغيرين في السن من ١٤ وإنت طالع.
اكتظم غضبه فعاد يسدد له الضربات وهو يصرخ بجنون:
_يا ولاد الكلب! انتوا شياطين!!
******
جلس يُونس على المقعد المقابل للفراش، يتابعها وهي تبكي بانهيارٍ تام، وقال بحزن:
_أنا مش عايز أكون جلاد، كفايا احساسك بالذنب والندم اللي مالي عنيكِ، وجودي هنا وبالتوقيت ده لإن ربنا سبحانه وتعالى عايز يدسبك فرصة، وأنا هستغل الفرصة دي لانك يمكن متشوفنيش تاني، احنا كده كده هنبلغ الحكومة تتعامل معاهم لان الموضوع طلع أكبر مننا، ومتقلقيش همسح أي شيء يخصك من هنا زي ما وعدتك، بس هقولك رجعي نفسك بالخطيئة اللي بترتكبيها في حق نفسك
وتابع وعينيه أرضًا تقديرًا للموقف المحرج الذي وُضع فيه:
_بعيدًا عن تأثير الموضوع الطبي واللي منه إن ممكن تفقدي عذريتك بسبب الموضوع ده، وضعف ذاكرتك وقلة تركيزك، نفسيتك اللي متدمرة بشكل مستمر بسبب خوفك الشديد من ربنا وده لوحده ذنب لا يغتفر، وبسبب انك حاسة طول الوقت إنك بترتكبي شيء غلط، واللي هصدمك انك تعرفيه انك بتحطمي أجمل علاقة ممكن تجمعك بالانسان اللي هترتبطي فيه بيوم من الايام.
رفعت عينيها له باهتمامٍ، فاخفى ابتسامته لنجاحه الساحق بجذب انتباهها باختياره للحديث عن الامر الطبي أولًا قبل خوضه بالحديث عن الدين:
_طبعًا، لانك بسبب الافلام دي كونتي شكل معين للعلاقة بينك وبينه، وده من رابع المستحيلات إنه يحصل لاسباب كتيرة،لكن أهمها إن ديننا بيحترم المرأة ومخصص شكل العلاقة بين الزوج والزوجة في إطار كله احترام لكيان الست وبيقدس حيائها، فلما تقارني بين اللي شوفتيه ده وشكل حياتك هتتدمري نفسيًا ومش هتحسي إنك انسانة طبيعية، ده غير انهم بياخدوا بلاوي سودة وطبعا كلها من المحرمات، وبعيدًا عن اللي قولته عايز أقولك الشق الأهم واللي لازم متتغاضيش عنه لأنه مهم ليكِ جدًا.
راقبته بتركيزٍ وتمعن، ودموعه تتساقط رغبة في تطهير ذنوبها، بينما شرع يونس بالحديث بالفصحى مثلما اعتاد سماع الشيخ مهران:
_الإباحية مصيبة
لكن المصيبة الأكبر .. أنَّ قلبك لم يَعُد يراها كذلك!
أخطر ما في الإباحية؟
أنَّها تشبع غرائزك بالحرام بما يجعلك تنسى الحلال، تبهت نفسك، وتسرق شيئًا من حيائك، وتنغص عليك حياتك دون أن تشعر.
بل تأخذ منك إيمانك
يقول سيدنا رسول الله ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهو مُؤْمِنٌ» [أخرجه البخاري]
فإيمانك لا يُنتزع مرة واحدة، بل على جرعات، من نظرةٍ محرَّمةٍ أو معصية متكرِّرة، حتى تصبح فارغًا.
تبدأ برفضها،
تم تقبلها،
تم تبرِّر لنفسك مشاهدتها،
ثم لا ترى أنها حرام أو خطأ!
مشاهدة الإباحية .. ليست إثمًا فحسب؛ بل هي اختبار لصدق إيمانك، وخوفك من الله.
اختبار يظهر إيمانك الحقيقي عندما تغفل عنك عيون الخلق، وتتوارى تحت جنح الخلوات.
{أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ} [العلق: 14]
هي آية واحدة، لكنَّها كافية ….
كافية ليرتجفَ قلبك، إذا أغلقت الأبواب، وظننت أن لا أحد يراك …
تمعَّن في قول سيدنا رسول الله ﷺ: «العَيْنُ زِناها النَّظَرُ» [متفق عليه]
وقل:
يا رب!
أنا لا أزعم النقاء أو الطهارة، ولا أدَّعي القوة، ولكن قلبي يخافك ويحبك ويخشاك، فاللهم بغِّض إليَّ هذا الإثم، واقطع عني سُبُله، وسدَّ عني أبوابه، وأبدلني خيرًا منه.
واعلم أنَّك لست بلا حيلة
وهذا بعض ما يُعينك:
1- إن لم تشغل نفسَك بالحق شغلتك بالباطل.
املأ وقتك بشيء نافع تُحبُّه.
فوقت تسلل المعصية إليك .. هو وقت فراغك.
2- احذف التطبيقات، واقطع الطرق المؤدية، قبل أن تقع في الهاوية.
3- آنس وحدتك.
الجلوس الطويل دون أنيس صالح كصديق أو كتاب .. باب واسع للزَّلَل، فلا تترك نفسَك في مهبِّ الشهوة.
4- غيِّر مكانك إذا شعرت بالضعف،
وانتقل لنشاط ذهني أو بدني، فأحيانًا النجاة في مجرد حركة.
قال ﷺ: "احِفظِ الله يحفظْكَ..."
وأنت… لا تحفظ نظرَك، ولا وقتَك، ولا حياءَك، ولا خلواتك.
ثم تسأل: لماذا لست محفوظًا من القلق، والفراغ، والضياع؟
قال تعالى:
{يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} [النساء: 108]
غريبٌ هو الإنسان!
إذا كنت تستحيي من مخلوق لا يراك!
فكيف لا تستحيي من خالقٍ لا تغيب عنه طرفة عين؟!
اللهم هب شباب المسلمين حياءً لا يبهت، وخشية تقف بينهم وبين المعصية،
وارزقهم قلوبًا إذا اختلت .. خافت.
وإذا اجترأت .. ثابت.
وإذا ضَعُفت .. آبت.
وإذا أذنبت .. تابت وعادَت.
اللهم يسِّر لهم سُبُل العفاف والزواج، واكفهم بحلالِكَ عن حرامك، وأغنهم بفضلك عمَّا سواك.
ونهض عن المقعد يختم حديثه:
_انا كده دوري انتهى معاكي، اطلعي من هنا واختاري طريقك بنفسك، يا التوبة الخالصة من ذنبك ده يا أما ترجعي لنفس الطريق ده تاني، هتدوري فيه في طريق نهايته أبشع من دي.
حمدت الله كثيرًا لانه رزقها بمثل هذا الرجل التقي الذي أنار عتمتها، خرجت من الشقة وهو يخفيها عن اعين رجاله وقد حقق وعده لها حينما خرج إيثان من الغرفة الخاصة بالاجهزة حينما تأكد بحذف كل المقاطع والمحادثات الخاصة بخطيبته بشكل نهائي، بينما حذف يونس محادثتها، وعلى الفور تقدموا ببلاغ للشرطة التي اقتحمت المكان على الفور واستلمت الاجهزة والدلائل والمجرمين المقيدون من امامهم، وباستماع لشهادتهم جميعًا وحرص ايثان الشديد على عدم ذكر خطيبنه بالامر كل ما تم الاخبار به كانت جملة ثابتة على لسان يونس وايثان:
_كنا معديين من هنا وسمعنا صوت بنت بتستغيث طلعنا احنا الاتنين واكتشفنا الموضوع، والبنت استغلت انشغالنا بيهم وهربت على طول، وملحقناش حتى نشوف ملامحها!
*****
بعد مغادرة والدتها وعمها، إستأذنت شمس آدهم وولجت لحمام غرفتها تنعش ذاتها بحمام بارد، لتستعد لمقابلة أخيها علي، وفور ان انتهت لفت جسدها بالمنشفة الكبيرة واستعدت للخروج من المسبح الصغير، فارتطمت يدها بالدولاب الزجاجي الخاص بأغراض آدهم الشخصية، فتساقطت زجاجات البرفيوم الخاص به أرضًا مصدره جلبة وضوضاء جعلته ينتفض وهو يناديها:
_شمـــــس!!
راقبت الزجاج وهي تقف على حافة المسبح، بينما تجيبه بحزن:
_أنا كويسة.
وهمست بصوتٍ منخفض:
_أوف كنت ناقصة أنا كركبة الإزاز دي!
ثبتت قدميها على مكان خالي من الزجاج وحاولت منح ذاتها وقفة مثالية حتى لا تجرح ساقيها، لتلملم الزجاج المنكسر، ولكنها رغمًا عنها سقطت بقدميها الاخرى فوق قطعة كبيرة من الزجاج لعدم تنساق وقفتها.
صرخت بوجعٍ شديد، وصراخاتها لا تتوقف، بينما ترفع قدميها للاعلى في محاولة لانتزاع بقايا الزجاج وهي تناديه باستغاثة:
_آدهـــــــــــــــم!
اختل توازنها وسقطت بالمسبح ولكن تلك المرة احتك رأسها بحافته ففقدت الوعي على الفور، بينما بالخارج يجاهد بصعوبة للوصول لباب الحمام وندائه باسمها لا يتوقف، بل يزداد فزعًا، يحاوط جراحته بألمٍ وهو يتحسس الغرفة بحركات عشوائية، ولسانه ينطق دون توقف:
_شمس، ردي عليا سمعاني!!!
وعاد يهتف بلوعةٍ:
_شمس!!!!
ارتطم جسده بالخزانة الضخمة، وكأنه يكتشف معالم غرفته لاول مرة، فسقط أرضًا يتأوه ألمًا، ومع ذلك نهض يتحسس الحائط، يصطدم قدمه باشياء، ويكاد يسقط أكثر من مرة حتى وصل لباب الحمام.
طرق عليه بصخب وهو يناديها من جديد:
_شمس حبيبتي سمعـــاني، حاولي تفتحي الباب!
لم يأتيه أي ردًا منها، بينما يموج قلبه بعاصفة لا سبيل للنجاة منها، هو شخصًا لم يخضع مرة لعدوه، كيف يخضع لعجزه التام بتلك اللحظة، كان قويًا في كل مرة واجه فيها الصعاب، وكلما ارتفع المستوى كلما ازداد عزيمة بالنجاة، وها هو يقف أمام الباب عاجزًا عن اتخاذ القرار، فحتي إن حمل سلاحه ليفض الباب المصفح لا يعلم بأي مكان تكون، ربما يمسها الرصاص، وحتى لو استخدم حيلته التي تدرب عليها لفتح الباب دون كسره هو لا يرى أي شيء يمكن أن يستخدمه بذلك الوقت.
عقله وبصره فقدهما معًا، بل فقد نفسه وأصبح شخصًا لا يعلمه، سقط أمام الباب يميل بجبهته عليه يصيح بجنون اسمها، ولأول مرة تنهمر دمعة من عينيه تشعره بعار عجزه الذي شعر فيه ولمرته الأولى.
كلما اتاته فكرة لنجدتها يعود عنها بسبب أكبر، ففي تلك اللحظة قرر اللجوء لأبيه ولكنه افاق بأنه مثله تمامًا عاجزًا عن مساعدة نفسه!
ماذا عن آيوب؟ ولكن زوجته بالداخل لربما لم ترتدي ثيابها بعد!
ماذا عن علي أو عمران ولكن هل ستحتمل محبوبته لوصول أيًا منهما إليها!
مال على الباب يبكي وهو يردد بخشونة ذبحت حلقه:
_شمس ردي عليا شمـس!
........... يتبع...........
#الاقوى_قادم..
#صرخات_أنثى..
#آية_محمد_رفعت..
حابة اقولكم ان الموضوع الخاص بكريستين والبنت اللي لقاها يونس دول قصص حقيقية، خلوا بالكم من نفسكم ومن أولادكم احنا بقينا في زمن يتخاف منه ألف مرة، ولو لقدر الله أي بنت اتعرضت للابتزاز الالكتروني اوعي تخضعي لطلباتهم، خليكي ذكية وارجعي لحد كبير ليكي، لو ادتيله فلوس مش هيبطل يطلب منك، مش هيبطل اساسا انه يبتزك لانه طلع منك بنتيجة وشاف خوفك وخضوعك الكامل ليهم ولرغباتهم، وبالنهاية مصيرك هيبقى شبه البنت دي والنهاية واحدة الفضيحة بس في فرق انك فعلا هتمشي في نفس الطريق اللي حاربتيه في البداية وقولتي إن دي مش انتي، بس الفرق انك هتعملي كده بمزاجك، النموذجين اللي قدمتهم وضحوا لحضراتكم ان في البريء اللي دخل غصب عنه زي كريستين وفي اللي المعاصي وصلته زي البنت دي وبالنهاية الاستفادة للكلاب دول، حذروا من فضلكم، ولو في امكانكم بلاش تنزلوا صوركم بأي مكان لو انتي مش شخصية معروفة يُفضل تفضلي مغمورة وبلاش تبعتي صورك لحد لان التقدم الكارثي ده مش بيرحم صدقيني، وللحكاية بقية بالفصل القادم..
وكالعادة هقولكم متنسونيش من دعواتكم لاني محتاجالها، بحبكم في الله ♥
***_______*****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 116 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الحادي_والتسعون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات هاجر رمضان ـ رقيه رمضان ـ المسلمة الطائعة ـ ابرار محمد ـ ياسمين ماجد، هايدي الشحات اسراء سالم، ملك رمضان، بسملة مصطفى، ضحى محمد، اميرة زهران، ايمان رضا، فرح علي
Wallaa Elsayed ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
قهر الرجال ليس هينًا بالمرة، وما يفوق وجعه بتلك اللحظة أنه ليس رجلًا عاديًا، هو من أكفئ الظباط، تدرب ليكون دائمًا في صدارة حل أي موقف قد يتعرض له، وها هو يفشل لمرته الثانية في إنقاذ حياة زوجته!
اغتمره شعور العجز والخذلان، مرارة من قلة الحيلة التي يعهدها للمرة الثانية، ولكنها كانت الأكثر ألمًا، وقتما فقد بصره لم يكن بصير بأنه سينخضع لمثل ذلك الموقف، بل زاد من عجزه وقلة حيلته بشكلٍ جعله يود لو أنهى حياته برصاصة الرحمة التي تنجو الفرس الأصيل من عيش حياة بائسة، ولكنه حتى إن وصل لذلك المطاف ليس كافرًا ليضحي بحياته ودينه بعدما كان بطلًا عظيمًا، يفصله بين الشهادة شعرة، انقطعت حينما عاد مجددًا للحياة.
تحلى بعزيمته ونهض يتحسس الخزانة، حتى وصل للتجويف السري بها، فجذب أحد أسلحته وعاد يسلطه على فتحة المقبض، بعدما سدد كاتم الصوت به، ولكنه توقف حينما حسب محل وقوع الباب المقابل للبانيو الداخلي بالتحديد.
مال بجيينه على الباب وقال ودموعه لا تتوقف:
_شمس، مش هقدر أضرب الباب وأنا مش عارف مكانك، عشان خاطري حاولي تساعديني!
لم تستجيب لأي من نداءاته مما زاده قلقًا وفزعًا عليها، ترك سلاحه يتهاوى أرضًا أسفل قدميه، وحاول أن يعود باحثًا عما سيستخدمه ليفتح الباب بسهولة مثلما دربه الجوكر، ولكنه لا يبصر حتى محتويات الغرفة من حوله، كل ذلك يزيد من عجزه ويزداد معه فتيل الوجع الذي سيطر كليًا عليه، فعاد يترنح أمام الباب وقد استسلم لعجزه التام، كأنه انخضع لذلك الظل الأسود، الذي جرده من كل أعماله البطولية، ومهاراته الجسدية، فبات شبه فاقد للحياة!!
ترنح له صوت دقات باب الغرفة، يتبعها صوتًا رجوليًا يعلمه جيدًا:
_آدهم.
عقله لغي تمامًا التميز بين صوت المنادي، خشى أن يكون آيوب هو من بالخارج، سيضع بأصعب اختبار قد يمر عليه، بين غيرته الشرقية وبين حياة محبوبته، كيف سيسمح لأخيه أن يراها بمثل هذا الوضع، سيتقبل موته في سبيل أن لا يرى جنس الرجال خصلة من شعر زوجته، ولكن الامر ليس متعلق بروحه هو بل روح من غرق في عشقها حد النخاع!
تهدلت رقبته واندثت أرضًا، مصطحبة معها دمعة العجز والألم، وهمسًا خافت:
_يا رب.
تعالى الطرق مجددًا، وقد أتى الصوت المنادي أكثر وضوحًا:
_شمس إنتوا نمتوا ولا أيه؟
الصوت كان لـ"علي"، أشرقت ملامحه البائسة، فاستعاد قوته حتى وقف على ساقيه، ودنى من باب الغرفة يردد:
_علي!
تعجب "علي" من سماع صوت آدهم المتلهف، ولكنه احتفظ بخصوصياتهما ورفض فتح باب الغرفة دون إذن صريح منهما، فاتاه صوت آدهم يتساءل:
_إنت لوحدك؟
رد عليه والاستغراب يتخلله:
_أيوه لوحدي، إنت قلقتني في أيه؟
تحرر باب الغرفة، فظهر آدهم من أمامه بوجهه الباكي، وقطرات الدماء التي بللت الشاش المحاط لمنتصف صدره العاري، صعق علي ومد يده يتأمل جرحه هادرًا بقلقٍ:
_أيه الدم ده؟؟ أنت عملت أيه يا فتحلك الجرح بالشكل ده يا آدهم؟!!
أبعد يده عنه وأشار لباب الحمام بضعف:
_شمس، إلحق شمس.
ارتاب علي لما يستمع إليه، فسلط نظره على باب الحمام، وسريعًا ما فسر عقله كل شاردة وواردة تحدث أمامه، فهرول إلى الباب يناديها بفزعٍ:
_شمـس!!
اتبعه آدهم بصعوبة ومازال علي يجاهد لكسر الباب، الذي كان من الصعب سقوطه، لتطور تصنعيه الحديث، فكان مصفحًا بالكامل، وصل له آدهم وقال وهو يبتلع مرارة ريقه المؤلمة:
_مش هتقدر تكسره، أنا هعرف افتحه، محتاج بس حاجة سنها حاد.
استدار إليه وأسرع بقوله:
_زي أيه؟؟
عمل عقله بسرعة وسأله:
_معاك كريدت كارد؟
هز رأسه وهو ينتشل محفظته الفخمة، يخرج منها عدد من البطاقات الخاصة بحساباته البنكية، قدم له أول ما تلقفته يده، وهو ينطق بدهشة:
_هتفتح باب زي ده إزاي بالكريدت كارد!
وقد أتاه ردًا مفاجئ حينما انفتح الباب من أمامهما فور أن استخدم آدهم ما بيده ببراعة أدهشت "علي" ولولا قسوة اللحظة لكان عبر عن إعجابه بما أبداه، ولكنه لم يرى الا شقيقته الفاقدة للوعي، فأسرع للداخل يهتف في صدمة وهلع:
_شمــــــس!!!!
بينما مال آدهم للخارج يستند على الحائط وهو يسيطر على دموعه، لا يود السقوط الآن، يحاول السيطرة على ذاته قدر المستطاع، ولكن الموقف يزداد صعوبة وبصعوبته ينخر جرحه الغائر.
حملها "علي" وخرج بها للفراش، تفحصها وقال وهو يخرج هاتفه ويبتعد عن السرير:
_في جرح صغير في رأسها ممكن هو اللي سبب الاغماء، لكن جرح رجليها كبير أعتقد هيحتاج خياطة.
واستدار يسلطه بنظرة حزينة، ثم قال:
_وإنت كمان محتاج دكتور حالا، أنا هكلمه.
نجح آدهم بالوصول للفراش، مسد بيده عليه حتى وصل لها، لامست يده كتفها العاري، فاستطاع أن يتبين ما ترتديه زوجته في تلك اللحظة.
غلت الدماء بعروقه وفي لمح البصر كان يسحب الغطاء عليها، وعينيه محمرة بغضب لم ينجح بالسيطرة عليه، حتى حقيقة أن علي شقيقها الأكبر لم تنجح بتهدئته بالمرة.
وأخيرًا تخلى عن سكونه الخطير، مرددًا بخشونة:
_علي.. عايز لبس لشمس!
هدوئه الغامض، نظرات الغاضب الدفينة بعينيه، انقباضات عضلات صدره وجسده، كانت مفهومه لطبيب ذكيًا بقدر "علي الغرباوي"، وقد كان بارعًا مثلما اعتاد بالتعامل، فجذب ملابس لشقيقته ومنحه إياها قائلًا وغصة حزنه بارزة بوضوح:
_مفيش شبكه هنا هطلع أكلمه من بره.
وتركه وغادر للخارج، تاركًا له مساحة خاصة، بالرغم من كونها شقيقته ولكنه يحترم كل مشاعر آدهم.
جذب آدهم المناديل الورقية يكبت بها جرح قدميها، وقد نجح بصعوبة بمعاونتها بارتداء ملابسها حتى أن جرحه الذي نزف بشكلٍ ألمه من كثرة الحركة، فلقد شعر بتدفق دمائه من اللحظة التي ارتطم بها بالخزانة وسقط أرضًا، والآن يزداد الألم.
تأكد من وضع حجابها جيدًا، وحينها تمدد جوارها بتعبٍ، ربما وجع جسده كان مؤلمًا ولكن وجع قلبه تأذي مشاعره فاق الحد!
دقائق وحضر الطبيب الذي عالج جرح قدمها، ورأسها، وبث لهما الطمأنينة عليها، بل وفجأهم أن آدهم هو من يجب معالجته سريعًا لخطورة اصابته، بل ونصحهما بالعودة به للمشفى الذي اجرت له الجراحه، ولكن آدهم أنهى التقاش بشكلٍ عنيف فاجئ علي:
_مش هتنقل من هنا لأي مكان، حابب تكمل شغلك على كده تمام مش حابب تبقى مشكور على معالجتك لمراتي وتقدر تتفضل.
حانت من الطبيب نظرة إلى علي، الذي قال باحترامٍ لطبيبه الذي أتى من مركزه الخاص ليسعفه بهذا الموقف الحرج:
_معلش يا دكتور سيادة الرائد مش بيحب قاعدة المستشفيات، تقدر حضرتك تعقم جروحه وتتأكد إن مفيش فتح بالخياطة، وأي تعليمات حضرتك هتقولها هتتنفذ بإذن الله.
هز الطبيب رأسه بتفهمٍ، وشرع بتضميد جروح آدهم، وفور أن انتهى قدم لعلي روشتة الدواء ثم استأذن بالانصراف.
بدأت شمس باستعادة وعيها، ضمت كفها لجبينها وخرج عنها صوت التأويهات، وتمتمت بعدم وعي:
_آدهم.. آآآه... آدهم.
أغلق عينيه يحتبس وجعه بداخله، يود لو يغادر الجميع عنه في تلك اللحظة، اقترب "علي" منها يعاونها على استعادة وعيها، فما أن تقابلت عينيها به وتنشطت لها ذاكرتها، حتى تفقدت ذاتها على استحياءٍ، بينما يعود علي لتكرار سؤاله:
_إنتِ كويسة؟ لو حاسة بأي تعب قوليلي!
كان آدهم يعلم ما بها بتلك اللحظة، فازداد قهره وحزنه عليها، مهما امتلك علي وعُمران الحق بها، يعلم بأنها ستخجل منهما بذلك الموقف بكل تأكيد، هزت شمس رأسها وقالت:
_أنا كويسة يا علي، أنا بس اتجرحت من الازاز اللي وقع ومقدرتش أقف على رجليا فوقعت، بس الحمد لله انا كويسة جدًا.
واستدارت تجاه آدهم الصامت، فلاحظت تبديل الضمادات والاخرى موضوعة على الكومود، تكاد تعتصر من كثرة دمائه، فتقوست بجلستها إليه وهي تتفحصه بهلعٍ:
_آدهم ماله؟؟ وأيه الدم ده؟!!
رد عليها آدهم بهدوء:
_أنا بخير يا شمس، ارتاحي إنتِ.
مدت يدها لذراعه، تعانق كفه بحزن، فلم يستجيب للمسة يدها، بالعادة كانت أصابعه تعانق أصابعها، ولكنها بتلك اللحظة شعرت بجفاء مشاعره.
سحب آدهم كفه وحاول النهوض، فأسرع علي إليه يسأله باستغراب:
_على فين يا آدهم؟ مش الدكتور لسه منبه عليك إنك متتحركش!
رد عليه بصوتٍ احتقن بالألم:
_هروح أوضتي القديمة، شمس تعبانه ومحتاجه ترتاح، وآيوب زمانه على وصول، مش هينفع يقعد معايا وهي نايمه جنبي بالشكل ده.
هز علي رأسه وقال بتفهمٍ:
_عندك حق، طيب اسند عليا.
أوقفتهما شمس حينما قالت بضيق:
_خليك يا آدهم، انا هروح لاوضتك وخليك في الجناح، وبعدين أنا كويسة والله مش هنام طول الوقت يعني.
قال دون أن يستدير إليها:
_الدكتور قال إنك مينفعش تدوسي على الجرح يومين على الأقل، هنا هترتاحي أكتر.
وخطى جوار علي حتى خرج من الجناح، فأتاه صوت آيوب الذي خرج للتو من المصعد:
_آدهم!
هرول إليهما يتفقده بقلقٍ آجتازه، حينما وجد التعب يبدو عليه عما تركه بالأمس، التقط ذراعه الآخر يسانده قبالة علي، وتساءل بارتباكٍ:
_حصل أيه يا دكتور علي؟ البواب بيقول إن الدكتور لسه خارج من شوية، أنا سايبه إمبارح كويس.
أجابه علي بابتسامته البشوشة:
_متقلقش، الدكتور طمنا عليه، هو بس محتاج يرتاح شوية.
أحاط آدهم كف آيوب بقوةٍ، جعلته يدقق فيه بقلقٍ، بينما استدار تجاه علي وقال بثباتٍ مازال يتمسك به:
_آيوب معايا، إرجع إنت لشمس يا علي، خليك معاها النهاردة لو ينفع.
رد عليه بتأكيدٍ:
_هفضل معاها.
وربت على كفه وقال:
_متقلقش أنا جنبها والموضوع بسيط صدقني.
تساءل آيوب باسترابة:
_مالها شمس يا آدهم؟
ترك آدهم كف علي، وأكمل طريقه مستندًا على أخيه حتى وصل لغرفته الصغيرة، ولج معه والآخر ينتظر سماع اجابته، ولكنه صعق حينما وجد أخيه يتهاوى على الفراش بعينين غائرة بالدموع التي أخفاها طول تلك المدة.
أغلق آيوب باب الغرفة، وهرع إليه هاتفًا بصدمةٍ:
_آدهم!
انحنى قبالته يراقبه، والقلق يصارعه كالوحش المفترس، بينما يميل آدهم للأمام مستندًا بكلتا كفيه على ذقنه، محررًا دمعة احتقنت عينيه، ومازال آيوب يراقبه بفيروزته التي تشربت دمعات أخيه وانتقلت إليه، فسرت رعشة بصوته الباكي:
_مالك يا آدهم؟
رفع وجهه يقابل أخيه المنحني أمامه، وقال بهمسٍ مؤلم:
_ مش هقدر أكمل مع شمس يا آيوب.
جحظت مُقلتيه في صدمة، وهدر:
_أيــــــــــه؟!
هز رأسه وبدموعٍ انسدلت على وجهه، قال مبتلعًا غصته القاتلة:
_ أنا هطلقها!
*****
_وبعدين يا يوسف، الليل هيدخل علينا وسيف مش راضي يفتحلنا، أنا جوعت!
قالتها ليلى بغضب، لذلك الذي يغفو على أحد المقاعد ساندًا قدميه على المكتب، فتنهد وهو يخبرها بنزق:
_مش انا حذرتك من الأول وإنتِ مسمعتيش مني، شوفي بقى مين اللي هيطلعنا، ده حاطط كرسي وقاعد قدام الباب حراسة!
اتجهت إليه حتى جلست قبالته على سطح المكتب، وقالت بنفور:
_ده جزاتي يعني إني كنت بحاول أحل المشكلة اللي بينه وبين مراته!
ضحك وهو يشير لها على المكتب الذي يقابله:
_وإديها أهي العروسة نايمة ولا همها تضحياتك ولا اللي بيحصل من الأساس!
خطفت نظرة لزينب التي تستند برأسها على سطح المكتب، وتغوص بنومها المريح، احتقنت معالمها غضبًا منها، وما كادت بأن تسدد إحدى الكتب إليها حتى إنفتح الباب من أمامها وولج "سيف" حاملًا كيسًا مغلقًا، يمنحهم نظرة ساخطة، توزعت عليهم، وانتهت بأخيه، ثم قال بعنجهية وهو يلقي ما بيده على المكتب القريب منه، حيث كانت الغرفة تحتوي على خمسة من المكاتب الخاصة بالاطباء تحت تدريب "سيف":
_بالرغم من اللي عملتوه معايا بس قلبي للاسف طيب ومهنش عليه يسيب ابن أخوه جعان.
انتشلت منه" ليلى" الكيس البلاستيكي تتفقده وهي تردد:
_طول عمرك كريم وآآ...
تلاشت كلماتها فور أن تأملت ما بالكيس، فرفعته إليه وتساءلت بصدمة:
_أيه ده؟!!
أجابها ببساطةٍ:
_سندوتش كفتة.
اجابته بنفس البرود:
_أعمل بيه ايه ده، أسلك بيه سناني ولا أعمل عليه حفلة جماعية مع الأخوة النزلاء اللي هنا!
كبت يوسف ضحكاته بصعوبة ومال يربت على ظهر زوجته وهو يهمس لها:
_معلشي امسحيها فيا أنا يا ليلى، ده عريس جديد ومعندوش لسه خبرة، بكره لما زينب تعملها هيعرف حجم الغلطة اللي إرتكبها هنا دي!
دفعته عنها وصاحت بغضب:
_فين الأكل يا سيف، متهزرش أنا جعانه!!
أجابها بابتسامة مستفزة:
_مهو السندوتش ده مش عشانك يا مرات أخويا، ده زي ما قولتلك لحبيب قلب عمه.
توسعت حدقتيها بشكلٍ مضحك، ورددت بسخرية:
_حبيب قلب عمه بيفطر بسبع سندوتشات وبيتغدى بعشرة يا دكتور، إنجر هاتلي أربع خمس سندوتشات أسلي نفسي فيهم عما تعملنا أوردر الغدا.
منحها نظرة ساخرة وقال:
_العشم واخدك أوي.
وسحب الشطيرة من يدها قائلًا:
_وآدي السندوتش اللي إتكبرتي عليه، شوفي بقى هتأكلي أيه، ولا أقولك خلي الدكتور الفتان اللي جنبك يتصرف.
وأضاف وهو يشيعه بنظرة نارية:
_خليه يقص لسانه الطويل ويعملهولك في صينية بطاطس .
أمسك "يوسف" ذراعه، وهدر بانفعال:
_مش ملاحظ إنك زودتها حبتين، وبعدين مهي كده كده كانت هتعرف، لانك أولًا وأخرًا بني آدم غبي ولافت أنظار كل اللي حوليك لعقدتك المنيلة بنيلة، طبيعي إن الكل يستغرب ويسأل، ده الشلة كلها عارفين الحكاية جت عليها يعني.
توسعت مُقلتيه في صدمة:
_الشلة مين؟
حك يوسف ذقنه وهمس بصوت منخفض:
_عميتها بدل ما أكحلها باين!
وأشار ببسمة مصطنعة:
_الشلة.. انا وعُمران وجمال، وآيوب ودكتور علي وحضرة الظابط كده مش فاضلك غير إيثو ويونس أعتقد إن آيوب أكيد مفطمه على الليلة.
صك أسنانه ببعضها البعض، وهدر من بينهما بغيظٍ:
_ده أنا هشرحك تشريحة بنت ناس يا يوسف.
أشار بيده يوقفه وهو يذكره بصرامة:
_ولد إتجننت! متنساش إني أخوك الكبير وليا كل الاحترام يا سفيه!
تنهدت ليلى بحسرةٍ، ورددت:
_بيقولك هيشرحك ومجوع مراتك وابنك وأخرتها ترطم الكلمتين دول، ما تمد إيدك تشقط زمارة رقبته وتديله قلمين معتبرين عشان يرجع لعقله!
انتقلت نظرات سيف الغاضبة لها، وقال بنزق:
_ليه حد قالك إنهم قفشوني بجلباية مقطعة تحت كوبري ٦ أكتوبر، ولا ماسك جوزك الفتان وبشرحه بدون بنج! لا خدي بالك أنا رحيم وكريم جدًا، هتوصى بجرعات المخدر على قد ما أقدر، عشان لما أستئصل لسانه استئصله بضمير.
جذبت منه الشطيرة تلتهمها بعنفٍ جعل سيف يتطلع لأخيه بخوفٍ، ومال يهمس له:
_دي أكلت السندوتش كله مرة واحدة!
هز يوسف رأسه مؤكدًا له، فتشبث سيف بذراعه وهدر بقلقٍ منها :
_هو نازل على المحطة على طول من غير تأشيرة!
مال يهمس له بتحذير مضحك:
_إفرج عنها بقى بسرعة قبل ما تأكلك حي، أديني أهو بحذرك!
وتابع وهو يشير على زينب الغافلة:
_بص وسط الصراعات والحروب دي كلها والهانم نايمه ولا على بالها.
لم يستمع لما يقوله، كان يراقب ليلى بتركيزٍ، وناوله المفتاح وصاح بخوف:
_خدها وإمشي بسرعة.
لمع الخبث بين مقلتيه، فسحب المفتاح وقال مدعيًا حبه الشديد له:
_طيب بص أنا هأخدها وامشي، وإنت خليك هنا مع زينب، متخرجش ورانا على طول استنى لما أخلع بيها وإطلع ورانا.
هز سيف رأسه ومازالت نظراته منصوبة على ليلى التي تطالعه بغضب وتحفز تام، جذبها يوسف للخارج وابتسامة الخبث تتسع على محياه، فما أن خرج بها حتى أغلق الباب عليهما بالمفتاح، وقال بشماتة:
_قضيها هنا إنت بقى مع العروسة، بين السرنجات والأدوية.
وتابع بضحكة ساخرة:
_بس إبقى خد بالك قبل ما تقعد على أي كرسي يا سيفو، الاحتياط واجب بردو.
لكم سيف الباب من الداخل وهو يتوعد له بغضب:
_افتح الزفت ده بدل ما أكسره على دماغك يا يوسف.
رد عليه بشماتة:
_جرب وحاول من هنا للصبح، إنت وهي تستحقوا العقاب ده أيه دخلي أنا والمدام في مشاكلك إنت ومراتك، بقيتوا جوه مع بعض يا تحلوا مشاكلكم يا تخلصوا على بعض ونخلص من لعبة توم وجيري دي.
وأضاف وهو يغادر برفقة زوجته:
_تصبح على خير يا سيڤو، هشوفك بكره.
وتركه يفور غضبًا، ثم غادر على الفور ليوصل زوجته لشقتهما، ويتجه سريعًا للعنوان الاخير المُرسل إليه من قبل عُمران، حيث كان العنوان الاول يخص الشقة الخاصة بهم، وآخر رسائله كانت
«تليفونك ده لزمته أيه في جيبك؟ بقالي ساعتين ببعتلك ومبتردش، فاكر نفسك بقيت رئيس دولة وصعب الوصول ليك بروح أمك ولا أيه!! انجز وتعالالي على الاسطبل اللي هبعتلك عنوانه ده، وأوعى تتأخر.»
******
انتهى طريقهما أمام مدخل الحارة، أصر إيثان على إيصاله، فوقف قبالته ومازالت سيارة الاجرة بانتظاره، حتى تساءل يُونس باستغراب:
_هو أنت مش راجع البيت ولا أيه؟
أجابه والوجوم مازال يتخلله:
_لا، هروح لكريستين أطمنها، أكيد هي على أعصابها ومش هتقدر تكلمني لان موبيلها معايا.
ربت على كتفه بحنان وقال:
_روح طمنها وخليك حنين معاها هي ملهاش ذنب في اللي بيحصل ده.
وتابع بحزن غمر عينيه الصادقة:
_اللي شوفته النهاردة ده كبرني فوق عمري عمر، أنا كنت واخد خلفية عن الابتزاز اللي من النوع ده بس عمري ما تخيلت إنها توصل لكده.
وتابع وهو يتعمق بعينيه ليسترعى انتباهه لما سيقول:
_أنا اتصدمت لما لقيت فيديوهات متسجلة لرجالة بتتهدد زيها زي الستات، يعني الابتزاز ده مكنش طايل البنات وبس، ده طايل رجال أعمال تقال وليهم إسمهم، عاملين ليهم فيديوهات متفبركة وبيبتزهم بيها، وطبعًا بيدفعوا لانهم خايفين من الشوشرة والفضيحة.
احتقنت مُقلتيه وأظلمت بشدةٍ:
_إحنا باللي عملناه النهاردة قدرنا نحرر جزء صغير من الضحايا يا يُونس، لكن الباقي مصيرهم مجهول، اللي مستغربه إن الحكومة حطت قوانين وتشديدات مضاعفة بقوانين الابتزاز الالكتروني، مباحث الانترنت عادت سريعة جدًا وبتقدر تحل المواضيع دي، فـ ليه مش بيلجئوا ليهم بدل ما الحال يوصل بيهم لهنا.
ابتسم بوجعٍ وهو يجيبه:
_عيب لما تسأل سؤال زي ده وإنت ابن بلد ومتربي في حارة شعبية، شارب فيها الاصول والتعامل الشرقي، الانـ** دول مختارين ضحاياهم كويس أوي، مختارين وهما عارفين ومتأكدين إن أي راجل عربي دمه حر وبيغير على حرمة بيته، زي ما البنت هتسعى وهتعمل المستحيل عشان متتفضحش.
وتابع بمرارةٍ:
_اللي بيعملوه ده فاق الجبروت، ربنا ينتقم منهم ويريحنا من أشكالهم.
التقط نفسًا مطولًا يهدأ من أنفاسه المنفعلة، ثم قال بهدوء:
_يلا شوف انت رايح فين وأنا هطلع أريح شوية.
منحه ابتسامة ممتنة على ما فعله لاجله، وشاكسه:
_آه طبعًا محتاج ترتاح بعد المعركة دي ، بس الواجب اللي عملته ده بكره هردهولك في كتب كتابك يا عريس.
تيقظ عقله لكلماته، فأشار يحذره:
_أوعى تتجن يا إيثان، عقد القران هيكون ببيت الشيخ مهران، بلاش تفكر مجرد تفكير بالاغاني ولا المهرجنات بتاعتك، الشيخ مهران هيطردنا كلنا بره ومش بعيد يكنسل جوازتي وكتب كتاب آيوب المسكين!
عقد حاجبيه بدهشة:
_هو آيوب لحق يتمم جوازته على الأولى عشان يتجوز التانية!!
ضحك وهو يجيبه:
_عقلك راح لبعيد، هيجدد العقد باسمه الحقيقي.
هز رأسه بخفوت وعاد لمشاكسته:
_بيت الشيخ مهران والشيخ نفسه له كل الاحترام، لكن ده ميمنعش اني هعملك احتفال صغير جنب برج الحمام على السطوح، ومتقلقش هكتب على باب السطح غير مسموح لدخول الحريم، الحفلة للشباب فقط، ها مرضي يا عمهم؟
لوى شفتيه بازدراء وهمس:
_ربنا يستر!
******
_قرارك ده ظالم لقصة الحب اللي بينك وبينها يا آدهم، أنا مش معاك نهائيًا.
قالها آيوب بضيقٍ من استسلام أخيه السريع لمجرد موقف حدث للتو، بل باشر بحديثه عساه يمحي أفكاره السيئة:
_وبعدين بطل تتكلم عن العجز والكلام الأهبل ده، الدكتور أكدلنا إن الموضوع مؤقت وهترجع زي الأول وأحسن.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه، وأزعن لما قال بينما يحقق انتصار غير مستحب:
_تقدر تضمنلي ده؟
عبث بحدقتيه غير مستوعب لما يقول:
_مش فاهم!
هتف آدهم بجراءة وحدة:
_تقدر تضمنلي إن الأدوية هتجيب نتيجة معايا او حتى الجراحة، تقدر تضمنلي إن لحد ما ده يحصل شمس مش هتتعرض لأي موقف تحتاج فيه مساعدة مني! تقدر تضمنلي إن مش هيجي لحظات بينا تحسسني بالعجز!
ترك آيوب المقعد وإتجه يجاوره بالفراش بحزن انتقل لنبرته الحيادية:
_لا مقدرش أضمنلك ده، بس الضمان الوحيد ليك هو حبها ليك يا آدهم، ثم إني متفاجئ من ضعفك ده، إنت إزاي ظابط بالاحتراف ده ومش قادر تدي لنفسك الثقة!
ابتسامة باهتة رسمها وهتف باحتقان:
_لانها تلاشت عني، خلاص مبقاش في ثقة في نفسي ولا في اللي هقدر أعمله، إنت جبت الخلاصة في جملتين يا آيوب، أنا احساسي، مضاعف لإني متعودتش إن حد يخدمني أو يساعدني في شيء، أتعودت أكون شخص مُعتمد عليه، مبيعتمدش على حد.
تلاشت عنه كل الكلمات، بل سد كل طريقًا فتحه سبيل الحديث بينهما، فلم يجد ذاته الا أن يخبره:
_فكر، وإعقلها صح، بلاش تتسرع عشان متندمش يا آدهم، الحب اللي أنا لامسه جواك ده عشق جنوني، مستحيل هينتهي بالبساطة دي.
وأضاف بكلمات محدودة لا تود التطرف للامر الذي يضايقه بتلك اللحظة:
_ثم إنك بالغضب ده كله لمجرد آن أخوها شافها في وضع ممكن يكسفها، ما بالك بقى لما تطلقها وتكون لحد غيرك، هتقدر تتقبل ده؟
اشتعلت النيران بجسده كالمدفئاة، وتحرر زئيره الخطير:
_آيـــــــــوب!!
ارتسمت بسمة راضية عن خبثه، فربت على يده وقال:
_متحملتش الكلام ما بالك بالفعل! فكر وإعقلها يا آدهم.
*****
متسع هائل من المساحات الخضراء، تحيط بسور خشبي، يحيطه ألواح صنعت للسباق الخيول العربية الأصيلة، وعلى يسارها عدد من الغرف المخصصة للخيول ببراعةٍ، يمتلكها رجلًا هام من كبار رجال الأعمال، والذي يعد من أحد شركاء المهندس "عُمران سالم الغرباوي" ، ألح عليه باستماتة ليزور مزرعته الصغيرة، يفعل مثلما يفعل الجميع، في محاولات للتودد إليه.
إستغل "عُمران" الفرصة، لشعوره بتقصيره الشديد في حق أقرب أصدقائه، شركاء محنته وبدايته التي رافقتهم، وها هو أول من فاز ببطولة صداقته يقف جواره، يراقب المدخل في مللٍ، تشربته لهجته:
_يوسف إتاخر أوي، وشكله كده مش جاي.
وأضاف وهو يقابل وقفته:
_هنقضيها فرجة كده، لو هنركب الخيل نركب لو هنمشي نمشي، بقالنا ساعة واقفين الواقفة دي، بنستنى دكتور الحالات المتعسرة.
طالعه برماديته الساحرة، وباستجمام قال:
_شوية وهيجي.
وبإقرار نهائي قال:
_مش هنركب غير مع بعض.
إلتقطت عينيه سيارة يوسف تقترب من المدخل، فأشار، لعمران قائلًا بحماس:
_شكله اللي داخل علينا ده.
اعتدل بوقفته يراقب السيارة، واتجه للعامل القريب منه يخبره بلطفٍ:
_جهز الخيول يا شام.
إبتسم وهو يجيبه:
_عنيا يا بشمهندس.
وإتجه للداخل يعد الخيول الثلاثة، بينما يسرع يوسف تجاه عُمران، يصيح دون أن يلتقط انفاسه حتى:
_قبل ما تتعصب وتخرجلي البلطجي حجك، لازم تعرف إني كنت محبوس في أوضة كشف بالمركز، وفين وفين لحد ما خرجت ، فبلاش تساعد شياطنك وتخرج وقاحتك دلوقتي، الناس حولينا يا طاووس!
انتزع نظارته التي إرتداها منذ لحظات، وهدر فيه ببرودٍ:
_مين إنت عشان تعصبني! ثم أن وقاحتي مش محتاجه مجهود منك عشان تظهر، دي بريموت كنترول في إيدي أنا.
حافظ يوسف على بعد المسافة بينهما، بشكل اضحك عمران، فسيطر على ذاته وهو يدعي أنه يمارس تمارين تهدئه، هامسًا بنزقٍ:
_استغفر الله العظيم.
ثم أشار له بابتسامة كانت خطيرة:
_إنت واقف بعيد كده ليه؟ قرب تعالى!
أجابه وهو يبتعد خطوتان:
_لا أنا كده كويس.
تحررت ضحكاته الرجولية، وصاح بسخرية:
_تعالى يا حبيبي ومتخافش أنا مبأكلش عيال صغيرة.
اقتحم صوت جمال الضاحك جمعهما، فسدد له يوسف نظرة محتقنة، قبل أن يرنو إليهما، مربعًا يديه أمام صدره باستياء:
_آديني قربت، قولي بقى جمعنا هنا ليه في الوقت ده؟
اتاه الرد حينما اقترب منه العامل يصطحب إثنان من أجود الخيول، ويتبعه أحد العاملين بالأخير، فور أن رآهم يوسف اهتز بوقفته وأسرع يختبئ خلف جمال الذي كاد بالسقوط من الضحك.
اندهش عُمران مما فعله، ومع ذلك اقترب من الخيل، يمسد بيده على رأسه وجسده بحنان، حتى انخضع الفرس له، بينما صعد جمال على متن الخيل الآخر ببراعةٍ، ولم يتبقى الا يوسف الذي يراقبهما بذعرٍ، ازداد حينما أشار له عُمران:
_يلا يا يوسف.
رفرف بأهدابه بدهشةٍ مضحكة:
_يلا أيه مش فاهم!
رد عليه جمال وهو يضحك بقوة:
_هنخش الامتحان يعني! بيقولك يلا إركب ولا عايز حد يركبك يا دكتور.
أعدل من نظارته الطبية وقال بهدوءٍ ينافي خوفه الشديد:
_لا أنا ماليش في الكلام ده، اتفضلوا إنتوا أنا مرتاح كده أوي.
استدار عُمران إليه، وقال بحزمٍ:
_ما تنجز يالا، هنفضل هنا طول الليل عشان خاطر أمك ولا أيه؟ مش كفايا بنستنى جنابك من العصر، هتعملي فيها تقيل هقل منك في أرضك ووقتي!
صاح يوسف منفعلًا:
_متزعقش.
وتابع وهو يراقب الخيل بنظرة ترتجف من فرط الخوف:
_اركب إنت وسبني أتعرف على الحصان الأول، ولما نوصل لمرحلة التفاهم هتلاقيني نطيت.
زوى حاجبيه بسخطٍ:
_تتعرف عليه!! ، هو إنت هتكتب كتابك عليه بروح امك!!
زفر يوسف بغضب، وهو يراقب جمال الذي ينهار ضحكًا حتى يكاد أن يسقط عن ظهر الخيل الذي يمتطيه ببراعة، على ما يبدو بأنه وذلك الطاووس الوقح لم تكن مرتهما الأولى، فأردف لعمران:
_اركب إنت وأنا هحصلك.
شيعه بنظرة قاتلة وهو يحرك رقبته في سئمٍ أرعب يوسف الذي يعلم المرحلة القادمة بعاصفة الطاووس، وحينما وجده يرفع جسده للخيل تنهد بيأس وهو يدنو من الخيل الأسود المخصص إليه، فتمتم بخفوتٍ:
_لونه أساسًا ميبشرش بالخير!
وأضاف وهو يطعنهما بنظرة مغتاظة:
_واللي يشوفهم وهما نازلين رن رن، يقول إنهم عازميني على أكلة مندي!
صاح عُمران بعصبية:
_ما تنجز يا دكتور الندامة، هنقف نستناك طول اليوم!
أجابه بعصبية تجابهه:
_مش شايفني بتزفت بحاول معاه عشان يرضى!
مال جمال للامام من نوبة الضحك الذي انتابته وهو يرى يوسف بحالة الجبن تلك للمرة الاولى، وبصعوبة هتف:
_فعلًا الموضوع محتاج تفكير، مش إرتباط ونسب وجواز!! اهدى على الدكتور شوية يا عُمران.
تمتم من بين اصطكاك أسنانه:
_أنا مش هصبر كتير خلي بالك!
زم يوسف شفتيه بسخطٍ، واقترب من الخيل، يحاول ان يلامس جبهته التي تحمل غارة مميزة، يحاول تقليد ما فعله عُمران، ولكن على ما يبدو لم ينال ذلك استحسان فرسه الجامح، ثار بشكلٍ مرعب ورفع قدميه الأماميتين بشكل هجومي، جعل يوسف يهرول للخلف وهو يشير له بأن يتراجع ولكنه لم ينصاع إليه، فصرخ مستيغثًا بمن يراقبه:
_عُمــــــــرااااان إلحقني، الحصان بهشه مش بيتهش!!!
تلك المرة فشل جمال بالتحكم بجسده، من كثرة الضحك، فسقط عن الخيل، وتعرقلت ساقه بلجامه، وعلى الفور ركض الخيل جاذبًا من خلفه جمال المنبطح أرضًا، فصرخ ألمًا وهو يحاول تخليص ساقه المعلق بالسرج، وكل ما يتردد عليه جملة واحدة:
_عُمــــــــرااااان، إلحقنـــــــــي!
ما يحدث الإن داخل المزرعة أمرًا كارثيًا بكل المقاييس، نظرات العمال المذعورة والمندهشة تنتقل بين يوسف الذي صعد على الأرائك الخشبية يتهرب من الخيل الذي يهاجمه ويستفزه الاخير بمحاولة دفعه بعيدًا عنه، وجمال الذي يزحف جسده خلف الخيل الذي يركض بانحاء المزرعة ساحبًا جسد جمال من خلفه، وكلاهما يصرخان بإسم عُمران الذي يراقبهما بغضب شديد، يود لو أطاح عنقهما معًا ليتخلص منهما للابد.
كان يظن انهم سيقضون وقتًا مسليًا، حتى أنه كان يعد لحفلة شواء صغيرة مثلما كان يفعل، ولكنه وبتلك اللحظة فقد مذاق كل شيء حتى الحياة نفسها!
تدخل العمال على الفور، فأسرع إثنان منهما يسحبان السرج الخاص بخيل يوسف، وبصعوبة تمكنوا من ردعه، وسحبوه لداخل غرفته، بينما هرول أحد العمال بالسيف الحاد في محاولةٍ منه للوصول للسرج العالق به ساق جمال، ولكن لسرعه الخيل لم يتمكن من المسك به.
انقلبت الساحة المخصصة للخيول، لساحة ساخرة، الخيل يركض ساحبًا جمال من خلفه، ومن خلفهما يركض العامل بالسيف في محاولة تحسب له لانقاذ الضحية!
بينما يجلس "عُمران" ثابتًا على ظهر خيله، يتطلع لما يحدث بغضب ونفور تام، ثم ببرودٍ ثنى رقبته يمينًا ويسارًا، مستمتعًا بصوت الطقطقة الحادثة، وبمللٍ تحرك بخيله يقوده بحرافيةٍ، وانحنى يلتقط السيف من يد العامل، ثم أسرع من سرعة فرسه حتى بدى محازيًا لخيل جمال، وبسهولة مال يسدد السهم بالسرج فتحرر جمال أخيرًا، وسقط يلتقط أنفاسه اللاهثة بصعوبة.
ركض يوسف إليه يحاول الاطمئنان عليه، ولكنه دفعه أرضًا وهو يصيح بعنف:
_كل ده بسببك وبسبب غبائك، هيعملك أيه الحصان يعني هيفترسك!
لكزه يوسف بحدة وهدر منفعلًا:
_أنا ماليش بجو الخيول والسباقات المريضة بتاعتك إنت والوقح ده، أنا دكتور نسا وتوليد، أخري أشخص حالة، أولد قيصري، طبيعي شغال لكن جو الاكشن والخيول ده ماليش فيه أنا!!
هبط "عُمران" عن فرسه، واتجه إليهما وهو يضع يديه بجيوب سترته الرمادية، خطاه البطيء شكل إنذار خطر إليهما، وخاصة حينما ردد بحروف ثقيلة رزينة:
_بمنتهى الهدوء تسند أخوك وتلموا كرامة أمكم اللي اتبعترت قدام العمال دي وتغوروا من قدامي، والا متلوموش الا نفسكم.
ابتلع يوسف ريقه بصعوبة وهو يهز رأسه:
_باشا إنت مشوفتناش النهاردة أصلًا.
عاون يوسف جمال على الوقوف، فأداره يتفقد ظهره باهتمامٍ، ثم قال:
_الحمد لله مفيش إي إصابات، سليمة يا عبحليم.
تخصر وهو ينصب عوده، هاتفًا بارهاق:
_ازاي وأنا حاسس أن جسمي كله متكسر، كمان حاسس إني بردان أوي.
ضحك وهو يجيبه بصدر رحب:
_حاسس أنك جسمك متكسر عشان اتسحلت سحلة متسحلهاش حرامي غسيل، أما بقى البرد فده راجع لبعض الخساير الناتجه عن معركتك مع الخيل، مما تسبب في إنشقاق ملابسك الخلفية، بس إطمن العلوية بس، السفلية زي الفل.
اتسعت عينيه في صدمة، وراح يردد دون وعي:
_يا نهار أسوح، هدومي اتقطعت!
أكد له بعد صدمته:
_آيوه آه.
استطرد جمال برعب:
_هرجع البيت أنا إزاي دلوقتي!!!
عبث يوسف بعدم فهم:
_مش فاهمك! إنت ليه محسسني إنك اتعرضت للتحرش، يا عم متكبرش الحوار ده حصان متعافي حبتين.
لكزه بغضب جحيمي:
_اتنيل على عينك يا دكتور الغافلة.
وتركه واندفع تجاه عُمران الذي خلع جاكيته وقميصه، وصعد على متن خيله يتحرك بحرية، حتى أتاه جمال يصرخ:
_إحنا كان اتفاقنا واضح وصريح، إننا هنيجي هنا نفك مودنا شوية، لكن متفقناش على خراب البيوت يا بشمهندس.
أوقف الخيل واتجه إليه، يهتف بعدم فهم:
_خراب بيوت أيه مش قاريك!
استدار يريه ما حدث له، فابتسم عُمران بتشفي وقال:
_هو أنا اللي كنت مخليك في حالة السخسخة العبيطة دي، حقك عند أخوك اللي وراك مش عندي يا بشمهندس!
وتابع وهو يطالعه بعنجهية طاووس مغرور:
_بس إكرامًا مني هساعدك وهديك لبس من معايا، إنت عارفني بحتفظ دايمًا بكام غيار احتياطي بالعربية، شوف اللي ينفعك وإلبسه.
مرر يده على وجهه باستياء وهتف:
_إرجع البيت بلبس غيراللي خرجت بيه ازاي، أنا مصدقت الدنيا راقت بيني وبين صبا، أقوم أعمل حركة زي دي تضيعني!
هبط عن الخيل يتمتم بنزقٍ:
_وأعملك أنا أيه دلوقتي! أخدك من إيدك لمراتك وأحكيلها الحكاية من أولها؟
صمت قليلًا يفكر بحديثه، بينما اقترب أليهما يوسف، فقال جمال بعدما حسم الامر:
_هو ده الحل فعلا.
ردد يوسف بصدمة:
_حل أيه؟ هو الحصان رفسك في رأسك قبل ما تتفك ولا أيه؟
جذب جمال هاتفه وقال بحزم:
_أنا مش هجازف بالمركب مرة تانية عشان اتنين معاتيه زيكم، هفتحلكم فيديو تحكوا فيه لصبا كل اللي حصل بالتفصيل، وبالاخص جزئية قطع هدومي دي!
تحرر وحش عُمران القابع داخله، سيطر عليه قدر المستطاع ولكنه بالنهاية تغلب عليه، جذب جمال من تلباب قميصه وهو يهدر من بين اصطكاك أسنانه المرعبة:
_طيب ما نفسرلها عملي، بس المرادي مش الخيل اللي هيمطوحك، أنا اللي هظبطلك الاعدادت كلها ها يا جيمس تحب نبدأها منين؟
ازدرد ريقه الهادر بصعوبة، وبهمسٍ ردد:
_يوسف!
أسرع إليه يخلصه من بين يديه، قائلًا بضحك:
_عيل وغلط وندمان أشد الندم.
منحه جمال نظرة نارية، فزفر بنفاذ صبر:
_أعملك أيه يعني عشان أسلكك منه وهو بالحالة المنيلة دي؟
رد عليه ضاحكًا:
_إقرله المعوذتين.
قال يوسف وصوت ضحكاته تعلو:
_وتفتكر الجن اللي عليه هيقتنع وهيتفك! إحنا محتاجين الشيخ مهران يقوم بالمهمة القومية دي.
لكمهما عمران معًا بكلتا يديه وهو يهدر بعصبية:
_بتستظرف بروح أمك إنت وهو.
وصرخ بغضب جنوني:
_غوروا من وشي، مش عايز أعرفكم تاني، اللي يشوفكم وانتوا هزين طولكم وداخلين عليا يفكركم خيالين وإنتوا خيال مآتة، بس الغلط من عندي أنا اللي فكرت أجبكم مكان زي ده، أكيد عقلي مكنش موجود، ضاع مع هيبتكم اللي ضاعت بالظبط.
قالها وإتجه لسيارته يلقي منه أحد قمصانه الباهظة، وقادها ليغادر من أمامهما بغيظ، بينما يلف جمال يده حول كتف يوسف، ويشجعه بجدية:
_جاهز تحكي اللي حصل، وتنقذ بيت أخوك يا جو؟
طالعه بنظرة مندهشة، وقال بمرح:
_عجبني شجاعتك وإصرارك على الموقف، وده هيخليني أساعدك، مهو مش هيبقى أنا وعمران، مش هينفع أتخلى عنك وأسيبك لمصير محكمة الآسرة البائس!
*****
الحفاظ على إنفعالاتها كان من أقسى الأشياء التي فعلتها، كانت تخشى من أن يبدو أنها بها شيء امام والدتها، فجاهدت بالابتعاد عنها، والجلوس بغرفتها أكبر وقت تمكنت به، ولكنها رغمًا عنها لم تنتصر على قلقها وتوترها الشديد، وما يشعرها بالعجز أنه أخذ هاتفها، فتخشى إن استعملت هاتف والدتها لتحدثه تسألها والدتها عن هاتفها، ومن المؤكد أن كل شيء سينكشف تلقائيًا أمامها.
ضمت "كريستين" يديها إليها وهي تحجب عقلها الذي يطرح عده تخيلات للمشهد، ومنهم إصابة إيثان، ولكن ما يطمنها بأنها على ثقة كاملة أن "يُونس" لن يتركه.
انهمرت دموعها ندمًا على الخضوع لمثل هذا المصير من البداية، ليتها حاربته بشجاعة وأخبرت جميع من حولها به، لربما لم تصل إلى تلك النقطة.
انتفضت بجلستها حينما استمعت لصوت قرع جرس الباب، فأسرعت تتلصص من خلف باب غرفتها، فاستمعت لصوت والدتها تهتف:
_أتفضل يا حبيبي، ده بيتك تيجي في أي وقت.
شكرها إيثان على ردها حينما أبدى أسفه لزيارته بوقتٍ ليس مناسبًا، ولم يعلن عن قدومه، ولكنه يعلم بأنها تنتظره على أحر من الجمر، وبالفعل بعد دقائق خرجت له بوجهها الشاحب، تجلس على المقعد قبالته وتطالع عينيه بكل لهفة، تود أن تلتقط منه أي إشارة، أو أي كلمة تطمئنها، ولكن والدتها كانت جالسة برفقتهما، تتبادل الحديث معه عن أخبار شقيقتها وبعد الامور العائلية.
شعر إيثان بلهفتها، فرأف بها حينما قال بخبث حينما سألته خالته عما يريد شربه:
_أنا مش عايز غير فنجان قهوة من إيدك يا فوني. عليكِ شوية بن يعدل المزاج ويوصل للإدمان.
ضحكت وهي تخبره:
_هتفضل طول عمرك بكاش.
وتركتهما واتجهت للمطبخ لتعد ما طلبه، فور أن تأكدت من رحيلها، حتى هرعت تجاور جلسته وهي تردد برعشة:
_طمني يا إيثان عملت أيه؟
راقب عينيه عن قربٍ وهو يخبرها:
_قولتلك اطمني ومتقلقيش، ومع ذلك هطمنك أكتر، أنا مسحت كل شيء يخصك من جهاز الكلب ده، ومش كده وبس بلغنا عنه وإتقبض عليه هو واللي وراه.
وأخذ يسرد لها سريعًا عما حدث، بينما تتسع ابتسامة الاعجاب على وجهها، فمنعت دموعها من الهبوط وهي تقول:
_بجد يا إيثان؟ يعني معتش ليا أي فيديوهات خالص.
ضم كفيها بكل حب وقال:
_أنا بنفسي اللي مسحتهم ومسمحتش لمخلوق يشوف أو يعرف حاجه عن اللي حصل، خلاص يا كريستين كانت صفحه واتقطعت من حياتك نهائيًا.
وأضاف وحبها يملأ سحر عينيه:
_اللي عايزه منك إنك تتعلمي من التجربة دي، وبعد كده أي حاجة تتعرضي ليها سواء كبيرة أو صغيرة ترجعيلي فيها.
وحذرها بحزمٍ:
_أوعي تفكري مجرد تفكير، إنك تخبي عليا حاجة، أنا عدتلك المرة دي عشان كنت مقدر إن علاقتنا لسه على أول طريقها، لكن بعد كده مش هسمحلك.
اتسعت ابتسامتها وفرحتها النافذة من عينيها:
_صدقني مش هعمل كده تاني، أنت باللي عملته ده أثبتلي إنك هتحميني العمر كله، وهتشيلني جوه عنيك.
ابتسم وهو يميل لها بأعين راغبة:
_أشيلك جوه عنيا وفوق رأسي وفي حضني لو تحبي، بس هنأجلها لبعد الجواز دي عشان خالتي متجريش ورايا بالمنفضة.
تعالت ضحكاتها بسعادة، بينما يضع يده بجيب جاكيته ويجذب الكرتون الموضوع به، قدمه لها فراقبت ما تحمله باستغراب:
_ده أيه؟
رد عليه بحبٍ، وعاطفة:
_اتشديتي للينك ده لمجرد إنك كنتي هتكسبي أيفون، فأكيد مش هسيب حبيبتي نفسها في حاجة وأنا بإمكاني أحققهالها.
التقطت منه الهاتف، ناطقة بعدم تصديق:
_بجد يا إيثان، ده ليا أنا!!
هز رأسه بخفة وهو يؤكد لها بسعادة لرؤية فرحتها:
_بتاعك يا كريستين، إنسي القديم بكل ذكرياته التعيسة وإفرحي بالتليفون الجديد اللي هيتملى بعد فرحنا بصور لينا مع بعض، ولو شوفت صورة ليكِ لوحدك من غيري همسحها، أنا غيور جدًا وعايز أشاركك كل ذكرياتك الجاية، موافقة يا سندريلا؟
ضحكت وهي تحرك رأسها بحماس:
_موافقة طبعًا، أساسًا خطوبتنا كانت جزء من حلم سندريلا اللي كان مستحيل يتحقق، ودلوقتي بعد ما إتحقق بقيت طماعة وعايزة أكتر من كده.
أجابها ببسمته الجذابة:
_هانت والأمير هيحقق كل أحلام السندريلا!
طافتهما بسمة العشق، نظراتهما، وعده لها، شيم الرجال الذي اتسم به، حينما أعاد حقها كاملًا، ثقته بها، كل شيء دفعها لتقع في عشقه لمرتها الثانية!
****
تأكد "مصطفى" من انغلاق ضوء غرفة "آدهم" فسعد بشدة لأنه تمكن من إقناع آيوب بالبقاء، ففتح الباب بحرص ومضى بمقعده للداخل، حتى وصل للأريكة التي يتمدد "آيوب" من فوقها، ناركًا الفراش لأخيه حتى لا يصاب جرحه.
بقى قبالته يتأمله بعينين دامعتين، يتشرب ملامحه بحبٍ، يتمنى لو أن يعتصره داخل أضلعه، يتمنى أن يخبره أنه عفى عما إرتكبه بحقه.
ظل لثلاثون دقيقة جالسًا محله، يراقبه بصمتٍ، بينما من خلفه ينغز قلب آدهم بقسوةٍ وهو يشعر بوجود آبيه بالغرفة، لذا حافظ على سكون جسده المدعي للنوم.
يفعل كل ما باستطاعته ليتمكن من إبقاء أخيه قريبًا منه، يود أن يألف المنزل ويتقبل أبيه، ولكنها تبدو كالمهمة الشاقة.
فتح عينيه بتثاقل وهو يتفحص أخيه، من فترة للحين، فتفاجئ بمصطفى قبالته، تنهد "آيوب" بضيقٍ، وجلس يفرك عينيه بنومٍ، هاتفًا بصوتٍ منخفض:
_وبعدين معاك! مش قولتلك طول ما أنا هنا خليك بعيد عني! أيه اللي مقعدك كده!!
ورفع معصمه يتفقد الوقت، فوجدها الواحدة ليلًا، كبت تثائبه وهو يطالعه بنظرة باردة، فقال مصطفى بحرجٍ:
_أنا آسف لو صحيتك من النوم، أنا كنت بطمن على آدهم ونازل أوضتي تاني.
قالها واستدار بتحكمه الفعلي بالمقعد، ليغادر من أمامه، فألقى "آيوب" الوسادة عن يده، ونهض يتمتم بتذمر:
_الراجل ده مش هيسيبني أرتاح أبدًا، ولا هيخليني أورد لا على جنه ولا على نار.
ولحق به يرفع صوته:
_استنى!.
فور أن غادر الغرفة ارتسمت بسمة حزينة على وجه آدهم الغارق بحزنه الشديد.
بينما هرول "آيوب" من خلفه، يدفع المقعد تجاه المصعد وهو يردد بضجر:
_هنزلك بس عشان متتكعبلش ولا يجرالك حاجة، آدهم فيه اللي مكفيه ومش ناقص هو!
أخفى "مصطفى" ابتسامته، وهو يؤمي برأسه باقتناعٍ، وما أن توقف المصعد حتى دفع آيوب المقعد لغرفته، حرر مقبضها ودفعه للداخل، تجاه الفراش مثلما فعل بالامس، ولكنه عارض قائلًا:
_لا مش جايلي نوم.
تحكم بغضبه، وقال ببسمة لم تصل لعينيه:
_وحضرتك حابب تعمل أيه دلوقتي؟
استدار بمقعده إليه وقال برجاء ملموس:
_لو ينفع تساعدني أتوضى وروح كمل نومك.
تهدلت ملامحه المشدودة، هز رأسه وهو يجيبه:
_بسيطة.
ودفع مقعده لمرحاض الغرفة، يجذب سطل المياه ويسكب إليه، والآخر يسر قلبه سرورًا لم يختبره من قبل، بل كان يتأمله بكل محبة، حتى جذب السطل وإنحنى يفرك أصابع قدميه بالمياه، فابتعد مصطفى بمقعده للخلف على الفور:
_لا يابني أوعى تلمس رجلي، إنت مقامك أعلى من إنك تنحني قدام شخص زيي!
قشعر جسده من كلماته، ذلك الرجل يحقر من ذاته، بكلمات تصف الحالة المؤلمة التي يعيشها، أوضحت كم معاناة الذات وتأنيب الضمير بشكلٍ أوجعه، انحنى يجذب السطل الذي سقط منه، واقترب منه يكمل ما يفعله، فتدفقت دمعات مصطفى، وطالعه بنظرة امتنان لن يتمكن آيوب من نسيانها قط، بل هرب منها وهو يعجل ما يفعله حتى خرج به للغرفة مجددًا.
ازدرد صوته الهادر وهو يسأله بوجع:
_أعملك أيه تاني؟
استجمع شتاته المنفلتة، وقال بصوتٍ جاهد الا يجعله باكي ولكنه ظهر فيه البكاء رغمًا عنه:
_كتر خيرك يا آآبنـ... يا آيوب.. روح نام إنت.
هز رأسه وهو يتجه للمغادرة، صعد للأعلى وعقله مشحون بالافكار، عاد للاريكة يجلس هائمًا بالفراغ، يتذكر حديث أبيه الشيخ مهران بصلاة اليوم، كان يجلس قبالته بالمسجد يحرك يده على السبحة، ويخبره بنبرته الفصحى التي يعشقها حد الادمان:
_يابني ما عاهدتك يومًا قاسي القلب، كنت دومًا تمنح العفو والصفح، والله إني أخشى أن تحاسب على أبيك.
_هو مش أبويا ولا آ..
_مهما حاولت أن تنكر الحقيقة لن تستطيع، إعلم أننا جميعًا سنُحاسب، ومثلما سيحاسب على ما فعله بك سيحين دورك وستُحاسب على معاملتك القاسية له..
وأضاف الشيخ مهران بابتسامة بشوشة:
_ولو أعترفت بيه وسامحته هل سينتقص هذا من حبك لي وحبي لك، لا والله ولو اجتمعت جيوش الإنس والجان على أن ينقصوا حبك بقلبي مثقال ذرة ما فعلوا.
فاق من ذكريات أبيه ودموعه تنهمر دون توقف، لا يعلم كيف ومتى نهض عن الأريكة وعاد للاسفل، ولج لغرفة مصطفى، فوجده يصلي على مقعده بخشوعٍ مهيب، راقبه بذهولٍ وكأنه يراقب لأول مرة شخصًا يصلي، لا يعلم لما ربط ما فعله به بأنه لا يجيد دينه!
أنهى صلاته وجلس محله يهيم بشرفته الزجاجية، فتفاجئ بآيوب يقف من خلفه، لف مقعده له بلهفة:
_في حاجة يا آيوب؟ عمر تعب تاني ولا أيه؟
هز رأسه بالنفي، وبدى مرتبكًا لا يجيد أن يوازن أموره، فوجد ذاته يخبره بحدة:
_النهاردة المغرب كتب كتابي، لو عايز تيجي تعالى.
انشرح صدره، لقد إستجابت دعواته، يلوح بصيص الأمل ويزداد نوره، اقترب بمقعده منه وسأله بتوتر:
_لو جيت هتتضايق من وجودي؟
طالعه بنظرة دقيقة، ثم قال:
_لا عادي، أنا بقدر أسيطر على نفسي، وزي ما أنا قادر أتواجد معاك هنا في مكان واحد، هقدر أتقبلك هناك في بيت الشيخ مهران.
اتسعت ابتسامته وبكل سرور قال:
_هاجي أكيد، ربنا يسعدك ويفرحك بالذرية الصالحة يا حبيبي.
اكتفى بايماءة من رأسه وغادر من أمامه على الفور، وهو متخبط، كان ينوي إخباره بمسامحته له، كان يود أن يمنحه فرصة، لسانه كان ثقيل عن الحديث، ولكنه يجدي تقدمًا حتى ولو كان خارج عن إرادته!
*******
ولج لجناحه الخاص ينزع جاكيته، ثم يخلع حذائه، وما كاد بالتوجه لحمام الغرفة لينعم بحمام بارد حتى توقف حينما تسلل له همسات مختطفة لأنفاس زوجته اللاهثة:
_عُمران.. لأ...
دنى إلى الفراش يناديها بدهشةٍ:
_مايا؟
انتفضت بالفراش تصرخ بفزعٍ:
_عُمــــــــــــــــران.
أسرع تجاهها وقد جلس جوارها يزيح العرق الذي يبلل وجهها باكمله، وهو يهتف بقلق:
_أنا هنا يا مايا، مالك يا روحي؟
انتقلت نظراتها المذعورة إليه، تتطلع لكل أنش بوجهه، وكأنها تتفقد شيئًا، استقامت بجلستها مستندة على ركبتيها، وأخذت تحل القميص عنه، وهي تهتف برعب:
_دم!
وخز قلبه رعبًا عليها، ومع ذلك حاول تخفيف من حدة ما تمر به، حينما شاكسها قائلًا:
_طيب ولزمتها أيه تصرعيني كده يا بيبي، ما تديني حتى إشارة صغيرة ومتقلقيش أنا وقح وهفهمها على طول.
فشلت كلماته بسحبها مما تمر به، بل أحاطت وجهها تبكي بانهيارٍ تام، أعدل عُمران من قميصه وهو يزحف تجاهها، متسائلًا:
_مايا مالك؟ متقلقنيش عليكي!
أبعد يديها عن وجهها فوجدها تنتفض بعنف، جذبها إليه يربت على ظهرها وهو يهمس لها:
_إهدي حبيبتي، ده مجرد حلم، أنا هنا جنبك أهو.
مالت على كتفه وصوته المتحشرج يتحرر:
_متبعدش عني، أنا ماليش غيرك في الدنيا دي، ولو مبقتش فيها هخرج أنا كمان منها.
شدد من ضمها وقال بلومٍ:
_أيه الجنان ده بس، أيه جاب سيرة الفراق دلوقتي، احنا صحيح هنفارق بس هنفارق الكمبوند خلاص هنستلم قصر الغرباوي من بكره بإذن الله، وهوريكي جناحك بنفسي وبالاخص غرفة الهدوم اللي خصصتها لينا ولابننا.
تعالى بكائها ورددت كأنها لم تستمع لما قال:
_خليك جنبي، أنا مش عايزة غيرك.
احتواها بين ذراعيه وقال بحزن:
_أنا معاكِ وكلي ملكك يا مايا، ده كان كابوس وانتهى.
ابتعد عنه تطالعه بأعينها الدامعة، وهمست:
_يا رب يكون مجرد كابوس.
انحنى يقبل يدها وهو يؤكد لها بمزحٍ:
_اللي أنا أقوله تصدقيه بدون نقاش، أنا عندي بعد نظر في الأمور.
منحته ابتسامة صغيرة تعكس حزن مُقلتيها، فقال وهو يدعي الجدية:
_وبما إن كلامي ثقة فخلينا نتجاهل الجزء السلبي من كابوسك ده ونستغل الجزء الايجابي.
تساءلت بعدم فهم:
_أيه هو الجزء الايجابي.
أشار على قميصه ببسمة خبيثة:
_إنك كنتِ بتغرغري بيا من شوية وأنا آ...
كبتت فمه بيدها وهي تصيح بصدمة:
_عُمران بطل وقاحة، أنا كنت بتأكد أن ده مجرد حلم وانك مش بتنزف، بلاش تصيغ الامور بطريقتك المنحرفة دي.
تعالت ضحكاته الرجولية، فابعد يدها وقال بمشاغبة:
_هو أنا هصيغ بعقل، ده أنا هقدم تقرير شامل لفريدة هانم، وهقولها كل اللي حصل بالظبط.
لكزته بغضب وهي تدفعه عن الفراش:
_قوم شوف كنت داخل تعمل أيه؟ أنا غلطانه إني قلقانه عليك، إنت لسانك أصلًا هيبعد عنك أي أذى لأنه أكبر أذى ليك.
مال للخلف من فرط ضحكاته، فابتسمت رغمًا عنها وهي تراقبه، حتى أنها صفنت به، فمال تجاهها يغمز لها بسخرية:
_ضحكتي تجنن أنا عارف، عشان كده مبتظهرش كتير رأفة بقلوب البنات الحلويين اللي زيك.
أبعدت يده عن ذقنها وهي تردد بنفور:
_إنت مغرور.
سحب بيجامته واتجه لحمام غرفته وهو يخبرها:
_لو الطاووس متغرش مين يتغر يا مايا هانم؟!
أغلق باب الحمام من خلفه، وإتجه للدوش يميل من أسفله، وتفاصيل التهديدات المسددة إليه تجوب عقله، ماذا لو تفسر حلم مايا وتعرض للهجوم!
ثمة شعور بالخوف يجتازه لاول مرة، خوف من أن يُولد ابنه يتيمًا، خوفًا على زوجته التي إنهارت لمجرد رؤيتها لحلمٍ مثل ذلك، ماذا عن عائلته وأصدقائه؟
هو يعلم حق العلم أنه تتميمة مكملة للجميع، وراضي كل الرضا عن مكانته بينهم، شغل تفكيره ماذا سيحدث بهم لو نجحوا بتحقيق تهديداتهم!
*****
سطعت شمس اليوم التالي ومازالت تجلس بأرضية الشرفة، تضم ذاتها وبكائها لم يجف عنها، ها قد انقضى اليوم بسرعة الرياح، وأتى اليوم المرهون بعودة علاقتهما من جديدٍ، مجرد تذكرها لشطر صغير من فصول حياتها الذابلة برفقة طليقها تعود الرهبة تسيطر عليها من جديد.
كانت تتمنى أن يوافقها "يُونس" لاجراء العملية الجراحية للتخلص من أثار التعذيب الباقية على جسدها، ولكنه رفض وبرفضه وجدته أنانيًا للغاية، ولكن جزء بداخلها كان يمنحه العذر، فمهما كان لن يحتمل إنها كانت له ثم أصبحت لغيره.
تأملت "خديجة" اسدال صلاتها بنظرة حسرة، طوال المدة التي تبقت فيها "سدن" برفقتها بم تخلعه عنها أبدًا، فكيف ستفعل أمامه حينما يصبح زوجها!!!
استمعت لصوت سدن تناديها، فأسرعت تجفف دموعها ونهضت تدلف للداخل، كانت تفرك عينيها كالاطفال وهي تحرر خصلاتها الذهبية باحثة عنها، وهي تناديها:
_إنت فين خديچا؟
أجابتها وهي تغلق ستائر الشرفة:
_أنا هنا يا سدن، صباح الخير حبيبتي.
اتجهت إليها تقف من خلفها ومازالت تفرك عينيها، فراقبتها خديجة بابتسامة حنونة، وكأنها ترى نسخة لابنها الصغير حينما يستيقظ ولم يجدها جواره:
_صباح خير خديچا، إنت ليه صاحي بدري، هو إنت مش نمتي هالص (خالص)!
تهربت من اجابتها على سؤالًا ستكون عينيها وملامحها الشاحبة اجابة عليه، فانسحبت للمطبخ وهي تقول:
_هدخل أجهز الفطار، عشان نفطر مع بعض.
لحقت بها للداخل، تمنحها نظرة مشككة، بينما تخرج خديجة من برداها الطعام، جذبت عنها سدن ما تحمله وهي تقول بضيق:
_مش عاوز إفطر، إنت ليه عامل في نفسك كده في يوم مهم زي ده!
سحبت منها البيض، واتجهت تخفقه على النار، قائلة ببسمة مخادعة:
_حزن أيه بس، أنا كويسة وزي الفل أهو.
لحقت بها وقالت بحزن:
_لا إنت مش كويس خديچا، إنت فيك حاجة مخبيها عني، وإنت قولت ان سدن وإنت أصدقاء بس أنا مش شوف كده.
انزلق الدمع من عينيها، أزالته وقالت:
_أنا عمري ما كان ليا أصحاب غيرك أصلًا يا سدن، أنا بس قلقانه وحاسة أن علاقتي بمعتز ممكن تكون حاجز بيني وبين يونس.
ردت عليها بهدوء وبسرعة فائقة جعلتها تخضع للغتها الخاصة:
_دعكِ من الماضي، لن تستطيعي أن تتجاوزي أي شيء طالما عقلك منحسر بما مضى، اليوم ستصبحين زوجة الرجل الذي عشقته بجنون، ألن يكفيكِ أن تعودي على عصمة من أحببتيه منذ الطفولة؟
رفعت عينيها الباهتة إليها تشرد بسؤالها، فوجدت ذاتها تبتسم:
_يكفيني عمره كله والله.
ردت سدن بابتسامتها الرقيقة:
_أجل، أستطيع أن أرى ذلك يا فتاة، دعكِ عما مضى ولا تفكري بشيئًا أخر، وإن تعلق الأمر عن العملية التجملية فتستطعين إقنعه بعد الزواج بمنتهى الهدوء، إنتِ تعلمين أن سبل الحديث بينكما غير، مصرح، لذا هناك بعض الاشياء التي ستعجزين اخباره به وإنتِ أجنبية عنه، فحينما تصبحين زوجته إفعلي ما فشلتي باقناعه به.
استرخت تعابيرها في راحةٍ لسماعها حديث سدن، فتركت ما بيدها وأسرعت تضمها بكل حب، قائلة:
_عندك حق يا سدن، أنا بحمد ربنا إنك كنتي جنبي ومعايا طول الفترة دي.
ضمتها بقوة وقالت:
_حسنًا، كنت أعلم أنكِ سعيدة للغاية ببقائي هنا، بعد أن طلب مني الشيخ الابتعاد عن آيوب حتى يتم عقد القران مجددًا، يا ويلي لم أعلم أنكِ قاسية لهذا الحد، تفكرين بمصلحتك الشخصية ولا يهمك حزني على فراقه.
تعالت ضحكات خديجة، وراقبت تذمرها بمرح:
_فراق أيه؟ ده انتي بتقفشيه على السلم وهو طالع وهو نازل، والحكاية كلها أصلًا مجابتش أسبوع أو عشر أيام!
حينما ذكرت انتظارها له، هرعت لاسدالها ترتديه وهي تردد بلهفة:
_نسيت أقف ليها النهاردة، هنزل أشوفها عند الحاجة رقيا.
ضحكت بصوته كله وهي تتساءل باستمتاعٍ:
_هي مين دي؟
قالت وهي تتجه للباب:
_آيوب!
*******
ارتدى "علي" جاكيت بذلته، وانحنى يمرر يده على خصلات شقيقته، وهو يناديها بحنان:
_شمس.
_شمس فوقي يا حبيبتي.
فتحت عينيها بإرهاق، وحينما وجدته يرتدي كامل ملابسه تساءلت وهي تستقيم بجلستها:
_إنت ماشي يا علي؟!
أجابها وهو يساعدها على فرد ساقها المصابة، وأجابها:
_أيوه يا حبيبتي لازم أنزل المركز الأول أخلص كام حاجه كده عشان عندي كام مشوار مهم.
وأضاف وهو يتمعن بعينيها ليسترعي انتباهها:
_شمس عايزك تركزي في الكلام اللي هقولهولك ده كويس، ويا ريت متحاوليش تتكلمي فيه مع حد، لإن آدهم من النوع الحساس جدًا.
أبعدت الغطاء عنها وزحفت حتى محل جلوسه، تجاوره، متسائلة بقلق:
_ليه ماله آدهم؟
سحب نفسًا مطولًا، وقال بعقلانية:
_إمبارح شوفته في حالة رهيبة، لأول مرة أشوفه كده، اللي حصل معاكي هيأثر في نفسيته جدًا، عشان كده عايزك تكوني جنبه الفترة اللي جاية.
وخز قلبها العاشق دون رأفة، وبحشرجة ذبحت حنجرتها قالت:
_تقصد أيه يا علي؟
أمسك كفها يفركه بإبهامه، مواصلًا تعليماته:
_الأول تكوني هادية عشان تقدري تفهمي اللي هقولهولك، أنا امبارح لاحظت حركاته وملامحه، وأنتِ طبعًا عارفة إني متعود أقرأ اللي قدامي بحكم شغلي، المريض النفسي أي تغير بسيط بيبان عليه لازم الدكتور المعالج يكون واعي له ومستعد ليه جدًا.
بدت مشتتة بين حديثه، فتمتمت بحيرة:
_تقصد إن آدهم مريض نفسي!
أشار نافيًا:
_لا طبعًا، اللي عايز أقولهولك أن آدهم مش راجل عادي يا شمس، اللي حصل ليه في كفة واللي حصل ليكي قدام عنيه في كفة تانية خالص، اللي حصل معاه محسسهوش بالعجز أد فشله بإنه ينقذك.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت:
_بس انا ماليش ذنب يا علي، ومتعمدش أحسسه بالعجز ده نهائي.
وأضافت ودموعها تنهمر بصدمة:
_عشان كده ساب الجناح!! معقول يبعد عني!!!
ضمها إليه برفقٍ، وهمس لها بحزن على حالهما:
_عارف يا حبيبتي، أنا بقولك الكلام ده عشان تقدري تتعاملي معاه لو حستيه بيحاول يبعدك عنه، هو هيشوف إن اللي بيعمله ده الصح، وواجبك تثبتيله العكس.
وضم وجهها بين يديه يحمسها بقوةٍ:
_حاربي عشان جوزك يا شمس، متسمحيش ليه إنه يختار يخبي ضعفه وعجزه عنك بالبعد، هتتعبي بس متستسلميش.
واستكمل بصوته الرخيم:
_أنا كنت أقدر أتكلم معاه واحاول أساعده، بس مش شخصية آدهم أبدًا اللي هتخضع لكلامي، لذا إختارتك أنتي، آدهم اتعود يكون بطل ومنقذ لكل اللي حوليه، ويوم ما يفقد ده هيتخلى عن أي شيء يحسسه إنه بقى عاجز، بس أنا واثق إن وجودك وتمسكك بيه هيفرق معاه جدًا.
هزت رأسها بخفة وهي تجاهد لرسم بسمة رقيقة، فقبل جبهتها وقال بحنان:
_متخافيش يا حبيبتي، مهما حصل الحب الكبير اللي بينكم مستحيل هيضيع بالسهولة دي، اعتبريه امتحان ليكِ إنتِ، وخليكِ فاكرة كل إمتحان خاضه آدهم عشانك.
ومازحها وهو يقرص وجنتها بمرح:
_كفايا امتحان وقح عيلة الغرباوي أخوكِ.
ضحكت من كل قلبها، وشاركها الضحك، ثم نهض يحمل مفتاح سيارته وهو يخبرها:
_لو احتاجتي أي حاجة إنتي عارفة إني مش هتأخر عليكي أبدًا.
ردت عليه بحب واحترام:
_شكرًا على كل حاجة يا علي.
عاد يقبل وجنتها وهو يودعها:
_يلا أشوفك بكره بإذن الله.. سلام.
تركها وغادر على الفور، بينما مازالت تجلس محلها تعيد ترتيب كل كلمة قالها علي، الجميع يعلم حكمته ونظرته للامور، حمدت الله أن من أتى ليخلصها كان علي، لولاه ما تمكنت من فهم ما يجول بعقل زوجها، وهنا تذكرت حديثه عن المحاربة لاجله.
احتملت بصعوبة على ساقيها، ونهضت تتجه لغرفته بعد ان تأكدت من الخادمة بأن آيوب رحل باكرًا.
*****
حرر باب منزله وولج للداخل، فوجد والدته تضع طعام الافطار لوالده الذي ابتسم وهو يشير له:
_كده الفطار هيبقاله طعم تاني، يلا بسرعة اقعد.
جذب آيوب المقعد المجاور لابيه وجلس يجذب بعض الشطائر، قائلًا بابتسامة جذابة:
_ريحة الفول وصلالي من على باب العمارة.
منحته الحاجة رقية نظرة ساخطة، وتجاهلته تمامًا وهي ترص باقي الاطباق بصمت، مما دفعه ليميل على أبيه:
_هو في ايه يا عم الشيخ، إنت مزعل الحاجة في حاجة؟
أشار بصدمة:
_أنا!! إزاي أقدر أزعلها هيجيني قلب أخالف وصية رسول الله وهي خير وصياه!
منحه نظرة مشككة، مرحة:
_كله يبان يا شيخ مهران.
ضحك وهو يضربه على رأسه بخفة:
_سيبك من الرغي وسمي الله وإبدأ.
قال وهو يتابعها تدنو منهما'
_مش قبل ما أعرف مالها؟
وأسرع يجذب منها صينية الشاي وزجاجة المياه:
_عنك يا ست الكل.
تركت ما بيدها واتجهت للمقعد بصمت، دفعه لسؤالها بقلق:
_مالك يا ماما إنتِ تعبانه أو فيكِ حاجة؟
لوت شفتيها بتهكمٍ، وهدرت فيه:
_ما لسه بدري، كنت خليك عنده يومين تلاتة.
أمسك الشيخ يدها وأخفض من صوته:
_محصلش حاجة لما بات مع أخوه يا حجة رقية، إنتِ عارفة إن آدهم متصاب وأكيد محتاج لآيوب جنبه.
سحبت يدها وصرخت ببكاء وغضب:
_مقولناش حاجة بس يروح ويرجع ميبتش هناك عند الراجل ده، هيخليه يبات مرة في مرة لحد ما يقعد هناك وينسانا.
رد عليها الشيخ مهران بلطف:
_مفيش الكلام ده، آيوب مش عيل عشان حد يعمله غسيل مخ، وبعدين متنسيش إنه بالنهاية أبوه وله واجب عليه.
نهضت تصرخ بانفعال وهي تدفع الصينية ارضا:
_متقولش أبوه، ده ابني وابنك ومهما مصطفى ده قال وعمل مستحيل هيقدر يأخده مني.
وأشارت لآيوب المندهش لرؤيتها بتلك الحالة، وصاحت:
_مفيش بيات بره البيت تاني والا أقسم بالله العلي العظيم لهعملها لأول مرة وهمد إيدي عليك، هكسرلك رجلك عشان تحرم تبات هناك تاني، ســــــــــــامع!
واتجهت للمطبخ وهي تهتف بشهقاتها الباكية:
_خلصوا أكلكم، هعمل شاي بدل اللي وقع.
مال آيوب يستند على كفيه بحزن، الجميع من حوله مجروح وجرحه هو الأكثر نزيفًا بينهم، لا يعلم بمن سيبدأ يضمد الجروح، وهو نفسه بحاجة لذلك.
شعر بملمس كف أبيه الحنون، وابتسامته التي تهون كل الصعاب من أمامه، كأنها هفوة صغيرة لن تأثر به:
_معلش إنت عارف الحاجة رقية بتهب تهب وتنزل على مفيش، قلبها أبيض ومفيش زيه، قوم طيب بخاطرها وهي هتتصافى على طول.
انحنى آيوب مقبلًا يد أبيه ورد:
_حاضر.
وتركه واتجه للمطبخ، فوجد والدته تستند على الحوض المعدني وتبكي بصمت، وما أن رأته حتى اصطنعت انشغالها بجلي الأكواب وتنظيف الفوضى التي أحدثتها.
جذب أكواب آخرى وبدأ باعداد الشاي الساخن، بينما تراقبه بصمتٍ، ومازال يتلصص ليجد فرصة الحديث، فسبقته هي حينما تركت ما بيدها وقالت ببكاء:
_متزعلش مني يا آيوب، أنا عمري ما أمد إيدي عليك يابني، أنا قعدت استناك امبارح ترجع ولما مرجعتش كنت هموت من القلق عليك، وحسيت اني هخسرك.
ضمها إليه وهو يقول بحزن وألم:
_ألف بعد الشر عليكي يا حبيبتي، انا آسف والله كان غصب عني، آدهم تعب جدًا وجرحه اتفتح، الدكتور نبه عليه ميتحركش خالص وهو أصر أكون جنبه فمقدرتش أ...
قاطعته حينما قالت:
_متبررش أنا عارفة إنه له حق عليك حتى لو مكنش أخوك، آدهم أنقذ حياتك أكتر، من مرة فمهما عملت عشان أشكره مش هوفيه حقه، هو بس الموضوع كبير عليا وصعب أتقبله.
ورفعت وجهها الباكي له ثم قالت:
_اقعد عنده زي ما تحب بس متبتش هناك، ده بيتك يا آيوب، أنا هستحمل إنك هتطلع من هنا تعيش مع مراتك فوق على الاقل هتكون معايا بنفس العمارة، لكن انك تكون في بيت الراجل ده مش هسمحلك وهتقهر منك.
انحنى يقبل كلتا كفيها وهو يؤمي لها:
_مش هكررها تاني صدقيني.
مررت يدها على خصلاته بسعادة وقالت وهي تزيح دموعها:
_طيب يلا عشان تفطر وتساعدني عشان نفرش البيت، لا خديجة نزلت ولا سدن واحنا ورانا مناسبتين النهاردة يا عريس.
ابتسم وهو يسكب الشاي قائلًا:
_عنيا الاتنين، هروقلك البيت أحلى ترويقة.
وخرج برفقتها فوجد سدن بالخارج تراقبه بابتسامة سعيدة، جعلته يبتسم رغمًا عنه، بمرتهما الاولى حينما عقد قرانه عليها، كان كلاهما لا يحبذان تلك الزيجة، والآن يختاران بعضهما البعض للمرة الثانية ولكن عن اختيار وقناعة، وقصة حب تنسدل من بينهما كفتيلٍ يبشر بما هو قادم!
......... يتبع.....
#االاقــــــــــــوى_قـــــــــادم..
#صرخــــــــات_أنثــــي.
#بقلمي_آيــــه_محمد_رفعت.
الفصل ده اعتبروه تعويض مني على تقصيري الشديد معاكم، اللي بعتذر بيه من كل قلبي على الفترة اللي فاتت، عايزين نحط تفاعل وتصويت عالي عليه، خلونا نستعد للاحداث اللي جاية عشان من أروع وأمتع الاحداث اللي أنا متحمسة ليها من بداية الرواية أصلًا.. ومتنسوش اني بحبكم في الله... ❤
*****______*******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 117 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى....(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثاني_والتسعون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات shrouk maher, afaf abas,aml basha, zahraa dwrdar, nada derar, reham reda,adham hamza، farma azzam, ghada sh ـ ورده مصطفى ـ لمي فادى - Yasmin Nashaat ـ Omneya Hamdy ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
انتهى من ارتداء ملابسه، وخرج يبحث عنها بأرجاء الشقة، فوجدها بالمطبخ تعد كوبًا من (الهوت شوكليت) ، وهي تتجاهل وجوده عن عمد، زفر بسخطٍ ومال على الرخام الفاصل بين المطبخ والردهة، هادرًا بمللٍ:
_وبعدين؟ أخرة اللي آحنا فيه ده أيه يا دكتورة؟
سددت له نظرة نافرة، وعادت تصنع ما بيدها كأنها لم تستمع له من الأساس، فأضاف بسخريةٍ:
_كنت فاكر إنك هديتي بعد ما عرفتي السر الخطير اللي كنت مخبيه، فكده معتش في حاجه مخبيها عنك، يعني زعلك ده مالوش أي مبرر.
تركت الكوب على الرخام بقوة كادت أن تهشمه، وصاحت بغضب:
_وانت اش دخلك فيا،انا حرة نهضر معاك وقت ما بغيت و نجاوبك وقت ما بغيت،
و انت كون قولتيلي على العقدة اللي عندك كانت الامور تتحل و ما نوصلوش لهادشي،
و لكن انت ماديرش هاكا،
ماكاينش غير ليلى مسكينة اللي حنات عليا و ماهانش عليها تخليني معمية!
(إنت مالك بيا أنا حرة أكلمك وقت ما أحب وأرد عليك وقت ما أحب ثم إنك لو كنت قولتلي على العقدة اللي عندك كانت الامور إتحلت وخلصنا، لكن إنت معملتش كده، مفيش غير ليلى اللي شفقت عليا ومهنش عليها تسبني على عمايا!..)
رمش "سيف" بعدم استيعاب، وصاح:
_أنا فاهم دماغك وإنتِ عربي، عشان أفهمك بالطلاسم دي، حاولي تسيطري على غضبك وتراعي إن في إنسان قدامك محتاج يفهم اللي بتقوليه كويس، لإنه وارد جدًا يفتكرك بتشتميه بالكردي!
أجابته وهي تعقد يديها أمام صدرها:
_والله زي ما إتعلمت لغتك تتعلم إنت كمان اللغة المغربية.
ضحك وهو يخبرها:
_حرام عليكي يا زينب، إنتِ عايزاني أنشغل عنك لكام سنة عشان أجمع الطلاسم دي؟
ردت بوجومٍ:
_زي ما اتعلمت لغتك!
رد ببسمة هادئة وهو يسحب كوبها يتجرعه بتلذذٍ:
_يا حبيبتي العربي مش محتاج إنك تتعلميه ده لو إنتِ عاشرتيني يومين كنتِ هتلاقي نفسك بتتكلمي بطلاقة.
سحبت الكوب من يده، واعادته محله، هادرة بانزعاجٍ:
_مش موضوعنا، وبعدين إيدك متتمدش على حاجة انا عملتها، قوم إعمل لنفسك اللي إنت عايزه، أو شوفلك طباخة مصرية تطبخلك.
وحملت كوبها وإتجهت للردهة، تجذب الريموت لتشاهد التلفاز، بينما يتابعها سيف بضجرٍ، وإتبعها على مضضٍ:
_أنا نازل، النهاردة كتب كتاب آيوب، ولما أرجع هنبقى نكمل كلامنا ده لو إنتِ طايقه تكلميني أصلًا.
شعرت بأن المزح بينهما قد تخطى حدوده، بل أنقلب لمشاعر ضيق وحزن إلتمستها بنبرته، فنهضت تمنحه الكوب وهي تردد برقةٍ:
_هستناك طبعًا، وبعدين أيه مش طايقاك دي، أنا لو مش طايقاك كنت خلعتك يا دكتور!
وزع نظراته بينها وبين الكوب الممدود إليه، ثم قال ساخطًا:
_يا بنتي أنا مش عايز أتعافى عليكِ بردودي، مهو مش أنا اللي أسمع مراتي تقولي أخلعك وأسكت وأعديها مرور الكرام كده، فاتقي شري يا بنت الناس.
وزاد على حديثه:
_إنتِ من ساعة ما فوقتي لقتيني انا اللي محبوس معاكِ في الأوضة وإنتِ مش طايقة نفسك معرفش ليه، ودلوقتي متضايقة ومقموصة معرفش ليه!
تركت ما بيدها جانبًا وقالت بعصبية:
_عشان انا معرفش إنت هببت أيه مع ليلى، من ساعة ما رجعت روحتلها أربع مرات ومش راضية تفتحلي حتى الباب ولا ترد على مكالماتي!
ضحك بصوته كله، وسحب منها الكوب يتجرعه بأكمله، واعاده لها فارغًا وهي يهتف بنزق:
_يا بنتي رعبتيني، وطلع خوفي وقلقي عليكي عشان ليلى!!!
تطلعت للكوب الفارغ بغيظٍ، وانتقل بصرها إليه بحدة، فقال وهو يقترب منها:
_طيب عشان خاطر الحزن ميلقش بالعيون الشرسة دي، أنا مستعد أخليها تصالحك وتبقوا زي السمنة على العسل، بس عندي شرط صغنون أوي يا زينبو!
زوت حاجبيها باسترابة:
_شرط أيه؟
ابتسامة الخبث احتلت معالمه، فمال يهمس لها:
_اللبس اللي كنتِ لابساه وقت ما حبستيني بره، ترجعي تلبسيه تاني النهاردة، ها موافقة؟
تلون وجهها بحمرة الخجل، وهمست له:
_إنت مش محترم يا سيف.
تصنع صدمته من حديثها، ورد عليها بهدوء مضحك:
_لا كله كوم وإنك تشككي في أخلاقي وتربية دكتور يوسف كوم تاني لوحده.
وقبل أن تستوعب حديثه وجدته يلف يده حول رقبتها ويقربها إليه غامزًا بمكر:
_يا دكتورة لو أنا كنت محترم مع كل البنات مستحيل أكون محترم معاكِ، مينفعش صدقيني هيكون سوء سمعة مش احترام!
وتابع وهو يبتسم لها:
_ها أقولك على اللي هتعمليه عشان تصالحي دكتورة بقسماط ولا أسحب الاتفاق اللي بينا وأخلع.
منحته نظرة مغتاظة، وصاحت بوجوم:
_لا قول.
******
مسحت دموعها عن وجهها، وإتجهت بآليةٍ تامة لحوض الاغتسال، ملأت كفها بالمياه وغسلت وجهها أكثر من مرةٍ، منذ رحيل أخيها بالصباح وهي تحاول الحديث معه، ولكنها في كل مرة تدخل لغرفته يدعي نومه، أو يطالبها بالرحيل لجناحهما الخاص، وهو يجاهد لإيجاد أي حجة مقنعة لها.
حاولت الابتعاد عنه ولكن نصايح أخيها كانت العائق الوحيد أمامها، وها هي الآن تدعي أنها تصنع له العصير حتى تتمكن من الدخول لغرفته والبقاء برفقته قليلًا.
حملت "شمس" كوب العصير واتجهت للمصعد وهي تحجب آلآمها، كل شيءٍ يهون في سبيله هو، وصلت بعد خطواتها البطيئة لغرفته، طرقت بابها وولجت تبحث عنه، فلم تجده بالداخل، طالها قلقًت مضاعفًا وخرجت تبحث عنه، فلفت إنتباهها الضوء المنبعث من جناحهما.
حملت ما بيدها وإتجهت إليه، فوجدته ينتهي من إرتداء آحدى بذلاته الآنيقة، تركت "شمس" ما تحمله بيدها، وأسرعت إليه تسأله بدهشةٍ:
_إنت لابس كده ورايح على فين وإنت بحالتك دي يا آدهم؟!
أغلق باب الخزانة، وتحامل على ذاته مستندًا على الحائط حتى وصل للسراحة، يحاول إلتقاط مصفف الشعر الخاص به، فاتبعته وهي تراقبه بأعين غائرة، جلست "شمس" على المقعد القريب منه، وهتفت بتعبٍ أجاد التعبير عن معاناتها النفسية:
_حرام عليك اللي بتعمله فيا يا آدهم، من ساعة ما آيوب نزل وأنا بحاول أتكلم معاك وأعرف مالك، بس إنت مش مديني أي فرصة، مش حابب وجودب معاك وبتحاول تبعدني عنك، ودلوقتي وبالرغم من تحذيرات الدكتور بتلبس ومعرفش نازل على فين!
اخترق صوتها قلبه فألمه بكائها، استدار تجاهها يهتف بثبات:
_هبعد عنك إزاي وأنا على بعد خطوات منك، إنتِ بتوهمي نفسك يا شمس، وبعدين أنا مش ضعيف لدرجة إني أفضل في سريري اللي باقي من عمري كله.
نهضت تقترب منه بغضب:
_إنت لسه عامل عملية صعبة من يومين بس!!
بقوة زائفة قال:
_وفيها أيه؟ إحنا لو في مهمة ومتصابين بنكملها للآخر، الوجع اللي عندي ده محتمل بالنسبة للي شوفته وإتعرضت ليه.
أزاحت دموعها بغيظٍ من برود نبرته الغريبة، وتساءلت:
_طيب سيادتك رايح فين؟
استدار يتحسس المصفف واستكمل ما يفعله وهو يجيب:
_مينفعش أسيب آيوب في يوم مهم زي ده.
تشعر وكأنها ستصاب بذبحة من بروده بالحديث، اعادت خصلاتها للخلف بعصبية، واتجهت تجاوره بمحل وقوفه، ثم قالت:
_آدهم عشان خاطري بلاش تعاند وتعالى ريح في السرير، آنت لسه تعبان وجرحك لسه طري، لو أتحركت يمكن يفتح تاني ، آيوب أكيد فاهم ومقدر حالتك وآ.
مال بوجهه تجاه صوتها القريب منه، وهدر بانفعال:
_وأيه كمان يا شمس هانم، كملي.
رمشت بعدم استيعاب وهي تراقبه بدهشةٍ، ماذا حدث لمعشوقها! من ذاك الذي يقف قبالتها! صمتها جعله يستغل الأمر، واستطرد بجمود:
_سكتي ليه؟ ما تكملي محاضراتك اللي بدأت بدري أوي عن معادها.
وتركها وإتجه للخزانة التي تحوي أحذيته، تحسس بيده حتى سحب منها زوجان من الأحذية، كان يود أن يناديها لتختار له من بينهما، ولكنه قرر الاعتماد على نفسه، فأعاد واحدة للخزانة وسحب زوج الأحذية الذي بيده وإتجه للمقعد القريب منه حتى يرتديه.
راقبت شمس ما يفعله بتوترٍ، وخاصة حينما وجدته يحمل الزوجان من الأحذية، احدهما بالأسود والآخر بالبني، وحينما اعاد زوج منهما أعاد فردتين متنافرتين، وها هو يرتديهما بعدما تبدلت بالآخرى.
إتجهت شمس للخزانة، وسحبت الحذاء البني، وإتجهت إليه تنحني قبالته، وبدون حديث منها، خلعت عنه الحذاء الأسود، فسحب ساقه للخلف متسائلًا بحدة حينما ظن انها تحاول منعه من الخروج:
_بتعملي أيه؟!! أنا مش مجبور أعيد كلامي مرة تانية، هروح يعني هروح سامعة!!!
انهمرت دمعة منها على وجنتها، أزاحتها ورددت:
_الجزمة اتبدلت منك، الفردتين مش شبه بعض!
وبارتباكٍ قالت:
_أنا هساعدك.
سحبت ساقه من جديد، ونزعت عنه الحذاء الأسود ثم ساعدته يرتدي المماثلة للتي يرتديها، بينما هو شاردًا بالفراغ من أمامه.
انتهت شمس مما تفعله ونهضت تشغل ذاتها بترتيب الخزانة والسراحة من خلفه، بينما تخطف النظرات إليه فوجدته مازال يجلس محله والحزن والألم يخيمان على مُقلتيه بشدةٍ، حتى نهض فجأة عن محله، وإتجه للسراحة، يفتح أحد أدراجها ويبحث بداخلها بفضوية جعلته يلقي محتوياته أرضًا، فلم يحتمل درج الخزانة ذاك العنف وسقط أرضًا بمجوهراتها.
صرخت شمس بفزعٍ، وانحنت تجذب الأغراض المندثرة أرضًا، وتساءلت بنبرة حاولت أن تجعلها ثابتة حتى لا تؤثر عليه:
_الدرج ده فيه مشكلة أصلًا كنت هقولك تشوف حد يعمله، كنت بطلع العقد بتاعي ووقع.
واستطردت بسؤالها:
_إنت عايز حاجة منه؟
احتقنت نظراته المصوبة أرضًا وقال:
_لو خايفة على شكلي قدام الناس، متقلقيش الكل بقى عارف أني أعمى فأكيد مش هيعلقوا على جزمتي اللي كل فردة فيها لون، زي ما إنتي مش مضطرة تكدبي وتحطي اللوم على الدرج عشان محسش بعجزي.
اتسعت مُقلتيها بصدمة، ها قد سلك زوجها الطريق الذي حذرها منه أخيها، ولكنها كانت تظن أنها قوية ستتتمكن من ترويضه وأن تخضعه لها ولحبها، ازدردت ريقها وهي تناديه بخفوتٍ:
_آدهم أنا آ...
قال مبتسمًا ابتسامة لم تصل لظلمة عينيه:
_متبرريش يا شمس، أنا هقدر أتعامل مع تعبي، وهقدر أتعامل بردو مع فقدان بصري، هحتاج وقت بس مش أكتر.
انحنى يفتح الدرج الذي يليه وسحب احدى نظاراته، ثم إتجه ليغادر، فلحقت به شمس، استمع لصوت خطواتها فقال بحزمٍ:
_أنا عارف طريقي كويس.
عجزت عن التحرك من محلها، فتوقفت كأنما يقيد قدميها أغلال، ولم تعد تملك ما تفعله لتتحرر، الا الدموع!
*****
نظارته السوداء حجبت دموع عينيه التي تتحرر عن مرقدها، صفار المصعد يعلن وصوله للطابق الآراضي بينما بداخله صراع لن ينتهي، خرج آدهم يتلمس بيديه الطريق من أمامه، حتى وصل لباب الخروج فإذا بإبيه يخرج من غرفته بعدما استعد هو الآخر للذهاب لعقد قران آيوب، فتفاجئ بابنه يخرج وهو بتلك الحالة.
دنى بمقعده إليه وناداه:
_عمر! ، إنت ازاي نازل وإنت في حالتك دي؟؟
زفر بضيق ومع ذلك سيطر على مشاعر النفور داخله من الحالة المسيطرة عليه ثم قال:
_بابا أنا كويس، من فضلك مش محتاج أعيد كلامي اللي قولته فوق لشمس ليك مرة تانية، أنا هحضر، كتب كتاب آيوب وهرجع على طول.
وتركه دون أن يستمع كلمة آخرى منه وخرج ينادي:
_أشـــرف.
أتى السائق الخاص بوالده يهرول قائلًا:
_تحت أمرك يا باشا.
استند على الڤازات الضخمة المتطؤفة على حواف الدرج حتى هبط للاسفل:
_خدني حارة الشيخ مهران.
كاد السائق بأن يخبره بأنه سيذهب إلى هناك بالفعل برفقة السيد مصطفى، ولكنه تفاجئ به يشير من خلف آدهم الا يتحدث عن الأمر، وأن يطيع أمره، فأسرع بفتح الباب الخلفي وهو يشير له:
_مع حضرتك طول اليوم لو تحب.
صعد بالخلف وقال بامتنان:
_شكرًا يا أشرف، تقدر تتحرك.
غادرت السيارة وانعكاس الحزن ينقسم بين مصطفى القابع أمام الباب الداخلي للمنزل، وبين شمس التي تراقبه من أعلى شرفة جناحه الخاصة، تنسكب الدموع من عينيها كالماء المنمهر من الكوب الذي تهشم زجاجه.
سحب مصطفى مقعده وعاد لغرفته مهمومًا، هو أكثر الناس علمًا بشخصية ابنه، لذا إختار الانسحاب بعد تفكير، خلاصته أن بقائه هو الأفضل لولديه معًا!
******
استلمت "زينب" الأوردر الذي طلبته بناء على نصيحة زوجها، وخرجت من شقتها تحمل الصينية المغلفة جيدًا بالسلوفان، وهي تهتف بنزق:
_نصايحك هدرتلي مصروف البيت لشهر قدام، يا ويلك مني يا سيف لو مجتش بفايدة، هسرق فلوسك كلها تأديبًا ليك.
مالت بما تحمله وهي تحاول الوصول لجرس الباب، دقته وانتظرت قليلًا، وما أن استمعت لصوت حذاء ليلى وهي تقترب لترى من الطارق من العين السحرية، حتى أسرعت تقف قبالة الباب، ورفعت الصينية إلى الأعلى وهي تصيح:
_المرادي أنا مش لوحدي يا لوليتا، ما صدقت سيف ويوسف نزلوا وطلبت لينا حتة أكلة تستاهل بوقك.
لم تجد أي رد منها، ولكن زجاج الباب يعكس ظلها، فأسندت الصينية على الطاولة المجاورة للباب، مالت عنها باقة الزهور التي تزين الفاصل بين الشقق، ثم جذبتها قبالة الباب، وازاحت السلوفان عنها، فبدى الطعام شهيًا لمن لم تصمد طويلًا، بل فتحت الباب وأسرعت للطعام تردد بفرحه:
_محاشي ورز بسمتلي وممبار وطاجن عكاوي، واوووو دي مكرونة دي صح!! طيب الطنجرة دي فيها أيه؟؟؟
اجابتها زينب بخبث:
_ممكن المندي اللي سيف قالي عليه.
ابتلعت ريقها بنهمٍ، وهي تمسد على بطنها المنتفخ، وأشارت لها وهي تسرع بحملها:
_شيلي معايا وخشي بسرعة بالحلويات دي.
ربعت يديها أمام صدرها بغضب:
_بقي انا راحة جاية أخبط عليكي وتطلعي تبصي من العين الصفرة اللي زيك دي، وتجري تستخبي ومتطلعيش الا عشان خاطر الاكل!!
تركت ليلى الصينينة على الطاولة، وجذبت آحدى أصابع الأرز الملفوف تلتهمه وهي تردد:
_زوزو اوعي تقولي كده تاني أزعل منك، أنا كنت بتدلع عليكي يا هبلة، لكن إحنا اخوات وملناش الا كروش بعض.
احتبست ضحكتها، وانحنت تحمل برفقتها الصينية، قائلة بحماسٍ:
_بينا قبل ما الأكل يبرد!
******
صف "علي" سيارته خلف سيارة "جمال" الذي يهبط من سيارته للتو، بينما يميل للجانب، يلكز ذاك الذي يغفو بسلامٍ جواره، فوجده يبعد يده عن ذراعه وهو يهتف بتذمر:
_بس يا مايا.
ضحك بعدم تصديق، وعاد يكرر لكزته، فحرر تحذيرًا أكيد:
_لو قومت هتزعلي أوي يا بيبي!
تمادت ضحكات علي بشكلٍ أزعج عُمران وجعله يفرج عن رماديته، فعبس باسترابةٍ وهو يتفحص مكان تواجده.
اعتدل بجلسته يفرك جبهته وهو يردد بنومٍ:
_علي!
ضم شفتيه معًا بشفقةٍ مضحكة:
_حبيب عيون البيبي كنت متوقع تشوف حتة طرية جنبك، بس للاسف الحظ لابسك في بابا علي.
استدار يرمقه بغضب:
_بطل استفزازك ده، وبعدين دي سواقة دي!! إنت كأنك بتمددني على الشازلونج!
وتابع وهو يخفض المرآة الأمامية، يعيد ترتيب خصلات شعره بحرافية:
_أنا غلطان إني ركبت معاك أصلًا، بقالك ساعتين على الطريق ده إحنا لو طالعين الحجاز كان زمانا وصلنا!!
تابعه بنظرة ثابتة لم تهتز، بل ردد:
_دي السواقة المنضبطة لدكتور بأخلاقي وبشخصيتي يا وقح، بس هقولك أيه ما أنت بتمشي تسابق الأسفلت زي المرضى النفسيين بالظبط.
واستطرد وهو يمسد على ذراعه:
_أتمنى تكون عرفت الفرق بين سواقة المجانين والدكاترة المحترمين.
أعاد المرآة للأعلى، وأعاد يسند رأسه للمقعد بإرهاقٍ:
_أنا مش فايقلك صدقني، ولولا أن آيوب ممكن يزعل كنت هخطف اليوم كله في سريري.
راقب علامات التعب البادية على وجهه بوضوحٍ، وسأله باهتمامٍ:
_مالك في أيه؟
منحه ابتسامة ساخرة ومال تجاهه يهتف وعينيه تنغلقان:
_ولا حاجة، مطحون بس بترتيبات المؤتمر الصحفي بكره واللي هيكون بأسيوط، وما بين اللمسات الأخيرة في قصر الغرباوي باشا واللي حاليًا بننقل فيه ومن بكره هيكون جاهز لاستقبال فريدة هانم ودكتورها اللي مبقاش يحس بأخوه المسكين، وضيف عندك البوتيك بتاع إيثان، ومجموعة المشاريع اللي هيكون بداية انطلاقها من أسيوط وسوهاج ومناطق كتيرة جوه الصعيد.
بالرغم من أن حديثه مرح الا أن قلب علي إنقبض بشكل غريب، فتغاضى عن حديثه، وسأله:
_مؤتمر أيه ده اللي بكره؟
أجابه وهو يجذب هاتفه الذي يصيح برقم يوسف:
_المؤتمر اللي هناقش فيه المشاريع اللي نويت أعملها في مصر.
عاد يستجوبه من جديد وشعوره بالرهبة يتضاعف:
_واشمعنا المؤتمر يكون في أسيوط؟!
أجابه وهو يبعد رماديته عن الهاتف باستغراب:
_في أيه يا علي مالك؟؟
صاح بعصبية بالغة:
_رد عليا يا عُمران!
أجابه بهدوءٍ وهو يقدر قلقه البادي على ملامحه:
_حبيت يكون في نفس المكان اللي هنعمل فيه المصنع، انا اخترت أسيوط لمشروع الأعلاف ومن بعدها هبدأ بباقي المشاريع بباقي المحافظات، أنا مجرد صاحب فكرة وشركاتي هي اللي هتنفذ المشروع لكن مش أنا اللي هدير، إنت عارف إني معنديش وقت لكل ده، كل مشروع هيتعمل سواء من أعلاف أو أدوية أو غيره داخل معايا فيه رجال أعمال مصريين هما اللي هيديروه.
وأضاف بابتسامة واسعة:
_المشاريع دي هتشغل ناس كتيرة جدًا وفوق كل ده الوزير بنفسه داعم الفكرة جدًا، لآنها لو اتنفذت صح هتساهم في تقليل استردنا للمنتجات الاجنبية بنسبة ٥٤ في المية متخيل؟؟
الاضطراب يبدو بوضوح برماديتاه، وكأنه لا يستمع لاخيه، بينما يمضي عُمران بحماس:
_إنت عارف إننا بنستورد من أمريكا زيوت نباتية بقيمة 400 مليون دولار، وأعلاف بقيمة 500 مليون دولار، ده غير المستلزمات الطبية اللي بتوصل لقيمة 100 مليون، ومعدات سكك حديد 180 مليون، وحاجات كتيرة جدًا يا علي، إحنا نقدر نصنعها هنا ونصدرها بره مصر كمان، انا ابتديت وكلي يقين في الله إننا هننجح، وبدايتي هتكون من مصنع الأعلاف باسيوط، وبعدها هتفذ كل المشاريع واحدة واحدة.
انسحب علي من غيمته السوداء، وحرر لسانه المتحجر:
_عُمران إنت داخل حرب كبيرة، وواقف فيها بطولك في وش ناس مش هترحمك، أنا خايف عليك.
منحه ابتسامة جاذبة، وقال:
_لو كلنا خوفنا من تهديداتهم وإترجعنا ، البلد دي هتفضل زي مهي يا علي، وده اللي هما عايزينه.
تنهد بحزن شديد، وأجابه:
_أنا مش ضدك، أنا معاك، بس غصب عني خايف عليك ومش مطمن.
ربت على يده، يحاول بث الطمأنينة إليه:
_متخافش عليا اللي مكتوبلي هشوفه حتى لو كنت محبوس في أوضة تلاتة متر وآ...
تلاشت الكلمات عنه بشكلٍ أرعب علي الذي هدر:
_في أيه؟
مال برأسه تجاه ما يتطلع له أخيه، فاندهش حبنما وجد آدهم يهبط من باب سيارته، تلاقت عينيه المستنكرة بعُمران الذي تمتم بغيظٍ:
_جوز أختك ده غبي!
رمقه بنظرة تحذيرية، فصاح بضيق:
_خد مني ومترجعش ورايا، غبي ومتخلف كمان، ده باصابته دي محتاج يتحبس على السرير أربع شهور.
كبت علي ضحكة كادت أن تنفلت منه، ماذا لو علم بما حدث له مؤخرًا، هبط عُمران ولحق به علي، اتجهوا معًا تجاه آدهم، ناداه علي ومال يهمس له:
_مكنش لازم تجهد نفسك يا آدهم!
رسم ابتسامة متزنة، وصاح:
_أنا كويس يا دكتور علي.
وأضاف وهو يحاول التلصص لسماع الاصوات من حوله:
_أمال فين عُمران؟
اتاه صوته يردد بسخط:
_كل ما أوحشك لف وراك هتلاقيني، بس مش ده الحوار، حوارنا رايح في سكة تانية بعيدة عن الاشواق والاحضان، حضرتك لابس ومتشيك ونازل تعمل أيه وإنت بالوضع المنيل ده؟!
استدار آدهم تجاه عُمران وقال مبتسمًا:
_متقلقش عليا أنا فعلًا كويس.
حك ذقنه النابتة وهدر:
_إنت أدرى بنفسك.
وصاح بمرحٍ:
_بس لو تعبت مننا شوفلك حد غيري يشيل الليلة، أنا ورايا يوم صعب بكره ومحتاج نوم وراحه، الصبح افتتاح قصر الغرباوي بشريط من رقة إيد فريدة هانم الغرباوي، وبعد الدهر مؤتمر صحفي باسيوط عايز راحة عميقة عشان سواقة الطريق، فلو ناوي على أي نية ريح جنب أخوك جوه وتبقى ريحت واستريحت!
ضحك آدهم ورد عليه بضجر:
_أيه كل ده! لا متقلقش أنا معنديش نية لأي شيء أكتر من إني أبارك وأرجع.
لف لائحته على ذراعه وقال بمشاكسة:
_حيث كده بقى إركب لما أوصلك.
وخطى عُمران جواره حتى صعد به للاعلى، بينما يتابعهما علي بابتسامة هادئة، لطالما كان ينجح عُمران ببساطته وتعامله المرن باستجابة من حوله، والآن نجح باصطحاب آدهم للاعلى بمساعدة منه دون أن يجرفه للتفكير بعجزه، أخيه شخصًا رائعًا مثلما يراه، ولكنه مازال يحمل تعقيبًا كبيرًا عنه، أنه ينبغي ألا يغضب قط، والا حينها سيخرج منه أبشع ما فيه!
******
كان الشباب يجتمعون بأكملهم بغرفة ضيافة الشيخ مهران، وعلى يمين باب الغرفة يستقبل آيوب أصدقائه، ويُونس يستقبلهم بترحاب، فهو يعلم بأن آيوب لن يتمم مناسبته دون رفقائه الذين باتوا من ضمن قائمة يُونس الأساسية جوار صديقه الوحيد إيثان.
اتسعت عيني آيوب في دهشة وعدم استيعاب، حينما لمح أخيه يطل من أمامه، مرافقًا عُمران، أسرع إليه يمسك يده وهو يهتف بعدم تصديق:
_آدهم!! معقول!!
حافظ على إبتسامته ومد كفه الآخر يربت على يده المتعلقة به، قائلًا:
_كنت متخيل إني هتخلى عنك في يوم مهم زي ده؟
وأضاف بحزمٍ:
_لا يا بشمهندس، زي ما شهدت على عقد جوازك في المرة الأولى هشهد عليه للمرة التانية.
تقفزت سعادته من عينيه، فضمه بفرحةٍ ألتمسها آدهم من نبرته:
_والله كنت بدعي إنك تكون موجود جنبي في يوم زي ده، بس إتنازلت عن إلحاحي بالدعاء لإني عارف إنك تعبان ومش هتقدر.
احتواه بحبٍ أخوي، وهو يجيبه:
_ولو بموت مش هسيبك تحتاجلي وأنا لسه على وش الدنيا.
وتابع وهو يربت على ظهره بقوة:
_مبروك يا عريس.
مال عليهما عُمران يخبرهما بسخرية:
_سيفو عينه بتطلع نار حارقة، إبعد وإتكن عشان متبقاش خرجتك يابن الشيخ مهران.
وسحب آدهم وهو يتجه للداخل،هادرًا بمرح:
_تعالى نلحق مكان قبل ما يتزحم يابو نسب.
وغادر من أمامه فراقبهما آيوب بنزقٍ، لحق نبرته المغتاظة:
_طيب سلم عليا طيب!!
استدار له عُمران يمنحه نظرة شملته من رأسه لأخمص قدميه، ثم قال ببرودٍ أضحك الشباب من حوله:
_إنت شاغل نفسك بسلامي ليه، فكر في الحضن الحلال اللي مستنيك بعد كتب الكتاب، ولو سلامي فارقلك أوي كده لما يهفني الشوق هسمحلك تسلم وتحضن غير كده محظور عليك عشان هعلم عليك.
صاح إيثان باعجاب:
_معلم يا خواجة، إديله في الصميم كده.
أشار له عُمران ساخرًا:
_إركن جنب العريس يا كابتن، مش ناقصة شماتة هي والعة لوحدها الله يكرمك.
تعالت الضحكات الرجولية بينهم، فقال يوسف:
_مالك يا عم الوقح داخل سخن على العريس كدليه، ده حتى ماسك في سيف من ساعتها عشان بيحاول يقنعه يطلع يصيف معانا بكره، عايز يجي معاك المؤتمر الصحفي.
تطلع إليه، فوجده ينظر له بغيظٍ، كالطفل الذي يراقب انفعالات والده، منع عُمران ابتسامته من الانبلاج وقال بجدية أسقطت الجميع ضحكًا:
_فوق رأسي كلامك يا دكتور بس أنا للأسف مبخدش عيال صغيرة معايا على طريق سفر!
احتقنت معالم آيوب وصاح بغضب:
_إنت داخل شمال فيا ليه يا عُمران، لو زعلان من حاجة إتكلم متقعدش تلقح عليا بالكلام، ما تشوف نسيبك يا آدهم!!
خرجت صوت ضحكات آدهم الرجولية بعد صمت، وقال:
_ده محدش يقدر يشوفه يا حبيبي، ده يشوفني ويشوفك ويشوفنا كلنا، فبلاش تصدرني ليه لإني مش الشخص المناسب اللي ممكن يهديه عنك، شوف علي هو اللي هيسلك معاه.
زوى عُمران حاجبيه بسخطٍ:
_يسلك معاه! ليه شايف سلوكي ملمسة يا حضرة الظابط، لا وأنا اللي بركبك معايا من ساعتها، طيب شوفلك موصلة غيري بقى طالما هتبتدي تأخد صف أخوك من دلوقتي.
ارتفع صوت ضحكات آدهم، وهو يجيبه:
_لا أنا مرتاح معاك، طريقك ملغم وأنا مبحبش الطرق السهلة، أخدت على الصعب وإنت النوع الشامل لكله..
رد عليه وقد تملكه الضحك رغمًا عنه:
_طريقي كله مطبات خطرة وإنت متدشمل والواجب فارض دراعاته عليك.
تحرك جمال إليه، جلس جواره يناديه بملامح جادة:
_عُمران تعالى بره عايزك.
تلاشت عنه ضحكاته، وهو يراقب ملامح وجهه، فمال يهمس له:
_مالك فيك أيه؟
رد بنفس مستوى صوته:
_آطلع معايا بره وحالًا.
نهض على الفور يتبعه للشرفة، بينما يتبادل الشباب الحديث المرح حتى وصول المأذون الشرعي والشيخ مهران.
****
بالغرفة الخاصة بآيوب.
كانت تجلس خديجة وهي ترتدي فستانها الأبيض وخمارها الأبيض الواسع، ومن فوقه نقابها الأبيض، يحفه عقد من الأزهار يتوج رأسها، بينما مازالت سدن تقف أمام المرآة، تعقد حجابها الزهري جيدًا على فستانها الشبيه باللون، الذي ينحدر على جسدها باتساعٍ ساحر.
أشغلت خديجة ذاتها بمساعدة فارس بارتداء بذلته الصغيرة، بينما يرتجف معصميها بعنفٍ، وكلما عاد عقلها يصيغ زوجها منه تُعود كل الهواجس لها من جديدٍ، كأنها حديثة الولادة، وتزورها بالمرة الأولى.
انتهت من تنظيم ملابس فارس، فقال الصغير بفرحة:
_أنا هخرج أوري بابا وعمو آيوب البدلة.
اكتفت بإيماءة صغيرة منها، ثم عادت لشرودها من جديد، حتى أعادتها سدن متسائلة بقلق:
_مالك خديجا؟ إنت مالك خايف ليه كده؟
تصنعت ابتسامة واسعة ونهضت تقترب منها:
_لا مش خايفة، أنا متوترة عادي يعني.
هزت رأسها بتفهمٍ، وقالت على استحياء:
_وأنا كمان متوتر ومكسوف أوي، إنت عارف خديجا أنا كنت أتمنى أرجع أتجوز آيوب مرة تانية بس وأنا بحبه، وسبحان الله اتحقق أمنيتي من غير تعب مني، وأنا أهو هتجوزيه.
ابتسمت على حديثها، وتمنت لها بصدق:
_ربنا يسعد قلبك يا سدن، ويخليكم لبعض دايمًا يارب.
رددت بصوتها الرقيق المُتمنى:
_يا رب.
*******
_يعني أيه يا جمال؟
قالها عُمران مستفهمًا منه، فصاح باصرارٍ:
_يعني زي ما سمعت كده بالظبط رجلي على رجلك ، مش هسيبك تروح المؤتمر ده لوحدك.
وضع يديه بجيوب بنطاله وقال بهدوء:
_طيب ازاي ولازم واحد فينا يكون موجود بكره بالشركة!
أشار بلا مبالاة:
_أنا هكون معاك يا عُمران ده اللي أعرفه واللي هتعمله.
ابتسم وهو يطالعه بنظرة مشككة:
_من امته بتكلمني بالنبرة دي يا عبجليم!
أعدل من ياقة قميصه بغرور:
_لو أنت طاووس،فأنا صاحبك وأكيد شربت منك الصنعه يا آآ.. معلم على رأي إيثو.
انفجر عُمران ضاحكًا، وأحاط كتفه وهو يشير له:
_المأذون وصل، تعالى وبعدين نبقي نشوف حكاية أمك أيه.
ولجوا معًا للداخل، واجتمع الجميع حول الطاولة الخشبية المستديرة، يشاهدون عقد قرآن يُونس وخديجة، حيث كان علي ويوسف الشاهدان على هذة الزيجة، بينما خرج الشيخ مهران بالدفتر لخديجة توثق العقد بتوقعها..
حان الوقت وجلس آيوب محل يُونس، حيث كان وكيلها الشيخ مهران، وجلس آدهم وسيف ليكونوا شهداء على العقد، فبعد أن وقعت العروس، سلم المأذون العقد لسيف فوضع توقيعه، ومد العقد لآدهم مشيرًا له بمكان التوقيع غير مدرك كونه كفيف لا يرى.
سحب آدهم القلم وتلك اللحظة كانت ثقيلة عليه للغاية، يحاول أن يتغلب عليها بقدر ما استطاع، ولكنه عاجز عن إيجاد المكان المناسب لوضع توقيعه، فاذا بالمأذون يمازحه برفقٍ دون أن يعلم ما به:
_ما تشيل نضارتك السودة دي عشان تشوف كويس يابني، متقلقش إحنا بليل ومفيش شمس تأذي عينك.
توترت ملامح الجميع جراء تلك الكلمة، فما كان من إيثان الا أنه مال على المأذون يهمس له، فحلت الشفقة والدهشة ملامحه، وبتلقائية سحب يد آدهم للمكان الصائب قائلًا بحرجٍ:
_متأخذنيش يابني، وقع هنا.
حرك آدهم يده ليضع توقيعه، وشعوره بالاختناق يتضاعف تدريجيًا، حتى أنه سحب رابطة عنقه يحلها بعنفٍ.
خيم الحزن على الوجوه، وتخلت عنهم الأجواء المرحة تأثرًا به، فازداد حزنه على ما تسبب بفعله بيومٍ هامٍ مثل ذلك.
راقبه الشيخ مهران بشفقة وهمس:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم.
ترقب آدهم لحظة إعلان المأذون اتمام الزيجة، ونهض يتجه للمغادرة على الفور، لحق به آيوب والشباب ولكنه أصر على الرحيل بمفرده، مؤكدًا على وجود سائق برفقته، وحينما أراد عمران أن يهبط خلفه منعه علي هاتفًا بصوت منخفض:
_بلاش يا عُمران سيبه لوحده!
******
خرج آدهم من عمارة الشيخ مهران يبحث عن السائق الذي أتى إليه بالسيارة مهرولًا، وما أن خرج من الباب وإتجه إليه حتى تفاجئ به يحرر الباب الخلفي بغضب، جعل رأسه يرتد بسقف السيارة، فاحنى السائق رأس آدهم وهو يهتف بذعر:
_حاسب يا باشا راسك!
تحرر صوته الملتقم عبر، آلامه:
_أنا كويس، اطلع من هنا بسرعة من فضلك!
ارتاب السائق من أمره ولكنه اضطر أن يطيعه، وصعد للسيارة يغادر به للمنزل، ويختطف النظرات إليه من الحين للآخر، وجهه كان يتفاقمه حرارة مخيفة، يبدو وكأنه غاضب بشكل لا يحتمل.
بينما تعاد لإدهم كل صغيرة تعرض لها، بداية من حادث شمس، نهاية بما حدث الآن، فازداد ظلام عالمه حتى باتت عتمته كالقبو البارد!
*****
بعد مغادرة آدهم بهذة السرعة، جلس الشباب على، الأرائك بحزن شديد، فانقلبت فرحتهم لتعاسة، وخاصة إيثان الذي صعد يصرف الدفوف ويلغي التجهيزات التي صنعها أعلى السطوح للاحتفال بيونس وآيوب الذي تبدل وجهه تأثرًا بحزن أخيه، يراه الإن يجلس مهمومًا وعينيه تدمعان بشدة، بينما يحاول أبيه مواساته، ورده عن اللحاق بأخيه بوقتٍ كذلك.
بات الأمر أكثر حساسية لذا انسحب الشباب تباعًا واحدًا تلو الآخر، ولم يتبقى سوى علي وعُمران برفقة يونس وآيوب الذي حاول استكشاف حالة أخيه من علي، بعدما علم بأنه يكن شيء يخص حالة آدهم النفسية.
******
صعد "آدهم" لغرفته وهو ينزع جاكيته، يلقي رابطة عنقه أرضًا، يحرر ذاته من أي شيء يعيق أنفاسه الثقيلة، يشعر في تلك اللحظة وكأنه ينازع أسفل مياه عتية، ترفض أن تتركه يلتقط نفسًا ينعشه بالحياة، يود أن يهرب من كل شيء، يود أن يختبئ داخل غرفته.
وما أن لمست يده بابها حتى ولج يغلقه بالقوةٍ، مستندًا بجبينه على جسد الباب، وهو يتنفس بانفعالٍ وحدة جعلته يختنق، يود لو تتحرر عنه دموعه في تلك اللحظة لتهون عنه قليلًا، ولكنها لم تستجيب له، كأنها تآمرت ضده مثلما فعل كل شيء!
_آدهم!
تسلل له صوتها الآتي من خلفه، ومن فراشه بالتحديد، توسعت مُقلتيه بحدة مرعبة، لا يصدق عقله أنها خلفه تشاهده وهو في أقصى درجات ضعفه، نصب عوده واستعاد ثباته المطعون بقسوة لم يعهدها، بينما ترنو إليه شمس وهي تراقبه بقلقٍ من حالته الغريبة، وأسرعت بسؤالها المتلهف:
_إنت كويس؟
استدار يقابلها بهدوءٍ كان مخيفًا:
_بتعملي أيه هنا؟ المفروض تكوني في جناحك.
قالها وحرر باب الغرفة، دعوة صريحة لرغبته بخروجها من هنا!
ما يفعله منذ الصباح أمرًا يصعب عليها تصديقه، بل يؤلمها حد الموت، أسرعت شمس تغلق الباب بكلتا يديها، واستدارت تواجهه بغضب:
_لا مش هخرج يا آدهم، لان مكاني الطبيعي جنبك ومعاك، وزي ما قدرت تتحمل وتخرج وإنت بالحالة دي عشان آيوب، أنا كمان ليا حق عليك ومن حقي أحس بوجودك معايا، اللي مبقتش أحس بيه حتى وإنت جنبي، أنا مش فاهمه إنت مالك بالظبط!.
إتجه للفراش يجلس عليه ويميل على ساقيه مستندًا بيديه:
_اطلعي دلوقتي يا شمس، نتكلم بعدين.
رق قلبها له، فاتجهت تنحني قبالته ودموعها لا تتوقف عن الانهمار، بينما تسأله بحزن:
_طيب على الأقل قولي فيك أيه؟
أبعد يديها عن ركبته وقال:
_قولتلك أنا كويس، كل اللي عايزه منك إنك تخرجي وتسبيني.. بعدين هنتكلم وهقولك عن قراري.
كانت ستغادر لتتركه بمفرده مثلما أراد، ولكن جملته استوقفتها، نهضت شمس عن جلستها الغير مريحة، وجلست جواره على الفراش تسأله بخفوت:
_قرار أيه؟
شعر بجلوسها جواره، فكز على أسنانه غيظًا من مخالفاتها لحديثه، بل تابع باصرار:
_روحي نامي دلوقتي يا شمس، أنا مش عايز أشوف حد.
كان من الصعب عليها كليًا أن تقدم على خطوة مثل تلك التي تفكر فيها، حاربت حيائها الشديد منه وطوفت ذقنه بيديها معًا، عساه يتمكن من سماع ما ستقول، وجدت أن الحرب التي أخبرها علي عنها قد بدأت وانتهى الأمر، وتلك أخر فرصها للنجاة بقلب معشوقها!.
تطلعت له بحبٍ ليته يراه بوضوحٍ، وقالت وهي تستند بجبينها على جبينه:
_أنا مش أي حد، أنا روحك وقلبك يا آدهم!
أغلق عينيه يستسلم لتلك الموجة العابرة من مشاعره التي دُفنت داخله كليًا، بينما تتابع شمس ودموعها لا تتوقف عن الانسدال:
_متحاولش تبعدني عنك لإنك مهما تحاول مش هبعد ولا هسيبك، أنا بحبك.
تركت كل شيء جانبًا وتركت عاطفة حبها تعبر له عن مكنوناتها، تحاول فعل أي شيء حتى توقظ مشاعره لها من جديد، فرصتها الاخيرة فيه لن تتنازل عنها مهما حدث، غمرتها السعادة حينما وجدته يبادلها عاطفتها بعشقه الذي ظنته اختفى داخل عتمة عينيه المفقودة، ولكنه فجاة انسحب وهمس لها بتعبٍ:
_إخرجي يا شمس..أرجوكِ.
مالت على كتفه، تخبره باصرار:
_لا يا آدهم، مش هسيبك.
قربها منه بتلك الطريقة جعلته يخوض نوعًا آخر من العجز، العجز عن إبعادها، عن الاعتراض، عن إيقاف قرع دفوف قلبه لها، وجودها يخالف خطته النهائية ببعدها عنه، تصعب عليه كل ما رسمه وسعى إليه.
مال على مقدمة الفراش، ومازالت تستند على كتفه، فلفحت رائحة شعرهل أنفه بشكلٍ جعله يسترخي، بل وتطرق الأمر بينهما من جديد، حتى شعر بأن حصونه تسقط واحدًا تلو الآخر، فأبعدها للخلف برفقٍ وهو يهتف:
_شمس، من فضلك.
أبعدت يده ومالت على كتفه ، تحتضنه وتحاول أن تزيح غشاوته عن عشقهما، تصاعدت أنفاسه بشكلٍ هجومي، وبعصبية جذبها عنه من خصلاتها الطويلة، ثم دفعها بقوةٍ صارخًا:
_شمــــــــــــس!
سقطت شمس عن الفراش من قوته الجسمانية التي تفوقها، استقرت أرضًا وهي تتآوه بألمٍ، لم يُقارن بانكسار روحها بتلك اللحظة، كسر فيها كل شيء جميل خلق لأجله، وبات رمادًا، بل ومن شدة صدمتها بما فعله كانت تطالعه بنظرة مشككة بفعلته، تمر اللحظة بثقلٍ جاسمًا فوق قلبه الضعيف، ومازالت تتطلع له من محلها، بينما يعتدل هو وهو يستدرج فضاحة ما فعله بتلك اللحظة.
زحف لطرف الفراش حتى اقترب منها، يردد بندمٍ وحزن:
_شمس أنا آسف مقصدتش صدقيني آآ..
ابتلع كلماته حينما انتشلت ذراعها منه، كأنما لمسها عقرب، بل وصرخت بجنونٍ به:
_متلمسنيـــــــش.
زحفت للخلف تضم جسدها وتلتفت من حولها كالضائعة، تحاول التفكير بما يتعين عليها فعله، بينما تعود لتتطلع له بريبة، لا تعلم من ذاك القابع أمامها، انهار جليدها وانسكبت دموعها، محررة شهقات إنكسار أنثى جرحت كرامتها في لحظة، وكأن ما فعلته وما أبدت بفعله كان محاولة منها للتقليل من شأنها.
تلك التي تربت في منزل، يزيد كل فردًا فيه من شأنها، حتى بات رقبتها مرفوعًا بوالدة قوية مثل فريدة هانم الغرباوي، وشقيقًا عظيمًا مثل علي ، وأخرهما عُمران من علمها أن تصون كرامتها بدمائها، وها قد فعلها زوجها وأهانها بشكلٍ يُصعب عليها نسيانها ما تبقى من حياتها!
ازدادت شهقاتها تباعًا، حتى ذبحت قلب آدهم الذي يحاول الوصول إليها، مرددًا:
_حقك عليا أنا بس محتاج أكون لوحدي.
تلاشى صوت بكائها، مما زاد قلق آدهم، فناداها:
_شمس!
نهضت من محلها وانحنت تحمل مئزرها، ترتديه وتغادر بصمت لجناحها، ارتكن آدهم على الحائط بوجعٍ بعد سماعه صوت باب الجناح يُغلق، يزداد الأمر تعقدًا، وقد وجده المناسب لاتخاذ القرار الذي ظنه مناسبًا.
سحب هاتفه وحرر زر الاتصال، فما أن استمع لصوته حتى قال بجمودٍ:
_عايزك تجيني دلوقتي، ويا ريت تكون لوحدك.
قالها وأغلق الهاتف ثم ألقاه جواره ومال يستند على الحائط يحرر دموعه في صمتٍ تام!
****
ارتاب عُمران من مكالمة آدهم الغامضة، فمال لأخيه وقال:
_علي هات مفاتيح العربية، وأنا هكلم حد من حرس عمك يجبلك عربيتي.
قرأ توتره الواضح، وسأله بشك:
_آدهم اللي كان بيكلمك!
تعجب من سؤاله، ومع ذلك قال:
_آيوه، معرفش عايزني ليه، هات مفاتيح عربيتك.
ناوله علي المفاتيح والقلق يستحوذ عليه كليًا، غادر عمران وجلس علي برفقة يونس الذي أصر أن يتحدث معه بأمرٍ خاص، فاستشف أن الأمر يخص فترة علاجه النفسي الذي خاضها برفقته، لذا قرر الجلوس برفقته قليلًا والانسحاب في أقرب فرصة لمنزل آدهم!
*****
وصل عُمران إلى منزل آدهم في زمن قصير، بفعل قيادته المجنونة مثلما يصفها علي، فتح له الخادم وأرشده للأعلى مثلما أخبره سيده.
كان يتجه لجناحهما الخاص، ولكنه تفاجئ حينما أخبره الخادم باحترام:
_الباشا في أوضته القديمة مش في الجناح يا بشمهندس.
تقوس حاجبيه بدهشةٍ، وجل ما يهاتفه بتلك اللحظة أن آدهم ينفصل عن شقيقته بغرفة منعزلة!!!!
إتبعه حتى وصل لباب الغرفة، فانسحب الخادم وتركه يحاول فك تلك الالغاز التي ظهرت له من العدم، ترك عُمران كل شيئًا جانبًا، وطرق باب الغرفة، وما أن استمع لصوت آدهم ولج للداخل، فوجده يجلس على طرف الفراش بملامح حادة غريبة.
سحب نفسًا طويلًا وقال:
_غريبة إنك تبعتلي وأنا كنت لسه معاك!
وأضاف ونظراته لا تحيل عنه:
_والأغرب إني ألقيك في مكان غير جناحك!
إلتحف بصمته قليلًا، ثم هتف:
_أنا عارف إنك جريء فمش مستغرب من سؤالك ده، عشان كده هجاوبك.. أنا حر أقعد بالمكان اللي يريحني وليا الحق في اختيار الاشخاص اللي أحب أكون معاهم، زي ما فضلت أن آيوب اللي يكون معايا هنا مش شمس.
احتقنت معالم عُمران بغضب، فكور قبضته وهو يحاول السيطرة على انفعالاته، ملقيًا كل اللوم لتصرفات آدهم على ما فعله المأذون اليوم، لذا حاول الهدوء وقال:
_وإحنا كلنا يهمنا راحتك يا آدهم، المهم إنك تكون كويس.
وأضاف سؤاله التالي:
_قولي بعتلي ليه في وقت زي ده، في حاجة ولا أيه؟
ابتسم وهو يخبره:
_مستعجل تعرف! متقلقش الخبر هيفرحك.
تهدلت شفتيه بابتسامة جذابة، وقال يشاكسه:
_متقولش، معقول هتفرحني إني هبقى خال!! أنا منتظر أسمع الخبر من علي بس تقريبًا هو مأخر الموضوع، فلو هتيجي منكم هيبقى كده في عوض وعوض شمس هانم مش أي عوض بردو.
حافظ آدهم على ثباته، وقال ببسمة ساخرة:
_مش معقول إنك منتظر ابن مني أنا وشمس وبالسرعة دي! اللي يسمعك ميصدقش إنك كنت ممكن تعمل أي حاجة عشان الجوازة متمش.
اندهش عُمران من حديثه، وقد خاض سياق مريب بينهما، فطالعه بثبات وبرزانة هدر:
_ما تسيبك من اللف والدوران وتعالى دغري يا حضرة الظابط، وقولي إنت عايز أيه؟
ضم شفتيه مشيرًا له باعجاب:
_بيعجبني فيك إنك بتفهمها وهي طايرة.
تبسم ساخرًا منه:
_ليه حد قالك إن ظباط المخابرات هما اللي ربنا اختصهم بالذكاء بس ولا أيه! أنا بقول أقصر عليك الطريق، وتجيبلي الناهية.
هز آدهم رأسه، وقال يجيبه:
_زي ما سمعت من بداية كلامي، أنا محتاج جنبي الاشخاص اللي أختارهم وللاسف شمس مش منهم.
ربع يديه أمام صدره، وتمتم:
_أممم..مش منهم ازاي بقى وهي المفروض تكون على رأس أي قائمة حضرتك هتعملها.
رد عليه بفظاظة يعهدها عمران لاول مرة:
_بالعافية يعني؟
خرج عن هدوئه باجتيازٍ، فصاح بعنفوانٍ:
_لا واضح أوي إنك مش في واعيك، لما تتكلم عن أختي تتكلم باحترام وتوزن كلامك، والا واللي خلقني وخلقك ما هعمل أي اعتبار لأي صلة بينا، وهنسى أي حالة أنت بتمر فيها بالتوقيت ده، مش هشوف قدامي غير إهانتك ليها بطريقة كلامك، وتانيها وجودك هنا بعيد عنها بينلي المعاملة اللي بتعاملها بيها بدون علمي.
واستطرد وقد جن جنونه لمجرد تخيله ان شقيقته تعاني هنا دون علمه:
_أقسملك بالله يا آدهم لو طلعت شكوكي صح وآذاك طال أختي لأنهش لحمك حي، حالًا ناديها وخليها تيجي هنا.
_إنت بتهددني يا عُمران!!
قالها "آدهم" بغضب شديد، حتى كاد أن يكسر كوب العصير بين يده، بينما مازال الآخر يرمقه بنظراتٍ كالسهام، التي تستهدفه واحدًا تلو الآخر، تاركًا صوت أنفاسه العالية تعلن عن امتناعه الشديد بالاطاحة بعنق غريمه، والآن يختار طريقه بالمواجهة حينما مال إليه يخبره بهدوءٍ مخيف:
_أنا مبهددش يا حضرة الظابط، أنا بنفذ وقتي، أنا عارف إنت عايز توصل لأيه بالظبط، بس لو فاكر إنك كده هتطلع هيرو وبتضحي، معتقدش إني أهبل وبريالة عشان أصدقك.
ألقى "آدهم" الكوب من يده، وواجهه بعنف:
_وأنا عشان كده كلمتك، لإني عارف إنك مش أهبل ولا بريالة زي ما بتقول، فدلوقتي وبمنتهى الهدوء حابب أعرف طلباتكم أيه عشان نخلص من الحوار ده.
كور يده حتى أبيضت من فرط قوته، يحاول آدهم سحبه لبقعة لا يود أن ينجرف إليها، عن أي ماديات وطلبات يتحدث؟ ، بتلك اللحظة التي سيستعرض فيها أصول عائلته الثرية سيفقد فيها احترامه لنفسه، ليس هو ذاك الشخص المغرور الذي يتباهى بكونه من عائلة الغرباوي المعروفة.
سيطر عُمران على انفعالاته قدر المستطاع وقال بعقلانية فجأت آدهم الذي توقع منه أن يجيبه بفظاظة:
_مكنتش أعرف إنك ضعيف أوي كده يا آدهم، ممكن تكون فاكر إن محدش هيحس بيك ولا بمعاناتك، وفاكر أنك صح بقرارك الغبي ده، أنا زمان إتحطيت في الاختبار اللي إنت بتمر بيه ده، وقت ما السم قصر عليا وعملي شلل نصفي، وقتها مكنتش عارف هرجع طبيعي ولا لأ، ولا قدرت أرسم شكل لحياتي مع زوجتي بعد اللي أتعرضت ليه، بس اللي أنا فخور بيه في اللحظة اللي بكلمك فيها دي إني مكنتش جبان زيك وسبت إيدها في نص الطريق، أتمسكت بيا قيراط وأنا أتمسكت بيها ٢٤ ، حاربت عشان هي تستاهل إني أرجع أقف على رجلي من تاني، لكن إنت عملت أيه؟
إلتهمته غيمة من الحزن، جعلته يخفض رأسه أرضًا بينما يستكمل عمران حديثه بغضبٍ:
_إخترت تتقبل ضعفك وتتخلى عنها، لا وظابط مخابرات معرفش إزاي!!
وأضاف وقد عقد عزمه لينهي تلك المهزلة:
_أنا هعملك اللي إنت عايزه بس أقسم بالله يوم ما تيجي ندمان على اللي عملته ده وتطالب بيها هتلاقيني أول واحد واقف في وشك.
واستطرد وهو يستقيم بوقفته بثقةٍ:
_إنت ممكن تلف علي بكلمتين أو هو ممكن يقبل إنك تلفه بمزاجه، لكن أنا لأ، مش هتقدر تلفني ولا هسمحلك حتى تحاول ، هقف في زورك، عشان كده أنا مكروه لأي شخص عقله مش سوي.
وأنهى الحوار هادرًا:
_أنا خمدت الطوفان اللي كان جوايا لما شوفت أختي راجعالي يوم صباحيتها بالمنظر ده، واللي حشني عنك حبها ليك وخوفها عليك.
أنا اللي لا يمكن أسامح بسهولة في حق أهلي سامحتك وغفرتلك!!!، لكن المرادي غلطتك ملهاش عندي سماح ولا غفران، خليك هنا في أوضة مقفولة، بطل تشوف حد عشان متحسش بشفقته عليك، بطل تقبل مساعدة حد عشان متحسش بعجزك، آكسر أي شخص يقرب منك عشان تحس آنك بخير وكويس، ووقت ما هتحتاج لحد مش هتلاقي مخلوق جنبك.
وتابع وهو يمضي بخروجه:
_هيكون معاك وقت تقلب فيه حساباتك، فخليك فاكر أن اللي إنت كنت بتحاول تهينها دي تبقى أخت عُمران سالم الغرباوي!
أغلق الباب من خلفه وهو يصيح بجنون:
_شمـــــــــــــــس!
******
كانت تتمدد على الفراش باهمالٍ، تكبت صوت بكائها بالوسادة قدر ما تمكنت، تتمنى الصراخ بملء ما فيها لتحرر وجعها العميق، ولكنها لا تملك الجرأة لفعلها، تشعر بأنها هاشة للغاية، حتى أنها لن تستطيع تحرير صوتها، لقد نجح بكسرها وتمزيق قلبها، وكأنها بتلك اللحظة أشلاء لأنثى مازالت باقية على قيد الحياة!
تسلل لمسمعها صوت شقيقها، فاستقامت بجلستها تزيح دموعها وهي تردد بدهشةٍ من وجوده بمثل هذا الوقت:
_عُمران!!
نهضت ترتدي مئزرها وتغلقه جيدًا، ثم خرجت من جناحها تبحث عنه، فوجدته يقف قبالتها، وما أن وجدها هرول إليه يتفحص عينيها الباكية بوجومٍ كاد بحرق آدهم حيًا، لم يشفع له الا إصابته وفقدانه للبصر والا لن يوقفه عنه أحدًا اليوم.
ارتعبت شمس من حمرة رماديتاه، وخاصة حينما قال بهدوء مريب:
_غيري هدومك حالًا ويلا يينا من هنا.
سقط قلبها أرضًا وعينيها تنسحب لباب غرفة آدهم المغلق، تتوسل في صمت آلا يكون قد فعل بها هكذا، أيعقل أن يجرح كرامتها ويستكمل بمهاتفته لاخيها بدلًا من تطيب خاطرها وطلبه للعفو منها، ابتلعت الغصة المؤلمة بحلقها وقالت:
_أغير هدومي وأجي معاك على فين يا عُمران!
هدر بانفعال شرس:
_إنتي سمعتي اللي قولته، روحي غيري هدومك وبسرعة، أنا مش طايق اقف في البيت ده أكتر من كده، ولو طولت فيه هخرج منه يا قاتل يا مقتول، سامعاني كويـــس!
ارتعبت شمس من حديثه وقد تأكدت كافة شكوكها، فحركت رأسها بضعف وعادت لجناحها باكية، تبدل ملابسها لفستان طويل وتهاتف علي وهي تراقب الباب الموصود خشية من أن يدلف عُمران للداخل، فما أن أجابها حتى رددت ببكاء:
_الحقني يا علي، عُمران هنا ومتعصب جداا، مش عارفة آدهم اللي كلمه ولا أيه اللي حصل؟ علي أنا مش عارفة أعمل أيه آدهم وجعني أوي ومش متقبل وجودي جنبه بس أنا مش عايزة أبعد عنه وهو في الحالة دي، أرجوك ساعدني أنا مش عارفة أخد أي قرار يا علي.
اتاها صوته من بين دفوف السيارات:
_متخافيش يا حبيبتي، أنا دقيقتين بالظبط وهكون عندك بإذن الله.
طرق عُمران على باب الجناح الخارجي، فأغلقت هاتفها سريعًا واتجهت تفتح بابها، وقالت لمحاولة كسب الوقت لوصول علي:
_ثواني يا عُمران بلم حاجتي.
سحب يدها وهو يخبرها:
_متجبيش حاجة، يلا.
رددت باصرار:
_دي حاجتي أنا يا عُمران.
أجابها وهو يسحبها برفق:
_هجيبلك غيرها وأحسن منها بألف مرة، يلا يا شمس.
سحبها حتى الدرج وهي تحاول أن توقفه، او تسترعى انتباهه لما ستقول، فأخبرته بصوت مرتفع:
_أنا مش عايزة أمشي... سيبني.
تغاضى عما استمع له، فصرخت فيه بصوتٍ بُحت نبرته:
_سيب إيدي يا عمران، قولتلك مش همشي!
قالتها، وهي تحاول دفعه عنها، بينما الأخير يجبرها على اتباعه للأسفل، توقفا كلاهما بمنتصف الدرج، بعد أن نجحت "شمس" بانتشال ذراعها من أخيها، استدارت للخلف تتطلع تجاه باب غرفته، ودموعها تنهمر دون توقف، تتمنى أن يخرج، تتمنى أن يواجه أخيه، تتمنى أن يتمسك بها للمرة الاخيرة!.
شعر بنغزة أعتلته فور أن رأى محل نظراتها، المصوب تجاه غرفة آدهم الموصودة، بكائها قسم قلبه شطرين وجعله عاجزًا.
صعد عُمران يقابلها بمحل وقوفها، يزيح دموعها بحنان، ويؤكد لها دعمه الكامل لها:
_ميستاهلش دمعة واحدة منك، هو اللي اتخلى عنك يا شمس مش إنتِ!!!
هزت رأسها تنفي عنه تهمته، وقالت:
_مش هسيبه.
زوى حاجبيه ساخرًا:
_هو اللي سابك يا شمس، وعايزة تتمسكي بيه!
صعدت درجة للأعلى، وهي تردف باصرارٍ:
_مش هسيبه يا عُمران، حتى لو هو عايزني أمشي مش همشي.
أمسك معصمها بعصبية بالغة، هادرًا بانفعالٍ:
_أنا مقدر حالته كويس، بس هو اللي نسى آنتِ مين وأخوكِ مين، كلنا بنمر بحروب، كلنا عندنا ابتلاءات، بس لو عملنا زي اللي بيعمله مفيش علاقة هتستمر وهتكمل.
وتابع مشددًا على أوامره:
_ودلوقتي انزلي معايا على العربية وبهدوء بدل ما أخدك غصب عنك.
عادت تحرك رأسها بجنونٍ، وباصرارٍ تهتف:
_مش هاجي معاك، أنا مش هخرج من بيتي يا عُمــــــران.
احتقنت رماديته غضبًا، ودفعها برفقٍ عساها تستيقظ:
_هو إنتِ مسمعتيش اللي قولته!! حضرة الظابط المحترم جايبني هنا عشان اجراءات الطلاق، لا وطلع عنده بعد نظر إختارني أنا عن علي لانه شايف إني هسعى لده.
وبصراخ متعصب صاح:
_وده اللي هيحصل فعلا، متخلقش اللي يهين كرامة أخت عُمران سالم الغرباوي وهو لسه على وش الدنيــــــــا!!
تعالت شهقاتها وبكائها، هي تعلم بأن عُمران لن يسامح في حق كرامتها، بل يكاد يحرق العالم بأكمله إن تطلب الأمر، تخشى إن أصرت ببقائها تزداد الامور سوءًا بينه وبين آدهم الذي أعلن تنازله عنها بمنتهى السهولة.
جلست على الدرج تبكي بانهيار، فانحنى لها عُمران يراقبها بآعين دامعة، يخوض مرحلة جديدة من العجز، ولا يجد ما يفعله ليخفف وجعها، احتواها بين أحضانه وقال بحزن:
_أنا مبستحملش أشوفك بتعيطي يا شمس، عشان خاطري كفايا، قوليلي طيب أيه المفروض اعمله مع شخص بيهين أختي الوحيدة قدامي، والله أعلم إنتي مخبية عني أيه تاني، عشان خاطري قومي معايا نمشي من هنا، أنا مش مستحمل أشوفك هنا ولو ثانية، عايز أخدك بعيد عن المكان ده وعنه هو شخصيًا.
رفع ذقنها إليه، وقال وهو يتعمق بعينيها:
_هتيجي معايا، وحالًا.
ونهض يسحبها مجددًا:
_يلا.
استدار ليجذبها للاسفل، فتفاجئ بعلي يقف قبالته، يوزع نظراته بينه وبين شمس التي تقف على بعد درجات من أخيه، سحب بصره ورفعه لعمران وبهدوءٍ قال:
_سيب إيدها يا عُمران.
ضم شفتيه السفلى بأسنانه، ورد:
_علي الموضوع بعيد عن المناقشة، طيبة قلبك إركنها على جنب خالص، وياريت نمشي من هنا ونتكلم في بيتنا.
تجاهل ما قال، وبهدوء قال:
_قولتلك سيب ايدها يا عُمران، مسمعتش اللي قولته!
سحب نفسًا ثقيلًا وتركها ثم هبط يقف قبالة أخيه، وقال:
_علي أنا اتنازلت عشان خاطرها كتير، بس صدقني المرادي مش هقدر اتنازل، لاني لو إتنازلت هكون بتنازل عن كرامتها، الباشا اتصل بيا وجابني وبيقولي شوف طلباتكم أيه عشان ينفصل عنها بهدوء منتظر أيه تاني!!!!
رد عليه علي بثبات:
_آدهم مش في حالته الطبيعية.
تجهمت معالمه بغضب:
_بطل تشوف كل الناس مرضى نفسيين، آدهم متعمد يهين أختك عشان يوصلها إنها تتقبل قرار الانفصال بارداتها!
وتابع وهو يجذب شمس تجاهه:
_بص كويس وشوف، عنيها وارمه من العياط وسيادته قاعد في أوضة منعزلة عنها، وبيقولي إنه بيختار الاشخاص اللي محتاجهم جنبه واللي هي مش منهم، محتاج تسمع أيه تاني يا دكتور!!!
واستكمل باصرار:
_أنا مش هخرج من هنا غير وهي معايا، لو إتولد اللي يهين حد من عيلتي أنا أقتله بايديا ومخلهوش عايش ثانية!
زفر علي بضيق:
_عمران أنا بأكدلك إن آدهم مش في حالته الطبيعية وبعدين القرار بالخروج من هنا لشمس، سبها تقرر ومتتدخلش! وبعدين إنت بنفسك شوفت اللي حصل في كتب كتاب آيوب.
ترك يدها وصاح بعنفوان:
_علـــــي أنا متدخلتش هو اللي دخلني!! ثم إنه من أول مشكلة قابلته ساب إيدها ووصلها للحالة اللي هي فيها دي، ده حتى مداش لنفسه فرصة لما يتعالج ويعمل العملية، استسلم من أول الطريق فقولي آآمن على أختي معاه ازاي ودي تاني فرصة أدهاله بعد عملته اللي بحاول اغفرهاله لحد النهاردة.
وتابع بعصبية بالغة:
_هو انت فاكر إني ممكن انسى دخلتها عليا تاني يوم جوازها بالمنظر اللي رجعت بيه ده!!! طيب بلاش البيه المحترم كان أناني في اللحظة اللي فكر يهرب من عجزه ويطلقها مفكرش في شكلها ولاشكلنا لما ينفصل عنها بعد عشر أيام من جوازهم، فازاي متخيل إني هسيبها تختار!! لا يا علي شمس ملهاش أي اختيار.
وسحب كفها وهو يرغمها على اتباعه:
_امشي معايا يا شمس.
أوقفه علي مجددًا بحزمٍ قاطع:
_عُمـــــــــران، إنت اتكلمت وقولت كل اللي عندك وأنا سمعتك، لينا كلام تاني مع بعض، ودلوقتي حالا هتنفذ كلامي وهتسيب شمس تختار اللي عايزاه، والا هعتبر إني معرفتش أربي ابني الوحيد ومش هعاملك غير كأخ له واجب وحق مش أكتر من كده.
جحظت رماديتاه في صدمة، فحرر يده عنها، بينما تنهار هي من شدة البكاء، لم تكن تريد أن تصل الامور بين أشقائها لتلك الدرجة.
دنى منها علي يحيط وجنتها بحنان، ماسحًا دموعها، ويسألها بهدوء:
_محدش هيجبرك على حاجة يا شمس، القرار هيكون ليكِ لوحدك، إنتِ الوحيدة اللي من حقك تقرري، لانك عارفة إذا كان آدهم متعمد يعمل ده ولا لا، عارف انه غلط بس بخروجك من هنا وبالفترة القليلة دي من جوازكم هتكون نهاية لا راجعة فيها لعلاقتكم، قرري وقوليلي، عايزة تعملي أيه؟
سحبت بصرها لعمران الذي يطالعها بصلابة، ومن ثم للدرج ولباب الغرفة بالاخص، ثم عادت لعين علي تخبره ببكاء:
_طيب ممكن تسبني لبكره، عايزة أفكر كويس بس مش عايزة أطلع من هنا يا علي، خليني هنا النهاردة أقرر اللي أنا عايزاه.
هدر فيها عُمران بانفعال:
_مش هتقعدي هنا ثانية واحدة، قرري حالًا ودلوقتي ولو كان قرارك تفضلي مع شخص هانك بالشكل ده يا شمس اعتبري نفسك خسرتيني أنا، سامعة.
صرخ علي بعصبية:
._عُمــــــــــران! متربطش علاقتك بيها بعلاقتها مع آدهم، أوعى تعمل كده أنت فاهـــــــــم!!
سحب بصره عنهما وهو يزفر بغضب، بينما مسد علي فوق حجابها وقال:
_خلاص يا شمس، هسيبك النهاردة وبكره عرفينا بقرارك وأيًا كان قرارك أوعدك إننا هنكون جنبك.
خطفت نظرة مشككة تجاه عُمران، فتنهد وهو يكبت غضبه وقال:
_عندك شك إني مش هكون معاكِ؟ حتى لو أنا شايف أنك انتي وأخوكِ غلط بس أنا معاكِ دايمًا يا شمس.
قالها وسحب حزنه العميق عليها وغادر، غادر دون ان يسمح لغضبه بالتدفق إليهما، وبخروجه بتلك الطريقة علمت شمس بأنه مستاء منها.
قيدها آدهم بقيود جعلتها هي التي تشعر بالعجز، بينما هون عليها علي كل تلك الصعاب وتركها تختار ما تريده.
غادرت سيارة عُمران أولًا ومن خلفه علي، بينما تبقت شمس تنظر لباب غرفة زوجها بأعين قد تورمت من البكاء، خطت كل درجة من الدرج ببطء، وكل درجة تحمل لها بداية روايتها الخاصة التي كانت هي بطلتها، تجسد لها كل مشهد حب جمعهما، كل مشهد حزن وألم وكان هو طبيبها، انتهى الأمر بها بداخل غرفته.
بحثت عنه بصمتٍ وسكون، وحرصًا منها على عدم اصدار أي حركة توحي له بوجودها، وجدته يجلس على المقعد الهزاز المقابل للشرفة، يظن بسماعه لاصوات السيارات بأنها قد غادرت.
اقتربت منه حتى باتت قبالته، فتمكنت من رؤية دموعه المنهمرة، وملامح الألم الخانقة، كادت أن تعنفه بكل قسوة بدأ بها، ولكنها خشيت أنه إن علم بأنها تراه وهو بمثل تلك الحالة يثور مجددًا، فتراجعت للخلف واختارت الحائط من خلفه، ثم جلست أرضًا تستند عليه وهي تضم ركبتها، تراقبه من مسافة قريبة وكف يدها يكبت شهقاتها خشية من أن يستمعها.
رغمًا عنها باتت شهقاتها مسموعة، فانتفض بمقعده يلتفت للخلف وهو يناديها بكل لهفة:
_شمس!!!!!!
تمنى سماع صوتها، تمنى ألا يكون يتخيلها، ولكنه متأكد أن عُمران لن يتركها أبدًا هنا بعدما فعله وقاله، تسلل له صوت شهقة مكبوتة مجددًا، فنصب عوده وهو يردد بألم:
_حبيبتي إنتِ هنا!
ضمت جسدها ودفنت رأسها بين ساقيها، لا تود سماع صوته أو حتى رؤيته، ولكن بذات الوقت لا تريد الابتعاد عنه حتى لجناحها!!
تلمس بيده الحائط وهو يتبع صوتها المكبوت، حتى وصل لها، لم يصدق أنها هنا، اتسعت ابتسامة على وجهه الباكي وهو يعود لندائها:
_شمس!!
جذبها إليه بكل قوته بينما تحاول أن تبعده وهي تهتف بصوتها المبحوح:
_مكالمتك لعمران معناها إنك حطيت نهاية لعلاقتنا، أنا فعلًا مكنش ينفع أستنى هنا أكتر من كده، عُمران معاه حق.
هز رأسه ودموعه لا تتوقف، بينما يردد باختناق:
_أنا غلطت وكملت في غلطي وأنا عارف أني هندم، وهتوجع، كنت مستعد أتحمل وجعي لإني كنت فاكره أهون من وجع إحساسي بالعجز قدامك، لقيته أبشع ألف مرة.
تراجعت عنه للخلف وهي ترفض دعوته لضمها، فمال تجاهها وهو يستطرد بألمٍ:
_أنا آسف يا شمس، سامحيني عشان خاطري.
ابتسمت بوجعٍ وأخبرته:
_أسامحك على أي إهانة يا حضرة الظابط؟؟ قولي على أي غلطة أسامحك عشان أعرف!
وتابعت، وهي تبكي بانهيار:
_أنا بسببك أول مرة أجرب يعني أيه كسرة وذل، عرفت يعني أيه ست بتتهان، وكل ده ليه؟!!!
وانهمرت تلكمه بيديها معًا على صدره وهي تصرخ ببكاء:
_إنت وعدتني انك هتعوضني عن كل اللي مريت بيه، هو ده عوضك ليا، إنت إزاي تعمل معايا كده، إزاي جالك قلب تكسرني بالشكل ده، قـــــــــولي أنا ازاي هونت عليــــــــك!!!
بالرغم من وجعه الشديد الا أنه لم يحاول منعها، هو يستحق أكثر من ذلك، بينما تستطرد هي بغصة ألمتها:
_معقول مش شايفني من الناس اللي بتعزهم، شايفني براهم يا آدهم!! أنا أول مرة احس بالندم، أنا من أول ما أقابلتك وأنا حبيتك واختارتك وأنا معرفش حتى حقيقتك، وكنت متقبلاك وإنت مجرد حارس بسيط، فازاي تفكر إن بعد قصة الحب اللي بينا دي كلها إني ممكن أبعد بسبب اصابتك البسيطة دي!!! قولي بالله عليك فكرت فيها ازاي!
وتابعت وهي تنهض بعيدًا عنه:
_أنا قولت لعلي إني هبلغه بقراري بكره، أنت كمان هتستنى قراري زيهم بالظبط.
وتركته وإتجهت لجناحهما لتسمح لذاتها بالانهيار، اسند آدهم رأسه على المقعد، ودموعه تنهمر على وجعها الذي كان السبب فيه، لا يعلم كيف فعل ذلك أو ماذا سيفعل، كل ما يعلمه أن علاقتهما تمر بأقسى اختبارًا وضعا فيه.
......... يتبع...........
#صرخــــــــــــــات_أنثى...
#االاقـــــــــــوى_قادم... 💣
***______*****
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 118 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الثالث_والتسعون.
(إهداء الفصل مميز وخاص جدًا لاخواتي وصديقاتي الغاليات، فريق إدارة جروب ملكات الابداع، شريكاتي وداعماتي بقوة، فرصة للحياة ـ يوسف سما محمود ـ جهاد محمود ـ احسان محسن ـ مارو ميرو ـ ميارا يوكي -
Aml Samuel - NouRa Samir - Menna Mhmd ـ Buthaina Gedoun ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، شكرًا على كل اللي بتبذلوه وبتقدموه عشاني، كل الكلام الجميل قليل في حقكم، ربنا يسعدكم ويفرح قلوبكن جميعًا،.بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
انشغلت الجميع بنقل الحقائب وبعض الاشياء لقصر الغرباوي، في حين أن العائلة ستنتقل بالغد، الجميع بغرفهم يعدون متعلقاتهم الشخصية.
حزمت "فريدة" أخر حقيبة لها، ثم أشارت للخادمة قائلة:
_شيلي الشنطة دي براحة، عشان فيها مجوهراتي والـ Accessories بتاعتي.
أومأت برأسها باحترامٍ، وحملت الحقيبة تهبط بها لسيارات الحرس، بينما عادت "فريدة" ترتب الفراش المبعثر من الحقائب، وما أن استقامت بوقفتها حتى وجدت زوجها يلج من الغرفة، وهو يسألها بابتسامته الجذابة:
_خلصتي يا حبيبتي ولا محتاجة مساعدة من جوزك البطل، أنا جاهز لأي مساعدات من إنهي نوع!
قالها وهو يحيطها بحبٍ، فأحاطت ذراعه وقالت ببسمتها الرقيقة:
_منحرمش منك يا حبيبي ، أنا خلاص خلصت، بس هروح أتمم على فاطيما ومايا وهرجعلك على طول.
مسد على بطنهل المنتفخ وسألها بلهفة:
_حبيبة بابي عاملة أيه مع فريدة هانم، أوعي تغلبي مامي مش عايزين شقاوة لحد ما تشرفي القصر الملكي ونعملك حفلة استقبال ملوكي، تليق بأميرة عيلة الغرباوي.
ضحكت فريدة وهتفت باستنكارٍ:
_حفلة مرة واحدة، أحمد أنا هتكسف صدقني.
أدارها إليه تقابل نظرات عينيه العاشقة، التي تضعها في خانة العشرينات من عمرها، تعوضها عما مضى دونه، ومال يردد ببطءٍ أذابها:
_كل اللي فات من وعدى من حياتنا من غير من نشاركه مع بعض هنعيشه ونعوضه يا فريدة، وعلى فكرة إنتِ مش صغيرة في عنيا عشان أضحك عليكِ بكلمتين، إنتِ فعلًا صغيرة ومفيش في رشاقتك وجمالك.
أزاحت يديه من حولها، وقالت وهي تعيد خصلاتها القصيرة للخلف، تخفي خجلها:
_طيب أوعى بقى من طريقي، خليني أطمن على البنات وأتأكد بنفسي إن محدش فيهم ناسي حاجة.
أعترض طريقها مجددًا وقال ضاحكًا:
_بالمناسبة مش ناوية تحكيلهم ولعمران بالأخص عن قصة حبنا اللي كان منبتها قصر عيلة الغرباوي نفسه؟ يعني على إعتبار إننا هنرجع نسترجع أجمل ذكرياتنا هناك، وبنتنا الأميرة هتشرفنا هناك!
ازدادت حمرة وجهها بكثرة، وتهربت من لقاء عينيه الجريئة، مرددة باستحياء:
_خلاص يا أحمد بقى، عديني الوقت إتاخر وعايزة أنام بدري عشان أكون فايقة لبكره.
وقف جانبًا وأشار له بحب، فاحنت رأسها بإشارة راقية، كأنها ملكة تلقي تحيتها إليه، ثم خرجت تتجه للطابق المخصص بجناح علي وعُمران، ومازالت بشرتها تتشرب الحمرة الطفيفة.
توقف "فريدة" محلها حينما رأت "عُمران" يصعد الدرج، متجهًا لجناحه، وما أن رأها حتى رنا إليها مبتسمًا رغم كل الأوجاع النافرة بداخله، مال يقبل رأسها وإنحنى يقبل يدها قائلًا:
_مساء الخير على أجمل قمر هربان من سماه على الأرض المحظوظة بلقاه.
سحبت كفها وقد ازدادت حمرتها، فهتفت بحنقٍ:
_لسه سايبه بكاش ورايا ودلوقتي في بكاش تاني قدامي.
تمردت ضحكته وراقب باب غرفتها قائلًا بمرح:
_لا ده بيبكش عليكِ عشان يأكل عيش لكن أنا ماليش أي مصلحة يا فيري! أنا حبي ليكِ خالص لوجه الله.
ابتسمت بخفةٍ على حديثه، وسألته بحماسٍ:
_طمني أخبار الترتيبات أيه؟ والورود اللي طلبتها منك.
رد عليها وهو يراقب لهفتها على الانتقال للعيش بالقصر:
_كله تمام يا حبيبتي، وأنا بنفسي اللي مليت ڤازات جناحك بالورد، وخليتهم يزينوا السلم والمدخل الخارجي للقصر.
ضمت وجنته بيدها الرقيقة، ونطقت بحب:
_تسلملي يا روح قلبي، منحرمش منك أبدًا يا أجمل بشمهندس في الدنيا.
قبل باطن يدها، وحينما وجد أحمد يقف من خلفهما يتابعهما وهو يربع يديه أمام صدره مستندًا على باب الغرفة، وملامحه لا تنذر بالخير، ففرق "عُمران" ذراعيه وقال بخبث:
_وأخيرًا تم الاعتراف بفني وبموهبتي كبشمهندس.
انزوت بأحضانه بحنانٍ، تتلمسه داخله، بينما يستطرد ورماديتاه تتحدان أحمد بمشاكسة:
_على فكرة أنا كنت عارف إنك بتخلي حد من اللي واقفين على البوابة يصورلك أول بأول كل تجديدات الفريق، فبما أن السعادة دي كلها مرسومة على وشك فأنا منبهر بالنتيجة اللي هأخدها منك بكره من دلوقتي، كفايا أعتراف فريدة هانم الغرباوي بنفسها.
ضحكت، وهي تجيبه بفخر:
_فريدة هانم الغرباوي فخورة بيك يا حبيب قلبي، كفايا شطارتك وسرعة تنفيذك لكل اللي طلبته منك في فترة صغيرة جدًا، تصدق إني بفكر أعملك دعايا في ندوة سيدات المجتمع الآرستقراطي.
شاركها الضحك، وقال ساخرًا:
_كمان!! لا أنا كده حد جامد فعلًا!! أنا خايف على نفسي من الغرور والله يا فيري، فبقول كفايا كده لحد ما بس أخلص المشاريع اللي معايا، قدامي فيها عشر سنين على الأقل.
رفعت رأسها إليه، ومازالت داخل أحضانه:
_مشاريع أيه دي؟
أجابها بابتسامته الهادئة:
_بكره تابعي التليفزيون والسوشيل ميديا، عندي مؤتمر صحفي كبير هتكلم فيه عن كل حاجة.
ضمته وشعورها بالفخر يزداد تجاهه:
_مبروك مقدمًا يا حبيبي، أنا فخورة بيك يا عُمران.
تعلق بها وقلبه يستريب شعورًا مريبًا، لدرجة أنه تناسى أنه يمازح عمه المشتعل من أمامه، بل مال على كتفها رغم فارق الطول والأجسام بينهما، يستمد منها طاقة أعادت له سلامه النفسي.
إلى هنا وكفى، لم يحتمل "أحمد" البقاء مكتوف الايدي، تاركًا زوجته بين يد ذاك الوقح الذي يكاد يفوقها بالعمر من فرق الاوزان والاحجام بينهما، فأسرع يبعده عنها وهو يصيح بنفور:
_ما خلاص يا وقح، ساعة واقف بتحضن!! إنت ناسي إنها حامل ولا أيه! مستخف عضلاتك ولا ناسي إنت هيكلك أيه؟!!
استعاد ثباته ووقف قبالته يطالعه بنظرة ماكرة:
_مال وشك يا عمي!!
قالها وهو يتحسس وجهه، بينما تكبت فريدة ضحكاتها بصعوبة:
_حرارتك معدية أوي، إلحق بسرعة نادي جوليا تجبلك مكعبات تلج قبل ما تقلب عندك بحمى بعد الشر عليك وعلى عضمك الباين من البادي اللي إنت لابسه ده، قال ده لابس سباحه ده ولا أيه يا أحمد باشا؟
احتقنت رمادية أحمد بغضب، وأشار لفريدة التي تتخفى بضحكاتها خلف لائحة يدها:
_سامعة وقاحة ابنك يا فريدة؟
ردت عليه وهي تستعيد جديتها:
_مش أنت اللي بدأت تستفزه يا أحمد؟
ربع يديه أمام صدره بغيظٍ:
_وإنتِ من أمته بتنصريني قدام الوقح ده!
ضحك عُمران وقال:
_حبيب قلب عمو متزعلش، فيري بتحبك بنفس قدر ابنها ويمكن أكتر.
ومال على فريدة يخبرها بصوتٍ مسموع:
_بكشي عليه بكلمتين خليه يلم الحوار بدري بدري.
جحظت عينيها في صدمة، وصاحت بعصبية:
_آآ.. أيه؟ إنت إزاي تتكلم معايا بالطريقة السوقي دي يا ولد! مش قولتلك ألف مرة تبطل تتكلم بالطريقة دي!!
ضحك أحمد بشماتة، وغمز له بطريقة أضحكت عُمران، فقال وهو يستعيد لغته المضبوطة:
_
I was just kidding the queen of the Gharbawi family
(كنت أمازح ملكة عائلة الغرباوي فحسب!..)
إستغل "أحمد" الأمر وصاح بسخرية:
_أيوه يا حبيبي كل ما تتزنق تقلب ليك كلمتين إنجليزي على فرنساوي على الكام لغة اللي حافظهم وتنفد بجلدك.
رد عليه مبتسمًا ببرودٍ:
_مش أي حد حافظله كلمتين إنجليزي يقدر ينفد منها خد بالك، دي موهبة يا أحمد باشا.
تابعتهما بقلة حيلة، وغادرت وهي تتمتم:
_أنا رايحة لمايا وفطيمة، أنتوا مش هتعقلوا أبدًا ولا هتبطلوا شغل الآولاد ده.
تركتهما وإتجهت لجناح "مايا"، بينما جلس" عُمران "على الطاولة القريبة منهما، وجلس أحمد قبالته يتابعه بصمت، قرأ عُمران ما بعينيه، فقال بابتسامة ساخرة:
_قول اللي عندك يا عمي، أصل مفضلش غيرك عشان تحذرني إنت كمان.
لمس"عُمران" قلقه الصريح المدفون داخله رغم المرح المتبادل بينهما، فزفر أحمد بوجومٍ:
_أنا محتار بصراحه ومش قادر أحدد موقفي، اللي هتعمله ده هيتحسب ليك يا عُمران، وخطوة ناجحة بكل المقاييس وتعتبر هتكون من أهم رجال الاعمال اللي أخدوا الموضوع بشكل جادي بس أنا مرعوب عليك، إدارة الشركة عندي ودايرة المستثمرين من حوليا مش مبطلين كلام عنك وعن جراءتك.
ولمس كفه الموضوع على الطاولة يعبث بمفاتيحه:
_أنا فخور بيك بس مقدرش أمنع خوفي عليك يا عُمران إنت ابني بالرغم من إني شايفك صاحبي أكتر، طول عمرك بتحتويني بشكل مخليني مش قادر أشوفني أب ليك، لان المفروض أنا اللي احتويك مش العكس!
ابتسم وهو يطالعه بحبٍ واحترام، وقال وهو يعيد ضم كفه:
_متخافش عليا يا باشا ابنك أسد ويسد في أي خانة.
ومازحه بضحكة أرغمت أحمد على الضحك:
_ومتحترش وقت ما تحب تشوفني ابنك هتلقيني وبردو وقت ما تحتاج تشوفني صديقك، لاغيني إنت بس وأنا بسلك، وبسد في أي دور يا باشا.
ربت على كتفه وانتصب بوقفته:
_متفقين يا وقح، يلا هروح أنام بقى، ورانا يوم طويل بكره، تصبح على خير.
رد عليه، ومازالت ابتسامته تتشكل على وجهه:
_وإنت بألف خير يا حبيبي.
قالها وبقى محله، يجذب هاتفه ويتطلع لشاشته بترددٍ، يود أن يهاتف شمس ليطمئن عليها، ولكنه تركه ومال يستند على إبهاميه بتعبٍ.
_عُمران كويس إني لاقيتك هنا.
قالها "علي" وهو يدنو منه، فسحب عُمران هاتفه ومفاتيحه وإتجه يغادر مرددًا:
_تصبح على خير يا علي.
أوقفه حينما أمسك ذراعه:
_أقف هنا متعملش زي العيال الصغيرة وهما غضبانين.
رد دون النظر تجاهه:
_أنت عارف إني مش من النوع اللي بيتهرب، بس أتا تعبان ومحتاج أرتاح.
جذبه بقوة لمقعده من جديد:
_وأنا مش هسيبك تنام وإنت زعلان مني يا عُمران، إقعد وخليني أشرحلك وجهة نظري ولا خلاص مش فارقلك كلامي؟
جلس على المقعد قبالته بازدراء، وهو يحرك ساقه بعصبية مكبوتة، بينما تتهرب عينيه من لقاء أعين أخيه، الذي قال:
_ممكن تبطل تحبس غضبك بالشكل ده، إنت كده بتأذي نفسك أكتر.
نطق عُمران بنفس نبرته الهادئة:
_ممكن إنت اللي تبطل تعاملني كأني مريض نفسي وتحت المجهر!
تنهد بحزنٍ وقال:
_الموضوع غصب عني على فكرة، إتعودت أدرس أي حركة بسيطة بتعبرلي عن شخصية اللي قدامي، عشان أقدر أتعامل معاه.
هز رأسه بعدم اقتناعٍ، وهدر فيه:
_أنا احترمت كلامك ومشيت، فياريت تفهمني وجهة نظرك، لإني لحد دلوقتي مش متخيل إني سبتها هناك ورجعت من غيرها بعد اللي آدهم عمله وقاله.
تخلى عن هدوئه حينما هدر بضيقٍ من طريقته:
_عُمران أوعى يجي في بالك إن اللي عملته ده عملته ومهمنيش كرامة شمس، مش إنت لوحدك الا بتخاف عليها ولا على العيلة، انتوا كلكم مسؤولين مني فياريت متنساش ده.
وأضاف برزانةٍ وحكمة:
_بس اللي لازم ترضى وتتقبل بيه إن آدهم كمان بقى واحد مننا ومن العيلة، ولو أنا شاكك إنه قاصد يهينها أو يقلل منها أنا أول واحد كنت هقفله.
صاح بعنفٍ وعصبية:
_إزاي يعني مش قاصد يهينها بعد كل ده يا علي! فهمني إزاي! ومتقوليش إنه مش في حالته الطبيعية لإنه كان طبيعي جدًا قدامي.
سحب نفسًا طويلًا يستلهم به ما سيقوله:
_آدهم مش في حالته الطبيعية يا عُمران، وده حاصل من الموقف اللي إتعرضتله شمس وعرض حياتها للخطر، واحتياجها لمساعدة آدهم حسسه لأول مره بالعجز.
زوى حاجبيه في دهشةٍ، وتساءل بصدمة:
_موقف أيه اللي شمس اتعرضتله وإزاي متقوليش اللي حصل معاها!
أجابه بحزمٍ:
_أختك الحمد لله بخير إنت لسه راجع من عندها من شوية، وبعدين ده مش موضوعنا خلينا في المهم.
وتابع وهو يسترعى إنتباهه لما سيقول:
_آدهم من وقت الموقف اللي إتعرضتله شمس وهو مش طبيعي،لان دي كانت بداية الصدمة ليه، بعد ما فاق من غيبوبة إنه عايش وبخير، إبتدى يكتشف واحدة واحدة باللي مكنش قادر يستوعبه باللحظة اللي عرف فيها خبر فقدان بصره، عشان كده لو ركزت هتلاقيه إنه كان بيتعامل مع شمس طبيعي جدًا وهما في المستشفى.
تذكر عُمران طريقة تعامل آدهم مع شقيقته، كان حنونًا للغاية بفترة بقائه برفقته بالمشفى مثلما يخبره أخيه، ولكن عقله عاطل عن إستيعاب ما يحاول أخيه قوله، فردد بتيهةٍ:
_إنت عايز تقول أيه يا علي؟
أجابه بعقلانيةٍ لطالما تحلى بها:
_الانسان لما بيتعرض للموت رد فعله بيكون مختلف على أي خبر بيسمعه، بيكون مستعد كليًا ليه عن الشحص السليم المعافى، بشكل أوضح لو في شخص سليم تعب فجأة وراح المستشفى وإتشخصله بتر في ساق واحدة، رد فعله بتبقى أقوى تلات أضعاف من إنسان تاني شاف الموت بعينيه الاننين، وكان فاقد الأمل أنه هيرجع للحياة تاني، ولما تجيه الفرصة ويكتشف إن رجليه الاتنين اتبرت مش واحدة زي التاني، هتلاقي واخد الخبر بنفس راضية ومش بنفس صدمة الاولاني، لإن أي إصابة هتكون أهون عنده من الموت ألف مرة، كل اللي هو شايفه نجاته من الهلاك اللي كان مستنيه، مع إنه لما يفوق من الحالة دي هيبتدي يحس بنفس إحساس الشخص الاولاني، مع أول موقف هيكون محتاج فيه يكون واقف على رجليه.
وتابع باستفاضةٍ:
_وده اللي حصل بالظبط مع آدهم، لما فاق مكنش لسه مستوعب الحياة اللي هيضطر يعيشها، واللي هيتجرد فيها من مهاراته كظابط، إضافة إنه من النوع اللي بيفكر في اللي حوليه أكتر من نفسه،يعني بيدخل بصدره وأخر همه إنه يتأذي، المهم اللي حوليه، وللاسف الموقف اللي إتعرضتله شمس وقفه قدام عجزه وش لوش، عشان كده حاول يبعدها عنه عشان مش هيتحمل إنها تتأذي بسبب عجزه عن حمايتها، وده اللي أنا كنت متوقعاه من شخصية زي شخصية آدهم واللي بالفعل حذرت منه شمس وقولتلها تتعامل معاه على هذا الاساس بس هو قلب الدنيا لما كلمك، دخلك بالموضوع وسحبني أنا كمان معاكم.
خرج عن صمته وحسن إنصاته لأخيه، مرددًا بعد أن عقل حديثه جيدًا:
_أنا معنديش شك في كلامك ولا تشخيصك لحالة آدهم يا علي، أنا عندي مشكلة إني مش هقدر أتهاون معاه وهو بيتعمد يهينها، مش هقف أتفرج عليه وأبررله انه مش في حالته الطبيعية.
واستطرد بهدوء ليستراعى انتباه أخيه:
_أنا بعز آدهم وأنت عارف كده كويس، بس مهما كان شمس أختي بالنهاية، فمش هقبل إنه يجي عليها مهما كانت حالته، لو عليا أنا هتحمله باستفزازه ده لكن هي لا يا علي.
يعلم ما يشعر به بتلك اللحظة أخيه، لذا هدأ من روعه حينما قال:
_ومين قالك إننا هنسكت على اللي بيعمله ده، أنا خلاص اتصرفت، وبكره الصبح هيروحله اللي هيعقله، ويرجعه لعقله من تاني.
ضيق رماديته باستغرابٍ:
_وليه إنت اللي متتكلمش معاه طالما إنت فاهمه أوي كده!
ابتسم وهو يجيبه بخبث:
_عشان أنا فاهم شخصيته كويس اختارتله الشخص المناسب!
******
إنتهوا من تناول طعامهم، ونهضت الحاجة رقية تحمل الأطباق للمطبخ، فنهضت "سدن" تعاونها، ثم لحقت بهما "خديجة"، ولكن "رقية" اعترضت طريقها، وحملت منها الاطباق قائلة:
_سيبي الاطباق وإطلعي شقتك مع جوزك يلا يا عروسة.
إرتجف جسدها من فرط البرودة التي أصابتها، حتى أنها حمدت الله أنها التقطت الاطباق منها بالفعل، الصعود برفقته، والبقاء بمفردهما، الفكرتان تكاد تقتلها بالبطيء، تجاهلت ما قالت وولجت للمطبخ تقف على حوض الاغتسال، تنظف الاطباق، فلحقت بها الحاجة رقية تجذب عنها ما بيدها وهي تعاتبها برفق:
_وبعدين معاكِ يا خديجة، ما قولتلك اطلعي شقتك انتِ وأنا وسدن هننضف الدنيا كلها في دقايق.
ازدردت حلقها الجاف، وهتفت:
_مفيهاش حاجة لما أساعدك يعني يا خالتي.
ربتت على ظهرها بحنان، وأخبرتها باصرار:
_إسمعي بس كلامي واطلعي يلا يا حبيبتي.
وخرجت برفقتها ترفع من صوتها حتى يستمع لها من يجلس بغرفة الضيوف برفقة عمه وابنها:
_يـــونس!
***
بغرفة الضيافة الخاصة بمنزل الشيخ "مهران"
مازال الحزن يقتحم أسوار مدينته منذ لحظة مغادرة أخيه، ومازال "يُونس" والشيخ "مهران" يحاولان أن يخففان عنه، فقال الشيخ بحكمته:
_يا حبيبي الراجل قال الكلمة بعفوية مقصدش بيها شيء، لو كان يعلم بالامر لما فعله، اللي حصل مقدر ومكتوب وحضرة الظابط أكيد متفاهم وعارف إنها فترة مؤقتة وهتزول بإذن الله.
رفع فيروزته لأبيه وهدر بصوت مختنق:
_آدهم إنكسر يا عم الشيخ، أنا حسيت بيه وهو بيحاول يبين إنه متأثرش.
رد عليه يونس بنبرة يحاول فيها امتصاص حزنه:
_مهو طبيعي إنه يزعل يا آيوب، دي تعتبر أول خروجة ليه وهو بوضعه ده لسه متعودش على وضعه الجديد، وبإذن الله ميلحقش يتعود عليه وربنا يردله بصره.
أحنى رأسه وهو يهمس بتمني وأمل:
_يا رب يا يُونس يارب.
إخترق صوت الحاجة "رقية" مجلسهما، فابتسم الشيخ وقال ويده تمرر على سبحته السوداء:
_يلا يا عريس اطلع شقتك مع عروستك، ربنا يجمع بينكم في محبة ورحمة ويجعلها أعظم مثال للزوجة الصالحة ليك يابني.
وأشار بإصبعه يحذره بوضوحٍ:
_أوعى تنسى وصية رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، أوعى تنسى يا يُونس أي وصية سابهالك حبيبك محمد عليه السلام، خد بالك إنها من اللحظة دي مسؤولة منك مسؤولية كاملة، فأوعى متكنش أد المسؤولية.
تهدلت شفتيه عن ابتسامة جذابة، ومال يقبل رأسه وهو يخبره:
_متقلقش يا شيخ مهران، كلامك في وداني من يوم جوازي عليها الأول، منستهوش أبدًا وهعمل بيه وأنا بتجوزها للمرة التانية.
مرر يده على شعره الأسود الغزير وقال بمحبة أب:
_ربنا يسعد قلبك ويفرحك يا حبيبي.
قبل يده واتجه للخارج حيث كانت الحاجة رقية بانتظاره وزوجته تجاورها، ومازالت تتخفى بنقابها الأبيض، يحسب كل دقيقة تمر حتى يسحبه عنها ليتعمق برؤية وجهها بعدما حُرم رؤيته، ولكن ما مر كان الاطول على الاطلاق، والآن يفصله القليل عن ضمها إليه.
سحب فيروزته عنها بصعوبة وانتبه لرقية التي تقول في سخرية:
_هو الواد آيوب وعمك الشيخ مهران وحشينك ولا أيه، ده أنا قولت الواد بيفهم ومهيصدق الدنيا تخلى عشان يأخد عروسته القمراية دي ويهرب،وإنت قاعد ولا على همك.
ضحك بصوته كله وقال يجاريها:
_اديني جيتلك أهو، إديني العروسة وههرب ييها حالًا حاضر.
ضحكوا معًا، وخاصة حينما ردت عليه:
_ العروسة أهي سلكتهالك من المطبخ وشغل البيت بالعافية، فإلحق بسرعة قبل ما ترجع بكلامها.
دنى منها يُونس وقرع طبول قلبه يفضح مشاعره وتوقه لها، ثنى ذراعه وهمس لها:
_يلا يا عروسة؟
ارتبكت بوقفتها وهي توزع يدها بين الحاجة رقية وبين ذراعه الذي ينتظرها، تصنعت خديجة إلتهائها بتعديل طرف الفستان الأبيض الطويل، ثم تحركت تجاه الأريكة التي يعتليها ابنها.
سحبت عنه هاتف آيوب، وأغلقت الافلام الكرتونية عنه، ثم قالت:
_يلا يا فارس.
أبعد الطفل كفها عنه وعاد يجذب الهاتف قائلًا:
_لا أنا هبات مع آيوب هو متفق معايا ومديني تليفونه.
عادت تبعد الهاتف عنه وتصر بقولها:
_لا مينفعش.
لفتت أنظار رقية ويونس لها، فلعقت شفتيها الجافة ورددت تصحح ما قالت:
_ إنت هتتشاقى وهو مش هيعرف ينام، يلا سيب التليفون وتعالى.
دنت إليها الحاجة رقية تمنعها من سحبه، قائلة:
_سبيه يا خديجة واطلعي مع جوزك يا بنتي، فارس مش بيتشاقى وحتى لو عملها على قلب آيوب زي العسل، وأنا موجودة متقلقيش يا حبيبتي .
ولكزتها بخفة وهي تهمس لها:
_سيبك من الواد واطلعي مع عريسك بقى.
وضعت أمام الأمر الواقع، فلم يكن هناك أي مجالًا للاعتراض، أو حتى الحديث، استدار خديجة تجاه يُونس وتحركت ببطءٍ تجاه الدرج، صعدت ولحق بها وابتسامته تعبر عن فرحته بتلك اللحظة.
فتح الباب ودفعه وهو يحيطها بنظرة تسللت لقلبها دون أي موانع:
_نورتي بيتك يا ست البنات!
جملته المعتادة تلك أيقظت مشاعرها المدفونه إليه، يرتسم أمامها صورة لها وهي تدلف رفقته بفستانها الأبيض الطويل، وملامحها التي تصغر عن تلك الملامح، فرحتها بهذا اليوم مازالت تتذكرها جيدًا، كأنها تزوجته بالأمس!
ها هي نفس الشقة تجمع نفس الاشخاص، ولكن الزمن لم يدعهما وشأنهما، كلاهما يتمزقان من الداخل، كلاهما مرا بأصعب ما يخوضه بشريًا، كلاهما محاربان باسلان، حاربا لحبهما وأخيرًا انتصر ولكن ترى هل سينتصر الحب بعد أن إنغلق باب المنزل عليهما وباتت زوجته الآن.
تيقنت الآن أن الباب قد أُغلق، وباتت برفقته بمفردها بالفعل، خفق قلبها بشدة، وضرباته المضطربة تلك كانت مريبة لها، تخشى أن تهاجمها نوبة الربو قبالته، فتفشى عن خوفها الصريح الذي تحاول إخفائه حتى تلك اللحظة.
تصنعت أنها تتأمل الشقة التي تغير، أساسها وديكوراتها بالكامل، أصبحت بنموذج أكثر عصريًا، يتماشى مع التوقيت الحالي، كل ركنًا أودع فيه يُونس حبه الشديد لها، ابتسمت خديجة وهي تراقب اللوحات المزخرفة بالآيات القرآنية، حتى تسلطت على لوحة ضخمة حملت بالخط العربي «خديجة».
استدارت تبحث عنه لتعبر له عن إعجابها الشديد باللوحة وبترتيب المنزل، فتفاجئت به يقف خلفها بالتحديد، بشكلٍ أربكها وجعلها تعود للخلف فعاقت الطاولة قدماها، كادت بالسقوط فوقها ولكن ذراعه سانداها ودعم جسدها بالكامل، بينما تهمس هي بحيرةٍ:
_يُونس!
تعلقت عينيه بها، وشوقه الصريح لرؤية وجهه يزداد تدريجيًا، اقترب بإصبعه منها يرفع نقابها رويدًا عنها، حتى تلاقت الاعين وبات وجهها مكشوف بالكامل له.
تمعن بها وكأنه يراها أول مرة، سبق له رؤيتها حينما تلقت الطعنة عوضًا عنه، ولكنه حجب بصره عنها وامتنع، كونها محرمة عليه، والآن عادت لعصمته من جديد.
بقى يراقبها بصمتٍ وعينيه تخبرها ما فشل لسانه بالبوح به، حتى ردد بانبهارٍ:
_زدتي جمال فوق جمالك يا خديجة، ما شاء الله تبارك الخالق فيما خلق.
تفتقد وجوده جوارها، حتى حديثه المعسول، تفتقد حنانه الذي حرمت منه وإبتليت بشخص تجرد قلبه من كل المعاني الانسانية.
استغل يُونس شرودها به، وحرر خمارها الأبيض، وأزاح الرابطة التي تعقص شعرها، حتى تحرر من حولها فجعلها حورية لا تُقام.
ربما لم تمتلك الشعر الحريري، ولا الملامح الجذابة والجسد المرسوم، ولكنها امتلكت قلبه وملأته، ومن ثم ملأن عينيه بها، فأصبح لا يرى أي أنثى سواها.
سحب خصلة من شعرها يمرر إصبعه من فوقها وهو يقول:
_شعرك طول عن الأول.
ومال يهمس ببسمة ماكرة:
_يا ترى أنتِ لسه فاكرة إني بحب الشعر القصير أكتر ولا نسيتي يا خديجة؟
انهمرت دمعة خائنة من عينيها وهي تتطلع له، وبصوتٍ مرتعش أخبرته:
_فاكرة يا يُونس، بس هو آآ..
ابتلعت باقي كلماتها في عجز تام، كانت تود أن تخبره انه لم يسمح لها بأن تقصره، كان يريدها أن تتركه طويلًا حتى يتمكن من معاقبتها جيدًا حينما كانت ترتكب خطًا كان يسحبها من خصلاتها بهمجيةٍ، زلزل جسدها بين ذراع يُونس الذي استشف من نظرات الهلع الكامنة بعينيها ما كانت ستخبره به، أحاط عنقها بيده وقربها إليه يضمها بقوةٍ تعوض بعدهما عن بعضهما طول تلك المدة، تعوضها عما عانت منه بدونه، يعوضها عن كل الأذى الذي طالها.
اضطربت أنفاسها بالرغم من أنها بين ذراعيه، بل ساءت حالتها وهاجمها الربو بقسوة، فقد جسدها توازنه ومالت على ذراعها تناديه بخفوت:
_يُونس!
راقبها بتمعنٍ، فعلم بأنها تواجه احدى النوبات، انحنى يحملها ويلج بها لغرفتهما وهو يقول:
_متخافيش يا خديجة، اهدي وخدي نفسك، الكلب ده غار في ستين داهية ومستحيل يرجع تاني.
أسندها للفراش وهي تجاهد احتنقان أنفاسها، هرع يونس لدرج الكومود يسحب الكرتون الموضوع داخله أمام نظراتها المتعجبة مما يفعل، فجأها حينما وجدته يحمل عُلبة ممتلئة من البخاخ الذي تستعمله، مثلما كان يفعل بحياتهما السابقة معًا، كان يشتري العُلبة بأكملها ويوزع البخاخات بجميع الآدراج خشية من أن تنتابها النوبة وتتناسى محل وجود البخاخ كعادتها، لذا كان يضعها بكل مكان لشدة خطورة حالتها.
صعد من خلفها يجذبها إليه، ثم حرر أنبوب البخاخ داخل فمها، يعاونها على استنشاق دوائها الموضوع داخله وهو يهمس لها:
_إهدي يا خديجة، خدي نفسك واحدة واحدة.
أبعدت الأنبوب عنها ومالت برأسها تتطلع له بشرودٍ، تعود لها كل ذكرى كان لجوارها حينما تنتابها النوبة، وبين ذلك الحقير الذي كان يحطم أنبوب البخاخ لتعاني عن عمدٍ.
تدفقت دموعها ومازالت مسجونة بذكرياتها، فعلم ما تخوضه بتلك اللحظة، ألقى "يُونس" البخاخ جانبًا وسحبها إليه يناديها:
_خديجة.
رمشت تتطلع له بانتباه، فضمها إليه وهو يهمس لها بحنان:
_كل اللي فات هندفنه مع بعض يا خديجة، أنتِ عنيتي وأنا كمان عانيت، بس من النهاردة مفيش غير سعادتنا وابننا وبيتنا وبس.
وانحنى وهو يحملها على الفراش بشكلٍ أكثر أريحية، ثم جذب الغطاء عليهما، وهو يحرص على دفنها بين أضلعه، عساه يروى ظمأ البعد القاتل عنها، ويده تربت عليها بكل حب:
_نامي يا حبيبتي، نامي وإرتاحي ومتفكريش في اللي عدى لإنه خلاص صفحة وأتقطعت ومستحيل هترجع لذكرياتنا تاني.
وقبل جبهتها وهو يقدم وعده القاطع:
_أنا هقدر انسيكي يا خديجة، هنسيكي الكلب ده والايام اللي عشتيها معاه.
تعلقت بقميصه الأبيض بتمكن واغلقت عينيها وهي تشم رائحته الطيبة التي كانت تدمنها، انساقت بنومٍ مريحًا أخيرًا بعد معاناتها، حتى وهي تعلم بأنها فترة قصيرة تفصلهما عن واقع تحمله بذكريات مختومة على جسدها!
******
سحب "آيوب" الهاتف من يد فارس الذي غفى محله، إنحنى يحمله وولج به لغرفته، وضعه على السرير ووضع الغطاء عليه، ثم إنحنى يقبل وجنتيه بحبٍ.
وجلس جاوره شاردًا بأخيه، سحب هاتفه يتطلع لرقمه بتردد، الوقت تأخر للغاية، عساه يغفو الآن، ترك الهاتف عن يده وزفر بمللٍ، ثم نهض يتجه لشرفة غرفته.
تسلل له صوت طرقات الغرفة، فعلم أن والدته قد أحضرت له كوب الشاي بالنعناع الذي طلبه للتو، عساه يهدئ من ارتباكه وقلقه على أخيه، فقال وهو يستند على سور الشرفة:
_إدخلي يا ماما.
ولجت للداخل تقترب منه، تتطلع له باشتياق، تراه بالفترات الاخيرة صدفة، والآن وبيومٍ هام مثل ذلك لم يهتم حتى بمحادثتها.
تركت "سدن" الكوب عن يدها ونادته:
_آيوب.
استدار لها فوجدها تتطلع له بحزنٍ، وكأنه تناسى أمرها تمامًا بين صراعاته التي يخوضها، ما ذنبها فيما يخوضه هو.
ولج يقترب منها، يمنحها ابتسامة سلبت شكواها، بل وتثنى له رؤية فستانها الرقيق، فهتف باعجاب:
_أيه الجمال ده كله يا سدن؟ لا وجايبالي الشاي بنفسك ده أيه الدلع ده!
خطفت نظرة للشاي الذي وضعته على الكومود، وتطلعت له باستياءٍ:
_انا حبيت جبلك الشاي عشان حاسس إنك مش حابب يشوفني، أنا مبقاش عارف إنتي مالك آيوب!
ابتسم رغمًا عنه وقال بسخريةٍ:
_إنتي!! تاني يا سدن!
وتنهد بقلة حيلة:
_يلا مش مهم!
وأشار على الاريكة المقابلة لفراشه قائلًا:
_اقعدي يا سدن.
جلست قبالته تتطلع له باهتمام ولهفة لسماع ما سيقول، فابتسم وهو يراقب اهتمامها الواضح، تنهد بحزن وقال:
_أنا مقصر مع كل اللي حواليا الفترة دي، وإنتِ منهم، إنتِ عارفة حوار أن آدهم طلع أخويا ده كركبلي حياتي، بس إديني أهو بتخطاه واحدة واحدة.
مدت كفها تضم كفه، غامسة أصابعها بين أصابعه، وبابتسامتها المهلكة قالت:
_انا مش زعلان منك آيوب، أنا بحب أشوفك كتير وبزعل لما مش يشوفك، بس أنا عارف إنك بتحاولي تكوني كويس وبهير (بخير).
ضحك رغمًا عنه وكلما حاول الثبات سقط من فرط الضحك، فتابعته وهو يضحك بانجذابٍ، ثم قالت:
_إنتِ حلوة أوي لما بتضحك آيوب.
تعمق بعينيها الجذابة، وردد باستياء:
_ما تخفي عليا من كلامك وبصاتك دي يا بنت الحلال، احنا قاعدين في بيت الشيخ مهران يعني المفروض مفيش مجال للشياطين تحلق من فوقنا، بس إنت تقريبًا بتحضريهم كلهم لما بنكون مع بعض، وده مش في صالحنا أبدًا.
اتسعت ابتسامتها وهي تراقبه بابتسامةٍ خجولة، خطف آيوب نظرة متفحصة على ابن اخيه الذي يغفو، ومن ثم لباب غرفته الشبه موصود، ثم دنى منها يهمس لها بصوتٍ منخفض:
_طيب بقولك أيه، ما تديني حضن محترم!
رمشت بعدم استيعاب:
_يعني أيه مهترم؟
انتزعت منه الاجواء الرمانسية التي خاضها، فضحك بملء ما فيه وهو يشير لها بالصمت:
_اسكتي هتفضحينا، دي غلطتي أنا من البداية، لازم أتأدب وأعلمك عربي كويس الأول!
شملته بنظرة ساخطة وهي تهتف:
_وإنتي عندك وقت عشان تعلمني! آيوب أنا بشوفي إيثان اللي ده مش بيتها أكتر منك إنتي!
احتقنت فيروزته بغضب طفيف:
_وبتشوفي سيادته فين بسلامتك!
زوت حاجبيها بعدم فهم:
_مين سلامة! إنتِ بتقولي أيه أنا مش فاهم!
جذبها إليه وهو يلقي تعليماته:
_بقول إنك مالكيش دعوة بإيثان ولا بيونس ولا بأي راجل على وجه الأرض غيري، كده مفهوم!
هزت رأسها بتفهم، ثم عادت تخبره:
_كله كله، ماشي موافق، بس الشيخ مهران لا، يعلمني الدين وبيحفظ أنا القرآن بعد ما انتي مبقتيش تهتمي بحفظي.
وأضافت وهي تبتعد عن محل جلوسه بحزن:
_أنتي مش تعرفي أصلًا إن أنا حفظ ٨ جزء كمان من القرآن، مش تعرفي عني حاجة.
نقل مجلسه ليجاورها، وأعاد يده بين يدها، ثم قال ببسمة جذابة:
_أنا فخور بيكِ يا سدن، وأوعدك إن هديتك هتجيلك قريب.
وفرق ذراعه الأخر وهو يغمز له بخبث:
_بس بالمقابل عايز حضن حلال معتبر!
عبثت بعدم فهم لما يريد، ولكنه لم يدعها تفكر بمعاني كلماته، جذبها إليه وقال بفرحةٍ:
_مبروك جوازنا للمرة التانية مش فاهم ازاي، بس تقريبًا احنا من الجوازات النادرة اللي إتكتب عليها تتجوز رسمي مرتين، المرة الاولى كانت غصب عني والمرادي برضايا.... أنا بحبك يا سدن.
تعلقت به بحب، وهمست على استحياء:
_وأنا كمان بحبك آيوب، وعاوز أشوفك على طول ومش إبعد عنك.
شدد من ضمها وحينما كاد بخروج الامور عن سيطرته قال بصوت غلبته عاطفته:
_يلا يا حبيبتي إرجعي أوضتك، أنا يدوب هشرب الشاي اللي برد ده وهنام ساعتين قبل صلاة الفجر.
قالت وهي تشير على الكوب:
_إعملك واحد تاني.
هز رأسه وهو يرتشفها:
_لا هشربها، كده أضمن ما ترجعيلي تاني، قولتلك شياطينك حاضرة وراكي، إسمعي الكلام وروحي نامي بدل ما الشيخ مهران يرميني في الشارع، ده عاد بيحبك أكتر مني، وبقى وكيلك بشكل رسمي!!
ضحكت وهي تخبره بسعادة:
_أنا كمان بحبه أوي وبحب الحاچ ركيا وآ..
جذبها من تلباب فستانها وهو يتساءل:
_بتحبي مين؟
تمردت ضحكاتها تباعًا وقالت بالانجليزية:
_Calm down Job he is like a father
(اهدأ آيوب أنه بمثابة أبي!)
ابتسم على تشديدها على كلمة أبي، وراق له علاقتها الجديدة التي جمعت ابيه بزوجته، فربت على ذراعها، وقال:
_تصبحي على خير يا سدن.
أجابته وهي تطالع عينيه بعشق:
_وانتي بخير آيوب حبيبي!
غادرت تغلق الباب من خلفها، بينما يهتف بنزقٍ:
_أنتي تاني!!!!!!!!!!!
******
تخفى القمر وسطعت شمس يومًا لن ينساه أحدٌ يومًا، بينما الجميع يستيقظون من نومهم كان يجلس هو بغرفته مهمومًا مما حدث معه، حياته انقلبت فجاة رأسًا على عقب، كاد أن يخسر معشوقته بسبب شعوره الذي اختبره لأول مرة، وهو الذي أعتاد على إشادة الجميع بمهاراته الجسدية وذكائه، يشعر الآن وكأنه لا يملك ذرة عقل واحدة، عقد العزم على أن يتناسى ما مر به، عليه ان ينهض من جديد، لن يدعى اليأس يتمكن منه مهما شعر.
استمع لصوت طرقات غرفته ومن بعدها طال الخادم يخبره:
_في عربية من شغل حضرتك تحت يا باشا، وواحد منهم بيقول إن الباشا بانتظارك.
تعجب من سماعه ذلك، وقال:
_باشا مين؟
رد عليه الخادم باحترام:
_معرفش مقاليش أكتر من كده.
هز رأسه بجمود وعاد يسأله باستغراب من عدم ظهور، أبيه:
_بابا فين يا سلطان؟
ارتبك الخادم من آجابته وهو يعلم بأنه سيكشف كذبته على الفور، كيف سيخبره بأنه مرض ليلًا ونقله "أشرف" السائق للمشفى من الأمس حتى الآن لم يعد به، فتنحنح وهو يقول:
_النهاردة معاد الاعادة بتاعته عند الدكتور أكيد خرج مع أشرف من الصبح.
نهض عن مقعده واتجه يستند على الدربزاين هاتفًا بثباته المعتاد:
_لما يوصل بلغني.
هبط آدهم للاسفل، متخذًا طريقه لمكتبه الخارجي، دخل باتزانٍ وابتسامة ترتسم على شفتيه وبذكاءٍ قال:
_نورت الدنيا كلها يا مراد باشا.
حرك ساقه فوق الإخرى وطالعه بغضب دفين، بينما يعلو إحدى حاجبيه بسخرية:
_تصدق إنك لو مكنتش عرفت مين اللي قاعد على مكتبك كنت هصدق كل الكلام اللي وصلني عنك.
ونهض يقترب منه وهو يصيح ببرود:
_واللي وصلني عنك بيهدم كل اللي زرعته فيك، عشان كده جيت اتأكد بنفسي.
بدى وكأنه يستمع لوابل من الالغاز، فسأله بدهشة:
_تتأكد من أيه؟
ناوله لكمة أطاحته أرضًا وهو يجيبه بغضب:
_من قدراتك يا عريس، قوم اقف على رجلك!!
إستند على المقعد القريب من مكتبه، ونهض يكبت الدماء المنسدلة من شفتيه، بينما يصيح مراد به:
_فاكر نفسك شخص عادي، هتقعد في بيتك لمجرد إنك اتعميت!!
وأضاف، وهو يحوم من حوله:
_انا سيبتك ترتاح من الاصابة اللي في جنبك لحد ما تفوق، بس بما إني شايفك واقف على رجليك وما شاء الله بتحضر أفراح يبقى أنت محرم من أجازتك، ومن الاسبوع الجاي تكون بالجهاز، سامع!
ابتسامة شبه ساخرة ارتسمت على وجه آدهم:
_عايزني أجي لحضرتك تعمل بيا أيه، أنا خلاص مش هنفع آ..
ابتلع باقي جملته حينما نالته لكمة آخرى من الجوكر، جعلته يتآوه بخفوتٍ، بينما يطالعه الآخر بغضبٍ :
_يعني الكلام اللي علي قالهولي صح بقى! أنا تخيلته فاهم غلط، قولتله مستحيل آدهم يتقبل عجزه بالسهولة دي، معقول يا آدهم!!!!!
لكزه بعنفٍ وهو يصيح بانفعالٍ:
_قوم كلمني، أيه اللي فرق عشان تنهار بالشكل ده!
رد عليه بحزنٍ شديد:
_اللي فرق إني بقيت محتاج اللي يساعدني يا باشا.
هز رأسه ينفي ما قاله:
_إنت مش محتاج لحد، قوم وأصلب طولك وأوعى تخلي مخلوق يشوفك ضعيف حتى لو كنت أنا، قوم على رجلك.
نهض على قدميه، يستقيم بوقفته بثباتٍ، بينما يحوم مراد من حوله وهو يقول باتزانٍ:
_إنت دافن كل أسلحتك جواك ومستسلم تمامًا للضعف اللي مالهوش مكان غير في أوهامك، ركز معايا وهثبتلك إنك استسهلت الاستسلام وإن اللي جواك ميشبهش أي حد لأنك مش شخص عادي.
وكأنه يبحث بين موجات الغرق عن قارب نجاة، والجوكر هو النجاة بذاته، مازال يقف بمنتصف الغرفة والآخر يحوم من حوله متخذًا وضعية الهجوم، متعمدًا الضغط بحذائه الثمين على أرضية الغرفة ليبدأ بإيقاظ مهارات طالبه تدريجيًا، وبدأ بالحديث مُتمهلًا:
_من القواعد الأساسية لأي ظابط مخابرات واللي إنت تقريبًا نسيتها، إن مينفعش حد فينا ينام قرير العين زي ما بيقولوا، خاصة لو إنت في مهمة، لو نسيت القاعدة اللي المفروض تكون محور حياتك الرئيسية دلوقتي أنا هفكرك بيها، إنت مجرد إنك بتريح عيونك مش أكتر، لكن عقلك صاحي وواعي لأي حركة غدر ممكن تغفلك، إنت دلوقتي في المرحلة دي، عقلك وودانك واعيين ودول كفايا إنهم يعوضوك فقدان البصر المؤقت عندك..
وتابع بأمرٍ صارم:
_ركز وصد هجماتي.
باغته فجأة فانهالت اللكمة جوار عينيه فسقط أرضًا بشكل إستفز مراد الذي هدر فيه بعنف:
_قـــــــوم أقف على رجليك يا سيادة المقدم، أيه خلاص نسيت كل اللي أتعلمته وبقيت ضعيف، مش قادر تدافع عن نفسك!!!
وأضاف بأكثر ما أستفز آدهم:
_أنا مش مصدق إنك خارج من تحت إيدي أنا حاسس بالعار في اللحظة دي، فين كل اللي علمتهولك!!!
نهض عن الأرض وهو يكز أسنانه بغضبٍ مستهدفًا مكان الجوكر بالتحديد، وكور يده بقوةٍ دون أن تمس وجهه، بل بقيت أمام زُرقة عينيه تهذبًا لمعلمه، ابتسم مراد وهي يتأمله بفخرٍ، وصاح:
_براڤو يا آدهم، حددت مكاني، إستعديت كويس وهاجمت بمنتهى الشجاعة.
زوى حاجبيه بذهولٍ، وهتف بحنقٍ:
_باشا إنت مش مضطر تسم بدني بالكلام عشان أحقق المردودو، إنت عارف إني بستجيب ليك من غير أي حاجه.
جابهه بتهكمٍ:
_ما أنا مبقتش فاهمك، بحاول أشوف النموذج الجديد الغريب ده.
وأشار له وهو يدنو منه:
_استعد.
إعتمد آدهم على أذنيه فتمكن من رصد حركة مراد وقبل أن يباغته بضربة كان آدهم يحتجز ذراعه، فابتسم الجوكر، وانحنى ينزع حذائه ووقف بجواربه، يخبره بثبات:
_دلوقتي دور عقلك يا آدهم، إنت عاشرتني والمفروض إنك تكون عارف طريقتي بالقتال عاملة إزاي، اتوقع أنا ههاجمك أزاي.... يلا إستعد.
أزاح الدماء عن شفتيه النازفة، وإستعد بكل قوته، فالجوكر ليس بالخصم الهين، يعلم بأنه لن يبذل كل قوته ضده ولكن القليل منه يكفي لقتله هو شخصيًا، استخدم أذنيه وعقله يستعيد سنوات التدريب التي خاضها برفقه من مستوى لأخرًا، وفجأة امسك بساقه التي كادت باستهدافه، دفعه آدهم للخلف، ففجأه مراد بلكمة منعها آدهم من ان تمسه، بينما يعود مراد للمرة الثالثة والرابعة وكل مرة ينجح آدهم بصد هجماته ببراعة جعلته يهمس بفخرٍ:
_هو ده تلميذي! اللي يستحق البطولة والتكريم.
انتصب بوقفته يحاول ضبط انفاسه الهادرة وجرحه الذي اشتد من فرط حركاته العنيفة، بينما يرتدي مراد حذائه والجاكت الخاص به، ثم دنى يخبره بغموض:
_وجودي هنا مش بصفة رسمية يا آدهم، أنا جيت لانك تعنيلي وإنت عارف كده كويس، علي شرحلي اللي بتمر بيه من غير، ما يقولي تفاصيل، وعشان كده أنا مهدتك دلوقتي بتدريب بسيط جدًا هيخليك تقدر تتكيف في حياتك العادية بين آسرتك، لكن اللي عايزك تعرفه إن حياتك مش هتقف على إصابتك دي، ولا الجهاز هيستغنى عنك عشانها، آدهم أنا واثق انك هترجع تشوف أحسن من الاول وبفترة اجازتك الرسمية من الوزير أنا هقطعها عليك وهخدك أدلعك، عشان كده أول الاسبوع تكون بالجهاز.
قال بحماس أعاد روحه الضائعة:
_لو عايز أجيلك من بكره هاجي.
ربت على كتفه بحنان وقال:
_لا جرحك لسه طاري وده اللي مخلنيش أضغط عليك دلوقتي، ده أولًا، ثانيًا المرادي مش أنا اللي هدربك.
تلاشت ابتسامته وصاح بدهشة:
_أنا مش عايز غيرك يا باشا، أنت قررت تتخلى عني!!
ضحك بصوته الرجولي الجذاب وقال:
_لا يا آدهم، قررت أدلعك ما أنا لسه قايلك من شوية، وبعدين متقلقش هتلف لفتك وهترجعلي بالنهاية لانك تحت قيادتي رسميًا، القائد اللي هسلمك ليه التلات أسابيع دول حركة مني من تحت التربيزة، أو إعتبره عقاب على أمر مباشر مني.
بدى مشتتًا بين حديثه المبهم، فسأله باستغراب:
_حضرتك بتتكلم عن مين؟
خطى جواره وقال بمكر:
_هتعرفه لوحدك لما هقولك إنه يقدر يقتل كتيبة كاملة من غير طاقة نور واحدة.
همس بعدم تصديق:
_الاسطورة!
اتسعت ايتسامته وهو يؤكد له:
_من أول الاسبوع هتكون تحت قيادته، أنا إديته أمر يدربك عشان بعد كده ميبقاش يعمل شغل مع حد من ورايا مع حد من فريقي.
ابتهجت معالم آدهم بسعادة، حتى أن عينيه أضاءت بوميض كأنه يرى الآن، فمازحه مراد بسخط:
_على فكرة أنا قاريك من مكاني هنا، فرحتك دي أغبي شيء اكتشفته فيك، إنت فرحان أنك هتعاشر إبليس! أنا افتكرتك هتقلق من التجربة اللي زنقتك فيها.
رد عليه بامتنان:
_بالعكس أنا عاجز عن رد جمايلك الكتيرة عليا، أنا فخور إني تحت قيادة حضرتك، فتخيل لما اجمع ما بين الجوكر والاسطورة في فترة تدريبي، أنا دي مكافاتي مش الترقية ابدًا.
ربت على كتفه وقال وهو ينسحب:
_أنا لازم أمشي، يا ريت تظبط دنيتك لاني لو وصلي شكوة من دكتور علي تاني متلمش الا نفسك.
وأضاف باستنكارٍ:
_بذمتك حد يناسب شخص زي دكتور علي ويزعله!
شعر بتأيب ضميره لما فعله، فاتبع مراد للخارج وقبل أن يستقل سيارته، ناداه قائلًا بخبث:
_باشا، لما تعوز تختبرني تاني إبقى غير ريحة البرفيوم بتاعتك!
اتسعت ابتسامته وهو يراقبه، وهتف:
_المرة الجاية حاضر، منك نستفيد يا عمر باشا!
وتركه وولج للسيارة التي يفتح بابها إحدى الحرس، غادرت السيارات سريعًا، فتسلل لآدهم الشارد بالفراغ صوت الخادم يخبره:
_ شمس هانم صحيت وبتخبط على باب الجناح، شكله مقفول من برة يا باشا!.
أشار له بالمغادرة وصعد للأعلى بثبات، وهو يستعيد كل خطاه السابقة، حاسبًا العد بين كل خطوة حتى وصل لباب جناحه، أخرج مفتاحه ووضعه بالباب يحرره.
******
اجتمعت العائلة أمام بوابة قصر "الغرباوي"، كانت البوابة باللون الأخضر الملكي، يحيطها بالجانب عدد من الأشجار، المزينة للمدخل، انفتحت البوابة وكانت سيارة" عُمران "أول من عبرتها، إتبعتها سيارة" أحمد" وبالخلف سيارة" علي".
مرت السيارات من مسافات ضخمة ملأتها الأشجار والمساحات الخضراء الشاسعة، مرورًا بعدد من الملاحق الخارجية، الخاصة بالحرس وخدم القصر، انتهاءًا بالقصر الملكي الذي يقع بمنتصف الحديقة، هبط عُمران يفتح الباب لمايا، هبطت تاني تحتمل على يده وهي تراقب تصميم القصر بعدما جدد عُمران تصميمه من جديد.
نظرات الانبهار تشكلت على الآعين بأكملها، وبالاخص"فاطمة"، التي شهدت تنفيذ لاحدى مشروعات عُمران عمليًا للمرة الاولى، ثنى علي ذراعه وقال مبتسمًا:
_بينا نستكشف القصر يا فطيمة هانم.
شبكت يدها به وقالت بحماس:
_جناحنا الأول يا علي، عايزة أشوف المكتب.
استمع لها عُمران، فترك زوجته واستدار لهما:
_عملتلك حتة مكتب هتدعي لأخوكِ عليه العمر كله يا فاطيما.
تساءل علي باسترابة:
_ومكتبتي؟
حك ذقنه النابتة يمنع ابتسامته من الظهور:
_بعدين نتكلم يا علي، بعدين.
وتركه ولحق بوالدته للداخل، بينما يهتف علي بقلق:
_شكله كنسنلي عشان مكتبك يا فطوم.
هزت كتفيها بدلال وابتسامة نصر:
_انا شغلي أهم يا علي.
غمز لها بحبٍ، وهمس:
_أهم وأغلي من حياتي كلها يا قلب علي، عمومًا لو عجبك إعتبريني ضحيت لأجل سعادتك.
ضحكت بخفةٍ، واتبعته للداخل، بينما يصعد الجميع للاعلى ليتببنوا القصر من الداخل.
*****
طرقت الباب بعصبيةٍ بالغة، وهي تصرخ:
_آدهــــــــــــم افتح الباب ده حالًا، إنت فاكر إنك لما تقفل عليا هقعد! افتح الباب ده.
حرر الباب بالفعل، وهو يحاول تهدئتها:
_بفتحه، إهدي يا شمس!
حرر الباب فاندفعت تجاهه تهدر بانفعال:
_إنت إزاي تحبسني بالشكل ده، أنت آآ...
انقطعت عنها الكلمات فور أن رأت وجهه ينزف دماءًا، أسرعت إليه بفزعٍ:
_آدهم أيه اللي عمل في وشك كده؟
راق له ملمس يدها الناعمة على وجهه، فابتسم وهو يخبرها:
_كنت بحاول انتحر، يمكن أصعب عليكِ وتفضلي معايا.
ابتلعت غصتها المؤلمة، ودفعته برفق للداخل قائلة بنبرة متحشرجة من أثر كبت بكائها:
_تعالى معايا.
إتبعها لمحل ما أرادت، جلس على الفراش، بينما تركض هي لحمام الغرفة، عادت بصندوق الاسعافات الاولية تجلس قبالته بتوترٍ، فسألته بارتباكٍ:
_آدهم تسمحلي أعقملك الجروح ولا هتضايق؟
تألم لاستاذانها منه للاقتراب، ولكنه تماسك وقال:
_على حسب، لو هتفضلي معايا ومش هتمشي هكون مالك ايديكِ، تعالجيني بقى تعاقبيني اللي تحبيه، لكن لو هتمشي فبلاها أحسن.
فتحت الصندوق من أمامها وبدأت تعالجه قائلة بسخرية:
_مكنش له داعي تقفل عليا أنا كده كده مش همشي، وخلاص أخدت قراري.
ابتهجت معالمه وقال بلهفة:
_وأيه هو قرارك يا شمس هانم؟
منعت ابتسامتها من الظهور جراء لقبها، وقالت بعزمٍ:
_هعاقبك وبنفسي يا كابتن آدهم.
قالتها وهي تضغط بقوة على جرح جوار حاجبه، فتأوه بألمٍ، وقال:
_بالراحة يا شمس، أخوكِ والع النار بيني وبين القائد، وقام معايا بالواجب على أكمل وجه.
تمعنت به باهتمام:
_مين عُمران؟
هز رأسه وهو يجيبها:
_لا دكتور علي، شكله كده كان هارش حالة الاكتئاب الغريبة اللي جاتني دي.
انتهت من تضميد جرحه، وتركت العلبة من يدها، إحتل الصمت الجناح، فقال بندم:
_شمس أنا عارف إني وجعتك ومهما قولت أو عملت مش هخفف عنك اللي حصل امبارح، أنا مش عارف أصلًا أيه اللي وصلني للحالة الغريبة دي، وآ...
قاطعت حديثه وقالت بمكر أنثى عادت لتأخذ حقها كاملًا:
_هنتكلم وهنتعاتب كتير كمان يا آدهم، بس دلوقتي إنت غلطت في حق أخويا، وبسببك مشي من عندي وهو زعلان مني، لو عايز تكسب جزء من رضايا تصلح علاقتك بيه وتضمن إنه ميكنش زعلان مني، أنا مش هقدر أتحمل زعل عُمران بالذات.
لمس الحزن بصوتها، هو من تسبب بالامر من البداية، لذا واجب عليه أن يرمم ما فعله.
سحب آدهم الأيفون الخاص به، يرفعه إليه وهو يهتف بتردد من وجودها:
_أبو نسب الوقح!
رمشت بعدم استيعاب:
_إنت مسجل أخويا وقح!!
منع ابتسامته من الظهور وقال ببراءة مصطنعه:
_مش أنا، ده آدهم خطيبك اللي سجله لكن اللي قدامك ده جوزك بعد ما قرب من الوقح واكتشف إنه حد كويس، وللاسف ملحقتش أغيره على فوني عندك استعداد تغيره اتفضلي تليفوني وأنا ملكك.
سيطرت على ضحكاته وهدرت بخشونة مقصودة:
_كلمه وخلص يا كابتن.
رد عليها بأمر عسكري:
_تحت أمرك شمس هانم.. مع اني مرتبك من رد فعله!
أتاه رد عُمران اللازع:
_نعـــم نسيت تضيف حاجة من واصلة قلة أدبك بتاعت إمبارح؟
كبت آدهم ضحكاته وقال:
_شمس رافضة تقبل إعتذاري الا لما انت تكون مش زعلان منها ولا مني، شوفت الدنيا لعبتها وجابتهالك على حجرك!
رد عليه بغموض:
_واخد بالي إنها جتني على حجري، وكنت متوقع إنها هتعمل كده والا متبقاش تربية عُمران سالم الغرباوي.
قال آدهم باستغراب:
_أيوه يعني نفهم أيه من النمرة بتاعتك دي؟
هتف بعزيمة مؤكدة:
_نص ساعة وجايلك، أتمنى بس تكون عقلت ولا أجيب معايا دكتور علي احتياطي!
_ليه شايفني بشد في شعري يا بشمهندس!
=لا إنت بس شكلك كنت شارب لأول مرة فعامله معاك عمايلها.. عمومًا متشتاقليش كتير، أنا في الطريق!
.......يتبع....
#االاقـــــــوى_قـــــادم...
#آية_محمد_رفعت..
*******______********
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 119 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الرابع_والتسعون.
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات Mansour Hassan،جودي محمد،فاطمة اسامة،اسراء سالم، إلهام محمد، ام هاني، فاطمة امارة، زهره ابراهيم، شهد محمود، ابرار محمد، هبة وجدى، ايه هشام،زهراء مدكور، امل الماحي،
Zekra zhmed, shima ahmed, hager samy diab, lmane Elhanafi - Wafaa Wahed ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أغلق هاتفه وولج للجناح مجددًا، فوجد زوجته تقابله بنظراتٍ غاضبة، ويديها تتربع فوق بطنها المنتفخ، جاهد ليبدو متماسكًا، ولكن رغمًا عنه ضحك على مظهرها المضحك، وبصعوبة قال:
_فكي إيدك إنتي من غير حاجة شكلك مضحك يا بيبي، فبلاش تزيدها!
وتابع وهو يتلوى من الضحك:
_بطريق تايه من القافلة بتاعته!
احتقنت مُقلتيها بغضبٍ، جعله يبدد ضحكاته وهو يهدر:
_آسف يا روحي، أنا بني آدم مزعج وأب غير مسؤول عارف.
وإتجه إليها يرفع ذقنها للأعلى، ثم مال يقبل جبينها بحبٍ، ومال يهمس لها:
_حبيب قلب جوزه متضايق من أيه؟ ده أنا أخرب الدنيا كلها لو حد بس يفكر يبصلك بطرف عين.
دفعته عنها وصاحت بنفور:
_إنت اللي مزعلني يا حضرة، إتفضل هاتي حقي بقى منك وحالًا.
أشار ببراءة مصطعنة لا تليق بشخصه الماكر:
_أنا يا مايا!! أنا زعلتك!
هزت رأسها بكل تأكيد، فتابع مبتسمًا:
_عنيا حاضر هجبلك حقك مني، إنتِ تؤمري أمر يا مايا هانم.
ظنته يسخر منها، ولكنها وجدته يتجه للمرآة المطولة بعرض الحائط، يقف قبالة نفسه، وبجدية تامة صاح:
_إنت يا حقير إزاي تجرأ وتزعل حبيب قلبي، مقالولكش إنها حرم عُمران سالم الغرباوي!!
وتابع وهو يشير لها بأنه يجدي حسنًا:
_لا مش هقبل أي إعتذار منك، اللي إنت زعلتها دي بنتي وروحي وقلبي وكل دنيتي، هعمل انا أيه بكمية الاعتذارات دي، راضيها هي ولو سامحتك هسامح، وتاني مرة لو كررتها هطلع روح أمك في إيدي.
انفجرت من الضحك وهي تتابعه بعدم تصديق، فاستدار يتأملها بابتسامة عاشقة، وقال:
_ها هترضي عنه ولا أسحلك أمه هنا؟
اقتربت منه تقابله بنظرة عاشقة، ومالت تتدلل عليه وهي تعقد جرافاته:
_على فكرة أنا مش زعلانه منه، أنا زعلانه منك إنت يا بشمهندس.
أحاط خصرها يقربها إليه، وقال:
_ليه يا حبيبي، عملتلك أيه بس، الجناح مش عاجبك طيب، أنا عاملك كل الألوان اللي بتحبيها وبتريحك، حتى الانتيكات، والاجهزة وكل شيء، قوليلي طيب أنا غلطت في أيه؟
سحبت يده وإتجهت به لمساحة الخزانة الضخمة التي خصصها بالداخل، كانت أغراضه الشخصية تأخذ حيز ضخم، وبالأخص عطوره وأحذيته والساعات المخصصة إليه.
وجدها تتجه للجزء المجاور لمساحاته، تضغط على الزر الاتوماتيكي، فانفتح من أمامها الباب الخاص بالخزانة، والذي خصص هذا الجزء بالتحديد لملابس صغيرها، تابعها عُمران وهي تشير له بحزن:
_إنت عامل متشنج مع ابنك وسايبني، جايبله بدل وهدوم صغيرة شبه هدومك، طيب وأنا!! يعني أنا أحمل فيه وأشيله ٩ شهور وفي النهاية ينزل يلبس زيك إنت، ليه بقى؟
انتقل برماديته بصعوبة عن الخزانه لها، ظن أنها تمزح ولكنها كانت تتحدث بجدية تامة، ودمعاتها تتلألأ بمُقلتيها، فقال مستنكرًا:
_يعني إنتِ زعلانه عشان اشتريتله هدوم شبه بتاعتي وحابب إننا نلبس شبه بعض، زعلانه إني كجولت إبنك يا مايا!
أكدت بعصبية بالغة:
_وليه ميلبسش على ذوقي أنا ولا أنا ذوقي بلدي وميعجبكش يا بشمهندس!
وتابعت وهي تسحب إحدى الحقائب الموضوعة جانبًا:
_أنا على فكرة اشتريتله هدوم كتيرة جدًا، طلبتها أون لاين، وذوقهم حلو مش وحش.
اقترب منها وقال:
_مين اللي قالك ذوقك وحش!
تجاهلته وجلست على الأريكة الصغيرة، تفتح الحقيبة من أمامها، فانحنى أرضًا يخفض الحقيبة لتتمكن من رؤيته، تعمق بعينيها وهمس بمكرٍ:
_ذوقك وحش إزاي وأنا إختيارك يا بيبي!! لا إنتِ ظالمه نفسك أوي، أي واحدة هتشوفني جنبك هتقسم إنك ذوقك عالي وحلو جدًا جدًا.
استغلت انه ينحني على ساقيه ودفعته بغضب:
_أنت مغرور ووقح يا عُمران، وعلى فكرة مش هيلبس غير اللي انا اشتريته، إبني وأنا حرة فيه سامع!
ضحك بصوته كله وكلما جاهد للحديث عاد لنوبة الضحك، فتمدد على السجاد الفخم من أسفله، وقال:
_عارفة لو حد تاني اللي زقني الزقة دي، كنت طلعت عين أمه، بس عندك وكل حاجة بمتلكها بتتلاشى قدامك!
تجاهلت ما يقول وأخرجت الملابس من الحقيبة، ثم إتجهت للحزانة، تحاول تعليق الملابس على الشماعة، ولكنها كانت مرتفعه عنها للغاية، جذبت المقعد وحاولت الصعود إليه، ولكنها تفاجئت به يحملها ويعود بها للجلوس على الأريكة، قائلًا:
_كده خطر عليكِ وعلى البشمهندس اللي مبسوط موت من خناقتك ليا ده، ارتاحي أنا هعلقهم بنفسي.
والتقط منها ما تحمله وأبعد الملابس الذي اشتراها جانبًا، مخصصًا مكان لما اشترته لاجل صغيره، كانت يتأمل كل قطعة بابتسامة جذابة، حتى انتهى مما يفعله، فاستدار يخبرها بصدق:
_على فكرة الهدوم اللي اشتريتها أحلى من اللي جبتها وهتكون مريحه ليه أكتر، تحسيها هدوم بيبهات كده، لكن أنا معرفش ازاي جبت لبيبي صغير بدل كلاسيكي!! هيلبسها ازاي دي!!
إمتص كل الغضب الذي بداخلها فابتسمت وقالت:
_عادي هنخلي المريح للبيت و لما يخرج معاك في أي مناسبة هنلبسه شبهك بالظبط، هتبقوا كيوت أوي!
أغلق الخزانة واستدار يتطلع لها بنظرة طالت بكل العشق الذي حمله لها، يطوف قلبه قلقًا وخوفًا لا يعلم مصدره، ارتابت مايا لشروده الطويل بها، فتسائلت بقلق:
_في أيه؟
رسم ابتسامة هادئة، وفرق ذراعيه هامسًا:
_تعالي يا مايا.
نهضت تتجه إليه، فضمها بقوةٍ، وكأن الموت ينتظره على باب جناحه، شددت من تعلقها به وهي تشعر بأن هناك أمرًا ما، فهدرت بخوفٍ:
_إنت فيك حاجة؟
طرد عنه كل شيء وقال يمازحها:
_دايخ من سحرك بس.
ابتعدت تطالعه بشكٍ، فضحك وهو يخبرها:
_إنتِ سحرك بيغريني في التوقيتات الغلط، المفروض إني أبدأ أجهز عشان سفري، بس الأول هعدي على شمس والكابتن الغبي جوزها.
لحقت به وهو يتجه لخزانته، يجذب احدى البذلات الفخمة وحزامه الباهظ، ثم انحنى ينسق حذاء يليق به، تابعته مايا بقلقٍ، فحاولت طرده عنها وبدأت بالحديث معه:
_هتأخد مين معاك؟ فاطمة هتيجي؟
سحب المنشفة الخاصة به، ومستلزماته الخاصة قائلًا:
_لا فاطيما مينفعش تيجي معايا مشوار زي ده، جمال اللي مصمم يجي معايا، مع إنه مطلوب منه شغل كتير أوي، هيأجله لبكره وهيبقى مجهود كبير عليه بس هنقول أيه غبي هو التاني ودماغه مش بتلين لحد.
هزت رأسها بخفة، وقالت مبتسمة:
_ربنا يوفقك يا حبيبي.
سحب كفها يقبله، وخطى بها لجوار خزانته، ومن ثم ضغط على زر جانبي، فوجدها تردد بذهولٍ:
_ده الحيطة!!!
ابتسم وهو يسحب الباب الشبيه بالحائط:
_لا ده جزء من دولابي، خصصته ليكي بعيد عن الخزانة بتاعتك، طقمتلك كام فستان معانا أنا والبرنس.
وأحاط خصرها مستندًا بذقنه على رقبته ليترك لها فرصة تأمل ما اشتراه لاجلها، بينما يهمس:
_مش أنا والبيبي اللي هنطقم بس، مش معقول أنسى حبيب قلبي... الحب الأول قبل التاني وإنتي حبي الأول وهو الحب التاني!
تركته وولجت للخزانه الضخمة تتفحص الفساتين الفخمة من امامها، اتسعت ابتسامتها فرحة واعجاب بما رأته، فعادت تركض إليه، إلتقفها بسن ذراعيه بينما تردد بسعادة:
_تحفة أوي، كل فستان أشيك وأحلى من التاني، والأفضل من كل ده إنك افتكرتني، أنا بحبك يا عُمران.
غمست أصابعه بين خصلاتها المفرودة، يقربها إليه، ويهمس بتوترٍ اجتاحه فجأة:
_حبك ده اللي بيقويني يا مايا، ومهما ببعد برجع مشتاق ودايب في غرامك.
ثم أبعدها وهو يحذرها بمزح:
_كفايا رومانسيات هتأخر كده، اتفرجي على الفساتين براحتك وسبيني أستعد.
وتركها تعود للخزانة بلهفة، ثم ولج للحمام الخاص بجناحه، اغتسل ووقف أمام المرآة يعيد ترتيب حلاقة ذقنه بتهذيبٍ، وحينما انتهى وقف يتطلع لذاته قليلًا بشرود، أنفضه عنه وخرج يرتدى بنطاله وقميصه الأبيض المطوي، ثم وضع الجرفات، وارتدى خاتم زواجه الموضوع على السراحة، ثم ارتدى ساعة يده الثمينة، وفور أن انتهى من تصفيف شعره ارتدى جاكيته.
استعد للمغادرة فوجدها تتجه إليه وتقدم له الجرفات الخاص به ببسمة واسعة، أشار لما يرتديه قائلًا:
_لبست خلاص يا حبيبتي.
استدارت له وقالت بضحكة خبيثة:
_دي ليا مش ليك يا بشمهندس.
ضحك بصوته الرجولي ولملم خصلاتها، قائلًا:
_آه ده أحنا خدنا على كده بقى، أنا اشتري بالدولار وإنتِ تربطي بيهم شعرك!
رفعت رأسها إليه وقالت بتذمر:
_مفيش حاجة خسارة فيا.
انحنى يقبل جبينها المرفوع تجاهه:
_مال الدنيا كله تحت رجليكِ يا بيبي.
ابتسمت وعادت تتطلع للامام،لحين أن ينتهي من عقدها، فعقدها على شكل فيونكة مثلما تحب، وسألها باستغراب:
_مش دي الكرفاته اللي أنا لسه قالعها!
هزت رأسها بتأكيد:
_شوفت إني بحافظلك على حاجتك النضيفة وبستعمل اللي بتقلعه ازاي.
ضحك على مكرها ومال يتعمق بعينيها كأنه جهاز كشف الكدب:
_يعني مش عشان محتفظة بريحة البرفيوم بتاعي!
نفت ذلك قائلة بسخرية:
_ما البرفيوم بتاعك كله قدامي هنا، لكن التركيبة اللي بترشها اللي بتعجبني، ألقطها منك في مرة بس وهعيش بقى.
توالت ضحكاته مستمتعًا بحديثها، سحب "عُمران" هاتفه ومتعلقاته الشخصية، ثم قال:
_يدوب أتحرك... سلام مؤقت يا بيبي.
أحاطت عنقه وقالت بقلقٍ:
_ممكن متعملش موبيلك صامت، وتطمني لما توصل.
ضم وجنتها بيده وقال:
_حاضر، بس خلي بالك إنتي من نفسك وارتاحي، الجناح كبير جدا وهيحتاج منك وقت عشان تستكشفيه فبلاش تضغطي نفسك النهاردة، الايام جاية كتير.
هزت رأسها في طاعة، فخرج ساحبًا باب الجناح من خلفه، فكان بطريقه للهبوط حينما ناداه "علي"، دنى منه وملامحه مطعونة بالغيظ والغضب.
حك عُمران أنفه يخفي ابتسامته، وقال ببراءة وجدية مصطنعان:
_خير يا دكتور.
سحبه جانبًا واستدار يطمئن ببعد المسافة بينه وبين زوجته التي تتجه إليهما:
_بقى تخصص مكتب ليها في مساحة ٤٠متر، وأنا تعملي المكتبة بتاعتي في ١٠ متر!!!! أنا كنت بحلم بالمكتبة دي وقولتلك مواصفاتها من أول ما بدأت ترمم القصر وتجدده، حصل ولا لأ يا أفشل مهندس خرجته كلية الهندسة!
تمردت ضحكات عُمران وهو يتابعه يضيف:
_دي مكتبة أوضتي في لندن أكبر منها بكتير، إنت أكيد بتهزر معايا صح!!
غمز له وقال:
_فاطيما وصلت، تحب ردي عليك يوصلك قدامها ولا نأجل؟
استدار يتفحص قرب مسافتها منهما، وأشار بسخط:
_أجل يا فاشل، أجل!!
أسرعت فاطمة إليهما، والابتسامة تنير وجهها الجميل، تتجه لعمران بالتحديد وبكل امتنان قالت:
_عُمران المكتب جميل أوي أوي، أنا مش عارفة أشكرك ازاي، إنت منستش أي حاجه فيه، انا حاسة إني مش عايزة أخرج منه أبدًا أبدًا، وأجمل ما فيه الروم المخصصة لاجتماعات الاون لاين، بجد تصميمها تحفة ومريحة جدا، شكرًا ليك بجد.
منحها ابتسامة هادئة وقال:
_مبسوط إنه عجبك يا فاطيما، تستاهليه وتستاهلي أفضل من كده كمان.
وتابع وعينيه تتراقص بمكر على أخيه الذي يتابعه بغضب:
_بس مقولتليش أيه رأيك بالجزء اللي خصصتهولك في مكتبك؟
زوت فاطمة حاجبيها، وتساءلت في دهشة:
_جزء أيه؟
كبت ضحكاته بصعوبة، وقال وهو ينابع تأثر ملامح أخيه:
_أخدت عشرة متر من مساحة المكتب وعملتلك فيها مكتبة، لإني عارف انك بتحبي الكتب جدًا.
انبهرت فاطمة بما قال، بينما كاد علي أن يصاب بذبحة صدرية من شدة صدمته، رددت فاطمة بفرحة مضاعفة:
_يعني المكتبة اللي جوه دي ليا أنا!!
اكتفى بإيماءة من رأسه، حتى لا ينكشف ضحكه الشديد على وجه أخيه الممتقع بالاحمرار، وحينما استعاد ثباته قال:
_تعالي وأنا هوريكي كام حاجة سرية جوه المكتب هتعجبك أوي.
سبقته بكل حماس:
_بسرعة وريني.
لحق بها واستدار يشاكس أخيه:
_مش هتيجي معانا ولا أيه يا علي؟
تحرك إليه يسدد له لكمه قاسية، انحنى عُمران يتفاداها وصاح بضحك:
_عيب يا دكتور، أعقل كده وبطل حقد، حد يغير من مراته يا جدع!! بص وشوفها سعيدة ومبسوطة ازاي!
دفعه "علي" للحائط، وصاح من بين اصطكاك أسنانه:
_بقى أنا تعمل معايا كده يا عُمران، ماشي يا وقح مــــــــاشي!!!
ضحك بصعوبة حديثه:
_إيدك والبدلة يا علي، هحضر بيها مؤتمر مهم!
رد عليه بسخرية:
_متستحقش مؤتمرات ولا المهرجنات اللي عملينها عشانك دي لانك مهندس فاشل يالا!
وتابع وهو يتفحص زوجته ثم يعود له:
_بقى أنا يبقى عندي مساحة ٥٠ متر فاضيه جوه الجناح تعملها كلها مكتب لشغلك يا متسلط، طيب كنت خصصتلي حتى عشرين متر! كتبي اللي هتعطلك شغلك يعني يا أفشل مهندس أنجبته مصر!
فشل عُمران بالسيطرة على ذاته، فمال على كتف أخيه يضحك حتى أدمعت عينيه، ضحك علي رغمًا عنه، ومال فوق رأسه يهتف باستنكارٍ:
_بتضحك! شكلك بقيت بتعز فاطمة أكتر مني!!
واستطرد وهو يلتفت تجاه زوجته التي تشير لهما بالقدوم، وقال بجدية:
_بس منكرش إن سعادتها بالمكتب مفرحني، فهسكت عشانها بس.. تعالى نشوف الاماكن السرية اللي عملتها، إياكش تكون فاكر أخوك بمترين يعين فيهم كتابين حتى!
نصب عوده بعدما أزاح دموعه التي سقطت من فرط الضحك الهيستري، وربط على كتفه يخبره:
_متقلقش هفاجئك!
منحه نظرة ساخطة واتجه للجناح متمتمًا:
_مش عايز أتنيل أتفاجئ، كفايا أوي لحد كده!
إنهار من الضحك وهو لا يصدق أن الذي يواجهه هو علي شقيقه، كان يعلم أنه مهووس بالقراءة والكتب ولكن لم تصل به الرؤية لتقييم مدى حبه لها.
ولجوا معًا للجناح، حيث كان مقسمًا لمساحة ضخمة احتوت سرير كيير، وصالون كامل، يحده شرفة كبيرة تطل على الحديقة، وعلى جانبيه مدخل لغرفة كبيرة المساحة صنع فيها نفس مقاسات خزانة غرفة عُمران، ولجوارها حمام كبير للغرفة، وبالجهة الاخرى مدخل يخص مكتب "فاطمة" .
أخفض عُمران عينيه عن الاغراض المبعثرة على الفراش، فقد بدت ان فاطمة كانت ترتب ملابسها داخل الخزانة، اتبعها لغرفة المكتب، واستدارت إليه تصفق بلهفة طفلة يكتشفها "علي" بزوجته للمرة الاولى:
_وريني الاماكن السرية!.
اقترب عُمران من الحائط المصمم باللون الأبيض، وبنفس الجزء الذي خصصه خزانة سرية لملابس ومجوهرات زوجته، ضغط عليه فانفتح من أمامها، فوجدت خزنة صغيرة داخلها، وعدة رفوف فارغة.
جحظت عينيها بانبهارٍ، وهتفت بلهفة:
_ورايني لوحة تصميم أوضة المكتب عايزة أشوف ازاي حطيت التفاصيل دي كلها!
أغلق الخزانة واستدار مبتسمًا:
_بكره في الشركة هوريهالك حاضر، بس تحتفظي بيها بعيد عن أي حد دي أسرار شغل.
قالها وهو يشاكس علي بنظراته، بينما يستطرد:
_الخزنة دي بقى تقدري تحتفظي بيها بمجوهراتك ومرتبك اللي بتخديه كل شهر، مهو إنتِ لازم تأمني نفسك يا فاطيما، مسمعتيش عن الرجالة اللي بتسرق فلوس مرتاتهم!
ضحكت بملء ما فيها، بينما ابتسم علي ببرودٍ، لن يصل لما يريد ان يجره أخيه إليه، بل اقترب إليه يلف ذراعه من حوله، مستغلًا فرق الطول بينهما، وقال:
_لا سمعت عن الأخ اللي حبس أخوه في مستشفى الامراض العقلية، عارفها ولا تايه عنها يا ميرو!
وتابع وهو يشير إليه:
_أمال أخوك فين من الليلة دي كلها!!
أزاح يده عنه ومنحه نظرة غرور، ثم اتجه للجانب الاخر يفتتح جزء أخر ويشير لفاطمة بوجود براد صغير ومكان مخصص للملفات، وفتح المكتبة دن جديد لها.
تركها "عُمران" تستكشف ما فُتح أمامها، وعاد لاخيه يشير له، هاتفًا:
_مقولتليش أيه رأيك في الجناح؟
أجابه بجدية تامة:
_جميل ومرتب جدًا، حتى ألوان الدهانات هادية ومريحة للعين جدًا، تسلم دماغك انت وفريقك يا بشمهندس.
منحه ابتسامة هادئة، وقال:
_تعالى معايا.
اتبعه "علي" للخارج، فوجده يتجه لخزانة الملابس الضخمة، مستهدفًا الجزء الخاص بأخيه، ضغط على الحائط المجاور للخزانة، فانفتح باب حجري جوار الخزانة، وظهر فيه تجويف داخلي، يبرز درج أبيض، صغير ملتوي بشكل حلزوني، ولج علي من خلفه وهو يتساءل بدهشة:
_ده أيه يا عُمران؟
صعد للاعلى وقال:
_تعالى بس.
لحق به للاعلى، والآخر يقول بمكر:
_مش كنت بتسأل الدور التالت فيه أيه، هوريك.
تخشب بمحله وهو يبرق بدهشةٍ وعدم تصديق، لقد صنع له عُمران مكتبة كاملة على مساحة جناحه بالكامل، مكتبة امتزجت باللون الأزرق والأبيض، رفوفها تمتد من أرضية الغرفة لأعلها، تحمل المئات من الكتب بكافة المجالات!
دارت رأس "علي" في المكان الشاسع من حوله بانبهارٍ ودهشة، وسعادة ارتسمت على عينيه قبل أن تصل لشفتيه، كل عدد من الرفوف كانت تحمل لافتة تدون أعلاها المجال المخصص به الكتب، كالطب النفسي وغيره من الروايات والكتب المترجمة، كل ما تمناه يجده أمام عينيه، يحتاج فوق عمره عمرًا ليتمكن من قراءة كل تلك الكتب، يشعر وكأنه يود أن يحتبس داخلها ليمضي بين صفحات تلك الكتب، ولكن كيف سيصعد للاعلى!
سقطت رماديته على الدرج الالكتروني الموضوع بزواية الرفوف بشكل ابداعي، يمكنه من الصعود لأي رف يريده، وما جذبه كليًا وجود جزء مخصص للمشروبات وقد وضع فيه القهوة والمشروبات المحببة له.
استدار تجاه عُمران فوجده يراقب كل رد فعل منه بابتسامة واسعة، وحينما التفت إليه سأله:
_ها أيه رأيك؟
ازدرد ريقه بصعوبة وقال:
_مفيش بعد كده! إنت أخدت أحلامي كلها ورمتها في المكتبة دي!
وتابع وهو يعود لتأمل مساحتها:
_مساحتها كبيرة أوي اوي.
رد ببسمة جذابة:
_يمكن لان دي مساحة جناحك كلها مثلًا..
استدار، إليه يهتف بعدم تصديق:
_معقول!!
أكد له بايماءة من رأسه، ولكنه لم يراها فمازال مأخوذ من جمال ما يراه، إتجه عمران للحائط الخارجي حرر الزر الجانبي، فانقسم الحائط الخشبي نصفه يصعد للاعلى والنصف يهبط للاسفل، فبرز من أمام علي حائط زجاجي يطل على حديقة القصر، كأنه يجلس بمنظر طبيعي خالد لا يحمل سواه.
اتجه إليه وهو يتفحص جمال المنظر المحيط به، بينما يردد عمران ساخرًا:
_كده مش فاضلك غير الرمادي يحضر هنا ويخطفك لارض البلاغة، بس عشان أنا مستغناش عنك عملت الازاز ده.
تطلع له بنظرة ممتنة وبدون أي حديث ضمه إليه وهو يقول:
_دي أروع هدية أتقدمتلي، المكان جميل بشكل مخليني عاجز أشكرك.
ضمه عُمران بقوة، وهو يستشعر فيه الأمان، وكل مشاعر الابوة التي حُرم منها، ولم يبتعد الا حينما دق هاتفه، برقم شمس التي ظنته لن يأتي، اغلق الهاتف ووضعه بجيب جاكيته، فسأله علي باستغراب:
_مردتش عليها ليه؟ إنت لسه زعلان منها؟
رفع رماديتاه له وقال بهدوء:
_مبعرفش أزعل منها يا علي، أنا هعدي عليها قبل ما أسافر فمالوش داعي كلام التليفونات ده بقى.
وتابع وهو يتجه للحائط الداخلي:
_سيبك وتعالى بقى أوريك أحسن حاجة عملتها هنا، ما أنا بردو منستش نفسي.
لحق به علي فوجد الحائط الفاصل بين المكتبة والغرف الاخرى الخارجية يتحول لحائط زجاجي مشابه للخارجي، وبدى من خلفه غرفة ضخمة بنفس مساحة المكتبة، تقع فوق جناح عُمران، تحتوي على عدد مهول من الاجهزة الرياضية.
فتح عمران باب زجاجي بمنتصف الحائط وولج يشير له:
_عملت الباب ده مخصوص عشان عارف إنك بتقضي وقت طويل في القراية، وانا كمان بقضي وقت طويل في الجيم، فكده مش هنبعد عن بعض يا أبو علي! إنت بتقرى وأنا بتمرن وشايفك.
ابتسم علي وقال باعجاب:
_طلعت فعلا مهندس شاطر، اعتقد انك تستحق أكون فخور بيك.
ضحك وأجابه بمشاكسة:
_مجبر تكون فخور، أخوك مش أي حد.
ضربه بخفة على كتفه وغادر للجهة الاخرى قائلًا:
_مغرور... انا راجع مكاني المكان هنا يقفل النفس.
لحق به هادرًا بضحك:
_بتكره الرياضة والاجهزة بشكل بيستفزني أمرنك مرة.
جلس على الاريكة الناعمة وجذب اقرب كتاب إليه:
_مش هتقدر، أنا مبسوط بنفسي كده.
فتح الكتاب وسرعان ما انغمس فيه بشكلٍ أدهش عمران، فهز رأسه بضجر من اهتمامات أخيه الغريبة، جلس جواره يراقب الصفحة التي جذبت انتباهه فذم شفتيه بتهكمٍ:
_يا أخي ده انا بيطلع عيني لحد ما بخلص الملفات أو وقت مراجعة الحسابات، هموت وأعرف بتحب القراية ازاي!
لم يستمع له من الأساس، كان قد غرق فيما يحمله، سحب عمران الكتاب وقال ببسمة مستفزة:
_أنا ولا الكتب يا علي؟
راقبه بنظرة هادئة، وسرعان ما ربع يديه أمام صدره يخبره:
_وقت التمرين ولا خروجة معايا؟
ترك الكتاب وقال بكل جدية:
_القعدة معاك أجمل من مليون تمرين، كلامك وطباعك كلها بالنسبالي مفيش مقابل يتحط في ميزانك.
ابتسم علي ومال يهتف بنفس صياغته:
_وأنا مفيش كتاب يقدر يسحلني عنك حتى لو في كتب بتنجح إنها تسحلني، شوفت بابا علي شخص راقي ويتحب إزاي؟
اتسعت ابتسامته وقال بصدق:
_يتحب لانه دكتور شاطر فاهم في الناس كويس أوي، عشان كده أنا هرمي اللي في دماغي من نحية آدهم وهديله فرصة تانية، بناء على تقييمك لشخصيته.
قالها وانتصب بوققته يتفحص ساعة يده:
_يدوب أتحرك... خد راحتك إنت بقى مع الكتب.
منحه ابتسامة جذابة وسحب الكتاب يعود لقراءته، هبط عمران درجتان من الدرج ومازال أخيه يظهر من أمامه على الأريكة، صعد مجددًا واتجه إليه يناديه:
_علي.
رفع عينيه إليه بدهشة من وجوده، ارتبك عمران وابتلع نص حديثه، كان يود أن يخبره بأنه ان حدث له أمرًا ما لا يتخلى عن زوجته، كان يود أن يضعها بامانته هو وابنه، يوصيه خيرًا بها، ولكنه خشى أن يقلقه، أو ربما بعد ما سيقوله سيمنعه من الذهاب لخوفه الشديد عليه، وبالنهاية أخيه لن يحتاج منه توصية ليفعل ما يفعله لنبل أخلاقه السامية.
نهض علي عن الاريكة واتجه اليه يناديه للمرة الثالثة:
_عمران روحت فين؟.
تنحنح بخفوت، وبارتباك رد:
_لا ابدًا سرحت شوية، همشي بقى.
أوقفه علي هادرًا:
_كنت عايز تقول حاجة واتراجعت.
زفر بضيقٍ اعتراه:
_يووه يا علي، مش قولتلك بطل تحطني تحت المجهر بتاعك.
ابتسم وربت عليه:
_خلاص متزعلش، حسيت بس إنك حابب تقولي حاجه، هقولك انا يا سيدي حاجة نسيت اقولهالك ولا تزعل.
وتابع وهو يشدد على حديثه بقلق:
_خد بالك من نفسك، تقضي مشوارك وترجع على السريع.
هز رأسه بخفة، وغادر على الفور، بينما عاد علي يقرأ الكتاب الذي جذبه كليًا.
خرج عُمران من الباب السري، فوجد زوجه أخيه قبالته:
_انتوا رحتوا فين أنا بدور، عليكم من ساعتها، وفين علي؟
تنحى عن الباب وأشار لها:
_فوق عند ضرتك.
جحظت عينيها صدمة:
_عند مين؟
كبت ضحكته وغمز لها على الدرج:
_اطلعي اتعرفي عليها.
هرولت فاطمة على الدرج وهي تصيح بغضب أضحك عمران الذي استكمل طريقه للاسفل وهو يصفر باستمتاع بينما تصرخ هي:
_علــــــــــــي!!!!
انتفض محله فزعًا، وسقط الكتاب منه أرضًا، وهو يتابع صراخ فاطمة باسمه بجنون، حتى استقرت قبالته، فتابعت المكتبة باعجاب وقد تفسر لها قول عمران، بالفعل من تتمكن من أخذ عقل زوجها وكيانه ضرة، إذًا الكتب ضرتها الجديدة هنا، استدارت ضاحكة ومستهزئة بحديثها:
_عنده حق عُمران لما قال إن الكتب ضرتي التانية!
******
تركت الهاتف من يديها ودموعها تنشق عن زُرقتها، فاض بها الصمت فخرجت عنها شهقات ذبحت صدرها بنغزاتٍ مؤلمة، ضمت وجهها بيديها تبكي على قلة حيلتها.
اخترق صوتها حمام الجناح، حيث يستكين أسفل مياه الدُوش لفترة لم يعلم طولها، وحينما تسلل له صوت بكائها أغلق المياه وهو يهمس باسترابةٍ ولهفة:
_شمس!
جذب المنشفة خاصته، بعدما تمم ارتداء بعضًا من ملابسه، لفها من حوله، وخرج يناديها بهلعٍ، وريبة، حتى وصل لمحل وصولها، اعتمادًا على صوتها الباكي.
لامست كفيه جسدها، فجذبها لتقف قبالته:
_مالك يا حبيبتي؟ فيكِ أيه؟
دفعته بعيدًا عنها وصرخت باكية:
_كل ده بسببك، أخويا عمره ما زعل مني بالشكل ده، عمره ما تجاهل مكالمة ليا! عمري ما هسامحك يا آدهم.
وتركته وإتجهت للأريكة القريبة من الشرفة، تجلس من فوقها باهمالٍ، والفوضى تسري بداخلها قبل أن تملأ نفسها، إتبعها آدهم وجاور جلستها، قائلًا بنبرة صوته الرخيم:
_عُمران مزعلش منك يا شمس، هو أكيد مشغول، وبعدين ما أنا كلمته قدامك وقالي نص ساعة وجاي، زمانه على الطريق إن شاء الله.
واستطرد يبث الطمأنينة لها:
_متقلقيش أنا مش هخليه يزعل منك، هشيل أنا الليلة لإني السبب في كل اللي حصل ده، إنتِ مالكيش أي ذنب.
ازاحت دموعها وهدأت شهقاتها، انتقلت إليه وقالت:
_طيب كلمه وأكد عليه يجي.
مد يده حتى لامس كتفها، فضغط برفقٍ:
_حاضر هكلمه، بس هاتيلي لبس من دولابي.
زوت حاجبيها بعدم فهم لمصدر حديثه، فرددت باستغراب:
_لبس!
تلقائيًا انخفض بصرها إليه، فابتعدت وصراخها أضحكه بشدةٍ، بينما تصيح بضيق:
_إنت إزاي تخرج كده يا محترم!
أجابها بتلقائية مضحكة:
_عايزاني أخرج إزاي وأنا سامع صوت عياطك من جوه يا نكدية! أنا خوفت تكوني بتشاوري نفسك تاني تخلعي مني، الحمد لله إني لاقيت حاجة أستر بيها نفسي أصلًا في التوقيت ده.
لوت شفتيها بتهكمٍ، رغم أنها ابتسمت لحديثه:
_أخلع! (ألفاظ متدنية!) low words
تناست كل شيء بحديثها المتبادل معه، فكان سعيدًا لذلك، شاكسها آدهم وهو يمسك كفها الناعم:
_هتخلعي وتسيبي الكابتن محتاس من غيرك يا شمس! يهون عليكي العيش والمغامرات اللي بينا؟؟ ده أنا اتمرمطت عشان أطولك مرمطة متمرمطهاش أي عريس في مصر، وكله كوم وحماتي العقربة اللي بتلبس في أخوكي دي كوم تاني، فمستحملش انا كل ده وتخلعي إنتِ في الآخر!
تعالت ضحكاتها وهي لا تصدق أنه يتحدث بتلك النبرة المضحكة، بل تدللت هاتفة:
_تستاهل أكتر من كده كمان، عشان تعرف قيمتي.
نجح بسحبها إليه مستغلًا عدم شعورها به:
_أيه السواد اللي مالي قلبك ده كله يا شمس هانم، أمال لو بتكرهيني هتتمني ليا أيه؟
تعمقت بعينيه بعشقٍ، ليته يعلم أن حبه تمكن منها بشكلٍ جعلها كفيفة عن رؤية أي رجلًا سواه، صمتها شرح له كل شيءٍ بوضوحٍ، فاقترب يستغل تلك الفرصة.
غرقوا معًا لحظاتٍ، أنهتها "شمس" حينما دفعته ونهضت من جواره تتطلع له بضيقٍ، كادت أن تستسلم له بعد ما فعله! ، اعتدل بجلسته يحاول تحديد محلها من صوت أنفاسها الصاخبة، تحرر صوته المتحشرج:
_بتبعدي ليه يا شمس؟ أنتِ إختارتي تسامحيني ونكمل مع بعض من جديد، ولا غيرتي قرارك؟
رمقته بأعين دامعة، ولكنها لم تسمح لها بالتسلل لصوتها:
_قولتلك هفضل جنبك، بس مش معاك يا آدهم، وزي ما طلعت من الجناح واخترت تقعد في أوضتك القديمة، هتكمل فيها لحد ما أنا أسمحلك ترجع هنا تاني، ودلوقتي اتفضل خد هدومك وآطلع فورًا.
تخشبت ملامحه لوهلةٍ، حتى تدارك الأمر فابتسم يردد بسخط:
_ كوكتيل انتقام برعاية تربية الطاووس الوقح ودكتور علي اللي اتصدمت إنه أخبث من عُمران نفسه، رباني عن طريق القائد وهو متدخلش بأي شكل من الاشكال، أستاذ ورئيس قسم، فهتوقع أيه من شمس هانم الغرباوي غير كده مثلًا!
كبتت ضحكاتها بصعوبة، ممتنة لعدم رؤيته لها، بينما تخبره بصرامة:
_يلا خد هدومك وإطلع بره..
استقام بوقفته واقترب منها يعاتبها بنبرة صوته المغرية:
_ مفيش بنوتة كيوتة وقمراية زيك كده تقول لجوزها بكريزمته وهيبته دي خد هدومك واطلع بره، يرضيكِ، إحترمي رتبتي طيب!
تراجعت للخلف وهي تهتف ببسمة رقيقة:
_مش لما تحترم إنت نفسك الأول يا حضرة الظابط، انا سمعت في التليفزيون كتير أوي بيقولوا للظابط لما بيتعرض للهجوم ياخد له ساتر من الرصاص، فخد لك ساتر انت كمان من غضبي يا كابتن.
تابع تقدمه منها معتمدًا على صوتها:
_أممم، ده شغل أفلام يا حبيبتي، عندنا الظابط بيكون شجاع وبيهاجم هدفه على طول من غير سواتر!
احتبسها الحائط من خلفها بينما يرنو إليها، مرددًا بسخرية:
_ها يا شمسي، هتديني هدوم ولا هتسبيني أخد برد!
كادت بأن تدفعه ولكنها استمعت لصوت طرقات باب الجناح ومن خلفه صوت عُمران يناديها:
_شمس.
خفق قلبها بسعادة كبيرة، فدفعته للخلف وهرولت راكضة تصيح بفرحة طفولية:
_عُمــــــــــران جيــــــــــــه...
فتحت الباب بابتسامتها المشرقة، ولم تدع له أي كلمة يفتتح بها مقابلتهما، بل اندفعت إليه تنزوي بين ذراعيه وهي تهتف ببكاء لم تعلم كيف أتاها وكانت في قمة سعادتها منذ أن استمعت لصوته منذ دقائق:
_الحمد لله إنك جيت، كنت هموت من الحزن لما تجاهلت مكالمتي، خوفت تكون زعلان مني وبتعاقبني يا عُمران.
ضمها برفقٍ، وهو يمسد على شعرها بحنان، ثم قال:
_وحتى لو زعلان منك عمري ما أتجاهلك يا شمس، قولتلك قبل كده إحنا مش أصحاب عشان ابعد واتجاهلك، إنتِ بنتي وأختي وحبيبتي.
وأبعدها عنه يطالعها بحنان، وتساءل:
_أنا جيت اشوفك قبل ما أروح لجوزك الغبي ده، المهم طمنيني ضايقك أو عملك حاجة؟
توسعت مُقلتيها في خجلٍ، وهي تحاول الاشارة له أن آدهم بالداخل، فاذا بصوته يتحرر:
_جوزها الغبي حاضر بالفعل هنا يا وقح!
وتابع وهو يشير له:
_شرفنا بحضورك الكريم، اهو نسمعك كويس وإنت بتفتتح التحقيق واللفظيات.
أبعد شمس عنه، وولج للداخل يتابعه بنظرة تقييمية، فهدر بضحكة ساخرة:
_فاكر نفسك إنك كده مغري يعني وهتخليها تسامحك!
تمردت ضحكات آدهم رغمًا عنه، وصاح:
_أختك القاسية سايباني أخد لطشة برد عقاب ليا على اللي عملته امبارح معاك ومعاها، بتحايل عليها بقالي ساعة تديني هدوم وهي رافضة ومصرة تعذبني، وطبعًا ده جاي على معدتك أوي اوي.
جحظت شمس عينيها في صدمة، وأسرعت تهتف:
_كداب يا عُمران والله ده آآ..
رفع اصبعه يوقفها عن الحديث، وقال ومازال يتطلع له:
_خدي باب الجناح في ايدك، وسيبنا لوحدنا شوية يا شمس.
وزعت نظراتها بينهما بخوفٍ، ولكنها أمأت برأسها وغادرت بعد أن سحبت الباب من خلفها.
دنى عُمران منه، يمنحه نظرة حملت طيف الغضب لتذكره ما قاله بالامس، تغاضى عن الامر وتخطاه إلى الخزانة، شملها بنظرة سريعة، ثم جذب منها ترنح أسود رياضي، جذب البنطال ودفعه تجاه آدهم، الذي تلقفه باستغراب مما يفعله هذا الطاووس.
إطالته بالامر جعله يهدر ساخرًا:
_ما تلبس ولا مكسوف مني! تحب أطلع بره!
ضحك رغمًا عنه ومازحه قائلًا:
_تطلع بعد أيه بقى! انت خلاص بقيت من العيلة يابو نسب.
شمله بنظرة وعيد وصاح:
_أبو نسب الوقح مع أن مفيش أوقح منك يا حضرة الظابط.
جحظت عينيه في دهشة وهتف باستنكارٍ:
_هي شمس لحقت تبلغ عني!
رد عليه عمران باستهزاء:
_التروكولر فاضح ندالتك يا حضرة الظابط.
ارتدى آدهم بنطاله وهو يكبت ضحكاته، فألقى عُمران التيشرت بوجهه تلك المرة وهو يقول ببرود:
_استر نفسك، إنت بتخوفها بكمية الاصابات دي، مش إغراء ده لعلمك!
وتابع بتهكمٍ:
_مع إني أشهدلك إنك واصل في الجيم لمستوى رائع بس يا خسارة مع غبائك وتسرعك ده، هتموت قبل ما تستكمل رحلة بناء العضل.
تحررت ضحكات آدهم، وقال يشاكسه:
_ليه فاكرها عضلات جيم بتروح وتيجي، ظابط الشرطة عضلاته ناشفة أوي وميتخافش عليه يا بشمهندس، ما بالك بقى بظابط المخابرات!
وأضاف بثقة وجراءة:
_متقلقش عليا أنا إصاباتي بتلم بسرعة!
استند على الحائط من خلفه يهتف بسخط:
_الخوف من غباء عقلك مش من قوتك الجسدية يا كابتن!!
انتهى من ارتداء التيشرت الخاص به، ودنى إليه يقول بحرجٍ:
_أنا عارف إني زودتها إمبارح أوي، أنا آسف على اللي قولته، صدقني أنا عمري ما كنت بالضعف اللي عيشته ده، شريط حياتي كله مر عليا، وأتاكدت إني عمري ما هقدر أعيش وأنا عالة على حد، يمكن اللي قدامك ده شخص اتولد جواه الأمل انه هيقدر يكمل حتى لو ربنا آراد أن بصري ميرجعليش، بس اللي أنا تأكدت منه إن حياتي مهما كانت مصيرها ومهما كان اللي اتكتب عليا أعيشه فهو مينفعش من غير وجود شمس.
وابتلع ريقه الجاف بحزنٍ لحق باستكماله للحديث:
_لو حابب تعاقبني على تسرعي بالكلام وإني ضغطت عليك بالشكل ده عاقبني زي ما تحب، بس يا ريت تخرج شمس بره الحوار، شمس مرتبطة بيك انت وعلي جدًا، دي كانت هتتجنن عشان بس مردتش على مكالمتها، فمش هتقدر تتحمل بعدك عنها أو زعلك منها.
راق له حديثه، ساهم في اخماد نيران الغضب داخله، بالنهاية تحققت المعادلة، حديث أخيه وندمه الان جعله راضيًا عن منحه الفرصة الثانية، تحرر صوته عن مرقده المؤقت، وقال:
_أنا مش مستنيك تحنن قلبي على أختي يا آدهم، أنا لا زعلان منها ولا منك إنت كمان.
وأضاف بهدوءٍ ولين:
_أنا قارنتك بيا وبالموقف اللي مريت بيه وده غلط مني، مش كلنا شبه بعض، أنا بالنهاية راجل عادي مهما كان اللي حسيت بيه وقتها، لكن انت ظابط واتعودت يكون ليك مغامراتك وإنت بكامل صحتك، وده هتستعيده قريب بإذن الله.
وقبل أن يتحدث آدهم، صاح عُمران بتحذير:
_بس عشان أكون صادق معاك، اللي عملته كان غلط وغلط كبير كمان، أنت يعتبر من القلائل اللي إدتهم في حياتي فرصة تانية، أتمنى تكون قدها ومترجعش تعيد اللي عملته، لانه مس شمس، أي أذى هترتكبه ويمسني أنا شخصيًا معنديش أي مانع، لكن شمس لأ يا آدهم، أتمنى تكون مقدر ده ومقدر كمان حبها ليك، وإنها مالهاش أي ذنب في اللي انت بتمر بيه.
ارتسمت ابتسامة جذابة على ملامحه، حتى تلاشت عنه الكلمات أمام حديثه:
_أوعدك إن اللي حصل ده مش هيتكرر تاني.
ابتسم عُمران وقال ليخفف حدة الاجواء بينهما:
_وتغير الاسم الزفت اللي مسميني بيه ده، بدل ما أوحيها عليك تذرُفك حظر سنوي.
اتسعت ضحكاته، وقال:
_هو أنا كده كده كنت ناوي أغيره، وإن كان على الحظر يا ريته يجي على سنة وبس!
ضيق رماديتاه بخبث:
_أنا كنت شاكك أنك عامل بلوة سودة، ودلوقتي اتاكدت!
صاح من بين ضحكاته:
_قلبك أبيض يا بشمهندس، لين دماغها شوية ده لو عايز تبقى خالو يعني!
تجمع المكر برمته بعينيه، وقال:
_بس كده من عنيا الاتنين!
تركه وفتح الباب يشير لشقيقته التي هرولت إليه، فضمها وهو يقول بصوت مسموع لمن يقف على قربٍ منهما:
_أنا اتطمنت عليكي، هنزل بقى عشان متاخرش على المؤتمر، ولو احتاجتي أي حاجة كلميني يا حبيبتي.
هزت رأسها بابتسامة مشرقة، فانحنى يقبل جبينها وهو يهمس لها بمكرٍ:
_أنا سامحته بس إنتِ مينفعش يأخد منك سماح بالسهولة دي، حضرة الظابط محتاج يتربى من أول وجديد، إتوصي بيه يا شموسة!
ضحكت وهي تهمس له:
_انا مش بكلمه كتير أصلًا عشان زعلانه منه بس صعبان عليا والله.
ربت على كتفها وهو يعود لهمسه:
_ميصعبش عليكِ غالي يا حبيبة قلب اخوكي.
ضحكت بصوتها كله، ومالت بذراعيها تعقد جرفاته وهي تشير باعجاب:
_على فكرة البدلة جميلة أوي عليك، ما شاء الله عليك كالعادة جنتل مان بتدوب القلوب.
ضمها إليه بحبٍ:
_عيونك اللي فيها جمال الكون كله يا شمس.
رفع آدهم صوته الساخر:
_انتوا بتوطي صوتكم ليه، شكلك كده بتهدي الامور على حق يابو نسب!
كبتت شمس ضحكاتها بينما يصيح عُمران بغضب:
_بتشكك في ذمتي بروح أمـ...
بتر حديثه وهو يهتف بغيظ:
_إنت بتخرجني عن شعوري مهما حاولت أكون إنسان آرستقراطي محترم!!
وأضاف وهو يرنو من الدرج:
_همشي أحسن ما ندخل في حالة حرب تانية.
خطى آدهم تجاه زوجته وقال:
_لا تانية ولا تالتة، خسران اللي يخش معاك في حرب يابن الغرباوي!
استدار عن الدرج يبتسم له:
_كده انت عقلت وشكلي هضمك للعيلة فعلًا زي ما عمل دكتور علي..
وأضاف له:
_بالمناسبة هو بالطريق ليكم، أتمنى متغيرش الترنج لان ذوقي دايمًا حلو!
رسالته المبطنه جعلت آدهم يبتسم وهو يهمس بصدمة:
_مالوش أي ألقاب تانية تليق عليه غير الوقاحة!!
*****
ارتدى نظارته الشمسية واتجه لسيارته المصفوفة أسفل فيلا آدهم الداخلية، فتمكن من رؤية سيارة الأجرة التي تتوقف أمام البوابة، هبط منها "آيوب" وولج للداخل، وما أن تقابلت عينيه بعمران حتى سدد له نظرة عدم اللامبالاة بوجوده.
مر من جواره يتجاهله، وصعد الدرج الكبير دون أن يستدير خلفه، نزع عُمران نظارته السوداء وصاح باستهزاء:
_خش جوه الحيطة أحسن! انزل تعالالي يا حبيبي.
تجاهله وهو يستكمل طريقه، فردد يحذره:
_هتيجي بالذوق والا أجي أسحل أمك!
ضم شفتيه بسخط، وهبط يطلق انفعالاته:
_عايز أيه؟ مش عاملي فيها رجل أعمال مهم ومش بترد على رسايلي!
رد عليه بجرأة فظة:
_ومش هرد عشان إنت زنان وأنا جبتلك الناهية وقولتلك مش هتيجي معايا، لزمته أيه بقى شغل العيال النغة دي!!
ربع يديه أمام صدره وبكبرياء قال:
_أنا مش عيل يا حضرة، انا بشمهندس وبتقدير امتياز كمان.
أحاطه بنظرة تقليل شأن، ثم رد:
_إبقى علق شهادتك على قفاك عشان الناس تقتنع إنك بشمهندس!
وأضاف وهو يكاد يطير من اعلى سقف سيارته الفاصلة بينه وبين آيوب:
_يالا يا عاطل ياللي مالكش شغلانه! بقالك كام يوم هربان من الشركة يا آآ.. يا بشمهندس بتقدير، امتياز!!!
فكت حركة يده، وهو يطالعه بحرجٍ، يملك كل الحق فيما يقول، بل تمتم بارتباكٍ:
_انا مش عاطل، أنا بس مسحول في ظروفي اللي طلعتلي فجأة من العدم!
منحه عُمران نظرة جعلته يهتف بحنقٍ:
_خلاص يا عم أنا مستهتر وعاطل، بس خدني معاك المؤتمر أنا محضرتش قبل كده مؤتمرات من النوع ده.
ودعه بنظرة ساخطة، ثم ارتدى نظارته بهدوءٍ لحق نبرته:
_لما تلتزم في شغلك وتفوق لنفسك أبقى اخدك معايا المرة الجاية يابن الشيخ مهران!
وتركه وصعد سيارته، فصاح آيوب بغيظ:
_بكره تتحايل عليا أجي معاك وأنا ولا هعبرك، سامع يا طاووس!
فتح نافذة سيارته الرياضية، وقال بابتسامة صافية وجدية تامة:
_وأنا عمري ما أستغنى عنك يا آيوب، أوعدك المرة الجاية هتكون معايا.
منحه ابتسامة صافية وودعه، غادر عُمران وولج آيوب للداخل، فاذا بسلطان الخادم يهرع له وهو يهتف بتوتر:
_أستاذ آيوب الحمد لله انك جيت.
لمس ربكته وقلقه الغامض، فسأله باهتمامٍ:
_في أيه يا سلطان؟
أجابه وهو يتفحص الدرج، خشية من أن يستمع آدهم إليه:.
_الباشا كل شوية يسأل عن البيه الكبير، وهو منبه عليا معرفهوش إنه إتحجز في المستشفى من بليل، وأنا مش عارف أتصرف إزاي، آدهم باشا كده كده هيعرف.
ارتعب آيوب وانقبض قلبه فزعًا، حتى نبرته كانت ملتاعة:
_في أي مستشفى؟
******
ارتدى جاكيت بذلته الزرقاء، ووضع البرفيوم الخاص به، ثم وقف يلقي نظرة أخيرة على مظهره، فقد أضاف ذوق عُمران وسامة كانت تخفى عنه بملابسه التقليدية.
خرج "جمال" من غرفة نومه، فوجد زوجته تخطو بالردهة حاملة ابنه الغافل على كتفها، بينما تخطو به رويدًا رويدًا حتى يثقل نومه.
ضمهما جمال ومال يقبل جبينه وجبينها، هامسًا لها:
_عُمران نام خلاص يا صبا، دخليه ونامي جنبه ارتاحي من سهرك معاه طول الليل.
استدارت تقابله بنظرة اعجاب، وابتسامة جعلته يقابلها ببسمة واسعة، رددت بهمس:
_الشياكة دي كلها للمؤتمر؟
هز رأسه مؤكدًا:
_طبعًا أمال عايزاني اظهر على الشاشة بلبس أي كلام ولا أيه! ده انا امبارح قفشت في عُمران لحد ما جيه معايا ينقهالي مخصوص من بوتيك إيثان قبل الافتتاح!
تجهمت معالمها بشكل ملحوظ فور ما ذكر إسمه، فقالت:
_هحط عمر جوه وجاية.
أمسك ذراعها يوقفها بضيقٍ:
_قولتلك ألف مرة إسمه عُمران! متشتتيش تركيزه عن إسمه الحقيقي بالاسم ده!
احتقنت معالمها غضبًا، حتى أنها تناست صغيرها الذي يغفو على ذراعها:
_مش هتفرض عليا أنادي ابني بأيه يا جمال، الاسم كان اختيارك وبدون ما ترجعلي حتى، يبقى ده غلطتك انت مش غلطتي.
ذعر الصغير وبكى بشدة، سحبه منها يهدأه ونظراته القاتمة لا تنحاز عنها، عاد الصغير لنومه المُطمن على كتفه، وحينما تأكد من غفوته، ولج يضعه بفراشه، وخرج ساحبًا الباب من خلفه.
اتجه إليها، فوجدها تجلس على المقعد، تفرك يديها بارتباك، وقبل أن يتحدث قالت:
_جمال أنا مش عايزة أعمل أي مشكلة معاك بسبب الموضوع ده، انا متفهمه علاقتك بيه، والله مش متضايقة بالعكس انا عارفة إن بتعتبره أخوك، وإنه انسان كويس مش وحش، اللوم عليا أنا أو على الظروف اللي حطتني في موقف هيفضل في بالي العمر كله.
وتابعت وعيونها تذرف دموعها:
_أنا مش ببالغ او بأڤور بس كل ما بشوفه أو بيتنطق إسمه قدامي بيجي اليوم ده في بالي وبفتكر كل تفاصيله، صدقني بتقبض وبتخنق غصب عني!! ومش قادرة انطق الاسم حتى... أنا آسفة.
تلاشى عنه غضبه، هو يعلم أنه من الصعب عليها تجاوز الأمر، كيف لاثنى محتشمة أن تُوضع بموقف كذلك وتجتازه، وخاصة أنه رآها دون حجابها وبملابسها القصيرة.
ضمها إليه دون أي كلمة، وما سيقال بموقف ثقيلًا عليه هو شخصيًا، حظى ببعض الهدوء قبل أن ينطق:
_في ذكريات جوانا بنتمنى إنها تتمحى وللأبد، وده للاسف مش بيحصل، أنا كل ما بفتكر اليوم ده بمسحه بذكرياتي الحلوة معاكي ومع عُمران، إنتي كمان حاولي تنسي وتتخطيه يا صبا، كلنا اتفرض علينا الوضع، كلنا كنا ضحايا.
هزت رأسها تؤكد له، فقبل جبينها، وابتعد يتجه للشرفة حينما استمع لصوت سيارة تدنو من المنزل.
منحها ابتسامة هادئة وقال:
_وصل... هنزل عشان متأخرش عليه.
احترام رغبتها بعدم نطق اسمه جعلها تزيد من حبه بالرغم من إن أمرها ليس منطقي، وقفت تودعه بابتسامة عاشقة، جعلت طاقة الايجابية تعود له من جديدٍ، لا يعلم كم ستحتاج لتتخطى الامر ولكنه على ثقة بأنه سيدعمها حتى تتقبل عُمران من جديد في حياتهما، لانه جزء هام من حياته هو!
صعد جواره، فتحرك عُمران على الفور قائلًا بسخرية:
_ليك حق تتمختر ما أنت مماشي كلامك عليا، وكمان جاي من غير عربيتك، بقيت سواق أمك أنا!
ضحك باستمتاع ومال يجذب نظارة عمران الموضوعة بالتابلو، مشيرًا بعنجهيةٍ:
_اطلع ياسطا بدل ما نتأخر على أكل عيشنا!
****
وصل آيوب للمشفى بزمن قياسي، من فرط الحاحه على السائق بضرورة التعجل بالقيادة، ركض على درج المشفى حتى الاستقبال وبسهولة تمكن من معرفة رقم غرفة مصطفى مستغلًا بطاقته التي جددها باسم والده المفروض عليه.
دفع باب الغرفة، وهو يبحث عنه بلهفة، فوجده يغفو على جهاز التتفس، ومن حوله تتصل الاجهزة بوريده وصدره العاري، نهاية بإصبعه المغموس بمشبك الجهاز الذي ينظم دقات قلبه.
اختزله حزنًا عميقًا، ودمعة تدفقت من فيروزته، بينما يرنو إليه وهو يتمنى أن يفتح عينيه، فاذا بصوتٍ من خلفه يهتف متعجبًا:
_أنت مين؟ ودخلت هنا ازاي!
تملكته ربكة عجيبة، وبدى وكأنه يبحث عن اجابة منطقية لسؤاله، وبعد فترة قال:
_أنا... آآ... أنا ابنه!
رمش الطبيب باستغرابٍ، وعبر عن دهشته حينما قال:
_بس اللي أنا أعرفه إن الاستاذ مصطفى معندهوش غير ولد واحد، حضرة الرائد عمر الرشيدي!
وكأنه يشكك بعلاقته به، وبوجوده هنا، عقله من الاساس متخبط بشدة، لذا جذب بطاقته الشخصية، وقال:
_بطاقتي أهي لو مش مصدق!
ابتسم الطبيب وقال يمازحه:
_لا مش للدرجادي، مصدقك، انت اساسًا فيك شبه كبير من عمر باشا.
تغاضى عما يقول، وسأله:
_هو ماله؟
تعجب من نمط سؤاله، ولكنه رجح لتوتره وخوفه الشديد على والده، فقال بعملية باحته:
_انا نبهت على عمر باشا إن الادوية لازم تتأخد في مواعيدها لان مرض الاستاذ مصطفى مذمن، لكن نتايج الفحوصات والحالة اللي وصلها دي بتأكد استهتار كبير، حصل منه، فأكيد ده المتوقع.
غمرته طيفة الحزن، لابد وأنه اهمل أدويته بعد تعب آدهم الذي كان يهتم بأبيه، شعر بأنه يحتمل ذنبًا كبيرًا على عاتقه، بالنهاية هو ابنه هو الآخر ويحمل نفس المسؤوليات تجاه أبيه.
تغاضى عن تفكيره، وتساءل:
_هيخرج أمته؟
أجابه وهو يجذب الكراسة الموضوعه جانبًا:
_ الصبح كده همر عليه لو في تحسن هكتبله على خروج على طول باذن الله.
غادر الطبيب وتركه برفقته، فسحب آيوب مقعدًا وجلس قبالته، يتابعه بحزنٍ، شعر مصطفى بأن هناك من يؤنس مجلسه، ففتح عينيه بتعبٍ يتأمل من يجلس جواره.
اتسعت مُقلتيه فرحًا، وهتف بسعادة:
_آيوب... ابني!
قابل حديثه بانهمار دموعه، اقترب من فراشه وارتكن على ركبتيه، يردد ببكاء:
_إنت كويس؟
راقبه بهلعٍ، بكائه يقتله، يزيد من وجعه، فانهمرت دموعه هو الآخر، وقال بصوته الشاحب:
_أوعى تشفق عليا ولا تحمل نفسك ذنبي، أنا مستهلش يا بني، متحملش نفسك أي ذنب يا آيوب.
مال برأسه على الفراش وصوت كبت شهقاته يذبح قلب مصطفى الذي بكى هو الآخر وردد:
_والله ما أستاهل زعلك ولا دموعك دي يا حبيبي!
بقى محله لدقائق، مسح فيها دموعه، ورفع رأسه له، يخبره بألمٍ:
_عشان كده مجتش كتب كتابي!
نفى ذلك وقال بوجعٍ:
_كنت جايلك والله، بس لاقيت آدهم جاي، لما فكرت فيها لاقيت ان وجودي ممكن يضايق الشيخ مهران ومراته الست الاصيلة اللي ربيتك، وكمان آدهم هيتوجع، لانه اتعود إن محدش يقدملي مساعدة وهو موجود، فمكنش هيتحمل يشوف السواق بيساعدني في وجوده، أنا مزعلتش إني محضرتش،أنا زعلت بس إني معرفتش أشوفك في اليوم ده، بس الحمد لله إنت جتلي أهو يا حبيبي.
رق قلبه لحديثه رغم أنه مؤلم، نصب آيوب عوده واستعاد ثباته حينما ولجت الممرضة للداخل، عدلت من الفراش بوضع الجلوس، وحقنت له الآبر، ثم غادرت لتترك لهما المساحة للحديث مجددًا.
لاحقته نظراته، وسعادته بوجوده ترتسم بوضوح، وقف آيوب قبالة الشرفة، يضع يديه بجيوب سرواله، شاردًا بالمارة من أمامه، كأنه يتهرب من نظرات مصطفى التي تقطر حبه وندمه الخالص إليه.
مضت ساعتين ومازال يجلس على الاريكة المجاوره لفراش أبيه، الذي تلاشى عنه النوم لمجرد تواجده برفقته، حتى مزق الصمت بينهما حينما قال:
_بقالك ساعتين هنا يابني، روح ارتاح أنا كويس.
تطلع له آيوب بصمتٍ من محل جلوسه، وتجاهل ما قال، تجهز للذي يود قوله منذ ساعتين، حتى نجح أخيرًا:
_لو أنا سامحتك وإديتك الفرصة إنك تكون في حياتي، في مقابل وعد هتقطعه على نفسك هتوافق؟
تراقصت الفرحة بعينيه، واعتدل بجلسته متناسيًا كل ما يخترق جسده:
_اطلب عمري كله والله أفديك بحياتي وبكل اللي أملكه يا بني!
تدفقت دموعه من حديثه المؤثر، ومع ذلك لم يضعف أبدًا، بل تابع بشجاعة:
_توعدني إنك عمرك ما هتطالب بيا أبدًا، وهتسبني أعيش مع الشيخ مهران لأخر يوم في عمري، وهتتفهم إنه مكانته كبيرة عندي أكتر كمان من إنه أبويا... هتقدر تعمل ده؟
تساقطت دموع مصطفى الممزوجة بين السعادة والقهر، وهز رأسه بلهفة وهو يخبره:
_أوعدك إني عمري ما هطلب منك تبعد عنه لاني عارف هو بالنسبالك أيه.
وتابع وهو يشير له برجاءٍ:
_أنا مش عايز غيرك انت، وراضي بالقليل منك والله..
وأضاف ببكاء وتوسل:
_تعالى في حُضني مرة واحدة، بالله عليك!
قشعر بدنه ورق قلبه كليًا له، ركض إليه يندث بأحضانه، فقبض عليه مصطفى قبضة قوية، يبث فيها وجعه وشوقة، ندمه وافتقاده له، كل المشاعر المؤلمة داخله، بينما يمطر رأسه بقبلاته ودموعه.
إلتمس فيه آيوب دفء أبيه "مهران"، لم يجد اختلاف بينهما بالآمان والطمأنينة، بل فجأه حينما شدد هو من ضمه ودموعه تسقط على كتف أبيه العاري.
تحرر صوت مصطفى المبحوح:
_ربنا يراضيك ويرضى عنك يا شيخ مهران، عرفت تربي ابني التربية اللي عمري ما كنت هربهاله.
وتابع بحنان:
_من أول ما شوفتك وانا بتمنى اللحظة دي يا آيوب، لحظة الغفران اللي هتريح قلبي وهتخليني مش خايف من الموت والعذاب، ولا حزني من كرهك وغضبك عليا... أنا كده هموت وأنا مطمن عليك يا حبيبي.
وخز قلبه بقسوة، فابتعد عنه يهتف:
_بعد الشر عليك، إنت ازاي بتقول كده؟ إنت مش كنت عايز تعوضني عن اللي فات، يبقى لازم تقوم وتعوضني زي ما قولت.
ابتسم وجذبه لصدره مجددًا:
_هقوم عشان أعيش تحت رجليك يا آيوب، يمكن ربنا يغفرلي هو كمان برحمته.
قبل آيوب يده، وقال ببكاء:
_أنا اللي هعيش تحت رجليك مش انت.
رفع رأسه عاليًا يهمس بخفوتٍ تام:
_كده كتير عليا، غمرتني بلطفك وكرمك، ألف حمد وشكر ليك يا رب.
*****
الليل يزحف بظلمه المقبض على الارجاء، ومعه انتهى المؤتمر الذي شهد حضور مهيب من الجهات الحكومية، وعدد ضخم من الصحافين، انتشر المؤتمر على المنصات التليفزيونية والهواتف بسرعة البرق.
شهد الجميع خطة مبهرة وضعها شابًا مصري، من كبار رجال الأعمال،البشمهندس الذي زاع صيته وصيت عائلة "الغرباوي"، بعد ان كشف الاعلام عن سيرته الذاتية، وأصوله العريقة!
وها هو يغادر المنصة والمؤتمر بعدد من الصفقات الحماسية له ولمجهوده البادي من شرح خطته الحالية والقادمة للنهوض بالاقتصاد المصري.
لحق به جمال حتى وصلوا معًا للسيارة، تنهد عُمران بتعبٍ، وهو ينزع الجرفات عن رقبته هادرًا بارهاق:
_الجو هنا خنيق بشكل صعب!
أجابه جمال بسخرية:
_مش جنابك اللي، أصريت نعمل المؤتمر في أسيوط اتحمل الحر بقى.
رمقه بنظرة غاضبة من شماتته الواضحة، فتح عمران باب سيارته ينزع جاكيت بذلته ويلقيه بالخلف، ثم أخرج حافظات نقوده وفيزه الخاصة، يلقيها على التابلو، ومن ثم أخرج هاتفه يلقيه جواره.
ضحك جمال وسأله باستخفاف:
_ها لسه هتقلع حاجة تانية ولا نتحرك؟
صعد بالسيارة، يشغل تكيفها على أقصى درجة، وهو يزيح العرق بالمنديل الورقية عن جبينه، وما أن صعد جمال جواره حتى تحرك على الفور.
قاد الطريق بسرعة تتناسب مع سيارته الرياضية الحديثة، حتى قطع مسافة معقولة، مال جمال يستند على مقعده مستسلمًا للنوم المؤقت، من تلك الرحلة الشاقة.
انتبه"عُمران" لسيارة تتبعه أينما أنجرف منذ خروجه من أسيوط، حتى تلك اللحظة!
تملك منه الارتباك، وخاصة حينما حاول أن يبطيء من سرعته ليستكشف أمرهما، ولكنه يفق الآن على صدمة آخرى، السيارة انقطع عنها المكابح (الفرامل)!
****
أفاق آدهم على رنين هاتفه، رفعه فوجد مراد يصرخ فيه:
_عايز رقم تاني لـ علي حالًا يا آدهم.
استقام بفراشه يردد بفزع:
_في ايه يا باشا؟
رد عليه بحزم:
_اديني الرقم بسرعة، علي لسه قايلي امبارح على، حوار أخوه.
وأضاف بضيق:
_احتمال كبير يتخلصوا منه دلوقتي بعد المؤتمر ده، اتصرف وشوفلي علي فين، محتاجه يكلم عُمران ويقوله اللي هطلبه منه بالحرف، بسرعة مفيش وقت!
****
تفادى السيارات المحاطة به بصعوبة بالغة، بالتأكيد السيارة التي تتبعه تود التأكد بأن خطتهم قد نجحت بالكامل، خطة مثالية للتخلص ممن يسببوا ازعاج لهم، حادث سير طبيعيًا، بينما تلوث أيديهم الحقيرة بدماء العديد من الابرياء.
الموت الآن يرفرف من حوله، وعلى جواره رفيق عمره الذي لم يتخطى ابنه شهره الأول من عمره،
اتسعت رماديتاه في صدمة، حينما انعرجت السيارة عن مسارها الصحيح، لطريقٍ موقوف، لصنع كوبري تحت الانشاء، يعرج فوق نهر النيل ويربط الطرق ببعضها البعض.
صاح رنين هاتفه برقم أخيه، بينما تتركز عينيه على الكوبري الذي يقترب منه والاصطدام القادم لا محالة، وبين صديقه الذي يغفو بسلام.
دفعه عُمران وهو يصرخ فيه:
_جمـــــــــال فــــــوق.
انتفض بنومته بهلعٍ:
_أيه يا عُمران؟ في أيه؟
صاح فيه دون ان يحيل يديه عن المكابح وعينيه عن الطريق:
_العربية مفهاش فرامل، مفيش وقت تفهم أكتر من كده.
وأضاف وهو يفتح الباب المجاور لجمال:
_نط بسرعة، الكوبري مش كامل، العربية هتتقلب من عليه، بسرعة!
انقبض قلبه من سماع ما يقول، بل صاح بأكثر ما يعلمه الان وبتلك اللحظة:
_مش هنط من غيرك.
عاد يصرخ بانفعال شرس:
_مفيش وقت نط وأنا هحصلك.
باصرار وجمود قال:
_مش من غيرك، سمعت!!!
قال وهو يعيد التحكم بالمقبض:
_مش هينفع ننط مع بعض، أنا هحصلك يا جمال، مفيش وقت!
منحه ابتسامة باهتة وقال:
_لو مش بعض يبقى مع بعض للموت يا صاحبي!
الموت يقترب ونظرات الرعب تحيل بعينيه على ذاك العنيد الذي يجاوره، هاتفه يلح بالرنين، وكأن أخيه يشعر بما يلاقاه، خطة مراد لانقاذه تفشل فشلًا ذريعًا لتجاهل عمران مكالمات علي، جميع الاطراف تعاني من الخوف والرعب من المحتوم!
كان الأسرع من بينهم عُمران الذي اتخذ قراره، واستغل الباب المفتوح جوار جمال، فرفع ساقيه عن المكابح ودفعه بكل قوته خارج السيارة، بينما يستعد قافزًا منها في نفس لحظة سقوطها من منتصف الكوبري الخاضع للانشاء بمعداته المعدنية والاسمنتية.
سقطت سيارة عُمران بالنهر العميق، فغرقت بسرعة مهولة كأنها ورقة بالية في هدر الرياح، بينما تعلق بذراعه في حديد الكوبري، وقميصه الابيض ينذره بلون الدماء، لاخترق أحد أسياخ الحديد شارخًا كتفه بجرحٍ بالغٍ.
تآوه بألمٍ شديد ولم يحتمل الاعتماد على ذراع واحد، حاول عُمران الصمود حتى يتمكن من رفع جسده الثقيل للاعلى.
نجح بعد مثابرة وتعب استنزف طاقة وقوة جسده كليًا، ألقى بجسده أرضًا بعدما نجح بالصعود، مال يتآوه من شدة إصابته، وبكل عزم أخرج سيخ الحديد الحاد عن كتفه، واصطحبه صرخة نازفة وهو يركع بقدميه بتعبٍ، والدماء تحيطه من كل جانب، وخاصة بعد ازاحة سيخ الحديد عن كتفه.
تثنى له رؤية أقدام تقف امامه، استجمع قوته، ورفع رأسه الذي يدور للأعلى، فوجد ثلاثة رجال ملثمين يقفون من أمامه، احداهم يحمل الاطار المعدني المستخدم لتبديل إطارات السيارات والآخر يحمل مدة (مطوة) حادة، والآخير يحمل شوم غليظة الحجم!
ابتسم بسخط على هؤلاء، أتوا ليتمموا مهمتهم على أكمل وجه، التأكد من قتله لهو أمرًا مهم لاتمام خطتهم، وبما أنه نفد من حادث السيارة عليهم باستكمال ما بدأوه وبتلك اللحظة!!
على بعد مسافة منهم.
فتح جمال عينيه بوجعٍ، بعدما أصاب بجرح برأسه، ووجعًا شديدًا اخترق ذراعه الأيمن، ينذر له اصابته بكسرٍ، جلس أرضًا يراقب المكان من حوله، وهو يحاول تذكر أين هو وماذا حدث؟
انتفض يقف على قدميه، وهو يصرخ بجنون فور أن تذكر:
_عُمــــــــــــــــران!!
ركض يبحث عن السيارة بفزعٍ، وهو يدعو الله ألا يصيب رفيقه سوءًا، ركض بكل قوته رغما انه فقدها.
تخشبت قدميه حينما بدى المشهد دراميًا من أمامه، اثنان يقيدونه وثالث يهوى على جسده ووجهه بالاطار المعدني، بكل قسوة وجبرت، ركض جمال وهو يصرخ:
_يا ولاد الكلب!!
بات الان بمنتصف المسافة بينه وبين رفيقه، وها قد أصبح قريبًا، وفجأة شُلت حركته حينما جذب الرجل المدة من الآخر، وطعن عُمران ببطنه، ثم دفعه من أعلى الكوبري خلف سيارته بكل برود.
لم يستجيب جسده له بعد الإن، سقط على ركبته يتأمل ما يحدث وكأنه يرى كابوس لا يريد البقاء فيه، وفجأة بات يصرخ بجنون رجلًا فقد أعز ما يمتلك:
_لأ..... عُمــــــــــــــــران!!! لأ.
زحف على يديه، يحاول الوصول للمكان الذي ألقى منه، فاعترض الرجال طريقه، أشار له الرجل بأن ينهي أمره هو الآخر ويدفعه خلف رفيفه، ليبدو أن الأمر حادث طبيعي.
انحنى يجذب جمال ليقف على ساقه، سدد له لكمة جعلته يرتد للخلف، اعادته لوعيه وهو يرى أن ذلك الحقير جعل صديقه ينزف! بل دفعه بكل جبروت!!
كيف ومتى امتلك القوة التي جعلته يخنق أنفاسه بالرغم من أن الاثنين معه يحاولون سحب يده عن رقبته ومع ذلك لم يستطيعون منعه، الحقد والكره كانا سلاحين فتاكان، مكنوه من قتله في الحال.
سحب احدهما سلاحه ليقتل ذلك الذي شكل خطرًا عليهما، خاصة بأنهم استغلوا اصابة عمران الخطيرة، ولكن جمال يبدو بأنه بكامل قوته الجسدية..
وما كاد بدفع النيران بجسده حتى تمدد فور أن انطلق الرصاص اليه بوصول فريق الجوكر، استدار جمال للخلف فوجد قوات الشرطة تحيط بالمكان، ترك الثالث وركض حتى يلحق برفيقه، غير،مباليًا بصراخ الشرطي إليه قائلًا:
_أقف مكانك، السَبَّاحين بيستعدوا وهينزلوا حالا ينقذوا صاحبك.
لم يستمع لهم وركض بكل قوته فصاحوا به:
_المية هنا غويطة وإنت شكلك متصاب، هتغرق قبل ما تنقـ...
لم يستكمل الشرطي جملته وكان جمال يلقي بذاته خلف عُمران، غير، عابئًا بثقل حركة ذراعه، ولا بدواره، كل ما يراه الآن مصارعة عُمران للموت!!!
غاص أسفل المية وظهر، اخترق النهر من شماله ويمينه، لم يترك انش يجاور محل الكوبري الا وبحث فيه، ودموعه تنهمر دون توقف، يناديه وهو يبكي ويتمنى ان يستمع لصوته، فصرخ بجنون:
_عُمــــــــــــــــران !!!!
وتابع بانهيار وهو يعود لقاع المياه ثم يصعد:
_قولتلك مع بعض للموت، خنتني وروحت ليه لوحدك، عُمـــــــــران!!!
اندفع السَبَّاحين للمياه، يبحثون عنه بالكشافات الضخمة، بينما ينتشل اثنان منهما جمال الذي فقد الوعي من كثرة مجهوده بالبحث عن رفيقه، ومع ذلك كان يعارضهم بضعف، حتى تغلبوا عليه.
صعدوا به للسيارة الاسعاف التي تنتظر خروج أي منهما، وُضع على السرير ودموعه لم تنزاح عن وجهه، بينما لسانه لم يتوقف عن منادته، ومعاتبته:
_ليه خنت العهد؟ قولتلك لو مش بعض يبقى مع بعض للموت يا صاحبي!
غاب جمال عن وعيه وأخر ما رآه وختم به مسمعه، صوت الشرطي وهو يهمس للجهاز الذي يحمه:
_للاسف السَبَّاحين مش لاقين له أثر يا مراد باشا ومفيش أي اشارة بتقول إنه حي، صاحبه حدف نفسه وراه لو كان عايش كان قدر ينقذه، هنكثف عدد السَبَّاحين عشان نقدر نلاقي جثمانه!
........ يتبع......
#الاقـــــــــوى_قـــــــادم.. 💣
#صــــــــرخات_أنثى..
محتاجين نثق في بعض كده ها؟؟؟
نرفع التفاعل والتصويت رجاءًا على الفصل، تقديرًا بسيط منكم على مجهودي ❤
****_____******
الطاووس الوقح (صرخات انثى) الفصل المئة 120 - بقلم آية محمد رفعت
#صرخات_أنثى...(#حبيبتي_العبرية!..)
#الفصل_الخامس_والتسعون!
الإهداء
(لم يكن لي رغبة كتابة هذا الفصل، لم يأتي من قلبي أن أحزن قرائي بهذا التوقيت، ولكن الحياة كعادتها قبيل من السعادة وقبيل آخر من الحزن، فرجاءًا سامحوني على تلك الجرعة الحزينة من أحداث روايتكم وروايتي المفضلة، وكل عام وحضراتكم بخيرًا وسعادة، عيد أضحى مبارك ...قراءة ممتعة 💙)
صدمة الخبر، وصعوبة تقبله، جعل كل المشاعر تتكاتف عليه لتجعله عجوزًا يتحرك بصعوبة، يطول به الطريق فيستغل الحزن والقهر الأمر ليقضوا عليه بكل ما أمتلكوا من أسلحة، وأخيرًا انتهت رحلة معاناته القصيرة بالنسبة للقادم، حينما وصل السائق لمكان الحادث، حيث يجتمع فيه الجوكر وفريفه، وعدد مهول من الصحافيين.
فرق "علي" جمعهم، ومر من بينهم، يركض ودموعه تتحجر بعينيه، آبية الانسدال، يصبر ذاته أن كل ذلك زائف، لا يمت للحقيقة بصلة، أخيه قويًا، شامخًا، لن يستطيع أحدٌ كسره، أخيه حيًا، يقسم أنه حينما ينتهي من العبور من تلك التكتلات البشرية، سيراه يجلس هناك بانتظاره، يطمئنه ويعتذر له عن القلق والفزع الذي تسبب له به.
تحطمت كل آماله فور أن بات بمحل الحادث، وأول ما ألتقطت عينيه، كان جمال الجالس أرضًا، يبكي كالصغير، ويدفع من حوله رجال الاسعاف، بعد أن أجبر السيارة على العودة به من منتصف طريق المشفى، فور ان استرد وعيه.
سحب "علي" نفسًا طويلًا استمده من خبرة تعامله كطبيبٍ نفسي، وبداخله كل الصبر الذي يمهد له أن القادم سيكون لصالحه هو ، لن تخيب آماله أبدًا.
إتجه بخطواتٍ بطيئة، وانحنى تجاه جمال، يستند على ركبتيه، فرفع جمال وجهه عن محيط يديه، يتطلع لمن يلامسه، انهمرت دموعه كالامطار الجارية وردد ببكاءٍ:
_علي!
وتابع بما قضي به عليه:
_عُمران مات يا علي، قتلوه قدام عنيا ومقدرتش أعمله حاجة!
انسكبت دمعة من عين واحدة والآخر مازال الدمع يتحجر فيها، بينما يقابله بقوته:
_قوم أقف على حيلك يا جمال، أخويا مش ضعيف عشان يقدر عليه شوية أوسـ** زي دول.
وانتصب بعوده يشير إليه بصرامة:
_قوم خلي الدكاترة تعالجك حالًا، عُمران هيعمل مشكلة لو شافك بالشكل ده.
تعالت شهقات بكائه، ومال يستند على ذراعيه مجددًا وهو يهمس بصوته الجريح:
_لآخر لحظة في حياته بيختارلي الحياة وبيواجه هو موته! أنا قولتله معاك للموت بس هو كعادته مهمهوش كلامي.
ابتعد علي عنه وهو يحاول ألا ينصاع لما يقوله، بداخله يردد باستماتة
«مش صح، جمال ممكن يكون إتأثر بالحادثة، عُمران عايش!»
تركه وركض بكل قوته للجسر، حيث يوجد "مراد" وفريقه، ولدهشته كان آدهم أيضًا يقف برفقتهم، اعترضت الشرطة مروره للحاجز المصرح عليه ممنوع الاقتراب، ولكن الجوكر أشار لهم بتركه، فتابع طريقه إليه ورماديته تتلصص على المكان باحثًا عن أخيه، فشملت الدماء التي تغرق منتصف الجسر الغير مكتمل.
وخز قلبه بسكينٍ حاد، جعل أنفاسه ثقيلة كثقل حجرًا جاسمًا فوقه، تباطئت خطاه ومال بجسده لسور الجسر الحديدي من جواره، اندفع مراد يحاول مساندته، ولكنه دفعه وبصره مازال مسلط على الدماء، بداخله وجعًا، ويقينًا بأنه لأخيه!!
نزع بصره عن بقعة الدماء الكبيرة، وسلطها على الونش الضخم الذي ينتزع سيارة أخيه من المياه في تلك اللحظة، سيارته الرياضية الحديثة، التي لن يتوه عنها علي أبدًا، لطالما كان كل شيء يخص أخيه مميزًا، والآن قد خدمه الامر بالتعرف على ما يخصه.
وضع "مراد" كفه على كتف "علي"، يحاول مُآزرته، بينما يستعيد علي جزء من وعيه، ويميل إليه بنظرة واعية، وبسؤالٍ منكسر:
_أخويا فين؟؟؟
تفهم حالته التي تبدو منذ لحظة ظهوره بموقع الحادث، ولأول مرة تختزل الكلمات على لسان الجوكر، فربت على كتف علي وهو يخبره بأسفٍ:
_السباحين لسه بيدور عليه، خليك قوي يا علي.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه، رغم انهمار دموعه دون ارادة منه:
_أخليني قوي!! أي قوة دي اللي عايزني أكون بيها وأنا بستنى حتة من قلبي تخرجلي على نقالة يا حضرة الظابط!! أي قوة هقدر أتمسك بيها وابني وروحي بينازع تحت المية!!
وألقنه نظرة غائرة جعلت مراد القوي يلتمع الدمع بعينيه، بينما الاخر يشير له على الدماء:
_كان بيحاول يخدم شباب بلده، في الآخر ده يكون جزاته؟؟ رد عليا ده التمن اللي المفروض يدفعه!!
تحرك آدهم عن محله وهو يزيح دموعه التي تدفقت منذ لحظة علمه بما حدث، لقد مرت الساعات عليه ولم يتوقف عن الدعاء، يتمنى من كل قلبه أن يخرج سالمًا من المياه بالرغم من صراحة السباحين والفريق من أمامه، كونه فردًا منهم، آزاح دموعه، وبصوتٍ متحشرج هتف:
_علي أنا متفاهم حالتك كويس، من فضلك حاول تهدى وتتماسك، إن شاء الله هنلاقيه وهيكون كويس!
استدار يتطلع تجاهه، رؤية وجهه الحزين، وعينيه المتورمة من البكاء كانت تكذب كل حرفًا يتفوه به، تدفقت دموع "علي" بانهيارٍ، لحق نبرته المتقطعة:
_أهدى إزاي يا آدهم!! أنا موت ابويا مكسرنيش، نظرة الخوف في عين عُمران هي اللي قوتني، كنت بقوتي عشان أسند ضعفه، مسكت ايده عشان أعدي بيه، وسحب هو كفه مني من نص الطريق!! قولي أي قوة هقدر أكمل بيها من غيره!!
خرج إثنان من السباحين، يقترب إحدهما من الجوكر، الذي ابتعد عن آدهم وعلي، استمع بوضوح لما أخبره به المجموعة الاخيرة، وهز رأسه بآليةٍ تامة، وحينما استدار ليعود إلى محل "علي"، وجده يقف خلفه، يتطلع له وهو يحول ان يتمسك بقوة هادرة عنه:
_قالولك أيه؟
تنهد" مراد" بحزنٍ، وقال:
_أكتر من ست سباحين نزلوا على تلات مجموعات، دوروا في كل مكان وللأسف مالوش أي آثر.
ابتلع غصته المؤلمة، وتمسك بقوته الواهية:
_وده معناه أيه؟
قدر مراد حالته، بل ازداد شفقة عليه، بينما يجيبه:
_عمق المية هنا كبير، جايز مش قادرين يوصلوله، وجايز يكون المية حدفته لمكان أبعد من هنا، ولو ده حصل ففي خلال تلات أيام هيآآ..
ابتلع باقي جملته بمنتهى الآسف والحزن، بينما يراقبه "علي" ودموعه لا تتوقف، بل رد وقال ببسمة شملت ألم عتيق:
_وانا مش هستنى تلات أيام عشان أدفن أخويا.
واستطرد وهو يزيح دموعه:
_ثروتي كلها هسخرها لأي سباح شاطر يقدر يطلع أخويا من هنا، حتى لو اضطريت أنزل بنفسي.
وتركه واتجه جانبًا جاذبًا هاتفه، يطلب شركة سباحة ماهرة، ساند أحد الضباط آدهم لمحل وقوف علي، استمع لنص المكالمة وهو يحاول ان يحجب صوت بكائه، وانتظر حينما انتهى ثم حرر صوته:
_علي، مفيش أمهر من الفريق اللي نزل، مراد باشا هيكلف مجموعة تانية هتوصل الفجر هنا، يمكن يقدروا يلاقوه.
وأضاف ببكاء تحرر رغمًا عنه:
_لو كنت ببصري كنت نزلت بنفسي ودورت عليه، بس انت عارف إني فرحان انهم مش لاقينه، يمكن يكون حي!
اقترب منهما مراد، وقال ليبث الأمل بقلب علي:
_إحنا ماشين ورا كل الاحتمالات، فريقنا بيدور بكل مكان، واي دليل صغير هيأكدلنا إنه عايش هنمشي وراه.
استدار إليهما علي، فظهرت عينيه الحمراء بوضوحٍ، تطلع تجاه الجوكر وقال برجاءٍ حطم قلبهما:
_أنا عايز أخويا يا مراد، لو حي رجعهولي، ولو ميت عايز أكرم مثواه.
قالها وجسده ينتفض بشكلٍ جعل من حوله يرتاب لأمره، فسانده مراد وهو يتساءل بفزع:
_مالك يا علي؟
أبعده برفقٍ، وهو يخبره:
_أنا كويس.
وتركهما ودنى لآخر الجسر، حيث بقعة الدماء المنسكبة، راقبها بقلبٍ مكلوم، وبكائه يتحرر بعيدًا عن مسمع الجميع، بينما يردد بصوتٍ ضعيف:
_ليه تعمل فيا كده يا عُمران؟ هان عليك أخوك!!
تدفقت دموعه كالبركان الساخن، بينما يهتف مستنكرًا فعلته الاخيرة:
_كنت حاسس وبتودعني!! يا ريتني ما خليتك تمشي ولا تسافر، يا رتني كنت بدالك يا حبيبي!
وفجأة سقط أرضًا على ركبتيه ويده تلامس دماء أخيه وقد حرر ما احتبس داخله وهو يصرخ بجنون:
_عُمـران!!
رفع كفه الممتلئ بالدماء يقربه منه وهو يتآوه بصوت مزق القلوب، وفجأة سكنت حركته حينما خر فاقدًا للوعي جوار بركة الدماء، والجميع يهرول من خلفه إليه!!!
*******
طرق على الباب بيديه معًا، ودموعه تغرق وجهه، بينما عقله يصدق ما استمع إليه، مال يستند على ذراعه، وصوت بكائه يتحرر بشهقاتٍ خافتة.
هرول "سيف" لباب شقته، وهو يرتدي تيشرت منامته بقلقٍ، من هواية الطارق بذلك الوقت المتأخر من الليل، فتح الباب ليتفاجئ بآيوب ينحني على الحائط ودموعه تتساقط بانهيارٍ، جعله يهرع إليه فزعًا:
_آيـــــــوب!!!!
التقطت آذنيه نداء رفيقه، فهرول إليه يهتف دون ترتيب:
_انا عايز دكتور يوسف يا سيف، مش عارف اوصله نهائي!
فزع لهيئته وبكائه الشديد، فصاح متلهفًا:
_مالك يا آيوب، وعايز يوسف في ايه؟
رد عليه وقد انهال بالبكاء كالصغير:
_الفيسبوك مقلوب كله على عُمران، بيقولوا إنه عمل حادثة ومات! انا مش مصدق الكلام ده، بس عدم رد دكتور علي وجمال عليا، مأكدلي إن عمران مش كويس، شوفلي دكتور يوسف يطمني بالله عليك.
اتسعت مُقلتي "سيف" بصدمةٍ، بل نطق بعزيمة:
_ده خبر فيك، عُمران محصلوش حاجة، إنت عارف آن الناس ما بتصدق تعمل التريندات دي عشان تلم لايكات وريتش عالي.
بكى بصوتٍ مزق قلب رفيقه، وهتف إليه:
_ريتش أيه يا سيف، الدنيا مقلوبة! يونس وإيثان معايا تحت ومعاهم موقع الحادث في آسيوط، احنا هنطلع على هناك وهنطمن بنفسنا.
أوقفه سيف وقد انهمرت دموعه رغمًا عنه، ذاك الطاووس الذي تفنن بجعله رجلًا يعلم كيف يسترد حقه، بل وجعله رقيق المعامله مع زوجته في حين أنه يمتلك قوة أخذان الحق من عين صاحبه، أمسك كفه وقال بتوترٍ:
_انا جاي معاك يا آيوب، هغير هدومي وجاي.
وعاد يشدد عليه بارتباك:
_بلاش تقول ليوسف حاجه، أخويا هيموت لو عرف!
اكتفى بايماءة من رأسه، وجلس على الدرج يبكي كالطفل الصغير وأخر جملة قالها عُمران تتردد إليه
«_وأنا عمري ما أستغنى عنك يا آيوب، أوعدك المرة الجاية هتكون معايا.»
سحب سيف ثيابه بعشوائية، وعينيه تغرقها الدموع، فاذا بزوجته تجذب مئزرها وتنهض إليه متسائلة بقلق:
_مين اللي على الباب يا سيف؟ وإنت بتلبس ورايح فين؟
أجابها وهو يغلق قميصه:
_ده آيوب يا زينب، بيقول ان عُمران عمل حادثة على الطريق، ربنا يستر!
جحظت عينيها في صدمةٍ، ووجعًا اعتصر قلبها، ذلك الشاب المهذب لم ترى منه الا كل خيرًا، لما يطالعها يومًا بنظرة متدنية، بل لاقت منه كل احترامًا، لم تنسى يوم دفاعه عنها قبالة يمان اللعين.
افاقت من شرودها على خروج سيف من الغرفة، هرولت من خلفه تتمسك بذراعه، فتفقد باب الشقة وهمس لها:
_ارجعي أوضتك يا زينب، آيوب بره مينفعش يشوفك بالشكل ده!
تراجعت للخلف وهي تخبره:
_انا هروح لفاطيما.
رد عليها بعجلة:
_تروحي فين الوقت متاخر!!
أخبرته برجاءٍ:
_هخلي عم سعيد يوصلني، ما أنا بكلمه وبركب معاه في أي مشوار.
أومأ برأسه على مضضٍ، وخرج يبحث عن آيوب، فوجده يجلس أرضًا، وما كاد بالاشارة له، حتى تفاجئ بيوسف يخرج من شقته!
اقترب إليهما "يوسف" بدهشةٍ، أوحت له حينما تساءل:
_سيف!
ارتعب من رؤيته، ووقف قبالة آيوب الباكي، يمنع يوسف من رؤيته، وبعدما تفحص ملامحه الهادئة تيقن عدم معرفته بالامر، فسأله بهدوءٍ يجاهد إليه بصعوبة:
_يوسف! إنت رايح فين دلوقتي؟
حاول الوصول بنظراته لآيوب القابع من خلف سيف بشكٍ من أمرهما، بينما يجيب:
_جالي مكالمة من المركز، في حالة ولادة مستعجلة.
هز سيف رأسه، وعينيه تتخفى عن آعين اخيه، فما أن قبض عليه حتى رأى آثار الدموع بوضوحٍ، فدفعه عن آيوب ورأى حالته أبشع من أخيه!
وزع نظراته بينهما، وتساؤل في ريبة:
_في أيه؟!! انتوا اتخانقتوا تاني ولا أيه؟؟؟؟
كان أكثر ما يخشاه في تلك اللحظة هو أخيه، فجاهد ليجيبه باتزان:
_أنا غلطت في حق آيوب ، انزل انت المركز ومتقلقش أنا بحاول أصالحه.
استشف كذبه النابع من عينيه، الاحمق يظن أن كذبته ستمر على أخيه!
قطع الحديث المتبادل صوت إيثان الباكي:
_وصلت لحاجة يا آيوب!
اتجهت آعين يوسف لإيثان الواقف على الدرج، بينما عاد ببصره نحو أخيه الذي انهمرت دموعه تفضح أمره، فصاح بقلقٍ متضاعف:
_قولولي في أيــــــــه؟؟؟
واستدار تجاه الاخير مرددًا:
_قولي انت يا إيثان!
أزاح إيثان دموعه التي أغرقت وجهه، وقال بصعوبة:
_الخواجة عمل حادثة كبيرة على طريق آسيوط يا دكتور.
عبس بعينيه بدهشة يحاول التشكك بأمرها:
_الخواجة مين!!
وردد بصدمة، كادت بأن تسقطه بمحله:
_إنت تقصد عُمــــــــران!!!!
*******
فتح عينيه ودموعه تنزف، كان فاقد للوعي ولكن عقله لم يتوقف عن التفكير لثانية، كان يشعر بكل شيء حوله، المحقن الذي يندس بوريده، صوت بكاء آدهم، أصوات الفريق الملتف من حوله.
سحب بصره المسلط اعلى سقف سيارة الاسعاف الموضوع بها، والتي لم تتحرك من محل الواقعه، بعد ان تأكد فريق تمريض السيارة بأنه لا داعي لنقله للمشفى، وأكدوا بأنه سيسترد وعيه خلال عشرة دقائق.
ترك علي السيارة وهبط يتأمل المكان، حتى عثر على مراد، فاتجه إليه، سبق الجوكر حديثه حينما قال:
_بقيت أحسن دلوقتي؟
تغاضى عن سؤاله، وسأله بثباتٍ مخيف:
_وصلتوا لحاجة؟
هز رأسه في آسفٍ وقال:
_لسه يا علي، إن شاء الله يكون نجى منها ونقدر نوصله.
هبط آدهم من السيارة خلفه، فاستمع لحوارهما، بينما يرمش "علي" بأهدابه مطولًا، وتعلق بزرقة عين مراد ليلقط أي إشارة كاذبة باجابته على سؤال طرحه بقوة رجلًا:
_في أمل إنه يكون عايش بوقوعه من مكان زي ده!
خشى آدهم من آجابة الجوكر، فتدخل قائلًا:
_علي آآ.
قاطعه علي بحزمٍ:
_آدهم من فضلك!
وعاد يتطلع لمراد هادرًا:
_منتظر اجابتك يا مراد وبمنتهى المصدقية.
تنهد بحزنٍ غام بمُقلتيه، واجابه بصدقٍ وبتحليله الدقيق:
_المكان عميق بس فرصة نجاته معقولة منها ده لو كان سليم يا علي، صاحبه اللي كان معاه بيأكد إنهم ضربوه بسكينة قبل ما يرموه، يعني ده ممكن يقلل نسبة نجاته، وبالنهاية محدش فينا يقدر يتوقع المكتوب، لو ربنا كاتبله النجاة هينجى منها حتى كانت فرصته بالنجاة واحد في المية.
تهدل رأسه فوق أكتافه، بينما يتعمق الجرح داخل صدره بشراسةٍ، ترك العنان لدموعه بينما يشد آدهم من ذراعه هادرًا بتأثرٍ وقد بح صوته:
_عندي أمل إنها مش نهايته، عُمران قوي وهيعدي منها بإذن الله.
مال على ذراعه، وردد بخفوتٍ تام:
_أنا أكتر واحد بيتمنى إنه يكون حي يا آدهم، أنا مش عايز غير إني أضمه في حضني حتى لو كانت للمرة الاخيرة.
وتابع وآدهم يشعر بدموعه الساخنه تغرق قميصه:
_ أنا أول مرة أحس إن قلبي مطعون وبينزف، حاسس إني عايز أضغط على السكينة عشان تريحني من عذابي بدل ما هي متشعلقة في قلبي وسايباني بعاني.
وأضاف وهو يرفع رأسه إليه، شاكيًا:
_أنا مش هقدر أواجه فريدة هانم، ولا شمس ولا مايا!!!!
عند نطق إسمها، صاح بصدمة:
_مايا!! مايا هتموت لو عرفت! لأ مش لازم تعرف، لو جرالها حاجة هتحرم من أخر شيء من ريحة أخويا، ابنه!!
وكأن ذاكرته تتجدد بكل العثرات القادمة، فانهمر ببكاء مزق قلب آدهم، وهو يصيح بانكسار:
_ده ملحقش يفرح بابنه ويشيله بين ايديه!! يا وجع قلبي العمر كله عليك يا حبيب قلب أخوك! يا ريت بايدي الاختيار كنت فديتك بروحي!
جلس على الحجارة من خلفه، وهو يحاول السيطرة على ذاته، فاذا بسيارة إيثان تصطف جوار الازدحام، وسيارة سيف من خلفها، حيث يجلس يوسف جواره عاجزًا حتى عن الحركة.
اندفع آيوب من بين الزحام، قاصدًا علي وأخيه، وما أن وصل إليه حتى ردد ببكاء:
_الاخبار اللي نزلت دي صحيحة يا آدهم؟؟ عُمران جراله أيه؟؟
حاول آدهم تهدئة أخيه ويونس وإيثان يحاولان السيطرة عليه، ولكنه كان ينهار بصوتٍ زاد من آنين علي، فقرر الابتعاد عن المحيط، لا يحتمل بكائه، فاذا به يقف وجهًا لوجه أمام يوسف، الذي يطالعه بعينين دامعتين، تأبي تصديق تلك الاشاعة، وبمنتهى الاتزان قال:
_أنا مصدقتش ولا حرف من اللي قريته، قولي حالًا الوقح فين عشان أربيه على الرعب اللي سببه لآيوب وسيف ده؟
تحررت دمعة عن عيني علي، ذاك الرجل الذي عهد عنه الصبر ونبل الاخلاق، يتهاوى خلف أحزانه لمرته الاولى، رؤية يوسف لدموعه، جعلته يثق إنها لم تكن إشاعة، انتابه دوار عنيف، دفعه للخلف فاحتواه سيف الذي أمسك بدموعه بصعوبة، بينما يدفعه يوسف للخلف ويدنو من علي، يقبض على جاكيته الاسود يحركه بين يديه بعنف:
_علي إنت طول عمرك عاقل، أوعى تكون مشاركه في اللعبة دي، صدقني مش هكلمك تاني وهفسخ شراكتي معاك بالمركز، عُمران المرادي اتمادى أوي! أنا بسبب رعبي عليه سيبت المريضة مرمية بالمركز وجيت جري، مكنتش قادر أسوق أصلًا!
وتابع وهو يوزع نظرانه على المكان بأكمله؛
_فين جمال؟ هو كان معاه وهيقولي الحقيقة!
بكى علي وهو يرى عيني يوسف تكاد تختلجان من محلهما فور أن لمح جمال يجلس بزواية منعزلة، يضم جسده ويبكي بانهيار، شحب وجهه، بينما يخبره علي:
_ياريتها كانت لعبة، يا ريته كان بيمثل عليا، كنت هتهاون عن كل وجعي وهخده في حضني، والله ما كنت حتى هعاتبه! بس دي الحقيقة يا يوسف، عُمران كان بيودعنا كلنا من غير ما نحس بيه!
صرخ فيه بجنون وقد انهارت دموعه:
_لأ، لأ عُمران عايش، دي تخاريف..
ودفعه وهو يتجه لجمال، انحنى قبالته وهو يهزه بعنف هو الآخر:
_جمال عُمران فين؟ بالله عليك ترد عليا إنتوا عاملين فينا مقلب صح؟ دي حركة من حركاتك إنت وهو؟؟ بالله ترد عليا!
رؤيته إليه جعلته يرتمي على صدره يبكي بانهيارٍ، وهو يهتف بوجعٍ:
_قتلوه ورموه قدام عنيا يا يوسف! عُمران مات!
سقط به أرضًا بعد أن فقد توازنه كليًا، ودموعه تتساقط بينما يديه تضم جمال بوجعٍ، بقى سيف محله يتابع أخيه بألمٍ، يرى يوسف القوي تنهار حصونه للمرة الاولى، بينما من أمامه "علي الغرباوي" المثال الأول يينهم للرجل المثالي، المتزن، يبكي بوجعٍ أوجع قلبه، ومن يساره ينهار آيوب متعلقًا بآدهم أخيه، حتى يونس يحاول السيطرة عليه، وذاك المسيحي الذي جمعته صداقته به لمدة لا تتعدى الشهرين يبكي من قلبه، تأثر سيف كثيرًا ووجد ذاته يبكي مثلهم، وقد انقلب موقع الحادث لمشنة حزن، لأفضل الرجال، يبكون من قلبهم على شابًا زرع الفضول بقلوب المحيطين لمعرفة ماذا فعل هذا لينال حب هؤلاء؟
*****
أرشدها الخدم لغرفة شقيقتها، دقت دقتين، فاذا بها تفتح بابها والدموع تغرق عينيها، بينما تتمسك بيدها بهاتفها، تحاول التأكد من زوجها عن ذلك الخبر.
تأكدت فور ان رأت زينب قبالتها بوقتٍ متأخر، كذلك، اندثت بأحضانها وهي تبكي بقهرٍ، بينما تربت زينب عليها وهي تشاركها الدموع، بينما تردد فاطمة بانهيار:
_الخبر مطلعش كدب يا زينب، عُمران مات!
******
بجناح "فريدة"
كان تقلب بالتلفاز بمللٍ، لقد جفاها النوم منذ ساعة، فتركت الفراش لزوجها واتجهت للصالون الخاص بجناحها الواسع، جلست تقلب بالتلفاز، حتى وجدت ذلك الخبر الذي جزعها جزعًا، فقد كانت المذيعة تردد
«نحن في انتظار اي إشارات أو مستجدات قد تكشف مصير رجل الأعمال الشاب وسنوافيكم بالتفاصيل أولا بأول الأنظار الان متجهة إلى قوات البحث وإلى من تبقى من دائرته المقربة بحثا عن جثمان الفقيد، ولا تزال فرق البحث والإنقاذ تواصل عمليات التمشيط المكثفة في محيط الحادث الذي تعرض له رجل الأعمال الشاب عمران سالم الغرباوي خلال طريق عودته من مؤتمر صحافي أُقيم بأسيوط، وبحسب مصادر أمنية،تأكد لنا أنه تم فقدان السيطرة على السيارة، فسقطت من أعلى جسر قيد الإنشاء وسقط من ارتفاع شاهق في ظروف لا تزال غير واضحة،و لم توكد السلطات ما إذا كان الحادث ناتجا عن خلل فني أو عمل مدبر خاصة في ظل تصاعد التساولات حول توقيته الغامض وتزامنه مع توسع نشاط رجل الأعمال الراحل في السوق المصري ملابسات اختفاء عمران الغرباوي قيد التحقيق وسنوافيكم باي مستجدات حال ورودها ابقوا معنا»
نهضت عن الآريكة تبعد خصلاتها للخلف وهي تهتف بجنون:
_وفاة مين!! أيه الهبل ده؟ ازاي يتكلموا عن ابني بالشكل ده!! ده أنا هوديهم في داهية.
حررت الاتصال برقم عمران، كان يعطي رنينه دون أي اجابة منه، فابعدت الهاتف وهي تردد بقلق:
_مبيردش ليه!!! هشوف علي؟
اتصلت بعلي، فلم ياتيها أي رد، ألقت الهاتف من يدها وقد اعتصر قلبها بشعورٍ قبض روحها معه، استندت على الطاولة حينما شعرت بضعف بنيتها، وبشحوب تام نادت زوجها:
_أحمد!
كان يبعد عنها مسافة طويلة، فاذا بها تصرخ ببكاء:
_أحمـــــــــــــد!
انتفض بمنامته يبحث عنها، وجدها تنحني فوق الطاولة الزجاجية،واتفاسها تغدو بطيئة، صعق أحمد من رؤيتها بتلك الحالة، ظنها تقدم على موعد الولادة.
ساندها بكل قوته، وهو يهتف بقلقٍ:
_مالك يا حبيبتي، حاسة بأيه؟!
أستندت على ذراعيه، وشهقاتها تتحرر بآلام أمًا ذُبح فؤادها:
_ابني يا أحمد، ابني!!
زوى حاجبيه بعدم فهم، لقد أكد الطبيب بأنها تحمل بأنثى، أتعني علي! أم عُمران؟!!
مالت إليه تجذب الريموت المتحكم بالتلفاز، قلبت لقناة آخرى فاذا بالخبر يُعاد من جديد، تجهمت معالم أحمد غضبًا وصاح:
_خبر مزيف طبعًا كعادتهم مفيش وراهم غير كده، بس وحياتك عندي لأوكل محامي عندي يرفع عليهم قضية، هدفعهم تمن خضتك دي غالي أوي.
هزت رأسها ببكاء وهمست له:
_مبيردش عليا ولا علي كمان بيرد، قلبي مقبوض يا أحمد، ابني فيه حاجة!
وتعلقت بقميصه ، تترجاه بتوسلٍ:
_أنا عايزة أكلم عُمران، وحياة غلاوتي عندك هاتلي ابني!
ضمها إليه بألمٍ، وهو يؤكد لها:
_متخافيش يا فريدة، عُمران بالمؤتمر الصحفي وأكيد زمانه على رجوع، وعشان تتطمني أنا هكلمه.
وسحب هاتفها الملقي أرضًا يعيد الرنين مجددًا، مرة تلو الآخرى.
****
صمد هاتف عُمران أسفل المياه لجودة نوعه الباهظ، فإذا به ينير بالسيارة الموضوعه جوار الجسر، بعدما نجحوا بانتشالها، وها هو الشرطي يقدم الهاتف لعلي الذي حمله بأصابع مرتشعة، وقلبًا دامي لم يعد قابل حتى للنبض.
يرى بعينيه رقم والدته، وإسمها المدون بيد أخيه بالانجليزية «برنسس عيلة الغرباوي» ، انسدلت دمعاته وخانته، ابتعد عن الجمع يضع الهاتف نصب عينه وهاتفه جواره، كانت زوجته ترن على هاتفه، ووالدته على هاتف أخيه.
شدد على خصلاته وهو يبكي دون توقف، فاستمد نفسًا طويلًا ورفع رأسه للسماء هادرًا:
_قويني يا رب، أنا ماليش غيرك، قويني عشان أقدر أكون سند وعون ليهم من بعده!
أزاح دموعه وجذب هاتف أخيه، يحرر زر الاجابة فاءا بفريدة تناديه بلهفة الكون بأكمله:
_عُمـــــــــــران، حبيبي انت كويس يا روحي!! طمني عليك!
كبت شهقاته بصعوبة بالغة، وأجلى صوته الثابت:
_فريدة هانم.
رددت بخيبة أمل، ورعب اجتاحها:
_علي! أخوك فين يا علي؟ وأيه الاخبار المنتشرة دي؟!!!
ضم شفتيه معًا يحتجز بهما شهقاته، ورد باتزان:
_دي اشاعات فارغة، أنا هخليه يكلمك بس هو مشغول دلوقتي.
وقبل أن تطرح تكذيبًا لأقاويله، قال:
_أنا عايز اكلم عمي، محتاجه في حاجة من فضلك.
رددت بغضب:
_طمني على أخوك الأول وبعدين كلم أحمد!!
شعر، أحمد بوجود شيئًا ما، فجذب الهاتف منها وقال بمراوغة:
_ما خلاص يا فريدة الولد طمنك، ارتاحي إنتِ وأنا هكلمه وهرجعلك تاني.
وبالفعل التقط الهاتف وخرج بعيدًا للشرفة، يغلق السماعة الخارجية:
_معاك يا علي! الكلام اللي قولته مدخلش عليا!
وصل إليه صوت بكاء علي، فارتكن احمد على السور الحديدي وردد بصدمة:
_علي!! متكدبش عليا أخوك ماله؟؟؟
بكى كأنه يرى ذاته بأحضانه، كأنه يشعر بيديه تحاوطه، وبعجز قال:
_معرفش! الخبر اللي سمعتوه صح، و لحد اللحظة دي أنا وأصحابه قدام الجسر، ومش عارف أخويا عايش ولا ميت!
تساقطت دموع أحمد رغمًا عنه، وهمس بوجعٍ:
_حي يا علي، عمران ابني حي، أوعى تحط احتمالات تانية غير دي، أنا جايلك حالا.
_لأ أوعى يا عمي، عشان خاطري حاول تبعد ماما عن القصر، حاول تبعدها هي وشمس عشان مايا متعرفش حاجه أنا كلمت فاطمة وقولتلها تبعد الفون وتمنعها من التليفزيون لحد ما نلاقيه، بالله عليك خليك جنب أمي ملهاش غيرك دلوقتي، انا هبلغك لو جديد.
عاتبه ببكاء:
_مش هقدر أكون هنا وأسيبك لوحدك يا علي، أنا حاسس إني هتجنن ومش قادر أتقبل اللي بتقوله، ازاي عايزني أصدق إن ابني مات بالبساطة دي، لا عُمران عايش وهيعدي منها، ولو معملش كده هذله ليل نهار بالاوزان اللي بيتباهى إنه بيشلها.
واستطرد بابتسامة يتبعها وابل من الدموع:
_ده بيرفعني كأنه شايل ريشة، بتستهبل إنت!! ابني حي.
أبعد الهاتف عنه يكبت عن عمه بكائه الشديد، بينما ينشطر قلب أحمد لسماعه شهقات علي مهما حاول كبتها، فقال بانهيار:
_مش هتحمل أسمعك بتبكي يا علي، ولا عُمران هيتحمل يشوفك كده، ده بيستقوى بيك طول عمره، إنت شايفني أب ليك وهو شايفك أنت الأب، إجمد يا علي عشان خاطره هو يا حبيبي!
بكى وهدر بانكسار:
_آه من وجع قلبي عليه يا عمي، مش قادر اخد نفسي، حاسس أن روحي هي اللي بتنازع مش هو! إدعي ربنا يرده ليا، ضهري لو اتكسر بيه هعيش طول عمري محني!
آزاح أحمد دموعه حينما وجد فريدة تقترب منه، تحاول التلصص عليه، وقال ببسمة كاذبة:
_خلاص يا وقح مدام مشغول هنكلمك وقت تاني، أنا غلطان أساسًا إني خربت الليلة عليك، يلا من غير سلام.
اغلق الهاتف واستدار لفريدة يخبرها بايتسامة زائفة:
_شايفة ابنك بيتواقح عليا ازاي يا هانم، قولتلك ألف مرة دوسي شوية في تربيته.
قرأت كل ما أخفاه بعينيه، وبقوتها المخادعة أخبرته:
_عُمران جراله أيه يا أحمد؟ علي مكنش معاه وفجأة يرد على تليفونه!
أجابها وهو يلف ذراعه من حولها:
_مفيش يا حبيبتي، علي راحله على طول عشان يكون جنبه بالمؤتمر.
هتفت باستنكار:
_ومن امته علي بيحضر مؤتمرات لعمران؟!
واجهها بنظرة مخادعة وهدر إليها:._وبعدين يا فريدة تعبتيني معاكِ هو إنتِ آآ..
انفتح باب جناحها وهرولت شمس إليها تصرخ بجنون:
_مامــــــــي، عُمران!!!
ركضت إلى أحضانها تبكي بكاء هيستري، فتلاشت محاولات أحمد وباءت بالفشل، بينما تهتف شمس بانهيار:
_قريت الخبر من على النت، وآدهم مش موجود، لما كلمته عرفت انه هناك ومقدروش لسه يلاقوه!!!
مالت على كتف فريدة تبكي، بينما الاخيرة تتطلع للفراغ بصدمة.
ركض أحمد يغلق باب الجناح، وعاد لشمس يخبرها برجاء؛
_شمس عمران عايش صدقيني، اهدي عشان مايا، لو سمعتك هتموت فيها هي واللي في بطنها.
وأضاف ليتمكن منها:
_يرضيكي أخوكي يرجع ويتفاجئ بخير زي ده.
هزت رأسها بالنفي، بينما يتابع فريدة بنظرات قلق، حاصرها بجسده وقال بهدوء:
_فريدة كل ده كدب، عمران كويس وهيرجع.
مالت على كتفه تردد بهمس خافت:
_ابني!
وأغلقت عينيها تنصاع لغشاوة سوداء تقتحم عالمها، فاذا بزينب تطرق باب الجناح، لتطمئن على شمس، فقد رأتها وهي تهرول من سيارتها باكية، فعلمت بأنها علمت بالامر.
أسرعت اليهم تعاونهم على وضعها بالفراش، ثم انحتت تتفحص نبضها، وتبذل قصارى جهدها لتجعلها تستعيد وعيها.
*******
مازال أمر بقاء فاطيما برفقتها مريبًا لها، وبالاخص بوقتٍ كذلك، راقبتها وهي تصنع كوبان من العصير وتتجه إليها وهي تبتسم بصعوبة:
_وادي يا ستي أحلى كوبيتين عصير لأجمل مايا بالدنيا كلها.
راقبت ما بيدها، والتقطته ترتشفه بتلذذ:
_طعمه تحفة يا فاطيما، تسلميلي يا حبيبتي.
وأضافت بشك:
_بس غريبة انك تكوني صاحية في وقت زي ده، انتي بتنامي بدري يعني!
وضعت الكوب وراقبتها بارتباكٍ:
_مفيش أصل علي نزل المركز واتاخر برجوعه وأنا خايفة انام لوحدي، فأول ما لقيت نور أوضتك منور قولت أجي أسهر معاكي.
ابتسمت لها بحب:
_خير ما عملتي، كنت قاعدة زهقانه والله، وبرن على البشمهندس المحترم وكعادته مطنشني.
حزنت لاجلها وهتفت بثبات:
_معلشي يا حبيبتي هتلاقيه مشغول، ما أنتِ عارفة شغله صعب أد ايه.
هزت رأسها بخفة وقالت:
_هقوم أشوف موبيلي فين هرنله مرة تانية يمكن يرد.
انقبض قلب فاطيما، وخاصة بأنها تخفي هاتفها بجيب بيجامتها، فأوقفتها قائلة:
_على فكرة انا كنت بكلم علي من شوية وقالي ان عمران لسه بالمؤتمر، فأكيد مش هيقدر يرد عليكي، وبعدين أنتي من ساعة ما جتلك وانتي عايزة تتهربي من قعدتي بأي شكل، خلاص يا ستي هروح أنام بجناحي وانتي كلمي البشمهندس بتاعك براحتك، بس افتكري أنك بتطفشي اللي بيحبك وبتعبري اللي مش معبرك.
ضحكت على اسلوبها الغامض، وعادت تجلس محلها قائلة:
_أيه ده كله، إنتي فاكراني الدكتور علي وبتحاولي تلفيني يا فطيمة، اتطورتي أوي ما شاء الله.
ضحكت بصعوبة وهي تخبرها:
_لازم نتطور ولا نسيب الدوك يبص بره بقى؟
انهارت بنوبة من الضحك وقالت بسعادة:
_لا عندك حق، انتِ الظاهر شغلك مع عمران خليكي جريئة واديكي قوة أسد اللهم بارك.
وخز قلبها بقوة، وكادت ان تنفلت دموعها على شقيقًا لم تكتسبه يومًا، فكان هو أفضل شقيق وصديق لها، ولكنها وضعت كل حزنها جانبًا وسحبتها بمرحها حتى غفت جوارها على الفراش، بينما لم يزور النوم جفن فاطمة، التي انتزعت حياتها فور ان استمعت لصوت علي الباكي، تتمنى لو كانت جواره تشاركه حزنه وتضمه إليها!
******
الثامنة صباحًا.
أخر فريق سباحين يخرجوا من المياه، بفشلٍ جديد، ونهاية وضعت لكل تلك الجهود المبذولة.
انتفضت الساحة من الجمع، ولم يتبقى الا أصدقائه وشقيقه، يجلسون أرضًا ودموعهم لم تجف عن وجوههم، بينما يختزل كل ما بُذل بجملة تحررت لهم جميعًا:
_قعدتكم هنا ملهاش لزمة، للاسف مش قادرين نوصل لحاجة ومفيش قدامنا غير الصبر!!
*******
بعيدًا عن آسيوط، بإحدى قرى الصعيد، كانت المستشفيات الداخلية للقرى، تعج بعدد مهيب من الحضور، إنقلبت أجواء الصعيد رأسًا على عقب، بعد أن زاع انقلاب باص ضخمًا يحمل عدد من المعازيم لاحدى الافراح الشعبية، والذي كان يتمايل على الطريق العام انصياعًا للمهرجانات الشعبية، أثناء زف سيارة العروس، فاصطدمت سيارة العريس بالباص الضخم، وسقطوا معًا بالنعر محدثًا اصابات بالغة.
نتج عن الحادث بعيدًا عن وفاة العروسين، وفاة خمسة من المعازيم، وإصابة تسعة عشر فردًا، توزعت اعدادهم على المستسفيات الداخلية للقرى باصاباتٍ مآساوية.
ومن بين تلك المستسفيات، كانت مشفى بسيط ضمت ثمانية من الحالات المتعسرة، فركض أفراد التمريض لنجدة الحالات المستقبلة، والاستقبال في حالة فوضوية لعدم تعارفهم على أحدٌ من المصابين، فاذا بالممرضة تهدر للاخرى بحزن:
_طيب هنسجل بياناتهم ازاي دول؟ دول اغلبهم معمهش أوراق ولا بطايق!
اجابتها بشفقة وحزن:
_يعني مين هيهتم يأخد بطاقته وهو رايح الفرح يا سهير! لحد الآن في ٥حالات وفيات، رجلين وتلات ستات، وال٨ اللي اتحولوا المستشفى علينا، فيهم أربع حالات على التنفس وحالتهم شبه مستقرة، وفيهم واحد في العناية والتلاتة التانين مرمين في العمليات من ٦ الصبح.
وأضافت باستياء وحنق:
_ادى أخرة السنكحة والرقص بالعربيات على الرصيف، أقطع دراعي ان مكان السواق ده كان مبرشم، منه لله.
ردت الآخيرة بحزن:
_ربنا يلطف بينا يارب.
*****
أمام غرف العمليات.
خرجت الحالتين وانتقلت للعناية على الفور، وتبقى حالة وحيدة بداخل الغرفة، يجاهد الاطباء لانقاذه، وبصعوبة بالغة استقرت حالته نوعًا ما، فاذا بالطبيب ينزع كمامته ويرتكن على المقعد بتعبٍ شديد، وأشار للممرض الشاب:
_صابر جهز الحالة دي تدخل عناية مشددة، حالته احتمال تتدهور في أي وقت.
هز الشاب "صابر" رأسه في طاعة، وانحنى يجهز المريض من أمامه، فاذا بالطبيب الآخر يرنو إليه ويقول:.
_الحالة دي غريبة عن الحالات كلها يا دكتور ممدوح.
أجابه الطبيب باسترابة:
_مش فاهم!
رد عماد عليه:
_الحالات اللي جاتنا كلها كانت بتعاني من الغرق واصابات ناتجه من انقلاب الباص بتاع الفرح، لكن الحالة دي واخده طعنه بالكتف، والجرح العميق اللي في جنبه ده سببه اختراق شيء حاد، وكله كوم وإصابة رأسه دي كوم تاني، ده لو نفد منها هينفد بمعجزة.
انتاب الاخير الشك وقال:
_عندك حق يا عماد، بس ازاي اتعرض لطعنة وهو بالباص مع باقي المعازيم!
اجابه بحيرة:
_العلم لله، بس هو مش هيطول بحالته دي، أخره ٤٨ ساعة على الاجهزة.
رفع كتفيه وأجابه:
_العلم لله، هندخله العناية لحد ما أهله يتعرفوا عليه زي باقي الحالات.
دفع الممرض "صابر" الفراش، ونظرات الشفقة تغلف ذلك الشاب وخاصة بعد سماعه للحوار المتبادل، دفعه لغرف العناية، والتي يعمل بها بشكلٍ مستمر، نقله للفراش ووصل إليه الاجهزة، ثم وقف يطالعه بحزن، فإذا به يحاول فتح عينيه وصوت التآوهات تخرج عنه.
ابتسم صابر بفرحةٍ، وأسرع إليه يميل من فوقه:
_إنت كويس!!
أبصر عن رماديتاه الساحرة، يتطلع لمن يقابله بنظرةٍ لم تطول، ليغوص بعالمٍ أسود التهمه سريعًا، وصوت الاجهزة لا تنذر بالخير أبدًا.
ركض الطبيبان ممدوح وعماد إليه، يتفحصان أمره، وأعربى عما أصابه قائلان:
_دخل في غيبوبة، والله أعلم مؤقتة ولا دايمة!
........ يتبع....
قد تظن أنك قد توصلت لباقي الاحداث ولكنك عزيزي القارئ لن تتوقع القادم أبدًا، لذا كن على يقين أن الأقوى قادم، ترقبوا ❤
******_______*********