تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل الأول 1 - بقلم ايه محمد رفعت
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي.
انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها.
قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير.
ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه.
فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا:
_هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني!
ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك الأريكة البيضاء المريحة.
جلس عليها بإنهاكٍ وهو يتفحص ساعة يده التي تشير له بأنها الخامسة صباحًا.
فردد بضيقٍ:
_بتمنى متكنش فريدة هانم مستنياني فوق زي كل يوم حقيقي مش ناقص!
ابتسم بخبث وعينيه الماكرة تراقب باب الغرفة الماسد بالطابق الأول.
فجذب جاكيته وصعد للأول بخطواتٍ غير منتظمة.
تفادى سقوطه على الدرج الرخامي أكثر من مرةٍ، حتى وصل للغرفة.
ولج للداخل وألقى جاكيته على المقعد الموضوع جانبًا، وعينيه تراقب الغافلة على الفراش بتقززٍ.
وبالرغم من انقباض ملامحه الا أنه حرر قميصه وتمدد جوارها.
كانت تغفو بعمقٍ حينما شعرت بيدٍ تمتد على خصرها بتملكٍ.
انقبض قلبها وانتفضت بمنامتها بفزعٍ، فصعقت حينما وجدته يرمقها برومادية عينيه ببرودٍ.
فرددت برعشة اعتلت لسانها الثقيل:
_عمران!
منحها نظرة جافة، وذراعه تمتد لتجذبها لاحضانه مجددًا.
حاولت الابتعاد عنه خاصة بعد أن طالتها رائحته المنفرة.
فقالت باستنكارٍ:
_إنت شارب! فريدة هانم لو عرفت هتعاقبك تاني.
أظلمت عينيه وقيد حركة يدها خلف خصرها، فتأوهت ألمًا.
وترجته بهدوءٍ زائف:
_عمران إنت مش في وعيك، من فضلك إبعد والا وقسمًا بالله هصرخ وهلم عليك البيت كله.
ابتسم ساخرًا، وردد بخشونة:
_غريبة المفروض اللي بيحصل بينا دلوقتي يكون على مزاجك مش بردو كنتِ مقهورة وإنتِ بتشتكي لفريدة هانم إن من يوم ما اتجوزنا وأنا مقربتلكيش!
جحظت عينيها صدمة، وانسابت دمعاتها وهي تدافع عن نفسها:
_محصلش أنا مقولتش لخالتو حاجة!
ذم شفتيه بسخطٍ، وهو يشير لها:
_قولتلك قبل كده أنا مبتخدعش بوش التماسيح بتاعك ده يا بنت خالتي، وفري مجهودك بالكلام وركزي معايا، مع جوزك!
وأضاف وهو يمنحها نظرة منفرة:
_بصراحة ألكس زعلانه مني ورفضت تيجي معايا الاوتيل النهاردة، فأنتِ اللي هتشيلي الليلة.
صعقت مما استمعت إليه، تعلم جيدًا بأنه يرافق تلك الفتاة التي تدعو "ألكس"، يرافقها أمام الجميع وأولهم فريدة هانم العاجزة عن ردع ابنها الصغير عن لقاء تلك الشقراء، حتى بعد أن أجبرته على الزواج من ابنة شقيقتها التي تعتبرها ابنة لها.
ومع ذلك رفض الاعتراف بها كزوجة فكانت ألكس وجهة ظهوره بكل مناسبة، وأحيانًا يصطحبها للمبيت بالمنزل دون حياء.
كم مرة انكسر قلبها وهي ترى زوجها يصعد لغرفته برفقة تلك الفتاة المبتذلة.
كم مرة بكت خلسة وعلنًا أمام جميع الأسرة.
كم مرة أهانها وقلل من شأنها كانثى قليلة الحيلة لا تملك ما قد يميل قلبه القاسٍ إليها.
الا يكفيه ما فعله بها طوال أشهر زواجهما حتى يهينها الآن تلك الاهانة.
تدفقت دمعاتها تباعًا، والغضب يثور داخلها فجعلها شرسة لا تغلب تحت ذراعيه الخبيرة.
فركلته عنها حتى سقط أسفل الفراش وهي تصرخ بغضبٍ جعل من تنتظره بغرفته تعلم بمكان وجوده:
_أنت أيه معندكش دم يا أخي، أنا مش رخيصة عشان تقارني بالعاهرة اللي أنت ماشي معاها!
احتدت نظراته فنهض واتجه إليها ليجذبها من ذراعها وهو يصبح بانفعالٍ:
_لسانك ده لو نطق عليها حرف هقطعهولك يا***
_عمران.
ابتلع ريقه بارتباكٍ قبل أن يستدير لمواجهة الصوت الصارم.
ليجد والدته ذات الخمسة وأربعون عامًا، تربع يدها أمام صدرها وتحدجه بغضبٍ عارم.
ترك عمران ذراعها ووقف قبالتها، ليجدها تدنو منه قائلة بعصبيةٍ بالغة:
_قولتلك ألف مرة صوتك ميعلاش على مايسان مراتك ولا تعاملها المعاملة المقرفة دي تاني وبالرغم من كده بتكسر كلامي.
تحكم بانفعالاته بصعوبة، وصاح بتريثٍ:
_هي اللي بتستفزني بكلامها.
منحته نظرة ساخطة قبل أن تجابهه بحدةٍ:
_بس هي مقالتش حاجة غلط، الحقيرة اللي أنت ماشي معاها ملهاش مسمى تاني.
قبض معصمه بغضبٍ جعل الدماء تفور بمقلتيه، فانخفضت نظراتها المتفحصة ليده ثم استرسلت بدون مبالاة لغضبه:
_بقالك سنين بتترجاها تتجوزك وهي رافضة، مش لانها متحررة يا حبيبي لا لإنها وقحة عايزة تعيش معاك في الحرام وتتمتع بفلوسك لحد ما تجيب نهايتك وبعدها هتدور على غيرك، بتلعبها صح ومش عايزة تدبس نفسها مع راجل واحد.
صرخ بتعصبٍ غاضب:
_ماماااا
_فريدة هانم.
رفضت منادته الصريحة، لتعيد له أصول تربيته.
خشيت مايسان تدهور الأمور بينهما، فنهضت عن الفراش تجذب مئزرها الأبيض ثم دنت من خالتها تخبرها ببسمةٍ مصطنعة:
_فريدة هانم محصلش شيء لكل ده، عمران كان داخل يتكلم معايا بخصوص ملف الصفقة اللي بينا وبين "راكان المنذر" وكنت هديله الملف وهيخرج حالًا.
همهمت بتهكمٍ:
_ويخرج ليه المفروض يكون ده مكانه لكن هنقول أيه أخد إنه يأكل من الزبالة، وميبصش للنضافة.
كز على أسنانه حتى كاد باسقاطهما، وخاصة حينما قالت بحزنٍ:
_كنت فاكرة إني لما أجوزك بنت عثمان باشا هتفوق لنفسك وتقدر الجوهرة اللي معاك، بس للأسف إنت مفيش فايدة فيك.
وتطلعت لابنة شقيقتها، الابنة التي تقرب لقلبها كابنتها الصغيرة وقالت بنبرة مختنقة:
_حقك عليا، أنا اللي بليتك بابني.
احتضنتها مايسان وهي تردد ببكاءٍ:
_متقوليش كده يا خالتو أنا آ..
ابتلعت باقي كلماتها برعبٍ حينما استعادت فريدة ثباتها مرددة بغضب:
_فريدة هانم أيه خالتو دي!!
واشارت لها مسترسلة بضيق:
_ثم اني قولتلك ألف مرة بلاش تبكى، الدموع والحزن بيكرمشوا الوش!
كبتت مايسان ضحكاتها بصعوبةٍ، وهي تشير لها:
_حاضر، أنا أسفة يا فريدة هانم.
ابعدت عينيها عنها وعادت تجابه من يجذب قميصه وملابسه بمللٍ، ثم قالت بحزمٍ:
_دي أخر مرة ترجع فيها متأخر وسكران يا عمران والا تصرفي مش هيعجبك وسبق وجربت.
ابتلع ريقه بتوترٍ، فهز رأسه بهدوءٍ، ثم كاد بالمغادرة فأوقفته قائلة:
_قبل ما تخرج، اعتذر لمراتك على الكلام المتدني اللي قولته ليها.
ركل حافة الباب بقدميه بعصبيةٍ، وهو يجبر ذاته على نطق الكلمات دون أن يستدير لها:
_آسف.
وكاد بالخروج لغرفته، ولكنه توقف فور سماع صراخها الحازم:
_اعتذارك بالشكل ده مش مقبول، قرب من مراتك واعتذرلها باحترام.
رفع رأسه عاليًا وهو يسحب نفسًا مطولًا يزفره على مهلٍ، لينهي تلك المهزلة.
فاستدار إليهما واتجه بخطواتٍ سريعة إليها، وقف قبالتها يرمقها بنظرة مشتعلة جعلتها تكاد تفر من أمامه لتختبئ خلف خالتها.
فما أن رفع يده حتى احتوت وجهها بيدها، فوجدته يقرب رأسها إليه ليطبع قبلة مغتاظة كادت بتهشم جبينها وهو يهمس بأنفاسٍ لاهثة من فرط تعصبه:
_سامحيني يا حبيبتي أنا غلطت في حقك.
هزت رأسها وهي توزع نظراتها المرتبكة بينه وبين فريدة هانم.
فرددت بخوفٍ:
_محصلش حاجة.
مال برأسه لوالدته مرددًا:
_أقدر أرجع أوضتي يا فريدة هانم ولا لسه في حاجة تانية؟
ابتسمت وهي تشير له بغرور:
_تقدر تروح، بس اعمل حسابك مايسان هتصحيك بدري عشان هتروح مع شمس الجامعة بكره، في مشكلة عندها وعايزاك تساعدها.
تفحص ساعته بصدمةٍ:
_بس صعب أنا مش هلحق أنام كده، خليها تأخد علي معاها.
أجابته بصرامةٍ:
_أنا قولت إنت اللي هتروح مع أختك، علي بره في المستشفى لسه مرجعش البيت.
واستطردت بسخريةٍ:
_وأهو بالمرة تروح معاها حفل افتتاح شركة راكان خطيبها ولا مش معزوم عليها!
منحها نظرة مغتاظة، قبل أن يهز رأسه وينسحب لغرفته.
فتوقف بالخارج فجأة حينما استمع لزوجته تردد بفرحةٍ:
_براڤو يا فريدة هانم، عمران مكنش عمره هيروح حفل الافتتاح ده ومتتخيليش الحفلة دي مهمة لشركاتنا ازاي!
أشارت لها بكبرياءٍ:
_أنا قولتلك هخليه يروح وكلمتي واحدة.
واسترسلت بحزمٍ:
_يالا هسيبك تريحي شوية وهروح أكلم علي أشوفه إتاخر ليه كده هو كمان وأول ما تصحي تفوقي شمس وتعالولي في الجناح، عشان تقيسوا الفساتين والكوليهات اللي اشتريتها ليكم.
وتابعت وهي تغادر للخارج:
_لازم تكونوا وجهة مشرفة لعيلة سالم عشان راكان المنذر يعرف هو ناسب مين!
ولج لغرفته بغضب من سماع خططتها الوضيعة، فألقى جاكيته على الفراش بعصبية، وجاب الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو يهتف:
_كده ماشي يا مايسان أنا هعرفك.
وابتسم بمكر وهو يجذب هاتفه ليحرر زر الاتصال بعشيقته متابعًا:
_هتحضري معايا الحفلة بس أوعدك هيبقى يوم متنسهوش أبدًا عشان بعد كده تحرمي تتذاكي على عمران سالم!
بين غيمة الليل المظلم المغدف، كانت تخطو بفستانها الأبيض بخطواتٍ بطيئةٍ ومن خلفها طرفه الطويل يلامس الأزهار الذابلة الملقاة أرضًا بإهمالٍ.
فتشابكت بأطرافه واتبعتها كالظل الملازم لها، كأنها تزف لها بشرى سيئة لما ستجده الآن من مصيرًا بائسًا ينتظرها.
استدارت للخلف وخصلات شعرها الفحمي يتمرد على كتفيها كالشلال المحاط بجوهرتها الثمينة.
شعرت بحركة خافتة تتبعها، فاستدارت صاحبة الفستان الأبيض بإِرْتِيَاع لمصدر الصوت المزعج.
انقبض قلبها الخافق بين ضلوعها حينما وجدت ثلاثة ذئاب تلهث بشراسةٍ وأعينهم لا تحيل عنها.
تراجعت للخلف بخوفٍ وهي تراقب اقترابهم الخطير منها، تراجعت حتى احتجز جسدها بين ثلاثة حوائط.
عقدت مستطيل حولها وأربع أضلاعه موجه بالذئاب التي بدأت تنهش عظامها.
وفجأة انقلبت الثلاثة ذئاب لأجساد بشرية، ذكورية، متحجرة، تستباح جسدها دون رحمة منهم أو شففة لبكائها وتوسلاتها.
صرخات مكبوتة لإنثى جُردت من كبريائها، وكأنها سلعة رخيصة استباحها اللعناء لينتزعوا شرفها، عفتها، لوثوا طاهرتها البريئة وأدموا بعذريتها.
برزت عروقها بقوةٍ، ورأسها يدور على وسادتها التي تحمل دمعاتها على سطحها الرقيق.
تمردت حركة جسدها بعنفٍ، وصوتها مكبوت، عاجز عن الصراخ، فانتبهت الممرضة الغافلة على المقعد المجاور لفراشها لحالتها الغريبة.
فنهضت عن مقعدها وركضت خارج الغرفة الطبية التابعة لمشفى من أهم المستشفيات التابعة لدولة انجلترا، تصيح بجنونٍ:
_دكتور علــــي!
بأحد غرف المشفى المخصص لعلاج الطب النفسي، التي تحمل لافتها اسم "د. علي سالم".
كان يجلس على مكتبه يتابع حاسوبه باهتمامٍ.
وبين يده نوته الخاص، يدون به ملاحظاته الهامه لعلاج الحالة المطروح من أمامه التسجيل الأخير من مناقشاته معها.
ينصب تركيزه التام على اشارات يدها ويتمعن بقوةٍ بكل حرفٍ نطقت به، ويقارنه بما دونه مسبقًا وقت جلوسه معها.
زفر علي بمللٍ، نزع عنه نظاراته الطبية واستكان بجسده الممشوق لخلف مقعده، يفرك عينيه بارهاقٍ، وعقله شارد بتلك التي آسرت قلبه ويقف هو بمؤهلاته وشهادت وسامه عاجزًا عن معالجتها.
مر أكثر من ثمانية شهور منذ تركهما لمصر وقدومهما لانجلترا ولم يحرز أي تقدم بحالتها.
صامتة كزخات الموت البارد، يود بكل ذرة بداخله أن يستمع لصوتها ولو لمرةٍ.
يرى رغبة الموت تنعكس جبريًا داخل حدقتيها، ومع ذلك مازال يبذل أقصى ما بوسعه، خاصة بأنه ليس طبيبًا عاديًا.
وسعت شهورته لتمكنه وبراعته من علاج أكثر من حالة كان يستحيل علاجها، وأغلبها تابع للعائلات الهامة من انجلترا وغيرها من الدول الأخرى.
كان يُطلب بالإسم لعلاج الشخصيات الهامة من المشاهير وغيرهم، ومع ذلك يقف عاجزًا أمام حالة فطيمة التي تجعله حائرًا عما يصيب قلبه تجاهها.
يرغب دائمًا بالبقاء جوارها لساعاتٍ طويلة مع إنها لا تشعر بوجوده أبدًا.
نهض علي عن مقعده ودنى من شرفة مكتبه، ليحرر ستائره البيضاء وهو يلتقط نفسًا مطولاً ويده تمشط خصلات شعره البني المتناثر على جبينه، ملامسة عينيه الرمادية، ويده مربعة أمام صدره مخاطبًا ذاته:
«وبعدين يا علي، بقالك ٨ شهور بتحاول بس إنك تخليها تتكلم! معقولة يكون كلام الدكتور أبراهام صح، وحالتها ميؤوس منها وملهاش علاج! لا مش معقول الكلام ده، أكيد حالتها ليها علاج، إنت عمرك ما استسلمت يا علي عشان تعملها دلوقتي، ابذل كل مجهودك معاها وأكيد هتلاقي تحسن»
وأغلق عينيه وهو يحاول تذكر أي تحسن بسيط قد حاز به بعد رحلة علاجه الشاقة، فتجعد جبينه حينما طاف إليه ملاحظته الطفيفة.
فركض لمكتبه يجذب النوت الخاص بحالة "فطيمة" ودون:
«بعد ثمانية أشهر من بدء جلسات العلاج لم أتمكن من ارغامها على الحديث، مازالت صامتة ترفض الحديث عن ماضيها ولكن ما تمكنت من فعله الأهم من دوري كطبيب. الآمان. بالبداية كانت تنزعج كليًا من وجودي لجوارها بمكان واحد، جسدها يتشنج وترفض سماع أي كلمة تنبثق على لساني، ولكن الآن تتقبل وجودي لجوارها، تستمع لمحاولاتي البائسة بحثها على الحديث باسترخاء حتى وإن لم تتحدث لي ولكن بالنهاية لم تنفر من وجودي مثلما تفعل مع أي طبيب يحمل لقب ذكر بهويته!»
ترك علي القلم عن يده حينما استمع لرنين هاتفه الذي يلمع بإسم "فريدة هانم".
ضم علي شفتيه معًا وسحب نفسًا مطولًا قبل أن يجيب بحماسٍ:
_فريدة هانم، موبيلي المتواضع بيرقص في حالة من عدم الاستيعاب.
وصلت ضحكاتها لمسمعه، وأجابته:
_دكتور علي البكاش اللي مش هيبطل يغلبني بكلامه.
وتابعت بضيق:
_وبعدهالك يا علي كل ليلة هتقضيها عندك بالمستشفى ولا أيه؟ وبعدين مش كان بينا وعد؟
رد عليها بحرجٍ:
_أنا عارف إني وعدت حضرتك بإني هرجع كل يوم بدري بس غصب عني حالة فطيمة اللي كلمت حضرتك عنها قبل كده صعبة ومازلت بحاول معاها، ابنك الدكتور المحترف عاجز عن علاجها.
صوتها الغاضب أتاه يحذره:
_هو إنت مبقاش على لسانك غير اللي إسمها فطيمة دي، ما قولتلك قبل كده سلم ملفها لأي دكتور تاني، أنا كنت واثقة إنك مبقتش ترجع البيت بسبب الحالة دي وهضطر أكلم دكتور" ألبرت" يشوف حل للموضوع ده.
ردد متلهفًا:
_لأ من فضلك بلاش تكلمي المدير يا ماما.. أأقصد يا فريدة هانم، هتضيعيلي خطة العلاج والمجهود اللي بذلته طول الشهور اللي فاتت من فضلك.
رق قلبها إليه، فقالت:
_تمام بس توعدني إنك مش هتبات بره البيت تاني، عمران أخوك مبقتش قادرة له لوحدي يا علي عايزاك جانبي تفوقه من اللي هو فيه.
اعتلى الضيق معالمه، وتساءل بضجرٍ:
_عمل أيه تاني الاستاذ؟
أجابته بضيقٍ:
_كل يوم بيرجع وش الفجر وهو سكران.
جحظت عينيه صدمة، فقال بعدم تصديق:
_حصلت أنه يشرب خمرة!
ردت بسخط:
_ومستني أيه منه طول مهو متلم على السنكوحة اللي إسمها ألكس هي والشلة الحقيرة اللي معاها، المشكلة إنه مش قادر يستوعب إنها لا تليق باسمه ولا تنفعه ومع ذلك لسه بيقابلها ومش مدي اهتمام خالص لبنت خالتك.
كان حذرًا باختيار رده:
_يا فريدة هانم حضرتك عارفه من البداية إن عمران مهووس بألكس حضرتك اللي صممتي تجوزيه مايسان وهو مش بيحبها فكل ده كان متوقع من البداية.
أجابته باعتراض:
_ده لمصلحته ولو أخر يوم في عمره مش هسمحله يدخل الحقيرة دي وسطينا.
ونهت حديثهما الغير مستحب لها حينما قالت:
_المهم، إرجع البيت عشان حفلة افتتاح الشركة الجديدة لراكان خطيب أختك.
وتابعت:
_أنا جبتلك بدلة فخمة، هتلاقيها متعلقة في أوضتك.
ضم منخاره بتأففٍ من عاداتها الغير مجدية للتغير،قائلًا:
_مكنش له داعي، أنا كنت هلبس أي بدلة رسمية من عندي.
اعترضت لما قال، وكأنه تفوه بحماقاتٍ، فصاحت:
_علي من فضلك حافظ على شكل العيلة، وسبق وإتكلمت معاك قبل كده.
ردد بعدم تصديق:
_وهي يعني البدالة اللي هترفع من مكانة العيلة!
واستطرد بيأسٍ:
_حاضر يا فريدة هانم، هكون في الحفل بالمعاد وبالبدالة اللي حضرتك اختارتيها.
أجابته بإعجابٍ:
_عفارم عليك يا دكتور.
أغلق الهاتف وهو يلقيه على مضضٍ، ليتفاجئ بالممرضة تقتحم غرفته وهي تردد بنبرتها الانجليزية:
_دكتور علي، على ما يبدو بأن المريضة فطيمة تواجه مشكلة ما، أرجو أن تسرع لغرفتها في الحال.
فور نطقها بإسمها حمل حقيبته الطبية وركض إلى غرفتها بهلعٍ، جعل المحاطين به يتأملونه وهو يتخلى عن مكانته ومظهره المعتاد ويركض كالأحمق.
ولج علي لغرفتها سريعًا وإتجه للفراش، فتيقن إليه عودة تلك الاحلام المنفرة إليها.
سبق له العلم بمختصر ملفها الطبي بما خاضته مسبقًا، لذا كان يعلم ماذا يزورها بكوابيسها، فحاول أن يجعلها تسترد وعيها حينما ناداها بلهفةٍ:
_فطيمة، سامعاني؟
وهز جسدها وهو يردد:
_ده كابوس ولازم تفوقي منه.
وحينما لم يجد أي ردة فعل، جذب جسدها إلى صدرها ليرغمها على الجلوس وهو يناديها:
_فطيمــــــــــة.. افتحي عيـــــــــونك.
رفعت أهدابها بتثاقل عن بنيتها الدامعة، فتقوست معالم وجهها بشراسة وجسدها ينقبض بين ذراعيه دون توقف.
ارتعب علي من حالتها الغير مبشرة بالمرة، فصاح بالممرضة التي تراقب الوضع من أمامها:
_أشلي احضري لي إبرة ال## في الحال.
أومأت برأسها واتجهت للحقيبة التي تركها، فملأت الأبرة الطبية بمحتويات العُلبة التي أخبرها بها، وناولتها له، فقيد علي حركة جسدها المنفعلة بحرافيةٍ، وزرع الأبرة داخل عرق رقبتها المنتفض، وبسهولة تمكن من بث محتويات الأبرة الطبية داخلها، فاستكانت حركة جسدها في نفس لحظة خروج المحقن من جلد رقبتها.
مالت فطيمة برأسها على ذراعه، وعينيها الباكية تتأمل عينيه القريبة منه بسكونٍ رغم اندمال دمعاتها دون توقف، وكأنها تشكو إليه بنظراتها الصامتة قسوة ما تتعرض له.
تألم قلبه وذُبح فؤاده، لا يعلم ما يصيبه حقًا وهو لجوارها!
ظل يتأملها لدقيقةٍ ونظرات الممرضة لا تفارقهما بدهشة اعتادتها تجاه علاقته الغريبة بتلك المريضة المغربية.
تهدل ذراع علي الحامل لرأسها على الوسادة وظل لجوارها يبعد عنها خصلات شعرها المتمردة على عينيها وهو يهز رأسه مرددًا وعينيه لا تفارق نظراتها المستكينة عليه:
_ده كابوس وانتهى يا فطيمة، إنتِ بخير ومفيش حد يقدر يمسك بسوء تاني.
اهتزت الصورة من أمامها، وأغلقت جفنيها الثقيل استسلامًا لفعل المنوم السريع لتهدئة أعصابها، ومازال علي لجوارها، نظراته منصوبة عليها بتأثرٍ، وكأن نظراتها نفذت داخل أضلعه مستهدفة قلبه المسكين، ضعيف القوة أمام وجهها الملائكي، ومشاعره التي حملها لها منذ لقائهما الأول بمشفى القاهرة!
تململت بنومتها بانزعاجٍ حينما قبضت ذراع مايسان على ذراعها وهي تحاول افاقتها مرددة:
_يوه بقى يا شمس، كل يوم تطلعي عيوني لما تقومي!
واسترسلت بمكرٍ وهي تتجه للباب:
_أنا كده هروح أنادي فريدة هانم تيجي هي تقومك بنفسها.
فتحت بنيتها بصدمةٍ، وتخلت عن غطاءها وعروستها اللعبة التي لا تتركها، وهي تصيح برعبٍ:
_لا تفعليها مايا، انظري لقد استيقظت.
ضحكت وهي تراقبها تركض لحمام الغرفة، فلحقت بها تقف على باب الحمام، فرأتها تغسل وجهها بسرعةٍ، هزت رأسها باعجابٍ:
_شكلي كده عرفت كلمة السر اللي هستخدمها معاكِ كل يوم.
وأشارت لها قبل أن تبتعد:
_متلبسيش هدومك، فريدة هانم بنفسها جابتلك فستان وشوية والخدم هيوصلوهولك.
تهدلت معالمها بضيقٍ ملحوظ:
_بس مامي ذوقها مش بيعجبني يا مايسان.
وقفت أمام المرآة تعدل من حجابها الفضي، وكنزتها السوداء لتجيبها ومازالت ترتب حجابها:
_لو عندك الجرأة روحي وبلغي فريدة هانم بكلامك غير كده فأنا مش هقدر.
ازاحت شمس عن شعرها الأسود المنشفة، وهي تجيبها بسخرية:
_لن أفعلها بالتأكيد، على أي حال سأرتديه مرغمة مثل ذهابي للحفل الممل الذي لا أرغب بالذهاب إليه.
واسترسلت ببعض الألم الذي تسلل لزوجة أخيها:
_ومثل الزوج المثالي الذي إختارته لي فريدة هانم، كل شيء هنا يحدث دون رغبة مني.
تحركت مايسان بعيدة عن المرآة، فجلست جوارها واضعة يدها على ساقيها وبحنان قالت:
_شمس حبيبتي، عايزة أقولك حاجة وإفهميها كويس، فريدة هانم مش أنانية هي بتختارلك الأصلح والأفضل ليكي راكان شخص محترم وبيحبك ولو عايزة رأيي هقولك إنتِ كده كده مفيش حد في حياتك فخلاص اديله فرصة وأكيد هتحبيه.
زفرت بضيقٍ وقالت:
_هحاول أديله فرصة مع إني مش طايقاه!
انتهى علي من عمله، فوضع الحاسوب الصغير بحقيبته السوداء ثم جمع دفتره والأوراق، نزع عنه البلطو الطبي واستعد للمغادرة فإتجه للدرج، وتوقف فجأة والبسمة تطوف به.
أراد أن يودعها قبل مغادرته المشفى، لقائه المستمر بها لا يشبع عينيه التي ترغب بالتطلع لوجهها الهادئ، برائتها الطاغية عليها.
طرق علي الباب فانتبهت الممرضة التي تهم للمغادرة إليه، هز رأسه بتحية مختصرة إليها وهو يستكمل طريقه للمقعد المقابل لفطيمة الجالسة على الفراش وعينيها تهيم بالفراغ بشرودٍ.
أوقف علي الممرضة قبل خروجها حينما قال بعصبية وهو يجذب الحجاب الملقي جوارها بإهمالٍ:
_أخبرتك كثيرًا بإن فطيمة مسلمة، من فضلك لا تتركيها دون حجابًا مجددًا.
زمت الطبيبة الانجليزية فمها بسخطٍ، ومع ذلك ردت ببسمة سخيفة:
_حسنًا.
قالتها باقتضابٍ وغادرت، فجلس علي مجددًا وعلى وجهه ابتسامة ساحرة، يراقب تلك التي تهيم بالفراغ بجمال عينيها وانتظام أنفاسها.
فقال وقلبه يخقق إليها:
_تعبتيني معاكي يا فطيمة، بقالي ٨شهور بحاول معاكِ وبردو مفيش أي نتيجة.
زوى حاجبيه باستغراب لحق نبرته:
_أنا كنت فاكر إنك لما تيجي هنا هتتحسني، اللي مستغربه بجد إني وأنا في مصر سمعتك بتغني قبل كده في المستشفى، وكنتي بتتكلمي مع الدكتورة يارا وحالتك كانت بتستجيب ليها.
واسترسل وهو يتساءل بحزنٍ:
_معقول حالتك اتدهورت لما أنا اللي مسكت ملفك!
لم يرمش لها جفنًا وكأنها لم تسمعه من الأساس، فابتسم وهو يقول بصوته الرخيم المحبب لها:
_متقلقيش أنا مش جايلك دلوقتي عشان نبدأ جلستنا أنا كنت راجع البيت وحبيت أعدي عليكي.
وتابع وعينيه لا تتركها:
_أقولك سر.
خطف نظرة متفحصة حوله قبل أن يقترب بمقعده لها وهو يتابع بهمس:
_أنا برتاح أوي لما بشوفك، بحب الهدوء والسكينة اللي بحس بيهم وأنا جانبك.
وردد بمرحٍ:
_مش عارف مين فينا الدكتور المعالج هنا أنا ولا إنتِ!
ضحك بصوته الرجولي الجذاب، ورفع يده يتابع ساعة يده، فأسرع بالنهوض وهو يشير لها:
_يا خبر إتاخرت جدًا، فريدة هانم هتعلقني على سور البيت، ده لو بوابته اتفتحت ليا أساسًا.
واسترسل بمزحٍ:
_فريدة هانم دي تبقى والدتي.
واتجه للخروج ثم عاد يميل للفراش وهو يغمز لها:
_سر تاني هقولهولك فريدة هانم مبتحبش حد يقولها ماما لازم فريدة هانم عشان حياتنا تستمر مع إن إسمها مكتوب في شهادة الميلاد إنها أمي بس هي مش مقتنعة بده.
وغادر على الفور، ليته انتظر دقيقة واحدة ليرى البسمة التي تركها على وجه تلك البائسة التي مازالت تحارب الذئاب التي تنهش لحمها المهتري!
فور خروجهما من الجامعة، تحرك بهما عمران للحفل وهو يراقب هاتفه ببسمة ماكرة، أقسم على رد الصاع إليها.
وجودها بالشركات لجواره لا يرغب به لإنه يعلم بأنها تصل كل شاردة وواردة لوالدته.
عدل عمران المرآة ليتمكن من رؤيتها جيدًا، فوجدها تتحدث مع شقيقته شمس الجالسة لجوارها، فاستكمل طريقه حتى وصل بهما لمقر الحفل الصباحي.
هبط برفقتهما، جاذبًا بوكيه الورد من صندوق السيارة، ثم أشار لشقيقته:
_يلا يا شمس، ادخلي.
هزت رأسها وتركتهما وولجت للداخل تبحث عن راكان لتكن لجواره بمناسبته، بينما انتظرته مايسان لتدخل معه فوجدته مازال يقف بالخارج.
تساءلت بدهشة:
_مش هندخل ولا أيه يا عمران؟
منحها نظرة كراهية، قبل أن يُحقر من شأنها:
_إنتِ فاكرة إني هدخل الحفلة معاكي إنتِ!
جحظت عينيها بصدمةٍ وهي تحاول تحليل حديثه المبطن، فدنت منه وهي تردد بذهولٍ:
_أوعى تقولي إنك هتجيب الحيوانة دي وتظهرها قدام الصحافة والتلفيزيون، دي كانت خالتي راحت فيها!
وضع يده بجيب جاكيته وجذب العلبة الزرقاء القطيفة وهو يجيبها:
_ومش بس كده، جايبلها خاتم ألماظ تمنه فوق ال٣٠مليون دولار.
غرس سهمًا قاتل بصدرها، فكادت دمعاتها بالانسدال على وجهها، ومع ذلك قالت بثبات:
_عمران الحفلة كلها رجال أعمال مينفعش تبان قدامهم بالشكل ده، صدقني أنا خايفة عليك وعلى مكانتك وسطهم أ..
أعاد العُلبة بجيب جاكيته، وقال ساخرًا:
_والله مكانة شركاتي دي تخصني لوحدي، ولا تكونيش فاكرة إن العشرة في المية اللي كاتبتهملك فريدة هانم بعد الجواز هيدوكي الحق إنك تشوفي نفسك من ملاك الشركات.
قبضت على حقيبتها الفضية بقوةٍ، ومازالت تحاول التحكم بانفعالاتها، فقالت:
_سبق وقولتلك ألف مرة إني مش عايزة حاجة، ومستعدة أتنازلك عنهم حالًا.
وتابعت بقسوة لتسترد حق كرامتها المهانة:
_إنت الظاهر اللي بتنسى ونسيت أنا أبقى مين وبنت مين؟
دنى منها فتراجعت للخلف حتى اصطدم جسدها بالسيارة فباتت محاصرة به، تطلعت لعينيه الرمادية بارتباكٍ وحبًا تجاهد بدفنه داخلها، واتجهت لشفتيه التي تردد بحنقٍ:
_فلقتيني بابوكي وبنسبك العظيم يا بنت الأكابر.
ومال لرقبتها يهمس باستحقارٍ:
_ما كنتِ اتجوزتي واحد من شركاء أبوكي ورحمتيني من البلاء ده.
تهاوت دمعتها رغمًا عنها، فابعدتها عن وجهها، وهي تردد بثبات:
_عمران لما نرجع بيتنا هني براحتك، دلوقتي خلينا ندخل قدام الصحافة وبلاش تنفذ اللي في دماغك، فريدة هانم ممكن تعاقبك لو اتسربلك خبر مع البنت دي.
وتابعت وهي تبتلع خصتها المؤلمة:
_جوه إبقى أقف مع الهانم بتاعتك براحتك.
راقب ثباتها الغريب بدهشةٍ، ومع ذلك ردد بسخرية:
_خايفة عليا من عقاب فريدة هانم ولا خايفة الصور توصل لعثمان بيه أبوكي!
منحته نظرة شملت الألم بين طياتها، فتجاهلته واستقامت بوقفتها متجهة للداخل، لحق بها عمران ومازال يحاول العثور على عشيقته.
وجده يقف برفقة رجال الأعمال، فتصنعت بسمتها الرقيقة ودنت منه تناديه على استحياءٍ:
_راكان.
استدار لها بقامته الطويلة، وهو يعدل من جاكيت بذلته الزرقاء، ليردد ببسمةٍ هادئة:
_أووه بيبي!
وضمها إليه وهو يشير للرجال المحاطين به:
_أحب أعرفكم، شمس هانم خطيبتي.
قابلتهم ببسمةٍ مجاملة وايماءة رأسها، مرت الدقائق عليها ومازالت تقف جواره، تجده مشغول بالحديث برفقة رجال الاعمال عن المشروعات والصفقات القادمة، مثلما اعتادت منه حينما يزور قصرهم، يقضي الوقت برمته برفقة أخيها عمران بالحديث عن الأعمال.
شعرت شمس بالملل، فمررت أعينها على مراسم الحفل بنفورٍ، فلمحت سلم رفيعًا جذب انتباهها، لاحت على شفتيه ابتسامة تسلية، فتسللت للبوفيه الموضوع، ثم جذبت منه طبقًا به خبز التوست، والتقطت النوتيلا الصغير الموضوعة جانبًا، وتسللت للدرج الصغير المؤدي للأعلى، لا تعلم بأنه يسوقها لقدرها المحتوم!
ترك راكان الجمع فور رؤيته لعمران وزوجته، فاتجه إليهما يرحب باحترامٍ:
_عمران باشا منور الحفلة.
احتضنه عمران وهو يهنئه قائلًا:
_مبارك يا وحش السوق.
رفع حاجبيه باستنكارٍ:
_هنيجي فين جانبك.
وتابع بمزحٍ:
_بنحاول نتعلم منك احنا لسه بنبتدي على الهادي.
تعالت ضحكاتهما، ليقطعها صوت مايسان الرقيق:
_ألف مبروك يا استاذ راكان وأن شاء الله تكون فتحة الخير لحضرتك.
منحها ابتسامة واسعة، وهو يشير لها بامتنانٍ:
_مايسان هانم أشكرك، حقيقي تشريفك هنا النهاردة ده شرف ليا.
رد على استحياء:
_الشرف ليا أنا.
وتساءلت باستغراب وهي تتفحص القاعة:
_أمال فين شمس؟
استدار حوله وقد تذكر أمرها:
_كانت هنا من شوية.
بزغت عينيها صدمة، حينما أحاطت تلك الأفعى بزوجها، تضع القبلات الجريئة على خده وعنقه وهي تردد بمياعةٍ:
_افتقدتك عزيزي.
لف ذراعه حولها بفرحةٍ وهو يردد:
_كنت واثق أنكِ ستأتين.
رمش راكان بعينيه بدهشةٍ، من رؤيته لتلك الفتاة تحتضن عمران بتلك الطريقة الفاضحة أمام زوجته، وعلى ما يبدو له ادراكها للأمر مسبقًا.
لم يعنيه الأمر كثيرًا فتلك الامور المعتادة بين طبقة رجال الأعمال، فانسحب من بينهما حينما وجد علي يدلف من باب القاعة.
أسرع إليه يرحب به:
_دكتور علي مش معقول إنك أخيرًا خرجت من قوقعتك الطبية وجاي تحضر معانا الحفلة!
ضحك وهو يضمه ليهمس له بحنق:
_مجبور والله يا ابو نسب، دي أوامر فريدة هانم ولازم تتنفذ ما أنت عارف.
تعالت ضحكاته بعدم تصديق لما تفوه به، فتابع علي وهو يتفحص الجمع:
_أمال فين عمران وشمس؟
أشار له على الطاولة التي جمعت أسرته، فتركه وولج للداخل ليتفاجئ بمايسان تجلس على الطاولة بمفردها وعينيها تجوب من يقف بالبعد عنها يحتضن عشيقته ويضمها لجسده بطريقة مخجلة.
دنى منها فما أن رأته حتى أزاحت دموعها وهي ترسم بسمة صغيرة مرددة:
_علي!
جلس قبالتها يتأملها بحزنٍ، فقال وهو يقدم لها علبة من المناديل:
_امسحي دموعك يا مايسان، الكلب ده ميستهلكيش.
وردد وهو يتابع أخيه:
_بس متقلقيش أنا هعرف ازاي أوقفه عند حده هو والزبالة اللي معاه دي!
بأعلى سطح الشركة.
جلست على السور الخارجي، تضع النوتيلا على الخيز وتتناولها بتلذذٍ.
قدميها ترفرف بحرية واستمتاع، خصلات شعرها المموج تتطاير من خلفها وضحكاتها تتناثر دون توقف وهي تقص موقفها المضحك لرفيقتها.
فقالت وهي تقضم قطعه من الخبز:
_اهدائي قليلًا جومانه، ماذا عساني أفعل بالأسفل، راكان الأحمق لا يجيد سوى الحديث بما يخص الشركات، ليته يعلم بأنني لا أطيق رؤية وجهه الساذج.
انكمشت تعابيرها بغضب لحق نبرتها:
_بربكِ يا فتاة، تعودين لاسطوانة رجل الاعمال الناجح الوسيم أنا لا أراه وسيمًا!!
وأغلقت الهاتف وألقته جوارها وهي تردد:
_هحجزلك كرسي جنب فريدة هانم، عشان تحكوا طول النهار عن الطبقة الآرستقراطية!
_أيه ده إنتي بتتكلمي عربي!
صعقت حينما اقتحم صوتًا ذكوريًا عالمها المثالي، فاستدارت للخلف تراقب من يقف خلفها، لتجده شابًا جذابًا يرتدي حلى سوداء اللون، شعره بني غزير مصفوف بحرافيةٍ وكأنه قضى نهاره بتصفيفه، عينيه سوداء قاتمة كسواد الليل المخيف.
اقترب منها وهو يحاول منع ضحكاته بالوصول إليها، وخاصة وهو يتفحص ما بيدها، فقال وهو يشير بعينيه:
_في نوتيلا على وشك!
حاولت ازاحتها بيدها فسقط الطبق منها، رفعت يدها الاخرى تزيح بها فسقطت عنها النوتيلا.
انفجر ضاحكًا على هيئتها، فاقترب منها وهو يشير:
_خليني أساعدك.
وانحنى يجمع ما سقط عنها ومازالت تراقبه عن كثبٍ، فقالت بارتباك:
_أنت سمعت كلامي كله؟
رفع عينيه إليها وهز رأسه مبتسمًا، ابتلعت ريقها بتوتر وتساءلت بحماقة:
_هتقول لحد؟
قدم لها النوتيلا وصمته يطول به ويقلقها، إلى أن قال بثبات:
_إنتِ عندك حق الجو تحت ممل، خليكي هنا مع النوتيلا.
وتركها وكاد بالمغادرة، فاوقفته قائلة:
_استنى عندك، مقولتليش إنت مين؟
استدار إليها ليطوفها ببسمةٍ هادئة، قبل أن ينطق:
_أنا آدهم الحارس الخاص براكان باشا ودراعه اللمين.
انفلت فمها أرضًا، فتعالت ضحكاته مجددًا، فدنى إليها وهو يتفحص ملامحها الملائكية بنظرة خاطفة، قبل أن يهمس لها باحترامٍ:
_أنا مشوفتكيش ومسمعتش حاجة، متقلقيش يا شمس هانم.
منحته ابتسامة رقيقة، ورددت بتشتتٍ:
_أنا بشكرك.. بس أنا فعلا بشوف راكان ده شخص بارد ومعقد.
اصابته نوبة ضحك مجددًا، تخلى عنها فور سماعه رنين هاتفه، فرفعه وهو يحاول جاهدًا السيطرة على ضحكاته مرددًا:
_أيوه يا باشا، دقايق وهكون عندك.
وتركها وكاد بالمغادرة ولكنه استدار ليخبرها:
_أنا كمان نظرتي ليه شبه نظرتك.
وغادر تاركًا بسمة ساحرة مرسومة على شفتيها، فضمت النوتيلا إليها وهي تردد بعينين ترمشان دون تصديق:
_معقول أكون لقيت فارس أحلامي!
بالأسفل.
تعلقت عينيها بالخاتم الالماسي بعدم تصديق، فتعلقت برقبته وهي تردد بعدم تصديق:
_أووه حبيبي.. شكرًا لك.
ابتسم وهو يهمس لها بجراءة:
_لا.. اشكريني حينما نصبح بمفردنا بغرفتنا، أشتاق لكِ ألكس.
أمسكت يده وغمزت له:
_فلنذهب اذًا.
توقف عن تتبعها حينما أوقفه علي، ليصبح في مواجهته.
لعق عمران شفتيه بارتباك وهو يردد:
_علي!
رواية صرخات انثى الفصل الثاني 2 - بقلم ايه محمد رفعت
وزع نظراته الغدافية بينه وبين تلك الفتاة التي ترتدي ثيابًا شبه عارية من أمامه، غض علي بصره عنه ليسلطها على أخيه، آمره بنبرة قطعية:
_عايزك.. تعالى معايا حالًا.
ابتلع ريقه الجاف بصعوبةٍ، وردد بصوتٍ منخفض:
_بس آآ...
قاطعه علي بحزمٍ:
_قدامي يا عمران، بدل ما صوتي يعلى قدام الناس.
دنت ألكس من عمران تتحسس صدره بطريقة تقزز منها علي للغاية، وقالت بدهشةٍ:
_ما الأمر عمران؟
حاول عمران إبعادها عنه وهو يتابع نظرات أخيه القاتلة، فهمس لها:
_انتظريني بالفندق ألكس، سألحق بكِ بعد قليل.
هزت رأسها على مضضٍ، وغادرت.
فاحتل ثغرها ابتسامة تسلية فور رؤية زوجته تجلس على الطاولة القريبة منهم، فاتجهت وجذبت المقعد المقابل لها، تشنج جسد مايسان فور رؤيتها لها تجلس قبالتها، فصاحت بانفعالٍ:
_من سمح لكِ بالجلوس هنا.
دنت بجسدها من الطاولة وهي تخبرها بمياعةٍ:
_ستعتادين رؤيتي بأي مكانٍ يزوره عمران.
تجهمت معالم وجهها بصورةٍ ملحوظة، فوضعت ألكس ساقًا فوق الأخرى لتتعمد أن تريها ساقيها البيضاء العارية من أسفل الهوت شورت المقزز الذي ترتديه، مسترسلة:
_هيا مايسان عليكِ تقبل وجودي بحياة زوجك، استسلمي لتلك الحقيقة.
زوت حاجبيها بتهكمٍ:
_حقيقة إنكِ وقحة وعاهرة رخيصة.
تعالت ضحكاتها بشكلٍ صدم مايسان التي تأملتها بتقززٍ، وكأنها معتادة لسماع تلك الكلمات البذيئة، تعمدت ألكس أن تنهض وتجلس قبالتها على الطاولة لتستمع لما تقول جيدًا:
_لا، حقيقة إن عمران لن يقترب منك ما دمت أنا بحياته، بربك كيف سيراكِ وعينيه لا ترى سوى جمالي.
وجذبت سيجارًا تضعه بفمها وهي تستكمل بتحدٍ:
_اقترب اليوم الذي سيجردك به عمران من زواجك أعدك بذلك.
ونهضت من على الطاولة وهي تسحب به حقيبتها لتغادر، فتفاجئت بها تجذبها لتقف أمام عينيها، لتخبرها مايسان بتحدٍ وقوة لم تغادر شخصها القوي أبدًا:
_وأنا أعدك بأنني لن أترك زوجي لعاهرة وضيعة مثلك، لا تنتظري هذا اليوم عزيزتي، لآنه إن أتى ستكونين إنتِ المجردة ولست أنا.
وتركتها مايسان وغادرت تحت نظرات ألكس المشتعلة، فرددت بحقد:
_لنرى من منا سينتصر بالنهاية.
***
بالقرب من مقر شركة "راكان المنذر"
وقف قبالته يصيح بغضب جعل عروفه بارزة للغاية:
_خلاص مش لاقي حد يوقفك عند حدك يا عمران!
رفع رأسه إليه وقال بهدوءٍ:
_أنا معملتش حاجه يا علي، فريدة هانم اللي أجبرتني أتجوز مايسان بنت خالتك وأنا مبحبهاش هعمل أيه يعني؟
رمقه بنظرةٍ ساخرة، اتبعها رفع يده يشير له:
_تزني وتشرب خمرة ده اللي تعمله!!
لعق شفتيه بتوترٍ وقال بتلعثمٍ:
_ألكس رافضة ترتبط بيا، إنت عارف إن ديانتنا مختلفة وآآ.
جذبه من تلباب جاكيت بذلته وهو يصيح بانفعالٍ:
_أنت جنس ملتك أيـــــــــه! واقف قدامي بكل بجاحه تبرر وساختك، إنت عارف مصيرك أيه!
وتابع وهو يحتد من مسكته:
_أنت نسيت هنا دينك يا عمران ونهايتك هتبقى أبشع مما تتخيل، إبعد.. إبعد عنها وعن الشياطين اللي حوليها.
وابتعد عنه وهو يحاول التماسك عن عصبيته، زفر بغضبٍ مما يفعل وعاد يقف قبالة أخيه الصغير، يربت بحنان على صدره ويعدل من جاكيته الغير مهندم بفعله، وقال بهدوءٍ:
_يا عمران إفهم مفيش حد في الكون كله يستاهل إنك تعصي ربنا وترتكب كبائر زي دي، بص حواليك وشوف ربنا كارمك بأيه وأنت غافل عنه، شوف نجاحك في شغلك، والزوجة الصالحة اللي ربنا رزقك بيها، امسك فيها بايدك وسنانك وخليها تطلعك بعيد عن القرف اللي إنت بقيت عايش فيه ده.
رفع رماديته الشبيهة لاخيه إليه ليرى دمعته المستكانة داخله، وكأنه يخبره شيئًا تفهمه علي، وقال:
_أنا مش هفرض عليك تعيش معاها زي فريدة هانم، بس أنا مش عايزك تظلمها معاك لو مبتحبهاش طلقها وسبها تعيش حياتها مع شخص تاني يديها اللي إنت مقدرتش تدهولها.
أجابه بحزنٍ:
_وتفتكر إني محاولتش أعمل كده يا علي، حاولت بس فريدة هانم هددتني إني لو طلقت مايسان هتحرمني من الورث ومن كل حاجة.
وتابع وهو يتجه للشجرة القريبة منه، يتكأ عليها بتعبٍ يضربه نفسيًا، فالتقط نفسًا ثقيلا واستدار يخبر أخيه:
_لما أنت كنت في مصر أنا أصريت أطلقها عشان أنهي العذاب اللي معيشها فيه ده، بس ماما عاقبتني وأخدت مني الكريدت كارت وسحبت مني العربية وكل حاجة بمتلكها.
واسترسل بقلة حيلة:
_مكنش في قدامي حل تاني، بضغط على مايسان بكل قوتي عشان هي اللي تقف قدامها وتطلب الطلاق.
ضحك ساخرًا وهو يشير له باستحقارٍ:
_قصدك بتهنها وبتدوس على كرامتها، كرامة مراتك اللي هي المفروض كرامتك.
حاول تبرير ما يفعله حينما قال:
_عايزني أعمل أيه يعني!
صاح بعصبية بالغة:
_تخليك راجل ولو لمرة واحدة في حياتك، تقف قدام ماما وترفض الجوازة دي، ولو حرمتك من الفلوس والأملاك في داهية المهم بلاش تعصي ربنا بعلاقتك القذرة دي وبظلمك الكبير لانسانة بريئة ملهاش ذنب غير إنها بتحبك من وإنتوا عيال صغيرين وأنت أعمى عن حبها ليك.
واسترسل وهو يمنحه نظرة أخيرة:
_إنت ماشي في طريق كلها معاصي بداية من الخمرة للبنت اللي انت ماشي معاها.. صدقني يا عمران إنت مش أد غضب ربنا عليك.
وتركه وغادر على الفور، تاركه يعيد حساباته التي تنتهي جميعًا فور رؤيته لتلك الملعونة.
***
خرجت مايسان تنتظره جوار سيارته والدموع مازالت تختم على وجهها، لا تعلم لماذا تحمل الحب له بالرغم من الكراهية الواضحة بعينيه لها، مازالت تفتقده.. تفتقد تلك الليالي التي كانت تقضيها بانتظار هبوطه لمصر برفقة والدته كل عامٍ، كيف كان يبتسم فور رؤيتها ويقضي أغلب الأوقات برفقتها، كان لا يفترق عنها أبدًا، تاركًا الجميع يظنون بأن بينهما قصة حب عظيمة نهايتها الزواج المتوقع، وحينما حدث ذلك تفاجئت بوجود تلك الفتاة بحياته، وكأنه شخصًا أخر غير ذاك الذي كانت تلتقي به كل عامٍ، ترسخ داخلها بأنه كان يستغلها بالفترة التي يقضيها بمصر، ولكنه لم يسبق له بأن تعدى عليها مرةٍ، كان يعاملها برفقٍ وحبً ينبع داخل عينيه.
أزاحت دمعاتها حينما وجدت علي يدنو منها ليشير لها:
_يلا نرجع البيت يا مايسان، شمس راكان قال هيوصلها.
رفضت الانصياع إليه مرددة بتصميم:
_أنا جيت مع جوزي وهرجع معاه.
أغلق باب سيارته وعاد يقف قبالتها، قائلًا بعدم تصديق:
_بعد اللي عمله جوه ولسه عايزة تركبي معاه!
تدفقت دمعاتها على وجنتها، فابعدتها عنها وهي تخبره بصوتٍ منكسر:
_أحسن ما أسيبه يروحلها.
رمش باهدابه تأثرًا بها، فهمس بصوتٍ حزين:
_غبي ومش مقدر الجوهرة اللي معاه.
ورفع من صوته يخبرها وهو يعتلي سيارته:
_لو حصل حاجة كلميني.
اكتفت بهزة بسيطة من رأسها، وتوجهت لتقف جوار سيارة عمران حتى خرج فوجدها تنتظره، وضع يده بجيب بنطاله وتساءل بضيقٍ:
_مركبتيش مع علي ليه؟
ردت عليه بثباتٍ قاتلٍ:
_أنا مجتش معاه عشان أرجع معاه!
سحب نفسًا مرهقًا وأشار لها بالصعود باستسلامٍ، تحركت بآليةٍ تامة لتجلس جواره، فخيم السكون عليهما طوال الطريق، تكبت هي بكائها بحرافيةٍ اعتادت عليها ويفكر هو بحديث أخيه، حتى توقف بها أمام المنزل، انتظرته يهبط ولكنه بقى بمقعده فعلمت بأنه يوصلها وسيغادر على الفور، لم تتمكن مايسان اخفاء دمعاتها طويلًا، فتحركت يدها المرتشعة تقبض على معصمه المتعلق بالقيادة، انتبه لها عمران فلف وجهه إليها، فاندهش حينما وجدها تتطلع له بعينان باكيتان، وصوته الشاحب يردد:
_بلاش تروحلها يا عمران، بلاش تكسرني بالشكل ده كل يوم، أنا لسه عندي أمل إنك هتسيب كل ده وترجعلي.
تألم قلبه القافز بين ضلوعه، لا ينكر بأنه كان يكن لها حبًا في وقتٍ مضى من حياته، ولكن فور ظهور ألكس بحياته منذ ثلاث سنواتٍ وهو لا يرى سواها، وكأن مايسان لم تزور قلبه في يومٍ مضى، طال صمته ووصلت لها إجابته، فسحبت يدها عنه وخرجت من السيارة على الفور.
انهال عمران بجسده للامام وهو يواجه كل ما يعتريه من ألمٍ مبالغ به، سئم من حياته ومما يواجهه بمفرده، فحسم أموره بإنهاء عذابه وخوفه الشديد من الله عز وجل، حرك المفتاح ليقود سيارته من جديد متوجهًا للفندق، تاركها تراقبه من الشرفة بانهيارٍ تام، جعلها تجلس أرضًا متعلقة بالستائر التي تكبت بها صراخاتها.. صرخات أنثى تعافر لاسترداد حبيب طفولتها الغائب خلف فترة مراهقة لا تود تركه أبدًا.
***
صعود مايسان لغرفتها ومغادرة عمران زرع الشكوك داخلها، فصعدت لغرفة ابنها تطرق بابه وحينما استمعت لآذنه ولجت للداخل، فوجدته يبدل ملابسه، منحت فريدة نظرة متفحصة قبل أن تتساءل بحدةٍ:
_إنت راجع تاني المستشفى يا علي؟
منحها ابتسامة جذابة، ودنى منها يطبع قبلة على جبينها ويدها مرددًا بحبٍ:
_مساء الجمال كله على أجمل قمر بالكون كله.
كعادته ينجح بنثر السعادة على وجهها، ابتسمت وهي تردد بنفاذ صبر:
_دكتور علي البكاش إنت لحقت تقعد معايا عشان تلبس وترجع تاني.
اتجه لخزانته يجذب حذاءه الأسود، فجلس على حاملة الأحذية يرتديه وهو يجيبها:
_هعمل أيه بس يا فريدة هانم لازم أرجع عشان عندي كام كشف مهم النهاردة، مقدرش أعتذر للأسف، بس وعدي مازال مستمر هرجع بدري.
هزت رأسها وهي تشير له:
_عفارم عليك.
اخفى بسمته على كلمتها المعتادة، التابعة لعهد مضى ومع ذلك تمعن بنظرته المحبة لها، شعرها القصير المرتب حول وجهها، فستانها الآنيق، وحذائها ذو الكعب العالي الذي إعتاد رؤيتها ترتديه أينما كانت، حتى ولو بالمنزل، عينيها العسلية المزينة بالكحل الأسود وبشرتها البيضاء الصافية.
أحيانًا يشعر وكأنها شقيقتها الكبرى وليست والدته بالمرةٍ، مازال حتى تلك اللحظة يتقدم إليه عدد من الرجال لخطبتها، فضحك رغمًا عنه حينما تذكر كيف كانت تغضب وتثور وخاصة حينما كان يخبرها علي بأنه ليس معترضًا آن أردت الارتباط.
كعادتها تعيد عليه حساباتها الدقيقة حول تضحيتها بالزواج في سنٍ مبكر، وبالأخص بعد وفاة والده كانت حينها تبلغ الثلاثون من عمرها.
أفاق من شروده على صوتها المنادي:
_روحت فين يا علي!
تنحنح بحرجٍ:
_مع حضرتك.
عادت تكرر ما قالته مجددًا:
_سألتك اللي إسمها ألكس حضرت الحفلة؟
سحب عينيه عنها بارتباكٍ، وادعى انشغاله بتصفيف شعره، مرددًا:
_مخدتش بالي.
احمرت عينيها، فنهضت عن الفراش وتوجهت للخروج قائلة:
_ردك وصلني.
***
انتهى الحفل أخيرًا وانتهى دورها المثالي بالوقوف مع خطيبها المزعوم بحفلٍ هامٍ هكذا، انتهت شمس من تناول طعامها، فجذبت منديلًا ورقيًا تجفف فمها قائلة بضجرٍ:
_راكان أنا كده أتاخرت، خلينا نمشي بقى.
ابتلع ما بفمه قائلًا وهو يلتقط مناديلًا ورقيًا:
_أوكي يا بيبي، هنتحرك حالًا.
انطلق رنين هاتفه الذي لا يكف عنه، فأشار لها بحرجٍ حينما وجدها تتأفف بغيظٍ:
_معلشي، ثواني وراجعالك.
وتركها تجلس على الأريكة التابعة لمكتبه السفلي، وابتعد يجيب على هاتفه، ابعدت شمس الطاولة القصيرة عنها ونهضت تتمشى بالخارج بضيقٍ شديد، فتحت الباب الزجاجي بالطابق الأرضي ووقفت تتنفس الهواء المنعش ببسمةٍ ساحرة، فتحت عينيها على مهلٍ لتتفاجئ بالحارس الشخصي يقف على بعدٍ منها، لاح على وجهها بسمة صغيرة، فخطفت نظرة سريعة على راكان الذي مازال يتابع حديثه الذي لا ينتهي،ثم تسللت للخارج بعدما خلعت حذائها حتى لا يستمع راكان لصوت خطواتها.
خطت على أطراف أصابعها حتى وصلت للحديقة الخلفية للشركة حيث كان يقف آدهم منشغلًا بتأمل هاتفه، ليفيق على صوت صفير منخفض وصوت انوثي رقيق:
_كابتن.
رفع عينيه إليها، فتفاجئ بها، ابتسم آدهم وهو يرد بتهذبٍ:
_شمس هانم.
رفعت طرف فستانها وتسللت بعيدًا عن المياه الرطبة المحاطة للأرض الخضراء، حتى وقفت جواره، رمش بدهشةٍ وهو يراقب قدميها دون حذاء، ولكنه لم يعلق وعاد يراقب ما ستقول.
اتسعت ابتسامتها وهى تربع يدها أمامه، وعلى ما يبدو تشتتها وحيرتها بما ستفوه، فقالت بعد صمت:
_أنا كنت عايزة أشكرك أنك مقولتش لراكان حاجة، وأكد عليك من تاني أنك مسبقش إنك شوفتني فوق.
تطلع لها بغموضٍ، ومازال يقف بثبات يزيد من جموده، ظنته سيتحدث بالأمر فقالت برجاء:
_بليـــــــز مش تقول لراكان حاجة، لحسن ممكن يقول لفريدة هانم وهتبهدلني.
اخفى بسمته وردد باتزانٍ قاتلٍ:
_أنا بعتذر بس مش فاهم تقصدي أيه، دي أول مرة أقابل حضرتك وش لوش يا شمس هانم.
بدت كالبلهاء تحاول فهم ما يقوله، فانفرجت شفتيها بضحكة واسعة ولفت اصبعها:
_آيوه آيوه فهمتك، إنت بتمثل من دلوقتي.
ضحك بصوته الرجولي وهو يهز رأسه:
_بالظبط كده.
رفعت إبهامها له:
_براڤو، استمر على كده.
اتجهت لتغادر ومن ثم استدارت لتخبره:
_شكل كده هيكون بينا أسرار كتير يا آآ.. آآ..
انقطعت كلمتها حينما تهاوت قدميها بالمياه الرطبة فكادت بالسقوط أرضًا، وكان ذراعه الصلب الأسرع لمساندة خصرها المرن، تعلقت شمس تلقائيًا برقبته، في نفس لحظة استكماله لجملتها:
_آدهم، إسمي آدهم.
قالها وعينيه هائمة بعينيها، وجهها الملائكي اختطفه وكأنها تملك تعويذة سحرية تشده بها، رفرفرت بجفنيها وهي تتأمل عينيه عن قربٍ، ذاك الغريب الذي اختطفها منذ أول نظرة وأول لقاء، انتبه آدهم لراكان الذي يتقدم منهما، فاستقام بوقفته جذبها لتقف أمامه، وتراجع خطوتين للخلف واضعًا يده خلف خصره المستقيم
لعقت شمس شفتيها وهي تحاول تهدئة أنفاسها اللاهثة، وما زاد ريبتها وجود راكان الذي تساءل:
_في أيه؟
أجابه آدهم وعينيه الثاقبة تحيطه:
_شمس هانم كانت بتتمشى بالحديقة، واتكعبلت في طرف الفستان وكانت هتقع.
ابتسم راكان وربت على كتفه بفخرٍ:
_إنت مش بس منقذي المخلص يا آدهم، شكل هتكون المنقذ الرسمي لافراد عيلتي كلها.
طعنه آدهم بنظرة غامضة، يخفي من خلفها دوافعه الحقيقية، ومع ذلك اختطف بسمة ثابتة وهز رأسه بخفةٍ.
اخبره راكان:
_اتصل بالسواق يجيب العربية عشان نوصل شمس هانم.
رفع آدهم هاتفه ليردد باقتضاب لمن يجيبه:
_هات العربية قدام الشركة يا حامد.
استدار راكان تجاهها، فشملتها نظراته، فردد بدهشةٍ:
_شمس فين الشوذ بتاعك؟!
حكت جبينها بتوترٍ، فاحنى آدهم رأسه ضاحكًا خشية من أن يرأه أحدٌ، بينما تلعثمت بردها:
_آآ.. أنا بس كنت حابة أجرب النجيلة عندكم في الشركة ناعمة ولا خشنة.
برق راكان بدهشة، فتمادت بثقتها بالحديث:
_دي نقاط مهمة متخدش بالك إنت منها، الستات دقيقة جدًا.
أحمر وجه آدهم من فرط كبته للضحك، بينما رفع راكان يده لصدره ليشير لها:
_اسندي لما نوصل للشوذ بتاعك عشان نخرج.
وما أن طوفت ذراعه حتى تحرر رنين هاتفه للمرة الألف، راقب راكان الشاشة فابتعد وهو يشير للخلف:
_آدهم.
اقترب منه ليجده يهمس له:
_ساعد شمس هانم، معايا مكالمة مهمة.
احتل آدهم مكانه، فاحنى يده لصدره، ارتبكت شمس وهي تستند بيدها على ذراعه، ثم تحمل طرف فستانها باليد الاخرى لتتفادى الحشائش المبتلة، تلون وجهها بخجل، وقلبها ينبض تأثرًا لقرب ذاك الغريب منها، انتهت مسافتها القصيرة حينما وصلت للحاجز الرخامي، فحملت طرف فستانها وصعدت عليه، تركها آدهم وكاد بالتراجع، لتوقفه كلماتها:
_شكرًا يا كابتن آدهم.
ابتسم مجددًا، وقال دون أن يلتفت لها:
_العفو يا شمس هانم.
غادر من أمامها تاركًا قلبها يكاد يركض من خلفه، ولجت شمس للداخل ومازالت بسمتها لا تفارقها، فارتدت حذائها وخطت للخارج بفرحة لم تشعر بها يومًا، صعدت بالسيارة بالخلف جوار راكان الذي مازال يتابع حديثه بالهاتف طوال الطريق حتى لحظة هبوطها من السيارة، وذاك الأمر لم يزعجها تلك المرةٍ، كل ما يشغلها هو ذاك الحارس.. "آدهم".
***
صف علي سيارته أمام المشفى، فصعد للأعلى حاملًا باقة الزهور البيضاء ببسمةٍ بشوشة، كعادته كل يومٍ لم يتجه لمكتبه كانت غرفتها أول وجهة له، طرق الباب وحرر مقبضة على الفور، فتلاشت ضحكته تدريجيًا حينما وجد أمامه "آرثر"، أحد الأطباء الذين تم تعينهم منذ فترةٍ صغيرةٍ، وما لفت إنتباهه امتقاع ملامح فطيمة بشكلٍ ملحوظ.
دلف علي حتى بات قبالته، فتحرر من صمته بسؤالٍ تحرر بعصبيةٍ:
_ماذا تفعل هنا؟
تلبس رداء الثبات قبالته، ليجيبه ببرود:
_ماذا يتوجب على الطبيب فعله!
رده الفظ دفع علي ليردد بنفس وتيرته:
_أنا الطبيب المسؤول عن علاج فطيمة، لا يحق لك التواجد هنا.
ابتسم ساخرًا، مردفًا:
_سمعت إنك مسؤول عن حالتها منذ ثمانية أشهر ولم تتحسن حالتها، ربما أنا الأجدر بعلاجها دكتور علي.
وتركه وقبل أن يغادر من باب الغرفة قال:
_فكر جيدًا بالأمر.
منذ لحظة قدومه للمشفى وهو يضعه بخانة منافسته الرخيصة، وأخر ما توقعه علي أن يسخر منه بتلك الطريقة، وضع علي باقة الزهور على الكوماد المجاور لفطيمة، ثم جلس على المقعد المجاور لها باهمالٍ.
أزاح نظارته الطبية عنه وهو يفرك مقدمة أنفه بضيقٍ شديد، لأول مرة يعجز عن علاج أحد حالاته، وليكن صادقًا مع نفسه فطيمة تهمه كثيرًا ربما لذلك يرغب بشدةٍ أن تعود لحالتها الطبيعية.
استدارت بوجهها للكوماد تتأمل الزهرات ناصعة البياض ببسمةٍ رقيقة، اعتادت على شم تلك الرائحة العطرة كل صباحٍ فور ولوج علي لغرفتها، ممتنة لحمله كل يوم باقة زهور مميزة إليها، غامت معالمها فور أن سُلطت عليه، ليتها تعلم الحديث بالانجليزية لتعرف ماذا ضايقه هذا الطبيب!
انتبهت له يستقيم بجلسته تجاهها وهو يجاهد لرسم بسمة صغيرة، وردد بصوته الرخيم:
_صباح الخير يا فطيمة.
وحرر غطاء قلمه، ثم جذب النوت ليبدأ قائلًا:
_النهاردة هنحاول نرجع مع بعض لذكرياتك، أكيد في طفولتك كان في مواقف حلوة كتير يا فطيمة، والحلو إنك مش هتتكلمي عن حاجة تضايقك.
وتابع تعبيراتها باهتمامٍ، ولم يحصل على أي رد فعل إيجابي.
أغلق علي دفتره ثم اقترب بجلسته إليها يخبرها بانهاكٍ:
_فطيمة سكوتك ده هيضرك أكتر مش هيفيدك في شيء، أنا مازلت بحاول معاكِ وبتمنى تساعديني عشان أقدر أساعدك وأعالجك.
وتابع برجاءٍ غريب:
_من فضلك حاولي تساعديني، اتكلمي واحكيلي عن اللي مريتي بيه ده هيهون عليكي كتير.
تحررت دمعة على خديها جعلته زفر باختناقٍ، فاتجه للشرفة يحرر ستائرها، مستندًا بجسده على العمود المجاور للشرفةٍ، اطال بصمته ثم قال بعد سكونه:
_شكل دكتور آرثر صح، أنا فشلت أعالج حالتك وهو أولى بيكِ مني.
وغادر الغرفة وعلامات الحزن والاستسلام تغدو وجهه دون راجع.
فور نطقه لتلك الكلمات اعتدلت فطيمة بجلستها وعينيها تبرق بصدمة مما استمعته، فهزت رأسها بجنون وهي ترفض حقيقة ابتعاده عنها، ابتلعتها حالة من الصرع فتشنج جسدها من جديدٍ مما جعل الممرضات تهرول للداخل إليها.
***
وقف أمام غرفته القابعة بالطابق الثالث والأربعون بالفندق يلتقط أنفاسه بانتظامٍ، وكأنه يستعد لما سيخوضه بالداخل، يستند بيده على الحائط في محاولة لتقوية نفسه التي ستضعف فور رؤيتها.
ولج عمران للداخل باستخدام بطاقته، ليجدها تجلس على الفراش بقميصٍ مغري قصيرًا، وبيدها كأس من المحرمات التي كانت السبب بادمانه لها، وفور رؤيته نهضت عن الفراش تسرع إليها مرددة بصوتٍ مغري:
_حبيبي هل عدت!
انطوت داخل احضانه وهي تهمس له:
_اشتقت لك كثيرًا.
ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وهو يقاوم رغبته التي بدأت بالتحرك لها فور رؤيتها، فرفع يده عنها وهو يحاول ابعادها مرددًا:
_ألكس، هناك أمرًا هامًا أود إخبارك به أولًا.
رفعت رأسها عن صدرها ويدها تعبث بذقنه الغير حليق:
_لا أريد سواك.
دفعها عنه برفقٍ مصرًا على طلبه:
_ألكس من فضلك.
ابتعدت عنه وهي تراقب ملامحه المهمومة باستغرابٍ:
_ما بك عمران، أخبرني.
جلس على الأريكة وهي من جواره، ضم شفتيه معًا قبل أن ينطق:
_لا أرغب في ارتكاب معصية أخرى، أريدك أن تقبلي عرض الزواج مني.
زمت شفتيها بسخطٍ لعودته لنفس الحديث الممل، فاتجهت لزجاجة الخمر تسكب منه بكأسها:
_بحقك يا عمران هل عدت لحديثك هذا مجددًا، أخبرتك سابقًا إني لا أريد الزواج، ولا أحبذ سماع تلك التفاهات المتعلقة بدينك المتسلط.
احمرت عينيه غضبًا فنهض عن الأريكة يصرخ بحدةٍ:
_تأدبي بالحديث ألكس والا اقتلعت عنقك.
خشيت أن تسوء الأمور بينهما، فهرولت إليه تردد بخداع نبرتها المغرية:
_أعتذر لك، لا أقصد اهانتك ولا إهانة ديانتك، ولكني سئمت من تكرار حديثي لك، أنا لا أريد أي قيود عمران، والزواج بالنسبة لي أكبر قيد.
وتلك المرة لم تترك له فرصة المناص منها، حيث حررت أزرار قميصه وبدأت تتقرب منه بطريقتها المقززة، هامسة باغراءٍ:
_أنا أرغب بك، دون أي قيد.. وأعلم بأنك تحبني مثلما أحبك.
وتابعت وأنفاسها تلفح رقبته:
_هيا عمران دعك من تلك الترهات.. أفتقدك حقًا.
أغلق عينيه بقوةٍ تأثرًا بها، فانساب خلف مشاعره الخائنة التي استسلمت لها للمرة الرابعة، كل مرةٍ يعترض وكانت تنجح بعد عدد من المحاولات بالحصول عليه، ويعود بعدها يؤنب نفسه ويبتعد أشهر عديدة حتى تنجح باغوائه مجددًا، ولكنها تثق بإن سقوطه وخضوعه لها سيكون مؤكدًا حتى وإن بقى عامًا دون لمسها!
***
هرع علي لغرفتها ليجد عددا من الاطباء والممرضات يجتمعون داخل الغرفة لتعسر حالة فطيمة، ابعد من بطريقه ليصل للفراش فوجدها تتشنج بعنفٍ ونظراتها تحيط بمن حولها بذعرٍ، فردد بلباقةٍ:
_أعتذر منكم جميعًا، ولكن وجودكم هنا يثير ريبتها، من فضلكم.
خرج الجميع الا آرثر صمم البقاء ليتابع الحالة بفضول، أراد باصرار متابعة حالتها ولديه رغبة بتحقيق الانجاز الذي فشل به علي، يتخيل نجاحه الساحق بعد علاج حالة فطيمة.
سلط نظراته عليه فوجده يدنو منها وهو يشير لها بكلماتٍ عربية فشل آرثر بفهمها:
_فطيمة اهدي، مفيش حاجة.. كلهم خرجوا.
فور رؤيته بدأت في الاسترخاء، وعينيها لا تتخلى عنه، فالتقط اذنيها صوت هذا الدخيل التي بات منفرًا لها، حينما قال آرثر:
_أعتقد بأنها تحتاج لأبرة مهدئة.
أجابه علي بغيظٍ من بقائه رغم طلبه الصريح من الجميع بالخروج:
_لا تحتاج لها، بدأت بالاسترخاء بالفعل.
زم آرثر شفتيه وهو يخبره بلطفٍ مصطنعٍ:
_دكتور علي أنت لا تجيد التعامل مع الحالة، أرجوك دعني أجرب أعتقد بأنها ستتحسن إن حاولت.
صمت علي وشرد قليلًا، نظراته العاجزة المسلطة على فطيمة جعلتها تسترجع حديثه الأخير، فخشيت أن يترك له أمرها مثلما خمنت، استقام علي بوقفته واستدار ليكون قبالة أعين آرثر، موليًا لها ظهره، فاحتقن وجهها وكأنه يغادر عنها ويتركها من خلفه، انقبض قلبها فتحرك جسدها بعنفوانٍ فلم تجد سوى وسيلتها الوحيدة للنجاة.
رفعت فطيمة يدها المرتشعة لتقربها من يد علي، فتمسكت بيده بقوةٍ جعلت جسده يتصلب صدمةٍ وببطءٍ استدار ليجدها تجلس على الفراش ويدها تتمسك به، وما زاده صدمة فوق صدمته حينما ناطحت آرثر بنظرة قاتلة ورددت بحروفٍ ثقيلة، وكأن صوتها كبت لألف سنة:
_دكتور علي هو المسؤول عن حالتي!
رواية صرخات انثى الفصل الثالث 3 - بقلم ايه محمد رفعت
شعر وكأنه يتوهم سماع صوتها. التفت علي إليها ونظراته مصوبة عليها بعدم استيعاب. بينما انسحب آرثر وقد تسنى له مفهوم ما فعلته، حتى وإن كانت نبرتها العربية غريبة عليه، فتمسكها بيده جعله يفطن الأمر دون تفكير.
فور خروجه، سحبت فطيمة يدها عن يد علي بخجلٍ شديد، ودفنت وجهها أرضًا بحرجٍ لما فعلته. لجأت لصمتها مرة أخرى، ولكن تلك المرة لم يسمح لها علي بذلك. فجذب المقعد وقربها منها وهو يردد بعدم تصديق:
_ بقى أنا بقالي 8 شهور طالع عيني معاكِ يا فطيمة عشان بس تتكلمي ويجي آرثر المغفل يخليكي تتكلمي في دقيقتين!!
اختطفت بسمة صغيرة على شفتيها تمكن من رؤيتها بوضوحٍ، فابتسم تلقائيًا وهو يراقبها، وردد مازحًا:
_ بتضحكي! شكلك شايفاني أنا المغفل مش هو صح.. لإنك قدرتي تخدعيني طول الفترة دي.
رفعت عسليتها إليه لتمنحه نظرة حزينة، تسلل عمقها لنبرتها المرتجفة:
_ سكوتي هاد المدة كاملة حيت ما بغيتش نتكلم على اللي داز عليا يا دكتور علي.
حقق نقطة بسجله الطبي، وها هي تستجيب للحديث بعد رحلة عناء منه، لذا لن يفوت فرصته. فبدأ بالحديث بإحكامٍ وبحسن اختيار ألفاظه بعد معاناة لفهم نبرتها المغربية:
_ بالعكس يا فطيمة، الماضي عمره قصير وبيُنسى، بس قبل ما يتنسي لازم نداوي جرحه الأول عشان نقدر نكمل ونبدأ من جديد.
ضمت شفتيها معًا بقوةٍ جعلت أسنانها تنغرس فيهما، وقالت بلسانٍ ثقيل:
_ داكشي اللي داز عليا ماشي قصة حزينة غنبكي عليها عامين ولا تلاتة وننسى، اللي فات غيبقى معايا واجعني وضارني لاخر حياتي.
ضيق عينيه بعدم فهم تلك المرة، فاستغنت عن نبرتها المغربية وقالت باللهجة المصرية المعتادة لسماعها من مراد ومن الطبيبة يارا المسؤولة عن حالتها سابقًا فقالت:
_ اللي فات من حياتي مش قصة حزينة وهبكي عليها سنتين تلاته، اللي فات وجع هيدوم معايا لأخر عمري.
رد عليها بلهفةٍ:
_ وأنا جاهز أشاركك الوجع ده يا فطيمة.
رفعت عينيها إليه بارتباكٍ، فتنحنح بحرجٍ وهو يعدل من نظارته الطبية موضحًا مقصده:
_ فطيمة، أنا الدكتور المسؤول عن حالتك، من فضلك سبيني أقوم بشغلي وأحاول أساعدك، بلاش تحكمي عليا بالفشل بدون محاولة.
وتابع ببسمةٍ هادئة:
_ ولا عايزة الجوكر يزعل مني ويقول عليا دكتور فاشل وإن الدكتورة يارا أشطر مني.
ابتسمت فور سماعها عن مراد وقالت:
_ مراد ده شخص عظيم، بالرغم من كل اللي اتعرض ليه بسببي وما زال جانبي وحابب يساعدني، بس مش قادر يستوعب إن اللي اندبح بسكينة مؤلمة مستحيل يرجع للحياة من تاني.
سكن الألم رماديته، ومع ذلك تساءل بهدوءٍ:
_ قوليلي يا فطيمة، إنتي اتعرفتي على مراد زيدان إزاي؟
التقطت نفسًا مطولًا استسلامًا لرغبته المستميتة بالنبش حول ما يؤلمها، فبدأت بالحديث بوجعٍ يخترقها رغم تلك البسمة الزائفة على وجهها:
_ في اليوم ده خرجت الصبح مع خطيبي، كنا بنحضر للجواز. ويومها طلبني نخرج ونتكلم شوية، لبست وروحت مع والدي عشان أقابله، بس وإحنا في الطريق عربية بابا عطلت.
انهمر الدمع على وجنتها وهي تحاول استرداد حديثها، فجذب علي دفتره سريعًا وفتح هاتفه يسجل به ما تقول لعدم استطاعته بالعودة لمكتبه ليحضر حاسوبه والمسجل الخاص بالمرضى. بالطبع لن يخسر تلك الفرصة ليعود ليحضر ما يحتاجه.
كان بحاجة لسماعها تقص عن أي شيءٍ متعلق بماضيها، رغم أنه يعلم اختصارًا شاملًا لحالتها من ضابط المخابرات المصري "مراد زيدان"، المسؤول عن نفقة علاجها بشكلٍ كاملٍ، ويباشر كل فترة بالسؤال عنها.
استرسلت فطيمة حديثها ودموعها بدأت تدمعان بحدقتيها، فقالت:
_ بابا نزل وطلب مني أقعد في العربية لحد ما يدور على أي ميكانيكي أو شخص يساعده، بس بعد نص ساعة اتفاجئت بعربية بتقرب مني، ونزل منها شابين كان باين عليهم إن وراهم شيء مخيف. ولما قربوا واتاكدوا إن مفيش حد معايا في العربية هاجموني.
ورفعت عينيها إليه وهي تخبره بدموع:
_ محسيتش غير بقماشة بيضا على وشي وبعدها فقدت الوعي. ولما فوقت لقيت نفسي في مكان شبه صندوق كبير جوه طيارة، ومكنتش أنا البنت الوحيدة اللي جواه.
جحظت عين علي بصدمةٍ، لم يتوقع سماع هذا. هل يتم تهريب النساء على متن طائرة بكل تلك البساطة؟ هؤلاء ليسوا إلا شياطين لعينة مثلما وصفهم مراد له. هدأت نيرانه قليلًا فبالفعل تم القضاء على تلك المافيا بواسطة الجوكر والأسطورة سابقًا، لذا حثها على الاسترسال وهو يسألها بنبرته الهادئة:
_ وبعدين يا فطيمة، اتكلمي.
استكان ظهرها للوسادة من خلفها، فانسدل حجابها رغمًا عنها. عينيها لم تكن تعي سوى الشرود بالفراغ، وهي تكمل له:
_ اخدونا مكان غريب، ريحته وشكله مقبض فوق ما تتخيل.. وابتسمت ساخرة رغم صراخ تعابيرها بألم: كان بيتقسموا الغنايم فيه، بيعينوا البنات وبيشوفوا مين فيهم اللي تنفع لشغلهم.
وابتلعت ريقها القاحل بمرارة ما واجهته، فقبضت بأصبعها على الغطاء المفرود على جلبابها الأبيض الخاص بالمشفى وهي تخبره بوحعٍ استشافه من حديثها:
_ كلنا خضعنا للكشف العذري على إيد دكتورة شكلها مخيف، واللي كانت مننا لسه عذراء كانوا بياخدوهم في عربية لمكان روحت فيه من ضمنهم.
واستكملت ودموعها لا تتوقف:
_ لإن بالنسبالهم ليهم تمن أعلى.
وانفجرت بالبكاء الحارق، تاركة دمعة رجل عزيز تلمع داخل مقلتيه تأثرًا بوجعها. لم يسبق له التأثر هكذا برفقة مرضاه، لا تلك الفتاة بالطبع ليست عادية بالنسبة له. ترك علي مقعده ونهض يحمل منديلًا ورقيًا، قدمه لها فتناولته عنه بامتنانٍ.
زاد من لطفه حينما سكب من زجاجة المياه كوبًا لها، تناولته فطيمة جرعة واحدة تسد به نيران صدرها المشتعلة، فعاد يجلس قبالتها وتلك المرة رفض الضغط عليها، بل تساءل بلهفةٍ بعد دقائق فاصلة:
_ أحسن دلوقتي؟
هزت رأسها على استحياءٍ من حديثها الحساس والمخجل له، بالنهاية هو رجل ولكنها لا تعلم لما تشعر بأنها تود سماع نصائحه وتلقي له ما خاضته من رحلة قاسية. عادت تستكمل له:
_ البيت اللي روحناله بعد كده كان فيه جنسيات مختلفة من البنات، أنا من المغرب وكان في هناك بنات من العراق ومصر وبنات كتير أغلبهم من العرب، نسبة قليلة اللي كانت أجنبية.
وتابعت له:
_ اللي عرفته بعد كده من مراد إن كل بنت ليها دخلتها، اللي منهم بيبتزوها بشريط فيديو مصورينه ليها، واللي بيغروها بالفلوس، واللي بيستخدموا عليها العنف عشان تكمل، واللي ببهدلوها بخطف حد من أهلها، بالنهاية كلهم بياخدوا فترة لحد ما يتعودوا على الشغل المهين ده، وأنا كنت من البنات الجديدة اللي لسه داخلين المكان، وحظي وقعني مع مراد.
وأزاحت دمعاتها بمنديله الورقي وهي تخبره بانكسارٍ:
_ كل يوم قضيته بالمكان ده كنت بموت فيه بالبطيء، عيني كانت على باب الأوضة ومستنية لحظة دخول أول شخص هيدبحني، كنت بدعي ربنا كل يوم أن اليوم ده ميجيش غير وأنا ميتة.
وتعمقت بتطلعها إليه وهي تقول:
_ حاولت انتحر معرفتش، كنت كل ما بحاول بلاقيهم فوق رأسي، لحد ما اتأكدت أن الأوضة دي فيها كاميرات مراقبة.
استدار عنها يزيح بإصبعه دمعة كادت بأن تفضحه أمامها، لا يود أن تصل شفقته وحزنه لها، ذاك الطريق مرفوض لأطباء الطب النفسي. عاد يدون بمذكرته ملاحظة طفيفة تنبع عن ألمها الشديد عما خاضته ببداية رحلتها.
فراقبها وهي تخبره باهتمامٍ عن أصل سؤاله المبدئي عن علاقتها بالجوكر مراد زيدان فقالت:
_ وفي اليوم اللي الباب اتفتح فيه كان مراد أول شخص يدخله، حسيت إن الدنيا بتضيق عليا، وخاصة لما لقيته بيقرب مني، بس كان بيعمل كده عشان الكاميرات، وقدر إنه يخدعهم أنه بيقربلي. وبعد كده اتفاجئت بيه بيقولي إنه ضابط من المخابرات وإنه جاي المكان ده هو وضابط معاه عشان يقبضوا على شبكة الدعارة الدولية دي، وطلب مني أني أساعده بأي معلومات تقدر تفيده.
واسترسلت بحماس لإخباره:
_ ساعتها حسيت إن ربنا سمع دعواتي وهيخلصني من الذل والمهانة اللي كنت هتعرض ليها، مترددتش وساعدته ووعدني إنه هيرجع وهيساعدني أخرج من المكان ده من غير ما حد يلمس شعرة مني، وفعلاً كان أد وعده ورجع من تاني بس المرة دي كانوا كشفوني وعرفوا إن أنا اللي ساعدته فحبوا يكافئوني على الخيانة دي.
وتابعت ببسمةٍ ساخرة:
_ لفوا حزام ناسف حواليا عشان يبدوا المكان اللي ممكن يكون دليل عليهم، وبالرغم من كده مراد رفض إنه يخرج من غيري، وساعدني أخوه رحيم زيدان وقدرت أخرج من المكان ده من غير ما حد يمسني.
سحبت نفسًا مطولًا تستعيد به قوة تكمل له الجزء الآخر من رحلتها القاسية فقالت:
_ مساعدات مراد منتهتش معايا لهنا، رجعني المغرب لأهلي وكان ليا أخ بكل ما تحمله الكلمة، حسيت إني بأخد فرصة من تاني بوجود مراد، رجعت لخطيبى ولحياتي وكان مراد على تواصل مستمر معايا ومع أهلي، ووعدني إنه هيحضر فرحي وهيزفني لعريسي..
وانهمرت دمعاتها وهي تردد ببسمة:
_ كان بيعتبرني زي أخته وحسست منه بده فعلاً.
ابتسم علي وهو يجد نقطة هامة قد تعاونه برحلته الشاقة، فدون بنوته "مراد زيدان البداية لتماثل فطيمة الشفاء".
رفع علي عينيه لها بانتظارها أن تستكمل، ولكنه تفاجئ بها صامتة تبكي تأثرًا، فسألها بريبة:
_ وبعدين؟
امتعضت ملامحها بألمٍ برز حينما قالت بحشرجة تلاحق نبرتها المبحوحة:
_ ابتدينا نجهز لفرحي بأسرع وقت، لإن طبعًا الفترة اللي اختفيتها خلت الناس تتكلم عني، فكان الحل أني اتجوز بأقرب وقت.
وبسخريةٍ أضافت:
_ كنت فاكرة إن ده كمان رغبة خطيبي، مع إنه كان فرحان برجوعي إلا إنه طلب مني طلب بشع رجعني لكل اللي عشته من تاني.
سألها باستغرابٍ:
_ طلب منك إيه؟
تساقطت دموعها وهي تردد بتلعثمٍ:
_ طلب مني أروح معاه لدكتورة تأكدله أني لسه شريفة بحجة إن والدته وأهله اللي حابين يطمنوا، رجع يوجعني زي ما اتوجعت ومرت بتجربة أبشع من اللي قبلها.
وأغلقت عينيها وهي تردد بشهقاتٍ قاتلة:
_ حتى أهلي أجبروني أروح معاه لإن للأسف دي فرصتي الوحيدة إني أثبت للناس إني رجعت من المكان ده نضيفة ومحدش لوثني.
وتشنج جسدها وهي تصرخ بوجع:
_ جبروني أرجع اتهان من تاني عشان حاجة كانت خارجة عن إرادتي، وكإني لو كنت خسرت شرفي ورجعت ليهم كانوا هيرفضوني!
وجد علي بأن الجلسة الأولى تندرج لمسمى خطيرًا بتشنج جسدها الملحوظ، فأغلق النوت، ونهض يخبره:
_ خلاص يا فطيمة كفايا كده النهاردة وبكرة نكمل.
اكتفت بهزة بسيطة من رأسها ولم تترك له مجال الحديث، تمددت على الفراش بإنهاكٍ نفسي وجسدي، أسرع علي بحقنها بوريديها لتهدأ قليلًا من انفعالاتها، فتقبلت الأمر وغابت بنومها سريعًا.
ترك جسده يخضع لجلوس مقعده القريب منها، لينزع عنه نظاراته الطبية وهو يزيل الدمعات العالقة بأهدابه هامسًا بعصبيةٍ تطيح بخطيبها السابق:
_ حقير!
***
غادرت الشمس ساحة السماء تاركة للقمر البزوغ في ليله القاتم، وما زال غائبًا عن المنزل منذ أمس. جابت فريدة الردهة ذهابًا وإيابًا وبيدها الهاتف تحاول الوصول إليه للمرة العاشرة ولكن دون جدوى. تابعتها شمس الجالسة على الأريكة تتابع دروس جامعتها على حاسوبها الوردي، فتركته جوارها ونهضت تقترب منها مرددة بقلقٍ:
_ مامي بليز اهدي، عمران دايمًا كده بيتأخر بره ومش بيرجع غير بمزاجه وحضرتك عارفة كده.
ألقت فريدة الهاتف عن يدها ثم جلست على المقعد تبعد خصلاتها القصيرة عن عينيها، وقد تمكن منها الإرهاق:
_ أعمل إيه بس معاه عشان أغيره، مفيش أي شيء جايب نتيجة معاه.
واستندت بيدها على ساقيها متكئة بجلستها للأمام:
_ أنا اديته حتة من قلبي مايسان.. كنت فاكرة إن الحب الطفولي اللي بينهم هيقدر يبعده عن الطريق ده بس للأسف أنا مكنتش حاجة من اللي عملته.
حزنت وهي تستمع لوالدتها، فجلست جوارها وهي تربت بحنان على ظهرها وتخبرها بارتباكٍ:
_ متزعليش عشان خاطري.
ابتسمت فريدة وهي تتطلع لابنتها الصغيرة، فقالت بنبرةٍ لم تعتاد منها سماعها:
_ أبوكِ سابني وأنا في عز شبابي، وساب وراه ثروة كبيرة الكل كان طمعان فيها، اتحدف عليا رجالة العيلة عشان يتجوزوني بحجة إنهم يحموا المال اللي مش هتصونه واحدة ست.
واسترسلت بألمٍ قاتل يذبح فؤادها:
_ رفضت.. رفضت أرتبط بأي حد واعتمدت على نفسي، اشتغلت وتعبت لحد ما كبرتكم، نسيت نفسي ودفنت حياتي.
وتابعت وهي تتعمق بعينيها الواسعتان:
_ كنت أوقات بحتاج لوجود حد جنبي، بس حتى أختي الوحيدة ماتت بعد وفاة جوزي بسنتين، وسابتلي بنتها أمانة في رقبتي.
وشددت بحبٍ أمومي:
_ مايسان بنتي أنا يا شمس أنا اللي ربيتها وكنت جنبها لحظة بلحظة.
ونهضت وهي تتطلع لقصرها الفخم من حولها لتردد بغضبٍ مخيف:
_ البيت ده بيتها، ومستحيل هسمح للحثالة دي إنها تاخد مكانها..
واستدارت تجاهها تؤكد لها:
_ أنا اللي يقرب لأولادي أنهش لحمه، ومايسان دي ضي عيوني.
وتابعت بقهرٍ:
_ أنا بتوجع وأنا واقفة بالنص بينها وبين ابني ومش عارفة أجبلها حقها.. بس عندي أمل كبير أنها هتغيره!
***
عاد علي للمنزل مثلما وعد والدته، فصعد لغرفته وجذب ثيابه ثم دلف لحمامه، ترك علي المياه تنسدل على جسده دون راجع، وحديثها يقتحمه فيثير غضبًا بداخله، وعاطفة تدفعه للعودة وضمها داخل أحضانه. ترك الدش يفرد مياهه على خصره ومال ليستند على الحائط، وما زال يجابه عقله بتبرير حقيقة شعوره تجاه تلك الفتاة!
لمع عقله بفكرةٍ خطرت له، فجذب المنشفة ولفها من حوله، ثم خرج يبحث عن هاتفه، أخذ ما يقرب الخمسة دقائق حتى عثر على رقمه، فرفع الهاتف وهو يترقب سماع صوته الرزين الذي أتاه بعد ثوانٍ:
_ دكتور علي.
ابتسم وهو يردد بوقارٍ:
_ مراد باشا.
انتفضت نبرتها قلقًا فليس معتادًا على اتصاله الغريب:
_ فطيمة كويسة؟
أسرع يطمئنه:
_ بخير متقلقش، أنا بس كنت محتاج مساعدتك.
أتاه صوت الجوكر الهاتف باهتمامٍ:
_ اعتبر موضوعك منهي لو في إيدي.
أُعجب بثقته برده الصارم، وقال بوضوحٍ:
_ فطيمة أخيرًا وبعد الشهور دي كلها اتكلمت، والنهاردة كان أول جلسة علاج ليها، وفي الحقيقة يا مراد من خلال كلامي معاها قدرت ألمس مدى احترامها وحبها الكبير ليك، يعني لو في وسيلة تواصل بينك وبينها أظن هيسهل الموضوع جدًا.
أجابه بترحابٍ:
_ أنا أعمل أي حاجة عشان فطيمة ترجع لطبيعتها ولو اتطلب الأمر هسافرلك إنجلترا من بكرة لو تحب.
رفض موضحًا له وجهة نظره كطبيب متخصص:
_ لا، أنا حابب في البداية يكون في اتصالات بينكم لإني مش ضامن هيكون رد فعلها إيه لو شافتَك وش لوش خصوصًا إنها لسه في البداية.
تفهم الجوكر وجهة نظره، وأبدى تضامنه الكامل معه:
_ زي ما تحب، المهم إنها تتحسن وترجع زي الأول.
استغل علي مكالمته الهامة مع مراد زيدان، فبدأ بطرح سؤاله قائلًا:
_ طيب كنت حابب أسألك عن شيء.
_ اتفضل.
جلس على الفراش وأسند هاتفه إليه وهو يجذب نوته ليردد:
_ تاني مرة فطيمة اتخطفت فيها وتم الاعتداء عليها فعليًا، الفترة اللي قضتوها انتوا الاتنين مع العصابة دي كان في أي حوار ما بينكم يعني فطيمة كانت بتتكلم؟
مجرد تذكره تلك الفترة العصيبة التي مر بها بحياته، أظلمت حدقتاه وود لو عاد بحياته ليقتص منهم بدلًا من أخيه رحيم زيدان، ولكنهم بالنهاية لاقوا حتفهم بما يستحقوه. فسحب نفسًا مطولًا قبل أن يجيب:
_ أيوه كانت بتكلمني، وقتها الكلاب دول كانوا بيحقنوني بالمخدرات وهي كانت حاسة بالذنب لإنهم ضغطوا عليها وكانت سبب لرجوعي للمكان ده تاني.
دون علي ملحوظة هامة، وعاد يسأل من جديدٍ:
_ طيب بعد خروجكم؟
أتاه صوته الذكوري المتعصب رغم هدوئه:
_ للأسف كنت تحت تأثير المخدرات ومقدرتش أكون جنبها في الوقت ده، رحيم أخويا اللي كان جنبها، لحد ما استرديت صحتي وفوقت من تاني.
_ قابلتها؟
_ مرة واحدة وكانت حالتها متدهورة ومبتتكلمش نهائي.
أكد عليه علي بعدما استوعب نقطة كان يشك بها:
_ مراد، بعدك عن فطيمة بعد خروجكم من الحبس ده كان سبب من الأسباب اللي خلىها تفقد الأمان، على ما أعتقد بعد أول جلسة مكنش ليها تعارف كامل بأخوك يعني بالنسبالها شخص غريب، يمكن ده كان بداية إنها بقت كارهة تشوف أي راجل خاصة بعد الاعتداء اللي تم عليها.
_ يمكن..
وبرجاءٍ قال:
_ من فضلك يا علي اهتم بفطيمة، بتمنى في اليوم اللي تسمحلي فيه بزيارتها تكون واقفة على رجليها واستعادت صحتها.
أجابه وهو يمنحه وعدًا قاطعًا:
_ هيحصل إن شاء الله متقلقش..
وبلطفٍ قال:
_ بعتذر إني أزعجتك في وقت متأخر زي ده، تصبح على خير.
رد بإيجازٍ ووداعة:
_ أنا تحت أمرك في أي وقت يا علي.
أغلق الهاتف فور انتهاء مكالمته، ونهض لخزانته يرتدي ثيابه ليغفو بعمقٍ بعد عناء شهور النوم المتقطع.
***
اتخذت قرارها بعد أن قضت ليلها بأكمله تفكر فيما ستفعله، باكية تحتضن جسدها، ضعيفة في خلوتها بينها وبين ذاتها، قوية فور خروجها من باب غرفتها، تبدو كالحديد القوي الذي لا يهاب شيئًا كاسر، وهي بالحقيقة هشة، خاوية.
حملت مايسان الحقيبة الفارغة ووضعتها على الفراش، ثم جذبت الملابس من الخزانة ووضعتها داخلها ودموعها لا تتركها، وضعت حدًا لمعاناتها تاركة من خلفها حساباتها المعقدة حول حزن خالتها لقرارها هذا، يكفيها تحمله طوال الخمسة أشهر الماضية من زواجهما.
قلبها يئن.. كفى ألمًا، كفى قهرًا، كفى إهانة ولوعة، كفى تحمل الهجر والكراهية.. كفى!
أغلقت حقيبتها وهي تزيح دموعها، واتجهت للسراحة تضع حجابها فوق فستانها الأسود وهي تتفحص ساعة الحائط لتتأكد بأن الوقت متأخرًا، لتضمن المغادرة ليلاً دون وداع أحدًا، لا تريد لخالتها أن تلين قلبها مجددًا.
جذبت حقيبتها وجمعت جواز سفرها وما يخصها، فقاطعها رنين هاتفها الموضوع على الكومود، أسبلت عينيها بدهشة بالمتصل بتلك الساعة المتأخرة من الليل، فما أن رفعت الهاتف حتى همست بعدم تصديق:
_ عمران!
بقيت ساكنة بوقفتها، لا تعلم هل تجيبه أم لا، ولكن الغريب بالأمر أنه يتصل بها، والأغرب ذاك الوقت المتأخر. كادت مايسان بإجابته ولكن ما فعله جعلها تلقي الهاتف على الفراش وتعود لتستكمل استعدادها للرحيل، فتوترت حركتها وعينيها لا تترك الهاتف المتروك على الفراش، فرددت لذاتها:
_ لا يكون في حاجة، عمره ما اتصل بيا بوقت زي ده!
انتصر قلبها عليها، فرفعت الهاتف إليها وبقيت صامتة تتلصص لما سيقوله هو، فارتجف جسدها فور سماع صوته الواهن يردد:
_ مايسان.
نبرته كان مقلقة للغاية، وبالرغم من ذلك ادعت برودها:
_ خير يا عمران نسيت حاجة حابب تقولها.
ابتلعه الصمت قليلاً ثم قال بإنهاكٍ شديد:
_ أنا تعبان أوي يا مايا، مش قادر أسوق خايف.. آآ... خايف أعمل حادثة وأقابل ربنا وأنا سكران وكلي ذنوب.. خايف من مقابلته.
واسترسل دون توقف:
_ خوفت أكلم علي هيتنرفز لو شافني بالحالة دي، وأكيد فريدة هانم هتعاقبني لو لجئت ليها، ملقتش غيرك.
رددت بلهفةٍ ضربت خفقات قلبها المتسارعة:
_ أنت فين أنا جيالك حالاً.
ابتسم وهو يجيبها بتعبٍ وما زال جسده ملقى على الجزء الأمامي للسيارة:
_ مش عارف أنا فين!
جذبت حقيبتها وهرولت للخارج وهي تردد لاهثة:
_ ابعتلي اللوكيشن وأنا دقايق وهكون عندك، أرجوك خليك في العربية متنزلش.. آآ... أنا مش هسيبك.
ارتعش جسده فور سماع تلك الكلمة التي أبقته أماناً قليلاً، فأرسل لها موقعه قبل أن يغلق عينيه مستسلماً للنوم المؤقت.
***
وقفت تراقب سواد الليل الكحيل برهبةٍ، ومع ذلك تغلبت على خوفها الغريزي واندفعت تجاه سيارتها، حبه القابع بقلبها كالظل الساكن للجسد مدها بالقوة التي جعلتها غير واعية لمخاوفها تلك، فصعدت لسيارتها وحررت بريموتها حاجز البوابة الخلفي لتنطلق بسرعة البرق وهي تتفحص الهاتف من أمامه، تتبع الإشارة، يكاد قلبها يتوقف أكثر من مرة وهي تتخيله يخالف ما قالت ويقود بذاته فيصطدم بأحد الحافلات، فرددت بانهيارٍ:
_ يا رب قصر طريقي ووصلني ليه!
كادت بأن تنقلب السيارة بها أكثر من مرة، تفادت أكثر من حادثٍ حتى وصلت للإشارة المتبعة، ظهرت سيارة عمران من أمامها، وجدتها معاكسة للطريق لا يفصله عن الجسر الفاصل بين الرصيف والمياه سوى خطوات معدودة، وكأنه تفادى سقوطه فعلياً.
تلبدتها الغيوم فور تخيلها بأن السوء قد أصابه بالفعل، فخلعت حزام أمان السيارة وهرولت تناديه بصراخٍ متلهفًا:
_ عمـــــــــران.
طرقت على باب السيارة في محاولة لتفحصه من عبر النافذة القاتمة، وجدته يتحرك بصعوبة، ففتح الباب مرددًا وهو يرفع جفنيه بتثاقل:
_ مايا.. جيتي لوحدك في الوقت ده!
مالت بجسدها تجاه السيارة تستند على حافتها العلوية، وهي تجاهد ألا تفقد وعيها من فرط حالة الذعر التي خاضتها منذ قليلٍ.
تابع عمران انقباض صدرها وصوت أنفاسها المسموعة، فمال بجسده على التابلو متفوهًا بارهاقٍ:
_ أنا شرحتلك حالتي قبل ما تخرجي من البيت، ملوش داعي العياط على حالتي البائسة، روحيني أنا تعبان ومش قادر.
استمدت قوتها وانحنت إليه تعاونه على الخروج من السيارة، أخفضت ساقيه أولاً بعيداً عن المقعد، ثم لفت ذراعه حول رقبتها، فخرج صوتها يهمس من فرط الحركة:
_ اتحمل عليا يا عمران لحد عربيتي.
أتكى عمران على باب السيارة حتى نجح بالوقوف، فاختل توازنه من أثر الدوار، كاد بالسقوط لولا يدها التي تركزت على صدره بقوة.
وزع نظراته بين يدها اللامسة لقلبه ويدها الأخرى التي تحيطه، ليرفعهما لعينيها، زوت حاجبيها بدهشةٍ حينما وجدت عينيه متورمة وما زالت تحتفظ بأثر بكائه، تمزق نياط قلبها فور تخيلها إنه كان يبكي منذ قليلٍ، أرغمت قدميها على التحرك به لسيارتها، وبصعوبةٍ نجحت بفتح باب السيارة، فارتمى بإهمال على مقعدها.
حاول رفع قدميه ولكنها لم تستجب إليه، إلا حينما رفعتهما إلى السيارة، وقالت قبل أن تنحني:
_ هجيب مفاتيح العربية وحاجتك وجاية.
هز رأسه دون اكتراث، فأغلقت باب السيارة ثم أسرعت لسيارته، جلست محله تجذب مفاتيح السيارة، ومن ثم جذبت هاتفه ومحفظته الملاقاة بالمقعد المجاور له، وكادت بالخروج لولا أن لفت انتباهها تلك الزجاجة الملقاة أرضاً بالسيارة تحمل بقايا الخمر، ألقتها مايسان من النافذة بغضب، وغادرت سريعاً بعد أن أغلقت الباب.
اتجهت مايسان للسيارة فتوقفت حينما وجدت عمران يجذب المناديل المبللة الموضوعة بسيارتها ويمسح شفتيه ورقبته بتقزز واضحٍ، اندهشت من فعله، فتوقف حينما وجدها تصعد لمقعد سيارتها واستعدت للمغادرة.
لزم الصمت بينهما جلبابه حتى مزقه عمران الذي يرتكن بجسده على نافذة السيارة:
_ هترجعيني البيت لفريدة هانم تعاقبني.
أسبلت بعينيها الباكية تأثراً برائحة البرفان النسائي الذي يفور منه، وقالت وهي تدعي انشغالها بالطريق:
_ هنروح شقة بابا اللي هنا، مفتاحها معايا.
أغلق عينيه باستسلامٍ لنومه المرهق، ولم يفق إلا على هزات يدها وصوتها المنادي:
_ عمران وصلنا.
هبطت مايسان واتجهت إليه فعاد يحتمل عليها حتى وصلت به للمصعد، فوضع رأسه على كتفها وهو يشعر بأنه على وشك فقدان الوعي بأي لحظة. أمسكته مايسان بألمٍ، جسدها الرفيع لا يحتمل جسده الممشوق ومع ذلك حرصت بألا تتركه. تفحصت المصعد حتى صدح بالطابق الثالث عشر، فخرجت برفقته حتى وصلت للشقة، فشلت مايسان باستخراج مفتاحها، فقالت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:
_ عمران المفتاح في الشنطة حاول تجيبه.
منحها نظرة مشوشة، فجذب حقيبتها المعلقة بذراعها وعبث بها بنصف عين، وجد ما يريد فقدمه لها، وعلق حقيبتها بذراعه بشكلٍ أضحكها رغمًا عنها، فانقطعت بسمتها فور أن همس:
_ انتِ واخدة في الشنطة جواز سفرك ليه؟
تجاهلت سؤاله ودفعته للداخل، فأشار لها بتعبٍ على الأريكة:
_ خليني هنا معتش قادر أتحرك.
رفضت معللة:
_ أوضة النوم قريبة متقلقش.
انصاع لها حتى ولجت به لأحد الغرف الجانبية، عاونته ليجلس على الفراش، وجذبت الغطاء إليه فأبعده عنه وعاد ليجلس مجدداً وهو يردد بنفورٍ غريبٍ:
_ هأخد شاور الأول.
تعجبت من أمره، فمنذ قليل أخبرها بأنه لا يحتمل والآن يرفض الراحة، ومع ذلك لم تعترض. عاونته مايسان بصعوبة تلك المرة بعد أن اشتد التعب به للغاية، فكان يئن وهو يردد بهمسٍ ساخرًا:
_ أنا تعبتك معايا بس ده دين وبتردهولي.
حدقته من هذا القرب الخطر بنظرة استغراب، فقال:
_ فاكرة واحنا صغيرين كنت دايمًا بشيلك على كتفي.
قست نظراتها تجاهه، فكاد أن يختل توازنه فرفع يديه معاً حولها، شعر بأنه سيسقط لا محالة ولكنه وجدها تسانده بكل قوتها، فاتبع خطاها لحمام الغرفة قائلاً بعاطفة غريبة تهاجمه:
_ عمري ما كان ليا أصدقاء مصريين غيرك، كنت بستنى كل إجازة عشان أنزل مصر وأسمعك وانتي بتحكيلي عن دراستك وحياتك.
وابتلع ريقه بمرارةٍ تلثم لسانه وما زال نفوره يزداد:
_ كان نفسي علاقتنا تفضل كويسة على طول يا مايا..
وتعمق بالتطلع لفيروزتها:
_ يمكن لو كانت سابتني أختارك بإرادتي مكنش شيطاني وزني إني مغصوب عليكي وإنك مش اختياري.
أنهى حديثه بسعالٍ قوي جعلها تنتفض برعبٍ من حالته الغريبة، وبرعبٍ قالت:
_ عمران مالك؟!
أحتمل ليصل للمرحاض، فدفعها للخلف وسقط يتقيء بتعبٍ شديد، وكأنه يصارع الموت. بكت مايسان وهي تتأمله عاجزة عن مساعدته لا تعلم ماذا ستفعل؟
تركته وركضت للخارج ثم عادت بالهاتف تشير له:
_ أنا هتصل بعلي.
جلس أرضاً على السجادة القريبة من حوض الاغتسال، يصرخ بصرامةٍ آمراً:
_ أوعي تعمليها.
وجذب المنشفة يجفف فمه ورأسه يستند على الحائط بارهاقٍ:
_ أنا بس تقلت في الشرب.
خرجت عن طور هدوئها بانفعالٍ:
_ وبِتْشرب ليه مدام بتتعب منه!
فتح رماديته يسلطها بنظرةٍ إليها، وبسمة ساخرة تعج بما يخفيه:
_ كنت بحاول أنسى قذارتي بس للأسف منستنيش.
وتابع بفتورٍ:
_ كل مرة بخرج فيها من عندها بكون كاره حياتي، قربها في البداية بيكون مغري وبعد كده بقرف من نفسي وجسمي، بقرف من كل شيء وبكرهها هي شخصياً.. بعاند وببعد وبرجع تاني أضعف وأقرب.
برقت بعينيها الباكية إليه، زوجها المصون يقص لها عن لياليه مع عشيقته بجراءة، ودت لو صفعته ليفق من مستنقع قذارته ولكن ما يهدأ اتفعالاتها حالته المزرية واعترافاته الغريبة بأنه ينفر من فعلها.
شرودها، صمتها، جعله ينتبه لما تفوه به، فرفع ذراعه يقبض على يدها لتفق محنية رأسها له ليرى يردد ورأسه تترنح ليدها:
_ متبعديش.. خليكِ جنبي يا مايا.. ارجعيلي الصديقة اللي كانت بتهون عليا كل شيء، متكونليش الزوجة اللي بتعاتب وبتجلد أخطائي.
وضم يده حول ساقيها مستكملاً بصوت مختنق بالعبارات:
_ متسبنيش، أنا محتاجلك.
تهاوى الدمع فوق وجنتها فرفعت يدها بآلية تامة تمررها بين خصلات شعره الفحمي، وكأنها تؤكد له وجودها، أزاحت دموعها قائلة بجمودٍ:
_ لو مش قادر تعالى ريح وبكرة ابقى خد الشاور.
رفض الخروج ونهض بصعوبة ليتجه للجزء المخصص للدش، فنزع عنه جاكيته وقميصه المتسخ وحرر المياه لتندفع فوق جسده تمتزج بدموعه بعد ارتكابه لذاك الذنب الفاضح.
جلست مايسان على الفراش ليتحرر صوتها المكبوت ببكاءٍ عالٍ، لا تعلم ماذا تفعل لتتحرر من علاقته السامة، كلما حاولت اتخاذ موقف حازمًا يردعها شيئًا أقوى مما سبقه، أزاحت عنها دموعها فور رؤيته يخرج من الحمام وما زال يتمايل بمشيته، أسندت ذراعه حتى وصل للفراش، فجذبت الغطاء عليه وكادت بالابتعاد فوجدته يتشبث بذراعها وهو يردد بإلحاح:
_ خليكِ جنبي.
قبضت على فستانها بتوترٍ، ولكنها رضخت له بالنهاية، تمددت مايسان لجواره لتجده يغفو بعمقٍ والإنهاك يبدو عليه، فحدثت ذاتها وعينيها لا تفارقه:
_ حيرتني معاك يا عمران!
***
دق رنين هاتفه المجاور لفراشه، فرفع ذراعه يتحسس الكومود حتى وصل لهاتفه، فحرر زر الرد ووضعه على أذنيه وهو يردد بنومٍ:
_ أيوه.
أتاه صوتًا يجيبه:
_ جمعتلك كل المعلومات عن شمس سالم يا آدهم باشا!
اعتدل بنومته وبسمة خبيثة تحيط به، ليمنحه الآذن مرددًا:
_ سامعك... اتكلم.
***
حملت الأغراض من بواب العمارة، وعادت للمطبخ تضع الأغراض على الصينية المستديرة، وكوب القهوة الذي انتهت المكينة من صنعه ثم توجهت للغرفة بارتباكٍ، لا تعلم ماذا سيكون رد فعله بعد إفاقته. وتذكر ما قاله بالأمس، توقفت مايسان أمام باب الغرفة حينما وجدته يجذب هاتفه الذي لم يكف بالرن منذ الصباح وما زال يتجاهل الرد على المكالمات، والآن يلقيه على الفراش بغضب، انتبه عمران لها تدنو منه، فوضعت الصينية على الطاولة القريبة منه قائلة بنبرة تحاول جعلها جافة:
_ افطر واشرب قهوتك عشان تنزل الشركة قبل ما فريدة هانم توصل هناك.
وكادت بالمغادرة فأوقفه حينما ناداها:
_ مايا.
وقفت محلها تبتلع ريقها بتوترٍ، وخاصة حينما وجدته يدنو منها مرددًا بحرجٍ:
_ أنا آسف، بسببي خليتك تخرجي من البيت في وقت متأخر ومن ورا ماما وتقلت عليكي امبارح أنا بجد بعتذر.
أبعدت عينيها عنه وقالت دون النظر إليه:
_ محصلش حاجة.. بس ياريت مترجعش للقرف ده تاني.
قال باصرار:
_ مستحيل.. بعد اللي عشته امبارح مستحيل هشرب الزفت ده وآ.
قاطعه رنين الهاتف مجددًا، فزفر بغضبٍ وهو يتأمل المتصل، فألقاه مجدداً وتلك المرة تسنى لها رؤية اسمها على الشاشة "ألكس".
خشيت أن يمسك بها وهي تلقط ما بيده فتوجهت للخروج وهي تخبره:
_ أنا غسلتلك القميص والجاكت، هجبهملك تلبسهم.
فور أن تأكد من ابتعادها قليلاً، جذب الهاتف يسجل رسالة صوتية سمعتها من تقف بالخارج:
«ألكس علاقتنا انتهت هنا، إن كنتِ تحبيني مثلما تدعين ستقبلين الزواج بي، ما حدث بالأمس لن يعاد مجددًا، استهزائك على ديني، تقربك مني بتلك الطريقة لن يحدث إلا بالزواج، أعدك تلك المرة إن رفضتي الزواج مني سأطردك خارج حياتي للأبد.»
قال كلمته الأخيرة وهو يلقي الهاتف على الفراش، مرددًا بندمٍ:
_ مش هرتكب الذنب البشع ده تاني لو آخر يوم في عمري..
انتبه عمران لها تقف قبالته حاملة القميص والجاكت، دنا منها عمران وهو يحاول قراءة ملامحها إن كانت استمعت لمكالمته، ارتدى عمران القميص ومن ثم الجاكيت قائلًا:
_ تسلم إيدك.
وحمل القهوة يرتشفها مرة واحدة، ثم قال:
_ مش يلا ننزل الشركة قبل ما ماما تروح تفتش عننا هناك.
هزت رأسها بآلية تامة واتجهت للسراحة، جذبت حجابها وارتدته ثم حملت الحقيبة واتبعته للأسفل، فقادت سيارتها وهو لجوارها شاردًا بما حدث بالأمس وبالأخص بمساعدتها له بالرغم مما يفعله.
***
كانت بطريقها للجامعة حينما صدح صوت عجلات السيارة لتتوقف من بعده عن الحركة، مما جعل من تقودها تهبط وهي تتأمل ما يحدث بصدمةٍ، فركلتها وهي تصيح بضيق:
_ مش وقتك خالص، أنا كده هتأخر على المحاضرة.
بحثت شمس بعينيها في محاولة للبحث عن سيارة أجرة، فلفت انتباهها سيارة سوداء تدنو منها، حتى توقفت قبالتها، ليهبط منها بقامته الطويلة قائلاً ببسمة هادئة:
_ محتاجة مساعدة يا شمس هانم.
ارتسمت ابتسامة تلقائية على وجهها، ورددت بتذكرٍ:
_ آدهم... كابتن آدهم!
رواية صرخات انثى الفصل الرابع 4 - بقلم ايه محمد رفعت
اليوم خاص باجتماع رؤساء مجلس الإدارة.
بالرغم من أهمية الاجتماع، إلا أنه كان شاردًا.
عينيه مسلطة على المهندس الذي يتابع شرحه باستفاضة على شاشة الإنجازات المطروحة أمامه.
بينما يستكين عمران على ذراعه الساند على حافة المقعد المتحرك، يسحب عينيه تارة عن المهندس الذي يشير له بإعجاب بما يبديه بالمشروع القادم، وفي الحقيقة لم يستمع لأي حرف قاله من الأساس.
وتارة أخرى يسحب عينيه لمن تجلس على يمينه تتابع العمل بجدية تامة.
خيمتها نظرة عميقة من رماديته.
لم تنتبه لها مايسان لانشغالها بتدوين بعض الملاحظات الهامة المتعلقة بالمشروع الجديد التابع للشركة.
انتبهت لصوت المهندس المنادي:
_ عمران باشا، حضرتك معايا؟
انتبه الجميع لعمران، وكذلك مايسان.
استدارت إليه فاندهشت حينما وجدته يتطلع لها بشرود.
لعقت شفتيها بارتباك من نظرات الموظفين حولها، وضحكات الموظفات الحالمة بتفاصيل قصة حب نابعة بينهما.
على عكس ما يحدث، فنادته على استحياء وهي تعدل حجابها:
_ عمران!
لم ينتبه إليها.
فمررت قدميها من أسفل الطاولة لتلكزه بقوة، جعلته يرتد بجلسته متأوهًا بألم ليس كإفاقته على ما يحدث حوله.
اعتدل بجلسته وتنحنح بخشونة، اتبع أوامره الصارمة:
_ كمل يا بشمهندس، سامعك.
ابتسم وهو يخبره مازحًا:
_ أنا خلصت يا فندم!
التقطت عينيه الهمسات الجانبية بين موظفيه.
فنهض عن مقعده الرئيسي وهو يشير لهم بحزم:
_ ولما أنت خلصت، لسه قاعدين هنا ليه؟ كل واحد يروح يشوف شغله!
جمعوا أوراقهم وغادر الجميع والابتسامة تشق الوجوه.
فحك عمران لحيته بحرج مما فعل، وخاصة حينما وجدها ما زالت تجلس محلها وتطالعه بدهشة.
سحب جاكيته عن مقدمة المقعد وغادر من الباب الجانبي لمكتبه.
فجلس على مقعده وهو يمرر يده على جبينه هامسًا بضيق:
_ ناقصة هي!
وجذب أحد الملفات الموضوعة بجواره ليجبر ذاته على التركيز بالعمل دون التفكير بليلة أمس.
فاستقبل هاتفه رسالة نصية جعلته ينصب اهتمامه فور رؤيتها تخص ألكس.
فتح الرسالة ليجدها تدون له:
«ألم تمل من الحديث عن زواجنا! حسنًا عمران، سأثبت لك حبي الشديد لك، أنا موافقة على الزواج بك ولكن شرطي الوحيد أن تتخلص من زواجك الأول، فإن كنت تحترم دينك، أنا أيضًا أحترم ديني، وديني يمنعني بالزواج من شخص متزوج، ولأعلمك بالأمر، لا ينبغي لك الزواج إن قبلت أنا زواجك».
استفزته رسالتها.
فعبث بأزرار هاتفه يجيب:
«بربك ألكس، ألا تريني أحاول فعل ذلك منذ أشهر! فريدة هانم ترفض طلاقي من مايسان، والإ حينها سأخسر المال وكل ما أملك!»
ليته كان بجوارها ليتمكن من رؤية فزعها وخوفها على المال، السبب الوحيد لتعلقها به.
فوصلت رسالتها إليه بعد خمسة عشر دقيقة، بعد تفكيرها الميمون بالأمر:
«إترك لي الأمر، أعدك بأنني سأجعل والدتك تتوسل لك لتطلقها».
تجعد جبينه بدهشة وراح يتساءل:
«كيف ذلك؟!»
وصلته رسالتها ففتحها بلهفة:
«لا تهتم عزيزي، أريدك أن تترك لي أمر تلك المعتوهة، سأهتم بها..»
اغتظ غيظه لسماع لفظها البذيء.
فترك هاتفه ورفع يديه لوجهه بتعب من تلك الحلقة الدائرية التي يدور بها.
انطلق رنين هاتف مكتبه، فتفحصه وهو يردد بسخط:
_ مش وقتك يا فريدة هانم!
ولكنه اضطر يحمل السماعة ليجيب بامتعاض:
_ صباح الخير.
أتاه صوتها مفزوعًا، مقبضًا، يستمع له عمران للمرة الأولى:
_ عمران.
انتفضت حواسه فتساءل بقلق:
_ ماما، إنتِ كويسة؟
رددت بارتباك وتخبط بكلماتها الغير مرتبة والغير مسبوق لها:
_ مايسان مش في أوضتها، في شنطة على سريرها لمة فيها هدومها.. باينها سابت البيت.. مايسان سابتني، مش عارفة هتكون راحت فين، دور عليها وشوفها فين، أنا عايزة بنتي يا عمران!
أجابها سريعًا وملامح الخوف مرسومة على معالمه تأثرًا بسماع والدته بتلك الحالة:
_ متقلقيش يا حبيبتي، مايا هنا معايا في الشركة.
وصلت إليه أنفاسها التي عادت تنتظم بعد عناء.
وبصوت مهزوز قالت:
_ بجد يا عمران ولا بتضحك عليا.. طيب سمعني صوتها.
شفق عليها.
يعلم جيدًا ماذا تعني مايسان لوالدته.
فحمل سماعة الهاتف اللاسلكي، وأجابه بهدوء:
_ حاضر، خليكِ معايا.
* * *
ودلف من الباب الجانبي لغرفة الاجتماعات، فوجدها ما زالت تجلس محلها تراجع أوراقها.
قدم لها عمران الهاتف قائلًا بثبات:
_ فريدة هانم.
التقطت منه الهاتف تجيب ببسمة ساحرة:
_ صباح الخير يا ديدا.
انكمشت تعابيرها وهي تستمع إليها، وخاصة من مراقبة عمران لها، وكأنه يحاول تحليل تلك الأحداث.
فقالت بتلعثم:
_ لأ، أنا بس كنت بجمع الهدوم اللي مش محتاجاها وزاحمة الدولاب عندي، لكن أنا هسيبك وأروح فين، ده أنا حتى كنت هرجع بدري النهاردة عشان أروح معاكِ الجمعية.
أتاها صوته المتلهف يخبرها:
_ سيبي اللي في إيدك وتعالي حالًا، أنا من الخضة مش قادرة أتلم على أعصابي وشكلي كده هعاقبك على اللي عملتيه ده.
رددت بمزح رغم تجمع الدمعات بمقلتيها:
_ عقاب أيه بس، لا أنا جاية مسافة الطريق بإذن الله.
وأغلقت الهاتف ثم قدمته لعمران.
وانحنت تجمع متعلقاتها تحت نظراته المتفرسة.
فقطع صمته حينما قال:
_ إمبارح كان معاكِ جواز سفرك وفريدة هانم بتقول إنك كنتِ محضرة شنطتك.
رتبت الأوراق بمجلد واحد قائلة ببرود:
_ وده يخصك في أيه؟
مال بجسده ليستند على جسد الطاولة الزجاجية:
_ يعني أيه يخصني في أيه؟ انتي ناسية إنك مراتي؟
ضحكت ساخرة وتجاهلت التطلع إليه:
_ لا مش ناسية، بس اللي فاكراه إنك مش معترف بجوازنا وبتحاول بكافة الطرق تنهي العلاقة دي.
ابتلع ريقه بارتباك وبقى يتابعها بجمود مصطنع.
حملت مايسان حقيبتها واستدارت لتكون قبالته.
فقالت بألم:
_ أنا حياتي مش هتتوقف على العلاقة السامة دي يا عمران، أنا عايزة أكمل حياتي مع الشخص اللي يقدرني ويحبني من قلبه.
وفتحت الباب الزجاجي وقبل أن تغادر منحته ابتسامة رقيقة وهي تخبره:
_ متقلقش، لما أرتبط بإنسان تاني مش هنسى إنك كنت صديق طفولتي وهكونلك الصديقة دايمًا حتى لو أنت كنت رافض الاعتراف بده.
واستكملت بتسلية:
_ المواقف اللي بنتعرض لها في حياتنا هي اللي بتورينا احتياجنا بيكون لمين؟
وودعته بنفس البسمة الواثقة:
_ مع السلامة يا عمران.
وتركته مقيدًا محله، يتطلع للباب الذي يتراقص من خلفها لشدة دفعها له.
شعر بالاختناق يجوبه من حديثها الذي أيقظ غضبه وحنقه الشديد.
مجرد تخيله أنها برفقة رجل آخر غيره جعلت الدماء تتصاعد بأوردته بشراسة.
حرر عمران جرفاته باختناق.
فعاد لمكتبه يجذب مفتاح سيارته وغادر وهو لا يعلم لأي وجهة سينطلق.
* * *
منحها ابتسامة صغيرة رغم ثبات نظراته.
ليخطفها لعجلة القيادة المركونة على الرصيف.
رفع حاجبه بتمعن اتبع نبرته:
_ الظاهر إنك كالعادة محتاجة مساعدة.
رفعت كتفيها بقلة حيلة:
_ الظروف اللي بتعمل فيا كده، لكن أنا بسكوتة وقلبي أبيض والله، متحملش كل اللي بيحصلي في حياتي ده.
قهقه ضاحكًا وهو ينزع عنه جاكيته الأسود.
وأشمر عن ساعديه ليجذب من صندوق سيارته المعدات اللازمة ليبدل عجلة سيارتها.
رفع آدهم السيارة باستخدام الحامل ومن ثم شرع بتبديلها بأخرى كان يحملها بسيارته.
راقبته شمس باهتمام وهو يعيد ربطها.
وقالت بحرج حينما وجدته ينظف يده المتسخة بالمناديل بصعوبة:
_ كان نفسي أساعد بس للأسف مينفعش، فستاني هيتوسخ.
ابتسم وهو يراقبها تشير لفستانها.
وكأنه جوهرة ثمينة.
وتنحنح وهو يلقي منديله:
_ ولا يهمك، أنا خلاص خلصت، هلم الحاجة بس.
رددت بامتنان لما فعله:
_ شكرًا يا كابتن.
ضحك بصوت مسموع، وقال وهو ينحني يجمع أغراضه:
_ العفو يا شمس هانم.
على رنين هاتفه فوضع الأغراض عن يده ثم رفع شاشته إليه.
فأجاب بخشونة اعتلته:
_ أيوه يا باشا.
تجهمت معالمه تدريجيًا بصورة لفتت انتباه شمس التي راقبته باهتمام لمعرفة ماذا هناك.
أسرع آدهم لسيارته.
ففتح بابها الخلفي وهو يبحث عن شيئًا كان مبهمًا لشمس.
فجحظت عينيه صدمة مما رأى.
وقبل أن تستوعب ماذا أصابه، وجدته يجذب يدها مرغمًا إياها على اتباع خطاه.
فهول بها بعيدًا عن السيارتين.
والأخيرة تتساءل بدهشة:
_ في أيه؟
دفعها أدهم لمقاعد الانتظار المصفوفة على طرف الطريق.
فأرغمها على الجلوس أرضًا.
ليحني جسده من فوقها ويديه من أعلاهما في تأهب صريح لمواجهة ما سيحدث.
رفعت شمس وجهها إليه تتساءل برعب من هيئتها:
_ آدهم، في أيه!
أتاها دوي الانفجار الخاص بسيارته، ضاربًا سيارتها المجاورة للأخرى.
فصرخت برهبة وتمسكت بقميصه وهي تصرخ:
_ أيه اللي بيحصل جاوبني!
رفع رأسه من خلف حافة المقعد يراقب الطريق بتمعن.
فتفاجئ بسيارتين تقترب من سيارته المتفحمة.
عاد يختبئ من جديد.
وما يهاجمه بتلك اللحظة اكتشافهم بقائه على قيد الحياة.
المعركة الآن غير متكافئة بوجود شمس برفقته.
لا يرغب في إيذائها بسبب عمله المفروض عليه.
إن كان بمفرده كان ليقف شامخًا بساحة الحرب متباهيًا بقوته بالقتال.
ولكنه من المؤكد لن يحتمل خسارة حياة أحد بسببه.
ماذا وإن كانت تلك الفتاة التي بدأت تعرف طريقها لقلبه!
جالت عينيه ذاك الطريق المنجرف خلف أعواد الخضرة الضخمة التي تسد الطريق عن المياه.
فأخرج سكينًا صغيرًا مما جعلها تردد بذعر:
_ أنت هتعمل أيه؟
وتابعت وعينيها تراقب السيارات التي خرج منها رجال مسلحون:
_ ومين دول!
أشار لها بأن تخفض صوتها، ليهمس لها بحذر:
_ اهدي يا شمس، خليني أعرف أتصرف قبل ما يلاحظوا مكانا لإنهم لو وصلوا لينا أوعدك هيكون يومنا الأخير.
صعقت مما استمعت إليه، وابدت اعتراضها الفوري:
_ وأنا مالي، إنت شكلك اللي مزعلهم بالجامد ذنبي أنا أيه؟
ضحك وهو يراقب ملامحها المذعورة بتسلية.
فصاحت بعصبية:
_ وطّي صوتك مش بتقول هيعرفوا مكانا!! وبعدين أنت ليه دايمًا منشكح كده حتى في المواقف اللي مينفعش حد يبتسم فيها!
رد عليها وهو يغمز لها بمشاغبة:
_ بستقبل موتي بنفس بشوشة.
ردت باحتياج:
_ استقبله أنت براحتك، أنا لسه صغيرة وفي بداية حياتي.
أشار بالسكين خلفه:
_ حاولي تقنعيهم بده، يمكن وقتها يفكروا يمشوا ويسيبوا وراهم شاهدة لطيفة على جريمتهم البشعة اللي هيرتكبوها مع الشخص اللي علم على قفاهم مرتين.
ابتلعت ريقها بارتباك.
فحاولت ادعاء قوتها الزائفة:
_ وأنت بتتنيل تديهم بالقفا ليه يا عم إنت!
تمردت ضحكاته الرجولية بشدة وما زالت تشير له بخوف.
فقال:
_ آسف بس إنتِ جاية تنكتي وإحنا بنموت حضرتك!!
وتابع بخبث وهو يحاول نزع الغاب عن طريقهما:
_ يعني ده جزاتي بدل ما تشكريني إني حميت حياة راكان باشا خطيبك من الكلاب دول زعلانه إني علمت عليهم!
زوت حاجبيها بدهشة:
_ يعني الناس دي عايزة تقتلك عشان كنت بتحمي راكان منهم؟
هز رأسه بتأكيد وهو ينزع أخر الغاب المصفوف.
لوت شفتيها وهي تهمهم بتريث:
_ يا أخي كنت سبتهم يخلصوا عليه وخلصتني من بروده وتقل دمه.
تطلع لها بعدم تصديق وخارج ضاحكًا.
فرفعت كفها تكبت ضحكاته وهي تردد برهبة:
_ اطلع اضحك بره قدامهم وسبني أعيش!
غادرته ضحكاته وهامت عينيه بقربها الشديد منه.
يدها التي تلامس شفتيه ونظراتها المرتعبة.
ارتبكت شمس من نظراته الجذابة تجاهها.
فسحبت كفها بارتباك.
لمسه آدهم فابتسم وهو يتابع عمله ببراعة.
وما أن انتهى حتى أشار لها:
_ يلا.
هزت رأسها وانحنت على يدها تزحف حتى وصلت إليه.
فمدت رأسها داخل الفجوة التي صنعها.
ثم عادت إليه سريعًا تخبره بذعر:
_ ده طريق للبحر!
أكد بإشارة رأسه.
وردد وهو يطالعها بتسلية:
_ عندك حل تاني؟
لعقت شفتيها وهي تخبره بتوتر:
_ بس أنا مش بعرف أعوم!
ابتسم وهو يخبرها:
_ متقلقيش يا شمس، أنا معاكِ.
زادتها كلماته ارتباكًا فوق ارتباكها.
فرددت بتشتت:
_ كلمة متقلقيش دي بتقلق أساسًا، ثم أنك ما صدقت ونازل من الصبح شمس شمس، أمال فين هانم اللي كنت بتقولها!
وأشارت بإصبعها تعترض:
_ لا أوعى الموقف ده ينسيك إني خطيبة راكان البارد اللي بتشتغل عنده، أنا مسمحلكش.
سيطر على ضحكاته بصعوبة وهو يشير بيديه كأنه يرحب بالملكة:
_ آسف شمس هانم، ممكن لو سمحتي تدخلي بسرعة قبل ما الحيوانات اللي بره دول يعرفوا مكانا ووقتها هتنزف في شوال واحد لراكان باشا خطيبك!!
لعقت شفتيها برعب:
_ بتخوفني ليه يا عم!
ومرت لداخل الفجوة التي تحيطها الحشائش مرددة بضجر:
_ كان يوم مالوش ملامح لما وافقت ارتبط باللي اسمه راكان ده.
زحف من خلفها مبتسمًا.
فأحاط الفجوة بالحشائش لتخفي محلهما.
تفادت شمس فستانها الذي كاد بأن يسقطها بالمياه.
فتمسك بها آدهم بقوة جعلتها تعود لطريقها من جديد حتى وصلوا لنهاية الطريق المؤدي على الرصيف الآخر.
هبط آدهم أولًا فمد ذراعه مشيرًا لها:
_ هاتي ايدك.
تفحصت المسافة بينها وبين الرصيف بتمعن.
وليده الممدودة.
فعادت تختبئ خلفه الحشائش وهي تخبره:
_ هستنى هنا لحد ما يمشوا وهطلع.
أجابها بنفاد صبر:
_ متبقيش جبانة يا شمس، إطلعي!
فتحت الحشائش لتطل عليه من جديد.
قائلة بغضب:
_ أنت بتتخطى حدودك يا كابتن، مش كفايا العربية اللي اتفحمت على الطريق!
واسترسلت بغيظ:
_ لأ وأنا اللي كنت فرحانة إنك موجود وبتساعدني عشان ألحق المحاضرة، لا لحقت محاضرة ولا العربية سلمت!!
مرر يدها على وجهه بغضب.
ما زال مكانهما غير آمنًا بالمرة.
وهي غير مدركة لخطورة الموقف.
وكأنه يحاول أن يلين رأس ابنة شقيقته البالغة من العمر اثنا عشر عامًا.
فقال من بين اصطكاك أسنانه:
_ شمس، الموضوع خطير من فضلك خلينا نمشي من هنا وفورًا، وإن كان على عربيتك فأنا هعوضك صدقيني.
عادت تطل له من خلف الحشائش تخبره بغضب:
_ أنا مش بقبل عوض يا كابتن، ثم أنك متعرفش أنا بنت مين ولا أيه؟
أدنى شفتيه بأسنانه وصاح بها:
_ مش وقته الكلام ده، بقولك الناس اللي بره دي لو وصلولنا هيصفونا!
اعترضت محتجة:
_ يصفوك أنت، أنا مالي بالليلة دي!
ضيق عينيه بنظرة مستهزئة.
فأشار لها بخبث:
_ أوكي، أنتِ صح، عشان كده ههرب أنا وهسيبك تداري ببوكيه الورد اللي أنتِ قاعدة جواه ده. مع السلامة يا شمس هانم.
جحظت عينيها في صدمة حينما وجدته يشرف على الابتعاد عنها.
فصاحت بهلع:
_ أنت سايبني ورايح فين، يا آدهم... كابتن آدهم استنى، طيب مش خايف من راكان البارد يعاقبك إنك سبتني ليهم..
لم يعيرها انتباهًا.
فصاحت بصوت أعلى:
_ طيب استنى نتناقش طيب.
صعقت شمس حينما استمعت لصوت طلقات نارية تجوب مياه البحر.
بعد أن اكتشف الرجال أمر السيارة فارغة.
فظنوا بأنه هرب للمياه.
أمرهم كبيرهم بإطلاق الرصاص الحي على المياه حتى يصبوه في مقتل.
كادت بأن تلقي ذاتها من خلفه غير مبالية بما سيصيبها لبعد المسافة.
فوجدته يسرع ليتلقفها بين ذراعيه.
ارتجفت شفتيها وهي تردد بخوف:
_ بيضربوا نار، شكلهم فعلًا ناس خطيرة.
لوى شفتيه بتهكم:
_ والله؟!
* * *
داعبت شفتيها ابتسامة ساحرة فور تسلل رائحة الزهور إليها.
فتعلقت عينيها على باب الغرفة تلقائيًا تستعد لرؤيته.
طرق على الباب ثم طل بجاذبيته الخاطفة:
_ صباح الخير يا فطيمة.
ابتسمت فور رؤيته يتقدم لينزع زهور الأمس.
ومن ثم وضع الزهور الجديدة بالڤازة القريبة منها.
فجلس على المقعد المقابل لها قائلًا:
_ يا رب تكوني النهاردة أحسن؟
بقيت صامتة كحالها وابتسامتها لا تفارقها.
فتقوست معالمه هاتفًا بضيق:
_ لا، احنا اتخطينا مرحلة الصمت من إمبارح تقريبًا ومش مستعد إنك ترجعي لها تاني.
وعبث بحدقتيه مرددًا:
_ هنعيد من تاني.
ضيقت عينيها بعدم فهم.
فوجدتنه يخرج من غرفته ويعود بالطرق مرة أخرى، مكررًا:
_ صباح الخير يا فطيمة.
صاحبتها ضحكة رقيقة:
_ صباح النور يا دكتور علي.
تهللت أساريره واتجه ليقف قبالتها يكشف عن ساعديه وكأنه على وشك الاستعداد لشيء هام.
فقال:
_ بصي، أنا جاي النهاردة وعندي نية تامة إني هنزلك الحديقة، ترفضي بقى تقبلي، قراري صدر وأمره نافذ.
منذ ثمانية أشهر تجلس بتلك الغرفة.
ولم تحبذ يومًا مغادرتها.
بداخلها رفض تام للاحتكاك بأي رجل.
مجرد تواجد أي طبيب بغرفتها كان يثير اشمئزازها.
لولا وجود علي لجوارها.
فقالت بإصرار:
_ مابغيت نشوف حتى واحد، أنا كنخاف فاش كنكون وسط ناس كتيرة، عافاك خليني هنايا احسن.
(مش جاهزة أشوف حد، أنا بخاف لما بكون وسط ناس كتير، من فضلك خليني هنا أحسن).
فاقت رغبته إصرارها فقال:
_ لازم تخرجي يا فطيمة، وجوك هنا طول الوقت هيضرك مش في صالحك.
وقال بهدوء:
_ متخافيش، هكون جانبك وجاهز لأي رد فعل.
زوت حاجبيها بعدم فهم.
فوجدته يخرج إبرة طبية من جيب بنطاله.
فأشارت له بهلع:
_ لاا، مابغيتش نضرب ليبرة.
(لأ مش عايزة أخد حقن!).
أعادها علي لجيبه بابتسامة ماكرة:
_ يبقى تسمعي الكلام.
هزت رأسها بطاعة.
ونهضت عن فراشها تبحث عن حذائها.
ارتدته فطيمة ولفت طرف حجابها من حولها ووقفت قبالته قائلة بحرج:
_ أنا جاهزة.
فتح باب غرفتها وخرج وهي تتبعه بخطوات مترددة.
لفت انتباهها الطابق القابع به غرفتها.
يغمره اللون الأبيض النابع عن صفاء العين.
وبالرغم من الهدوء الشامل للمكان، إلا أنه لم يخلُ من المارة.
سواء من الأطباء أو المرضى.
وكأنه هي بمفردها التي تحبس ذاتها بغرفتها.
ابتسم علي وهو يراقبها من طرف عينيه تتابع المكان باهتمام.
هكذا ما أراد أن تختلط سريعًا بالبيئة المحاطة بها.
استدارت فطيمة تتفحص المكان ولم تنتبه لتوقف علي عن الحركة.
فارتطمت به وكادت بالسقوط لولا يده التي تشبثت بها وصوته الدافئ يصل لها:
_ خلي بالك يا فطيمة، بصي قدامك.
ارتجف جسدها الهزيل.
وتلقائيًا دفعته بعيدًا عنها.
وأنفاسها تعلو بعنف.
منحها علي ابتسامة هادئة لم تغادره وقال مازحًا وهو يشير على المصعد:
_ آسف إني وقفت فجأة، بس مش هينفع ننزل كل المسافة دي.
انفتح باب المصعد.
فأشار لها بالدخول.
وزعت نظراتها المرتبكة بينه وبين المصعد.
صحيح أنها تراه أمانها، ولكن بخروجها معه تختبر شيئًا لم تختبره من قبل.
والآن عليها البقاء معه بمفردها داخل المصعد!!
استمدت فطيمة قوتها الزائفة حينما وجدته يناديها بدهشة:
_ فطيمة، إنتِ كويسة؟
أومأت برأسها وهي تلحق به.
ففور انغلاق الباب حتى اهتز جسدها وتسلل البرودة.
اضطربت أنفاسها رويدًا رويدًا وهي تراقب مكان وقوفه.
فابتعدت لأخر زوايا المصعد.
تفهم علي حالتها لذا بقى ثابتًا.
لم يعير ما يحدث أي اهتمام قد يضايقها.
هو بالنهاية ليس شخصًا عاديًا.
هو طبيب نفسي يحلل تصرفاتها ويعلم بماذا تفكر؟ ولماذا تشعر؟
كان احترافيًا بالتعامل معها.
فلم يبدِ أي اهتمام لوقوفها بعيدًا عنه ولم يتساءل عما يصيبها ليقلل من تنفسها هكذا.
توقف المصعد.
فخرج أولًا وهو يقول دون النظر إليها:
_ وصلنا.
لحقت به للخارج.
فوقفت تتطلع للحديقة بنظرة انبهار.
طافت حدقتيها كل ركن بها.
لم تكن كبيرة ولكنها منسقة بزهور تراها لأول مرة.
تملأها عدد من الطاولات.
وعدد من المرضى المرتدون لنفس لون جلبابها.
أشار لها على الطاولة القريبة منهما متسائلًا بلباقة:
_ تحبي نقعد هنا؟
اكتفت بإيماءة من رأسها.
فاتجه للطاولة ثم جذب المقعد ليشير لها بالجلوس.
فجلست وهي تردد على استحياء:
_ شكرًا.
جلس علي قبالتها.
مستندًا على الطاولة بجسده العلوي عليها.
ليسحبها من دوامة تشتتها:
_ شوفتي بقا إنك سايبة الجمال كله تحت وقاعدة حبسة نفسك فوق.
تكلفت بسمة على شفتيها.
وعادت تتطلع من حولها بفضول.
متجاهلة حديثه عن مداخل الحديقة ووصفه الدقيق عن كل مكان بها.
ابتسم علي حينما تأكد بأنها لا تصغي لحرف واحد مما يقول.
فردد بصوته الرخيم:
_ فطيمة!
عادت برأسها إليه.
ورددت بحرج:
_ بتقول حاجة يا دكتور؟
استند على يده وتابع بنفس بسمته:
_ كنت بقول حاجات بس الظاهر إن جمال الحديقة خطفك مني.
ابتسمت وهي تخبره:
_ المكان فعلًا جميل أوي.
بداخله يهمس دون توقف "مفيش في جمالك!".
وتنحنح قائلًا:
_ شوفي بقى، عشان سمعتي الكلام هكافئك بالرغم من إنك غلبتيني.
تساءلت باستغراب:
_ مكافأة أيه!
أخرج علي هاتفه ثم حرر زر الاتصال بعدما فعل السماعة الخارجية.
فتابعته باهتمام لمعرفة مقصده.
زف إليها صوتًا رجوليًا مألوفًا لمسمعها:
_ دكتور علي، إزيك.
ابتهجت للغاية.
ورددت بلهفة:
_ مراد!
_ فطيمة، أخيرًا سمعت صوتك!
وتابع بحماس:
_ طمنيني عاملة أيه؟
اتسعت بسمتها وهي تجيبه:
_ أنا كويسة الحمد لله، أخبارك إنت أيه؟
_ بخير بفضل الله.. المهم إنتِ عايزك تفوقي كده وتستردي صحتك، والأهم إنك تسمعي كلام دكتور علي.
ابتسم علي وأشار بإصبعيه للهاتف:
_ سمعتي.
أجابته بلطف:
_ حاضر.. أنا بجد مبسوطة أوي إني اتكلمت معاك.
_ وقريب هاجي بنفسي أزورك بس عشان ده يحصل لازم تخفي وتكوني أحسن عشان أخدك في إيدي على مصر وأعرفك على حنين وبناتي مرين ومارال هيتجننوا عشان يشوفوكي.
ببسمة مشرقة قالت:
_ ما شاء الله، ربنا يبارك لك فيهم وتفرح بيهم يا رب.
أتاها صوت ضحكاته ومن بعدها سخريته بالحديث:
_ بتدعي عليا إني أكبر، ماشي يا فطيمة مكنش العشم!
شاركته الضحك وتحدثت بصعوبة:
_ قولي الدعوة اللي تحبني أدعها لك وأنا أدعي.
رد عليها بجدية تامة:
_ مفيش عندي شيء أتمناه غير إنك تقومي بالسلامة.
تمعنت ببسمتها وهي تردد بهمس:
_ يا رب.
تبادلا الحديث حتى أغلق مراد معها على وعد بأنها ستجاهد لتلقي خلفها الماضي بما يحمله من آهات قاتلة.
كانت مكالمة الجوكر لها في الصميم مثلما توقع علي.
فقد تبدلت فطيمة من حال لآخر.
فجلس يراقبها خلسة وكلما أمسكت به عينيها ادعى انشغاله بمراقبة هاتفه.
حتى أخرج لها دفترًا صغيرًا وقلمًا مرددًا:
_ أنا هسيبك تقعدي لوحدك شوية في الجمال ده، وعايزك تديني بالدفتر ده ذكريات جميلة لسه فاكراها لحد النهاردة عن طفولتك.
جذبت الدفتر منه ببسمة هادئة.
ففتحت أول صفحاته لتتفاجئ بأنه يدون "فاطيما" بأول صفحاتها.
فرفعت عينيها إليه وقالت:
_ أنا اسمي فاطمة بالألف و لكن في المغرب كنقولوا فاطما و لا فاطما و أنا أنا دارنا كيقولو لي فطيمة.
برق بدهشة.
فجذب الدفتر يمحي إسم فطيمة ويكتب "فاطمة".
وأعاده لها وهو يسألها:
_ يعني أناديكي فاطمة ولا فطيمة؟
أجابته ببسمة صغيرة:
_ الاسم اللي يعجبك و تبغيه عيطلي بيه.
ردد بتيهة:
_ ما تكلميني مصري ينوبك ثواب!
تعالت ضحكاتها وهي تعيد ما قالته:
_ الاسم اللي يعجبك ناديلي بيه.
هز رأسه باقتناع:
_ اتفقنا.
_ علي!
صوتًا ذكوريًا اقتحم جلستهما.
فرفعت فطيمة رأسها تجاه هذا الشاب الذي يملك ملامح مشابهة لعلي.
أبعد مقعده ونهض يردد بدهشة:
_ عمران!
جالت عينيه الفتاة التي يجلس برفقتها.
وقال دون أن يحيل عينيه عنها:
_ روحتلك مكتبك، قالوا لي إني أكيد هلاقيك مع فطيمة!
وتابع بمرح:
_ وكل ما أسأل حد يقولي نفس الجملة لدرجة إني بقى عندي فضول أشوفها.
وتابع وهو يشير بعينيه إليها:
_ هي دي بقى فطيمة؟
بدى الارتباك يجوب ملامحها.
فأجبر علي رسم بسمة متكلفة على وجهه وهو يسحب عمران بعيدًا عن مقعدها مرددًا:
_ ده عمران أخويا الصغير يا فطيمة، هو بس مشاكس حبيتين وداخل على هزار على طول.
صحح له مفهومه الخاطئ:
_ أنا بني آدم عشري وقلبي أبيض والله.
سحبه علي مشيرًا بيده للممرضة التي جلست محله.
بينما اتجه بعمران للطاولة القريبة من فطيمة.
جلس قبالته يتساءل بقلق:
_ خير يا عمران.
لفظ أنفاسه بصوت مسموع.
واستكان على سطح الطاولة بنصف العلوي، مجاهدًا لخروج كلماته:
_ علي، إمبارح كنت سخيف أوي معاك فأنا... آآ... آسف على اللي حصل إمبارح مش عايزك تزعل مني، إنت أخويا الكبير وآ.
قاطعه علي ببسمته الهادئة:
_ عمران، مفيش داعي إنك تكمل كلامك، أنا مزعلتش منك ولا عمري هزعل، أنا زعلي كله عليك وعلى الحالة اللي أنت حاطط نفسك فيها.
مرر يده بين خصلات شعره التي تناثرت بفعل الهواء العليل.
ثم قال بفتور:
_ علي، إمبارح قولتلي أطلق مايسان وأسيبها لغيري يعوضها ظلمي.
هز رأسه بتأكيد لتذكره ما قال.
فلعق عمران شفتيه مضيفًا بارتباك:
_ ووقتها حسيت إني شوية كمان وهضربك.
احتدت نظراته بغضب.
فأسرع يبرر له:
_ مايسان النهاردة قالتلي نفس جملتك، حسيت إني هقتلها بردو.
وتابع بضجر ينتابه:
_ علي، أنا مبقتش عارف أنا عايز أيه، فجيتلك تعالجني من الحالة النفسية اللي أنا فيها دي.
ذم شفتيه بضجر.
ثم قال:
_ إنت اللي حاطط نفسك في الحالة المرضية دي يا عمران.
بجدية تامة أجابه:
_ أنا عقلي مشتت ومش قادر أشوف شيء، بس اللي أنا قررته إني مستحيل هغضب ربنا تاني يا علي، وقولت لألكس الكلام ده، مستحيل هسمح لنفسي أعيش حالة الخوف والرعب والاشمئزاز اللي بكون فيها.
ضم يده بمقدمة أنفه يحاول تهدئة انفعالاته.
لا يرغب أبدًا بالاندفاع بحديث متهور قد يفقده أخيه.
فقال باتزان:
_ عمران، أنا عايز أسألك سؤال وتجاوبني عليه بصراحة.
هز رأسه وتابعه باهتمام.
فاقترب علي من الطاولة ثم قال وعينيه تقابل عينه:
_ لما حصل بينك وبينها علاقة كانت مرتها الأولى؟
مسح بيده وجهه.
وكأنه لا يود إجابته لمعرفته ما سيقول أخيه.
ومع ذلك ردد باقتضاب:
_ لأ.
ألقى الكرة بملعبه.
فقال بثبات:
_ وهتأمن تديها اسمك يا عمران؟
سيطر على غضبه القاتل.
وقال بتعصب واضح:
_ ألكس اتغيرت من وقت دخولي لحياتها يا علي، وبعدين الحب مش اختيار، ولو كان بإيدي كنت أكيد اخترت مايسان.
زفر بملل من الوصول لحل ينهي معضلة أخيه.
فصاح بتريث:
_ يعني إنت عايز أيه دلوقتي؟ ألكس ولا مايسان؟
تنحنح وهو يجلي أحباله الصوتية:
_ الاتنين.. عايزهم الاتنين.
جذبه من تلباب قميصه بعنف:
_ وحياة أمك!
تلفت حوله وهو يحاول تحرير ذاته مرددًا:
_ علي عيب الناس حوالينا، وبعدين لو فريدة هانم سمعتك بتقول الكلام ده هيجيلها سكتة قلبية!
تفحص الأوجه من حوله.
وحينما وجد الجميع يراقبون ما يحدث بينهما تركه متممًا:
_ قوم امشي من هنا يا عمران، بدل اللي ما عملتهوش امبارح هعمله النهاردة وقدام الناس.
حمل مفاتيح سيارته وهو يشير له:
_ طيب يا حبيبي همشي أنا دلوقتي ولما تهدى وتعقل كده بالتعامل مع المرضى بتوعك أبقى أجلك.
واستدار عمران يشير له بمزح:
_ بنصحك تشوف دكتور نفساني هينفعك أوي في شدة الأعصاب اللي أنت فيها، سلام.
أوقف عمران رنين هاتفه.
فوقف على مسافة من أخيه يجيب وما زالت الابتسامة على وجهه:
_ أيوه، أنا عمران سالم.. خير؟
اكفهرت معالمه وهو يصيح بصوت مرتفع:
_ عربية أيه وانفجار أيه، أنت بتتكلم عن مين؟!
هرول علي إليه يتساءل بقلق:
_ في أيه يا عمران؟
وجده يهمس بصدمة وهو يبعد هاتفه عنه:
_ شمس!
جذبه علي ليقف قبالته يصيح:
_ مالها شمس؟!
* * *
وضع النادل العصير على الطاولة.
فشكره من يتابع مسح قميصه الأبيض المتسخ بالمناديل المبللة.
بينما تراقبه الأخيرة بصمت.
فجذبت كوبها بعدما أنهت رسالتها بإرسال إسم المطعم المتواجدة به لعلي.
وارتشفت الكوب عله يزيح مرارة حلقها.
وما زالت تخطف النظرات إليه.
فتحررت عقدة لسانها السليط قائلة باستهزاء:
_ بقالك ساعة بتمسح قميصك وبيحاول يقنعك أنه مش هينضف وإنت ما زلت مصر!
ابتسم آدهم واستمر بتجفيف صدرك المتسخ بسواد السيارة.
قائلًا بخبث:
_ ده طبعي، مش بمل بسهولة.
رمشت باهدابها وهي تتابعه.
وقالت ضاحكة:
_ خليه كده، على الأقل تبقى محتفظة بالبقايا الأخيرة من عربيتي المرحومة.
تعمق بالتطلع لعينيها وقال ببسمة واثقة:
_ على فكرة عجلة عربيتك عطلت بفعل فاعل.
ابتلعت ريقها بارتباك.
ودنت منه تتساءل بخوف:
_ قصدك أيه؟ هما اللي عملوا كده عشان يقتلوني!
تمردت ضحكاته الرجولية.
فنفي ذلك مرددًا:
_ لأ، مش للدرجادي.
التقطت أنفاسها براحة غادرتها حينما استطرد:
_ أنا اللي عملت كده.
برقت بعينيها بصدمة:
_ إنت! طب ليه؟
ترك آدهم المنديل عن يده ثم مال برأسه إليها يهمس:
_ كانت نيتي أشوفك على الطريق وأقف أصالحلك العربية وبعديها تعزميني في مكان على قهوة، أو على الأقل تاخدي رقمي وتشكريني حاجة شبه الأفلام كده، بس صدقيني مكنتش أعرف إن الكلاب دول مش هيلاقوا غير الوقت اللي هقابلك فيه ويهاجموني.
توقف عقلها عن استيعاب ما يخبرها به.
فتساءلت بعدم تصديق:
_ مش خايف أقول لراكان إنك بتحاول توقعني؟
اتسعت بسمته وهو يجيبها دون مبالاة:
_ أنا مبخافش من حد يا شمس.
وبجدية تامة تناقض نبرته قال:
_ إنتي نقية وتتحبي بجد، عشان كده هقولك إبعدي عن راكان يا شمس، ميستهلكيش.
كادت بسؤاله لماذا يخبرها تلك الكلمات؟
ولماذا يحاول التقرب منها.
فقطعه صوت أخيها المنادي بلهفة:
_ شمس.
التفتت تجاه مصدر الصوت.
فوجدت أشقاءها.
ضمها علي إليه بلهفة وأبعدها وهو يتفحص جسدها بنظرة متفحصة:
_ طمنيني حصلك حاجة؟
هزت رأسها نافية.
وقالت وعينيها تجوب آدهم:
_ خرجت من المكان بفضله.
تركزت نظراتهما عليه.
فتعرف عليه عمران فقد رآه أكثر من مرة برفقة راكان.
فقال:
_ مش إنت آدهم الحارس الشخصي لراكان.
نهض عن مقعده يشير له بهدوء.
فصافحه عمران بامتنان:
_ مش عارفين نشكرك إزاي حقيقي جميلك ده مش هننساه أبدًا.
أجابه وهو يسحب جاكيته الموضوع على المقعد:
_ مفيش داعي للشكر يا باشا، ده واجبي.
رد عليه علي وما زال يحتضن شقيقته:
_ ربنا بعتك بالمكان ده بالوقت المناسب.
وتساءل بفضول:
_ بس إزاي ده حصل، فهمني.
خطف آدهم نظرة سريعة لشمس قبل أن يجيبه بذكاء:
_ في الحقيقة أنا السبب في اللي حصل، عربيتي سخنت ودخنت بشكل مخيف، وقفتها ونزلت أشوف في أيه فلقيت الأمور ساءت وعلى وشك إنها تنفجر.. وللأسف كانت شمس هانم عربيتها عطلانة وعلى بعد قريب مني، فنبهتها للموضوع وبعدنا عن المكان والحمد لله مفيش حد اتأذى.
ردد علي وهو يطبع قبلة على جبينها:
_ الحمد لله، أنا روحي راحت لما جت المكالمة دي لعمران لو كانوا اتصلوا بالبيت كانت فريدة هانم جرالها حاجة.
ربت عمران على ظهر شمس بحنان:
_ جت سليمة الحمد لله.
ابتسمت شمس وهي تنصاع لذراعه التي تتلقفها بعيدًا عن علي لاحتضانه هو.
فهمس لها عمران بتسلية:
_ فريدة هانم هتعاقبك بحرمان دائم من العربيات طول حياتك.
منحته نظرة ماكرة:
_ مين اللي هيقولها؟!
رفع يده ببراءة:
_ أنا مش هتكلم في سبيل إنك متفتحيش بوقك ولا تفتني عليا في أي كارثة جاية هرتكبها، علوي اللي جنبك ده اللي لسانه فلت أمني عليه بس للأسف مالوش لوية دراع ولا حاجة تساوميه عليها.
راقب آدهم حديثهما ببسمة هادئة.
وخاصة حينما صاح علي بحزم:
_ أنا مش جبان زيكم.. عمومًا لينا بيت نتساوم فيه.
واستدار يقف قبالة آدهم.
يصافحه من جديد وتلك المرة عينيه تقابله وجهًا لوجه.
فقال وهو يضيق نظراته تجاهه:
_ هو أنا ليه حاسس إني شوفتك قبل كده، على ما أعتقد بمصر!
لم تتلاشى بسمة آدهم وأجابه بثبات:
_ جايز، أنا نزلت مصر أكتر من مرة يمكن حالفني الحظ إني قابلتك ولو حصل واتقابلنا تاني هنكون عارفين بعض.
ابتسم لرتابة حديثه وقال بوداعة:
_ إن شاء الله.. بشكرك لتاني مرة.
ودعهما آدهم ووقف يراقبها وهي تصعد برفقة علي للباب الخلفي من سيارة عمران.
فما أن صعدت حتى طلت عليه بنظراتها عبر النافذة.
كأنه تودعه على استحياء.
تاركة البسمة تشدو على وجهه الجذاب.
* * *
وضعت المال على الطاولة.
فتلقفه الشابين الجالسين من أمامها.
لتؤكد عليهما وهي تنفث دخان سيجارها:
_ ستفعلان ما طلبته منكما غدًا بحفل ليام وإميلي.
وعادت تكرر تنبيها الحازم:
_ واحرصا على أن تنجزا مهمتكما وإلا لن أدفع لكم دولار واحد بعد الآن.
ووضعت يدها بحقيبتها تخرج لهما صورة الفتاة وبطاقة دعوة.
ثم ألقتها على الطاولة أمامهما وهي تستطرد:
_ تلك هي بطاقة الدعوة لدخول الحفل، وغدًا ستكونان بالموعد المحدد وستنتظران مني إشارة.
هز رؤسهما وغادروا معًا.
بينما نفثت هي دخانها وهي تردد ببسمة استمتاع:
_ حسنًا مايسان، فلنرى من منا ستنتصر بتلك المعركة، أنا أم أنتِ!
رواية صرخات انثى الفصل الخامس 5 - بقلم ايه محمد رفعت
اندهش حينما لم يجده يتابعهما للداخل، فبحث عنه حتى وجده يسرع لسيارته مجددًا.
تعجب علي من خروج عمران بهذا الوقت، فترك شمس تستكمل طريقها للخارج ثم عاد أدراجًا ينادي:
_ عمــران.
كاد باجتياز البوابة الخارجية للمنزل حينما استمع لصوت أخيه، أقبل إليه يتساءل:
_ مش طالع ولا أيه؟
أحكم غلق جاكيت بدلته الأنيقة حينما داهمه التيار البارد وقال:
_ بقالي فترة مشوفتش الشباب هروح الشقة يمكن أشوف حد فيهم.
دث يده بجيب بنطاله وهو يشمله بنظرةٍ متفحصة:
_ الشقة عند أصحابك يا عمران، مش الفندق.
أكد له سريعًا:
_ علي أنا وعدتك مش هرجع للقرف ده تاني صدقني.
قال وهو يعود للداخل:
_ أتمنى.. بلّغهم سلامي لحد ما أقابلهم.
رفع جسده عن الأرض ليحتل سيارته المكشوفة:
_ يوصل يا مان.
قاد عمران سيارته ليصل بعد أقل من ثلاثين دقيقة للعمارة السكنية الراقية، صفها بمحاذاة الطريق وصعد للأعلى يلهو بمفاتيحه وهو يدندن بصفارته الهادئة، حتى وصل للطابق الخامس من المبنى.
دث مفتاحه وولج للداخل مبتسمًا، متلهفًا للقاء أصدقائه المقربين.
بحث بالغرف أولًا وهو يتمنى لقاء أحدهما، فانتبه للنور المضاء بالردهة، أسرع إليها فتهللت أساريره وردد:
_ جمال!
استدار بمقعده القابل للحركة، فمنحه نظرة خاطفة ثم عاد لجلسته يرتشف كوبه لأخره بجموحٍ.
صعق عمران مما رآه فاجبر ساقيه على تتبعه رغمًا عن تثاقلها، أصبح الآن قبالته لا يفصلهما سوى طاولة البار المطل على كورن مشروبات القهوة وغيرها، فحمل الزجاجة الموضوعة أمامه بعدم استيعاب:
_ إنت جبت دي منين؟
ابتسم من يحتضن رأسه الثائرة بصداعٍ قاسٍ، وقال:
_ أكيد يعني كنت هلاقي جوه أوضتك.
جذبه عمران بقوةٍ كادت باسقاط جسده المترنح:
_ من أمته يا جمال وإنت بتشرب القرف ده، ده إنت كنت بتعنفني لو بتشوفه معايا، أيه جرالك؟
أزاح ذراعه عن قميصه وعاد يستند على البار ساكبًا كوبًا ويلتهمه غير عابئًا بنظراته ولا بقميصه المبتل، وكأنه ينتقم من نفسه هنا.
كز عمران على أسنانه بغضبٍ، فأبعد الزجاجة لأخر البار وصاح بعنفوانٍ:
_ كلمني هنا، من أمته وإنت بتشرب القرف ده؟
ابتسم وهو يجيبه:
_ من النهاردة، ولو نساني اللي بواجهه هدوام عليه زي ما إنت بتداوم عليه عشان تنسى مشاكلك.
مرت يده بخصلات شعره بتعصبٍ شديد، فسحب مقعد مجاور له وجلس يخبره بهدوءٍ:
_ كنت بضحك على نفسي يا جمال، السُكر مش حل للي بنواجهه، كفايا التقزز وكره النفس اللي هتحس بيه بعد ما تفوق ومفيش حاجة هتتسنى.
ابتلع ما بكوبه وقال ببسمةٍ صغيرة رسمت على وجهه الحنطية مستنكرًا:
_ مش مصدق انك اللي بتتكلم، ما ياما بذلنا أنا وأخوك مجهود كبير معاك عشان تبطل، جاي دلوقتي توعظني!
اتجهت نظراته البنية لهاتفه الجانبي الذي يعاد للرنين مجددًا، فجذبه جمال وأغلقه نهائيًا، ثم عاد يرتشف الكوب ببرودٍ.
وزع عمران نظراته بين حالة رفيقه والهاتف، ثم تساءل:
_ إنت اتخانقت مع صبا تاني؟
ضحك وهو يجيبه ساخرًا:
_ قصدك عاشر ومليون!
استمر بحديثه ليعلم ما به، فقال:
_ ليه حصل أيه؟
لف المقعد ليكون مقابل إليه:
_ الست هانم من الفضى اللي بقى عندها هنا بقت بتشك فيا، مفكرة إني بعرف واحدة عليها، وكل يوم بتفتش في موبيلي.
وتابع ببسمةٍ حملت حزنًا وألمًا رغم تعمده الاستهزاء:
_ ده غير اسطوانة كل يوم عن تضحيتها العظيمة إنها سابت أهلها ومصر وجت عاشت معايا هنا في انجلترا، شايفة نفسها بطلة ولازم أقدر انجازاتها!
وتجرع ما بكوبه وهو يشير له:
_ متعرفش إن لولا وجودي هنا وتعبي ليل نهار في الشغل مكنتش قدرت أحقق كل اللي وصلتله ولا كان باباها قبل بالجوازة دي من الأساس.
وتابع بغدافية جعلت دمعاته تبرز بحدقيتيه:
_ متعرفش أنا موجوع أد أيه وأنا عايش هنا بقالي سبع سنين متغرب عن أهلي عشان أقدر أكونلها الزوج المناسب والابن اللي يقدر يتحمل مسؤولية أبوه وأمه، متعرفش إني بموت ألف مرة وأنا بعيد عن عيلتي ونفسي أكون معاهم بس السنة اللي هفكر فيها أنزل مصر هي اللي هقرر أخوض رحلة العجز قدام مصاريف علاج والدتي ودراسة أخويا الصغير، وجهاز أختي، وأكون عاجز عن طلبات بيتي، وأنا مش جاهز أتحمل كل ده يا عمران.
تدفقت دمعة خانت صموده المزيف وهو يبتسم بتهكمٍ:
_ لما خلصت أوراقها من سنة كنت فاكرها جاية تشيل عني وتشاركني وحدتي، فرحت وأنا بتخيل حياتي معاها، وكنت متحمس أرجع شقتي ألقى حد مستنيني، متحمس أرجع لحياة مريحة ألقى فيها أكل بيتي واهتمام بلبسي مقفش أنا أعمل أكلي لنفسي وأكل لوحدي.
واستدار برأسه إليه يخبره بضحكةٍ مهزومة:
_ مكنتش أعرف إني هفتح وجع جديد ليا فوق أوجاعي، وإني هتمنى ساعات الشغل تطول عشان مرجعش البيت لنكدها.
تفحص كوبه الفارغ بضجرٍ واستمر بحديثه:
_ طلعت معاك حق يا عمران لما سبت مراتك وبصيت على واحدة تشوف مزاجك من غير ما تقلب حياتك نكد.
وناوله الكوب يشير إليه:
_ فرغلي كأس.
جذب عنه عمران الكوب وألقاه أرضًا بكل قوته، ثم رفعه من تلباب قميصه صارخًا بعصبية:
_ فوق يا جمال، القرف ده لو دخل حياتك هيدمرك، أنا غلط وحياتي كلها غلط، مش عايزك تكون زيي خليك نضيف زي ما أنت.
ترنح جسده بتعبٍ، فتمسك به عمران دون الافلات عن حديثه:
_ مشاكلك مع مراتك تافهة وتتحل، شاركها وجعك هتحس بيك.
ومنحه نظرة ساخطة وهو يتابع:
_ ثم أنك اللي بتديها الفرصة لده، أيه اللي مقعدك هنا لحد دلوقتي، سيف قالي إنك بتبات هنا بقالك فترة ما طبيعي إنها تشك فيك!
مال برأسه على كتف عمران، مغلق عينيه بارهاقٍ:
_ أنا تعبان أوي يا عمران.
ضمه عمران بحزنٍ شديد، لا يستوعب إن صديقه المثالي يترك طريقه المستقيم وينجرف للمحرمات فجأة، بعدما كان يقضي يومه ينصحه بالابتعاد عن المشروب وعن ألكس اللعينة، كان ينفر من حديثه تارة ويحاول الاستماع له تارة أخرى.
يشعر دائمًا بأنه النسخة الشبيهة بأخيه علي، لذا كان سببًا منطقيًا لحب علي لجمال، ودوام صدقاتهما طوال تلك السنواتٍ.
تحرر باب الشقة من جديدٍ، فاستمع عمران لخطوات تقترب منهما، ألقى المفتاح جانبًا ونزع عنه جاكيته وهو يتفحصهما بنظرة ساخطة اتبعت نبرته المرحة:
_ جمال في حضن عمران، لأ قلبي الكبير مرحب بالأفكار المنحرفة.
وإتجه بقامته الممشقة للأريكة، مضيفًا:
_ في البلد دي نتوقع أي حاجة حقيرة!
دفع عمران جسد جمال للمقعد مجددًا، ثم اتجه ليجلس جواره مرددًا باستغرابٍ:
_ أيه جابك إنت كمان دلوقتي يا يوسف؟
سحب نفسًا طويلًا ورفع ساقيه ليستند بهما على الطاولة الزجاجية:
_ مفيش رجعت البيت متأخر كالعادة، فالمدام قالتلي هتلاقيك كنت عند صحابك المقاطيع، ومن هنا لهنا قالتلي روح بات عندهم يا دكتور يا محترم.
حل وثاق قميصه وهو يتابع:
_ بس كده فاتصلت بسيف أخويا أعرف منه مين من المقاطيع فيكم موجود عنده، قالي إنه بره الشقة بيجيب شوية طلبات وميعرفش مين فثكم مشرف عنده النهاردة، فجيت أبص وبيني وبينك زهقت من الخلقة اللي متعود أشوفها كل يوم.
قال كلماته وهو يشير على جمال الملقي رأسه على الطاولة.
رد عليه عمران بضيق:
_ البيه سايب بيته بقاله فترة ومقضيها هنا.
هز رأسه قائلًا:
_ عارف عارف يا حبيبي، ما أنا بجبله الأكل كل يوم وبتعاقب بتتضيف الشقة من سيف، بيقولي ورايا امتحانات ومش فاضي لهلس صحابك.
اختنق عمران فحرر جرفاته ونظراته لا تغادر جمال بحزنٍ، بينما تركزت نظرات يوسف المتفحصة له، فسأله:
_ هو نام هنا ليه ما يقوم يدخل أوضته.
التقطت عينيه زجاجة الخمر الموضوعة جانبًا، فزفر بسخطٍ:
_ خمرة تاني يا عمران، إنت مبتحرمش!
سدده بنظرةٍ حادة، فابتسم ساخرًا:
_ أنا لسه داخل قدامك من شوية، واتفاجأت بالبيه أخد مكاني.
جحظت عينيه في صدمة حقيقية، فاعتدل بجلسته المريحة وهو يردد بعدم تصديق:
_ إنت تقصد مين؟
انتصب واقفًا بدهشةٍ:
_ لأ.. جمال مستحيل يعمل كده!!
وأسرع إليه فأبعده عن الطاولة بعصبيةٍ بالغة:
_ قووم فوقلي.
دفعه جمال وعاد يلقي برأسه على الطاولة من جديد، مرددًا:
_ بعدين يا يوسف، سبني.
اشتعل الغضب بمقلتيه، فبحث عما يعاونه بافاقته، فسحب الاناء الممتليء بالثلج، ودفعه إليه بأكمله، انتفض جمال بجلسته وصاح:
_ إنت غبي يالا، بقولك تعبان وجسمي كله مكسر تحدفني بالتلج!
طرق على صدره وجذبه ليقف أمام عينيه الملتهبة:
_ أقسم بالله يا جمال لو متعدلت لادفنك هنا، سيف كان بيشتكيلي منك بس أنا متوقعتش إن أمورك توصل لهنا.
فتح عينيه وهو يجيبه بمزحٍ:
_ ليه يا دكتور كنت فاكر حالتي هتكون أخرها أيه يعني، ما أنا سبق وحكيلك.
تماسك الأ يطيح به، وقال برزانةٍ:
_ يا جمال أي اتنين متجوزين طبيعي إن يكون بينهم مشاكل في بداية حياتهم، دورك هنا إنك متهربش، تواجه وتبرر مش تزيد الامور طين وتسبها لعقلها وشيطنها يأكدلها ظنونها.
وأشار للزجاجة بتقززٍ:
_ وفوق كل ده تسكر، بتغضب ربنا عشان بتواجه مشاكل سستم طييعي ودائم في حياة كل البشر يا جمال، جاوبني ساكت ليه؟
وضع عينيه أرضًا حرجًا منه، فأشار باصبعه بتحذيرٍ:
_ دي أول وأخر مرة تعملها، سامعني؟
هز رأسه بتعبٍ جعل جسده يترنح بوقفته غير واعيًا لما يصيب معدته من ألمًا لا يطاق، فاستتد على صدر يوسف:
_ أنا تعبان أوي يا يوسف، بطني بتتقطع.
أجابه ساخرًا:
_ من القرف اللي بلبعته.
وأشار لمن يراقبهما:
_ اسنده معايا ندخله أوضته، لما أشوف أخرتها معاكم أيه؟
أحاطه عمران من جانبه الأيمن، خاطفًا نظرة سريعة إليه، وقال:
_ فوق يا جمال، لازم ترجع بيتك عشان مشاكلك مع صبا متزدش.
مال بجسده على الفراش، فجذب يوسف الغطاء وداثره جيدًا، وعدل من ملابسه الغير مهندمة، ليحك أنفه وصوت أنفاسه اللاهثة تعلو:
_ مرمطة في العيادة وهنا.
ضحك عمران على مظهره المضحك، وصاح:
_ ورايا يا دكتور الحالات المتعثرة.
حرك كتفيه يعدل من قميصه بغرور:
_ دكتور يوسف أيوب من أكبر دكاترة النسا والتوليد، وبتنازل وبتواضع وبعرف اشكالكم المعتوهه، وبتعاقب من حرمي دكتورة ليلى أيوب بالطرد لشقة المقاطيع وعادي وزي الفل.
جذبه عمران من تلباب قميصه بعنف:
_ إنت هتحكيلي قصة حياتك لخص في إم الليلة دي.
تعالت ضحكاته الرجولية بقوةٍ، ولحق به للخارج، فجلس كلا منهما على الأريكة، لاحظ يوسف تسلل الحزن لمعالم عمران، فقال وهو يهم لصنع القهوة:
_ مالك قالب وشك ليه إنت التاني؟
توترت معالمه، فنهض واتبعه ليستند على البار وبتلعثمٍ قال:
_ يوسف أنا آ..... آآ...
ضيق عينيه الثاقبة إليه، فرفع الكوب الفارغ وملعقة السكر إليه:
_ ولآ.. أنا بخاف من الداخلة دي، أقسم بالله لو قولتلي حاجة تنكد لاقتلك إنت والحيوان اللي جوه ده، أنا لسه خارج من ولادة طبيعية متعسرة وخلقي في مناخيري.. فانجز وإرمي المصيبة اللي بتحاول تلقيها في وشي من ساعة ما شوفت خلقتي.
وجذب هاتفه وهو يهدده:
_ اتصل بدكتور علي أقرره ولا هتتكلم.
خشاه عمران فجلس على المقعد بارتباكٍ، طرق على كتفه ليجذبه نصفه العلوي فوق الطاولة الرخامية الفاصلة بينهما:
_ انطق ياض هببت أيه إنت التاني؟
رفع رماديته بتوتر إليه، وردد:
_ أنا غلطت مع ألكس.
فلته ببطءٍ وعينيه المغتظمة بغضبه لا تتركه، فتحرك لمكينة القهوة بصمتٍ كان قاتلًا لمن يتابعه بترقبٍ لسماع ما سيقول، فاتبعه والحرج يشكل على معالمه، فحاول تبرير أخطائه:
_ يوسف أنا آآ...
قاطعه حينما استدار بحركته الشرسة ليصرخ بعصبية:
_ إنت حقير ومبتحبش غير الوساخة زي العاهرة الرخيصة اللي غلطت معاها.
رسم وجهه أرضًا تأثرًا بكلماته، فشدد يوسف على شعره بقوة كادت باقتلاعه، ثم سحب كوبه وجلس على مقعد البار مرددًا بعدم مبالاة:
_ خسارة فيك النصايح اللي في النهاية مش هتعمل بيها، إعمل ما بدالك يا عمران، إسكر وازني وإغضب ربنا بكل الكبائر واقعد ابكي واندب واستنى لحظة عقابك وإنت عارف وواثق إنها جاية.
اتبعه للمقعد المجاور له، فجذبه ليجلس قبالته، يراقبه وهو يرتشف قهوته بجمودٍ، فحاول استعطافه:
_ يوسف أنا حاولت والله، بس صدقني أنا لما بشوفها قدامي بضعف ومبقدرش أتحكم في نفسي.
طعنه بنظرة قاتلة:
_ حيوان تقصد... ما هو الحيوانات هي اللي مبيكنش عندها دارية بالامور ولا التحكم بالذات.
ولعق بلسانه شفتيه يخفي ابتسامته الخبيثة التي تحررت من خلفها مكيدته:
_ بقولك أيه يا عمران، ما دام إنت كده كده هتطلق مايسان، فأنا شايفها مناسبة لدكتور سيف أخويا، إنت عارف بقى إننا هنا في انجلترا صعب نلاقي عروسة عربية أدب وأخلاق وجمال وآ...
كممت لكمته كلماته فاسقطته عن المقعد، نهض يوسف وهو يزيح الدماء النازف عن شفتيه ببسمة راضية، بينما انتصب الاخير بوقفته وصرخ بعنفوان:
_ متحاولش يا يوسف صدقني هنسى الصحوبية والعيش والملح اللي بينا وهدفنك حي هنا.
منحه ابتسامة ساخرة، وجلس يستكمل قهوته ببرودٍ، وحينما انتهى من الكوب لف رأسه تجاه ذاك الثائر فجأة وقال:
_ لما شتمت ألكس وقولتلك أنها عاهرة ورخيصة متعصبتش ولا اتحمقت عليها كده، ولما كلمتك بالحلال وبالاصول على بنت خالتك اللي مش طايقها عرق الرجولة نقح عليك أوي، مش غريبة؟
ابتلع ريقه وهو يترنح جراء تمعن كلماته المصوبة لكل ذرة داخله، فتراجع للخلف بتأثرٍ، جعله يرتبك:
_ آ... أنا... الوقت إتاخر لازم أرجع..
أشار بيده وهو يعود للتطلع أمامه بكل هيبة ورزانة:
_ اهرب يا عمران، اهرب من حقيقة مشاعرك واجري ورا شيطانك اللي هيدمرك.
فتح عمران الباب ومازالت نظراته منصوبة على رفيقه، وحينما استدار ليغادر وجد سيف قبالته، يخلع حقيبة ظهره وهو يوزع نظرات متفحصة بينه وبين أخيه الجالس على بعدٍ منهما وشفتيه تنزف الدماء فتساءل بشكٍ:
_ اتخانقتوا تاني ولا أيه؟!
أتاه رد أخيه يوسف يجيبه:
_ حمدلله على سلامتك يا دوك، تعالى اشجيني إنت كمان بمصايبك مانا خلاص هقلب تخصصي لطب نفسي ومحلل هنا.. وأضاف وهو يشير لعمران الشارد على باب الشقة كالتمثال:
_ استضيف دكتور علي يومين هنا للمقاطيع دول يا عمران، يمكن يحل مشاكلهم ومشكلتك.
ودعه بنظرة حارقة قبل أن يصفق الباب، هاربًا، مبتعدًا، نازحًا عن اختراق تلك الكلمات لقلبه المشتعل، قاد سيارته بجنون ومازالت كل الاحاديث تختلط إليه تجعله يبدو كالأبله.
توقف فجأة عن القيادة، وارح جسده للمقعد وهو يفكر جديًا منح زوجته فرصة، عسى بقربها يصل لباب الخروج من المتاهةٍ اللعينة.
دق هاتفه للمرة التي تجاوزت الثامنة، ففتحه وهو يجيب:
_ أيوه يا فؤاد، محتاج حاجة!
استمع للطرف الأخر بعنايةٍ، فلم يكن سوى السائق الخاص براكان، اوقف آدهم السيارة بقوةٍ جعلت عجلاتها تحتك بالرصيف بصوتٍ مقبض:
_ لأ... أوعى تعملها يا فؤاد.
ولف عجلة قيادته ليعود أرداجًا وهو يكرر لمسمعه:
_ متتصرفش نهائي، أنا راجع.
وأكد بحزمٍ:
_ اسمع كلامي ونفذه، أنا كلها دقايق وأكون عندك متتصرفش من دماغك فااااهم.
وألقى هاتفه يساره وضغط بسرعته حتى وصل لڤيلا راكان بعد خمسة عشر دقيقة، فأسرع للجانب الخلفي حيث كان يقف السائق فؤاد بانتظاره، فما أن دنى منه حتى جذبه بعيدًا عن نطاق الحرس، فقال الأخير وقد برز الغضب بعروقه المتصلبة:
_ البت معاه جوه يا باشا، أنا مش هقدر أسيبه يعملها حاجه وأقف أتفرج.
كز آدهم على أسنانه وردد بنظرة تحذيرية قاتلة:
_ إنت اتجننت عايز تضيع تعبنا طول الشهور دي في لمح البصر.
ردد باستنكارٍ لما يقوله:
_ يعني أيه يا باشا هنقف كده ونسيبه يعمل عملته الوس***
تقابل حاجبيه المنزوي غضبًا، وبصوتٍ حازم صاريح:
_ سيطر على أعصابك واتحكم بعقلك.
جابهه بعندٍ:
_ أنا آسف يا باشا مش هقدر.
وأخرج سلاحه وهو يسحب زناده للاستعداد، فجذبه آدهم ليقف قبالة شرارته متفوهًا بصرامة:
_ ده أمر مباشر مني يا حضرة الظابط.
أدى تحيته العسكرية وهو يردد بوقارٍ:
_ الأمر نافذ.
وتركه وغادر وعينيه تلمع بالدمع، استعطف قلب آدهم، فجذبه وهمس له:
_ متقلقش أنا هخلص البنت دي بدون ما ننكشف.
وتابع وهو يشير:
_ هانت وهنجيبه راكع تحت رجلينا.
وتركه وأسرع بالتواجه للداخل، متعمدًا الطرق أكثر من مرةٍ على الباب حتى لا يطرق له فرصة افتعال أي شيءٍ، وبالفعل فتح راكان باب غرفته وبيده زجاجة الكحول، رفع آدهم نظراته المتقززة ليصل لوجهه، ورسم بصعوبة بسمة خاطفة وهو يردد:
_ اللي حسبته لقيته عثمان الحقير حطيلي قنبلة بعربيتي، كان عايز يخلص مني عشان يوصلك.
برق بعينيه بدهشةٍ:
_ قنبلة!!
هز رأسه مؤكدًا، وتابع بقص التفاصيل إليه، خاصة بما تخص شمس، فأسرع متلهفًا:
_ طب وشمس جرالها حاجة؟
أجابه ويده مضمومة على الأخرى:
_ اطمن يا باشا شمس هانم بأمان، أنا مستحيل كنت هسيبها تتأذى.
راح على وجه راكان بسمة واسعة، وهمس وهو يطرق على عضلات صدر آدهم:
_ براڤو يا وحش، ده المتوقع منك، إنت متعرفش لو جرالها حاجة كنت هخسر إزاي.
وتابع وهو يرتشف كحوله اللعين:
_ الـ*ـلـ*ـة دي من عيلة كبيرة أوي، مركز ونسب يليق باسمي ويخلينيا نتابع شغلنا من غير ما نلفت النظر لينا، وبالأخص كمان عمران أخوها، شركاته وعلاقاته تقدر تفيدنا لو جرينا رجله معانا.
وعاد من أرض أحلامه يبتسم لمن يطعنه بثبات قاتل:
_ أنا مش عارف أشكرك ازاي، من يوم ما ظهرتلي وانت ملاكي الحارس اللي في دهري وقدام كل شر أتعرضه.
همس آدهم بصوتٍ خبيث منخفض:
_ أنا ملاك موتك اللي هقبض روحك وأرجعها لقفصها.
انتبه آدهم من شروده على كلمات راكان:
_ أطلب مني اللي تحبه وفورًا هلبيهولك.
اتسعت بسمة مكره، فغامت عينيه على المقيدة على فراشه البارز من خلفه، فضحك راكان وهو يلتفت لما يتطلع إليه، وعاد يرتشف من الزجاجة ببسمة دنيئة، فأشار له:
_ اعتبرها ملكك، أنا مجتش جانبها بقالي ساعة بحاول معاها بس بنت ال** مستقوية عليا عشان سكران.
وخرج من الغرفة وهو يغمز له:
_ عارف إنها مش هتأخد معاك غلوة، أكلم أنا واحدة من البنات إياهم.
راقبه آدهم بنظرة مستحقرة، فما أن اختفى من الرواق حتى بصق خلفه مرددًا:
_ كلب.
ثم ولج للداخل، فصعق حينما وجدها طفلة لا تتعدى عمرها السابعة عشر، مقيدة على الفراش بشكل يمزق القلب، وجهها متورم من فرط الكدمات التي تلقتها، أبعد جاكيته ليجذب خنجره، فأشارت بعينيها الباكية وهي تترجاه:
_ لا تفعل أرجوك.
أغلقت عينيها بقوةٍ ظنًا من إن نصل السكين سيصل لعنقها، فصعقت حينما وجدته يحرر الحبال المقيدة لها، فعاونها على الوقوف وإتجه بها للباب الخلفي هامسًا بشفقةٍ:
_ إركضي سريعًا إن رغبتي بالنجاة.
فور إنتهاء كلماته هرعت وكأنها تهرب من شبح موتها، بعدما حررها ذاك الملاك الذي يبدو مخيفًا من نظراته الثاقبة وخطاه الواثق، ولكنه فجأها بأنه لا يريد أن يكون سجانها العتي بل أراها جانبًا أخرًا لشهامة رجلًا يجابه دناءة الأخر في الوقت ذاته.
استند بجسده على أحد فروع الشجرة بالحديقة، بعدما فشل بالنوم، فهبط يتمشى بحديقة المنزل، زفر علي بمللٍ وكاد بالتراجع، فلفت انتباهه تلك الجالسة على الأريكة هائمة بضوء القمر بسكونٍ، اقترب منها ببسمته الجذابة، واقتحم صوته الرجولي عالمها الهادئ:
_ لسه صاحية؟
انتبهت له مايسان، فمنحته ابتسامة هادئة:
_ مجاليش نوم قولت أنزل اشم الهوا النقي ده.
مال بجسده يستند على حافة الاريكة الخشبية، متسائلًا بتهذبٍ:
_ تتضايقي لو شاركتك القعدة اللطيفة دي.
ربعت قدميها وتنحت لأخر الأريكة:
_ يا خبر يا علي، هتضايق منك إنت!
وأشارت بيدها:
_ اتفضل يا دكتور.
ابتسم وجلس قبالتها يرفع عينيه للقمر الصافي بتلك الليلة الهادئة، واركن رأسه لحافتها، قائلًا بهيامٍ:
_ منظر رائع، ينقصه بس فنجان قهوة وموسيقى هادية.
ضحكت وهي تخبره بمزحٍ:
_ جيت في جمل!
اديني ثواني.
وتركته وعادت بعد قليل حاملة للقهوة، التقطتها منها بحرجٍ:
_ تعبتك معايا، حقيقي شكرًا.
ومالت بجسدها تجذب حاسوبها وتشغل أغنية هادئة "أم كلثوم":
_ وادي الاغاني، مش حرمينك من حاجة يا دكتور.
ارتشف من قهوته، وأشار بتلذذٍ:
_ الله... تسلم إيدك يا مايا بجد حاجة تعدل المزاج.
واسترسل مازحًا:
_ يا بخت عمران الغبي بيكِ.
احتلاها الحزن، فزمت شفتيها بسخطٍ من ذكره، ولكنه أتاح له الفرصة للحديث عنها، فقالت:
_ علي أنا عايزة أطلق من عمران، ومش عارفة أقول أفاتح خالتي ازاي بالموضوع ده، إنت عارف أد أيه بيعصبها.
مال بجسده واضعًا الكوب على الطاولة، ثم قال بجدية تامة:
_ عارف.. مشكلة ماما إنها متعلقة بيكِ جدًا يا مايسان، شايفاكِ بنتها وصديقتها اللي مقدرتش تكون في حياتها في يوم من الأيام.
هزت رأسها وخانتها تلك الدمعة:
_ أيوه بس أنا موجوعة أوي يا علي، إنت مش عارف أنا بحس بأيه وأنا شايفة حياتي كده معاه.
برر لها نظرته الغير منصفة:
_ لا عارف وحاسس بيكِ يا مايا، بس صدقيني إنتِ اللي محتاجة يكون عندك قوة لمواجهة أي حد قدام قرارك، متسمعيش لخوفك يقصر عليكي، ودافعي عن قراراتك بكل قوة.
واستطرد مازحًا:
_ أجلي موضوع طلاقك ده لبعد مشكلتي يمكن الثورة اللي هعملها مع فريدة هانم تديكي دروس تقوية في اللي جاي.
اكتفت برسم بسمة صغيرة، وتساءلت باهتمامٍ:
_ ثورة! ليه خير يا دكتور؟
خطف نظرة متفحصة من خلفه، وكأن لصًا كمش به:
_ أصل أنا وقعت.. والواقعة كانت مع بنت بعيدة عن الطبقة الآرستقراطية اللي فريدة هانم مش بتناسب غير منهم.
جحظت عينيها دهشة، وتساءلت بفضول:
_ بجد، مين دي إحكيلي!
ربع قدميه والتفت إليها، وكأنه كان يود الحديث عن أمرها مع احداهما، زارته تلك البسمة بافتتاحية حديثه عنه، وعينيه تلمع بعشقٍ صاريح تغلغل داخلها، اعتلاها الحزن فور ذكر علي لقصة فاطيما المؤلمة، وترقبت فور انتهائه.
انتظر علي حديثها، الا أنها إلتزمت الصمت لدقيقة، وكأنه تواجه صدمة كبيرة، وعادت تتطلع إليه من جديد بعدما اعتدلت بجلسته:
_ علي إنت مش بس هتقوم ثورة إنت هتشعل نار هتأكلنا كلنا.
ولعقت شفتيها بخوفٍ قاتل:
_ دي فريدة هانم هتقوم الدنيا متقعدهاش لو اكتشفت قصة حبك دي.
وبارتباكٍ استكملت:
_ أصل الموضوع مش موضوع نسب العيلة وبس لا ده يخص اللي أتعرضت له وده طبعًا مالهاش تتحاسب عليه لإنه خارج عن ارادتها يبقى إنت اللي لازم تخاف منها يا علي!.
أجابها بحدةٍ وثقة:
_ ميفرقش معايا، أنا مش بتجبر على شيء يا مايا، ومازلت مصمم علة رأيي ومنتظر لما فطيمة تتعالج وتتقبل وجود حد في حياتها ساعتها هكونلها الحد ده.
جاهدت برسم بسمة صغيرة على وجهه، وبنقاء قلبها دعت له رغم احتراق روحها على نفسها التي تعافر جوار رجلًا لا يشعر بعاطفتها تجاهه وبين أخيه الذي يود تحدي العالم بأكمله لأجل تلك الفتاة:
_ ربنا يجمعها بيك في الخير يا علي.
وأكدت عليه:
_ لازم تعرفني عليها، عندي فضول أشوفها أوي.
ابتسم وهو يميل إليها هامسًا:
_ أوعدك هعرفك عليها بأقرب وقت.
هزت رأسها بسعادةٍ:
_ مع إني خايفة عليك من اللي جاي، بس اختك جانبك وهتساندك وتحارب معاك يا علي.
ابتسامة ممتنة تمردت على شفتيه:
_ طول عمرك بتأدي واجبك تجاهنا كلنا على أكمل وجه يا مايا.
تهربت منه عساه لا يرى دمعاتها، فعادت تدندن مع الاغنية بشرودٍ، وذراعها يفرك بالأخر برعشة سرت لجسدها لسوء الجو، لاحظها علي فأشار لها جادًا:
_ شكلك بردانة، خلينا ندخل عند الدفاية.
هزت رأسها نافيًا، وباصرارٍ قالت:
_ أنا عايزة أقعد هنا شوية.
لم يفكر مرتين، نزع عنه جاكيت بذلته وأحاطها به جيدًا، وكأن من أمامه هي شمس شقيقته الصغيرة، ابتسمت مايسان لحنانه المعتاد، فرفعت عينيها لتقابل وجهه القريب المنحني بجسده لها وقالت:
_ شكرًا يا علي.
لم ترى أعين ذاك المتسمر بالوقوف بالقرب منهما، يراقبهما منذ دقائق، فاستشاط غضبًا وهو يجدهما يتبادلان الحديث منذ فترة وابتسامتها التي لم يراها برفقته يومًا تزدهر بوجود شقيقه.
والآن يشق صدره ويبتلع ما بداخله النيران وهو يراه يلف جاكيته من حولها، وجوده جوارها بهذا القرب بحد ذاته جعله على وشك الانفجار حيثما يقف.
انتصب علي بوقفته وعينيه تجوب الهواء الذي يكاد يلتهم اجسادهما، فقال برعشة شفتيه:
_ إنتِ شكلك متأثرة بإم كلثوم وعايزة تقضي الليل وسماه في الجو اللي مالوش ملامح ده، وأنا بصراحة ورايا شغل ومعنديش استعداد اخد لطشة برد، فخليكي هنا مع أم كلثوم، وتصبحي على خير.
انفجرت ضاحكة حتى أدمعت عينيها، فراقبته وهو يسرع للداخل، رافعة صوتها الضاحك:
_ وإنت من أهله يا جبان.
وما أن تأكدت من رحيله حتى حررت حجابها، ويدها تغوص بخصلات شعرها الطويل، وتمددت على الأريكة واضعة رأسها على كتفها المرتدي لجاكيته، خصلاتها تستجاب للهواء فترفرف من حولها مثلما أردت.
أغلقت مايسان عينيها ومالت برأسها ومازالت شفتيها تدندن باستمتاعٍ، ولم ترى ذاك المحترق الماسد أمامها، كز عمران على شفتيه فلف يده حول معصمها وأجبرها على الوقوف قبالته.
انتفضت مايسان فزعًا، وبدأت ملامحها بالاسترخاء وهي تشاهد من يجرأ على لمسها، هدأت حدة انفاسها ورددت بصوتٍ هامس مغري له:
_ عمران! خضتني!
ردد من بين اصطكاك اسنانه الهائلة للسقوط:
_ تحبي أناديلك دكتور علي ياخدك في أحضانه عشان الخضة.
برقت بعينيها بعدم استيعاب لما يقول:
_ إنت بتقول أيه؟!
رفع يده يحيط بذراعيها، متعمدًا إيلامها وهو يصرخ بعنفٍ:
_ الا أخويا يا مايا بلاش، عشان أقسم بالله هقتلك لو فكرتي تكرهينا في بعض ويكون هو اختيارك التاني الرابح هنا.
شعرت وكأنها صماء لا تستمع إليه، عينيها تراقب شفتيه وهي تصرخ بنطق اسم "علي" وآذنيها تصرخ بسماعها الصريح له، بدت كالصنم بين يده، وأخر ما التقطته:
_ لو دي لعبتك فأنا طلاق مش هطلق، هسيبك كده زي البيت الواقف لا تطولي ناري ولا، جنة غيري.
ورفع اصبعه يشدد بنظرات قاتمة:
_ بحذرك لأخر مرة الا أخويا، سامعــة.
لم تشعر بذاتها الا وكفها يصفعه بنفس قوة غضبها، وصوتها العاجز يتحرر:
_ اخرس يا حيوان، علي ده أخويا!
واسترسلت بوجعٍ يخترق أضلاعها:
_ يا ريته كان اختياري وكنت إختياره مكنتش اتعذبت العذاب اللي شايفاه معاك ولا عشت كل يوم في كسرة ومهانة.
وبقسوةٍ صرخت:
_ يلعن أبو القلب اللي حبك يا أخي.
مازال رأسه مائلًا انصياعًا لصفعتها والصدمة تحاط به، لم تجرأ أي أنثى طعن رجولته مثلما فعلت تلك الفتاة، كور يده بقوةٍ جعلتها بيضاء كاللوح الثليج القارس، راقبته مايسان بخوفٍ خاصة بعلمها بأن عمران شرس صعب المراس، عمران ليس بالمتهاون بحقه أبدًا.
ابتلعت حلقها المرير بازدراء فور أن أتجهت رماديته القاتمة إليها، فتراجعت خطواتها للخلف بهلعٍ تربص بمعالمها فور تعثر قدميها بحافة حمام السباحة.
استعدت لمصيرين كلاهما أبشع من الأخر، الأول مواجهة ذاك الأسد الجامح وثانيه سقوطها بتلك المياه التي تحاطها طبقة من الثليج استجابة مرحبة لتلك الاجواء القارصة.
تراقص جسدها بالهواءٍ، ففصلتها مسافة قليلة عن ملامسته للمياه، رفعت مايسان عينيها لتجده يمسك يدها بتحكمٍ، وقوة غضبه مازالت ساكنة حدقيتيه، خشيت أن ينتقم لجرحها الصريح لرجولته فيسقطها أرضًا.
وزعت نظراتها بتيهةٍ برماديته المقتادة بالنيران وبالمياه الباردة، فتحررت كلماتها بتثاقلٍ عزيزٍ:
_ متسبش إيدي يا عمران.
كلماتها الواضحة له أثارت مشاعره بريبة بددت غضبه تدريجيًا، ألمه رؤية الخوف القابع بعينيها منه ومن مصيرها المنتظر، جذب عمران يده المتمسكة بها بقوةٍ جعلت جسدها كالورقة المترنحة بالهواء العتي، فسقطت على الأريكة من خلفها، وقبل أن تستوعب ما فعله للتو وجدته يدنو منها، ينحني إليها بجسدها.
سال لعابها ذعرًا فزحفت للخلف حتى وصلت لأخر الأريكة، ومازال يلاحقها بخطاه البطيئة الواثقة، وجدته ينزع عنها جاكيت علي بعنفٍ كاد أن يهشمها، فلعب عقلها لما يحاول فعله بعد أن أذاقته من فنون الغيرة رغمًا عنها، فصرخت به:
_ عمران إنت بتعمل أيه؟
أزاح ذراعها والآخر، فخشيت ما تردد لها، لتعود لصراخها المهدد:
_ أقسم بالله لو قربتلي لأصرخ ولا هيهمني فريدة هانم هتعاقبك بأيه المرادي، إبعد عني أحسنلك!
زاد ذُعرها حينما سدد لها نظرة قاتلة، وانتصب بوقفته يزيح عنه جاكيت بذلته بعصبية كادت بتمزق أزراره وانتزعها، ليلقيه بوجهها جاذبًا جاكيت علي ومتوجهًا للداخل بصمتٍ مميتٍ.
هدأت أنفاسها رويدًا رويدًا، وهي تجده يدلف داخل المنزل، وضعت يدها على صدرها تتلامس فرط نبضات قلبها الثائر، واشتعال وجنتها من قربه القاتل، ويدها الاخرى ترفع جاكيته الموضوع على جسدها بإهمالٍ.
رغمًا عنها استجابت شفتيها لبسمة صغيرة، غيرته كانت بادية كسطوع الشمس في ليلٍ مخيف، مجرد رؤيتها ترتدي شيئًا يخص رجلًا غيره تمرد طابعه الشرقي دون ارادة منه، ومع ذلك خشي تركها بالثليج دون غطاء يداثرها، عساها تمرض بعد ازاحة الجاكيت عنها.
ضمت مايسان جاكيته وهي تستنشق رائحة البرفيوم الخاصة بها تطوف بما تركه من خلفه، وحملت بين ذراعيها بعنايةٍ وكأنها تحمل قطعة من المجوهرات، وتمددت على الأريكة بهيامٍ.
كان يقرأ بكتابه باستمتاعٍ حينما انفتح باب غرفته، ليظهر من أمامه أخيه وبيده جاكيته الخاص، ولج عمران للداخل واضعًا الجاكت على المقعد وبآلية تامة تحرك للفراش، رفع الغطاء وتمدد جواره، ثم استكان برأسه على ساق أخيه المندهش مما يراه، فترك كتابه ومرر يده على ظهر أخيه بقلقٍ:
_ عمران إنت كويس؟
تمسك به أكثر وعينيه تلتمع بالدمع آبية السقوط، صمته زاد من قلقه فقال:
_ عمران مالك؟
أتاه صوتًا محتقنًا يجيبه:
_ خايف أخسرك في يوم من الأيام يا علي.
رفع رأسه إليه، فاعتدل عمران بجلسته مواجهًا أخيه وجهًا لوجه، فتماسك وهو يردد:
_ أنا عايز مايسان يا علي.
رمش بعدم استيعاب لما يحدث عنه، فضربه بخفة على جبينه مرددًا بضحك:
_ إنت توهت في الأوضة ولا أيه يالا، داخلي أنا وبتقولي الكلام ده ليه ما تروح لمراتك!
ولف وجهه بين يده بنظرة متفحصة:
_ أوعى تكون شربت تاني، هعلقك من رقبتك المرادي أنا مطمن إنك كنت مع جمال ويوسف.
واعتدل علي بجلسته يتساءل:
_ إنت كنت فين يا عمران إنطق!
تعجب من بروده بالحديث، وعدم تطرقه لما يخص زوجته وكأنه لم يستمع لحديثه من الأساس، ما يشغله عودته للخمر ولتلك اللعينة، فاندث بأحضانه والآخر يضمه باستغرابٍ لحالته الغامضة، فردد بخوفٍ:
_ عمران مالك متقلقنيش عليك!
ردد إليه بندمٍ:
_ أنا حقير فعلًا زي ما يوسف وصفني.
ضمه علي مازحًا:
_ قول كده بقى الدكتور يوسف اداك الطريحة اللي هي، وجاي أصالحكم على بعض، خلصانة يا حبيبي أنا لما أشوفه هحلك الأمور.
صمت ولم يبرر له، تركه يظن الأمر خاص برفيقه، فكيف سيواجهه إن علم ظنونه التي تلاشت لحظة تمعنه بحدقيتيه الصادقة، انحنى عمران ليعود بوضع رأسه على ساق علي من جديد، فمرر علي يده بخصلات شعره البني بحنانٍ، وردد بمرحٍ:
_ خدلك يومين دلع بعد كده حضن أخوك هيبقى ملك لزوجته المصون.
رمش عمران بعينيه باستغرابٍ، فاستدار بجسده ليقابله متسائلًا:
_ تقصد أيه؟
وخمن ببسمة هادئة:
_ إنت رجعت ليارا يا علي؟
ضحك وهو يجيبه ساخرًا:
_ دكتورة يارا خطيبتي السابقة اتجوزت وزمانها على وش ولادة يا عمران!
اعتدل عمران بجلسته وهو يستفهم بلهفة:
_ يبقى حب جديد صح؟
هز رأسه مؤكدًا، فاتسعت بسمة عمران بحماسٍ:
_ طيب احكيلي بتخبي عني!
نفى ذلك موضحًا:
_ عمري ما خبيت عنك حاجة، الموضوع وما فيه إني مكنتش متأكد من مشاعري وكمان علاقتنا هتبقى شبه محال.
رفرف باهدابه بعدم فهم:
_ ليه؟
التقط علي نفسًا مطولًا قبل أن يجيبه:
_ عمران أنا بحب فطيمة.
جحظت عينيه صدمة وهو يحاول تذكار الاسم المردد لولا أنه رآها بنفس اليوم، ومع ذلك تمنى أن يكون مخطئ ففاه:
_ فطيمة اللي أنا شوفتك قاعد معاها واللي المستشفى كلها جايبك سيرتها وسيرتك! يعني مكنوش بيبالغوا!
لم يترك له عمران فرصة الحديث، واستكمل بهمسه المنخفض:
_ مش دي البنت اللي كنت دايمًا بتتكلم عنها طول الشهور اللي فاتت هي اللي تم الاعتداء عليها.
هز رأسه مؤكدًا له بحزنٍ، فصاح عمران به بعد فترة صمته:
_ لأ يا علي، فريدة هانم مش هتسكت دي... دي ممكن تقوم قيامتك!
تمدد جواره مستندًا بيده أسفل رأسه، عينيه شاردة بسقف غرفته:
_ مستعد أتحاسب وأتحداها بكل قوتي، بس فطيمة تتقبل حبي وده صعب يا عمران.
واستكمل وعين عمران المندهشة لا تفارقه:
_ لأول مرة أحس بالوجع ده، المفروض إني كطبيب متأثرش بالكلام اللي أسمعه من المريض وأكون مركز لكل حرف بحيث أقدر أساعده، لكني وأنا جنبها عاجز.. عاجز وبتمنى أساعدها بدون ما أسمع عن اللي اتعرضتله لإني بحس بخنجر بيقطع لحمي وبتمنى أرجع الماضي وأقتل أي حقير جرحها ومسها.
وبصوتٍ مختنق استطرد:
_ بتمنى أكون أول راجل ظهر في حياتها، وقتها مكنتش هسبب كلب يمس شعرة منها، يا ريت لو أقدر أخدها بين ضلوعي وأخبيها عن كل اللي اتعرضتله يا ريت!
رمش بعينيه وهو يستمع إليه بعدم تصديق، فصاح:
_ إنت مش بتحب ده أنت عاشقان وواقع من الدور الفوق المية!!
ابتسم وهو يشير له بهيامٍ:
_ عنيها فيها حاجة غريبة، بتشدني لدرجة مببقاش عايز أفارقها، مجرد ما عيوني بتلمح غيرها بشيل نفسي ذنب كبير، مع إني نظراتي ليها أكبر ذنب، غصب عني مجبور أبعد لإني أكتر حد عارف حالتها..
وسُلط رماديته لاخيه وهو يخبره بألمٍ:
_ عمران أنا الدكتور الخاص بفطيمة وعارف ومتأكد إني مش هواجه حرب مع فريدة هانم بس، الحرب هو فوزي بقلب فطيمة الأول قبل كل شيء.
وتابع بعين شاردة:
_ فطيمة شايفة فيا الآمان والسكينة وده طبيعي لإني جنبها بصفتي الدكتور علي، مش قادر أخد أي خطوة تخليني أجزم إنها حابة الأمان مع علي نفسه.
ارتسمت بسمة خافتة على وجه عمران، فتمدد جوار أخيه وردد بحبٍ:
_ بتمنى تقدر تحصل على حبك وتعيش حياة مثالية لإنك تستاهل يا علي.
لف رأسه للوسادة ليكون قبالته:
_ وإنت كمان الحياة المثالية مع الزوجة اللي تستاهلك على بعد منك خطوات وإنت من غبائك بتضيع كل شيء منك.
لف عمران رأسه لأخيه وأجابه:
_ بحاول يا علي، بس المرادي عندي ارادة قوية مرجعش للقرف ده تاني.
واستقام بوجهه مربعًا يده أسفل رأسه مثلما يفعل أخيه، وردد بعزمٍ:
_ مش جاهز أرجع أعيش نفس التجربة البشعة، احساس كره النفس والتقزز والخوف من الموت وأنا شايل ذنوب كبيرة زي دي مش هقدر أعيشه من تاني.
أغلق علي عينيه باستسلامٍ لنومه وهو يهمس:
_ نام يا عمران، ومتقلقش أنا جانبك ومش هتخلى عنك أبدًا.
مال برأسه إليه مبتسمًا وسرعان ما لحق به هو الأخير.
أشرقت الشمس بردائها الذهبي لتعتلي عرشها بيومها الجديد.
أفاقت سيدة المنزل ترتدي ترنجها الرياضي لتمارس رياضتها المعتادة كل صباحٍ، فجلست على السجادة الصغيرة الخاصة بها تتأمل ولاديها، هبط علي برفقة عمران والضحكات لا تفارق الوجوه، ومن خلفهما لحقت بهما شمس تردد بضجرٍ:
_ طبعًا عاملين تحبوا في بعض ونسيتوا إن آ..
ابتلعت كلماتها حينما وجدت والدتها تراقبهم من الأسفل وهي تتمرن، فدنت منهما تضع يدها على كتف كلا منهما وهي تهمس:
_ نسيتوا أن حد فيكم لازم يوصلني الجامعة معيش عربية أنا، اتفحمت والله.
ضحك علي وهو يهمس بنفس مستوى صوتها:
_ معلش تتعوض، عمران أخوكي هيوصلك، صح يا عموري.
جز على أسنانه وهو يؤمي برأسه باستسلامٍ، فتابع علي بخبثٍ:
_ بالمناسبة لو فريدة هانم شمت خبر هتحرمك من الجامعة.
وتركهما وهبط للأسفل، مرددًا ببسمته البشوشة:
_ صباح الجمال على سيدة الرشاقة والجمال كله.
اعتدلت بانحنائها وهي تجيبه ببسمةٍ هادئة:
_ أهلًا بالدكتور البكاش اللي مش محافظ على صحته وبطل يلعب رياضة معايا زي كل يوم.
حك أنفه بضجرٍ، فابتسم عمران ساخرًا وهو يشير له:
_ هاتلك سجادة واقعد جنب مامي اتدرب ونشط الدورة الدموية يا دكتور.
_ مامي في عينك قليل الأدب ومنحط.
قالتها فريدة بغضبٍ جعل علي يقهقه ضاحكًا، وعاد يجيبها:
_ آسف يا حبيبتي اليومين دول بس مشغول مع كام حالة كده، لكن وعد في يوم الاجازة هتلقيني مستنيكِ تحت من الفجر.
واقتبس قبلة على خدها مستأذنًا بالمغادرة لتأخره، وكذلك فعل عمران وشمس ولحقوا به.
تعجب عمران حينما وجد علي الذي يتحدث عن تأخره يقف بحرجٍ بداخل زواية المنزل، فسأله باستغرابٍ:
_ رجعت ليه مش بتقول متأخر؟!
تنحنح وهو يردد وعينيه أرضًا:
_ الظاهر كده إن مايا نامت بره وشكلها مش لابسه الحجاب، اطلع ظبط الدنيا بحيث متتحرجش لو عديت.
تصلب جسده وهو يستمع لأخيه الذي يرفض مجرد لمح طيفها في حين إنه من فرط غيرته كان ليطعن به بالأمس، أفاق على هزة يده المتعصبة:
_ بقولك متأخر هتخرج ولا أنادي شمس اللي اختفت دي!
هز رأسه بخفةٍ، وخرج بخطاه المتثاقل للخارج، اقترب من الأريكة فازدرد لعابه تأثرًا برؤيتها غافية كالملاك، وفوق كل ذلك تحتضن جاكيته بقوةٍ، للحظة ود لو كان هو بدلًا من جاكيته، ود لو يطول قربها منه، ينتابه فضول عن شعوره إذا كانت معه زوجة شرعًا، يود القرب بشكلٍ مستميت وخطيرًا لمشاعره التي باتت تخنقه بتلك اللحظة.
زاد عمران من نخفيف حدة جرفاته على عنقه، وبصوتٍ هادئ رقيق ناداها:
_ مايا.
فتحت عينيها تدريجيًا لتبدو صورته غير واضحة، فبدت تتحرك بنومتها وكأنها على فراشها الوثير، كادت بالسقوط أرضًا أسفل قدميه لولا ذراعيه المتملكة لخصرها.
فتحت عينيها على وسعيها، ورددت بخوفٍ:
_ عمران! أيه اللي جابك أوضتي!
ابتسم بسخطٍ، وعاونها على الوقوف ثم وضع يده بجيب بنطاله:
_ إحنا في الحديقة حضرتك وجنب الpool تحديدًا.
وتابع وعينيه تجوبها:
_ إنتِ ازاي تنامي في البرد ده؟
أجابته وهي تلف رقبتها بتعبٍ:
_ معرفش نمت ازاي.
انحنى عمران يلتقط حجابها المتساقط ومده لها يشير:
_ إلبسي، علي عايز يخرج.
تناولته منه بارتباكٍ وارتدته بإحكامٍ أسفل نظراته، كاد بالتحرك من أمامها ولكنه عاد يخبرها:
_ هروح الشركة أخلص حاجة مهمة وهقابلك في حفلة عيد زواج ليام وإميلي، متنسيش تاخدي كادو مميز لإن الصفقة الجاية مع شركاتهم مهمة.
هزت رأسها بتفهمٍ:
_ عارفة وبالفعل اختارت عقد ألماظ شيك لإميلي.
لطالما لم تفوتها أي تفاصيل خاصة بالعمل، منحها بسمة صغيرة وحمل حقيبته السوداء بيده وتحرك ليغادر فأوقفته وهي تدنو منه:
_ عمران.
استدار لها فوجدها ترفع يدها على استحياء:
_ الجاكت بتاعك.
رفع عينيه ببطءٍ لها، ليغمز بمشاكسة:
_ خليه في حضنك يدفيكِ.
وتركها تصطبع بحمرةٍ خجلها واتجه للداخل ينادي بضجرٍ:
_ شمــس كل ده بتعملي أيه، صدقيني همشي!
خرجت تهرول من الداخل وهي تجر اذيال الخيبة، لتقف قبالتهما، فتساءلت مايسان باستغراب:
_ في أيه، اتخانقتي مع فريدة هانم؟
ردت بحزنٍ وعينيها تتوزع إليهما:
_ رفضت تديني فلوس عشان قولتلها إن عربيتي في التصليح.
ومالت لاخيها تهمس له:
_ أمال لو عرفت إن مفضلش للعربية بقايا هتعمل فيا أيه!
تعالت ضحكاته الرجولية، فحاوطها بذراعه وهو يضمها إليه:
_ ولا يهمك يا حبيبتي، الكاريدت كارد بتاعي تحت أمرك.
وقدمه لها، فصرخت بحماس وهي تلاقي ذاتها باحضانه فارتد درجات الدرج حتى كاد بالسقوط بها وهي يردد من وسط ضحكاته الساحرة لمن تراقبه:
_ يا مجنونة هغير رأيي ومش هوصلك للجامعة.
ابتعدت وهي تستوعب كلماته، فرددت بذعر:
_ الجااااامعة محضرتش ولا محاضرة امبارح.
وركضت لسيارته تشير له:
_ يالا يا عمرااااااان.
منحها نظرة أخيرة والابتسامة مازالت على شفتيه، ثم غادر خلف شقيقته ليتحرك بسيارته للجامعة أولًا.
طرق على باب غرفتها، فقالت والابتسامة تحلق على وجهها:
_ ادخل يا دكتور علي.
طل بوجهه متسائلًا:
_ عرفتي منين إني علي!
أجابته فطيمة ببسمةٍ هادئة:
_ من ريحة الورد!
وضعه على بالمزهرية وهو يردد بغرور:
_ على حد بقى أنا بقيت مميز وسهل تعرفي قربي!
احمر وجهها خجلًا، فسحب علي المقعد المقابل لفراشها، ثم جذب دفتره ليبدأ متسائلًا بخفةٍ:
_ تحب نبدأ منين؟
ولج عمران لمكتبه الخاص بعدما أكد على السكرتير الخاص باحضار ما يلزم الصفقة الأخيرة لآن لديه حفل صباحي هام بعد ساعتين من الآن، ورفع سماعته يؤكد له:
_ متحوليش أي اتصالات أو مقابلات النهاردة.
وأغلق الهاتف مجددًا، ليعمل جاهدًا حتى ينتهي مما يفعله، فتفاجئ بباب مكتبه يُدفع لتظهر من أمامه بملابسها القصيرة المغرية، نهض عمران عن مقعده ليجد سكرتيره يشير لها بغضب:
_ من فضلك سيدتي آ..
قاطعه عمران باشارة يده فخرج على الفور، لتبقى تلك التي تقترب من مكتبه مرددة بدلال:
_ عمران اتصلت بك مرارًا ولم تجيبني، هل أنت بخير عزيزي؟
ابتلع ريقه واستمد نفسًا كأنه يبتلعه بخوفه، وأشار لها:
_ اجلسي ألكس.
تعمدت اثارته بحركاتها الخليعة وبالرغم من ذلك سحب نظراته عنها وجلس على مقعده ساندًا بيديه على الطاولة بهدوءٍ جعلها تتساءل:
_ ما بك عمران، لقد تحدثنا وانتهى الأمر ومع ذلك تتجاهل مكالماتي، ظننتك ستهاتفني للذهاب معك حفل إميلي وليام أنت تعلم بأنها صديقتي ولكنك لم تفعل ما الأمر؟
طرق بقلمه على مكتبه بهدوءٍ اتبع رزانة نبرته:
_ ألكس أنا لا أتخلى عن كلمتي كوني رجلًا شرقيًا كلمته عهدًا، أريد الزواج بكِ لما حدث بيننا مسبقًا ولكنتي لن أتخلى عن زوجتي المصرية.
رمشت بعدم فهم لحديثه الغامض فبدى واضحًا:
_ لن أطلق مايسان.
عبثت بعينيها بغضب قادح ورددت وهي تلعق شفتيها:
_ والدتك تريد ذلك أليس كذلك؟
هز رأسه نافيـًا:
_ تلك المرة أنا الذي يريد التمسك بزوجتي ألكس، لقد فعلت الكثير لأجلي وأنا أرغب برد دينها.
نهضت بعصبية بالغه لحقت طرقها العنيف على مكتبه:
_ حسنًا عمران من اليوم فصاعد لا أريد رؤيتك، أنا أعلم أنك كالعادة تقول تلك الكلمات وتعود لي سأدعك الآن وأنا واثقة بإن عودتك قريبة.
جلس على مكتبه ببرودٍ التمسته تلك التي كادت بالخروج من المكتب، فخشيت بأنها على وشك فقدانه تلك المرة، فما أن ولجت للمصعد حتى دونت رسالة لرجليها«لا تنسى سنلتقى بعد ساعة بالحفل، أريدك أنا تفعلها بنفسك أنت ورفيقك وأعدك بإنني سأدفع لك 20000ألف دولارًا مقابل ذلك!»
رواية صرخات انثى الفصل السادس 6 - بقلم ايه محمد رفعت
انتهت من محاضراتها وخرجت تحمل حقيبتها بملامح منزعجة، لا تبدو سعيدة بفكرة صعودها لسيارة أجرة للعودة لمنزلها. اعتادت على قيادة سيارتها الحبيبة وعدم مفارقتها لها.
خرجت شمس وعينيها تبحث عن ضالتها لتستدعي سيارة. فتخللها صوت ذكوري مألوف يناديها:
_ آنسة شمس.
خفق قلبها بشراسة، وبسمتها الرقيقة ترسم قبل أن تستدير لصاحب الصوت. فبللت شفتيها واستعادت اتزان أنفاسها قبل أن تستدير له. فوجدته يقف قبالتها بثباته الجذاب، يتطلع لها بعينيه التي تخيم على ضوضاء الصباح، لتسحبها لهدوء الليل الساكن من حولها.
بدى مختلفًا بزيه غير الرسمي. لم يكن يرتدي بدلته كالمعتاد. تألق ببنطال من الجينز وقميص أسود اللون، يبرز تفننه بالقتال للحصول على جسد منحوت كذلك. لطالما كانت تراقب عمران وهو ينازع برياضته العنيفة ليحافظ على قوامه الممشوق. على عكس علي الذي يمقت الرياضة ومشتاقتها، فكان يميل لقراءة الكتب بأغلب الأحيان. ومع ذلك حفاظه على أكله الصحي منحه جسدًا رفيعًا ولكنه لا يمتلك جاذبية عمران والتي تمنتها شمس بفارس أحلامها الذي يفصل من أمامها الآن.
دنى آدهم منها، فاكشفت شفتيه عن بسمة هادئة:
_ عاملة إيه بعد ليلة امبارح؟
وتابع بمرح وهو يراقب تجهم معالمها كمن ذكرها بذكرى تبغضها عمرًا بأكمله:
_ أعصابك تمام ولا خلاص مبقتيش تفكري في الخروج من البيت بعربيات تاني!
علقت حقيبتها على كتفها بعدما مدت ذراعها داخلها لتنحدر على خصرها، وهدرت بانفعال:
_ إنت جاي تقلب عليا المواجع يا كابتن!
وطوفته بنظرة شملته باستخفاف:
_ بدل ما أنت جاي تهزر على الصبح روح شوف الباشا بتاعك لا يعرض لاغتيال تاني ويبقى ريح وارتاح.
ضحك بصوت جعلها تراقب المارة من حولها بتردد. بالرغم من وجودهما ببلد متحررة لا يعني أشخاصها ماذا يحدث بالطريق العام إلا أنها قالت بتوتر:
_ مينفعش أقف معاك كده، عن إذنك.
لحق بها بخطوات متأهبة لتتباعها إينما ذهب. فتوقفت فجأة وهي تنفخ بضيق، وواجهته:
_ إنت جاي ليه يا كابتن آدهم.
وحذرت بإصبعها الممدود:
_ ومتقوليش صدفة والكلام الأهبل اللي ميدخلش عقل عيل صغير ده.
أشمر آدهم عن ساعده وحرر ساعته وهو يراقب الوقت بمكر:
_ لأ طبعًا أنا عارف إنك بتخرجي 11 وربع.
ارتبكت عينيها أمام هالته الواثقة. ورددت وهي تبتلع لعابها:
_ إنت بترقبني!
هز رأسه مؤكدًا ببسمة هادئة. ودث يده بجيب بنطاله ليخرج مفتاح وقدمه لها. وزعت نظراتها بينه وبين ما يحمله متسائلة:
_ ده إيه؟
أجابها بنبرته الرخيمة:
_ مفتاح عربيتك.
وأشار بعينيه على السيارة التي تقف على بعد منهما. رفعت شمس نظارتها الشمسية عن عينيها، وبرقت بصدمة جعلت فمها يتدلى للأسفل بعدم تصديق. وأسرعت تتأكد مما تراه. إن كانت لم تراها تشتعل وتنفجر بالهواء لظنتها سيارتها بالفعل. خطفت نظرة لأرقام لوحتها لتؤكد لذاتها إنها ليست هي رغم تجمد عينيها. وقالت وهي تستحضر كلماتها الهاربة:
_ إنت إزاي قدرت تآآ..
قاطعها بحزم مرن:
_ مش مهم المهم إنها شبهها بالظبط وده مش هيعرضك لعقاب فريدة هانم.
سحبت نظراتها إليه بصعوبة. وبتردد قالت:
_ مش هقدر أقبلها، علي أخويا قالي هيشتريلي عربية والموضوع شبه محلول.
أكد لها وهو يقطع المسافة القصيرة بينهما:
_ أنا كنت السبب في اللي حصل لعربيتك ومن حقي أعوضك.
ومد يده بمفتاحها مجددًا إليها. فوجدت ذاتها تتناوله منه دون وعي. وفجأة تمردت تعابيرها المشاكس وصاحت:
_ بص بقى أنا مش مرتاحالك يا كابتن. امبارح تعترفلي إنك اللي اتعمدت تنيم عجل عربيتي وتقولي ابعدي عن راكان، والنهاردة ظاهرلي بعربية وخايف عليا من عقاب والدتي. إنت إيه حكايتك بالظبط؟
كبت بسمته الخبيثة ورفع يده للأعلى باستسلام بريء:
_ أنا! ماليش أي حكاية.
احتدت نظراتها إليه وهددته بشراسة:
_ طب على فكرة بقى أنا هتصل حالًا براكان وهقوله على اللي بتعمله ده.
وفتحت حقيبتها تبحث عن هاتفها، لتجد يده ممدودة لها بهاتفه الذي تحرر منه صوت راكان:
_ أيوه يا آدهم.
ابتلعت ريقها بارتباك. وهي تعود للقاء عينيه الواثقة من جديد. ومازال يقف بشموخ يقدم هاتفه لها. غير عابئًا بمن يصيح باسمه ويردد للمرة العاشرة:
_ آدهم... ألـووو.. سامعني!
رفع الهاتف نصب عينيها وهو يكتم المكالمة ليخبرها:
_ الفون يا شمس هانم.
تحرر صوتها الخافت بحرج:
_ مش خايف؟
اتسعت بسمته فأغلق المكالمة وهو يجيبها:
_ مبخافش إلا من اللي خلقني.
وضع هاتفه بجيب بنطاله وهو يمنحها بسمة تجعل قلبها يقرع كالطبول. وخاصة حينما همس لها بصوت منخفض بعض الشيء:
_ أنا آسف مكنش قصدي أزعجك بكلامي، بس صدقيني مش هرتاح غير لما تقبلي العربية وقتها هحس بالراحة إني على الأقل متسببتلكيش بأي مشكلة. كفايا عليا عذاب ضميري لما بفتكر حالة الخوف اللي عرضتك ليها امبارح بسببي.
منحته ابتسامة ترسم بعفوية. وعلى استحياء قالت:
_ شكرًا يا آدهم.
راقب عينيها بتمعن. واختصر بسمته وهو يلتفت من حوله بتوتر يهاجمه للمرة الأولى بحضرة تلك الفتاة التي بات يعتني بها فوق مهامه. فقال:
_ هسيبك عشان متتاخريش على البيت وأشوفك مرة تانية.
ولاها ظهره وكاد بالمغادرة. فرفعت يدها وهي تهمهم بتيهة:
_ آآآ... آآ..
سحبت كلماتها وهي تحمد الله بأنه لم يراها. فلا تعلم أي كلمات كانت ستردد. هي بالتأكيد لا تحمل أي كلمات تجذب به طرف الحديث المنهي بينهم. تفاجأت به آدهم يقف عن طريقه ويستدير برأسه لها مبتسمًا:
_ أنا كمان مش عايز أمشي بس للأسف ورايا مشوار مهم.. أشوفك بعدين يا شمس هانم.
جحظت عينيها صدمة من فهم مشاعرها وما يدور بداخلها دون رؤيتها أو سماع كلمات صريحة منها. اصطبغ وجهها حرجًا وهي تجده يمر من جوارها بسيارته. فأسرعت لسيارتها وكأنها تتهرب منه وهي تعنف ذاتها:
_ هيقول إيه عليا دلوقتي!!
قادت شمس السيارة. لتتفاجأ بسيارته تتبع نفس طريقها. ولو لم يكن أمامها لظنته يتبعها. رآها آدهم بمرآة السيارة الأمامية. فخفف من سرعته حتى بات يقود على محاذاتها. فمال بجسده يفتح نافذة السيارة رافعًا صوته:
_ مين بقى اللي بيلاحق مين دلوقتي؟
أخفضت نافذتها وأجابته وعينيها لا تفارق الطريق:
_ هو إنت كاتب الأسفلت باسمك ولا إيه يا كابتن؟
قهقه عاليًا:
_ لأ بس على ما أعتقد مش ده طريق البيت!
خطفت نظرة سريعة له وبررت ببسمة هادئة:
_ الباشا اللي بتشتغل معاه أكد عليا أروح حفلة عيد زواج ناس أنا معرفهمش.
رفع حاجبه بدهشة:
_ تقصدي حفلة ليام وإميلي؟
هزت رأسها مؤكدة له. فغمز لها ومازال يتفادى السيارات ليبقى على محاذاتها:
_ يبقى طريقنا واحد وونس طول الطريق!
*****
بدأ الحفل وازدادت أعداد المدعوون بالحضور. نخبة من أهم رواد الصناعة والتصدير. أغلبهم من جنسيات غير عربية ونادرًا بتواجد عدد من العرب. ساد الحفل عددًا ضخمًا من الفتيات المرتديات لثياب عارية. والكؤؤس محملة بعدد مهول من الخمور. قلة من العصائر لبعض الناس الممتنعة عن شرب المحرمات بين هؤلاء. ومن بينهم كانت تقف ألكس بفستانها الأزرق القصير. وشعرها القصير المصبوغ بالبرتقالي بعد أن انتهت اليوم من صنعه استعدادًا للحفل. تلتهم كوبها وعينيها تبحث عن بين الوجوه عن أبطال قصتها المدموجة داخل عقلها المريض المحدد لطوائف خطتها المدبرة.
وكانت أول أفرادها صديقتها إميلي بعد أن اتفقت معها مسبقًا. ووافقتها على الفور لعنصريتها المندثة داخلها تجاه أي عربي. ولكنها مرغمة على تواجد عدد منهم لمراكزهم الهامة التي تخضعهم لهم مزللين.
اقتربت منها ألكس تميل على أذنيها هامسة وعينيها لا تفارق بوابة المنزل البيضاء:
_ أصابني الخوف من تأخرهما الملحوظ. أخشى أن لا يحضرا وتنتزع خطتي بأكملها.
خطفت تلك السيدة الثلاثينية بصرها إليها. ورسمت ابتسامة واسعة وهي تشير لها بمكر:
_ خاطئة ألكس لقد وصلت عائلة السيد عمران بالفعل.
اتجهت عينيها تلقائيًا للبوابة بلهفة. فاعتلتها بسمة شيطانية مخيفة فور رؤيتها لمايسان تدلف برفقة عمران بفستانها الأبيض الطويل المحتشم. وحجابها المتدلي من خلفها. وكأنها عروس تزف لعريسها!
راقبتهما جيدًا فوجدته يستأذن منها ويغادر ليقابل رفيقه جمال الذي استقبله بالأحضان. بينما استكملت مايسان طريقها باحثة عن آميلي. فما أن رآتها حتى دنت منها تقدم هديتها باحترام وبسمة بشوشة:
_ عيد زواج سعيد إميلي.
اغتصبت بسمة فاترة على شفتيها وهي تجيبها:
_ أشكركِ عزيزتي.
وأشارت بيدها على الطاولة القريبة منهم:
_ تفضلي بالجلوس.
انتبهت مايسان لمن تجاورها بوقفتها. فاغتظمت معالمها غضبًا. ظنًا منها إن عمران كعادته لا يستغني عنها بحفلاته الهامة. فلحقت إشارة إميلي بالجلوس. وجلست تترقب انضمام شمس لها بصبر لا يطاق.
*****
جلس عمران برفقة جمال الذي يتهرب من التطلع بعينيه بحرج. فابتسم لمعرفته ذاك الشعور جيدًا. فربت على يده الممدودة على الطاولة وهو يخبره:
_ مفيش داعي يا جمال، أنا عارف إنك مش هتعملها تاني، ولا عمرك هتشرب القرف ده.
تنحنح بجلسته وهو يؤكد له:
_ أنا مكسوف من نفسي يا عمران، مش قادر أوري وشي ليوسف. إنت عارف إنه بيخاف على سيف أخوه أوي هيكون وضعه إيه وهو شايفني بسكر قدامه. الولد صغير ومينفعش يشوفني كده.
تلبسه الألم. فزاغت عينيه بالفراغ وهو يردد بندم:
_ أنا السبب، أنا اللي دخلت القذارة دي بيت يوسف. بس مش هتتكرر تاني.
اتسعت بسمة جمال وبفخر قال:
_ لو عملتها تبقى راجل بصحيح.
أكد له:
_ هيحصل بإذن الله.
وتابع بسؤاله وهو يتابع تلاشيه لهاتفه مجددًا:
_ إنت لسه مصالحتش صبا بردو؟
ألقى الهاتف جانبًا وارتشف عصيره بهدوء:
_ لأ وشكلنا كده مش هنتصالح أبدًا.
ووضع الكوب وهو يسحب جسده للطاولة هامسًا:
_ ولولا الصفقة المهمة اللي بيني وبين ليام مكنتش جيت الحفلة المملة دي من أساسها. بس مش هطول شوية وهخلع عند سيف. النهاردة يوسف قايل إن الدكتورة ليلى محضرلنا محاشي وكفتة من اللي قلبك يحبها.
ضحك بصوت مسموع. وأكد عليه:
_ معاك وش، شوية وهخلع معاك نفس الخلعة.
التفت جمال لطاولة مايسان البعيدة عنهما. وربت على يد عمران:
_ طيب روح إقعد مع مراتك متسبهاش لوحدها ميصحش كده.
ود بالنهوض ولكنه فضل البقاء برفقة جمال حينما وجد ألكس تحاول الإشارة له كل دقيقة. ففضل البقاء بعيدًا عنها. لا يريد أي شيء ينزع حالة السكينة المؤقتة بينه وبين زوجته.
تناول عمران المقبلات من أمامه وهو يتفرس ملامح جمال الذي يقرأ رسالة وصلت لهاتفه. فأغلقه من الزر الجانبي وهو يردد من بين اصطكاك أسنانه:
_ وأدي أم التليفون هددي نفسك بقى!
أبعد طبق المقبلات عنه. وسحب مقعده ليدنو من رفيقه مرددًا بجدية:
_ جمال إنت كده بتدمر حياتك. مش كده اهدى وإرجع بيتك اقعد مع مراتك واتناقش معاها بهدوء.
سحب جمال المقبلات بكمية يدس بها غيظه وغضبه الشديد:
_ قولتلك دي فاضية ودماغها رايقة بالبلدي كده مورهاش حاجة غيري. فتعمل إيه تتفنن في إنها كل يوم تطلعلي عيب شكل.
انفجر عمران ضاحكًا. وقال بصعوبة بالحديث:
_ بسيطة شوفلها شغل. إنت مش بتقول إنها معاها كلية حاسبات ومعلومات يبقى سهل تشتغل!
وتابع حينما تآلقت فكرته:
_ شغلها عندك في الشركة هتفيدك وهتنشغل عنك إسالني أنا!
خطف بسمة ساخرة:
_ مجنون أنا عشان أجيب النكد لنفسي لحد الشغل كمان. أهو ده اللي ناقص!!
تحلى بصمته لدقيقة ثم قال:
_ خلاص خليها تشتغل مع مايسان بشركاتي. أنا كده كده محتاج لناس عندهم خبرة في الحاسبات. وفوق كل ده هتسحب مع مايسان اللي طالع عينها وسط الموظفات الأجانب.
ضم شفتيه بحيرة من اتخاذ أمرًا كذلك. ففاه بارتباك:
_ بس آآ..
قاطعه بحزم بعدما وجد الحل الأمثل لمشكلته:
_ صدقني ده الحل. اختلاطها مع الناس اللي هنا هيفيدها جدًا. ومش هيخليها تحس بالوحدة. وهتحل عنك بردو يا سيدي أنا عارفك مبتحبش الرغي ولا الاسئلة الكتير فالليلة دي مقاسك.
هز رأسه باقتناع:
_ خلاص لما أرجع بليل هكلمها في الحوار ده وأشوف.
ورفع يده لكتفيه بامتنان:
_ مش عارف أشكرك إزاي يا عمران. بجد نجدتني من قنبلة الاكتئاب دي!
تمردت ضحكاته مجددًا. وبات مازحًا:
_ يا ابني مش دي صبا اللي حفيت عشان تتجوزها. حبك راح فين؟
لوى شفتيه بتهكم وكأنه يذكره بما مضى ولم يعاد إليه. فسحب رشفة من كوب عصيره. قائلًا:
_ كانت كريزة بعد الجواز بقت كئيبة!!
*****
تفحص علي النوت الصغير ببسمة هادئة. يقرأ الآن مواقفها الإيجابية بحياتها. يدفعها لرؤية ما تحتفظ به داخل ذكرياتها. يدفعها تلامس حقيقة أنها تحوي الذكرى القاسية واللطيفة بآن واحد. وحينما انتهى من القراءة قال وعينيه منصوبتان عليها:
_ شوفتي إن جوانا حاجات كتيرة حلوة حتى لو فيها الوحش!
ابتسمت بمرارة تجرعتها بكلماتها:
_ أنا الوحش عندي أكتر من الذكريات الحلوة اللي تتعد على الإيد يا دكتور.
خلع نظارته الطبية وتطلع لها يخبرها:
_ حتى لو الحلو قليل يا فطيمة اتمسكي بيه ومتشوفيش غيره.
انهمرت دمعتها الصريحة على خديها. فازاحتها وتمعنت بالتطلع له قائلة بجراءة وقوة لم يراها منها قط:
_ دكتور علي أنا اتذبحت من تلات كلاب أكتر من مرة. قتلوني بالحيا وسابوني أنازع وعقلي مش مستوعب اللي حصلي. سابوني بدور زي المجنونة على أي حاجة أقتل نفسي بيها بس مكنش في حاجة حوليا غير الضلمة وعذاب الضمير على مراد.
وجده طريقًا سلسًا للخوض داخل رحلتها من جديد. وبالرغم من أن النيران تلتهمه هو أولًا قبل أن تصل له. إلا أنه استكان بجلسته وهو يحافظ على أنفاسه الهادرة داخل قفصه بانفعال. وكأنه يركض لمسافات وداخله يهمس:
_ اهدى يا علي، إنت في الأوضة دي كدكتور وهتقوم بواجبك على أكمل وجه. مشاعرك ووجعك ارميهم على جنب.
تنحنح وهو يجلي حلقه:
_ أخر مرة اتكلمنا فيها كان عن خطيبك.
وابتلع غصته المؤلمة وردد بحروف طاعنة:
_ بعد ما خضعتي لكشف العذرية إيه اللي حصل بعد كده يا فطيمة؟
أغلقت جفنيها بقوة جعلت دمعها يتدفق بصمت. وكأن أحدًا يتنزع قدميها المثبتة على الدرج الخشبي ويجذبها للقاع من جديد. فقالت وهي تسترد أنفاسها الثقيلة:
_ عديت الموقف وكل حاجة عشان أهلي. وابتدينا نحضر للجواز. بالرغم الألم اللي كان جوايا إلا إني حاولت أتخطاه وأركنه جنب اللي مريت بيه في سبيل إني كويسة ومحدش مسني وده هو وأهله اتأكدوا منه. بس اللي مكنتش أعرفه إني اتحررت من سجن صغير لسجن أكبر ولجلادين أبشع.
وازاحت دموعها بقهر وهي تردد:
_ خطفوني تاني بس المرة دي كانت مختلفة. كانوا عايزين الملاك اللي ساعدنا وهربنا من المكان القذر اللي كنا فيه.
وسلطت عينيه له وهي توضح له:
_ كانوا عايزين مراد. عشان بيتقموا منه ومن اللي عمله بالشبكة الدولية اللي محدش قدر يكتشفها.
واستطردت بصوت مرتعش:
_ عذبوني وهددوني بأختي لو مطاوعتهمش هيقتلوها هي وعيلتي. مكنش قدامي أي حلول تانية اضطريت أخضع لهم واتصلت بمراد وطلبت منه يجيلي على العنوان اللي بعتولوا. كان نفسي أصرخ في نفس المكالمة وأحذره إنه يسمع كلامي وفي نفس الوقت كان جوايا أمل إنه يقدر يخرجني المرة دي كمان من غير ما حد يمسني. بس أحلامي اتدمرت في كل مرة اتعدوا فيها عليا. والبشع إنهم مرحموش مراد. كانوا بيحقنوه بالمخدرات لحد ما بقى مدمن.
وتابعت وهي تزيح عنها دموعها:
_ احساس الذنب كان هيقتلني وأنا شايفاه بالحالة دي. مراد شخص قوي وعزيز كان صعب عليه المهانه اللي عاشها ونظرات عينه كانت كلها غضب لعجزه إنه يدافع عني. لدرجة خلتني أتأكد إن خروجي أنا وهو شبه مستحيل. فهربت من المواجهة. سكوتي كان هرب ليا من كل شيء. من الوجع والقهرة وكسرة النفس. كل يوم بشوفهم في حلمي وهما بينهشوا لحمي. وأنا عاجزة عن إني حتى أصرخ وأتوجع.
واسترسلت وجسدها ينتفض من فرط البكاء:
_ الأيام اللي فضلتها هناك كانت بالنسبالي 100000 سنة. كل يوم كنت بتجلد لما أسمع صوت الباب بيتفتح وبدعي إن روحي تفارقني.
وضمت ساقيها لها وهي تستند برأسها عليهما:
_ كنت بتوسل ليهم كل يوم عشان يقتلوني بس دموعي وصراخي كان بيخليهم مبسوطين أكتر. أنا ناري مبردتتش وأنا شايفة رحيم أخو مراد بيتقم منهم وبيقتلهم قدامي. نار لسه مبردتتش لحد اللحظة دي. أنا أوقات بكره نفسي وبحملها ذنب اللي حصل. بحملها ذنب عجزي.
أغلق عينيه بقوة أدمت تلك الدمعة التي انسدلت على خديه لأول مرة. وصوته المختنق بالعبرات يهاتفها برجاء:
_ كفايا.. كفايا يا فطيمة!
رفعت عينيها إليه بصدمة. لم تستوعب مدى تأثره الشديد بحديثها. دمعة الرجال عزيزة وها هو يضعها متخبطة أمامه. لا تعي لماذا تأثر لتلك الدرجة التي جعلته يترك نوته، هاتفه، سماعته، كل شيء ويهرول لخارج الغرفة بأنفاس متحشرجة. راقبته بشرود وصدمة مازالت تبتلعها.
*****
نهض عمران ليستقبل راكان الذي يسرع إليه برسمية تتلقفها أعين الصحافة. بعد أن انتشر خبر ارتباط شقيقة عمران سالم براكان مثلما أراد. فمال عليه يهمس وابتسامته المصطنعة تغزو وجهه المرتفع بكبرياء:
_ فين شمس؟
منحه نظرة ساخرة لعنجهيته التي لم تتركه بعد. وقال:
_ أكيد على الطريق متنساش إن المكان بعيد.
هز رأسه متفهمًا. واتبعه للداخل والنقاش المتبادل يخص تجارة عمران وإلقاء راكان أول حبال خطته الدانيئة بعرضه الشراكة الصريحة بالصفقة القادمة بينه وبين عمران الذي أجابه بمهنية:
_ شرفني مكتبي في أي وقت نتكلم أفضل في التفاصيل.
هز رأسه بانتصار وابتسامته الشيطانية تغادره رويدًا رويدًا لتنقلب للدهشة حينما وجد شمس تقترب منه بملابس عادية لا تليق بحفل كذلك. ضرمت مخططاته بالظهور برفقتها أمام الصحافة. لتنتشر أخبار نسبة المشرف بين زيجات رجال الأعمال. أسرع إليها بخطوات سريعة يمنعها من التواجد لعرضة الصحافة. وعنفها بعصبية استمع لها آدهم الذي يهم بالاقتراب:
_ إيه اللبس ده؟ بتهزري صح!
رمشت بعدم فهم. وادعت براءتها:
_ ماله لبسي، مريح ورقيق جدًا.
كز على أسنانه بحنق:
_ يعني إنتِ مش عارفة إنك جاية حفلة زي دي يا شمس. هتظهري إزاي كده جنبي قدام الصحافة.
أجابته ببرود ونظرات مستشاطة من طريقته بالحديث:
_ والله أنا رفضت أحضر الحفلة دي من البداية إنت اللي صممت آني أحضرها ده أولًا. ثانيًا بقى ودي الأهم أنا كان عندي محاضرات مهمة ومكنش عندي الوقت اللي أرجع فيه البيت وأغير هدومي.
اقترب منهما عمران يتساءل باستغراب وعينيه تجوب وجوههما:
_ في إيه؟
التفت له راكان بجسده وصاح بانفعال:
_ بذمتك يا عمران ده لبس تظهر بيه خطيبتي قدام الصحافة ورجال الأعمال جوه!
وضع يده بجيب بنطاله ليبجبه بجمود وصرامة مخيفة:
_ خد بالك من كلامك كويس يا راكان. واعرف إنت بتتكلم بإنهي طريقة بدل ما أفهمها تقليل من أختي وأرمي خاتمك في وشك وقدام الصحافة اللي عاملين ليك هوس دول عشان بعد كده تعرف حدودك وآخرك في الكلام.
ارتعب راكان من نبرته وخشي أن تضرم مخططاته هباءًا فقال بلطف:
_ مقصتش حاجة يا عمران أنا عارف كويس أنا مختار بنت مين. بس الحفلة ليها فساتين ولبس معين ما أنت عارف. ثم إني بعتبرها مراتي ومسؤولة مني وشكلها أكيد من شكلي.
واستدار لشمس التي ترمقه بغيظ وقال:
_ أنا آسف يا حبيبتي مقصدتش شيء. ولو عمران باشا يسمحلي أخدك لأي أتليه نشتري فستان سريع ونرجع عشان لازم أعرفك على كذا حد مهمين.
رفعت عينيها لأخيها فوجدته يهز رأسه بخفوت لتتبعه. فما أن استدار راكان ووجد آدهم حتى ردت روحه وانتشت ابتسامته. فأشار له:
_ آدهم.
أنهى آدهم اتصاله ودنى منهما يتساءل:
_ خير يا باشا.
ابتعد به راكان عن نظراتها المحتقنة. ومال عليه يهمس بغضب:
_ خد شمس لأي أتليه شيك اشتريلها فستان قيم وكوليه غالي. من الآخر عايزك مترجعهاش ناقصها حاجة إنت عارف الحفلة دي مهمة لينا أد إيه. ليام وإميلي معارفهم مهمين لينا خصوصًا الفترة الجاية.
حك أرنبة أنفه يخفي تعصبه وصاح:
_ أنا ماليش في أمور الحريم دي يا باشا، فستان إيه اللي أجيبه!
أكد عليه ومازال يرسم بسمته الساذجة لتلك التي تحاول الاستماع لحديثهما:
_ اتصرف يا آدهم. وشوفلها حد يحطلها ميكب إنت مبتغلبش.
زوى شفتيه تهكمًا:
_ حد قالك إني ساحر!
وأضاف بتحفز:
_ اللي بتطلبه ده أساسًا لا يمت للاسلحة والقتل والحراسة والاكشن ده بشيء. صدقني لو حاجة تانية هقدر أفيدك لكن آآ....
أوقفه حينما أخرج الفيزا إليه:
_ اتصرف يا آدهم قبل ما نتفضح باللبس اللي هي لابساه ده!
وتركه وغادر ومازال آدهم يقف محله. يضم ذراعيه لخصره بإنهاك. هامسًا:
_ المهمة دي جابت أجلي. أقتله وأقصر وقتي ولا أصبر لما أوقع اللي وراه وأهو كل بثوابه!
رفع آدهم هاتفه يستدعي فؤاد واتجه يقف قبالة شمس. فما أن تأملها حتى هرولت عنه كل طاقة غضب سكنته. فابتسم وهو يشير لها على السيارة التي وقفت قبالتهما:
_ شمس هانم.. اتفضلي.
منحته نظرة غاضبة ومازالت يدها تضم صدرها وقدميها تهتز بعصبية واشيكة على قتل من يقابلها. فصعدت للخلف وهي تبرطم:
_ كان ناقصني راكان الأهبل ده كمان!
كبت ضحكاته فأغلق باب السيارة الخلفي وأتجه ليستقر جوار فؤاد الذي تلقى تعليماته بالتحرك. بينما يتابعها آدهم من مرآة السيارة الأمامية. يبتسم وهو يراها تكاد تشتعل من الغيظ والغضب. لا يعلم لما تألم لأجلها.
رغم تفاهة الموقف إلا أنه كان يتابعها باهتمام. يود بأي طريقة يتحدث إليها ليخرجها عن صمتها الذي بات مقلقًا له. ولكن وجود فؤاد يعيقه عن فعل أي شيء سيجعله يخسر هيبته السرية المعتادة بين فريق عمله السري المحاطين به بكل جانب. التزم الصمت حتى هبط معها لأحد المحلات الفخمة المعروفة. فولجت برفقته للداخل ووقفت تربع يدها ومازال الغضب يحاط بها.
دنى منها آدهم فابتسم وهو يمازحها:
_ أنا عارف إن البنات بتاخد أربع خمس ساعات على ما تجهز فمتوقع بقى عما تنقي اللي إنتِ عايزاه وتلبسي هيكون تقريبًا الليل ليل والحفلة انتهت.
استدارت إليه لتتفجر عما كانت تحتسبه طوال الطريق:
_ أنا لا عايزة ألبس فساتين ولا أحضر حفلة ولا أشوف خلقة الباشا بتاعك من الأساس. أنا عايزة أروح.
لم يخسر حكمته بحل تلك المواقف أبدًا. إن تمكن من تفكيك القنبلة المؤقتة بالظلام. واستخدام أسلحة مدمرة كتلك التي يتدرب عليها بالجهاز الأمني. ألا يستطيع تحقيق الإنصاف لتلك الأنثى. قلص مسافته منها ورفع الفيزا إليها وهو يشير بمكر:
_ أنا بقول نسمع كلام الباشا أفضل. ونختار الفستان الشيك الغالي عشان نشرفه حتى لو هنصرف نص رصيده ونقهر قلبه. المهم نتألق زي ما هو عايز ولا إيه؟
ارتسمت بسمة شيطانية على شفتيها. فاستدارت له بسعادة غريبة:
_ عندك حق أنا هخليه يقول حقي برقبتي ويجري على فريدة هانم يبوس رجليها إني أرمي دبلته في وشه.
تعالت ضحكاته لسماعه أحلامها البعيدة على البعد عن محاربة ذاك الشيطان فقال:
_ راكان مش هيتنازل عنك بسهولة. إساليني أنا.
رمشت بتوتر. وازدردت لعابها بارتباك:
_ يعني إيه؟
تعمد تجاهل سؤالها. واتجه لأحد الفساتين الموضوعة بزاوية مخصصة. وأشار:
_ إيه رأيك في ده؟
تفحصته جيدًا فوجدت قصته تليق بها. كان يضيق بالأعلى ويهبط باتساع بعدة طبقات تحوي الفراشات الفضية. تحيط به جوهرة بدت ثمينة للغاية. عادت خطوتان للخلف لتكن جواره بالتحديد:
_ بس ده شكله غالي جدًا جدًا يا آدهم. إنت مالي إيدك من غضب راكان ده ليقتلني.
قهقه ضاحكًا وهو يجيب:
_ هحميكي متقلقيش.
شاركته الضحك ورددت ساخرة:
_ ليك حق تضحك. ده أنا بشوفك وبتكلم معاك أكتر ما بشوفه هو شخصيًا!
قالت كلماتها غير واعية لمن يتمعن بها بشرود. خفق القلب وتمرد من لجامه ليتبعها دون إرادة منه. تنحنح بحرج حينما انتبه لشروده وتحرك للعاملة يقدم لها الفيزا ويخبرها بحمل الفستان للأعلى لتتمكن شمس من ارتدائه. وبقي هو بالأسفل ينتظرها.
لف ظهره يتأمل المارة من خلف الزجاج الشفاف المحاط بالمحل. ينتظرها تهبط للاسفل. مرت ثلاثون دقيقة ومازال يقف محله. حتى انتبه لصوتها اللاهث القادم من الدرج القابع بمسافة منه:
_ آدهم.
استدار وليته لم يفعل. سقط آخر حصن امتلكه. وأوشك الأمر لخطورة يعلمها جيدًا. يكاد بفقدان أكثر ما تمرن عليه. التحكم بالنفس أمام أي أنثى تحاول إغواءه. وفعلتها تلك دون عناء منها.
تحكم بذاته وهو يدنو منها. فوجدها تهبط للاسفل بتعب شديد. لتشكو له:
_ الفستان ده تقيل أوي!
ضحك وهو يغمز ماكرًا:
_ طبعًا مش مدفوع فيه نص مليون دولار.
جحظت عينيها صدمة. ورددت وهي تستند على درابزين الدرج المعدني:
_ ده كتير أوي يا آدهم. لأ خليني أشوف حاجة تانية بدل ما آ..
قاطعها بخبث:
_ يعني مش عايزة تنتقمي من راكان المتغطرس ده اللي طول الطريق بتهري وبتنكتي في نفسك بسبب كلامه.
لاح لها ما فعله. فقبضت على معصمها وهي تستكمل طريقها للأسفل قائلة:
_ ادفع يا آدهم وميهمكش.
انتظر مرورها ولحق بها. فتمكن رؤية فتحة ظهر الفستان وإن كانت صغيرة. فتنحنح وهو يشير لها:
_ شمس.
توقفت وهي تتفحص ما قدمته العاملة لها من أدوات تجميل باهظة للغاية. فاستدارت إليه تتساءل:
_ ده إيه ده كمان؟
زوى شفتيه وكأنه على وشك بترهما:
_ هو اللي طلب إنك تحطي.
أعادتهم ليد العاملة وهي تخبره بغضب:
_ مش هحط حاجة ولحد كده وكفايا هو مش واخدني فرجة للناس ساعتها!
ابتسم وهو يردد بنبرة حنونة:
_ اهدي وبلاش تعصبي نفسك. ولا يهمك اللي إنتي عايزاه إعمليه.
وتركها تكمل ارتداء حذاء الفستان المرتفع. وتعدل من خصلات شعرها أمام المرآة المطولة. فتوقفت حينما وجدت انعكاس صورته بالمرآة. يقف خلفها بالتحديد ويدنو منها. لتجده يضع من حولها شال رقيق من اللون الأسود. هامسًا جوار أذنيها:
_ الفستان مكشوف شوية خليه عليكِ أفضل.
وتراجع وهو يشير لها بالتقدم. سحبت قدميها بتوتر مما فعله. حتى فتح باب السيارة.
خطفت شمس نظرة أخيرة إليه قبل أن تعتلي المقعد الخلفي. بينما صعد آدهم جوار فؤاد مبتسمًا كلما وجدها تراقبه بالمرآة. وعينيها لم تتركه أبدًا.
*****
كانت تتمعن بهاتفها وهي تراقب رسالة شمس التي توضح لها ما فعله راكان. وأخبرتها بأنها ستستغرق وقتًا لتصل للحفل. أعادت مايسان الهاتف لحقيبتها بملل من الحفل الذي تجلس به بمفردها. فبحثت عنه بعينيها وسط رجال الأعمال. ولكن خاب أملها حينما لم تتمكن من رؤيته.
_ لا يقف هنا، عمران بالخارج..
قالتها تلك الشمطاء التي تدنو منها. فكزت بأسنانها على شفتيها السفلية وهي تردد:
_ أووف.
ثم قالت بعصبية بالغة:
_ ماذا تريدين مني ألم أحذرك من الاقتراب مني!!
تعمدت إثارة غضبها بصوت ضحكاتها. وانحنت لجلستها تهمس لها بفحيح أفعى قاتلة:
_ اعتادي وجودي مايا. لقد وافقت اليوم على زواجي من عمران بشرط أن يطلقكِ. ووعدني بأنه سيجد حلًا يرغم والدته على الموافقة.
وتجرعت النبيذ وهي تشير لها بحقد:
_ أخبرتك بأنني من سينتصر هنا.
وقبلتها بالهواء وغادرت تاركة من خلفها عينيان غائرتين لا تستوعبان ما استمعت إليه. وما يعاد لها الآن ما الذي سيفعله عمران ليجبر خالتها على الموافقة. ماذا تقصد بالتحديد؟
لم تحتمل مايسان البقاء بعد سماعها ذلك. فجذبت حقيبتها وهمت بالرحيل في نفس لحظة اقتراب إميلي تبعًا لخطتها. اصطدمت بها عن عمد ليسقط عصير الفراولة على فستان مايسان الأبيض فاتنزع لونها بنجاح. متعمدة أن يصل العصير لنصفها السفلي بانحناءة جسدها الهايل لسقوطها الزائف.
ادعت إميلي فزعها الشديد. وجذبت المناديل الورقية القريبة من الطاولة وهي تردد:
_ أعتذر منكِ مايا. نهضتي عن مقعدك فجأة ولم أنتبه لكِ.
التقطت منديلًا تحاول به إزاحة الاتساخ العميق عنها وهي تشير لها باحترام:
_ لا عليكِ. أنا التي كان ينبغي عليها الحذر.
مالت إميلي عليها تخبرها بصوت منخفض وكأنه يعنيها أمرها كثيرًا:
_ اصعدي معي للأعلى. اغتسلي وسأحضر لكِ فستانًا من ملابسي.
اعترضت على ذلك بتهذب:
_ لا بأس. سأغادر على الفور.
أبدت موضحة رأيها وهي تشير بيدها للخارج:
_ لا ينبغي لكِ المغادرة هكذا أمام أعين الصحافة. وفوق كل ذلك لن أسمح لكِ بالمغادرة. الحفل لم يبدأ بعد.
وحينما لمست توترها. مدتها بأمانها الزائف:
_ لا تقلقي سأختار لكِ فستانًا واسعًا ليس عاريًا مثلما ترغبين.
أومأت باستسلام. فبالنهاية لن تتمكن من المغادرة بفستانها الذي طغاها اللون الأحمر من تجاه ساقيها فباتت أمورها أكثر حرجًا.
صعدت معها لأحد غرف الطابق العلوي بخجل. لتجدها تفتح باب الحمام مشيرة لها:
_ اغتسلي وسأحضر لكِ فستانًا آخر.
شكرتها مايسان على استحياء:
_ لا أعلم كيف أشكرك على هذا المعروف إميلي. الأمر مخجل برمته.
ردت عليها ببسمتها الشيطانية:
_ أووه مايا أنتِ لا تعلمين ماذا تعنين لي. والآن اعطيني فستانك سأقدمه للخادمة تنظفه لكِ إن ودت العودة به مجددًا.
قالتها بمكر وهي تفتح يدها لها. وبالرغم من الحرج الشديد إلا أنها ولجت للحمام ونزعته عنها لتقدمه لمن تلقفته وابتسامة الشر تنبع على وجهها. لتغادر الغرفة قائلة لمن بداخل الحمام:
_ سأعود بالفستان حالًا.
وحينما أغلقت باب الغرفة أرسلت رسالتها لألكس. وبدورها أرسلت للرجلين وحثتهما على بدء تنفيذ مخططها.
*****
أرهقتها قدميها من فرط البحث عن زوجة أخيها بين المدعوين. أكد لها عمران منذ وصولها برفقة آدهم بأنها بالداخل. بحثت عنها كثيرًا ولم تجدها على أي من الطاولات بالداخل. تخشى أن يعثر عليها راكان مجددًا فيجذبها لتقف برفقة رجال الطبقة المخملية المملة.
رفعت شمس هاتفها في محاولة للاتصال بها. فاستمعت لصوت هاتفها قادم من مكان مجاور لها. اتبعته حتى وصلت لطاولة فارغة تضم حقيبة مايسان. فاعادت الاتصال بعمران الذي أجابها ممازحًا:
_ لحقت أوحشك.
أتاه صوت شمس المرتبك:
_ عمران إن قلبت الحفلة كلها على مايسان ملقتهاش. حتى شنطتها لقيتها على التربيزة!
رد عليها بهدوء:
_ يمكن واقفة مع حد من صديقاتها أو بالحمام يا شمس.
أجابته بقلق وهي تجلس على الطاولة:
_ ممكن. عمومًا هستناها هنا.
أغلق عمران هاتفه وأعاده لجيب بنطاله لينتبه لتلك التي تحاوط رقبته وهي تهمس بصوت مغري:
_ مرحبًا أيها الوسيم.
أبعدها عمران وعينيه تتلصص على من حوله بخوف. ازداد حينما رمقه جمال الواقف بصحبة أحد رجال الأعمال بنظرة حازمة. فصاح بها:
_ بربك ألكس ماذا تفعلين!
حاولت أن تجعل شفتيها المصطبغة بطلاء باللون الأحمر تلامسه إلا أنه شدد على معصمها بغضب. ليخبرها من بين اصطكاك أسنانه:
_ أكترتي بالشراب ألكس.
وضعت رأسها على صدره. ويدها تتحسس صدره. فأزاحها بنفور:
_ الناس يراقبون ما تفعلينه. كفى!
أجابته وهي تحاول البقاء بأحضانها:
_ وإن يكن. دعهم يراقبون غرامنا عمران. اليوم سأحررك من تلك العلاقة اللعينة. سأقدم لك خلاصك الأخير من تلك الساذجة المصرية.
جحظت عينيه صدمة مما يستمع. وقد بدأ عقله بالعمل على الخيوط المدروسة من أمامه.. حديثها بالأمس عن خطة سترغم والدته على أن يطلق مايسان. شمس التي أخبرته بعدم وجود زوجته بالحفل. وحديثها الآن!
أبعدها عمران عنه بقسوة جعلت ذراعيها تلتهب من فرط تمسكه العصبي ليدها. وبنبرة كالجحيم تساءل:
_ ماذا فعلتي بحق الجحيم!! أخبريني ماذا فعلتي؟؟؟ أين مايسان؟ أين زوجتي؟!
تخبطت وتشتت بمن يقف أمامها. وكأنه شخصًا آخر. سال لعابها من فرط الرعب. فابتلعت ريقها وهي تردد:
_ إهدأ حبيبي. ألم كنت تعاني من وجودها بحياتك! أنا سأحررك الآن. سيلتقط لها بعض الرجال المستأجرون صورًا وهي برفقتهم وحينها ستجبرك والدتك على تركها.
دارت الأرض به. فشعر بأنه سيسقط لا محالة. رمش في محاولة لاستيعاب ما تقوله. فخرج صوته هادئًا يعاكس نيرانها المتقدة داخل صدره:
_ تبًا لكِ. سأقتلك ألكس..
وركض للداخل بسرعة. حتى تفادى إسقاط الخادم الحامل لصينية الكؤوس. ركضت ألكس حوله. جذبته وهي تصرخ بعصبية:
_ ما بك عمران. هل جُننت؟
رفع يده ليهوي على وجهها بصفعة أسقطتها أرضًا وهو يفوقها بصوت عنيف:
_ سأعود لمحاسبتك لاحقًا. أعدك بأنني سأعود.
وهرول للداخل مقتحمًا المنزل. في محاولة للعثور عليها. صعد عمران للطابق العلوي فجحظت عيناه حينما وجد فستانها ملقي بسلة القمامة القريبة من الدرج وعلى ما بدا له من بعيد بأنه يحمل الدماء!
*****
انتظرتها مايسان لأكثر من ثلاثون دقيقة ولم تعد حتى الآن. بقيت محتبسة بالداخل بقميصها القصير بخوف هاجمها في كل مرة فتحت الباب ولم تجدها بالغرفة. نادتها كثيرًا ولم يجيبها أحد. فهمست برعب:
_ هي نسيتني هنا ولا إيه!
وزفت بغضب شديد:
_ حتى موبيلي مش معايا!
زارتها سعادتها المهاجرة فور سماعها لصوت أقدام تقترب بالخارج ففتحت الباب تتفحص عودة إميلي. تلاشت ابتسامتها ذعرًا حينما وجدت رجلين يتسللان لداخل الغرفة. وأحدهما يحمل كاميرا بيده ويشير للآخر بالتقدم مردفًا بصوت شبه هامس:
_ ابحث بالداخل لم تخبرنا هي بأي غرفة. تأكد من تلك الغرفة وسأبحث بالغرفة المجاورة لها.
أشار له وهو يخرج محقنًا من جيبه:
_ ملأتها بالمخدر حتى لا يستمع لصوتها أحد.
تراجعت مايسان للخلف بصدمة. ويدها تكمم فمها الواشك على الصراخ. فأغلقت ضوء الحمام بحذر وتسللت للكابينة الخاصة بالدُش. تجلس أرضًا محررة باب الحمام من الداخل. وتاركة باب الكابينة مفتوحًا حتى لا يشك بوجودها.
ارتعبت وحافظت على أنفاسها بصعوبة حينما تحرر باب الحمام ومن بعده الضوء. فولج للداخل يلقي نظرة متفحصة. وخرج بعدها يصيح لرفيقه:
_ ليست هنا.
فور انغلاق باب الغرفة هرولت راكضًا لتغلق باب الحمام من الداخل وسقطت من خلفه تبكي بقهر. وكل ما يحاوطها بتلك اللحظة جملتها «عمران وعدني بأنه سيتخلص منكِ؛» هل قصدت بأن زوجها الحبيب أراد أن يلوث شرفها؟! أليس شرفها هذا هو شرفه هو الآخر؟! كيف يسلمها بيده لهؤلاء الرعناء؟ أيفعل ذلك لأجل أن يحصل على سبب مقنع للطلاق دون أن يخسر المال والممتلكات!
تحلياتها مزقت نياط قلبها. فتحولت يدها لتضرب فمها بقوة ألمت أسنانها وجعلت شفتيها تنزف بقوة. لا تعلم أتضرب ذاتها لتكف عن البكاء حتى لا يستمع إليها أحد. أم من شدة القهر والمهانة التي تخوضها الآن وبالأخص بخطته التي حرصت على تجريدها من كبريائها بلا رحمة!
*****
حمل عمران فستانها وهرع للغرف كالمجنون وهو يناديها بصوت جريح مذبوح:
_ مايـــــــــــــا.
تمزقت أحشائه كلما بعدت مسافته بينه وبينها. فحرر الباب المقابل له بعنف جعل الرجلين المستمرين بالبحث يرتعبون من نظرات ذاك الرجل.
هبطت نظرات عمران تدريجيًا الكاميرا المحمولة ولهيئتهما فاستكشف أمرهما دون عناء. فلم يدري بذاته إلا وهو ينقض عليهما كالأسد الذي طعن بمخالب صغيرة أصابته بوجع جعله يخرج زمام غضبه على نملة تمر من جواره مرور الكرام.
انبصق الدماء من فم هذا المقيد أسفل جسد عمران القوي. فاستغل الأخير انشغاله به وتأوه على ذراعه المكسور وهرول للأسفل سريعًا. فدفعه الأخير وهرول من خلف صديقه.
اتكأ عمران على يده وهرول من خلفهما. متبعًا الشرفة الخارجية. وقد صدق حدثه حينما وجدهما يخرجون من الباب الرئيسي. فانتبه لمن يقف على بعد منه. فصرخ آمرًا:
_ آدهم، امسك الكلبين دول متخليهم يهربوا.
أحاطهم آدهم ورجاله بمهارة وقيدوهما أرضًا جوار سيارات حراسة راكان. وانتظر آدهم هبوط عمران ليعلم ماذا فعلوا هؤلاء ليجن هكذا. لم يسبق له التعرف عليه عن قرب. ولكنه يعلم بأنه مسالمًا لا يخوض حياة تعج بالشر مثلما يفعل راكان فيحتمي بالحرس طيلة الوقت!
*****
ركض عمران بالطابق الثاني في محاولة لإيجادها. وصراخه باسمها لا يهديء. يكاد أن يسقط بنوبة قلبية من فرط حالة الهلع التي يخوضها الآن. لا يود تخيل السوء وأن أيديهما القذرة أحاطت زوجته.
مال على الحائط يلكم ما تتلقفه يده وهو يتذكر رؤيته لفستانها الملقي بالخارج فانهال عليه ألمًا جعله يلقي جرفاته أرضًا وهو يردد برعشة:
_ لأ، مستحيل يكون حد لمسها.. لأ..
وهرع للخارج يبحث بآخر غرف الطابق. فلفت انتباهه ضوء الحمام المفتوح. والظل القادم من أسفل بابه. كان واضحًا لعينيه بأنها تجلس من خلفه. شهقاتها المكبوتة تصل إليه. ارتعبت نظراته. فجاب الغرفة ذهابًا وإيابًا في محاولة للسيطرة على ذاته أولًا.
واتجه ليطرق على الباب مرددًا برعب يسبقه:
_ مايسان، افتحي الباب.
لم يأتيه أي ردًا منها. فقال وهو يعصر قبضته:
_ افتحي من فضلك خليني أطمن عليكي..
واسترسل بحدة:
_ أنا ضربتهم ومش هخلي حد يقربلك. افتحي الباب ده.
شهقاتها هي التي تزف إليه فتستهدف ما تبقى منه. مال عمران بجبهته على الباب يحاول باستمتاتة ترويض شيطانه الذي يدفعه لتحطيم الباب. فقال بحزن مقهور:
_ طب حد قربلك؟
تحرر صوتها أخيرًا. ببحته المؤلمة:
_ مكنتش أعرف إنك بالحقارة دي. ازاي تعمل فيا كده وأنا عرضك وشرفك وكل ده ليه عشان فريدة هانم متحرمكش من الميراث والثروة. أنت أحقر إنسان أنا شوفته في حياتي يا عمران.
لكم الباب بقوة جعلتها ترتد ألمًا. وصرخ بجنون نافيًا تهمتها التي تبيد رجولته:
_ انتي مجنونة بتقولي إيه!!! أنا مكنتش أعرف حاجة يا مايا. وأول ما عرفت جيتلك جري. أنا مش حقير للدرجة دي إنتِ مراتي واللي يمسك أكلها بسناني مهما كان اللي بينا وفوق كل ده بنت خالتي.
وارتكن بجسده على الباب وهو يتوسلها:
_ أرجوكي افتحي الباب خليني أطمن عليكي. مش عايز أكسره هتتأذي وأنتِ وراه!
تعالى بكائها بانكسار. شعور عدم الأمان والثقة يجابهان قلبها الضعيف. تخشى أن تسلمه ثقتها فيطعنها بمنتصف قلبها. فاستدارت متكئة على الباب وهي تهمس له بضعف:
_ عمران.
أجابها بلهفة وهو يود أن يخلع ذاك الباب الفاصل بينهما:
_ معاكِ يا مايا ومش هسيبك يا حبيبتي. ولا هخلي حد يلمس شعرة منك أوعدك بس افتحي طمنيني عليكي.
نكزته بقسوة حينما قالت:
_ مشيهم عشان خاطري بلاش تسلمني ليهم يا عمران وأنا هخلي خالتو تقبل بطلاقنا من غير ما تحرمك من ميراثك. أرجوك يا عمران متعملش فيا كده أنا مستحقش منك كده.
رفع يده يححب وجع صدره القافز بين أضلعه تأثرًا من حديثها. يحق لها ظن السوء به. لم يمنحها السعادة يومًا لم يقربها منه لتكتشف شخصيته وتعلم ماذا يفعل وما الذي لا ينطبق لشخصيته.
أزاح عمران دمعة خائنة فرت من عينيه. أزاحها وهو يجيبها بصوت زرع صدق العالم بأكمله به:
_ مش أنا اللي عملت كده يا مايا. أقسملك بالله ما أنا الراجل اللي يسمح لمخلوق يبص لمراته بعين!
وتابع بصوت محتقن بالدموع:
_ أنا مش وحش أوي كده. والله ما أنا. أنا هجبلك حقك من الكلاب دول. كرامتك من كرامتي يا مايا. افتحي الباب ده.
نهضت عن الأرض تقدم يدها المرتعشة للباب بتردد. فمالت برأسها فوق الباب بجبينها المقابل لجبينها من الخارج. تخشى أن تفقد آخر أملها بالنجاة.
التقطت نفسًا مطولًا قبل أن تحرر المزلاج. وتبتعد بخطوات مرعبة للخلف. تضم جسدها العاري ليدها. ولج عمران للداخل فأسرع إليها يتفحصها بأعين تجوبها بلهفة. انهمرت دمعة منه وهو يراها تراقب الباب برعب من دخول أحدًا. رعبًا من أن يكون خائنًا غير موثوق به.
ضمها إليه بقوة. يخبأها بين ضلوعه مرددًا بوجع:
_ أنا لوحدي يا مايا متخافيش.
زال جليدها. فتعلقت بجاكيته وانهمرت باكية. وكأنها تزيل أوجاع تراكمت منذ زمن بعيد. بكت حتى جلس بها على السجادة المفروشة من أسفل قدميهما. يحتوي جسدها بجاكيته. وهمس لها:
_ أنا آسف.. أوعدك أني هطربق الدنيا فوق دماغهم ودماغ أي حد كان له علاقة بالموضوع ده.
ورفع ذقنها إليه وهو يسألها:
_ إيه اللي حصل؟ وفستانك فين؟
أجابته وهي تتحاشى التطلع إليه خجلًا من قميصها القصير التي تجلس قبالته به. فقالت:
_ إميلي اتخبطت فيا ووقعت العصير على فستاني. وصممت أغير هدومي ولما طلعت هنا أخدت فستاني تنضفه وقالتلي هتجبلي حاجة ألبسها ومن وقتها مرجعتش.
غامت عينيه القاتمة بقسوة. فاحتضن خديها يضمه لصدره وعينيه تتطلع للفراغ. وصاح بعنفوان:
_ يا ولاد ال***
نهض بها عمران لتقف من أمامه. فنزع عنه جاكيته وهو يشير لها:
_ خليكي هنا. هجبلك فستانك وراجع.
وتركها وكاد بالرحيل فتمسكت بمعصمه تردد بخوف:
_ متسبنيش لوحدي يا عمران هيرجعوا تاني.
حاوط وجهها بذراعيه قائلًا بحزن:
_ محدش هيرجع تاني. الكلاب دول تحت مع آدهم وحرس راكان لسه حسابهم معايا تقيل بس أحاسب اللي جوه الأول. هوريهم مقامهم اللي نسوه.
وتركها وغادر ليعود بعد قليل بفستانها المتسخ. واتصل بشمس بخبرها بالصعود. عاون عمران مايسان المرتعشة بارتداء فستانها وجذب الجاكيت ليلفه من حولها ليحجب بقعة العصير عن الأعين.
كاد جسدها بالتراجع للخلف من فرط ما خاضته منذ قليل. أسندها عمران وخرج بها ليجد شمس قبالتهما. تتطلع لمايسان بصدمة. فهرعت إليها تتساءل:
_ مايا إيه اللي عمل فيكي كده؟!
سلم يدها لشمس وتحرك وهو يخبرها:
_ هاتيها وتعالي ورايا يا شمس.
استندت على يدها حتى هبطت للأسفل. ليجد حالة من الهرج والمرج بعدما لاحظ الجميع ما يحدث بين حرس راكان والرجالين. وانتهى بهبوط عمران للأسفل ليقف قبالة ليام وعيونه تخترق بسهامها زوجته. ومن بعدها صاح بصوته الرعدي:
_ جمـال حالًا تلغي كل تعاقداتك مع الكلب ده وأنا هعوضك عن الخساير مهما كان التمن.
أسرع إليه جمال يراقب حالته الغير مهندمة بدهشة ازدادت حينما خرجت مايسان بحالتها تلك. فغلت عروقه لمجرد تخمينه الأمر.
تابعهم الجميع بدهشة وعدم فهم لنبرتهم العربية. ليصبح جمال لمن يراقبه:
_ عذرًا سيد ليام أسحب اتفاقي المسبق بشركتك. فلتعد كل اتفاقنا لم تحدث من الأساس.
ردد بفزع:
_ ماذا حدث سيد جمال؟
تحرر صوت عمران وعينيه تمر بين الحضور:
_ السيدة إميلي أرادت أن تهين زوجتي بمنزلها بالاتفاق مع عاهرة رخيصة وعلى الأحرى ظنت بأنني لن أكشف أمرها.
واستكمل وراكان وآدهم يقتربان منه لمحاولة فهم ما يحدث بالتحديد:
_ ظنت بأنني سأسمح لها بأن تهين زوجتي.. زوجة عمران سالم. ربما عقوبتي ستجعلها لا تنسى ما فعلته اليوم هي وزوجها. أعلن اليوم بالحفل هذا بأن من يتعاون بعمله مع شركات هؤلاء اللعناء سيواجه عمران سالم بذاته.
جذبته ألكس لتجابه غضبه بحقد:
_ هل جننت عمران أتفعل كل ذلك لأجل تلك الفتاة ال...
بترت كلماتها حينما هوى مجددًا بصفعة جعلتها تسقط بالمسبح القريب منه والجميع من حوله يراقبون ما يحدث بصدمة. وخاصة حينما انحنى يحمل مايسان وهو يشير لراكان غير عابئًا بتوسلات إميلي واعتذاراتها:
_ هات شمس وتعالى ورايا.
عاونها راكان على الهبوط من خلف أخيها. لينسحب آدهم وجمال من خلفه. ليجتمعون بالخارج بعدما وضعها جوار شمس بالسيارة. فقال جمال باستغراب:
_ ما تفهمنا يا عمران إيه اللي حصل خلاك تشن الحرب على ليام ومراته؟!
رواية صرخات انثى الفصل السابع 7 - بقلم ايه محمد رفعت
رؤيته لها تنتفض بين أحضان شقيقته داخل السيارة أججت نيرانه. فلم يبالي بمن يلتفون به في محاولةٍ لمعرفة سبب غضبه الجحيمي هذا. تركهم واندفع تجاه سيارة آدهم المصفوفة جانبًا، ويتجمع من حولها رجاله.
فتح عمران باب السيارة الخلفي واندفع يكيل اللكمات القاتلة للرجلين وصرخاتهما تغدو مقبضة لمواجهةٍ هذا الجريح.
جذبه جمال وهو يصرخ به:
_كفايا يا عمران هيموتوا في إيدك! بلاش تودي نفسك في داهية إنت عارف القوانين هنا.
دفعه عمران بركلته للخلف، وبعدائيةٍ شديدة صاح:
_إبعد يا جمال، هقتلهم واللي يحصل يحصل.
جذبه راكان وهو يحاول أن يهدئه، متسائلًا بفضولٍ:
_طب فهمنا بس أيه اللي حصل وحقك هيرجعلك!
لم يكترث لحديثهما، وكأنهما نسمة هواء عابرة لا تلامس جبهة الوحش العتي الذي يهاجم بشراسه فريسته. فتدخل آدهم على الفور حينما وجد الأمور تزداد سوءًا. فنجح بضخامة جسده بإبعاده عنهما متفوهًا باحترامٍ رغم موقفه:
_يا باشا اهدى دول ميستاهلوش، أنا هخلي واحد من رجالتي يربيهم وبدون ما يكون لحضرتك علاقة بالموضوع، متنساش إنك ليك إسمك وتصرفاتك دي متنفعش.
خدمهما آدهم حينما أبعده عن السيارة. فاستغل جمال الفرصة ووضع يده على كتف عمران يسترسل ما بداه آدهم:
_إسمع الكلام يا عمران، وأهم أخدوا جزاتهم واللي يستاهلوه.
وأشار برفقٍ وهو يتابع اتقباض صدر عمران المختلج أنفاسه بعصبيةٍ بالغة:
_ارجع البيت عشان مدام مايسان شكلها تعبانه، وقابلني عند سيف، يوسف متصل بيا ومأكد عليا نروحله، أنا هفوت على الشركة ونص ساعة وهحصلكم.
هز رأسه بهدوءٍ، وتطلع لراكان ببعض الحدة:
_فريدة هانم متعرفش بحاجة من اللي حصلت هنا يا راكان من فضلك.
أجابه باستغرابٍ من طريقة حديثه، وكأنه طفلًا صغيرًت سيهرول ليقص ما رآه:
_أنا بشوفها فين أصلًا.
سحب نظراته عنه لآدهم مرددًا بامتنانٍ:
_شكرًا يا آدهم، لولاك كانوا الكلاب دول هربوا.
أحنى رأسه قليلًا وأجابه:
_معملتش غير الواجب، المهم إنك تهدي نفسك وتتصرف بحذر الحفلة مليانة صحافة.
منحه ابتسامة صغيرة قبل أن يتجه لسيارته. وحينها توجهت شمس لسيارتها لتتبعهما للمنزل، مودعة بعينيها ذاك الذي يرتكن بجسده على سيارته وعينيه تصرخان بالوداع رغم جمود وصلابة جسده.
***
اهتز مقعده استجابة لحركة جسده المتعصبة، ويده تضغط على الجزء المتحكم بسن القلم مرات متكررة، وكأن صوته المزعج يريح عصبيته التي تكاد تقتل كل هدوء منحه لذاته بفضل عمله الشاق. أطبق بشفاه على الأخرى في محاولاتٍ بائسة للسيطرة على أعصابه. لم يبقى بالغرفة ضوء يرشده لضالته بعدما أغلقه لرغبته بالبقاء بالظلام.
لم يمل ببقائه هكذا منذ ساعتين، عاجزًا عن تخطي تلك الأحاسيس والعاطفة التي تدفعه للتوجه لغرفتها وضمها إليه، يعتصرها بقوة بين ضلوعه، يزيح كل وجعٍ خاضته يومًا. وإن كان عاجزًا مكتف الأيدي أمام استماعه لتلك المأساة فيخوض نفس المعانأة في محاولته ليتوقف عن فعل ما يرغب به.
انطلقت دقات خافتة على باب مكتبه جعلته يردد ومازال يستكين بجلسته:
_تفضل بالدخول.
فتحت باب غرفته، وولجت للداخل بخطواتٍ مرتبكة، متوترة، لم تصل لحركة جسدها فحسب بل لحقت صوتها الرقيق:
_دكتور علي.
فتح عينيه لهفةٍ وعدم استيعاب من سماع صوتها ووجودها بغرفة مكتبه. ابتسامة مرحبة تحررت على شفتيه فانحنى يحرر ضوء الغرفة بالريموت ليتأكد من أنه لا يتوهم.
نهض علي عن مقعده مرددًا ببسمة ساحرة:
_فطيمة! مش معقول أنك نزلتي وجيتيلي مكتبي.
وتابع مازحًا على حالته المريضة التي تستدعي الاهتمام الطبي:
_شكلي من كتر ما بقيت بفكر فيكِ بقيت بتوهم وجودك في كل مكان أروحه حتى مكتبي!
تلألأت جوهرتها الباسمة، ودنت منه ترفع ما بيدها:
_نسيت موبيلك ومش مبطل رن.
رمش بعينيه بحرجٍ، بالفعل لم يتوهم وجودها. تناوله منها علي ثم وضعه دون اكتثار على الطاولة، ليوقفها قبل أن تعود:
_فطيمة استني أنا عايز أتكلم معاكي.
التفتت إليه بحزنٍ ظنًا من أنه يود النبش بما حدث:
_مش قادرة أتكلم تاني في الموضوع ده يا دكتور علي من فضلك.
منحها ابتسامة جذابة وهو يبرر:
_متقلقيش مش ده موضوعي.
وإتجه للطاولة البلاستكية البيضاء، فجذب مقعدًا وجلس وهو يشير لما يقابله:
_اتفضلي.
ابتلعت فطيمة ريقها بارتباكٍ، ومع ذلك اتجهت لتعتليه بخفوتٍ، لتجده صامتًا يتطلع لمعصمه ويده تلهو بالساعة التي يرتديها. تمكنت من الشعور بربكته وتردده الصريح بما يود قوله، لذا انتظرته حتى يجد وقته المناسب للحديث، ولم تقاطع صمتهما المطول.
رفع عينيه لها ثم قال بصوتٍ محتقن يخفي وجعًا عظيمًا:
_أنا عارف إن اللي عشتيه وفات من حياتك ده صعب وميتنساش بس أنا مش عايزك تفكري فيه وتحاولي تخرجيه من حياتك.
كادت بأن تزجره بغضبٍ، أكدت عليه مسبقًا بأنها لا تود الحديث على الأقل بالوقت الحالي، ولكنها صمتت حينما استرسل ونظراته الغريبة تحيطها:
_من أول يوم شوفتك فيه حسيتك مختلفة عن الكل، كنت كل ما بقربلك قلبي بيتعلق بيكِ وبيتألم عليكِ، عيونك فيها وجع بيجلد روحي، لدرجة إني اتمنيت أقابلك وأكونلك أول راجل في حياتك.. اتمنيت أغيرلك الفكرة البشعة اللي اترسخت جواكِ بسبب الكلاب دول بما فيهم خطيبك.
لعقت شفتيها بارتباكٍ، فقدت قدرتها على جسدها، على لسانها، على مشاعرها المنساقة من خلفه. لم تتفاجئ من حديثه، لطالما كانت تستمع له طوال الثمانية أشهر يتحدث معها عنه وعن عائلته. بالرغم من صمتها الا أنها كانت تتمنى الحديث إليه، تبتهج بلقائه كل يوم وتترقب لحظة دلوفه كل صباحٍ غرفتها حاملًا باقة الورد بين يده التي تزف رائحتها من قبل دخوله لها. كانت تسمعه وهو يلمح لها عن مشاعره.
ولكن ما يعجز عقلها تقبله لها وتصريحاته الجريئة بحبها بالرغم ما تعرضت له، كيف يسمح لذاته بفعلها وهو طبيبًا من عائلة مرموقة يستحق التفكير بأنثى عذراء يكون هو رجلها الأول، كيف تقنعه بذلك وهو الأحق بعلمه كونه طبيبها! أكثر الناس دارية بحالتها هو، بداية بما تعرضت له وإلى ما وصلت إليه. صممت آذنيها عن سماع أي شيئًا فأفاقت على صوته العذب المنادي:
_فطيمة سمعاني.
رفعت عينيها الغارقة بالدمع إليه، فتركزت على شفتيه التي تعيد كلماته الغير مسموعة مجددًا:
_أنا بأحبك وعايزك زوجة ليا.
أيمنحها الأمل وقد غادرت عنها الحياة مولية لها ظهرها؟! من بين نساء العالم الجميلات ألم يختار سواها؟! ليته حلمًا، ليته وهمًا، ليته مجرد تخيل يزينها قلم بدفترها الذي قدمه لها!
تمعن علي بملامحها ولأول مرة يعجز عن فهم ما يدور برأسها، اعتاد فهم المريض من أمامه بنظرةٍ، والآن يعجز عن فهمها، ويخشى أن تنفلت الأمور عكس توقعاته، فقال بارتباكٍ:
_أنا عارف أن الوقت مش مناسب لكلامي، وإني كان المفروض انتظر الوقت المناسب لده بس صدقيني مش قادر... مش قادر أكون بعيد وأشوفك بتعاني وأنا مقيد على الكرسي بمارس شغلي.
ومال بجسده يستند على الطاولة حتى بات قريبًا، مسموعًا:
_فطيمة أنا عايز أخدك في حضني وأدوي كل جرح جوه قلبك، أنا شايف نفسي عاجز في اللبس ده لكني واثق لما أقرب منك مش هفشل.
صامتة عن الحديث، تصغى جيدًا إليه، ويترقب هو سماع أي كلمة منها، فقال بحزنٍ:
_ساكتة ليه يا فطيمة، إتكلمي!
تحررت شفتيها المطبقة على بعضها لتحرر كلماتها المتحشرجة:
_مش عارفة هقول أيه، أنا مش لاقية كلام أقوله لإن كل اللي هيتقال أنت تعرفه وكويس جدًا لانك دكتوري.
وتابعت وهي تفرك أصابعها تخفي تأثرها بما ستقول:
_لكن هقولك إنك تستاهل إنسانة تانية تكونلها الراجل الأول في حياتها، لكن أنا حياتي كلها معاناة سواء بالماضي أو بالمستقبل، يعني اللي فات مش هيسبني هفضل أعاني منه دايمًا.
_وأنا جاهز ومتقبل يا فطيمة.
قالها باصرارٍ عجيب، واسترسل:
_أنا بحبك ومستحيل هتخلى عنك.
وقرب مقعده منها قليلًا، ليخبرها بتوسلٍ:
_وافقي يا فطيمة وأنا أوعدك إني هعوضك عن كل شيء عيشتيه.
نهضت عن المقعد وتراجعت بظهرها للخلف تلتقط أنفاسها المرتبكة، فتمكنت بالسيطرة على ذاتها أخيرًا وهدرت من بين انفعالاتها:
_حرام أني أدمرك بالماضي اللي يخصني.
وتراجعت للخلف حتى وصلت لباب الغرفة، وقبل أن تغادر ضغطت على ذاتها بألمٍ وكأنها تخطو فوق زجاج مهشم:
_لو سمحت يا دكتور علي تسيب ملف حالتي لدكتور تاني، أفضل ليك وليا.
وتركته وغادرت، فضم يديه على وجهه بضيقٍ شديد لما حدث، فألقى الطاولة بعصبيةٍ بالغة:
_ غبي....اتسرعت!
***
طوال الطريق حاول جاهدًا حثها على الحديث، ولكنها كانت صامتة لا ترغب بتلبية قلقه الشديد عليها. فما أن توقفت سيارته قبالة باب المنزل، تحركت كالدمية المتحركة لتخطو للداخل بعدم اتزانًا. لحق بها عمران، فأمسك بمعصمها يمنعها بصعود الدرج وهو يناديها:
_مايا!
رفعت عينيها المتورمة بالبكاء إليه، ترمق رماديته بنظرةٍ قوية رغم انكسارها الأذلي، وبنبرة مرتجفة كحال جسدها المرتعش رددت:
_طلقني يا عمران.. من فضلك طلقني.
وتركته مندهشًا يحاول استيعاب ما قالته للتو وصعدت للأعلى بآلية تامة. تابعها بعينيه وتمنى لو استدارت إليه ليعاتبها عما فعله لتطالبه بذاك الأمر، ولكنها لم تستدير إليه، وكأنه غير موجود بالمرةٍ.
أغلقت باب غرفتها وتركت قدميها تستكين أرضًا ببكاءٍ حارق، بينما الأخير مازال يقبع بالأسفل، يده تشدد على الدرابزين، يود الصعود إليها ولكنه يعلم جيدًا بأنها ترغب البقاء بمفردها حينما تخونها دمعاتها، هكذا حفظها منذ الصغر.
لم يفوته تفاصيلها، كانت تلك الفتاة قوية بالماضي والآن يعهدها أكثر قوة، تطعن حبها وتطالبه بالطلاق والتحرر. يعلم بأنه سيعاني فزوجته صعبة المراس، ولكنه يستحق لما فعله بها طيلة الخمسة أشهر.
اعتاد رؤيتها كل عامٍ بأعين مفعمة بالحب، ولكنه امتنع عن رؤيتها منذ ثلاث سنواتٍ، وبالأخص منذ دلوف تلك اللعينة ألكس لحياته. كان يعترض على الهبوط بزيارته السنوية لمصر خشية بأن يحاربه حبها، اقتناعًا بأن ألكس قد خطفت قلبه الذي كان لها بيومٍ ما، ورهن حبها بالمراهقة الغير متزنة، ولكنه الآن رجلًا يختار ألكس بعقلانية!!!!
والآن يكتشف الحقيقة، والحقيقة تتكمن بكونه رجلًا أحمقًا لم يكن يمتلك عقلًا من الأساس. هو الآن بحاجة فرصة ولا يعلم إذ كانت ستمنحه إياها أم لا.
أفاق عمران على كف شمس الموضوع على كتفه. استدار فوجدها تتطلع له بحزنٍ وخوف لما تعرض له هو وزوجته. ضمها عمران لأحضانه وهو يبدد خوفها:
_امسحي دموعك مايا كويسة وأنا كمان بخير يا شمس.
وأبعدها عنه وهو يضم وجهها بحنان:
_اطلعي غيري هدومك وخليكي معاها متسبهاش.
أومأت برأسها تؤكد له وهي تمسح دموعها وترفع طرف ثوبها لتلحق بها للاعلى، بينما ترنح هو على الأريكة بتعبٍ جعله يسترخي ساندًا رأسه للخلف بإرهاقٍ تام. فرن هاتفه ليعيد صحوته الغير مريحة.
رفعه عمران مرددًا بإنهاكٍ بعدما تحقق من كناية المتصل:
_أيوه يا يوسف.
اندفع صوته المتعصب:
_إنت فين يا مقطوع أنت والمقطوع التاني، مش اتفقنا نتجمع بالشقة يا ابني دي دكتورة ليلى صاحية من النجمة تحضر الأكل انت نسيت العزومة ولا أيه؟
أجابه وهو يفرك جبينه بارهاق:
_لا منستش أنا شوية وكنت هتحرك عليكم على طول، وجمال بيخلص حاجة في مكتبه وزمانه جايلك بالطريق.
رد محذرًا:
_طب تعالى بسرعة قبل ما الأكل يبرد، وخليك فاكر الجمال أنا لسه متجوز من شهرين ومغرقكم خير وأكلات مصرية شوف بقى إنت والحيوان جمال متجوزين بقالكم زمن ومحدش فيكم كلف مراته تعملنا أكلة مصرية ترم العضم بدل العكعكة دي.
ابتسم وهو يردد ساخرًا:
_جمال بيروح بيته أصلًا عشان يخلي مراته تطبخ!
طعنه بالرد القاطع:
_طب وسيادتك نظامك أيه؟
اعتدل عمران بجلسته وهو يجيبه بجدية مضحكة:
_تصدق إني إلى الآن معرفش إذا كانت مايا بتعرف تطبخ ولا لأ.
ضحك مستهزئًا:
_إنت أيه اللي تعرفه عن مراتك أساسًا يا معتوه، أخبرتك سابقًا أنت حقيرًا أرعن!
دمج حديثه بالانجليزية، فشن هجومه باكرًا على من تفاده مرددًا:
_سخن الأكل أنا جاي.. وكلم جمال يجبلنا حلويات.
ضحك بصوته الرجولي المسموع:
_أنت نفسك مفتوحة على كده.
جذب مفاتيح سيارته واتجه للسيارة، رفع جسده برشاقة واعتلاها وهو يخبرها بهيامٍ:
_تقدر تقول إني تقريبًا فوقت ومبقتش الغبي اللي يتضحك عليه، لقيت اجابة لاسئلتي ونهايتها إني كنت غلط يا صديقي.
تلهف باخباره:
_لأ ده إنت تيجي بسرعة نشوف حكايتك أيه؟
أغلق عمران هاتفه وألقاه جواره وهو يصفر بهيامٍ بما توصل إليه بعد معاناة، فعاد يدق من جديد، وما أن إضأت شاشته بإسم ألكس حتى جذبه ليلقيه بالمياه المجاورة لسيارته وهو يردد:
_خلاص الأهبل مسح ريالته، مش هيكونلك وجود بحياتي تاني لا بالرخيص ولا بعقد جواز!
***
حاولت شمس أن تستميل مايسان لحديثها، ولكنها كانت صافنة على فراشها، تضم جسدها بحزنٍ تام، ومع ذلك تابعت شمس حديثها الحزين مرددة في محاولة لجذب انتباهها:
_اتصدمت منه لما لقيته بيتكلم على لبسي بالشكل ده ولما رجعت لابسه الفستان اتصدمت أكتر لما لقيته كل شوية يقولي إقلعي الشال، الاستاذ كان عايز البروچ الغالي يبان للناس عشان يتأكدوا إن الفستان غالي!
وزفرت بغضب:
_بني آدم حقير وحقيقي يا مايا مش قادرة أتحمله أنا بكره الصبح هروح لعلي المستشفى وهكلمه يقول لفريدة هانم تفسخ الخطوبة دي.
وحانت منها نظرة إليها، فوجدتها لم يرف لها جفنًا، فأمسكت ذراعها تحركها بحزنٍ:
_مايا إنتِ مش معايا خالص، مالك بس يا حبيبتي المفروض إن اللي حصل يفرحك، الحمد لله إنتِ سليمة محصلكيش حاجة وعمران أخدلك حقك وهان الكلبة دي، أيه بقى اللي مزعلك؟
رفعت عينيها إليها، باسمة بتهكمٍ:
_عمران عمل كده عشان رجولته وشكله قدام الناس يا شمس، مش لإنه واقع في غرامي.
واسترسلت بوجعٍ تجمع بهالته:
_بكره ترجع وتتقربله وكالعادة هيستسلم ليها.
وبحقدٍ مندفع استرسلت:
_اللي يضعف مرة قدام واحدة ست هيضعف مليون مرة ليها ولغيرها.
وتابعت وعينيها تحرر دموعها:
_عمران ضعيف يا شمس، مش هيقدر يحارب شيطانه، كان متوقع إني هفرح وهجري عليه بعد ما يكسر ألكس أو يسيبها خالص، ميعرفش أني بحاول أحافظ على نفسي. أنا لو سلمتله يا شمس وخاني بعدها هموت ومش هقدر أحارب علشان حبي وكبريائي تاني، الخساير مش هتكون كسرة قلبي وبس يا شمس الخساير هتكون كسرتي ونهاية حياتي!
وانهارت باكية فضمتها شمس إليها بتأثرٍ، شاركتها البكاء وبشهقاتٍ مختنقة قالت:
_اهدي عشان خاطري، أنا فهماكِ ومقدرة والله، بس أنا حاسة إن عمران لو أخد فرصة تانية منك هيتمسك بيها ومستحيل هيضيعها من إيده.
ابتعدت مايسان عنها، وأزاحت دموعها بقوةٍ امتدت لها فجأة، فقالت وهي ترسم بسمة هادئة:
_قومي نامي علشان جامعتك، أنا تعبانه وعايزة أرتاح.
وتمددت مايسان على الفراش، فاحترمت شمس رغبتها بالبقاء بمفردها، ففردت الغطاء عليها وخرجت لغرفتها.
***
ما أن ولج للداخل حتى ألقى جاكيته على المقعد، وحرر قميصه ليتركه مفتوحًا. ألقى عمران بجسده على الأريكة المقابلة ليوسف الذي يلقيه بنظرة ساخرة:
_إلبس هدومك بدل ما تاخد لطشة برد، أنا جاي أكل وأنبسط معنديش استعداد أجري بحد.
استند بيده أسفل رأسه وهو يخبره:
_متقرفناش بقى يا عم يوسف، قوم هات الأكل خلينا نأكل ونغور.
ضحك سيف الذي يتابع دراسته على الحاسوب، فأشار له يوسف بضيق:
_شوفت بيتكلم ازاي معايا يا سيف!
هز رأسه مؤكدًا، ثم قال مازحًا:
_صحابك عنيفين أوي يا جو، بالأخص جمال تحسه إتولد روحه على طرف مناخيره.
رد عليه عمران بتحذير مبطن:
_مالك بينا يا دكتور سيف، ركز في دراستك أحسن من المقاطيع اللي تودي ورا الشمس دول.
رفع يوسف يده بمكر:
_بيتكلم صح، قوم يا سيفو سخن الأكل عما جمال يجيب الحلويات ويجي.
ضيق عينيه بغضب:
_ورايا Test ومش فاضي، قوم اخدم اصحابك بنفسك والا هتصل بماما وأقولها إنك معطلني عن المذاكرة وشوف بقا هآآ...
قاطعه حينما ألقى الوسادة المطولة لوجهه بعنفٍ:
_خلاص خلاص ما صدقت!
ونهض وهو يعدل من ملابسه الغير مرتبة:
_هقوم أنا، ما خلاص بقيت دكتور نسا وتوليد طول اليوم وبليل الخدامة الفلبنية اللي جابهالك أبوك كنس وطبخ وغسيل هدومك المعفنة يا معفن!
انفجر عمران ضاحكًا وهو يتابع المشاجرة اليومية المعتادة بين يوسف وأخيه الصغير. فقاطعهم صوا غلق الباب ليطل جمال من خلفهم يضع أكياس الحلوى وهو يردد ببسمةٍ خبيثة:
_إوعوا تكونوا كلتوا من غيري أزعل!
أجابه سيف ومازال نظراته متركزة على الحاسوب:
_يوسف لسه داخل يسخن الأكل، اديني أحلي عما يخلص.
رمقه يوسف بازدراء:
_طفس!
وتركهم وغادر للمطبخ، بينما جلس جمال جوار عمران ينشب تحقيقه حول ما حدث اليوم بالحفلة، مستفسرًا عن علاقة ألكس بالرجلين.
انتهى يوسف من تسخين الطعام، فوضعه على الطاولة واتجه ليجلب المياه ولكنه توقف حينما صدح جرس الباب يدق بطريقة أفزعته، ظن وكأن الشرطة هي التي تدق الباب.
فتح يوسف ليتفاجئ بفتاة أمامه تتطلع إليه بغضب شديد، تلاشى حينما رأته يقف أمامه. كانت ترتدي فستانًا أزرق اللون وحجابًا من اللون الأبيض، بدت عربية بملامحها الهادئة. ارتباكها وعرفها النازح فوق جبينها وكأنه كانت تواجه شيئًا قاتل بالخارج جعله يتساءل:
_كيف أساعدك؟
ابتلعت ريقها بتوترٍ شديد، وفجأة تحركت آذنيها تجاه صوت الضحكات المسموع من الداخل، فلم يكن سوى ضحكات عمران وجمال من وسط مزاحهما والأخير يحاول لكمه بمرحٍ.
تعجب يوسف من تلك الفتاة، وخاصة حينما دفعته وهرعت للداخل، فاتبعها وهو يصيح:
_هيي.. توقفي وأخبريني من أنتِ؟
انصاعت خلف صوت الضحكات حتى وصلت للغرفة المقابلة لها، لتستقبل ما ستراه بقتامةٍ حارقة، تلاشى عنها الغضب تدريجيًا حينما وجدت شابًا يدرس على حاسوبه، وأخر ممددًا على الأريكة وما أن رآها حتى نهض يغلق أزرر قميصه المفتوح، وبالمنتصف الطعام الموضوع ولجواره أكياس الحلوى الذي راقبته وهو يشتريها أثناء هبوطه من مكتبه.
كانت بموقف لا تحسد عليه، خاصة حينما انتصب بوقفته وهو يرمقها بعدم تصديق، بينما تساءل عمران بدهشة:
_في أيه يا يوسف؟ ومين دي؟
أجابه بحيرةٍ من أمرها:
_معرفش بس هي تقريبًا تايهة بالعنوان.
أتاهما ردًا حارقًا ينبع من ذاك الغائم:
_لا مش صح الهانم المحترمة نازلة في نصاص الليالي تراقبني وطالعة لحد هنا بنفسها تدور على الست اللي واخدني من حضنها زي ما هي رسمت.
بدت حقيقتها للجميع بأنها صبا، زوجة جمال التي لم يسبق لاحدٌ منهم رؤيتها. توترت الأجواء وخاصة حينما جذبها جمال من ذراعها هادرًا وهو يهزها بعنفٍ:
_ادخلي، ادخلي دوري جوه في الأوض يمكن نكون خبينا الستات في الدولاب ولا تحت السرير.
تدخل عمران على الفور فجذبه بعيدًا عنها مرددًا بهدوءٍ:
_جمال ميصحش كده، من فضلك اهدى.
صرخ بعصبيةٍ جعلتها تنتفض بوقفتها وتتراجع بخوف:
_اهدى!! مراتي بتراقبني وطالعالي في وسط صحابي وخرجت بدون إذن مني عايزني أكون هادي ازاي يا عمران؟!
واستدار يقابلها بغضبه القاتل، فدفعها للخارج مرددًا بتوعدٍ:
_قدامي يا هانم حسابنا في البيت، أنا غلطان اني خليتك تسيبي مصر وتيجي تعيشي معايا هنا، كنت مغفل بس هصلح غلطتي دي وحالًا هحجزلك على أول طيارة راجعة مصر.
بكت وهي تحاول تحرير ذراعها بألمٍ اتبع نبرتها المتوسلة:
_جمال إيدي!
أبعده يوسف عنها ليعترض طريقه فاوقفه عن هبوط الدرج قبالة باب الشقة:
_جمال احنا على السلم مينفعش اللي بتعمله ده، ادخل جوه واقعدوا اتكلموا بهدوء أفضل من عصبيتك دي.
أشار له بتحذيرٍ:
_إبعد عن طريقي يا يوسف أنا مش طايق الهوا اللي قدامي.
كعادة عمران حينما تشتد الامور سوءًا، منحه لكمة جعلت جسده بترنح للخلف، فدفعه مستكملًا بقامته لداخل الشقة، بينما بقى يوسف برفقة صبا بالخارج مشيرًا لها:
_حاولي تهدي، متخافيش عمران هيعقله.
إلتف العالم بها، فلم يكن بأوسع مخيلاتها أن تمر بما تمر به الآن، تواجه الكثير من العقبات بمفردها رغم وجود زوجها الذي تركها للهواجس تخبرها بأنه يعرف أخرى عليه، وخاصة بعد رؤيتها النساء المتحررات هنا، وباليوم الذي قررت فيه تتبعه تضع ذاتها بهذا الموقف المحرج.
ترنح جسدها للخلف فاستندت على باب المصعد، صدرها يختلج ويهرب عنه الهواء تدريجيًا. شعر بها يوسف فألقى نظرة متفحصة عليها، قائلًا بقلق:
_مدام صبا إنتِ كويسة؟
ارتمى جسدها أرضًا مستسلمًا للدوار القاتل الذي يضمها إليه، فهرع يوسف لداخل الشقة يهتف بغضب:
_ مراتك وقعت من طولها بره، مش عاملي فيها دراكولا!
فور سماعه ما قال، هرع جمال للخارج فانحنى يحمل جسدها إليه وهو يحرك وجهها بفزعٍ:
_صبا... صبا سامعاني... ردي عليا... صبــا.
خرج الشباب من خلفه، فانحنى يوسف يتفحص نبضها، ومن ثم استقام بوقفته وهو يشير لجمال:
_هاتها جوه بسرعة.
إنصاع إليه فحملها وولج لغرفته، وضعها على الفراش وانزوى جانبها يحركها برعبٍ.
بينما وقف عمران بالخارج حتى يترك لهما مساحة لا ينبغي له تحطميها، فلفت انتباهه يوسف المستند على الحائط جواره، رمش بعدم تصديق وصاح:
_إنت بتهبب أيه هنا؟
برق ساخرًا:
_هكون بعمل أيه يعني واقف مستني لما يفوقها.
ضرب كفًا بالأخر وهزه بغضب:
_إنت مش دكتور يا بجم متخش تتصرف.
رد مستنكرًا:
_عايزني أدخل لجمال الطايش ده علشان يديني لكمية يجبني الأرض، ترضاهالي يا صاحبي؟
جز بأسنانه على شفتيه:
_يا مثبت العقل والدين، هتتنيل تدخل ولا أكيفك أنا بدل جمال!
تنحنح وهو يعدل قميصه المتسخ بالزيوت جراء تسخينه للطعام:
_لا هدخل وهطرقلك جمال تتصرف معاه إنت.
أجابه بضجرٍ:
_مفيش مشكلة.
ولج يوسف للداخل، فدنى منها بعدما جذب حقيبة صغيرة من غرفة سيف، وبدأ بتفحصها ويقاس ضغطها، تكون لديها فكرة عما يصيبها، ولكنه ترقب لحظة افاقتها.
بدأت صبا تحرك رأسها يمينًا ويسارًا، حتى استردت وعيها، فوجدته يجلس جوارها يسألها بلهفة:
_حاسة بأيه؟
انهمرت دمعة على خدها ولفت رأسها عنه للجهة الأخرى، كز على أسنانه وردد من بين اصطكاكها:
_إنتي كمان ليكي عين تزعلي مني.. ماشي يا صبا.
ونهض وهو يشير لها بينما يتابع يوسف تدوين الادوية دون أن يعبئ به :
_قوومي بينا نرجع شقتنا.
لكزه يوسف ببسمة واسعة:
_لا مهو المدام هتركب محلول، وشكلكم هتناموا هنا النهاردة.
صاح متعصبًا:
_أيه اللي بتقوله ده يا يوسف نبات فين؟
أجابه وهو يقدم له الورقة:
_متقلقش هأخد سيف يبات عندي النهاردة، المهم ادي لعمران يجيب المحلول ده وخليك بره شوية، محتاج أتكلم مع مدام صبا عشان أقدر احدد سبب الاغماء.
_لوحديكم ليه إن شاء الله؟!
رددها بعصبية بالغة، فنهض يوسف عن المقعد وأشار له وهو يغادر:
_طب بالسلامة أنا عريس جديد ومش فاضي للعب العيال ده، إبقى شوفلك دكتور تثق فيه غيري.
جز على شفتيه السفلية بغيظٍ، فجذبه من تلباب قميصه بشراسةٍ:
_بتهددني يا يوسف؟!
أزاح يديه عنه وهو يصيح بغضب:
_أنا بشوف شغلي يا محترم، واتفضل بقى هوينا بسحنتك اللي تصد النفس دي.
منحه نظرة مغتاظة قبل أن يتركه مغادرًا للخارج، وعاد يعيد فتح باب الغرفة على مصراعيها مما جعله يضحك بعدم استيعاب لجنون أصدقائه على زوجاتهم بالرغم من معاملاتهم الغير منطقية لغيرتهم المجنونة.
لفت انتباه صبا الغرفة، وجدت بها الكثير من الصور لجمال زوجها وهو بسنًا أصغر برفقة يوسف وذاك الشاب الذي رأته بالخارج منذ قليلٍ وعلى ما تتذكر عمران كان إسمه.
عادت تسلط نظرها على يوسف الذي بدأ بحديثه الجادي:
_مدام صبا حضرتك عارفة أنك حامل صح؟
زفرت بحزنٍ وهي تشير برأسها بعلمها بذلك، فقال بهدوءٍ:
_في الشهر الكام؟
أجابته وقد بلغ الحزن بصوتها:
_أول التالت.
تابع بعقلانية:
_معنى كده إنك مخبية على جمال كل ده؟!
لعقت شفتيها الجافة عسى أن ترحل مرارة فمها عنها وهي تجيبه:
_مكنتش جاهزة أقوله وأنا جوايا احساس قوي أنه بيخوني.
ابتسم وهو يستمع لها، وقال:
_أنا طبعًا مش هبررلك غلطه لإن تصرفاته كانت في قمة الغباء، بس عايز أقولك أني أعرف جمال من لما كنا لسه بندرس، أنا وهو وعمران نعرف بعض من سنين من أول ما سكنا بالشقة دي واحنا مش بنفارق بعض، وحاليًا بعد ما كل واحد بقى له بيت والشقة بقت لاخويا سيف الا أننا بنتجمع هنا ومش بنقدر نبعد كتير.
اللي عايز أقولهولك جمال الوحيد فينا الا عمره ما بص لواحدة ست ولا كان له تجارب سابقة، جمال شخص نضيف فبأكدلك إن شكوكك كلها مش صحيحة.
بكت وهي تستمع إليه، وقالت باحتقانٍ:
_طيب ليه مقاليش هو بيجي فين وريحني من العذاب ده؟
أجابها بحزنٍ وهو يراقب بكائها:
_لانه كالعادة بيعاند وهتلاقيه كان عايز يشوف هتتهميه بأيه تاني، واللي زاد بقى لو اكتشف أنك كنتي مخبيه عنه حملك هيتضايق جدا.
ابتلعت ريقها بخوفٍ شديد، فابتسم يوسف وهو يطمنها:
_متقلقيش أنا هلف الموضوع وهشيله الجمل بما حمل.
لم تفهم ما قاله، الا حينما ناداه فولج للداخل حاملًا الأكياس:
_عمران جاب الادوية أهي.
جذبها منه يوسف وبدأ بتجهيزها، بينما دنى جمال من الفراش يتفحصها بنظرة مهتمة وبارتباك قال:
_أحسن ولا لسه تعبانه.
هزت رأسها بخفوتٍ، بينما اتجه إليها يوسف يدث إبرة المحلول بيدها واليد الاخرى تشدد على يد حمال المتمسكة بها، فتساءل بفضول:
_عرفت عندها أيه؟
أجابه وهو يضع الحقن بالمحلول المعلق:
_مدام صبا كانت شادة العيارين عليك بسبب الهرمونات يا جيمس.
ضيق عينيه بعدم فهم، فقال:
_مراتك حامل في الشهر الثالث، وشكلها كده من الزعل اللي إنت عامله فيها مخدتش بالها.
برق بعينيه بعدم استيعاب. فوضع يده على بطنها تلقائيًا وهو يردد:
_حامل!
****
استأذن عمران بالانصراف خاصة بعد تأخر الوقت، فكاد بالتوجه لغرفته ولكنه عكس إتجاهه لغرفتها، فتح بابها لتتفاجئ بوجوده ومع ذلك لم يعنيها أمره فاستمرت بمتابعة ما تفعله.
اتجهت للخزانة تجذب باقي الملابس لتضعها بالحقيبة لتضمن هروبها دون أن تراها خالتها. ولج عمران بخطواته المنتظمة حتى وصل للفراش فجلس وهو يردد بألمٍ:
_كنت واثق إنك هتعملي كده.
تجاهلته وهي تضع أغراضها بالحقيبة وكأنه نسمة هواء عابرة. ألقى عمران الحقيبة حينما وجدها تحمل باقي متعلقاتها، ونهض ليقف قبالتها مرددًا:
_مش هتطلعي من هنا يا مايا.. لو مهما عملتي.
رفعت عينيها المدعية للقوة له، قائلة:
_أنت ليك عين تتكلم!
ناطحها بعنفٍ:
_مايا صدقيني أنا ماليش علاقة باللي حصل ده.
تركته وهي تعيد حمل الحقيبة لاستكمال وضع أغراصها، فجذبها لتقف قبالته:
_من فضلك إبعد عني وسبني في حالي يا عمران، ولو خايف إن فريدة هانم تعرف فأنا مش هتكلم.
ضربته في مقتلٍ، وهو يراها رافضة لوجوده جوارها، فاستظردرت مولية ظهرها:
_أنا خلاص يا عمران فاض بيا ومبقتش قادرة أتحمل، فل. باقي على رابط الدم اللي بينا هتطلقني وحالًا.
قالتها بقسوة ومازالت توليه ظهرها، وفجأة استمعت لصوت من خلفها بدى قوية، استدارت لتجده ينحني بكبريائه وهيبته أمامها، واضعًا رأسه بالأسفل وهو بكافح ليتحرر صوته:
_مايا دي فرصتي الأخيرة من فضلك متحرمنيش منها ولا منك، أنا بحترمك فوق ما تتخيلي وعايز أقضي عمري معاكي.
رؤيته يجلس على قدميه هكذا جعلتها تندفع إليه لتنحني على قدميها أمامه. ابتسم عمران ورفع رأسه إليها فوجدها تغفو على صدره، فضمها إليه بقوة جعلتها تتألم من وجع ذراعيها، وهمساته لا تفارقها. فرغمًا عنه انصاع خلف عاطفته التي تحركت لها، فمنحها من بتلات العشق وعينيه لا تتركها فدنى يقتبس من رحيقها ولكنها تراجعت للخلف وتركته برفضًا تامًا لمشاعره، فمنعها من الابتعاد حينما حاوط وجهها بيديه بحبٍ، ليسحبها مستندًا بجبينه على جبينها وأنفاسه المحترقة تلفح وجهها:
_مايا أنا عايزك... أنا بأحبك!
تحررت من يديه ونهضت عن الأرض توليها ظهرها. فنهض يلحق بها وهو يضمها إليه. ابعدته مايسان وهي تشير بغضبٍ:
_لأ يا عمران... مش هسمحلك تقربلي الا لما تستحقني.
وبقسوةٍ قالت:
_طول ما أنت ضعيف وبتجري ورا نزواتك هبقى بالنسبالك أبعد من السما للأرض!
رواية صرخات انثى الفصل الثامن 8 - بقلم ايه محمد رفعت
غادر سيف برفقة يوسف، ولم يتبقى سواهما.
نزع جمال عنه جاكيته وتمدد جوارها ومازالت رأسها مستدير عنه.
مد ذراعه يلف وجهها إليه حتى باتت قبالة وجهه المستكين بنومته قبالتها.
فابتلع ريقه بجموحٍ تأثرًا برؤية الاحمرار يبتلع بشرتها جراء بكائها.
"عجبك اللي وصلناله ده؟"
تشكلت سخرية بسمتها على شفتيها، فسحبت نفسًا مختنق وعادت لتتطلع إليه:
"أكيد هتقول إني السبب في كل اللي حصل ده، زي ما اتعودت أكونلك شماعة تعلق عليها أخطائك."
تجعد جبينه مستنكرًا تهمتها:
"أخطائي! طيب يا هانم يا محترمة يا اللي نازلة تراقبي جوزك ونازلة وراه في نصاص الليالي عرفيني أخطائي وأنا جاهز أسمعها."
ارتبكت نظراتها المصوبة إليه، طوال تلك الأشهر لم تكن الحياة مستقرة بينهما، وكلما واجهته يسألها نفس السؤال ماذا فعل؟
حينها تكمم لسانها المتحفظ بكون ما ستخبره به لا يصح لأي أنثى البوح عنه.
مثلما اعتادت أن تلتحف المرأة برداء الحياء، ولكنه يتمادى.
يتمادى بخطئه، يتمادى باهانتها، وكل ما يملكه ماذا فعلت؟
أشاحت صبا بوجهها عنه ودموعها تنهمر ببطءٍ لتسلخ جلدها الرقيق.
فاعتدل جمال بنومته حتى استقام على الفراش، متمتمًا بغضب:
"كالعادة هتسكت وهتسبني أولع في نفسي، أنا خلاص مبقاش عندي صبر على العيشة الخنقة دي. بكره الصبح هنروح ليوسف العيادة ونشوف وضعك أيه لو كده هحجزلك وتنزلي مصر وسط أهلك عشان عيشتي المملة مبقتش تنفعك أنتِ واللي في بطنك."
واستند بجذعيه حتى انتصب بوقفته تاركًا الغرفة بأكملها.
تحرر صوت عويلها المكبوت، تفرغ ما خاضته معه طوال تلك المدةٍ.
وفجأة تحجر الدمع بعينيها وتساءلت ماذا ستجني بصمتها.
بداخلها حبًا له يكفيها حد الارتواء، عشقًا خلد لمحبوبها منذ الوهلة التي وضع خاتمه بإصبعها.
ولكنها رغمًا عنها تثور وتخرج ما بداخلها وهي تدور حول مكنون جرحها الحقيقي.
نزعت صبا الأبرة عن وريدها وأغلقته جيدًا، ثم نهضت عن الفراش واتجهت للخارج بخطواتٍ مرهقة، وأعين متفحصة للشقة الصغيرة.
بحثت عنه حتى وجدته يقف بالردهة أمام باب الشرفة يوليها ظهره ولم يشعر بوجودها من الأساس.
لعقت شفتيها بارتباكٍ حتى كادت بالعودة للغرفة مجددًا، ولكنها تعلم بأن بعودتها ستخوض رحلة صمتًا أطول من ذي قبل وسيزداد بعد المسافات بينهما من جديدٍ.
وجدت المجازفة بجزء من كرامتها وحيائها ربما سيريحه لمعرفة ما بها بالتحديد.
فاستكملت طريقها حتى باتت تقف خلفه، مدت ذراعيها بتوترٍ حتى حاوطت صدره، ومالت على كتفه تحرر دمعاتها التي أحاطت كتفه.
والأخر تعلو أنفاسه بعدم تصديق لقربها الذي لم يعتاد بها.
أغلق جمال عينيه بقوةٍ وهو يجابه تلك الأحاسيس القاتلة.
وفجأة تصلب جسده حينما قالت من وسط شهقات بكائها:
"متقساش عليا يا جمال، متسبنيش لشيطاني من فضلك."
كلماتها كانت مبهمة للغاية، وما تحمله ببطانها أثار فضوله لمعرفة ما بها بالتحديد.
فلف جسده إليها ليجدها تتراجع خطوة للخلف ورأسها أرضًا، تتحاشى التطلع إلى عينيه وكأنها بمجرد أن تراها ستجردها مما تختبئ به.
تماسك جمال محاربًا مشاعره التي تحركت إليها فور لمساتها المفاجئة، فابتلع ريقه وهو يسأله بصوتٍ هامس:
"قصدك أيه يا صبا؟"
عادت لصمتها ويديها تفركان ببعضها البعض.
أدمى شفتيه السفلية بغضب من عودتها لمخيم صمتها من جديدٍ.
فسحب نفسًا وأخرجه بيأسٍ، ويده تعيد خصلاته المتمردة للخلف.
فكاد بالابتعاد عنها مجددًا الا أن صوتها منعه:
"هو أنت فين من حياتي يا جمال؟"
تمعن بها، في محاولةٍ لفهم لغزها الثاني.
الأ يكفيه محاولته لفك الأول.
فرفعت عينيها المتورمة إليه وقالت:
"أنا لولا إني واثقة إن أنا اختيارك كنت فكرت إن في حد غصبك تتجوزني."
ورفعت اصبعها إليه تشير له:
"من يوم ما حطيت خاتمك في إيدي وأنا بصونك وبحافظ عليك بس إنت مصمم تكسرني وتخليني أحس بالنقص."
جحظت عينيه في صدمةٍ ازدادت وتيرتها مع بوحها بما يقتلها:
"كنت مقدرة ظروفك وعارفة بيها، اتجوزتني وفضلت معايا اسبوعين وبعدها سافرت وسبتني في مصر، كنت بموت وبتوجع وإنت بعيد عني بس بصبر نفسي إنك في يوم راجع. كفايا اني بسمع صوتك بس حتى دي حرمتني منها بقيت بتكلمني كل فين وفين تتطمن بس ان فلوسك وصلتني وإن والدتك وأهلك بخير!"
وازاحت دمعاتها وقالت وعينيها تواجهه بجرءة:
"أنا كنت بموت وأنا لوحدي، وبخاف من كل شيء حواليا، بخاف من مسكة موبيلي بخاف من خروجي من البيت، بخاف من نظرات أي راجل ليا، بخاف أسمع اخواتي البنات واحنا متجمعين عندنا وبيتكلموا عن قرب أزواجهم ليهم، بخاف على مشاعري وإنت بعيد عني..بخاف يا جمال!"
واستطردت بوجع نازح يخنق رقبتها وأضلعها:
"أنا مسبتش الشغل في مصر عشان الشركة قفلت زي ما أنا قولتلك، سبتها عشان كان في شخص هناك بيحاول يتقرب مني وأنا كل مرة كنت بصده بس كان جوايا رعب وخوف من ربنا طول ما أنا بفتكر كلامه ومغازلته ليا، أنا كنت بخاف أضعف يا جمال!!"
ازدادت صدماته ويده تعتصف بقوةٍ جعلت الدماء على وشك الانفجار من وريده المتعصب ومع ذلك بقى يستمع لها.
فقالت والبكاء يؤنسها:
"لما قولتلي إنك هتخلص أوراقي وهتبعت تاخدني فرحت إني هكون جنبك وهشاركك حياتي، بس اكتشفت إنك وإنت في مصر غايب عني وهنا بردو غايب عني، في الحالتين بتقتل!"
وفوق كل ده مش عايزني أفكر إنت بعيد عني ليه، أنا شكوكي بإنك تخوني كانت أخر شيء فكرت فيه، أنا فقدت الثقة في نفسي، بقيت بحس إني في شيء غلط، إني مبقتش عجباك عشان كده مبقتش عايز تشوفني ولا تقضي وقت في بيتك."
وصرخت بانهيارٍ يعصب به:
"إنت فاكر يعني لما جيت هنا ولقيتك مع صحابك ده شيء هيريحني وينسيني شكوكي، ده قتلني قتلني أكتر من الأول."
واستدارت تضم ذراعيها وهي تبكي بقهرٍ، وكلماتها الاخيرة تتحرر بصعوبةٍ:
"ولسه واقف تهددني أنك هتسافرني مصر! يا جبروتك يا أخي!"
وتركته وهرعت للغرفة، فحملت حقيبة يدها ثم أسرعت لباب الشقة.
أعاق جمال طريقها، مشددًا على ذراعيها يشير لها:
"مينفعش تنزلي دلوقتي."
دفعته بكل قوتها وصرخت بعنفٍ:
"مش هفضل معاك هنا ثانية واحدة، هرجع بيتي اللي إنت معتبره لوكاندا بتغير وتنزل."
واسترسلت وعينيها تجرب الشقة بسخريةٍ:
"أنا بنفسي هجبلك هدومك عشان توفر على نفسك مشوار كل يوم."
وتركته وغادرت فجذب جاكيته ومفاتيح سيارته، ثم هرع من خلفها.
ركضت صبا خارج المبنى تزيح دموعها بأصابعها، وجسدها يرتجف من فرط كبتها لصرخاتها.
جرحت كرامتها حينما عبرت عن احتياجها إليه وامتناعه عنها.
كل خطوة تخطيها على رصيف الشارع تشعر وكأنها تدعس بها على ذاتها وقلبها الضعيف.
احتضنت ذاتها تربت على نفسها وهي وحيدة في تلك الدولة الاجنبية، لا تعلم إلى أي طريق ستتجه بعد خروجها من المنزل برفقة سيارة أجرة تتبع سيارة زوجها للشركةٍ حتى وصلت خلفه لذاك المبنى.
تناست أمر جنينها فأخفضت يدها تحتضنه وتمسد على بطنها وهي تردد ببكاءٍ حارقٍ:
"أنا عارفة إنك مالكش ذنب تشاركني وجعي وحزني بس أنا دلوقتي ماليش غيرك يا حبيبي."
وطوفت الطريق من حولها بنظرةٍ متفحصة، فارتعب قلبها حينما لم تجد أحدٌ سواها.
فتطلعت لمقاعد الانتظار المصفوفة على طرفي الطريق، واتجهت إليها، فجلست على المقعد ومازالت يدها تحتضن جنينها بخوفٍ، وعينيها تدور على الطريق برعبٍ.
نهض عن الأرض وهو يتابعها بنظرةٍ صلبة، تحاول تحمل اهانتها الصريحة لحبه.
ومع ذلك منحها كل العذر.
هل يستحق ما فعلته وستفعله.
اقترب منها عمران حتى بات يقف خلفها، فلفحتها نسمة هواء عابرة جعلت شعرها يتطير ليلامس وجهه.
أغلق عينيه تاركًا رائحتها تغزو أنفه، أرادها أن تبدد كل ما سبق له الاعتياد عليه.
أراد أن ينعم بها وتظل رائحتها هي مبتغاه الوحيد.
فتح عينيه على مهلًا، وأدارها إليه فوجدها تتهرب من لقاء عينيه.
استغنت عن قوتها وقوة نبرتها الطاعنة لرجولته، رافضة أي قرب صريح منه.
فدنى يطبع قبلة على جبينها وهمس لها:
"أنا عارف إني أستحق، وجاهز لعقابك حتى لو كان غير محتمل، بس اللي مش هقبل بيه البعد!"
فتحت عينيها إليه، فتاهت داخل رماديته الجذابة.
خفق قلبها بعنفٍ وكأنها تلامس طبول تصيح دون توقف.
فأبعدت يديه عن كتفيها وتراجعت خطوات آمنة وهي تتمسك برداء قوتها الذي أوشك على السقوط أمامه:
"إنت لسه مصدق نفسك، إنت شكلك وإنت بتتخانق معاهم ضربوك على دماغك وجالك فقدان ذاكرة!"
وابتسمت ساخرة رغم دموعها المتدفقة على خديها:
"أنا مايسان بنت خالتك اللي فريدة هانم أجبرتك تتجوزني وإنت مضيعتش فرصة تهني فيها وكنت بتتمنى إني تخلص مني! فاكرني ولا إنت بتشبه عليا؟"
واقتربت تهمس جوار آذنيه بنفس لهجته الدنيئة المتعلقة بذكرياتها التي ترفض تركها:
"شكلك مفتقد العاهرة بتاعتك وجاي هنا عشان تتسلى!"
وتراجعت وهي تحدجه بسخطٍ، ويدها تتجه اشارتها لباب غرفتها:
"اطلع بره يا عمران ومتتخطاش حدودك مرة تانية معايا، أنا صبري نفذ معتش عندي اللي يخليني أنجبر أخضعلك، كنت فاكرة إني برد جزء بسيط من جمايل خالتي عليا بموافقتي بجوازي منك واستمراري فيه."
وبحزنٍ شديد استطردت بما يؤلمها:
"كنت شايفها عاجزة وأملها كله فيا إني أقدر أغيرك، بس للأسف أنت عمرك ما هتتغير ولا أنا ولا غيري هيقدر يفوقك."
قست نظراته تجاهها، أتمحي حبها إليه الآن وتنسب بقائها لهذا السبب.
وخر قلبه بوهنٍ، فكسر تعليماتها ودنى حتى بات قريبًا حد هلاكها.
فأحاط وجهها بيديه وهو يستهدف عينيها:
"بصي في عنيا وقوليلي أنك مبتحبنيش!"
مالت برأسها اعتراضًا للقائه الاجباري، فتمسك برأسها مستقيمًا من أمامه وهو يتابع بتعصبٍ:
"بصيلي وقوليلي إنك متمنتيش في يوم قربي!"
تصلبت نظراتها وردد لسانها:
"لأ يا عمران متمنتش، أتمناك ازاي وأنا شامة فيك ريحة الخيانة والزنا! أنا حتى لو بحبك مش هقدر أديك الفرصة دي لأن لو خنتني بعدها هموت."
ابتلع ريقه الجاف بصعوبةٍ وبديه تتحرر عنها.
فاخفضت عينيها تبكي أمامه.
دارت عينيه بالغرفة، فسقطت على مصحفها الوردي الموضوع على الكومود المجاور لفراشها.
تركها واتجه إليه فحمله بين يديه وعينيه لا تفارقه، ثم هم إليها ليضع يده عليه وعينه مسلطة بها:
"أقسم بالله عمري ما هرتكب الذنب ده تاني ولا هيكون في حياتي ست غيرك."
التقطت منه القرآن الكريم وهي تبعده بغضب:
"حرام اللي بتعمله ده، أنت فقدت عقلك!"
كان عاجزًا لا يعلم ما يفعله ليجعلها تثق به.
ففرك جبينه بألمٍ وقد خرت قواه تدريجيًا.
تسرب له فكرة جعلته يجذب حقيبة يدها، ليجذب منها جواز سفرها.
أسرعت مايسان إليه تراقب ما يفعله باستغرابٍ:
"إنت بتعمل أيه؟"
وضعه بجيب بنطاله ثم حملها بين ذراعيه ليتجه بها لغرفته وساقيها تندفع بعصبية بالغة:
"نزلني واخدني فين؟ بقولك نزلني!"
وضعها على فراشه برفقٍ وقبل أن تصب عليه غضبها قال:
"هتسمعيني وبدون ما أتعصب، سفر وخروج من هنا وطلاق انسي مش هيحصل، وإنتِ أكتر واحدة فهماني وعارفة أني عنيد وطايش وممكن أعمل اللي ميخطرش في بالك، أنا هسيبك تتخطي اللي حصلك النهاردة والضغوطات اللي أنا كنت السبب فيها، هديكي كل الوقت بس وأنتي معايا وقدام عيوني."
زحفت للخلف حتى وصلت للوسادة ولحافة الفراش ومازالت نظراتها تتوزع عليه بارتباكٍ.
فتركها واتجه للاريكة الموضوعة بنهاية الغرفة، ربعها لتصبح فراشًا صغيرًا وتمدد عليه وهو يخبرها:
"نامي واطمني أنا مستحيل هعمل شيء إنتي رافضاه، أنا مش حيوان!"
راقبته مايسان باستغرابٍ، بالرغم من الغضب المشتعل داخلها الا أن الأمر يروق لها.
تمسكه بها حرصه على بقائها برفقته حتى لا تهرب بعيدًا عنه.
قسمه بأنه لا يقترب من أنثى غيرها بالرغم من ارتكابه ذنبًا الا أنه هدأ من ثورتها.
راقبته مايسان حتى غفلت عينيه، فتمددت على فراشه وعينيها لا تفارفه، تراقبه ببسمةٍ هادئة حتى غفاها النوم هي الاخرى.
أخرج جمال سيارته من الچراچ الخاص بالمبنى، وقادها باحثًا عنها كالمجنون.
اختفى أثرها من أمامه وكأنها لم تتركه منذ خمسةٍ دقائق فقط.
ترك سيارته بمنتصف الطريق وهبط يبحث بالجانبين من الطريق، وحينما لم بجدها صعد للسيارة متوجهًا لشقته وقلبه يكاد يتوقف من الخوف عليها.
فتح بمفتاحه الخاص وولج للداخل فقابلته عتمة حالكة أكدت لها عدم وجودها ومع ذلك هرع للغرف يناديها بفزعٍ:
"صبــــــــــا!"
كل غرفة ولجها ولم يجدها بها كان يزداد دوار رأسه.
هي غريبة هنا بالمعنى الأوضح ليس لديها سواه هو.
شدد على خصلات شعره بعصبية وهو يهمس بخوفٍ جنوني:
"روحتي فين يا صبا؟!"
وجذب هاتفه يحاول الوصول إليها وهاتفها يرفض استقبال مكالماته كأنه يعاقبه عما فعله بها هو الآخر.
جذب مفاتيحه وغادر صافقًا الباب من خلفه بقوةٍ كادت باسقاطه.
عاد لنفس الطريق وتلك المرةٍ يبحث بعناية وعينيها تدمعان بالدمع الساخن.
كلماتها لا تتركه لتسفح جسده المرتعش فأصبح لا يسيطر على مقود سيارته من فرط ارتباكه.
هبط جمال من السيارة وجلس أرضًا على الرصيف مستندًا برأسه على يديه وهو يحارب تخمينه بأن سوءًا قد مسها هي وجنينها.
ربما أقدمت على الانتحارها فما استمع إليه منها يؤكد المعاناة التي خضتها بسببه.
ارتفع رنين هاتفه الملقي على تابلو سيارته، فنهض إليه سريعًا.
جلس جمال على مقعده باهمال فور رؤيته اسمها، فحرر زر الاجابة يردد لها بلهفة رغم تباطئ نبرتها التي تشق التقاط أنفاسه المهتاجة:
"صبا انتي فيــــــــــــن؟"
أتاه صوت بكائها ورعشتها التي نقلت إليه:
"جمال بالله عليك تعالى أنا خايفة أوي، أنا مش عارفة أنا فين آآ... أنا هموت من الخوف، متسبنيش هنا لوحدي وحياة أغلى حاجة عندك أنا ماليش حد هنا غيرك."
تحررت دمعته واستكان رأسه خلف مقعده بطعنة مريرة، فابعدها عن وجهه وقال بثباتٍ مخادع:
"إشرحيلي مكانك ومتخافيش هجيلك على طول."
ردت عليه وهي تتلفت حولها:
"أنا مشيت من الشارع اللي جنب العمارة اللي كنا فيها، آآ... أنا في مكان شبه الاستراحة وفي جنبي مكان شبه الماركت وجنب بنزيمة."
تمكن من التعرف للمكان، شغل سيارته وقادها بسرعة ومازال يده تقبض على الهاتف وعينيه مرتكزة على الطريق، صامتًا لا يتحدث وكأنه يجاهد لإن يظل ثابتًا حتى يصل إليها.
صوت أنفاسه المضطربة تصل إليها فتمنحها الأمان بأنه لم يغلق الهاتف بعد.
فنادته وهي تستكين على العمود الحديدي المجاور لها:
"جمال متتأخرش عليا.. آآ.. أنا بردانه!"
أغلق عينيه بقوةٍ ومازال يلتحف بالصلابة والثبات.
وصل جمال للمبنى التابع لشقته المشتركة مع يوسف، وانجرف للشارع الجانبي مثلما أخبرته.
قاد لدقائقٍ حتى وصل للمكان الذي وصفته، فترك الهاتف وهبط من السيارة يبحث عنها باستراحات الحافلات.
سقطت عينيه عليها، فوجدها تستكين وهاتفها لآذنيها ومازالت تتحدث إليه، تضم جسدها المرتعش بضعفٍ.
هدأ من انفعالاته فهو حقًا لا يريد أن يؤذيها يكفيه ما أخبرته به.
فاستكمل طريقه حتى وقف أمامها.
نهضت صبا إليه باسمة وهي لا تصدق وجوده.
عينيه الحمراء تصلب جسده جعلتها ترتبك، وخاصة حينما تركها واتجه لسيارته يقودها ليصبح من أمامها بصمتٍ جعلها تنخضع للمقعد المجاور له بهدوءٍ.
فأعاد القيادة متجهًا لشقتها، وطوال الطريق الصمت يحجرهما.
وقفت سيارته فهبطت منها أولًا وصف هو سيارته ولحق بها.
فما أن ولج للداخل حتى وجدها تغفو على الفراش بثيابها وتلف الاغطية من حولها.
نزع عنها الغطاء ثم جذب راسخها يجبرها على النهوض.
خشيت أن يصفعها لما فعلته ولكنها وجدته يضمها إليه بقوةٍ لم يفعلها يومًا.
تخشبت ذراعيها ولم تعلم كيفية التعامل مع وضعه.
وبصعوبة بالغة أرغمت يديها على وضعهما على ظهره، فزاد تمسكًا بها.
تحررت دمعاتها فأفرغت ما منعته عليها وبكت بصرخات أوجعته.
انهارت ببكائها داخله ولم يمنعها بذلك، بل شدد من ضمه لها وكأنه يود أن يمزق كل عائق وضعه بينهما يومًا.
تشبثت به يدها وكأنه أخر أمل لنجاتها، ودموعها تنهمر على رقبته وكتفه، فجلس بها على طرف الفراش.
مرت نصف ساعة ولم تهدأ انتفاضة جسدها بين ذراعيه، ولم يحاول أن يهدءها، تركها تخرج ما بها خشية من أن لا يصيبها السوء.
يكفيها كبت ما يزعجها طوال تلك الاشهر.
فما أن شعر بها تستكين أخيرًا على صدره، فمسد على ظهرها وهو يجاهد لخروج صوته، فقال بتلعثمٍ:
"حقك عليا يا صبا أنا غلطت وغلطي كبير، متعودتش أشيل حد معايا في همي وغصب عني خليتك جزء منه."
رفعت عينيها إليه بدهشةٍ من حديثه.
زوجها غامضًا للغاية، لم يسبق لها سماعه يقص لها عن حياته، حتى أصدقائه وعمله.
طالعته باهتمام وجده بحدقتيها، فرفع إبهامه يزيح عنها دموعها وهو يخبرها بحزنٍ يتعمق داخله:
"الدنيا مضيقة عليا أوي يا صبا، ماما محتاجة عملية في أسرع وقت والدكتور اللي ماسك حالتها مازال بيأكد عليا بيها كل ما بتروح تتابع عنده، وأنا عاجز يا صبا العملية مكلفة جدًا، لو دفعتها مش هيكون عندي رأس مال للشركة ولا هقدر أكمل في مصاريف تعليم أخويا ولا جهاز مها أختي فرحها متحدد على أخر السنة، أنا عاجز بين اختيارات كلها أبشع من بعض، لو الشركة وقعت مش هقدر ابعتلهم فلوس كل أول شهر ولا هقدر أكمل مصاريف الادوية. فكرت إني أستلف المبلغ من يوسف أو عمران بس مقدرتش أنا متعودتش أطلب حاجة من حد ولا أستغل صداقتي بيهم!"
برقت له بصدمةٍ من تحمله كل تلك الأعباء بمفرده.
أين كانت مما يواجهه.
رفع جمال عينه إليها يستطرد بندمٍ:
"مهما كان اللي بواجهه صعب مكنش ينفع أعاملك بالشكل ده وأنسى واجباتي تجاهك."
وتابع وهو يحاوط يديه بوجهها وابتسامته الجذابة تنير وجهه الحزين:
"بس والله بحبك وفضلتك عن مسؤولياتي، خوفت تضيعي مني عشان كده اتقدمتلك على طول ومقبلتش استنى لما أعدي بكل اللي بمر بيه ده، مكنتش أعرف أنك هتتأثري بمشاكلي، حتى لو مكنتش بتكلم... أنا آسف يا حبيبتي."
هزت رأسها ترفض سماعها لاعتذره، وقالت ببكاءٍ وصدمة:
"كل ده مخبيه جواك وبتواجهه لوحدك يا جمال، أنا اللي آسفة أنا اللي أنانية."
جذبها لاحضانه مجددًا وهو يهمس بصوته الخافت:
"لأ يا صبا أنا اللي غلطت ولازم تسامحيني."
وطبع قبلة على جبينها وهو يخبرها بصدقٍ:
"أوعدك إني هعوضك عن كل ده ومش هفارق بيتي تاني."
ورفع وجهها إليه مقتربًا منها بمشاعره المتمردة على عاطفته، فضمته بشوقٍ برحيقها ليغردهما عش غرامهما معًا بعد أن سقط السد المحاط بهما أخيرًا.
قاربت الساعة على الثالثة صباحًا ولم تتمكن من النوم بعد.
مازالت جالسة على فراشها تسند ظهرها للوسادة وعينيها هائمة بالفراغ.
تتذكر ما حدث معها بمقارنة تذبحها.
وجدته يدنو منها ويده موضوعة على خصرها بجراءةٍ لم تحبذها شمس مطلقًا.
فكانت ترسم بسمة مصطنعة بوجوه من أمامها وتلتفت إليه بين الحين والأخر مرددة:
"راكان إبعد لو سمحت مينفعش اللي بتعمله ده."
منحها بسمة صغيرة ودنى يهمس لاذنيها بانفاسه التي اشمئزت منها:
"أيه اللي عملته يا بيبي، أمال لو مكناش عايشين في انجلترا!"
وتابع وهو يجذب الشال الأبيض المغطي لجسدها العلوي، بضيقٍ:
"ثم أيه القرف اللي أنتِ لابساه ده، عايزة تداري على جوهرة من الالماس بشال رخيص زي ده!"
جحظت مما فعله، فتطلعت للشال الملقي أرضًا بصدمةٍ، ومنحته نظرة صارمة اتبعها حديثها المستنكر:
"أيه اللي عملته ده الفستان دهره مكشوف!"
نفث دخان سيجاره الثمين، قاصدًا أن يطولها:
"وماله يا بيبي، هو حد هيسيب الجوهرة وشكل الفستان اللي هياكل منك حتة وهيبص على دهرك!"
غامت الاجواء من حولها فبدت ترى ذاتها وسط سحابات تحوم بها.
تطلعت له وهو يتبادل حديثه مع اصدقائه وكأنه لم يقترف شيئًا بها.
فألمها قلبها لما هو قادم إليها.
ترنح لها موقف آدهم حينما أحاطها بالشال الأبيض ليخفي ظهرها في حين أن ما يسمى خطيبها يريدها عارية أمام رجال الطبقة المخملية.
تلقائيًا بحثت عينيها عنه بعيدًا وسط رجال راكان، وجدته يستند على السيارة ويتحدث لهاتفه.
وفجأة رآها تتطلع له بأعين باكية.
أخفض آدهم هاتفه عن آذنيه بدهشةٍ من أمرها.
لهفته واهتمامه كانت تنبع بحدقتيه التي تتابعها.
انسحبت شمس عن طاولة راكان مبتعدة لركن متواري عن الأعين، فجذبت المقعد وجلست تحتضن وجهها على الطاولة.
لفحتها نسمة هواء عابرة جعلت جسده يرتجف مفتقدًا للشال الذي تركه راكان أسفل الأقدام.
ترقرقت عينيها بالدمع وفاضت بما يزعجها.
وفجأة احتضنها الشال من حولها، وحينما استدارت كان أملها بأن نخوته أيقظته فعاد إليها.
ولكن عادت لتتفاجئ بآدهم يقف قبالتها، فتحرك ليجلس على المقعد المقابل لها متنحنحًا بحرجٍ لاقتحامه جلستها المنفردة:
"تقريبًا وقع منك."
ورددت بمرحٍ وابتسامته لا تفارقه:
"وتقريبًا بردو إنك بتهربي من الحفلات المملة يا أما فوق السطوح يا بره!"
حدجته بنظرة جامدة لا توحي بالنيران المشتعلة داخلها.
فترقبها آدهم بقلقٍ فشل باخفاءه، فسألها بشكلٍ مباشر:
"مالك يا شمس حصل حاجة؟"
أجلت أحبالها المبحوحة من فرط البكاء:
"الباشا بتاعك شاف إنه ماليش داعي أبقى محبكاها بالشال، الظاهر إنه عايزني أكون فرجة لصحابه."
تجهم تعابيره بغضبٍ إلتمسته حتى وإن بدى هادئ، رزينًا.
فأعاد ظهره لخلف المقعد قائلًا:
"متزعليش هتلاقيه متقل حبتين بالمشروب."
وتابع بهيامٍ بها وبكلمات دقيقة:
"مفيش حد يستاهل دمعة من عيونك يا شمس حتى لو كان راكان، متسمحيش إنه يفرض عليكي شيء حتى لو مش حابة تكوني هنا، خدي عربيتك وإرجعي البيت متخلهوش يفرض وجودك بمكان ولبس مش حباه."
عادت من شرودها بدمعاتٍ لم تتركها، وبسمة صغيرة مدونة على شفتيها.
خلفها فارس أحلامها وجوارها شخص مفصل بمقاس خاص صنعته فريدة هانم.
رفض العودة للمنزل وفضل البقاء بمكتبه، يكاد رأسه ينفجر من شدة الصداع الذي يهاجمه.
يحاول جاهدًا الاسترخاء حتى وإن رفض جسده لنصائحه الهامة.
نهض علي وإتجه لغرفتها، لا يعلم ما الذي ساقه إليها بذاك الوقت، فقد اقتربت الشمس بموعد اشراقها ومازال النوم يخاصمه.
فتح علي باب غرفتها واستند بجسده على بابها يتأملها بحزنٍ.
كان يريد فرصة واحدة يخفف بها آلامها ولكنها رفضت حتى التفكير بالأمر.
نفث ما بداخله وهو يهم بالمغادرة، فأوقفه تأوهاتها المرددة بنومتها.
اتجه علي لفراشها فوجدها تحارب كوابيسها والعرق يتصبب على جبينها بغزارة.
دمعاتها لا تفارق وسادتها وأصابعها منغرسة بغطاء الفراش بعشوائيةٍ.
هرع علي للكومود الطبي المجاور لها، فجذب الأبرة يحقنها بالمهدأ وتوقف فجأة حينما تذكر حالة الفزع التي تنتابها فور رؤيتها لها.
فجذب الأقراص البديلة وسكبها بكوب ملئ نصفه بالمياه، ثم هزها برفقٍ وهو يناديها:
"فطيمة... فوقي."
لم تستجيب له ببداية الأمر، فهزها مرة أخرى حتى استجابت له، فوجدتن يقدم لها الكوب وهو يحثها برفقٍ:
"اشربي."
تناولت ما بيده باستسلامٍ تام، حتى شعرت بارتخاء عضلاتها المنقبضة.
فوضع علي وسادة من خلفها وتركها تهدأ من انفعالاتها رويدًا رويدًا، حتى سكنت تمامًا، فقال ببسمةٍ هادئة:
"مرضتش أديكي الحقنة واستبدلتها بأقراص عشان بس تعرفي غلاوتك عندي."
ابتسمت رغمًا عنها على كلماته، ولزمت الصمت حتى وجدته يعتدل بجلسته قائلًا:
"لسه مصرة على دكتور غيري؟"
وتابع بمزحٍ:
"مكنتش أعرف أني رزل وتقيل عليكي أوي كده."
تملكها الخجل وهربت منها الكلمات.
فكيف ستخبره بأنها لا تجيد الأمان الا في حضرته، كيف تخبره بأنها تنتظره كل صباح بلهفةٍ، كيف تخبره بأنها تغار على الزهرات التي يحضرها لها كل صباحٍ فتود أن لا تلامسها أيد الممرضات ولا أحدٌ سواها.
ربع يديه وهو يتراجع بظهره للمقعد، مستندًا برأسه على طرفه، وقدميه مسنود على أخر الفراش، قائلًا بشرود:
"كان نفسي تديني فرصة أثبتلك فيها حبي يا فطيمة."
وعاد يتطلع إليها فوجدها بدأت تستجيب للمهدأ فتحارب جفنيها الثقيل باستماتةٍ.
مال علي بجسده على الكومود، ومازال يردد بهمسٍ خافت:
"أنا عارف إن الموضوع صعب عليكي بس دي الحقيقة أنا بحبك وجاهز أخوض معاكي الحرب اللي بتهربي منها."
وتابع وعينيه بدأت باستجابتها للنوم بارهاقٍ:
"وحتى لو رفضتي حبي هفضل جانبك."
واستسلم للنوم الدافئ الذي هاجمه على الطاولة فأغلق عينيه باسترخاءٍ تامٍ.
مع اشراقة صباح يومًا جديدًا، انتفضت بنومتها حينما استمعت لصوت والدتها المتعصب تناديها:
"شمس قومي كلميني."
استقامت بجلستها وهي تفرك عينيها بنومٍ يداعب حدقتيها الناعسة:
"خير يا مامي في أيه؟"
جلست فريدة بكنزتها السوداء المنسقة على بلوزة بيضاء وحزامًا من الجلد يطوق خصرها، رافعة شعرها المصبوغ للأعلى، لتحدجها بنظرة مشككة قبل أن تطرح سؤالها:
"أيه اللي حصل إمبارح في حفلة إميلي؟"
انقشع لون بشرتها الصافي، وتلعثمت حروفها:
"مآآ... آآ.. محصلش حاجة، حضرتك بتسألي ليه؟!"
أظلمت حدقتيها وطرقت على الكومود بغضبٍ:
"متكذبيش عليا يا شمس، تالا هانم كانت في الحفلة مع جوزها ولسه قافلة معايا حالًا وقالتلي على اللي عمران عمله في إميلي وألكس الحقيرة، وقالتلي كمان أن مايسان كانت طالعة معيطة وأنا واثقة إنها مستحيل هتتكلم وهتحكيلي شيء، فانطقي وقوليلي أيه اللي حصل إمبارح بالظبط وبدون لف ودوران!"
انكمشت بانزعاجٍ حينما تناثرت قطرات من المياه الباردة على وجهها.
فتحت مايسان عينيها بانزعاجٍ، فوجدته يبتسم متعمدًا أن تتساقط المياه من شعره عليها.
انتفضت بمنامتها وتراجعت للخلف وهي تصيح به:
"إنت بتعمل أيه؟"
ابتسم وهو يجفف شعره بالمنشفة المحاطة برقبته قائلًا ببرود:
"خوفت تروح عليكي نومة والنهاردة ورانا اجتماع مهم ولا نسيتي؟"
ابتلعت ريقها بارتباك، فابعدت نظراتها عنه محذرة إياه:
"متقفش قدامي كده تاني احترم نفسك."
قهقه ضاحكًا وهو يغادر لخزانته فارتدى بنطاله وخرج يزرر قميصه الأسود مشيرًا لها بحاجب مرفوع:
"إنتِ لسه هنا؟!"
ذمت شفتيها بغضبٍ:
"ما أنت جبتني هنا بالبيجامة هخرج لاوضتي ازاي وعلي بره؟!"
عقد جرفاته مرددًا بغمزة مشاكسة:
"علي في المستشفى خدي راحتك."
أزاحت الغطاء عنها ونهضت على استحياء، فاتجهت لغرفتها سريعًا وأبدلت ثيابها لفستانٍ باللون الأسود، وحجابًا مطرز بفراشات من اللون الوردي.
انتهت وهبطت للأسفل فوجدت خالتها بانتظارها وعلى ما يبدو من وجه شمس الواقفة خلف مقعدها بأن هناك أمرًا مخيفًا.
نهضت فريدة عن المقعد وأسرعت إليها تتساءل وعينيها تفترسها:
"مايا حبيبتي، إنتِ كويسة؟"
وتفحصت جسدها بأعين تسعى لاخفاء دمعاتها:
"حصلك حاجة؟!"
ارتعبت فور تخمينها معرفة خالتها بما حدث لها، وخوفها الأكبر على عمران، الذي وصلت خطوات حذائه للأسفل، فأصبح أمامهم يردد ببسمة هادئة:
"صباح الخير يا فريدة هانم."
تركت فريدة يد مايسان واتجهت لتقف قبالته، تضم ذراعيها لصدرها وعينيها تشتعلان بغضب جعله يسحب أنظاره لشمس التي تترقب ما يحدث ببكاء جعله يتأكد من ظنونه، فقال بخشونة:
"أنا أخدت حقها من الكلاب دول وأولهم ألكس."
خرج صوتها هادئ غير المعتاد:
"حق!! الزبالة اللي إنت كنت بتتحداني عشانها كانت عايزة تدمر بنتي ووقف تقولي حق!"
وقطعت مسافتهما حتى باتت قبالته:
"تعرف يا عمران أنا كنت فاكرة إن كل اللي بعمله ده هيجيب فايدة وهتتغير بس الظاهر كده إني جيت على بنتي بزيادة أوي عشان بني آدم حقير زيك ودلوقتي حالًا هتطلقها أنا مش هسمحلك تضيع مايسان يا عمران مش هسمحلك."
وصرخت بعصبية هزت أرجاء المنزل:
"ارمي عليها يمين الطلاق وحالًا."
ارتعش جسدها بعنفٍ وكأن ساقها مرنة لا تصلح لتحملها.
لحظة قاسية خاضتها ولكنها تلبست بالصمت لرغبتها بمعرفة اجابته الصريحة.
ها هي خالتها تحرره من العلاقة التي ود الخلاص منها.
نقلت نظراتها إليه وبداخلها رعبًا من سماع اجابته.
انتقل عمران ليجابه والدته ورماديته لا تحيل عنها، صمته الطويل جعل فريدة تتطلع له بدهشةٍ وخاصة حينما مد يده بجيب جاكيته ليخرج منها عدد من الكريدت كارت ومفاتيح.
فتح عمران كف والدته ليضعهم بها قائلًا بثبات:
"أنا مش عيل صغير عشان تجوزيني وتطلقيني بمزاجك، المرادي مش محتاجة تهدديني بشيء، أنا صحيح تعبت في الاسهم الخاصة بشركات بابا الله يرحمه بس هقدر بشركتي أحقق اللي حققته من تاني..."
واخفض عينيه وهو يخبرها جملته الاخيرة:
"أنا مش هطلق مراتي لو انطبقت السما على الأرض، عن إذنك يا فريدة هانم."
وتركها وغادر على الفور، فاستدارت مايسان تراقبه ببسمة ارتسمت على شفتيها رغم الدموع التي خانتها، حتى فريدة اعتلى وجهها ابتسامة مريحة زارتها بعد عناء.
والآن باتت مطمئنة بأن هنالك أملًا باكتمال علاقة ابنتها مايسان بابنها العنيد المشاكس.
عادت الذئاب تحيط بها من جديدٍ، تمزق فستان زفافها الأبيض لتعري جسدها للأعين.
توسلت لهم بتركها ويدها الهزيلة تحاول ستر جسدها عن أعينهم.
ولكنها لا تمتلك القوة لمحاربة تلك القوة الذكورية.
نهضت فطيمة وهي تصرخ بفزعٍ:
"لأ."
انتفض علي بنومته الغير مريحة، فهرع إليها مرددًا بقلقٍ:
"فطيمة، متخافيش ده كابوس."
استدارت برأسها إليه، لم تصدق أنه ظل لجوارها من الأمس حتى الآن.
فأمسكت بيده دون وعي منها ووضعت وجهها الباكي على باطنها، ورددت بلهاثٍ مقبضٍ:
"علي!"
رقص قلبه طربًا لسماع إسمه دون ألقاب حاملة منها.
ازدرد ريقها الجاف وهو يجاهد توتر حركة جسده الذي يرفض التفاعل معها لخطيئة الموقف.
لا يود أن يبعدها عنه يود ضمها ولكن لا يجوز له فعل ذلك.
بالرغم من عشقه وفرحته العارمة الا أنه كان قويًا فسحب يده منها وجلس محله من جديدٍ وهو يشير لها:
"اهدي يا فطيمة كل ده كوابيس ملهاش وجود غير في دماغك أنتِ بس."
بدأت أنفاسها تهدأ رويدًا رويدًا، فاعتدلت بجلستها وهي تراقبه على استحياء.
ضم ساقيه لبعضهما وهو يتفحص ساعته، ثم قال بمكرٍ:
"ها يا فطيمة لسه عايزة تغيري الدكتور؟"
أخفت عينيها عنه، وهزت رأسها نافية دون أن تريه حدقتيها.
فابتسم وهو يهمس:
"يعني هتديلي فرصة؟"
تطلعت له تلك المرة بعجزٍ تام:
"بس آآ..."
قاطعها بحدةٍ فجأتها:
"لو موفقتيش عليا هتجوزك غصب عنك كفايا بقى شهرين تعارف في مصر و8شهور بانجلترا لسه عايزة عشرة أطول من كده."
لعقت شفتيها وتوترت حركة جسدها وهي تخبره بحياء:
"خايفة تندم على قرارك ده."
ردد مستنكرًا:
"أندم!! فطيمة إنتِ مش فاهمه أنتي بالنسبالي أيه عشان كده أنا عذرك."
تهربت منه مجددًا وهى تسترسل:
"هيحصلك مشاكل مع عيلتك بسببي."
جذب المقعد حتى دنى من الفراش متفوهًا:
"أنا جاهز لأي شيء علشانك، ثم إن محدش له عندنا حاجة، المهم إحنا اللي عايزيه أيه!"
ولج عمران لمكتبه بغيظٍ يعتليه لما تفعله والدته.
ألا يكفيه ما يمر به حتى يجدها بوجهه كالبركان الثائر.
استعاد تنظيم أنفاسه وجذب الملفات الموضوعة من أمامه يحاول العمل بتركيزٍ.
صب غضبه القاتل على عمله فظل طوال اليوم يعمل بمكتبه حتى غادر الجميع ولم يتبقى سوى السكرتير الخاص به ومايسان التي مازالت بمكتبها.
فجلس يعمل على أخر ملف بعدما أبلغ العامل بصنع كوبًا من القهوة إليه.
فتسلل لمسمع عمران أصواتًا مزعجة أمام مكتبه.
فنهض عن مقعده وفتح بابه ليتفاجئ بوجودها بالخارج تود الدخول والسكرتير الخاص به يحاول إيقافها.
تقوس حاجبيه بغضبٍ وانطلق صوته الرعدي:
"ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟!"
تركت ألكس السكرتير واتجهت إليه تخبره بقناع دموعها الزائف:
"عمران هناك شيئًا هامًا أريد الحديث معك به."
أغلق عينيه بقوة وهو يهدأ الوحش القابع بداخله.
لا يرغب باثارة اللغط حوله بمكان عمله، لذا قال بهدوء مصطنع:
"تفضلي للداخل."
ولجت ألكس للداخل ببسمة انتصار وكأنها على وشك السيطرة عليه من جديدٍ.
بينما أشار عمران للسكرتير:
"غادر أنت جاك."
انصاع إليه وجمع أغراضه وتوجه للمغادرة لتخلوا القاعة من أمامه فتسنى له رؤية مايسان التي تقف على الباب الخارجي بصدمة من وجود ألكس، بعدما كانت تستعد للرحيل.
فمنحته نظرة منكسرة قبل أن تتجه مكتبها.
نفخ بضيق وولج للداخل ليكن بمواجهتها، فهدر بانفعالٍ:
"يا لكِ من وقحة، كيف امتلكتي الجرءة للقدوم هنا بعد ما فعلتك؟!"
رمشت باهدابها ليتساقط عنها دموع الأفاعى، فأمسكت معصمه الصلب وهي تتحدث ببكاء:
"عمران حبيبي لقد أخطأت بحقك، أعتذر لك حقًا، لا أعلم ماذا أصابني كنت أريد أن تتخلص منها حتى يتسنى لنا الزواج."
سحب ذراعه منها وأنفضه وكأن مسه قذارة جعلته مشمئزًا.
فغام بعينيه بمكرٍ ساخر:
"هل سبق لي الحديث عن أمر زواجنا لا أتذكر ذلك؟"
جحظت عينيها صدمة، فرددت بصعوبة بالحديث:
"ماذا دهاك عمران؟ أولست أنت الذي تريد الزواج بي؟"
وضع يده بجيب بنطاله ليجيبها ببرود:
"كنت ذاك الأبله والآن انتهى كل شيء وأوله لقائنا، لا أريد رؤية وجهك القبيح مرة أخرى."
وحدجها بنظرةٍ ثاقبة وهو يقول بانتشاءٍ:
"بشأن الليالي المقززة التي قضتيها برفقتك سبق لكِ أن تقضيتي حقها."
واستدار مولياها ظهره في نفس لحظة دخول العامل بالقهوة.
فانتظر حتى وضعها على سطح مكتبه ثم قال وعينيه تبعد الستائر عن الشرفة الزجاجية:
"والآن غادري، ولا أريد رؤية وجهك مرة أخرى."
اشتعلت غيظًا لما استمعت له، فملأها الحقد والكره الشديد وحسرة فقدان المال.
نقلت نظراتها لقهوته الموضوعة على مكتبه بنظرة شيطانية.
وفتحت حقيبتها مستغلة أنه مازال يولياها ظهره، فجذبت القنطر الصغير بحقيبتها، ووضعت بضعة قطرات ثم غادرت على الفور وهي تردد بهمس شيطاني:
"إن لم تكن لي لن تكون لغيري عمران!"
جابت غرفة مكتبها ذهابًا وإيابًا.
لقد أقسم لها بأنه لن يرتكب تلك الفاحشة مرة أخرى، إذًا لما سمح لها بالدخول لمكتبه.
قضمت أظافرها بغضبٍ، واتجهت سريعًا لمكتبه حينما لم تعد تتمالك أعصابها.
دفعت مايسان مكتب عمران فوضع قهوته التي ارتشف منها القليل، ليبتسم مرددًا باستغراب:
"مايا إنتِ لسه هنا!"
طافت عينيها المكتب بنظراتها المحتقنة بالغيرة والغضب.
فأعاد ظهره للمقعد وهو يجيبها مبتسمًا بتسلية:
"طردتها متقلقيش."
ارتبكت من حديثه وجلست قبالته على المقعد الجانبي مرددة وهي تعدل من طرف حجابها دون اكتراث:
"وأنا يهمني في أيه موجودة ولا لأ، أنا كنت آآ.."
راقبها وهي تبحث عن حجة لبقائها حتى تلك الساعة المتأخرة باستمتاعٍ.
فنهضت وهي تجذب حقيبتها:
"أنا فعلًا اتاخرت ولازم أمشي عن اذنك."
وقف وهو يشير لها ببسمته الجذابة:
"مايا استني أنا كنت بآآ.."
ابتلع كلمته متأوهًا بألمٍ فجأه بحدته:
"آآه."
التفتت مايسان إليه بلهفةٍ، فوجدته يرتد لمقعد مكتبه ويده تتمسك بجبهته بألمٍ.
هرعت إليه تناديه بهلعٍ:
"عمران مالك؟!"
رد عليه وهو يرسم بسمة صغيرة:
"الظاهر إني ضغطت على نفسي في الشغل النهاردة."
على رنين هاتف مكتبه، فضغط على الزر الاوسط وهو يجيب دون رفع السماعه:
"ألو."
أتاهما صوتها الشامت تجيب:
"أرى أنك مازلت على قيد الحياة، أوه بيبي كم كنت أشتاق أن أضمك لصدري قبل أن ترحل عني."
جحظت عين مايسان بصدمة جعلتها ترتد للخلف لتستند على الحائط ويدها تكبت فمها الواشك على الصراخ.
بينما راقب عمران الهاتف وما يحدث معه باستغرابٍ، وبصعوبة تحدث:
"ماذا تقصدين؟"
أخبرتها بضحكاتها الساخطة:
"هل أعجبتك القهوة؟ كانت لذيذة أليس كذلك؟"
وأغلقت الهاتف وصوت ضحكاتها تغدو أعلى من سابقتها.
تحرر صوت مايسان بصعوبة وهي تردد من بين بكائها الحارق:
"عمران... لأ."
اجتاحه ألمًا عظيمًا يحتل بطنه، حرارة تطوف ببشرته.
فنزع عنه جرفاته وفتح أزرر قميصه وهو ينهج كمن كان بسباقٍ.
أصعب ما يؤلمه أن يلقى حتفه أمامها، وكأنه كتب عليه العذاب عليها بمحياه ومماته.
تلبس بسمة صغيرة مخادعة وهو يشير بيده لها:
"أنا مشربتش القهوة كلها."
استجابت لاشارة يده فدنت منه وهو يستكمل:
"أنا كويس متقلقيش."
أمسكت يدها المرتعشة بكف يده، وهي تردد بارتباك:
"آآ... أنت شربت منها... آإ... أنت لازم تروح المستشفى بسرعة... آآ.. أنا.... آآنا.. آسفة أنا.... أنا."
حاوط وجهها بيده وقد احمر وجهه من فرط حرارته، حتى عينيه اصبحت بلون الدماء.
جاهد عمران لخروج كلماته الثقيلة:
"كان نفسي أعوضك عن كل أذى اتسببتلك فيه، سامحيني يا مايا، سامحيني أنا كنت مغفل ومستحقش حبك ده."
صرخت به وهي تبتعد عنه كليًا:
"لأ... لأ... إنت مش هتسبني، مش هتسبني يا عمران لأ."
حاول النهوض عن مقعده وهو يراها تتراجع للخلف وتصرخ بجنون.
خطى إليها بخطواتٍ غير متزنة ويده تحيط ببطنها المشتعلة، هامسًا بتعبٍ:
"مايا."
سقط عمران أرضًا بعدما قطع نصف المسافة بينها وبين مكتبه.
رؤيتها لعزيزها المغرور متمدد أرضًا جعلها تعود لارض الواقع.
فهgrعت إليه تسند رأسه إلى ساقيها، تشبث بها عمران حتى استقام بجلسته قبالتها فعاد يهمس لها بوجعٍ:
"مايا.. سامحيني يا حبيبتي سامحيني."
هزت رأسها نافية وهي تصرخ مجددًا ببكاء منفطر:
"مش هيجرالك حاجة، هموت يا عمران.. آآآ... أنا بحبك."
اغلق عينيه وهو يستند على كتفها هاتفًا بهمسٍ ضعيف:
"عارف... ومستحقش حبك ده."
وأغلق عينيه وهو يتأوه كلما ازداد به الألم، فاسندت جسده للاريكة، وأسرعت لهاتفه الموضوع على المكتب وهي تردد بانهيار:
"علي... هكلم علي."
وبصعوبة بالغة حررت زر الاتصال به ويدها تكبت شهقاتها محاولة عدم التطلع له حتى لا تتوتر بما تبقى لديها لانقاذه.
اتاها صوت علي الذي يظن أخيه المتصل:
"عمران أخبارك؟"
"علي.. إلحقني يا علي، عمران... عمران شرب سم كانت في القهوة، علي أرجوك عمران بيموت."
"مايا إهدي وفهميني عمران ماله؟!"
ببكاء قالت:
"عمران شرب سم يا علي، وحالته صعبة مش عارفة أتصرف ازاي أنا لوحدي معاه في الشركة، أرجوك."
بالرغم من صدمته الطاحنة ولكنه اجابها سريعًا:
"حاولي تخليه يرجع اللي شربه يا مايسان وأنا دقايق وهكون عندك متقلقيش."
وأغلق الهاتف سريعًا ليهرع إليهما بعدما طلب الاسعاف لتكن بطريقها لاخيه وقلبه يكاد يتوقف من فرط الرعب.
صنعت مايسان محلول من الملح، وأسرعت تجاه عمران الجالس أرضًا، تضع الكوب على فمه وترجته ببكاء:
"عمران إشرب ده عشان خاطري."
فتح عينيه بصعوبة وهو يتطلع لما تحمله، فحاول ابتلاعه وما أن ارتشفه حتى أفرغ ما بمعدته، واستلقى أرضًا ينازع بضعف، ومازالت تتمسك به باكية متوسلة:
"عمران حاسس بأيه؟"
فتح رماديته الداكنة وهو يجاهد لالتقاط أنفاسه، فلم يستطيع اجابتها تلك المرةٍ ودفن رأسه بعنقها، مغلق العينين بإرهاقٍ.
رفعت مايسان رأسه إليها ونادته بفزع حينما وجدته ساكنًا:
"عمــــــــــــــــــران.... لأ متسبنيش يا عمران."
استند بجسده على الاريكة وصوته المتقطع يصل لمسمعها بصعوبة:
"غصب عني يا مايا.. غصب عني يا حبيبتي... أنا آسف."
إسود العالم من حولها، فراقبته بصدمة وهو يغلق عينيه وإتكأت على معصمها على وقفت.
دنت مايسان من مكتبه وعينيها مسلطة على نصف القهوة الموضوعة بالفنجان.
دموعها تموج على وجهها دون توقف، فخطفت نظرة سريعة لعمران المستند برأسه على طول ذراعه الممدود على جسد الاريكة الجلدية، ورفعت الكوب إليها تبكي بصوت ازداد عن مستواه فجعل عمران يجاهد لفتح عينيه باحثًا عنها جواره حتى وجدها قريبة من مكتبه تحمل هلاك موتها بين يدها.
ارتعبت نظراته وهو يحلل ما تفعله أمام عينيه، فجاهد ليخرج صوته الهزيل:
"مايا.. لأ... أوعي تعمليها."
عادت لتتطلع إليه لتخبره ببكاء:
"مقدرش أعيش من غيرك."
حاول النهوض ليمنعها فاختل توازنه وسقط أرضًا ومع ذلك لم ييأس زحف حتى وصل إليها ليترجاها بخفوتٍ:
"أنا كويس سيبي الكوباية عشان خاطري، بلاش أنا محتاجك جنبي."
وامسك بيدها يجذبها حتى جلست على قدمه فأمسك عنها الكوب وأسقطه أرضًا واحتضنها بقوةٍ وهو ينازع للرمق الأخير.
ذراعيه تعتصرها، يجاهد حتى لا يفقد وعيه فتفعل شيئًا جنونيًا بنفسها.
كان يعلم بحبها مسبقًا، ولكنه لم يعلم بأنها تعشقه لتلك الدرجة التي تجعلها تضحي بذاتها لأجله.
شدد عمران من ضمها حتى استكان على رأسها فثقل جسده عليها، لدرجة بدت هي التي تحمله وليس هو.
تنفست مايسان ببطءٍ وتحاول أن تجبر ذاتها على التطلع إليه، فرفعت وجهها إليه فوجدته يسقط أرضًا فاقدًا للوعي.
فتحررت صرخاتها التي رجت جسد علي المندفع للداخل:
"عمــــــــــــــــــران!"
رواية صرخات انثى الفصل التاسع 9 - بقلم ايه محمد رفعت
سكن جسده بين يدها، بعدما فشل بمحاربة الأغماء الذى أحاطه بقوةٍ، فاستسلم بين يدها وأخر ما يسكن أذنه صوت صراخها ولوعة قلبها بإسمه.
احتضن مايسان وجهه بيدها، فلطمه برفقٍ وهى تصرخ ببكاءٍ حارق:
_عمــــــــــــران... لأ متسبنيش يا عمران من فضلك.
رفع علي يده بصعوبة يحرك باب مكتب أخيه الزجاجي، فكسر تصنم جسده وركض إلى أخيه يتفحص نبضه، فعاون الممرض على حمله على السرير المنتقل، فأسرعوا به للمصعد.
استدار علي إليها فوجدها مازالت تجلس أرضًا والصدمة تجعلها لا تشعر بأحدٍ، لسانها لا يكف عن ترديد نفس الجملة:
_عمران متسبنيش!
انحنى علي إليها بشفقةٍ، فقال:
_مايا قومي معايا.
رفضت الانصياع إليه وأبعدت يده عن ذراعها، وعادت تكرر نفس كلماتها وكأن عقلها مغيبًا عن الواقع تمامًا، جذبها علي بقوةٍ جعلتها تنصاع إليه، فوقفت ترتجف من أمامه ودموعها لا تكف عن الزوال.
كونه طبيبًا يعلم بأنها على بوادر إنهيارها، حالتها لا تطمن بالمرةٍ، انشطر قلب علي خوفًا على أخيه وزوجته التي ترنح جسدها فاقدة الوعي بين ذراعيه، فحملها وهرع للأسفل، قاصدًا سيارته ليتبع سيارة الإسعاق للمشفى، ولسانه لا يغفل عن ذكر الله والدعاء لاخيه بالنجاة.
لم يفارق منزله منذ الأمس، قضى يومه بالكامل برفقتها، في محاولةٍ لتعويضها عما فعله دون قصدًا منه، فمقت ذاته بعد أن تبادلا الحديث طوال اليوم ولحظات جمعتهما أثناء تحضير الغداء، حرم ذاته من نعيمٍ مقدر له فلم يشعر بأنه تزواج الا اليوم، وها هما الآن يشاهدان فيلمًا ويتناولان الذرة سريعة التحضير (فشار)، ويضمها لصدره بمرحٍ لخوفها من أحداث الفيلم الرعب، فترجته بدلالٍ:
_إقلب يا جمال عشان خاطري أنا بترعب من الأفلام دي.
ضحك وهو يجيبها ساخرًا:
_هتفهمي إنتي الدماغ دي ازاي البنات ملهمش في العنف أخركم مسلسل تركي حلقة طبيخ أو مسلسل هندي من اللي ميدخلش عقل عيل في كيجي وان!
لكزته بغضب فتفادها وهو يضمها بتملكٍ وصوت ضحكاته الجذابة تزرع بسمتها دون تردد، فتوقف وهو يقربها إليه هائمًا بعينيها التي قبض عليها تتأمله بنظرة سحرته، اختطف بضعة لحظات خاصة بهما ليقاطعهما صوت هاتفه الموضوع على الطاولة من أمامه.
ضيق عينيه باستغرابٍ وهو يتفحص الوقت، مرددًا بدهشة:
_غريبة إن يوسف بيتصل بالوقت ده!
وجذب الريموت يخفض مستوى التلفاز، ثم رفع الهاتف يجيبه:
_أيوه يا يوسف خير في حاجة؟
راقبته صبا باهتمامٍ وخوف حينما تحولت ملامحه الهادئة لأقرب لصدمة جعلتها تهمس له بقلقٍ:
_في أيه يا جمال؟
انتفض بجلسته وهو يصيح بهلعٍ:
_أمته حصل الكلام ده؟
انتظر لسماع ما يقول بعنايةٍ، وأجابه وهو يركض للغرفة:
_ابعتلي عنوان المستشفى أنا جاي حالًا.
أسرعت صبا من خلفه، فوجدته يجذب ملابسه من الخزانة ويرتديها على عجلةٍ من أمره، حتى كاد بالتعثر وهو يرتدى بنطاله، فسألته بتوترٍ:
_جمال في أيه؟
رد عليها بحزنٍ جعلها تلتمس حبه الشديد لاصدقائه:
_عمران نقلوه على المستشفى، بيقلوا حالة تسمم.
وزرر قميصه بعشوائية ثم جذب مفتاح سيارته ومتعلقاته ليتجه للمغادرة وهو يلقنها بتعليماته:
_اقفلي الباب عليكي كويس، وأنا هبقى أكلمك على الفون.
وقفت خلف الباب تراقبه وهو يتجه للمصعد، فرفعت صوتها إليه قبل أن ينغلق باب المصعد:
_ابقى طمني يا جمال.
هز رأسه لها وهو يكمل ارتداء جاكيته بالمصعد، فركض لسيارته ليتبع عنوان المشفى المرسل إليه من قبل يوسف.
ركض به فريق التمريض لغرفة الجراحه، فأسرعت ليلى التي وصلت للتو بعد اتصال يوسف بها، فوجدته يقف خارج غرفة العمليات جوار علي، فما أن رآها حتى ركض إليها يخبرها بخوفٍ:
_عمران يا ليلى عشان خاطري إبذلي أقصى ما بوسعك عشان تنقذيه.
ربتت على يده بحنانٍ وحزنٌ يتغلبها:
_متقلقش يا يوسف، خير إن شاء الله.
ولجت لداخل الغرفة راكضة فاتبعها علي الذي استعد بالتعقيم ليتبعها هاتفًا:
_من فضلك يا دكتورة ليلى أنا مش هسيب أخويا.
اكتفت بإشارة صغيرة له ثم هرعت للداخل لتبدأ بتفحص نبضه وتهييء عمران للتدخل الجراحي إن لزم الأمر.
بينما بالخارج يجلس يوسف على المقعد ورأسه ساكنًا بين يديه، فتفاجئ بجمال يرنو إليه بأنفاسه اللاهثة:
_يوسف طمني على عمران.
أشار إليه ورأسه يعود للأسفل بحزنٍ:
_لسه محدش خرج من جوه.
جلس جواره هامسًا باختناقٍ:
_مش هيجراله حاجة، هيقوم إن شاء الله.
رفع عينيه للأعلى وهو يردد بصوته المحتقن:
_يا رب.
_إنت بتقول أيـــــــــه، لأ مستحيل ده يحصل أكيد في حاجة غلط أتاكد؟
قالها راكان بصدمة استحوذت على معالمه فجعلته أقرب للاصابة بذبحة صدرية، ومن حوله رجاله عاجزون عن التدخل بأمره، فما أنا وضع راكان سماعة الهاتف حتى سأله رافاييل شريكه الخفي:
_ما الأمر راكان، ماذا حدث؟
مال بجسده ليستند على المكتب من أمامه باهمالٍ، وهو يحرر كلماته الثقيلة:
_حجزت الحكومة المصرية على شحنة الأدوية بالميناء قبل دخولها.
جحظت عين الأخير، فصرخ بعدم استيعاب:
_اللعنة! إن علم الرؤساء بما حدث سنهلك جميعًا، لا تنسى راكان هذة الشحنة الثالثة التي يتم تصديرها خلال هذا العام، لن يقبلوا بخسارة تلك المبالغ الطائلة عبثًا.
وتابع مستنكرًا لما يحدث:
_وأين رجالك الذين يعملون داخل الميناء ما لي لا آراهم، ولماذا تدفع لهم إن لم يقومون بمهامهم؟
جذب الكوب الفارغ وأشار لأحد رجاله فسكب له من الخمر، ليتجرعه مرة واحدة ثم ازاح العالق بشفتيه وهو يردد بحقدٍ:
_رجل من رجالي أكد لي بأن هناك ظابط مصري هو المسؤول عن كل ما يحدث.
رفع حاجبيه باستغرابٍ:
_من هذا؟
أجابه باحباطٍ وهو يسند يديه لجبينه:
_لا أعلم ولكنه ليس سهلًا بالمرة، يحارب أي شخصًا يورد أدوية فاسدة داخل مصر، حاولت أن أصل لأي معلومة إليه ولكني فشلت حتى بمعرفة إسمه الحقيقي!
امتعضت معالم رافاييل حتى بدى، وكأنه على وشك قتله:
_هل تخبرني بأنك عاجز بالكشف عن شرطي حقير يدمر ما فعلناه بعد تلك السنوات! إن كنت عاجز فلتترك لنا مهمة البحث عن رجلٍ أخر يكون منفذنا داخل مصر غيرك!
ابتلع ريقه بتوترٍ من ازعام الآخر لضعفه وعدم قدرته على التصدي لذاك الشرطي، فقال:
_سأكتشف من يكون وأعدك بأنني سأقتله بيدي!
رُسمت بسمة ساخرة على وجه من يراقبهما من الخارج، فتسلل للخارج قبل أن يكشف وجوده أحدًا، ومضى بطريقه لغرفته القابعة بالطابق الأول من المنزل الخارجي بفيلا راكان، فألقى بثقل جسده على الفراش مرددًا بمكرٍ:
_وريني هتكشفني إزاي وأنا جنبك وسابقك بعشر خطوات!
واستند آدهم برأسه على ذراعه مطلقًا صفيرًا باستمتاعٍ لما يدور من حوله، وهمس بوعيدٍ جعل حدقتيه السوداء أشد قتامة:
_هانت ورقبتك هتبقى تحت رجليا إنت واللي وراك!
الساعات تمضي ومازال قلبها عاجزًا عن الخفق، عينيها المتورمة معلقة على باب الغرفة، بانتظار أي بصيص أملًا يمنحها السكينة، قدميها تؤلمها بشدة وعلى وشك أن تفقد قدرتها على حمل جسدها المترنح، ومع ذلك صمدت قدر المستطاع، اقترب منها جمال وأشار برفق على الأريكة المعدنية القريبة من باب الغرفة:
_مايسان مينفعش اللي بتعمليه بنفسك ده، ريحي رجلك شوية على الأقل لحد ما يخرج وتطمني عليه.
هزت رأسها بنفيٍ، وباصرارٍ قالت:
_مش عايزة أقعد، أنا كويسة.
انضم يوسف إليه في محاولةٍ لاقناعها:
_اللي بتعمليه ده غلط وهيضرك، اهدي عشان صحتك، وبعدين علي لسه مطمنا من شوية المفروض تكوني اهدى من كده.
رضخت إليهما بقلة حيلة، فتحركت لتجلس على طرف الأريكة ومازالت عينيها تراقب الباب بدموع تغرق وجهها، فما أن انفتح حتى هرولت إليه.
نزعت ليلى الكمامة عن فمها ثم قالت ببسمة هادئة:
_الحمد لله حالته مستقرة، وشوية وهيتنقل في أوضة عادية.
ضمت مايسان صدرها وكأنه تربت على قلبها النازف، وسألتها بلهفةٍ:
_طب ممكن أدخله؟
لفت يدها من حولها وهي تحاول أن تطمنها:
_مفيش داعي، دكتور علي جوه معاه وشوية وخارج.
وأحاطتها ليلى وهي تشير لها على غرفتها:
_ادخلي انتي بس يا مايا ريحي شوية عشان حالة الإغماء اللي عندك متتكررش تاني.
وأشارت ليلى للممرضة التي أتت إليها، فأخبرتها برسمية:
_اذهبي بالسيدة مايسان لغرفتها، اجعليها تتناول طعامها ودوائها.
أومأت الممرضة في طاعة، واسندتها لغرفتها القريبة من ردهة المشفى، وحينما تأكد يوسف من رحيلها سأل زوجته بشكلٍ صريح:
_طمنيني يا ليلى، عمران كويس فعلًا؟
ارتسم الحزن على معالمها فهي تعلم ماذا يعني عمران له، فاستمدت نفسًا مطولًا وهي توزع نظراتها بينه وبين جمال المترقب لسماع ما ستقول، ثم قالت:
_مخبيش عليك يا يوسف السم اللي أخده خطير بيوقف خلايا المخ والجسم كله في أقل من نص ساعة، حظه الكويس إنه مشربش غير كمية قليلة، وكمان مساعدة مايا له بأنه يطرد اللي شربه قلل من الخطورة، بس أنا مقدرش أجزم إنه متضررش غير لما يسترد وعيه، ولو لقدر الله حصل شيء فهيكون بشكل مؤقت لإن الكمية مكنتش كبيرة.
وتابعت برزانة وهي تتابع الدمعات اللامعة بعين زوجها:
_خلينا منسبقش الاحداث ونستنى لما يفوق.
رفع جمال يده على كتف يوسف وردد:
_متقلقش عمران قوي وهيعدي منها.
هز يوسف رأسه بخفةٍ، وعاد يتساءل باهتمامٍ:
_علي عرف الكلام ده؟
أجابته بتأكيدٍ:
_مقدرتش أخبي عنه شيء خصوصًا إنه كان معانا جوه لحظة بلحظة.
وتابعت ببسمة هادئة رسمت على وجهها الأبيض:
_دكتور علي شخص متفهم ودكتور شاطر وعارف إزاي يسيطر على مشاعره.
قاطعهم صوت الباب مجددًا، ليجدوا علي يدفع السرير المتحرك برفقة الممرض، فأسرع يوسف وجمال إليه، عاونوه حتى نقلوه معًا لغرفته، فأسرعت ليلى والاطباء بغرس الأبر والأجهزة لجسده المرتخي بين أيدهم باستسلامٍ.
تحرك علي لأقرب مقعد قابله بالغرفة، فألقى بثقل جسده وعينيه الباكية لا تفارق وجه أخيه الصغير، ابنه الذي لم ينجبه بعد، علي الصامد القوي ليس كذلك إن مس الأذى أفراد عائلته، لا يعلم ماذا سيفعل إن علمت والدته بالأمر.
دنى جمال من السرير، فما أن رأى صديقه هكذا حتى انهمرت دمعاته وصاح بشراسةٍ:
_أكيد الزبالة دي ورا اللي حصل خصوصًا بعد اللي عمران عمله فيها يوم الحفلة.
انتبه علي لحديثه، فنهض عن مقعده وأسرع إليه متسائلًا:
_تقصد أيه يا جمال؟
استدار إليه يخبره بحزنٍ:
_ألكس يوم الحفلة كانت عايزة تدمر العلاقة بين مايسان وعمران، فاتفقت مع اتنين رجالة يعتدوا على مايسان وتصورهم، وعمران عرف باللي كانت ناوية تعمله بهدلها قدام الناس وقالها تبعد عنه، أكيد هي اللي سممته.
احتدت معالمه غضبًا، فردد من بين انفاسه المختنقة:
_حق أخويا مش هسيبه حتى لو كنت في قبري.
وجذب هاتفه ثم خرج يتصل بمسؤول الأمن داخل الشركة، وطالبه بفض تسجيلات الكاميرات وبالأخص مكتب عمران، بينما قام بابلاغ الشرطة التي أتت على وجه السرعة لتحقق بالأمر، استنادًا على شهادة جمال والاطباء وأخرهم بالتسجيلات المطروحة من أمامهم والتي ظهرت به ألكس وهي تضع السم بقهوة عمران، وعلى الفور تحركت الشرطة للقبض عليها.
الليل يجوب بسواده الأفق ومازالت بغرفتها يغادرها النوم تاركها تعاني بمفردها، عينيها الزرقاء تجوب خزانتها بنظرة تحمل الحنين لما يخترق قلبها، حاولة جاهدة البقاء والابتعاد عما بوسوس لها قلبها ولكنه بالنهاية انتصر بمعركتها الخاسرة، فنهضت بآلية تامة تغلق باب غرفتها جيدًا، ثم فتحت خزانتها لتجذب صندوقها الذهبي العتيق.
لامسته فريدة بأصابعها المرتجفة، ويدها تمر على تفاصيله بعنايةٍ وكأنه تحفر داخلها ألف ذكرى، حتى تحرر رافعته، تطلعت لما بداخله بأعينٍ لامعة بالدموع، ومع محاولاتها بعدم البكاء الا أنها فشلت كعادتها بحجبها، يكفيها ارتداء قناع جمودها الزائف بالخارج، هي الآن ضعيفة أمام ما تحمله من أوجاع ممسدة بذكرياتها القابعة بيدها.
حملت تلك الزهرة التي أحاطها الزمان فجعلها جافة كجفاء قلبها، مررت يدها عليها وهي تتذكره، رسمت صورة إليه في نفس لحظة لامسها للزهرة، وفجأة انتفض جسدها بعنفٍ حينما ضربتها كلماته التي لا تتركها.
«قصتنا نهايتها كانت في اللحظة اللي طالبك فيها أخويا سالم يا فريدة، إنتِ دلوقتي محرمة عليا حتى لو رفضتيه مستحيل هيكون في شيء بيجمعني بيكِ»
ذكرى أخرى هاجمتها وكل ما يتردد لها سماع جملته بصوته الغائب:
«فوقي من الوهم ده، لا أنا ولا إنتِ هنقدر نواجه العيلة، متنسيش إن جدك ممكن يقتلك لو شك بس إنك ممكن تسببيله العار.»
مالت على الفراش وهي تكبت آذنيها وخاصة حينما رأت أخر مشهد جمعهما، تذكرت كيف كانت تتوسل إليه وهي تردد ببكاءٍ:
_أحمد إنت كده بتقتلني، أرجوك متتخلاش عني، حارب علشاني أنا مش هقدر أقف قصاد بابا وجدي لوحدي، أنا محتاجة إنك تكون معايا وجنبي.
منحها نظرة أخيرة من عينيه الدامعة قبل أن يوليها ظهره بكل كبرياء:
_الست اللي عين أخويا تيجي عليها تبقى محرمة عليا.
جلدتها كلماته واخترقت سهام قلبها النازف، استمدت قوتها من العدم ولحقت به حيث محل وقوفه، لترسم بسمة باهتة وبسخرية قالت:
_هو فين أخوك ده، يعرف أيه عنك وعني!!
وتابعت بصراخ أنثى ذُبحت على يد من عشقته من طفولتها:
_أخوك طول عمره عايش في انجلترا ميعرفش عني حاجة، وأول ما افتكر إنه له أهل نازل وعينه عليا وبدل ما تعمي عينه اللي جت عليا بتتنازل عني بمنتهى البساطة كده يا أحمد، فين رجولتك وفين حبك وغيرتك عليا!
أغلق عينيه بغضب عصف داخله قبل أن تتشربه بشرته، فقال من بين اصطكاك أسنانه دون أن يستدير لها:
_امشي من هنا يا فريدة، أنا مش عايز أذيكي بايدي!
هزت رأسها وهي تجيبه بحقد:
_ماشي يا أحمد، همشي وهوافق على أخوك.
وتابعت بكرهٍ شديد:
_بس أقسم بالله لأكسرك وهخليك تتمنى الموت كل ثانية هكون فيها جنب أخوك، هدفعك تمن السنين اللي قضتها كلها في حبك، هدفعك تمن انتظاري للحظة اعلانك لحبنا قدام جدك والعيلة، هدفعك تمن ضعفك وهروبك... تمن استسلامك وتخليك عني وبكره تشوف.
وغادرت تاركته من خلفها يبكي حتى سقط أرضًا يلتاع من فرط ألمه، ليته أخبرها الحقيقة وترجاها بأن تتزوج أخيه ربما حينها لن تموت باليوم ألف موتة، ربما ظل قلبها على قيد الحياة.
تدفق الدمع على وجنتها ويدها تكبت شهقاتها خشية من أن يستمع إليها أحدًا، ذكرياتها قاتلة حد النخاع، لدرجة لا تستطيع بها تذكر ما مضى، كل ذكرى تذبح فؤادها وبالأخص بتلك الايام التي قضتها بعد خطبتها من سالم، كانت تحاول بكل طاقتها أن تثير غيرة حبيبها، عله يعود لرشده ولكنها كانت تعود بنتيجة معاكسة لما تنتظره، كانت هي من تتألم وليس هو، وما زاد الأمر الا تعلق سالم بها وتحديد يوم زفافهما على وجه السرعة، بعد أن قرر أن تنتقل للعيش معه ومع باقي أفراد العائلة بانجلترا.
حملت فريدة بأصابعها المرتعشة ساعة رجالية موضوعة بين أغراض الصندوق، وزجاجة من البرفيوم رفعتها نصب عينيها الباكية لتجوبها لذكرى أسوء يوم بحياتها بأكملها، نثرت البرفيوم على يدها، وقربته لانفها بتأثرٍ، أخر مرة قامت باستخراج محتويات الصندوق منذ خمسة عشر عامًا، وكل فترة تقوم بشمه يكون على فترات متباعدة بعد عدة معارك تخوضها مع ذاتها فتبتعد أعوام وحينما تنتصر تعود للصندوق الذي قذفها الآن لتلك اللحظة، لحظة انتهائها من زينتها وارتدائها فستانها الأبيض، لحظة ركضها لغرفته فولجت خفية من الشرفة بعد أن طالبت الجميع بدقائق تنعزل بها مع ذاتها.
ولجت تبحث عنه بلهفة، فوجدته يقف بشرفته يتكئ على الاريكة المقابلة له وعلى ما يبدو كان يبكي!
صوت أنفاسها العالية جراء ركضها جعله يستقيم بوقفته، لا يريد أن يستدير، يخشى أن يصدق حدسه وتكون أمامه، فتحرر صوتها ليحطم مرآة حقيقته حينما نادته باكية:
_أحمد.
استدار للخلف ببطء لينغز قلبه دون رحمة وهو يرأها من أمامه بفستانها الأبيض الذي حلم رؤيتها به يومًا تزف إليه، ابتلع ريقه الجاف بمرارةٍ وادعى الجمود لمرته الاخيرة، هاتفًا بخشونة:
_أيه اللي جابك هنا؟!
الجفاء كان طريق التعامل معهما منذ أخر لقاء وأخر قسم منحته إياه، كانت كل مرة تتصنع سعادتها برفقة أخيه وهو يعلم بأنها تقتص منه، وبين قرارة نفسه يتمنى أن تظل تدعي سعادتها لتحاول قمع وجعه.
دنت منه فريدة قاتلة بداخلها كل ذرة كبرياء داخلها، وسقطت أرضًا تتمسك بساقه وتردد بانهيارٍ زلزله:
_متعملش فيا كده يا أحمد، أنا مقدرش أكون لراجل غيرك، أنا حبيتك إنت وأتمنيتك إنت، أبوس إيدك أتكلم ودافع عن حبنا، أحمد أنا لو حد تاني قربلي غيرك هموت نفسي، أرجوك إتكلم.
كور يده بقوةٍ واستمد عون أنفاسه، فانحنى يجذبها لتقف أمام رمادية عينيه، ثم قال بصوتٍ شبيه للباكي:
_فات الأوان يا فريدة، اتقبلي الأمر الواقع إنتِ دلوقتي بقيتي مرات أخويا.
تمسكت بذراعيه القابضة عليها ورددت ببكاء:
_لا يا أحمد لسه معانا وقت، تعالى نهرب عشان خاطري.
جحظت عينيه صدمة مما استمع إليه، فنهرها بشدة:
_انتي مجنونة يا فريدة نهرب فين، مكنتش أعرف انك انانية ميهمكيش غير نفسك وبس، مفتكريش في سمعة العيلة بعد اللي بتفكري فيه ده، مفكرتيش في أختك! مفكرتيش في اخواتي!
وتركها وهو يشير لها بالخروج:
_اطلعي من أوضتي ومن حياتي كلها وانسيني، انسي إن ليكِ ابن عم اسمه أحمد، إنسيني يا فريدة.
تفادت سقوطها أرضًا ونهضت تتأمله بنظرة محطمة، فقالت بصوتها الخافت:
_إنت كده حكمت عليا بالموت يا أحمد، والله العظيم لو خرجت من الباب ده هموت.
زاح عنه قناع جموده، فتهاوت دمعاته على وجهه فرأتها لأول مرة وتمعنت بتطلعها إليه عساه يتراجع عن قراره، دنى منها بخطواته البطيئة حتى أصبح قبالتها، فقال بصوته المحتقن من الدموع:
_ارحميني يا فريدة، كفايا عليا كل ده كفايا أرجوكِ، عشان خاطري اخرجي من هنا ومتبصيش وراكِ، انسيني وانسي أي وعد كان بينا، متزرعيش الكره بيني وبين أخويا من فضلك.
وتابع وقد انهمرت دمعاته على خديه:
_إنتِ أكتر واحدة عارفة الحساسية اللي بينا لاننا مش من نفس الأم أي قرار هتحصل دلوقتي هيتقال إني بأخد حق أمي منهم، من فضلك بلاش أنا ما صدقت إن اخواتي مصطفى وإيمان يعيشوا عيشة طبيعية مش هحرمهم من حقوقهم عشان انانيتي.
تحجرت دمعاتها بعينيها وهي تتطلع إليه مهزومًا، ضعيفًا، يترجاها بأن تنساه وتمضي برفقة أحضان رجلًا غيرها!
جابهته وهي تصيح بقوة جعلته يتابعها بدهشة:
_موافقة أطلع من هنا واتجوز أخوك وأعيش حياتي بس عندي شرط واحد يوم ما تخلى بيه أنا هخلى بوعدي ليك.
بالرغم من مرارة ألمه الا أنه تساءل بفضول:
_شرط أيه؟
تابعت رماديته بنظرة محبة لكل تفاصيله واجلت صوتها مرددة:
_هتعاقب وهتحمل مقابل أنك تعيش حياتك كلها لوحدك من غير جواز، موافق؟
ترقبته بصبرًا واهتمامًا، توقعت رفضه التام لشرطها المحال، وحينها ستملي شروطها الاخرى، ولكن خاب أملها حينما ابتسم وهو يجيبها:
_أنا مستحيل هخليكي تعيشي الوجع اللي أنا بعيشه دلوقتي يا فريدة، فاطمني مش هرتبط بأي ست على وجه الأرض.
انزلقت دمعاتها تدريجيًا لسماع كلماته، أيعشقها بتلك الدرجة التي تجعله يخشى أن تخوض وجعًا بزواجه بأخرى ويحتمل وجعه الآن وهي تفارقه!
انسحبت الكلمات عن لسانها واستدارت عنه واقفة تتطلع لباب الغرفة وكأنه باب مصيرها الأسود، وقبل أن تخطو للخارج عادت إليه راكضة لاحضانه، فبقى متخشبًا أمامها لا يقوى على رفع ذراعيه بالرغم من حاجته لعناقها.
فهمست إليه بدموع:
_احضني لأخر مرة يا أحمد.
انصاع إليها فرفع ذراعيه يحاوطها باكيًا بتأثرٍ، وفجأة ابعدها بخوفٍ، من طفولتهما يخشى أن يلمس يدها، يحافظ عليها أكثر من حياته، والآن ينجرف خلف شيطانه!!
ابتعدت عنه واتجهت لمغادرة غرفته وقبل أن تخرج اتجهت للسراحة، فمدت يدها وهو يراقبها، فوجدتها تجذب ساعته والبرفيوم الخاص به ثم هرولت من أمامه وكلما ابتعدت سحبت روحه من خلفها، فسقط على المقعد يبكي وهو يصرخ بوجعٍ:
_يا رررب!
أغلقت فريدة صندوقها وعينيها يملأها الكره، فاعادته لمحله وكأنها تحمل شيئًا منفرًا، ثم عادت لفراشها وهي تبعد هاتفها الذي يحمل رسائله المعتاد لمراسلتها كل فترة، وهي تردد بجحود:
_اتعذب وإتألم يا أحمد بحق وجعي وقهري عمري ما هسلملك ولا هريح قلبك.
وتابعت ويدها تجذب الصورة الموضوعة على الكومود التي تحمل مايسان وشمس، فقالت وعينيها تراقب مايسان بشفقة:
_مكنتش عايزاكي تعيشي اللي عيشته يا مايا، بس الحمد لله النهاردة حسيت بالأمل عمران فعلًا بيحبك زي ما توقعت، وبكره هيشوف ده بنفسه وهيندم على معاملته ليكي بس وهو معاه فرصة يقدر يصلح بيها أخطاءه وهتقدري تتقبلي ده، المهم انكم بالنهاية مع بعض!
النهار على مشارفه ومازال يجلس على مقعده جوار أخيه، ينتظر أن يستعيد وعيه بلهفةٍ وخوفٍ، لم يمل من مراقبته ولم يغفو له عين، يخطف إليه نظرة ويعود لزوجة أخيه الغافلة على المقعد المجاور إليه بعدما رفضت رفض قاطع تركه، كان يخشى أن يحدث لها سوءًا فحينما يجدها تتنفس بصورةٍ طبيعية يجلس باستقامةٍ، فتلصص له صوت همهمة تصدر من عمران، فنهض وإتجاه إليه، ينحني على شفتيه ليستمع ما سيقول، فناداه بصوت واهن:
_علي.
أجابه بحماسٍ لاستعادته وعيه:
_أنا جانبك يا عمران سامعني!
هز رأسه وحاول فتح عينيه الثقيلة، راسمًا ابتسامة صافية:
_حاسس بيك من لما كنت بالعمليات.
طبع قبلة على جبينه ويده المتشابكة بالأبر مرددًا بصوته المتقطع من فرط كبته للبكاء:
_كده تعمل في أخوك كده، أنا كان هيجرالي حاجة، ربنا اللي عالم أنا واقف على رجلي ازاي؟
أعاد غلق عينيه بتعبٍ، ولسانه يردد:
_حقك عليا، أنا اللي عملت كده في نفسي لما سمحت لواحدة آآ..
قاطعه بحزمٍ:
_بلاش تتعب نفسك بالكلام عن الرخيصة دي، الشرطة مسكتها وبيحققوا معاها، مستحيل هتخرج منها بسبب التسجيلات اللي قدمناها.
منحه ابتسامة متشفية وقال:
_تستاهل.
ربت على كتفه وهو يجذب الغطاء لصدره العاري:
_ارتاح وبكره هنتكلم.
وكاد بالتراجع لمقعده، ولكنه عاد يخبره بحزنٍ:
_عمران إنت لو حاسس نفسك كويس هصحي مايا تطمنها عليك لإن حالتها صعبة أوي ورافضة تروح أو ترتاح، نايمة على الكرسي هنا ومش راضية تتحرك.
حاول رفع رأسه ليراها ولكنه لم يتمكن، فرفع علي السرير بالقابض المتحكم به، فتمكن من رؤيتها جيدًا، راقب معالمها بنظرة حزينة طعنها الألم بنبرته:
_كانت عايزة تشرب السم ورايا، كل مدى بكتشف إني كنت حيوان ومغفل.
ابتسم علي ومازحه باشمئزاز:
_قولنالك وأنت مصدقتش.
وأشار وهو يتجه إليها بلهفة:
_هصحيها.. هتفرح أوي.
وإتجه إليها علي، فناداها عن قرب:
_مايسان... مايا.
حركت رأسها بإنزعاجٍ، حتى بدأ عقلها بالاستيقاظ لمكان وجودها، فانتفضت بجلستها وهي تردد بهلعٍ:
_أيه يا علي، عمران جراله حاجة؟
ابتعد عن مرمى بصرها لتتمكن من رؤية زوجها وهو بجيب:
_مهو زي القرد أهو يا بنتي استهدي بالله.
اتجهت نظراتها إليه، فابتسمت رغم الدمعات المتدفقة من حدقتيها مرددة بفرحةٍ:
_عمران!
وهرعت إليه تحتضنه وقد تحرر بكائها، ضمها بذراعه الأيمن، فحاول جاهدًا رفع ذراعه الأخر ولكنه لم يستجيب لحركته رغم حركته الخافتة تحت مراقبة علي إليه وقد تسنى له معرفة ما سيواجه أخيه بالبداية، فانسحب بهدوءٍ تاركًا لهما مساحتهما الخاصة.
تنهيداتها كانت تضرب صدره بعنفٍ وشراسة، فهمس لها بتعبٍ:
_مايا بصيلي.
استجابت له فرفعت وجهها إليه، فوجدته يبتسم لها وقال بأنفاسٍ ثقيلة:
_أنا كويس فبلاش تتعبيني بدموعك دي عشان مش خاطري.
وحذرها بصرامة جاهد لها من وسط سعاله:
_والا هنادي علي يروحك.
هزت رأسها بخوفٍ:
_لأ خلاص.
وأزاحت دمعاتها، فرفع عمران الغطاء وهو يشير لها:
_اطلعي هنا جنبي.
تلفتت حولها بتوترٍ:
_بس علي آآ..
قاطعها وهو يجاهد نومه المستجيب للمسكنات:
_متقلقيش علي مش هيدخل علينا.
انصاعت إليه لحاجتها بالبقاء جواره، فوجدته يضمها لصدره فاحتضنته بقوةٍ ألمت جسده الذي استجاب للنوم سريعًا.
سطعت شمس يومًا جديد، فتسلل ما حدث لعمران لفريدة وشمس والجميع، فأسرعوا للمشفى ومن خلفهم راكان الذي يصطحب آدهم بأي مكان يذهب إليه خشية من أن يتعرض له أحد من منافسيه بعد أن سبق له الدفاع عنه كثيرًا، فاجتمعوا بغرفته جميعًا بحضور يوسف وجمال وسيف.
جلست فريدة على المقعد القريب من فراش ابنها تهدر بغضب:
_ازاي ده كله يحصل لابني ومحدش فيكم يكلمني، جاوبني يا علي؟!
رد عليها بهدوءٍ:
_كنت خايف على حضرتك، فاستنيت لما اطمنت عليه وأهو الحمد لله بخير وربنا لطف بينا.
انفلتت أعصابها بصراخ:
_ده مش مبرر، أنا مش هعدهالك يا علي سامعني!
ومسدت على يد عمران وهي تتساءل بثباتٍ زائف:
_عمران يا حبيبي طمني حاسس بأيه؟
أجابها ببسمة هادئة:
_أنا كويس يا حبيبتي متقلقيش.
ربت جمال على ساقه بحنان:
_شد حيلك كده، مش واخد عليك بالوضع ده.
أضاف يوسف ممازحًا ليخف حدة الاجواء بين علي ووالدته:
_عمران شكله كده زهق من خلقنا فقالك أجي أريح هنا يومين تلاته فكره إننا هنسيبه، لمينالك الشلة وهنقضيها هنا لحد ما تقول روحني أنا بقيت زي الحصان.
ضحك وهو يشير له:
_ماشي يا يوسف بكره تشوف.
دنى راكان منه فوضع باقة الزهور على الكومود مرددًا برسمية متعجرفة:
_سلامتك يا عمران.
منحه ابتسامة صغيرة مجاملة، بينما تعلقت عينيه بآدهم الذي قال ببسمة بشوشة:
_حمدلله على سلامتك يا عمران باشا.
ابتسم له بامتنان:
_الله يسلمك يا آدهم تسلم.
أمسكتها عينيه وهي تتهرب من نظرات راكان إليها، فتسللت للخارج بخفةٍ ظنًا من أن لا أحدًا يراها، فتسلل من خلفها فوجدها تتجه للكافيه الخاص بالمشفى، فجلست على المقعد بحزنٍ تام، نظراته أصبحت تسبب لها اشمئزاز، كانت تود إخبار علي بأن عليها الانفصال عنه سريعًا، ولكن ما حدث لعمران غير مخططاتها.
فاقت شمس على صوت احتكاك المقعد المقابل لها، تطلعت أمامها فوجدت آدهم يجلس قبالتها ببسمته الهادئة مرددًا بنظرة ماكرة:
_حسيتك هتنسحبي من جوه وفعلًا شكي كان بمحله.
تعمقت بنظرتها المشتتة إليه، ورددت بحيرةٍ:
_إنت عايز مني أيه يا آدهم؟
زوى حاجبيه باستغراب:
_أنا!
استندت بذراعيها على الطاولة وهي تجابهه بقوةٍ:
_متحاولش تتهرب من اجابة سؤالي.
ونهضت وهي تجذب حقيبتها لتخبره قبل مغادرتها:
_خليك بعيد عني يا آدهم أنا بسببك بقيت بكره خطيبي ومش شايفاه أساسًا.
نهض قبالتها مربعًا يديه أمام صدره يرد ساخرًا على اتهامها:
_ملقتيش شمعة لغضبك وكرهك ليه غيري!
ودنى منها ومازالت تقف قبالته مندهشة من حديثه:
_بالنسبة لسؤالك فاجابته مش محتاج أتهرب منها يا شمس، سبق وقولتلك إني مبخافش من مخلوق على وجه الأرض.
وانحنى يهمس لاذنيها:
_إجابة سؤالك هي أني من أول ما عيني وقعت عليكي وجوايا مشاعر مشلتهاش في قلبي لواحدة ست قبل كده.
لعقت شفتيها بارتباكٍ، فمنحها ابتسامة هادئة متابعًا بحديثه:
_وواثق إن في مشاعر ليا جوه قلبك بتحاولي تداريها كل مرة بقابلك فيها بس عيونك فضحاكِ يا شمس!
وتركها شاردة بكلماته وبمصرحته الجريئة وغادر على الفور.
نهضت عن فراشها وأسرعت لنافذة غرفتها تترقب البوابة الرئيسية الخاصة بالمشفى بلهفةٍ وخوفٍ، لأول مرة يغيب عن رؤيتها هكذا، المساء قد شارف على قدومه ولم يأتي حاملًا للزهور ككل صباح، ارتعبت فطيمة وبدى عقلها يصور لها أشياءًا كثيرة، كتركه لها وتخليه عن دوام علاجها مثلما طلبت منه.
تهدلت دموعها دون توقف، كانت تطالبه بالبعد وهي الآن تلوم نفسها وتكاد بصفعها لما فعلته، طوال تلك الشهور كان قبالتها، صباحًا مساءًا، لم يغيب عن عينيها كل تلك المدة.
انتبهت للممرضة التي تنظف الغرفة من حولها، فاتجهت إليها تسألها بلهفة:
_عذرًا، كنت أود سؤالك أين الدكتور علي لم آراه منذ الصباح؟
أجابتها الممرضة بنزقٍ:
_لا أعلم ربما مشغول مع حالات أخرى.
واستكملت عملها متجاهلة وجودها تمامًا، فجذبت مقعدها قرب الشرفة وجلست تراقب الطريق بلهفة انتظار الصغير لعودة والده!
استجابت مايسان لفريدة وشمس وعادت برفقتهما للمنزل لتغير ملابسها المتسخة، فما أن ولجوا للمنزل حتى صعدت الفتيات للأعلى، بينما اتجهت فريدة للخادمة التي تشير لها على الصالون باشارة أن هناك ضيوف بانتظارها، فاتجهت إليها متسائلة باستغراب:
_مين؟
أتاها صوت كان محبب لقلبها بيومٍ ما يجيبها:
_أنا يا فريدة.
التفتت خلفها، فبرقت بعينيها بدهشةٍ ولسانها يهمس بعدم تصديق:
_أحمد!..........
رواية صرخات انثى الفصل العاشر 10 - بقلم ايه محمد رفعت
ترك كوب قهوته على الطاولة الرخامية من أمامه، ثم نهض يقترب إليها ببسمةٍ شوقٍ تذبح فؤاده، عينيه وآه من عينيه تكاد تناشدها بعتاب لا يزيدها الا وجعًا!
وبكل خطوة دنى بها إليها كان يقذف لها ذكرى تلو الاخرى لدرجة جعلتها لا تتمناه يقترب أكثر من ذلك.
ملامحه الهادئة الجذابة، شعره البني المحاط ببعض الخصلات البيضاء، هالته التي مازالت تحيطه بعد ذلك العمر.
قبضت على قلبها بنيران عاصفة وقالت بجمودٍ:
_ أيه سر الزيارة الغريبة دي ومن غير ما تسيب خبر إنك نازل انجلترا؟
مازالت كما هي، حادة اللسان رقيقة الشكل، تغرد نظراتها وجعًا يذكره بالماضي ما دام حيًا.
تنحنح وهو يجيبها بخشونةٍ:
_ مش محتاج إذن عشان أجي بيت أخويا يا فريدة هانم.
علمت بأن الحديث يتجه لمسارًا حاد بينهما، فأشارت للخادمة وهي تمنحها حقيبتها:
_ اذهبي إنتِ الآن.
وما أن رحلت حتى استدارت إليه مدققة بمعالمه، مثقلة نطقها للكلمات:
_ لا محتاج تستأذن لإن ده مبقاش بيت أخوك خلاص، أخوك دلوقتي عند اللي خلقه واللي عايش في بيته مراته وأولاده.
سحب نفسًا مرهقًا، بالرغم من اعتياده على معاملتها الباردة الا أنه قد سئم بالفعل، فقال بصوته الهادئ المتعب:
_ وبعدهالك يا فريدة، هتفضلي كده لحد امتى؟
تعلم جيدًا ما يقصده بحديثه، وبالرغم من ذلك ضمت يديها لصدرها ورددت بفتورٍ:
_ كده اللي هو ازاي يعني؟
تمرد عن رزانته حينما صاح بها غاضبًا:
_ فريدة احنا مبقناش صغيرين لعنادك ده، فوقي العمر بيجري وأنا لسه جنبك بواجه عاقبك!
وزفر بضجرٍ مشيرًا بيده في محاولةٍ لاعتذاره عن صراخه الحاد مستطردًا بهدوءٍ:
_ أنا اتحرمت من إني ارتبط ويكونلي أولاد ومازلت محافظ على وعدي ليكي يا فريدة، بس خلاص مبقتش عارف مطلوب مني استحمل قد إيه، أنا بقى عندي 45 سنة مبقتش صغير لكل ده.
استدارت تخفي عينيها عنه، لتجيبه بجحود وهو تعدل جاكيته الرمادي الشبيه للتنورة الطويلة التي ترتديها بأناقةٍ:
_ سبق وقولتلك قبل كده أن من اللحظة اللي سالم مات فيها إني حليتك من وعدك.
واستدارت توجهه بقوةٍ شرسة:
_ يعني من 15 سنة كنت تقدر ترتبط وتعيش حياتك، أنا مضربتكش على ايدك وطلبت منك تستناني!
قبض قبضة يده بشكلٍ مخيف ومع ذلك لم يرف لها جفن، فمرر يده بين خصلاته بانتظام قاتل، ثم دنى ليصبح قبالتها فقال وعينيه تجوه الفراغ لا تقوى على التطلع لها عن قربٍ:
_ مبحبش أشوفك بتكدبي ولما ببصلك مبشوفش بعيونك غير الكدب.
واسترسل وتلك المدة يحدق بها بقوة تناهز قوتها ويده تشير للمنزل:
_ من 15 سنة جيت المكان ده ووقفت قصاد العيلة كلها وطلبتك للجواز وانتِ رفضتيني بدل المرة ألف مرة، وكل ده ليه؟
... ليه يا فريدة جاوبيني ليه قلبك بقى بالقسوة دي!
مكفكيش السنين دي كلها بتعاقبيني مكفكيش وجع في قلبي، لسه عايزة تموتي جوايا أيه تاني؟
تحررت عن رداء ثباتها المخادع، فصرخت بجنون أنثى مجروح قلبها، لا يعرف طريق شفاءه منذ أعوامٍ:
_ وجعك ميجيش نقطة في وجعي، لسه لحد النهاردة مش قادرة أنسى وأنا بتوسلك توقف جوازتي، لسه فاكراك وانت بتقدمني بإيدك لأخوك، قلبي موجوع منك بشكل عمري ما هقدر أوصفهولك، كل ليلة قضيتها في البيت ده كانت عذاب ونار بتحرقني.
ورفعت اصبعها تشير للدرج المؤدي لغرف النوم:
_ كل يوم كان بيتقفل عليا باب واحد معاه كنت بتكوي وبتمنى الموت كل ما كنت بشوفه هو اللي جنبي على سريري مش انت!
تلألأت عينيها لتنفجر بدموعها المتحجرة، مشيرة برأسها باعتراض متعصب:
_ لا يا أحمد مستحيل هسامحك، ولا هسمح إنك تدخل حياتي وتدمرني تاني.
وبسخرية اعتلت بسمتها قالت:
_ مش بعيد لما أديك فرصة تانية أعجب حد من أصحابك المرة دي وألقيك بتسلمني زي ما عملتها قبل كده.
_ فريـــــــــدة.
طعنت رجولته بكل ما تحمله معنى الكلمة، جعلته يرمقها بعصبيةٍ بالغة، كل لقاء بينهما يجمعهما نفس العتاب، لا تمل من ذكر الماضي له على مدار تلك السنواتٍ، فخرج عن طور هدوئه حينما صاح بانفعالٍ:
_ انتِ ليه متخيلة إنك الوحيدة اللي كنتي بتعاني!
فاكرة إني كان عندي رفاهية الاختيار!
أنا كل ثانية كنت بفكر فيها إنك معاه كنت بتقتل، كل لحظة كانت بتجمعنا مناسبة عائلية كنت بتمنى أتعمي ومشوفكيش معاه، انتي موتي مرة أنا موت ألف مرة وخصوصًا لما كان بيجيني خبر حملك.
برقت بحدقتيها غاضبة تجاهه، ظنًا منه أنه سيخوض بكرهه أولادها، فوجدته يخبرها بأعين دامعة:
_ متقلقيش أنا كنت فاكر زيك كده إني هكرههم، بس لما شلت علي بين ايديا مكنش في عيوني غير الحب والحنان ليه، كنت بضمه ليا وبحاول أشم ريحتك فيه، كنت بتمنى إنه يكون مني واسمي هو اللي ورا اسمه.
واستدار يوليها ظهره يزيح دمعة كادت بفضح ضعفه أمامها، فوجدها تصفق بيدها وهي تدنو لتصبح هي بمقابلته لتشير له ببسمة ساخرة:
_ براڤو ابتديت اقتنع إنك الضحية فعلًا، ده أنا شكيت إن أنا اللي دوست على قلبك وروحت اتجوزت أخوك غصب عنك!
واسترسلت باستهزاء:
_ ما كله كان بالاتفاق يا أحمد باشا ولا نسيت؟
ابتسم بجبهته برأسه المصلوب وجسده الممشوق، واضعًا يده خلف ظهره وهو يجيبه برتابةٍ:
_ لا منستش يا فريدة، بس انتِ اللي شكلك نسيتي إن أحمد اللي حبتيه عمره ما كان أناني، أحمد اللي اختارتيه حبيب من طفولتك كان جواه شرخ كبير ووجع بيطارده كل ما بيشوف أخواته بيعانوا لمجرد إن أبوه كان بيتسلى في فترة اجازته اللي بيقضيها بمصر فقرر يتجوز واحدة يقعدها مع والده عشان تسليه وقت ما يسيب انجلترا، أحمد اللي حبتيه كان بيدفع تمن إنه ابن الزوجة التانية وعاش عمره كله يدفع التمن ده، حتى بعد ما مرات أبوه اكتشفت بجوازه، فقررت تعيشه هو واخواته في معاناة أكبر ولولا وجود جدي كان زماني أنا واخواتي في الشارع، وبعد السنين دي كلها يحسن سالم العلاقة دي ويبتدي اخواتي يعيشوا عيشة طبيعية أجي بانانيتي وأقف واتحداه!
تدفق الدمع على وجنتها لتجيبه بقسوة:
_ لا تسلمه حبيبتك!
دفنت وجهها بين يديها تزيح دموعها، والتقطت أنفاسها وهي تخبره بجمود:
_ مبقاش له لزمة الكلام دلوقتي، خلاص اللي فات مستحيل هيرجع، وسالم دلوقتي بين إيدين ربنا.
ورفعت عينيها إليه تخبره بألمٍ:
_ متجنيش على روحك بالانتظار يا أحمد، أنا معملتهاش وأولادي صغيرين معنديش الجرأة أعملها وهما رجالة وعلى وش جواز، اخرج من هنا اتجوز وخلف وعيش حياتك، إنت مش كبير أوي وألف ست تتمناك.
رنا إليها بانفاسه اللاهثة من فرط غضبه المكبوت:
_ مش عايز غيرك، انتِ عندي بكل ستات الدنيا كلها يا فريدة!
قلبي رافض ينبض لغيرك!
كل حتة جوايا عايزاك انتِ!
وبرجاء مرهق قال:
_ من فضلك ارحميني من الإثم اللي عايش فيه بسببك!
وتابع في محاولته البائسة:
_ علي وعمران بيحبوني وبيحترموني هيتفهموا الموضوع ومحدش هيعارض الجواز ده صدقيني.
انهمرت دمعاتها وهزت رأسها مجبرة لسانها على الحديث ببكاء:
_ انت ليه مش عايز تفهمني، أنا مش عارفة أثق فيك تاني يا أحمد؟
واتجهت لأقرب مقعد تجلس عليه حينما انهارت قوتها، فبكت بانكسارٍ جعله يتابعها بصدمة من سماع كلماتها، ليته مات قبل أن تطعنه بكلماتها القاتلة.
تزيد من وجعه مجددًا وقد سئم منه الألم وفاق حد تحمله، أغلق عينيه بقوة يحاول محاربة ما يعتريه بتلك اللحظة من أن لا يندفع تجاهها ويضمها إليه، ولكنه ليس بحاجة لارتكاب هذا الذنب يكفيه أثمه الأعظم بالتفكير بها!
انحنى على الطاولة يجذب علبة المناديل الورقية، ثم اقترب يضعها جوارها، فسحبت منه تجفف دموعها، بينما اتجه للاريكة المقابلة لها، يجلس بهدوء رزين وكأنه لم يحاورها بما يؤلمه منذ قليلٍ، فحرر زر جاكيته بذلته وإتكأ على ساقيه ناظرًا للأسفل وهو يسألها بجمود ارتدى قناعه:
_ أخبار الأولاد أيه؟
هما فين من ساعة ما جيت مشفتش حد منهم؟
وضعت ساقًا فوق الأخرى، واستعادت جلستها تجيبه:
_ عمران في المستشفى وعلي معاه، وشمس فوق في أوضتها.
برق بعينيه بدهشة مما استمع إليه، فقال:
_ في المستشفى ليه، أيه اللي حصل؟ وليه مبلغتنيش!
أجابته وهي تتحاشى التطلع إليه:
_ ألكس حاولت تسممه بعد ما حاول يبعد عنها.
واستكملت وعينيها تشرد بالفراغ:
_ هو كويس دلوقتي الحمد لله.
استقام بوقفته يغلق زر جاكيته متلهفًا:
_ في مستشفى أيه أنا هروحله.
_ عمي!
صوتًا غامضًا اقتحم مجلسهما، فاتجهت نظرات أحمد إليه، مرددًا ببسمته الجذابة وهو يفتح ذراعيه إليه:
_ علي حبيبي وحشني أوي.
مال علي برأسه على كتفه يحجر نظراته الساهمة، وحينما أخرجه أحمد من احضانه منحه ابتسامة رسمها بالكد وهو يجاهد ما يعتريه الآن، فأجلى صوته بصعوبةٍ:
_ وانت كمان وحشتني أوي، بتمنى السفرية المرة دي تكون طويلة لإن الوقت اللي بنقضيه مع حضرتك ميتشبعش منه.
ربت على كتفه بحنان وهو يخبره:
_ اطمن عندي شغل هنا مش هيخلص الا بعد كام شهر، لإني هفتح فرع لشركتي مع مؤسسة كبيرة هنا.
كانت نظرات علي مبهمة تجوب والدته تارة وعمه تارة أخرى، لدرجة جعلته يتساءل بقلقٍ من صمته الغريب:
_ علي انت كويس؟
ضم مقدمة أنفه وهو يخرج زفيره:
_ أنا بس منمتش كويس، هطلع أخد شاور وهرجع لعمران الدكتورة كتبتله على خروج بالليل.
هز رأسه بتفهمٍ، وقال:
_ اطلع خد شاور وفوق وأنا هرجع الاوتيل هغير وهحصلك.
اعتلاه الضيق وفاض به:
_ المرة دي مش هسمحلك تنزل بأوتيل يا عمي، وسبق ونبهت على حضرتك أكتر من مرة ومعرفش سبب اصرار حضرتك إنك تفضل بأوتيل وبيتك موجود.
اتجهت عينيه لفريدة التي انقشعت معالمها غاضبًا، فخشى أن تعود للشجار بينها وبين علي كالمعتاد حينما يصر بجلوسه هنا، فقال برزانةٍ:
_ معلش يا علي سبني براحتي، أنا برتاح في الاوتيل.
تلك المرة كان مصر اصرارًا غريبًا، فقال وهو يدنو من الدرج:
_ مش هيحصل، هطلع حالًا أغير وأجي مع حضرتك تجيب الشنط قبل ما نروح المستشفى.
وتركه بتطلع لأثره وصعد للأعلى، فدمت فريدة شفتيها بغيظٍ مما يحدث لها، ولكنها لم تكن تحمل طاقة الشجار والحديث يكفيها كل ما تمر به بداية من يومها العصيب.
وجدها أحمد صامتة مستكينة على غير عادتها، فدنى يجلس جوارها وهو يهمس بصوته المنخفض:
_ متقلقيش هقنعه واحنا في الطريق ومش هخليه يعمل كده.
رفعت عينيها إليه بارتباكٍ إلتمسه برفرفة جفونها، فجاهدت لخروج كلماتها الثقيلة:
_ ل... لأ.. تعالى اقعد هنا... آآآ... أنا محتاجة لوجودك الفترة دي.
وسرعان ما بررت حديثها وهي تنهض من جواره:
_ عمران مشاكله كترت وأنا وعلي مبقناش قادرين نحل معاه، هو بيحترمك وأكيد هيسمع منك.
نهض ليقف على محاذاتها، مرددًا بفرحة وكلمات تنبع من صمام قلبه:
_ أنا جنبك ومستحيل أتخلى عنك لأخر نفس خارج مني، وقولتلك قبل كده يوم ما تحتاجيني هتخلى عن دنيتي كلها عشانك يا فريدة.
ابتلعت ريقها بتوترٍ، جعلها تتهرب من أمامه مرددة بتلعثمٍ وهي تتجه للمصعد:
_ عن إذنك.. هطلع أشوف شمس.
ابتسم وهو يراقب دلوفها للمصعد، فمنحها نظرة أخيرة قبل أن ينغلق الباب بينهما، فصعدت عينيه عليه وهو يصعد بها للطابق الثالث، فابتسم هامسًا:
_ اهربي على قد ما تقدري أنا مش بمل ونفسي أطول مما تتخيلي!
ألقى بجسده أسفل الدوش مستخدمًا المياه الباردة عوضًا عن الساخنة بمثل هذا الطقس، عل تلك البرودة تشل عصبة تفكيره.
فتح علي عينيه على مصرعيها وهو ينهج بصعوبة أسفل المياه، ليردد بصدمة مازالت تستحوذ عليه:
_ معقول عمي وماما!!!
أغلق عينيه بقوة تحرر تلك الدمعة التي أججت حدقيتيه، يتذكر كيف جلدته سماع حديثهما دون قصدًا منه، بعدما استأذن بالانصراف من المشفى ليبدل ملابسه ويخبر مايسان بأن تحمل ملابس نظيفة لعمران بعد أن أكدت الدكتورة ليلى خروجه، فما أن ولج الداخل حتى سمع صراخ والدته القادم من غرفة الصالون، وكلما خطى لمعرفة ما أصابها كانت تتوقف قدميه غير قادرًا على استكمال طريقه صدمة مما يستمع إليه، وخاصة حينما فاض عمه بما كبت داخله.
كان يشك بأن هناك شيئًا يخفيه عمه وراء نظرات حنانه له ولوالدته، وظل سبب عذوبيته لتلك السنوات السر الأعظم بين طوائف العائلة، والجميع يجزم بأن هناك سيدة تحتل قلب عمه الغالي، وها هو الآن يعلم عن تلك السيدة ما يجعله يئن وجعًا!
لم يرفض قط أن ترتبط والدته مجددًا خاصة بأن أبيه توفى وتركها صغيرة للغاية تحتمل مسؤولية ثلاث أطفال بمفردها، تذكر كيف تقدم لخطبتها أبناء عم أبيه حتى أخوه الشقيق القابع هنا بانجلترا ولكنها رفضت الجميع، وبالرغم من انزعاجه صغيرًا الا أنه تمنى من كل قلبه أن تقبل عرض زواج عمه أحمد حينما طالبها بذلك.
الوحيد الذي تمناه أبًا له، ولكن مع رفض والدته تيقن بأنها لا تود الارتباط مجددًا، ومع ذلك كلما تقدم أحدٌ لخطبتها كان يحاول اقناعها بذلك معللًا بأن لا تشعر نفسها بذنب مسؤوليتهم فلم يعدوا أطفالًا صغارًا.
خرج علي من الحمام متجهًا لخزانته بآلية تامة، فجذب الملابس يرتديها شاردًا فإن كان لا يحتمل لوعة حب فطيمة لعامٍ واحد كيف تحمل عمه كل تلك الأعوام!!
بالطبع إنه لعاشق وقد فاق عشقه ما استشهدته قصص العشق بالاساطير، يعلم بأن ثمة وجعًا داخله تجاه أبيه الذي عاش مع امرأة كان قلبها لاخيه ولكن ما فائدة العتاب والافتراضات لقصة انتهت منذ أعوام.
أغلق جاكيته الجلد الأسود، ومشط شعره وهو يردد باصرار:
_ أنا اللي هجمع بينكم من تاني، وعد!
وضعت هاتفها جانبًا بعدما قامت بوضعه صامتًا أمام نظرات والدتها المتفحصة لها، والاخيرة تمرر عينيها ببطءٍ عليها في محاولةٍ لفهم ما يحدث مع ابنتها الصغرى، فعاد الهاتف يضيء من جديد حتى وإن كان صامتًا، فلمحت فريدة اسم المتصل والاخيرة تنهي الاتصال، فقالت بشكٍ:
_ انتِ اتخانقتي مع راكان؟
هزت رأسها نافية، فعادت فريدة لسؤالها من جديدٍ:
_ طيب ليه مش بتردي على مكالماته؟
أبعدت شمس غطاء الفراش عنها، ثم زحفت حتى وصلت لاخر الفراش تخبرها بتوتر:
_ مامي أنا مش مرتاحة لراكان ولا قادرة أحبه ولا أتقبله في حياتي، حاساه مختلف عني ومفيش بينا حاجة مشتركة وآ..
قاطعتها فريدة بصرامةٍ:
_ كل ده قدرتي تحدديه من شهر خطوبة!
ونهضت عن الفراش تصيح بها بعصبية كانت تشتعل داخلها قبل الصعود لها:
_ بلاش دلع وكلام ماسخ، انتِ مش هتحكمي عليه من 30 يوم!
أنا فاهمه وواعية أكتر منك ومتأكدة من اختياري، راكان شخص لبق ومناسب جدًا ليكي.
وجذبت هاتفها الموضوع على الكومود تعيد فتحه، ثم قدمتها لها بغضب:
_ دلوقتي حالًا هتكلميه وهتعتذري عن عدم تقديرك لمكالمته ومش عايزة أسمعك بتقولي الكلام العبيط ده تاني، سامعة؟
هزت رأسها وهي تكبت دمعاتها بصعوبة، ففتحت الهاتف تجيب على رسائله تحت نظراتها المراقبة، لتخبرها بعد دقائق من محادثته:
_ عايزني أتغدى معاه بره.
هزت رأسها تخبرها وهي تتجه للخزانة:
_ ردي عليه إنك موافقة، وتعالي أختارلك لبسك اللي هتروحي بيه ما أنا عارفاكي ذوقك بقى في النازل!
تحررت تلك الدمعة عن عينيها وراقبتها وهي تتفحص الملابس بخزانتها بنظرة مقهورة، فنهضت بصعوبة تلتقط ما وضعته والدتها على الفراش ودلفت للمرحاض تبدل ثيابها بجمود اعتادت عليه كلما أمرتها بشيء!
_ كده أحسن؟
سأله جمال وهو يحاول أن يعدل السرير الطبي لعمران الذي أشار له بخفة، بينما جذب يوسف الطاولة البيضاء يضع الطعام من أمامه قائلًا:
_ يلا اتغدى عشان معاد الأدوية، مش عايزين دكتورة ليلى تتضايق مننا الله يباركلك العملية مش ناقصة.
أضاف جمال بفزع:
_ كله كوم وغضب دكتور علي كوم، هيحبسنا في العباسية، كل ياض خلص كل الأكل مش عايزين مشاكل مع دكاترة الوسط.
ابتسم وهو يراقبه يقرب ملعقة شوربة الخضار منه، فمال برأسه جانبًا بتقزز:
_ مبحبش الأكل ده قولتلكم كذه مرة، اقتلوني ومتأكلونيش خصار ني!
دفع يوسف الملعقة بطبق الشوربة حتى وقعت محتوياتها على الصينية واضعًا يديه بمنتصف خصره بنفاذ صبر:
_ وبعدين بقى، ده ناقص ارقصلك عشان تأكل؟!
أبعده جمال للخلف وهو يتحكم بضحكاته بصعوبة:
_ طب وسع كده انت يا جو وسبني أحاول معاه.
وزع عمران نظراته الساخطة بينهما، مرددًا:
_ تحاول معايا! انتوا ليه محسسني إني عيل صغير خفوا عليا وارجعوا شغلكم أحسن!
جذب يوسف جاكيت بذلته ليضعه على ذراعه وهو يشير بشراسة:
_ تصدق إني غلطان، ده أنا سايب حالة ولادة قيصرية وجاي أبص عليك يا حقير.
ضحك بصوته الرجولي، ونظراته تحيط بجمال المبتسم متسائلًا:
_ وانت سايب أيه انت كمان؟
استند بذراعيه على جسد الاريكة باسترخاء:
_ لا أنا مخلص شغلي وفاضيلك.
انتهى يوسف من ارتداء جاكيته، ودنى من عمران يتساءل بجدية:
_ ساعتين وراجعالك، مش عايز حاجة أجبهالك وأنا جاي؟
هز رأسه ببسمة صغيرة:
_ خيرك سابق يا حبيبي، تسلم.
ربت على ذراعه بحبٍ وكاد بالمغادرة حينما وجد زوجته تدلف للداخل بردائها الطبي، وحجابها الأبيض الذي زاد من جمال بشرتها النقية، فتراجع للخلف وهو يغمز بمكر:
_ أنا بقول أقعد معاك النهاردة يا عمران شكلك تعبان ومحتاج لوجودي جنبك.
قهقه ضاحكًا وهو يتابع بسمة ليلى التي اتجهت لتفحص عمران متجاهلة إياه، ووجهت حديثها لعمران:
_ خلي صاحبك يروح يشوف شغله يا بشمهندس احنا موجودين ومش محتاجين لخدمات دكتور النسا والتوليد!
ردد جمال مازحًا:
_ يا رب تتحرج وتمشي شكلك مبقاش له ملامح!
ذم شفتيه ويده تمر على لحيته الكثيفة موجهًا حديثه لجمال بينما عينه تقصدها:
_ ماشي يا جيمس مصيرك تقع في إيدي ويجمعنا بيت واحد بعد الدوام.
ردد عمران بحزمٍ ضاحك:
_ بره يا متحرش بدل ما أطلبك الآمن.
تعالت ضحكاتهم جميعًا، فأشار لهم يوسف وغادر على الفور، وما أن تأكد عمران من مغادرته حتى تطلع لها قائلًا بثباتٍ:
_ صارحيني يا ليلى أنا متقبل كل شيء متقلقيش.
ارتبكت أمامه وكذلك فعل جمال، فتابع ببسمته الهادئة وعينيه لا تفارق ذراعه الأيسر:
_ أنا مش حاسس بايدي ورجلي من امبارح ومازلتي بتقنعيني إن ده بسبب تأثير المخدر، وأنا بحاول أصدقكم كلكم بس آ..
قاطعته ليلى حينما قالت:
_ مسألة وقت يا عمران لحد ما السم ينطرد من جسمك بشكل نهائي، يعني ممكن بعد مداومة الجلسات ايدك ورجلك الشمال تتحرك بعد اسبوعين وممكن أقل إن شاء الله، فمتقلقش.
هز رأسه بتقبل، وهو يخبرها ببسمة صغيرة:
_ شكرًا ليكِ يا دكتورة، تعبتك معايا.
أجابته بحزن:
_ تعب أيه بس، ده انت زي أخويا، كفايا معزتك عند دكتور يوسف انت وجمال.
رد عليه وقد استكان بعينيه على جمال الذي يضع الوسادة من خلفه:
_ ربنا يديم الود بينا.
وقفت سيارة علي أمام المنزل، فهبط لصندوق السيارة يجذب الحقائب بعدما عاد برفقة أحمد مجددًا للمنزل، هبط أحمد خلفه يعاونه بحمل الحقائب فاعترض علي باحترامٍ:
_ أنا هطلعهم لوحدي يا عمي، اتفضل حضرتك بالعربية وأنا دقايق وراجعلك.
منحه ابتسامة لطيفة واتجه للسيارة مثلما طلب منه، لينطلق علي به للمشفى.
شعر أحمد بأن هناك أمرًا ما به، صمته كان غير طبيعيًا بالمرة، فاستدار بجسده تجاهه ثم قال بريبة:
_ مالك يا علي؟
من ساعة ما ركبنا العربية وإنت ساكت طول الوقت، طمني انت كويس؟
منحه بسمة صغيرة، ليكبت داخله هذا الوجع الغير مبرر، فقال وعينيه مصوبة على الطريق:
_ أنا بخير والله، بس اللي حصل لعمران ملخبط دنيتي شوية.
هز رأسه بتفهمٍ، وابتسم وهو يسأله باهتمامٍ:
_ طيب وفاطيما أخبارها أيه؟
ذكره لاسمها استرده شوقه الهائم بها، لم يراها منذ الأمس وها هو الآن يمتنع عن الذهاب للمشفى لحاجة أخيه إليه، خرج من شروده وهو يخبر صديقه الجيد بسماع مشاعره دون كللًا أو ملل:
_ صارحتها بحبي وعرضت عليها الجواز.
زوى حاجبيه بدهشةٍ:
_ مش حاسس إنك أخدت الخطوة دي بدري شوية؟!
تفادى الطريق لينحدر للجانب الأخر، فتوقف عن القيادة محررًا حزام الأمان من حوله:
_ حسيت إني مقيد يا عمي، محتاج أكون موجود جنبها أكتر من كده، أنا عايزها جنبي.. عايز أعوضها عن كل اللي شافته ومش قادر غير لما تكون مراتي.
ابتسم وهو يراقب العشق يظلل بجناحيه على ابن أخيه، فتغاضى عن تلك النقطة بنقطة أخرى:
_ طب وردها كان أيه؟
التفت إليه بحزن جعله يقود سيارته مرة أخرى مرددًا بنزقٍ:
_ عايزة تغير الدكتور.
تمعن أحمد به قليلًا ثم انفجر ضاحكًا بشكلٍ جعل الاخير يضحك، ليشاكسه من بين ضحكاته:
_ الحب عذاب ولوعة وحيرة يا أبو حميد.
اسند رأسه للنافذة ليثيره ساخرًا:
_ وأيه كمان يا عبد الحليم يا حافظ!
لعق شفتيه يخبره بمكرٍ:
_ مش ناوي تقولي بقى مين الصاروخ الجوي اللي مكلبشك طول السنين دي كلها ومخلية الصحافة مالهاش سيرة غير أحمد غانم الأربعيني الأعزب!
احتدمت نظراته إليه، ليردد بصرامةٍ:
_ ولد!
ضحك وهو يشير له بإبهامه، فصاح الاخير:
_ نسيت اني عمك وليا احترامي ولا أيه!
شكلك كده يا دكتور هتقلب على عمران المشاكس وده مش معتاد منك.
أجابه على الفور مدعي البراءة:
_ بتشبهني بعمران!!! ظلمتني يا عمي، ده أنا عفيف ومحترم وصاين نفسي لبنت الحلال!
_ على كده بقى أنا سلطان العفة والعفاف!
رمش بعينيه بصدمة، فعاد يتطلع إليه وفجأة انفجر كلاهما من الضحك.
بالمشفى.
طرقت الباب وحينما استمعت لصوته يأمرها بالدخول ولجت مايسان للداخل، استقبلها ببسمته الجذابة فارتبكت وهي ترفع الحقيبة إليه:
_ جبتلك الهدوم زي ما طلبت من علي.
ودنت تضعها على الفراش، ثم اشارت بخجل:
_ تحب أساعدك تخش تغير بالحمام ولا أخرج وتغير هنا.
ذم شفتيه بمكرٍ:
_ مش عارف، بس أنا مش قادر أحرك ايدي ورجلي الشمال بحركهم حركة بسيطة.
وصمت بخبث يفكر في حلٍ لتلك المعضلة:
_ خلاص اخرجي ناديلي واحدة من الممرضات تيجي تساعدني.
وأضاف ببسمة واسعة تفنن بجعلها عاطفية:
_ في ممرضة اسمها آشيلي برتاح لها ايدها خفيفة فيفضل تكون هي.
احتدمت عينيها بنظرة لو كانت حية لكان في عداد موتاه الآن، فاتجهت للحقيبة تجذب بنطاله والتيشيرت الصوف للفراش، ثم جذبت الجاكت تعلقة على ظهر المقعد.
أزاحت عنه الغطاء وعاونته على الاستقامة بجلسته ممددًا قدمه خارجه، ورفعت يدها تحاول فك زر قميصه، ارتجفت يدها أمامه وكأنها تحاول ارغام ذاتها على السرقة وارتكاب المحرمات.
ابتسم عمران وهو يراقبها باستمتاعٍ، احداهن خلعت توب الحياء فكانت تتقرب منه بطريقة مخجلة، والأخرى زوجته حلاله تخشى أمامه وكلما تعلقت عينيه بها يصطبغ وجهها كالحمرة!
وللأمانة يروق له حياؤها فيشعر بأنها ثمينة غالية، غير تلك الرخيصة التي جعلته يكره ذاته بعد كل خطيئة جمعتهما.
رفع عمران يده يثبتها على أصابعها المرتجفة وعينيه تعانق خاصتها مردفًا بشفقةٍ على ارتباكها الظاهر:
_ خلينا نستنى علي أفضل.
تنفست الصعداء وغادرها تورد بشرتها، فحملت الملابس للمشجب القريب من الباب، وعادت تسأله بحدة وهي تدعي انشغالها بترتيب ملابسه:
_ هتستنى علي فعلًا ولا أناديلك آشيلي؟
اعتدل بجلسته بعناءٍ، فمنحها نظرة ماكرة قبل أن يضحك بصخبٍ، فازدادت غضبًا وهي تراقبه يستهزأ بها، فاستغل قربها منه ليجذب يدها، ارتبكت مايسان للغاية، وحاولت سحبها منه فوجدته ينحني طابعًا قبلة رقيقة على أصابعها هامسًا ورماديته لا تحيل عنها:
_ أنا أقسمتلك بكتاب الله يا مايا!
سحبت كف يدها منه بارتباكٍ، فتراجعت للخلف وهي تردد بتوترٍ:
_ آآ... أنا... آ..
استدارت وهي تحاول إيجاد ما ستقوله لتتهرب مما فعله، فراقبها بانتشاء صدح بهمسه الساخر:
_ مفيش داعي أنا مقدر حالتك ووعد مش هعمل شيء يكسفك تاني.
هزت رأسها، فقال باستغراب:
_ طب خلاص بصيلي بقى.
التفتت إليه بخجل فاتسعت بسمته وتمدد يتطلع لها بهدوء جعل قلبها لا يهدأ، فتمنت لو اخبرته أن يكف عن كل شيءٍ يفعله حتى نظراته تلك!
طرق الباب ومن ثم دفعه علي ليطل من خلفه أحمد الذي أسرع لعمران المتفاجئ بوجوده وبفرحة يستقبله:
_ عمي!
ضمه أحمد إليه مربتًا بحنان على ظهره:
_ ألف سلامة عليك يا حبيبي.
ومال لأذنيه يهمس بصوت غير مسموع الا له:
_ شوفت أخرة الشمال!
كبت ضحكاته وهو يؤكد له ساخرًا:
_ شوفت واتعلمت درس مش هيتنسى.
ابتسم وهو بنتصب بوقفته موجهًا حديثه لمايسان:
_ إزيك يا بنتي عاملة أيه؟
أجابته ببسمة واسعة:
_ أنا الحمد لله بخير يا عمو... حمدلله على سلامة حضرتك.
اكتفى بإيماءة بسيطة بينما قال علي وهو يتفحص ملابسه:
_ انت لسه مغيرتش!
تلقائيًا تطلع إليها فوجدها تفرك أصابعها خجلًا من سؤاله، فأخبره بمزحٍ:
_ مبكشفش على حد غير أخويا أنا حر يا جدع.
تعالت ضحكات أحمد، ففتح ذراعه لمايسان وهو يشير لها:
_ طب تعالي نخرج احنا يا مايا ونسيب علي يستر أخوه آآ.. أقصد يلبسه.
اتبعته مايسان للخارج، فجذب علي البنطال والتيشيرت إليه، ثم شرع بتبديل ملابسه ببسمة خبيثة:
_ مدخلش عليا حوارك ده، انت وقح وما بتصدق تستغل الفرص.
رفع ساقه بالبنطال استجابة ليد أخيه وأجابه:
_ محبتش أكسفها، دي شوية كمان وكان هيغمى عليها من الكسوف!
وضحك وهو يستطرد بمزحٍ:
_ عجبني إنها مصرة متخلنيش أنادي مزة من المزز الاجانب وصممت تساعدني وبالنهاية انت اللي لبستها.
رفع ذراعه بحذر والحزن يعتلي معالمه، فحاول الا يبدي له شيئًا حتى انتهى، فجذب الجاكيت يحاوطه به، ثم منحه فرشاة الشعر والمرآة والبرفيو الخاص به.
حاول عمران جذبها بيده اليسري وحينما رفعها بثقل جعله ينهج بصعوبه جذبها بيده الاخرى قائلًا بوجوم:
_ تفتكر كلام دكتورة ليلى صحيح والمسألة فعلًا هتكون كام يوم!
استمد ثباته ليقف قبالته مؤكدًا:
_ عمران بلاش تشغل دماغك بالتفكير باللي حصل، فكر إن ربنا نجاك من الموت وإنك حي، دكتورة ليلى كلامها مظبوط الجرعة اللي اخدتها نسبتها بسيطة وده اللي نجدك.
أراد أن يغير مجرى الحديث، فأشار له وهو يهم بالنهوض:
_ طب إسند خلينا نمشي من هنا.
أمسكه علي جيدًا فخطى لجواره للخارج فأسنده أحمد من الجهة الاخرى، بينما فتحت لهم مايسان باب المصعد ومن ثم باب السيارة الخلفي لتستقر جواره بالاخير.
وقفت خارج المطعم بترددٍ، تود أن تهرب لمكانٍ تبقى به بمفردها، لا تعلم ماذا يصيب قلبها؟
كل الذي تعلمه بأنها لا تحبذ التواجد مع هذا السمج، سحبت شمس نفسًا مطولًا قبل أن ترفع طرف فستانها وتصعد الدرجات المتبقية برشاقة تتناسب مع جسدها، فولجت لداخل المطعم تبحث عنه بعينيها، فتفاجئت بالمكان لا يحوي سواه، فعلمت بأنه حجز المطعم بأكمله لغدائهما وبالرغم من انزعاجها الشديد الا أنها استعادت ثباتها، وجدته يجلس على أحد الطاولات الفخمة كعادته يعبث بهاتفه، زفرت بمللٍ واستكملت طريقها إليه، فما أن رآها حتى نهض يجذب لها المقعد مدعيًا لباقته بالتعامل معها.
جلست شمس بهدوء مستندة على يدها وعينيها تجوب المكان من حولها، تبحث عنه وسط أوجه الحراس، تجهمت معالمها حينما لم تجده من بينهم، وكأنها فقدت ضالتها فجأة، ظهوره يهون لها تواجدها جوار ذاك المستبد.
أفاقت على صوته المتساءل للمرة الثانية:
_ شمس انتي معايا؟
تنحنحت بحرجٍ:
_ معلش سرحت شوية، كنت بتقول أيه؟
قدم لها القائمة ببسمة خبث:
_ بسألك تحبي تأكلي أيه، بس شكلك مش معايا خالص.
التقطت منه القائمة، وتفحصتها بأعين شاردة لا ترى ما أمامها، ودت لو سألته بشكل واضح أين آدهم؟
فقالت وهي تدعي عدم مبالاتها:
_ هو مفيش حد هنا غيرنا ولا أيه؟
رد عليها ببسمة زرعت القلق إليها:
_ وده أفضل شيء عشان نتكلم براحتنا.
وتابع بنظرة شك أحاطته:
_ من ساعة حفلة إيملي وأنا حاسس إنك متغيرة ومبقتيش تردي على مكالماتي، فهميني في أيه يا شمس؟
جذبت كوب العصير من أمامها ترتشفها بتوترٍ، واندفعت تخبره:
_ أيوه زعلانه منك ومش متقبلة اللي عملته.
_ أيه اللي عملته؟!
ردت بقوة وجراءة:
_ راكان أنا مبحبش الخنقة اللي انت مصمم تحطني فيها، ماليش في الحفلات دي ولا في قاعدتهم.
وتابعت ومازالت ترمقه بغضب:
_ زائد إنك لازم تتقبلني زي ما أنا، مش فرض عليا ألبس اللي تحبه وتختاره، أنا مش هطلع من تحكمات فريدة هانم لتحكماتك.
تفاجئ بما قالته وخصوصًا بحديثها عن الحفلات وغيرها مما تعد روتين أساسي بحياته، فلعق شفتيه بمكرٍ وداخله يأجج مقولة أن يستدرجها حتى تصبح زوجته وحينها سيعلمها ما يجب فعله، فتنحنح بخشونة:
_ أنا مكنتش أعرف إنك زعلانه أوي كده بس أوعدك مش هعمل اللي يزعلك تاني.
اكتفت برسم بسمة صغيرة، وابتعدت عن الطاولة بجسدها لتسمح للنادل بوضع الطعام، وشرعت بتناوله لتتهرب من حديثه خاصة بعد أن أغلق هاتفه وتفرغ لها حينما تأكد ان هناك ما يضيق صدرها منه.
وحينما فرغوا من طعامهما، وضع راكان مبلغًا طائلًا من المال واتجه بها للخارج، فخفق قلبها سريعًا فرحة حينما وجدت آدهم يقف بالخارج جوار احد سيارات الحرس، يتبادل الحديث برفقة فؤاد السائق الخاص لراكان.
هبطت خلفه ففتح لها راكان الباب الخلفي ومازالت تقف مقيدة، تنتظر أن يستدير ليمنحها بسمة الهادئة وترحابه المعتاد بينهما، ولكن ما صدمها بأنه صعد جوار فؤاد بالامام غير عابئ بجلوسها برفقة راكان بالخلف.
وجدها تتطلع إليه بالمرآة الامامية فابتسم بخبث وهو يتابع بروده، فاشغل ذاته بتأمل الطريق وحركة سيارات الحرس من أمامهم وخلفهم، وفجأة ضربت السيارة الامامية لصفهم بالنيران فاشتعلت مصدرة انفجار دوى المكان بأكمله وقبل أن يستوعب ما يحدث احاطهما سيارات يملأها الرجال المسلحين من كل مكان، صرخت شمس بفزع بينما صاح راكان وقد هبط عن مقعده لاسفل السيارة:
_ في أيه يا آدهم؟
جذب سلاحه من تابلو السيارة يجيبه وهو يقفز خارجها:
_ أكيد النمساوي حابب يواجب بعد اللي حصل لرجالته.
ورفع سماعته يصيح برجاله:
_ أمنوا عربية الباشا.
وفور انتهائه اجتمع حولهم عدد من الرجال الخاصين بآدهم يردون ضرب النيران بحرافية، بينما أسرع آدهم يفتح الباب الخلفي يعاونها للهبوط مرددًا:
_ متقلقيش يا شمس هانم هنخرجك من هنا حالًا.
تلقائيًا تمسكت بيده وهي تترجاه برعب:
_ أنا مش عايزة أموت من فضلك روحني.
أشار لها برفقٍ وهو يتجه بها لزقاق جانبي، وحينما ضمن إنها تختبئ خلف أحد الأعمدة السكانية عاد يجذب راكان ويتحرك به وسلاحه مسلط على المسلحون، فأوصله لها وعاد لينضم لرجاله، فتابعته شمس بصدمة وخوف عليه، وفجأة شعرت بيد تكمم فمها وتحرر سلاح حاد على رقبتها لتنفلت صرخاتها دون توقف، مما دفع آدهم يركض صوبها صارخًا:
_ شمــس!
الساعات تمضي دونك كالأعوام، وعقرب الوقت لا يتوقف عن افتعال ثورته وكأنه يحسب البعد بالمسافات، والهواء أصبح كالثليج وكأنك سحبت خلفك الدفء والأمان، وقلبي يا حبيبي يصرخ طالبًا ضمة عينيك وعاطفة هواك!
جفاها النوم دونه، لم يفعلها يومًا وتخلى عنها، انقبض قلب فطيمة، فلجأت للصلاة كلما احتد بها الألم، فرددت بصوت محتقن وبكائها ينسدل على سجادة صلاتها:
_ يا رب متبعدهوش عني أنا ماليش غيره!
ونهضت تلقي التحيات وسلمت جالسة على سجادة صلاتها تبكي دون توقف، فبرقت بعينيها بصدمة حينما تسلل لها صوته الرجولي العميق:
_ عمري ما أبعد عنك يا فطيمة، مش هيفارقنا غير الموت وهيكون يومي قبل يومك.
بلعت ريقها بصعوبة وهي تستدير للخلف ببطء فوجدته يجلس على المقعد القريب منها، خرج صوتها هامس بخفوتٍ:
_ علي!