تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل الحادي والستون 61 - بقلم ايه محمد رفعت
يستكين رأسها على سرير العمليات، وعيناها تغدقان بالدموع المائلة على جانبيها. عاشت طوال عمرها بصورة مخادعة، مشوشة عن طباعها، فلم تكن تلك القوية الشامخة، بل كانت امرأة مقهورة، مجبورة على كل شيء.
قتل قلبها، وفي نفس اليوم أُجبرت على أن تُقحم قلبًا آخر. زرع نطفة داخلها بالإجبار، بل فعلها ثلاث مرات، وبالرغم من قسوة فعلتها إلا أنها رزقت بأجمل ثلاث أبناء.
"علي" ابنها الأكبر، ينبوع الحنان والاحتواء، صديقها الذي لم تمتلكه يومًا. وبالرغم من كونها تكبرها فوق العمر عمرًا، إلا أن عقله يفوقها، حبه الشديد للقراءة وتنظيم حياته المنمق، وبالأخص العملية. قراراته التي تميل أغلبها لقلبه. ربما لا يشبهها، ولكن أكثر ما تحبه به بأنه النسخة المصغرة عن معشوقها، وكأن "أحمد" تجسد فيه ليعوضها فراقهما.
"عُمران" الابن الثاني لها، طفلها المشاغب. لم يكن هادئًا بطفولته مثل "علي". وبالرغم من أنه عنيد وصعب المراس، إلا أنه كان يتفق معها بأغلب الأشياء، كطريقة ارتدائه للملابس الباهظة، حنكته ورُقيه بالتعامل، اهتمامه بالرياضة كما تعشق هي. أحيانًا تشعر حينما يضمها بأنها ابنة أبيها المدللة. داخل حضنه تشعر بأنها طفلة صغيرة، وكثيرًا ما تخجل بأنها والدته، ولكنها على ثقة بأنه كان وسيظل دومًا لجوارها.
"شمس" طفلتها الثالثة، اشتق قدومها من اسمها فأشرقت حياتها المظلمة بها. طفلتها الجميلة، رقيقة القلب والمشاعر، شبيهتها المتطابقة لها. فلقد كان مناصفة غير عادلة حينما شبه "علي" "أحمد"، وورث "عُمران" ملامح والده، فأتت شمس نسخة عنها بأغلب ملامحها وبكل طباعها تقريبًا، لذا كانت تخشى عليها أن تلقى مصيرها. ربما اتخذت بحقها قرارات حاسمة، ولكن بالنهاية فور أن خفق قلبها لشخصٍ دعمتها دون حتى أن تستعلم عنه شيئًا.
حياتها برمتها كانت مرهقة، شاقة، والآن قد تنعمت بين أحضان معشوقها، من حُرمت منه رُد لها، فهل ستقتل ثمرة حبهما بيدها؟
وضعت "فريدة" يدها على بطنها، تهز رأسها بجنون وكأنها استشعرت الآن فضاحة ما ستفعله. كيف ستصبح قاتلة؟ كيف وهي لم تفعلها مع من كرهته، فكيف ستفعلها مع من قُتلت عشقًا لأجله؟
أزاحت الغطاء عنها ونهضت تخرج من جناح العمليات متجهة للخروج، فإذا بعلي يقف برفقة يوسف الذي وصل صوته لها:
"أنا كنت بحاول أكسب وقت لحد ما عُمران يوصل، بس بما إن حضرتك هنا فأرجوك تتصرف يا دكتور. فريدة هانم في أخر الشهر الثالث يعني عملية الإجهاض خطر عليها جدًا، أخطر من خطورة الولادة في سنها ده، فمن فضلك يا دكتور علي تحاول تقنعها لإنها مش مديني فرصة. أنا حتى سايرتها بالكلام على قد ما أقدر وإنت عارف إني عمري ما عملت ولا هعمل العمليات دي."
أشار له بتفهمٍ، فتابع يوسف وهو يتجه للخروج:
"خد راحتك أنا مع عُمران بره."
تركه وخرج، فاستدار علي ليتجه لجناح العمليات، فإذا بها تقف أمام عينيه. همس بذهولٍ:
"فريدة هانم!"
أخفضت عينيها أرضًا بحرجٍ، وعادت لغرفة العمليات لتحضر حقيبة يدها. ولج علي خلفها، فوجدها تجذب حقيبتها وتخرج منها مفاتيح سيارتها، وقبل أن تترك الغرفة أوقفها بقوله:
"ممكن نتكلم شوية؟ أنا مش هقدر أسيب حضرتك تخرجي من هنا وإنتِ بالحالة دي."
مالت برأسها من فوق كتفها قائلة دون أن تقابله عينيها:
"مش هخرج من هنا عند دكتور تاني، صرفت نظري عن الموضوع ده اطمن!"
سبق خطاها ليقف في مواجهتها هادرًا بهدوءٍ:
"طيب وليه تاخدي قرار زي ده من البداية يا ماما؟ حضرتك عارفة لو عمي عرف اللي كنتِ عايزة تعمليه رد فعله هيكون إيه؟"
رفعت عينيها الغائرة بالدموع إليه فتابع بحزنٍ:
"صدقيني ومن عشرتي ليه بأكدلك إنك كنتي هتخسريه خسارة أبدية."
أنكست رأسها أرضًا تخفي بكائها الخافت، فأحاط كتفها بكفه، يفرك بإبهامه عليه بحنان:
"مهما كانت أسبابك فصدقيني مش مضطرة لده."
خرجت عن صمتها قائلة ببكاء:
"انت وأخوك مبقتوش صغيرين يا علي، بالرغم من غرابة جوازي وأنا بالسن ده إلا أنكم مكنش عندكم أي مشكلة، دلوقتي أزيدها عليكم بحملي ده! هكون أنانية يا علي!"
رفع بإبهامه رأسها إليه، يسألها بدهشة ووجع مما تعانيه والدته من اكتئاب استطاع بكل براعة التعرف عليه. هالتها البادية أسفل عينيها، كل رد فعل صادر عنها يبرز له مدى معاناتها:
"ليه بتفكري بالشكل ده؟ تفتكري إن موضوع زي ده هيأثر علينا؟ حبيبتي إنتِ مأجرمتيش بجوازك من الإنسان الوحيد اللي حبتيه! لازم تكوني فخورة بنفسك وباللي مريتي بيه، مفيش ست تقدر تستحمل ربع اللي استحملتيه، مستحيل تقدر تعيش مع شخص محبتهوش وتعامله بالطريقة اللي اتعاملتي معاه بيه، حتى بعد ما مات محاولتيش تدي فرصة لقلبك إنه يعيش من تاني، حرمتي نفسك من كل حاجة علشان أولادك وبعدتي عن الإنسان اللي حبتيه، ودلوقتي بعد كل ده عايزة تدمري الحب اللي بينكم ليه وعشان إيه؟"
ابتعدت عنه واتجهت للشرفة تجيبه باكية وبصوتٍ شبه مبحوح:
"لأن المفروض إن في الوقت اللي المفروض هكون فيه جدة مينفعش أكون فيه أم يا علي، تفتكر منظري هيكون إيه لما الحمل ده يتعرف، هبقى مهزأة وسخرية."
اتجه خلفها لمكان وقوفها، وتخلى عن هدوئه هادرًا بانفعالٍ:
"فريدة هانم إنتِ هنا في لندن مش في مصر، وحتى لو كنا عايشين في مصر فكنت فاكر إنك شخصية قوية وقادرة توجهي الدنيا كلها عشان ابنك، معقول ضعفك وصلك إنك تتخلي عن ابنك وتقتليه عشان كلام الناس!"
هزتها كلماته لدرجة جعلتها تشير له برعبٍ وهي تهاجم معنى كلماته القاسية:
"أقتل ابني! لأ... لا يا علي!"
وبعدم استيعاب لحجم ما ستفعله قالت:
"آآ... أنا وأحمد كنا متفقين إننا مش هنجيب أولاد، آآ... أنا سألته تاني من فترة وقالي إنه راضي ومبسوط ومش عايز غيري آآ... عشان كده قولت آآ..."
ابتلعت كلماتها بألمٍ، لم تستطع أن تسترسل حديثها بنيتها بالتخلص من الجنين وكأنها استوعبت الآن بمقولة "قتله". أخفضت رأسها تبكي بصوتٍ قهر قلب علي، فدنى إليها يجذب رأسها ليضعها على صدره فانهارت باكية بتأثرٍ.
ربت على ظهرها بحنان وقال بعقلانية:
"عمي اتخلى عن رغبته إنه يكون أب عشانك إنتِ، وممكن يضحي بأي حاجة بس يا فريدة هانم حصل وحملتي منه فعمره ما كان هيقبل إنك تتخلي عن ابنه."
ابتعدت تقابل نظراته بحزنٍ جعل زرقتها غائمة، وعلى استحياء سألته:
"هتقوله يا علي؟"
هز رأسه ينفي ما صيغه عقلها إليها:
"لا طبعًا مستحيل."
منحته ابتسامة ممتنة وقالت:
"أنا طول الفترة اللي فاتت دي كنت بحاول أقتله بس مقدرتش يا علي، أنا مش عايزة أخسر أحمد ولا عايزة أخسركم."
تفهم سبب خوفها، وسألها باسترابة:
"إزاي اقتنعتي إنك باحتفاظك بيه هتخسرينا يا أمي؟ تفتكري مين فينا هيقبل يعرضك لخطر زي ده! تفتكري مين فينا هيقبل يشيلك ذنب كبير زي ده! إنتِ لو عملتيها مش هتقدري تعيشي غير بعذاب ضميرك، ده روح يا فريدة هانم وعقوبة قتلها عند ربنا عظيم! ربنا سبحانه وتعالى أراد أن يكون لكِ ابن من عمي فبأي حق عايزة تقتليه!"
وتابع يعاتبها بلطف نبرته الهادئة:
"طيب عمي من وجهة نظرك ميستحقش إنه يكون له ابن منك؟ أحمد الغرباوي اللي عاش عمره كله وحيد من بعدك ورفض الارتباط عشانك وبالرغم كل ده أول ما جت له فرصة يكون زوج ليكي قبل بأصعب شرط فرضتيه عليه ميستاهلش إنك تتنازلي عشانه يا فريدة هانم؟"
أخفضت وجهها وببكاء قالت:
"خلاص يا علي من فضلك كفايا!"
منحها ابتسامة جذابة وهو يمحي دموعها قائلًا ببهجة:
"حوارنا اتقفل ومش هيتفتح تاني، هيتدفن بينا ومفيش مخلوق هيعرف بيه حتى عمي، يلا نرجع القصر نفرح عمي بالخبر ده."
اندهشت من سرعة تقبله للأمر، فوجدته ينحني جاذبًا حقيبتها ويشير لها للخروج، فقالت بحرج:
"هو ممكن يوسف يقوله؟"
أكد لها بجدية تامة:
"لا طبعًا يوسف مستحيل يعمل كده."
هزت رأسها بخفة وقالت:
"هو مفيش غيرك إلا عرف؟"
حك أنفه يخفي ضحكته وقال:
"للأسف عُمران اللي مبلغني."
برقت لوهلةٍ وقالت:
"إيه!!!"
اتسعت ضحكته رغمًا عنه، وخاصة حينما قالت:
"هتكسف منه لو كلمني في الموضوع ده، خليه ميتكلمش معايا فيه يا علي لو سمحت، أخوك وقح وهيقعد يتريق عليا وممكن بكلامه أرجع عن قراري وأتخلى عن البيبي!"
تمردت ضحكاته وقال يسايرها كفتاته الصغيرة:
"حاضر مش هخليه يكلمك نهائي."
اتبعته للخارج باطمئنان، حتى صعدت لسيارته فاتجه بها للقصر ومازال يتردد لعقله سؤالًا هامًا "أين الطاووس الوقح؟!!!"
***
بسيارة عُمران المصفوفة على طرف الطريق، زفر يوسف بمللٍ وقال:
"يابني فهمني موضوع إيه اللي عايزني فيه ومخليني سايب شغلي وجاي مخصوص لعربيتك!! هو مينفعش الكلام في مكان غير هنا؟"
أكد له عُمران ومازال منحني يبحث عن شيءٍ مفقود باستماته:
"أيوه هو الحوار اللي عايزك فيه مينفعش الكلام عنه إلا هنا، واخرس بقى خليني أركز!"
تابعه بدهشة مما يفعله وتساءل:
"بتعمل إيه تحت الدواسة فهمني!!"
زفر بعصبية:
"ما قولتلك اتزفت اصبر مش شايفني مشغول!"
تنهد بقلة حيلة وراقب ساعة يده قائلًا:
"تمام بس انجز ورايا حالة ولادة بعد نص ساعة، أنا أساسًا كنت هكلمك عشان كنت عايزك في حوار مهم كده."
منحه نظرة شرسة وهتاف حاد:
"هو لسه في مصايب غير اللي بلغتني بيها؟!"
زم شفتيه ساخطًا:
"هو حمل فريدة هانم مصيبة!"
أجابه بتلقائية مضحكة:
"طبعًا!"
قال يوسف بجدية تامة:
"وأيه المصيبة بقى في حملها!! ستات أكبر منها بكتير وبيحملوا وبيخلفوا عادي جدًا، وبعدين ما شاء الله فريدة هانم مهتمة بنفسها وبجسمها جدًا فحملها هيكون سلسل وآ..."
ابتلع كلماته بصدمة مما وضع على رقبته. ابتلع يوسف ريقه بصعوبة وتساءل بهلعٍ:
"دي إيه دي يا عُمران؟"
وكأن المشهد يعيد نفسه مستبدلًا شخصية جمال بالاخير، فإذا بابتسامته الخبيثة تبرز وفحيحه يلفح وجه يوسف:
"دي؟؟ دي مطوة يا دكتور!!"
لعق شفتيه برعب وعدل من نظارته الطبية قائلًا:
"أيوه ولزمتها إيه يا حبيبي!"
شدد من قبضته على تلباب قميصه الأبيض هادرًا:
"اسمعني كويس يا يوسف، لو حد شم خبر بحمل أمي هقطع رقبتك الحلوة دي وهبعتها لدكتورة ليلى كادو!"
رمش بعدم استيعاب وسأله بريبة:
"طب وليه الشر ده كله؟ ثم إنك ليه بتتكلم وكأن فريدة هانم عندها مرض معدي، دي حامل يا حبيبي وده شيء لا يمكن تخبيه ولو نفترض إنك نجحت وخبيت الموضوع هتيجي بعد 9 شهور هتقول للناس مين البيبي ده؟"
أجابه بملامح جادة للغاية:
"عادي هقول مايا جابت تؤام."
كبت يوسف ضحكته وصدمه بقوله:
"إزاي وفريدة هانم سابقة مايا بشهر تقريبًا!! إيه نزل يمهد الطريق لأخوه ولا إيه بالظبط!"
تهدل ذراعه عن رقبته وعاد لمقعده بملامح واجمة للغاية. ضحك يوسف وهو يراقب ملامحه بتسليةٍ، وتمتم باستنكارٍ:
"عُمران معقول فقدت عقلك!! حبيبي إحنا في لندن مش في مصر عشان تخاف على شكلك!! وبعدين فريدة هانم أساسًا اللي يشوفها ميصدقش إنها خلفت قبل كده."
فتح مدته (المطوة) مجددًا وسلطها على رقبته هاتفًا بغضب:
"إنت بتعاكس أمي قدامي يالا؟"
رفع يديه يجيبه بخوف:
"أبدًا والله بحاول أخليك تستوعب بس، وبعدين فريدة هانم من خلال كلامي معاها حسيت إنها بتمر بحالة نفسية حادة فلو سمعت كلامك الأهبل ده حالتها هتسوء، عشان كده حاول تخليك بعيد عنها وتسيب حوارها لدكتور علي هو شخص عاقل ومتفاهم وهيقدر يتعامل معاها."
زوى حاجبيه بغدافيةٍ شديدة:
"حد قالك إني غبي ومبفهمش! وبعدين هتخاف على أمي أكتر مني!! جرى إيه يوسف إنت عقلك لسع منك ولا إيه؟"
سقطت نظارته من فرط اهتزاز جسده تباعًا لحركة عُمران المتعصبة، فصاح منفعلًا:
"لا خايف ولا متزفت، سبني خليني أنزل أشوف شغلي!"
عاد لمقعده يعيد سلاحه بتابلو السيارة، فاذا بيوسف يتساءل ساخرًا:
"لامؤاخذة في السؤال يا بشمهندس، هو إنت شايل مطوة معاك في العربية ليه؟"
احتدت رماديته تجاهه، وبوقاحة قال:
"عشان اللي زيك وزي جمال الغبي بيضيقوا خلقي بعد عنك، فمينفعش معاهم غير المعاملة دي."
حك لحيته هادرًا بصدمة:
"يعني انت شاري المطوة للمقربين منك!! يا راجل وأنا اللي افتكرتك عندك عداوات في الشغل وخايف تتثبت على الطريق!"
لكز الدريكسيون بغضب:
"وده مين ده اللي يثبت عُمران سالم الغرباوي!! مجابتوش أمه على وش الدنيا لسه اللي يعملها."
وتابع بتهديدٍ صريح:
"اظبط كلامك بدل ما أشرحك هنا عملي يا دكتور الحالات المتعسرة."
عدل من نظارته بغرور:
"هو أنت فاكر إني عندي مشكلة إنك تشرحني (absolutely). المشكلة عني إنك بتستخدم سكينة مش معقمة!"
أغلق عينيه بقوة ولسانه يعد من واحد لعشرةٍ. توتر يوسف من صمته الغريب فأسرع يبدل حديثهما المتهور:
"سيبك بقى من هزارك التقيل ده وخليك معايا في اللي عايز أقولهولك."
فتح حدقتيه وبابتسامة مغتاظة قال:
"ياريت.. بس لخص عشان مستعجل!"
سحب نفسًا مطولًا ودفعه هادرًا بارتباكٍ:
"بص يا عُمران إنت عارف إني ماليش غير سيف، هو اللي طلعت بيه من الدنيا، أبويا وأمي من طول عمرهم وهما بعاد عننا، كل اللي في دماغهم الشغل وبس، أنا اللي مسؤول عن سيف مسؤولية كاملة لحد ما بقيت بحس إنه ابني مش أخويا الصغير."
مال بجلسته إليه يسأله باهتمام:
"ليه بتقول الكلام ده يا يوسف؟"
استند برأسه على ذراعه المائل بشرفة السيارة:
"لإني خايف أخسره يا عُمران، جوازه من زينب طول ما الكلب يمان ده لسه بيحوم حواليها هيخليني قلقان طول الوقت، الإنسان ده شراني وأكيد أنا مش هقف وأتفرج عليه وهو بيأذي أخويا!!!"
وتابع بنبرة أوضحت عجزه التام:
"وفي نفس الوقت مقدرش أقف في وشه وأمنع جوازه من الإنسانة اللي بيحبها خصوصًا إن أنا اللي كنت مصر عليه يرتبط!"
رفع عمران زجاج شرفة مقعده، عسى أن يكف الهواء عن العبث بخصلاته، وتحلى بصمته ليجذب انتباه يوسف إليه وعن عدم رضاه بتفكيره المطلق، فازدرد حلقه قائلًا:
"أنا مش معاك يا يوسف، سيف حبها واختار إنه يكون معاها في الحرب دي، وده لو ثبت لك شيء فالمفروض يكون إثبات بحبه الكبير ليها، كون إنك خايف إنه يأذيه لما يتجوزها فمين قالك إنه مكنش هيعملها وهو بعيد عنها!! هو خلاص بقى عارف ومتأكد إنهم بيحبوا بعض سواء اتجوزها أو لأ!"
واستطرد بصرامة واضحة:
"وبعدين لا آدهم ساكت ولا حراس عمي ساكتين، بيحاولوا يوصلوا ليه وهيحصل إن شاء الله، ولو فكرت فيها هتلاقي مش من الرجولة نسيب زينب لوحدها في الحرب دي، بالعكس لازم الكلب ده يشوفنا كلنا حواليها وأولنا سيف، الموقف اللي عمله يوم الجامعة ودفاعه عنها ده هيقلقه وهيخليه يتهز، ولو حصل وهاجمه هيكون على ثقة إن كفته مستحيل هتطب لإن قلب زينب اللي معرفش يكسبه بقى مع سيف وده هيخلي سيف ينتصر عليه بسهولة ده إن حصل وهاجمه لأننا مش هنسمح بده بإذن الله."
اقتنع بحديثه فتنهد بحزن وقال:
"إن شاء الله.."
وفتح باب السيارة قائلًا:
"هنزل أشوف شغلي وإنت روح مشوارك ومتنساش بكرة تكون عند سيف من النجمة، عريس بقى وعايزك تظبطه باليوم ده."
واستكمل بابتسامة هادئة:
"أنا وليلى ظبطناله حفلة صغيرة كده في شقتنا."
منعه عُمران من الهبوط حينما ضمه إليه، وبكل محبة قال:
"ألف مبروك، ربنا يفرحك بيه وبأولاده يارب."
ربت على ظهره بقوة وابتسامته تتسع شيئًا فشيئًا:
"تسلم يا حبيبي."
وابتعد يسأله بتذكر:
"بقولك إيه ما تتصل بالست أشرقت تعزمها وأهي فرصة تيجي هي ومدام صبا الحفلة وأهو نجبر جمال يرجع معاها لأنه مش هيسيب مامته تروح لوحدها يعني، حتى لو هتروح تجبهم قبل الحفلة."
تنحنح بخشونة وقال:
"فكرة كويسة، أنا هتصل بيها بس مش هقدر أعدي عليهم أجيبهم، ممكن أبعتلهم سواق فريدة هانم يجيبهم."
تعجب من رفضه الصريح بالذهاب لاحضارهما، وبدأت شكوكه تدفعه لسماع عُمران حوار جمال معه حينما أخبره سبب طلاقه، ولكنه لا يريد أن يحكم من موقفٍ هكذا عساه مشغولًا بالفعل، فازدرد قائلًا:
"خلاص تمام.. المهم تأكد عليها تجيبها وتيجي."
هز رأسه بتأكيدٍ، هبط يوسف من السيارة وغادر عُمران على الفور.
***
مضت فاطمة برفقة زينب بأحد المولات لشراء بعض الملابس لزفافها الذي تحدد بسرعة البرق، وقد حرصت فاطمة على شراء القفطان الأخضر لشقيقتها لترتديه بالغد.
كانت تشعر بالسعادة بأنها تعاونها من مالها الخاص، حيث كانت تودع المبالغ التي تتحصل عليها من عملها برفقة عُمران بحساب خاص بها قد قام عُمران بفتحه لها لرفضها استلام المال منه.
وفور أن انتهوا تركوا الحرس يحملون الأكياس للسيارة وجلسوا بأحد الكافيهات يتناولون الغداء بمفردهما لأول مرة.
فقالت فاطمة وابتسامتها الرقيقة لا تفارقها:
"صافي كبرتي أ زينب و غادي تتزوجي، أنا فرحانة ليك بزاف و لكن في نفس الوقت مقلقة أنا مازال ما شبعتش منك." (كبرتي خلاص يا زينب وهتتجوزي!! أنا فرحانه علشانك أوي بس في نفس الوقت زعلانه أنا ملحقتش أشبع منك!)
رسمت ابتسامة صغيرة على وجهها المجهد من قلة نومها قلقًا من ذلك المريض:
"وأنا زعما فين غا نمشي أنا فطيمة، ها أنا معاك و حداك." (وأنا يعني هروح فين يا فاطمة أنا معاكي وجنبك أهو!)
مالت على الطاولة البيضاوية تمسك يديها التي تفرك بها بتوترٍ:
"الخوف اللي ف الداخل ديالك ما تقدريش تخبيه عليا مهما حاولتِ انك تبيني انك طبيعية. اتكلمي معايا و متخافيش ماكينش ف هاد الكون اللي يقدر يفهمك قدي." (الخوف اللي جواكي مش هتقدر تخبيه عني لو مهما حاولتي تبيني إنك طبيعية، اتكلمي معايا ومتخافيش محدش في الكون كله هيفهمك أدي.)
تدفق الدمع من عينيها المحتقنة بالدموع، فسددت لها سؤالها المباشر:
"انتي خايفة من يمان ولا من سيف يا زينب؟"
ضمت شفتيها بقوة تكبت شهقاتها الباكية، وبعجزٍ هتفت:
"ما عرفتش." (مش عارفة!)
سحبت فاطمة مناديلًا ورقيًا، وقدمته لها قائلة والوجع يعتصرها:
"بلا ما تبكي، واش كاينة شي عروسة كتبكي فحال هكا و عرسها غدا، لو الجواب على سؤالي صعيب فاعتبريني ما سولتش من الأساس." (بلاش العياط ده، في عروسة فرحها بكره تعيط بالشكل ده!! لو اجابة سؤالي صعبة يبقى اعتبريني مسألتش من الأساس.)
اعترضت حديثها قائلة:
"ماشي صعيب و لا حاجة، أنا الخوف اللي اتبنى داخلي من يمان و فعايله، خلا عندي هواجس مخيفة يا فاطيمة." (مش صعب ولا حاجة، بس أنا الخوف اللي اتبنى جوايا من يمان وأفعاله خلاني عندي هواجس مخيفة يا فاطمة.)
واستطردت تشرح لها على استحياءٍ:
"ما غنقدرش نكون ليه مرا! أنا بمجرد ما كيقرب مني في بلاصته حدايا كنموت بالخوف من يمان!!" (مش هقدر أكونله زوجة! أنا بمجرد ما بيقرب بمكان جلوسه مني بترعب من يمان!!)
أدمعت أعين فاطمة تأثرًا بها، فكيف لا تشعر بما تعانيه وقد ذاقت هي أضعاف ما يحيط شقيقتها. غمست أصابعها بين أصابع الأخرى، وقالت بقوة تحاول مدها لها رغم أنها ضعيفة، هشة:
"كتبغيه أ زينب؟" (بتحبيه يا زينب؟)
رمشت بارتباكٍ ملموس، فابتلعت ريقها الذي زارته رطوبة عجيبة فور سماعها لسؤال فاطمة:
"ما عرفتش، ولكن أنا كنرتاح فاش كنشوفه، و كنحس انني ما بغياهش يمشي او يبعد عليا، كنـفرح بزاف فاش كنشوفه في الجامعة، النهار اللي مكنشوفوش فيه كنحس انني مقلقة و مزيرة، حتى كلامه و اصراره أنه يتزوجني بالرغم من أنه عارف انه غيعرض حياته للخطر كيخليني نحس بانه هادا هو الراجل اللي نقدر ننعس ف داره و أنا مطمئنة و مرتاحة." (مش عارفة! بس أنا برتاح لما بشوفه، وبحس إني مش عايزاه يمشي أو يبعد، بفرح أوي لما بشوفه بالجامعة، اليوم اللي مبشفهوش بحس إني مخنوقة ومتضايقة، حتى كلامه واصراره على إنه يتجوزني بالرغم من إنه عارف إنه بيعرض حياته للخطر بيخليني أحس إن ده الراجل اللي هقدر أنام في بيته وأنا مطمنة ومرتاحة.)
اتسعت ابتسامة فاطمة، ورددت باستنكارٍ:
"إيلا ما كانش هدا هو الحب، أيوا شنو يكون الحب من وجهة نظرك يا دكتورة؟!" (لو ده مش حب أمال إيه الحب من وجهة نظرك يا دكتورة؟!)
أشرق وجهها بابتسامة تستحي من أن يراها أو يستمع لحديثهما أحدًا. ومن ثم ما تلاشت وبتوترٍ باحت:
"و لكن كلشي هادشي مسببلي خوف كبير يا فاطمة." (بس كل ده مسببلي خوف كبير يا فاطمة.)
سألتها باستغراب:
"خوف من أنك بغيتيه؟!" (خوف من إنك حبتيه؟!)
رفرفت اهدابها المبتلة بدموعها وقالت:
"خوف أنه يتأذى، ما غنقدرش نستحمل توقع ليه شي حاجة بسبابي، آآ... أنا كنبغيه!" (خوف من إنه يتأذى، مش هستحمل إنه يحصله حاجة بسببي، آآ... أنا بحبه!)
زفرت الهواء الساخن من انفها، وكأنها تحرر عنها التوتر الذي يجتاحها على شقيقتها، وقالت بإيمانٍ:
"زينب أحبيبة ديالي كيفاش إيمانك بربي سبحانه و تعالى يوصلك لهاد النقطة، ربي سبحانه و تعالى قال في كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم «قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» صدق الله العظيم. يعني لو قدر الله و ربي اراد انه يمسه بسوء فهادشي مقدر و مكتوب، و اجي علاش انتي تحطي فراسك هاد الأفكار الخايبة، حبيبة ديالي انتي عروسة فرحي و خلي كل هادشي على جنب، ما عرفتيش ربي خازن ليك الخير فين." (حبيبتي زينب إزاي إيمانك بربنا سبحانه وتعالى يوصلك للنقطة دي، ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم «قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» صدق الله العظيم. يعني لو لقدر الله ربنا أراد أن يمسه بسوء فهو مقدر ومكتوب، ثم إنك ليه تحطي في رأسك الأفكار البشعة دي، حبيبتي انتي عروسة افرحي وسيبي كل ده على جنب، متعلميش ربنا شايلك الخير فين؟)
هزت رأسها وابتسامتها اتسعت بحبورٍ شديد:
"ونعم بالله."
***
اتجه جمال لشركته بعد أن مر على الموقع، يتأكد بنفسه أن كل الأمور تجرى على ما يرام، وخاصة أن عُمران متغيب منذ الصباح.
احتل مقعد مكتبه الصغير يراجع ما وضعه السكرتير من أمامه، فإذا بباب مكتبه يفتح بهمجيةٍ شديدة ويدلف ذلك المستفز بكل عنجهيةٍ، كأنه يقتحم مكانًا يخصه.
استقام بوقفته يرمقه بنظراتٍ ملئها الضيق والتذمر لطريقته البربرية، ولكنه استثنى غضبه لأجل عُمران، فاجلى صوته الخشن:
"نعمان باشا نورت."
وأشار على المقعد وللسكرتير الذي لحق به بالمغادرة:
"اتفضل."
اتجه إليه بخطواتٍ متهدجة، مغرورة، يقف قبالته برأسٍ مرفوع بعنجهية مريضة، وبحقدٍ فاحت رائحته قال:
"أنا مش جاي عشان أقعد، أنا جاي أقولك كلمتين لو ذكي هتعمل بيهم وتنفد من غضبي، ولو كنت غبي وخبيث زي ما أنا متوقعك هتكمل في مشوارك بس ساعتها مش هتشوف غير اللي ميعجبكش وهتعتبرها أسوأ خاتمة ليك هنا في لندن قبل ما تترحل على مصر."
قبض قبضته بعنفٍ، وبحدة صاح بوجهه:
"أنت جايلي لحد مكتبي عشان تهددني!"
رفع اصبعه أمام وجهه يصمته ويهدر بتحذيرٍ:
"اسمع يالا أنا مش أهبل ولا بريالة زي ابن فريدة، أنا فاهمك وفاهمك كويس أوي، وعارف إنك بتلف وبتدور حواليه عشان توصل للي إنت عايزه وبتخطط ليه من البداية."
وتابع بكرهٍ شديد:
"وأنا عشان جدع هسيبك تاكل معلقتين بس تهف الطبق كله هخليك تطرشه."
ربع يديه أمام صدره وقال بجمود تام:
"إنت مقدرتش على عُمران فقولت تجرب معايا ولا إيه؟ إيه قلة الحيلة دي!!"
وقبل أن يتحدث نعمان اوقفه صوت جمال الجهوري:
"اسمعني إنت بقى، مفيش قوة على وجه الأرض هتقدر تفرق بيني أنا وعُمران، ولو فاكر إن الكلمتين دول بما فيهم تهديدك الوضيع هزوا شعرة واحدة فيا تبقى فعلًا أهبل وبريالة زي ما قولت."
واستطرد بشموخٍ وكبرياء:
"أنا مش هقف وأدافع عن نفسي ولا عن علاقتي بعمران لإني واثق ومتأكد إنك عارف إن كل اللي بتقوله ده افتراء وكذب أو زي ما عقلك مصورلك."
وعاد لمقعده وهو يقول بثبات:
"تقدر تمشي لإن كلامك مالوش لزمة.. ولو في حاجة في دماغك عايز تعملها اعملها بدون رغي هعمل وهسوي لإن اللي بيقول مبيعملش يا نعمان يا غرباوي!"
احترق بلهيبه من فرط الأدخنة الصاعدة من داخله، فركل الباب وغادر من مكتبه غاضبًا.
وقبل أن ينعطف خارج شركته وقف أمام مكتب السكرتير الخاص به، يخرج دفتر شيكاته ويتكئ على سطحه يدونه بمبلغ 500 ألف دولار أمريكي، وضعه بين لائحة الشاب الذي يوزع نظراته الجاحظة بينه وبين الشيك بصدمة، بينما يردد نعمان بشرٍ أعج بداية مخططه الوضيع:
"ستفعل ما سأطلبه منك مقابل هذا المبلغ، ما رأيك؟"
***
ركضت بسعادة فور أن رأته يدخل من باب الشقة، قائلة بحماسٍ:
"شيخ مهران، سدن حفظت ثلاثة صفحة."
ابتسم الشيخ مبديًا فخره، وردد بسعادة:
"ما شاء الله تبارك الله عليكِ يا بنتي."
وسألها بحب:
"مين اللي حفظك؟"
قالت وهي تنتظر سماع الترجمة عبر سماعتها:
"خديجة وحاج رقية قول لسدن تروح لآيوب يسمعني وأنا أقول اللي حفظه."
ضحك بصوتٍ أطرب قلب الحاجة رقية التي تعد السفرة بالطعام الشهي، فتركت ما بيدها ووقفت تراقبه بابتسامة واسعة، بينما قال هو:
"طيب يا بنتي، يونس نزل المحلات وآيوب فوق اطلعي خليه يسمعلك اللي حفظتيه وانزلي على طول."
وأشار بيده المحاطة بسبحته البيضاء:
"واوعي تتأخري يا سدن."
هزت رأسها بسعادة، تختبر لأول مرة حنان أبًا مثله، وحب الأم المتمثل بالحاجة رقية، حتى خديجة رغم مرضها الشديد إلا أنها لم تتركها ومضت ليلها تحفظها آيات السور القصيرة بكل محبة.
صعدت "سدن" للأعلى، تطرق باب شقة "يونس"، فإذا بآيوب يفتح الباب وما أن رآها حتى ردد بابتسامة جذابة:
"سدن!"
أخفضت عينيها باستحياء غريب يحيطها، وكأنها اكتسبت صفات لم تكن تتحلى بها يومًا!
رفعت المصحف الشريف إليه وقالت:
"أنا حفظت تلاتة صفحة، وعاوز إنت تسمعني وأنا أقولهم."
اتسعت ابتسامته فخرًا وسعادة بها، وأشار لها بمحبة كبيرة:
"أكيد طبعًا، تعالي."
إتبعته للداخل حتى توجه بها بركنٍ خصصه يونس للصلاة، يوجد به ثلاث سجادات للصلاة، ومكتبه بها المصاحف والكتب الدينية.
تربع آيوب أرضًا ومن أمامه سدن بإسدالها الأبيض الملائكي. قدمت له المصحف، فحمله واغلقه ووضعه جانبًا.
زوت حاجبيها بدهشةٍ وتساءلت:
"قفلتي القرآن ليه؟ مش عاوز أسمع سدن وهو بيقول الآيات؟"
احمر وجهه من فرط منعه للضحك، وتنحنح قائلًا:
"طبعًا عايز أسمع سدن وجمال صوت سدن في القرآن العمر كله، متقلقيش أنا حافظ القرآن كله فمش محتاج أبص فيه عشان تسمعي الآيات القصيرة دي."
وأشار لها بحنان:
"يلا إبدأي."
هزت رأسها في طاعة ومضت ترتل القرآن بصوتٍ عذب، لمس قلبه كإيقاع تأثير صوت العفاسي مفضله عليه، واوقفها فور نطقها لكلمة بنطق غير صحيح، فضم كفه يردد بقراءته الصحيحة للأية التي نطقتها بطريقة خاطئة:
"وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. صدق الله العظيم."
مالت مبتسمة على كفها تهتف بإعجاب شديد:
"صوتك جميل أوي آيوب."
ضحك رغمًا عنه وقال:
"جميلة!! يا ستي إنتِ اللي زي القمر بس بلاش التاء المؤنثة دي عشان خاطر جمال صوتي لو حباه!!"
رددت بعدم فهم:
"تاء تأنيث؟!"
توالت ضحكاته تباعًا، وقال بصعوبة لتنسيق جملته الإنجليزية:
"لا عليكِ، مع الوقت ستكتسبين مهارة الحديث بالعربية.. دعك من هذا كله، أنا فخور بكِ سدن، رغبتك بتعلم الدين وحفظ القرآن الكريم بهذه السرعة لهو شيئًا يدعو للفخر."
منحته ابتسامة عذبة وقالت:
"ربما لأنني وبعد زمن طويلًا وجدت نفسي التائهة، كنت غير راضية على ما كنت عليه، والآن يتسع صدري وأجدني شغوفة لسماع كل شيء عن ديني."
الآن نسبته دينها، لم تقل دينه وهذا ما أسعده بحق، فتعمق بالتطلع إليها وهي تستكمل:
"أتعلم أنا لا أطيق انتظار الشيخ مهران لحين عودته من الخارج، أذهب لخديجة تحدثني عن قصص النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وتحادثني الحاجة رقية عن فرائضي وعن الصيام فناويت أن أصوم معها غدًا يوم الاثنين فلقد أخبرتني أن أعقد النية للصيام، وأحيانًا أستدرج فارس بالحديث ليخبرني عن قصص الصحابة وما تعلمه، وها أنت تساعدني بحفظ القرآن بتلاوته الصحيحة، فماذا أريد بعد!!"
وأخبرته بحماسٍ بينما هو شاردًا بها:
"هل أخبرتك أن الشيخ مهران علمني أن أدعو لأخي بكل صلاة لي، وكم أنا مسرورة أن دعواتي تصل له، عساه يعلم بأنني قد تركت تلك الديانة وأصبحت مسلمة، عفيفة الآن."
رفع كفه يضم جانب وجهها برقةٍ متناهية، وقال:
"وهل أخبرتك أنا بأنني لطالما دعوت الله أن يرزقني فتاة صالحة، أئتمنها زوجة لي وأمًا لأولادي، واستبعدت أن أكون وجدتها حتى تلك اللحظة التي تجمعنا الآن!"
ودنى إليها يطبع قبلة أعلى حجابها هاتفًا بحبٍ وعاطفة تسللت لمسمعها:
"فاللهم إجعلني لكِ زوجًا صالحًا كما كان سيدنا محمد (صل الله عليه وسلم) زوجًا صالحًا لزوجته خديجة رضى الله عنها."
سرت بجسدها قشعريرة لذيذة، فخشيت أن تكسر تعليمات شيخها الفاضل إليها، فاذا بها تبتعد عنه، وجذبت مصحفها الوردي ونهضت تردد دون أن تطلع إليه خلفها:
"لقد أخبرني شيخي ألا أتأخر، أراك لاحقًا."
وهرولت من أمامه راكضة للأسفل، تاركة الابتسامة والعشق يتلألأ داخل مُقلتي ابن الشيخ مهران!
***
كان بغرفة مكتبه حينما ولجت هي إليه، حمرة بشرتها، عينيها المتورمة، أنفها الأحمر، كل ملامحها شكت له بكاء وحزن مرير.
نهض عن مقعده متجهًا إليها، يلتقط يدها المستندة على ذراع "علي"، متسائلًا بقلقٍ:
"في إيه؟ مالها؟!!!"
منحه علي ابتسامة صغيرة:
"اطمن معندهاش حاجة تخض."
يعاونها الآن على الجلوس ومن ثم انتصب قبالة علي يردد بضيق من أسلوب حديثه:
"يعني إيه حاجة تخض!! هي عندها إيه أصلًا؟!"
ضمه علي والاخر مازال ذراعيه مفرود لا يبادله ضمته، يراه مريبًا وقلقه يتضاعف مع صمتهما بينما الآخر يضمه!!
ابتعد عنه علي وقال بابتسامة واسعة:
"مبسوط عشانك.. عن إذنكم."
قالها ورحل بكل بساطة تاركًا أحمد يستشيط منه غضبًا، فاستدار واتجه لأريكة فريدة، جلس جوارها يسألها بلهفة وخوف:
"في إيه يا فريدة؟ انتِ تعبانة؟ وليه علي بيتكلم بالبرود ده!!!!"
تقابلت عينيها الزرقاء مع رماديته بنظرة ضمت بها المُقل بعضها البعض، فأمسكت يدها تشدد عليها مما ضاعف قلقه وجعله يبتلع بتوترٍ، وبصعوبة ردد:
"فريدة سكوتك قلقني، اتكلمي فيه إيه؟"
بوضوحٍ غريب قالت:
"أنا حامل يا أحمد."
استمر في البحلقة إليها، وكأنه ينتظر سماع ما بها، فقال بما برمج عقله به:
"متقلقيش هتبقي كويسة، هنروح لدكتور كويس وآآ...."
توقف عما يقول وعاد يتطلع له متسائلًا بدهشة:
"هو إنتِ قولتي إيه؟"
ضحكت وأزاحت دموعها المعاكسة لسعادتها بتأثيره بما قالت، ورددت بصوتٍ مرتعش:
"أنا حامل!"
رفرف باهدابه القصيرة وقال بتخمينٍ:
"إنتِ بتهزري صح؟!"
أحجمت ابتسامتها وقالت بحزمٍ:
"إمتى فريدة هانم الغرباوي هزرت مع حد عشان تهزر معاك يا بشمهندس!!"
أخفض عينيه لبطنها وكأنه يمتلك ميكروسكوب سحري سيخترق لحمها ليلقي نظرة يتأكد بها مما تخبره به.
ضحكت بصوتٍ مسموع وقالت:
"مهو مش معقول هيطلع لي بطن في التالت يا أحمد!!"
امسك كفيها وترجاها بصوتٍ مهزوز:
"انتِ بتتكلمي بجد يا فريدة، يعني أنا هيكون لي ابن منك!! معقول بعد كل ده هشيل حتة مني ومنك، بالله عليكِ اتكلمي، اوعي تكوني بتهزري يا فريدة."
وتابع بحزن احتل قسمات وجهه الوسيم:
"أنا آه محطتش في أحلامي إني أكون أب في يوم من الأيام لإني كنت عارف إنه شيء مستحيل فأرجوكِ بلاش تعشميني بالأمنية دي!"
انهمرت دموعها حزنًا عليه وقالت ببكاءٍ:
"يمكن أنا كنت أنانية لما شرطت عليك الشرط ده، بس الحمد لله ربنا حقق لك اللي بتتمناه."
خطفها بين ذراعه وقال باكيًا:
"ألف حمد وشكر ليك يا رب، أنا مش مصدق اللي بسمعه ده."
وفجأة أبعدها عنه يطالعها بتوترٍ وخوف، فابتلعت ريقها بقلقٍ من جموده الغريب هذا، فوجدته يقول بأنفاسٍ مسلوبة:
"إنتِ من البداية مكنتيش عايزة ده يحصل، وأنا ممنعتكيش لما قولتي مش هينفع يكون بينا أولاد بس أهو حصل وربنا أراد أنك تخلفي مني فأرجوكِ حافظي عليه يا فريدة، أرجوكي أنا عايزه ومحتاجاله أوي."
غُص قلبها، ماذا إن علم بما كانت ستفعله، ما لها يغادرها الهواء ويتحجر ريقها، ازدردته وقالت:
"إيه اللي بتقوله ده يا أحمد، اوعدك إني مش هكون أنانية مرة تانية، اطمن يا أحمد هحافظ على البيبي ده وإن شاء الله يتولد وتشيله وتفرح بيه."
أضيء وجهه من فرط سعادته، فعاد يضمها وهو يهمس بفرحة:
"أنا بحبك أوي يا فريدة... بتمنى ربنا يكرمنا ببنوته تورث منك جمال عيونك وملامحك."
ضحكت وقالت بدلال:
"ولما تورث جمالي هنعيش في سلام إزاي يا بشمهندس!! أنا كده مش هبطل أتقاتل معاها عليك!!"
شدد من ضمها وقال بعشق:
"هتتقاتلي عليا وأنا ملكك يا فيري!!"
تشبثت بظهرها بقوة وبداخلها امتنان أن الطبيب الذي اختارت للذهاب إليه كان يوسف، الذي أمْهلها الوقت الكافي للتفكير فعادت نادمة، ومن بعده علي الذي استكمل باقي الطريق.
***
وقف بسيارته قريبًا من المبنى، يراقب ساعته ببسمة انتشاء، صوت صراخها واستنجادها يزيده فرحة. خمسة عشر دقيقة وجدها حد كافٍ لتهذيبها، ففتح نافذة سيارته وأشار لأحد رجاله، فهز رأسه ومال للسيارة التي تعج بالحرس يشير لهم نفس الإشارة الصامتة، فاندفع الرجال للأعلى.
عشرة دقائق أخرى حتى تمكنوا من فض الاشتباك العالق بالطابق العاشر من المبنى، وإذا به يرى خمسة من النساء يغادرن برفقة حراسه بعدما تمكنوا من إرغامهن على الهبوط من المبنى وترك تلك الحقيرة التي تلقت درسًا على أيديهن لن ينسى.
هبط "عُمران" من سيارته، واتجه للأعلى بخطواته الواثقة، توجه للشقة التي تقطن بها، فوجدها ملقاة أرضًا تنزف بغزارة وقد استحقت ما حدث لها.
تمكنت برؤيتها المشوشة من رؤية وجهه، فهمست بشحوبٍ:
"عُمران!! ساعدني، هاتف الاسعاف عُمران."
مال إليها وقدمه يستند على المقعد:
"ولماذا سأفعلها؟ لقد استحقيتِ ذلك ألكس."
جحظت عينيها النازفة بصدمة، وتساءلت:
"أنت من فعلت ذلك؟"
انزوى حاجبيه راسمًا الحزن، وبسخرية قال:
"آوه عزيزتي، لا أعلم أنهن متوحشات لتلك الدرجة."
وبضحكة خبيثة قال:
"ظننت بأنني سأجدك ميتة فور صعودي، ولكن هؤلاء الحمقاوات فشلن بفعلها.."
وأخرج سلاحًا من جيب بنطاله ووضعه نصب عينيها قائلًا بابتسامته المخيفة:
"ولكن لا تقلقي سأفعلها أنا."
ارتعبت وازداد رعبها أضعافًا مضاعفة، فزحفت للخلف وهي تردد بذعرٍ:
"ماذا تفعل؟!"
قال وهو يلهو بسلاحه:
"كما ترين سأقتلكِ عزيزتي، أحاول أن أشفق على تلك الأرض المسكينة التي تتلوث من قذارة قدميكِ."
واصلت زحفها وتوسلت له:
"لا تفعل عُمران، أرجوك اتركني."
وتابعت بتلعثم ورعب:
"أعدك أنني لن أضايقك مجددًا."
انحصرت بالحائط من خلفها، فسحب مقعدًا خشبيًا وجلس قبالتها، واضعًا ساقًا فوق أخرى:
"مجبرة على فعلها عزيزتي لإنكِ ستتركين هذا العالم وللأبد.."
ومال يستند على قدميه، يقابلها بنظرة أرعبتها:
"ماذا كنتِ تنتظرين مني فعله وأنت تقفين بمنتصف منزلي تهدديني!! والأبشع من ذلك لسانك القذر الذي تردد بالسوء عن زوجتي!!"
وتابع باستحقار:
"ولأخبرك بأنني حينما طلبت من أحد رجالي البحث عنكِ تبين لي أنني كنت أحمقًا لأقع بشباك امرأة ساقطة *** مثلك، قامت بإغواء الرجال وكسب أموالهم ثم هربت من ولاية لأخرى بعد أن أطاحت بحياتهم! ولكن حظك العسير أسقطك مع رجلٍ لفظكِ أسفل قدميه، حتى بات رؤيتك مقززًا كرؤية المسلم للحم الخنزير!!"
سحب الزناد وهو يصرخ بها:
"وبعد أن انتقمت النساء منكِ حان دوري الآن."
زحفت إليه تتعلق بقدمه وهي تردد ببكاء:
"ارحمني عُمران، اصفح عني أعدك بأنك لن ترى وجهي مجددًا، أرجوك لا تفعل."
ركلها بعيدًا عنه وبصق أرضًا هاتفًا:
"لقد انتزع وضوئي أيتها اللعينة."
رفع يده لأحد رجاله يناوله السلاح وهو يقول بتشديدٍ:
"حسنًا سأمنحكِ فرصة إن لم تستغليها أعدك بأن لا أحدًا سيملك الحق لمنحك الفرص لجثتك."
اعتدلت بجلستها أرضًا تتابعه بلهفة، فإذا به يخطو ذهابًا وإيابًا متعمدًا اللعب على أعصابها، حتى قال:
"منحتيني يومًا واحدًا للتفكير واستغللته أنا لتدميرك، والآن سأمنحكِ ساعة واحدة لترك لندن وإنجلترا بأكملها، وإن لم تفعلي فلكِ مني ما لا يحمد."
وبأصبعه أشار بوعيدٍ أرعبها:
"وإن تجرأتِ وفعلتي شيئًا حقيرًا يمس زوجتي حتى وإن كان نسمة هواء ساخنة لامست طرف قدميها، أقسم بالله بأنكِ وإن اختبأتي في أخر بقاع الأرض سأجدكِ وحينها لن يمنعني أحدٌ عن نحر عنقك.."
وأشار لمن يقف خلفه:
"احرص أن تغادر أمام عينيك."
قالها وارتدى نظارته القاتمة، ثم غادر من أمامها بعد أن ألقنها درسًا لن تنساه وإن عاشت فوق عمرها عمرًا.
***
أصابتها شديدة وجعلتها طريحة الفراش، ولكنها فور سماعها بما قيل حتى ردت الروح فيها، وتجهزت مستندة على الحاجة رقية لتهبط برفقتها لسيارة آدهم حيث كان يونس بانتظارهما.
ركض فارس إليه فالتقطه بين ذراعيه يقبله بفرحةٍ، بينما عيناه متعلقة بها ويلاحظ فرحتها رغم تعابير الألم المجتازة لملامحها المتألمة لفرط حركتها.
أخبرها يونس أن تظل بالفراش حتى تتماثل الشفاء وبإمكانه الحديث مع آدهم بأن تذهب بوقتٍ لاحق، ولكنها اعترضت وأرادت الخلاص من عصمة ذلك المخنث القذر.
وصلت السيارة للسجون في سرية تامة، وبامتياز مكانة "عمر الرشيدي، آدهم" تمت الأمور بكل سلاسة، وها هو آدهم يوفي بوعده ليونس مرتين، مرة حينما أرسل له مقطعًا على الواتساب كهدية حدثه عنها ففتحه ليجده مقطع تعذيب لمعتز، والآن حينما تمكن من إدخاله برفقة خديجة رغم عدم السماح للحاجة رقية وللصغير بالدخول، أراد أن يراه في موضع ذل كان قد تسبب له بوضعه به سابقًا.
رسالة حملت دائرتها بأن ما زرعته يومًا ستحصده يومًا آخر، وها هو يجلس منكس الرأس، ذليلًا بوجود يونس عدوه، الذي يشاهده يتنازل عن خديجة حقه هو..
يقسم بأنه لم يشمت به، بل حزن لأجله ولكن ما بيده؟ هو من أضرم النيران وقد اشتعلت وابتلعته بجوفها! كل ما أسعده بتلك اللحظة سماعه لكلمته التي أثلجت صدره وشُفيت جروحها "أنتِ طالق"، كانت كالبلسم الشافي لكل الندوب والنتوءات داخله.
تهللت أسارير خديجة وهي توقع على الأوراق، فاستدارت بعينيها ليونس تنظر له بنظرة سعادة، تخبره بأنها تحررت وباتت امرأة حرة. سبحان من جعلها سابقًا تتمنى أن لا تنتهي فترة عدتها وفترة وضعها لطفلها حتى لا تزج بسجن معتز اللعين، والآن تتمنى أن تنقضي الثلاثة أشهر بسرعة الريح لتستكين بين ذراعي محبوبها!
وها قد منحه آدهم فرصة ثالثة يعجز عن شكره بها، حينما أرغم أسفًا أن يساندها للخارج، حيث مكان رقية، فلم يكن سواه جوارها وإلا لن يسمح لأحد العساكر ولا لآدهم أن يساعد من كانت وستصبح زوجته!!
***
"هنعمل إيه يا ماما أشرقت، هنروح؟"
تساءلت صبا بحيرة بعدما استمعت لمكالمة حماتها مع عُمران، فتنهدت الأخيرة قائلة:
"والله يا بنتي ما أنا عارفة! بس مدام عُمران اللي عزمنا مقدرش أكسفه، هو قال إنه هيبعت لنا سواق بكرة فنتوكل على الله ونروح مدام جمال لا بيرد على تليفونه ولا عامل لي أي اعتبار."
أخفضت وجهها تخفي دموعها، فربتت الأخيرة على ظهرها بحنان:
"معلشي يا حبيبتي، بكرة يعقل ويعرف غلطه، ومؤكد هيرجع معانا بكرة على الشقة بإذن الله لإني هسافر الفجر أكيد مش هيسبني كده."
هزت رأسها وهي تردد ببحة صوتها الخافت:
"إن شاء الله."
رددت بحبور وابتسامة واسعة:
"إن شاء الله يا حبيبتي."
وتطلعت لبطنها المنتفخ بعدما باتت على مشارف الشهر الأخير من الحمل:
"ربنا يقومك بالسلامة ويجعله ابن بار بيكي يا رب."
ربتت على بطنها بحنان وابتسامة ملأتها العاطفة:
"اللهم آمين يا رب."
***
"السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله."
انطلق صوت الشيخ مهران بالميكروفون القريب منه ينهي صلاة المغرب، ومن خلفه المصلين.
خرج الرجال من المسجد وبقى الشيخ محله، يسبح على مسبحته ويتكئ للأمام بخشوعٍ تام، وإذا به يهم بالنهوض للعودة لمنزله، فوجد يدًا قوية تسانده حتى وقف.
رفع عينيه يشكر من قدم له المساعدة:
"جزاك الله خيرًا."
اتسعت ابتسامته فرحة وقال:
"آدهم!! إزيك يابني عامل إيه؟"
ارتسمت ابتسامة بشوشة على وجهه وهو يجيبه:
"أنا بخير الحمد لله يا شيخنا."
وبتوترٍ قُرئ بوضوح قال:
"أنا كنت جاي لحضرتك عايزك في موضوع مهم وحرج، لما اتقفلت في وشي ملقتش غير حضرتك أجيله!"
انتبه له الشيخ باهتمامٍ، وسحبه للاريكة الموضوعة بالخلف لمن لا يقوى على الصلاة واقفًا، متسائلًا بتركيزٍ تام:
"خير يابني؟"
رواية صرخات انثى الفصل الثاني والستون 62 - بقلم ايه محمد رفعت
«اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمدًا ❤»
تطلعت لزوجها الذي يغفو بنظراتٍ عاشقة، يدها تمر ببطءٍ على خصلات شعره الفحمي، تفكر كيف كان سيكون رد فعله إن علم بالأمر؟
ربما أراد الله لها الستر عن جريمةٍ مشنة مثل تلك التي كانت سترتكبها، نهضت "فريدة" عن الفراش، تجذب مئزرها الأسود الحريري، ترتديه فوق قميصها الطويل وهي تخرج لشرفتها.
أحاطت السور بيدها وعينيها مغلقة بقوة، تستمع بنسمات الهواء الباردة قبل بزوغ الفجر، فإذا بهاتفها يصدح بوصول رسالة لها.
عادت للغرفة تبحث عنه والفضول يداعبها حول كناية من يراسلها بوقتٍ مثل هذا، فاتشحت ابتسامة رقيقة على ثغرها فور رؤية إسم "البشمهندس عُمران الغرباوي" كما يطلق إسمه على جميع حسابات التواصل الإجتماعي، والذي يحظى على إعجاب الملايين .
فتحت رسالته فوجدته يدون لها
«أيه اللي مسهر، فريدة هانم لحد دلوقتي؟ هزعل لو كان المنافس الجديد اللي هيشرفنا هو السبب!»
تعجبت من علمه باستيقاظها، فاذا برسالة أخرى تجيبها
«مينفعش تخرجي باللبس الخفيف في الجو ده، هتتعبي إنتِ والبيبي!»
عادت للشرفة تبحث بالحديقة الواسعة ، محددة المكان المعتاد له، فوجدته يلوح لها وهو يجلس أرضًا على سجادة الصلاة خاصته، كما اعتاد أن يقيم الليل حتى آذان الفجر.
جذبت مئزر أخر من الصوف وهبطت إليه، بالرغم من ارتباكها من مواجهته ولكنها تعلم بأنها آتية لا محالة، فلقد سبق لها مواجهة علي، وابنتها وزوجات أبنائها وللعجب بأن الجميع كان سعيدًا بخبر حملها، الا أن داخلها يتزعزع قلقًا من ردة فعل عُمران.
استمدت قوة للمواجهة وخرجت من الباب الزجاجي للردهة السفلية، متخذة طريقها إليه.
ظنها عادت للنوم فحمل مصحفه وتابع قراءته بصوته الجميل، فإذا برائحتها تداعب أنفه، فصدق واستدار لها مبتسمًا:
_فريدة هانم نزلت ليا بنفسها!
ربعت يديها أمام صدرها تطالعه بتعالٍ:
_اسمع يا ولد إنت، أوعى تساهلي معاك يخليك تتخطى حدودك معايا، متنساش انك ابني أنا، مش العكس!
سيطر على ضحكاته وهو يلمس ارتباكها وتوترها الملحوظ منه، فنهض يلملم سجادته قائلًا بثباتٍ يطمس سخريته من خلفه:
_مش ناسي والله، وعلى يدك اتحيلت عليكي أناديكي ماما أو ياما مش راضية غير بفريدة هانم، عايزة تحافظي على سنك مع جسمك ولياقتك نعملك أيه بقى!!
نجح باثارة أعصابها وسحبها بعيدًا عما يسبب لها التوتر:
_أنا حرة ومش مضطرة أبررلك شيء، حتى البيبي ده بردو أنا حرة بالاحتفاظ بيه ومش هنزله!
تجمدت رماديته عليها، وبشيء من الدهشة قال:
_وهو مين اللي طلب منك تروحي ليوسف وتطلبي منه ينزلك الجنين؟!
وتابع ببعض الحدة:
_وليه بتتكلمي بالطريقة اللي مدياني الاحساس إنك ارتكبتي غلطة وبتحاولي تغطي عليها بكلامك وعصبيتك دي!
ابتلعت ريقها بارتباكٍ ومع ذلك قالت:
_لإني عارفة إنك بتهتم بصورتك وبرستيجك أكتر شيء، ومتأكدة إنك آ...
رفض سماح ما قالت وبالرغم من أنه يومًا لم يكن فظًا بحق والدته ليقاطعها بالحديث ولكنه لا يرغب في سماع ما يؤذيه فقال:
_وليه شايفني بالصورة دي!!! حضرتك متخيلة إني ممكن أعرضك لخطر وذنب كبير زي ده عشان صورتي وبرستيجي!!!!!
واسترسل وهو يشير على ذاته:
_مش أنا اللي يفضل برستيجه وشكله على حياة أمه يا فريدة هانم، أنا لما يوسف كلمني فضلت ملطوع بره ساعة ومش قادر أدخل عشان معرضكيش لموقف محرج.
مكنتش عارف حتى إذا كان ينفع اكلم علي ولا لأ، ولما شافني وعرف بالموضوع ده، فضلت إنه يدخلك لوحده وانسحبت عشان متحسيش بالحرج مننا، ولاني عارف إنه أكتر شخص هيقدر يهديكي ويرجعك عن قرارك بالتخلي عن البيبي.
شعرت بأنها قست بحديثها عليه، ربما من شدة خوفها أن يحرجها باسلوبه الجريء.
حمل عُمران مصحفه، هاتفه، سماعته، وباقي أغراضه الخاصة بعد ان حسم أن يؤدي صلاة الفجر بجناحه الخاص، فإذا بها تلحقه وتناديه بحدة:
_من أمته بتسبني وتمشي من غير ما أخلص كلامي!!
توقفت قدميه عن المضي واستدار لها بأغراضه يمنحها نظرة شملت كل جرحٍ أخفاه داخله، واستحضر صوته المذبوح:
_من وقت ما اكتشفتي حقيقة جوزك البشعة اللي بتحاولي تنسبيها ليا لمجرد اني شبهه يا فريدة هانم!
اختذلت قدميها من شدة صدمتها بانكشاف أمرها له، وخاصة حينما استطرد:
_خوفك الوحيد في حوار الحمل ده مكنش عشان شكلك والكلام الفاضي ده خوفك كان من الماضي، من اللي عشتيه قبل كده.
وبألمٍ تابع:
_قوليلي ذنبي أيه إني طلعت شبهه!! أنا مش هو ولا هكون زيه في يوم من الايام.
وتركها ورحل للأعلى بصمتٍ، بينما جلست هي محلها تكبت شهقاتها بكفها، تبكي بانهيارٍ تام.
اتجه عُمران لجناحه وقبل أن تطول يده مقبض بابه وقف محله يمنع دموعه من الهبوط، منذ لحظة رؤيتها بالاسفل ورؤية كل ذلك الخوف والكره يمليء عينيها وهو يمنع قلبه من الانشقاق ويلف جبيرة من فوقه، علم الآن السر وراء ارتباك والدته وخوفها!!
ترك أغراضه فوق طاولة طويلة بأحد الطرقات، واتجه لجناح أخيه، يعلم بأنه يستيقظ بذلك الوقت استعدادًا لصلاة الفجر.
طرق الباب طرقة واحدة بخفوت تام حتى لا تنزعج زوجة أخيه، فإذا بصوت "علي" يرد ويظهر من خلف بابه مندهشًا:
_عُمران!!! خير في حاجة؟
حاول أن يخرج صوته طبيعيًا:
_فريدة هانم تحت جنب الpool، انزل شوفها.
وبدون أي إضافة أخرى تحرك لجناحه، خرج "علي" من خلفه يناديه:
_أنا مش فاهم حاجة!! استنى فهمني!! عُمــــــــران!!!!!
بإيجازٍ ودون أن يلتفت إليه أبلغه برغبته الصريحة بعدم الحديث:
_فريدة هانم محتاجالك تحت يا دكتور.
_ومين قالك إني محتاجاله!!!!
صوتها أوقفه عن استكمال طريقه، فاستدار صوب الدرج ليجدها تقف امامهما برأسٍ مرفوع، وقد استعادت قوتها وشموخها.
وزع "علي" نظراته الحائرة بينهما باستغراب، وخاصة حينما قالت والدته دون أن تحيل عينيها عن أخيه:
_ادخل نام يا علي لانك هتقوم بدري تعمل اللي طلبته منك، لإن زينب ملهاش غيرنا.
احترم رغبة والدته بالبقاء برفقة أخيه، فعلى ما بدى له أن هناك أمرًا ما بينهما، فقال:
_متقلقيش يا حبيبتي أنا هنزل بدري أستلم الاوردرات اللي طلبتيها وهوصلهم أنا وفاطمة شقتها.
واضاف وهو ينسحب لجناحه:
_تصبحوا على خير.
تركهما وغادر لغرفته، فدنت إليه تحدجه بنظرة غاضبة لم يراها يومًا عليها:
_أيه التخاريف اللي قولتها تحت دي؟!
وما كاد بالتحدث حتى أوقفته باشارة يدها الحازمة:
_كل اللي قولته ده مش صح يا عُمران، أنا عمري ما أخدتك بذنب حد، ولا الكلام الفارغ اللي قولته ده، أنا بس كنت محروجة منك إنت بالذات لإني عارفة انك مشاكس ومش هتعدي الموضوع ده من غير ضحكك وهزارك المعتاد وأنا مش متحملة أسمع حاجة من حد في الوقت ده.
وجد أنه قد بالغ بردة فعله وخاصة حينما صاحت فريدة بشراسةٍ:
_أوعى تشبه نفسك بيه أبدًا، إنت مفيش في حنية قلبك ولا طيبتك يا عُمران.
ودنت إليه تضم وجهه بين يديها وبدموعٍ صادقة قالت:
_إنت محدش شبهك أبدًا.
وبابتسامة عاكست دموعها وبكائها همست:
_أقولك على حاجة وتخليها سر بينا.
أدمعت رماديته تأثرًا بمشاعرها الصادقة، فهز رأسه ومازال ثابتًا أمامها:
_أنا لو بعتبر علي صديق ليا زي ما قولت، فانت بحنانك عليا وطريقة معاملتك مخليني مش قادرة اشوفك غير أبويا.
وتابعت وهي تستدير تراقب الردهة بخوف من أن يستمع لها أحدًا:
_عشان كده بخاف أغلب الأوقات منك، حتى لبسي بقيت بنسقه أكتر من الأول من يوم ما كلمتني على الجيب القصير.
وتنحنحت بخشونة لا تليق بصوتها الرقيق:
_بس مش عشان قولتلك كده تسوق فيها وتتمادى بمعاملتك معايا، لأ أنا مامتك ويحقلك تحترمني ووقت ما أعوز أتعصب وأزعق تسمعني وصوتك ميطلعش وأوعى تسبني وتمشي زي ما عملت تحت من شوية، ســــــــــامع!!!!
قالتها بحدة وهي تشير له باصبعها، فضحك وهز رأسه يوافقها، مردفًا بنبرته المخملية:
_تحت أمرك فريدة هانم!
ابتسمت وهي تتطلع له برضا، ودون أن يفعل هو وجدها تميل إليه فضمها بصدرٍ رحب، ليجدها تهتف:
_اتعودت كل يوم بليل أشوفك بالجنينه بتصلي، بحس وقتها إني كنت مقصرة معاكم يا عُمران، بس أنا ازاي كنت هنصحكم وهوجهكم للصلاة وأنا نفسي مبركعهاش!
ابتعد عنها يطالعها بنظرات حنونة، وجذبها لأقرب مقعدين متطرفين:
_وده اللي نفسي أكلمك عنه ومتردد يا ماما، أنا مش قابل أشوفك تايهة في الدنيا وملكيش وجهة، صدقيني كل الاغراءات اللي حولينا في الدنيا فانية، الإنسان في لحظة بيسيب كل حاجة وبيبقى بين ايدين ربنا سبحانه وتعالى، ومفيش حوليه غير عمله!
وانحنى يقبل كفها وهو يضيف:
_طبيعي إني أخاف عليكي وواجب إني أنصحك، يمكن الظروف اللي مريت بيها هي اللي ادتني فرصة إني أفوق وأتوب من كل ذنوبي.
أنا واثق إن كل إنسان له أكتر من فرصة، فيه اللي بيتنازل عنها وفيه اللي بيتمسك بيها من أول مرة، بس الخوف إنه ميلحقش ينتهز فرصته الاخيرة!
تعمق بنظراته إليها قائلًا:
_أنا من حبي واحترامي الكبير لحضرتك مش قادر أشوفك بتضيعي فرصة ورا فرصة، اتمسكي بيها وصدقيني ربنا سبحانه وتعالى هيقوي عزيمتك.
أخفضت عينيها أرضًا حرجًا من صغيرها الذي يدعوها للصلاة بدلًا من أن تفعلها، فاخبرها بحبه الذي لا يتثنى أن يشعرها به لتستجيب لما يقول:
_الحجاب واللبس المحتشم عمره ما هيقلل من شياكة فريدة هانم، بالعكس زي ما ذوقك مميزة في اللبس ده هيكون مميز في اختيارك لبس واسع يليق بالحجاب.
منحته ابتسامة مشرقة وقالت:
_خلاص لما نرجع بكره من فرح زينب هنقعد أنا وانت نختار كام قطعة كده أون لاين ونجرب ونشوف.
جابهها بحماس مشجع:
_هندمج ذوق فريدة هانم مع ذوقي فأكيد هنختار ديزين عظيم جدًا.
اتسعت ابتسامتها حبًا وامتنانا له، وخاصة حينما قال:
_والأهم من ده كله الصلاة، أنا لو موجود هنا هنصلي مع بعض، لو كنت بالشركة هتصل بيكِ أفكرك كل آذان.
انطلق هاتفه بصوت الآذان يعلن عن صلاة الفجر، فأشار لها متسائلًا:
_نصلي مع بعض؟
استقامت بوقفتها وهي تشير له:
_هجيب اسدالي وجاية.
وما كادت بالرحيل حتى عادت إليه تضع قبلة ممتنة على جبينه، وغادرت لجناحها دون أن تضيف كلمة أخرى.
********
جالس على سجادة الصلاة بغرفة مكتبته الصغيرة منذ ما يقرب الساعتين، يده تتحرك على السبحة ولسانه يردد التسبيحات بخشوعٍ، وأكثر ما يردده
«لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، اللهم أجرني في مصيبتي »
تجمعت تكتلات المياه في حدقتيه حتى تحررت بخط من الدموع، وغصة قلبه تكاد تزهق روحه من فرط ألمه، بينما يتردد له ما حدث.
##
_حضرتك ساكت ليه؟
قالها "آدهم" مستريبًا من صمت الشيخ "مهران" المطول، فحشد همته وقال بوجعٍ بح صوته من فرطه:
_بحاول أفهم اللي عايز تقوله من ورا قصتك دي يا حضرة الظابط!
يعلم بأنه شخصًا ذكيًا، لذا قال بهدوء:
_بس دي مش قصة يا شيخ مهران، ده حصل فعلًا وعشان كده بأخد رأيك فيه.
رفع عينيه إليه ومازالت حركة يده تتابع بانتظام فوق مسبحته:
_تأخد رأيي في أيه يا حضرة الظابط؟
ضم شفتيه بقوةٍ يحارب ما بداخله من هزيمة مصرحة وقال:
_في اللي حكتهولك، أنا عاجز ومش عارف أساعد صاحبي ازاي، والده مصمم إنه لازم يعرف أخوه الحقيقة وهو عاجز يقوله إن الشخص اللي رباه مش هو أبوه الحقيقي.
ارتسمت ابتسامة غامضة على وجه الشيخ مهران، وبصورة مباشرة قال:
_تقصد إن والدك بيضغط عليك إنت مش كده؟
ارتبك آدهم قبالته يينما تابع الشيخ بصلابة وقوة:
_قولي يا آدهم يابني إنت كنت قولتلي أبوك إسمه أيه؟
ابتلع وهو يجيبه بتوتر:
_مصطفى... مصطفى الرشيدي!
مال يستند على عكازه بجبهته، فنهض آدهم عن محله وانحنى على ركبتيه يناديه بقلقٍ من أن يكون تذكر الاسم:
_مالك يا شيخ؟ حضرتك كويس؟
رفع جسده عن انحناءته وسلط عينيه عليه صامتًا، يتزلزل إليه صوت ابنه بحديثه المقتطف
«أنا بحب آدهم جدًا يا بابا، بحس إنه بيشبهني في كل حاجة»
«لو عندي أخ مش هيعاملني زي ما آدهم بيعاملني! »
«بمناسبة انك بقيت عارف حكاية آديرا، تخيل إن آدهم مكنش واخد أوامر باقتحام المبنى اللي خطفونا فيه وبالرغم من كده مهمهوش واقتحم المكان وأنقذني!!!»
«عارف يا شيخ مهران، انا سبق وصاحبت كتير، منهم سيف وعُمران اللي حكيتلك عنه، والدكتور يوسف وإيثان وناس كتير جدًا عرفتهم في الغربة وفي مصر الا أن آدهم بحنيته بحس إنك إنت اللي جنبي، طيب عارف وأنا بره مصر كل ما كنت بتوحشني كنت بقوله يحُضني!!.»
تهاوى الدمع تباعًا على وجهه المجعد لكبر سنه، وهز رأسه بخفوتٍ بينما يتحرر صوته:
_قصة صديقك دي ما هي الا باب مغلق من أبواب الحقيقة، الاسم اللي نطقته خلى ذاكرتي الضعيفة وجهتني للي حصل من أكثر من عشرين سنة، لليوم اللي خرجوا وقالولي فيه ابنك مات!
وتعمق بعينيه بجمود وهو يباغته بسؤاله:
_آيوب أخوك؟
نهض آدهم من اسفل قدميه واستكان جواره، يردد بانكسار:
_صدقني أنا مجبور، مكنتش أتمنى أحطك ولا أحط نفسي في الموقف ده أبدًا.
ونكس جسده بانحناءة سفلية:
_أنا عارف إنه غلط لما عمل كده بس غصب عني ده بالنهاية أبويا مينفعش أقسى عليه وأفرقه عن ابنه وهو بأيامه الأخيرة.
وتابع يستعطفه رغم أن ذلك الاسلوب لا ينطبق على شخصه القوي:
_أرجوك تساعدني يا شيخنا، أبويا المرض بيأكل في جسمه يوم بعد يوم، وامنيته الوحيدة إنك تسامحه إنت وآيوب.
وبقلة حيلة اضاف:
_أنا حتى معنديش الجرأة اواجهه بالحقيقة لإني أكتر واحد عارف مدى تعلقه وحبه ليك.
من قال إنه سيخوض يومًا قاتلًا مثل هذا؟! ، والله إن قال له أحدٌ بإن أحدهم سيخبره بأن ابنه الوحيد ليس ابنه لاتهمه بالجنون، سبحان من انزل على قلبه السكينة والصبر، وجعل عقله يحوم بذكريات الماضي ما بين تذكره لذلك الرجل "مصطفى الرشيدي" .
وما ينغز قلبه بأنه يتذكر حكايته جيدًا، حيث أخبره ذات مرةٍ بحقيقة علاقته بتلك المرأة، وبأنه تزوج بها من دون علم زوجته، حتى ابنه الوحيد والقابع من أمامه الآن قد اخبره عنه سابقًا.
وبالرغم من أن آدهم لم يسرد له تفاصيل تبديل أبيه الاطفال، الا أن الشيخ مهران استطاع أن يرسم صورة تفصيلية عما حدث.
طال صمته وعقله تعطل عن العمل عند استيعابه أن ابنه ليس ابنه! ، كيف وقد جمعته به صفات مشتركة جعلته فخورًا كونه ابنه!
هو الآن عاجز، ولولا تلك الورقة التي يحملها بين يديه تؤكد له تطابق التحليل بين ابنه ومصطفى بنسبة تسعة وتسعون بالمئة لكان جن من فرط وضع الافتراضات.
طال صمته وآدهم يراقبه بقلقٍ، صمته وحديثه القليل استدعى قلقه، فناداه بوجلٍ:
_شيخ مهران؟
أفرغ رأسه مما يزاحمه وقال بوقار مازال يلتحف به:
_أجل كلامك عن الموضوع ده لحد ما ابني يمتحن ويتخرج، مش عايزه يتأثر بأي حاجة ممكن تخليه يدمر مستقبله يا حضرة الظابط!
نسبه له ابنًا وإن لم يكن ابنًا له، فكيف ألا يعتاد لسانه على نطق "ابن الشيخ مهران!»، يتجرع أبشع أنواع الألم بتلك اللحظة ومع ذلك يواجه بكل ثباته، فتابع ودموعه تحجب عنه الرؤيا:
_بعد ما يمتحن هنعرفه الحقيقة وبعدها تبدا اجراءات تغيير النسب، أنا عارف إنها مش صعبة على ظابط في مركزك لإني مش هتحمل أقابل ربنا عز وجل بذنب زي ده حتى لو تغيير إسم أيوب هيسلخ روحي عن جسمي!
تأثر آدهم بحالته التي لا يبدو بأنه على ما يرام مطلقًا، فقال ليرضيه:
_هعمل كل اللي حضرتك تطلبه بس انا حاسس إنك مش بخير.
رفع عينيه القاتمة له ومنحه ابتسامة موجوعة:
_ضهري اتكسر يابني!
منع دموعه من أن تهبط أمامه وقال وبسمته البشوشة تسيطر على ثغره:
_عايزك تسأل أبوك دفن ابني فين؟
وتابع وهو ينهض ليتجه لركن الصلاة:
_ودلوقتي استسمحك تسبني لوحدي قبل ما المسجد يزدحم لصلاة العشاء.
تفهم رغبته بالبقاء بمفرده، فأستأذنه بالانصراف وبداخله ندم لما فاض به، ولكنه كان مرغمًا على ذلك، بينما لجئ الشيخ مهران لربه يصلي ركعتين ويفيض دامعًا بما يضيق به.
وها هو قبيلة صلاة الفجر يجلس على سجادته، يتذكر ما حدث منذ ساعاتٍ معدودة ويردد بحزنٍ:
_اللهم لا إعتراض.
********
الردهة مكتاظة بعدد من الملابس، وبعض الحقائب الضخمة ذات الثلاث طوابق، أريكة ضخمة تحتل منتصفها انحرافًا عن موضعها الاساسي، يقبع فوقها "جمال" و"يوسف"و"سيف"، الثلاث شباب جالسون باسترخاء بينما يغطي أوجوههم طبقة سميكة من المسكات الطبيعية الخاصة بالرجال.
وعلى بعد منهم يقف عُمران حائرًا باختيار مكينة حلاقة مناسبة من بين الحقائب المفرودة بعرض الصالون، وقميصه الأبيض يشمر كمه لمنتصف ساعديه، مرتديًا مريول أسود مناسب للحلاقة، وقفازات سوداء ملتصقة بيديه كالجراح المحترف!
سئم "جمال" من تلك التكبيدة وصاح بفتور:
_وبعدين يا عم الوقح، هنفضل قاعدين كده كتير؟!!!
ردد يوسف غاضبًا:
_يا ابني تعالى شيل الزفت ده ورايا ولادة بعد ساعه، ثم إني موصيك على العريس مش علينا!
ابتسم بفخر فور عثوره على المكينة المناسبة، فاتجه إليهم ليبدأ بسيف الذي سئم من أخيه وأصدقائه ومن عُمران بالأخص.
وضع المشط الصغير على طرفي شعره وبدأ يمرر المكينة ببراعةٍ، وكلما مال للجانب يسحب رقبة سيف من خلفه بشكلٍ جعله يصرخ بضجر:
_سيب رقبتي واخدها وراك ليه مش فاهم أنا!!!!
وصرخ بضيق:
_ما تشوف صاحبك يا يوسف، زهقني يا أخي!
أخيرًا تخلى الجليد عن بروده وردد بصوتٍ فكاهي:
_رجب خد صاحبك عني!!! رجب صاحبك جنيني!! رجب قوله يسيب قلبي!!!
انفجر يوسف ضاحكًا وقال:
_بيكجولك وبيغنيلك أهو هتلاقي أحسن من كده فين؟ ده كفايا شغل الماكنة اللي شغالك بيها، دي لو حوشنا مرتبك على مرتبي لسنتين قدام مش هنشتريها يا سيفو!!
نزع جمال عنه المنشفة الضخمة، هادرًا بانفعالٍ:
_طيب انا لزمتي أيه في الحوار ده، بيكجول أخوك وخدك وشين معاه بالمرة مجاملة لاخ العريس انا ليه بقى؟!
أجابه عُمران مضيقًا جفونه وهو يقوم بعملية تهذيب الخصيلات بتركيزٍ:
_عشان اللبس اللي هتلبسه النهاردة مينفعش مع حلقة حليمو اللي عاملها دي يا جيمي!
ضحك يوسف ساخرًا وهو يشير على تسريحته القديمة، فلكزه جمال بغضب:
_اخرس يا دكتور الحالات المتعسرة! حسابك جاي بعدين.
علا رنين هاتف يوسف، فنزع المنشفة ونهض يتطلع لاسم المتصل، هاتفًا بانزعاجٍ:
_أخوك بيتصل، أكيد اتاخرت عن الحالة وبيشوفني مجتش المركز ليه!
وتابع بانفعال:
_هقوله أيه بقى معلش عندي جلسة اسكين كير!!!!
رد عليه عُمران ومازال ممعنًا التركيز بما يفعله:
_وتروح المركز في يوم مهم زي ده ليه؟!! طنشه وإقفل تليفونك.
أشار له جمال متحفزًا:
_أوعى يا يوسف، ده فساد وعايز يخرب شغلك وبصراحة دكتور علي ميستهلش منك كده.
أزاح المسك بالمنشفة التي يرتديها وقال:
_لا طبعًا لازم اروح، أنا اللي صممت أولد الحالة دي لإنها عندها سيولة وصعب حد يتعامل معاها من الطاقم الطبي.
مال كف عُمران وجه سيف ليهذب لحيته الخفيفة، قائلًا:
_يعني مش هتستنى أحلقلك يا دكتور؟
رتب ثيابه وهو يجيبه بابتسامة واسعة:
_كنت اتمنى يابني والله بس النصيب نجدني من تحت ايدك الحمد لله..
وتابع وهو يشير لجمال:
_بس متقلقش أخويا وجيمي موجودين، عايزك تخليهم بينوروا في الضلمة.
صرخ سيف مستنجدًا:
_متسبنيش معاه يا يوسف، كده هتبقى خارجتي مش دخلتي!!!
نغز خديه برفقٍ هادرًا بسخرية:
_متخافش مني يا حبيبي أنا مبكلش العيال الصغيرين!!
انتفخت أوردته من فرط الغضب، فمنح اخيه نظرة قاتلة استقبلها الاخير بعدم مبالاة:
_طول ما عُمران معاكم أنا مش هقلق عليكم أبسلوتلي!!
وتركهم وغادر على الفور وهو يحمد الله أنه نجا.
مضت ساعة كاملة ما بين حتى سحب عُمران المنشفة من حول رقبة سيف وهو يضع المسك الاخير له قائلًا:
_كده أقدر أقولك مبروك يا عريس، شاور سخن على السريع وابتدى اجهز على طول.
نهض عن الاريكة يردد بخفوت:
_أشهد أن لا اله الا الله!
وإتجه لاقرب مرآة بالردهة، يلقي نظرة متفحصة على نفسه، فكان كل دقيقتين يستدير لجمال يسأله بتوسل أن يخبره ما يصنع عُمران به، وما جعله يجلس بصمت اشارة جمال له بإعجابٍ صريح بما يفعله الطاووس الوقح به.
برق سيف بانبهارٍ، ذقنه مهذبة بطريقة احترافية، لم يشاهدها يومًا على عُمران نفسه، وكأنه قدم له أفضل ما يمتلكه ويفضله على ذاته بما صنعه له.
شعره قد جعله جميعه بنفس الطول بعدما كان يُفضل تقصيره من الجانبين فاعتاد على ذلك، وجده يبرع في تهذيبه بقصةٍ جعلته يبدو أفضل من السابق.
ولج لحمام الشقة يحمل اغراضه الخاصة، متلهفا لازالة ذلك المسك الذي يحتل بشرته ليتأمل ماذا صنعته المنظفات الباهظة التي وضعها له.
بينما بالخارج.
تراجع جمال لنهاية الأريكة بارتباكٍ من الألة الحادة التي يحملها عُمران ويدنو منه مرددًا بشر واضح:
_فضيتلك يا جيمي، ها تحب قصة معينه ولا تسيبلي نفسك أحسن؟
ابتلع ريقه بتوترٍ وقال:
_مش عايز أحلق يا عُمران، أنا لسه مشيك على شعري من كام يوم بس!!
مرر رماديته على شعره بنظرة غير راضية بالمرة:
_مهو باين يا حبيبي!! إنت شكلك كنت عند حلاق الخرفان والحمير ده عارفه؟
نزع المنشفة عن رقبته واستقام بوقفته يصيح بخشونة:
_أنا حطيت المسك الغريب ده وقبلت لكن شعري ودقني لأ وألف لأ يا عُمــــــــــران!!
*****
انتهى سيف من حمامه فارتدى روب الاستحمام وخرج يبحث عن عُمران ليشكره بامتنان، وقف على مقدمة الردهة يردد بصدمة مما رآه:
_إنت حلقت دقنك يا بشمهندس جمال؟
استدار ذلك الماسد بين يدي عُمران إليه، وبأسفٍ قال:
_اليوم ده هيخلص من هنا وهقطع علاقتي بالمختل ده، تصور بيهددني بالمشرط اللي في ايده ده!!
مال إليه عُمران بحزن:
_عايز تقطع علاقتك بيا يا جمال؟
استجاب لمحاولته الخبيثة بالتأثير عليه فقال:
_مش بالظبط بس أنا قولتلك الا دقني وشعري!!
أجابه وهو يتصنع الطيبة:
_شكلك هيبقى أحلى بالشنب بس، الدقن مش حلوة عليك، غلطت لما عايزك تبقى أصغر وأجمل!!
اعاد التفكير بحديثه بتأنيب ضمير، بينما استغل عُمران هدوئه واستكمل عمله، ضحك سيف وقال:
_إنت خبيث وخطير يا عُمران! بس ما علينا أنا خرجت أشكرك على الحلاقة دي، صدقني بعد كده هسلملك رأسي وأنا مطمن!
رد عليه عُمران بغلظة:
_أنا لا عايز رأسك ولا رجلك، ادخل جوه إلبس لتأخد برد يا عريس!!!
ضحك سيف بعدم تصديق لرده، وعاد لغرفته يستعد لحفل زفافه.
انتهى عُمران من جمال بعدما تفنن بجعله أنيقًا، جذابًا، فبعدما أعاد شعره للخلف وقصره قليلًا بدا كأنه شاب عشريني.
موافقته الصريحة بالاهتمام بسيف كانت حيلة لأجل أن يهتم بجمال، ويعاونه بتغير طريقة حلاقته وتهذيب ذقنه.
ازاح جمال المنشفة وتطلع لعُمران بضيق، فربت على كتفه بابتسامة هادئة تناهز مشاكسته السابقة:
_ادخل خدلك شاور عما أجهزلك البدلة.
شعر وكأن به خطبًا ما، فسأله بجدية تامة:
_ هو حد قالك إن أنا العريس النهاردة؟ تصرفاتك معايا غريبة النهاردة إنت حاسس إني هموت ولا أيه؟ ولا يكنش نعمان الملزق قالك إنه هيقتلني!
سقط من يده المكينة فانحنى جمال يحملها لحقيبته مرددًا بضيق:
_ما تاخد بالك يا عم، ده يوسف لو شافها واقعه هيروح فيها بعد ما عرف سعرها!
جذبه عُمران من تلباب قميصه بيدٍ واحدة:
_أيه اللي قولته ده؟ نعمان جالك؟!!!
ارتبك أمامه وقال:
_متشغلش بالك بيه، ده آ...
ابتلع جملته فور أن صرخ الاخير بانفعال:
_ازاي متقوليش حاجة زي دي يا جمـــــــال!!
رد عليه وهو يحاول أن يهدئه:
_مكنتش عايز أشغلك كفايا موضوع آلكس اللي طلعلك فجأة ده.
مشط الردهة ذهابًا وإيابًا، متمتمًا بوعيدٍ:
_هي وصلت لكده، ماشي يا نعمان!!
وحينما استدار وجده بمحله يتطلع له بحزن فصاح بضيق:
_انت لسه واقف مكانك!!!
هرول جمال للحمام دون ان يهتم حتى برؤية وجهه، بينما دفن عُمران غيظه الشديد من خاله واتجه لغرفة جمال يبحث عن الحقائب التي تحمل الملابس التي اشتروها مؤخرًا، وما أن وجدها حتى جهز له احدى البذلات التي سبق وانتقاها له تلك المرة، ممررًا مكوته الحديثة من فوقها وهي معلقة على المشجب.
ولج جمال للداخل يمسح وجهه، فوجد عُمران يكوي البذلة بنفسه، حتى أنه نثر من فوقها البرفيوم خاصته، حتى لا يترك مساحة للمشاجرة بينهما حينما يطالبه بالوضع منه فوضعه هو قبل أن يرتدي الملابس.
استدار للخلف وما أن رآه حتى تنحنح بخشونة:
_واقف كدليه؟ يلا إلبس عما أجهز أنا كمان.
اعترض جمال طريقه للخروج من الغرفة واستمد نفسًا مرهقًا قبل أن يسأله مباشرة:
_إنت سمعتني وأنا بتكلم مع يوسف؟
توترت ملامح عُمران وبالرغم من ذلك بقى ثابتًا أمامه قدر المستطاع:
_أمته ده؟! وأي كلام تقصد؟
تعمق بالتطلع إليه لكشف مدى صدقه ولكن الاخير انسحب وهو يشير له بملل مصطنع:
_بقولك أيه يا جمال أنا معتش قادر أقف، إلبس عما أريح جسمي شوية وألبس أنا كمان.. مش كفايا حوار نعمان الملزق ده عليا، ابعد من وشي انت التاني.
وتركه شاردًا وغادر لغرفة يوسف حيث يوجد ملابسه، فتمدد على الفراش يستكين قليلًا قبل أن يبدأ بتجهيز ذاته.
*******
انتهى جمال من ارتداء ملابسه، ووقف أمام المرآة منصدمًا من مظهره، لم يكن اختيار عُمران للملابس رائعًا فحسب، بل طريقته بتنسيق ذقنه الحليقة وشاربه.
كان محقًا حينما أخبره بأن الشارب دون اللحية ستمنحه مظهر جذابًا، بل هو بتلك اللحظة يشعر وكأنه يصغر عن عمره كثيرًا.
ابتسم وهو يتابع وجهه وشكله، ولأول مرة يشعر بالفضول أن تراه زوجته بشكله الوسيم هذا، فلقد تحلى ببعض الثقة التي غادرته، وما تعجب له أنه وجد ذاته يحزم قراره بأنه سينتظم بالذهاب للجيم كما أخبره عُمران صديقه، الذي يمتن لأنه يمتلك صديقًا مثله.
خرج جمال للردهة فإذا بسيف يطالعه بانيهارٍ شديد، ولسرعة تخمينه بمن بشقته قال:
_بشمهندس جمال!!! أقسملك بالله إني معرفتك!! الاستايل ده جميل عليك جدًا وجديد.
وبتخمينٍ قال:
_عُمران مش كده؟
هز الاخير رأسه بإيماءة خفيفة، فابتسم سيف وبداخله يزداد احتراما لشخص عُمران الذي رغم وقاحته وفنون رده النزقة الا أنه يستحق حب أصدقائه وأخيه إليه.
خرج إليهما عُمران بعد قليل، متألقًا ببنطال من القماش البني الفاتح، وقميصًا من نفس الدرجة، ومن فوقه جاكيت بدرجة أغمق، مصففًا شعره بتسريحته المعتادة، وبالرغم من اهتمامه بهما الا أنه لم ينسى الاهتمام بنفسه وبما سيرتديه.
قطع نظراتهما المعجبة به وقال:
_هنتحرك ولا هنقضيها نظرات!
*********
طرق الباب مرتين بعكازه، ففتح آيوب الباب حاملًا كتابه بين يديه، وما أن رآى الطارق حتى ردد بفرحة:
_بابا!!
أخفى الشيخ مهران دموعه واحتبسها داخله، وبدون كلمة واحدة جذبه لأحضانه، يده تقربه إليه وكأنه يود أن يدخله لصدره، ويخفيه عن الأعين.
يشعر وكأن هناك من سيخطف منه ابنه، وبالرغم من أنه واثق بإن آيوب لن يتخلى عنه مطلقًا الا أنه كان خائفا من فراقه، لم يكن يومًا بالأناني ليفرقه عن ابيه الحقيقي، ولكن ما يكترث به هي زوجته التي أرضعته من حليبها، لم يكن ليظن يومًا أنه ليس ابنه لتظن زوجته هذا الأمر!!
أبعده عنه وهو يرسم ابتسامة هادئة، منشبًا حوارًا طبيعيًا:
_عامل أيه يا حبيبي؟
أجابه وهو يشير له بالدخول:
_الحمدلله، ادخل يا بابا هنتكلم على الباب كده!!
أشار له بابتسامته:
_لا يا آيوب انا نازل الدكان وقولت أعدي عليك قبل ما أنزل، مانا معتش بلمحك تحت.
برر له وهو يرفع كتابه:
_الامتحانات بعد اسبوعين يا شيخ مهران، وبنفذ تعليمات الحاجة رقية، إنت ناسي إني واخد أنا ويونس حظر عشان خديجة وسدن!!!
ضحك الشيخ ومسح على ظهره:
_ربنا يوفقك يابني ويبعد الغم والحزن عنك وعن قلبك... يلا هسيبك أنا تركز في مذكرتك وهنزل الدكانه... سلام عليكم.
أجابه وهو يطالع هبوطه باهتمام:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وما أن غادر حتى ولج آيوب لشقة يونس يستكمل مذاكرته بينما ارتكن الشيخ مهران على درابزين الدرج يبكي ألمًا ولسانه لا يغفل عن قول:
_لا اله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
*********
وصلت لمكان الحفل برفقة والدة زوجها باحدى سيارة عائلة"الغرباوي"، صعدت "صبا" تحمل طرف فستانها الكريمي حتى لا تتعثر بخطواتها.
ولجوا للمصعد وهي ترتب حجابها الأسود متسائلة بلهفة:
_ماما شكلي حلو؟
اجابتها وهي تشير بيدها:
_زي القمر يا بنتي، جمال هيخطفك النهاردة ولو معملهاش باللي في رجلي وهنزل على نفوخه الخايب ده!
ضحكت من قلبها وشاركتها أشرقت الضحك، توقف المصعد بالطابق الثالث من المبنى حيث يقطن يوسف ولجواره سيف، بحثت صبا عن اسم الشقة حتى وجدته فأمسكت يد أشرقت واتجهت للداخل، حيث تُرك الباب مفتوحا لاستقبال الضيوف.
بالداخل.
بالرغم من بساطة تزيين المكان، وعدد المدعوين القليل الا أن كل شيءٍ كان مثاليًا، حيث اجتمع الجميع حول طاولتين كبيرتين، احداهما للرجال والاخرى النساء، ومن أمامهم وضعت ليلى ويوسف مقعدين مذهبين للعروسين، وطاولة صغيرة ومقعد مقابل خاص بالمحامي.
لحظة دخول أشرقت وصبا كانت هي نفسها لحظة امضاء العروس على قسيمة الزواج، وكلمة معتادة تنطق على لسان المحامي:
_بارك الله لكما وجمع بينكما بالخير.
انطلقت الفتيات الاربعة "مايا"،" فاطمة"، "شمس"،" ليلى" يتجمعن من حول العروس، بينما ذهب الشباب يقدمون التهاني لسيف.
بينما اتجه يوسف يقابل السيدة أشرقت بنفسه، مرددًا بفرحة:
_نورتي المكان كله، كنت هزعل لو مجتيش.
ربتت على كتفه بحنان أم:
_ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يفرحه ويرزقه الذرية الصالحة.
أجابها ببسمة ممتنة:
_اللهم آمين..
وأشار للطاولات:
_اتفضلي يا حاجة أشرقت، اتفضلي يا مدام صبا.
اتجهت للطاولات وعينيها تبحث عن جمال بلهفة بين الشباب، إلى أن وجدته يقف جوار عُمران يتهامسان وصوت ضحكاتهما يعلو الآذان، انفلتت شهقة خافتة منها وهي تطالعه بصدمة، احاط بها الانبهار والاعجاب الشديد، لدرجة ان حماتها جلست على المقعد وبقيت هي واقفة محلها تتطالعه بدهشةٍ جعلت من حولها يلاحظون ما تفعله.
رأها جمال فاندهش من وجودها هي ووالدته، وزع نظراته بينهما ولكن عينيها اللاتي تبرق به جذبت انتباهه فبادلها النظرات.
شعرت صبا بيد تجذبها للمقعد، استدارت فوجدت حماتها تهمس لها بحنق:
_واقفة مبلمة قدام الواد كدليه، هتخليه يأخد مقلب في نفسه يا خايبة، اقعدي واتقلي كده وسيبي الحاجة أشرقت تلاعبه.
مالت إليها بفضول:
_هتعملي أيه يا ماما؟
مصمصت شفتيها بحركتها الشعبية وقالت:
_كتير يا قلب امك بس اتقلي انتي ومتدلقيش كده.
وجابت الجمع بنظرة شاملة، فانتفضت وهي تلكز ذراعها:
_فريدة هانم شرفت أهي، شوفتي الفستان اللي لابساه!! مخليها ولا العروسة! يخيبها ولية!!!!
أشارت لها صبا وهي تتابع الاوجه:
_وطي صوتك يا ماما حد يسمعك!
ادارت وجهها عن محل جلوسها، ولكنها لم تستطيع كبت فضولها تجاه تلك المرآة، وخاصة حينما جلس هذا الشاب الآنيق جوارها، فاستفزها الا تعلم كنايته.
ترك عُمران المنصة واتجه لآشرقت يقبل يدها هاتفًا بمحبة:
_أيه الجمال ده كله يا شو!
ضحكت حتى بدت غمازاتها كسطوع شمس اليوم، وقالت:
_ازيك يا بكاش ياللي بطلت تسأل عني، ولا اهتميت حتى تيجي تودعني، أنا مسافرة النهاردة الفجر.
أجابها بابتسامة جذابة:
_ازاي يعني مش هاجي ده انا قايل لجيمس ان محدش هيوصلك للمطار غيري، وقبل المطار، هاخدك حالًا وهنطلع مع بعض مشوار هيعجبك.
سألته بفضول:
_مشوار فين ده؟
أبعد المقعد وعاونها على النهوض:
_لما نروح هتعرفي.
قالت وهي تتطلع للعروس:
_طيب استنى طيب ملحقتش أعين العروسة!!
ضحك بصوته الرجولي وقال:
_قصدك ملحقتيش تنمي!! ده انا بعمل فيكي خير وبنقذك من صحيفة أعمالك البلاك!!
تمردت ضحكاتها عاليًا، ومالت عليه تهمس له:
_هي أمك مش عايزة تعقل! لابسة فستان مخليها ولا العروسة!!!
تمعن بوالدته بنظرة متفحصة، كان ممتنٍ انها نفذت اول نصائحه، فكانت ترتدي فستانًا أحمر اللون طويلًا يصل لنهاية قدميها، ومن فوقه شال أبيض يحجب فتحة عنقها الصغيرة، وعلى رأسها تربون أبيض اللون جعلها مميزة للغاية، طبعت ابتسامة محبة لملامحها الرقيقة وهمس لها:
_مالها فريدة هانم زي القمر في تمامه؟
مالت إليه تراقب ما يراه وتساءلت:
_مين اللي جنبها ده، صاحبك!!
استدار لها بدهشة:
_مش فاكراه!! أنا سبق ووريتك صورته!
زمت شفتيها ساخطة وقد ظنته يؤكد لها اجابة سؤالها:
_ياخويا وسايب صاحبك لازق لامك كدليه، ده كل ودنها من كتر الرغي وهي نازلة ضحك ومرقعة روح لم أمك عليها الطمع يابني!
وتابعت بتعصب:
_وبعدين انت مش كنت قولتلي انك مجوزها لعمك فينه يلمها!!!
جحظت عينيه صدمة فور نطقها جملتها الاخيرة التي ولحظها السييء توقف بها الموسيقى الهادئة، فبرق بها الجميع.
رسم عُمران بسمة بلهاء وقال:
_كملوا سهرتكم يا جماعة أنا نازل مشوار سريع أنا وشوشو.
وأشار لها لتتقدمه، بينما تابعتهما صبا باستغراب، كانت مندهشة لمحل ذهابهما، فإلى أين سيذهب بها صديق زوجها؟
لم تلاحظ نظرات جمال المقتادة بالنيران إليها، فما أن لمحته حتى أخفضت عينيها بحزن، فبالطبع يظنها تراقب عُمران!! بعد أن ألصقت بها تلك التهمة بالطبع ستظل تخوض توابعها حتى الموت!!
بدأت الموسيقى واجتاح المنصة الثنائيات، ليلى ويوسف، علي وفاطمة، احمد وفريدة، سيف وزينب، وبقيت شمس ومايا بمحل العروس.
انسحب جمال مرغمًا للطاولة حيث محل جلوسها، فقال بوجوم:
_مالك بتبحقلي في اللي حواليكي بالشكل ده؟
تعلم مقصده جيدًا، ولكنها ابتلعت غصتها وقالت بابتسامة واسعة:
_البدلة دي جميلة عليك أوي يا جمال، حتى طريقة حلاقتك بجد طالع جميل أوي ومميز النهاردة.
بالرغم من أن الاطراء قد نال ارضاءه ولكنه بقى متخشب الملامح، اختزلت تعابيرها حزنًا من طريقته، وقالت تستحثه على الحديث:
_مش هترجع معانا النهاردة، ده حتى أخر يوم لماما أشرقت على الأقل خليها تمشي وهي حاسة آن كل شيء بينا طبيعي يا جمال.
منحها نظرة واجمة، ومال على الطاولة الفاصلة بينهما يردد:
_بس مفيش شيء هيكون طبيعي بينا يا صبا، ردي ليكي لعصمتي كان لسبب واحد وانتي عارفاه كويس.
وانخفض بنظره لبطنها المنتفخ:
_ابني هو السبب، وبعد كده صدقيني مبقاش يهم!
أدمعت عينيها تأثرًا بحديثه، فمدت يدها لكفه وهي ترجوه:
_اديني فرصة أقربك مني تاني يا جمال!
سحب كفه بعنف منها، وعاد بظهره للمقعد يتابع الحفل بصمت ألمها، فرسمت بسمة زائفة فور ان تقدمت ليلى ومايا إليها.
******
لم تزور الفرحة وجهها ولم تمس حتى قلبها، عينيها تتابع باب الشقة برعب وكأنها تنتظر لحظة وصوله، كانت موجودة بجسدها وعقلها وقلبها غائبان عنها.
لاحظ سيف شرودها وسكونها العجيب فناداها مرتين ولم تلاحظه، فأمسك يدها وسألها باستغراب:
_مالك يا زينب؟
انتفضت بجلستها فزعًا، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:
_آآ... أنا كويسة يا سيف.. بس كنت سرحانه شوية.
الشك توغل بحدقتيه فصاح:
_لا مش كويسة، إنتِ من الصبح مش طبيعية.
واستطرد بما يتردد إليه من تفسيرٍ:
_إنتِ ندمانه؟
نفت ذلك قائلة:
_أيه اللي بتقوله ده يا سيف، أنا بس مرتبكة شوية إنت عارف الموضوع جيه بسرعه كبيرة.
مررها حتى وهو لا يصدقها، حينما يصبحا بمفردهما سيتحدثان أفضل من حديثهما الإن.
*******
بسيارة عُمران.
تعالت ضحكات أشرقت هاتفه بعدم تصديق:
_بقى ده عمك؟!!!
ابتسم وهو يتابعها تضحك من قلبها هكذا، وأضاف:
_أيه الغريب في كده! ما أنا وريتك صورته قبل كده؟!
كبتت ضحكاته وهي تقول:
_يابني هو أنا فاكرة أنا اتعشيت أيه امبارح! طب تصدق بالله من كتر ما بنسى أنا كلت ولا لسه بقيت شبه الكرنبة!!
قالتها وانتابتها موجة من الضحك، فضحك رغمًا عنه وهو يستمع لحديثها بينما يباشر قيادته، فهو يحبها كثيرًا ويشعر بالألفة حينما يراها، ربما لانها والدة صديقه الذي يعده أخيه.
توقفت عن الضحك وسألته باسترابة:
_قولي بقى واخدني على فين؟
اجابها بعدما صف سيارته أمام أحد المحلات الفخمة الخاصة بأزياء المحجبات:
_مش أنا وعدتك إني هرجعك للحاج أبو جمال طلقة ألماني تزلزله!
اعتدلت بجلستها تمازحه:
_طلقة! قول صاروخ جوي!!
قالتها وضحكت فقهقه ضاحكًا وقال:
_طلقة، صاروخ مفرقتش المهم إنك تحافظي على الذخيرة عشان منشيعش الراجل!!!!
ضحكت حتى أحمر وجهها وقالت:
_يووه جتك أيه يا عُمران، يابني خلاص حملنا الاول والاخير بقى العيال.
استدار لها يخبرها:
_ومن بعد الاولاد هيبقى حملكم الاحفاد، هتفضلوا كده لنهاية العمر، عشان كده لازم تخطفولكم يومين لنفسكم.
وأشار لها وهو يغلق نوافذ السيارة أوتوماتيكيًا:
_يلا يا ست الكل انزلي عشان منتاخرش.
ترددت بالنزول حرجًا وقالت:
_مالوش داعي للتكلفة دي يابني، جمال ربنا يسعده مش مخليني محتاجة حاجة والله.
زرعت بابنها الرضا بالقليل وهذا ما ميزه، لم يتطلع على ما يمتلكه غيره يومًا وهذا ما جعل عُمران يكن له مثل تلك المحبة التي شعر بها تجاه والدة صديقه.
تصنع بمداهمة الحزن ملامحه وقال:
_كنت فاكر إنك بتعتبريني زي جمال، بس الظاهر كنت غلطان!
راقبت انقلاب معالمه بتأنيب ضمير، وقالت:
_يابني والله انت عندي زيه وإنت عارف.
_لو شايفاني زيه هتنزلي معايا وهتقبلي مني هديتي، اعتبريها تذكار مني عشان تفتكريني بيه بعد ما هترجعي للحاج ولا خايفة يعرف بعلاقتنا يا شوشو!!
تحررت ضحكاتها على أخر حديثه ومازحته قائلة:
_موافقة بس بشرط.
بجدية تامة قال:
_أنا تحت أمر معاليكِ.
توردت بشرتها من فرط الضحك وهي تخبره:
_عايزة بورنطة زي اللي أمك بتلبسهم دول!
تمعن بها قليلًا وصعدت ضحكاته تزلزل، وبصعوبة قال:
_عنيا حاضر.
******
بدأ يوسف بتنفيذ الجزء الأخر من الخطة، مع انتهاء الحفل فدنى إلى جمال يهمس له:
_الحاجة أشرقت مع عمران مش هترجع دلوقتي، قوم روح مراتك هتسبها تروح في تاكسي!!
زوى حاجبيه يسدده بسهامه الحارقة:
_رتبت إنت وهو الليلة وفاكرين خطتكم هتدخل عليا صح؟!
ادعى برائته الكامنه مما نُسب إليه:
_ليلة أيه وخطة أيه يا جمال!! قوم وبطل تفكر بعقل العيال الصغيرين دول.
نهض عن المقعد يلف بجسده إليه، صائحًا بانفعال:
_ما تحاولش تتذاكى عليا يا دكتور، ده أنا أكتر واحد قافشك إنت وهو.
حك رأسه وبنفاذ صبر قال:
_آه يا جمال رتبناها وهتقوم حالًا تأخد مراتك وتتعامل زي أي راجل جنتل مان بيفتح باب عربيته لمراته وبيرفعلها طرف الفستان.
وتابع يستفزه:
_وبالمناسبة الكلام اللي لسه رميهولك حالًا سابهولك عُمران بنفسه، فزي الشاطر كده تنزل وتفتح الباب لمراتك.
كز على أسنانه غيظًا، فالتفت إلى محل وقوفها فلم يجدها، وكأنها سمعت نص الحوار فرفضت أن تكون همًا ثقيلًا عليه.
توقف المصعد فخرجت صبا تنتظر أي سيارة أجرة تمر من أمامها، ورغمًا عنها التقطت عينيها سيارة علي وبجواره زوجته وسيارة أحمد الغرباوي وبجواره فريدة وبالخلف مايا وشمس.
لا تعلم لما افتقدت عائلتها بتلك اللحظة، والاصعب من ذلك بأنها تفتقد زوجها وهو لجوارها!!
أزاحت صبا دموع عجزها، باتت مقيدة، لا تعلم ماذا يتوجب عليها فعله ليصفح عنها ، أفاقت من شرودها على صوت سيارته، فوجدته يقف قبالتها ويشير لها بالصعود.
تعلم بأنه أُجبر ان يوصلها، فطرقت على نافذة سيارته، فأخفضها لتتمكن من الحديث:
_تقدر تمشي أنا هركب اي تاكسي.
وبدون اضافات استقامت شامخة بوقفتها واتجهت لمحلها، قبض على الدريكسون بغضب كاد باقتلاعه، فهبط من سيارته واتجه اليها يجذبها بقوة:
_أنا مش عايز أتعصب عليكي، اركبي!
ارتخى جسدها للخلف فاصطدمت بسيارته، تأوهت ألمًا وهي تضم بطنها بألمٍ جعله يهرع لها مسرعًا متسائلًا بقلقٍ:
_أيه اللي حصل؟ اتوجعتي!! وريني.
ابعدته للخلف وهي تصرخ به:
_إبعد عني يا جمال، روح شوف حالك مع اللي اختارتها.
ضيق عسليته باستغراب:
_اللي اختارتها!!
أحاطته بنظرة مشتعلة بنيران الغيرة، جابته من رأسه لأخمص قدميه، وبتهكمٍ قالت:
_مستغرب ليه! مش دي اللي غيرتك بالشكل ده وخليتك ترجع تهتم بنفسك وبلبسك!
كم أن صديقه خبيثًا، داهية، لم يتوقع أن تنزرع داخلها الغيرة بتلك السرعة، ازدرد ريقه الجاف يجيبها:
_مش مضطر أبررلك، ودلوقتي اتفضلي اركبي بدون كلام مالوش أي تلاتين لزمة!
هزت رأسها وهي تزيح دموعها، واتجهت للسيارة دون أن تضيف كلمة أخرى، فغادر بها للمبنى الخاص بشقتهما، وللعجب صعد معها للأعلى.
******
بشرفة منزل الشيخ مهران، حيث تقف سدن جوار خديجة التي تستند على السور ممسكة ملابس فارس الواقف على المقعد الخشبي يتابع المارة، فتقف جواره خشية من السقوط وبالجهة الاخرى تستمع لها سدن، بعدما باتت الاثنتين مقربتين للغاية.
مالت سدن على ذراعيها تستمع لنهاية قصتهما بحزن فائق، وقالت:
_انت تعبت اوي خديجا، ويونس كمان تعبت من اللي شافه، انت قصتك حزين جدًا.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها لم تستطع الاخرى رؤيتها من نقابها:
_ومستعدة أستحمل أكتر من كده بس أكون مع يونس بالنهاية.
غردت عينيها فراشات وسألتها:
_بتحبيها خديجا؟
استمعت لصوت ضحكاتها بوضوح وقالت:
_قصدك بتحبيه، وآه طبعًا بحبه جدًا، بحبه من اول ما وعيت على وش الدنيا وشوفته جنبي، اول ذكرى لأي شيء جميل جوايا هو وراها، بحب كل شيء فيه، طريقة حبه ليا وتشدده وغيرته عليا، بحب كلمة "ست البنات" اللي بتخرج من بوقه زي السكر.
استدارت تجاهها فوجدتها تتابعها بضيق وأردفت:
_انتظري قليلًا لقد نسيت سماعتي بالداخل ولم أفهم نصف حديثك.
وتركتها وهرولت للداخل راكضة، فضحكت وهي تخبط جبينها بقلة حيلة على تلك الاجنبية التي باتت ونيسة لها.
رفرف قلب خديجة حينما سمعت فارس ينادي بصوت متحمس:
_بابــــــــــــا.
استدار للخلف فاذا به يدخل الحارة برفقة إيثان، وما أن استمع لصوت ابنه حتى رفع رأسه تجاه الشرفة فوجدها تقف جوار ابنه، تطالعه من خلف نقابها.
نقل بصره عنها بصعوبةٍ مستغفرًا، وأشار لفارس بالهبوط، فتركها وهرول للأسفل راكضًا ومازالت تقف محلها تراقبهما بحب.
التقطه بين ذراعيه يقبله واتجه به لمحل البقالة يشتري له ما لذ وطاب، وتركه يصعد بينما غادر برفقة ايثان الذي قرر التقدم لخطبة ابنة خالته، وصمم أن يرافقه يُونس.
بينما بالاعلى قدم لها فارس لوحًا ضخمًا من الشوكولا الباهظة قائلًا:
_بابا بعتلك دي بس، باقي الحاجة ليا.
تناولته منها خديجة بفرحة جعل قلبها يتراقص، فاتجهت بخطواتها البطيئة للشرفة على أمل ان تراه، ولكنها وجدته قد غادر.
*******
مرت ساعة كاملة منذ أن ولجت لحمام الغرفة تبدل قفطانها، هاجمه القلق حيالها، طرق سيف باب الحمام يناديها برفقٍ:
_زينب محتاجة حاجة؟
انتفضت داخل الحمام محل جلوسها بملابس زفافها باكية، وبتوترٍ قالت:
_لا.
رفرف بأهدابه بذهولٍ من طريقتها وقال:
_طيب بتعملي أيه جوه كل ده؟ إنتِ حتى ماخدتيش هدومك معاكي؟
واستطرد بمزحٍ:
_زينب انتي بتهربي مني؟!
مال على بابها يحاول استماع صوتها أو أي صوت لمياه، ولكنها فجأته حينما فتحت الباب تواجهه بعينيها المتورمة من أثر البكاء، ضيق حاجبيه دهشة:
_زينب!!
تركته يقف مندهشًا واتجهت للفراش تبكي بصوتٍ مسموع، لحق بها ومازال يناديها:
_في أيه يا زينب؟!!
أوقفته محله تصرخ به:
_متقربش أرجوك... خليك بعيد.
رفعت ساقيها إلى الفراش، تحاوط جسدها بيديها، وعينيها تراقب أنحاء الغرفة بخوفٍ قاتل، تهمس بخفوتٍ:
_يمان مش هيسيبني، هيقتلني لو سمحتلك تقرب.. خليك بعيد.
صعق سيف من حالتها الغامضة، وخاصة حينما استمرت بهمسها وعينيها تتوزع بين شرفة الغرفة وبابها:
_هو قالي إنه هيقتلني! كان هيشوه ايدي عشان مسكتني، لو قربتلي هيقتلني.
عصف به الحزن وألمه، فقال:
_ميقدرش يعملها وأنا معاكي... هفديكِ بروحي يا زينب.
هزت رأسها ومازالت تصر على طلبها:
_سبني واخرج يا سيف... ابعد عني أرجوك!
لم يتخيل أن يصل بها خوفها لتلك الدرجة، شعر وأنها تعاني من نوبة مرضية نجح بأن ينقلها لها هذا المعتوه، رفضت حتى أن تستمع إليه، وأمام رجائها وخوفها انصاع لها سيف واتجه لغرفة النوم الصغيرة يقضي بها أول ليلة التي كانت من المفترض أن تكون بداية لحياتهما معًا.
*********
خرج جمال من غرفة الضيافة حيث كان يغفو بها بعيدًا عن غرفة صبا، ليستفيق من نومته على صوت ضوضاء يأتي من الخارج.
خرج من الغرفة فوجد والدته تجلس بالردهة جوار زوجته، ومن حولها عدد ضخم من الأكياس، تجذب قطعة من الملابس وتضعها على نفسها، تريها لزوجته المنبهرة من رؤية ما عادت به والدته.
فوصل له صوتها العالي:
_ما شاء الله يا ماما الفساتين تحفة والحاجة كلها جميلة وشيك جدًا.
جذبت أشرقت باقي الاغراض وهي تقول:
_عُمران ده شاب زي العسل والله.
بالرغم من حساسية الموقف الا أنها كانت مرغمة لاجابتها حتى لا تزرع الشكوك برأسها فقالت مبتسمة:
_هو شاب ذوق جدًا وباين عليه بيعزك جدًا يا ماما.
اشتعل جمال ضيقًا، فعاد للغرفة يصفع الباب من خلفه وهو يفور غضبًا منها، ومن تبجحها بالحديث عنه أمام والدته، وإن يكن هي من تسببت بهذا الجرح الذي لم يندمل داخله بعد، وبأقل فعل منها حتى دون ارادة يعود لنزيفه من جديد!
*******
تقابل عمران مع جمال قبيلة الفجر، ليودعا معًا أشرقت، وبعدها توجها صباحًا ليمروا كلاهما على المشروع المشترك بينهما، يتممان على الموقع والعمال وفور ان تأكدوا من أن كل شيئًا على ما يرام سأل جمال عمران:
_هتروح على الشركة؟
استند على حافة السيارة وهو يطوي ورقة التصميم:
_لا هطلع على الفندق أغير هدومي قبل ما أتحرك على الشركة.
هز رأسه بدهشة:
_معقول يا عُمران لسه بتعمل كده؟
ضحك وهو يجيبه:
_يابني دي بقت عادة عندي، مهو مش معقول هفضل في الموقع ست سبع ساعات واتحرك على الشركة بعرقي ولبسي المبهدل ده، لازم اخد شاور وأغير هدومي، عشان كده أي مشروع بستلمه هيطول عن شهرين بحجز بأقرب فندق قريب منه، اخدلي فيه كام غيار.
وضع هاتفه بجيب بنطاله وسحب مفاتيح سيارته:
_خلاص براحتك، أنا ورايا شغل كتير في الشركة، هروح عشان السكرتير نازل رن عليا من الصبح.
وتساءل قبل أن يعتلي سيارته:
هشوفك بليل؟
صعد عُمران سيارته هو الأخر وأجابه بابتسامة صغيرة:
_هكلمك ونرتب مع بعض.. سلام.
منحه ابتسامة واسعة ولوح له ليفترق طريقها وكأنها إشارة سيئة للأعصار القادم!!!!!
*****
ولج جمال لمكتبه، فوجد الملفات موضوعة على مكتبه، نزع عنه جاكيته ووضع مفاتيحه وهاتفه جواره، جلس على مقعده يسحب اول ملف.
وبعد دقيقة ولج السكرتير يحمل كوب القهوة، وعينيه الخبيثة تجوب سطح المكتب باحثًا عن غايته، فما أن وجده حتي سحبه من خلف الصينية التي يحملها دون أن ينتبه له جمال!!
*****
خرج عُمران من حمام الفندق، يلف من حول خصره المنشقة السوداء، وبالاخرى يجفف عنقه، فاذا بهاتفه يعيد رنينه للمرة الرابعة.
ترك المنشفة من يده واتجه يتطلع لاسم المتصل، فإذا بجمال يعيد رنينه، رفع الهاتف إليه وقال بمشاكسة:
_لحقت أوحشك؟
اتاه صوتًا غريبًا يجيبه:
_عفوًا! لقد قمت بالاتصال بأخر رقم لهذا الهاتف، سيدي لقد أُصيب صاحب هذا الهاتف بحادث على الطريق ولقد قمت بنقله لمنزلي، من فضلك فلتحضر لنقله للمشفى أنا لن أجازف بنقله إليها فتعتقلني الشرطة.
جن جنونه وصرخ به:
_أرسل لي العنوان في الحال..
_حسنًا لك ذلك.
بلهفة وفزع سأله:
_هل هو على ما يرام؟ أعطه الهاتف من فضلك؟
بايجاز قال:
_لن يتمكن من الحديث.
اغلق الهاتف بينما هرع عُمران لخزانته يجذب اي ملابس تقابله وقلبه يكاد يتوقف عن الخفقان، لكم السراحة بكم غضبًا جحيمي وهي يصرخ:
_عملتها يا نعمــــــــان الكلب!!
جذب مفاتيح سيارته وركض بأقصى ما بوسعه على درج الفندق، يخرج بيده رقم يوسف، يحاول الاتصال به ولكنه لا يجيب، فعلم بأنه حتمًا بغرفة العمليات.
حرر زر التسجيل وسجل له ومازال يركض
«يـوسـف، جمـال عمل حادثة على الطريق، صاحب العربية خده بيته وبعتلي الموقع هبعتهولك حالًا ابعتلي الاسعاف وتعالى بسرعة يا يـــــــوسف!!!»
أغلق هاتفه وأعاده لجيب سرواله، اندفع عُمران لسيارته يقودها بشكلٍ جنوني، لا يعلم كم حادث تفاداه، كل ما يشغله انقاذ رفيقه.
وصل للعمارة المشار إليها بالموقع، هبط يركض للاعلى، حتى وصل للشقة، فتفاجئ ببابها مفتوحًا.
لا يعلم لما انقبض قلبه بشعورٍ مريبًا هكذا، دفع عُمران الباب واندفع ينادي بقلقٍ:
_جمـــــــــــــال!!!!!
******
غيوم سوداء تحيط به، طيف ضئيل من الضوء يحيط برماديته، ثقل جاسم فوق جفونه، يجاهد الآن لفتحهما، ولسانه لا يتوقف عن نطق إسم رفيقه، فاذا به يقف قبالته، اختذل جسده بشكلٍ غريبًا، حتى أنه جاهد للنهوض.
داهم عقله دهشة كبيرة، لماذا هو الذي يغفو على الفراش وجمال يقف متصنم محله، عساه حلمًا!!
رفع ذراعه المتمايل إليه يناديه:
_جمال! إنت كويس؟!!
ما أن رفع رأسه حتى تأوه ألمًا، فاستقام بصعوبة بجلسته، فاندهش من رؤية نفسه عاري الصدر، تفحص نفسه وتلك الغرفة الغريبة باستغرابٍ، وما صعقه وأصابه في مقتلٍ، حينما استدار جانبه ليجد أخر من توقع رؤيتها!!!!
شهق صدمة وتلقائيًا رفع الغطاء ليخفي زوجة رفيقه العارية عن عينيه وأعين ذلك المتخشب على باب الغرفة!!!!
عمل عقل عُمران بسرعة البرق، المكالمة، دخوله لتلك الشقة، الابرة التي شعر بها تخترق وريده، صبا الممددة جواره شبه عارية!!!!
بدت له الآن أمارات الخطة التي أحكمها نعمان الحقير، رفع عينيه تجاه جمال المستند على الحائط بصدمة، يشعر وكأنه اصيب بشللٍ تام، وجل ما يتردد على لسانه:
_ليه.!!!
أزاح الغطاء عنه ورفع كفيه إليه يشير:
_جمال أقسملك بالله ما في بيني وبين صبا حاجة، جمال نعمان ورا اللي، بيحصل ده صدقني!!
وتابع وهو يسحب هاتفه من جيب بنطاله الملقي جواره:
_حتى خد موبيلي وشوف الرسايل اللي عليه.. وآ...
ابتلع باقي جملته بصدمة حينما وجد زوجته تدلف للغرفة لتزيد صدمتها وهي تراه على الفراش جوار صبا التي مازالت فاقدة للوعي.
سدد إليها طعنتين قاتلتين، احداهما من نظرة زوجته والاخرى من رفيقه، سحب بنطاله وقميصه يرتديهما بسرعة الرياح وهو يسرع لمايسان يخبرها بخوف حينما رأها تبتعد للباب وهي تحتضن بطنها الذي يتمزق من فرط ألمها، فقال:
_مايا اهدي عشان اللي في بطنك، صدقيني يا حبيبتي انا مظلوم!!
تعطل عقل جمال عن العمل، بينما عينيه لا تلتقط الا زوجته التي ترتدي قميصًا أسود وتغفو براحةٍ.
يقال أن الشيطان يمتلك جنود من الجحيم يسخرهما وقتما يريد، وقد هالته جنوده بتلك اللحظة فجمعت من حول جمال مشاهد لما حدث من زوجته، حديثها عن عُمران المتكرر، اعجابها به وبشخصه، طريقته بتنظيم ملابسه، واهتمامه بجسده الرياضي.
كل ثغرة وُضعت من أمامه كالسوط القارص، وأقصى ما يضيق عليه ان تفعلها وهي حامل بابنه! مهلًا هل هو ابنه بالفعل بعدما خانته؟!
بدأت صبا تستعيد وعيها، فهمهمت بتعبٍ وهي تردد بخوفٍ دون أن تفتح عينيها:
_جمال!!
تحررت ظلمة عينيها أخيرًا، فاذا بها على فراش دون جلبابها الأسود وحجابها، رفعت رأسها قليلًا فصعقت حينما وجدت جمال يدنو إليها، ومن خلفه مايا الباكية ويقف قبالتها عُمران الذي يحاول ارتداء ملابسه!
اتضحت الرؤيا لها وبدت تفهم ما يحدث هنا، جذبها جمال من خصلات شعرها وهو يصيح بجنون اختزل عقله:
_بتخونيني أنا يا بنت ال**، كنتي هتموتي عليه ودلوقتي هديتي لما غوتيه يا زبــــــــالة!! خلتيه يخون صاحبه يا ****
لطمها بقوة ولم يعد يرى شيئًا امامه سوى لهيب الخيانة، بينما تجاهد هي لحماية صغيرها من بطشه، بدى كالمذبوح وهو يصرخ:
_هقتلك وهغسل عارك بايدي يا خاينة.
صعق عُمران مما يراه، فاندفع إليه يبعد يده عن عنقها، وبهدوء شديد قال:
_جمال اعقل، هتقتل ابنك بايدك!!! صدقني نعمان هو اللي ورا الحكاية، أنا واثق انك لو فتحت موبيلها هتلاقي نفس الرسايل اللي وصلتني.
اتجهت عاصفته الغاضبة تقابل نظراته بحدةٍ، وقال:
_إبعد من قدامي بدل ما أعمل اللي يخليني اندم بجد.
جابهه بألمٍ:
_وانت لما هتقتل ابنك مش هتندم يا جمال!
ضحك بعلو صوته مما زرع القلق داخل الاخير:
_ومين قالك إنه ابني؟ اذا كان انا مش واثق من الحكاية دي؟.
وبعصبية هادرة دفعه للخلف:
_ابعد... انا عارف انك مستحيل تقرب لواحدة بسهولة!! أكيد هي اللي حاولت معاك أكتر من مرة.
نهض عُمران مجددًا تاركًا زوجته تميل على الحائط ومازالت تبكي وتضم بيدها فمها بصدمة، وعاد لينزع خصلات شعر صبا من بين يديه صارخًا بوجهه:
_اهدى واقعد خلينا نتكلم ونشرحلك اللي حصل.
بكت بألم وقد نزف كل جزء بجسدها من فرط ضرباته القاسية، فاستغلت دفاع عُمران عنها وجذبت جلبابها ترتديه وتلف حجابها برجفة قاتلة.
نهض جمال عن الارض ودفع عُمران بغضبه الاعمى:
_انت بتدافع عن ال*** دي ليه، أيه وقعتك في شباكها!!
هدر بانفعال شرس:
_اخرس يا جمااال أنا بمنعك انك ترتكب ذنب عمرك ما هتسامح نفسك عليه، اللي في بطنها ده ابنك فووووق وارجع لعقلك.
اندفع إليه يصرخ:._مش عايزه لو من ال*** دي مش عايزه، ولا عايزك في حياتي تاااااني!
واستكمل بتسديد ذلك الخنجر إليه:
_لو أنا عاجز عن اني امد ايدي عليك فده لان الغلط من عندي أنا، أنا اللي سمحتلك تتقربلي وتدخل حياتي لحد ما مبقاش ليك خطوط حمرا، فالمفروض انك اتشاركت معايا كل حاجة بس اللي متوقعتهوش انك تشاركني في مراتي يا عُمران!!!!!
وتابع ببسمة شملت ألم إن أصاب الأبل لجعلته يودع حياته شامخًا دون ان يذوق وجعه:
_ولا انت عجبتك سياسية الغرب في تبادل الزوجات وحابب نطبقه من ضمن بند الصداقة اللي بينا.
صعق عُمران مما يستمع إليه ووقف يقابل رفيقه بنظرة منصدمة، استدار جمال خلفه حتى سلطت نظراته على مايا التي مازالت تتابعهما ببكاء حارق.
ارتعبت من نظرات جمال لها، فتراجعت للخلف بينما جمال يستطرد:
_وأنا معنديش مانع، مايسان جميلة وآ..
سقط آرضًا من شدة اللكمة التي تلقاها منه، جذب عُمران زوجته خلف ظهره وجابه جمال بنظرة اندفع بها الوجع والصدمة قبل أن يهتف به:
_أنا مقدر كل اللي انت فيه وسايبك تعمل اللي إنت عايزه عشان الموقف صعب، لكن لحد هنا وكفايا أوي يا جمال إنت من اللحظة اللي رفعت عينك فيها لمراتي خسرتني وللأبد!!
لمع السكين الملقي جانبًا بعين جمال، وكأن أحدٌ تركه عمدًا ليحدث المراد، جذبه جمال وكل ما يراه عينيه صداقة عُمران العتيقة، علاقته التي دامت معه أكثر من عشرة سنوات، عمرًا يناهز العمر الذي قابل به زوجته، والمؤلم انه يعلم أنه من المحال أن يتقرب لأي فتاة
ربما أنها من اوقعت به، استدار جمال إليها فوجدها تحاول النهوض عن الفراش لتفر من تلك المهانة التي سقطت بها دون عمدًا، فاذا به يعترض طريقها وبيده سكينًا!!
تراجعت للخلف حتى سقطت على الفراش، وتوسلته ببكاء:
_بلاش ابني يا جمال! أنا بريئة!
قالتها بصوتٍ شاحب وانحنت تحمي بطنها وتبكي بانهيارٍ، رفع ذقنها لتقف قبالته، وقبض على سكينه يستهدف قلبها، فاذا بعمران يدفعه للخلف ويحاول ضرب يده بالحائط ليسقط السكين.
انفلت صراخ جمال الجنوني:
_سبنــــــــــي هقتلها الفاجرة، ابعد عن طريقي!!
هدر فيه عُمران وهو يحاول السيطرة على قوته، فمازال المخدر يضعف بنيته القوية:
_فوق يا جمــــــال، هتقتل ابنـــــــــك!! محصلش بيني وبينها حاجة فووووووق.
أمسك السكين باصرار ومازال عُمران يرفع يده للاعلى، وفي محاولة لتخليص يده من قبضته سقط سكينه على كتف عُمران محدثًا جرحًا أعلى كتفه، تأوه بوجعٍ وصراخ مايا يعلو:
_عُمــــــــــــــــــران!!!
سقط السكين عن يد جمال، وكأن دماء عُمران جعلته يسترد وعيه، فانحنى معه وهو يردد بعدم استيعاب:
_عُمران!!
ومن ثم صرخ:
_قولتلك اوعى من طريقي!! قولتلك هي اللي لازم تتعاقب وتموت!!
أمسك يده وردد بصعوبة بالحديث:
_لا أنا ولا هي غلطنا يا جمال.
ومال على الحقيبة النسائية الملقاة أرضًا وعلى الاحرى تخص صبا، جذبها يخرج هاتفها ومن ثم جذب هاتفه، وضعهما بين لائحته وخطى لزوجته التي ترتعش بخوف.
ضمها عُمران واستكان على كتفها يراقب جمال الذي يتفحص الهواتف بصدمة، لينتبه الآن لفقدانه هاتفه.
سقطت الهواتف عن يديه ورفع عينيه للفراش الذي تلطخ بدم زوجته، اتجه إليها بخطوات متهدجة، منهزمة، لا يعلم ما أصابه فور رؤيتها بتلك الحالة برفقة رجلًا كانت امارات الاعجاب تملأ عينيها إليه.
اقتحم يوسف الشقة يصيح عاليًا:
_جمـــــــــال.... عُمــــــــــــــــــران!!!
ولج للغرفة فصعق مما رآه، عمران جالس أرضًا بين احضان زوجته، كتفه ينزف بغزارة، بينما جمال يستكين أرضًا كالأسد الجامح.
بينما الفراش قد تحول لساحة من الدماء، صرخ بهما يوسف وهو يحاول استيعاب ما يحدث:
_في أيه اللي بيحصل هنا؟!!!
اندفع تجاه صبا الفاقدة للوعي، يتفحص وجهها النازف بصدمة، باتت الامور منصبة له هو الاخر، فتابع فحصه لها وهو يردد من بين اصطكاك اسنانه:
_جمااااااال عملت ايه يا مجنوووون!!
تفحص يوسف حجم النزيف، وجذب هاتفه مرددًا:
_نزفت كتير لازم تتنقل العمليات حالًا.
اتصل يوسف بعلي وطالبه بتعجيل سيارة الاسعاف، الذي قد سبق وطلبها لجمال، ولحسن حظه بأنها بالقرب منهم.
حملها يوسف واتجه ليهرول بها للاسفل، فاذا بيد تمسك قدمه، توقف عن المضي فوجد جمال يخبره:
_سبها تموت يا يوسف، دي خاينة!!
وكأنه قد اصيب بعقله، جذب يوسف ساقه وصاح به:
_انت فقدت عقلك يا جمال، ابعد مراتك وابنك في خطر!!!
ترك عُمران محله وبصعوبة أبعد يد جمال عن قدم يوسف حتى تحرر وهبط للأسفل، استدار إليه ليمنحه نظرة قسمت قلب جمال لنصفين، قبل أن ينطق بكلمتين التصقوا به كالدمغة:
_خلصت يا صاحبي!!
...................
رواية صرخات انثى الفصل الثالث والستون 63 - بقلم ايه محمد رفعت
لم يخض يومًا معركة عدو بها هو أحد أحبابه، تلك المعركة حتمًا ستكون خاسرة لامحالة.
اليوم شعر وكأن شياطين الإنس اجتمعت لتحويل ذلك الدانيء "نعمان"، وأكثر ما يؤلمه أن من عراه ووضعه بفراش جوار زوجة أخيه هو الذي من المفترض أن يكون بمثابة والده!
أي ألم يقاسي الذي يخوضه الآن!
يقسم أنه عاجز حتى عن تخيل الأمر، لم يتخيل أن يتدنى لمستوى حقير لأجل الثروة ومكانته الآرستقراطية الوضيعة!
ليت وجع قلبه يكون بنفس حدة إبرة "ليلى" التي تلثم جلد كتفه الممزق، بعد أن رفض أن يخضع لحقنةٍ مخدرة، وترك محله أمام غرفة العمليات التي تنازع "صبا" من داخلها.
بالرغم من حاجته بالفرار والبقاء بمفرده، إلا أنه يشعر بتأنيب الضمير لما حدث لها، بالنهاية ذلك الشيطان شقيق والدته.
"خيطت الجرح وعمقته، بس محتاجة أخد منك عينة دم قبل ما تأثير المخدر اللي اتحقنت بيه يروح من دمك، يوسف مشدد عليا."
صوت "ليلى" فصله عن عالم صمته القاتل، فاستدار لها يجيبها بجفاء:
"مفيش داعي يا دكتورة."
ضمت شفتيها حزنًا عليه، ولكنها ستجاهد مع زوجها لكشف الحقيقة، ورفع تلك التهمة الباطلة عن تلك المرأة التي لم ترى منها الا كل خير. ولربما كونها امرأة تعلم كيف تكون مصيبتها، فقالت:
"بشمهندس عُمران أنا مقدرة حالتك، بس لو فكرت في الموضوع بحكمة هتلاقي إن براءتك مش هتحررك لوحدك من التهمة دي."
وأشارت لغرفة العمليات مستطردة:
"صبا محتاجة البراءة دي أكتر منك، فلو مش هتعمل كده لنفسك فكر فيها وفي ابنها وهما بينازعوا للحياة!"
أغلق جفونه بعنفٍ معتصرًا رماديته، فاكتفى بهزة من رأسه ومن ثم فرد ذراعه العاري لها بفعل تضميدها لجرحه منذ قليلٍ.
سحبت "ليلى" جرعة من دمائه، عازمة أن تظل بالمختبر لحين إثبات براءتهما المتأكدة منها. وقبل أن تستكمل طريقها أوقفها نداء عُمران:
"دكتورة ليلى."
استدارت إليه فقال وهو يرتدي كم قميصه الاخر:
"مايا كويسة؟"
أسرعت تبث له الطمأنينة:
"الحمد لله حالتها ممتازة."
وأشارت بيدها خلف مكان جلوسها:
"أهي تقدر تطمن بنفسك."
وتركتهما وأسرعت للمختبر، بينما إلتفت عُمران للخلف فتفاجئ بوجودها بعدما انتهت من المحلول الذي وُضع لها فور وصولها للمشفى برفقة عُمران. فبقيت باحدى الغرف الطبية وبقى هو محله أمام غرفة العمليات.
أحاط التوتر والارتباك تلك اللحظة، وما هي الا لحظة المواجهة. استند عُمران على حواف الأريكة المعدنية، ينكس رأسه بحزنٍ، يدعو الله ألا يزيد من عمق جرحه إن صدمته زوجته هي الاخرى. يكفيه صديقه وما فعله به! يقسم أنها إن فعلت فلم يعد بداخله ما يبقيه على قيد الحياة!!!!
شعر بجلوسها الملتصق به، صمتها القصير كان كالأعوام القارصة بالنسبة له، كتلك الأرض القاحلة التي تترقب بفارغ الصبر نزوع المطر فوق تربتها. وها قد أتاه الخلاص حينما مرت كفها الرقيق المحتفظ بالكانيولا الطبية على ذراعه، حتى وصلت لكفه فضمت أصابعها بين أصابعه.
عاد بظهره لمسند الأريكة يتمعن بعينيها كالغريق الذي يبحث عن قارب نجاته، فأتته تروي ظمأه حينما قالت باكية:
"إنت مستحيل تعمل كده، أنا مصدقاك يا عُمران."
بدا وكأنه لم يستمع لها، فعادت تؤكد ببكاء وحزن عليه ليس منه كما ظن:
"لو الكون كله كدبك فأنا الوحيدة اللي مصدقاك، إنت عمرك ما تخون."
أحاط رقبتها بيدها، جاذبها لصدره بقوته، يضمها بشغف، ممتنًا هو لوجودها بحياته المظلمة، كالطائر الشارد وكانت هي منارته. كذلك الخيل الحر الذي أصابه مرضًا لا نجاة منه سوى الرمي بالرصاص فكانت هي رصاصة رحمته!!
ضمته تحيطه بضعف جسدها الهزيل مقارنة به، تود لو أن ينشق صدرها لتخفيه عن الكون بأجمعه، ذلك المطعون غدرًا من أقرب الأقارب، مازال يحاول الصمود!!
ثلاثون دقيقة يحتمل على كتفها بثقله، ومع أنها تكبت أنينها ألمًا الا أنها لم تشتكي، تعلم بأنه بحاجة لها عن أي وقت مضى عليه.
ابتعد عنها الآن يطالعها بنظرة حفر الغرام بها وصمة عاشقة. أزاح عُمران دمعة فضحت موطن ضعفه، وسألها بصوتٍ لمست فيه انكساره بوضوحٍ:
"أنا آسف ألف مرة إني حطيتك في الموقف ده يا مايا.. ياريت نعمان كان ذكي وقتلني أفضل عندي ألف مرة من إني أخليكِ تشوفيني في وضع زي ده."
ابتعدت عنه تواجهه بنظرات اتسعت عن مُقلتيها، فجذبت كفه تحيط بها بطنها:
"طيب وده مين يربيه؟"
ابتسم وقال ويده تزيح دمعاته:
"دكتور علي هيربيه، عشان ميطلعش وقح زيي إنتِ ناسية إن دي تعليماتك!!"
هزت رأسها بحركة جنونية واستكان كفها محل قلبه:
"ولا أي شخص مهما كان صلة قرابته وقربه يتحط في مقارنة معاك يا عُمران!"
ضم وجهها بين يديه ومال يقبل جبينها، هامسًا لها بعشقٍ:
"حبيب قلبه وروحه إنتِ يا مايا."
أبعد دموعها عن وجهها ومازال يقابلها بنظراته الدافئة، انتظر أن تهدأ الأوضاع بينهما ثم تساءل باهتمامٍ:
"وصلتي المكان ده ازاي؟"
جذبت حقيبتها تحرر سحابها، وقدمت له الهاتف قائلة:
"الرسالة دي وصلتني وفيها العنوان."
جذب الهاتف يقرأ محتويات الرسالة بتمعنٍ:
"جوزك بيخونك، لو عايزة تتأكدي هبعتلك اللوكيشن تتأكدي بنفسك."
منحها الهاتف وعينيه تكتاظ بعاصفة رملية تكاد تحيط من حوله. خطته كانت محكمة بدرجةٍ مخيفة، وأكثر ما يؤلمه انتصاره بتلك الجولة!
***
ترك سيارته بمنتصف الطريق وصعد للأعلى. الدماء تفور بأوردته، لم يعبئ بصياح أفراد أمن المشفى بإبعاد سيارته عن منتصف الطريق، واستكمل طريقه للأعلى.
سقطت نظراته عليه وهو يجلس أمام غرفة العمليات. عماه غضبه الجحيمي، فاندفع حتى بات قبالته، يهدر بانفعال وأنفاسه تعلو تدريجيًا كأنه بين ساحة الحرب:
"أيه مش قادر على بعدها؟ بعد كل اللي حصل ولسه ليك عين تيجي وراها لحد هنا؟!"
رفع عُمران بصره لمن يقف أمامه، تفحص به بنظرةٍ حائرة، وكأنه يرى شبحًا لشخص يمتلك نفس ملامح رفيقه ولكنه ليس هو.
تمسكت مايا بذراع زوجها بخوفٍ فور رؤيتها لجمال، بينما صاح الاخير:
"أنا عايز أعرف إنت إزاي قدرت تعمل فيا أنا كده؟!"
أطبق على شفتيه يححب ما يعتليه من كلماتٍ حادة، ففجأه "جمال" حينما جذبه ليقف قبالته بهمجيةٍ:
"قوم كلمني، ساكت ليــــــه!!!"
تعلقت رماديته به، وبانهزامٍ أجابه:
"ساكت لإني مش عارفك!"
ضحك باستهزاءٍ:
"مين اللي طلع يعرف مين؟ أنا اتصدمت فيك صدمة عمري إنت والرخيصة اللي مرمية جوه!"
مرت من خلف ظهر زوجها تصرخ بغضب لم تستطيع السيطرة عليه:
"مش من حقك ترميهم بالاتهام ده الا لو معاك دليل على كلامك، شوية ونتيجة التحاليل هتطلع ووقتها هتندم يا بشمهندس."
طالعها بنظرة محتقنة وصاح:
"عايزة دليل أيه أكتر من اللي شوفناه بعنينا!!"
جادلته بقوةٍ وهي تشير على الهواتف التي مازال يحملها:
"عُمران قالك افتح الموبيلات وشوف الرسايل، افتحها وإتاكد تاني."
ابتسم ساخرًا منها، ففتح الهواتف وسلطها إليها:
"أنا لما فتحت ملقتش حاجة يا بشمهندسة! الظاهر إنه عملك غسيل مخ."
طال صمت عُمران وحدقتيه لا تفارق أعين رفيقه، كأنه يحفظ ملامحه، ويسجل كل حرفٍ يخرج عنه، ليقوي ذاته لإتخاذ قرار كهذا.
اعترض ذراعه التقدم أكثر، وبتحذيرٍ ردد:
"ارجعي مكانك ومتتكلميش تاني."
ابتلعت ريقها بتوترٍ من هدوئه، فتراجعت للخلف وتركته بمواجهته. طالعه عُمران بنظرات مظلمة وقال:
"هو أنا مش قولتلك إنها خلصت، لسه واقف وبتعاتب ليه؟ أنا قدامك أهو لو في نيتك شيء إعمله وصدقني مش همنعك!"
دنى إليه يقتنص مسافاته، مرددًا بنبرة سكن بها الدمع والألم:
"مش بالسهولة دي، المنظر اللي شوفته ده ميمحهوش موت، إنت مخنتنيش بس إنت نهشت لحمي وأنا حي يا آآ... يا صاحبي!!"
ونغز بصبعه صدر عمران الذي لم يتحرك إنشن واحدًا:
"بس إنت عارف، أنا اللي كنت غبي، واحد زيك عمل كل شيء محرم فالمفروض أتوقع منه أيه!!"
وتابع يقضي على أخر ما تبقى داخل الاخير:
"إنت اللي زيك اللي حوليه لازم يحذروا من إنه يكون موجود في حياتهم، وأولهم أخوك!!"
واستطرد بكره شديد:
"اللي محيرني ازاي دكتور علي بيأمن على مراته معاك إنت وهو عارف إن أخوه وضيع وزير ستات!!!"
"جمـــــــــــال!!!"
صرخة غاضبة انفلتت على لسان "علي"، بعدما هرع للأعلى راكضًا فور أن علم بما حدث من" ليلى". فما أن وصل للطابق المخصص للجراحة، تصلب جسده منذ سماع حوار جمال لاخيه. كاد ان يسقط من طوله وهو يحاول استيعاب ما وصل به الأمر بينهما.
لم يكن من الصعب عليه تخمين الحقير الذي أوقعهما بهذا الفخ. تمزق قلب علي حينما رنا إليهم فتمكن من رؤية وجه أخيه الشاحب، ود لو خطفه بأحضانه، يربت عليه ويآزره بقوةٍ، يخبره بأن ما حدث ليس الا حلمًا، كابوس لن يعود.
وقف "علي" قبالة "جمال" يحدجه بغضبٍ ونفور، فقد توازنه، عقلانيته، هدوئه، أي اتزان داخله فور أن مس الأمر أخيه بشكلٍ مباشر. طوق مقدمة قميصه وهدر بثباتٍ وثقة:
"عُمران ميخنش يا جمال!! سامــــــــع!!!!"
وتابع ورماديته لا تحيل عن الأخر:
"اللي حصل ده كله من تدبير نعمان عشان يفرقكم عن بعض وللأسف نجح، بس اللي انا مصدوم منه إنك وقعت بمنتهى السهولة، وواقف تتهم صاحب عمرك ومراتك الست الشريفة!!"
تفتكر واحدة في شهرها الاخير من الحمل هتروح تخون جوزها!!! طيب ولو هو خاين هيشوفها امته وهيخونك أمته وهو تقريبًا معاك ال24ساعة!! ومراتك مش والدتك كانت معاها طول الفترة اللي فاتت، قالتلك مرة انها نزلت من وراك أو لاحظت عليها شيء مش طبيعي!!"
أغلق جمال عينيه بقوة ويده تفرك رأسه بوجعٍ يهاجمه فجأة. زوى "علي" حاجبيه وهتف:
"مالك؟!"
كبت ألم رأسه واستقام بوقفته قبالته يبلغه:
"مالهاش لزمة تنصب الحوار ده عشان تخرج أخوك منها يا دكتور علي."
تعمق بالتطلع لاحمرار عينيه بنظرةٍ خبيرة، وسأله:
"إنت شارب أيه يا جمال؟!"
تمادى بالضحك وقد تمكن منه الوجع فانحنى يستند على الأريكة المعدنية:
"هتطلعني شارب ومجنون عشان تنجيه من اللي عمله! متقلقش أنا مبشربش ولا بتعاطى شيء."
ضم رأسه بيده وقد ازداد دواره بشكلٍ عنيف، فطرق على جانب رأسه وهو يصرخ بألمٍ قاتل، جعل الاطباء يهرون إليه من كل صوبٍ.
نزع عنه عُمران جاكيته وجرفاته، ليتمكن من التقاط أنفاسه، فاذا بلون احمرار جلده الصريح يؤكد صدق شكوك "علي".
تحامل على ذاته ودفع ذراع عُمران عنه هادرًا به:
"أوعى تقرب مني، إنت أخر واحد ممكن أستنى منه يساعدني."
تحرر غضبه المكبوت داخله منذ تلك الساعات الحرجة، فلكمه وهو يصرخ بوجعٍ:
"اخرس بقى، قولتلك ألف مرة إنها لعبة قذرة من الزفت نعمان، شوف مين اللي خد تليفونك وبعتلي أنا ومراتك الرسايل دي وحذفها."
دفع جمال الطبيب عنه وحاول أن يستقيم بوقفته:
"متحاولش تطلع منها يا عُمران، إنت خاين سامع خايــــــــن!!"
جذب علي أخيه بعيدًا عن محل جمال قائلًا:
"سيبه دلوقتي يا عُمران، جمال مش طبيعي، أكيد اتحطله حاجة أو اتحقن بيها."
واستطرد وهو يشير على مايسان التي تقف بنهاية الطرقة:
"خد مايا وروح ارتاح شوية."
اعترض على قراره قائلًا:
"لما أطمن على مدام صبا، لا هي ولا اللي في بطنها ليهم ذنب في وساخ** نعمان الحقير."
واستطرد بقلقٍ:
"يوسف جوه بقاله ساعتين ونص!!"
وقف عاجزا أمام شهامة أخيه، بالرغم مما حدث مازال يُصر أن يكون جواره.
سكن الهدوء الاجواء بعدما حقن الطبيب ذراع جمال بمادة مضادة لنوع المخدر القوي الذي تعاطاه، فجلس شاردًا وهو يضم ذراعه، كيف وصل له هذا العقار؟ والاجابة كانت مرتبطة بمرارة القهوة العجيبة التي تناولها اليوم وماذا عن أمر الهاتف؟
داهم عقله ذكرى اليوم، حينما بحث عن هاتفه ليجرى مكالمة عمل هامة، فبحث على سطح المكتب وبالأدراج، وحينما لم يجده طلب السكرتير الخاص به يخبره بأنه لم يجد هاتفه، والمذهل أنه وجده بجوار حاسوبه الشخصي بالرغم من أنه بحث مرتين بنفسه!!!
رفع عينيه يقابل الأريكة المعدنية حيث يجلس عُمران جوار علي، بعدما أصر على مايا العودة رفقة سائق القصر. سلط بصره عليه طويلًا، فتدفقت من عينيه دمعة رأها عُمران بوضوحٍ، بينما أنكس علي رأسه حزنًا لعلمه بأنه الآن استعاد وعيه!!
عاد له وعيه بعد خسارته لرفيقه وزوجته وابنه الذي يواجه مصيره على بعدٍ منه. استدار علي لأخيه، ووضع كفه على يده الموضوعة جواره، هامسًا له:
"مكنش في وعيه يا عُمران."
منحه ابتسامة صُوبت لقلبه سهامًا اختذلت جراحه، لأول مرة يرى أخيه يحمل وجعًا طائلًا مثل الذي يحمله الآن.
صرير باب غرفة العمليات أطاح بسكنةٍ الجميع، نهض "علي" و"عُمران "يتجهان ليوسف الذي رمق جمال بنظرة مغتاظة قبل أن يجيب على سؤال"علي":
"طمنا يا يوسف!"
قال يجيبهم:
"بصعوبة أنقذت الجنين، أما مدام صبا فحالتها حرجة للأسف، ال12 ساعة الجايين دول هما اللي هيحددوا مصيرها، ربنا يستر."
مال عُمران يستند على الحائط القريب منه، تابعه يوسف بنظرة مشفقة على حالها وقال:
"روح غير هدومك وارتاح شوية، ولو في جديد هكلمك."
تمسك علي بحديثه وأصر عليه:
"يلا يا عُمران، وقفتك هنا ملهاش لزمة، وبعدين جمال محتاج يكون لوحده ويراجع حساباته."
منحه ابتسامة ساخرة وقال:
"معتش في حسابات تجمعنا تاني يا علي، من اللحظة دي وكل واحد ليه طريقه."
ربت يوسف على كتفه بحزنٍ:
"انتوا الاتنين محتاجين ترتاحوا وتهدوا، روح غير وارتاح وبعدين نتكلم."
هز رأسه باقتناعٍ وغادر برفقة أخيه، دون أن يتطلع ناحيته، يثبت له بكل خطوة أن طرقاتهما افترقت!
***
"أخر شيء كنت أتوقعه إن الخاين ده يبيع بلده!! الميكروفيلم ده لو وصل في إيدهم متخيلين مصير البلد هيكون أيه؟!!"
هدر بها رئيس الإستخبارات العسكرية المصرية بعصبيةٍ بالغة، وقد تجمع من أمامه كبار قادة الجيش. الأمر كارثي ومخيف بعد أن نجح الكيان الصهـ. ـيـ. ـوني بتجنيد رجلين من رجال الشرطة، احدهم كان "سند" الذي كشفه (عمر الرشيدي، آدهم).
كان الجوكر والاسطورة من أوائل القادة الذين حضروا لذلك الاجتماع الطارئ، وخاصة أن من بلغ بالأمر هو الجوكر "مراد زيدان"، مؤكدًا أن آدهم قد تحقق من الأمر ومن بعده الجوكر.
ومن بين تلك الطاولة الضخمة المستديرة، التي تضم مراكز حساسة من المخابرات، تم تكلفة الجوكر" مراد زيدان" والاسطورة"رحيم زيدان" بضرورة التوجه لميلانو، لاعادة الميكروفيلم سريعًا قبل أن يقع بيد العدو، وإن تعثر الأمر فعليهما اتلافه وضرورة التأكد من أنه لا يوجد نسخة أخرى قد توقع بهم.
خرج القادة بشكلٍ سري، وقد اتجه الجوكر لمكتبه، يستعين بفريقه لضرورة التحرك في الحال، وقد استبعد "آدهم" من اجتماعه الطارئ.
ظل لساعتين يجتمع بهم وما أن انتهى الاجتماع وخرج الفريق حتى ولج إليه آدهم يواجهه بحزنٍ:
"زي ما توقعت آن حضرتك هتبعدني عن المهمة دي."
أغلق"مراد"حاسوبه وأعاده لحقيبته، قائلًا دون أن يستدير إليه:
"فكر في فرحك وانسى شغلك شوية يا سيادة الرائد."
دنى لمكتبه الفخم يستند على حافته:
"بس حضرتك عارف إن أي مهمة تكون معاك بشكل مباشر يهمني أكون معاك فيها، ليه بعدتني ومختارتنيش من الفريق!"
استدار مراد إليه يحيطه بنظرة شملت الضيق منه، ذلك الأبله لن يعيش يومًا لنفسه أبدًا، يود العمل حتى يوم زفافه.
تمرن على ضبط معدل أنفاسه الثائرة، ولف من حول مكتبه يحيط كتفه:
"وبعدين معاك يا عمر، قولتلك ركز في فرحك وسيبك من الشغل، يابني عيشلك يومين صدقني هتندم."
رأى معالم الضيق يشق ملامحه فتابع:
"لو احتاجت لمساعدتك هستدعيك فورًا، مرتاح كده."
زوى حاجبيه يفكر بما قال، فهز رأسه باستسلامٍ، كونه يعلم أنه لن يتراجع عن قراره، فغادر لمكتبه بهدوءٍ، ربما لا يعلم أنه سيكون الحامي الوحيد لأسرار بلده العسكرية!
***
وقف عُمران أسفل المركز الطبي صافن بالمارة، يداهم أذنيه صوت أبواق السيارات، والاضاءة من حوله، بينما عقله مشحون بصراعٍ يكاد يفجره من فرط الضغط، يود لو طرق بيديه عليها لتكف عن اطلاق ذلك الصرير القوي.
وقف علي أمامه بسيارته يشير له بالصعود، فانحنى لنافذته المفتوحة يخبره بصوتٍ كسير:
"علي أنا عارف إنك هتعارضني بس أنا عايز أكون لوحدي ممكن."
ترك المقود والتفت إليه يشير بصرامةٍ:
"اركب يا عُمران أنا مش هسيبك."
باصرارٍ قال:
"بس أنا عايز أكون لوحدي يا علي."
قالها وإتجه لسيارته على الفور، يقودها بسرعة كبيرة، أرغمت "علي" أن يتبعه قلقًا عليه من تلك الحالة المريبة التي يبدو عليها.
وجده ينجرف بسيارته أمام أحد المحلات، صف سيارته وإتجه للداخل ثم عاد بعد قليل يحمل كيسًا بلاستيكيًا مغلقًا، ويعود لسيارته ومن ثم قادها لطريقٍ متطرف.
اندهش "علي" من المكان المنعزل الذي قاد "عُمران" سيارته إليه، فصف سيارته بعيدًا عن مكان وقوفه، وتسلل لمحله خلسة.
وجده يجلس أرضًا جوار سيارته، يضع الكيس البلاستيكي من أمامه، إتخذ "علي" الجانب الأخر من السيارة ستارة لتغطيته، وأخذ يراقب ما يفعله.
توسعت حدقتيه صدمة، حينما رآه يقرب من فمه زجاجة من الخمر، ويبكي أمامها بارتباكٍ، يبعدها ويعود ليقربها مترددًا بارتشاف أول قطرة منها، متخيلًا أنها ستريح وجع قلبه.
ضم علي ساقيه لجسده وأطلق العنان لدموعه، كلما وصل إليه صوت أخيه الباكي، لأول مرة يراه يبكي وينهار بتلك الدرجة التي تجعله عاجزًا حتى عن الاختيار، فهمس بصوتٍ ضعيف:
"لا يا عُمران أوعى تعملها!"
بينما على الطرف الأخر.
يقرب منه زجاجة الخمر، وجسده ينتفض من فرط كبته للبكاء، يرى طريقًا قصيرًا يفصله عن مسكن مؤقت لأوجاعه، ويرى بعينه الاخرى طريق المعصية الذي يزينه له الشيطان ليعرض عن طريقه.
كانت أصعب معركة يقودها بحياته، ما بين رغبته العطشة لتسكين أوجاعه و وهم الشيطان له بأنه يحمل الجرعة بين يديه، وما بين الاعراض عن ارتكاب كبيرة مثل تلك التي تعهد بعدم العودة لها، وما بين هذا وذلك انتصرت ارادته وقوة ايمانه فاذا به يهشم الزجاجة على عجلة السيارة التي يرتكن عليها، محررًا صرخة احتبست بداخله طويلًا، ونهايتها مناجاة لشخصٍ انتهكته الحياة:
"يــــــــــا ررب!"
صوت حطام الزجاجة أعاد الروح المنزوعة عن "علي"، فابتسم فرحة بانتصار أخيه على شيطانه اللعين، ولكن صوت بكائه يشق صدره فوالله يشعر وكأنه يستمع لصوت عظامه وهي تسحق.
زحف علي وانتقل بجلسته حتى وصل لمقدمة السيارة، فجلس جواره من الجانب الاخر، بينما يجلس عُمران مستندًا على بابها الجانبي، فاذا بصوت أخيه يذيع لسكنة الليل الذي ظن أنه وحيدًا تحت سقفها:
"عُمران أنا هنا وسامعك!! أنا عارف إنك مبتحبش حد يشوفك وإنت في الحالة دي، أنا هطلع قدامك حالًا وهشوفك!"
أزاح دموعه سريعًا، ومال برأسه فتمكن من رؤية جسد علي بوضوحٍ، انزوى بجلسته حزنًا، وكأنه يخفي نفسه عنه. زحف علي حتى بات يجاوره، تعمد أن لا يتطلع إليه حتى لا يزيده ضيقًا، وقال:
"عارف يا عُمران، كل عقبة مرت عليك كنت بيني وبين نفسي بتراهن إنك هتعديها، بس المرادي حسيت إن شيطانك هيغلبك، بس إنت طلعت أقوى مما تخيلت!"
واستدار بجسده كليًا إليه، يرفع ذقنه ليواجهه:
"بتنزل رأسك ليه؟ إنت معملتش اللي يخليك محني كده!! إنت مغلطتش يا عُمران!!"
سال دمعه وكُسرت روحه معها، فجلى صوته المبحوح:
"لما اللي مني يعريني ويغدر بيا ده ميخليش ضهري محني العمر كله يا علي!"
واستطرد ودموعه تزداد في مجرى شلالها:
"صاحبي واللي كنت فاكره أخويا بيتهمني بالخيانة وواقف في وشي بيعايرني بماضي عدى وانتهى ده ميخلنيش محني؟"
وبصوتٍ باكي قال:
"أنت نفسك يا علي وقت اللي حصل مع فاطيما شوفت في عيونك نفس النظرة، مع إنك كنت بتحاربها وبالنهاية انتصرت وقتلتها بس أنا شوفتها وحسيت باللي جواك من قبل ما تطلعه."
ورفع ساقيه يحاول بها ذاته، معلنًا اكتفائه بذاته مطيبًا لجروحه، مداويًا لوجعٍ مستمر مادام قلبه مازال يخفق:
"كلكم بتحاسبوني!! كلكم مش فاكرين غير الخطايا اللي عملتها!! كلكم بقيتوا جلادين، فقدتوا أدميتكوا وبقيتوا وحوش!!"
وصرخ بصوته المبحوح:
"أنا أحسن منكم كلكـــــــم، أنا عمري ما كنت خبيث ولا منافق، عمري ما كنت كداب ولا بوشين، غلطت آآه انا غلطت لإني بني آدم مش ملاك، غلطت وندمت وبعدت عن الطريق ده اللي انتوا كلكم شايفين إني مينفعش أكون غير فيه!!"
ارتعب "علي" من حالة أخيه، التي صرحت له ولوجه لأزمة نفسية حادة، انفلات أعصابه، صراخه الهادر، يسترعيه بضرورة التدخل لتهدئته قبل أن تطور الامور.
اندفع إليه علي يحتويه بين أحضانه، وبالرغم من أن الفرق الجسماني بينهما ملموسًا الا أنه استطاع أن يحيطه بهالة من الطمأنينة وسط حالة الضياع الذي يخوضها.
ضمدت مايا نص قلبه النازف، وضمد أخيه النصف الأخر، فشعر بأن سخونة جسده تنهمر ببرودة تجتاحه.
مال عُمران على كتف أخيه يغلق عينيه بتعبٍ شديد، فإذا بعلي يهمس له باكيًا:
"والله العظيم عُمري ما بصتلك النظرة دي، ده أنا أتعمي قبل ما أعملها يا حبيبي!"
ومسد على ظهره وهو يردد أقرب دعاء لقلب عُمران:
"بسم الله على قلبك حتى يهدأ ، حتى يطمئن ، حتى يأخذ الأمان ويبتسم، بسم الله على خاطرك حتى يجبر، بسم الله على نفسك حتى تطيب ، استودعك يا الله أخي وقلبه وعافيته فاللهم أحفظه وعافاه."
تمدد عُمران ليصل برأسه على ساق "علي" المفرود، يبتسم وهو يستمع لهمساته القارئة للقرآن الكريم، وكفه يحيط شعره للخارج مع تلاوته المستمرة، غاص بنومٍ عميق وقذف من خلفه أوجاعه.
***
الرابعة فجرًا.
استيقظ من نومه ليجد محلولًا طبيًا مندث بأوردته، لا يعلم كيف أتى لتلك الغرفة، ومن قام بنقله، فأخر ما يتذكره جلوسه المستكين على المقعد بالخارج، وعُمران يغادر من أمامه.
استقام بجلسته ليجد يوسف يغفو على المقعد الذي يجاور فراشه. تأمله "جمال" بحزنٍ ونزع عنه الكانيولا، أراد أن ينصرف دون أن يراه أحدٌ.
هبط عن الفراش يتسلل على أطراف أصابعه، فما أن لمست يده مقبض الباب فاذا بصوتٍ رجولي يوقفه عن المضي قدمًا:
"والهروب هو الحل؟"
استدار فوجد يوسف يطالعه بنظرةٍ ساخرة، وهو يشير على الفراش:
"اقعد عايزك."
اتجه لمحل اشارته، فجلس يردد بوهنٍ:
"يوسف أنا مش مستحمل نص كلمة."
اتسعت ابتسامته ومال للأمام مشبكًا يديه ببعضها:
"اطمن مفيش كلام هيصلح اللي حضرتك عملته، خلاص خسرت مراتك وخسرت صاحبك."
أغلق جفونه يعتصرهما بقوة، محررًا تلك العبارات القارصة عنه، وبحروفه المتقطعة قال:
"مكنتش حاسس بنفسي صدقني."
"مصدقك، وده الدليل."
قالها يوسف وهو يلقي له ثلاثة من التقارير، حملهم بين يديه وتساءل باستغرابٍ:
"دول أيه؟"
رد عليه ومازال مستندًا على يديه:
"تحاليلك إنت وصبا وعُمران، إنت كنت واخد جرعة مخدرات من النوع الفاخر وعُمران وصبا اتخدروا."
وتابع ومازال يلتحف بالبرود:
"بص يا جمال أنا مش هزيدها عليك، لإن مينفعش أنا كمان أجي عليك، لما بيكون الانسان غلطان بنلاقي الكل واقف قدامه ومفيش شخص بيقف معاه فيمكن ده بيخليه يتمادى في الغلط عشان يحرر جزء من الكراهية اللي جواه ويثبت إنه فعلا وحش بل أوحش مما يتخيلوا، فأنا مش هسيبك توصل للنقطة دي وعايزك تسمعني."
اختزلت دمعاته حدقتيه، واكتفى بتحريك رأسه بانصياعٍ تام، فاذا بيوسف يقول:
"أولًا اللي في ايدك ده دليل كافي على براءة عُمران، ثانيًا ده دليل تاني يأكدلك برائتهم."
قالها وحرر زر هاتفه ليعيد رسالة عُمران على مسمعه:
"يـوسـف، جمـال عمل حادثة على الطريق، صاحب العربية خده بيته وبعتلي الموقع هبعتهولك حالًا ابعتلي الاسعاف وتعالى بسرعة يا يـــــــوسف!!!"
ندت عنه شهقة مؤلمة، لسماعه صوت عُمران الذي نقل حالة فزعه ورعبه الشديد عليه، حتى أنه تبين من أنفاسه المتثاقلة إنه يركض بسرعة قطعت مجرى تنفسه.
انطلق صوت يوسف من بعده يقول بعدما أغلق هاتفه:
"أظن يا جمال مفيش واحد عاقل رايح يخون صاحبه هيكلم شخص تالت يروح يشهد على اللي بيعمله! اعقلها ده إنت بشمهندس!"
وتابع بنفس هدوئه المتزن، المراعي لحالة جمال:
"ثالثًا، الرسايل المحذوفة على تليفوناتهم، واللي وصلت في نفس الوقت واتحذفت في نفس الوقت، والغريب إن عُمران مكلمني وهو بيجري على عربيته يعني وصل بعدها للمكان بعد حوالي 20 دقيقة وانت وصلت بعده بعشر دقايق لحق يعمل اللي هيعمله ازاي الا إذا كان حد كان متربصله وأول ما دخل من باب الشقة اتخدر واتحط هو ومـآآ..."
قاطعه برجاء وتوسل:
"كفايا يا يوسف متنطقهاش، متجمعهاش معاه تاني، من فضلك كفايا إرحمني يا يوسف، ارحمني!!"
تهدلت معالمه حزنًا وألمًا، ومن غير الرجل الشرقي يعلم مهانة ما تعرض له جمال. ربما كان قاسيًا مع رفيقه وزوجته ولكن الأمر في كلتا الحالتين سواء حقيقة أو خطة مدبرة فما هي الا طعنة نجحت باختراق صدره، ونهشت أمعائه وقلبه، لم تترك له الا أنفاسا تزيد من دقائق تُحسب لحياته.
تمزق غطاء الفراش الأبيض أسفل كفي جمال، وردد بصوت مظلم، مرعب كسواد الليل:
"أقسم بالله العلي العظيم لأدفعه التمن، أنا عارف إن عُمران مقدرش يأذيه عشان خاله بالنهاية بس أنا مش هسمي عليه!!!"
أطلق زفيرًا قويًا، وهتف:
"أي قرار هتأخده الوقتي مش هيفيدك اهدى واحسبها يا جمال."
رفع عينيه الدامعة له وببسمة وجع قال:
"احسبها!! أنا حياتي اتدمرت يا يوسف!! أنا في لحظة بقيت لوحدي ومبقتش أملك أي حاجة، أنا بقيت بطولي من غير عُمران يا يوسف!!"
أشفق عليه، فأراد أن يهون عليه:
"عُمران قلبه أبيض لما يعرف إنك كنت شارب المخدر ده هيسامحك."
هز رأسه وابتسامة شملت عذابه النفسي ارتسمت على محياه:
"لأ... إنت متعرفش عُمران أد ما أنا أعرفه، عُمران مستحيل يسامحني، أنا عيرته وكسرته يا يوسف!!"
وأضاف وقد انهمرت دموعه:
"مش بس كده أنا معرفش ازاي كنت ببص لمراته وقولتله الجملة القذرة دي!!! إنت صح يا يوسف أنا مؤكد مكنتش في وعيي آآآ.. آنا كنت حاسس أن رأسي تقيل وفيه وساوس مخلياني مش عارف أفكر، أنا آآ... أنا اتغدر بيا أنا كمان يا يوسف.. آآ أنا كنت هقتل ابني بايدي لولا عُمران!! عُمران اللي اتهمته بالخيانة وقف قدامي ومنعني ارتكب ذنب مكنتش هسامح نفسي عليه."
نهض عن مقعده وإتجه إليه يخبره:
"اهدى يا جمال، قولتلك كل ده من أثر المخدر، فكر كويس وشوف انت شربت أيه خلاك بالشكل ده، وواضح إنه من قبل ما تروح المكان ده بساعة أو اتنين لإن مفعوله اشتغل على طول."
صفن قليلًا وقال متذكرًا:
"مشربتش غير قهوة في مكتبي، طعمها كان مر وغريب، وبعدها كنت بدور على موبيلي عشان أكلم المهندس المدني، ملقتش موبيلي هو كمان، حتى السكرتير دخل ودور معايا وآ.."
حمسه يوسف:
"وآيه؟!!!"
قال بعدما انحصر داخله مخطط هذا الوضيع:
"أول ما دخل لقاه وادهوني، أعتقد إن الكلب ده لما جاني مكتبي عشان يهددني قدر يجند الحقير ده لحسابه!"
واستطرد بحزنٍ:
"أول ما مسكت موبيلي وصلي فيديو لعُمران وهو بيدخل العمارة اللي كان فيها الشقة وبعدها على طول فيديو لمراتي، وتحت الفيديو محطوط العنوان."
أخفى وجهه خلف يديه يمسح بها من فوقه متمتمًا:
"يارتني ما روحت ولا فتحت التليفون، يا ريت عربيتي كانت اتقلبت وعملت حادثة بجد أهون من اللي عملته فيها وفيه، يا رتني موت ولا عيشت يوم صعب زي ده!"
ربت يوسف على كتفه بحزنٍ وقال:
"اجمد يا جمال وخلي عندك يقين بالله، سبحانه مبيعملش حاجة غير بحكمة، أكيد فيه مغزى ورسالة من ورا اللي حصل ده."
حرر يديه عن وجهه وتمعن به قليلًا قبل أن يتساءل بارتباكٍ، كأنه فقد الحق بها:
"هو آآ....أنا ينفع أشوفها؟"
زوى حاجبيه بعدم فهم:
"مين؟ تقصد مدام صبا؟"
هز رأسه بحرجٍ، فزاد من ربتته على كتفه وقال:
"طبعًا يا جمال، دي مراتك وأكيد عايز تشوف ابنك صح؟"
أدمعت عينيه تأثرًا بكلمته وقال بحشرجة:
"لو هتحس بيا بلاش تدخلني، أنا أخر شخص تتمنى تشوفه."
ابتلع مرارة حزنه وقال:
"متقلقش هي الحمد لله فاقت من ساعتين ودلوقتي نايمة من تأثير المسكنات فمستحيل تحس بيك."
حرك رأسه بخفوت، ونهض يتبعه، اتجه به يوسف للحضانة أولًا ليرى صغيره، خشية من أن ينهار فور رؤيته لزوجته، فتمنحه رؤية الصغير القوة لمواجهة ما هو قادم.
حمله بين ذراعيه بسعادة وفرحة، فضمه لصدره وانهارت دموعه على وجنتيه، تأثر يوسف برؤيته له هكذا، فقال يغير الاجواء:
"ها يا جيمي هتسمي الملاك الجميل ده أيه؟"
انحنى يطبع قبلة على خده وابتعد يتمعن بوجهه الملائكي ولسانه يردد:
"عُمران!"
اتسعت ابتسامة يوسف وشاكسه قائلًا:
"لسه مُصر!! يعني بعد بهدالة أوضة العمليات دي مش ناوي تغير إسمه وتسميه يوسف مثلًا؟"
قال باصرار وهو يعود لتقبيله:
"أنا اختارتله الاسم من قبل ما أعرف إذا كان ولد ولا بنت."
فرد يديه له بابتسامةٍ:
"طيب هاته عشان كده غلط عليه."
أعاده يوسف لمكانه المخصص، وإتجه به لغرفة صبا، حرر مقبض بابها وقال ومازال بالخارج:
"هستناك هنا، خد راحتك.."
منحه ابتسامة صغيرة، ولج يغلق الباب من خلفه، وما أن استدار حتى تخشبت قدميه فور رؤية وجهها المتورم من كثرة جروحها.
تحجر ريقه فإذا به تُسلب روحه، وتدمي جسده الهالك لا محالة، جر قدميه جرًا إليها، وما أن أصبح قريبًا حتى ركض ليكون مجاورها.
أراد أن يضمها إليه ولكنه عاجز، يخشى أن يقربها إليه فيزيد ألم جرح بطنها الحديث لولادتها القيصرية، حتى ضمة وجهها حُرم منها، فوجهها مازال يدميه الجروح البالغة.
انحنى برأسه على الوسادة جوارها، يطالعها ويبكي بقهرٍ، فخرج صوته مبحوحًا:
"ياريتها كانت اتقطعت قبل ما تتمد عليكي، أنا عارف إني مهما عملت عمري ما هنسيكي اليوم ده وأنا نفسي مش هقدر أنساه، أنا حتى كلمة آسف مش من حقي أنطقها يا صبا."
ورفع كفها المندس بالمحاليل يقبله وهو يستطرد:
"ربنا قادر ينتقملك مني ويأخد حقك مني يا صبا، هيجي عليا الدور وزي ما ظلمتك هتظلم."
وتابع وهو يغلق عينيه بكسرة:
"بس والله غصب عني، مش سهل عليا أشوفك كده، حتى لما الحقيقة بانت مخفش وجعي، مجرد ما بتخيل أن حد قرب منك ولمس بس حجابك بحس بنار بتفور جوايا، بس متخافيش هقطع إيد نعمان هو وكل اللي عملوا كده."
أزاح دموعه وردد مبتسمًا:
"إنتِ عارفة إني شوفت ابنننا، سبحان الله طالع شبهك بالظبط."
ومال يقبل كفيها مجددًا:
"سامحيني عشان خاطره يا صبا، عشان خاطر ابننا سامحيني."
انهمرت دمعة منها على خدها، جعلته ينتفض بنومته وهو يردد بذهول:
"صبا آنتي سامعاني!"
لم يأتيه جوابًا منها، فطرح الغطاء عليها مجددًا وخرج من الغرفة ليشرع باول خطوة في خطة القصاص لزوجته.
***
بعد ساعات آشرقت الشمس بضيائها المتوهج، الذي تسلل من نافذة الغرفة التي قطن بها ليلته الأولى بتلك الشقة، فإذا بهاتفه تصله عدة رسائل.
جذب سيف الهاتف من على سطح الكومود، فتحه ومازال يحارب أثار النوم التي غادرته أبديًا فور رؤيته رسالة مصحوب بصورةٍ نزعت عنه أنفاسه.
"رفضت تسلمك نفسها مش كده؟ ، هتعملها ازاي وهي كانت لراجل غيرك!!"
كبر سيف الصورة بوضوح فصعق حينما تحقق مما رآه، ترك غرفته واتجه بعصبية بالغة يقتحم الغرفة المجاورة له وهو يصيح بغضبٍ:
"زينـــــــب!! أنتفضت بفراشها مفزوعة، فوجدته يقترب منها وعينيه تقتاد شرارًا، ليدفع هاتفه أمام بصرها متسائلًا:
"فهميني أيـه داااا؟!"
جحظت عينيها بصدمة حقيقية، وتراجعت للخلف توزع نظراتها بينه وبين الهاتف، ناطقة بحروفٍ متعثرة:
"لأ... صدقني كداب وآ.."
صرخ بجنونٍ هالكة:
"كداب ازاي وتوقعيك عليه!!!! معقــــــول إنتي كنتِ متجوزة الحقير ده عرفي!!!!!"
***
إستعد حينما أعلمته الخادمة بوجود ضيف يريد رؤيته. دفعت مارينا الخادمة المقعد للمصعد ومنه لغرفة الضيوف بينما يتساءل بدهشة:
"مقالكيش هو مين؟"
نفت مرددة:
"مقالش أكتر من إنه صديق قديم."
هز رأسه دون اكتراث، فما أن دفعته للداخل حتى تركتهما ورحلت. شمل "مصطفى" الرجل الذي يقف أمامه بدهشة، وتساءل:
"حضرتك تعرفني!"
استدار ذلك الرجل الطيب لرؤيته، فتمعن به قليلًا ومن ثم قال:
"اللي ليه أمانة عند حد بيفتكر صاحبها، وإنت ادتني أمانة من غير ما تعرفني بيها، وخلتني نسبتها لنفسي وأرتكب ذنب بدون ما أعرف، فجيت النهاردة أقف قصادك وأقولك ليه عملت فيا كده؟!"
غادرت الدماء عروقه، وبلسانٍ ثقيل ردد:
"الشيخ مهران!!!"
رواية صرخات انثى الفصل الرابع والستون 64 - بقلم ايه محمد رفعت
أخترق أذنيه صوت زقزقة عصفور قريب، يزقزق معلنًا سطوع يوم جديد.
أفرجت أهدابه عن رماديته، ففتحها وأغلقها مجددًا في محاولة للاعتياد على الضوء النافذ بعينيه.
نهض عن ساق أخيه ليتفاجأ ببقائهما هنا حتى طلوع النهار. وما ألم قلبه أن أخاه لم يزعج منامه، وبقي محله حتى غفى مستندًا برأسه على السيارة من خلفه، وذراعه يحيط بجسد عمران كالذي يضم صغيره.
ابتسامة مشرقة شقت طريقها لوجهه، فناداه بخفوت:
_علي.
تسلل صوته إليه ففتح عينيه يهتف بعدم وعي وهو يتفقد ساقه:
_عمران!!
هدأت انفعالاته حينما وجده يجلس جواره، ويطالعه باهتمام. عاد يستند برقبته على السيارة من جديد، تفحص ساعته قائلًا بدهشة:
_معقول نمنا هنا لدلوقتي؟!
قطع عمران صمته هادرًا:
_مفوقنيش ليه يا علي؟!
رد عليه بابتسامته الجذابة:
_مصدقت إنك تنام شوية، فمستحيل كنت هقومك.
وسأله وهو يتفحصه بعناية:
_إنت كويس؟
اتسعت ابتسامته ونهض ينفض ثيابه:
_أكيد هكون كويس وأنا عندي أخ طيب وحنين زيك يا دوك.
استند علي على مقدمة سيارته ونهض ينفض ملابسه هو الآخر:
_تعالى نروح مكان هادي نفطر ونتكلم شوية قبل ما نرجع البيت.
أومأ برأسه وأشار له:
_اركب.
أجابه علي وهو يهم بالتحرك لسيارته:
_راكن عربيتي قدام شوية، اطلع وأنا وراك.
اجتاحته السعادة لتتبع أخيه إليه. ليس بكل الأحوال ما نقوله نقصد معناه، ربما يطالب لسانك من أمامك بالرحيل، ولكنك من الداخل تتمنى أن يعارض حديثك ويتبعك رغمًا عن أنفك.
فتح عمران باب سيارته باستخدام الريموت الإلكتروني، وقبل أن ينجرف علي للطريق قال بامتنان:
_شكرًا إنك متخلتش عني حتى بعد ما طلبت منك تكون بعيد.
مرر يده إليه وما زال يتابع طريقه كأنه لم يستمع له من الأساس:
_اركب وبطل عبط.
ضحك بملء ما فيه وصعد لسيارته، يتحرك للطريق الرئيسي ومن خلفه يتبعه علي.
***
تربع الألم بحدقتيه كسهم نافذ، يواجهها بصدمته التي أعربت عن مدى حزنه. بينما الأخيرة عينيها ساهمة بالهاتف الموضوع من أمامها.
شعرت وكأن هناك فومًا من النيران عالق بحلقها، لم تتمكن من ابتلاعها أو حتى طردها خارج جوفها، فرددت بهمسٍ باكي:
_كدب يا سيف، والله العظيم بيكدب.
ما زال يقف أمام الفراش الذي تعتليه، صامتًا، حزينًا، يجلي صوته البائس:
_يعني الورقة دي مزورة؟
اعتصرت جفنيها من فرط بكائها وهزت رأسها بالنفي، قائلة بحبٍ:
_لا مش مزورة، أنا فعلًا مضيت عليها بعد ما أقنعني إننا مينفعش نتقابل كتير بدون ما يكون بينا عقد جواز. ولإني كنت لسه بدرس فمستحيل أخواتي يوافقوا عليه، عشان كده اقترح عليا العقد العرفي ده. إحنا أساسًا معندناش الكلام ده بالمغرب، بس هو أقنعني.
اهتز بوقفته قبالتها وما زال يحرك رأسه بصدمة. ألا تسترسل حديثها، ولكنها استطردت موضحة:
_لما اكتشفت حقيقته سرقت العقد اللي عنده وقطعته. ولما سألت شيخ قالي إنه مش جواز أصلًا، يعني هو كداب، لا عمره كان ولا هيكون جوزي.
ما له يشعر بعظمه يسحق بقوة، حتى خرت قواه ولجأ بجلوسه لطرف الفراش، يحتضن رأسه بين يديه. بينما تلك القابعة من خلفه تراقبه بدموعها المنهمرة، فإذا بها تقترب إليه، تضع كفها على ظهره وهي تستجديه متوسلة:
_مسمحتلوش يقربلي يا سيف، والله العظيم بيكدب عليك، محصلش بينا حاجة.
رعشة يدها انتقلت لضروعه، فطرق باب قلبه تنبهه بحالتها المؤلمة. اعتدلت بجلسته المحنية، والتف بجسده إليها حتى بات يجلس قبالتها، فوجدها تفرك يدها وهي تستكمل الجزء الآخر من حديثها:
_ولو عايز تتأكد من كلامي أنا مش همنعك، ده حقـ…
ابتلعت جملتها فور أن ضمها إليه، يحيط رقبتها بيد والأخرى يلفها حول خصرها بحمايةٍ، قائلًا بضيقٍ:
_يوم ما أشك في أخلاقك هتكون نهاية علاقتنا اللي مبتدتش يا زينب. أنا مصدقك يا حبيبتي وواثق فيكِ.
واستطرد يوضح سبب حزنه الصريح:
_أنا اتفاجئت بالورقة دي، لإنك مسبقش وحكتيلي عليها.
أراد أن يبعدها ليستكمل حديثه، فإذا بها تتعلق بالتيشيرت الخاص به وتناشده بتوسلٍ:
_متبعدش يا سيف!
ابتسم بفرحة لرغبتها ببقائها بين حصاره بقلعته التي شيدها بعشقٍ لها. مسد عليها يحيطها بحبٍ، بينما عقله شارد بذلك الحقير الذي لم يستسلم بعد. وبوصول تلك الرسالة يؤكد له بأنهما ما زالا تحت أعينه، ومن المؤكد بأنه سيفعل المحال ليصل لها.
حبيبته وزوجته هي، إن فرط بنفسه لن يفرط بها. فليت ذلك المختل يعلم ذلك. مال سيف برأسه فوق رأسها وهمس لها وما زالت أصابعه تتغلغل خصلات شعرها الناعم:
_أول مرة أشوفك بشعرك.. وشكلي كده مش هصمد كتير قدام الجمال ده كله.
وتابع مازحًا:
_زينب هو أنا ينفع أتحرش بيكِ؟
ضحكت بقوةٍ، بينما يتابع هو بمرحه:
_بأدب والله العظيم هكون محترم قدر ما تمكنت!!
لكزته بقوة وهي تهدر بالمغربي:
_سيف احترم راسك، ولا غادي نهبط نشكيك وندير ليك محضر تعدي و يضيع مستقبلك المهني يا دكتووور.
رمش بعدم استيعاب لما نطقت به، وكأنها ألقت إليه تعويذة مخيفة. تابعته تنتظر سماع ما سيقول، متحفزة لمشاجرة عنيفة بينهما، ولكنه اهدر اعدادها فور أن نطق ببلاهةٍ:
_الترجمة هتنزل امته؟!
تحررت ضحكاتها بصوتٍ أطربه، حتى أن عينيها أدمعت من فرط نوبة الضحك التي اعتلتها وقالت من بينها:
_نوضحلك بالمصري مفيش مشكلة، بقولك إحترم نفسك، بدل ما أنزل اعمل فيك محضر تعدي، ومستقبلك المهني هيضيع بعدها يا دكتور!!
أشار على ذاته متصنعًا البراءة:
_محضر تعدي فيا أنا يا زينب!! عايزة تسجني جوزك عشان حلمه البريء إنه يدخل بيكِ دنيا!!
طرقت بكفها على كتفه العريض:
_متقلقش يا حبيبي هيدخلوك في الحبس دنيا وآخرة مع بعض!
تصنع الحزن بمهارةٍ:
_مكنتش أعرف إن قلبك قاسي كده! ليه تجرحي مشاعري بالشكل ده يا زينب؟!
أمسكت يده تمنعه من الرحيل قائلة بحزنٍ:
_أنا بهزر معاك يا سيف، أنا مقدرش أعملها لإني بحبك وآ..
ابتلعت باقي كلماتها فور أن تبدلت ملامحه، فأحاطها بيديه هاتفًا بمكرٍ:
_سامع يا قلبي نطقتها قدامي أنا وأنت ومن غير ما نضغط عليها.
وتعمق بمُقلتيها المنفرجة صدمة منه:
_اشجي جوزك حبيبك باللي جوه قلبك يا دكتورة!
أمال جسدها بين يديه، يده أسفل ظهرها وقدميها منعرجة خلف حركته، بينما خصلات شعرها الطويل يلامس الأرض. رفع كفه الآخر يحيط وجهها، ويقترب إليها وما زال يمنع سقوطها عن الأرض بمسكته القوية. فما أن اخترق مسافتهما حتى همس بافتتانٍ:
_حبك ليا ميتقارنش بحبي ليكِ يا نور عيني، أنا دايب في حبك يا زينب!
أسبلت تجابه تلك الرجفة التي دغدغت عذرية قلبها ومشاعرها. فمن قال إنها اختبرت الحب يومًا كان مغفلًا لا يفقه بفنون الحب، فها هي تكتشفه من جديد على يد زوجها الحبيب.
وجدته ينساق خلف نداء عينيها فأتاها ملبيًا، وما كان منها إلا الاستسلام، وتلك المرة تمنحه من الثقة ما جعله لينًا متفهمًا حتى باتت زوجته قولًا وفعلًا.
أدمى محاولة ذلك السفيه لهدم حياتهما، وبدأها هو مستعينًا بفروض عشقه، ليجعلها سكنة له ويكون هو مرساها!
***
ثبت دريكسيون السيارة جيدًا حتى تمكن من فتح هاتفه، فرفع السماعة الخارجية يجيبها:
_أيوه يا حبيبتي.
أتاه صوتها يجيب:
_يوسف طمني الوضع عندك إيه؟
أجابها والحزن والخوف يلتصقان به:
_جمال اختفى من المستشفى مش عارف راح فين، روحتله شقته مش هناك ودلوقتي طالع على الشركة، خايف عليه من اللي بيفكر يعمله يا ليلى.
تنهدت بوجع وقالت:
_هو معذور يا يوسف ومن حقه ينتقم لمراته، إنت مش متخيل هي حالتها هتكون عاملة إزاي لما هتفتكر اللي عمله فيها، حتى لو عرفت إنه كان مغيب عن الوعي.
_اللي حصل كان صعب، أنا عاجز ومش عارف أساند عمران ولا جمال!! ، بس اللي متأكد منه إن دكتور علي مستحيل يسيب عمران، لكن جمال اللي فعلًا لوحده!
_منه لله اللي عمل فيهم كده، أنا مش قادرة أستوعب ولا أصدق إن في ناس بالبشاعة دي يا يوسف، إزاي هان عليه يعمل كده في ابن أخته!! واللي يوجع إنه عارف إن حمل مايا صعب وإنها تشوف جوزها بوضع زي ده ممكن لا قدر الله تجهض الجنين، وبالرغم من كده وصلها الخبر ومهموش!!
انجرف للطريق الجانبي يجيبها ببسمة ساخرة:
_اللي زي نعمان هما اللي بقوا بكترة يا ليلى.
واستطرد يغير الحديث:
_المهم إنتِ صاحية بدري ليه كده، انتِ راجعة البيت متأخر!
ابتسمت وأخبرته بتفاخر:
_أنا منمتش أصلًا، هنام إزاي وعندنا عريس وعروسة يا دكتور.
تقوس جبينه مستغربًا:
_وانتِ مالك بيهم مش فاهم!
فتحت الكاميرا تطالبه باتصالًا، فأبعد الهاتف عن أذنيه ووجهه لعينيه، فوجدها قبالته بابتسامتها التي يعشقها، تدير الهاتف للصينية الموضوعة على رخامة المطبخ خاصتها، تحمل الكثير من أصناف الطعام الفاخرة.
اتسعت ابتسامته سعادة بزوجته التي لم تقصر مع أخيه بالرغم مما تعرضوا له من ضغط الأمس بالعمل بالمركز، وازداد بما حدث مع جمال وصبا، فظلوا بالمركز لساعاتٍ إضافية، وبدلًا من أن تستريح ظلت بالمطبخ الساعات المنصرمة ترتب الأطعمة الشهية لهما.
عاتبها يوسف بحنان:
_ليلى إنتِ ليه ضغطي على نفسك وانتِ تعبانه، كنتِ لفتي نظري للموضوع ده وأنا كنت هطلب ليهم أكل جاهز.
اتجهت للمقعد الخاص بالرخامة ومالت تخبره بضيقٍ:
_أكل جاهز إيه!! والله ما هتعرف تجيبله الحمام اللي أنا عملاه ولا طاجن ورق العنب ده!
ضحك بصوته كله وقال يشاكسها:
_حمام ومحشي ورق عنب!! طب وأخو العريس مش هينوبه من الحب جانب ولا إيه؟
ارتكنت على معصمه تمنحه نظرة محتقنة:
_لا مفيش.
ابتسم وقال:
_خايف عليكي يا ليلى، ومش عايز أتقل عليكي، يومنا مكنش سهل النهاردة.
اهتمامه وخوفه عليها أرضى ضيقها، فقالت بحبٍ:
_متقلقش عليا يا حبيبي أنا كويسة، خلي بالك انت من نفسك، أنا عملت أكل زيادة ليك وللبشمهندس جمال عشان عارفة إنك مش هتسيبه، ابقى عدي عليا خده قبل ما تروح بيه شقة سيف.
انتفض بمحله حتى سقط الهاتف أسفل قدميه حينما ذكرته برفيقه:
_فكرتيني بجمال، اقفلي لازم أروح الشركة بسرعة قبل ما يتهور.
صرخت به قبل أن يغلق:
_ما تنساش البقسماط يا يــــــــوسف.
توقف عن لف مفتاح السيارة وعاد يسلط نظره للهاتف بعدم استيعاب، هدأ قليلًا حينما تذكر بأن المرأة ما هو إلا متاهة مغلقة يصعب على أي رجل الخلاص من توابعها، لذا قال بإيجاز ينهي مكالمته:
_أحل الكوارث اللي ورايا وهجبلك الخباز بالفرن لعندك حاضر.
وأغلق الهاتف بهدوءٍ يفتخر بأنه تحلى به لتلك اللحظة، وعاد لقيادته المتعجلة ليلحق به.
***
توقف الزمان من حوله، وكأنه لم يخض حياته بطولها وعرضها ليُوضع بتلك اللحظة، اللحظة الحاسمة التي جمعته بذلك الصديق.
تحجر الحديث على شفتيه، فسابق الشيخ مهران بحديثه حينما قال ساخرًا من صمته وصدمته:
_المفروض إنك تتوقع الزيارة دي بعد ما رجعت تقلب في اللي فات!
انقبض الألم بين حدقتيه، وبصعوبة هدر:
_أنا آآ…
انتظر سماع ما سيقول ولكنه وللعجب لم يجد ما سيقول، بل اختزل عينيه عنه وأخفاها بحرجٍ منه. دنى إليه الشيخ مهران وجلس على مقعدٍ كان يجاور لمقعد مصطفى المتحرك. انشغل بسبحته قليلًا ومع كل حركة يلامس حباتها كان يمنع غضبه، يسيطر على شيطانه ألا ينطق بالسوء وبما سيحمله ذنوبًا هو بغنى عنها، فارتفع صوته بعض الشيء وهو يصيح:
«لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
استمد نفسًا طويلًا بعدها وقال بحزن:
_أنا مقدرش أعترض على حكمة ربنا ومشيئته، بس بعد ما عرفت الحقيقة من حضرة الظابط وأنا متقفليش جفن، وكل اللي بيترددلي ليه؟
رفع مصطفى وجهه المبتل بدموعه إليه، فتابع الشيخ مهران بحزن:
_ليه تعمل فيا كده؟ صحيح إحنا مجمعتناش صداقة متينة، بس الكام ساعة اللي كنا بنقعد فيهم كل 15 يوم عشان ندخل للكشف كانت بالنسبالي عشرة طيبة. سمعتك وعرفت عنك كل شيء ونصحتك وقتها تعرف زوجتك الأولى بجوازك وأنك تعترف باللي في بطنها، وقولتلي إنك هتعمل كده فعلًا.
واستطرد يعاتبه بألم:
_صحيح علاقتنا اتقطعت بعدها ومعرفتش عملت إيه مع زوجتك الثانية ولا الأولى، بس آخر ما توقعته إنك تعمل فيا كده!!
تدفق الدمع على وجه الشيخ مهران، وبصوته الباكي قال:
_ليه تخليني أرتكب وزر بدون ما أعرف وأكتب أيوب باسمي!! عارف يا مصطفى لو كنت عرفتني الحقيقة وقتها وقولتلي إن ابني مات وأنك مش عايز الولد كنت هخليك تكتبه باسمك وكنت هربيه بردو، بس على الأقل مكنتش هتحط في الوضع اللي إنت حطتني فيه ده!
وتابع وهو يشير بكفيه:
_أنا مش عارف هواجه الحاجة إزاي!! ولا أيوب نفسه لما يعرف هيعمل إيه!!
مال مصطفى على يد الشيخ مهران يقبلها:
_سامحني يا شيخ أبوس إيدك سامحني.
سحب كفه بدهشةٍ من فعلته التي توضح مدى عجزه:
_استغفر الله العظيم، مصمم تركبني ذنوب ليه!
بكى باختناق حجر على رئتيه وهو يخبره:
_كنت غبي محسبتش حساب للحظة دي، كل اللي كنت بفكر فيه هو عمر ابني ومراتي اللي بين الحيا والموت. والله العظيم لو كانت عرفت بحاجة زي دي كانت راحت فيها ومكنش ابني هيسامحني ولا كنت هسامح نفسي.
وتطلع له يستعطفه ليسامحه:
_كان ممكن أوديه ملجأ أو أشوف حد يعتني بيه، فملقتش غيرك تكون أمين على ابني، بس خوفت أقولك فترفض. كل اللي فكرت فيه وقتها إنك إنسان خلوق، وهتربي ابني التربية اللي مش هعرف أربيهاله، وفي نفس الوقت كنت حزين لما عرفت إن ابنك اتولد ميت. صعب عليا كسرتك كل ما بفتكر فرحتك وكلامك عن الحمل اللي حصل بعد كل السنين دي، فكنت واثق إنك هتحبه وهتديله اللي فشلت أديهوله.
وطرق بيديه معًا على أذرع المقعد المتحرك:
_أنا ظلمت ابني وظلمتك وظلمت مراتاتي الاتنين وربنا انتقملكم كلكم مني يا عم الشيخ، بقيت زي ما أنت شايف عاجز، وخلاص أيامي معدودة في الدنيا بسبب مرضي الخبيث (كانسر)، عشان كده كشفت الحقيقة لابني، مش عايز أموت وأنا حامل ذنب زي ده يا شيخ مهران.
تغضنت معالمه بالشفقة تجاهه، فعاد يجلس محله وهو يهمس:
_لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أسأل الله العلي العظيم أن يشفيك.
رفع عينيه الغائرة له حينما قبض مصطفى على كفه بقوةٍ، وبرجاء وتوسل قال:
_سامحني يا شيخ، سامحني وخلي أيوب يسامحني بالله عليك!
صوت شهقة مكبوتة جذبت انتباههما، فاستدار الشيخ للباب حيث محل وقوف "آدهم" الباكي. يعز على قلبه رؤية أبيه بتلك الحالة، ومع يعجز تدخله هو ترك فرصة عسى أن يسامحه الشيخ مهران فيرتاح والده.
تغلف قلب الشيخ مهران بضمادة طبية فور رؤيته وجه ذلك الشاب، شرد بكل لحظة مضت عليه منذ أن دلف لحياته وحياة عائلته.
أخبره مصطفى منذ قليل بأنه كان سيفشل بتربية أيوب!! لا والله لقد سبق له رؤية نبل أخلاق ذلك الشاب، سبق له أن رأى رجولته ومروءته، ما دفعه للتفكير باتجاه معاكس، أن ما حدث كانت إرادة الله سبحانه وتعالى ليحظى بابنًا كأيوب يكون عمله الصالح في الحياة من بعده!
الابن البار الذي لم ينجبه، ولم يقدر له بإنجابه. أزاح الشيخ بقايا دموعه ورسم ابتسامة هادئة هادرًا وما زالت عينه تحتضن عين آدهم:
_اللي ابنك عمله معايا ومع عيلتي يشفعلي بأن أسامحك يا مصطفى.
وأخفض عينيه له يخبره:
_أنا مسامحك.. بس صدقني صعب ابني يسامحك، أنا عارفه أكتر من أي حد.
وبفخر قال:
_آيوب ابني وهيفضل ابني، أنا لو كلفت ابنك يغير نسبه فده عشان خوفي من ربنا عز وجل، لكن ابني مش هيفارقني طول ما فيا النفس وحي. إنت اتخليت عنه فأنا مش هتخلى عنه، ولو طالبت تقاسمني فيه اعذرني أنا هكون هنا أناني وهقولك لأ.
وببسمة شملت معنى الألم قال:
_أنا مش نبي من الأنبياء أستغفر الله، أنا بشر فهكون أناني وهقولك ابني لأ يا مصطفى.
انهمرت دموعه رغمًا عنه واستكمل:
_أنا عشان محملش ذنوب أكتر من اللي هشيلها هخليك تغير اسمه وهخلي ابنك يصارحه بالحقيقة، لكن يفارق بيتي ويفارق أمي ويفارقني ده عمره ما هيحصل أبدًا، بس اطمن مش همنعه عنك أبدًا.
رد عليه مصطفى بلهفة:
_مش عايز أكتر من مسامحته يا شيخ، ولو فضل معاك أنا مطمن عليه، بس بالله عليك متحرمنيش منه، خليه يزورني ولو مرة واحدة كل أسبوع وآ…
ابتلع باقي كلماته بمرارة الألم حينما أفاق على حقيقة صادمة، ابنه ليس طفلًا صغيرًا ليتلاقى أمر الشيخ مهران. فور علمه بالحقيقة لن يستمع لأحدٍ ولن يأتي لزيارته.
هز مصطفى رأسه بجنون وصرخ:
_لأاااا متقولوش الحقيقة يا شيخ مهران، معتش هشوفه تاني لو عرف… أرجوك متقولوش.
غامت عين آدهم بالدموع، فولج للداخل ينحني على مقعد أبيه يحاوطه بقوة ويترجاه:
_اهدى يا بابا… صحتك عشان خاطري.
استنجد به بفرحة لوجوده:
_عمر، تعالى يا عمر، الشيخ مهران لو قال لأخوك الحقيقة هيبطل يجي معاك هنا، قوله ميقولهوش حاجة، عشان خاطري يا ابني قوله.
قبل يديه معًا وبصوتٍ مبحوح قال:
_هعملك كل اللي انت عايزه بس اهدى.
بكى كالصغير على ذراع آدهم، فضمه إليه وما زال الشيخ يتابعهما، فابتسم وقال:
_من شخصية ابنك وطريقة تعامله معاك بيأكدلي إنك كنت أب له عظيم يا مصطفى، فأكيد اللي حصل ده كان خير ليا.
ونصب عوده يخبره قبل رحيله بابتسامته البشوشة:
_اطمن أنا هخليه يسامحك، ومش هيبطل يجيلك متخافش، حتى لو عارض هجيبه بنفسي وأجيلك كل جمعة بإذن الله.
واستطرد بعدما خطى خطوتين لباب الغرفة:
_هستناك تنورني في الدكانة يا حضرة الظابط.. السلام عليكم ورحمة الله.
قالها ورحل على الفور تاركًا آدهم يضم أبيه باحتواءٍ وحبًا، فعاد به لغرفته ومدده على فراشه، ثم قدم له أدويته خشية من أن تتعثر حالته.
***
صف يوسف سيارته أسفل الشقة القابع بها محل عمل جمال البسيط، صعد للأعلى فتفاجأ بخلو المكان من الموظفين. ولج للداخل يتجه لمكتب جمال، فتخشبت يده على مقبض الباب فور سماعه صوت تأوهات خافتة تأتي من الداخل.
دفع الباب بجسده وولج للداخل يبحث عنه بذعرٍ، فصعق حينما وجده يلف يده حول عنق السكرتير الذي ينزف وجهه وجسده بغزارةٍ.
لوهلة فقد السيطرة على جسده وبات يردد كالصنم:
_عملت إيه تاني يا جمال؟ أنا مش ملاحق ألم بلاويك يا أخي!!!
مشطه جمال بنظرة شاملة ثم عاد لما يفعله وكأن حديث الأخير كجناح فراشة أزعجت خديه. رمش يوسف في محاولته لاستيعاب كتلة البرود التي أحاطت رفيقه، فهرع إليه يدفعه عنه صارخًا به:
_إنت فقدت عقلك ولا إيه؟؟ ذنبه إيه المسكين ده؟
حاول جمال إبعاده عن مرمى بصره الناري ولكنه لم يستطع، فصاح منفعلًا:
_وسع يا يوسف، وأقسم بالله لأقتله، الكلب اللي بتدافع عنه ده بعني وقبض تمن من نعمان الحقير، هو اللي، بعت الرسايل لصبا ولعمران من موبيلي وكلمهم على أنه ضربني بعربيته، ومسح الرسايل ورجع التليفون كأن لم يكن.
اندهش مما استمع إليه، ما بال هؤلاء بأصدقائه!! كأن العالم اتحد بأجمعه ليفرقونهما عن بعضهما!!
استغل جمال تصلب جسده واندفع لذلك الذي يسترخي باهمالٍ على أحد المقاعد الخشبية بعد أن تلقى عقابه، لكمه جمال بشراسةٍ تتصاعد منه كالبركان:
_هقتلك إنت واللي بعتني ليه يا ***، هدفعكم التمن غالي، إيدكم القذرة اللي، اترفعت ولمست مراتي لو متقطعتش مبقاش راجل.
بالرغم من عدم فهم السكرتير للغته العربية إلا أنه كان يعلم السبب وراء موجة غضبه، فمن المؤكد بأن ما فعله قد كُشف، وهو الآن يتجرع أشد أنواع الخيبات والندم لما فعله.
عاد الوعي لذلك الغائب، فجذبه من تلباب قميصه الملطخ بالدماء:
_فوق يا جمال لو قتلته هتلبس نفسك بلوة!! إيدك محتاجك بلاش تعمل كده.
منحه نظرة من جحيم أخافت يوسف وجعلته يخشى ما سيفعله جمال بنعمان إن كان هذا عقاب ذلك السفيه:
_ابعد يا يوسف، محدش هيقف قدامي ولا هيوقفني عن اللي هعمله سمعت!!
كتف يديه وصرخ بمن خلفه:
_اغرب عن وجهي قبل أن أتركه ينحر عنقك الرخيص هذا!!
هرول للخارج متعثرًا بخطواته فور سماعه إنذار النجاة، بينما دفع يوسف جمال للمقعد وانحنى يصرخ بوجهه:
_إنت عايز تضيع نفسك!! محدش قالك تتنازل عن حقك بس مش بالشكل ده يا جمال.
_قولي بأي شكل أخد حق مراتي اللي استباحوها يا دكتور يا محترم؟
قالها بهدوء قد يجعلك تخمن عقلانيته ولكنه من الأساس كان يصدر من أعماق شخصًا ذُبح دون رحمة، وبقانون من لا يرحم لا يُرحم.
خرج يوسف عن صمته يخبره برزانته الحكيمة:
_جمال أنا معاك مش ضدك صدقني، ولو عايزني أساندك هساندك وأفديك بروحي وإنت عارف، بس أنا خايف عليك من نوبة الغضب اللي إنت عايشها دي، إنت محتاج تصلح اللي بوزته باللي بتعمله ده هتعك الدنيا لأنك هتبعد عن صبا وابنك اجباريًا لما يحاكموك، فبلاش ترتكب اللي يخليك تخسر نفسك.
وتابع وهو يجلس قبالته:
_أنا كنت راجع بيتي أريح بعد ورديتي بس بما إنك فقدت عقلك فللأسف مضطر ألازمك عشان أطمن إنك مش هتأذي نفسك.
انتصب بوقفته يتجه للحمام الخاص بمكتبه، لحق به يوسف فاستدار إليه يقول بتهكمٍ:
_أيه هتدخل معايا الحمام كمان؟!
مال يستند على الحائط واضعًا يده بجيب بنطاله:
_هو مفيش فرق بينا بس مش للدرجادي يعني!! اتفضل أنا مبسوط هنا ومش ناقصني حاجة فخد راحتك!
أغلق الباب بوجهه فاغلق يوسف عينيه بفزعٍ وقال:
_بني آدم همجي أقسم بالله هيعيش غبي وهيموت متخلف!!
وجلس على مقعد مكتبه يلف المقعد وهو يتابع:
_Zero عقل.
***
خرج من المرحاض يلف منشفته من حوله، تاركًا المياه تعبر فوق وجهه كالشلال، فجذب منشفة قصيرة يمسح وجهه ويديه ليتمكن من التقاط هاتفه الذي يعلن تمرده للمرة الثانية.
مال يجلس على السراحه وفتح سماعة هاتفه يجيب بصوته الشجي:
_شمس هانم بنفسها بتتصل!
وصلت إليه صوت ضحكاتها، وبرقتها المهلكة قالت:
_بتتريق يا كابتن والامتحانات سحلاني!
وتابعت بدلال:
_انت المفروض تستخدم مركزك ده وتخليهم ينجحوني من غير فرهدة! أو على الأقل تديني أي جهاز أو تعلمني كام حركة أقدر أغش بيها الامتحان وأطلع زي البرنسس.
ضم منخاره يفركه بضحك:
_ده أنا كده بشجعك للفساد رسمي! وبعدين ميرضنيش يقولوا حرم عمر الرشيدي غشاشة تيجي إزاي دي يا شمسي!!
تحلت بصمتها لتتمكن من سماع صوت ضحكاته، وفجأته حينما قالت:
_وحشتني أوي.
ابتسم وهو يخبرها بعاطفة:
_مش أكتر مني يا شمس، بس خلاص هانت إسبوعين وامتحاناتك تخلص وهتنوروني كلكم هنا عشان فرحنا.
بلهفة قالت:
_طيب ما تيجي يوم تقضيه معايا وترجع.
_ازاي ده؟!
_زي الناس، مش إنت ظابط مخابرات!
_بيقولوا! وفضولي بيقولك وراها إيه الجملة دي؟
_وراها إن ظباط المخابرات بيقدروا يعملوا أي حاجة في أي وقت.
ابتسم بسخرية وقال:
_شكلك بتشوفي أفلام هندي كتير يا شمس هانم.
ضحكت وقالت:
_الصراحة شوفت أفلام كتيرة بس اللي شوفته لما قابلتك خلاني أتصدم إن الهندي الأوفر حقيقي وموجود.
ابتسم وحبها يسكن وجع يومه، فقال:
_ازاي؟
تنحنحت بخجل وهي تخبره:
_يعني كنت بشوفك كده زي الراجل الخارق، وفعلًا من أول ما شوفتك وإنت كنت بطلي الخارق.
_وأيه كمان يا شمس؟
_آآ…. ها؟
_ما كنتي ماشية كويس، كملي أنا إيه بالنسبالك يا شمس؟
بخوفٍ مضحك قالت:
_معنديش تصريحات أقول أكتر من كده، عُمران هيقتلني!!
زفر بضجرٍ وهمس لها:
_يادي عُمران اللي لاعب عليا دور حماتي العقربة وحمايا الكشري مش مقصر نهائي!!!
كبتت ضحكاتها وقالت:
_متزعلش يا حبيبي.
بعشق ردد يتذوق جمال كلمتها:
_حبيبي!!
بخجل قالت:
_جوزي حبيبي ها يا كابتن عايز أحلى من كده كلام.
ضحك بصوته الرجولي وقال ساخرًا:
_لا ده أنا كده هبقى طماع وجشع، كفايا عليا كلمة جوزي دي هتديني الأمل إني مش هرجع أشوفك بالملحفة السودة تاني، ممكن نوصل لمرحلة النقاب أو الخمار أنا وحظي النحس بقى!
وتابع يشاكسها:
_بقولك إيه يا شمس؟
_أممم.
_هو عُمران أخوكي ده بيشرف على شنطك اللي بتحضريها لجوازنا، أكيد بيشرف مهو حاشر مناخيره في كل كبيرة وصغيرة خاصة بينا!
_أيوه بيختار معايا أون لاين، إنت أصلك متعرفش ذوق عُمران باللبس عامل إزاي، وبالأخص فساتين السهرة اللي اختارهالي، بالعكس ده فادني جدًا باختيار فستانيني بعد الحجاب.
قضم شفتيه معًا بأسنانه ناطقًا من بين اصطكاك أسنانه:
_طمنتيني!
وهمس بصوت ظنه غير مسموع:
_كده هعمل حسابك معايا وأنا بشتري حاجتي.
_هتعمل حسابي في إيه؟
_لا يا حبيبتي متخديش في بالك، ركزيلي إنتِ بس في مذكرتك وامتحاناتك عشان مش ناقصة تلكيكة من سي عُمران أخوكي اللي مش مفهوم ده!!!
انفجرت ضاحكة وقالت:
_وفيها إيه يعني لو جبت ملحق يا كابتن!!
ردد ساخرًا:
_أهو ده اللي ناقص! أنا أترقى وانتِ تشيلي الكحك!!
ضحكت بملء ما فيها وقالت:
_اطمن مفيش هنا الكلام ده، أنا كده كده ناجحة وبعدين أنا كمان عايزة أمتحن وأخلص عشان أكون معاك يا آدهم.
_يااه معقول!! شكل كده آخر شخص شوفتيه النهاردة كان دكتور علي، خليكي جنبه اليومين دول هينفعك قبل الجواز وبعده.
_هحتاجه بعد الجواز في إيه مش فاهمه؟
ضحك وهو يخبره بمرح:
_أي ست بعد الجواز بتحتاج لدكتور نفسي يا حبيبي!!
_وليه الرجالة مش بتحتاج؟!
بنفس وتيرة ضحكاته قال:
_بعد الدراسات اللي اتعملت على إيد بعض الستات أكدوا إن الرجالة تنحصر لدِبَبَةٌ القطب الشمالي حيث الثلج والبرق والرعد فبالتالي مفيش تقصير عكسي علينا. احنا كائنات بنجلط ومبننجلطش!!!
_يعني إنت عايز تجلطني وتزهق نفسيتي وتخلي أخويا يعالجني نفسيًا يا آدهم؟
_مش أنا يا عيون آدهم دول كارم وكرم بإذن الله.
_مين دول؟
_دول أولادنا بإذن الله هنجيب تؤام يا شمسي.
_ومالك واثق أوي كده؟!
_مش عارف بس حاسس إن كرم ربنا كبير بعد صبري على الابتلاء فهيجبر بخاطري بإذن الله.
_ابتلاء!!
_أيوه وهو أخوكِ أي ابتلاء بردو!! ده عمل أسود من الدرجة اللي يصعب فكها بالملح ولا بالتعويذات!! حبيبتي أنا صبري عليكي وعلى أخوكِ بمثابة الجهاد في سبيل الله! هاتيلي واحد كاتب كتابه ومش عارف يطول نظرة بريئة!!
وتنهد يخبرها:
_أنا خايف يوم فرحنا يبلغ عني إني مرتشي يا شمس!!!
*****
غمس كفيه بالمياه ونثره على وجهه، يحاول أن يزيل عنه رواسب تلك الليلة القاتلة، فوجد المرآة ترتعش من أمامه وترسم له ملامح وجه زوجته المرتعشة، نظراتها التي تترجاه أن يصدقها بينما لسانها يعجز حتى عن الدفاع عن نفسها في موقف لا حديثًا بعده.
أدمعت عين جمال ومد يده بالمرآة كأنه يحاول لمس شبح زوجته الظاهر على سطحها، فوجد أنه يطالع ذاته. انقلبت نظراته للاستحقار، ونظرات كارهة، فكور يده ولكم المرآة بكل قوته وهو يحرر آهة تضيق شريانه.
فسقط أرضًا يجلس بين الزجاج وهو يضع يديه معًا فوق رأسه يمنع وصول صوت يوسف الذي يطرق الباب لمسمعه، بينما تنسدل الدماء من فوق رأسه وهو غير عابئ بها.
نجح يوسف بكسر الباب بعد أن دفع أحد المقاعد المعدنية بالباب عدة مرات حتى انصاع إليه، وهرع يبحث عنه بفزعٍ.
انحنى إليه يبعد يديه عن رأسه ويشمله بنظرة قلقة:
_جمال!!
هدأت وتيرة أنفاسه فور أن اطمئن لسلامته، اتبع سير الدماء ليصل لإصابة يده فمنحه نظرة حزينة وقال:
_ليه كده يا جمال؟ عايز توصل لإيه باللي بتعمله في نفسك ده!
رفع عينيه الدامعتان له وقال:
_أنا شوهتها يا يوسف!! يارتني ضمتها وسمعتها، عمرها ما هتنسى ولا أنا هنسى، عمرها ما هتسامحني.
وبانكسارٍ استطرد:
_أنا خسرت صبا خلاص يا يوسف.
منحه نظرة حزينة ونهض يبحث بالادراج عن صندوق الاسعافات الأولية، وما أن وجده حتى عاد يضمد جرحه قائلًا وهو يباشر تعقيمه:
_صبا اللي استحملت كل ده معاك بتحبك يا جمال، يمكن تكونوا غلطتوا انتوا الاتنين بس ممكن ابنكم يقرب ما بينكم ويدلكم الفرصة دي.
هز رأسه رغم عدم اقتناعه، ونهض فجأة يردد:
_خدني المستشفى عايز أشوفها قبل ما أروح مشوار مهم.
_مشوار فين؟
لم يجيبه إلا بكلمات مختصرة:
_خدني ليها يا يوسف!
***
انتفضت بنومتها فور أن انفتح باب الجناح، فهرولت إليه تصيح ببحة صوتها المفقود:
_عُمــــــــراان!
ضمها إليه بيده وربت عليها باحتواءٍ، فعاتبته وما زالت تتشبث به باكية:
_كده تسبني طول الليل قلقانة عليك!! موبيلك اتقفل ومرجعتش البيت! لولا علي كلم فاطمة وجت قالتلي إنك معاه وفضلت معايا طول الليل أنا كان هيجرالي حاجة.
أبعد وجهها عنه يقبل عينيها الباكية:
_بعد الشر يا حبيب قلبي.. أنا كويس والله.. بس كنت محتاج أكون لوحدي شوية وآ..
بتر حديثه ببعض الارتباك، فسألته مايا بخوف:
_وأيه يا عُمران؟
جذبها للفراش وانحنى قبالتها يتمسك بيديها ويطالع عينيها بنظرة عاشقة:
_مايا أنا عارف إنك بتحبيني، وبسبب الحب ده حاربتي الكل وأولهم أنا، خلتيني في النهاية أخضعلك وأنهزم قدامك. أنا عارف إنك قوية وصعب حد يهزمك فمش عايزك تخسري قوة شخصيتك دي دلوقتي، حافظي على اللي في بطنك يا مايا، واجهي اللي بنمر وهنمر بيه بقوة، مش عايز أحس بالقلق والخوف عليكي طول الوقت.
سكن الخوف أضلعها فسألته بشكٍ:
_ليه بتقول كده يا عُمران؟
نهض عن الأرض وجلس جوارها بحزنٍ شبع ملامحه وهو يرفع هاتفه نصب أعينهما:
_بمكالمة تليفون واحدة هعملها همحي بيها اسم شركات نعمان وللأبد، هيخسر كل اللي بناه وبيمتلكه.
واستدار بوجهه لها يخبرها بعجزٍ:
_مش قادر أعملها، حاسس إني ضعيف!! مش قادر انتقم لكسرتي ولأوجاعك ولا لجمال ومراته.
وببسمةٍ ساخرة تعقبها دمعة من عينيه أضاف:
_مش قادر أنتقم من اللي عراني وعرى مرات أخويا يا مايا؟
انهمرت دموعها، فسحبت هاتفه وألقته بعيدًا عنهما، ثم أمسكت لائحته تخبره بحماسٍ:
_لانك مش زيه يا عُمران، ولا عمرك هتكون زيه، وبالرغم اللي عشته لسه قلبك صافي ومتقصرش.
هز رأسه ينفي ما تقول، مرددًا بوخزٍ يطحن قلبه:
_عايز أنتقم يا مايا، عايز أتشفى فيه، بس مش قادر، خايف من لحظة الندم اللي ممكن أعيشها بعد ما أفوق! خايف أكون سبب في حسرة أمي لو جراله حاجة، نعمان هيموت لو خسر ثروته وفلوسه يا مايا.
غمست أصابعها بين أصابعه وهتفت:
_بلاش تعمل كده، فكر فيا وفي ابنك وانسى اللي عشناه يا عُمران.
رفع وجهه لها وبابتسامته المؤلمة قال:
_وجمال وصبا هينسوا! وأنا هنسى اللي جمال عمله وقاله!!
سحب نفسًا طويلًا وزفره يخفف عن ذاته:
_يوسف بعتلي من شوية نتيجة تحليل جمال، كان واخد مخدر قوي.
تهللت أساريرها وتمسكت بالحجة المقنعة:
_طيب الحمد لله، يعني اللي عمله ميتحسبش عليه يا عُمران.
مال لها برقبته وابتسم يخبرها:
_سمعي قلبي اللي بينزف كلامك وقوليله ينساه ويعالج نفسه!
ولفظ ما بداخله مستطردًا:
_جمال قال اللي مينفعش بعده تبرير ولا شفاعة… نهى كل اللي بينا حتى لو كان مش واعي، أنا مدرك إنه غصب عنه ومش بارادته بس مش هقدر أتعامل معاه لإني صعب أكون زي الأول.
وتعمق بعينيها وهو يستطرد الجزء الهام:
_عشان كده يا مايا أنا محتاج أبعد.. وبترجاكِ متعارضنيش.
أزاحت دموعها وسألته باهتمامٍ:
_تبعد فين؟
رد عليها بنفس هدوئه:
_مصر… هنزل مصر كام يوم أريح فيهم أعصابي.
بلهفة قالت:
_لو ده اللي هيريحك خلاص هنسافر من بكرة.
ربت على كفها المسنود لصدره وقال:
_لوحدي يا مايا.. حابب أكون لوحدي.
سحبت كفها بحزنٍ، وصاحت بعصبية:
_ليه مصمم توجع قلبي عليك يا عُمران!!
جذبها لاحضانه مجددًا يخبرها:
_بعد الشر عليكي من أي وجع… أنا خايف عليكي يا مايا حملك صعب مينفعش تركبي طيارة بحالتك دي.. ممكن متقلقنيش عليكي وتكوني كويسة إنتِ والبيبي لحد رجوعي؟
ضمت شفتيها معًا بحيرة:
_طيب هترجع امته؟
أجابها بحبٍ:
_معرفش يمكن اسبوعين أو تلاتة مش أكتر من كده.
ونهض يتجه لخزانته يبدل ثيابه:
_هنزل دلوقتي عشان فاطمة كلمتني من الشركة، في كام حاجة ضرورية لازم أنجزها قبل ما أحجز التذكرة.. عايزك ترتاحي لحد ما أرجع.
أومأت برأسها بخفة وتابعته وهو يصفف شعره ويستعد للخروج وما زال يخادعها بأنه على ما يرام!
***
استردت جزء ضئيل من عافيتها، فرفعت لها الممرضة السرير لتتمكن من حمل صغيرها الباكي، تحاول أن تقوم بإطعامه لمرتها الأولى.
ابتسمت وهي تتأمل ملامحه للمرة الأولى، ولكن بسمتها البسيطة سُلبت منها وصرخت ألمًا من شدة تورم شفتيها التي نزفت فور أن ابتسمت، قبض حياتها وألقاها بالظلام فحتى الابتسامة حُرمت منها.
مالت صبا على جسد الصغير تضمه بقوة وقد انهالت دموعها، تمرر يدها على شعره الناعم وتهمس بصوتٍ قد جف صداه:
_زي القمر يا حبيبي، ربنا يحميك ويباركلي فيك.
وضمته لصدرها ثم مالت على الوسادة تتذكر كل ما فعله بها وتنهمر دموعها على عينيها، تتمنى من صمام قلبها ألا تراه بحياتها قط، فأتاها القدر بما تبغضه حينما انفتح بابها وولج من خلفه يناديها بلهفة فور أن رآها قد استعادت وعيها:
_صبــــــا!
رواية صرخات انثى الفصل الخامس والستون 65 - بقلم ايه محمد رفعت
ضمت صغيرها لصدرها بحمايةٍ فور سماعها لصوته.
مالت رأسها جانبًا وهي تتمنى أن لا تلمح وجهه مرة أخرى بحياتها. مجرد سماعها لصوته يجعلها تنفر منه بشكلٍ مخيف، فماذا لو لمحته أمامها؟
ابتلع مرارة العلقم بفمه. بتلك اللحظة فقد خبرته بالحديث، حتى حديثه المرتب بعناية طيلة الطريق تساقط عن لسانه. ما فعله بها أفقده الحق حتى بالاعتذار. ومع ذلك قال بندمٍ اختزله:
_ أنا عارف إن غلطتي متتغفرش، بس عشان خاطر ابننا اديني فرصة تانية يا صبا.
ضمت صغيرها بقوةٍ ومازالت تتطلع للفراغ. جسدها ينتفض بعنف. يقسم بأنه يستمع لخفقات قلبها من محل جلوسه. استمر "جمال" بحديثه، فأجلى أحباله الهادرة بصعوبة:
_ أنا ظلمتك كتير، والمرادي ظلمي ليكِ ميشفعلوش كلمة إعتذار، بس أقسملك بالله إني قبل ما أوجعك أتوجعت، قبل ما أمد إيدي عليكِ إتمدت عليا ونهشت فيا. صبا أنا مش هبررلك ولا هقولك إني مكنتش في وعيي لإن بالنسبالي مش هتفرق، أنا بالنهاية غلطت ولازم أتعاقب. أنا راضي وقابل منك أي عقاب.
واستطرد ودمعاته قد تحررت على وجهه دون إرادة منه:
_ لو هيريحك إنك تكسريني فأنا راضي، لو يريحك إنك توجعيني زي ما وجعتك قابلها، بس متبعديش عني يا صبا، اديني فرصة أصلح من نفسي ومن العلاقة اللي كنت السبب إنها وصلت لهنا.
مالت بجسدها للاتجاه الآخر من الفراش. زحفت حتى وصلت للسرير الصغير الموضوع جوارها، تركت الصغير به وداثرته جيدًا وعادت تجلس على أول الفراش موالية ظهرها له.
نهض جمال عن المقعد، ولف حول الفراش متجهًا إليها. انحنى أسفل قدميها يمسك يديها يفركهما بين أصابعه، يقربهما إليه يطبع قبلاته على أطرافها بندمٍ وحرج من لقاء عينيها.
استطاعت الشعور بملمس دموعه على كفيها. كان يتمسح بها كالقطة الصغيرة، بينما هي جامدة كالصخرة. رفع وجهه إليها يحثها على الحديث:
_ من حقك تعاقبيني وأنا قابل والله، اعملي فيا كل اللي إنتِ عايزاه.
وابتعد عنها ينزع عنه حزامه الجلدي. فاهتزت للخلف برعبٍ ظنًا من أنه سيبرحها ضربًا، فإذ به يجثو مجددًا ويمنحها حزامه قائلًا بقهرٍ:
_ خدي حقك مني يا صبا، يمكن وجعي يخف!
ألقت ما وضع بيدها بعيدًا عنها كأنه قطع من زجاجٍ ستجرح كفها. استجمعت قوتها الواهنة وطالعته بنظرة مرت من جسده واخترقت شرفة قلبه المنكسرة، وبلسانٍ ثقيل رددت:
_ طلقني.
كان يعلم بأنها ستطالبه بذلك. أمسك كفيها وتعمق بمُقلتيها التي تبتعد عن لقائه الغير محبب، وقال:
_ مش هيحصل يا صبا، أنا ظلمتك فمستحيل هقدر أكمل حياتي وأنا شايل الذنب ده، لازم أكفر عنه وإنتِ في بيتي وعلى عصمتي.
وتابع وهو يتطلع للفراش الصغير بنظرة حنونة:
_ وفي حضني إنتِ وابني.
سحبت يديها منه ورددت بابتسامةٍ مؤلمة:
_ ابنك!! صحيح هو إنت عملت تحليل DNA ولا لسه؟ أصلي مش فاكرة بصراحة ده ابنك ولا لأ!!
ضغط بيديه على مرتبة الفراش من حولها فكادت بالسقوط عن الفراش، لولا احتمالها على مقدمته الخشبية.
هدأت انفعالاته رويدًا رويدًا، فنصب عوده مستكملًا ببحته الهادرة:
_ يوسف قالي إنه هيقدر يتابعك وانتِ في البيت، هنزل أدفع مصاريف المركز ونرجع بيتنا يا صبا، وهناك هنتكلم ونتعاتب زي ما تحبي.
استندت على حافة الفراش ونهضت تقابله بوجعٍ رسم على ملامح وجهها:
_ رجوع لبيتك ده تنساه، أنا عمري ما هدخل بيت شخص هني وداس عليا بعزم ما فيه. إنت بدل ما تغطيني عن عيون صحابك عرتني قدامهم يا جمال، خلتني مقدرش أرفع عنيا في عين أي حد.
وببسمةٍ رغم سخريتها طالها ألمًا مقهر:
_ إنت حتى محطتش اللوم عليا وعليه، إنت لومتني أنا!!! إنت فضحتني قدامهم وكل ده ليه عشان غلطة صغيرة ارتكبتها بدون ما أقصد!!
واستطردت بصراخٍ أنثى احتسبت داخل معتقلٍ بعد أن نُسبت إليها أكثر من جريمة ولم يستمع لها القاضي:
_ العيون بتقارن يا جمال، الأم نفسها لما ابنها بيصاحب شخص مبتبقاش عايزاه يكون أحسن منه ولو قالت غير كده تبقى كدابة!
وببكاءٍ تعالى صداه قالت:
_ والله العظيم نظرتي ليه كانت إعجاب لأفعاله مش لشخصه، كان نفسي تتعامل معايا زي تعامله مع مراته، ولو مضايقك مقارناتي فانت شوفت بنفسك هو اتعامل معاها ازاي وإنت عاملتني ازاي، وجاي بعد كل ده تقولي نرجع بيتنا، بيت أيه!! مهو خلاص اتهد وبايدك!
واتجهت للفراش تستكين بجلستها حينما شعرت بألمٍ حاد يستهدف جرحها الحديث، تشير له:
_ مش عايزة أشوفك تاني قدامي، وبطل تتكلم عن الولد إنه ابنك لأنه مش ابنك وأنا بأكدلك ده.
اقترب منها بعينيه الغارقة بالدموع وقال يستجديها:
_ أنا مقدر كل اللي هتقوليه وهتعمليه وجاهز لأي حاجه، هنزل أدفع الفلوس وهخرج أشتريلك لبس كويس نرجع بيه بدل لبس المستشفى ده وهعملك كل اللي انتِ عايزاه يا صبا.
وتركها وخرج يخفي دموعه المنهمرة على خديه. راقبت "صبا" الباب بنظرة قاتمة، وعزيمتها تتضاعف بما تريد فعله.
شملت الصغير بنظرةٍ حزينة ونهضت تتفحص ملابسها، كانت ترتدي ما يشبه المريال معقود من الخلف بعدة أربطة، يصل لنهاية قدميها.
استندت على الحائط تحاول التغلب على ذلك الوجع الذي هاجمها بقوة، حتى وصلت للمرآة. جذبت "صبا" الجلباب الأسود الخاص بها، كان مازال يحتفظ بدمائها. وخزت ألمًا حينما تفرد إليها ذكريات تتمنى أن لو كان أصاب رأسها بضربة أفقدتها الذاكرة فتنسى ما فعله بها.
ارتدت جلبابها المفتوح فوق مريول المشفى، وعقدت حجابها جيدًا، ثم حملت صغيرها وخرجت بخطاها المتهدجة، تراقب الطرقة الخارجية بتمعنٍ. فما أن وجدت الطريق خالي حتى تسللت للخارج مستخدمة المصعد لعدم قدرتها على هبوط الدرج.
ضمت بطنها وهي تئن بوجعٍ هاجمها مع أول خطوات لها، ولكنها وإن تعرضت للموت لن تتوقف الا بالفرار من هنا، ما تعرضت له على يديه يحتمها على البعد.
توقف المصعد بالطابق الأخير، فخرجت تحمل صغيرها بيد وباليد الأخرى تضم جرح بطنها بألمٍ. تثاقلت خطواتها وتباطئت من فرط وجعها.
ارتكنت على الدرج الخارجي وانهمرت دموعها وهي تردد دون توقف:
_ يا رب.
مال رأسها على ذراعها المستند على درابزين الدرج الخارجي ودموعها لا تتوقف، فإذا بصوتٍ رجولي يقتحم الصمت المغلف من حولها:
_ مدام صبا!!
رفعت رأسها تتأمل الواقف أمامها، فتفاجئت ب"يوسف" يقف قبالتها. تعجب من رؤيتها بتلك الحالة، فوزع نظراته بينها وبين خط الدماء البارز من ثيابها.
شددت من تمسكها بابنها، وطالعته بنظرةٍ مرتعبة. صعد يوسف الدرج يطالعها بصدمة بعدما تحلل له موقفها، فسألها بريبة:
_ إنتِ راحة فين بالوقت ده؟
أجابته وهي تستند على الدرابزين وتحاول استكمال طريقها للأسفل:
_ مالكش دعوة بيا.
لحق بها واقترب على بعدٍ قريب:
_ مدام صبا إنتِ بتنزفي، من فضلك خليني أشوف جرحك.
ردت عليه بعصبية بالغة:
_ مالكش دعوة بيا، أنا مستحيل هقعد هنا ولا هراجع معاه تاني، كفايا اللي عمله فيا كفايا!!
تفهم حالتها وصدقًا تمتلك كل الحق. هبط من خلفها وحاول ايقافها قائلًا بهدوءٍ:
_ طيب ممكن تسمعيني، صدقيني أنا ميهمنيش غير مصلحتك إنتِ والولد بس فكري فيها بالعقل، هتخرجي من هنا تروحي فين؟
نجح باستمالتها للحديث، فوقفت محلها تتطلع للفراغ بكسرةٍ وقلة حيلة، هي الآن مغتربة، وحيدة، في بلدٍ غريب عنها، لا تمتلك المال ولا حتى جواز سفرها، وفوق كل ذلك تحمل بين يديها طفلًا صغيرًا.
استغل يوسف نقطة ضعفها الظاهرة بمُقلتيها وتابع بمكرٍ:
_ طيب إنتِ جاهزة تتحملي أي ظرف هتواجهيه بره الولد ده ذنبه أيه؟
قابلت عينيه بدموعٍ الحسرة والقهر، ورددت:
_ لو هموت أنا وهو أهون ألف مرة إني أرجعله تاني.
هز رأسه متفهمًا، واضاف يطمنها:
_ وأنا معاكي، جمال غلط ولازم يتعاقب، بس لو تسمحيلي أساعدك عشان خاطر الولد.
زوت حاجبيها باستفهامٍ، فأضاف موضحًا:
_ دكتورة ليلى كانت قاعدة في شقة صغيرة قبل جوازنا، هخدك إنتِ والولد تعيشوا فيها وأوعدك إني عمري ما هقول لجمال حرف، لحد ما تقرري إنتِ أنه يعرف مكانك.
تمكن منها التعب وصغيرها بدأ ينزعج من برودة الجو. فاقترب يوسف يلتقطه منها وهو يستطرد:
_ فكري في الولد، هيتبهدل معاكي وهو مالهوش ذنب!
راقبته وهو يحمل الصغير ويداثره بجاكيته الجلدي بحنانٍ، فأخبرته بسخرية شملت ألمها النازف:
_ مش خايف إنه يفكر إن في حاجة بيني وبينك إنت كمان؟
شعر بما تخفيه داخلها، يبدو أن رفيقه سيعاني عمرًا كاملًا ليحصل على السماح منها:
_ مدام صبا أنا عارف إن جمال غلطه كبير، بس صدقيني مكنش في وعيه، أنا عايز أساعدك عشان الولد فتأكدي إني في صفك إنتِ مش هو.
وتابع يبعث لها الطمأنينة:
_ كمان ليلى مش هتسيبك هتكون معاكي على الأقل الفترة دي لحد ما تقومي بالسلامة.
ومال بجسده لليسار، يجذب مقعد متحرك، قربه لها وقال:
_ ثقي فيا وصدقيني مش هخذلك.
كانت قليلة الحيلة، لا تملك رفاهية الاختيار، وربما ساهم بكاء صغيرها باتخاذها القرار السريع، فمالت بجسدها بتعبٍ وجلست على المقعد.
انحنى "يوسف" يضع الصغير فوق قدميها، وانجرف بالمقعد للجهة الأخرى من الدرج المخصص لاستخدام مثل تلك المقاعد.
دفعها للاسفل واتجه بها لسيارته، عاونها بالصعود بالمقعد الخلفي وقدم لها الصغير، ثم وقف خارج السيارة يرفع هاتفه، طالبًا أحد الارقام وما أن أتاه الرد حتى قال بغموضٍ:
_ دكتور علي، عايز منك خدمة!!
احتل مقعد مكتبه، يحجب عينيه خلف نظارته السوداء، ومن خلفه يسرع سكرتيره الخاص، فإذا به يخبره دون أي مقدمات:
_ بلغ العملاء اللي جيهم من فترة تبع "نعمان الغرباوي" إننا قبلنا عروضهم، وبسعر أقل من اللي بنشتغل بيه.
برق "حسام" مندهشًا من تغير رأيه، فتساءل بحيرةٍ:
_ حضرتك متأكد من قرارك ده؟
بفظاظة أجابه:
_ لا مستني أخد إذن سعاتك! روح نفذ اللي قولتلك عليه بدون رغي كتير.
تأكد بأنه اليوم خارج هدوئه، فهرول للخارج ينفذ ما طلب منه. فور خروجه نزع "عُمران" نظارته السوداء ولف بمقعده للجانب المعتم من الشرفةٍ، فإذا بدقات خافتة على باب مكتبه وصوت أنوثي رقيق يتساءل على استحياءٍ:
_ ممكن أدخل؟
نهض عن مقعده يردد بفرحةٍ مطعمة بعدم تصديق:
_ شمس!!
وإتجه إليها يفتح ذراعيه، فانزوت بينهما وهو يضمها بحبٍ:
_ أيه المفاجأة الحلوة دي!
اتجهت للمقعد المقابل إليه، تخبره باستياءٍ:
_ مهو أنا مبقتش عارفة أتلم عليك قولت أجي أشوفك.
نزع جاكيته واتجه للبراد الصغير يجذب زجاجة معلبة من العصير، وعاد يضعها قبالتها قائلًا:
_ نورتي الدنيا كلها يا حبيبي.
التقطت ما يقدمه وارتشفته بامتنانٍ:
_ قلبي يا ميرو.
رفع حاجبه بغضب جعلها تعيد تعديل ما تفوهت به:
_ مش هدلعك تاني بس بلاش البصة دي.
منحها ابتسامة هادئة وقال:
_ شمس هانم تعمل اللي يعجبها.
أحاطته بنظرةٍ مشككة، وتساءلت:
_ من أمته ده!!! إنت كويس يا عُمران.
إتكأ على الأريكة الصغيرة الفاصلة بينهما، وجذب طرف الحجاب الذي تثبته بإبرة صغيرة على كتفها، حرره ليغطي صدرها، متخذًا شكل الخمار، وعاد يثبت الأبرة بطرف فستانها مرددًا بابتسامته الجذابة:
_ كده أحلى.
تمعن بعينيه الحائرة به وقال:
_ أنا كويس يا شمسي، إطمني.
ونهض يتجه لمقعده الاساسي، مضيفًا بخبثٍ:
_ بالمناسبة مش عايزة حاجه من مصر، يعني لو في جواب غرامي لحضرة الظابط موافق أوصله في سبيل الزيارة الجميلة دي.
مالت للأمام تستند على حافة مكتبه، وتساءلت بصدمة:
_ إنت مسافر مصر!!!
_ هو إنت مبتفهمش يالا!! بقولك نزل الخلاطات دي من الرف ده مش عجبني منظرهم كده يا أخي أنا حر!!!!
تحرر صراخه بين العمال، فمنذ أن أتى وهو يصيح دون توقف، تزداد انفعالاته إن رأى أحد العمال يجلس دون عملًا.
لف العامل إليه وسأله بارتباكٍ من غضبه الثائر:
_ شوف كده يا معلم، مسحت كل الريش بتاعت المراوح، مسبتش مروحة غير، لما سنجفتها.
استدار "إيثان" الغاضب إليه، يحدجه بنظرة صارمة:
_ أيه معلم دي شايفني واقف في سوق الخضار!! ما تظبط يا جدع بدل ما أقل معاك.
ابتلع ريقه الهادر بتوترٍ وقال:
_ حقك عليا يا كابتن، تؤمر بحاجة تانية؟
أشار لوجهة المحل بضيقٍ:
_ امسحلي ازاز المحل كله، عايزك تشوف قفاك فيه وبسرعة.
هرول العامل للخارج، بينما وقف إيثان يتابع الجميع بأعين مشتعلة، حتى سقطت على "يونس" الذي يتابعه من غرفة مكتبه بابتسامة شامتة.
وضع "إيثان" يديه حول خصره وحدجه بنظرةٍ مغتاظة، واستدار يصرخ بالعمال هادرًا:
_ حـــــاســـب يابنـــــــي على التلاجة هتتتخدش يا طــــــور!!
مر آيوب من جواره منصدمًا من سبه للعامل، فابتلع ريقه بتوترٍ وهو يشير لابن عمه هامسًا:
_ هي الحالة اشتغلت عنده؟؟
أشار الأخير له بإبهامه مؤكدًا ذلك، كاد أن ينفد بجلده من عرينه الا أنه انتبه له فقال بتهكمٍ:
_ نعم جاي هنا ليه يابن الشيخ مهران؟! موركش مذكرة ولا أيه!!
ارتعب آيوب فور رؤيته لعينيه الحمراء، فجاهد لخروج صوته:
_ جاي ليونس أشوفه.
زوى شفتيه ساخطًا:
_ ده مكان أكل عيش مش حضانة هي!!
ردد بخوفٍ من حالته الغير طبيعية:
_ لو مضايقك أطلع أستناه فوق عادي.
رفع يونس صوته ليلفت انتباه آيوب:
_ تعالى يا آيوب، واقف عندك ليه؟
صوته كان نجاة صريحة له من الوقوع بالشرك، هرع لداخل الغرفة وأوصد النافذة الزجاجية المطلة على إيثان، ثم أسرع للمقعد يتساءل:
_ أيه اللي مخليه بالشكل ده اتخنقتوا؟!
هز رأسه نافيًا، واجابه ببسمة واسعة وهو يرتشف من كوب قهوته بتلذذ:
_ اتعلم عليه.
تسللت الدهشة لتعابيره:
_ من مين؟!
ضحك وهو يخبره:
_ بنت خالته رفضته وختمت قفاه، وبصراحة اتكيفت أوي وهو راجع معايا بالبوكيه والشوكولاته، أصله كان مالي ايده منها أوي.
وتابع بسخرية مضحكة:
_ كان مفكر هيلف لفته المنحرفة ويرجع يلاقيها لسه مستنياه وتقوله شوبيك لوبيك!! غبي هو طول عمره مفيش جديد يا بوب!
طالعه بنظرةٍ سعادة، كلما رأى الضحكة تصل لشفتيه تحفه الفرحة والسعادة، فمال للمكتب قبالته يسأله بمشاكسةٍ:
_ وإنت أيه اللي مروق مزاجك كده، اوعى تكون بتلعب بديلك؟
أجابه ومازال هائمًا بكوب قهوته:
_ حب جديد.
جحظت عين آيوب وصاح:
_ حب أيه؟ وخديجة؟!!!
فور نطقه لاسمها احتشد الغضب جيوشه وهاجم الأخير، هادرًا بخشونةٍ:
_ اسمها ام فارس، متنطقش اسمها على لسانك بدون ألقاب يا بن الشيخ مهران.
وتابع بنفس الابتسامة كأنه يتلبس شخصين بجسده:
_ وبعدين مين قالك إني واقع في غيرها؟ حرام الواحد يقع في حب طليقته!!! كان نفسي أقولك مراته بس مش هتركب لإن هيبقى فيها تعابير تانية!!
ضحك بصوته الرجولي الجذاب، وقال:
_ ومالو يا معلم يونس يفرحنا إنك تكون مبسوط وسعيد.
هدأت ابتسامته وتنحنح يقول بتوتر:
_ ده بفضل الله سبحانه وتعالى وبفضل الدكتور علي، أنا من ساعة ما خديجة دخلت المستشفى وأنا بتواصل معاه يا آيوب، ولولاه مكنتش هقدر أسامحها ولا هديها فرصة تانية، أنا عارف إنك السبب في مجيته هنا وآ..
قاطعه آيوب ليرفع عنه الحرج:
_ متتكلمش في اللي فات يا يُونس، المهم دلوقتي وبكره، أنا كنت سبب وضعه ربنا سبحانه وتعالى عشان تتعرف على دكتور علي.
ابتسم بمحبة له وما كاد بضمه لصدره حتى انتفضوا معًا على صراخ أحد العمال الذي سقط بين براثين "كابتن إيثو" كما يلقبه "آيوب".
"لم يترك إنش بالمركز الطبي الا وبحث عنها فيه، كاد أن يصيب بالجنون، فلم يجد الا اللجوء لعلي. صعد "جمال" لمكتب "علي الغرباوي"، طرق بابه وولج يخبره وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:
_ دكتور علي أرجوك ساعدني، مش لاقي صبا!
نزع عنه نظارته الطبية ومنحه نظرة غامضة، ثابتة، وبهدوءٍ مدروس قال:
_ مش لاقيها ازاي يا جمال؟
تعالت أنفاسه داخل صدره، فحاول تنظيم تنفسه وهو يخبره:
_ سبتها هنا لحد ما أجبلها هدوم ورجعت ملقتهاش في الاوضة لا هي ولا الولد.
سادت معالمه الحزن وهو يستطرد:
_ أكيد أخدت ابني وهربت بعد اللي عملته فيها..
ترك علي محله وإتجه إليه يقرب منه المقعد:
_ طيب اهدي واقعد.
نفى ذلك مشددًا على قوله:
_ لا أنا عايز من حضرتك خدمة، لو نقدر تشوفلي الكاميرات، لو خرجت من هنا أكيد هتكون سجلت، على الأقل هعرف خرجت ازاي ومع مين او ركبت عربية نمارها أيه، من فضلك ساعدني!
نصب عوده يضع يديه بجيوب زيه الخاص:
_ هسمحلك بده طبعًا لو هيساعدك... ثواني.
وإتجه لمقعده مجددًا ثم عبث بالحاسوب من أمامه بخبثٍ وجملة "يوسف" تتردد إليه.
«عايز من حضرتك خدمة يا دكتور علي، الكاميرات جايباني وأنا خارج مع صبا دلوقتي، من فضلك أحذفها بسرعة لإن جمال ذكي وأول حاجة هيدور فيها هي السجل!»
لف الحاسوب إليه يخبره بجدية زائفة:
_ اتفضل يا جمال، الجهاز كله تحت أمرك.
انحنى تجاه الطاولة يبحث بلهفة عساه يهتدي لأي معلومة تدله عليها، عاد محل جلوسه يردد بحزنٍ:
_ مش باينه في أي لقطة!
ضم يديه يستند بها على ذقنه، مدعيًا تفكيره العميق:
_ يمكن خرجت من الباب الخلفي للمركز، مفيش هناك للاسف تغطية بالكاميرات.
تملكه العجز وجعله يبدو أكبر من عمره، فخرج صوته مبحوحًا:
_ صبا أخدت قرارها ونفذته، جيه دوري أتحمل قسوة العقاب لإني أستحقه!
أصر أن يوصلها للأسفل بنفسه، واطمئن أنها صعدت بالسيارة برفقة السائق. انحنى عُمران للنافذة الخلفية للسيارة وقال بابتسامته التي نجحت بأن تخفي وجعه:
_ متقلقيش يا حبيبتي، أوعدك هدية عيد ميلاد آدهم هتكون موجودة قبل عيد ميلاده، إنتِ لجئتيلي وأنا عمري ما أخذلك.
اتسعت ابتسامة شمس فرحة، فمسدت على يده المسنود على النافذة وقالت بحماسٍ:
_ كنت واثقة إنك الوحيد اللي هتساعدني، ذوقك وأفكارك في حتة تانية يا ميرو.
اعتصر، شفتيه معًا:
_ ميرو تاني!! امشي يا شمس أنا هتصل حالًا بباريس وهلغي الأوردر!
خرجت من نافذة السيارة تتعلق برقبته:
_ لا خلاص Sorry مش هدلعك تاني لحد ما تجبلي الهدية.
قبل رأسها ويدها المتعلقة به، قائلًا بمزحٍ:
_ أنا مش ضد الدلع نهائي، بس مش عارفين نختار اللي يخدم الشخصية اللي قدامنا يبقى بلاش مته يا شمس!!
وبمكرٍ أضاف:
_ أقولك دلعي آدهم، وزيدي في الدلع على قد ما تقدري يمكن ربنا يكرمنا جميعًا ونتلم في محكمة الأسرة.
عبست بعدم فهم لحديثه، فسألته ببلاهةٍ:
_ هنروح محكمة الأسرة ليه أنا فرحي في قاعة بالقاهرة!!
منع ضحكة بالانفلات منه وقال وهو يعيدها لمقعدها برفق:
_ يلا يا حبيبتي إتاخرتي وشغلتيني عن المكالمات اللي عندي.
جلست محلها تودعه ببسمة هادئة، بينما أشار للسائق بصرامة:
_ خد الهانم للبيت، وخلي بالك وإنت سايق.
هز السائق رأسه في طاعةٍ وانطلق على الفور، بينما صعد عُمران للأعلى ليستكمل عمله قبل أن يستعد لسفره اليوم.
استكان بمكتبه وابتسامة شامتة تحيط شفتيه، بعدما تلقى فوق السبعة عشر رسالة شكر من العملاء، سحبوا المشاريع وأودعوها إليه، ليدق أول مسمار بنصل "نعمان الغرباوي".
صدح صوت السكرتير بالسماعة الجانبية يخبره:
_ بشمهندس جمال برة وعايز يقابل حضرتك.
تسللت البرودة لأطرافه، عدة مشاعر ضربته في مقتلٍ. لم يعتاد يومًا طرده من بابه، ولكن ما فعله يرغمه على ذلك، فتنحنح ليخرج صوته جامدًا رغم أنه يتخبط من الداخل:
_ شوف طلبات البشمهندس من عندك، أنا مشغول.
ظنه سيقتنع بما سيخبره به، ولكنه تفاجئ به يقتحم مكتبه، ومن خلفه حسام الذي يهتف بخوف منه:
_ مينفعش كده يا بشمهندس، قولت لحضرتك الباشا مش فاضي.
رفع عينيه له بصعوبة، وأشار له ليغادر. تقابلت أعينهما لفترة قصيرة، سحبها عنه عُمران وجذب قلمه يدعي انشغاله بتوقيع الاوراق من امامه، وهو يقول بجمودٍ:
_ لو في حاجة خاصة بشراكتنا تقدر تخلصها مع حسام برة.
تماسك قبالته وقال بصوتٍ منكسر:
_ شراكة أيه!! أنا ميهمنيش غيرك.
وردد بما جعل عُمران مندهشًا:
_ مكنتش عايز تشوفني يا عُمران؟
قال ومازالت عينه تتابع الملف بثباتٍ عجيب:
_ لأ.. مش عايز أشوفك يا جمال، ويا ريت تتفضل لو سمحت لإني مش فاضي.
اقترب إليه وكأنه لم يخبره بالخروج، واستند على مقدمة المقعد الأسود، يقول بنبرة وضع بها حزنه كله:
_ صبا هربت بالولد من المستشفى ومش عارف أوصلها.
رمش بعدم استيعاب لما يستمع له، وقال متناسيًا حزنه:
_ هربت ازاي!!! وهتروح فين وهي ملهاش حد!!
رفع كتفيه بقلة حيلة:
_ مش عارف!
ضيق رماديته وهو يحيطه بنظرةٍ ساخرة:
_ وكنت مستني أيه منها بعد اللي عملته؟
رفع عينيه له، يتمعن بلقائه، متعمدًا التباطئ بحديثه:
_ آسف.
_ متنفعش!! نطق بها بعصبية منفعله وأضاف بنفس الحدة:
_ قولتلك خلصت مش مصدق ليه؟
تحرر غضبه المكبوت وبصراخ هيستري قال:
_ متقولش خلصت دي!! يعني أيـه خلصت؟ أنت أخويا مش صاحبي عشان أزعلك تتقمص مني وتقطع علاقتك بيا، طبعًا متقدرش تقول الكلام ده لدكتور علي لإنه أخوك من لحمك ودمك لكن أنا بالنهاية جمال صاحبك مهما تظاهرت قربنا من بعض!
واقترب منه يتمعن بعينيه، يقابله بكل ألمٍ حمله داخله:
_ هتنهي صداقة السنين دي كلها عشان غلطت! كنت فاكرك هتعاقبني على اللي قولته، هتثور في وشي وتخرج اللي جواك بس أخر حاجة توقعتها إنك تكون جبان وتهرب من مواجهتي بسفرك!
شقت بسمته المتألمة طريقها لثغره، فمال إليه يحدجه بنظرة أشعلها الغضب:
_ إنت باللي عملته لا حصلت تكون أخويا ولا حتى صديق! مش فارق معايا إذا كنت وقتها مغيب عن الوعي ولا لأ، اللي فارق معايا وجعي اللي عمره ما هيخف!!! جمال إنت كشفت عيوبي اللي ربنا سبحانه وتعالى سترها، عايرتني بكل الوحش اللي مريت بيه!! وفوق كل ده اتهمتني بالخيانة ومع مين مع مراتك!!
وتابع وهو يشير على باب مكتبه:
_ امشي يا جمال، مراتك أولى بلحظات ندمك مني، روح دور عليها واعتذرلها، متسبهاش غير لما تتقبل وجودك في حياتها، وسبني ألم الجرح اللي كنت السبب فيه.
أدمعت أعينه حزنًا، أنكس رأسه وإتجه ليغادر بعدما خُذل على يديه. فتح الباب وقبل أن يغادر استدار يراقبه، فتهرب عُمران من لقاءٍ مؤلمًا، يفيق داخله آنينًا لا يحتمله.
انهمرت دمعة من عين جمال، وبنبرته المبحوحة قال:
_ هتتخلى عني يا صاحبي؟
شدد جفونه عنفًا، ساحبًا أطول نفسًا قد يمنحه بعض السكينة، ابتلع عُمران ريقه الجاف وقال وهو يجابه نظراته المنهزمة:
_ عُمران الغرباوي عمره ما أتخلى عن اللي منه يا جمال!
واستطرد بوجعٍ بدى عليه لمرته الاولى:
_ إنت اللي اتخليت وبعت كل حاجة.
لف مقعده ليوليه ظهره:
_ امشي يا جمال، امشي وسبني لحد ما اتعافى من اللي عملته.
واستكمل ورأسه ينحني قليلًا:
_ من فضلك سبني لوحدي.
جر أذيال خيبته وخرج مهزومًا، فقد كل شيءٍ بلمح البصر. ضغط عمران على زر الهاتف وردد بصوتٍ متحشرج:
_ حسام احجزلي على أول طيارة نازلة مصر حالًا!
رواية صرخات انثى الفصل السادس والستون 66 - بقلم ايه محمد رفعت
ها قد شارف القمر ببداية ليله، وما زال يجوب بسيارته الطرق، حائرًا لا يعلم إلى أي وجهة سلكتها فيذهب للسؤال عنها. خمس ساعات متواصلة يسير بلا أي هدف، وكأنه هو التائه بين تلك الزقاق، عساه فقد ذاته بين إحدى الزقاق والأرصفة.
أوقف سيارته على جانبي الطريق، وفتح بابها يخفض ساقيه للخارج ويميل على الجزء الجانبي منها برأسه. انهمرت دموعه من شدة العجز، وكلما جابه بأنها بمفردها الآن ببلدٍ غريبة موحشة يؤلمه قلبه. ترى كيف حالها وحال صغيره؟ ترى ماذا تفعل الآن وهي وحيدة؟ ماذا عن جرحها الحديث وماذا عن جرح قلبها النازف؟
يشعر الآن بقمة ضعفه وهو الذي لم يكن يومًا ضعيفًا. هو نفسه الشاب المكافح الذي تغرب منذ صباه لأجل عائلته. لطالما كان رجلًا مسؤولًا، يتعلق برقبته مسؤولية والدته وعائلته وزوجته، فكيف السبيل لراحةٍ وهو فقد أحد الاشخاص العالقون برقبته؟ كيف السبيل للراحة؟ هذة زوجته وهذا ابنه!
آآآه!
صرخة موجوعة تحررت منه وسقط بعدها أرضًا أمام سيارته، يبكي كالطفل الصغير، بكاءًا متواصل لو استمع إليه الجاحد لضمه لصدره من شدة تأثره به. ماذا يفعل وقد خسر زوجته، ابنه، أخيه!! يا ويل قلبه المسكين من شعور ألمٍ لم يكن ليختبره بإرادته يومًا.
جذب "جمال" هاتفه، يتطلع لصورتها. هو اليوم محظوظ وله كل الحظ. يتذكر بالماضي أنها كانت تطالبه دومًا بالتقاط صور لها برفقته. وكم كان أحمقًا حينما كان يتذمر وينعتها بالتفاهة. وبتلك المرات نجحت باستمالته لالتقاط تلك الصورة الوحيدة التي أرسلتها لهاتفه بالآجبار. ها هو اليوم ممتن لذلك!
مرر إبهامه على ملامحها المشرقة جواره، رغم انزعاجه مما تفعله والمعكوس بالصورة. راح يخاطبها بآنينٍ قاتل:
آسف، حقك عليا من اللي عملته!
أنا آسف إني حطيتك في الموقف ده!
آسف إنك بسببي موجوعة ومش عارفة تروحي بابننا فين!
وتابع وكأنها قبالته تستمع إليه:
بس عشان خاطري إرجعي، إرجعي يا صبا!
إرجعي وشوفي ذنبك وهو بيخلص مني، إنتي عارفة أنا من شوية روحت المكان اللي بيسهر فيه الكلب نعمان واتفقت مع اللي هيجبلي حقك منه، بكره هتشوفي بنفسك حقك وهو بيرجع، مفضلش غيري إرجعي وخدي حقك مني!
ضم الهاتف لصدره وانهمر باكيًا، يتمنى أن يريحه الله من هذا العذاب. فأتاه هاتفه يصيح برنينه للمرة الثلاثون برقم "يوسف". فأغلق "جمال" هاتفه نهائيًا ليتخلص من ضجته، وهو بحالة لا يحتمل بها سماع صوت نسمة الهواء!
***
دفع "يوسف" حساب الأغراض التي اشتراها، شكر البائع وحمل الأغراض وخرج يتفحص هاتفه بخوفٍ. وحينما وجد الهاتف مغلق، اتصل بعُمران الذي أجابه بعد المرة الرابعة:
خير يا يوسف، مش قايلك مترنش عليا وإنسى الحوار ده خالص، أنا كلها ساعتين وهكون في المطار ولو عملت أيه مش هتراجع عن اللي في دماغي.
اندفع يخبره قبل أن يغلق الهاتف بوجهه مثلما يفعل:
جمال مختفي ومش عارف أوصله، حالته مخيفة وممكن يأذي نفسه، عُمران مهما حصل بينكم ده أخوك متسبهوش يا عُمران، بالله عليك!
هدأت وتيرته حينما لمس بحة حزنه وانكساره، فقال بهدوء:
متخافش يا يوسف، أنا باعت رجالة وراه من أول ما خرج من مكتبي، هخلي واحد منهم يبعتلك موقعه، هو كويس اطمن.
وتابع بارتباكٍ يخفي من خلفه حزنه:
متزعلش مني إني مبردش على مكالماتك، أنا محتاج أكون لوحدي فترة صدقني اللي بعمله ده عشاني وعشان جمال، لو فضلت هنا هفارقه بجد وأنا مش عايز ده يحصل.
مسح وجهه بضيقٍ، واضطر بالحديث برزانة:
زي ما تحب يا عُمران، المهم تكون كويس ومرتاح، خليهم يبعتولي موقعه.
أغلق الهاتف ووضع الأغراض المنزلية والادوية بشنطة السيارة ثم قادها متجهًا لشقة "ليلى" القديمة.
***
فتح "يونس" باب منزله، متذمرًا من الطارق الغليظ الذي لا يكف عن ضرب الجرس، فوجد "إيثان" يقف قبالته يطالعه بوجهٍ متخشب. ولج للداخل وصفق الباب هادرًا:
مش عايزين النهاردة عدي علينا بكرة.
عركل قدمه بفاصل الباب، ودفعه للداخل بكل قوته، فسقط يونس على الحائط من خلفه بينما تابع إيثان طريقه للداخل بآليةٍ تامة. صفق يونس الباب بعصبية وتابعه للداخل يصيح:
داخل زريبة إنت!
واستطرد ببسمةٍ خبيثة:
أنا كنت عايز أحميك من الصدمة العصبية اللي هتاخدها لو دخلت بس وماله، ابن حلال وتستاهل.
ولج للردهة فإذا به يتوقف فجأة، ليستدير تجاه يونس المبتسم من تأثير المشهد عليه، فتخطاه واتجه للأريكة حيث يجلس فارس الذي يحمل كرتون الشوكولا الفاخر يتناولها بنهمٍ.
جلس يونس جواره يشاركه تناول لوح الشوكولا باستمتاعٍ، وأشار لمن يراقبهما بغيظٍ يتصاعد من حدقتيه:
واقف عندك ليه يا إيثو، ما تقعد يا حبيبي.
اتجهت نظرات إيثان للطاولة التي تتوسط الصالون، فإذا بالورود التي سبق لها شراءها برفقة الشوكولا تزين المزهرية. كبت يونس ضحكاته وأشار بيده عليها:
آه. ده الورد اللي كنت شاريه عشان المرحومة، استخسرت والله أرميه فحطيته في الڤازة دي بدل ما هي بتنش كده.
واستكمل بابتسامة شامتة وهو يلعق إصبعه الملطخ بالشوكولا:
بس بصراحه ذوقك في الشكولاته يهوس، لا بجد حاجة فاخرة، ودي دفعت فيها كام يا إيثو؟
احتقنت عينيه بحمرةٍ قابضة، فتابع وهو يتناول قطعة اضافية:
حلوة يا فارس؟
هز الصغير رأسه باعجابٍ شديد، فقال يونس بسخريةٍ:
عمو إيثان اللي جيبهالك يا حبيبي، ادعي إن ربنا يكتر من أمثال بنت خالته عشان يكونلك فرصة تأكل شكولاته من نفس النوع على طول!
خرج عن طوره، هدوئه، فجذب المزهرية وألقاها تجاه يونس الذي انحنى يتفادها ببراعةٍ وصوت ضحكاته تعلو صاخبة، فإذا بإيثان ينقض عليه، وهو يصيح غاضبًا:
يعني إنت من الصبح شمتان فيا يا حقير، بدل ما تقلبها صوان عشان صاحبك بتشمت فيه وقاعد تحتفل إنت وابنك برفضها ليا!
حاول التصدي له ولكنه لم يستطيع من فرط الضحك، فقال بصعوبة بالحديث:
شمتان ومتكيف بصراحه، مش إنت اللي رايح نافش ريشك؟ وبعدين عندها حق ترفضك ده أنا صاحبك وبستحملك الكام ساعة اللي بشوف خلقتك فيهم بالعافية ما بالك هي!! وإنتوا ما شاء الله عندكم اعتكاف لطوال العمر، يعني لا رد ولا استبدال هتعمل أيه يعني لازم تتمعن بالاختيار وتراجع نفسها يا إيثو!
صب غضبه عليه، وهو يصرخ بانفعالٍ:
هنشوف مين فينا اللي محتاج يراجع نفسه.
هرول الصغير للاسفل يستدعي آيوب بعد رؤيته لما يحدث، فولج للداخل يهرول حينما وجد الباب مواربًا.
اتجه لغرفة المكتبة المخصصة للشيخ "مهران"، حيث يتخذها آيوب محله بالفترة الاخيرة يدرس التعاليم الإسلامية والقرآن الكريم لسدن. وها هي اليوم تجلس قبالته تنتهي من أول جزء من القرآن الكريم، وما أن انتهت حتى ردد مندهشًا:
ما شاء الله عليكِ يا سدن، حفظتي أول جزء في مدة صغيرة أوي.
منحته ابتسامة عريضة وراحت تخبره بغرورٍ:
فارس بتقول لسدن إنه يحفظ جزء عامة قبله، خديجة حفظ سدن الجزء الاول كُوله.
تحررت ضحكة جذابة على شفتيه وهو يستمع لها بحبٍ، وقال يمازحها:
أنا راضي عنك في كل حاجة حتى المصري بتاعك المكسر ده، على قلبي زي العسل.
عبثت بحاجبيها تتابعه بعدم فهم، ورددت بعد فترة من الاستيعاب:
إنتي عايزة عسل آيوب؟
تعمق بزُرقة عينيها قليلًا ومن ثم انفجر ضاحكًا، هاتفًا بصعوبة بالحديث وهو يستقيم بوقفته:
عندك حق أنا فعلًا عايز عسل، بس أنا طماع وعايز البرطمان كله، عشان كده هحترم نفسي وهطلع أذاكر، يعني من مبدأ أمتحن الأول وبعد كده نشوف حوار العسل ده...يلا تصبحي على خير.
حاولت النهوض من خلفه باسدالها الواسع، فوقفت على اطرافه بقدميها وكادت بالسقوط على وجهها لولا يديه التي أحكمت تمسكها بها، ضحك رغمًا عنه وقال:
كل مرة بنزل اديكِ الدرس بتقعي نفس الوقعه وبنفس إسدال أمي ده، فمبقتش اتفاجئ بالعكس ببقى مجهز نفسي قبلها للحركة دي.
قُتل الحديث على شفتيها وهي تناظر فيروزته من هذا القرب المؤذي لمشاعرها، تلاشت ضحكته من آسر نظراتها، فأحاط وجهها بيده ليجدها تهمس له بكل حب:
سدن بيحبك آيوب!
سقط بسحر عينيها، صوتها الرقيق المعترف بحبها له، عشقها له النابع قولًا وفعلًا، أحاطها بوابل من عاطفته، وهو يخبرها:
يا بخت آيوب بحبك يا نور عين آيوب.
انساقت معه بسحابة وردية، جعلتها تتمنى قربه ولا تعلم لما يتراجع دومًا من إتخاذ هذا القرار. ابتعد وتهيئ لفتح باب الغرفة، وخرج لفارس الذي يناديه، انحنى تجاهه وسأله بابتسامة واسعة:
أيه اللي خلاك تسيب الاحتفال وتنزل يا فارس؟ يونس هيخلص الحلاويات لوحده.
أجابه الصغير بخوفٍ:
بابا وعمو إيثان بيتخانقوا!
عبث بخصلات شعره ببرودٍ:
سيبك منهم شوية وهيتصافوا.
وسحب من جيب بنطاله بعض المال ثم قدمه له يخبره:
إنزل اشتري عصير وبسكويت ليك، واطلع على طول يا فارس.
هز الصغير رأسه بفرحة وطبع قبلة على خد آيوب ثم هرول للاسفل بسعادة.
***
تمددت على الفراش بتعبٍ شديد، يجتاح الألم جسدها بأكمله فيصيبها بشعورٍ قوي بقربها من الموتٍ، ليته يتمكن منها فوالله لن تقاومه، ستسلم روحها إليه بكل صدر رحب.
أغلقت جفونها تحرر دموع قهرها وهي ترى "ليلى" تقرب صغيرها إليها، وتخبرها بشفقةٍ حتى أنها تستطيع رؤية الدموع تتلألأ داخل مُقلتيها بوضوحٍ:
صبا حبيبتي حاولي تقومي عشان تأكلي الولد، بيعيط وشكله يا حبيبي جعان.
أغلقت جفونها باستسلامٍ للنوم بعد مجهودًا شاقًا بذلته بالفرار من مكانٍ كان سيجمعها به مجددًا، بالرغم من ألم قلبها لترك الصغير باكيـًا.
ضمت "ليلى" الصغير إليها بحزنٍ، حملته وإتجهت به للخارج حيث محل جلوس زوجها بغرفة الضيافة.
نهض إليها "يوسف" يحمل الصغير من يديها ويتساءل بريبةٍ من أمر بكائها:
في أيه يا ليلى؟ المدام صبا كويسة؟
هزت رأسها تنفي سؤاله، وأجابته بقهرٍ:
غيرتلها على الجرح ونامت على طول، والبيبي زي ما أنت شايف بيعيط ومش راضي يسكت، شكله جعان يا يوسف!
منع ابتسامة كادت بالانفلات على وجهه الوسيم، وقال بجدية مصطنعة:
طيب إنتِ بتعيطي عشانها ولا عشانه؟
تمعنت بالتطلع للصغير، وقالت باكية:
عشانه طبعًا، شكله يا قلبي جعان وأنا مش عارفة أكله أيه؟
إلى هنا ولم يستطيع منع ضحكاته، فتعالت صاخبًا وهو يتابعها بعدم تصديق:
معقول!! والله هشك إنك دكتورة!!
صوبت سهامها إليه بشكلٍ جعله يفكر مرتين بالأمر، فتراجع عما يفعله وقال:
خلاص متزعليش هحاول أتأقلم إن لسه مفيش خبرة بالأمر.
وتابع يشير لها وهو يتجه للمطبخ:
عمومًا أنا كنت عامل حسابي، تعالي نجهز الأكل للباشا اللي أخد قلبك أسرع مني ده.
تعجبت مما يقول، ولكنها إتبعته للمطبخ مثلما أخبرها، فوقفت على عتبته تراقبه بدهشةٍ. حمل "يوسف" الصغير بيده وباليد الأخرى شرع بتجهيز المياه لإعداد رضعة صناعية، فإذا بزوجته تندفع تجاهه وتخطف الصغير من يده.
التفت يوسف إليها باستغرابٍ، فوجدها تطالعه بصدمةٍ، وكأنه يفعل شيئًا لا يمت لكوكب الأرض بصلةٍ، فإذا بها تصرخ بوجهه:
إنت بتعمل أيه يا عديم الانسانية، بتأكل الولد لبن صناعي!!
وتابعت وهي تتراجع به للخلف وتحتضن الصغير، كأنما تحميه من ذئبٍ بشريًا مفترس:
يعني مش كفايا عليه كل اللي شايفه من أبوه اللي إنت ماشي تلم في غلطاته، كمان بتديله لبن صناعي!! إنت معندكش قلب يا يوسف!!!
ارتاب من أمرها، فوضع احتمالًا بأنها لم تفهم ما يصنعه، وببسمةٍ بلهاء أخبرها:
أنا بعمله أكل مش سم!!
صرخت بوجهه تنفي إنسانيته الكاذبة:
أسوء من السم يا دكتور، تديله ليه لبن صناعي ومامته جوه، أنا هحاول معاها تاني تقوم تأكله.
وتركته وكادت بالرحيل، ولكنها استدارت تضم بطنها المسطوح هادرة بهلعٍ:
ابتديت أخاف على اللي في بطني منك ومن قسوتك، يا خسارة يا يوسف، يا خســــــارة!
وتركته مصعوقًا وإتجهت لغرفة النوم، تدفع بابها بقسوةٍ بوجهه، أغلق فمها المتسع بصعوبة، وترك عُلبة الحليب الصناعي من يده هامسًا بسخطٍ:
الهرمونات بدأت بدري أهو! بجملة هي جت عليكِ يعني!!
وخرج من الشقة متجهًا لسيارته حينما آرسل له رقمًا غريبًا موقع سيارة جمال معرفًا ذاته بأنه من رجال "عُمران الغرباوي"، صعد لسيارته ومازال موقفها يلاحقه، فانطلق ولسانه لا يتوقف عن نطق:
مخها لحس!! لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم!!
***
انتهى من قراءة جزء كبير من كتابه الخاص، فاغلقه ونهض يغلق باب مكتبه، كان" علي" بطريق صعوده للأعلى، إلى أن أوقفه صوتًا قادم من المطبخ، عكس وجهته وإتجه للأسفل، فوقف يتابع من بالداخل بهذا الوقت المتأخر بصدمة.
حملت "فريدة" طبق الجبن والخضروات واستدارت لتغادر بهدوءٍ دون أن يشعر بها الخدم، فتصبح أضحوكة القصر، فما أن استدارت حتى تخشبت محله بالصينية قبالة علي المتفاجئ مما يراه.
تركت الصينية على رخامة المطبخ، وكأنها تنفي جريمتها، ابتسم "علي" على تصرفها الطفولة، وإتجه إليها يقرب الصينية لها وهو يخبرها برفق:
الجبن والخضروات مفيدة بس مش كفايا لتغذية الجنين.
وتابع وهو يتجه للبراد:
هشوف في أيه ينفع نزود بيه البروتين.
تابعته وهو يحمل المقلاة ويشرع بتحضير وجبة صحية سريعة لها، وقالت بحرجٍ ملموس:
كفايا يا علي، أنا هاخد الجبنه والسلطة بس عشان وزني ميزدش.
تجاهل طلبها وفور انتهائه من صنع شرائح الدجاج بالمعكرونة، حتى أبعد الصينية عنها ووضع ما بيده قبالتها:
بعد الولادة هتقدري ترجعي وزنك.
راقبت الطبق الشهي الموضوع أمامها، فلعقت شفتيها بجوعٍ، وجذبته تتناوله بنهمٍ غير مصدق.
تابعها "علي" بابتسامة حنونة، سكب لها كوب من المياه ووضعه قبالتها، ربما كانت سابقًا لا تتناول المياه بنصف طعامها أبدًا، ولكن الآن استثنت بعض القواعد لاجل صغيرها.
تناولت فريدة الطبق بجوعٍ، وبعدما انتهت منه شعرت بالحرج وباتت تبرر:
تسلم إيدك يا علي، أنا شكلي كنت جعانه أوي، ومقدرتش أستحمل الجوع زي الأول.
حمل الطبق من أمامها ونظف الطاولة بالمناديل المبللة، مرددًا بحب:
ألف هنا على قلبك يا حبيبتي، هجهزلك كوباية لبن ومتقلقيش مش هحط سكر نهائي.
ضحكت بصوتها كله، وقالت مستنكرة؛
سكر، أيه بقى، ده أنا أكلة مكرونة وفراخ الساعة 9 يا علي!!
مال على الطاولة قبالتها يجيبها بابتسامة هادئة:
مش إنتِ يا فريدة هانم، ده البيبي.
راق لها رفعه الحرج عنها حتى لو كان مازحًا، فوجدت ذاتها تجذب رأسه طابعة قبلة على خده وهي تهمس له:
تصبح على خير يا حبيبي.
شعر وكأنه طفلًا صغيرًا، يعاد له ذكريات طفولته المميزة رفقتها، وكأن هذا الصغير يجدد روابط الطفولة بحضرته.
أجابها علي ومازال يحافظ على ابتسامته:
وحضرتك من أهل الخير فريدة هانم.
فور أن غادرت حمد الله انها لم تشك بسفر عُمران لمصر، وبأنها لم تلاحظ شيئًا مما يحدث.
صعد علي لغرفته حزينًا على أخيه وما حدث له، ولج لغرفته فوجد زوجته تغفو على الأريكة ومن حولها عدد من الملفات والحاسوب الخاص بعمران، على ما يبدو بأنه ترك العمل بإشرافها قبل رحيله.
***
ترك سيارته بمنتصف الطريق وهرع لجمال الذي مازال يجلس أرضًا يناديه بلهفةٍ:
جمـــــــــال!
انتبه إليه ذلك الشارد، فتوسعت عينيه بدهشةٍ، نهض ينفض الغبار عن ملابسه وهو يتساءل باستغراب:
إنت عرفت مكاني إزاي يا يوسف؟
تغضى عن سؤاله ودنى يراقبه باهتمامٍ وخوف، حالته كانت مريبة لدرجة أقلقته، فسأله بهلعٍ:
مال عينك حمرا كده؟ ومبتردش على تليفونك ليه يا جمال؟
وكأنه يتلبسه شبحًا يردد دون توقف:
عرفت مكاني ازاي؟
ارتبك قبالته، وفكر جيدًا فيما سيقول، فردد دون مبالاة:
مش مهم، المهم إني قدرت أوصلك.
تضخم شكوك جمال بشعوره المسبق بأن هناك من يتبعه، فزاد من اصراره بحزمٍ شرس:
مش هعيد سؤالي تاني، رد عليا؟
لطالما كان ذكيًا، سريع الملاحظة، لذا استسلم بمحاولة التمويه الفاشلة وأجابه:
عُمران كان قلقان عليك لما خرجت من مكتبه، فخلى اتنين من رجالته يرقبوك.
اعتصر جفنيه بوجعٍ، بالرغم مما فعله ومازال يهتم لأمره، أخفض رأسه بقلة حيلة وغمامته لا تصل لسمعه حديث يوسف، يرى شفتيه تتحركان بأحاديث عديدة ولكنها لم تصل إليه.
انتفض فجأة يسرع لسيارته، فركض يوسف من خلفه يناديه:
رايح فين يا جمال، استنى!
لم يجيبه وحرك مقود سيارته بسرعةٍ جعلتها تحتك بالرصيف بصوتٍ مرعب، زفر يوسف بنفاذ صبر واستدار يتأمل المكان وهو يهتف بغيظٍ:
متسرع وغبي!!!
***
وصل للمطار بزمنٍ قياسي، ترك سيارته بالخارج وهرول للداخل يبحث عنه بين الوجوه، وكأنه طفلًا صغيرًا فقد والده. طال بوقوفه حتى استجمع ذاته، فاستعلم عن رحلة القاهرة القريبة، ومنه اندفع للبوابة الخاصة، يتمنى أن يلحق به قبل دلوفه للداخل.
انحنى يستند على ساقيه وهو يلتقط أنفاسه الهادرة بصعوبةٍ، ثم انتصب بفرحة حينما وجد يجلس بين أحد الزوايا يتابع هاتفه.
اتجه إليه بخطواتٍ مترددة، حتى بات قبالته، ابتسامة صغيرة داعبت شفتيه وهو يراقب الحذاء الاسود الواقف قبالته، ودون ان يرفع عينيه للأعلى كان يعلم صاحبه، فقال ومازال يستكين بجلوسه:
وبعدين؟
جلس جمال جواره وقال بتعبٍ:
مش هتسافر.
اتسعت ابتسامته رغمًا عنه واستدار بوجهه إليه يمنحه نظرة ساخرة:
أوامرك تتنفذ عليك مش على عُمران سالم الغرباوي!
هز رأسه باستسلام ونهض يخبره:
خلاص يبقى رجلي على رجلك، هنسافر مع بعض.
لم يستطيع منع ضحكة انفلتت صاخبة منه، وقال مستهزءًا:
هو إنت ايه محسسني إني سايب ابني الصغير ورايا ومسافر؟
وتابع وهو يشير له على وجهه:
وأيه اللي إنت عامله في نفسك ده؟ ده هيهون عليك اللي حصل يعني؟! بدل ما تفوق وتقف على حيلك وتفكر ترجع حقك وحق مراتك وصاحبك ازاي؟
رمش بدهشةٍ من حديثه، فتابع عُمران بغضب بعدما نهض يستعد للرحيل فور سماع النداء الاخير:
أنا عايز حقي وإنت اللي هترجعهولي يا جمال، بكره الصبح هتكون ضربتي وصلت لنعمان، عايزك تكمل في اللي بتعمله وتخليها القاضية ليه، يمكن ساعتها أقدر أسامحك بجد.
خسر قوة ثباته قبالته، فأمسك يده يترجاه:
متسافرش أنا محتاجلك جنبي، متبعدش يا عُمران أنا غلطت في حقك وده قتلني، لو مشيت مش هسامح نفسي.
ترقرقت رماديته بالدموع، فأحاطه بيديه يضمه بقوةٍ، فتعلق به جمال كتعلق الغريق بقشة نجاته، ربت على ظهره بحنان وقال:
قولتهالك قبل كده عُمران الغرباوي مبيتخلاش عن اللي منه.
وابتعد يقابله بنظرة دافئة مستطردًا:
وإنت كُلي يا جمال، مهما دخل لحياتي أصدقاء أو قرابة عمر ما حد فهمني قدك.
وربت على كتفه يدعمه:
بس صدقني لو سافرت معايا وسبت نعمان الكلب ده من غير ما ترجع حق مراتك، عمرك ما هتقدر ترفع رأسك في وش حد تاني.
واستطرد بوجعٍ لمسه جمال ببحة صوته:
أنا اللي قدرت أعمله اني أضره في شغله، مقدرتش اعمل أكتر من كده لانه للاسف بالنهاية خالي، لكن باللي رجالتي قالولي عليه وهما بيراقبوك بقولك نفذ ومتفكرش في حاجة غير تارك وتار مراتك، يمكن ناري تبرد وتكون الخلاص ليا من النار اللي بتأكل فيا.
أزاح جمال دموعه وقال بصوت مبحوح:
خليك هنا وشوف بنفسك اللي هعمله فيه، متمشيش.
اتسعت ابتسامته رغم دموعه الهابطة على وجنته، فأزاحها وهو يدعي سخريته الكاملة:
مش بقولك طفل!! أنا يعني لو سافرت هقعد العمر كله، دول كلهم اسبوعين تلاتة وراجع.
واستكمل بخبث يشتت ذهنه:
أنا هسافر أريح دماغي منك تقوم تيجي ورايا!! وبعدين إنت ناسي المشروع ولا أيه، لو الممولين لقونا احنا الاتنين اختفينا مش بعيد يلبسونا قضية نصب.
يعاد تكرار النداء الاخير وازداد تشبث جمال به، ولأخر مرة يخبره بحزنٍ:
عشان خاطري خليك...آآ..أنا آسف آآ..
قاطعه عُمران بما اعتاده من وقاحته:
مش نقصاك بروح أمك، ما صدقت خلعت من مايا، مش ناقص انا خنقة هرمونات حمل وحوارات حريم ماليش فيها، سبني أدلع نفسي يومين وأشوف طريقة أفركش بيها جوازة شمس المنيلة دي، أنا مش هستحمل إنه يأخد البت بالسهولة دي.
وربت على كتفه بعنف:
روح دور على مراتك وسبني أشوف حالي.
رد عليه بحزنٍ:
مسبتش مكان الا ودورت عليها، مش لاقيها يا عُمران.
حمل الحقيبة الصغيرة على كتفيه، وضمه إليه لمرته الاخيرة، ليتفاجئ به جمال يهمس قرب أذنيه مازحًا:
راقب يوسف هتوصل لمراتك يا بجم!
وغمز له يشاكسه:
هتفضل طول عمرك غبي يا جيمي!
استعد للرحيل وتلك المرة التفت له يخبره:
اللي حصل في اليوم ده اتمحي من ذاكرتي وذاكرتك، مفيش كلام ولا عتاب تاني فيه يا جمال، ولو عايز تريحني بجد اكسب حب مراتك وثقتها فيك من تاني، لإن هي أكتر حد اتوجع في اليوم ده.
ومر من البوابة قبالة عينيه، واستدار يشير له بالوداع مشيرًا بأنه سيهاتفه فور وصوله.
أقلعت الطائرة وتباعدت عنه، وكلما ارتفعت زادت من وجع قلبه النازف، استعاد جمال كامل قوته فأزاح دموعه الغائرة وتحرك بعد هذا اللقاء الغريب بينهما، فاتجه لسيارته يقودها بسرعةٍ فائقة متجهًا لمحل ما وجهه "عُمران" وهو يكاد يشتعل من الغضب والغيظ، متوعدًا ليوسف أشد وعيدًا، ورغمًا عنه لا يستطيع منع ابتسامته السعيدة التي تخلق فجأة كلما تذكر حديث عُمران ومسامحته الصريحة له.
***
بمبنى الجهاز المصري.
انقلب المبنى رأسًا على عقب، مع تسرب ذلك الخبر المقبض، والمهين في حق المخابرات المصرية، بالرغم من تعنت الخبر وعدم وصوله لأي صحافة دولية الا أنه ذاع في الجهاز كخبر موسمي خطير.
اندهش "آدهم" من التكدس بالطابق الأول من المبنى، وتجهمر عدد من المتدربين يتهامسون فيما بينهم مما استرعى فضوله.
سُلطت عينيه على أفواههم واستطاع ببراعةٍ قراءة ما يقولون.
المقدم يحيى اللي إختاره القادة إتقتل على الطيارة من قبل ما ينزل منها، والغريبة إنه كان متنكر كشفوه إزاي!!
توجه مباشرة لمكتب "الجوكر"، استأذن العسكري لدخوله، وبعدها ولج للداخل فوجد غرفة مكتبه الضخمة تعج بعدد مهول من القادة وكبار الرتب الاستخباراتية، غادروا المكان تباعًا ولم يتبقى سوى"الجوكر مراد زيدان" يضم رأسه المشغول بالفكر ويكاد يصيب بالجنون.
تنحنح ليلفت إنتباهه، نهض "مراد" عن المقعد الرئيسي للطاولة الزجاجية الضخمة، التي تساع لأكثر من عشرونٍ شخصًا، وإتجه لمكتبه الجانبي، جلس وأشار له بثباتٍ عجيبٍ، كأنه لم يحدث شيئًا هز الجهاز بسرعة زلزالًا:
إتفضل يا عمر.
بقى واقفًا محله يتطلع له بجمودٍ، نصب اهتمام الاخير، فقال:
مالك؟
سحب أكبر قدر من الهواء ولفظه مع تحرر كلماته:
أنا عايز أستلم المهمة دي يا باشا.
ألقى الجوكر قلمه الثمين على المكتب بانفعالٍ:
تــــاني!! هو إنت مستغني عن عمرك يابني!!
وتابع بعصبيةٍ بالغة:
مش فرحك بعد عشر أيام؟ وبعدين مش المفروض إنك في أجازة؟
بإصرارٍ قال:
يتأجل، المهم الميكروفيلم مآآآ..
بترت حروفه فور أن ارتفعت نبرة الجوكر بضيقٍ من تمسكه بما يريد:
أنا كلمتي واحدة وإنت عارف، وجودك هنا في مكتبي لو عشان الحوار ده فاتفضل معنديش وقت أضيعه في تفاهات هتعطلني.
وجذب الحاسوب من أمامه يستعد لمتابعة عمله، فإذا بآدهم يصيح منفعلًا:
انا عايز أفهم أيه اللي مخلي حضرتك خايف بالشكل ده وإنت عارف كويس إني أقدر أرجع بالميكروفيلم.
انتصب الجوكر بوقفته المهيبة قبالته يحدجه بنظرة قاتلة:
إنت إزاي تسمح لنفسك تكلمني بالشكل ده؟ نسيت نفسك ولا أيه؟ ثابت يا سيادة الرائد بدل ما أحولك للمحاكمة!
أدى تحيته بكل احترامٍ، وقال:
أنا آسف إني اتجاوزت حدودي، عن إذن حضرتك.
وما كاد بالمغادرة حتى تسلل له صوت "مراد" الهادئ، وندائه بإسمه المحبب:
تعالى يا آدهم.
عاد لمحل وقوفه يتابعه باهتمامٍ، فأشار بزورقة عينيه الساحرة لاحد المقعدين:
اقعد.
إتجه للمقعد واقفًا محله بانتظار جلوس قائده، جلس مراد فاتبعه وهو يتابعه بملامح واجمة، تنهد مراد وقال:
أنا مبقللش منك برفضي إنك تقوم بالمهمة دي، أنا أكتر واحد عارف أيه اللي تقدر تعمله، متنساش إنك من تلاميذتي.
واسترسل يوضح له:
اللي عايزك تعرفه إني يهمني مصلحتك بالاساس لانك إنت نفسك تهمني، فرحك بعد كام يوم فإزاي عايزني أرميك لخطر زي ده؟ إنت بقالك سنين بتشتغل وبعيد عن والدك القعيد، وأكيد ما صدق يفرح بيك أقوم أبعدك تاني عنه.
ومنحه ابتسامة جذابة وهو يخبره بمشاكسة:
يا سيدي اتجوز وعيشلك يومين وبعدها إرجع وأوعدك مش هخليك تشوف البيت ولا المدام مرة تانية لو ده هيرضيك.
بدا الحزن واضحًا على ملامحه، وما كاد بأن يستميله مرة ثانية، حتى ظهر من أمامهما ذلك الواقف على بعدٍ يتابعهما بضجرٍ منذ بداية حديثهما:
مش فاضي أنا لمحايلاتك العظيمة مع تلميذك النجيب!
استدار "آدهم" للخلف، وانتفض يؤدي التحية للاسطورة الذي نصب طوله بعدما كان يستند بجسده على الطاولةٍ البعيدة عنهما.
فك تربيعة يديه واتجه يحتل المقعد الذي كان يحتله "آدهم" منذ قليلٍ، واضعًا قدمًا فوق الاخرى، وبيده يلهو بالكرة الجلدية التي تزين مكتب أخيه، بينما زيتونيته تتابع آدهم الواقف على بعدٍ منهما بنظراتٍ لطالما كانت غامضة.
كسر "مراد" حاجز الصمت بينهما، حينما قال:
عمر في أجازة عشان فرحه.
مرر اصبعيه جوار شفتيه متابعًا بخبث:
شكله مش قادر يستغنى عنك!
وتابع وهو يشير له بمكرٍ:
أتمنى تكون المهمة اللي جمعتنا مع بعض فادتك يا حضرة الرائد.
منحه ابتسامة صغيرة وقال ومازالت عينيه أرضًا:
فادتني جدًا وبتمنى لو تتكرر يا باشا.
قاطع الجوكر حديثهما الشاعري، قائلًا:
وأنا بتمنى متتقابلش فيه حتى لو صدفة يا آدهم، يلا روح حضر لفرحك وحاول تستمع بأجازتك بعيد عن الشغل.
أجابه رحيم بنظرة ساخرة:
وإنت بقى هتقف للصدف ولا هتعين حراسة ورانا!
كاد بأن يجيبه فاستوقفه رنين الهاتف الأساسي للمكتب الرئيسي، تركهما مراد واتجه يجلس على حافة المكتب ليتمكن نن الوصول لسماعة الهاتف.
بالقرب منه.
بقى آدهم محله، عزم على انتظار مراد ليتمكن من اقناعه للمرة الأخيرة، فجذب انتباهه نظرات الاسطورة الغامضة، وسؤاله الغريب:
إنت فعلًا فرحك بعد عشر أيام؟
هز رأسه بخفوتٍ، فتابع بابتسامة خبيثة:
عظيم!
وإعتدل بجلسته يخبره بنظرة كانت غير مفهومة لآدهم:
ويا ترى قررت هتقضي شهر العسل فين؟
ارتاب آدهم لأمره، لم يكن رحيم بالشخص السلسل بالتعامل مع أحدٌ، دومًا كان جامدًا لا يرغب بالحديث فيما لا يعنيه، أفطن بأن هناك رسالة غامضة يرسلها له الاسطورة، فراقب حروفه بتمعنٍ وخاصة حينما تابع بثبات مقبض:
خليني أرشحلك ميلانو، بس نصيحه خدلك أسبوع هنا في مصر، قبل ما تستعد للسفر، لإنك لما تشوف جمال الطبيعة هناك مش هترضى ترجع هنا تاني.
يدون عقله كل ملحوظة يخبره بها ذلك الحاذق، وتابع ببراعته الشيطانيه:
بس خد بالك يا حضرة الظابط مش الكل بيكون محظوظ وبيقضي شهر العسل بسلام، الله أعلم ممكن أيه يحصل.. يعني لو كنت محظوظ كفايا مش هيظهرلك علاقة سابقة في حياتك تهد أحلامك الوردية هناك، ومهما حلفت للمدام إنك مقابلتهاش في حياتك غير مرة واحدة بس مش هتصدقك، هو كده العلاقات اللي فاتت وانتهت ليها وقت ظهور بيقلب في اللي فات واتردم.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه آدهم بعدما وصل إليه مفهوم الرسالة السرية التي أرسلها له الاسطورة، فاتجه إليه يصافحه وهو يردد بفرحةٍ:
شكرًا لنصيحتك يا باشا، أوعدك اعمل بيها.
نصيحة أيه؟
قالها مراد بذعرٍ بعدما انتهى من مكالمته، فوقف يوزع نظراته المصعوقة بينهما، ودون أي رد فعل اتجه لاخيه يصيح منفعلًا:
قولتله أيه يا رحيم؟
ابتلع آدهم ريقه بارتباكٍ وقال:
مفيش الباشا كان بينصحني أبعد عن المهمة دي لإن في الأكفئ مني.
استقام بوقفته وأسرع بالفرار، قبل أن ينكشف أمره لقائده، بينما جلس مراد قبالة أخيه يحاوطه بنظرات شك، فعاد يضع قدمًا فوق الاخرى ويطالعه بنفس الثبات الحاد، متسائلًا بسخريةٍ:
خدت كام صورة؟
انفجر به بضيقٍ من بروده الدائم:
رحيم متستعبطش، قولت أيه لعمر خلاه ماشي بالسعادة الغريبة دي؟
رفع كتفيه ببراءة واجابه:
ولا حاجة!
ضم شفتيه معًا يعتصرهما معًا واغلق عينيه يستمد الهدوء وهو يخبره:
رحيم إبعد آدهم عن المهمة دي، فرحه بعد عشر أيام والمهمة دب عايز حد متمكن أكتر منه، وطبعًا بعيدًا عن انهم كشفيني أنا وانت محتاجين حد بنفس الكفاءة تقريبًا ويكون وش جديد.
اعتدل رحيم بجلسته وقد تلاشى عنه البرود وهو يصيح منفعلًا:
اللي عملوه النهاردة ده مش هيعدي بالساهل، ولو مخدناش الميكروفيلم ده مكانتنا هتتهز وسط الاستخبارات الدولية!
أيد حديثه حينما قال:
عشان كده لازم نتحرك وبأسرع وقت.
وأضاف الجوكر حائرًا:
بس للاسف اللي عملوه مع يحيى ده بيأكد إنهم واخدين حذرهم جدًا وده هيخلي المهمة أصعب.
نهض عن المقعد، ودث يديه بجيوب بنطاله، تتثاقل خطوات حذائه بخطواتٍ مدروسة، أنهاها حينما قال بغيومٍ أبادت مقلتيه بشكلٍ مخيف:
مفيش غيره اللي يقدر يعمل كده.
انتصب الجوكر بوقفته، ولحق به يتساءل بلهفةٍ:
مين؟
اتسعت ابتسامته الشيطانية وهو يردد ببطءٍ قاتل:
ليل... ليل العربي!
جحظت زُرقة عينيه بصدمةٍ، فابتلع ريقه وراح يردد بصعوبة حديثه:
إنت اتجننت يا رحيم!!!!!! ده سفاح دولي مطلوب من كل أجهزة المخابرات الدولية، عايزينا نلجئ ليه!!!! إنت مش في عقلك الطبيعي، اتجننت مؤكد إنك اتجننت!
بالعكس ده قرار ذكي وخبيث!
قالها ذلك الذي ظهر فجأة من خلفهما، فاستدار مراد خلفه فابتسم مرددًا بعدم استيعاب:
والله زمان يا وحش!!!
نزع جاكيته وألقاه على المقعد، ثم اقترب منهما يثني أطراف قميصه الابيض، مرددًا بسخرية وهو يرفرف برموشه الطويلة :
أفتقدت للمة الشياطين دي، وخصوصًا لو مع الجوكر والاسطورة.
تابعه رحيم بنظرةٍ ساخطة، وقال:
بس المرادي اللمة مش هتكون علينا بس يابن الجارحي، في دخيل من جهنم معانا، هنأخد حذرنا من عدونا مرة ومنه ألف مرة!
إبتسامة تسلية تشكلت على وجه "عدي الجارحي"، وبثقةٍ قال:
المارد الصح ميهمهوش لا جن ولا شياطين.
وتابع وهو يشير لباب الخروج السري:
هنتحرك لمكان المصباح دلوقتي ولا تحبوا نروح أمته؟
رواية صرخات انثى الفصل السابع والستون 67 - بقلم ايه محمد رفعت
نزع نظارته السوداء عن وجهه، ووقف يراقب الوجهة الخارجية بشوقٍ يرفرف لحبيبته، وبلده "مصر". سحب نفسًا طويلًا يجدد خلاياه بانتعاشٍ، وابتسامته الجاذبة تزيد من وسامته المهلكة. ربما ليست أروع دولة قد يزورها، زار أماكن على مستوى مرتفع من الرقي والتطورات، ولكنها ستبقى بلده، ستبقى أفضل مكانًا قد يزوره يومًا.
نظرية حنينه إليها، كذلك العاشق لزوجة قد يرى آلاف النساء الأكثر جمالًا، فإن تعلق الأمر بالأكثر جمالًا لما سكنت قلبه، ثمة أحاسيس لا تقاس بثمنٍ ولا مقارنات.
يعلم بأن العالم هنا مختلف عن مكان نشأته، ولكنه إن خُير سيفضل البقاء هنا وللأبد. رفع "عُمران" يد حقيبته وجذبها من خلفه متجهًا للخارج، فتوقف محله يراقب ذلك الذي يرتكن على سيارته السوداء بانتظاره. وما أن رآه حتى انتصب بوقفته يستقبله بابتسامةٍ صغيرة:
"نورت مصر يا طاووس!"
زوى شفتيه ضيقًا منه، وردد بفتورٍ:
"هي لحقت تبلغك؟"
جذب "آدهم" الحقيبة منه، ووضعها بالصندوق الخلفي، قائلًا بابتسامة رزينة:
"إنت كنت فاكر إنك هتنزل مصر ومش هعرف مثلًا!"
تخطاه وفتح باب السيارة الأمامي، فتنهد عُمران بتعبٍ ملحوظ بنبرته:
"آدهم انا نازل مصر عشان أكون لوحدي، من فضلك سبني أطلب أوبر للمكان اللي حجزته."
شعر بخطبٍ ما يحطمه داخليًا، يسعى لإخفاءه بجدارةٍ. ليس وقحًا كالمعتاد عنه، ثمة شيئًا هُزم داخله لا يعلمه.
تنحنح آدهم بخشونة:
"من حقك طبعًا، بس إسمحلي أنا مش هقبل تكون في مصر وتنزل بفندق، هتيجي بيتي وهتفضل عندي لحد رجوعك للندن، أوعدك إني هديك الخصوصية اللي تحبها."
وتابع مبتسمًا:
"وبعدين دي فرصة إني اقرب منك وأصلح علاقة الحموات اللي بتعاملني بيها دي."
اغتصب ابتسامة صغيرة على وجهه، ودون أي كلمة صعد جواره، وانطلق به على الفور.
***
انتهى من صنع فنجان قهوته، وخرج يرتشفها بتلذذٍ، فإذا بهاتفه يصدح بصوت رسالة. رفع فنجانه يرتشف منه وهو يراقب الرسالة التي وصلت للتو. بصق "يوسف" القهوة، وهو يعيد قراءة رسالة "عمران" بهلعٍ:
"الطور لما بترخيله اللجان بتكون إنت أول ضحاياه، بالشفى يا دوك، هستناك تهرب وتجيلي على مصر!"
جحظت عينيه صدمة، فازدرد ريقه الهادر بصعوبةٍ بالغة. أزاح "يوسف" عرقه النابض على جبينه وهو يهمس برعبٍ:
"الله يخربيت معرفتك إنت وهو يا أخي، هعمل أيه دلوقتي!!"
مرر يده على وجهه بتوترٍ، وما كاد بالوصول لحلٍ يخلصه من بين براثين ذاك المتهور، حتى أتاته طرقات باب منزله الهائجة. ابتلع ريقه بصعوبةٍ بالغة، وردد بخوفٍ:
"مش هفتحله لأ، ده هيقتلني!"
وتابع بعد تفكيرًا في حل ذلك المأزق الذي ألقاه به الطاووس الوقح:
"أطلب النجدة؟"
ترك الهاتف على المنضدة بحزن من اقتراحه، وهدر:
"ده مهما كان صاحبي، هسجنه بايدي!"
وما كاد بالتوصل لحلٍ آخر حتى تسلل إليه صراخ "جمال" المتعصب:
"افتح يا يـوسـف، أنا عارف إنك جوا، افتح بدل ما أكسر الباب ده على نفوخك!"
أسرع لغرفة نومه يبدل ملابسه البيتية، حمل هاتفه ومفاتيحه ومتعلقاته الشخصية، وأسرع لباب المطبخ عساه ينجو بنفسه.
سلك الدرج المعدني الرفيع، حتى وصل لنهاية العمارة، وما أن انخفض عنه، حتى أنفض يديه من الغبار العالق على الدرابزين. جذب منديلًا ورقيًا يمسح بقايا الغبار وهو يصيح بنفورٍ:
"البواب ده لازم يغيروه، معندوش اهتمام بنضافة السلم الاحتياطي."
"مهو ميعرفش إنك هتهرب منه زي الفيران!"
جحظت عيني "يوسف" بصدمةٍ، لعق شفتيه يمنحهما بعض الرطوبة، واستدار ببطئ تجاه الصوت المسموع، فوجده يستند على العمود الحجري، مربعًا يديه أمام صدره ويراقبه بنظراتٍ مشتعلة.
تجمد لوهلةٍ قبالته، فبرع برسم ابتسامة ثابتة وهو يقول:
"جيمي!! إزيك يا حبيبي عامل ايه؟ أيه اللي جابك هنا، المنور كله تراب وقرف، ده أنا نسيت مفاتيحي وكنت بحاول اتصرف وأعدي الشقة من المطبخ بس للاسف معرفتش، كويس إنك جيت، خلي بالك بقى عشان باب المطبخ على وسعه، عما أشوف سباك يجي يشوف الباب اللي مش عارف أفتحه ده!!"
وتركه وفر من أمامه راكضًا للچراچ، دث مفتاحه بباب سيارته، وما كاد بفتحها حتى أغلق جمال الباب ووقف قبالته يصوبه بنظرةٍ قاتلة، وبصوتٍ واجمًا قال:
"صبا فين يا يوسف؟!"
وصل لنقطةٍ لم يكن يريدها من البداية، فتنهد واستدار يقابله وجهًا لوجه:
"في مكان أمين، وليلى معاها."
تسلل الغضب بمُقلتيه وجعله مخيفًا، بينما الأخر يواجهه بثباتٍ وقوة:
"عارف إنك كان لازم تعرف من البداية، بس أنا وعدتها إنك مش هتعرف بمكانها، مكنش قدامي حل تاني، وانا عارف إنها ملهاش مكان تروحه، خبيت عنك وكنت هخبي لحد ما هي بنفسها اللي تطلب مني أقولك."
واستطرد بجديةٍ تامة، وعينيها لا تفارقه:
"جمال أنا مش ندمان إني عملت كده، بالعكس أنا اتعاملت مع الموقف كأنها مرات سيف أخويا واتحطت في موقف مشابه زي ده."
جموده قبالته، صمته المريب، رزانته المفاجئة، كل شيءٍ به يثير قلق يوسف، لدرجة جعلته يناديه بقلقٍ:
"جمال!"
اقترب منه في حركةٍ مفاجئة، فتراجع يوسف للخلف خوفًا من ان يتلقى لكمة، فاذا بجمال يحتضنه بقوة كالغريق الذي ينازع انفاسه الأخيرة.
تشتت يوسف لوهلةٍ، وفقد التعامل مع رد فعله، ظن بأنه سينهال عليه باللكمات القاسية، يعلم بأنه ليس بأفضل حالاته، فتوقع الأسوء منه.
شدد جمال من ضمته بقوةٍ، جعلته يطوقه بذراعيه بألمٍ يذبح فؤاده، يشعر بانهزامه وضعفه، وهو الذي اعتاداه قويًا، متهورًا.
مال برأسه على كتفه يخفي دموعه، وهو لا يعلم بأنه يشعر بها دون أن يراه، وقال من بين أنفاسه المتحشرجة:
"اللي مريت بيه ده كان كفيل يخليكم كلكم تبعدوا عني، إنت كنت جنبي على طول يا يوسف، متخلاتش عني، صدقتني وفضلت في صفي، رغم إني الجاني مش المجني عليه."
واستطرد وهو يتشبث بجاكيت بذلته الأسود:
"إنت كنت من اختياراتي الصح يا يوسف، وصعب أتخلى عنك أو ألومك على شيء."
وتابع بصوتٍ احتنق بعباراته:
"أنا بس كنت محتاج أطمن، ودلوقتي اطمنت."
ربت على ظهره بحنانٍ، وكأنه طفلًا صغيرًا، وقال بحزنٍ:
"هتعدي والله، هي بس محتاجة وقت تتخطى اللي عاشته."
ابتعد عنه يزيح دموعه، ويرسم ابتسامة صغيرة:
"عارف وهستنى."
مال على مقدمةٍ سيارته يميل نصف جلسة، وسأله بارتباكٍ:
"الولد كويس؟"
هز رأسه بتأكيدٍ، فربع يديه أمام صدره بتوترٍ جلي:
"الحمد لله."
ورفع عينيه له يتلاشى نظراته المشفقة على حاله وقال برجاءٍ مؤلم:
"ممكن تخلي دكتورة ليلى تصوره، عايز أشوفه!"
أخرج هاتفه من جيب بنطاله يجيبه:
"أكيد طبعًا."
استغرق دقيقتين، وسلط له الهاتف، تناوله منه بلهفةٍ، واتسعت بسمته بشكلٍ اجبر يوسف على الابتسام بمحبة.
آرسل جمال الصورة لحسابه الشخصي، واعاد الهاتف ليوسف قائلًا:
"اطلع ارتاح، أنا همشي أنا."
لحق به يتساءل بريبة:
"رايح فين؟"
فتح باب سيارته المصفوفة في بداية الچراچ واخبره:
"مشوار مهم ولازم اعمله."
أمسك ذراعه يمنعه من الصعود، ووقف قبالته يتساءل بشكٍ:
"رايح فين يا جمال؟"
نزع ذراعه من حصاره وقال:
"رايح أرجع حق مراتي وصاحبي يا يوسف، ولو معترض على ده هعمله بردو."
رد عليه بهدوءٍ يحاول به امتصاص غضبه:
"مش معترض، بس افهم رايح فين؟"
عاد يفتح باب سيارته، ولج داخلها واخفض زجاجها يخبره:
"استنى واتفرج على اللي هيحصل، ووقتها هتعرف أنا رايح فين؟!"
قالها وانطلق بسيارته بسرعةٍ البرق، متجاهلًا صراخ يوسف وندائه المتكرر، فصفق كفًا بالأخر وهو يردد بعجزٍ:
"هيجيلي الراحة منين طول ما الكائنات دي في حياتي!!!!"
***
بمكانٍ منعزل عن السكان، حيث يبتلعه الظلام من كل صوب، وكأنه أخر بقاع الأرض، تعمه الصحراء القاحلة، وأصوات حشرات الليل المفترسة تحوم به كناقوس الخطر المزلزل للأبدان. هنا حيث يسكن كل شيءٍ، لا ضجيج المدن ولا ثرثارة الناس. يمزق سُكنة المكان، صوت إطار ثلاث سيارات فاخرة، تصطف ثلاثتها قبالة بعضها البعض، مشكلة حلقة دائرية.
أضواء كشافتها تضيء المكان المعتم بشكلٍ كبيرٍ، هبط الثلاثة من سيارتهم وإتجهوا لتلك الحلقة الدائرية.
وضع "مراد" يده بجيب جاكيته الأسود، ووقف يتابع أخيه بنظرةٍ منزعجة، فشرع بإعلانه الاخير:
"خليك عارف إني مش راضي عن قرارك المتهور ده، إنت اللي هتتحمل مسؤوليته قدام الجهات."
منحه "رحيم" ابتسامة جانبية، وتمعن بعدي الذي يتابع المكان بدهشةٍ، فسأله باستكانةٍ ماكرة:
"عجبك المكان يا سيادة العقيد؟"
استقرت عسليته عليه وتمتم باستهانةٍ:
"مش بطال، بس أيه سببب تواجدنا هنا في وقت زي ده؟"
واستطرد بسخريةٍ:
"هو جو الفيلم الرعب ده مسلي جدًا، بس اللي بنمر بيه مش محتاج تضيع وقت يا رحيم."
استند بذراعيه على مقدمةٍ سيارته وجلس فوقها واضعًا ساقًا فوق الاخرى ببرودٍ اتبع نبرته:
"متقلقش مش بضيع وقتك، ده كله في مضمون المهمة اللي اتبعت للجهاز عشانها."
وزع "عدي" نظراته الحائرة بينه وبين الجوكر المنزعج من أخيه، يبدو وكأنه على وشك سحب سلاحه من غمده واطاحة رأس أخيه الفضيل.
عاد ببصره تجاهه وسأله بدهشة:
"طيب فهمني إحنا بنعمل أيه في مكان زي ده؟ مش المفروض نقابل المارد!"
ربع يديه أمام صدره وسند رأسه لزجاج سيارته يستكين باسترخاءٍ تام، كأنه يستعد للنوم بتلك الاجواء المرعبة:
"هو هيعرف يطلع من العلبة لوحده."
إنزعج من بروده وغموضه بالحديث، فاستدار إلى "مراد" الذي جلس على مقدمة سيارته يتابعهما بضجرٍ، فما أن تطلع عدي له حتى تمتم بعصبيةٍ:
"متبصليش كده، أنا مبعرفش أحل مع كتلة البرود ده في شيء، هو حل من الاتنين يا نقتله هنا أنا وإنت يا نسيبه مكانه هنا للصبح ونرجعله بليل يكون اتشمس وفك من البرودة."
إتجه "عدي" لسيارة "رحيم"، جلس جواره يتطلع له بحنقٍ، فناداه على مضضٍ:
"رحيم إنت عارف خطورة المهمة دي، كل دقيقة بتمر علينا بتعرضنا لخطر أكبر، فقولي نلاقي فين ليل العربي عشان نتحرك بسرعة."
بقى ساكنًا وكأنه يسبح بنومٍ عميق، أذنيه تتركز بسماع أي بصيص قد يفيده، وفجأة حرر زيتونية عينيه بابتسامةٍ مخيفة، وفاه:
"قرينه بيحوم حولينا، شوية وهيظهر."
تعجب"عدي" من حديثه، ورفع عينيه للأعلى يراقب هذا الصوت المرعب، تفاجئ بصقرٍ جانحًا، ضخمًا، مخيفًا للغاية، لونه أسود مخطوط جبهته بغارة بيضاء كالشهب، يرفرف بجناحيه الكبيران بشموخٍ وكبرياء، يحيط بمكانهم في نطاقٍ دائري، كأنه يود استكشاف هويتهم.
حلق بعنجهيةٍ، متفاخرًا بقوته، ومال يتجه إليهم، حتى استقر على سيارة "عدي" الفارغة، حيث كانت سيارة رحيم تحمل مقدمتها رحيم وعدي، والجوكر يحتل مقدمة سيارته.
برز حجمه حينما قابلهم بمحل وقوفه، أجزم مراد بأنه يرى هذا الطائر الغريب لمرته الاولى، كان يثني جناحيه خلف، وكأنه ملكًا يطل على حاشيته، يطالعهم بعجرفة ربما اكتسبها من صاحبه.
نهض رحيم عن سيارته واتجه ليقترب منه، فأوقفه مراد يخاطبه بقلقٍ:
"متقربش منه يا رحيم."
اعتاد من أخيه على محبته، وخوفه الهيستري عليه، فطمنه بمسحة يده على ذراعه وقال:
"اطمن، أنا اتعاملت مع عُقاب قبل كده."
تمسك به بقوةٍ ورفض أن يتركه يتقدم للأمام، فزفر بغضبٍ:
"مراد قولتلك مش هيعملي حاجة!"
دفعه الجوكر للخلف بعنفٍ يتناسب مع قوة جسده العضلي، هادرًا من بين اصطكاك أسنانه:
"انا مش هفضل أخد اوامر منك طول الوقت، إرجع إنت وسبني أنا اتعامل."
تنهد عدي بقلة حيلة، الحرب مستمرة بينهما وعلى ما يبدو بأنها لن تنتهي يومًا، نصب الاسطورة عوده، وأخرج من جيبه بطاقة سوداء، تحمل رمزًا مصغرًا لهيئة الصقر المقابل لهم.
اقترب لاخيه يشرح له على مضضٍ، بعدما فقد الامل بأنه سيتخطاه:
"هحط دي قدامه عشان يتعرف علينا، فهمت!"
انتشل منه الجوكر البطاقة، واختار المضي قدمًا تجاه الصقر، كعادته يضع نفسه بالمقدمة حينما يحيط الخطر أحد أحبابه، ما يجعل رحيم غير راضيًا عنه.
ترك البطاقة أمام "عُقاب"، الذي مازال يتابعهم بشموخٍ، فانحنى بمنقاره المنجرف يحمل البطاقة، حلق عاليًا واختفى من أمامهم في لمح البصر، مما دفع عدي ليتساءل:
"فيها أيه البطاقة دي يا رحيم؟"
أتاه ردًا صريحًا حينما استمع لصهيل خيلًا، عربيًا، أصيل، استدروا معًا تجاه تلك الاتربة التي خلفت من حول ذلك الفارس محترف التحكم بفرسٍ غريب الأطوار، يتحكم بسرجه بقبضةٍ حديدية، يجابه بشموخه شموخ صقره المحلق من فوقه.
وشاحه الأسود يتدلى من خلفه مصدرًا صوتًا كحفيف الموت الذي يحوم بالقبور الصامتة، غدافية مُقلتيه تبرز من خلف القماش الذي يلثم وجهه ويخفيه عن الأنظار شفقةٍ عليهم مما يخفيه، صقره الأسود يهبط الآن ويستكين على كتفه، يعلن بشموخٍ أنه الصديق الوحيد الذي يمتلكه، نقيض هذا الحصان البائس الذي يكون رفيق طريقه المؤقت برحلة لا تدوم طويلًا، ولكنه لا يبرع الا بانتقاء من يشابه سواد ليله الكحيل!
غريبًا هو حتى وإن وطئت قدميه واحد وخمسون دولة، لم يجد وطنه بأي بلدًا قبع بها، مِسْفَار يحمل أمتعته من مكانٍ لأخر ولكن ما عليك أن تكون حذرًا وللحق إن أتخذت كل الحذر لن تتمكن من إيقافه!!
عساك تظن أنك تمتلك من الذكاء ما يؤهلك على الوقوف أمامه بساحة الحرب، لك أن تعلم عزيزي أنه ليس هناك لغزًا من الأساس لتجتهد بحله، فهو ليس لغزًا بل متاهة مقبضة، يسيطر جاويد ليله عليها فيجعلها مقبضة، لن يمنحك حتى فرصة خوض جولة تجربية تستعلم بها مدى امكانية فرصة فوزك، لآنك ستقتل في أرضك قبل أن تخطو خطوة واحدة!!
هو غريبًا، غامضًا، مخيفًا، متفردًا، حيث من المحال أن تلمح طرف وشاحه، حتى إسمه يصعب على أحدًا تخمينه ولكنني لست أحدًا فأنا بالنهاية من شكلت شخصية مقبضة مثل هذا الرحال الغريب، لذا فلأخبرك سرًا قارئي العزيز أخر ما نسب إليه من الأسماء كان #ليل_العربي! ولتعلم بإن إسمه الحقيقي بذاته لغزًا وإسمه الحالي لا أعلمه، ربما يخدمنا الحظ ويصادف أنه مازال يحمل نفس الإسم بالوقت الراهن.
وقف "رحيم" قبالة الفرس، يطالعه بنظرة قاتمة، فإذا به ينتقل بعينيه المتخفية خلف وشاحه عليهم، وبرشاقة لا تتناسب مع جسده الضخم انخفض عن فرسه.
وقف جواره يمرر يده ببطءٍ قاتل على ظهر الفرس، بحركاتٍ عشوائية، جعلته ينحني برأسه وكأنه يعلن طاعته لأمر فهمه من سيده، وعلى الفور تحرك ليختفي عن الأعين.
اقترب مراد وعدي منهما، فاذا به يقف قبالتهم رافعًا الرأس، بنية عينيه الشبيهة بحبات القهوة الداكنة تنتقل بين وجوههم، وبثباتٍ محسوم ردد:
"خير؟"
منحه رحيم ابتسامة خبيثة، وقال:
"وجودنا مع بعض ميدلش عليه."
حام "عُقاب" من حوله وانخفض بكل قوته، فمد "ليل" ذراعه ليتلقف طائره الغاضب على ذراعه بكل مهارة، ويده الاخرى تمر على جسده الضخم، قائلًا وعين اهتمامه منصبة على الطائر:
"خير أو شر، وجودكم هنا محظور."
تدخل عدي بالحديث، منفعلًا من بروده بالتعامل:
"لولا إننا محتاجين لسيادتك مكناش جينا هنا."
توقفت يده على جسد طائره، واستدار بوشاحه له، وبجمودٍ هتف من خلف لثام نصف وجهه، الذي يخفيه كليًا كالشبح:
"وجودك على أرضي غير مرحب بيه يا سيادة العقيد، ارجع مكان ما جيت ومتكررش الزيارة."
تجعد جبينه غضبًا، وكاد بمهاجمته فاوقفه الجوكر هادرًا:
"احنا مش جاين عشان نرجع يا ليل، في مهمة حساسة وتقريبًا كلنا مكشوفين فيها، عايزينك فيها."
لم يصدر عنها صوت الضحك، ولكن هزت رأسه امعنت سخريته الواضحة، وخاصة بحديثه:
"عايزني انا!! هو في جهاز أمن دولة بيحتاج لظابط خان بلده!!"
تحرر رحيم عن صمته وقال:
"أسقطنا التهمة من عليك، وإنت اللي مصمم تنعزل عن الكل، وتبقى السفاح الدولي المطلوب من كل الاجهزة الدولية، في حين إنك ممكن تكون بطل وآ.."
استوقفه باشارة قفازه الاسود الذي يرتديه قائلًا:
"ميلزمنيش الدور ده، أنا مرتاح في مكاني ومش مرحب بوجودكم."
وتابع وهو يستدير ليغادر:
"المرادي رحيلكم أمان، المرة الجاية خدوا حذركم."
"على حد علمي إنك مديونلي بحياتك!"
توقفت خطاه الثقيلة عن المضي قدمًا، فور سماع كلمات الاسطورة، مال برأسه فوق كتفه وقال بعزةٍ وكبرياء:
"ديني مردودلك بالوقت اللي أحسه مناسب."
تابع رحيم بقوةٍ وشموخ تجابهه:
"يبقى ميلزمنيش، أنا اللي اختار المناسب لرد دينك، وده أنسب وقت."
اضاف مراد بعدما اكتملت فكرة غير واضحة عن هذا الشخص الأكثر غموضًا:
"بعيدًا عن الدين ورده، فبلدك محتاجالك يا ليل."
استدار بجسده الضخم إليه، يخبره بنبرة قاسية:
"أنا غريب عن أرضي، المكان اللي رجلي بتدوسه بيبقى خاضع ليا وملكي."
وسحب بندقية عينيه لرحيم، هادرًا بحزمٍ:
"دينك هيترد يابن زيدان، مكاني من دلوقتي محرم عليكم دخوله، أنا هعرف أقابلكم تاني ازاي."
هز رأسه بتفهمٍ، وأشار لعدي ومراد بالصعود لسيارتهما، ورنا إليه يخبره بابتسامةٍ صغيرة:
"تعرف إني عمري ما شكيت في ذكائك، استغنائك عن التكنولوجيا واعتمادك على أبسط الاشياء زي البدو مخليك مبهم لأي أجهزة دولية."
وتابع وهو يضع يده بجيب بنطاله:
"إنت طبعًا لسه فاكر وعدك ليا."
رفع بنيته له، وقال بخشونةٍ:
"طلبك اتقبل وبناء عليه وعدتك، بس لسه وقته مبقاش مناسب."
هز رأسه بتفهمٍ، وأضاف:
"بس انا مش عايزه يتدرب على ايدك لوحده، ليا ابن تاني يخصني."
ليت الوشاح يسطع ليتمكن من رؤية ابتسامته الساخرة، فاكتفى بايماءة رأسه تجاه سيارة عدي وقال:
"حفيد “ياسين الجارحي” لو شبه أبوه يبقى هلتزم بوعدي ليك بس."
هز رأسه بابتسامةٍ شيطانية:
"اعتبره نسخة مني أنا، لإني أنا اللي هتولى تدريبه مع ابني، اطمن مش هتخلى بالوعد ولا باتفاقي معاك.. هستنى ظهورك بالوقت المناسب."
مال برأسه ايماءة صغيرة غير ملحوظة، فمنحه ابتسامة خبيثة واتجه لسيارته يلحق بالسيارتين، بينما يقف “ليل” محله، يتابع رحيلهم بآعين لامعة كمن يرتخي على كتفه يتابع ما يحدث بتحفزٍ.
رفع كفه فتحرك عُقاب يحتل لائحته، رفعه ليل نصب عينيه يراقبه بتمعنٍ خبيث، وهمسًا شيطانيًا:
"هنجهز لجولة جديدة يا صديقي!"
***
خرجت تلك الفتاة المتبرجة من حانة الرقص، بملابسها القصيرة التي توضح مفاتن جسدها بشكلٍ مقزز، تمايلت بمشيتها خارج الحانة المحرمة التي تعمل بها، حتى وصلت لتلك السيارة.
طرقت على نافذتها ، فانحنى الزجاج وطلت يدًا رجولية، بمبلغ طائلًا من المال، وضعت الظرف المغلق في يده والتقطت المال بفرحةٍ، تنحت جانبًا ليمر بسيارته مبتعدًا، وابتسامة خبيثة تحتل ثغره، وهو يهدر بوعيدٍ:
"وقعت يا نعمان!"
صف "جمال" سيارته، بمنطقة منعزلة، وجذب حاسوبه يضع به الفلاشة من الظرف، وما أن شاهد محتوياته حتى لاحت على شفتيه ابتسامة ماكرة، وعلى الفور استخدم حنكته وبدأ بالعمل، وهو يحرص كل الحرص أن يصيبه في مقتلٍ.
***
بعد الاستقبال الحافل بين والد آدهم وعُمران، رفض تناول الطعام واصر على الصعود للراحة، غفى باستسلامٍ لتعبه الجسدي، وحينما حان الصباح أخذ حمامًا ساخنًا وهبط يبحث عن آدهم.
وجده يقف بالمطبخ، يصنع طعام الافطار بمفرده، وضع يديه بجيوب بنطاله الأسود، ومال على الباب الزجاجي يتابعه، مطلقًا صفيرًا مشجعًا:
"مكنتش أعرف إن رجالة الشرطة ستات بيوت شاطرة كده."
استكمل تنصفية أصابع البطاطس بحرافيةٍ، وأجابه دون الاستدارة له:
"وكمان صعب استفزازهم."
ابتسم على كلماته وقال:
"أنا عايز أعرف عنوان آيوب."
هز رأسه ومازال يعد ما يفعله ببراعة:
"مفيش مشكلة بعد الفطار هخدك ليه."
قال معترضًا:
"ماليش نفس، عايز اشوفه."
أغلق النيران واتجه للطاولة الموضوعة بالمنتصف، يردد:
"امبارح قولت مش جعان، والنهاردة رافض تفطر، ممكن أفهم بتأكل أيه؟"
واستطرد بجدية تامة:
"لو عايزني اعملك Healthy Food معنديش مانع."
سحب المقعد وجلس يخبره ببساطةٍ:
"عمري ما حبيته، بحسه شبه اكل الجيش اللي مشفتوش في حياتي ده."
وجذب شطيرة يغمسها بالجبن وبدأ بتناول طعامه، جذب آدهم مقعدًا وجلس قبالته يشاركه الطعام، فكبت ابتسامة صغيرة استحوذت عليه وهو يناديه:
"عُمران."
ترك الشطيرة وجذب كوب العصير يرتشفه هادرًا بانزعاجٍ:
"هات اللي عندك، متنادنيش بالصوت الرقيق اللي بيفكرني بمراتي وقت ما تعوز حاجة ده!"
ضحك بصوت الرجولي وقال:
"عايز أعرف أخرة حرب الحما بتاعتك دي أيه؟! مش خلاص بقى؟"
تعمق بالتطلع له وقال ببساطةٍ:
"لما الجوازة دي تتفكرش وقتها هحبك."
وتابع وهو يتناول طعامه ببرودٍ:
"عارف يا آدهم، إنت شخص كويس وكويس جدًا كمان، ويمكن لو كنا اتعرفنا في ظروف أحسن من كده كنا هنبقى كابل أصدقاء رائع، بس للاسف طلعت غبي ومكسبتش صداقتي."
وأضاف لمن يستمع له بصدمةٍ:
"لما فركشت حوار شمس وراكان ابتديت أحبك وأحسك واحد بتفهم، بس لما اكتشفت إنك بتخلعه عشان تبقى مكانه قلبت عليك وبالجامد أوي."
رفع أحد حاجبيه بسخريةٍ، لحقت نبرته:
"طيب وناوي تحن أمته؟"
وضع (الكاتشب) فوق أصابع البطاطس وتناولها هاتفًا بتفاؤل:
"بعد الطلاق إن شاء الله."
واضاف بضيقٍ:
"شمس دي ملكية خاصة، وإنت يعتبر دخيل فهتنسحب هتنسحب مفيش اختيار تالت!"
هز رأسه وابعد المناديل عنه هادرًا باستهزاءٍ:
"طمنتني الله يطمنك! أنا عمري ما أفوز بحاجة سهلة كده أبدًا، لازم أحارب ويطلع عين اللي خلفوني!"
استكمل باقي كوبه، وقال:
"وهي متستهلش إنك تحارب؟"
ارتسمت ابتسامة عاشقة على وجهه وقال:
"تستاهل إني أخوض عشانها مئات الحروب!"
طرق الكوب بقوةٍ على الطاولةٍ، وتفرس بملامحه هادرًا بانزعاجٍ:
"عايز أروح لآيوب."
كبت ضحكاته وقال وهو ينهض عن طاولته:
"هغير هدومي وجايلك."
وعاد لها يشاكسه بحنكة وذكاء:
"بقولك يا عُمران كنت محتاج جواز سفر شمس، عشان أحجز تذاكر شهر العسل."
احتقنت رماديته، فتابع آدهم بخبث:
"أصل انا قررت إننا هنسافر ميلانو بعد الفرح باسبوع، يعني إنت فاهم إن العرسان اللي بيعملوا الفرح وبيسافروا على طول دول بيتبهدلوا في السفر وبتضيع عليهم ليلة الفرح، فأنا بقول نقضي هنا اسبوع ونسافر براحتنا."
خرج عن طور هدوئه، فجذب زجاجة مخفوق البندورة، والقاه تجاه آدهم الذي صعد الدرج يقهقه عاليًا، تاركًا من خلفه نيرانًا تستعير غضبًا.
***
خرج من حمامه الخاص، يزيح قطرات المياه عن وجهه، وما أن ازاحها حتى تفاجئ بفاطمة تقف من أمامه مرتبكة للغاية.
منحها ابتسامة جذابة، وردد بصوته الرخيم:
"كنتِ فين على الصبح كده يا حبيبتي؟"
اقتربت منه تجيبه وهي تتحاشى التطلع لعينيه:
"كنت قاعدة مع شمس ومايا."
لمس تهربها من لقاء مُقلتيه، درس حركات أصابعها المرتبكة بعنايةٍ، وتعامل بخبرته المتمارسة، فقال يستمد انتباهها من فجوتها:
"النهاردة عندي اجتماع مهم مع فريق التمريض الجديد، هخلص وهعدي عليكِ عشان نروح لزينب."
نجح في سبر اغوارها، فدنت منه وهو يرتدي ملابسه استعدادًا للرحيل، وهتفت:
"بجد، هنروحلها النهاردة."
قال وهو يرتدي قميصه الابيض:
" جهزي نفسك أنا كلها ساعتين وهاجي بإذن الله."
هزت رأسها بفرحةٍ، بينما يستمر هو بصمته وثباته المخادع، كانت توده أن يسألها عما بها، ولكنها لا تعلم بأنه إن فعلها كانت لتنكر ما بها كأي أنثى، ولربما لا تعلم أيضًا أنه يمتلك خبرة التعامل معها ومع غيرها!
كبت ابتسامته وهو يراقبها بالزجاج المعاكس لها، كانت تتجه للجانب الآخر من خزانة الملابس، تقف أمام احدى فساتين الخروج بشرودٍ.
استدارت إليه فوجدته يقف الآن أمام السراحة، يستعد للرحيل بعدما صفف شعره الطويل، فأسرعت تناديه لهفةٍ:
"علـي!"
زفر بسعادةٍ لسرعة نجاح مخططه، فلم يكن ليغادر دون أن يعلم ما بها على كل الاحوال، استدار يرسم جديته وثباته ببراعةٍ، متسائلًا باستغرابٍ:
"أيوه يا حبيبتي."
اقتربت منه ومازالت تفرك أصابعها كالطفلة الصغيرة التي تحاول ايجاد حديثًا لطيفًا يصرف عنها عقوبة ما فعلت، وقفت أمامه الآن تجاهد للحديث:
"أنا… آآ… كنت عايزة آآ…"
اتسعت ابتسامته الجذابة وقال:
"عايزة أيه يا فطيمة، اتكلمي؟"
ضمت شفتيها معًا بحزنٍ، وقالت:
"عُمران قبل ما يسافر سلملي كام ملف مهمين لازم أشتغل عليهم وأسلمهم للادارة."
فهم الآن سبب ارتباكها، باتت مشكلتها ملموسة له، ولسعده بأنه سيعاونها دون ان تعلم بأنها تتراجع بخطواتها الايجابية بعلاجها، فقال بهدوءٍ حذر:
"طيب وفين المشكلة؟"
قالت بربكة جعلتها تزدرد ريقها باستياءٍ:
"أولًا هضطر أحضر اجتماعات بداله بما إنه مش موجود لا هو ولا مايا، ثانيًا وقتي هناك هيكون اطول وتعاملي مع الموظفين هيكون اجباري، وكمان آآ…"
دفعها بنظرة عينيه باستكمال حديثها، فقالت على استحياءٍ:
"أنا قللت النزول للشركة بعد الموقف اللي حصل مع سكرتير عُمران."
تنهد براحةٍ بعدما نجح بجعلها تخرج ما بصدرها دون أن يطالبها بذلك، فقطع مسافته القاطعه بينهما، وجذب كفيها يرفعه إليه ببطءٍ، طابعًا قبلة على يديها.
واجه نظرتها العاشقة، بعاطفة ومشاعر تتراقص بالمُقل، وقال:
"كل ده طبيعي يا حبيبتي، بس اللي أنا واثق منه إنك هتقدري تعدي كل عقبة رصتيها قدامك بنفسك، كل ده وهم، أبواب من حديد محاوطه نفسك بيها يا فاطيما."
وتابع وهو يشير لها عليها:
"حاولي تصدقي من جواكِ إنك بقيتي أقوى، وإن اللي فات من حياتك عدى وانتهى، لإنه مكنش بتاعك اللي جاي هو اللي ملكك وبايدك تغيره."
وبثقةٍ هتف بها:
"إنتِ قوية وقادرة تواجهي من غيري ومن غير المهدأ، من غير أي حاجة كانت بتدعمك."
اتسعت ابتسامتها فرحة، وهزت رأسها بخفة بموافقتها حديثه، جذبها بين ذراعيه، يضمها بحبٍ وهو يهمس لها:
"وحتى لو نص كلامي معناه إنك لوحدك في مخططاتك، فأنا هفضل جنبك ومعاكِ وقت ما تحتاجيني."
وضم جبينها بقبلة أخيرة، يتبعها صوته المخملي:
"أنا على طول هنا يا فطيمة!"
أغلقت عينيها بسعادةٍ وقالت:
"واثقة إنك جنبي ومعايا دايمًا يا علي."
وسعت ابتسامته وقال:
"لأخر عمري جنبك ومعاكِ يا قلب علي!"
ودعها وهبط للأسفل، فوجد شقيقته ترتدي مريول المطبخ، وتحمل طبقين كبيرين، عليهما العديد من أصناف الطعام الغني بالبروتين.
وضعت احدهما أمام مايا والاخر أمام والدته، مرددة بفخرٍ:
"أنا قومت من بدري وجهزتلكم فطار مليان بروتين وفوايد كتيرة، عشان كتاكيتي الصغننه تتغذى."
وضعت مايا يدها على أنفها بنفورٍ، ورددت:
"أنا مش طايقة ريحة الأكل يا شمس، اعفيني عن المهمة دي، فريدة هانم سابقاني بشهر فعدت موضوع القيي والتعب ده، ادخلي عليها واتناقشوا مع بعض، أنا هأخد ابني ونطلع نريح فوق شوية."
صاحت بحزمٍ أضحك علي الذي يراقب ما يحدث من أعلى الدرج:
"مفيش حد هيقوم من غير ما يخلص طبقه، عُمران موصيني عليكم!"
وضعت فريدة قدمًا فوق الاخرى، وخاطبتها بتعاليٍ:
"كأن صوتك عالي شوية يا شمس."
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبةٍ، وهتفت:
"يوطي يا فريدة هانم."
استدار علي خلفه على أثر لكزة خفيفة بكتفه، فوجد احمد يقابله بنظرة مندهشة،وتساءل:
"واقف كده ليه يا دكتور؟"
أشار له هامسًا:
"بحاول أكتسب معلومات من شمس عن تغذية الحوامل، المفروض تكافئ البنت دي بتساعدك بدون ما تتعبك يا بشمهندس."
ابتهجت معالمه وابتسم مرددًا بسعادةٍ:
"شمس دي حبيبة قلب عمها ومن هي بيبي صغير."
شاركه البسمة وهمس له:
"تعالى نتسحب من الباب اللي ورا، فريدة هانم لو شافتنا هتبطل فطار وهتقوم تعمل رياضة وقتي!"
هز رأسه باقتناعٍ وقال:
"وعلى أيه، يلا بينا."
لحق به والابتسامة مشرقة على وجهه، يحمد الله أن هناك ستار عظيم من الله عز وجل على أغلب اخطائنا، ليس كل ما نرتكبه من جرائم وذنوب وأخطاء تُكشف للجميع، فلربما منح الله فريدة فرصة عظيمة بعدم خسارة زوجًا، وعاشقًا، محبًا مثل أحمد.
***
طرق الباب وتراجع للخلف بمسافة تمنح خصوصية لاهل المنزل، فتحت “سدن” الباب وفور أن رأته قالت:
"اتفضلي!"
كبت يونس ضحكته بصعوبة وقال:
"لا أنا مستعجل على المحل، ناديلي أم فارس لو سمحتي."
هزت رأسها وقالت بلهجةٍ غير صحيحة:
"هناديله ماشي."
فور دخولها ضحك من قلبه على حديثها، ولا يعلم كيف حمل معزة لها بعدما كان يتقزز منها، باتت تحمل المعزة والمعاملة الحسنة من جميع افراد العائلة بأكملهم.
خرجت خديجة تعدل من نقابها جيدًا، وقفت قبالته تستقبله بأعين تتلألأ بفرحةٍ، سلخ نظراته عنها بصعوبةٍ، ومد يده بظرفٍ مطوي:
"خدي المبلغ ده خليه معاكِ يا خديجة."
رفضت أن تحمله منه،وقالت:
"الظرف اللي ادته لفارس الاسبوع اللي فات لسه معايا زي مهو مفتحتهوش، الشيخ مهران والحاجة رقية مش مخليني محتاجة حاجة يا يونس."
رفع فيروزته لها يشدد عليها باصرارٍ:
"لما أديكي حاجة مترفضيش، وبعدين مالي بعمي ومراته إنتِ ملزومة مني يا خديجة لحد ما ترجعي لبيتك ولعصمتي من تاني يا ست البنات."
خفق قلبها طربًا، فبقيت نظراتها تحتضن نظراته العاشقة، ويدها تجذب ما قدمه بشرودٍ، تنحنح بخشونة وانسحب من أمامها يستغفر ربه، يدعوه من صمام قلبه أن تمر أيام عدتها سريعًا لينعم بقربها مرة أخرى.
***
بالمركز الطبي الخاص بالدكتور”علي الغرباوي”ولج للمركز متجهًا لمكتب “يوسف” ، ما ان رآه حتى سأله بلهفةٍ:
"طمني يا يوسف عملت أيه؟"
لف مقعده له وقال يمازحه:
"طيب قول صباح الخير الاول."
جلس على المقاعد المقابلة لمكتبه، قائلًا بجدية:
"أسمع اللي عايزه الأول وبعدها هصبح وأمسي."
ارتسمت ابتسامة فخورة على شفتيه وقال:
"زي ما سهلتلك دخول الاجهزة للمركز، قدرت أمنع دخول الأجهزة الطبية اللي طلبها نعمان للمركز اللي بيحضرله في السر."
وتابع بفرحةٍ وسعادة:
"يعني إنت لغيتله التوكيل وضرته في الأرضية، وأنا كملت عليه بمنع الشحنة، يعني ضربه اتنين معلمين."
برزت أسنانه البيضاء من بين ابتساماته، ورفع كفه يطرق كف يوسف:
"كده أقدر أقولك صباحك أبيض وورد يا دووك."
قهقه ضاحكًة يوسف وقال:
"وصباح أسود على دماغ نعمان الغرباوي ل100 سنة قدام!!!"
***
راقب الهاتف وهو يجلس على المكتب المندس وسط العمال بمحل يونس، فما ان اجاب حتى صرخ بحماس مسموع لإيثان الذي يراقبه بنفورٍ:
"سيف أوعـــــــــا تقفل، سيف اسمعني حرام عليك اللي بتعمله ده يا أخي، كل ما أكلمك من حساب تبلكه!!كل يومين ترفع البلوك وتبعتلي محاضراتي وجدولي وترجع تبلكني تاني طيب ليه أنا عملت أيه لكل ده؟!"
أتاه صوته الناعس يخبره بوجومٍ:
"قول معملتش أيه! إنت من ساعة ما نزلت من السفر وآنت مقضيها مع حضرة الظابط ولا انا فارقلك في شيء."
جحظت عيني آيوب بصدمة، وردد ببراءة زائفة:
"أمته ده!! محصلش غير كام مرة والله."
"كام مرة!! لهو إنت عايز تلم هدومك وتروح تعيش معاه!!"
"=طيب خلاص متزعلش حقك عليا، هقطع علاقتي بآدهم خالص لو ده هيخليك ترفع البلوك عني."
"=فرقالك أنا صدقت!"
"=طبعًا فارقالي ده انت صاحب عمري يا أهبل، وبعدين متخدنيش في الكلام ألف مبرووك يا عريس."
"الله يبارك فيك يابن الشيخ مهران، عقبالك."
"=قريب جدًا وهتبقى فرحتين، فرحة آدهم وأنا."
"آدهم تاني!!! والله أظرفك بلوك عاشر!"
"=خلاص خلاص متزعلش، فرحة واحدة ها مرضي!"
مسح إيثان على وجهه بمكرٍ، ودنى إليه يحاوطه وهو يردد بخبث:
"فينك يا آيوب وحشني يا راجل من امبارح، كده متسألش على صاحبك الأنتيم اخص عليك، اخص!"
جحظت عينيه صدمة، وأشار له بهمس:
"أبوس ايدك بلاش، سيف غشيم ومصدقت أكلمه."
تابع وهو يرمقه بانتشاء:
"ده أنا وانت عمرنا ما فارقنا بعض، وطول عمرك بتقولي مفيش حد في غلاوتك عندي يا إيثو."
حاول كبت سماعة هاتفه قدر المستطاع، وما كاد بالركض من أمامه حتى اتاه صوت سيف المتعصب:
"أنا مش عايز أعرفك تاني يا آيوب، خليهم ينفعوك."
أغلق الهاتف بوجهه، فأسرع ليسجل ريكورد يخبره بما حدث، فوجده قد وضعه بالفعل على قائمة الحظر.
ترك آيوب هاتفه وتطلع جانبه لإيثان الجالس على طاولة المكتب جواره، مبتسمًا بشماتة ويسأله:
"بلكك ولا لسه؟"
ألقى الهاتف وانقض عليه يحاول بكل جهد تسديد لكمة له، ولكنه لوى ذراعه من خلفه بكل سهولة، لفرق قوته الجسمانية، ومال برأسه للخلف ثم اندفع يرطم رأسه برأس آيوب الذي ترنح للخلف، فسقط بين ذراع آدهم، ومن جواره طلت نظرات عُمران المشتعلة، وبعدها ترنح إيثان أرضًا غير مستوعبًا لسرعة الاحداث، بينما يهتف آيوب بعدم تصديق:
"عُمـــــــــــران!!!!"
***
بالشركة الأم الخاصة بعائلة “الغرباوي”يجلس على مقعد مكتبه بانتشاءٍ يشعر به بالاونة الأخيرة، وخاصة حينما علم اليوم بسفر عُمران بالأمس، ظنه ترك له الساحة بعدما كسر جناحيه، كان مستمتعًا بانكساره، وضعفه الذي بدى بهروبه لمصر.
تعالت دقات باب مكتبه فسمح للطارق بالولوج، ولج السكرتير الخاص به يهتف بتوترٍ:
"العملا سحبوا ملفات المشاريع اللي بينا، ورفضوا التعامل معانا بشكل نهائي."
توسعت مُقلتيه بصدمة، وردد بعدم تصديق:
"أنت بتقول أيه؟ سحبوها ليه وعشان أيه؟!!!"
ابتلع ريقه بارتباكٍ وهو يجيبه:
"البشمهندس عُمران قدم عروض ممتازة وأقل سعر مننا، ومن غير ما يعمل كده هما كانوا حابين يشتغلوا معاه وهو اللي رفضهم، ودلوقتي قبلهم!!"
ألقى المزهرية من جواره وهو يصرخ بغضبٍ:
"عملها ابن فريــــــدة!!"
وما كاد بمحاولته للهدوء، حتى ولج للداخل أحد الموظفين، يحاول التقاط أنفاسه وهو يتحدث بصعوبةٍ:
"الأرض اللي كنا هنعمل عليها المركز الطبي انسحب توكيلها مننا، والأجهزة اللي بعتنا نستوردها من الصين انسحبوا بالاتفاق ووقفوا الشحنة."
دارت به الغرفة، ونطق بحروفٍ متقطعه:
"انت بتقول أيه إنت كمان؟!!!"
رفع الورقة أمامه وهو يوضح:
"الفاكس لسه واصلنا من شوية."
لطم بيديه على المكتب وهو يصرخ:
"عمران الكلب اللي ورا اللي بيحصل ده."
نفى الموظف ذلك، ناطقًا بخوف:
"اللي ورا الغاء التوكيل “علي الغرباوي” ، أما الأجهزة الطبية فعرفت إن مالك المصنع يبقى صديق دكتور “يوسف”."
هز رأسه بغضب كاد بأن يفجرها، والقى متعلقات مكتبه وهو يصرخ بجنون:
"دول اتفقوا عليا بقــــى، وربي لأدفعهم التمن واحد واحد!!!"
واستطرد بزعيق شرس:
"هوريهم مين هو نعمان الغربـــاوي."
سيطر على غضبه بصعوبةٍ فور أنا رأى” هيلينا” زوجته، تدخل من باب مكتبه مسرعة، بأعين متتفخة، إتجهت اليه وصفعته بكل قوتها أمام موظفينه، وهي تصرخ بغضب:
"أيها الخائن، كيف تفعل ذلك بي!!"
وتابعت وهي تشير له:
"من الآن فصاعد لا تريني وجهك، لقد قمت بكتابة المنزل والشركة لي سأعدهم هدية انفصالنا."
حاول التماسك وسألها بذهول:
"ما الذي حدث لكل ذلك هيلين!"
فتحت حقيبتها وألقت اليه الهاتف، بعدما فتحت احد مواقع الاباحـ**ـة الشهيرة، انهار نعمان على مقعده بعدما فقد القدرة على تحرك أي جزء من جسده، وهو يرى مقطع فيديو له برفقة تلك الفتاة الاجنبية التي قضى السهرة برفقتها بالأمس، وما كاد باصابته بذبحة صدرية وصول المقطع لملالين من المشاهدات، وانطلاق عدد من الاخبار للحديث عن “نعمان الغرباوي”، وبالطبع بعدما ضربه عُمران بعمله، واستكمل علي ويوسف ضربته، كان مؤكدًا له ممن تلقى تلك الضربة، فلم يكن سوى” جمال”.
***
استمعت لجرس الباب الذي دق لمرتين متتاليتين، فذهبت تناديه من أمام باب الحمام:
"سيف إنت طلبت حاجة."
لف المنشفة حول خصره وأجابها:
"آه يا حبيبي، كنت طالب من البواب جل حلاقة وشوية حاجات ليا، البسي الاسداا وخديهم منه، عندك المحفظة في درج الجزامة."
ابتسمت وهي تجيبه بحب:
"حاضر."
وبالفعل ارتدت اسدالها وخرجت تحمل المال لمكافأة البواب، وجدت قبالتها شاب يحني رأسه المغطي بالقبعه.
تناولت منه الكيس البلاستيكي، وقدمت له المال قائلة ببسمة صغيرة:
"عذرًا… تفضل."
منحها الكيس البلاستيكي وقبض على راسخها، حاولت زينب سحب يدها وقد تشكل عليها أمارات الرعب، فرددت بهلع:
"اترك يدي!! ماذا تريد؟!"
أزاح قبعته ورفع عينيه يقابلها وجهًا لوجه، هربت الدماء منها، ونخرت عظامها رعشة قوية ضربتها دون رحمة، رددت بصعوبة بالحديث:
"يـمـان!!"
استوعب عقله المتخشب ما تراه، فتحررت صرخاتها بانهيارٍ:
"سيـــــــــــــــف!!!!"
رواية صرخات انثى الفصل الثامن والستون 68 - بقلم ايه محمد رفعت
اجتمعت مخاوفها جميعًا، وتجسدت قبالتها فجأة. انهار عالمها الآمن فور أن رأته يقف قبالتها. نظراته كادت أن تحرقها حية. جحظت عينيها صدمة لما تراه. تراجعت زينب للخلف وهي تهز رأسها رافضة تصديق ما تراه.
تحرر لسانها الثقيل أخيرًا، فصرخت هلعًا:
_ سيف!!
ارتكن ظهرها للحائط من خلفها، استندت عليه وسقطت أرضًا على ركبتيها، تناديه ببكاءٍ هستيري:
_ سيف، سيف!!
جذب مئزر الاستحمام الشتوي، يرتديه مسرعًا، ومن ثم ركض للخارج باحثًا عنها بقلقٍ. وجدها تميل أرضًا مستندة على الحائط من خلفها، جسدها يرتجف بعنفٍ، ونظراتها المرتعبة مُسلطة على باب المنزل المفتوح على مصرعيه.
انحنى إليها يحيط جسدها المرتجف، يتساءل بقلقٍ وخوف:
_ مالك يا زينب؟ في أيه؟
عينيها الجاحظتين مازالت تتطلع لباب المنزل. رفعت اصبعها المرتعش للباب، وأخبرته بحروفها المتقطعة:
_ يمان!
زوى حاجبيه بذهولٍ، تركها ونهض يتجه للباب، فتفاجئ بأحد عمال الماركت يحمل الأكياس، يبدو على ملامحه الدهشة لما يحدث. وما أن رأى سيف حتى ردد بانزعاجٍ:
_ من فضلك سيدي ادفع لي لأغادر، عليا إيصال طلبات آخرى.
مشط الطرقة الفاصلة بين شقته وشقة أخيه بنظرة متفحصة، وهز رأسه إليه، فعاد للداخل متجهًا لغرفة نومه، ونظرات زوجته المرتعبة تلاحقه.
عاد يحمل المال وخرج يدفع ثمن الأغراض، ثم ولج للداخل يضع الأكياس على أقرب طاولة. فإذا بها تتساءل برعبٍ:
_ يمان برة يا سيف!!!
ضم شفتيه معًا بضيقٍ، واستدار يوجهها بنظرة غاضبة:
_ مفيش حد برة يا زينب، الظاهر إن أعصابك بايظة ومن كتر خوفك منه مبقتيش قادرة تشليه من تفكيرك.
أتكأت على الأرض بجذعيها، ونهضت تتجه إليه بخطواتٍ متهدجة، قائلة باصرارٍ:
_ أنا شوفته يا سيف، كان برة صدقني.
ورفعت كم اسدالها تشير له على يدها، مستطردة:
_ ومسكني من ايدي، حتى كانت زرقة دلوقتي، بص!.
تطلع لمعصمها مثلما فعلت هي، فجحظت عينيها صدمةٍ حينما وجدت جلدها باللون الطبيعي. عادت تتطلع له بأعين غائرة بالدموع ورأسها يهتز بحركة صغيرة:
_ لأ!! صدقني يا سيف يمان كان بره والله كان برة.
قالتها وأحاطت وجهها بكفيها، تبكي بانهيارٍ. وخز قلبه لها، فسحبها إليه بقوة، يحيطها داخل أحضانه، ويده تمر على طول ذراعها، ليمدها بالحرارة بعدما شعر ببرودة جسدها من شدة الخوف.
ضم رقبتها بكفه الأخر، وهمس لها بصوتٍ حنونٍ:
_ حبيبتي ميقدرش يمس منك شعرة وأنا جنبك ومعاكِ، خلاص يا زينب مبقتيش لوحدك في الحرب دي، أنا هنا وهفضل هنا على طول يا عمري.
وإتجه للأريكة يجلس عليها برفقتها، ومازالت تميل على صدره. نزع حجابها، وغمس أصابعه بين خصلاتها المبتلة، قائلًا بصوتٍ رخيمٍ:
_ شيليه من تفكيرك، إطرديه بره حياتنا يا زينب.
ورفع رأسها إليه، يتعمق بمُقلتيها الفاتنة، هاتفًا بصوتٍ منخفض:
_ مبقاش في غيري أنا وإنتِ، مفيش غيرنا يا حبيبي!
وتابع ببسمة زادت من جاذبيته:
_ طيب مش بعد الكلام الحلو ده تقومي تعمليلنا فطار ملوكي كده، ده احنا حتى عرسان جداد.
ابتسمت من بين دموعها، وهزت رأسها بخفةٍ، فمال يقبل جبينها وهو يزيد من طمأنينتها:
_ حضري الفطار عما أكمل الشاور اللي حسداني عليه ده، ومتنسيش تشغلي القرآن في الشقة كل يوم الصبح على صوت الشيخ محمد رفعت أنا بحب كده.
اتسعت ابتسامتها، ونهضت تتجه لشاشة التلفاز، قائلة بسعادةٍ هاجمتها لوجوده:
_ وأنا كمان بحبه جدًا، وفعلًا بعمل كده كل يوم.
ابتسم بمحبةٍ لها، سبق أن أخبرته كثيرًا بما تحب فعله صباح كل يوم، فاستغله الآن ليشغل عقلها عما يهاجمه. غادرت أمامه للمطبخ بحماسٍ لما ستصنعه له، وبمجرد اختفائها من أمامه، عاد الوجوم والغضب لملامحه، فأسرع لغرفة نومه، يجذب من مكتبه الحاسوب.
فتحه سيف وأعاد تسجيل الكاميرات الخارجية، فازداد تجهم معالمه غضبًا. كان يعلم منذ اللحظة الأولى بأنه سيحاول فعل أي شيء أحمق، والآن باتت خطته واضحة له.
جاب الغرفة ذهابًا وإيابًا، والغضب يحبس أوردته كالقنبلة المُوقتة. ذلك اللعين ليس سهلًا بالمرة، عقله شيطاني بدرجةٍ مخيفة.
أغلق سيف حاسوبه، وجذب هاتفه يبحث عن رقم علي الغرباوي، وما أن أجابه حتى قال:
_ دكتور علي أنا محتاج أتكلم معاك ضروري.
اتاه صوته ومن حوله أصوات السيارات المجاورة له:
_ وأخيرًا فتحت موبيلك، بعتلك كتير عشان أقولك إن أنا وفاطمة جاين ليكم.
هتف بحماسٍ:
_ طيب كويس، تعالى لإني عايزك.
تساءل بريبةٍ من حديثه:
_ في أيه يا سيف، قلقتني!
ضم مقدمة أنفه بيديه، واستطرد:
_ مفيش موضوع بسيط، لما تيجي هكلمك فيه.
اجابه بتفهمٍ:
_ نص ساعة بالكتير وهكون عندك إن شاء الله.
اغلق الهاتف ووضعه على الكومود، ثم اتجه لخزانته ينتقي ما يناسبه، قبل وصولهما.
******
سقط على المكتب من خلفه، يحاول فتح عينيه، عقله لا يستوعب أن ابن الشيخ مهران يمتلك قبضة قوية هكذا. لقد سبق له أن قام بالاشراف على تدريبه بالجيم الرياضي الخاص به، ويعلم منظور كل شخصٍ قام بتدريبه. عاد يفتح عينيه من جديدٍ، في محاولةٍ لاستعادة ثباته، استند على سطح المكتب، وعاد يدعم وقفته، مستديرًا بغضبٍ للخلف.
رمش إيثان بعدم تصديق، فور أن رأى صديق آيوب، والذي انتظر قدومه بحماسٍ. تغاضى عن ذلك الأمر، وقابله بنظرة غاضبة، بينما اصبعه يشير على الورم المجاور لشفتيه، هادرًا:
_ فهمني أيه اللي عملته ده؟!
شمله بنظرة ساخطة، جابته من رأسه لأخمص قدميه، وببرودٍ استدار لأيوب الذي يحاول أدهم مساندته بالوقوف:
_ مش أنا نبهت عليك وقولتلك متلعبش مع أولاد الشوارع يابن الشيخ مهران!
كبت أدهم ضحكاته، بينما عاد آيوب يهتف في عدم تصديق:
_ عُمران!! إنت نزلت مصر أمته؟
استدار إليه يواجهه ببسمة جذابة، فاذا بأيوب يحتضنه بحبٍ، والاخر يستقبله بترحابٍ. ربع أدهم يديه أمام صدره، ووقف يراقبهم بابتسامةٍ عذباء، بينما اشتعلت أعين إيثان غضبًا، واندفع يفصلهما قائلًا بسخريةٍ:
_ نأجل أحضان العشق الممنوع ده، أنا ليا تار عنده ولازم أخلصه.
ابتلع آيوب ريقه بتوترٍ، وقال يحذره:
_ بلاش يا إيثان، إنت مش قده!
تراقص حاجبيه من فرط الغيظ والغضب، فدفع آيوب تجاه أدهم الذي تلقفه مجددًا، وعاد عاقدًا العزم على أن يطيح غريمه، كور يده وصوب لكمته تجاه وجه عُمران، الذي يقابله بابتسامةٍ جامدة، ومازال يحتفظ بنظارته السوداء.
اتجه إليه بيده المتكورة، فانحنى عُمران يتفادى لكمته، وسقط عليه بركلة، أصابت أسفل ظهره فأسقطته بمكتبه أرضًا أسفل أقدام يونس الذي يدلف للتو، بينما اعتدل عُمران يلتقط نظارته التي اطاحها انحناء جسده، وارتداها بغرورٍ.
تابع يونس ما يحدث باستغرابٍ، وانتقل بعينيه لابن عمه، يتساءل:
_ أيه اللي بيحصل هنا ده؟
اتجه إليه آيوب يشكو له، كالصغير:
_ صاحبك مش ناوي يبطل حركاته المستفزة دي يا يونس، خليه يبعد عني عشان المرادي الطاووس الوقح هيسويه زي أسفلت الحارة.
اعتدل إيثان بجلسته للتو، مزيحًا أجزاء الطاولة المتناثرة من فوقه، واتكأ على ذراع يونس، حتى نهض يصيح:
_ مش هحله الخواجة ده، هجيبه هجيبه.
دنى إليه عُمران، يردد بسخريةٍ:
_ ما تجيني ولا الطريق مرهق عليك يا حيلتها!
راقب يونس من يقف قبالته، بنظرة متفحصة، تذكر تلك المكالمة التي سبقت ان جمعت آيوب برفيقه، ومال على آيوب يسأله بريبةٍ:
_ متأكد إن ده أخو دكتور علي الغرباوي؟
هز رأسه عدة مرات، يؤكد ذلك، بينما في الخلف يضم أدهم مقدمة انفه ليخفي وجهه المحمر من فرط الضحك.
ترك إيثان كتف يونس، واتجه لعمران، والغيظ يحشد جيوشه على معالمه، راقبه الاخير بضجرٍ، بقى ثابتًا محله، يحرك رقبته بمللٍ، وما أن وصل إليه إيثان حتى تنحي نصف استدارة فاذا به يقتحم الحائط بجسده كالكرة التي تتلقفها الشبكة بكل ترحابٍ!
أغلق يونس عينيه بشفقةٍ، وفتحهما ليقابل من يقف قبالته، تنحنح بتوترٍ وقال:
_ أهلًا بيك.
وبصعوبة نطق ما قد يضع له العداء بينه وبين رفيقه:
_ نورتنا!
اعتدل إيثان بجلسته، وجاهد ليفتح حدقتيه صارخًا:
_ يونس يا حقيــــــــــر، بترحب بيه وهو معلم على صاحبك!!
وتابع وهو يلتقط أنفاسه بعنفٍ:
_ ده بدل ما تمسك شومة وتروق الخواجة اللي شايف نفسه ده.
ردد عُمران جملته المعتادة:
_ ميغركش لبس الخواجات ده، أنا أصلًا من العتبة!
فشل يونس بإبادة ابتسامته، ربما إن كان بوضعٍ أخر لكان غير راضيًا من معرفة ابن عمه بشخصيةٍ هكذا، ولكن للعجب أثار عُمران فضوله بشكلٍ غريبٍ.
اتجه يونس لأدهم الصامت، مال يهمس له:
_ أيه يا حضرة الظابط، شايفك واقف بتتفرج في صمت، مش عادتك يعني!
ابتسم ساخرًا، وهتف:
_ اللي قدامك ده نازلي من لندن بيدورلي على حجة عشان يفض الفرح قبل ما يبدأ، فانسى إنك تشوف مني أي شهامة ممكن تضيع مستقبلي مع شمس هانم.
تعالت ضحكات يونس، وتابع آيوب الذي يحاول معاونة إيثان بينما يتابعهما عُمران بملل على بعد منهما، وقال بهمس له بدهشةٍ:
_ مش كاتب كتاب إنت!
شاكسه بسخريةٍ:
_ ولو دخلت بيتي لازم أقلق منه وحياتك!
ارتفعت ضحكاته بشكل جعل ايثان يتوعده بغضب، فاتجه يعاون آيوب بمساندته، سحب ايثان يده منه ولكزه ببطنه بكوع يده، هادرًا بغيظٍ:
_ روح كمل ضحك على صاحبك، ابعد.
كبت ضحكاته بثباتٍ مخادع، وقال:
_ أنا عملتلك أيه، الله!!
عاد يلكزه ومازال يحتمل على ذراع آيوب:
_ واقف تحب في الخواجة اللي علم على صاحبك الوحيد!!
أشار على ذاته مستنكرًا:
_ أنا!!! أنا كنت واقف مع حضرة الظابط واساله!
واستدار يطالب شهادته:
_ مش صح يا آدهم؟
هز رأسه يؤكد ببسمة صاخبة، بينما تآوه يونس حينما عاد يلكزه بعنفٍ، هاتفًا:
_ صوتك الحقير جايلي من هنا، بطل كدب، ده عندكم حرام ولا أيه يابن الشيخ مهران؟
ضحك آيوب وأكد له:
_ صح يا إيثو.
لوى شفتيه بتهكمٍ، وقال:
_ يعني اللي حصلك ده كله بسبب آيوب، وفي الآخر تقلب عليا أنا!
استجاب ليد آيوب وجلس على المقعد الخشبي يجيب يونس بمكرٍ:
_ كُل هيأخد نصيبه متقلقش، أصلب طولي وهظبطله فيديو هو والخواجة اللي جايبه ده، وهبعته لمراته ام سفيان هخليها تنزله على أول طيارة وتعلقه في نص الحي.
ترك آيوب يده، وهدر بانفعالٍ:
_ مالكش دعوة بعلاقتي بسيف يا إيثان، وبعدين إنت اللي لسانك وحركاتك الطايشة اللي وصلتك هنا.
أشار له بتحذيرٍ:
_ إنت بتعلي صوتك عليا!!
هز رأسه ينفي ذلك، بينما من خلفه يؤكد الطاووس الوقح:
_ أنا سمعته من برة يبقى عالي، تمامك أيه؟
وجذب آيوب ليقف قبالته، متسائلًا بسخريةٍ:
_ تحب تتشقط بأحضان أنهي حيطة المرادي؟!
دنى إليه أدهم يردد ببسمة ساخرة:
_ كفايا عليه كده، إنت نسيت إنك جاي تشوف آيوب وده في العموم فعل خيري بعيدًا عن العنف يا بشمهندس!
منحه نظرة متفحصة، قبل أن يلتزم صمته، احتقنت اوردة إيثان، فنهض يجذب المطرقة جواره، وهم إليه، هاتفًا بعزمٍ:
_ بقى إنت داخل لهنا تعلم عليا، مش هحلك النهاردة.
سقط آيوب على ذراعه، ويونس على الذراع الأخر، ومال إليه يُذكره:
_ افتكر البوتيك الرجالي اللي عايز تفتحه يا إيثو، لو كونت عداء مع الخواجة مين هيساعدك؟
رمش بأهدابه يفكر فيما يقول بتمعنٍ، بينما استطرد آيوب يُحمسه:
_ بص عليه كده، ذوقه شيك جدًا وإنت محتاج تستفاد من ده.
ارتخت معالمه قليلًا، وترك العصا ليونس، رفع إيثان عينيه لعمران الذي يتابعه بتسليةٍ، وقال:
_ هعدهالك بس عشان ضيف، لكـــــــــــن آآ..
ومال يسأل يونس بتخبط:
_ لكن أيه؟
كبت ضحكاته وهو يجيبه:
_ ملكنش يا إيثان، صلي على النبي كده واستهدى بالله.
.عبث بملامحه كفاقد الذاكرة:
_ أنا مسيحي يا عم!
وهتف بابتسامة مشاكسة:
_ بتستغفلني وأنا متطوح؟
مازحه وهو يدعم وقفته المهتزة:
_ هيبقى أنا وكريستينا عليك! كفايا هي غفلتك!
احتدت معالمه واستدار يبحث خلفه مرددًا:
_ فين الشومة، في قتلين هنا النهاردة.
تركه آيوب وهو يردد بضجرٍ:
_ بص بقى أنا بحاول أهديك وإنت مش قابل، سلام انا.
وإتجه لعمران وآدهم يشير لهما بالدخول لمكتب يونس المنفرد، فاتبعوه للداخل، بينما بقى إيثان يجذب يونس من تلباب قميصه، صارخًا بحدةٍ:
_ بتعايرني يا يونس؟
*****
انتهت ليلى من صنع العصير، وانشغلت بسكبه بالأكواب، فمالت فاطمة لشقيقتها تسألها باهتمامٍ:
_ مالك يا زينب، وشك مش طبيعي من ساعة ما جينا؟
أجابتها وهي ترسم ابتسامة هادئة:
_ مالي يا فطيمة، أنا كويسة جدًا، وسيف حد كويس جدًا حتى في طريقة تعامله معايا.
خشيت أن تضغط عليها، وخاصة بوجود زوجة يوسف، فضمتها لصدرها بحبٍ وهمست لها:
_ هكلمك لما أروح، عشان نقدر نتكلم على راحتنا.
هزت رأسها بخفةٍ، وابتسامتها تجاهد لرسمها، خرجت ليلى حاملة للأكواب، وضعتها وجلست تردد ببسمتها البشوشة:
_ نورتي الدنيا كلها يا فاطمة.
أجابتها ببسمة رقيقة:
_ بنورك يا دكتورة.
قدمت لها الكوب، فحملته منها وهي تردد على استحياءٍ:
_ تعبتي نفسك ليه بس.
رددت بحبٍ:
_ تعبك راحة يا روح قلبي.
تناولت منها زينب الكوب، وقالت باحترام وحب:
_ بجد والله من غيرك كنت هحتاس.
واستدارت تخبر شقيقتها:
_ دكتورة ليلى يا فاطمة مش سايباني، وبجد كل ما بحتاج شيء من قبل ما أطلبه بتكون مفكرة فيه.
ابتسمت فاطمة بمحبةٍ، وقالت بدعوةٍ صادقة:
_ ربنا يخليكم لبعض يا رب.
*******
أغلق سيف باب الشرفة الخارجية، تاركا زوجته برفقة شقيقتها وزوجة اخيه، واتجه للطاولة المستديرة، يجذب احد المقاعد المجاورة لأخيه الذي يتفحص الحاسوب برفقة علي.
أغلق علي الشاشة، وتمتم بضيقٍ:
_ الواد ده عايز يتحطله حد وبأسرع وقت.
هز يوسف رأسه، وقال بقلقٍ سيطر على ملامحه:
_ قدر يعرف ازاي عنوانه، ووصل ازاي بالسرعة دي!!
صاح سيف بانفعالٍ:
_ وبعدين يعني، هستنى أيه تاني!! ده جالي لحد باب بيتي يا يوسف!
استدار علي للخلف وأشار له:
_ ممكن تهدى شوية، مش عايزين نلفت النظر للي بيحصل ده، زينب من غير حاجه متوترة وباين جدًا إنها بتحاول تكون طبيعية.
نظم انفاسه الهادرة، وردد بصوتٍ منخفض:
_ انا خايف يا دكتور علي، أنا مش هستحمل حد يأذيها.
ربت يوسف على يده بحنانٍ وأخبره:
_ اهدى يا سيف، مفيش حاجة هتمسك ولا هتمسها.
اقترب علي بجسده للطاولة، وقال:
_ سيف، ليه مبتفكرش تأخد زينب وتنزل مصر تغير جو، ومنه تتدارى بعيد عنه كام يوم.
صمت قليلًا يوازن ما أخبره به، وعاد بنظراته ليوسف بحزنٍ، قرأ ما يفكر فيه أخيه فربت مجددًا على كتفه، وقال:
_ مش هزعل، صدقني إنك هتكون في أمان إنت ومراتك ده يهمني أكتر من أي مشاعر هبلة، وكده كده أنا هحصلك، أحل بس حوار جمال وزوجته وهحصلك في أقرب وقت.
هز رأسه بضيقٍ، وقال:
_ يومين أحضر الأوراق وهسافر كام يوم لحد ما أشوف هتخلص على أيه؟
نهض علي بخبره بابتسامته الجذابة:
_ كل خير إن شاء الله، على الاقل أدهم موجود في مصر، لو فكر يعمل اي حاجه هيكون فايقله.
وحمل هاتفه ومفاتيحه مستأذنًا بالانصراف بلباقةٍ:
_ بقالنا ساعتين هنا، مش يالا بينا يا دكتور يوسف ولا عاجبك نقطع على العريس من أولها كده؟
تعالت ضحكاته الرجولية، فنهض يتبعه هادرًا بمرحٍ:
_ متقلقش على دكتور سيڤو في الجزئية دي.
شاركهما الضحك بالرغم من توتره حيال هذا الأمر، ولحق بهما للخارج.
******
اتجه نعمان لسيارته، منكس الرأس، يشعر بالهزيمة التي تحيطه لمرته الأولى، ومن خلفه يتبعه أفراد الأمن الخاص بحماية شركته، كان قد عينهما لحمايته بعد أن انتزع الشركة من عُمران، كان يظن بأنه سيفعل أي شيءٍ، ربما لإن تفكيره المسمم شرع له ذلك.
فتح له إحدى الرجلين باب سيارته، وما كاد بصعوده حتى أتاه صوتًا، ذكوريًا من خلفه:
_ خروجك مكسور بالشكل ده رمم كل وجع جوايا، بس يا خسارة موبيلي أغلي من إني أوثق الخلقة القذرة دي عندي، لوقت الشماتة وتشفية الغليل.
استدار للخلف ليتفاجئ بجمال قبالته، يستند على مقدمة سيارته واضعًا يديه بجيوب جاكيته، يتابعه بنظرة غمرتها التشفية والانتصار.
انتصب بوقفته وإتجه إليه، حتى بات يقف أمامه، واستطرد ببسمة ساخرة:
_ رافع إنت رأسنا هنا بالفيديو اللي نزل، بس المفروض تشكرني، انا دافع وموصي عليك بالاهتمام الحونين!
غدفت عدائية مُقلتيه واكتظمت بالكراهية والحقد، فصاح بعنفوان:
_ بقى حتة واد جربوع زيك يآآ..
_ اخــــــرس، أنا أنضف منك ومن عشرة زيك يا حقير.
صرخ بوجهه يوقفه عن استكمال حديثه، ورفع اصبعه يحذره وجسده يرتعش من فرط كبته لغضبه العظيم:
_ أنا لحد اللحظة دي ايدي مرفوعة عنك، مش لانك راجل كبير وعايب، لانك مهما كان حامل نسب أعز صاحب ليا، مش هقدر أرفع ايدي عليك وأبص في وشه حتى لو كنت كلب وو**
انتفخت أوردته حقدًا، فاستدار للرجلين يصرخ بهما:
_ ماذا تنتظرون أيها الحمقى؟ هيا اقضوا عليه.
هاجموه معًا، فتأهب جمال للتصدي لهما، ولكن قبل أن تمسه الأيدي، توقفت سيارة فاخرة امامهم، وهبط منها أربعة رجال ببنية مخيفة، أحاط اثنين منهم جمال بشكلٍ دائري، بينما هاجم الرجلين رجال نعمان المندهش مما يحدث.
ابرحوهما ضربًا، فسقطوا ينزفون بغزارةٍ، أما نعمان فتراجع للخلف برعبٍ، وأراد أن يصعد للسيارة ليفر هاربًا، ولكن قبل أن يصل لباب السيارة، أغلقه أحدهما وقال بخشونةٍ مرعبة:
_ اتفضل معانا يا باشا، بهدوءٍ ومن غير شوشرة.
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة، فجاهد لخروج صوته:
_ على فين؟ وانتوا مين؟
تجاهل أسئلته، كأنه حشرة، وقال:
_ معانا أوامر بترحيلك لمصر حالًا، ووقت وصولك هتلاقي اللي في انتظارك.
تعجب جمال مما يحدث، وخصوصًا من ظهورهم الذي يبدو له بأنهم كانوا يتعقبونه من البدايةٍ. انفعل نعمان وقال:
_ أوامر من مين؟
جذبه أحد الرجال للسيارة، قائلًا:
_ اتفضل معانا والا هنضطر نلجئ للقوة.
ارتعب من نبرته ونظراته الخطيرة، فصعد باستسلام للسيارة، وصعد الرجلين من الطرفين، متعمدين احكام اي محاولة هروبه، وبالامام صعد أحد الرجلين المحاصران لجمال لمقعد القيادة، وقال الآخر بلطفٍ:
_ بشمهندس جمال، اتفضل حضرتك لعربيتك واتحرك عشان نطمن إن حضرتك بأمان ونقدر نتحرك.
بدأت له الخطوط بالظهور، فقال:
_ انتوا مين؟ وكنتوا بترقبوني ليه؟
اجابه بتحفظٍ شديد:
_ معنديش أوامر أبلغ حضرتك بأكتر من كده.
زوى حاجبيه بدهشةٍ، وقال:
_ عُمران اللي عمل كده صح؟
صمته المطول كان اجابة صريحة على سؤاله، جذب جمال هاتفه واتصل بعُمران، مرة، مرتين، ثلاث مرات، ولا يوجد أي رد.
أبعد الهاتف عن أذنه، يتابعه بنظرات مندهشة، ومازال الحارس يقف قبالته، ينتظر مغادرته للمكان تحسبًا لسلامته، تصاعد رنين هاتف الحارس، فرفعه وهو يردد بوقارٍ:
_ أيوه يا باشا.
لأ محدش لمسه، اطمن كله تحت السيطرة.
ضيق عينيه بنظرة مستنكرة، فانتزع منه الهاتف، يراقب اسم المتصل بحزنٍ، لقد رفض اجابته وفضل الاطمئنان عليه عن طريق أحد رجاله، اذًا مازال غير قابل لأسفه، فلماذا خدعه؟
رفع الهاتف لاذنه، فاستمع لصوته يشدد بحزمٍ:
_ أمن جمال وخرجه من عندك، مهما حصل متطلعش من مقر الشركة الا لما تتأكد إنه مشي، وإن نعمان معاك وتحت سيطرتك، مفهـوم؟
تحرر صوته الحزين، يردد بانكسارٍ:
_ تهمك في أيه سلامتي وإنت مش قابل تسامحني؟
قابله بصمتٍ مزق قلب جمال، فتابع جمال بنبرة تحشرجت من فرط كبته دموعه:
_ خدعتني ليه يا عُمران؟ عشان أسيبك تسافر صح!!
تنهد بألمٍ، وقال:
_ وبعدين معاك يا جمال، مش قولتلك هحتاج وقت؟
انهمرت دموعه رغمًا عنه، فاستدار للخلف حتى لا يرى أحدٌ دموعه، وقال:
_ مش عايزك تأخد أي وقت، مش عايزك تفكر في اللي حصل ولا تفتكره أصلًا.
واستطرد بنبرته المبحوحة:
_ عُمران، هو إنت ممكن تسامحني لو دعيت ربنا إنك تفقد الذاكرة ويتمحى الموقف ده من ذكرياتك!
وتابع بانهيارٍ تام:
_ وجعك وجعني يا صاحبي!
تمكن جمال من سماع شهقاتٍ يحاول الأخير كبتها، ولكنه يعلم جيدًا بأنه يبكي، فقال بوجعٍ:
_ خلاص زي ما تحب، المهم تكون كويس وبخير.
وتابع ببسمةٍ يجاهد برسمها:
_ إنت بتحب آيوب وبترتحله، روحله يمكن يهون عليك اللي عملته أنا فيك.
تحرر صوت عمران المتحشرج يقول:
_ ولو صاحبت طوب الأرض إنت في مكان لوحدك، مفيش حد هيوصل ليه أبدًا يا عبحليم!
انقلب بكائه لضحكٍ، فأزاح دموعه متسائلًا بمزحٍ:
_ طيب هترجعني لعصمتك أمته يا سي السيد؟
سقط الاخير بنوبة من الضحك، وقال:
_ أقسم بالله لو ما بينا عيش وملح لكنت إتبريت منك ومنكم كلكم نفر نفر، بس هعمل أيه إنتوا قفشين في رقبتي كأني أمكم التانية.
واستطرد بهدوءٍ اجتازه:
_ يلا روح ريحلك كام ساعة، وشوف هتصالح مراتك ازاي.
أسرع يتساءل في لهفةٍ:
_ طيب هتكلمني تاني أمته؟
زفر عُمران، وهدر بانفعالٍ:
_ ما خلاص بقى يا جمال، هو أنا سايب عيل بيرضع ورايا!! وبعدين عشان تكون في الصورة أنا بكره معزوم عند أشرقت، بقولك من دلوقتي عشان متستغلش ده وتهري أمي رن بكره، لو عملتها هظرف أمك بلوك فوري.
واسترسل يأمره:
_ اقفل بقى وشوف مراتك وابنك، صحيح هتوفي بوعدك ولا هتطلع بجم؟
ضحك وقال:
_ وفيت وبقى عُمران جمال بهجت.
سحب نفسًا مطولًا، زفره على مهلٍ وقال:
_ ربنا يباركلك فيه ويطلع على قدر من الاحترام ده لو فلت من تحت ايدي يعني!
تلاشت ابتسامته، وقال بجدية تامة:
_ مهما حاولت تهزر وتضحك، حاسس بوجعك وبعجزي معاه، أنا عاجز أخففلك وجع أنا السبب فيه!
وبرجاءٍ شديد قال:
_ هو إنت ممكن تنسى اللي حصل في يوم من الأيام؟
طال صمته، وازدرد انفاسه الثقيلة يخبره:
_ روح راضي مراتك ورجع ابنك لحضنك يا جمال.
قالها وأغلق الهاتف على الفور، سالبًا قلب الاخير النازف، استدار يمنحه الهاتف واتجه لسيارته بآليةٍ تامة.
******
فور انتهاء المكالمة استدار يعود حيث محل اجتماع الشباب، جذب المقعد وجلس بوجهٍ يلوح به الحزن كالشراعٍ، لاحظ آيوب معالمه، فتساءل باستغرابٍ:
_ مالك يا عمران؟
وتساءل بشكٍ:
_ هو بشمهندس جمال كويس؟
هز رأسه وهو يرسم ابتسامة هادئة:
_ كويس يا آيوب الحمدلله.
فتح يونس باب المكتب، وولج للداخل يضم إيثان أسفل يده، يردد بابتسامة واسعة:
_ كابتن إيثو جاي بنفسه يصالحك يا بشمهندس.
سدد له إيثان نظرة مستشيطة، فمال يهمس له:
_ البوتيك يا إيثو.
زفر وردد على مضضٍ:
_ متزعلش، أنا بحب أرخم على آيوب شوية.
رفع قدمًا فوق الاخرى، ومال يستند على كفه ناطقًا بثباتٍ مستفزٍ:
_ ده وأنا بره مصر، لكن دلوقتي إنت مجبر تحترمه، وتسحب رخامتك وبرودك ده لحد معندوش اللي يعز عليه.
اتسعت ابتسامة آيوب فرحة، فوقف خلف مقعد عُمران يلف يديه ويتراقص، متعمدًا اغاظة إيثان، الذي يراقبه بآعين مشتعلة، بينما تتسع ابتسامة آدهم، فنزع هاتفه يراقب الرسالة المرسلة له باهتمامٍ، نهض يستأذن قائلًا:
_ في مشوار مهم لازم اعمله، هتيجي أوصلك بطريقي يا عمران؟
أجابه عُمران وعينيه مازالت تقابل ايثان:
_ هقعد مع آيوب شوية، متقلقش عارف طريق الرجوع.
ردد آيوب باصرارٍ:
_ مستحيل هسيبك تمشي، إنت هتبات معايا اليومين دول قبل ما أسافر عشان اسبوع امتحاناتي.
جذب أدهم أحد هواتفه، وقدمه لعمران قائلًا:
_ ده فيه خط مصري، خليه معاك عشان أكون على تواصل معاك.
هز رأسه بخفة وتناول الهاتف يضعه بجيب جاكيته، ردد أدهم في حبورٍ:
_ عن إذنكم.
قالها وغادر، ومن خلفه آيوب الذي ركض حتى اوقفه قبل صعوده للسيارة، استدار، يقابله، فقال بانزعاجٍ:
_ ماشي بدري كده ليه يا حضرة الظابط؟
اغلق أدهم باب السيارة وقال بابتسامةٍ هادئة:
_ عندي مشوار مهم يا آيوب، وبعدين عايز أيه من حضرة الظابط ما الطاووس بوقاحته كلها نزلك!
صعدت قدمه على اطار السيارة، حتى جلس على مقدمتها، وقال بضحكة مرحة:
_ عمران صاحبي بس إنت أبويا.
زوى حاجبيه بسخطٍ:
_ أبوك!! مكنوش 9 سنين فرق دول!
هدأت ضحكاته، وقال بجديةٍ:
_ والله ده اللي بحسه من ناحيتك، بحس إن معزتي ليك زي يونس أو بابا كده، مش قادر أشوفك صديق.
ارتسم الألم على ملامح وجهه، فتصنع الثبات وهو يجيبه:
_ حطني في المكانة اللي تحبها، أنا جنبك وهفضل معاك على طول.
تعمق بالتطلع له، وقال بحيرة مضحكة:
_ أنا خايف من اللي بحسه تجاهك، حاسس إنه هيقلب فيلم هندي وهتطلع أخويا في الآخر.
قالها وانفجر من الضحك، على عكس أدهم الذي جاهد ليحتفظ بابتسامته الصغيرة، فأراد أن يهرب من مواجهته، فقال بحزم جاهد له:
_ طيب انزل من على العربية، خليني ألحق مشواري.
هبط آيوب، واتجه ادهم للسيارة سريعًا، وقبل أن يشغل محركه وجد آيوب يطل من النافذة ويخبره بمزحٍ:
_ من ساعة ما نزلنا من لندن وبطلت تقولي يابن الشيخ مهران! هل ده معناه انك أخدت عليا بزيادة وهتقولي ياض ولا أعتبرك حبيت اسمي فجأة؟
اهتز جسد أدهم والحزن يتمكن منه، فقال بخشونة وهو يتصنع انشغاله بتشغيل السيارة:
_ أنا هتأخر كده والقائد هيجازيني بسببك.
وتابع يشير له:
_ روح شوف الخواجة بدل ما يقتل صاحبكم ده.
انتبه آيوب لكلماته، وصاح بدهشةٍ:
_ أنا نسيته اصلا، أبقى كلمني لما ترجع.
قالها وركض للمحلات، قاصدًا مكتب يونس، بينما تحرك أدهم بسيارته على الفور، وكل ما يشغل عقله، ماذا سيفعل آيوب حينما يعلم الحقيقة؟ الايام تمضي ولم يتبقى عن اختباراته سوى القليل، كيف سيتقبل الامر؟
******
صعدت فريدة للأعلى، تتبع خطواته، وأعينها معصوبة، تستمع لصوته الرجولي الدافئ:
_ شوية كمان هنا.. براڤوو.
زفرت بنفاذ صبر، هتفت:
_ إنت واخدني على فين يا أحمد!
مرر إبهاميه على كفيها الرقيقان، وقال يحمسها:
_ هانت ونوصل يا قلبي.
تتابعته على مضضٍ، حتى أحاطها بذراعيه، يهمس لها بصوته الرخيم:
_ هنا بالظبط.
وقفت محلها تراقب ما سيفعله، شعرت بأنفاسه القريبة منها، فعلمت بأنه يقابلها بوقفته الآن، شدد أحمد على كفيها وقال بسعادة ملموسة بصوته الحماسي:
_ من يوم ما افترقنا وأنا حياتي كلها وقفت، كنت بصبر نفسي إن أكيد هيجي وقت وهنسى، بقول مش كل اللي افترق عن حبيبه مات في بعده، بس أنا مت يا فريدة!
واستطرد بألمٍ كالعلقم بفمه:
_ السنين كانت بتعدي عليا، وأنا لا قادر أنسى ولا أقادر أخمد وجعي، استسلمت إنك هتكونيلي في يوم من الأيام.
وتابع وهو يقبل كفيها:
_ بس ربنا سبحانه وتعالى كافئني بيكِ بعد صبر، وكملها معايا ووهبني طفل منك إنتِ يا فريدة.
انهمرت دموعها من أسفل الشاش الأسود، المحيط لعينيها، فازدردت صوتها الهامس:
_ ليه بتقول كده يا أحمد؟
أزاح عنها العصبة، ومنحها ابتسامة طيبت وجعها الذي أيقظه داخلها، قائلًا بعشقٍ:
_ عشان اللي فات اتردم ومش هيبقى فيه غير الحلو اللي بينا وبس يا فريدة هانم.
اتسعت ابتسامتها وهي تتأمل الغرفة التي أعدها بالكامل، لاستقبال المولود، أعادها سنواتًا من عمرها، وكأنها مازالت المرآة التي تحتفل بأول طفل لها، وكأنها لم تنجب من قبل.
مررت عينيها على السرير الصغير الذي يتوسط الغرفة، والأخر الذي يعلو لصعوده درج عريض، باللون الوردي، يزاحمه الكثير من العرائس والألعاب، وعلى أحد الاطراف بيانو وردي اللون، ومكتبة صغيرة.
جذب انتباهها اللون الوردي الذي يكسو أغلب ملامحه الغرفة، فاستدارت تتساءل بمكرٍ:
_ اشمعنا البينك!
ودنت إليه تسأله ببسمة رقيقة:
_ إنت عايز بنت يا أحمد باشا؟
أحاطها بيده والاخرى تضم وجهها بحبٍ:
_ شبهك، عايز بنت شبهك يا فريدة.
واستطرد وهو يتطلع لعينيها بهيامٍ:
_ نفس لون عيونك اللي مداوباني دول.
لمس خصلات شعرها، مستكملًا:
_ نفس لون شعرك.
وتابع بعشقٍ صريح:
_ عايزها تشاركك كل حاجة فيكِ.
انزوت بأحضانه بفرحةٍ أدمعت عينيها، ضمها إليه وهو يقبل رأسها بحبٍ، بينما تهمس له على استحياءٍ:
_ أنت دواء تعبي النفسي اللي عشته طول السنين اللي فاتت.
وابتعدت تطالعه بنظراتٍ جسدت عشقه بحرفيةٍ، أزاحت دموعها وهي تخبره بابتسامة:
_ تعرف إني كنت هكمل علاجي عند علي، وانتظرني كتير أروحله بس مرحتش، عارف ليه؟
هز رأسه ينفي وعينيه غائرة بدموع فرحته بحديثها:
_ عشان وجودك جنبي شفاني من كل اللي أخوك عمله فيا يا أحمد، لدرجة إني بقيت قادرة أسامح وأغفر، لو أنت التمن لصبري ومعاناتي معاه فأنا والله مسامحه!
احاط رقبتها بيده، يقربها إليه بقوةٍ، بينما تتمسك هي به، كأنهما يتعاهدان الا يفترقا مجددًا، ولو تعاهد القدر سيحاربان معًا للبقاء على قيد الحياة، وما قربهما الا حياة!!
******
عاد يحمل أكواب القهوة الساخنة بين ييديه، قدمه لها وصعد على مقدمة السيارة جوارها، حملت الكوب منه ويديها تفركان ببعضهما من فرط البرودة، فسألها باهتمامٍ:
_ تحبي ندخل العربية؟
أشارت فاطمة نافية:
_ لأ، أنا حابة المنظر هنا، بس الجو برد شوية.
منحها ابتسامة عاشقة، ترك علي كوبه على سقف السيارة العلوي، وهبط ينزع عنه البالطو الجلدي، الذي يرتديه، عاد يجلس جوارها ويداثرها به بحنانٍ، ضمته فاطمة حولها فقالت وهي تمنحه ابتسامة مرحى:
_ مش خايف تتعب يا دكتور؟
رفع رماديته لها وقال بعاطفة أججت مشاعره إليها:
_ فداكِ يا عمر الدكتور.
وتابع يشاكسها، بضحكة عالية:
_ وبعدين الدكتور اتمرمط واتسحل ورا قفل الأبواب في وشه، ما صدق إن اتفتحله باب واحد فيهم، تفتكري هيفرط فيه؟
ضحكت بقوة فور تذكرها غلقها للباب باستمرارٍ بوجهه، شاركها الضحك وقال:
_ أنا بحمد ربنا إن الوقح أخويا ميعلمش بقفلة الأبواب دي، لإنه لو عرف كان زلني قدام عيلة الغرباوي كلها.
أحاطت جاكيته بحبٍ، يتلألأ بمُقلتيها، وقالت:
_ عُمران شخص لطيف جدًا على فكرة، مش زي ما إنت أو أنكل أحمد بتتكلموا عنه.
هز رأسه وبابتسامته الساحرة، أخبرها:
_ مهو ليه ميت وش، محدش يقدر يجزم إن ده طباعه الدايمة.
وتنهد بحزنٍ فشل باخفاءه:
_ أنا بفتقده جدًا لما بيغيب طول اليوم في الشغل، ما بالك بسفره بعيد عني!
وتابع وقد تأثرت بما يقصه:
_ اتعودت أسافر مؤتمرات كتيره، بروح كل مكان وبرجع وأنا على ثقة إنه موجود، وقايم بواجباتي على أكمل وجه، لما كنا بننزل مصر كنا بننزل مع بعض، المرادي فراقه صعب، يمكن عشان أنا عارف إنه مسافر وهو موجوع.
انكمشت تعابيرها بحزنٍ، وقالت:
_ اللي حكيتهولي مكنش سهل يا علي، بس اللي مفهمتوش إزاي خالك قدر يعمل كده؟
عصف قبضته بعصبيةٍ، واختنق صوته وهو يقول:
_ من طول عمره وهو كده، كل مرة بنستهون بحقده بتكون قرصته أصعب من الأول، بس المرادي القضيا.
ربع يديه لصدره، واستند بظهره على زجاج السيارة الأمامي، يتابع الأشجار من حوله بتمعنٍ، بينما تضم جاكيته بكل محبةٍ.
قبض عليها فوجدها تدمس أنفها بالجاكيت، كأنها تستمد جرعة أكسجين الحياة، تلقفها إليه، يضمها بحبٍ، وقال يشاكسها بهمسه المغري:
_ قولتلك الأمان في حضني أنا، مش في ريحة البرفيوم!
******
كانت السيارة شاهدا قويا لغرام طبيب وقع في حب مريضته منذ النظرة الأولى، وكانت أيضًا تشهد على ذلك المجروح الذي قضى ساعات يغفو على الدريكسون وعينيه تتابع الشقة التي تقطن بها زوجته وابنه.
انهمر الدمع من آعين جمال، وهو يتابع ضوء الغرفة مفتوح، تتبع يوسف حتى وجده يصعد لها الآن برفقة زوجته، فصف سيارته بعيدًا عن مدخل المبنى، وراقب الشرفة بألمٍ.
يفصله عن ابنه وزوجته بضعة خطوات، لا يقوى على قطعها، فأغلق عينيه يسترخي بجلسته بعد أن حقق انتصارًا حافلًا على من سحق شرفه وطال بظلمه صديقه.
******
جلس جوارهم على طاولة الطعام، كانت تضم أنواع عديدة من الأطعمة الشهية، والأفضل من كل ذلك، رؤية وجه هذا الشيخ البشوش، الذي ما أن قابله حتى غمره بالأحضان، معبرًا عن امتنانه لما فعله مع ابنه بالغربة.
تطلع عُمران للشيخ مهران باعجابٍ شديد، ملامحه الطيبة بشوشة للغاية، كرمه وحسن ضيافته كانت بارزة منذ لحظة استقباله، ولج "إيثان" للداخل بعدما طرق الباب مرتين، فأشار له الشيخ مهران:
_ تعالى يا إيثان ادخل.
جذب يونس المقعد وقربه للطاولة قائلًا:
_ اقعد، الاكل برد!
جلس على المقعد جوار آيوب يحدج عُمران بنظرةٍ شرسة، بينما الاخير يبتسم له ببرودٍ، لاحظ الشيخ مهران الورم المجاور لفمه، فتساءل بدهشةٍ:
_ أيه اللي عمل فيك كده يابني؟
تطلع لمن يقابله بنظرة عنيفة، وقال من بين اصطكاك أسنانه:
_ بعد عنك يا عم الشيخ البقرة اللي جابها متولي الجزار عشان يدبحها فكت الحبل وزقتني في الحيطة.
ضحك يونس وآيوب بشدةٍ، بينما تابع عمران تناول طعامه بجمود تام، جعل الاخير يراقبه بغيظٍ، قرب الشيخ أطباق الطعام إليه وأشار له:
_ مبتكلش ليه يابني، أوعى يكون مش عاجبك أكلنا؟
رسم ابتسامة هادئة، وقال:
_ بالعكس والله أنا أكلت كتير جدًا، تسلم إيد ست الكل.
برق إيثان بدهشة من اسلوبه الرقيق بالتعامل، عكس شخصه الهمجي، فردد بسخطٍ:
_ ابن ناس اوي!
مال آيوب يخبره بشماتةٍ:
_ جدًا، وعلى فكرة مبينساش حقه.
أحاطه بنظرةٍ قاتلة، ويده تغمس الملعقة بالطاولة، فتنحنح عمران يخبره بهدوءٍ بريءٍ:
_ ألف سلامة عليك يا أستاذ إيثان، بس خد بالك بعد كده وإنت بتعدي من قدام محل الجزارة، الله أعلم المرة الجاية يمكن تلاقي مثلًا طور يفرمك ويساويك بأسفلت الحارة، لازم تكون حريص!
واستدار يردد ببراءة مخادعة:
_ مش كده ولا أيه يا شيخ مهران؟
ابتسم الشيخ وقال:
_ كده يابني، الانسان لازم يكون حذر!
فشل يونس بكبت ضحكاته، فضحك وهو يتابع وجه إيثان الواشك على الانفجار، وخاصة بإنه ترك مقعده واتجه ليجاوره هو، كأنه ينفذ رسالة عمران المبطنة ببعده عن آيوب.
ولج فارس للداخل، حاملًا زجاجات المياه، وضعها على الطاولة، واتجه يجلس على ساق أبيه، يراقب من أمامه بنظراتٍ شملت الاعجاب، فمال إليه يهمس بصوتٍ كان مسموع لآيوب الذي يجاور أبيه:
_ عمو ده مز أوي يا بابا؟
احتقنت معالم إيثان وهو يرمق غريمه، فلكز يونس بعتف:
_ شوف ابنك لاعلقه في مروحة السقف.
سيطر تلك المرة على ضحكاته وقال:
_ هفهمه حاضر.
ومال يهمس لابنه:
_ بس يا فارس، الضيف هيسمعك عيب!
ضحك آيوب وردد بسخريةٍ:
_ عيب ليه هو بيذم فيه، بيقولك مز!
منحه ايثان نظرة متوعدة، فمنحه قبلة بالهواء، وانتبه لفارس يسأله:
_ صاحبك ده يا آيوب؟
هز رأسه مؤكدًا بغرورٍ:
_ آيوة صاحبي، ومن لندن كمان.
عاد يتساءل وهو يراقبه يتحدث مع الشيخ مهران على مقدمة الطاولة:
_ اسـمه أيـه يا آيوب؟
جذب يونس ملعقة الشوربة، يضعها بفمه ليكف عن الحديث بينما نظرات ايثان تشتعل كالجمرات، وبحزمٍ قال:
_ مش قولنا متتكلمش على الاكل وتبطل تقول آيوب كده تاني، إسمه عمو!
اختطفه آيوب وأجلسه على ساقيه، هادرًا بانفعالٍ لابن عمه:
_ إنت مالك يا يونس، أنا اللي قايله يناديني كده، مش عايز أكبر يا أخي أنا حر!!
ونهض يحمله على ذراعيه، متجهًا للمقعد المجاور لعمران، جلس جواره وأشار على الصغير ببسمته الجذابة:
_ ده فارس ابن يونس يا عُمران، وشكله كده معجب من معجبين الطاووس الوقح.
منحه نظرة تحذيريه وهو يتنحنح أمام الشيخ باحراجٍ، جعل آيوب يبتلع ريقه بخوفٍ منه، وتابع قائلًا ليبدد ما سبق قوله:
_ ده إسمه البشمهندس عُمران سالم الغرباوي يا كابتن فارس.
منحه عُمران ابتسامة هادئة، وجذب منديلًا ورقيًا يجفف يده، ثم قدم كفه يصافح الصغير بحرارةٍ:
_ أهلًا بالجميل.
صافحه الصغير بسعادةٍ، وقال بعفويةٍ:
_ ده إنت اللي جميل اوي يا عمو، وعينك لونها حلو ما شاء الله.
وتابع رافعًا يده للشيخ مهران، يبرر:
_ بقول ما شاء الله اهو عشان محسدوش يا جدو.
وضحكوا جميعًا ومازالت نظرات إيثان تهاجمه، نهض عُمران يردد بحرجٍ:
_ الحمد لله، أنا شبعت.
نهض الشيخ يشير على طبقه:
_ فين ده يابني طبقك لسه زي ما هو؟
التهم إيثان ما بمعلقته، وهو يردد ببرودٍ:
_ هتلاقيه عامل دايت وخايف على وزنه، لكن اللي زينا مبيهموش، يتقل براحته ويحرقه على الأجهزة، باين البشمهندس راجع مرهق من السفر ومش حمل لعب الاجهزة.
تمعن بالتطلع له بنظرةٍ ثابتة، بينما شفتيه تنجبر ببسمة صغيرة، يعلم بأنه يستفزه ليخرج وحشه الوقح قبالة الشيخ، ففجأه حينما قال:
_ ربنا يهديك ويصلح حالك يا أخ إيثان، أنا خايف تفوتني صلاة المغرب جماعة في المسجد مع الشيخ مهران، ولو على الأجهزة، فصاحبك بيعشق الحديد، والاوزان التقيلة، نعوضها في يوم تاخدني وتعزمني على أكلة دسمة ونطلع على الأجهزة مع بعض.
وتابع بغمزة ساخرة، رغم جدية نبرته الواصلة للشيخ من خلفه:
_ معرفش ليه من أول ما شوفتك وأنا حاسس إني بحبك لله في الله كده يا اخي، فعلا في خلق تشوفها تحس إنها عشرة عمر، واحنا سبق واتعرفنا في محل المعلم يونس من شوية، وكلنا عيش وملح دلوقتي مع بعض، هعوز أيه أكتر من كده عشان أحبك مثلًا.
واشار للشيخ وهو يتجه للخروج:
_ يلا يا شيخنا عشان نلحق الصلاة.
ابتسم الشيخ وجذب سبحته واتبعه يردد:
_ بينا يابني.
وأشار لابنه وابن شقيقه، قائلًا:
_ خلصوا أكل وحصلونا على المسجد.
خرج عمران برفقة الشيخ مهران، وتبقى إيثان الذي مازال يتطلع لمحل عمران الفارغ بصدمة، بينما اتسعت ابتسامة يونس بالاعجاب، ومال لآيوب يخبره:
_ أيه الشخص الجامد ده، ده هيجيب لإيثو صدمة عصبية!.
كبت ضحكاته وقال يهمس له:
_ ماله وشه قلب ألوان كدليه، قوم خده الصيدلية بسرعة، باين ضغطه علي!
أشار بلا مبالاة وقال بجدية مضحكة:
_ فكك منه ده بسبع أرواح، وقولي إنت اتعرفت على عُمران ده ازاي؟
واستطرد بفضولٍ:
_ شخصيته ملفتة أوي، قولي كل حاجه عنه وبالتفاصيل!
******
_ وبعدين يعني يا أدهم، مش هتبطل لف ودوران عليا!
قالها “مراد” بغضبٍ شرس، وهو يطرق الطاولة الفاصلة بينهما، بينما يحاول أدهم الحفاظ على ثباته وقال:
_ أنا مش فاهم أيه اللي معصب حضرتك بالشكل ده؟ كل ده عشان بقول لحضرتك إني سمعت نصيحتك واهتميت بتفاصيل الفرح، وهسافر على طول انا وزوجتي لميلانو؟
منحه نظرة جعلته يبتلع ريقه بارتباكٍ، وخاصة حينما مال يضم كفيه على الطاولةٍ:
_ واشمعنا ميلانو؟!
حافظ على ثباته، وهو يجيبه:
_ زوجتي اللي مختارها، وأنا طبيعي وافقت على المكان اللي هي نفسها تزوره، ده فيه شيء يزعل حضرتك أو القادة مني!
دعس شفتيه السفلية بين أسنانه، ونهض يقترب إليه بخطواتٍ ثقيلة، زادت من ارتباكه، انحنى إليه وتطلع له مباشرة وهو يعيد بنبرة أشد خطورة:
_ هعيد لأخر مرة، اشمعنا ميلانو يا أدهم؟
تصنع عدم معرفته بما يقول، وردد بدهشةٍ:
_ هو في حاجة يا باشا؟ لو انا ممنوع من السفر عرفني؟
استند بذراعيه على ذراعي المقعد خاصته، وردد بهدوء مخيف:
_ أنا اللي دربتك وعرفتك امته تستخدم ذكائك، وامته تلف وتدور، فيوم ما تحاول تخش في تحدي معايا افتكر إني أستاذك وقائدك!
اهتزت مقلتيه قبالته، بينما نصب الجوكر عوده وقال:
_ أنا عارف إن في حاجه بينك وبين رحيم، واللي مطمني إن المهمة مش في ميلانو أصلا.
واتجه لمقعده، يجلس واضعًا ساقًا فوق الاخرى:
_ أنا جبتك هنا النهاردة، عشان لو شميت إنك اشتركت في المهمة دي من قريب أو من بعيد يبقى وصلك تحذيري المسبق للي هعمله معاك.
جف حلقه رعبًا مما استمع إليه، فاشار مراد بزورقة عينيه للباب:
_ روح كمل ترتيبات فرحك يا آآ.. يا عريس!
نهض عن المقعد وغادر للخارج، يقتبس النظرات المرتبكة إليه، لا يخشاه أكثر مما يخشى أن يفعل شيئًا يضايقه، العلاقة بينهما غامضة حتى على الاسطورة، الذي حاول فهم طبيعة علاقة أخيه به، ولكنه يعلم بأن هناك مشاعر نبيلة بينهما.
******
وقف عمران أمام المسجد بالخارج برفقة يونس وآيوب، بعد صلاة المغرب، وما أن وجدهما يستعدان للرحيل حتى تساءل باستغرابٍ:
_ والشيخ مهران؟
ابتسم آيوب وأجابه:
_ الشيخ مهران بيدي دروس بالمسجد بعد صلاة المغرب لطلاب الأزهر يا عمران.
نزع حذائه وولج مجددًا يراقب المسجد، ابتسم عمران والحزن يزحف لعينيه رغم ابتسامته، حينما رآه يجلس أرضًا، ويلتف من حوله عدد من التلاميذ، كانوا يتشاركون بصف الصلاة جواره، والآن يحيطونه بحبٍ.
خرج إليهما مجددًا، فلف آيوب ذراعه حول كتفه، وبحماسٍ سأله:
_ قولي بقى عايز تروح فين وأنا معاك؟
استرخت معالمه، فمنذ اللحظة التي وطأت قدميه حارة الشيخ مهران، وهو يشعر براحة وصفاء، ازداد بدخوله لمنزله.
وقفوا امام عمارة الشيخ مهران، فرفع عُمران بصره للأعلى، وقال:
_ عايز اطلع عند البرج ده لو ينفع؟
رفعوا رؤؤسهما للأعلى، وقال يونس مبتسمًا:
_ عند الحمام تقصد؟
هز رأسه بحماس، فضحك آيوب وقال:
_ إنت مُصر تحتك ليه بإيثان.
عاد ببصره إليه، متسائلًا بعدم فهم:
_ ماله بالبرج، مش ده بيتك؟
تمادت ضحكاته الرجولية، فرد عليه يونس:
_ أيوه بس إيثان مسيطر على السطوح، وعامل فيها البرج لإن والدته بتكره الحمام، كل ما بيعمل البرج فوق عمارتهم بتطلع تهده وتطفش الحمام، لحد ما الشيخ مهران قاله يجبهم عندنا فوق.
وضع يديه بجيوب جاكيته، وقال باصرار عنيد:
_ حابب أشوفه.
هم آيوب للداخل، وقال:
_ يارب يكون مشي، تعالى!
صعد عُمران خلفه للاعلى، واتباعهما يونس، وصلوا للطابق الاخير من البناء المرتفع، فوقف آيوب جوار عُمران يلتقط انفاسه، بينما تسلل لهما صوت إيثان، الذي يغفو على الأريكة الخشبية المحاطة بمرتبة من القطن، واضعًا قدمًا فوق الاخرى ويصيح بانفعالٍ:
_ يعني أيه مش راضية بيا!! هي نسيت نفسها ولا أيه يا ماما؟ كلمي خالتي وقوليلها تضغط عليها.
وتابع وهو يحرك قدمه بعصبيةٍ:
_ أمال كانت نازلة رفض في العرسان ليه، مانا عارف إنها كانت بتعمل كده عشان مستنياني أحن ولما اتنيلت وحنيت بتشوف نفسها عليا بنت إيفون!
وعدل من جاكيته الرياضي، مستطردًا:
_ هي تطول إني أتقدملها ومرتين!! تفوق لنفسها.
وأضاف بعدما اعتدل بجلسته:
_ لا بصي الكلام في التليفونات ده لا هيقدم ولا هيأخر، خدي بعضك واطلعي على خالتي، إديهملهم هما الاتنين وارجعي على طول.
سلام.
اغلق الهاتف وابتسامة الغرور تحفل على وجهه، فتسلل له صوتًا غليظًا يهتف:
_ ده مش عايز بقرة تنطحه، ده عايز لودر يدوس فوقه أربع مرات!
احتدت مُقلتيه فور أن رأه يستند على دربزاين الدرج، مربعًا يديه أمام صدره، ويتابعه بنظرةٍ ساخرة، هرع إلى آيوب الذي يتطلع له بصدمة مما استمع إليه، وصاح:
_ ده بيعمل أيه هنا؟
أتاه الرد من خلفهما:
_ ما خلاص يا إيثو الله، ده انا جبتلك البشمهندس لعندك عشان تخططوا للبوتيك جنب الحمام بمزاج عالي!
ضيق عينيه وهو يرمقه نظرة الحما التقيمية لزوجة ابنها، بينما يتطلع له الاخر ببرود.
تخطاه عُمران واتجه لسور السطح، وقف يتطلع للمباني القديمة بابتسامة هادئة، يعشق تلك الاجواء ولطالما رغب أن يكون جزءًا منها، جذب انتباهه الشرف الخشبية العتيقة المحيطة لأكثر من منزل، المباني من حوله بسيطة التكوين، ولكن يغمرها الكثير من الفرحة والراحة التي يستطيع لمسها داخله الآن.
هو الذي ذاع صيته، باحترافية صناعته، وفخامة منشئاته حديثة الطراز، يجد أن ما صنعه لا يضاهي شعوره بوقفه بهذا المكان.
سحب يونس إيثان للأسفل، اقنعه بالعودة لمنزله والقدوم غدًا حتى لا يشب شجارًا جديدًا بينه وبين عُمران.
وقف آيوب جواره، يطالعه بابتسامة جذابة، ختمها بسؤاله المتعجب:
_ شايفك مبسوط وحالك اتبدل بعد ما طلعنا هنا؟
وضع يديه بجيوب سترته وقال:
_ المكان ده كفيل يغيرني أنا شخصيًا يا آيوب.
ولف برأسه له، يخبره بامتنانٍ:
_ يارتني جتلك امبارح، كنت محتاج لاجواء زي دي تسكن النار اللي جوايا.
رمش باهدابه بعدم فهم، وقال:
_ مالك يا عُمران؟ إنت فيك شيء صح!
تنهد بوجعٍ لمسه الاخير، فاتجه للأريكة، جلس فوقها يتطلع لسطح المنزل بسكينة واعجاب، وما أن اتبعه آيوب حتى قال بآنينه الخافت:
_ من غير ما تحاول معايا، الخلاصة في كلمات بيكونوا أبشع جملة ممكن تتحفر جوايا.
ورفع رماديته له، يخبره بانكسارٍ:
_ خالي قرر يفرقني عن صاحب عمري، فعراني وحطاني مع مراته في سرير واحد عشان يضمن إنه يفرقنا وللأبد!!
********
أحاطت جسدها بيديها ودموعها تنهمر دون توقف، وحينما شعرت بعلو شهقاتها، كممت خديجة فمها بيدها وتركت العنان لعبراتها تفيض عنها ما يحجرها.
طرقت سدن الغرفة وولجت، تتساءل وعينيها معلقة بالقرآن الكريم:
_ خديجا، في آية مش إعرف اقرأها، ممكن ساعدني!
ورفعت عينيها إليها، لتتفاجئ بها تحاول ازاحة دموعها والاعتدال بجلستها، راسمة بسمة مصطنعة، وصوتها المتحشرج يردد:
_ آه طبعًا، تعالي يا حبيبتي.
مالت سدن للخارج تراقب الحاجة رقية، فما ان وجدتها تعد العشاء، ولجت بعدما أغلقت الباب من خلفها، جلست قبالتها وقالت بلهفةٍ:
_ مالك خديجا، بتعيط ليه؟
جذبت منديلًا ورقيًا، تزيح دموعها، وقالت:
_ مفيش يا حبيبتي، أنا بس اوقات كده بقعد اقلب في القديم واللي يعكنن مزاجي.
رددت بالانجليزية بعدم فهم:
_ أتعنين حياتك السابقة مع زوجك السابق؟
هزت رأسها ببكاءٍ، واجابتها:
_ أجل، أحمل منه ذكريات سيئة، لقد كان يتفنن باهانتي، كنت أتمنى الموت كل ليلة، لم يصبرني على هذا الابتلاء الا ابني فارس، حفظه الله لي.
أشفقت عليها، تعلم جيدًا كيف يكون ألم اهانة أثنى، ازدردت صوتها، قائلة:
_ هل كان يعتدي بالضرب عليكِ خديجا.
ضحكت بصوتٍ مسموع، رغم هبوط دموعها، وقالت:
_ بل فعل الأبشع من ذلك.
زوت سدن حاجبيها بعدم فهم، فرفع خديجة جلبابها تريها ساقيها وجسدها، بترت شهقاتها بكبت كفها لفمها، تتسع حدقتيها بشكلٍ مفزع، أعادت جلبابها عليها، وبانكسار قالت:
_ مش عايزة يونس يشوفني كده يا سدن، كل ما أيام عدتي بتمر كل ما بترعب وبخاف، لو رفضت جوازي منه مرة تانية هكون بخسر فرصتي الأخيرة معاه.
ادمعت عينيها ألمًا، واتشحت بابتسامةٍ موجوعة، ورفعت لها بلوزتها تريها مخطوطة السكين التي تحملها إلى الآن، تعجبت خديجة مما رأته، فازاحت دموعها وتساءلت باستغرابٍ:
_ دي ضربة سكينة!! من ايه دي؟؟؟
بابتسامة لخصت معاناتها هي الآخرى، كأنثى ممزقة:
_ لقد ترك لي عمي تذكارًا أبديًا، بعد أن قتل أخي.
تشاركتا الوجع، نفس المذاق المرير، كلاهما أنثى تم الاعتداء عليهما من أقرب أناس إليهما، ضمتها خديجة، تربت على ظهرها بحنانٍ، بينما هي بحاجة من يضمها إليه.
ابتعدت سدن تزيح دموعها، وبابتسامة مشرقة قالت:
_ حسنًا خديجة، إن كانت رؤية جروحك تذكرك بما مضى، لماذا لا تتخلصي من ذكرياتك السيئة هذة.
زوت حاجبيها بعدم فهم:
_ ماذا تقصدين؟
ردت عليها تشرح:
_ عليكِ بمعالجة جروحك، بجراحة تجملية، إن رغبتي ألا يراكِ يونس بتلك الحالة.
نصب تركيزها معها، وقالت:
_ بس مش حرام ده؟
ابتسمت سدن وضمت المصحف الشريف لها، مستطردة:
_ لا أعلم، مازلت أجتهد للعلم عن دينينا ولكني على ثقة بإن الله عز وجل لن يحرم شيئًا هكذا بمثل حالتك تلك، كلما ازددت تعمقًا بالدين الاسلامي أجده سلسًا، الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده.
واضافت باقتراحٍ:
_ فلننتظر الشيخ مهران ولنسأله معًا، إن وجدناه غير، محرم فلنذهب معًا لطبيبة متخصصة، ما رأيك؟
اتسعت ابتسامتها بفرحةٍ، وأخذت تشير لها بالموافقة، فابتسمت الاخيرة والدموع مازالت بأعينهما، فعادت تضمها إليها مجددًا، وتلك المرة قالت:
_ ما مر من حياتك مضى ولن يعود، لقد انتهى الشطر السييء والآن حان الوقت لتكتبي حياتك بيدكِ خديجة!
******
بالأعلى.
وضع يونس الشعلة الصغيرة على الطاولة، ثم وضع قدح الشاي الكبير عليه، ومن جواره يجلس آيوب جوار عُمران، سكب الشاي بالأكواب التي تحمل أعواد النعناع، قدمه يونس إليه، فالتقطه مرددًا:
_ تسلم يا يونس.
منحه ابتسامة صغيرة، وقدم لآيوب الاخر، ثم جلس جوارهما يتساءل:
_ هنفضل قاعدين هنا كتير، صلينا العشا وقعدين بقالنا اربع ساعات، ومازلت مصر تقعد هنا!
وأضاف مقترحًا:
_ ما تيجي ننزل عندي تحت.
ارتشف من كوبه، وأجابه:
_ أنا حابب القعدة هنا لحد ما أدهم يجي.
ابتسم آيوب يخبره بمكرٍ:
_ مش هيجي، أنا كلمته وقولتله انك هتبات معايا.
ووضع قدمًا فوق الاخرى، يخبره بعنجهيةٍ وهو يرتشف من كوب الشاي خاصته:
_ فاكرني هتخلى عنك بالسهولة دي يا طاووس!
ارتشف عُمران من كوبه، وقال بنفس الثبات والابتسامة الصغيرة:
_ وأنا مش عايز أفارقك يابن الشيخ مهران!
تنحنح يونس هادرًا:
_ ما نكمل وصلة العشق الممنوع ده عندي تحت، الجو بدأ يبرد!
لف رأسه له وقال:
_ أنا حابب أفضل هنا.
اصراره كان غريبًا، لدرجة جعلت آيوب يقول:
_ خلاص يا يونس انزل انت تحت عشان فارس، وأنا هفضل هنا مع عُمران.
هز رأسه في يأس، ونهض يشير له:
_ طيب تعالى معايا خد فرشة نضيفة وبطاطين.
هبط معه آيوب للأسفل، فتمدد عمران محله على الأريكة، يعيد فتح هاتفه، فتفاجئ بعدد من الرسائل من زوجته، على حسابه الخاص، حرر زر الاتصال، وما أن استمع لصوتها فشم فيه غضبها، أسرع يمتصه بحيلته:
_ حبيب قلبي وروحي، وحشني صوتك أوي.
_ والله!! تصدق إني شوية وهصدقك، بحاول أكلمك من امبارح وانت قافل تليفونك، أنا كنت هموت من القلق عليك يا عمران!!
وضع يده أسفل رأسه، وقال:
_ أنا كويس يا
رواية صرخات انثى الفصل التاسع والستون 69 - بقلم ايه محمد رفعت
احتل قرص الشمس كبد السماء، غامرة الكون بأشعتها الذهبية، خاطفة خيط من خيوطها، لنافذة تلك السيارة، أزعجت ذلك الذي يغفو على آليتها، فتح “جمال” عينيه بانزعاجٍ، والألم يطمس أنحاء جسده بأكمله ، من نومته الغير مريحة بالمرةٍ، أحاط رقبته بيده، وحركها بخفةٍ حتى يخفف من حدة الألم المتركز بنسبةٍ كبيرةٍ بها، بينما عينيه تراقب شرفتها بحزنٍ جعله يكبر عمرًا فوق عمره، يشعر، وكأنها فارقته منذ عشرة أعوام، يشعر ولأول مرة بأنه يتيمًا، لا يملك مآوى ولا رفيق.
عقد عزمه على المواجهةٍ، مهما كانت النتائج، جذب هاتفه، وحرر مكالمة لرقم “يوسف”، انتظر حتى أتاه صوته الناعس:
_خير على الصبح يا بشمهندس؟ إفتكرت كارثة جديدة نسيت تبلغني بيها، فقولت أصبح عليه.
تجاهل حديثه الساخر، وسأله بجديةٍ:
_دكتورة ليلى فوق عند صبا؟
اتسعت مُقلتيه، وانتفض بجلسته يأمره بغضب:
_إرجع عن اللي في دماغك ده يا عبحليم، اهدى وسبها تهدى وبعد كده آآ…
قاطع دور الناصح العقلاني، وصاح:
_أيه اللي مش مفهوم في كلامي! سألتك سؤال جاوبني!
زفر وهو يضم أعلى أنفه بضجرٍ:
_لا يا جمال، ليلى هنا مبتتش عندها النهاردة، بس صدقني اللي بتعمله ده آ…
بتر حديثه فور سماعه صفارة إنهاء المكالمة، ألقى “يوسف” هاتفه وتمتم بانزعاجٍ:
_غشيم ورأسه رأس صعايدة صعب يقتنع!!
طرق “جمال” بابها، وصوت اضطراب أنفاسه يختلج داخل رئتيه، يخشي تلك اللحظة التي يحملها ضغينة فوق قلبه، لا يريدها أن تأتي لمخيلاته، ولكنها آتية لا محالة، سيواجهها بنهاية الأمر!
سقطت عنه الكلمات، وتلاشت، فور أن وجدها تقف أمامه، تطالعه بصدمة جعلتها تكاد أن تغلق الباب بوجهه مجددًا، ولكنه كان الأسرع حينما ولج للداخل، مغلقًا الباب من خلفه، وعينيه تتفقدها بشوقٍ، بينما يهتف بهمسٍ:
_مقدرتش أصبر أكتر من كده يا صبا.
مازالت الصدمة تسيطر عليها، ولكنها لم تترك لها بالًا، وهدرت منفعلة:
_إنت عرفت مكاني إزاي؟
رنا إليها يفوه بحزنٍ:
_مش مهم، المهم إني قدامك دلوقتي، وطمعان إنك تسامحيني يا صبا.
أغدفت مُقلتيها بازدراء منه، بينما مازالت تتراجع للخلف، وهو يقترب إليها، فأوقفته بإشارة صارمة:
_متتخطاش حدودك وتقرب أكتر من كده، الأفضل ليك إنك تمشي حالًا، ومتورنيش وشك تاني.
توقف محله بينما عينيه تضم ملامحها بشغفٍ، احتفظ برغبتها بالابتعاد عنه بمسافةٍ، وكان راضيا في سبيل رؤيتها، أجلى صوته العالق بين حنجرته، وقال:
_أنا لسه مفقدتش الأمل إنك هتسامحيني، في يوم من الأيام.
ضحكت بصوت مسموع، رغم هطول أمطار عينيها، وقالت بسخريةٍ:
_إنت بتحلم يا بشمهندس اللي بينا مفهوش سماح ولا غفران.
واستطردت، وهي تصرخ بجنون:
_وياريت تطلع من هنا حالًا، وتقدر إني مش طايقة أشوف وشك.
نغز قلبه دون رحمة، وقرر أن يغادرها الآن حتى تهدأ قليلًا، فتنهد وهو يخبرها:
_هشوف ابني وهمشي على طول لو ده هيريحك.
عارضته بكل قوةٍ، وصاحت:
_مش هتشوفه حتى لو فضلت واقف مكانك العمر كله.
ابتلع مرارته، وقال في محاولةٍ لاستعطافها:
_مرة واحدة بس يا صبا، ملحقتش أحفظ ملامحه ولا أخده في حضني.
وأضاف بوجعٍ:
_ده ابني وليا فيه زيك بالظبط، حرام تحرميني منه!
راق لها رؤيته منكسرًا كذلك، ولأول مرة منذ دخوله تقترب هي منه، وتجابهه بكل شموخٍ:
_غريب إنك بتهين نفسك وبتقلل من كرامتك قدامي عشان تشوف طفل مش طفلك.
وضمت شفتيها بشفقةٍ:
_إنت صعبان عليا يا جمال، معشم نفسك إنه ابنك والحقيقة غير كده.
احتقنت حدقتيه بجحيمٍ كان ليحرقها حية، ولكنه بالرغم من ذلك تمسك بكل ذرة صبر داخله، كفه ينطبق حول بعضه بشكل جعل أوردته على وشك الانفجار، مازالت عينيه تطالعه والصمت لا يتناهى عنه، إلى أن تحرر صوته أخيرًا:
_بلاش يا صبا، أنا عارف إني وجعتك وجع عمره ما هيتنسى، بس صدقيني اللي بتحاولي تعمليه دلوقتي ده نتيجته أنا مش ضامنها.
دفعته بكلتا يديها على صدره بقوةٍ فجأته، بينما صراخها الباكي يعلو ليصمم أذنيه:
_هتعمل أيه يعنـي؟! أيه هتضربني تاني وتكسر ضلوعي؟! هتعمل أيـه المرادي عرفني!
واستطردت وهي تسير له بابتسامة شملت كل كسر مسها كأنثى:
_المرة اللي فاتت ثقتك في صاحبك كانت كبيرة، وكل اللي إنت شايفه إن أنا اللي وصلته لخيانتك، المرادي مفيش حجة مقنعة هتلاقيها لصاحبك التاني، هو اللي جابني هنا وهو اللي بيصرف عليا وعلى الولد، تفتكر ليه؟ يمكن أكون خنتك معاه هو كمان والله أعلم يمكن الولد يكون ابنه!
وبابتسامة متشفية قالت:
_أنت محتاج تعمل DNA يا جمال، لإن الولد مستحيل يكون ابنك.
دفعها للحائط بقوةٍ، وبساقه دفع الطاولة الزجاجية حتى سقطت محتوياتها، ناشرة شظاياها كقلب تلك الأنثى الجريحة، وصراخ جرح رجولته الهادر بغضبٍ:
_اخــرســي يا صبــا، اخــــــــرســــــــي!
لم تتأثر بسمة سخريتها، حتى وهو يقابلها وجهًا لوجه، بملامح وجه خطيرة، أعين ضائعة، كل شيءٍ به يوحي بمدى معاناته وتشتته، ومع ذلك لم ترأف به مثلما لم بمنحها هو من الرأفة وسامًا، فإذا به تنزع مئزرها الشتوي عنها، وبابتسامتها التي أطاحت به رددت:
_هتعمل فيا أيه أكتر من كده؟ إتفرج وشوف!
انتقلت عينيه لكدماتها الزرقاء التي تحيط بذراعيها، الجيبرة البيضاء تغلف أكثر من نصفها العلوي، ربما بدأ وجهها بالتعافي، ولكن ما تخفيه أسفل جسدها لا يهول على عقل بشري، عجزت عينيه عن مواجهته، مازال يتطلع لجروحه بألمٍ، تساقطت دموعها رغمًا عنها وبحشرجة كالعلقم قالت باستهزاءٍ طعنها:
_كتر خيره صاحبك لولاه كان زماني أنا واللي بتقول عليه ابنك تحت التراب.
أغلق عينيه يعتصر دمعاته بعنفٍ، وهمس بقهرٍ وهو يميل برأسه على كتفها:
_سامحيني بالله عليكِ، عاقبيني زي ما تحبي أقسملك بالله ما هنطق بحرف لإني أستاهل، شيطاني عماني وخلاني مش شايف قدامي.
دفعته عنها بشراسةٍ، وباحتقارٍ قالت:
_وشيطاني عميني عن إني أرحمك.
وتابعت بحقدٍ وكرهٍ تلألأ بمُقلتيها:
_إنت لو بتموت قدامي يا جمال وبإيدي أريحك من عذابك عمري ما هريحك، إنت مسبتش ليا شيء ممكن يشفعلك عندي، إنت مش بس هنتني وكسرتني قدام أصحابك، إنت منعت عني الرحمة وكنت عايز تقف لدكتور يوسف لما كان عايز ينقذني أنا واللي في بطني فبأي حق أرحمك؟!!!!
واستطردت بدموعٍ كالسيل لم تستطيع السيطرة عليها، رغم أنها ثابتة أمامه:
_اخرج من هنا أنا بمجرد ما بشوفك بقرف من نفسي إنك كنت في حياتي في يوم من الايام، ولو لسه جواك شيء من الكرامة هتخرج من هنا على أقرب محامي وتعتقني لوجه الله.
اقتربت إليه تلك الخطوة الفاصلة، وسألته بقهرٍ:
_ينفع تعتقني لوجه الله يا بشمهندس؟
أي حديث سيشفع له الآن، كل شيء يتلاشى، حتى الأمل بأن تصفح عنه يومًا، إتجه للخروج بآلية تامة، وقبل أن يفتح باب الشقة، أخرج من جيب جاكيته مبلغًا ضخمًا من المال، وضعه على الطاولة القريبة منه، استكمل طريقه للخارج مغلقًا الباب من خلفه، فإذا بها تفتحه من خلفه وتوقفه قائلة:
_استنى عندك.
وقف محله دون أن يستدير لها، خرجت “صبا” إليه، ووقف قبالته، ألقت المال إليه، وقالت:
_أنا مبقبلش صدقة من حد، من بكره هنزل اشتغل وهصرف على نفسي وعلى ابني، وفر فلوسك لجوازتك التانية يا بشمهندس.
واستدارت تعود لشقتها، وقبل أن تدلف قالت بتشفي:
_آه قبل ما أنسى، عشان متقولش عليا ظالمة ومعنديش قلب، لو عايز تشوف الولد انا معنديش مانع، بس لما تدق بابي هات معاك نتيجة التحليل، ويمكن وقتها ابقى أسمحلك تصرف عليه.
وتابعت دون رأفة:
_استنى هنا، شوية ورجعالك.
ولجت للداخل بينما اهتز جسده بضعفٍ، فاستند على الدرابزين يدعم من وقوفه، كل شيءٍ يتلاشى من حوله، عادت له من جديد تقترب منه، تلاحظ إرهاق وجهه الشديد، اختلال وقوفه، لطالما كان ينصب عوده بشموخٍ، تراه يحمل من الانكسار ما جعله يشاركها حالتها، دفعت كيسًا بلاستيكًا له، وضعته بيده، وقالت:
_هتحتاج دي عشان الDNA.
قالتها وغادرت بهدوءٍ، صافقة الباب من خلفه، بينما يتطلع هو لتلك الشعيرات الصغيرة الموضوعه بين كفه بوجعٍ، أطبق عليها بحنانٍ، وكأنه يضم بذلك صغيره، وفجأة أبدل طريق هبوط الدرج للمصعد المجاور له، وما ان ولج حتى لكم حائطه بكل قوته وهو يصرخ بآنينٍ:
_الرحمة يـا رررب، الرحمة!!
*****
لكزه برفقٍ وهو يناديه لمرته الثالثة، وحينما لم يجيبه، هدر منفعلًا:
_ما تفوق بقى يابن الشيخ مهران، هنقضي النهار كله على السطوح ولا أيه؟!
فتح فيروزته بانزعاجٍ، واعتدل بجلسته يسأله بنومٍ:
_هي الساعه كام؟
رفع “عُمران” معصمه يتفحص ساعته، وبفتورٍ قال:
_ستة ونص.
رمش بعدم استيعاب:
_بتقول كام؟
ضيق رماديته بضيقٍ:
_أعتقد إنك سمعتني، ولا أيه؟
هز رأسه يؤكد له، ثم طرح سؤال أخر:
_مصحيني في الوقت ده ليه يا باشا؟
منحه ابتسامة صغيرة، وقال:
_تعجبني لما تخش مباشر من غير، لف ودوران.
واستطرد وهو يجذب قميصه الملقي جواره:
_قوم نلف شوية، أنا مش جاي أنام أنا!
جحظت عينيه في عدم استيعاب:
_دلوقتي!!
زفر في ضجرٍ، وردد:
_هتقوم ولا أنزل لوحدي؟
قال وهو يبحث عن حذائه:
_لا طبعًا هنزل معاك، لتوه مني!
زرر قميصه والبسمة الساخرة تحيطه، فدغمها بقوله:
_أمك ممكن تخاف إنك تضيع منها في زقاق حارتكم يابن الشيخ مهران، لكن عُمران الغرباوي ميتخفش عليه، حتى لو راح أرض الجن هيعرف يتعامل!
ضحك رغمًا عنه، وقال مؤيدًا:
_في دي عندك حق يا طاووس.
أحاطه بنظرة حملت إنذار خطير، ومن ثم أعاد خصلاته للخلف وهو يهتف بتذكرٍ:
_على ذكرك للطاووس.
جذبه فجأة لينهض عن الأرض، فقال متفاجئًا من فعلته:
_في أيه يا عُمران، ما كنا كويسين؟
يمتلك نقطة ضعف تجاه هذا الشاب المتدين، كلما ثأر تجاهه غاضبًا تهدأ ثورته في نفس ذات اللحظةٍ، يكن على أتم الاستعداد لاحراق الكوكب بأكمله لأجله، هدأ من انفعالاته، تهدلت مسكة يديه الشرسة حول رقبته، بل أخذ يهندم ملابسه بنفسه ويربت على كتفيه متصنعًا ابتسامة يخفي من خلفها غيظه الملحوظ إلى “آيوب”:
_طول ما أنا معاك هنا تفكك من حوار الطاووس الوقح ده، إحنا هنا في بيت الشيخ مهران، براه اتمادى زي ما تحب، كلامي مفهوم؟
أومأ برأسه وهو يتابعه بدهشةٍ، منحه الطاووس ابتسامة فخورة بسرعة استيعابه، وإتجه ليمضي بطريق هبوطه، ثم استدار يخبره:
_آه نسيت، طول ما أنا هنا حاول تمنع رجل صاحبك المستفز ده من هنا، لإني مبقدرش أسيطر على نفسي لوقت طويل.
اتسعت ابتسامته فرحة، وقال:
_ده أنا هجيبه هنا كل يوم، ولو مشكلتك الشيخ مهران مش هخليه يرجع البيت طول اليوم، المهم إيثو يتربى.
وضع يديه بجيوب جاكيته الأسود، وقال بمكرٍ:
_شكلنا هنتفق ولأول مرة يابن الشيخ مهران!
******
أزاح خصلاتها المنسدلة على عينيها بحنانٍ، وناداها برفقٍ:
_فريدة.
أسبلت بجفونها بتثاقلٍ، فعاد يناديها:
_فيري!
كشفت عن زُرقتها الساحرة، تطالعه بانزعاجٍ، وبصوتها الناعس تساءلت:
_في أيه يا أحمد؟
جذب الصينية المسنودة على الكومود، ووضعها على قدميها، فركت عينيها بنومٍ، وتفحصت ما وضعه على ساقيها بدهشةٍ:
_أيه ده؟
رد عليها بابتسامةٍ مشرقة:
_فطار يا حبيبي.
عبثت بأهدابها بذهولٍ، وهتفت وهي تشير على ساعة الحائط:
_دلوقتي!
جذب الشطيرة يغميها بالجبن، ووضعها بفمها قائلًا بابتسامة، وفرحة أعادته عشرون عامًا مضى:
_وفيها أيه؟ أنتِ عارفة إني هنزل الشركة على الساعه 8 ومش هرجع غير بليل، فحبيت أخطف وقت معاكِ ومع حبيبة قلب بابي، وبالمرة أدوقها فطار، من صنع إيدي.
أبعدت الشطيرة عن فمها، وقالت باسترابةٍ:
_تدوقها أيه يا أحمد، حرام عليك أنا من غير حاجة وتخنانة تلاته كيلو من بداية الحمل، وبحاول أقاوم الجوع بأقصى ما بوسعى، تقوم تفطرني الصبح بدري كده!!
كبت ضحكاته بصعوبةٍ، وقال مدعيًا البراءة:
_مش ليكِ يا فريدة، بأكل بنتي!
ربعت يدها أمام صدرها بغيظٍ، وأجابته:
_لما تجيلك أبقى غذيها براحتك، لكن دلوقتي أنا بقاوم ومحتاجة اللي يدعمني مش يزيد من ابتلائي.
زم شفتيه بحزنٍ مصطنع، وقال:
_وفيها أيه لما تزيدي خمسة، ستة كيلو وتحرقيهم بعد الولادة! أنا كده مش هعرف اشيل بنتي وأخدها في حضني، وزنها مش هيتشاف يا فريدة.
راقبته بصدمة، ومن ثم انفجرت بالضحك، بينما يتابعها بضيقٍ، لحق نبرته المتعصبة:
_إنتِ بتسخري مني يا فريدة هانم!
أمسكت كفه وهي تهز رأسها نافية لما يقول:
_أبدًا والله أنا مستغرباك بس، أحمد إنت فكرتك عن الحمل كلها غلط، وبعدين دي مش أول مرة ليا دي الرابعة يا أحمد باشا!
ابتسامته انبلجت على شفتيه، بينما يردد بعشقٍ:
_بالنسبالي مش شايف غير إنها الأولى، حاسس آننا بنعيش اللحظات اللي اتحرمنا منها، مش شايف قدامي غير حب طفولتي، من سنين فاتت كنت حاسس نفسي عجزت وكبرت مية ألف سنة، دلوقتي وأنا جانبك بحس إني شاب عشريني، عايش عمره من تاني يا فريدة.
أدمعت عينيها تأثرًا بكلماته؛ فمالت تزيحهما عن جفنيها، ثم قالت بحب:
_طيب ممكن تأكلني بسرعة عشان البيبي جاع!
اتسعت ابتسامته فرحة، وعاد يجذب الصينية إليها، ثم جذب الطعام يضعه بفمها بسعادة وصلت لقلبها قبل أن تمسه.
*****
اختنقت أنفاسه داخل تلك الغرفة المستطيلة المعدنية، حاول أن يستكشف المكان المحتبس به، ولكنه كان يضيق به كالزنزانة، نهض يطرق على الحوائط؛ فاكتشف أنه حبيس آحدى سيارات الكرفانات الضخمة، واصل الطرق وهو يصرخ بانفعالٍ:
_انتوا يا بهايم ياللي برة، انتوا اخدتوني على فين؟ حد يرد عليا!
لم يجيبه أحدٌ، وكأنه نكرة، لقد بُح صوته منذ أن ألقوا به هنا منذ المساءٍ، يأس من محاولته الثامنة باستفزازهم للحديث، أتجه “نعمان” للسرير المنجرف بنهاية الكرڤان، جلس عليه يتطلع للفراغ بشرودٍ، فإذا بالباب يُفتح، ويدلف منه أحد الرجال، حاملًا بيديه الطعام، وضعه على الطاولةٍ بحدة، وأمره:
_كُل وإقعد عاقل في يومك اللي مش معدي ده.
وتابع بازدراء:
_اهدى ولينها لو طبيت ساكت مننا هتجبلنا الكلام مع الباشا، فاقعد عاقل كده وراعي سنك، آحنا عندنا عيال عايزين نربيهم.
استقام بوقفته وهرع له، يسأله بغضب:
_أنا عايزك تكلملي الباشا بتاعك ده وتقوله يجي يواجهني وش لوش، مهي الحركات ال** دي متطلعش الا من أحمد الغرباوي.
زمجر الرجل بعصبية:
_وبعدين معاك يا جدع إنت، أنا دماغي مصدعة ومش ناقصك مناهدة، اتنيل اقعد في جنب لحد ما يجيلي تعليمات تخصك.
وتركه وغادر وهو يتمتم بنفورٍ:
_معرفش أيه البلا اللي اترمى عليا ده، بلا هم!
اعتراه غيظًا كفيلًا بأن يقتله، دفع “نعمان” المقاعظ المحاطة للطاولة الصغيرة بجنونٍ، وهدر بعنف:
_مش هسيبكم، وربي لأخلص عليكم واحد واحد.
****
استمتع بالهواء النقي بين أجواء الحارة الشعبية، تبادل برفقة آيوب الكثير من الأحاديث التي نجحت أن تخرجه من الحالةٍ التي كان آسيرها، وبينما يمضيان معًا بالطرقات، أشار له “آيوب” قائلًا:
_أقف هنا يا عُمران، هجيب عيش سخن من الفرن عشان نفطر.
زوى حاجبيه بدهشةٍ:
_هتفطر عيش بس!
ضحك وهو يخبره:
_لا طبعًا ودي تيجي!
ومضى يشرح له:
_هجيب من عمي عثمان العيش وهنروح للست أم عزت، نأكل أحلى فول وطعمية وبتنجان مخلل إنما أيه يستاهل بوقك.
وبقلقٍ تساءل:
_أوعى تكون معدتك معدة أجانب متودكش زيوتنا!! لو كده هجبلك جبنه ولنشون!
ضحك بصوته الرجولي، وقال يسايره:
_روح هات العيش وتعالى بسرعة يا آيوب.
أشار له بحماسٍ، وغادر على الفور، ارتكن “عُمران” على الحائط من خلفه، يتفحص هاتفه باهتمامٍ، فاذا بصوتٍ من خلفه يناديه:
_بقولك يا حليوة.
نزع نظارته السوداء عنه واستدار يراقب من يناديه بدهشةٍ، فإذا بسيدة عجوز تشير له بالاقتراب، فردد متسائلًا:
_أنا؟!
هزت رأسها تؤكد له، اقترب منها عُمران باستغرابٍ، فاذا بها تشير على الاسطوانة المعدنية قائلة:
_ساعدني أطلع الأنبوبة دي لحسن تقيلة ملح بحاول أحركها مبتتزحزحش.
ضيق عينيه مندهشًا، وهمس:
_تقيلة ملح إزاي!
دعه من التفكير بمصطلحاتها، وانحنى يرفع الأنبوب على كتفه بذراعٍ واحد، توسعت مُقلتيها بانبهارٍ وهتفت بحماسٍ:
_يا ما شاء الله عليك، ربنا يحميك ويديك الصحة يابني.
سيطر على خوفه الهيستري من أن يتسخ قميصه الأبيض وجاكيته، وقال يسألها في تهذبٍ:
_شقتك الدور الكام يا حاجة؟
أشارت ومازالت تراقبه:
_بالتاني.
تركها وصعد للطابق الثاني، وضع ما بيده داخل الشقة، ثم إتجه، ليغادر، فأوقفته تسأله بفضولٍ:
_إنت ابن مين يابني؟
رد عليها باستغراب:
_ليه؟
شملته العجوز بتفحصٍ، وقالت مبتسمة:
_عندي ليك حتة عروسة إنما أيه مال وجمال وأخلاق، وإنت شكلك ابن حلال.
تنحنح يخفي ابتسامته، ليت الأمر لا ينكشف لزوجته، حينها ستحمل الأنبوب المعدني وستهشم رأسه بها.
طال صمته، ومازالت العجوز تترقب سماع اجابته، فقال وهو يرفع كفه لها، يريها دبلته السوداء:
_متجوز وعندي عيلين وطافح الكوتة عشان أربيهم يا حاجة.
ظهر الحزن باديًا على ملامحها، وتمتمت بانزعاجٍ واضح:
_ربنا يرزقك برزقهم يابني.
كبت ضحكاته وهو يردد بحزن مصطنع:
_أيوه ادعيلي من قلبك لإني محتاج الدعوات طول فترة قعادي هنا!
بالأسفل.
عاد يبحث عنه بريبةٍ، وقد جن جنونه لاختفائه السريع، جذب “آيوب” هاتفه يحاول الاتصال به، فأتاه صوته المشاكس من خلفه:
_حاجة تاهت منك؟
ابتهجت معالمه فرحةٍ:
_عُمــــــــــران.
أحاطه بنظرة ساخرة، اتبعت مزحه المضحك:
_مش هقدر أقولك حبيب قلبه عشان ملهوش غيره.
واستطرد بتسليةٍ:
_جبت العيش؟
ضحك وهو يحرك رأسه بتأكيدٍ، فسبقه الطاووس يشير له:
_أنا جعت، هتفضل واقف عندك طول اليوم؟
تعالت ضحكاته وصاح بسخرية:
_أم عزت طريقها من هنا يا وقح!
*****
مدد ذراعه بحنان لمحلها، حينما افتقد وجودها داخل أحضانه، ولكنه تفاجئ بالطرف الآخر من فراشه فارغًا، كشف عن رماديته يبحث عنها جواره، وبصوت الناعس ناداها:
_فطيمة؟
استقام “علي” بجلسته بفرك عينيه، جذب نظارته الطبية عن الكومود وارتداها، ثم تأمل ساعته والدهشة تحتله كليًا، نهض عن الفراش يبحث عنها بأرجاء جناحه، وحينما لم يجدها هبط للأسفل يبحث عنها، توارى إليه بصيص ضوءًا من غرفة مكتب أخيه، انكمشت تعابيره بدهشةٍ:
_عُمران!
إتجه إليه، وجد الباب غير منغلق كليًا، فكشف له عن زوجته التي تجلس محل أخيه، تتابع العمل من حاسوبه، وأمامها عدد مهول من الملفات، كانت تعمل كسيدة أعمال ناجحة، من يراها لا يصدق أنها نفسها تلك الأنثى الجريحة، كسى رماديته فخرًا وحبًا لا يحملانه إلا لها، تلك التي تغنيه عن كل نساء العالم.
_اللي قدامك ده مكافآة تعبك ودليل نجاحك يا علي.
استدار خلفه تجاه الصوت الذكوري الهادئ، فوجد عمه يقابله بابتسامة شملت فخرًا عريقًا به، ابتسم “علي” وقال باسترابةٍ:
_متوقعتش إني مهما بذلت مجهود معاها إنها هتوصل لده.
ربت على كتفه بحبٍ أبوي يحمله خصيصًا لذلك الرفيق المشابه له:
_وصلت وحققت الأكبر من المستحيل يا علي، إنت مكنتش الأمل اللي اتمسكت بيه فاطمة للنجاة، إنت كنت النجاة ليها من المهالك اللي خاضتها وهتخوضها، ونفس النجاة لفريدة هانم وقت احتياجها لصديق، ولعمران وقت احتياجه لأخ، ولشمس وقت احتياجها لأب.
واستطرد ببسمةٍ هادئة:
_إنت كنت دايمًا قارب النجاة لكل اللي حوليك يا علي!
سيطر على تلك الدمعة التي كادت بالانسدال على وجهه، وردد بمرحٍ:
_أيه يا أحمد باشا إنت صحيت لقيت فريدة هانم نايمه قولت تكتب قصيدة شعر فيا ولا أيه، ده أنا بنفسي اللي مسلمك الديوان عشان تتعلملك كلمتين، يوم ما تتعلم تجربهم فيا أنا ولا أيه؟
انفجر بنوبة من الضحك الرجولي، وشدد بحزمٍ مصطنع:
_إنت بتفضح أسرارنا على الملأ يا دكتور، هيبقى وضعنا أيه لو اتكشفنا إننا بنقلش من قصايد الشعر؟
شاركه الضحك، وقال:
_وماله يا باشا، على الاقل التهمة تشرف، وأهي كلها محاولات لرفع مستوى الثقافة في العلاقة.
هز راسه ساخطًا:
_شكلي هفكني من كتبك وقصايدك دي وأشوفلي سكة مع الوقح أخوك، يمكن يعلمني ازاي ألف فريدة هانم زي مهو زمانه لافف نص ستات مصر دلوقتي!
راقب “علي” الطريق من حوله، وهتف بحنقٍ:
_لو هتتبع طريقه يبقى هتعتزل الساحة بدري مع فريدة هانم يا أحمد باشا، اعقل وكل بقصايدي عيش، بدل ما ترجع تعتزل تاني والله أعلم هترجع تعتكف كام سنة المرادي؟
حك ذقنه النابتة بتفكيرٍ:
_إنت شايف كده؟.
أومأ عدة مرات، مؤكدًا:
_ومش شايف غير كده.
صاح وهو يستعد للرحيل:
_طب سلام يا بتاع الكتب، أشوفك بليل.
انبلجت ابتسامة جذابة على وجهه، وقال:
_في رعاية الله.
غادر “أحمد” لعمله، بينما اتجه “علي” للمطبخ، يعد فنجانين من القهوة، وشطيرة من الجبن لزوجته، يعلم بأنها تفعل كل شيءٍ لتساعد أخيه بعمله، لعلمها بما حدث بينه وبين “جمال”، وحاجته الماسة بالابتعاد عن لندن، استدار يسكب الأكواب، ويضع الجبن على الشطائر، ولجت” مايسان” للمطبخ بإرهاق شديد، فرددت باستغرابٍ:
_علي! بتعمل أيه؟
تفحص وجهها الشاحب بقلقٍ، وأجابها:
_بعمل فطار سريع.
وسألها باهتمامٍ ومازال يتطلع لاصفرار وجهها:
_إنتِ كويسة؟ وشك مجهد ومخطوف!
جذبت أحد المقاعد القريبة من رخامة المطبخ المرتفعة، وجلست قبالته تحاول أن تبدو طبيعية أمامه:
_مفيش أنا بس مفتقدة عمران مش أكتر.
تدفقت دموعها على وجهها رغمًا عنها، أزاحتها “مايا” سريعًا، وقالت بحزنٍ:
_أنا زعلانه إني مش قادرة أخفف عنه اللي مر بيه يا علي، ومش قادرة أتقبل بعده عني لمجرد إنه عايز يتعافى من اللي مر بيه، كنت متوقعة إنه هيفضل يكون معايا، بس هو قالهالي صريحة، إنه عايز يكون لوحده.
ترك ما يفعله وإتجه يجذب مناديل ورقية من الباقة، تركها أمامها وقال بصوته الرخيم:
_قبل أي كلام، امسحي دموعك وبطلي بكى لأن ده مضر للي في بطنك قبل ما يضرك.
انصاعت إليه، وجذبت المناديل تزيح ما علق بأهدابها، وتنظم انفاسها المضطربة، شهيقًا وزفيرًا حتى هدأت تمامًا.
وضع “علي” كوب الحليب الساخن أمامها، وبعض البسكويت المملح، وآمرها بحسمٍ:
_اشربي ده عشان تقدري تفهمي اللي هقوله كويس.
يا لقدرته الماكرة بالاقناع، ربما كانت سترفض أي شيء يقدمه لها، لعدم رغبتها بتناول أي شيء، ولكنه يخبرها بأنه أن تناولته سيخبرها بشيءٍ ربما يفيدها، سياسية خبيثة للاقناع، تناولت “مايا” بعض البسكويت وارتشفت نصف كوب الحليب، ووضعته جانبًا وهي تسأله بلهفة:
_عايز تقولي أيه يا علي؟
جذب أحد مقاعد طاولة المطبخ الضخمة، ووضعه على الجانب المقابل لها، بينما تفصل الرخام بينهما، جلس قبالتها يستمد نفسًا طويلًا ثم قال:
_بصي يا مايا، أنا مش هقولك إن تصرف عُمران صح مية في المية، كده مش هكون عادل لا معاه ولا معاكِ، بس اللي هقولهولك يمكن يريحك.
أنصتت له باهتمامٍ، رأه يملأ حدقتيها، فاضاف:
_مفيش حد فينا شبه التاني يا مايا، أنا قدرت أحلل شخصيتك من نص كلامك اللي قولتليه، أعتقد لو مريتي بنفس مشكلة عُمران هتفضلي تتخطيها معاه لأنه هو العزيز على قلبك واللي هيساعدك إنك تخرجي من اللي إنتِ فيه، صح ولا كلامي غلط؟
هزت رأسها بتأكيدٍ لصحة حديثه، فاستطرد برزانةٍ:
_طريقتك للتعافي مش غلط، بس بالنسبة لشخصية عُمران أكبر غلط، عُمران يا مايا مبيحبش العزاز على قلبه يشوفوه ضعيف ومهزوز أبدًا، وكون إنه بعدك عن حالة الاضطراب اللي هيعشها بسبب اللي حصل فده لحبه وخوفه الشديد عليكي، عايز يحميكِ من نفسه وقت إنكسارها، الإنسان المجروح يا مايا مبيبقاش عنده طاقة ولا خلق لأي شيء حوليه، ممكن ببساطة يخسر أكتر من علاقة في حياته بسبب اللي بيمر بيه، عشان كده البعد للشخصيات اللي زي دي بتفادي كل المقربين منه من غضب خارج عن إردته.
صمتها يبرز اقناعها بكل حرف تفوه به، لم تناقشه بما قال، ولكنها سألته مباشرة:
_وهتستمر حالته دي لحد أمته؟
أجابها بهدوءٍ:
_أعتقد إنه هيحاول يتخطاها بأقصى ما بوسعه، عشان عُمران ميقدرش يبعد عن جمال ولا عن المحيط اللي صنعه لنفسه.
وأضاف ببسمةٍ ماكرة، وهو يقرب نصف كوب الحليب لها:
_والله أعلم لو كملتي الكوباية والكام توست ده أنا هيكون عندي أيه أقوله!
زحفت اللهفة إليها، فأيقظت دمويتها الهادرة، سحبت مايا الكوب ترتشفه بأكمله، بينما نهض “علي” يستكمل صنع القهوة، وهو يتابعها باهتمامٍ، وما أن انتهت حتى وضعت الطبق والكوب أمامه، وسألته بحنقٍ حينما طال بصمته:
_ما تتكلم يا علي!
ضحك وهو يمازحها:
_طيب مثلي عليا أنك مش واقعه وهصدقك طيب!
سددته بنظرة مشتعلة، فازدادت ضحكاته وأردف بتسليةٍ:
_طيب خلاص،هتكلم.
ترك الصينية عن يده، وقال بنبرة ماكرة:
_والله أنا كدكتور شايف إننا نديله يومين تلاته يريح فيهم أعصابه، وبعدين نطب عليه بربطة المعلم، مهو بصراحه اللي بيعمله ده لا ينفع كزوج مسؤول ولا كأخ ملزوم من إنه يطمن اخوه الكبير، ونشوف فريدة هانم وشمس هانم هيشاركوا معانا في المبادرة دي ولا أيـه؟
_شوف فريدة هانم لكن أنا لأ يا علي متشكرة!
قالتها شمس التي ولجت للداخل تحمل الكتب، وتستعد للذهاب لجامعتها، زمت مايا شفتيها بسخطٍ، وصاحت بنفورٍ:
_وإنتِ معترضة على أيه بقى؟
اقتربت منهما، ووضعت الكتب على الرخام قائلة بارتباكٍ:
_مش هينفع، بينا أنا وعُمران مصالح مشتركة اليومين دول، لما تتفض أبقى أنضم لحزبكم.
وأضافت بابتسامة واسعة، كأنها تخبرهما قرارًا جمهوري:
_أنا وآدهم شايفين إن مش من مصلحتنا نعارض عُمران في أي شيء عشان كده أنا خارج أي اتفاقات.
رمقها علي بنظرة ساخرة، وبشكٍ فاه:
_ هو لسه موصلش الهدية؟
اعتلاها الضيق والغيظ، وانفجرت بما تخبئه:
_زلني يا علي ومش راضي يدي لآدهم الهدية اللي خليته يطلبهاله على ذوقه، ندمني إني طلبت منه يساعدني، كل ما اقوله يقولي أنا لسه واصل، لما أستريح من السفر أبقى افتح الشنط واديله الهدية بتاعتك، كأنه كان مسافر على جمل في الصحرا مش على طيارة درجة أولى!
ضحكت مايا وشاركها علي بالضحك، تركهما تتناقشان وحمل الصينية، ثم أتجه لغرفة المكتب، طرق على الباب المفتوح لتنتبه له، وقال بحب:
_ممكن أدخل يا سيادة المديرة.
ابتسمت فاطمة ونهضت تهتف على استحياءٍ:
_علي!
أبعد الحاسوب والأوراق من أمامها، ثم وضع ما يحمله، مشددًت بحزمٍ:
_مفيش شغل دلوقتي من غير لما تفطري وتشربي قهوتك كمان، ومش أي قهوة ده بن مخصوص من تحت ايد دكتور علي الغرباوي، وسرها مبيطلعش غير للغاليين وحياتك، تحبي نكتشفه مع بعض؟
جذبتها رائحة القهوة، فجذبتها إليها تشم رائحتها بإعجابٍ:
_ريحتها باينة من قبل ما أدوقها.
فصلها عن ارتشافها، وأبعد الكوب من يدها، واضعًا الشطيرة:
_مش هتخدعيني يا روح قلبي، نفطر الأول وبعدين أسيبك تستكشفي قهوتي براحتك.
هزت رأسها في استحسانٍ، فتناولت شطيرة من الجبن، ثم تناولت منه الكوب وارتشفته بإعجاب طرد على لسانها:
_أممم، جميلة أوي بجد.
ابتسم ومازال يجلس على المكتب جوارها، ومن ثم استقام بوقفته وقال باحتواءٍ:
_هسيبك تكملي شغلك وهطلع أغير عشان المركز.
منحته ابتسامة رائعة، وهي تهم بالنهوض:
_طيب ثواني هطلع أحضرلك هدومك.
أعادها للمقعد برفقٍ:
_خليكِ حبيبتي أنا هعرف أدبر نفسي.
ومال يطبع قبلة أعلى رأسها ثم صعد للأعلى على الفور، ولج لحمام الجناح، يغتسل، ثم خرج يلف جسده بمنشفة سواء قطنية.
وقف “علي” أمام الخزانة ينتقي حلة هادئة ليومه، اختار واحدة، وارتداها، ثم فتح الجزء الآخير المشترك بينه وبين زوجته؛ ليتنقي جرفات مناسب لها، سحب واحدة باللون الأسود، تحمل خطين من اللون الرمادي، وما كاد بغلق باب الخزانة، حتى وجد ما لفت انتباهه بصندوق المجوهرات الخاص بها، فكان مفتوح على مصراعيه، وما يحمله داخله جعله يتصنم محله من شدة دهشته.
جذب “علي” شريط الأقراص الموضوع بالعلبة، يطالعه بصدمةٍ، لا يصدق ما يراه، بل أخر ما توقعه أن تختار فطيمة عدم الانجاب منه وبرغبتها!!! كيف تناولت تلك العقاقير، ولم تخبره حتى بذلك!
أعاد “علي” الشريط للعُلبة مجددًا، وأغلقها بهدوءٍ كأن لم يكن، حتى الخزانة اغلقها، واتجه يربط الجرفات أمام المرآة، ومازال شاردًا ، مال يستند على السراحه ليقابل المرآة بشكلٍ أقرب، وهمس بدهشةٍ:
_ليه يا فطيمة؟!
 
رواية صرخات انثى الفصل السبعون 70 - بقلم ايه محمد رفعت
علـي!
تناديه لمرتها الثالثة، ومازال يقف أمام المرآة يصفف شعره بشرودٍ، حجره عن سماعها.
اقتربت منه “فاطمة” تهزه برفقٍ وترفع من صوتها تلك المرةٍ:
علـــــي!
استدار جانبًا يرسم ابتسامة هادئة:
آيوه يا حبيبتي.
انكمشت تعابيرها بانزعاجٍ، وسألته:
بقالي فترة بناديك ومش بترد، سرحان في أيه؟
ترك المشط من يده، وقال مبتسمًا:
في الشغل اللي ورايا، وبالأخص حالة عندي مخلياني عاجز معاها.
زوت حاجبيها بدهشةٍ، وهتفت:
هو معقول في حالة بيقف قدامها دكتور علي الغرباوي عاجز!
شقت بسمته الحزينة صفحة وجهه، وقال بتبرمٍ:
شوفتي!
ومضى بحديثه ورماديته لا تفارق مُقلتيها البريئة:
بقالي فترة شغال معاها عشان الحالة تثق فيا وتقولي كل اللي مرت وبتمر بيه بصدق، اكتشفت إنها خبت عليا اللي كان لازم أعرفه عشان أقدر أساعدها، الظاهر موثقتش فيا بالشكل الكافي صح؟
توترت أمامه بشكلٍ ملحوظ، ازدردت صوتها الهادر وقالت:
لو موثقتش فيك يبقى العيب من عندها هي، لإنك عملتلها كل اللي لازم يتعمل، وممكن تكون محتاجة وقت.
ضم وجهها بكفيه معًا، وقال يمازحها:
مهما طالت مدة الحالات اللي عندي محدش هيوصل لطول مدتك لحد ما بس سمعت صوتك، إنتِ طلعتي عيني وروحي وقلبي وكل اللي أملكه يا فطيمة.
ضربت الحمرة وجهها، فهمست له على استحياءٍ:
يعني مستهلش يا دكتور علي؟
تمعن بعينيها تائهًا في محرابها، ليتها تعلم أنه يعود من غربته لموطنه فور أن تتعانق مُقلتيه بمُقلتيها، يتمنى لو لم يكن قارب نجاتها، بل يطمع بأن يكون الموج العتي الذي يحوم هلاكًا بمن يحاول المساس بقاربها، وإن كان شرسًا يلتهم من يبدأ التسلسل إليه، سيكون في سكنته الوديعة لأجلها هي، ربما يسقط سفن عملاقة بباطنه، ولكنه سيسعى أن يحيط قاربها الصغير بكل احتواء وأمان يمتلكه.
تعجبت فاطمة من صمته، رغم أن عينيه حملت لها من العشق أبياتًا، أعاد خصلاتها المتمردة خلف أذنيها، وقال بصوته الرخيم:
كلما اندمجت بعينيكِ وجدت كمالة قصتي، ونبضي يرُفل شوقًا إليكِ، وبين محراب فؤادي ستجديني أحملكِ بين الوريد، غاليتي أنتِ وحبيبتي، خليلة وجدني، وإجابة دعوتي في ليالي خلواتي، مهما قوي رابطي، سأظل أدعو الله أن أكون جنتك، وأن لا أكون شكوتك!
انتهى من كلماته العاشقة لها، فوجد عينيها تدمعان فرحة بما قاله لها، أزاحهما، ومال يقبل رأسها بعاطفةٍ وعشق، هامسًا لها بإجابة سؤالها الذي ظنته تناساه مع صمته المطول:
تستاهلي كل الدلال يا روح قلب علي من جوه.
وشملها بين ذراعيه بقوةٍ، يحجب على شيطانه كل محاولةٍ مستميتة يبذلها؛ ليفرق بينهما، لا يعينه ما فعلته يعلم أن ما خلفته شيئًا مؤلمًا لها، كطبيبٍ محترف لن يكون من الجيد مواجهتها الآن أبدًا، وكزوج يتمزق من داخله لسماع اجابتها سيكون من الصعب عليه الانتظار، وكعاشقًا سيقتلهما وسيظل يدللها حتى وإن أرادت أن تفارقه!!
******
فور أن انتهوا من تناول طعامهما، جابوا الطرقات بلا أي وجهة، وجلسوا على أحدى الآرائك الخشبية، الموضوعة أمام أحد المنازل.
راقب “آيوب” صمت “عُمران” بقلقٍ، ولكنه أثار السكون حينما وجده يراقب تفاصيل الحارة باستمتاعٍ، وكلما مر عليهما أحدٌ كان يحيي “آيوب” بحفاوةٍ، والآخر يستقبل ترحباتهم بابتسامةٍ بشوشة.
ابتسم”عُمران” وقال يشاكسه:
معجبينك كتير أوي يابن الشيخ مهران!
استدار إليه وقال بتجهمٍ:
معجبين أيه يا عم، دول رجالة الحتة هتوديني في داهية ليه بس!
شمله بنظرةٍ متفحصة، وقال ساخرًا:
فزعك ده وراه طلبك للطاعة والولاء من الجنس الناعم، شكلك وقعت ومحدش سمى عليك.
زم شفتيه بسخطٍ، وتمتم بصوتٍ وصل لعُمران من مجلسه:
حسرة عليا، هو أنا عارف ألمح طرفها، مبشفهاش غير كل أسبوعين مرة وياريتها بتبقى قعدة ود، دي قعدة تسميع قرآن.
واستطرد يدمدم بضيقٍ:
أنا بالنسبالها بقيت مجلد الأسئلة المتعثرة عليها في الدين!!
وتابع بصوتٍ مرتفع وابتسامته الساخرة اضحكت الطاووس رغمًا عنه:
طب ده أنا رحمة عن يونس، الشيخ مهران سامحلي بقعدة كل أسبوعين لتسميع الورد، يونس لا، طايل سما ولا أرض، ولا حتى يلمحها صدفة على السلم، الشيخ مهران مبيسبش حاجه للصدف يا عُمران.
انتهى من رفع شكوته، واستدار يقابل نظرات الآخير الثابتة، ابتلع ريقه بتوترٍ وردد:
هي النية كانت إني أساعدها تهرب من عمها على مصر، بس اللي حصل بعد كده مش بتاعي صدقني.
منحه ابتسامة جذابة، وبرخامة صوته قال:
متبررش يا آيوب، زمان كان ممكن أشد معاك ونتكلم عن تفاصيل مينفعش أعرفها عنك أصلًا بس ده كان لخوفي عليك، جوازك منها كان غلطة وكل اللي حواليك من الشباب كانوا بيحاولوا يبعدوك عنها بذوق، كل شخص وله طريقته، وأنا كمان استعملت طريقتي عشان ابعدك عنها بس سبحان الله كل اللي بيحصل ده كان مقدر من ربنا سبحانه وتعالى، عشان توبتها تكون على إيدك.
وأضاف بعقلانية جعلت “آيوب” يزداد احترامًا له:
من اللحظة اللي اتطمنت فيها عليك حياتك الخاصة معاها بقت دايرة مغلقة ليا ولأي حد مهما كانت مكانته عندك.
انزوى بجلسته إليه، وقال بحيرةٍ:
ليه بتقولي كده يا عُمران؟
انتظر سماع اجابة سؤاله، ولكنه وجده يتطلع لنقطة بعيدة عنهما، انتقل بصر آيوب تجاه ما يتطلع إليه، فوجده يتأمل رجلًا عجوزًا يحاول رفع ثقل باب محل البقالة الخاص به، ليبدأ رزق يومه.
نهض عُمران من جواره، وأسرع إليه يرفع الباب الحديدي بكل قوته، وهو يخبره برفقٍ:
عنك يا حاج.
استدار الكهل خلفه، فوجد شابًا أنيقًا، يبدو عليه الثراء، يعاونه برفع ثقل الباب الجرار، بل ومضى يسحب الحاملات المعدنية للخارج.
ابتسم العجوز ودعى له بقلبٍ مجبور:
ربنا يراضيك يابني ويريح قلبك.
وكأنه يعلم أنه إمتلك أغلب الأشياء، الا السعادة، دعوته أصابته بالصميم، منحه ابتسامة مشرقة، وعاد للجهة المقابلة للطريق، حيث محل جلوس “آيوب”، الذي يطالعه بدهشةٍ انزوت داخل مُقلتيه.
وما أن جلس جواره حتى صاح بحيرةٍ:
ازاي قادر تتشكل بأي مكان تدخله بالشكل ده، الشخص اللي ساعد الراجل العجوز ده وكلمه بنبرة ولاد البلد مش هو الطاووس الوقح ولا هو النسخة الآرستقراطية لعُمران سالم الغرباوي!
مازحه ضاحكًا:
أمال لو شوفتني وأنا رافع انبوبة غاز على كتفي من شوية، لا والست الله يكرمها كانت عايزة تكافئني وتجوزني بنتها!
ضحك آيوب حتى أحمر وجهه، وهدر من يين ضحكاته بصعوبة:
إنت شيلت أنبوبة!!!
احتدت معالمه فجأة بشكل جعله يتنحنح بجدية، تبتلع كل ضحكاته، وبخوفٍ مصطنع قال:
سرك في بير يا بشمهندس.
تلاشت ابتسامته فور أن ذكر آيوب مهنته، شرد عُمران ونظراته تحيط محل البقالة من أمامه، وتتجول على المحلات البسيطة من حوله، تحولت ملامحه البشوشة لحزنٍ بالغ، جعل آيوب يسأله بقلق:
مالك يا عُمران؟
رد عليه ومازالت عينيه تتجول بالحارة:
عارف أن بدخل كام في اليوم الواحد يا آيوب؟
بفرف بأهدابه بعدم فهم، فاستدار له عُمران يسترسل بقهرٍ:
بدخل بالعملة الصعبة اللي مخليهم يشيلوني على كفوف الراحة، وأنا حقير وغبي ومستمر هناك بالمشاريع وبزيد عليهم ربح الدولة من اللي بدخلها، حقارتي خلتني أعمى عن ناس بلدي اللي ممكن يستفادوا من مشاريع ضخمة زي دي.
وبألمٍ فاه:
خيري طالع للأجانب يا آيوب، أد أيه أنا حقير!
فهم آيوب ما يزعجه بتلك اللحظة، كل مرةٍ يتأكد من جودة معدن عمران الأصلي، أجلى أحباله الهادرة قائلًا:
مكنش بايدك حاجة يا عمران إنت اتولدت بره، فأكيد ميولك كانت هتسبقك للمكان اللي اتربيت فيه وآآ..
_أنا مش هرجع لندن تاني يا آيوب.
قالها مباشرة بشكلٍ قطع الحديث عنه، فاتسعت ابتسامته ونسى ما سيقول:
بجد؟؟؟
هز رأسه بابتسامة جذابة، وقال:
هفتتح مشاريع كتيرة هنا، وأول خطوة هعملها هختار مكاني السري ليا، في لندن اختارت مكان منعزل كنت بحب أقضي فيه وقت كتير مع نفسي، وعلى ما يبدو اني اختارت مكاني السري قبل ما أخد خطوة تانية مجنونة..
واستدار إليه يخبره:
عايز أشتري شقة هنا في حارتك يابن الشيخ مهران.
ابتهجت معالمه، وصاح بفرحةٍ:
يا فرحتها حارة الشيخ مهران بيك يا عم الطاووس.
قهقه ضاحكًا وقال:
تاني؟
حمى وجهه بيديه وصاح:
صلي على رسول الله واستهدى، إحنا لوحدنا يا هندسة؟
راق له رؤيته مرتعبًا لهذا الحد، فرفع ساقه فوق الاخرى وقال متعجبًا:
هندسة دي لقب مشتق من مهندس ولا لفظ شعبي متداول؟
ابتسم وهو يراه يتساءل باهتمامٍ سخي، فقال يجيبه:
هو يمشي الاتنين، بس مال برنس الطبقة الراقية بالالفاظ الشعبية؟
بجدية تامة قال:
الست بتاعت الانبوبة، بتقول عليها تقيلة ملح!
وطرح سؤاله الجادي:
هو الملح تقيل عندك ولا أيه؟
راقبه لدقيقةٍ ومن ثم انفجر ضاحكًا حتى احمرت عينيه، بينما جدية ملامح الطاووس لم تهتز مطلقًا، سيطر على ضحكاته وقال:
ده لفظ شعبي، بيتقال عشان نعبر بيه عن حاجة تقيلة مش قادرين نشيلها، وآه الملح لو شيكارة بحجم الانبوبة صعب تتشال تنكر؟
أزاح خصلاته البنية عن عينيه وقال:
خلصنا فكرة الاسئلة، شوفلي اللي قولتلك عليه وياريت في اقرب وقت.
رد عليه بمشاكسة:
للاسف طلبك صعب هنا، بس الوحيد اللي لسه عامل معمار جديد من فترة، وطلبك بحذافيره عنده أعتقد مش هتحب تعرف هو مين.
زم شفتيه معًا، وهدر ساخطًا:
شميت ريحة الرزالة من كلامك يبقى عرفت.
هز رأسه يؤكد له:
بالظبط، هو نفسه كابتن إيثو اللي مخلتش حيطة في الحارة الا وخلتها تسلم عليه بالاحضان.
ابتسم والمكر يتربع بين رماديته الفاتنة، وقال بوجوم:
كل طرقه تؤدي لبطشي، شكل اللي جاي هيجمعنا كتير.
تغاضى آيوب عما يقول، وسأله باهتمامٍ:
هو إنت مالكش أي أملاك أو بيوت هنا يا عُمران.
اتسعت ابتسامته وقال يجيبه:
تراث عيلة الغرباوي كله هنا يا آيوب، وأهمهم قصر أجدادنا، أنا وعلي من أهم المالكين له، لينا نصيب كبير فيه، ومفيش حد معانا فيه غير عمي.
وأضاف بخبثٍ:
بما إني قررت أعيش هنا، خليني أحضر المملكة لفريدة هانم بشكل يخليها ترفض الرجوع تاني للندن.
واستدار إليه يسأله:
هتساعدني في التصميمات يا برجل؟
تلاشت ابتسامته، هاتفًا بدهشةٍ:
برجل!!
أكد له بجدية مضحكة:
مش لسه قايل من شوية إني عجينه بتتشكل وقتما شاءت، زيد عليها إني حريف وأنا بأخد حقي، ادتني لقب شامل الهندسة، فرمتك بما يليق بك يابن الشيخ مهران.
وأضاف مازحًا:
لو مش عاجبك برجل نشوف حاجة تانية.
انتصب بوقفته يردد ببسمة واسعة:
لا تانية ولا تالتة حقك عليا يا بشمهندس، اللي يعرفك يجاهل مقامك يا عُمران باشا.
مشطه بنظرةٍ ساخرة:
مضطرين نعفو عنك، عشان هنحتاجك كتير الفترة الجاية.
ونهض يشير له:
يلا طلعني على رأس الحارة عندي مشوار مهم عايز أعمله.
وتابع بحيرةٍ:
تفتكر أطلب أوبر ولا أرن لآدهم؟
اجابه آيوب بعد تفكير:
آدهم أكيد مشغول في ترتيبات جوازه، نطلب أوبر أفضل.
هز رأسه باقتناع تام، وسحب هاتفه من جيب بنطاله، رفعه على أذنيه وقال بعد مدة من الصمت:
أنا على أول الحارة بتاعت آيوب، متتاخرش يا حضرة الظابط.
أغلق عمران الهاتف ومضى بطريقه، بينما يضرب آيوب كفًا بالآخر، ولحق به هاتفًت بحنق:
طيب بتأخد رأيي ليه مدام هتمشي بدماغك؟
أجابه وهو يلهو بمفاتيحه بتسلية:
بحاول أحسسك إنك مهم، بس للأسف قرارتي من دماغي طول عمري ومتغيرتش حتى بعد نزولي مصر.
دمدم الاخير بغيظٍ:
يا صبر آيوب!
******
انتهى من ارتداء جاكيته الأسود، واتجه للأسفل، يستعد للذهاب لحارة آيوب.
كان بطريقه للخروج حينما أوقفه “مصطفى” بحدة:
على فين؟
زفر بضيقٍ، واستدار يوجهه:
خارج زي ما حضرتك شايف.
حرك مقعده ودنى إليه، يهتف بغضب:
مش هتخرج من هنا الا لما توعدني.
سئم من الحديث بالأمر منذ وقت عودته، ومع ذلك تصنع الهدوء وقال:
يا بابا اللي بتطلبه ده صعب، مينفعش آيوب يعرف خالص بالموضوع ده قبل امتحاناته، استنى لما يمتحن ووقتها هنقوله.
وأضاف مستنكرًا تصرفه:
مش ده اللي اتفقت عليه مع الشيخ مهران؟
صرخ بعصبية هادرة بعدما فشل باستمالته:
وإنت تضمن منين إني هعيش لحد ما يمتحن ويرجع، أنا تعبان يا عمر، وحاسس إن أيامي معدودة، عايز اخده في حضني وأكفر عن سيئاتي يابني.
تنهد بقلة حيلة، وإتجه ينحني إليه، قبل أعلى رأسه وقال:
بعد الشر عليك يا حبيبي، أنا نفسي أريحك والله العظيم بس أنا عاجز عن الخطوة دي، خايف من رد فعل آيوب، بس أوعدك بعد فرحي على طول وقبل سفري هيكون آيوب عارف الحقيقة كلها!
*****
تعالى رنين الجرس لمرته الخامسة، ومازال يتمدد على الأريكة، ساهمًا لنقطة فارغة من أمامه، مثل حياته التي باتت لا تحتوي سواه.
عاد الرنين يزداد مصاحبًا لطرقات قوية على بابه، تلاه صوت “يوسف” المرتفع:
جمال افتح أنا عارف إنك جوه افتح.
أغلق عينيه يعتصر مُقلتيه، فأفاضت بدموعه، ازداد يوسف بحدة طرقاته وصاح بعصبية:
هتفتح الباب ده ولا أكسره على دماغك!
نهض بخطواتٍ متهدجة، منكسرة كحال قلبه، مال على الباب بجبينه يهمس بصوتٍ حُطم مثله:
إمشي يا يوسف، انا مبعملش حاجة غير إني بأذي كل اللي حوليا.
وتابع ودموعه لا تفارقه:
إمشي قبل ما أذيك إنت كمان.
ضرب الباب بقبضته، وبعصبية صاح:
أذية أيه اللي بتتكلم عنها، افتح الباب بقولك.
استند بظهره عليه، وكأنه يسد مجال دخوله، وبهمس شاحب ردد:
مش عايز حد جنبي، عايز أكون لوحدي، احترم قراري يا يوسف.
كز على أسنانه بغيظٍ:
هحترمه لو مقتنع بكلامك، افتح الباب وخلينا نتكلم لإني مش هتنقل من هنا أساسًا.
وتابع بمكرٍ:
وبعدين أنا كنت جاي أقولك خبر مهم عن صبا.
اعتدل بوقفته، وسأله باهتمامٍ:
خبر أيه؟
استغل لهفته لمعرفة الأمر، وقال:
افتح وهقولك طيب.
حرر مقبض الباب واتجه للداخل بيأسٍ، يستحوذ عليه كليًا، أغلق يوسف الباب ولحق به، يردد بغضب:
مش عايز تفتحلي يا جمال، بقى بعد كل البهدلة اللي اتبهدلتها بسببك دي وعايز تكنسنلي من برة برة.
وازاح الملابس الملقاة أرضًا، قائلًا بضجرٍ:
وأيه اللي إنت عامله بالبيت ده؟! كل ما أجيلك القيك قالبها على سوق الخميس.
تمدد على الأريكة بتعبٍ، بينما نزع يوسف جاكيته، وانحنى يلملم ملابس جمال الملقاة أرضًا، أشمر عن ساعديه واتجه للمطبخ يجمع الاطباق وأكواب القهوة الفارغة لمنظفة الأطباق، بينما يقوم بجمع الملابس للمنظفة الكهربائية، أعاد تنظيف الردهة وغرفة الضيافة والمطبخ، وامتنع عن دخول غرفة النوم لخصوصيته، بينما يتابعه جمال بفتورٍ تام.
وضع يوسف طبق المعكرونة بالصوص الأبيض وقطع البانيه التي صنعها، على الطاولة أمام جمال، وأشار له:
قوم كلك لقمة عشان محتاجين نتكلم مع بعض.
وضع يده على عينيه وردد:
مش عايز أكل يا يوسف، قولتلك سبني عايز أكون لوحدي شوية.
ترك الصينية أمامه، وجلس جواره يصيح بانفعالٍ:
وبعدين معاك يا جمال، أخرة اللي إنت فيه ده أيه؟!
مال بوجهه إليه؛ فتمكن يوسف من رؤية دموعه، انقبض صدره وتحشرجت أنفاسه، فوضع يده على ساقه وردد بحزنٍ:
جمال في أيه؟
همس له بصوتٍ مبحوح:
أنا عايز أرجع مصر يا يوسف.
وتابع وهو يميل على كتفه ببكاء:
أحجزلي على أول طيارة لو خايف عليا بجد، خلاص معتش قادر، حاسس بخنقة رهيبة وهو مش جانبي، الوجع اللي جوه عينه رافض يسيبني، أنا هنا بتوجع وأنا لوحدي يا يوسف، عايز أتطمن بيه جنبي، هطالبه يسامحني تاني، مش هستسلم يا يوسف.
أدمعت عين يوسف تأثرًا برفيقه، فضم عينيه بيده يزيحهما عنه، وربت على ذراعه هاتفًا بصوتٍ متحشرج:
سافر يا جمال، أنا كنت عارف إنك مش هتستحمل تكون هنا من غير عُمران، توقعت إنك هتأخد القرار ده بعد يومين تلاته من سفره، بس آنت كالعادة بتفاجئني وأخدته من أول يوم يا عبحليم!
ضحك جمال من بين بكائه، وقال بمرحٍ:
معتش بعمل تسريحته المنيلة، زيحوا اللقب عني إلهي ربنا يسهلك حالاتك المتعسرة.
رد عليه باصرار:
ولو بردو هتفضل عبحليم مهما تتكجول!
مسح دموعه المتدفقة، وقال:
عبحليم عبحليم المهم تحجزلي على أول طيارة.
هز رأسه بخفة وأضاف:
هعمل كده بس مش على اول طيارة، هحجزلك مع سيف ومراته على الأقل أكون مطمن عليه معاك.
ابتعد عنه يقابله بنظرة فضولية، وتساءل:
معقول هتخلي سيف ينزل مصر بالسهولة دي؟!
سحب نفسًا ثقيلًا، وقال:
غصب عني يا جمال، الظاهر إننا استهونا باللي اسمه يامن ده قوي، الشخص ده مش سهل والتعامل معاه مش عايز ناس عادية زينا.
وأضاف يخبره بما حدث بالفترة الماضية، حتى ظهوره بالكاميرات لزوجة أخيه، وانتهى بقوله:
كلمنا آدهم وقالنا إن نزول سيف مصر لصالحه، واكدلي إنه هيقدر يحميه وهو هناك جنبه.
شعر بالخزي من نفسه لعدم مشاركته رفيقه لما يمر به، وبالرغم من الاحمال الثقيلة التي يحملها، الا أنه لم يتخلى عنه للحظةٍ، فقال بحرجٍ:
بتمر بكل ده وأنا زايد عليك بمشاكلي وهمومي! حقك عليا يا يوسف.
أحاطه بنظرةٍ معاتبة، وقال بضيقٍ:
بطل الغشومية دي يا عبحليم، إنت آه ساعات بتتصرف بعقل وبتحسسني انك الكبير فينا، بس وماله لما تدلعلك يومين، صحيح لو عُمران كان هنا كان ظرفك واحدة بطل دلع بروح أمك ظبطت اعدادتك المنعرجة دي فورًا، بس أهو أديني بحاول اعدلك باللتي هي أحسن وحاسس إنك مش جاي معايا سكة، إنت عايز وقاحة الطاووس، وأديك داخل خندقه وبرجليك يا بشمهندس!
ابتهجت معالمه المنطفئة، وقال بلهفة:
أقوم أجبلك جواز سفري.
تمعن به بنظرة حزينة وهو يرى لهفته للاجتماع بعمران، يخشى أن يصده حينها سينتهي، تنحنح يوسف وسأله:
طيب وصبا يا جمال؟
تلاشت دمويته بشكلٍ ملحوظ، أسند ظهره للأريكة وقال يجيبه بحزنٍ:
الظاهر إن رجوعنا بقى شبه مستحيل.
مسح على ساقه وقال بثبات:
متقولش كده، مدام صبا يتحبك بس محتاجة وقت، وآنت لازم تقدر ده.
حرك رأسه بخفةٍ ومازال شاردًا فيما حدث اليوم، وحينما تذكر ما قال، اعتدل إليه يسأله:
كنت عايز تقولي أيه عنها؟
تنهد بحزنٍ، وقال:
مصممة إنها تشتغل، طالبة من ليلى تدورلها على شغل، وليلى كلمت دكتور علي، ووظفها المدير المسؤول عن حسابات المركز، يومين تلاته وهتستلم مكتبها.
خيم الهدوء عليه بشكلٍ أقلق يوسف، فناداه بتوترٍ:
جمال روحت فين؟
أجابه وهو يجاهد برسم ابتسامة على وجهه المنطفئ:
خليها تشتغل يمكن انشغالها يهون عليها اللي عاشته بالفترة الآخيرة.
ابتسم رغم مرارة الألم العالقة بحلقه، وردد بتمني:
ربنا يهديلك الحال يا صاحبي.
منحه ابتسامة لم تصل لعينيه المظلمة، وقال بنفس لهفته:
أجبلك الجواز؟
ضحك وقال مشاكسًا:
متقدرش تبعد عنه إنت! قوم يا سيدي هاته، ده أنا لو مربي نعجة بلدي كانت نفعتني عنكم إنتوا الاتنين وتالتكم أخويا الحقير!
*****
احتقنت معالمه وهو يراقب الرسائل المرسلة إليه، والمنسوبة بجملة ساخرة«ابن الشيخ مهران مدورها مع تمناتشر شاب غيرك، عشان بس لو مخليك تفكر إنك الصاحب الوحيد اللي في حياته، واتفضل الاثبات أهو، صاحبك المنحط مقضياها شوية مع ابن عمه يونس، وشوية مع حضرة الظابط، ودلوقتي في أحضان الخواجة، البلوك مش حل لتصرفاته لازم تنتقم لكرامتك المهدورة دي.فاعل خيرطيب وابن حلال، غرضة الوحيد مصلحتك!»
دفع سيف الهاتف عن يده وهو يصيح بغيظٍ:
ماشي يا آيوب، وربي لأعيد تربيتك من أول وجديد، هانت وراجعلك.
_سيـــــــــف!!
انتفض محله فور أن تسلل إليه صوت صراخ زوجته، خرج يبحث عنها، فوجدها تدلف من الشرفة الخارجية باكية وهي ترتدي اسدالها، وما أن رأته حتى هرولت إليه تختبئ خلف ظهره برجفة زلزت جسده أسفل أصابعه المرتعشة، بينما صوتها المتقطع يخرج له:
يـامن!، أنا شوفته بره.
أغلق عينيه بقوةٍ يحاول التعامل بذكاء مع الموقف، فقال بخشونة:
زينب أطلعي من ورايا وأقفي قدامي هنا.
بقيت كما هي، عينيها متعلقة بالشرفة ورعشتها تزداد، فصاح بعنفوان:
اخرجي وواجهيني حالًا.
بكت من خلفه وهي تهز رأسها بالنفي، جذب معصمها لتقف قبالته، فصاح بعصبية هادرة:
ممكن تفهميني لحد أمته هنفصل بالوضع ده، طول النهار والليل على نفس السيناريو، إنتي أيه مبتزهقيش!! أنا خلاص مبقتش قادر بجد، إحنا يعتبر لسه بنبدأ حياتنا مع بعض وإنتِ تقريبًا مش شايفه غير الحقير ده.
ضمت كفيها معًا، وببكاء قالت:
يامن هنا يا سيف، صدقني.
تمزق نياط قلبه العاشق لها، ولكنه مازال يحافظ على ثباته واتزان نبرته، بل هدر بغضب:
مفيش حد هنا غيري أنا وانتي يا زينب، تحبي أثبتلك؟
جذبها بشراسةٍ للشرفة الواسعة، وصرخ:
هو فين اتفضلي شاوريلي!
ازدادت بالبكاء، وفتشت بشرفة الشقة المجاورة لها، ورددت من بين بكائها:
كان هنا يا سيف والله.
استجمع كل ثباته وهدر:
يـــــوووه أنا اتخنقت خلاص، هخرج وأسيبلك الشقة كلها عشان ترتاحي.
وتركها وولج لغرفة نومهما، فهرولت من خلفه تتمسك بيده ببكاءٍ:
سيف عشان خاطري متسبنيش لوحدي، إنت عندك حق انا مزودها وبتخيل وجوده، أنا آسفة مش هتكلم تاني والله، بس خليك معايا.
جذبها لأحضانه وهمس لها بصوتٍ منخفض للغاية:
مصدقك يا زينب، إنتِ مبتتوهمش، الحقير ده فعلا هنا وبيحاول يدمر، علاقتنا باللي بيعمله، أنا اللي آسف يا عمري، كنت مضطر، أجاريه وأثبتله إن خطته جايبه نتيجة بلهيه لحد ما نسافر، محبتس أقولك عشان لو حس إننا بنمثل هيأخد رد فعل مش هنكون جاهزين ليه.
تعلقت بقميصه بقوة، وطالبته بتكرار ما قاله، حينما قالت:
يعني إنت مصدقني يا سيف؟
قبل جبينه بحبٍ:
مصدقك من أول يوم يا زينب، اطمني أنا جنبك المرادي وأنا اللي هحطله حد.
وابعدها عنه يقبل يديها وبحب قال:
يلا يا حبيبتي روحي حضري شنطتك والحاجة المهمة اللي هتحتاجيها بس، عشان منلفتش الانتباه للي هنعمله.
هزت راسها وهو تزيح دموعها:
حاضر.
ابتسم وغازلها بحب:
يسلملي القمر وهو مطيع كده!
اختلجت معالمها حمرة طفيفة، واتجهت للخزانة على الفور تعد أغراضها، بينما هدر سيف بغيظٍ من بين اصطكاك أسنانه:
هلاقيها من ابن الشيخ مهران ولا من الحقير ده!
*****
_فين الخواجة، ملقتوش على السطوح!
قالها “إيثان” وهو يغلق دفتر الحسابات المفتوح أمام يُونس، الذي سحب كوب الشاب الساخن يدمسه بالنعناع الطازج، ويرتشفه وهو يطالعه ببرودٍ، بينما الآخير يقتاد غيظًا:
ما تنطق يا يونس راح فين الخواجة؟
وضع الكوب عن يده وقال بسئم:
عايز أيه على الصبح يا إيثان، إنت حالك مبقاش عاجبني، من ساعه ما الخواجة ظهر وإنت عقلك اتلحس!
وتابع وهو يشير على القدح المغموس بين طاسة الفحم:
اشرب شاي بنعناع بيروق الدماغ وبيهدي التعبان!
ألقى الكوب من يده وهو يصرخ بعصبية:
يونـــس متعصبنيش، بقولك فين الخواجة ده عايز أحط عليه!
أبعد مقعده، ونهض يجابه غضبه:
إنت من كتر رفض بنت خالتك ليك عقلك لحس ولا أيه، مالك يا إيثان ما تظبط الحوار معايا بدل ما أظبطك على الصبح، شايل اعصابي وحاططلك تلاجة لمصلحتك، لو فكتها هنلقفك على القرافة مش الحيطة زي ما الخواجة بيلقفك عليها.
منحه نظرة مستنكرة لما قال، دفعه للخلف وهدر منفعلًا:
كانت فين عصبيتك دي امبارح، ولا جاي على هواك اللي حصل لصاحبك.
لانت تعابيره وتمتم بخفوتٍ:
استغفر الله العظيم واتوب إليه.
زفر وهو يستعيد قوته، واشار له:
تعالى يا إيثو، شوف مهما تعمل هتفضل عملي الرضي، عايز اخبلك شخشيخه أطفال زي بتاعت يونس كل ما عفريتك يحضر أهشتكه.
وكبت ضحكاته وهو يخبره بجدية مضحكة:
يعني خلاص هنسيب اشغالنا ومالنا وهنقعد للخواجة على الساقطة واللاقطة يا إيثوو، بالله ده كلام!!
وتابع وهو يلف ذراعه حول كتفه:
بص انا حاسس إنك اعصابك تعبانه من فترة، روح استهدى بالله وافتح الجيم بتاعك، العبك سبع تمن ساعات على الأجهزة بتاعتك وهترجع فلة ومسك.
واضاف بمزحٍ:
لو اتاخرت عن كده هجي أبص عليك أهو أسلكك من خناقة الاجهزة المعقربة بتاعتك دي وأهو كله بثوابه.
هز إيثان رأسه باقتناع، وقال وهو يتجه للخروج:
هروح فعلا أعمل كده، بس راجعلك إنت وهو تاني وآ..
تلاشت جملته فور أن تلاطم جسده بسفح جبلي، استدار ليرى من؟ فاحتقنت مُقلتيه بغضب، بينما أدمى يونس شفتيه من فرط كبته للضحك، وهو يرى القدر يجمع بينهما رغمًا عن أنوفهم.
منحه عُمران نظرة مستحقرة، جابته من رأسه لأطراف قدميه، وببرود قال:
طول ما انت باصص وراك في مشيتك مش هتنطحك بقرة بس، ده هيعدي عليك طوب الأسفلت.
صاح بعنفوان:
مين ده اللي يعدي عليا، ده أنا شقيته نصين زي ما هتبتدي معاك من دلوقتي.
جحظت عيني آيوب صدمة، فأشار ليونس بجدية تامة، فأسرع يجذب إيثان للخلف بينما يطالعه عمران ببرود وثبات انهاه قائلًا:
البداية على طول بتكون من عندي، بس أنت عشان معرفة حد غالي عليا هخليك تبدأ، وريني تمامك أيه يا كابتن؟
احتجت أعصابه غيظًا من برودته بالتعامل، فحاول دفع يونس للخلف وهو يصيح بغيظٍ:
وسع يا يونس، أبعد كده.
_إيثـــــــــان.
صوتًا أنوثيًا رقيقًا اقتحم محل وقوفهم، استدروا للخلف، فوجدوا فتاة ترتدي جيب أسود طويل، وقميصًا أبيض يعلوه جاكيت أسود من الجلد، شعرها قصير بعض الشيء، تطالعه بحدةٍ ببنيتها الثائرة.
اعتدل “إيثان” بوقفته بعيدًا عن يونس، وهمس بمشاعرٍ مرهفة:
كريستينا!
استدارت رؤؤس الشباب عنها، بينما مضى هو بخطواتٍ مرتبكة حتى وقف قبالتها، فاذا بها تندفع بصوتٍ مرتفع سمعه جميع من بالمحل وعلى رأسهم الشباب:
باعت خالتي تهددنا يا إيثان، قولتلك لو إنت أخر واحد على الكوكب كله أنا مش هوافق بيك، أنا مش الاستبن اللي قاعدلك في خانة الاحتياط، تلف لفتك وبالآخر ترجع ليه، فوق لنفسك.
وتابعت وعينيها تلمعان بدموع الكبرياء:
لو فاكر إني موافقتش على أي عريس من اللي متقدملي لإني بحبك ومستانية جنابك تحن تبقى عبيط وأهبل، أنا معتش شايفاك أصلًا، مستانية أختار الإنسان اللي يستاهلني وأستاهله بجد.
كاد بأن يبرر لها فعلته، ولكنها أشارت بيدها بتحذيرٍ، وشراسة:
أوعى تدخل خالتي بالموضوع ده تاني، فاهم!
وتركته ورحلت بينما الثلاث شباب يتابعون ما يحدث من خلفه، مال عُمران ليونس يخبره:
صاحبك طلع غشيم ونطع!
لم يستوعب ما قاله عُمران، بل كان مشدوهًا لما يحدث، لم يتخيل أن تواجهه بتلك الحدة وعلى مسمع ومرأى الجميع، دنى عمران من إيثان الذي يتابع خروجها بغضبٍ، رأى بعينيه رغبته بالثأر والانتقام لكرامته التي أهدرتها تلك الفتاة، فعزم الرحيل خلفها؛ لتحقيق مبتغاه، أوقفه عمران حينما دفع كتفه للخلف وركز رماديته إليه هاتفًا بحروفًا بطيئة ربما يستوعب:
غلط! اللي هتعمله غلط وهيضيعها من ايدك نهائي يا غشيم.
برزت حدقتيه بحدة، لحق نبرته:
وإنت مالك أصلًا، إبعد عن طريقي.
لم يتذحزح قيد انامله، بل تابع بثقةٍ لا تليق سوى به:
عقلك مصورلك لحظة غضب إنها باللي عملته دلوقتي نهاية لاي فرص بينكم، بس الحقيقة هي فرصة لو استغلتها صح هتكون ليك، زي مانت عايز وخايف تعترف بيه.
لانت تعابيره قليلًا، واندفع فضوله لسماع المزيد منه، فتابع عُمران برزانة وهدوء يراه يونس وإيثان فيه لأول مرة:
نص كلامها كدب ومش صحيح، لو كانت عايزة ترتبط بشخص كويس كانت عملت كده من زمان، باقي كلامها عبرت فيه بدون ما تحس أنها بتحبك وعايزاك بس رافضة طريقتك نفسها يا غشيم!
تغاضى عن جملته التي ينهي بها أي جملة، وقال بتأففٍ:
يعني أيه؟ مش فاهمك أنا!
أخبره باستفاضةٍ:
اللي فهمته من كلامها ومن تصرفك العبيط على كنبة الفشارين امبارح إنها كانت بتحبك من زمان وإنت عارف كده، الظاهر كمان انها حاسة إن كان في واحدة في حياتك غيرها، ولما رفضتك او الموضوع اتفشكل لأي سبب رجعت تتقدم ليها، كأنك رضيت إنك هتكون ليها.
عبث بعينيه بعدم فهم، فابتسم ساخرًا:
Sorry, I forgot you’re stupidآسف، نسيت انك غشيم!(غبي)
صاح ايثان بغضب:
وبعدين في طولة لسانك دي بقى!
زوى حاجبيه بدهشةٍ،وأشار على نفسه ببراءة أضحكت يونس وآيوب اللذان يتابعان ما يحدث بذهول بينهما:
أنا يا إيثو اللي لساني طويل، ولا مامي اللي معرفتش تربي الحيلة؟
واستطرد بفتور:
عمومًا مش موضوعنا دلوقتي، إفهمني بقى عشان مش هعيد كلامي تاني ومعنديش وقت لده اساسًا، انت كنت غشيم معاها، حسستها إنها استبن وإنك عايزها لمجرد انك تتجوز وخلاص، كان المفروض تلطف الدنيا وتقول كلمتين حب والذي منه عشان تكسب قلبها المجروح، الست يا كابتن إيثو مفيش أرق من قلبها، خصوصًا لو شالك في يوم ذرة حب، قصاد حبها مستعدة تعديلك كل حاجة.
واضاف متنهدًا بنبرة حزن مطموس:
نبرتها وهي بتتكلم فيها وجع كبير، الظاهر إنك مكنتش غشيم بس، لا كنت غبي كمان، ولازم تراضي غرورها كأنثى.
أشار عُمران على باب المحل الضخم الخاص ببونس وقال:
فرصتك الوحيدة قدامك، الحقها وهي بالحالة دي اقف قدامها وبصلها وقولها بحبك وإن كل الكلام اللي قالته ده غلط، هتتراضى حتى لو عارفة انك كداب، لكن لو عايز تخسرها روح واعمل اللي في دماغك، استعيد كرامتك اللي شايفها اتبعترت قدامنا وقدام العمال، بس بخسارتها، خليك عارف إن في الحب مفيش كرامة.
وببسمة جذابة اخبره:
الراجل المغرور بيكون أول واحد بيقع في المعركة، العلاقة الصحيحة لازم يكون فيها تنازلات، اتنازل عشان تفوز بالساحة كلها مش في حرب واحدة من حروبها، وخليك عارف إن طول ما في ست في حياتك طول ما احتياجك للسيف وأدوات الحروب أكتر من احتياجك للأكل، أتمنى تكون فهمتني يا إيثو ولو إني أشك!
وتمتم بسخطٍ:
شكلك هطلع غشيم وأنا مبحبش النوع ده، وللاسف ربنا ابتلاني بواحد وشكل التاني على الطريق!
أحاطه إيثان بنظرةٍ حائرة، فتحرك يونس ودفعه بغضب:
لسه واقف تنيل أيـــــــه؟ اجري نفذ اللي قالك عليه يا غشيـــــــــــــم!
تلقفه احد العمال قبل سقوطه أرضًا، فنهض يتمتم بغيظ:
متزقش يا يونس الله.
واشار لايوب بقلق:
مالي ايدك من الخواجة ده ولا يكون بيسوحني عشان ينتقم.
منحه آيوب نظرة ساخطة وقال:
عُمران صح انت غبي مش غشيم!
ونكز يونس بحنق:
اتعامل انت عشان ورايا امتحان ومذكرة انا!
ردد العامل الذي حال بينه وبين السقوط بنزقٍ:
زمان الهانم وصلت البيت وخسرت فرصتك يا غشيم آآ.. أقصد يا كابتن إيثان.
تنحنح بخشونة غليظة وهو يستعيد هيبته المفقودة:
روح شوف شغلك يابو لسان طويل، يـلا كل واحد على شغله، فضيناها.
انفض الجمع من حوله، حرك كتفيه يعدل من جاكيته، واستدار يخبرهم وهو يمرر يده على رقبته بحرج:
طيب هروح انا بقى وراجع.
وشمل يونس الذي يطالعه باستحقار:
خد بالك من المحل، شوية وراجع مش هعوق أنا.
فور مغادرته تساءل عُمران بدهشة:
أيه أعوق دي، مش دي بتتقال لما تحس اللي قدامك تمادى بالامر فبتقوله مش عايز عوق أنا، يقصد أيه باللي قاله؟!
ضحك يونس وقال:
لا ده قصده مش هيتأخر يعني، مستحيل يشد في خناقك تاني يا خواجة، إنت يعتبر مواجب معاه ومركبه واحد.
زوى حاجبيه بذهولٍ، وتمتم:
مركبه واحد!!
نهر آيوب يونس بضجر:
ألفاظك إنت وصاحبك قذرة.
ومال إليه يهمس له بصوتٍ مسموع للطاووس:
كفايا عليه اللغات اللي معاه مش عايزين نخليه أوقح من كده، هيطلعه على بشمهندس جمال ودكتور يوسف لو رجع لندن، إهمد إنت والغشيم اللي مصاحبه.
_ما تسيبك من حوارك العبيط ده وترفع صوتك يابن الشيخ مهران.
استدار آيوب إليه، وقال مبتسمًا بتصنع:
ده أنا خايف عليك وعلى لغتك الراقية لتنحدر هنا يا بشمهندس.
رد عليه بسخرية:
قولتلك قبل كده أنا لو حطوني في عالم الجن هعرف أتعامل، خاف على نفسك إنت يا برجل!
تعالت ضحكات يونس وهتف بعدم تصديق:
حلوة برجل دي جديدة.
_السلام عليكم ورحمة الله
قالها آدهم الذي ولج للتو، لينتبه له الجميع، استدروا إليه، يرددوا السلام، والابتسامة تنبلج على وجه آيوب بحفاوةٍ، الذي لم يكتفي بسلامه واتجه يضمه بكل محبة، ويساله بلهفةٍ:
أخبارك يا آدهم؟
ربت على ظهره والحزن يعتريه، يشعر بالمكانه المختلفة التي يميزه بها آيوب، وهو العاجز عن بوح الحقيقة إليه، يتمنى أن يحصل والده على الخلاص، ولكنه يخشى أن يكون في ذلك خسارة آيوب الابدية!
تحرر من صمته يجيبه مبتسمًا:
بخير الحمد لله، طمني عليك إنت وعلى مذكرتك، الامتحانات خلاص قربت!
لاحظ الحزن الذي يملأ مقلتيه، وقال:
إطمن هشرفكم.
هز رأسه وقال بفخر:
واثق إنك هتعمل ده.
دنى إليه عُمران يشاكسه:
أيه يا حضرة الظابط مفيش أهلًا ولا سهلًا، شكلي موحشتكش!
أجابه ببسمة بشوشة تعكس صدق حديثه:
وحشتني والله وصاصا كان هيبعتني امبارح نص الليل عشان ترجع معايا، بس آيوب ثبته على الفون.
وأضاف بتهذبٍ:
كنت جايلك أصلًا قبل ما تكلمني، شوف حابب تروح فين وأنا تحت أمرك.
همس له بصوتٍ منخفض، يملأه المكر:
مكان حبيبنا، واجب نواجب معاه ولا أيه رأيك يا حضرة الظابط؟
ضحك بملء ما فيه، وقال ساخرًا:
حضرة الظابط دي متكلش مع المشوار اللي رحينه ده، مشيها إسمي الحركي أحسن!
ارتاب آيوب لامرهما، وتساءل بشكٍ:
انتوا رايحين فين بالظبط؟
دفعه عُمران بخفة:
روح ذاكر يا آيوب، هنروح مشوار على السريع كده وهشوفك بليل.
أصر أن يعلم ما بينهما، فردد باصرارٍ:
هاجي معاكم لو مقولتوش رايحين على فين؟
ربت على كتفه وقال يمازحه:
مشوار للكبار يا حبيبي، روح ذاكر زي ما قولتلك.
قالها عُمران وغادر للخارج ومن بعده آدهم بعدما ربت على كتف آيوب ومنحه ابتسامة هادئة.
*****
_كريستــــــــين استني!
التفتت خلفها تجاه صوته المنادي، فصعقت حينما وجدته يركض من خلفها، انحنى إيثان مستندًا على ركبتيه، يلتقط انفاسه بصعوبة، ما كان ليلحق بها الا لاعتياده على ممارسة الرياضة الشاقة، وبالأخص الركض المتواصل على الأجهزة.
استعاد اتزانه، ونهض يقترب منها، طالعها بدهشةٍ حينما وجد أثر البكاء على وجهها، لقد واجهته بقوةٍ وشراسة، ومضت تكشف عن ضعفها بين الطرقات، لاحظت تعمقه بها، فاستدارت تزيح دموعها وواجهته بقوةٍ إلتحفت بها مجددًا:
خير؟
وخز قلبه دون رحمة، فقال وهو يرنو إليها:
أنا آسف.
منحته نظرة ساخرة، وتساءلت بسخطٍ:
على أيه؟
ضم شفتيه معًا والحزن يتغلغل داخل مُقلتيه، وبوجع ردد:
على كل لحظة ضيعتك فيها من ايدي بسبب غبائي، كريستينا أنا بحبك، اكتشفتها متأخر أوي بس دي الحقيقة، أنا غبي وحيوان، ومتسرع وكل العيوب اللي في الكون اتجمعت فيا، بس صدقيني معملتش كده عشان ارتبط بيكِ وخلاص، أنا بس اتاكدت من مشاعري مش أكتر.
رمشت بعدم استيعاب مما قال، وكأن من يقف أمامها شخصًا آخر غير ذلك السليط، وجد هدوء يحيط عاصفتها الجامحة، على ما يبدو بأن ذلك الوقح يمتلك خبرة بالتعامل مع النساء، فتابع قوله:
أنا عايزك يا كرتستين، وده لاني بحبك ومحتاحالك جنبي، تصرفي مكنش كويس عارف، بس أنا هقدر اي رد فعل ليكي، حتى لو اختارتي تكوني لغيري.
وأضاف مازحًا:
لو كنني لغيري هاجي فرحك وهغنيلك اغنية اعذريني يوم زفافك وأنا صوتي أصلا لوحده هيطفش العريس والمعازيم، وميبقاش غيري انا وأنت يا جميل، ووقتها مش هحلك، هتجوزك يعنس هتجوزك حتى لو هخطفك.
ومال إليها يسألها بنظرة اجتهدت لتنقل حبه لها:
ما تيجي أخطفك من دلوقتي ونوفر الفيلم الهندي ده؟
ابتسمت رغمًا عنها، فصاح بحماس:
هو ده، ضحكت يعني قلبها مال.
تلون وجهها من شدة حيائها، وخاصة حينما سألها:
أجيب خالتك وأجي بليل؟
رفعت عينيها إليه، وبرقةٍ هزت رأسها وغادرت من أمامه سريعًا، فابتسم وهو يهمس بسخرية:
بركاتك يا خواجة!
*****
_طيب ممكن تفهميني إنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟ مش عملتي اللي في دماغك وهنتيه وكسرتيه!!
قالتها ليلى بعصبية بالغة إلى صبا المنهارة من البكاء، تنهدت بقلة حيلة وقالت:
يا صبا صدقيني إنتِ كده بتدمري نفسك، خلاص مدام شايفة إنك عملتي الصح زعلانه ليه؟ عيشي حياتك عشان نفسك أولًا وعشان ابنك.
أزاحت دموعها وبانكسارٍ قالت:
غصب عني يا ليلى، هو وجعني وجع كبير، كنت عايزة أنتقم منه وأشفي الجرح اللي جوايا، بس لا وجعه دواني ولا كسرته شفت جروحي.
تدفقت الدموع من عيني ليلى تأثرًا بها، فضمتها لصدرها وقالت بحنان:
صبا حبيبتي اللي مريتي بيه مكنش سهل نهائي، أنا فخورة بيكِ انك وبالرغم كل اللي مريتي بيه مازالتي واقفة على رجليكِ وبتحاربي عشان ابنك وكرامتك.
وابعدتها عنها تقابل عينيها وهي تخبرها بعزيمةٍ:
انسي كل اللي فات ادي لنفسك فرصة تعيشي الحياة من غيره، وشوفي هتقدري ولا لأ، انزلي شغلك الجديد بالمركز وخصصي وقت لنفسك ولابنك، لو عدت عليكي أيام نستيه فيها،تأكدي إنك فعلا مش قادرة تسامحي وحياتك بقت أفضل من غيره فصممي على قرارك بالانفصال، لو حسيتي إنك ضعفتي ومحتاجة تديله فرصة، إعملي كده عشان خاطر ابنك بس وانتِ واخده حقك كامل ومكمل، وانتي حاليًا بدأتي أول درس باسترداد حقك.
رسمت بسمة باهتة على وجهها وقالت بامتنانٍ:
تفتكري من غير وجودك ودعمك ليا كان هيجرالي أيه؟
ضمتها مجددًا إليها وقالت بحب:
ربنا يعلم بمعزتك عندي يا صبا، وأكتر حاجة مفرحاني انك هتنزلي الشغل معايا وهنكون مع بعض.
******
كان يعمل على أحد الملفات الهامة من أمامه، حينما ولج أخيه لمكتبه، دنى إليه بكل عنجهيةٍ، ووضع أمامه ظرفًا أبيض مطوي، وزع الجوكر نظراته عليه وعلى ما وُضع أمامه وبذهولٍ تساءل:
أيه ده؟!
أجابه رحيم وهو يجذب اللافتة الخشبية الصغيرة، الموضوعة على مكتبه، يلهو بها بتسليةٍ:
تذكرة سفرك.
رفرف بأهدابها الطويلة بدهشةٍ:
سفر مين؟!!
ضم حاجبيه ببراءةٍ مصطنعة:
إنت يا مراد، هتسافر كمان ساعتين ايطاليا، يلا يا بطل جهز نفسك وفي المطار هتلاقي شريكك في المهمة جاهز وفي انتظارك.
نهض يجابه وقوفه، وصاح بدهشة:
مهمة أيه؟ ومين ده اللي باعتينه معايا؟ إنت بتقول ايه!!!!
سحب الاسطورة كوب العصير الأزرق الخاص بمراد، ارتشفه مرة واحدة، زم شفتيه ووضع الكوب هادرًا:
غريب عصيرك ده!!
كز على اسنانه بغيظٍ وهدر:
رحيم متستفزنيش مهمة أيه اللي حجزلي فيها التذكرة بنفسك دي؟
نهض يعدل جاكيته،وقال بجمود:
مهمة الميكروفيلم، رحلتك لايطاليا بعد ساعتين، تذكرتك جاهزة، سلام يا جوكر.
واتجه ليغادر وقبل أن يخرج من الغرفة استدار يبلغه ببسمة خبيثة:
الاماكن المحظور عليك دخولها عشان هتكشفك قدامهم عايزك تزورها يوميًا، من الآخر عايزهم يعرفوا بوجودك من أول يوم، واوعى تتنكر.
وبابتسامةٍ شيطانية قال:
خليهم يعرفوا أننا مش هنسكت.
ضرب كفًا بالآخر وهدر منفعلًا:
هو مش سيادة اللوا قال المهمة دي مينفعش فيها حد معروف!!
ببسمة باردة قال:
بس أنا بقول ينفع، غير هدومك واتحرك على طول هتتأخر، على معاد الطيارة.
أوقفه بعصبية طائلة:
وانا همشي كده من غير اي خطة مدروسة!
استدار إليه يواجهه بنظرة شيطانية:
اخدت جزءك من الخطة بالفعل، هتتحرك فوق الستار وباقي التيم من تحته، هنغربلهم في النص، عايز تفهم أيه أكتر من كده!
ومنحه ابتسامة كشفت عن اسنانه، وسأله بخبث:
موحشكش جو التوابيت؟
زوى حاجبيه بصدمة من بروده، بينما دث رحيم يديه بجيب جاكيته وغادر يطلق صفيرًا مستمتعًا تاركًا الجوكر يحارب ذاته الا يسحب احد قنابله النووية يفجر بها أخيه لينهي عذابه من هذا الشخص الاحمق!
*****
فتح الرجال الباب، ليدلف عُمران وآدهم للداخل، حتى وصل للسرير الصغير الذي يعتليه نعمان، ابتسم ساخرًا وهو يردد:
سمكة دولفين بريئة نايمه!
وأشار لآدهم بسخرية:
خد بالك ده أبشع من الدولفين، شوفت اخطبوط البحر، ده نسخته بس على أرزل.
وتركه واقترب يهزه بعنف وهو يصيح:
قـــــوم يا نعمـان قيامتك قامت!!