تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ايه محمد رفعت
عاد لغرفته يعتلي الشرفة التي تعلو شرفتها، مازال الضوء يغمر الغرفة بأكملها، اندهش أحمد من استيقاظها حتى ذلك الوقت المتأخر، يعلم جيدًا بأنها تغفو بمواعيدٍ ثابتة، يبدو أن هناك قلقًا يساورها فأزاح غيمة النوم عنها.
جذب قميصه يرتديه وإتجه للأسفل بخطواتٍ حذرة خشية من أن يراه أحدٌ، مبتسمًا لنفسه بسخطٍ:
_ رجعت لأيام المراهقة تاني!
تسلل للأسفل حتى وصل لجناحها، طرق بخفة وكأنه يخشى أن تلامس يده الباب، وترقب قليلًا يناديها بصوتٍ هامس:
_ فريدة!
فتحت الباب وتطلعت له باستغرابٍ متسائلة:
_ أحمد! لسه صاحي؟
مال بوقفته يستند على الحائط المجاور له، وقال بنظرة هائمة بها:
_ يعني بذمتك هيجيني نوم ونصي التاني سهران محتار!
ارتبكت في حضرته وعادت تلك الفتاة ذات الثمانية عشر عامًا تستحوذ عليها، أفتقدت خبرة التعامل وكأنها لم يسبق لها التعامل مع رجلٍ قط بحياتها، فقالت بتلعثم:
_ وإنت عرفت منين إني لسه صاحية؟
ابتسامته الهادئة لحقت اجابته:
_ نور أوضتك بيرشدني، وصوت نبض قلبك المرتبك واصلي لفوق.
شددت على مئزرها بارتباكٍ، وهي تحاول الفرار من حصار رماديته الهادرة، فاستقوت بحديثها المتعصب:
_ وبعدين معاك يا أحمد، مينفعش اللي بتعمله ده، إرجع أوضتك من فضلك أنا مش مستعدة أواجه حد من الأولاد لو شافوك وافف على باب أوضتي السعادي.
ضحك بصوتٍ مسموع لجوارحها المهتمة لرؤية ابتساماته الجذابة، وقال مشيرًا على ساعته الفخمة:
_ حبيبتي إنتي مش مستوعبة إن كلها كام ساعة بس وهتكوني على ذمتي!
لعقت شفتيها بتوتر لم يرأف بتصاعد خفقات قلبها العذري، فهدرت إليه بضيقٍ مصطنع:
_ إرجع أوضتك يا أحمد، ولما أبقى مراتك وقتها نبقى نتكلم إنشالله خمسة الفجر، لكن قبلها بدقيقة أنا أرملة أخوك.
تلاشت ابتسامته، ودنى تلك الخطوة الفاصلة يخبرها بغضب تلمسته بنبرته الغريبة:
_ إنتِ تخصيني من لما كانوا بيعلموني إزاي أشيلك وإنتِ حتة لحمة حمرا، تخصيني وعمرك ما خصيتي غيري حتى لو كنت زوجة ليه.
وطعنها بنظرة قاسية اتبعها جراءة غير مسبقة:
_ محدش قدر يملك قلبك لحد اللحظة دي غيري يا فريدة.
وتركها تحاول السيطرة على مشاعرها قبالة كلماته التي ضربت عاطفتها في مقتلٍ، ثم غادر لغرفته بهدوءٍ جعلها تتوارى خلف بابها وابتسامتها لا تفارقها، ليته كان بذاك العناد والتحدي بتلك اللحظة التي جلست بها أمام المأذون تحاول الاستنجاد به بأن ينهي ذلك الزواج، ليته تمسك بها مثلما يفعل الآن.
***
رفضت الانصياع خلف كوابيسها تلك المرة، يكفيها ما حدث بالأمس أمام الجميع، انتفضت فاطمة بجلستها ويدها تزيح قطرات العرق المبتل عن جبينها، انحنت للكومود تجذب زجاجة المياه ترتشفها بأكملها عسى حلقها الجاف يرويه تلك الكمية المفرطة، سيطرت على انفعال أنفاسها المتشنجة وحينما هدأت بالفعل، اتجهت لغرفة علي بخطواتٍ مترددة، حتى انتهى بها الحال قبالة فراشه!
كان يغفو باسترخاء تام، يده مضمومة أسفل رأسه ويده الأخرى تحاوط تلك الوسادة القابعة بأحضانه، لا تعلم لماذا شعرت بأنها ولأول مرة تحسد رؤيته بتلك الراحة التي تفتقدها منذ سنواتٍ، وبذات اللحظة ينتابها شعور غريب بالغيرة لضمه تلك الوسادة بهذة الطريقة التي جعلتها تتمنى أن تكون هي من تغفو بأحضانه، ترى هل ستراودها تلك الكوابيس إن حظيت بالبقاء داخل ذراعيه!
اعتلاها الخجل لما يقتحم عقلها، وتنحنحت في محاولة لايقاظه حتى يتجه للبقاء جوارها، اعتادته يغفو على المقعد المجاور لفراشها منذ أن بدأ بمعالجتها، كانت تستيقظ كل يومٍ بالمشفى تجده جوارها، أحيانًا كانت تختلس النظر إليه، وتحمد الله على وجوده جوارها، فكل مرة أحاطها كابوس مزعج يتبدد انزعاجها فور ان تستيقظ وتراه لجوارها.
مدت يدها باستعداد لايقاظه، ولكنها توقفت حينما تذكرت أخر مرة قامت بطلبها بأن يظل لجوارها، باليوم التالي كان لا يقوى على تحريك عنقه من شدة الألم الذي واجهه لغفوته على مقعدٍ غير مريح بالمرة.
ارتبكت ولم تعلم ماذا ستفعل؟
فهداها عقلها على البقاء هي لجواره على المقعد القريب من الفراش تلك المرةٍ، وبالفعل جذبت المقعد لتضعه على محاذاة الفراش وتمددت عليه تحتضن جسدها بوضع الجنين، وتلك الهالة الآمنة التي منحتها لها صوت أنفاسه الهادئة جعلتها تغفو سريعًا لجواره!
لا يحتاج الا لثلاثون دقيقة ليتأكد بأنها سقطت بنومها، ففتح رماديته واستدار بنظراته الحنونة إليها، مبتسمًا بعشقٍ يجرف عواطفه، فاستقام بجلسته يُمتع عينيه المسكينة بالتطلع لها عن قرب.. ما أعظم انتصاراته اليوم؟ حبيبته تتسلل لغرفته وتبقى أمامه تتأمله ومن ثم تختار النوم لجواره!
ربما قد يكون شيئًا عاديًا لأي رجلًا، ولكنه كطبيبٍ متخصص، يشمل حالة فطيمة يعلم أنه حقق إنجاز عليه الاعتراف به لذاته!
أبعد علي الوسادة عن صدره وتسلل إليها بهدوءٍ، فمال لمقعدها يبعد تلك الخصلة المتمردة على عينيها خلف أذنها ليمكن من رؤية باقي وجهها المحتمي عنه، ارتبك من تلك الفكرة التي تلح عليه بتلك اللحظة، فخشى أن تستيقظ إن منح جبينها قبلة عابرة تستنشق رائحتها، فأكتفى بحملها لفراشه والبقاء على مقعدها الغير مريح بدلًا منها.
استند بقدمه على الفراش وأراح جسده على المقعد، هامسًا بسخرية وابتسامته لا تفارقه:
_ بقيت تخصص نوم كراسي أكتر ما بزوال المهنة نفسها!
وتابع ووجهه يميل لجهة نومها:
_ كله يهون علشان خاطر عيونك يا فطيمة!
حاول كثيرًا أن يستحضر سلطان نومه ولكنه لم يتمكن من فعل شيء الا أن يطبع ملامحها داخله، وكأنه يحفظ وجهًا يراه لمرته الاولى.
أشرقت شمس اليوم التالي والمحدد لحفل الزفاف، فراقب علي ساعته بحماس وود لو حظى بحمام دافئ واستعد قبل أن يرن عليه أحمد للذهاب برفقته للمحامي مثلما اتفقا بالأمس، ولكنه خشى التحرك قيد أنامله حتى لا يفزعها فتظن بأنه قد فعل ما لا يحمد بحالتها، لذا ظل محله يراقبها حتى تستيقظ فتراه بعينيها لم يتعدى على خصوصياتها أبدًا، وبالفعل ما هي الا دقائق وبدأت تفرك عينيها بانزعاج وتلك اللحظة ذاتها التي إدعى بها نومه للمرة الثانية.
جلست فطيمة على الفراش تتطلع جوارها بفزعٍ، ومازالت تحاول تذكر ما حدث بالأمس ليجعلها طريحة الفراش، انتبهت لعلي الذي يغفو على المقعد مكانها، فأتاها الجواب على سؤالها الحائر، تلاشى غضبها تدريجيًا وسكنتها ابتسامة رقيقة، فنهضت عن الفراش تحمل الغطاء المحاط بجسدها، لتضعه على علي ويدها رغمًا عنها تصعد لشعره الفحمي، تحركه بخفة جعلته يستجيب لها فتبعثر أطرافه الطويلة على وجهه، وأعظم ما يصل له صوت ضحكاتها الخافتة على طول شعره الذي يخفيه بتمشيطه للخلف فيجعله يحيط أخر رقبته.
غادرت لغرفتها خشية من أن يستيقظ فيجدها بالقرب منه، لا تعلم بأنه من يقوم بخداعها، وفور أن أغلقت باب غرفتها حتى اعتدل بجلسته يعيد شعره للخلف بابتسامة واسعة، وردد بحب:
_ كنت ناوي أقصر شعري النهاردة، بس الظاهر هحبه وهو طويل عشانك!!
مزق لحظاته الرومانسية التي يقضيها بمفرده صوت هاتفه، رفعه وهو يجيب بابتسامة جذابة:
_ صباح الخير يا عريس.
وصل صوت ضحكاته الصاخبة لمسمعه:
_ صباح الخير يا دكتور علي، ها جاهز عشان نتحرك على المحامي نشوفه جهز الاوراق ولا ناقصه حاجة؟
نهض يسرع لخزانته، ينزع ملابسه ورأسه تسند الهاتف لكتفه، بينما يديه تساعده على ارتداء بنطاله:
_ خمس دقايق وهكون جاهز بإذن الله.. ثم إني مش هفوت فرصة أشوفك وإنت وشك منور وسعيد ده انا اتبهدلت معاك عشان لحظة زي دي يا صاحب عمري؛
ضحك أحمد وقال:
_ متبقاش بكاش يا عريس، ما فرحتنا سوا.
_ إنت كنت مصدق إن ربنا هيجمع بينا في يوم واحد؟
_ أبدًا، ولا صدقت إن ممكن دماغ فريدة هانم تلين بعد السنين دي كلها، والفضل بعد ربنا سبحانه وتعالى ليك يا دوك.
اعتدل بوقفته وترك قميصه الذي يحمله، متسائلًا بذهولٍ:
_ عرفت منين؟
ضحك بتسلية:
_ هو إنت فاكر إن عمك غبي يالا!
أشوفك نازل من جناح فريدة وبعدها بساعة ألقيها نازلة تقولي إنها موفقة أكيد ده مش سحر حلال يعني!
وعلى ذكر السحر ردد هائمًا:
_ يا ريت كان ليا في السحر كنت سحرتلها وخلتها توافق من سنين، بس للأسف مفعول سحرها هو اللي نافذ عليا وعلى قلبي.
_ أممممم، أنا بقول تقفل على ما أصلي وأنزلك ننجز لإني حاسس إن عمي اختفى وبقى مكانه السيد روميو اللي راجع لجوليت حافظلها كام بيت من الشعر يعيدوا بيه الامجاد... سلام مؤقت يا باشا.
وأغلق الهاتف والابتسامة تتسع على وجهه، فأسرع للحمام ساخرًا بهمسه الخافت:
_ حتى عمي!!! الله يحرقك يا عمران هتعدي مين تاني هنا، مش فاضل حد غيري وأنا للأسف مينفعش أنحرف، مينفعش!!
***
على رنين هاتفه للمرة الثالثة، فتأفف بغضبٍ وأغلق مياه الدُوش ثم لف المنشفة حول خصره وخرج يجذب الهاتف ليجيبه بعصبية بالغة:
_ أيه يا جمال، نازل رن رن أيه ما خلاص مدام متزفتش رديت من أول رنة يبقى بديهي إني متزفت مشغول وبديهي بردو إني لما هتزفت أفضى هتنيل أكلمك تاني، مش حفلة رن هي، بتحسسني إنك عايش دور الزوجة الرزلة اللي عايزة تعرف جوزها راح فين بأي شكل!!
_ حيلك يا عم الوقح، بكبورت واتفتح عليا!! قلقت عليك لما مكلمتنيش إمبارح فقولت أطمن عليك لو محتاج حاجة، غلطت؟!
زفر عمران بضيق، وألقى جسده على الفراش يشير بانفعال:
_ واديني رديت أهو، أنا تمام وزي الفل ولما هتيجي بليل هتشوف وتعين، ها في حاجة تانية؟
وصل صوت ضحكاته الصاخبة إليه، وشاكسه قائلًا:
_ اهدى طيب هي مدام مايسان عاملاها معاك وبتطلعها عليا ولا أيه؟
أسدل حاجبيه بغضب:
_ مين دي يا روح أمك اللي تستجرا تعملها معايا، ما تصطبح في يومك اللي مش باينله ملامح ده، مش كفايا قطعت عليا راحتي في الحمام إلهي ربنا يقل راحتك يا بعيد.
قهقه عاليًا، وبصعوبة قال:
_ على سيرة السيدة الوالدة فهي راكبة جانبي أهي، لسه واصلة من المطار حالًا.
تنحنح بحرجٍ من اندفاعه بالحديث، وقال:
_ سمعت اللي قولته من شوية يالا؟
ضحك وهو ينفي له:
_ يا ريتها سمعتك كانت شجعتني على قطع الصحوبية المنيلة بنيلة دي، وأترحم من لسانك الوقح ده.
ابتسم بامتنانٍ للحظ الذي جعل جمال يستغني عن فتح سماعة الهاتف على غير عادته، وقال:
_ اديها الفون أرحب بيها بنفسي.
وصل له صوته الهامس من وسط ضحكاته:
_ أخاف بصراحة أنا طول السنين دي بقنعها إني مصاحب رجالة محترمة، هتسوء سمعتنا لو بدايتها كانت مكالمتك إنت، هخليها تكلم يوسف الأول وبعدها اصدمها بيك.
كز على أسنانه بغيظٍ ليصل صوته المكتوم له:
_ ليه مصاحب بلطجي من نزلة السمان بروح أمك!
ضحك الاخير يستشهد على تلك الذلة:
_ صدقتني إنت مبتقدرش تتحكم في نفسك!
عبث باصبعيه بين خصلات شعره المبتل، وقال:
_ خلاص بكره إن شاء الله هجي أزورك وأشوف الحاجة وش لوش، على رأيك المكالمات مفهاش قبول، هي بس تشوفني وهتقع في سحر وسامتي، مين في الكون يعني فلت من تحت إيد عمران سالم الغرباوي!!
_ مراتك اللي فلتت.
قالها وقد انتابته نوبة عارمة من الضحكات، ليتسلل لعمران المحتقن وجهه بغضب قاتل صوت والدته المبتسمة:
_ بطل تضايق عمران يا جمال أنا كده هزعل منك بجد.
واختطفت الهاتف منه تحدثه بابتسامتها البشوشة:
_ معلش يا حبيبي جمال كده طور ومبيعرفش ينقي كلامه، المهم إنت عامل أيه وفعلًا زي ما جمال بيقول اتجوزت؟
هدأت معالمه رويدًا رويدًا واحتلته ابتسامة صافية، تلك المرأة تظن دائمًا بأن ابنها هو المنحرف من بينهم ويحاول دائمًا مضايقته هو ويوسف لا تعلم بأنه الوغد الأكبر هنا، وهذا ما يكتسبه من سحر طلته التي توحي برزانته وطيبته الغير موجودة بالمرة، فقال بصوتٍ دافئ:
_ ست الكل اللي نورت إنجلترا كلها، شوفتي بعيونك يا أمي جمال مش مبطل يضايقني لا أنا ولا جو، ده حتى مقاليش إنك جاية النهاردة علشان مطبش عليه وينوبني من حلل الحنان اللي مترحلة من مصر لانجلترا في أكياس بلاستك!
تعالت ضحكاتها استجابة لحديثه المرح، وقالت بحنان:
_ ودي تفوتني أنا جايبالكم إنت ودكتور يوسف حلة محشي ورق عنب ورقاق ومنبار وعكاوي وكارع وحمام محشي بالفريك إنما أيه يستاهلوا بوقكم، عازمكم بكره عند جمال ابني وأمانة عليك تجيب مراتك في ايدك وأنت جاي، وهخلي جمال يقول لدكتور يوسف الكلام ده بردك عايزة أشوف نقاوة عيالي.
قال متحمسًا وضحكته الهادئة تصل إليها:
_ لو مكنش النهاردة فرح أخويا كنت لقتيني أول واحد يخبط على الباب بس ملحوقة النهاردة من بكره مش هتفرق، الخوف بس الفجعان اللي جنبك ده ينسف الأكل قبل ما نيجي. وهنا بقى يجي دورك، الشنط اللي فيها الأكل تتحط في تلاجة أوضتك يا ست الكل ويتأمن عليها بأرقام سرية وبصمة ايدك الحلوة دي.
احمر وجهها من فرط الضحك ولجوارها ابنها المبتسم بسعادة وخوف ينهش قلبه من أن يفقدها بالجراحة التي يجهزها لها عمران ويوسف بالاتفاق مع الطبيب المتخصص لجراحه القلب، فراقب حديثها المازح برفقة صديقه بأعين تلتمع بالدمع، ويجد ذاته ممتنًا بتلك اللحظة لوجود عمران بحياته، إن كان قادرًا على زرع الضحك على وجه والدته بتلك الطريقة لما لا يكون ممتن؟!
***
غادر أحمد بسيارة علي للمحامي، وانشغل الخدم بتجهيز القصر لاستقبال الحفل، واجتمعت الفتيات بالمجلس القريب من الدرج ليتركوا المكان خاليًا لعمل الخدم، فأزاحت شمس بقايا طلاء الأظافر عن يد فطيمة المستسلمة لها بعد أن حاولت الاعتراض عما تفعله شمس لها منذ الصباح من مسكات وترطبيات وغيرها من نقوش الحنة السوداء على يدها وأخره طلاء الأظافر الغريب هذا، ومازالت تؤكد لها بتحذيرٍ صارم:
_ حطي إيدك على رجليكي، أوعي المناكير يبوظ هزعل منك يا فاطيما.
ابتسمت وهي تشير لها بطاعة:
_ متقلقيش أنا رافعه ايدي بحذر أهو.
أشارت لها بعنجهيةٍ:
_ أيوا كده خافي مني، عشان انا مبحبش حد يبوظ شغلي.
_ الله الله وأنا اللي شايلة العدة وراحة لاوضة فاطمة بستعد طلعت شمس هانم بنفسها مهتمية بالعروسة.
نطقت مايسان التي تراقبهما ببسمة هادئة، فوضعت عن يدها حقيبة الميكب الضخمة وجلست جوار فاطمة تتأمل ما فعلته شمس بنظرة أعجاب صرحت بها:
_ لون المناكير تحفة يا شموسة طول عمرك شيك وعندك ذوق.
غمزت لها بضحكة صاخبة:
_ ده انا قاعدة من الصبح استناكي عشان نولعها.
ضيقت حاجبيها بعدم فهم:
_ نولع أيه؟
هرعت للهاتف تصله بالسماعة الضخمة، مشيرة لفاطمة:
_ احنا لازم نحتفل بالعروسة النهاردة، أصلك متعرفيش يا فاطيما إن مايا بنت خالتي عليها هزة وسط يقعد دينا وصافيناز بالبيت.
جحظت عين مايسان صدمة، وصاحت وهي تلتفت حولها بحرجٍ:
_ بتقولي أيه يا شمس بطلي قلة أدب!
غمزت بسخرية:
_ متقلقيش عمي وعلي خرجوا، وفريدة هانم فوق في أوضتها مع الميكب آرتست بتعمل بدكير ومنكير مش فاضيلنا، وطبعًا عمران أخويا مستحيل يقوم دلوقتي، بيصحى على العصر.
همس عمران بتسلية وهو يراقبهن من أعلى الدرج:
_ طلعت ابن محظوظة إني قومت النهاردة بدري، يا رب بس تقنعيها تقوم ترقص يا حبيبة قلب أخوكِ!
بالأسفل، عادت شمس لمحاولاتها المتكررة لاقناع مايسان، وكذلك طالبتها فطيمة بالنهوض، فنهضت حينما أخبرتها شمس بأنها ستشاركها، وعادت لها بحجابٍ تعقده حول خصر مايسان بمرحٍ:
_ يلا بينا.
رمقتها بنظرة متوعدة، وخاصة حينما رفعت من صوت الموسيقى وبدأت شمس تتمايل أمامها لتشجعها قائلة باستفزاز:
_ فاطيما عايزة تشوف الرقص المصري وبعد فقرتنا هنقيم احنا الرقص المغربي المهم بلاش نوطي رأسنا قدام المغاربة! صح يا فاطيما؟
همس ذاك المتلصص بالأعلى:
_ كده انتِ أختي مش محتاج أعمل DNA!
تعالت ضحكات فاطمة وأكدت لها:
_ صح أنا مسبقش ليا إني شوفت الرقص المصري وعايزة أقيم بصراحة لإن شمس بحركتها البهلونية دي مضحكة!!
همس من الأعلى وهو يتابع بعينيه الشبيهة بالمنظار الدقيق:
_ هنقيم مع بعض يا مرات أخويا يا غالية!
ابتسمت مايسان واستجابت ليد شمس التي تحركها بدلالٍ، ومع انسجام لحن الأغنية الشعبية تمايلت ببراعةٍ جعلت فاطمة تصفق بيدها ببسمة متحمسة، بينما شمس تحاول جاهدة تقليد حركات مايا ولكنها كانت تفشل فشلًا ذريعًا.
ابتلع عمران ريقه بصعوبة بالغة، فمرر يده حول رقبته هامسًا بخفوت:
_ دي بوسي ملاك الرحمة!! الظاهر إني محتاج قلب صناعي فوق قلبي عشان يكون في متسع يحب ويدوب في الجمال ده!!!
واسترسل ورماديته لا تترك تلك التي تتحرك برشاقة وخفة:
_ أتوب إزاي والفتنة دي ملاحقاني يارب!!
تمايلت ولسانها يردد انسجامًا مع كلمات الاغنية، فاتجهت لتجذب فطيمة عن الأريكة وحينذاك تراجع عمران عن الدرابزين وهو يغض بصره عنهن، بالنهاية يراقب زوجتن وشقيقته التي تجعله يضحك ساخرًا على ما تحاول فعله، فتسلل لمسمعه صوت زوجة أخيه المعترضة:
_ مش هعرف، المنكير هيبوظ وشمس هتنزعل.
فعادت تجلس وهي تراقب ما يحدث، وعاد هو يعتلي محله ليتأملها بنظرة عاشقة وهمس بفتور:
_ وبعدهالك معايا يا بنت عثمان، أنا قلبي خلاص حن وداب أعمل أيه بس عشان تميلي!!
واستطرد بسخطٍ وابتسامته الخبيثة تنفرد:
_ وماله ده حتى الليلة ليلتك يا عروسة!!
انتفضت عروقه حينما تسلل له صوت سيارة أخيه، وبالطبع لاقترابهن من صوت السماعة لن يلاحظ أحدًا قدوم عمه وأخيه، لذا أسرع بالتدخل لن يرضيه ان يرأها أحدًا دون حجابها وبذاك الموقف الذي سيجعل الدماء تنبغث من ورديه، فطل بوجهة ملحوظة وهو يصيح بهن:
_ بعد إذن رئيسة شارع الهرم نلم الليلة عشان الرجالة وصلت بره، والله كان نفسي أشاركم بالنقطة الخضرا (الدولار) بس لا مواخذة مش قادر أنزل تحت!
جحظت الأعين المسلطة عليه، فركضت شمس تجاه المطبخ، بينما حلت مايسان الحجاب من حول خصرها وغطت به وجهها عن عينيه، فردد ساخرًا وهو يتابع شمس التي كادت بالتعثر أكثر من مرة، مدعيًا انزعاجه الشديد في حين أنه كان يشاركهما الرقص بالأعلى:
_ صبرك عليا يا أوزعة، ده اللي بيعلمهولك في الجامعة يا بت، ده انا حيلي اتهد عليكي بالمصاريف وكله بالأخضر.
ورفع صوته مجددًا:
_ كنت محتار أجبلك أيه في عيد ميلادك، وخيالي البريء رايح إني أغيرلك عربيتك، شكلي كده هجبلك بدلة رقص تطفشي بيها جوزك وترجعيلنا هنا تاني يا فقر!
كمن لها بما فيه النصيب وتبقت زوجته التي مازالت تختبئ خلف حجابها وتجلس جوار فاطمة التي احمر وجهها من فرط الضحك حتى كادت بالسقوط عن الاريكة، فاتجهت نظراته تستحوذها، مستكملًا وابل سخريته:
_ وانتي يا بوسي يا ملاك الرحمة، بدل ما تخلي في قلبك شوية رحمة وتطلعي تبصي على جوزك المسكين المعاق، تساعديه ينزل وتاخدي بيده بتنحرفي تحت! يا اختي انحرفي فوق مرة يمكن ربنا يسهلها ونجيب راقصات صغيرين أهو كانوا هيعملوا نمرة في فرح علي ويوجبوا مع عمهم!
فشلت فاطمة بالسيطرة على ضحكاتها، فتسللت خلف شمس تجاه المطبخ لتحرر ضحكاتها كما تشاء، مددت مايسان يدها تتحسس الاريكة فوجدتها فارغة، رفعت الحجاب عن عينيها فوجدت فاطمة تهرول للداخل، كادت أن تلحق بها فاوقفها صوته الصارم:
_ استني هنا عندك، اطلعي ساعديني أنزل مسمعتنيش!
على شفى أن تبكي الآن من فرط حرجها، فاعدلت من حجابها وصعدت للاعلى بارتباكٍ ساحق، مد له يده بمكرٍ، فساندته وهي تتلاشى التطلع لعينيه، فهمس لها بغمزةٍ خبيثة:
_ ما احنا طلعنا جامدين أهو، أمال بتيجي عند جوزك الغلبان وتعملي قطة مغمضة ليه؟
رددت على استحياء:
_ والله ما أنا دي شمس اللي آآ...
وابتلعت باقي كلماتها وهي تكاد تدفن وجهها أرضًا من الخجل، فقال بمكر:
_ مصدقك ما انا حاضر الحفلة من أولها!
ومال إليها يهمس بمرحٍ:
_ والله لولا إني مش هقدر أستحمل حد يشوفك كده كنت فضلت واقف أتفرج باحترام، بس هعمل أيه بغير والغيرة قاتلة، عاشق وعشقك خلاني زي الغريق اللي بيتعلق بأي حاجة تديله أمل إنه ممكن في يوم يبقى سباح محترف ويواكب الموج، حتى لوكان عالي وشرس!
احمر وجهها خجلًا، فسحبت يدها عنه واتجهت لغرفتها غير عابئة بندائه وادعائه بالتعب وعدم مقدرته على الهبوط، فما أن تخفت عنه حتى استقام بوقفته الغير مريحة، يراقب باب غرفتها وهو يهمس بخبثٍ:
_ هتلين بليل يا عسلية!
_ إنت بتكلم نفسك!!
التفت يراقب مصدر الصوت الرجولي، فوجد أحمد يضيق بعينيه تجاهه بنظرة تشكك في قواه العقلية، حافظ على ثبات قامته وأجلى حلقه:
_ لأ ده أنا كان معايا مكالمة غرام وكان لازم أقوي الوصال بين قلبين بريئين.
تهدلت شفتيه السفلية بسخطٍ:
_ أممم.. وماله يا حبيبي قوي الوصال براحتك بس متخدش على المكالمات لإنها مبتأكلش عيش حاف.
وتركه واتجه لغرفته بينما يتابعه عمران بنظراتٍ مغتاظة، فرفع من صوته ليصل لأحمد الواشك على غلق الباب:
_ وماله يا أبو حميد، كلها كام ساعة وهنشوف، ده أنا قايم بدري النهاردة علشان أجهز الmusic عشان أغنيتي اللي هغنيهالكم بليل، وعدي لعلي لو فاكر.
جحظت عين أحمد، وتوقف عن غلق بابه ثم عاد يهرول له:
_ أغنية أيه دي؟
ابتسم الاخير وأردف بسخرية:
_ بفكر أغنيلكم أغنية حمادة هلال بتاعت «دي عيلة واطية ونصابة» تقوم فريدة هانم يجيلها ذبحة صدرية وسط معازيم الطبقة الآرستقراطية، وتضيع مخططاتك ليلتك المنحرفة اللي بتتخطط ليها من يوم ما البنت وفقت عليك، أصل محسوبك قاري العيون أوي وعيونك فضحاك يا عمنا!
كز على أسنانه بغيظٍ، وأشار بحدة:
_ شوف إنت رايح فين يا عمران ربنا يهديلك حالك وحالنا، أنا خلاص يا ابني مش غاوي أجادلك تاني وأجيب لنفسي وجع الراس.
وتركه وغادر مجددًا، بينما اتجه الاخير للاسفل ببسمةٍ مستمتعة.
***
الساعات مضت وشرع الحفل على الابتداء، وأخيرًا انتهت شمس من وضع لمساتها الاخيرة على وجه فاطمة التي ارتدت القفطان الأبيض الفخم، أما علي فارتدى بذلة سوداء كلاسيكية ومشط شعره الطويل للخلف بعدما ضمن وضع كمية من المثبت ليجعله خلفه لا يتهاوى على عينيه، وأكمل ارتداء ساعته الآنيقة ثم نثر البرفيوم على كتفيه ورقبته، وإتجه يطرق باب فاطمة حينما استلم رسالة من شمس على الواتساب تخبره بأنها انتهت من زينتها.
فتح شمس الباب فمنحها علي بسمة هادئة، ثم مرر يده بين خصلات شعرها برفقٍ كأنه يحيي طفلته المدللة فور رؤيتها، ففتحت الباب على مصرعيه لتطل زوجته من أمامه بتلك الطالة الخاطفة التي سلبت عقله وجعلت وتيرة أنفاسه تتصاعد دون رأفة عليه، أتجه إليها حتى بات قبالتها يردد باعجابٍ شديد:
_ بسم الله ما شاء الله.
وتابع بمرحٍ وببسمةٍ جذابة للغاية:
_ هو ربنا راضي عني لدرجة إنه يبعتلي واحدة من الحور العين في الدنيا!!
سمحت لنفسها أن تخطف نظرة سريعة إليه، فسلب اهتمامها وجعلها لا تقوى عن خفض عينيها عنه، اقترب علي منها وضم يده لصدره قائلًا:
_ اتاخرنا على الضيوف، عمي وفريدة هانم بيكتبوا الكتاب تحت.
رفعت يدها المرتعشة تضم مرفقه، فمنحها ابتسامة واسعة وخطى بها للأسفل وهو يهمس بحبٍ حينما وجدها تتطلع للاعداد الغفيرة بالأسفل بنظرة قلق:
_ متخافيش طول ما أنا جانبك يا فطيمة، إنتِ سبتي خوفك وارتباكك فوق في الأوضة مفيش حوليكي غير الآمان وضمة كف إيدي اللي مش هتسيبك من أول الحفلة لأخرها.
منحته نظرة ممتنة فأطبق أصابع يده الاخرى فوق يدها الممسكة بمرفق يده اليمنى، مؤكدًا:
_ أنا جانبك ومش هتخلى عنك أبدًا!
***
لم تترك مايسان فريدة أبدًا، كانت الاخيرة تضمها بتوترٍ، وكأنها تستمد امانها من ابنتها الكبرى، تآلقت فريدة بفستانٍ من الشيفون، المحاط بدنتل من اللون الأبيض، وشعرها كان ملموم بدبوس شكل على هيئة الطاووس، يضم خصلاتها للخلف، ها هي تجلس قبالته وتراقبه وهو يوقع على عقد الزواج بفرحةٍ تتقافز من عينيه، وحينما قُدم لها الاوراق كانت مرتبكة وكأنها مرتها الأولى، فبحثت عينيها عن أبناءها بتلقائية، لتجد علي يهبط الدرج ومن خلفه شمس التي تخطته وهرولت لتكون جوار والدتها تخبرها ببسمة واسعة:
_ مبروك يا مامي، مبروك يا أنكل.
فرق أحمد ذراعيه لها فاتجهت لمقعده تنزوي بأحضانه بحبٍ لم تشعر به مع أبيها التي لم تتذكره قط، ابتسمت فريدة وهي تراقبهما، وتحمست حينما انحنى لها علي يقبل كف يدها المتمسك بالقلم بارتباكٍ، وهمس لها:
_ وقيعي يا حبيبتي، ده حقك وحبك اللي اتحرمتي منه طول السنين دي كلها.
أدمعت عينيها تأثرًا من كلماته، وكأنه كان يشعر بارتباكها وخوفها فأتى يزيل عنها العوائق، ابنها البار الذي يزيح عنها كل عائق يحبطها، احتضنت فريدة أحمد بنظرة طويلة قبل أن تنحني للاوراق لتضع إسمها قبالة اسمه، وحينها شعرت بأن رحلة فراقهما القاسي قد انتهت، ولكن عذابها هي هل سينتهي أيضًا!
راقبت مايسان الدرج بلهفةٍ، كانت تود الذهاب لرؤيته منذ بداية الحفل عساه بحاجة لمساعدتها ولم يتمكن من الهبوط بمفرده، ولكنها تخجل من لقائه بعدما حدث بالصباح، ختمت ارتباكها المطول وشجعها وصول جمال ويوسف، فوجدتها حجة تصعد لتخبره بوصول أصدقائه.
حملت طرف فستانها الأخضر بين يدها، وأدلت بحجابها الأبيض للخلف ثم اتجهت للدرج تخطو درجاته صعودًا، فتخشبت قدميها على أول درجاته حينما وجدته بطريقه للهبوط، وفور أن رآها بذلك الفستان الساحر حتى منحها ابتسامة ساحرة.
أخفضت عينيها تدريجيًا لساقه التي تنساق للأسفل بتناغم وقوة، فبرقت بعدم استيعاب، خطى ليصبح قبالتها ببذلته الرماديه الشبيهة للون عينيه، كان أنيقًا مثلما إعتاد أن يكون، ولكن دهشتها تلك المرة ليست لجاذبيته، بل رؤيته يتحرك بقدميه هكذا.
أطلق صفيرًا منخفض وهو يتفحصها:
_ أيه الجمال ده كله، يا ترى الساحرة الشريرة عارفة إن سندريلا هربت من الحكاية وخرجت لعمران الغرباوي المسكين؟
تجاهلت ما يقول وأفلتت سؤالها المنصدم:
_ عمران إنت واقف إزاي؟
اتسعت ابتسامته وغمز لها:
_ زي ما أنا قادر أخطفك حالًا وأهرب. بس للأسف ورايا وعد ولازم أوفي بيه.
وتركها منصدمة ثم كاد أن يتخطاها بهبوطه للأسفل، فصعد لها مجددًا يهمس جوار أذنها بالتحديد:
_ لما هنتجمع بليل هحكيلك كل حاجة يا بيبي!
وتركها فارغة الفاه وهبط يستقبل أصدقائه بترحابٍ واسع، فكان جمال أول من تحدث:
_ ما أنت بتمشي على رجلك أهو وحلو أمال أيه الحوارات دي!!
ضحك وهو يعدل من جاكيته ببرود:
_ مزاجي جابني كده، حرام أتدلع عليكم يعني ولا أيه يا دكتور.
رمقه يوسف بنظرة ساخرة، ثم استدار لزوجته يخبرها:
_ صدقتي إنه وقح يا ليلى.
ضحكت وهي تشير له بتأكيد، فصاح عمران بضيق:
_ طيب ليه تسوء سمعتي يا دكتور، بالذمة ده كلام!
تعالت الضحكات بينهم، فقال جمال بنزق:
_ لينا حوار في الدور التمثيلي ده بس دلوقتي قولي مين فيكم العريس إنت ولا دكتور علي؟ ده أنت متشيك ولا كأن الليلة دي عشانك أنت!
رد عليه بعنجهية:
_ دي الحقيقة فعلًا يا حبيبي، مفيش فرق بيني أنا وأخويا، كفايا إني هغنيله بنفسي!
منحه يوسف نظرة تحمل الشك، وأضاف هامسًا لجمال:
_ شكل كده عيادتي هتكون مستقرك إنت والحيوان ده الفترة الجاية، يلا يمكن ربنا يكرم ابنك بعروسة مصرية بنت ناس راقية صحيح أبوها وقح بس اللي يهمك اسم العيلة.
تركت صبا وليلى وقفتهم الشبابية واقتربتا من شمس ومايسان وفطيمة، فشكلوا حلقة دائرية تغتنم الضحكات، بينما اقترب علي منهم ليرحب بهم بحرارة، وفجأة وجد أحد العاملين يشير لعمران بأن كل شيءٍ على ما يرام، ووضع على رأسه سماعة تلتف لتصل جزئها على فمه بالتحديد ليتمكن من الحركة بمنتهى الحرية دون أن يمسك المايك بيده..
سحب مقعد خشبي من اللون الأسود، سحبه متعمدًا أن يجعل قدميه الخلفية تحتك بقاعدة المنصة مصدرة صوت جعل الجميع ينتبه له، فوضعه بالمنتصف وجلس عليه يفرق قدميه بثقة، وانطلق يردد بلهجة انجليزية مفهومة لاغلب الحاضرين:
_ اليوم مميزًا لوالدتي ولأخي ولي بشكلٍ خاص، أعتاد دومًا على استغلال أخي الأكبر الدكتور علي، لذا علي أنا هنا الآن أستغلك للمرة التي أفشل بمعرفة عددها، لذا إن كنت لا تتذكر وعدي المسبق لك بأنني سأغني لك بيوم زفافك ها أنا أوفي بوعدي وأستغلك بنفس الوقت لإنني لا أرى بتلك اللحظة سوى زوجتي، والآن فلنبدأ الحفل!
جحظت عينيها صدمة تفوق صدمة الجميع، وأكثر ما يتردد لها «هل عاد عمران للغناء مجددًا؟ ألم تكن تلك لفترة قصيرة قضاها بالجامعة وانتهى الأمر! ماذا سيغني لها الآن ولماذا تشعر بأن الخجل يكاد يقتنصها؟»
ضحك علي وهمس لجمال ويوسف المنصدمان:
_ ضيفوا على إنه وقح إنه مستغل وانتهازي، بس للأسف صوته حلو!
وتابع بمزح:
_ أنا زمان كسرتله الجيتار ومنعته من الغنى النهاردة بيستغلني عشان يكسب قلب مايا، دماغه سم!
***
انطلقت الموسيقى تغدو الحفل بأكمله، ومازال يجلس محله على المقعد ثابتًا، كأنه على وشك خوض حربًا طاحنة وليس يستعد للغناء، قدمه فقط كان يتطرق أرضية المنصة باستمتاعٍ لسماع النغمة التي تتحرر بانتظار أن يبدأ بانسجام أغنيته، صوت حذائه وتناسق ضرباته كانت تزيد من وتيرة الأعين، فانطلق صوته يردد وعينيه تتابع عينيها بتسليةٍ:
«حاسس في بقلبي لهفة عم تدفعني إني روحا
وميلا بإيدي وإعزمها ع الرقصة وبسرّي بوح
رح قوي قلبي وما خافمنو خسارة الاعتراف
ملاك منزل ع الأرض بيستاهل كرمالو تبوح!»
واستكمل ما يقول ببسمة واسعة قاصدًا بها ما حدث بالصباح حينما رآها ترقص برفقة شقيقته:
«شو عملت فيي من لمالفت ع خصرا هالشال
ترقص قدامي وتتغمى وتتلفت يمين شمال!
وتهز بشعرا الحرير ماتحمل قلبي الصغير
اي والله دوخني كتير خصرا الميال»
وتلقف الجيتار الذي منحه إياه أحد العاملين، يطرق عليه وهو يصيح:
«أحلى صبية بشوفهابعشق خجلها وخوفها
عطيني ضلوعك اغمراوحط النقط عحروفها
هزي براسك وافقيوتركي عليي يلي بقي
سموني ب الحب الشقيوالدنيا عندي ظروفه
براكين بقلبي خليتييخرب بيتك شو سويتي
من السهرة دغري ع بيتيجهزيلي حالك!!!»
وتلك المرة أحاطتها رماديته تتعمد نطق الكلمات كأنه يقصد بها ويتعمد كل كلمة لها:
«عليكي عيون مدري كيفصوتك حنانو مخيفو»
وغمز لها وهو يكمل:
«صفي نيتك قصدي شريفلاتشغلي بالك!!!»
ترك مقعده ونهض يختطف يدها بين يده ويده الاخرى تتمسك بالجيتار دون استخدمه، تلك المرة يواجهها وهو قريب منها:
«أحلى صبية بشوفهابعشق خجلها وخوفها
عطيني ضلوعك اغمراوحط النقط عحروفها
هزي براسك وافقيوتركي عليي يلي بقي
سموني ب الحب الشقيوالدنيا عندي ظروفه
بحلم كفي عمري حداشو بحكي عن حمرة خدا
ولما بإيدا الغرة ترداعيونا بينباسو
وكل الحلا جاية منينحفظتلا شاماتا وين
تقبرني رموش العينينطوال بينقاسو!!
أحلى صبية بشوفهابعشق خجلها وخوفها
عطيني ضلوعك اغمراوحط النقط عحروفها
هزي براسك وافقيوتركي عليي يلي بقي
سموني ب الحب الشقيوالدنيا عندي ظروفه
ايلا حلا الدني حلاتضحكلي اي والله
ونعيشا وبصوت الضحكاتنملى الأرض كلاعطيني
غمزة ودوبينيايدك بايديي شبكي
وخليا ع الله خليا عاللهخليا عالله
أحلى صبية بشوفهابعشق خجلها وخوفها
عطيني ضلوعك اغمراوحط النقط عحروفها
هزي براسك وافقيوتركي عليي يلي بقي
سموني ب الحب الشقيوالدنيا عندي ظروفه»
انتهى من أغنيته أخيرًا لينطلق التصفقات الحارة إليه، ومازالت يده تحتجز يدها ونظراتها المنصدمة تحيطه، لم يتركها الا حينما توجهت شمس إليه تضمه وهي تردد باعجاب:
_ صوتك بقى أحلى من الأول كمان ولا كأنك إعتزلت، ماليش دعوة إنت وعدتني لو قدرت تغني لعلي هتغنيلي يوم فرحي.
ضمها إليه وهمس لها ضاحكًا:
_ استقري إنتِ بس على عريس وأنا عيوني ليكي وأهو بالمرة نكمل نمرة شارع الهرم اللي ابتدت الصبح أنا أغنيلكم وانتوا ترقصوا!
تجهمت معالمها بغضب وتركته وكادت بالرحيل فتفاجئت براكان يدلف للداخل برفقة آدهم، عينيها لم تلتقط سواه هو بحلته السوداء وثبات نظراته دون أن تحيل للبحث عنها، وكأنه يعلم مكانها، اتجه خلف راكان حينما وجده يتجه لشمس، فقال ونظراته الجريئة تحيط فستانها الأزرق الطويل:
_ فستانك خرافة وشيك يا شمس.
امتقعت معالمها وبنفورٍ شديد قالت:
_ شكرًا.
وقبل أن يضيف راكان حرفًا، قالت وهي تتجه لفريدة:
_ عن إذنك مامي بتشاورلي.
تابع تصرفاتها بدهشة بينما ابتسم آدهم وقد راق له معاملتها الجافة، وحينما تطلع تجاهها وجدها تشير له بتتابعها، استغرب من الأمر وحاول أن ينسحب دون أن يلفت لهما الانتباه، فوجدها تخطو بمنعطف جانبي للقصر خلف الحديقة، وبعدت كثيرًا عن المكان، وصل لها آدهم فوجدها تنتظره بتوترٍ يعتلي معالمها وكأنها على وشك إلقاء قنبلة مؤقتة بوجهه!
***
بداخل الحفل.
حاولت فريدة الابتعاد عن مقابلة سيدات الطبقة المخملية، لتتغاضى عن أسئلتهم التي لا تطيق بصبرها لتجيبهم عن كناية زوجة ابنها الأكبر، سبق لها التفاخر بنسب عمران، فابنة شقيقتها تمتد أصولها لعائلة عريقة تضاهي عائلتها، ولكن الآن ماذا ستخبرهم؟
عاد شعور النفور يجتازها مجددًا، لا تملك أي قوة لتواجه أحدًا منهن، وإن كنا يتوقن لافساد مزاجها فقد فعلنا بالتأكيد، وها هي الآن تواجه سؤال من احداهن:
_ ما بكِ فريدة كلما تساءلنا عن العروس لا تجيبينا، ما الأمر؟
قالت الاخرى بتهكمٍ صريح:
_ عساها فتاة عادية وتخجل بقول ذلك!
أضافت احدهن وقد كان صوتها مرتفع مسموع للجميع:
_ شكل كده كلامك صح، باين كده الدكتور علي اتجوز بنت من الطبقة المتوسطة عشان كده فريدة هانم مش عايزة تقولنا إسمها أو تقولنا هي بنت مين، بس معقول يا فريدة تعمليها!!
اتجهت احدى السيدات تسأل فطيمة التي تماسكت بيد علي بارتباكٍ:
_ قوليلنا إنتِ يا عروسة مدام فريدة هانم مش قادرة تتكلم!
وضعت فريدة رأسها أرضًا بحرجٍ، بعدما كانت تطلق أحكامها وتتهامس بجراءة على النسب وبمن تليق بابنائها توضع بموقف صعبًا، تأججت الدماء بعروق عمران وأحمد، وكاد علي بأن يخرس ألسنتهم وإن حتم الأمر سيطردهم من الحفل بكل تأكيدٍ، لن يتهاون مع من يقلل احترامها أبدًا، ولكن ذاك الصوت الصارم انطلق يصمم الآذان:
_ فطيمة أختي وأي حد في الاحتفال المخملي ده قادر يعرف مين هي عيلة زيدان ونفوذها واصلة لفين!
ظهور الجوكر كان نقطة فاصلة لتلك الفتاة، أنفاسها بدت تعود لمجراها الطبيعي وهي تراه يقف قبالتهم بكل عظمة وكبرياء، ومن جواره عدد من الحرس الملكي يزف لها هداياه الباهظة وسط همسات الجميع، تحرك ببذلته الآنيقة ليدنو من منتصف القاعة ليكون قبالة أعين فريدة الملتهبة، وصاح بكلماته الثقيلة الماكرة:
_ ها يا فريدة هانم ده كافي بالنسبالك ويخليكي ترفعي رأسك وتقولي لضيوفك مين مرات الدكتور علي؟
ردت الدموية بوجهها، للحق لم تتخيل أبدًا أن تكون فاطمة تجمعها علاقة بأحد أفراد عائلة زيدان، وبالأخص بمراد زيدان، انقلب السحر على الساحر وانقلب الحفل لهمسات لا حصى لها عن نسب تلك الفتاى التي أضافت سلطة وقوة لعائلة الغرباوي، وانطلقت الأعين تراقب الهدايا الباهظة التي يصعد بها الحرس للأعلى متبعين أحد الخدم ليريهم غرفة العروس.
تحرك الجوكر بصلابة وهيبة لا تليق سوى به، ليقف قبالة فطيمة يمنحها ابتسامة هادئة وعينيه تراقبه بالقفطان المغربي، وأخيرًا حرر لها مباركاته:
_ مبروك يا فطيمة ألف مليون مبروك.
ابتسمت بسعادة وروحها قد ردت لها، كانت تشعر بالحرج لعدم وجود أحدًا من أفراد عائلتها، فأتى بهيمانته وهالته القابضة ليضيف لها قوة ودفء شعرت به، فهمست بفرحة:
_ مراد!
اتسعت ابتسامته وهو يربت على يدها الممدودة لمصافحته، وقال بضيق:
_ وعدتك أسلمك لعريسك بنفسي وطيارتي أتاخرت شوية للأسف.
واستطرد بثباتٍ قاتل وزرقة عينيه تتجه لعلي المبتسم بامتنانٍ لوجوده:
_ بس هسلمك للدكتور علي من تاني تنفيذًا لوعدي.
ورفع كف علي بيده الأخرى ثم غمس يدها بين يده، فأدمعت عين فطيمة تأثرًا وقالت:
_ شكرًا أنك وفيت بوعدك ليا وجيت يا مراد، متتخيلش أنا فرحانه إزاي أني شوفتك من تاني واقف على رجلك وبنفس قوتك وكبريائك اللي اتعودت أشوفك بيهم.
يفهم جيدًا ما تقصد بقوله، تلك الفترة التي فقد بها قوته جراء الآبر الحاملة بالمخدرات السامة مازال يتذكرها، وكيف له بنسيانها وخلاصه منها صعب المنال، يعلم بأنهم فعلوا ذلك ليهبطوا قوته الشرسة فتعمدوا أن يكسروه بالتعدي على فطيمة قبالة عينيه وهو تحت تأثيرهم اللعين ولكن بالنهاية عاد الأسد يحكم غابته من جديدٍ ومازال لا يروى عطشه فيستمر بالثأر من هؤلاء اللعناء حتى تلك اللحظة ولجواره الاسطورة المزعوم، أخيه رحيم زيدان (رواية الجوكر والأسطورة!).
ربت على يدها مجددًا وهو يخبرها بصوته الرخيم:
_ فترة وعدت ومش هترجع تاني يا فطيمة، المهم إنتِ، عايز أشوفك دايمًا بخير وابتسامتك متفرقكيش أبدًا، ولو احتاجتي أي شيء إنتِ عارفة إني موجود وهكون موجود في أي وقت تحتاجيني فيه وعمري ما هتخلى عنك أبدًا، لإنك عندي بالظبط زي ريم ونغم أخواتي..
مد علي يده يصافحه قائلًا ببسمة صافية:
_ نورت حفلنا المتواضع يا جوكر، ومبروك الترقية.
صافحه بقوة وقال بلباقة:
_ مع إن كلمة مبروك دي تخصك النهاردة، بس مقبولة منك الله يبارك فيك.
اتجهت نظراته لفاطمة من جديد، فانزعج حينما وجدها تبكي وهي تتطلع له رغم ابتسامتها، فضيق عينيه هاتفًا بانزعاجٍ:
_ مفيش بكى النهاردة، كده هتضطريني أخد هديتي اللي واقفة بره وأرجع بيها تاني!
انتابها الفضول، فقالت باستغراب:
_ هو لسه في هدايا تاني، كفايا الحاجات اللي طلعت فوق دي!
غمز لها بمكر:
_ لا دي هتكون أغلاهم على قلبك، تيجي نتراهن؟
ومال برأسه لحارسه الذي انحنى قليلًا وغادر للخارج ومن ثم عاد إليه بتلك التي تلاحقه حتى وقفت قبالتهم، فبرقت فاطمة بعينيها بصدمة لحقت حروفها البطيئة الغير مستوعبة:
_ زينب!!! أختي!
***
رواية صرخات انثى الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ايه محمد رفعت
قلبها التعيس غمرته فرحة ضمتها لتدوي جميع أحزانها، وكأن اليوم هو الموعود لتضميد تلك الندوب التي تركها السواحل بعلاماته المؤلمة على جسدها، مرة حينما رزقها الله بزوجٍ حنون مثل زوجها، ومرة أخرى حينما رد لها شقيقتها الغائبة عنها منذ أعوامٍ وبالكد كان يصل لها خبر أنها على ما يرام، فقد بث لها مراد أنها بخيرٍ، وتتابع تعليمها على أكمل وجه وبتقديرات ممتازة، والآن يجمعها بها بعد فراق ولوعة.
لا تعلم كم قضت من الوقت تضمها بين أضلعها ودمعاتها تهوى على خديها دون توقف، لتهمس الأخرى بصوتٍ متألم:
_فاطيمة حبيبة ديالي، انا ما ممصدقاش راسي فاش قالي مراد بانني غنحضر عرسك.
فقدت القدرة على الحديث، فبقت تربت بيدها بحنانٍ على ظهر شقيقتها، فاسترسلت زينب بسعادة تغمر عينيها:
_خباراتك كلها تتوصلني اول باول، و فرحتلك بزاف بزاف احبيبة ديالي،الله يفرحك و يسعدك.
أبعدتها عنها وسألتها بلهفة وعينيها تراقب المكان المحاوط بهما:
_فين بابا يا زينب؟
لمع الحزن بحدقتيها، بعدما دعستها بذكرى طفيفة دون علمًا بما تخوضه هي، فقالت وهي تحاول السيطرة على حزنها:
_بابا مات افطيمة، مقدرش يستحمل الموت د ماما،كان كيتعدب ف اخر ايام حياته و ماكنش كيفارق بيته و لا سريره حتى دا مول الامانة امانته.
برقت بعينيها بصدمة، وانتقلت الدموع لتغزو عينيها، فتابعت زينب بانكسار:
_انا المدة اللي دازت كنت بوحدي من بعد الموت د بابا، فكرت ف مراد يعاوني و يكون بجنبي حيت انا عارفة انه اهل ثقة و واثقة بانه ماغيخلينيش بوحدي.
واستطردت وهي تلتقط نفسًا مطولًا يكون عونًا لها:
_كانت فترة صعيبة بزاف ف حياتي، كون ما مراد من بعد الله سبحانه و تعالى كون اتكرفست و اتبهدلت،حتى انه نقل اوراقي للجامعة هنا باش نكون معاك و مانبعدش عليك احبيبة ديالي.
ضمتها إليها بقوةٍ، وكأنها تود أن تنفرد بها بعيدًا عن ذلك الزحام، لتبقى برفقتها تستمع بالتفاصيل عما حدث إليها طوال تلك المدة، فتمهلت أن ينتهي هذا الحفل ويدها لا تفارق جسد شقيقتها الصغرى.
***
وقف قبالتها وعينيه مازالت تراقب الطريق، وبالرغم من أن شوقه لها يكاد أن يدفعه لاحتضانها الا أنه فضل عدم التطلع لها، بخشى أن يزيد بذنوبه بتأملها، ويود أن يتمعن بها فور انتهائه من قطع تلك المسافة بينهما ويكون بينهما رابطًا شريفًا، فقال:
_خير يا شمس؟
اندهشت من طريقته الغريبة بالتعامل معها، وقالت بدهشة:
_في أيه إنت ليه مش بتبصلي؟
مرر لسانه على شفتيه السفلية بتريثٍ، وقال:
_زي ما أنتي شايفة براقب الطريق، لإن وجودنا هنا مع بعض غلط،ومش عايز حد يشوفنا ويتفتح في حوار مالوش أي لازمة.
واستطرد بجدية تامة:
_قوليلي في أيه يخليكي تعرضي نفسك لموقف سخيف زي ده؟
عبثت بعينيها متسائلة:
_موقفي سخيف من نحية أيه يا كابتن؟
بقى كما هو لا يستدير لمقابلتها، مما دفعها لتخطيه فكانت الآن تقف نصب عينيه وجهًا لوجه، وبعصبية بالغة قالت:
_إنت ليه بتعاملني كده يا آدهم؟ بقالك كام يوم بعيد والنهاردة بتكلمني كده، هو أنا بفرض نفسي عليك؟
تعلقت عينيه بعينيها وليته لم يفعل، قفز قلبه بداخله منصاعًا لتلك الضربات الصاخبة، فقال بهدوء نبرته:
_حبك اللي فارض نفسه عليا ومخليني أسير لعيونك يا شمس.
وتابع ببسمة صغيرة ينجح برسمها بالكد:
_أنا بحافظ عليكي يا هبلة، تخيلي حفلة زي دي فيها أكابر عائلات الطبقة الآرستقراطية، لو حد فيهم شافك واقفة معايا بمكان بعيد زي ده هيكون شكلك أيه..
وتابع ومازال يتابعها بحبٍ دافئ:
_وأنا وعدت دكتور علي إني أحافظ على حدودي لحد ما أنجز مهمتي وأجي أطالبك منه بشكل رسمي.
رفرفت بعينيها بعدم استيعاب، وتساءلت:
_إنت شوفت علي أخويا فين؟
تهدلت شفتيه ببسمةٍ هادئة:
_مش مهم، المهم ترجعي الحفلة وتخليكي زي ما إنتي بعيدة عن راكان قدر المستطاع، زي ما شوفتك كده بنفسي بتزحفلي كل ما يقف قدامك وبصراحة عجبني الوضع ومكيفني أوي.
ضحكت برقةٍ، وأخبرته بدلالٍ:
_بعمل كده عشان مبقدرش أشوف نظرات الغيرة اللي بشوفها جوه عيونك لما راكان بيقربلي.
اتسعت ابتسامته وتناغمت مع صوته الجذاب:
_مش بس هتعملي كده مع راكان، مع كل الرجالة يا شمس، أنا غيرتي قاتلة خدي بالك عشان متقوليش إني محذرتكيش!
وتابع بنظرة عميقة لها:
_لما كل ده يخلص هيكون عندنا الوقت أنك تستكشفي طباعي وشخصيتي الحقيقية، وأولها إسمي الحقيقي اللي هموت وأسمعه منك بدل آدهم اللي فلقتيني بيه قدام الناس وحتى وإحنا لوحدينا!
حذرته بأصبعها الممدود قبالة حدقتيه حتى كاد بأن يصفي عينيه:
_كله الا كده أنا حاباك بإسم آدهم ومش هناديلك غير بيه فمتعشمش نفسك يا باشا.
توالت ضحكاته المسموعة بشكلٍ جعلها تراقبه بابتسامة، وضع يديه بجيوب جاكيته وردد بيأسٍ:
_خدي راحتك لحد ما دوري في الفيلم ده يخلص وقتها هتطبعي على طباع عمر الرشيدي غصب عنك يا شمسي.
وتركها وخطى بطريقه للعودة، فأسرعت خلفه تناديه:
_أنا لسه مقولتلكش على اللي جبتك هنا علشانه يا آدهم.
توقف عن المشي واستدار لها باستغراب، فملامحها كانت تتسم بالجدية الطاغية، سألها برزانته المعتادة:
_قولي يا شمس، قلقتيني!
ضمت شفتيها معًا، وكأنها تحاول إيجاد المناسب لقوله وخاصة بمعرفتها بأنها ستفتح الطريق لاختبار عصبيته لأول مرة، فقالت:
_أنا أقدر أساعدك بالملف اللي مش قادر توصله لحد النهاردة ده، يعني أقدر أدخل لقصر راكان بمنتهى السهولة وآ...
كممت باقي كلماتها داخل جوفها فور رؤيتها لاحتقان معالم وجهه الأبيض، ليصبح كسواد الليل المحاط بها، تقنص منها خطوتان خطرة مثل نظراته الحالكة، وصاح بخشونة جافة:
_أوعي تندميني إني كشفتلك هويتي واللي موجود عشانه، أقسم بالله لو حصل يا شمس هتخسريني.
شفق على حالة الذعر المجتازة داخل نظراتها تجاهه، فهدأ من انفعالاته وأخذ يزفر تدريجيًا حتى هدأ بالفعل،فقال:
_ إنتي متعرفيش راكان ده واصل بالحقارة لأي درجة، لو عملتيها مش هتلحقي تخرجي من قصره على رجليكِ، أنا عارف ألعبه إزاي وأخليه يلف حولين نفسه، وعارف أمته هأخد الملف، ده شغلي ودي حربي أنا.
هزت رأسها بخفة ومازال الخوف يعتليها، فقال بحنان:
_شمس أنا خسرت مرة والدتي ومعنديش استعداد أخسر حد غالي على قلبي مرة تانية، عشان خاطري خليكِ بعيدة عن كل ده، أنا كافيل بيه وباللي وراه، أوعدك كل ده هينتهي وهنكون بعدها مع بعض على طول، المهم هنا هتستنيني؟
نجح بزرع الابتسامة على وجهها وهزت رأسها تؤكد له:
_هستناك العمر كله يا آدهم.
هز رأسه في يأس، وقال:
_عيدي الجملة اللي رشقت في قلبي دي تاني بس بإسمي الحقيقي لو لمرة واحدة.
اعترصت باشارتها النفية، فتوسل لها ببسمة تسلية:
_عشان خاطري طيب.. أنا ماليش خاطر عندك!
احتلت الحمرة وجهها، ففركت أصابعها وتراجعت وبسرعة كبيرة رددت وهي تحمل طرف فستانها الطويل وتهرول من أمامه:
_هستناك يا عمر!
تابعها وهي تركض بخفة والابتسامة تزيد من ابتسامته الجذابة، وحينما اختفت من أمامه همس لذاته بحبٍ:
_مش هطول عليكِ بالغياب يا روح قلب عمر!
***
من قال أن المخابرات تتبع أسلوب أفلام ممزوجة بالأبيض والأسود الآن، ربما كان يتخفون جيدًا لإيصال ما يردون من معلوماتٍ سرية، والآن على حسب تحديثات الجوكر والأسطورة والوحش وغيرهم من الضباط المتروك وسامهم فوق رؤوس الجميع باتت هناك قوانين جديدة، يتقابل بها القائد وتلميذه في خضم النهار وأمام أعين الجميع، كلاهما يعلمان بهوايتهم والجميع لا يدرون ما بهما، هكذا تم فور لحظة اصطدام آدهم بالجوكر حين عودته للحفل، فرفع يده يعتذر بلباقة:
_أعتذر منك سيدي.
منحه مراد نظرة عميقة، بينما يشعر بيده التي تمتد لجيب بنطاله لتدث له شيئًا كان جزءًا من قدومه إلى هنا، بينما الأخير يحيه بايماءة صغيرة من رأسه تقديرًا لقائده، والأخر يعلم تفسير الإشارة حتى وإن بدا منتصبًا بوقفته قبالته، فحرر صوته القاتم باستياءٍ:
_تطلع أمامك وأنت تسير يا فتى، إن كانت عيناك لا ترى العوائق أمامك جيدًا فلتنسحب من الحفل حتى لا تؤذي نفسك ومن حولك هنا.
علم مغزى إشارته جيدًا، فهز رأسه ببسمة هادئة:
_أعتذر لك مرة أخرى.
وتركه واتجه ليكون قريب من راكان، وعقله شارد باشارة مراد الصارمة له بالا يعرض نفسه وفريقه للخطر لاجل الحصول على الملف، أمرًا صريحًا له بالانسحاب على الفور بينما تسعى القوات للقبض على راكان والتحفظ عليه لاستدراجه بالتحقيقات للاعتراف بمن ورائه، ولكنه مازال مصممًا على عدم الانسحاب دون هذا الملف، الرغبة بالانتقام كانت شخصية لخسارته والدته بسبب تلك الأدوية المغشوشة وللعجب يعلم مراد بهذا ولكنه يخشى خسارة أحد تلاميذه المحترفين، فصوب له أمرًا مباشرًا بالانسحاب وهو يعلم بأن "عمر الرشيدي" ليس من ذاك النوع الذي يتقهقر تاركًا ساحة القتال!
***
اتجه جمال للطاولة التي تحوي صبا بعد أن غادرت ليلى لطاولة يوسف القريبة منها، جذب مقعدًا وجلس قبالتها فوجدها تتطلع تجاه يوسف وزوجته بابتسامة رقيقة، وما أن انتبهت له حتى قالت:
_دكتورة ليلى دي سكر أوي، وواضح كده إنها هي وجوزها بيحبوا بعض جدًا.
أكد لها بابتسامة هادئة:
_دي حقيقة، يوسف وليلى بينهم قصة حب كبيرة من أيام الجامعة.
اعتدلت له بجلستها بحماسٍ لحق أسئلتها الكثيرة:
_بجد، يعني قصص الحب اللي بنسمع عنها في الروايات والمسلسلات دي حقيقية يا جمال؟
ضيق عينيه باستغراب لحالتها، وكأنه لا يكن لها حبًا مقدسًا شبيهًا لذاك، فقال:
_ومالك مستغربة ليه، هو احنا مفيش بينا الحب اللي يخليكي تصدقي ده يا صبا؟
تلاشت ابتسامتها تدريجيًا، وكأنه لمس وترًا مقطوعًا داخلها، فجذبت كوب العصير من أمامها تتجرعه قائلة وهي تزيح ذاك الموضوع من أمامهما:
_أنا قلقانة على ماما، مكنتش حابة أسيبها لوحدها خصوصًا إنها لسه واصلة النهاردة، بس هي اللي صممت أجي معاك.
تغاضى عما قالت، وسألها مباشرة:
_قصدتي أيه بكلامك ده يا صبا؟
منحته ابتسامة مصطنعة، وقالت بلطف:
_مقصدتش حاجة يا جمال، أنا بكلمك عادي يعني.
اتسعت ابتسامة سخريته ولحقت بنبرته:
_صبا من أسابيع علاقتنا كانت على وشك إنها تنتهي بسبب سكوتك، النقاش هو اللي بيحل أي عقبات بين أي زوجين، أنا مصدقت إنك ابتديتي تتكلمي قدامي بدون خوف أو خزي، أيه اللي حصل تاني؟
رفعت عينيها إليه وجاهدت لسؤاله باستحياء:
_أصلك بتقول إنك بتحبني، وإنت نادرًا لما بتقولي الكلمة دي، أعتقد قولتلهالي مرتين أو تلاته من يوم ما اتجوزنا!
ضحك باستمتاعٍ وهو يراها تكاد تنقلب لحبات الكرز الأحمر من فرط خجلها، فتنحنح قائلًا:
_أنا من النوع اللي نادرًا لما أعبر عن مشاعري، وده مش أنا بس يا صبا أغلب الرجالة كده، مشاعرهم مدفونة جواهم، معرفش يمكن إحراج أو توتر، لكن بديهي أي زوج لو مبيحبش زوجته محدش هيجبره يعني إنه يعيش معاها العمر ده!
واجهته بقوة وجراءة غريبة:
_وده اللي بيخلي قلوب الستات دايما مكسورة، كلمة واحدة وبسيطة قادرة إنها تسعد الست، لو فاكر أن قلة الكلام الحلو بين الزوج وزوجته بيقربهم العشرة فده غلط، الست بتكون محتاجة لكلمة حلوة تسمعها من جوزها مش من حد تاني يا جمال، هو أيه اللي ممكن يقل من الراجل أو ينتقص من رجولته لو قال لمراته بحبك! شكلك حلو، تسلم إيدك لو الأكل عجبه، لو دخل لقى بيته مترتب كالعادة ومدحها بكلام جميل ده هيقل منه!!
بدى حائرًا أمامها، وردد بفتور:
_إنتِ عايزة توصلي لأيه يا صبا؟
أجابته وعينيها تتعمق بالتطلع إليه:
_مش عايزة أشحت الكلام الحلو منك، لو بينا قصة حب زي ما بتقول ليه مش بتعبرلي؟!
منع ذاته من الضحك حتى لا تظن أنه يسخر منها، فعاتبها وهو يقرب جسده من الطاولة ليصبح قريبًا منها:
_هو مش أنا ساعة المشكلة اللي حصلت بينا قولتلك بحبك وسمعتك كلام من على وش القفص، ولا إنتي زي القطط بتأكلي وتنكري إنتي وابنك!
لوت شفتيها بتهكمٍ:
_مهي دي يعتبر المرة الوحيدة اللي اتلحلحت واتكلمت فيها من وقتها رجعت لسكوتك وطبيعتك.
حك جبهته باحراجٍ:
_مهو أنا بتكسف يا صبا.
جحظت عينيها بدهشة من ذاك التصريح الصادم وكأنها هي الجريئة هنا!، نظف حلقه متنحنحًا:
_وبعدين عايز أقولك الكلام الكتير ده بالفاضي المهم الفعل، ونهايته إننا مع بعض واني بحبك.
واستطرد بغمزة مشاكسة:
_ولو الكلام الحلو هيبدد هرمونات الحمل اللي ناوية تخرب علينا دي عيوني هكترلك من المكسرات واللوز رشوة تأكدلك إني بحبك.
وبمزحٍ لحق صوته الرجولي الضاحك:
_فكك من الكلام اللي مبيأكلش عيش واطلعيلك بمصالحة، متخليش أجواء الطبقة المتريشة دي تأكل بعقلك إحنا اتربينا في البيوت البسيطة اللي أهلها أغلب الموجودين بالمجتمع.
منحته نظرة مغتاظة وعادت ترتشف عصيرها من جديدٍ.
***
رحلة عناء الأعوام المرةقة انتهت بتوقيعهما على ورقة الزواج، معشوقة طفولته ومراهقته وكل مراحله العمرية باتت زوجة له أخيرًا، تلك التي اعتكف لأجلها عن نساء الأرض بأكملهن أصبحت تخصه، يود أن يعوضها عن تلك الفترة القاحلة التي تعرض لها حبهما، يود أن يختطفها الآن ليحظى بالبقاء برفقتها لأطول فترة تمكنه من تعويض كل تلك الآلام التي قضاها بالبعد عنها.
مال أحمد برأسه عليها وخدمه قربها منه على الأريكة ليهمس بعشقٍ:
_وأخيرًا انتهت قصتنا بنهاية سعيدة يا فريدة، ألف مبروك يا حبيبتي.
إستدارت إليه تقابله بابتسامةٍ رقيقة، هادئة، وبصوتها الناعم قالت:
_الله يبارك فيك يا أحمد، أنا كمان مش مصدقة إننا أخيرًا بقينا مع بعض.
أكد لها بوعده الصارم:
_لأخر العمر هنكون مع بعض، مفيش أي شيء تاني هيفرقنا يا أغلى من حياتي.
وانحنى بخفة يستغل انشغال الجميع من حوله، ليجذب يدها وإتجه بها للمصعد ومن ثم لجناحها القريب منهما، فما أن ولجوا معًا للجناح حتى طبع قبلة عميقة على باطن يدها وهمسه المغري يصل لها فيسري رعشتها بطريقة فجأتها:
_بحبك... وعمر قلبي ما اعتكف يوم عن حبك ولو لثانية واحدة، ثقتي في ربنا وفي الحب اللي بينا كانت بتقويني وبتديني الأمل أن في يوم هيكون في دوا لجروحي ولقاء يجمعنا.
واستكمل بحنين صوته الرخيم:
_الأيام كانت بتعدي عليا من غيرك قاسية زي الخريف اللي بينزع ورق الشجر ومبيتبقاش غير الغصن هو اللي صامد، ومتحمل فقدان كل ذكرى بتنزل مع الورقة اللي شايلها، كنت فاكر إني هنساكِ وهكمل بس الأيام يا حبيبتي كانت بتعدي عليا ولا جرحي بيتداوى ولا أنا قادر أنسى! أنا مبعدتش عن الستات ولا ارتبط بسبب وعدي ليكي لأ مش دي الحقيقة، الحقيقة إن قلبي مقدرش يحس بحد غيرك يا فريدة، والنهاردة المعاناة دي انتهت ومش هترجع تاني.
انهمرت دمعاتها دون توقف وهي تستمع إلى صوته المهزوز من تحمله لكمية تلك الآلام العاصفة لجوارحه، فلعقت شفتيها الجافة ورددت بخفوتٍ:
_مين كان السبب في المعاناة دي يا أحمد، مش إنت؟
أغلق عينيه بقوةٍ رافضًا العودة للحديث بالماضي، فقال ورماديته لا تتحرك عينيها الفاتنة:
_بلاش نتكلم في اللي فات على الأقل النهاردة.
وكسر جفاء تلك السنوات القاحلة بمطرة من مشاعره تعوضه عن امتناعه عنها حتى حينما كان مراهقًا، كم تمنى أن يحظى بها منذ ذاك الحين ولكنه كان يحفظها من نفسه ولم يعلم بأنه سيفقدها بزواجها هذا ومن بعده فترة البعد الإجباري، وها هو الآن يقتبس أول قطفة من عشقهما، فتمادى برفقتها وللعجب أنه شعر بأن استجابتها الفطرية انقلبت لاعتراض جعلها متيبسة بين ذراعيه، فهمست له وهي تعافر اقحام أنفاسها المتسارعة:
_أحمد آآ.. أنا مش هقدر!!
هالة حبه الغريبة جعلته كالأصم لا يستمع لحديثها، وكأنها تتحدث بشفرةٍ غريبة، فقال بتريثٍ:
_مش فاهمك!
أبعدت يديه المحاطة لجسدها، وصاحت بارتباكٍ:
_مش هقدر أعمل كده.
تجعد جبينه وتلامس حاجبيه من فرط انقباضهما:
_تقصدي أيه؟
تخلت عن مواجهته وولاته ظهرها، وهي تستطرد بصوتٍ محتقن بالبكاء:
_مش هقدر أخونه وأحس الإحساس البشع ده من تاني، من فضلك إخرج!
رمش بعدم استيعاب، وكأنه لا يرى الا مجموعة من الألغاز يحاول جاهدًا فكها ليصل له مضمون ما تود قوله له من خلال كلماتها المستترة، فردد بوجومٍ شديد:
_تخوني مين؟؟؟ سالم خلاص مات من سنين يا فريدة ومبقاش في غيري جوزك وحبيبك وهكون أب لأولادك زي ما إنتِ عايزة!
انتفض جسدها من شدة البكاء، فراقبها بدهشةٍ لم تكن سوى تزيد من ألمه أضعافًا، فابتلع ريقه المرير وهو يجاهد جملته التي تذبح فؤاده قبل أن تخرج لها:
_إنتي آآ....آنتي حبيتيه يا فريدة؟
لم تحتمل إلقائه لتلك التهمة القاتلة لها، فالتفتت إليه بعينينٍ شاخصتين، تهز رأسها نافية بتعصبٍ، وصرخت بوجهه:
_محبتش في حياتي راجل غيرك إنت.
تماسك بأعصابه التي تندفع بانفعالٍ داخل جسده المتشنج، وصاح مستنكرًا:
_أمال أسمي ده أيه؟ رافضاني ومش قابلاني أقربلك ليه!!
أخفضت عينيها أرضًا غير قابلة لمواجهة رماديته، وهمست بانكسارٍ:
_في حاجات إنت متعرفهاش يا أحمد.
ربع يديه أمام صدره وبقوةٍ وصلابة قال:
_جاهز أسمع، اتكلمي.
ولاته ظهرها من جديد، قائلة:
_مش جاهزة أتكلم دلوقتي، من فضلك إديني فرصة.
تنهد بوجعٍ خنق أضلعه ومزق قلبه المتهاري دون شفقة، فالتفت ليغادر غرفتها ولكنه توقف وأسرع يجذب ذراعها لتقف قبالته، اقترب إليها واسند جبينه لجبينها يلتقط أنفاسه المتصاعدة تاركها تلفح وجهها، لتتنفس من ذفيره الخارج عنه بعنفٍ:
_أحمد حبيبك تعب أوي عشان يوصل للحظة دي، فبلاش تقسي عليه أكتر من كده يا فريدة، عاقبيني على التخلي والبعد بأي شيء تاني غير بعدك عني، أنا موجوع ومش حمل وجع جديد أقسملك إني جاهز لأي عقاب وهتقبله منك بس الا ده يا حبيبتي مش هقدر ليه!
انهارت بالبكاء، وبتوسلٍ شديد وضعف يجده عليها لأول مرة:
_أنا محتاجة بس شوية وقت، مش عايزاك تبعد عني والله بس أنا حاسة دلوقتي احساس مش هقدر أوصلهولك، سبني يا أحمد بالله عليك سبني.
تراجع خطوتان للخلف وعينيه لا تفارقها بعتابٍ ولوم، واستدار كليًا ليغادرها وأخر ما تلتقفه حدقتيه صور أخيه القريبة من مجال خروجه، وكأنه يعلن له انتصاره في جولته الثانية!
أحاطه غضبًا حارقًا، فعاد لغرفته مهمومًا حزينًا، وأخر ما يشغل باله ما الذي تخفيه عنه فريدة؟
***
أحاط عمران كتف يوسف وقرب منه طبق الطعام الفخم الذي وضعه الخادم مشددًا عليه:
_مش هتنتقل غير لما تخلص طبقك يا دكتور، إحنا أهل كرم..
إلتفت إليه باسمًا، ثم قال:
_مش محتاجين عزومة في بيت أخويا.
جذب عمران المقعد المجاور إليه ليجيبه باحترام تلثم به لوجود ليلى:
_بيت أخوك منور بيك إنت وجمال يا دكتور، بس فين سيف مجاش ليه؟
ردت عليه ليلى:
_سيف واخد دور برد ورافض يأخد المحلول، الادوية مش جايبة نتيجة مع حالته دي، بس أنا قررت بعد الحفلة هنروحله أنا ويوسف وهنعلقله غصب عنه.
قهقه يوسف ضاحكًا، وحذرها:
_سيف بيكره الحقن والمحاليل يا ليلى وكده ممكن يأخد منك موقف أنا نبهتك أهو.
ضحك عمران وردد باستهزاءٍ:
_ولما الدكاترة تخاف من الحقن الإنسان العادي يعمل أيه؟!
أجابه جمال الذي ترك طاولة زوجته ولحق بهم:
_ياخد دوا شرب.
لف عمران ذراعه الأخر تلقائيًا ليضم من اقترب إليهما، فسأله باهتمام:
_أكلت ولا جاي عامل دايت هنا إنت كمان؟
نفى ببسمة واسعة:
_نسفت طبقي يا باشا من غير أي عزومة، وكنت في طريقي للمرواح بس جيت أكد عليكم إن الحاجة مستنياكم بكره محدش يتأخر..
أجابه يوسف بحماس:
_من الفجر هنكون عندك أنا وليلى.
عاد بنظراته لعمران ليعلم بها اجابته، فقال ساخرًا:
_أنا بايت عندك من دلوقتي، دي الحاجة عليها شوية محشي هما السبب في نزولي مصر طول السنين اللي فاتت.
واستطرد بمرحٍ:
_صحيح أنا محروج منها لإنها كانت بتبعتلي مع جمال حلة محشي كل ما بينزل فالمرادي جايبها وجاية أكيد مفكرة إني طفس بس ولا يهمني.
تعالت ضحكاتهم جميعًا، فصاح يوسف بمكرٍ:
_وأيه الجديد ما انت طول عمرك طفس يالا!
وزع جمال نظراته بين صبا وليلى، وصاح بحزمٍ:
_متعصبش عمران يا يوسف، البنات واقفة!
أشار له بعنجهية:
_شوفت الناس اللي بتفهم!!
انضم لهم علي ببسمته البشوشة:
_ها يا شباب ناقصكم حاجة؟
أجابه يوسف بلباقة:
_ناقصنا وجودك معانا يا دكتور.
أضافت ليلى:
_ألف مبروك يا دكتور علي.
منحها ابتسامة هادئة:
_الله يبارك فيكِ يا دكتورة، وعقبال كده ما نفرح بدكتور سيف قريب.
تخلى عمران عن رزانته التي ينجح بتلبسها أينما شاء:
_أكيد سيف هيقع في دكتورة بردو، ما العيلة دي تحسها قالبة على ادارة مستشفى عام حتى والد يوسف دكتور ووالدته دكتورة جامعية!
مازحه جمال هو الآخر:
_هاتله واحدة من كلية محاسبة تدير المواعيد وكشوفات المرضى!
انفجر الجميع ضاحكًا، فقال عمران لاخيه وعينيه لا تفارق زوجته المنزوية بين فاطمة وشقيقتها:
_مش هنقفل الليلة ولا أيه يا علي، ما خلاص على، كده!
رفع ساعة يده يتفحص الوقت، وقال:
_عندك حق الوقت إتاخر.
صاح يوسف بحماس:
_عمران قفلنا إنت الليلة دي، بأغنية رومانسية ندندن عليها أنا والدكتورة ليلى.
كاد بالاعتراض فلحق به جمال مؤكدًا:
_صوتك جميل ودافي يا عمران، عندي فضول أشوفك بتغني أغنية هادية.. ولا أيه يا دكتور علي؟
خشى عمران أن يعود علي لتعصبه من جديد، سابقًا منعه من الغناء حينما كان يهتم بمسرح الجامعة لابراز موهبته، والآن استغل موهبته ليعبر عن مشاعره لزوجته، ولكنه وجده يمنحه ابتسامة هادئة وأشار له للمنصة، انخفقت الاضوء وبات الجميع على استعداد لمشاركة الأزواج بالرقص الهادئ.
صعد يوسف مع زوجته على المنصة وحاوط خصرها بينما تعتلي هي كتفيه، وبدأت الموسيقى الهادئة تجتاز المكان من حولهم.
تفاجآت صبا بجمال يدعوها للرقص، ولأول مرة تشعر بأنه رغم أنه شخصًا عاديًا لا يحب المبالغة بالامور الا أنه يحاول بشتى الطرق لاسعادها، فصعدت برفقته وتمايلت ببطء بين يده.
أما علي فاكتفى بالوقوف جوار فاطمة وعينيه لا تفارقها كأنها هي من تراقصها الآن.
قدم عمران يده لمايسان، فمنحته اياها على استحياء، سحبها للمنصة وتمايل برفقته بعدما ثبت سماعة الرأس حول أذنيه وشفتيه استعدادًا لاغنيته التالية، فطال صمته مما دفع يوسف لإن ينجرف برقصه برفقة زوجته حتى بات يقف جواره متسائلًا بدهشة:
_هنقضيها على الموسيقى كده، ما تغني يا ابني!
منحه نظرة مغتاظة وقال بسخط:
_قولتلكم ادوني وقتي بختار في دماغي المناسب ليا وللحالة الشاعرية اللي بعيشها مع مراتي، مش زرار هو هدوس عليه وأنطلق، ارجع مكانك بقى خليني أركز.
ضحكت ليلى وغمزت لمايسان الذي تلون وجهها بحمرة الخجل، وكأنه يصر على أن يجعل الجميع يعلمون بقصة حبهما الخفية، فرفعت عينيها له لتحدثه بغيظٍ مما يحاول فعله، فوجدته هائم بحدقتيها كالذي يبحث عن غايته بينهما، وفجأة انطلقت شفتيه تردد بعشقٍ:
«أيوه بسببك قادر أكملوقت ما بتعب ليكي بروحلما ببان الدنيا تقفلحضنك آخر باب مفتوحياللي عيونك وقت ما بغرقبالنسبالي دي مركب نوح!»
ورفع يدها المنخفضة باستسلامٍ عنه ليضعها على صدره متعمدًا أن يحاوط بها موضع قلبه بالتحديد، ورماديته تتحداها بجراءة الا تحيل عينيها عن خاصته لتتمكن من فهم مغزى كلمات الأغنية، وكأنه يناشدها بكل حرف:
«إنتي الحته الحلوة في قلبيببقى ف قربك مش قلقانإنتي حبيبتي وأمي وبنتيوماليش بعدك تاني مكانحببتيني ف أيام عمريرجعتيني لنفسي زمان.»
طفولتهما المتشاركة تندمج بتلك المقطوعة، مازال يتذكر صداقتهم القوية، وكيف غاب عنها خلال ثلاث سنوات التي احتلتهما ألكس، فاستكمل بعشقٍ:
«إحساسي بيكيلو قلت ليكي مابيتحكيشجيتي وبقيتيأهلي وبيتيلو يوم مشيتيإزاي هعيش!!!»
أتى لخلده ما فعله بها بعد زواجهما وتحملها العتي لاهاناته رغم إنه أكثر شخصًا يعلم كم أنها عزيزة غالية تأبى الخضوع لأي شخص، ولكنها كانت تنساق خلف قلبها العاشق له، انتابه ذكريات كانت هي لجواره على الدوام كلما احتاج لها، وبالأخص اليوم الذي تخلت عن خطة هروبها وهرولت إليه حينما أخبرها بأنه يعجز عن القيادة، مساندتها له وقت تناوله للسم حتى تلك اللحظة الذي بدا لها عاجزًا، لم تتخلى عنه، أدمعت عينيه وإحتقن صوته وهو يغني بباقي الكلمات التي لامستها فنقلت الدمع لعينيها هي الأخرى:
«عمرك لحظه ما نزلتينيلأ بالعكس أنا بيكي عليتولا بعتيني ولا خذلتينيوبتديني أكتر ما إديتقبل ما بندهلك بتجينيضهري وسندي لو إتهزيت!! نصي التاني إللي بيفهمنيقبلك عمري ماهوش محسوبحبك هو إللي مكملنيمن نقصي ومن أي عيوبوسط حياه مليانه حروب!»
رفع إبهامه يزيح دمعتها المنسدلة على خدها، وبيده الأخرى ضمها لصدره ومال برأسه فوق رأسها مسترسلًا بحزنٍ:
«وأنا بين إيديكيإحساسي بيكيلو قلت ليكي آه مابينتهيشجيتي وبقيتي أهلي وبيتيلو يوم مشيتي إزاي هعيــــــــــش!!.»
تعالت الصفقات الحارة بين الجميع، وكان حسن ختام الحفل، فاستغل علي هدوء الأجواء وأصر على مراد البقاء بضيافتهم للصباح وحينها يتمكن من المغادرة للمطار مثلما أراد، فصعد برفقته للطابق الأول الخاص باستقبال الضيوف، وحينما تأكد بأنه لا ينقصه أي شيء غادر لغرفته.
نزع الجوكر جاكيته وأخرج من جيب بنطاله الفلاشة يتطلع لها بنظرة غامضة، انتشله صوت هاتفه الذي دق برقمها، فزوى حاحبيه باستغرابٍ لاستيقاظها لهذا الوقت، فأتته ضربة أخرى أكثر حدة حينما أخبرته بأنها خارج القصر، فصاح بانفعالٍ:
_حنين، إنتِ ازاي تخرجي في وقت متأخر زي ده!!
نطقها الجوكر بغضب حينما حرر زر مكالمة الفيديو، فرفعت كوب الحمص إليه وهي تبرر له ببراءةٍ خبيثة:
_نفسي راحتله وإنت عارف لما بحب أكل حاجة مش بيهمني وقت ولا قوانين!
احتقنت زرقة عينيه وبات أكثر خطرًا، فأزاح سماعته عن أذنه وصاح بها:
_اقفلي خليني أكلم حد من الحرس يجيلك، حسابك معايا تقل أوي يا حنين.
أشارت له سريعًا وهي تبتلع ما بجوفها:
_يا حبيبي إنت قلقان عشان فاكرني لوحدي؟
ضيق عينيه بعدم فهم لما تحاول صغيرته ذات اللسان السليط كما يسجل إسمها بهاتفه فعله، فرفعت هاتفها عن الحجر تراقب بعينيها نقطة معينة قبالتها، ثم همست له بصوتٍ منخفض:
_ده أنا معايا الحكومة كلها هنا، حتى شوف عشان تعرف إن مراتك مش أي حد وتقدر تعمل أي حاجة في أي وقت!
عبث بحدقتيه في محاولةٍ لفهم تلك الحمقاء، فوجدها تستدير بجانب الكاميرا، فاندهش بشدةٍ حينما وجد رحيم يجلس على بعد مسافة منها يتحدث بهاتفه ويبدو على وجهه الامتعاض الشديد وكأنه على وشك ارتكاب جريمة مرعبة وبالطبع ستكون بمقتل قصيرته المختلة، وعادت بالكاميرا إليها تخفض من صوتها بغرور:
_الاسطورة بنفسه جبته معايا، قفشنس على البوابة وأنا خارجة فجبته معايا آآ... أقصد لقيته راجع بعربيته وباين عليه إنه مهموم كده، باينه متأثر ببعدك زيي كده يا حبيبي، فقولتله بينا نأكل حمص فقالي وماله.
منحها نظرة ساحرة وكأنه يحاول ابتلاع حديثها الأحمق، فقال بخشونة:
_وبعدين معاكي يا حنين، خفي شوية رحيم معندوش صبر ولا طولة بال هتجيبي لنفسك الأذى!
أتاه صوت أخيه الساخر:
_الأذى دخل حياتي من وقت ما جمعتنا مهمة واحدة يا حضرة الجوكر المزعوم، وحاليًا بعاني من توابع الأذى ده وحقيقي زي ما قولت أنا معنديش طولة بال لجنانها، فعقل مراتك بدل ما ترجع تلاقيني حابسها في زنزانة!
توالت ضحكات مراد الرجولية وهو يتأمل وجه حنين المرتعب، وكأنها على وشك البكاء من فرط الهلع التي خلفته كلمات رحيم المتعصبة، فهمست بخفوت:
_مراد إرجع إبليس ده قلبه جاحد ويعملها!
دث هاتفه بجيب جاكيته الفحمي، وأشار بزيتونية عينيه لباب السيارة بحزمٍ، مما دفعها لاستكمال طلبها للنجدة:
_ده باينه هيوديني الحبس فعلًا يا مراد، إلحقني الله يكرمك ده أنا حتى أم بناتك!!!
قهقه ضاحكًا ولم يتمكن السيطرة على ضحكاته وكأن الأمر يروق له، فقال بصعوبة بالحديث:
_على وضعك يا اسطورة، إتعامل أنا مديك الأذن!
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، ورددت:
_مراد، بتتخلى عني يا مراد!!!
احتضن رحيم كفه جبينه يفركه بوجعٍ لحق نبرته:
_حنين أنا لو كنت بتعاقب على ذنب أسود في حياتي مكنش ربنا بعتك في طريقي، أنا كنت مستغرب إن في رأفة غريبة بيا لإني شخص لا يمت للضوضاء بصلة، والحمد لله شجن قدرت تندمج معايا في المحيط، أنتي بقى بتكفري ذنوب مين فيا!! يعني أخويا مش متعاقب بيكِ لوحده أنا كمان واخداني في الرجلين معاه!!
تلبست رداء الحزن بانعكاس ملامحها بشكلٍ جعل مراد يكتم ضحكاته، وأسرع بتحذير أخيه:
_وش البراءة بيترسم يا رحيم خد بالك!
سلط الكاميرا عليه ليمنحه بسمة مغتاظة:
_الوش ده بيأكل عليك إنت يا حبيبي، أنا محدش بيقدر يخدعني وإنت عارف.
وتابع بغيظٍ من بين اصطكاك أسنانه:
_إسمع أنا تعبان ومرهق وفيا اللي يخليني أعتزل المخابرات على الجواز على الحياة الآسرية اللعينة دي، فبهدوء كده يا مراد لو مكنتش في القصر الصبح قدامي متلومش الا نفسك.
واسترسل ببسمة خبيثة:
_وأبقى فكرني أبعتلك جثة الطيار اللي كل شوية يهج بيك ده في تابوت من توابيتي، عشان بعد كده متفجئش إنك غطست في أي مكان بدون إذني.
وهمس بسخط:
_مهو إنت متغطستش وأنا ألبس في أم لسان طويل دي هنا!!
منع ضحكاته من الانفلات، وقال ساخرًا:
_شكلي وحشتك ومش قادر على غيابي فعلًا، عمومًا أنا طيارتي الساعة ٦ الصبح متقلقش.
وتابع بجدية:
_رحيم خلي بالك من حنين ومرين ومارال، أنا مبثقش في حد غيرك!
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهه، وبسخرية قال:
_بتوصيني على أختي وبناتي!
واسترسل قائلًا:
_ارتاح ولما توصل مطار القاهرة هكون بانتظارك.
***
بشقة سيف.
انتفض بفراشه حينما وجد ليلى تثبت المحلول جوار الفراش وتحاول استهداف ذراعه لدث الإبرة بوريده، فصاح بهلعٍ:
_يا ليلى أرجوكِ أنا بخاف من الأبر، أنا خلاص بقيت كويس والله.
واستدار برأسه لمن يقف جوار الفراش يراقبهما بسخطٍ، فصرخ مستنجدًا:
_الحقني يا يوسف، إنت واقف تتفرج عليا أنا بموت من الحقن عندي فوبيا أنا!!!
ضحكت ليلى بعدم تصديق، وكأنها ترى طفلًا صغيرًا أمامها، فرددت بسخرية:
_أنت ازاي دكتور يا سيف؟
صعد ليجلس فوق وسادة الرأس يراقب ما بيدها، وأجابها:
_دكتور أطفال، يعني أسهل تخصص يبعدني عن الحقن والجراحة وكل الحاجات المكلكعة دي، كل اللي هعمله كشف بريء وكتابة الادوية المناسبة وطبعًا هحاول مكتبش حقن نهائي للأطفال.
تعالت ضحكاتها وهي تراقب سقوطه الوشيك عن الفراش، فحاولت استخدام نفس الأسلوب المتبع للأطفال:
_طيب يا سيف متخافش أنا ايدي خفيفة موت وفي لحظة هطلع العرق.
تراجع حتى اصطدم بيوسف، يحركه بقوة:
_إنت واقف كدليه!! خد مراتك وامشي يا يوسف أنا بقيت كويس.
رفع يوسف يده تلقائيًا يتلامس جبينه فور أن لمسه سيف، وردد بقلق:
_سيف حرارتك ارتفعت، بلاش لعب عيال وإعقل.
صرخ بعنف:
_أعقل أيه، بقولك عندي فوبيا من الحقن وإنت عارف الكلام ده.
ضمه إليه يمسد على ظهره بسخرية لحقت نبرته:
_محدش بالبشرية بيحب الحقن أساسًا، إكبر كده وإعقل عشان أعملك الأومليت اللي بتحبه يا سيفو.
واستطرد متهكمًا:
_وأنا اللي ماشي أدورلك على عروسة!!!
وضعت ليلى طرف المحلول عن يدها وصاحت بعدم تصديق:
_هو انتوا بتهزروا صح؟ مش معقول كده!
فاض يوسف عن صبره، فانقض عليه يقيد جسده ويمد ذراعه لزوجته قائلًا بلهث؛
_مش هيجي غير كده، يلا يا ليلى سمي الله.
حاول سيف ابعاد أخيه المتمدد على أنفاسه، هاتفًا بفزع:
_سمي الله أيه هي هتدبح! خد مراتك وامشي يا يوسف!!
لف نصفه العلوي لاخيه يغمز له هامسًا:
_عيب يا سيف، الدكتورة هتقول عليك أيه! يرضيك تتفضح أنك عيل وإنت خلاص هتتخرج كمان كام شهر!
وضم رأسه لصدره قائلًا وهو يكبت ضحكته:
_احضني واشغل نفسك بأي حاجة تانية.
وأخيرًا نجحت ليلى بدث الإبرة بين يده، وثبتتها جيدًا ثم اتجهت للمقعد القريب منهما لتجلس بارهاق استنزفها له بعد رفضه القاطع، عبثت بهاتفها لنصف ساعة وخطفت بعدها نظرة للمحلول فوجدته انتهى، نهضت لتغلقه تمامًا واتجهت لتسحب الإبرة عن ذراعه فابتسمت وهي تراقب سيف الذي استجاب لتأثير أحضان أخيه، فغفل على صدره ومن فوق رأسه يغفو يوسف بارهاقٍ ومازال يرتدي بذلته.
حاولت ايقاظه وحينما لم يستجيب لها، جذبت الغطاء وداثرتهما معًا ثم اتجهت لاحد الغرف لتقضي ليلها بها حتى الصباح!
***
ما فعله اليوم جعلها تخشى أن ينفذ كل تلك الوعود بالحصول عليها، بحثت عنه مايسان بالأسفل وحينما لم تجده ظنت بأنه غادر برفقة جمال ويوسف، فهرعت لغرفتها سريعًا وكأنها تلوذ بالفرار من شبح شرير، فما أن ولجت للداخل حتى أغلقت الباب بالمفتاح، وبدأت أنفاسها تهدأ تدريجيًا وهي تتأمل الباب بنظرة رضا تلاشت وحل محلها الذعر حينما أتاها صوت ذكوري يتساءل:
_قفلتيه كويس؟
هزت رأسها بالبداية تجيب سؤاله، ومن ثم انتفضت وهي تستدير فبرقت بصدمة حينما وجدت عمران يتمدد على فراشها، ونهض يقترب منها مرددًا بخبث:
_كويس أنك عملتي كده عشان نأخد راحتنا أكتر.
وبمكرٍ يدعي البراءة تساءل:
_أيه يا بيبي اتخضيتي من وجودي! إيش حال مكنتش مأكد عليكي تحت بالاغنية وقدام كل الناس إن النهاردة ليلتك!
كلما تقدم منها خطوة، تراجعت هي خطوتين حتى سد الحائط محاولات فرارها الفاشلة، وتبقت ذراعيه تحجب عنها الهواء، لتجده يقرب وجهه منها هامسًا بحب:
_كنتِ زي القمر النهاردة يا مايا، مقدرتش أرفع عيني من عليكي من أول الحفلة لأخرها.
توترت كلماتها التي لم تخرج عن شفتيها، فأحاط خدها بيده وقربها إليه، فهمست باستحياءٍ:
_عمران أنا آآ...
أستكمل هو جملتها الغير مفهومة:
_إنتي إيه يا قلب عمران، إتكلمي وأنا عليا السمع والطاعة.
ورفع يده على حين غرة يزيح حجابها، ومن بعده رباطة الشعر، لينسدل على كتفيها، فانحنى يستنشق رائحته المخللة بزيت الياسمين.
ابتلعت ريقها بارتباكٍ قاتل، ورددت بخفوت:
_إنت بتعمل أيه؟
خطف نظرة مطولة لها، ثم دنى ليصبح قريبًا، همسه يختطف أنفاسها اللاهثة:
_أنا سامع صوت قلبك من مكاني هنا.
ومال لأذنيها يستكمل:
_استسلمي لمشاعرك يا مايا!
وتابع بعشقه المتأجج:
_أنا بحبك وحابب نبدأ حياتنا مع بعض من تاني.
وأخبرها وعينيه لا تفارق خاصتها:
_وواثق أنك بتبادليني نفس الحب وأكتر، خلينا ننهي البعد والمسافات المتعبة دي يا مايا!
أغلقت عينيها بقوة تجاهد مشاعرها التي أضعفتها أمامه، فاستغل لحظتها القصيرة تلك ليستحوذها بحبه، وفجأة وجدت ذاتها تستمد قوة عجيبة لتدفعه بكل شراسة للخلف وهي تصرخ بغضب:
_عمران!
لم يكن جسده بالضعيف لينصاع خلف تلك الدفعة، انسياقه خلف رغبته أخفضت من محاولاته للوعي بما يحدث من حوله، اهتز بوقفته وعينيه تشخص بالفراغ لألم ما تعرض له، فعاد يتطلع لها بنظرة شملها الألم، ثم قال:
_بتعملي ليه كده معايا يا مايا، مش معقول بعد كل اللي بعمله عشان نقرب من بعض تكوني لسه موثقتيش فيا!!
واسترسل بحزن جعله يفوق عمره تعاسة:
_ربنا سبحانه وتعالى بيغفر يا مايا إنتي مش هتغفريلي اللي عدى!، أنا مبطلتش ألجئ ليه من بعدها، مطلبتش غيرك في دعاء قيامي وإنه يغفرلي!
يظن بأنها تمتنع عنه لحزنها لخيانتها السابقة مع إنها تعلم بأنه تاب وابتعد عن المعاصي، عساه يعلم بأنها تخشى منحه الأمان ويعود لضعفه مع أحدهن حينها ستفقد روحها وكل ما امتلكته من قوة زائفة، ستخسر وخسارتها تلك ستكون القاضية!
تمزق قلبه وهو يرى صمتها، فأجلى صوته المنقطع قائلًا:
_أوعدك إن اللي حصل ده عمره ما هيتكرر أبدًا، عمري ما هفرض نفسي عليكي، تصبحي على خير.
وترك غرفتها وإتجه لغرفته بخطواته المتهدجة، حل جاكيت البذلة وألقاها على الفراش، ثم حاول نزع الجرفات عن عنقه، وعبث بأزرر قميصه يفرقه عنه بحزنٍ عقيم.
تسلل لمسمعه الآن صوت باب غرفته يفتح، فاستدار ليجدها تضع حجابها على رأسها باهمال وتتجه لتقف قبالته بنظرات كانت غامضة للغاية، فوجدها ترفع يدها الحاملة لكتاب الله عز وجل، وبقهرٍ اخترق قلبه دون رحمة أتت كلماتها لتوضح له عما تخوضه طوال تلك المدة الماضية، حينما قالت:
_لو عايزني أبدأ معاك حياتنا يبقى تحلفلي بكتاب الله إنك مستحيل هتخوني ولا هترجع للي كنت فيه في يوم من الأيام يا عمران!
رواية صرخات انثى الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ايه محمد رفعت
كان يظنها تتألم لخيانته السابقة لها، وها هي تصفعه بطعنة عذاب ضميره حينما واجهته بما تخفيه.
تصلب جسد عمران أمامها، حبيبته القوية التي سبق وحذرته سابقًا من الحلف بالقرآن الكريم وخاطبته بالا يحلف سوى بالله عز وجل، تلجئ لنفس طريقه من قلة حيلتها!
نظرات عينيها المنكسرة، استجابتها السابقة لقربه، واعتراضها مجددًا ومن ثم تخبره بما تخشاه جعله يكره ذاته التي كانت السبب بجلد زوجته الحبيبة.
بدد عمران تلك الغصة الطاعنة لحلقه المرير، ودنى منها يلتقط المصحف الشريف بين يده ويده الاخرى تتمسك بيدها المرتعشة.
وضعه على الخزانة القريبة منه، ثم عاد يمسكها بكلتا يديه وهي تنتفض أمامه ببكاء يرتفع صوته تدريجيًا من خيبة أمالها.
تحركت يده عن راسخها لتجذب رأسها بقوة لأحضانه، ويديها المرتفعة باستسلام تمنع جسدها من الوصول لصدره، وكأنها تترك ذاتها دون رغبة منها.
تتأوه وتبكي ودموعها تنهمر فوق رقبته.
بإعدت ذراعيها المستندة على صدره وأحاطته مشددة على قميصه بقوةٍ، فانتفضت من تقصير كتمها لشهقاتها المؤلمة، ورددت جوار أذنه القريب منها:
"لو عملتها تاني يا عمران هموت."
أبعد وجهها عنه ورفعه إليه، ليقول بوجعٍ:
"بصي في عنيا يا مايا، وقوليلي شايفة فيه مكان لحد غيرك! أنا آسف إني السبب في الحالة اللي إنتي فيها دي، أنا اللي خليتك تعيشي معايا وإنتي قلقانه من اللي جاي."
وتابع وهو يضم وجهها بيديه بحنانٍ بالغ مستكملًا:
"أنتِ نقية يا مايا وأنا اللي هدنسك بالمعاصي اللي ارتكبتها، أنا عارف إنك بتحاربي نفسك عشان تكوني معايا وده كافي بالنسبالي."
وقربها إليه ولثم جبينها بقبلة عميقة ضمت كل ذرة حب صفها داخل قلبه لها:
"عمران زير النساء ومدمن الخمر اتقتل في اليوم اللي كان ماشي فيه على الطريق وشايف بعينه الموت بيقربله وهو كله معاصي، شريط حياته مر عليه وملقاش حاجة فيه تشفعله قدام ربنا لو روحه فارقته."
واستند بجبينه على جبينها مغلقًا لحدقتيه ليسمح بتلك الدموع بالانهمار على خديه:
"اتولد واحد جديد في نفس اليوم اللي شافك فيه بترمي كل أخطائه وراه وبتحاولي تساعديه عشان يقوم من تاني، وإتولد جواه عزيمة وقوة وهو شايف إخلاصك حتى وهو بيواجه الموت،كنتِ مستعدة تشربي السم عشان شخص ميستحقش وأخد عهد على نفسه إنه يستحقك يا مايا، يستحق طيبتك وحبك وقلبك وكل شيء حلو فيكِ، أنا اتولدتي من تاني ونفسي تقتنعي بده!"
مالت برأسها لصدره تدفن ذاتها داخله، وقد شعرت بارتياحٍ يحيطها. ضمها إليه مجددًا، وقد تسنى له الشعور براحتها وأمانها داخل أحضانه. والغريب بالأمر أنها باتت مستعدة لقربه بشكلٍ أثار رغبته بها، فخاض لحظات بقربها وحينما وجدها تستجيب له خرج صوته متحشرجًا:
"إنتِ على وضوء؟"
أخفضت وجهها عن وجهه بخجلٍ، واكتفت بإشارة خافتة له، فتحرك ليكون خلفها، يحاوط شعرها الطويل بيده وعينيه تبحث على سراحته القريبة منه بحيرةٍ انطلقت بهمسه الخافت:
"مش لو كنتي عايشة معايا هنا كنت لقيت دبوس ولا توكة شعر!"
واسترسل بخبثٍ وهو ينحني لفراشه جاذبها خلفه من شعرها برفقٍ خشية من أن يضيع مجهود جمع خصيلاتها بخصلة كبيرة:
"خلاص مش هيكون لينا مكانين بعد النهاردة، الصبح هننقل كل حاجتك هنا."
انحنت خلف انحناء جسده، فحاولت الاستدارة لترى ماذا يفعل هذا، فوجدته يجذب جرفاته وينتصب بوقفته ليحيط بها شعرها كأنها رابطة شعر، قائلًا بسخرية:
"مع إني دافع فيها نص ثروتي تقريبًا بس مش خسارة فيكِ."
وفور أن لف خصلاتها برابطة عنقه، حتى رفع الحجاب المتدلي حول رقبتها ليطرحه على رأسها بإحكامٍ والابتسامة المحبة لا تفارق شفتيه.
أتجه أمام عينيها لزوايته المفضلة التي خصصها لعبادته، فيترك بها حاملة مصحفه وسجادته وبعض أعواد المسك. فتح خزانته يجذب سجادة لها، ففردها خلف سجادته واستدار يتفحصها، فقال بحنانٍ حينما وجدها مازالت تقف محلها:
"قربي."
إنصاعت إليه وكبتت صوت طرقات قلبها الصاخب واقتربت تقف خلفه ليكون أمامها. ارتجف جسدها بقشعرة لذيذة فور سماع صوته بقراءة القرآن، وكأنه لا يمتلك الصوت البارع بالغناء فقط، تصطدم الآن بجماله الأكثر من السابق بالقرآن، لدرجة جعلتها لا تود أن ينتهي، كل ما تفعله تغلق عينيها وتتابع كل كلمة يرددها بخشوعٍ.
انتهت صلاتهما، واستدار لها عمران ومازال جالسًا على ساقيه المنحية أسفله، فوجدها تبتسم له وتخبره بحماسٍ:
"صوتك جميل أوي في القرآن يا عمران."
تمعن بها بصمتٍ جعلها ترتبك إلى أن قطع صمته بصوته الجذاب:
"صوتي بس؟"
سحبت عينيها عنه بخجل قاتل، فزحف للخلف حتى بات قبالتها، يرفع وجهها تقابل وجهه، لتستمع لهمسه الصريح:
"صوتي وقلبي وكل ما أملكه ملكك يا مايا."
استقام بوقفته يجذبها لتنهض عن الأرض، ثم تراجع بها حتى الفراش، فتمدد معها وهو يتفنن بجعلها لا تفلت عن حصاره، حتى استسلمت له أخيرًا، وباتت زوجة له أمام الله عز وجل وقد كان أول لقائهما يشهد عليه صلاتهما ووعده القاطع لها.
***
وأخيرًا انتهى علي من توديع ضيوفه من الأطباء، وتمكن من الصعود لغرفته بعد ذلك اليوم المتعب. فما أن ولج للداخل حتى تفاجئ بها داخل غرفته تنتظره جالسة على الأريكة، وقد بدا على وجهها أنها خاضت بذلك الوقت مئات من الحروب بين بقائها ومغادرتها.
ابتلع ريقه على مهلٍ، وقال ببسمة هادئة:
"فطيمة بتعملي أيه هنا؟"
نهضت عن الأريكة تفرك أصابعها بقوةٍ كادت بتمزيقهم، وخرجت حروفها مبعثرة:
"أنا آآ... آآ... يعني النهاردة آآ... وميصحش يعني آآ..."
منع الابتسامة من الظهور على ملامحه، فاقترب منها بعدما ترك هاتفه ومفاتيحه على الطاولة، وما أن اقترب منها حتى قال بحنان:
"في حد عاقل يسيب أخته اللي مشفهاش كل المدة دي ويجي لدكتور ممل ومعتوه زيي!"
توترت بوقفتها بارتباكٍ، وخاصة بأنها تحاول فهم ما يريد، فأتاها صوته الحنون يأمرها:
"بصيلي يا فطيمة."
رفعت عينيها الخجولة له، فوجدته يبتسم بحبٍ:
"مساحتك الخاصة اللي ادتهالك مستحيل هكسرها في يوم من الأيام الا لما أحس إنك بقيتي كويسة وقادرة تتقبلي وجودي جنبك، الاتفاق اللي بينا مش هيتغير أبدًا."
واسترسل بايضاحٍ لم يبخس به عليها:
"فطيمة أنا أكتر حد مش هتقدري تخدعيه بأنك بخير، مش لاني دكتورك المعالج، لإني بقيت حفظك أكتر ما أنا حافظ نفسي ك علي."
وتابع بنفس الابتسامة الجذابة:
"انسي أي حاجة ومتفكريش غير في اللي يسعدك إنتي وبس وهتلاقيني بساندك قلبًا وقالبًا في أي شيء هيخليكي مبسوطة وسعيدة.. زي زينب مثلًا أنا رفضت إن مراد يخدها الشقة اللي اشترهالها هنا وصممت إنها تكون جنبك باستمرار يا فطيمة."
تلألأت عينيها بفرحةٍ، وراحت تتساءل:
"بجد... بجد يا علي؟"
منحها ابتسامة هادئة وهز رأسه تجاه باب غرفتها:
"ادخلي شوفي بنفسك."
اتسعت ابتسامتها بفرحةٍ، وحملت طرف قفطانها الطويل لتستعد للهرولة تجاه غرفتها، فما أن وقفت أمام الباب الداخلي الفاصل بين الغرفتين حتى وقفت تحتار بما يعتليها بتلك اللحظة، فالتفت رأسها إليه تتطلع له بتوترٍ جعله متيبس محله باستغرابٍ ودهشة مما يقلقها لهذا الحد. وفجأة اصابه وابل من الصدمة جعله يرمش بعدم استيعاب ورأسه تتحرك لتلك التي تتوسط صدره وتضمه بقوةٍ!
تهللت أساريره وقرعت طبوله ليتراقص قلبه استجابة لذلك اللحن، فأحاطها بقوة وهو يهمس دون تصديق:
"أخيرًا يا فطيمة!"
وتابع وهو يغلق عينيه باستسلام:
"مش عايز حاجة تانية غير ضمتك دي!"
أرادت الابتعاد عنه ولكنها وللعجب بقت خاضعة لذراعيه التي تحيطها، ضمته كانت غريبة لا تشبه ضمة والدتها الراحلة ولا ضمة شقيقتها، تلك الضمة جعلتها تختبر تلاعب أوتار قلبها بشكلٍ أرهق أنفاسها الصاعدة، ما بين حمرة الخجل بقربه وبقائها منصاعة لدفء ذراعيه ولتلك الرائحة المميزة التي تعتادها بوجوده بأي مكان، ولكنها الآن قوية ونفاذة بقدر يجعلها هادئة بقربٍ لم تحظى به من قبلٍ.
لا تعلم إلى أي وقتٍ ظلت هادئة داخل أضلعه، حتى علي بالرغم من أن هناك جانب داخله مستيقظ خشية من أن تستعيد وعيها فتعود لنوبتها لذا بحاول البقاء على وعيه الكلي ليستعد لاي نوبة قد تقتحم جسدها،وجانب أخر ينغمس بضمتها بحبٍ يجعله يلعن ذاك النصف الواعي ويدعوه ليفقد عقله مثلما بعيش هو.
كادت أن تستجيب لتلك الغفوة التي تطالبها لنيلها الراحة داخل أحضانه، ولكنها تذكرت حديثه بأمر شقيقتها الجالسة الآن بغرفتها، فحلت ذراعيها المحاطة لرقبته وتراجعت خطوتين للخلف على استحياءٍ، ومن ثم ركضت لتفتح الباب وتغلقه بوجهه كمن ترغب بصرف عفريت المشاعر التي استحضرتها، فبقى محله مبتسمًا، هامسًا:
"قطعت نص الطريق لسه النص التاني وأقدر أقول بكل ثقة إنك اتعالجتي يا فطيمة!"
***
تفاجأت زينب بوجود شقيقتها، فضيقت عينيها الفيروزية بدهشةٍ:
"انتي لاش رجعتي لبيتك أ فطيمة،ماشي المفروض اليوم عرسك؟"
(إنتي رجعتي الاوضة ليه يا فاطمة، مش المفروض النهاردة فرحك).
نزعت حجابها عنها واتجهت لتجلس على الفراش وهي تجيبها بخجل:
"العلاقة بيني و بين علي ماشي بحال داكشي اللي انتي فاهمة،زينب انا باقية كنتعالج من داكشي اللي طرا ليا،باقي الكوابيس كتلاحقني،انا عارفة بانه علي عمره ما غيضغط عليا و غيتعامل معايا بحذر،انا بغيت ناخد هاد الخطوة و نتقرب منه، و لكن صدقيني ما قداش،كاين حاجز بيني و بينه و ماقادراش نهرسه واخا ف شي اوقات كنحس بانه اقرب ليا من نفسيانا كنحس معاه بحنان و احترام ما حسيتوش مع حتى شي واحد اخر."
(العلاقة بيني أنا وعلي مش زي ما أنتي فاهمه، زينب أنا لسه بتعالج من اللي حصلي، لسه الكوابيس بتطاردني، أنا عارفة إن علي عمره ما هيضغط عليا وبيتعامل معايا بحذر، ونفسي أخد أنا الخطوة دي وأقرب منه بس صدقيني مش عارفة في حاجز بيني وبينه مش قادرة أكسره مع إني أوقات بحس إنه أقرب ليا من روحي، أنا بشوف معاه حنية واحترام محستش بيهم مع أي حد)
اتجهت لتجلس جوارها على الفراش، تخبرها بابتسامة هادئة:
"انا كنت حزينة عليكي ا فطيمة،و لكن لما مراد عاودلي على الدكتور علي و على زواجكم فرحتلك بزاف،و باين من الشوفات ديالو و اهتمامه بيك طول الحفلة بانه كيبغيك."
(أنا كنت حزينة أوي عليكي يا فاطمة، بس لما مراد حكالي عن الدكتور علي وعن جوازكم فرحتلك أوي، وباين من نظراته واهتمامه بيكي طول الحفلة إنه بيحبك.)
ابتسمت تلقائيًا وقالت:
"علي فعلا رجل عظيم،هو الراجل الوحيد اللي ما كنحسش بالخوف و انا معاه خصوصا من بعد داكشي اللي اتعرضت ليه."
(علي فعلًا شخص عظيم، الراجل الوحيد اللي مبحسش بالخوف وأنا معاه وخصوصًا بعد اللي اتعرضتله!)
وعاد الحزن يرتسم على معالمها، حتى أدمى الدمع عينيها، فقالت:
"كنت كنتمنى بابا و ماما يكونوا موجودين معايا في نهار بحال هدا،انا اتحطمت لما وصلني خبر الموت د ماما و دابا زدت اتقهرت فاش عرفت بالموت د بابا."
(كان نفسي بابا وماما يكونوا موجودين معايا في يوم زي ده، أنا انكسرت لما وصلني خبر وفاة أمي ودلوقتي زادت كسرتي لما عرفت بوفاة بابا.)
وتابعت بابتسامة زارتها، ويدها تشدد على يد شقيقتها:
"وجودك معايا ازينب،غيخليني نتخطى اي حاجة خايبة عشتها و اتعرضت ليها."
(وجودك معايا هنا يا زينب هيخليني أتخطى أي وجع عشته!)
وأزحت دموعها، وراحت تتساءل بلهفة:
"المهم انا بغيتك تعاوديلي عليك،عنداكي تكوني تخليتي على الحلم ديالك و خرجتي من القراية."
(المهم أنا عايزاكي تحكيلي عنك، أوعي تكوني اتخليتي عن حلمك وطلعتي من التعليم!!)
أجابتها سريعًا حتى لا تخيب أمالها:
"هادي هي الحاجة الوحيدة اللي كانت كتنوسني و كتخرجني من همومي أ فطيمة،كنت كنقرا بالليل و النهار حتى دخلت للطب،انا دا في السنة التانية،مراد نقل ليا وراقيا للجامعة هنا بالنجليز،هاد الانسان محترم و شهم و ولد الناس،ما تخلاش عليا كاع من بعد الموت د بابا،باركا انه كان كيستحمل المكالمات ديالي و السؤال ديالي عليك ديما،و اخر حاجة وعدني يلاقيني بيك و وفى بوعده."
(دي الحاجة الوحيدة اللي كانت بتسليني وبتخرجني من همومي يا فاطمة، كنت بذاكر ليل نهار لحد ما الحمد لله دخلت طب، أنا في سنة تانية، مراد نقلي أوراقي لجامعة هنا بانجلترا، الانسان ده محترم وشهم وابن اصول، متخلاش عني بعد وفاة بابا أبدًا، كفايا انه كان متحمل مكالماتي وسؤالي عنك بشكل دائم، وأخر شيء وعدني إنه هيجمعني بيكِ وفعلًا صدق بوعده!)
وأضافت بحماسٍ أضاء وجهها:
"انا بسبابه وليت كنبغي البوليس و المخابرات، و كنطلب من الله يجيبلي شي عريس بحاله ف شهامته و شكله و عضلاته و آآ....."
(أنا بسببه بقيت بحب الظباط والمخابرات وبتمنى ربنا يبعتلي عريس بشهامته وشكله وعضلاته وآآ....)
قاطعتها فاطمة بغضب مصطنع:
"زينب!!"
تجاهلتها واستطردت ببسمة مازحة:
"واش انتي متأكدة انو متزوج أ فطيمة ؟"
(هو انتي متأكدة إنه متجوز يا فاطمة؟)
ضحكت بصوتها الرقيق، وحطمت سقف أمنياتها:
"متزوج و عندو جوج بنيات كيحمقو ،و هادشي اللي كتقوليه حرام،هبطي لأرض الواقع و لا غتبوري أدكتورة."
(متجوز وعنده بنتين زي السكر، وحرام اللي بتقوليه ده، إنزلي لسقف الواقع عشان كده هتعنسي يا دكتورة!)
لوت شفتيها بسخطٍ، ورددت باستنكارٍ:
"و لاش غنبور، هانتي زهرك طلع زوين و طيحك ف الدكتور علي،دكتور زوين و غزال و زاز و مربي و من الهاي كلاس و كيبغيك من الفوق،و حتى انا اكيد ربي سبحانه و تعالى غيجازيني لاني اختك و صبرت معاك ف المحنة ديالك كاينة و لا لا!"
(هعنس ليه ما أنتي حظك كان جميل ووقعك في دكتور علي، دكتور وسيم وشيك وذوق جدًا ومن الطبقة المخملية الراقية وفوق كل ده بيحبك، يعني أنا أكيد ربنا سبحانه وتعالى هيكافئني عشان أنا أختك وصبرت معاكي في محنتك بردو ولا أيه؟)
تمادت بالضحك حتى احمر وجهها، وهتفت بصعوبة وهي تحاول إلتقاط أنفاسها:
"انتي كااارتة أزينب!"
(انتي كارثة يا زينب!)
***
تمادى الليل بفرض سيطرته وفجأة انقشع ظلامه مع سطوع شمس اليوم التالي، حيث استعد الجوكر ليغادر لطائرته الخاصة، فوجد علي بانتظاره وعلى وجهه ابتسامة مشرقة:
"خلاص هتفارقنا يا باشا؟"
منحه الجوكر ابتسامة هادئة تزيد من جاذبيته:
"مضطر والله يا دكتور علي، إنت عارف إن شغلي صعب أتحرر منه ولو ليوم واحد، ده غير إن رحيم زيدان مستحيل يقبل إني أبعد عن القصر وسمحلي بده عشان وعدي لفاطيما."
وتابع وهو يربت على كتفه بملامحه الجادة:
"إنت معاك رقمي الخاص وقت ما تحتاج أي حاجة إنت أو فاطيما كلمني على طول."
احتضنه علي باحترام ينجح هيبته بطرحه على مسمع الجميع، فهمس له الأخر:
"خلي بالك من فاطيما، البنت دي اتعرضت لعذاب جحيمي وتستحق تعيش بسلام بعد الرحلة الصعبة اللي خضتها معايا ضد ناس اتعرت قلوبهم من الرحمة ومبقوش شايفين الست غير وسيلة للمتعة."
وابتعد وهو يستطرد ببسمة هادئة تمنح الراحة للأخر:
"حلال فيهم قنبلة رحيم زيدان.. فتت أشلائهم."
ارتسم الحزن بمعالمه ومع ذلك رسم ابتسامة متفهمة:
"متقلقش يا مراد، فاطمة بعنيا أوعدك إني هحافظ عليها أكتر من نفسي."
ربت على كتفه بصلابة، وكاد بالصعود للسيارة التي ينتظره سائقها ليتحرك به، ولكنه عاد يخبر الاخير بغمزة أضافت جمال لعينيه الزرقاء:
"بالنسبة للي شاغل بالك بيه وسألتني عنه امبارح فإطمن لإنه مش بس محترم ويليق بأختك، لإنه يخصني وتحت تدريبي وأنا مبكنش قائد لأي حد!"
اتسعت ابتسامة علي وقد غمرته الراحة بعد حديث مراد، فوقف يراقب سيارته الراحلة بنظرة ممتنة، والآن ما عليه سوى الانتظار والترقب لخطوة آدهم القادمة.
التفت ليصعد للأعلى فخطفت عينيه نظرة لشرفتها، فوجدها تقف برفقة شقيقتها، وعلى ما يبدو لم تذق كلتهما النوم وبقيت تثرثران للصباح. إتجه علي للأعلى وطرق الباب ومن ثم ولج حينما استمع لإذن فاطمة، فقال ببسمة جذابة:
"صباح الخير،لقيتكم صاحين بدري فقولت فرصة أجي أتعرف على زينب بنفسي."
دنت إليه زينب بابتسامة بشوشة متحمسة للتعرف بزوج أختها الكبرى، وما كادت بالحديث حتى أوقفها باشارة اصبعه المحذر:
"بالمصري!"
"اتكلمي بالمصري الله يكرمك عشان أقدر أفهمك ولو مش هتعرفي هنحتاج كده فطيمة تترجم.."
ضحكت وهي تجيبه بغرور:
"لغتكم مش صعبه يا دكتور علي، سهل أي حد يتكلم بيها."
اتسعت بسمته قائلًا:
"شكلنا كده هنفهم بعض، عمومًا يا زينب أنا مش عايزك تعامليني على إني جوز أختك، أنا يكون ليا الشرف لو قدرتي تحطيني في خانة الأخ اللي بسهولة تلجئي ليه بدون أي حرج، يا ترى هتقدري ولا صعبة؟"
خطفت نظرة لشقيقتها وكأنها تستمد العون منها، فوجدته تهز رأسها باشارة صريحة بأنه يستحق أن تعامله كأخ، واستنادًا على حديثهما المسائي هزت زينب رأسها قائلة:
"طبعًا هقدر، لاني عندي ثقة في الاشخاص اللي بتطمن ليهم فطيمة، وسبق وجربت ثقتها بمراد زيدان وكانت في محلها فأكيد هتكون زيه يا دكتور."
منحها نظرة حنونة، وأضاف وهو يفتح الباب ليستقبل الخادم الذي انتهى للتو من صنع الافطار انصياعًا لطلب علي،فدفع الطاولة قبالتهما:
"حيث كده بقى يبقى نفطر مع بعض،عشان يكون في بينا عيش وملح ولا أيه يا فطيمة!"
تخلت عن صمتها أخيرًا وقالت:
"اللي تشوفه يا علي."
جلسوا معًا يتناولان الطعام، وبدأ علي يتعرف عن زينب وعن دراستها وكل شيء متعلق بها،حتى لا تواجه أي مشاكل بعد تحويل أوراقها إلى هنا.
***
فتحت عينيها بانزعاجٍ، وبدأت تستوعب ما حولها. انتفضت بجلستها بفزعٍ حينما لم تجد نفسها بغرفتها، وبدأت بالهدوء ريثما تسلل لها ذكريات الأمس، فالتفتت جوارها تلقائيًا فعادت أنفاسها لمجراها الطبيعي حينما لم تجده لجوارها.
تسلل لها صوت المياه الجاري بحمام الغرفة، فتسللت مايسان تلتقط فستانها ترتديه لتلوذ بالفرار مسرعة قبل خروجه. فما أن أحكمت حجابها حتى اسرعت للباب تحاول فتحه، فتصلبت عروقها حينما وجدته موصود بالمفتاح، خُيل لها ألف سيناريو جميعهم حصدوا الهلع من حولها. وفجأة تسلل لها صوته الذكوري القوي:
"صباح الخير يا بيبي!"
استدارت تقابله بنظرة مشتعلة بالغضب:
"إنت قافل الباب بالمفتاح ليه يا عمران وآ..."
ابتلعت باقي كلماتها وهي تستدير سريعًا تحتمي خلف يديها بصراخ:
"إنت طالع قدامي كده إزاي!!!!"
رمش بعدم استيعاب لما يحدث لها منذ طالعة الصباح، فجذب التيشرت يرتديه على بنطاله مرددًا بسخرية:
"إنتِ ناقص تطلعي على القسم تقدمي فيا قضية تحرش! في أيه على الصبح يا مايا، ما كنا كويسين من ساعات!"
ارتبكت أمام حديثه الجريء ومع ذلك حافظت على اندفاع نبرتها المتعصبة:
"فهمني قافل الباب عليا ليه!!"
حك ذقنه بتسليةٍ وصلت لهمس صوته المغري:
"خايف تهربي مني!"
واتسعت ابتسامته وهو يصيح بفتور:
"قفلته عشان عمي وعلي أخدين إني هنا لوحدي، وأنا مش حابب لا أعرضك ولا أعرضهم لموقف سخيف لحد ما يفهموا من نفسهم إن الأوضة بقت تخصنا."
وتابع بهدوء مخادع لها:
"وطلعت من حمامي أكمل لبسي بره كالعادة يعني وحتى لو مكنتيش نايمة فأنا مش شايف نفسي أذنبت إنتِ مراتي وجوازنا داخل على السنة!!"
أخفضت عينيها أرضًا ، فاقترب منها حتى رفع وجهها قبالته يجاهد ليخرج سؤاله بحرجٍ يحوم به:
"مايا إنتِ آآ.. إحممم.. كويسة؟"
عبثت بحدقتيها بصدمةٍ حينما استفهمت مغزى سؤاله، فأبعدت يده عن وجهها واتجهت للفراش وهي تؤمي برأسها بخفة، فعبث بخصلات شعره بضيق من عدم تأكده إن كانت تعلم مقصده أم تطمنه على أحوالها، فلحق بها يحاول خلق جو من الحديث بينهما، فقال:
"النهاردة معزومين عند جمال، والدته سافرتله امبارح ومصممة إنها تتعرف عليكي، خديلك Shower وإلبسي عشان نتحرك."
التفتت إليه تخبره بنزقٍ:
"مش لما تتكرم وتفتح الباب الأول!"
ابتسم بمشاكسة جابت غمزة عينيه على خزانته:
"لأ ما أنا خلاص نقلت هدومك في دولابي، ونظمتهم بنفسي."
جحظت عينيها بدهشةٍ:
"أمته ده؟"
أجابها وهو يلف يديه حولها:
"إمبارح بعد ما نمتي قومت عشان أصلي القيام وبعدها مجاليش نوم، فشغلت نفسي بنقل الهدوم وترتيبها."
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تبعد عن عقلها تلك الفكرة التي تحررت على هيئة سؤال عابر:
"نقلت كل هدومي؟"
هز رأسه مؤكدًا لها بخبثٍ، فجن جنونها وطاحت بعصبية:
"ازاي تسمح لنفسك تفتح حاجتي وأغراضي الخاصة، صحيح إنك وقح يا عمران ومدي لنفسك حقوق كتيرة أوي لمجرد أني آآ... آآ..."
"آآآ أيه؟!"
تساءل بخبث جعلها تزدرد ريقها وقد تخلت عنها الكلمات بحق، فدنى منها مجددًا يضمها إليه وهو يهمس ببراءة مصطنعة:
"نظمتلك فساتينك والشوذات لكن باقي حاجتك أقسملك إنهم جوه لسه في الشنطة مجتش جنبهم نهائي!"
استرخت معالمها بهدوءٍ غريب، جعله يكتم ضحكة صاخبة كادت بالتمرد، وخاصة حينما استكمل بدور برائته مربتًا على كتفيها:
"يلا يا قلبي ادخلي خدي الشاور بتاعك وإخرجي عشان تلبسي، مش عايز نتأخر عليهم."
اومأت له بطاعة وولجت للخزانة تنتقي ما سترتديه، بينما هي بالداخل تعبث بحقيبة السفر الضخمة التي تحتوي أغراضها ترسخ لها الغباء، على مقاس ردائها، فإن كان صادقًا بأنه يحتفظ بأغراضها بحقيبة موصدة كيف وضعهم بداخلها من الأساس!! ذاك الوقح يظن نفسه متحاذقًا؟
خرجت كالاعصار تبحث عنه فوجدته يرفع يديه مرددًا بخشوع:
"الله أكبر."
لجئ لصلاة الضحى سريعًا قبل أن تقتص منه، فهتفت وهي تعود للخزانة مجددًا:
"اصبر عليا يا وقح!"
***
صمم علي أن تخرج زينب وفاطمة برفقته في جولة بانجلترا، وخاصة حينما استكشف انبهار زينب بها، فاستعدت كلاهن للخروج، ارتدت فاطمة فستان بسيط أسود اللون يحيط به حزام من اللون الأبيض وحجاب ابيض اللون، هبطت للأسفل برففة شقيقتها فما أن رأها علي حتى ابتسم وقال:
"جمالك اللي محتاج تأمل مش انجلترا!"
منحته ابتسامة رقيقة، ووقفت لجواره تراقب زينب التي هرعت للاسفل تحمل طرف قفطانها المغربي البسيط، لتتساءل بلهفة:
"ها يا علي هتودينا فين؟"
منحها ابتسامة واسعة، وقال:
"كل الأماكن اللي تخطر على بالك.. وبالمناسبة شمس كمان جاية معانا مصممة تتعرف عليكي عن قرب يا زينب."
اتسعت ابتسامتها وقالت بترحاب:
"أكيد أنا كمان نفسي أتعرف عليها، هي عندها كام سنة وبتدرس أيه؟"
قص لها علي سريعًا عن عائلته، حتى والدته وعمه، كانت فاطمة تراقبه وهو ينسجم بالحديث مع شقيقتها بفرحة، علي لا يحتل قلبها فحسب، ذاك الشخص يملك قلبًا لا يعرف الخبث طريقًا إليه، فإن وجدته يتحدث أحدًا تجده بشوش الوجه بصورة تجعل من أمامه لا يود أن يفارقه، ربما لا يمتلك تفاصيل الرجال المغرية لفتيات، ولكنه يمتلك جمال خاص به، طباعه هادئة وحياته منسقة حتى بعمله هو كذلك، من يراه ويرى أخيه المشاكس الوقح يجدهما عملتين مختلفين للغاية.
خرج علي بسيارته وعينيه لا تفارق فاطمة الجالسة جواره بالأمام بعدما صممت شمس البقاء بالخلف برفقة زينب لتتعرف عليها بإريحية.
***
انتهت مايسان من ارتداء ملابسها، فخرجت تتجه للسراحة لتعقد ححابها. وقفت أمام المرآة تجمع خصلاتها فابتسمت حينما تذكرت رابطة عنقه، فأسرعت للفراش الغير منظم تبحث عنها، وما أن رأتها حتى قربتها لأنفها تجدد أنفاسها برائحته العالقة بها، وعلى الفور لفتها حول شعرها، ومن ثم جذبت الحجاب مجددًا لترتديه.
تسمرت يدها بالهواء ومازال الحجاب يحيط بها فور رؤيته يطل عليه من الخزانة ببنطاله الجينز الأزرق وقميصه الرمادي، كانت طالته جديدة عليها ولكنه كعادته يحرص على آناقته. تابعته بإعجابٍ شديد وهو ينحني ليرتدي حذائه الرمادي اللامع، ومن ثم نهض يسألها وعينيه على يده التي تعقد رابطة الحذاء:
"خلصتي يا حبيبتي؟"
لم يستمع لردها مع أنه سبق ولمحها تقف أمام المرآة، فرفع رماديته لها هاتفًا باستغرابٍ:
"مايا!"
تفاجئ بها شاردة به، فابتسم ودنى ليحيطها بيديه هامسًا بتسليةٍ:
"عحبك الاستايل ده عليا؟"
اشتعلت خجلًا من ملاحظته لشرودها به، فادعت استكمالها لحجابها قائلة بعدم فهم:
"استايل أيه؟"
مال برأسه لها ومازالت عينيه تواجه انعكاسها بالمرآة:
"متحاوليش تدعي البراءة قدام عيوني الخبيرة يا مايا."
ومال لأذنها يهمس باغراء وغمزة عينيه:
"إنتي كمان زي القمر بالفستان ده."
دفعته للخلف بضيق:
"ممكن تبعد عايزة أخلص لبس."
ضحك بتسلية وكاد بأن يضايقها مجددًا، فوجدها تهمس له بضيق:
"عمران من فضلك."
احترم رغبتها ورفع يديه باستسلام، ومن ثم ابتعد للحائط المجاور لمرآتها يتابعها ببسمة هادئة، ويديه مربعة أمام صدره، يتابع فوضوية الاغراض المتعلقة بها وهي تجتمع جوار أغراضه المرصوصة بعناية على السراحة، بعضًا من أَحْجِبَتها ملاقاة عليها، وعُلبة من الدبابيس وغيرها من المرطبات وبعض أدوات التجميل البسيطة، وهناك على الفراش عدة فساتين ملقاة وكأنها كانت تجرب أكثر من فستان لتستقر على ذاك اللون الرصاصي الهادئ، والآن تحتار باختيار الحجاب المناسب،حتى ركنه الخاص بالصلاة تحمل سجادتها بعدما أدت فريضتها بالصباح.
راق له مظهر الغرفة التي نبضت بوجود حياة زوجية مشتركة بعد جفاء ما قضاه، انحنى تجاهها بدرجة أربكتها، فوجدته يجذب حجابًا من المجموعة المطروحة أمامهما وأشار لها ببسمة مهلكة:
"ده هيكون جميل وهيليق على ال dress.." وفتح أحد الإدراج ثم جذب لها مجموعة من الزينة قائلًا:
"الaccessories (اكسسوارات) دي هتنطق الفستان كمان."
تفحصت ما بيده بدهشةٍ، وخاصة حينما تلقفت منه ما يقدمه، وما أن انتهت من ارتدائهم حتى تطلعت لذاتها ببلاهة، كيف استطاع أن يساعدها بتلك البساطة بينما قضت نصف ساعة تحاول أن تختار وللعجب أصاب اختيارته لنطق طالتها بشكلٍ صادم، فقالت ببسمة رقيقة:
"هتساعدني على طول بتنسيق اللبس؟"
مال إليها ويده تندفع لجيب بنطاله:
"عمران سالم في خدمتك كل ما تحتاجيله مولاتي الأميرة!"
تعالت ضحكاتها بشكلٍ أضحكه هو الأخر، وقطع ضحكته حينما قرص أرنبة أنفه بتوترٍ يعهده لأول مرة، لا يعلم ماذا أصابه بلوعة عشقها، فسألها:
"مايا إنتِ فعلًا كويسة، لو حاسة بتعب خليكي وأنا هعتذر منهم."
تبددت معالمها فألقت بالكحل الذي كانت تضع به القليل بعينيها ليصطدم بالسراحة من فرط انفعالاها:
"ما قولتلك إني كويسة، ليه مصمم تكسفني الله!!"
وجذبت حقيبتها واتجهت للباب تصبح بعصبية تخفي بها موقفهما المحرج:
"افتح الباب عشان منتأخرش على الناس."
وحملت هاتفها الذي يصيح برنته الأولى من حقيبتها، هاتفة بحنقٍ:
"صبا بتتصل أهو عجبك كده؟"
منع ابتسامته من الظهور، وجذب مفتاح الغرفة يفتحه وهو يشير لها بحبٍ:
"اتفضلي يا مايا هانم."
منحته ابتسامة خاطفة قبل أن تمر، فلحق بها للأسفل ليغادروا معًا لمنزل جمال حيث يتجمع يوسف وزوجته وجمال وصبا بانتظارهما.
***
مر الوقت بها ومازالت حببسة غرفتها منذ الأمس، حتى النوم جفاها وعدم رغبتها بتناول الطعام تركت جوفها. انتهت فريدة من ارتداء فستان من اللون الوردي وصففت شعرها بعناية ثم هبطت للأسفل تشير للخادم:
"أعد الغدا وبلغهم."
أجابها الخادم سريعًا:
"عفوًا سيدتي، السيد علي وزوجته وشقيقتها وشمس هانم خرجوا منذ الصباح، ومنذ قليل خرج السيد عمران برفقة زوجته، أما السيد أحمد فرفض تناول الطعام وكذلك الغداء."
تألم قلبها للغاية لسماع ذلك، فقالت وهي تتدعي صلابتها:
"أين هو؟"
أشار بعينيه:
"بغرفته بالأعلى."
أجلت صوتها بعد مدة صمتها المرتبك:
"أحضر طباقين من الطعام وأنا سأحمله للأعلى."
هز الخادم رأسه وغادر عنها وبعد دقائق عاد يحمل ما تريد على صينية مستديرة فخمة، فأشارت له بتتابعها للاعلى حتى وصل لغرفته فحملتها عنه وقالت بثبات صارم:
"غادر إنت."
انصرف للأسفل بينما بقيت هي أمام الغرفة تحاول فتح بابها بارتباك جعلها تنتظر لخمسة عشر دقيقة تجاهد لاستعادة اتزانها الكلي، فنظفت وجهها من بقايا دموعها المنفلتة وطرقت بخفة على الباب ثم فتحت المقبض وولجت بما تحمله، فوجدته يجلس على المقعد الخارجي للشرفة، اتجهت إليه وهي تردد بغضب:
"ممكن أفهم أيه لعب العيال ده يا أحمد، ليه مأكلتش من الصبح؟!"
منحها نظرة ساخطة قبل أن يميل برأسه للجانب الأخر وكأن لا وجود لها، فوضعت الصينية على الطاولة قبالته وقالت وهي تدعي الصلابة:
"على فكرة ده مش حل!"
كان جامدًا وكأنه عاكفًا عن حديث البشر، فحاولت استمالة حنانه المعتاد منه:
"أنا كمان مأكلتش حاجة فجبت طبقي عشان أكل معاك، هتسبني جعانة يا أحمد؟"
صمته طال ومحاولتها جميعًا تبوق بالفشل، انحنت فريدة بحذائها الانيق مستندة على حافة مقعده، ولمست يده مرددة بخفوت:
"أحمد أنا بكلمك!"
أبعد يدها عن يده ونهض عن المقعد ليترك لها الشرفة بأكملها واتجه للغرفة، انهمرت دمعتها دون توقف ومع ذلك استمدت قوتها وأزاحتهما ومن ثم لحقت به للداخل، فوجدته يلف جسده بغطاء الفراش مداعيًا النوم، لحقت به وجلست جواره قائلة بحزن:
"مش عايز تتكلم معايا للدرجادي يا أحمد!"
طُعن قلبها حينما تخر محاولتها محاولة تلو الاخرى أمامها، وكأنها لم تعد تملك سلطانًا عليه، رفعت فريدة ساقيها وأزاحت عنها الحذاء ثم وقفت على الفراش واتجهت للجانب الذي يوليها به ظهره، فتمددت جواره حتى بات وجهه مقابل لها، ويدها تمتد لتحيط وجهه، هامسة بتوسل:
"سكوتك هيموتني، أتكلم عشان خاطري."
مرر رماديته على كف يدها الناعم المحاط لوجهه، وردد ساخرًا:
"مش خايفة من شعور الخيانة العظيم اللي هيوجهك وأنتي هنا في سريري ولمساني!"
ارتجفت يدها على خده وسحبتها وهي تنهض من جواره كلدغة عقرب سام طالتها، حديثه الساخر جعلها تصرخ بانفعال:
"إنت بتسخر مني وكل ده ليه عشان رفضتك!!"
آه من قلبه الذي ينال طعنة جراء الاخرى والطعنة القاضية إنها من تتسبب له، أبعد الغطاء عن جسده ونهض يتجه إليها ببركان غضبه الثائر:
"إنتي جاية هنا ليه، اطلعي برة ومتدخليش أي مكان أكون فيه تاني."
عبست بعينيها بدهشة، لحقت نبرتها الهامسة:
"أنا مراتك!!"
ضحك مستهزءًا:
"بجد فكرتك مرات أخويا!!"
انهمرت دمعاتها أمامه وجلست على طرف فراشه تبكي بحرقة:
"كفايا يا أحمد، حرام عليك كفايا أنا موجوعة ومش متحملة وجع منك إنت كمان."
حن لها وقد نجحت بغزو قلبه ببكائها، فانحنى يلتقط راسخها ليجبرها على النهوض والخضوع لحضنه الدافئ، ويده تمسد على شعرها القصير بينما صوته الرجولي ينبعث بنبرة هادئة:
"هشش.. خلاص اهدي يا فريدة مش هعصبك تاني."
رفعت عينيها الباكية له وقالت:
"أنا بحبك وأنت عارف ده كويس، بس أنا مش قادرة يا أحمد إنت متعرفش أنا عشت طول السنين دي ازاي، إنت متعرفش حاجة."
منحها نظرة متعبة من كلماتها الغامضة، فسحبت نفسًا مطولًا وقالت بألم:
"لما اتجوزت سالم كانت نظراته ليا غريبة، حتى كلامه، كان دايمًا بيرمي كلام غريب عن زوجة صاحبه اللي خانت جوزها مع اخوه، كنت بحس أنه يقصدني بكلامه وده كان قاتلني، أنا مكنتش بشوفك خالص يا أحمد عشان أخونه حتى بنظرة ليك."
وتابعت ببكاء حارق:
"حول حياتي لجحيم، بقيت بخاف من كل شيء بعمله عشان ميفكرنيش إني بخونه مع إن الحقيقة أنا كنت خاينة في خيالي واحتفاظي بذكرياتك."
ضيق عينيه بدهشة، وجذبها تجلس قبالته على المقعد يحاول سبر أغوارها، فقالت ببكاء:
"أنا كنت بروح لدكتور نفسي من كتر تصرفاته يا أحمد."
التقطت أنفاسها بعنف جعله يربت على ظهرها بألم:
"اهدي، خدي نفس ومتتكلميش غير لما تهدي."
هزت رأسها نافية، وباصرار قالت:
"لأ... سبني أتكلم وأحكيلك قبل ما ارجع أخاف من تاني."
هبطت يدها تتمسك بيده وقالت بانهيار:
"سالم عمره ما قسى عليا، لا ضربني ولا هاني مرة ولا عمل أي شيء يخليني أكرهه وده اللي كان وجعني أوي، بصاته يا أحمد كانت كلها كلام واتهامات ليا بالخيانة، كأنه بيقولي إنتي خاينة بس أنا بحبك وبعاملك كويس، حتى اما كان بيحصل بينا شيء كان بعدها بيكون غريب معايا، بيتضايق وبيتنرفز لإني مش قادرة أكون بالشكل اللي هو متوقعه! ولو حصل واتجاوبت معاه مكنتش بشوف غيرك إنت وده كان بيخليه متعصب أكتر من الأول وبالرغم من سكوته الا إن نظراته وطريقته كانت بتوصلي كل ده!"
واستطردت بقهر وهي تتطلع له بنظرة قتلته:
"كرهتك أوي واتمنيت أنتقم منك بأي شكل يا أحمد لانك انت السبب في اللي أنا عشته، أنا كنت عايزة أريح نفسي من المعاناة دي وأقوله شكوكك كلها صح أنا فعلا بحب انسان غيرك بس مخنتكش كان نفسي أقوله كده.."
وقالت بانكسار لحق بها:
"في اليوم اللي هو عمل فيه حادثة كان متخانق معايا بسبب برودي معاه، لبس هدومه وخرج وهو متعصب وبعدها لما جاني الخبر وروحتله المستشفى طلب مني طلب غريب أوي."
جلدته كل ما تحمله على عاتقها بمفردها، حبيبته كانت تخوض رحلة قاسية حد اللعنة. ابتلع مرارته وقال بحشرجة تكبت دموعه:
"طلب أيه؟"
انتابها نوبة بكاء جعلت جسدها ينتفض بشراسة، فجذب مقعدها ليقربه من مكان فراشه الاعلى منها، وانحنى يضمها وهو يربت على ظهرها، لا ترى هي دموعها ومشاركته لوجعها. هدأت بعد دقائق وبعدت عنه تقول:
"قالي قبل ما يموت لو أحمد اتقدملك للجواز وافقي!!"
وانهارت حصونها بينما تحولت تعابير وجهه لجمود تام، فبكت منهارة وكلماتها تخرج مشتتة:
"أنا كنت هموت وقتها يا أحمد، احساس أنه كان عارف بحبي ليك بعد جوازنا وسكت الفترة دي كان هيموتني، عاتبت نفسي وقتلتها ألف مرة لما فهمت وقتها معاني نظراته الغريبة ليا، كان نفسي أقوله اني فعلا حبيتك بس ده من قبل ما هو يدخل حياتي، كان نفسي أقوله اني ولا مرة خنته ولا حتى كلمتك بالتليفون ولا جمعنا أي لقاء، كان نفسي اعتذرله يا أحمد، آآ.. أنا السبب في موته أنا اللي خليته يخرج متعصب بسبب معاملتي ليه، بس غصب عني مكنتش قادره أكون معاه وقلبي معاك إنت!"
ظلت لدقائق تنهار بالبكاء وحينما لم تجده يضم جسدها أو حتى يتحدث رفعت عينيها تراقبه بفضول، فوجدته يتطلع لها ببرود، وما أن تلاقت عينيهما حتى قال:
"سالم كان يعرف بحبنا من قبل ما يتقدملك يا فريدة، وطلبه الاخير ليكي كان لإن ضميره اللي مات أخيرًا فاق."
برقت بعينيها بصدمة جعلتها لا تحيل عينيها عنه، فضحكت وبكت بطريقة مجنونة، وهمهمت بجنون:
"إنت بتقول أيه... لأ ده مستحيل.. هو لو كان يعرف مكنش أكيد اتجوزني ولا آآآ..."
وعادت تتطلع له من جديد، فنهضت عن مقعدها وهي تصرخ بانهيار:
"لأ... لأ... إنت بتكدب عليا عشان أتخلص من عذاب الضمير اللي عشته، ع.. ع.. عشان انتقمت منك ورفضت طول السنين دي صح؟"
وقف قبالتها وهز رأسه نافيًا لاتهاماتها، وقال بوهن أصاب صوته:
"تفتكري بعد حبي الكبير ليكي إني كنت هتخلى عنك بالسهولة دي؟"
رمشت بعدم فهم، فتابع وهو يحرر كل ما دُفن داخله:
"أنا في اللحظة اللي جدك قالي فيها واجهته باللي بينا وإنك مش هتكوني لغيري وهو قالي هيرفض سالم بدون ما يقوله على اللي بينا عشان ميحصلش بيني وبينه عداء، وبعدها اتفاجئت بيه في مكتبي بيرسم عليا حوار خدعني وخلاني أستسلم وأقنعك وأقنع جدي إنه يوافق.."
تراجعت عنه للخلف، تلاقت صدمات اليوم قد تجعلها تفارق الحياة بأي لحظة، ومع ذلك سألته لتستكشف ما يخفيه بعد:
"حوار أيه؟"
يؤلمه رؤيتها بتلك الحالة، يؤلمه ابتعادها عنه بتلك اللحظة، ولكنه لن يصمت بعد ان ألقت لها معاناة ما تسبب أخيه الحقير بها، فقال:
"جالي المكتب، كان منهار وعايز يعرف جدي رفضه ليه، أنا محاولتش أعرف باللي بينا بأي شكل من الاشكال كنت خايف أخسره لإنه مهما كان أخويا الكبير يا فريدة، طلب مني إني اتداخل وأجوزه ليكي لانه بيحبك، وصدمني لما قالي إنه عنده كانسر في مرحلته الاخيرة وعمره متوقف على أي لحظة.."
انهمرت دمعة من عينيه تقص لها عن ألم ما خاضه من خيانة،وقال:
"خدعني ودخلت على عقلي، وعدته أني هساعده وهبذل كل طاقتي عشان الجوازة دي تتم، ضحيت بقلبي وبيكِ من باب الشهامة ورحمة لجسمه المريض، مكنتش أعرف اني غبي واتلعب بيا."
ازداد اتساع زرقة عينيها بدرجة أغرقت رماديته داخلها، كانت تحاول التقاط كل كلمة منه وتعقلها الف مرة حتى تؤكد لها بأن أحمد من يتحدث، أتاها باغتة بمقتل حينما قال:
"في اليوم اللي وصلتكم فيه للمطار طعني لما كشفلي وشه الحقيقي وقالي إنه متعودش يحط عينه على حاجة ومتكتش ليه حتى لو كانت حب أخوه الوحيد، وجعني يا فريدة وأكدلي إنه عمل اللعبة دي كلها عشان يوصلك وهددني أني لو ظهرت تاني في حياتكم هيقسى عليكي ومش بعيد يواجه العيلة إنك بتخونيه معايا، طالبها مني بمنتهى الوقاحة وأنا خوفت عليكي وبعدت."
وابتسم بوجع شق صدره قبالة عينيها:
"ربنا لإنه عادل حققله الكلام اللي نسبه ليه، قال إنه هيموت وهو صغير بالعمر وفعلًا مات وهو في عز شبابه وإن كان السبب غير السرطان."
وتابع ببكاء احرق عينيه:
"بس انا معرفتش أشمت فيه سامحته وحافظت على السر ده لحد النهاردة علشان لا إنتي ولا حد من اولاده يكرهه، حتى لو جيت على نفسي واتحملت بعدك طول السنين دي كلها."
هزت رأسها بحركات متسارعة، وهمست بعدم استيعاب:
"لأ... مش قادرة أصدقك، قولي إنك بتكدب عليا يا أحمد، قولي إنك بتخدعني أهونلي من اللي أنا فيه."
واستدارت تحتضن موضع قلبها متفوهة ببكاء:
"يعني هو خدعني طول السنين دي كلها، ده أنا لحد اللحظة دي مخلصة ليه!!"
"حرمت نفسي من كل شيء حتى إنت عشان وجع ضميري!!!"
"أنا كنت بروح لدكتور نفسي يعالجني من اللي عشته على ايده ومتكلمتش بنص كلمة!!"
"كان بيلاعبني!! بيلاعب أعصابي بكلامه ونظراته وهو عارف باللي كان بينا!!!"
والتفتت لأحمد تشير بيدها على الباب وتضحك بانهيار مزق قلبه:
"ده أنا سايبه صوره في كل مكان حتى جناحي عشان مديش فرصة لنفسي إني أعيش حياتي وأنساه."
ورفعت كلتا يديها له:
"دفنتك بايدي يا أحمد عشان مدلكش الفرصة إنك تقربلي!!"
"يعني انا كنت بعاقب مين طول السنين دي كلها! بعاقب نفسي أنا!! بعاقب مين قولي؟؟؟"
ولعقت شفتيها الجافة الحاملة لملوحة دموعها، ورددت ببسمة وجع:
"طب إنت ليه سبتني أعاني طول السنين دي ومتكلمتش؟! طيب أنا المفروض أزعل منك وأعاقبك بكام سنة تانية والعمر خلاص مبقاش فيه أكتر من اللي راح!!!! قولى آنت أعاقبك بأيه على سكوتك كل ده، أنا حتى مش عارفة إنت مظلوم ولا ظالم يا أحمد، أنا حاسة بوجع أكبر من الأول، كأن اليوم اللي سبت ايدي فيه وسبتني بتزفله بيتعاد تاني قدامي، وأنا عاجزة.. آآ.. أنا عاجزة يا أحمد!!"
ومزقت شفتيها بضغط أسنانها وهي تصيح بحقد:
"أنا بكرهه والمفروض ده اللي كان يحصل طول السنين دي."
برق بحدقتيه وأسرع إليها يتوسل لها:
"سامحيه يا فريدة هو خلاص مبقاش بينا، عشان خاطري متندمنيش إني صارحتك بالحقيقة إنتي كده بتأكديلي إني كنت صح لما خبيت عنك."
منحته نظرة قبضت قلبه، حينما تجمدت دموعها وحررت صرخات الأنثى القابعة داخلها:
"لو هيقف على باب الجنة وسماحي ليه اللي هيدخله مش هسامحه، سامعني عمري ما هسامحه يا أحمد."
وتركته وهرولت لجناحها بشكلٍ جعله يندفع خلفها وهو يناديها بلهفة:
"فريدة استني، اسمعيني!"
أغلقت بابها بوجهه، وتبقى بالخارج يدق بابها بقوة ازدادت بعنف حينما تسلل له صوت تحطيم زجاج قوي يأتي من الداخل فصرخ بفزعٍ:
"فريدة افتحي الباب ده، عشان خاطري بلاش تأذي نفسك."
وطرق مجددًا بقوة:
"افتحيلي أنا مش هقدر أستحمل وجع تاني ارحميني يا فريدة وافتحي!"
واسند جبينه للباب وهو يردد بصوتٍ متقطع:
"يا ريتني مقولتلك الحقيقة، ارجعي اكرهيني أفصل من العذاب ده... افتحي عشان خاطري."
تراجع أحمد للخلف واندفع بكل قوته تجاه الباب، مرة فالاخرى، مرات متتالية حتى استجاب له أخيرًا.
الزجاج المحطم يشمل الجناح بأكمله، صور أخيه التي تملأه مكسورة بين الارجاء، تفادت ساقيه الزجاج باحثًا عنها، حتى سقطت عينيها عليها تجلس بين الشظايا المحطمة تحتضن جسمها الذي يهتز بعنفٍ أختلج له قلبه، فمر من جوار الزجاج حتى بات ينحني أمامها، يرفع وجهها الباكي لوجهه المتشنج من فرط خوفه عليها، جلى صوته المحتقن قائلًا:
"حقك على قلبي أنا، غلط سالم وظلمي ليكي أي شيء تعبك وقهرك حقك عليا أنا آسف على الوجع اللي عشتيه، والله أنا كمان كنت بعاني وموجوع زيك بالظبط يا فريدة، أنا كمان اتداس عليا من أخويا، كفايا إني كنت السبب في موافقتك على الجواز، انا عشت بتألم وبعاني لحد اللحظة اللي أنا شايفك فيها منهارة، الكلام اللي حكتيه عن طبيعة العلاقة بينكم قتلني، حقك بيتخلص مني يا فريدة، ولو شايفة إن ده قليل عليا عاقبيني وأنا جاهز والله."
أخفضت رأسها للأسفل وهزت جسدها مجددًا بصمتٍ جعله يخبرها بقهر:
"اعتبريني سالم وعاقبيني، أو وأنا أحمد عاقبيني العقاب اللي يريح قلبك حتى لو هنفترق تاني بس بلاش تعملي كده في نفسك."
رفعت عينيها إليه وقد تمرد الدمع على وجنتها، فخرج همسها الخافت تترجاه:
"طلعني من الأوضة دي يا أحمد، مش عايزة أفضل بالبيت ده، من فضلك خرجني من هنا، كل ركن هنا بيخنقني!"
ضمها إليه بقوةٍ جعلتها تبكي وهي تتشبث به، بينما الأخر يكبت بكائه ويعاكسه دمعاته المنسدلة على كتفيها، وصوته الذي مزقها دون رأفة:
"من بكره الصبح البيت اللي تختاريه هيكون ملكك يا فريدة."
ونهض يحملها بين ذراعيه متفاديًا الزجاج حتى خرج بها لغرفته بالطابق العلوي من جديد، وضعها على الفراش وداثرها بالغطاء ومن ثم تمدد لجوارها يربت على كتفها بحنانٍ، فانزوت بأحضانه تتشبث به هامسة بألمٍ:
"متبعدش عني تاني، خليك معايا متسبنيش!"
مال برأسه على كتفها يخبرها بصوته المنخفض:
"السنين دي بكل اللي حصل فيها ومبعدتش تفتكري بعد ما بقيتي ملكي وحلالي هبعد يا فريدة هانم!"
ابتسمت من بين دموعها، ورفعت وجهها له تتمعن بعينيه بعشقٍ جعله يضعف رغمًا عنه، فخشى الاقتراب وهي بتلك الحالة ولكنها سبقته على عتبة الغرام تستجديه حبًا فأتاها مرحبًا بصدرٍ رحب يقتطف ثمار عشقهما الذي طال عليه الفراق والوجع، طالت بهما الرحلة وجاهد بها أحمد للثبات دون تلك الآلآم التي تخترق قلبه، وحينما حصل عليها بالكامل وغفت لنومها بقى مستيقظًا دمعاته تنهمر على وجهه الصافن بسقف الغرفة بألمٍ، فمال بجسده إليها يراقب وجهها بوجع، يتذكر ما حدث بينهما منذ قليل بعذاب يزيد من وجعه ودموعه.
فكلما كانت تنغمس معه بين اوردة العشق كانت تفيق بهلعٍ تتمعن بوجهه بخوفٍ تمكن برؤيته داخل حدقتيه، وحينما تطمئن بأنه أحمد حبيبها وليس زوجها السابق كانت تستكين بين ذراعيه.
تذكر كلماته الهامسة لها:
"سالم مبقاش له وجود يا فريدة، أنا اللي جنبك ومعاكي يا حبيبتي!"
جذبها وهي غافلة ليضمها، مرددًا بوهن انتابه كليًا:
"اتحملتي كل ده إزاي!! أنا اللي كان مصبرني إني كنت بشوفك قوية قدامي، طريقتك مع أولادك وفي كل شيء خلاني محسش أنك مدارية كل ده عني!!"
وتابع بحزنٍ:
"يا ترى هقدر أعوضك عن كل ده؟!"
رواية صرخات انثى الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ايه محمد رفعت
مضى عهدًا طويلًا لم تخرج للتنزه برفقة أحد. أخر مرة كان يصطحبها والدها ويومها تعرضت للاختطاف، واليوم تندمس كل تلك الذكريات السيئة وتجددها تلك الذكريات التي يتركها علي لها.
تراه منسجمًا بالحديث والشرح التفصيلي لشقيقتها، وكلما ابتسم لها وهو يستمع لحوارها المشاكس يخفق قلبها هي وكأن تلك الابتسامة البشوشة لها هي. تشعر بتلك اللحظة بامتنانٍ كبيرًا لوجوده. فاليوم ولأول مرة ترى أختها سعيدة لتلك الدرجة، وكأنها لمست بـ علي الأب والأخ الحنون الذي تفتقدهم. فبالرغم من امتلاكهم للاشقاء الا أنهم لم يبالوا بهن، كُل يجري لمسعاه الشخصي وكأنهم لم يمتلكن شقيقات أبدًا، لذا كانت فاطمة تشعر بكل تلك الاحاسيس التي ترافق زينب تجاه زوجها.
مضت الساعات ولم يمل علي من أسئلتها الفضولية لمعرفة كل ركن بانجلترا، حتى استقر بهم رحلة المشي القاتلة بأحد المطاعم الشهيرة ببيع المثلجات والحلوى. جلسوا على احدى الطاولات الخارجية للمطعم بناء على طلب زينب التي أرادت تفحص وجهة المارة أمام عينيها. فطلب لهم علي الحلوى وبعض العصائر الذي يمتاز المحل بصنعها.
فوضعت زينب حقيبتها على الطاولة الزجاجية وقالت بحماسٍ:
"اليوم كان حلو بشكل مش معقول، شكرًا يا علي أنا أول مرة أنبسط كده وشكلي كده هستغلك في خروجات كتيرة."
ابتسم بجاذبيته، وانحنى ليستند على الطاولة، مرددًا بهدوء رزين:
"في أي وقت تحبي تخرجي فيه أنا تحت أمرك يا زينب، زيك زي شمس طلباتك كلها مجابه!"
اتسعت ابتسامتها وأشارت لفاطمة بمرحٍ:
"هو في كده!! نوعية الرجالة دي انقرضت من أيام الحرب العالمية."
ضحكت فاطمة وشاركتها شمس التي نهضت تنحني طابعة قبلة على خد أخيها قائلة:
"علي ده مفيش أحن من قلبه، اساليني أنا."
تنحنح بحرجٍ من فعلة شقيقته بمكانٍ عام هكذا، وردد بخشونة يفتقد إليها لتخفي خجله:
"شمس مش كنتي حابة تشتري فستان عشان عيد ميلاد صديقتك، المحل قدامنا أهو روحي اختاريلك واحد ولما تخلصي ابعتيلي رسالة أجيلك."
تلألأت حدقتيها بفرحةٍ، ونهضت تصفق بسعادة:
"هطول شوية بس ولا يهمني."
وتركتهم ورحلت قاصدة محل الملابس الفخم الموازي للمطعم، بينما خطفت زينب نظرة للمطعم من الداخل، فوجدته يمتلئ بالطاولات والزبائن وأكثر ما لفت انتباهها تجمهر عدد ضخم من الناس أمام ثلاجات ضخمة تقدم المثلجات. فنهضت تشير لفاطمة:
"ثواني وراجعة يا فطيمة."
سألتها باستغرابٍ وهي تجدها تجذب المال من حقيبتها:
"رايحة فين يا زينب؟"
مالت برأسها للداخل وهي تجيبها:
"هجيب أيس كريم من ده وراجعة."
نهض علي عن مقعده مغلقًا زر بذلته الآنيقة، قائلًا لها بابتسامة صغيرة:
"خليكِ مع فطيمة وأنا هجبلك أحسن أيس كريم في انجلترا كلها."
أمسكت بذراعه تستوقفه، وتقدمته قائلة:
"لا أنا اللي عايزة أجيب، عندي طلبات مخصصة."
ومالت إليه تعنفه بغيظٍ وصوتها يكاد أن يمد ذراعه عليه:
"إنت ليه مش بتستغل الفرص، شمس مش هنا ولا أنا حاول تكون ذكي وخبيث زي الشباب يا جوز أختي!"
برق لبرهةٍ بدهشةٍ، وانتهى به الحال بوقوعه ضاحكًا، ليحرر صوته العميق بصعوبة لها:
"حاضر يا زينب، هستغلها حاضر."
منحته ابتسامة واسعة وغمزت له بمشاكستها:
"أيوه كده.. ارجعلها بقى وأنا هغطس بين الزحام ده."
وعادت تسأله باهتمامٍ:
"أجبلك؟"
هز رأسه نافيًا وهو يستعد لعودته للطاولة، فما أن احتل مقعده حتى سألته فاطمة بفضول:
"كانت بتقولك أيه؟"
رفع رماديته إليها وهو يجاهد منع ضحكاته للخروج:
"أستغل الفرص إنك معايا لوحدينا!"
منحته نظرة بلهاء وانهمرت ضاحكة فتابعها ببسمة اتسعت لمشاركتها الضحك، وقال بعدم تصديق:
"زينب مختلفة عنك كتير يا فطيمة، بحاول أستوعب إنكم أخوات بس مش جاية معايا."
حملت كوب العصير ترتشف بضعة قطرات ومن ثم قالت بخجل:
"إنت كمان مختلف جدًا عن عمران أخوك، يعني محدش يقدر يخمن أنكم أخوات خالص، يمكن الشبه بس اللي يساعد."
هز رأسه بتأكيدٍ لحديثها، وجذب الكوب خاصته يرتشفه على مهلٍ وعينيه لا تفارقها، إلى أن قالت بحزن:
"مراد مشى من غير ما أودعه.. زعلت أوي بجد."
تسللت يده لتحتضن كفها المحاوط للكوب وإبهامه يتحرك على أصابعها برقة جعلت جسدها يقشعر جراء لمسته، فرفعت عسليتها إليه، تتساءل عن سبب ذاك الحنان المفاجئ منه، فابتسم وهو يخفض من صوته بشكلٍ مثيرٍ:
"ولو افترق عنك كل الاحباب أنا موجود جنبك، وجودي مش كافي ليكِ يا فطيمة؟"
ابتلعت ريقها الجاف بتريثٍ، فسحبت كفها بخجلٍ وأفلتت بسمة خافتة لتلتهي بسؤالها:
"هو إنت كنت تعرف مراد قبل كده؟"
لمساته لم تستقبلها الا بالخجل كأي فتاة يقتحمها مشاعر الحب العذري لأول مرة، لم تكن تتقزز أو ترتجف خوفًا من اقترابه أبدًا، وذاك كان يبعث السرور داخله بأنه يحظى بمكانة يعلم بأنه من الصعب الحصول عليها مع حالة مثل حالتها.
أجلى صوته الرخيم يجيبها:
"أعرفه من زمان، مراد ابنة خالة دكتورة يارا اللي كانت خطيبتي، وهي نفسها اللي كانت مسؤولة عن حالتك بمصر قبل ما أستلم حالتك، فاكراها يا فطيمة؟"
هزت رأسها بتأكيدٍ، ورددت بثبات مخادع تحاول دفن غيرتها الغريبة التي تهاجمها:
"ليه مكملتوش مع بعض؟" وتابعت وهي تقلب الشاليموه بالعصير كمحاولة للفرار من رماديته التي تحاصرها: "يعني دكتورة يارا كانت جميلة وتتحب أيه اللي يخليكم تنفصلوا!"
توسعت حدقتيه بشكلٍ ملحوظ وعقله يحاول استيعاب رؤية تلك الغيرة التي تهاجمها، ابتسم علي وتخبطت كلماته، حتى بدى صمته غير مقبولًا لتلك التي تنتظر سماع اجابته، تنحنح وهو يستعيد كامل هدوئه، ليجيبها بتمهلٍ وحذر:
"أنا ودكتورة يارا كنا أصدقاء يا فطيمة، أنا عندي مستشفى هنا بانجلترا مكنتش قادر أديرها لوحدي، فيارا كانت بتساعدني فيها من أول ما فتحتها، العلاقة بينا ابتدت تتطور لحد ما بقينا فاهمين بعض أوي في الشغل، وواحدة واحدة بقينا نعرف عن بعض التفاصيل الشخصية."
واستطرد بعدما ارتشف من كوبه القليل:
"العلاقة موصلتش بينا للحب، مجرد اتنين متفاهمين وقارين دماغ بعض، ولما الوقت المناسب جاني للجواز لقيتها المناسبة ليا، اتخطبنا وبعدها نزلت انشغلت مع مراد في كذه حوار، وسافرت مصر عشان تعالج مرات أخوه اللي اسمه رحيم زيدان أعتقد، وهناك اتعرفت على واحد من عيلة زيدان إسمه مروان وحبوا بعض."
رفع علي عينيه إليها يتمعن بعسليتها ليخبرها بما هو أتي على لسانه:
"مكنتش ملاك يا فاطمة، لما عرفت اتنرفزت جدًا ومكنتش عارف اللي أنا حاسس بيه ده أيه، يمكن حب يمكن تعلق، يمكن غضب إن خطيبتي اللي المفروض هتكون زوجتي بعد كام شهر واقعة في حب واحد غيري."
لعقت شفتيها بارتباك وصل بنبرتها المتسائلة:
"وبعدين؟"
ابتسم وهو يجيبها:
"مفيش.. بالبداية حصل بينا زعل كبير لدرجة إن كان في بيني وبين مروان خناقة كبيرة، كنا هنموت بعض حرفيًا، بس بعدها لما هديت واتوجهنا أنا ويارا وسمعتها، بدأت أتقبل كلامها، لانها كانت زيي مرتبكة ومتعرفش تفرق بين الحب والصداقة، هو نجح يميل قلبها ويخليها تتخلى عن كل شيء عشانه.."
واستكمل وأصابعه تلهو بدبلته الفضية المحاطة لاصبعه:
"مراد قابلني واعتذرلي على سوء التفاهم اللي حصل وطلب مني مبعدش عن يارا وأكون صديقها الدائم زي ما اتعودت أكون، وفعلًا رجعت علاقتنا زي الأول ووقفت جنبها طول الفترة اللي كانت مشغولة فيها بتحضيرات جوازها كنت أنا بدير العيادة بتاعتها والحالات اللي هي متابعاها، وهناك شوفتك يا فطيمة، ومن أول ما عنيا لمحتك حسيت إن قلبي اتحرك من مكانه، كان عندي فضول كبير أعرف حكايتك وأيه اللي وصلك لكده، كنت فاكر أن ده كله حماس إني اعالجك بس الموضوع طلع أكبر من كده بكتير."
وتلك المرة قبض على يدها بقوةٍ تبث لها مشاعره الصادقة، المنفلتة بعينيه ولمسته وحديثه:
"وأنا جنبك بحس إني مكتمل، مببقاش عايز أي شيء غير إني أتأملك، سكون ملامحك وهدوئك كان بيخليني أحس بسلام نفسي، وظهورك في الوقت ده كأنه إشارة من ربنا إنك هتكونيلي الزوجة اللي عفيت نفسي طول السنين دي عشانها."
لما سلمت الشغل ليارا وسبت مصر طلبت منها ومن مراد بشكل شخصي إني أتابع حالتك، كنت خايف مراد يرفض وقتها كان ممكن اتخلى عن المستشفى وعن كل حاجة عشان أكون جنبك يا فطيمة، ولما سفرت انجلترا كنتي معايا في المستشفى بتاعتي لشهرين، وقتها محستش نفسي قادر أديرها لوحدي فرجعت لشغلي من تاني وإنتي بردو معايا، كنتي معايا بكل مكان أروحه كأنك بنتي اللي خايف أسيبها في أي مكان فتضيع مني، أنا أغلب وقتي كنت بقضيه جنبك على الكرسي، بحكيلك عن يومي ونفسي وذكرياتي، كان نفسي تفوقي عشان اصارحك بحبي وأطلبك للجواز، كنت ضعيف يا فطيمة بحاول أمنع عيني تبصلك ومش قادر أعملها!!"
خفق قلبها بقوةٍ جعلتها لا تدري لماذا شعرت بأنها تود هي أن تحتضنه بتلك اللحظة، وجدت أبسط الأشياء التي تعبر له عن حبها وامتنانها بمسكة يده التي تشدد على يدها، فرفعت يدها الاخرى تحاوط كفه الممسك بكفها، وهمست له على استحياءٍ:
"كنت حاسة بيك يا علي، اليوم اللي كنت بتفضل فيه جنبي مكنتش الكوابيس بتجيني، بمجرد ما بحس بيك جنبي كنت بطمن ومببقاش عايزة أي حاجة غير وجودك جنبي... علي أنا آآ... حبيتك من أول ما ابتديت تكلمني كل يوم، اتعودت أسمعك وأحس بيك، لما كانت الممرضات بيطلبوا منك تخرج كان نفسي أصرخ وأقولك متسبنيش، كان عندي فضول أشوف شكلك وبسأل نفسي يا ترى زي ما أنا بتخيلك!"
انهمرت دمعة من عينيه وأنفاسه تقترب منها، ود لو أن اعترافاتهم تلك كانت تجمعهم بالمنزل، ربما حينها كان ليضمها إليه بصدرٍ رحب، همس لها بصوتٍ أجش يتأثر بعاطفته:
"بحبك.. وهعيش عمري كله علشانك إنتي، ولو في يوم ربنا من عليا وجمعنا روح واحدة مش هيكونلي امنيات تانية طول ما أنا عايش، بدعي في كل صلاتي إنك متشوفيش كوابيسك دي تاني لإنها بتقتلني وبتحسسني بعجزي، بتوجع لما بلجئ لحقن المهدئات وبتمنى أكون أنا المهدأ والمداوي لكل جروحك.. أنا مش طماع جاهز ومستعد لكل تقلباتك ونوباتك، حتى لو بعدتي عني كفايا إن عيني بتضمك كل يوم، كفايا إني بتنفس من الهوا نفسه اللي بتنفسيه، أقسملك إني عاشق وعشقي مالوش دوى غير وجودك في حياتي يا فاطمة!"
تدفقت دموعها وشهقاتها تعلو رويدًا رويدًا، فتلفتت حولها بارتباكٍ، ثم عادت تتمعن به هامسة ببسمة تخالف بكائها:
"ممكن تخدني في حضنك؟"
رغم اندهاشه المفاجئ من طلبها الا أنها ترك مقعده واستل مقعد زينب المجاور لفاطمة، وجذبها إليه بكل قوته، يربت عليها بكل ما امتلكه من حبٍ وعشقٍ دفن لها هي!
***
بحثت بين الفساتين حتى وجدت فستانًا رقيقًا للغاية، تعمدت أن تنقي اللون الأسود الذي يعشقه آدهم، فالتقطته وإتجهت لتجربه، فولجت لأحد غرف ارتداء الملابس وما كادت باغلاق بابها حتى وجدت شخصًا غريبًا يقتحمها. وقبل أن تصرخ وجدته يكمم فمها ويسرع بالحديث اللاهث من فرط ركضها:
"اهدي يا شمس متخافيش أنا مش هأذيكي، أنا فؤاد واحد من فريق عمر الرشيدي."
هدأت تعابيرها المشدودة حينما تمعنت به، سبق لها التعرف عليه سابقًا وقص لها آدهم عنه، وما أن رآها هدأت بالفعل من أمامه حتى حرر يده ليسرع بالاعتذار:
"أنا آسف إني دخلتلك بالشكل ده بس صدقيني غصب عني، مفيش عندي أي حل تاني غير إني ألجئ ليكي يمكن تقدري تقنعي عمر باشا وتخليه يتراجع عن اللي في دماغه."
رددت بتيهةٍ:
"عمر باشا! آدهم؟"
هز رأسه لها، وقال باستفاضةٍ:
"الاوامر جاتلنا بالانسحاب من المهمة، بس الباشا رافض وطلب مني أنا وباقي الفريق بالانسحاب ومصمم يكمل المهمة لوحده، الانتقام اللي جواه مش مخليه يسمع لحد، عايز يوصل للملف لوحده بيعرض نفسه للخطر ورفض إننا حتى نشاركه، أرجوكي يا شمس اتكلمي معاه يمكن تقنعيه، بلاش يضيع نفسه راكان كده كده هيتقبض عليه واللي وراه أكيد حد من الجهاز هيكمل بدالنا وهنجيبهم."
جحظت عينيها صدمة لما تتلاقاه الآن من صدماتٍ قاتلة، يريد منهم الانسحاب ليحارب بمفرده! تبًا لذاك الرجل الذي سيجعلها تجن بكل تأكيد!
ازدردت ريقها واستعادت ثبات انفعالاتها قائلة:
"روح إنت وأنا أوعدك هحاول معاه."
غادر فؤاد على الفور وتبقت هي بالداخل تفكر بما ينتابها بتلك اللحظة، إن حصل آدهم على الملف سيكون بأمان، سينسحب برفقة فريفه دون أن يعلم أحد بالأمر، ربما تتمكن هي من الحصول عليه دون أن تعرضه لخطرٍ هكذا!!
تركت الفستان من يدها وخرجت تركض من الباب الخلفي للمحل حتى لا يراها علي، استقلت سيارة أجرة ووجهت السائق بالتحرك لقصر راكان، لا تعلم أي قوة تدفعها هذا وهي أضعف من عصفورًا هزيلًا..
اكتفت بإرسال رسالة مختصرة لأخيها تعمدت كتابتها حتى لا يفضحها سماع صوتها فيلمس على كذبها.
"علي أنا في مشوار مع صديقة ليا قابلتها بالاتليه، إرجع إنت البيت وأنا مش هتأخر."
***
وأخيرًا بعد نصف ساعة تمكنت أخيرًا من الحصول على طلبها، مثلجات لذيذة بطعم الڤانيلا مثلما أرادت. تفادت زينب الصف المتكدس وكانت بطريقها للخارج، فاندفع إليها ذاك الحائط السد الذي خرج من العدم ليدمس المثلجات على كتف فستانها دون قصدًا منه.
شهقت بصدمة واعترتها عاصفة قاتلة، لم ينتزع فستانها الجديد فحسب بل المثلجات التي حصلت عليها بعد طابور من الكتل البشرية لتحصل أخيرًت على مرادها، رفعت عينيها النافذة لذاك الشاب الضخم المقابل لها، فصرخت بكل عصبية:
"أيها الأبله ألا ترى أمامك!! نزعت فستاني الرقيق ومُثلجاتي، ماذا تظن نفسك فاعلًا!!"
انزوت حاجبيه بتكشيرة عظيمة، وصاح باحتقان يلتمع بصوته الرجولي:
"ما بكِ يا امرأة وكأنني ألقيت عليكي نيزك ناري من السماء!! الأمر لا يستدعي كل تلك العصبية."
وحمل المحارم ودفعها بوجهها قائلًا:
"خذي هذا وأزيحي المثلجات وانتهى الأمر!!"
كزت على أسنانها بغضبٍ قاتل واندفعت تهاجمه بلسانها السليط:
"إنت حقيرًا يا هذا، ألا تجد طريقة لطيفة للاعتذار، أراك فجًا سليط القلب وأعمى البصيرة."
كاد بأن يخرج ما كبت داخله من غضبٍ مستعار يقابله بهذا اليوم بالتحديد، فأتاه صديقه يهرول مناديًا:
"أيوب اهدى مش كده!!!"
ردد له من بين اصطكاك أسنانه:
"مانتش شايف بتكلمني كدليه، لو قتلتها قتيل مش هتكلمني كده!!!"
تعجبت من حديثه العربي ولصدمتها بأنه عربيًا! الا يجيد الاعتذار، الا يرى حجابها وملامحها الشرقية الذي تؤكد عروبتها، لماذا ذاك المغرور مندفعًا هكذا!
أفاقت زينب على صوت صديقه الذي ردد ببسمة بشوشة:
"عذرًا منكِ آنستي، أعتذر منكِ نيابة عن أيوب صديقي، هو شخصًا نبيلًا ولكنه اليوم مزاجه سييء للغاية، أعتذر مجددًا."
كان لابقًا بحديثه واعتذاره الذي رضى كبريائها كأنثى، ولكنها عاندت مرددة بالعربية:
"اعتذاره مش مقبول، أنا وقفت ساعتين علشان أخد دوري، وهقبل منه العوض.. حالًا يقف بالصف ويجبلي آيس كريم بالڤانيلا بدل اللي وقع ده."
برق بفيروزته بحدةٍ لحقت لسانه:
"بما إنك بتفهمي عربي، فهقولهالك بكل اللغات، مبسمحش لنفسي أختلط بالحريم عشان أعوض جنابك على الآيس كريم المعجون بمية الدهب اللي هنتحري وراه!"
أشارت لصديقه بغيظٍ:
"شوفت وقاحته!!"
ابتسم ذاك الوسيم وبرر لها بلطافته:
"متزعليش أنا هجبلك الآيس كريم لحد عندك."
جذبه أيوب بضيق:
"تجيب أيه؟"
منحه نظرة صارمة، ولقن أوامره:
"روح إنت يا أيوب استناني على التربيزة وأنا دقايق وراجعلك."
منحها نظرة مغتاظة وانسحب للطاولة دون أن يضيف كلمة واحدة، فجلست زينب تنتظر ذاك الغريب بجلب لها مثلجاتها التي لم تحظى حتى بتذوق طعمها، وبعد دقائق عاد يقدم لها ما بيده قائلًا بابتسامته الجذابة:
"اتفضلي يا آنسة، آيس كريم بالڤانيلا زي ما طلبتي."
منحته ابتسامة رقيقة، وشكرته بامتنان:
"شكرًا ليك بجد إنت ذوق أوي عكس صاحبك الدبش ده شكله مش بيفهم في الذوق أصلًا."
تعالت ضحكاته الرجولية، فهندم قميصه المفتوح وأسفله تيشرته الابيض المرسوم بحرافية، قائلًا:
"أيوب لا إنتي ظلماه هو بس حاصل معاه موقف مخليه مش طايق نفسه، وعمومًا بتمنى إنك تقبلي اعتذاري."
كادت بأن تجيبه ولكن قطعها صوت هذا المغرور من وجهة نظرها:
"ما تنجز يا سيف، هتقف معاها طول اليوم ولا أيه!!!"
قدم لها سيف المثلجات فقالت بنفور وهي تتطلع على من يعتلي الطاولة ويرمقها بغضب:
"مش قولتلك إنه قليل الذوق،اسمع نصيحتي وفكك منه،شكلك إنسان محترم وابن ناس وصحبة السوء هتعديك صدقني."
انفجر ضاحكًا على حديثها، وبصعوبة حرر صوته من بين ضحكاته الرجولية:
"إنتي ظالماه، أيوب شاب محترم ومتدين جدًا، والده شيخ أزهري ووالدته ست محترمة، هو بس زي ما قولتلك هو حاصل معاه شيء مخليه على وشك إنه يقتلني أنا شخصيًا، وعمومًا فرصة سعيدة يا آنسة.."
ودعها بابتسامة صغيرة وعينيه تنخفض عنها أرضًا، وفور ابتعاده رددت بهيامٍ وعينيها تتابعه دون إرادة منها:
"سيف!! اسمه حلو، وعنده عضلات وفوق كل ده ذوق بكلامه وشيك جدًا!"
وتنحنحت بخفوت:
"يالهوي فطيمة هتولع فيا لو سمعتني بعاكس الواد!! هتقول أيه عليا انحرفت من بعدها!"
وأسرعت بالخروج مرددة بضيق:
"استغفر الله الواد فتنة متنقلة، لطفك بيا يا رررب."
***
سحب سيف المقعد المقابل لأيوب الذي يمنحه نظرة تكاد تفتك به، فاحتبسه داخله وصاح بسخط:
"عجبتك الواقفة معاها ولا أيه يا محترم!"
ضحك وهو لا يصدق بأنه ينجرف للمزح بحالته تلك، وقال ساخرًا:
"دي جزاءة اللي يلم وراك يعني."
واستطرد بمرحٍ:
"آه لو يوسف لمحني واقف معاه كان زمانه جاب المأذون واتنين شهود وخلاني أكتب عليها وقتي، حاسس إنه عايز يتخلص مني بأي شكل."
هدأت معالمه المتعصبة، ومنحه ابتسامة وهو يقول:
"يوسف ده شخص عظيم، بيحبك وبيخاف عليك خصوصًا إننا عايشين هنا وسط الرزيلة يا سيف، أنا والدي مش مبطل يكلمني ونفسه أخلص السنة الاخيرة دي بفارغ الصبر وأرجع مصر."
ابتسم له بلطفٍ وقال:
"هانت وتخلص الهندسة وتبقى أعظم مهندس بمصر كلها."
تلاشت بسمة أيوب بشكلٍ مقبض مما دفع الأخر بتساءل بشكٍ:
"مالك يا أيوب، إنت من وقت ما خرجنا وإنت مش طبيعي.. هو الولد العبراني اللي اسمه آران ده أهله لسه بيلاحقوك بردو."
أجابه بتشدد بدى بانقباض ملامحه:
"الله يرحمه.. إسمه محمد يا سيف أسلم قبل ما يموت ربنا يحسن مثواه."
غيمت حدقتيه التي تحاول استكشاف الغموض خلف أيوب، فقالها مباشرة:
"أخته لسه بتطاردك؟!"
زم شفتيه وسحب نفسًا طويلًا، يخفي ارتباكه، بينما صاح الاخير بخوف:
"مخبي أيه عليا يا أيوب!!"
تنهد بيأس وأفاض له:
"مش قادرة تستوعب إن عمها هو اللي قتله عشان أسلم، مفكراني أجبرته يدخل الاسلام، بتطاردني بكل مكان وعايزة تقتلني هي وعمها، والمصيبة بقى إن محمد قبل ما يموت وصاني عليها وقالي آديرا أمانة في رقبتك!"
(قريبًا نوڤيلا خاصة بأيوب سبق الاعلان عنها بإسم #آديرا.. #حبيبتي_العبرية..)
طال صمت سيف وهو يحاول استكشاف ما يحدث مع رفيقه المتدين، فصاح به:
"أيوب أوعى يكون اللي في دماغي صح!!!"
طرق على الطاولة بنفاذ صبر:
"سيف أنا مش ناقص، أنا من الصبح عمال يجيني رسايل تهديد من عمه ده، وقبل ما أجيلك بنص ساعة البنت دي هاجمتني بسلاح أبيض وأنا عاجز حتى أدافع عن نفسي مش لأن أخوها أمني عليها عشان دي بالنهاية بنت!"
كبت ضحكته بصعوبة وهو يطلق سؤاله:
"طب هربت منها ازاي!"
زوى فمه بتهكمٍ وهو يشير للجانب الاخر:
"متزفتش أهي واقفة بره تراقبني ومستنية فرصة تانية تهاجمني، أنا بقيت متعود أتهاجم منها أربع مرات في اليوم، مبقتش عارف انزل الجامعة ولا انزل الشغل، وقفتها امبارح وقولتلها تقتلني وتخلص خليها ترتاح وتريحني."
سقط بنوبة من الضحك، وساوره بسؤاله القادم:
"طيب لسه واقف قدامي ازاي، الطبيعي انها هجمتك بالفعل."
نفى بسخط:
"ايدها رعشت قدامي ومقدرتش تقتلني، فاديتها فرصة للنهاردة وقولتلها هنزل الجامعة الساعة ١٢ لقيتها مستياني وبردو فشلت، وحاليًا بتشرب قهوة بره تروق اعصابها عشان تقتلني بمزاج!!"
سقط عن مقعده ونهض يلتفت حوله بصدمة:
"هنا فين!! انت بتهزر يا أيوب."
مرر يديه بشعره البني يعيد ترتيبه وهو يجيبه بارهاق:
"يا ريته كان هزار، أنا بعاني بره ودخلت جوه أقابل المجنونة دي كمان أصل أنا ناقص!!"
وتابع ببعض الهدوء:
"أنا فعلًا كنت سخيف معاها بس هعمل أيه، أنا واحد قايم نايم بتهدد بالموت ودي جاية تقولي آيس كريم!!"
نهض سيف يجذب مفاتيحه وهاتفه، وجذب يده قائلًا بقلق:
"قوم معايا إنت مستحيل ترجع شقتك، إنت هتقعد معايا كام يوم."
سحب يده منه قائلًا بجدية:
"مش هقبل أعرض حياتك للخطر يا سيف، دي مشاكلي وأنا قادر أحلها، وبعدين الاعمار بيد الله عز وجل لو كاتبلي أموت في أرضي هموت، ولو كاتبلي أموت حالًا وأنا بكلمك هموت"
وتابع بحزن:
"أنا معملتش شيء أندم عليه محمد كان عايز اللي ياخد يده للطريق وأنا ربنا اختصني وكنت النور ليه."
وقال وهو يجاهد ألم فراقه:
"أنا لحد النهاردة حزين على الطريق البشعة اللي اتقتل بيها، واللي وجعني إنه وصاني على أخته وأنا عاجز ومش قادر حتى أتعامل معاها مهما كان دي يــهودية يا سيف."
وردد هامسًا:
"بتمنى السنة الاخيرة ليا تنتهي على خير لإني خلاص تعبت!"
صمم سيف عليه:
"طب قوم معايا هنروح نرتاح شوية وروح بليل."
كاد بالاعتراض ولكنه أمسك يده وأرغمه على تتبعه فما ان خرج من الباب الخلفي للمطعم حتى سمع صوت خطوات تركض تجاههما برشاقة وصوتًا انوثي رقيق ينادي:
"أنت!! يا هذا!"
وقف أيوب بمللٍ، واستدار لصاحبة الصوت الذي يعرفها جيدًا، فقال بغضب:
"ماذا بعد؟!"
منحته نظرة شرسة من عينيها الخضراء وأشارت له بالاقتراب، فاستأذن من سيف الذي كاد بأن يصيب بذبحة صدرية لما يحدث أمامه، واتجه إليها فوجدها تصيح به:
"ألم يكن هناك اتفاقًا مسبقًا بيننا؟"
مرر يده على طول أنفه، وقال بنزقٍ:
"أتذكر ذلك ولكن الأهم هل إنتي على استعداد لتقومي بها؟"
عبثت بحدقتيها ببعض الخوف، وفتحت حقيبة يدها لتريه ما بحوزتها قائلة:
"انظر اشتريت سلاحًا ناريًا أفضل من السكين، لا أعلم لما أرتجف فور حمله، ربما لا أجد ذلك مع السلاح، ما رأيك؟"
أسبل بعينيه لوهلةٍ، وصاح ساخطًا:
"مهلًا هل تأخذين رأيي بطريقة قتل تناسبني!! هل تمازحيني آديرا!!"
وهمس بتعبٍ:
"أغثني يا الله، أقسم بأنني فقدت صبر أيوب الذي تحللت به منذ الصغر أمام تلك الفتاة المعتوهة، أقتلها أم ماذا!!!"
وتابع وهو يفترسها بنظرة خاطفة:
"من المؤكد بأن دمها حلال فعلى كل حل هي من اليهـ،ـود الجرذان ولكن ماذا بالوعد الذي قطعته لأخيها!!!"
صرخت بوجهه:
"أتحدث نفسك أنت، ابقى بعقلك فمازالت أفكر كيف أنتقم منك، أتعلم السلاح لن يجدي نفعًا، اتركني هنا لبعض الوقت لأفكر بما يناسبك فأنت بالنهاية قاتل أخي!"
زفر بتهكمٍ وقال لها:
"ما رأيك أصعد فوق تلك العمارة وتدفعنيني وربما حينما أنا مش سيحصل على الخلاص؟"
رفعت خضرة عينيها للاعلى تتفحص المسافة ومن ثم رددت بضيق:
"المسافة عالية للغاية ستموت أيها الغبي!"
مرر يده على وجهه مجددًا هاتفًا:
"رحمتك بي يا الله."
عادت تتساءل من جديد:
"هل تذهب لما يسمى المسجد؟"
هز رأسه بتأكيدٍ، فقالت:
"حسنًا سأتي لاقتلك وأنت ساجد حينها سأشعر بالارتياح، ما رأيك!"
التقط نفسًا مطولًا، وجذب حقيبة الظهر التي يحملها، فجذب احد الدفاتر ودون لها شيئًا ثم قدمها لها قائلًا بضيق:
"إليكِ هذا رقمي، سأذهب برفقة صديقي وإن وجدتي طريقتك المناسبة لقتلي هاتفيني، إلى اللقاء آديرا."
وتركها تحمل الورقة وغادر مع سيف الذي كاد عقله بالبزخ ليلطم وجهه ليستوعب ما يحدث، فصاح إليه:
"أنت أيه جننك بالشكل ده إنت كنت عاقل يا أيوب!"
لحق به ودث يديه بجيب جاكيته الرياضي قائلًا بتسلية:
"حبيت اللعبة وحاسس إن الرؤيا اللي بشوفها كل يوم هتتحقق، وتوبتها هتكون على إيدي أنا كمان."
جحظت عينيه صدمة، فصرخ به:
"إنت عايز عيلتها تولع فيك حي، مكفاش التهديدات اللي بتجيلك."
منحه بسمة ساخرة قبل أن يردد:
"اللي معاه ربنا قلبه ميت!"
***
بقصر راكان.
ولجت للداخل تبحث عنه فأخبرها الخادم بأنه بالداخل برفقة أحد الرجال، فذهب ليصنع لها كوبًا من العصير بناء على تعليمات راكان، فتسللت شمس لتلقى سمعها لغرفة مكتبه فوجدت الرجل الذي بالداخل يقول:
"الشرطي الذي يبطل التهريبات والعمليات يدعى عمر الرشيدي!!........"
رواية صرخات انثى الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ايه محمد رفعت
إنحنى عمران على ساق واحدة، ويده تمتد أمام وجهها بابتسامة جذابة، مشيرًا بيده الأخرى لجمال الذي يحاول التفنن بزوايا التصوير:
_ صور حلو يا جيمس، عايزين الحاج يغير ويقيد نار، وهو شايف مزته بتتخطف منه من أول يوم ليها في لندن.
ضحكت أشرقت، والدة جمال، بصوتها كله، ورددت بخجل:
_ إخص عليك يا عمران يا ابني، ما خلاص راحت علينا.
شهق بطريقة أضحكت الجميع من حوله:
_ فشر مين دي اللي راحت عليها، ده أنا لو مكنتش مرتبط كنت فكرت أنزل مصر أقتل الحاج وأرجع أتجوزك بالغصب، والواد جمال يشهد على العقد.
ضحكت حتى أحمر وجهها، والتقطت منه باقة الزهور بنظرة ممتنة، ومن ثم قالت:
_ تصدق يا جمال أني بقالي مع أبوك 42 سنة وعمره ما دخل عليا بحزمة جرجير!!
انفجر يوسف ضاحكًا، وحذرها بتريث:
_ أوعي يا حاجة، الواد عمران ده وقح وعايز يخرب عليكي، يرضيكي تفارقي الحاج بعد 45 سنة جواز!!
لكزه عمران بغضب، ليمنحه كلماته المعتادة:
_ ريح إنت يا دكتور.
وعادت ابتسامته تتسع على وجهه واستكمل وصال مدحه:
_ سيبك منه يا مزتي، وقوليلي الست الوالدة كانت بتقرى الفنجان؟
تساءلت بذهول:
_ لأ يا ابني، مفيش عندنا البدع دي، بس بتسأل ليه؟
أجابها بغمزة ساحرة من رماديته:
_ أصلها مختارلك اسم على مسمى، شكلها كانت عارفة إن شمس جمالك هتشرق في قلبي وقلب الحج اللي قولتيلي اسمه إيه؟
انفجرت ضاحكة حتى أدمعت عينيها، وبصعوبة حتى خرج صوتها:
_ والله ما في بجمال روحك وكلامك يا ابني.
ولكزت جمال ببطنه بغضب:
_ اتعلم منه كلمتين تلفيني بيهم أنا ومراتك يالا.
ضحك الشباب بأكملهم، فصاح يوسف به:
_ أنا بقول كفايا إن الحاجة بنفسها حطتلنا الأكل في الأوضة، كفايا وجودها هنا يا جمال، لإن الحقير ده هيقلبها عليك وهيلبسك في ليلة كبيرة أوي.
رد عليه ساخطًا:
_ لبست ولا كان كان يا دكتور.
كشفت الحاجة أشرقت عن أصناف الطعام، قائلة بمحبة:
_ مدوا إيدكم قبل ما الأكل يبرد، كل يا دكتور يوسف.. كل يا عمران.
منحها ابتسامة واسعة وعينيه تنتقل على أصناف الطعام الشهي، فأشمر عن ساعديه هاتفًا:
_ أيه ده كله، أنا شكلي كده هحتاج أحرق نص وزني بعد ما أنسف كل ده، إنتي جيتي تعوضيني عن الأكل اللي فريدة هانم بتنتقم مني فيه.
ضحكت وهي تراقبه قد بدأ بتناول طعامه بالفعل وقالت:
_ ومامتك سايباك لفريدة هانم دي ليه يا ضنايا، ما تطبخلك هي، أكل الطباخين مر وع وأي طعم.
وزع عمران نظراته الضاحكة بين جمال ويوسف، ثم انفجر ضاحكًا وأخبرها بتريث:
_ لا دي فريدة هانم دي والدتي يا أمي، بس لو عينك لمحتها هتقولي إن أنا اللي أبوها، يعني شكلها يديكي إحساس إنها في الثلاثينات كده، فلقيت نفسي بتكسف أقولها يا ماما.
وجذب يدها التي تضع أمامه إحدى قطع اللحم ليطبع قبلة محبة على كف يدها، قائلًا:
_ بس أنا بقى عند أم جميلة ونفسها حلو بالأكل، وده أهم شيء.
ربتت على ظهره بسعادة عارمة، فمازحها بخفة:
_ اتبري من جمال المعفن ده واتبنيني عندك هنا أسبوعين.
لكزه بضيق:
_ ما تتلم بقى يا عم الوقح، نازل تهزيق فيا من ساعة ما دخلت.
احتلته نظرة ماكرة، ففرك ذراعه وهو يرسم الألم:
_ شوفتي يا أمي الغيرة والحقد فاطين من عينه إزاي.
منحت أشرقت ابنها نظرة قاتلة، اتبعها قولًا صارمًا:
_ اختشي على دمك يا جمال بدل ما أشيل الأكل من قدامك!
تعالت ضحكات يوسف، وانحنى يربت على كتف جمال الذي يكاد فمه يصل للأرض من فرط الصدمة، فأغلق يوسف فك جمال بأصبعه وانحنى يهمس له:
_ متتعزمش عمران في أي مكان فيه حد يخصك، لإن الكاريزما وكلامه الناعم بيغلب قلوب العذارى والسن المبكر والمتأخر، عمران خطر على صنف الحريم كله.
اتجهت نظرات جمال ليوسف وقهقه ضاحكًا، واتبعهما عمران الذي كاد يبصق الطعام من فرط ضحكاته، فابتسمت أشرقت ورددت وهي تراقبهم بحب:
_ ربنا يسعدكم ويديم جمعتكم دايمًا، هطلع أنا أشوف البنات في الصالون.
وتركتهم ورحلت، بينما أشار عمران لهما:
_ يوسف ناولني طاجن الكوارع دي بسرعة قبل ما يبرد.
دفعه يوسف تجاهه وبدا التقزز يحيط به، فدفع عمران ليسأله بذهول:
_ مالك قالب منخيرك كده ليه يا جدع، أوعى تكون الطبقة الارستقراطية الحقيرة دي طبعت عليك!! ولا نسيت أيام ما كنا بنقضيها في المعز والسيدة زينب!!
رد عليه بنفور استحثه بالحديث:
_ معتش ليا بالكلام ده، وبالأخص الطواجن.
رمش ساخرًا، ونهض عن مقعده يجذب طبقين من الأطباق الفارغة المجاورة تجاهه، فوضع قطعة ضخمة وقربها منه أمرًا بحدة:
_ كل يا يوسف، رم عضمك ومتتصعش عليا بالاتيكيت المخادع ده.
دفع يوسف الطبق إليه مرة أخرى:
_ يا عمران مش عايز، أنا خايف وزني يزيد يا عم.
حدجه بنظرة قاتمة اتبعها:
_ تعدمني يالا لو مأكلتوش، عايزني أموت يا جو!
انقبض قلب يوسف، وبدا مندهشًا من تشديده على تناوله للطبق، ظنه كان يمزح ولكن مجمل الكلمة أخذته حتى لو كان يشاكسه، فجذب يوسف الطبق من أمامه وبدأ يتناول ما به، فابتسم عمران بانتصار، واتجهت عينيه لجمال الذي يراقبهما ببسمة جذابة، كالأب الذي يتناول صغاره يتناولون طعام صنع لهم بحب.
وجده عمران لا يتناول شيئًا، فنهض ليضع قطعة بالطبق الآخر وقربها منه مرددًا باستهزاء:
_ جرى إيه انت التاني، عايز عزومة في بيتك، انتوا جايبنا هنا نهزر ولا إيه يا جدعان، أقوم ألم الأكل ده وأخلع!
شرع جمال بتناول طبقه وهي يتابعهما بفرح، ومن بين اندماجهم بالطعام كسر عمران الصمت بينهما قائلًا بوقاحة مازحة:
_ شكل كده الحاجة أشرقت عاملة حسابها إننا عرسان جدد فخاصنا بأكل من اللي هو، بصريح العبارة كده الكوارع دي وراها سر باتع.
ترك جمال الملعقة بصدمة مما يتفوه به، بينما طعنه يوسف بنظرة ساخطة اتبعها نفوره:
_ مش قولتك الواد ده وقح يا جمال، أقسم بالله عايز أقوم أجيبه من رقبته بس للأسف مش فاضي، طاجن الكوارع طلع يستاهل، هات حتة كمان يا وقح!
برق جمال بصدمة من انحلال يوسف خلف عمران بعدما كان يشكو منه منذ قليل، فاستند بيده على جبينه وأخذ يراقبهما بنظرة المغلوب على أمره.
انتهى من تجفيف جسده، وارتدى إحدى البيجامات الرجالية المريحة، ثم اتجه إليها يمرر يده بحنان على صدغها، وصوته الثابت يناديها بحنان:
_ فريدة... حبيبتي اصحي يلا.
رمشت بانزعاج وصل له من صوتها الناعس:
_ سبني يا أحمد، عايزة أنام.
ملس على شعرها برفق وكأنه يدلك فروتها، وعاد لهمسه الدافئ:
_ احنا لسه بالنهار وانتي لجئتي للنوم بدري، قومي خلينيا نقعد مع بعض ونتغدى، مش كنتي بتقولي إنك جعانة!
فتحت عينيها الزرقاء بانزعاج منه، واستقامت بجلستها بعصبية:
_ في إيه يا أحمد ما تسبني أنام وأصحى براحتي.
ضحك وهو يتأمل وجهها العابس، فجذب الطبق الموضوع على الكومود وقرب ملعقته منها بسرعة قبل أن تنفجر به:
_ خلاص كلي اللي في إيدي وهسيبك تكملي نوم، مهو أنا مش هيجيلي قلب أسيبك نايمة من غير أكل.
ابتسمت لسماعها تلك الكلمات الحنونة، فاكتفت بهزة رأسها وتناولت كل ما قدمته لها يده، حتى فرغت من تناول الطبق، فجذب الغطاء يداثرها بحب، وقبلته العميقة تلثم جبينها، هامسا:
_ نامي وارتاحي يا حبيبتي، أنا هنا جنبك.
ابتسامتها كانت ردًا سريعًا لكلمته، وبالفعل سرعان ما عادت لنومها منذ جديد، بينما الآخر يراقبها بابتسامة حنونة ويده تضمها لصدره.
منحه نظرة ساخرة لتماديه بما يحمله من معلومات ظنها ستفيده، فتنفس من غليونه ببرود اتبع نبرته:
_ ما تحمله قديمًا يا فتى، أتيت لي باسم الشرطي وأنا أسبقك بعشرة خطوات، تراه الآن يعاقب على كل جرائمه!
ابتلعت شمس ريقها بصدمة مما استمعت إليه، فتراجعت للخلف بحركة منفعلة شتت تركيزها عن رؤية أي شيء، فاختل توازنها مستندة على الطاولة، ورغمًا عنها دفعت يدها الطاووس الموضوع من فوقها، فألقت تحذير صارم بوجودها بالقرب من مكتب راكان.
فُتح باب المكتب وطل راكان منه ومن خلفه الحارس الجديد له، فوقف قبالتها بنظرة قاتمة وابتسامة شيطانية اختلجت قلبها، فرددت بتلعثم:
_ أنا آسفة، مقصدتش أوقعه، أنا بس اتخبطت في التربيزة وآ...
قاطعها بابتسامة مخيفة:
_ فداكِ يا شمس، فداكِ كل شيء، كفايا إنك حنيتي عليا أخيرًا وجيتي لحد هنا علشان تقابليني، دي في حد ذاتها كبيرة عندي يا حبيبتي.
ودنى منها بخطوات شبيهة لحركة السلحفاة، حتى بات قبالتها، نفث راكان غليونه بوجهها، فسعلت بقوة مطلقة يديها لتبعد الأدخنة عنها، ومازالت تنتظر ما سيخبرها به، فقال بخشونة:
_ كنتِ جاية ليه يا شمس؟
لعقت شفتيها القاحلة برعب سرى بجسدها:
_ آآ... أنا... كنت... جاية آآ.. عشان أشوفك.. وشكلك مشغول، همشي وأجيلك وقت تاني.
قالتها وهي تهرول للأريكة تحمل حقيبة يدها، واتجهت للخروج، ارتجف جسدها وكأن فصل الشتاء أصابها بثليج عاصف حينما وجدت رجال أشداء مفتولي العضلات يسدوا طريق خروجها، وكأنهم بانتظار الأمر لقتلها.
التفتت للخلف تجاه وقوف راكان وهاتفته بتوتر:
_ في إيه يا راكان، من فضلك خليهم يبعدوا!
ضحك بصوته كله، وصاح باستهزاء:
_ هو دخول القفص سهل الخروج منه يا شمسي، العصفورة لما بتدخل قفص من حديد وبيتقفل عليها سجانها هو بس اللي يقدر يطلعها، وأنا معنديش النية إني أخرجك أصلًا..
ضمت حقيبة يدها وكأنها تستمد منها قوة مهدورة داخلها، وقالت:
_ يعني إيه؟
أجابها بنظرة أزهقت ما تبقى داخلها، وصوته الرعدي يصمم آذنيها:
_ يعني خلاص لعبتك إنتي والحقير اللي مشغلك انكشفت واتعرّيتي قدامي يا شمس هانم يا بنت الأكابر.
وانطلق ليقف أمامها يجذب رأسها بقوة وهو يتساءل بغضب:
_ أنا اللي مش فاهمه هو جبرك بأيه علشان تساعديه، مهو مستحيل يكون دافعلك فلوس أو هددك بشيء، قوليلي آدهم ولا عمر، الكلب ده أجبرك إزاي تلعبي عليا اللعبة دي، اتكلمي أفضل ليكي.
تسللت البرودة لجسدها تدريجيًا، وهمست بضعف:
_ معرفش إنت بتتكلم عن إيه، سبني أمشي.
احتدت معالمه وفجأها بصفعة جعلتها تنساق أرضًا أسفل قدم رجاله، ضمت شمس وجهها بوجع وقبل أن تستوعب ما حدث لها وجدته ينحني ويجذبها من خصلات شعرها إليه:
_ لما جيت أتجوز قولت أستنضف وأناسب عيلة الغرباوي، وكنت فاكر نفسي ذكي باختياري ليكي، تقومي إنتي اللي تديني القلم ده، لا فوقي معاش ولا كان اللي يختم راكان منذر على قفاه يا بنت سالم، ده أنا أقتلك وأدفنك هنا مطرحك ومبكيش عليكي ثانية واحدة.
وبسخرية استطرد:
_ ولا كنتي فاكرة إني أهبل وبريالة وواقع في غرامك!! أنا قلبي عمره ما حب ولا هيحب حد، هعيش وأموت وأنا اللي بهمني بس مصلحتي وشغلي.
"هل ستتلقى الموت؟"
حسنًا لا مفر منه، لذا عليها نزع رداء ضعفها المستتر وتحارب لآخر أنفاسها، رمقته بنظرة قوية جعلته يستغرب منها، وخاصة حينما قالت:
_ شغلك القذر اللي زيك، إنت فعلًا صادق، مفيش إنسان على وجه الأرض عنده قلب يعمل اللي بتعمله، الأدوية المغشوشة اللي بتهربها جوه بلدك بالاتفاق مع الصهـ... ـاينة القذرين اللي زيك أكيد متخرجش إلا من شيطان جاحد زيك، لا عمره فكر مين هيتأذى بيها، طفل ولا شيخ ولا ست ولا راجل بيشقى عشان عياله، إنت عندك انتزاع روح البني آدمين سهل، عشان كده ربنا هيخلي نهايتك عبرة وعظة وعلى إيد الشخص اللي مستني لحظة تشفي غليله منك.
بالرغم من أن حديثها أثار غضبه وحنقه بشكل ضخم، لكنه التزم بهدوئه وافرج عن ابتسامة تعج بالشر والسخرية:
_ لو تقصدي بالشخص ده آدهم أو عمر فأحب أقولك خابت أمانيكِ الرائعة، لإن الكلب ده خلاص زمانه دلوقتي بينطق الشهادة، ده لو كان عمله حلو وقدر ينطقها ابن المحظوظة!
برقت بحدقتيها بصدمة، وراحت تهز رأسها باندفاع:
_ لأ.... لأ.. مستحيل.
ضحك وهو يتابعها بشماتة، وفجأة احتلت الجدية الطاعنة ملامحه وهدر بصوت محموم:
_ إنتي حبتيه ولا إيه؟؟ يعني الكلام اللي اتقالي صح وكنتي مقرطاسني معاه غراميات!
ألقى غليونه أرضًا وكسره بقدميه وهو يصيح بشراسة:
_ يعني أنا اللي كنت هلم زبالته وأخليها حرمي، حرم راكان المنذر!!
بصقت على الأرض القريبة منه:
_ مستنضفش أكون زوجة ليك يا حقير، والكلام اللي قولته ده مهزنيش شعرة، لإني واثقة ومتأكدة إن آدهم مستحيل تنهيه بالسهولة دي.
تلاشى غيظه ومنحها ابتسامة أخافتها، فاقترب ينحني عليها قائلًا بفحيحه المخيف:
_ تيجي نتراهن؟
تابعته بنظرة حائرة، فتابع:
_ أنا كنت هقتلك دلوقتي، بس ميخلصنيش تموتي وآنتي فاكرة إن الصرصار اللي كنتي حاطة فيه أمالك هيعدي من الكمين اللي نصبهوله، فهتحداكي حالًا لو الصبح طلع عليكي وهو موجود مش هخلي حد من رجالي يلمس شعرة منك، لو مجاش هتكوني حددتي مصيرك.
أسبلت بعينيها تخفي دموعها المنهمرة، بينما صاح الأخير بصوت مقبض:
_ خدوه لأي أوضة من اللي فوق، ومتنسوش تاخدوا الشنطة منها.
أومأ له رجاله وبالفعل جذبوها عنوة للأعلى بعدما جذبوا منها حقيبتها، فقيدوها على أحد كراسي الغرف العلوية، لتمضي باكية متأملة عودته!
المعروف عنه أنه لا يهين نفسه أبدًا بالوقوف بالمطبخ لأي سبب من الأسباب، يلجأ دائمًا لأخيه الأكبر الذي بدا له كأنه الأم البديلة له هنا لخدمته، فعلها مرات قليلة تعد على اليد وكلها كانت لأجل صديقه المقرب "أيوب" ابن الشيخ "مهران"، وها هو الآن ينتهي من صنع الدجاج سريع التحضير ويغمسه بالشطائر والجبن ويضعهما بالفرن الكهربائي، وما أن انتهى حتى خرج له، فوجده يتمدد على الأريكة وقد غفا النوم من شدة إرهاقه.
ابتسم سيف وهو يتمعن بوجهه الطيب، صديقه يملك تلك المقولة المنسوبة إليه من آيات الله عز وجل "سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ".
ترك سيف الصينية على الطاولة المجاورة له، وانحنى ينزع عنه الحذاء الرياضي بخفة وبحذر، إن أيقظته حركته يعلم بأنه سيغادر، ولن يتمكن هو من ردع ذاك العنيد الشرس.
تسلل على أطراف أصابعه للداخل، فجذب غطاء سميك ووسادة مريحة، وعاد يضع رأسه عليها ويدثرها بالغطاء، ثم أغلق ضوء الردهة ليستكين بنومته، وخطف ورقة يدون له ملحوظة تركها بجوار الصينية والتقط مفاتيحه وخرج من الشقة.
تشنجت ملامح وجه أيوب الهادئة، حينما عاد لها ذكريات هذا اليوم البغيض، اليوم الذي هاتفته إحدى الممرضات وبلغته بأن أحدهم أتى المشفى مصابًا للغاية ويطالب لقائه وبشدة، يتذكر كيف هرول إليه فتهاوت ساقاه حينما وجده مطروحًا على الفراش بجسد محروق ووجهه لا يملك به أي مكان فارغ من الإصابة، والأطباء من حوله عاجزون حتى عن معالجته من كم الإصابات والجروح التي غلبت هذا الجسد الضعيف الذي ما زال يتمسك بالحياة لبضعة ساعات بعد تلك الجنحة القاتلة.
فتح عينيه المنقطع رمشها، ليشير بإصبعه النازف للدماء لأيوب بأن يقترب، ففعل وهو يهرول إليه هاتفًا بصدمة:
_ محمد، من فعل بك ذلك؟ أخبرني؟!
بالرغم من آلامه غير المحتملة ولكنه رسم ابتسامة واسعة، وهمس بصوت خافت للغاية:
_ أيوب... كنت أخشى أن يزورني الموت قبل أن أراك للمرة الأخيرة يا صديقي.
غارت عيناه بالدموع، واحتقن صوته المتحشرج:
_ هيي أنت أراك تتمنى الموت لمجرد خدشًا صغيرًا يصيبك، دعك من ذاك ولتعلم بأن طريقنا مازال طويلًا، مازلت لم أنتهي من إخبارك المزيد عن الدين الإسلامي ونبيك محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، أتتذكر كنت بالأمس تترجاني لنبقى ساعتين بعد صلاة الفجر أحدثك بهما عن وفاة رسول الله ولكنني كنت مرهقًا للغاية ووعدتك بأني سأقص لك اليوم!
احتدت أنفاسه المزلزلة داخل جهاز التنفس، ورافقته دمعات حارقة جعلت مسمع كلماته صعبة:
_ كنت أود أن أتعلم كل شيء عن ديني، كنت أريد أن أمضي سنوات وأنا مسلمًا لأكفر عن ذنوبي وجهلي، ولكنها إرادة الله يا صديقي، الحمد لله الذي سيتوفاني مسلمًا، تائبًا، عاكفًا عن ذنب كان ليرجمني بجهنم حتى يوم الدين.
وتابع وقد تثاقلت أنفاسه واحتقن وجهه بصعوبة:
_ أنا لست نادمًا على شيئًا، ما يؤلمني أنني كنت أظن أن الإسلام ما هو إلا إرهاب، واليوم بعد ما تعرضت له على يد عمي أدركت أن اليهود هم عصبة الإرهاب وأساسها، أتعلم يا أيوب، لقد كان يتلذذ بتعذيبي ولم يعره تواسلاتي، أتعلم بأنه من قام بتعذيبتي!! فعل كل ما بوسعه ليجعلني أكفر عن دين الله ونبيه محمدًا ولكنني صمدت وأن أتذكر حديثك عن الصحابة وما لقوه أيام الجاهلية.
سعل بقوة جعلت أيوب يهرع إليه متوسلًا ببكاء يراه محمدًا لأول مرة:
_ أقسمت عليك بالله أن تكف عن الحديث، أنت ما زلت مريضًا، فلتستريح الآن ونستكمل لاحقًا.
هز رأسه يرفض صمته بذاك الوقت الذي يشعر به أن الموت يرفرف بجناحاته فوق رأسه، فمال إليه يخبره ببسمة طعنت قلب أيوب:
_ والله ما يحزنني إلا فراقك يا أيوب، وليشهد الله إنك أحب الخلق لي، وأنك كنت ونعم الصديق والأخ.. لذا سأترك أختي الوحيدة أمانة برقبتك ليوم قد ألقاك به على باب الجنة إن أراد الله لي بالمغفرة على ذنوبي.
وابتلع ريقه بصعوبة وهو يردد ببكاء كالطفل الصغير:
_ ليتني ولدت مسلمًا، ليتني لم أهدر ثانية من حياتي وأنا على تلك الديانة.
وتعمق بنظرة دافئة له:
_ ليتني قابلتك منذ سنوات أيوب.
بكى أيوب وهو عاجزًا حتى عن ضمه، أراد أن يمسك بيده ولكنه خشي أن يؤذيه فكانت تنزف من فرط الاحتراق القامع بجلد جسده المنصهر، فمال على وسادته يربت على خده السليم باكيًا:
_ أقسمت عليك بالله الواحد الأحد أن تكف عن الحديث، لست قادرًا على تحمل ذلك الألم، أنا أعلم بأنك ستشفى من جروحك وستعود معي للسكن مجددًا.
ابتسم ودمعاته تقتنص خديه، ومال بوجهه ليكون قبالته، فقال بهمس مرهقًا:
_ على ذكرك للسكن فمازلت أتذكر كيف أخفى عليك الشباب بأنني يهودي، ولكنك بالرغم من ذلك كنت تنفر مني دون أن تعلم ديانتي.
وازدرد حلقه المرير من علقم الأدوية، وقال ببسمة مؤلمة:
_ كنت أتسلل ليلاً لشرفتك لأسمع تلاوتك بالقراءة، كانت لي رغبة كبيرة بالبقاء جوارك وسماع حديثك، بات صوتك بالقرآن الكريم محببًا لي، فكنت أترقب الليل بصبر يضيق بي تحمله، لأسمعك ترتل تلك الآيات وكنت أدونها من خلفك وأعود لغرفتي أبحث عنها على الإنترنت وكلما تعمقت بمعاني القرآن أجد ما يلثم قلبي، كنت أحيانًا أشغل مقاطع من القرآن المسموع حينما ينقبض صدري وأنام هنيًا، إلى أن حلل عقلي لي بأنه الدين الحق، ذلك الدين الذي يعز المسلمين، إنما هو دين يدعو للحق وينهي عن المنكر والمحرمات، هذا الدين عظيم لدرجة جعلت اللين والمحبة ترافق قلوب المسلمين حينما يتقرب لربه بالصدقة، قضيت تسعة أشهر أحاول فيهم جمع كل شيء متعلق بالدين وحينما أشعر بأنني اقتربت أجد بأن لا نهاية لحلاوته، وإنما أنا ما علمته ما هو إلا نقطة ببحر يفيض بالكنوز...
وجدت الراحة والسكينة حينما أطيل بسجودي داعيًا لله أن يتقبلني مسلمًا، وجدت سكينتي وأنا أتلو القرآن الكريم ليلاً جوارك أيوب.
جاهد ذاك الألم بكل قوته، ورفع يده المحروقة يشدد على قبضة أيوب، يهاجم انضراع أنفاسه المستقبلة للموت وردد له:
_ لا تنساني بدعائك يا صديقي، وبلغ الشيخ مهران سلامي وأخبره إنني كنت أتمنى لقائه بنفسي لأنحني على يده أقبلها امتنانًا على تربيته لشاب بأخلاقك يا أيوب.
بكى بصوت مسموع، فابتسم محمد وقال باستغراب:
_ لم أراك يومًا باكيًا، وإن رأيتك اليوم هكذا فأنا سعيد للغاية بأنني أملك بقلبك مكانة بادية على وجهك، وللحق كم أنا محظوظ بمحبتك يا أخي!!
ارتعش جسده بصورة مفاجئة، وتحشرجت أنفاسه، فقبض بأصابعه على يد أيوب، ليردد بصوته المتقطع:
_ إنها النهاية يا صديقي، فلتنصت لي جيدًا، أنا لا أملك شيئًا أخشاه بعد رحيلي سوى أختي الوحيدة، بعد ما رأيته بعيني من عمي فلا أراها آمنة بمنزله، أرجوك أن تعتني بها يا أيوب.
وبوجع شديد ردد:
_ آديرا أمانتك وأنا أعلم بأنك لن ترد أمانة شقيقك المسلم.
وصرخ بوجع قابض، وأنفاسه تهمس بخفوت:
_ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله...
ارتخت يده بين قبضة أيوب، وتمدد جسده أخيرًا حاصلًا على خلاصه، رفرف أيوب بأهدابه بعدم استيعاب، فهزه برفق:
_ هيي أنت لا تحاول أن تخدعني، هيا انهض.
وكأنه يحرك قماشة بالية، تنصاع لحركات يده، فردد أيوب بصرامة قاطعة:
_ إن لم تنهض الآن لن أقص لك حرفًا واحدًا عن سيدنا محمدًا وآخر غزواته، وما فعله وهو على فراش الموت.. أنا أحذرك.
تمزقت عيناه من البكاء، وراح يحركه متوسلًا:
_ استحلفك بالله يا محمد أن تنهض، أنا لن أحتمل فراقك.
أبعده عنه الأطباء واجتمعوا من حوله، يحاولون أن يستعيدوه ولكن أمر الله قد نفذ، طرح أحدهم الغطاء على وجهه وعلامات الأسف يقدمها لأيوب الذي سقط جسده جالسًا أرضًا يردد ببكاء صوته يصدح بأنحاء الغرفة:
_ اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعفُ عنه، وأكرم نُزُلَه، ووسِّع مُدْخَلَه، واغسله بالماء والثَّلج والبَرَد، ونَقِّه من الخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة، وقِهِ فتنةَ القبر وعذابَ النار.
واستطرد بانكسار:
_ اللهم توفاه مسلمًا... اللهم تقبل توبته.
انهمر الدمع على وجهه الذي ينازع لرؤيته تلك الذكرى التي تحرق روحه، فانتفض أيوب بنومته، يلتقط أنفاسه المتسارعة بصعوبة.
بدأ بالاسترخاء حينما أفاق لواقعه، فرفع عينيه يبحث عن سيف من حوله، وحينما لم يجده ناداه:
_ سيف!!
فرك عينيه يبعد النوم عنهما، فرأى الصينية القريبة منه ولجوارها تلك الورقة، جذبها أيوب وقرأ محتوياتها:
«مساء الخير أو صباح على حسب ما تقوم، لو صباح هتكون عملت لصاحبك اعتبار وفضلت لتاني يوم احترامًا لكلمتي، أما لو مساء فأكيد يعني لسه راسك حجر صوان وهتمشي اللي في دماغك وهتمشي من غير ما تعملي أي اعتبار، عمومًا أنا تحت بصور مستلزمات وشوية أوراق وراجع، وسواء قررت تمشي أو تطلع محترم وتستناني سواء ده أو ده هتأكل الأكل اللي عملتهولك، وخد بالك الدكتور سيفو عمره ما بيقف يعمل أكل حتى لنفسه فياريت تقدر ده يا بشمهندس.
صديقك المخلص دكتور سيف عتمان الأشقر»
ضحك وهو يلقي ورقته جانبًا، وجذب الصينية، ثم رفع الغطاء عن الطبق، فوجد ورقة أخرى مدونة بخط كبير:
«كشفت الغطا وهتأكل؟ كنت عارف إنك بتحترمني وهتسمع كلامي وهتخليك معايا، كل الأكل كله أنا نادرًا لما بطبخ وهزعل لو سبت حاجة.»
ألقاها جوار الورقة الأولى وقرب له أحد الشطائر، لكها ببطء وما زال عقله يشرد بصديقه الراحل، لوهلة شعر بأنه فقد شهيته بتناول الطعام، ولكنها ضغط على ذاته ليستكملها حتى لا يحزن سيف.
انطلق رنين جرس الباب مرات متتالية، جعلته ينهض مسرعًا ليرى من هذا الطارق المزعج، ربما قد نسي سيف مفاتيحه أو قد يكون يوسف.
فتح أيوب الباب متمعنًا بالطارق، فانعقد حاجبيه وغامت فيروزته مرددًا بدهشة:
_ آديرا!
انتهت مايسان من تنظيف الأطباق، ومن خلفها ليلى كانت تقوم بتجفيفها من المياه، بينما تلتقط منهم صبا لتضعهم بأماكنهم، وسط أجواء متبادلة بالمرح والسعادة، انقضت ساعتهم سريعًا، وعاد كل ثنائي لمنزله، بعد أن أبلغت ليلى صبا أن تخبر جمال بموعد الجراحة المتفق عليه مسبقًا، فبالرغم من اجتماعهم بمنزله إلا أن الشباب كانوا يحرصون على عدم الاختلاط بينهم وبين الزوجات، لذا كانوا ينعزلون عنهن بغرفة الضيافة.
وصلت سيارة عمران للمنزل، فصعدت مايسان للأعلى لتستريح قليلًا بينما صف هو السيارة وكان بطريق صعوده، ولكنه توقف حينما وجد أخيه يجلس بالخارج ويقرأ أحد الكتب.
جلس عمران جواره ليشاكسه بمرح:
_ مساء الجمال يا دكتور علي، بتقرأ إيه المرادي رعب ولا جريمة ولا اتهورت ودخلتلك على رواية رومانسية!
أغلق علي الكتاب ووضعه على الطاولة، وتساءل بدهشة:
_ إنت كنت فين من الصبح يا عمران.
رد عليه وهو ينحني ليجذب كوب قهوة علي، ليستكمل ارتشافها بتلذذ:
_ كنت معزوم عند جمال، والدته لسه واصلة وأصرت تعزمني أنا ويوسف.
راقب ما بيده بنظرة ساخرة، لطالما اعتاد عمران أن يشاركه كل شيء حتى كوب قهوته!
انتهى منها وفرد ذراعيه بالهواء بتثاقل، وأخذ يراقب الوضع من حوله بنظرة مهتمة، مقدرًا المسافة بينه وبين ساق علي، فوجدها ستكون مريحة، وعلى الفور تمدد مستندًا برأسه على ساقيه وأغلق عينيه يستعد للنوم.
لكزه علي بضيق:
_ مش عايزني أطلعك الأوضة بالمرة!!
همس مدعيًا النوم:
_ مش هينفع مايا بقت معايا في الأوضة.
وتابع بمرح:
_ يعني طلوعك ودخولك بقى بحساب يا دكتور!
فسر علي معاني الحديث ومن ثم تعالت ضحكاته الرجولية، مرددًا بمشاكسة:
_ أخيرًا يا راجل!! ... أممم ما إنت استغليت فرحي عشان تأكل بعقلها حلاوة.
ضحك عمران على حديثه، واستقام بجلسته يغمز له:
_ لو مستغلتش بطيبتك وقلبك الأبيض ده بذمتك هستغل مين!
ضحك برفقته وسرعان ما أمسك ضحكاته حينما استمع لصوت هاتف عمران.
بقصر راكان.
تمكنت من جذب هاتفها من جيب جاكيته، وبصعوبة رفعت يدها المكبلة بالأحبال، وجدت أن الأنسب بمهمتها هذا اللجوء لأخيها الشرس، من يتمكن جيدًا من مواكبة ما تمر به، رفعت شمس هاتفها تطالبه وتنتظر بصبر أن يجيبها وما أن أتاها مجيبًا، حتى همست ببكاء وصوت مبحوح:
_ عمران.. الحقني يا عمران هيموتني!
انتفض بجلسته بصدمة وعدم استيعاب لما يستمع به، وردد بفزع جعل علي يراقبه باندهاش:
_ شمس إنتي فين!! مين اللي هيموتك!! إنتي فين انطقي!
ردت عليه ببكاء:
_ أنا في بيت راكان، وآ...
انقطعت باقي جملتها حينما شعرت بخطوات تقترب من باب الغرفة، أعادت الهاتف سريعًا لجيبها بعدما أغلقته نهائيًا حتى لا يصدر منه أي صوت يثير الاهتمام لها.
انتفض علي قبالته يتساءل بخوف:
_ مالها شمس يا عمران اتكلم!!
أزاح بصره عن الهاتف قائلًا بدهشة:
_ بتقول إنها في بيت راكان وإنه عايز يقتلها!
انقبض صدره، وزاغت عينيه وهو يحاول استيعاب تلك الكلمات القاتلة، فلم يدعي ما يشل تفكيره أكثر من ذلك، هرع علي لسيارته وقبل أن يشغل محركها كان عمران يقفز جواره، لتتجه السيارة بسرعتها القصوى تجاه قصر راكان!
خطة محكمة ستلقي بحتفه مؤكدًا، خاصة بأنه يحمل حقيبة مسلمة من راكان الذي منحه ورقة بالعنوان معللًا اختياره للذهاب بأنه أكثر رجاله ثقة، ويريده أن يسلمها للساكن بالعنوان المدون، وبالحقيقة كان ينتظره هناك اثنا عشر رجلًا، مسلحون بأسلحة تكاد تحرق الأخضر واليابس.
شعر بالارتياح واسترخى بتمدده بالمسبح، وحينما انتهى نهض يجفف جسده بالمنشفة العريضة، ويتجه لغرفته مدندنًا باستمتاع.
وقف أمام السراحة بعبث بخصلاته المبلولة، ويراقب تنظيم حاجبيه، توسعت حدقته بصدمة وهو يرى انعكاس الصورة المقابلة بالمرآة، فاستدار للخلف بسرعة البرق ليتحقق بأنه لا يتوهم!
لعق شفتيه بصعوبة وهو يردد:
_ عمر باشا!!
منحه ذاك الصقر بسمة باردة، ووقفة تهتز لها الثقة من فرط ارتباكها، يبتسم بصمت يبتر كل أجزائه الحيوية، حتى حرر صوته الخشن:
_ مكنتش متوقع أنك هتشوفني تاني ولا إيه يا فؤاد!
تراجع للخلف وهو يحارب ارتباكه:
_ لا.. إزاي بس يا باشا، أنا بس مش مستوعب إنك هنا.
هز رأسه بخفة وعينيه تراقبه بتفحص، فاستدار يجذب أحد البرفيوم الموضوعة على السراحة ينثر على لائحة يده ويقربها لأنفه، وفجأة ألقاها على المرآة بتقزز:
_ ريحتها نتنه زيك بالظبط.
راقب فؤاد الزجاج المنكسر من أمامه بخوف، وعاد يتأمله بهلع حينما وجده يلف من حوله كالأسد الذي على وشك التهام فريسته، قائلًا بجمود:
_ بقولك يا فؤاد متعرفش ليه راكان باعتني لصاحبه ده أسلمه الشنطة، وليه مصر أني أروح بنفسي!
رفع يده يفرك صدره وكأنه بهذه الحركة ستمده بالأكسجين، وبتلعثم قال:
_ لا يا باشا معرفش.
اتسعت ابتسامته الماكرة:
_ بس أنا عارف، وعارف كمان بمقابلتك اللي تمت من ساعتين لشمس.
برق بذعر، والتفت ليركض من أمامه، فاحتضنه عمر من الخلف، يده تلف كتفيه ويده الأخرى تعيق حركته بحركة خبيرة يصعب على أحد فعلها، ارتعب فؤاد فهو يعلم تلك الحركة المعتادة لعمر الرشيدي وباتت تشهره بين الجهاز كالدمغة، يعتصر خصر غنيمه كالأفعى التي تعتصر جسد فريستها، حتى تنكسر عظامها.
ردد الأخير متوسلًا برعب:
_ أنا معملتش حاجة، راكان هو اللي أجبرني أعمل كده يا باشا.
انطلق فحيحه يهمس بأذنيه:
_ إنت عملت كده عشان النص مليون دولار اللي اشتراك بيهم الكلب ده، عملتها وإنت عارف تمن الخيانة اللي بيدفعه أي حقير يفكر يبيع عمر الرشيدي، وإنت ارتكبت ذنب ميغتفرش مرة بخيانتك لبلدك ومرة بخيانتي!
اشتدت يديه من حوله تدريجيًا، فبدأ وجهه بالاحمرار من احتباس مجرى تنفسه، فسارع بالحديث:
_ إنت اللي خنت اتفاقنا من الأول يا باشا، خطتنا كانت واضحة من البداية إنك توقع شمس وتجندها لصالحنا وبكده كانت هتقدر تسحب الملف بسهولة من خزنة راكان، لكن إنت وقفت كل ده عشان حبيته، إنت كنت عارف إن وجودنا جوه بيته طول المدة دي فيها خطر علينا وأنسب حل كانت شمس، استبعادك ليها عرضك وعرض الفريق كله للخطر، مكنتش هستنى لحد ما ننكشف ويخلص علينا واحد واحد بسبب حبك الغبي ده.
زاد من اعتصار جسده بغضب جعل الأخير يصرخ ألمًا، بينما ردد عمر بعصبية بالغة:
_ أنا إزاي مقدرتش أشوف حقارتك دي، إنت ظابط يعني مأمور بحماية الأرواح، مستحيل أكون موافق أعرض حياة إنسانة بريئة للموت مهما كانت صلة قرابتها بيا، أنا وافقتك بالبداية لاني كنت فاكر إن الموضوع بسيط بس بعد كده لما حسبت أبعاده لقيتني هعرضها للخطر لذا وقفت الخطة كلها وبلغتك بده.
تصلب جسده وهبطت معافرته بين جسد عمر القاسي، فهمس له قبل أن يغلق الأخير عينيه:
_ كنت عامل نفسك ذكي وأنا سابقك بخطوة، وزي ما قدرت أكشف راكان ولعبته التافهة قدرت أكشفك يا كلب، وحظك بقى إن مبسبش حقي يبرد، فجيتلك على الحامي ووعد مني هبعتلك الكلب اللي اشتراك وراك بكام ساعة مش هيطول عليك متقلقش!
انتهت رحلة معافرة جسده أمامه، وحينما تأكد من سكونه ألقاه أرضًا بنفور من ملامسة ذاك الخائن، واتجه ليحول حياة ذاك الشيطان لجحيم مستعار سيذقه الآن ما يجعله لا ينسى اسم "عمر الرشيدي" طوال حياته!
اندهش من وجودها أمامه، وخاصة حينما أشارت له على الدرج قائلة:
_ رأيت صديقك يخرج من العمارة فصعدت لرؤيتك.
أسبل بعينيه بعدم استيعاب:
_ هل كنتِ تراقبيني؟
اومأت برأسها بعدة تأكيد، وكأنه يمنحها سؤالًا أحمقًا، أمهل أيوب ذاته بالصبر الذي تمرن عليه طوال حياته لينتسب لجملة صبر أيوب، بينما الأخيرة أتت لتحطمها حينما قالت بتوسل صريح:
_ فلنجرب فعلها الآن، هل أنت مستعد لذلك؟
حقًا هل بات القاتل يسأل قتيله إن كان مستعدًا للموت أم لأ؟
تنهد أيوب بإرهاق، وقال:
_ انتظريني هنا، سأعود بعد قليل.
ودفع الباب ليواربه، ففتحت آديرا متسائلة:
_ ألا يمكنني الانتظار بالداخل؟
عاد ليدفع الباب مشيرًا لها بتحذير:
_ لا يجوز لي الاختلاء بامرأة، انتظري بالخارج سأعود بعد خمسة دقائق.
زفرت بنزق:
_ ولماذا تحتاج للخمسة دقائق فلنفعلها الآن وهنا!
اقتحمت فيروزته هالة من الغضب ومع ذلك أبقى عينيه أرضًا متعمدًا عدم التطلع لها مثلما اعتاد أن يغض بصره:
_ لا أريد أن أقحم صديقي بمشاكل من تحت رأسي، سأعود بعد خمسة دقائق... انتهينا.
وتركها ورحل فهمست بسخرية غاضبة:
_ وكأنك تأمرني!!
زفرت بنفاد صبر، واتجهت للدرج الجانبي تجلس عليه بحزن، فانهار شعرها الأصفر من حولها كأنه يحوط عينيها الباكية، فأزاحت دموعها وهي تهمس بحقد:
_ سأقتل هذا الإرهابي مهما كان الثمن، حينها ستنتهي معاناة أخي آران!
مضت الدقائق وما زالت تنتظره، فهزت ساقها بعصبية مفرطة، تفحصت ساعتها فوجدته قد أطال عن الخمسة عشر دقيقة، فنهضت واندفعت داخل الشقة تبحث عنه بغضب.
فتحت "أديرا" أحد الغرف فوجدته واقفًا على سجادة الصلاة يصلي من أمامها بسكينة غريبة، انحنى يردد بصوت وصل لها "سبحان ربي العظيم وبحمده.."
واستقام بوقفته ومن ثم سجد أرضًا وأطال بسجدته، مما دفع الأخيرة تتحدث من خلفه بصوت كان مسموعًا له:
_ حسنًا أديرا تلك هي فرصتك، سأفعلها الآن.
وبالفعل نزعت حقيبة يدها وجذبت السلاح تسلطه على أيوب الذي لم يعبئ بها وكأنه لم يراها من الأساس، استكمل صلاته بخشوع تام متجاهلًا لوجودها من أمامه بالسلاح، بينما الأخيرة تراقبه بعينيها الخضراء بدهشة، ذاك الرجل لم يطرف عينيه خوفًا حتى، تراه صامدًا أمامها في كل مرة تحاول فيها قتله، لا تعلم هل هذا هو الذي يدفع يدها للارتعاش من أمامه.
شرودها جعلها لم تنتبه له وهو ينتهي من صلاته ويطوي سجادته مرددًا بعضًا من التسبيحات، فوضع سجادته على الأريكة ومنحها نظرة صارمة تعج بغضبه:
_ لم أتفاجأ بفعلتك، اليهـ... ـود معروف عنهم أنهم أخسة جبناء.. يعتدون الهجوم من الظهر لأنهم يعلمون جيدًا بأنهم ضعفاء.
احتدت معالمها وصاحت به:
_ لن أقبل باهانتك هذه أيها الإرهابي الحقير!
ابتسم بتهكم لحق نبرته:
_ من منا يحمل سلاحًا هنا؟ أعتقد بأن الإرهاب متعلق بحمل الأسلحة إذًا أنتِ واحدة منهم.
واستطرد بنفور من تواجدها برفقته:
_ على كل حال انتظريني بالخارج وسألحق بكِ، لم أهرب منك يومًا حتى أفعلها هنا.
أعادت سلاحها لحقيبتها وخرجت تنتظره أمام الشقة، وبالفعل ما هي إلا دقيقتين وخرج لها أيوب، يأمرها وهو يهبط الدرج بخفة:
_ اتبعيني.
لحقت به وهي تكز على أسنانها بغيظ من أوامره، فوجدته يذهب لطريق الحديقة الهامة، واختار جانب غير مزدحم بها.
وقف أيوب قبالتها وقال بتعب:
_ أنا جاهز، فلتفعليها ولينتهي هذا الأمر.
هزت رأسها بتأكيد وأخرجت السلاح مجددًا، صوبته تجاهه وحاولت جاهدة الضغط عليه ولكنها كالعادة فشلت بفعل ذلك.
ارتجفت يدها من أمامه وكأنه محصنًا قبالتها، ألقت "أديرا" السلاح وارتمت أرضًا تبكي بانهيار، وصوتها المحتقن يصل لمسمعه:
_ يا ويلتي أترتجف يدي أمام قاتل أخي، تبًا لي!
تعالت شهقاتها وحلت عقدة ذراعيها وهي تسأله بانهيار:
_ ما الذي سأخبر به عمي عند عودتي، سأخبره إنني فشلت بفعلها!
وصرخت بوجع:
_ ماذا أفعل؟
زفر الأخير بملل، ودنى ليصبح على مسافة منها، أعاد تلك الخصلات المتمردة على عينيه ونظم أنفاسه، انحنى بقامته الطويلة وقال باستهزاء يختفي بثبات نبرته:
_ لا عليكِ يا فتاة، يمكنك فعلها! هيا انهضي.. ركزي على هدفك.. حرري الزناد... وانتهى الأمر!
رفعت وجهها المحتفظ ببقايا دموعها إليه، وقالت بدهشة:
_ أولست خائفًا من الموت يا هذا؟
أخفض فيروزته عنها وأجابها ساخرًا:
_ وهل يخاف أحد من لقاء الله عز وجل، أنا أنتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر، وإن كنتِ ستجعلين مني شهيدًا أزف للجنة بعد مغفرة من الله فمرحبًا برصاصتك بين أضلعي مستقرها!
ابتسمت بفرحة، وكأنها وجدت الخلاص لأمرها، فمدت له ما تحمله قائلة:
_ إن كنت ترغب بلقاء ربك فلتفعلها أنت.
أبعد السلاح عنه وقال بحزم:
_ حاشة لله أن أموت عاصيًا، ديني يمنعني من فعل ذلك.
تهجمت معالمها بسخط:
_ أيمنعك ربك من قتل نفسك ويستحل لك قتل الآخرون.
أجابها بنفس قوته الصارمة:
_ بلى يحرم علينا قتل النفس.. وعقابها عسير.
طعنته بنظرة قاتلة ولحقها صراخ متعصب:
_ ولماذا قتلته إذًا؟! لماذا فعلته أيها الإرهابي!!
مزق شفتيه السفلية بأسنانه، وانتصب بوقفته متجاهلها، فلحقت به واندفعت تمسك ذراعه لتستوقفه:
_ أين تذهب؟ أخبرني!!
تراجع للخلف بعينين مشتعلتين زرعت الخوف داخلها منه، وخاصة حينما رفع إصبعه يحذرها بعنف:
_ إياكِ أن تلمسيني مجددًا، إن كنتِ لا تريديني أن أقتلك بحق كوني بعيدة عني، أنا لن أحمل ذنبًا عظيمًا مثل ذلك لأجلك يا امرأة.
وبصراخ غاضب قال:
_ والآن أما أن تقتليني أو ترحلين من هنا وتدعيني أعيش بسلام.
زمّت شفتيها بحنق:
_ بأحلامك لن أدعك تعيش بسلام أيها الإرهابي.
وأشارت له بقوة شرسة:
_ انتظر هنا إلى أن أتمكن من فعلها، حتى لو وقفت عامًا بأكمله!
سحب أيوب نفسًا طويلًا يهدأ بها ذاته، وهمس بنزق:
_ فين يا شيخ مهران تشوف اللي بيحصل لابنك، حبكت يعني تسميني أيوب!! أهو ربنا ابتلاه باللي هيخليني محتاج لصبره.
واستطرد بغيظ:
_ ما أسماء الأنبياء كثيرة قدامك...
وعاد يفرك جبينه هامسًا:
_ اللهم لا أعترض... اللهم صبرًا يشابه صبر أيوب في محنته!
راقبه بحاجب معقود، فوجده يجلس أرضًا على الخضرة، ويجذب مصحفه الصغير يقرأ به، إشارة لها بأنه سينتظر مثلما أرادت.
تراجعت بظهرها للخلف لتعود للأريكة الخشبية، جلست تحاول تقنع ذاتها بفعلها، تتذكر كل لحظة قضتها مع أخيها لتتمكن من قتله.
مرت ساعة كاملة وما زالت تفكر، وفجأة هرولت لأيوب تخبره بسعادة غريبة:
_ وجدتها... وجدتها أيوب!
صدق عن الآية التي يقرأها، وأغلق مصحفه يضمه له، متغاضيًا عن نطقها لاسمه بحروف غير صحيحة بالمرة، وسألها:
_ أهلكيني بذكائك الخارق هذه المرة، آمل أن يكون حلاً سريعًا ولائقًا بموتة كريمة لي!!
ألقت سخريته جانبًا، وقالت:
_ ما رأيك أن نستأجر مجرمًا شرسًا ونطالبه بقتلك؟
أراد منع ضحكته ولكنها انفلتت رغمًا عنه، فضحك حتى احمر وجهه الأبيض المشع بنور إيمانه، وحينما لمح احتقان وجهها قال:
_ آسف ولكن الأمر مضحك!
وتنحنح وهو يستعيد كافة رزانته ورخامة صوته:
_ حسنًا فلتفعليها إذًا، إن كان الحل مناسبًا من وجهة نظرك.
زمت شفتيها بحزن:
_ ولماذا سأفعلها؟ ألم تأتِ معي للقاء المجرم؟
أسبل بأهدابه الطويلة بصدمة أخرى، وردد:
_ عذرًا هل تريدين أن أقوم باختيار قاتلي بنفسي؟
هزت رأسها بتأكيد، فقال ضاحكًا:
_ لا أجده حلًا منطقيًا، فحينما سيستمع لنا القاتل أقسم بالله سيقتلنا معًا وحينها يا فتاة ستخسرين حياتك، ألا يكفيكِ خسارة آخرتك!!
هزت رأسها باقتناع وعادت تشرد بالفكرة العظيمة التي بدأت تستحوذ على إعجابها، فأتتها إحدى العقبات تعكر صفوها ودفعتها للبوح بها قائلة:
_ هذا القاتل سيلزمه مبلغًا كبيرًا من المال.
كبت ابتسامته وهو يهز رأسه بعنجهية:
_ بالتأكيد، لن يفعلها حبًا بي، أنا لست محظوظًا ليحبني نصف اليهود ويرغب النصف الآخر بقتلي!!
لم تكن تسمعه من الأساس، تفكر بخطتها بكل تركيز، لتأتي له بحديث أحمق:
_ إن ذهبت لطلب المال من عمي سيقتلني إن علم بأنني لم أقتلك بنفسي، ولكن من أين سأحصل على المال؟
هز كتفيه وهو يحرك رأسه يسارًا ويمينًا مذعنًا شفقته وقلة حيلته ولكنه بالحقيقة يود السقوط بنوبة ضحك تهون عنه كبت ما يعتريه بتلك اللحظة التي يجالس بها قاتلته التي تطورت مهمته للتفكير في مستأجر يقوم بقتله وتفكر الآن بكيفية جمع المال؟
اعتدلت بجلستها بابتسامة واسعة دفعته ليردد بأمل:
_ فتاة ذكية، تريدين فعلها بنفسك توفيرًا للمال أليس كذلك؟
تلاشت ابتسامتها وقالت بضيق:
_ لأ.. ولكني وجدت ذلك الشخص النبيل الذي سيقرضني المال.
بدى له الأمل يلوح من بعيد مهاجرًا إياه، وخاصة حينما قالت هي:
_ أنت من ستفعل يا أيوب، ستعطيني المال لأقدمه للقاتل وحينها سينتهي الأمر.
رمش بعدم استيعاب، وردد:
_ أنا لو عايز أتبرع بالفلوس هتبرع بيها أكيد لبناء مسجد، كفالة يتيم، أما أتبرع بيها للشخص اللي هيقتلني عشان يصرفهم رحمة ونور على بدنه موردتش عليا دي بصراحة!
عبثت بعينيها باستغراب:
_ ماذا تقول؟ لم أفهم حرفًا واحدًا!
أغلق عينيه بتعب، ويده تدلك فروة شعره البني، اتخذ خمسة دقائق هدنة للاسترخاء، ثم قال ببسمة هادئة:
_ حسنًا سأفعل، ولكن ليس الآن.
ونهض عن الأرض ينفض ثيابه، فلحقت به تتساءل بدهشة:
_ ولماذا ليس الآن؟
أجابها ببرود:
_ لإن المال ليس بحوزتي الآن، أبي يقوم بإرسال المال ببداية الشهر الجديد، ونحن الآن باليوم التاسع عشر!
هزت رأسها بتفهم، وطرقت بأظافرها على السلاح الذي تحمله بتفكير، لتجده يودعها وينصرف قائلًا:
_ سأنتظرك بشقتي في اليوم الأول من الشهر القادم... وداعًا.
ركضت خلفه بلهث:
_ انتظر!
استدار بملل ونزق:
_ ماذا بعد؟!
ابتلعت ريقها بخوف وارتباك:
_ وأين سأذهب تلك المدة؟
وقبل أن يمطرها بسخريته قالت:
_ إن عدت لعمي قبل أن أقتلك سيقتلني هو، لذا عليا الاختباء بأي مكان حينما أنتهي منك وحينها سأعود مرفوعة الرأس.
همس بسخط:
_ مرفوعة الرأس ليه قتلتي نتنياهو، أهو لو هتعمليها هساعدك بمالي ودمي وحياتي وصحتي وكل ما أملك!
رددت بعدم فهم:
_ بماذا تثرثر أنت؟
تنهد بيأس من محاولاته للفرار منها، وقال بعد تفكير اتخذه لتحقيق رؤياه:
_ أستطيع أن أترك لكِ سكني الخاص، اتبعيني سنذهب لأجمع بعضًا من أغراضي، ستجلسين لبضعة أيام وسأذهب أنا للعيش برفقة صديقي.
حاولت أن تسرع لمحاذاة خطوات ساقيه الطويلة، قائلة وهي تلتقط أنفاسها:
_ ولماذا ستذهب للعيش مع صديقك، ألا يتسع مسكنك لي ولك؟
توقف عن المشي واستدار يلقنها نظرة نارية جعلتها تزدرد ريقها بخوف، ليندفع الآخر بشراسة حديثه:
_ سبق وأخبرتك أني لا اختلي بالنساء بمكان واحد، وأضطر أسفًا بالتعامل معكي إكرامًا لوعدي القاطع لصديقي محمدًا.
_ سحقًا لك، يدعى آران!
لفظتها بعناد يجابه خاصته، فكور يده بقوة ليمنعها ألا يجرها من شعرها لإهانة تسحقه هكذا، ولكنه إن فعل ذلك سيثبت لها بأنه إرهابي مثلما تزعم تلك، لذا قال بهدوء:
_ دعينا من هذا الأمر، فلنذهب.
أومأت برأسها وهي تطمس غضبها، ولحقت به بهدوء تجتهد بالتحلي به.
وصل عمران وعلي للقصر، فولجا للداخل بخطوات أشبه للركض، وما أن ولجا لغرفة مكتبه حتى نهض يستقبلهما بجراءة وكأنه لم يفعل شيئًا:
_ أيه الزيارة السعيدة دي، دكتور علي وعمران باشا، يا أهلًا وسهلًا..
وأشار لأحد رجاله المتوزعين من حوله استعدادًا لأي خطر:
_ اتنين قهوة مظبوطة للبهوات بسرعة.
انطلق صوت علي الحازم يعيق عنه تلك الألاعيب:
_ فين شمس يا راكان؟
ادعى دهشته من الأمر، وقال ببراءة:
_ شمس! أنا مشفتهاش من ساعة الحفلة، هو في حاجة ولا إيه؟
كاد عمران أن يسلط وقاحته على ذاك اللعين ولكنه تسمر محله حينما وجد علي يجتاز رجاله ليلف يده حول رقبته بقوة وشراسة:
_ أختي فين، حالًا تؤمر حد من كلابك دول يجبوها لحد عندي وإلا قسمًا بالله العلي العظيم أكسرلك رقبتك وإنت عارف إني دكتور وأدرى باللي يأذيك.
وأشار على من يتسلل من جواره ظنًا منه أنه سيخلص سيده:
_ قبل ما يفكر يقرب خطوة هكون ناهيك في أرضك.
ابتلع راكان ريقه بتوتر جلي، وأشار بيده:
_ ارجع مكانك، وإنت هات شمس.
أومأ الرجل إليه وانصرف يأتي بها من الأعلى، بينما ردد عمران بفرحة:
_ الله عليك يا دكتورة، ياما في الجراب يا حاوي بصحيح.
منحه نظرة ساخرة من سخريته ومزحه بوقت كهذا، ومع ذلك بقى ثابتًا أمامه، فالتقط أذنه صوتها الهزيل مرددة لمن يواجهها:
_ عمران!
ركضت لاحتضان أخيها تشدد من ضمه بجسدها المرتجف، فربت عليها بحنان:
_ متخافيش يا حبيبتي مفيش حد فيهم هيأذيكِ.
التفت علي يتفحصها بنظرة مهتمة، فاستغل راكان انشغاله وكاد بأن يسدد له لكمة، ففاجأه علي حينما قبض على قبضته ورد له اللكمة بقوة جعلته يسقط على مقعده، لتبدأ معركة شرسة بينه وبين الحرس.
دفع عمران شمس خلف الأريكة، وانضم يدافع عن أخيه، وبالرغم من تضاعف الأعداد عليهما إلا أنهما كانوا يجاهدون لمحاذاة القوة، ضعف أي منهما يعني قتل الآخر والأصعب تعرض شمس للخطر، صاح عمران براكان غاضبًا:
_ مكنتش أعرف إنك وسخ وعرة كده يا ****، وربي لادفنك وإنت وكلابك اللي بتتحامى فيهم دول يا جبان.
ضحك وهو ينفث سيجاره بعناد:
_ وماله خلص عليهم وأبقى تعالى نتكلم، بس عايزك تصمد يا وحش!
انحنى عمران يتفادى لكمة أحدهم ومرر قدمه ليسقطه وانقض عليه يلكمه بقوة، بينما علي يرفع قدميه يركل أحدهم ويسد الطريق عن ذاك الذي يحاول ضرب رأس أخيه المنحني بمطرقة حادة.
دارت معركة شرسة بينهم وشمس تختبئ، تغلق فمها بصعوبة بالغة وتبكي بمرارة لما وضعت به، ربما هي أتت لإنقاذ حبيبها ولكنها فور سماع راكان يتحدث بمكتبه عقدت العزم بالرحيل وتحذير آدهم ولكنه كان يكشف أمرها من البداية وهو من دبر لها تلك المكيدة لتقع بشباكه.
فُتح أحد رجال راكان باب المكتب وهرول مذعورًا إليه يخبره:
_ باشا الخزنة مفتوحة على وسعها والملف مش فيها!
نهض عن مقعده يجاهد ألا يقع من طوله، وصرخ بثورته:
_ إنت بتقول إيه يا حيوان!!
تراجع عمران يحمي شمس التي خرجت من خلف الأريكة، بينما تراجع علي يحمي شقيقه ومن خلفه شقيقته كالأب الذي يخشى على صغاره من نسمات البرد القارصة.
اتجهت نظرات راكان لشمس، وصاح بصوت كالرعد:
_ الملف فين؟؟
رددت بخفوت وهي تتعلق بقميص عمران:
_ مخدتش حاجة!
_ ملفك معايا... وعدواتك معايا... وموتك على إيدي!
كلمات واثقة قالها ذاك الذي يعتلي مقعد راكان بعدما تركه ولحق بشمس، فحرك المقعد المتحرك باستمتاع وابتسامة انتشاء أشعلت الآخر، وخاصة حينما استطرد عمر وهو يتأمل الملف الذي يحمله بين يديه:
_ اتعمدت أخده بالوقت ده بالذات عشان أعرفك إني أقدر أعمل اللي أنا عايزه في أي وقت، حتى لو كنت إنت ورجالتك جوه المكان.
وجذب القداحة المجاورة لغليون راكان من على المكتب ثم أشعل النيران بالملف، والجميع يتابعه بصدمة ودهشة عدا تلك التي تبتسم بفرح وعشق لرؤيته على قيد الحياة.
اشتعلت النيران بالملف وراكان يكاد ينصهر معها، فألقى آدهم الملف إليه هاتفًا ببرود:
_ المعلومات اللي فيه اتحفظت هنا، فمبقاش يلزمني.
وكان يشير على رأسه، وفرد ظهره للمقعد مستطردًا بنوم:
_ معاك فرصة أخيرة تقتلني وبالتالي سرك يتدفن معايا.
واعتدل مستندًا على سطح المكتب ليهاتفه بجدية تامة جعلت علي وعمران بصدمة وحيرة من قوة ذاك الشرطي الغامض:
_ بس أنا خايف عليك يا راكان تحصل رجالتك اللي كنت مخليهم يستنوني في البيت إياه، ألا صحيح هما كانوا كام؟ أصل منظر الدم والاشلاء كان مثير للاشمئزاز بصراحة.
وضيق حدقتيه الماكرة:
_ أممم... خليني أخمن، اتنين جنب الشباك وأربعة ورا الباب، وكان في خيالين عند الطرقة، وممكن أربعة تانيين!!
وانفجر ضاحكًا بشكل جعل رجال راكان يرتعبون منه، سبق لهم معاشرته ورؤيته وهو يدافع عن راكان بشراسة والآن سيواجههم!! المعادلة صعبة وغير متقنة.
استوقف ضحكه وقال بجمود:
_ تؤ.. تؤ... صعبان عليا يا راكي! وخليني أقولك نصيحة قالهالي مدربي في وقت من الأوقات.
وانتصب بوقفته ينزع عنه جاكيته وقميصه الأبيض حتى بات بملابسه العلوية السوداء، قائلًا وهو ينشغل بنزع القميص:
_ قالي فيه رجالة تستاهل إنك تضيع من وقتك وتقف تحاربهم لأخر نفس خارج منك لإنهم رجالة اختاروا المواجهة وليهم الشرف إنهم يشوفوا الأقوى والأذكى منهم، وفيه حريم تانية بتستخبى بالجحر بيستنوا لحظة غدر علشان ياخدوك على خوانة ودول ديتهم قنبلة تبيدهم زي ما بدت حريمك!
تعالت ضحكات عمران وراق له ما يحدث من آدهم، بينما راقبه علي ببسمة هادئة وبات يملك فضول لمعرفة ما سيفعله الآن، فوجده يدنو من راكان حتى بات قبالته، وقال:
_ تعرف مين اللي قالي كده؟
تراجع الأخير برعب قابض، بينما استطرد آدهم بقوة:
_ مراد زيدان... الجوكر تسمع عنه؟
•
رواية صرخات انثى الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ايه محمد رفعت
نهض عن المقعد أخيرًا ليتجه بخطواته البطيئة حتى وقف قبالة "راكان" وجهًا لوجه، يشيعه الأخير بنظراتٍ حاقدة، بينما هو كان جامدًا التعابير، غامضًا بشكلٍ يرعب الأعين المحاطة به، حتى تلك العينين البندقتين التي تسترق النظر إليه من فوق كتف أخيها، تراه صارمًا لأول مرة بعدما اعتادت رؤية الابتسامة والمرح لا يفارقاه.
مد عمران ذراعيه للخلف ليحتضن جسد شمس حتى لا يصيبها أي ضرر من اندلاع تلك المعركة المخيفة، ابتدأت من إشارة "راكان" لرجاله أمرهم:
_خلصوا عليه.
ابتسم "آدهم" بسمته المخيفة، ورفع ذراعيه للأعلى كأنه ينفض جاكيته الجلد، فهبط لكلا ذراعيه خنجرين صغيرين.
إلتحم معهم بمعركة دامية، جعلت علي وعمران يصعقان مما يرآه، كان يسدد خناجره بأماكن متفرقة بالجسد بسرعة جنونية، مخيفة، تجزع الدماء وتغرق الجسد ببركتها.
حاولت شمس أن ترى ما يحدث، فألتف لها عمران بجسده وضمها بصدره دامسًا رأسها على كتفه هامسًا بسخرية:
_متحاوليش تشوفي اللي بيحصل هتغيري رأيك في فارس أحلامك الشهم!!!
اندفع الرجال من حول "آدهم" ليشكلوا حلقة دائرية من حوله، فتخلى "علي" عن مكانه وأسرع بمساعدته، فأحاطه "آدهم" من الخلف صارخًا به:
_دكتور علي خد شمس وعمران وإخرج من هنا، أنا هقدر أتعامل معاهم.
نزع "علي" جاكيته ورفع يديه يستعد للمحاربة، قائلًا دون التطلع لمن يوليه ظهره:
_هنخرج مع بعض يا حضرة الظابط.
غرز "آدهم" خنجره بصدر أحد الرجال الذي يحاول الوصول بسكينه إليه، وقال وهو يلتهي بالمعركة بتركيزٍ وتمعن:
_من فضلك يا دكتور إسمع الكلام، هتتأذي!
واستغل تأوه الرجال من أمامه واستدار ليخطف نظرة سريعة لعلي، فتفاجئ به يلكم أحدهما بحرفية، ومن ثم يرفع جسده ليمر من فوق ظهره قاصدًا الضغط بكوع يده على ظهر خصمه بقوة جعلت غريمه ينازع حد الموت بعد سماع انكسار عظامه، حركة خبيرة لا تهدر الا من رجلٍ اعتاد ممارستها لسنواتٍ، فغر فاه "آدهم" بذهولٍ، وبات يتساءل عن كناية ذاك الرجل أمامه؟
احتدمت أطراف المعركة وباتت شرسة بقدرٍ مرعبٍ، مما دفع عمران لإبعاد شقيقته لخلف الأريكة وأسرع بالتدخل ليكون مجاورًا لأخيه ولآدهم.
نجحوا معًا بالقضاء على رجال "راكان" الذي بدى مذعورًا من قوتهم الغريبة، فنزع عن ملابسه ذاك السلاح وإتجه للأريكة التي تحتمي بها "شمس".
جذبها من خصلات شعرها المنسدل خلفها بقوة جعلتها تصرخ بهلعٍ:
_علي! ... عمران!
اتجهت ابصارهما إليها فصعقوا حينما وجدوا السلاح مصوب على رأسها، انتهى آدهم من تكبيل الرجال ونهض يقابل ما يراه باستعداد تأهل له مسبقًا.
اقترب "عمران" من "راكان" مشيرًا بيديه بهدوءٍ:
_راكان اللي بتعمله ده مفيش منه فايدة، خلاص إنت جرايمك كلها اتكشفت واللي بتعمله ده هيزود عقوبتك.
سحب خصلات شعرها للخلف ليرغمها على التراجع خلف خطواته، ليشير بسلاحه بعنفٍ:
_ارجع جنب أخوك بدل ما أخليك ترجع للموت تاني برجليك وإنت مصدقت نفدت منه.
واتجه بفوه السلاح للمكان الذي يقف به "آدهم" شامخًا لا يهتز له جفنًا حتى بعد أن أصبح السلاح مُصوب إليه، كان يعلم بأنه سيفعل ذلك ليضمن عدم كشف الملف للسلطات المصرية.
صدق حدثه حينما حرر "راكان" الزناد لتستقر الطلقة بكتف الاخير، فانحنى على ساقٍ واحدة وهو يضم كتفه بألمٍ.
تحررت صرخة شمس بجنونٍ وكسرة جعلت صوتها مبحوحًا:
_آدهـــــــــــــم!
ركض إليه "علي" ينحني قبالته، في محاولة لتفحص جرحه فانتبه لهمس الخافت ونظرات عينيه الماكرة:
_إبعد عمران.
هز رأسه بعدما تمعن بخطته الخبيثة بالقضاء على ذاك السليط، وبالرغم من خوفه الشديد على شقيقته الا أن ما رأه بعينيه من مهارة وقوة جعلته يثق بأن "آدهم" لن يسمح بأن يطولها أذى، فبدأ بتنفيذ تلك الخطة العاجلة، وجذب "عمران" مدعيًا خوفه الشديد عليه ليطوله رصاصه مثلما فعل مع آدهم، فقال:
_إرجع يا عمران.
وقف أمامه كالحصن المنيع الجاهز لاستقبال أي رصاص يخترقه قبل أن يصل لأخيه، وتراجع علي للخلف بعمران للشروع بتنفيذ مخطط آدهم الذي يدعي تألمه الشديد لأصابته، فمازال يضم صدره وينخفض برأسه للأرض بتعبٍ.
تطلع علي لراكان وأشار بيده بينما مازال يتراجع بعمران للخلف:
_اهدى يا راكان واللي إنت عايزه هنعملهولك، احسبها بالعقل، إنت كده هتخسر ومش هتستفاد أي شيء.
ضحك ساخرًا ومرر سلاحه على وجوههم جميعًا:
_المعركة بينا لسه مخلصتش يا دكتور، اختارتوا تقفوا في الجهة الغلط، وحظه بقى إني مطلوب حي.
انهمرت الدموع من عينيها، وكل ما يشغل عقلها ماذا أصابه؟
لم تفارقه نظراتها الباكية وهمسها الوحيد المعاكس للأجواء المتبادلة، تهمس باسمه بعدم استيعاب بما حدث إليه، ولم تبالي بفوه السلاح المصوب برأسها، إن أراد الله أن يفرقهما بموته فليفعل ذاك السفيه وليضغط على الزناد لتلحق به لمثواهما الأخير!
رفع آدهم رأسه ببطء ليواجه راكان بنظرةٍ قوية، واستقام بوقفته بهدوء وصوته الرزين يسترعى انتباهه:
_بس أنا معنديش تعليمات إنك ترجع مصر عايش يا راكان!
وأنهى جملته بخروج سلاحه وفي لمح البصر استقرت رصاصته بمنتصف جبين الأخر، سقط السلاح أرضًا من يده مصدرًا صوتًا صاخبًا ومن خلفه سقط جثمان راكان، بينما ترك دمائه تنبثق على فستان شمس الذي تلوث بتلك الدماء، فصرخت بذعرٍ وهي تتأمل كتفيها وصدرها.
جذبها آدهم بعيدًا قبل أن يترنح راكان بسقوطه من فوقها، والتقفها علي الذي يحاول جاهدًا ازالة الدماء عن فستانها حتى تهدأ من روعها.
جذب عمران المحارم الورقية المبللة التي يحتفظ بها بسيارته وأزال ما تمكن بفعله، فكان يزيح علي البقع الماسدة على ظهرها وعمران يزيح عن شعرها وجبينها بينما لا تكف هي عن الصراخ والانتفاض بين أيديهما، فقال علي:
_اهدي يا شمس، احمدي ربنا إنك كويسة وبخير.
بينما صاح عمران بوقاحة:
_كلب ويستاهل اللي جراله، ليها حق تقرف من دمه ال***
ضحك آدهم على سبه المضحك ومازالت يده الحاملة للسلاح تتكئ على كتفه المصاب، فاسترعى انتباه علي الذي ترك شمس لأخيها واتجه إليه قائلًا بقلقٍ:
_آدهم إنت لازم تروح المستشفى حالًا، جرحك بينزف.
هز رأسه نافيًا لاقتراحه الخطير:
_مركزي حساس مقدرش اعمل كده، هدخل في سين وجيم وإنت عارف يا دكتور.
ضيق حاجبيه بذهول:
_يعني أيه هتسيب نفسك لما تتصفى كده!!
إتجه إليهما عمران يقترح بعدما تلصص لحديثهما:
_الدكتورة ليلى ممكن تساعده تخصصها جراحة عامة وتقدر تعمل كده بسهولة.
وتابع قائلًا:
_هنأخد آدهم شقة سيف وأنا هطلب يوسف وأخليه يسبقنا هو وليلى هناك.
استحسن علي فكرة أخيه، وأشار له وهو يساند آدهم الذي بدأ بخسارة وعيه تدريجيًا:
_هات شمس وأنا هسند آدهم للعربية.
استدار تجاه شقيقته وقبل أن يخطو إليها خطوة واحدة وجدها تهرول تجاه آدهم، تمسك يده وتردد ببكاء انساقت إليه بانهيارٍ:
_آدهم!
فتح عينيه لها وبصعوبة أجبر لسانه الثقيل على النطق:
_أنا كويس.. متقلقيش.
رفع عمران أحد حاجبيه بسخطٍ، فجذب يدها التي تتمسك بيد آدهم وأجبرها على أن تخرج معه قائلًا وهو يقلد صوتها الانوثي:
_آه آدهم!! طب اعملي احترام لأخواتك الرجالة اللي واقفين، ولا خلاص الحب ولع في الدرة!
استعادت نوبة بكائها وهمست له بغضب:
_ده وقتك يا عمران، آدهم بيموت.
استدار للخلف ليضمن وجود مسافة بينه وبين علي الذي يساند آدهم بخطواته البطيئة واستدار مجددًا يخبرها:
_بعد اللي شوفناه جوه ده هيموت ازاي! ده لف على رجالة راكي شبه الخنفس وقذف الرعب في أوراكهم وأفخادهم، كنت فاكره ظابط محترم طلع سفاح المعادي!!!
ولف يده حول كتفها ليجبرها على الاقتراب من شفتيه الهامسة:
_رجعي نفسك يا بت، ده لو اتخانقتي معاه مش هنلحق نيجي نسلكك منه، هيقطعك ومش هنعترلك على قطعة واحدة ندفنك، فكك منه وبصي لقدام.
وعاد يتطلع للخلف ليتفحص جسد آدهم بنظرة دقيقة ثم عاد بنظره لشقيقته ليعود لهمسه:
_راجعي نفسك يا شمس الموضوع محتاج تفكير صدقيني!
منحته نظرة غاضبة، يراها تكاد تقتل من فرط بكائها وخوفها عليه بينما مازال هو يستكمل حديثه، تلصص عمران لنظرتها وقال وهو يغلق عينيه بشكلٍ أضحكها:
_أنا أدرى بمصلحتك يا بنت الحلال، إنتي اتربيني تربية آرستقراطية على ايد فريدة هانم، يعني الرقة والاحساس والمشاعر وكل شيء هادي، ده ياما عايز واحدة من السيرك تلاعبه بالخناجر وهو منشكح ومش همه الخنجر هيصيبه من إنهي اتجاه.
واستطرد وهو يلعق شفتيه بتوتر:
_أنا خايف على مستقبلك يا شمس، مش معقول بعد الفلوس اللي كعتها على تعليمك ألقيكي بالأخر بتتعلمي مسكت الخناجر!!
زفرت بتعبٍ وتوسلت له:
_عمران عشان خاطري أنا تعبانه ومش قادرة والله لكلامك، ده لا وقته ولا مكانه بقولك هموت من الرعب على آدهم، إنت أيه معندكش دم؟
ضحك ساخرًا وهو يصفق كف بالأخر:
_لا حول ولا قوة الا بالله، أقنعها ازاي دي بقى!! يا بنتي انا وأخوكِ الغلبان ده اللي يتخاف علينا من الخنفس اللي عايزة تتجوزيه ده.
وتابع وقد توقف عن الخطى حتى عاق الطريق لعلي وآدهم، فوقفوا يراقبون ما يحدث وقد صدمهما ما قاله بالاخص آدهم:
_طب بذمتك لو اتجوزتي واحد زي ده وجيتي في يوم تشتكي منه هنروحله نواجهه بمصايبه من أنهي اتجاه! هو إنتي مستبيعة ومش فارقلك عمري أنا وأخوكي الدكتور المحترم اللي رباكي ورباني.
ربعت يديها بخصرها وتراقصت بانفعالٍ:
_ليه يا حبيبي حد قالك إني هتجوز بلطجي، آدهم ظابط قد الدنيا كلها، وعمره في يوم ما هيجرحني بالعكس أنا لو هسلطه فهسلطه عليك عشان إنت تستحق بصراحة.
وضع يده بجيب بنطاله وقال وهو يلتقط هاتفه:
_ولا يقدر يعملي حاجة، لو هو شاطر بالخناجر فأنا شاطر بآسر قلوب الستات، هآسر قلب أمه وأقلبها ضده زي ما بنجح دايمًا.
تنحنح ذاك المنصدم من حديث عمران الذي ظنه عاقلًا بشخصيته الرزينة، وقال:
_والدتي للأسف متوفية يا عمران بس بابا موجود، ليك بردو في أسر قلوب الرجالة ولا سكتك حريم بس؟
اتجهت نظراتهما معًا للخلف ليجدوا علي تتصاعد نيرانه من عينيه تجاههما، فابتلع عمران ريقه بارتباك من نظرات أخيه وصاح ببراءة مصطنعة:
_واجب عليا كأخ إني أنصحها متأخذنيش بردو يا آدهم اللي عملته جوه من شوية لازم يتخاف منه ولا أيه؟
قهقه ضاحكًا ويده تضم جرحه بألمٍ، وهمس ساخطًا:
_لا في دي عندك حق، بس أنا عندي تعليق بسيط.
هز رأسه بمعنى صريح لاستماعه لما سيقول، فردد وهو يتحرك:
_أولًا أنا إسمي عمر مش آدهم كفايا أختك اللي بحاول أقنعها بإسمي الحقيقي إلى الآن ومش راكبة معاها، ثانيًا اللي حصل جوه ده إن دل على شيء يدل إني هصون أختك وهحميها من نسمة الهوا قبل ما ترمش على خدها، ويدل بردو إنك هيكونلك زوج أختك شرس لو إحتاجتله هتلاقيه وخصوصًا إن باين عليك بتاع مشاكل!
تمعن بالأمر بمنظورٍ عميق، وهمس إليه:
_شكلي هتثبت ولا أيه!
ردد علي من بين اصطكاك أسنانه بغيظٍ:
_على العربية يا عمران بدل ما أخليه يقتص من فخادك إنت كمان!
هز رأسه وإتجه بها للمقعد الخلفي، بينما صعد علي لمقعد القيادة بعدما وضع عمر لجواره، وتبقى الصمت بينهم السائد الا من صوت عمران الذي هاتف يوسف وأخبره بالتوجه لشقة سيف هو وزوجته لأمر ضروري.
جمع أيوب بعضًا من أغراضه الشخصية، ووضعها باحدى حقائبه الصغيرة، وجذب كتبه ومتعلقات جامعته، وحينما كان بطريق خروجه من غرفته عاد خطوتين للخلف يفتح أحد أدراجه وأخرج منه بعض الكتب الدينية والقرآن الكريم، ثم تعمد تركهم على سطح الطاولة لتبدو منظورة لها بوضوحٍ، والابتسامة الصغيرة تزين شفتيه.
جذب الحقيبة وغادر تاركًا شقته، فوجدها تجلس بالخارج بانتظاره، وتلك المرة لم تجرأ على مخالفة حديثه، فتبقت بالخارج مثلما أمرها.
أفاقت من شرودها على صوته الرجولي الثابت:
_لقد انتهيت، يمكنك الدخول والاسترخاء بالداخل.
هزت رأسها ونهضت تتجه بتعبٍ للباب، وقبل أن تدخل قالت برجاءٍ:
_أيوب فلتكن رجلًا شهمًا ولا تكن تلك إحدى محاولاتك للفرار مني، أرجوك أريد القصاص لأخي.
رفرف بأهدابه الطويلة بعدم استيعاب، ومنع تلك الابتسامة التي تزوره مجددًا، فحك أنفه يخفيها وتنحنح بخشونة:
_لا تقلقي، لست ذاك الجبان الذي يهرب من مواجهة مصيره، وإن كنت سأفعلها لما سمحت لكِ بالبقاء هنا ولما اتبعتك طوال تلك المدة.
ورفع يد الحقيبة يجرها قائلًا باقتضابٍ:
_سأغادر الآن وسأعود غدًا ببعض الطعام والأغراض التي ستحتاجينها..
وتركها وغادر ومازالت تراقبه باستغرابٍ ودهشة.
ولجت "آديرا" لشقته، فتمكنت من تفحصها بعناية، وجدتها شقة صغيرة للغاية بالكد تخفيه، كانت تتكون من غرفة نوم واحدة وحمامًا خاص ومطبخ صغير يطل على ردهة مطولة تحتوي على صالون وبعضًا من أغراضه.
كانت مرهقة بالدرجة التي جعلتها تتجه سريعًا لغرفة النوم لتنال قسطًا من الراحة، وما أن حررت بابها حتى أغلقت عينيها باستمتاعٍ حينما انعشتها تلك الرائحة الطبية التي تسللت لانفها وكأنه كان ينثر بغرفته معطرًا باهظًا، فلأول مرة تلتقط تلك الرائحة التي أرسلت لها شعور الطمأنينة والرائحة بشكلٍ غريبًا جعلها تتسلل خلفها لتستعلم عنها ولكنها وجدتها بالغرفة بأكملها.
تفحصت فراشه بعينيها، وتلك الخزانة الصغيرة، لامست خشب الطاولة بلفتة سريعة فجذب انتباهها بعض الكتب الدينية المكتوبة باللغة الانجليزية، استوقفها احدهم وكادت بقراءته ولكنها اندرجت لمفهومٍ جعلها تقتاد غضبًا، آن كان أيوب عربيًا لما يحتفظ بكتبٍ انجليزية من المؤكد بأنه قد تركها لها عن عمد وربما كانت لأخيها من قبل، هل ذاك ما قام به استدراج أخيها؟
دفعتهم للخلف بضيقٍ وكادت أن تتوجه للفراش ولكنها توقفت حينما لمحت صورة محاطة للكومود بإطار زجاجي تضم أيوب وأخيها.
انحنت وحملت الصورة تتأملها بأعين باكية وأناملها تلامس وجه أخيها ببطءٍ وشوقٍ يمزقها، وأكثر ما ألمها بأنها كانت تراه مبتسمًا بشكل لم تراه بمثل تلك السعادة من قبل، مما دفعها للتفكير بحديث أيوب وخاصة بأفعاله وأقواله وبات ما فعله معها إلى الآن يختبئ خلف سؤالًا واحدًا ردده عقلها بقوة.
هل ما يفعله من كرمًا ولطفًا يندرج لخانة الإرهاب؟؟!
تسلل أحمد من جوارها وهو يتفحص الوقت، فارتدى بذلته وخرج يتسلل حتى لا يوقظها، لا يعلم بأنها مستيقظة وتدعي النوم حتى تهرب من وجعها القاتل، لم تعد تريد الانهيار أمام أحدٌ حتى هو شخصيًا.
فور أن اغلق الباب حتى استقامت بجلستها تفرغ ما كبت بداخلها، تضم جسدها الهزيل وتدعي العنان لدموعها.
وقف أحمد يطرق باب غرفة عمران، فارتدت مايسان اسدال صلاتها وخرجت إليه مرددة بدهشة:
_أنكل أحمد!
تنحنح بحرجٍ وهو يزدرد صوته:
_معلشي يا مايا لو قلقتك بالوقت ده.
أسرعت برفع الحرج عنه قائلة:
_أنا صاحية منمتش.. خير يا أنكل في حاجة ولا أيه؟
قال وقد تجلى الحزن على معالمه قبل نبرته الرخيمة:
_فريدة حاسس إنها مش تمام، وعندي اجتماع مهم ولازم أخرج وللاسف هتأخر، عايزك تخلي بالك منها لحد ما اخرج.
برقت بقلقٍ وتساءلت:
_مالها فريدة هانم!!!
لا يريد أن يخبر أحدٌ بما يحزنها، لذا قال:
_معرفش يمكن تحضيرات الحفلة سببتلها شوية ارهاق، المهم خلي بالك منها.
هزت رأسها في طاعة وأغلقت باب غرفتهما واتجهت سريعًا لغرفة أحمد.
ولج للداخل يحمل أكياس الحلوى، وضعها على أقرب مقعدًا قابله وناداه بتلهفٍ:
_أيـــــــــوب!
اتجه سيف للداخل وتفحص الأريكة بنظرة حزينة، فهمس وهو يلهو بالمفاتيح:
_طلع حجر صوان، مفيش فايدة فيه!
وفجأة اتاه صوت جرس الباب، فإتجه ليرى من الطارق، اتسعت ابتسامته وعينيه تنخفض للحقيبة التي يحملها، وصاح بفرحة:
_هتطلع ابن اصول وهتقعد معايا؟
ولج أيوب للداخل وترك حقيبته وهو يستدير في مقابلته قائلًا باصرارٍ:
_لأ يا سيف، قولتلك اني مستحيل هقبل ليك بالأذى، أنا بس هقعد عندك كام يوم لحد ما ألقى سكن مناسب ليا أو يمكن ربنا يكرم وألقى شقة صغيرة بسعر مناسب زي اللي كنت قاعد فيها.
اتبعه سيف حتى جلس قبالته على المقعد، وتساءل بعدم فهم:
_وسبت شقتك ليه؟
تنحنح وهو يجاهد لخروج صوته ثابتًا:
_مسبتهاش، فيها حد يخصني.
عبث سيف بعينيه بنظرة جعلت الأخير يشعر وكأنه عاري أمامه:
_مين الحد ده يا أيوب؟
تهرب من حصار نظراته مدعيًا انشغاله بالهاتف الذي جذبه فجأة، مما دفع سيف لالتقاطه ودفعه على الطاولة بعنفٍ:
_إنت أكيد اتجننت يا أيوب، متقوليش إنك مقعد البنت اللي عايزة تقتلك جوه بيتك!!
التقط نفسًا مطولًا وأجابه:
_مكنش ينفع أسيبها تقعد في الشارع يعني يا سيف، دي مهما كان وصية محمد.
انفجر متعصبًا:
_ما تغور ما داهية يا أخي، دي يهودية وقاتلة يا أيوب إنت عايز تلبس نفسك مصيبة!! وبعدين أنا ليه حاسك كده مسلم ومرحب بأنها تموتك ما تموت نفسك وتخلص والعقوبة واحدة مش فارقة!
منحه نظرة قوية عميقة، اتبعها قوله:
_مين قالك إنها هتعمل كده!
رمش وملامحه تتشح بالسخرية:
_أمال بتجري وراك عشان سواد عيونك!
رد عليه ببسمة هادئة:
_الايد اللي ترتعش قدامك وهي في عز حرقتها واصرارها للانتقام مش هتعملها ونارها الوقت كل مادى بيسكنها وبيطفيها يا سيف.
أدلى بشفتيه بحيرةٍ:
_مش فاهمك أنت عايز توصل لأيه؟
أجابه بوضوحٍ والخبث يتراقص بين عينيه:
_سيف أديرا جواها شيء كويس أو بيحاول يكون كويس، هي حاليًا شايفاني الارهابي اللي قتل أخوها وأرغمه إنه يدخل الاسلام، وفي نفس الوقت بتشوف حقايق معاكسة لكل ده، طريقتي معاها من البداية لحد هنا بتنافي كل القذارة اللي زرعها عمها في دماغها عن المسلمين وعني أنا بالأخص، لو أنا قولتلها مباشرة بالكلام إني مش ارهابي مش هتسمعني لكن لما تشوف تصرفاتي معاها لحد اللحظة دي هتواجه عكس اللي اتقالها ومش بعيد كمان تتبع نفس طريق أخوها وتتوب على إيدي بإذن الله.
بدأ الأمر منطقيًا له الآن، فكما اعتاد عنه الرزانة والعقل وبما اكتشفه الآن فمازال يملك هذا العقل والتفكير، انتهى من صمته الطويل ولعق شفتيه مرددًا:
_بس ده هيكون خطر عليك يا أيوب، عمها مش هيسيبك في حالك واللي عمله في ابن أخوه اللي من دمه يخليك واثق أنك هتشوف مصير أسوء منه، بلاها كل ده يا صاحبي أبوك ممكن يروح فيها لو جرالك حاجة، إنت جتله بعد صبر وحرمان ٢٠سنة بلاش تعمل فيه وفي الحاجة رقية كده راجع نفسك.
ابتسم وهو يمنحه نظرة دافئة:
_الاعمار بيد الله وحده يا سيف وسبق وقولتلك قبل كده، اللي معاه ربنا قلبه مات!
تلاحقت البسمات على وجه سيف، وقال وهو يتمعن التطلع به:
_اسلوبك وكلامك دايمًا بيفكرني بعمران صاحب يوسف، أقسم بالله تؤامه يا أيوب.
تنهد بمللٍ:
_مفيش مرة أقابلك فيها الا وجبتلي فيها سيرة اللي اسمه عمران ده، يا أخي بقى عندي فضول أقابله بسبب رغيك عنه!
أتاه الرد مقبلًا ببشارة من يوسف الذي فتح باب المنزل وولج للداخل برفقة زوجته، فترك حقيبتها الطبية الصغيرة أرضًا وأسرع للصالون يردد بحفاوةٍ:
_أيوب مش معقول!
وضمه بحبٍ والاخير يبادله بضمة حنونة، فسأله يوسف بضيق:
_بقى كده متسألش علينا ولا خلاص بقى البشمهندس تقل علينا.
ابتسم وهو يجيبه:
_متقولش كده يا دكتور أنا بس الفترة اللي فاتت كنت مشغول شوية في حوار كده.
هتف سيف بنزقٍ:
_حوار اليهودي اللي هيتسبب في قتله قريب بإذن واحد أحد.
زجره أيوب بغضبٍ، وكاد بالحديث ولكن فور رؤيته لزوجة يوسف تقترب منهم حتى غض بصره للأسفل عنها، تفحصت ليلى الردهة وتساءلت بنعاسٍ:
_هو فين عمران وصاحبه المصاب ده يا يوسف!
أسبل سيف بصدمة:
_مين اللي مصاب!!
رفع كتفيه بقلة حيلة:
_ولا أعرف أنا اتفاجئت بمكالمة منه بيقولي أجي هنا أنا وليلى عشان صديقه مصاب!
رد بحيرة من ذاك الأمر:
_طيب مودهوش مستشفى على طول ليه،على الأقل هناك رعاية كاملة عن البيت لو اصابته خطيرة!
جلس على الاريكة بانهاكٍ:
_ادينا قاعدين وهنشوف، بس تأكد إن عمران مورهوش غير المصايب.
وأشار بيده على زوجته:
_خد دكتورة ليلى تريح جوه لحد ما البيه يشرف ونشوف حكايته أيه؟ وبالمرة أشوف حكاية ايوب أيه؟ ها يا بشمهندس؟
أومأ سيف برأسه واتجه لزوجه أخيه يحمل عنها حقيبتها ويتبعها لأحد الغرف، فوضع الحقيبة بالداخل وأغلق الباب عليها.
بينما بالخارج.
قص أيوب بإيجازٍ ليوسف عما فعله، فتلألأت حدقتيه بفخرٍ واعتزاز بذاك الفتى، فانتهى من حديثه قائلًا:
_سيف مصمم أني غلطت يا دكتور يوسف وأنا مش شايف إني أذنبت في شيء وحتى لو عمه مسبنيش أنا جاهز لأي غدر بس بعيد عن سيف.
وبحرجٍ قال:
_علشان كده أنا مش هطول هنا، يومين بس ألاقى مكان بديل وآ..
قاطعه يوسف بغضب بعدما توارى له مغزى حديثه:
_متكملش يا أيوب، أنا من البداية كنت مصر إنك تفضل هنا مع سيف، وبعدين الكلام ده مهزش فيا شعرة ولو شايف بصحيح إن دكتور يوسف مش أهل كرم وابن اصول يعتمد عليه هتمشي، لو شايف العكس هتقعد مع سيف لاني مأمنش لأخويا مع حد غيرك يا أيوب، اعتبرني أخوك الكبير يا عم تفتكر أخوك هيقبل انك تسكن بره وهو عنده شقة!
كاد أيوب بأن يوضح له وجهة نظره والمخاطر الصارمة التي تنتظر مصيره البائس، ولكن قاطعه صوت رنين هاتفه، رفعه ليجد عمران يصيح به:
_انزل سند معايا أنا تحت.
فرك جبينه بارهاقٍ، وأشار لايوب:
_هنزل أشوف أخرة صبري ده وراجعالك تاني يا أيوب.
أشار له بتفهمٍ وجلس بانتظاره.
وأخيرًا تمكن من اقناع علي باصطحاب شمس للمنزل لتأخر الوقت، وساند عمران آدهم للمصعد، فارتكن عليه هامسًا بتعبٍ:
_احنا رايحين فين يا عمران؟
حاوطه بذراعيه بقوةٍ، وأجابه بخوفٍ وهو يتفحص ملامحه التي بدأ العرق يتسلل لجبينه:
_متقلقش دي شقتي انا وأصدقائي، أمان متقلقش.
ابتسم ساخرًا وهو يميل على كتف عمران:
_إنت ليه محسسني إنك بتتستر على مجرم.
أحاطه عمران حينما تمايل للأمام، وأجابه بجدية تامة لاحظها بشخصيته الغامضة:
_إنت باللي عملته ده بطل يا آدهم، كفايا انك جبت رقبة الكلب ده، ده الجزاء المناسب ليه بعد خيانته لبلده ولناسه.
اتسعت بسمته وردد بخفوت مازح:
_اعتبر رأسه مهر أختك!
ضحك بصوته الرجولي وتحرك به بعدما توقف المصعد، وتفاجئ بعدم وجود يوسف، فدق الجرس فوجد قبالته شابًا غريبًا يراه لأول مرة.
أحكم عمران لف ذراعه حول آدهم المستسلم للاغماء بين اللحظة والاخرى، فردد بدهشة:
_أعتذر منك، لقد أخطأت الشقة بالتأكيد.
استكشف أيوب من ملامحه وبذاك المصاب بين ذراعيه بأنه هو، فأشار له متسائلًا:
_إنت عمران صح؟
تعجب من ذاك الشاب العربي، وأجابه باستغرابٍ:
_أيوه انا.. إنت مين؟
مال آدهم بين يديه فعاونه أيوب حينما انحنى تجاهه وسانده للداخل، مناديًا:
_سيف!
خرج سيف مهرولًا ومن خلفه ليلى، عاونوه الشباب معًا بالاسترخاء بغرفة جمال، وأسرعت ليلى بقص التيشرت الاسود الذي يرتديه آدهم أسفل جاكيته الاسود، لتتفحص اصابته فرددت بصدمة لمن يقف جوارها:
_عمران ده مضروب بالنار ولازم يتنقل المستشفى فورًا.
أجابها عمران وهو يتفحص آدهم الذي غلبه فقدان الوعي أخيرًا، وقال:
_اتصرفي يا دكتورة ليلى، آدهم ظابط من المخابرات المصرية ولو حد شم خبر إنت عارفة اللي هيحصل.
تفاجئ سيف وأيوب بما استمعوا إليه، بينما لم يعني الأمر ليلى كثيرًا، كانت تركز بما ستفعله لانقاذ مريضها مهما كلف الأمر، فحاولت جذب الاغراض المتاحة باستخدامها وتوفيرهة بالمنزل حتى تتخطى به مرحلة الخطر.
صعد يوسف بعدما تفحص انحاء العمارة والمصعد، فولج بمفتاحه الخاص وهرع للغرفة المجتمع بها الجميع، فاقترب يتفحص ما تفعله ليلى وقد شملت نظراته ما يحدث، فجذب عمران للخارج بغضب، وسدده للحائط وهو يردد بعدم تصديق:
_إنت جايبلنا مجرم مضروب بالنار لحد هنا يا عمران عايز تودينا وتودي نفسك في داهيه.
دفعه بعيدًا عنه وهو يصيح به:
_اهدى بروح أمك العملية مش ناقصه، أنا لسه خارج من عركة مخليني شايفك مصاص دماء قدامي، ريح يا دكتور في جنب ومتستفزنيش بدل ما أخرج الحركتين اللي ملحقتش أستعرض بيهم نفسي هناك وتطوح جنبه جوه.
دفعه للحائط مجددًا بعدما كاد بأن يتخطاه عائدًا للداخل:
_لسانك الوقح ده هقصهولك قريب إن شاء الله، بس الأول فهمني عركة أيه وحد أذاك؟
قالها وهو يتفحص جسده بعدما رأى بقع الدماء قابعة بقميصه، فقال بعدما التقط نفسًا:
_أنا كويس ومتقلقش اللي جوه ده مش مجرم زي ما أنت فاكر، ده ظابط ويعتبر خطيب شمس أختي.
زوى حاجبيه بدهشة:
_وراكان المنذر أيه وضعه!
ضحك وهو يخبره:
_الله يرحمه بقى لا يجوز عليه سوى الرحمة.
ردد حائرًا:
_أنا مش فاهم أي حاجة منك!
قال وهو يبعده عنه بتعبٍ:
_بعدين يا يوسف أطمن عليه بس وهنقعد نحكي للصبح.
وقبل أن يدلف لباب الغرفة استدار يسأله:
_صحيح مين اللي فتحلي الباب من شوية ده؟
ابتسم وهو ينقل له الخبر الذي مل من سماعه:
_أيوب اللي فلقنا رأسك بيه أنا وسيف.
بادله الابتسامة وهتف:
_بجد، صاحب سيف صح.
هز رأسه مؤكدًا له، وولجوا معًا للداخل، فوجدوا ليلى قد سحبت الرصاصة من جسده بالفعل، بينما يقوم سيف بمساعدتها بتعقيمه، حتى أيوب تعاون معهما بمناولتها ما تحتاج إليه من الحقيبة على وجه السرعة حتى أتمت مهمتها ووضعت المحلول بيده ثم خرجت لعمران ويوسف بالخارج قائلة بارهاقٍ:
_الحمد لله كله الحالة شبه مستقرة، بس لازم يكون تحت الملاحظة عشان لو لقدر الله حصل أي مضاعفات، فلازم أكون جنبه هنا لحد بكره الصبح.
هز يوسف رأسه بتفهمٍ وقال:
_خلاص مفيش مشكلة نخلينا هنا لبكره لحد ما نتطمن على وضعه..
وأشار لها بنظرة فهمت معناها:
_ادخلي انتي اوضتي ريحي يا ليلى وأنا شوية وجايلك.
انسحبت تاركة الصالون للشباب، فجلسوا جميعًا بالخارج، وكان عمران أول من تحدث:
_الحمد لله إنه كويس أنا كنت خايف يجراله حاجة معرفش أقف قدام أختي وأقولها أيه.
ابتسم أيوب وردد:
_ربنا يشفيه ويعافيه، بسيطة إن شاء الله.
منحه الاخير ابتسامة واسعة وصاح:
_أنا سعيد إني اتعرفت عليك يا أيوب، سيف ويوسف دايمًا في سيرتك.. ومن اللي سمعته شكلنا كده هنكون أصدقاء قريبتطلع له سيف بريبة فأشار ليوسف الذي أسرع بلكز عمران هامسًا من بين اصطكاك أسنانه:
_بالمناسبة أيوب ابن الشيخ مهران، أبوه شيخ أزهري وهو شاب متدين ارجع عن أي هزار سفيه أبوس ايدك.
تألم لضغط يده ولكزه بقوة أكبر وهو يصرخ به بحنقٍ:
_في أيه يا عم؟ حد قالك إني ملحد!!
تهاوت الضحكات على وجه أيوب وخاصة حينما نهض عمران يحمل حقيبة ملابسه وأشار له بغمزة مشاكسة:
_تعالى يا أيوب هقعدك في أوضتي أنا، وبالمرة أتعرف عليك حلو بدل بكيزة وزغلول اللي قعدلنا على الواحدة دول!
تعالت ضحكاته ونهض ليلحق به فأوقفه سيف حينما تعلق بذراعه وهتف بتواسل مازح:
_بلاش عمران يا أيوب، أخلاقك هتنحدر، صدقني هتتغير وهتبقى انسان شيطاني، مغرور، زير نساء، وقح، معاك قرص في الردح والتربية السلبية، هتكتسب بلاوي وأنا بغير عليك يا صاحبي.
دفعه أيوب وهو يمازحه بذكورية متسلطة:
_لازم تغير لاني التركيبة اللي نطقتها دي تغري وأنا قبلت الاغراء!
ضحك يوسف وسيف وشاركهما أيوب، بينما خرج عمران من الغرفة حينما لم يجد من يتتبعه قائلًا بضجرٍ:
_أيه يا شيخ أيوب خوفت مني ولا أيه؟ لا عندك ده أنا في المعلومات الدينية معنديش ياما ارحميني، شوف إنت عايز تجاريني في أيه وأنا سداد.
توسعت ابتسامته بعدم تصديق لوجود شخصيات تلقائية مثل ذاك الغريب الذي يتعامل معه وكأن هناك عقدًا من الزمان يجمعهما، وما زاده غرابة بأنه قام بنفسه بترتيب ملابس أيوب داخل خزنته، وحينما وجد القرآن بين أغراضه حمله بحرصٍ وهو يقبله بسعادة.
منح أيوب بالبصيرة تجاه خلق الله، لا يعلم ولكنه يشعر بالقلوب البيضاء ويميزها عن غيرها، ومنذ أن رأى عمران وهو يشعر بنقاء روحه التي تألقت برداء أبيض زاهي.
جلس عمران جواره وأخذ يسأله عن جامعته وبعض الاسئلة الافتتاحية لاي علاقة تجمع صديقين حديثًا.
اتجه علي ليبدل ثيابه وينعم بحمامٍ دافئ بعد هذا اليوم المرهق، وخاصة بعد أن وصل شمس لغرفتها، وولج هو لحمام غرفته واستغرق أمر تبديل ملابسه لاخرى حتى يستعد ليتجه لشقة يوسف لرؤية آدهم، صفف شعره بعناية وهو يراقب ساعة الحائط فوجدها تشارف على الحادية عشر.
جذب علي مفاتيحه وكاد بالخروج فتسلل له صوت صراخ زينب وهي تصيح بخوفٍ:
_فطيمــــــه.
اختلج قلبه بين أضلعه، فود لو حطم الباب الفاصل بينهما ولكنها الآن لم تعد بمفردها، فطرق بخفة على الباب مناديًا:
_زينب أنا هدخل؟
جذبت الاسدال القريب منها وارتدته وقد سمحت له بذلك، فاسرع للفراش يتفحص وجهها المتصبب بالعرق، ملامحها كانت مشدودة بشكلٍ مخيف.
تراجعت زينب للخلف وهي تراقبها ببكاء، وقالت بوجع:
_هي مالها يا علي؟
قال ومازال يتفحص حدة نوبتها:
_متقلقيش يا زينب هي بس بتشوف كابوس..
أراد أن يضمها ولكن وجود زينب يعجز حركته، فقال بلباقة:
_لو ممكن تنزلي تجبيلها أي عصير من تحت يا زينب.
هرعت للباب وهي تردد في طاعه:
_حاضر.
وما أن غادرت للأسفل حتى رفعها علي إليه وضمها بقوةٍ، هامسًا جوار أذنيها:
_كل ده كابوس أنا جنبك يا حبيبتي، ومستحيل هسمح لحد إنه يأذيكِ، فوقي يا فطيمة.
بالعادة تستغرق نوبتها ما يقرب العشرة دقائق لتستفيق منها، أما الآن وجوده لجوارها تمسكه بها، رائحته التي باتت تعتاد عليها جعلتها تفتح عيونها وتستفيق من نوبتها، فهتفت ببسمة هادئة:
_كنت فين كل ده يا علي؟
أبعدها عنه وهو يتمعن بعينيها، فرفع يده يلامس خصلاتها بحنانٍ، مزيحًا عرق وجهها:
_واضح إن القمر كان مستنيني وأنا زي المغفل مطلتش عليه.
وراقب باب الغرفة ثم انحنى لها سريعًا يهمس:
_لازم نتصرف في أوضة لزينب أنا كنت هموت من القلق عليكي بره ومش قادر أدخلك، وبعدين الدخول والخروج اللي بحساب ده مش نافعني.
استندت على ساقيه حتى اعتدلت بجلستها، وابتسامتها عادت لتنير وجهها الشاحب، جاهدت فاطمة ليخرج كلماتها له، فقالت على استحياءٍ وهي تود بث طمأنينتها إليه:
_بكره هجي أنام في أوضتك لما زينب تنام.
واستطردت بألمٍ تلألأ بعينيها الغائرة بالدموع:
_لاني مش حابه أنها تشوفني كده، مش عايزة أقلقها عليا يا علي.
أزاح دموعها بأبهاميه ويديه تحيط خصلاتها بحنانٍ، فرفعت بنيتها إليه وسألته ببكاء:
_هو أنا هفضل كده كتير، الكوابيس دي هتفضل تلاحقني كده طول عمري! أنا تعبت يا علي والله تعبت.
جذبها لاحضانه فتشبثت به وهي تبكي بانهيارٍ، مال برأسه يطبع قبلة عميقة على جبينها وقال بحزنٍ يمس أوتار فؤاده:
_هنعدي كل ده يا فطيمة، أنا جانبك وهفضل جانبك على طول يا حبيبتي.
ورفع عينيها لتواجه رماديته قائلًا:
_هنحارب مع بعض لحد ما نهزم كل كوابيسك وماضيكِ، هفضل جنبك ومعاكي.. مش هتخلى عنك يا أغلى من روحي.
منحته ابتسامة جذابة أهلكت جوارحه، فتعمق بالتطلع لكل أنشن بوجهها، حمرته الطاغية على خديها أثارته بشكلٍ جعله ينحني ليترك قبلة خاطفة على خدها، ارتجفت وتوترت مما فعله، اعتادت على قبلة أعلى رأسها منه والآن يختبر الأخرى.
أخفضت عينيها عنه بخجلٍ وارتباكٍ جعل صوت أنفاسها تتلاحم بقوةٍ، فرحمها صوت الباب ودلوف زينب تقترب من علي قائلة:
_العصير يا علي.
التقطته منها قائلًا بامتنان:
_تسلم إيدك يا زينب.
وقرب الكوب من فاطمة، فكادت بالالتقاطه منه ولكنه أصر على أن ترتشفه من يده، فرفعت بصرها لشقيقتها وكأنه توجه له رسالة تحذيرية من وجودها، تجاهل اشارتها عن عمدٍ ودفع الكوب إليها فتناولته على مضضٍ، وفور انتهاءها منه ساعدها علي بالاسترخاء ومدد الغطاء عليها، فاستجابت للدواء الذي وضعه علي بالعصير دون أن تلاحظ هي، فغفت بعمق وبسرعة جعلت زينب تتساءل بخوف:
_هي كويسة يا علي؟
أشار لها وعينيه تتفادى التطلع لها، فأخفض عينيه وهو يجيبها:
_متقلقيش يا زينب كل ده طبيعي على حالة فطيمة، متشغليش بالك ونامي علشان بكره أول يوم ليكي بالجامعة ولازم تكوني فايقة.
وتابع وهو يتجه للخروج:
_أول ما تصحي اجهزي علشان هعدي عليكي أوصلك.
اتبعته مرددة بحرجٍ من حملها الذي بات ثقيل عليه في أول أيام قدومها الى هنا:
_مفيش داعي يا علي، أنا هروح بالتاكسي وهو أكيد هيعرف عنوان الجامعة.
استدار إليها ومازالت عينيه أرضًا تتغاضى عن رؤيتها:
_بلاش الكلام الفارغ ده يا زينب، قولتلك إنتي بقيتي مسؤولة مني مسؤولية كاملة من لما بقيتي في لندن، ولو يا ستي مش قادرة تعتبريني زي أخواتك فأنا بعتبرك زي شمس.
ترقرقت الدموع من عينيها وصاحت بضيقٍ تمكن من لمسه:
_بلاش زي أخواتي لإنك أفضل منهم بمراحل يا علي، متظلمش نفسك بالمقارنة بينهم.
رفع رماديته لها فوجدها تبكي وقد بدا له بأنه لمس ألمًا عميقًا داخلها، فقال باستغراب:
_ليه بتقولي كده يا زينب؟
ابتسمت ساخرة:
_عندي أخين وجودهم في حياتي زي الهامش، أخ منهم سافر من أربع سنين يشتغل بره علشان يكون نفسه ومن يومها فصل نفسه عننا، حتى لما بابا الله يرحمه كان بيموت اتصلت عليه واترجيته ينزل علشان يشوفه بس للمرة الاخيرة رفض إنه ينزل علشان خايف يكسر الفيزا، وحتى بعد موته مهتمش حتى يرفع عليا سماعة التليفون ولا يسألني محتاجة حاجة ولا لأ!
واستطردت بأنفاسٍ متحشرجة:
_والتاني إتجوز وبقت حياته كلها متوقفة على بيته ومراته وأولاده وأنا ولا كأني أخته ولا أهمه في شيء ولما بابا اتوفى جالي أخويا علشان الورث، وحقيقي كان شهم أوي كان عايز يديني مبلغ وأمضيله على حقي في البيت، وأخر همه بقى أنا هروح فين بعد ما أوقعله على الورق مع إنه عنده بيته بس زي ما تقول بيستكتر عليا اني أعيش بطولي جوه البيت اللي له فيه ورث! ولما رفضت مد إيده عليا وأجبرني أوقعله على العقود.
انهمرت دموعها بانهيارٍ حينما تذكرت ما فعله بها أخيها، والتقطت نفسًا مطولًا تخبر به علي الذي أدمعت عينيه وانتفضت حواسه بعدم تصديق لما قد يفعله أخًا هكذا بشقيقته:
_طردني من البيت وملقتش حد ألجئ ليه غير مراد زيدان، كان معايا رقمه كلمته واستغربت لما لقيته قدامي تاني يوم، معرفش ازاي قدر يرجعلي البيت وكان هيحبسه بس أنا رفضت ده، فضل جنبي لحد ما دخلت سنة اولى طب ولما وصلت لسنة تانية لقيته سحب أوراقي وقالي إنه قدملي في جامعة في لندن وإن بمجرد وصولي هنا هلاقي مفاجأة بانتظاري.
وابتسمت تبدد ظلمة ما تعرضت له لفرحة تلألأت داخل عتمة أحزانها:
_وصدق فعلًا لما جيت وشوفت فطيمة واقفة على رجليها من تاني.
رفع علي يده يزيح تلك الدمعة عن أهدابه سريعًا، ثم قال بنبرة مبحوحة:
_خلاص إعتبريني أنا أخوكي الوحيد اللي هيعوضك عن اللي عملوه فيكِ، كده مرضية؟
منحته ابتسامة مشرقة وراحت تهز رأسها، فابتسم وهو يودعها:
_همشي أنا... تصبحي على خير يا دكتورة زينب.
راق لها لقبها الذي عانت لسنواتٍ من الدراسة لحمله، فسحبت الباب خلفه وهي تردد:
_وإنت من أهله يا دكتور.
خرج سيف لأخيه متجهمًا بعدما ترك أكواب العصير بالداخل، راقبه يوسف بابتسامة ساخرة ومازال يتمدد على الأريكة بالردهة:
_أيه مالك يا سيڤو مش طايق نفسك ليه؟
جلس على المقعد المقابل له وهو يتأفف بوابل من الغضب الذي انهار بصراخه الحاد:
_صاحبك ده مش راحم حد، ده من ساعة ما دخل مع أيوب الأوضة وهما نازلين رغي وضحك، هو في أيه بالظبط!!
إشرأب يوسف برأسه لأخيه متفحصًا معالمه بنظرة دقيقة، وكأنه يحاول الجزم ما بين كونه جادي أم يمازحه، فاعتدل بجلسته وهو يصيح بشكٍ:
_إنت غيران من علاقة الصداقة المستجدة بين عمران الوقح وأيوب!
زم شفتيه بسخطٍ:
_أديك قولتها عمران الوقح وأيوب ابن الشيخ مهرااان، ثم إني من حقي أغير على صاحبي الوحيد الله!!
انفجر بنوبة من الضحك وحاول جاهدًا أن يسيطر على ذاته، فهتف بتبرمٍ:
_يا ابني اخرج من قوقعة الابتدائية دي، وبعدين إنت ليه محسسني إن عمران يهودي، عمران اتغير يا سيف ومبقاش بيسيب ولا ركعة.
وتابع بتعجبٍ:
_وبعدين إنت مش كان نفسك إنهم يتعرفوا لانهم شبه بعض!
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_بقالهم أربع ساعات بيتعرفوا أيه هيفضلوا يتعرفوا للسنة الجاية!!
عبث بعينيه بعدم تصديق لما يحدث مع شقيقه، كان يعلم بأنه يعز أيوب للغاية ولكنه لم يكن يتوقع أن يصل بحب صديقه للغيرة التي تجعله لا يريد أن يصادق غيره، فنهض عن الأريكة واتجه لغرفة آدهم مبتسمًا وهمس بسخرية:
_هتفضل طول عمرك طفل يا سيف، أمته تكبر وأخطبلك بقى!
حرر مقبض الباب وولج يتفحص حالة آدهم بعنايةٍ تامة بينما تحصل زوجته على قسطٍ من الراحة.
بغرفة عمران.
تعالت ضحكات أيوب بعدم استيعاب لما يستمع منه من ذاك الغريب الذي مر لقلبه بسرعة البرق، فأكد عليه عمران وهو يرتشف عصير البرتقال المقدم له:
_يا ابني ده الذكاء إنك تجاري الحياة والكون زي ما تحب، تبقى وقح مع الوقح، ومحترم مع اللي يستحق احترامك، ومفيش مانع توري اللي قدامك جزء من تدينك لو كان متدين وأبوه شيخ أزهري زيك كده.
عادت إليه نوبة الضحك، فقدم له عمران الكوب الأخر قائلًا:
_اشرب اشرب.
وتجرع من كوبه ثم اعتدل بجلسته على حافة الفراش متسائلًا بمرحٍ:
_قولتلي بقى البنت اليهودية اللي احتلت بيتك برضاك دي إسمها أيه؟
أجابه أيوب وابتسامته البشوشة تنفرد على شفتيه:
_اسمها آديرا..بس إنت ليه محسسني إني سبتها تحتل بلدي!
وضع الكوب على الكومود وعاد يستقيم بجلسته قبالته، هاتفًا بحدة:
_عشان هي بتبدأ بالبيت يا أيوب، وبعدين إنت ليه عايز تساعدها إنها تتوب إفرض فشلت إنك تعملها هيكون ده كله عليك بأيه؟ إنت بتعرض حياتك للخطر وعلى حسب ما حكيتلي من شوية إنك وحيد والدك ووالدتك واتولدت بعد عشرين سنه من صبر أيوب اللي اتحلى بيه الشيخ مهران طيب ليه تعمل في نفسك كده، ليه عايز تقهرهم عليك!!
تنهد بقلة حيلة، وفاض له:
_عمران ربنا سبحانه وتعالى اختصني بده لما وقع محمد بطريقي وكانت توبته على ايدي، ويمكن يكون كل ده حصل علشان يكون للبنت دي طريق تاني غير طريقها، أنا حاسس إنها هتأسلم.. ولو افترضنا إنها هتكون نهايتي حد يطول يموت وهو حامل الشرف ده، وأكيد الشيخ مهران لما يعرف باللي عملته هيرفع رأسه فوق وهيستنى اللحظة اللي هنتجمع فيها بالجنة وابنه بيتزف فيها شهيد.
منحه ابتسامة هادئة، واخفض قدميه عن الفراش ليكون قبالته:
_إنت راجل يا أيوب، أنا كان ليا الشرف إني أتعرف عليك النهاردة، صحيح الظروف اللي جمعتنا النهاردة بالقتيل اللي جوه ده مكنتش ألطف حاجة بس المهم إننا اتقابلنا.
منحه ابتسامة هادئة، وقال بفضول:
_طيب قولي بقى عنك أي حاجة إنت من ساعة ما دخلنا هنا وإنت نازل فيا استجواب حتى جامعتي وعنواني في مصر مسبتش حاجة الا لما عرفتها.
ضحك الاخير، وقال مازحًا:
_هتعرف عني أيه بلا هم أنا شخصية تعر أقسم بالله.
شاركه أيوب الضحك حتى أدمعت عينيه، ومع ذلك قال باصرار:
_ولو بردو أنا مصمم.
ابتسم له عمران وقال بجدية تامة:
_إسمع يا سيدي، أنا شاب ومش هينفع أقولك بسيط عشان هظلم البساطة أنا عجينة بتتشكل حسب الشخصية اللي بتتعامل معاها زي ما سبق وقولتلك، بس الفرق إن اللي قدامك ده خاض حرب مع نفسه علشان يبعد عن طريق مكنش يحب إنه يمشي فيه.
أسبل بعينيه بعدم فهم، فأوضح له عمران ببحة ألم اعتلت صوته:
_أنا اتولدت في عيلة من الطبقة الآرستقراطية هنا في لندن يا أيوب، من لما وعيت على الدنيا وأنا مشوفتش غير الطبقة دي بكل قرفها، وغصب عني اتطبعت على طباعهم حتى لو كان جوايا عرق من التربية الشرقية اللي والدتي فريدة هانم حاولت تحافظ عليه، بس هي كانت غريبة أوي، عايزنا نجمع ما بين الغرب في تحضرهم وكل الصفات اللي ممكن تكون حلوة لكن الوحشة لا، كانت عايزة تعوض بالصفات الشرقية اللي هتخلينا رجالة في نظرها، وما بين دول ودول صاحبك تاه ومبقاش عارف هو مين!!
وتابع ببسمة حملت وجع التجربة المريرة التي خاضها:
_كنت بحاول أبقى كويس بس غصب عني اندرجت للكفة التانية، سكرت وزنيت وارتكبت معاصي كتيرة بس الحمد لله فوقت لنفسي بالوقت المناسب وبعدت عن كل ده، قربت من ربنا ولقيت في قربه الدوا لكل جروحي، استرجعت كل نصايح علي أخويا من تاني ومشيت عليها وحسيت وقتها إن حياتي بقيت أفضل.
واسترسل إليه دون حرجًا مما لقاه:
_ربنا كان رزقني بنعم كتيرة مشوفتهاش غير لما فوقت، يمكن اللي حصلي ساعدني في ده.. يعني الحادث اللي كان هيحصلي على الطريق والسم اللي شربته من البنت اللي غلطت معاها وكنت فاكر إنها بتحبني فوقني وخلاني مستحيل هرجع للتجربة المرة دي تاني، وأهو أديني بحاول أكفر عن ذنوبي وربنا غفورًا رحيمًا.
ربت أيوب على يد عمران ومنحه نفس الابتسامة التي ظنها ستتلاشى فور سماعه ما ارتكبه، وقال بعمقٍ:
_ربنا مبيقفلش أبواب رحمته في وش حد يا عمران، محدش فينا بيتولد ملاك كلنا بنغلط وبنرتكب معاصي بس المهم التوبة وعدم ارتكاب الذنب مرة تانية، استسلامك لشيطانك من تاني هو الأبشع من كل ده.
هز رأسه باطمئنان وردد:
_ونعم بالله.
ونهض عن الفراش يخبره بابتسامة صافية:
_على فكرة أنا كمان كنت بدرس في نفس جامعتك.
وأعدل من ياقة قميصه بعنجهيةٍ:
_لازم تعرف إني بحضر ندوات واجتماعات كتيرة جوه الجامعة بتاعتك على سبيل إني وجهة مشرفة.
وغمز بتسلية:
_هنتقابل كتير سواء هنا أو هناك، وياريت تنجز بأخر سنة ليك علشان شركاتي هتكون نقطة إنطلاقة ليك يا بشمهندس.
نهض قبالته وقال بمزحٍ:
_خلاص كده مش هشيل هم الشغل، هتخرج وأجيب شهادتي وأجيلك بس بشرط تقنع الشيخ مهران يسيبني أشتغل معاك هنا، لإنه عايزني أنجز وأنزل مصر.
إلتحف برداء الخوف المصطنع وصاح بفزع:
_أقنع مين يا ابني، هو أنا شوفتك قبل كده ولا كان فيه بينا سبق معرفة!!
انفجر ضاحكًا والاخر يضحك برفقته، فخرجوا معًا فوجدوا علي يقف برفقة يوسف وسيف الذي يراقب ضحكات أيوب وعمران بنظرة مغتاظة، وفجأة جذب أيوب للداخل وترك علي برفقة عمران يخبره بالعودة للمنزل بينما سيظل هو لجوار آدهم حتى الصباح، فانصاع إليه لحاجته للنوم، وغادر على الفور.
بداخل غرفة أيوب.
تفاجئ بسيف يدفعه بقوةٍ وغضب يحتد بعينيه، فتساءل باستغراب من حالته الغريبة:
_في أيه يا سيف؟
حرر ما كبت داخله وصاح به:
_إنت بقالك ساعتين قاعد مع عمران وسايبني بره أيه القعدة معاه عجبتك أوي!
أسبل بفيروزته بعدم استيعاب لحديثه، وردد وهو يكبت ضحكة كادت بالتحرر عنه:
_وفيها أيه لما أقعد مع عمران أو غيره!!
احتدت نظراته المسلطة تجاهه وكأنه سيبتلعه بنيران ستحرقه:
_ماشي يا أيوب براحتك، بس خليك عارف إني مكتفي بيك ومش عارف أصاحب غيرك.
واستكمل بضحكة صاخبة وهو يخبره:
_أقسم بالله ما قادر أصاحب غيرك، مع إنك في هندسة وأنا في طب، ده إنت لو مراتي مش هحبك ده يلا!!
ابتسم أيوب وأشار له بسخرية:
_أنا أهو بحاول أستوعبك وأفهم اللي في دماغك بس صدقني مش راكبة معايا، إنت بتغير عليا يا سيفو؟؟
جاراه على نفس الوتيرة:
_ومغيرش عليك ليه يا حبيبي ما أنت لسانك حلو وموقع الكل في حبك، المهم إني أكون صاحبك الأول والأخير وصاحب بقى ميت ما تصاحب ميفرقش معايا.
فرق ذراعيه وهو يردد بضحكة رجولية:
_هات حضن يالا والله إنت أخويا مش صاحبي، أينعم إنت عبيط وغريب بس أنا راضي!
لكمه سيف بغضب فانبطح الاخير أرضًا، وقال باستهزاء:
_بدل ما تتشطر عليا كنت اتشطر على اللي ساكن فوقنا ده بيروقك أكتر ما بيروق دقنه يا أهبل!
تمدد على الفراش بنومٍ وصاح بتحذير:
_طب اخرس بقى عشان أنام شوية، مش كفايا منيمين القتيل في أوضتي!
قهقه ضاحكًا ونزع عنه قميصه ثم ألقى بجسده جواره وأغلق الضوء، حاول أيوب أن يغفو بهدوء ولكن مازالت تفاصيل وجه سيف يلاحقه وكأنه يواجه زوجته التي قبضت عليه مع إحدى النساء، فانفجر بنوبة ضحك أخرى جعلت من يجاوره يردد بسئم:
_هننام النهاردة احنا!!!
بغرفة عمران.
تعالى ضحكات أيوب بعدم استيعاب لما يستمع منه من ذاك الغريب الذي مر لقلبه بسرعة البرق، فأكد عليه عمران وهو يرتشف عصير البرتقال المقدم له:
_يا ابني ده الذكاء إنك تجاري الحياة والكون زي ما تحب، تبقى وقح مع الوقح، ومحترم مع اللي يستحق احترامك، ومفيش مانع توري اللي قدامك جزء من تدينك لو كان متدين وأبوه شيخ أزهري زيك كده.
عادت إليه نوبة الضحك، فقدم له عمران الكوب الأخر قائلًا:
_اشرب اشرب.
وتجرع من كوبه ثم اعتدل بجلسته على حافة الفراش متسائلًا بمرحٍ:
_قولتلي بقى البنت اليهودية اللي احتلت بيتك برضاك دي إسمها أيه؟
أجابه أيوب وابتسامته البشوشة تنفرد على شفتيه:
_اسمها آديرا..بس إنت ليه محسسني إني سبتها تحتل بلدي!
وضع الكوب على الكومود وعاد يستقيم بجلسته قبالته، هاتفًا بحدة:
_عشان هي بتبدأ بالبيت يا أيوب، وبعدين إنت ليه عايز تساعدها إنها تتوب إفرض فشلت إنك تعملها هيكون ده كله عليك بأيه؟ إنت بتعرض حياتك للخطر وعلى حسب ما حكيتلي من شوية إنك وحيد والدك ووالدتك واتولدت بعد عشرين سنه من صبر أيوب اللي اتحلى بيه الشيخ مهران طيب ليه تعمل في نفسك كده، ليه عايز تقهرهم عليك!!
تنهد بقلة حيلة، وفاض له:
_عمران ربنا سبحانه وتعالى اختصني بده لما وقع محمد بطريقي وكانت توبته على ايدي، ويمكن يكون كل ده حصل علشان يكون للبنت دي طريق تاني غير طريقها، أنا حاسس إنها هتأسلم.. ولو افترضنا إنها هتكون نهايتي حد يطول يموت وهو حامل الشرف ده، وأكيد الشيخ مهران لما يعرف باللي عملته هيرفع رأسه فوق وهيستنى اللحظة اللي هنتجمع فيها بالجنة وابنه بيتزف فيها شهيد.
منحه ابتسامة هادئة، واخفض قدميه عن الفراش ليكون قبالته:
_إنت راجل يا أيوب، أنا كان ليا الشرف إني أتعرف عليك النهاردة، صحيح الظروف اللي جمعتنا النهاردة بالقتيل اللي جوه ده مكنتش ألطف حاجة بس المهم إننا اتقابلنا.
منحه ابتسامة هادئة، وقال بفضول:
_طيب قولي بقى عنك أي حاجة إنت من ساعة ما دخلنا هنا وإنت نازل فيا استجواب حتى جامعتي وعنواني في مصر مسبتش حاجة الا لما عرفتها.
ضحك الاخير، وقال مازحًا:
_هتعرف عني أيه بلا هم أنا شخصية تعر أقسم بالله.
شاركه أيوب الضحك حتى أدمعت عينيه، ومع ذلك قال باصرار:
_ولو بردو أنا مصمم.
ابتسم له عمران وقال بجدية تامة:
_إسمع يا سيدي، أنا شاب ومش هينفع أقولك بسيط عشان هظلم البساطة أنا عجينة بتتشكل حسب الشخصية اللي بتتعامل معاها زي ما سبق وقولتلك، بس الفرق إن اللي قدامك ده خاض حرب مع نفسه علشان يبعد عن طريق مكنش يحب إنه يمشي فيه.
أسبل بعينيه بعدم فهم، فأوضح له عمران ببحة ألم اعتلت صوته:
_أنا اتولدت في عيلة من الطبقة الآرستقراطية هنا في لندن يا أيوب، من لما وعيت على الدنيا وأنا مشوفتش غير الطبقة دي بكل قرفها، وغصب عني اتطبعت على طباعهم حتى لو كان جوايا عرق من التربية الشرقية اللي والدتي فريدة هانم حاولت تحافظ عليه، بس هي كانت غريبة أوي، عايزنا نجمع ما بين الغرب في تحضرهم وكل الصفات اللي ممكن تكون حلوة لكن الوحشة لا، كانت عايزة تعوض بالصفات الشرقية اللي هتخلينا رجالة في نظرها، وما بين دول ودول صاحبك تاه ومبقاش عارف هو مين!!
وتابع ببسمة حملت وجع التجربة المريرة التي خاضها:
_كنت بحاول أبقى كويس بس غصب عني اندرجت للكفة التانية، سكرت وزنيت وارتكبت معاصي كتيرة بس الحمد لله فوقت لنفسي بالوقت المناسب وبعدت عن كل ده، قربت من ربنا ولقيت في قربه الدوا لكل جروحي، استرجعت كل نصايح علي أخويا من تاني ومشيت عليها وحسيت وقتها إن حياتي بقيت أفضل.
واسترسل إليه دون حرجًا مما لقاه:
_ربنا كان رزقني بنعم كتيرة مشوفتهاش غير لما فوقت، يمكن اللي حصلي ساعدني في ده.. يعني الحادث اللي كان هيحصلي على الطريق والسم اللي شربته من البنت اللي غلطت معاها وكنت فاكر إنها بتحبني فوقني وخلاني مستحيل هرجع للتجربة المرة دي تاني، وأهو أديني بحاول أكفر عن ذنوبي وربنا غفورًا رحيمًا.
ربت أيوب على يد عمران ومنحه نفس الابتسامة التي ظنها ستتلاشى فور سماعه ما ارتكبه، وقال بعمقٍ:
_ربنا مبيقفلش أبواب رحمته في وش حد يا عمران، محدش فينا بيتولد ملاك كلنا بنغلط وبنرتكب معاصي بس المهم التوبة وعدم ارتكاب الذنب مرة تانية، استسلامك لشيطانك من تاني هو الأبشع من كل ده.
هز رأسه باطمئنان وردد:
_ونعم بالله.
ونهض عن الفراش يخبره بابتسامة صافية:
_على فكرة أنا كمان كنت بدرس في نفس جامعتك.
وأعدل من ياقة قميصه بعنجهيةٍ:
_لازم تعرف إني بحضر ندوات واجتماعات كتيرة جوه الجامعة بتاعتك على سبيل إني وجهة مشرفة.
وغمز بتسلية:
_هنتقابل كتير سواء هنا أو هناك، وياريت تنجز بأخر سنة ليك علشان شركاتي هتكون نقطة إنطلاقة ليك يا بشمهندس.
نهض قبالته وقال بمزحٍ:
_خلاص كده مش هشيل هم الشغل، هتخرج وأجيب شهادتي وأجيلك بس بشرط تقنع الشيخ مهران يسيبني أشتغل معاك هنا، لإنه عايزني أنجز وأنزل مصر.
إلتحف برداء الخوف المصطنع وصاح بفزع:
_أقنع مين يا ابني، هو أنا شوفتك قبل كده ولا كان فيه بينا سبق معرفة!!
انفجر ضاحكًا والاخر يضحك برفقته، فخرجوا معًا فوجدوا علي يقف برفقة يوسف وسيف الذي يراقب ضحكات أيوب وعمران بنظرة مغتاظة، وفجأة جذب أيوب للداخل وترك علي برفقة عمران يخبره بالعودة للمنزل بينما سيظل هو لجوار آدهم حتى الصباح، فانصاع إليه لحاجته للنوم، وغادر على الفور.
صعد عمران بإنهاكٍ لغرفته، يشتاق لرؤيته ومعانقتها التي حرم منها بهذا اليوم الشاق، فهمس بتمني وهو يعرج من المصعد:
_يا رب تكون لسه صاحية.
خفق قلبه طربًا حينما وجدها تجلس على الفراش، فصاح بحماسٍ:
_لو بتسمعي دعوات قلبي مش هتستجبيله بالسرعة دي، أكيد مستنياني صح؟
وأحاط كتفيها بيديه ليجبرها على الاستدارة إليه، فبرق بدهشة حينما وجد أثر البكاء على عينيها، فانحنى أسفل قدميها يداعب كف يدها بحنانٍ وصوته الرخيم يتسلل لها:
_ مايا!! في أيه؟
منح عقله التخمين بأمرها، وقال بعدما ظن أنه سبب حزنها:
_حقك عليا يا روحي أوعدك إني مش هتأخر بالشكل ده تاني، بس والله صديق ليا تعب جدًا وأخدناه لشقة سيف حتى أنا سايب معاه دكتورة ليلى ويوسف وعلي وجتلك على طول.
مازالت تحتفظ بالصمت، وخصلاتها تحجب وجهها عنه، أبعد عمران خصلاتها للخلف قائلًا بحزنٍ:
_هتخبي نفسك عني كتير يا مايا، أنا أعتذرت ووعدتك مش هتكرر تاني.
رفعت عينيها إليه تمنحه نظرة محبة لحنانه، ورددت بصوتها المتقطع من أثر البكاء:
_أنا مش زعلانه منك يا عمران، أنا زعلانه على خالتي.
انتصب بوقفته وجلس جوارها يتساءل بلهفة:
_مالها ماما؟؟
أزاحت دموعها قائلة بحزن:
_معرفش مالها يا عمران، أنكل أحمد كان عندي من ساعة وطلب مني أروحلها وأخلي بالي منها، روحتلها لقيت عنيها ورمة وكان
رواية صرخات انثى الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ايه محمد رفعت
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "سما سيد"، "نادين أيمن" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
بُدد الضوء ظلام عتمته، فاستجاب جفن عينيه الثقيل له، فتحهما رويدًا رويدًا حتى اعتاد على ضوء الغرفة الغريبة التي لم يتذكره.
لم يستغرق الأمر الا بضعة دقائق وتقاذفت إليه ذكريات الليلة الماضية، نهاية باصابة كتفه، ضم آدهم كتفه واستقام بجلسته فتأوه بخفوت حينما لامست يده جرحه الحديث، ليجد شخصًا يهرع إليه يأمره بودٍ:
_متحاولش تحرك نفسك وجعك هيزيد مع كتر حركاتك، جرحك لسه طري من فضلك حاول تهدى.
انصاع إليه لشعوره بوجعٍ قابض، فعاد بظهره للوسادة من خلفه وراح يتساءل وعلامات الألم تتسرب على بشرته:
_إنت مين؟
رد عليه بابتسامة هادئة زادت من وسامة وجهه المحرف بجاذبية مهلكة:
_أنا دكتور يوسف، صديق عمران ودكتور علي.
وربت بيده على كتفه الغير مصاب:
_حمدلله على سلامتك يا سيادة الرائد.
منحه ابتسامة ممتنة لما قدمه إليه من معروف لا يُنسى:
_أنا بشكرك على وقفتك جنبي ومعالجتك ليا، اعتبرها دين في رقبتي وأكيد هيجي اليوم وهرده.
منحه ابتسامة رغم رزانة معالمه الا أنها كانت ساخرة لمن يبرع بتحليل الوجوه، فتابعه باهتمام لمعرفة سر سخريته الغريبة، فوجده يجذب المقعد لجوار الفراش، وقال بهدوء لا يفارق ذاك الشخص:
_أولًا مش أنا اللي عالجتك أنا دكتور نسا وتوليد، اللي عالجك مراتي دكتورة ليلى، ثانيًا مش هلوم على باقي جملتك لإن شكلك كده قضيت سنين كتيرة هنا وسط الأجانب فبقى عندك إيمان إن كل البشر زيهم مش بيعملوا حاجة من غير مقابل أو رد دين.
وتابع بنفس ابتسامته التي لا يتغير منوال سخريتها:
_شكلك نسيت هنا شهامة العرب والمصريين بالأخص يا سيادة الرائد!
تحرر وجه آدهم عن جموده وصاح ببسمةٍ واسعة:
_يا دكتور أخدتني لسكة غير سكتي ليه، أنا غرضي من كلامي أن تكون واثق إنك ليك صديق إضافي هنا وده بشكل كبير بسبب اللي عملته معايا وله كمان سبب، إني على ثقة إن دكتور علي وعمران الغرباوي معارفهم ناس تتاقل بالدهب ومعرفتهم كنز، تفتكر هفرط فيهم بسهولة؟
راق له حديثه، وأضرم بأنه شخصًا ذكيًا يعلم كيف يُحرف حديثه ليصبح مسيطرًا، فحافظ على ثبات ابتسامته وقال بخشونة امتزجت مع صوته الرجولي:
_إنت بقيت صاحبنا من اللحظة اللي رجلك خطت فيها الشقة يا حضرة الظابط.
ورفع صوته للأعلى قليلًا مناديًا:
_دكتور علي..
انتهى الاخير من المكالمة التي تلاقاها فأجاب عنها بالخارج حتى لا يقلق آدهم، ولج للداخل سريعًا فور سماعه صوت يوسف، فابتسم بفرحة حينما وجده استعاد وعيه،ويجلس على الفراش باستقامة، دنى منه وانحنى يضم كف يده بمحبة لاحت على وجهه البشوش:
_حمدلله على سلامتك يا آدهم، الحمد لله اصابتك كانت سطحية وربنا كتبلك النجاة.
نقلت ابتسامته حبه وتقديره لشخصه الطيب، وقال بامتنان:
_أنا بخير بفضل ربنا سبحانه وتعالى وبفضل مساندتك ليا إنت وعمران وطبعًا أصدقائه اللي عي فضول أتعرف عليهم.
أستأذن يوسف بالخروج، قائلًا باصرار:
_أنا هريح برة شوية يا دكتور علي، وإعمل حسابك مش هتتنقل من هنا الا لما تفطر معانا، عمران على الطريق وزمانه على وصول..
وغادر مرددًا:
_عن إذنكم.
خرج يوسف تاركًا علي برفقته، فجلس علي على المقعد قبالته فقال آدهم بحرجٍ:
_أنا بقيت كويس يا علي، وعايز أرجع شقتي.
عاد يوسف يطل برأسه من خلف الحائط، يحذره بنظرة صارمة:
_مفيش خروج من هنا الا بعد ما نطمن عليك ده لو على اعتبار إنك حابب فعلاً تتعرف علينا زي ما بتقول، فالموضوع ده هياخدله حسبة أسبوع كده يا حضرة الظابط.
وانحنى بجسده الرياضي يجذب الباب ليغلقه، هامسًا بغمزة:
_خدوا راحتكم.
ابتسم آدهم وهو يتابع مغادرته، وخاصة حينما رفع علي يديه باستسلامٍ:
_مفيش كلام بعد كلام دكتور يوسف.. الا بقى لو مش مرتاح هنا ساعتها هكلمه وأقنعه أنا.
نفى ذلك سريعًا:
_أنا لسه فايق قدامك من شوية يا علي، ملحقتش أشوف نفسي مرتاح ولا لأ، بس الجواب باين من عنوانه، حبيت يوسف ده جدًا.
ابتسم علي وهز رأسه بتفهمٍ، ثم قال بمزحٍ:
_وجمال بردو يتحب، أنا بقيت مصر أكتر إنك تخليك هنا يومين تلاته على الأقل دكتورة ليلى ويوسف ياخدوا بالهم من جرحك.
هز رأسه وعاد يفرد جسده باسترخاء، بينما يكافح علي عدد تلك المكالمات التي لا تنتهي، فجذب الهاتف بضيقٍ من تصرفات شقيقته الغير مدروسة وقربه من آدهم قائلًا بنبرة قاتمة لمسها آدهم وخشى على معشوقته من غضبه:
_طمن شمس انك بخير.
واستطرد بهمسٍ لم يكن مسموع الا له:
_ومن فضلك يا سيادة الرائد تقدر حساسية الموقف، وتأكد عليها متحاولش تكلمك بأي شكل الا لما يكون بينكم أي ارتباط رسمي.
هز رأسه بتفهمٍ، وسحب الهاتف من يده وهو يراقب انفعالات وجهه المتعصب، أجلى صوته باتزانٍ وقال بإيجازٍ:
_شمس أنا كويس، مفيش داعي اتصالاتك دي، من فضلك متزعجيش دكتور علي ولا أي حد، أنا بخير وأول ما أسترد صحتي هكلمك بنفسي، مع السلامة.
وأغلق الهاتف ثم قدمه لعلي متسائلًا بنزقٍ:
_تمام كده يا دكتور؟
التقط الهاتف وأعاده لجيب جاكيت بذلته السوداء ببسمة انتشاء:
_تمام يا حضرة الظابط.. خلينا متعاونين كده لحد ما نوصل مع بعض لبر الآمان.
قهقه ضاحكًا، وقال:
_هكون متعاون حاضر، مع إني كنت أتمنى تكون إنت اللي متعاون وتجيب مأذون واتنين شهود نكتب من دلوقتي ونخلص.
وضع ساقًا فوق أخرى مدعيًا غروره:
_آه ده أنت داخل على طمع بقى وعايزها كتب كتاب مش خطوبة! لا وما شاء الله أمالك وطموحاتك واصله السما مفكر إني بالساهل هسلكهالك من ايد عمران وفريدة هانم.
رمش بعدم فهم فتابع الاخير باستهزاء:
_الأخت الوحيدة دي بتبقى مشكلة، لا أخ عايز يفرط فيها ولا أم، عندك مثلًا عمران أشك إنه هيحاول يخترع بينكم ألف مشكلة عشان يأخر الجوازة.
أغلق عينيه بانهاكٍ داهمه، وهمس ساخطًا:
_بشرى لحرب جديدة داخلة عليا!!
******
فتح النافذة على مصرعيها، وانحنى بجسده إلى أخيه يحركه برفقٍ، مناديًا:
_سيف، قوم بقالي ساعة بصحيك يالا!!
فتح عينيه بتذمرٍ، وردد بخفوت:
_شوية يا يوسف بالله عليك.
ضم شفتيه معًا في محاولة لكبح أفكاره الجنونية لمحاولات إيقاظه، فاكتفى بجذب يده بقوة أرغمته على الوقوف أمامه، فردد بضيقٍ صريحٍ:
_أيه يا يوسف أنا معنديش محاضرات غير بعد الظهر، نازل زن على وداني من الصبح ليه، حرام عليك يا أخي!
رمقه بنظرةٍ باردة، وبهدوء أخرج مبلغ من المال من جيب بنطاله وجذب يد الأخر ليضعه بعنف بين لائحته هاتفًا بأمرٍ حانق:
_حالًا تنزل الماركت تجيب حاجات للفطار، وياريت تستنضف وتشرفني في أول حاجة أعتمد عليك فيها، يمكن لو أيوب مكنش نزل جامعته من بدري ونزل هو معاك بالي كان هيكون مرتاح ومطمن أكتر، بس هتعشم فيك خير وبتمنى عشمي ميحدفش فيا جون!
ارتبك أمامه وردد بتوترٍ من نبرته:
_استنضف أيه! أنا خلفيتي عن الفطار جبن ولنشون وبيضتين، عندك اختيارات أفخم!!
التقط نفسًا مطولًا وزفره هامسًا بتعبٍ:
_إعمل اللي تعمله، بس متتأخرش.
هز رأسه وهو يخفي انزعاجه من عدم استكماله لنومه المريح بعدما تمكن من الحصول عليه بصعوبة بعد هبوط أيوب لجامعته، فجذب قميصه الموضوع على المشجب وارتداه ثم إتجه للأسفل.
******
طرق الباب مرتين متتاليتين ومع أن استمع لصوت خطواتها تقترب من الباب حتى ترك ما يحمله من الأكياس على بابها وغادر على الفور.
فتحت "أديرا" الباب تتفحص الطارق فاندهشت حينما لم تجد أحدٌ، تحركت للدرج فاحتكت قدميها بأكياس الطعام الموضوعة من أمامها، حملتها وولجت للداخل تسرع للشرفة، فوجدت أيوب يغادر المبنى لسيارة الأجرة التي تنتظره.
جلست على الأريكة صافنة بما يفعله، وهمست بدهشة:
_ما بال هذا الرجل؟ هل يكرم الارهابي عدوه لهذة الدرجة!!
وتركت الأكياس عن يدها مستطردة بتوتر:
_أمره غريبًا حقًا!
******
صف عمران سيارته أسفل بناية يوسف، واستكان على مقعده ومازالت كلمات عمه تترنح بين غياب عقله فتجعل وجعه صعب التلاشي، تذكر كيف بقى لجوار والدته حتى الصباح بعد أن جفاه النوم والراحة، شعوره بالنفور والسخط لما فعله والده يتآكله حد الموت.
كان يظن انها تشتاق إلى زوجها فتشم ريحه فيه كونه يحمل ذلك الشبه البسيط من أبيه، ولكنه صعق حينما علم بما تخفيه ويخفيه عمه عنه.
أفاق عمران من غفلته على صوت دقات خافتة على نافذة سيارته، ففتح بابها وهبط يردد بدهشةٍ:
_سيف!
قُذف إليه العديد من الأكياس البلاستيكية، شملهم عمران بين ذراعيه ورفع رأسه من فوقهم ليتمكن من تسديد نظرة غاضبة لهذا الأحمق، وحينما لم يتمكن حرر لسانه السليط:
_دي مقابلة تقابل بيها حد على الصبح يا بجم!!
تسلل له صوته الغاضب:
_دي المقابلة اللي تستحقها، مرمطتي دي في حد ذاتها من تحت رأسك إنت والقتيل اللي فوق ده، دلوقتي اتدبست في الفطار والله أعلم هتدبس تاني بأيه؟
منحه نظرة ساخرة قبل أن يسدد له الأكياس مجددًا، ليعيد ترتيب قميصه الأبيض أسفل سترته الجلدية، سبقه بخطوتان تجاه المصعد ومازال سيف يراقبه بدهشة ازدادت حينما أشار له:
_لم شنطك وحصلني.. واتعلم بعد كده لما تطلب مساعدة من عمران سالم الغرباوي تطلب باحترام عشان تلاقي معاملة بالمثل.
كبت سيف غيظه داخل جوفه وضم الأكياس بصعوبة جعلت الاغراض تتناثر منه بأرجاء المصعد، اتخذ دقيقة فاصلة يسترد بها كامل ثباته، ومن ثم اصطنع ابتسامة:
_عمران باشا، لو تكرمت ممكن تساعدني وتطلع معايا الحاجة.. ده بعد إذن معاليك!
راق له نبرة احترام الأخير، فرفع كتفيه بعنجهية:
_درب لسانك على كده معايا عشان نرتاح بالتعامل مع بعض أكتر يا سيفو.
وانحنى إليه يحمل عنه عدد من الأكياس، فتهدل ذراع سيف بتعبٍ، دفع عمران يتساءل بدهشة:
_أيه كل ده؟ إنت عاملين عزومة للمغتربين ولا أيه؟
أدلى شفتيه بسخطٍ:
_ انت بتجامل القتيل ويوسف بيجاملك وكل ده على قفايا.. خد بالك!
ضيق رماديته باستنكارٍ:
_وماله يا عم ما نجامل بعض براحتنا إيش حشرك إنت في النص، ركز في مذاكرتك وتخرجك وفكك من المجاملات اللي مضايقة عين أهلك دي!
صرخ بانفعال:
_مهو أنا الصغير بينكم كل اللي يعوز طلب يجري يبعتني!
ضحك بصوتٍ استفزه، وخاصة حينما قال:
_يااه كل ده عشان نزلت تجبلنا الفطار، يا ريتك خليت أيوب نزل جابه هو.. على الأقل كان فتح نفسنا بوشه البشوش مش إنت اللي بوزك يسد النفس.
عند ذكره لرفيقه، ترك سيف الأكياس عن يده لتسقط أرضًا أسفل قدميه ولم يعنيه الأمر أكثر من صراخه المنفعل:
_مالكش دعوة بأيوب يا عمران، إبعد عنه.
رفرف بأهدابه باستغراب، وقبل أن يطرح محاضرة بالصميم وجد المصعد ينذره بوصوله للطابق المنشود، فأشار بحاجبيه إليه:
_لم شنطك وخلي أم الليلة دي تعدي علينا يا سيف.. أنا لسه نازل الشركة أول يوم بعد الاجازة وواخد التمام من البيت فمش فايقلك ولا فايق لدماغ المراهقين بتاعتك دي، رأسي فيها مدعكة كلاب صعرانه لو طلقتهم عليك وربي ليشخلعوك.
سبق له أن رأى ذاك الوقح حينما يتجرد من رداء العقل والرزانة، لذا لن يجازف أمامه، انحنى يجمع الأكياس وولج بمفتاحه الخاص للشقة، فاستقبله يوسف بوجهًا عابثًا:
_كنت فين كل ده يا سيف؟
تخطاه عمران ليضع ما بحوزته بيد يوسف، وأجابه بامتعاض ونظراته لا تفارق ذاك العابث:
_كان بيحاول يطبق أخر دروسي عن الوقاحة والبلطجة مسكين ملقاش حد قدامه غيري.. وطبعًا قدام استاذ المادة يتراجع التلميذ.. مش كده ولا أيه يا دكتور سيفو؟
امتعضت معالمه واحتقنت نظرته الموجهة إليهما، فترك ما يحمله على الطاولة القريبة، وتمتم بغيظٍ:
_والله ما أنا فاطر معاكم، هنزل الجامعة أحسن.
وتركهما وولج لغرفته يجذب أغراضه بينما نقل يوسف باقي الاغراض للطاولة، يكشف عن الأطباق ويستكشف هوية الطعام الذي أحضره شقيقه.
دنى عمران منه يتفقده بنظرة ثابتة كانت غامضة بالقدر الذي دفع يوسف لسؤاله:
_مالك؟
سحب نفسًا مطولًا يجابه به ما اعتراه بعد ليلة أمس المؤلمة، وتنهد بمرارةٍ وصلت لحلقه:
_مهزوم.. لأول مرة بحس بالغربة.. احساس العجز بيطاردني للمرة اللي مبقتش عارف عددها.. كأن الدنيا مش شايفة غيري وحالفة تكسرني بكل قوتها.. حالفة تهزم كل انتصار بحققه في كل معركة بخوضها ضد شياطيني يا يوسف.
ترك يوسف ما بيده وهرع إليه، ظنها محاولة منه ليجذب أطراف حديث مشاكس جديد بينهما، ولكن ما أوجعه سماع كلماته الجادة.
رفع يده على كتفه وتساءل بقلقٍ:
_عمران إنت بتتكلم عن أيه؟ في حاجة حصلت بينك إنت ومايسان؟
هز رأسه نافيًا، وتهرب من لقائه الذي سيفتك به، فترك جانب الطاولة وإلتهى بفرد باقي الاغراض.
أضاق عليه طريقه حينما جذب منه الأطباق ووضعها محلها، مردفًا باهتمام:
_كلمني زي ما بكلمك.. فيك أيه؟
استدار ليقابله، وقال بحزنٍ:
_كنت فاكر إن والدتي عندها شخصية قوية، طلع كل ده قناع وهمي.. شوفت حقيقيتها اللي وجعت قلبي وخلتني أتمنيت الموت قبل ما أشوفها بالشكل ده يا يوسف، واللي وجعني إن اللي كان السبب في وجعها هو اللي المفروض يكون أعز الناس على قلبي.. أبويا الله يرحمه!
تأثر لسماع ما قاله، فتسلل الألم ليخترق قلبه باجتيازٍ، جلس يوسف على أقرب مقعد ليساره يراقبه وهو يزيح دمعة كادت بالتحرر عن عينيه، وأجلى صوته بخشونة:
_فين علي؟
كعادتهم منذ صداقتهم التي جمعت ثلاثتهم لم يعتدوا يومًا نصب حصارًا مؤلمًا لاحدهم، يراه يحاول الهروب عن الاندارج بالحديث أكثر من ذلك لذا لم يضايقه بأسئلة لا داعي لها، بعلم بأنه استدرج منه ما سيقرر البوح عنه قط، لذا قال:
_علي جوه مع آدهم من ساعة ما فاق.
خلع عنه جاكيته، وأشمر عن ساعديه قائلًا وهو يتجه للداخل:
_كمل إنت، هناديهم يفطروا.
وكاد بتخطيه ولكنه عاد يتساءل وعينيه تبحث بالمكان:
_أمال فين أيوب؟
رد عليه وهو يضع الخبز بالأطباق:
_نزل من بدري.
أشار له بخفة واستدار ليتجه للغرفة، فتوقف حينما لمح سيف يرتدي حقيبته ويستعد للمغادرة، فاتجه ليعيق طريقه قائلًا بصرامة وحزم:
_مفيش نزول من غير فطار يا دكتور.. مش عايزينك تقع من طولك وأنت داخل على امتحانات، اقعد افطر وأنا هأخدك في طريقي.
رد عليه سيف وهو يتفحص ساعة يده:
_هتأخر كده يا عمران، هبقى أجبلي أي سندوتش على الطريق.
نزع عنه الحقيبة وجذبه لأقرب مقعد للطاولة، ثم حمل ما بيد يوسف من شطائر ووضعها قبالة الاخير، قائلًا ببسمة جذابة:
_كُل يا سيف ومتقلقش هوصلك في أقل من عشر دقايق، اسأل أخوك عن عفاريت الاسفلت هيدلك عليا أنا وجيمس.
انطلقت ضحكة صاخبة من يوسف حينما تذكر سباقاته الدائمة مع جمال طوال أيام الجامعة، فأكد بإيماءة صغيرة، مضيفًا بمشاكسة:
_أنا أصلًا أتعرفت عليهم بسباق عربيات، واتصدمت وقتها انهم في هندسة!!
تتوسعت حدقتيه بفضول، وتساءل:
_يعني جمال وعمران كانوا أصحاب الأول قبل ما تتعرفوا.
أومأ له عمران برأسه:
_أيوه.. أنا وجمال كنا في جامعة واحدة.
وغمز بمرح إليه:
_هكملك الحكاية على الطريق، كُل إنت عما أطمن على القتيل اللي جوه ده، وأصرف دكتور علي ورديته انتهت من بدري!
*******
أسند علي آدهم بعدما انتهى من الاغتسال، فجذب المنشفة بيده وهو يحاول أن لا يحيد عنه حتى لا يسقط، تشبث آدهم بالباب وقال ببسمة هادئة:
_مش هقع متقلقش، دي مش أول مرة أتصاب فيها، عندي خبرة في التعامل.
أصر على مساندته، قائلًا :
_الأمر ميسلمش، لو وقعت الجرح هيتأثر.
اتسعت ابتسامته فلأول مرة يختبر تلك المشاعر الغريبة التي تحاطه بمجال عمله، لطالما كان يواجه عقابته بمفرده، وإن سقط جريحًا كان هو من يعالج ذاته.
أحيانًا كان يضيق صدره من عزلته، بالنهاية هو وحيدًا حتى الشقيق لا يمتلكه، فلقد كان الطفل الوحيد لوالدته المريضة، فكان من الصعب عليها الحمل مرة أخرى بعد أن داهمها المرض، فاستكفت به وأغنته عن العالم بأكمله، وفجأة سحبت كفها عن كفه ورحلت!
والمؤلم بأنها لم تنال موتة رحيمة، وانتقامه لم يكن سهلًا بالمرة، تجرع بالصبر طويلًا وكم كان يتوجع وهو لجوار ذاك اللعين الذي تسبب بقتل والدته ويديه مكتوفة عن قتله، ازداد بوتيرة صبره لتلك اللحظة التي تشمل سكين انتقامه اللعناء من خلفه وها هو الآن يحقق انتصاره ويهدأ من روع قلبه الجريح.
تعجب علي من صمته الغريب، فظنه يتألم بوقفته الغير مريحة، انتصب بوقفته أمامه ليحيط كلا ذراعيه متسائلًا:
_إنت كويس؟ في حاجة وجعاك؟
أفاق على صوته فتمكن من رؤية الاهتمام واللهفة داخل رماديته، فاقتص بسمة جاذبة يليها صوته:
_متقلقش عليا يا دكتور علي، أنا اللي حصل معايا ده كله شيء تافه بالنسبة للي خضته واتعرضت ليه في شغلي.
وارتكن بجسده الثقيل على الحائط من خلفه وهو بتابع بنفس الابتسامة:
_من كتر ما اتعودت على الخطر بقيت بخاف من أي شخص بيحاول يدخل حياتي، عشان كده أنا وحيد.. لا ليا صديق ولا عمري سمحت لنفسي ارتبط وأعيش حياة طبيعية، لإن ببساطة هعرض أي شخص يفكر يدخل حياتي لخطر كبير.
واستطرد بألم جعل نبرته قاتمة:
_وللأسف قلبي طلع ندل وخان وعده ليا، وغصب عنه اختار اللي غابت عنه من سنين.. أكدلي إني كنت مغرور لما وثقت إني مفيش ست في جنس حوا تقدر تأخده مني.
وبسخرية قال:
_أختك عملتها من أول مقابلة وأول نظرة.
ضيق رماديته بضيقٍ من سماعه اعترافه بمشاعره هكذا بوجهه، ولكنه معتاد بالتحكم بانفعالاته لاقصى درجة ممكنة، يكفيه شعوره بصدق تلك المشاعر، يكفيه أنه قادر على تحليل شخصية ذاك الأدهم المتوحش كما يلقبه أخيه، حتى ولو اندرج خلف اسمًا حقيقيًا سيظل هو ذاته ذاك المتوحش!
يمتن كثيرًا كونه طبيبًا يتمكن من كشف المخبئ خلف تلك الثياب، وبالأخص خلف القلوب المبهمة، نظراته ثاقبة كالصقر الذي يتمكن تحديد أماكن ضعف فريسته.
سحب علي نفسًا مطولًا واطلقه بهدوءٍ اتبع رزانة نبرته:
_سيادة الرائد عُمر الرشيدي أو آدهم المتوحش قولي إنت قاصد أيه بكلامك ده! لو بتخوفني على أختي من دلوقتي عشان الرفض والبعد يجي من عندي فآسف هخذلك وأقولك مقدرش أكسر قلب بنتي!
ابتسم وهو يتطلع له بينما قام علي بجمع خصلاته الطويلة للخلف بانزعاجٍ مستطردًا:
_أنا معنديش شك فيك يا عمر، أنا واثق بعد اللي شوفته بعيني ده إنك قادر تحميها..
وتابع بهمسٍ رجولي ويده تشدد على كتف الاخير:
_أنا مسلمها لراجل مش لراكي!!
اقتحم جلستهما صوت ضحكات ذكورية، جعلتهما ينجرفان لذاك الوقح المستند على باب الغرفة، ويلتهم الموز بفمه بشكلٍ مضحك، قائلًا:
_خليني اعترف انك ماكر يا متوحش، اختارت تلف الدكتور علي علشان عارف إنه عاطفي وسهل، حظك بقى إنك داخل العيلة من أدق ثغراتها، ومختار العاشق الفارسي اللي نايم قايم يدافع عن الحب والعشق والذي منه، ومرتحش غير لما جوز أمي معاه في ليلة واحدة ودلوقتي الدور على المسكينة أخته!!
حدجه علي بنظرة محذرة جعلته يبتلع ما بجوفه وهو يشير له:
_الفطار جاهز.. كلك لقمة على السريع قبل ما تنزل شغلك ومتقلقش أنا هنزل الشركة ساعتين وهرجع لسيادة الرائد.
هز علي رأسه واتجه ليجذب جاكيته المتروك على المقعد ثم خرج مرددًا:
_هرجع البيت الأول أغير هدومي قبل ما أنزل المستشفى.
وأشار إليه:
_ساعد عمر.. أنا بره مع يوسف عايزة في موضوع كده.
راقب عمران أخيه وهو يغادر بنظرة ثابتة، عادت لتتعلق بذاك "المتوحش"، جاهد ليجعلها أشد حزمًا وغضبًا، فوضع ما تبقى بيده بفمه والتهمه ببطءٍ يتناسب مع بطء خطواته حتى بات مقابله:
_أنا لسه مش عارف هتعامل معاك على انهي أساس وانت حُر طليق كده ميربطكش بالبنت دبلة فضة حتى!
ومسح فمه من أثار الموز ليفاجئ من يراقبه بثبات:
_ها قولي كلمتها ولا أسلكلك موبيلي!
اعتدل بجسده مقابله يبتسم ساخرًا وهو يقرأ نية ذاك الخبيث الذي يحاول معرفة إلى أي حد تسوقه علاقته بشقيقته، ومع ذلك راق له الأمر وكما اعتاد دومًا استغلال أي خيطًا يصله لهدف بمهام عمله، فلا مانع بتطبيق نظريته بحياته العملية، فقال وهو يهذب لحيته البنية:
_طمنتها عليا مش أكتر.. بس ده ميمنعش إني محتاجك تسلك ليا حاجة تانية.
_نعم!
ضحك وهو يتابع امتعاض معالمه، فحل زر قميصه ومن ثم انتزع من حول رقبته سلسال من الجلد الأسود الرجالي ينتهي برسمة غريبة وكأنها ليدٍ تحمل قرص الشمس بين كفوفها.
وضعها بين يده وقال بأمرٍ صريح:
_وصلها لشمس، وبكده هتهدى وهتطمن عليا.
سحب رماديته عما وُضع بكفه لينهال عليه بنظرات كالسهام اتبعها قوله الساخر:
_من عنيا حاضر.. مش عايز المقطف يوصلك ليها بوسة طايرة في الهوا بالمرة ولا أيه وضعك!
وكور يده بغضبٍ تسلل بتهديده:
_اسمع أما أقولك لو فاكر نفسك أنك البطل المتوحش اللي عايش قصة ألف ليلة وليلة فأنا كفيل أفوقك وقتي! ده يا أخي اللي اختشوا ماتوا، واقف بكل بجاحة تديني تذكار ليها ده إنت جاي من مصر أمال لو كنت مغترب معانا كنت عملت أيه!!! والمصيبة الأكبر إنك ظابط يعني عدت معاك في الجراءة ووقاحتي أنا شخصيًا!
وتابع صراخه المتعصب:
_اسمع بقى المفيد وفكك من علي ومن فريدة هانم عشان محدش هيسد معايا، لو حصل والأمر نفذ وهيكون في رابط بينك وبين شمس فمفيش خطوبة كتب كتاب على طول، لإني شامم ريحة الانحراف من ساعة ما شوفتك.
ابتهجت معالمه بصورة أدهشت عمران، وخاصة حينما قال:
_والله تبقى عملت فيا جميل.. والجميل عندي رده دين!
سحب يده المصوبة تجاهه بيأسٍ، وردد:
_كده الخطر هيكون أكبر من الأول، أنت هتتحرش بالبت كده!!
وتنهد وهو يفكر بحلٍ سريع لتلك المعضلة، مجرد رؤيته جوار شقيقته سيدفعه حتمًا للقتل، ربما كانت مرتبطة براكان المنذر من قبل ولكنه لم يجد منه سوى رقي التعامل مع شقيقته التي لم تشكو منه يومًا بالرغم من أنه كان على علمًا بنزواته التي تجمعه مع بعض سيدات الأعمال فالأمر معتاد بينهم بالغرب بدناءة، ولكنه بالنهاية كان يعاملها بشكل لجم لسانه عن الحديث.
سحب عمران السلسال لجيب بنطاله وقال بنزقٍ:
_حكايتك محلولة بس خد بالك لو كتبت عليها هتترحل على مصر لحد يوم الفرح، آه ما أنت مش هتعملهم عليا لو إنت متوحش فأنا وقح وقارئ دماغك من بصة.
واستطرد بتهديد صريح:
_تحاول بقى تكلمها.. تقابلها... تعمل أي شيءمن بتوع طيش الشباب دول هشتكيك في السفارة وهبهدلك.. أنا معنديش هزار في المواضيع دي أنا لحد شمس وفيري وبقلب تنين.
تمردت ضحكات آدهم الصاخبة، فهمس بصعوبة حديثه:
_طب حاسب النار تحرقك!
امتعضت معالمه وجذب يده المصابه ليضعه على كتفه هاتفًا بغيظٍ:
_سند عشان تطفح.. عشت وشوفت عريس داخل على أهل العروسة متطوح برصاصة، بدل ما يخش بورد وشوكولا!
ضم يده لكتفه بألمٍ، وردد بضيق:
_براحة يا عمران.. واهدى كده شوية هو أنا بقولك جوزني طليقتك ولا عيني من مراتك دي أختك يا ابني!!
كز على أسنانه بقوةٍ كادت باسقاطهما من مجرد نطق لفظ زوجته دون حتى نطق اسمها، فحاول ينظم أنفاسه بهدوء حتى لا ينضم له لقب "الغيور المجنون" ألا يكفيه أنه "الوقح" المعهود بين أصدقائه وعائلته!
*******
بالخارج.
أشاد "علي" بفكرة "يوسف" المطروحة من أمامه، ودرسها بعناية من كل زاوية، بينما تابع هو:
_ده اقتراحي يا علي، بدل ما تخصص المستشفى للطب النفسي خليه عام، وأنا وعد وقت ما تجددها وتخلص هكون معاك أنا ودكتورة ليلى كتف بكتف، وبمناسبة المعدات والأجهزة اللي هتحتاجها فأنا أعرف مصانع كويسة جدًا في الصين مدير المستشفى بيستورد منهم، هكلمه وأجبلك الميل بتاعهم تتفق معاهم.
وضع الخبز عن يده بعدما قضم منه، وردد بتخوف:
_مش عارف يا يوسف مش حابب أخوض في شيء زي ده، دي مسؤولية هتكون كبيرة عليا أوي.
تساءل بذهولٍ:
_من الناحية المادية؟
أجابه نافيًا:
_لأ خالص الفلوس أخر شيء أشيل همها، ورثي من بابا مقربتلوش، حتى الفلوس اللي عمران بيحولهالي في حسابي البنكي من أرباح الشراكات في حسابي زي مهي، الفكرة بس إني مش حابب أكون مسؤول عن عدد أطباء ومستشفى كبير بالحجم ده جربت قبل كده وفشلت، أنا مش حابب أكون بالأدارة عايز أمارس مهنتي بس.
هز رأسه بتفهمٍ، وارتشف من كوب قهوته الساخن عسى صداع رأسه لقلة يومه يخفف عن حدته، وقال برزانة:
_ومين قال أنك هتتمنع تزاول مهنتك! أنا مش شايفها حجة على فكرة ممكن ببساطة تختار حد يكون مسؤول عن المستشفى غيرك.. ومش شرط يكون دكتور على فكرة.. مثلًا يكون عنده خبرة التعامل بالادارة لإن الموضوع هيكون زي مشروع استثماري.
شاركهما سيف وجهة نظره بعدما تابع حديثهما باهتمام منذ بدايته:
_هتكون فكرة حلوة لو اختارت طقم العمل كله من مصر، إنت عارف إن التعينات والمرتبات هناك واقعه وكمان من نحية تانية هتحس بالارتياح وإنت شغال وسطهم على الأقل مش هتحس نفسك غريب عنهم. فبكده بتكون ضربت عصفورين بحجر واحد.
اتسعت ابتسامة علي، وقد ساقه لنقطة جعلته يهيم بما سيفعله بالايام القادمة ليحول مشفاه الصغير لمركز ضخم مؤهل لاستقبال جميع التخصصات، كان سابقًا حلمه ثمين ولكن بمجرد أن ابتعدت عنه يارا خطيبته السابقة وتركته يديره بمفرده فقد شغف البقاء وأغلقه منذ فترة طويلة، كما أن اقتراح يوسف صائب للغاية، لما عليه أن يدير المشفى بنفسه سيجد أخر بديل عنه وسيمارس مهنته التي يعشقها بحرية تامة.
قطع حديثهم وصول آدهم برفقة عمران الذي سانده لأقرب مقعدًا، فنهض يوسف ليجلس جواره مقدمًا الطعام إليه، ومتابعًا حديثه مع علي.
جلس عمران قبالتهم وبدأ بتناول طعامه وعينيه لا تفارق سيف الذي ينغرز رأسه بالكتب من أمامه، فقال ببسمة مشاكسة:
_خف شوية يا علي..يوسف صاحبي أنا لو نسيت.. من فضلك راعي شعوري لحسن بغير بعد عنك وعن السامعين!
زوى علي حاجبيه بدهشة من حديث أخيه، بينما انتقلت عين يوسف لاخيه الذي استشاط غضبًا، ونهض يحمل كتبه صائحًا بانفعالٍ:
_عن أذنكم أنا نازل.
ضحك يوسف وهو يهز رأسه بيأس بينما ضحك علي وآدهم لفهم مضمون حديثه، وسهل لهم الأمر حينما نهض عمران خلفه يردد:
_خلاص يا سيڤو متزعلش تعالى كمل أكلك ومتقلقش مش هكلم أيوب تاني.. أوعدك لو لمحته حتى صدفة هديله قفايا.. وهعمله block.
رمقه بازدراء وهو يفتح باب الشقة الذي كاد بالسقوط من فرط قوته، فلحق به عمران وهو يناديه:
_استني يــلا... بهزر معاك يخربيت مخك!
هرول خلفه للأسفل ومن خلفهم ضحكات الشباب المازحة، وفضول آدهم للتعرف على أيوب الذي يشاهد غيرة غريبة من نوعها، ألا يكفيه ذاك الوقح الذي كاد بقتله بالداخل، على الأحرى هؤلاء الشباب معاتيه وعليه الاحتراس منهم!
*******
_إنتِ ملكي أنا سامعة... أي راجل عينه هتلمحك هعميه.. ولو وصلت إني أقتلك مش هتردد ثانية واحدة سامعة!!!
_ سبق وقولتلك قبل كده إن في اليوم اللي هتجمعنا قصة حب هتكون نهايتها موت حد فينا.. أنا مش الشخص اللي تسيبه واحدة كانت في حياته..
_بصيلي وملي عنيكي مني، لإنك صعب تنسي ملامحي أبدًا.
انتفضت بمنامتها بفزعٍ وعينيها تبحث بالغرفة عنه، متأكدة بأنها استمعت لصوته، دموعها تنهمر دون توقف ويدها تكبت شهقات دموعها حتى لا توقظ شقيقتها، يكفيها بما تخوضه يكفيها ما تتعرض إليه.
نهضت زينب عن الفراش واتجهت لحمام الغرفة بخطواتٍ ثقيلة، وقفت قباله المرآة المواجهة لحوض الاغتسال ورفعت المياه لوجهها عساها تستعيد وعيها من تلك الغفلة القاتلة، أدمعت عينيها وبهتت معالمها لتزيح ستار ماضيها الذي يقلب حاضرها ومستقبلها.
**
انتهت لتوها من زيارة بعض الأماكن السياحية برفقة رحلة جامعتها، فاتخذت ذاك المقعد استراحة قصيرة لها ولقدميها المتورمة، نزعت زينب عنها حذائها الجديد وتفحصت أصابع قدميها بألمٍ جعلها تتأوه بخفوتٍ، فخطفت نظرة لاستاذها وللطالبات اللاتي يلحقن به، واطمئنت بأنهن بالقرب منها، فمددت ساقها لتنال قسطًا من الراحة قبل مغادرتها.
استمتعت بهذا الهدوء المريح لأعصابها بعيدًا عن العنف الذي تتعرض له على يد أخيها الأصغر بعد سفر أخيها الأكبر للخارج غير عابئ بها ولا بما يفعله أخيه بها، وفجأة مزق هدوئها قط يحمل ساقه التي تنزف بغزارة، وكأن أحدًا تعمد غرس سكينًا حادًا بساقيه.
كانت دومًا تخشى الحيوانات حتى لو كانت أليفة ولكن رؤيتها له هكذا جعلتها تشفق عليه، ففتحت حقيبتها وجذبت ما تحمله من شاش ومعقم واتجهت بساقيها المتعرجة إليه، فجلست أرضًا تداوي جرح ساقه بما تحمله وانتهت بعقد الرابطة الطبية التي لا تفارق حقيبتها كطبيبة تحت التمرين اعتادت على حملها لبعض الاسعافات الأولية، فقامت بمعالجته ببراعةٍ وفور انتهائها جذبت زجاجة المياه لتنظف الدماء عن يدها.
حاولت فتح الزجاجة دون أن تلطخها بما تحمله من أثار الدماء، فتفاجئت بمن يجذب عنها الزجاجة ويسددها فوق يديها معًا فرددت ببسمة هادئة ظنًا من أنها احدى زميلاتها:
_شكرًا.
وحينما انتهت وجدت مناديل ورقية تُقدم لها، رفعت زينب عينيها تلك المرةٍ بهدف الشكر الخالص لمن يقدم مساعدة نبيلة كهذة، فتفاجئت بأن من يقف قبالتها لم يكن سوى شابًا يتطلع لها بزرقة عينيه باهتمامٍ.
تحاملت على قدميها حتى وقفت قبالته، فوجدته يتطلع لها بانبهارٍ وكأنه لتوه يرى عروس البحر الهاربة.
وجدها رائعة بقفطانها المغربي، حجابها الطويل وملامحها الجذابة، ظنته لوهلة أخرس لا يجيد الحديث، ولكنه بعد دقيقة من تأملها قال:
_العفو.
رمشت بارتباكٍ من نظراته، وكأنها تمتلك ملامح فاتنة تجعله بكل ذاك الارتباك أمامها، قلبها بدأ يخفق داخلها بشراسة، وخاصة حينما قدم لها زجاجة المياه خاصتها قائلًا بخشونة:
_مساعدتك للقط شيء ظريف، شكلك كده بتحبي تربية الحيوانات.
ضحكت ساخرة واستنكرت قوله:
_أنا!! بالعكس أنا بترعب من الحيوانات بس كدكتورة حسيت إني مينفعش أسيبه كده.
منحها نظرة مطولة لما ترتديه، وقال:
_شكلك مصرية.. افتكرتك من لبسك إنك مغربية.
أجابته بابتسامة صغيرة:
_أنا فعلًا مغربية، بس بقدر أتكلم نبرتكم عادي لأنها سهلة ومفهومة جدًا، تحب أكلمك مغربي؟
هز رأسه نافيًا، مضيفًا بمزحٍ:
_لا أبوس إيدك مش طالبة، أنا من الصبح في المصنع بحاول أفهم حرف وسط العمال حاولت أكلمهم انجلش مش جايبة معاهم.. خليكي كده تمام.
رفعت يدها تخفي ضحكتها، وما أن لمحت الفتيات تصعدن للحافلة حتى أغلقت حقيبتها وهي تودعه:
_عن إذنك.
تدرجت معالمه وهو يجدها تغادره، فلحق بها بتوترٍ:
_طيب مش هتقوليلي اسمك أيه؟
منحته نظرة متوترة، بأي حق تخبره بأسمها وحتى إن أظهرت ضيقها لذلك ولكنها لا تنكر سعادتها باهتمام ذلك الجذاب بها، فهمست بخفوت:
_"زينب".
منحها ابتسامة واسعة وهو يقول:
_وأنا "يمان"
وقدم يده لها قائلًا:
_اتشرفت بيكِ يا دكتورة.
وزعت نظراتها بينه وبين كفه الموضوع، فشددت بيدها على الحقيبة المحيطة لكتفها، لتبدي له عدم رغبتها بالتلامس، واكتفت بهزة منها:
_وأنا كمان اتشرفت بيك.. عن إذنك الباص هيفوتني.
وتركته واتجهت سريعًا للحافلة، فسحب كفه وهو يمرر لسانه على شفتيه ببسمة واسعة، واستدار ليشير لاحد رجاله المختبئين من حوله باسلحتهم:
_اركب عربيتك فورًا وامشي ورا الاتوبيس ده، البنت اللي كانت واقفة معايا من شوية عايزك تجبلي عنوانها وقررها!
عادت من شرودها على صوت فاطمة التي تناديها بقلقٍ:
_زينب انتي كده هتتأخري على الجامعة في أول يوم!!
أغلقت الصنبور وخرجت تجيبها:
_أنا صحيت أهو متخافيش مش هتأخر
أشارت لها على الفراش:
_طيب يلا بسرعة غيري هدومك عما أشوف علي، هو قالي أول ما تصحي أبلغه عشان يوصلك.
رددت بحرجٍ:
_مالوش داعي يا فطيمة.
تجاهلتها وهي تتجه لغرفة علي هامسة:
_والله ابقي قوليله الكلام ده بنفسك.
*******
وصل عمران للشركة بعد غياب، فولج أمام الجميع ببذلته الرمادية الآنيقة وخطوات ثابتة تحازي نظراته الموزعة بين الجميع بكل ثقة، ذاك الوقح يملك سحرًا وجاذبية وطريقة تعامل تجعل من أمامه مشتت بين شخصه الغامض..
انتهى بطريقه بمبنى مكتبه، فتوجه ليحرر مقبض بابه ومن خلفه يتبعه السكرتير الذي يهرول ليجمع الأوراق الهامة إليه، وفي ظرف دقائق معدودة تحول مكتبه لغامة من الأوراق، وكأنه كان باجازة طويلة المدى، فصاح بمن أمامه:
_حيلك حيلك، أنا مش آلة عشان أراجع وأمضي كل الورق ده.. براحة عليا يا حسام أنا لسه راجع من تعب مش من رحلة استجمام أنا!
ابتلع السكرتير ريقه بحرجٍ، وسحب رزمة من الأوراق مرددًا بندمٍ:
_آسف..بس حضرتك يا مستر عمران بقالك فترة مبتجيش وأحمد باشا مقدرش يخلص أوراق المشاريع من غير وجود حضرتك وبالأخص المول التجاري حضرتك عارف إن المشروع ده من أهم المشاريع اللي هتقوم بيه الشركة والتأخير فيه مش لصالحنا.
هز رأسه بتفهمٍ وقال:
_جهز الملف على فلاشة لإني اختارت الشركة اللي هتقوم بالمشروع ده معانا.
أومأ برأسه في طاعة، فألقن له عمران أمره الاخير:
_ابعتلي كوباية قهوة مظبوط ومتدخلش عليا أي مخلوق لحد ما أفض المغارة اللي فتحتها عليا دي.
اشارات عديدة من رأسه واختفى مغلقًا الباب من خلفه، ليبدأ عمران بعمله الشاق حتى احتد الألم برقبته، فترك ما بيده وتعلقت نظراته بالباب الجانبي المتصل بمكتبها ولجواره الباب المتخصص لقاعة اجتماعات مجلس الادارة.
نهض عن مكتبه ليتبع طريق مكتبها، ففتح بابها ليتمعن تطلعه بها بعشقٍ يريح قلبه وتشدد أعصابه من فرط العمل.
وجدها تشاركه الانهاك بالعمل على حاسوبها، وعدد من الأوراق الهامة من أمامها وكأنها تحسب مساحات هامة لأحد المشاريع، ترتدي سترة من اللون الأزرق ومن أسفله قميصًا أبيض يتشح بجرفات من اللون الأسود وحجابًا أسود اللون ينخفض ليخفي جزائها العلوي باحتشامٍ راق له.
فاقترب ليتمكن من رؤية ما ترتديه بالكامل خشية من أنها ارتدت بنطال لتناسب تلك الطلة المعتاد له رؤية سيدات الاعمال يرتدون مثل تلك النوع من البذلات الحريمي، تنفس براحة حينما وجدها ترتدي تنورة فضفاصة من نفس اللون.
لفت انتباهه وجود تلك المزهرية القريبة من الباب، فسحب منها أحد الزهور واتجه جلسة يمررها على يدها الممسكة لكوب العصير بين يدها، فانتفضت بجلستها بفزعٍ تلاشى بخفوت أنفاسها:
_عمران! خضتني!
ابتسم هامسًا:
_حبيب قلبه بيتخض من جوزه يا ناس!
واستقام بوقفته قبالتها، فجذب يدها إليه مرغمها على الالتفاف وأطلق صفيرًا هائمًا:
_أيه الشياكة دي كلها، إنتِ نازلة تشتغلي ولا تسرقي قلبي!
سحبت كفها عنها بخجلٍ، ورددت بتلعثمٍ:
_إنت أيه اللي جابك هنا.. أكيد وراك شغل كتير بعد الأجازة دي.
هز رأسه موكدًا لها، وتابع وهو يقترب منها حتى سقطت على مقعدها المتحرك:
_ورايا بصراحة، بس مليت وحسيت إني مشتاقلك فقولت أجيلك أشبع عيوني وقلبي منك، وبصراحة كده شكلك هتبقي خطر عليا وعلى مستقبلي الفترة الجاية..
تراجعت برأسها للخلف محاولة الاستفسار بنظراتها عن معنى حديثه المبطن، فجذب الكوب وارتشف منه بتلذذٍ مستغلًا قربه منها:
_هممم... حلو العصير ده أول مرة أدوقه هنا... أمال ليه محدش بيقدمه ليا بيضحكوا عليا بالقهوة بس يرضيكي يا حبيب قلب جوزك!
دفعته للخلف وهي تشير له بارتباكٍ:
_ارجع يا عمران.. احنا في المكتب ميصحش كده من فضلك ممكن أي حد يدخل!
كبت ضحكته الخبيثة وردد بحزمٍ وبروده السابق معها:
_ما اللي يدخل يدخل، في أيه يا بشمهندسة أنا جاي أهزر معاكي اللي بينا شغل متنسيش إني مديرك هنا!
مسحت وجهها بغيظٍ، وصاحت بنزق:
_تمام فين الشغل اللي بنعمله هنا؟
منحها نظرة أهلكتها من هذا القرب، وتوزعت بينها وبين الحاسوب والاوراق:
_معرفش... اطبعي أي ملف نتناقش فيه، أو هرجع مكتبي أجيب كام تصميم ونشتغل مش حوار يعني!!
كادت بأن تمزق شفتيها السفلية، ورددت بنفاذ صبر:
_هو أنت من أمته بتشتغل على التصميمات بنفسك يا عمران!
هز كتفيه بعدم مبالاة:
_مدام معاكي أشتغل مشتغلش ليه!
أغلقت حاسوبها وترجته بتوسلٍ:
_طب ارجع مكتبك كمل شغلك وبعدين ابقى تعالى صمم براحتك.
تعمق بعينيه تجاهها وهمس:
_موافق بس بشرط.
ترقبته باهتمامٍ فوجدته ينحني تجاهها ليقدم لها وجنته فجحظت عينيها صدمة ودفعته للخلف بعصبية بالغة:
_إنت بتعمل أيه، عايز تفضحني أنا عارفة! والله يا عمران لو متعدلت لأقبل عرض أنكل أحمد وهروح أشتغل معاه لإنك مبقتش وقح بالبيت بس حتى هنا!
ضحك بملئ صوته وجلس على المكتب قبالتها يخبرها بجدية صادقة:
_شكلك فعلًا شغلك هيبقى معاه لإني مش هعرف أراكز بأي حاجه وانتي جنبي صدقيني.
ابتسمت بخجل وقد جاهدت لاخفائها، وقالت باستنكارٍ:
_من أمته ده ما أنا بقالي سنة شغالة معاك!
طرق على صدره بهيام:
_قصدك قبل ما كنتي تدخلي هنا وتعششي يا بيبي!
زفرت بضجرٍ:
_عمران.
_حبيب قلبه!
_وبعدين معاك؟
_تنفذي طلبي هنصرف أنا وشيطاني من قدامك، مقدامكيش حل تاني يا بيبي!
منحته نظرة عابثة، فأشار لها بالاقتراب، انصاعت إليه على مضضٍ، فقدم خده لها بضحكة منتصرة، فمنحته نظرة مغتاظة وقالت تجاريه:
_طيب ما تروح تخلص شغل ولما نروح نبقى نتفاوض.
هز رأسه نافيًا، فعاندته وهي تجلس على مقعدها من جديد مرددة بغيظ:
_روح مكتبك يا بشمهندس أنا محدش يتشرط عليا، يا أما هسيب الشغل من دلوقتي وهمشي.
منحها نظرة عاشقة قبل أن ينحني ليطبع قبلة على يدها، متابعًا ببسمة جذابة:
_هزاري التقيل هخففه حاضر، بس خدي بالك كل عرض وليه طلب وعقاب... سلام يا بيبي!
وتركها وغادر لمكتبه فابتسمت وهي تضم الزهرة إليها بهيامٍ، لا تجد سوى كلماته ونظراته التي تركها تحيطها حتى بعد رحيله.
*****
بحثت عنه بغرفته فلم تجده، كادت بالعودة لشقيقتها ولكنها توقفت حينما لمحت ما وُضع على السراحة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساحرة، فأغلقت بابها واتجهت تجذب زجاجة عطره الباهظة تزيح غطائها وعينيها تراقب الجناح بخوفٍ أن يُقبض عليها.
نثرت منها فاطمة على يدها وقربتها إلى أنفها تشمه بقوةٍ وكأنها مدمنة تتعاطى المخدرات، لوهلة شعرت بأنها سترتكب أول سرقة لها، فستقوم الآن بسرقة تلك الزجاجة التي ستكاد تشن جنونها.
فرفعتها قبالة عينيها وهي تردد بحزنٍ:
_معقول يا فاطيما هتسرقي!!
_ما إنتِ عملتيها قبل كده وسرقتي قلبي ملومتيش نفسك ليه؟
تحررت كلمات ذاك العاشق الذي يتابعها بنظرات عتيقة، يستند بجسده على باب غرفته مربعًا ذراعيه أمام صدره، يتابعها بحبٍ ونظرة حنونة على ارتباكها وانتفضتها بفعله، فدنى منها يهتف بخشونة نبرته الذكورية:
_اهدي حبيبتي ده أنا!
أحمق هو! تكاد تقتل خجلًا كونه هو بالذات من يراها بتلك الحالة، ابتلعت ريقها وهي تقترب لتضعها على السراحة بارتباكٍ:
_آآ.. أنا.. بس... آآ... كنت... آ.
ابتسم وهو يخبرها بنبرة بطيئة تستشف مضمونها:
_الأمان اللي بيوصلك مش بسبب البرفيوم، الادمان اللي عندك ده لحضني يا فطيمة... حضني هو اللي بيطمنك وبيمدك بالأمان.. البرفيوم فاكس!
ضمت شفتيها معًا بحرجٍ، اللعنة هو حقًا يشعرها وكأنه محتبس داخل عقلها فيعلم ما الذي يطوف تفكيرها! تخشى يومًا إن أرادت أن تكذب أو تخادعه بأي موقف قد تتعرض له مثل باقي النساء، أحيانًا تشعر وكأنه ظابط شرطة وليس بطبيب نفسي.
انشغالها بالتفكير جعلها لا تراه يقترب ليضمها إليه فجأة، فارتبكت من فعلته وتصلب جسدها.
شعرت بيده يمسد على خصرها وهو يهمس لها:
_كل ما تحبي تحسي بالأمان تعالي لحضني من غير أي كلام وأنا هفهم.. وأوعدك مش هسألك مالك لو حسيتك مش حابة تتكلمي.
أغلقت عينيها باستسلام، ورفعت يدها تتمسك بجاكيته، لقد صدق ما أخبرها به ذاك الشعور ينبع لقربه هو، لسكينة ذراعيه من حولها، تشعر بوجوده بأنها تحتمي بين حوائط متينة تحميها من نسمات الهواء القارصة، استكانت برأسها على كتفه ويده تقرب مؤخرة رأسها لعنقه، لا يود أن تغادره أبدًا ليته استقال عن مخططاته بالبدأ بتجهيزات المشفى، يود أن يظل لجوارها هكذا.
ابتعدت عنه فاطمة بخجل جعلها ترتجف بصورة بدت تنبهه بضروارة التعامل الحذر على الفور، فقال:
_زينب جهزت؟ أكيد زمانها مرتبكة لأن ده يومها الأول صح؟
نجح بسحبها خارج تلك الدائرة فقالت وهي تلحق خطواته لخزانته:
_مش عارفة بس أكيد هي مرتبكة خصوصًا انها هنا في بلد غريب.
جذب ملابسه وخرج يضعها على الفراش، فقالت وهي تشير له على باب غرفتها:
_هروح أبلغها تجهز علشان متتأخرش.
ابتسم وهو يشير لها:
_تمام يا حبيبتي.. أنا شوية وهكون جاهز أنا كمان.
ابتسمت بحبٍ لسماعها تلك الكلمة مرتين، فهزت رأسها وهي تغادر بينما يظل هو بمتابعتها حتى أغلقت الباب فازدادت ابتسامته، فانحنى يتلقف الملابس وغادر لحمامه الخاص.
******
جمعت كومة الملابس وحررت عود الثقاب لتلقيها عليها، وجلست تراقب احتراقها باستمتاعٍ غريبًا، وكأنها تحرق جسده حيًا وتنتقم منه على ما فعله بها، تتمنى أن تشعر بالسكينة التي لم تزورها يومًا منذ معرفتها للحقيقة، والمؤلم بأنها تشعر بانتكاس حالتها بعدما تعدت مرحلة الشفاء.
بحث عنها كثيرًا بغرفته وحينما لم يجدها هرول لجناحها الخاص فصعق حينما وجد النيران تتأكل الأرض مضرمة ملابس رجالية بدت له تفاصيلها بأنها تخص أخيه، انتفض محله بفزعٍ وقبض على معصمها يبعدها عن مصدر النيران الذي تسلل لسجادة الغرفة هادرًا بفزعٍ:
_فريدة!!
رفعت جفنيها الثقيل بحركة بطيئة له، فانهمرت الدموع المحتبسة وهي ترمقه بنظرة معاتبة:
_عايزة أنتقم منه ومش عارفة إزاي يا أحمد!
برق برماديته بصدمة من الحالة الغريبة التي تبدو عليها الآن، فأحاط وجهها بيديه معًا:
_فريدة فوقي من الحالة اللي انتي فيها دي يا حبيبتي، بصي حواليكي سالم مبقاش له وجود خلاص أنا اللي جنبك ومعاكي... هعوضك عن كل ده صدقيني.
اكتفت بهزة رأسها بالرغم من إنها مازالت تشتعل داخليًا، فجذبها أحمد للمقعد البعيد عن النيران وعاونها تجلس عليه ثم هرع لحمام الغرفة يحمل سطل من المياه ويحاول اطفاء الحريق قبل أن يتوسع باضراره وهو على اتقان إن قرار البحث عن منزل أخر هو الأنسب لتخطي حالتها تلك.
انتهى أخيرًا من اطفاء النيران، وجلس أرضًا يضم جبينه بيديه لمجرد أن تسلل له بأنها بحالة قد تجعلها تؤذي ذاتها، خاصة بجمود جلستها كالإنسان الألي.
تابعته فريدة بنظرة ثابتة وكأنها قرأت ما بعينيه لها، فقالت ببسمة هادئة:
_متقلقش عليا أنا كويسة، ممكن حالتي تكون ساءت شوية بس أكيد لما هرجع أتابع مع دكتوري هكون أحسن.
زحف حتى وصل لمقعدها وردد بحزنٍ:
_وليه كل ده من الأساس، انسي اللي قولتهولك وانسي كل شيء أنا عايزك جنبي يا فريدة.. محتاجلك!
ترقرقت دموعها وببكاء رددت:
_وأنا كمان محتاجالك.. زمن احتاجتلك والنهاردة محتاجالك عن أي وقت.. محتاجة إنك تطمني إن كل ده هيعدي، وإن وجودك جنبي وجوازي منك حقيقة.
جذبها إليه بقوة ليضمها بين أضلعه، فتمسكت به وهي تهمس ببكاء:
_أنا آسفة يا أحمد... أنا مكنتش عايزة حياتنا تبتدي بكده بس غصب عني اللي عرفته كان صعب.
طبع قبلة على جبينه ويده تحيط شعرها القصير:
_أرمي كل أوجاعك ليا يا فريدة، أنا جاهز والله أتحمل كل ألم اتعرضتي ليه.
وأبعدها عنه يضم وجهها وهو يواجهها:
_قولتلك اعتبريني سالم وعاقبيني أنا... لو هو اللي قدامك هتعملي أيه؟
احتقنت معالمها بقسوةٍ، تتمنى لو انتزعت عنه عينيه التي تشبه عين زوجها، بالرغم من أنه أكثر جاذبية وأكثره حنانًا لا يتشابه بينهما أي شيء سوى القليل ولكنها تجحم بالنيران فور نطقه لتلك الكلمات، فارتدت للخلف وهي تحذره:
_لا يا أحمد إنت مش هو... إنت مش الشيطان ده.
زحف إليها مجددًا وقال باصرار:
_لو انتقامك منه هيريحك خدي حقك مني، أنا راضي لو ده هيبرد النار اللي جواكي.
تعمقت بتطلعها داخل عينيه بقوةٍ، وهزت رأسها تنفي ما قال، فاتجه يساندها ليخرج بها لغرفته، جلست على الفراش ووجدته يسكب كوب من المياه إليها، فارتشفته على مهلٍ وراقبته وهو يتجه للخزانة ليستعد لتبديل ملابسه قائلًا:
_في بيت مناسب منزلين اعلانه النهاردة، السكرتيرة بعتتلي التفاصيل أيه رأيك تيجي معايا نبص عليه.
هزت رأسها بغير استحسان:
_مش حابة أخرج.. أنا هنام.
استدار يقابلها بعدما نزع قميصه:
_تنامي أيه إنتِ لسه صاحية إنتي وعمران من شوية!
تهربت منه وهي تتجه لفراشه:
_عايزة أرتاح يا أحمد.
هز رأسه بتفهمٍ، واتجه يجذب جاكيته يرتديه ومن ثم صفف شعره وانتهى باقترابه منها يجلس خلفها.
احتسبت بكائها حينما لفحت أنفاسه رقبتها فعلمت بأنه خلفها، ربت على خصلاتها القصيرة وهو يخبرها:
_أنا مش هتأخر.. لو احتاجتي حاجة كلميني.
هزت رأسها إليه، وهي تدعي نومها وحينما تأكدت من رحيله نهضت تتجه لأحد الادراج ثم جذبت الملف التي نقلته منذ الصباح تتمعن به بارتباك لما ستقدم على فعله.
*********
ارتدى بنطاله وزرر قميصه الأبيض، فأتاه صوت طرقات على باب غرفته جعلته يردد:
_ادخل.
ولجت شمس إليه تخطو على استحياء حتى باتت جواره لتطبع صورتها بالمرآة من أمامه، ابتسم بمكر وهو يراقب ارتباكها وقال:
_والله بقى كويس وإنتي كلمتيه وسمعتي صوته أعملك أيه تاني عشان تتأكدي.
فركت أصابعها وتحاشت تطلعها إليه، وبصعوبة قالت:
_ينفع أروح أطمن عليه.
استدار علي إليها وهو يضع ذراعيه بالسترة:
_لأ يا شمس مينفعش، عمر قاعد في شقة اصحاب عمران وحتى لو مكنتش شقة شباب فمفيش بينكم رابط يخليكي تروحيله.
هزت رأسها بتفهمٍ رغم حرقة قلبها المتلهف للاطمئنان عليه، فدنى منها علي يخبرها برفق:
_شمس أنا عايزك تاخدي بالك من تصرفاتك أكتر من كده، ويا ريت تفكري في موضوع الحجاب لإن لا أنا ولا عمران متحملين نشوفك كده.
برقت بدهشة إليه، لم يسبق له أن طلب منها أن ترتديه وأن فعل كانت لترحب بذلك، فاستطرد بهدوء:
_أنا عارف إنك بتبصي لفريدة هانم، بس أنا واجبي إني أنصحك وأحميكِ مقدرش أقدم النصيحة دي لوالدتي حتى لو شايف تصرفها غلط، أنا واثق إنها هتيجي في يوم وهتأخد القرار ده ويمكن لما تبدأي إنتي هي تعملها بعدك.
ردت عليه بحرجٍ اكتظم حنجرتها:
_أنا كنت بفكر من فترة بالموضوع ده من فترة يا علي بس مكنش عندي الشجاعة أخد القرار ده، أنت عارف إن الحجاب لازم يكونله لبس معين ولازم اكون أخدة قراري فيه بدون تراجع.
أحاطها بذراعيه وهو يقربها منه:
_أنا مكنتش حابب أضغط عليكي وكنن أتمنى تأخدي القرار ده من نفسك بس صدقيني أنا مش قادر أتحمل أي نظرة ليكي من حد، عايزك غالية مش مباحة لأي عين تلمحك.. وواثق إنك هتستجيبي لطلبي.. ولو ده حصل هخلي مايا وفطيمة ينزلوا معاكي من بكره يشتروا معاكي اللبس اللي يناسبك، ها قولتي أيه؟
اتسعت ابتسامتها فرحة، وقالت:
_اعتبرني من دلوقتي اتحجبت.
ضمها إليه وطبع قبلة عميقة على جبينها وهو يهمس بفرحة:
_اعتبرتك واتخيلتك بيه.. بس واثق إنك هتكوني أحلى من توقعاتي.. بكره هجي معاكي بنفسي.
هزت رأسها بسعادة، وتركته قائلة:
_هشوف فاطمة.
غادرت من الباب الجانبي بينما وقف هو يستكمل ارتداء حذائه، فتسلل له طرقًا أخرًا على بابه، فصاح:
_ادخل.
انتصب علي بوقفته حينما وجد والدته أمامه، تلاشت ابتسامته البشوشة وهو يراقب اصفرار وجهها وتورم عينيها الغريب، فأجلى صوته:
_فريدة هانم إنتِ كويسة؟
دنت فريدة منه تتطلع إليه بنظرة مطولة، مرتبكة، كادت بالتراجع عما أتت إليه، فحطم صوته الحنون صوت تفكيرها القارع:
_ماما مالك؟
أخفضت وجهها أرضًا وقالت بصوتها المبحوح:
_طول عمرك وإنت كاتم أسراري، يا ترى ينفع أئتمنك على سر أخير يا دكتور؟
رمش باهدابه مطولًا وهو يحاول استيعاب ما يحدث معها، فقطع مسافاته بينهما يحاوط كتفيها بلهفة:
_طبعًا.. كل أسرارك وكل اللي تحبي تقوليه عمره ما يطلع لمخلوق.. بس طمنيني عليكِ عشان خاطري؟
رفعت إليه ما تحمله، فالتقطه منها باستغراب، تفحص صفحات الملف الذي بيده بفضول ازداد اتساع مقلتيه بصدمة ضربته بمقتل، وخاصة حينما تحرر صوتها الباكي:
_عايزاك تعالجني يا علي!
******
ترك ما بيده بملل، ونهض يتجه إليها، صفق الباب وولج للداخل يخبرها:
_وقت الاستراحة... قومي نتغدى بأي مكان.
زفرت بضيقٍ، وقالت دون أن تطلع إليه:
_لسه ساعتين على الاستراحة يا عمران.. روح كمل شغلك.
أغلق الحاسوب من أمامها وهو يردد:
_المدير مبيتعاملش معاملة الموظفين يا مايا، قومي يلا نختفي من هنا.
نهضت عن محلها ورددت بضجر:
_عمران أنا مش عارفة اشتغل منك كل شوية تدخل عليا بحجة شكل، من فضلك سبني أركز أنا كده الحسابات هتبوظ مني.
حاوط خصرها بيده:
_فداكِ وفدا حبنا يا بيبي.
وقبل أن تعترض جذب حقيبتها إليها وهرول بها للخارج تجاه المصعد، فما أن لمحه السكرتير حتى هرول من خلفه يناديه بصدمة:
_مستر عمران حضرتك رايح فين لسه في أوراق مهمة محتاجين امضاء حضرتك عليهم.
وقف قبالته وهو يواجه ضحكات مايسان الشامتة، فجذبها خلفه وهو يواجهه بنبرة حزينة:
_معلش يا حسام خالتي اتوفت ولازم ألحقها.. عن اذنك.
وجذب مايا المصدومة من خلفه وهو يصرخ بها مدعيًا تأثره:
_بينا يا مايا نلحق أمك تودعيها قبل الدفنة، الله يرحمك يا خالتي موتي وقطعتي في قلبي من وأنا تانية اعدادي!
انفجرت ضاحكة وانصاعت ليده التي تقذفها بالمصعد، فرددت بعدم استيعاب:
_انت كارثة أقسم بالله.
عدل من ياقة جاكيته بعنجهيةٍ:
_أنا محدش يتوقعني..
ودنى منها بقربٍ خطر وهو يهمس باغراء:
_مينفعش امك تموت وأسيبك في يوم زي ده من غير ما أقدم تعازي حارة تصبرك على الهم ده، شوفتي إن جوزك قلبه حنين ويميل لحبيبه من على بعد!
دفعته للخلف وهي تشير له:
_شوفت.. ابعد بس.
كاد بأن يقترب منها مجددًا فصاحت به:
_عمران اطلع من دور المتحرش ده، احنا في مكان شغل!
غمز برماديته بمشاكسة:
_قلبك مصيره يلين يا جميل.
ضحكت رغمًا عنها، وصفقت كف بالاخر وهي تردد بدهشة:
_جننتني معاك.. مبقتش عارفة إنت وقح ولا مجنون ولا بتستهبل ولا طبعك أيه؟
دنى منها ليحيط المصعد خلفها بذراعيه المقيدة لحركتها، وردد قبالة وجهها وعينيه لا تفارقها:
_أنا وقح ومجنون وحنين وعاشق ومتهور أنا كل الرجالة دول في بعض، كوكتيل!!
خفق قلبها بشراسة جعلتها تستمد أخر ثبات بعقلها، فأبعدته وهي تصيح بتحذير:
_الاسانسير فيه كاميرات يا عمران.. بطل فضايح!
ابتعد وهو يزفر بغضبٍ، فرفع عينيه للكاميرا بنظرة حانقة وطرق بخفة على بابه متمتمًا:
_مش بيتحرك ليه ده.. عطلان ولا أيه!
كتمت ضحكاتها بصعوبة وراقبت غيظه باستمتاعٍ واضح على معالمها.
******
انسحبت من أمامه وتركته يقرأ الملف بتمعنٍ، وحينما انتهى من القراءة وضعه جانبه على الفراش بصدمة، بالرغم من امتلاكه لتلك الخبرة المكتسبة بالطب النفسي كيف لم يلاحظ مرض والدته؟
تعاني منه منذ أعوام وكانت قبالة عينيه طوال ذاك الوقت كيف لم يلاحظ؟!
اللعنة عساه أصبح طبيبًا فاشلًا لتلك الدرجة، وكأن القدر يسوق له رحلة مريرة كالعلقم يعيشها مرة أخرى مع والدته مثلما يخوضها حتى تلك اللحظة مع زوجته..
كيف سيحتمل سماعها تتحدث بالسوء عن والده، سيمر بأصعب اختبارًا قد يساق إليه والمؤلم أنه لم يعتاد رؤية والدته ضعيفة وتبكي من أمامه كيف سيتمكن من عالجها وهو من سيزوره الضعف ويكسره دون رأفة!
سحب علي نفسًا مطولًا وأسرع يخطو من خلفها، فطرق باب غرفة عمه وناداها بحزنٍ:
_ماما افتحي!
لم تستجيب إليه، فعاد بكرر طرقه ويناديها:
_من فضلك افتحي وفهميني إزاي كنتي بتتعالجي كل ده وأنا معرفش! وليه قررتي أني أكون مسؤول عن حالتك دلوقتي، عندي اسئلة كتير هتقتلني افتحي وجاوبيني عنها عشان خاطري.
لم يستسلم بطرقاته القوية، وفجأة امتنع عنها حينما وجدها تفتح الباب وهي تحدجه بقوة غريبة ارتدتها بحرفية، لتشير بتحذير وصرامه:
_بطل تخبط بالطريقة المزعجة دي وأوعى تكسر الباب، أنا مش عايشة هنا في غابة عشان كل شوية واحد فيكم يكسر عليا الباب، كفايا عمك وأخوك السخيف اللي أكيد هيتعاقبوا... من فضلكم كفايا تكسروا الأبواب القصر اتبهدل!!
امتنع عن الضحك، يبدو أنه فاته أكثر من أمرًا، فرفع يديه باستسلام:
_مكنتش هكسره صدقيني!
هزت رأسها بعدم اقتناع وقالت:
_بكره هجيلك المستشفى ونتكلم، هنا لأ.. قولتلك الموضوع سر.. أيه مبتعرفش تصون أسرار المرضى يا دكتور؟
أدمعت عينيه تأثرًا بقوتها، فانحنى يقبل كلتا يديها وردد لها ببحة صوته الباكي:
_بعرف.. وبالذات لو حاجة تخصك.
تهاوت دمعة على وجنتها، فوجدت ذاتها تندفع برأسها على صدره هامسة ببكاء تحاول محاربته:
_أنا بحبك إنت وأخوك وشمس يا علي... عايزة أعيش حياة طبيعية بعيد عن كل اللي بيطاردني ده... من فضلك ساعدني زي ما ساعدت فاطيما.
ربت عليها وهو يخبرها:
_هنتخطى كل ده مع بعض... أنا هسيب كل حاجة عشانك.. مش هنزل المستشفى ولا أي مكان غير لما أطمن انك بقيتي بخير.
ابتعدت عنه تزيح دموعها وتلتقط نفسًا يسهل لها التوقف عن البكاء قائلة:
_لأ... حياتك مش هتقف عشاني يا حبيبي، انزل شغلك وسبني أخد الخطوة الجاية لما أحس اني قادرة أتكلم وأبدأ هجيلك.. متضغطش عليا من فضلك.
يعلم بأنها من المؤكد اتخذت عدة سبل عريقة لتصل لباب غرفته تطالبه بعلاجها والفصح عن طبيبها النفسي وما يتعلق بها، لذا رفض الضغط عليها وقال:
_أنا جاهز وموجود في أي وقت.
منحته ابتسامة متسعة وهى تربت على يده، وقالت وهي تبتعد عنه:
_هروح أبص على شمس... بقالي فترة مقصرة معاها ومبقتش عارفة حاجة عنها.
قال وهو يتبعها:
_راكان اتقتل.. طلع وراه مصايب.. الحمد لله إن ربنا نجد شمس منه.
جحظت عينيها صدمة:
_ااتقتل ازاي! ومصايب أيه؟
لمح زينب وهي تقترب منهما فقال:
_شمس هتحكي لحضرتك.. أنا هنزل أوصل أخت فاطمة في طريقي، وبعدين هروح المستشفى أقدم استقالتي لاني قررت افتتح المركز الخاص بيا ودلوقتي بس لقيت مين المدير المناسب؟
وكأنه يتحدث بالالغاز، موت راكان ومن ثم استقالة ومن ثم يخبرها بمدير وكلمات غريبة ختمها حينما قال ببسمة واسعة:
_حضرتك هتكوني مديرة المركز.. هلاقي مين يدير المستشفى أفضل من فريدة هانم الغرباوي!
بدت متخبطة مما تسمعه، فقالت وهي تتجه لغرفة ابنتها:
_انزل انت عشان متتاخرش انت وزينب وبليل نتكلم.
أومأ برأسه لها فتركته واتجهت لغرفة شمس ومنحت زينب ابتسامة هادئة وهي تشير لها بمحبة:
_بالتوفيق يا زينب.. بتمنالك يوم لطيف.
ابتسمت الاخيرة بامتنان:
_شكرًا يا فريدة هانم.
وتركتها وانضمت لعلي الذي تحرك بها على الفور.
********
انتهى أيوب من أول محاضراته وخرج يتجه للاستراحة الخارجية، فتعجب حينما وجد سيف بهبط من سيارة الاجرة ويسرع إليه بابتسامة واسعة، فنهض يتجه إليه باستغراب:
_سيف.. بتعمل أيه هنا؟؟
ترك البلطو الطبي منه على الاريكة وقدم له العُلبة التي يحملها قائلًا:
_طب سبني أخد نفسي الأول.
منحه نظرة ساخرة:
_على أساس انك جاي مشي!
واتجهت عينيه لتلك العلبة التي يحملها، فتساءل بذهول:
_ده أيه؟
جلس على الاريكة وهو يجذبه ليجلس جواره قائلًا بحماس:
_خمن يا ابن الشيخ مهران.
ضحك على طريقته الطفولية، وقال وهو يصدر صوت بأنفه:
_أممم.. أعتقد من ريحتها انها بيتزا ومش أي نوع ده نوع فاخر من الأخر..ريحة السجق باينه فيها يعني النوع اللي أنا بحبه!
ضحك الاخير وهو يهز رأسه مؤكدًا:
_مجاليش قلب اتغدى من غيرك فقولت أجي نتغدى مع بعض قبل المحاضرة بتاعتي.
برق بدهشة:
_انت سايب الجامعة وجايلي هنا عشان تتغدى مع بعض يا سيف!! انت بتهرج صح!
حرر العلبة وهو يشير له:
_ههرج ليه مجاليش قلب فعلًا أكل من غيرك.
حك لحيته بحزن وردد:
_أنا آسف إنك قطعت المشوار ده كله على الفاضي، إنت عارف اني بصوم كل اتنين وخميس والنهاردة الاتنين يا سيف.
لطم جبهته بتذكرٍ وهمس بضيق:
_ازاي فاتتني دي!!
ابتسم له أيوب بمحبة على ذاك الصديق الحنون الذي يقطع مسافات لأجل طعام يفضله هو، فقرب إليه قطعه البيتزا قائلًا:
_يلا كل إنت عشان تلحق جامعتك، قدامك مشوار طويل يا دكتور معرفش حقيقي هالك نفسك ليه في المواصلات!!
وضع القطعة من يده بالعلبة وأغلقها وهو يشير له بابتسامة مشاغبة:
_هنسخنها بليل على المغرب.. هتشاركيني فيها يعني هتشاركيني فيها.
هز رأسه بتعب وقال:
_يا سيف اتغدى وروح جامعتك هشيل ذنبك لبليل أنا!
عانده بنظرة جعلت الاخير يخبره بعد تفكير:
_طب خلاص قوم.. كده كده ده معاد شغلي، المطعم اللي بشتغل فيه بيقدم سندوتشات برجر انما أيه عظمة.. انا عازمك يا سيدي بدل ما أشيل ذنبك.
ضحك وهو يجذب كتبه ويلحق به قائلًا:
_فل أوي، اعمل حسابي في أربع سندوتشات مدام أكله حلو.
منحه نظرة محتقنة وصاح:
_انت داخل على طمع يا دكتور وده مش كويس لا لصحتك ولا لجيبي!
أشار بعدم مبالاة:
_جيبك وجيبي واحد يا بشمهندس، ولو قصروا هندخل على جيب جو!
ضحك بصخبٍ والاخير يشاركه الضحك، وفجأة تلاشت ضحكته حينما سأله أيوب باهتمام:
_طمني صديق عمران بقى كويس؟ أنا استغربت انه مشي امبارح حقيقي شخص لطيف جدًا من ساعة ما قعدت معاه وأنا محتار ومش مصدق إن في شخص كده!
تجهمت معالمه فجأة فسدد له نظرة اضحكت أيوب رغمًا عنه ومع ذلك همس بخوف:
_في أيه؟ مالك؟
جذب سيف البيتزا من يديه واتجه ليغادر هادرًا بانفعال:
_أنا غلطان اني جيتلك... ابقى خليه ينفعك.
وتركه ورحل بينما الاخر يهرول من خلفه ضاحكًا:
_استنى بس يا سيف أنا بهزر معاك... خد هنا بكلمك..
وركض خلفه وضحكاته تصل للاخير، ليصرخ من بين التقاط انفاسه:
_أقف يلا.. مش قادر أخد نفسي... عالجني بسرعة نفسي بيروح شكلي عندي كرشة نفس من البيتزا الفخمة دي!!
....... يتبع....
شكرًا لدعواتكم الكريمة لي بالشفاء، الحمد لله بقيت أفضل... متنسوش التفاعل ❤
****____****
رواية صرخات انثى الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ايه محمد رفعت
رواية صرخات انثى الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ايه محمد رفعت
صعق يوسف وجمال مما يروه، سكين حاد يستهدف رقبة عمران المنصدم ومازال منحني تجاه تلك اليد التي تحيط رقبته، بينما أيوب يتمدد جوار ذاك الجسد الملتف بالغطاء السميك يحاول إنقاذ عمران بطريقة آمنة لا تعرض رقبته لأي خدش.
المؤكد لهم بتلك اللحظة بأن عمران قد فعل جرمًا ما لينال غضب آدهم المتوحش، ولكن الصدمة لجراءة فعله جعلتهم يراقبون بعضهم البعض بألسنة منعقدة، ازدادت عقدتها على ذاك الصوت القادم من خلف أجسادهم:
"إيه؟"
اتجهت الأعين لآدهم المستند على باب الغرفة يضم كتفه المصاب بيده وعلى وجهه آثار النوم، فعادت النظرات لمن يتمدد على الفراش والغطاء يحكم جسده.
تحرك عمران عن نزعة جموده وجذب الغطاء عنوة ليكشف هوية ذاك اللعين الذي حتمًا سيُقتل الآن لتجرؤه برفع سكينه بوجه "عمران الغرباوي". ومع توهج أضواء الغرفة وانكشاف الغطاء انهدرت الصدمات تجوب وجوه الشباب بأكملهم وعلى رأسهم أيوب الذي همس بصوتٍ تزلزل قوته رغم انخفاضه بذاك الصمت:
"آديرا!!"
اتجهت بعينيها المحتقنة غضبًا لصاحب الصوت، فعادت تخطف نظرة لمن تقوم بتسديد سلاحها إليه. وحينما وجدت ذاتها تخطئ هدفها عادت تسلط على رقبة أيوب الذي يتراجع مشيرًا لها بذعرٍ مدهش لأعين الشباب:
"لا تلمسيني يا امرأة... لا أريد أن ينتزع وضوئي!"
لم يتمكن الوقح تلك المرة من حجب وقاحته الجديدة على هذا الصديق المستجد فصاح ساخرًا:
"وحياة أمك هو ده كل اللي همك!!! إنت بتهزر يالا... البت دي دخلت هنا إزاي وجاتلها الجرأة منين إنها ترفع عليا أنا سلاح!"
ردد جمال باستهزاءٍ وهو يتابعها بدهشة:
"متسئش الظن يا عم الوقح شكلك مش المقصود... الضلمة خلتها متعرفش تحدد هدفها."
صفق يوسف بحدة لتتجمع إليه الأعين:
"حلو الكلام ده... بس السؤال المهم دلوقتي دخلت هنا إزاي؟"
رفع أيوب كتفيه بقلة حيلة:
"معرفش والله يا يوسف."
وعاد يصيح لمن تقترب بتحذير:
"يا ويلي لا تقربي!"
خرجت عن صمتها تصيح غير عابئة بأنها محاصرة بأربعة رجال أقوياء البنية قد يقتلوها أرضًا إن تعرضت لخامسهم:
"ألم يكن بيننا عهدًا بإنني إن أردت فعلها بأي وقت آتي إليك."
ورددت بتلقائية:
"أنا جاهزة فلنفعلها الآن."
جحظت أعين الشباب بصدمة من جرأتها وبالطبع لم يصل مفهوم معاهدة القتل المتفقة بينهما، فكان عمران أول من صاح ساخرًا:
"إيه يا ابن الشيخ مهران اتفاق إيه ده يا حبيبي وأنا اللي فكرتك محترم ومتدين طلعت بتتثبت بمطوة!! وبيقولوا عليا وقح!"
شددت من ضغطها على رقبته وهو غير عابئ بما تفعله تلك الفتاة، كل ما يعنيه ما تسلل لمفهومهم، فقال يبرر:
"لا متفهمش غلط يا عمران... أنا اتفقت معاها إنها لو عايزة تقتلني وتاخد طار أخوها في أي وقت تجيني دماغك متروحش بعيد الله يكرمك."
استغل آدهم انشغال الجميع وبحذرٍ وخفة فجأة يوسف وجمال انتزع السكين من يدها، ولف ذراعها بمهارة للخلف بقوة ألمتها وجعلت عينيها تبرقان بذعرٍ، خاصة مع تسلل صوته الرجولي القابض لها:
"حركة خاطئة وسيطيح سكينك رقبتك يا فتاة!"
ابتعد أيوب للخلف عنها بحرصٍ ألا تلامسه، بينما يمنحه آدهم نظرة ساخرة:
"إنت بتجري منها قدامنا أمال من ورانا طبيعة علاقتها بيك إيه يا بشمهندس، شكلها معلمة عليك!!"
هز رأسه ينفي ذلك ويشير بيده لآدهم:
"آنت فاهم غلط يا آدهم.. من فضلك سبها وإبعد السكينة عنها دي أمانة في رقبتي!"
جلس جمال على الفراش يراقبه بسخطٍ وهو يضع ساقًا فوق الأخرى:
"أمانة إيه يا أيوب إنت مش في وعيك ولا شارب حاجة البت داخلة تثبتك بمطوة ولا همها حد!"
وتابع وهو يستدير ليوسف المنصدم من توابع الموقف:
"دخلت هنا إزاي أصلًا!"
هز كتفه بدهشة:
"معرفش صدقني أنا قافل الباب كويس."
تنهد عمران بنزقٍ وهو يراقبها بنفورٍ:
"أنا كنت راجع ومعايا شنط البيتزا، دخلتهم المطبخ ورجعت قفلت الباب يمكن دخلت وقتها!"
تدفق صوت آدهم المتعصب ومازال يحكم سكينه عليها:
"هي دي مشكلتكم إنها دخلت إزاي!! والاستاذ اللي مرحب بفكرة قتله ده أيه واكلة معاكم!! ومش لاقي غير يهودية بنت آ*** يموت على إيدها!"
اتجهت الأعين إليه مجددًا فقال وهو يزدرد ريقه بتوتر:
"يا رجالة انتوا فاهمين الحكاية غلط، سيف لما يرجع هيفهمكم غرضي من الليلة دي كلها إيه."
واستطرد وهو يحاول إبعاد يد آدهم عنها:
"أرجوك يا سيادة الرائد أبعد السكينة دي عنها، الحمد لله محدش اتصاب ولا حصله حاجة، أنا هاخدها وهنزل حالًا."
تملكه خوف غريب تجاهه، فتركها لتسقط أرضًا واندفع نحوه يجذب رقبته بضربات خفيفة:
"ولما تاخدها وتنزل اتحل الموضوع يعني! ده هتهاجمك في أي وقت لإن طبعهم ال** الخيانة والضرب في الضهر."
تعجب أيوب من طريقته وخاصة حينما شدد من ضغط يده على كتفه:
"مش هتنزل من هنا مع حد، هي تغور لوحدها وتقطع علاقتك بيها وبطل بقى دور المحارب اللي نازل بلد الكفر يجاهد للإيمان لانك لوحدك مش قد ولاد ال** دول يا أيوب."
أسبل عمران جفنيه بذهولٍ، لأول مرة منذ أن اجتمع بآدهم المتوحش يراه ينفعل بتلك الطريقة، حتى في مخاض المعركة واستنزاف راكان كل ما يمتلك من فنون الإجرام ليجرده من رزانته وبروده إلا أنه كان صامدًا يملك من الجمود والبرود ما جعل الجميع يهابه يومها، والآن يخرج عن ردائه لأجل شخصًا يعتقد بأنه يراه لأول مرة!
اندفع يوسف بينهما متدخلًا:
"خلاص يا عمر أيوب مش هيخالف كلامك.."
واتجه بنظراته إليه، يغمز له بضيقٍ كأنه ينجده من أبيه:
"اسمع الكلام يا أيوب مش عايزين سيادة الرائد يتنرفز وهو مصاب، خرجها من هنا ومشيها."
خطف نظرة سريعة إليها فوجدها تتابع حديثهم بعدم فهم ولكنها تتحاشى أقدامهم وتنجرف بزاوية الغرفة بخوفٍ من تخمين مجرى حديثهم الذي بالطبع سيكون بشأن اقتحامها الشقة، وليتها علمت بأنهم بهذا العدد، تخيلته مازال يجلس مع ذلك الشاب الذي سبق لها رؤيته بالمقهى، فتجرأت وولجت للداخل واختبأت بتلك الغرفة الفارغة، فما أن استمعت لصوت أيوب يقترب للغرفة برفقة رجلًا يرافقه حتى تمددت بالفراش وبيدها السكين باستعداد لقتله في الحال بعد أن تلقنت جرعة محفزة من رسائل عمها.
وها هي الآن تواجه مصيرها المرعب بين يد خمسة رجال، أحدهم شرسًا لدرجة جعلتها تفقد سلاحها وقوتها في لمح البصر، ومن قامت باستهدافه بالسكين أولًا يمنحها نظرات قاتلة متقززة من وجودها بين الحين والآخر، أما الاثنان الآخران فيكتفيان بمراقبة حديث المتوحش مع أيوب الوحيد الذي تتأمل برأفة قلبه أن يقوم بحمايتها من هؤلاء.
رفع أيوب عينيه ليوسف وقال بحرجٍ:
"أنا بعتذرلك يا يوسف على كل اللي حصل ده، بس أنا آسف مش هقدر أسيبها بالوقت ده تنزل لوحدها... دي وصية أخوها ومش هقدر أكسر وعدي ليه."
اندفع تجاهه عمران وبكل غضب امتلكه سدد به لكمة على وجهه ليسقطه أرضًا ويندفع تجاهه صارخًا بعنفوان:
"هتضيع نفسك ومستقبلك عشان الحقيرة اليهودية دي، فوق لنفسك يالا."
فشل جمال ويوسف بإبعاده عنه، وحينما نجحوا برفع جسده رفع عمران جسد أيوب خلفه لينظر بعمق عينيه هاتفًا بقلقٍ:
"مصيبة تكون حبتها!!"
انتفض بين ذراعيه بنفور استطاع الشباب بأكملهم الشعور به، وردد بعدم تصديق:
"أحب مين يا عمران إنت عقلك راح فين؟!"
"أقسم لك بالله ما طايق أبص في وشها بس هعمل إيه أخوها أمن عليها عشان خايف من عمها... هي لحد اللحظة دي متعرفش إنه هو اللي قتل أخوها.. وبيهددها لو مقتلتنيش هيقتلها هو عشان كده قعدتها عندي في الشقة وجيت هنا."
همس جمال بصدمة مضحكة:
"في شقتك كمان؟!!!!"
هز آدهم رأسه بقلة حيلة في إقناع هذا الأيوب، ومن ثم قال بنفاذ صبر:
"قصره طلعها بره وارجع.. ومتقلقش أنا هجبلك قرار عمها ده وهلبسه في حيطة سد."
أومأ له والابتسامة تشق وجهه في بادرة جعلت عمران يهتف بسخطٍ:
"ليك نفس تضحك!"
هز رأسه مؤكدًا وقال بصوتٍ محتقن بالدموع المتلألأة رغمًا عنه:
"عشت طول عمري وحيد ومسبقش ليا إني خوفت أو عملت اعتبار لحد غير أبويا، فأول مرة أحس إني مش وحيد وعندي اخوات رجالة خايفين عليا بجد."
تأثروا بحديثه، فابتسم جمال وضمه إليه بقوةٍ:
"والله العظيم أنا من ساعة ما شوفتك هنا مع سيف وأنا بحبك لله في الله... خلقتك سمحة وتتحب غصب عين أي حد."
ضحك يوسف بمرحٍ وهو يفصلهما عن العناق:
"إيدك يا جمال سيف لو شافك هيولع فيك."
تعالت ضحكاتهم الرجولية بمرحٍ، فضمه يوسف وهو يعاتبه بمحبة:
"ما أنا قايلك يا عبيط إنك في مقام دكتور سيفو بس إنت الحمد لله نسخة أعقل منه.. بس لو تطاوعنا وتتخلص من القازورات دي!!"
منحه آدهم ابتسامة صغيرة، ومن ثم ربت على كتفه بحنان قبل أن يغادر الغرفة التي لم يحتمل البقاء بها بوجود تلك الفتاة، خرج الشباب وتبقى عمران يحدجه بنظرات صلبة، انتهى بإشارته الصارمة:
"هاتها وانزل هدور العربية وهستناك."
لحق به قبل أن يخرج من الغرفة:
"مفيش داعي يا عمران أنا هاخد أي تاكسي."
التف إليه محطمًا أسنانه من فرط ضغطه المتعصب عليها، وصاح بتحذير:
"هاتها وانزل بدل ما أمد إيدي عليك تاني، أنا خلاص مبقاش عندي تفاؤل لإني على يقين إن المعاتيه هما اللي بيقعوا في طريقي."
وأشار وهو يغادر:
"لخص في ليلتك."
هز رأسه له وما أن غادر الغرفة حتى التفت لها بنظرة غاضبة لحقت صراخه:
"بحق الله كيف تأتين إلى هنا! أنتِ حمقاء يا امرأة أم فقدتي عقلك المعتوه هذا!"
التقطت أنفاسها بحرية فور مغادرة الجميع، ونهضت تقف قبالته تهتف بملل:
"وأخيرًا انتهى حديثكم الغريب هذا.. حسنًا فإن بقينا بمفردنا فلنفعلها الآن."
مزق شفتيه السفلى بأسنانه واحتدت وتيرته:
"اللعنة... توقفي عن نطق تلك الكلمات البذيئة، أنا لا أحتمل سماعها ولا سماع صوتك هذا، هيا سنغادر."
رفضت التزحزح عن محلها وقالت باصرار:
"انتهى الأمر أحضر لي السكين من هذا الشرس لأقتلك هنا ولننتهي من هذا."
توسعت مقلتيه بدهشةٍ وأجابها بنفس طريقتها البسيطة في طرح وجهة نظرها:
"إن خرجت وطالبته بالسكين سيعود ليقطع رقبتك وتلك المرة لن أستطيع إنقاذك من بين براثنه.... ما رأيك أذهب لطلب سكينك أم ستتحركين الآن؟"
ابتلعت ريقها بتوترٍ وخاصة بعد أن أُتيح لها فرصة تقييم حالة ذلك الرجل الشرس ذو البنية الضخمة، فهمست برعبٍ فشلت في إخفائه:
"لنخرج من هنا الآن... من فضلك."
سخر من رعبها وهروبها السريع لخارج الشقة، لحق بها للأسفل، فوجد عمران بانتظاره بالسيارة، دخلت "آديرا" للمقعد الخلفي وصعد "أيوب" جواره يتابع صمته وتجهم معالمه بضيقٍ، وكلما حاول التحدث معه كان يوقفه بإشارة قاطعة حتى وصل لمسكن أيوب، فهبطت وهبط من خلفها أيوب يشير لعمران:
"شكرًا يا عمران.. تقدر تمشي إنت."
نزع عنه حزام الأمان بقسوة، وهبط ليكون جواره طارقًا بقوة على سقف السيارة:
"مش هتحرك من هنا خطوة واحدة من غيرك.. سامع!"
هز رأسه عدة مرات بارتباك من رؤية حالته الغريبة، واتجه معها لمدخل العمارة، فوقف قبالتها يشدد عليها:
"هيا اصعدي للأعلى ولا تفعليها مجددًا وإلا لن أنجح بتحريرك."
رفعت عينيها الزرقاء إليه وأبعدت خصلاتها الصفراء خلف أذنيها بارتباكٍ مما تجاهد لقوله، وحينما فشلت قالت:
"لماذا تفعل كل ذلك؟ لماذا تساعدني بالمسكن والطعام والآن فعلتها وأنقذتني من صديقك الغاضب، لماذا تفعل كل ذلك؟"
وتابعت تزيح عقلاتها الصعبة عنها:
"إن كنت إرهابيًا تقتل من حولك لماذا لم تقتلني حينما هاجمتك بأول مرة؟"
صمته يطول وكأنه لم يستمع لها، عينيه مازالت تنخفض أرضًا، يتركها تحرر ما بداخلها ويحلل مسافته هو لهدفه، فوجده قريبًا حينما قالت:
"ظننت بأنك تفعل كل ذلك لإنك قد تكون كأي رجل يسقط أمام جمالي خادمًا لي ولكنك ولا مرة رفعت عينك بي!!"
"وبوضوحٍ شديد قالت: ماذا تريد من كل ذلك أيوب، أخبرني؟"
مسح وجهه بيده والعصبية جعلت أصابعه تعلم على وجنتيه البيضاء، وأخرج إليها أحد الأسرار التي لا تعرفها:
"لإنكِ وصية محمد لي... آخر ما فعله قبل أن يفارق الحياة بأن وضعكِ في ذمتي وأمانتي وأنا أحاول بكل طاقتي ألا أنكس بوعدي له رغم صعوبة ذلك، فأنا بالنهاية مسلمًا وديني يُحرم علي التعامل مع أي امرأة تحل لي."
سددت له نظرة مشككة بحديثه، فانهدرت أنفاسها من شدة انفعال مجرى الهواء، وتساءلت:
"ولماذا يضعني أخي بأمانة قاتله؟"
تخلى عن هدوئه وهدر بانفعالٍ وصراخ وصل لعمران الذي يتابع وقفتهما عن كثبٍ:
"لإنني لست قاتل أخيكِ.. أخبرتك كثيرًا بأنني لست هو!"
"ومن هو إذًا؟"
تساءلت بحدةٍ وعينيها لا تفارقه، لتجده يرفع رأسه وعينيه الجذابة إليها لأول مرة وبكل ثقة قال:
"عمك من فعلها."
تغاضت عن رؤية عينيه الذي حق له إخفاؤها بتطلعه للأرض باستمرارٍ، وتراجعت للخلف ويدها تكبت شهقات يعجز فمها عن تحريرها، بينما رأسها ينفي تهمته:
"لا... هذا ليس صحيحًا... أنت كاذب... عمي لا يفعلها... عمي لا يقتل أخي.. كيف سيقتله وهو من كان مسؤولًا عنا منذ أن توفى أبي وأمي؟!"
"وصرخت بانهيارٍ ويدها تحيط جبهتها: إنت كاذب.. بالطبع كاذب.. عمي لا يفعلها."
بقوةٍ واصرار قال:
"بلى فعلها.. أراده أن يكفر بالدين الإسلامي بعدما أصبح مسلمًا وحينما رفض عذبه مرارًا ليجعله يرتد عن دينه حتى لاقى مصرعه."
هزت رأسها مجددًا بشراسة وعنف:
"أنت كاذب... إرهابي لعين..."
ابتسم ساخرًا وهو يراقب حالتها:
"وإن كنت إرهابيًا لماذا لم أقتلك بأول مرة قمتي بمهاجمتي بها؟ ولماذا لم أترك صديقي يفعلها الآن؟ ولماذا أبقيكِ بمنزلي آمنة؟!"
وضع يديه بجيب سرواله واستدار يتابع عمران المستند على مقدمة السيارة بانتظاره، ومن ثم عاد يقف محله قائلًا:
"أتعلمين آديرا بداخلك فتاة رقيقة ولكن ينقصها العقل...إن كنتِ لا تستطيعين جرح إصبع صغير لرجلٍ تظنيه قاتل أخيكِ، كيف يظن عمك بأنكِ ستنجحين باتمام مهمتك الا وإن كان يعلم بأنكِ ستخسرين بتلك الحرب وحينها سيتخلص منكِ مثلما يريد وحتى إن نجحتي بهدفك وقتلتيني هل سيتركك القانون هنا؟"
استندت على الحائط من خلفها لتعزز قوتها، بينما تابع أيوب:
"ألم يكن بمقدوره قتلي بنفسه أو على الأقل إرسال أحدًا من رجاله ليقتلني!"
"وأجاب ذاته باستهزاءٍ: هدفه الوحيد أن يتخلص منكِ يا عديمة العقل!"
ضمت يديها لأذنيها وصرخت بعصبية:
"اصمت.. لا أريد سماع شيئًا من أكاذيبك... سحقًا لك أيوب."
وتركته وصعدت الدرج تهرول عن مواجهته التي بدت أكثر منطقية لها، تابعها حتى صعدت وعاد لمن ينتظره، جلس جواره فتحرك به عمران للمقهى المقابل لمبنى سكن يوسف، وأمره بحدة:
"انزل."
توجس من طريقته ولكنه انصاع إليه، فهبط يتبعه للطاولة الخارجية للمقهى.
وضع عمران مفاتيح سيارته وأغراضه على الطاولة بصمت طال بالأخر الذي يترقب سماع ما سيقول، بينما يتجاهله ويطلب كوبين من القهوة، وطال بهدوئه حتى أتى النادل بطلبه فارتشفه ببرود تام دفع أيوب ليتساءل:
"عمران أنت لسه زعلان مني؟"
رفع حاجبه باستنكارٍ:
"هو إنت كنت متوقع رينج معين لعملتك السودة دي غير زعلي!!"
تنهد بتعبٍ وقال:
"أنا اتورطت في كل ده بدون إرادة مني والله."
ورمى الكرة إليه حينما تابع:
"طيب لو انت مكاني هتعمل إيه؟ هتتخلى عنها وهي وصية صاحبك؟"
أجابه بخشونة تتبع عرف رجولته المتشدد:
"مش هتخلى عنها بس الأكيد مش هقدملها نفسي وأقولها اقتليني براحتك!"
جذب كوب قهوته يرتشف منه ليبتعد عن إجابة قد تشعل الأخير، فتابع عمران بنفس العصبية:
"أيوب أخرة اللي بتعمله ده هيحرقك... البنت دي مش هتسيبك في حالك لا هي ولا عمها، إنت لازم تبعد عنها وتغير مكانك خالص لحد ما تخلص السنة الأخيرة اللي لسهالك وترجع مصر على طول."
"حرك رأسه هامسًا بخفوت: أوعدك إني هبعد عن المشاكل.. وكلها كام شهر وهنزل مصر نهائي ماليش رجوع هنا."
امتعضت معالمه بشدة، فقال بمرح:
"قول إنك جبان وبتهرب من أولها.. بس أنا واثق إنك هترجع محدش صاحب عمران الغرباوي وقدر على بعده."
ضحك أيوب بشدةٍ، وطرق كف بكفه فغمز له وهو يسحب يده سريعًا:
"مراتك جت."
زوى حاجبيه بذهولٍ، واستدار، خلفه تجاه ما يتأمله، فوجد سيف يهرول إليهما بعدما رآهما من الشرفة، وما أن وصل إليهما حتى احتوى أيوب بين أحضانه مرددًا بقلقٍ:
"اترعبت لما يوسف حكالي اللي حصل، قولتلك يا أيوب البت دي مش هتسيبك في حالك."
ربت على ظهره بحنانٍ وأخبره ببسمة ممتنة لحبه الصادق:
"أنا كويس يا سيف متقلقش."
ابتعد عنه وهو يبادله الابتسامة، ثم جذب المقعد المجاور لعمران الذي يرتشف قهوته ويتابعه بطرف عينيه، وحينما وجده يتأمله قال بنزقٍ:
"صاحبك عندك أهو يا عم محدش جيه جنبه، هو اللي لازق فيا ومرضاش يطلع."
ابتسم سيف وقد أتقن مقصده، فقال بامتنانٍ:
"شكرًا إنك مسبتهوش يا عمران... وجودك معاه طمني إنه هيكون بخير."
رمش بعدم استيعاب وأشار لأيوب:
"مين ده؟ هو القهوة اللي بيقدموها هنا فيها كحول ولا إيه؟"
تعالت ضحكاتهما الرجولية فشاركهما عمران، استند سيف بذراعيه على الطاولة الصغيرة الفاصلة بينهم وقال:
"لا ده أنا متقلقش ولو كنت جيت الصبح الجامعة كنت هتشوف قد إيه دروسك جابت نتيجة معايا حتى اسأل زينب."
ضيق رماديته بتشوشٍ، فحاول تذكر ذاك الاسم وتساءل بعدم فهم:
"زينب مين؟"
"وتابع بعد إرشاد عقله: آه... تقصد أخت مرات أخويا؟"
أكد له:
"أيوه أخت مرات دكتور علي."
تابعه أيوب باهتمامٍ فاستدار يخبره بمشاكسة:
"هي نفسها البنت اللي وقعتلها الآيس كريم وروقتك."
طرق الطاولة بحماس:
"كنت حاسس إن وقفتك معاها يومها مكنتش طبيعية."
راقبهما عمران بشك مما يدور بنيتهم، فأسرع سيف بتفادي غضبه قائلًا:
"حيلك يا أيوب دماغك راحت فين يالا، اللي حصل مالوش علاقة بالارتباط ولا غيره، أنا بس ساعدتها كان في شاب بيضايقها وأنا ربيته."
تحفز بجلسته وهو يسأله:
"بيضايقها إزاي؟"
رد عليه بإيجازٍ:
"بيضايقها يا عمران وأنا تدخلت واتحلت."
منحه نظرة محتقنة لاختصاره الأحداث، فزفر بضيق:
"أعتقد إنها دخلت الفصل وشافت اتنين في وضع مخل فاتعرض ليها."
أسبل بدهشةٍ، وهتف:
"في الفصل!! الكلام ده ممنوع جوه الجامعات إزاي مأخدتهاش وقدمت شكوى باللي حصل، إزاي تعمل كده يا سيف الولد ده أكيد هيتعرضك إنت وهي تاني، لكن لو كنت لجأت للمدير أو حد من الإدارة كان أقل حاجة أخد فصل، الكلام ده ممنوع وفي تشديد بكده."
أجابه باستهزاء:
"مين اللي هياخد فصل يا عمران؟ معتقدش إنه هيتأذى في حاجة الأذى كله ممكن يطولها لإن ده يومها الأول بالجامعة وعملت المشاكل دي، عمومًا متقلقش أنا فهمتها على شوية قواعد لو مشت عليها هتتجنب المشاكل."
تحاشى عنه جموده وابتسم ابتسامة واسعة جعلت سيف مرتبكًا مما يجوب بخاطره، فأتاه يكشف له نيته:
"غريبة يعني يا سيف إنك تخرج عن هدوئك وطبيعتك عشان واحدة أول مرة تشوفها!"
ابتلع ريقه بارتباكٍ:
"مهو أنا مكنتش هقف أتفرج عليها ومساعدهاش.. دي حتى لو مش متدينة كنت هساعدها بردو، صح يا أيوب؟"
قالها وهو يلكز ذاك الذي يتابعه بخبث، فكبت ضحكاته وراح يوافقه بالحديث بإشارة رأسه، فتجرع عمران آخر ما تبقى بقهوته قائلًا باستهزاء:
"لو يوسف عرف إنك ضربت حد عشان بنت هيجوزك إياها النهاردة."
ضحك وهو يومئ له، مؤكدًا:
"هو نفسه يجوزني بأي شكل مش مستني حتى أما أتخرج... ده فرحان إنه بكرة افتتاح عيادة دكتورة ليلى عشان يبدأ يشطب الشقة اللي اشتراها لي فوق شقته بحيث يجوزني فيها أول ما العمال يخلصوا!!"
نهض وهو يجذب مفاتيحه ومتعلقاته غامزًا بمكرٍ:
"هساعده المرة دي بنفسي لإني حاسس إن الحوار جاي على هواك!"
وأشار لأيوب قبل أن يغادر:
"شكل في ضرة داخلة عليك قريب يابن الشيخ مهران!"
وتركهما يضحكان بشدة وغادر على الفور، بينما طعنه أيوب بنظرة محتقنة تليها قوله المازح:
"أهون عليك تجبلي ضرة يا سيفو... بس وماله ده يوم الهنا على الأقل تتجهالها شوية وتفكك مني."
لكزه بغضب رغم انطلاق ضحكاتهما، ليوقفه أيوب متسائلًا بجدية:
"لا لخص واحكيلي حوارك معاها على إيه؟!"
ضم شفتيه معًا وسرح بتفكيره عنها ومن ثم أجابه بحيرة:
"مش عارف والله يا أيوب، بس أنا حابب أتعرف عليها عن قرب أوي، وإنت عارف إن حاجة زي دي مينفعش تحصل من غير رابط رسمي، فلو عملنا خطوبة اتعرف عليها كويس هيكون أفضل."
رد عليه باستنكارٍ لما يظنه متاح:
"وتفتكر دكتور يوسف هيقبل بده! مش هيرضى غير بكتب كتاب وأنا معاه في الحتة دي، فألحق قرر قبل ما يعرف وتلاقيه داخل عليك بالمأذون!"
ادعت نومها بينما تراقبه وهو ينتهي من غلق الحاسوب بعدما اختار أغلب التصميمات المؤكدة للمركز، ونهض يتجه لمكان نومه حيث سيتوسط الأريكة اليوم تاركًا لها الفراش.
وضعت فاطمة الوسادة من أسفل رأسها وأخذت تراقبه بارتباكٍ، تجاهد رغبتها بالبقاء جواره، وحينما ظن أنها غافلة نهضت هي تناديه:
"علي."
فتح عينيه واستدار لها بابتسامة واسعة:
"إنتِ صاحية؟"
هزت رأسها بخفةٍ، وحاربت بشدة احتقان وجهها لنطق:
"ممكن تخليك جنبي، عايزة أتعود على وجودك."
رمش بعدم استيعاب لدرجة جعلته يظن بأنه أخطأ ما استمع له للتو، فاستقام بجلسته وتساءل بتوترٍ:
"أنام جنبك تقصد؟"
هزت رأسها تؤكد له، وكأنما حصل الآن على أذنٍ صريحٍ منها، فاستقام بوقفته واتجه ليتمدد جوارها وعينيه لا تفارق عينيها، كلاهما يتمددان باتجاه بعضهما البعض باستكانة عجيبة، أعينهما لا تفارق الأخرى.
تردد علي كثيرًا بفعلته ولكنه جازف حينما فرق ذراعيه وجذبها إليه لتغفو داخل أضلعه، فابتسم براحة حينما رآها تتمسك به وتستريح برأسها فوق صدره ملامسة موضع قلبه.
مال علي على رأسها يطبع قبلات متفرقة على جبينها بابتسامة جذابة وصوتًا محشرج يصل لأذنيها:
"مش مصدق إنك نايمة في حضني أخيرًا... كنت حاسس إن اللحظة دي مستحيل هتيجي في يوم من الأيام يا فطيمة."
شعر بارتباك حركتها، حتى أنفاسها التي تلفح رقبته كانت مضطربة بشكلٍ جعله ينهض بها، فأبعدها عنه تقابل وجهه.
أبعد علي شعرها خلف أذنيها مبددًا اختفاء معالمها الرقيقة، وهمس بعاطفته:
"حبيبتي بصيلي."
رفعت عينيها إليه وهي تجاهد لاخفاء ربكتها، فوجدته يقييم حالتها بنظرة متفحصة، وفجأة انفصل عنها متراجعًا لأخر نقطة بالفراش:
"أنا آسف إني أخدت خطوة إنتي مش جاهزة ليها، لو حابة ممكن أرجع مكاني!"
ما فعله لم يكن جرمًا كل ما أراده أن تغفو بين ذراعيه ولكنها على ما بدا له ارتبكت والبداية ستوشك على اختبار أشد حدة منها، هزت فاطمة رأسها نافية عودته للأريكة، فتمدد بعيدًا عنها قائلًا:
"نامي وارتاحي، أنا كل اللي يهمني إنك تكوني مطمئنة."
تمددت محلها والتوتر يزيد من حدته، كيف تخبره بأنها لم تخف قربه بل ازدادت نبضاتها لقربه بشكلٍ تختبره لأول مرة، الثواني التي قضتها بين ذراعيه منحتها شعورًا لم يسبق لها خوضه من قبل، بالرغم من أنها لم تكن ضمته الأولى.
خطفت فاطمة نظرة إليه فوجدته يضع ذراعه على عينيه وعلى ما يبدو من انتظام أنفاسه بأنه قد غفى سريعًا.
تسللت إليه حتى أصبحت ملتصقة به ووضعت رأسها على صدره مجددًا، تختبر ذاك الشعور مجددًا، تقسم أنها بتلك اللحظة لن يزورها أي كابوس مجددًا.
ارتسمت ابتسامة على شفتيه، وأخفض ذراعيه معًا يحاوطها بحبٍ وتملكٍ، وعادت همساته تختلج آذنها:
"أوعدك إنك عمرك ما هتندمي على الثقة اللي ادتهاني في يوم من الأيام يا فطيمة... أنا ميهمنيش غير إني أكون موجود جنبك."
تشبثت يدها بقميصه وضمت نفسها لكتفه، فأحاطها بشوقٍ ولهفة تجوب لمساته، واستدار بجسده يحاوطها داخله هامسًا بنعومة رقيقة:
"تصبحين على خير يا أغلى من روحي!"
النغمات الهادئة تنطلق من المذياع الصغير، ومن أمامه تتحرك بخفة بين ذراعيه وعينيها لا تفارق رماديته، يضم بيديه خصرها ويتحرك ببطءٍ معها، ابتسمت برقةٍ وهمست له:
"كان نفسي أرقص معاك ولا مرة اتجرأت وطلبت منك كده."
اندهش أحمد من كلماتها العفوية وسألها باستفسار:
"ليه؟"
ضحكت وأجابته وهي تميل لكتفه:
"لإني كنت بحس دايمًا إنك خايف تقرب مني لتضعف، كنت بتخاف تكون آثم ومخطئ، وبتحاول تحافظ عليا وتصوني لنفسك."
وأطلت بزرقة عينيها إليه تسأله بكل جدية:
"لو كنت تعرف إني هكون لغيرك كنت هتفضل محافظ عليا كده يا أحمد؟"
تعمق بنظرته العاشقة إليها، ومد يده الممسكة بيدها إليه يطبع قبلة عميقة تلامس أصابعها هامسًا بصوتٍ رخيم:
"أنا وقعت في عشقك من وإنتِ طفلة بضفيرتين، وعمري ما سمحت لمشاعري تنجرف لطريق يأذيكِ يا فريدة، حاربت نزواتي كلها ومسمعتش غير لقلبي اللي بيرتاح لما يشوف ابتسامتك الجميلة، والأكتر من كده نظرة الثقة اللي كانت جوه عيونك ليا، الثقة اللي خلتني أول شخص تلجئ له وانتي مش خايفة إني أستغل ضعفك ووجودك معايا."
وتابع وهو يقربها إليه لتكون قبالته للغاية:
"فريدة أنا استكفيت بيكِ عن ستات الدنيا كلها، حتى الحاجة الوحيدة اللي كانت ممكن تخضعني للجواز كرهتها، كرهت إني يكون لي ابن من ست غيرك ولو مكنتيش وافقتي على جوازنا كنت هكمل كده لأخر حياتي."
تدفق الدمع من عينيها، فاندست باحضانه هامسة ببكاء:
"حقك عليا يا حبيبي، أنا كنت قاسية وظلمتك يا ريتك صارحتيني بكل ده من زمان، يا ريتك فقتني ومسبتنيش أعيش كل ده وأنا مخدوعة، سامحني أرجوك."
أحاطها مجددًا وأخبرها باستنكارٍ:
"هو أنا كنت زعلت منك عشان أسامحك، أنا اللي اتظلمت وظلمتك معايا يا فريدة.. بس خلاص اللي فات انتهى واترمى بره حياتنا.. اللي جاي هو اللي ملكنا.. هو اللي أنا قادر بيه أعوضك عن كل العذاب والبعد."
وحملها بين ذراعيه واتجه بها لفراشه وهو يهمس بشغفٍ:
"بعشقك يا فريدة.. وعشقي ليكِ مستحيل ينتهي إلا بموتي!"
صعد لجناحه بارهاقٍ يجتاحه، فوضع متعلقاته جانبًا واستكمل خطاه للداخل، فتفاجئ بها تجلس أمام السراحة واضعة من أمامها الكثير من علب مستحقات التجميل.
رفع عمران ساعته إليه وتفاجئ بتأخر الوقت للغاية، وعاد بنظراته لها متسائلًا بحيرةٍ:
"بتعملي إيه في الوقت ده يا مايا؟"
تفاجئت بعودته المبكرة عن المعتاد، فارتبكت للغاية وأخبرته:
"مفيش كنت زهقانة شوية فقولت أسلي نفسي وأعمل ميكب كامل وبعد كده همسحه وأنام."
كبت ضحكة فالته منه واقتراب يجلس على جزء من السراحة قبالتها، ورفع يديه معًا يشدد على وجنتها مرددًا بدلال:
"حبيب قلبه يا ناس زهقان وملان وجوزه موجود طيب تيجي ازاي دي!!"
نزع عنه جاكيته واسقطه جانبًا، ثم انحنى ليختار أحد الفراشات التجميلية من أمامه، خطفت مايا نظرة سريعة إليه وتساءلت بذهول:
"بتعمل إيه يا عمران؟"
قال وهو يحاول جاهدًا العثور على غايته:
"هنتسلى سوا يا بيبي، مينفعش مشاركيش في شيء بيسليكي، حتى لو عملنا من وشك خريطة أو وش بلياتشو."
وصاح بحماس:
"لقيتها."
لعقت شفتيها بتوتر وهو يقرب منها ما يحمله، فصاحت به:
"عمران إنت أساسًا بتعرف تحط ميكيب؟"
تجاهل سؤالها وبدأ بفرد طبقة من الكريم المرطب على وجهها، قائلًا ورماديته لا تحيل عن فرك يده للكريم:
"مش يمكن لو جربت أطلع بعرف! أكيد يعني حاجة سهلة مش كميا هي."
وتابع وهو يعود بنظره للأغراض من أمامه:
"بصي توكلي على الله ثم علي وسيبلي نفسك.. أنا هروشنك وإن قدر الله البوهية باظت فأنتِ كده كده كان عندك نية تمسحيها يعني مفيش أي خساير في الموضوع... ممكن تسكتي بقى وتسبيني أركز.. عايز آخد فرصتي لو سمحتي!"
ضحكت بصوتها كله وهي تراه ينصدم من كمية الأدوات من أمامه، ويتمعن بالألوان باهتمام بالغ، فيعود لخطف نظرة سريعة لها ويعود ليتحقق من الألوان بيده، راق لها قربه واهتمامه بتفاهتها، فراقبته بصمت وهي تعلم أن فور انتهائه ستكون شبيهة بلوحة الألوان الفجة ولكن ما عليها سوى الاستمتاع بوقتهما معًا.
سمعته يهمس بحيرة وهو يبدي كل اهتمامه لعمله وكأنه سيقوم بإنشاء أحد مشاريعه:
"اللون ده حلو بس حاسس إني لو دمجت عليه لون تاني هيدي لون تالت مميز... طيب هجرب ده."
وجدته يدمجهما على يده قبل أن يتجه لعينيها، بدأ بوضع ما اختاره بعناية وتركيزه بأكمله منصوب على ما يفعله، فقالت بسخرية:
"ها يا بشمهندس ألوان النقاشة عجبتك ولا أستلف لونين من شمس."
انحنى بعينيه لعينيها التي تتابع ما يفعل، فاقترب بمنديل ورقي وأزاح الزائد عن باطن عينيها قائلًا:
"هششش، سبيني أركز قلت... كل ما تديني شوية هدوء كل ما خرجتلك شغل نضيف اسمعي مني بس."
انطلقت صوت ضحكاتها بقوة وهو يشاركها الابتسامة، فانتهى من رسم عينيها وكأنه يرسم لوحة فنية تذيبه داخلها، حتى جذي فرشاة أخرى يضع بها حمرة طفيفة على وجنتها، وانتهى باختيار طلاء الشفاه، وضعها بتمهل وبحرص حتى لا ينتزع ما فعله، وألقى ما بيده ليستند على المرآة بظهره وهو يقييمها بنظرة عاشقة تتفنن بحفظ معالمها، فقالت بقلق:
"ها طمني الشكل بشع لأي درجة؟"
ابتسم وهو ينهض عن السراحة:
"شوفي بنفسك."
تماسكت وهي تسحب نظراتها للمرآة، فبرقت بعينيها صدمة جعلتها تنهض عن المقعد وتسرع للمرآة حتى كادت بالولوج داخلها.
نزع عنه قميصه وجذب بيجامته وعينيه مازالت تتابعها بابتسامة صغيرة، استدارت إليه بتلعثمٍ:
"إزاي؟!!!!"
سقط منه الملابس بفزعٍ:
"إيه يا عسلية مالك؟"
أشارت بيدها على المرآة:
"إيه ده؟"
تطلع للمرآة ثم عاد يتطلع لها باستغرابٍ:
"إيه؟"
"مايا خشي في المضمون أنا معنديش دماغ تفكر عقد وألغاز الستات دي!"
ركضت تجاهه فتراجع للخلف بخوفٍ مصطنع:
"صلى على النبي واللي انكسر يتصلح."
أمسكت يديه وبحماس وفرحة تساءلت:
"عملت الميكب التحفة ده إزاي!!! انطق يا عمران إنت واخد كورس؟"
زوى حاجبيه بسخرية من طريقتها وكأنه صعد للسماء وعاد بالقمر للتو، فانخفض يجذب الملابس وانتصب ينزع قميصه ليلقفا بكلماتٍ مغرورة:
"أنا محدش يتوقعني، ثم إني كبشمهندس أد الدنيا مفيش شيء صعب يقف قدامي."
ابتسمت بفرحة أضاءت عينيها:
"مش مصدقة بجد، الميكب سمبل وألوانه رقيقة أوي يا عمران!"
راقب فرحتها بابتسامة جذابة، وانحنى يضع قبلة على خدها قائلًا:
"مبسوط إنه عجبك يا حبيب قلبه."
تركته وهرولت للسراحة تجذب أحد الزجاجات وترش بها على وجهها بأكمله، فتابعها وهو يضع رقبته بطوق التيشرت المنزلي:
"بتعملي إيه؟"
أجابته ببسمة واسعة:
"بثبته عشان أروح الشركة بيه بكرة."
احتل الغضب معالمه وصاح إليها:
"مش هيحصل، إنتِ بطبيعتك أحلى يا مايا.. وبعدين أنا اجتهدت في الألوان والروج عشاني أنا مش عشان تمشي تتمختر قدام الموظفين كلهم، عايزة تفتني حد في جمالك افتنيني أنا معنديش مانع غيري No يا بيبي."
أدلت شفتيها السفلية بحزن، واتجهت للفراش، فقالت بعد تفكير:
"طيب لو روحنا مناسبة مهمة هتحطلي زيه بالظبط؟"
اتجه ليجاورها، وقال ساخرًا:
"خايف أوعدك بصراحة، هي طلعت مني كده صدفة الله أعلم هتتكرر معايا تاني ولا إيه! بس أوعدك إني هحاول يا حبيب قلبه!"
اقتربت بجلستها منه وواجهت جلسته، وحركت كتفها بدلال:
"جوزي حبيبي هينجح تاني وتالت وعاشر عشان حبيب قلبه ميزعلش."
حدجها بنظرة مشاغبة، وبمكر قال:
"مقدرش على زعل حبيب قلبه أبدًا وهبدأ بالمصالحة من دلوقتي."
لم تفهم مقصده إلا حينما هاجمها بدغدغة تستهدف بطنها وأسفل إبطيها، انفجرت بنوبة من الضحك وهي تترجاه أن يكف قائلة:
"بس يا عمران... عمران لأ.."
ضحك هو الآخر على صوت ضحكاتها وصاح بدلاله الطفولي:
"حبيب قلب جوزه هيزعل منه ومش هيصالحه إزاي ده بس، أنا هدلعك النهاردة لبكرة على الأقل يكون عندك جرعة سعادة تنفجر وقت ما نشوف نعمان الملزق إلهي ما يلحق يوصل على رجليه ويجعل زيارته من المستشفى للطيارة مرة تانية على مصر للقبر عدل مهو مش هيجي هنا يقرفنا بجثته!"
لم تكف عن الضحك وهو يستشعر صوت قهقهاتها فضحك برفقتها وضمها إليه، متسائلًا بخبث:
"مش نعيمًا الميكب؟"
حركت رأسها بعدم فهم لكلماته فتابع:
"فين حق تعب الميكب آرتست المحترف اللي ظبطك الظبطة دي!"
زحفت للخلف بنظرات تحذيرية إليه حينما وجدته يدنو منها بغمزة تعلم نهايتها كيف ستكون، وقبل أن تعترض وجدت ذاتها تستجيب لنوبة عشقه فلم تستطع مواجهته بالنفي وانساقت خلفه لبوابة الغرام.
انساق الليل بغيمته السوداء وسطعت شمس يوم جديد، اجتمع فيه أحمد وفريدة بالأسفل على طاولة الطعام برفقة شمس وزينب وعلي، حتى مايا نهضت وهبطت للأسفل تتساءل بدهشة:
"صباح الخير... فاطيما فين؟"
أجابها علي وهو يتابع تناول الجبن بالخبز:
"صباح النور يا مايا... شوية ونازلة."
منحته ابتسامة صغيرة، واتجهت لتحتل مقعدها، انتبهوا جميعًا لصوت عمران الذي يصفر بالأعلى رافعًا من صوته:
"فطار الهنا.. بس مش هيكون فيه سرور من غيري على فكرة."
قالها وهو يهم بهبوط الدرج، فانتبه لخروج فاطمة من غرفتها، استدار لها يبتسم كعادته:
"صباح الخير يا فاطمة."
اكتفت بهزة رأسها وحملت طرف فستانها الطويل واتجهت للهبوط للأسفل وهي تحمل بين يديها كتب زينب التي طالبتها بحملها لها.
هبطت فاطمة الدرج فأعاق لها حمل الكتب رؤية طرف فستانها الطويل، فتعلق كعب حذائها بطرفه فسقطت عنها الكتب وكادت بأن تلحق بهم، لتجد يد عمران تمتد لتمنع سقوطها، جذبها بقوة لدرجة آمنة في لحظة وقوف الجميع بفزع عليها، فوجدته يسألها ومازالت يده محاصرة لمعصمها:
"إنتي كويسة؟"
انتفضت تدفعه بكل قوتها للخلف ونظراتها المحتقنة لا تحيد عنه، ارتجاف جسدها وتراجعه للدربزاين جعل الأخير يتابعها بدهشة متسائلًا عما فعله ليجد كل ذاك العداء منها؟!
أسرع علي إليها يجذبها إليه بلهفة:
"حصلك حاجة يا فطيمة؟"
هزت رأسها بالنفي وعينيها تختطف النظرات لعمران باحراج لما فعلته، فحملت طرف فستانها وصعدت للأعلى هاربة، بينما انحنت شمس ومايا تجمعان الكتب، فاستغل علي ابتعادهما عن مكان عمران واتجه إليه يربت على كتفه بهمسٍ منخفض:
"متزعلش يا عمران منها، فاطيما لسه متخطتش الحالة النفسية اللي بتمر بيها."
هز رأسه بتفهمٍ، وعقد زر بذلته قائلًا:
"عارف يا علي ومش متضايق، المهم إنها موقعتش واتجرحت."
منحه ابتسامة يجاهد بإخفاء حزنه بها، فدنى الأخير منه يتفرسه بنظراته فقرأ ما يحاول إخفاءه:
"مالك يا علي؟"
احتل الألم نبرة صوته لتجردها من ثباته الزائف:
"بقالي فترة بخلص ورق فاطيما أنا ومراد عشان تكمل تعليمها وتدخل الجامعة من جديد بس اللي شوفته بعيني دلوقتي يخليني متسرعش في الخطوة دي، فاطيما مش جاهزة لسه تواجه العالم اللي برة حساباتها، مبقتش قادرة تتعامل مع حد."
أصاب الحزن قلبه، فهو يعلم ماذا تعني لأخيه وكيف احتمل لأجلها، ألا يكفيه بأنه لا يحاول أن يكون زوجًا طبيعيًا معها، ربما امتلك هو الخبرة وسابق التجربة مع ألكس وكان يومًا ما ملقبًا بزير النساء ومع ذلك ضعفت مقاومته أمام من أحبها وودها بكل ما فيه، وبتلك اللحظة يشهد بأن علي رجلًا بكل ما تحمل الكلمة، يتساءل أحيانًا أين يذهب باحتياجاته إن لم تكن يومًا بحياته تجربة سابقة أو صلة تربطه بالنساء كيف يحتمل بقاءه جوارها هكذا؟
تنحنح بخشونة وقال بعد فترة صمته:
"إنت محتاج لتجربة صغيرة تجبر فاطيما إنها تختلط بالناس يا علي، ولو تسمحلي أنا اللي هجر رجليها لكده."
سأله باهتمامٍ:
"إزاي؟"
ارتدى نظارته بعنجهيةٍ:
"بعدين هتعرف سبني دلوقتي أغطس على شركة الغرباوي قبل ما خالك الملزق يوصل."
انقبضت معالمه بتقزز صريح ومن خلفه صدمة سؤاله:
"خالك جاي؟"
طرق بقوة على كتفه وهو يشير له:
"استعد للاختناق أخي الطبيب."
وتركه واتجه ليغادر فانحنى علي بجسده للدرابزين يذكره:
"متنساش تبعت الفريق على المركز عايزين نبتدي الشغل بدري."
أشار له وهو يتجه للطاولة:
"الفريق بالمركز من ساعتين يا دكتور ومتقلقش أنا هشرف عليهم بنفسي وبكرة تشوف هتستلم المركز إزاي، خلاص بقى في قبضتي والمداخل من تصميمي شخصيًا بص هبهرك!!"
ردد وهو يستكمل طريقه لغرفة فاطمة:
"ربنا يستر!"
تابعت فريدة عمران بقلق من أن يكون منزعجًا من تصرف فاطمة، فوجدته يقترب منها بابتسامة واسعة عذبة مردفًا:
"صباح الجمال والدلال على أجمل فيري في عيلة الغرباوي كلها."
قالها وهو ينحني يقبل وجنتها ورأسها ويدها بطريقة جعلت أحمد يتابعه بنظرات متفرسة بينما يتعالى ضحكات فريدة فضمته اليها من مقعدها قائلة:
"صباح الورد يا حبيبي.. إيه الجمال والشياكة دي كلها."
ألقى على نفسه نظرة خاطفة وغمز لها مشاكسًا:
"لازم أكون شيك وآنيق مش ابن فريدة هانم الغرباوي!!"
احتضنت جانب وجهه بحنان:
"انت بكاش بس بموت فيك."
تنحنح أحمد ليلفت انتباههما لما يزيد عن تحمله، فخطف إليه عمران نظرة خاطفة ومرر لسانه على شفتيه باستمتاع لرؤيته هكذا، فأراد أن يحجم يومه مثلما يشعر هو بتلك اللحظة، فانتقل من مقعد والدته لمقعده.
مال عمران لعمه الذي بدا مستنكرًا لفعلته، وخاصة حينما وجده ينحني تجاهه فتراجع بوجهه باستغراب من فعلته فقال عمران ضاحكًا:
"أنا هقولك كلمة سر متفهمنيش غلط يابو حميد."
حدجه بعمق خطر وصاح بتذمر وهو يرتشف من كوب عصيره:
"انجز."
اتشح بابتسامة خبيثة وهمس له:
"الملزق جاي."
سكب ما تجرعه واستدار يقابله بعينين متوسعتين من شدة صدمته، فضحك وهو ينحني يمنحه محرمة ويربت على كتفه كأنه يواسيه، وقبل أن تنتبه لهم فريدة الغارقة بحديثها مع زينب قال:
"امسك نفسك عشان لو فريدة هانم لمحت الكره اللي جواك ليه هترجع حظر العزوبية من تاني ومش بعيد تفضل هناك لأخر عمرك."
وتابع مستهدفًا جولته:
"خد بالك مجاش فرحكم لإنه مكنش موافق على الجوازة يعني الجاية المرة دي هتكون زي قشرة الموزة مزحلقة يا عمي!"
وانتصب بوقفته يودعه:
"عن إذنك هروح أحضر نعش جنازته لأجل ما استقبله."
والتفت ينادي زوجته:
"يلا يا بيبي؟"
خطفت حقيبة يدها ولوحت للفتيات تودعهما، بينما أشارت فريدة لشمس:
"اطلعي يالا غيري هدومك عما نجهز أنا وأنكل أحمد... هنتحرك أول ما علي ينزل هو كمان."
هزت رأسها بحماسٍ وهرعت بلهفة للأعلى لتبدل ملابسها.
طرق علي على باب جناحه ليجعلها تنتبه لدخوله، ومن ثم ولج للداخل فوجدها تجلس على الأريكة ويدها تزيح دموعها فور أن اقترب منها، جلس علي قبالتها وسحب نفسًا مطولًا يغلب به حزنه وضيقه، فتمسكت يده بيدها يفركها بحنانٍ ودفء يجتاحها:
"الجميل زعلان ليه؟"
أتاها مهدئها ودوائها لتسرع بإخراج علتها عنها، فزحفت بجسدها تقابله وقالت ببكاء:
"مقصدتش والله أحرج عمران بالشكل ده، كنت بايخة جدًا بدل ما أشكرك على مساعدته ليا زقيته وجريت زي الهبلة، أكيد بيقول عليا مجنونة أو قليلة الذوق!"
"وتابعت بقهر جعل ريقها كالعلقم: غصب عني والله يا علي، أول ما مسك ايدي حسيت إني دوخت ومبقتش شايفة غير تفاصيل الأيام القاسية اللي عشتها دي.. أنا مكسوفة من نفسي أوي وحابة أعتذرله أنا مشوفتش منه شيء وحش بالعكس من يوم ما جيت هنا وهو محترم وذوق معايا جدًا وفي المقابل عاملته بطريقة بشعة."
احتوى وجهها المحتقن بأثر الدموع، وأزاحها عنه بهدوء اتنقل لصوته الرزين:
"عمران مبيعرفش يزعل من حد، وبالعكس هو متفهم جدًا الحالة اللي بتمري بيها يا فاطمة.. ولو اعتذارك هيفرق معاكي فأول ما هيرجع بليل هاخدك وتروحي تعتذري مع أني شايف أنه مالوش لزمة لإنه متقبل الموضوع ومنتهي بالنسباله."
نجح بأن يبدد حرجها وزرع الابتسامة الرقيقة على شفتيها، فابتسم هو الآخر وردد بهيامٍ:
"ابتسامتك دي كفيلة تقلب يومي كله لسعادة.. أنا مش عايز أنزل غير وأنا متأكد إنك تخطيتي الموقف كله."
واستطرد وهو ينحني مقبلًا يديها معًا:
"أنا صاحي فرحان إنك ولأول مرة ميجيلكيش نوبات ولا كوابيس، الظاهر كده حضني له تأثير عليك يا جميل!"
سحبت كفها منه بخجل:
"علي!!"
تمردت ضحكاته بصوتٍ مرتفع ونهض يتمم على ملابسه وشعره:
"أنا هنزل عشان ورايا كام حاجة كده.. لو عاوزة حاجة ابقي كلميني."
تساءلت باهتمامٍ:
"نازل المستشفى."
هز رأسه نافيًا، وقال وهو يعيد تصفيف شعره:
"أنا استقلت يا فاطيما."
نهضت واسرعت إليه تمنحه سؤالًا آخر:
"ليه؟"
رد عليها بحلمٍ يتشاركه برفقتها:
"ما أنا قولتلك قبل كده يا حبيبتي إني حولت المستشفى بتاعتي لمركز كبير واليومين دول فريق عمران بيجهز المركز وأنا معاهم بساعد باختيار المفروشات وغيرها مع إني معنديش شك في عمران بس أنا عندي خبرة بردو في الألوان والتنسيق المريح للمريض."
منحته ابتسامة اتسعت بفرحتها:
"ربنا معاك يا دكتور... متأكدة إنك هتنجح لإنك دكتور شاطر وتستاهل ده."
وتابعت وهي تشير على ذاتها بعنجهية:
"والدليل قدامك."
انحنى تجاهها يقبل جبينها وودعها بإيجازٍ:
"أشوفك بليل يا قمري... سلام مؤقت."
همست وهي تتابع خروجه بهيام:
"مع السلامة."
استيقظ آدهم على يد تهز جسده برفق، ففتح عينيه يجاهد مهاجمة نومه، فوجد سيف يقابله بابتسامة عذبة:
"صباح الخير يا سيادة الرائد... أنا حضرتلك الفطار والدوا ومضطر أصحيك دلوقتي عشان أطمن إنك أخدت أدويتك قبل ما أنزل عشان دكتور يوسف هيآآآ.."
قاطعه بضحكة صاخبة:
"هينفخك؟"
ضحك وهو يؤكد له:
"بالظبط، بس عرفت منين؟"
اعتدل بجلسته وسحب الوسادة من خلف ظهره:
"عشان أيوب قالي نفس الكلام امبارح، واضح إن يوسف شخصية بيتخاف منها بس مش باين عليه!"
جلس سيف قبالته يضع الطاولة المطولة ومن ثم يرص أطباق الطعام وأجابه ببسمة شملت ملخص للحب المتبادل بين الإخوة:
"يوسف ده مفيش في طيبة قلبه، أينعم هو مصحيني النهاردة من النجمة عشان أروحله أساعده في تزيين عيادة دكتورة ليلى عشان الافتتاح النهاردة ومخلعني من الجامعة اليوم بطوله بس عشان عيونه أنا جاهز لأي حاجة."
تابعه باهتمامٍ وخاصة حينما لاح الحزن على معالم وجه ذاك الذي ظنه فتى صغيرًا مرحًا:
"يوسف مش أخويا الكبير يوسف ده أبويا وأهلي وناسي وكل ما أملك، بالرغم من إني مش يتيم عندي أب وأم بس الاتنين مش شايفين غير شغلهم، مكنش حد مهتم بيا غير يوسف، أكلي.. لبسي.. دراستي.. كل عقبة قضيتها في حياتي كان جنبي فيها كتف لكتف، تخيل يا سيادة الرائد أنا برجع من جامعتي ألقيه سايب عيادته وبيته ومراته وعاملي الأكل ومنضف الشقة حتى هدومي بيغسلهالي!"
واستكمل بوجعٍ انغمس بنبرته المبحوحة من شدة اضرام مشاعره:
"لما سابنا في مصر واستقر هنا كنت حاسس إني يتيم من غيره، مكالمته كل يوم هي اللي كانت بتصبرني، وعدني إني لما أخلص الثانوي هيبعتلي وأسافرله، كنت بذاكر ليل نهار وبدعي آخر سنة ليا تخلص عشان أشوفه، وأول ما نتيجتي ظهرت كان أول واحد أبلغه بمجموعي وأفكره بوعده... وجيت هنا وناوي أستقر زيه مش راجع مصر تاني، مكان ما يكون يوسف هتلاقيني موجود."
ختم باقي حديثه مازحًا ليخفف من حدة الأجواء التي اصطنعها حديثه، فوجد آدهم يتابعه بنظرة حنونة مهتمة لسماع ما سيقول حتى ولو ظل يتحدث للأبد، فنهض عن الفراش يضع طبق صغير به الأدوية، ثم قال:
"أنا دوشتك على الصبح، المهم افطر وخد أدويتك لاني لازم أنزل ليوسف قبل ما يتعصب عليا، وبليل لو قدرت تيجي هستناك هناك في العيادة أنا قايل لأيوب يجيبك معاه."
تفحص الطرقة المطلة من باب غرفته متسائلًا:
"هو فين أيوب؟"
رد عليه وهو يسكب له كوب المياه:
"أيوب بينزل من بدري لأنه بيشتغل في مطعم قبل الجامعة."
اتسعت ابتسامة آدهم فأعاد خصلات شعره الطويل للخلف بحركة خاطفة، وتطلع لسيف يخبره:
"انت وأيوب ويوسف وعلي وعمران وجمال شاملين جملة شباب مجدع وزي الورد اللي بنقولها في مصر.. بحس بالفخر كل ما بكتشف عنكم حاجة."
مد يده يربت على كتفه في حالة مفاجئة لآدهم وقال:
"وإنت بانقاذك لأيوب ينطبق عليك نفس المقولة يا دكتور، عشان كده حضرتلك الفطار على مزاج بعد اللي يوسف قالهولي عن اللي حصل هنا امبارح."
قهقه عاليًا وردد بمشاكسة:
"كل ده عشان أخدت السكينة من البنت دي، بصراحة أيوب يتحسد على حبك ليه يا دكتور سيفو.. ومتقلقش أنا بعيد ولا كأني أعرفه."
حك لحيته المنمقة وقال بحرجٍ:
"هو أنا بعز أيوب وبحبه جدًا بس مش بالطريقة اللي داخلة دماغكم، أنا بس كنت خايف عليه من صداقة عمران وجمال لإن أيوب خام مالوش في أي حاجة، وعمران ما شاء الله عليه وقح درجة أولى وجمال درجة تانية، كنت قلقان ميظبطوش مع بعض بس شكلي كنت غلط لانه اندمج وسطيهم بسرعة متخيلتهاش!"
تلقفت يده الخبز ليضعه بالبيض وتناوله وهو يراقب من أمامه بهدوء، ومن ثم جذب المياه يرتشفها، تابعه سيف باستغراب من طريته بتناول الطعام، فتمتم آدهم:
"كمل سامعك."
وجده يراقب طريقة تناول طعامه وسأله:
"إنت بتشرب بعد كل لقمة!!"
هز رأسه يؤكد له:
"معرفش هي عادة عندي كده بحس الأكل مبيتهضمش من غير المية وده تعبني جدًا بس اتعودت."
بدت الحيرة جلية على معالم سيف، فقال مبتسمًا:
"أيوب كده وبيهزأ تريقة طول ما بيأكل."
التقط الجبن يتناوله بتمهلٍ لحديثه:
"لأ ما أنا مش هديك الفرصة، لإنك ماشي حالًا هتتأخر كده على دكتور سيف وهينفخك المرة دي بجد.. روح علق البلالين مع أخوك أفضل من التريقة على خلق الله."
تعالت ضحكاته وأشار له بمرحٍ:
"حاضر يا سيادة الرائد إنت تؤمر.... سلام."
غادر تاركًا الابتسامة تغزو وجه الأخر الذي يتابع تناول طعامه باستمتاع.
أوقف سيارته أسفل الشركة فهبطت مايا وغادر بعد أن أخبرها بأنه سيذهب لمشوارٍ هام، استكمل بسيارته الطريق متبعًا هاتفه بعدما بحث عن اسم المطعم وأخرج موقعه، والآن أصبح يقابل وجهته.
صف عمران سيارته وولج للداخل يبحث عن غايته، فوجده يرتدي مريلة يحمل لوجو المطعم وينتقل بين الطاولات، وضع العصائر على إحدى الطاولة وما كاد بحمل بالعودة للمطبخ حاملًا الصينية الفارغة حتى تفاجئ به يقف قبالته، فتفوه باسترابةٍ:
"عمران!"
رواية صرخات انثى الفصل الثلاثون 30 - بقلم ايه محمد رفعت
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "إيمان فضل"،"زينب محمد"،"إسراء عماد"،"ريم الشلاش"،"ياسمين حسين"،"هناء السيد"،"بوسي منصور" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
أوقف سيارته أسفل الشركة فهبطت مايا وغادر بعد أن أخبرها بأنه سيذهب لمشوارٍ هام، استكمل بسيارته الطريق متبعًا هاتفه بعدما بحث عن إسم المطعم وأخرج موقعه، والآن أصبح يقابل وجهته.
صف عمران سيارته وولج للداخل يبحث عن غايته، فوجده يرتدي مريال يحمل لوجو المطعم وينتقل بين الطاولات، وضع العصائر على احدى الطاولة وما كاد بحمل بالعودة للمطبخ حاملًا الصينية الفارغة حتى تفاجئ به يقف قبالته، فتفوه باسترابةٍ:
_عمران!
نزع عنه نظارته الشمسية ودنى إليه يمنحه ابتسامة مقتضبة:
_صباح الخير يا بشمهندس.
وكأنه يتعمد أن يذكره بما تنساه بين الطاولات هنا، فتعجب أيوب من طريقته الغريبة بالحديث، وسأله بدهشة:
_بتعمل أيه هنا؟
زوى حاجبيه بتهكمٍ صريح:
_هكون بعمل أيه؟ مش ده مطعم وبيقدموا فيه أكل؟
أشار له بايجاب بينما هز الاخير رأسه هامسًا بضجر:
_أسئلة خارج المنهج!
وتابع وهو يحك خده ليكظم غيظه الغريب لرؤية صديقه الجديد بتلك الوظيفة التي يعلم بكونها شريفة ولكن لجوئه لها في وجود شخصًا بنفوذه أثار غضبه بشكل تعجب هو ذاته له، فقال بحدة غريبة:
_اقلع المريالة دي وتعالى معايا.. عايزك.
عبث حاجبيه بدهشةٍ:
_أجي معاك فين؟ لسه بدري على ما أخلص شغلي وعندي محاضرة الساعة ٣!
جز على أسنانه بضيق وصدر أوامره:
_أيوب متنرفزنيش اقلع القرف ده وتعالى معايا حالًا!
وقبل أن يتفوه بحرف وجد عمران يدفعه للخلف لينزع عنه ما يرتديه فقال باستغراب:
_مالك بس في أيه فهمني؟!!!
منحه نظرة حارقة وصاح بغضب:
_في بشمهندس يشتغل الشغلانه دي بذمتك؟
رد بعفوية تامة:
_وأقل من كده كمان مدام مش برتكب شيء حرام ولا يعيبني فين المشكلة!
يعلم بأنه يمتلك الحق بحديثه وإن تحمل الخطأ سيكون إليه ومع ذلك لم يتمكن السيطرة على أعصابه، فجذب الصينية السوداء من يده ووضعها جوار المريال الغريب، ودفعه للخارج قائلًا:
_أنا اللي عندي مشكلة ارتاحت!!
جذبه عمران لسيارته والاخر يضحك على الحالة التي تعتلي الاخر، فما أن صعد جواره حتى انفجر ضاحكًا:
_مش معقول بجد إنت محسسني أنك قافشني مع واحدة ست!! في أيه يا عمران على الصبح مش كفايا امبارح مكنتش مفهوم!
قاد سيارته بصمت جعل الاخير يصفق كفًا بالاخر:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، ما ترد عليا يا ابني مسيبني شغلي وواخدني على فين؟
لكزه بعنفٍ والغضب يتطاير من عينيه بشراسة:
_متقولش شغلك ده مش شغلك يالا، إنت بشمهندس إعقلها بروح أ....
بلع باقي كلمته وراح يهمس لذاته بصوت وصل لمسمع أيوب المنصدم:
_اهدى يا عمران خد نفسك ومهما الحيوان ده حاول ينرفزك أوعى تتنرفز... relax!!
أعاد أيوب غلق سحاب تيشرته الذي انفتح لأخره حينما كان يحاول عمران تخليصه من المريال، وقال بنزق لسماع همساته:
_روح لاخوك يعالجك بدل ما أنت قاعد تكلم نفسك كده!
منحه نظرة محذرة فزفر بغضب والتزم الصمت لما يقرب العشرة دقائق، ومن ثم عاد ليتساءل:
_طيب ريحني وقولي واخدني على فين؟ هخسر شغلي بقولك!
خرج عن رزانته التي يحمل التكلف بها، فطرق الدريكسون بعصبية:
_شغل أيه اللي خايف تخسره يا أيوب، أنت أزاي تسمح لنفسك بتعليمك ده إنك تشتغل في مطعم، لو الشيخ مهران عرف بده هيقبل أن ابنه الوحيد يمشي يمسح التربيزات إنت بتهرج؟
برق إليه بصدمة، يحدثه وكأنه ارتكب جرمًا ما، ولوهلة تريث بالرد بالنهاية عمران يختلف عنه، يتحدر للطبقة الأرستقراطية التي عرفت بالترف والسلطة والمال، كيف سيتمكن من أن يصل لعقله فكرة العمل شيئًا صريح لأي رجلًا، ريثما إن تمكن من العيش عامًا كاملًا بمصر سيعلم بأن الرجال هم من يحتملون العمل المرهق لأجل قوت يومهم، ربما ولد وبفمه ملعقة من ذهب لذا صعب عليه الشعور بالاخرين، وإن كان أيوب ميسور الحال ولكنه لا يحتمل فكرة إلقاء كل احتياجاته لأبيه، لذا ود الاعتماد على نفسه حتى وإن لم يكن بحاجة للمال، فالمال الذي يرسله أبيه كل شهرٍ يكفيه ويفيض عن حاجته.
لعن عمران نفسه وما تفوه به حينما وجد أيوب يلتزم بالصمت، فصف سيارته أمام احدى شركاته بعدما وصل لمدخلها واستدار يقابله بندمٍ:
_أيوب أنا آسف مقصدتش، بس أنا لما شوفتك وإنت بتشتغل كده اتنرفزت ومقدرتش أمسك نفسي.
وتابع بضيق:
_أنا كده لما بتعصب ببقى دبش ووقح.
رفع عينيه إليه بهدوء يعاكس ظنونه:
_مزعلتش يا عمران بس إنت اللي مش قادر تفهم إن الشغل عمره ما كان عيب، حتى لو كنت دكتور أو عالم ذرة حتى، العيبة أنك تحتاج لحد وتمد ايدك وتقوله اديني، احنا الحمد لله مبسوطين ووالدي عنده أراضي وورث يعيشنا ملوك بس أنا مش حابب أعتمد عليه على طول، عايز اتعود اتحمل مسؤوليتي من دلوقتي وأشتغل في أي حاجة وكل حاجة لاني ببساطة مش منتظر اني اخلص جامعتي وألقى الشركات فاتحلي دراعتها لازم أكون جاهز لأي وضع.
منحه ابتسامة هادئة ورفع يده يضم كتفه مشيرًا برماديته:
_أنا اللي هخدك في دراعاتي وبدايتك من هنا.
تعلقت نظراته لخارج النافذة فانفتح فمه بانبهارٍ لرؤيته تلك المباني العتيقة التي تحتل منتصفها مبنى ضخمًا يحمل اسم "الغرباوي" ، فتح أيوب باب السيارة ولحق بعمران الذي يحاوط كتفه ويخبره بنفس ابتسامته الصافية:
_مكانك هنا يا بشمهندس.
تبلدت قدميه على أول درجات رخام البورسلين الأبيض فسحبها للخلف رافضًا تتبعه، فعاد إليه عمران ليجده يردد:
_مش هقدر يا عمران انا لسه بدرس مش جاهز!
منحه بسمة ساخرة قبل أن يتمتم:
_أنا استلمت ادارة شركة أبويا وأنا في أول سنة بالجامعة يا أيوب، وفي السنة الرابعة كنت بفتتح فرعين جداد للشركة.
وتابع ويده تضغط على كتفه:
_متقلقش أنا جنبك... واللي علمني وخلاني عمران الغرباوي هو نفسه اللي هيعلمك.
لم يفهم كلماته جيدًا وكأنه يحدثه بالألغاز، فصعد خلفه حتى ولج للداخل.
انبهر أيوب من تصميم المبنى الداخل، وحينما تود العمل مع شركة ضخمة بحجمها سيغلبك فضول رؤية ما يفعلوه بتصميم مداخل ومخارجها لذا اتقن عمران وفريقه كل شبرٍ بشركاته وبراعة تنسيق المساحات وغيرها من المكاتب والأرائك الباهظة.
شعر أيوب بأنه يقابل شخصًا أخرًا لا يعرفه، منذ ان طوق قدم عمران الشركة حتى تحول لشخصٍ جادي للغاية، الصرامة والجمود طريق لقاءاته مع الموظفين، حتى ولج به للمصعد، ليجده يهبط به لطابق منخفض عن مستوى الطابق الارضي، فلحق به بممر طويل للغاية حتى انتهى بباب حديدي دفعه ليجد عدد هائل من المجلدات المصفوفة بأرفف عديدة وكأنه بمكان أشبه بالمكتبة.
استدار عمران له يضغط من ضمه يده على كتف أيوب المندهش وخاصة حينما قال له بحزن غريب:
_إنت عارف إني بحبك وبعزك صح؟
هبوطه لمكان أسفل الارض وعلى ما بدى من عدم وجود أحدًا بالرغم من أن الطوابق الاخرى كانت تعج بخلية نحل من العمال، فمضمون المكان بأنه سري للغاية، والآن يخبره بتلك الكلمات اللعينة التي جعلته يبتلع بتوتر:
_في أيه يا عمران؟
سيطر على ضحكاته وهو يتابع:
_في إني عايزك تتقن الشغلانه من قبل ما تبدأها عشان كده جبتك المكان اللي اتعلمت فيه، أينعم كانت فترة صعبة ليا بس علمت معايا وفرقت، وهتفرق معاك جدًا بدراستك وباللي جاي.
خطف نظرة متفحصة للارشيف وعاد له:
_اتعلمت هنا!
نفى ذلك وأشار بعينيه على احد الابواب الجانبية، وقبل أن يحرر بابه عاد يضمه بقوة وهو يخبره:
_خليك عارف إني بحبك وبعمل كده عشانك.
ارتعب أيوب ودفعه عنه وهو يصيح بشك:
_أنا مش مرتحالك... خرجني من هنا!
انفجر ضاحكًا على مظهره وجذبه بقوة:
_انشف يالا مش كنت عاملي فيها الدكر الشقيان، رجولتك راحت فين؟
دفعه باندفاع:
_ما انت جايبني مكان غريب وبتقول كلام أغرب!
كاد بأن يتحدث إليه الا ان الباب قد تحرر وظهر من خلفه رجلًا وقورًا يبدو بأنه أفنى عمره بذلك المكان، يرتدى نظارات طبية كبيرة المقدمة، يتفرس بمن أمامه بنظرة شاملة، وسرعان ما تساءل:
_عمران! غريبة انك نازلي هنا بنفسك ومبعتش حسام السكرتير، محتاج حاجة؟
اندهش أيوب حينما وجد الخوف يسيطر على عمران الذي يراه بتلك الحالة لأول مرة وإن صحت له ظروفًا أخرى لكان أول السعداء فيه.
تنحنح عمران بخشونة أودع بها كل هيبته:
_مفيش يا استاذ ممدوح أنا جيتلك بنفسي عشان كنت حابب أطلب منك طلب.
أعدل نظارته وسأله باستغراب:
_طلب أيه؟ معقول يكون في حاجة وقفة عليك يا بشمهندس ده إنت خارج من تحت ايدي بخبرة تدرسها إنت لأجيال جاية.
في لافتة لطيفة انحنى عمران يقبل يد صديق والده المخلص الذي ظل يعمل برفقته حتى ذلك اليوم لذا أمنه عمران على كل المستندات والوثائق الهامة بالشركات الأربعة، والآن يأتي بعد كل تلك السنوات ليطالبه بشيئًا لم يتوقعه، فقال:
_أنا عمري ما أنسى أفضالك عليا، علشان كده أنا جيت أطلبها منك للمرة التانية... عايزك تعلم أخويا أصول المهنة زي ما بيقولوا.
اختطف نظرة لمن يتابع حوارهما باهتمامٍ وعاد يتفرس بعمران قائلًا بابتسامة هادئة:
_مدام جتني هنا وطلبت مني الطلب ده بنفسك يبقى أكيد الشاب ده بتعزه جدًا.. وأنا مقدرش أرفضلك طلب يا ابن سالم.
وأشار لأيوب قائلًا:
_ادخل يا بشمهندس.
انتابه خوفًا من طريقة توديع عمران له، وخاصة حينما قال:
_متقلقش هبعتلك مع حسام أكل ومية.
ردد بهلعٍ:
_أكل أيه؟!!! هو أيه اللي هيحصل؟
ضمه مجددًا وابتعد يلوح له:
_مع السلامة يا أيوب.
جحظت عينيه صدمة وصاح به:
_متهزرش يا عمران خد هنا!!!
أغلق الباب وغادر بالمصعد فاستدار ليجد ممدوح يرمقه بنظرة مستخفة وصاح به:
_هتفضل واقف كده طول اليوم ولا أيه يا بشمهندس، من أولها كده أنا مبحبش الدلع الشغل يعني شغل... اتفضل على مكتبي ورانا شغل كتير!
لحق به أيوب للداخل ومازال يختطف نظرات مستنجدة بمن قذفه إلى هنا وغادر ببرود قابض، فما أن استقر بمقعده حتى أخرج هاتفه يحاول الاتصال به، فصعق حينما جذب منه ممدوح الهاتف وعاد لعنفوانه:
_بص بقى يا بشمهندس، أنا معنديش خلق للكلام الكتير أنا علمت عمران وشربته المهنة زي ما قال في ظرف شهرين، هنشوف بقى إنت هتأخد في ايدي أد أيه؟ ولازم تعرف إن من وقت دخولك هنا التليفون ممنوع... الأكل ممنوع غير بمواعيد الشركة المحددة... السرحان ممنوع...الغباء ممنوع منعًا بتًا لإني راجل عندي ٦٦سنة وعندي الضغط مش متحمل فرهدة آمين؟
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة واكتفى باشارة من رأسه، فان كان بمثل هذا العمر ما الذي يفعله هنا لما لا يتقاعد أم أن هذا الوقح يبقى عليه لاجل تعذيبه؟!
ردد ساخطًا وهو يتابعه بعينيه:
_منك لله يا عمران، وربي لأوريك أما اخرجلك بس!
_مش لو خرجت من هنا!
اتاه صوت العجوز يجيبه بسخرية ومازال يوليه ظهره باحثًا في الارشيف عن احد الكتب التي سيحتاجها لتعليمه، اندهش من حاسة السمع السليمة مئة بالمئة لدى هذا الرجل، وما أن استدار اليه حتى تحرك بمقعده بارتباك:
_بس أنا عندي جامعة الساعة٣.
احتل مقعد مكتبه البسيط وهو يرتشف من كوب الشاي الذي يبرز لأيوب مدي بساطة هذا الرجل المخيف، وقال:
_مفيش جامعة في شغل وبس... ها جاهز يا بشمهندس؟
******
غادر عمران بسيارته لمقر شركة الورثة، ليكون باستقبال نعمان بذاته، صعد للمكتب الرئيسي بعدما علم بأن مايسان بمكتبها، فأرسل لها رسالة بأن تصعد إليه في الحال.
رأت مايا هاتفها فنهضت تتجه إليه، صعدت الدرج للطابق العلوي وما كادت بالوصول للزقاق حتى استمعت لصوتٍ مألوفًا لها:
_على مهلك وإنتِ طالعة يا بنت عثمان لرقبتك تنكسر.
استدارت للخلف فتفاجئت به أمامها، أبغضت أن يتلوث سماعها بسماع صوته، وارتبكت بوقفتها على الدرج كلما يصعد إليها حتى وقف أسفلها بدرجة وقال بحقد فاح منه:
_ها فكرتي في عرضي؟
لعقت شفتيها بارتباكٍ حينما تذكرت أخر مرة كان بها هنا منذ سبعة أشهر بعدما طالبها ببيع حصة والدتها بعد أن قامت بتسجيلها لها، وطالبته بمهلة تفكر بها بينما كانت تتهرب منه، ازدردت ريقها المرير قائلة:
_لسه!
ربع يديه بسخطٍ تسلل لملامحه:
_لسه ليه ان شاء الله، هو أيه اللي محتاج تفكير كل ده أنا كده كده هشتري نصيب فريدة ونصيب أمك هأخده سواء برضاكي أو غصب عنك، فهتمضي بالتراضي ولا أوريكي العين الحمرا!
ارتعبت أمامه كالهرة التي يهاجمها كلبًا مجردًا من الانسانية، وفجأة وجدت مخرجًا لخندقه فقالت:
_هشوف لسه عمران لو حابب يشتري نصيبي هدهوله مهو مش منطقي أبيع لحضرتك لو جوزي عايز يشتري نصيبي.
تمرد الغضب داخله لذكرها من يكره سماع اسمه نهيك عن رؤيته وجهًا لوجه، فصرخ بحدة ويده تعتصر ذراعها :
_تبيعي لمين ده أنا كنت شربت من دمك إنتي وهو، خلاص مبقاش حد مالي عينكم، هو يحيل امه لحد ما كتبتله نصيبها وانتي عايزة تسلميه نصيبك مش هيحصل يا بنت عثمان على جثتي إن حصل سمعتي.
واسترسل وهو يحرك جسدها بشراسة:
_حالًا هتعمليلي تنازل بحقك، أبوكي وراه ممتلكات وثروة متخلكيش تبصي لورثك في شركة الغرباوي، ده غير اللي عند جوزك ولا كل ده مش مكفينك!!
كادت بالسقوط من فرط انفعال حركاته فحاولت تحرير ذاتها من بين براثينه، ابعدته للخلف وهي تتوسل له بخوف:
_ابعد عني حرام عليك.
شهقت بفزعٍ حينما سقط عن الدرج جراء دفعتها، وما ان وجدته ينهض لها بغيظٍ وغضب مشتعل حتى هرولت سريعًا للأعلى قاصدة مكتب زوجها.
***
انتفض مفزوعًا عن مقعد مكتبه فور أن رأى زوجته تهرول إليه راكضة، وتغلق باب مكتبه من خلفه بالمفتاح، أسرع عمران إليها مرددًا بدهشةٍ:
_مايا!!
التفتت من خلفها وعينيها تراقب الباب الموصود برعبٍ مفسر على معالمها وكأنها تترقب اندلاع أسدًا جامحًا للداخل، فأسرع عمران إليها متسائلًا بقلقٍ:
_في أيه؟
ومنحها نظرة متفحصة تشمل هيئته المذرية:
_بتجري كدليه ووشك ماله مخطوف كده، فهميني في أيه؟؟؟!
اصطكت أسنانها ببعضها وخرجت حروفها مبعثرة:
_معملتش حاجة.. مقصدتش والله مقصدت!
رمش بعدم فهم لحالتها الغريبة، وفجأة اندلعت خبطات صاخبة على باب المكتب جعلتها تنتفض بين ذراعيه، فاتجه عمران ليفتح الباب الا أنها تعلقت به متوسلة:
_متفتحش الباب.. أوعى تفتحه لأ..
منحها نظرة مشككة وراح يردد بفكاهةٍ:
_حبيب قلبه عامل كارثة وجاي يتدارى في جوزه يا ناس!!!
وحينما تعالت الطرقات بعصبية كادت باقتلاعه قال بنظرة ضيقة:
_عملتي أيه يا مايا انطقي عشان أستعد أقابل اللي برة بأنهي وش.. مستر عمران الجنتل مان ولا عمران الوقح اللي معاه كورس من العتبة ونزلة السمان!
ابتلعت بصعوبة وهي تتعلق بقميصه كالطفل الصغير الذي يختبئ بأبيه، مما دفعه للارتباك والتخمين بأنها ولربما قتلت أحدًا... فأتاه صوتًا غليظًا مألوف يردد:
_افتحي يا بنت عثمان والله لأربيكي من أول وجديد.
أشار لها عمران وهو يتابع الصوت والطرقات:
_مش ده صوت نعمان!
هزت رأسها بتأكيدٍ، فأبعدها وهو يشير:
_طيب ارجعي أما أرحب بالخال الملزق ونستقبله استقبال ملوكي.. وبعدين نشوف حكايتك أيه؟!
حاولت أن توقفه ولكنه كان أقوى مما يجعله يخضع لقوتها الهزيلة، فحرر مفتاح الباب وإذ فجأة اندفع ذاك المقيت إليه بكل عصبية:
_هي فييييين؟
ركضت لعمران تختبئ خلف ظهره وقد بدأ الآن بفهم ما يحدث، فوقف قبالته بصلابة وقوة وصاح بعنفوان:
_مالك يا نعمان داخل بزعبيبك كدليه... هي الطيارة اللي حدفتك علينا بابها راشق على المصحة ولا أيه نظامك!
منحه نظرة محتقنة وردد بسخط:
_نعمان كده حاف يا ابن فريدة!
أجابه بسخرية ونظرة لازعة:
_لا بالكاتشب والطحينة، لخص في ليلتك دي وقول حكايتك أيه مش فاضيلك أنا دماغي فيها كلاب صعرانة بتعارك بعض، انجز بدل ما أطلقهم عليك!
ضم شفتيه بقوةٍ وصاح به:
_أما أنت قليل الأدب وعايز رباية من أول وجديد إنت والزبالة اللي اتجوزتها دي.
احتقنت رماديته بشكلٍ مخيف وجابهه بشراسة:
_لسانك لو ما اتلمش أقسملك هقطعهولك ولا فارقلي صلة القرابة اللي بينا ولا يحزنون... سبق وقولتلك لما تتكلم مع عمران سالم الغرباوي تحترم شيبتك دي وتقف عدل بدل نا وربي أدفعك تمن اللي بتعمله ده وإنت سبق وجربت لدغتي اللي مكنش ليها ترياق لعلاجها... جاهز نعيده تاني يا خال؟
ارتبك للغاية حينما تذكر ما فعلته شركات عمران به سابقًا، فهدأت أنفاسه المشتعلة وراح يستغل النقطة السائدة له بكره عمران لمايسان الذي مازال يظنه موجودًا وقال:
_يعني يرضيك اللي مراتك عملته فيا؟
استدار لمن تتعلق بقميص بعنف جعله يوشك على الاختناق من شدة لصوقه على رقبته مرددًا بخبث:
_حبيب قلبه طلع عنده حق يترعب من الخلقة العكرة اللي شافها وفقد النطق زي ما أنت شايف كده... انطق إنت وفهمني الليلة.
ابدى حيرته من طريقة تعامل عمران معها وانسجامهما معًا ولكنه صاح بعنف:
_مراتك قليلة الرباية وقعتني من على السلم!
اندهش عمران ولم يتمكن من اخفاء دهشته، فاستدار إليها مجددًا يكبت ابتسامته الواسعة وراح يردد:
_حقا يا قلب جوزه وقعتي الجضع ده من على السلم!!
هزت رأسها نافية ومن ثم عادت تهز بالموافقة لفعلتها، فعاد يتطلع له متجاهلًا اعترافها الاخير:
_بتقولك لا أهي جاي ترمي بلاك علينا ليه يا خال!!
وسعل بقوة حينما اختنقت أنفاسه من ضغط قميصه ففتح الازرر قبالة أعين نعمان وحينما انتهى منها جذب يدها إليه بضيق، ومن ثم استرخت معالمه ليطبع قبلة رقيقة على باطنها هامسًا نعومة:
_وبعدين ازاي الكف الناعم الرقيق ده يوقع الجتة اللي شبه مزلقان العتبة دي، يا أخي اتقي الله أنا مراتي بسكوتة نواعم متقدرش تعمل أي شيء في الحياة غير إنها تحط بادكير ومناكير!!
صعق نعمان وردد بعدم استيعاب:
_هي عملتلك أيه... سحرتلك؟!
استدار لها يجيبه مجددًا بنبرة جعلت الغيظ يندفع باوردته:
_سحرت قلبي وعيني بس أنا مش متضايق وبديها كل يوم حاجة من ريحتي عشان تزود عمايلها في السحر يمكن ربنا يكرم ويرزقنا بساحرة صغنونة كده وأوعدك لو حصل هخليها تعلمها ازاي تسخطك قرد أو خنفسه يا خال!
تجمهر الغضب وتزاحم بمقلتيه، كان يود الانفجار مما يحيطه، فردد وهو يحوم كالقنبلة المؤقتة:
_ماشي يابن فريدة مصيرك هتيجي على حجري.
منحه نظرة مستفزة وهمس لها مدعيًا حنانه:
_خد بالك وإنت نازل يا خال لتوقع المرادي تنكسر رقبتك ونرتاح كلنا!
دفع الباب من خلفه بعنف كاد باسقاط الحجرة فوق رؤؤسهما، فاستدار عمران لها سريعًا بوجهًا منفرطًا من السعادة:
_حبيب قلبه الشرس، متجوز بطل أقسم بالله، عملتيها ازاي دي احكيلي بسرعة!
وتابع دون أن يمهلها فرصة للرد:
_كان على أنهي سلم... أكيد في كاميرات!
حدجته بنظرة مستنكرة لرؤية سعادته العارمة، ففجأها حينما تركها وهرول لمكتبه يجذب حاسوبه وهو يهمس بحماس:
_المشهد ده لو لقطته الكاميرات هيغسلني من جوه.
عبث بأزرر الحاسوب حتى وصل لغايته فراقب ما يحدث من أمامه باهتمامٍ وفجأة سقط عن مقعده من فرط الضحك، ضحكاته تتوالى دون توقف حتى احمر وجهه ومازال يكرر عيد الفيديو مرات بعد الاخرى وكل مرة تزداد ضحكاته وكأنه يشاهده للمرة الاولى!
اندفعت مايسان تجاهه تصرخ بغيظ:
_إنت بتضحك يا عمران!! خالتي هتقتلني لو قالها وإنت بتضحك!!
أشار لها بالاقتراب ومازال يجاهد للتوقف عن الضحك، فما ان دنت منه حتى جذبها لساقيه وقال بصوته الرخيم:
_بذمتك حد يخاف وجوزه عمران سالم الغرباوي يا بيبي؟
وضمها لصدره بقوة بينما عينيه تتابع الحاسوب، فانفجر ضاحكًا مجددًا مما أغضبها فلكزته بغضب:
_ابعد عني... إنت مستفز!
ضحك وهو يعيق يدها ويجبرها على البقاء، ومن ثم جذب لها الحاسوب متسائلًا بمكر:
_طيب شوفي كده بذمتك ده منظر ينفع نتعامل معاه عادي!! ده انا هصوره على موبيلي وهبعته لعلي يغسل بيه ذنوبه!
وجذب هاتفه يسجل الفيديو ويده تهتز من فرط ضحكاته، وأشار لمن تتابعه بتعصب:
_اللي في الفيديو دي تليق إنها تكون مراتي أما اللي بتترعش على رجلي من الخوف دي عايزة الفيديو ده يتحط قدام عنيها يقويها على استكمال الكورس..
تركته ونهضت عنه تجيد الغرفة ذهابًا وايابًا وهي تهمس بخوف:
_لو قال لخالتو هتزعل مني!!
_هعمل أيه دلوقتي؟! عمرها ما هتصدقني ده بيعملها غسيل مخ!!
كادت بأن تذوب من فرط غضبها بينما الأخر مازال يجلس على مقعده يتابع المقطع باستمتاعٍ رهيب وضحكاته لا تكف عن الخروج مما دفعها لتصرخ بعصبية وهي تطرق مكتبه:
_عمران!!
منحها نظرة سريعة وغمز لها:
_حبيب قلب جوزه وروحه وحياته يا بيبي!
دفعت الملفات بوجهه بغضب قاتل:
_بطل ضحك بقولك خالتي هتولع فيا!!
ترك مقعده وجذب جاكيته المحيط به، ثم ذهب إليها يجذبها للخروج برفقته، فسألته بدهشة:
_هنروح فين؟
ضحك وهو يطبع قبلة على باطن يدها:
_هنروح لعلي المركز نشوف الشغل بنفسنا ونفرحه بالفيديو بس قبل كل ده لازم اخدك أجبلك أحلى هدية في الدنيا كلها على وقعة الملزق ده..
وأشار بيده بفرحة:
_قدامي يا بطل.
منحته نظرة مندهشة، تراه سعيدًا لدرجة جعلتها تنصاع إليه بهدوء يخالف غيظها، بينما الاخير يتابع الفيديو على الهاتف ويسألها من وسط ضحكاته:
_عملتيها ازاي دي؟!!!
وجدها تمنحه نظرة عابثة، فأغلق هاتفه وضمها إليه بالمصعد مرددًا:
_حبيب قلبه شايل الهموم على كتافه ليه، أنا موجود أهو أقسم بالله لو قل بعقله تاني لأرميه أنا المرادي من فوق القلعة.
ابتسمت على حديثه واستكانت بأحضانه فتابع ضحكاته مجددًا وقال بمزحٍ:
_تيجي نطبع الفيديو ده ونكتب عليه شاهدوا فضيحة الملزق نعمان الغرباوي ونوزعه على الشركة؟
واستطرد بنوبة من الضحك:
_استني هبعت نسخة لعمي أصله شايل ومعبي منه أوي والفيديو ده هيبرد ناره!
*******
_أنا خلاص جهزت يا حبيبتي.. إنتي وشمس جاهزين؟
شعر بالاختناق يرواده فجأة حينما وجده يجلس قبالة عينيه، تجهمت معالم وجه أحمد بصورة ملحوظة وردد بنفور:
_كملت!
رفع نعمان وجهه لابن عمه يمنحه بسمة ساخطة قبل أن يقول:
_أهلًا بالعريس... أيه مكنتش عايز تنزل تسلم عليا ولا أيه؟
خطف أحمد نظرة لشمس التي تشير له لنجدتها من جلسته، فاتجه يجلس بالمنتصف بينه وبينها وهو يضمها لصدره، بينما يكون قبالة فريدة السعيدة بلقاء أخيها الوحيد.
تنهد أحمد بسخطٍ صريح:
_ومش هنزل أسلم عليك ليه يا نعمان ماضيلك وصلات أمانة وبهرب منك مثلًا!
منحه الاخير نظرة مغتاظة وصاح:
_لا زعلان ومقهور اني كنت معارض جوازك من فريدة، مهو معلش يا أحمد متأخذنيش مكنش يصح إنك تتجوز انت وفريدة وولادها زي ما أنت شايف أطول منك.
رددت فريدة بتحذير:
_نعمان!
اكتفى برسم ابتسامة رغم اخفائه كمية الكره تجاه أحمد وقال:
_أنا بدردش معاه يا فيري، وهو متفهم ده مش كده ولا أيه يا أحمد.
أطال بنظراته اليه ووضع ساقًا فوق الاخرى متعمدًا أن تنعكس الساق الاخرى تجاهه، ثم قال:
_لا متقلقش يا نعمان أنا على طول فاهمك.
وانحنى يجذب كوب العصير ليقدمه له قائلًا بهمس ماكر وصل لمسمع شمس:
_خد دي طفي بيها اللي جواك، ريحته وصلالي من أول ما نزلت تحت... ما انا فاهمك بقى!
امتعضت ملامحه بغيظٍ جعله يود اطاحة عنقه، بينما لم يمنحه أحمد أي اهتمامًا ومال على شمس يهمس لها:
_مش كنتي تبلغيني عشان منزلش خالص.
همست له بخفوت:
_ملحقتش والله يا أنكل، شكل كده الخروجة بتاعت النهاردة اتضربت.
قرص خدها برفق:
_آه يا خبيثة كل اللي يهمك الخروجة وسيادة الرائد!!
ابتسمت بخجل وتابعته وهو يخرج هاتفه ويردد باستغراب:
_عمران باعتلي رسالة!
وقرب هاتفه إليه وشمس مازالت على صدره تتابع شاسة هاتفه فصعقوا معًا حينما فتحوا الفيديو وفجأة انطلقت ضحكاتهما بشكلٍ جعل فريدة ونعمان يتأملوهما باستغرابٍ، فسأله نعمان بنزق:
_بتضحك على أيه يا عريس؟ ضحكنا معاك.
أبعد احمد يده عن شمس واتجه ليعانق الاخير قائلًا بخبث:
_أوي أوي.. تعالى يابو نسب!
ومال بجسده وهاتفه إليه فصعق نعمان مما رأه ورفع عينيه الغاضبة لأحمد، فمال عليه يهمس:
_مش عيب لو بنت صغيرة تعلم عليك بالشكل ده يابو نسب! إنت محتاج تكشف عن دكتور يكتبلك على مقويات ويشوف النظر عندك، صدقني كده أفضل بدل ما تعملها وتقع من طولك قدام الموظفين!
ونهض فجأة يشير لهما:
_احنا كنا خارجين وللأسف المشوار مهم جدًا مش هينفع يتلغي.. يلا يا شمس... فريدة مستنيكي برة!
وتركهما وغادر والابتسامة تزين وجهه باجتيازٍ، بينما الاخر يكاد يقتل من الغيظ والغضب.
*****
بالمركز الطبي.
كان يجلس باحد الغرف يدرس على حاسوبه غارقًا بين الكتب حينما اندفع باب الغرفة ليطل من خلفه عمران ومايا، فأسرع إليه يبعد عن المكتب الحاسوب والكتب ويضع من أمامه قالب من الكعك والمياه الغازية وغيرها من أصناف الحلوى، راقبه بدهشة لحقت سؤاله:
_كل ده ليه؟
أشارت له مايا بقلة حيلة بينما ضحك عمران وقدم له الهاتف قائلًا بفرحة:
_احتفالًا بحبيب قلب جوزه زحلقت الخال الملزق! ....
......