تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ايه محمد رفعت
هدفهم هو راكان والذي كان يعلم هوايتهم الحقيقية بعدما تسرب إليهم خبر القبض على شحنة الأدوية الفاسدة، خشية من أن يكون تم كشفه للحكومة المصرية، الخلاص منه الآن هو الحل الأمثل، وخاصة بعد رفضه مقابلة الرجل الذي يعلوه.
توقع آدهم ذلك ولكنه افترض بأن ما يحدث من الممكن أن يكون تابع لرجل الأعمال "النمساوي" بعد أن ناطحه راكان بسوق التجارة، هكذا ما يخبره به راكان، فكان يرفض الحديث عن أموره المشبوهة أمام آدهم فلم يصل لمرحلة الثقة الكاملة به.
أمن آدهم ابتعاد راكان وشمس عن تبادل الرصاص الحي، وعاد ينضم لرجاله، فتفاجئ بعدد من السيارات يحاوطونهم من جميع الاتجاهات، فخرج كبيرهم على ما بدى وقال وهو يشير لرجاله بخفض الأسلحة:
_لا نريد سفك الدماء هنا، جئنا لنصطحب السيد راكان لمقابلة رئيسه، وإن لم يخضع لمطلبنا ستسفك الدماء هنا إن أراد.
تأكدت ظنون آدهم كليًا، لم يخص الأمر مخضع رجال الأعمال بل رد فعل للشحنة التي تم تصديرها بالميناء، لاحت على شفتيه بسمة ماكرة، فإن أراد راكان إخفاء عمله القذر عنه حتى بعد تقربه الشديد إليه في محاولة لدفعه بالوثوق به والحديث عن عمله المتخفي إلا أنه كان حريصًا للغاية، وقد أتته فرصته على طبقٍ من ذهب.
أشار لمن يترقب رد فعله وقال:
_انتظر هنا سأعود.
وترك الرصيف وانجرف لليابسة تجاه مكان اختباء راكان، فأشار رئيس الحرس الأجنبي لرجلين من رجاله بتتبع آدهم بحرصٍ لا يجعله يشعر بهما.
وقف آدهم قبالة راكان المتخفي خلف أحد الأعمدة السكنية، فما أن رآه حتى خرج يسأله برعبٍ:
_عملت إيه يا آدهم، خلصت عليهم؟
ادعى برائته خلف قناع خبثه اللئيم:
_عددهم أكبر مننا يا باشا منقدرش نشتبك معاهم.
رد بعصبية قبضت عروق رقبته:
_يعني إيه الكلام ده هتسبهم يقتلوني!
وضع سلاحه خلف ظهره، ثم اقترب يخبره بمكرٍ مستلذًا برؤية الخوف ينهش معالمه:
_كبيرهم أكدلي إنهم مش هيأذوك بيقول أن في رئيسه عايز يقابلك، وفعلًا شكلهم مش جايين وناويين شر.
وضيق جبينه ببراءة وخوف:
_هو إنت تعرف الناس دي مين يا باشا، أنا افتكرتهم تبع النمساوي بس الظاهر إنهم تبع حد تقيل، لو تعرفهم قولي يمكن أساعدك!
ابتلع ريقه بتوتر شديد، فأزاح رباطة عنقه وبدأ يزيح حبات العرق المتصلب على جبينه، هامسًا بهلعٍ:
_دي خدعة عايزين يتخلصوا مني بعد ما اللي حصل.
تساءل بهدوءٍ وقد وصل لعتبة مبتغاه:
_حصل إيه؟
_آدهـــــم!
صوتها الأنثوي تحرر مستغيثًا بمن يقف على بعدٍ منها، استدار آدهم وراكان للخلف فتفاجئوا بأحد الرجال يحمل سكينًا مصوبًا على رقبتها، وكان هو أول من استنجدت به بالرغم من وجود خطيبها المزعوم!!
ارتعب راكان حينما رأى مكانه قد كُشف لهؤلاء، فتراجع للخلف مستغلًا انشغال آدهم بما يحدث وهرول للأعمدة من جديد، بينما تقدم آدهم مشيرًا بيديه للرجل وبهدوء قال:
_دعها في الحال، سبق وأخبرت كبيركم بأنني سأعود بالسيد راكان، لذا من فضلك دعها ولا تؤذيها.
رفض الانصياع إليه وأشار للرجل القابع من جواره، فهرول للرصيف يستدعي كبير الحرس الذي عاد برفقة مجموعة من رجاله يراقب ما يحدث، فقال بضجر:
_أجدك تضيع وقتك في محاولاتك إنقاذ تلك السيدة، وللعجب لم تعني للسيد راكان تركها واختبئ دون أن يهتم بها!
تمردت عين آدهم غضبًا، وكلما راقب نظراتها المذعورة وتوسلاتها إليه بإنقاذها رغم صمتها الشديد كان يكور قبضتيه بقوةٍ على وشك أن تفشل مخططاته للكشف عمن يفوق راكان قوة ومكانة داخل تلك المافيا اللعينة، ولكن حينما يتعلق الأمر بها فليذهب كل شيئًا للجحيم!
صوب إليه نظرة قوية، وبتحدٍ لم يكن حاضرًا من البداية قال:
_اخرس واسمعني جيدًا، إن أردت النجاة أنت ورجالك فأمره بتركها في الحال وإلا سأعد باقي جثمانك لرئيسك محمولًا بأكياس بلاستيكية.
انفجر الرجل ضاحكًا وهو يتابع تجمهر رجاله حول ذاك الشجاع بأسلحتهم من جميع الاتجاهات، ومع ذلك يتفنن بالحديث، وقبل أن تنتهي ضحكته الساخرة وجد رجاله الخمس يقعون أرضًا حينما انحنى آدهم ممررًا ساقه بشكل دائري يلامس الأرض فاصيبت أقدامهم، وبلحظة أخرى جذب الأسلحة الملقاة أرضًا، ونهض يحدج من أمامه بنظرة واثقة ويده تتحرر على الزناد بشكل دائري مستهدفًا أقدامهم ليحول الصمت لصرخات مقبضة جعلت شمس تغلق عينيها صدمة ورعبًا من ذاك الذي تستنجد به!
تلاشت ضحكاته وتراجع خطوات أقرب للسقوط بهلعٍ حينما عاد السلاح يسلط على ضوئه الأحمر على جبينه، فاجلى آدهم صوته قائلًا:
_والآن ستستمع لي جيدًا، ستأمر ذاك الأرعن بتركها وإن لم تفعل ستعرف رصاصتي طريقها إليك.
ازدرد ريقه بصعوبة بالغة، فرفع إصبعيه يشير للآخر بترك السكين عن عنقها، وما أن فعل حتى هرولت شمس تختبئ خلف ظهر آدهم ويدها تشدد على جاكيته برعبٍ.
رفع كبير الحرس يده للأعلى استسلامًا للسلاح المنصوب أمامه، فترك رجاله الرصيف وهرولوا لبقعتهم فور سماع صوت الرصاص الحي، فأمرهم بذعر:
_تراجعوا سيقتلني!
وعاد يتطلع لنظرات تلك الشرس ثم قال ببسمة يرسمها بالكد:
_أرى أن تلك السيدة تعني لك أكثر من السيد راكان نفسه لذا هاك عرضي، ستغادر برفقتها بأمان ولتتركه لنا.
عند سماعه لتلك الكلمات تحرر الجرذ من مخبئه فخرج يشير لآدهم بخوف لا يعتلي سوى النساء:
_لا يا آدهم اوعى تسلمني ليهم، دول هيموتوني.
وزع آدهم نظراته الصامتة بينهما، يقع على عاتقه خيران كلاهما أبشع من الآخر، ما بين فشل مهمته المكلف بها منذ أشهر وذاك ليس بقاموس ملفه الثري بإنجازه أي مهمة عمل بها، وما بين تلك الهزيلة التي تتشبث بجاكيته فتسري رعشتها لقلبه وكأنها تزلزل كل ذرة تمردت على الاعتراف بحبها داخله!
وفوق كل ذلك رأى قسمه الصريح بألا تتدخل عواطفه ومشاعره تجاه عملًا سيخدم الشعب المؤكل بحمايتهم، مازال يتذكر آخر شحنة من أدوية السكر والضغط كم خلفت عددًا من الضحايا بسبب هؤلاء اللعناء فجعلته يتراجع عن منصبه السري بالجهاز ويختار السفر والعمل بذاته دون زرع رجالًا، والآن عليه الاختيار.
التقط نفسًا مطولًا وزفره على مهلٍ وهو يستعيد ثقته وشراسته بالحديث، فإن التمسوا ضعفه من المؤكد سينتهي الأمر بثلاثتهم هنا، فقال:
_أنا من سيصدر الأمر هنا لذا إليك ما سيحدث، شمس هانم ستغادر الآن وسنذهب أنا والسيد راكان برفيقتك وإن أرادت أن نخوض تلك الحرب لا مانع لدي ولكن قبل أن يخطو رجالك خطوة واحدة سأنتزع رأسك برصاصتي.
صرخ به راكان بصدمة:
_إنت بتقول إيه يا آدهم!
تجاهله وتابع وعيناه تشير لمكان الرصيف العلوي:
_فلننتظر خلفك... رجالي يحاوطون الجزء العلوي يترقبون إشارتي حينها ستصبح أنت ورجالك بعداد الموتى.
صمت الرجل قليلًا يفكر بالأمر من جميع الاتجاهات، فقال بهدوءٍ:
_حسنًا لك ذلك.
هز رأسه باستحسان وأمره:
_فلتخبر رجالك باخفض أسلحتهم.
أشار لهم بالفعل، فترك الجميع أسلحتهم وفي تلك اللحظة استدار آدهم لمن تتمسك به، فمنحها مفتاح سيارته وهو يشير لها بحزمٍ:
_خدي عربيتي وامشي من هنا حالًا يا شمس.
تناولت منه المفتاح بيد مرتجفة وعيناها الباكية لا تفارقه، فقالت بارتباكٍ:
_طب وإنت... وآآ إنتم!
صرخ بها بحدة وصرامة خشية من أن يطولها الأذى:
_امشي حالًا يا شمس ومترجعيش هنا، حالًا.
هزت رأسها وهي تهرول لخارج بقعتهم راكضًا حتى وصلت لسيارة آدهم، صعدت إليها وتحركت بها بعيدًا عن طريقهم تحت مرمى الأنظار المتبادلة عليها، فما أن ابتعدت حتى تحدث كبيرهم:
_ها قد نفذنا ما أرادت، هيا لنذهب الآن.
استدار آدهم تجاه راكان الذي يحدجه بنظرات قاتلة، فصرخ بعصبية بالغة:
_إنت أكيد مجنون يا آدهم إزاي تعمل كده وكل ده ليه! ما تغور شمس في داهية إنت ناسي إن العلاقة دي كانت لشكل العام بالطبقة المخملية، مش على حساب رقبتي يا آدهم!
أجابه بحكمة تجاهد لعدم إثارة ريبته:
_يا باشا افهمني، الناس دي شكلها مبتهزرش وبعدين أنا قولتلك اني قاريهم وقاري دماغهم، هما مش عايزين الأذية ليك، وبعدين ما أنا هكون معاك ومش هسيبك ولسه عند وعدي أفديك بروحي!
ابتلع ريقه بتوتر وهو يتطلع للسيارة التي بانتظارهما للصعود، وعاد يتطلع إليه ليخبره بخوف:
_الناس دي مبتهزرش يا آدهم وأكيد ممكن يتخلصوا مني خصوصًا بعد اللي حصل.
سأله مجددًا وهو يصعد جواره بالسيارة التي تحركت بهما على الفور:
_هو إيه اللي حصل، وإيه طبيعة الشغل اللي بينك وبين ناس خطيرة زي دي صارحني يا باشا علشان أقدر أساعدك؟
أجابه بتوترٍ:
_أنا هحكيلك على كل حاجة.
***
دعواتها لم تكل أبدًا، يومين كانا بمثابة عامين بالنسبة لها، تضرعت لربها طالبة برجاء ألا يبتعد عنها، رغمًا عنها تجده الأمان والسكينة لها، رغمًا عنها تحتاج لدفء وجوده، والآن هل تتخيل وجوده لجوارها بهذا الوقت المتأخر!
نهضت فاطيمة تحمل سجادتها، فاستدارت تجاه الصوت المحيط بها، فوجدته يجلس على المقعد يراقبها ببسمة هادئة، عاد لسانها يردد دون دارية منها:
_علي!
لأول مرة يستمع اسمه دون نسب أي ألقاب قبله، شعر بأن عاطفته تقذفه بمنطقة ستعد الأخطر لمشاعره على الإطلاق، فاستقام بوقفته قبالتها وببسمته الجذابة قال:
_علي المحظوظ اللي ربنا بعته في الوقت ده عشان يسمع بودنه دعواتك وحزنك على غيابي.
رمشت بارتباكٍ، فاتجهت لفراشها تضع السجادة على طرفه:
_آآ... أنا آآ..
لحق بها حتى بات خلفها، فاستدارت لتكن بمواجهته قائلة بحزن متعصب:
_جاي ليه يا دكتور، مش حضرتك سلمت حالتي لدكتور تاني؟
لم تزيح كلماتها ابتسامته، بل فاض بنبرته الحنونة:
_ولا عمري أقدر أعملها، أنا بقالي يومين مبجيش المستشفى.
أحمر وجهها حرجًا، فازدادت ربكتها وتهربت من لقائه مجددًا فاتجهت للشرفة تحيط عينيها الحديقة السفلية.
لحق بها علي، فاختار الوقوف على بعد مسافة آمنة منها وهو يحاول استكشاف معالمها حينما يقول:
_جيت من شوية أستأذن من المدير لآني مش هعرف أجي الفترة الجاية.
فور نطقه بما قال التفتت إليه سريعًا بلهفةٍ جعلت عينيها تلمع، فرددت بصوتٍ متحشرج:
_ليه؟
يعلم بأنها مازالت تحارب ذاتها، مازالت تكابر مانعة أن تفرض عليه معاناة قد اختصت هي بها، ولكن الأمر لن يزيده إلا إصرارًا، فقال:
_أخويا تعبان ومحتاجني جنبه.
واتجه للاريكة القريبة، يحتلها وعينيه لا تفارقها:
_فقولت أعدي عليكي قبل ما أرجع البيت.
هزت رأسها بتفهمٍ رغم دموعها المتدفقة والتي تحاول جاهدة إخفاءها، فتحرر صوتها يفضح بكائها:
_يعني حضرتك مش راجع المستشفى تاني؟
صمت قليلًا يفكر بما قدمه له أخيه دون أن يعلم، فأخفى ابتسامته الخبيثة وهو يجيبها:
_لا مش هرجع غير لما يرجع يقف على رجله من تاني والله أعلم ده هيحصل إمتى!
اهتز صوتها الذي يجاهد بخروجه كخروج روحها:
_ربنا يشفيه ويطمنك عليه.
انحنى يجذب المقعد القريب منه ليضعه مقابله، ثم أشار لها:
_اقعدي يا فطيمة.
عبثت بحجاب إسدالها الطويل بارتباكٍ، ومع ذلك مضت لتجلس قبالته، لتجده يتطلع لها بصمتٍ ثم قال:
_ليه بتكابري يا فاطيما، قلبك ملان بالحب وعيونك فضحاكِ، ليه مصرة تلوثي أفكارك بكلام مالوش أي منطق، أنا اللي اختارتك وأنا اللي طلبتك للجواز وأكيد مخدتش القرار ده في يوم وليلة... أنا عارف أنا عايز إيه كويس واللي عايزه هو انتِ.
كادت بالحديث فعارضها حينما احتدت نبرة صوته:
_مفيش حد أدرى بحالتك أكتر مني يا فاطيما فأنا عارف كويس اللي حصل واللي بيحصلك، عارف وراضي ومستعد أحارب معاكِ لحد ما تستعيدي نفسك من تاني.
أخفضت عينيها عنه فبكت بصوت وصل لمسمعه فمزقه بنجاح لم تتعمده هي، فهمست بخفوت:
_مالكش ذنب تخوض معايا الرحلة دي، صدقني هتندم، أنت تستحق بنت كويسة وتكون آ..
انتصب بوقفته يصرخ بوجهها بعصبية جعلتها ترتد للخلف بخوف:
_مش أنت اللي هتكرري المناسب ليا يا فاطيما، أنا مش عيل صغير وواعي لاختياري، أنا مستني منك كلمة واحدة وصدقيني عمري ما هندم ولا هديكي فرصة إنك تندمي.
واستكمل بوجعٍ قاطع:
_فاطيما أنا بحبك وعايزك ومتقبلك زي ما انتِ حتى من قبل ما أعالجك.
جز على أسنانه بغيظٍ من صراخه، فعاد يتحدث بهدوءٍ وعقلانية:
_أنا مش عايز أضغط عليكي عشان كده اعتبري فترة غيابي عن المستشفى هدنة كويسة للتفكير.
ومنحها بسمة صغيرة تكبت الآلام البادية برمادية عينيه:
_تصبحي على خير يا فطيمة.
وإتجه ليغادر المشفى بانكسار يحتل معالمه حينما فشل مرة أخرى بأن تتقبله، فاتجه لباب غرفتها حرره ووقف على عتبته يراقبها على أمل أن تستدير إليه وتخبره موافقتها، ولكن ازداد ألمه حينما وجدها مازالت تجلس على المقعد ساهمة بالفراغ من أمامها، فقال برجاءٍ إلتمسته بنبرته الحزينة:
_خلي بالك من نفسك.
وغادر للمصعد على الفور، فاستند على المرآة الداخلية للمصعد وضرب بقبضته الجانب المعدني مرددًا بغيظٍ:
_ليه!!
ابتعد وهو ينظم تنفسه تدريجيًا، لم يعتاد رؤية انهياره، اعتاد بأن يلتحف بالقوة والثبات، فجذب نظارته الطبية يرتديها مرة أخرى بعدما فرك عينيه المتألمة، وفور توقف المصعد خرج ليجد الطقس قد ازداد سوءًا، فبدأت الأمطار تهبط بقوتها المعتادة، أسرع علي تجاه الچراج يستقل سيارته، فخرج بها متفاديًا رزاز الأمطار بمساحة السيارة الأمامية.
وقف قبالة مبنى المشفى يترقب أن تخف حدة الأمطار ليتمكن من القيادة، فمال بجسده على الدريكسيون بتعبٍ.
فزاحمه ببقعة أحزانه صوتًا خافتًا على نافذته الزجاجية، اعتدل علي بجلسته يحاول رؤية من بالخارج، فلم يستطع من تزاحم مياه الأمطار، فأخفض النافذة الزجاجية حتى تسنى له رؤية من بالخارج.
_فاطيما!
تراقص لسانه بنطق حروف اسمها، فابتسم حتى أدمعت عينيه تأثرًا برؤيتها باكية من أمامه، وعلى ما بدا من اهتزاز صدرها وإلتقاط أنفاسها بأنها ركضت للأسفل بسرعة أرهقتها.
فتح باب سيارته وهبط يقف قبالتها والأمطار تعصف بأجسادهما، وعينيه لا تحيد عن المياه التي تتسلل على عينيها فامتزجت بدموعها، فقدت قدرتها على الحديث، فلا تعلم بماذا ستخبره لذا أثرت الصمت ودموعها لا تتوقف.
توقف الزمان من حولهما ولم يبقى سواهما، الجميع يختبئ من غضب المياه عداهما، الحب يمنح أجسادهما طاقة غريبة لتواجهه بعسليتها والآخر برماديته الداكنة، وفجأة وجدته يبتسم وهو يرنو لها وصوته الرخيم يرفرف فرحة:
_أوعدك إنك عمرك ما هتندمي على قرارك ده يا فاطيما، هحطك جوه عيوني وهعوضك عن كل ثانية اتوجعتي فيها، مش هعاملك كزوجة هعاملك زي الملكة طلباتك مجابة وأوامر، دموعك دي مش هتكونلها مكان على وشك من النهاردة.. أوعدك!
ورفع إصبعه للسماء مسترسلًا:
_السما مفتوحة ووعدي ليكِ دين في رقبتي لأخر العمر.
خفق قلبها بقوةٍ وكأن إنذار خطر مشاعرها وصل بها لأبعد نقطة، فأخفضت عينيها على استحياءٍ، وخاصة حينما نزع عنه جاكيته ودنى ليرفعه على حجابها ليحجب عنها المياه التي أغرقت إسدال صلاتها الرقيق، فتحرك بها حتى وصل لمقعد السيارة الجانبي إليه.
لعقت شفتيها وهي توزع نظراتها بينه وبين السيارة بتوتر، لا تعلم ماذا ستفعل؟
مازالت تشعر بالريبة من البقاء برفقة أي بشر يحمل جنس "ذكر"، وبالرغم من الأمان الذي يتسرب لها بوجود علي ولكن لم يتخطى تلك الدرجة التي تهيأها للصعود برفقته بالسيارة والذهاب لمكان سيجمعهما بالتأكيد!
طالت بوقفتها ومازالت تحاول إخفاء ما يعتلي أفكارها، لا تعلم بأنه كطبيب يدرس حالتها بشكل أكبر احتمالية بزواجها من شخصٍ عادي، فقال ببسمة هادئة:
_متخافيش احنا هنخرج من هنا على أقرب مطعم، هنتكلم وهناك هتقابلي حد من العيلة كان نفسها تشوفك أوي.
بالرغم من الفضول الذي انتباها لمعرفة هذا الشخص إلا أنها اكتفت بهزة رأسها وصعدت للمقعد، يكفيها عشرتها الطويلة له، علي لن يغدر بها أبدًا، ليس كباقي الرجال المستذئبون، هكذا طمنت ذاتها حتى هدأت تمامًا.
أغلق علي باب السيارة واستكان بالبعد عنها، رأته فطيمة يتحدث عبر الهاتف والسعادة تتقاذف من وجهه وعلى ما بدا لها بأنه يقص موافقتها لنفس الشخص الذي ستلقاه بعد قليل!
***
سعدت للغاية لسماعها هذا الخبر المفرح، فقالت بسعادة:
_ربنا يفرح قلبك يا علي انت طيب وتستاهل كل خير، أنا هلبس وهجيلك حالًا وهجبلك مفتاح شقة بابا تقعد فيه لحد ما تشوف هتعمل إيه مع فريدة هانم.
وتابعت بصدق نابع من داخلها:
_والله أنا لولا حالة عمران كنت جيت قعدت معاها بنفسي..
استمعت لما قال وأغلقت مايسان الهاتف بسعادة، فاستدارت لتجده مازال غافلًا، فخرجت لغرفتها واتجهت للخزانة تجذب ملابسها وترتديها مسرعة، وقبل أن تهبط للأسفل اتجهت بحرج لأحد الغرف، فطرق على بابها وترقبت أن يفتح بابها.
فتح أحمد الباب وهو يجاهد لفتح عينيه بنومٍ، فردد بلهفة:
_مايا! عمران كويس؟!
أشارت له تطمئنه:
_كويس الحمد لله، أنا بعتذر أني أزعجت حضرتك بس جالي مشوار مهم ولازم أنزل وقلقانة أسيبه لوحده، لو ممكن حضرتك تبقى تبص عليه.
أغلق مئزره جيدًا وخرج يغلق باب غرفته مرددًا بقلقٍ:
_مشوار في الوقت المتأخر ده!
أجابته سريعًا وهي تتفحص ساعة يدها:
_الساعة 11 مش متأخر أوي.
وتابعت بتوضيح:
_أنا مش هتأخر، وهرجع مع علي.
هز رأسه بهدوء فلم يرد أن يتطفل لمشوارها الذي لم تخبره عنه، وتوجه لغرفة عمران قائلًا ببسمته الهادئة:
_روحي مشوارك وأنا هنام جنبه النهاردة.
منحته بسمة مشرقة وهي ترد عليه:
_شكرًا يا عمي.. عن إذنك.
أشار لها بنفس ابتسامته وولج لغرفة عمران ليتمدد جوار بتعب ينتابه لعدم راحته بعد رحلة سفره المرهقة من مصر لانجلترا.
بينما بالغرفة القريبة منه.
مازالت تحاول الوصول لابنتها، فالوقت تأخر للغاية ولم تعد بعد، ألقت فريدة الهاتف من يدها بغضبٍ، وصفقت يد بالأخرى وهي تردد بغيظٍ:
_أتاخرت ليه لحد دلوقتي!
وزفرت بضيقٍ وهي تحاول تخمين سبب تأخيرها الغريب، فاتجهت لغرفة علي عساه يتمكن من الاتصال بها أو براكان، فتفاجئت بالظلام يبتلع الغرفة، حتى فراشه كان مرتبًا بطريقة أوحت لها بأنه مازال بالخارج، فلم تجد السبيل سوى اللجوء لابنه الأصغر.
اتجهت فريدة لغرفة ابنها، فولجت للداخل بعدما فعلت إنارة الغرفة، كادت بإيقاظه ولكنه توقفت محلها بصدمةٍ حينما وجدته يتمدد جوار ابنها، ارتبكت بوقفتها وتراجعت بضعة خطوات للخلف، كأنها تود الهروب للخارج لتحجب عينيها عن التطلع لملامحه الوسيمة، انتظام أنفاسه وهدوئه الشديد، تود أن تكتم صدى صوت قلبها الذي يود القفز عن أضلعها.
لوهلة تخيلته زوجها ومن جوار ابنهما! ولكن الحقيقة حتمًا موجعة، وأكثر ما ألمها طوال تلك السنوات وراثة أبنائها الشباب لون العين الرمادي بالرغم من أن زوجها لم يكن كذلك، فكلما ردد أحدٌ أمامها بأنهم يحملون نفس لون عين عمهم كانت تشتعل غضبًا، كانت أحيانًا لا ترغب بتأمل علي وعمران فكلما رأتهم تذكرته قبالتها!
ابتلعت فريدة ريقها واستعادت ثباتها، فوقفت أمام المرآة تتأكد من انهدام مئزرها الذي يخفي بيجامة نومها الخفيفة جيدًا حتى إن استيقظ جراء إيقاظها لعمران تكون محتشمة أمامه.
واتجهت تهز صدر ابنها منادية بخفة:
_عمران.
تململ بمنامته على هزة يدها الخافتة، همهم بانزعاجٍ:
_ممم...
رفعت من صوتها قليلًا:
_فوق يا عمران.
فتح أحمد عينيه ليتفاجئ بها تحاول إيقاظ عمران، فجلس باستقامة قائلًا بنومٍ:
_فريدة! في حاجة ولا إيه؟
تحاشت التطلع إليه وقالت بنبرة واجمة:
_مفيش شمس كانت مع خطيبها واتاخرت بالرجوع، هخلي عمران يتصل بيه ويشوف اتاخروا ليه؟
راقب برودتها بالتعامل معه بهدوء، وقال بضيق وهو يراقب عودتها لتحريك عمران:
_طيب براحة على الولد، أنا هصحيه.
وبالفعل ناداه أحمد برفقٍ حتى استجاب إليه فعاونه على الجلوس بوضع وسادة خلفه، فردد باستغراب:
_عمي حضرتك كنت جنبي!! أمال فين مايا أنا قبل ما أنام كانت جنبي هنا!
بدى مرتبكًا لا يعلم ماذا يخبره، فقال بتلعثم:
_هتلاقيها في أوضتها!
ردت فريدة بقلق:
_لا مش في أوضتها أنا لسه جاية من عندها.
انتفض عمران بفزعٍ:
_مش معقول تكون سابتني كده وهربت على مصر زي ما كانت عايزة تعمل قبل كده!!
حينما تطور الأمر، قال نافيًا:
_لا يا عمران هي آآ...
تطلعت إليه لتهاتفه بحدة:
_مخبي إيه يا أحمد!
زفر بضيق لحق نبرته:
_بصراحة مايا جتلي وقالتلي أخد بالي من عمران لانها عندها مشوار مهم.
نهضت عن الفراش تصيح بغضب:
_مشوار مهم فين بالوقت ده!
أجابها بهدوء:
_معرفش بس قالتلي هرجع مع علي!
ضمت يدها لرأسها وصرخت بانفعال:
_هو في إيه بالبيت ده، شمس لسه مرجعتش لغاية دلوقتي ومايا محدش عارف راحت فين وازاي هترجع مع علي وعلي مرجعش البيت لحد دلوقتي!!
اعتدل عمران بجلسته بصعوبة وهو يتساءل بدهشة:
_شمس مرجعتش لسه!
أكدت له وهي تستعيد مطلبها الرئيسي:
_اتصل براكان واساله، لانه مش بيرد عليا وتليفون شمس مقفول.
والتقطت أنفاسها بعنف وهي تستطرد:
_أنا هيجرالي حاجة.
نهض أحمد واتجه أليها بخوف:
_طيب اهدي بس مفيش حاجة هتتحل بشدة أعصابك دي.
وأشار لعمران قائلًا:
_اتصل الأول براكان وبعد كده نشوف مايا.
هز رأسه وجذب هاتفه يحاول الوصول لراكان، وبالرغم من رنين هاتفه إلا أنه لم يجيبه من الأساس، فأعاد الاتصال به وحينما لم يجيبه اتصل بآدهم ولكن دون جدوى، فألقى الهاتف جواره وهو يردد بغضب:
_مبيردش لا هو ولا الحارس بتاعه.
تجرد عنها ثباتها الصارم وصاحت برعب:
_يعني إيه، بنتي راحت فين؟!!
رد عليها أحمد وهو يجذب مئزره الشتوي على الفراش يرتديه:
_أنا هروح لراكان البيت أشوف في إيه وهبقى أبلغكم.
وتركهما وهرول للخارج فلحقت به فريدة تجيبه بتوتر شملها:
_أنا كمان هغير هدومي وهجي معاك.
أجابها بعدما وصل لغرفته:
_مفيش داعي يا فريدة خليكي انتي جنب عمران وأنا لو وصلت لشيء هبلغك.
هزت رأسها بهدوء وقالت برجاء:
_بسرعة يا أحمد من فضلك، قلبي هيقف من الخوف عليها.
إلتفت إليها وقد ألمهته كلماتها فقال تلقائيًا:
_سلامة قلبك.
ارتبكت للغاية، فتنحنحت وهي تشير على باب غرفة ابنها:
_آآ... هشوف عمران.
أومأ برأسه ببسمة جذابة، فأغلق الباب من خلفها وشرع بتبديل ملابسه ليغادر سريعًا.
***
انتابها عذاب من جحيم، فأجج لها ضميرها صورًا مقبضة لما سيحدث، وخاصة بعد تضحية آدهم ليفديها من موتة كانت واشكة في حين ذاك الأحمق كان يختبئ خوفًا على ذاته، ولتكن صادقة لم يعنيها أمره كثيرًا بل كانت تتمنى لو تخلصوا منه.
خوفها كان ينبع تجاه ذاك الحارس، بطل أحداث قصتها التي يسترسلها القلم كلما تلاقت به، منذ بداية ظهوره بحياتها وهو ملاكها الحارس، كل موقف احتاجت المساعدة كان هو أول من قدم لها العون لدرجة جعلتها تتمناه أن يكون خطيبها عوضًا عن ذاك الجبان، لذا أعادت اتجاه السيارة لتلحق بهم بحذرٍ، وها هي الآن تقف على بعد قريب من المكان الذي دلف إليه راكان وآدهم وهؤلاء الرجال، ولا تعلم ما الذي ينبغي عليها فعله بالتحديد، فجذبت هاتفها لتبلغ الشرطة بالأمر، ولكنها تفاجئت بهاتفها نفذ شحنه وأصبح دون جدوى!
***
قيدوه على المقعد البعيد عن مرمى اجتماعهم، بينما جلس راكان على أحد المقاعد المقابلة لذاك الذي يرتشف من النبيذ الأحمر بتلذذ وكأنه لا يعنيه ارتكاب مثل تلك المحرمات، فنفث دخانه غليونه باستمتاعٍ يجوبه بنظراته تجاه ذاك الذي على وشك البكاء من فرط الخوف، فقال بسخرية:
_إن كانت تخشاني لتلك الدرجة لما قمت بتجاهل طلبي بلقائك بوقاحة!
ابتلع راكان ريقه بصعوبة وهو يجاهد لخروج كلماته:
_سامحني سيدي، خشيت أن تعاقبني على ما حدث بمصر.
وأخذ يبرر لنفسه سريعًا:
_أنا لا ذنب لي بما حدث، هناك ضابط مصري يعبث خلفنا وينصب شباكه لنا.
منحه نظرة قاتلة قبل أن يهدر بانفعال:
_هل نسيت ما وكلتك به، أنت مسؤول عن توصيل تلك البضاعة من الميناء، وبدلاً من القيام بعملك تجلس وتخبرني ترهات ستجعلني أقتلك بيدي بأي لحظة.
ارتعب لمجرد سماعه تهديده، فهرع لمقعده يجلس على قدمه وهو يقبل يده بذل جعل آدهم يمقته بنظرة مستحقرة:
_لا سيدي أرجوك لا تفعلها، أعدك بأنها لن تتكرر مجددًا.
تابعه بنظرة انتشاء، فنفث دخانه بوجهه وهو يشير له ببرودة:
_حسنًا سأمهلك فرصة أخيرة، وإن فشلت سأنحر عنقك بنفسي!
هز رأسه بعشوائية وكأنه لا يصدق بأنه وجد فرصة صريحة للبقاء على قيد الحياة، فنهض "ماريو" عن مقعده تاركه مازال ينحني إليه، ثم خطى لآخر القاعة ليقف قبالة آدهم المقيد على المقعد، فابتسم بتسلية وهو يشير باستهانة:
_هل هذا الذي وكلته بحمايتك! أراه عاجزًا عن حماية نفسه حتى!
ضحك آدهم بصوته الرجولي مما جعل ابتسامة ماريو تتلاشى باستغراب، وخاصة حينما قال:
_أنا الآن أحترم النقاش المتبادل بين رئيسي وبينك لذا أجلس هنا بهدوء، وإن منحني الإذن حينها لن يروق لك الأمر!
احتدت نظراته تجاهه وخاصة حينما قال باستهزاء:
_لست من النوعية التي تنحني لأحدٌ بحياتها قط.
تحرر صوته المتعصب مناديًا:
_راكان.
هرع إليه مرددًا ورأسه ينحني في طاعة:
_سيدي.
قال ساخرًا ومازالت عيناه تراقب ذاك الشرس:
_امنحه الإذن لنرى ما لديه وهو مقيدًا هكذا!
سحب نظرة محذرة تجاه آدهم الذي لم يراه من الأساس فمازال يناطح ذاك الواقف قبالته، تاركًا زر جاكيته يسجل بكاميرته الخفية وجهه جيدًا للسلطات.
طال الصمت فصرخ ماريو بتعصب:
_هيا أمره بذلك الآن.
تحرر صوته المرتجف قائلًا لآدهم:
_ لك ذلك.
اتسعت ابتسامته الماكرة، فرفع جسده للأعلى بعنفٍ جعله يترنح للخلف فانخلعت مقدمة المقعد، فأخفض الحبل من أسفل ليفك وثاقه بشكلٍ فاجئ من يقف أمامه.
أخرج رجاله أسلحتهم وأحاطوا آدهم الواقف بثقة يتابع من أمامه، بينما ردد كبير حرس ماريو بتوتر:
_احترس سيدي هذا الرجل خطير للغاية، أسقط أربعة من رجالنا وكاد باستكمال فعلته وكأنه لم يفعل شيئًا!
ابتسم آدهم وردد باستهزاء:
_ايوه زي ما سمعت من أختك كده احترس عشان محزمش وسطك بطرحة!
ضيق حاجبيه بعدم فهم:
_ماذا قال للتو؟
ازداد توتر راكان وصاح به:
_آدهم هيقتلونا مكانا اهدى!
تجاهله للمرة الثانية وقام بترجمة ما قال:
_أخبرتك بأن تنتبه لنصيحة رجلك الشهم وتحترس غضبي، وأنا أعدك ألا أتركك وحيدًا بقبرك الذي سأصنعه لك، سأضع رجالك معك ليكونوا ونسًا لك، وحينها ستتذكر شهامة المصريين وكرمهم!
ابتسم ماريو وهو يتابعه بإعجاب انقلب إليه بعدما كان متعصبًا، فدنى منه وهو يقف بنظرة ذات مغزى:
_اسمع يا فتى، سأعقد معك صفقة لن تكرر مطلقًا، إن قتلت رجالي ستصبح الرجل الأقرب لي، سأحيطك بالمال وكل ما تريد.
جحظت أعين رجاله بصدمة، مما يستمعون إليه حتى راكان نفسه.
اقترب آدهم المسافة المتبقية بينهما ليردد بنظرة تحدي:
_لست فتى، أنا رجلٌ سيحرص أن يلقنك أنت ورجالك دروسًا عن رجولة وشهامة العرب.
واسترسل ببسمة ماكرة:
_أما عن عرضك السخي فأنا أقبل نصفه الأول، لم أكن عبدًا لصبيك حتى أصبح عبدًا لك.
وفور انتهائه من حديثه اشتبك معهم على الفور، تاركًا راكان يفتح فاهه صدمة بينما يراقبه ماريو ببسمة تسلية، فدنى الأخير منه يهمس له:
_سيدي أرجوك أوقفه سيقتل رجالك!
قال بعدم مبالاة وهو يشعل غليونه:
_لا أريد رجالًا ضعفاء أمثالهم.
واستدار بوجهه إليه يخبره ببسمته:
_عليا الاعتراف إنك قمت باختيار الرجل الصحيح لحمايتك أيها الوغد!
***
كانت تحيط الناس من حولها بنظرة مرتبكة، بالرغم من أن المكان لم يكن بالمزدحم، فحاولت إخفاء توترها بتناول الشاي الساخن الموضوع من أمامها تهربًا من نظرات علي المبتسم إليها، وفجأة تسلل لمسمعها صوت أنثوي يردد بحماسٍ:
_علي.
كانت فتاة على ما بدا لها بأوائل العشرين من عمرها، ترتدي فستانًا بسيطًا من اللون الأسود فضفاضًا، على حجابًا من اللون الأزرق، وجهها بشوش بقدر جعلها تبتسم وهي تراقبها.
اتجهت نظرات مايسان لها، فتساءلت باهتمامٍ:
_دي فاطمة صح؟
أجابها علي ببسمة حب لمن تقف قبالتهما:
_ناديها فطيمة.
قدمت يدها في دعوة ترحاب لها:
_كان نفسي أتعرف عليكي من زمان يا فاطيما، أنا مايسان.
هزت رأسها وهي لا تجيد إجابتها من شدة ارتباكها، فأشار لها علي:
_مايسان تبقى بنت خالتي ومرات أخويا الصغير يا فطيمة.
تحرر صوتها أخيرًا:
_أهلًا بيكِ.
سحبت المقعد المجاور لها وجلست جوارها، تخبرها بلطفٍ:
_ما شاء الله قمر، أنا قولت كده برضو إن مش أي بنت توقع دكتور علي.
تعالت ضحكاته الرجولية لتصل كلماته لها:
_أيوه ادخلي علينا بحواراتك، ده اللي بأخده منك.
واستطرد بجدية:
_قوليلي يا مايا ماما سألتك راحة فين؟
ردت عليه ببسمة فخر:
_محدش شافني وأنا جاية غير أنكل أحمد.
عبثت معالمه ضيقًا، متسائلًا:
_وعمران!
أكدت له بإشارة رأسها، فقال بتذمر:
_مكنش ينفع تنزلي بالوقت ده من غير ما تستأذنيه يا مايا!
راقبت فطيمة حوارهما باهتمام، فاجابته مايسان:
_كان نايم يا علي وإنت عارف إنه مكنش بيعرف ينام بالمستشفى فمحبتش أقلقه لكن لما هرجع ان شاء الله هقوله.
أماء برأسه وسألها بجدية:
_جبتي المفتاح؟
أخرجته من حقيبة يدها قائلة:
_عيب يا دوك ودي حاجة تتنسي!
وقف علي يشير لهم وهو يضع مبلغًا من المال على الطاولة:
_طيب يلا نتحرك لإن الوقت أتاخر.
أمسكت مايسان يد فطيمة وخطت جوارها تتهامسان بصوتٍ منخفض، بينما صعد علي بمقعد القيادة يترقب صعودهم بالخلف، ليتحرك بهم للمبنى، بينما يهاتف مدير المشفى لأمر فطيمة حتى لا تحول المشفى للهلاك ظنًا من إنها هربت منها، فأخبره بأنه سيتزوج بها وسيقوم بعلاجها بنفسه، فلم يواجه صعوبات بذلك لتكفله أمرها كاملًا بأمرٍ من "مراد زيدان" شخصيًا.
***
راقب رجاله الملقون أرضًا ببسمة شيطانية مخيفة، ورفع حدقتيه له يحاول استمالته للمرة الأخيرة:
_متأكدًا من رفضك للعمل معي.
رمقه بنظرة ساخطة قبل أن ينحني ليجذب جاكيته الملقي أرضًا ثم اتجه لراكان يسأله بنفور:
_هتيجي معايا ولا هتخليك مع فرقع لوز ده.
رفع راكان عينيه لسيده، فسأله بتوتر:
_سأغادر يا سيدي، هل من أمرًا آخر؟
تركهما واتجه لمكتبه فجلس باسترخاء قائلًا:
_دعه يغادر بمفرده ولتبقى هنا أريدك بأمرٍ هام لا أريد لأحدٍ سماعه غيرك.
حدجهما آدهم بسخرية لحقت نبرته:
_وكأنني أهتم!!
وغادر وهو يستطرد لراكان:
_هبعتلك فؤاد ياخدك أو يمكن فرقع لوز اللي جنبك ده يوصلك لإن تقريبًا رجالته بح!
وغادر وابتسامة المكر تحيط به، تعلم أن يسبق عدوه بخطوة، فتوقع أن يطالبه ماريو بالمغادرة لينقاش أمر الشحنة القادمة مع راكان بمفردهما لذا كان الأسراع حينما تصنع انحناء جسده ليجذب جاكيته الملقي أرضًا وقام بزرعة جهاز التنصت بمعدن الطاولة القريبة منه.
أطلق صفيرًا مستمتعًا وهو يرتدي جاكيته ويحرك كتفيه بانتشاء، فخرج من المبنى يبحث بعينيه عن وسيلة مواصلات تعاونه على العودة لفيلا راكان حيث يقطن، وإذ فجأة يعلو صوتًا يناديه كان سهلاً بالتعارف عليه:
_آدهــــــــــم.
استدار للخلف وهو يقنع ذاته بأنه يتوهم سماعه، برق بحدقتيه صدمة حينما هبطت شمس من سيارته وركضت تجاهه، فالتفت حوله يراقب أن رآها أحدًا، وهم إليها يصرخ بعصبية:
_شمس إنتِ بتعملي إيه هنا؟ أنا مش طلبت منك ترجعي البيت!
انهمرت دمعاتها المعاكسة للابتسامة الواسعة على شفتيها، فسألته بلهفة وكأنها لم تستمع لأسئلته:
_إنت كويس؟
راقبها بدهشةٍ، فتابعت بحيرة مما ستخبره به بتشتتٍ:
_أنا مقدرتش أمشي، فمشيت وراكم وفضلت هنا مش عارفة أعمل إيه؟
ورفعت هاتفها إليه كأنها تشكو له:
_حتى موبيلي فصل شحن معرفتش أكلم الشرطة ولا أعمل أي حاجة.
منحها ابتسامة تعمقت داخلها، وقال بصوته الرخيم:
_ممكن تهدي طيب.
وتابع وعيناه تشير على المبنى المجاور له:
_متقلقيش راكان كويس، كان سوء تفاهم وراح لحاله.
زوت حاجبها لتتمرد بعصبية شبيهة للجنون:
_ما يولع الجبان القذر.. مستخبي شبه الستات وسايبهم يخطفوني وهو مش همه غير نفسه وبس.
راق له تعصبها وبالرغم من قراءته لمشاعرها بوضوحٍ، إلا أنه ادعى الفضيلة:
_طيب راجعه تاني ومعرضة نفسك للخطر ليه وهو مش فارق معاكي!
أزاحت دموعها بغيظٍ من طريقته، تعلم بأنه يود أن ترددها صريحة، ولكنها مشتتة لا تعلم ماذا تفعل، وبالرغم من أنه لا يربطها براكان سوى خطبة الا أنها أحيانًا تشعر بالذنب لمجرد تفكيرها بآدهم، فيزيد من أمورها هو الآن!
ألقت شمس مفاتيح السيارة إليه وقالت بغضب وهي تبتعد عنه:
_أنا غلطانة إني رجعت عشان خايفة عليك، خد مفاتيحك أهي أنا ماشية.
التقط المفاتيح وهرول خلفها يناديها ضاحكًا:
_طب استني طيب هوصلك، الحتة هنا غريبة عنك.
أكملت طريقها دون أن تستدير إليه:
_مالكش دعوة بيا ارجع للباشا بتاعك.
راقبها آدهم ببسمة جذابة، فصعد لسيارته وقادها حتى بات يقودها بنفس مستوى خطاها، فقال وهو يراقب الطريق بحذر:
_شمس بطلي جنان وإركبي.
لم تعيره انتباهًا واستكملت طريقها بخطوات سريعة، متعصبة، وكأنها ستتمكن من الفرار منه، فأسرع من قيادته قائلًا:
_خلينا نتكلم من فضلك.
رفضت الانصياع إليه فزفر بنفاذ صبر، وقاد السيارة ليكسر الطريق من أمامها، ففتح الباب المجاور لها مهددًا إياها بصرامة:
_هتركبي ولا أنزل أشيلك وأدخلك العربية بالعافية.
بللت شفتيها بلعابها وهي تتفحص الطريق المظلم من حولها بخوفٍ، وبالنهاية انصاعت إليه وولجت للسيارة تجلس جواره، فابتسم وعاد للقيادة بصمت.
كظمت غضبها بصعوبة، تود البقاء ساكنة أطول فترة ممكنة ومازال الأخير يراقبها ببسمة تسلية، فقال:
_اتكلمي باللي عايزة تقوليه بدل ما يجرالك حاجة من الغيظ اللي جواكِ ده!
اتجهت بجسدها إليه وقالت بتوتر:
_آدهم أنا بقيت متأكدة إن راكان ده شمال، وخصوصًا بعد اللي حصل النهاردة.
ترك مراقبة الطريق وتطلع إليها:
_أنا حذرتك قبل كده وقولتلك إبعدي عنه.
تجهمت معالمها، وفاهت:
_ماما مش مقتنعة غير إنه شخص مناسب ليا وأنا بحاول أقنعها بس أعتقد بعد اللي حصل النهاردة ده هتغير رأيها.
ترقب لوهلة قبل أن يخبرها:
_مفيش داعي يا شمس، متقوليش حاجة، قريب جدًا والدتك هتقتنع جدًا، لإن راكان هيكون انتهى خلاص.
زوت حاجبيها باستغرابٍ:
_تقصد إيه؟
وبدا عقلها يعمل سريعًا، فرددت:
_هتقتله!
قهقه ضاحكًا، وأضاف مازحًا:
_لو إنتِ بتكرهيه أوي كده عيوني هخلص عليه.
شملها الحزن والألم، فقالت بإصرار وغضب ثائر:
_نزلني، وقف العربية.
وزع نظراته بينها وبين الطريق:
_إيه اللي حصل بس؟!
صرخت بعنف وكادت بفتح باب السيارة وهو ينطلق بسرعته القصوى:
_بقولك وقف العربية وإلا هحدف نفسي.
أمسك رأسخها وثبته جيدًا ويده الأخرى تهدأ من سرعته قائلًا:
_طيب طيب اهدي، هركن على جنب.
وبالفعل هدأت سرعة السيارة حتى وقفت تمامًا، فاستدارت تجاهه تخبره قبل هبوطها:
_أنا هتوقع إيه منك، ما أنت بتشتغل معاه يعني أكيد إنت شبهه في كل شيء.
وهبطت لتجده يسرع خلفها فسد طريقها وهو يقول:
_أنا مش شبهه ولا عمري هكون شبهه يا شمس.
ارتبكت من قربه منها، فتراجعت للخلف وهي تردد بخفوت:
_من فضلك سبني أمشي، أنا مبقتش قادرة لكل ده، الظاهر إني كنت غلط لما قبلت بالخطوبة دي وغلطت لتاني مرة لما حبيتك.
ابتسم ومازال يدنو منها ليوقفها عن الهرب للطريق، فقال:
_غلطي فعلًا، بس حبك ليا مكنش غلطة.
ابتلعت ريقها بارتباك، فتراجعت بظهرها للخلف وهي تهز رأسها برفض:
_لا غلطة وغلطة كبيرة كمان، إنت مجرم زيك زيه يا آدهم.
وبتوتر قالت:
_آآ.. أنا شوفتك وإنت بتضربهم بالنار إنت انسان مش طبيعي... آآ.. أنت مجرم.
قالت كلماتها الأخيرة وكادت بالركض فجذبها بقوة جعلتها تصطدم بالسيارة من خلفها، لتنحول نظراتها إليه بهلعٍ جعلته يعيد خصلاته المتمردة للخلف بغضب، فسيطر بصعوبة على أعصابه وهو يراها تتأمله بخوف ويدها تحتضن حقيبتها، فهمس لها:
_شمس أنا ظابط مش مجرم.
برقت بعينيها بدهشة، فتابع قائلًا:
_أنا هنا عشان أقبض على راكان الكلب واللي وراه وإني أكشف هويتي الحقيقية لحد دي ليها عقوبة وبالرغم من كده ارتكبتها عشان مشوفش النظرة دي في عيونك.
وإتجه يفتح باب سيارته بهدوءٍ رغم سخرية نبرته؛
_هتركبي ولا أطلعلك جواز سفري عشان تتأكدي!
تطلعت له بصدمة، وتحركت بآلية تامة للمقعد مجددًا، فصعد جوارها يقود والغضب لخيانة مهام عمله يجوب على معالمه، من لم يستطع كشفه أتت تلك الفتاة وفعلتها!!
شعرت شمس بأنه على وشك الانفجار بأي لحظة، وبالرغم من ذلك لم تتراجع عن سؤاله:
_هو راكان بيتأجر في إيه؟
منحها نظرة خاطفة قبل أن يعود لتأمل طريقه صامتًا من جديد، فعادت تسأله:
_سلاح ولا مخدرات؟
زفر بنفاذ صبر، فلكم المقبض وهو يصيح:
_يا بنتي اتقي الله متعودتش أسرب أسرار الشغل، دي كده خيانة!
منعت تلك الابتسامة من السطوع، وقالت ببراءةٍ مصطنعة:
_متخفش سرك جوه بير مدفون ملهوش قرار، أنا حتى مش هحكي لمامي على اللي حصل لحد ما تقبض عليه وتخلصني منه.
ابتسم رغمًا عنه ولزم صمته حتى منتصف الطريق، خطف نظرة إليها فوجدها تكتف ساعديها أمام صدرها بحزنٍ جعله يقول:
_راكان بيهرب لمصر أدوية فاسدة.
جحظت عينيها صدمة، فاستطرد بألم تشعر به بنبرته لأول مرة:
_أنا موجود هنا بانجلترا مخصوص عشان أقبض عليه وعلى اللي وراه مع إن ده مش تخصصي، بس زي ما تقولي كده له عندي تار ومش هيبرد غير وأنا شايفهم راكعين تحت رجليا.
انجرفت بجلستها تجاهه، وازدردت ريقها بصعوبة بالغة وهي تقول:
_أوعى تكون متجوز وقتلوا مراتك ولسه بتحبها وجاي تنتقم والجو ده، أقسم بالله هطلع على راكان أقوله حقيقتك ولا هيهمني!
انفجر ضاحكًا وهو ينفي تهمتها مردفًا:
_لا أنا مش مرتبط متقلقيش، انتي أول واحدة قلبي ارتبط بيها.
احمر وجهها خجلًا فحاولت أن تقلب مسار الحديث، فقالت بحيرة:
_طب تار إيه؟
سيطر الحزن على معالمه وبدا كأنه على وشك البكاء، ولكنه تماسك وهو يحرر جملته:
_أمي يا شمس.... ماتت بسبب جرعة الانسولين المغشوش اللي أخدته.
أدمعت عينيها تأثرًا، فبكت وهي تراقب تعصب يده على حركة مقود السيارة، وأنفاسه التي تصل لمسمعها، فقالت بحقد:
_طيب ومستني إيه ما تقبض عليه.
ابتسم ساخرًا:
_مش بالبساطة دي، راكان ما هو إلا كلب بيتحرك بإشارتهم، اللي وراه هما اللي تاري وتار بلدي معاهم..
واسترسل بوعيد:
_بس خلاص هانت وأمسك الأوراق اللي راكان مخبياها ووقتها هكشفهم كلهم.
رمشت بحيرة وتساءلت:
_يعني طول الفترة دي كلها معرفتش تاخد الأوراق دي.
أجابها وهو يبطيء من سرعة سيارته رويدًا رويدًا:
_دورت في خزنة مكتبه وبالبيت بتاعه ملقتش حاجة، بس مازلت بدور وأكيد هوصل للملف ده ووقتها هتكون نهايته.
ابتسمت وهي تراقبه بحب ينبع بعينيها، فرددت:
_هيحصل، ربنا أكيد مش هيضيع تعبك.
التفت إليها يمنحها بسمة جذابة وهو يشير لها:
_إن شاء الله يا حبيبتي، وساعتها هتلاقيني عند فريدة هانم بطلبك للجواز وواثق إنها مستحيل هترفضني.
تلاشت بسمتها باستحياء، فغمز بعينيه بمشاكسة:
_حمدلله على السلامة شمس هانم.
لم تستوعب كلماته إلا حينما التفتت فوجدت ذاتها قبالة منزلها، ففتحت باب السيارة وهبطت، ثم انحنت على النافذة الخاصة بمقعده بعدما استدارت تخبره ببسمتها المشرقة:
_شكرًا على كل حاجة عملتها علشاني يا آدهم.
راقب ابتسامتها الرقيقة بحب نبع داخل حدقتيه، وهمس بصوت مغري:
_عمر... إسمي الحقيقي عمر!
استقامت بوقفتها وغادرت وهي تصيح بضحكة:
_هناديك آدهم لحد ما أتعود... باي.
راقبها حتى ولجت للباب الخارجي لمنزلها، مرددًا بابتسامة ساحرة:
_مع السلامة.
***
عاد علي برفقة مايسان للمنزل بعد أن أوصل فطيمة للشقة وتأكدت مايسان من أنها لا تحتاج لشيءٍ، فما أن ولجوا للداخل حتى وجدوا فريدة تجوب الردهة ذهابًا وإيابًا وعلامة الذعر تخطو على وجهها، وعلى المقعد يجلس أحمد يحاول تهدئتها وعلى ما يبدو من ملابسه أنه كان بالخارج، فما أن استدارت حتى وجدت علي ومايسان قبالتهما ومن خلفهما ولجت شمس، فصرخت بعصبية بالغة:
_أنا عايزة أعرف انتوا كنتم كلكم فين لحد دلوقتي!!
***
تململ بنومته بانزعاجٍ، ففرد ذراعه يحتضن زوجته فتفاجئ بعدم وجودها لجواره، استقام جمال بنومته وجذب التيشرت الملقي أرضًا يرتديه وهو يناديها:
_صبا!
خرج من الغرفة يبحث عنها فوجدها تجلس بالشرفة وجسدها متكئ على السور الحديدي، بدت له شاردة حتى أنها لم تشعر بوجوده، انحنى جمال لمستواها فضمها طابعًا قبلة حنونة على خدها:
_حبيبي قاعد سرحان في إيه بنص الليل؟
أبعدت يدها عنه بخجلٍ، ورددت بتلعثم:
_مفيش آآ... أنا مكنش جايلي نوم بس آآ.. هدخل أنام حالًا.
منعها من النهوض، وجذب المقعد المجاور لها ليضعه قبالتها، وقال بحزنٍ:
_مالك يا صبا من يوم خناقتنا دي وإنتِ متغيرة مع إني معتش بنام بره البيت ولا بتأخر بالرجوع!
أخفت عينيها من لقاء عينيه، فرفع ذقنها يجبرها على التطلع إليه، متسائلًا بلهفة:
_أنا عملت حاجة زعلتك مني؟
رددت بزعل انتابها:
_مهو ده اللي مزعلني إنك بقيت مهتم بيا جدًا، فحاسة إني فرضت نفسي عليك لما صارحتك بمشاعري، لدرجة إنك بقيت بتجبر نفسك تكون معايا بشكل مستمر، ده مخليني أبقى مكسوفة من نفسي.
صعق مما استمع إليه ومع ذلك بقى هادئًا، واختار كلماته بعناية:
_ليه بتقولي كده يا صبا، كل الحكاية إني شلت الهموم اللي على كتافي، أنا ظلمت نفسي قبل ما أظلمك معايا يا صبا وفوقت!
واسترسل وهو يجذبها لتجلس على ساقه:
_ثم إن المفروض تكوني حاسة بحبي ليكي وفاهمه ده كويس!
منحته بسمة رقيقة، فضمها إليه وهو يهمس لها:
_بحبك ونفسي تفهميني بقا، أعملك إيه تاني ده أنا بطلت أشوف المقاطيع بالساعات بسببك وواخدني تريقة في الراحة والجاية ومستحمل علشان عيونك الجميلة دي.
ابتسمت مجددًا، وسألته بجدية:
_أخبار عمران صاحبك إيه؟
أجابها وهو يغمز لها بخبث:
_كويس أوي أنا اللي مش تمام.
وحملها ليدلف بها لغرفتهما وضحكاتها تعلو دون توقف، فما أن وضعها على الفراش وكاد بالتمدد جوارها حتى صدح هاتفه برقم يوسف، فحمله بسخط:
_شوفتي أديكي نقيتي فيها، يوسف ميرنش نص الليل إلا لما يكون في بلوة!
كبتت ضحكاتها حينما حرر زر الإجابة، ليجد الأخير يخبره بغضب:
_تعالى حالًا، صاحبك اتطرد في الشارع في نصاص الليالي وعربيته عطلانة، استر هيبتي قدام الجيران سترك الله!!
رواية صرخات انثى الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ايه محمد رفعت
ساد الصمت الأجواء، وكلاهما ينتظر سماع الرد القاطع للسؤال المطروح، فكانت شمس أول من تحدثت بثبات مصطنع تخفي به ما تعرضت له بيومها الغامض هذا، فقالت:
_أنا كنت مع راكان يا مامي والوقت سرقنا حتى موبيلي كان فاصل شحن، أنا أسفة مش هتتكرر تاني.
واستطردت ببسمة تصنعها بالكد:
_حمدلله على سلامتك يا أنكل، نورت الدنيا كلها.
واحتضنته شمس بشوقٍ، فربت على ظهرها وهو يعاتبها ببسمة هادئة:
_كده تخضينا عليكي الخصة دي، وخطيبك ده مكنش بيرد على مكالمتنا ليه ده أنا روحتلكم البيت والحرس قالولي إنه مرجعش من بره.
ابتلعت ريقها بتوتر، فخطفت نظرة مترددة لوالدتها المتجمدة محلها بملامح واجمة لا تنذر بخير، فقالت:
_موبيله كان صامت، لإنه محبش حد يزعجنا زي كل مرة، بعتذر على الازعاج اللي سببنهولكم مرة تانية.
مسد على شعرها الطويل بحنان:
_ولا يهمك يا حبيبتي..المهم إنك بخير.
تحرر صوت فريدة الحازم لتغزو مايسان وعلي:
_وحضراتكم كنتوا فين لحد دلوقتي، وإزاي يا مايا تنزلي بوقت زي ده من غير ما تأخدي اذني أو تعرفي جوزك على الأقل!
أخفضت عينيها خوفًا مما ستلاقاه الآن، فرددت بتلعثم:
_آآ... أنا.. آآ..
ناب عنها علي حينما قال بخشونةٍ:
_أنا اللي كلمت مايا وطلبت منها تقابلني في المطعم لإني كنت محتاج مفاتيح شقة والدها.
زوت حاجبيها باستغرابٍ:
_محتاج المفاتيح ليه؟
ها قد بدأت الدفوف لاعلان الحرب المترقبة، فسحب علي نفسًا مطولًا ليجيبها:
_كنت محتاجه لفطيمة هتقعد بالشقة لحد ما نكتب الكتاب وبعدها هتيجي تعيش معانا هنا لحد ما نحدد معاد الفرح.
سقطت الكلمات عليها كالصاعقة، فبدت بالبداية كالبلهاء لا تفقه فهم كلماته، "فطيمة" تتذكر جيدًا هذا الإسم فقد سبق عليها سماعه، مهلًا هل يقصد مريضته التي سبق وقص لها ما تعرضت له من اعتداءً!
تصلب جسدها جعل أحمد يمنحه نظرة معاتبة لتسرعه باخبارها، بينما خشيت مايسان تلك العاصفة التي سترج أركان المنزل، أما شمس فبدت متحيرة في فهم ما يقوله أخيها، كل ما تمكنت من فهمه بأن سيعقد قرانه على فتاة وسيحضرها هنا لحين تحديد حفل الزفاف.
تمكنت فريدة من تحرير لسانها الثقيل، لينطق:
_إنت بتقول أيه؟!
وتابعت وهي تعيد خصلات شعرها القصير للخلف:
_لا أكيد بتهزر، اللي فهمته أكيد غلط إنت متقصدش البنت المغتصبة اللي بقالك شهور بتعالجها، أكيد دي واحدة ليها نفس الإسم صح؟
اسند يديه لبعضها البعض خلف ظهره، وأكد بثقة:
_لا يا فريدة هانم، هي نفسها المريضة اللي بعالجها.
تحررت عن حالة جمودها، لتصرخ بصوت أخاف الفتيات:
_إنت اتجننت يا علي عايز تتجوز واحدة اتعرضت للاغتصاب أكتر من مرة، قبلتها على نفسك إزاي، إنت أكيد مش بعقلك!!
أجابها بتحدي وعينيه لا تفارق خاصتها:
_أنا طول عمري عاقل وعارف كويس أنا بقول أيه، وحضرتك نطقتي بلسانك إنها مغتصبة يعني اللي حصل ليها مكنش بارادتها!
تدخل أحمد سريعًا يحاول تلطيف الأجواء، فقال:
_اهدوا يا جماعة النقاش مش كده!
وتطلع لفريدة يخبرها بهدوء:
_فريدة، علي معاه حق البنت مالهاش ذنب في كل اللي حصلها، حرام تتعاقب على شيء اتفرض عليها.
رمشت بعينيها بعدم تصديق:
_ إنت كنت عارف يا أحمد؟
اكتفى بإيماءة رأسه مما جعلها تصفق كف بالأخر وهي تصيح:
_مش معقول أكيد ده حلم سخيف!
وتابعت بصوت محتقن:
_إنت مختارتش واحدة بره الطبقة الراقية اللي عايشين جواها يمكن كان الموضوع هيبقى صعب بس مش مستحيل، لكنك اختارت واحدة ملوثة متناسبش العيلة لا بالنسب ولا بأي شيء وواقف قدامي بكل جراءة وتقولي هتتجوزها!
واستكملت بعنف وقد تلون وجهها بحمرة مخيفة:
_لا يا علي مش هسمحلك تعمل كده، الجوازة دي مستحيل هتتم سامعني!
اقترب منها علي حتى بات يقف قبالتها، فردد بصوتٍ منخفض لا يهنيها بحدته:
_فريدة هانم أنا مش عمران هقبل بقراراتك وأنخضع ليها، أنا علي اللي لا يمكن مخلوق على وجه الأرض يمشي أوامره عليا وحضرتك عارفاني كويس.
وتابع وهو يتطلع لأحمد:
_الجوازة هتم يا عمي، بكره هكتب كتابي على فاطيما والاسبوع الجاي هنعمل الفرح هنا بالبيت.
وتركهم وكاد بالصعود ولكنه توقف فور أن صرخت فريدة بعصبية:
_القذرة دي مستحيل هتعتب خطوة واحدة جوه بيتي، ولو فاكر إني هسكت تبقى بتحلم يا علي.
أطبق يده على درابزين الدرج يبث عصبيته الكامنة بها، فهدأ من أعصابه قبل أن يستدير ويخبرها:
_يبقى أنا كمان من النهاردة ماليش مكان جوه البيت ده.
وهبط يتجه للخارج، فهرعت شمس من خلفه تردد ببكاءٍ:
_علي أنت رايح فين؟ أرجوك تهدأ وترجع.
لم يستمع أليها وأكمل طريقه، حتى صاح به أحمد بغضب:
_أيه اللي بتعمله ده يا علي، بطل جنان واطلع أوضتك وأنا هحاول أتكلم مع فريدة.
لا يريد أن يكون وقحًا مع عمه، فقال برزانة:
_من فضلك يا عمي أنا مش مستعد يكون في زعل بيني وبين حضرتك، أنا قولت اللي عندي وده النهاية.
قالها وهو يهم بالخروج، فأوقفه صوتها المنادي:
_علي.
توقف محله واستدار إليها، فاقتربت منه تردد بحزمٍ:
_بلاش تخسرني عشانها يا علي، إختار أي بنت حتى لو مكنتش من مستوانا وأنا بنفسي هروح أخطبهالك بس من فضلك تكون عذراء متكنش ملوثة.
برق بعينيه بصدمة من حديث والدته، فابتسم ساخرًا:
_أنا طول عمري بحترم حضرتك بس حقيقي أنا النهاردة مصدوم ومش قادر أتكلم، بتحسسيني بكلامك إنها هي السبب في اللي حصلها!!
وتابع وهو يشير باصبعيه:
_اللي حصلها ده كان ممكن يحصل لشمس أو لمايا وقتها كنتي هترميهم من حياتك!
_علـــــــــــــي!
تحرر صراخها يستوقف حديثه، فرددت بحدة:
_ازاي تجرأ تقارنها ببناتي، الظاهر كده إن عمران لوحده اللي مرتكبش معصية وسكر إنت كمان مش في وعيك.
ازدادت ابتسامته الساخطة:
_لا يا فريدة هانم أنا لا مجنون ولا سكران، أنا واعي كويس للي بقوله.
وتابع قائلًا:
_أنا مأجرمتش بحبي ليها، قلبي هو اللي اختارها عن قناعة إنها انسانة متكاملة وزي كل البنات مش ناقصها حاجة.
وضم شفتيه معًا بقلة حيلة كونها والدته، ثم قال:
_بسبب وجود ناس تفكيرهم زي حضرتك في ألف بنت زي فاطيما بيعانوا ومش بس وصل بيهم الحال في أوضة بمستشفى للأمراض النفسية، وصل بيهم الحال للانتحار يا فريدة هانم.
تمردت عن ثباتها وتحرر صوتها المبحوح:
_علي هعملها لأول مرة وهمد إيدي عليك.
تدخل أحمد على الفور، فأشار إليه بصرامة:
_اطلع على أوضتك دلوقتي يا علي، واللي إنت عايزه هنعملهولك..
اعترض على أمره قائلًا باحترام:
_عمي من فضلك آ..
قاطعه بنظرة حازمة وصراخه الذي تمرد على هدوئه الرزين:
_أنا قولتلك اطلع أوضتك وسبني دلوقتي مع والدتك.
اقتربت شمس منه تترجاه برجفة يدها:
_علي بليز تعالى معايا.
رؤيته لدمعاتها ورجفة أصابعها المتمسكة بقميصه جعله ينصاع إليها برفقة مايسان للمصعد.
ما أن فرغت الردهة بها حتى جلست على أقرب مقعد تحتضن جبينها بتعبٍ شديد، وتردد بصوتٍ مرهقٍ خافت:
_أولادي بيضيعوا مني يا أحمد، لسه متجاوزتش اللي عمران عمله ودلوقتي طلعلي علي!
تطلع لها بحزنٍ شديد، فجذب أحد مقاعد السفرة ليجذبه قبالتها ثم جلس وقال بألمٍ:
_اهدي يا فريدة، الأمور متتحلش كده.
رفعت عينيها الباكية إليه تشير بقلة حيلة:
_أمال تتحل ازاي! أنا تعبت تعبت وحاسة إني خلاص مبقتش حمل المسؤولية دي.
وعادت تنحني دافنة رأسها بين ذراعيها هاتفة ببكاء:
_لأول مرة أحس إني عاجزة ومفتقدة لوجود سالم جنبي، خلاص بقالي 15سنة بحارب لوحدي!
طعنته بخنجر قاسٍ استهدف صدره دون راجع، اتشتاق لرجلٍ أخر سواه وترددها بوجهه! نعم لم تخطئ فهو بالنهاية زوجها، ولكن الا تمنحه الرحمة لعذاب خاضه وأخيه حيًا لتلزمه به وهو ميتًا!! الا تشفق تلك المرأة على حاله؟!
أفاق من شروده حينما وجدها تنحرف بجلستها تجاهه، لتسأله بلهفة:
_قولي يا أحمد أعمل أيه؟ أنا مش قادرة أتخيل إن البنت دي تبقى مرات ابني! أنا ممكن يجرالي حاجة لو ده حصل.
وتابعت وهي تلتفت بجنون:
_هودي وشي فين من الناس لما يعرفوا اللي حصل معاها ولا لما يعرفوا هي بنت مين وأصلها أيه؟
واستطردت تجلب حجج من أمامه:
_إنت أكتر واحد عارف الطبقة اللي عايشين فيها عاملة إزاي.
تحرر عن صمته بنبرته الرجولية الصارمة:
_ما يغوروا في داهية يا فريدة، ناس أيه اللي بتتكلمي عنهم!
وتنفس بضيقٍ، ثم عاد يشير لها بهدوء:
_يا فريدة إفهمي علي غير عمران وإنتي عارفة كده كويس، مدام أخد القرار مستحيل هيتراجع فيه.
انفطرت ببكاء جعله يود أن يجلد ذاته، يتمنى من أن يضمها إليه، تبًا لتلك المسافات التي مازالت تضعها بينهما حتى تلك اللحظة، ليته يتمكن من الزواج بها رغمًا عنها ، ليته يقسو عليها ولو بمجرد الكذب عليها بشأن زواجه من أخرى ولكنه يخشى أن يحزنها، وكأن قلبها هذا هو النابض بجسده، لا يريد أن يسبب لها الألم يكفي ما فعله بها.
تنحنح أحمد وببحة صوته المميز قال:
_فريدة كفايا عشان خاطري، بتوجعيني بعياطك ده وأنا قلبي مش متحمل، اهدي من فضلك.
أزاحت دموعها وانتفضت محلها فجأة وكأنها لم تكن تعي ما فعلته، فقالت بعصبية:
_إنت رجعت ليه يا أحمد، رجعت عشان تشوفني ضعيفة ومهزومه صح، لا ده بعدك أنا شلت البيت ده وأولادي 15سنة، وكلمتي هي اللي هتمشي علي مش هيتجوز البني آدمة دي لو أخر بنت في الدنيا، هختارله البنت المناسبة ليه وبنفسي.
انتصب بوقفته يرمقها بنظرة غاضبة، وهاج بسخط:
_اعمليها مش جديدة عليكي، بس وقتها هتكوني خسرتي ابنك التاني هو كمان.
وتابع ورماديته تناطح زرقة عينيها دون تراجع:
_انتي كنت سبب دمار علاقة مايا بعمران، لإنك جبرتيه يتجوزها مع إن الولد كان بيحبها ويمكن مع الوقت كان هو اللي هيطلبها بنفسه للجواز، ومهما كان احساس إنه اتجبر على شيء غير مقبول لأي راجل اتخلق على وش الأرض وابنك راجل مش دلدول أمه يا فريدة هانم.
تراجعت للخلف خطوة وكأنها على وشك السقوط، فاستطرد بقسوة علها تعود لرشدها:
_حتى شمس فرضتي عليها راكان لإنه من وجهة نظرك رجل الاعمال ابن الحسب والنسب واللي يليق بالعيلة، لكن بنتك بتفكر في أيه وجاهزة للجواز دلوقتي ولا لأ ولا همك!
ابتلعت ريقها المتحجر بصعوبة، فاحتقنت حدقتيه وبوجعٍ أضاف:
_دمرتيني ودمرتي عمران ودمرتي شمس ودلوقتي جيه الدور على علي!! لسه عايزة تعملي أيه تاني يا فريدة؟
تحررت عن صمتها لتحرر صراخ الأنثى الباكية داخلها فقالت:
_أنا مدمرتش حد، أنا كنت بحمي عمران من الحيوانة اللي كانت هتدمره، وكنت بحافظ على مايا بنتي اللي ربتها على ايدي يا أحمد!
وبكت وهي تخبره:
_خوفت إنها تعيش في النار اللي أنت رمتني فيها، خوفت أشوفها بتنهار لو اتجوزت شخص مبتحبهوش، احساس بشع متمنهوش لألد أعدائي عايزيني اتقبل إن بنتي تعيشه!
مسحت عبراتها وهي تستمد قوتها:
_على الأقل عمران كان بيحبها ودلوقتي ابتدى يقتنع بغلطه ويصلح علاقته بيها، أما شمس فأنا مستحيل هرميها أنا عارفة ومتأكدة إن مفيش حد في حياتها عشان كده اختارتلها المناسب ليها وطولت فترة الخطوبة بحيث إنها تعاشره وتقدر تتعرف عليه كويس، ولو إنها ذكرتلي سبب مقنع لفسخ الخطوبة مش هتردد ثانية واحدة.
وأشارت باصبعها باصرار:
_لكن علي لازم أقفله وأمنعه من اللي هيعمله ده مهما كان التمن.
ابتسامة موجوعة ارتسمت على شفتيه، وقال بانهاكٍ:
_حتى لو كان التمن خسارته!
جحظت عينيها صدمة، فتابع بهدوء غريب:
_فريدة أنا مش ضدك ولا عمري هكون، أنا في صفك ومش عايز غير مصلحتك، ومصلحتك إنك متخسريش علي، وافقي على جوازه منها لانه كده كده هيتجوزها وإنتِ عارفة ده.
هدأت قليلًا، وجلست على الاريكة باسترخاء، ليطول صمتها وكأنها توازن الأمور جيدًا، ورددت بهمس:
_بس أنا مش هقدر أتقبلها يا أحمد.
جلس على بعد معقول منها، وقال:
_مش مهم، المهم إنك متخليش علي يطلع من تحت طوعك ده لمصلحتك.
أغلقت عينيها بقوةٍ تحرر دمعتها، وهزت رأسها متفوهة بازدراء:
_سبني لبكره أفكر!
هدأ من سرعة السيارة حينما اقترب من العمارة، ولكنه وللعجب لم يجد أحدًا، فرفع هاتفه يطلبه فإذا بذراعٍ يشير له من مدخل العمارة، يحثه على التحرك والوقوف قبالة الباب، فقاد جمال السيارة حتى بات قبالته، فركض يوسف ليفتح باب السيارة ولكنه لم يستجيب له، فصرخ بمن يتأمله بفمٍ بكاد يصل للأرض من فرط الصدمة:
_افتح الباب بسرعة هتفضح يالا!
فتح القفل الالكتروني، فصعد يوسف يلتقط أنفاسه وهو يشير له:
_اطلع بسرعة.
تمادى بالضحك وهو يردد بصعوبة:
_بالبيجامة الستان يا دكتور!!
رمقه بنظرة قاتلة، فكبت جمال ضحكاته وقاد بصمت، ومن ثم عاد يتطلع إليه فضحك مجددًا وهو يخبره:
_مش ممكن، لو حد من المرضى بتوعك شافوك كده هيركبوك التريند.
وقهقه ضاحكًا وهو يتابع بسؤال هام:
_ازاي دكتورة ليلى سمحتلك تنزل كده، لا أكيد في سوء تفاهم!
لزم الصمت ونظراته الحادة هي التي تخترق ذاك المتطفل، فعاد لنوبة ضحكه مجددًا وأشار له لاهمية الأمر:
_يعني دلوقتي هنخش على أخوك سيفو كده ازاي، هتكون قدوة ليه من أي جهة وإنت راجع الساعة 2وش الصبح بالبيچاما الستان المنيلة بسواد دي!
زفر بغضب، فتابع جمال بمشاكسة:
_لو عايز مفتاح مكتبي تتكوم فيه للصبح معنديش مانع أهو أهون من الفضايح دي.
تحرر يوسف عن جلباب صمته العتيق، فطوق عنقه بقبضته، صعق جمال مما فعل فحاول السيطرة على حركة السيارة وهو يصيح:
_يوسف بطل غباء هنعمل حادثة.
لم يزيح يده فقال بضحك:
_طب خلاص حقك عليا، أنا اللي مطرود بالبكيني يا عم.
تركه يوسف وجلس بهدوء جعله يتساءل:
_مالك يالا، ساكت من ساعة ما ركبت هي دكتورة ليلى كلت لسانك ولا أيه؟ لو تحب نطلع على المستشفى مفيش مانع!
صرخ بعصبية:
_أنا كرهت المستشفيات والدكاترة كلهم، جالي مكالمة شغل مريضة بتحكيلي على مشاكل عندها في الحمل فسألتها بمنتهى العملية إذا كان حدث علاقة مع زوجها بنفس اليوم ولا لأ مرات أخوك سمعت المكالمة جنونها طارت مسكتني من ياقة البيجامة الستان السودة وطردتني بره الشقة!
لم يستطيع السيطرة على ذاته، فأحمر وجهه من فرط الضحك والاخير يتطلع أمامه في محاولة للسيطرة على أعصابه بالنهاية يقدم له المساعدة.
رفع جمال يده له بحرج:
_أنا آسف يا جو النية مش شماتة أبدًا بس الموضوع مضحك!
وتابع بمزح:
_أنا كنت جايلك على أخري منك لإنك بتختار أوقات مش تمام وتكلمني فيها، بس بصراحة ناري بردت لما شوفت حالتك المذرية دي!
لكمه بشراسة وهاج به:
_ما تنزل تشحت عليا أحسن! مهو خلاص معتش غيرك إنت والوقح عمران اللي تتمسخروا بدكتور يوسف أحلى دكتور نسا وتوليد فيكي يا انجلترا.
هز رأسه مؤكدًا بسخرية:
_دكتور الحالات المتعثرة!
لكمه مجددًا فقهقه ضاحكًا وهو يوقف السيارة بقوةٍ جعل جسده يندفع بعنف للامام، ليشير له بتسلية:
_يلا يا جو اطلع لسيفو يكمل تحفيل عليك وأنا هبقى أجي أكمل بكره، أقصد هجبلك بدلة شيك وأجيلك بكرة بإذن الله عشان نروح لعمران.
هبط يغلق باب السيارة بعنف، وانحنى للنافذة يشير له:
_بكره هوريك مقامك يا حقير!
ولجت لغرفتها أبدلت ثيابها وقبل أن تذهب للنوم اتجهت لتتفحص عمران قبل أن تغفو، فما أن وجدت الغرفة معتمة كادت بالعودة لغرفتها، فتفاجئت بالنور يضيئها، فتمكنت من رؤيته يجلس على الفراش والضيق يتسلل لمعالمه بوضوح، ابتلعت مايا ريقها بتوتر فبررت لما خمنت سبب غضبه:
_عمران أنا أسفة أني خرجت في الوقت ده بدون إذنك، بس والله كنت نايم ومحبتش أزعجك، علي بعتلي وكان عايز مفتاح الشقة لفطيمة.
رد عليها ونظراته تحيطها بثبات:
_مش زعلان عشان تبرريلي يا مايا، أنا متضايق من اللي بيحصل معانا بسبب عناد فريدة هانم.
وأضاف بغضب:
_الصوت كان عالي تحت وسمعت كل حاجة، وبصراحة علي معاه حق.
رفعت حاجبها بدهشة، فدنت تجلس أمامه على الفراش تردد:
_مش مصدقة إن عمران سالم اللي بيقول الكلام ده! أنت لسه تعبان ولا أيه؟
تمردت ضحكاته الرجولية، ليغمرها بنظرة مشاكسة:
_لا ده عمران اللي قلبه رجع يدق بحب مايا من تاني فبقى عاطفي ويقدر القلوب العاشقة زي قلب الدكتور علي كده.
أخفضت عينيها عنه بارتباك، فاقترب بوجهه يهمس بصوتٍ منخفض مغري:
_أيوه يعني هتهربي مني كده لحد أمته؟
وتابع بخبث:
_زي ما أنتِ شايفة بقيت عاجز عن الحركة وهحتاجك جنبي طول الوقت، وانتي من كلمتين بتفرفري قدامي، مينفعش كده هحب في مين طيب في علي أخويا ولا انكل أحمد مثلًا!
اشتعلت وجنتها فنهضت عن الفراش واتجهت للمغادرة وقبل أن تغلق بابها رددت بغضب:
_يوسف صاحبك معاه حق إنت وقح!
تمؤدت ضحكاته باستمتاعٍ لرؤيتها تهرول خجلًا منه، فراق الأمر له كثيرًا، سحب عمران جسده للأسفل ليتمدد باريحية لحقت نبرته:
_شكلنا كده هنتسلى كتير الفترة الجاية!
طرق على الباب ويده على جرس المنزل لدقائق متتالية حتى استجاب أخيه لندائه المزعج، ففتح الباب يعبث بحدقتيه الناعسة:
_يوسف! أيه اللي جابك بالوقت ده!
ربع يديه أمام صدره بضيقٍ:
_مطرود ولو هتفتح تحقيق فالعملية مش ناقصك إنت كمان، وسع من قدامي خليني ألحق اتخمد قبل معاد المستشفى.
وكاد بالدخول فقاطعهما صوت أنوثي يردد بفزع:
_دكتور سيف ماذا هناك؟ ومن هذا المزعج الذي يدق بابك بتلك الطريقة!
استدار يوسف للخلف، فوجد باب الشقة المقابل لاخيه مفتوح ومن أمامه تقف بنت شقراء، ترتدي تنورة قصيرة وتوب قصير، فالتفت لأخيه يجذبه من تلباب ملابسه، ثم دفعه للداخل ليغلق الباب بقوة بوجهها، فلف يده حول رقبته وهو يصيح:
_مين دي يا وقح أنا شكلي هسحب الوقاحة من عمران وأديها لاخويا اللي مدورها بغيابي!
ابعد سيف يده عن رقبته باختناقٍ:
_يوسف أنت مجنون، أنا أبص على اللحم الرخيص ده!! دي جاسي واحدة لسه ساكنة جانبنا من أسبوع وسبق واتعرفنا بالاسانسير بس كده!
منحه نظرة قاتمة قبل أن يحرر يده كليًا، فجذب القميص يعدله على جسد أخيه وهو يشير له:
_يالا لو واقع قولي وأنا أروح اخطبهالك ونخلص.
جحظت عينيه صدمة:
_تخطبلي مين! أنا ساعات بحس إنك عايز تلقفني لأي عروسة عشان تتخلص مني.
أحنى رأسه ليسدد له صفعه على رقبته:
_يا حمار خايف عليك من الفتنة، إنت شايف البلد اللي احنا فيها عاملة ازاي!
تركه وولج للمطبخ يجذب كوبًا من المياه يرتشفه وهو يشير له:
_اطمن يا حبيبي أخوك راجل مش أي ست تجيب رجليه.
وأسترسل بغرور:
_أنا يوم ما أقرر اتجوز هتجوز بنت مسلمة ومحجبة يا يوسف، تخفي جمالها عن الرجالة كلها لحد ما يتقفل علينا باب واحد!
ابتسم وهو يستمع إليه، وقال بجدية:
_راجل يالا، تربية ايدي!
ضحك وهو يغمز له:
_طب فكك من حوار نونة الخاطبة دي وأرغي دكتورة ليلى طردتك ليه المرادي؟!
تقلب بفراشه بانزعاجٍ، يحاول السيطرة على لهفته فالوقت قد شارف على الثالثة صباحًا، كيف سيتصل به بوقتٍ كذلك، ولكن النوم جفاه وعينيه لا تفارق ساعة الحائط، فاستقام بجلسته وهو يردد:
_أنا هتصل بيه دلوقتي واللي يحصل يحصل.
وعاد يجيب على ذاته:
_بس الوقت متأخر جدًا يا علي، هيقول أيه!
واقنع ذاته ببسمة واسعة:
_هي رنة واحدة رد رد مردش هكلمه بكره.
وبالفعل حرر زر الاتصال، ليتفاجئ بصوت الجوكر الناعس يجيبه:
_دكتور علي، خير؟!
سحب نفسًا طويلًا، ليجيبه ببسمة واسعة:
_النهاردة كتب كتابي على فطيمة!
تسللت الشمس بخيوطها لساحتها العتيقة، ففتحت فطيمة عينيها، ونهضت تتجه لحمام الغرفة، فاغتسلت وخرجت تؤدي صلاتها وهي تدعو الله مرارًا أن يقرب منها الخير ويبعد الشر عنها، تعلم بأن هناك حربًا سيخوضها علي برفقة والدته التي سبق له الحديث عنها لها بتلك الايام التي كانت تلجئ بها للصمت، فلم يكتفى بالحديث لها عن والدته فقط، كان يجلس جوارها كل يوم بعد انتهاء عمله بالمشفى يقص لها عن حياته وكأنها طبيبه النفسي! أخبرها عن يارا خطيبته السابقة وحبها لمروان زيدان ابن عم مراد، وعن أخيه وزواجه من مايسان ابنة خالته حتى شمس كان يقص لها عن تلك الفتاة المدللة، وأيضًا لم ينسى ذكر فريدة هانم بسلطاتها القوية بالسيطرة على المنزل وأبنائها.
بداخلها خوفًا كبيرًا تجاه ما سيتعرض له علي بسببها ولكنها الآن كالغريقة التي تتمسك بقشة نجاتها، وعلي هو كل شيءٍ لها، الثمانية وأربعون ساعة التي قضتها دون رؤيته بالمشفى كانت على وشك الجنون، وكأنها تترقب جرعة المخدر الذي سيذهق عقلها عن آلآمه جميعها، وكأنه البلسم لكافة جروحها، لا تحتاجه كطبيب يكفي وجوده لجوارها حتى وإن كان صامتًا، الأمر يتعلق به.
خرجت من غرفة النوم واتجهت للمطبخ الفخم الموجود بطرفي الردهة، تحمل من الثلاجة بعض الفواكه واتجهت للطاولة القريبة من الحائط المشكل على هيئة من الزجاج الشفاف، فراقبت المارة بأعين ساهمة لا تدري ماذا سترى بالايام القادمة!
انتهى من ارتداء ملابسه وأخذ يصفف خصلات شعره حينما اتاه صوت طرقات باب غرفته ومن خلفها صوتها الرقيق يستأذن:
_ينفع أدخل؟
ابتسم وهو يشير لها:
_تعالى يا روح قلبي.
ولجت شمس للداخل بفستانها الأزرق الطويل، تهرول حتى أصبحت أمامه تخبره بحماس:
_أنا جاهزة.
عقد حاجبيه باستغراب، فأحاط رقبته بالجرفات متسائلًا:
_جاهزة لأيه، مش فاهم؟!
ذمت شفتيها بضيق:
_هو إنت عايز تروح تكتب كتابك من غير أختك يا علي!
استدار إليها يرمقها بنظرة متفحصة قبل أن يسألها بمكر:
_مش خايفة من فريدة هانم؟
هزت شمس رأسها نافية، وأضافت:
_أنا جاهزة أتعرف على البنوتة اللي سحرت قلب دكتور علي.
فتح ذراعيه لها ببسمة جذابة، فاحاطت رقبته ورأسها ممدد على صدره، فربت بحنان على خصرها وهو يهمس لها:
_حبيبتي منحرمش منك أبدًا، أكيد طبعًا هاخد شمس هانم بنفسي لهناك.
صاحت بحماس:
_هجيب شنطتي وهجي.
هز رأسه بتفهمٍ، وجذب جاكيته يرتديه على عجلة، ثم توجه لغرفة عمران يطرق بابه وما ان استمع لصوته يأذن له بالدخول، ولج ببسمته الواسعة:
_صباح الخير.
ابتسم ذاك المشاكس الذي يتناول طعام الافطار بيد مايسان التي تجاهد لاخفاء خجلها الشديد وخاصة مع دخول علي:
_صباحك ورد يا دوك، تعالى افطر.
غمز علي بخبث:
_مايا هانم بتأكلك بنفسها! الله يسهله يا عم.
ارتبكت مايسان، فطرقت الصينية من يدها على الكومود ورددت لعلي بحرج وخوف:
_والله ما أنا ،أخوك الوقح اللي أجبرني أكله بيقول مش عارف يأكل بإيد واحدة .
تعالت ضحكات علي حتى كاد بالسقوط أرضًا، بينما كز عمران على شفتيه وهو يصيح بانفعال:
_هو قافشنا في شقة مفروشة!! أنتِ مراتي يا غبية، تأكليني تحضنيني كل شيء وارد.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، فأشارت بارتباك:
_شوفت يا علي أخوك بيتكلم ازاي، آآ.. أنا غلطانه إني جيت أشوفك فطرت ولا لا.. أنا ماشية.
وكادت بالهروب كعادتها ولكن صوت علي أوقفها:
_مايا استني أنا عايزك.
عادت لتقف على مقربة منه ونظراتها الساخطة تحيط عمران الذي يغمز لها، ويمنحها قبلات بالهواء متعمدًا أن يثير غضبها، مستغلًا أن علي يستدير بوجهه عنه.
أخرج علي من جيبه الفيزا الخاصة به ثم قال:
_مايا أنا عايزك تاخدي فطيمة وتنزلي تشتريلها شوية هدوم وكمان تجبيلها فستان شيك كده عشان بليل هعدي عليكم وهنطلع على المحامي نكتب الكتاب.
هزت رأسها بترحاب:
_بس كده عيوني.
ابتسم وهو يشكرها بامتنان:
_الأخت الجدعة متتعوضش حقيقي بشكرك على كل حاجة يا مايا.
اعترضت بلباقة:
_متقولش كده يا علي انت أخويا.. المهم بس تنفد من فريدة هانم النهاردة ربنا معاك.
ضحك وهو يعدل من جرفاته بغرور:
_متقلقيش على أخوكي، جامد ومفيش حاجة تهزه.
ردد عمران ساخرًا:
_طيب يا جامد متنساش تاخدني معاك أبارك ولا هترميني على السرير كده شبه العانس وانت مدورها!
انطلقت ضحكاته وقال وهو يتفحص ساعة يده:
_متقلقش... على فكرة دكتورة ليلى هتبعتلك دكتورة علاج طبيعي هتساعدك بتمارين خفيفة كده من النهاردة... زمانها على وصول.
انشرح وجهه ومنح بسمة خبيثة لزوجته قبل أن يقول:
_والله دكتورة ليلى دي بتفهم.
انفجرت مايا بغيظها مرددة:
_مفيش غير دكتورة يا علي متشوق دكتور أحسن!
نهض عن الفراش يقف قبالتها:
_هشوف حاضر، بس الدكتورة دي كبيرة بالسن متقلقيش منها يعني.
لعقت شفتيها بارتباكٍ من كشف أمرها أمامهما، فقالت بارتباك:
_وأنا هقلق ليه يعني.
شهقت صدمة حينما جذبها عمران لاحضانه يتعمق بالتطلع لوجهها القريب ويهتف ساخرًا:
_كل اللي هنا عارفين إنك واقعة في غرامي، ما تحني بقى!
لكمته مايا بغضب وصرخت به:
_سبني انت اتجننت أخوك واقف!!
هز علي رأسه بسخطٍ، واتجه ليغادر مرددًا:
_أخوه عارف إنه وقح متقلقيش.
نجحت بالتحرر من قبضته وهرولت خلف علي تخبره باستحياء:
_هغير وهنزل حالًا يا علي.
أجابها دون أن يستدير:
_واستعجلي شمس معاكي.
_طب وأنا يا علي، مش هتأخدني معاك!
جحظت عينيه صدمة، فاستدار للخلف ليتفاجئ بها تقف مرتدية ثياب الخروج برفقة أحمد الذي غمز لها بمكرٍ، فردد بصدمة:
_فريدة هانم!
رواية صرخات انثى الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ايه محمد رفعت
تجمعت الدهشة والريبة لتشكل على معالم علي بحرافية. وبالرغم من محاولات أحمد لبث الاطمئنان إليه، إلا أنه لم يكن مطمئنًا أبدًا. فما أن توقفت سيارته قبالة العمارة، حتى قال قبل هبوط الجميع:
"فريدة هانم، من فضلك يا ريت تتعاملي مع فطيمة بحذر. فطيمة مريضة نفسيًا، يعني ده هيدمر اللي وصلت له بحالتها."
حدقته فريدة، التي تجلس بالخلف جوار مايا وشمس، بنظرة قاتلة. ورددت باستهزاء:
"والله؟ ولما هي مبقتش كويسة خرجتها من المستشفى ليه يا دكتور؟"
تنحنح أحمد الجالس بالأمام جوار علي.
"فريدة، وبعدين؟"
ادعت فريدة برودها ووداعة ملامحها وهي تجيب:
"إيه اللي قولته غلط يا أحمد؟ المكان الطبيعي للمرضى النفسين هو المستشفى!"
أغلق علي عينيه بقوة وهو يحاول التماسك. لا يريد نزع تلك الليلة. وخاصة بأنه لن يترك فطيمة تجلس بمفردها، سيصطحبها للمنزل حتى موعد الزفاف. فوجد شمس تمسد على كتفه وهي تمنحه رسالة مبطنة لقلقه بعدم تمكنه من الصعود برفقتهم الآن.
"متقلقش يا علي، هنتعامل معاها بحرص. وأنا ومايا مش هنسيبها خالص لحد ما ترجع بليل."
أكدت له مايا وهي تتابع نظرات فريدة المشتعلة على ابنتها.
"إحنا أساسًا يدوب ننزل عشان نشتري الفستان ونجهز فطيمة."
ضيقت فريدة عينيها بدهشة.
"تخرجوا فين؟"
ردت شمس بتوتر:
"هناخد فطيمة نجيب لها فستان كتب الكتاب."
زوت فريدة شفتيها بسخرية.
"والله! طب تمام، يلا عشان منتأخرش."
جحظت عينا مايا وتبادلت النظرات مع شمس وعلي. وتساءلت:
"هو حضرتك هتيجي معانا؟"
أغلقت فريدة زر جاكيته الأسود الشبيهة للتنورة السوداء وقميصها الأسود الأنيق من أسفل الجاكيت الثمين، قائلة:
"عندك اعتراض يا مايا؟"
هزت مايا رأسها نافية وبالكاد قالت:
"لا طبعًا، أنا بس بسأل."
فتحت شمس باب السيارة وهبطت لتلحق بها فريدة ومايا. بينما ظل أحمد جوار علي. ليشير له:
"يلا يا علي، إطلع على المحامي نرتب معاه الأوراق عشان منتاخرش."
زادت صدمة علي، فصاح بعدم تصديق:
"عمي، حضرتك جاي معايا؟"
هز أحمد رأسه مؤكدًا. فقال علي:
"لا طبعًا. متقوليش إنك هتسيب فريدة هانم مع فطيمة لوحدها. محدش هيقدر عليها غيرك إنت!"
ضحك أحمد بشدة وردد:
"إنت قاريني غلط يا علي. فريدة أمك مش بترضخ لحد. هي ممكن تكون بتتفادى رغيي فبتعمل اللي بطلبه عشان أبطل أتكلم بالموضوع. لكن في حقيقة الأمر، فريدة هانم مفيش شيء بيردعها عن اللي في دماغها."
وهمس بصوتٍ ظنه غير مسموع لعلي:
"لو كنت قدرت عليها يمكن ده مكنش حالي!"
ابتسم علي بسخطٍ تمكن من إخفائه، وقال محاولًا تصنع جديته:
"عمي، أنا مش هقدر أمشي من هنا وأنا قلقان عليها. وجودك على الأقل هيطمني."
وتابع بحزنٍ تغلب عليه:
"فطيمة، أقل شيء بيخلي حالتها تسوء أكتر. من فضلك حاول تمنع ماما إنها تضايقها."
شفق أحمد عليه وعلى القدر الذي وضعه باختبار سيكون من الصعب عليه تجاوزه. كان يعلم منذ أشهر بأن علي قد سقط في داء العشق. فلم يكن بذاك الطبيب الذي يفشي أسرار عمله عن مرضاه أبدًا. ولكن من كثرة تفكيره بفطيمة وما يخصها، كان يشعر تجاهها وكأنها من أولويات حياته، وكأنها أحد أفراد عائلته. فكان يحاول باستماتة علاجها طوال تلك المدة التي تكمل العام بعد سفرهما من مصر إلى إنجلترا. فنتج عن انشغاله تقصيرًا شمله تجاه العائلة. فاضطر أسفًا يبرر انشغاله لرفيقه الودود أحمد، ووالدته وأخيه، ظنًا من أنهم سيتفهموا سبب غيابه بالأيام عن العودة.
ورغمًا عنه وجد الأمور تخرج عن طور سيطرته. فإذا بقلبه المغدور يعلن حبها صريحًا له. جابه مشاعره كثيرًا ولكن قلبه بالنهاية انتصر.
تحركت يد أحمد تربت على ساقه وهو يخبره ببسمة هادئة:
"متقلقش يا علي. هكون موجود معاهم ومش هسمح لفريدة تعمل شيء."
وهبط يغلق باب السيارة وهو يشير إليه:
"روح إنت مشوارك ومتقلقش."
ابتسم علي براحة بعدما تفادى الخمسين بالمئة من المشاكل. فحتى إن كانت فطيمة ستواجه جزءًا من تسلط والدته، ولكنها ربما تكون هينة أمام المئة بالمئة!
***
ارتدت حجابها حينما استمعت لرنين جرس الباب. واتجهت لتفتحه. فوجدت مايا تقف ولجوارها فتاة وامرأة تسدد لها نظرة لو حملت الجمر لأشعلت فطيمة على الفور. بدا لها بأن تلك المرأة لم تكن سوى فريدة هانم، والدة علي. وقد صدقت أحاسيسها حينما قالت مايا:
"دي شمس أخت علي يا فطيمة، ودي فريدة هانم والدته."
ابتلعت فطيمة ريقها بتوترٍ شديد. ورددت:
"أهلًا وسهلًا.. اتفضلوا."
ابتسمت فريدة ساخرة، وولجت للداخل متعمدة أن تحك كعب حذائها الأبيض العالي بالأرضية. مرددة:
"مش محتاجين عزومة إننا ندخل بيتنا يا حبيبتي."
كانت بدايتها معلنة للفتيات، بأن تتهيأ للحرب منذ الآن. فخففت شمس وطأة الأحداث حينما أحاطت فطيمة بذراعيها وببسمة مشرقة قالت:
"أهلًا بعروستنا الجميلة اللي هتنور بيتنا."
استلطفتها فطيمة، فكانت بشوشة رقيقة مثل مايا. فضمتها وأجابتها على استحياءٍ:
"تسلميلي يا حبيبتي."
مازحتها شمس وهي تدعي بحيرة:
"قوليلي بقى أناديلك فطيمة ولا فاطمة ولا فاطيما."
ضحكت فطيمة وهي تجيبها:
"براحتك، الإسم اللي حاباه ناديني بيه."
أشارت لهما مايا التي تقف بالردهة تراقب فريدة الجالسة على الأريكة تحدجهما بنظرة قاتلة. ثم قالت:
"يلا يا فطيمة ادخلي غيري هدومك عشان هننزل نشتري فستان كتب الكتاب."
أخفضت فطيمة عينيها أرضًا بحرجٍ. فدنت منها مايا تهمس لها بضيق:
"هو أنا مش وريتك امبارح أوضتي وقولتلك إلبسي اللي تحبيه يا فطيمة، لسه بالأسدال ليه؟"
"يمكن مش مستنضفة تلبس مكانك يا مايا، ومستنية الجديد يوصلها!"
قالتها فريدة وقد بدأت تلقي سهام حربها. فانقبضت معالم فطيمة خوفًا من القادم، خاصة بأن نظراتها كانت مقبضة. أجل، هي تعلم بأنها لن تكون بداية سلسة بقرار زواجها. ليس من علي بالتحديد بل بأي رجل. من البديهي أن والدته لن ترضخ لطلبه غير المقبول بالزواج من أنثى تم تجريدها مما تمتلك! هي من البداية كانت تصر برفضها لعلمها ذلك. ولكنها بالنهاية لم تكن قاسية على قلبها مثلما قسى عليها الجميع.
خطفت فطيمة نظرة لفريدة التي تقص بنظراتها التي شملتها من رأسها لأخمص قدميها، كأنها تقيمها بنظرة تحط من قدرها. فوجدت الكره والحقد يترأسان حدقتيها. اعتلاها الحزن وفضلت الصمت. فتركت فريدة حقيبة يدها البيضاء جانبًا واتجهت لتقف قبالتها، فما زالت تقف جوار شمس ومايا جوار باب الشقة المفتوح. مربعة يديها حول صدرها بثقة:
"قوليلي يا فاطيما، عملتيها إزاي دي وقدرتي توقعي ابني الدكتور علي!!"
واستكملت بسخرية:
"أصل بصراحة شايفة إنك بتمتلكي ذكاء وخبث ميلقش على وش البراءة اللي مصدرهولي من ساعة ما شوفتيني. واحدة زيك باللي حصل معاها كان ممكن يبقى طموحاتها توقع الفراش، حد من أمن المستشفى، صبي البوفيه، لكن الدكتور المعالج دي بصراحة تحسب لك!"
صعقت فطيمة مما استمعت، فشعرت وكأن قدميها تهتز عنفًا طالبة جلوسها قبل أن تسقط أرضًا. بينما اندفعت شمس تهتف بها:
"مامي بليز مينفعش اللي بتقوليه ده. حضرتك عارفة إن آآ.."
رفعت فريدة كفها توقعها عن الحديث ومازالت نظراتها تحيط بفطيمة التي تتشبث بجوانب أسدالها الفضفاض، تجاهد أنفاسها اللاهثة. فتدخلت مايا بهدوء:
"فريدة هانم، ميصحش اللي حضرتك بتقوليه ده. علي شرح لحضرتك قبل كده والموضوع انتهى!"
أحالت فريدة بنظراتها عنها لتتجه لزوجة ابنها الأصغر وابنتها، لتردد باندفاع:
"مفيش شيء انتهى يا مايا. الحرباية دي عرفت تتلون على ابني عشان توقعه بس مش هتنجح تخدعني. ولو عندها ذرة كرامة هتاخد نفسها وتمشي من هنا فورًا."
وخطفت مسافتهما لتصبح قبالة عينيها:
"ولو بتحبه مع إني أشك في ده، هتحب الخير ليه وإنه يكون سعيد مع بنت يكون هو حظها الأول وميبقاش بسببها أضحوكة وسط الطبقة المخملية اللي مستحيل هتكون منها!"
"فريـــــــدة!"
صوت ذكوري قوي قطع حديثها، ليمر من بين الفتيات حتى أصبح قبالتها عوضًا عن فطيمة التي يرتجف جسدها. فأشار لأحمد ومايا:
"خدوها تغير هدومها عشان هنتحرك حالًا."
جذبتها شمس بفرحة لوجود أحمد هنا، فلا هي تمتلك جرأة محاربتها ولا حتى زوجة أخيها. ولجوا بها لغرفة مايا الجانبية، وأغلقوا الباب ليدعوا الساحة لأحمد ليحارب بمفرده.
فما أن تأكد من ابتعادهما حتى صاح غاضبًا:
"إنت شكلك مش ناوية تجيبها لبر. سبق واتكلمنا وانتهينا. لسه بتحاولي تعملي إيه تاني؟"
تركته فريدة واتجهت تقف أمام الشرفة الزجاجية الضخمة، مرددة بانفعال:
"لا مخلصناش يا أحمد، أنا مش هقف أتفرج عليها وهي بتدمر ابني قصاد عيني."
حرر أحمد زر جاكيته الرمادي، ودس يده بجيب بنطاله القماشي، فاستند بيده الأخرى على العمود المجاور له وهو يردد بارهاقٍ:
"وبعدهالك من العناد يا فريدة، تعبتيني وتعبتي اللي حواليكي!"
واتجهت عيناه إليها يخبرها برزانة نبرته الجذابة:
"يا فريدة افهمي البنت مريضة. حرام عليكي اللي بتعمليه ده هيدمرها."
ضحكت فريدة ساخرة واقتربت منه:
"والله أول مرة تخليني أشك في ذكائك يا أحمد. البنت دي سليمة وأحسن مني ومنك. عارفة هي عايزة إيه كويس وبتنفذ لعبتها من زمان. لدرجة أن علي مكنش بيتنقل من المستشفى نهائي بسببها. والله أعلم هي عملت إيه تاني عشان تخليه يصمم عليها كده. مستبعدش أنها أغريته أو آآ.."
صوته الجهوري خرج متعصبًا:
"حرام عليكِ تظلمي ابنك والبنت بالشكل البشع ده. الظاهر إنك بعد اللي عمران عمله بقيتي تشوفي علي نسخة منه. علي يا فريدة العفيف اللي مبيسبش ولا فرض. علي اللي عاش عمره كله يطيعك رغم إنه عارف إنك غلط. تفتكر إنه ممكن يرتكب ذنب زي ده!!"
أخفضت فريدة وجهها للأسفل فانسدل شعرها القصير يخفي معالم وجهها عن عينيه. تراه لا يرغب برؤية دمعاتها. مسح وجهه بقوة كادت تخفي معالمه. ثم دنا يقول:
"حبيبتي سبيه يختار حياته ويعيشها زي ما هو حابب. والله أعلم بعد كده هيحصل إيه. ما يمكن ميتفقوش أو يحصل لا قدر الله عدم تفاهم بينهم. ساعتها لو أخد قرار الانفصال يكون باختياره هو وبدون ما تفرضي عليه بشيء."
رفعت فريدة وجهها إليه، واتجهت لتلامس النافذة الزجاجية، هامسة بخبث:
"ده اللي هيحصل."
صفق أحمد كفًا بالآخر مرددًا بنفاذ صبر:
"مفيش فايدة فيكِ. هتفضلي زي ما أنتِ."
أسرعت إليه تتمسك ذراعه وبرجاء قالت:
"أحمد افهمني أنا آآ.."
ابتلعت جملتها بصدمة حينما وجدته يستل ذراعه منها بانتفاضة غريبة. فراقبت معالمه باستغرابٍ. تنحنح بحرجٍ مصطنع:
"اعذريني يا فريدة. أنا مش حمل أشيل ذنوب. متنسيش إني بالنهاية أخو جوزك وعم أولادك."
واستكمل طريقه للمقعد واضعًا ساقًا فوق الأخرى بثقة، تاركها تتأمله بدهشةٍ وخوفٍ بدأ يحيطها من فكرة نفوره منها ومن مشاكلها التي لا تنتهي. فوخز قلبها بقوةٍ جعلتها تتجه لتجلس على الأريكة المجاورة له لتردد بصوتٍ محتقن تقطع صداه:
"أحمد إنت عايز تبعد عني؟"
رفع أحمد رماديته لها بعتاب شق صدرها:
"وأنا من إمتى كنت قريب يا فريدة هانم!"
كادت فريدة بالحديث إليه فقاطعتهما شمس حينما قالت:
"إحنا جهزنا يا أنكل أحمد."
نهض أحمد يغلق زر جاكيته وهو يشير لهم ببسمة جذابة:
"يلا يا شمسي. السواق جاب العربية تحت وأنكل أحمد بنفسه اللي هيوصلكم مكان ما تحبوا. بس من أولها كده أنا مش حمل بهدلة البنات والجري على كل محلات المول. يعني تحددوا قائمة المحلات اللي هتدخلوها وياريت تكون محدودة. مفهوم؟"
ضحكت مايا وأجابته بمرحٍ:
"علم وينفذ يا باشا."
ابتسم أحمد وهو يراقبهما، واتجهت عيناه على فطيمة التي تتطلع أرضًا بحزن، تتحاشى أن تتطلع تجاه مكان جلوس فريدة. فاقترب منها قائلًا بلباقة:
"أهلًا بعروسة ابني الغالي. وأكيد من النهاردة هتبقي بنتي إنتي كمان."
واسترسل مازحًا:
"ما شاء الله الواد طلع بيفهم ومختار قمراية، مش كده ولا إيه يا شمس؟"
أجابت شمس وهي تضع قبلتها على خد فطيمة:
"الا كده، دي كريزة يا أنكل."
رددت فطيمة بخفوتٍ شديد:
"شكرًا لحضرتك."
أشار لهم على المصعد قائلًا:
"طيب يلا بسرعة ورانا مشاوير كتير."
واستدار تجاه تلك الساهمة التي مازالت تتطلع لمقعده:
"هتيجي معانا ولا هتخليكِ هنا يا مرات أخويا؟"
انتقلت نظرات فريدة الغاضبة إليه، وحملت حقيبتها واتجهت خلفهن بخطوات متعصبة جعلته يبتسم وهو يهمس بخبث:
"مفيش مانع وأنا بحل مشكلة علي أحل مشكلتي بالمرة!"
***
ولج ثلاثتهم المصعد. فوقف جمال قبالة يوسف يعدل من الجرفات، مطلقًا صفيرًا مضحكًا:
"لا البدلة هتأكل منك حتة يا جو. دي مبتخرجش إلا للحبايب. خد بالك."
نزع يوسف يده عن عنقه وهو يصيح بضيق:
"خلاص يا عم قرفتني بام البدلة بتاعتك!"
منحهما سيف نظرة ساخطة وعاد يتابع التاب في محاولة لمراجعة مذاكرته. فتوقف المصعد بأحد الطوابق، فولجت للداخل فتاة محجبة وضغطت على زر الهبوط للأسفل.
اتسعت بسمة واسعة على وجه يوسف وهو يراقب تلك الفتاة بأعين منبهرة. جعلت جمال يميل إليه هامسًا بصدمة:
"أوعى خناقتك مع دكتورة ليلى تأثر معاك وتتجوز عليها. اعقل يا جو!"
لكمه يوسف بغضب جعلها تستدير للخلف بريبة. فقال يوسف ببسمة بلهاء:
"أعتذر عن الإزعاج، صديقي لا يبدو بخيرًا."
منحته الفتاة نظرة ساخطة وعادت تتطلع للأمام. بينما انجرف يوسف تجاه سيف المنعزل عنهم تمامًا بمذاكرة دروسه ليجد أخيه يلكزه بقوة. جعله ينزع نظارته الطبية وهو يهدر بانفعال:
"في إيه تاني؟"
أشار سيف بغمزة عينيه:
"محجبة ولابسة واسع ومحتشمة. مالكش حجة."
وأشار لجمال المنصدم بقدر صدمة سيف:
"هعرف من أمن العمارة ساكنة في الدور الكام وهروح أنا وجيمس نخطبهالك. ها أيه رأيك؟"
لطم سيف جبهته بالتاب فاستغل خروجهم من المصعد ليصيح به وهو يسرع لسيارته المصفوفة بالخارج:
"أنا واكل ورثك بتحاول تتخلص مني بأي شكل! ما تنزل إعلان على السوشيال ميديا أحسن!"
وهمس سيف بضيق وهو يصعد لسيارته:
"يا رب ارحمني منه ومن أصحابه لأني اتخنقت. أغير كالون الشقة ولا أطفش وأسبهاله!"
غادرت سيارة سيف وتبقى يوسف يلمح أثره بعدم رضا. فنزع يده المستندة على خصره ليشير لجمال:
"هات عربيتك يلا."
دنى منه جمال يشاكسه:
"بدل ما أنت شايل هم أخوك كده شيل هم نفسك وفكر هتصالح دكتورة ليلى إزاي؟"
وطرقع أصابعه بخبث:
"ولا أقولك إحنا في طريقنا للمعلم زير النساء، قاهر قلوب الأجانب. استعين بمساعدته أياكش حظك النحس يتفك على إيده."
منحه يوسف نظرة غاضبة، ليصيح بوجهه:
"الزير الوقح مع كل النساء ومش عارف يتواقح مع مراته! غور هات العربية يا جمال وخلي يومك يعدي!"
***
انتقت مايا أحد المحلات الراقية، وبمساعدة شمس اختاروا فستانًا بسيطًا من اللون الأبيض، تحيطه بطانة من الدنتل، وصف من الفراشات تحيط بكتفيه، لينتهي باتساع وكأنه فستان خاص لسندريلا عصرها. فجذبته العاملة بحرص حينما شددت صاحبة المحل بحزم:
"إحمليه بحرص، ليس لأنه غالي الثمن بل لأن والدتي قد صنعته بيدها خصيصًا لمن ستكون صاحبة النصيب."
واستدارت تجاههم مضيفة ببسمة عملية:
"ويبدو بأن تلك الجميلة هي صاحبة النصيب."
اكتفت فطيمة بمنحها بسمة بسيطة. بينما كادت بالانصياع ليد شمس التي تجذبها للغرفة بحماسٍ. فأستوقفتها جملة فريدة:
"الفستان شكله قيم ويستاهله عروسة بجد، مش كده ولا إيه يا مدام فطيمة؟"
رفعت فطيمة عينيها الدامعة إليها، فوجدتها تمنحها بسمة متشفية لما خاضته الآن. فتدخل أحمد حينما قال ببسمة مستفزة لتلك التي تراقبه، متعمدًا الحديث بالإنجليزية ليرضي فضول العاملات من حوله بمحاولة فهم جملة فريدة العربية:
"بل صنع لصاحبة القلب الأبيض والوجه الملائكي، صنع خصيصًا لكِ فطيمة."
بالرغم من خوفها الشديد من صنف الرجال، ولكن هذا أحمد يبدو بأن شعورها غريب تجاهه. لم تقابله سوى بضعة دقائق وبدأ شعور الألفة والأمان يجتاحها. منحته فطيمة بسمة ممتنة وولجت خلف الفتيات للداخل ساهمة بما سيحدث لها من فريدة. إن كانت كذلك بأول يوم جمعهما به، ماذا ستفعل حينما تذهب للعيش برفقتهم؟!
تحركت برفقتهما وتركتهما يعاونها على ارتداء الفستان وهي شاردة بعالم آخر. لا تعلم ماذا يتوجب عليها فعله. هل تخبره برفضها مجددًا أم تهرب منه تاركة قلبه ينكسر من خلفها؟ والأهم من ذلك، إن تركته إلى أين ستذهب؟ هي لا تعرف أحدًا هنا سواه هو ومراد الذي لم تمتلك له رقم هاتف حتى. لا تعلم لما حنت بتلك اللحظة لعائلتها، فافتقدت حضن والدتها الراحلة. بداخلها عذاب يقتلها لأنها تعلم بأن والدتها ماتت من حسرتها على ما حدث لها. حتى والدها وشقيقتها انقطعت عنها أخبارهم.
انسدل الدمع على وجه فطيمة وفجأة انتفضت باكية بشكلٍ قبض صدر مايا وشمس. فضمتها مايا إليها وهمست لها بحزن:
"متزعليش يا فاطيما. خالتي والله طيبة وقلبها أبيض. هي بس مش متقبلة إن حد من ولادها ياخد قرار بدون الرجوع ليها. وبكرة لما تعاشريها هتعرفي الكلام ده بنفسك."
وطبطبت عليها وقد انسدلت دمعاتها تأثرًا بها. بينما قالت شمس بصوتها المحتقن:
"بليز فاطيما متبكيش. أنا عارفة إن مامي غلطت فيكي بس والله بكرة هتحبك وهتتقبلك. لإنك حد كيوت ولطيف."
أبعدتها مايا عنها وأزاحت دموعها قائلة ببسمة:
"متزعليش بقى. ده النهاردة كتب كتابك يا عروسة. عايزينك مفرفشة."
وتابعت بسخرية:
"وبعدين إنتِ عايزة إيه من فريدة هانم؟ ما أنا وشمس وأنكل أحمد ودكتور علي معاكي وبنحبك. ده مش كفايا؟"
رسمت فطيمة بسمة رقيقة على محياها وهي تجيبها:
"كافي ليا يا مايا. أنا أساسًا حبتكم من أول ما شوفتكم والله."
ضمتها شمس بسعادة وهي تجيبها:
"أنا كمان حبيتك جدًا جدًا."
وأشارت لها وهي تخرج من حقيبتها أدوات التجميل:
"خلصي لبس بقى عشان لسه هحطلك الميكب. لكن لفة الحجاب مش هعرف لإني مش محجبة. فنخلي مايا تلفهالك."
قالت فطيمة على استحياء وهي تراقب ما تضع على السراحة الجانبية للغرفة:
"أنا مش بحب أحط مكياج."
استدارت إليها شمس تخبرها:
"متخافيش، أنا هحطلك حاجات سمبل كده."
هزت فطيمة رأسها بخفة وانصاعت لمايا التي تديرها لتغلق سحاب فستانها الأبيض.
***
أبلغتهما الخادمة بأن عمران برفقة الطبيبة بالصالة الرياضية القابعة بالطابق الثاني. صعد جمال ويوسف للأعلى. فما أن رأتهما الطبيبة حتى تهللت أساريرها، وجعلتهما يعاوناها بعلاجه. فأمسك به جمال ليسنده على الحامل الخشبي، بينما يوسف يحرك قدمه مثلما أمرتهما الطبيبة. فعبث جمال ساخرًا:
"دي أخرتها خدامين لمعاليه!"
رد عليه يوسف وهو يحرك قدم عمران بمهارة:
"الوقح ده مطلع عنينا وهو بصحته وهو راقد!!"
أغلق عمران عينيه باسترخاءٍ مستفز:
"اشتغل وإنت ساكت منك له.. محدش قالكم تيجوا دلوقتي!"
نغزه جمال ساخطًا:
"جاين نكفر عن ذنوبنا بمعرفتك السودة يا سيدي!"
لف جسده بعنف جعل يوسف يرتد للخلف ساقطًا أرضًا ليسدد لكمة قوية اطاحت بفك جمال. ليصيح بغضب:
"احترم نفسك معايا. أنا دراعي لسه سليم فخدلك عازل مني بدل ما هلاكك يكون على يدي!"
انتصب يوسف بوقفته فاحاط تلباب ملابسه بيده مرددًا من بين اصطكاك أسنانه:
"أقسم بالله يا عمران لو متلميت لكون كسرلك رجلك التانية. اعقل كده وسبنا نخلص التمرين المنيل ده خليني أغور من خلقتك أنت والحقير اللي جنبك ده."
برق جمال بدهشة لحقت نبرته المستنكرة:
"الحقير ده كنت بتترجاه امبارح لجل ما يسترك يا دكتور."
أصاب عمران نفس الدهشة، فاستدار لجمال تاركًا يد يوسف تحيط رقبته:
"تستره من إيه؟ إنت انحرفت من ورايا يا دكتور العفة والشرف!"
تركه يوسف واتجه للمقعد يجذب جاكيته ويرتديه متمتمًا بعصبية:
"أنا غلطان إني سايب المستشفى والعيادة وجاي لإنسان وقح زيك. أنا ماشي شوفلك حد يساعد الدكتورة."
لم يعبئ به عمران وسأل جمال باهتمام:
"عمل إيه قولي؟"
أجابه جمال وهو يحيطه بقوة بعدما تخلى يوسف عن مساعدته:
"دكتورة ليلى طردته في نص الليل بالبيجامة الستان السودة. كان شكله مسخرة والله العظيم."
أدمى عمران شفتيه ساخطًا:
"اخص على دكتور الندامة. بقى تطردك بالبيجامة.. بالبيجامة يا يوسف!"
هدر عمران بانفعال:
"غنوا وردوا على بعض. ما أنا عارفكم واحد وقح وواحد حقير هستنى منكم إيه؟!"
تعالت ضحكاتهما عاليًا. فقال عمران وهو يستند على الحاملين الخشب:
"لخص الحكاية ببوكيه ورد. وروح لها المستشفى بيه. الستات تحب اللافتات اللطيفة دي وبالذات لو كان بمكان متتوقعش إنك تعملها فيه."
وجلس بتعب على أقرب مقعد وهو يستطرد:
"نسبة كبيرة منهم بيحبوا الواد الروش اللي يبين حبه ليها قدام خلق الله وبالأخص بمكان شغلها. ويحبذا بقى لو شخص معتوه راح لمراته مكان شغلها واتخانق معاها هناك. دي بتكون نهاية للعلاقة يا صديقي!"
أشار جمال بأصبعه ليوسف الشارد بحديث عمران:
"ركز يالا في الاختيار الأول. شيل ورد وروح بكرامتك."
وتابع بخوف:
"سكوتك قلقني. إنت بتفكر في الحل التاني ولا إيه؟"
هز يوسف رأسه بنفاذ صبر:
"يا عم ارحمني. أنا لسه داخل الدنيا من كام شهر. هنهيها من دلوقتي!!"
ودس يده بجيب جاكيته يجذب الهاتف الذي يعود لرنينه للمرة الثالثة. فخرج من الغرفة الشاسعة بأجهزة رياضية حديثة. ثم ذهب بعيدًا ليتمكن من الحديث مع زميله بالمشفى.
انحنى جمال لعمران الذي يمرر يده على قدمه بتعبٍ، وعينيه شاردة بأجهزته المفضلة بشوقٍ لعودته لممارسة الرياضة من جديد. فقال بحزن:
"مع التمرين والعلاج هترجع أحسن من الأول."
ابتسم عمران برضا تام وقال:
"لو ده عقوبة الكبائر اللي ارتكبتها فأنا راضي يا جمال."
وسحب نفسًا ثم مرره عبر أنفه مستكملًا بحزن:
"إنت متعرفش الخوف اللي جوايا مدمرني إزاي. خايف من عقاب ربنا ليا. خايف ميغفرليش أخطائي اللي ارتكبتها. بستنى بخوف العقوبة اللي هشوفها بالدنيا على جرايمي دي."
أدمعت عين جمال تأثرًا بحديثه، وقال بخشونة يخفي ضعفه خلفها:
"بطل الكلام الفارغ ده. إنت الظاهر كده السم اللي شربته دمرلك عقلك."
وتابع ببسمة هادئة:
"يا عمران ربنا غفور رحيم. وإنت مدام ندمت على أخطائك وبتعافر إنك ترجع لطريق الصلاح عمره ما يقفل بابه في وشك أبدًا."
وبصوتٍ عذبٍ فاجئ عمران، ردد جمال بخشوع:
"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣ الزمر﴾"
أدمعت عين عمران تأثرًا من سماع صوته الدافئ. فقال:
"صدق الله العظيم."
وبلهفة أضاف:
"صوتك جميل أوي يا جمال. إزاي مسمعتوش قبل كده؟"
ضحك جمال وهو يشير لذاته بغرور مصطنع:
"صاحبك أحلى واحد يقيم الصلاة بالشركة."
وتلاشت بسمته حينما قال بحزنٍ:
"كلنا بنرتكب معاصي يا عمران. أنا مش قادر أنسى المرة اللي شربت فيها الخمرة. لحد الآن مش مسامح نفسي. بس بكمل حياتي وبستغفر ربنا على أمل إنه يغفرلي خطيئتي دي."
نزع عمران سترته الرياضية، وبتقزز شديد قال:
"البلد اللي إحنا فيها دي السبب. المعاصي محاوطنا من كل جهة. خمرة وستات وكل شيء هنا مباح بدرجة مرعبة. تعرف أنا بتمنى أسافر لمصر ونعيش في القصر بتاع جدي الله يرحمه مع عمي أحمد بس للأسف غصب عننا لازم نكون هنا. أملاك بابا وشغل علي ودراسة شمس حتى الجمعيات وشغل فريدة هانم كله هنا."
رد عليه جمال وعينيه لا تفارقه:
"دي حجة باطلة بنضحك بيها على نفسنا يا عمران. المسلم القوي إيمانه لو سافر لزمن الجاهلية والكفر مش هيتهز فيه شعرة. كل دي حجج يا صديقي!"
هز عمران رأسه باقتناعٍ، وبحرج أضعف حنجرته:
"عندك حق. إحنا محتاجين نقوي إيماننا بالله عز وجل."
منحه جمال ابتسامة هادئة قبل أن يشير له:
"طب سند نعمل التمرين الأخير عشان يوسف ميتأخرش على شغله."
أومأ برأسه ونهض يحتمل على كتف رفيقه، فأحاطه بقوةٍ، بينما اقتحم. يوسف الغرفة يخبر جمال بحماسٍ وفرحة:
"جمال الدكتور الأمريكي اللي كنت بتسألني عنه عشان عملية القلب بتاعت والدتك جاي المستشفى عندنا كام يوم تبع المؤتمر اللي هيقام عندنا. دي فرصتك إنه يعمل لوالدتك العملية."
شحب وجه جمال تدريجيًا، فأجلى أحباله الصوتية:
"بعدين يا يوسف بعدين."
استغرب يوسف طريقته ومع ذلك أثر الصمت. فقال وهو يعيد هاتفه لجيبه:
"طيب لو خلصتم خلينا نتحرك. اتأخرت."
أشار له جمال بارتباكٍ من نظرات عمران إليه، فقال وهو يسنده:
"هدخل عمران أوضته وجاي."
أشار له يوسف:
"طيب هات المفاتيح أدور العربية لما تنجز."
دفع له المفاتيح وخطى جوار عمران تجاه غرفته. فما أن تأكد عمران من هبوط يوسف حتى منع جمال من الفرار قائلًا:
"استنى عايزك."
كاد بالخروج من باب غرفته، فاستدار وهو يقبض قبضة يده بغضب لحق هو الأخير بنبرة عمران:
"سبق وسألتك قبل كده على عملية والدتك وقولتلي إنها لازم تتعمل بأقرب وقت. ودلوقتي بعد ما الفرصة جتلك بتتهرب منها. في إيه يا جمال؟"
زفر جمال في محاولة لاختيار كلماته:
"مفيش. أنا حاسس إنها بقيت كويسة وآآ.."
قاطعه عمران بسؤاله المباشر دون لف ودوران:
"إنت محتاج فلوس؟"
احمرت حدقتا جمال غضبًا وصاح بعصبية:
"مالكش دعوة يا عمران. أنا أقدر أحل مشاكلي لوحدي."
جذب عمران المزهرية المجاورة لفراشه ليسقطها فوق رأسه بتعصب. تفاداها جمال بصعوبة وهو يهمس بعدم تصديق:
"مجنون!!"
بحث عمران عما يود استخدامه ولكنه فشل بالوصول للمزهرية الأخرى. فصرخ بعنف:
"استنى أنا هوريك الجنان اللي على أصوله. عشان تبقى تعرف تتكلم معايا كويس يا حقير."
وتابع بعصبية بالغة:
"بقى بتداري عليا بعد كل اللي بينا. ده أنا لو حصلي حاجة إنت أول واحد بتجري بيا. للدرجادي أنا مصدوم ومش مصدق إنك تكون بتمر بحاجة زي دي وتخبي عننا يا جمال. بجد مصدوم ولو قادر أقف كنت قتلتك وخلصت."
أسرع جمال يخبره بحزن:
"إنت عارف إني مش بحب أطلب مساعدة من حد حتى لو كنتوا إخواتي."
خرج عمران عن هدوئه، فجذب الوسادة من خلفه ليقذفها إليه. فالتقطها جمال سريعًا ليعيدها إليه بحدة:
"اهدى بقى بهدلت الأوضة بجنانك ده. مش صالة رياضة هي!"
أجابه جمال من بين اصطكاك أسنانه:
"ما أنت معصبني خصوصًا إنك واقف بعيد ومش طايلك. تعالى لو راجل تعالى أقف هنا قدامي!"
انحنى جمال يجمع زجاج المزهرية لسلة المهملات، مردفًا:
"لا أجيلك ولا تجيني. خليك مستريح مكانك. أنا أساسًا مش فاضيلك."
وانتهى من جمع الشظايا، ثم اتجه ليغادر. فقال عمران بحزم:
"جمال جهز أوراق سفر والدتك. وأنا هتكفل بفلوس العملية. ولما تجمع المبلغ بعد المناقصة اللي داخلها ابقى سددلي جزء منه وبعد كل مناقصة هاخد جزء من فلوسي. وبكده تكون رضيت غرورك الغبي."
اشتعلت حدقتا جمال. فابتسم عمران بخبث:
"اتعصبت! حلو تعالى اقعد جنبي هنا ونتكلم ونتناقش."
استدار ليغادر فعاد يناديه مجددًا:
"جمال."
توقف جمال محله، ليأتيه تهديدًا قطعي:
"أقسم بالله لو مبعت جبت والدتك الأسبوع ده لا أنت صاحبي ولا أعرفك. وإنت عارف كويس إني قد كلامي. كفايا زعلي من اللي عملته. المرادي هتبقى كبيرة."
ابتلع جمال ريقه بتوترٍ. خسارة أحد أشقائه تعني الموت حتمًا. فهز رأسه مرددًا:
"حاضر.. هحجز لها."
وغادر على الفور من أمامه، تاركًا ابتسامة الانتصار تحيط بوجه عمران. فتمدد على الفراش، ليغلق عينيه براحة وفتحها مجددًا حينما فُتح باب الغرفة مجددًا. فاعتدل بجلسته هاتفًا بسخرية:
"يا هلا يا هلا بالعريس. أيه لسه فاكر أنك نسيتني وراك!"
حدجه علي بنظرة جامدة قبل أن يتجه للخزانة قائلًا ببرودٍ:
"نسيت ابن أختي ورايا ورجعت أخده.. قوم إلبس وخلصني."
منحه عمران نظرة ساخرة قبل أن يشير بيده إليه. فجذبه علي ليستقيم بجلسته ومن ثم اتجه للخزانة ليجذب بذلة أنيقة من اللون الأسود. مررها لعمران وكاد أن يشرع بمعاونته ليوقفه الأخر بسخط:
"أيه الذوق المقرف ده. إنت بتكروتني!"
جحظت عينا علي بصدمة، لحقت نبرته:
"هو أنا جايبها من دولابي. ده ذوقك يا حبيبي!"
ألقاها عمران جانبًا وأشار له:
"مش بلبس أنا كده. بختار البنطلون وبعد كده بطقم باستايل مختلف مش اللبس المعتاد ده. إنت تايه عني ولا إيه يا دكتور؟"
كز علي على أسنانه بغيظٍ:
"هو ده وقت محاضراتك يا عمران. فطيمة سايبها مع فريدة هانم وحاسس إني هروح ألقيها نهشتها على سنانها."
ضحك عمران بصخبٍ، وقال:
"تعملها مصدقك. بس في أمل عمك معاهم فمش هيسمحلها متقلقش."
على ذكر عمه، قال علي بجدية تامة:
"لما نرجع بليل محتاجين نتكلم شوية. في موضوع مهم لازم أقولك عليه يا عمران."
التحف بالجدية هو الآخر وسأله باهتمام:
"موضوع إيه ده؟"
قال وهو يعود للخزانة في محاولة إيجاد ما يناسبه:
"بخصوص عمك. بليل نتكلم أفضل. دلوقتي لازم نتحرك. فلخص وقولي أجبلك إيه؟"
أشار عمران على البنطال الداكن من خلفه، واختار قميصًا أسود اللون، ثم أشار لعلي مرددًا:
"عندك درجات الكحلي نقي لي درجة متكنش داكنة أوي."
زوى علي حاجبيه بضجرٍ، كلما أمسك سترة أشار له بالنفي. فجذب عمران إحداهن وألقاها بوجهه صارخًا:
"إنت بتستهبل! ده أنا العريس مخدتش الوقت ده كله باللبس!"
أجابه علي بسخرية وهو ينزع التيشرت عن جسده:
"وإنت من إمتى بتهتم باختيار لبسك! إنت دقة قديمة يا علي مش ماشي تبع العصر!"
ورفع ذراعه يقبل عضلته البارزة، متفاخرًا:
"حتى الرياضة مالكش فيها. لما بحس إنك شبه خلة السنان!"
دنى منه علي بنظرة جعلت الأخير يرتعب وخاصة حينما هدر:
"تحب أوريلك دلوقتي أنا أقدر أعمل فيك إيه بجسمي اللي شبه خلة السنان ده!"
عاد عمران لذكرياته ما تلقاه من ضربًا مبرحًا على يده. فأشار لذراعه الأيسر:
"كان على عيني والله بس إنت شايف أهو بعينك عندي شلل نصفي رباعي حاد الزوايا. لما أخف ابقى تعالى خد حقك."
انحنى علي يعاونه على ارتداء البنطال بنفاذ صبر. ليأتيه عمران بصاعقة تفوقه حينما ظل لنصف ساعة يختار الحزام الجلدي المناسب للبنطال، ونصف ساعة أخرى ليصفف شعره ويختار البرفيوم المناسب. فأضرم علي بأن اليوم هو موعد زفاف أخيه وليس هو.
جذبه علي بغضب حتى وضعه بالسيارة. فأطلق عمران صفيرًا كان مزعجًا لعلي الذي هاتفه مدعيًا ابتسامته:
"تعرف تقعد بهدوء بدل الإزعاج اللي عامله ده."
أجابه عمران ببسمة واسعة:
"فرحان يا أخي مش كتب كتاب أخويا!"
رد علي ساخرًا:
"أخوك نفسه معندوش الاستعدادات والانشراح ده!!"
مازحه عمران بمكر وهو يغمز له:
"حد منعك من الانشراح. انشرح براحتك بس بهدوء عشان فريدة هانم متفزعكش!"
***
صف علي السيارة جانبًا وهبط بخطاه الواثقة وإبتسامته الخبيثة تحيل على شفتيه. فدنى من فؤاد يتلقف منه ما بيده دون أن يصدر أي رد فعل تثير الشكوك إليه. فهمس إليه الأخير:
"هنوصلها لمصر المرادي إزاي يا باشا؟"
أجابه آدهم وهو يتصنع أنه يعدل حذاءه ليدس الفلاشة داخل جواربه. ثم انتصب بوقفته يهمس له:
"متقلقش هتوصل والمرادي بطريقة مختلفة."
وغمز له قبل أن يغادر لداخل قصر راكان، مستمتعًا بكل خطوة يخطوها للداخل بعدما حقق أول انتصارًا بكشف من يعلو راكان وتفاصيل العملية القادمة التي حتمًا ستكون بمثابة دق آخر مسمار بنعشه.
اصطدم آدهم بالهاتف الخاص براكان ملقي أرضًا أسفل قدميه. فرفع بصره ببطء تجاهه، ليجده ينفث غليونه بغضب شديد. وما أن رآه حتى صاح:
"الحيوانة شمس مش بترد على مكالماتي. وأنا مش عارف هي قالت إيه لعمران ولا لفريدة هانم. كنت عايز أضحك عليها بكلمتين."
قبض آدهم يده بعنف تمنى لو تركها تطول فكه فتحطم صف أسنانه السفلية، ولكنه سيطر على انفعالاته ليبدو باردًا كلوح الثلج، وقال:
"وإنت كنت منتظر إيه منها بعد ما اتخليت عنها واستخبيت ورا العمود!"
جذب كأسه يرتشفه بغدافية شديدة، وتلفظ:
"وأنا كنت هعمل إيه يعني، أفديها بروحي مثلًا! ما إنت عارف اللي فيها."
تخلى عن صمته مجددًا وفاه:
"معتقدش شمس هانم تكون قالت لحد من أخواتها. ولو ده كان حصل كان زمان حد فيهم كلمك. أعتقد إن حوار رجل الأعمال اللي قولنا عليه دخل عليها."
تمعن آدهم بحديثه جيدًا، وقال بتردد:
"طب وهعرف إزاي، هحط افتراضات؟"
وتابع بعد تفكيرٍ:
"لازم أقابلها.. هروح لها الجامعة بكرة!"
***
طرقات على باب غرفتها حررت صوتها الرقيق:
"اتفضل."
ولج يوسف للداخل فوجدها تتمعن بتلك الأوراق التي توقع عليها وقالت بعملية دون الاهتمام بالتطلع لمن القادم:
"استريح، ثواني وهكون مع حضرتك."
منحها يوسف نظرة مستنكرة لوقاحتها بالتعامل مع المرضى، فقال بامتعاضٍ:
"من الذوق والأدب أنك تستقبلي المرضى بابتسامة واهتمام أكتر من كده يا دكتورة!"
رفعت ليلى عينيها عن الأوراق تزيح نظاراتها، ولسانها يردد بدهشة:
"يوسف!"
ابتسم ووضع باقة الورد على الأوراق التي أمامها مرددًا:
"دكتورة ليلى قلب دكتور يوسف وفشته وكليته وكل الأمعاء."
ضحكت وهي تراقب باقة الورد بعدم تصديق، فقالت باستغراب:
"ده إيه؟ أكيد بحلم مش كده؟"
ازدادت بسمته عشقًا:
"احلمي وأنا المارد اللي هيحققلك أحلامك كلها. ومتعشم فيكِ تحققيلي حلم واحد بس."
امتعضت معالمها غضبًا بعدما تسرب لها سبب وجوده هنا. فألقت باقة الورد بوجهه وهي تهدر بانفعال:
"آه قول كده بقى، إنت جاي عشان ترجع تفتح حوار الخلفة تاني."
أبعد يوسف الورد عن وجهه وأسنانه تكاد تنهش شفتيه، وبدأ يستعيد اتزانه كليًا. فابتسم وهو يحرر احتقان صوته الغاضب:
"حبيبتي أنا عارف إنك امبارح اتحججتي بحوار البنت الحامل اللي كلمتني علشان قبلها كنت بقولك تعدي عليا بالعيادة أكشف عليكي من باب الاطمئنان بحيث يكون عندنا بيبي بأقرب وقت."
طرقت ليلى على سطح المكتب بغضب:
"متفتحش الحوار ده تاني يا يوسف. من قبل ما نتجوز وأنا قايلالك إني نفسي أحقق طموحاتي وأبقى من أكبر الجراحين في إنجلترا وإنت وعدتني إنك هتساعدني ومش هتقف بطريقي."
رد عليها يوسف بهدوءٍ رغم اشتعال روحه:
"وهي الخلفة اللي هتعطلك عن تحقيق ذاتك يا دكتورة؟!"
منحتها ليلى نظرة غريبة يراها ببنية عينيها لأول مرة، وألقت إليه تهمتها:
"يعني لو أنا طلبت منك تسيب شغلك ونجاحك اللي وصلتله هتقبل بده يا يوسف؟"
رمش يوسف بعدم استيعاب:
"وده دخله إيه في موضوعنا؟"
وبوضوحٍ شديد تساءل:
"ليلى إنتِ بتلمحي لإيه؟"
نهضت ليلى بوقفتها تطعنه لأول مرة بما جعله عاجزًا محله:
"قصدي إنك غيران من نجاحي يا دكتور يا محترم. ودلوقتي عايز تهد كل اللي أنا حققته عشان أقعد في البيت وعلى كتفي عيل!"
برق يوسف بعينيه بصدمة جعلته يحاول النهوض ليقف قبالتها. فاجبر صوته على الاستيقاظ:
"أنا هعتبر نفسي مسمعتش الكلام اللي قولته ده لإني لو أخدته بعين الاعتبار فمش هخرج من الأوضة دي غير وأنا رامي عليكي يمين الطلاق."
نالها من الصدمة جانبًا بعدما أهانه وانتزعت قلبه من صدره. فحاولت الحديث عساها تمحي زلة اللسان الكريهة هذه ولكنه منعها حينما قال بألم جعل صوته جاف:
"أنا عمري ما غيرت من زميل ليا في مجال تخصصي ما بالك بمراتي اللي بتمنالها الخير على حساب نفسي!"
وتابع يدافع عن نفسه المجروح:
"ثم من إمتى وأنا بقف بطريقك! أنا أوقات بحتاج لزوجتي تشاركني أجازتي زي أي إنسان طبيعي ومش بلاقيكي جنبي وعمري ما فتحت بوقي لإني عارف شغلك ومقدر ده. عمري ما جبرتك تقعدي من شغلك ولو يوم واحد. ولما بترجعي وبتحاولي تعوضي النقص بترتيب البيت والطبيخ بزعل لاني عارف وقفة طول اليوم بالمستشفى عشان المرضى عاملة إزاي. فبحاول أساعدك على قد ما أقدر. برتب كل شيء ورايا وبعمل لنفسي بأغلب الوقت أكلي. ده مش معناه إني ضعيف ومش قادر أكسرك بأي وقت.."
ورفع اصبعه يحذرها من الحديث حينما همت بذلك، ليتابع باندفاع:
"انتي موجودة هنا في شغلك مش عشان تشاركيني بمصاريف البيت، ولا لانك محتاجة للفلوس يا دكتورة. أنا سايبك هنا عشان تحققي ذاتك وتنجحي زي ما في أحلامك. واتنازلت اتنازلت كتير أوي عشان نهايتها تقفي قدامي بكل بجاحة وتقوليلي غيران مني!!"
وابتسم ساخرًا وهو يضيف:
"وكل ده ليه عشان نفسي أخلف منك ولد! عشان اديتك وعد وانتظرتك إنتي اللي تاخدي أي خطوة وتوقفي المانع من نفسك! كل ده عشان مقدرتش استحمل الوجع لما بيتولد على إيدي كل يوم طفل وعندي رغبة أشيل ابني بين إيديا زي أي زوج عايش حياة طبيعية مع مراته!! قوليلي أنا غلطت في إيه؟!"
وبعدين هو كل ست حملت وخلفت سابت شغلها واتخلت عن حلمها؟! ومنحها نظرة أخيرة قبل أن يخبرها:
"بس عندك حق أنا أستاهل إنك تتمادي بكلامك وطريقتك بالكلام معايا.."
وحمل باقة الورد ووضعها بسلة القمامة المجاورة لباب الخروج ثم غادر على الفور. فانهار جسدها على المقعد، لتضم وجهها لكف يدها وهي تردد بصدمة:
"إيه اللي قولته ده؟!"
***
وصلت سيارة علي أمام الباب الخارجي للمول، فاتصل هاتفيًا بعمه ليجده يشير له فقاد للأمام قليلًا. ليتفاجئ بها تهبط الدرج بفستانها الأبيض وملامحها الملائكية التي زلزلت كأنه لم يرى فتاة من قبل. هبطت برفقة مايا وشمس حتى باتت قبالته تتحاشى التطلع له بحرج. فكانت عيناه لا تحيل عنها، حتى أنه لم يستمع لحديث شمس ولا لمباركات مايا. وبصعوبة بالغة قال:
"القمر نزل من سماه لأرضي. معقول!"
تعالت ضحكات عمران المتدلي نصفه من نافذة السيارة، فصاح بخبث:
"الله أكبر. دكتور علي نبغة العلم والأدب نطق يا جدعان. بركاتك يا مرات أخويا شكلك كده وقعتيه واقعة مفهاش قومة."
استدار إليه علي، فدفعه للداخل بغضب، وأمر مايا بحدة:
"خدي جوزك لعربية عمي."
خرج عمران من النافذة يرفض:
"ده بعدك يا أبو علي. لزق لك."
منحه علي بسمة ساخرة، فأشار لعمه الواقف على بعد مسافة منهما. واتبعته فريدة تكتف ساعديها أمام صدرها بغضب. ففتح علي الباب الخلفي لوالدته التي حدقته بنظرة غامضة ثم صعدت للخلف ومن بعدها مايا وشمس. فتساءل عمران باستغراب:
"والعروسة هتركب فين يا ابني!"
اتجه علي يميل على أحمد هاتفًا:
"المفاتيح يا أبو حميد. ومردد لك."
غمز له بمكر وصعد يقود السيارة. فخرج عمران من النافذة يشير له بمرح:
"مش هعدهالك اصبر بس."
بينما صعد علي سيارة أحمد وقادها قبالة فاطيما، فصعدت لجواره على استحياء ليتجه بها للمحامي لعقد قرانهما أمام أفراد العائلة. ليعودوا جميعًا للمنزل مرة أخرى. وما أن ولجت فطيمة للمنزل حتى أشارت فريدة لعلي قائلة بأعين لامعة بالدموع:
"عملت اللي في دماغك يا علي؟ اعتبر إن من النهاردة مالكش أم!"
رواية صرخات انثى الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ايه محمد رفعت
ألقت جملتها وصعدت لغرفتها بهدوءٍ مخادع.
بينما ربت أحمد على كتف علي يواسيه على الحرب التي بطريقها للاشتعال.
ردد عمران بحزن يلامس نبرته الثابتة:
_ متزعلش يا علي، إنت عارف فريدة هانم كويس.
أومأ برأسه بعدم اهتمام.
تطلع تجاه فطيمة التي تقف جوار مايسان وشمس بحزن وعينيها تلمعان بالدمع.
فحاولت شمس أن تزيح عنها:
_ تعالي يا فاطيما هخدك أوضتك تريحي شوية.
أومأت برأسها بخفة.
وقبل أن تتحرك خطوة واحدة أوقفهما صوت علي:
_ شمس اطلعي إنتِ أوضتك أنا محتاج أتكلم مع فطيمة شوية.
هزت رأسها ببسمة متفهمة.
ودنت من عمران تسانده برفقة مايسان ليتوجهوا معًا للمصعد ومن ثم لغرفته.
بينما أشار علي لفطيمة للخارج:
_ تعالي نقعد بالحديقة، المنظر بره هيعجبك جدًا.
اتبعته للخارج وهي تحمل طرف فستانها الأبيض الطويل.
فجذب علي المقعد لها وجلس قبالتها، يتابعها بنظرة ساكنة تحاول استكشاف ماذا يعتريها بعد سماع كلمات والدته.
وحينما وجدها صامته، سألها بشكلٍ مباشر:
_ لما كنا عند المحامي قولتيلي أراجع نفسي! أيه اللي خلاكِ تقولي كده يا فطيمة؟ هي فريدة هانم قالتلك حاجة؟
رفعت عينيها الباكية إليه، تحرر صوتها المكبوت بعجزٍ:
_ أي حاجة هي هتقولها فمعاها حق يا علي، إنت تستاهل واحدة غيري.
زفر بضيقٍ جعله يستند على يديه المحاطة بالطاولة:
_ وبعدين يا فطيمة هنرجع لنفس الحوار ده تاني!
ومال بجسده للأمام ليصبح أكثر قربًا، متعمدًا التباطؤ بنطقه:
_ إنتِ دلوقتي بقيتي مراتي يا فطيمة، يا ريت ترمي كل اللي حصل وراكي وتعيشي حياتك معايا من جديد.
واستدار بوجهه ليعود إليه هاتفًا بضيق:
_ أنا عارف إني غلطت من الأول لما صارحت فريدة هانم عن حالتك، أنا عمري ما فشيت سر مريض عندي لحد بس إنتِ كنتِ حالة خاصة يا فطيمة، كنت متعلق بيكِ بشكل مش طبيعي، كنت حاسس إنك حد قريب مني، لدرجة إن قصرت مع نفسي ومع كل اللي حواليا عشان أكون معاكي وجنبك طول الوقت!
رفعت عينيها إليه، وقالت ببسمة حملت ألمًا طفيفًا:
_ بالعكس أنا ارتاحت أنها عارفة حكايتي، مكنش عندي استعداد أعيش في رعب وانتظار للحظة رد فعلها لما تعرف الحقيقة، كده أفضل ألف مرة.
وتابعت وهي تزيح دمعاتها سريعًا:
_ يمكن مع الوقت تتقبلني ولو ده محصلش فأنا راضية ومش طماعة في إن الكل حواليا يكونوا متقبلين وجودي، كفايا عليا إنت ومايسان وشمس وإنكل أحمد.
بالرغم من الآلآم التي طعنته بحديثها، الا أنه بادلها بسمة أكثر جاذبيية.
وأطال بنظراته لها ثم قال بتردد ملحوظ:
_ فطيمة.. هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟
ارتبكت وهي تخمن أي طلبًا هذا، فاكتفت بهزة رأسها إليه.
لتجده يدنو بجسده من الطاولةٍ مجددًا وهو يهمس بصوتٍ خطيرٍ لمشاعرها:
_ هو أنا ينفع أخدك في حضني؟
هرولت فطيمة من أمامه بهلعٍ، وكأنه استحضر شبحًا قبالتها فظنته ساحرًا شريرًا.
كادت أن تتعثر أكثر من مرةٍ بطرف فستانها الطويل، فاحطته حول ذراعها ومازالت تركض بأقصى سرعتها للداخل.
والأخر يكاد فمه يصل للأرض من فرط صدمته التي انتهت بسيل متواصل من الضحك.
فهـرع خلفها يناديها من وسط قهقهاته المتتالية:
_ فاطيمـا، استني!!
لم تلتفت لندائه المتكرر، واتجهت للدرج وبعد أول طابق وقفت بحيرةٍ من أمرها.
تناست أنها الآن بمنزل جديد عليها لا تعلم حتى غرف الساكنين به حتى تتعرف على غرفتها!
انقبض قلبها وشحب وجهها بصورة مضحكة حينما تخيلت ذاتها تقتحم أحد الغرف فتجدها غرفة حماتها المصون!
حينها ستسقط بنوبة قلبية لا محالة!
اِلتقط علي أنفاسه بصعوبة وهو يشير لها ضاحكًا:
_ هو أنا طلبت منك أيه لكل ده؟
واستند بجسده على تمثال الحصان الضخم من جواره ليشير بانهاك:
_ بسحب طلبي البسيط ولو ممكن ترجعي نكمل كلامنا.
زوت حاجبها بنظرة مشككة.
فرفع ذراعيه للاعلى كابتًا ضحكاته بتمكنٍ:
_ مش هتتكرر أوعدك!
عادت تدنو منه مجددًا، لتردد بارتباك:
_ فين أوضتي، عايزة أرتاح وبكره نبقى نتكلم يا دكتور.
ردد ببلاهةٍ:
_ دكتور!!
عبست معالمها بحدة:
_ عايزة أرتاح ممكن؟
هز رأسه بتفهمٍ واتجه للطابق الثاني وهي من خلفه تتفادى مرات سقوطها من طول الفستان بصعوبة.
فاستمعت إليه يهمس بحنقٍ:
_ يا شماتة عمران الوقح فيا!
توقفت فجأة حينما وجدته يفتح أحد أبواب الغرفة.
مستديرًا ببسمته الهادئة ورزانة صوته المحبب لمسمعها:
_ دي أوضتك يا فطيمة، والأوضة اللي جنبك على طول دي أوضة شمس، واللي بعدها أوضة مايا.
هزت رأسها ببسمة صغيرة.
فتابع وهو يشير على الغرفة التي تجاورها من الجهة الاخرى قائلًا:
_ ودي أوضتي، واللي جنبها أوضة عمران.
ضيقت حاجبيه باستغراب.
لحق نبرتها الهاتفة:
_ عمران؟!
قرأ ما يدور بعقلها بذات اللحظة، فابتسم وهو يردد:
_ أيوه عمران ومايسان مش عايشين مع بعض في أوضة واحدة، زي حالتنا كده.
وتابع ساخرًا:
_ نحن هنا نختلف عن الاخرون، وإن شاء الله لو حد من برة العيلة اكتشف اختراع الأوضتين ده، آل سالم هتبقى مهزلة السنين، وبما إنك فرد جديد بالعيلة فرجاءًا السر يبقى في بير!
ضحكت ومازال رأسها يشير له بتأكيد.
فمنحها ابتسامة هادئة هامسًا:
_ تصبحي على خير يا فطيمة.
كاد بالمغادرة فاستوقفته منادية:
_ دكتور علي.
عاد إليها بملامح عابثة:
_ دكتور!!!
وتفادى ذاك المأزق حينما تساءل ساخرًا:
_ خير يا فطيمة، نسيتي تاخدي رشتة الدوا؟
كبتت ضحكاتها وتساءلت باهتمام كاد يضحكها:
_ أوضة والدتك فين أقصد فريدة هانم؟
مرر لسانه على شفتيه بتسليةٍ، فدنى منها والاخرى تتراجع للخلف حتى اصطدمت بالحائط.
فتصنع أنه يهمس لها خشية من أن يستمع له أحدًا، فقال:
_ في الدور اللي تحت وبالأخص بالمكان اللي جبتك منه، يعني رفضتي حضن علي البريء وجريتي تتحامي بالكتعة!
جحظت عينيها صدمة وكأنها مازالت محتبسة بالأسفل أمام تلك الغرفة.
فمنع ضحكته وهو يهز رأسه متحليًا بملامح الاكشن:
_ أنا أنقذتك المرادي المرة الجاية يا عالم أيه اللي هيحصل!
وتابع ويده تشير على احد الغرف المتطرفة للدرج:
_ ده حتى عمي خاف يقعد معاها تحت في نفس الدور سابها وبينام جنبنا هنا.
رفعت يدها تضم قلبها المرتجف.
ففور تحقق هدفه قال بمكرٍ:
_ لو حصل أي حاجة اجري على أوضتي وأنا أوعدك اني أفديكي بروحي!
وأشار لصدره بدراما أوحت لها بأنها على وشك أن تلقي حتفها على يد مجرمًا دوليًا:
_ حضني جاهز ومفتوحلك أقصد بابي مفتوحلك بأي وقت.
منحته نظرة مرتبكة، واكتفت بإبماءة رأسها.
فابتعد ليفسح لها المجال.
فما أن رأها تتجه لغرفتها، حتى استند على بابها يردد بهيام:
_ مش هتجيبي بقى.
تساءلت بدهشة:
_ اجيب أيه؟
أجابها بمنتهى الجدية:
_ حضن من تحت الحساب، عشان أقدر أحميكِ من الكتعة بضمير.
احتقن وجهها بشدة، فأغلقت الباب بوجهه.
وأخر ما تردد لها صوت ضحكاته الرجولية التي زرعت على وجهها البسمة تلقائية، وخاصة حينما مال علي على الباب ليهمس بحبٍ:
_ بكره حضني هيكون ملجأك الوحيد!
حملت كوب المياه واقتربت من الفراش.
تقدم له الكوب وحبات الدواء، التقطهما منها عمران وتجرعهما بمرارة جعلته يغلق عينيه بتقززٍ:
_ طعمهم مر زي نظراتك بالظبط.
منحته مايسان نظرة غاضبة، قبل أن تجذب الغطاء على جسده مرددة بجمودٍ:
_ تصبح على خير.
وكادت بالرحيل فجذب معصمها إليه يبتسم وهو يخبرها:
_ غيري رأيك وأنا هشوف كل شيء تقدميه ليا أجمل شيء أكلته في حياتي.
منحته نظرة شرسة قبل أن تجابهه بتحديها:
_ اللي بتفكر فيه ده مستحيل يا عمران.
وجذبت يدها ثم استقامت بوقفتها.
فقال بحزن مصطنع:
_ يعني إنتِ يا مايا عجبك منظرنا كده قدام أنكل أحمد وفطيمة، هيقولوا أيه وكل واحد فينا بينام بأوضة؟
ردت بضحكة صاخبة:
_ إنكل أحمد عارف بوضعنا من زمان، وإن كان على فطيمة بكره تتعود يا حبيبي.
ضم شفتيه معًا بقلة حيلة، هامسًا بسخطٍ:
_ قاسية بس بموت فيكِ!
منحته بسمة ساخرة وجمعت الادوية تعيدها لمحلها.
وهو يتابعها بنظرة حب.
فأجلَّى صوته الواجم ليصوبه فجأة لها:
_ بطلتي تحبيني يا مايا؟
تصلبت يدها الممسكة بالكوب لدرجة جعلتها لا تشعر بانزلاقه من بين يدها.
فأسرعت تجلس قبالته على الفراش وهي تتساءل بصدمة:
_ بعد كل ده بتسألتي بطلت أحبك؟
بالرغم من أن قلبه يخفق ألمًا لنطق كلماته ولحالتها التي يراها الآن الا أنه باشر ماكرًا:
_ طيب ليه البعد ده بينا يا مايا؟ ما خلاص اللي كنتي عايزاه عملتهولك!
بعدت عن ألكس وآقاطعته حينما تحرر صوتها الباكي:
_ فاضل إنك تكسب قلبي من جديد يا عمران.
وتابعت وقد تركت العنان عن تلك الدمعات:
_ مش معنى إنك قطعت علاقتك بألكس إني كده ارتاحت، الخوف لسه جوايا وبيكبر يوم ورا التاني.
اعتدل بجلسته وهو يتساءل بدهشةٍ:
_ خوف مني أنا يا مايا؟
هزت رأسها نافية، وأخبرته موضحة:
_ من شيطانك يا عمران، خوف من بكره يكون في ألكس جديدة في حياتك، خوف إنك تضعف من تاني قدام أي واحدة ست، أنا عايشة قلقانه ومش قادرة أديلك الثقة بالرغم من إني بحبك.
وأخفضت عسليتها عن رمادية عينيه المهلكة تترجاه ببكاء:
_ من فضلك اديني الفرصة اللي أقدر بعدها أخد قرار القرب منك بدون خوف ولا قلق.
جذبها لاحضانه بقوة، وصوته يتحرر لآذنيها:
_ أنا آسف يا مايا.. آسف على كل حاجة يا حبيبتي، أوعدك إن اللي جاي من حياتنا هيكون ملكنا إحنا وبس.
قبضت على قميصه بقوةٍ، تعلقت به وكأن أحدهم يحاول انتزاعها من أحضانه.
مرر يده على خصرها بحنان، وجاهد بقوته رفع ذراعه الأيسر ليحاوطها به هو الأخر.
ارتعشت يده لدرجة جعلت اقترابه بطيء.
وقبل أن تصل إليها انتفضوا معًا على صوت انفتاح باب الغرفة.
ليطل من أمامهما علي مرددًا:
_ عمران آ..
انقطعت جملته حرجًا، فاستدار سريعًا للخلف وهو يصيح:
_ أنا آسف كنت فاكرك لوحدك.
دفعته مايسان للخلف بوجهًا مصطبغ بالحمرة، وهرعت للخروج وهي تردد على استحياء:
_ أنا كنت خارجة.
وصفقت الباب من خلفها بعنف.
فاستدار، علي لعمران الذي يكاد يهرول إليه بالسكين المجاور إليه.
فاقترب علي يجلس على المقعد وهو يتابع بسخرية:
_ أيه، بتبصلي كده ليه؟!
أجابه من بين اصطكاك أسنانه:
_ عايز أقتلك هكون ببصلك ليه!
ضحك وهو يجيبه مشاكسًا:
_ أنا نفسي أفهم أنت جايب شجاعة خوض المعارك دي منين، يا ابني مش كده اهدى حتى لحد ما تسترد صحتك!
هدر منفعلًا:
_ وأنا كنت اشتكيتلك يا جدع!! أنا حر أعمل اللي أنا عايزه واللي أعرفه إن في ساعات محظورة، مينفعش تقتحم فيها اوضة راجل متجوز!
انفجر علي ضاحكًا، وصاح من بين سيل ضحكاته:
_ من أمته ده!! الله يرحم لما كنت بتلمحها معدية من قدام أوضتك صدفة كنت بتقوم قيامتها!
واستكمل بخبث:
_ بس تمام هديك وعدي ووعد الدكتور علي مبيترجعش فيه.
راقبه باهتمام لسماع وعده، فاخبره بغمزة تسلية:
_ لما تجمعكم أوضة واحدة والنفوس تتصافى مش هتلمح طيفي في أوضتك تاني، ها كده مرضي؟
ذم شفتيه بسخط، وزفر بغضب:
_ كنت جاي ليه، إخلص!
لكزه بقدمه بضيق:
_ في واحد يكلم أخوه الكبير كده؟!
ركل قدمه بعيدًا عنه بعصبية:
_ أنت جاي نص الليل تديني محاضرات، ما تنجز يا علي عايز أتخمد!
وضع قدمًا فوق الاخرى باسترخاء بارد:
_ لا اهدى كده عشان تفهم اللي هقولهولك كويس.
هز رأسه وتابعه بنفاذ صبر وهو يجذب كوب المياه يرتشف ما به.
فسحب علي نفسًا مطولًا قبل أن يقول:
_ أنا شايف إن جيه الوقت اللي نجوز فيه فريدة هانم.
سكب ما بفمه بوجه علي هامسًا بصدمة:
_ فريدة هانم اللي هي أمك!!!
أزاح بمنديله الورقي المياه بتقززٍ، وهدر بانفعال:
_ أمال هتكون مين يعني!
جحظت أعين عمران وتساءل:
_ علي إنت شارب حاجة؟ ولا اللي حصل تحت من شوية خلاك تفكر إزاي تتخلص من فريدة هانم!
زفر بغضب:
_ لا ده ولا ده، كل الحكاية إنها صعبانه عليا، إنت دلوقتي متجوز وأنا فرحي بعد اسبوع وشمس هي كمان فرحها بعد الامتحانات يعني ماما هتكون لوحدها يا عمران، ضحت بعمرها وشبابها كله عشانا وجيه الوقت اللي تعيش فيه حياتها ومتكنش فيه لوحدها.
بالرغم من سخافة ما يستمع الا أنه لم يستمع عدم التأثر بحديثه.
فقال بسخرية لازعة:
_ طب ويا ترى بقى لقيتلها العريس المناسب؟
هز رأسه وأجابه:
_ عمك... أحمد.
برق عمران صدمة تفوق صدمته، فجذب جسده تجاه مقعده وهو يردد بعدم استيعاب:
_ ده إنت بتتكلم جد بقى!!
صرخ بعنفوان:
_ أمال يعني جاي أهزر! ما تفوق وتتعدل!
قال وهو يحاول التحكم بهدوئه:
_ أنا معنديش اعتراض طبعًا بس اللي بتقوله ده مستحيل فريدة هانم تقبله، سبق وعمك اتقدملها زمان وهي رفضت فأكيد هترفضه دلوقتي.
نهض عن المقعد وأسرع بالجلوس جواره:
_ ودي مهمتنا بقى نقرب بينهم ونخليه تقبل الجواز بيه.
صمت يفكر بحديثه وهلة، ثم قال بضجر:
_ أيه يعني اللي طلع الموضوع بدماغك واشمعنا عمك أحمد!
زفر بغضب فلم يكن يريد البوح عن ذاك السر ولكن لا طريق أمامه سوى مساعدة عمران وتقبله بالأمر.
فقال بحزم:
_ عمران، فريدة هانم وعمك بيحبوا بعض من قبل ما تتجوز بابا.
جحظت عينيه صدمة وصاح:
_ أيه!!
لأول مرة ينتابها احساس الهزيمة.
اليوم تجرأ عليها أحد أبناءها وتحرر قاطعًا احدى الخيوط التي تحاوط معصمه.
شعرت فريدة بتلك اللحظة بأنها تختنق، فخرجت للشرفة تشم الهواء ليسع لقصبتها التنفس.
انحنت على السياج ساندة رأسها لذراعيها والهواء يحرك خصلاتها بقوة.
ضغطت على ذراعيها بغلٍ ورددت من بين انهدار اتفاسها:
_ استني عليا وشوفي هعمل فيكي أيه، الجوازة دي مش هتتم وقبل معاد الفرح هيكون كل شيء انتهى!
انتهت فطيمة من أخذ حمامها الدافئ وارتدت منامة بنية من الخزانة التي وجدت بها ملابس رقيقة قد أحضرتها لها مايسان وشمس صباح هذا اليوم.
ثم بدأت باستكشاف غرفتها بحماسٍ، فخرجت للشرفة ومن ثم ولجت لكل دكن بها.
فأكثر ما أعجبها لونها الأبيض المريح والفراش الذهبي الذي يتوسط أرضيتها.
بالاضافة لمكانٍ مخصص لتبديل ملابسها.
استقرت عينيها على ذاك الباب المصفوف بمنتصف الحائط الخاص بالفراش، فكانت تظنه باب الحمام الخاص بالغرفة ولكنها وجدته ينجرف على الجهة الاخرى.
فاتجهت تحاول فتح الباب لاستكشاف ماذا يطل؟
فُتح الباب أمامها لتجده يصلها لغرفة قاتمة الظلام.
أضاءت فطيمة الاضاءة لتتمكن جيدًا من رؤيتها، فتفاجآت بصور علي تمليء الغرفة، حتى الخزانة المحاطة بأحد زواياها كانت تخص ملابسه التي يصعب عليها نسيانها.
بالرغم من ارتجاف جسدها رهبة من تواجدها بمكانه الخاص الا أنها سمحت لذاتها بتفحص غرفته باهتمامٍ كبيرٍ.
فجذب انتباهها مكتبته الصغيرة القابعة جوار النافذة.
اتجهت إليها بتردد، فلفت انتباهها عناوين الكتب المختارة على الرفوف، وأغلبهم للعراب "أحمد خالد توفيق".
الكاتب المصري الذي حصل على عشق فطيمة لرواياته وأعماله الأدبية.
وبالرغم من صعوبتها بالحصول على أغلب رواياته ورقيًا الا أنها كانت تقرأهم على الانترنت وتمنت يومًا الحصول عليها.
وها هو علي يغنتم تلك الغنيمة التي كانت أسمى طموحاتها يومًا.
وما جذب انتباهها وجود أكثر من عملٍ له، فجذبت الكتب تراقبها باهتمام بالغ، وبسمة حماس جعلتها لا تتمنى عودة علي لغرفته الآن.
بينما هو يستمتع بتأملها من خلف الباب المؤارب، بعدما كان بطريقه لغرفته حينما انتهى من قص قصة أحمد وفريدة لعمران.
فصدم برؤيتها داخل غرفته لذا حرص الا يقلقها بظهوره بالداخل، فهو أكثر الاشخاص معرفة بحالتها.
تمنى لو قضى عمره بأكمله يراقبها هكذا، سعادتها بالكتب كانت تزرع بسمته على شفتيه دون ارادة منه، وأكثر ما لفت انتباهه تعلقها بكتب دكتور أحمد خالد توفيق.
فعلى ما يبدو بأنهما يحصلان على نفس العشق الخاص لكاتبهما المفضل.
أعاد علي غلق باب غرفته وهبط لغرف الطابق الأول ليقضي ليلته بأحدهما حتى لا يفسد فرحتها واستقرارها النفسي.
فتفاجئ بهاتفه يضيء برسالة معلنةٍ من الجوكر، فتحهل ليجد بها
«مبروك يا عريس، معرفتش أكون موجود بعقد القران لإنشغالي بمهمة تبع الشغل، لكني هكون موجود الاسبوع الجاي في الفرح وبالفترة دي بحضر لفطيمة مفاجآة هتساعدك في علاج حالتها، بلغها سلامي ليوم لقائنا..»
أغلق هاتفه وهمس باستغراب وهو يسند ظهره للفراش:
_ مفاجأة أيه دي؟!
هرب الظلام مع ليل ذاك اليوم وطلت شمس يومًا جديد.
ومازالت كما هي تجلس بانتظار عودته ولكنه لم يعود.
فاقت ليلى على صوت منبه هاتفها الذي يوقظها كل صباحٍ للعمل، فوجدت ذاتها تغفو بالردهة على المقعد بملابسها.
فأسرعت لغرفة نومهما عساها تجده فوجدت الفراش مرتب كما كان.
تهدلت معالمها يأس وجذبت هاتفها تحاول الاتصال به ولكنه لم يجيبها.
فلم تجد سوى اللجوء لسيف الذي أتاها صوته يجيب:
_ صباح الخير يا دكتورة ليلى، في حاجة ولا أيه؟
ارتبكت ولم تعلم ماذا ستخبره.
ولكنه استجمعت شتاتها قائلة:
_ يوسف فين يا سيف؟
رد عليها وهو يتثاءب:
_ يوسف نزل من ساعة كده على المستشفى.
أتاه صوت بكائها، ورددت من بين شهقاتها:
_ يوسف سايب البيت يا سيف ومش بيرد على مكالماتي عشان آآ..
قاطعها سريعًا باسلوب متهذب:
_ ليلى اهدي، أنا عارف إنك بتعتبريني زي أخوكي بس يوسف مش بيحب أي مخلوق يتدخل في خصوصيات بيته فمش هيكون مبسوط لو عرف إنك حكتيلي شيء، خلي اللي بينكم بينكم عشان الامور متزدش.
جلست بجسدها على الاريكة، تصيح باختناق:
_ طيب أعمل أيه يا سيف!
أتاه صوته الهادئ يخبرها ببسمة صافية:
_ يوسف مفيش في حنيته ولا طيبة قلبه أنا اللي هقولك يا دكتورة!
وتابع بمكر:
_ أقولك روحيله المستشفى واتكلمي معاه وهو أكيد مش هيسيب الامور تسوء بينكم لانه بيحبك.
ازاحت دموعها وتسللت الابتسامة إليها.
فقالت وهي تهم لخزانتها بلهفة:
_ هعمل كده، لما هرجع هكلمك سلام.
أغلقت الهاتف وأبدلت ملابسها سريعًا، ثم هبطت تقود سيارتها للمشفى الذي يعمل به يوسف.
فجلست تترقب دورها بعدما دفعت ثمن الكشف دون البوح عن هويتها للممرضة.
حتى أتى دورها فتماسكت وهي تشدد على حقيبتها، تخطو بارتباك للداخل.
تفاجئ يوسف بها، فسحب نظراته عنها للحاسوب من أمامه وهو يحاول كظم غيظه.
ابتلعت ليلى ريقها بصعوبة بالغة وجلست على المقعد المقابل إليه.
فقال دون أن يتطلع لها:
_ جاية ليه؟
أجلت أحبالها الصوتية مرددة:
_ أنا قاطعة كشف زيي زي أي مريضة والوقت ده من حقي يا دكتور.
تابع عمله على الحاسوب متجاهلها تمامًا، فعبث بأظافرها الطويلة قليلًا قبل أن تردد بخجل:
_ أنا آسفة على الكلام السخيف اللي قولته إمبارح أنا مكنتش أقصد.. حقك عليا.
جذب الأوراق يدون بها ما ينقله عبر الحاسوب، وكأنها هواء يترنح من أمامه.
فمدت يدها تحجر يده التي تحرك القلم على الورق تناديه بقلبٍ مذبوح فؤاده:
_ يوسف!
قبض صدره لهفة لسماعه اسمه بنبرتها الشبيهة بالباكية.
فرفع وجهه لها ليجدها تعيد كلماتها ببكاءٍ تحرر فجأة:
_ أرجوك متزعلش مني، إنت فعلًا عندك حق وأنا جيت النهاردة عشان أصحح غلطي.
وتابعت ببسمة صغيرة:
_ وجاهزة إنك تكشف عليا.
وخز قلبه لسماعه كلماتها الاخيرة، فقال وهو يمنحها نظرة مطولة:
_ مفيش له داعي، أنا مش عايز أولاد خلاص.
تحجرت أنفاسها جراء ما استمعت إليه.
فازدردت ريقها بصعوبة بالغة وهي تتساءل بوجع:
_ مش عايز أولاد مني يا يوسف؟
قال بجمود وعينيه لا تفارقها:
_ لا منك ولا من غيرك.
نهضت ليلى عن مقعدها واتجهت إليه، فانحنت لتكون على نفس مستواه قائلة بابتسامة تعاكس دموعها المتدفقة:
_ أنا اعتذرت على اللي قولته امبارح معقول مصمم توجعني بكلامك ده!
حرك مقعده الهزار ليكون قبالتها، وانحنى برأسه قبالة عينيها:
_ المفروض تكوني طايرة من الفرحة ، لاني خلاص بحلك من الخلفة اللي هتضيع مستقبلك يا دكتورة!
تهاوى الدمع دون توقف وعينيها لا تفارق خاصته.
فاتكأت على المكتب حتى استقامت بوقفتها.
فجذبت حقيبة ذراعها وركضت باكية من أمامه.
فحرر سماعته الطبية عن رقبته وهو يفرك جبينه بغضب جعله ينزع عنه البلطو الطبي ويخرج من خلفها.
وجدها تستقيل المصعد فهبط الدرج.
وحينما انفتح بابه وجدته يقف أمامها بانفاسٍ لاهثة.
فابتسمت من بين نوبة بكائها وهرعت لاحضانه تضمه بقوة جعلته يطوقها كأنه عناقهما الاخير.
فهمست من بين شهقاتها:
_ أنا آسفة.
ربت على خصرها بحنان.
بينما عادت لسؤاله وهي تبعده عنها:
_ سامحتني؟
تبلد لسانه عن النطق، وجذبها لسيارته.
فصعد بها وقادها وهو يخبرها:
_ في مشوار لازم أخدك عليه الأول وبعدها هقرر أسامحك ولا لأ!
غلبها النوم رغمًا عنها على الكتاب الذي جذبها كليًا.
فلم تفق الا على صوت زقزقة العصافير المحاطة لشرفة غرفة علي، وبعدها استمعت لخطوات تخطو إليها.
فبدت الصورة مشوشة لها ولكن الصوت تخلل لمسمعها جيدًا، لسهولة تميزه بعقلها الباطن.
فتحت عينيها على مصراعيها حينما وجدتها تقف أمامها تتساءل بغضب كالبركان:
_ بتعملي أيه هنا في أوضة علي؟!........ .
رواية صرخات انثى الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ايه محمد رفعت
جحظت عينيها صدمة حينما وجدت فريدة تقف قبالتها، تكاد نظراتها تحرقها حية.
ابتلعت فطيمة ريقها بارتباك لحق كلماتها الغير مرتبة:
_آآ... أنا.. ك.. كنت... بقرأ.. كتاب.. ونمت.. معرفش ازاي.
ضمت ذراعيها أمام صدرها تحدجها بنظرة ساخرة، ورددت باستهزاءٍ:
_مالقتيش حجة كويسة غير قراءة الكتاب!
وفكت حصار يديها لتصرخ بوجهها بغيظٍ:
_مفكرة إني ساذجة وهتخش عليا حججك، إسلوبك الرخيص اللي كنتي بتستخدميه على ابني بالمستشفى ده مينفعش هنا، لإنك في بيت محترم!
أخفضت عينيها أرضًا لا تجد ما يمكنها قوله بتلك اللحظة، فقدت قدرتها بالدفاع عن نفسها فهي مخطئة، لا تعلم كيف غلبها النوم هنا، على الأقل كانت استأذنت وأخذت الكتاب وغادرت لغرفتها!
تمعنت فريدة بمعالمها قبل أن تقول بحدةٍ:
_مش لقية حجة مقنعة مش كدة!
_وهتلاقي حجج ليه وهي موجودة بأوضة جوزها يا فريدة هانم!
أتاه ردًا حازمًا من ذاك الذي كان بطريقه لغرفته ليجد المواجهة غير عادلة بين زوجته ووالدته، فقرر التدخل عوضًا عنها.
استدارت فريدة للخلف فوجدت علي يدلف للغرفة ومازال مرتديًا بذلته، حاملًا جاكيته على ذراعيه وخصلاته مبعثرة بشكل فوضوي، يبدو بأنه قضى ليله خارج غرفته.
تركتها فريدة، واتجهت لتقف قبالته متسائلة بذهول:
_كنت فين؟
رد عليها وهو يلقي جاكيته للفراش:
_كنت نايم تحت عشان فاطيما تاخد راحتها.
خطفت نظرة سريعة إليه وعادت تتطلع أرضًا حينما وجدت فريدة تراقب ردة فعلها، فصاحت بانفعال:
_وتنام تحت وأوضتك موجودة ليه، مش ليها أوضة سيادتها ولا مش عجباها؟
ضم مقدمة أنفه بيده بتعب اتبع نبرته:
_فريدة هانم من فضلك كفايا، أنا أول مرة أشوف منك المعاملة دي وحقيقي مصدوم وحاسس إني معرفكيش.
وتابع وهو يتجه لخزانته ليجذب بذلة أخرى استعدادًا للذهاب لعمله، قائلًا دون تطلعه لها:
_لو حضرتك هتقضيها كده أنا ممكن أنسحب أنا ومراتي بمنتهى الهدوء، من غير ما نعمل لحضرتك مشاكل أو إزعاج.
تهديده بالرحيل كان أخر أمرًا تريده، فطالت بنظراتها إليه ومن ثم سددت نظرة أخير لفطيمة قائلة قبل أن تغادر:
_عرفها إن الفطار بيكون جاهز ١٠ الصبح، يا ريت تلتزم بالمواعيد وتكون تحت على المعاد.
وتركتهما وغادرت. فما أن أغلقت الباب من خلفها حتى عادت فطيمة تلتقط أنفاسها بصوت مسموع لعلي، فضحك وهو يتابعها بنظرة هائمة، فأسرعت إليه تردد بتلعثم:
_أنا آسفة مكنتش عايزة أعملك مشاكل مع والدتك.
وأشارت تجاه الباب وكأنها تلقي اللوم عليه:
_أنا لقيت الباب ده وأول ما فتحته لقيت نفسي هنا وبعدين لقيت آآ.
وأشارت على المكتبة في محاولة لاسترسال حديثها، ولكنها توقفت حينما وجدته يتطلع إليها بنظرة أهلكت جوارحها وجعلتها تعيش شعورًا غريبًا.
شعرها كان مفرود من حولها بعشوائية، ترتدي بيجامتها الستان الحريري فتزيد من جمال وجهها الناصع بعدما أزاحت مساحيق التجميل عنها.
ابتلعت فطيمة ريقها بارتباك، ورددت بتوتر:
_الكتاب أخدني ومحستش بنفسي غير الصبح.
خرج عن صمته الغامض حينما قال بعدم مبالاة:
_وفيها أيه؟ دي أوضتك يا فاطيما زي ما هي أوضتي، وكل شيء فيها ملكك بما فيهم أنا.
حان موعد الفرار من أمام هذا العلي الذي يجاهد كل مرة لجعلها تخوض مرحلة العبث على مشاعرٍ تجتابها وللحق تروق لها، لذا أبعدت خصلات وجهها عن شعرها واتجهت لتغادر، فأوقفها ندائه:
_فطيمة.. اسنني.
توقفت محلها بعدم رغبة الاستدارة لرؤيته مجددًا، فوجدته يدنو منها ليقدم لها كتابًا غير الذي كانت تقرأ به قائلًا ببسمة سحرتها كليًا:
_بما إننا متشاركين بحبنا لنفس الكاتب فخليني أختارلك تبدأي بأيه؟
التقطت منه الكتاب ورفعته إليها تقرأ عنوانه «حب في أغسطس!»
عادت لتتطلع إليه فغمز لها بتسلية:
_مش هتجيبي حضن حق استعارة الكتاب؟
فتحت فمها ببلاهةٍ، وضمت الكتاب إليها لتهرول من أمامه صافقة الباب بوجهه، رمش بعدم تصديق ومن ثم انفجر ضاحكًا وهو يهمس بمرح:
_أيه حبها في رزع الأبواب!
***
فور أن توقفت حركة السيارة حتى تحركت برأسها تتأمل من النافذة المكان، فعادت تتطلع إليه متسائلة بدهشة:
_جايبنا عيادتك ليه يا يوسف؟
لم يجيبها، بل نزع حزام السيارة وهو يردد بثباتٍ:
_انزلي.
انصاعت عليه ففتحت الباب واتبعته للمصعد، فما أن أغلق بابه حتى قالت بتوترٍ:
_ممكن تفهمني احنا جاين هنا ليه، لسه ساعتين على معاد فتح عيادتك!
تمسك بصمته، وكأنه يبث به كل تفكيره فيما سيفعله، كرامة الرجل حينما تهان على يد إمرأة يسود وجهه ويخشى أن يلاحظ من حوله ذاك السواد العالق على جبينه نهيك إن كانت تلك المرأة زوجته!
توقف المصعد فخرجت من خلفه تتجه لعيادته القابعة بالطابق الثالث، وبطريق الرواق المتسع تسمرت قدميها صدمة حينما رأت إحدى شقق الطابق الثاني المجاورة لعيادته بالتحديد تحمل لافتة مضيئة بإسم «الدكتورة ليلى حسن».
عادت بنظريها إليه وإصبعها يشير على اللافتة بعدما فقدت قدرتها على النطق، منحها يوسف نظرة جامدة وبهدوء تحرك ليحرر بابها بمفتاحه الخاص، وفتح ذراعه قائلًا بصوت يسخره الألم:
_فاضل على عيد ميلادك عشر أيام، كل سنة وإنتِ طيبة يا دكتورة.
عقلها كان هزيلًا لا يستوعب ما يقوله، أجبرت قدميها على الدخول فجابت عينيها على كل ركنٍ لمحه بصرها، ردهة الاستقبال الضخمة ومكتب السكرتيرة الذي مازال يحمل اللاصق والأكياس، فبدى إنه اشتراه منذ مدة قصيرة، حتى استقرت قدميها داخل غرفة الكشف الحاملة لاجهزة ومعدات تفوق المليون دولار، كونها طبيبة تعرف جيدًا أسعار الأجهزة الموضوعة أمامها.
تدفقت الدمعات حسرة من حدقتيها، فحاولت التقاط أنفاسها الثقيلة وهي تخرج من غرفة المكتب تركض تجاه يوسف الذي مازال يستند على الباب الخارجي للشقة وكأنه فقد روحه فأصبح لا يطيق التحرك عن محله، فقد مذاق الحياة فجأة بعد شهور قضاها بالكد والتعب ليجمع ثمن كل شيءٍ هنا وبالنهاية اتهمته بأنه يغار منها!
استقرت عينيه الشاردة عليها حينما انتهت من جولتها وخرجت إليه بعينين منتفخة من أثر البكاء، فبدت مرتبكة لا تعلم ماذا ستفعل بالتحديد، فاقتربت منه تمسك يده الحاملة لدبلته الفضية حول اصبعه، تغمس أصابعها بدبلتها الذهبية، ورددت بصوتٍ محتقن:
_أنا آسفة يا يوسف.. حقك عليا.
أغلق عينيه بقوةٍ، وفرد أصابعه لتتلاشى عن أصابعها، وقال ومازالت عينيه تتأمل الطرقة الفاصل بين عيادتها وعيادته:
_بالبساطة دي! أنا بقالي شهور بفكر أحققلك حلمك ازاي وبسعى وبتعب عشان أشوف ابتسامتك وبالنهاية أطلع حاقد على نجاحك!
أحاطت ذراعه حينما سحب كفه منها، فمالت برأسها على كتفه وببكاء قالت:
_عشان خاطري سامحني أنا كنت غبية، أنا عارفة إنك بتحبني ومستحيل أهون عليك.
بقى ثابتًا، لم يرف له جفنًا تأثرًا بها، وقال:
_عايزاني أسامحك؟
رفعت عينيها المتلهفة إليه وأومأت برأسها عدة مرات، فقال بجمود تام:
_تتخلي عن شغلك عشاني، موافقة؟
صعقت مما استمعت إليه، فظنت بأنها تتوهم، كيف يمنحها سعادة عظيمة بامتلاك مثل تلك العيادة التي تقدر بالملايين ويطالبها بترك العمل! بالتأكيد تتوهم سماع ذلك.
أسبلت ليلى بعينيها وهي تعود لسؤاله ببسمة تعكس مدى ارتباكها:
_إنت بتقول أيه؟
لم تلين نظراته تجاهها، فبقى صامدًا لا يعلم اللين طريقه لوجهته، ليردد بخشونةٍ:
_زي ما سمعتي، مستعدة تسيبي شغلك عشان جوزك وبيتك يا دكتورة؟
واستطرد وعينيه تتأمل العيادة الفخمة بنظرة ساخرة:
_عشر شهور قضيتهم بتجهيز المكان ده، وكل ده علشان أشوف الابتسامة على وشك.
وسحب عسليته إليها ليردد بتهكم:
_بالرغم من إن عيادتي محتاجة تجديدات وبالرغم من إني عارف إنك هتنشغلي أكتر بعد ما أفتحلك العيادة دي بس مفيش شيء همني أكتر، من نجاحك.
وابتسم متابعًا بسخرية:
_نجاحك اللي شايفاني بالنهاية بغير منه!
قطعت مسافتهما القصيرة بينهما، لتتمسك بيده قائلة بخفوت وتوسل:
_يوسف متعملش فيا كده عشان خاطري، إنت عارف أنا بحبك أد أيه وآآ..
انهى محاولتها الفاشلة لاستمالته حينما قال بصلابة:
_وفري محاولتك لإن مفيش شيء هيمنعني، ودلوقتي القرار ليكي يا دكتورة.
وأشار بأصبعه على اللافتة المضيئة بإسمها:
_يا الشغل، يا أنا!
وتركها تتأمله بصدمة وإتجه للشقة المجاورة لها القابع بداخلها عيادته الخاصة، وضع مفتاحه بالباب وكاد بأن يحرر قفله الموصود، ولكنه تفاجئ بها تحتضنه من الخلف وهي تردد ببكاء:
_متبعدش عني يا يوسف، أنا مش عايزة غيرك.
وما أن استدار إليها حتى قالت بانكسارٍ ودموعها لا تتراجع عنها:
_حاضر من بكره هقدم استقالتي ومش هنزل المستشفى تاني، بس خليك جنبي متسبنيش.
وأخفضت رأسها تبكي بضعف، جعله يتلقفها لأحضانه، فتشبثت به وهي تهمس بصوتها المحتقن:
_أنا بحبك.. بحبك أكتر من نفسي ومن شغلي ومن كل شيء، أنا كنت أنانية وظلمتك معايا أنا أسفة.
رفع يده على حجابها يقربها من صدره بقوة والابتسامة تتسلل لشفتيه براحة كسرت خوفه من سماع اختيارها، لا يعلم كيف كان سينتظر لسماع ردها، فكأنما علمت بمعانته وقررت البوح له بنفس ذات اللحظة عن قرارها، ضمها يوسف إليه بقوة ومازال يقف بها بالطرقة الفاصلة بين العيادتين، فوجدها تذوب بين ذراعيه طالبة وصاله بعد فترة الهجر بينهما وإن كانت قصيرة!
حملها وولج بها لعيادتها فأغلق بابها بقدميه وولج بها لاحد الغرف المجهزة لاستقبال الحالات بعد الخروج من الجراحة، فكانت تحوي فراش وكومود طبي وصالون وحمامًا خاص.
كل لحظة قضاها برفقتها كانت تعتذر له باكية ويزيح دموعها بحنانٍ، حتى غفت بين ذراعيه، فضم غطاء الفراش عليها وبقى شاردًا، يتأمل ملامحها بعشقٍ جارف، يختزل قلبه حزنًا كبيرًا وهو يتأمل وجهها المحتفظ بأثر البكاء، ويدها الموضوعة فوق صدره مستهدفة موضع قلبه.
رفع يدها إليه يقبلها وهو يهمس بوجعٍ:
_أنا أسف يا ليلى، كان لازم أعمل كده عشان متكررهاش تاني!
ووضع يدها أسفل الغطاء ثم حمل بنطاله وقميصه وإتجه لحمام الغرفة يغتسل، وحينما انتهى إتجه لغرفة مكتبها فبحث عن ورقة وقلم ودون لها رسالة ثم عاد لغرفتها، فجلس جوارها يمرر يده على خصلات شعرها المفرود بعشوائيةٍ وابتسامته لا تفارق وجهه، بينما عينيه تراقب ملامح وجهها بحبٍ.
نهض يوسف تاركًا الورقة على الوسادة المجاورة لها ثم غادر متوجهًا لعيادته الخاص ليبدأ باستقبال أول حالاته.
***
اجتمع الجميع حول مائدة الطعام، فخطفت فطيمة نظرة مرتبكة إليهم، كانت شمس تلتقط الجبن بشوكتها، وتقطعه بالسكين ثم تتناول القطعة الصغيرة بشوكتها وهكذا تفعل مايسان وأحمد الجالس على مقدمة الطاولة وتقابله فريدة بالجهة الأخرى.
ارتبكت فطيمة وهي تتأمل طبقها بتوتر، هل يحتاج الأمر كل تلك المعاناة لتناول قطعًا من الجبن! اعتادت تناول طعامها بالخبز، وما يحدث يثير ريبتها، تخشى أن تقلدهما فيسوء الأمر وتخشى ان تلتقط شطيرة التوست فتحصل على ازدراء الجميع!
راقب علي توترها وكان عاجزًا عن مساعدتها، لا يعلم ماذا يتوجب عليه فعله! بينما كان عمران الأسرع بتدارك الأمر عن أخيه وزوجته، فجذب الشطيرة ثم غمسها بالخبز، فنالته نظرة غاضبة من فريدة لتصيح به:
_عمران أيه الطريقة المقززة دي؟!
رسم بسمة واسعة وأجابها وهو يلوك طعامه بتلذذٍ:
_فريدة هانم إنتِ عارفة دراعي التاني مش قادر أحركه هعمل أيه يعني أموت من الجوع مثلًا؟!
منحته نظرة غاضبة وهي تعلم غرضه من فعل ذلك، بعدما كانت تستلذ بمراقبتها بشماتة، وتترقب أن تفعل أي شيئًا لتبدأ بمضايقتها.
ابتسم أحمد وهو يراقب ما فعله عمران، فترك شوكته وجذب طبق التوست يغمسه بالجبن ويتناوله بسعادة:
_تصدق يا عمران الفطار ميحلاش غير بالغموس!
ضحكت مايسات وأبعدت عنها الشوكة ثم جذبت العسل والشطيرة وتناولت طعامها مثلما يفعلون، فصاحت بها فريدة بعصبية:
_مايا أيه اللي بتعمليه ده، فين الاتكيت!!
هزت كتفيها بقلة حيلة، فتعالت ضحكات عمران بمشاكسة وكأنه حرر أول الفتيل وترك لهم الباقية.
قرب علي من فطيمة طبق الخبز وجذب أحدهم ثم فرد بالسكين الجبن ليتناوله ببسمة مكبوتة على وجه والدته الأقرب للانفجار.
شعرت فطيمة بالألفة بينهم، فعلى تعلم بأن عمران وأحمد والجميع قد فعل ذلك لأجلها حتى لا تتعرض للاحراج بينهم، شعرت وكأن الله قد من عليها ليمنحها عائلة بين ليلة وضحاها، فجذبت الخبز من علي وتناولته على استحياء، متحاشية التطلع لفريدة التي تحاول التنفس بصورة طبيعية قبل أن تنفجر بمحلها وخاصة حينما وجدت شمس تبعد طبق السلطة عنها، ثم جذبت الخبز وبدأت تقلدهم ببسمة واسعة، فألقت فريدة منديلها الورقي على الطاولة ورددت بغيظٍ:
_أنا مستحيل هأكل معاكم على سفرة واحدة بعد النهاردة، بقيتوا مقززين!
وتركتهم وصعدت للدرج وقبل أن تنجرف لغرفتها تسلل إليها أصوات ضحكاتهم الصاخبة فور مغادرتها، فاتجهت للسور الحديدي لتراقبهم بنظرات مشتعلة وخاصة حينما استمعت لاحمد يقول بمرح:
_تحسوا الجو بقى نقي أكتر من الأول صح؟
ضحك علي وهو يشير له بحذر:
_لو سمعتك هتتعاقب يا باشا، الله يكرمك خلينا نكمل فطارنا على خير.
رد عمران بغمزة مشاكسة:
_عمك مش ببهمه حد، صح يا وحش؟
ضحك وهو يغمس العسل ويلتهمه مرددًا بمزح وهو يلعق أصبعه الحامل لبقايا العسل:
_ أمك لو شافتني بعمل كده هتطردني وهتطردكم ورايا!
ضحكت مايا وقالت:
_أنا مش متخيلة شكلها لو شافتك بتعمل كده يا أنكل.
أضافت شمس بتقزز:
_أنا قرفت بصراحة كل يوم سلطة وروتين أكل ممل، يا رتنا عملنا كده من زمان!
قال عمران وهو يتطلع لفطيمة التي تراقبهم ببسمة صغيرة:
_يا ريتك اتجوزت من زمان يا علي، لإن الظاهر كده إن جوازك بداية التغير هنا!
ارتشف قهوته وأجابه:
_حملك عليا يا عمران هتحدف كل حاجة عليا، أنا مش ناقص الله يكرمك.
وقف أحمد وردد ببسمة هادئة:
_أنا الحمد لله شبعت هستناكي بره يا مايا عشان منتاخرش على الشركة.
وتابع بسخرية:
_كنت فاكر إني هربت من مطحنة الشغل اللي في مصر جيت لقيت شركة عمران في انتظاري!
رد عليه ببسمة هادئة:
_هتتردلك يا عمي.
وتابع بخبث:
_الله أعلم يمكن تأخد اجازة كبيرة عشان تتجوز مثلًا وتقضيلك شهر كامل ساعتها مش هتلاقي غيري يشيل الليله.
زوى حاجبيه بدهشة:
_جواز أيه؟!
تنحنح علي وهو يسدد نظرة قاتمة لاخيه:
_متأخدش في بالك يا عمي إنت عارف إن عمران بيحب يهزر.
أزاح بالمنديل بقايا الطعام عن شفتيه وقال ببسمة ماكرة:
_أنا قصدي إن في الشركة عندنا مزز هتخليك تغير رأيك وهتفكر جديًا بالارتباط يا عمي، مش كده يا مايا؟
هزت رأسها بتأكيدٍ، فقال:
_ابقي عرفيه على مدام أنجلا، لسه متطلقة من شهرين بس أيه يا عمي مزة تحل من على باب المشنقة.
مسح علي وجهه بغيظ، بينما هز أحمد رأسه بمرح:
_وماله نتعرف منتعرفش ليه، يمكن على رأيك نفكر نرتبط!
قالها وعينيه مسلطة على ظلها الفاضح لوقوفها بالأعلى، فخدمه عمران خدمة يستحق لأجلها الكثير، لا يعلم بأنه يحاول الآن مساعدته بعدما فضح أمرهما!
جذبت مايسان حقيبتها واتجهت لعمران تخبره:
_أنا مش هتأخر، في شوية أوراق واقفين على توقيعك هجيبهم وأعرف أنكل أحمد على الموظفين وأقدمله ملفات أخر صفقات للشركة وهرجع على طول.
منحها ابتسامة جذابة وهمس لها بحبٍ:
_خلي بالك من نفسك، ومتتأخريش عليا عشان بتوحشيني.
رمشت بعدم تصديق وانجرفت بعينيها لفطيمة وشمس وعلي، ثم عادت تطعنه بنظرة خجلة من وقاحته، فحملت الحقيبة وغادرت على الفور، بينما ردد علي بضيق:
_متبقاش عمران أخويا الوقح لو محرجتش البنت قدامنا كلنا!
تعالت ضحكاته واستدار يغمز له بتسلية:
_أنا مش عارف إنت مركز معايا ليه، ما تركز مع مراتك يا دكتور.
اتجهت نظرات علي لفطيمة بخبث، فابتلعت الطعام بارتباك جعلها تسعل بقوةٍ، فجذب علي كوب المياه وقدمه لها، ارتشفته ومنحته بسمة شاكرة، أشار لها علي على شفتيها، فعلمت بأنه يقصد أن هناك بقايا الجبن، فحاولت ازاحتها بالمنديل الورقي، وحينما فشلت مد إبهامه يبعد الجبن عن شفتيها، فقدمت له فطيمة منديلًا ليزيل الجبن عن اصبعه، فتفاجئت به يضعه بفمه ويستلذ بتناوله، خفق قلبها بعنف وجهها يصطبغ بحمرته بدرجةٍ جعلتها تلتهي بتناول الطعام رغم أن معدتها قد امتلأت، فكبت علي ضحكاته وهو يراقبها باستمتاعٍ.
نهضت شمس تجذب كتبها، لتواعهم ببسمة رقيقة:
_يدوب الحق المحاضرة، أشوفكم بعدين.
ووجهت حديقها لفاطيما قائلة:
_مش هتأخر عليكي يا بطوط، كلها ساعتين تلاتة وهرجعلك هوا.
منحتها بسمة هادئة،قائلة:
_ربنا معاكِ يا حبيبتي.
غادرت شمس لسيارتها بينما أشار علي لعمران بتعصب وهو يتفحص هاتفه:
_انجز قبل ما الدكتورة توصل.. ما أنا بقيت ممرض جنابك.
قال وهو يلوك ثمرة من التفاح باستمتاعٍ:
_مش عارف مالي حاسس بنفس مفتوحة كده، تفتكر ده تأثير الحرية ولا الهوا النقي؟!
كز على أسنانه بغيظٍ:
_إنت مش ناوي تجبها لبر أنا عارف!
***
فتحت عينيها بتكاسلٍ ويدها تمر جوارها باحثة عنه، نهضت ليلى تبحث عنه بفزعٍ، فلم تجده بالفراش، تطلعت تجاه باب الحمام الموصود ونادته بقلقٍ:
_يوسف!
تأكدت بأنها بمفردها، فضمت ساقيها لجسدها وبكت بصدمة، كل ما يشغل عقلها بتلك اللحظة بأنه تخلى عنها ولم يقبل إعتذارها!
حانت منها نظرة جانبية لمكانه الدافئ فوجدت ورقة مطوية تحتل وسادته، جذبتها وفتحتها بلهفةٍ فوجدته كتب لها:
« قومي يا دكتورة خديلك شاور وانزلي المستشفى، أنا كلمت المدير وإستأذنتلك في ساعتين ده اللي قدرت عليه، مقبلش أشوفك عايشة من غير روح يا ليلى، وشغلك ده روحك وحياتك، هحاول أخلص شغل العيادة النهاردة بدري عشان تخرج نتعشى بره مع بعض... بحبك.. يوسف»
ضمت الورقة لصدرها والابتسامة تعاكس دموعها التي لا تستطيع التوقف، بعد كل ذلك مازال يحرص على سعادتها حتى بعدما امتلك حق ابعادها عن حلمها عاد يمنحها أجنحة أكثر قوة ويطالبها بالتحليق مجددًا، رددت بهمسٍ مغرمٍ:
_حبيبي يا يوسف.
ووضعت قبلات متفرقة على الورقة الماسدة بين يدها وهي تتمنى رؤيته بذاك الوقت، فنهضت وإتجهت لحمام الغرفة وفور انتهائها من أخذ حمامًا دافئ خرجت تتجه لعيادته بارتباكٍ انتابها فور رؤية عدد النساء القابعات بالخارج، أخذت تفكر جديًا في الساعات الطويلة التي ستقضيها بالخارج بانتظار دورًا عادلًا لرؤيته، فلم تجد سوى اللجوء للوسطة للدخول.
دنت ليلى من مكتب الممرضة التي استقبلتها قائلة بعملية:
_مرحبًا سيدتي.
وفتحت أحد الدفاتر قائلة:
_أخبريني اسمك، سنك، عدد شهور حملك، وآ..
قاطعتها ليلى حينما قالت على استحياءٍ:
_أنا الدكتورة ليلى زوجة الدكتور يوسف، كنت أرغب لقائه وأعدك بأنني لن أتاخر بالداخل.
منحتها نظرة متفحصة قبل أن تنهض مرحبة بها بحفاوة:
_سيدة ليلى أهلًا بكِ، انتظري قليلًا حينما تخرج من بالداخل وسأدخلك بعدها.
أومأت برأسها ببسمة هادئة وإتجهت للمقعد المشار إليه، فأخذت تتفحص النساء الحوامل بنظرة غريبة، لا تعلم لما انتابتها رغبة غريبة بأن ترى ذاتها ببطنٍ منتفخٍ مثلهن.
إن روادها هذا الشعور لبضعة دقائق قضتهما بالجلوس هنا فيحق ليوسف رغبته العاجلة بالحصول على طفلٍ صغيرٍ، أفاقت ليلى من شرودها على صوت الممرضة التي تفتح باب الغرفة ببسمة واسعة:
_تفضلي سيدتي.
نهضت ليلى وولجت للداخل بارتباكٍ، فما أن رآها يوسف حتى نهض عن مكتبه يردد بذهول:
_ليلى إنتِ لسه هنا؟
أومأت برأسها ودنت من مكتبه تراقب الممرضة التي ما أن أغلقت الباب حتى اتجهت إليه تخفي ذاتها بأحضانه هامسة ببكاءٍ:
_يوسف!
وجد ورقته مازالت بيدها، فعلم ما تخوضه الآن، فرفع ذراعيه يحيطها بحنانٍ، ثم انحنى لمكتبه يجذب أحد المناديل وأبعد الحاسوب وأوراقه ليحملها بقوة ومن ثم جعلها تجلس على المكتب، وجلس على مقعده قبالتها يزيح دموعها برفقٍ، خطفت ليلى نظرة سريعة إليه ورفعت الورقة إليه تشير إليه:
_ليه؟ أنا مستهلش إنك تعمل كل ده علشاني يا يوسف!
ابتسم وهو يحرك المقعد ليحيط جسدها بذراعيه، فقرص ذقنها بخفة:
_لا تستاهلي، وتستاهلي أكتر من كده كمان.
وتابع ببسمة جذابة:
_مش معنى إن حصل بينا خلاف يخليني أنسى صفاتك الكويسة وحبك ليا يا ليلى.
وقال مازحًا:
_وبعدين ينفع اول مرة تخشي فيها مكتبي تخشيه مكشرة ومعيطة كده يا لوليتا؟
وأشار بيده على الفراش المجاور لعدد من الأجهزة السونار وغيره قائلًا:
_ايه رأيك بقى؟
أبعدت عينيها عن خاصته لتخطف نظرة متفحصة لمحتويات الغرفة التي يملأها صورًا كثيرة للأطفال، وعادت لتستقر عليه قائلة:
_جميلة.
واخفضت ساقيها للأرض ثم نهضت بحرجٍ:
_أنا همشي عشان الحالات اللي برة.. وهستناك بليل بس مش هنخرج هعملك أكل بيتي بايديا.
نهض إليها مبتسمًا، فرفع أصابع يدها يطبع قبلة رقيقة على باطنها، هامسًا بمرحٍ:
_يسلملي روح الشيف اللي ساكن جواكِ.
وأضاف بنهمٍ:
_يبقى تعمليلي سجق وكبدة اسكندراني.
سحبت كفها بخجلٍ وهو تخبره:
_عيوني..
وتركته ورحلت والابتسامة لا تفارق شفتيها، فأوقفت سيارة أجرة وإتجهت للمشفى أولًا قبل الذهاب للمنزل لتحضير سهرة مميزة لزوجها.
***
انتهت شمس من المحاضرة وخرجت برفقة مجموعة من الفتيات، فتجهمت معالمها ضيقًا فور رؤيته يقف بانتظارها أمام السيارة المكتظه بالحرس، أطالت بوقفتها عن عمدٍ برفقتهم، قاصدة أن يختنق من الانتظار ويغادر، وكلما حاول ان يشير لها كانت تتصنع عدم رؤيته مما جعل ذاك الجالس باحدى السيارات يبتسم على حبيبته الخبيثة، راق له تصرفاتها تجاه ذاك الأرعن الذي صمم أن يحضر بذاته ليأمن الحماية له خوفًا من أن يعود أحدًا للتعرض له، فبات آدهم الحصان الأسود الحارس له من كل همسة تحيط به.
طالت وقفتها وبالنهاية غادرت الفتيات، واتجهت هي عابثة الملامح وبخطوات بطيئة تود الفرار من لقائه، فما ان وجدها تقترب حتى أسرع إليها يردد:
_شمس مبترديش ليه على مكالماتي؟
احتقنت نظرتها تجاهه وقالت بنفورٍ:
_وأرد عليك ليه، راكان من فضلك هيكون أفضل لو انفصلنا أنا ماليش بجو الاسلحة والخطف ده، فمن فضلك ياريت كل واحد يروح لحال سبيله.
ابتلع ريقه بارتباك وراح يبرر:
_أيه الكلام اللي بتقوليه ده يا شمس، يعني ده بدل ما تتطمني عليا بعد اللي حصل، بتقوليلي نسيب بعض!
واستطرد بمكر:
_وبعدين تجارتنا بتعرض حياتنا للخطر واللي حصل ده ممكن يحصل مع عمران نفسه هو عارف الكلام ده، والحمد لله إنها عدت!
زفرت بمللٍ ولزمت الصمت، فقال بنبرة جاهد لجعلها تعج بالمشاعر المصطنعة:
_شمس أنا بحبك وصدقيني مكنتش سعيد باللي حصل ده بس غصب عني الموضوع وما فيه إن في مناقصة أخدتها من رجل أعمال مشهور فحب ينتقم مني وخلاص الموضوع إتحل ولو مش مصدقاني إسألي آدهم وهو يقولك.
واستدار يشير إليه، فهبط من السيارة واتجه إليهما.
فور ذكره لإسمه رفعت رأسها بلهفة تستكشف وجوده، فما أن رأته يدنو منهما حتى ابتسمت بسعادة ورددت بهمس:
_آدهم!
وقف قبالتها يدعي جموده التام:
_أخبارك يا شمس هانم.
ببسمة واسعة قالت:
_الحمد لله يا آدهم إنت اللي أخبارك أيه؟
تنحنح ليوقظ أحلامها الوردية التي ستفضحهما أمام راكان الذي يراقب ابتسامتها وتبدل حالتها فور رؤية آدهم بذهولٍ، أجلي الأخر أحباله قائلًا:
_اللي حصل ده كان غصب عنه وهو اللي خلاني اتشرط عليهم إنهم يخرجوكي بره الموضوع ده، يعني حاول بكافة الطرق إنه يحميكي، وإن شاء الله اللي حصل ده مش هيتكرر تاني فاتمنى حضرتك متتضايقيش من الباشا.
هزت رأسها بخفة وببسمة كبيرة قالت:
_مش زعلانه.
وتطلعت لراكان قائلة وابتسامتها تهرب عنها اجباريًا:
_حصل خير يا راكان.
ابتسم بسعادة لاصلاح الامور بينهما وقال:
_يعني مش زعلانه؟
هزت رأسها إليه، فقال بحماس:
_خلاص نروح نتغدى بأي مكان عشان اضمن أنك مش زعلانه فعلًا.
اكفهرت معالمها وكأنه يدعوها للهلاك، فقالت بمكر:
_خليها بكره لإن النهاردة ورايا مذاكرة وكام حاجة مهمة..
وعادت تتطلع لادهم قائلة بابتسامتها الرقيقة:
_عن اذنكم.
وتركتهما وعينيها تختطف النظرات لآدهم الذي يجاهد بمنع ذاته من التطلع إليها ولكن نظراتها المحبة تلك كانت مغرية بدرجة لعينة، فصعد لسيارته وانطلق خلف راكان على الفور.
***
داوم علي على تحريك ساق عمران المتعب من طولة مدة التمرين، فقال بإرهاق:
_خلاص يا علي معتش قادر.
اتجهت إليهما الطبيبة، تشير بالاستمرار:
_عليكما بمداومة التمرين لعشرة دقائق أخرى.
احنى عمران قامته مستندًا على أخيه، وصاح بتعصب:
_لست قادرًا على فعل ذلك بعد الآن أريد الاسترخاء قليلًا.
هزت رأسها بتفهمٍ، وتركت لعلي زمام الأمور، فأسنده للأريكة ثم جلس جواره يمسد على يده بحنانٍ اختزل صوته الهادئ:
_كل شيء بيبقى صعب بالبداية بعد كده الدنيا هتبقى لطيفة.
استدار برأسه تجاه أخيه، وقال بحزن:
_علي أنا مش هقدر أتحمل، احساس العجز ده بشع صدقني.
ترك الأريكة وانحنى أسفل قدم أخيه الصغير، يتعصب بقوله:
_متقولش عجز دي تاني، إنت مش عاجز يا عمران ايدك ورجلك بتتحرك بس هتحتاج وقت عشان تحركهم بقوة زي الأول.
وعاتبه بأعين دامعة رغم عن تحكمه بتعابيره:
_أنا عكازك وسندك اللي لا يمكن يميل يا عمران، الفترة اللي بتعشها دي مؤقتة وبعدها هترجع أحسن من الأول صدقني.
ابتسم له عمران وانحنى يهمس له وعينيه تجوب الطبيبة:
_لو انت مقطع أبواب حبي كده خلعني من باقي التمرين ينوبك ثواب.
احتل الضيق معالمه وجذبه سريعًا للحامل قائلًا:
_مش هينفع تخلع من أولها.
همس بضيق:
_ ماشي يا علي!
***
خرجت فطيمة للتراس الخارجي حينما شعرت بالفتور، اليوم الثاني لها وحيدة دون وجود شمس أو مايسان لجوارها، تخشى الخروج من الغرفة فأسوء كوابيسها رؤية فريدة، لا تحتاج لسماع كلماتها الشبيهة بالسم القاتل، قادها التراس لدرج خارجي هبطت منه للحديقة، فجلست على الأرجوحة، حركتها فطيمة ببسمة سعادة، فلف الهواء البارد وجهها وعينيها تنغلق استمتاعًا بما تلاقاه هنا، وفجأة تجمدت ساقيها حينما وجدتها تقترب منها حتى باتت تقف أمامها، فجلست جوارها تتأمل المنزل بنظرة عميقة انتهت بسؤالها:
_يا ترى ده كان من حساباتك ولا خارج توقعك؟
ازدرت ريقها القاحل وهي تحرر صوتها الهامس:
_مش فاهمه حضرتك تقصدي أيه؟
رسمت فريدة بسمة ساخرة وأشارت على المنزل:
_يعني بسألك كنتي تعرفي إن علي غني وقاعد بقصر زي ده ولا اتفاجئتي لما جيتي هنا؟
وقبل أن تستوعب ما تحاول قوله، قالت بنظرة محتقرة:
_مهو أكيد مش هترسمي الرسم ده كله الا لو كنتي عارفة ورا الجوازة دي أيه؟
انهمرت دمعاتها بقوة، ورددت بصعوبة بحديثها:
_أنا مش عارفة ليه حضرتك شايفاني بالشكل البشع ده، بس أنا مقدرة اللي آنتِ فيه، أنا نفسي حاولت أرفض وأوقف علي عن الجوازة دي بس مقدرتش.
ضحكت ساخرة:
_ومقدرتيش ليه ويا ريت تسيبك من جو سعاد حسني ده لإني زي ما قولتلك قارية دماغك.
رددت بصوتٍ واهن بعدما سيطر عليها بوادر نوبة تجتاح أضلعها:
_انا بحس معاه بالأمان وآ...
قاطعتها وهي تعتدل بجلستها قائلة:
_اسمعيني يا فطيمة وأوزني كلامي كويس، أنا مستعدة أشتريلك بيت بإسمك وأحولك 2مليون دولار في سبيل إنك تطلبي الطلاق وتخرجي من حياة علي للأبد.
جحظت عينيها صدمة فحاولت بشتى الطرق اجبار لسانها على الحديث، فأشارت لها فريدة:
_احسبيها كويس وإبقي بلغيني ردك.
وتركتها واتجهت للداخل تاركة من خلفها قلبًا يتمزق دون رحمة، اخترقت الآلآم رأسها بشكلٍ جعلها تئن وجعًا، فشعرت بأنها على وشك الاغماء بأي لحظة، لذا اردت الصعود لغرفتها قبل أن يرى أحدًا حالتها تلك.
صعدت فطيمة الدرج الجانبي حتى وصلت لشرفة غرفتها، فما أن ولجت للداخل حتى تفاحآت بعلي يبحث عنها بالغرفة بفزع اهتدى فور رؤيتها، فدنى منها متسائلًا:
_كنتي فين يا فطيمة، قلقتيني عنك!
رفعت يدها تحجب بها آلآم رأسها، وفجأة تلاشت محاولتها المستميته وسقط جسدها فاقدًا للوعي أمام عينيه، فهرع إليها صارخًا:
_فاطيمــــــــــــــا!
رواية صرخات انثى الفصل السادس عشر 16 - بقلم ايه محمد رفعت
جسدها الهزيل لم يعد قويًا ليحتمل كل تلك الضغوطات. خرت قوتها وباتت ساقيها ضعيفة لحمل جسدها. تعلم بأنها ستخوض معركة ضد فريدة، ولكنها والله لا تمتلك النية من الأساس. ألا يكفيها ما تواجهه؟ ألا يكفيها ما يقلق منامتها ويكسرها كل يومٍ، بل كل لحظة؟ عساها تدرك بأنها أنثى محطمة تلاشت صرخاتها وتبخرت، فلم تعد تمتلك صوتًا ولا حياة.
جاهد علي ليجعلها تسترد وعيها. ولحظة لم يمتلك بمنزله أي من معداته الطبية، أو حتى الدواء الخاص بها. فأسرع لغرفته وجذب زجاجة الرفيوم الخاصة به ونثر على كفه، ثم حملها لصدره وهو يقرب يده من أنفها وصوته القلق يناديها:
_ فاطيما... سامعني!
بدأت الرائحة النافذة تكسر حاجز ظلمتها. والأروع من ذلك بأنها تعلم تلك الرائحة جيدًا. فهمست إليه:
_ علي.
ابتسم وهو يجيبها:
_ جانبك وطوع أمرك يا قلبي!
فتحت عينيها لتجده يتأملها ببسمةٍ هادئة. يده تتمسك بيدها وذراعه يلتف من حولها. جلست باستقامة على الفراش وأبعدته عنها وهي تتساءل على استحياءٍ:
_ هو... آآ.. أيه اللي حصل؟
مط شفتيه بسخطٍ وقال:
_ المفروض مين فينا اللي يسأل، أنا ولا إنتِ؟
وتابع بنظرة شك أحاطت تلك التي تتهرب من لقاء رماديته:
_ كنتِ فين يا فطيمة، وأيه اللي حصلك وخلاكي راجعة بالشكل ده؟
أخفضت عينيها تبكي بصمتٍ، مما جعله يشك بما حدث. ليس أحمقًا بالنهاية، لن يمسها أحدًا هنا بالسوء الا والدته. جز على أسنانه بغضب، فانتفض عن الفراش مرددًا:
_ أكيد فريدة هانم!
وأسرع للخروج من الغرفة ليواجهها تلك المرةٍ بشراسة تفوق هدوئه. الا أن جسده فقد قدرته على الانصياع لأوامره فور أن تمسكت فطيمة بيده وقالت باكية:
_ لأ يا علي، بلاش تكبر المشاكل بينكم، أرجوك بلاش تخليها تكرهني أكتر من كده.. عشان خاطري.
استدار إليها بعدم تصديق، تترجاه لأجل والدته التي لم يعنيها حالة تلك المسكينة. كان يعلم بأنه سيواجه معاناة طاحنة معها، ولكن كان بداخله شعورًا يعاكس الأخر بأنه ولربما تتعاطف مع حالتها الصحية.
هدأ من روعه أولًا قبل أن يحاوط وجهها الباكي. ليته يحيطها بأربع حوائط ويمنعها من أن تختلط بأحدٍ سواه. ليته يملك كل أسرار سعادة العالم بأكمله ليمنحها إليها عن طيب خاطر. أزاح علي دمعاتها وقال بحزنٍ:
_ دموعك بتجلدني وبتتحسسني بالعجز. فلو مش عايزاني أنزل ليها حالًا بلاش تعيطي!
هزت رأسها بلهفة وأزاحتهما عن وجهها، فمنحها ابتسامة جذابة من بلسم شفتيه، ونادها:
_ فطيمة.
الويل لقلبها الضعيف حينما يستمع لصوته المنادي. يطحن عضلاتها الهاشة من فرط دقاته العنيفة. أسبلت إليه بارتباكٍ فقال:
_ لو حابة إننا نمشي من هنا ونشتري شقة نعيش فيها أنا معنديش مانع.
صمتت قليلًا تفكر بالأمر. نعم ستحصل على راحة مثالية بعيدًا عن فريدة. ولكنها ستخسر عائلة تحيطها بحنان مثل شمس ومايسان والعم أحمد وعمران التي لم يسبق لها التعامل معه خوفًا من أن تجتاحها التشنجات القاتلة لجسدها. ولكنها لمست حنانه واحترامه لها من الموقف الصباحي لهذا اليوم مما جعلها تتغمد بالراحة تجاهه. وبعيدًا عن ذلك، إن أطاعت علي بما يريد حينها ستتأكد فريدة بأنها أخبرته بعرضها وأرادت أن تسوء الامور بينها وبين ابنها لذا ستزيد من كرهها واضطهادها إليها. فأجلت صوتها الرقيق:
_ لا أنا مرتاحة هنا.
تنهد علي بضيقٍ. تلك الحمقاء لا تعلم بأنه يستطيع سماع صوت تفكيرها الطاحن بينه وبين ذاتها. ليس لكونه طبيبًا نفسيًا ماهرًا، لكونها تعد محور حياته الاساسية فبات يفهم كل حركة تصدرها حتى إشارات عينيها!
أراد أن يبدل الحديث الخانق بينهما، فسألها باهتمامٍ:
_ خلصتي الكتاب؟
هزت رأسها نافية، وأجابته بحماس:
_ لسه، بس ممكن على بليل أخلصه.
ابتسم وهو يتأمل ابتسامتها التي يفتقدها، ثم قال:
_ خلصيه وادخلي المكتبة خدي غيره.. أنا هنزل الصيدلية أجيبلك أدويتك لأني نسيت خالص الموضوع.
أشارت إليه بهدوء فإتجه للمغادرة. وقبل أن يصفق باب غرفتها قال بمزحٍ وهو يغمز لها:
_ جهزي نفسك علشان لما أرجع هنكمل جلساتنا، متفكريش إنك خلاص لما بقيتي مراتي هتنفدي من جلسات دكتور علي!
وجدها مطيعة تهز رأسها لكل أمرٍ يخبرها به، فابتسم وهو يطالبها:
_ هتحني وتديني حضن؟
جحظت عينيها صدمة وركضت تجاهه، فتهللت أساريره ظنًا من أنها ستمنحه ضمة تشفي صدره، فوجد ذاته يحتضن باب غرفتها المغلق بقسوة بوجهه عوضًا عنها، فتمردت ضحكاته عاليًا وردد بصعوبة:
_ ماشي يا فطيمة، الأيام بيننا!
***
بالأسفل.
استمرت مايسان بالعمل برفقة أحمد فور عودتهما من الشركة، فقدمت له عدد من الملفات الهامة، وحملت البعض منها ثم نهضت تخبره:
_ دول الملفات اللي حضرتك طلبتهم يا أنكل، ودول اللي واقفين على توقيع عمران. هطلع أخليه يوقعهم وهتصل بحد من الشركة يجي يأخدهم.
هز رأسه بتفهم وعينيه مشغولة بقراءة الملف من أمامه. وحينما شعر بخطوات حذاء يعلم صاحبته جيدًا قال بمكرٍ:
_ بقولك يا مايا.
تراجعت عن الدرج متسائلة:
_ أيوه.
قال بحماس وأعين لامعة:
_ اتصلي بمدام أنجلا خليها هي اللي تيجي تاخد الأوراق، متنسيش إنها ملفات مهمة ولازم نختار حد ثقة وآمين ولا أيه يا بنتي؟
تعالت ضحكاتها، وبالرغم من عدم معرفتها بقصته مع خالتها الا أنها قالت بترحاب لظنها بأنه على وشك السقوط بحب تلك الموظفة:
_ حاضر، هخليهم يبعتوها هي. أي أوامر تانية يا أحمد باشا؟
منحها ابتسامة خبيثة ورد باستحسان:
_ والله ما حد فاهمني بالبيت ده أدك.
منحته بسمة مشرقة قبل أن تكمل طريقها للأعلى، فاستوقفها صوت فريدة الحازم:
_ رايحة فين؟
تلاشت ابتسامتها بشكلٍ ملحوظ، وبجفاء قالت:
_ في أوراق عمران لازم يوقع عليها.
وكادت باستكمال الدرج للأعلى، ولكن يد فريدة كانت الاسرع أليها أوقفتها وهي تتساءل بذهول:
_ مالك يا مايا؟ بقالك فترة بتعامليني بالشكل ده ليه؟
انخفضت درجتين لتصبح أمامها، فقالت بحزن لمع بدمعاتٍ بريئة:
_ لإني مصدومة فيكِ يا فريدة هانم. طريقة معاملتك لفاطيما وجعاني أوي، ومخليني مش قادرة أستوعب إن اللي قدامي دي هي نفسها الست اللي ربتني وأخدتني في حضنها بعد وفاة أمي، ولا الحنان اللي عاملتيني بيه ده كان لإني بنت أختك، ويمكن لو كنت مرات ابنك بس كنت هلاقي نفس معاملة فاطيما.
صاحت بانفعال:
_ أيه الهبل اللي بتقوليه ده!
_ ده مش هبل يا أمي دي الحقيقة.
قالها علي بابتسامة ممتنة لزوجة أخيه التي بادلته نفس الابتسامة واستكملت طريقها للأعلى، بينما هبط علي ليقف على نفس الدرجة التي تحمل فريدة، منحها نظرة حزينة وقال:
_ انا مش عارف إنتِ قولتي أيه لفطيمة خلاها تفقد الوعي بالشكل ده بس صدقيني لو حصلها حاجة هتكوني خسرتي علي ابنك للأبد.
وتابع بنفس نبرته المنكسرة:
_ بالرغم من كل اللي بتعمليه معاها الا أنها رفضت تقولي اللي حصل بينكم، فاكرة إنها بكده مش هتكبر المشاكل بينا. بتمنى تقدري اللي عملته يا فريدة هانم.
وتركها محلها وغادر بصمت بعدما قابل عمه المنشغل بالعمل ببسمة صغيرة، بينما وقفت هي تتطلع لأعلى وتهمس بحقد:
_ حرباية وعارفة تتلوني بمية لون.
مازالت تصر أن ما تفعله فاطيما ليس الا لتنال شفقة علي وتكسبه لصفها، مع أن الحقيقة تبرهن صلاح القول بأنه بالفعل يحبها وينحاذ إليها، ليست تلك المعركة التي ستجعل الكفة الاخرى الرابحة، مازالت تحارب لشيءٍ قد حدث بالفعل!
هبطت فريدة للأسفل، فجلست على المقعد واضعة ساقًا فوق الأخرى، تراقب أحمد بنظرة مشتعلة، جعلته يمنحها نظرة طعنها بالذهول الكاذب، وببراءة سألها:
_ مالك يام علي؟ بتبصيلي كأني قاتلك قتيل على المسا ليه؟
استفزتها بمنادته الغريبة، فقالت بغضب:
_ يا تناديني فريدة هانم يا متنادنيش من الاساس.
منحها بسمة باردة، وعاد يتطلع للملف من أمامه ببرود:
_ أوكي، مالك يا فريدة هانم؟ حلو كده؟!
ازداد غيظها ورددت من بين اصطكاك أسنانها:
_ متستفزنيش يا أحمد.
رفع رماديته لها وتنهد بيأسٍ:
_ أنا مش فاهم إنتِ فيكِ أيه بالظبط؟
وانتصب بوقفته يجمع الاوراق وحاسوبه قائلًا:
_ هطلع أكمل فوق أحسن، أنا مش حمل مناهدة كفايا فرهدة الشغل!
وقفت تحرر غيظها:
_ استنى هنا رايح فين؟
وبغيرة تمردت رغمًا عنها قالت:
_ ولا حابب تقابل مدام أنجلا فوق في أوضتك، مش لسه بدري على الخطوة دي؟
أخفى بسمته بتمكنٍ، واستدار إليها بعدما ارتدى قناع جموده بحرفية، ارتبكت فريدة أمامه وقالت توضح له ببعض التوتر:
_ يعني لسه في خطوبة وبعد كده جواز.
هز رأسه وهو يشير لها جادًا:
_ عندك حق، بس أنا قلقان لإن أنجلا لسه خارجة من علاقة فاشلة مش عارف بالوقت الحالي هتقدر تدي نفسها فرصة تانية ولا لا.
انقبض قلبها لسماع ما قال، ظنته سيعترض على حديثه، سيبرهن بأنها تخطئ ظنها، وللعجب لم تجد بعينيه أو بحديثه أي مجالًا للمزح، كان جادًا بتعابيره ونبرته مما دفعها لسؤاله:
_ حبيتها يا أحمد؟
سؤالًا ألمها قبل أن يتحرر على لسانها، إن كانت تستعيد ثباتها لكانت منعته من الخروج فأي حبًا هذا الذي سيولد من لقاء عابر مضى منذ ساعات قليلة بشركة عمران، ولكن الغيرة تصيب العاشق بحماقة تجعله لا يرى قبالته سوى نيران تأكل قلبه دون رحمة.
احتقنت عينيه وقال بكبرياء يلملم به جرح كرامته المهدورة:
_ ميخصكيش.
واستدار ليتجه للمصعد فتفاجئ بها تنحني للطاولة وتجذب السكين المدسوس وسط طبق الفاكهة، وإتجهت إليه تجذبه من جاكيت بذلته بقوةٍ جعلت الحاسوب والأوراق تسقط منه أرضًا فانصدم حينما وجدها توجه سكينها لعنقه ونظراتها تواجهه بشراسة وغضبٍ جعلها تصرخ:
_ أقسم بالله أقتلك وأقتلها لو فكرت تعملها يا أحمد، أنا مش هبلة ولا عبيطة عشان أصدق إنك وهبت قلبك اللي مفيش حد قدر يدخله من سنين لواحدة لسه شايفها من كام ساعة، أنا عارفة أنت بتعمل ده كله ليه!
تعمق بالتطلع لعينيها اللامعة بالبكاء رغم ثباتهما عن الخروج عن مخضعها، غير مبالي بالسكين الموضوع على عنقه، قال بصلابةٍ:
_ هعملها يا فريدة، أنا مش هعيش وأخرج من الدنيا دي وأنا لوحدي وبطولي، كفايا.
وتابع بنظرة احتلت كرهًا وغضبًا يجابه خاصتها، جعلها تسحب يدها عنه رويدًا رويدًا والصدمة تجعلها لا ترى أمامها:
_ كفايا تكوني أنانية ومبتفكريش غير في نفسك، أيوه أنا مستحيل هيسكن قلبي ست غيرك، بس مستعد أعيش مع واحدة تملى حياتي وتحسسني إني راجل.
واستطرد ببسمة طعنتها بكل قوته:
_ والله أعلم يمكن مع الوقت أحبها وأتعلق بيها.
واستمد أنفاسه وتابعها وهي تتراجع للخلف بصدمة، كلما ألقى إليها كلمات جديدة كأنها تركلها بعيدًا عنه:
_ اللي واثق منه إني مستحيل هقبل بظلمك تاني، مستحيل هعيش لوحدي في قصر كبير بيخنقني بعد النهاردة، وإنتِ هنا عايشة وسط اولادك ومش حاسة بعذابي ولا بوجعي طول السنين دي كلها.
أخفضت عينيها أرضًا تكبت دموعها قدر الامكان، فوضعت سن السكين بيدها الاخرى تقبض عليه بكل قوتها حتى استجاب لحمها الرقيق لنصله الحاد فتناثرت الدماء بكثرة أسفل قدميها على أرضية الرخام الأبيض، وزع أحمد نظراته المندهشة عليها.
حالتها كانت غريبة له بشكلٍ استدعى قلقه، وخاصة حينما وجد الألم الجسدي والنفسي يسيطران على عينيها المنغلقة، فأخفض بصيرته ليدها فانتفض بمحله، هرع إليها يبعد السكين عن يدها وهو يصرخ بها:
_ إنتِ مجنونة!
أبعد السكين عن يدها وجذب المناديل الورقية يحاول بها كتم الدماء المنسدلة، ومازالت تتابعه بنظرة خالية من الحياة، بينما هو يجاهد لوقف نزيفها، فقال وهو يكبت المناديل بيده:
_ الدم مبيقفش، تعالي معايا نروح لأي دكتور.
جذبت يدها منه وقالت ببرود يناهز بروده:
_ ميخصكش.
وتركته واتجهت للمصعد فلحق بها وهو يصرخ بانفعالٍ:
_ بطلي عند يا فريدة ايدك بتنزف.
ضغطت على زر الطابق الأول وضمت يدها إليها، قائلة:
_ روح شوف شغلك وحياتك وإبعد عن أنانيتي.
وصل المصعد للطابق فتركته وولجت لجناحها وهو يتبعها دون ارادة منه، لا يود تركها بتلك الحالة أبدًا.
ولج أحمد لجناح أخيه للمرة الأولى، فسبقته خطاها لحمام غرفة نومها تجذب عُلبة الاسعافات الأولية، بينما تبلدت خطواته فور أن لمح فراشها، صورتها برفقة أخيه الموزعة بأرجاء الغرفة وبالأخص تلك التي تقابله أعلى الفراش.
كانت تبتسم بها بسعادة جعلته يدقق النظر بوجعٍ، يقنع ذاته بتلك اللحظة بأنه فقط من كان يعاني. وتمكنت تلك الجالسة على الأريكة القريبة منه من فهم سبب شروده، فلفت على يدها شاش أبيض، وإتجهت لتكون قريبة منه، تتطلع للصورة برفقته وشق صوتها مسمع قاعته الصامتة:
_ دلوقتي فاكر ان سر الابتسامة دي وراها حب وراحة وسعادة إنت اتحرمت منها صح؟
بالكد تمكن من سحب عينيه ليتطلع بها إليها، فوجدها تتطلع للصورة وهي تردد:
_ الضحكة دي سببها الخيانة.
ضيق عينيه باستغرابٍ:
_ خيانة أيه؟!
التفتت إليه وهي تخبره ببسمة ألم:
_ كنت بعتبر نفسي عايشة معاك إنت.
وتابعت بحرجٍ تنطق بجريمتها التي تأنبها:
_ أحمد أنا كنت عايشة مع أخوك وعقلي وقلبي معاك إنت، كنت كل هدية بجبهاله بختارله الحاجة اللي كنت إنت بتحبها، بطبخ نفس الأكل اللي بتحبه، حتى البرفيوم كنت بجبله نفس النوع اللي بتحطه عشان أحس إني عايشة معاك إنت.
وأخفضت عينيها أرضًا تردد ببكاءٍ:
_ كل لحظة كانت بينا كانت معاك إنت مش معاه! أنا كنت خاينة حتى في أحلامي!
وتابعت وهي تجلس على حافة فراشها:
_ مستكترة على نفسي أعيش معاك بعد كل اللي عملته، أنا لازم أتعاقب.
انهمرت دمعة على خده وهو يتابعها، فمالت بجسدها للوسادة تجذب من أسفلها صورته ونزعت عنها سلسال ترتديه تخرج له صورته، وتلك المرة رفعت عينيها إليه تواجهه:
_ إنت معايا في كل ثانية يا أحمد.
اقترب منها فتراجعت للخلف وهي تترجاه:
_ لا أرجوك متقربش، كفايا الذنب اللي أنا شايلاه لحد النهاردة.
وتابعت وهي تضم السلسال إليها بوجعٍ:
_ عيش حياتك يا أحمد، أوعدك إني مش هقف في طريقك بالعكس أنا بنفسي اللي هخطبهالك بس من فضلك اختار الانسانة اللي تستاهلك متختارش أي واحدة بدافع الانتقام مني.
ابتسم من وسط سيل دمعاته، وردد ببحة صوته:
_ مش كنتِ هتقتليني انا وهي من شوية!
صمتت قليلًا تفكر بالأمر، وقالت بحيرة:
_ مش ضامنة ردة فعلي وقتها، بس سبها للوقت ومتشغلش بالك غير بالعروسة.
هز رأسه باقتناع، فدث يده بجيب بنطاله وهو يتطلع لباقي الجناح بصمتٍ قطعه حينما قال برزانته:
_ أنا خلاص اختارت وقررت.
ودنى ليستند بقدمه على الاريكة المتطرفة بنهاية الفراش ليكون على محاذاة طولها:
_ هتجوزك يا فريدة برضاكِ أو غصب عنك، وفرحنا أخر الشهر ده حضري نفسك.
وتركها وغادر ومازالت متصنمة محلها وفمها يكاد يصل للأرض من فرط صدمتها بجراءته الغير معتادة، فاغتصبت بسمة صغيرة على شفتيها وأزاحت دموعها بخجل أعاد صباها وجدد أفراحها المنتهية!
*****
طرقت باب الغرفة مرتين وحينما لم تستمع لصوته يأذن لها بالدخول فتحت باب غرفته وولجت تناديه بقلقٍ:
_ عمران!
بحثت عينيها عنه حتى وجدته يجلس بالشرفة الخارجية للغرفة، فعلمت بأنه لم يستمع لها، اقتربت حتى بقيت خلف مقعده تتأمله ببسمة هادئة انقلبت لتوتر فور نطقه دون الاستدارة لها:
_ قربي، هتفضلي واقفة عندك كتير؟
دنت منه وهي تتطلع بدهشةٍ انتقلت لسؤالها:
_ عرفت منين، أنا بقالي ساعة بخبط على الباب؟!
رفع عينيه لها وقال بنظرة تحوم عاطفته بها:
_ قلبي بقى يحس بوجودك.
ابتسمت ساخرة ودنت منه تنحني، لتضع على قدمه الملفات، قائلة:
_ الأوراق دي واقفة على توقيعك يا بشمهندس.
تمعن بعينيها طويلًا، وكأنه يبحث عن ضالته بعد غيابًا ونظراته غامضة لدرجة ألمت قلبها، فرددت بتوتر:
_ مالك؟
انفلت ببسمة صغيرة تحمل تعاسته:
_ مخدتش على قعدة البيت، أنا مكنتش بلمح أوضتي ولا سريري غير على وقت النوم يا مايا.
لم تتمكن من حجب دمعاتها المتأثرة به، فرفعت يدها تحيط جانب وجهه النابت بلحيته، لمستها جعلته يعيد النظر إليها ببسمة عاشقة، وخاصة حينما قالت بصوتها الرقيق:
_ عمران اللي فات من عمرك كله كانت مرحلة سيئة، خدت فيها قرارات متهورة وبعدت فيها عن ربنا. لو فكرت كويس هتلاقي ربنا بيحبك عشان كده أدلك فرصة تانية والفرصة دي لازم تستغلها كويس.
واستكملت ببسمة حب:
_ الوقت الفاضي اللي عندك ده المفروض تفكر باللي فات من حياتك واللي جاي، صلي واتقرب من ربنا، مش يمكن تعبك ده ابتلاء عشان ربنا وحشه صوتك وإنت بتدعيله على سجادة الصلاة وبتقوله يا رب!
وتابعت بحماس:
_ ربنا بيعز عليه عباده وبيديهم أكتر من فرصة عشان يبعدوا عن المعاصي، لمس فيك ندمك وعزمك على البعد عن معصيته فمدلك إيده وإنت مينفعش ترجع عن عزيمتك يا عمران، صلي واتقرب من ربنا ولو حسيت إنك مخنوق طلع مصحفك اللي أراهنك مش بتفتحه غير كل رمضان.
وأخفضت يدها لموضوع قلبه تؤكد له:
_ صدقني ده وقتها هيرتاح.
رفع يده يحيط بيدها الطابعة لموضع قلبه، فرفعها لفمه ملمسًا إياها بقبلته التي لامست أصابعها، تركت مايسان قدمها تستند أرضًا واحتضنته بحب جعله يغلق عينيه طاردًا كل احاسيس الاكتئاب والحزن خارجه، أحاطها بقوةٍ وهمس بما ينتاب أضلعه:
_ بحبك.
ابتسمت وهي تردد على استحياء:
_ وأنا كمان بحبك.
ابعدته ورتبت حجابها جيدًا، ثم رفعت القلم نصب عينيه لتخبره بارتباك وهي تلهي ذاتها بتفحص الملفات التي سقطت أرضًا منه:
_ امضي على الملفات بسرعة أنكل أحمد هيترفز مني في أول يوم شغل معانا.
جذب الورقة ووقع الأوراق وعينيه تخطف النظرات إليها، فحملت الملفات وإتجهت للمغادرة ليوقفها سؤاله الغامض:
_ بتعرفي تطبخي؟
رمشت باستغراب، واستدارت توجهه بحيرة:
_ أيوه، ليه؟!
تطلع أمامه ببسمة هادئة جعلتها تعود أدراجًا، لتقف قبالته من جديدٍ:
_ بتسأل ليه؟
وبمزحٍ قالت:
_ عايز تجرب أكلي يا بشمهندس؟!
لعق شفتيه الجافة وقال ببعض الحرج:
_ بصراحة بقالي فترة واعد جمال ويوسف إني هعزمهم على أكل بيتي، وإنتي عارفة طبعًا فريدة هانم ملهاش في نوعية الأكل دي، فبقول يعني هتبقى فكرة لطيفة لو عزمتهم هنا بكره، أهو يقضوا معايا اليوم بدل ما أنا قاعد كده.
أشارت له بفرحةٍ حملتها داخلها بأنه يطالبها بمسؤولية هكذا، وإن كانت ستفعل شيئًا بسيطًا مثل ذلك لاسعاده بالطبع لن تتأخر، فقالت بحماس:
_ اتصل بيهم حالًا واعزمهم وأنا اوعدك إني هشرفك بكره قدامهم وهتشوف.
وضعت الملفات عن يدها وأخذت تردد وكأنها تتحدث مع ذاتها:
_ أنا هنزل السوبر ماركت اجيب اللي هحتاجه بس الأول لازم أحضر القايمة باللي هطبخه وهحتاج ليه.
راقب حماسها ببسمة جذابة، لا يعلم إلى أي حد سيصل عشقها داخله، تحرر صوته أخيرًا فقال:
_ بالنسبة للملفات والشكل وأنكل أحمد اللي هيتضايق؟
خطفت نظرة سريعة للملفات الموضوعة على المقعد بحزن ثم قالت ببسمة معاكسة:
_ الشغل يستنى، أي شيء في الدنيا يستنى لو الموضوع فيه تحدي لقدرات الست بالمطبخ.
وأشارت له ومازال يتابعها ببسمة جذابة:
_ عن أذنك بقى يدوب ألحق أرتب نفسي، بفكر أخد فطيمة معايا أهو انجدها ساعتين من فريدة هانم.
ضحك عاليًا وتطلع لها بعدم تصديق، فقال مستهزءًا:
_ ده من أمته ده؟ مش معقول مايا معارضة لفريدة هانم عشان خاطر مرات أخويا اللي لسه داخلة البيت من يومين!
جذبت المقعد البعيد منهما وقربته منه، جلست مايسان واحتلت الجدية معالمها، فقالت بحزن:
_ بصراحة يا عمران أنا مش مع خالتي بطريقة معاملتها مع فاطمة، البنت حرام اتعرضت لحاجات كتيرة مفيش مخلوق يستحملها على وجه الأرض، وكونها ك ست المفروض تقدر وجعها وتحتويها، أنا مندهشة من طريقتها الغير مفهومة معاها، إنت مشفتهاش وهي بتكلمها يوم كتب الكتاب والخوف الكبير هو يوم الفرح قلبي مش مطمن للي هيحصل.
لأول مرة يجمعهما حوار مماثل لما يحدث بين أي زوج وزوجته، ابتهج لمسار حياتهما الجديد، ويزداد تأكدًا كل مرة بأنه يحصل على فرصة تستحقها تلك الفتاة ليعوضها عما فعله، فرفع يده يربط على كفها بحنان:
_ متخافيش على فطيمة يا مايا، علي راجل وقادر يحميها حتى من أمي نفسها.
هزت رأسها والابتسامة تتسع على وجهها، وانتفضت فجأة وهي تشير له بغضب:
_ ورايا حاجات كتير لازم أعملها، عن إذنك.
وهرولت للخارج ثم عادت إليه تشير باصبعيها معًا بطريقة جعلته يتراجع برأسه للخلف وهو يتساءل بخوف مصطنع:
_ أيه؟!
قالت وهي تشير مجددًا:
_ عندي طلبين...
هز رأسه والابتسامة لا تتركه، فقالت:
_ الأول تكلم علي تقوله إني هأخد فطيمة معايا..
مال بوجهه متسائلًا:
_ والتاني؟
أضافت بحماسٍ وهي تشير على المقعد:
_ إنك تتصل بنفس التليفون بردو تخلي أنكل أحمد يبعت حد من الخدم يأخدله الملفات لاني ورايا شوبنج وحاجات كتيرة جدًا، سلام.
وهرولت من أمامه بسرعة كبيرة جعلته يراقبها وصوت ضحكاته تصل الغرفة بأكمله، فصاح إليها بحذر:
_ على مهلك يا مجنونة مش هتلحقي توصلي لتحت هتتقلبي على السلم ومش هقدر أشيل وأنا بالوضع ده.
واعتدل بجلسته يهمس بمكر:
_ مع إنها كانت هتبقى فرصة تشجع على الانحراف!
******
اقتحمت مايسان غرفة فطيمة وبحثت عنها، فاندهشت حينما وجدت الغرفة فارغة، فنادتها:
_ فاطمة!
تفاجئت بها تزحف من خلف مقعد الصالون الجانبي بابتسامة واسعة، جعلت الاخيرة تردد بصدمة:
_ أيه اللي مقعدك كده؟
منحتها نظرة مرتبكة قبل ان تجيبها:
_ بصراحه افتكرتك فريدة هانم.
تطلعت لها بعدم استيعاب وتشاركا الضحك، فغمزت لها مايا بمشاكسة:
_ ولا يهمك انا هخلصك من القعدة هنا وهخدك معايا المول نجيب شوية حاجات.. ها جاهزة؟
انتابها الحماس والفرحة وهرعت للخزانة تجذب ملابسها وتسرع إليها كأنها ستبدل رأيها، فتعالت ضحكاتها وهي تراها ترتدي فستانها وحجابها بأقل من خمسة دقائق، فقالت مازحة:
_ يا قلبي يا بنتي ده أنتي طلعتي عايشة في حبس.
ضحكت الاخيرة وهي تشير لها:
_ يلا نخرج.
وتوقفت فجأة بتوتر لحق بنبرتها بحرجٍ:
_ طب وعلي؟ أنا مخدتش إذنه!
ابتسمت وهي تضمها بذراعها:
_ متقلقيش عمران هيكلمه.
وبرقت بعينيها فجأة وهي تشير للشرفة:
_ دي عربية شمس، بينا نلحقها بسرعة أهي نبدسها في السواقة طول الطريق.
وجذبت يدها وركضت بها تجاه المصعد والاخيرة تلحقها وصوت ضحكاتها لا يتوقف، فنجحت مايسان بزرع الضحك على وجهها بعد فترة كبيرة، وخاصة حينما قصت لها على الطعام الذي ستحضره لاصدقاء زوجها وقالت :
_ أيه رأيك لو عملتي معايا بكره كم صنف كده مغربي نزين بيه السفرة.
لمعت عينيها بشغف وقالت:
_ كسكس مغربي وكعب غزال وبسطيلة.
هزت مايسان رأسها وأخذت تتساءل عن نوعية الطعام ومكوناتهم، فمضوا طريقهما للخارج يتناقشان دون توقف حتى وصلوا لشمس، فجلسوا بالمقعد الخلفي لتربت مايا على كتف شمس تخبرها:
_ ما تركنيش اطلعي على أقرب ماركت على طول.
رددت الاخيرة بارهاق:
_ ماركت أيه انتي عمرك دخلتي مطبخ يا بنتي عشان تنزلي الماركت!
أجابتها بهيام؛
_ عمران عايز يأكل أكل مصري وأنا طبعًا ما عليا الا السمع والطاعة.
غمزت بمشاكسة:
_ يا عم المطيع، ماشي عنيا بس ده اكرامًا لفطوم اللي اول مرة تركب معايا.
ابتسمت فطيمة حينما مالت عليها مايا:
_ أهو عرفنا نطلع منك بحاجة!
******
عاد علي من الخارج فصعد لغرفة عمران بعدما وضع الأدوية بغرفتها، فوجد أخيه يتابع الحاسوب ويعيد صياغة الملفات باستخدام يده اليمنى ببراعة جعلته يصفر باعجابٍ:
_ هو ده البشمهندس المجتهد اللي ميقفش عند حاجة، ده اخويا الصغير العنيد.
منحه عمران بسمة هادئة ثم قال مازحًا:
_ أيه يا دكتور رجعت ملقتش العروسة قولت تطلع رومانسياتك عليا ولا أيه؟
سحب ابتسامته وجذب المقعد يجلس قبالة فراشه مرددًا بغضب:
_ منحرف ووقح مفيش فايدة فيك!
تعالت ضحكاته الرجولية، وردد بصعوبة بالحديث من بين سيلها:
_ لا عايزك تروق وتفوقلي بكره عامل عزومة على اكل مصري ومغربي إنما أيه يستاهل بوقك.
زوى حاجبيه بدهشة:
_ أكل مغربي!
هز رأسه مؤكدًا:
_ فطيمة بنفسها هتعمل الأكل، عشان تعرف اخوك واصل لفين!
سحب جسده للامام وتساءل بجدية:
_ لا فهمني وبالتفاصيل أنا أي حاجة خاصة بفاطيما أحب أكون فيها دقيق!
عادت ضحكاته ترنو، فصاح بعدم تصديق:
_ أنا بفرح أقسم بالله، اتدري ليش؟ لان فاطيما سحبتك من رداء الاستقامة والعفاف للوقاحة وبالنهاية تقول إني وقح!
كاد بأن يوجه اليه حديثًا سام فأوقفه ذاك الذي اقتحم الغرفة مرددًا بجمود تام:
_ كويس إني لقيتكم انتوا الاتنين.
ازدرد علي ريقه بتوتر، وتساءل:
_ خير يا عمي؟
منحهما نظرة توزعت بينهما ثم قال:
_ أنا وفريدة هنتجوز.
ابتسم عمران وهمس بنزقٍ:
_ شكلها هتحلو!
..........
*****________*****
رواية صرخات انثى الفصل السابع عشر 17 - بقلم ايه محمد رفعت
اختنقت أنفاسه واحتبست داخله بعد ما حدث، رؤية دمائها تقطر أمامه جعلته يشعر بانكسار بكل عظمة يمتلكها. وقف بشرفته ينحني على السور الحديدي المحاط بها، والهواء يحرر خصلاته الفحمية المزينة ببعض الخصلات البيضاء. أغلق عينيه بقوة، ورغمًا عنه انفلت ببسمة هادئة حينما تذكرها وهي ترفع السكين على رقبته وتهدده بشراستها التي مازالت تمتلكها حتى بعد مرور كل تلك السنوات. فعاد بذكرياته لإحدى المشاهد التي تمرد بها جنونها باجتياز.
صعد لغرفته بعدما انتهى جده من الحوار المتبادل بينهما. كانت تستحوذ على اهتمامه بعدما تركت الصالون فور سماع جده يعرض عليه عروسًا من الطبقة المخملية التي تليق بعائلة "الغرباوي"، فلم تطيق سماع المزيد ونهضت للأعلى على الفور.
أغلق أحمد الباب من خلفه وخلع جاكيته ليلقيه على الأريكة بإهمال. وما إن استدار ليتجه لحمامه الخاص حتى تراجع للخلف وهو يتفادى تلك المزهرية التي كانت بطريقها لاحتضانه. فسقطت شظاياها أسفل قدميه، ومازال يتطلع للأرض بصدمة جعلته يرفع عينيه لتلك التي تستعد برمي الأخرى تجاهه!
تراجع للخلف وهو يشير لها بعدم تصديق:
_ تاني يا فريدة تاني!
لم تعنيه كلماته وصوبت إليه ما تحمله، فانحنى للأسفل بسرعة جعلت المزهرية تعبر لمرآة السراحة، فانهار زجاجها أرضًا. ابتلع ريقه بصوت مسموع، وصاح بها وهو يحمي وجهه مما تحمله تلك المرة:
_ يا مجنونة! أنا عملت إيه عشان تهاجميني بالشكل ده! أنا زيك إتصدمت من كلامه وزي ما سمعتي رفضت!
كزت على أسنانها بغيظ جعل صوتها يبدو مخيفًا وهو يتحرر من بين أنيابها:
_ إنت اللي مديله الفرصة إنه كل شوية يجبلك عروسة شكل والموضوع شكله على مزاجك يا أحمد باشا.
خشى أن تفلت الأنتيكة الباهظة التي تحملها بين يده. وللحق لا تعنيه بأنها ثمينة، بل ما يعنيه بتلك اللحظة هو خسارة وجهه الوسيم التي تنتوي تلك الحمقاء تهشيمه تحقيقًا لتهديدها السابق بأنها ستشوه ملامحه حتى لا تقبل أي فتاة الارتباط به. فدنى منها ومازال منحني في محاولة بائسة للحديث:
_ طيب اهدي يا حبيبتي، ارمي اللي في إيدك ده وخلينا نتكلم بالعقل!
رفعت حاجبيها مستنكرة لجملته وقالت:
_ أي عقل ده يا ابن الغرباوي! إنت شكلك عاجبك عروض الجواز اللي كل يوم جدك يجبهالك، عايشيلي دور زير النساء وعايزة يأكل عليك!
ضيق رماديته بصدمة، وردد ساخرًا:
_ زير نساء! ده جدي هيتجنن من حالة البرود اللي أنا فيها عشان كده عامل نفسه خاطبة عشان ما يتأكدش الخوف اللي جواه من نحيتي!
عبثت بعدم فهم:
_ خوف إيه؟
انتصب بوقفته قليلًا ومازال الخوف مما تحمله بيدها يعتريه، ليجيبها:
_ إنتِ مش ملاحظة إننا عندنا في العيلة الشباب بيتجوزوا صغيرين في السن؟ أنا حاليًا بالسن الصغير ده وبالنسبة لهم عديت السن المقرر للجواز، وده مدي انطباع سيء لجدك عني لدرجة إنه بقى معين ناس تراقبني جوه الشركة عشان نفسه يتأكد إني ليا أي علاقات نسائية. عايز قلبه يرتاح من الشكوك اللي بيتراوده نحيتي!
عاد لنفس لغزه من جديد، فسئمت بنفاذ صبر:
_ شكوك إيه؟
حك جبينه بحيرة من إيصال المعنى الضمني لحديثه المحرج، فنفخ بغضب:
_ متشغليش بالك إنتِ، ارمي اللي في إيدك بس واهدي ابوس إيدك. مبقتش عارف أوجه الدادة نعمات لما بتشوف الأوضة كل يوم الصبح، بقت مصدقة عني إني ملبوس وبكسر في الأوضة. مش كفايا اللي جدك والعيلة واخدينه عني بسببك لسه هيترمي عليا ابتلاءات إيه تاني!
منحته نظرة ساخرة، وقالت:
_ والله بإيدك تحل كل ده، انزل لجدك حالًا وقوله أنا عايز أتجوز بنت عمي.
برق بعينيه بدهشة من خوضها نفس الحوار دون ملل، فراقب ما تحمله فوق كتفها بتوتر، ورفع يده يحمي وجهه وهو يقول بتعصب فشل بالسيطرة عليه:
_ عايزاني أنزل لجدك أقوله أنا عايز أتزوج بنت عمي أم ضوافر اللي لسه في تانية ثانوي وإنتِ أكتر واحدة عارفة شرع الغرباوي البنات متتجوزش إلا لما تخلص تعليمها. الشباب اللي بيتسحلوا من أول سن الـ 17. شكلك كده عايزة تضحي بيا!
اكتظم الغضب على تعابير وجهها، فبدت أكثر خطورة، فشددت من ضغط يدها لتقذف تجاهه الانتيكة. ارتطمت بذراعه قبل أن تلامس الحائط من خلفه فتلاحق بالضحايا السابقة لها.
ضم أحمد ذراعه وتأوه بألم وهو يسب الحب على ذاك اليوم الذي نبض قلبه لها. وذاك ما جعلها تغوص بعصبيتها، فجذبت زجاجات العطر الخاص به واستعدت لمهاجمته من جديد، فصاح بانفعال:
_ يا فريدة مينفعش اللي بتعمليه ده. صدقيني أنا عايز أتزفت أتجوزك من دلوقتي بس اصبري حتى لما تدخلي الجامعة!
لم تهتم لحديثه وصوبت تجاهه أول زجاجة، فأسرع أحمد يحتمي بالمقعد المذهب الخاص بالسراحة، ليتفادى كل ضرباتها التي لم تنجح بإصابته ولكنها كانت تسقط محطمة جوار الأجزاء الأخرى المبعثرة بالغرفة. فأطبق يديه فوق أذنيه من شدة الضوضاء وهو يهمس بغضب:
_ الله يلعن أبو اليوم اللي حبيتك فيه يا متهورة! أنا مش متخيل حياتي معاكي بعد الجواز هتكون عاملة إيه!
انتهت معركتها حينما بدأت تخوض سلامها النفسي بعدما انتهى كل شيء مصنوع من الزجاج حولها، فلم يعد هناك ما تتمكن باستخدامه. لذا جلست على فراشه بحزن.
مد رقبته من خلف المقعد يطمئن لهدوئها اللحظي، فتنهد بأمل، وخرج يتسلل بحرص ألا يصطدم قدميه بالزجاج حتى وصل إليها فسألها ببسمة واسعة:
_ أحسن دلوقتي؟
هزت رأسها بيأس، فجلس على بعدٍ منها وهو يقول بنفس الابتسامة:
_ الحمد لله.
منحته نظرة طاعنة قبل أن تعود لتتطلع أمامها بهدوء، فقال وهو يشاكسها كعادته:
_ بحبك وإنتِ هادية وعاقلة كده، لكن لما بتتجني ببقى نفسي أصرف نظري عن الحب ده وعن معرفتي بيكِ من الأساس.
وتابع مازحًا:
_ تخيلي كده يا حبيبتي لو سكننا في عمارة وعملتي اللي بتعمليه ده هيبقى الوضع إيه؟ سكان العمارة هيزفونا لجدك بلبس البيت!
لم يستطع أن يجعل الابتسامة تزرع على وجهها المحبب لقلبه، فقال بجدية تامة:
_ مالك يا فريدة؟
اتجهت بعينيها اللامعة بالبكاء إليه، تردد بصوت محتقن:
_ خايفة يا أحمد، حاسة إن ممكن جدك يفرق بينا بيوم من الأيام.
ضيق عينيه بذهول:
_ ليه بتقولي كده؟
هزت رأسها وقد غدا البكاء يتمكن منها:
_ معرفش، مجرد إحساس.
ابتسم وهو يخبرها بنبرة صوته الرخيم:
_ معتقدش إنه يعمل حاجة ممكن تزعلني في يوم من الأيام. متنسيش إنه هو اللي رباني طول السنين دي، أنا ماليش حد في الدنيا غيره هو وإخواتي. أنا عارف إنه متأثر باللي مرات أبويا عاملاه فيه وحرمانه من سالم مأثر عليه، خصوصًا إنه من وقت وفاة بابا مبقاش ينزل مصر ولا يزوره. بس اللي واثق فيه إنه بيعزني وطلبي له في يوم من الأيام هيكون مجاب.
ورفع يده يضعها على كف يدها المستند على الفراش ليحاول أن يطمئنها:
_ جدك مش هيستخسرك فيا يا فريدة ولو عملها أنا كفيل أتحدى بيه وأتحدى عيلة الغرباوي كلها عشانك.
وتابع بمرح:
_ مع إني أشك إنه يرفض ده، ما هيصدق إني أقوله إني كنت بحب وهتجوز!
تغاضت عن مزحه، وتمعنت بعينيه وقالت:
_ أوعدني.
_ بأيه؟
_ منفترقش أبدًا.
_ أوعدك لأخر العمر. إنتِ وبس اللي هتكوني في قلبي، وعمري ما هكون لغيرك في يوم من الأيام.
_ بحبك يا أحمد!
فتح رماديته اللامعة بالدموع التي تحررت على خده، فأزاحها عنه واتجه بقوة لم يمتلكها من قبل لغرفة عمران. وها هو الآن يقف قبالتهما بعدما صرح لهما برغبته بالزواج من فريدة. ومازال الصمت يجوب الأجواء. تقابلت نظرات عمران وعلي بحيرة من أمره. عمران لا يعلم أيخبرهما بالقرار فحسب أم يطالبهما بإعلام والدته بعرض زواجه.
أما علي، فكان يراقب صديقه المقرب في محاولة بائسة لفهم ما يحدث معه بتلك اللحظة. كيف قرر الخروج عن صمته فجأة دون أي مقدمات؟ بالطبع هناك شيئًا حدث هو لا يعلمه.
سحب أحمد نفسًا مطولًا يحاول به التهيئة لوابل الأسئلة التي سيتواجه إليها بتلك اللحظة، ولكنه تعرض لصدمة جعلته يبرق لذاك الذي نطق ببسمة واسعة وهو يعود لمتابعة عمله على الحاسوب ببرود:
_ مبروك يا عمي، ألف مبروك.
ضيق رماديته تجاه علي الذي يتابعه بهدوء هو الآخر وكأنهما كانا يتوقعان ما يفعله الآن، فعاد يتمعن بعمران الذي قال باهتمام:
_ بس قولي فريدة هانم وافقت ولا إنت عملت إيه؟
وتابع بمرح وهو يغمز له بخبث:
_ أنا شعلتك بداية النار بمدام أنجلا وشكلك استفدت من الطعم كويس أوي. عفارم عليك يا رأي مامي هانم.
تغاضى أحمد عما يقوله عمران، وأتجه لذاك الصامت فتحرر صوته بشك اعتراه لحديثه السابق الحامل لمغزى ما يحدث الآن:
_ إنت كنت عارف يا علي؟
استقام بوقفته قبالته، وهو يحاول إيجاد ما سيقوله بحضرته، وبالنهاية قال باستسلام:
_ سمعت الكلام اللي كان بينكم بدون قصد يوم ما كان عمران بالمستشفى وكنت راجع أغير هدومي. بس متضايقتش يا عمي، بالعكس اللي ضايقني هو فراقكم عن بعض طول السنين دي.
أخفض أحمد عينيه للأسفل بحرج، الموقف حساس برمته. اقترب علي منه ثم قال ببسمة هادئة:
_ أنا عارف إن فريدة هانم عنيدة وشرسة بس واثق إنك هتقدر عليها يا عمي.
ودنى أكثر وهو يهمس له:
_ أنا وعمران كنا هنساعدك عشان نرجعلك حبك بس إنت سبقتنا وده عجبني.
رفع عينيه له وقال ببسمة حزينة:
_ كنت خايف من اللحظة اللي هواجهكم بيها بطلبي للجواز للمرة الأربعين وخصوصًا بعد العمر ده. مكنتش أعرف إنكم عرفتوا القصة من بدايتها.
وابتلع ريقه بارتباك وهو يتساءل:
_ يا ترى كان نظرتك ليا إيه يا علي لما عرفت إني بعت حب عمري وإنت واخدني قدوة ليك؟
تابع عمران حوارهما باهتمام، فترك الحاسوب وراقب رد علي بتوتر. انساق الحديث لطرف خطير بينهما، فلم يعد مجال المزح يليق به. راقب أحمد رد علي بلهفة، فخطف علي نظرة لعمران وصفن بكلمات عمه، ليضع ذاته بنفس تلك المقارنة الصعبة! ماذا إن أحب عمران فطيمة وأرادها زوجة له؟ هل كان سيقف عدوًا بوجه أخيه من أجل حبه؟! وما يقتله بتلك اللحظة أن أحمد لم يكن شقيق الأم لأبيه، وهو يعلم بالعداوة التي سرت بالعائلة حينما تم كشف أمر زواج جده من امرأتين فحصل عمه وأخواته على ظلمٍ كان باينًا للجميع. وبعدما انحل الأمر بين والده سالم وعمه أحمد حينها هدأت العاصفة بين العائلة وعاش الجميع حياة طبيعية حتى تلك اللحظة.
لم يكن الأمر سهلًا بالمرة، وطيلة فترة صمته كانت مدركة لهما بذلك، فأجلى صوته أخيرًا حينما قال:
_ اللي عملته كان تضحية عشان عيلتك بس كان أنانية بالنسبة للإنسانة اللي حبيتك وأتعشمت فيك يا عمي.
ابتسم وهو يستمع لرأيه الحكيم، وقال:
_ صح يا علي، عشان كده هقدملك نصيحة زي ما إنت متعود تسمع مني.
راقبه باهتمام فقال أحمد:
_ متبعدش عن اللي بتحبها حتى لو كان ده تمنه موت كل اللي بتحبهم، لإن موت قلبك ومشاعرك هيكون أصعب من وجع فراقهم ألف مرة.
لمعت عين علي بالدمع حينما تسلل له مضمون ما خاضه أحمد من ألم قاتل، وخاصة حينما قال ببسمة تعاكس ألمه:
_ أقولك سر وتصونه؟
هز رأسه بتأكيد، فانحنى أحمد يهمس بأذنيه كلماتٍ جعلت الأخير يبرق بصدمة. فاستقام أحمد واتجه بعينيه تجاه عمران الذي يتابعهما بفضول، وقال:
_ كمل شغلك يا بشمهندس.
وتركهما ورحل ومازالت نظرات علي تتابع مغادرته بصدمة جعلت عمران يناديه بقلق:
_ علي.
عاد يناديه حينما طال صمته:
_ علــي!
التفت إليه فتساءل عمران بارتباك:
_ كان بيقولك إيه؟
تغاضى عن سؤاله وهرع خلف عمه للخارج، وقبل أن يتجه لغرفته وجده يقف أمام بابها ينتظره بابتسامة تسلية، وكأنه كان يضمن بأنه سيتبعه بعدما ألقى له تلك القنبلة. فردد بتلعثم:
_ اللي حضرتك قولته جوه ده، إزاي!
وضع يده بجيب بنطاله وانحنى قبالة وجهه يخبره باستفهام ماكر:
_ إنت كنت فاكرني هتخلى عن حبي بالسهولة دي! اللي قولتهولك كان السبب الأساسي اللي خلاني أعمل كده.
صمت ولم يجد كلمات تعبر عن صدمته، يحاول أن يجد سؤاله المنطقي القادم ليطرحه على من يراقبه. وقبل أن يصل لمبتغاه وجد هاتفه يضيء برقم زوجة أخيه، فرفعه قائلًا وعينيه مازالت تطارد عمه بذهول:
_ أيوه يا مايا.
تجهمت معالمه بصورة ملحوظة، فقال:
_ خليكي معاها وأنا جاي حالًا.
وأسرع تجاه الدرج فلحق أحمد به متسائلًا بقلق:
_ خير يا علي، في حاجة؟
هز رأسه نافيًا وهو يجيبه باحترام:
_ موقف بسيط حصل مع فطيمة ومايا محتاجاني أكون موجود عشان خايفة تتأثر بيه، هبقى أطمنك بالفون متقلقش.
وتركه وأكمل بخطاه للخارج مسترسلًا:
_ لينا حوار تاني وطويل يا عمي.
ابتسم الأخير مرحبًا به:
_ مستنيك بأي وقت يا دكتور!
واستدار ليتجه إلى غرفته، فوجد الخادمة تقف خلف تخبره:
_ السيد عمران يريدك بغرفته سيدي.
***
تنقلت بين حوامل الملابس ببسمة رقيقة، بدت راضية عن قرارها بعدم الدخول مع مايا وفاطمة لشراء ما يلزم الطعام، وتوجهت إلى الطابق الثاني لاستكشاف كولكشن الفساتين الجديدة لهذا العام. فجذبها اللونين الأحمر والأسود، بدت حائرة بينهما، ورددت بصوت منخفض:
_ مش لو كانت مايا معايا كانت ساعدتني في اختيار اللون!
_ عندي فضول أشوفك بالأسود.
ووصل الصوت الذكوري ليكون أمام عينيها يستكمل حديثه ببسمة مهلكة:
_ أكيد هيكون مميز عليكِ!
رددت بابتسامة واسعة:
_ آدهم.
اتسعت بسمته وأخفض وجهه قليلًا كأنه يحيي الملكة:
_ شمس هانم.
ارتبكت أمامه وتلفتت من حولها كأنها تخشى وقوفهما، بحثت عما ستقوله بتلك اللحظة فلم تجد سوى سؤاله:
_ بتعمل إيه هنا؟
اقترب آدهم منها ثم قال بنظرة غامضة:
_ جاي عشانك يا شمس.
انتبهت لما سيقول باهتمام، خاصة وهي تتأمل ثباته الغامض، فقطع صمته قائلًا:
_ إبعدي عن راكان الفترة دي يا شمس، عشان اللي حصل ليكي قبل كده ميتكررش تاني.
زوت حاجبيها بدهشة:
_ تقصد إيه؟
أجابها ومازالت الإبتسامة تشرق على شفتيه:
_ المرة اللي فاتت اتعرضتي لمحاولة الخطف دي بعد ما الشحنة اتمسكت بالمينا. أخاف بعد اللي هعمله يتكرر نفس الشيء معاكي عشان كده متحاوليش تشوفي راكان ولا تقربي منه الأيام دي مهما حصل.
ارتعبت شمس من مجرد تخيل السوء يمسه، فقالت بتوتر:
_ إنت ناوي على إيه يا آدهم؟
اقترب ليقف جوارها، يمرر يديه بين حاملة الملابس وكأنه يبحث عن شيئًا يناسبه كونه زبونًا عاديًا، وأجابها وعينيه تتعلق على أحد الفساتين:
_ هخلص من راكان واللي وراه بضربة واحدة. والطريق لده إني لازم أوصل للملف اللي أنا عايزه قبل دخول الشحنة الجاية مصر لإني لو منعناها من الدخول هتكشف قبل ما أقدر آخد الملف ده.
زاد خوفها أضعافًا، فقالت بقلق:
_ أنا خايفة عليك يا آدهم، عشان خاطري خلي بالك من نفسك. أنا... آآ... بحبك ومعنديش استعداد أخسرك.
منحها ابتسامة هادئة قبل أن يستدير ليستعد للمغادرة هامسًا لها:
_ مكنش عندي أي سبب يخليني أخاف على نفسي من الموت، دلوقتي بقى عندي اللي يخليني حريص بخطواتي، الحلم اللي هيجمعني بيكِ يا شمسي!
ورحل تاركًا الابتسامة تغدو على وجهها الحالم بذاك اليوم الذي ستصبح به زوجته!
***
وصل علي للمول وبحث عنهما بالطابق الأول، فوجدهما يقفان أمام مبردة اللحوم يحملان للعربة، وعلى ما يبدو استرخاء معالم فطيمة. فأوقف العربة التي تحاول مايا التحكم بعجلاتها لثقل ما تحمله، فتصنعت دهشتها لوجوده ورددت:
_ علي! مش معقول!
منحها نظرة ماكرة ونفذ ما طلبته منه ببراعة:
_ أنا كنت قريب منكم هنا فقولت أعدي عليكم أخدكم في طريقي.
غمزت مايا بعينيها لعلي فابتسم رغمًا عنه، تكاد تفضحهما بأن مجيئه إلى هنا لم يكن سوى اتفاق جماعي بينهما، فتنحنح بخشونة ورماديته تعود لزوجته المرتبكة بوجوده، فتساءل:
_ فطيمة إنتِ كويسة؟
هزت رأسها بتأكيد، ووضعت اللحم بالعربة وهي تخبر مايا:
_ هنحتاجه للكسكس المغربي.
عدلت مايا الكيس البلاستيكي وهي تضيف بإعجاب:
_ الله عليكي يا فطوم، شكلك كده هتبدعي.
وأضافت وهي تشير لعلي:
_ يلا يا علي على الكاشير، يدوب نرجع البيت نحضر الأكل، بحيث نصحى الصبح على التسوية.
دفع العربة وهو يشاكسها بهمس غير مسموع لفاطيما:
_ بقى كده يا ست مايا، جايبني عشان تشغليني.
ألقت مايسان نظرة متفحصة على فطيمة، وحينما تأكدت بأنها تخطو على بعدٍ منهما قالت:
_ علي الحمد لله إنك جيت. من أول لما دخلنا الماركت وأنا حاسة إن فاطمة مش طبيعية، بتبص على الناس اللي مالية المكان بخوف غريب. حتى كان في شاب خبط فيها غصب عنه لقيتها اتوترت بشكل غريب. أنا خوفت يجرالها حاجة عشان كده اتصلت بيك.
خطف نظرة سريعة إليها قبل أن يميل تجاه زوجة أخيه يخبرها:
_ كويس إنك عملتي كده يا مايا، فطيمة لسه متعافتش بشكل كامل، الازدحام وتعاملها مع الأشخاص الغريبة بيربكها. بس أنا سعيد أنها بتحاول تتأقلم وتتعايش مع الوضع وده بفضل ربنا سبحانه وتعالى وبفضل وجودك إنتِ وشمس.
ابتسمت برقة:
_ أنا حبيتها أوي وحاسة والله إن فريدة هانم هتحبها، فطيمة طيبة وقلبها نقي.
ذم شفتيه ساخطًا:
_ بتمنى بس صعب.
كبتت ضحكاتها وتركته يتجه للكاشير، يضع الأغراض على الطاولة الرفيعة، فوقفت مايسان جوار فاطمة تتبادل الحديث المرح رفقتها، لتجد علي يدنو منهما متسائلًا باستغراب:
_ مش بتقولوا شمس معاكم أمال هي فين مش شايفها!
ردت عليه مايا وهي تجذب هاتفها من حقيبة يدها:
_ قالت هتطلع تبص على اللبس فوق، ثواني هكلمها تنزل.
وبالفعل طلبتها مايا وأخبرتها بأنهم بالخارج بانتظارها جوار سيارة علي، هبطت شمس للأسفل فقادت سيارتها ولحقت بهم للقصر وعقلها شارد بذاك الآدهم الذي على وشك خوض معركة مخيفة، لا تعلم بأنها ستكون أحد عناصر المرغمة بالمشاركة بتلك الحرب المجهولة!
***
بغرفة عمران.
تنهد بضجرٍ وهو يردد:
_ يا عمي بقالي ساعة بحاول أسحب منك أي معلومة عن اللي قولته لعلي، ومازلت بتتهرب مني!
حدجه بنظرة باردة قبل أن ينهض عن المقعد، قائلًا:
_ يا حبيبي وفر وقتك ووقتي، كان زماني نمت!
صاح عمران بعصبية:
_ يعني مش هتتكلم؟
دنى أحمد منه وانحنى قبالته مرددًا:
_ صوتك عالي على ما أعتقد.
تصنع خوفه وابتلع ريقه وهو يهمس له:
_ مهو مفيش أي حاجة عملتها جابت معاك نتيجة.
ابتسم وأخبره بغرور:
_ لإن الكلمة اللي قولتها لعلي مش هتخرج لحد تاني، كانت ساعة شيطان وانصرف يا عمران. ارتاح!
ضيق عينيه وبإصرار قال:
_ لما يجي علي هعرف منه.
انتصب بوقفته فأغلق زر جاكيته وهو يشير له:
_ تصبح على خير يا عمران.
وتركه يكاد ينفجر غيظًا وغادر لغرفته، بينما الأخر يهمس بفضول:
_ يا ترى قاله إيه خلاه ارتبك بالشكل ده!
***
نزعت نايا مئزر الجلباب الأسود عن الطبقة الداخلية وأشمرت عن ساعديها، مرتدية مريول المطبخ لتبدأ الآن بتفريز الأكياس استعدادًا لصنع الطعام، ومازال علي يحمل الأغراض من الخارج إليهما بالمطبخ، فكانت تحمل منه فطيمة الأكياس لتضعها على الرخامة، وحمل كوتون الماء المعدني. فأسرعت فطيمة إليه فأشار لها ببسمة حنونة:
_ تقيلة عليكي، أنا هدخلها.
وبالفعل وضعها علي على الرخامة، وقال لتلك المنشغلة بتدوين ملاحظاتها وخطتها بالبدء:
_ ها يا شيف مايا ناقصك حاجة تانية؟
أشارت له باسمة:
_ بجد يا علي مش عارفة أشكرك إزاي، أنا مكنتش عارفة هرجع بكمية الأكياس دي كلها إزاي. إنت ربنا بعتك لينا نجدة.
حك لحيته النابتة ليخفي بسمته الماكرة:
_ آه ما أنا عارف إن الصدفة دي جت من حظك.
وتابع وهو يشير لفطيمة:
_ تسمحيلي بقى أخطف منك فطيمة نص ساعة.
أشارت بالقلم الذي تحمله:
_ نص ساعة بس عشان ورانا تجهيزات كتيرة.
هز رأسه وأشار لفطيمة قائلًا:
_ تعالي يا حبيبتي، عايزك.
رمشت بارتباكٍ لسماع كلمته المرهقة لمشاعرها التي تخوضها لأول مرة، فاتبعته للخارج حتى وجدته يجلس على الأريكة القريبة من الباب الخلفي للمنزل. جلست قبالته تنتظر سماع ما سيقوله، فقال وهو يرتدي نظارته الطبية ويجذب نوته:
_ هنبدأ أول جلسة لينا في حياتنا الزوجية، بس تقدري تقولي مفيش وسطات، ففكك بقى إنك مراتي وإني هكون لطيف معاكي. الشغل شغل ولا إيه؟
ابتسمت رغمًا عنها، واكتفت بهزة رأسها بخفة، فقال:
_ ها بقى احكيلي يومك النهاردة كان عامل إزاي؟ خصوصًا إن دي من المرات المحدودة اللي خرجتي فيها لوحدك!
لعقت شفتيها بارتباكٍ، وبدت متحيرة بما ستقول. الوضع الآن مختلف، بالسابق كانت لتقص عليه كل ما يزعجها كونه طبيبها المعالج، الآن هو زوجها كيف ستخبره مثلًا بحديث والدته المزعج لها؟! كيف ستخبره عما خاضته منذ قليل؟! الوضع برمته يقلقها.
لمس علي ما تفكر به، فتردد بما سيفعله ولكنه بالنهاية فعله، مد يده ليمسك بيدها التي تفرك بالاخرى بتوتر، فاسترخى بين أصابعه الخشنة، وتعلقت عينيها به فقال:
_ متخافيش يا فطيمة، أوعدك إني مش هتعامل مع أي شيء هتقوليه كزوج، هعتبرك زي أي مريضة وأسرارك مش هتخرج بينا ولا هتقصر على انفعالاتي.
وتابع بهدوء:
_ يعني مثلًا اللي حصل بينك إنتِ وفريدة هانم الصبح وقلقانة تحكيهولي دلوقتي تقدري تتكلمي وتحكيلي وأنا بعدها هرمي كل شيء ولا كأني سمعت شيء.. ده وعد.
هزت رأسها ببسمة هادئة، وحررت صوتها الرقيق قائلة بارتباك:
_ لم شوفتك بالمول فرحت، كنت متوترة جدًا من المكان وأنا لوحدي.
ابتسم وهو يتابع ربكة حدقتيها، وقال:
_ مستعد أرافقك في كل مكان تروحيه، اطلبي إنتِ بس وأنا في الأمر بس كل شيء وله شروطه.
وخطف نظرة للردهة الواسعة قبل أن يدنو منها هامسًا:
_ تجيبي حضن، وقتها ممكن أفكر أسيب شغلي وأجيلك بالمكان اللي تحبيه، ها موافقة؟
احتقنت نظراتها بغضب، فتعالت ضحكاته الرجولية بعدم تصديق لتبدل ملامح وجهها بثوانٍ، وقال بصوت متأثر بضحكاته:
_ هتعملي إيه! مفيش أبواب ترزعيها في وشي هنا!
تسرب لها مغزى حديثه، فكلما طرح الأمر إليها كانت تغلق أحد الأبواب بوجهه، والآن لا يوجد أبواب مثلمة أخبره. تمردت ضحكات فطيمة بقوة جعلته يلاحظ غمازات وجهها بوضوحٍ، لأول مرة تكسر حاجز الابتسامة الصغيرة المتكلفة على شفتيها وتضحك بصوتها الأنثوي الرقيق.
برق بعينيه وكأنه يرى أحد عجائب الدنيا السبع، فهمس بصوته المغري وكأنه مسلوب الإرادة:
_ عينيا مشافت أجمل منك يا فاطمة!
تلاشت ضحكاتها تدريجيًا، ونهضت من جواره تجلي صوتها الهارب بصعوبة:
_ هروح أساعد مايسان بالمطبخ، عن إذنك.
وقبل أن يعترض هرولت بخطواتٍ سريعة للمطبخ بينما أغلق هو نوته وخلع نظاراته ليتمدد على الأريكة بابتسامة حالمة، وهمس بعشق:
_ هحبها أكتر من كده إزاي!
***
بالمطبخ.
ساندت شمس عمران حتى أوصلته للطاولة الصغيرة الموضوعة بالداخل وخرجت تبحث عن علي لتخبره بما يتردد لها منذ فترة. فراقب عمران ما تفعله مايا ببسمة مشاكسة، فأشار لها حينما انتهت من إعداد اللحم المفروم الخاص بالمعكرونة:
_ دوقيني.
استدارت تجاهه قائلة بدهشة:
_ لسه هجهز طواجن المكرونة بكرة، أنا يدوب عصجت اللحمة عشان الصبح أجهز الطواجن على طول.
أجابها وهو يشير على الخبز:
_ مهو أنا لازم أتمم على اللحمة، مش يمكن ناقصها حاجة.
ابتسمت ومالت على طاولته تسأله بنظرة شك:
_ عمران إنت جعان؟
هز رأسه بتأكيد وضحكته الجذابة لا تفارقه:
_ ريحة أكلك جوعتني!
رق قلبها له، فأسرعت للخبز تضع به اللحم وصنعت له كوبًا من النسكافا، ثم اتجهت إليه بالطعام، فتناول الخبز وهمهم بتلذذ:
_ هممم، روعة بجد.
وبمرحٍ قال:
_ شكلك كده هتشرفيني فعلًا بكرة قدام يوسف وجمال ومرتاتهم.
تركت غطاء الوعاء واتجهت إليه بلهفة:
_ هي دكتورة ليلى وصبا جاين بكرة جدًا؟
هز رأسه بتأكيد، وقال موضحًا:
_ كنت هقولك بس استنيت لما أعرف من يوسف وجمال إذا كانوا هيجوا معاهم أكيد ولا لأ.
ابتسمت بحماس:
_ كويس أوي أنا كان نفسي ألقى أي طريقة أشكر بيها دكتورة ليلى على اللي عملته معاك وأهي فرصة نتعرف على صبا.
ترك الخبز عن يده وقال بجدية تامة احتلت معالمه:
_ بخصوص صبا، مايا أنا عايزك تقربي منها وتفتحي معاها أي حوار ينتهي بأنك محتاجاها بالشركة لإني سبق وقولت لجمال وشكله كده طنش الموضوع.
واستكمل بتوضيح شامل:
_ صبا قاعدة طول الوقت لوحدها ومالهاش أصدقاء هنا، أنا متأكد إنكم هتكونوا أصدقاء.
تابعت كل كلمة قالها بحب، وهمست له بهيام:
_ بالرغم من العيوب اللي موجودة جواك إلا إنك شهم أوي مع أصدقائك وده أكتر شيء بيعجبني فيك يا عمران.
شرد بعينيها الفاتنة التي تحارب كل ذرة صبر يمتلكها، ينقلب به الأمر لشيء أخطر مما واجهه من قبل. لم يسبق أنه تمنى أحدًا من النساء مثلما تمناها، أصبح يقدر قيمتها ويعلم بأنها ثمينة، غالية، لذا عليه المعاناة ليصل لسلامها، للذة الحلال الذي لم يذقه أبدًا.
رغمًا عنه وجد يديه تجذبها إليه لتسقط على قدميه، فلم يترك لها فرصة المناص من هفوة مشاعره الصادقة!
برقت فطيمة بعينيها في صدمة، ورددت بحرج:
_ أنا آسفة مكنتش أعرف آآ...
لم تجد الكلمات المناسبة لاعتذارها، فهي بالنهاية تقف بالمطبخ وليست بغرفتهما الخاصة. دفعته مايسان لتقف على قدميها وقد انفلتت بموجة غاضبة:
_ إنت وقح يا عمران، مفيش فايدة فيك!!
كمم ابتسامته التي كادت بالانفلات، وادعى البراءة قائلًا:
_ الحق عليا إني مسكتك قبل ما تقعي على الأرض وتنكسر رقبتك!
واتجهت عينيه لفاطمة يستجديها بشهامته المخادعة:
_ اتزحلقت وكانت هتقع فمسكتها وبدل ما تشكرني بتقل أدبها يرضيك يا فاطمة؟
توترت فطيمة المرتبكة من الموقف برمته، وقالت بخجل:
_ المهم إنها كويسة، عن إذنكم.
وكادت بالفرار فأوقفتها مايسان بغضب:
_ استني هنا، رايحة فين وسايباني أنا مش هعرف أعمل الكسكس بتاعك ده، هتدبسيني وتخلعي!
عادت لتستقر أمام الأكياس، تلهي ذاتها بحمل الأغراض لتبدأ بعملها، بينما اتجهت أعين مايسان المحمرة حرجًا من ذاك الوقح الذي عاد يرتشف كوبه الساخن بنظرة مستمتعة لحالة ارتباكها العجيبة، فقالت:
_ إنت قاعد هنا ليه أصلًا، اتفضل اطلع أوضتك أو اخرج اقعد بره مع علي.
وضع الكوب على الطاولة وقال بمكرٍ يلتحف خلف براءة تصرفاته المسكينة:
_ ما إنتِ عارفة إن شمس اللي جايباني هنا، لو عايزة تخرجيني بره معنديش مانع، تعالي سانديني وأنا هخرج!
وانهى حديثه بغمزة ماكرة جعلتها تحمل الملعقة الطويلة وتكاد ان تسقطها بوجهه، فالتقطتها منها فطيمة وهي تردد باستنكار:
_ بتعملي إيه يا مايا، حرام عليكي!
استدارت تقابلها بعصبية:
_ ااسكتي يا فاطيما انتي قلبك طيب ومتعرفيش عمران كويس، ده خبيث بيعمل كل ده عشان أقآآ...
ابتعلت باقي كلماتها بحرجٍ جعلته يتمادى بضحكاته الصاخبة، مشيرًا لها:
_ عشان إيه يا حبيبتي كملي واشكي لمرات أخويا البريئة اللي هتلوّثي عقلها بأفكارك المنحرفة.
كزت على أسنانها وهي تشير لنفسها:
_ أنا منحرفة؟!
أكد باشارته فبحثت جوارها عما يمكن إلقائه على ذاك المستفز، فجذبت المناديل الورقية وألقتها إليه، فجذب أحد المناديل وهو يردد بجدية ساخرة:
_ حاسة بيا والله، منحرمش يا روح قلبي.
وجفف فمه من فوم النسكافا ثم قال:
_ ها، هتيجي تخرجيني لعلي ولا أطلب مساعدة من شمس؟
اتجهت إليه بنفاذ صبر، فأسندت ذراعه الأيسر وخطت جواره لتخرج به، فما إن ابتعدوا عن أعين فطيمة حتى همست ببسمة صغيرة:
_ ده دكتور علي طلع محترم وابن ناس جدًا جنب أخوه!
***
تعمد عمران أن يضمها إليه مدعيًا إرهاقه، فخطى جوارها بتأثرٍ وهو يردد بتعب مصطنع:
_ مش قادر يا مايا، تعبان!
سددت نظراتها القاتلة إليه، فأصبحت تكشف تعبه الزائف بتمكّنٍ، جاهد عمران لمنع بسمته التي تسللت له فور رؤيتها وجهها المحتقن، فخطى للردهة متبعًا الصالون الجانبي حتى بات علي وشمس على بعد معقول منهما، فهمست إليه بغضب:
_ ياريت اللي حصل ده ميتكررش تاني يا عمران، بالأخص بوجود فاطيما..
منحها نظرة حزينة، وصاح لها بمشاكسة:
_ متشكرين لمساعدتك يا شيف مايا، ارجعي المطبخ كملي طبيخ وسيبني ألعنك مع الملائكة طول الليل مهو مبقاش ورايا شيء غير كده.
واستند على الحائط حتى أصبح بمحيط نظر علي الذي أسرع إليه يسانده حتى وصل لمجلسهما، بينما تصلب جسد مايا مما استمعت إليه، فعادت للمطبخ شاردة حزينة بكلماته، تعلم بأنه يمزح معها ولكن مجرد فهمها لتلك الكلمات جعل قلبها ينبض برعبٍ مما ستلقاه أمام الله عز وجل.
***
ارتبكت شمس من وجود عمران الذي اقتحم مجلسهما فجأة، فردد علي بدهشة:
_ كملي كلامك يا شمس، سكتي ليه؟!
خطفت نظرة متوترة لعمران الذي راقبها باهتمام، وقالت:
_ أنا مش عايزة راكان يا علي، أنا بحب واحد غيره.
توسعت حدقتيهما بصدمة، وكان علي أول من تحدث:
_ بتحبيه إزاي! أوعي قعدتنا هنا تنسيكي إنك مسلمة يا شمس، يعني الحب والمقابلات والكلام ده حرام وهتشيلي ذنبه.
أسرعت بالدفاع عن ذاتها:
_ محصلش الكلام ده، الإنسان اللي بحبه مسلم ومحصلش بينا أي تجاوز يا علي.
تساءل عمران بحدة:
_ مين ده؟
ارتبكت للغاية، ورددت بصعوبة:
_ آدهم.
_ حارس راكان!!!
تفوه بها عمران بصدمة، ازدادت مع إيماءة رأسها، فاستطرد بعنف:
_ لو كلامك صح فيبقى خاين وحقير، إزاي يخون الإنسان اللي بيشتغل معاه بالطريقة الوضيعة دي!
توترت شمس كثيرًا فلم يكن بنيتها مصارحة عمران بالأمر، أرادت أن تخبر علي فقط، وحينما فُرض عليها الحديث بوجوده حدث ما كانت تخشاه فأسرعت تبرر:
_ راكان مش ملاك زي ما إنت متخيل يا عمران، وعلى فكرة آدهم مش حارس.
سألها علي باستغراب:
_ أمال إيه؟ وقصدك إيه من كلامك ده؟
لعقت شفتيها الجافة بلعابها، وقالت:
_ مش هقدر أتكلم دلوقتي للأسف أنا وعدته.
صاح عمران منفعلًا:
_ هي وصلت للوعود بينكم، إيه طبيعة العلاقة بينكم بالظبط يا شمس!
تدفق الدمع من عينيها، ورددت بارتباك:
_ مفيش شيء من اللي في دماغك ده يا عمران.
ونهضت من مقعدها واتجهت للأريكة التي يجلس بها علي، فأمسكت يده تستعطفه، قائلة ببكاء:
_ علي أنا مكنتش عايزة أعرف حد بالموضوع ده غيرك لإني عارفة إنك الوحيد اللي هتفهمني، آدهم بيحبني ووعدني لما يخلص اللي جاي عشانه هيجي يطلبني منكم، أنا مكنتش هتكلم غير لما في شيء معين يتم والشيء ده مش هقدر أتكلم عنه لإني كده هعرضه للخطر، أنا متعودتش أعمل شيء من وراك عشان كده قولت أتكلم معاك.
منحها بسمة هادئة وضم وجهها بيده ليجذبها لصدره قائلًا بحنان:
_ حبيبتي كلنا بنثق فيكِ، عمران بس خايف عليكي.
كاد عمران بالحديث فأوقفه علي بإشارة يده، وتابع وهو يمسد على خصلاتها الناعمة:
_ أنا عارف إنك عمرك ما هتعملي حاجة غلط وواثق فيكِ..
وأشار بيده:
_ يلا اطلعي خدي لكِ شاور وشوفي مذكرتك.
ابتهجت ملامحها الباكية، وانحنت تطبع قبلة على خده بسعادةٍ، وكادت بأن تصعد للأعلى ليوقفها عمران بضيق:
_ يعني هو أخوكي الحنين وأنا ابن ضرة فريدة هانم!
أحنت رأسها أرضًا بخجل، فقال ببسمة هادئة:
_ هاتي بوسة ليا طيب!
ضحكت بصوت مسموع وانحنت تطبع قبلة على خده فهمس لها:
_ ربنا يستر وفريدة هانم متضمكيش لحزب دكتور علي، وقتها هتبرى منك زي ما اتبرايت منه.
تعلقت بقميصه المنزلي ورددت بخوف:
_ مترعبنيش يا عمران أنا خايفة من غير أي شيء أصلًا.
منحها نظرة مستنكرة، ومازحها ساخرًا:
_ راحت فين قوة الحب! ضاعت هباءًا؟!
ابتسم علي وهو يراقبهما، وردد قائلًا:
_ اطلعي أوضتك يا شمس.
اومأت برأسها إليه وصعدت للأعلى، فاقترب علي من عمران وهمس له بحذر:
_ إنت تعرف آدهم ده يا عمران؟
هز رأسه وقال ما يعرفه عنه:
_ أنا شفته كذا مرة مع راكان، مشوفتش منه شيء سيء، بالعكس تصرفاته كلها رجولة. راكان حكالي قبل كده إنه فداه من الموت بروحه، وبيثق فيه جدًا، بس ده مش مبرر يخليني أستريح للي بينه وبين شمس، علي الموضوع يقلق!
أكد له علي خطورة الموقف:
_ الثقة الكبيرة اللي حطاها شمس فيه وراها سر هي عرفاه وخصوصًا إنها قالت إن راكان وراه مصايب وإن آدهم مش مجرد حارس، احساسي ممكن يكون في محله لإن راكان ده مريب يمكن يكون له في الشغل الشمال وآدهم يكون بيوقعه لأنه ظابط مثلًا.
قوس شفتيه باقتناعٍ، ولكنه سأله بريبة:
_ ولو مكنش ظابط هنحط احتمالات ونسيبها تضيع مننا يا علي؟
نفى نظريته تلك حينما قال بهدوء:
_ لا طبعًا هننحرك وهنحاول نوصل للحكاية دي من أساسها بس بدون ما شمس تعرف أو تلاحظ حاجة. أنا مش عايزها تفقد ثقتها فينا يا عمران ولا تندم إنها جت واتكلمت معانا.
واستطرد بعد تفكير:
_ كلها يومين تلاته ومراد هيوصل انجلترا وقتها هكلمه عن الموضوع ده.
هز الأخير رأسه باقتناع، وانتفض بجلسته حينما تذكر أمرًا هامًا طرحه له:
_ قولي بقى عمك لما وشوشك كان بيقولك إيه؟
احتقنت ملامح وجهه فور تذكره أمر عمه، فعادت كلماته ترد على مسمعه من جديد حينما انحنى أحمد إليه هامسًا بكلماته «سالم خدعني عشان يتجوز فريدة!»
انتصب بوقفته وعاونه على الوقوف قائلًا:
_ هساعدك تطلع أوضتك الوقت إتأخر خد أدويتك ونام.
منحه نظرة ساخطة قبل أن يقول:
_ أغسل سناني بالمرة قبل ما أنام ولا رأيك إيه يا بابا علي؟
تجاهل سخريته وإتجه به للمصعد، ومن ثم لغرفته، فأسنده لفراشه واتجه للمغادرة فصاح عمران بغضب:
_ يعني مش ناوي تقولي!!
أغلق الباب غير عابئ بسؤاله وإتجه لغرفة عمه على الفور.
***
لاحظت فاطمة شرود مايسان الدائم بعدما عادت من الخارج، فتلاشى حماسها وفرحتها بصنع الطعام، فأصبحت تتحرك بالمطبخ ببطءٍ شديد، وأحيانًا تنسى الطعام فتفق على رائحة احتراقه، فتنحنحت تسألها بتردد لعدم اعتيادها اقتحام خصوصية أحدًا:
_ مالك يا مايا من ساعة ما رجعتي من بره وإنتِ ساكتة وحزينة، فيكِ حاجة؟
تركت مايسان الطنجرة من يدها واتجهت بعينيها إليها فقالت بوجع يخترق أضلعها:
_ فاطيما في حاجات كتيرة إنتِ متعرفيهاش عني، او بالمعنى الأصح عني أنا وعمران، أنا متعودتش أتكلم مع حد قبل كده لإن كل اللي هنا عارفين قصتنا بس لإني حبيتك أوي وحسيتك هتكوني أختي اللي كنت بتمناها في يوم هحكيلك.
قصت لها مايسان عن قصة حبهما الطفولي وعن إجبار فريدة بأن يتزوج عمران منها، وعن خيانته لها وما حدث لها بذاك الحفل والسم الذي تسبب لعمران بحالته تلك. ارتعبت فاطيمة فور سماعها عن أنها كانت ستتعرض لمحاولة اعتداء تعرف هي كيف تكون مساوئها، وانتهت حوارها الطويل قائلة:
_ أنا دلوقتي بديله فرصة تانية وبتمنى إنه يكون اتغير فعلًا يا فاطيما، ده أملي الوحيد.
وبحرجٍ قالت وهي تضع الأرز بحبات الكوسة:
_ بس أنا خايفة، خايفة أشيل وزر الامتناع عنه، إنتِ عارفة إن الزوجة لو امتنعت عن زوجها بتشيل وزر كبير، وفي نفس الوقت خايفة أديله المساحة دي في حياتي فيكسرني يا فاطمة، لأنه لو خاني بعد ما أكون له زوجة مفيش أي شيء في الدنيا هيداوي وجعي، وهتكون دي نهاية العلاقة بينا.
أجلت صوتها الهارب من أوردتها قائلة:
_ أنا مش عارفة أفيدك بموضوعك ده يا مايا، لإني للأسف على وشك الدخول لنفس الدايرة دي، بس اللي هقدر أنصحك بيه إنك تسمعي لقلبك، أكيد هو قادر يحس بيه.
استندت على جذعها تهمس بهيام:
_ قلبي بيعشقه وهيكون في صفه يا فطيمة.
ضحكت وهي تراقب هيامها هذا، فاعتدلت مايا بوقفتها وشاركتها الضحك حتى ضربنا كف بعضهما البعض بمرحٍ أحاطهما حتى الانتهاء من الطعام.
***
طرق الباب وولج للداخل على الفور، فوجد الغرفة فارغة، وصوت قادم من الشرفة يناديه:
_ أنا هنا يا علي.
أغلق علي الباب من خلفه وأسرع للشرفة، فوقف قبالة عمه يتساءل وهو يراقب ساعة يده باستغراب:
_ سهران لحد دلوقتي؟
ابتسم وهو يستدير له:
_ عارف إنك مش هيجيلك نوم من غير ما تتكلم معايا عن معنى الكلمة اللي قولتها، حافظك أكتر من نفسك يا دكتور.
دنى علي حتى بات يقف جواره يستند على السوار الحديدي، وقال بألم:
_ طول الطريق بحاول أحلل الأحداث اللي تخدم جملتك دي بس وجعها كان أكبر يا عمي، وبقيت بسأل نفسي إنت اتعرضت لكمية الوجع ده واستحملته إزاي؟ والاهم إزاي بابا خدعك مفهمتش المعنى!
تنهد بضيق، ولزم صمته المطول لدقائق، ثم كسره قائلًا:
_ انسى يا علي، انسى اللي قولتهولك ومتسألنيش عن التفاصيل لأنها هتوجعك وهتخليك شايف سالم بصورة تانية، صورة أنا سكت عنها 15 سنة ومستعد أسكت العمر كله عشان فريدة متكرهوش.
التفت إليه وقال:
_ إيه اللي عمله يا عمي، أرجوك اتكلم وقولي!
انجرف بوقفته تجاهه وقال بعصبية اندفعت بعد فترات قضاها بتفكير مرهق منذ ساعات بغرفته:
_ أنا كنت أناني لما قررت ألمح لك عن اللي اتدفن بالماضي، كنت خايف على صورتي تتهز قدامك لما تعرف إن فريدة هي البنت اللي قضيت عمره كله بحكيلك عن قصة حبنا، خوفت على شكلي قدامك عشان كده حاولت أبرر لك، اعتبرني مقولتش حاجة لإني مش هتكلم يا علي.
لمعت عينيه بالحزن تأثرًا لما يستمع إليه، لا يود طرح الحقيقة المدفونة خشية أن يكره أبيه ومازال يعاني بصمت. أدمعت عين علي رغمًا عن صلابته البادية على وجهه، والتقط نفسًا مطولًا قبل أن يقول:
_ احكيلي اللي حصل زمان يا عمي، وإنت عارفني مش هنطق بحرف بأي شيء هتقوله.
تطلع إليه بابتسامة تحتل ثغره، فجذبه بقوة يحتضنه دون سابق إنذار وهمس له بحب:
_ إنت ابني اللي مخلفتهوش يا علي، عمري ما حسيت إني بطولي بالدنيا دي وإنت معايا، مش متخيلك غير ابني اللي من صلبي، بالنهاية انت حامل لاسم الغرباوي بنهاية اسمك أيًا كان الاسم اللي ورا اسمك سواء سالم أو أحمد بالنهاية انت من نسل الغرباوي.
تمسك به علي ودمعاته تنهمر دون توقف، فطال باستكانته على كتفه حتى هدأ تمامًا، فابتعد يصطنع بسمة صغيرة على شفتيه وقال:
_ مش هتحكي لابنك بقى.
ازاح أحمد دمعته المتأثرة ببكاء علي كالطفل الصغير المتأثر بحزن أبيه فيبكي لأجله، وقال بابتسامة جذابة:
_ هحكيلك!
***
بغرفة فريدة.
تمددت على فراشها تتأمل جرح يدها ببسمة هادئة، تتذكر جنونه الذي استحضر فور رؤيته لدمائها تنزف. عادت بذكرياتها للصبا، لأيام جمعته مع ذاك العاشق الحنون الذي أفاضها بجنة عشقه الخالدة، فابتسمت على استحياء من تلك الذكرى التي راودتها دون سبب.
_ يا حبيبتي ارجعي بذكرياتك لورا كده افتكري هل أنا في يوم سمحتلك تخرجي وجدك مش موجود وأنا معرفش إنتي راحة فين؟
هزت رأسها نافية ومازالت تكبت ألمها بصعوبة، فابتسم أحمد وهو يشير لها:
_ شاطرة يا ديدا. ودلوقتي هتقوليلي راحة فين السعادي ولا تطلعي زي الشاطرة بردو تنامي!
جزت على شفتيها السفلية بغضب:
_ ما تبقاش غلس يا أحمد، أنا اتصلت على بابا واستأذنت منه، وبعدين كلها عشر دقايق وراجعة.
أغلق باب القصر الداخلي وصاح بعصبية:
_ على فوق يا فريدة أنا مش أهبل عشان أخليكِ تخرجي الساعة 11ونص!!
مسحت على وجهها بغيظٍ، وصاحت بانفعال:
_ وبعدين معاك يا أحمد، أنا بقالي ساعة بحاول أقنعك قولتلك هنزل وراجعه بسرعة مش هتأخر.
دس مفتاحه ليغلق الباب وعاد لمقعد الصالون بهدوء، فلحقت به وهي تحاول السيطرة على غضبها أمام عناده، فقالت بهدوء كاذب:
_ عشان خاطري مش هتأخر والله، حرام عليك أنا تعبانة ومش قادرة أتكلم.
قال وهو يعبث بهاتفه دون أن يهتم برجائها:
_ اللي عندي قولته.
كورت يدها بعصبية، وودت حينها لو طالته أظافرها فلتنهش وجهها، فدنت تستند على الأريكة القريبة منه تهمس على استحياءٍ واضح:
_ هروح الصيدلية أجيب دوا وراجعة.
أبعد عينيه عن الهاتف ومنحها نظرة متفحصة، فارتبكت وهي تستأذنه:
_ ها أمشي بقى؟ أنا قولتلك رايحة فين أهو!
نهض عن مقعده وجذب جاكيته يرتديه، ثم اتجه للطاولة يجذب مفتاح سيارته وأشار لها وهو يتفادى التطلع إليها حتى لا يخجلها:
_ اطلعي أوضتك يا فريدة، هجبلك طلبك وراجعك.
برقت بعينيها بصدمة، وراحت تردد بتلعثم:
_ طلب إيه لأ أنا آآ... إنت فهمت غلط أنا بس آآ...
تركها تبحث عن سياق الحديث المناسب وأغلق الباب من خلفه، وغادر تاركها تكاد تقتل خجلًا، فجابت الردهة ذهابًا وإيابًا وهي تتساءل:
_ يا ترى فهم إيه!!!
ولكمت الهواء بانفعال:
_ ده حتى مدينيش الفرصة أفهم هو فهم إيه!!!
انتفضت بوقفتها فور سماع صوت سيارته، فركضت للأعلى سريعًا تختبئ بغرفتها، لتستمع بعد قليل لصوت طرقات باب الغرفة، وقفت خلف الباب تردد بارتباك:
_ عايز إيه أنا نايمة.
ابتسم على طريقتها وقال:
_ افتحي خدي الكيس ونامي براحتك.
تصنعت دهشتها:
_ كيس إيه ده؟!
احتضن زواية أنفه بتعب:
_ افتحي يا فريدة.
فتحت الباب ومدت يدها دون أن تريه وجهها، فمسك ضحكته بصعوبة ومد لها الكيس البلاستيكي، حملته وأغلقت الباب بقوة جعلته يقهقه ضاحكًا وهو يردد:
_ مفيش داعي للشكر ده إحنا ولاد عم!!
واتجه لغرفته بينما فتحت هي الكيس البلاستيكي بصدمة من معرفته ما تخوضه الآن، فوجدت أدوية مسكنة لألم بطنها القاتل وما تحتاجه لتقضي عذرها الشهري بسلامٍ، ومنذ تلك الليلة لم تستطع أن تنسى موقفها المحرج حتى تلك اللحظة!
***
استكان على المقعد بصدمة طعنت ما تبقى لديه، يختطف نظرة مستنكرة إليه ويعود لشروده من جديد. الصمت كان يتلاعب بهما وكلاهما يتحملان الجو المطموس بالثليج، حتى مزق علي جلبابه قائلًا بعدم استيعاب:
_ بالرغم من كل اللي عمله فيك ده سكت إزاي؟! حتى بعد موته ولحد اللحظة دي سكت ليه يا عمي؟!
استند بجزءه العلوي على الطاولة الفاصلة بينهما، وقال:
_ كلامي هيعمل إيه يا علي اللي حصل مش هيغير الحقيقة..
عارضه بتعصب:
_ بس كان على الأقل هيقلل مسافة البعد اللي بينك وبين فريدة هانم، مكنتش هتوصل بيك العقوبة لـ 15 سنة يا عمي!!
وبعدم تصديق صاح:
_ إنت إزاي كده؟ إزاي قادر تتحمل ومكمل بتضحيتك حتى بعد كل السنين دي! أنا عقلي هيقف من التفكير!!
رد عليه ونفس ابتسامته لا تفارقه:
_ ونهايتها خير يا علي، خلاص هنتجوز أنا وفريدة وهيتلم شملنا.
انكمشت ملامحه باشمئزاز مما فعله أبيه وقال:
_ قدرت تسامحه إزاي أنا مش هقدر!
استقام بوقفته وهو يردد باندفاع:
_ علي متندمنييش إني حكيتلك، متنساش وعدك ليا!
هدأت انفعالاته، وقال بتريث:
_ أنا آسف على عصبيتي بس الحقيقة بشعة أوي يا عمي اتحملتها إزاي!
أراد أن يغير مجرى الحديث الذي أشعره بالاختناق، فقال بمرحٍ وهو يدفعه للخروج:
_ ما خلاص يا دكتور هنقضيها رغي، الساعة بقت 2 أنا ورايا شغل الصبح ومش قادر للسهر، ارجع أوضتك وسبني بقى أنام.
ضحك علي وحاول تفادي دفعه قائلًا:
_ طيب ما تكنسل الشغل بكرة وتقعد معانا في عزومة بكرة، أكل مصري ومغربي وحوار.
نجح بأخراجه من الغرفة وقال قبل أن يغلق بابه:
_ بكرة نشوف الحوار ده، تصبح على خير.
***
قضى عمران ليله يعمل على أحد الصفقات التي قرر توليها بنفسه لأهميتها، فترك العمل لأحمد وانشغل هو بأهم صفقة تخص شركة العائلة، فارتشف كوب قهوته وهو يتابع العمل، محركًا رأسه يسارًا ويمينًا بألمٍ انتابه من جلوسه الغير مريح على الطاولة والمقعد الخشبي أمام الحاسوب، فترنح له مسمع دقات خافتة على باب غرفته جعلته يتأمل الوقت من أمامه بدهشة، فهمس بخفوت:
_ مين اللي صاحي لحد دلوقتي!
ورفع صوته الذكوري:
_ ادخل.
تحرر مقبض بابه وولجت للداخل بخطواتٍ بطيئة مترددة، حتى انتهت بوقوفها أمامه، فردد باستغراب وهو يتأمل عينيها المنتفخة من أثر البكاء:
_ مايا!
رفعت يديها المرتعشة تفك عنها مئزرها الأسود، لتظل بقميصها الطويل أمامه، فاندهش مما تفعله ولم يكن بالأحمق ليفسر تلك الإشارة الصريحة بموافقتها بالسماح له بالقرب منها، وأيضًا ليس بالغبي ألا يدرك سبب تورم عينيها بالبكاء ورجفة جسدها.
شعر بنيران تضرم قلبه حينها تصور ما فعله مزحه بها، أكانت تبكي كل تلك الساعات!! هل تسبب بوضعها بتلك الحالة المؤلمة، ما بين اتخاذ قرار كذلك، ليته لم يفكر يمازحها قط!
انحنى عمران يلتقط مئزرها ثم نهض يحتمل بركبته قدمه اليسرى على المقعد، ووضع المئزر حولها ليخفيها تمامًا!
فتحت مايسان عينيها بصدمةٍ مما فعله، فقال بوجعٍ سكن رماديته قبل أن يتجه لنبرته:
_ أنا مش بالحقارة دي، وبعتذرلك لو هزاري ضايقك وأجبرك تاخدي الخطوة دي، أنا آسف.
تحررت من كبتها لما تخفيه، فبكت بصوت مسموع جعله يضمها إليه بقوة جعلتها تتمسك به وهي تبتسم بفرحة بأنه فعلها لأجلها.
همس لها عمران بحب وصل مضمونه لها الآن:
_ أنا بحبك يا مايا، صدقيني اللي في دماغك ده مش فارق معايا من الأساس.
وأبعدها عنه لتتمعن بعينيه عساها تلتمس صدق مشاعره:
_ أنا عارف انك ادتيني فرصة تانية ويكفيني آنك مازلتي بتحاولي، مش متضايق من ده أبدًا ومنتظرك لحد ما تكوني جاهزة تتقبليني وتتقبلي حقيقة إني اتغيرت عشانك.
غادر اصفرار وجهها وحل محله سعادة جعلته دمويًا، ابتسم وهو يراقب تبدل حالها بعدما حصلت على السكينة، فقربها منه وطبع قبلة على جبينها وعلى كف يدها المتعلق بقميصه قائلًا:
_ روحي ارتاحي ومتفكريش بأي حاجة غير حاجة واحدة بس.
تابعته باهتمام فقال:
_ إني بحبك ومستحيل هعيد أخطائي تاني يا مايا.
وترك يدها وهو يمنحها نظرة مطولة، ختمها بمزحه:
_ هتروحي تنامي ولا أغير رأيي بشكلك المغري ده!!!
وتابع وعينيه تتلصص إليها وبنيته المزح:
_ قوليلي يا مايا، هو حد قالك إن الإغراء بيكون بالأشياء المحترمة الطويلة! يعني إديني أمل إني في يوم ما تحني عليا ألقى شيء يتلبس غير ده!
جحظت عينيها صدمة وكادت أن تتحدث ليقاطعها بسخط:
_ وقح، حفظتها دي!
وتابع بفم مقوس:
_ أهو الصيت ولا الغنى!!
ضحكت رغمًا عنها فشاركها الضحك هو الآخر، وقال بحنان دافئ:
_ تصبحي على خير.
ابتسمت وهي تجيبه بحب:
_ وإنت من أهله.
وتركته واتجهت للخارج بفرحةٍ كبيرة وكأنها حصلت على الخلاص أخيرًا، فراقبها ببسمة هادئة وعاد يتابع عمله مجددًا.
***
حديث مايسان عما كانت ستخوضه من محاولة للاعتداء أيقظ بفاطمة كل ما كبت داخلها، ذاك الكابوس الذي هجرها منذ أيامٍ قليلة عاد يهاجم بكل شراسة امتلكها.
ابتل وجهها بعرقها النازف، وجسدها يتحرك بشراسة رافضة الانصياع لعقلها الباطن الذي يسحبها لتلك الدائرة التي ترى ذاتها تواجههم بمفردها، أحدهم يقيد حركتها والآخر يمزق ثيابها، بينما ثالثهما كان يضرب رأسها بقوة بالأرض حتى تفقد الوعي ولا تقاوم أحدهم. تاوهت فاطمة بألمٍ وصرخت ببكاء بنومها وهي تردد بصراخ:
_ لأ..... ابعدوا عني.
وعادت تصرخ من جديد وحركتها المنفعلة لا تتوقف:
_ محدش يقربلي، ابعدوا!!
تسلل صوت صراخها لعلي الذي يقوم بتبديل ملابسه لمنامته السوداء المريحة بعد عودته من غرفة أحمد، ردد بدهشة:
_ فاطيمة!
وعلى الفور ركض لغرفتها من الباب الجانبي الفاصل بين الغرفتين، فصعق حينما وجدها تنتفض لمنامتها وتصرخ بكلمات غير مرتبة:
_ لأ... محدش يقرب... لأ.. لأ.. لأ.
فتح الضوء واندفع تجاهها يحرك وجهها برفق، وصوته يغزو ليحطم أحلامها:
_ فاطيمة فووقي... فوقي يا حبيبتي ده كابوس..
وكرر بإصرارٍ بعدما جذبها لتجلس:
_ فتحي عيونك... اصحي!
أفاقت من نومها باكية بصراخ يحطم القلوب، فما أن وجدته يجلس قبالتها حتى رددت بانهيار:
_ علي!
حاوط وجهها بحنان وهو يبعد خصلاتها المبتلة بعرقها لخلف أذنيها:
_ أنا جانبك يا فاطيمة متخافيش.
ضمت ساقيها إليها والتفت ذراعيها من حولها، فتمنى لو لجأت هي لحضنه بذات الوقت ولكنه يرى حالتها المنتفضة فمن الخطر بهذا الوقت أن يحاوطها أو حتى يلامسها، فظل كما هو، وانحنى يجذب الأدوية من الكيس البلاستيكي، قدمه لها وتناولته هي دون جدالًا، باستسلامٍ وخضوع، وظلت تضم ذاتها كالجنين أمام ناظريه.
ساعة، ساعتان قضتهما بجلستها تلك، حتى شعرت بثقل جفنيها، فتمددت على الوسادة باستسلامٍ.
نهض علي عن المقعد القريب منها، يجذب الغطاء إليها ويمسد على رأسها بحزن يجعله كالعجز، دقائق اطمئن بهما غفوتها ورحل لغرفته حزينًا، يود البقاء جوارها ولكنه يخشى أن يداهمه النوم فتراه هي صباحًا بغرفتها فيزيد الطين بلة.
جلس على الفراش يتطلع بشرود للفراغ، ليتسلل إليه مجددًا صوتها الباكي يناديه:
_ علـي!.... علـــــــــــي!
إتجه للغرفة راكضًا فوجدها تجلس على الفراش وقد جفاها النوم، فقالت ببكاء:
_ خليك هنا متمشيش.
تهللت أساريره فرحًا حينما سمحت له بالبقاء، فجلس جوارها على الفراش قائلًا:
_ مش هسيبك أبدًا، نامي يا حبيبتي وارتاحي وبلاش تفكري في اللي فات وعدى.
ارتبكت وهي تراقب جلوسه المجاور لها، وأشارت بيدها على المقعد القريب من الفراش الذي كان يعتليه منذ قليل، فرددت بارتباك من مطلبها:
_ خليك هنا.
أشار لها بتفهمٍ، لم يتضايق أبدًا فهو الوحيد الذي يعلم بحالتها، فنهض على الفور ليجلس محل ما أرادته بالجلوس، فتمددت بنومتها وكلما غفاها النوم تفتح عينيها بهلعٍ تتأكد من وجوده لجوارها على المقعد، تخشى أن يتعب من جلسته الغير مريحة فيعود لغرفته ويتركها، تخشى أن يمل من مراقبتها ولكن كل مرة افاقت كانت تجده لجوارها، وأخر مرة استسلم للنوم جوارها على المقعد، وكأنه يلزمها بعهده القاطع بالحفاظ على بقائه لجوارها..
نام بعمقٍ بعد سهره المطول برفقة عمه، وفجأة شعر بدفءٍ يجتاح جسده الذي يشعر بالبرد، ويد تعبث بخصلات شعره بحنانٍ، خشى أن يفتح عينيه فيجده حلمًا يوقظ نفسه منه، وفجأة استمع لصوت خطوات تبتعد لحمام الغرفة، ففتح عينيه لينصدم بأن من منحه الغطاء وضمة خصلاته لم تكن سوى أصابعها.. أصابع زوجته... فطيمة!
رواية صرخات انثى الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ايه محمد رفعت
أحاطه ألم مقبض احتل فقرات ظهره ورقبته من نومته غير المريحة على هذا المقعد القاسي. بالرغم من ذلك لم يعنيه الأمر في سبيل رؤية تلك الراحة التي تنعم بها ملامحها، والآن حظي بغطاء وضمة كف يدها لخصلات شعره الطويل لخلف رقبته. الأمر كان مرضيًا لمشاعره المرهفة، فابتسم علي وادعى نومه وهو يراقبها تخرج من الحمام وتتجه لارتداء إسدال صلاتها، تؤدي صلاة الصبح بخشوع تام.
حينما أنهتها تسللت للأسفل بحذر، عدم إيقاظه لتعاون مايسان بطهي الطعام مبكرًا كما اتفقنا مسبقًا.
ولجت المطبخ فوجدتها قد استيقظت بالفعل وبدأت بتحضير الطعام، لتجد الأخرى تلحق بها. فهتفت بعدم تصديق:
_ معقول قومتي بدري كده عشان تساعديني! أنا فكرتك بوق ومستحيل تقومي من 5 الصبح.
منحتها فطيمة بسمة رقيقة، وأشمرت عن معصمها تقترب تعاونها وهي تخبرها:
_ أنا وعدتك إني هساعدك ومستحيل أخلف بوعدي.
اتسعت بسمتها وقالت بفرحة تغمرها:
_ والله أنا ربنا بيحبني أنه رزقني بسلفة قمر زيك يا فاطيما، أنا كنت هنا بحس بالملل، والأغرب إني كنت لما بحس بالوحدة بضطر أروح مع فريدة هانم الجمعيات بتاعتها، يا أما أروح مع شمس كام مشوار مع صديقاتها الأجانب اللي لا يطاقوا بالمرة.
ضحكت وهي تستمع لها باهتمام، وشرعت بجذب الوعاء للنيران قائلة بمزح:
_ مش هتنجبري تروحي تاني مع حد، أنا جيتلك أهو وقاعدة متفرغة الـ 24 ساعة.
جذبت المنشفة تزيح المياه عن يديها، وقالت بتسلية:
_ بس أنا عندي تعقيب صغير.
استرعت اهتمامها، وتساءلت:
_ تعقيب إيه؟
أضافت بعملية باحتة:
_ المفروض إني مرات عمران، وهو أصغر من علي، وإنتي مرات الأخ الكبير وواجب عليا احترامك صح؟
انتظرت قليلًا تحسب كلماتها جيدًا قبل أن تهز رأسها بخفة بالرغم من عدم فهم حساباتها الغريبة، فقالت الأخيرة بنزق:
_ إزاي بقى وأنا أكبر منك!!!
أدلت الأخيرة شفتيها بحيرة، فلم تعد تحسن اختيار الرد الصريح الذي ترجوه الأخرى منها، لذا قالت:
_ عامليني زي ما تحبي، أنا في كده جاية معاكي وفي كده جاية بردو!
تشاركان الضحك معًا وضمتها مايا إليها بحب سرى لفاطمة التي تعلقت بها بقوة، كالتائه ببلد لا يعلم بها أحدًا. وفجأة، طلت له روحًا طيبة تطمن قلبه وتخبره بأنها لن تفارقه أبدًا.
***
خرج علي من الغرفة يسند رأسه على كتفه بتعب شديد، فتفاجئ بأحمد يعاون أخيه بدخول المصعد. ولج خلفهما يردد وهو يخشى الالتفات للخلف حيث مكانهما:
_ صباح الخير.
تفرس أحمد بملامحه الغريبة، هاتفًا:
_ صباح النور يا دكتور.
وباستغراب استطرد:
_ إيه اللي شنكلك بالشكل ده؟
ارتبك علي وراح يبحث عن أي حجة تحفظ ماء وجهه:
_ لا أنا بس آآ...
تحمل عنه عمران الحرج حينما قال:
_ هتلاقيه خد صف أول على كرسي غير مريح أو كنبة نص عمر، اسألني أنا يا عمي أنا مطقطق وفاهمها وهي طايرة.
كظم غضبه بثبات لا يعلم من أين تحلى به، فتولى أحمد مهام الرد ليهدم جبهته، حيث قال:
_ ما بلاش إنت يا عم الوقح، ده إنت من يوم ما اتجوزت وإنت بطولك في أوضتك والله صعبان عليا وأنا شايفك وحيد وبائس كده! أغيب بالشهور وأرجع على أمل إن نحسك اتفك ألقيك لسه ثابت على توب التعفف.
ضحك علي مستهزءً، بينما ردد عمران بسخرية:
_ أنا زاهد والله بس هي فتنة تحل من على حبل المشنقة، أقف على رجلي بس!
ترك أحمد كتفه فكاد بالسقوط أرضًا لولا استناده على كتف علي الذي صرخ بوجع وهو يحيط برقبته صارخًا:
_ مش عايز ألمحك النهاردة، إبعد عني أنت سامع!
عاد يبحث عن أحمد مرددًا بخبث:
_ إيه يا عمي هتتخلى عن مساعدتي وأنا كنت ناوي أجوزك مع الواد علي بعد بكرة.
تلألأت عيناه بقوة، وكأنه صبي لا يتعدى عمره السادسة عشر، فتمسك بجسد عمران الصلب متسائلًا:
_ هتعملها إزاي دي؟
ابتسم وهو يتصنع غروره:
_ لا إزاي دي بتاعتي، سيبها عليا وأنا أروشلك الهانم تروشية تدعيلي عليها العمر كله.
واستطرد ساخرًا:
_ مهو مش معقول هقف أتفرج عليك وإنت مبرد نفسك لآخر الشهر، هو العمر فيه كام شهر يا راجل!! الحاجات دي عايزة الراجل الحامي، شوف برودك إنت والدكتور النص كم اللي واقف جنبك ده وصلك لفين؟
برق أحمد بعينيه بصدمة لجراءة حوار عمران الوقح، ومع ذلك استطرد بعقلانية يتبارك بها لذاتها:
_ لما مشيت ورا عقلك والواد علي هتتجوز وإنت على عتبة الخمسينات يا راجل ولولا تدخلي كنت هتكتب كتابك بس على الحور العين أهو ربنا كان هيعوضك دنيا وآخرة على نزاهتك المبالغ فيها دي!!
وأشار لذاته بعنجهية:
_ وشوف بقى لما همشي ورا كلامي ونصايحي هوصلك فين.
وأشار ببده بعدما خرجوا من المصعد، فاتبع إصبعه باب الجناح الخاص بغرفة فريدة هانم، ردد علي بسخط:
_ نفسي أرميك بنظرة قاتلة بس للأسف مش قادر ألفلك!
وتطلع لأحمد القريب منه يستأذنه:
_ اديله بصة حمرا من بتاعت الشيطان دي يا عمي لما عضم الترياقة بتاعتي يفك!
لم يبخس شيئًا به، فمنحهما معًا نظرة مستحقرة، قبل أن يتجه للخارج بصمت مخيف، جعل عمران يهمس بحيرة وهو يتطلع لعلي المتعصب:
_ اتقمص!
***
خرجت فطيمة تاركة مايا تصنع المشروبات، فوضعت الدورق الضخم بالبراد. وما كادت بالاستقامة بوقفتها بعدما انتهت من وضعه بالرف السفلي حتى شهقت فزعًا ورددت بصعوبة بالحديث:
_ خضتني يا عمران!!
طوفها بنظرة جريئة شملتها من الأعلى للأسفل، قبل أن يهمس بصوت رخيم دافئ:
_ سلمت حبيب عيوني وقلبي من الخضة، إيه يا وحش، تأثيري عليك قلبك مش قده ولا إيه، إجمد كده!
رفرفت باهدابها بذهول من طريقته تلك، ومع ذلك لم تهتم كثيرًا فهي تعلم بأن زوجها يحتل المرتبة الأولى بالوقاحة العالمية، لذا تحركت تعيد جذب الدورق الآخر لتعيده للبراد والاخر يستند على الحائط المجاور للبراد يراقبها بنظرة لم تكن عادية لها، ومع ذلك تجاهلته إلا حينما طل من فوق باب البراد يسألها بصوت مغري:
_ محتاجة مساعدة؟
إشرأبت بعنقها للأعلى لتجده يكاد يسقط باب البراد من فوق رأسها، فاستقامت بوقفتها تجيبه ببرود:
_ لا شكرًا خلصت كل حاجة، اطلع أنت ريح برة لحد ما صحابك يوصلوا.
مال تجاهها بجسده يتساءل ببراءة وود:
_ أنا خوفت أتعبك قولت أساعدك بأي حاجة، وعندي خوف تالت تكوني هنا وحيدة من غيري، طب بذمتك ينفع تكوني لوحدك وأنا موجود يا بيبي!
ارتبكت مايسان من طريقته الغامضة بالحديث، وكأنه يتعمد أن يجردها من برودتها التي تخفي من خلفها مشاعرها المتلهفة إليه، فتراجعت حتى قيدت الرخامة السوداء حركتها، فرددت بهمس مرتعش:
_ في إيه يا عمران؟
نقل ذراعه الذي بات يستجيب لحركته نوعًا ما، ليقيد منفذ هروبها الوحيد، وابتسامته المسلية لا تترك شفتيه بينما رماديته تحاربها بكل قوة، وحروفه تخرج بطيئة مغرية لمسمعها:
_ بأمانة كده أنا مش راضي عن وضعنا ده، يرضيكِ أبقى لبانة في بوق عمي وعلي.. ها.. يرضيكِ يا بيبي؟
ارتبكت عينيها وتهربت من عينيه القريبة منها، فتابع بخبث:
_ الحل إنك تيجي تنوري جناحي اليتيم، ده حتى مساعدة المريض صدقة وأنا مريض جدًا ومحتاج اهتمام منك.
وتابع مشيرًا ليده التي تقترب منها لتحاصرها:
_ حتى شوفي إيدي!
اعتلت معالمها بغضب جعلتها تقذف وابل عصبيتها إليه:
_ قول كده بقى، طيب بص يا حبيبي حكاية عمك وعلي والحوار ده سبق وفتحناه واتقفل، يعني الحوار ده مالوش سكة معايا!
تلاشى غضبها وحل محله الدهشة من ابتسامته الجذابة التي مازالت لم تتركه، بل ملامحه لم تتأثر بتاتًا بما قالت، بل انحنى يهمس لها:
_ الجانب الإيجابي إن لسانك نطق إني حبيبك، طب بذمتك في حبيب بيقسى على حبيبه كده يا بيبي؟!
أبعدته عنها وكادت بالفرار، فجذبها لمحلها مجددًا وهو يلتقط نفسًا مطولًا يجعله بملامح تتهيء لشيء جادي. فانصبت فيروزتها إليه تنتبه لما سيقول، فأتاها صوته الرخيم:
_ بصراحة كده لما جيتيلي أوضتي امبارح واتكلمنا وبتاع اكتشفت حاجة مهمة جدًا يا مايسان.
انتبهت إليه وقد جرى الحديث بجدية جعلتها تترك مزحه الثقيل جانبًا وتسأله:
_ حاجة إيه؟
طرق بيده على الرخامة من خلفها بشكل أفزعها:
_ إني كنت مصلي لسه قيام الليل وربنا منزل على قلبي التقوى.
وانحنى لها مجددًا يغمز لها بوقاحته:
_ أنا بقول عدي عليا النهاردة تاني يمكن شيطاني يكون حاضر ونرتكب معاصي!
استنزف داخلها كل محاولات صبرها، فدفعته بشراسة جعلت الأدوات من خلفها تسقط أرضًا، وكادت بالتنحي جانبًا فتعركلت قدميها بزجاجة الزيت من أسفل قدميها، فاندفع ذراعه يضمها إليه هامسًا بسخرية:
_ إسم الله والحارس الله يا بيبي.
اعتدلت بوقفتها ترمقه بازدراء، وصاحت:
_ إنت مالك النهاردة من الصبح بيبي بيبي، حد قالك إني عيلة صغيرة!!
ضحك وهذا استفزها، وخاصة حينما قال وهو يجيبها ببرود:
_ إنتِ بنتي أنا ومتزعليش يا ستي بنت قلبي الكبيرة عشان متزعليش.
وأخفض نبرة صوته يحطم كبرياء أنثاها المتمردة، ساخرًا من حالهما:
_ ولو كنتِ متعاونة كان ممكن أكون متفائل إن هيكون عندنا بيبي صغير بجد.. فلحد ما ده يحصل هفلق دماغك بكلمة بيبي اللي بتعصبك دي يا بيبي.
تهدل كتفيها بحزنٍ ويأسها يتراقص على ملامح وجهها من أمامه، ورددت بهدوء غريب بعد استسلامها لوقاحته ومزحه القاتل الذي لو استمر به لن تنجح بردعه:
_ مش كنا اتفقنا يا عمران وكنت بقيت لطيف بكلامك معايا إيه حصلك فجأة النهاردة؟
ابتسم وهو يراقبها تشكوه لنفسه، وانحنى يهمس لها بإغراء:
_ عياري فلت بعد ما شوفتك بالقميص المحترم بتاع امبارح!!
وصاح متجهمًا:
_ أنا واحد قاعد في حالي أشوف أكل عيشي، أتفاجئ بحورية داخلة تروضني عن آ.........!!
كممت فمه بيدها وعينيها تبرقان بصدمة، فاستدارت تبحث عن أحدٍ حولها قبل أن تصيح بانفعال:
_ بسسس إنت إيه!! بالع حبيتين جراءة على الصبح!
وبنظرة شاملة تساءلت:
_ عمران إنت رجعت تشرب تاني؟!
هز رأسه ببراءة ومازالت تكمم فمه، فانتفضت فجأة حينما لثم باطن يدها، لتراقبه بذعرٍ بينما يستكمل هو طريق برائته متسائلًا بلهفة:
_ مالك يا حبيبتي؟!
بقيت بتخشبية جسدها تبرق له بصدمة لايجاده تمثيل دوره التقديري لجائزة الأوسكار بالتمثيل، بينما تابع وهو يتفحصه بنظرة قلق:
_ إنتِ تعبانه؟
هزت رأسها نافية ومازالت تتراجع حيث بامكانها الفرار من ذاك المنحرف الخطير، وبينما هي تتراجع قال ببسمة ماكرة:
_ أجبلك كوباية ميه تبلعي كلامي السم يا بيبي؟
هزت رأسها نافية، فابتسم بوادعة لطيبتها الغريبة وهدوء وقفتها، فتكرر وابل أسئلته:
_ زعلانه مني؟
هزت رأسها توافقه حزنها منه، فعاد يتساءل بمكر:
_ بتحبيني؟
هزت رأسها موافقة حبها له، فتهللت أساريره وانحنى يطبع قبلة على خدها هامسًا بخبث:
_ وأنا كمان بحبك يا بيبي.
كادت بأن تفر عدساتها من عينيها لفرط فتحهما، وبينما هي تراقبه بصدمة افاقت على حقيقة تبلد جسدها أمامه، فكانت تختبر مصارعة ما يعتري عقلها بتلك اللحظة، عينيها تجوب بالمطبخ وكأنها تبحث عن السكين لطعنه، فعادت تحوم من حولها إلا أن اهتدت لشيءٍ أهم تمتلكه، وكان يدها الذي هوى لتمنحه صفعة رقيقة تناهز رقة أصابعها وصراخها العاصف يحيط بأذن ذاك الواقف على عتبة المطبخ يردد بتوسل:
_ مايا اعمليلي قهوة، دماغي من الصداع مش قا...
انقطع حديثه حينما رآها تهوى بصفعة على وجه أخيه وهي تصيح بوجهه بغضب:
_ إنت وقح يا عمران!
وتركت المطبخ بأكمله وغادرت من أمامهما، فاقترب منه علي بصدمة ليجده يضم خده ببسمة خبيثة وهو يردد بالإنجليزية:
_ كان هذا قاسيًا يا رجل!
بينما تمرد لسان الأخير هاتفًا وعينيه تراقب زوجة أخيه التي تفر للخارج بعصبية الشياطين أكملها:
_ إنت عملت إيه يلا!
تحلى بثبات مخادع والتفت لعلي يردد بخشونة اعتلت نبرته:
_ ولا حاجة.
ردد ساخرًا:
_ ولا حاجة!! دي إديتك كف خماسي الأبعاد.
اعتلى الضيق ملامحه وهتف بتأثر:
_ آه خدت بالك من القلم، شرسة أوي بنت خالتك دي بس على مين أنا حبالي طويلة واتعودت أمشي بالطريق الطري لأخره، فإن شاء الله أجيب آخرها وأتمنى متجبش هي أخري ساعتها مش هيكون في مجال للوقاحة تاني يا دكتور علي!
واستند على الرخام يجبر قدميه الثقيلة على الحركة وهو يتابع:
_ يلا أسيبك تعملنا القهوة بقى، وابقى اعملي سندوتش كده عشان أعمر الطاسة الخربانة دي لأجل ما أفوق لفريدة هانم أرميها بجوازة عمك دي أهو أتسلى عليها قبل ما تتسلى على مراتك الغلبانة.
وتركه منصدمًا وكاد أن يتخطاه ولكنه عاد يخبره من جديد:
_ آه افتكرت.. اوعى تيجي قدام جمال أو يوسف وتشتكي من رقبتك، العيال دي لماحة وعقلها بيرمح ورا الخيل هيفهموا الليلة ووكستك السودة هتتفضح قدامهم.
ورفع يده يشدد على كتفه وكأنه يواسيه:
_ مهما كان انت أخويا وشكلك يهمني.
وتركه وغادر لباب المطبخ الهزاز وصاح قبل أن يختفي من أمامه:
_ ابقى حط مخدة ورا رأسك، خليك ذكي ولماح!
وهز رأسه بسخط ومر يتحدث مع ذاته وصوته يصل لذاك المصعوق من أمر أخيه:
_ محدش في البيت ده بيفكر بعقله، مصممين تفضحوا نفسكم سواء أخويا أو عمي الاتنين معاتيه!!
واستطرد بحماس:
_ اصبروا عليا بس، أنا قعدتلكم أهو لا شغلة ولا مشغلة!
اتجهت نظرات علي المصدوم تجاه مايسان التي خرجت من الحمام المجاور للمطبخ فور تأكدها من مغادرته فاتجهت لتراقب علي الذي مازال يحتضن رقبته بإحراج لسماعها حديث عمران الأخير، فتصنعت انشغالها بصنع القهوة بينما ردد هو:
_ ماله ده؟!
استدارت إليه بلهفة، وكأنه لقط الحديث على لسانها:
_ معرفش والله من الصبح مش طبيعي.
وهدأت قليلًا تفكر بحديثه مع علي ثم قالت:
_ أنا سمعته بيقول إنه جايب عريس لفريدة هانم؟
هز رأسه يؤكد لها، فتابعت بتفكير:
_ لو قالها دلوقتي هتقوم الحريقة وزمان أصحابه على وصول، إلحقه يا علي واقنعه ميقولهاش حاجة إلا بعد ما يمشوا.
حاول هز رقبته مجددًا فصرخ ألمًا وصاح:
_ آآآه.. منك لله يا عمران.
وإتجه للخارج مضيفًا:
_ اعملي قهوة يا مايا واعمليله يطفح بيقولك محتاج يتغذى قبل ما يشن الحرب!
***
بغرفة شمس.
لم تتمكن من النوم طيلة الليل تفكر بحديث آدهم المخيف، مازالت جملته عالقة بذهنها، وتحليلها يكمن بتعابير مقبضة تجعلها تخشى القادم، فإن لم يتمكن من الحصول على ذاك الملف قبل موعد تسليم الشحنة السامة لمصر وقتها ستضيع جهوده هباءًا وما يزيدها قلقًا تعرضه للخطر حينها لإن الشكوك برمتها ستصبح مسلطة عليه بعد ان تم كشف عملتين متتاليتين لراكان ومن خلفه بنفس الفترة التي تولى بها آدهم العمل معهم.
استحضرت حديثه أيضًا عن صعوبة اقتحامه لقصرة وغرفته الخاصة بوقته الحالي لإنه لا يريد إثارة أي شكوك تجاهه هو وفؤاد وباقي فريقه بخضم لحظة إعدادهم للشحنة القادمة، فانتفضت عن فراشها تتجه لنافذتها وهي تعقد شالها الرقيق حول بيجامتها الستان الزرقاء لتهمس بخفوت:
_ بس أنا أقدر أدخل قصر راكان بمتتهى السهولة ووقتها آدهم مش هيتأذى!
***
انتهت فطيمة من تبديل ملابسها المتسخة بفستان رمادي اللون يعلوه حجاب أسود، فكانت رقيقة بملامح وجهها الهادئ. اتجهت للأسفل فما إن انتهت من الدرج وصولًا للطابق الأول حتى صعقت باتجاه فريدة للهبوط هي الأخرى، كادت بالتراجع للأعلى أو الاتجاه للمصعد، ولكنها توقفت رغمًا عنها حينما عقدت فريدة ذراعيها أمام صدرها وتساءلت بحدة:
_ جوابك موصلنيش يعني؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وحاولت أن تتسم بهدوئها، تخشى أن يهاجمها الإغماء أو التشنجات الغريبة. فقطعت فريدة صمتها حينما دنت لتصبح قبالتها تردد وعينيها الزرقاء لا تترك غنيمتها:
_ لو المبلغ قليل ممكن نزوده المهم إننا نوصل لكلام نهائي بالموضوع ده.
أجلت فاطمة صوتها أخيرًا وبالرغم من اختفاء الكلمات من حلقها إلا أنها قالت:
_ أنا مش عارفة ليه حضرتك مصممة إني وافقت أتجوز دكتور علي عشان فلوسه، أنا مكنتش أعرف حاجة عن عيلته ولا أملاكه.
ورفعت عينيها لها تترجاها بحزن:
_ من فضلك سبيني في حالي، أنا معنديش استعداد أخوض حرب جديدة زيادة على حروبي، صدقيني أنا بتمنى أن يكون بينا حب واحترام وبحاول من دلوقتي تكون العلاقة بينا كويسة بس حضرتك اللي مش مديني فرصة.
ضحكت بصوت أثار قلق فاطمة، فراقبتها بتوتر وخاصة حينما رددت بتريث:
_ قولتلك قبل كده إن الأفلام الهندية دي مبتدخلش عليا.
وتابعت بنظرة صارمة مخيفة:
_ خليكي فاكرة إني كلمتك بالحسنى وعرضت عليكي تبعدي عن علي وإنتِ كسبانة مبلغ محترم، لإن اللي جايلك فيه خسارة وهتخرجي منه بطولك لا معاكي علي ولا فلوسه.
وتركتها مصدومة وهبطت للأسفل، متجهة لأحمد وعمران الذي يقبض كلماته بعد تنبيهات علي بذلك، فرددت بازدراء وهي تتابع ابتسامة أحمد المؤكدة على حديث الأمس:
_ مساء الخير.
رفع عمران عينه عن هاتفه يجيبها بابتسامة واسعة:
_ مساء الجمال والورد يا فريدة هانم، أول مرة يعني تنزلي من فوق الساعة واحدة الظهر، خير؟
ارتبكت نظراتها الموجهة لأحمد المبتسم بانتصار لرؤية النوم يفارق عينيها لتأثر حديثهما، فقالت بتوتر:
_ آآ... أنا... آآ..
اهتدى عقلها كونها الهانم هنا وهو الابن لذا قلبت الآية حينما صرخت باندفاع:
_ هو انت بتسألني بأي حق! ثم إنك يهمك في إيه أقوم بدري ولا متأخر ما أنت مظبط عزومتك ومرتب كل حاجة بدون ما ترجعلي أو حتى تأخد رأيي!
التهم عمران الشطائر التي أعدتها له زوجته بنهم، وقال وهو يلوكها بتلذذ:
_ محبتش أزعجك معانا بالأكل الدسم اللي هيتعمل ده أنا حتى خصصت الشيف يعملك Healthy food (أكل صحي) عشان وزنك الرشيق ده اللي عيشتي تحافظي عليه لابن الحلال اللي يستاهلك والحمد لله لقيته واتقدملك وأنا وفقت.
طرق علي بيديه فوق رأسه بصدمة مما يتفوه به أخيه، بينما حدجته فريدة بغضب ثائر:
_ إنت بتقول إيه!!
هز رأسه مؤكدًا على ما يقول:
_ بقول جايلك عريس لقطة ميترفضش.
احتدت نظراتها وكادت بقتله، فأسرع علي بالتدخل قائلًا وهو يغتصب ابتسامة زائفة:
_ متخديش على كلامه يا فريدة هانم، هو شكله كده السم اللي شربه عامل معاه مفعول.
هز رأسه رافضًا لحديث أخيه وتابع مشيرًا على أحمد الذي يتابع ما يحدث بابتسامة هادئة:
_ مش صحيح أنا بعقلي، حتى إسالي أنكل أحمد سالم الغرباوي لقيتله حتة عروسة طلقة روسية هنروح بعد الغدا نطلبهاله مع إنه مصمم إنه هيتجوز واحدة تانية آخر الشهر بس أنا عايز أكافئه الراجل زاهد في جنس الستات وصبره يستحق المكافأة، يدلع نفسه بالاتنين دول ولو عايز يتجوز أربعة معنديش مانع، إنت عندك مانع يا أحمد يا ابني؟
هز أحمد رأسه نافيًا متبعًا نفس طريق عمران بالاعتراض والموافقة، فاتخذت فريدة عينيها مدفعًا يتقمصه فأشار بكتفيه ببراءة وهو يدلي بشفتيه وكأنه مغصوب على تلك الزيجة وحديث ذاك العمران الأبله!
لأول مرة يعجز لسان فريدة هانم عن الحديث، وزعت نظراتها بينهما بحيرة وجدها أحمد كسطوح الشمس، وقد كان مندهشًا لاستجابتها لطريقة عمران الغبية ولكن عليه الاعتراف هذا الوقح يجيد التعامل مع صنف النساء وكأنه كان الزير المجنح للعائلة على مر العهود!
تحررت عن صمتها ذاك حينما صاحت بعصبية:
_ عريس إيه وعروسة إيه، عمران بطل أسلوبك المستفز ده وإتكلم عدل وإلا مش هيحصلك طيب.
كاد بأن يتحدث فقاطعه الخادم الذي أتى يخبرهم:
_ لقد وصل السيد يوسف والسيد جمال سيدي.
أشار له بعصبية وهو يعتدل بجلسته:
_ أيها الأبله هل تأتي لتخبرني وتتركهم بالخارج.
عاد الخادم يرحب بضيوف عمران بالداخل، فقابلتهم فريدة ببسمة صافية بالنهاية يوسف وجمال من الشخصيات التي تجبر من أمامها الانحناء وقارًا لهم.
أشار أحمد لهم بترحاب:
_ يا أهلًا وسهلًا بالغاليين، اتفضلوا.
ولج يوسف برفقة زوجته وجمال يلتقط يد صبا التي تخطو للداخل بارهاق يوجهها منذ الصباح حتى أنها كانت ترفض الحضور ولكن جمال أصر عليها. انسحبت فريدة للخارج تاركة له مساحة الجلوس برفقتهم واتبعها أحمد دون ان يلاحظهما أحد.
هبطت مايسان للأسفل ترتدي فستان من اللون السماوي وحجاب أبيض جعل وجهها ينير كالبدر، فولجت للداخل تردد على استحياء:
_ السلام عليكم.
اجابوها جميعًا بصدر رحب، وقد افتقدوا لتلك التحية الإسلامية التي باتت مهجورة بتلك البلاد، فاقتربت من ليلى وصبا قائلة بحبور:
_ كان نفسي اتعرف عليكم من زمان وأخيرًا جت الفرصة.
ضمتها ليلى بحب، قائلة:
_ سبق وقابلتك بس كان وقتها كنتِ مشغولة مع البشمهندس، ربنا يكمل شفاه على خير.
آمنت على حديثها واقتربت من صبا تتبادل الأحضان معها، قائلة بلباقة:
_ إيه الجمال ده كله، ما شاء الله اسم على مسمى يا صبا.
ضرم وجهها حمرة الخجل، وبادلتها ببسمة رقيقة:
_ انتِ اللي زي القمر اللهم بارك.
أتاهم صوت مشاكس يؤكد لهم:
_ القمر لما بيشوفها بيقوم ويشاورلها تقعد مكانه.
ضحك جمال يشاكسه:
_ ما تفكك من جو كاظم ده وقوم استعجلنا الأكل لحسن أنا جاي واقع.
لكزه عمران بغضب:
_ إنت جاي من بيتك طفس يا جدع، ما تهدأ علينا شوية.
ضحك يوسف عليهما واستشهد بعلي:
_ عجبك كده يا دكتور علي، اخوك بيتوقح علينا من أولها يرضيك.
حاول جاهدًا أن يلتف إليه، فعاد يتطلع أمامه وهو يعتصر شفتيه ألمًا قائلًا:
_ فكك منه يا دكتور يوسف وتعالى نلعب طاولة زي زمان.
ضيق عينيه بدهشة، وسأله بدهشة:
_ مال رقبتك يا علي؟
كاد بأن يبحث عن حجة قوية تحجبه عن ذكاء طيب قد يكشف جميع حججه، فتنهد عمران قائلًا بحزن جعل الجميع يتأثر به:
_ أخويا مفيش أطيب من قلبه، شافني نايم طول الليل تعبان رايح جاي على السرير بنازع جاب كرسي ونام جنبي من كتر خوفه عليا لأقع من السرير وينكسر ضلعي اللعين هو كمان.
هزت الفتيات رؤوسهن بحزن، بينما كبت جمال ويوسف ضحكاتهما مما جعل علي يكز على أسنانه هادرًا:
_ اصبر عليا، وربي لأعيد تربيتك من أول وجديد.
أشار بصدمة وهو يهمس له بصوت مسموع للرجال:
_ عملت إيه بنقذ رجولتك المهدورة يا غبي!
صعد يوسف من بينهما فقد كان يجلس بمنتصف الأريكة بينهما:
_ البنات قاعدين بلاش فضايح!!
انتبه علي إلى ليلى التي سألته بابتسامة هادئة:
_ أمال فين مراتك يا دكتور علي؟
حين تذكرها بحث بالردهة بحثًا عنها، فتابعت ليلى بمزح:
_ هتخبيها عننا ليوم الحفلة ولا إيه؟
رد عليها بابتسامة صغيرة:
_ لا أبدًا، كانت هنا من شوية.
ورفع صوته عاليًا:
_ فاطيمــا.
سمعت لصوته المنادي، ففركت يدها بتوتر، كانت تظن بأن الأمر لا يخصها فستكتفي بجلوسها بالمطبخ تعاون مايا بتسخين الطعام ففاجئها علي بنادئه.
خرجت تتجه للصالون وهي تجاهد لتهدئة انفعالاتها ورسم ابتسامة صغيرة، فما أن رآها علي تقترب حتى نهض ليتبع خطواتها البطيئة ليعرفها بمن أمامها قائلًا:
_ ده البشمهندس جمال وده دكتور يوسف أصحابي أنا وعمران يا فاطيما.
ارتبكت للغاية بالبقاء بمكان يحوي ثلاث من الشباب لا تعرف إلا عمران من بينهم، فتبلدت بوقفتها ورغمًا عنها تشبثت بجاكيت علي بشكل جعل يوسف يتابعها بنظرة دقيقة قادرة على تحليل حالتها باجتياز وادهشه الأمر حقًا، أيعقل أن يرتبط علي بفتاة على ما بدا له تحمل مرضًا نفسيًا ظاهرًا على ارتباكها وضم أصابعها بطريقة يعلمها جيدًا كطبيب.
مد جمال يده لها بابتسامة هادئة:
_ أهلًا مدام فاطيما، وألف مبروك مقدمًا.
راقبت يده الممدودة برجفة سرت بجسدها، وعينيها معلقة على كفه الممدود بحرج، فأسـرع علي برد الحرج عنها وعن جمال حينما صافحه وهو يضيف مازحًا:
_ فاطيما متدينة شوية، لكن أنا منحرف وبسلم عادي.
تعالت الضحكات فيما بينهم على عكس تعابير يوسف الجامدة، فخطى بها علي تجاه الفتيات ليشير لمايا بتحمل هي أمر تعارفها بهم، وقال بلباقة لمعرفته بأنها لن ترتاح بالجلوس هنا:
_ مايا خدي فاطيما ودكتورة ليلى ومدام صبا الحديقة الخارجية المنظر من هناك هيعجبهم جدًا.
تفهمت إشارته ونهضت على الفور:
_ أيوه المنظر من هناك تحفة وهنكون على راحتنا أكتر.. اتفضلوا.
وبالفعل انسحبوا معًا للطاولة الخارجية، فبدأت فاطمة بالتعرف على ليلى وصبا وكذلك فعلت مايا ولكنها لازمت صبا لتستدرجها لأمر العمل بالشركة.
ضحكت ليلى وهي تتابع صبا التي قالت بمزح:
_ يا ريتني مشيت ورا جمال من زمان وعرفت إن ليه أصحاب عشان نتجمع التجمع اللطيف ده وأتعرف عليكم، أنا من وقت ما جيت هنا وأنا لوحدي.
ردت عليها مايسان بتهكم:
_ ما أنا أهو بشتغل بالشركة مع عمران وحاسة إني لوحدي بردو كل اللي حوالي هناك أجانب ومفيش غير كام موظف مصريين بس رجالة مفيش بنات، عشان كده أنا مش هتنازل عنك يا صبا، هخلي عمران يكلم البشمهندس جمال وتنزلي تشتغلي معايا أنا محتاجة لواحدة بمؤهلك ده جدًا.
ابتهجت معالم وجهها الأبيض، ورددت بعدم تصديق:
_ بجد يا مايسان، يا ريت والله نفسي أخرج من البيت وأخد على البلد هنا.
وتلاشت ابتسامتها وهي تقول عابثة:
_ بس أعتقد إنه مش هيوافق لإني حامل.
ردت عليها ليلى ببسمة رقيقة:
_ وفيها إيه يا صبا هو إنتِ راحة تهدي حجارة، أنتِ هيكونلك مكتب وشغلك كله حسابات يعني راحة جدًا ومش خطر عليكي.
تحمست مجددًا وقالت لمايسان:
_ خلاص يا مايا قولي له يكلمه ويا رب يوافق.
هزت رأسها بتأكيد، فقطعت ليلى الصمت حينما وجهت حديثها لتلك الصامتة منذ لحظة جلوسهم:
_ وإنتِ يا فاطمة مؤهلك إيه وبتشتغلي ولا لأ؟
رفعت عينيها إليهم بحرج لمسته مايسان فكادت بالتدخل نيابة عنها ولكنها وجدتها تبلغها:
_ أنا مقدرتش أكمل تعليمي، يعني كنت مخطوبة قبل كده وكنت بحب خطيبي فمدخلتش الجامعة واكتفيت باللي وصلتله عشان أكون معاه.
وبامتعاض استرسلت:
_ بس محصلش نصيب، نصيبي كان هنا مع دكتور علي.
ابتسمت صبا وهتفت بتأثر:
_ سبحان الله... ربنا يفرحك يا حبيبتي ويجعله العوض ليكي عن كل اللي شوفتيه.
ابتسمت بسعادة وقالت:
_ يا رب... تسلمي.
***
كان يتبعها للخارج حينما تسلل لهاتفه رسالة عمران النصية:
«اتقل متدلقش وراها كده، خليك زي بذر الخوخ لما بيقف في الزور»
زم شفتيه ساخرًا وغير اتجاهه لمكتب المنزل، هاتفًا لذاته:
_ والله عال أحمد الغرباوي بقى ماشي ورا كلام العيال!
وإتجه للمقعد الرئيسي يجذب حاسوبه ليتابع العمل هامسًا ببسمة تسلية:
_ وماله خلينا وراه لما نشوف آخرتها آ....
ما كاد باستكمال كلماته حينما وجدها هي من تلحق به، فولجت للداخل تصيح به:
_ عروسة إيه اللي هتخلي ابني أنا يروح يطلبهالك يا أحمد باشا، روح اتجوز اللي تتجوزها بعيد عني أنا وأولادي سامعني!
اتسعت ابتسامته وإلتحف بالبرود يخبرها:
_ حاضر، هروح لوحدي.
وعاد يستكمل عمله، وحينما وجدها مازالت تقف أمامه رفع عينيه يتساءل بنفس ذات البراءة الخاصة بعمران الذي بات معلمه الذكي:
_ في حاجة تانية يا مرات أخويا؟
سحبت شيطانيها وغادرت المكتب صافقة الباب من خلفها بقوة كادت باطاحة زجاجه الباهظ، فاعتلى ثغره ابتسامة جذابة وهو يهز مقعده باستمتاع.
***
بالخارج.
دمغ يوسف يديه بزيت الزيتون الساخن الذي أحضره له الخادم بناء على طلبه يدلك رقبة علي الذي هتف باسترخاء:
_ الله عليك يا جو، اضغط بقوتك على الجنب ده ربنا يراضيك.
انصاع له يوسف مرددًا بسخرية:
_ وماله يا حبيبي، دكتور يوسف لعلاج قفشات العظام تحت أمرك.
كتم جمال ضحكته بصعوبة وقال بخبث:
_ يوسف بعد الليلة دي عايزك تفتح العيادة تكشف على صبا مش عارف مالها من الصبح كده دايخة وتعبانة.
استدار إليه يمنحه نظرة محتقنة قبل أن يسحبها لعمران المسترخي أمام الشاشة يتناول مكسرات بتسلية:
_ مش عايزني أكشفلك على حاجة إنت كمان؟
قال وهو يشير لقدميه بتعب:
_ رجلي بتنقح عليا يا جو والله خلص أبو علي وتعالى دلكلي رجلي بالزيت يمكن ربنا يجعل في وشك القبول وأقف عليها بقدرة قادر.
التفت يوسف حوله ثم تحرر صوته المحتقن:
_ لو مكنتش عامل احترام لوالدتك وعمك كنت قولتلك لفظ من إياهم عارفهم؟
ضحك عمران بصوته كله حتى كاد بأن يقتل من سعاله لتوقف التسالي بحلقه، بينما تساءل علي بدهشة:
_ لفظ إيه ده؟
ضحك جمال وهو يشير له:
_ بلاش يا دكتور علي إنت محترم وابن ناس.
صدح رنين هاتف يوسف الموضوع على الأريكة، فجذب المنشفة يجفف يده ثم رفع الهاتف يجيب:
_ أيوه يا سيف.
تجهمت معالمه بصورة ملحوظة لجمال وعمران الذي تساءل فور إغلاقه هاتفه:
_ في إيه يا يوسف؟
جذب مفاتيح سيارته وهو يشير لجمال قائلًا:
_ مفيش حاجة نص ساعة وراجعين، سيف بس في مشكلة صغيرة هنحلها ونرجع.
إشارة يوسف لجمال فهمها عمران جيدًا، فرفع ذراعيه لهم قائلًا بإصرار:
_ معاكم.. رجلي على رجليكم في الطالعة دي، أنا مش متنازل سامعين!!
انتصب علي بوقفته يتساءل بقلق:
_ طالعة إيه؟ هو في إيه يا يوسف؟
رد عليه سريعًا:
_ مفيش يا دكتور علي، أخوك دمه يلطش بس مش مصدق.
وضغط على شفتيه لعمران يشير له بالصمت، بينما انحنى جمال يساعده لتأكدهما بأنه لن يتركهما بالساهل، فعاونه يوسف من الجهة الأخرى، فالتف لعلي قائلًا بمرح:
_ قولهم يجهزوا الأكل عما نرجع.
راقبهم باستغراب، وعاد يتسطح محله بهدوء وكأنهم نسمة عبرت بطريقها للخلاص.
***
بسيارة جمال.
صاح يوسف بعصبية لمن يغفو بالمقعد الخلفي:
_ مش عارف لزمتك إيه، كنا هنخلص أنا وجمال الحوار ونرجع!
اجابه وهو يجتهد بوضع ساقًا فوق الأخرى:
_ لا إنت ولا هو هتقدروا تخلصوا الليلة، أنا معايا كورس في التربية ياض.
وتساءل باهتمام:
_ المهم هو الواد اللي بيروق أخوك ده هو نفسه الواد المصري الملزق اللي ساكن في الدور اللي فوقه وكان بيشتكي منه قبل كده.
هز يوسف رأسه بتأكيد، ففرك عمران يديه وهو يهمس ببسمة شيطانية:
_ فرجت، عضلات إيدي نقحة عليا من يوم ما نمت بالسرير.
رد عليه جمال ساخرًا:
_ يا حبيبي إنت مش شايف نفسك، إحنا مساندينك للعربية يا عمران هتتعارك مع الواد إزاي بس!
أشرأب بعنقه يعنفه بغضب:
_ إنت مال أمك إنت يا جمال، وديني للواد ده وسيبني أتعامل.
جحظت عين جمال من لفظه الوقح، فمرر يوسف يده على وجهه وهو يهمس لجمال:
_ حقك عليا أنا، متعصبش عمران لما بيتعصب بيبقى وقح سوق واستهدي بالله خلينا نلحق الواد قبل ما نوصل نلاقيه جثة.
التقط شهيق قوي ولفظه زفير أقوى، فقاد بأقصى سرعته حتى وصل للعمارة، فلمحوا سيف يتأوه أرضًا وذاك الشاب الذي يتبختر بعضلات جسده يكيل له الركلات، فاندفع جمال ويوسف خارج السيارة بسرعة جعلت عمران يخرج رأسه من النافذة هادرًا بانفعال حازم وهو يصوب سلاحه تجاههما:
_ أقسم بالله لو خطيتوا خطوة واحدة كمان لأطلق رصاصي عليكم، قولتلكم الواد الممحون ده قتيلي النهاردة، ارجعوا كده لعقلكم وساندوني أوصله!
تبادل جمال مع يوسف النظرات والاخر يتطلع لأخيه بقلق، فأسرعوا للسيارة يفتحوا بابها، ليسانده جمال من جهة ويوسف من جهة أخرى، وما إن اقتربوا منهما حتى اندفع يوسف لاخيه يعاونه على الوقوف بينما يساند جمال عمران، فحاوطوا ذاك النذل الذي ضحك مستهزءً:
_ ده أخوك اللي كلمته تتحامى فيه يالا.
نهض يوسف قبالته يصيح بانفعال:
_ إنت فاكر إنها سايبة ومفيش قانون أقدر أحبسك بيه وآ...
دفعه عمران للخلف بغضب:
_ ريح إنت يا دكتور يا محترم سبلي أنا الردح.
ووقف قبالته مستندًا على جمال بكتفه الأيسر، فضحك الشاب قائلًا:
_ انتوا جايبنلي واحد مشلول يأخد بحقه!!
ابتسم عمران بثقة جعلت الأخير يتابعه بسخرية، فسأله عمران:
_ سمعت عن عمران سالم الغرباوي يالا؟
هز رأسه مستهزءًا، فاتسعت بسمة عمران وتابع:
_ حظك يا روح أمك إنك هتشوفه وش لوش.
وضربه برأسه ضربة جعلت الأخير يترنح للخلف من شدة الضربة التي تلاقاها من رأس عمران، فكاد بالسقوط أرضًا متعثرًا، فأشار ليوسف:
_ أمسك الحلوة دي وقربها لي يا دكتور.
كبت يوسف ضحكاته بصعوبة، وبالفعل جذبه ليدفعه تجاه عمران الذي يشير لجمال الضاحك:
_ امسكني حلو لحسن الشلل ده رعاش ممكن أجيب شمال..
بينما عاد يقابل ذاك الذي يرى عمران أربعة أشخاص تتراقص من أمامه، فقال ببسمة هادئة:
_ قولي يا حيلة أمك، أبوك بيشتغل إيه؟
بدى متحيرًا وكأنه فقد الذاكرة، فردد جمال بدهشة:
_ مالك بأبوه يا عمران؟
تطلع جواره بجيبه:
_ عايزينه يلم بنته اللي فارضة عضلاتها تغري الأجانب هنا، ما هنا سبحان الله بيقدروا الستات والرجالة الـ**
برق يوسف بعينيه وهو يتابع أخيه يتأمل عمران بصدمة، وكأنه يرى شخصًا يراه لأول مرة، فقد سبق ليوسف وجمال مشاهدة جزء من خروج ذاك المعتوه عن رزانته، بينما استرسل عمران قائلًا:
_ انتي مكسوفة تقولي شغلانة أبوكي يا عسلية، أنا هنوب شرف المهمة دي، عارف يا سيفو شارع الهرم، أبوه بيلم النقطة من ورا العالمة كل يوم راجل مكافح وشهم بيكافح عشان يربي البقف اللي جاي يفرد علينا عضلاته..
جحظت عين الشاب صدمة، فتابع عمران ضاحكًا:
_ ياض ميغركش البدلة الشيك اللي أنا لبسها دي، أنا أصلًا من العتبة يا حيلتها.
وسدد له لكمة قوية أطاحته أرضًا بقوة، فأشار ليوسف:
_ قوم نوسة يا دكتور.. وسندهالي.
جذبه يوسف إليه مجددًا، واقترب يهمس له:
_ خلاص كده يا عمران الواد اتربى وأخد الكورس كامل، بلاش نلم علينا السكان.
لكزه ليعود تجاه سيف مجددًا:
_ ريح إنت.
وأشار لمن جواره:
_ تكة لمين شوية يا جيمس، مش طايله يا جدع!
هز رأسه بضحكات صاخبة، فاتجه عمران ليجذب الأخير من تلباب ملابسه ليصبح أمام رماديته الحارقة وتلك المرة كان جادًا غامضًا:
_ اسمعني بروح أمك إحنا هنا من لما كنت لسه بتعملها على روحك، فمش هتيجي على آخر الزمن تعمل علينا بلطجي في مكاننا، دكتور سيف من هنا ورايح لما تشوفه تضربله تعظيم سلام ولو طولت تحوض من الحيط عشان متتقابلش معاه هتعملها ده لو مش عايز تشوف واحد وقح وقادر يكسرك اسمه عمران سالم الغرباوي، وصلت يا نوسة ولا نسف الشريط تاني بس خد بالك المرة الجاية هتلاقيني واقف على رجلي من غير ما حد يسندني وتخيل بقى هيحصل فيك إيه وقتها!
هز رأسه بارتعاب فإن كان لا يمتلك نصف الآخر وفعل ذلك ماذا سيتمكن من فعله، دفعه عمران للخلف بشراسة جعلته يهرول لداخل المبنى وكأنه كان يقابل شبحًا لعينة منذ قليل.
استدار يشير ليوسف:
_ يالا يا جو هات دكتور سيف وبينا الأكل هيبرد.
ابتلع سيف ريقه بصعوبة بالغة، ومال يهمس ليوسف:
_ مين ده؟!
تنحنح الأخير وهو يكبت ضحكاته:
_ بشمهندس عمران صاحبنا بس بعد عنك وقت ما بيلاقي خناقة بيقلب على بلطجي من نزلة السمان!
هز رأسه متفهمًا وعاد يهمس:
_ أنا خوفت.
عدل يوسف من نظارة أخيه التي كادت بالسقوط هامسًا بضحكة:
_ لازم تخاف، وبعدين الراجل وجب معاك وهو متدشمل!
وتابع ضاحكًا:
_ والحيوان ده ابن حلال ويستاهل ما المرة اللي فاتت لما ضربك كلمناه أنا وجمال بالعقل ولا عمل أي اعتبار لينا وضربك تاني، بعد اللي عمران عمله وقاله معتش هتلمح طيفه اسمع مني.
تعصبت ملامح سيف، وهتفت بانفعال:
_ متقولش ضربك دي، أنا كنت هعلم عليه بس احتارت وملقتش زوايا.
منحه نظرة ساخرة وهدر:
_ عندك حق الواد كله زوايا وانحناءات!
***
طرق الباب وحينما استمع لأذن الدخول ولج للداخل يبحث عنها، فاتجه للطاولة التي تحتل مقعدها، فقال بنظرة عميقة:
_ ممكن تسمعيني؟
اعتدلت فريدة بجلستها وأصغت لمن يجلس قبالتها باهتمام، فقال بعد أن أطال بنظره لها:
_ مجاش الوقت اللي تفكري في نفسك يا أمي؟ خلاص إحنا كبرنا ومبقناش العيال الصغيرة اللي تخافي تسبيهم وراكِ، بقينا رجالة وفاهمين وواعين وعمرنا ما هنقف في طريقك وخصوصًا بعد الظلم اللي حصل زمان بينك وبين آآ.... آآ... عمي... جيه الوقت اللي تختاري الحبيب اللي هجر قلبك طول السنين اللي فاتت دي!
رواية صرخات انثى الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ايه محمد رفعت
اللهم لا تجعلني ثقيل على قلب أحد، وابعدني عن من يتمنى بُعدي، ولو كان أحب عبادك لقلبي.
صدمتها بتلك اللحظة كادت أن تجعلها عاجزة عن الحديث. لم يكن بأوسع مخيلاتها أن ينكشف أمر حبها لأحدٍ من أبناءها. أبقته سرًا حربيًا لا ينفك لأحدٍ معرفته. تماسكت فريدة بثباتها ورددت متصنعة عدم الفهم:
_ إنت تقصد أيه بكلامك ده يا علي؟
منحها نظرة دافئة طويلة، قبل أن يجيبها بحروفٍ عميقة:
_ ماما أنا عارف بقصة الحب اللي كانت بينك وبين عمي.
رمشت بعينيها بدهشةٍ، وبدت حائرة بما يتوجب قوله بتلك اللحظة، فقالت بشكٍ:
_ هو اللي قالك صح؟
هز رأسه ينفي عن عمه تلك التهمة، وقال:
_ مقاليش حاجة، يا ريته كان عملها يمكن الفراق ما بينكم مكنش هيوصل لكل السنين دي.
أخفضت عينيها أرضًا حرجًا. بالعادة تجلس الأم برفقة ابنها تحاول اقناعه بالزواج من فتاة يحبها، والآن تجد وضعًا غريبًا لا تعلم كيف ستتعامل معه. ابنها يطالبها بالزواج وخوض حياة حرمت ذاتها منها منذ سنواتٍ.
أجلى صوته الخشن:
_ متفكريش فينا احنا خلاص كبرنا وبقينا رجالة، فكري بنفسك لو مرة، فكري بالسنين اللي قضتيها وإنتِ بعيدة عنه، كفايا توجعي قلبك المجبور على الفراق.
أطلت له بنظرة تحوم بعينيها الغائرة، مرددة بصوتٍ يحتقن البكاء به:
_ تفتكر إنه يستاهل إني أعمل كده بعد ما اتخلى عني يا علي؟
سحب دفعة من الهواء وأخرجها ببطءٍ. إن أخبرها الحقيقة التي أمنها له أحمد لكانت تعلم بأنها ارتكبت خطأ تندم لاجله ما بقى من عمرها، ولكنه إستئمنه عليه لذا قال بنبرته الدافئة:
_ أنا مش عارف هو أيه اللي، خلاه يعمل كده بس اللي واثق منه إنه لو مكنش بيحبك حب جنوني مكنش فضل من غير جواز بعد السنين دي كلها ومازال مصر إنه يتجوز حضرتك.
نهضت فريدة عن مقعدها واتجهت للشرفة تتهرب من نظرات علي وصمتها يطول بها دون محالة. وبعد فترة صمتها أتاه صوتها المرتبك:
_ صعب يا علي، هقول لعمران وشمس أيه؟ بدل ما أفكر بتحضرات جوازة بنتي أحضر لجوازي!
لحق بها والابتسامة لا تفارقه، فوقف جوارها يمنحها نظرة حنونة:
_ عمران عارف وموافق، أما بالنسبة لشمس فأعتقد مش هيكون عندها أي مشاكل لانها بتحب أنكل أحمد وهتتقبله بينا لإن ده مكانه اللي يستحقه.
بدت حائرة لا تعلم ما ستقوله، فوجدته يجذبها إلى صدره يحتوبها كأنها ابنته الصغيرة. غاصت بين جسده ولا أحدٌ يصدق بأنها والدته، فتعلقت به وهمست إليه:
_ ربنا ما يحرمني منك يا علي، إنت ابني وأخويا وصديقي وكل شيء بمتلكه في الدنيا.
ابتسم بسعادة تلاشت حينما استكملت بمكر:
_ لو بس تسمع كلامي وتسيبك من الجوازة دي وآآ..
قاطعها حينما رفع وجهها إليه يخبرها بشيءٍ أقرب للتوسل:
_ علشان خاطري بلاش تضغطي عليا، ماما أنا بحبها، وحابب أقضي عمري كله معاها، شايفها زوجة وأم أولادي، من فضلك يا ريت تتقبلي ده.
علمت بأنهة تنساق خلف حائط موصود، فتنهدت بيأسٍ واستدارت توليه ظهرها، فقال بتهذبٍ:
_ هسيبك تفكري في كلامي كويس وهنزل أشوف عمران.
وتركها وهبط للأسفل، بينما بقيت هي بالشرفة تفكر جديًا بحديثه وبكل حرف قاله لها. لا تنكر بأن معرفة علي وعمران بالأمر قد أراح قلبها وخلصها من عوائق منتصف الطريق ولكن الأمر مازال يحتاج منها تفكيرًا ممهدًا.
بالأسفل.
اجتمع الشباب حول مائدة الطعام، بعدما انتهت فاطمة ومايسان من تحضير السفرة، وصنع سفرة أخرى باحد الغرف للسيدات بناء على طلب علي الذي يفضل أن لا يحدث اختلاط بالجلوس بين الرجال والسيدات. وسرعان ما انضم لاصدقاء عمران وبدأ بالترحيب بشقيق يوسف بتهذبٍ:
_ يا أهلًا بالدكتور سيف المجتهد، نورت البيت كله والله.
منحه سيف ابتسامة هادئة بعدما رفع بصره عن طبق الطعام من أمامه، فتلاشت ابتسامة علي وراح يتساءل بدهشةٍ:
_ أيه اللي في وشك ده؟
سعل عمران حينما توقف الطعام بجوفه لعلمه بأن ذاك المعتوه سيفضح أمره لاخيه ولعمه الذي يترأس طاولة الطعام، فقال:
_ بعد عنك يا علي دخل فيه تور طايح أصله كان لابس جرفات أحمر، شكله كان بيحتفل بعيد الحب مع خواجية الخلبوص.
جحظت عين سيف بصدمة من تحليل عمران السريع والكاذب، فاستدار لاخيه الذي همس له وهو يحسس على ظهره كأنه يراود طفل صغير:
_ عديها عشان خاطري.
كبت جمال ضحكة كادت بالافلات منه، وتنحنح بخشونة:
_ الأكل طعمه رائع، شكلنا هنتعود على العزايم اللي من النوع ده.
ابتسم له أحمد، وقال بمحبة كبيرة يكنها لهم:
_ البيت بيتك يا بشمهندس تنور بأي وقت.
بالرغم من محاولة جمال الناجحة لتغير مسار الحديث بين علي وسيف، الا أنه لم ينجح باقماع علي الذي عاد متسائلًا بشكٍ:
_ لما خرجتوا تجروا من شوية كنتوا فين؟
كاد عمران أن يختلق كذبة جديدة، فأوقفه سيف بضيق:
_ كنت بتخانق مع بني آدم مستفز وأخوك جيه رباه.
واستدار تجاه أخيه الذي لطم فمه بغضب، هامسًا بضجر:
_ متعودتش أكذب أنا! وصاحبك ده فشار درجة أولى.
جحظت أعين علي بصدمة، وانتصبت كامل نظراته لاخيه هاتفًا بغضب:
_ تاني يا عمران؟؟
منح عمران سيف نظرة ساخطة، وصاح بعدها بغيظ:
_ متشكرين يا دكتور سيف، طول عمرك ذوق وصاحب واجب.
واستطرد بسخرية وهو يكاد يتخطى جمال ليصل إليه:
_ بقى أنا أنقذت حياتك من الجحش اللي كنت عالق معاه وأخرتها جاي تبلغ عني، ايش حال ما كنا جايبنك من تحت رجليه بترفرف زي الدبيحة اللي مستنية الفرج!
جذب أحمد المنديل الورقي يزيح بقايا الطعام، وقال بخشونة:
_ مش مهم اللي حصل المهم إنكم بخير، بس خدوا بالكم بعد كده عشان ميحصلش لحد منكم مشاكل، متنسوش إننا مش في بلدنا وهنا مبيصدقوا يمسكوا أي غلطة على أي واحد عربي.
وأبعد مقعده عن الطاولة ثم استأذن بلباقة وابتسامة لا تفارقه:
_ أنا هدخل أكمل شغل، سفرة دايمة بينا بإذن الله... عن إذنكم.
رد عليه يوسف بمحبة:
_ اتفضل يا عمي.
إتجه أحمد للمكتب القريب منهم، فما أن تأكد يوسف من رحيله حتى عنف سيف بحدة:
_ عجبك كده الراجل هيقول علينا أيه؟!
تناول عمران ما بملعقته مرددًا باستهزاء:
_ هيقول عليا أنا يا حبيبي، ما أخوك خلاص طلعني بلطجي قدام عمي وأخويا أبو لسان طويل.
صاح علي بانفعال:
_ أيدي أطول من لساني يا عمران، تحب تجرب؟
التحف بتوب الصدمة والحزن، وردد بنبرة ماكرة:
_ إنت بتقول أيه يا علي؟ عايزني أمد إيدي على أخويا الكبير دي كانت تتقطع يا أخي لو اتعملت!
انفجر الجميع بنوبة من الضحك حتى علي ضحك من بينهم، ذاك المغرور يحسم المعركة بانتصاره منذ الآن ويبرهن بأنه سيكون الحائق الوحيد خوفه من ضرب أخيه الأكبر!
تناولوا طعامهم بتلذذ وقد استمتعوا كثيرًا بالطعام المغربي، وحينما اغتسلوا جلسوا بالصالون يتناولون الحلوى والعصائر. وعند ذاك الحد استأذن علي ليترك لهم مساحة خاصة بالجلوس مع صديقهم المقرب، فأن كان يربطه علاقة صداقة بهم فلأجل صداقتهم بأخيه.
فور صعود علي اعتدل عمران بجلسته على الأريكة يتطلع لسيف بنظرة جعلت الاخير يزدرد ريقه بتوتر فأسرع يبرر بارتباكٍ:
_ أنا مكنش قصدي أفتن عليك بس أنا بجد اتصدمت فيك يا عمران، إنت اتحولت من شخص اتعودت أشوفه كاريزما وشيك لشخص غريب معرفوش. أنا لوهلة كنت شاكك إن عمران اللي أخويا مصاحبه غير اللي كان واقف يضرب الولد، إنت علمت عليه بالجامد أوي!
ردد جمال ساخرًا:
_ وده يزعلك في أيه، مش ده اللي سحلك على الطريق مرتين؟!
تجاهل حديث جمال ومازالت نظراته مركزة على عمران الذي يرتشف عصيره ببرودٍ والاخر ينتظر سماع ما سيقول، فعلق بنبرة ذكورية خشنة:
_ اسمعني يا سيف آآ..
قاطعه يوسف بحدة:
_ يسمع أيه، ده غبي بدل ما يشكرنا إننا نجدناه واقف يتكلم في أيه!!
التفت له عمران وصاح بتعصب:
_ بتقاطعني ليه بروح أمك!! ما تسبني أقوله الكلمتين من غير ما تعصبني!
برق سيف بعينيه بصدمة، فزفر عمران بغضب وعاد يهدأ من ذاته قائلًا بحرج:
_ أخوك عارف إني لما بتعصب بتخرج ألفاظ غريبة على لساني، حقك عليا يا سيفو أنا لسه داخل مرحلة إعادة التأهيل مبقاليش اسبوعين، وأول المرحلة بعدت عن الشرب وعن الستات وانتظمت بالصلاة يعني مش هتخطى كل الوحش في يوم وليلة.
هز رأسه بخفة وإن كان غير مقتنع لوقاحته تلك، فاستكمل عمران حديثه ببسمة خبيثة:
_ بص بقى يا دكتور سيف، خدها مني نصيحة وحطها مبدأ في حياتك.
كبت يوسف ضحكاته ومال لجمال يهمس له:
_ أخويا هيضيع مني بعد نصايح الوقح ده، ما تيجي نمشي أنا محلتيش غيره!
هزه بضيق وهو يتابع الحديث بينهما باهتمام:
_ اسمع بس لما نشوف هيقوله أيه؟
بدأ عمران بالحديث والابتسامة المغرورة تلاحق حديثه وكأنه يمنحهم وقتًا ثمينًا للغاية:
_ الستات بتحب الراجل الكاريزما الشيك، اللي يقدر يهتم بشكله وبجسمه الرياضي ولبسه المتناسق، وفي نفس الوقت عايزاه وقت الجد أسد يهز الغابة علشانها ومفيش مانع إنه يكون بلطجي إن تطلب الأمر، مهو مش هيرضيها تتكوم على الأرض مضروب وإنت بالبدالة الشيك والبرفيوم الغالي والساعة الفخمة، اعقلها!
وتابع وهو يرتشف عصير البرتقال:
_ دورك إنت بقى إنك تجمع كل الصفات دي في شخصية واحدة، تتعلم إزاي تكون كاريزما وشيك ولبق في كلامك وإمته تستحضر الانسان البلطجي اللي متدكن جواك وقت اللزوم.
وأشار على يوسف مستحضرًا بحديثه:
_ فكك بقى من أخوك وجو المستشفيات اللي انتوا عايشين فيها دي!
ورفع يده يشير بحزم وجدية:
_ متسبش قفاك مكشوف لحد يعلم عليه، لإن الايد اللي هتنزل عليك مرة مش هتتمنع عنك تاني!
راق له حديثه حتى وإن اتبع نبرة مرحة، ولكنه محق بنهاية الأمر. لطالما كان يوسف لجواره يعلمه أن يباشر دراسته دون أن يتأثر بأي شيئًا حوله، ولكن رغمًا عنه كان ينغمس بمشاكل غريبة كأي شابًا مغتربًا. كان يخشى التعامل بهمجية فيسوء من حوله التفكير به، ولكن ماذا حدث بالنهاية؟
بسبب صمته وتغاضيه عن حقه استغله ذاك الشاب الذي يحمل نفس دماء العروبة بعروقه وود لو أن يسجل علامات فارقة بتاريخ شبابه ليقص بها لاجياله متفاخرًا بأنه سدد الضربات لشابٍ ذات يومٍ!!
حاول العمل على الحاسوب لأكثر من مرةٍ ولكنه لم يتمكن من كثرة الأفكار التي تتكوم عليه بتلك اللحظة. أحزانه تجمعت لتحاربه بكل قوته ليبقى بالنهاية بائس متخازل لا يعلم ماذا يحتاج من الصبر ليتجرع صبرًا فوق صبره؟!
أزاح أحمد الستائر عن الباب الزجاجي ليتأمل المسبح والحديقة بنظرة غائمة، فاسند جبهته للزجاج وهو يهمس بوجع:
_ يا الله!
وفجأة تسلل له صوت طرقات خافتة اتبعها تحرر باب الغرفة، وولجت هي للداخل تقترب بعدما أغلقت الباب من خلفها.
وقفت على مقربة منه تتطلع له بنظرةٍ غريبة، جعلته يستدير بجسده كليًا لها. دنت منه على استحياءٍ وبحثت عما ستقول. طال بها الصمت وكأنها لا تجد ما ستبدأ به، فقالت بتلعثم:
_ أحمد لازم نتكلم.
أغلق عينيه مطولًا، واستمد جزء من طاقته المهدورة، فتحرك ببطءٍ للأريكة الجلدية، احتلها بصمتٍ قطعته نبرته الهادئة:
_ سمعك.
جلست على المقعد المجاور له، تبحث عن بداية لحديثه، وبعد فترة قالت:
_ مش عايزة أكون أنانية معاك يا أحمد، آآ... أنا...
وانقطعت عن حديثها بتوترٍ تخطف نظرة سريعة إليه فوجدته ساكن كسكون جثة لا تجيد التحرك بعد عناء موتها، بصلابة يترقب سماع ما ستقول تلك المرة من رفضها، للحق يشفق عليها لم تجد حجة طوال تلك السنوات الا وذكرتها، ترى ماذا ستعلل سبب رفضها الآن؟
استجمعت فريدة شجاعتها التي لا تنفك عنها الا أمامه، تلزم جمودها وثباتها قبالة الجميع وتأتي أمامه تجد ذاتها طفلة تخشى كل شيءٍ بحضرته. تخلت عن تلعثمها وقالت بوضوح:
_ أحمد إنت عشت عمرك كله بدون ما يكون عندك أولاد، وأنا مش هقدر أحققلك الحلم ده، مش هقدر أخلفلك بيبي وأنا المفروض أكون جدة بأي وقت، عشان كده مش عايزة أظلمك معايا، اتجوز يا أحمد وخلف أولاد يشيلوا إسمك قبل فوات الأوان.
تنهد بوجعٍ ويده تفرك جبينه، صوت أنفاسه الثقيلة كانت مسموعة بشكل أربكها. أحمد القوي يبدو ضعيفًا أمامها للمرة الأولى، لطالما كان عزيزًا، شامخًا.. قويًا لا يتأثر بأي شيء. ارتعبت فريدة من صمته واختلاج أنفاسه داخل صدره بذاك الشكل، فهمست بخفوت ويدها تمتد بتوتر لكفه المرتخي على ذراع المقعد:
_ أحمد!
فتح رماديته الداكنة ومال برأسه تجاهها، فأتاه سؤالها المتلهف:
_ مالك؟ إنت تعبان أجبلك دكتور؟
تعمق بالتطلع لها بملامح جامدة، تطيل بها ولسانه يردد ساخطًا:
_ تعبي مالوش علاج عند أي دكتور يا فريدة، ريحي نفسك.
واتشح ببسمة ساخرة مستكملًا:
_ بتوجعيني وعايزة تعالجيني!
تدفقت دمعة خائنة من عينيها الزرقاء، وهمست بألمٍ:
_ إنت متعرفش حاجة يا أحمد متعرفش حاجة.
ضم شفتيه بسخرية:
_ والله.. طب عرفيني إنتِ!
توترت قبالته ونهضت بعصبية عن جلستها، هاتفه بارتباك:
_ يا أحمد افهمني أنا مش عايزة أظلمك.
نهض خلفها يخبرها:
_ سبق وظلمتك وجيه الدور عليا إدفع التمن، ثم إني مش شايف إنك هتظلميني، علي وعمران وشمس أولادي وبالنهاية حاملين اسم الغرباوي بالنهاية.
وهمس رغم تخاذل الألم أضلعه:
_ غصب عنك وعن الكل هما من لحمي ودمي حتى لو انتِ مش شايفاني أنفع أب ليهم.
استدارت إليه تدافع عن ذاتها بصدمة:
_ أنا مقولتش كده أبدًا، ده أنت أحن عليهم من سالم الله يرحمه.
أخرج زفيرًا قويًا اتبعه قوله الذي خرج ببطءٍ:
_ اسمعيني يا بنت عمي، دي فرصتك الاخيرة يا نكتب كتابنا ونعلن جوازنا مع علي بعد بكره يا هرجع على مصر وهكون عم لاولادك بس المرة دي هتكون أخر فرصة ليكي يا فريدة لاني خلاص فقدت كل صبر كان جوايا ليكي.
وتركها وإتجه ليغادر بسئم من الاحاديث الغير متجددة بينهما. وقبل أن يحل عقدة الباب وجدها تقول:
_ موافقة.
رمش بعدم تصديق لما استمع إليه، فاستدار إليها يحاول التأكد مما تلقاه منذ قليلٍ، فأجلى حلقه الجاف قائلًا بتوتر:
_ موافقة على أيه بالظبط.
قطعت هي المسافة القليلة بينهما، وقالت وهي تفرك أصابعها كالمراهقة التي تعترف بحبها:
_ موافقة تكون لي زوج يا أحمد.
تنهد بتعبٍ واضح على ملامحه المجهدة:
_ أخيرًا يا فريدة، أخيرًا!
منحته ابتسامة مشرقة وابتعدت من أمامه على الفور تاركته يبتسم وهو يتطلع لاثرها بعدم تصديق، فجلس على المقعد وهو يردد بفرحة:
_ اللهم لك الحمد حتى ترضى!!
دعوته المعلقة لأعوامٍ باتت صداها ملموس الآن، وأخيرًا انتهى عذابه وارتوى بعد صبرًا رشفة كانت هنيئة لقلبه النازف، ولكن ترى سره العالق بصدره سيظل مدفونًا؟!
طرق علي على باب غرفتها، وحينما استمع لإذنها بالدخول ولج يبحث عنها، فوجدها تجلس أمام المرآة شاردة الذهن ويدها تتمسك بفراشة الشعر تمشط شعرها بعشوائية وغير اهتمام.
جذب منها الفراشة وجلس خلفها يمشط شعرها البني الطويل بهدوءٍ، ونظراته الحنونة لا تفارق انعكاس صورتها بالمرآة. عادت برأسها إليه مستندة على صدره، ويدها تتعلق برقبته:
_ كويس إنك جيت، أنا محتاجالك.
صوتها المحتقن كان يحمل أثر بكاء ممزق داخلها زرع القلق داخله، فرفع جسدها إليه وتساءل بقلق:
_ مالك يا روحي؟ وليه حابسة نفسك في أوضتك من الصبح ومنزلتيش مع مايا وفطيمة؟
هوت دمعاتها على وجنتها ورددت بهمس ضعيف:
_ خليك معايا يا علي..
تمزق قلبه لرؤية طفلته الصغيرة تبكي، فلف جسدها إليه وضمها بكل قوته. تمسكت بقميصه من الخلف وبكت بصوتٍ مسموع:
_ أنا مفتقدة بابا أوي وبشم ريحته فيك لما بتاخدني في حضنك.
أدمعت عينيه حينما استمع لما تقول، فانحني يطبع قبلة عميقة على جبينها وقال بشكٍ لا ينحاز عن عقله الذكي:
_ شمس، انتِ عرفتي بموضوع جواز عمي وفريدة هانم؟
هزت رأسها وقالت ومازال رأسها مدسوس باحضانه:
_ عمران قالي، غصب عني يا علي، مهما كنت بحب أنكل أحمد بس الموضوع مش سهل صدقني.
مسد على ظهرها بحنانٍ، وهمس لها:
_ فاهمك وفاهم مشاعرك يا حبيبتي، بس صدقيني اما تهدي كده هتلاقي إن أنكل أحمد هو المناسب والأحق إنه يكون مكان بابا الله يرحمه، متنسيش يا شمس إنك بكره هتتجوز وهتسيبي البيت وتروحي تعيشي في بيت زوجك وأنا وعمران كل واحد فينا هيكون له حياته المستقلة، بالنهاية يا شمس ماما هتكون لوحدها إنتِ حابة تشوفيها عايشة بالوحدة دي؟
هزت رأسها رافضة لما يقول، وعاد صوتها الهزيل يصل لمسمعه:
_ ميرضنيش ومستحيل هعارض الجوازة دي، أوعدك إني مش هبين شيء ليها.
رفع ذقنها إليه مانحها ابتسامة جذابة:
_ كده أقول عليكي كبرتي وعقلتي.
منحته ابتسامة رقيقة، وعادت تميل برأسها على صدره ثم قالت بخجل:
_ علي.. ممكن تخليك معايا النهاردة.
حمل جسدها إليه وزحف بها للفراش، فتمدد عليه وضمها إليه بحنان مثلما كان يفعل حينما كانت تتسلل لغرفته ريثما يطاردها كابوسًا مزعجًا أو ترى فيلمًا من صيحات الرعب القاتل. استحوذ الأمان عليها وخاصة حينما همس إليها:
_ أنا هنا في أي وقت هتكوني محتاجالي فيه يا شمس، أنا معاكي سندك وأمانك، أبوكي وأخوكي وصديقك وحبيبك.. اللي جاهز يحارب الدنيا كلها عشان سعادتك، ومهما كبرتي هفضل شايفك الطفلة اللي ماسكة ايدي عشان أعديها الطريق.
ابتسمت وهي تغفو بين ذراعيه بانهاكٍ يتبع تؤرم عينيها وفكرها المرهف، مسد بيده على خصلات شعرها بحنان وظل يردد الآيات القرآنية يرقيها بها حتى لحق بها هو الأخر وسقط بنومٍ ثقيلٍ.
ودع عمران أصدقائه بحبورٍ وعاد للداخل يبحث عنها ليشكرها بامتنان على ما فعلته لأجله، وجدها تعاون الخادم بحمل الأطباق ووضعها بغسالة الأطباق. وحينما استدارت وجدته يدنو منها ويشير على الباب:
_ عايزك.
أبعدت مريال المطبخ عنها وقالت بتعبٍ:
_ حاضر، بس أطلع أخد شاور وأغير هدومي الأول لحسن مش قادرة.
هز رأسه بتفهمٍ، وقال وهو يرفع يده لها بتسليةٍ:
_ خديني معاكِ أستناكِ لما تخلصي ونتكلم.
أسندت يده للمصعد ومن ثم ولجت لغرفتها، فوجدته يجلس على الفراش ويراقبها باهتمامٍ. تحركت بارتباكٍ لخزانتها تجذب بيجامة من الستان وتتجه لحمام الغرفة، وقبل أن تغلق بابه قالت بحرجٍ:
_ تحب أوديك أوضتك لحد ما أخلص وأجي نتكلم.
جذب هاتفه يدعي انشغاله به قائلًا:
_ لا أنا مرتاح، خلصي وأنا هنا.
ابتلعت ريقها بارتباكٍ وأغلقت الباب ثم بدأت بالاستحمام، وحينما انتهت ارتدت بيجامتها واتجهت للخروح وهي تجفف شعرها بالمنشفة، فما أن فتحت الباب حتى برقت بفيروزتها بصدمةٍ حينما وجدته ينحني أمامها، انتصب بهيبته أمامها، يحاول استكشاف تجمد معالمها باستغرابٍ. لا يعي ماذا يحدث معها؟
تمرد لسانها عن ثقله ورددت بعدم تصديق:
_ بتبص عليا من عقب الباب يا عمران!!!
جحظت عينيه صدمة لاتهامها هذا، فقال بضجر:
_ ليه شايفاني مراهق عشان أعملها!!
قذفت وابل اتهام جديد:
_ أمال موطي كده ليه؟
رفع ما يمسكه بيده قائلًا ومازالت صدمته جلية على ملامحه:
_ الشاحن وقع مني، موبيلي فصل وكنت بوصله بشاحن موبيلك!
وحدجها بنظرة غاضبة قبل أن يخبرها:
_ وبعدين يا حبيبتي مش أنا اللي أبص على مراتي من فتحة الباب، أنا زي ما قولتي عليا وقح والوقح بيعمل اللي على مزاجه في وش اللي قدامه ومبيهموش حد!
ارتخت معالمها واستكملت طريقها للسراحة تجفف خصلات شعرها وتمشطه ببراعةٍ، متسائلة لمن يراقبها:
_ كنت عايز أيه؟
دنى منها وهو يمرر يده على الحائط، حتى أصبح قبالتها، فمد يده إليها والاخرى توزع نظراتها بين عينيه وبين يده الممدودة بعدم فهم، فرفعت كفها إليه، فوجدته يخرج من جيب سترته خاتم من الألماس يبرق من شدة لمعته، وضعه بين إصبعها وانحنى يلثمُ كفيها برقة جعلتها تغلق عينيها تأثرًا به وخاصة بكلماته التي تحررت على شفتيه:
_ شكرًا على كل حاجة عملتيها النهاردة، الأكل كان طعمه جميل أوي، شرفتيني قدام الكل النهاردة.
نهضت عن المقعد وقالت ببسمة رقيقة:
_ أنا معملتش حاجة مهمة تستاهل إنك تجبلي خاتم غالي زي ده يا عمران ده واجبي!
تابع عينيها بحبٍ وأجابها:
_ مش فرض ولا واجب عليكي يا مايا، وحتى لو كان كده ففرض عليا أكافئك بعد اللي عملتيه.. وبصراحة كده أنا جاي عشان أبلغك حاجة تانية.
سألته بلهفة:
_ حاجة أيه؟
تمعن بها بهيامٍ، وقال وهو يشير برأسه:
_ قربي علشان محدش يسمع اللي هقوله.
انكمشت تعابيراتها بغضب ورددت من بين اصطكاك اسنانها حينما تسرب لها خبث نواياه:
_ عمران!
اتسعت ابتسامته التي زادت من وسامته الطاعنة لها، وقال ينفي شكوكها:
_ هبلغك باللي جيت أقوله وهخرج على طول.
انصاعت له واقتربت بارتباك ثم قدمت له أذنها، فانحنى تجاهها، لفحته رائحة شعرها المبتل فأنعشته وجعلته يغلق عينيه بقوة تحمل تلك المذبحة الطاعنة لرغباته ومشاعره.
ارتبكت من قربه فهمست بخوفٍ:
_ عمران إنت وعدتني!
ابتسم وهو يطول بصمته الماكر، فعادت تناديه مجددًا:
_ عمران!
أطبق بجفونه معتصرًا حدقتيه، وانحنى لأذنها يخبرها:
_ بطلي تناديني باسمي، صدقيني بتصعبي البعد عليا!
كادت بالفرار من أمامه، فجذبها إليه بقوةٍ جعلتها تصطدم بصدره العضد مما ألمها فجعله يتراجع للخلف قليلًا وهو يعود لتطلعه لها قائلًا:
_ اسمعي اللي جاي أبلغك بيه علشان خلاص نفذ صبر أيوب اللي أنا عايش بيه، يوم فرح علي وفطيمة جهزي نفسك، هنبدأ حياتنا مع بعض.
جحظت عينيها صدمة، ورددت بعدم استيعاب:
_ بتقول أيه؟
ضحك وهو يخبرها بغمزة تسلية:
_ ده اللي هيحصل يا حبيبتي لو مش عايزاني أنحرف بجد وأبص عليكي من فتحة الباب زي ما تخيلتي..
وتركها مندهشة محلها وغادر يردد ببسمة انتصار:
_ تصبحي على خير يا.. يا بيبي!
كادت بأن تنفجر من فرط كبتها لغيظها، فما أن رأته يفتح بابها ليغادر حتى أسرعت خلفه تصرخ بغضب:
_ مش هيحصل يا عمران.. استنى هنا رايح فين؟
أغلق الباب واستدار لها ببسمة واسعة:
_ بنت حلال والله وحاسة بيا، إنتِ أساسًا مغرية بشكلك ده.
واقترب منها يشير:
_ يلا بينا يا بيبي.
حاولت استيعاب مضمون حديثه، بالطبع ورائه كل ما هو وقح وجريء لذا قالت من بين اصطكاك اسنانها:
_ اطلع بره يا وقح.
ابتسم ومرر وجهه بشكلٍ مستلذ:
_ يا سلام بقيت بتكيف من الكلمة دي لما بتقوليها شوفتي تقصير كلمة بحبك يا عمران دي أقوى منها بمراحل!
عبثت بشكل مذري، واتجهت لفراشها تحتضن رأسها وهي ترتل بحزن:
_ يا ربي أعمل معاه ده أيه، أجيله كده يجبني كده آه منه ابن الغرباوي هيطلعني منها بدري!!
راقبها ببسمة هادئة وتساءل بسخرية:
_ هطلعك من أيه؟
_ من الدنيا، هتكون هتطلعني من أيه يعني!
_ لا يا بيبي مصدر الكلمة غلط، بتتقال هطلعني من هدومي تفرق!
_ اطلع يا عمران.
_ ما تطلعي انتي!
تساءلت باستغراب:
_ اطلع منين دي أوضتي!!
أجابها بغمزة وقحة وادعاء بالبراءة زائف:
_ من هدومك أأقصد فكي كده واستقبلي اللي جاي بفرحة يا آآ... يا عروسة ما إنتِ هتكوني عروسة بردو ولا أيه؟
نفذ صبرها وكل محاولة بالتمسك بعقلها، فاطاحت به تدفعه للخارج بكل قوتها وهي تصرخ بها:
_ بره بقى بدل ما ألم عليك خلق الله عشان إنت وقح وتستاهل الفضيحة.
تعالت ضحكاته الرجولية وهو يجدها تتحلى بقوة غريبة كانت قادرة على دفع جسده القوي لخارج غرفتها وأغلقت بابها بعنف بوجهه. استند على الباب وردد ضاحكًا:
_ ماشي يا مايا، خليكِ عارفة بس إن ابن الغرباوي نفسه طويل!
واستدار خلفه يتفحص الرواق من حوله، فابتهج حينما وجد الجميع بغرفهم، فاتشح ببسمة خبيثة وابدل مساره لصالة الرياضة بدلًا من غرفته.
مرر يده على الجهاز متحاشيًا لمس بطنها المنتفخ بعض الشيء، وعينيه مسلطة على الشاشة من أمامه كالمعتاد له عدم اباحة عينيه أي جسد امرأة قط، بينما من خلفه يقف جمال عينيه تكاد تخرجان من مكانهما على الجهاز، يتأمله ببسمة واسعة، ولجواره كانت تقف ليلى تبتسم وهي تشاهد صورة الشاشة وخاصة حينما حرك يوسف الجهاز على أجزاء من جسد الرضيع التي بدأت بالتكوين مشيرًا:
_ دي الايد أهي، ودي رجليه.
رددت صبا بحماسٍ:
_ هو ولد؟
قال دون أن يتطلع لها:
_ مش هقدر أكدلك غير في الاعادة إن شاء الله يا مدام صبا.
ترك جمال موضعه المقابل للشاشة الكبيرة واقترب لينحني فوق رأس يوسف الجالس على مقعده حتى كاد بأن يسقط من فوقه ليرى ما يقوم يوسف بالتطلع إليه باهتمامٍ عبر الشاشة الصغيرة، وكأنه يرى منظر أخر غير ما تطرحه الشاشة الاخرى، صاح يوسف منفعلًا:
_ أيه يا عم، قارفني حتى هنا!
لكزه جمال بغضبٍ:
_ ما تظبط الكلام يالا بدل ما أظبطك أنا.
كبتت ليلى وصبا ضحكاتهما عليهما، وخاصة حينما لف يوسف يده حول رقبة جمال ودفعه لداخل الشاشة حتى كاد بأن يصيبه العمى من فرط الاضاءة:
_ أهو كده شايف! أكيد هتطلع او هيطلع سمج زي أبوه، مرضي كده يا عم! مش كفايا مخليني افتحلك العيادة مخصوص عشانك انت وابنك؟!
تعالت ضحكات صبا باستمتاعٍ، فاليوم كان مميز لها، يكفيها بأنه سمح لها الدخول لدائرة أصدقائه للتعرف عليهما وعلى زواجاتهما عن قرب.
تخلى يوسف عن مزحه حينما رأي جمال يندمج بتأمل الشاشة بأعين شبه دامعة، فربت على ظهره بحنان:
_ ربنا يكملها على خير ويجعله خلف صالح ليك يا حبيبي.
أجابه بتأثرٍ:
_ يا رب يا يوسف، وعقبال ما نشيل خلفك.
اخترق الألم قلبها لسماع دعوته المرهفة، فعلمت الآن ماذا يخوض زوجها طوال تلك الفترة من زواجهما، ولكن شملتها سعادة كونها تخلت عن عقار منع الحمل منذ اليوم الذي جمعهما بعيادتها الجديدة، وتابعت يوسف باهتمامٍ لتجده يمنح رفيقه ابتسامة مشرقة وقال:
_ تسلم يا جيمي، ارجع بقى مكانك عشان أسمعك نبض الجنين.
أسبل بجفنيه بعدم تصديق:
_ بجد؟
هز الأخير رأسه موكدًا ورفع من صوت الجهاز ليعلو لهم صوت الجنين فتسللت البسمات الوجوه، وخاصة صبا التي بدت لا ترغب بنزع الجهاز عن بطنها وقضاء يومها بأكمله تستمع للنبضات وترى صورة جسده الغير مكتمل بعد.
خطف يوسف نظرة سريعة لزوجته، فوجدها تراقب الشاشة بنظرات حالمة مهتمة، عاد يتطلع امامه وهو يبتسم ويهمس بصوت غير مسموع:
_ عقبال ما دماغك تلين وتكوني نايمة هنا مكانها!!
انتهى الفحص وقام يوسف بتدوين بعض الادوية والمكاملات الغذائية التي تعاونها بتلك الفترة من الحمل، وخصص لها موعد بعد اسبوعين من الآن لتقوم بمتابعة مستمرة لحين موعد ولادتها.
خرجوا معًا مجددًا فعاون جمال يوسف باغلاق الباب الحديدي الخارجي للعيادة وهبط معًا للسيارة ليقوم جمال بتوصليهما أولًا، وما أن وصل للعمارة حتى انحنى يوسف لجمال يخبره:
_ اعمل حسابك الاسبوع الجاي معزومين على افتتاح عيادة الدكتورة ليلى.. ابقى بلغ الوقح بالكلام ده.
ضحك وغمز له:
_ هي السهرة تحلى من غيره، عيوني هبلغه.
منحه الاخر ابتسامة هادئة واتبع زوجته للداخل بينما تحرك جمال بزوجته للمنزل.
شفتيها ملتصقة ببعضهما ومع محاولتها العديدة لنزعهما عن بعضهما البعض باءت بالفشل، أرادت الصراخ ولكنها لا تنصاع إليها، جسدها ينتفض بقوة مع سماع ذاك الصوت القاتل لها، ولم يكن سوى صوت تمزق الثوب الذي ترتديه، دموعها لا تفارق مقلتيها وتوسلاتها لا تفارق حركة جسدها المنتفض، ثلاثون دقيقة تعافر بهم للخروج من تلك الحالة القاتلة وبالرغم من أن عقلها الباطن يهييء لها أن صوتها مكمم لا يخرج عن حلقها الا أن الحقيقة كانت معاكسة لذلك، فلقد تحرر صوتها بصراخٍ قابض خرج لأجله أحمد من غرفته ومايا وعمران الذي خرج بالمنشفة يزيح قطرات العرق عن جبينه، فدنى وهو يستند على الحائط من عمه الذي تساءل بقلقٍ:
_ في أيه؟
أجابته مايا بخوفٍ يسيطر على رعشة صوتها:
_ معرفش يا عمي أنا خرجت على صوت الصريخ ده؟!
قال عمران وهو يتلصص لسماع الصوت بحيرة:
_ أعتقد ده صوت فاطيما!!
اتجهت مايسان لباب غرفتها ترهف السمع، وحينما تأكدت اتجهت لمحلهما تردد:
_ فعلًا ده صوتها.
رفع عمران حاجبيه ساخطًا:
_ ومستنية حد فينا يدخلها! ادخلي شوفي في أيه؟
قالت بحرجٍ من نظراتهما المسلطة عليها:
_ افرض علي جوه!
رد عليها أحمد وهو يتجه لغرفة علي المجاورة لفطيمة:
_ كان زمانه قام أول واحد.. علي نومه خفيف!
ولج لغرفته فوجد الفراش مرتب لم يمسه أحدٌ، فتساءل عمران باستغراب:
_ هيكون راح فين؟!
أشار أحمد لمايسان:
_ روحي يا بنتي شوفيها، وإنت يا عمران اتصل بعلي شوفه فين؟
افترض محله بعدما جمع علامات استفهام سؤاله:
_ علي مخرجش، ممكن يكون عند شمس، هشوفه وراجع.
انتظر أحمد أمام باب الغرفة بالخارج، فجابها ذهابًا وإيابًا بقلقٍ شديد يعتريه كلما على صراخها أقوى من السابق، فتفاجئ بفريدة تقترب منه متسائلة بحيرة:
_ في أيه يا أحمد وأيه الصوت ده؟
ذم شفتيه بضيقٍ مما سيحدث هنا الآن، وبالرغم من ذلك قال:
_ فطيمة شكلها شايفة كابوس من ساعتها بتصرخ وعلي مش فاهم اختفى فين دلوقتي وهو عارف حالتها!
منحته نظرة ساخرة، ورددت باقتضاب:
_ عندك حق مينفعش يسبلنا المجنونة دي كده ويختفي، وبعد اللي بيحصل ده يرجعها مستشفى الامراض العقلية أفضل من الفضايح اللي هتحصلنا دي.
صفق كفًا بالأخر بقلة حيلة:
_ ده وقته يا فريدة!
تسلل للداخل على أطراف أصابعه، فارتسمت على شفتيه ابتسامة صافية وهو يراقب شقيقته تغفو على صدر علي الذي يحتضنها بحنان، ابتسم عمران وانحني يقبل جبهة أخيه ومن ثم منح شمس قبلة على وجنتها، وهمس بحزن:
_ طب كنتوا خدوني معاكم!
وحينما تذكر حالة فاطمة، اتجه يحرك علي بحذر، ففتح الأخير عينيه بانزعاجٍ:
_ عمران! خير؟
همس له وهو يتفحص شمس:
_ مش خير خالص يا قلب أخوك، قوم معايا ووطي صوتك عشان بنتك متصحاش.
منحه نظرة محتقنة وعاد يضمها إليه ويغفو دون أن يعبئ به، فجذبه عمران مجددًا قائلًا بجدية:
_ بقولك قوم في كارثة برة؟
نقلها علي للوسادة ببطءٍ، ونهض ليتجه له، فاندهش حينما اتجه عمران لمحله وأشار له مدعيًا الألم:
_ ارفع رجلي بس بهدوء.
انصاع له علي وعاونه على التمدد بشكلٍ مريح وهو يراقبه بغيظٍ قد أوشك به على قتله، ولكنه يعلم بأنه سيلقي القنبلة المؤقتة حتمًا ولكن بعدما يقوم باستفزازه كالمعتاد من هذا الوقح.
جذب عمران شمس إليه، ليضمها مثلما كان يفعل علي، ورفع عينيه له قائلًا:
_ حلو الحضن ده يهون قسوة العيشة المرة معاكم.
وأغلق عينيه يستسلم للنوم وهو يتابع بحزن مصطنع:
_ البت دي بتفضلك عليا معرفش ليه، حاسس أنها بتخبي سر حربي عننا، يمكن تكون اكتشفت إني مش أخوها مثلًا! بس ازاي والراجل ودع بدري وملحقش يتجوز غير فريدة! هكون ابن مين مثلًا!!!
وطبع قبلة على جبين شمس، ثم مال برأسه فوق رأسها، وأغلق عينيه مجددًا غير باليًا بمن يتابعه بنظرات قاتلة تكاد تجعله كالديناصور الذي سيبصق النيران من فمه تجاه هذا اللعين بأي لحظة، بينما تمتم عمران وقد اتشح بوشاح النوم فعليًا:
_ ابقى فكرني الصبح نعمل تحليل DNA، أتاكد إني أخوكم بجد لإن اللي بيحصل هنا ده قاسي!
فقد علي صبره، فانحنى تجاهه واضعًا يده حول رقبته ويحاول جذبه عن الفراش بها، فصاح الاخير يحذره:
_ إياك البت هتصحى!
وتابع ليخلص ذاته:
_ أنا جيت أقولك ان فاطيما بتصرخ جامد وشوية كمان وفريدة هانم هتطردك إنت وهي برة البيت، كل عيش يا دكتور!
تحررت يده عن عنق أخيه وهرول من أمامه كأن شبحًا مسه للتو، بينما عاد الاخير يتمدد جوارها من جديد ليغفو هو الأخر جوارها.
تعالى صوتها بشكلٍ مقبض، مما دفع فريدة للدخول لمايا التي أخبرتهما بأنها عاجزة عن تهدئتها، فولجت الاخيرة تردد بغضب:
_ الجيران هيطلبوا الشرطة لو مبطلتش صريخ وآ..
ابتلعت فريدة كلماتها داخل جوفها حينما رأت جسد فاطمة متجمد، عينيها مغلقة بقوة ورأسها يلتفت هنا وهناك بعصبية مفرطة، والورم يحيط بجفونها من كثرة البكاء، وخذ قلبها ووقفت على عتبة الباب تتطلع لها بدهشة.
استكملت طريقها للداخل لتقف جوار مايا التي تتابعها ببكاء، فازدردت ريقها الجاف بصعوبة:
_ روحي يا مايا شوفي علي فين بسرعة.
هزت الأخيرة رأسها وهي تراقب نظرات فريدة الغريبة بعدم استيعاب، واندفعت للخروج من الباب ولكنها توقفت حينما كادت بالاصطدام بعلي الذي ولج للداخل راكضًا، ليسرع للفراش لاهثًا.
تفحصها جيدًا بنظرة سريعة شمل بها حالتها، لا يستطيع الدواء تخفيف وطأة الحالة الحرجة التي تخوضها فاطمة الآن، لذا أسرع لغرفته قاصدًا البراد الصغير بها، وجذب منها الآبرة التي يحضرها لحدوث أمرًا طارئ هكذا، ثم عاد راكضًا لغرفتها يبعد كم البيجامة عن يدها، ويسدد الأبرة بورديها بتريثٍ.
راقبه فريدة باهتمامٍ، وعادت تسحب نظراتها لفاطمة فوجدتها مازالت تنتفض بشراسة، فقالت بحزنٍ لم تستطيع اخفاءه:
_ لسه بترتعش ليه يا علي مش الحقنة المفروض تشتغل؟
كان بحالة عدم وعي، لا يشغله سوى التفكير بمحاولةٍ لايقاظها، فقط لسانه يردد وعينيه تراقب وجهها:
_ مش على طول كده!
وحاوط وجه فاطمة بيده، ثم رفعها لصدره، فاستقر رأسها جوار رقبته، نادها بصوتٍ قوي:
_ فطيمة، فتحي عيونك يا حبيبتي.. سامعاني.
صوته أحاطها بهالة من الأمان، فانزرع بداخلها وجوده بنفس المكان الذي يتم الاعتداء عليها به، جاهدت لفتح عيونها فخطفت صورة له وعادت لدوامة ظلامها فتجده داخلها أيضًا، رائحة ملابسه تدفعها للشعور به، حتى الهواء الداخل لرئتيها كان مندفع من أنفاسه.
كسرت حاجز صمتها المخيف ودموعها لا تتركها، مرددة بعدم وعي:
_ علي متسبنيش يا علي.
ضمها إليه بعنفٍ وكأنه لقائهما الأخير، فهمس لها بحزنٍ خيم على صوته المبحوح:
_ عمري ما هسيبك يا فاطمة، لو ده أخر يوم في عمري هقضيه ثانية ثانية معاكِ.
عادت تهمس له ببكاءٍ:
_ اخليهم يبعدوا عني، متخليش حد يقربلي!
تعالت شهقات مايسان وهي تراقبها بهذا الحال لأول مرة، فرفعت كفها المرتعش تكبت صوتها الباكي وتابعتها بشفقة قبل أن تخرج رافضة عدم القسوة على قلبها الذي ينهار لرؤية ذاك المشهد.
أحاطها بذراعيه بقوة وقال بعدما فقد القدرة على السيطرة على دمعاته فانهمرت على وجه فاطمة القريب من أنفاسه، وردد باكيًا:
_ مفيش حد هيلمس منك شعرة طول ما أنا على وش الدنيا، مش هيتكرر تاني يا فطيمة اللي حصل مش هيتكرر تاني أوعدك.
وترجاها بألمٍ يكاد يمزق أضلعه:
_ عشان خاطري افتحي عيونك، ده كابوس أول ما هتفتحي عيونك هتلاقيني جنبك.
إلتمعت تلك الدمعة الخائنة بعينيها وهي تتابع أمامها ما يحدث لها، ناهيك عن تلك الكلمات الطاعنة التي تفوه بها ابنها أمام أعينها، شعرت بوخزات حادة تطول صدرها المشتعل، فانسحبت خائنة الخطى للخارج بتأثرٍ، فوجدت أحمد يسرع إليها متسائلًا:
_ ها يا فريدة فاقت؟
هزت رأسها نافية ومازال وجهها منغمس أرضًا بحالة جعلته يتساءل مجددًا:
_ مالك يا فريدة؟
رفعت عينيها الباكية إليه، ورددت:
_ البنت صعبانه عليا أوي يا أحمد، منظرها يقطع القلب.
رفع احد حاجبيه باستنكارٍ، وكأنه يعلم حلمًا سخيفًا، عساه يتوهم هو الأخر. أراد أن يشن حملة جمله الماكرة والشامتة إليها، ولكنها لم تترك له المجال فانسحبت للاسفل قاصدة جناحها.
صفق أحمد كف بالأخر مرددًا بسخرية:
_ مكدبش اللي قال إن المرأة صندوق أسرار مالوش قرار!!
ذهق النهار ظلام الليل، فصدح منبه الهاتف ليزعج تلك الغافلة، فتحت شمس عينيها بانزعاجٍ فتفاجئت بعمران يضمها إليه ويبدأ هو الأخر بفتح عينيه بانزعاجٍ من صوت الهاتف، فقالت باستغرابٍ:
_ هو أنا بتوهم ولا أيه، مش علي هو اللي كان نايم جنبي امبارح؟
أجابها وهي يحاول الاستقامة بجلسته:
_ أنا طرقت علي ونمت مكانه، وهكررها كل ما تفضليه عليا يا واطية إنتِ أساسًا مبتعرفنيش غير وقت ما تتزنقي في فلوس، لإنك واثقة ومتأكدة إن ثروة العيلة البائسة دي ورأس مالها كله في ايدي أنا.
ضحكت وهي تتابعه وقالت:
_ أمال أيه هو في حد في جنتالة عمران سالم!
ابتسم وهو يغمز لها:
_ ثبتيني وأنا بتكيف من التثبيت!
دنت منه شمس بمكر وقالت:
_ ومستعدة أديك حضن كبير كمان يا عموري بس على شرط.
زوى حاجبيه بدهشة:
_ شرط أيه!
زحفت بجلستها تجاهه، تخبره ببسمة واسعة:
_ تديني نفس الوعد اللي ادته لعلي يوم فرحه.
اعتلته الدهشة وصاح ساخرًا:
_ مش لما اتنيل أنفذ وعد علي، ثم اني ادتله الوعد ده أيام الجامعة يعني في عز انحرافي دلوقتي أنا توبت وبقالي سنين مش بعزف ولا بغني!!
ربعت يديها أمام صدرها بحزن:
_ كده ماشي يا عمران هتفضل ابن مرات أبويا وهتتعامل على هذا الاساس.
ذم شفتيه بسخط وتفوه:
_ مستغلة.
أومأت برأسها بتأكيدٍ، فحك خده بتفكيرٍ ثم قال:
_ طب بصي، أنا هجرب يوم حفلة علي أوفي بوعدي لو لسه متمكن زي زمان أوعدك يوم فرحك هغنيلك، لكن لو اتفضحت عذرًا مطلعش المسرح مرتين، ها قولتي أيه؟
ارتسمت بسمة واسعة وانزوت باحضانه بحبٍ:
_ إن كان كده موافقة.
ضمها ببسمة هادئة وهمس لها بحب:
_ ربنا يسعد قلبك يا حبيبتي، يلا هسيبك تستعدي للجامعة وهطلع الصالة.
تعجبت من سماعها ذلك وقالت:
_ هتعمل أيه بالصالة الصبح كده مش إنت وقفت تلعب رياضة.
هز رأسه مؤكدًا وبرهن لها:
_ الدكتورة مدياني تمارين بسيطة بعملها على غير ريق.
وتركها واستند على الحائط ليغادر، فلحقت به تسأله؛
_ أساعدك.
استدار لها يشير:
_ لا يا روح قلبي أنا عايز أحرك رجلي شوية.
منحته ابتسامة هادئة وراقبته حتى غادر من أمامها.
رمشت بعينيها بخفة، وبدأت باستعادة وعيها، فشعرت بثقلٍ يفوق قدرتها الجسمانية، رمشت بعدم استيعاب ومازالت ذكراتها محتفظة ببقايا ما خاضته الآن، فاستعادت قوتها الهادرة ودفعت من يعلوها بكل طاقتها وهي تصرخ بفزع:
_ إبعد عني.
أفاق علي من نومه، فابتسم حينما وجدها استعادة وعيها، فقال متلهفًا:
_ الحمد لله إنك فوقتي يا حبيبتي أنا كنت هموت من القلق عليكي، طمنيني بقيتي أحسن؟
احتدت عينيها تجاهه وهي تراقب سيطرته على فراشها، واحتضانه لها، رفعت يدها تضم جسدها ونظراتها النافذة تحيطه، تابعها علي بنظراتٍ مرتعبة وقد صدق حدثه حينما خرج صوتها مهزوز:
_ انت عملت فيا أيه؟
ابتلع ريقه بصوتٍ مسموع من فرط التوتر، وقال:
_ معملتش حاجة يا فطيمة، إنتِ كنتِ منهارة وآآ...
قاطعته بصراخٍ قاتل ونهضت تكيل له اللكمات التي تلاقاها صدره بوجعٍ جسدي مؤلم، كأنها أمتلكت قوة ذكورية مخيفة، ومازالت تصرخ:
_ كداب، كدااااب.... كلكم زي بعض.
ازداد رعب علي، وكل ما يخشاه أن يصيبها السوء وتعود لانتكاسة قد تهزم ما وصل له، فحاول احتضان وجهها بيده قائلًا بحنان:
_ حبيبتي اهدي أنا مستحيل أذيكي، أنا نمت جنبك بس والله العظيم مقربتلك!
انهارت قوتها لفرط مجهودها المبذول ضده، فاستجابت للجلوس على الفراش قبالته، وكذلك جلس علي يلتقط أنفاسه ويده تضم صدره المتورم من فرط ضرباتها، فخرج صوته مبحوح من وسط أنفاسه اللاهثة:
_ فطيمة أنا بحبك، ومش عايز منك حاجة غير إنك تبادلني نفس الحب.
رفعت عينيها له واندمست داخل رماديته لدقائقٍ، فوجدته ينهض عن الفراش بخطواتٍ غير متزنة، تحامل على الكومود وهو يخبرها:
_ أنا هخرج وأسيبك... اهدي وارتاحي.
تابعت خطواته الغير منتظمة بنظرة نادمة، ما ذنبه أن يتلقى عاصفة غضبها الهادرة تجاه هؤلاء الذئاب، عادت لها صورة وهي ترمي بكلتا يديها المتكورة الضربات إليه ولم يحاول حتى الدفاع عن نفسه حتى لا يلامس جسدها فتعود لارتعاشة جسدها من جديد.
ومن ثم قذفت إليها لقطات متفرقة لما اجتاحها بالأمس، وصولًا لوجوده جوارها وتوسلاتها بالا يتركها، ودمعاته الساخنة التي شعرت بها على خدها.
نهضت عن فراشها واتجهت بخطوات مترددة للباب الفاصل بين غرفته وغرفتها، تطلعت لمقبض الباب طويلًا تحاول أن تسترد ثباتها وتهدأ ارتجاف جسدها الهزيل، وحينما شعرت بأنها أفضل حررت المقبض وولجت تبحث عنه.
وجدته يقف أمام المرآة المطولة عاري الصدر، يضع المرهم على الاحمرار القاتل الذي أصاب أعلى صدره محدثة كدمات زرقاء وأخرى حمراء. سابقًا كانت ستقتل رعبًا إن رأته يقف أمامها هكذا ولكن ما أن رأت ما هي تسببت بفعله حتى اقتربت تناديه ببكاء:
_ علي.
استدار ليتفاجئ بوجودها فارتعب من أن تسوء حالتها لرؤيته هكذا، فاستدار لفراشه يجذب قميصه يرتديه مسرعًا، وإتجه إليها فوجدها تردد بدموعها التي لا تفارقها:
_ أنا آسفة.
منحها ابتسامة هادئة وقد نجح باغلاق أزرار قميصه ليخفي كدماته عن عينيها:
_ أنا كويس يا فطيمة.. يا ريتها تيجي فيا وأنا مستعد أتحمل أضعاف كده عشر مرات ولا إنك تتمسي بأي سوء.
واقترب منها يقرب يديه بتردد منها، فوجدت يديه معلقة بالهواء على قرب منها، فتعلقت عينيها به تحاول معرفة ما يفعل فهمس لها ببسمة خافتة:
_ تسمحيلي أقرب؟
منحته ابتسامة حزينة، يحبها حبًا جمًا، لم تجد منه يومًا سوى الاحترام، حتى الخصوصية يمنحها لها بصدر رحب. وفوق كل ذلك لا تترك له ذكرى طيبة. أومأت برأسها تسمح له بالقرب، فحاوط وجهها بيديه وابهاميه يتحركان ليزيحان دمعاتها معًا، وقال وعينيه تتعمق بالتطلع بها:
_ أنا مش زي أي راجل عرفتيه يا فطيمة، أنا مختلف وهتشوفي ده بنفسك، كل اللي يهمني معاكِ إني أشوف ابتسامتك، صدقيني أنا جاهز أعيش معاكي العمر كله كتف بكتف حتى بدون علاقة بينا، لإن قلبك هو اللي يهمني يكون معايا.
رمشت بتوترٍ وابعدت عينيها عنه، فقال بابتسامة مشرقة:
_ أنا طالبتلك هدية من المغرب هتعجبك جدًا، هروح مشوار على السريع كده وهرجع أستلم الاوردر، وانتِ خديلك شاور وافطري واقعدي هنا اقري الكتاب اللي تحبيه لحد ما أرجعلك.. اتفقنا؟
هزت رأسها ببسمة متحمسة:
_ حاضر.
واستدارت تعود لغرفتها ولكنها توقفت والتفتت إليه، فوجدته يقف أمام خزانته يجذب بذلة من اللون الأسود، يضعها على الفراش ويستعد لتبديل ملابسه، فنادته على استحياء:
_ علي.
استدار للخلف فتفاجئ بأنها مازالت تقف محلها، ضيق عينيه باستغراب وهو يراقب احمرار وجهها بشكلٍ أثار فضوله لمعرفة ما ستقول، فحررت كلماتها وهي تهم بالهروالة من أمامه:
_ أنا بحبك.
وفور نطقها بتلك الكلمة اختفت من أمامه كهمس الرياح، اتسعت ابتسامة علي وبدى غير مستوعبًا لما قالته، بالأمس كان يظن أنه يتراجع بكل ما حققه لعلاج حالتها والآن يحرز نقطة ايجابية ستكون بالصميم، وبالرغم من مغادرتها الا أنه همس وهو يراقب مكانها الفارغ كأنها تترك قرينتها من خلفها لتنقل كلماته:
_ وأنا بعشقك يا فاطمة.
مضت ليلها دون أن يزورها النوم، وما أن دقت ساعتها بالعاشرة صباحًا حتى ابدلت ثيابها واتجهت لغرفتها.
وقفت فريدة أمام باب غرفة فطيمة تتردد بالطرق، ولكنها انصاعت لقلبها ولمشاعرها النيلة وطرقت الباب، فاتاها صوتها الخافت:
_ ادخلي يا مايا.
ولجت فريدة للداخل فوجدتها تجلس على سجادة الصلاة وتحمل المصحف بين يدها، فقالت:
_ عاملة أيه النهاردة، أحسن؟
شخصت عينيها بالفراغ ورفعتها بصعوبة لتراقب صاحبة الصوت، هامسة بعدم تصديق:
_ فريدة هانم!!
سئم انتظاره ومازال يتساءل أين ذهب بهذا الصباح؟!
هاتف شمس وأخبرته بأنه استيقظ منذ ساعتين وأخبرها بصعوده للصالة الرياضية، صعد علي للاعلى وهو يتساءل باستغراب عن تواجده بالاعلى، اقتحم الصالة فوجده يجلس على المقعد يتجرع المياه والعرق يتصبب على انحاء جسده وكأنه كان يحارب منذ قليل.
دنى منه متسائلًا بدهشة:
_ هو في أيه مخليك بقالك يومين نايم قايم هنا!
وضع زجاجة المياه وجذب المنشفة يزيح عرقه الغزير:
_ بهون عن عضلة ايدي اللمين بدل ما تنخ زي اختها.
منحه نظرة مطولة شملته، وانهاها برفع يده قائلًا بغموض:
_ تعالى أوديك أوضتك تغير هدومك، عايزك معايا عند راكان هنعزمه على الحفلة ونخدها حجه نشوف قصة سي آدهم ده، أنا مش مطمن لحكايته مع شمس.
استند على ذراع أخيه، وقال بضجر:
_ لازم يعني أجي معاك ما تروح لوحدك ولا عاجبك وأنا ماشي متسند كده شبه المُسنين!
ردد ساخرًا:
_ ومكنتش شبه المسنين وإنت مسند على جمال ويوسف عشان تروح تبلطج على خلق الله ولا الصحة هنا خلقها ضيق.
منحه نظرة ساخطة وارتكن عليه بقوة مبالغ بها، حتى وصلوا معًا لغرفته، فمال به علي للفراش وسقط من جواره يردد بتعبٍ مفاجئ اقتحمه فجعله يضم يده لصدره، فمال إليه عمران يصرخ بذعرٍ:
_ مالك يا علي؟!
رد باحتقان يذبح صدره:
_ آآه.. مش قادر يا عمران... هموت.
تسارعت أنفاس عمران كأنه هو من يتعرض لذاك الوجع القاتل، فردد بصوت أشبه للبكاء:
_ حاسس بأيه؟ هتصل بدكتور حالًا.
هز رأسه نافيًا وازاح جرفاته باختناق بعدما انفجر بنوبة من السعال انتابها اشارة ضعيفة:
_ ميه عايز ميه.
هز رأسه بلهفة وأسرع للبراد الصغير يجذب زجاجة من المياه ثم هرع لأخيه، يقدم له الزجاجة التي جذبها علي ليضعها على الكومود واستكان بجلسته يتطلع للفراغ بنصف عين، ليفاجئ من يقف أمامه بلكمة قوية أطاحته أرضًا، فانقض من فوقه يكيل له اللكمات وهو يصرخ بعصبية بالغة:
_ بتخدعنا يا حيوان، ده أنا كنت هموت من الخوف عليك وإنت مقضهالي في الجيم!!
حاول عمران تفادي لكماته هاتفًا بضحك:
_ أه يا خاين، تستاهل أوسكار في التمثيل يا دكتور علي لا صايع أوي وأنا اللي رايح جاي أقول أخويا علي ده متربى ألف مرة!!
نالته لكمة هادرة اطاحت جانب وجهه وهو يصيح بانفعال:
_ أمال إنت تبقى أيه في التمثيل يا حقير، ده أنا قلبي اتخلع عليك وسبت شغلي وقعدت جنبك وإنت بتسظرف!! عملت كده ليه يا وقح؟
رد من بين لهاث أنفاسه:
_ عشان مايا تكون جنبي وعلاقتنا تتحسن بدل ما هي متشعبطة بين السما والارض، وعلشان كمان أخلع من نكد فريدة هانم يا ابني دي كانت مطلعة عيني في الكام ساعة اللي بجيهم هنا ما بالك لما تلاقيني رايح جاي على البيت عشان مايا مكنتش هتسبني في حالي يا علي!
وتابع بمكر:
_ وبعدين إنت مش كان نفسك علاقتي بيها تتحسن أهي اتحسنت وهدخل عرين الزوجية يوم فرحك يا غالي، وكلها كام شهر وأجبلك بيبهات صغيرة تتعلق في رجليك في الرايحة والجاية، مستكتر على أخوك ينحرف مع حلاله يا علي اخص عليك.
تحررت يديه عنه وعاونه على الوقوف قبالته، ثم قال بضيق:
_ وملقتش طريقة تانية غير دي يعني؟
ضحك وهو يخبره بسخرية:
_ جربت كل حاجة، خبرتي اللي اكتسبتها من علاقتي الواطية منفعتش مع بنت خالتك مكنش قدامي غير كده ولازم تمسك نفسك لحد ما أنول المراد.
تأفف بغضب، فتابع الاخير مبتسمًا:
_ بس صدقني أنا ايدي ورجلي فضلوا تقال بعد ما خرجت من المستشفى بعدها ابتديت احس أني كل ما بقف وبتحرك كتير بحركهم عادي..
كاد بأن يتحدث فاوقفه اندفاع باب الغرفة وظهور أحمد أمامهما يخبرهما بلهفة:
_ محدش هيصدق اللي حصل امبارح واللي بيحصل دلوقتي!
استدار عمران قبالته يخمن بوقاحة:
_ ضربت ورقة عرفي إنت وفريدة هانم!!
تجاهله أحمد بسخط وقال لعلي:
_ والدتك فريدة هانم أخدت بنفسها الفطار وطلعت بيه لفطيمة!
رواية صرخات انثى الفصل العشرون 20 - بقلم ايه محمد رفعت
تبدد كل شيءٍ حملته داخلها تجاه تلك الفتاة حينما رأت ما تعرضت له بالأمس. بكائها، تشنجات جسدها، انتفاضتها المرعبة، كل شيءٍ أثار داخلها الشفقة تجاهها.
وها هي اليوم تخطو لغرفتها ومن خلفها الخادمة التي تدفع طاولة الطعام، بينما تتقدمها بخطواتٍ آنيقة. تدرس بعالم الطبقة المخملية من ضمن القواعد المتبعة لفتيات الطبقات العليا. مازال كل ما تعلمته من الصغر يلزمها، حتى حركاتها.
وقفت فريدة تتطلع لها بنظرة هادئة، تترقب خروج الخادمة بعدما تركت يدها عن دفع الطاولة. ومع انغلاق الباب، رددت بهدوء:
_ أحسن النهاردة ولا لسه تعبانه؟
تلك الصدمة كانت تفوق حد تلك الهزيلة التي تحاول استيعاب ما يحدث هنا. وجود فريدة ذاته يُصدمها، ناهيك عن سؤالها عن صحتها وحملها للطعام خصيصًا لغرفتها.
التقطت عينيها نظرة فاطيمة المعلقة بالطاولة، فقالت بارتباكٍ ظاهري:
_ أنا قولت إنك أكيد لسه تعبانه ومش هتقدري تنزلي تفطري معانا، فخليت الخدم يحضرولك الفطار هنا عشان ترتاحي أكتر.
وعادت لسؤالها من جديد باهتمامٍ:
_ إنتِ كويسة؟
ازدردت لعابها تروي حلقها القاحل، وبصعوبة رددت:
_ الحمد لله.
وعلى استحياءٍ قالت:
_ مكنش له داعي تعذبي نفسك. أنا كنت هنزل عادي أفطر تحت، أنا متعودة على النوبات دي وبتعايش معاها لإنها بقت جزء من حياتي وآآ...
بترت كلماتها تتوسل للأرض أن تنشق وتبتلعها من تلك المواجهة الغريبة. تراجع جسد فاطمة للخلف تلقائيًا حينما استمعت صوت حذائها يقترب منها طابعًا بالأرض بقوةٍ يتردد صداها لمسمع الأخرى. فوقفت قبالتها لا يفصلهما الكثير.
وبخفة رفعت ذقنها لتواجه نظرات فريدة الهادئة. والاخيرة ترفرف باهدابها بحيرةٍ وعدم استيعاب لما يحدث معها. فتحررت نبرتها الرزينة تخبرها:
_ أنا حاسة بيكِ يا فاطمة، لإني عشت نفس الحالة اللي إنتِ بتعيشها دي قبل كده في فترة من حياتي. بس الفرق الوحيد إن اللي حصلك كان غصب عنك، لكن اللي كان بيحصل كان بارادتي ومنسوبلي بأنه زواج ويحل له إنه يعمل أي شيء. كنت بستسلم وأنا جوايا أنثى بتعافر وبتصرخ وبتتمنى إن الأنثى الشرسة اللي جواها تعبر عن نفسها وتقول لأ، بس كانت مجبرة.
اتسعت مقلتيها بصدمة لما تستمع له الآن. بينما سحبت فريدة كفها الرقيق عن ذقن فاطمة، وتراجعت خطوتين للخلف تضم ذاتها بذراعيها المستكينة أمام صدرها. تختفي من أمام أعينها حتى لا ترى دلائل انكسارها.
صوتها المحتقن من أثر سيطرتها على البكاء هو الذي يصل لها:
_ أنا قضيت أسوء عشر سنين في حياتي كلها، قتلت فيهم كل شيء حلو جوايا. كنت أغلب الوقت بشوف نفسي ست مغتصبة حقها مهدور وكرامتها متهانة. وأوقات تانية كنت بشوف نفسي ست خاينة مع زوجها بجسمها وروحها وقلبها مع حد تاني.
رفعت إصبعها تزيح تلك الدمعة الطاعنة لكبريائها، واستدارت تواجه تلك التي تراقبها بصدمة لتخبرها ببسمة مصطنعة:
_ وكان بينتهي بيا الحال بنفس اللي كان بيحصلك ده. كوابيس بشعة وصراع نفسي مميت كان خاطف مني نومي ومخليني عايش كل نفس بعاني، وبخوض عجز من نوع تاني.. التبرير! كنت بدور على مبرر قوي أوضح فيه لسالم جوزي سبب التشنجات الغريبة اللي كنت بعانيها كل يوم. كنت بكتم جوايا قصة حبي الكبير.
كانت مشتتة تحاول فهم مغزى حديثها الغامض. وعلى ما بدى لها من فك الشفرات بأن فريدة سبق لها الوقوع بالحب والاجبار بالزواج بأخر. فضربتها في مقتلٍ حينما قالت ببسمة شملت الألم:
_ أحمد... عم علي.
برقت بعينيها بدهشة، فقالت وقد خانتها دموعها لتظهر بانكسار لم يسبق لها خوضه أمام احدى بناتها:
_ وعيت على وش الدنيا لقيت قلبي بيختاره من بين كل رجالة العيلة. أحمد كان حب عمري وروحي كانت متعلقة بيه. مكنتش بقدر أنام غير وأنا شايفة عربيته مركونة تحت شباك أوضتي. كل نفس كان خارج مني كنت بحس إنه بيشاركني فيه. حبي ليه وصل لمرحلة مخيفة لدرجة إني بقيت بسأل نفسي يا ترى لو حصل واتفرقنا في يوم من الأيام هعيش ازاي؟
وانهمرت دموعها وهي تحتضن صدرها بمحل قلبها الغافل بعنف عن سقوطها لتذكر ذاك الألم:
_ وحصل واتفرقنا وحب عمري اتخلى عني، فبديهي أني كنت اتعرض للحالة اللي شوفتها فيكِ بعيني. رجعتني لايام مكنتش عايزة أفتكرها يا فاطمة، أيام كانت روحي بتعاني وجسمي سليم، كان قلبي فيها مكشوف وبيتعرض كل يوم لضربة ومفيش حد شايف ولا سامع ولا حاسس بيا.
زار الدمع عين فاطيما وهي تستمع لها بتأثرٍ. هي الوحيدة التي تفهم مغزى تلك الكلمات. نعم هي لا تعلم ما الذي دفع أحمد للتخلي عنها واجبارها على الزواج بأخيه، ولكنها تشعر بآلامها الكبير بتلك اللحظة. تشعر بها وبئس ذاك الأمر.
استدارت فريدة عنها تزيح دموعها بقسوة كادت باضرام جلد وجهها الرقيق. وعملت على تنظيم مجرى تنفسها العنيف حتى هدأت تمامًا. فاتجهت إليها تخبرها بعد مدة من صمتها:
_ بصي يا فاطيما، أنا عارفة إن العلاقة ما بينا كانت سخيفة جدًا، بس إنتِ لازم تعرفي إن غصب عني لازم أخاف على ابني. عمران سبق وحب ووقف قدامي نفس وقفة علي واتحداني ونهايتها كانت أيه؟
عادت تجيب على سؤالها المطروح:
_ سميته ودمرت حياته وطلعت زي ما أنا ظنيت كانت طمعانة بفلوسه! أنا اتعودت أحارب علشان اولادي اللي خرجت بيهم من رحلة عذابي التعيسة دي. أنا بعتبرهم هما الشيء الكويس اللي خرجت بيه من جوازتي المؤلمة، فعشان كده مستسلمتش وحاربت مع عمران لحد ما ابتدى يرجع لوعيه ويتقبل مايسان في حياته اللي الحمد لله رجعت تتعدل تاني.
واستطردت توضح لها سبب العداء الغريب التي تواجهه منها:
_ عشان كده قسيت عليكي وعلى علي، وبتمنى من كل قلبي تطلع ظنوني فيكِ غلط. بعد اللي حصل امبارح شوفت تعلق علي بيكِ وتعلقك بيه، سمعتك وانتي بتستنجدي بيه!
وبدموع تجمعت بمقلتيها مجددًا قالت:
_ شوفت نفسي فيكِ لما كنت بتمنى كل يوم بقضيه مع جوزي إن أحمد يرجع ويخلصني من عذابي، بس الحقيقة كله كان وهم. بالنهاية كنت بصحى وبلاقي سالم هو اللي جنبي مش أحمد. كنت بكمل يومي وبرسم الضحكة على وشي وأنا قلبي بينزف، عشان كده أنا قررت ابني ميعش نفس اللي عشته لو اتفرق عنك، وبتمنى ميكنش قراري الغريب ده غلط. فأنا هديكي فرصة يا فاطيما تصلحي نظرتي ليكي، ومن فضلك متخذلنيش وتحافظي على ابني لأنه أغلي من روحي ومن حياتي.
وببكاء مزق قلبها إربًا قالت:
_ علي ده حبيب عيوني وقلبي وروحي وكل شيء بمتلكه، آآ... أنا بستقوى بيه بحس إنه أبويا مش ابني، بتدارى فيه من همومي ومشاكلي وكل شيء بعيشه. بحاول بقدر الامكان أبان قدامه أني قوية ومش محتاجاله هو اللي محتاجالي بس الحقيقة إني ضعيفة من غيره وبحتاج لحضنه استقوى بيه، علي هو العوض ليا، بالرغم من إن الفرق بينه وبين اخواته سنين بسيطة بس هو اللي كان بيساعدني في تربيتهم كنت دايمًا بشكيله همومي وهو بيسمعني عمره ما ذهق مني أبدًا.
وابتسمت فجأة وهي تخبرها:
_ مستغربتش أنه دخل طب تخصص الأمراض النفسية لأنه شخص صبور وبيحب يسمع اللي قدامه ويديه النصيحة اللي تفيده. كان نفسي أقوله يعالجني أنا من اللي شوفته يمكن وقتها أبطل أروح في السر لدكتوري النفسي اللي بتعالج عنده من سنين، بس خوفت يكره أبوه!
من قال إنها الوحيدة التي قاسمت الألم، فبعد سماعها لما خاضته فريدة تقسم بأن العالم لا يخلو من جرعات الأوجاع القاتلة. بداخلها أنثى تصرخ بل تستغيث. وراء ذاك الوجه الجامد هناك أنثى انكسر كبريائها وتلاشت ضحكاتها. توارت خلف ظلام مميت قاتل.
أزاحت فريدة دموعها وصرخت بغضب جعل فاطمة مندهشة:
_ مش هسامحك على الدموع دي، أنا مش بحب النكد ولا الحزن وشي هيكرمش بسببك!!
ورفعت اصبعها تحذرها بجدية قاتلة:
_ أول قاعدة من قوانين فريدة هانم الغرباوي ممنوع تنكدي عليا أو تقوليلي اي شيء حزين يخليني أنكي وأجهد بشرتي لأي سبب من الأسباب، مفهوم؟؟
اغتصبت ابتسامة خافتة على شفتيها وأومأت برأسها عدة مرات، فمنحتها ابتسامة صغيرة، وفرقت ذراعيها عن بعضهما وهي تشير لها:
_ تعالي.
اتسعت نظراتها صدمة وهي تتطلع لها بعدم تصديق، فأرغمت قدميها على التحرك بصعوبة حتى وصلت قبالتها. فضمتها فريدة لاحضانها بقوةٍ تربت على خصرها بحنان وكأنها تواسيها عما خاضته وعاشته بتلك التجربة القاتلة.
ارتعش جسد فاطمة حينما شعرت بهالة من الدفء والحنان المشابه لضمة والدتها الراحلة، فرفعت يدها تتعلق بها كالغريق المتعلق بقشة نجاته. انكسر قلب فريدة وهي تشعر بانتفاضتها بين ذراعيها فشددت أكثر من احتوائها مرددة بتلقائية منها دون الاستيعاب لما تنطق به:
_ متزعليش يا حبيبتي، اللي فات انتهى مش هيتعاد تاني وانتي هنا بينا، محدش هيقربلك أبدًا.. آآ... أنا هنا جانبك!!
أفرغت كل ما بداخلها من خزين البكاء على كتف فريدة التي تحاول أن تهدهدها كأنها صغيرتها الباكية. تستمد كل قوتها لتبدو أكثر حذرًا بالتعامل مع حالة فطيمة المشابهة لحالتها سابقًا في فترة زواجها، كأنها ترى نسختها سجينة هذا القصر منذ أعوام. تغرقها بحنانٍ كانت تود لأحد أن يفيضها به سابقًا.
تحرر باب الغرفة وتسلل للداخل علي وعمران ويتبعهما أحمد ومايسان التي علمت منهم بالخارج بما يحدث. فظنوا بأنها قد تضع السم لها بالطعام كمحاولة للتخلص من فاطمة. ومنهم من ظنها ستقوم بطردها عاجلًا بعد نوبة الإزعاج التي أيقظت القصر بأكمله بالأمس. فزاغت أبصارهم صدمة مما يُرى أمامهم، فانفتحت الأفواه وتلبسهم الصمت والنظرات المستنكرة لما يحدث هنا. حتى شقهم صوت عمران المازح:
_ أنا بحلم أم أتوهم أم الاثنين في بعض؟
أجابه أحمد بدهشة:
_ ممكن نكون دخلنا أوضة غلط!
أجابتهما مايا وهي تبتلع ريقها ببطءٍ:
_ لأ يا أنكل هي الأوضة.
تساءل علي باستغراب:
_ طب في إيه بقى!
ردد عمران ومازالت عينيها تتسع صدمة:
_ دي عمرها ما حضنتني الحضن ده! مش بقولكم أنا محتاج أعمل DNA للعيلة دي!!
تحرك علي إليهما فكانت فريدة أول ما تمكنت من رؤيته. فاستعابت بما يحدث الآن وبوجود الجميع بالغرفة. لذا أبعدتها عنها وهي تستعيد قوة شخصيتها المبالغ بها، قائلة بارتباك:
_ علي... آآ.. كويس إنك جيت... قولها إني مبحبش النكد أنا ندمت إني طالعتلها مش معقول التعاسة اللي عيشتني فيهم الكام دقيقة دول.
ورددت وهي تخطف نظرة لأحمد ولابنها وزوجته:
_ ثم إنكم بتعملوا ايه هنا، إنتوا ناسين انا الحفلة بكره وورانا تجهيزات كتيرة ولا سايبن كل شيء عليا زي كل مرة، لكن لأ أنا معنديش القدرة أنظم كل شيء لوحدي ومش هسمح بالتسيب ده..
وتحركت بالخروج أو بالفرار من منطق أخر متمتمة بسخط:
_ بكره جايلنا ناس من كبار الطبقة الأرستقراطية لازم كل حاجة تكون برفكت والا هنكون مهزلة قدامهم، لازم أتمم على كل شيء بنفسي!
وقبل أن تختفي من أمامهم قالت:
_ تقدر تفطر مع مراتك النهاردة يا علي، لكن الباقي لو منزلوش على المعاد مفيش فطار ليهم النهاردة مفهوم!
واحتفت من أمامهم كنسمة عابرة اختطفت الهواء من أنفاسهم، فقال عمران بصدمة:
_ مين دي؟!
أدلى احمد بشفيته بحيرة:
_ بحاول أركز معاها بس لقتني بتعب في النص، فريدة أمك زي الفرس الجامح لو مكنتش خيال متقدرش تصمد لوقت طويل، ودي بداية غير مبشرة بالمرة للي أنا داخل عليه يا ابني!
منحه نظرة ساخرة ثم قال:
_ طيب يلا يابو حميد نلحق الأكل بدل ما نفضل طول اليوم على لحم بطننا!
خرج الجميع وتبقى علي قبالتها، يتأملها وهي تمسح دموعها بخجلٍ. فما أن استكانت حتى قال بفضولٍ:
_ العداوة راحت فين؟
رفعت كتفيها تجيبه ببراءة:
_ معرفش! بس فريدة هانم طلعت طيبة أوي يا علي، أنا فرحانه اوي إنها ادتني فرصة وشكلي ظلمتها ومعرفتهاش كويس.
ابتسم وهو يراقب تلك الابتسامة التي خفق قلبه بعنف لها، وأشار للطاولة التي تحمل الطعام قائلًا بحنان:
_ حبيبتي متشغليش بالك بأي شيء واقعدي افطري وخدي أدويتك.. أنا عندي ثقة إن طيبتك وقلبك الأبيض هيلين الحجر قدامك مش بس فريدة هانم اللي هتلين!
وسكن بعينيه حضن عينيها الساحرة، هامسًا بصوته المنخفض المغري:
_ عقبال ما قلبك يلين بحبي وتتقبلي قربي وتحبي حضني، على فكرة ماما وشمس بيقولولي إن حضني حلو ودافي تجربي؟
ارتبكت بوقفتها أمامه، فاسرعت للمقعد المقابل لطاولة الطعام تلهي ذاتها بإلتهام كل ما تتلقفه يدها، فتابعها بتسلية ورماديته المهلكة لا تترك لها المجال للهروب، فإتجه إليها وانحنى يلتقط بفمه الخبز المغموس بالجبن قبل أن تقذفه لفمها، مرددًا بتلذذٍ:
_ أمم، طعمه لذيذ ومختلف! مع أني سبق وأكلت من الجبنة دي كتير، غريبة؟
وأشار لها بخبث:
_ هاتي حتة كده كمان.
توترت من قربه الشديد منها، ومع ذلك مزقت الخبز وغمسته بالجبن ثم قربتها من يده ففجائها مجددًا حينما انحنى يلتقطها بفمه، مشيرًا باستمتاعٍ:
_ واضح كده إن الأكل من إيدك هو اللي بيحلي الأكل، وشكلي كده والعلم لله هتعود إنك تأكليني أو تتبنيني..
واقترب برأسه من رأسها متسائلًا بمكرٍ:
_ موافقة تتبني طفل عنده ٢٧ سنة، ميت في دباديبك وطمعان في قلبك يا بنت الناس؟
يتعمد اللعب على مشاعرها وللعجب ينجح بذلك، ذلك الطبيب الماكر يعلم الوقت المناسب ليستخدم أسلحته باستهداف عاطفتها، ويعلم متى يتراجع ويمنحها حصارها الآمن. إن كان شخصًا عاديًا لكان يقع بالمحظور وتهشمت العلاقة بينهما منذ أول لحظة، ولكنه ذكيًا يستخدم كل مهاراته الطبية ليعيد لقلبها عذريته المنتهكة!
خرجت من تلك الغوغاء قائلة بتلعثمٍ:
_ هو... آآ... مش إنت قولتلي.. آآ.. إنك هتجبلي هدية وبتستنى وصولها، هي فين؟
يعلم بمحاولتها بالفرار من هالته ولم يمنعها أبدًا، فاستقام بوقفته يجيبها:
_ لسه ساعة وتوصل، هسيبك أنا تكملي فطارك وهخرج مشوار على السريع كده.
واتجه ليغادر وعينيها لا تتركه، فجذب باب غرفتها ليغلقه، ومنحها نظرة أخيرة وهمسة دافئة:
_ متنسيش أدويتك يا حبيبتي.
ابتسمت وهي تراقب أثره ورددت لذاتها:
_ أهو إنت اللي حبيبي!
بالأسفل..
اجتمعوا على مائدة الافطار ولم يجرأ أحدٌ على التحدث، الصمت مطبق على الجميع بما فيهم شمس الشاردة بآدهم الذي ابتعد عنها بالفترة الماضية، بعد آخر لقاء بينهما وتحذيره الصريح لها بالابتعاد عن راكان. فكانت تصد كل محاولة يقوم بها للقائها.
عبثت مايا بطبقها وهي تتحاشي التطلع لعمران الذي جدد وعده لها بالحصول عليها بالغد، لتجمعهما غرفة واحدة. وها هو يعيد همسه الوقح مجددًا:
_ النهاردة آخر يوم هتكوني فيه لوحدك، من بكره هتنوري أوضتنا يا عروسة!
ارتبكت بنظراتها وتجاهه، وراقبت علي الذي دنى منه ينحنى إليه هامسًا:
_ خليك وأنا هروح لراكان لوحدي.
أشار له بصدرٍ رحب وعاد يغمز لتلك التي تراقبه بفضولٍ لسماع ما يحدث بينهما.
انتهى من تنظيف الأطباق، بعدما كاد بإسقاط آخر طبق قام بجليه، فنزع يوسف عنه مريال المطبخ، ثم حمل الصينية المستديرة وخرج بها لغرفة أخيه. وضعها على الفراش وحركه بخفة:
_ سيف، قوم هتتأخر على الجامعة.
فتح عينيه وهو يردد بنعاسٍ:
_ سبني شوية يا يوسف، أنا تعبان.
لوى شفتيه بسخطٍ:
_ تعبان من سحلة الواد الحقير ليك ولا عندك دور برد؟
تنهد بيأسٍ من الإفلات من تلك الذلة التي أمسكها أخيه عليه، وجلس باستقامة يصيح بضجر:
_ ما خلاص يا عم هتمسكهالي ذلة!
منحه نظرة منفرة وكأنه عدوى ستنتقل إليه:
_ بقى دي آخرتها يا حقير، سايب شغلي وجاي أعملك فطار وأروقلك الشقة وأخرتها تكلمني بالأسلوب ده! لأ بقولك أيه أنا ممكن أقلب في لحظة وأسيبك كده محتاس مع نفسك لا منك هتذاكر ولا منك تنضف مطرحك المعفن ده يا حقير.
صفق كف بالأخر:
_ هيقولي تاني حقير، أعمل فيه إيه ده!!
وصاح بانفعالٍ وكأنه يذاكر دروسه:
_ بالنسبة لتعليمات عمران الوقح تمشي عليك بردو ولا أيه النظام؟
نفى ما يجول بخاطره:
_ على العدو الدخيل مش خدامتك الفلبينية اللي بتخدم أبوك.
كبت ضحكاته وهز رأسه قائلًا:
_ اقتنعت!
أعاد فرد قميصه وهو يستعيد تناسق ملابسه للرحيل، فوقف أمام المرآة يصفف شعره الغير مرتب، متابعًا أخيه بالمرآة وهو يتابع تناول طعامه، فسأله بنبرة حنونة:
_ لو الأومليت عجبك في جوه لسه أجبلك كمان؟
أشار له بحرجٍ، فاتجه للمطبخ وعاد بطبقٍ آخر ومرر يده على خصلات أخيه المبعثرة:
_ ألف هنا على قلبك يا حبيبي.
منحه ابتسامة هادئة وعاد يلتهم الطعام بشهيةٍ، فجذب يوسف جاكيته وحقيبته وقال:
_ سيف أنا هنزل عشان متأخرش، سبتلك على مكتبك مبلغ بسيط كده تدلع بيه نفسك بره الحساب اللي بابا بيبعتهولك، ومتعرفهوش أني بديلك حاجة ليخصمهم من مصروفك.
ابتسم وهو يشكره بامتنان:
_ منحرمش منك يا جو، أنا فعلا كنت محتاج أشتري شوية هدوم كده لزوم الجامعة.
بادله الابتسامة بأخرى أكثر جاذبية:
_ انزل واشتري اللي نفسك فيه كله ولو محتاج حاجة متترددش تكلمني.
وأشار بيده وهو يغادر:
_ سلام مؤقت.. خلي بالك من نفسك.
هز رأسه بحبٍ، فغادر يوسف وتركه يستكمل طعامه باستمتاعٍ.
وصل علي لمنزل راكان، فاستقبله الخادم بترحابٍ وحينما أبلغ سيده بوصوله أوصاه أن يتجه به لمكتبه الشخصي. فإتجه علي للغرفة الجانبية الغافلة بنهاية زواق ضخم متفرع، ولج للداخل فوجده يعمل على أوراق يوضعها آدهم من أمامه ويترقب أن يوقع عليها. وما أن رآه حتى ردد بفرحة:
_ دكتور علي، مش معقول جاي لحد هنا بنفسك!
قابل يده يصافحه، قائلًا بابتسامة هادئة:
_ جايلك أعزمك على فرحي بكره، شوفت الحظ؟
ترك الملف وردد باهتمام بالغ:
_ يبقى الكلام اللي سمعته مظبوط وإنت فعلا كتبت كتابك؟
أكد له وعينيه لا تحيل عن آدهم الذي يتابعهما بثبات وصلابة قاتلة:
_ أيوه مظبوط، والدليل إني جيتلك بنفسي أعزمك على الحفلة، عقبال حفلتك إنت وشمس ووقتها هوزع كروت الدعوات بنفسي.
تجمدت تعابير آدهم وباتت أكثر صلابة، على الرغم من احمرار مقلتيه بصورةٍ كانت ملحوظة لرماديته الثاقبة، فحاول الحفاظ على مجرى الحديث المتبادل بينه وبين راكان وعينيه لا تفارق آدهم تحاول اكتشاف المخبئ خلفه. وفور انتهائه من ذاك اللقاء الروتيني وقف يستأذنه بالانصراف قائلًا:
_ هسيبك تكمل شغلك متتأخرش بكره.
هز رأسه بتأكيد، وجامله بترحاب:
_ من الفجر هتلاقيني عندك، عندي فضول أكيد أتعرف على اللي سرقت قلب دكتور علي سالم الغرباوي.
اكتفى برسم ابتسامة صغيرة ومازال يمنح آدهم نظرة غامضة جعلت الآخر يحلل مغزاها، فقدم لهما راكان فرصة ذهبية حينما قال:
_ مع الدكتور علي يا آدهم وصله.
هز رأسه بخفة وتقدم علي يشير له بتتابعه باحترام، فما أن ابتعدا عن مرمى بصر راكان وتوقف أمام البوابة قبالة سيارته بالتحديد، حتى قال بنظرة غامضة:
_ لو مكنش راكان طالبك توصلني كنت هتحجج بأي شيء عشان أتكلم معاك.
منحه بسمة ثابتة وأزاح نظارته السوداء عن عينيه:
_ ولو مكتتش طلبت ده كنت خرجت وراك من نفسي، نظراتك وطريقتك جوه كانت مضمونها إنك جاي هنا علشاني أنا مش لراكان.
ابتسم وهو يرفع حاجبه:
_ ذكي وخبيث يا آدهم.
وتساءل بغموضٍ:
_ ويا ترى عرفت كمان من نظراتي أنا هنا ليه؟
أكد له بإيماءة من رأسه، وقال بخشونة:
_ عارف وبتمنى تأجل أي كلام بالموضوع ده بالفترة الحالية، بس اللي أقدر أقولهولك إن الكلام اللي وصلك صح، أنا بحب شمس ومستحيل هتخلى عنها، خصوصًا إنه مش مناسب ليها ونهايته خلاص قربت.
اتضحت شكوك علي بكلماته المقتضبة، ومع ذلك حافظ على تصلب معالمه، ففتح باب سيارته وقبل أن يحتلها قال بصلابة:
_ ولحد ما وقتك المناسب يجي وتقعد قدامي تحكيلي كل شيء خليك بعيد عن أختي، وده أمر مش تحذير، أنا مقدر سكوتك وشكوكي حاليًا مش هتقدر تكون الصورة المطلوبة عنك، عشان كده خليك بعيد أفضلك.
أشار له بتفهم، بالنهاية أي شخصًا محله يحق له القلق بشأن شقيقته، الموضوع بأكمله مقلق، فأغلق باب سيارته منحيًا بقامته وجذعيه الضخم:
_ متقلقش يا دكتور أنا عارف حدودي كويس، وبتعامل مع شمس هانم بحذر لحد ما يحصل اللي بتمناه وقتها هتلقيني في بيتك بطالبها زوجة ليا وقبلها هكشفلك هويتي!
منحه نظرة عميقة ذات مغزى وكلمة واحدة تتحرر على لسانه:
_ مستنيك يا حضرة الظابط!
وانطلق بسيارته تاركًا البسمة تغرد على وجهه، فدث يديه بجيوب سرواله مطلقًا صفيرًا مستمتعًا لقرب هدفه، ها قد اقترب ليصل لأميرته، خطوة واحدة ينتهي من ذاك اللعين ويطالبها لنفسه فتصبح زوجته، حينها سيكشف لها عن حبه العميق المحفور داخل قلبه لها، تلك التي اختطفت عقله من نظرة واحدة جمعتهما معًا، وكأنها حورية هاربة للتو ومنحته الإذن باختطافها من معذبها القاسٍ.
مزق لذته القصيرة صوت فؤاد الهامس:
_ وبعدين يا باشا، معاد التسليم قرب والفلاشة لسه معاك موصلتش للجهاز وفوق كل ده موصلناش للملف!!
أطلق زفرة قوية ومنحه نظرة صارمة جعلت الأخير يرتبك بوقفته:
_ أنا قولت حاجة غلط؟!
مرر آدهم يده بين خصلاته الطويلة يحررها عن ثباتها لتستجيب لنسمات الهواء فتتحرر على عينيه، فاستدار يوليه ظهره هادرًا من بين أنفاسه العنيفة:
_ قولتلك دي لعبتي أنا، الفلاشة بكره هيستلمها الشخص الجدير بيها وهتوصل مصر قبل معاد التسليم، فكر في الملف لإنه الأهم دلوقتي، كل يوم بنقضيه هنا الخطر بيزيد!
حركت مقعدها الهزار بحركة هادئة وعينيها مغلقة بقوةٍ، تحارب تلك الأفكار التي تهاجمها وأساسها سؤال يلح عليها: «هل ستتمكن من منحه فرصة التقرب منها؟ وبماذا ستشعر بعدها؟ ماذا لو طعنت بألم الخيانة من جديد!»
مسدت فريدة فروة رأسها بإرهاقٍ، ولا تنكر بأن الخوف من الغد صار شيطان يتلبسها، ما أخفته طويلًا سيكشف غدًا أمام محبوب طفولتها، لا ترغب بأن يراها أحدًا ضعيفة فماذا إن كان هو؟ ولكن لا بأس عليها بالمحاولة ربما تتمكن من قمع كل ذلك خلفها وتمضي معه من جديد، هذا ما توده وتتمناه بكل رغبتها، فمازال قلبها يعشقه ولم ينتقص حبه شيئًا داخلها بل زاد للنخاع!
طرق علي على باب غرفتها طرقتان متتاليتان قبل أن يدخل بالطرد الضخم الذي يحمله، وناداها بلهفةٍ:
_ فطيمة. أنا آ...
ابتلع جملته داخل جوفه حينما وجدها تقف قبالة خزانتها وعلى ما يبدو بأنها كانت تبدل ثيابها، فكانت تقف قبالته بقميص من الستان الأسود قصير بعض الشيء، ويدها تمسك جلباب طويل أبيض كانت سترتديه قبل أن تغفو، وها هو يقتحم غرفتها ليشل حركتها عما كانت تمضي بفعله.
ارتعشت من أمامه، ويدها تحاول اخفاء ساقيها وذراعيها بالجلباب، فشعر وكأنها على وشك الإغماء محلها، أسرع علي بالحديث وهو يوليها ظهره:
_ أنا آسف يا حبيبتي مكنتش أعرف أنك بتغيري هدومك، أنا بس كنت متحمس أعرف رأيك بالهدية اللي كلمتك عنها فأول ما الطرد وصل جبته وجيتلك، حقك عليا..
ووضع ما يحمله على الفراش وأسرع لباب غرفته الجانبية دون أن يجرحها بنظرةٍ، عينيه مازالت أرضًا رغم أنها حلاله، زوجته المباح لعينيه بتأملها:
_ أنا في أوضتي، أتمنى هديتي تعجبك.
وأسرع بالخروج ليترك لها مساحتها خشية من أن تنتابها نوبة قاتلة تصيبها في مقتلٍ، إلتقطت فاطمة أنفاسها على مهلٍ، ويدها تضم صدرها القابض بعنفٍ، فمال جسدها للخلف حتى تلقفه المقعد.
جلست تحاول تهدئة ذاتها، اختنق مجرى تنفسها حينما استعادت تلك الذكريات القاتلة وأقصى ما يطعنها أن علي رآها بهذا اللبس المخزي، فلفت انتباهها جانبه الرجولي، حينما اممتنع عن التطلع إليها حتى بنظرة صغيرة، حفظها من عينيه وكأنها قطعة من قلبه يخشى حتى أن يخجلها!
عاملها كأنها ابنته التي يخشى عليها الحزن أو أن يرى دمعة عابرة بمقلتيها، حتى وإن كان قاسيًا على ذاته، استعادت فطيمة كامل هدوئها ونهضت تكمل ارتداء ثيابها، ثم تحركت للفراش لتستكشف ما أحضره لها بفضولٍ.
مزقت الورق الأبيض المحاط حول العلبة الضخمة، ومن ثم فتحت العلبة ففغر فاهها من هول الصدمة حينما رأت أمامها قفطان أنيق من اللون الأبيض مطرز بحزام من اللون الذهبي ويحيطه بتطريز فخم على أكمامه، ولجواره قفطان آخر من اللون الأخضر الملكي يشابهه كثيرًا بالتصميم. حملتهما بين يدها بفرحة لا تتقاسمها مع أحدًا، فلم يكن بأوسع مخيلاتها بأنها ستتزوج شخصًا خارج جنسيتها، فكانت تتأمل يوم زفافها الذي سيتبع على الطريقة المغربية، وها هي تتزوج من مصري يقيم بدولة غربية بعيدًا عن دولته، ولتكن صادقة مع ذاتها ستتزوج من رجلٍ أتى ليحطم صورتها القاسية التي جمعتها بأشباه الرجال، أتى يؤكد لها بأن هنالك نوعية فريدة من نوعها.
حمل عشقًا داخل قلبه وغلفها داخل أضلعه يحميها من أي شيء وأولها نفسه ورغباته وتمنيه العزيز لها، حملت فطيمة القفطان بين يدها بحبٍ وكأنها تجمع ذكريات بلدها بأحضانها واتجهت لغرفة علي، فتحتها وولجت تبحث عنها فوجدته يتمدد على الفراش، يضع نظارته الطبية ويقرأ كتابًا أمامه باهتمامٍ، وما أن رآها حتى وضعه جواره على الكومود وأسرع إليها.
رفعت عينيها الغارقة بالدموع إليه وبنبرة مهزوزة قالت:
_ شكرًا يا علي، الهدية دي غالية عليا فوق ما تتخيل، اهتمامك بالتفاصيل وبكل شيء يخصني، خوفك عليا وحمايتك ليا وكلامك اللي بيساندني وبينقذني من اللي بشوفه، علي إنت نجاتي!
ابتسم بفرحة وهو يستمع لها، رماديته لا تحيل عن احتضانها لهديته، فقال بحبٍ لم يستطيع اخفائه:
_ أنا عايش علشانك يا فطيمة، أي شيء هيكون سبب لسعادتك هعمله بدون تفكير، يهمني أشوف الابتسامة الجميلة دي على وشك، ده اللي عايزه صدقيني.
وتابع وهو يتطلع لارتباكها الطفيف:
_ هستنى اليوم اللي تكسري فيه أول حاجز بينا وتختاري حضني ملجأ ليكي، ومهما طال الصبر عمري ما هحزن منك.
اتسعت ابتسامتها، فضمت القفطان لها واتجهت لتغادر غرفتها قائلة على استحياء:
_ تصبح على خير.
أجابها وعينيه لا تفارقها:
_ وإنتِ من أهل الخير يا روح قلبي.
استدارت تغادر سريعًا قبل أن يرى ابتسامتها السعيدة على كلماته فأسرعت بالخروج ومازالت تتفحص القفطان بفرحة.
الليل في زحامة السوداء وانقباض صدرها يزداد قبضة من الغد. تعلم بأنه ليس وقحًا فحسب، هو عنيدًا لا يختل عن كلمة أو وعدًا يقدمه لأحدٍ، وقد منحها وعدًا قاطعًا بأنها ستصبح ملكه. ومع مرور ذاك الوقت الذي قضتها برفقة شمس وفاطمة يتجهزن للغد بتحضير الفساتين وغيره من زينة العروس الا أن بالها كان مشغول بكلماته وبوعده القاطع. تشرب وجهها حمرة طفيفة وهي تتذكر همسه المغري، وحنان ضمته لها ولكنها بالنهاية تخشاه وتخشى شيطانه المدفون داخله. أغلقت مايسان الضوء المجاور لفراشها وهي تحاول اجبار عينيها على النوم، وحينما فشلت استلت مئزرها واتجهت لغرفته بخطواتٍ مندفعة.
فتحت بابه بعصبيةٍ كادت باسقاط زجاج بابه غير عابئة بتأخر الوقت الذي شارف على الواحدة صباحًا:
_ اسمعني كويس يا عمران، الكلام الفارغ ده مش هيحصل أبدًا، متحلمش كتير!
وانهت جملتها وعينيها تبحث عنه باستغرابٍ، فوجدته يجلس أرضًا على سجادة الصلاة يقرأ القرآن بعناية واهتمام، متجاهلًا لحديثها تمامًا حتى انتهى من قراءة ورده، فأغلق المصحف ووضعه على الحامل ثم قال بتهكمٍ:
_ روحي نامي يا مايا، وبطلي تفكير في كلامي ورانا يوم طويل بكره.
كزت على أسنانها بغيظٍ من بروده، فقالت بغيظ:
_ إنت جايب البرود ده منين يا أخي!!!
منحها نظرة ساخرة ثم ادعى براءته:
_ كل محاولاتي العظيمة دي في اقناعك وبارد!!
وتابع وهو يجذب المسبحة الخاصة به:
_ امشي على أوضتك يا بنت الناس بدل ما أغير كلامي.
تفتفف بنفاذ صبر:
_ عمران يا غرباوي إطلع من دور العاشق الولهان اللي عايش فيه ده. أنا قاريه دماغك المنحرفة دي!
جذبها على حين غرة لتسقط على ساقيه، وغمز لها بتسلية:
_ طب ركزي فيهم كده وقوليلي قالولك إيه النهاردة؟
تساءلت باستغراب وهي تحاول إبعاده عنها:
_ هما مين دول؟
أجابها بخبث:
_ عيوني يا مايا، ركزي يا بنت الحلال الفرصة بتيجي مرة واحدة في العمر!
أرادت أن تبعده عنها ولكنها تناست معدن الكلمات المعنفة قبالة عينيه الساحرة التي نجحت بفتنتها آلاف المرات، تلعثمت حروفها أمامه ولسانها ينجبر على النطق وكأنه ليس تابع لجسدها:
_ بحبك... بحبك يا عمران!
أغلق عينيه بقوة يحتمل تأثير كلماتها التي تذوب ما تبقى بداخله من الجليد، فدفعها برفقٍ:
_ امشي دلوقتي علشان متندميش إنك خرجتي من أوضتك!
هرولت للخارج ففتحت بابه لتغادر، ولكنها تفاجئت بأحمد يقف قبالتها بعدما كاد بطرق باب الغرفة، تلونت وجنتها بحمرة قاتمة، فهرعت لغرفتها راكضًا بينما ولج الأخير للداخل يهتف بتهكمٍ:
_ أيه جو العشق الممنوع ده! ما تتلم وتقعد إنت ومراتك في أوضة واحدة.
تمردت ضحكته الصاخبة، لينهيها بمكر:
_ أحمد يا حبيبي متشغلش دماغك بيا أنا وعلي الأمل كله عليك، سمعة عيلة الغرباوي بين ايدك يا أبو حميد، مع إن جوايا خوف وشك أنك هتأخد عزل انفرادي من أول يوم!
وتابع بغمزة ساخرة:
_ بكره يوم مصيري ليك!!