تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل 121 - بقلم ايه محمد رفعت
اللهم أنت تعلم إن قلبي يئن وجعًا لاجلهن جميعًا، وأنني فقدت مذاق الحياة لأجلهن. فأسالك أن تفرج عنهم لأتمكن من المضي قدمًا، اللهم إني أسالك أن تسعد قلوبهن، فحينها سيسعد قلبي ويعود لاستقراره مجددًا
اعتكافه بالمسجد كان أفضل ما وقع عليه، اعتزاله الجميع وبقائه بمفرده كان أنسب شيئ له، تمر به الأيام يومًا تلو الآخر، حتى قضى خمسة أيام يتقرب فيهم إلى الله عز وجل بالصلاة، وقراءة القرآن، والصلاة على الحبيب المختار، خاتم الأنبياء محمدًا عليه أفضل الصلاة والسلام، وتلك كانت أسمى ما قضاه "عُمران" بفعله، كان يصلي عليه من أعمق نقطة بقلبه، وهو يتمنى بصلاته أن تصل للصادق الآمين تصل له بخشوعٍ تام.
جسده كان يرتعش حينما علم بأن الله عز وجل، لا يجعل من ثواب الصلاة على الحبيب بمحضر كتاب الحساب لسد دين العبد من الذنوب الذي يقترفها، بل يجعلها كما هي، ويكافئ عليها ، بل والأروع من ذلك أن رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام يجيب العبد حينما يصلي ويرد سلامه، فلقد استمع باليوم الأول من اعتكافه من الشيخ الذي خطب فيهم أن الصلاة على الحبيب من أسهل وأرقى العبادات، وسهولتها تعود لعدم حاجتك للوضوء لتفعلها، بل يردد لسانك قول كلمات بسيطة، فتبلغ الحبيب صلواتك وسلامك إليه، لذا لم يتوقف لسانه عن الصلاة الابراهيمية، وهو يتمنى من أعماقه أن يتحقق ما قاله الشيخ حينما قال أن من أراد رؤية رسول الله برؤياه فليكثر بالصلاة عليه، وبالرغم من قيامه لليل وإلتزامه بالصلوات طوال تلك الاشهر الا أنه لم يرزق مرة برؤيته!
وها هو اليوم السادس يمر عليه، ومازال يعتزل الحديث عن الجميع، حتى عن مجموعة الشباب الذي يعتكف برفقتهم.
بالرغم من اعتكاف كلا منهم بركنٍ منفصل، الا أنهم كانوا يخصصون كل يومٍ ساعة أو ساعتين للحديث المتبادل بينهم، وأحيانًا حينما يحضر للمسجد أحد المشايخ، كانوا يلتفون بدائرة يقرأون القرآن الكريم وينشدون الابتهالات في حلقة جماعية، لم يكن بها "عُمران"،كان يستغل كل دقيقة بالاختلاء بنفسه مع الله عز وجل، فكان الشاب الغامض الذي أثار فضولهم جميعًا بسيارته وملابسه اللاتي عبرت عن ثرائه الباهظ، وبالرغم من اعتكافه الا أنه مازال وسيمًا يحتفظ على تناسق ملابسه وتهذيب لحيته النابتة، ونثر البرفيوم الذي كانت تفوح رائحته وتسبقه قبل اقترابه لحضور الخطب الجماعية.
أثار الفضول بشكلٍ مثير، حتى أن الشيوخ سألوا الشباب المعتكفون بالمسجد عن أمره، وكانوا يجيبون بعدم معرفتهم به، بل كان يحضر الخطبة القصيرة التي يخطبها الشيوخ وفور انتهائهم يتخذ من بقعته معزلًا مرةٍ آخرى.
وها هو يغفو على سجادة الصلاة، والقرآن موضوع على صدره بعدما غلبه النوم، فاذا به ينتفض مفزوعًا، وعينيه تبرقان في دهشةٍ انعكست برجفة جسده، تمسك بالمصحف بين يديه، وزحف حتى استند على الحائط، يجذب زجاجة المياه، تجرعها"عُمران" مرة واحدة، وعاد في محاولاته لتنظيم أنفاسه اللاهثة، وعينيه تمشطان المسجد في رهبةٍ.
يُعاد المشهد من أمامه مجددًا، ودموعه تنهمر دون توقف على وجهه، يختلي بالظلمة، وعقله مازال غير واعيًا لما رآه للتو.
الدقائق مرت عليه حتى وصل الشيخ للمسجد يرفع آذان الفجر، فنهض عُمران ووقف بأول صف جوار الشباب، وحينما سجد عانقت دموعه سجادته، ولسانه لا يتوقف عن شكر الله، حتى انتهى من صلاته ودموعه رافقته منذ سجدته الأولى إلى النهاية.
اجتمع الشباب حول الشيخ الذي بدأ يستعد للتلاوة الجماعية فيما بينهم، وبينما يحاوطون على بعضهم لصنع دائرة، تفاجئوا جميعًا بعُمران يجالسهم للمرة الاولى، حتى أن أحد الشباب قال مندهشًا:
_أكيد في حاجة غلط، أخيرًا هتشاركنا القعدة!
تطلع له عُمران بتيهة، وعاد ببصره صوب الأرض، فابتسم الشيخ "أحمد" وقال:
_يا ألف مرحب بيك، أنا مكنتش حابب أقاطعك في عزلتك وسيبتك زي ما تحب، بس حقيقي مبسوط بمشاركتك معانا.
إكتفى عُمران بمنحه ابتسامة هادئة، وجلس ينصت لهم ولترتيلهم للقرآن الكريم، حتى جاء دوره فامتنع عن القراءة، ظن البعض أنه لم يحفظ الآيات، فمنحه شابًا جواره مصحفًا مفتوحًا على الآية التي ينبغي عليه ترتيلها، ولكنه ضم كفه على صدره باحترامٍ، فسحب الشاب بصره للشيخ الذي أشار له بأن يتركه مثلما يريد، وانتقل الدور لمن يجلس جواره، والجميع يتفهم عدم رغبته بالمشاركة، لا أحد يعلم بأنه مازال متخبطًا بعد رؤيته لتلك الرؤيا.
بدأ الآن يستوعب الآيات المطروحة من أمامه، وحينما أتى دوره، وقبل أن يتخطاه، رتل بصوته العذب الذي فاجئ الجميع به وقال بخشوعٍ
«وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ»
تهاتف الشباب باعجاب بصوته العذب، الذي تعمق بقلوبهم جميعًا، بل وأبكائهم من شدة الخشوع، وحينما توقف ليمر الدور لمن يليه رفضوا بشدة وأصروا عليه أن يستكمل ترتيل حتى انتهى من قراءة السورة كاملة، فاذا بالشيخ يقول بإعجاب:
_ما شاء الله تبارك الله عليك، صوتك فيه خشوع يبكي القلب قبل العين.
وأضاف وابتسامته مازالت تستحوذ عليه:
_إنت شخص غريب، من ساعة ما دخلت المسجد وأنا عندي فضول أتعرف عليك.
قال أحد الشباب مضيفًا:
_فعلًا يا عم الشيخ، كلنا عندنا فضول نتعرف عليه، ده من يوم ما جيه المسجد وهو قاعد مع نفسه حتى الكلام البسيط المتبادل بينا مبيحصلش.
منحهم عُمران ابتسامة جذابة، وتحرر عنه الحديث وعينيه تتطلعان للشيخ :
_على فكرة أنا بحب حضرتك جدًا، ومتابعك، وياما روحت كذه مسجد بتصلي فيه عشان أتقابل معاك بس سبحان الله مكنش مقدر لينا اللقاء غير هنا.
اندهش الشيخ من حديثه، ورد عليه بسعادة:
_اللقاء مقدر عند ربنا ومكتوب بالثانية.
هز عُمران رأسه بيقين، وقال:
_ونعم بالله.
اقتحم الحديث أحد الشباب حينما قال:
_أنا آسف على المقاطعه، بس كلنا عندنا فضول نعرف أيه السبب في انعزالك التام عننا، وكمان شكلك ما شاء الله بيقول أنك غني ووراك عزوة ومال، فازاي قادر تمشي مصالحك وأحنا مشوفناكش حتى بتعمل مكالمة تليفون!
حافظ على ابتسامته، وأجاب بما يشبع به فضولهم:
_ميفرقش معايا حاجة، السكينة والراحة اللي عشتهم هنا بالكام يوم دول عمري ما عشتهم قبل كده.
واستكمل برزانةٍ:
_أنا أتولدت لاقيت حوليا كل حاجه، الثروة، الشهرة، النجاح دول أسهل حاجة عملتها، بس معاهم عمري ما حسيت ربع الاحساس اللي أنا حاسس بيه النهاردة.
واسترسل وهو يتطلع للشيخ الذي يتابعه باهتمامٍ:
_أنا النهاردة وبعد عذاب طويل جاتني البشارة أن ربنا سبحانه وتعالى غفرلي الخطيئة اللي ارتكبتها، النهاردة حاسس إني أتولدت من جديد.
قالها وهو يسحب نفسًا طويلًا ينعشه، السعادة تربعت على وجهه بعد مشقة، رافق جلستهم الطويلة، يقص لهم عن قصته باختصارٍ شديد، وبعد صلاة العصر حزم أمتعته وغادر بعد أن قدم وعدًا لهم بأنه سيعود كل فترةٍ ليعتكف رفقتهم، رحل والشوق يضرمه لحبيب قلبه ولحبيبته ونصفه الآخر.
*****
قبل وجنتها الناعمة وابتسامته الجذابة رسمت على وجهه، ثم إنحنى يضعها بالسرير الصغير، جاذبًا الغطاء عليها، ومازال كفه يهدهدها برفقٍ، والرضيعة تراقب ملامحه بدقةٍ عالية، اتسعت ابتسامة "علي" وقال بدفء صوته الرخيم:
_حاسس أنك بتسأليني أنتِ كمان عنه، الباشا بدلعه وحنانه أسر قلوب هوانم قصر الغرباوي كله.
قالها ضاحكًا، واستطرد بعدما انحنى قبالتها، يعود لتقبيلها من جديدٍ:
_قلبي بيقول إنه خلاص هانت وهيرجعلنا كلنا،إنتِ الوحيدة اللي أنا قولتلها على مكانه، عشان بقى في بين فيري الجميلة وبابي علي ثقة كبيرة، مش هتنكسر أبدًا، صح يا فيري!
التقطت بفمها البيبرون الذي وضعها للتو لها، انحنى مجددًا يقبل كفها الصغير ووجنتها، ثم استقام بشموخٍ، وإتجه للتراس الخارجي، يبحث عمن همس له قلبه بأنه إشتاق لها.
أخر ما رأته عينيه منذ ساعة، مشهد جلوسها رفقة "ميسان" بالاسفل، على إحدى طاولات الحديقة، يتبابعون العمل على الحاسوب والملفات.
انتقلت رماديته لنفس المحل الذي تركهما فيه، ولكنه لم يجدهما، بل كانت تجلس زوجة أخيه على الاعشاب أرضًا، وقد بدى له ما تفعله، وخاصة بظهور زوجته التي حملت عُلبة من المكعبات البلاستكية، وانحنت تقدمها لها، بينما تعود "مايا" للعبث بالمكعبات، وعلى ما يبدو بأنها كانت تصنع مجسمًا مجهولًا له، فاستدار وهو يقرر الهبوط إليهما، فاذا به يرى والدته قبالته، يديها منعقدة أمام صدره، تطالعه بغضبٍ وشراسة.
علم بأنها قد رأت المشهد برفقته، وتمكن من قراءة سبب غضبها من قبل أن تبوح به، فتنحنح بارتباكٍ، وتصنع بسمة هادئة:
_صباح الخير فريدة هانم.
لم يبدو الخير طريقه على وجهها، بل تنافس الشر وهزمه بالمعركة هزيمة ساحقه، ابتلع ابتسامته التي وجدها حمقاء، ورنا يهذب خصلاته المتطايرة بفعل الهواء، حتى وقف قبالتها ينتظر أن تتحدث، وحينما طالت، قال:
_التعبير عن الغضب أفضل شيء، الكبت بيضر.
وكأنه سحب فتيل القنبلة، فانفجرت فيه:
_أنا متعصبة منك أوي يا علي، خبيت عليا اللي أخوك كان ناوي يعمله، ورجعت تقولي إنك سبته أسبوع يريح أعصابه وهيرجع، وفوق كل ده رافض تقولي هو فين؟
تحرك تجاهها، يفاجئها حينما قبل يدها ورأسها بحبٍ:
_أنا مش متعمد أخبي عليكي حاجة يا حبيبتي، انا بس اديته وعد إنه هيكون مرتاح بدون أي إزعاج مننا، وكل اللي فكرت فيه إنه هنا ومعانا مش بعيد عننا في دولة تانية.
تلاشى غضبها رويدًا رويدًا، وبدأت تتطلع له من أعلى كتفيها بتصنعٍ للاستياءٍ، حتى رددت بعصبية:
_أنت غلطت في تصرفك ده، كان المفروض من وقت ما اكتشفت خطته كنت ضربته قلم يفوقه، الولد ده اتمرد وعايز اللي يعمله stop، مبقاش حاسس ولا مقدر تعب مايا ولا قلقنا كلنا عليه.
وأضافت مشيرة للسور الخارجي:
_اللي بيعمله في بنتي ده كتير، وإتخطى بيه كل حدود صبري، فصدقني يا علي عقابه عندي هيكون عسير، ولو مضربتهوش إنت وربيته هضربه أنا سامع!
تحررت ضحكته فأبدته جذابًا، حتى تلاشى عن فريدة غضبها، وابتسمت تمازحه:
_هو إنت مش جاي من قلبك تضربه، ولا خايف منه يا علي؟
تلاشت ضحكته بشكلٍ جاد، وأجابها:
_هو أنا المفروض مخافش! مع ده بالذات من خاف سلم.
نجح في إيقاعها بنوبة من الضحك، فضحكت من قلبها، ومالت تستند عليه، بينما يتابع هو:
_فريدة هانم إنتِ عايزة تقدميني قربان للطاووس الوقح! لو زهقانه مني للدرجادي أنا ممكن انعزل في مكتبتي فوق أو بأي مكان بالقصر.
لكزته بخفة، وقالت ساخرة من حديثه:
_بلاش تعمل الشويتين دول عليا يا بكاش، أنا عارفة إنك بتسيطر على أخوك من كلمة واحدة.
فاه مبتسمًا بمكر:
_أنا بريء من إتهام حضرتك بنسبة 15 في المية، والباقي نسبة وتناسب.
منحته نظرة مشككة، فحك أنفه يخفي ضحكته، ثم تنحنح بخشونة:
_نخليها 30 في المية.
أشارت ببصرها صوب المصعد، ورددت:
_إنزل بص على بناتي وراضيهم، بدل ما أقلب عليك يا دكتور.
ذم شفتيه ببراءة مضحكة، وقال:
_طيب فاطمة وبتحاسب عليها لإنها مراتي، مايا بتحاسب عليها ليه بقى؟ هو أنا السبب في غياب عُمران عنها!! ، ولا ده راجع لضغط حضرتك عليا عشان أقولكم على مكانه؟ عمومًا هتعامل بحذر وذكاء مع الموضوع، من باب إن في أوكازيون خصومات، تهتم بواحدة تتدبس في رعاية التانية فوقها.
دققت النظر فيه مندهشة من طريقته المرحة بالحديث، فاتجه للمصعد، وأخفض نظارته الطبية يغمز لها مازحًا:
_بهون على حضرتك غيابه، عشان متكتئبيش معانا، على فكرة إنك تعيشي مع إنسان مثقف ومتربي شيء ممل وغير محتمل!
ضغط على المصعد خاتمًا حديثه بابتسامته الجذابة:
_نازل أخد بالي من بناتك، هدللهم وأحطهم جوه عيوني حاضر.
وغمز لها بابتسامة واسعة:
_كله عشان خاطر عيونك فريدة هانم.
غاب عنها المصعد، ومازالت صدمتها حاضرة، جاهدت لتنفك عنها عقدتها ويردد لسانها عاجزًا عن استيعاب ما يحدث:
_معقول ده علـي!!
******
وضعت المكعب الأخير على سطح المنزل المصنوع من المكعبات، وصفقت بحماسٍ، وهي تلفت انتباه "فاطمة" لما فعلته:
_فطيمة شوفي جمال البيت بتاعي.
سلخت نظرها عن شاشة الحاسوب، وتطلعت لما فعلته مايا، نزعت عنها السخرية، وقالت:
_هو شابوو وكل حاجة، بس لو أنتِ حاسة بطاقة نشاط زيادة أو ميول للتصميم فأيه رأيك ننفذ الفكرة عملي على لوحة مش بمكعبات!
حملت طرف فستانها البني، تفرده من حولها، وتقذفها بطرف عينيها:
_هو إنتِ مفيش في دماغك غير الشغل وبس، ما أنا طالع عيني معاكِ طول الايام اللي فاتت، حاولي تغيري من نفسك عشان كده هتبكي ندمًا لما أبلكك.
اغلقت الحاسوب ضاحكة:
_لا وعلى أيه، إعملي اللي يريحك.
ردت بعنجهيةٍ وهي تعيد بصرها للمنزل الذي صنعته:
_ده شيء أكيد.
ثم عادت تتطلع صوبها، وتناديها بارتباكٍ:
_بقولك أيه يا فاطمة.
أجابتها وهي تضع الحاسوب بالحقيبة:
_قولي.
عدلت من طرف حجابها المنسدل جانبًا، وكأنها تمشط خصلاتها، بينما تستجمع شجاعتها لنطق:
_قبل ما نطلع هنا، كنا جوه في المطبخ، ساعة ما دخلتي عليا ولاقتيني عاملة طاجن صغنن من ورق العنب بشرايح اللحمة، فاكرة؟
جذبت انتباهها للحديث، فتطلعت لها بكل انتباه، بينما تتابع مايا:
_وقتها أكلت طبق صغير، وعزمت عليكي وإنتِ رفضتي وقولتي مليش نفس، ومش طايقة ريحة الأكل وكلام من هذا القبيل فاكرة؟
هزت رأسها باستغرابٍ، وانتظرت سماع الجزء المهم في الحوار، بينما مازالت تتابع مايا بدقتها في وصف المشهد، وكأن الأخيرة لم تكن طرفًا فيه:
_وأنا كمان قولتلك إني شبعت، حتى لما قولتيلي كملي أكلك، قولتلك لا خلاص معتش قادرة، فاكرة؟
تحررت عن صمتها بنفاذ صبر:
_هو الموقف فات عليه سنتين، فاكرة والله كل التفاصيل دي، وبعدين أيه حصل؟!!!
أخبرتها بنزقٍ وضيق:
_قومي هاتي بقية الطاجن، أنا مأكلتش كويس وهموت من الجوع.
تصنمت ملامحها وهي تتطلع لها، في محاولة لاستيعاب ما تقوله، بينما تستطرد مايا كأنها لم تفعل شيء:
_هتلاقيني مدكناه بالتلاجة في الرف الرابع، ومغلفاه كويس بالسلوفان، حكم فريدة هانم السلحدار مركبة حساسات بمناخيرها، لو قفشته هيجيلها سكتة قلبيه، والسبب هيكون إنتِ، أنا بتاوي الجريمة وقتي ومبسبش أي دليل ورايا.
واستطردت وهي تلوي شفتيها بنزقٍ:
_لولاش الكرامة والنفسنة دخلت في قلبي من الكلمتين بتوعك مكنتش سبت أي ثغرة ورايا.
وتمتمت بسخطٍ:
_إنتي وحماتي الحمل نازل عليكم بصدة النفس، وأنا اللي ما شاء الله نفسيتي قابلة الأخضر واليابس!
مازالت فاطمة تتطلع لها بصدمة، ففرقعت أصابعها قبالتها لتستجدي انتباهها، بينما تلقي أخر تعليماتها:
_سخنيه كويس في الميكرويف، ومتتأخريش عليا.
فلت عنها ضحكة وهي تنهض متجهة للداخل، فصاحت مايا بغضب:
_سمعتك على فكرة.
استدارت تهز يديها ببراءة، وضحكتها تفضح تأثرها بالموقف، غادرت "فاطمة" للداخل، وتركت "مايسان" تستكمل اضافاتها بمدخل المنزل الذي تجتهد لصنعه، فإذا بها تلمح ظلًا لمن يقترب إليها، رفعت رأسها تمشطه بنظرة حادة، ثم عادت تستكمل ما تفعله.
ابتسم "علي" على تجاهلها المتعمد له، وإتجه يسحب أحد المقاعد، وضعه على مسافةٍ منها، ثم جلس يراقب ما فعلته، جاذبًا أطراف الحديث ببراعته وذكائه،ليرغمها على الرد عليه وعدم تجاهله مثل ما يحدث معهما بأخر فترة:
_فاطمة سايباكي لوحدك ليه؟
سحبت المكعب تبحث عن المكان المناسب لوضعه، بينما ترد ببرود:
_بتسخنلي الغدا وراجعه.
تعمد التعليق على ما قالت ليستدرجها بمشاكسة ناجحة:
_بدأتي رحلة الانتقام مني، فاستغليتي ملاكي البريء لخدمتك!
منحته نظرة متعالية، وأكدت بتعالٍ زائف:
_ولسه هتشوف مني أنت وأخوك الأكتر من كده.
ادعى عدم علمه بمقصده، بينما بداخله ينصهر ضحكًا:
_ليه كل القسوة اللي في قلبك دي يا مايا؟
تركت المكعب من يدها، واستدار تقابله بغيظٍ:
_ليه؟؟ إنت خرجت وكلك ثقة وغرور إنك هترجع بعُمران، غبت بره وقفلت موبايلك، ولما رجعت سألتك عنه قولتلي اطمني عُمران مش مسافر ولا هينفذ اللي في دماغه، وزيادة الاطمئنان من وجهة نظرك إنك ادتني تليفونه وجواز سفره!! أعمل بيهم أيه وأنا معرفش جوزي فين؟!
رد بعقلانية لم يخسرها بعد:
_قولتلك إني أقنعته يعتكف بالمسجد عشان يتخلص من الموضوع ده بشكل نهائي.
هزت كتفيها، قائلة بضيق:
_وأنا معترضتش، بس على الأقل أعرف عنوانه.
بادلها بسؤالٍ:
_ولما تعرفي هتعملي أيه؟
رمشت بتيهة وقالت:
_معرفش، بس إنت عاجبك غيابه ده، أنا بسبب أخوك أجلت الولادة يومين، ومش عارفة هصبر لحد أمته؟ كده العاشر هيدخل عليا وأنا قاعدة قعدتي دي!!
تحررت ضحكته، وقال يمازحها عساه يتمكن من اخراجها من حالتها:
_لا متقلقيش، لو وصلتي للمرحلة دي هروح أجيبه.
شملته بنظرة مستهزئة، وعادت تستكمل تصميمها هامسة بسخطٍ:
_هتطلع إنت اللي بتطبخها معاه في الأخر!
قهقه ضاحكًا حتى أحمر وجهه، وتحدث بصعوبة:
_الظلم حرام يا مايا، مينفعش تلقيني بتهمة خطيرة زي دي!
صاحت غاضبة:
_ألقيك براحتي،إن شالله ألقيك بقالب طوب،طول ما أنت مانعني من الوصول لجوزي عمر قلبي ما هيصفالك يا دكتور.
منحها نظرة ساخرة، اتبعت قوله:
_ وكانت فين الشجاعه والعنف ده كله وقت ما قالك على اللي ناوي يعمله وقالك متعرفيش حد!
صفنت وهي تتطلع للمجسم الذي صنعته، بينما تمتم:
_بيعملي تعاويذ وسحر ابن فريدة!
انفجر ضاحكًا حتى كاد أن يسقط من شدة نوبته، فتابعته بضيقٍ وقالت:
_اضحك اضحك، بكره جاي عليك الدور.
استقام بوقفته يعيد المقعد لمحله:
_لا وعلى أيه، أنا هروح اعملي فنجان قهوة معتبر، وهكمل قراءة في المكتب أحسن.
وخطى للامام ثم استدار يخبرها ببسمة جادة قبل رحيله:
_عُمران راجع وقريب أوي يا مايا.
شق الأمل بركة يأسها، فلحق به دمعة انهمرت من عينيها بينما تخبره بكل تمني:
_يا رب يا علي.
استكمل طريقه مبتسمًا، بينما ظلت هي محلها تتطلع بما صنعته والحزن يسيطر عليها حتى جعل عينيها تسطران وابل من الدموع الحارقة.
*****
انتهت من تسخين الطعام، فوضعته على الصينية وجذبت من البراد كوبًا من العصير، وضعته وحملت الصينية واستدارت لتعود إليها، فتفاجئت به يرتكن على باب المطبخ، يتأملها بنظرات سرت داخلها فاصطبغ وجهها بحمرةٍ الخجل لأجلها.
تحرك بخطواته المتزنة تجاهها، وحينما وقف على مقربة منها، رفع ذقنها للاعلى ليعود ببصرها إليه مجددًا، فرددت بتلعثم لتخفي خجلها وتأثرها به:
_خضتني يا علي.
منحها ابتسامة وقولًا دافئًا مثلما اعتادت:
_سلامة قلبك من الخضة يا قلب علي.
أفرجت شفتيها عن ابتسامة لم يراها هو، بل كان غارقًا بسحر عينيها الفاتن، وإذا به يهمس وهو يقاوم سحرهما المغري:
_ما كُنت أُؤمن بالعيونِ وسِحرها حتى دهتني في الهوى عيناكِ، جميلةٌ بقَدر الزّهر، والرِّياح، ونَسائِم المَطر، ونجُوم اللّيل، والسهَر، وطهارة الغيم، ودفئُ الجَمر، جميلةٌ بِقَدرِ حُبكِ، وحبي للشّعرُ، والنّثر.
كادت أن تذوب من فرط جمال الكلمات المختارة لها، بينما يميل هو طابعًا قبلة أعلى حجابها، فتراجعت للخلف ترفع الصينية بوجهه لتعوق نيته الخبيثة فيما سيفعله مجددًا:
_عندك يا دكتور، الصينية هتقع مني، ومايا هتعمل مني مشروع بيوت صغيرة ترصهم جنب البيت اللي شقيانه فيه بره من الصبح.
حملها عنها ومال يستند على جبينه بجبيه، قائلًا من بين ضحكاته:
_محدش يجيله قلب يأذي الملاك البريء ده، حتى مايا نفسها هتضعف قدام رقة قلبك يا فطيمة.
حاولت الوصول ليده لتلتقطها منه وتركض للخارج، ولكنها لم تتمكن لفرق الطول بينهما، بينما الاخر يدغدغها، فتراجعت تحذره بضحك:
_بس يا علي، بتعمل أيه؟!
وأستكملت لتثير اهتمامه:
_هات الاطباق، مايا جعانه هتاكلني لو اتاخرت عليها.
احنى يده لها؛ وفور أن تمكنت من المسك بها، هرولت للخارج مبتسمة، ومازال يتابعها حتى اختفت من أمامه، فاتجه لغرفة المكتب يعد لذاته كوبًا من القهوةٍ، استعدادًا لخوضه رحلة خاصة مع إحدى كتبه.
******
مالت بجسدها على ظهر المقعد من خلفها، تدعم ظهرها الذي بدأ يؤلمها من جلستها أرضًا، ثم أخذت تدقق في تصميم المنزل الذي صنعته بانبهارٍ، ورددت بصوتٍ منخفض:
_براڤو عليا وتسلم إيديا بجد.
وتابعت بكبرياء مضحك:
_مرات الوز عوام، أمال يعني هجيب الابداع ده كله منين؟!
_وذكر الوز فخور بيكِ كل الفخر يا عيوني.
قالها من يراقبها، بقامته المستقيمة بشموخٍ، صوته الرخيم أفسد عالمها الهادئ، وعصى فيه الفساد، حينما أهتز جسدها واستدارت تتمعن فيه، هاتفة بعدم تصديق:
_عُمــــران!
ابتلع مرارة الألم، وألقى الحقيبة عن ذراعه، ثم انحنى يجلس أرضًا أمامها، يضم وجنتها بكفه الحنون، ورماديته تحاوط مُقلتيها في لقاءٍ حميمي، بينما تزف نبرته تلك الكلمات بعشق:
_يا عمره وروحه وحياته اللي من غيرك متسواش.
أحاطت كفه بفرحةٍ، وهي تبتسم ضاحكة، وتبكي بذات الوقت، فمالت تقبل كفه، وهي تعود لندائها كأنها لا تصدق عودته:
_عُمران!!
سحبها إليه وقد جلس بشكلٍ أكثر أرياحية، ليتمكن من دفنها كلها إليه، سامحًا لتلك العبرات بالنزق عبر مُقلتيه، تمسكت به باكية، وصوتها كاد أن ينشق صدره، مخترقًا قلبه الذي غرق في أوجاعه.
مال يقبل جبينها، هامسًا بوعدٍ قطعه لها بتلك اللحظة:
_كل اللي فات إنتهى وعدى، أنا خلاص رجعت ومش هبعد تاني يا مايا، وحياة غلاوتك في قلبي إنتِ وابني اللي لسه عيني مشفتهوش، لأعوضك عن كل اللي عشتيه بسببي وبسبب الماضي اللي اتفرض عليكي تعشيه معايا.
سحبت نفسًا طويلًا يحمل رائحته القريبة منها، تود أن تحطم به ظنونها بأنها تتخيل وجوده، اتسعت بسمتها وهتفت بحبٍ:
_كان قلبي حاسس إنك هترجع، وهتكون جنبي، إنت عمرك ما إتخليت عني زمان عشان تعملها وتتخلى دلوقتي يا عُمران.
أبعدها عن صدره، ليتعمق بالتطلع إليها، يرفع يديها إليه، مقبلهما برقةٍ وحنان:
_جنبك ومعاكِ لأخر نفس يا حبيب قلبه ودنيته.
_حمدلله على السلامة يا بشمهندس.
قالتها "فاطمة" التي تقف على بعدٍ منهما، فنهض وهو يجذب مايا عن الأرض، يحيها بابتسامة هادئة، وعينيه تتأمل ما تحمله بفضولٍ، ترنح بنبرة ساخرة:
_الله يسلمك يا مرات أخويا يا غالية، لا أنا كده اتطمنت إنك كنتِ قايمة بالواجب ومنفذة كل أركان الوصية.
ضحكت وهي ترفع الصينية نصب عينيه:
_شوفت، قولتلك متقلقش طول ما أنا موجودة.
استندت مايا على كتف عُمران وقالت بتلعثم وارتباك:
_خلاص يا فطيمة أنا لما شوفت عُمران شبعت.
رفعت احدى حاجبيها بسخطٍ:
_ده بجد! أمال كنتِ بتهدديني لو أتاخرت بالقتل ليه من شوية!
مالت من خلفه تشير لها بتحذير، وقد أخصت بالاشارة لرقبتها، فارتعبت فاطمة وقالت بابتسامة واسعة:
_الاكل ده بتاعي، مايا من ساعة ما مشيت وهي نفسها مسدودة عن الأكل.
رقصت بحاجبيها بفرحة، وخرجت من خلف ظهره تتطلع له ببراءة ووداعة، جعلته يقرص أذنها:
_فاطمة البريئة ملهاش في حركات خبثك يا بيبي، مش أنا قولتلك بلاش تعملي الحركات دي قدام أستاذك، ده إنتِ تربية ايدي.
حاولت المناص منه وهي تصرخ باستغاثة:
_ودني، خلاص مش هعملها تاني، الحقيني يا فاطمه.
تركها وانحنى يحمل حقيبته، ثم أشار لفاطمة:
_علي فين؟
هتفت بحماس للقائهما:
_بمكتب أنكل أحمد.
هز رأسه ممتنًا له، ثم ابتسم لزوجته قائلًا:
_دقايق وراجعلك يا بيبي، لو اشتاقتلي كملي في بنية بيت الأحلام ده لحد ما ألبي الدعوة.
قالها وإنطلق للداخل، فلوت شفتيها هاتفة بنزقٍ:
_هو أنت على طول راحل كده، أمته هتستقر بقى، قرفتني معاك يابن فريدة!!
سقطت فاطمه على المقعد من فرط الضحك، فسحبت منها مايا الصينية وجلست أرضًا تلتهمها بغيظٍ وضيق!
******
أغلق زر ماكينة القهوة بعدما سكب كوبه، ثم أتجه للمكتب، يجذب بضعة مناديل ورقية، وعاد للماكينة مجددًا يمسح بضعة القطرات المسكوبة، ثم رفع يده ليجذب الكوب الذي تركه منذ قليلٍ، فاندهش حينما لم يراه.
استدار يبحث على سطح المكتب، عساه تركه هناك حينما كان يحضر المناديل، فتفاجئ به هنالك، جذبه "علي" ورفعه إليه بدهشة ازدادت مع رؤيته فارغًا!!
داعبت ابتسامة شفتيه، ولسانه يردد دون أن يستدير للخلف:
_نورت بيتك!
واستدار يقابله بأجمل ابتسامة امتلكها، فاذا بالاخير يندفع صوبه، تلقفه علي بفرحة غمرت كلاهما، بينما يتحرر لسان عُمران الثقيل، يبوح عن مشقة الهجر:
_فراقي عنك كبرني فوق العمر عمر.
واستطرد باكيًا رغم ابتساماته:
_أنا إزاي كنت هبعد عنك سنة، كنت هموت أكيد يا علي!
أبعده وهو يزجره غاضبًا:
_بعد الشر عليك، إنت بتفرحني برجوعك ولا بتزعلني بكلامك السم ده.
ابتعد يزيح دموعه، ويطالعه بكل حب، يقرأ بوضوح سؤاله الفضولي، حتى أنه سحبه للأريكة، يسأله بلهفة:
_ها؟
منحه ابتسامة، وقطع فضوله برده المبهج:
_عمري ما مليت من دعائي، وربنا حققلي حلمي وشوفته يا علي.
أجابه باكيًا، وبصوتْ يتقطع من فرط التأثر:
_شوفت رؤية طيبت وجعي وضمدت كل جروحي يا علي ، إحساس لو عشت عمري كله عشان أوصفه مش هعرف أوصفهولك.
أدمعت عيني علي تأثرًا بحديثه، أمال ذراعه يلتقفه إليه، فمال على كتفه يبكي كالطفل الصغير، ويتمتم بكلماتٍ خنقها البكاء:
_ربنا من عليا وريح قلبي يا علي، أنا مستهلش كل ده.
مرر يده على شعره الذي طال ليصل لخلف رقبته، قائلًا بمحبة:
_ربنا سبحانه وتعالى بيبص على قلوبنا يا عُمران، وإنت قلبك نقي وأبيض، وتوبتك رجعته نضيف تاني بعد الذنب اللي ارتكبته.
استكان على كتفه، بينما يربت عليه بحنانه، واحتواء:
_أنا كنت واثق إن ربنا هيراضيك، وهيطيب وجعك.
تشبث به عُمران مبتسمًا على مشاعره الصادقة، وما كان أن يجاريه بالحديث حتى أقتحم صوتًا غاضبًا مجلسهما الهادئ:
_طبعًا كل اللي في دماغك حضن علي، لكن الهانم اللي خلفتك وتعبت عشان تزرع فيك كل الصفات الآرستقراطية الراقية مش في الحسبان عند سيادتك.
ابتعد عُمران عن أخيه بدهشةٍ من سماع ما قالته والدته، رآها ترمقه بضيقٍ، ويديها منعقدتان أمام صدرها الذي يعلو وينخفض بشراسةٍ.
ارتاب علي لأمرها، يينما همس له عُمران وهو ينهض من جواره:
_عندي دي، متقلقش!
تركه وإتجه إليها، هاتفًا بصوتٍ رخيم يستهدفها به:
_مين يقدر يتجاهل وجود برنسس عيلة الغرباوي، فريدة هانم!!
ومال يتلقفها بين ذراعيه، ينشب شباكها بخبث:
_أنا كنت بستمد طاقة إيجابيه قبل ما أجيلك، بحيث ما أثرش عليكي بالطاقة السلبية اللي شايلها.
دفعته عنها هاتفه بحنقٍ:
_لو الطاقة الايجابية مركزها حضن علي، فأنا في أشد الاحتياج له عنك.
وتركته وأتجهت إلى علي، الذي ضمها ضاحكًا، بينما يطالعه عمران بغضب، واندفع تجاهها يفصلها عن علي ويضمها مجددًا، قائلًا:
_لا يا فيري أوعي تخونيني الخيانة دي وفي وشي كمان، مش كفايا إني مستحمل أحمد الغرباوي، وفشلت أوصله لمحكمة الأسرة، تقومي تكرهيني في علي!!
ضحكت رغمًا عنها، وانطوت بين ذراعيه تمنع دموعها من أن تنشطر بصعوبة،شدد عمران من ضمها، وقال ليرفع عنها الحزن:
_بابا علي وجوده مهم في حياتنا، بس أنا الكل في الكل يا فيري، علي يفتقد الخبرة في التعامل مع الجنس الناعم، ابنك خبرة عشرين سنة، بيلقطها وهي في بطن أمها.
لكزته بغضب، فتأوه ضاحكًا، وعاد يشدد من ضمتها، فرددت وهي تجاهد البكاء:
_عارف لو عملت فينا كده تاني هعمل فيك أيه المرادي؟
وأبعدته ليتمكن من رؤية إشارة يدها المحذرة:
_أوعى تكون فاكر أنك بطولك وعضلاتك دي كبرت على الضرب، لا انا هربيك من أول وجديد ولو فكرت تعلي صوتك أو بس تعترض هزود عقابك.
مال ينحني قبالتها باستسلامٍ، متنحنحًا بخشونة لم تنطبق مع قوله:
_لو كبرت على الدنيا كلها مقدرش أكبر عليكِ، لو ضربك ليا هيريحك أنا تحت أمرك.
تهاوت دمعتها تأثرًا به، حتى علي تخلل الحزن قسماته، انحنت فريدة تعاونه على النهوض، واندفعت مجددًا لاحضانه، تهتف بمزح ضاحك:
_طلع عندك حق يا علي، مش هينفع معاه الضرب إطلاقًا، يتخاف منه مرة ومرة تانية من مكره وفنه في اختيار الكلام.
وضحكت مستطردة:
_بيعرف يلين القلوب، وبالذات قلوب الهوانم!
ضحك علي، وعُمران الذي قال بتكبر:
_لسه عندك شك في مواهب ابنك يا فريدة هانم؟!
منحته نظرة صارمة، ونداء حازم:
_ولد!
تلاشت ضحكته، ورسم جديته، انحنى يحمل حقيبته واتجه ليخرج من الغرفة، وقبل أن يغادر مال يقبل وجنتها، وغادر سريعًا، اتسعت ضحكة علي، حتى فريدة ابتسمت، واستدارت تخبر علي بتعالي:
_شوفت سيطرت عليه إزاي، وكنت هضربه عادي جدًا!
هز رأسه وهو يكبت ضحكاته بصعوبة، بات يتعامل مع أخيه كأنه ابنه الصغير، والآن دور والدته!
*****
ترك الحقيبة أرضًا، وتسلل لجناح والدته، يركض صوب الفراش الصغير، يحملها بكل شوقًا ومحبة، يمطرها بوابل من القبلات، ويهمس لها بشوقٍ:
_وحشتني أوي يا صغنن.
تعلق بيدها يضمها مبتسمًا، دافنًا انفه بها، يدغدغها برفقٍ وأثنى عليها:
_واوو ريحة البرفيوم بتاعك خطيرة، طيب قوليلي أكلك أنا دلوقتي ولا أعمل أيه؟
وأضاف ضاحكًا:
_شكلك أتغير خالص، انتِ كمان إكتئبتي في بعدي يا صغنن؟
فاقت من نومتها تبكي، فازدادت ضحكاته وقال بتفاخر:
_هعتبرها اشارة.
وضع لها البيبرونه، وحملها متوجهًا للمصعد، ناطقًا بعزمٍ:
_مش قادر أفارقك، فمضطر أخدك معايا فوق!
******
خرجت تبحث عنهما، فوجدتهما يجلسان بالخارج، عبثت "فاطمة" على الحاسوب لتنهي عملها، فاذا بها تلمح "فريدة" تدنو منهما، فصاحت لمن تلتهم الطعام بنهمٍ:
_مايا.
مــــايـــــا!
انتفضت حتى سقط الطبق بأكمله فوقها، فركلت ساقها بعنف:
_آيــــه فزعتيني!
رددت بصعوبة واصبعها يشير تجاه القادمة إليهما:
_فريدة هانم.
جذبت الطعام من على فستانها تتناوله بسخط:
_مالها بكيزة هانم؟
ابتلعت ريقها بينما تحرر لها قولها الاخير:
_في طريقها إلينا.
سقط الطبق منها فزعًا، وحاولت بشتى الطرق النهوض عن الأرض، صائحة بتوسل:
_ساعديني يا بنتي، مش قادرة أقف!!
تركت ما بيدها وساندتها حتى استقامت، فاسرعت تضع أحدى المقاعد فوق الصينية الصغيرة، ووقفت تعدل من ثيابها وتجفف فمها باحدى المناديل الورقية، تقف كلتاهما بانتباه كأنهما باستقبال إحدى أفراد الشرطة.
أحاطتها فريدة بنظرة متفحصة، وخاصة الذيوت التي تركت بصمتها على فستانها الفاتح، تجلى عنها كل الحديث، وانطلق سؤالها:
_أيه اللي عمل في فستانك كده؟
أطلقت نظراتها إليه، ثم قالت:
_كنت بلعب بالنجيلة!
أبصرت بشكٍ خلفها:
_وأيه الريحة دي؟!
تنهدت بقلة حيلة وقالت:
_طمطم كانت بتتوحم فاتصرفت.
ضيقت عينيها بدهشة:
_طمطم!
تغاضت عن كلماتها، وتساءلت:
_وحم من تالت شهر!!
وطرحت سؤالًا أخرًا:
_بتتوحمي على أيه يا فاطمة؟
رفعت كتفيها بصدمةٍ، جعلت الاخيرة تلكزها، فهمهمت بتيهة:
_على أكل!
دمدمت مايا بشفتيها بنزقٍ:
_يا راجل! أنا فكرت إن اللي بيتوحموا بيتوحموا على برسيم!
صاحت بها فريدة وقد كشفت أمرها:
_مايــــا.
أشارت لها بالاقتراب منها، فابتلعت ريقها بصعوبة، واقتربت، مالت لها فريدة تشم رائحتها وقد انكشف من أمامها الطبق، فصرخت بوجهها:
_أعمل فيكي أيه؟! أنا مبقتش عارفة حملك ده فين، بقيتي حامل من كل مكان!!!
You need a strict diet after giving birth
(إنتي محتاجة ريجيم قاسي بعد الولادة!)
منحتها نظرة ثاقبة، وقالت مدعية الحزن:
_على فكر ة بقى أنتي كرهتيني في نفسي يا فريدة هانم، أنا اديتك وعد إني هخس بعد الولادة، أعمل أيه يعني بكون جعانه جدًا.
ردت بكل بساطة:
_جعانه كلي أكل صحي يفيد البيبي، مش بكمية الدهون والكرلسترول العالي ده!
أجابتها ببسمة واسعة:
_كلها كام ساعه وهرجع لنظامي القديم، هخش أكمل جوه آآ.. أقصد أطلع لجوزي حبيبي، وحشني أوي.. عن اذنكم.
كزت فريدة على أسنانها، واستدارت تجاه فاطمة المبتسمة، تشهدها بقلة حيلة:
_شوفتي البنت!!!
******
ولجت للداخل تغلق باب الجناح من خلفها، وأتجهت تبحث عنه، وجدته يصلي بزواية الصلاة، وقد ترك الرضيعة تغفو أعلى فراشه.
زحفت مايا وجلست خلفه، تراقبه وتتلصص لسماع صوته بترتيل القرآن بحبٍ، حتى انتهى من صلاته وجلس يسبح قليلًا على سجادته، وفور أن استدار وجدها تضع رأسها على قدميه.
أحاطها بذراعيه، ومال يقبل جبينها، فابتسمت وقالت تداعبه:
_غريبة إنك مش لابس لبس خروج! أصحابك مش وحشوك؟
لف يده من حولها وقال بما ربح به الحرب على قلبها:
_إنتِ وحشاني أكتر.
وأضاف وهو يسند ظهرها إليه لتتمكن من الجلوس براحةٍ:
_لو مش هتزهقي مني فأنا قاعد معاكِ فترة، لحد ما بعد الولادة بشهرين تلاته، ينفع تتولي مسؤوليتي مع البيبي اللي هيشرفنا ده ولا أرحل بعيد عنكم، بس خدي بالك أنا صبرت عليكي كتير أوي ومن حقي أتجازى على صبري ده.
ضحكت بصوتها الرقيق، قائلة:
_ده إنت شكلك داخل على طمع يابن فيري.
رفع احدى حاجبيه هاتفًا باستنكارٍ:
_ابن فيري!! لا واضح إن لسانك بقى أوقح مني، ومحتاجة لاعادة تأهيل يا بيبي، بس متقلقيش أنا رجعتلك.
سحبت كفه تلفه من حولها، هامسة بحبٍ صادق:
_حمدلله على سلامتك، ربنا ما يفرقك عني أبدًا.
تلاشى غضبه، ونبعت ابتسامة جذابة على وجهه، فرنى متلهفًا للقائها، فاذا بصوت بكاء يقتحم مجلسهما، زوى حاجبيه وهو يدقق النظر لبطنها المنتفخ، متسائلًا بصدمة:
_الصوت ده جاي منين؟ مايا إنتِ ولدتي؟!
لكزته بضيقٍ، وأشارت للفراش ضاحكة:
_فيروزة هانم بتديك إنذار إنها صحت!
******
قدم له طبقها من السلمون بالسلطة الصحية التي أعدها لها، وضعته فاطمة جانبًا وراقبته وهو يتمدد على الشازلونج متابعًا قراءته بالكتاب الذي يحمله.
نادته بصوتها الشجي:
_علـي!
أجابها ومازال يبحث عن الصفحه الذي توقف عند قراءتها:
_أيوه حبيبتي.
سألته وقد مالت للمقعد تستند بهيامٍ:
_فرحتك برجوع عُمران باينة عليك، لو أنا هاجرت شهر ولا اتنين للمغرب هيكون عندك ليا نفس الاشتياق واللهفة؟
ترك الكتاب بيده ورفع رماديتاه لها، وبكل بساطة قال:
_مين هيسمحلك تسافري أصلًا؟
ابتسمت وشاكسته بتحد:
_لو حابة أسافر هتمنعني؟
رد بهدوئه الرزين:
_مقدرش أمنعك عن شيء عايزة تعمليه، بس أقدر أشاركك في كل مكان تروحيه.
اتسعت ابتسامتها، وعادت تعتدل بجلستها لتستكمل طعامها، وما أن فرغت منه حتى نهضت تتجه إليه.
جلست على بعدٍ منه، تمسد على بطنها الملتصق، وقالت شاردة:
_تفتكر هيجيلنا بنت ولا ولد؟
تطلع لها وابتسامتها أشرقت وجهه:
_أنا متلهف لأي جنس من الاتنين، وصدقيني مش فارقلي أجيب أيه أكتر من إن الطفل ده منك يا فطيمة.
فرحتها لم تسعها بكلماته، فتوهجت مُقلتيها، وأخذت تجذبه بمسار الحديث المحبب لقلبها:
_لو جالنا ولد إختارنا نسميه عُمران، طيب لو بنت هنسميها أيه!
غاب بشروده قليلًا ثم تنحنح بخشونة:
_لين، أنا بحب الاسم ده جدًا.
منحته نظرة متفحصة، ثم تمتمت:
_أعتبره اسم حبيته عادي، ولا هيطلع في قصة حب ليك بطلتها لين يا دكتور علي؟
تحررت صوت ضحكاته الرجولية، بينما يرفع يديه للاعلى مستسلمًا:
_ قلب علي مفهوش غيرك صدقيني.
ارتخت تعابيرها المشدودة، ورددت برقةٍ:
_ثقتي فيك كبيرة طول عمرها.
قال ومازال يراقبها باهتمام:
_وهتفضل كبيرة على طول.
نهضت من محلها تتجه للكومود، وعادت تحمل عُلبة مطوية، رفعتها إليه على استحياءٍ:
_أنا جبتلك هدية، ينفع تلبسها على طول.
أكد لها بسعادة جعلتها تستريب لأمره، ولكنها فتحت العُلبة، فرأى خاتمًا فضيًا موضوع بلباقةٍ بمنتصفها، حملها يتفحصه باهتمامٍ وتركيز، فوجده مدون عليه
«وإني أراك بعين قلبي جنة، يا من بقربك مر الحياة يطيبٌ!..»
ابتسم وعشقه يطوف بقلبه، وانتزع خاتمه القديم، ثم قدم اصبعه لها، عاونته على ارتدئه، ففجائها حينما ضمها وقال:
_مش هقلعه من إيدي أبدًا، وعد.
تمسكت به وسعادتها لا تقدر، ظنته لن يكون سعيدًا بتلك الاشياء البسيطة، ولكنه بالفعل نجح بفعلها، وعلى أكمل وجه.
********
مرت ساعات الليل مرور الكرام، ومازال عُمران مستيقظًا يراقب زوجته التي غفاها النوم بين ذراعيه باهتمامٍ، وحينما اقترب موعد صلاة الفجر، نهض يغتسل، ثم حمل سجادته ومصحفه وخرج من الجناح، فاذا بأخيه يخرج هو الاخر استعدادًا للصلاة.
شمله بنظرة غامضة من رؤيته بالملابس المنزلية، أنهاها بسؤاله الفضولي:
_هو إنت مش رايح مسجد الشيخ مهران؟
هز رأسه نافيًا:
_لا هصلي بالمسجد القريب النهاردة.
خشى علي من أن يكون هنالك أمرًا ما، فتساءل:
_في حاجة ولا أيه؟
أجابه مبتسمًا:
_عايز أكون جنب مايا، يوسف بعتلها رسالة إنها تكون بالمركز على الساعة 11 الظهر.
ابتسم علي وربت على كتفه بسعادة:
_وأخيرًا ولي عهد الطاووس هيشرفنا.
ضحك مستهزأ:
_أبوس ايدك تتبناني وتتبناه.
شاركه الضحك، ومضى يهبط برفقته للاسفل، متجهان للمسجد، أدوا صلاة الفجر وعادوا مجددًا للمنزل، وبالمصعد شرد عُمران وقد بدى عليه الحيرة، فحركه علي متسائلًا باستغراب:
_مالك؟
زفر بارتباكٍ أطلقه بجملته:
_هو الوجع ده المفروض يجيلها أمته؟
عبث بعدم فهم:
_وجع أيه مش فاهم؟
أشار له هامسًا:
_وجع الولادة يا علي مالك؟
رفرف بأهدابه بدهشةٍ مضحكة، وقال:
_أيه سبب سؤالك الغبي ده؟
رد بتلقائية أضحكت علي:
_سهران جنبها من امبارح عشان أكون مستعد لأي شيء، فخايف أروح في النوم ومحسش بيها.
مال علي على باب المصعد من فرط الضحك، وبصعوبة تلفظ:
_عايز أجيب اللي قالوا عليك وقح وأعدمهم في ميدان عام.
وخرج حينما توقف المصعد، يتجاهله ويتجه لجناحه، فلحق عُمران به يناديه بضيق من طريقته:
_علي، إنت رايح فين، تعالى جاوبني على سؤالي!
وقف محله ينتظر انضمامه له، وبسخرية طرق على كتفه ضاحكًا:
_سيرش حقير على جوجل، هتعرف منه إن في ولادة طبيعية وولادة تانية بالجراحة يا بشمهندس!!
أوقفه بينما يغادر مجددًا:
_عارف طبعًا إن في ولادة قيصرية بس بردو الوجع هيبتدي أمته؟!
مسح أعلى منخاره بحدة، وتركه وغادر بهدوء يحسد عليه، فذم عُمران شفتيه بحنقٍ:
_عاملي فيها دكتور حريف وشايفلي نفسك من أولها، أنت أخرك تعالج المجانين بتوعك بقلم وكراسة بيضة ياعم!
وتركه وعاد لجناحه، فسقط بالنوم سريعًا مستجيبًا لارهاقه لعدم النوم!
*******
ساعات محدودة وأزدادت شمس الصباح توهجًا، وبرفقته تصطحب شمس لحياة أخرى على وشك السطوع بنسل عائلة "الغرباوي"، وها قد تستعد وتضع ملابسه الصغيرة بحقيبة الولادة، تعاونها فاطمة وفريدة التي أشرفت على وضع كل شيءٍ بنفسها، لعدم خبرة ابنتها، وحينما انتهت وقفت قبالتها مبتسمةٍ تخبرها بمحبة:
_متتخيليش أنا متلهفة إزاي أشوف حفيدي يا مايا، إنتِ ادتيني كل حاجة حلوة، كنتِ ليا أعظم بنت، أجمل صديقة، وأحن زوجة ابن، وكلها شوية وهتديني حفيد.
وأضافت باشارة باصبعها منزعجة:
_صحيح هتكبريني شوية، بس أنا هحط حد للموضوع من أوله وهخليه يقولي يا فريدة هانم.
أخفت دموعها، وقالت بابتسامة واسعة وهي تضمها:
_وإنتِ كنتيلي أجمل أم في الدنيا كلها، ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
أزاحت فاطمة دموعها التي تساقطت تأثرًا بهما، وقالت:
_خلاص بقى انتوا هتقلبوها حزن ليه؟
دفعت فريدة مايا للخلف، ثم صاحت بانفعال وهي تركض صوب المرآة لتزيح دموعها وتتفقد وجهها:
_هي اللي بكتني، قولتلها ألف مرة مش بحب الحزن ولا الدموع بتكبر الوش وبتعجزه بس هي مبقتش تهتم بتعليماتي، وأكبر دليل جسمها اللي باظ خالص من الحمل.
وأشارت على ذاتها بتباهي وتفاخر:
_بصي شوفيني وقارني بينا.
وعادت تشير عليها:
_ هل يعقل إن ده جسم بنت لسه مكملتش التلاتين سنة!!
وأضافت بتأكيدٍ لما تود فعله بها:
_تروحي تولدي وترجعيلي، لازم تعملي نظام قاسي وتلعبي رياضة.
اشتد غضب مايا وخرجت عن المحتمل، حتى توسلات فاطمة لها لم تجدي أي نفع، فصاحت بها وبكل غضب:
_على فكرة يا فيري إنتي من بعد الحمل والولادة سوري يعني الحمل بهدلك خالص، وعجز ملامحك وجسمك بقى شبه المسمار المصدي ده عارفاه!!
وأضافت بضحكة أوضحت أسنانها بأكملهم:
_أنا من رأيي تكسري الحمية الغذائية المميتة دي لأنكل أحمد يدور على السمنة البلدي برة!!
خرجت عيني فاطمة من محجرهما، بينما كادت أن تسقط فريدة من شدة ما أصابها، أما مايسان فقد وجدت طريق المناص من الباب الذي كان ولحظها قريبًا منها
******
_أفهم من كده إنك عامل حجر على الجنين من قبل ولادته؟
قالها "علي" باسترابةٍ من حديث أخيه، الذي وضع ساقًا فوق الآخرى، وأجابه بثباتٍ أضحك علي:
_بالظبط، لو جت بنت تلزمني لعلي ابني، ولد هجبله أنا مزة تشبك معاه، المهم نسلك أنت بالذات مينفعش يطلع بره عيلة الغرباوي يا علي.
كبت ضحكته، وتساءل بجدية:
_ليه بقى؟
نزع عُمران نظارته الأنيقة، وأجابه بغمزة وقحة:
_عشان نضمن تكافئ الفرص، مهو أنا ميؤس مني، ابني كده كده هيورث مني حاجة، وكذلك بنتك أو ابنك، الاتنين هيكملوا بعض، بمعنى لو علي ابني جيه وقح يلاقي بنتك طيبة وعاقلة، وهكذا، أنا بحاول أدمج الجينات عشان ناخد شغل عالي!
تحررت ضحكات علي حتى أدمعت رماديتاه، فابتسم الوقح وأكد له بعدما انفرد ريشه:
_أنا ببلغك باللي هيحصل بس، كده كده البيبي اللي فاطمة هتجيبه هيدوب فيا، وهقدر أسحره بكلامي، شمال أو يمين مش هيكسرلي كلمة.
ومنحه نظرة متحدية، فيما يخبره:
_تحب تدخل معايا في تحدي؟
وما كاد علي بأن يجيبه، حتى اقتحمت "مايا" غرفة المكتب السفلية، تلهث بأنفاسٍ متقطعة، والخوف والهلع يحتجزان نظراتها، جعلت كلاهما يتابعانها بقلقٍ، فاذا بعلي ينتصب بوقفته، طارحًا أهم سؤالًا يليق بمرورها لأخر مرحلة من الحمل:
_أكلم دكتور يوسف يبعت الاسعاف؟
تجاهلت مايا حديثه، وركضت صوب الستار الكبير من خلف مقعد المكتب الذي احتله عُمران، اختبأت من خلفه برعبٍ، فاتجه إليها زوجها، أبعد الستار وتفحصها بنظرة دقيقة، فاذا بها تعيد الستار عليها مجددًا، ضحك عُمران ومال يردد بتسليةٍ، لوقوعها في مشهد مماثل لمشهد نعمان:
_حبيب قلبه عامل مصيبة وجاي يتدارى في جوزه يا ناس!!
وأضاف باستغراب:
_بس هو مش التوقيت مش هو، احنا المفروض نتحرك على المستشفى؟
برق بذعرٍ، ورفع الغطاء يسألها:
_تكنش أعراض ولادة، حاسة بأي وجع؟
هزت رأسها نافية وسحبت الستار، فعاد يرفعع مجددًا، ورفع حاجبه تزامنًا مع نطقه للكلمات:
_زعلتي مين المرادي يا بيبي، لو نعمان معنديش مشكلة أقف في وشه وأقوله بكل جبروت أن مراتي بسكوتة نواعم مستحيل تأذي حد، بس هو من ساعة ما رجع بيته ومشفناش منه أي أذى شهادة لله!
ضم علي أعلى أنفه بقلة حيلة، بينما تجذب مايا الستار مجددًا، فرفعه عُمران وتساءل بمللٍ:
_ما تنطقي يا مايا، عملتي أيه وجاية تتداري فيا؟؟
أتاه الرد من خلفه حينما صاحت فريدة من الخلف:
_ابعد عني يا أحمد، والله ما هسيبها النهاردة..
توترت ملامح عُمران، فاستغلت مايا تطلعه لباب مكتبه بصدمة، وإذا بها تعود لتسحب الستار عليها، فتحرك عُمران يفتح باب المكتب، اندفعت فريدة للداخل، توزع نظراتها بين ولديها وهي تصيح بانفعالٍ:
_فين ميسان؟
دنى منها "علي" بثباتٍ مخادع:
_في حاجة ولا أيه يا فريدة هانم؟
تجاهلته وتطلعت لابنها الاخر هادرة بحزمٍ:
_فين مراتك يا بشمهندس؟
تخلى عن صمته وقال بمراوغةٍ:
_محبوسة جوه قلبي، لو حابة أخرجهالك مش هتخرج غير بالدم، يرضيكِ ابنك يتجرح يا فيري!
منحته نظرة نارية، بينما يتمتم أحمد من بين اصطكاك أسنانه:
_مش وقتك يا وقح، خدلك جنب.
ضحك وهمس باستهزاء:
_متدخلش إنت يا أحمد يا غرباوي بدل ما تتشاط في الرجلين، ونطلع كلنا على محكمة الأسرة قول إن شاء الله.
لم تتابع فريدة حوارهما، كانت مشغولة بتأمل تلك التي ترتجف من خلف الستار، فربعت يديها أمام صدرها وقالت بغضب:
_اطلعي من ورا الستار يا مايا، البيبي فضحك يا حبيبتي!
ضحك أحمد بجنون، حينما وجد بطنًا مكورة يخرج عن الستار، وكأن الحائط يحمل بجنينٍ، فاذا به تطل بوجهها من خلفه، تبحث عن واحد بينهما، وهي تناديه باستنجاد:
_عُمران!
كبت ضحكاته وهو يجيبها بصوته الضاحك:
_حبيب قلبه وروحه.
واتجه لها يضمها بينما يهمس لها:
_عملتي أيه يا مايا، دي فريدة هانم عينها بتطلع شرار!!!
تمسكت به بينما تخبره برعشةٍ تحتل صوتها:
_هي عمالة تقولي تولدي وترجعي تعملي دايت قاسي، فقولتلها إنتي كمان الحمل بهت ملامحك وغيرك ، وقبل ما أكمل كلامي عقلها طار وجريت ورايا، هي اللي جرحت مشاعري الأول!!
جحظت مُقلتي عُمران وعلي في صدمة، فريدة التي تخشى أن تذرف دمعة واحدة فتخسر نضارة وجهها، التي تقضي ليلها بعمل روتين طويل للحفاظ على جسدها ووجهها، تتلقى هذة الكلمات البريئة من الشخص الخاطئ بالوقت الأخطر.
وزعت مايا النظرات المرتعبة بين زوجها وأخيه، ثم أسرعت تبرر:
_مكنتش أقصد!
صوبت لها فريدة نظرة نارية، بينما تأمرها بعنفوان:
_تعالي حالًا هنا قدامي، بدل ما أجيبك أنا، أوعي تفكري ان الحمل والولادة خلاوني أخسر رشاقتي زيك، لا أنا لسه كيرفي.
شددت من يدها على جاكيت بذلة عُمران، فمال يضمها مجددًا، هادرًا من يين ضحكاته:
_بتجريني لحرب أنا مش هيجيلي قلب أقف فيها، ولا جاي من قلبي أتخلى عنك بعد المسكة والبصة المغرية دي، قوليلي أعمل فيكِ أيه أنا!
رددت وعينيها تتطلع لفريدة:
_help me please.
تنحنح علي بخشونة، واقترب من والدته:
_فريدة هانم، مايا أكيد مش قصدها، هي بس خنقة الشهور الأخيرة وخوف ما قبل الولادة بيعلوا الهرمونات وأكيد حضرتك فاهمه.
رمت له نظرة صارمة:
_متتدخلش يا دكتور، ويلا إطلع ساعد فاطيما العاقلة في نزول الشنط.
قالتها وهي ترمي نظرة محتقنة تجاه مايا، التي طلت من خلف جسد عُمران الضخم، تصيح:
_وأنا يعني اللي مجنونة، قصدك أيه يا مامي!!!
ابتسمت رغمًا عنها، فكلما تستنزفها تردد بتلقائية كلمتها التي لطالما كانت تناديها بها منذ صغرها، حتى اعتاد لسانها على نطق "فريدة هانم".
ربت أحمد على كتف علي، ومال يخبره:
_اسمع الكلام واطلع ساعد مراتك، انت وهي أعقل اتنين في عيلة الغرباوي كلها، اطلع وإحفظ عقلك بعيد عن الجنون ده، خلي واحد فينا سليم يعالج الباقي.
وتابع ببسمة خبيثة:
_ متقلقش الطاووس حاضر هيحل المدعكة دي، هو الوحيد اللي بيقدر لفريدة.
حرك رأسه بخفة، وغادر على الفور، بينما تشير فريدة لها:
_مايسان قربي هنا والا والله العظيم هاجي أجيبك أنا.
استدار لها عُمران ودنى منها يخبرها بنبرة هادئة مخادعة:
_صباح السكر والورد والجمال كله على أجمل برنسس في عيلة الغرباوي كلها، اللي محدش يُجرأ يرمي أي كلمة في حقها، ولو حصل فأكيد سوء تفاهم عابر ومالوش أي أساس.
واستدار يستشهد بزوجته:
_مش كده يا بيبي؟؟
أكدت باشارة رأسها، بينما مازالت فريدة تتابعها بذراعي معقود:
_ولد يا بكاش أنت، كلامك مش هيأكل معايا، هاتلي مراتك أربيها، كده كده بنتي وأنا ملزومه بيهها وبأخلاقها.
كبت ضحكة كادت أن تنفلت منه، ومال يقبل جبينها:
_عارف يا روحي، انتِ أساسًا مميزة في كل حاجة، حتى باهتمامك بشكلك، هو حضرتك مش شايفه جمالك اللي كل يوم بيزيد ولا أيه؟
واستدار تجاه أحمد الذي يكاد فمه ان يصل للارض من فرط دهشته:
_ما تتكلم يا عمي!
هز رأسه أكثر من مرةٍ بينما يقول:
_ما شاء الله يا قلبي، كل يوم بتصغري عن اليوم اللي قبله.
حلت فريدة عقدة ذراعيها، وقد لانت تعابيرها قليلًا، بينما تشير تجاه مايا:
_هاتها هي تقولي الكلام ده.
ابتسم عُمران وأشار لزوجته بأن تقترب، فاقتربت تختفي خلف كتفه بحمايةٍ، فاذا بفريدة تحذرها للمرة الاخيرة:
_اطلعي قدامي هنا حالا وبطلي تتداري في عُمران!
طلت من خلفه، تقف قبالتها مرتبكة، وحلقها يزدرد بقلق، فسألتها فريدة بجدية مضحكة:
_هو أنا فعلًا وشي كرمش؟؟ صارحيني عشان ألحق أحل الموضوع؟!
وزعت نظراتها بين عمها وزوجها الذي يشجعها على النطق، فاذا بها تخبرها:
_أنا عيبي الوحيد إني مش بعرف أكدب!!
صاحت فريدة بانفعال:
_بمعنى؟!!!!
أسرعت تجيبها بخوف:
_يعني انتي زي القمر وجسمك متأثرش بالحمل والولادة خالص، أنا اللي معرفش مالي بالظبط، وبعدين حضرتك نازلة ذل فيا من وقت ما جسمي زاد، فكان لازم أخد حقي، وآه بتحامى في جوزي لإنه عمره ما اتخلى عني عشان يتخلى عني دلوقتي.
لف عُمران يديه من حولها، ومال على كتفها يردد بضحكة واسعة:
_حبيب قلبي الواثق من جوزه، كلامك رشق في قلبي من جوه.
رمقتهما فريدة بنظراتٍ غامضة، ثم مالت تجاه أحمد وسألته بجدية مصطنعة:
_هو مين اللي جوزهم ببعض يا أحمد؟ يمكن الذاكرة خانتهم وخانتني.
ربت على كتفها بفخر:
_إنتِ يا فيري.
أكدت بايماءتها ثم قالت ببسمة ماكرة:
_وأنا حالًا هعرف أخليهم إزاي يرجعوا تحت جناحاتي!
كبت أحمد ضحكاته، وتساءل بشماتة:
_نطلع بيهم على محكمة الاسرة؟
مسح عُمران على كتفه وغمز له بوقاحة:
_ما تريح يا عمي، أنت كبير ومش حمل الحوارات دي صدقني!
أتت فاطمة من خلفهما تخبرهم:
_أنا جبت الشنط، وزينب كلمتني هي وسيف ودكتور يوسف وصلوا المركز.
أستغل علي الامر وقال:
_طيب يلا يا جماعه عشان منتأخرش.
أوقفتهم فريدة باصرار:
_محدش هيتنقل الا لما أربيها، بنتي وفشلت في تربيتها واللوم عليا.
مال أحمد يهدأها:
_فريدة البنت داخلة عمليات!
ردت بتهكمٍ ساخر:
_دي لسالها يومين وتدخل على العاشر، وماله لما تستنى يوم أربيها فيه.
أسرع عُمران لها يساندها ويعركل قدميها، طالعته مايا باستغراب، فاذا به يغمز لها بمكرٍ:
_مالك يا حبيبتي، حاسة بأيه؟
أشادت بما يفعل، وصاحت بوجع:
_آه مش قادرة همـوت.
هز علي رأسه ضاحكًا، بينما لفظتها فريدة بنظرة مشككة، فردد احمد بارتباك ليمر الامر:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، متقلقيش يا بنتي هتقومي وهتبقي زي الفل.
مالت مايا على أذن زوجها تخبره بغضب:
_علمتني تمثيل الألم أهو حضر بجد يا حبيبي ولا تزعل.
وصاحت تصرخ بألمٍ، فاستشفت فريدة صدق حديثها، فصاحت لعمران بأمرٍ قاطع:
_إنت بتتفرج عليها، شيلها بسرعة!
حملها وركض بها صوب السيارة، وقادها علي سريعًا للمركز، حيث كانت غرفة العمليات مجهزة لاستقبال حالتها، من قبل طبيبة اختارها يوسف لتنوب عنه، اتباعًا لخطة علي المحكمة للنفاد من غضب عُمران الجنوني بأقل الخسائر الممكنة.
******
وبينما تتم ولادة مايا بالداخل، كانت تتم تنفيذ خطة علي بالخارج على أكمل وجه، حيث كان الطابق المخصص للجراحة فارغًا الا من وجودهما، حتى فاطمة وفريدة وأحمد لم يكن أحد موجود برفقتهما.
جلس عُمران على الارائك المعدنية مشدوهًا، يعتصر اصابعه بتوترٍ، وإذا به يلتفت جواره مناديًا:
_علي!
اغلق علي الهاتف مع آدهم، بعدما أبلغه بالتوجه رفقة شمس للجناح، وإتجه يجلس جواره وبابتسامة واسعة قال:
_متقلقش الطابق كله معزول عن المركز، وكل اللي مع الدكتورة جوه ممرضات، حتى اللبس خليتهم يفصلولها لبس مخصوص، أي تعقيبات أخرى؟
بدى وكأنه يتحدث مع طفلًا صغيرًا، تجاهله عُمران وعاد يتطلع أرضًا بوجعٍ، يود لو يتمكن من الولوج إليها.
انضم يوسف إليهما، وقال لعلي بأسف:
_مقدرتش أقعد تحت، وبعدين أنا منبه عليهم جوه ميطلعوش البيبي لحد، محدش هيسلم الوقح ابنه غيري أنا نادرها.
ومال يضمه بشوقٍ، وبابتسامة حنونة قال:
_وحشتنا ومبارك ما جالك مقدمًا.
أحاطه عُمران بحبٍ، ومنحه ابتسامة هادئة ثم عاد يجلس محله من جديد، فاتجه يوسف للمقاعد المقابلة له وأشار الى علي، فترك عُمران الذي لم يشعر بهما واتجه إليه، قال يوسف ليحطم قلق علي:
_متقلقش يا علي، الحالة اللي جات لعمران قبل كده مرتبطة بيك إنت، عُمران مش هيعاني منها تاني.
تنهد والخوف قد أصابه في مقتل:
_بتمنى يا يوسف، بس لازم أكون جاهز لأي احتمالات، عايز أتأكد بنفسي انها كانت حالة مؤقتة مش هتهاجمه كل ما هيتعرض لخوف شبيه باللي عاشه.
وسحب هاتفه يدون لآدهم
«آدهم من فضلك هات فيروزة وانزل لوحدك»
وبالفعل ما هي الا دقائق وانفتح المصعد، ليطل آدهم من أمامهم، حاملًا الصغيرة بين يده بحرصٍ، حملها منه علي، هاتفًا ببسمة بشوشة:
_عقبال ما نتجمع باستقبال ابنك يا باشا.
ابتسم آدهم ومازحه بلطف:
_هنتجمع عندك الاول يا دكتور وبعدين أنا بإذن الله.
هز رأسه بامتنان، وتركه يجاور يوسف بجلسته، واتجه لاخيه، بينما يتابعان ما يحدث بنفس القلق المستحوذ على علي.
انتبه عُمران لاخيه، وهو يخاطبه ليلفت انتباهه وتركيزه كليًا:
_بص جبتلك مين يا سيدي، حالفة لتحضر استقبال علي باشا الغرباوي بنفسها.
تلهف عُمران فزعًا، بل وانتفض يحملها من أخيه بضيق:
_جبتها ليه يا علي، ازاي أصلًا تجيبوها في الجو ده.
وتابع وهو يعدل غطائها:
_ودي لفة تلفها بيها، أيه يا أخي معندكش قلب!!
بالرغم من ثباته أمامه، الا أنه كان بمنتهى السعادة لمساعدته بالخروج من حالته بمنتهى البراعة، وبدون أدنى مجهود، فلقد نجح بأن يلهيه بالصغيرة التي حملها وجلس بها جانبًا يعتني بها، بل وقد إنطبق عليه جملة يوسف الذي رددها لآدهم منبهرًا:
_دكتور علي نجاحه كله راجع لثباته وذكائه.
واستدار لآدهم يخبره:
_الراجل ده محتاج يُدرس في كتب الطب النفسي.
ضحك آدهم وقال ساخرًا:
_وبالجهاز صدقني!
شاركه الضحك، واذا بهاتفه يستقبل رسالة، والآخرى على هاتف آدهم بنفس التوقيت، تطلع كلاهما للهاتف ثم وضعوه، فقال آدهم ساخطًا:
_سيف وآيوب اتخانقوا عاشر.
هز رأسه، وأضاف مستنكرًا:
_المرادي آيوب بيشتكي ان سيف معتش بيعبره ولا بيغير عليه!! وبيقول انه ضارب صحوبية مع آيثان اليومين دول!!
قهقه آدهم ضاحكًا، وقال:
_والله ما بقيت عارف آيوب عايز أيه، ولا سيف بيعمل أيه؟
همس له وهو يتابع اشارة الممرضة:
_ديتها قعدة صلح نقضيها بعد ما نستقبل ابن الوقح!
قالها ونهض يسرع للممرضة التي أشارت له، حمل منها الطفل، وهو يهتف بسعادة وكأنه يحمل ابنه:
_بسم الله ما شاء الله.
انخطف قلب عُمران وعينيه ترفرف من محله تجاه ما يحمله يوسف، رنى إليه مبتسمًا وبمحبة قال:
_مبارك ما جالك يا حبيب قلبي، ربنا يجعله بار بيك وبوالدته وتفرح بيه يارب.
ضم فيروزة إليه ومال يقبل جبينه ووجنتيه ويديه، ثم نهض يزيح دمعة خائنة أخجلته، بينما يحرر صوته المتحشرج:
_إديه لباباه يا يوسف.
رمش بعدم استيعاب وكأنه لم يستوعب كلماته، فعاد يكرر:
_إديه لعلي يا يوسف.
إنصاع له يوسف ووضعه بيدي علي، الذي يحترق شوقًا لرؤيته، حمله وأخذ يهمس بسعادة:
_ما شاء الله، ربنا يحميك يا حبيبي.
ومال يقبله ويؤذن له بصوتٍ مرتعش من فرط البكاء، شعر وكأن من يحمله هو ابنه بالفعل وليس ابن أخيه.
شعور لا يوصف بالمرة، وخاصة حينما فضله عُمران على نفسه وأمر بأن يحمله هو قبل أن يحمله بذاته.
احتضن آدهم عُمران وهنئه بحبٍ:
_مبروك يا طاووس، يتربى في عزك.
ضمه بمحبة صادقة وقال:
_عقبالك يا آدهم، وأوعدك إني هسابقك عشان أشيله قبلك.
رد بحب:
_أنا هركن على جنب وهسيبك تشيله الاول، زي ما عملت ما علي هعمل معاك، مهو الحلو كمان بيترد.
اتسعت ضحكته وقال بما أدهش به يوسف:
_تعرف إني بحبك!
هتف يوسف مازحًا:
_سجل يا تاريـخ.
وضع عُمران فيروزة إلى آدهم، ومال يهمس ليوسف ضاحكًا:
_هيسجلكم كلكم من أوسع أبوابه، كفايا انكم تعرفوني أساسًا.
وتركهم وغاب عنهم بالداخل، يتفحص أمر زوجته، انتظر بالرواق الداخلي حتى خرجت بالسرير المتحرك، تحرك جوارها يناديها بقلق، يحاول أن يجعلها تسترد وعيها، ولكن الطبيبة أخبرته بأنها مازالت تحت تأثير المخدر، فاتبع الفراش المتحرك للمصعد، ومنه للباب الجانبي للجناح، حملها عُمران حتى وضعها بفراشها، ومازال الجميع يجلسون بالخارج بانتظار الاطمئنان عليها
رواية صرخات انثى الفصل 122 - بقلم ايه محمد رفعت
_حاسس إنه شكل عُمران جدًا!
أجابه سيف وهو يفحصه بشكلٍ ظاهري:
_مش بيبان على طول كده يا بشمهندس.
صاح به آيوب بمشاكسة:
_لا بيبان أنت مدينلك الشهادة بالرشوة، متعرفش بطب الاطفال حاجة.
اندهش جمال من اندفاع آيوب، الشاب الطيب البشوش، فمال عليه إيثان ضاحكًا:
_الادوار اتقلبت بين الزغاليل، ملناش دعوة بيهم احنا يا هندسة، ركز في الخواجة المستقبلي.
اعترض سيف قائلًا وهو يقبل وجنة فيروزة:
_ما شاء الله على القمراية دي، سكر ياخواتي.
حاول آيوب رؤية وجهها، فانبهر هو الاخر وقال:
_ما شاء الله ولا قوة الا بالله!
ضحكوا معًا وتفحصوه كأنه قطعة من الآثار الهاربة من المتحف الكبير، فقال آدهم:
_أنا حاسس إن عُمران لو قفشنا هيبقى رد فعله مش لطيف.
ضحك علي وقال مازحًا:
_متقلقش يا آدهم، أنا مخلي عمي يراقب الاجزاء بره أول ما يقرب هيديني رنة.
وقد أتته الرنة تحذره من اقتراب عُمران، الذي ما أن ولج صاح بخشونة:
_أنا ميهمنيش مين فيكوا شال ابني، مهما كان ده شاب زيه زينا، لكن اللي مش هتهاون فيه هو إن حد فيكم يحط ايده على أختي، فبهدوء كده أختي كانت مع مين فيكم!
هزوا رؤؤسهم، ومازال الفتاة قيد ذراعي سيف، الذي أسرع يضعها بين يديه، فالتقطها عُمران وقال بوجومٍ شديد:
_العيب مش عليك يا سرنجة، العيب على أخوها الكبير اللي شكله فرحته بالواد نسيته يعني أيه نخوة.
ذهل الجميع، بينما ضحك سيف وقال:
_مش متفاجئ أنا، ما طلع عين أمي لحد ما سلكت زينب من عندهم، حتى حضرة الظابط مازال بيعاني.
أضاف يوسف مازحًا:
_يا ويله وويل ويله اللي هيقع في حب فيروزة هانم.
انطلقت ضحكات الشباب تجلجل بينهم، وجلسوا برفقته لقليل من الوقت، يسود بينهم المزح والمرح، والحديث الجاد حول الفترة التي قضاها عُمران بالمسجد، ومدحه بالشيوخ الذي استمع لهم بتلك المدة، واذا به يتطلع صوب جمال ويهتف بخبث:
_نسيت احكيلكم على حاجة غريبة حصلت بالمسجد هناك.
سأله آيوب بفضولٍ:
_حاجة أيه؟
قال ومازال يراقب جمال المرتبك:
_كل يوم كان في شخص ابن حلال بيجي عند المسجد وبيوزع واجبات وعصاير للناس اللي بره وجوه المسجد.
وأضاف ومُقلتيه تضيقان بخبث:
_لا وسبحان الله كل الاكل اللي كان بيتوزع كان أكلاتي المفضلة، لا ونفس العصير الغالي اللي بحبه!!
ابتلع جمال ريقه بارتباك، وقد انتقلت جميع الاعين له، والابتسامة والاعجاب بعلاقتهما تزداد، بينما يستهزأ عُمران:
_قال قولي يا جيمي هي شوشو لسه بتزعل لما حد بيقول على الحاج إنه اتكل على الله، أصلى أنا الوحيد اللي أحب أدلعها وأمشي معاها في سكة إنه حي يرزق، ساعتها تطبخ بمزاج وتأكل من ايدها شوية ملوخية ومحاشي عجب.
وأضاف باسلوبٍ ملتوي:
_ويا سبحان الله الواجبات اللي كانت بتوصلني كان نفس أكلها ونفسها في الأكل تخيل؟!
أسرع يدافع عن ذاته قائلًا:
_كنت بجيب الواجبات وبمشي تاني والله ما دخلت ولا قطعت اعتكافك!!
ضحك عمران والشباب، بينما يهتف آدهم ضاحكًا:
_مش محتاج لاي وسائل تعذيب يا بشمهندس، كله طالع تصاريحك يا صريح!!
نهض إيثان يشير للشباب:
_طيب بينا يا شباب، بلاش نتقل على الجماعه أكتر من كده، أنا وعدت يونس اني مش هتأخر، هو مشغول مع جماعته شوية وبيعتذرلك يا خواجه انه معرفش يجي.
ربت على كتفه بتفهمٍ، وبدأ الشباب بالمغادرة، فقال آدهم ليوسف:
_ورانا قعدة عرب، هخدهم وأطلع بيهم على أقرب كافيه، هتيجي معانا.
قال بانهاكٍ:
_هبص على مدام مايا، وهحصلكم على طول، ابعتلي اللوكيشين.
هز رأسه بخفة، وغادر رفقتهم، ولم يتبقى الا علي وأحمد الذي ولج للتو يصيح:
_أشوفه، يا تدوني بنتي، ادوني أي حد.
قدم له عُمران الفتاة، وقال يحذره:
_لم البطانية عليها الجو مش مظبط.
ومال يلتقط الصغير من أخيه، يحمله ويضمه بسعادة، ثم رفعه لاحمد الذي قبله وقال بصوت حفزته العاطفة:
_شبهك انت وعلي وأنت مولودين يا عُمران.
استدار تجاه علي وقال بابتسامة جذابة:
_يا رب يكون زي علي يا عمي، يارب.
ربت على كتفه وقال بجدية تامة:
_يا رب يكون زيه وزيك في حنية قلبك وطيبتك يابني.
ابتسم عُمران، وخرج به، فاذا بشمس تهرول له بلهفة:
_أنا مشفتوش يا عُمران، كده ظلم على فكرة، بقالكم ساعة واخدينه جوه.
منحه لها وهو يضمها قائلًا بمزح:
_الواد وأبوه تحت أمر جنابك يا شمس هانم، المهم متتعصبيش عشان البرنس اللي جوه ميكرهنيش.
قبلت الصغير بفرحة وانبهار، وركضت صوب فاطمة وفريدة تخبرهما بسعادة:
_بصوا الجمال، جميل جدا ما شاء الله.
انتبه عمران لاشارة يوسف له، فعلم بأنه يود أن يفسح له مجال الولوج لغرفة مايا، منحه ما أراد حتى ولج لها.
بينما اقترب علي منهم وأشار لفاطمة قائلًا:
_فاطمة هاتي شمس و تعالوا نروح نطعمه .
حملته بحرص واتجهت برفقته هي وشمس، بينما جلس أحمد برفقة فريدة التي هدهدت الصغيرة حتى غفت.
*****
دموعها إنسابت على وجهها، بينما تجاهد لفتح مُقلتيها، أزعجها الضوء بالبداية ومع ذلك حاولت، حتى تسرب إليها الضوء، وبدأت تراقب المحاوطون لفراشها، واحدًا تلو الأخر، ومازالت في رحلةٍ بحثها عمن تركته بالخارج، فاخترق مسمعها صوته الهامس بجوارها:
_أنـا هنـــــا!
قالها بنبرة دافئة، داثرت جسدها البارد، فمنحته ابتسامة خرجت بكل تلقائية، مع نداء خافت:
_عُمران!
أنزاح عنه القلق أخيرًا، وتنهد يجيبها بهمسٍ متعب:
_حبيب قلبه وروحه وعمره إنتِ، خضتيني عليكي يا مايا.
أشرقت إبتسامتها من جديدٍ، ثم ما لبست حتى عاد العبوس لوجهها، تحررت عنها أحبالها المتحشرجة، فهمست بكلماتٍ لم تكن مفهومة بالمرة له، فنهض عن مقعده، ومال ينحني تجاهها متسائلًا بفضولٍ:
_بتقولي أيه؟!
عادت تهمس له مجددًا، فالتقطت آذنيه لأخر كلماتها وبدايته لم تكن واضحة له؟
_فين؟؟
رد عليها بابتسامة حنونة:
_ تقصدي ابننا! متقلقيش علي أخده لدكتور الأطفال يديله التطعيمه وزمانه جاي بيه.
هزت رأسها برفضٍ لما قال، وعادت تكرر سؤالها بوضوحٍ أكثر، وصراخًا فزع الممرضة و"يوسف"الذي يدون لها ما ستفعله:
_بقولك رجليـــــا فيـــــن؟؟؟
رمش بعدم استيعاب لما تقوله، بينما تشرأب بعنقها، في محاولةٍ لرؤية أن كانت ساقيها موجودة بالفعل أم لأ، وبنفس الاصرار صرخت:
_وديتوا رجلي فين؟؟
انتقل عُمران ببصره نحو يوسف، الذي رفع يديه قائلًا:
_الحمد لله إني محضرتش الولادة دي، فبالتالي أنا براءة من أي سرقة أعضاء هتتهم المركز بيه، وأقولك عايز تبلغ عن دكتور علي بلغ كده كده إنت أول واحد هتتشيع وراه!
عادت مايا تميل برأسها على الوسادة، والبكاء يتلبسها بينما تهتف بكل عدائية:
_إنت إزاي تفتكر الحرباية ألكس ومتفتكرنيش أنا، لا وبأي عين تطلب مني أصبغ شعري زيها، عُمران يابن فريدة هانم الغرباوي إنت خايــــــــن!!
اندهش من تلك الحالة التي سيطرت عليها فجأة، وخاصة حينما بدأت بالبوح بالأعمق من ذلك،وما لم يكن بالحسبان دخول فريدة وأحمد، فلم يملك عُمران خيارًا أخرًا ومال يكمم فمها، ليوقف وابل الفضائح والاعترافات التي ستلقيها، فاذا بفريدة تهدر فيه غاضبة من تصرفاته:
_إنت بتعمل أيه للبنت، إبعد ايدك عنها!!
هز عُمران رأسه، وقال متصطنعًا ابتسامة باردة:
_دي تمارين يوسف قالي أعملهالها.
استنكرت فريدة قوله، واستدارت تجاه يوسف الذي عدل من نظارته بصدمة مما يحدث قبالته، وأشار ببسمة واسعة:
_أنا ورايا حالة حرجة في الولادات، آآ.. أقصد في العمليات، بالسلامة أنا بقى.
وزع أحمد نظراته الحائرة بين يوسف وعُمران، وقد انتباه قلقًا مما يحاول عُمران منع حدوثه، فحاول التدخل حينما قال مبتسمًا:
_ما تيجي ننزل الكافيه تحت نشرب قهوة يا فيري!
منحته نظرة محتقرة، جعلته ينسحب للخلف بهدوس مضحك، بينما تلكم عُمران بحقيبتها الكلاسكية وهي تأمره بصرامة:
_إبعد عنها وحالًا.
رفع يده عن فمها، فاذا بها تستدير تجاهها مبتسمة ابتسامة نثرت القلق على الوجوه، وتضاعفت فور أن نطقت بكل حبور:
_عقربة هانم إزيــــك!
رفرفت فريدة بعينيها، وتساءلت:
_هي بتقول أيه؟!
رسم عُمران بسمة بلهاء وقال:
_بتقولك فريدة هانم.
هزت رأسها بشكٍ، بينما تعود مايا للحديث بتيهة:
_بقى أنا بعد كل البهدالة دي وفي الآخر تعمل فيا كده، إنت قضيت على مشاعري وقلبي، إنت حقيقي قليل عليك رفعة الشوز، أنت كنت عايز كـ....
كبت عُمران فمها بصدمةٍ، وصرخ في يوسف الذي طل من خلف الباب له:
_انت عارف لو مجتش فوقتها هطلع بروح أمك!!
جحظت عيني فريدة صدمة، ومالت تضربه بحقيبة يدها بعصبية:
_أيه الالفاظ المتدنية دي يا قليل التربية.
أجابها ومازال يسيطر على زوجته:
_ده أنا رحمك من اللي ممكن تسمعيه، صدقيني أنا خايف عليكي.
ومال يهز رأس زوجته صارخًا بها:
_مايـــــــا فوقـــي، فريــــدة هانم بنفسها جايلك تتطمن عليكي يا بيبي.
قالها وهو يضغط على إسم فريدة عساها تسترد وعيها، فمالت برأسها تهمس:
_بكيزة هانم وصلت!!
صعقت فريدة وكممت فمها بيدها، هادرة بصدمة:
_مين بكيزة!! أنا بكيزة!!
هز أحمد رأسه وقال موضحًا:
_بتقول فريدة.
صاحت نافية:
_No بتقول بكيزة انا سمعتها
تنحنح يوسف وهو يسيطر بصعوبة على ذاته:
_لا يا فريدة هانم بتقول فريدة.
وأضاف لينجد عُمران الذي تورمت يده من قرصها عليه باسنانها:
_لو ينفع تستنوا بره بس هبص على الجرح.
هزوا رؤؤسهم بتفهمٍ، وخرج أحمد برفقة فريدة للخارج، وحينها سحب عُمران يده وهو يزفر براحة، بينما تميل مايا تجاهه، فتحت عينيها وقالت باكية:
_إنت عايز تبعد عني تاني يا عُمران، حرام عليك؟!
أغلق عينيه يحجب كل ما يمكن أن ينطق به وقاحته في تلك اللحظة، بينما يردد يوسف شامتًا:
_أخليهم يجبولك عصير ليمون
رواية صرخات انثى الفصل 123 - بقلم ايه محمد رفعت
أرخى جسده على مقعد مكتبه، يستريح من عناء هذا اليوم الطويل، فاذا بهاتفه يستقبل رسالة من زوجته، تجيبه على رسالته
«أنا سيبت البنت مع المساعدة وجيت أشوف مايا، وبصراحة ارتاحتلها جدًا وحاسة إنها هتفيدني الفترة اللي جاية، وخصوصًا إني هنزل المركز اتابع شغلي»
ابتسم وهو يكتب لها بفرحة
«قولتلك إنها بنت حلال، أنا سأل عليها كويس، اللي مفرحني إنك قررتي أخيرًا ترجعي لشغلك، وقاعدة البيت منجحتش بإغرائك..»
اخذت دقيقتين لتكتب له
«هي فعلًا بنت حلال، بس بردو مازلت خايفة ليحصل زي ما بيحصل اليومين دول وتلطشك مني، يعني تستغل غيابي في المستشفى وتتحرمش بيك، وإنت تقع في غرامها ، وأرجع ألقيك أتجوزتها عليا، بس لو حصل هشرحك حي ومن غير تخدير يا دكتور الحالات المتعسرة!»
اهتز الهاتف بيده من فرط الضحك، بل استجمع ذاته بصعوبة وهو يدون لها
«عيوني شبعانه بيكِ يا دكتورة، بحب جزارة بشر!! بس على قلبي زي العسل يام نوجة»
وأضاف ضاحكًا
«يهون عليكي تخضيني، افترضي جاني ذبحة وأتشيعت من الرعب مين هيفيد النسل البشري من بعدي، طيب أنتِ معندكيش نية تعمليها مرة تانية؟»
اتاه الرد صادمًا
«أنت اللي معندكش نية للحظر من التليفون والحياة يابو بنتي يا غالي؟ بالمناسبة زينب من ساعة ما دخلنا وهي شايلة علي الصغير ومنتحة قدامه، وشوية وطالعالك، أسترجع عن الطب ما شئت عشان هيفيدك معاها، بالشفا يا دكتور»
انتصرت عليه انتصارًا ساحقًا، بينما انتفض هو بمحله، فسقطت نظارته الطبية أرضًا من شده انتفاضته، في نفس توقيت فتح "علي" باب المكتب، باحثًا عنه، فرنا إليه متسائلًا باستغرابٍ من رؤيته يجلس أسفل مكتبه:
_أنت بتعمل أيه عندك يا يوسف؟
طالعه في لهفةٍ، وكأنه وجد سبيل النجاة من عتمته، فنهض يصيح مفزوعًا:
_علي.. إلحقني يا علي!
اندهش علي من حالته الغامضة، وبنفس ثباته الذي يتخذه من بداية دخوله قال:
_خير؟ عُمران هددك بشيء؟
خرج له يخبره وهو يتابع الباب بقلقٍ:
_هي زينب فين؟
اجابه ومازالت الدهشة تحاوطه تجاهه:
_مع مايا والبنات تحت.
ارتسمت بسمة إرتياح على وجهه، وأسرع ينزع البلطو الطبي عنه، بينما يسحب محفظته وهاتفه ومفاتيحه:
_كويس جدًا، ألحق أهرب قبل ما تقبض عليا، ورايا قاعدة صلح مع حضرة الظابط، ومش ناقص فرهدة.
واستدار لينجو بذاته، فإذا به يلقى حتفه بتلك التي تقابله عاقدة الذراعين، والحاجبين، ويغضب قالت:
_هتساعدني ولا أشوف دكتور غيرك؟
عبث علي باسترابةٍ، وبذهولٍ تام تساءل:
_خير يا زينب، محتاجة مساعدة في أيه؟؟
*******
استندت على ذراعه الممدود، وخطت برفقته بطرقة الجناح، وكلما زاد تعبها، مالت على كتفه تبكي من شدة الوجع، فإذا بعينيه تدمعان تأثرًا بها، فقرب رأسها لذقنه، وقبل جبهتها، هامسًا بصوت احتقن بدموعه:
_سلامتك من أي وجع يا حبيبي.
ودعمها محمسًا:
_يوسف قال أنك لو مشيتي في الجناح، هيوافق أنك تروحي البيت.
بكت وقالت بتعبٍ:
_مش قادرة.
حاوطها كليًا بذراعيه، إنحنى يحملها بخفةٍ، ويمازحها ليرى بسمتها الذي أفتقدها:
_تعالي ريحي جوه، ومتقلقيش هروحك غصب عن عين أمه، كلامه يمشي على نفسه مش عليا.
تبسمت وهي تمنع صوت ضحكاتها من الخروج، فبالرغم من أنها لجئت للولادة دون ألم الا أنها مازالت تشعر بالألم.
تحرك بها خطوتين، ووقف يمنحها نظرة مشاكسة:
_مش عايزة تعرفي هلوستي في البنج بأيه وغلطتي في مين؟!
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، وقد تسلل لها الرعب، فأحاطت رقبته ومالت تستند بتعبٍ:
_مش مهم، بعدين اصدمني.
ضحك بصوتٍ أطرب قلبها، وأيد قولها:
_على رأيك.
وأتجه بها حتى غرفتها، عاونها على النزول عن يديه وقال هامسًا:
_ده أخري، البنات جوه مش هينفع أدخل.
هزت رأسها بتفهمٍ، فطرق على باب الغرفة، وقد اخشوسنت نبرته وهو ينادي:
_شمس، ممكن تساعدي مايا؟
خرجت أخته على الفور، تلتقطها منه، وتعاونها للدخول، وقد أسرعت لها ليلى والفتيات يعاونوها على التمدد بالفراش.
********
أتخذ "علي" مقعدًا جانبيًا مقرًا أمنًا له، وأخذ يتابع الحوار المتبادل بين زينب ويوسف بدهشة، وضحكات نجح بكبتها قدر المستطاع، وأن بذل قصارى جهده لذلك، وقد برز مجهوده بعرقه النازف فوق جبينه، وهو يشرح لها للمرة الثالثة أن الامور طبيعية ولا يستدعى الأمر، لتناول المشنطات، فهتفت بنزقٍ:
_هو إنت مفيش عندك الا نفس الجملة، أنا زهقت منك بجد يا يوسف، أديني منشطات أجربها، يمكن ربنا يكرمني عليها!
وأضافت والحزن قد تشكل جديًا على ملامحها:
_نفسي ربنا يكرمني بيبي صغنن، أعتني بيه وأحس أني مسؤولة عنه مسؤولية كاملة.
حاول أن يمازحها ليخرجها عن نوبة ضيقها:
_وسيف أثر معاكي في أيه؟ اعتبريه ابنك واتحملي بردو مسؤوليته كاملة عادي!! هو أصلًا على الله حكايته ومبيعرفش يعمل لنفسه كوباية الشاي!
طرقت بكلتا يديها على المكتب بغضب:
_انت كتضحك عليا أ يوسف يااك،انا كنت عارفة انك ماشي شي دكتور واعر،و ما كتعرف والو، انت دخلتي هاد التخصص غلط
(إنت بتستهزئ بيا يا يوسف، أنا كنت متأكدة أنك دكتور أي كلام، ومالكش في أي حاجة، إنت دخلت القسم ده بالغلط .)
وأضافت بنفس نبرتها المغربية، التي صعق لها يوسف وعلي:
_انا ماعرفاش علاش كنضيع و قتي معاك اصلا،انا غنطلع لعند الدكتورة الين باش تعاونني،ولكن قبل هادشي غادي نفضحك،خاص الصونطر كله يعرف انك دكتور فاشل،
انت فاشل أ يوسف
(أنا مش عارفة ليه بضيع وقتي معاك أصلًا، أنا هطلع على الدكتور آلين تساعدني، بس قبل ما أعمل كده هفضحك الاول ، لازم المركز كله يعرف أنك دكتور فاشل، إنت فاشــــــــل يا يوســــــف.)
وقف قبالتها يعدل من نظارته بصدمة من الحالة التي تلبستها فجأة، وتهته باستنكار:
_أنا موصلنيش أي حاجة من الهيروغليفي ده غير مشتقة كلمة الفضيحة!
رددت بالمصري وقد استعادته عن جدارة:
_وأي فضيحة أنا هوقف حالك وحال المركز كله بسببك.
خرج علي عن صمته، قائلًا بضحكةٍ رنت صداها بالارجاء:
_متتعبيش نفسك يا زينب، أنا قررت اقفله طالما المركز تاعب العيلة كلها وبيفكروا يقفلوه ازاي.
استحضرت وجوده في تلك اللحظة، وكأنها تناسته تمامًا، فقالت بحرجٍ:
_ما أنت مش شايف طريقته بالكلام يا علي؟
أكد لها حتى لا يعرضها لاحراج أكثر:
_شايف وبصراحه معاكِ حق.
جحظت عيني يوسف بصدمة، ومال يطرق كتف علي هامسًا:
_أيه يا دكتور علي مالك، ده إنت الوحيد اللي مثال حي للأخلاق والاستقامة!
دفعه برفق وقال وهو يشير على العُلبة التي أحضرها إليه منذ قليل:
_روح يا يوسف إكتب لزينب الدوا المناسب ليها، وبص بكرتونة الادوية اللي لسه جايبهلك من شوية، يمكن تلاقي فيها حاجه.
إتجه مندهشًا للطاولة، وبصعوبة سحب بصره عنهما وتفحص ما بالعُلبة، فوجد زجاجات مختلفة، أغلبهم فيتامينات، ونسبة قليلة للمعاونة بالانجاب، عاد يوسف ببصره لعلي وهو يحك رقبته بحيرةٍ، غمز له علي، فتفسر خطته الواضحة إلى يوسف أخيرًا، فاستغل انشغال علي بالحديث معها، وفتح إحدي زجاجات المنشطات، ثم سكبها بالعُلبة، ثم فتح علبة الفيتامينات وسكبها بها.
أعاد غلقها، وهرول يقدمها لها بابتسامة واسعة:
_اتفضلي يا زوزو، عشان بس تعرفي معزتك عندي.
تناولت منه الزجاجة بابتسامة واسعة، ثم رفعت بصرها نحوه بنظرة حادة، لتصحح مفهوم جملته:
_معزة! لا مهو واضح، لولا جوز أختي مكنتش شوفت منك حباية دوا حتى.
وأشارت باصبعها في وجهه حتى تراجع للخلف برعبٍ، بينما تحذره هي:
_أوعى تكون مفكرني هبلة وهتضحك عليها، أنا هبحث عن إسم الدوا وهتأكد هو لأيه بالظبط،ويا ويلك مني يا يوسف لو كنت بتخدعني.
كاد علي أن يسقط من الضحك، وقد أحمر وجهه بشدة، عدل يوسف نظارته وتنحنح بخشونة تسترعي جديته المهدورة:
_عيب يا زينب، أنتِ كده بتقللي من قدراتي كدكتور نسا معروف، وشاطر في مجالي.
أحاطته بنظرة ساخرة، ودمدمت بسخط:
_كل الصفات دي بلح، مش بيظهروا الا في الحالات المتعسرة، غير كده أنت متنفعش حتى دكتور أطفال يا دكتور!
قالتها وغادرت، فظل يتابعها حتى غادرت، فصاح بغضب حينما اطمئن لرحيلها:
_على أخر الزمن تيجي دكتورة تحت التدريب تشكك فيا أنا، طيب لعلمك بقى إنتي اللي محتاجه تركزي في شغلك ومذكرتك كويس، بدل ما تطلعي السنادي بخمس ملاحق.
وتابع وهو يراقب علي الذي يتابعه مبتسمًا، وثباته قد أثار ضيقه:
_بذمتك يا دكتور واحدة زيها هتعرف تهتم بعيل وهي داخلة امتحانات كمان كام شهر، دي أخرها تتفرج عليهم من بعيد ويتكتب ليها هي بالذات ممنوع اللمس!
نهض علي عن سطح المكتب، وإتخذ خطوتين تجاهه، يربت على كتفه بنفس الهدوء:
_هتتأخر على مشوارك يا يوسف، حافظ على هدوءك هتحتاجه لقاعدة الصلح.
هز رأسه وهو يهتف بضجر:
_معاك حق والله.
اتسعت بسمة علي، وأشار للعلبة:
_هنزل أنا، بس متنساش تخفي الجريمة يمكن ترجعلك تاني.
هرول للعلبة، يحمل للاقراص والزجاجة الفارغة، يتخلص منهم بالسلة، ثم عاد يقف قبالته هاتفًا بانهاكٍ:
_عنيفين أوي المغاربة دول!
ضحك بصوت مسموع، وقال يمازحه:
_لا مش كلهم، بلاش نظرتك في زينب تخليك تأخد فكرة مش لطيفة عنهم.
وأكد له ضاحكًا:
_من تجربتي المستمرة إن مش كلهم عنيفين، في صنف طيب وقلبه أبيض.
هز رأسه هاتفًا وهو يتابع محل رحيلها:
_طمنتني.
وعاد يخبره بخوف:
_أنا خايف على بنت أو ابن سيف من دلوقتي، هينزل خلقه ضايق وأنا أحب التعامل الهادي يا علي!
قهقه ضاحكًا، وبصعوبة تحرر حديثه:
_لا اطمن، الاطفال طباعهم بتكون ناتجه عن التربية، فلو خايف عليهم اتبناهم، زي ما هعمل مع ابن عُمران بالظبط!
عاد يحرك رأسه باقتناعٍ:
_حل ممتاز.
وعاد يتطلع له مبتسمًا:
_تصدق إنك انقذتني النهاردة منها.
وأضاف بحماسٍ:
_هات حضن يطري مقاسي اليوم اللي مش راضي يخلص ده.
راقب علي من يقترب إليه بدهشةٍ، وقبل أن يستوعب يوسف ما يحدث، وجد ذاته ملقى على سطح مكتبه، وعُمران منكب عليه، ويديه تلتف حول عنقه، وبشرٍ وحدة صاح:
_أخص عليك يا جو، محتاج تطري وأنا موجود، دي حتى تبقى عيبة كبيرة في حقي يا جدع.
وأضاف وهو يلكزه بعنف:
_مش أنا منبهك قبل كده وقايلك تتعامل مع علي بحدود؟
هز رأسه وهو يردد من بين سعاله الحاد؛
_حصل.
عاد يخبره من بين اصطكاك أسنانه:
_لا وإنت شاطر وعامل بكل كلامي، ده إنت داخل وبترسم على تقيل!
وأغلق عينيه وهو يجاهد ذاته، فضحك يوسف وسأله:
_أنا غلطت وعارف بده بس أعذرني في سؤالي أنت كويس، في أصوات عندك غريبة ومش طبيعية، إنت هتتحول ولا أيه؟!
فتح رماديتاه وهمس له:
_بحارب شياطيني اللي بيقولولي أفتح مطوتي عليك، بس للاسف اتأكدت أن اللي بعمله ده حرام مية في المية.
وأضاف وهو يعود يلكزه:
_بس متفكرش إنك نفدت مني بروح أمك. أنا مازلت بحاول أحجب كلابي عنك بس أنت اللي مصر تفك وثاقهم!
تنهد علي بغضب، وناداه:
_عُمران!
زفر بغيظٍ وهو يحاول أن يكظم كل سبابه، ونهض يترك يوسف، الذي يحاول السيطرة على ضحكاته، حينما تذكر موقف سيف وآيوب، والإن عمران وعلي فاذا به يخبر علي وهو يسقط ضحكًا:
_هو في أيه؟ مش المفروض الغيرة دي كلها تتجه نحية الزوجات؟! في حاجة غلط!
منحه عُمران نظرة ساخطة، وهدر:
_هتغور من وشي ولا أوريك الغلط ييتعمل إزاي!!
سحب جاكيته وقال متخذًا طريق السلام:
_لا وعلى أيه، أنا كده اتطمنت عليك جدًا، هستأذن انا بقى، ورايا طالعه تانية في مكان قريب ، سلام.
قالها وانسحب بهدوء، ولم يتبقى سوى الطاووس، وأبيه الذي يمنحه نظرات غاضبة، جعلته يذم شفتيه بعصبية لحقت نبرته:
_هو أنت فاتح حضنك لكل من هب وداب! في أيه يا علي ده حتى مكنة السحب بتغلق للصيانة!
ربع يديه أمام صدره ببرود لحق نبرته:
_هو مش يوسف ده من أعز أصدقائك ولا أنا بنسى!
هز كتفيه بعد تفكير:
_مقولتش حاجة،بس مش مبرر يا حبيبي، أنا كل ما بدب رجليا بمكان بسيبه ونص اللي فيه أصحابي، هتمشي ورايا تلقفهم بالاحضان يعني؟!
حل عقدة ذراعيه، ودنى إليه يتلقفه في ضمة، قائلًا بحنان:
_لا هتلقفك أنت بس في حضني، ده أنت حبيبي!
رفع بصره إليه يهاتفه بضيق:
_عيل صغير أنا! بتأخدني على قد عقلي!!!
ربت على ظهره وقال وهو يحجب ضحكته:
_أنا بحاول أعدي اليوم الصعب اللي عشته.
اغلق عينيه واستكان يمازحه:
_إذا كان كده ماشي.
ضحك علي وبعده بينما يقول بجدية:
_يلا إنزل شوف مايا عما اجيب العربية. يوسف قال أنها عادي ترجع طالما مصرة ومش حابة تبات هنا، وهنشوف حد من الممرضات تقضي النهاردة وبكره معاها زيادة اطمئنان.
حرك رأسه بهدوء، وهبط متجهًا لجناح زوجته.
*****
كلاهما يجلسان قبالة بعضهما البعض، ووجوههما تنحرفان بكل أتجاه الا مقابلة كلاهما الآخر، بينما بالمقدمة كان يجلس "آدهم" يتابعهما والضحك يكاد أن ينصهر على شفتيه القابضة عليه.
وكأنه جالس ليفض نزاع طفلين صغيران، اختصم كلاهما وتجنب الأخر، استند على كفيه يتابعهما من فترةٍ لأخرى، ومن ثم يرتشف عصيره بجمودٍ تام.
أتخذ وقتًا إضافيًا، حتى صاح بتهكمٍ من عنادهما:
_هـا وبعـدين؟
رمقه آيوب بنظرة خاطفة، وعاد يتطلع للجانب الآخر، في حين أن أجابه سيف ببراءة خبيثة:
_والله ما لاقي إجابة على السؤال ده، أهو قاعد قدامك لوي وشه ومديني ضهره، الظاهر إنه فاكر إن القاعدة دي كلها لرسم بوتريه لقفاه!
واجهه بنظرة متعصبة، وصاح فيه:
_لم لسانك أحسنلك.
زوى آدهم حاجبيه بدهشة من حدة أخيه، فبدى حازمًا معه ولأول مرة:
_آيـــوب! أيه الاسلوب ده، من أمته وإنت بتتكلم مع حد بالطريقة الحادة دي أصلًا!
تقهقهر جبروته عن حدته، وطالع رفيقه بنظراتٍ مرتبكة، وخاصة حينما رأى يوسف يرنو إليهم، يجذب أحد المقاعد ويجلس بعدما قال:
_أتاخرت عليكم.
ابتسم له آدهم، ومازحه:
_لو اتاخرت عن كده كنت هكلمك.
وزع بصره نحو أخيه وآيوب باستغراب:
_للدرجادي! أيه اللي وصلكم للحالة دي؟
حرك سيف كتفيه في حيرة:
_مش عارف والله يا يوسف، أنا لسه مكلمه من فترة قريبة جدًا، ومكنش في حاجة.
هاتفه آيوب بعصبية:
_من تلات أيام تقصد!
رد سيف بنزقٍ:
_ودي فترة بعيدة!
أسرع آدهم بالتبرير:
_من قريب أهو يا آيوب مالك بقى؟
استدار لاخيه يعترضه:
_بذمتك من تلات أيام ده من قريب!
ابتسم يوسف وقال بثبات:
_طيب مش أنت عريس جديد وكده يا آيوب، أكيد يعني سيفو متفهم النقطة دي، ده المفروض تصرفات الراجل العاقل واللي أنا مستغرب إنها تلبست سيف فجأة!!
اشتكى له آيوب بجديةٍ أضحكته:
_مش مبرر ده يا دكتور يوسف، انا لما كنت بكلمه كل يومين كان بيبلكني!
قال آدهم بسخطٍ:
_ومش ده كان مضايقك!!
ارتبك من نظرات أخيه، وانسحب من الحديث، فاستشف يوسف بشيءٍ يود أن يبوح به آيوب، ولكن ليس بحضراتهما، فنهض يشير لآدهم قائلًا باسلوبٍ ماكر:
_بقولك أيه يا آدهم، أنا راجع من المركز مرهق، تعالى نقعد على تربيزة تانية نشرب فنجانين قهوة، ونسيبهم يحلوا مشاكلهم مع بعض.
فطن آدهم حيلته، فسحب محفظته ومتعلقاته، وأتجه خلف يوسف الذي إختار الجلوس على طاولة بعيدة عنهما؛ ليمنحهما الخصوصية المطلوبة.
رمقه آيوب بنظرة متكبرة، فتنهد سيف بقلة حيلة، وسأله:
_مالك يا آيوب؟
منحه سؤالًا أخرًا مماثلًا له:
_إنت اللي مالك، بقى سهل تعدي يومك من غير ما تعرف إذا كنت كويس ولا لا.
قال مندهشًا من نيرته:
_ومش هتكون كويس ليه وأنت لسه ببداية حياتك! إنت بجد مش طبيعي!
صرخ بوجهه بصوتٍ متعصب، جعل الجميع يلتفتون إليهما:
_لا انت اللي مش طبيعي مش أنا.
حذره سيف لصوته المرتفع، فاستدار من حوله بحرجٍ، وخاصة من نظرات آدهم ويوسف، فابعد المقعد للخلف بعصبية ونهض يغادر المطعم، كاد آدهم باتباعه، ولكن أوقفه يوسف مشيرًا له:
_سيف طلع وراه، سيبهم يتكلموا شوية يمكن الدنيا تهدى.
انصاع ليده وعاد يجلس مجددًا، وقد تأكدت ظنونه كاملة حول الحالة الغريبة التي تلبست أخيه!
****
ركض سيف خلفه يناديه وهو يلتقط أنفاسه بصعوبةٍ:
_يا آيوب اقف بلاش لعب العيال ده، وبعدين مش أنت كنت بتتضايق مني ومن طريقتي اديني بحاول أغير من نفسي، فأيه اللي زعلك.
وقف يواجهه بغضب فاح صيته مع نطقه:
_يعني إنك تتعمد تبعد عشان تظهرلي انك اتغيرت ده في نظرك هيرضيني!!
تنهد بتعبٍ، وقال:
_طيب يا آيوب أنا آسف، أنا متعمدتش أبعد والله، أنا كنت بديلك المساحة الخاصة بيك بما أنك عريس جديد مش أكتر، وبصراحه محبتش أكون رخم!
ارتخت معالمه المشدودة وأخذ يسحب انفاسًا صاخبة، تنافس صراع صدره المنتفض، فاستدار يغادر صوب إحدى الاستراحات المحددة على طرفي النيل، جلس ينكس رأسه بين كتفيه في حزنٍ، جعل سيف ه والوجع يتعمق داخله، فجلس جواره يخبره بأسى:
_معقول أكون وصلتك للحالة الغريبة دي، آيوب الموضوع تافه وأقل من إنك تنزعج بالشكل ده.
وأضاف حينما طال صمت الاخير:
_طيب اعتذرلك تاني ولا أعمل أيه؟!
وبحيرة ردد:
_إنت أيه حصلك بس، كنت أعقل مني ألف مرة.
رفع رأسه إليه مترددًا فيما سيقول، وبعد معاناة قال بكلمات مختصرة:
_عرفت مكان قبر أمي الحقيقية، ومش قادر أروح أزورها.
حصل على تفسيرات منطقية لحالته الغامضة، وأجاد التعامل معها بحرفيةٍ:
_طيب وأيه اللي مخليك مش قادر تروح؟
أبدت حيرته ظاهرة باحباله:
_مش عارف، حاسس إني هكون بظلم الحاجة رقية، وفي نفس الوقت أنا ظالم ومقصر في واجباتي تجاه أمي الحقيقية.
وبوجعٍ شرح له ما يعيش فيه بالفعل:
_رجعت لنفس دوامة الشيخ مهران ومصطفى الرشيدي يا سيف!
مد كفه يشد على ساقه، بينما يخبره بقوةٍ:
_مش محتاج ترجع لأول الطريق من تاني يا آيوب، خلاص انت اتخطيت كل ده بفضل الله، زيارتك لوالدتك واجبه عليك، ولو خايف على مشاعر الحاجة رقية بلاش تقولها إنك بتروح وبتزور قبر والدتك، خليك ذكي في التعامل، بدون ما تجرح حد.
وبحكمة شد بصره حول نقطة هامة:
_أنا عارف إنك قلبك نقي وأبيض، ومبتعرفش تكدب ولا تحور، بس الصفات دي هتتخلى عنها مؤقتًا لو هتجرح الحاجة رقية، لانها مش قوية زي الشيخ مهران اللي اتقبل مشاركة مصطفى الرشيدي فيك، خلي زيارة والدتك سر بينك وبين نفسك عشان متأذهاش.
رفع عينيه إليه، وقد غمر فيروزته الارتياح لما قال، وبصلابة ثابتة قال:
_تيجي معايا.
ضيق عينيه بعدم فهم، فسأله:
_فين؟
رد بصوتٍ متألم، نقل ربكته الظاهرة:
_عندها... في المقابر.
واستطرد وقد سطرت دمعة خذلان على وجهه:
_حاسس إني مش جاهز للزيارة دي، ومش قادر أخرها عن كده يا سيف، أنا اتربيت على صلة الرحم، حتى لما نزلنا هنا مازلت بزور الاستاذ ممدوح وبعامله كأب ليا، فمش معقول ههدر حق الست اللي جابتني على الدنيا دي، أمي الحقيقية يا سيف.
خفق قلبه بثقلٍ، وقد لمس حجم معاناته، فنهض يشير له:
_هاجي معاك، يلا قوم!
******
فردت كفها ونثرت الحبوب، فرفرف الحمام الأبيض بجناحيه، وهبط يتلقف ما ألقته له بجوعٍ، راقبته وابتسامتها أشرقت لتنافس ضياء القمر في سطوعه، وحجابها يتدلى من خلفها، محررًا خصلاتها القصيرة من حول وجهها.
فأبعدته ومالت تراقب زوجها، الذي انتهى من صنع قدحين من القهوة على الفحم المقتاد، فحملهما وأتجه إلى الأريكة التي تجلس من فوقها، يقدم لها ما بيده قائلًا بابتسامة جذابة:
_أجمل فنجان قهوة لست البنات.
أحاطت الكوب بكفيها، وسعادتها بكلماته البسيطة تطرق مشاعرها وعواطفها، فأجلت أحبالها تشكره:
_تسلم إيدك يا يونس.
اتسعت بسمته وهمس:
_يا حظ يونس بسماع إسمه بالحنية والرقة دي.
ضحكت اطراءًا لحديثه، وسحبت رشفتها الأولى من الفنجان، فتلذذت بمذاقه للغاية:
_مظبوطة جدًا، طعمها جميل جدًا ما شاء الله.
بنفس ابتسامته ونظراته الدافئة قال:
_ألف هنا على قلبك.
تصنعت انشغالها بابعاد خصلاتها للخلف، فلاحظ أنها لم ترتدي الحجاب كاملًا، ففاه غاضبًا:
_فين نقابك يا خديجة، إنتِ طالعه السطح كده؟!
ارتبكت من صياحه المفاجئ، وأسرعت تلتقطه من جوارها:
_معايا أهو، قلعته لما ملقتش حد حولينا، الوقت أتاخر ومفيش حد.
تذكر تعليمات علي له، فبدأ يهدأ من ذاته، ثم قال برزانة:
_زي ما طلعنا نقضي الليل هنا أكيد في اللي طالع لنفس السبب، ومش شرط يكون متشاف، الأفضل إنك تحافظي على نفسك أضمن.
أومأت في طاعة، واستدارت له حتى تمكن من عقد الرباط حول وجهها، وأعينيهما قد اتصلت ببعضهما البعض، بشكلٍ جعل حبه لها ظاهرًا كظهور الرياح، حتى هي لم تحجب مشاعرها مثل كل مرة، بل تفوهت وبشجاعة:
_مش زعلانه من غيرتك عليا، بحبها وبحب أي حاجة منك، لإن حبي ليك أكبر من كل شيء.
قفز قلبه سعادة، فنطق، وهو يتلذذ بالكلمات:
_مش أكبر من حبي واحترامي ليكي يا خديجة.
اتسعت بسمتها، وعينيها تتوه بين نظراته التي حاصرتها، فبصمت على ميثاق العشق، بعد أن نجح بمعالجتها جسديًا ونفسيًا، ربما كانت الرحلة أكثر مشقة عليه، ولكنه صبر فيها وقد جنى ثمار صبره، وها هو يهبط بها لمعزلهما الخاص، ليجددوا معًا عهد الغرام الاول الذي خُتم بأول طفلًا بينهما!.
*******
حافظ "عُمران" على كلمته التي منحها لزوجته، فقد تفرغ لرعايتها بشكلٍ كاملًا، ولمدة شهرين متتاليين، وجد فيهم سكينته المفقودة، وخاصة بتوطئ علاقته مع صغيره وشقيقته، التي تعلقت به كثيرًا بشكلٍ فاجئ الجميع.
حتى "علي" كان يساعده في الاعتناء بهما، ويمضي برفقته سهرًا بهما، حتى وإن نفذ صبر الطاووس كثيرًا، حتى بليلةٍ مزعجة مثل التي يقضيها الآن، فاذا به ينطق بتعبٍ شديد:
_وبعدين يا علي الساعة تلاتة الفجر ، والهانم مش راضية تنام هنعمل أيه دلوقتي!!!
كلماتٍ ترددت على لسان عُمران المستلقي على أحد أرائك القصر بارهاقٍ تام، ومن فوق صدره يقطن هذا الكائن المزعج، ترمقه بزرقة عينيها البريئة بينما بالنسبة له تكن خبث ودهاءًا عظيمًا.
أغلق عينيه بتعبٍ وهمس لاخيه:
_مبتردش ليه يا علي؟!
وحينما لم يستمع إلي رده اعتدل بجلسته وتفحص الأريكة المجاورة إليه، حيث بات مكان نومهما المعتاد منذ أن أتت تلك المزعجة.
اعتلى الغضب ملامح حينما وجده يغط بنومٍ عميقٍ، فركله بقدمه صارخًا بحنقٍ:
_بقى أنا بقولك ريح جسمك تنام!!! نايم وسايبني بفطس هنا!
تأوه علي ألمًا فور سقوطه على أرضية المنزل الرخام، وهدر بانفعالٍ:
_في حد يصحي حد كده!
نهض عن أريكته وانحنى إليه يضع الصغيرة على ساقيه قائلًا بسخرية:
_مسؤولياتك كأخ كبير تحتمك إنك تقوم بدورك تجاهي، وتجاه الكائن المزعج ده، وبعدين كله تدريب ليك يا حبيبي، بحيث لما فاطمة تولد إن شاء الله، يكون معاك كورس شامل في التعامل الدقيق مع الكائنات الطفيلية دي..
وتابع وهو يجذب أحد الاغطية عليه:
_هسيبك تتعلم وأغطس أنا، خد بالك دي مش أنانية مني، أنا بستغل فترة اجازتي، بأخد فيهم كورسين كورس بالنهار فوق مع مايا، وكورس تحت مع فريدة هانم اللي رميه بنتها علينا دي!
وأضاف يبرر له:
_أنا بحبها فوق ما تتخيل، فالظاهر إنها عايزاني أكرهها فرمتها عليا هي وأحمد الغرباوي!
وزع علي نظراته المندهشة بينه وبين تلك الباكية، فاستند بجذعه على المقعد، ونهض يتمشى بها ذهابًا وإيابًا، فوجد أنه يستسلم كليًا للنوم بينما مازالت هي مستيقظة، كأن ما يفعله يعاونها بطرد نومها.
جلس على أريكته يتنهد بارهاقٍ:
_وبعدين بقى معاكِ، مهو أنا محتاج أنام ساعتين بس وبعدها هشيلك ألففك مصر كلها لو تحبي، ها يا روڤا اتفقنا؟
انتهى نقاشه بصراخ الصغيرة، وكأنه تفهمت ما يقصده بالمعنى الحرفي، فنهض بها يحاول تهدئتها ولكن دون جدوى.
زفر عُمران بغضبٍ، فأبعد غطائه وجلس يرمقه بنظرات مشتعلة، هادرًا بعصبية:
_يا الله عليك يا علي، مش قادرة تسكت طفلة أمال دكتور على أيه؟!
والتقطتها منه، يهدهدها بحنانٍ وهو يتمتم:
_عاملك ايه عشان تبكي بالشكل ده، حقك على قلبي يا صغنن.
حدجه علي بسخرية، بينما يخطو بها وهو يقبلها بحنان وحب، كأن من كان يستاء منها منذ قليلٍ شخصًا أخرًا، إتجه علي للاريكة، تمدد من فوقها قائلًا بسخطٍ:
_إنت صح أنا مش عارف أتعامل معاها نهائي، هي محتاج لعُمران سالم الغرباوي قاهر قلوب العذارى وهوانم قصر الغرباوي، لكن أنا دكتور نفسي، ماليش غير في علاج حالات معينة، وبديهي أنه ملحقتش يكون عندها مشاكل نفسية حاليًٕا، فهي بالفعل في أشد احتياجها ليك وإنت كذلك.
وبابتسامة واسعة قال:
_ربنا ما يحرمكم من بعض يا حبيبي، تصبح على خير.
وسحب علي الغطاء فوق رأسه وترك الاخير حائرًا بين تلك المشاكسة التي يحملها وأخيه الذي سبح بنومٍ عميق.
تنهد بيأسٍ، واتجه لمطبخ القصر يصنع لها الحليب مثلما اعتاد كل يوم، ومن ثم تفحص حرارته، وحينما وجدها مناسبة أطعمها وتمدد على المقعد يحارب الا يسقط بغيبوبة من النوم.
وحينما وجدها قد غفت، خشى أن يضعها بالفراش فتستيقظ للمرة المائة والثلاثون، لذا نهض واتجه للمصعد ومنه لغرفة والدته يطرق بابها.
فتح أحمد الباب، وهو يفرك عينيه من أثر النوم:
_خير يا عُمران؟!
زوى حاجبيه باستنكارٍ لحديثه، وقال بنبرة ساخرة:
_أنا آسف على الازعاج يا أحمد باشا، بس هو جناب فخامتك أنت وفريدة هانم موقعش منكم حاجة من يجي تمن ساعات كده؟!!
تصنع الاستغراب للأمر، وقال بمكرٍ:
_لا يا حبيبي مش واقع لا مني ولا منها أي حاجة، ثم إنك مش عارف تسألني الصبح يعني، بتقومني من النوم عشان تسألني السؤال الهايف ده!!
كز على أسنانه وهدر بغيظٍ:
_يا خبر يا عمي لهو أنا قومتك من النوم!!
أشار ببراءة:
_شوفت!! سبني بقى أكمل نومي ونتكلم بكره أحسن!
وقبل أن يغلق الباب، دفع عُمران الصغيرة لاحضانه قائلًا:
_خد بنتك في حضنك تسليك، لو فاكر أنك باللي بتعمله ده بتخلي الجو عشان تتشقى، وتعملها تاني فأحب أكدلك المرادي ومش تهديد مني أنك مش للأسف مش هتلحق، المرادي طلاقها منك على ايدي فوري ومش هنحتاج لمحاكم آسرة.
وأضاف وهو يطالعه بنزقٍ:
_ مش يعملوها الكبار ويلبسوها الصغار!!!
واسترسل بصراخ منفعل، بينما الاخير يضم ابنته ويتابعه بصدمة:
_أنت بتعمل كل ده عشان أكره الملاك البريء ده؟ طيب مفكرتش في علي المسكين، عايز تعقده في الخلفة!! إحنا مبقناش عارفين ننام زي البني آدمين متخيل!!!!!
تسرب لأحمد شعور الشفقة لما تسبب بفعله، فقال بحزن:
_قطعت قلبي، خلاص روح نام إنت وأنا هسهر بيها!
كور يده بغضب من فرط غيظه، فأسرع أحمد يردد تحذيراته:
_ عارف عارف، ممنوع البوس اطلاقًا.
لم يجد الكلمات المناسبة لقوله، فاتجه لجناحه بارهاقٍ تام، فحمد الله أن صغيره يغفو بعمق، تمدد على الفراش بتعبٍ، وما أن كاد بالهروب لنومه حتى وجد من يعلو صوته باكيًا، ومن جواره صوتًا حماسيًا يسبقه:
_عُمران كويس إنك طلعت أنا تعبت ومش قادرة أنيمه ممكن تساعدني!!
******
الايام تمر سريعة، وقد تخطت "فاطمة" أشهر حملها الأولى بسلامٍ، واستقبلت الاشهر الاخيرة، رغم أنها واجهت معضلة قد أجاد "علي" حلها بسلامٍ، حينما أستبعد ان يتابع حالتها "يوسف" رغم أنه من أمهر أطباء النساء والتوليد، فاختار طبيبة من الطبيبات الماهرات بالمركز، لتتابع حالة زوجته، وها هي تمرر الجهاز برفقٍ على بطنها المنتفخ، ويد فاطمة رهينة يد علي، الذي يتابع الجهاز بمشاعرٍ مرهفة.
لقد ترقبوا معرفة جنس المولود منذ أسابيعٍ مضت، ولكن الطبيبة فشلت بتحديد الجنس، والآن يبدو من طريقة تطلعها للجهاز باهتمامٍ، بأنها قد حددت النوع، وإذا بها تنطق بانبهارٍ أثار فضولهما:
_ما شاء الله.
نقلت فاطمة بصرها لزوجها بقلقٍ من صمتٍ الطبيبة،الذي أفرجت عن الحديث أخيرًا:
_أقدر أكدلك دلوقتي إنك حامل في طفلين متماثلين يا فاطمة.
جحظت عينيها بدهشةٍ، بينما يطالعها علي متأثرًا بما قالت، فاستطردت الطبيبة حديثها مجددًا:
_وأتاكدت كمان إنهم ما شاء الله بنتين، وأكيد هيطلعوا زي القمر شبهك.
جمدت أصابعها بين أصابع علي، ومالت تهمس له بصدمة:
_علي! سمعت قالت أيه؟
هز رأسه وابتسامته الجذابة تتشع بفرحةٍ، بل وأضحكها حينما مال يخبرها بقلق:
_كده عُمران سلطته هتكبر في القصر!
تحررت ضحكاتها من بين ربكتها وتوترها الظاهر، فضمها علي إليه وعينيه تراقب الجهاز الذي مازال يحمل صور الأجنة، بحنان نبع برماديتاه، وفضولًا ينتابه لمعرفة رد فعل أخيه بسماعه لهذا الخبر، وهو الذي يدلل شقيقته الصغيرة بدلالٍ لم تحظى به أنثى من قبل، فماذا سيفعل باستقباله لخبرين كلاهما سيجعله سعيدًا للغاية.
******
ضمه لصدره بحبٍ، ومازال ينتقي له ما سيرتديه، فتمتم الصغير باكيًا، فاذا به يربت على ظهره وهو يخبره بجدية تامة:
_أعمل أيه أكتر من أني شايل جنابك؟! وبعدين مش في بينا اتفاق انك هتكون صبور شوية لحد ما أنقي طقم قريب من اللي أنا لابسه!
وعاد يتفحص الخزانة هاتفًا بحنقٍ:
_ما انت جيت ضعيف جدًا وغرقت في كل اللبس اللي جبتهولك شبه بتاعي!
رفعه "عُمران" إليه، يشير له بتحذيرٍ تام:
_بس أنا مش هسيبك كده كتير، أول ما تشد عودك هسحبك معايا الجيم.
راقبه الصغير برماديتاه التي ورثها منه ومن عمه، بينما يمص يده ببراءةٍ أضحكت "عُمران" فضمه وهو يقبله بحبٍ، ويحكم من حوله المنشفة، بينما يعود للبحث عن الملابس المناسبة:
_خلينا نلبسك بسرعة قبل ما تأخد برد.
واضاف مازحًا:
_مش حمل خناقات مع مامي هانم بسببك يا باشا.
وتركه على الأريكة القريبة، بينما يجذب منشفة أخرى يجفف خصلاته التي تقطر بالمياه، ثم يتابع البحث حتى نسق لابنه شورت من الجينز، وتيشرت أبيض صغير، ثم جذب الجوارب والحذاء شبيهًا لما سيرتديه، واستدار يحملهم أمامه غامزًا له:
_قولتلك قبل كده طول ما أنا اللي بشرف على لابسك بنفسي ثق إنك هتخرج من تحت ايدي باشا.
انتهى من الصغير، وبدأ يرتدي هو الآخر ملابسه، ثم صفف شعر الصغير البني، ونثر له البرفيوم الخاص بالاطفال، وهو يقول بعدم رضا:
_البرفيوم بتاعي أفضل، بس تركيزه هيضرك دلوقتي.
عبث الصغير فجاة، فضحك عُمران وشاكسه:
_ لما تكبر هنحل المشكلة دي يا علي باشا، متقلقش.
وحمله وخرج من الجناح يبحث عن زوجته، فوجدها تجلس بالاسفل برفقة والدته، هبط بالصغير إليهما، وهتف بابتسامة هادئة:
_مساء الجمال على أجمل تلات وردات ببستان قصر الغرباوي كله.
ومال يمنح الصغير لزوجته التي تلقفته منه، بينما يتجه متلهفًا للصغيرة التي ما أن رأته حتى تعلق بصرها به، وباتت تمنحه اجمل الابتسامات التي يضعف قبالتها، فانحنى يحملها في نفس لحظة طرح فريدة سؤالها:
_طيب انا ومايا تمام، مين الوردة التالتة بقى؟
استدار لوالدته يجيبها، وهو يميل مقبلًا وجنة الصغيرة:
_فيروزة هانم طبعًا، مش محسوبة في حسبة الأميرات دي ولا أيه يا فريدة هانم؟
ابتسمت فريدة وأمسكت ذراع الصغيرة بحب:
_لا طبعًا أميرة وملكة كمان.
ابتسمت مايا وقالت بحماس:
_عقبال ما يشرفنا بيبي فاطمة وعلي، أنا قاعدة استناهم ومتحمسة جدًا أعرف نوع البيبي، فاطمة لما كلمتها قالت أنهم عرفوا، بس مردتش تقولي قالتلي مفاجأة.
رد عليها عُمران مبتسمًا:
_دقايق وهنعرف بإذن الله، بس أنا عندي ثقة أنها هتطلع بنوتة أن شاء الله.
_وأيه اللي مخليك متأكد؟
قالها "علي" الذي ولج للتو برفقة "فاطمة"، فأسرعت مايا لها تسألها بحماس:
_ها يا فطوم، قوليلي بقى؟
أبصر الصغير مفضله، فمنحه نظرة وابتسامة، جعلت علي ينحني ليحمله، وهو يبالغ في قبلاته التي حصدت وجهه بالكامل، والصغير يضحك بصوتٍ مسموع، فاذا بأحمد الذي حضر من الخارج للتو بعد يوم عمله، يشاكسه قائلًا:
_خلي وصلة الحب بتاعتك دي كانت لفيروزة، مكنتش هتشوف الوقح واقف بالبرود ده!
رفع عُمران رأسه بغرورٍ، ومال يقبل فيروزة وهو يصوب هدفه:
_محدش يقدر يقربلها غيري، وأن كان عاجبك يا أحمد يا غرباوي!
قهقه أحمد ضاحكًا، وأتجه يجلس على ذراع مقعد فريدة:
_مقدرش أعترض طالما بتاخدها طول الليل وبقدر أقوم لشغلي بقمة نشاطي.
زفرت مايا بضيق وقالت:
_ما تتطقي بقى يا فاطمة، هموت من فضولي.
رد عليها عُمران بعاطفة مستفزة لمن حوله عن عمد:
_سلامتك يا حبيب قلبي، ما انا مطمنك وقولتلك أنها هتكون بنوتة بإذن الله.
واردف وهو يوجه حديثه لعلي:
_استمتع وهي في حضنك اليومين دول يا علي، عشان لما هتتولد قلبها مش هيختار غيري، وللاسف انت مش هتقدر تخش معايا في منافسة الجنس الناعم!
ضم علي شفتيه يخفي ضحكته، وقال وهو يحك أنفه بسخرية:
_بس أنا حاسس أنك هتحتاج مساعدة، لأنها مش بنت واحدة، دول اتنين!
غمرت الدهشة والفرحة الوجوه، وبالاخص عُمران الذي تساءل بابتسامة واسعة:
_بجد؟
هز رأسه يؤكد له، بينما غمرت مايا، فاطمة تهنئها بسعادة، وانضمت لهما فريدة.
اتجه عُمران إلى علي، يميل تجاهه ويهمس له بسعادة:
_أنا كنت مختار ليها الاسم على أساس إن هيجيني بنوتة واحدة، هخليك تختار إسم البنوتة التانية عشان تعرف بس معزتك عندي.
طالعه علي والضحكة تنير وجهه، بل بات يشاكسه:
_أيه الكرم ده كله؟
رفع وجهه بعنجهية، بينما يملي عليه القادم:
_أنا مفيش في حنية قلبي، بس خد بالك اسم لين ده تدلعها بيه، الاسم اللي هتختاره هيكون مشتق من أخر حروف في اسمي، أنا اختارت الأول كيان لانه بيشاركني في أخر حرفين من اسمي، ممكن أكجول اسم لين ونضفله الألف فيبقى ليان، أيه رأيك؟
ضحك بصوتٍ مسموع وقال:
_انا كده اخترت أيه؟
غمز له بمكر وهو ينادي، "فاطمة" قائلًا:
_فاطمة مش أنتي اللي اخترتي اسم كيان واحنا قاعدين تحت هنا من كام يوم؟
دعمته بكل صدر رحب، ولم يكن حبه الصريح لابنتيها يضايقها، بل زادها فرحة، لقد وجدت فيه العوض عن قسوة أشقائها، فكان خير الشقيق، والداعم القوي لها، فاذا بها تدعمه:
_أيوه وموافقة كمان على ليان.
واستدارت صوب زوجها، تهتف على استحياء:
_عندك اعتراض على اختياراتي يا علي؟
رد بتلقائية:
_أبدًا يا قلب علي.
أندهش الجميع، وبالطبع لم يمرر عُمران كلماته، فاذا به يضحك قائلًا:
_الله ده بابا علي طلع عاطفي وله في أساطير العشق أهو، أمال مالكش سكة مع الهوانم ليه؟
أجابته فريدة وهي تحذره:
_عُمران بطل تضايق أخوك بكلامك المشاكس ده، وبعدين سكك تخصك لوحدك متخصش علي، سيبوه زي ما هو أنا مش عايزاه يكون وقح زيك!
هتف أحمد بشماتة:
_الاعتراف بالحق فضيلة يا وقـــــح!
رد عليه ببرودٍ:
_أخرك معايا خلع من أول جلسة.
تلاشت ضحكة أحمد، بشكلٍ أضحك الفتيات بأكملهن، فسحب كف فريدة وغادر على الفور، حتى فاطمة ومايا صعدتا للاعلى، ولم يتبقى سوى علي وعُمران الذي حمل فيروزة، وجلس على الصالون يتحدث بالهاتف بسعادة:
_إبدأ نفذ فكرة الجناح اللي بعتهالك، بس مع تعديل بسيط الجناح هيكون خاص بتؤام بنات مش بنت واحدة.
قالها وهو يغلق الهاتف ويلقيه والابتسامة تتسع على وجهه، فجلس علي جواره وهو يحمل الصغير الذي بدأ يغفو على ذراعيه، فاذا بعمران يخبرها بحماسٍ:
_أنا كنت مصمم الجناح كله لكيان هانم، فكده هنزود سرير إضافي لـ ليان، متشلش هم هرتب كل حاجة، وقبل معاد الولادة هيكون كل شيء جاهز.
ابتسم علي بحبٍ، وقال بجدية تامة:
_مش قلقان، لإني واثق أنك مش هتقصر في شيء!
*****
#الفصل_الاخير_الجزء_الثاني
تربت على الحب واحتواء العائلة، وحينما تزوجت وجدت زوجها يحل محل العائلة، ولكن ببقائها مع "سدن" داخل منزل الشيخ "مهران"، كانت" شمس"تشعر بأنها قد وجدت عائلتها من جديدٍ، فكثيرًا ما كانت تزورها وتبقي برفقتها، حتى أن يمر آدهم بالمساء ليأخذها ويعود للمنزل.
كانت من أفضل الايام لها، هو يومي الخميس والجمعه، التي تأتي فيهما سدن للمبيت برفقة آيوب بمنزل" مصطفى الرشيدي"، وها قد أتت اليوم برفقته، فوجدت شمس قد أحضرت كل الاطعمة التي تحبها سدن.
تهربت كلتاهما بعد تناول الطعام، وتركت سفرة الاطباق لآدهم وآيوب، اللذان أعتاد على التنظيف كل يومي خميس وجمعة، فاذا بآيوب يجمع الاطباق ويضعها لآدهم بمساحة المياه، قائلًا بسخرية:
_أتمنى تكون مهمة الاطباق على قدر من تكافئ مهاراتك يا سيادة المقدم.
ضحك بصوته الرجولي وقال:
_مهما حاولت مش هتأثر عليا، غسيل الاطباق أهون من زعل شمس هانم ألف مرة.
ابتسم وأشمر عن ساعديه يساعده في تنظيف المطبخ، ومال للرخامة الخارجية يرفع صوته لمصطفى الذي يتابع التلفاز:
_شاي ولا قهوة يا بابا؟
منحه ابتسامة نبعت عن سعادته، باستقرار علاقته بابنه أخيرًا، وقال:
_أي حاجة من إيدك شهد يا حبيبي.
قال مستحسنًا ترك الخيار له:
_هعملك شاي بلبن، القهوة هتتعبك.
قالها وإتجه يعد الشاي بالحليب، ومن جواره قد صنع بماكينة القهوة، فنجان صنعه مخصوص، لاخيه، فرنا يضعه جواره قائلًا:
_أحلى فنجان قهوة معتبر لباشا مصر.
جفف يديه بالمنشفة، ومدحه:
_تسلم ايدك يا بشمهندس.
عاد يضع الاكواب لصنع الشاي، وهو يسأله بفضول:
_استقريتوا على إسم؟
سحب المقعد يجلس من فوقه، وأجابه:
_محتار للاسف، لاني كنت مواعد القائد بتاعي وقاطع وعد لعمران بردو.
قهقه آيوب ضاحكًا، وقال:
_خلاص أوفي وعدك للقائد وتاني مرة أوفي للطاووس.
شاركه الضحك، بل وتمازح معه:
_قولت كده لشمس كنت هتضربني بسلاحي الميري.
صمت يفكر بخبث مضحك وقال:
_سمي اسم القائد بتاعك، وسيبها تواجه زعل الطاووس، فهتحاول تراضيه بالمرة التانية، وبكده هتكون ضربت عصفورين بحجر واحد.
توالت ضحكاته وهو يجاهد ليوضح كلماته:
_اقنعتني، خلاص هسميه مراد.
وبهيامٍ نطق اسمه بعاطفة:
_مراد عمر الرشيدي!
*****"
بالأعلى.
كانت تتفحص سدن الملابس التي اشترتها شمس، فكلما اشترت شيء يخص ابنها، كانت تريها اياها، حتى لو اشترت أتفه الاشياء، وقد عبرت سدن عن ذوقها الرفيع قائلة:
_حلو أوي شمس، ذوق بتاعك كيوت وشيك جدًا.
أجابتها ومازالت تفتح الاغراض من أمامها:
_مش ذوقي ده ذوق عُمران، كل فترة بستلم أوردر تبعه.
أشادت بذوقه منبهرة:
_حلو الذوق بتاعها.
تحررت ضحكات شمس من قلبها، وقد شحبت حقيبة مغلفة فخمة، تمنحها إياها، وهي تخبرها:
_ده بقى ذوقي أنا، شوفت الفستان ده وعجبني جدًا، فجبت ليا وليكي واحد، عشان تلبسيه يوم احتفالنا بالبيبي.
جذبت الحقيبة منها، تتأمل الفستان بانبهار، ونهضت تضعه على جسدها وهي تراقب المرآة بابتسامتها الفاتنة، ومن ثم عبثت وهي تلفت نظر شمس:
_بس لما إنت تولد هيكون بطن سدن كبير، الفستان هيكون ضايق وآيوب هتزعل مني!
ضمت شفتيها معًا بحيرةٍ، وهتفت:
_تصدقي مأخدتش بالي من النقطة دي!!
ومن ثم فرقعت أصابعها ونهضت تتجه لها:
_عندي فكرة تجنن، هنعين الفساتين ليوم حفلتك انتي والبيبي، وننزل بكره أنا وانتي نشتري اتنين تانين شبه بعض، أيه رأيك؟
هزت رأسها بفرحة وسعادة:
_هنزل معاكي بكره أكيد.. انا يحب يخرج معاك أصلًا.
ضمتها شمس بلطف ولين:
_وأنا كمان، بحبك جدًا والله، أساسًا انتي اللي مهونة عليا قاعدة البيت الذكوري ده.
أدلت بشفتيها بعدم فهم:
_مش فاهم أنا شمس!
عادت تضمها ضاحكة:
_لا متأخديش في بالك!
*****
اللحظات تمر، ودفتر الزمان يسجل يومًا تلو الأخر، حتى أتى اليوم الذي طرح اختبارًا قاسيًا أمام علي، وكان عليه الفوز به مثلما أقدم على إحراز أكثر من نجاحٍ مسبق في حالة "فطيمة" ، تلك الحالة التي فرض عليها أن تذق من الوجع ما يجعلها تعاني أبديًا، ولكن بظهوره قد أزال المفترضات، وسحبها خارج معتقل الظلام، لمجد النور الذي أباد ظلمتها.
كان أحق الناس علمًا بما ستتعرض له "فاطمة" فور أن يخضع جسدها لتخدير الولادة، يعلم بما ستواجهه داخل غرفة العمليات بتلك اللحظة، لذا لم يتركها ولو للحظةٍ، رافقها وعاونها على أكمل وجه، وقد نبه الطبيبة من استخدام التخدير الكامل لها، فخضعت للتخدير النصفي.
سرى المخدر بجسدها رويدًا رويدًا، وبدأت تفقد احساسها تدريجيًا، تنافر العرق على جبينها، وشفتيها ترتعشان خوفًا، ورعبًا من الاحاسيس التي هاجمتها، حينما كان يخدر جسدها من فرط الألم وهي تعافر تلك الذئاب الذكورية التي هتكت عرضها.
مالت برأسها تبحث عنه، وقد وجدته جوارها يجفف جبينها بمنديله، ويخبرها بصوته الحنون:
_أنا هنا يا فطيمة، اطمني!
خشى أن تهاجمها أي نوبة، وهي بتلك الحالة، فبقى نصب أعينها، يراقب كل فعلٍ صغيرًا تتخذه، حاولت "فاطمة" رفع رأسها لترى ما يحدث بها، ولكنها لم تجد سوى ستارًا يعزلها عن رؤية باقي جسدها.
مالت صوب علي باكية، تردد برعشة:
_علي.
أحاط وجهها وهو يحاول أن يهدئها:
_مفيش حاجة يا فطيمة، أنا هنا معاكِ، شوية وهنخرج يا حبيبتي.
هزت رأسها وهي تعيد غلق عينيها، تحاول رفع اصبعها مشيرة له على ظل الطبيبة المنعكس على الحائط:
_خرجني ، أنا خايفة!
ترك محله الأيسر، وأتجه يقف بالايمن، حتى يحجب رؤيتها لأي ظل يهيئ لها ذكريات الماضي، وقال وهو يتعمق بعينيها بثقة:
_مفيش حد هنا غيرنا، اهدي وخدي نفسك بانتظام يا فطيمة، توتر أعصابك ده مش كويس عشانك.
غامت عينيها بدموعها، وبصعوبة لسانها الثقيل نطقت:
_أنا بتخنق يا علي، مش عارفة أتنفس!
راقب علي مؤشرات الاجهزة من جواره، ورفع رأسه للطبيبة التي تتابع كل شيء بتركيز ومهارة فائقة، فأسرعت الممرضة بقناع الأكسجين إليه، وضعه حول وجهها وقال:
_اتنفسي يا فاطمة، أنا جانبك متخافيش.
قالها وضغطة ذراعيه يوهمها بأنه يضمها، فمالت تجاهه وانصاعت له بسحب نفسًا عميقًا، وطرده على مهلٍ، حتى هدأت تمامًا.
وبينما تستكين بوجوده وبصحبته، داعب أذنيهما صوت الطفلة الأولى، فابتسمت فاطمة ودموع فرحتها تنهر على وجهها، أزاحهما علي بأطراف أصابعه، وسألها ليشتتها بالحديث:
_تفتكري دي هتكون مين فيهم، ليان ولا كيان؟
رددت بصعوبة وصوتها شوشه القناع:
_الاتنين ممكن صوتهم يتشابه.
ضحك وقال، وهو يقبل جبينها:
_عندك حق.
وعاد يطرح سؤاله لها:
_حابة تشوفيها؟
هزت رأسها بكل حماس، ومازالت دموعها تنهمر دون توقف، فإتجه يحملها من الممرضة بعدما جهزتها، وضعها جوارها، فراقبتها بسعادة شتت عنها كل شيءٍ ثقيل، فأخذت تقبل يدها بفرحة وهي تحاول التشبع من رؤيتها، فأذا بثانٍ صوتًا يشرفهما فاتسعت بسمة فاطمة وهمست له:
_ليان شرفت.
ابتسم لها وقال يمازحها:
_خايف نسميهم هنا عُمران يعرف فيقوم مختار أسماء تانية خالص عقابًا لينا، مجنون ويعملها.
ضحكت من قلبها، وقالت بتعب:
_خلاص سيبه هو يختار، محدش هيحبهم ولا هيخاف عليهم أده.
مال يطبع قبلة عميقة على جبينها، امتنانًا على تفهمها لتعلق أخيه به وبابنائه، وحينما كان يضمها ويضم الصغيرة، انضمت له الاخرى حينما منحته إياها الممرضة.
ود علي لو خرج بهما لاخيه، ولكنه كان يعلم بأن فاطمة لن تحتمل مغادرته وهي بتلك الحالة، ولكنه تفاجئ بها تعود لطبيعتها بعدما قرت عينيها بالطفلتين، فاذا بها تقول:
_طلعهم لعمران، زمانه على أعصابه بره.
مازحها بسخرية:
_خلاص هتتخلي عن بناتنا بدري كده؟!
منحته ابتسامة أطربت قلبه، وقالت تذكره بما كان يخبرها به طوال الفترة الماضية:
_سلمك علي قبل ما يستلمه، نسيت ولا أيه يا علي؟
قبل يدها الموضوعه على رأس الصغيرة، وقال بتأثرٍ:
_لا يا حبيبتي مش ناسي، زي ما مستحيل أنسى موقفك ده أبدًا، طول عمرك بتفاجئيني يا فطيمة.
منحته ابتسامة أخيرة، وتركته يغادر بالفتيات، وسعادتها لا توصف لأحد.
******
بالخارج.
كاد أن ينشطر قلبه من الارتباك والترقب، يراقب ممر العمليات بلهفةٍ، يحاول "يوسف" و"آدهم"و"أحمد" أن يستميلوه للجلوس، ولكنه كان يرفض ذلك وبشدةٍ، وأخيرًا زف إليه الأمل ببشارة قدوم خطوات ساق يعرفها جيدًا، فلم يحتمل الانتظار، وهرول راكضًا صوب الباب الخارجي للممر.
قابل أخيه بمنتصف الممر، فارتسمت أجمل ضحكة على وجه عُمران، رغم تلألأ دموع عينيه، بل وأسرع راكضًا يوزع نظراته المتلهفة بين ما يحمله أخيه، أدمعت عيني علي متأثرًا به، فوضع له الطفلة الاولى، حملها على يده برفقٍ وعلق اصبعه بيدها، وانحنى يقبل اصابعها الرقيقة، بينما يهمس لها:
_ما شاء الله، تبارك الله على جمالك يا سكر.
أزاح علي دموعه سريعًا، ومازحه ساخرًا:
_هتقدر تشيل الاتنين مع بعض ولا عضلاتك نخت؟
التقف الاخرى منه وهو يهتف بحب:
_ده أنا أشيلهم جوه عيوني وقلبي، إطلع أنت منها بس وسبني معاهم.
ضحك بصوت مسموع وقال:
_اطلع فين أكتر من كده!
تعلق بصره بالصغيرة الاخرى، وكأنه يتعرف عليها، فراقبه علي بحب، وسأله:
_ها يا بشمهندس، مين فيهم ليان ومين كيان؟
حملهما واتجه للباب الجانبي، وصوته الخافت يصل له بالكد:
_القرار صعب، سبني أخده براحتي.
راقبه وهو ينزوي بهما بعيدًا عن الشباب بالخارج، فهز رأسه بقلة حيلة:
_مفيش فايدة!
قالها وعاد لزوجته، بينما يرفرف صوت عُمران بترديد الآذان بصوته العذب، ويعود لمهمة اختيار الاسماء لكلاهما بكل صدرٍ رحب، غير عابئًا بلهفة الشباب بالخارج لرؤية التؤام الذي يحمل الجميع فضول رؤيتهما!
******
توالى الاحتفال مرات عديدة، غمرت الشباب بفرحة رممت وجع البعض منهم، وبعد عدة أشهر، وباحتفال شعبي، اجتمع الشباب بأكملهم، لأقامة أكبر حفل، حيث قام جميعهم بالمشاركة للتضحية في حارة الشيخ مهران، احتفاءًا بأولادهم، وقد شارك مع آيوب وآدهم، علي وعُمران وأحمد، فقد تخطت عدد الاضحية لأكثر من عشرة أضاحي
كان الحفل بمثابة عيد للفقراء، الذين حضروا من بقاعٍ قريبة من الحارة للحضور، وما زاد الشباب بهجة وحماس حينما ارتدوا جميعًا جلبابًا أبيض، قبالة صلاة الجمعة، وقبل ذبح الأضاحي.
وقد عاد الوصال يتقوى بتجمع الفتيات بشقة خديجة مجددًا، بانتظار، خروج الشباب من الصلاة للذبح والتوزيع للفقراء.
وبينما كانوا يجتمعون بالمسجد للصلاة، كان إيثان كعادته ينتظرهم بالخارج، ولكن تلك المرة خطط لاستقبال خروجهم بطريقة مبتكرة، فاشترى عدد من الصواريخ، ومع تسليم الشيخ مهران امام المسجد، أخذ يطلق الصواريخ هو والاطفال، حتى تجمع الشباب قبالته، فأخفى ما بيده خلف ظهره.
زفر يونس بغضب شديد:
_تاني يا إيثان، تاني!!
هز آدهم رأسه بقلة حيلة، وسحب علي يهمس له:
_بينا إحنا، هو اللي جابه لنفسه.
رافقه بكل صدر رحب، بينما يتطلع له عُمران بسخط، وقد رانا إليه يسأله بخشونة:
_وريني معاك أيه ورا ضهرك عشان لو طلع اللي في بالي صح هطلع بروح أمك وقتي!
كلمات متعصبة ترددت على لسان الطاووس الوقح، لذاك الذي يقف، ومازال يخبئ يده خلف ظهره، ويجيبه وهو يدعي اللامبالة:
_هيكون معايا أيه يعني!
احتدت رمادية عُمران، وهدر منفعلًا:
_طلع ايدك وافتحها قدامنا هنا.
هدر إيثان بتعصب:
_وإنت تقتحم خصوصياتي بتاع أيه؟
زفر جمال بملل من مجادلتهما، بينما ردد يونس بنفاذ صبر:
_ما تريحه وتفتحله ايدك يا كابتن.
بينما قال آيوب ضاحكًا:
_ خصوصية أيه اللي بتتكلم عليه هو أحنا دخلنا عليك الحمام!
دفع إيثان آيوب بعنف وهو يصيح بشراسة:
_انت هتقف في صف الخواجة من أولها يابن الشيخ مهران!!
تعالت ضحكات عُمران وقال ساخرًا:
_هو أنت مزهقتش من كلمة خواجة دي يا إيثان، يابني ده أنا ملامحي مصرية أكتر منك إنت شخصيًا ، وبعدين أعملك أيه عشان تصدق أكتر من إني ثبتك خمس مرات قبل كده بمطوة ونازل قصف في جبهة أمك من ساعة ما شوفت خلقتك!!
وبابتسامة واثقة استطرد:
_وبردو هتوريني اللي في ايدك حتى لو فضلنا نتكلم لسنتين قدام، أنا جاهز وفاضي.
تنهد سيف بضجر:
_ما تخلص يا ايثان!!
أخرج كفه يفتحه بارتباكٍ، فاذا بالصدمة توزع بين الوجوه، وكان أول من تحدث هو آيوب الذي صرخ به بغضب:
_بقى إنت اللي بترمي علينا الصواريخ كل يوم بعد صلاة العشا وجاي تكمل دلوقتي!
بابتسامة واسعة أكد له مصححًا:
_مش كل يوم سبت واتنين وأربع باقي الايام بكون مشغول فيهم.
جذبه عُمران من تلباب قميصه قائلًا باستهزاء:
_متزعلش يا حبيبي هنخليك متفرغ طول أيام الاسبوع للعلاج المجاني في مستشفى القصر العيني، أو الدمرداش!
ارتعب إيثان من تهديداه المخيف وبصعوبة قال:
_لا أنا مشغول اليومين دول في تحضيرات الفرح، هبقى أعدي عليكم وقت تاني.
سحبه عُمران من ياقة قميصه، وقال بخبث:
_رايح فين ده إحنا سهرتنا صباحي يا إيثو، مش كده ولا أيه يا دكتور الحالات المتعسرة؟
عدل يوسف من نظارته، ومضى من جوارهم يتصنع تجاهله التام بهم، حتى دون أن يتطلع قبالته، فاذا به ينعكس باحدى الحمالات الخاصة بالبطاطا لاحدى العربات.
صرخ يوسف ألمًا، فأسرع جمال إليه يراقب ما حدث له:
_انت كويس؟
رد بانفعالٍ:
_هبقى كويس ازاي وانت والوقح ده ورايا، ارحموني واعتقوني لوجه الله.
لف عُمران يده حول كتفه، وهتف مبتسمًا بجدية غامضة:
_منقدرش نفترق عنك يا جو، هو إحنا كده ملناش حد يحاوط الضلع المفكوك غيرك.
استغل ايثان اندمجهم، وفر هاربًا، فصاح جمال فيه:
_استخبى في بيتكم يا ايثوو، حاول متظهرش النهاردة.
وهمس بصوتٍ خافت أضحك عُمران ويوسف:
_سيب كلابه السعرانة متخدرة النهارده، اليوم كله سكاكين أبوس ايدك مش ناقصة.
التفت له عُمران ومازحه:
_متخافش يا جيمي إنت بالذات عمرك ما هيطولك مني أذى، وبعدين أنا مش مغفل اني أضحى بصاحب عمري بالبساطة دي.
وأضاف بسعادة وراحة غمرته:
_بمناسبة المسجد اللي عملته في توقيت الحادثة، أنا عاملك انت ويوسف مفاجأة.
زوى يوسف حاجبيه بذهول:
_مفاجأة أيه؟
اجابهما وهو يتجه لمنزل الشيخ مهران:
_لما نتجمع في الشقة هتعرفوا.
******
وقف الشباب بجلبابهم الابيض، يتابعون ذبح الأضاحي، وقد قام سيف وآيوب بتصوير هذا الاحتفال، بينما بشرفتي شقة خديجة، نوزعت عليهما الفتيات، تتابعن ما يحدث بسعادة.
وما أبهر البعض مشاركة عُمران في الذبح، بشكلٍ فاجئ الجميع حتى علي نفسه اندهش مما يحدث، فضحك يوسف وهمس باستهزاء:
_المهارات اللي اكتسبها من الاسطى موسى.
رافق جمال حديثه بقوله:
_أصلك مشوفتش اللي شوفناه في السفرية دي يا دكتور علي
أجابهما ومازال يتابع ما يفعله أخيه:
_لا مش متخيل.
ترك آيوب الزحام واتجه للمنزل، ثم عاد بعد قليل يحمل ابن أخيه "مراد" ، وعلى كتفه الأخر ابنته "جوري" ، وبينما يقف جمال لاحظ صبا تناديه ليحمل ابنه، فذهب وأحضره، وقد فعل يوسف بالمثل.
ترك عُمران ساحة الذبح، وإتجه لاخيه الذي قرأ ما بنوي فعله، فوقف قبالته يتمتم من بين اصطكاك أسنانه:
_رايح فين يا علي؟
ببسمة باردة قال:
_سؤال ده ولا تحقيق؟
احتقن صوته غيظًا:
_متنزلش لين وكاري هنا، الدنيا كلها شباب مش شايف ولا أيه؟!!!
منع ضحكاته من الظهور بصعوبة، وقال ينبهه:
_ليان وكيان عندهم أربع شهور مش 24 سنه يا عُمران، هما شكلهم مدي على عمر تاني وأنا مش واخد بالي؟
أجاد باصرار:
_حتى لو عندهم أربع أيام، مش نازلين يعني مش نازلين، وبعدين هو مين فينا الكبير؟! مين فينا المفروض يكون عنده الوعي الكافي.
أجابه ببسمة ساخرة:
_هيبقى عندي وعندك، كفايا أنت يا حبيبي.
وعاد يتسم بالثبات، وبالرغم من جدية تعامله الا أنه يكاد يسقط ضحكًا:
_أنا طالع اجيب علي، راجل ويقدر يقف في تجمع الرجالة، ممانع حضرتك في حاجة؟
تنحى جانبًا بتذمرٍ من طريقته، فما أن مر من جواره حتى سقط علي ضاحكًا، وبالفعل عاد بعد قليل يحمل الصغير الذي يزداد تعلقه به حد الجنون، ويزداد علي ذاته تعلقه به وكأنه ابنه الوحيد، يطبع قبلاته على وجهه من اللحظة للاخرى، ومن على بعد مسافة بينهما، يلتقط لهما عمران الصور بسعادة، وعلى ذراعه "مراد" الصغير، ابن شمس الذي لم يرث منها شيئًا، كان يشبه آدهم أكثر من آدهم نفسه، ولكنه يتأنق اليوم باستايل خصصه له عُمران رفقة صغيره، فقد كان يحبهما حبًا جمًا، ولكنه رغمًا عنه كان يحمل معزة خاصة لصغيرات قصر الغرباوي!
*******
بالأعلى.
وضعت الحاجة "رقية" صواني(الفتّة المصرية)، على السفرة، وتركت الفتيات يحملون الطعام على السفرة، التي اجتمعوا من حولها وهم يرتدون جلابيب الحاجة رقية، التي ترأست جلستهم بالمقعد المخصص للشيخ مهران، وقد باشرت بالترحاب الحار بهم، قائلة بوداعةْ ومحبةٍ:
_نورتونا وشرفتونا يا حبايب قلبي، يلا مدوا ايدكم بألف هنا.
ردت مايا عليها بحبورٍ:
_تسلم ايد حضرتك، الأكل ما شاء الله شكله يجنن.
قالت شمس وهي تلتقط إصبع الكفتة:
_نفس طنط رقية في الأكل مالوش مثيل، بس ربنا يستر ومامي متعرفش بالجريمة دي.
ضحكت الحاجة رقية وقالت:
_ولو عرفت هغريها بحلة المحشي دي، هتضعف قدامها.
قالت ليلى:
_أنا نفسي ضعفت، وهحتاج طبق كبير معايا وأنا ماشية عشان أنا بعد ما طلعت من مرحلة الفطام وكده دخلت على مرحلة حمل جديد.
انفجرت الفتيات ضحكًا، بينما صاحت زينب بصدمة:
_أيـــــــه؟! عملتيها أمته دي؟! مش تستني لحد ما أولد الأول وتبقي تعمليها، أنا تعبت واتمرمطت لحد ما ربنا كرمني، ازاي تضيعي فرصتي وتقطعي عليا بالشكل ده!!
هزت ليلى كتفيها بقلة حيلة، وقالت:
_والله ما أعرف!! ده يوسف اتصدم، بعد ما كان نفسه إني اعملها من كتر اللي اتعرض له من دوامة الولادات، كره المهنة، ولسه بيشم نفسه جيت خبتطهاله وش.
هدرت بانفعال وحسرة:
_أيوه يعني كده هتكروتني، ومش هيبقى في سبوع ولا أضحية؟!
قهقهت صبا ضحكًا، وقالت بصعوبة بالحديث:
_متقلقيش يا زينب ان شاء الله تأخدي فرصتك ونفرح بيكي كلنا
قالت الحاجة رقية:
_ولا يهمك يا حبيتي، أحلى سبوع يتعملك هنا في بيت الشيخ مهران، ونفس الليلة اللي اتعملت بره هتتعملك أنتي كمان، احنا عندنا كام زينب، ده انتي مرات صاحب الغالي، اللي لاجله يكرم كل حبايبه وحبايب حبايبه.
ابتسمت لها فاطمة، وقالت بتهذبٍ:
_تسلمي يا طنط ربنا يسعد قلبك يا رب.
أجابتها بمحبة:
_ويسعدكم كلكم يا ررب، كلكم زي بناتي، وربنا يعلم.
قطعت سدن حديثهم حينما قالت:
_حاج ركيا أنت بتكدب ودايمًا بيقف مع آيوب، هي عندك دايما مظلوم ومش بتعمل حاجة، أنا مش عاد يشتكي ليك، الشيخ مهران بتجيب لسدن حقه.
انهارت الفتيات ضحكًا، وخاصة حينما طرقت رقية على صدرها بحركة شعبية، وقالت:
_بقى كده، بقى انا أنصفك دايما على الواد وفؤ الاخر تقولي كده!
ضحكت خديجة وتحدثت بمشقة، وهي تمرر يدها على بطنها المنتفخ بجنينها ذو الخمسة أشهر:
_هي أكيد متقصدش يا ماما رقية، هي بس واخده على خاطرها عشان مخلتهاش تسمي جوري الاسم الي هي كانت عايزة تسميه.
شهدت الحاجة الفتيات قائلة:
_اشهدوا يا بنات عايزة تسمي البنت شاكيماز باين ولا شاكيواز ولا مدارك أيه، بذمتكم ده يرضيكم، لما أجي انادي البت اناديها انا ازاي!!
وأضافت باستهزاء:
_عما هفتكر الاسم هيجيني زهايمر!
انطلقت الضحكات مجددًا بينهن، وقد سادهما جوًا من الألفة والطمأنينة، وبعد انتهاء الغداء، جلست الفتيات تعود لتخطيطهم المسبق، لانشاء براند الحقائب النسائية الخاص بهم، الذي تأجل لأكثر من مرةٍ لولادة كلا منهم، والإن قد حان الوقت لتنفيذ المشروع المشترك بينهن جميعًا، والتي ستكون من مسؤولية صبا وخديجة وشمس بالكامل.
أما فاطمة ومايا فمازالت كلتاهما تباشران العمل مع عُمران، وليلى وزينب يباشران العمل بالمركز، ولكنهم اتفقوا جميعًا على تقسيم ورديات لظهور الاربعة مع صبا وخديجة وشمس، لتقديم الدعم الكامل لهم.
استغلوا انشغال الاطفال مع أزواجههم، وبدأت مايسان بتصميم لوجو البراند، والدعوات وما يخصهم، ولجوارهم كانت المساعدة الخاصة بالتؤامتان تقدم على تولي مسوؤلية التؤام، النائمون بالعجلة ذو الفراشين، كالملاك البريء، وكلاهما يدهما متعلقة بالاخرى، خصلاتهما السوداء تنحدر فوق حاجبيهما، وجفنيهما المنغلقان تخفيان لونهما الممزوج بحبات القهوة البني، وبشرتهما الصافية، ورثًا مشترك من ملامح علي وفطيمة، قصة العشق المتحد بينهما.
******
ببنما بشقة عُمران القابعة بحارة الشيخ مهران.
كان الشباب يجتمعون بالمطبخ، لجلي أطباق الغداء، حتى لا يجهدون الحاجة رقية والفتيات بالتنظيف، بينما يجلس علي بالخارج، يضم الصغير الذي غفى بين ذراعيه، يمرر يده بين خصلاته الغزيرة بحب وحنان، وإذا به يرى عُمران يراقبه ونظرات الشرار تكاد تلتهمه.
انبلج الضحك على وجهه، وقال:
_تحب أوديك لدكتور يا عُمران، في نار طالعه من عينك يا حبيبي؟
رنا إليهما، ينحنى مقبلًا رأس صغيره، ورغمًا عنه ابتسم وهو يراقبه بحنان، ومن ثم حمله بين ذراعيه، فظن علي أنه سينقله للداخل، ولكنه تفاجئ به يتمدد على الاريكة، ويضع رأسه على ساق أخيه، ويضم صغيره بين ذراعيه، ثم جذب يد علي ووضعها على رأسه، ليرغمه على فعل ما كان يفعله منذ قليل مع صغيره.
تحررت ضحكات علي الصاخبة، وقال مستنكرًا فعلته:
_ناوي تكبر أمته عشان اعرف بس؟
قال وهو يضم صغيره، ويغلق عينيه في راحةٍ:
_متحطش أمال على شيء مش هيحصل يا دكتور، مفيش ابن بيشبع حنان من أبوه، ولا أنت شايف حاجة مش شايفها يا دكتور.
ضحك وهو يمرر يده على رأس عُمران، الذي انتعش وجهه بابتسامة بينما يدفن أنفه بين خصلات شعر ابنه التي تحمل الزيوت الباهظة، التي يحرص على وضعها له بنفسه لتقوي خصلاته.
تركه يسترخي وابتسامته تتسع، مهما كبر عُمران بالعمر سيظل ابنه الصغير، يتمسك بثيابه بأي مكان يذهب إليه، وقد رأى هو فيه الأب الناجح لابنتيه، بل يجزم أنهما يتعلقان به أكثر منه هو، فماذا سيفعل بهما حينما يشتد عودهما!
مرت ساعة كاملة، قد انتهى الشباب من التنظيف كاملة، واجتمعوا بالردهة المطولة، بينما هبط إيثان كعادته بصينية الشاي بالنعناع، وجلسوا جميعًا يتسامرون أطراف الحديث فيما بينهم، حتى لاحظوا جميعًا أن عُمران يجلس بصمتٍ على غير عادته، بل كان شاردًا، وهو يضم صغيره الذي استيقظ للتو، وأخذ يدقق التطلع له مبتسمًا، ويده تتعلق بلحية أبيه النابتة، وحينما وجده شاردًا،لا ببتسم له ويقبله على غير عادته، عبث بملامحه وحاول الوصول لوجهه، عساه أن يراه، فخشى علي أن يسقط الصغير دون أن ينتبه، فحمله إليه بحنان، وحينما تأكد الصغير من هوية من يحمله، سكن بأمانٍ بين أحضان أكثر حصن أمنًا له.
شق صوت آدهم الصمت، وتساءل بريبة:
_سكوتك ده مش مطمني، بتفكر في أيه تاني يا وقح؟!
كاد يوسف أن يبصق الشاي من فمه، وصرخ بتوجس:
_أبوس ايدك احنا معندناش حمل مغامرة من مغامراتك، المرة اللي فاتت كنت هتشيع جمال وراك، واللي بعدها علي، المرادي ناوي تضحي بمين فينا؟
هدر جمال بضيق:
_ما تهدى شوية يا يوسف، عُمران عاقل مش مجنون!
ردد آيوب وقد بدأ القلق يزحف إليه:
_عُمران صمتك ده مريب، أنا بقيت حافظك من فترة شغلي معاك، جماعة صدقوني خافوا منه!
ضحك سيف وقال:
_يمكن ده معاد نفش ريش الطاووس! مهو بينفشه مرة كل سنة!
صاح إيثان منفعلًا:
_سكتوا جوز الزغاليل دول، مش عايزين نعصب الخواجة في خلوته، شكله كده بيتأمل في أشكالنا وعلى ما يبدو مش عاجبنا.
راقبه علي بإمعانٍ، وقد حزم الجدل حينما ناداه بحزمٍ:
_عُمران! في أيه؟
استدار تجاه أخيه، وقد حررت حركته المتصنمة أخيرًا، وأخبره بصوتٍ غامض:
_إنت فاكر وعدك اللي قطعته ليا يا علي؟
تيقظت جميع الآذان، فبمجرد نطقه للامر بتلك الجدية، استرعت انتباه الشباب لمعرفة ماذا يقصد؟
شرد علي قليلًا، وقد علم مقصده، فأجابه بثبات:
_فاكر وموافق يا عُمران.
ارتسمت ابتسامة سعادة على وجهه، بينما يعود لجمال ويخبره:
_قولتلك محضرلك مفاجأة، مش عايز تعرف هي أيه؟
غامت عيني آدهم بمكر وقال:
_ما تجيب الناهية وتقول ناوي تشد الرحال على فين يا طاووس!
اتسعت ابتسامته الماكرة، ونهض أمام اعينهم يتجه لحقيبته المسنودة على الطاولة، حملها واتجه يضع خمسة تذاكر سفر للعمرة أمامهم أرضًا، تعجب الجميع فعلته والجميع ينبعث داخلهم فرحة ورعشة غريبة، فلم يفكر أحدًا منهم السفر لقضاء عمرة وزيارة بيت الله الحرام يومًا، فأتاتهما الصحبة الطيبة تدعوهم، وقد كانوا مرحبين بل أكثر من مرحبين.
سحب علي، وجمال، ويوسف وآدهم التذاكر، فغضب آيوب وسيف وقد تلاحمت أصواتهما:
_طيب وإحنا؟
ابتسم عُمران وقال يشاكسهما:
_هي الرحلة تحلى من غيركم يا زغاليل.
قالها وألقى لهم تذكرتين كان يمتلكهم، والثالثة كانت ليونس الذي تلقفها مبتسمًا، ودموعه تلألأت شوقًا لزيارة بيت الله.
وبينما تجوب الوجوه الحماس والابتسامة، فاذا بإيثان يمضي بين الصفوف، ملتقطًا أكواب الشاي دون أن يتم تناولها، والغضب يحتل قسماته، انهار الشباب ضحكًا بينما يصيح هو بحدة:
_أنا مهما أعمل مكروه بينكم.
رد عليه أدهم والضحك يجعل صوته مهتز:
_طيب قولي هتيجي معانا ازاي بس؟
رفع كتفيه وهو يجيبه:
_هستناكم بره زي ما بقعد قدام المسجد لما تخلصوا صلاة.
عاد الضحك اليهم، فقال له يونس بحنان :
_الحج مش زي الصلاة يا إيثان، واحنا كده كده هنرجع متقلقش.
هتف بحزن:
_هستناكم بأي مكان، عادي.
وأضاف وهو يترك الصينية ويتجه لينزوي على الاريكة:
_هقعد ازاي هنا من غير يونس، وآيوب والخواجة!
واضاف باكيًا:
_لو مشيتوا هقطع علاقتي بيكم، هو يعني محرم على المسيحي إنه يسافر السعودية لازم أكون مسلم يعني.
ابتسم علي وقال له:
_لا مش شرط يا إيثان، أنا أشك إن عُمران ميكنش عامل حسابك معانا.
عادت نظرات الأمل تتجه إلى الطاووس، الذي أخرج أخر تذكرة، وكانت مختلفة عما تخصهم، بينما يخبره:
_حجزتلك رحلة للرياض وكذه مكان سياحة، لحد ما نعتمر ونقابلك بعدها، عشان تعرف بس إنك مش تقيل علينا ولا إننا بنكرهك، أنت واحد مننا وليك معزة في قلبي وإنت عارف ده.
نهض يسرع إليه يلتقفه بالاحضان، حتى وإن لن يذهب معهم لمكة المكرمة، ولكنه سيكون بنفس الدولة على الاقل، يراققهم أينما كانوا.
وبالفعل انتهى جمعهما بعودة الجمع مرة أخرى أمام بيت الله المشرف، أطهر بقاع الأرض، يطوفون حول الكعبة معًا، صحبة في الخير وكان جمعها يشكله من كان يومًا عاصيًا، من كان يومًا زانيًا، لقد أتى باكيًا، تائبًا، مؤمنًا، معتزلًا كل المعاصي، وقد عانقته رحمة الله، وأعانه على زيارة بيته الطاهر، ورؤيته التي كانت تحمل البشرى له، كان دومًا يفعل الخير سرًا وعلنًا، وعا قد ختم القصة، ولم يخسر لقبه المنافي أفعاله كان طاوس وفخا، ومازال يوصم بذلك رغم توبته!
رواية صرخات انثى الفصل 124 - بقلم ايه محمد رفعت
لم تتوقف زهرة الأعمار عند عام محدد، تمر تارة ببطءٍ وتارة بسرعة الريح، وكأن البركة انتزعت من الوقت انتزاعًا، وقد قد الخريف على القصر لأكثر من مرةٍ، تتساقط أوراق الأشجار، وتعاد لصياغتها الأولى، تزدهر وتتناغم أوراقها مجددًا، في مظهر أكثر من رائع بباحة قصر الغرباوي.
بينما بالداخل.
كانت لمظاهر الحياة صورة أخرى داخل حوائط القصر، يضخ من الصالون المفتوح للحديقة رائحة القهوة الشهية، ومن خلف المكينة الخاصة بالقهوة، كان يقف بقامته الطويلة وجسده الرفيع، يعد مفضلته باستمتاعٍ.
التقط "علي" الكوب، وأتجه للمقعد المقابل للشرفة الزجاجية، يعتليه واضعًا ساقًا فوق الاخرى، وقد بدأ القراءة باحدى كتبه، وما هي الا دقائق حتى اندمج كليًا برحلته.
وهي نفس الدقائق الذي إتخذها ذلك الصغير، لأن يخط خطوتين خلفها، ثم انحنى يزحف بذراعيه خلفها، وكلاهما يتجهان لوجهتهما المحددة، حيث يجلس "علي" يقرأ كتابه.
عدل من نظاراته الطبية، وهو يتابع قراءته، حتى شعر بلمساتٍ لطيفة تستحوذ على قدميه، أبعد الكتاب عنه مبتسمًا لرؤية هذا الوجه الملائكي، التقفه إليه، يُجلسه على ساقيه ويده تعبث بخصلات شعره البني الطويل، قائلًا بحبٍ:
_علي باشا، أيه اللي مصحي جنابك في الوقت ده.
ضحك ابن أخيه، فطلت أسنانه العلوية التي لم تكتمل بعد، ويديه تزحف لنظاراته، ضحك "علي" وهو يبعدها عنه قائلًا بمشاكسةٍ:
_شكلك هتبقى مثقف!
تسلل لأذنيه صوتًا خافتًا يأتي من خلفه:
_ألي (علي)
استدار "علي" خلفه؛ فتفاجئ بمن تعقد ذراعيها أمامها، وهي تتابعه يحمل الصغير بحزنٍ، استدار خلفه يشير لها بحبٍ:
_فيروزة حبيبة قلبي، تعالي!
خطت إليه، ومازالت تحمل البيبرون بين يدها، تركته جانبًا، وتسللت على ذراع أخيها الأكبر، حتى جلست قبالة الصغير، بينما يغمرهما "علي" بالقبلات، حتى نزع أحدهما مرءه، هاتفًا:
_اللي جابلك يخليك يا دكتور!
قالها ذلك الذي هبط من الأعلى للتو، يضع حقيبته السوداء على الطاولة القريبة منهم، ثم نزع نظارته السوداء الحاملة لماركة "دولتشي آند جابانا"، وحرر زر جاكيته البني؛ ليتمكن من الجلوس على حافة المقعد، يمنح أخيه بنظرة ساخرة، وهو يتابع:
_شايفك مريح بقالك كام يوم إنت اعتزلت وقلبتها babysitter ولا أيه!
تركهما أرضًا، وإتجه إليه يتفحصه باستغرابٍ:
_على فين؟
رد عليه "عُمران" بينما يلتقط مشروبه الدافئ من الخادم:
_عندي اجتماع مهم، وبعده ههرب على شقة الشباب، مستحيل أرجع هنا أقعد بالعفاريت دول.
ارتشف من كوبه، فاذا به ينتبه لابنه الذي جلس قبالة أخته الصغيرة يلعبان بأحد الالعاب الصغيرة، وصوت ضحكاتهما جعلوه يبتسم تلقائيًا، فمال الصغير يطبع قبلة على وجنة" فيروزة"، استدار "علي" تجاه الدرج يراقب الطابق الاول بينما يهتف:
_لو فريدة هانم أو مايا قفشت ابنك هيسبقك على الmeeting بتاعك.
تعالت ضحكاته، ومال يضع الكوب جانبًا واتجه ينحني تجاههما وهو يخبره بجدية تامة:
_أنا بريء صدقني بحاول أعلمه يكون جنتل مان بس هو لقطها غلط!!
_عُمران!
لحق صوت النداء الرقيق صوت دعسات حذاء نسائي، فاستدار للخلف ليجدها زوجته، راقبهما "علي" بملل، فتسلل يحمل فنجان قهوته وكتابه وتسلل لغرفة مكتبه، تاركًا لهما ساحة القتال، دنت
إليه حتى وقفت قبالته، فنهض يتفحص المكان من حوله وحينما تأكد بانعزالهما عن الجميع ردد بهيامٍ:
_حبيب قلبه إنتِ!
هاجمته بنظراتٍ شرسة لحقتها عصبية مندفعة:
_إنت عملت للولد أيه كل ما يقعد مع حد يعمل اللي عمله من شوية ده.
زوى حاجبيه بدهشةٍ مصطنعة، واستدار لابنه يتساءل ببراءة:
_عملت أيه يالا؟!
ربعت يديها أمام صدرها ونظراتها تحتد بشكلٍ جعله يتفحص ساعته، وقال:
_اتاخرت جدًا بليل نشوف موضوعك يا بيبي، يلا باي.
اتجه للمقعد ليحمل حقيبته، فصعق حينما لم يجدها محلها، عاد ينزع نظارته من جديد وردد بدهشةٍ:
_شنطتي كانت هنا!!
هزت كتفيها وهي تجيبه:
_أنا لسه نازلة!
استدار محل جلوس الصغار، فلم يجد أي منهما، ركض "عُمران" يسارًا ويمينًا كالذي مسه عفريت من الجانٍ، وهو يصيح بانفعالٍ:
_عملــــــوها.
رؤيته غاضبًا هكذا أثلجت صدرها تجاه ما أصاب ابنها الصغير من وقاحة ورثها من هذا الطاووس الوقح، التقط "عُمران" صوتًا قادما من أسفل الطاولة، انحنى للأسفل، فأصابته صاعقة حينما وجد حاسوبه بين يد ابنه، واليد الاخرى تحمل إحدى أزراره، بينما صاعقة أخرى أصابته، من تلك التي تقف أعلى السفرة تحمل هاتفه وسماعته.
ترك صدمة ما فعله ابنه جانبًا، واتجه إليها يجاهد في رسم ابتسامة مصطنعة:
_فيري حياتي إنتِ، هاتي الموبايل ده حالًا عشان ميخسرناش بعض!
تعالت ضحكاتها، وألقت بالسماعة تجاه مكان وقوفه، سقط قلب "عُمران" خلفها، كادت أسنانه أن تدمي شفتيه السفلى، ليتحرر صوته بعصبيةٍ بالغة:
_فيروووز الموبايل لو مجاش في ايدي حالًا تصرفي مش هيـ...
لم يستكمل باقي كلماته ولحق الهاتف سماعته الحبيبة.
*****
_عُمــــــــران إنت اتجننت نزل الاولاد!!
قالتها "مايا" بصدمة وهي تراه يحمل "فيروزة" ويضعها بالأعلى جوار ابنها على باب المنزل الداخلي، أشار لها بالاقتراب، فاقتربت لتجده يحرك رقبته يسارًا ويمينًا كأنه على وشك أن يتحول، بينما بنبرة هادئة قال:
_أنا وانتِ دايبين في بعض، وبينا مشروع عفريت أقصد طفل تاني، فعشان أيه نخسر بعض يا بيبي؟
ورفع اصبعه للاعلى مشيرًا، بينما يغمز ل"فيروزة" بمكر،وقد خفف قيدها:
_الحيوان ده هو والبطريق اللي جنبه أتلفوا لاب وموبايل بنص ثروتي تقريبًا، وأنا سبق وحذرته مش حذرته انا قبل كده قدامك مرة لما دخل أوضة مستلزماتي!!
هزت رأسها بخوف، فقبل جبينها وقال:
_ادخلي افطري وحضري نفسك للحفلة بتاعتك بليل، أنا اختارتلك dress شيك جدًا، وسبيني أنا أربي الكائنات دي عشان متتعقديش، أنا عايزك تركزي في المشروع اللي جاي بحيث ميجيش كائن مشابه للكانتلوب ده ولا شبهي نهائي.
عاد يتطلع للاعلى بحنقٍ، ثم استدار لها يستطرد:
_انا سميته علي عشان يطلع محترم، وابن ناس زي دكتور علي الغرباوي، فبما إن مفيش أمل يبقى أربيه أنا قبل ما يجبلي التهزيق على كبر!
ضمها إليه وهو يتطلع للاعلى تجاه الصغير الذي انطلق بنوبة من الضحك ظنًا من أن "عمران" يمازحه، فقال من بين اصطكاك أسنانه:
_مستفز الواد ده أوي!!!
همست له بارتباك:
_نزلهم يا عُمران.
ربت على كتفها وقال بتأثرٍ:
_قلب الأم ده مثالي بجد.
وتركها واتجه لغرفة الحرس الجانبية، فلحقت به تتساءل:
_رايح فين؟
رد عليها ببساطةٍ:
_هشوف حبل كبير شوية عشان متقعيش وتنكسر رقبتك الحلوة دي يا بيبي، مهو أنا مكنش ينفع أفرقك عن فلذة كبدك بردو!
هرولت "مايا" للداخل تصرخ دون توقف:
_علـــــــــــــي!!!
فُتحت البوابة الرئيسية استقبالًا لسيارة "أحمد الغرباوي"، طل من الشرفة الخلفية يتمعن بصدمة مما رآه، فصاح لسائقه بجنون:
_نزلني.
صف السائق السيارة جانبًا، فهبط الاخير يركض تجاه البوابة، وهو يتساءل بصدمة:
_أيه اللي بتعمله ده يا عُمران؟!
وتابع وهو يهزه بعنف:
_نزل البنت بدل ما أعلقك مكانها.
جلس على المقعد البلاستيكي، واضعًا ساقًا فوق الاخرى، وبعنجهية الطاووس الوقح قال:
_لو لياقتك البدنية قدرت لده مش هعارضك!
زفر بضجرٍ واتجه إليه يقول:
_بطل البرود ده وقولي عملوا أيه؟
أجابه بحدة:
_اتسببوا في اتلافات ومصايب تقدر ب750 ألف دولار،، لو عايز تنزل بنتك أو حفيدك تجبلي موبيل ولاب نفس النوع، نفس اللون، من نفس المكان، غير كده مفيش مجال للتفاوض.
يعلم كم هو عنيدًا، شرسًا، فقال بضجر:
_هكتبلك شيك بيهم ونزلهم.
هز رأسه معترضًا بغرورٍ:
_مقبلش أنا بالكلام ده، طلباتي قولتها، وياريت من نفس الدول اللي جبتها منهم، وخد بالك انا بعت موظف من عندي يجبهم بنفسه عشان ميتخدشوش، يعني شغل الاون لاين والكلام ده مش هيحل معايا!!
حرر الصغير ذراعيه بالهواء، فور أن رأى" علي"، فاذا بالاخير يهتف بثبات ماكر:
_علي مغلطش، فيروزة اللي حرضته.
ومال يحل الصغير، وقال مبتسمًا بخبث:
_عاقب إنت بقى!
تعجب "أحمد" من برود تصرفات "علي"، ولكن قد وصل إليه المفهوم حول أفعاله، حينما غلب قلب "عُمران" المعركة، ولأول مرة يتهاون مع من يمس متعلقاته، فاذا به يحل وثاق الصغيرة، ويحملها بين ذراعيه مثلما اعتاد، ومن ثم وضعها قبالته على الطاولة ، يعاتبها كأنه يتحدث مع فتاة بالغة:
_دلعي ليكِ خلاكي تتخطي الحدود يا فيروزة، وده هيزعلني منك جدًا، وهيخليني أبعد عنك، أنتِ عايزة ده يحصل؟
ضحكت وصفقت بيدها ببراءة، فابتسم رغمًا عنه، وعاد يدعي خشونته:
_لما أكلمك تبصيلي وتركزي معايا، سامعه يا هانم!
عاد صوت ضحكاتها يغمر المكان، فرفع وجهه لزوجته التي تتابعه عاقدة الذراعين، يخبرها:
_بذمتك دي تنفع تتعاقب، دي تتأكل أكل!
قالها ومال يقبلها، فتعالت ضحكاته بسعادةٍ، إلى أن وضعها بيدي المساعدة،وقد كان يفكر جديًا بعدم الذهاب إلى العمل وأن يقضي اليوم برفقتها ، وقف يراقبها وهي تبتعد معاها بابتسامة هادئة، وعاد يستعيد ثباته مجددًا، بينما يميل لزوجته، يفاجئها بضمها إليه، ويخبرها بجدية شتت عقلها:
_مش ناوية تحققيلي حلمي وتجبيلي بنت يا عسولة؟
حدجته بنظرة نارية، ودفعته بكل قوتها بينما تثور به:
_معنديش نية لذلك، وبعدين ما أنت ماشاء الله عندك تلات بنات.
وضع احدى يده بجيب سرواله وقائلًا ونظراته تتعمق بها فأربكتها:
_ولو بقوا عشرة أنا بحب البنات جدا يا مايا، وحابب نجيب بنت، راجعي الموضوع تاني.
دفعته برفق تجاه سيارته وهي تصيح:
_بلا تاني بلا تالت، إتاخرت على "البشمهندس جمال"، يلا.
عاد يتصلب أمامها، وبخشونة قال:
_أنا أروح المكان اللي أحبه في التوقيت اللي أحبه.
وأضاف بخبث:
_ثم إن الواقفة هنا عاملالي ميكس خطير.
واردف بينما يغمز لها:
_حبيبي، قلبه قوي واستقوى على حبيبه، كلها ساعتين وهتبتدي حفلة البراند بتاعكم،وقتها هنشوف قلب مين هيغير ويحقد على عيون البشر كلهم.
ومازحها قبل أن يعود للقصر:
_والاعراض دي هتحصلي أنا طبعًا، عشان متفهمش صح.
أشرقت بسمة العشق على وجهها بعدما تأكدت من مغادرته، بينما هو أتجه للحديقة الصغيرة، حيث وجد قطعتا السكر ملكه، تجلسان بالمساحة الأمنة المخصصة بالاطفال.
هرع ينحني إليهما. فتعالت ضحكاتهما بجنون، تشجعانه على حملهما، فانحنى إلى كلتاهما، يشدد من ضمتهما ويطبع قبلات على أوجههما بالتساوي، وكلما زاد من قبلة للاخرى، عاد يقبل الاخيرة حتى استسلم وجلس بينهما متناسيًا عمله نهائيًا.
_صباح الخير.
قالتها "فاطمة" بابتسامتها الرقيقة، فقال "عمران" وهو ينتزع جاكيته:
_ظهورك بالتوقيت ده معناه أن جمال أو آيوب بلغك أني مرحتش، وأكيد هتتولي الاجتماع ، فأنا افراج.
ضحكت وهي تراه يعود ليمازح تؤامها بلطفٍ ومحبة، فقالت "فاطمة":
_بالظبط كده، الموضوع مش هياخد مني غير نص ساعة متقلقش.
حرك كتفيه بخفة وهو يحمل كلتاهما على ذراعيه:
_ده شكل واحد قلقان؟؟
هزت رأسها ضاحكة، ونطقت:
_لا نهائي، بس مش عدل انك تستغلنا في يوم أجازتنا، واللي قررنا نعمل فيه حفلة بسيطة للبراند بتاعنا.
سحب البيبرونة، ووضعها بفم الصغيرة، بينما يخبرها:
_مكنش عندي أي نية والله، بس عملية الأغراء بدأت من فيروزة هانم، ولما فشلت جت كاري ولين وتمموا المهمة، فتم أغرائي وباكتساح كمان.
قالها وجذب المشط الصغير، ثم أخذ يمشط خصلاتهما الطويلة، وحاول بقدر الامكان الامساك بإحدى الخصل لصنع خصلة لكلاهما، وقد بذل مجهوده حتى وضعها بمنتصف شعرهما، هاتفًا:
_لو كانوا كبار شوية كنت أخدتهم معايا.
استدار صوب "فاطمة" يخبرها:
_فاطيما خلي المساعدة ترجعلي فيروزة تاني، ولو مش هتعبك تاني، تكلمي حد من الخدم يبلغوا "علي" السواق يروح يجبلي "مراد" من "شمس".
وأضاف وهو يجذب الألعاب ويرنو للطفلتين بحماس:
_أنا هكسب فيكم ثواب وهقعد بالاولاد، لما تخططوا لحفلات الشنط بتاعتكم.
كبتت ضحكاتها بنجاح، وقالت:
_عنيا حاضر.
غادرت لتنفذ ما يمليه عليها بينما مضى هو يلاعب الصغيرتين، وصوت ضحكهما كان يزيد سعادته، فمال يدغدغهما، وهو يهتف بخبث:
_الصوت القمر ده هيجذب بغبغاء بابا علي، هيخليه يسيبه ويجيلنا جري.
وقد صدق ما قال، فاذا بابنه يأتي مهرولًا زحفًا من باب المكتب المطل للحديقة، ينزع البيبرون من فمه، ويهتف بتلعثمٍ:
_أبا... بي...
ضحك وهو يوليه ظهره، بينما يتابع لعبه رفقة التؤامان، حتى وجد من يستند على ظهره حتى دعم وقفته، رغم قامته الصغيرة، ومال يقابل وجهه ويضع كفه الصغير على وجه "عُمران"، الذي منحه نظرة حازمة، وقال:
_أنا لسه زعلان منك ومش هصفى بسهولة، فبلاش شكل السهوكة اللي علمهالك علي ده، مش بيأكل معايا.
زم شفتيه، وتمتم بجمل غير مفهومة للاخير، فأصر "عُمران" على، حديثه قائلًا:
_وبعدين أنا مش مخصص ليك وقت للعب، وقولتلك مينفعش تلعب معايا طول ما أنا بلعب مع الهوانم القمرات دول.
جلس الصغير أرضًا يقلب حاجبيه، ليصبح نسخة لا تتجزأ عن الطاووس الوقح، فأشار له مدعيًا قلة حيلته:
_أنت راجل وهما بنات كوتي، هتلعب معاهم ازاي!!!
وأضاف وهو يسيطر على نفسه بصعوبة:
_وبعدين بحاول أقنعك ان فيروزة عمتك ولا تصلح ليك، نازل فيها بوس لما هتودينا في داهية!!
ومال على النجيلة، يزحف حتى تمدد جواره يخبره ضاحكًا:
_متركزش مع اللي لا تجوز ليك، وركز مع الكوتي القمرات دول، نقيلك واحدة منهم، لانك كده كده هتتجوز واحدة فيهم.
وأضاف متفاخرًا باختياره:
_أوعى تفكر إنك هيكون ليك خيار تنقي من برة قصر الغرباوي، وبره عن بنات علي الغرباوي نفسه، إنسى يا حبيبي، وبردو عشان متتعبش لازم تعرف أن نهاية أي تحدي مع أبوك أخره حيطة سد.
رفع الصغير رماديتاه الساحرة إليه، وكأنه يحاول فهم ما يقول أبيه، فقهقه ضاحكًا وقال:
_متعملش نفسك مش فاهمني، كده هشك أنك مش ابني.
عاد الصغير يتطلع أرضًا ويدلي بشفتيه، فمال "عمران" يتلقفه ويقبله ضاحكًا، بل ويهتف في حيرة:
_يا عُمري أنا أوعى تزعل مني أبدًا، ده أنا بوق في الفاضي أقسم بالله.
ونهض يستند بذراعيه ليضع ابنه على ركبتيه، ليستكمل حديثه:
_أنا ميهونش عليا زعلك، ولو على اللاب والموبايل ففداك ألف لاب يا حبيبي، بس ده ميسبلكش الباب مفتوح لتكرار هذا الفعل، متفقين يا علي باشا؟
عاد الصغير يضحك مجددًا، وقد وضعه "عُمران" بالبقعة المخصصة للصغرتين، فما أن وُضع بداخلها حتى هرول زاحفًا ليجلس بين التؤامان، فهتف "عُمران" ساخرًا:
_مش محتاج نصايح يا حبيب قلب بابي، عارف هدفك ومركز عليه!
******
ينتقل القصر بمواسم آخرى، كبر فيها الأطفال عامين اضافين، وقد اشتد الرباط القوي، بين "علي" الصغير والكبير المثقف، حتى "عُمران" بالرغم من أنه كان يعشق الصغيرات، الا أنه لم يرفع يده عن تربية صغيره مثلما لم يرفع "علي" يده عن الفتيات، ولكنه يفشل فشلا ذريعًا بحجر بعض الامور التي يضعها عُمران خطًا أحمرًا لا يخص سوى الصغيرات، والتي يعاني منها "أحمد" بالاخص، الذي كان يسرق بين الفترة والاخرى القبل المسروقة لحفيداته التؤامتان، في حين أن "عُمران" كان يتفاخر بكرمه، وتواضعه بتركه يقبل ابنه كلما شاء!!!
ومن بين تواطئ العلاقات، وبكل دبلوماسية يلجئ للمساعدة ليجد حلًا لتلك المعضلة التي يمر بها،
فانحنى يحمل صغيره بين ذراعيه، ثم وضعه قبالته على السراحة، يطالعه بنظرة ماكرة، حتى توصل إلى ما سيفعله، فمال تجاهه يخبره ببسمة خبيثة:
_علي، حبيب قلب بابي السكر، أنا محتاج مساعدة منك يا بطل، هتقدر تساعدني ولا هتطلع خرع من أولها؟
راقبه الصغير بتركيزٍ تام، وكأنه يخبره سرًا حربيًا، يصعب عليه فهمه، فاذا ب"عُمران" يتجه للخزانة، ويعود حاملًا بذلة صغيرة تحمل نفس لون بذلته، ساعد الصغير على النهوض، وبدأ بتبديل ملابسه وهو يخبره بإيجازٍ:
_مامي مش طايقاني، وعايزة تسيب البيت، لمجرد أني بحاول أقنعها تجبلك أخت صغنونة عسل، فللأسف هي رافضة تمامًا، بس أنا وإنت هنحاول نخليها تغير قرارها، اتفقنا ولا هتخلع؟
ضحك الصغير ومال يختطف البرفيوم الخاص بأبيه، يلهو به، فاذا ب"عُمران" يخطفه منه وهو يحذره بغضب:
_لا، قولتلك ألف مرة حاجتي لأ يا علي، سامع!
ضم الصغير شفتيه بحزنٍ، ومال على يديه يزحف لنهاية طرف السراحة بضيقٍ، جعل الاخير يزفر بضيقٍ من ذلك الذي يتخذ كل أغراضه الشخصية مباحة له، فتح إحدى الادراج وجذب منها زجاجة كانت على وشك أن تنتهي، وقد قبل التضحية بها.
إتجه إليه يمنحه إياها، قائلًا بسخط:
_أنا مش فاهم إنت مش مركز في ألعابك ليه، كل تركيزك على أشياء أكبر من سنك!
ضحك الصغير بسعادة فطلت أسنانه العلوية التي لم تكتمل بشكلٍ أضحك "عُمران"، ومال يقبل وجنتيه بحنانٍ، بينما يعود ليعاونه بالانتهاء من ارتداء البذلة الأنيقة، وفور أنا انتهى سحب الزجاجة منه وقال:
_تمام بقيت بتاعتك، ممكن تركز معايا بقى.
ومنحه إحدى الزهور قائلًا:
_هنأخد الورد ده لمامي، أنت هتديها وردة وبوسة جميلة عشان تحن عليا وتقبل تتناقش معايا، تمام؟
سلطت رمادية الصغير على باقة الزهور الموضوعه بعشوائية، ثم عاد يتطلع على تلك الزهرة التي يحملها أبيه بعدم رضا، فتركها وحمل بعضًا من الزهور المنفردة، زفر "عُمران" بغيظٍ:
_آه منك أنت!! أووف.
ثم حاول أن يجذب الزهور من يده في محاولة اقناعه بحمل الزهرة المنفردة ولكنه أبى، فلم يريد أن يضغط عليه فيبكيه، ووضعه أرضًا يتمسك بيده، متبعًا خطواته المتعثرة حتى وصلوا للمصعد، صعدوا معًا وهبطوا للأسفل حيث تجلس "مايا"بالحديقة، منشغلة بحاسوبها الشخصي.
انحنى عُمران إليه وقال:
_مامي أهي، يلا إعمل زي ما قولتلك، وأنا هاجي وراك.
تركه الصغير وخرج يتجه صوب والدته، التي ما أن رأته حتى تهللت آساريرها، فحملته وهي تقبل وجهه قائلة برقة:
_روح قلبي نازل ومتشيك كده ورايح على فين؟
ضحك الصغير وحمل لها وردة من بين الزهور التي يحملها، ثم مال يطبع قبلة على وجنتها، فانكمشت تعابيرها غضبًا بعدما رأت من يختبئ بالخلف ويغمز لها بابتسامة واسعة، فتركت الصغير الذي مازال يحمل بعض الزهور على الطاولة، واتجهت حيثما يقف الطاووس، الذي تظاهر بأنه يتأمل الحديقة مطلقًا صفيرًا مستمتعًا.
ربعت يديها أمام صدرها ووقفت تراقبه بغضب، فاذا به يستدير لها قائلًا:
_خلاص بقى يا مايا، متكبريش الحوار، أنا بقالي ساعة بدرب الولد على الحركة اللي تجاهلتيها دي، قلبك بقى قاسي أوي يا بيبي!
صرخت بوجهه بعنفوان:
_أنا اللي قلبي قسي!! اللي فيك هتجيبه فيا ولا أيه؟!!
دنا منها بنظراتٍ تحذيرية:
_صوتك عالي وده هيلغي أي نقاش سلمي بينا؟
استدارت تتجاهل حديثه، فاذا بها تبحث عن صغيرها في الطاولة التي تركته على أحد مقاعدها، فتمتمت بدهشةٍ:
_علي فين؟!!!
انتبه "عُمران" لحديثها، ومال برقبته تجاه الطاولة والحديقة، فأسرع كلاهما إليها، يفتشان عنه بالحديقة، حتى وقف "عُمران" بمدخل القصر يشير لزوجته بأن تأتي لمحله.
ركضت تجاهه، تراقب ملامحه الغاضبة باستغراب، فاذا بها تفتح فاهها ببلاهة، حينما وجدته ينحني تجاه فراش "ڤيروزة" ابنة "فريدة"، ويحيطها بالزهور المتبقية معه، ثم يميل وهو يطبع قبلات على وجهها، وضحكاته تتعالى بشكلٍ مضحك.
تمتم "عُمران" من بين اصطكاك أسنانه:
_أقنعه إزاي أن دي عمته!!
انفجرت "مايا" ضاحكة وقالت بقلة حيلة:
_لما يكبر هيفهم أكيد.
وتساءلت باستغراب، حينما وجدته يحمل زهرتين ويركض صوب غرفة الصالون:
_هو رايح فين؟؟
تخطاها "عُمران" ولحق به، فتصنم حينما وجده يقدم الزهرة ل"فريدة"، ويطبع قبلة على وجنتها، ومن ثم انتقل ل"شمس" التي تجاورها وكرر فعلته، فهتف ساخرًا:
_هو ده اللي هو فالح فيه!!
أتاه صوت "علي" الضاحك من خلفه:
_مش تعليمك ده ولا هتتبرى من اللي زرعته فيه يا أوقح خلق الله!
زم شفتيه بنفور وقال:
_عملت أيه أنا، مش أحسن ما يطلع معقد وبتاع كتب زيك يا علي!
ارتشف من كوب قهوته التي يحملها بين يده، مرددًا بسخرية:
_خلاص متشتكيش يا حبيبي.
ترك "عُمران" محل زوجته، واتجه يسحب الكوب من أخيه، يرتشفه جرعة واحدة، ومنحه اياه بابتسامة خبيثة وهو ينادي صغيره:
_علـــــي!
انتبه الصغير لابيه، فخطا إليه حتى وصل لأبيه، حمله "عُمران"، وأخرج الزهرة التي احتفظ بها لزوجته، وقدمها إليه قائلًا بمكرٍ:
_عملت الواجب مع هوانم عيلة الغرباوي كلهم، ونسيت عروستك كده أنكل علي هيزعل منك يا حبيبي، بينا نطلع لفاطيما عشان نشوف كوكي ولين، وتدي واحده لاختك وواحدة لعروستك .
وعدل من جاكيت الصغير، قائلًا، وعينيه لا تفارق أخيه:
_لو زعلت كوكي أو لين منك هقيم الحد عليك، إتعامل بمنتهى الجنتلة والشياكة، مش عايز شكاوي منك، فاهم!
سقطت "مايا" بنوبة من الضحك، بينما انتزع "علي"، الصغير من يد أخيه:
_سيب الولد أنا مش عايزه يطلع وقح زيك، أنا قولتلك هربيه بنفسي عشان أضمن يتعامل مع البنات باحترام.
قالها، وسحب من الصغير الزهرة التي بيده، فابتسم "علي" ومال يطبع قبلة على وجنتي عمه الذي اتسعت عينيه في صدمة من أخيه الذي ربط بعقل الصغير أن من يمنحه زهرة يمنحه قبلة بعدها!!
لف "عُمران" يده حول كتف أخيه المندهش من فعلة الصغير، ومال يهمس له:
_مش هتنجح يا علي، دي جينات يا حبيبي، أنت مش ساحر يعني عشان تغيرها!!
وأضاف ضاحكًا:
_أنا بقول نختارله عروسة من الاتنين، ونضربلهم ورقة عرفي، ولا نسفر الولد ده مدرسة داخلية من دلوقتي أيه رأيك؟!
دفعه "علي" للخلف وهتف بحنق:
_إبعد أنت عنه وهو هيتصلح حاله، بس ده مش هيحصل طول ما أنت جنبه يا أوقح خلق الله.
قالها وغادر بالصغير للاعلى، فاستغل "عُمران" هدوء "مايا"، وحاوط كتفيها، يخبرها بمكر:
_ما تيجي نكمل كلامنا فوق يا بيبي؟
دفعت يده عنها وصعدت الدرج، فراقبها وهتف بمزح:
_من ساعة ما خسيتي ورجعتي بطل تاني وأنتِ محدش عاد عارف يكلمك، بس على مين أنا نفسي طويل يابنت عثمان!
وما أن استدار ليغادر، حتى تفاجئ ب"فريدة" تطالعه بحدة، فقال ببسمة واسعة:
_مساء الفل والجمال والورد المسقي بالندى، حقيقي مهما وجد أبطال بعيلة الغرباوي، مش هيجي بطل في مقومات فريدة هانم الغرباوي!
تحررت عن صمتها بعصبية بالغة:
_بطل!! هقولك أيه، ما أنت مستواك متدني، الحمد لله أن حفيدي بيقضي أغلب وقته مع علي مش معاك.
وأشارت تحذره:
_خليك بعيد عنه، سامع، أنت بتبقى كيوت ولين مع البنات، فأوكي معنديش مانع بقربك منهم، مع أني مش بكون راضية عن تصرفاتك مية في المية بس بالنهاية هما بيحبوك.
ابتسم وهو يخبرها بعنجهية:
_مفيش حد مبيحبنيش يا فريدة هانم، أنا واثق أنك بتقولي الكلام ده من جوه قلبك اللي واقع في دباديبي، وواثق أنك بتفكري مع نفسك تأدبي بنت أخوكي، بس للاسف هضطر أتدخل وأقف حارس مرمر ليها.
وشد ذراعها يلفها برقي، قائلًا بمكرٍ:
_أنا معنديش أمنية غير إنها تكون في رقتك وشياكتك، مين يملك الحظ الكفاية أنه يكون شبيه لفريدة هانم الغرباوي!
غمرت ضحكاتها القصر، ومازال يحركها بخفة واتزان، حتى تناست كل شيء كانت تحمله بانزعاجٍ له.
******
صيفًا، خريفًا، شتاءا.
مرت الفصول بدورتها مجددًا، ليكتسب الاطفال ثلاثة أعوام آخرى، ويزداد تعلقهم الشديد بمن يقطر قلبه من فرط الحنان والمحبة، وبالرغم من أن مشاريعه نُفذت على أعلى مستوى، بما يجعله منشغلًا للغاية، الا أنه كان يخصص وقتًا لابنه وبناته، ويوم الجمعة كان يجتمع ب"مراد" والاطفال.
يقضوه بلعبة كرة القدم، والسلة، وأكثر من لعبة، وها قد جمعه بهم اليوم، وقد كان أول دروسه لهم ببداية اليوم، هي الصلاة.
لقد اشترى جلبابًا لابنه ولابن شقيقته، واسدالات صغيرة ل"فيروزة" و"ليان" و"كيان"، وأصر أن يعلم الاولاد بمفردهم والبنات كذلك.
وحينما انتهى جلس بمنتصفهم، يفصل جلسة الولدين عن الفتيات، وبات يقص لهم عن قصص الانبياء، ويشاكسهم من فترة للاخرى، حتى أن انتهى فقفز الاطفال من فوقه، والاخر يتمدد على الارض ضاحكًا، يحتوي الفتيات الثلاث بين ذراعيه ومن فوق كتفيه يرفع "علي" و"مراد" معًا.
وبعيدًا ومن خلف الزجاج يراقبه "علي" مبتسمًا، ولجواره "آدهم" الذي ردد بابتسامة جذابة:
_هرجع وأقولك أني بحس كل مرة أني معرفش عُمران كويس!
ابتسم "علي" واستدار يطالعه بنظرة ثابتة، وبثقة قال:
_بس أنا أعرفه، وأعرفه كويس أوي!
رد عليه يمازحه بقولً كان محقا فيه مئة بالمئة:
_ومين غيرك هيقدر يفهمه!
وضحك ومزحته تزداد بقوله:
_ولا أيه يا بابا علي؟
استدار صوب الباب الزجاجي، يسلط رماديتاه التي توهجت بمشهد أخيه الذي تتعالى ضحكاته من قلبه، ومازال يحمل الفتيات بين أحضانه، ويدعم الولدان من فوق ظهره، كأنه ينقل صورته المجسدة بالقادم بعلاقته مع ألاعمدة التي ستحمل العائلة من جديد!
الختام ربما كان لينغلق إن صُوب سهم زواج "علي" من خطيبته السابقة، وحينما لم يتخلى "خطيب" فطيمة السابق عنها، وإن نجح "عُمران" باستمالة الأفعى "ألكس" للزواج منه، وأن أصاب "مايسان" اليأس من أن تستعيد حب طفولتها، وكان سينتهي إن لم يُكشف أمر "راكان"، وبدأت قصة حضرة الضابط و"شمس"هانم لم تكن تلك القصص ستُكتب وتدون يومًا.
ربما حزن الجميع بخسارتهم الأولى، وانخرطت قلوبهم جميعًا بموجة من الالم، وقد ظنوا أن ما يمرون به هو السيء، ولكن وعسى أن تكرهوا شيئًا وفيه خيرًا كثيرًا لكم، ولقد من الله عز وجل عليهم جميعًا.
خاضوا ما خضوه من عقبات، لم تكن قصتهم بالمثالية مئة بالمئة، ولكنها بالنهاية اكتملت أركانها.
وحينما تتحدث عن شهامة رجال سيتذكرهم عالم رواياتي، ثق أنك لن تنسى #البابا الذي كان ونعم الأب، ومؤكدا أنك لن تستطيع أن تنسى #الطاووس_الوقح، وجديرًا بالذكر #حضرة_الضابط، مرورًا بـ #عبد_الحليم الصديق الذي يصعب نسيانه، و من يتقاسم مع البابا بهدوئه #دكتور_الحالات_المتعسرة، وأن ذكر فجدير بالذكر أخيه #سيڤو، وإن صفن العقل، سيتعلق بـ #ابن_الشيخ_مهران، ولا تنسى ان تذكر ذلك الذي ألقى بغياهب الجُب #يُونس، وصديقه المسيحي #كابتن_إيثوو... وإن ظهر #موسى و #صابر ضيوف شرف، حتمًا انك لن تناساهم أبدًا.
والذكر الخاص والدائم لبطلات حاربن بكل عزيمة، حتى كنا ونعم المتممات لكل أقصوصة ❤
تمت