تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل 111 - بقلم ايه محمد رفعت
اقتحم "عُمران" غرفة والدته، ومن خلفه "علي" الذي أوشك على الانهيار، فوجدوها تحبس "مايا" من الحائط، وتنتظر سماع إجابتها، بينما الأخيرة تتناول شطيرة البرجر ببرودٍ تام.
كاد أن يضحك "عُمران" الذي تردد بخاطره إحدى جمله لها حينما كانت تهاب "نعمان":
«لما تخافي من حد اقفي ثابتة قدامه ومتبينيش خوفك ليه.»
تذكر حينما تساءلت بفضول:
_ليه؟؟
رده الأسطوري لها:
«عشان هيتمادى بروح أمه!»
وأضاف:
«لكن لما تديله نظرة ثقة وثبات هيشك في نفسه وفي تأثيره الوهمي، وهنا بقى هيكتشف إنه ضعيف قصادك، فهمتي؟»
خرج من ذكريات حديثه، حينما ردد بصوتٍ منخفض استمع له علي من خلفه:
_الظاهر أنها بتطبق الدروس في الجهة الغلط!!
أحاطه "علي" بنظرة ساخطة، جعلته يسبل ببراءةٍ بعيدة كل البعد عنه. وإذا به يتخطاه ويندفع تجاه زوجته، يفصلها عن بقعة والدته، بخفة منه مد ساقه يعرقل قدميها دون أن يراها أحدٌ. وقبل أن تسقط كان يتلقفها بمهارةٍ. وبينما يميل إليها يغمز لها بخبثٍ لحق نبرتها الصائحة:
_مايــــا!! مالك يا حبيبتي فيكِ أيه؟!
علمت ما يود فعله لنجدتها، فتركت الكوب من يدها بينما تضم جبينها، متصنعة مرضها:
_حاسة إني دايخة ومش شايفة قدامي نهائيًا.
نجحت بسلب قلق فريدة الكلي تجاهها، فتحملت على ذاتها وأتجهت لها والقلق يساورها:
_كانت كويسة من شوية، ابعد كده يا عُمران.
أسندها ومال للخلف، بينما تتفقدها فريدة، التي أشارت بحنان للفراش:
_هاتها هنا.. وانت يا علي كلم يوسف بسرعة ينزل يشوفها.
مال بوجهه تجاه زوجة أخيه، وعينيه تستهدف أخيه الذي يمنحه غمزة ثقة بحله للمشكلة التي كادت بالنشوب هنا. تنهد بقلة حيلة وغادر من الغرفة، قبل أن يفشل خطتهما الحويطة.
صعدت "فريدة" جوار "مايا" على الفراش، نزعت عنها حجابها وأخذت تمسد على رأسها بحبٍ إلتمسه عُمران، فتابعهما بابتسامة جذابة. العلاقة بينهما قد تكون قريبة من القط والفأر، ولكن حينما ينقلب الميزان تجدهما أم وصغيرتها.
مالت مايا تجاهها، وأغلقت عينيها بتعبٍ، بينما تخبرها بصوتٍ ناعس:
_أنا نرفزتك من شوية، فبدل ما تعاقبيني بتكافئيني بالنومة المريحة دي!
إرتسمت ابتسامة هادئة على وجهها، وقالت ومازالت تمسد على خصلاتها:
_مضطرة أستحملك وهحط حجتي على الهرمونات، أما بقى لو النومة مريحة وعجباكي فكلها كام يوم وهتيجي هنا إجباري.
تملك الخوف معالمها، وهمست لها بارتباكٍ:
_كل ما معاد الولادة بيقرب بخاف.
ضمت الغطاء الخفيف عليها، وردت بحنان:
_بمجرد ما تفكري في لحظة ما تشيلي ابنك بين ايديكي هتنسي كل الخوف اللي جواكي، فكري في لقائك بيه وبس.
اتسعت بسمتها ومالت بجسدها تضع رأسها على صدر فريدة، فاحتوتها بين ذراعيها ومالت على الوسادة من خلفها، تشمل ابنها بنظرة حازمة، اتبعها أمرها الساخر:
_قول لأخوك ميجبش دكتور يوسف، المشهد التمثيلي بتاعك انت ومراتك متبلعش.
ضحك بصوتٍ زرع البسمة على وجهها الرقيق، واستقام بوقفته عن الحائط، يخبرها:
_أهو حبك الكبير لبنتك ده اللي مخليكي دايمًا في صفها، حتى لو المظلوم كان ابنك، كفة ميزان مايا دايمًا طابة!!
أحاطت مايا الناعسة جوارها، بينما تخبره بمشاكسة:
_انت أي طرف هيتحط قصادك في الميزان خارج منه مظلوم يا حبيبي، بطل بكش واخرج عايزة أرتاح شوية.
رنا إليها يقبل رأسها وكفها الذي يحيط زوجته، وبجدية همس لها:
_ربنا ما يحرمنا منك ولا من طيبة قلبك ورقة مشاعرك.
واضاف وهو يستعد للمغادرة:
_أنا بره لو حضرتك احتاجتي حاجة ناديلي.
قالت وهي تمرر يدها على خصلاته النابتة:
_خد أخوك وارجع القصر، النومة بره مش مريحة.
ربت على يدها بحنان وقال:
_مش هعرف أسيبك لوحدك وأمشي، ممكن أخلي علي يرجع هو وشمس، وأنا هشوف أي أوضة في المخروبة دي انام فيها.
ضحكت على صياغته للمركز، فابتسم وهو يستطرد:
_تصبح على خير فريدة هانم.
قالها وأتجه للخارج، غالقًا الباب من خلفه، فوجد "آدهم" قد إنضم لمجلس العائلة الصغير، يجلس على الأريكة الجلدية، ويحمل الصغيرة بين يديه، وشقيقته الآخرى تلتصق به، وتطبع قبلاتها على يد الصغيرة، وعلى الأريكة الأخرى يجلس أخوه وزوجته، أما أحمد فكان يقف برفقة إحدى الممرضات ترشده على الأدوية الخاصة بزوجته.
أتجه للمقعد القريب من آدهم، وقد لاحظ نظرات علي التحذيرية إليه، بالآ يفتعل أي مشكلة لحمل آدهم للصغيرة "فيروزة"، فإذا به يتطلع له وإلى شمس المتلهفة لكل حركة تفعلها الصغيرة، ثم قال:
_عقبال ما نشيل ليكم عن قريب إن شاء الله.
منحه آدهم بسمة وبلطفٍ أجابه:
_نشيل ليك وللدكتور علي الأول وبعد كده يجي دورنا بعدكم إن شاء الله.
راقبت فاطمة ملامح علي بابتسامة خجولة، فأحاطها بذراعه وقال بحب:
_يا رب.
راقب عُمران نظرات شمس المنزعجة إليه، وقد ظنت بأنه لن يلاحظها، فإذا به يسألها باسترابة:
_شمس هانم عينك بتطلع شرار ليا ولا أنا فاهم غلط؟
اتجهت جميع الأعين إليها، فاذا بها تترك يد الصغيرة التي يحملها زوجها، وتعود بجسدها لظهر الأريكة، عاقدة ذراعيها أمام صدرها بتذمرٍ:
_لا فاهم صح وصح أوي كمان، أنت وعدتني أنك عمرك ما هتفرق بينا ومن أول يوم نسيتني خالص واتلهيت بفيروزة هانم!
إندهش آدهم من سماع ما قالت، بينما ابتسم علي وهو يراقب رد فعل عُمران على ما قالته شقيقته باهتمامٍ، فاذا به يترك مقعده ويجلس جوارها على الأريكة هاتفًا بذهولٍ:
_أنا فرقت بينكم!! أيه التهمة القاسية دي يا شمس!!
نهضت من جواره وإتجهت إلى أريكة علي، جلست جواره وضمت ذراعه لها، فضمها إليه بينما تتطلع للاخر وهي تخبره:
_دي الحقيقة، مفيش حد اهتم بوصولي غير علي، أنت من ساعة ما جيت هنا وانت بتلف ورا فيروزة هانم ومش سأل فيا؟!
اتسعت مُقلتي آدهم بصدمة، فاستدار تجاه عُمران وعينيه يملأها علامة استفهام لسؤاله الواضح، ماذا حدث لزوجته؟
منحه الطاووس بسمة ساخرة وهمس له قبل أن ينتصب بقامته الممشوقة:
_هرمونات وإجباري تتعود عليها يا حضرة الظابط.
بصقها إليه وإتجه لشقيقته، ينحني قبالتها وهو يضم كفيها بين كفيه، وببراعةٍ استمدها إليه بحديثه اللبق:
_مين يقدر يتجاهل حضورك يا شموسه، أنا كنت بوقف حرب كانت هتحصل بين فريدة هانم وبنت خالتك البائسة، وبعدين أنتي بتتهميني إني مقصر معاكِ وأنا لسه من ساعات بسيطة عامل أوردر للبس مواليد لفيروزة وللبيبي بتاعك، أنا عارف إنك بتحبي ذوقي فاختارتلك كام طقم شياكة بناتي وأولادي، اللي ينفعك لما تحددي جنس البيبي خديه.
أبصرته بحماسٍ:
_بجد!!
أكد لها وهو يسحب هاتفه:
_تحبي تشوفي الكولكشن اللي إختارته؟
هزت رأسها بتأكيدٍ، فسحبها لأريكة منعزلة، ثم بدأ يريها ما اختاره بالفعل. مالت فاطمة على كتف علي وهمست له:
_عُمران حنين أوي.
رد عليها ومازال يراقبهما بحبٍ:
_دي حقيقة.
أضافت وهي تسحب هاتفها إليه:
_بعتلي من شوية مجموعة أختار منها لبس للبيبي، بس أنا محتارة يا علي، تفتكر هيجيلنا ولد ولا بنت.
حمل منها الهاتف، يتابع الصور المرسلة لها على حسابها الشخصي، والابتسامة تتسع على وجهه شيئًا فشيئًا:
_اللبس اللي بعته ينفع الاتنين يا فاطمة.
دققت بالصور مرة أخرى بدهشةٍ:
_تصدق مأخدتش بالي!
تمتم وهو يعود ببصره تجاه أخيه:
_هو دايمًا بيهتم بالتفاصيل!
انتفض بمقعده فزعًا فانسكب كوب القهوة عليه، حينما اقتحمت زوجة أخيه غرفة مكتبه. سحب "يوسف" المناديل الورقية يجفف قميصه المتسخ، هادرًا بضيق:
_في حد يفزع حد كده!!
شيعته بنظرة جعلته يعود لمقعده بارتباكٍ من حالتها الغريبة، فلحق نبرته المرتعشة:
_سيف طلقك!!
اتجهت بخطواتها البطيئة منه، فكاد أن يسقط بالمقعد للخلف وهو يجاهد لخروج كلماته:
_كل مشكلة وليها حل!
طرقت فوق مكتبه بيديها وهي تصيح بانفعالٍ:
_الا مشكلتي ملهاش معاك أي حل!
انتفض مجددًا بوقفته، فعاد يعدل نظارته الطبية:
_في أيه يا زينب، اهدي وفكك من دخلة المخبرين دي!!
نطقت باصرارٍ مضحك:
_عايزة أبقى مامي!!
زفر بانزعاجٍ من تكرار نفس السيناريو مجددًا، فتمعن بالفراغ من حوله وهو يهتف بنزقْ:
_كمالة حظي النحس، اليوم مش راضي يتقفل!
ورفع من صوته مع ابتسامة زائفة:
_استهدي بالله وربنا هيكرمك باتنين تؤام مرة واحدة بس قولي يا رب.
جلست على المقعد المقابل لمكتبه وهي تشير للنوت:
_مش هتعرف تقنعني المرادي يا دكتور، اكتبلي على أي منشطات أو أي أدوية تساعد.
عدل من نظارته وهو يعود لمقعده الرئيسي، والإرهاق قد تمكن منه، فسألها بهدوء لا يلتمسه بتاتًا:
_كالعادة أكيد شايفالك طفل عجبك وجايالي أشوفلك الحل اللي معرفهوش ده، صح؟
هزت رأسها أكثر من مرة، وهي تشرح له بابتسامة واسعة:
_بيبي فريدة هانم، بنوتة زي السكر يا يوسف، ما شاء الله قمراية.
خاطبها قائلًا:
_طالما حلم الامومة ملاحقك بالشكل اللي هيأثر على دراستك وشغلك فأنا عندي الحل.
استندت بيديها على مكتبه الأبيض، تتساءل باهتمام:
_أيه هو؟
أجابها بمرحٍ والضحكة تلاحقه:
_تقعدي مع الدكتورة ليلى يومين، وبعدها هتنسي الحلم ده نهائيًا، أنا هوصيها تسيبلك البنت ليل نهار لحد ما تتوبي توبة خالصة لوجه الله.
ضم شفتيها بغضبٍ:
_يا يوسف أنا بتكلم بجد، من فضلك متقلبش الموضوع بهزار، لو أنا عندي حاجة صارحني وقولي.
زوى حاجبيه مندهشًا من انفعالها، فأسرع يبدد عنها ظنونها:
_مفيش عندك أي موانع يا زينب، وأنا مأكدلك ده بنفسي أكتر من مرة، وزي ما قولتلك قبل كده مسألة وقت مش أكتر.
وأردف بثباتٍ وعقلانية:
_متشغليش بالك بالموضوع ده عشان نفسيتك هتتأثر، فكري بالعقل، انتِ لسه بتدرسي وصعب تتحملي مسؤولية طفل بالتوقيت ده يا زينب.
تنهدت بحزنٍ، ونهضت تخبره:
_عندك حق.
وقف قبالتها يسألها حينما همت بالرحيل:
_رايحة فين؟!
ردت وهي تبدد عنها الحزن حتى لا ينفضح أمرها:
_ فاطمة وعلي مستانيني تحت هنزلهم عشان أروح معاهم.
نزع البلطو الطبي عنه، وقال وهو يتجه خلفها:
_استني هنزل معاكي أطمن على فريدة هانم، وهوصلك بطريقي أنا خلصت الشفت بتاعي.
راقبته وهو يغلق حاسوبه وأدراج مكتبه، ثم تمتمت بسخطٍ:
_شفت!! مصر تعامل نفسك أنك موظف هنا، هتقتنع امته إنك صاحب المركز؟
قهقه ضاحكًا وقد أغلق الباب من خلفهما:
_لو اقتنعت هعتزل المهنة وأنا للأسف بحبها.
وأضاف وهو يشير لها على المصعد بعدما طلب حضوره:
_وبصراحة بقيت بفكر جديًا أعتزل، على الاقل هروق منكم!!
رمقته بنظرة حارقة، وهتفت:
_ياريت تعملها، انت أصلًا فاشل في علاج حالات تأخر الانجاب يا دكتور!
مال للمصعد يقاوم نوبة الضحك الذي سقط فيها، بينما يهتف بصعوبة بالحديث:
_لما الحالة تتعسر هبقى أتدخل إن شاء الله.
لوت شفتيها بتهكمٍ وحدثت ذاتها باستنكارٍ:
_هتتعسر أكتر من كده، شكلك مش هتاخد خطوة في علاجي الا لما أكمل التلاتين، يا ميلة بختك يا زينب!!
تجرع مرارة الوجع لأعوام، كان الصبر هو وسامه الوحيد، إلتحف به بكل ما فيه، والآن حصد مكافأة عبر بها العوائق والعقبات برُمتها، وها هو يحمل بين يديه أخر ما يستوعبه عقله بأنه سيخصه ذات يوم، ابنته من معشوقة طفولته، وحبه الذي حُكم عليه بالإبادة قبل أن يثمر جذوره.
أدمعت عيني أحمد وهو يحمل صغيرته بين يديه لأكثر من ثلاثون دقيقة، كل ما يفعله هو التأمل الصامت لملامحها، يستغل انشغال الجمع من حوله بتناول وجبة خفيفة قبل العودة للقصر، ويقضي بعض الوقت برفقة صغيرته.
شعر بالخواء جواره يتلاشى فور أن احتك جسد علي به، فأسرع بمسح قطرات دموعه عن وجهه، واستدار يطالعه بابتسامة اصطنعها بشكلٍ لم يقنع علي، الذي أجلى صوته الرخيم:
_زعلك على اللي راح عمره ما هيوهبك الراحة والخلاص، نظرتك للي حققته وبتملكه حاليًا هو اللي هيفرق معاك وهيقفل كل جرح قديم كان بينزف جواك.
لامسته كلماته باتقانٍ، وكأنه يقرأ كل ما يحدث له، ويشاركه رحلته الطويلة بالمعاناة، فمال برأسه تجاهه وقال:
_اللي فات صعب يا علي، بس زي ما قولت العوض كبير وقادر يرمم كل الاصابات والجروح.
وأضاف وهو ينحني طابعًا قبلاته فوق وجه صغيرته:
_مش مصدق إن بعد العمر ده ربنا من عليا وبقيت أب.
وأخبره بكل حماس وسعادة:
_انت متتصورش أنا فرحان إزاي، عايز أقول لكل الدنيا كلها إني بقيت أب، ومن مين، من حب عمري، فريدة يا علي!
تبسم في وجهه ببشاشةٍ، وقال:
_ربنا عوضك لإنك تستحق يا عمي، ربنا يباركلك فيها ويحفظهالك من كل سوء.
تمعن برماديتاه وملامحه الطيبة في محبةٍ خالصة:
_انت عارف إني مش قادر أشوفك باللحظة دي غير صاحبي الوحيد اللي بمتلكه، كل ما ببصلك مش راكبة معايا انك ابن اخويا والمفروض قي مقام ابني، علي انت بعقلك وطيبتك دي بحسك أكبر مني، اخويا الكبير مثلًا!
ضحك بصوتٍ مسموع، وقال في لطف:
_شوفني زي ما تحب، المهم دلوقتي.
قالها وهو يميل إليه فمال له أحمد بانصاتٍ:
_بقالك ساعة شايل فيروزة هانم ونازل فيها بوس لو عُمران لمحك بالحالة دي هسلكك منه إزاي!!
قهقه ضحكًا حتى أحمر وجهه بشدةٍ:
_هيحبسني، الوقح ده فلتت منه على الأخر، بس على مين مش هسمحله يعمل كماشة شمس وحضرة الظابط على بنتي!
زم شفتيه بسخطٍ مضحك:
_أنا خايف يجيلي بنت من اللحظة دي، عُمران غيور على هوانم عيلة الغرباوي بشكل مريض.
عادت نوبة الضحك تسيطر عليه، وقال مازحًا:
_ادعي ربنا يكرمك بولد.
اتجهت عينيه لزوجته الجالسة جوار شمس تراقب ما اختارته من ملابس، وقد تلألأ عشقها برماديتاه، هامسًا بصوته الهادئ:
_حاسس إنها هتكون بنت، الحرب قايمة قايمة!
انتزع هدوء الأجواء طرقات باب الجناح الطبي، وظهر يوسف وزينب من خلف الباب، ولجوا للداخل وانضموا للجميع.
إرتمى سيف على الأريكة الخشبية الخاصة بشقة "عُمران" بتعبٍ شديد، ولحق به "آيوب" على الأريكة المقابلة له والإنهاك يتمكن من كلاهما، إذ بدا على صوت سيف الهامس:
_خيمتك جهزت يا عريس، أقدر أخد إفراج وأرجع بيتي؟
أسند رقبته لذراعه المثني، وهدر باصرارٍ:
_لا يا سيفو إحنا بينا اتفاق، أنت مبيت معايا النهاردة وبكره، ولو انسحبت من الاتفاق هتبقى راجل لمؤاخذة آ... أظن فاهمني أنت!
مال على جانبه الأيسر، يطعنه بنظرة شرسة، وتهديدًا أشرس:
_انت الظاهر شغلك مع الطاووس الوقح خلاك تنفش ريشك على حسه، لمها وعديها يابن الشيخ مهران.
مال على جانبه قبالته هو الآخر، وبابتسامة باردة قال:
_لا هلمها ولا هعديها، وبردو هتبات هنا النهاردة وبكره يا سيڤو.
حُل جموده وأفتر عنه ابتسامة، اتبعها قوله الخشن:
_من حقك ما انت عريس!
تمدد على ظهره يتأمل سقف الردهة بإعجاب، استفز فضوله، فناداه:
_آيوب.
همم وعينيه مُغلقة بتعب:
_أممم.
أفرغ سيف فضوله الزائد بحديثه التالي:
_عُمران بشمهندس ناجح جدًا، وتصميماته دايمًا مميزة، تحس إن ليه التتش بتاعه ولمسة خاصة بيه في كل حاجة، حتى في الشقة اللي كان واخدها مع يوسف وبشمهندس جمال في لندن، كان عامل أكتر من حاجة مميزة فيها، اشمعنا الشقة دي اللي سابها زي ما هي ومغيرش فيها حاجة!
حرر فيروزته الساحرة برفع أجفانه ببطءٍ، وأجابه ببسمةٍ خاطفة:
_عُمران مهما حاول يحاوط نفسه بذوقه الا أنه في ميول جواه للبساطة، الإنسان ده غريب، مهما عاشرته بحس إني عمري ما هفهمه، في الشركة شخصية ومع اصحابه شخصية، ومع اخوه نفسه شخصية تانية.
وإستطرد شاردًا بالشرفة المفتوحة على مصرعيها:
_وجوده هنا معانا في الحارة واندماجه السريع بينا شيء غريب، تحسه زي العجينة اللي بتتشكل لأي وضع.
مال على جانبه الأيسر مجددًا، مستندًا على ذراعه، ومشيرًا له:
_ما تتصل عليه هو وحضرة الظابط والشباب وتخليهم يجوا يباتوا معانا النهارده، وأهي تبقى حفلة توديع عزوبية جماعية، مش فردية.
استقام آيوب بجلسته، يتمعن فيه بدهشةٍ:
_أتصل بيهم!! من قلبك الكلام ده يا سيف؟!
هز رأسه بابتسامةٍ ساخرة، فأضاف آيوب موضحًا مغزى حديثه الغير منطقي:
_يعني أنت عايزني أتصل على الطاووس وآدهم ودكتور علي ودكتور يوسف، والبشمهندس جمال!!
صفق بيديه باستنكارٍ:
_أيه اللي مش مفهوم في كلامي أنا!
ونهض ينزع جاكيته بذلته الأسود، مضيفًا:
_وكلم ابن عمك وإيثان الرزل بالمرة.
رفع أحد حاجبيه بدهشةٍ:
_سيف أنت كويس يا حبيبي؟!
عدل من وسادته وتمدد واضعًا قدمًا فوق الأخرى، مستندًا على كلتا ذراعيه، بينما يطلق صوت صفارة مستمتعة زادت من ريبة آيوب، ومع ذلك اتبع تعليماته، وجذب الهاتف يتصل برئيس العصابة الدولية، مفعلًا سماعة الهاتف الخارجية، فأتاه صوته المشاكس:
_حنيت لصوتي يابن الشيخ مهران!
ابتسم وحياه بمشاغبة:
_مش أنا بس اللي حنيت ليك يا طاووس، سيفو بنفسه طالبك بالحضور، وعايز نقيم حفلة توديع العزوبية هنا في شقتك.
أتاه صوت ضحكته الرجولية، وبعدها نبرته الواثقة:
_أنا محدش يجرأ يطالبني بشيء يالا، بس لاجل عنيك نعديها مهو معذور، أي حد عاشر الطاووس الوقح لازم يكون عنده حنين وشوق ليه، بس للاسف مش هينفع النهاردة، قضي الليلة انت والكتكوت اللي معاك وبكره نتجمع كلنا بعد الحنة ونقضيها للفجر مفيش مانع.
وأضاف بخشونة أسقطت آيوب من الضحك:
_وبلاش ترمي عقلك لسيف، أنت عاقل وهادي مش كده ولا أيه يابن الشيخ مهران؟
كاد أن يسقط عن الأريكة من شدة ضحكه، بينما ينهض إليه سيف، منتزعًا الهاتف بغضبٍ:
_هو مش محتاج نصايح من حد، عشرته لوقاحتك عاملة معاه مفعول خرافي، أنا أصلًا قلقان منه!
شاركه عُمران الضحك، وقال بخبثٍ:
_اطمن يا دكتور ابننا عاقل ومتربي، ولو عايز ضمانات عليه كلم اخوه لإني للأسف مش بضمن حد!
قهقه من شدة الضحك، وبجدية قال:
_طيب ما تيجي تبات معانا النهاردة.
أجابه بتهذبٍ وجدية تامة:
_مش هينفع والله يا سيف، أنا اللي هبات بالمركز هنا.
فهم رسالته دون التلميح لوجود والدته، فاحترم سيف حديثه وقال بثبات:
_خلاص تمام نتقابل بكره إن شاء الله.
رد عليه:
_بإذن الله نتقابل، تصبح على خير يا دكتور.
أغلق سيف الهاتف، ثم منحه لآيوب متمتمًا:
_شوف حضرة الظابط.
رفرف بأهدابه بذهولٍ، وقال:
_آدهم ماشي من حوالي أربع ساعات، مش عارف هيقبل يرجع لنا تاني ولا أيه؟
عاد للأريكة، يعتليها بهدوءٍ:
_جرب مش خسران حاجة!
فور أن إنتهى عُمران من المكالمه، عاد للجناح حيث زوج شقيقته ورفيقه يوسف بالصالون المنزوي بالجناح.
جلس جوار أخيه وهو يشير على الهاتف الذي يحمله:
_ده آيوب، كان عايز آآ...
قاطع حديثه صوت رنين هاتف "آدهم"، فترك كوب القهوة من يده، ورفع الهاتف لهم:
_بيتصل عليا أنا كمان!
حرر زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنه، استمع لما قال، ورد بابتسامة هادئة:
_مش هينفع النهاردة يا آيوب، بكره هبات معاك بإذن الله.
قالها وأغلق الهاتف، فابتسم عُمران وردد بسخط:
_دول شكلهم عندهم فضى وعايزين يملوه.
أتاه تأكيدًا لحديثه حينما تعالى رنين هاتف يوسف، فتعالت الضحكات الرجولية بينهم، وقد حرر يوسف سماعته الخارجية وقرب الهاتف لعُمران، هامسًا بخفوت:
_ارزعهم واحدة بروح أمكم تنيمهم مكانهم.
غمز برماديته بتسليةٍ، وحرر رده اللاذع:
_حفلة الاتصالات بتاعتكم دي هتقفل امته؟ أنا حاسس إن كمان شوية والاتصال هيوصل لعلي اخويا الطاهر البريء!!
أتاهم صوت ضحكهما، وتأكيد سيف على حديثه:
_كنا هنتصل بيه فعلًا بعد يوسف، وهندخل بعده على البشمهندس جمال بإذن الله.
قاطع ضحكاتهما عُمران:
_أنا بقول تاخد أخوك في حضنك وتلحق سريرك، كل تنام بدري أحسن ليك.
تساءل آيوب ببلاهة:
_ليه؟
أجابه عُمران بصدر رحب:
_عشان أنا قولت كده!
وأضاف بسخرية أضحكت آدهم ويوسف للغاية:
_وعشان الأولاد الشاطرين بيسمعوا كلام الأعقل منهم ومش بيكسروه أبدًا أبدًا، فلازم نغسل أسناننا ورجلينا وننام بدري زي الشاطرين.
واحتله قافلة من الوجوم كأنه تبدل لشخصٍ أخر:
_والأهم نعقل ونبطل هبل المسا ده، ويا ريت نقفل سنترال الشعب اللي طارح علينا ده خلوا ليلة أمك انت وهو تعدي!
انطلق صوت انغلاق المكالمة كبادرة لطيفة بإنصياعهما لحديثه، فسحب يوسف الهاتف ووضعه بجيب سرواله ضاحكًا:
_هما كانوا محتاجين الدخلة دي، أنا مقلق منهم أصلًا من ساعة ما شوفتهم بيجروا زي الهبل.
هز آدهم رأسه بتأكيدٍ، وأردف بسخرية:
_دخلة عُمران ليها شنة ورنة، هيبطلوا يستعملوا التليفونات تاني أصلًا.
واستقام يجمع هاتفه ومفتاح سيارته قائلًا:
_الوقت أتاخر، همشي أنا وشمس ولو احتاجت أي حاجة كلمني يا عُمران.
أحاطه بضمة حنونة، وشكره بامتنانٍ:
_مش محتاج توصيني، انا واثق أنك دايمًا موجود من غير ما تعرض عليا ده.
ربت على ظهره بحبٍ، فبادله عُمران، وقال وهو يتجه للغرفة:
_هنادي لشمس وللدكتورة زينب.
ردد يوسف يعلمه:
_زينب نزلت مع علي ومدام فاطمة لما لاقتني طولت معاك بالقعدة، يلا همشي أنا وهشوفكم بكره بإذن الله.
ودعهما يوسف وغادر على الفور، ومن بعده آدهم برفقة زوجته، فلم يتبقى بالجناح سوى مايا التي تغفو جوار فريدة بالغرفة، وبالجناح عُمران، وأحمد الذي انزعج من بقائه وهدر بضيقٍ:
_ما ترجع القصر انت كمان عُمران، أكيد تعبت ومحتاج تريح.
استكمل فتح أزرار قميصه وهو يطالعه بجمودٍ، بينما يحرر الأريكة السفلية لتتحول إلى فراش، جلس من فوقه وهو يتمعن به بنظرة ثاقبة، جعلت أحمد يزدرد ريقه بارتباكٍ من صمته، حتى مزقه صوته الثابت:
_متلفش وتدور على الشخص الغلط يا عمي، ما قولتهالك قبل كده الصياعة متخدش معايا سكة، أنا لاعيب قديم.
وأستكمل وهو ينزع حذائه:
_عمومًا مش محتاج تعمل كل ده.
لم يفهم مغزى حديثه، الا حينما عرج للغرفة يخرج بالصغيرة، ويتجه بها للفراش، تمدد جوارها، ومال يحاوطها، وضعها بالمنتصف وترك الجزء الآخر من الفراش إليه، أغلق جفنيه وتمتم بنزقٍ:
_تعالى نام جنب بنتك، لما نشوف أخرتها معاك أيه؟
انتزع أحمد جاكيته وأشمر قميصه الأبيض، بينما يتمدد جوار الصغيرة بسعادة، مر عليه بعض الوقت فتطلع لعُمران الذي يضع يده من فوق عينيه، فناداه بصوت منخفض:
_عُمران، ما ترجعها سريرها الصغير أحسن نتقلب عليها وإحنا نايمين ومناخدش بالنا!
ابتسم على جملته، ومال يحملها ويضعها من فوق صدره، دافنًا أنفه بين خصلاتها الصغيرة:
_أنا نومي ثابت ومش بتقلب، ادخل عركتك لوحدك ومتقلقش عليها.
شيعه بنظرة حنونة وهو يراقب تعلقه الشديد بابنته، فمال يجذب جاكيته المطروح على المقعد ووضعه من فوق الصغيرة، ولكنه لم يطول صدره العاري، فلم يتمكن من حجب اقتراحه إليه:
_ما تقوم تلبس قميصك!.
ردد ومازالت عينيه مغلقة:
_ فريدة هانم مش فايقة ولا مركزة للمقارنات وهي بحالتها دي، متقلقش جوازتك لسه فيها أمل اهتم انت بالرياضة اللي نسيتها وإصبغ شعرك ده وإن شاء الله ربنا يكرم وتشوفك "آرنولد شوارزنيجر"، ركز على الدعوات انت بس يا باشا.
اعتصر فكيه بغضبٍ، ومال يتمتم:
_وقح!
انطبعت ابتسامة خاطفة على وجهه، قبل أن ينسحب بنومٍ منتظم، وبين أحضانه أميرة عائلة الغرباوي التي أشرفت عليهم بحضورها المفاجئ!
صف "علي" سيارته بالأسفل، وهبط من السيارة، ينتظر انضمام زوجته، وحينما طال غيابها، هبط يفتح باب السيارة المجاور لمقعدها، فوجدها تستكين للخلف وقد غفاها النوم.
ابتسم وهو يميل على الباب، يتأملها لوقتٍ ليس بقليل، فانزعجت حينما لفح جسدها تيار الهواء البارد الذي كان يعيقه انغلاق الباب، ففتحت مُقلتيها لتعانق رمادية عينيه، فنادته بخفوتٍ:
_علـي!
اعتدلت بمقعدها تفرك عينيها بنعاسٍ، وهي تتساءل:
_مش تصحيني، راحت عليا نومة!
ترك محله واقترب إليها يجيب:
_كنت بحاول بس مقدرتش أقلقك.
حركت رأسها قبالة وجهه القريب منها، وقالت ضاحكة:
_يعني كنت هتقضي الليل كله بتتأملني كده، ولا خايف على ضهرك يتأذى لو شلتني لفوق، زي ما فريدة هانم كانت خايفة عليك.
صدر عنه ضحكة جلجلت بصوته الدافئ، فطالعها بنصف عين:
_إظهار رغبة مبطنة ورا تحدي زائف، في سبيل إني إتنرفز وأحققلك رغبتك وأشيلك عشان أثبتلك إني جامد أخر تلات أربع حاجات.
تلاشت ابتسامتها الماكرة، بينما مازال يطالعها بثقة وابتسامة أذابت جليد ليلة قارصة البرودة، فبدد حيرتها حينما قال:
_قولتلك قبل كده مينفعش تتذاكي على بابي يا فطيمة، أنا فاهمك من نظرة مش من كلمة!
أخرجت ساقيها خارج السيارة، ورددت بانفعال:
_بطل تستغل خبرتك في المهنة عليا، ودلوقتي هتشيل ولا أطلع بالأسانسير يا علي؟
إنحنى إليها ببطءٍ سلب كل تركيزها، وخاصة مع تحرر كلماته:
_سبق وقولتلك قبل كده حُضني مفتوحلك في أي وقت يا روح قلب علي.
قالها وقد وضع يده أسفل ساقيها، والأخرى أحاط بها خصرها، وبتمكنٍ رفعها إليه، بينما يدفع بقدمه باب السيارة المفتوح، صعد بها للداخل وتعمد عدم اللجوء للمصعد، حملها للطابق العلوي وهو يحرص عدم قطع اتصالهما البصري، يرى بوضوح استعانتها بالألفة والأمان بنظرته العاشقة لها، فرفعت يدها عن كتفه وأحاطت رقبته، فمال بذقنه فوق جبينها، وأردف بحنانٍ:
_قلقانة من أيه يا حبيبتي؟
اختبأت أسفل رأسه والفرحة تتسلل لها، زوجها يحبها بنفس درجة عشقه للكتب، حتى أنه يقرأ انفعالات وجهها كصفحة كتاب عابرة لا تستغرق معه سوى دقيقتين.
طبع قبلة على جبينها، وهمس بحنان:
_احكيلي، أنا سامعك.
رددت وابتسامتها لم تمحو بعد:
_مش قلقانة بس البيت من غير فريدة هانم ومايا شكله يقبض، بتمنى الصبح يطلع عشان أروحلهم على طول.
نبع عن بسمته صوتًا هادئ، ففتح باب جناحهما وولج يتحدث لها:
_اعتبري إنك قضيتي اليوم كله معاهم هنا في القصر، ودلوقتي معاد النوم.
ازدادت تعلقًا به وهي تغلق عينيها بنعاسٍ:
_هتنام ولا هتطلع لضرتي؟
مال يضعها على الفراش مسبلًا بذهولٍ:
_ضرتك!!!
رفعت رأسها إليه تؤكد له بحاجبي معقود:
_مكتبتك يا دكتور!!
تحررت ضحكاته من جديد، وقال وهو ينزع حجابها وحذائها برفقٍ:
_لا مفيش ضرة هتشاركك فيا النهاردة يا فطيمة إطمني.
قالها وتمدد جوارها بابتسامته الجذابة، فمالت تغفو على صدره، وقد كان أكثر من مرحب بها، وابتسامته رفضت الابتعاد عنه كلما تذكر كلماتها وانعكاس وجهها الجميل حينما تلفظت بلفظ "ضرتي"!
عاد يدق الجرس للمرة الثالثة، بينما يسند صينية الطعام بذراع واحد، فتمتم بسخطٍ:
_هما راحوا فين! يكنوش خلصوا على بعض!!
وأضاف بعدما عاد لدق الباب بيده:
_طيب أعمل أيه دلوقتي، أرجع بصينية الأكل للشيخ مهران وأقوله جوز الزغاليل بيأكلوا بدري، ولا أتصل بحضرة الظابط يجي يقتحم الشقة عليهم!!
كاد بأن يعود بما يحمله، ولكنه توقف حينما فتح آيوب الباب وهو يتثاءب بنومٍ:
_خير يا إيثان، فايتك مقلب وحابب تجربه فينا تاني على أخر اليوم!
ضحك وهو يراقب ملامحه، شعره المشعث وملابسه الغير مهندمة وكأنه كان بمعركة مصيرية، رفع الصينية إليه وقال ضاحكًا:
_مستغناش عنك يا بوب، ده الشيخ مهران حالف ما تنام انت ولا مراتك من غير أكل، وأيه باعتني مخصوص أجبلكم كفتة وسجق، متوصي بيك وبزيادة، وأنا عملت حسابي معاكم عشان أفتح نفسكم بس.
أحاطه بنظرة مشككة، فاتسعت بسمته الخبيثة، زفر آيوب ومال عن الباب بتذمرٍ، ولج إيثان للداخل يراقب سيف الذي جلس على الأريكة يطالعه بصمتٍ، فاشار لآيوب بأن يحضر الطاولة الأرضية، وضعها أرضًا وجلس ثلاثتهم من حولها، ثم بدأوا بتناول الطعام، وما أن انتهوا حتى نهض إيثان يمسح يديه ويتجه للخروج:
_هطلع أعمل الشاي عندنا وجاي.
أشار له سيف:
_مفيش داعي، خلاص كده تمام أوي الحمدلله.
شدد بحزمٍ غير قابل للنقاش:
_والله ما يحصل ده انت ضيفنا يا دكتور، هيفوتك نص عمرك لو مجربتش الشاي بالنعناع اللي بعمله، دقايق وراجع.
غادر من أمامهما ومازال سيف يراقب محله الفارغ بفمٍ مفتوح ببلاهةٍ، تناول آيوب قطعة الخبز بنهمٍ وردد ضاحكًا:
_متستغربش، هو إيثان كده يضايق في خلق الله كلهم ولما يكونوا عنده لازم يأخدوا واجب الضيافة كامل.
استدار تجاهه يخبره:
_مش مستغرب اللي بيعمله، المعروف عننا كمصريين الكرم وخدمة الغريب قبل القريب، أنا بس مستغرب إنه بيحلف بالله، هو مش مسيحي!!
تعالت ضحكات آيوب ورد عليه:
_ولما بيلمح أي خناقة في الحارة تسمع منه أحلى جملة صلي على النبي يا جدعان، هو متطبع على طباعنا ده عشرة عمر يا سيف.
اتسعت بسمته استمتاعًا بحديثه، حتى عاد إيثان يحمل صينية كبيرة تحوي أكواب الشاي وأطباق التسالي والحلوى، وبيده الأخرى كان يحمل سماعة ضخمة، جعلت آيوب يترك الطعام ويهرع له في صدمةٍ:
_أيه ده!!
اجابه بسعادة مضحكة:
_السماعات بتاعتي، عارف ان الشيخ مهران عاملك صوان عزا مش فرح، فعندي نية بعد الحنة نيجي نهيص هنا أنا وانت والخواجة والشباب كلهم، وأهو لا الشيخ مهران هيكون موجود ولا هيكون في بنات يعني كله في السليم.
تحمس سيف لما قاله، بينما تمتم آيوب بقلقٍ:
_اعقل يا إيثان، الشيخ مهران لو شم خبر هيبلغ عننا واحد واحد، وبدل ما أدخل دنيا هتزف لأبو زعبل!
انحنى تجاه السماعات يصلها بهاتفه وهو يشير له بعدم مبالاة:
_انت هنا بأمان يالا، متخفش طول ما انت في بيتي.
وتابع وهو يجذب هاتفه بضحكة خبيثة أثارت حافظة سيف وآيوب:
_ودلوقتي اسمع الاغنية دي هتقع من الضحك.
قالها وهو يحرر اصوات لشباب يغنون بشكلٍ شعبي، فتمايل إيثان وهو يردد بمرحٍ
«اسمع مني هقول أيه هتسمع زرط السنين،
وأنا طالع ع المواسير، شوفت الفيل وحمار بيطير
أبويا عور الانجليز، وهو راكب على المعايز
دا أنا أعوم في البحر ولا اتبلش، كلامي صح ومش ألش
دا أنا وأنا ساكت بتكلم، والناس مني بتتعلم
انا في البرد بعوم في النيل، لابس نضارة بالليل
انا شعري سرحتو برجلي، وكنت برقص وانا بجري
أبويا حارب الهكسوس، وهو راكب على النموس
أبويا راقص ماردونا، في حتة قد البلكونة
طب انا كداب لا لا، طب انا فشار لا لا وضحكت عليكو!!»
سقط سيف من شدة الضحك، بينما يتابع إيثان وهو يثني يديه بحركات شعبية أبهرت كلاهما:
«أنا شوفت النملة شايلة الفيل، والعربية كانت بتطير
شوفت نموسة شايلة جموسة، وعدت بيها من تحت الباب.
شوفت القطة جالها زغطة وراحت ام شربت عناب،
لابس ع البدلة كاب، وفي رجلي لابس أوباب،
والأسد مسكوا في أيدي والكل عاملي حساب،
وعزمت أنا عندي الفأر، قولت له من الجبنة إختار
وعملت البذر عصير، وعزمت عليه العصافير
طب انا كداب؟؟؟»
قطع سيف ضحكته وقال وهو يهز جسده بفوضوية:
_لا لا
عاد إيثان يردد:
_طب أنا فشار؟؟؟
رد سيف وقد أحمر وجهه من شدة الضحك:
_لا لا
صاح إيثان:
_وضحكت عليكوا
أعندي جزيرة في لبنان، طولها لحد اليابان
عامل جوه أوضة نومي مول ومصانع للدخان،
بمشي لوحدي في الغابة، بفطر خرتيت وديابة
عامل أنا كورة بهدومي حاشي مخدتي بسحابه.
بجري وف أيدي سجارة، وفي بيتنا راكب طيارة
دكتور عزمني في فرحوا كان عامله تحت العمارة
راضع شاي العروسة، فطموني بكيلو بسبوسة
مولود أكبر من جدي، وزرافة في بيتي محبوسة!
طب انا كداب؟؟؟
صعد سيف فوق الأريكة، وأخذ يتمايل هاتفًا:
_لا لا
صعد إيثان على الأريكة المقابلة له وصرخ:
_طب أنا فشار
سيف يدندن:
_لا لا
ضحك إيثان وهتف:
«وضحكت عليكوا
وأطلع شبرا بطيارة، وأروح لندن بحمارة
ولابس في رجلي ساعة، ومصاحب الولاعة
وبروح عند النجار، إحلق شعري بمنشار
أنفخ بلونة برجلي، لالعب كوتشينة بودني
يومربي في بيتي تنين، شربه المخصوص بتدين
وفي مرة ماشي وبتمشى علي السحابة ريح أتعشا
فجاة لاقيت صاحبي بيناديني، غابة واقفة بتلاغيني،
باكل بلاستيك بالفطيس، بلعب جيم في أتوبيس
يبقى أنا كداب؟؟؟؟»
صاح سيف وهو يصفق ويتمايل:
_لا لا.
راقبهما آيوب بصدمة من افعالهما الصبيانية، وصرخ فيهما بغضبٍ:
_انزل يا تافه منك له.
وسحب الوسادة يلقيها بوجه إيثان مشيرًا على باب المنزل:
_غور على بيتك يا فشار!!
خرج إيثان وهو يطوقه بنظرة مستهزأة، وعاد يطل من الباب فجأة يتطلع تجاه سيف ويصيح وهو يحرك رأسه يسارًا ويمينًا:
_يبقى أنا فشــــــــــــــار؟؟؟
رد سيف ضاحكًا:
_لا آيوب اللي فشار مش انت يا إيثو!
منحه قبلة في الهواء وغادر، فصفق آيوب الباب بعنفٍ واستدار يقابل رفيقه بنظراتٍ نارية، محتجًا بحديثه:
_من امته وصلة المحن والمحبة دي يا حقنة؟
ضحك بملء ما فيه، وقال بسخريةٍ:
_سبحان مقلوب القلوب يا أخي!
تخفى الليل بظلامه القابض، وأشرقت الشمس بضيائها الذهبي، لتعلن عن اشراقة صباح يوم جديد، حيث أُضاءت امتلأ منزل الشيخ مهران بالضيافة، وعلى رأسهم "مصطفى" الذي حضر برفقة "آدهم" و"شمس" التي لازمت "سدن" و"خديجة"منذ الصباح.
عادت "فريدة" إلى القصر بسيارة أحمد، واهتمت مايا بحمل الصغيرة بسيارة عُمران، بعد أن صرح لها يوسف بالخروج بعد فحصها.
وبالمساء كان منزل الشيخ مهران وجهة اجتماع الجميع، حيث خصص للرجال خيمة فخمة أسفل المنزل، وللنساء أعد لهم مجلس داخلي بشقة الشيخ مهران، حيث كانت تجلس "سدن" بالردهة الواسعة لباحة المنزل، ترتدي فستانًا وردي اللون، من الستان، ويعلوه خمار فضفاض يخفي منتصف جسدها العلوي، وأعلاه تزينت بتاج من الورود البيضاء، وقد برعت "شمس" بصنع زينة بسيطة لها.
بينما بالأسفل.
كان "آيوب" محاط بالشباب، الحفل كان بسيطًا متواضعًا، لا يسمع لصوت شيء سوى التهاني والمباركات، وجبات الطعام توزع من قبل "إيثان" و"يُونس" ويشاركهما "سيف" الذي تحمل المسؤولية وكأنه يزف أخاه اليوم، ومن خلفهم تعاون "آدهم" و"عُمران" بتوزيع العصائر والمشروبات على الشباب والجميع، ثم انضموا للجلسة من جديد، ومازال إيثان يغمز لهم بخطتهم بالاحتفال بالاعلى بعيدًا عن تلك الاجواء التي يراها مملة!
تسللت الفتيات لاعلى سطح منزل الشيخ مهران، حتى يراقبن الشباب، ظنًا من أنهم سيقدمون عرضًا راقصًا مثلما اعتدوا بحفل زفاف شمس، فلقد أدوا رقصة خرجت بشكلٍ أبهر الجميع وباتت معلقة بالأذهان وقتها.
كسى الوجوم الوجوه، وإذا شمس تنطق بضجرٍ:
_مفيش رقص ولا حتى أي music!
ردت عليها صبا بمللٍ:
_طلعنا على الفاضي.
قالت ليلى مبتسمة:
_بالعكس الجو هنا رائع، خلونا نقعد هنا شوية.
جمعت خديجة وكريستينا خطيبة إيثان، الكثير من المقاعد الخشبية، ووضعوها بالغرفة التي يعلوها برج الحمام الخاص بإيثان، وجلسوا في حلقة دائرية حول "سدن"، التي تلتقط عدد من الصور برفقة شمس ومايا.
قطعت زينب الاجواء قائلة بانزعاجٍ:
_بقولكم أيه ما تيجوا نشغل الموبايل على مهرجان كده ونهز شوية بعد أكلة المحاشي اللي قومنا بيها تحت دي.
سقطت الفتيات ضحكًا، بينما لكزتها فاطمة بغضب:
_من نيتك نشطحو انتي حماقيتي، ولا هبطتي من دارك هازة معاكي كل حاجة الا عقلك نستيه تماك!
أجابتها زينب وقد أثارت لهجتهما انتباه واهتمام الفتيات:
_انا اشنو درت لهادشي كله، انا لقيت الدنيا مملة قولت نبلبلو الاجواء، انتي عارفة لو كانت هاد الحنة عندنا كان راه احنا دابا جالسين كنقشو الحنة ماشي جالسين كنتشاوفو في بعضياتنا.
قطعت مايا صدمتها المشتركة مع الفتيات وقالت:
_حنة مغربية الحمد لله فهمت جملة!
اعتدلت سدن بجلستها وتساءلت ببراءة:
_يعني أيه حنة مغاربية!
ردت عليها شمس مبتسمة:
_دي حنة يا سدن بتترسم على الجسم زي التاتو أو الوشم كده.
اتسعت ابتسامتها ونطقت بحماس:
_مش حرام سدن تحطه؟
أجابتها صبا بهدوء:
_لا طبعًا مش حرام، دي حنة متقلقيش منها.
رفعت يديها لزينب وقالت بلهفة:
_أنا عاوز يعمل من ده زينب.
شملتها بنظرة مشاكسة وقالت:
_العروسة عايزة تدلع العريس.
لكزتها فاطمة وهي تمنحها نظرة محذرة، قائلة:
_هتكسفي البنت!
قالت مايا مبتسمة بمحبة لها:
_هنخليها تعملك أحلى تاتو يا سدن متقلقيش زينب شاطرة ولهلوبة، هتعملك وهتعملي صح يا زوزو.
كادت أن تجيبها، فقالت شمس:
_وانا يا زينب نفسي أجرب الحنة المغربي بليز.
ورددت صبا بحياء:
_وأنا كمان لو مش هتعبك يا دكتورة.
صاحت ليلى هي الاخرى:
_بت يا زينب لو عملتي ليهم من غيري انا وخديجة وكرستين هنقيم عليكي الحد.
هتفت كرستين بحماس هي الاخرى وهي تسلط الهاتف لهم:
_بصوا لما بحثت عنها على الانترنت طلعلي أيه، الاشكال خرافية، بس يا ترى زينب هتقدر تنفذ الاشكال دي؟
شمرت زينب كم فستانها الفضفاض وقالت في سرور:
_هقدر ونص يا كوكي، مهو أنا معايا عامل هيساعدني في النقاشة دي، بس العامل ده هيتكاسل عن مساعدة الصنايعي.
قالتها واتجهت ببصرها لشقيقتها، فرددت فاطمة بخجل:
_هي اللي خبرة فيها أنا على بسيط كده، بس عشان عيونكم مفيش مانع أحاول!
تحمست الفتيات للفكرة، فأتاتهم زينب تخبرهن:
_بس في مشكلة تانية، لازم أنزل بنفسي اشتري الحاجات اللي هنحتاجها، ومش هنعرف نعمل الكلام ده الا بعد ما الحنة تخلص والمعازيم تمشي، عشان اعرف ارسم للعروسة على جسمها، عايزة أظبطها وأظبطكم.
حل الصمت بينهن مجددًا، بالفعل لن يتمكنوا من خلع ثيابهم وحجابهم بوجود أحد بالمنزل، فقطعت خديجة الصمت قائلة:
_بسيطة بعد الحنة ما تخلص نطلع عندي في الشقة ونعمل اللي عايزينه.
ردت فاطمة بعقلانية:
_هو كده احسن بس بردو هنتاخر جدًا والحنة بتاخد وقت عما تنشف أصلًا.
قالت سدن بابتسامتها الساحرة:
_قضوا اليوم مع سدن وخديجا، أنا مش عندي family تشارك معايا في فرح سدن، هكون سعيد إن انت كلها يقعدوا معايا.
قالت صبا:
_كلنا إخواتك يا روح قلبي، متقوليش كده تاني.
نطقت مايا بعد تفكير:
_بصي أنا أخر السهرة هكلم عُمران وأستأذنه أفضل معاكي لبكره، وانتوا كمان اعملوا كده، أعتقد محدش هيرفض فيهم.
هزت ليلى رأسها وقالت:
_خلاص اتفقنا، هبعت ليوسف وهقوله.
ردت شمس بغرور مرح:
_آدهم كده كده هيوافق.
اضافت زينب:
_كده كده سيف بايت مع آيوب فمش هيقول حاجة.
واتجهوا بأبصارهن لكرستين التي قالت:
_إيثان بردو هيوافق، بيت الشيخ مهران أكتر مكان بيثق عليا فيه.
اتجهت الاعين لصبا، فقالت:
_هكلم ماما أشرقت الاول استأذنها لان عُمران معاها فمش عارفة هيسكت معاها ولا لا.
ردت مايا برقة:
_أكيد مش هيسكت يا صبا، خلي البشمهندس جمال يجبهولك عادي، المهم انه هو بس يوافق.
قالت خديجة:
_أوضة فارس مليانة ألعاب هيلعب معاه وهيتسلوا مع بعض.
ابتسمت فاطمة وقالت:
_حليتوا كل المشاكل بسرعة البرق!!
وكأن جملة البرق تلفظت لتضرب السماء التي أصابها الرعد، فأصابها ببريق لامعًا، بينما تنهمر المياه بغزارةٍ على الأسطح، ومن بينهم سطح منزل الشيخ "مهران"، فتحوا باب الغرفة. وكانت "خديجة" أول من طلت من الداخل، تردد باستغراب:
_الجو مكنش مغمي يعني!
وقفت "صبا" جوارها تراقب الامطار الغزيرة هاتفة بدهشةٍ:
_سبحان الله النهاردة الجو كان جميل ومش برد!
زمت "سدن" شفتيها بحزنٍ:
_ليه تمطر في حنة بتاعي!
وأضافت:
_شكل ليلة بتاعي باظ!
ضحكت شمس وهتفت بمرحٍ:
_بالعكس دي شكلها هتحلو.
لكزتها مايا بتحذير:
_بدل ما تعقلي سلفتك هتتجني ولا أيه؟
ضحكت زينب وقالت بمشاكسة:
_وماله لما نتجن، على الاقل احنا على السطوح، هنقول مثلا ملحقناش نجري، وكده كده إحنا بايتين هنا!
صاحت فاطمة بغضب:
_بس يا زينب بطلي هبل!
هتفت ليلى بضجر:
_يوووه هو انتوا لسه هتتخانقوا، أنا عن نفسي حابة أخوض التجربة وأحكم بنفسي.
قالت لها وهي تخرج للمساحة المكشوفة، فغمرتها المياه من فوقها، رفرفت بيديها وأشارت لهن:
_هيفوتكوا نص عمركم عندكم بجد.
كانت شمس أول من لحق بها، ولحقت بها زينب وخديجة، وركضت سدن وكرستين إليهن، وما كان على صبا ومايا الا أن تتبعهن بينما بقيت فاطمة تراقبهن بصدمة تعلو ملامحها.
تعالت ضحكاتهن باستمتاع، فتشابكت كلا منهن بيد الاخرى وأخذت تدور بها بحلقات دائرية بينما تتفاوت حبات المطر بقوتها، وما ان ارهقهم الدوار جلسوا أرضًا على الرخام يعبثون بالمياه، فرددت مايا بمزح:
_زمان خيمة الرجالة غرقت تحت.
لكزت خديجة سدن بمشاكسة:
_العروسة قدمها وش خير، دي ممطرتش كده طول الشتا!
اقترحت صبا عليهن:
_ما تيجوا نقوم من على الارض ونقعد على الكنبة دي أحسن.
مررت شمس يدها على ذراعها، وقالت:
_فكرتكم لطيفة وحلوة بس أنا بردانه!
رواية صرخات انثى الفصل 112 - بقلم ايه محمد رفعت
صعق "آيوب" حينما انبلجت الصورة من أمامه كاملة. "إيثان" يراقص "سيف" الذي خلقت بينهما محبة فجأة. ولجوارهما يتمايل "يونس" رفقة "جمال". أما على الأريكة الخشبية يجلس "علي" ولجواره "يوسف" وكلاهما يتابعان ما يحدث بين الشباب بدهشةٍ تشاركها معهما "آيوب". وأزداد لمركبهم الطاووس الذي انهى اتصاله للتو مع "حسام" السكرتير الخاص بمكتبه. وولج للداخل، فعقد حاجبيه بسخرية خبيثة، اختلج عنها بنبرته التي فرقت الجماعات:
_ هو انتوا كده أخركم المهرجنات التافهة اللي زيكم!
ركض "سيف" يغلق الهاتف المتصل بالسماعات، وهو يردد بتذمرٍ:
_ بنحاول نحتفل بالعريس.
استند على مقدمة المقعد بيديه، واجابه ساخرًا:
_ واضح أن احتفالكم نال كامل إعجابه لدرجة أنه لزق مكانه ومش قادر يتحرك.
انتقل برماديتاه صوب "جمال"، قيمه بنظرة ساخرة قبل أن تطول حديثه:
_ دراسة في لندن كل السنين دي، وأخرتها بترقص على شوح الكبدة يا عبحليم!!!
استدار يرتب قميصه الأبيض داخل بنطاله، متهربًا من لسان الطاووس الوقح، بينما يجيبه يونس:
_ مش إحنا يا بشمهندس والله، ده إيثان اللي مصمم نشوح الكبدة معاه!!
سحب بصره للمتهم الذي أشارت كافة الأدلة إليه، فزم شفتيه ساخطًا وهدر بصوتٍ منخفض ولكنه كان مسموعًا:
_ هيعملنا فيها خواجة بقى.
ورفع من نبرته بعدم مبالاة:
_ أنا مبعرفش أفرح الا كده، صاحبي دخلته بكره وفرحان بيه أيه الإشكال هنا!!
استقام بوقفته يطالعه بثباتٍ، ويده تشير على الأريكة القابع عليها "علي":
_ يعني عشان سيادتك تفرح تجيب لأخويا تلوث سمعي!!
اتجهت الأعين جمعيها إليه، فابتسم وقال وهو يعدل نظارته الطبية:
_ أنا تمام جدًا، اتفضل يا إيثان كمل احتفالك.
قاطع يوسف حديثه بانزعاج:
_ يكمل أيه يا علي، ده أفسد أخلاق دكتور سيف، أنا مش مصدق أن ده أخويا اللي تعبت عليه ليل نهار عشان يكمل تعليمه ويبقى دكتور محترم، اخرتها بيحط مش عارف أيه ده في الزبدة يا علي!!!!!!
لوي "إيثان" شفتيه بتهكمٍ:
_ متتعرضش يا دكترة منك ليه.
تحرك "آيوب" عن محله الصامت، وأتخذ من جاكيت إيثان مأوى ليده المتعصبة، صارخًا فيه من بين أسنانه بغيظٍ:
_ إنت عايز أيه يا إيثان، عايز تعرنا قدام دكتور علي، ودكتور يوسف، الناس دي راقية جدًا ومش شبهنا، أبوس إيدك تلم المصمت اللي فتحته ده!!
وأشار ليونس يطالبه بالدعم:
_ تعالى يا يونس لم صاحبك.
التقط يونس زجاجة المياه من جمال، وقبل أن يتجرعها قال:
_ معرفوش!
اعتلاه الغضب من تخليه عن مسؤوليته، فاستدار تجاه منقذه الوحيد، الذي يطالعه ببسمة ماكرة، وكأنه كان يتوقع طلبه للدعم، وأتاه حينما مال يشير بيديه، يفسح له الساحة:
_ طلعتك يا طاووس، اتفضل.
بقى "عُمران" محله ونظرته الخبيثة تقيم إيثان من الأسفل للأعلى، فارتبك قبالته، وأحاط صدره بيديه في حركة درامية أحاطت حديثه المرح:
_ هتعمل أيه بعد البصة دي!!!
سقط جمال ضاحكًا، حتى يوسف كاد بالسقوط عن الأريكة من الضحك، بينما يكسر خشونة صوت عُمران الضحك:
_ معلم يونس.
أسرع يونس إليه ضاحكًا، وبتسلية قال بنبرة شعبية تواكب نبرة عُمران الشعبية:
_ أومرني يا خواجة.
قال ومازال يتطلع تجاه إيثان المترقب لما سيفعله به:
_ مفيش مكان هنا بيبيع كبدة درجة أولى.
علم ما يدبره عُمران لرفيقه، وصاح بحماس:
_ أعرف طبعًا.
عاد يحدد له ما يريد:
_ نية، عايزها نية يا معلم!
صدر عنه ضحكة مسموعه وقد تبين له الصورة كاملة:
_ عنيا حاضر، هنزل حالًا أجيبلك أحلى كبدة، كده كده الشيخ مهران هيضحي كمان ربع ساعة عشان الفرح، ألحق الكبدة وهي طازة بقى.
قالها وأنطلق، بينما ازدرد إيثان ريقه بارتباكٍ، وصاح:
_ عايز أيه من الكبدة النية يا خواجة، لا لو فاكر أني لقمة سهلة تبقي متعرفنيش.
ضحك آيوب وقال بشماتة:
_ هو تقريبًا حس إنك بتتوحم على الكبدة فقال يجبهالك، بس السؤال هنا هتأكلها نية ولا هتسويها يا إيثو.
أحاط عُمران كتف آيوب وقال بغمزة:
_ لا طبعًا هيسويها وإحنا عشان بنحبه هنأكل معاه كلنا.
واضاف وهو يتطلع لايثان الذي اختمر وجهه من شدة الغضب:
_ ها يا إيثو هتأخد وقت أد أيه لحد ما تشوح الكبدة وتحط الزبدة؟!!
استدار للخلف، يستعين بأخيه قائلًا:
_ عجبك كده يا دكتور علي، أخوك بيتمسخر بيا!
ترددت ضحكات علي ولجواره يوسف، فتخطى عُمران آيوب ووقف قبالة إيثان يردد ببسمة ساخرة:
_ بتشكيني لولي أمري!!
قولتلك قبل كده أنا متربتش فريح نفسك وإدخل حط الطاسة على البوتجاز.
رفع اصبعيه للاعلى وقال بغيظٍ:
_ حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا على المفتري الظالم.
قالها وانطلق على المطبخ، بينما يهدر جمال ضاحكًا:
_ الواد ده عنده وحدة وطنية عالية أوي!
نطق سيف أخيرًا من بينهم وهو ينهض من جوار أخيه:
_ حرام عليكم كبدة أيه اللي هيقف يعملها دلوقتي، أنا هروح أساعده وخليكم قاعدين كده.
جحظت عيني آيوب صدمة، ومن جواره يوسف، الذي نطق بصعوبة:
_ الواطي ده عمره ما غسل طبق ولا عمل لنفسه كوباية شاي حتى!!!
هو في أيــه؟؟
رد عليه علي وهو يربت على كتفه المشدود:
_ الظاهر أنه وأخيرًا قرر يعتمد على نفسه يا دكتور يوسف!
أجابه باستهزاء:
_ ولما قرر القرار المصيري ده جاي يقرره هنا!!
ازدادت ضحكات علي بشكلٍ جعل عُمران يتابعه بسعادة، بينما يقاطعهم آيوب متسائلًا بدهشةٍ:
_ آدهم فيــــــن؟!!!!
بزقاق شوارع حارة الشيخ مهران، كان يستند على مقدمة سيارته، يعبث بهاتفه وملامحه مطعمة بالانزعاج والضيق لما إنجبر قسرًا لفعله، وها قد تمت مهمته على أكمل وجه، حينما توقفت قبالته آحدى السيارات السوداء، وهبط منها ذلك الشاب يهرول إليه، وبكل حماس يؤدي تحيته العسكرية قبالة رئيسه.
التفت آدهم من حوله، وهو يهدر بصرامة:
_ نزل إيدك بسرعة مش ناقصة فضايح الله يكرمك.
انصاع له الشاب وقد أخفض يده، قائلًا بنبرته الرسمية التي أعتاد عليها تحت قيادته:
_ جبت المطلوب وكله تمام يا باشا.
تشربت بشرته حرجًا لما وضع به، فتنحنح بخشونة قائلًا:
_ تمام يا محمود، بعتذر لو أزعجتك في الوقت ده.
رد في حبورٍ ومازال يقف بآلية تامة قبالته:
_ أنا تحت أمرك في أي وقت يا عمر باشا، تحب حضرتك أدخل الحاجة اللي معايا جوه.
أسرع بإيجابته:
_ لا أنا هخدها منك، وإرجع إنت.
وأبرز تحذيراته بقليل من الصرامة المفقودة:
_ وأتمنى الموضوع ده يفضل بينا، مرحش الصبح ألقى الجهاز كله عارف بطلبي الغريب ده.
منع الشاب ضحكته بالظهور، وقال بنفس الثبات وكأنه يقدم تحيته العسكرية على الملأ:
_ اطمن يا باشا، وألف مبروك لأخو حضرتك ربنا يتمم عليه بخير.
منحه ابتسامة جذابة، وقال بلباقةٍ:
_ تسلم يا محمود، عقبالك.
فتح آدهم باب سيارته وحمل الأكياس البلاستيكية التي يحملها الشاب، ثم غادر عائدًا لوجهته مرة أخرى، وهاتفه على أذنه يهتف بنزقٍ:
_ طلبات جنابك كلها اكتملت!
صفقت بيديها بعدما ألقت الهاتف بحماسٍ، وبتفاخرٍ قالت للفتيات:
_ آدهم لاقى نوع الحنة اللي عايزنها، عشان تصدقوني لما قولتلكم إنه الوحيد اللي هيجبلنا كل اللي عايزنه.
أثنت زينب عليها قائلة:
_ جدعة يا بت، أنا كنت هزعل أوي لو اتجبرنا نعمل بالحنة المنيلة اللي جابها فارس دي.
ضحكت خديجة ومالت تطبع قبلة على خد ابنها، قائلة:
_ الراجل حاول يخدم يبقى ده جزاته!
مالت مايا تتلقفه من يدي والدته، وضمته تقبله في حنانٍ ولين:
_ سيبك منها يا فارس، أنت شهم وراجل كفايا أنك عرضت مساعدتك.
أضافت فاطمة وهي تمرر يدها على خصلات شعره الطويل:
_ القمر ده تعبان معانا لف من ساعتها، ربنا يباركلك فيه يا خديجة.
قاطعتهن شمس التي جذبت حجابها تعقده جيدًا:
_ أنا هنزل أجيب من آدهم الحاجة وجاية.
أسرعت من خلفها سدن تهتف بحماس:
_ أنا يروح معاك شمس، عاوز أشوف حنى.
ضحكت الفتيات على حديثها، ورددت صبا بمرح:
_ والله سدن دي زي السكر.
أخبرت ليلى شمس:
_ خديها معاكي يا شمس بس الاحسن متطلعوش من البيت، اقفي تحت وخديهم منه.
هزت شمس رأسها بخفة، ثم سحبت كف سدن وهبطوا معًا للاسفل.
راقب آدهم مدخل منزل الشيخ مهران بتأففٍ، فاستند بجسده على مقدمة سيارته مجددًا، حتى أتاه صوتًا ينادي:
_ عمـــــــــر!!!!
أغلق عينيه بانزعاجٍ وضيق من الموقف الذي وضع فيه برمته، وباتزانٍ مفاجئ استعاد هيبته المفقودة، ورفع رأسه تجاه محل صدور الصوت، حيث وجد أباه يجلس بالشرفة قبالة الشيخ مهران، ويحمل بيده كوبًا من الشاي، واليد الاخرى التسالي، فكسر حالة الصمت والترقب بسؤاله المتوقع من "مصطفى":
_ أنت سايب أخوك وبتعمل أيه هنا؟
بدى كأنه تائهًا، يحاول الوصول لبرٍ آمن، فقال:
_ جيت أطمن على حضرتك لو محتاج حاجة.
ابتسم الشيخ مهران وقد لمح شمس تشير لآدهم أمام باب المنزل، وقد لاحظ أبوه ذلك، فقال ساخطًا:
_ تطمن عليا أنا بردو!!
واشار للشيخ مهران مستطردًا:
_ إبقى إديله خطبة عن الكذب، وأكد عليه إن نهايته النار.
اتسعت ابتسامة الشيخ حتى برزت أسنانه البيضاء، وقال:
_ حضرة الظابط مكدبش يا مصطفى، جاي يطمن عليك وعلى أهل بيته.
وأضاف ومازالت ابتسامته البشوشة تزين وجهه:
_ متقلقش يابني البيت أمان هو وسكانه، إديك اطمنت على والدك اطمن على الجماعة ورجع لصحابك.
أشار له آدهم بامتنانٍ، وخاصة بعد أن قطع المعركة التي كانت بدايتها لأبيه، فأسرع بما يحمله تجاه محل وقوف "شمس"، وعينيه تجتاحها عاصفة رعدية، انصهرت فور أن رأى السعادة تلمع بمُقلتيها، حماسها جعله يبتسم ببساطةٍ وكأنها استمدت عنه كل الضيق والسخط، فتمنى لو تبقى يتأملها لاخر لحظة بحياته!
لطالما كان يتمنى من الله أن يودع دنياه شهيدًا، وهو يدافع عن وطنه، ويحمل أمنية آخرى أن تكون هي أخر من يراه.
أفاق "آدهم" على صوتها الرقيق:
_ كنت عارفة إنك هتعرف تتصرف، ما أنا جوزي مش أي حد بردو.
وإلتفتت تجاه "سدن"، تريها ما وضع بالأكياس:
_ بصي يا سدن، الأشكال اللي جابها تحفة ورقيقة مووت.
حملت منها النقوش التي شكلت على شكل عقد من الزهور، ونقوش متعددة منها، فرددت بانبهار:
_ ده حلو أوي أوي، شكرًا كتير آدهم.
انتبه لوجود زوجة أخيه، فاستعاد صوته الغائب عنه:
_ العفو، لو احتاجتوا حاجة تانية إبعتولي مسدج.
ناولت شمس الاغراض بأكملها إليها، وقالت بنبرة حويطة:
_ خدي الحاجة وإطلعي وريها لزينب وأنا شوية وهحصلك.
حملت الاكياس وهي تبتسم ساخرة منها:
_ إنت بتوزع سدن عشان تتكلمي كلام سر مع آدهم، قولي عاوز أتكلم معاها وأنا هطلع.
ردد باستنكارٍ:
_ معاها!!
تحلى ببسمة زائفة وهو يخبرها:
_ أنا بقول تعملي بنصيحة عُمران وتتكلمي معانا بالانجليزي أهون من ضياع نص الهيبة دي.
تساءلت شمس بصوتٍ منخفض:
_ والنص التاني ضاع في أيه!!
أجابها والغيظ يتنافر مع هدوئه المخادع:
_ مع وصول أوردر الحنة بتاع جنابك!
غردت ضحكتها بصوتٍ أخلج قلبه بينما تشاكسه:
_ الشرطة في خدمة الشعب يا حضرة الظابط، ما بالك بقى بزوجة مقدم له قدره ووزنه في الجهاز!!
مال بكتفيه العريض على الحائط، فأصبح على مقربةٍ من طولها، هامسًا بصوتٍ مغري:
_ من غير المقدمات الطويلة دي، أنا في خدمتك دايمًا شمس هانم.
تلاشت أمامه كأنها قد غادرت للتو ولم يتبقى سوى عبيرها، تتأمله بابتسامة ناعمة، وأصابعها تعبث بأطراف حجابها الطويل، تختطف نظرة عابرة سريعة من عينيه، وتعود لمستقرها أرضًا جوار بقعة حذائه الثمين بالتحديد، فاذا به يرفع ذقنها عاليًا، يمازحها بصوته الذكوري:
_ هنتكسف لحد أمته!
كلها كام شهر والباشا الصغير يشرفنا، فطمنيني هتأخدي عليا في الطفل الكام عشان أعمل حسابي بس!
تنافر عنها ملامح الخجل، وصرخت مستنكرة جملته:
_ ليه هو حضرتك ناوي نجيب كام طفل؟
رفع عينيه لسقف المدخل بتفكيرٍ:
_ أمم، خمسة ستة مثلًا!
أبعدت كفه عن ذقنها بنفورٍ، وكأنها لم تكن تلك التي ذابت فيه غرامًا منذ دقائق، على الأغلب تحمل انفصاما بالشخصية، وقبل أن تفكر في قول يُقال، أتاه هلاك موته مع رنين هاتفه، فرفع الهاتف مرددًا بضحكة مكبوتة لتوقيت اتصاله وكأنه ينصت لهما بجهاز لاسلكي:
_ البشمهندس عُمران سالم الغرباوي بيتصل بيا بذات نفسه!!
_ ده يعرفك أنك مبقتش شخص عادي، غلاوتك زادت شوية يا حضرة الظابط.
وردد ساخرًا قبل أن يتحدث آدهم:
_ أخوك بيعيط عايزك وملهوف عليك!!
، بصعوبة سكته وقولتله هكلم أخوك يجيلك حالًا يا حبيبي، وأهو بالمرة أنبهك إن الوقفة الكتير غلط على شمس، ولا فراقها عنك ببيت الشيخ مهران صحى مشاعر المراهقة المكبوتة عندك!!
التفت "آدهم" للخلف، وخرج للطريق المتوازي، فرأى "عُمران" يقف بشرفة شقته، ينتزع هاتفه عن أذنيه ويغمز له بخبثٍ جعل الاخير يبتسم، ويعود ليودع زوجته قائلًا:
_ إطلعي للبنات قبل ما عُمران ينزل، فقدت الأمل أنه يتغير!
حملت طرف الاسدال بدلال، وبعنجهية قالت:
_ مضايقك إني أبقى مسنودة من برنس عيلة الغرباوي، مش هقدر أطمنك، هفضل طول عمري على رأس قائمة اهتماماته، فحاول تتأقلم يا كابتن.
قالتها وإختفت من أمامه للطابق العلوي، فتحررت عنه ضحكة مسموعه، وإتجه لسيارته يقود للامام قليلًا، حتى صفها أمام مبنى "إيثان"
انهمرت دموعه بغزارةٍ حتى أغرقت وجهه، ومن جواره يجلس "يونس" على رخامة المطبخ، يقدم له منديلًا ورقيًا بابتسامةٍ متشفية، يلتقطه "إيثان" منه بغيظٍ، يزيح دموعه ويلقي المنديل أرضًا جوار باقة المناديل المتناثرة أرضًا، حتى أنتهى من تقطيع كميات البصل بأكملها، وسكبها بالمقلاة، وما ان نضج حتى وضع قطع الكبدة.
مال عُمران على باب المطبخ يراقبه ببسمةٍ خبيثة:
_ ها يا إيثو أخبار الكبدة أيه؟؟
لكم المعلقة بالمقلاة بحدة، وعينيه تلتهمه بعدائيةٍ شديدة، يود لو ألقى الوعاء الساخن بما يحمله بوجهه، ولكنه تماسك ليحقق غايته الخبيثة التي يريدها بحفل زفاف آيوب، فلزم الصمت حتى أنهى ما يفعله.
وضع "سيف" السلطات التي أنهاها بمعاونة جمال على السفرة البسيطة، ووزع آيوب الخبز ثم اتجه لعمران يسأله:
_ آدهم قالك أيه؟
تأمله قليلًا، ثم ضحك:
_ في أيه يا آيوب، أنت ليه محسسني إنك بيبي صغير منتظر رجوع مامته!!
ما تسترجل شوية يا عريس!
احتقنت ملامح آيوب غيظًا، فغمز عُمران بسخرية:
_ متعيطش يا حبيبي، ماما طالعه على السلم وحالًا هترن الجرس.
وما أن إنتهى من قوله حتى دق جرس الباب، فهرول آيوب مفتقدًا وجود آدهم جواره، فصاح بتذمر:
_ كنت فين لحد دلوقتي يا آدهم؟!
ابتسم آدهم باستغرابٍ، حينما تأكد من صدق حديث عُمران فور رؤيته للهفة أخيه بحضوره، فأغلق الباب وإتجه برفقته للداخل:
_ كنت بجيب حاجة لشمس.
وإتجه للردهة حيث محل جلوس "علي" و"يوسف"، جاور جلستهما حتى إنتهى الشباب من رص طاولة الطعام الصغيرة، فاجتمعوا من حولها يتناولون الطعام بجو من المرح والمزح، وخاصة حينما طرق فارس باب الشقة، وولج يحمل طبق من الطعام، قدمه لايوب قائلًا:
_ الشيخ مهران بعتلك كفتة الرز المسروقة!
وقفت سدن أمام المرآة تتأمل إنعكاس نقش الحنة المغربي أعلى كتفها، حيث وشمت بالحنة إسم آيوب كاملًا باللغة الانجليزية، انبهرت بالرسم المتقن، وأبدت إعجابها:
_ حلوة أوي أوي زينب، إسم آيوب طالع حلوة أوي أوي، هو أنا ينفع أروح أوريهالها؟
تبادلت الفتيات النظرات بصدمة مما قالت، وفجأة انطلقت الضحكات تجلجل بينهن، وكانت كرستين أول من قالت:
_ مينفعش طبعًا يا سدن، آيوب لو شافك كده هيقع من طوله، ده شاب خجول!!
مالت الفتيات على بعضهن من كثرة الضحك، وقد تحرر عن مايا:
_ مستعجلة على أيه يا سدن، كل شيئ هينكشف ويبان لوحده!!
لكزتها فاطمة بصدمة:
_ بس يا مايا بتقولي أيه؟؟ عيب كده!
رفعت كتفيها ببراءة:
_ أنا قولت غير الحقيقة!! هنغش الولية يعني!
اقتحمت شمس حديثهما قائلة:
_ على فكرة سدن من الغرب، وبنات الغرب مفتحين جدًا، إحنا اللي كوتي أوي.
تصاعدت ضحكة صبا بقوةٍ، وهتفت ببشرة قد صبغها الحياء:
_ مهو باين من قرارها المفاجئ إنها توريه!! أنا بقول بجملة السهرة الجميلة دي نعلمها تتعامل إزاي!
تركت زينب ما تحمله ونزعت القفازات قائلة بنزق:
_ ما تسيبوا البت تتعامل بحريتها، دول صبروا صبر آيوب، خطوبة وجواز وجواز تاني والفرح كل شوية يتأجل، هتبقوا أنتوا والزمن عليهم!!!
ربتت خديجة على ساقها، ومنحتها كوب العصير قائلة:
_ هدي أعصابك يا زوزو، وخدي اشربي العصير ده.
منحتها قبلة بالهواء وقالت:
_ حبيبي اللي فاهمني إنت، انزلي عليا بطبق الحلويات اللي محدش بصله من ساعة ما دخل علينا ده.
قربت الصينية منها بترحابٍ، بينما تتخذ ليلى خطوة حازمة لتسطو عليهن بصرامة:
_ ما خلاص يا جماعه هي البنت قالت أيه لكل ده، هتقيموا عليها الحد!!!!
راقبت سدن حديثهن بتشتتٍ، إتبع نبرتها:
_ أنا مش فاهم حاجة منكم، هو أنا عمل حاجة غلط يعني.
نهضت فاطمة تحمل طرف جلباب الحاجة رقية التي أصرت أن تبدل الفتيات الفساتين بالجلابيب المنزلية المريحة، وإتجهت إليها تطمئن قلبها بابتسامتها النقية:
_ لا يا حبيبتي معملتيش حاجة غلط ولا حاجة، هما بس بيقولولك إنك توريه للعريس بكره عشان دي زي المفاجأة كده مينفعش توريه من دلوقتي، فهمتيني؟
اتسعت ابتسامتها وانزوت بين أحضان فاطمة، قائلة:
_ فهمت، أنت بتتكلم بهدوء وبتخلي سدن يفهم أنا بحبك كتير كتير فاطم!
شددت من ضمتها والابتسامة تتسلل للوجوه بأكملها بفرحة نشوب علاقة قوية بين الفتيات بأكملهن بدايتها من حفل زفاف سدن البسيط!
تفرق الشباب على الأرائك الخشبية، وكلا منهم يحمل كوب الشاي بالنعناع الذي أعده إيثان للجميع، والصمت يتراقص بينهم، حتى مزقه آيوب:
_ وحـــــــدوه.
أجابوه معًا:
_ لا إله الا الله.
عاد آيوب يردد في حسرةٍ:
_ هو إنتوا جايين عزايا ولا أيه، هو ده اللي هتحتفلوا بيا وتعملولي حفل توديع العزوبية.
صفق إيثان كوبه على الطاولة بغضب:
_ وأنا كنت بعمل أيه يعني، إنت اتقمصت والخواجة البلطجي بتاعك عاقبني!
أجابه آيوب بسخط:
_ وهى دي أغاني تتسمع يا كابتن!! دي عايزة تتذاع في مصمت مش هنا!
شارك جمال بمقترحه:
_ طيب ما عُمران يغني لينا بدل التلبك المعوي ده، ولا إنت رأيك أيه يا دكتور علي؟
منع عُمران علي من الحديث حينما شدد على كفه، وقال غاضبًا:
_ هو كل اللي عايز مني حاجه بيطلبها من علي ليه، مش مالي عين أمكم أنا!!!!
ومال لأخيه يشكو له:
_ دول بيعاملوني كأني طفل صغير وليا ولي أمر يا علي!
منع ضحكاته من الانبلاج بصعوبة، ورفع يده يحاوط كتفه:
_ هو أنت بتكبر لحد يا وقح!! هما بس بيحاولوا يعملولك كنترول بوجودي، يلا قوم غني حاجة لآيوب يودع بيها العزوبية زي مهو عايز.
رد ببرود مضحك:
_ خليه يشوف غيري أنا توبت.
وأضاف وهو يتطلع تجاه آيوب الحزين:
_ عايزني أغنيلك وأطلع الفجر أم بالناس يابن الشيخ مهران!!
ربع يديه أمام صدره بضيق مضحك، فردد يوسف ضاحكًا:
_ فتح الله عليك يا عم الشيخ، الله يرحم أيام الجامعة، الجيتار بتاعك لسه في شقة لندن يشهدلك بالتقوى!
انزعج آدهم لحزن أخيه، فمال لعُمران يخبره بلطف:
_ مفيش معازف ولا نغمات هنا، غنيله أي حاجة هادية.
تفحص عُمران ملامح آيوب، وقال بانزعاجٍ:
_ مبقتش حافظ حاجة والله، بس لو مصرين فاغنية واحدة بس اللي معلقة معايا، كلت معاكم كان به ومكلتش أقعد وشغلوا انتوا تشويح الكبدة بتاعت الكابتن.
صاح آيوب وسيف بحماس:
_ موافقين.
نهض إيثان ويونس يبعدون الطاولة الصغيرة، ويفرغون الساحة لعمران الذي بدأ يدندن لهم إحدى الأغاني، جذب يونس آيوب وبدأ كلاهما يتشاركان الرقص الشرقي برفقة إيثان، وبدأ "يوسف" قرع الطاولة بيديه، أما جمال فقد أقدم على مغامرة خطيرة حينما جذب عُمران وبدأ يتمايل قبالته، فاستجاب له وتمايل برفقته بحركات رجولية أبهرت إيثان، فترك آيوب ويونس، وأتجه يوازيه.
اكتفى علي بالمتابعة وهو يراقب رقص أخيه بذهول، بينما اختطف آدهم هاتفه وأخذ يسجل مقاطع للفيديو بسعادة، وأولى اهتماماته إلتقاط حركات أخيه وعُمران، الذي قلب الاغنية الراقية لما جعل الجميع يتهاوى من الضحك حينما قال:
«يا ليل يا عين، يا ليل يا ليل، يا يا عين
كان ليا في يوم حبيب يا خسارة باعني
بالغالي اشتريت وبالرخيص باعني
وأنا لا ندمان عليه ولا هبكي في يوم عليه
وأنــــا»
أجابه إيثان وسيف وآيوب ضاحكين:
_ أيـــــــــــه؟
عاد يخبرهما وهو يرفع أصبعه مشيرًا لذاته بعنجهيةٍ:
_ أنــــــــــــا.
قال فارس تلك المرة وابتسامته الجميلة تزين وجهه:
_ أيه.
حمله عُمران والتقف ذراعه وراح يتمايل به مستكملًا:
_ أنا لا مسطول ولا بطوح
أنا جاي أجامل ومروح
وأشوف اللي باعني وسابني وخاني
خلى قلبي بيتمطوح!!
تعالت ضحكات آدهم حتى كاد هاتفه الباهظ بالسقوط، بينما مال علي وهو يخفي وجهه من شدة الضحك، والآخر يتابع:
_ آه ياما آه وآه يابادي عيلة واطية ونصابة!!!
أخرج إيثان مدته (مطوة)، وأخذ يتراقص بها بمهارته الشعبية، وهو يصيح بحماس:
_ آه يمة آه وآه يابادي عيلة واطية ونصابة.
التقفها عُمران منه، وحركها ببراعة أدهشت إيثان وعلي الذي انصدم من أخيه، بينما يصيح:
_ والليلة جينا نهنيكوا.
هتف الشباب بأكملهم ضاحكين:
_ هاتوا الفلوس اللي عليكـــــــــــوا!
ضحك عمران وغنى بصوت مرتعش من الضحك:
خطيب خطيبتي ده واد منحوس
خطبها وهي عليها فلوس
خطيب خطيبتي ده واد منحوس
خطبها وهي عليها فلوس
ده الفقري فقري ولو حتى
علقوا على دماغه فانوس
أنا لا مسطول ولا بطوح
أنا جاي أجامل ومروح
وأشوف اللي باعني وسابني وخاني
خلى قلبي بيتمطوح!!
ودولا ناس مالهاش عازة
بفلوسي أنا عملوا جوازة
ودولا ناس مالهاش عازة
بفلوسي أنا عملوا جوازة
والكل فرحان بيهني
وأنا يا عيني مالياش عازة
آه يمة آه وآه يابادي عيلة واطية ونصابة
آه يمة آه وآه يابادي عيلة واطية ونصابة
والليلة جينا نهنيكوا..
عادوا يرددوا مرة أخرى بضحك:
هاتوا الفلوس اللي عليكواهاتوا الفلوس اللي عليكــــــــــــوا!!
سقط عمران جوار علي يضحك بقوة جعلت وجهه يحمر، والجميع يسيطر الضحك عليهم، ردد علي بسخرية:
_ الاغنية دي معلقة معاك ومكبوتة طول السنين اللي فاتت دي، مجتش تطلعها الا لآيوب الغلبان!!
رفع كتفيه ببراءة زادت من ضحك الشباب:
_ ابن محظوظة هعمله أيه يعني!!
رد عليه آيوب بمرحٍ:
_ طبعًا محظوظ ده الطاووس الوقح غنالي أغنيتين!
ضحك سيف وحذره:
_ لا وكان السبب في إننا نكتشف مواهب ابن الشيخ مهران بالرقص، وللعلم يا آيوب أخوك صورك من أول هزة لأخرها، شكله ناوي يبلغ عنك الشيخ مهران!!
تلاشت ضحكة آيوب، وهرع تجاه آدهم الذي يتابعه من اعلى قامته الطويلة مقارنة له:
_ آدهم إنت ناوي تغدر بيا!!
تحررت ضحكته الجذابة، ونطق:
_ هعملها إزاي وإنت ساحبني حيطة سد في وش أي مشكلة تتحط فيها!! تفتكر هحطك وهحط نفسي في وضع زي ده؟
أجابه ببسمة ثقة:
_ لا.
اتجه إيثان ليجاور عُمران بمحل جلوسه، وبنفس دهشته التي احتلت فور رؤية حركاته الراقصة بالمدة، قال:
_ إنت بتعرف ترقص بالمطوة إزاي!! خواجة أنت بلطجي مش مهندس!!
اعتدل يعدل من قميصه الغير مرتب، وببراءة لا تمت له بصلة قال:
_ عيب تقول عني كده يا إيثان، طيب حتى أعمل احترام لاخويا الكبير!!
رفع علي إحدى حاجبيه بنزقٍ لحق نبرته الشبيهة بالقنبلة بالنسبة للشباب المندهشين:
_ على بابا يلا!!
تهاوى الشباب ضحكًا، وعلى رأسهم آدهم الذي هدر بخبث:
_ أنا أكتر واحد فاهم مضمون كلام البابا علي!!
عدل علي من نظارته الطبية:
_ ميبقاش قلبك أسود يا حضرة الظابط.
سحب آيوب المساند الخاصة بالآرائك، ووضعها أرضًا، فجلس من فوقها جمال ويونس وإيثان، واستقر علي وعمران فوق الاريكة، أما آدهم فجلس على المقعد المقابل لهم.
قضوا الليل بأكمله بالحديث المرح، كانت جلستهم تلتهم الوقت كاشتعال عود ثقاب، حتى اقترب موعد آذان الفجر، فقال عُمران إلى علي وهو يراقب ساعته:
_ الوقت أتاخر جدًا، ده مش فاضل على الفجر غير ساعتين، هنصلي الفجر بالمسجد وهنرجع القصر.
تذمر آيوب وقد أبدى ذلك بحديثه:
_ أنت وعدتني تكون معايا طول اليوم إنت والشباب.
أجابه آدهم بعقلانية:
_ لازم نرجع البيت يا آيوب عشان نغير هدومنا، أنت عايزنا نحضر الفرح كده.
أتت فرصة إيثان على طبق من ذهب، فنهض يصيح:
_ الحل عندي يا باشا، أنتوا مش عايزين تزعلوا العريس، يبقى تباتوا وتقضوا اليوم كله معاه، وبليل نطلع على البوتيك بربطة المعلم واختاروا اللي يناسبكم، ومن غير ولا مليم، خير الخواجة سابق ومغطي لسنين جاية قدام.
وأضاف قبل أن يعترض أحد منهم:
_ لو مقلقين من الاختيار فـ الفاشونيستا معانا، البشمهندس عُمران ذوقه عالمي، هيكجولنا كجولة بنت ناس.
تمتم عمران من بين اصطكاك أسنانه:
_ فاشونيستا!! مبدئيًا الكائن ده يخرس خالص، كلامه بيخرجني عن شعوري وأنا إنسان آرستقراطي محترم، أخويا الدكتور علي الغرباوي مربيني تربية محصلتش في تاريخ لندن ستين سنة جايين.
شهد على حديثه علي:
_ طبعًا أمال أيه.
وهمس بخفوتٍ:
_ أنا دافن كل بلاويك يا حبيب قلب أخوك.
تنهد آيوب بنفاذ صبر:
_ ها يا عُمران هتباتوا؟
منحه ابتسامة هادئة، لم يرغب بها كسر خاطره وفرحته:
_ معاك لحد ما نزفك لعروستك يابن الشيخ مهران!
انقسم الشباب على الثلاث غرف، حيث احتل "إيثان" و"يونس" غرفة، و"آيوب" و"سيف" غرفة، وجمال ويوسف غرفة، أما علي وعمران جلسا بالخارج على الأريكة، بعد خروج آدهم المفاجئ لظروف عمله العاجل.
وضع "علي" الوسادتين على الاريكتين، حيث كان يجلس عمران قبالته يتحدث بالهاتف، ويردد بحبٍ شديد:
_ أيه اللي مسهرك لحد دلوقتي يا حبيبتي؟
تعجب علي مما يستمع إليه، لم يصدف لعُمران التحدث مع زوجته أمامه قط، فأتاه ظنونه حينما ابعد الهاتف وفتح كاميرا المكالمة، مبتسمًا:
_ وريني فيروزة هانم الشقية دي، من أولها رافضة تنام ومسهرة فريدة هانم، لأ انا هشد عليها بنفسي، وريهاني بس من فضلك.
ضحكت فريدة برقة، وعكست الهاتف لوجه صغيرتها، قائلة:
_ أخوكي هيبهدلك عشان مسهرة مامي.
ترقبت سماع ما سيقول من حزمٍ مضحك، ولكنها وجدته يتمعن بها هامسًا بحنان:
_ يا روحي على الجمال، معقول الملاك الصغنن ده يعمل مشاكل، أكيد فريدة هانم بتتبلى عليك يا صغنن.
رددت فريدة بضيق مضحك:
_ ولد بكاش، بعتني بسرعة كده!
ضحك وقال:
_ غصب عني صدقيني، أنا شكلي كده هخالف بوعدي مع آيوب وهاجي.
وإتجه إلى علي، يجلس جواره ويشير لهاتفه بسعادة:
_ بص يا علي، أول مرة أشوفها وهي مفتحة عيونها بالوضوح ده.
تناول علي الهاتف من أخيه، وأخذ يراقب الصغيرة ببسمة جذابة، ثم قال:
_ ملاك فعلًا تبارك الله.
نادته فريدة بلهفة:
_ علي أنت مرجعتش ليه؟!!
رد عليها بهدوء:
_ آيوب مصمم أننا كلنا نفضل معاه، هرجع على بليل إن شاء الله.
وأضاف وهو يتمعن بوجه والدته:
_ وش حضرتك مجهد أوي، لو حاسة بتعب أجي أنقل حضرتك للمركز أو أجيب دكتور يوسف يبص عليكي.
اتسعت ابتسامتها سعادة وفرحة به:
_ لا يا حبيبي ده بس من قلة نومي، بعد كده هسيبها معاكم وأعوض الاجهاد ده.
مال عُمران برأسه تجاه كاميرا الهاتف يخبرها:
_ أنا جاهز لده بس بعد رجوعي من السفر، زي ما قولتلك يا فيري هسافر أحضر فرح موسى وأرجع.
تنهدت فريدة والخوف يتعمق على تعابيرها:
_ ما تبعتلهم برقية مع بوكيه ورد شيك وخلاص، مش لازم تسافر يا عُمران.
تطلع لعلي بنظرة علم مكنونها جيدًا، وبالرغم من أنه يوافق حديث والدته لخوفه الشديد على أخيه من أي سفر مفاجئ يعيد ذكرياتهم السيئة، الا أنه قال برزانة عقله:
_ مينفعش، دول ناس بسيطة ملهمش في جو مجاملات رجال الاعمال دول يا فريدة هانم، وكمان الناس دي كانت السبب بعد ربنا في رجوع عُمران لينا من تاني، فده أقل واجب يقدر يعمله معاهم، وخصوصًا المشروع اللي هنعمله انا وعمران هناك، فلازم يسافر بنفسه.
هزت فريدة رأسها بخفة، ولكن الخوف مازال يتعمق على ملامحها، وعادت تسلط الهاتف للصغيرة، حتى انتهت المكالمة.
نهض علي يعود للاريكة المخصصة به، انتزع جاكيته الذي حمله له فارس وللشباب بأكملهم، ثم جلس يطويه ويضعه على الطاولة الصغيرة من جواره، تفحص محل أخيه باستغراب حينما لم يجده على الاريكة المقابلة له، واذا به يشعر بثقل على ساقيه، فابتسم بقلة حيلة حينما وجده تمدد على أريكته واضعًا رأسه على ساقي أخيه، ضحك علي وردد:
_ مبتفوتش فرصة إنت!
سحب كفه يضعه على شعره الذي بدأ بالنمو بشكلٍ كثيف:
_ تقدر تروح مكاني بس لما أروح في النوم!
اتسعت ضحكاته، وأخذ يمرر يده على خصلات شعره، حتى غفى تمامًا، فعاد القلق يتفرس ملامح علي من جديد، لا يرغب بسفره مجددًا، وحتى وإن أراد السفر برفقته لن يستطيع، كيف له بترك والدته وزوجته وشؤون المركز بالوقت الحالي!!
مال للخلف مستندًا برأسه للخلف، متنهدًا بحزنٍ شديد، وهو يعود للدعاء مجددًا أن يحفظ الله أخاه من كل مكروه، هامسًا:
_ اللهم أخي لا تُصعب عليه أمراً، ولا تحنِ له ظهراً، ولا تُريني فيه ضرراً، اللهم احفظ أخي أينما حلّت خُطاه.
تحلى بالصمت والسكون، وبالرغم من تثاقل عُمران بالنوم الا أنه لم ينسحب لمحله، طالته الأفكار وهو يرتب أموره عساه يتمكن بالسفر رفقته، وإذا بباب غرفة يوسف وجمال ينفتح ويخرج كلاهما إليهما.
وقف جمال يبرق للمشهد الذي يراه بدهشةٍ، ومن جواره يوسف الذي هتف مستنكرًا وهو يشير على عُمران الذي يغفو بسلامٍ:
_ هو ده البلطجي اللي مربيلنا الرعب!!!!
ضحك جمال وبسخرية قال:
_ نايم بسكينة زي الاطفال!!
سحب يوسف هاتفه وناوله لجمال ثم ركض ينحني جوار محل عُمران متخذًا وضعية السلفي:
_ صور صور خلي الهيبة تضيع على الأرض.
وجد قبضة تعتصر رقبته وصوتًا خشنا يهتف بوعيد:
_ هيبة مين اللي تضيع يا حيلة أمك!!..... يتبع.....
رواية صرخات انثى الفصل 113 - بقلم ايه محمد رفعت
تحكم "عُمران" بحكم ذراعه من حول رقبة "يوسف" بسيطرة فشل "جمال" بإزاحته عنه كليًا، والضحك يزيد من فشله.
فاستنجد بعلي:
_دكتور علي، يوسف مش قد البلطجي ده.
سدد "علي" نظرة حازمة لأخيه، وبإنذارٍ صريح قال:
_سيبه يا عُمران.
إختلج الغيظ رماديتيه، فترك "يوسف"، وجذب جمال يلف يده حول رقبته ويدفعه بكل قوته للحائط من خلفه:
_بتقوم أخويا عليا يابن أشرقت، وطالع تصورني!
_عُمـــران!
نداء هادئ، يبطنه الغضب، تحرر على لسان "علي" الجالس بهدوء على أريكته.
زفر عُمران غضبًا، فأغلق عينيه يطقطق رقبته يمينًا ويسارًا، حتى تمكن من استعادة هدوئه الكامل، فترك جمال الذي هادر ضاحكًا:
_ملحقتش أصورك متقلقش!
لم يعبأ به وإتجه لأخيه ينحني تجاهه، هامسًا:
_قوم روح يا علي، أنا قربت أفقد السيطرة بسبب حبي واحترامي ليك!
استمع يوسف لما قاله، فضحك ساخرًا:
_والله ما يحصل أبدًا، طالما وجوده بيأدبك كده يبقى كل ما نتقابل نجيب الدكتور علي وسيط بينا.
منحه عُمران نظرة محتقنة وهدده:
_بطل تتعامل معايا كأني عيل صغير وبتشتكيني لأبويا، أوعى تفكر أنك هتقدر تكسب علي لصفك، كونك شريك معاه في المخروبة بتاعتكم دي ميخلهوش يبيع أخوه أبدًا.
واستدار يسأل أخيه:
_مش كده يا علي؟
سلك يوسف نفس طريقته، ولف ذراعه حول كتف علي:
_لا مش صح كلامك يا عُمران، متنساش إن أنا وعلي نفس الدماغ والفكر تقريبًا، بقينا أصدقاء مقربين جدًا، يابني بص ودقق في التفاصيل ده حتى النضارات شبه بعض!!
وأضاف مشيرًا تجاه جمال الجالس على المقعد من خلفه:
_إنت وجمال لايقين على بعض.
حرك جمال شفتيه ليوسف باشارات تمكن من ترجمتها:
_عُمران هيطلع روح مامتك يا يوسف!
استمتع علي بالحوار القائم، حينما لمح بأعين أخيه قلقًا غريبا من حديث يوسف، لدرجة جعلته يعود ببصره لأخيه، يتحقق من حديث يوسف، الذي أنقلب من المرح للجدية.
لم يسبق لعلي أن شكى حزنه لأخيه يومًا، لم يكن كثير الحديث أبدًا، بل كان ينصت أكثر من تحدثه.
وبالرغم من إرتباكه الا أنه ابتسم، وقال وعينيه لا تفارق أخيه:
_أنا بتمنى يكون لعلي أصدقاء أساسًا، هعوز أيه أكتر من إنه يكون سعيد ومبسوط، بس للأسف يا يوسف إنت مراهن على جهة خسرانه، لإن مفيش أب هيكون عنده أغلى من ابنه، ولا الابن هيكون عنده أغلى من أبوه.
وتابع وهو يتجه بثباتٍ ليفرق جلستهما، جالسًا بالمنتصف، وبجسده الضخم استطاع ضم أخيه ومال تجاه يوسف يخبره:
_لازم تتقبل إن زي ما علي رقم واحد في حياتي أنا كمان رقم واحد في حياته، ودورك جاي بعد كده يا دكتور.
لم يصدق "يوسف" ما يستمع إليه، فاتسعت ابتسامته وقال ضاحكًا:
_يا نهار أبيض، معقول تكون نسخة من سيف يا عُمران، بتغير على دكتور علي!!!
ضحك جمال وابتسم علي، على عكس عُمران لم يهتز له رمشًا، بل أصمت أفواه الجميع بنطقه الصارم:
_علي أبويا مش صاحبي يا يوسف!
تشبع "علي" بحديثه، استمد صبره وطال لسماع ما سيقوله أخوه، ولقد أرضاه بكل حرف نطقه، فضمه إليه وقال بمحبةٍ لا تقدر بمال:
_ومين في صحابك ميعرفش إنك ابني!!
دكتور يوسف أول حد عارف أنت بالنسبالي أيه وأنا بالنسبالك أيه؟
راقبه بابتسامة صغيرة، وعينيه تنطق بشيء لم يفعله، فضحك علي ومال إليه يهمس بسخرية:
_خايف تحضنني يزيد سخريتهم عليك، خلاص بعد ما نروح تعالى وأنا هأخدك في حضني ولو حابب تكمل نومتك دي معنديش مانع!
مال مستندًا على كتفه من شدة الضحك، وقال بجدية تامة:
_أنا أتشرف بيك وسط الدنيا كلها يا علي.
تابعهما يوسف بسعادة وجمال، الذي قال:
_خلص وصلة الحب اللي بينك وبين باباك دي بسرعة عشان في قرار مهم أخدناه أنا ويوسف وكنا جايين نقولهولك.
استقام بجلسته واستدار تجاههما باهتمام:
_قرار أيه اللي مهم!
حد فيكم عايز يطلق؟!
هز علي رأسه بقلة حيلة، وهمس وهو ينتصب بوقفته:
_هيموت ويطلق حد!!
وأخبرهم والنعاس يتغلب منه:
_أنا هدخل أنام جوه، وانتوا كملوا نقاش في القرار بتاعكم وعمومًا دكتور يوسف واصله موفقتي ودعمي الكامل، تصبحوا على خير.
قالها وغادر للغرفة، فسحب عُمران بصره عنه وردد وهو يتفحصهما:
_قرار أيه اللي علي داعمكم فيه، انطقوا!
ابتلع يوسف ريقه بارتباكٍ، ولكز جمال ليتحدث هو، فقال:
_إنت محتاج حد متمكن في تنفيذ المشاريع اللي حابب تعملها في سوهاج، هتحتاج مثلا ليوسف يشرح لصابر عن المستشفى اللي حابين نفتتحها، وتحتاجني بردو أشرح لموسى عن مصنع قطع غيار السيارات اللي عايز تفتحه، لذا قررنا نسافر معاك أنا ويوسف.
رشقهما بنظرة طاعنه، جعلت يوسف يبتعد عنه ويجلس بنهاية الاريكة، معدلًا من نظارته بخوفٍ:
_أنا بقول نكمل كلامنا بكره لحسن أنا النوم كابس عليا بشكل مش طبيعي، هما كده الدكاترة بيناموا بدري بدري، وبالمرة أطمن على دكتور علي، من ساعة ما دخل ومش سامعله أي صوت!!
قبض عُمران على كتفه يدفعه للاريكة مجددًا، ورماديتيه تتسلطان على جمال، وبخشونة صاح:
_بقى على أخر الزمن بيتلعب بيا الكرة!!
رد يوسف بتلعثم:
_مين اللي يجرأ يلاعبك يا باشا، ده إنت صايع قديم.
وصاح لجمال الذي مال ضاحكًا:
_بص إهدى كده وخد الكلام بصدر رحب، هدي كلابك السعرانة الأول وصدقني هنوصل لحل ودي.
وركل جمال بغيظ:
_ما تتكلم يالا!
ردد من بين ضحكاته:
_هتكلم أقول أيه، هو ده بينفع معاه كلام!!
واستجمع شجاعته ليخبره بجدية تامة:
_عُمران إحنا مستحيل هنخليك تسافر لوحدك تاني، أنا ويوسف رجلينا على رجلك، أساسًا إنت لو مكانا هتعمل كده وأكتر.
ترك عُمران يوسف، وتراخى عنه المزح المتبادل بينهما، ثم قال بثبات:
_جمال أنا مش ممانع أنكم تيجوا معايا، بس هما كلهم يومين وراجع تاني ده أولًا، ثانيًا المكان هناك مش مناسب ليكم، ثانيًا وده الأهم أنا رايح ضيف هناك فمينفعش أخد معايا حد أزود بيه أحمالهم، المكان صغير، حتى مفيش هناك فنادق الا بعيد جدًا جدًا.
رد عليه يوسف بعقلانية:
_لو حابب إننا منحضرش المناسبة دي تمام، بس بردو يا عُمران مش هنسيبك تروح لوحدك، انا واثق إنك قادر تحل حوار السكن ده زي ما كنت بتعمل واحنا في لندن.
شرد بمكنون حديثه، وابتسم حينما تذكر ما كان يفعله بأيام اجازاتهم الدراسية:
_الكرفان ده كان يتماشى في لندن هنا صعب يا يوسف.
تحداه دون أن يرمش له جفن:
_مفيش حاجة صعبة عليك، شوفلنا كرفان كويس نستأجره ونسافر فيه، وياريت يكون مكيف لإن الجو هناك صعب.
تحلى الصمت على ملامح عُمران الغامضة، والتي أكدت شكوك جمال ويوسف حول ما يخطط له عُمران من ذلك السفر المفاجئ، فأسرع جمال بقوله:
_بعد فرح آيوب هننزل وننقي كرفان مناسب، أنا أصلا بفكر نشتريه عشان نعيد ذكرياتنا من فترة للتانية.
وزع عُمران نظراته الباردة بينهما، وفجأة تسلل لذلك الظل المندس من خلف باب غرفة أخيه، لقد تجمعت الأحزاب واجتمعوا عليه، ولكن المجمل الشامل خوفهم الشديد عليه، وبالرغم من إن ذلك سيعوق تخطيطه الخفي، الا أنه قال بحب:
_تمام يا جيمي، ننزل وننقي الكرفان اللي يعجبكم، أنا أساسًا وحشني القعدة معاكم، وحاسس إن الشغل أخدنا من بعض، فأكيد مرحب بالفكرة، أنتوا تشرفوا أي حد أساسًا.
ارتسمت السعادة والراحة على وجهي "يوسف" و"جمال"، ومن الداخل "علي"!
بعد فترة من الوقت، ومازال "عُمران" يجلس بالشرفة، يقرأ ورده الليلي، وبالداخل يغفو جمال على الأريكة بعدما ولج "يوسف" ينام جوار علي.
إنتهى عُمران من ورده وجلس يراقب الحارة بشرودٍ لم يفق منه الا على صوتٍ ناعس يناديه:
_خواجة!
إنت لسه صاحي!
إلتفت للخلف، فوجد إيثان يرنو إليه وهو يفرك عينيه بنومٍ، فأجابه:
_مش جايلي نوم، وإنت أيه صحاك دلوقتي؟
جفف قطرات المياه عن وجهه، وفاه:
_أمي أتصلت بيا عشان أطلع أساعدها قبل الفجر ما يأذن.
تساءل بدهشةٍ:
_تساعدها في أيه؟
قال مبتسمًا:
_بفرح يونس كنت بوزع شربات على الحارة كلها،فزي ما عملت ليونس هعمل لآيوب، بس ومعاها واجبات خفيفة للفطار عشان الشيخ مهران محضر الغدا.
ارتسمت على شفتي عُمران ابتسامة فخر وبات يراقبه بنظرة مختلفة، هناك شخصية خفية حول طباع إيثان المتعصبة، يراه محبًا، مخلصًا لرفيقه ولشقيق رفيقه، يحترم الجيرة ويبذل قصارى جهده ليكرم ضيوفه، فحرر أعجابه ببضعة كلمات:
_إنت راجل أصيل وشهم يا إيثان.
زوى حاجبيه بدهشة، هل حصل على إطراء من الطاووس للتو!
لم يجد ما يعبر فيه عن فرحته سوى كلماته الممتنة:
_وإنت صديق وأخ متتعوضش يا خواجة.
وأضاف بمزح:
_ أنا دايما عندي فضول لو كان عندي أخ أكبر مني تعامله معايا هيكون ازاي، وخصوصًا إني عرفت انهم بيرزلوا على بعض، وللاسف أنا حابب رزلتنا دي، وبما اني بحس إنك أكبر مني وأعقل تقبل تكون أخويا الكبير؟؟
تابعه بنفس ابتسامته الحنونة وقال:
_كده هنقتل بعض يا إيثان، إنت عنيد وأنا أعند منك، إختار حد عاقل غيري زي يوسف وعلي، صدقني أنا بفقد أعصابي أكتر ما بتعامل بعقلي!
صفق كفه بكفيه وقال مازحا:
_صدقني أنا راضي بيك بكل عيوبك وانت راضي بيا مش كده ولا أيه يا خواجة.
بادله البسمة بابتسامةٍ جذابة، بينما الأخير يتفقد هاتفه، وجد والدته تعجل من استدعائه، فإستأذن منه وغادر على الفور.
فتح عينيه بانزعاجٍ على صوت رسالة زارت هاتفه، اعتدل بمنامته يجذب نظارته الطبية، يقرأ محتوياتها، فابتسم حينما رأى زوجته ترسل له:
«علي، إنت نمت؟»
«خايفة؟»
«عرفت أزاي؟!»
«كنت عارف أنك مش هتقدري تنامي بعيد عن حُضني..»
«علي أنت بقيت مغرور وأنا مش واخده عليك كده.»
اتسعت ابتسامته ودون لها:
«مش غرور يا قلب علي، دي ثقة في تأثير حُضني وقربي منك.»
ترقب أن تجيبه ولكنها بقيت بالمحادثة دون حرفًا منها، أجزم بأنها تنصهر الإن خجلًا، فعاد يكتب لها:
«تخيليني جنبك وواخدك في حضني، أنا معاكِ وجنبك يا فطيمة، نامي وأوعي تخافي من شيء، هبعتلك الرقية الشرعية بصوت الشيخ عبد الباسط زي ما بتحبيها، شغليها ونامي يا حبيبتي»
قبلت الهاتف ومالت على الفراش جوار مايا، بينما يجاورها على الفراش الاخر زينب وليلى، غفت فاطمة وحديث علي لا يفارقها، وصوت القرآن يتردد لها من السماعات الصغيرة، حتى غفت تمامًا.
مرت ساعة كاملة وإتجه الجميع للمسجد لأداء صلاة الفجر جماعة، خلف الشيخ مهران، وقف من خلفه الشباب جميعًا، يؤدون الصلاة بخشوعٍ تام، وفور أن انتهى جلسوا بالمسجد ساعة كاملة، حتى أشرقت شمس اليوم التالي، فخرجوا وأغلق آيوب وعُمران باب المسجد.
تفاجئ الشباب بإيثان يقف أسفل درج المسجد، يوزع الواجبات والشربات بسعادة، أذهلت الشباب، ولكن أكثر ما أذهلهما ضحكات يونس وآيوب، التي جعلت سيف يتساءل بفضول:
_بتضحكوا على أيه؟
أجابه يونس وعينيه لا تفارق مشهد إيثان:
_المرادي أتعلم من غلطه وبيوزع سندوتشات مع الشربات، كده مش هنضطر نجري على المستشفى بحد الحمد لله.
سأله آدهم بعدم فهم:
_وانتوا سبق وجريتوا بحد؟
تمردت ضحكات آيوب بصوتٍ أضحكهم وخاصة حينما قال:
_يوم فرح يونس كان إيثان واقف نفس الواقفة دي، الطالع والداخل يقدملهم الشربات، فكان في شاب خارج من المسجد، رفض يأخد منه الشربات، فاتضايق منه وأصر يأخد شربات صاحب عمره، والواد اتكسف يرفض، فأخد منه الكوباية بس إيثان أصر يشربها كلها.
تساءل جمال بفضول:
_وبعدين؟
أجابه يونس ضاحكًا:
_الشاب شربها مرة واحدة فإيثان اعتقد إنها عجبته، فأصر يشرب واحدة كمان، وهنا الواد فرفر بين ايديه، لانه للاسف عنده السكر وشارب جرعة مكثفة وأيه على غير ريق!
وتابع والضحك قد تمكن من الجميع:
_بدل ما أطلع من المسجد على البيت أستعد طلعنا بالواد على المستشفى، والفرح كان هيتلغى لولا ستر ربنا!
أضاف آيوب بتفاخر:
_لا ذكي المرادي بيوزع معجنات وسندوتشات، شكله ابتدى يفهم.
ردد علي بنبرة مازحة:
_ربنا يسترها وتعدي على خير.
هدر عمران ضاحكًا:
_لو حصل حاجه اطمن معانا طقم دكاترة على أعلى مستوى، جاهزين يقلبوا الحارة لوحدة صحية!
قهقه الشباب ضاحكين وانطلقوا جميعًا لمنزل الشيخ مهران، حيث أعد طعام الافطار لهم.
انتهت ليلى وصبا من رص أطباق الطعام على المائدة الطويلة، ووضعت زينب قدح الشاي الساخن والأكواب الفارغة جانبًا، بينما وزعت فاطمة زجاجات المياه، ووضعت شمس الخبز بالتساوي على المقاعد.
تأكدت الحاجة رقية من اكتمال سفرتها البسيطة، فأشارت للفتيات قائلة:
_يلا يا بنات، نروح نحضرلنا الفطار إحنا كمان في الصالة.
خرجوا برفقتها، وتخفوا حتى منحوا المساحة الكافية لمرور الشباب لغرفة الضيافة.
بقى بالخلف يستكمل مكالمته الطويلة مع موسى، وفور أن انتهى أتبع الشباب لغرفة الضيافة المخصصة بمنزل الشيخ "مهران"، فاذا به يرى الفتيات بالردهة المطولة، وما أن انتبهوا له حتى تلاشى جمعهن، وقد أخفض رماديتاه لحين أن يتركوا له مساحة المرور، فاذا بزوجته ترنو إليه مبتسمة، تناديه بلهفةٍ:
_عُمران.
رفع بصره إليها، يطالعها بثباتٍ أنقلب لدهشةٍ وذهول، وهو يراها ترتدي جلبابا منزليا بسيطا، خاص بالحجة رقية، كان مبهورًا بمظهرها البسيط الجذاب، بينما ترفع كفيها له وتخبره بفرحةٍ:
_عملت حنة مغربي، زينب عملتهالي.. أيه رأيك؟
علم الآن سر اصرار الفتيات بالمبيت في منزل الشيخ مهران، ظن هو والشباب بأنهم يقلدونهم أو لربما يردون الصاع لهم، فضحك بصوتٍ مسموع وقال:
_مش الحنة بس اللي جميلة، شكلك باللبس ده مختلف ومميز، قمراية إنتِ أوي!!
تلألأت مُقلتيها فرحة بإعجابه بما ترتديه، فاستعرضت الجلباب المنزلي بحركات آرستقراطية علمتها إياها فريدة، قائلة بضحكة مازالت تتردد داخله:
_عجبتك بجد، دي مريحة جدًا جدًا، بفكر أخدها استعارة من الحاجة رقية، بس مكسوفة.
مال يستند على الحائط ويطل إليها بكلماته التي أيقظتها من حلمها:
_ومين هيخلصك من فريدة هانم يا بيبي؟
أنا مسافر لموسى وصابر ومش راجع الا بعد يومين، هتستني رجوعي ولا هتقدر تحارب لوحدك يا وحش!!!
تلاشت ضحكاتها وكأنها لم تجيد التبسم يومًا، وقالت عابسة:
_وعلى أيه الطيب أحسن! أنا حماتي للأسف ست مفترية..
_مايـــا!!! بتقولي على مامي مفترية!!!!
قالتها شمس بصدمةٍ، فاستدار عُمران إليها، وحينما رأى ما ترتديه هي الاخرى سقط أرضًا من فرط الضحك، وهتف بصعوبة:
_دي حفلة على شرف جلاليب الحاجة رقية بقى!!!
تلاشى غضب "شمس" ومالت تستعرض ذاتها وهي تلف بما ترتديه قائلة:
_بص يا عُمران، دي حلوة أوي.
كبت ضحكاته بصعوبة، وتنحنح قائلًا:
_أعتقد إنها هتبقى حلوة ومظبوطة عليكي في التاسع إن شاء الله يا شمس!
كشرت عن أنيابها، بينما تحدج مايا بنظرة غاضبة، فأحاطت الجلباب من الخلف، حتى تجسد على قوامها الممشق:
_طيب بص كده، بقت أشيك.
إلتفت عُمران من حوله يتفقد المكان بآعين مشتعلة غضبًا:
_بتعملي أيه، إبعدي إيدك!
قالها بغضب جعلها تعيدها لوضعها الفضفاض قائلة بحزن مصطنع:
_يووه هو كل حاجة مش عجباك كده!
تصنع ابتسامة رسمها بالكد، ورنا يضمها إليه:
_إنتِ جميلة وزي القمر في أي حاجة تلبسيها يا شمس.
وسحب هاتفه لها مبتسمًا:
_هصورك أحلى سلفي وهبعتها لآدهم ينكاد بيها.
اعتدلت بوقفتها تستند على جاكيته وترسم ابتسامة سعيدة بمقترحه، جعلته يضحك على تفاهتها، فسايرها بسخرية:
_عسولة يا شموسة!
تابعتهما مايا بضجرٍ، جعلها تلفظ بنفاذ صبر:
_ما تقفلوا الاستديو اللي فتحتوه ده، عايزة أوريلك الحنة عشان أدخل، أنا مش قادرة أقف!
أعاد هاتفه لجيب سرواله، واستدار لها، فرفعت كفيها تشمر أكمام جلبابها وهي تشير له مبتسمة:
_طلع حروف إسمك.
استدار من حوله وهو يقبض على كفيها، ويعاود تمرير كم الجلباب ليغطي معصميها المكشوفان للأعلى، مرددًا من بين اصطكاك أسنانه:
_أيه اللي بتعمليه ده، ما تقعليها أحسن!!
ردت ببراءة:
_بوريك النقش.
هتف بضيق:
_في البيت نشوف ونعين مش على الملأ يا مايا!
اعتاظت من دلاله الزائد لشمس، وكأنها طفلة صغيرة، والآن يستخدم عنفوانه عليها، فقالت تهدده:
_مش راجعه معاك البيت، عشان تبقى تعلي صوتك عليا أوي.
رفع أحد حاجبيه مستنكرًا حديثها، فاستغل ابتعاد شمس عنهما، ودفعها خلف باب الشقة المفتوح، بينما يهمس لها ببسمة مخيفة:
_حبيب قلبه استقوى على جوزه وقلبه قسى يا ناس، بس متقلقيش راجعلك يا بيبي!
قالها وصفق الباب بعنف جعلها تنتفض بفزعٍ، بينما يغمز لها بخبث أقلقها:
_ليكِ روقة يا عسولة!
قالها وأتجه لغرفة الشباب يغلقها من خلفه، بينما تضم شفتيها معًا وهي تهمس برعب:
_أيه اللي أنا هببته ده، يادي النيلة هو أنا ناقصة!!!
جلس "عُمران" جوار "آدهم"، فوجده يكبت الضحكات بصعوبة، حتى أنه جذب هاتفه، ورفعه إليه باستهزاء:
_أيه الأوتفت الجامد ده؟!
رفع يديه يدعي أنه يمسح فمه، بينما ينساق خلف جملته ضحكـًا، حتى انتهى فقدم نصيحة مثالية له:
_زوق كلامك بجملتين غزل، وأوعى ترميلها اللي رميته ده، بدل ما تترمى بره أوضتك طول الفترة الجاية.
وأضاف وهو يرتشف الشاي الساخن:
_كل عيش أحسنلك يا حضرة الظابط، قلبة الستات أنت مش قدها!!
سحب شطيرة الخبز، يغمسها بالفول، ووضعها بفمه ناطقًا بابتسامته المازحه:
_اقتنعت!
مرت الساعات وقد أحضر الشباب لزوجتهن احتياجاتهن الخاصة من المنزل، ليستعدن برفقة العروس.
اصطحب إيثان الشباب للبوتيك الخاص به، وفور دخولها أغلق بابه عليهم، واستدار يراقبهم ببسمة ماكرة، عبرت عن طبخته الموضوعة على نيران هادئة منذ تلك اللحظة التي اقترح فيها أن يبيتوا ويستعدون لحفل الزفاف من البوتيك الخاص به.
إختار كل شاب منهم ما يناسبه، حتى انتهوا جميعًا من ارتداء بذلات غاية في الأناقة، والاغلب كان يرتدي من القطع التي جمعها عُمران وجعل منها حلى أنيقة ومختلفة.
عبر إيثان عن خطته حينما صفق بيديه لينتبه له الجميع، فما أن رأى جميع النظرات مصوبة إليه، وهو يجذب الحقيبة السوداء التي أخفاها أسفل مكتب الكاشير، يستخرج منها الكاميرا، قائلًا:
_بصوا بقى، إحنا نتعاون مع بعض كده بمنتهى الهدوء، هنتصور كام صورة كده نعمل بيهم دعايا للبوتيك اللي حاله واقف ده، وانتوا ما شاء الله وجهة مشرفة، بالذات الخواجة وحضرة الظابط!
تعالت ضحكات سيف، وقال ساخرًا:
_بقى دي خلق يتعمل بيها دعايا!! لك طالة في اختياراتك يا إيثو!!
بينما أشار له آدهم بمنتهى الجدية:
_أنا منصبي حساس ومينفعش نهائي أعمل كده.
بينما ردد يوسف بابتسامة هادئة:
_أنا تمام مفيش مشكلة.
ردد جمال ومازال يبحث بين الملابس بحيرة:
_أنا لسه مش لاقي حاجة تناسبني أصلًا.
ناوله عُمران ما يحمله بيده، بينما يحدج إيثان بنظرة تحذيرية، قبل أن يخبره باستهزاء:
_إنت فاكر إن الهبل ده هيأكل معايا، بلاش تستفزني عشان مندمش أمك على اليوم اللي فكرت تفكر فيه بفكرتك المنيلة دي.
صاح بتلقائية مضحكة:
_البوتيك حالته واقفة، ده أنا حتى معملتش له افتتاح من كتر الاحداث اللي اتعرضنا ليها.
كسر علي صمته، حينما فاه ببسمة ماكرة:
_هو إنت محتاج للوشوش في أيه، صور البدل بدون ما تجيب الوجوه، وبكده كلنا هنكون بأمان.
بدت الفكرة رائعة للجميع، ولكنها لم تنال استحسان إيثان الذي قال بدون ترتيب:
_بس أنا كنت عايز أستغل صفحة الخواجة عشان أتشهر، وصفحتي تتعرف، عايز أدخل قفشة الدولارات من أوسع أبوابها، وخصوصًا لما أنزل الفيديو اللي صورته ليه وهو بيرقص على عيلة واطية!
اتجهت جميع الأعين إلى عُمران الذي انتزع القميص الجديد الذي ارتداه منذ قليل، ورنا إليه ببطء وهو يهتف بعنفوان:
_مصر يتضرب النهاردة.
ترك إيثان الكاميرا على سطح المكتب، وهرع للشارع راكضًا، فوقف عُمران على عتبة البوتيك يشير له بالقطع في العنق:
_لو لمحتك هنا هضحي بيك بدل عجل الشيخ مهران.
قالها وولج للداخل يغلق الباب من خلفه، فوجد يوسف يردد في صدمة:
_طردت الراجل صاحب المحل بره، وقافل علينا جوه، أيه الجبروت ده!!
أشار له بتحذير، هاتفًا بسخرية:
_إستر نفسك لتأخد برد يا حبيبي!
وأضاف وهو يرفع من صوته بنفاذ صبر:
_عبحليم، لو تنيت القميص كده تاني وعهد الله لأجي أتني رقبتك على كتفك، إنت مش محتاج لوجودي في حياتك إنت محتاج الزمن يقف بيك ويقذفوك على زمن البناطيل أم رجل وسعه دي عارفها!!
سقط آدهم ضاحكًا ومن جواره يونس، أما جمال استشهد بعلي يشكو له:
_عاجبك كده يا دكتور علي.
أتاه رد عمران باختناق:
_أنا الصايع الوحيد في عيلة الغرباوي يالا، ريح نفسك محدش هيقدر يحطلي راجع، فاعقل كده وإظبط بدل ما أظبطلك أنا الاعدادات من أول وجديد.
منحه علي نظرة حادة، فتنحنح وهو يهتف بضحكة:
_سحبت كل كلامي وأترجعت فيه،مرضي يا بابا؟
أتجه إليه سيف يشير له بقلق:
_ها أيه رأيك يا طاووس، قميص متظبط وكله عشرة على عشرة أهو، ألحق أروح لآيوب بقى عند الحلاق.
منحه نظرة متفحصة، وبهدوء جذب الكرفاتة، وفتح أول زر له، فمنحه طالة أكثر شبابية، أحاطه ببسمة جذابة وقال:
_كده أحسن.
وتابع وهو يسحب الكاميرا الموضوعة على المكتب، مشيرًا له بالخروج لخارج البوتيك:
_معلش يا دكتور هتعبك معايا عشر دقايق.
استدار سيف لأخيه، مشيرًا له باستفهامٍ، فتطلع لعلي الذي ابتسم وقال بعد خروج أخيه:
_عُمران عمره ما كسر بخاطر حد، حتى لو بدأها بلوي دراع!
أتخذ عُمران من حارة الشيخ مهران الحاملة لمعالم الحياة القديمة، بروائحها المفتقدة بعصرنا الحالي، مكانًا ليجعله استديو رائعًا لالتقاط الصور بحرافية ودقة عالية، عن طريق هاتفه، فلقد وجده أكثر امكانيات من الكاميرا، وقد منح الشباب أقنعة كلاسكية، أخفت منتصف الوجه، وأبرزت تضارب مميز بين اللمحة العصرية، وحارة الشيخ مهران.
كان يقف بالخارج بملابسه التي قضى بها ليلة الامس، يشرف بذاته على ملابسهم ومحل وقوفهم، فكان لكل شاب محل وقوف مختلف بزواية مختلفة، حتى انتهى تمامًا، وختامها بأخيه الذي أصر أن يصوره صور مشابهة للشباب، وصورًا أخرى حملها بملفه الخاص دون أقنعة، ليحتفظ هو بها.
ترقب علي مراجعته للصور، وقال مبتسمًا:
_كده تمام يا حضرة photographer (المصور)
ردد في حبور:
_تمام يا علي، صورك جميلة أوي، أنا بصعوبة بقنعك أنك تتصور وأنت نادرًا لما بتعملها.
Today I am very lucky (النهاردة أنا محظوظ جدًا)
اتسعت ابتسامة علي، وأتجه لمحل وقوفه يراقب ما التقطه، فتفاجئ بجمال وبراعة ألتقاط الصور، كأنما بث إليه كل حبه، فأصبح يتفنن بالتقاط الصورة، وهو الشخص الذي يكره أن يقف أمام آلة للتصوير، كونه مقتنعًا أنه لا يبدو جميلًا بها، لذا من النادر له أن يلتقط لذاته صورة، وعلى ما يبدو بأن عمران سينجح بتغيير نظريته.
مال بيده الحاملة للهاتف تجاهه، متسائلًا بفضول:
_أيه رأيك يا علي؟
رد وعينيه تتطلع له هو بحب:
_مبتعملش حاجة وحشة إنت.
واستطرد وهو يضع يده على كتفه بحنان:
_يلا ادخل إجهز معتش وقت.
هز رأسه بخفة، وقدم له الهاتف قائلًا:
_عشر، دقايق و راجع عشان تصورني.
أومئ له، فغادر على الفور، وعاد بعد قليل يتآلق ببنطال أسود اللون، وقميصًا أسود احتفظ به داخل بنطاله، وحزم من حوله حزامه الثمين الشبيه للون الحذاء الذي يرتديه، عاقدًا قميصه لمنتصف ذراعيه، فكان بسيطًا للغاية دون أي مبالغة، وبالرغم من ذلك كان جذابًا.
خرج عُمران يقف محل أخيه، ويشير له بالتقاط الصور، بعدما ارتدى نظارته الشمسية، ووقف يضع كلتا يديه بجيوب سرواله، ورأسه مرفوع بعنجهيةٍ الطاووس المتفاخر، أمام اللافتة التي تحمل اسم البوتيك.
ابتسم علي ورفع الهاتف ليلتقط الصورة، فتذكر القناع الذي يحمله، رفعه للاعلى وأخبره:
_القناع نسيته.
رد عليه ببساطة:
_لا مش عايزه، أنا كده كده هرفع الصور على صفحتي، وشي هينفعه أكتر، هرفعهم بكره بس لما أبعتهم لحد متخصص يظبطهم، أساسًا شكل الحارة من بره جميل وملفت جدًا، أحسن من الصور اللي كان هياخدها جوه بجودة واقعة، وعمرها ما كانت هتتشاف، لان المعروف انه مجرد اعلان عادي، لكن الصور اللي أخدناها هتفيد جدًا إن شاء الله.
وضع علي القناع جانبًا وسعادته به تزداد:
_إن شاء الله.
ومضى جواره يفتخر بصغيره الذي قدم إنجازًا سيراه دومًا بمثابة ابنه.
التقط العديد من الصور له، وحينما انتهوا أغلقوا البوتيك وغادروا لينضموا لخيمة الرجال، التي امتلأت بالرجال، بعد أن بدأت الاغاني الاسلامية احتفالًا بزواج ابن شيخ الحارة، الشيخ مهران وتلك الفتاة الاجنبية التي باتت قصة اسلامها وتوبتها علامة بيضاء في كتابه المحفل بالاعمال التي يتذكرها الناس ويرددوها دومًا.
تحول سطح منزل الشيخ مهران، لقاعة فخمه محاطة بالفرش الباهظ، والديكورات، والانوار، لقد صنعت قاعة مثالية لاستقبال العروس والسيدات، وخصص مقعد مذهب للعروس، و وضعت من حولها الورود الحمراء، التي جلست "سدن" من حولها بفستانها الأبيض البسيط، فلقد اختارت فستان يضيق على جسدها حتى النهاية، وتركت خصلات شعرها الذهبية حرة طليقة، بما أنه لن يراها أي رجل سوى زوجها.
وجهها خالي من أي تجميل الا من روج يشبه لون شفتيها، وعلى رأسها تاج صغير، وحول عنقها القلادة وذهبها الخاص بزواجها.
جلست تراقب رقص الفتيات الشعبي بانبهارٍ، حتى أنها حاولت تقليدهن بتحريك يديها بعشوائية، فنهضت زينب من بين الحضور، بفستانها الوردي المحتشم، تجذب يدها للمنصة الصغيرة، وتتمايل بها، ونهضت من خلفهن الفتيات تحيط بهما وتصفقن بحماسٍ وفرحة.
بالأسفل.
كان الشباب يرددون الاغاني الاسلامية بفرحة وصلت لقلب آيوب الجالس بين أبويه، الشيخ مهران من يمينه وعلى يساره مصطفى، عينيه تختطف النظرات الحالمة حول أعلى المنزل، يود لو ينتهي الأمر سريعًا وينضم إليها.
إقتحم حفل الزفاف شابًا ينصب عينيه باحثًا عن آحدهما، وحينما حدد وجهته إتجه إليه، يقدم تحيته بشكلٍ ملفت، ومن ثم أنحنى يهمس لآدهم بشيءٍ جعله ينهض ويتجه برفقته لمدخل الحفل، حيث وجد سيارة سوداء، يهبط منها أخر من توقع قدومه، يمد يده ويقدم تحيته، هاتفًا:
_مش محتاج منك دعوة عشان أحضر فرح أخوك.
صافحه بحرارة، وبفرحة قال:
_نورت الدنيا كلها يا مراد باشا، أنا عارف بانشغالك بأخر مهمة كلفت بيها، فمكنتش عايز أزعج حضرتك.
منحه ابتسامة هادئة، وزُرقته تجوب الحفل من خلفه:
_قولتلك إنت بالذات عمرك ما تسببلي أي إزعاج يا عمر.
واسترسل وهو يشير تجاه الحاضرين:
_أنت عارف إن تواجدي هنا مش مستحب خاصة في ظرف المهمة اللي أنا مكلف بيها أنا والفريق، فإدخل نادي العريس أباركله، وبالمرة دكتور علي، وحشني.
سحب آدهم هاتفه، وأرسل برسالة إلى علي، بأن يحضر آيوب ويخرج به:
_بعت لدكتور علي وحالًا خارج يا باشا.
هز رأسه بتفهمٍ، بينما يشير له على محل السيارة المعتم،قائلًا:
_معايا شخص مهم جدًا، مبطلش كلام عنك وعن بطولتك في مهمة الميكروفيلم اللي بقت حديث الجهاز والداخلية كلها، فرصة ليك تتعرف عليه وتشكره على تأمين رجوع المدام.
علم آدهم بكناية الشخصية الهامة المذكورة، وقد صدقت ظنونه، حينما هبط الوحش من المقعد الخلفي للسائق، يقابله بحفاوة وتقدير لمجهوده، رغم علو رتبته التي تتساوى للجوكر وللاسطورة، فإذا بعمر يقدم تحيته العسكرية إليه، فأبعد كفه وهو يضمه بمحبة:
_مفيش داعي للرسميات دي، إحنا بره الشغل يا سيادة المقدم.
وتابع وهو يبتعد ليمنحه ابتسامة ثابتة:
_مبروك الترقية ومبروك لأخوك.
رد بارتباكٍ وعدم تصديق لما حملته مكانته بحضور قائده و"عدي الجارحي" بنفسه لتهنئته، فقال:
_الله يبارك في حضرتك يا فندم، أنا سعيد جدًا بتشريف سعاتك لينا.
وأضاف بامتنانٍ واضح:
_ومهما حاولت أشكر حضرتك على إنقاذك وتأمينك لرجوع المدام مصر مش هوفي حضرتك حقك.
رد بمهارة ورقي:
_ده أقل واجب نعمله لبطل عظيم زيك، اللي يفدي بلده بروحه نفديه هو واللي يخصه بأرواحنا.
وتابع بنفس ابتسامته الجذابة:
_أنا كمان بوصلك سلام ومباركة دكتور عمر، هو صراحة كان مصر يحضر معايا بس أنا كالعادة مبحبش الرغي فمجبتوش للأسف.
تصاعدت ضحكاتهم الرجولية، ليقطعها دخول علي وآيوب، فأسرع مراد يعانق علي في لقاءٍ ودي، يفسر مدى ترابط علاقتهما بالفترة الاخيرة، يسأله بلهفة:
_عامل أيه يا دكتور، طمني عنك وعن فطيمة؟
ربت على كتفه وهو يبث الطمأنينة له:
_احنا بخير يا مراد، اطمن جدًا.
وهمس له بصوتٍ منخفض للغاية:
_عايز أكدلك تعافي فطيمة بنسبة 99في المية، وبالمناسبة قريب هيشرفنا ولي العهد.
ابتعد يتعمق برماديتاه بحماس:
_بتتكلم جد؟؟
هز رأسه مؤكدًا له، فعاد يضمه بفرحة والراحة تستحوذ عليه:
_ألف مليون مبروك يا علي، حقيقي أسعدتني جدًا.
تبادلا العناق مجددًا وهو يجيبه:
_الله يبارك فيك يا باشا.
مازحه وهو يبتعد عنه ويتجه ليصافح آيوب:
_إنت اللي باشا، شكلي هتحفظ عليك قريب بالجهاز.
ضحك وهو يجيبه بمرح وعينيه تشير على صهره:
_معانا واسطة للاسف.
انطلقت الضحكات بينهم، حتى عانق آيوب بحفاوة:
_مبروك يا عريس، ألف مبروك.
ابتسم آيوب وأجابه:
_الله يبارك في حضرتك يا باشا، نورت الحارة كلها والله.
ربت على كتفه بامتنان:
_منورة بيك وبأخوك البطل.
التفت آيوب تجاه أخيه مبتسمًا بفخر، بينما أقدم عدي يقدم مصافحته الروتينية لذلك الغريب عنه:
_ألف مبروك.
صافحه بحرارة وهي يجيبه:
_الله يبارك في حضرتك يا باشا.
أنسحب عدي للسيارة بعدما ودع آدهم، وكذلك ودعهم مراد بعد أن منح آيوب ظرفا مطويا يحمل مبلغا ضخما من الدولارات وقد شدد بأنه هدية خاصة للعروسين، وبالرغم من رفض آيوب لذلك رفضًا قاطعا الا أنه وأمام اشارة أخيه قبل به.
غادروا على الفور لحساسية بقائهما بمثل تلك الاجواء الشعبية بوقتٍ كذلك، غادروا بعدما تركوا من خلفهم جوًا مثاليًا أنعشهم.
فعاد ثلاثتهم للحفل مجددًا، وقد كانت المفاجأة لا توصف، حينما وجدوا عُمران يبدأ بالغناء بناء على اصرار أهل الحارة.
وضعوا له مقعدًا بمنتصف الحفل، فرضخ لهم وبدأ يدندن بصوته العذب:
«يا عشاق النبييا عشّاق النّبي صلّو على جماله
دي عروسة البيه تعالوا بنا نسندها له
آدي نور جمالها أهوه هل هلالهيـا هـنيّـه للّـي ينـولها يـا هنـيّـالـــهيــا
قـمـر مــنـــــوّر سبحـــان مــن صــوّرجولييت وسفيره عزيزة مــــين ده إســم مـزوّرمين شاف كده بني آدمين راح تطلعي وحشه لمين
الأمّ لـــون اليــاسـمـين والأب عريض وسمين
يا سلام يــا حتّة سكّـره يا ترياق اللّي معــكَّره
يا عريسها يا زين ما التقيت
عريسك من يـــــومه آهـــو ملو هــــــــدومـه
اتهنّي به وافرحي به وكيدي اللّي يلــــــــوموا
فنجرته دي كلها إيــه بحبوح اسم اللّه علـيه
بـدر بالألـف جنيــــه تقوليش ملاليم في إيديه
إن شا اللّه تملّي سبهللي على حسّك انت يا فلّلي
يا جنان يا ناس على ده تواليت
يا عشّاق النّبي صلّو على جماله
دي عروسة البيه تعالوا بنا نسندها له
آدي نور جمالها أهوه هل هلالهيـا هـنيّـه للّـي ينـولها يـا هنـيّـالـــه»
وما أن انتهى كان الحضور يتمايلون ويصفقون بسعادة، ومن الاعلى تراقب الفتيات ما يحدث بحماس بعدما ارتدين الحجاب، ووقفن يحضرن غناء عُمران حتى أنهى ختام الحفل، وصعد من بعده العريس بمفرده لينضم للعروس بالأعلى، جلس جوارها دقائق معدودة ثم ولج بها لمنزلهما الذي حمل جملة تتزين على بابه جملة بخط يد آيوب:
«من خلف الأبواب بداية القصة، وقصتنا ستُبنى بالحب، وبالوفاء بوصية رسول الله!»
آيوب مهران.
ترك لها دليلا يطمن به قلبها من بداية الدخول لعالمهما، وكأنه يعاهدها من اليوم الأول بأنه سيوفي بوصية رسوله الحبيب، عليه أفضل الصلاة والسلام، ينزع الخوف والتوتر منه، بل يسلخه منها ويتركها تذوب بقراءة جملته، وقد رأى إنعكاسها بلمعة عينيها الغائرة، وجملتها التي نطقت بها فور إنغلاق بابهما:
_آيوب أنتِ كتبتي ليا ده.
تمعن بعينيها كالغريق الذي يستهدى لمنارته، ويديه تحتوي كفيها بحنانٍ، احتوى نبرته الرجولية:
_كتبتهالك من قلبي ومن جوه روحي يا سدن.
كسرت حواجزها، واندست بين ذراعيه، فأحاطها بعشقٍ تاركًا لذاته مساحة احتوائها، حتى وجدها تتعامل بطبيعتها دون أي وجود لخوف مرهون بينهما، فحرر صوته الهادر:
_إدخلي غيري هدومك واتوضي، أنا شوية وجاي وراكي.
هزت رأسها ببسمة خجلة، وما كادت بالتحرك حتى عادت تسأله باستغراب:
_صوت ده أيه!
تمسك بابتسامته المصطنعة وقال بثباته:
_مفيش حاجة يا حبيبتي، يلا ادخلي غيري.
انصاعت له و ولجت لغرفة نومهما، بينما اندفع آيوب للشرفة باحثًا عن موضع وقوف إيثان من فوق الشجرة القريبة من المنزل، فكان يناديه ضاحكًا:
_آيــــــــــــــــــوب.
خرج يصوب بصره الناري تجاهه، فوجد يونس يحاول أن يقنعه بالهبوط عن الشجرة، ولكنه لم يستطيع، بل زاد إيثان من صراخه المرح:
_الحاجة رقية أخدت مني 8 أجوز حمام لسيادتك، آحدفلي منهم جوز، يا تحدفلي تمنهم.
أشار له آيوب بغضب:
_وربي لو ما نزلت وعقلت يا إيثان لارش عليك مية.
تجاهل ما يقوله، وصاح ضاحكًا:
_طب بلاش حمام، شوفلي أي دكر بط تايه عندك في المطبخ، آحدفه أقسمه بيني أنا وابن عمك الغلبان ده.
ركل يونس قدمه وهو يصيح بعصبية:
_انزل الله يخربيتك فضحتنا، الناس هتتلم علينا.
ردد آيوب بعنف وحدة:
_يونس خده من هنا، أنا على أخرى منه أصلًا.
رد عليه بقلة حيلة:
_بحاول معاه زي ما أنت شايف.
واستطرد لايثان كأنه يناشد طفلًا صغيرًا:
_إيثو يا حبببي الحاجة رقية حاطه الاكل جوه، في حمام وبط ورومي ولحمة وكل ما لذ وطاب إنزل بقى الناس هتتلم علينا!
أشار من فوق فرع الشجرة:
_أبــــــــدًا مش نازل الا لما العريس ينزلي هو بنفسه.
صرخ فيه آيوب بغضب:
_أنزلك ازاي يا متخلف إنت، يونــــــس لم صاحبك!
غمز له ببسمة شيطانية:
_انت عارف مين اللي هيلمه!
على مسافة منهما، صعدت شمس بسيارة آدهم بعد أن وضع عُمران أغراضها الشخصية بصندوق سيارة آدهم، وعاون علي آدهم بمساندة أبيه بالمقعد الأمامي، ثم تحركت السيارة.
ومن بعده تحركت سيارة يوسف وجمال، ومن بعدهم علي، وكاد عُمران باتباعهم بعد أن تعطل بالخلف لضيق شوارع الحارة، فاتته رسالة استنجاد آيوب به، أحاط مقدمة أنفه بغيظٍ، ومال لزوجته وهو ينزع حزام السيارة:
_ثواني وراجع يا حبيبتي مش هتأخر عليكِ.
هبط يتجه لمدخل المنزل، فوجد يونس يحاول أن يجعل إيثان يهبط عن تلك الشجرة، أو يتوقف عن الثرثرة بالترهات، وفجأة وجد قبضة قوية تسحبه عن محل وقوفه، وتلقفه أرضًا بقوةٍ أفزعته، فسقط يتمدد بجسده أرضًا، وما كاد بالجلوس حتى وجد سكينًا حادًا، مسلطًا على رقبته والغضب يموج برماديتين أشد خطورة من مجرمٍ دولي هارب من العدالة، وصوتًا خشن يصدر منه:
_إسمعني عشان مبكررش كلامي ولا بدي فرصة مرتين، أنا هنسى كل الهبل اللي عملته ده بداية من موقفك السخيف بالبوتيك ونهاية بالطالعة الجنونية دي، هتعامل وكأنك عيل عبيط ومضطر أخده على قد عقله، هتقوم حالًا تنفض هدومك وترجع لبيتكم بمنتهى الاحترام المفقود عندك، وطول ما أنت ماشي هتفتكر إنك الحيلة، وأنا للأسف بديلك الفرصة لهذا الاساس، فهمتني؟
هز رأسه رعبًا من ثباته المرعب، وانفجار كلماته المرتبة بسرعة أربكته، فاذا به يبعد ما يحمله ويرتب مقدمة جاكيت بابتسامة خبيثة:
_شاطر يا إيثو، فكرني أجبلك كاندي عشان سمعت الكلام مرة في حياتك، يلا يا حبيبي إمسك في ايد بابا يونس وهو عارف الطريق وهيوصلك.
احتلت ابتسامة ضاحكة على وجهه وقال:
_طيب ما تيجي توصلني انت وتبات معايا لحد آذان الفجر، بدل ما تتبهدل في المواصلات وإنت راجع للحارة تاني.
تبدد غضب عمران، ورسم ابتسامة هادئة، بينما يحيط كتفه:
_إنت حابب تقلب مودك وتعكره ليه، صدقني أنت في أمان بعيد عني وعن دبشي.
منحه نظرة محتقنة وبضيق قال:
_يعني هتيجي ولا مش هتيجي؟
رد عليه بابتسامة غامضة:
_هعدي عليك بكره في الاتيليه أفطر معاك وأشرب الشاي بالنعناع اللي بتعمله.. بس لو رجعت تضايق ايوب تاني اعتبرني بسحب اتفاقي تاني.
ابتهجت ملامح إيثان بسعادة وغادر برفقة يونس الذي يهز رأسه ببلاهة وصدمة من انقلاب شخصية عُمران، غادر ايثان وهو، يتلصص إليه بنصف استدارة فوجده يتابعه بقامة مشدوهة، دون أن يرف له جفن، وببرود يخبره:
_إمسك في ايد بابا يونس ومتخفش، هيوديك لماما أكيد قالبة الدنيا عليك دلوقتي عشان تنيمك في سريرك وتغنيلك اغنية بيبي شارك.
انفجر يونس ضاحكًا، فسدد له ايثان نظرة مشتعلة، وخطى جواره يفور غيظًا.
استدار عُمران تجاه شرفة آيوب، فوجده يلوح له بسعادة، وتشفي بما فعله بإيثان، ضم عُمران اصبعين لحاجبيه باشارة له أن كل شيئًا تحت سيطرته، وغادر لسيارته بينما ولج آيوب للداخل، فوجد زوجته بانتظاره لاداء صلاتهما.
صلى بها بخشوع تام، ودعا ربه أن يجعلها زوجة صالحة له وأن يكون آمينا عليها، استدار يواجهها بدعواته وترك الآن أخر حاجز الذي كان يضعه بينهما تركه يسقط، بقوله العاشق:
_عمري ما كنت هصدق أن اللحظة دي هتيجي معاكِ، سبحان الله يهدي من يشاء.
ابتسمت وهي تخبره:
_الله سبحان وتعالى بيحب سدن عشان كده رزقه بآيوب.
ضحك على أجمل جملتها، وقال:
_ده يا بخته آيوب بيكِ والله، بس إبعدي عن المؤنث خالص لو ممكن.
صمتت قليلًا واقترحت حتى لا تزعجه:
_هل تريد أن أحدثك بالانجليزية مثلما يطالبني أخيك والمتوحش؟
ازدادت ضحكاته حتى احمر وجهه، وزحف تجاهها يبعد خصلاتها خلف أذنها وبرقة قال:
_لا، أنا بحب المكسرات وكلامك المكسر ده بحلي بيه، فمعنديش أي مانع تأكلي الحروف بينا، لكن بره اتكلمي انجليزي أكيد.
عبست في دهشة، لحقت نبرتها:
_إنتي عاوزة سدن تأكل حروف آيوب!! أنت بتتمسخري من سدن، مش في حروف بتتأكل أنا زعلان منك.
قهقه مجددًا، ومال يحملها عن الارض، ثم قال بمكر:
_المرادي هصالح بقلب جامد، اشهار وفرح وعملت، موافقة الشيخ مهران وأخدت، تخرج واتخرجت، شغل واشتغلت، من الاخر مبقاش في بينا عقبات!!!
قالها وسمح لنفسه بسحبها حول عالمهما الاول، وكما كان دخولهما للمنزل لاول مرة، كان الدخول لنفس العالم للمرة الاولى، حيث طغى فيه عشقهما وتبدد الخوف والارتباك وباتت رأية العشق ترفرف على أرض صلبة!
عكس عُمران وجهة سيارته، حينما شعر باختناق أنفاس زوجته، سلك الطريق ليصطف السيارة أمام النهر، وهبط يفتح باب السيارة لها، فاخفضت ساقيها وبقيت تجلس على المقعد، بينما جذب هو للكافيه القريب، يحضر كوبين من العصير، وحمل مقعد صغير، وضعه قبالتها.
قدم لها الكوب، وجلس يتمعن بها، راقبته بنظرة متوترة، جعلته يسألها:
_مالك يا مايا، من ساعة ما اتحركنا وأنتِ ساكتة مش بتتكلمي!
رفعت عينيها إليه، وقالت بحزن:
_مش عايزاك تسافر تاني يا عُمران، أنا قلبي بيبقى مقبوض عليك وانت بعيد.
ترك الكوب من يدها أرضًا، ثم قال بصوته الرخيم:
_مايا خلينا نتكلم كلام الناس العاقلة، اللي في نصيبه شيء بيشوفه حتى لو كان نايم بسلام على فرشته، أنا مش مجبر أوقف حياتي كلها عشان حادثة اتعرضت ليها، أنتِ حزنك وزعلك مش هين عليا، بس عدم سفري مش حل يا مايا، طيب ما أنا مسافر لندن كمان شهرين في شغل، هل بردو هضطر أوقف شغلي عشان الخوف!!
هزت رأسها بنفيٍ، فضم جانب وجهها وقال:
_اطمني أنا كويس، هما يومين تلاتة وراجعلك باذن الله وعشان تطمني يا ستي، يوسف وجمال لازقين معايا، علي زاقهم عليا بشياكة، ومفكرني مش قافش الليلة.
واستطرد بسخرية:
_مش عارف أقنعه ازاي اني صايع والحركات دي قرعه ومكشوفة بالنسبالي!!
ضحكت على حديثه بشدة، فشاركها الضحك وهمس:
_أهو أنا كده قلبي حصله أنعاش طبيعي بدون ما يحتاج لصدمات كهربا!
ارتشفت كوبها ونظراتها العاشقة مدفونه بين رماديتاه، حتى انتهت من الكوب، فحمله عُمران واتجه لأقرب صندوق قمامة، وضعه وعاد يشير لها:
_تعالي نتمشى شوية، المكان هنا جميل أوي.
ردت بحرجٍ:
_مش هعرف أنزل.
عقد حاجبيه متسائلًا:
_ليه؟
تطلعت لحذائها المفتوح، ولبطنها المنتفخ، فلم تستطيع الانحناء لتعود لربطه من جديد، ففاجأها بعفويته حينما انحنى دون أي غرور يتهم ذاته به!
تراه سيد القوم، القوة الداهية لاسترجاع كل الحقوق، تفتخر بأنه لم ينحني يومًا، يروق لها أنه نقطة التلاقي لكل أفراد العائلة، حتى أصدقائه، هو ببساطة كمالة أي شيء لم يكتمل، ولربما تتوقع منه نفس التعامل الحازم ولكنه يعزل بقعتها عن شخصه المعهود، لقد تملك قلبها بحنانه، رقي تعامله، عاطفته، مشاعره، عشقه الجنوني، كل ذلك أكد لها بأنه سيدًا للجميع وخاضع لها!
لا يترك فرصة الا وعبر فيها عن حبه لها، حتى بتلك الخروجة القصيرة التي خصصها لها، ونهاية لمحاولته لعقد رباط حذائها المريح، ولم تحبه هي، فرفعت قدميها داخل السيارة، ناطقة باستحياءٍ:
_أنا هحاول أربطه لوحدي.
صوب بصره تجاهها، وجذب ساقيها خارج السيارة مجددًا، يعقد الرباط، هاتفًا ببسمة ساخرة وعينيه تراقب عقده للرابطة بشكلٍ مثالي:
_كل السرحان والضيق ده عشان بربط رباط الشوز!!!
نهض يستقيم بوقفته، ومال يستند على الباب المفتوح يراقبها بتمعنٍ، ثم هدر ببطءٍ:
_عاجبني أوي نظرتك ليا يا بيبي، في المجمل شخصيتي عجباكي، ولا حابة تضيفي أي تعديلات؟؟
زوت حاجبيها متسائلة بسخرية أضحكته:
_ولو عايزة أغير فيك حاجة تفتكر هعرف!!
انتهت ضحكاته الساخرة، حينما قال بثباتٍ مضحك:
_هتتعبي نفسك في محاولات فاشلة ليه، إنتِ مش حمل إرهاق وإنتِ في الوضع ده يا بيبي!!
لفت جسدها للجهة الاخرى، وهدرت بانفعالٍ:
_مستفز.
مال لنافذة السيارة يراقب ما تفعله، ثم قال:
_أنا جايبك هنا عشان نغير جو، مش نتخانق، لو طالبة معاكي نكد هوصلك وأخلع أنا مش بتاع نكد أنا!!
عبثت في صدمة:
_تخلع!! لا وفريدة هانم شادة حيلها عليا أوي، تيجي تشوف ابنها!!
منع ابتسامته من الظهور وإتخذ وضعية الجدية التامة:
_ماله ابنها!! سارق النوم من عيون ستات مصر كلها، وعينه مش شايفة غيرك إنتِ!
راق لها حديثه، فابتسمت رغمًا عنها، ورددت باستحياء:
_بجد يا عُمران، عينك مش شايفة غيري فعلًا، ولا كاميرا متنقلة على كل بنت معدية قدامك؟
تعمق بعينيها بتلك المسافة القريبة منها، ورسم بسمة طفى بها العشق:
_الكاميرا دي أنتِ موجودة في كل صورها يا مايا.
وضعت يدها على يده المستند بها على نافذة السيارة، وابتسامتها تسلب خفقاته، بينما تخبره بسعادة:
_أنا واثقة فيك وفي حبك ده، مستحيل أصدق فيك حاجة وحشة، لإني شايفة كل الحلو اللي جواك.
سحب كفها ومال يقبل باطن يدها بحنانٍ، فسحبت كفها داخل السيارة وهي تحذره بعينين جاحظتين، ونبرة تحذيرية:
_عُمران!
ضحك على تصرفها، ومع ذلك ردد بنبرته المغرية:
_حبيب قلبه وروحه ودنيته وكل شيء بيملكه.
شاركته الضحك، وهتفت باستنكارٍ:
_إنت مش طبيعي على فكرة قولي أنت ضربت أيه في الحارة يا بشمهندس.
ازدادت ضحكاته بشكل جذب انتباه المارة، فاذا بفتاة تتمعن فيه بشكل جعل مايا تقول متعصبة:
_بطل ضحك ولا أنت مبسوط بنظرات البنات ليك، إنت أساسًا متعمد ده لا وطالع تغني في الفرح، وأنت عارف ان البنات واقفين على السطوح، إنت للاسف شخص لعوب وبتستمع بكده!
سيطر على ضحكاته ومال يسند كتفه للسيارة، وبخبث قال:
_على مهلك يا بيبي، العربية هتولع وإنتِ فيها، إشربي العصير هيهدي أعصابك.
لطمت تابلو السيارة بعصبية:
_متستفزنيش يا عُمران.
رمش ببراءة لا تمس له بصلة، وصاح بمكر:
_حبيب قلبي قلبه قوي على جوزه حبيبه ومن الصبح نازل فيه اتهامات بشعة، أنا كده مصر على المدة اللي هقعدها مع موسى.
وبغمزة همس بتسلية:
_يمكن البعد يخليك تحن يا جميل!!!
تبدل ضيقها لبسمة، وهبطت تستند على ذراعه، خطت جواره باستمتاعٍ لاجواء البحر الهادئة، فتسلل لها رائحة الذرة المشوية، فاستدارت تخبره:
_عُمران عايزة درة!
تطلع تجاه السيدة القريبة من الرصيف، وعاد يتفحص أماكن الاستراحات، عثر على بقعة آمنة، جوار فتاة تجلس جوار رجل كهل وعلى ما يبدو بأنه والدها.
تركها جوارهما، وغادر يحضر ما طلبت، بينما تسبح عيني مايا على تلك الفتاة التي بدت لها بأنها متزوجة وتحمل بجنينها الاول، حتى كانت تحمل بيدها روشتة الكشف والأدوية التي كانت تتناولها ببداية حملها.
حاولت أن تشتت نظرها على المياه، ولكنه كانت تعود كل مرة للتطلع إليهما، حيث اختلج قلبها حزنًا حينما وجدت الرجل يمنح ابنته ثمرة التين الشوكي ويقبل رأسها بحبٍ، بالرغم من بساطتهما الا أن حب الرجل لابنته وحبها له كانت تنطق بالكثير.
غارت عينيها بالدموع، وأسمى ما يحاربها أسئلة بدايتها لماذا؟؟
لماذا لم يمنحها أبيها هذة العاطفة والحب الذي افتقدته منذ طفولته؟
لماذا يحترق قلبها كلما تذكرت نهاية أبيها المؤلمة التي انتهت بالسجن؟؟
سؤال والاخر، انتهى بضمة تجتاحها، فوجدت عُمران قبالتها يضمها من محل وقوفه، حتى وجلس جوارها، يميل كالحاجز ليمنعها من رؤية هذا المشهد، بل بات هو محتل المشهد برمته أمامها، وببسمة رسمها بالكد رغم أن عينيه باتت غائرة حزنًا عليها:
_معقول تعيشي لحظة زي دي وأنا موجود، هو أنا مش كفايا؟؟ ولا فشلت أعوضك عنه يا مايا؟
مسحت دموعها التي انهمرت ما أن رمشت بجفنيها، وقالت بابتسامة مؤلمة:
_هو مكنش له وجود في حياتي أصلًا.
وسحبت نفسًا عميقًا وهي تراقب ما جذب انتباهها، فاستدار عُمران تجاه ما تتطلع، فوجد الرجل يغادر برفقة الفتاة التي منحت زوجته نظرة غامضة، فما أن تطلع لها حتى قالت بصوتها المحتقن وابتسامتها الهادئة:
_البصة اللي بصتهالي دي عكست ليا التساوي بينا، وعرفتني أد أيه أنا غلط.
حاول الوصول لقاعها، فسألها:
_ازاي؟
قالت بوجعٍ وهي تحمل الذرة الساخن تلتهمها بتشتتٍ:
_بصتي ليها كان غصب عني فيها استكتار لحب والدها ليها، ونفس البصة جات في عنيها وقت ما إنت ظهرت، ونفس الاستكتار.
وأضافت وهي تعود لعناق مُقلتيه:
_ربنا سبحانه وتعالى عادل، بيقسمها بالتساوي، أنا من شوية كنت حاسة إن أنا بس اللي عندي النقص ده، فربنا ألهمني أشوف بعنيا نظرة الحزن والاستكتار في عيونها، فإتاكدت ان ربنا معوضها بأبوها عن جوزها، يعني بالنهاية كلنا متساويين.
وضع يده خلف رقبتها، وقربها تستند على كتفه، ووضع رأسه من فوقه، ظلوا هكذا لدقائق انتهت فيه من الذرة، ولم يملك هو أي شهية لتناول شيء بعد رؤيتها هكذا، فنادته مايا بتعب:
_عُمران يلا نرجع أنا تعبت وعايزة أنام.
نهض يجذبها مبتسمًا:
_بس كده، أوامرك مجابة مايا هانم.
ضحكت بصوتٍ مسموع وعينيه تتبع ما بيده، فقالت بمرح:
_حيث كده بقى هات الدرة اللي معاك، ابنك أكل بتاعته وأنا لسه مخدتش.
قدمه لها والضحك يسيطر عليه، بينما يهتف بسخرية:
_تحبي نأخد الست بالفرن بتاعها القصر.
رددت بنزق:
_بايعني إنت لفريدة هانم!
فتح باب السيارة ومال يستند من فوقها، يهيم بنبرته التي أخجلتها:
_أنا شاري التراب اللي ماشية عليه، فازاي أبيع!
رفعت رأسها بغرور وقلدت نبرته:
_ميرسي على الاطراء يا بيبي.
ضحك وهتف باستنكار:
_أنا بيبي ازاي!! مش راكبة من أي زواية.
استدارت تخبره بعدما اعتلى السيارة:
_أنت بتعرف تعدل أي زوايا تدخلها.
رد وهو يقود لطريق عودته:
_الظاهر إنك تخطيتي ليڤل الكياتة ودخلتي على ليڤل الوحش، بس إوعي تنسي إنك تربية إيدي يا بيبي.
رمشت ببراءة مصطنعة ونعمت صوتها بشكل مضحك:
_قصدك إني مبقتش كيوتة يا سي عُمران.
مال للخلف من شدة الضحك، وفاه:
_الله، قعدتك بالحارة قلبت، أنا بقول نطلع على أي أوتيل، لإني حاليًا مش قادر أخوض معارك فريدة هانم الغرباوي.
اسندت ظهرها للمقعد، وبثقة قالت:
_ارجع على القصر واطمن انت في حمايتي.
منحها نظرة شملتها بسخرية:
_كده ضمنتها نار بعد ما كنت متعشم في الجنه.
ابتسمت وقالت:
_لا جنة إن شاء الله، انت بس ادعيلي بالقيام ربنا يجمعني بيك.
تلاشت ابتسامته وتذكر طريقه الغامض الذي قرر التحري إليه لينهي هذا العذاب، فشرد لدقائق لم يستمع فيها لنداء مايا المتكرر، حتى وضعت يدها على يده:
_عُمران روحت فين؟؟
رد وهو يصطنع ابتسامة:
_معاك يا حبيبي، كنتي بتقولي أيه؟
مالت على كتفه، وهي تهتف بتعب:
_بقولك إقفل الشباك بردانة.
أغلق النافذة الكترونيًا، وضمها بذراع والاخر يقود به، في محاولة لنزع الشرود عنه، فلقد حسم الامر وقرر أن يلجئ للخلاص، رغم معاناة ما سيقدم على فعله!!!
رواية صرخات انثى الفصل 114 - بقلم ايه محمد رفعت
رأسه مسنود للحائط، دمعاته تنهمر على وجهه، رغم أنه يغلقهما باسترخاء لصوت الشيخ نصر الدين طوبار، يشعر بالسكينة حينما يستمع لصوته، لقد انتهى من صلاة قيامه وقراءة ورده، وجلس يستمع لما أطرب به قلبه.
حرر عن رماديتيْه القاتمة، ووخزة قلبه يزداد ألمها، لقد شارف على تنفيذ أبشع جزء كان يهرب منه. سحب "عُمران" هاتفه، يفصل التواشيح عنه، فإذا به يبتسم ويتجه للاستديو مشتاقًا لملامح الصغيرة، التي ظن أنه نساها. دقق النظر في ملامحها وابتسامته تزداد، حتى أنه أراد الصعود ليراها، ولكنه تراجع حينما تفقد الوقت المتأخر.
مرت عليه الدقائق، ومضى فيها يرتب نشر الفيديوهات التي أرسلها له فريق متخصص، قد عمل لإنشاء فيديو يضم أزياء بوتيك "إيثان" بشكلٍ احترافي.
رفعه على حسابه الشخصي، وما كاد أن يغلق هاتفه حتى وجد عمه يضع قلبًا وتعليقًا على المنشور، فتشجع ليراسله كاتبًا:
«حضرتك صاحي؟»
رد عليه:
«فيروزة هانم مش راضية تبطل عياط، فريدة لما زهقت إدتهاني ونامت هي!»
«أنا سهران لحد الفجر، ينفع أطلع أخدها؟»
«أنت بتستأذن عشان تطلع، معقول، راحت فين وقاحتك!»
تجاهل رسالته، ونهض يصعد للدرج. وقف يطرق باب الجناح، ففتح أحمد وتعجب لبقائه بالخارج:
_ مدخلتش ليه!
عبث حينما لم يجده يحملها:
_ هي فين؟
رد وهو يتثاءب بتعب:
_ جوه، هجبهالك وأنا راجع.
توجه للداخل وحملها بارهاقٍ شديد، ثم خرج يناوله إياها ويداه تهتز باجهاد. انحنى يحملها منه والضيق قد نزع مرءه، فقال:
_ شايل كيس جوافة أنت، ما بالراحة عليها! وبعدين ده غطى تغطيه بيها.
وزع نظراته المندهشة بينه وبين صغيرته، وبرر بصدقٍ مضحك:
_ معرفش، أنا معنديش خبرة تعامل، دي أول مرة ليا!
منحه نظرة ساخرة، وكأنه يمتلك عشرة أطفال، فتأهل بشهادة خبرة. فهم أحمد مضمون حديثه، فضحك ساخرًا من ذاته:
_ هحاول أكتسب الخبرة، هدخل أجبلها بطانية تقيلة حاضر.
غاب لدقائق وعاد يضع حولها ما يحمله، وما كاد بأن يطبع قبلة على جبينها، سحبها عُمران وهو يحذره:
_ قولتلك البوس ممنوع، لما قدامي بتعمل معاها كده من وراها بتهبب أيه؟!
فتح فمه ببلاهةٍ، وقال:
_ عُمران دي بنتي!! غيران عليها من أبوها!!!
وكأنه جن ليفعلها، ضم الصغيرة له وقال:
_ لو اتنقلها البرد اللي عندك ده ولا أي عدوى، هتبقى تقول للدكتور ببوسها عشان أبوها!!
ابتسم وهو يحاول أن يرسم الاقتناع على وجهه:
_ عندك حق، خلاص يا سيدي ممنوع البوس، ها كده مرضي.
أحاط الصغيرة وهو يطول بنظرته إليه، وبخبث ماكر قال:
_ عشان ترضيني التمن غالي.
استعد لمواجهته بقوةٍ، وشجاعة تحلى بها أخيرًا:
_ حبيبي هما بيدوك عمولة على حالات الانفصال، لو كده هديك أنا العمولة وتسبني أعيش اللي باقي في حياتي بسلام.
توقع أن يشاكسه ردًا على حديثه، فخالف توقعاته حينما قال:
_ لو عايز تراضيني خلي بالك من فريدة هانم، ومن فيروزة، متخليش شغلك يبعدك عنها، متفكرش إزاي تأمن ليها مستقبلها وتنسى تكون ليها أب وأخ وصديق، من حقك تفكر في شغلك اللي هيكون ميراث ليها بعد عمرًا طويل، حاول تلغي النقطة دي لإنها عمرها ما هتحتاج لحاجه طول ما علي موجود.
وأضاف بعمقٍ بدد النوم الذي كان يسيطر على أحمد منذ قليل:
_ صدقني يا عمي المشاعر أثمن وأرقى بكتير من الثروة والأملاك.
قطع "أحمد" مسافتهما الفاصلة، والخوف والتوتر يحلقان فوق بقعته، فلفظهما:
_ نبرتك غامضة بشكل يرعب، أنت ناوي على أيه يا عُمران؟
ضم الصغيرة لكتفه، وبابتسامته التي لم تصل لعينيه قال:
_ هو عشان بنصحك نصيحة يبقى عندي نية لحاجة! أنا بفوقك من دلوقتي عشان متكونش نسخة من سالم الغرباوي ولا من عثمان الحقير اللي بسببه مايا بتعاني، أنا كل ما بشوف دموعها ببقى هاين عليا أروح أشرحه بإيدي.
كان صادقًا بما قال، لقد استطاع أن يوصل له مدى معاناته، وبالرغم من ذلك لم يستطع أن يطمس الخوف والارتباك عن أحمد، الذي عاد يسأله بقلقٍ:
_ عُمران أنا عارف إنك حاطط علي في مكانة الأب اللي أنا مش قادر أوصلها معاك، فلو أنت بتمر بشيء مش قادر تحكيه ليا روح لعلي وقوله، أنا مش مطمن عليك بعد الكلام اللي قولته ده بصراحة.
عدل من الغطاء حول الصغيرة، ومال يقبل جبهة عمه، ثم انحنى يطبع قبلة على كفه، وبحبورٍ قال:
_ لو أنا مش بعتبرك من العيلة مكنتش وافقت على الجوازة دي وإنت عارف إني كنت أقدر أمنعها زي ما بردو تعرف يعني أيه عيلة بالنسبالي، كل فرد فيكم له مكانته وحبه الكبير عندي، حتى لو كل شخص مكانته لها ترتيب في قلبي، بالنهاية أفديكم كلكم بروحي ومن غير أي تردد.
أحاطه أحمد بمحبة صادقة:
_ واثق من كل كلمة قولتها، أنت روح العيلة دي وعلي قلبها اللي بينبض، لا تنفع تكون من غيرك ولا من غيره يا عُمران.
أنعكس توتر طفيف برماديتيْه، تخطاه حينما قال بصوتٍ شجي:
_ ولا من غيرك يا عمي.
ابتعد عن شق الحديث الجدي، ومازحه بحزمٍ:
_ إنت كده بتضيع الوقت اللي هقضيه مع فيروزة قبل صلاة الفجر، قول إنك غيران وبتلهيني عشان ملحقش أقعد معاها.
جذب البيبرونة والحليب الخاص بها، وقدمه بابتسامة واسعة:
_ خليها معاك لحد ما تتعود تنام باحترامها.
سدد له نظرة تحذرية، اتبعها خشونته:
_ أنا أختي محترمة غصبا عن عين أي حد، متعكش في الكلام بدل ما تندم يا أحمد يا غرباوي.
ضحك بصوته الرجولي العذب، وعدل من صياغته:
_ خلاص حاول تقنعها إن عظمتي كبرت ومش حمل السهر ده.
أتجه للمصعد بابتسامة خبيثة، والمكر قد تساقط من حديثه:
_ يبقى تعقل كده وتأخد القرار السليم، عشان غلطة كمان والبيبي الجديد هيطلعك على القبر.
هرع تجاه المصعد والدماء تغلو غضبًا، وهو يتمتم:
_ آه يا وقح!!
تسرب له صوت ضحكات "عُمران"، فأرغمه على التبسم، وعاد لجناحه يهرول لفراشه بنعاسٍ يطبق أنفاسه.
الظلام يسيطر على المكان برمته، ومازال يمضي بطريقه تائهًا. استوقفه أنينًا مكتومًا، جعله يتتبع مصدره، فوجد شخصًا متكورًا على ذاته، يبكي بكاءًا غير طبيعي، وكأنه ينازع وجع شيء أصاب جسده.
انحنى يحيط كتفه، ليرغمه على رفع رأسه المدسوس بين ساقيه. رفع الباكي عينيه المتورمة إليه وناداه ببحةٍ محت نبرته:
_ علـي!
جحظت عيناه في صدمة، وعقله لا يستوعب ما يراه، لسانه تجلد حتى عن السؤال، كل ما يخرج عنه كلمة:
_ عُمران!
رد عليه ببكاءٍ مزق أضلعه:
_ مش قادر أقف!
أحاطه علي بخوفٍ، وقدم له كل الدعم الجسدي، حتى تمكن من أن يوقفه، يعاونه ليتحرك معه، ولكنه لم يستطع التحرك، مما جعله يعود لسؤاله:
_ مالك؟
انقطع عنه الحديث، وظلت نظراته توازي أخيه، فتحول قميصه الأبيض لوابل من الدماء، فاندفع إليه يفتش فيه بفزع:
_ مالـك؟؟
دار للخلف فصعق علي، بعد رؤيته جروحًا بالغة استهدفت جسده من الخلف، من أعلى رقبته حتى ساقيه، والدماء لا تتوقف عن الانهمار حتى صنعت بركة من حوله، جعلت الأخير يحاول الصراخ ولكن صوته كان كهفوةٍ اختنقت بالحلق.
فتح "علي" عينيه ونهض مفزوعًا على فراشه، العرق ينهمر على جبينه، ودقات قلبه تختلج عنفًا داخله. مال جواره يلتقط زجاجة المياه، ارتشفها بالكامل ومازال نبضه غير مستقر.
تفحص ساعته وخطف نظرة يتفحص بها زوجته، فوجدها تغفو في سلامٍ. أبعد الغطاء عنه وهرع للأسفل يبحث عن أخيه، وهو يعلم جيدًا بأنه بذلك الوقت يختلي بنفسه بالحديقة لقيام الليل.
انقبض قلب "علي" حينما وجد سجادته مفروشة، ولجوارها مصحفه مغلق، وكأنه غادر المكان. عاد للداخل ينزع هاتفه من جيب سرواله، يبحث عن رقمه، ولكن استوقفه صوت قادم من مطبخ القصر، فأسرع إليه.
عادت أنفاسه لمجراها الطبيعي، حينما وجد أخيه يقف بالداخل، حاملًا شقيقتهما على كتفه، ويصنع لها الطعام وهو يخاطبها بنبرةٍ جعلت علي يبتسم لا إدريًا:
_ ثواني وأكل فيروزة هانم هيكون جاهز، من وقت ما أخدتك من مامي وإنتي قلقانه.
ورفع البيبرون يريها وهو يمازحها:
_ شوفتي بقى أن قلقك وخوفك مكنش ليهم داعي، أخوكي بيعرف يتصرف رغم قلة خبرته، أنا بابي ناجح وأحمد الغرباوي هو اللي فاشل.
استدار بها ليعود، فتفاجئ بأخيه على باب المطبخ، يميل برأسه على الحائط ويتابعهما بملامح غير مفهومة:
_ علي! بتعمل أيه هنا؟
استقام بوقفته ورنا إليه يكشف عن وجه الصغيرة بابتسامة جذابة، ثم مال يقبلها، وحملها منه، بينما يرفع بصره صوبه بارتباكٍ يحاول محوه بتصرفاته الشبه طبيعية:
_ مفيش، مكنش جايلي نوم، فنزلت أتمشى شوية قبل صلاة الفجر.
ردد بحماسٍ:
_ طيب هات فيري وإلحق صلي ركعتين قيام قبل الفجر.
انتزع حزنه ببسمة صغيرة، فعاد يضعها له مكتفيًا بهز رأسه. عبث عُمران بقلقٍ، فجذب البيبرون ولحق أخيه للحمام الجانبي. وقف يراقبه وهو يقف أمام حوض الاغتسال بشرود، فناداه:
_ علي! أنت كويس؟
أفاق من شروده، ففتح الصنبور وشرع بالوضوء وهو يهز رأسه دون إصدار أي صوت، مما فشل في إقناع عُمران.
انتظره حتى خرج وسأله سؤالًا مباشر:
_ إنت مخنوق من حاجة؟
جذب "علي" سجادة الصلاة يفردها، ويثبت المصحف جواره ليتابع قراءته أثناء صلاة القيام، فالمستحب لصلاتها قراءة السور الطويلة، ويجوز حمل المصحف للقراءة منه في صلاة القيام.
انسحب عُمران للصالون المفتوح حينما وجده شرع بالصلاة، فترك له المساحة وغادر يطعم الصغيرة، التي استجابت له. مرر أصبعه على خصلات شعرها البني النابت بحنان، وهمس لها مبتسمًا:
_ بكرة هيطول متقلقيش.
ودس إصبعه بين كف يدها الصغير، فتحاملت عليه، فمال يقبل يدها، وقال ضاحكًا:
_ أيه النعومة والكياتة دي كلها، احط ايدك في توست نوتيلا وأكلها ولا أعمل أيه؟!
هزت يدها بعشوائية، فتحرر عنه ضحكة مسموعة، ومال يخبرها بصوتٍ هامس:
_ تمام تمام مش هسيب إيدك ولا هتخلى عنك أبدًا بس في مقابل للاسف ولازم توفي بيه، رجوعك يكون ليا في كل صغيرة وكبيرة، هتيجي في يوم تقوليلي أنا بحب فلان وعايزة أتجوزه هعلقك على باب القصر إنتي وهو، أنا كنت رحيم بشمس عشان كنت لسه داخل في علاقة حب مستجدة، لكن لما يجيلك الدور هكون طلعت على المعاش وعقلي هيكون أصغر من خرم الإبرة، أما عن خلقي فتقريبًا هيكون سافر مع شبابي، ها متفقين ولا عندك أي تعقيبات؟
_ وهو في حد عاقل هيوافق على جنانك ده!
رفع بصره تجاه أخيه الذي أجابه على سؤاله بسخرية، فمازحه:
_ أيه يا علي، أزاي تدخل علينا كده من غير ما تكح، بيوت الناس وأسرارهم ليها حرمة يا أخي.
اتجه إليهما، يجلس جواره، ثم حمل الصغيرة، يرفعها لكتفه ويطرق برفق على ظهرها بعد تناول الطعام، وقرر أن يجيبه:
_ هي دي أسرار، دي عقدك النفسية اللي هتخرجها بدري بدري عليها، بس متقلقش يا حبيبي أنا موجود وهعالجك.
منع ضحكاته من الظهور بينما يخبره بجدية مصطنعة:
_ أنا أحب شروطي تكون واضحة كلها من البداية.
هز رأسه بقلة حيلة، وعاد يضم الصغيرة على قدميه حينما وجدها قد غفت تمامًا. تردد إليه كابوسه السيء فجعله شاردًا.
تعجب عُمران من حالته الغامضة، وعاد يناديه:
_ علي!
لم يسمع حتى نداءه بالرغم من قربه منه، فحركه برفق:
_ روحت فين بقولك فيروزة خلاص نامت.
وزع نظراته بينه وبينها، فقال:
_ هات أدخلها في الأوضة اللي جوه.
منحه إياها وانحنى يستند على ساقيه، فاركًا يديه معًا. غاب عُمران دقائق وعاد إليه مصرًا لمعرفة ما به:
_ في أيه يا علي أنت مش طبيعي خالص!
سند ظهره للأريكة، وأرخى يديه من فوقه:
_ أنا كويس، متقلقش.
ترك محله ونهض يجاور محل جلوسه، وبنظرة جعله يستطرد:
_ شوفت كابوس ومتحاولش تضغط عليا عشان أحكيه.
ارتسمت ابتسامة حزينة على وجه عُمران، وهتف:
_ لما بنحلم بحد حلم وحش بيكون أول شخص بنجري عليه أول ما بنصحى، فنزولك هنا بيأكدلي إن الكابوس كان ليا صح.
ظهر الوجع بمُقلتيه، وبحشرجةٍ ذبحت قلب عُمران هدر:
_ بقيت شاعر كمان، أنا هطلع أكمل نومي، وهسيبك تنظر براحتك.
استوقفه بندائه، وإشارته لقدميه:
_ تعالى أرقيك يا علي.
استدار تجاهه مندهشًا، فوجده يتطلع له بجدية تامة:
_ مش هتعرف تنام صدقني.
تكوم الوجع داخله أكوام، وبتلك الجملة جعلته يتجه إليه. تمدد على الأريكة، واضعًا رأسه على ساقيه مثلما يفعل هو، فوضع عُمران يده على جبينه وأخذ يرتل بصوته العذب من آيات القرآن الكريم. صوته جعل علي يقشعر من شدة الخشوع، يدعو بداخله أن لا يتحقق حلمه مع أنه يعلم أن أخيه لن يتراجع عن ذلك.
مضت بهما الدقائق ولم يغفو لعلي جفنًا، لقد حال الكابوس بينه وبين نومه. فإذا بهاتف عُمران يصدح عاليًا، سحبه من جيب جاكيته المنزلي، يهتف بتعجب:
_ إيثان!
نهض علي يستقيم بجلسته جواره، بينما يجيب عُمران بدهشة من توقيت المكالمة، فوجده يقول:
_ اتاخرت ليه يا خواجة، مش عوايدك يعني تيجي المسجد متأخر، أنا واقف في البلكونة من ساعتها واستغربت أما ملقتش عربيتك، فنزلت سألت الشيخ مهران وقالي إنك شكلك مش جاي النهاردة!!
رفع ساعة يده يتفحص الوقت باستغراب:
_ أنا اتلهيت ونسيت خالص، وللأسف مش هلحق أجي، هصلي مع علي بالمسجد اللي بيصلي فيه جنب البيت.
= يعني أيه مش هتيجي تفطر معايا، إنت وعدتني يا خواجة.
ردد بسخرية مضحكة:
_ إغريني وأنا أجي.
ضحك وهو يخبره:
_ طعمية وفول من عند أم عزت، وبنجان مخلل، وهجيبلك فطير وعسل وجبنه قديمة من اللي قلبك يحبها.
ابتسم وقال:
_ هقابلك بعد ساعة في الجيم وننزل بعده نرتكب الجناية دي.
بحماس رد:
_ هستناك.
أغلق عُمران الهاتف، وأشار إلى علي:
_ يلا يا علي.
منحه ابتسامة جذابة، وقرر أن يشاكسه:
_ ابتديت تنفذ كلامي، فبدأت بتطوير علاقتك بإيثان.
ترك الهاتف عن يده، وقال مهمومًا:
_ بحاول والله، أنت عارفني دبش ومش بقدر أسيطر على لساني، أنا كل يوم بالشغل بشد مع حد من الموظفين وأرجع ألوم نفسي تاني!
وأضاف بحرج:
_ بقيت بعتذرلهم أكتر، ما بديهم راتبهم!
ضحك علي، فعاتبه عُمران بضيق:
_ بتضحك! علي ده عيب بشع فيا، ومش قادر أتخطاه، أول ما بتعصب بتحول 360 درجة، أنا بفكر أعين آيوب مكاني مع جمال، لاني مش بقدر أتعامل مع الموظفين، أنا برجع بليل افتكر الناس اللي زعلانين مني بيطلعلي لستة تدخلني جهنم حدف.
وأضاف وهو يغلق زر جاكيته استعدادًا للرحيل:
_ عايز أعلق ورقة على وشي، إني جوايا بلطجي بيتلكك على أي كلمة تعصبني عشان يخرج، وأفضل أنا أحمل ذنوب من وراه!!
قيد علي مجال حديثه، بثباته الرزين:
_ إنت إنسان يا عُمران مش ملاك نازل على الارض بجناحين، طبيعي إنك بتتنرفز وبتغلط زي أي إنسان، عارف إنك عصبي زيادة عن اللزوم بس مازلت بتحاول ولو فشلت كفايا أنك بتراجع نفسك.
ضحك مستهزئًا:
_ أراجع نفسي بعد أيه؟ أنا أي حد اشتغل أو اتعامل معايا، بيطلع يقول ده مغرور وشايف نفسه.
أمسك بعصب الحوار، فاذا به يشرق جانبه المعتم:
_ لو مغرور مش هتعتذر لما تغلط.
_ وليه أغلط من الأساس، ليه أخرج الغلط مني وأرجع أعاتب نفسي عليه!!
قالها مستنكرًا تقبل أخيه لعيوبه، فلم تهتز ثقة علي، وقال بصلابة:
_ لنفس الإجابة اللي قولتهالك من شوية، لإنك بني آدم مخلوق من طين، فعندك عيوب زي كل البشر.
ضم شفتيه ضيقًا، وراقب أخيه في محاولة لنطق القادم، فتشجع بالاعتراف:
_ وعندي الأنا عالية عندي أوي يا علي، مش بحب حد يعلي عليا، هعمل في دي أيه كمان!!
ضحك على تكشيرته، فبدا وكأنه يتعامل مع طفل صغير:
_ ولا حاجة، هتحاول تقلل الأنا اللي مضيقاك دي، ولو صدف وقبلت حد بيحاول يشوف نفسه عليك مع إني أشك في ده، حاول تتجاهله.
صرخ فيه بحدة:
_ أتجاهل مين، ده أنا أطلع روح أمه لو فكر يتمنظر عليا!!
راقبه بصمتٍ ثم توالت ضحكاته، بينما يشتد عبوس عُمران معاتبًا:
_ صدقت إن صعب أتغير!!
وأضاف وهو يقيم أخيه بنظرة طويلة:
_ هو أنا ليه مطلعتش هادي ومتواضع زيك يا علي؟
زحف بجسده حتى بقى مقابله:
_ هو إنت أيه مفهومك عن التواضع يا عُمران!
هز كتفيه بحيرة:
_ مش عارف، بس أنا شايفك متواضع.
ابتسم بحنان ودفء وصل لأخيه من محله، وقال بعقلانية:
_ لو إنت مش متواضع مكنش في علاقات صداقة في حياتك من حارة الشيخ مهران، ولا كنت حافظت على علاقتك بموسى وصابر، عُمران أنت أبعد ما تكون عن الغرور والتكبر.
وتابع علي حينما وجده يستمع بكل اهتمام له:
_ لو شايف إني هادي فده راجع لطبيعة شغلي، ودي ميزة بس بردو عيبها خطير، أنا في حياتي الاجتماعية مبقدرش أكون صداقات ولا بعرف أندمج مع أي حد، بحس إن طاقتي ومقدرتي مش كفاية عشان أدخل حد في حياتي.
وأوضح بحديثه المستفيض:
_ عندي أولويات وهي عيلتي، آه بقدر أدي مساحة لكل شخص بره العيلة سواء مريض أو شخص معرفة، بس هو ده آخري ظهوري لحل مشكلة فقط، لكن إنت عندك المقدرة تكون صديق ناجح وتؤدي دورك بردو مع عيلتك بشكل ناجح.
واتسعت بسمته وهو ينهي حالة الجدال القائمة بعقل أخيه الأصغر، بحديثه الذي ضمد كل جروحه:
_ لا أنا كامل ولا إنت كامل يا عُمران، كلنا فينا عيوبنا ومميزاتنا، فأوعى تكره نفسك، حاول تغير الوحش اللي فيك، عاتب نفسك بس متجلدهاش إنت بالنهاية بشر.
وقف علي يشير له:
_ ويلا علشان نلحق صلاة الفجر.
هز عُمران رأسه مبتسمًا، ونهض يتطلع له بنظرة عميقة، ودفع ذاته إليه، يضمه بكل مشاعر الحب الساكنة لقلبه. اتشحت البسمة على وجهه، فبادله الضمة بشدةٍ، وأقسم بأنه هو من كان بحاجة لضمه بعد رؤيته لهذا الكابوس البشع.
قاطعهما صوت الأذان، فابتعد علي بعدما سيطر على مشاعره ومسح دموعه الغائرة، ثم قال:
_ هنتأخر، يلا.
خرجوا معًا للصلاة، بعد أن تركوا الصغيرة برعاية المربية الخاصة بها.
أنهت صلاتها، ونهضت تعد الفطور الصحي المعهود لزوجها، والتي باتت تدمنه لحبه الشديد له، وخاصة الأفوكادو. اعتادت أن يعود من المسجد يشاركها طعامًا خاصًا بهما فقط، قبل تناوله برفقة الجميع بالتاسعة صباحًا، حتى ولو كان ذلك يقتصر على طبق من الفاكهة.
أغلق "علي" باب الجناح، ومضى شاردًا للداخل، حتى انتبه لها تقدم له ابتسامة يعشقها هو. رؤيته لتلك الراحة المنبعثة منها يزيل همومه، عينيها التي تجدد فيها أمل الحياة بعد قتامتها وتمنياتها للموت.
سحب نفسًا يستمد به طاقته ونشاطه، ثم اتجه إليها مبتسمًا، فقالت:
_ صباح الخير يا علي.
رد بصوته الدافئ وهو يسحب مقعدًا قبالتها:
_ صباح المسك يا روح قلب علي.
اتسعت بسمتها فرحة لدلاله المعتاد لها، فجلست قبالته باسدالها الرقيق، تعد له شطيرة خفيفة بالأفوكادو مثلما يحبها. قدمتها له، فتناولها هاتفًا:
_ تسلم إيدك.
تناولها بخفة وهو يتابعها تحاول صنع ما ستتناول، فاذا بها تترك كل شيء وتجذب بعض حبات الزيتون المخلل. قرب "علي" يده يقبض على كفها المغلق وببسمته الهادئة قال:
_ رجعي اللي أخدتيه للطبق يا فطيمة.
رسمت الحزن على ملامحها حتى يترك معصمها:
_ مش جايلي نفس للأكل، يمكن لما آكلهم نفسي تتفتح.
بقى بنفس ابتسامته وصبره:
_ رجعيهم مكانهم، أنا عارف نفسي هتتفتح بأيه.
عبثت وهي تترك ما بيدها له بضيقٍ، فضحك وهو يتأمل انزعاجها الواضح. نهض علي يتجه للبراد، يحمل بعض الفواكه ويتابعها وهي تستند على كفيها المسنود على الطاولة بغيظٍ. ضحك وهو يمضي للكورنر الجانبي، يضع ما بيده بالخلاط الكهربائي، ويهتف بمرحٍ:
_ متزعليش يا حبيبتي، ثواني وبابي راجعلك بحاجة هتحبيها وهترجعي لحضنه مكافأة ليه!
طعنته بنظرة مستهزئة، وعادت تتطلع أمامها، فازدادت ضحكاته، وهي تحاول حجب ابتسامتها على كلماته التي تستهدفها ليكون محور اهتماماتها رغمًا عن أنفها!
عاد بعد دقائق يحمل الكوب، جلس وهو يضعه من أمامها. كانت تشتهي الموالح ولكن في اللحظة التي تأملت بها ألوان الكوب الطبيعية اشتَهت أن تتذوقه، فجذبت الشلموه، وبدأت تتذوقه، فاذا بها تبتسم وتمتص جرعة كبيرة، هاتفة بإعجاب:
_ الله يا علي، ده جميل أوي.
منحها بسمة عاشقة، وقولًا دافئ:
_ هعملك غيره لو خلصتيه.
قالت تجاريه:
_ هأخده معايا الشركة، عندنا حاجات كتيرة مهمة لازم تخلص النهاردة لإن عُمران مسافر بكرة.
غامت رماديتيه بسكون، نما له بأفكار، ختمها بقوله الغريب:
_ فطيمة، أنا عارف إن اللي هقوله ده غريب، بس من فضلك ممكن تعمليه بدون نقاش.
تركت الكوب من يدها، وتساءلت باهتمام:
_ أعمل أيه؟
تعمق بعينيها ليستدر انتباهها لما سيقول:
_ لو لاحظتي حاجة مش طبيعية على عُمران، بلغيني بيها فورًا.
ساقها إحساسها لوجود خطبٍ ما:
_ ليه يا علي، هو في حاجة؟
استكمل تناول طعامه وهو يتصنع طبيعته:
_ أبدًا، أنا بس قلقان من موضوع سفره ده، المرة اللي فاتت اتهاجم لما فكر ينفذ مشروع واحد بس، المرادي رايح بمشروعين، ورافض أي حماية من الشرطة، إنتِ عارفاه دماغه ناشف وعنيد.
تفهمت ما قاله، وحاولت أن تطمن قلبه بكلماتها:
_ اطمن يا علي، المرة اللي فاتت كان بيوصله تهديدات على حسابه وكنت بشوفها، لكن المرادي مش بيوصله حاجة لإن اللي بيهددوه اتقبض عليهم، فاعتقد أي حد هيحاول يعمل كده هيخاف وهيفكر ألف مرة، عشان ميبقاش مصيره زي اللي راحوا.
تصنع ابتسامة صغيرة، يخفي بها توتره الشديد، لجأ لسبب وهمي ليبلغها بأن تراقب أخاه بشكلٍ غير مباشر، فلم يعد هناك خطورة على حياته بتنفيذ مشاريعه، الخطر الحقيقي يكمن بقراراته وفيما هو ماضٍ إليه!
ارتدى ملابسه الرياضية، وانحنى يربط حذائه الرياضي. ارتدى قفازاته السوداء لتساعده على حمل الأثقال، وجذب حقيبة ظهره يضع بها بذلة أنيقة وحذاءً يليق بها، البرفيوم الخاص به ومشط صغير، حتى ساعته الفخمة لم ينساها، ومشروبه الذي يتناوله بالجيم وضعه بها.
حملها على كتفٍ واحد، وانطلق تجاه فراش زوجته. اندهش حينما لم يجدها مستيقظة ككل يوم لقضاء صلاة الفجر، حتى وإن استغرقت بالنوم كانت تستيقظ فور شعورها به بالغرفة. انحنى عمران تجاهها، وناداها بخفوت:
_ مايـا.
تمتمت بخفوت ومازالت تسبح بنومها. مرت يده على خدها وهو يعود لندائها:
_ مايــــا.
فتحت عينيها بتعبٍ يبوح به احمرار حدقتيها. راقبها والقلق قد ساوره:
_ مَقومتيش تصلي ليه؟ وعنيكي مالها حمرا كده؟
أجابته بصوتٍ جاهدت لتجعله طبيعيًا:
_ روحت في النوم ومحستش، هقوم أتوضى وأصلي حالًا.
مرر يده على خصلات شعرها الغير مرتب:
_ لو تعبانة صلي وإنتي قاعدة.
هزت رأسها ونهضت تهاجم تعبها، الذي يجعل الكسل يكاد أن يتمكن منها، ولجت للمرحاض، وخرجت بعد دقائق، فوجدته مازال يجلس بالخارج، فتساءلت بدهشة:
_ إنت لسه هنا؟
ابتسم لها بجاذبيته التي لحقت نبرته الرخيمة:
_ مش جايلي قلب أمشي إلا لما أطمن عليكي يا بيبي.
أبعدت المنشفة عنها وقالت بابتسامتها الفاتنة:
_ أنا كويسة، روح إنت عشان متتأخرش على معادك في الشركة.
نهض يجذب اسدالها، ناوله إياها، ثم ثبت سجادتها ومقعدًا يريحها به، ومال يقبل رأسها:
_ حاضر، خلي بالك من نفسك، ولو احتاجتي حاجة اتصلي بيا، اتفقنا؟
أكدت بايماءة رأسها، فغادر بعدما شعر بأنها تحسنت، ومضت مايا بقضاء صلاتها.
وصل "عُمران" إلى حارة الشيخ مهران، قاصدًا الجيم الرياضي. شرع بأداء تدريباته، حتى انتهى تمامًا بعد ساعة كاملة، فجلس يجفف وجهه بالمنشفة، ويرتشف بعض المياه، ثم جذب هاتفه يراسل إيثان متعجبًا من عدم حضوره، فوجد هاتفه مغلقًا.
حمل حقيبته واتجه إلى البوتيك، فوجده يجلس بالداخل ويبدو أنه ينتظره. ترك حقيبته على إحدى المقاعد، وجلس أمامه يتطلع له بدهشةٍ، لم تصل لنبرته الساخرة:
_ خلعت من الجيم ليه يا إيثو، مالكش في اللعب على غير ريق، ولا خايف تقع من طولك؟
طالعه بصمتٍ كان يزيد من دهشة عُمران، حتى حطمه بسؤاله:
_ إنت ليه بتعمل معايا كل ده؟
رمش ببراءة، مدعيًا عدم فهمه:
_ عملت أيه؟! ما تخش دوغري وتفكك من تكشيرة وش الستات دي!
سحب هاتفه وسلطه بوجه "عُمران" الذي منحه نظرة قصيرة ثم قال بثبات:
_ أوه غيرت صورة البروفايل، مبروك!
صفق الهاتف على الطاولة، وصاح بغضب:
_ خواجة متتصعش عليا، أنت عارف إني بوريك عدد المتابعات اللي زاد، ولما استغربت الحوار، اكتشفت إنك عامل لي ترويج على صفحتك!
وأضاف والحيرة تقطر من حديثه:
_ في أيه رفضت إني أصوّركم وكنت معارض الفكرة وفي أيه نزلتها، وأنت ليه بتساعدني وبتعمل معايا كل ده أصلًا!
وتنهد وهو يعبث بتفكيرٍ لفظه بسؤاله الأبله:
_ خواجة هو انت عندك فشل كلوي وعايزني أتبرعلك بكليتي، فبتغرقني بجمايلك عشان أوافق؟
أغلق عُمران عينيه وسند رأسه للمقعد الخشبي من خلفه، فرطم القلق إيثان الذي أخذ يتساءل:
_ خواجة، مالك؟!
أجابه ومازال يغلق عينيه:
_ بتمرن.
زوى حاجبيه باستغراب:
_ على أيه؟
اجابه بنفس وتيرة الهدوء الخطير:
_ على تطبيق نصايح دكتور علي، ههدى وأرجعلك.
ضحك وهو يتمازح:
_ طيب ما تتأخرش عليا، أصلك بتوحشني.
انتصب بوقفته يستغل انحناءته للاطمئنان عليه، فقبض ياقة قميصه بيده وبالأخرى يخنق أوردته، وابتسامته الشيطانية تحتله بفظاظة نبرته:
_ مقدرش أتأخر عليك يا إيثو، ده أنت حبيبي.
ابتلع ريقه بارتباك من انقلاب معالمه لشيء لا يمت للهدوء بصلة، بينما يستكمل عمران بابتسامة خطيرة:
_ أنا أقول على نفسي صايع، أقول على نفسي بلطجي، أنا حر لكن أنت No يا إيثو، مالكش مطلق الحرية تقول عليا صايع، ولا ترمي إفيهات عليا أنا، لاني ببساطة هفلق جبهة أمك وقتي، فأهدى كده وإعرف تمامك، ده لو عايزنا نمشي في نفس السكة مع بعض.
هز رأسه بكثرة، وهو يقول:
_ فهمت، اهدى انت بس وصلي على النبي.
ضحك على حديثه، وقال:
_ عليه أفضل الصلاة والسلام، إنت كده عرفت المهدأ النفسي ليا.
قالها وعاد يجلس محله، يضع ساقًا فوق الأخرى، وهو يطرق مكتبه بأصابعه مطلقًا صفيرًا مستمتعًا، والآخر يراقبه بصمتٍ. تمزق حينما سأله عُمران باستهزاء:
_ كنت سامع إن في فطير وفول وطعمية، كلامك ساح بدري بدري يعني!
نهض يخبره بسعادة رسمت عليه فجأة:
_ بجد هتفطر معايا؟
ضحك وهو يجيبه:
_ وأنا من أمتى برجع في كلامي، قولتك هاجيلك وهفطر معاك، واديني جيت وواقع من الجوع بعد الجيم.
أبعد المقعد وهرع للخارج يخبره:
_ هـــــــــواااا.
غادر إيثان تاركًا عُمران من خلفه يلهو بهاتفه، وحينما ولج للبوتيك بعض الشباب، نهض يساعدهما باختيار ما يناسبهما. وحينما عاد إيثان يحمل صينية الطعام، وقف على باب المحل مندهشًا، حينما وجده يضع المشتريات بالاكياس البلاستيكية التي تحمل شعار البوتيك، ويقدمها لهما بابتسامة لبقة، ويضع الأموال بدرج الخزانة الخاص بإيثان.
دنا يضع الصينية على المكتب الفاصل بينهما، رفع عُمران الغطاء الأبيض عن الطعام، وبدأ يتناول طعامه بنهمٍ، بينما يراقبه إيثان مشدوهًا، حتى انتبه له الأخير، فردد بذهول:
_ مبتاكلش ليه؟
تنهد بارهاقٍ وقال:
_ هو إنت دنيتك راسية على أيه يا خواجة، حيرتني معاك، لسه من شوية نافش ريشك عليا عشان تفكرني إنك طاووس ووقح، وأدخل ألاقيك بتعامل الزباين بمنتهى التواضع، هو إنت مين بالظبط؟!
قهقه ضاحكًا، وقال:
_ والله يا إيثان أنا نفسي ما أعرف أنا أيه، بس شوف أيًا كان اللي أنا عليه فأنا معجب بيا، مبحبش أكون مفهوم لحد، فكده أنا متكيف بصراحة.
زم شفتيه بعدم رضا، وشرد مجددًا، فصاح عُمران بضيقٍ مصطنع:
_ هتأكل ولا أقوم أغير هدومي وأمشي، أنا ورايا شغل ومش فاضي للعب العيال ده!
قال يستجديه بهدوء:
_ طيب رسيني على حوار الصفحة ده!
زفر بنزقٍ، وسحب المناديل الورقية يجفف يديه، ثم قال بنبرة عقلانية بعض الشيء:
_ أنا مكنتش معارض الفكرة نفسها، بس إنت مستفز وعارف إني مش بحب لوي الدراع، ده بالنسبة لتبرير طردك من البوتيك، بالنسبة للمتابعات اللي زادت عندك فده راجع لشغلك مش ليا، الموضوع بس كان عايز شوية ذكاء في الدعاية.
دى لا يستوعب ما يقول، فشرح له عُمران:
_ فكرة القناع كانت كلاسيكية وظريفة، وكمان في وسط الحارة ده شيء ملفت ويعمل جدل، وهو ده المطلوب، يعني لو أنا مثلًا صورتلك علبة جبنة في وسط سوبر ماركت، هتهتم تدقق في الصورة وتشوف التفاصيل اللي جواها، لإنك خلاص عقلك رسم لك باقي التفاصيل من قبل ما تبص فيها، سوبر ماركت هيكون فيه أيه طبعًا غير الجبن وكام حاجة معروفين، لكن لما آخد علبة الجبنة وأحطها في مكان مختلف عن مكانها وأحط مثلًا حواليها أي نوع شوكولاتة، التصوير نفسه هيكون مستفز وملفت، وده اللي عملته لما صورت بره البوتيك.
وانهى حديثه بجملة:
_ فهمت! ينفع أكمل أكلي بقى ولا هنقضيها رغي!
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه، وقال بامتنان:
_ خواجة إنت راجل جدع وابن بلد، أنا مبقتش عارف أشكرك على أيه ولا أيه؟
سحب قطعة الفطير يتناولها وهو يخبره:
_ أشكرني بإنك تسيب آيوب في حاله، ده عريس وفرحه جه بعد عناء وصبر، فلم روحك شوية عشان ما أريحكش منها.
تساءل بعدم فهم:
_ تريحني من أيه؟
أجابه ببرودٍ مضحك:
_ وحياة الست الوالدة تركز معايا، مبعدش كلامي مرتين أنا!
فتح عينيه بانزعاج حينما تسلل له رائحة حريق، جعله يسعل مرارًا، وما زاده رعبًا حجم الأدخنة التي وجدها أمامه، فانتفض بالفراش يبحث عن زوجته، وحينما لم يجدها هرع للخارج يناديها:
_ سـدن!!
انتبه للمطبخ القادم منه الأدخنة، فصعق حينما وجدها تحاول إنقاذ المقلاة التي تفحمت من النيران التي أشعلتها.
أبعدها آيوب للخلف، صارخًا فيها:
_ ايدك، حاسبي.
وحمل المقلاة بإحدى الأقمشة، ثم أسرع بفتح الصنبور فوقها، وفتح النافذة وشفاط الهواء. استغرق الأمر خمسة وعشرون دقيقة حتى هدأت الأجواء، وعادت الرؤيا تتضح له، فوجدها تجلس على سفرة المطبخ باكية، وبتلعثمها الذي يعشقه قالت:
_ أنا آسفة آيوب، أنا كان نفسي أعملك أكل كتير ويصحيك تأكل، بس مش عارف حصل أيه!
تبدد خوفه وتوتره اللحظي، لابتسامة ناعمة:
_ طيب ومصحيتنيش ليه؟
رددت وشفتيها تميل للأسف:
_ كان نفسي أعملك مفاجأة.
وضع يديه بمنتصف خصره، وأخذ يراقب الأضرار التي ستحتاج لنظافة عميقة، هاتفًا بسخطٍ:
_ هي فعلًا مفاجأة!
وعاد يتطلع لها مجددًا:
_ هتساعديني لما ننضف الجريمة دي، ولا أبلغ عنك الحاجة رقية؟
ردت بكل تأكيد:
_ هساعدك آيوب، بس بسرعة قبل الحاج رقية ما يجي.
ضحك بصوته كله، ومال يقبل يديها، قائلًا:
_ يلا يا أخرة صبر آيوب!
بالأعلى.
حزمت "خديجة" حقيبتها الصغيرة، وقد وضعت بها القليل من الملابس، ثم خرجت ليونس الذي جلس ينتظرها، فما أن رآها حتى استقام بوقفته قبالتها.
أخفت وابل الخوف الممطر بعينيها، ورددت:
_ أنا جاهزة يا يونس.
ازدرد ريقه القاحل ببطء، وحرر نبرته:
_ مصرة بردو متعرفيش حد.
تركت ما تحمله وقالت بخجل:
_ الموضوع محرج بالنسبالي يا يونس، مش عايزة حد يعرفه، وكمان أنا أجلت العملية لبعد الفرح، ده التوقيت المناسب، الكل مشغول بآيوب وسدن، محدش هيركز معايا.
وأضافت بنغزةٍ انتقلت لقلب زوجها تلقائيًا:
_ أنا مش عايزة حد يعرف إننا مش قادرين نعيش حياتنا بشكل طبيعي يا يونس، أنا عارفة إنك مستحيل تتكلم مع حد في أي شيء يخصنا، لكن مجرد ما حد يعرف إني عملت عملية تجميل، يبقى كل اللي خبيته اتعرف.
اخشوشنت نبرته الحادة:
_ اللي يعرف يعرف يا خديجة، محدش هيحاسبنا على حياتنا، إحنا مرينا باللي لا يمكن حد يقدر يتحمله، فمفيش حد هيكون عنده الجرأة يجي ويتكلم في شيء.
ردت بحزنٍ شديد:
_ محدش فاهم ولا عارف حاجة عن اللي مرينا بيه غير الشيخ مهران والحاجة رقية وآيوب، دول اللي هيقدرونا وهيشيلونا فوق راسهم، أنا هعرف الحاجة رقية بس لما نرجع.
هز رأسه بتفهم، وانحنى يحمل الحقيبة، قائلًا:
_ فارس هيفضل مع إيثان، أنا فهمته إننا رايحين فرح حد من أهلك وهنرجع بعد يومين.
منحته ابتسامة أخفت فيها ارتباكها وتوترها الملحوظ، فترك الحقيبة واقترب يضمها هامسًا:
_ متخافيش من حاجة، أنا مش هسيبك يا خديجة، أنا هفضل جنبك.
شددت من التعلق به، وقالت ببكاء:
_ سامحني لو معرفتش أعوضك عن كل اللي مريت بيه، أنا كنت ابتلاء عليك طول الفترة اللي فاتت.
مال يقبل جبينها بعشق، وصرامته توقف حديثها:
_ إنتي عمرك ما كنتِ ابتلاء يا خديجة، إنتِ دعوتي المستحيلة اللي مبطلتش أدعيها وأنا على يقين إن مفيش مستحيل على ربنا عز وجل، وأدي الدعوة استجابت وبقيتي ليا من تاني!
رددت ببحةٍ جرحت صوتها:
_ بحبك يا يونس.
ابتسم وقال بعشق:
_ وأنا بعشقك يا ست البنات!
ولج "عُمران" لمكتبه، ومن خلفه يتبعه "حسام" حاملًا للتابلت، ينقل له مواعيده واجتماعاته الهامة، يلخص له سريعًا النقاط التي سيبدأ العمل عليها، فأشار له أن يغادر، وبدأ بالعمل على ما قدم له.
مضت ساعتين كاملتين، حتى أتاه اتصالًا من حسام يخبره بأن نعمان بالخارج ويود مقابلته. زفر بضيقٍ، وقال:
_ دخله ما أنا عارف إنه يوم ما يعلم بيه إلا ربنا.
وما أن وضع سماعة الهاتف حتى تعالى رنين الآخر، رفعه عمران وهو يهتف بفظاظة:
_ نعم، مين؟
أتاه صوت جمال الضاحك:
_ لو متعصب أرن عليك وقت تاني.
أتاه ردًا مرحبًا:
_ يستحسن.
قالها وأغلق بوجهه، فعاد يدق مرة أخرى وهو يخبره:
_ يوسف اللي قايل لي أرن أسألك لقيت كرفان مناسب؟
أغلق الهاتف بوجهه دون أي رد. فرن لمرته الثالثة وتلك المرة هدر عمران من بين اصطكاك أسنانه:
_ رنة تانية وهاجي ألبس التليفون في وش أمك!
= طيب اسمعني بس.
قطع نقاشه بحدة:
_ اللي بيني وبينك حدود أوضة واحدة، يوسف في أمان بالمخروبة بتاعته، إنت لأ، احسبها صح يا عبحليم.
عاد يغلق بوجهه، ويستمد أنفاسه الهادرة ليستقبل هذا البغيض. جاهد عمران ليحافظ على ثباته، بتمارين الاسترخاء التي تلقاها مؤخرًا من أخيه.
اتسعت ابتسامة نعمان فرحة حينما قبل عمران بلقائه السريع، فأسرع ليضمه كتحية مبدئية، ولكن ذراعه اعترض طريقه قائلًا:
_ ما تفكك من جو العشق الممنوع ده عشان مبيأكلش معايا يا خال، مش خلاص فضناها وخلصت، جاي ليه؟
غامت ملامحه بحزن، وقال:
_ مش إنت سامحتني.
رفع إحدى حاجبيه بسخطٍ:
_ ده حلم شوفته ولا سيناريو بترسمه عشان تريح ضميرك.
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة، واستدعى كلماته التي جعلها مؤثرة قدر ما تمكن:
_ هو أنا طالب كتير، كل اللي بطلبه إنك تسامحني.
ربع يديه أمام صدره العريض، يتفحصه بنظرة ساخرة:
_ واللي إنت عملته كان قليل! نعمان يا غرباوي وفر مجهودك ومحاولاتك دي مع المدام اللي خلعتك يمكن هي تحن وتشفق عليك وترجع لك مع إني أشك في ده، زمانها ما صدقت تروق من سحنتك!
تعجب من اندفاعه الشرس، وردد:
_ هو أيه اللي حصل، مش أخر مرة كنت بتتكلم معايا عادي وآ..
قاطعه بحدة وغضب:
_ عمر اللي بينا ما هيبقى عادي يا نعمان، إنت ناسي إنت عملت أيه؟! أنا مش معترض على علاقتك بفريدة هانم دي مهما كان أختك، لكن أنا اللي مش هسمح لك تتخطى حدود فرضتها بينا، فابعد بمنتهى الهدوء وسبني.
جر أذيال الخيبة، وغادر بينما يجلس عمران على كرسيه، وأنفاسه اللاهثة تجعله كمن كان يقود حلبة مصارعة طاحنة.
دق باب المكتب، وولجت فاطمة تحمل حاسوبها، وضعته أمامه وقالت:
_ عمران المصانع اللي طلبت منهم الماكينات بعتوا الصور ومعاهم العقود، أنا معنديش خبرة بالعربيات ومش عارفة أرد بأيه؟
وجدته شاردًا حتى أنه لم يشعر بدخولها، فنادته لتلفت انتباهه:
_ عُمــــــران!
تحطمت دائرة شروده حينما هتف:
_ فاطيما، أنا آسف مخدتش بالي منك.
وسألها وهو يميل تجاه شاشة الحاسوب:
_ معاكِ.
عادت تكرر حديثها مجددًا، وهو يتابع الصور والعقود، ثم قال:
_ أنا كمان معنديش الخبرة الكافية عشان أقيم، ابعتيلي نسخة من العقود والصور وهبعتهم لحد متخصص، قبل ما نوافق عليهم.
هزت رأسها بخفة، ومالت تحمل الحاسوب، وتتجه للمغادرة، في نفس توقيت اقتحام جمال للمكتب، فارتطم بها بشكلٍ عنيف، أسقط حاسوبها، وجعلها ترتد للحائط بقوةٍ ألمت معصمها.
نهض عُمران عن مكتبه سريعًا، ينحني ليجذب الحاسوب ويسرع لها متسائلًا بقلقٍ:
_ فاطمة أنتِ كويسة؟
تفحصت ذراعها بوجعٍ، واصطنعت نبرة عادية:
_ الحمد لله.
_ أنا آسف يا بشمهندسة، أنا آ...
قطعت فاطمة جملة جمال:
_ حضرتك مغلطتش أنا اللي كنت مشغولة في اللاب ومخدتش بالي.
سدد له عُمران نظرة حارقة، وتمتم ساخطًا:
_ لا هو اللي دايما بيقتحم مكتبي زي التور، بيلحق قبل ما أطرده من على الباب.
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_ هو أنا بوصل للباب أصلًا، أنا بأخد إنذار الطرد من مكتبي!
تجاهل ما يقول، وفتح الحاسوب يتفحصه، وحينما انتهى قدمه لها قائلًا:
_ اللاب فيه خدش بسيط في الشاشة، استعمليه مؤقتًا لحد ما أطلب لك واحد غيره.
حملته منه قائلة ببسمتها الرقيقة:
_ مفيش داعي، اللاب الأساسي بتاعي في البيت.
وأضافت وهي تغادر:
_ هروح أكمل شغلي.
ابتسم لها باحترامٍ:
_ اتفضلي.
غادرت وأغلقت الباب من خلفها، فلكز عمران جمال بغيظ:
_ مش تأخد بالك يالا، داخل شبه التور ولا على بالك حد!!!
زفر بنفاذ صبر وقال:
_ خلاص يا وقح، ما المدام فاطمة زي الفل أهي.
لكزه مجددًا بعصبية:
_ احمد ربنا إنها عدت ومتأذتش، البنت حامل يا بجم!
حك رقبته بحرج من فعلته، وردد:
_ الحمد لله ربنا سترها.
وأضاف ببسمة واسعة أضحكت عمران:
_ المرة الجاية هرمي فرامل وتيلكس قبل ما أدخل، مرضي كده يا طاووس!
هز رأسه بغرور، وأشار لمقاعد المكتب:
_ تعالى اقعد.. تشرب أيه الأول؟
وما كاد بأن يحمل سماعة الهاتف ليطلب سكرتيره الخاص، حتى وجده يقتحم الغرفة هو الآخر ويصيح برعب:
_ إلحق يا مستر عُمران!
ألقى عُمران الهاتف بتعصب شديد:
_ إلحق أيـــــــه تـــــــــاني إنت حكايتك أيه النهارده بروح أمك إنت كمان، قطعتلي الخلف من ساعة ما رجلي دبت أم المروستان ده!!
ارتعب حسام حينما رآه بتلك العصبية الشديدة، واتنقل ببصره إلى جمال الذي شجعه قائلًا:
_ ارمي المصيبة واجري على بره.
فعل مثلما قال، وفاه قبل أن يركض للخارج:
_ نعمان الغرباوي طب ساكت بالجراج تحت!
مال جسده الواشك على الانهيار، هاتفًا بحنق:
_ يعني سايب الدنيا كلها وجاي يفلسع عندي هنا!
كان يتمدد أرضًا جوار سيارته، يلتف من حوله عدد من موظفي الشركة، ولم يجرؤ أحدهم على الاقتراب منه.
توقف مصعد الشركة، وخرج منه جمال ومن خلفه يواصل عُمران خطاياه الباردة، كان متبلدًا، يقسم أن رؤيته له بتلك الحالة لن تحرك فيه شيئًا. تحطمت آماله المبالغ بها، فور أن رآه بتلك الحالة، وهو الذي لم يهن عليه وجع رفيقه وزوجته، لو تعلق الأمر به فقط، لغفر له ما فعله عن طيب خاطر، ولكن الأمر يخص ثلاثة أطراف غيره.
توسعت مُقلتيْه صدمة من الوضع الذي وجده فيه، كان يظن بأنه ولربما يعاني من دوار عنيف، أو عساه يصطنع فيلمًا حتى ينال مبتغاه من صفح عُمران عنه.
تخطى عُمران جمال بعدما كان يسبق خطواته البطيئة، مر من حول الشباب يصرخ فيهم بغضب:
_ إنتوا واقفين تتفرجوا عليه!!
وانحنى إليه يتفقده بقلقٍ، وخاصة حينما مال برأسه فوق صدره حينما شك بأنه غادر الحياة بالفعل، فوجد دقات قلبه بطيئة للغاية، فتش "عُمران" بجيب جاكيته، يحاول الوصول لهاتفه، فتذكر بأنه تركه بالأعلى، فرفع بصره لرفيقه يطالبه:
_ اتصل بعلي يا جمال، قوله يبعت عربية الإسعاف بسرعة.
استنكر جمال فعلته، ووقف يتطلع له بضيقٍ، وتردد بفعل ما يطالبه بفعله، ذلك اللعين هو من قام بتعرية زوجته ورفيقه، ذلك هو ذاته الذي كان سيجعله يفقد ابنه وزوجته وربما كان ليفقد أعز صديق وأخ يمتلكه. قبض على هاتفه بغضبٍ، ومع ذلك حرر الاتصال بعلي، الذي هتف بحبورٍ:
_ إزيك يا بشمهندس.
_ عايزين الإسعاف على الشركة.
رددها جمال بإيجازٍ أسقط قلب "علي"، فصرخ بجنونٍ أكاد بأن يفقده الوعي:
_ عُمـــــــــران ماله يا جمال، أخويا حصله أيـــــــه؟
لعن ذاته بأنه تسبب له بذلك الفزع، وأسرع يوضح له:
_ لا لا عمران كويس وزي الفل الحمد لله، ده نعمان اللي واقع من طوله، يا رب يكون فطس عشان نرتاح.
تسنّى له سماع صوت تنهيدة عميقة، وبعد دقيقة قال:
_ هبعتلكم الإسعاف حالًا.
بالطابق المخصص للأطفال.
وقفت جواره حتى انتهى بالكشف على الصغيرة، ثم اتجه للمكتب ليدون الأدوية المطلوبة لها. عدلت لها "زينب" ملابسها بذاتها، رافضة أن تفعل ذلك الممرضة، وحملتها وهي تربت عليها بحنان وابتسامة صافية، سلبت عقل ذلك الرجل الذي يتابعها بنظرات وقحة، وخاصة حينما استمع لصوتها الرقيق:
_ ربنا يشفيهالك ويبارك لك فيها أنت ووالدتها يا رب.
تعمد أن يقترب بمساحة غير مسموحة، وهو يقول لها بنبرة ثعبانية:
_ والدتها متوفية من شهرين، وأنا اللي قايم بيها.
وخز قلب "زينب" الرقيق، لمعاناة تلك الطفلة التي تبلغ الأربعة أعوام، فضمتها وهي تهمس بخفوت:
_ يا حبيبتي!
وعادت تذعن لحكمة الله هاتفة:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربنا يرحمها ويغفر لها.
ردد وهو يلتقطها منها متعمدًا لمس كف يدها، بشكلٍ أفزعها وجعلها تشهق بصوتٍ لفت انتباه "سيف" الذي رفع رأسه ليتفاجئ بقرب هذا الوضيع من زوجته، فابعد مقعده بقوةٍ رطمته بالحائط من خلفه، وهو يصبح بعنفوانٍ:
_ أنت مقرب منها كده ليه يا حضرة!
ظن أنها لقمة سائغة، فقال بخشونةٍ مصطنعة، مدعيًا فيها الرجولة غير المكتملة:
_ الله وإنت مالك يا دكتور، بنت خالتي وبتطمن على البت، وقريب هنقرأ الشبكة وهنعزمك بإذن الله.
كادت عيناها أن تخرج من محجرها، بل رددت بتيهة وتلعثم:
_ آآ... تآ... هو... اسمعني... دكتور.... يا سيف آآ..
أشار بكف يده يخرسها، ومازالت عيناه تتلقف من يقف أمامه، فرددت زينب تتوسل له:
_ سيف بلاش!
رسم ابتسامة مرعبة للرجل، وقال:
_ يا راجل مش تقول، كنا على الأقل نبل الشربات.
اتسعت ابتسامة الرجل بتباهي، بينما يجذب منه الصغيرة، ويقدمها لزوجته قائلًا بأمرٍ قاطع:
_ خديها واستنوا بره شوية.
حملت منه الصغيرة، وترجته وهي تكاد تبكي:
_ سيف آ...
أغلق الباب بوجهها، فمالت من فوقه بقلة حيلة وهي تستمع لصوت المفتاح يغلق من الداخل، والرجل يصيح بغضب:
_ إنت مودّي بنتي معاها على فين يا جدع إنت!!
نزع سيف البلطو الطبي، وقال مبتسمًا:
_ متقلقش أنا بعمل فيك جميلة.
تساءل بعدم فهم:
_ جميلة أيه؟
ناوله أول لكمة قوية أطاحت به أرضًا، وانبطح من فوقه يجيبه ببسمة واسعة:
_ مينفعش نجيب للبنت عقدة لما تشوف أبوها البقف بيتضرب.
وعزف بيديه معًا سمفونية يتبعها قوله:
_ بقى إنت بتتحرش بمراتي وقدام عيني، ده إنت هيطلع عين أمك هنا!
الصمت المطول تبعه صوت صراخ الرجل، انتفضت زينب محلها، وتحركت بالصغيرة الباكية بارتباك:
_ هيموت الراجل، أعمل أيه أنا دلوقتي؟
اهتدى عقلها للطابق العلوي، فركضت بالصغيرة الباكية هاتفة:
_ يوسف، هو مفيش غيره اللي هينجدني!
وبالفعل اقتحمت مكتبه، فوجدته يجلس جوار إحدى الحالات يتفحص نبض الجنين، فاذا بمن تقف فوق رأسه بشكلٍ أفزع المريضة وأفزعه هو شخصيًا، فازدرد ريقه وهو يحاول رسم بسمة صغيرة:
_ دكتورة زينب، أكيد في حالة ولادة مستعجلة صح؟
وزعت نظراتها تجاهه وتجاه من تراقبهما بنزقٍ، ثم قالت:
_ مستعجلة أوي أوي، قوم معايا بسرعة يا دكتور.
قالتها وهي تجذبه من أعلى المقعد، فسقط أرضًا من دفعتها، ونهض يعدل من نظارته التي سقطت مع سقوطه بشكل مضحك، ولكن بكاء تلك الصغيرة أرعبه، فسألها:
_ مين دي؟ إنتي هوسك المرضي إنك تكوني أم يوصلك إنك تخطفي طفلة بريئة من أهلها يا زينب؟
كزت على أسنانها بغيظ وقالت:
_ خطف أيه، دي بنت الحالة اللي بتفرفر جوه تحت إيد أخوك.
جحظت عيناه صدمة وفاه ببلاهة:
_ ومال سيف ومال قسم جراحة النسا!
ردت بابتسامة واسعة:
_ لا قلبه قسم جراحة عقم وبواسير!
وصرخت فيه بجنونٍ بعدما فقدت صبرها، للحفاظ على سمعة المركز أمام المريضة:
_ إلحق أخوك هيقتل الراجل وهيتعدم!!
قالتها ومن بعدها اختفى يوسف من أمامها، قفز فوق الدرج وسقط على آخر الدرج، فتفاجئ بيدٍ تعاونه على الوقوف، عدل من نظارته وردد بتعجب:
_ جمال! إنت بتعمل أيه هنا؟
أجابه بنفور والضيق يستولي عليه:
_ جاي مع عُمران، خاله الزفت نعمان مغمي عليه، عقبال ما نطلع على الدفنة.
تغاضى عما قال وهتف بفرحة:
_ عُمران هنا؟
هز رأسه بتعجب لحالته المزرية تلك، فدفعه بشكلٍ مفاجئ وقال:
_ وريني مكانه بسرعة، مستقبل سيڤو في خطر!!!
حملوه الأطباء لغرفة الجراحة، واتجه عُمران للمقعد المعدني يجلس من فوقه باهمال، فاذا بنداء علي المتلهف يناديه:
_ عُمـــــــــران!
ردت روحه إليه حينما وجده بخير، بالرغم من الحزن الثاقل من فوقه. عاد يقبع رأسه أرضًا، وما أن شعر بجلوسه جواره، حتى قال بضيق:
_ قولتك إني بقع في دايرة العتاب واللوم على طول.
وأوضح حديثه الغامض حينما استطرد:
_ كان عندي وعايزني أسامحه بس أنا مقدرش أسامح بالبساطة دي يا علي، الموضوع مكنش بتاعي لوحدي، فيه أطراف كتيرة اتضرّت نفسيًا وجسديًا فيه، أنا أقل واحد خارج بخساير، مش هقدر أسامحه على وجع جمال وهو شايف مراته بالوضع ده، ولا قادر أصفح له الألم النفسي اللي عاشته مايا، ولا اللي أنا عشته وعانيت منه، مش هقدر أسامحه يا علي، مش هقدر.
ضم كفه بين كفيه وقال بهدوء نبرته:
_ مش مجبور تسامح، أهدى وبطل تلوم نفسك.
ابتسم ساخرًا، والوجع يتراقص بعينيه:
_ إزاي وهو هنا بسببي، والله أعلم هيعيش ولا هشيل طول عمري أتعذب بتأنيب ضميري!
هدر فيه علي بصرامة:
_ ده قدره ومكتوب له، كفايا اللي بتعمله في نفسك ده، أنا الصبح قولتك إنك إنسان مش ملاك، هتقدر تسامح في حقك مرات وهيجي عليك الوقت اللي متقدرش تعملها، كل دي صفات عادية وعند كل البشر، فاهمني.
هز رأسه ببطء، فضمه علي ومازحه بابتسامة هادئة:
_ قولي بقى أيه رأيك في التجديدات اللي عملتها في المخروبة، عجبتك؟
ضحك بصوته الرجولي وقال:
_ عجبني كرير الاستقبال رائع، حالات الذكور بتخصص ممرض والستات ليها ممرضات بتساعدها، عجبني جدًا.
غمز بابتسامة كانت مشاغبة:
_ عشان نعجب بس، وتشطب اللقب ده اللي هيوقف حالنا أنا ودكتور يوسف.
على ذكر يوسف هرع إليهما، يصرخ باستنجاد:
_ عُمران الحقني يا عُمــــــــرااااان!!
اجتمع عدد من الأطباء حول باب الغرفة، يحاولون إرغام "سيف" على فتح باب الغرفة. اقتحم عُمران ويوسف وحاول علي وجمال تخفيف الحشد.
طرق يوسف مرارًا عليه وطالبه أن يفتح باب الغرفة، ولكنه لم ينصاع له، فمال لعمران يسأله بقلق:
_ هنعمل أيه يا عُـ....
بترت كلمته حينما ضرب عُمران الباب بساقه بقوة حررته، لتبدو الصورة كاملة لهما، الرجل مازال ينازع أسفل يدي سيف الذي يحاول أن يعذبه بالإبرة التي يحملها.
تفاجئ سيف بوجود أخيه وجمال وعلي والمشفى برمتها، ومن فوق رأسه عُمران، فترك ضحيته ونهض يسرع له قائلًا بحماس:
_ لازم تبقى فخور بيا، اديته علقة هتخليه ماشي زاحف سنتين جايين.
سدد علي نظرة لأخيه المرتبك، فقال بخبث:
_ ليه بس كده يا سيف، أعقل وحاول تتحكم بأعصابك أكتر من كده، وبعدين ده تلاقيه كان بيدور على واحدة تعمله تنظيف عميق للبشرة واسكين كير، فحظ أمه الوحش وقعه في شر أعماله.
نظرة أخرى من علي، جعلته يهتف وهو يدعي الفضيلة:
_ بس غلط اللي عملته ده يا سيف، في حاجة اسمها العفو عند المقدرة وأنت قدراتك عالية يا سيفو، إعفي وطرق دماغك تروق!
جذبه يوسف من تلباب قميصه يصرخ فيه:
_ أنا عايز أعرف تربيتي وتعبي عليك راح فين، عامل لي فيها بلطجي يا سيف!!
أجابه بعصبية بالغة:
_ الحقير بيتعدى على زينب في حضوري! بكلمه بالأصول بيقولي بنت خالتي ورايح أخطبها، الحقير!!
احتقنت ملامح الشباب جميعًا، وكالعادة أسرعهم ردة فعل كان الطاووس الذي ركله بغضب، وهو يهدر بوجوم:
_ دايما الأصول بتزعل اللي مترباش عليها!
وأضاف وهو ينحني إليه قاصدًا التطلع لسيف:
_ لم تيجي تضرب متركزش على الوش عشان متخشش في سين وجيم، نشل في الأماكن المتدارية عن العين.
قالها وهو يلكمه بكل قوته ببطنه، فصرخ الرجل وهو يصيح بجنون:
_ حرمت والله حرمت، انجدوووني يا حكومة، أنا عايز أتعاقب بالقانون، هاتولي الحكومة.
لكمه عُمران في وجهه فسقط فاقدًا للوعي، فمال له سيف يتساءل:
_ كسرت درسك الأخير ليه، مش قولت الوش هيدخلنا في سين وجيم؟
رد ببسمة خبيثة:
_ طلبها ونالها، الله يرحم أمه كان ابن محظوظة!
ضحك سيف وطرق كفًا فوق كف عُمران، ومن خلفهما يتابع جمال ويوسف ما يحدث بصدمة، وعلي مازال يقف بالخارج يحاول صرف الزحام.
مال يوسف على ذراع جمال، وهمس:
_ يا ميلة بختك في تربية أخوك يا يوسف!!
وهتف بصعوبة قبل فقدانه للوعي:
_ مالقتش إلا عُمران الوقح اللي تخده مثل أعلى ليك!!
قالها وأغلق عينيه فوق ذراعي جمال، فناداه سيف فزعًا:
_ يوســـــف.
أمسك يده عُمران وقال بخشونة ومازال يستقر أعلى الرجل:
_ أنا مثل أعلى ليكم كلكم غصب عن أمك يا دكتور الحالات المتعسرة، ولو مش عايز تطلع من هنا على نقالة مع الحقير ده غور من وشي عشان معملش معاك الغلط.
فور أن نطق جملته نهض يوسف يهرول للخارج، وسقط جمال أرضًا من فرط الضحك، بينما مال سيف بحماس إليه وقال:
_ تحب أفوقهولك وتكملي بقيت الدروس عملي!!
ولجت "فاطمة" لغرفة المكتب الخاصة بعمران، تستخدم مفتاح الخزنة السري الخاص به، الذي خصصه لها عُمران.
وضعت الملفات التي تحملها داخل الخزنة الضخمة، وما كادت أن تغلقها حتى سقط منها ظرف أبيض مطوي، انحنت تلتقطه بتعبٍ، وتعيده لمحله، ولكنها توقفت حينما وجدت بيدها شيئًا أثار دهشتها.
قربتها منها وهمست بدهشة:
_ تذكرة سفر باسم عُمران!!!
أرادت فاطمة أن تعيدها للخزنة على الفور، لم تكن تلك التي تؤتمن على الشيء فتخونه، لم يثق عُمران بأحدٍ يومًا مثلما وثق فيها. ولكن حديث علي أضرم ق
رواية صرخات انثى الفصل 115 - بقلم ايه محمد رفعت
ثغرات الماضي تحاوطها، ظلامًا يبتلعها بين الحين والآخر، وكأن تواجدها هنا وبتلك اللحظة بمثابة بوابة العبور للماضي، الماضي الذي بذلت كل ما تستطيع للفرار منه، وباتت الآن محتجزة بقبوٍ ينعشها بكل المشاهد التي ذاقت فيه قسوة وسادية شخص مريض، جعلها تدفع ثمن حبها التقي النقي.
حالها كأي فتاة ارتبطت بشكلٍ شرعي بـ زوج صالح، عشقته عشقًا محللا لها، لم تكن مخطئة في شيء فعلته، حملها منه شيئًا طبيعيًا وجده ذلك اللعين ذنبًا فاضحًا، دفعت ثمنه على مدار تلك الأعوام، حتى تشوهت نفسيًا وجسديًا.
لسانها الثقيل تحرر تدريجيًا، صداه بالبداية لم يكن مسموعًا حتى إليها، ثم بدأ يعلو بهمسٍ لطالما كان ملجؤها الوحيد بتلك الفترة التي قضتها رفقة هذا اللعين:
"يُونس."
كان يغفو جوارها على الأريكة الموضوعة، ينتظرها منذ ساعاتٍ أن تستعيد وعيها، كل طبيبٍ مر عليها كان يؤكد له أن غفوتها أمرًا طبيعيًا، لاجرائها لجراحة خطيرة مثل تلك التي أجرتها. ومع كل دقيقة تمر عليها وهي فاقدة للوعي، كان يزداد ألمًا وقلقًا عليها، حتى أفرجت عن اعتقاله بندائها الخافت.
هرع ينحني من فوقها، يضم كفها بين كفه الخشن، يؤكد لها بصوته الرخيم:
"أنا هنا جنبك يا ست البنات."
عادت تناديه ودموعها قد تهاوت من عينيها المغلقة:
"يُونس... إلحقني يا يُونس."
إنتفض قلبه بين أضلعه لسماع ما تقول، فظن أن هناك شيئًا يؤلمها، فردد بلهفة وهو يركض صوب باب الغرفة:
"هنادي الدكتورة تيجي."
تصلب كفه فوق مقبض الباب، حينما بكت بنداء أخير متوسل:
"هيضربني تاني، خليه يبعد عني، يُونس!"
استدار تجاهها بحاجبين منعقدان، وقد تفهم الآن ما تمر به بالتحديد، كوابيس الماضي التي نجحت بإخفائها عنه طوال مدتها الماضية، تحاوطها بتلك اللحظة وهي في أضعف حالاتها.
أجبر ساقيه على التحرك صوبها، حتى سقط جسده على المقعد جوارها، يستمع لها بانكسارٍ وهي ترتجف باكية، مرددة:
"حرام عليك، إرحمني!"
وتابعت وبكاؤها يعلو:
"مش هقدر أعمل كده، مش هقدر!"
أحنى رأسه فوق صدره وترك عنه دموعه، شاركها البكاء، عاجزًا عن مساعدتها، لم يملك الجرأة لافاقتها، شعر بأن رجولته قد طعنت في كل مرة فعل بها هذا اللعين ما فعل.
تحرر قيدها وأفرج ماضيها عنها، أبصرت تنظر في بقعة النور الغير واضح، حتى تمكنت من استعادة وعيها ورؤيتها بوضوحٍ.
مالت برأسها تبحث عنه، فوجدته يجلس على المقعد بسكونٍ تام، تمعنت فيه حتى أمسكت بعينيه فور أن رفعهما تجاهها، علمت من احمرارها أنها كانت تهذي وهي تخوض تلك المشاهد القاسية، تصدى لها صوت بكائها المتعالي، وكأنها تعود لتسلم رقبته على حطبة الذبح، فتحرك إليها يساندها لتستقيم بين أحضانه، وضعت رأسها على صدره وبكت هاتفة:
"ذلني وكسرني يا يُونس!"
سحب نفسًا مسموعًا يبدد اختناق رئتيه، ليته يفتعل أي جريمة تمكنه من العودة للمعتقل الذي سيجده فيه. وحينها سيقسم بالله العظيم بأنه لن يتركه حيًا بعدها.
جبر "يُونس" ذاته على الاسترخاء، فأخذ يستعيد كل حديث طبيبه المعالج "علي الغرباوي"، طبقه بكل تركيز لحاجته الشديدة للهدوء بتلك اللحظة، ليتصرف بحكمة معها.
ثلاث دقائق كانت كافية له أن يبعدها عن صدره، ويواجهها، محاوطًا وجهها بين يديه وابتسامته تبث لها إشراقة الأمل:
"خديجة الماضي لو فكرتي فيه هيكسرك وهيكسرني، بصي للحاضر واللي فيه أنا وأنتي مع بعض، فترة الاختبار الصعب انتهت ومكافأة صبرك وصبري على الابتلاء بنحصدها دلوقتي."
وأضاف وهو يتعمق بحدقتيها، قاصدًا منحها الأمان:
"أنا قصادك ومعاكِ، مستحيل الكلب ده ولا مليون زيه يأذيكي بنظرة وأنا حي، أنا رجعت يا خديجة، رجعت ومش هبعد، مش هترفعي صوتك وانتي تناديني عشان أسمعك، لأني بقيت بمكان أقرب، ويوم ما يبعد هيكون لقبري وبس يا خديجة."
هزت رأسها مبتسمةٍ له رغم بكائها ووجعها، بل مالت تنزوي بين ذراعيه، ومازال يفرق هو ذراعيه، يخشى أن يحاوط ظهرها الممتلئ بالشاش الأبيض، حتى ساقيها كانت ملتفة.
تعامل بكل حرص مع حالتها حتى بعد فحص الطبيبة لها، أطعمها بيديه وناولها الأدوية، ثم جذب الغطاء عليها وجلس جوارها يمرر يده على حجابها المفتوح، وبدأ يرقيها ويقرأ ما تيسر من السور القصيرة حتى لا تعود كوابيسها مجددًا، وبداخله يحسم قراره بأن تقطع متابعتها مع طبيبتها النفسية تلك، فلم تجدي بعلاجٍ متقدم بحالتها، لذا إرغم على اتخاذ قراره بأن يكون "علي الغرباوي" طبيبها المعالج!
***
نزع جاكيت بذلته، يلقيه جواره بضجرٍ، وحل أزرار قميصه العلوية، ثم مال على الحائط من خلفه يتابع أخاه الذي يتفحص الأوراق التي تقدمها له إحدى الممرضات، وعلى الأغلب كانت تشرح له الحالة بالتفصيل.
راقبهما "عُمران" بمللٍ، جعله يرفع يده مناديًا:
"علـي!"
أغلق "علي" الملف وإتجه إليه، بملامح متجهمة، استرعت انتباه الأخير، فسأله مازحًا:
"الخال الملزق شيع ولا أيه؟"
قدم الأوراق إليه قائلًا:
"عنده القلب."
وزع نظراته بينه وبين الأوراق التي يحملها بدهشةٍ:
"عشان كده كان مصر إني أسامحه!"
إكتفى بهز رأسه وهو يحتل الأريكة، ولجواره يتمتم عُمران:
"طيب وهنعمل أيه، هنبلغ فريدة هانم؟"
هز كتفيه في حيرةٍ، سيطر الصمت عليهما لدقائقٍ، حتى قاطعتهما إحدى الممرضات تهتف:
"المريض فاق يا دكتور علي."
تبادلا كلاهما النظرات الحائرة، ما بين تردد ونفور بلقائه، وما بين هذا وذلك، نهض كلاهما يتجهان لغرفته قسرًا.
ولج "علي" أولًا، وإتبعه "عُمران" بسخطٍ مما خضعته الظروف لفعله. لانت قسوة نظراته حينما رأه يتمدد على فراشٍ يكتظ بعدد مهول من الأجهزة، صوت حشرجة أنفاسه جعلت جسده يقشعر وهو يتخيل قسوة خروج الروح من الجسد العاصي. أتبع خطى أخيه حتى جاور وقوفه أمام أعين "نعمان" الناعسة من شدة التعب، فإذا به يهتف غير مصدق لوجودهما:
"علي!"
وتابع بصوتٍ أكثر دهشة من ذي قبل:
"عُمران!"
اختزل "علي" الصمت حينما قال بصوتٍ مسالم:
"حمدلله على سلامتك يا خالي، ربنا يشفيك ويعافيك."
وتابع يبث له الاطمئنان:
"الدكتور طمني عليك، وقال أن حالتك دلوقتي مستقرة، متقلقش احنا جنبك ومعاك لحد ما تبقى كويس وبخير."
أدمعت عينه تأثرًا بحنانه المبالغ به، بينما يميل تجاه عُمران بلهفةٍ، ينتظر سماع أي كلمة تتردد على لسانه، ولكنه لم يجد سوى نظرة صامتة، يكبت من خلفها عاصفة لا مرسى لها.
مد "نعمان" ذراعه الموصول بالأجهزة، تجاه عُمران ودموعه تنهمر فوق لحيته تغرقها كالسيول، وصوته الذي يحتضر يناديه متوسلًا:
"سامحني!"
استدار "علي" تجاهه وعينيه تدمعان شفقة على أخيه الذي يُوضع باختبارات أصعب من ذي قبل، فاذا بعمران يستنير بغربته بشراع أخيه، الذي هز رأسه بكل أسف له. سحب "عُمران" نفسًا مطولًا وهو يهتف بصوتٍ شبه مسموع:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم."
قالها وبات يستمد منها كل العون، حتى بات قادرًا على مواصلة ما قد رأه سابقًا محال. فسحب مقعدًا دائريًا، بعجلاته السوداء، يقربه للفراش، يضع كفه بكف "نعمان" الممدود، وقال بصلابة تعجب منها "علي" الذي يراقب رد فعله باهتمامٍ:
"سماحي ليك ولا غفران ربنا ليك، أي فيهم هيريحك أكتر؟"
زعزعت ربكته قلبه الضعيف، فتابع عُمران بنبرة أكثر لينًا:
"طيب أنا سامحتك لوجه الله، مسامحك في حقي كده إنت مرتاح؟"
هز رأسه باكيًا، فرد عُمران بصوتٍ متحشرج من كبته للبُكاء:
"راحة بالك مش هتتحقق بسماحي ليك، الأولى والأهم في اللحظات دي توبتك ورجوعك لربنا، عمره ما هيردك ولا هيقفل بابه في وشك، يمكن دي تكون فرصتك الأخيرة، ربنا سبحانه وتعالى إدهالك عشان تستغلها صح وتتوب عن كل اللي عملته في حياتك."
رد بصوتٍ شاحب كحال وجهه:
"عمره ما هيغفرلي، أنا إرتكبت ذنوب متتغفرش يا عُمران."
ابتسم وقال:
"بتقول كده عشان كنت مسلم دماغك لشيطانك من زمان، باب التوبة عمره ما اتقفل في وش حد، لحظات الضعف اللي بتواجهك في حياتك ما هي إلا اختبار عشان ترجع لربنا سبحانه وتعالى، اللحظات دي هتعدي بس وإنت علاقتك بربنا أقوى وأمتن."
واستطرد وهو يربت على أصبعيه:
"إنت محتاج تتقرب من ربنا وتتلهف على سماحه ليك مش عليا أنا."
ازداد بكاؤه لدرجة هلع قلبهما، فانفجرت أعينهما بكاءًا، وخاصة مع نطقه المتحشرج:
"إزاي وأنا عمري ما ركعتها! أنا عمري ما اتوضيت ولا حتى عارف أصلي إزاي!"
انهمرت دموع عُمران، ومال يتطلع لأخيه، يخبره بصمت أن يعاونه فلقد فقد طاقة صموده، فرنا علي إليه يهتف بثبات:
"دي مشكلة مقدور عليها، أنا وعُمران هنساعد حضرتك لحد ما تتعلم."
مال تجاه محل عُمران متسائلًا بدموع فرحته:
"هتعلموني بجد؟!"
هز "علي" و"عُمران" رأسيهما، فهتف نعمان بسعادة، ودموعه تشهد على تلك اللحظة الغريبة عليه كليًا:
"كرمتني بكرمك ولطفك وأنا مستحقش ده، ألف حمد وشكر ليك يا رب."
***
سحب المقلاة بما فيها، واستدار ليضعها بالطبق الموضوع أمام زوجته الجالسة أعلى رخامة المطبخ، وقف محله يبتسم بحنانٍ، حينما وجدها تدهن زبدة الفول السوداني بشطيرة التوست، وتلتهمها بتلذذٍ كأنها لم تتناول طعامًا شهيًا من قبل.
فتحت زُرقتها، فتفاجئت به يميل قبالتها هائمًا، فوضعت ما بيدها بحرجٍ:
"أنا كنت جعانة وإنت بقالك ساعة بتعمل المكرونة والبانيه، فقولت أسلي نفسي لحد ما تخلص."
ضحك "آدهم" بصوته كله، وجذب أحد الأطباق يسكب فيها المعكرونة قائلًا وهو يحني جسده الممشوق:
"المكرونة بالوايت سوس جاهزة شمس هانم، طباخك تحت أمر معاليكِ."
صفقت بيديها بحماسٍ، ونهضت تحمل الطبق للطاولة، ثم دست ملعقتها تحمل الطعام لفمها، بينما يربع يديه أمام صدره مستندًا على الرخامة، يتابعها بكل توقٍ وعاطفة، بينما تهتف بحب:
"دي أحلى مكرونة دوقتها في حياتي، أنا تقريبًا عملتها 40 ألف مرة بليل في الخباثة، عمري ما ظبطتها يمكن من كتر الخوف إن فريدة هانم تقفشني، المرة دي بأكلها باستمتاع رهيب."
تحرر من وقفته وأتجه يجذب مقعدًا جوارها، يخبرها بصوته الهادئ:
"ألف هنا على قلبك يا روح قلبي."
منحته ابتسامة صغيرة، وسحبت معلقتها تقربها إليه، رفض تناول ما قدمت مبررًا:
"مبأكلش بالتوقيت ده يا شمس، ما إنتِ عارفة نظام أكلي."
رددت بمحايلة وهي تميل تجاهه برأسها، كالطفلة التي تستميل أباها:
"بليز آدهم، طعمها جميل ولازم تدوقها."
تبسم هادرًا بعنجهية مازحه:
"مصدقك يا روحي، أنا مبعملش حاجة وحشة."
زمت شفتيها في سخطٍ، فضحك وهو يختطف الملعقة ويتناولها مبررًا لها:
"عشان خاطر شمسي."
فرحت بخضوعه لها، وعادت تستكمل تناول طعامها بنهمٍ، حتى أنها لم تشعر بانتهاء طبقها، فنهض آدهم يحمل الكمية المتبقية بالمقلاة، ويسكبها من أمامها، ممررًا يده على خصلاتها بحنان، فرفعت عينيها إليه تقدم له نظرة امتنان، وترقبت عودته لمقعده، ثم قالت بمكرٍ:
"موافق تعملي الأكلة دي كل يوم يا شيف؟"
توالت ضحكاته ومن بينها قال:
"حاضر الصبح هتابع شغلي في الجهاز واستقبل تحيات العساكر بكل شموخ، وبليل هرجع أستلم منك مريول المطبخ بكل شموخ بردو."
تركت الملعقة بالطبق، ومالت بجسدها للجانب الآخر تلوي شفتيها بشكلٍ أضحكه، مال يسحب مقعدها بيديه حتى عادت تقابله مجددًا، وحل عقدة ذراعيها هاتفًا:
"في أيه بس أنا معترضتش على شيء عشان تزعلي مني، أنا موافق أكونلك شيف طول الليل، معترضتش على شيء!"
رفعت وجهها للاعلى بكبرياء مضحك:
"الكلام مش خارج من قلبك يا كابتن."
سقط بضحكاته الرجولية بشكلٍ أضحكها، فسحب كفها يضعه فوق صدره وقال بجدية زادت من ضحكاتها:
"أتعهد أنا سيادة المقدم عمر مصطفى الرشيدي، بأن أكون زوجًا لطيفًا، يحترم زوجته وتقلبات هرموناتها، وأن أقدم واجبي كاملًا بما فيه العمل ليلًا كـ شيف محترف، وأنا أعمل على توفير كل الاحتياجات اللازمة بما فيها المكرونة والبانيه، والله على ما أقولٌ شهيد."
وتابع ضاحكًا:
"ها مرضية كده؟"
هزت رأسها والدلال يقطر من حركاتها الرقيقة، قرب طبقها منها مجددًا، فعادت تتناوله وهي تختطف النظرات الخجلة إليه، بينما يتعمق هو بتأملها دون أن يرف له جفنًا، من كان النظر لها محرمًا باتت تحل له بأكملها، فليقضي عمره بالكامل وهو يتفنن بالعثور على أقرب شاطئ لتلاحم مياه مُقلتيها الفاتنة!
***
استند على كتفي أبناء شقيقته، كلاهما لم يشهدا لحظة دافئة طمس فيها حنانه، ومع ذلك يشهد منهما حنانًا جعله يستحي مما فعله بكلاهما. لقد عاوناه على الوضوء وكأنه طفلًا بالسابعة من عمره، استبدلوا ثيابه المتسخة بآخرى نظيفة، وحملوه لسجادة الصلاة الموضوعة بالخارج.
رنا إليه "عُمران" بالمنشفة، يجفف قطرات المياه التي امتزجت فيها دموعه، بينما ينحني "علي" ليفرد بنطاله المطوي من الأسفل حتى لا تطوله المياه، عز عليه نفسه فمال على يد عُمران يوقفه عما يفعل ويبعد ساقيه عن يدي علي، بينما يبكي بانهيارٍ أسقطه عن مقعده أرضًا، هاتفًا بحشرجة ثقيلة:
"أنا مستهلش والله ما أستهل!"
دعم علي محل جلوسه حتى لا يقع، بينما يخبره بصوته الهادئ:
"الحالة اللي أنت فيها دي هتضرك، قلبك مش متحمل كل ده، من فضلك حاول تهدى وتأخد نفسك بانتظام، إنت بتضر نفسك صدقني."
سحب عُمران دمعة عن جفنه، وقال بخشونة صارمة:
"بقولك أيه يا نعمان طريقنا لسه طويل مع بعض، هتنخ من قبل أول ركعة هسيبك وأمشي، أنا خلقي أصغر من خرم الإبرة!"
ابتسم من بين بكائه وقال:
"عارف.. عارف يابن فريدة."
زم شفتيه مدعيًا سخطه، ومتابعًا بصرامته المضحكة:
"وفرت عليا معركة طويلة، قوم بقى إصلب طولك كده عشان صلاة العشا أربع ركعات ووقفتها طويلة، استعد بطولة شبابك الهادر وكل ما تتعب افتكر وقفتك وإنت بتهز بالاربع ساعات جنب الراقصة! فمتجيش في فرض ربنا وتستموت يا خال!"
منحه "علي" نظرة حملت الصدمة والصرامة بنفس الوقت، بينما ينفجر نعمان ضاحكًا، ويهز رأسه مرددًا:
"متقلقش هقف وهعمل زي ما هتقولي."
أومأ له بخفة وراقب أخاه الذي ابتسم رغمًا عن أنفه، لقد سهل عُمران مهمة معرفة نعمان بأن العشاء أربعة ركعات بطريقة رغم وقاحتها إلا أنها كانت مرحة، فكان يخجل أن يسأل خاله عن علمه بعدد ركعات صلاة العشاء أم لا.
انتظر عُمران أن يختار أخوه محل صلاته، فلم يقبل أن يكون إمامًا في حضرته وهو الأكبر سنًا بينهما، ولكن علي سبقه بالاختيار حينما ترك السجادة التي تحتل المقدمة ووقف جوار نعمان الذي طالعه باستغرابٍ تفتت عنه فور أن سمع صوت عُمران العذب!!
أقشعر جسده من حلاوة خشوع صوته وهو يرفع آذان الإقامة، لدرجة جعلته يتلوع من شدة البكاء، لقد اندهش حقًا من سماعه، وتفاجئ بما يمتلكه من موهبة لم كان يظنه يمتلكها يومًا، لقد ذاق كلمات الله متفننًا في معانيها لمرته الأولى، بينما من جواره يرفع علي من صوته ويقرأ ببطء ليتمكن من الترديد خلفه، حتى انتهت أول صلاة له برفقة من حاربهما كعدو لدود له.
جلس على السجادة يطمس رأسه للاسفل خزيًا وحرجًا، حتى شعر بكف علي يسانده وهو يخبره:
"لازم ترتاح في سريرك، معاد المحلول والأدوية."
أومأ له بخفة، ومنح عُمران نظرة أخيرة، بينما يتهرب منه الأخير، مازال يحمل بصدره غصة تجاه ما فعله برفيقه، ولكنه انجبر لمنحه السماح ليوقف قلبه عن لومه ومع ذلك مازال يئن وجعًا!!
بقى محله على سجادة الصلاة يراقب أخاه، وهو يعاونه على اعتلاء الفراش، ويقدم له الأدوية عن طيب خاطر، معاونًا الممرض الذي ولج للتو، حتى استجاب جسده للأدوية وغفا على الفور.
استدار علي لاخيه، يرنو جالسًا على مقعدٍ مجاور له، يخبره:
"روح إنت جهز شنطتك، عشان هتسافر الصبح بدري مع جمال ويوسف، أنا هقعد معاه."
سحب بصره المتعلق بالفراش وتطلع لاخيه بحزنٍ ألم قلب علي، الذي يفهم أقل تفاصيله، فسأله باهتمام:
"طيب سامحته ليه طالما مش قادر؟"
تمعن بعيني أخيه، وبوجعٍ اقتحمه قال:
"الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، اختبر على قدرته على المسامحة، فمن شدة تسامحه غفر وصفح عن وحشي بن حرب الحبشي اللي قتل عمه حمزة بن عبد المطلب، وده كان من أصعب غفران وسماح لرسول الله، لأنه مش بس قتل عمه ده شق بطنه ومثل بجسمانه، وبالرغم من بشاعة كل ده سامحه بس طلب منه إنه يحاول يخبي وشه عنه أو يقلل ظهوره قدامه رأفة بمشاعره صلوات ربي وسلامه عليه."
وبدمعة شقت رماديته كبرقٍ يشق سماه، استكمل:
"ده النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ما بالك بعبد زيي، حاولت أكظم غيظي وسامحت في حقي، بس غصب عني مش قادر أتقبل وجودي جنبه، لأني بحس بالأنّانية إني اتهاونت في وجع جمال، وهو وجعه أكبر من وجعي، وبالنهاية وجعنا واحد."
وردد ودموعه تنهمر بغزارة أدهشت علي:
"أنا كنت فاكر إن إرتكاب الذنب شيء بشع، منحك السماح والغفران لشخص وجعك أوي أصعب بكتير، مطلعش سهل زي ما كنت متخيله يا علي."
ترك مقعده وجلس جواره أرضًا، يضمه بين ذراعيه، ويقبل رأسه قائلًا بوجوم قد يدفعه للبكاء هو الآخر:
"لأنك قلبك أبيض ومفيش زيه، أنا فخور بيك يا عُمران."
وأضاف وهو يبعده، ويتطلع له بقوة تسترعي انتباه الأخير لما سيقول:
"أنا بقالي سنين في الطب النفسي، ياما عالجت حالات وانبهرت بتحول شخصياتهم بعد رحلة علاجهم الطويلة، بس عمري ما أثر فيا تجارب أشخاص زي ما إتأثرت بفاطمة وبيك، هي قاومت ونجحت وإنت واجهت وانتصرت."
أزاح دموعه وهو يرسم ابتسامة باهتة على وجهه، بينما يشاكسه ليغير الأجواء التعيسة من حولهما:
"يعني أنا حالة من حالاتك يا دكتور؟! إزاي وأنا ولا مرة قطعت تذكرة كشف!!"
وأضاف وهو يغمز له:
"لا بقولك أيه أنا مبجيش بالاجبار، وجو تثبتني على شازلونج الكهربا ده، ده أنا اللي أثبت أجدعها شنب وليا طرقي الخاصة."
ضحك علي وسايره بالحديث:
"وأيه هي طرقك يا وقح؟"
رد متفاخرًا:
"لا دول كتير، بس وماله عد يا دكتور."
ونهض يستقيم بوقفته مرتديًا جاكيته ونظارته بعنجهية:
"جاذبيتي أهم طرقي، لبق وده لوحده يدوب القلوب، صوتي سحر بيسحر اللي قدامي ويخليه بيقدملي فروض الطاعة والولاء وابتسامة فوقيهم كمان."
تحررت ضحكات علي، ونهض يربع يديه أمام صدره باستهزاء:
"وأيه كمان يا طاووس؟"
رد وهو يتفحص المكان من حوله:
"وفي طريقة أخيرة لمواخذة مش هينفع أقولهالك هنا عشان الرقابة وعشان إنت ابن ناس ومحترم يا دكتور."
زوى حاجبيه بدهشة، وقال:
"وإنت ابن أيه؟!"
قال ضاحكًا:
"لا أنا أبويا مات بدري وملحقتش يشرف على تربيتي."
وجد من ينتزع قميصه ويرفعه من فوق جاكيته، فأسرع ينطق بما يحرر قميصه قبل أن ينكسر:
"بس أخويا الكبير رباني تربية أرستقراطية راقية، تقدر تقول إنه مبخلش عليا بحاجة."
واستطرد وهو يسحب ما بجيب سرواله الخلفي:
"عشان تضمن تربية بيضة على نضيف."
جحظت عيني علي وهو يتفحص المطوة التي وضعها عُمران بين يده، وعاد يتطلع له فسحب ذاته وهو يهرول تجاه الباب ضاحكًا:
"دي نزوة شيطان وراحت لحالها، والله ما بتطلع إلا للضرورة القصوى واللي بردو كنت محتفظ بيها معايا لأجلهم بما إنهم هيفضلوا معايا يومين."
ردد علي بتلعثم بعدما علم مقصده:
"بترفع على أصحابك مطوة يا أوقح خلق الله!!"
منحه قبلة بالهواء هاتفًا:
"عندي سفر بكرة بدري، تصبح على خير يا دكتور."
وعاد يفتح باب الغرفة وهو يخبره:
"متنساش تقرى لنعمان قصة قبل النوم، بس بلاش القصص الكئيبة اللي كنت بتحكهالي يا بابا الله يكرمك."
صوب علي الوسادة على الباب، فأسرع عُمران بغلقه وصوت ضحكاته تجبر "علي" على التبسم، فاتجه لمقعده وهو يتأمل ما بيده بصدمة أخرى، بينما يهتف باستنكارٍ:
"مطوة يا عُمران!!!!"
***
انتهى "جمال" من حزم بعضا من ملابسه، فاغلق سحاب حقيبته وخرج يبحث عن زوجته، تفاجئ بها تقف بالمطبخ، تعد طعامًا بذلك الوقت المتأخر من الليل، مما دفعه لسؤالها بدهشةٍ:
"غريب إنك ولأول مرة بتجهزي أكل تاني يوم من دلوقتي!"
فزعت لصوته ببداية الأمر، ولكنها هدأت واستمعت لباقي حديثه بتمعنٍ، فقالت تجيبه وهي تقلب اللحم:
"مش غريب ولا حاجة، وبعدين الأكل ده بحضره ليك ولأصحابك مش لينا."
زوى حاجبيه بدهشةٍ:
"لينا!"
أكدت له وهي تجذب الخضار تجهزه:
"أيوه بدل ما تطلبوا أكل جاهز على الطريق، عملتلكم أكل بيتي."
وأضافت عابسة الحاجبين:
"ولا الأكل الجاهز هيكون أحسن من طبيخي؟!"
رنا إليها مبتسمًا بفرحةٍ لما تطورت إليه، فضمها بين أحضانه ومال من خلفها هاتفًا:
"مفيش أكل يتقارن بعمايل إيدك، أنا مش مصدق بس إنك قمتي في الوقت ده عشان تجهزيلي أكل، كبيرة عندي دي أوي يا صبا."
ومال يطبع قبلة على كف يدها، ممتنًا لها:
"تسلم إيدك مقدمًا."
أشرقت بسمتها فرحة، بل تحمست لصنع المزيد من الأطعمة والعصائر له، سحبت كفها وعادت لتقطيع الخضروات، فتحرك هو يرتدي المريول، ويرنو منها متسائلًا:
"عايزاني أساعدك في أيه؟"
قربت منه خضروات السلطات التي ستحضرها، فضحك قائلًا:
"هو أنا دايمًا بلبس في السلطات، شكلك محددة إمكانياتي كويس."
شاركته الضحك وردت بمزحٍ:
"الحمد لله إنك بتعرف تعمل حاجة، في رجالة مبتعرفش تمسك السكينة أصلًا."
مازحها وهو يقطع بعشوائيةٍ:
"لا أنا هبهرك بعون الله!"
***
بعد وصوله للقصر تردد بالصعود لجناحه، فولج لغرفة الصالون وجلس منهمكًا على المقعد، يمسح وجهه بتعبٍ، حتى أنه لم يشعر بالوقت الذي بات يشرف على سطوع شمس اليوم التالي.
دقات خافتة على الباب، جعلته يفرج عن رماديتيه بعد احتباسهما لمدة طويلة، ويستدير ليرى من الطارق، فوقف مندهشًا يراقب ساعة يده الباهظة:
"فاطمة!!"
ولجت للداخل ووجهها يعكس توترها وارتباكها الشديد أمامه، رددت وترددها واضح:
"شوفت عربيتك تحت، استنيتك على السلم مطلعتش."
انعقد حاجبيه بدهشة، إنقلبت لقلق:
"ليه في حاجة ولا أيه؟"
ضمت شفتيها بارتباكٍ، ولم تعلم بماذا ستخبره، مما دفعه للخوف، فتلهف بسؤاله:
"قلقتيني يا فاطمة، إتكلمي!"
نزعت عنها ربكتها ورددت بقوةٍ تحلت بها:
"أنا رجعت الملفات للخزنة بتاعت المكتب زي ما طلبت، وبدون ما أقصد وقعت ظرف أبيض فيه تذكرة سفر!!"
اتسعت مُقلتيه في ذهولٍ، وخاصة حينما استطردت:
"استغربت إنك مسافر مكة ومايا ولادتها اتحددت بعد اسبوع!!"
لانت تعابيره في أسى، وبثبات تحرك يتفحص الردهة والقاعة ثم عاد يقف قبالتها، قائلًا:
"قولتي لعلي حاجة؟"
هزت رأسها نافية، وقلبها يرتجف خوفًا من صمته وحزنه الغامض، الذي تحرر بنطقها:
"إنت ناوي على أيه يا عُمران؟"
ابتسم رغم الأنين الذي يقطر من عينيه:
"ناوي أخلص نفسي من عتابها اللي مش بيخلص."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وصوتها يتحرر متقطعًا:
"لا... إنت آآ... لأ... ومايا؟؟ إنت هتسبها تاني لوحدها!!"
لم تسعفها كلماتها للخروج، بينما يبتسم بمرارة:
"غصب عني يا فاطمة، أنا بعمل كل ده عشانها، مش عايز ابني يتولد ويلاقيني حامل ذنب كبير وبشع زي ده."
اهتز جسدها من شدة توترها، فجلست على الأريكة تهتف بعدم تصديق:
"عقوبة الزنا الجلد والسفر سنة، إنت مسافر سنة!! وعلي!! علي هيستحمل إزاي!!"
إختار الجلوس على بعدٍ منها، وبمسافة حذرة، يخبرها بنبرة شبيهة بالتوسل:
"لا يا فاطمة علي مينفعش يعرف حاجة، علي لو عرف هيوقف كل حاجة، أرجوكِ يا فاطمة أوعي تبلغيه بحاجة."
تطلعت إليه بنظرة تعمق بها الحزن، وقد أدمعت عينيها:
"راجع نفسك في قرارك يا عُمران، إنت هتأذي كل اللي حوليك بيه، وأولهم مايا وعلي، إنت كده بتتخلى عنها في أكتر وقت هتكون محتاجالك فيه، أنت راجع بعد غياب وفراق وجع الكل، فبدل ما تعوضهم عن اللي عاشوه تقوم تفارقهم تاني!!"
أجابها بثباتٍ وقوة:
"أنا بعمل كده عشانهم يا فاطمة، أنا مش هلمس ابني وأنا عليا بقعة سودة بتفكرني باللي عملته، قراري ده أنسب وقت لتنفيذه، ومفيش أي قوة في الكون هتخليني أرجع عن القرار ده."
استفزها إصراره، وجل ما تراه زوجها الذي سقط في حالة دامية بفراق أخيه، تخلت عن هدوئها الفطري، ونهضت تصرخ وصوتها ممزوج بالبكاء:
"إنت أناني يا عُمران، أنانــــي."
تفاجئ باندفاعها الذي يشهده للمرة الأولى، فوقف قبالتها يعاتبها:
"أنا أناني عشان عايز أطبق شرع ربنا يا فاطمة؟!"
ازاحت دموعها وأجابته بعصبية:
"ربنا عادل ورحيم، وطالما إنت اتغيرت للأحسن ومرجعتش لذنبك يبقى غفرلك اللي عملته، وآه إنت أناني يا عُمران، اللي عايز يتخلى عن مراته بالتوقيت ده يبقى أناني، اللي عايز يوجع أخوه من تاني يبقى قمة الأنانية، أنت متعرفش علي عانى إزاي في غيابك، متعرفش الحالة اللي كان عايشها، أنا مش هستحمل أشوفه كده تاني ولسنة كاملة!!"
تألم قلبه لسماع ما قالت، فحاول بكل ثباتٍ أن يحجب دموعه، بينما يخبرها بهدوء مخادع:
"فاطمة أنا بحب علي أكتر من روحي، وعمري ما أرضاله العذاب، أنا لو طولت أكونله درع واقي عن أي أذى ممكن يطوله والله ما هتردد، بس حاولي تفهميني أنا مش مرتاح، مبعرفش أنام من كتر خوفي من الموت، أنا نفسي أوصل لمرحلة إني أحب لقاء ربنا عز وجل، مش قادر أوصل لحب لقائه من خوفي من ذنبي، عذاب الدنيا ووجعها أهون ميت ألف مرة من عذاب الآخرة، أنا عارف إن قراري ده عذاب للكل وأولهم مايا، بس غصب عني، أنا غلطت ولازم أطهر نفسي، فأرجوكِ بلاش تخوني ثقتي فيكِ وتبلغي علي بسفري."
أشفقت عليه رغم وجعها وخوفها، أخفضت رأسها أرضًا واكتفت بإيماءة صغيرة قدمتها له، وغادرت بخيبة أملها تتجه للدرج، لحق بها يناديها، فوقفت دون أن تستدير إليه، فردد بمرارةٍ:
"فاطمة أنا بعتبرك أختي العاقلة اللي دايمًا بثق فيها، أرجوكِ متزعليش مني، حاولي تساعديني، وتكوني الوسطة بيني وبين أقرب الناس ليا، عايزك تصبري علي ومايا على غيابي، هوني عليهم لحد ما مدتي تنتهي وأرجع ليهم من تاني، متخليهمش يكرهوني أرجوكِ يا فاطمة ساعديني."
رفعت رأسها للأعلى تزيح دموعها، استدارت تقابله بنظرة غائرة بالدموع، وشحب صوتها الذي نطق:
"مش هقدر أعوض وجودك في الكفتين، بس أوعدك إني هحاول."
رسم بسمة صغيرة، وقال:
"ودي كبيرة عندي جدًا."
ردت بسمته ببسمة لم تصل لعينيها، واستدارت تعود لجناحها، بينما يزفر هو براحةٍ، لقد رتب لكل شيء بحرافية، ولن يسمح بأي شيء يعوق تخطيطه، لقد وفق الشيخ "مهران" له كل شيء، حتى السنة الكاملة التي سيقضيها في مكة الشريفة.
خرج عُمران للحديقة، متجهًا لركنه الخاص، الذي يقضي فيه قيام ليله، إرتكن على سجادته يجذب مصحفه، وبدأ بالقراءة فيه بتركيزٍ استدرجه دون وعي حتى قرآن الفجر.
تفحص ساعته بدهشة، ونهض بتجه للمسجد القريب من المنزل، قضى صلاته بتمعنٍ وخشوع، وجلس بآحدى زوايا المسجد يستكمل قراءة القرآن حتى أشرقت شمس اليوم التالي.
استلم على هاتفه رسالة من "يوسف"
«جمال عندي هتعدي علينا أمتى عشان نتحرك؟»
عبس بأزرار هاتفه وهو يخرج من المسجد
«ساعة وهعدي عليكم..»
إتجه "عُمران" للقصر، وصعد إلى جناحه المظلم، تلصص بنظراته الحنونة لزوجته التي تغفو على فراشها في سلامٍ، ابتسم وهو يراقبها وهي تستحوذ على وسادات الفراش بأكمله، فنهض يجذب الغطاء المتدلي أسفل ساقيها، وأعاده عليها برفقٍ، إنحنى يطبع قبلة على رأسها، وبطنها المنتفخ، وهو يتمنى أن تصل قبلته لصغيره، عساه يعلم بأنه يفعل كل ذلك لأجله هو!
نهض يتجه لحمامه الخاص، إغتسل وأبدل ثيابه، لبنطال من الجينز وتيشرت أبيض، ومن فوقه قميصًا أسود بنفس لون الحذاء الرياضي، والحزام الجلد، ثم وقف يرتب خصلاته القصيرة، ويضع البرفيوم الخاص به.
جهز "عُمران" حقيبة كانت كبيرة عكس المتوقع لمحتويات ملابس يرتديها ليومين، بينما تقطر حدقتاه حزنًا وألمًا للفراق المحتوم أن يختبره، بينما يضع مصحفه ومسبحته، وعدد من الكتب الدينية التي بدأ بقرائتها بالآونة الأخيرة، ليتمكن من كسب خبرة تفيده بالصلاة بالناس، فلم يعد يرغب الاعتماد على صوته العذب فقط، أراد أن يكون مهيأ بالكامل لذلك.
أغلقها وسحب ذراعها، ثم أتجه للخروج من الجناح، ولكن ساقيه وقفت على بابه تتخشب عن الخروج، لم يأتي من قلبه أن يفترق عنها بتلك الطريقة القاسية، ولكن إن أخبرها بما ينوي فعله سيزداد الأمر سوءًا وربما حالتها الصحية تتأثر بما يود فعله.
ضم قصبتي أنفه بحيرةٍ يطمسها الوجع، واستدار يتأملها مجددًا وهو يجزم بأن صوت بكاء قلبه مسموعًا له، ترك الحقيبة وأتجه يجاور جلوسها على الفراش، يراقبها بانكسارٍ وألم.
مال إليها يضم بكفه جانب وجهها، يمرره برفقٍ بينما يناديها:
"مايـا."
تحرك جفنيها بانزعاجٍ، وفتحتهما مع ندائه الثاني، فابتسمت وهي تردد بنعاسٍ:
"عُمران!"
أعاد خصلاتها المبعثرة بفوضوية للخلف، وهو يجيبها بحبٍ:
"حبيب قلبه وروحه أنتِ يا مايا."
اتسعت ابتسامتها ونهضت تستقيم بجلستها، قائلة باستغراب:
"أيه الشياكة دي كلها، أنت متأكد إنك مش رايح تتجوز عليا وعامل حوار."
أجابها بنفس ثبات بسمته:
"أنا قولتلك قبل كده أني متجوزك أربع مرات، فالخامسة لا تجوز يا بيبي ولا أيه؟"
غمزت بعينيها تشاكسه:
"بتغلبني بكلامك الساحر ده يابن أنطي فريدة!"
رد مستنكرًا:
"ولما أحولك للتحقيق معاها هيبقى أيه وضعك بقى!"
حركت كتفيها بدلال:
"هقولها بكل شجاعة أني جوزي حبيبي علمني مخافش من أي حد على وجه الأرض غير ربنا."
رمش لوهلة متعجبًا نبرتها، وقهقه ضاحكًا وهو يقرص خدها بمشاكسة:
"حبيبة قلب جوزك اللي محافظة دايمًا على كل نصايحه وتعليماته."
وأضاف مبتسمًا بفخر:
"تربيتي طمرت فيكِ."
نفضت كتفيها وكأنها تزيح غبار الغرور بعنجهية أضحكته وشاركته هي الضحك، وفجأة تلاشت ضحكاتها حينما لمحت الحقيبة الموضوعة جوار باب الجناح الأساسي.
أخفضت ساقيها حتى لامست الأرض، لتتمكن من أتخاذ رؤية كاملة للحقيبة، ومالت برأسها تسأله:
"ليه واخد الشنطة دي كلها، مش أنت هتوصل يوم الحنة وهتبات ليوم الفرح، يعني يوم واحد بس!!"
تعمق بعينيها بشكلٍ جعلها ترتاب لأمره، وخاصة حينما تنهد ملتقطًا نفسًا طويلًا، ثم مد يديه يداعب أصابع يديها، وبدأ يمهد ذاته لما سيقول وهي تراقبه بقلبٍ يكاد يقف من شدة ارتباكها، حتى حرر صوته:
"مايا، أنا عايزك تكوني هادية وتسمعيني، أنا مش عايز أعمل حاجة من وراكِ، مش قادر أمشي وأسيبك موجوعة ورايا، إنتِ نقطة ضعفي إنتِ واللي في بطنك."
انتفض جسدها من شدة الرجفة التي نخرت عظامها، فتحشرج صوتها الناطق برعبٍ:
"في أيـه يا عُمران؟!"
لعق شفتيه وهو يضغط عليهما بقوة، ثم تطلع لها واضعًا كفه على وجنتيها:
"يوسف حددلك معاد الولادة."
ظنته سؤالًا، فهزت رأسها قائلة:
"أيوه حددلي، ما إنت كنت معايا!!"
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة، وهو يلقي ما يخفيه بابتسامة مصطنعة:
"مش قادر أوصفلك لهفتي وحماسي الكبير ليه عامل إزاي، نفسي أشوفه وأحضنه، أكيد هتعلق بيه من أول نظرة زي ما اتعلقت بفيروزة."
وأضاف بنبرة حزينة:
"أو يمكن اتعلق بيه أكتر منها، وساعتها هفضل أجل في خطوة كان لازم أعملها من زمان، عشان كده أخدت قراري أني أخدها قبل ما أشوفه وأتعلق بيه، عايز لما أشيله على إيديا أشيله وأنا نضيف وطاهر من ذنوبي كلها يا مايا."
لطمتها صدمة جعلتها تحملق فيه بأعين متسعة، ووجهها ينصاع بصعوبة لها، فأبعدت وجهها للخلف عن يديه، وبصعوبة نطقت:
"إنت هتعمل أيـه يا عُمران؟؟ لأ... قولي إن اللي بفكر فيه ده مش صح!!"
قرب جلوسه منها، حتى تمكن من ضم وجهها مجددًا بالقوة:
"مايا، حبيبتي إفهميني أنا بعمل كل ده عشانك وعشان ابننا، عايز أطهر نفسي من قذارة الماضي اللي ملاحقاني لحد النهاردة."
أبعدت كفيه بغضب جعلها تصرخ بانفعالٍ:
"إنت عايز تموتنا بالبطيء، عايز تتخلى عني وعن ابنك وبتقولي عشانا!! إنت عايز تعمل فيا أيه تاني يا عُمران، حرام عليك أنا معتش متحملة صدقني أنا تعبت!"
رد بهدوء عساه يمتص غضبها:
"وأنا كمان تعبان ومخنوق يا مايا، عامل زي اللي محبوس في أزازة ومش قادر يخرج منها، عايز أنسى مش عارف."
وأضاف وهو يطمس أصابعه بين أصابعها المسنودة للفراش:
"الشيخ مهران إداني بدل الفرصة عشرة بس أنا مصر على قراري، كل ما كنت بتراجع عنه عشانك وعشان اللي في بطنك كنت بشوف الأربع مرات اللي خنتك فيهم يا مايا، كل تفصيلة ولو صغيرة مش راحة عن بالي، أنا عايز أرتاح من كل ده، عايز أبعد عني الذنب ده بأي شكل من الأشكال، مش هقبل إني ألوث بإيديا دول ابني!"
سحبت كفها ونهضت تقف قبالته وصوتها يحتد بعنفوان:
"وأنا راحتي هلاقيها أمته وفين؟ أنا لسه متعافتش من اللي حصل معانا بعد الحادثة فازاي عايزني أرجع تاني أختبر بعدك عني سنة، ولا هقدر أستحمل إزاي إنك تنجلد!! حرام عليك يا عُمران إرحمني من اختبارات العذاب اللي دايمًا بتحطني فيها."
قالتها وسقطت على المقعد تبكي بانهيارٍ، لا لن تقبل أن تعيش هذه الظروف القاسية مجددًا، قبضت بيدها على ذراع المقعد بغضب، بينما يجلس هو محله يتطلع أرضًا برأسٍ منحني، تمر عليه الدقائق ومازال يخفي وجهه عنها، حتى ارتابت لأمره، توقعت أن يعود لحديثه الذي لن ينتهي، أن يحاول إرضائها كالمعتاد، ولكن صمته وانحناءه لتلك الدرجة أربكها.
توقفت عن البكاء وتابعته بخوفٍ فشلت فشلاً ذريعًا بإخفائه، فرددت برعشة طفيفة:
"عُمران!"
قبض قبضته يستجمع فيها كبرياءه وغروره الذي حافظ عليه على الدوام، قبضه بين كفه ورفع رأسه ببطءٍ لها، احترق قلبها وانتهى أمره حينما رأت دموعه تنهمر لمرته الأولى، تعلم بأنه لربما بكى سابقًا، ولكنه لم يجعلها تراه يومًا، كان عزيزًا، سيدًا، شامخًا، يتحلى بكل قوته رغم أوقات ضعفه!!
شق قلبها صدرها، وإن مر عليها دهرًا كاملًا لا تريد أن تراه هكذا مجددًا، بل زاد من قهرها حينما تحرك لمقعدها بخطوات متهدجة، وانحنى أمامها، يميل برأسه على كفيها المسنود على ساقيها، دموعه تلامس يديها، وصوته يخترق مسمعها:
"أرجوكِ يا مايا ساعديني، أنا عايش في عذاب ما بين واجبي تجاهك وما بين خلاصي من الذنب ده."
وتابع ومازال يسند رأسه على ساقيها:
"مش سهل عليا إني أسيبك، والله العظيم بعدي عنكم هيكون أصعب من الموت، بس أنا عايز أحط دِماغي على مخدتي وأنام من غير خوف، عايز أرتاح يا مايا، أرجـــوكي ساعديني."
أغلقت عينيها تعتصر دموعها، يريدها أن تعاونه على تحمل ما يفوق طاقتها، فعاد يجلدها حينما شعرت بدموعه فوق أصابعها مجددًا، بترت بكاءها واستمدت نفسًا مطولًا تسترد فيه قوتها، تنشط عقلها بأنها لم تكن ضعيفة يومًا قط، ستكون قوية مجددًا لأجل حبها، لأجله هو، حبيبها وزوجها ووالد صغيرها يستحق أن تمنحه هذا الخلاص، حتى لو عاشت تعاني.
سحبت كفها تضعه فوق رأسه، وبقوة لا تعلم كيف استمدتها قالت:
"طمني عليك من فترة للتانية، متحرمنيش من صوتك هو اللي هيديني الصبر أنا وابنك لحد رجوعك لينا من تاني."
أزاح دموعه واسترد كامل ثباته، قبل أن يرفع رأسه لها مبتسمًا، فوجدها تحذره باشارة صريحة:
"بس بعد رجوعك لو فكرت تسافر ولا تبعد لأي سبب من الأسباب ساعتها هقتلك بإيديا يا عُمران!"
قبل يديها وجذبها بقوةٍ بين ذراعيه، فخرت باكية، تتمسك به بكل قوتها، وهي تكبت شهقاتها التي فضحتها رجفة جسدها بين ذراعيه، وصوتها الذي هتف بانكسارٍ:
"أنا عارفة أنك عنيد وكده كده هتنفذ اللي في دماغك، فعشان خاطري متقساش على نفسك، افتكر إنك سايبني أنا وابنك وراك، افتكر حبي الكبير وتضحياتي عشان الحب ده."
ابتعد يقابلها بنظرة حملت عشقها المخلص داخله، وقال بصوته المحتقن:
"أنساكي إزاي وإنتِ حتة من قلبي وروحي يا مايا.."
وأضاف وهو يتعمق بمُقلتيها:
"مش إنتِ بتحبي الواد ده عشان حتة منك، أنا كمان بعشقك عشان إنتِ مني.."
وابتسم وهو يمازحها مستندًا بجبينه على جبينها:
"حبك مأثر على قلبي ومسيطر سيطرة الجن العاشق، فمش مضطر ألجأ لشيخ يحررني لأني قابل بسيطرتك على كل شبر مني، ولا بخاف أتلبس من جنية تانية لإن جنيتي شرسة ومتقبلش بعفريته تشاركني فيها."
ضحكت بصوتٍ مسموع وقالت رغم بحة صوتها الحزين:
"اللي تفكر تقربلك ولا تبصلك بصة مش تمام بس هطلع عين أمها، مهو مش بعد الصبر والمرمطة دي وهسيبك ملكية عامة للي تسوى واللي متسواش!!"
شاركها الضحك وقال غامزًا:
"حبيب قلبي شرس ومالي مركزه يا ناااس."
ضحكت والضحكة تغادرها حينما قرأت بعينيه نيته بالرحيل باستقامة وقفته، وقفت قبالته تكبت بكاءها وتتمسك بيده قائلة بصوتٍ باكي رغمًا عن قوة صمودها:
"طيب بلاش تروح الفرح واقعد معايا."
أجابها بحنان وهو يبعد دموعها:
"مش هينفع يا حبيبتي، موسى وصابر ليهم دين في رقبتي لسه مردتهوش."
هزت رأسها مدعية ثباتها وتفهمها، ورددت بوجع:
"طيب ينفع تسافر بعد الولادة."
أغلق عينيه يتحمل مذاق الألم الطاعن، وردد بهمس يئن:
"هتعلق بيه يا مايا، ومش هيبقى عندي الارادة أني أسافر، كده أحسن."
هزت رأسها مجددًا، وعادت تتمتم:
"طيب أنا هطمن عليك إزاي؟"
احترم محاولاتها للحفاظ على قوتها أمامه، فمال يقبل جبينها ويضمها:
"موبايلي هسيبه مفتوح على طول عشانك، كلميني في أي وقت."
وأضاف وهو يمسد عليها برجاء:
"متعيطيش في غيابي بالله عليكِ، قلبي مش هيتحمل، كفايا الوجع اللي هعيشه وأنا بعاتب نفسي على بعدي عنك بالتوقيت ده بالذات، عشان خاطري خليكي قوية يا مايا، إحنا اتجاوزنا محن كتير، وهنقدر نتجاوز المحنة دي كمان."
هزت رأسها وهي تتمسك به ببكاء، فتابع وهو يقربها اليه:
"أنا معرفتش أي حد غيرك إنتي وفاطمة، أوعي تعرفي علي ولا فريدة هانم بحاجة."
حركت رأسها بخفة، فقبل جبينها ويديها، وتحرك على الفور قبل أن تضعفه دموعها، سحب حقيبته وخرج بينما تمد ذراعها تجاه محل خروجه، ويدها الأخرى تكبت شهقاتها عنفًا، تتراجع لطرف الفراش، جلست وهي توزع نظراتها بين باب الرحيل وبين بطنها المنتفخ، فمسدت عليها وأزاحت دموعها قائلة:
"يا رب إلهمني القوة والصبر، أنا مش هقدر أتحمل، وجعه هيوجعني أنا مش هو!!!"
قالتها ومالت على الفراش تستكين بتعبٍ، وتخمد بكاءها في الوسادة، فشعرت بكف يد ممدود على ظهرها، فتحت عينيها فوجدت فاطمة تقابلها بأعين باكية، تحمل كل الشفقة والحزن عليها.
***
حمل "علي" صينية الطعام، ووضعها قبالة "نعمان"، ثم دعمه حتى أن جلس بشكلٍ مريح، فمنحه ابتسامة امتنان وقال:
"تعبتك معايا يا دكتور."
بابتسامة عملية أجابه:
"تعبك راحة يا خالي."
وجذب الطبق الصغير، يقدم له ما به من أقراص، ومنحه المياه مرددًا:
"الدوا ده قبل الأكل."
التقطه وابتسامة الامتنان تزداد على وجهه، بينما يستطرد علي:
"هسيب حضرتك تفطر وهروح المكتب أوقع كام ورقة مهمين وهرجعلك تاني على طول."
رد عليه بمحبة تغلغلت داخله جديدًا:
"روح يا حبيبي، كتر خيرك سهران معايا طول الليل."
ربت على يده المسنودة جوار طاولة الطعام، وابتسامته البشوشة تزين وجهه.
أتجه "علي" لمكتبه، وبدأ "نعمان" تناول طعامه حتى انتهى منه، فمال للوسادة شاردًا بكل أفعاله التي لا تسحب من خلفها إلا الحرج والندم، حتى تلقفه طرقات باب الغرفة، فتنحنح بخشونة:
"إدخل."
انفتح الباب وظهر من خلفه من جعله يعتدل على الفراش بابتسامة واسعة، ولسانه ينطق باستغرابٍ:
"عُمـــــران!!"
لم يتمكن من أن يبادله ابتسامته، ولج بما يحمله للداخل، فسحب المقعد يضعه قبالته، وجلس يردد بصلابة:
"عامل أيه دلوقتي يا نعمان؟"
اتسعت سعادته لاهتمامه بحالته، وسؤاله القيم، فرد بلهفة:
"الحمد لله أحسن بكتير."
حرك رأسه ببطءٍ، ومال يتطلع أمامه بغموضٍ اتبع سؤاله:
"ناوي على أيه بعد طلوعك من هنا؟"
اختزلت معالمه حزنًا، فابتلع غصته وقال:
"والله يابني ما أنا عارف!"
عاد يسلط رماديتيه إليه، وفاه:
"واضح من إجابتك العايمة إنك معرفتش تصلح غلطك مع مراتك."
هز رأسه بكل خيبة أمل، فابتسم عُمران ساخرًا:
"قايمة الغُشم عمالة تزيد!"
تساءل نعمان باستغراب:
"بتقول حاجة؟"
هز رأسه وبابتسامة واسعة قال:
"بقول إنك غشيم يا خال، مخك متربس على الخواجات والرقصات!"
وأضاف وهو يتمعن به:
"بس أنا كسبت فيك ثواب وبعت لمراتك إنك بتموت، فعايزك أول ما تخش عليها تجدد عهدك مع ماضيك القذر وتعمل إن الكفن على بعد خطوة منك، لحد ما المصلحة تقضى."
ارتسمت سعادة على وجهه، وأسرع يؤكد له:
"بجد! لا متخافش أنا مش هفوت الفرصة دي إلا وكل شيء راجع لمجاريه."
زم شفتيه ساخطًا:
"طول عمرك ريحتك بتعبر عن مخططاتك القذرة يا خال!"
وأضاف وهو ينتصب بوقفته، ويميل تجاه الحقيبة الصغيرة الموضوعة على الفراش، قائلًا:
"أنا جبتلك حاجة معايا."
تابع ما يفعله باهتمامٍ، حتى أخرج له عُمران كتابًا ملفوفا، نزع عنه العلبة، ليتفاجئ بأنه يحمل إليه مصحفًا شريفًا. رفعه تجاهه عُمران، وقبل أن تتلقفه يدي نعمان، سأله:
"إنت على وضوء؟"
هز رأسه وهو يخبره بأعين دامعة من فرط السعادة لما يفعله معه:
"صليت الفجر مع علي، فلسه على وضوء."
سلمه له عُمران ومنحه من بعده تاب متوسط الحجم، التقطة منه نعمان بحيرةٍ، فتعمق بالتطلع إليه وقال:
"كل إنسان بيمر في حياته بعقبة، بتفتح من قدامه ماضيه، وبترهبه من الموت، الإنسان الذكي هو اللي بيعدي منها وهو مطهر نفسه من الماضي ومحقق سلامه من الحاضر، ومأمن مستقبله كمان."
واستطرد بنظراته الثابتة القوية:
"والغبي اللي بتمر عليه لحظات مؤقتة، أخد فيها سماح أشخاص ظلمهم، وصلى كام يوم وبعدها بعد تاني ورجع أبشع من الأول، كده هو خسر خسارة أكبر من الأولى، خسر دنيا وأخرته."
أدمعت عيني نعمان تأثرًا وصدمة من حديثه، ربما عهد أن يستمع تلك الجمل من علي، لما يتناسب مع أخلاقه وشخصيته، ولكن عمران كان أمرًا محيرًا له.
عاد يردد له بهدوء صوته الرخيم:
"أنا كمان سبق ومررت بظرف، وعديت منه بصعوبة، بس عديت وأنا بغير من نفسي لحد ما بقيت إنسان تاني، إنسان ذاق حلاوة القرب من ربنا ومستحيل في يوم يبعد، عشان كده عايزك تستغل الفترة دي وتقرب منه، إقرأ في القرآن واتعمق بمعانيه، وهتلاقي على التاب خطب حملتهالك هتفيدك جدًا وهتعلمك حاجات كتيرة عن دينك."
وختم حديثه بقوله الأخير:
"انتصر على شيطانك واقتله من نص الطريق، لأنه لو كمله معاك هيتخلى عنك على باب النار، بعد ما ضمن دخولك ليها."
تهاوت دموعه كالسيل، ومازال يتعمق به، فنهض عُمران يستعد للرحيل قائلًا:
"أنا لازم أمشي أتاخرت."
واستدار ليغادر، فأوقفه بسؤاله المتلهف:
"هشوفك تاني أمته؟?"
أجابه مازحًا دون أن يستدير له:
"لما أشتاق لسحنتك هجيلك يا خال، مع إني أشك في ده!"
قهقه نعمان ضاحكًا، حتى غادر عُمران صافقًا الباب من خلفه، ومتجهًا لمكتب أخيه، يريد أن يضمه قبل رحيله.
***
انتهى "علي" من توقيع الأوراق، وشملها بملف واحد، ثم مال بيده يجذب فنجان قهوته الساخن ليرتشفه، فلم تصل يده له، بل لامست الطابق الفارغ، مما دفعه ليستدير للمكتب المنجرف جانبًا، فوجد أخاه يجلس من فوقه وهو يرتشف الكوب بتلذذٍ أرغمه على الضحك، وقال:
"هو أنت بتتكيف من القهوة اللي بكون شارب منها ولا وضعك أيه؟"
وضع الكوب الفارغ بالطبق، ووضع ساقًا فوق الأخرى وهو يجيبه:
"مش بالظبط."
سأله بمرحٍ:
"طيب ما صارحني عشان أقدر أحللك مشاكلك يا حبيبي، أهي فرصة متتعوضش، في مكتبي ومعنديش شغل، تعالى مدّد على الشازلونج ونشوف حكايتك أيه؟"
عبث باللافتة التي تحمل اسم "علي الغرباوي" وهو يردد:
"الحكاية إني بالبلطجي جوايا، لما بتعصب بيبتدي يضرب دماغي زي الكلاب السعرانة لما بتنهش في اللحم الني، وهنا بقى مفيش حل غير من الاتنين، الأول أحاربه وللأسف ده تصرف غبي لإني مستحيل هقدر عليه بتربية كوتي موتي اللي إنت وفريدة هانم ربتوني عليها، والتاني إني أمهدله سكة وأخدلي منه ساتر لحد ما يخلص مهمته ويهدي أعصابه وده الحل الأمثل، إتقاء الشر عشان هو خلقه أضيق من خرم الإبرة."
تعالت ضحكات علي الرجولية، ونهض عن مقعده يتجه ليجلس قبالته:
"متقلقش أنا هعرف أعالجك وأختارلك واحد ابن حلال هو اللي يسيطر."
رد ضاحكًا:
"الحلال مبيجبش سكة مع الأشكال دي، إرجع للسماعة والبلطو يدفيك يا دكتور."
ونهض يشير لساعته:
"وأنا يدوب أعدي على يوسف، عشان نلحق معاد الطيارة."
تساءل بفضول:
"حجزت الكرفان؟"
هز رأسه وقال يجيبه:
"هيكون جاهز قدام المطار."
وإتجه يقف قبالته بتردد، وقلقًا من أن يكشف أمره، فشعر علي بما فيه، فتساءل:
"بتفكر في أيه؟"
رد بأسلوب مضحك:
"بفكر في برودك، بقالي ساعة بقولك أنا ماشي عشان يظهر عليك شوية تأثر وزعل فتقوم تحضني زي أي أب بيودع ابنه المسافر، بس إنت معندكش دم وواقف بارد قدامي يا علي!!"
رفع أحد حاجبيه بسخط:
"طيب ولزمتها أيه اللف والدوران، ما تقول إنك مرتبك من سفرك وعايز تتطمن! ولا مش جاية على كرامتك يا طاووس!!"
ولكزه ضاحكًا:
"قولتلك متتذكاش على بابا، عشان قفشك من ساعة ما لفيت ولاقيتك قاعد قدامي."
منحه ابتسامة ساكنة، وبجدية تامة زرعت القلق بقلب علي، قال:
"أنا لو معترفتش أنك طمأنينة وضماد قلبي، أبقى غبي فعلًا يا علي."
تلاشت ابتسامته، وهو يركز ببصره تجاه عُمران بشكِ، ولكن الأخير لم يترك له فرصة حينما اندفع يضمه بكل قوته، ويقول ليبدد شكوكه حول أمره المريب:
"هو بس فكرة السفر دي موتراتي، لإن آخر سفر ليا مرتبط بذكريات فقدان الذاكرة وكل اللي عشته."
وأضاف وهو يشدد من ضم أخيه:
"بس دلوقتي إطمنت يا علي."
ربت على ظهره بخوفٍ انتباه فجأة، وقال:
"عُمران لو عايزني أسافر معاك، هسيب كل حاجة وهاجي معاك حالًا."
نظم أنفاسه بمهارةٍ، وابتعد يرسم ابتسامة مخادعة:
"مش للدرجادي يا دكتور، ابنك راجل ويعتمد عليه."
وأضاف وهو يغمز له بخبث:
"وبعدين مش كفايا المرشدين اللي بعتهم مخصوص معايا، طيب كنت وفرت محاولاتك لإقناعهم وطلعت معايا إنت من الأول!!"
جلجلت ضحكات علي الرجولية بشدةٍ، وردد بمكر:
"مهو عشان إنت مشاغب وبتلعب في الطين كتير لازم أشوف حد يراقبك، وده راجع لخوفي عليك يا حبيبي، يرضيك أتعب وأشقى، وأربي وفي الآخر يتقال دكتور علي معرفش يربي!!"
ضحك وهو يجيبه:
"لا ميرضنيش."
وأضاف بجدية مضحكة:
"على فكرة إنت راجل خبيث يا علي."
ردد بنفس سياق جملته:
"ما أنا قولتهالك قبل كده، أنا بابا يالا!"
صفاء ابتسامته جعلت عُمران يتابعه ببسمة حزينة، وقبل أن يكشف أمره غادر على الفور، يتجه بسيارته لمنزل يوسف، ترقب لدقائق حتى انضما إليه.
فهبط يحرر صندوق السيارة، وضع يوسف حقيبته وبدأ جمال بتكديس أغراضه العديدة، حتى لم يتمكن عُمران من غلق الغطاء، فصاح بدهشة:
"أيه كل الشنط دي، إنت طالع رحلة بروح أمك!!!"
ردد جمال من خلفه متأسفًا:
"لازم اعمل حسابي لكل ثغرة ممكن تقابلنا، المشكلة دلوقتي هنحط باقي الكراتين دي فين؟?"
رد يوسف بعد تفكير:
"بص عمران هيقعد جنب السواق، اديهاله يشيلها على رجليه واحنا نقعد ورا."
قال جمال بعد تفكير:
"ما ناخدها بينا أنا وانت بالنص."
صاح يوسف بنفي:
"لا أنا كده مش هعرف أقعد واخد حريتي بالقعدة، عمران بيحب الأوزان التقيلة والحديد، يشيل هو وإحنا نرحرح ورا."
تابعهما عُمران بنظرة خطيرة، أنهاها حينما جذب الكرتونة يضعها بالمقعد الخلفي، ثم صعد جوار سائقه يغلق الأبواب أتوماتيكًا، ارتدى نظارته السوداء وأدلى برأسه من النافذة مرددًا:
"أتوبيس الشعب بيقف في الموقف عشر دقايق، عند الحداشر دقيقة في المطار، هكون واقف حداد على روح أمك أنت وهو."
وأشار للشاب القابع جواره:
"إطلع يا علي!"
ابتسم الشاب بخفة وقاد السيارة على الفور، تاركًا من خلفه الصدمة تحتلهما، بينما يبتسم السائق وبعد محاولات لقتل فضوله نطق:
"باشا!"
نزع عُمران نظارته وقال ومازال يسند رأسه للمقعد باسترخاء:
"هنرجع تاني لوصلة الزن ورغي الحريم!"
ابتسم الشاب وقال:
"اعذر فضولي يا باشا، أنا بقالي يومين معاك ودماغي هتتفلق من الفضول."
لوى شفتيه بتهكمٍ:
"يارتها تتفلق وتريحني من رغي أمك ده، قال قولي يا علي، هو إنت الحيلة ولا عندها رغاّيين غيرك؟"
ضحك وقال بفخر:
"لا عندها غيري كتير، إنت نسيت ولا أيه يا باشا ما أنا حكيلك يوم العركة ياها!"
تمتم باستهزاء:
"العركة اللي شرحتك فيها، ذكرى هتدخلك التاريخ من أوسع أبوابه."
ابتسم وقال بامتنانٍ أدهش عُمران:
"دي كانت أحلى عركة أدخلها في حياتي، عشان عرفتني عليك يا باشا، إنت ابن حلال وتستاهل كل خير والله، كفايا جدعنتك ورجولتك معايا."
وأضاف وهو يركز على طريقه بتركيز:
"أنا لما فوقت كنت فاكر إني هلاقي نفسي في الترب لامؤاخذة، اتصدمت لما لقيت نفسي في مستشفى شبه الفنادق الخمس نجوم، لا وأيه سايبلي مبلغ عمري ما أحلم بيه، يعني بدل ما تبلغ عني وتسجني يا باشا أكرمتني."
واستطرد وعمران يتابعه ببسمة يرسمها بالكد وهو يحاول السيطرة على وجع رأسه الذي يهاجمه لعدم نومه:
"بالك يا باشا أنا مسبتش السكرتيرة بتاعت المستشفى إلا لما جابتلي اسمك وعنوانك، روحتلها أربع مرات لحد ما زهقت مني وادتني العنوان، مش هكدب عليك في الأول قلقت لما لقيتك قيمة وسيما ومركز علوي، بس اتكلت على الله وقولت لازم أشوفك وارجعلك فلوسك، بس برضو طلعت ابن أصول يا باشا ومردتش تاخدهم لا وشغلتني عندك شوفت عز أكتر من كده."
وتابع بتفاخر أضحك عُمران:
"حكم أنا أمي طول عمرها تقول عليا إني مرزق، شوف كان حالي فين وبقيت فين يا جدع... آآ.. أقصد يا باشا."
مرر يده على جبينه، وهمس بتعب:
"باشا
رواية صرخات انثى الفصل 116 - بقلم ايه محمد رفعت
الليل يحتدم بصراعه القوي ليطغي بسلطته الواهية، والصمت يستحوذ على المكان، يعلن تربع النوم بعرشه الثقيل على أغلب ركاب الطائرة، الا هو، كان يستند برأسه على حافة نافذة الطائرة، شاردًا بالفراغ من أمامه، وعقله يتضخم بجل ما يهاجمه.
استمد "عُمران" نفسًا طويلًا، واستدار جواره، يتأمل غفوة يوسف فوق كتف جمال الجالس بالمنتصف، ابتسم وهو يراقبهما قليلًا من الوقت، ثم جذب هاتفه يتلصص على حسابات زوجته الاجتماعية، فعلم من نشاطه بأنها مازالت مستيقظة.
فعل مكالمة فيديو، ومال برأسه تجاه النافذة مجددًا، يحكم الهاتف حتى لا يراها أحدٌ، فأتاته تجيب مرحبة بوصلة غرامه، وتهتف بعشقٍ:
_عُمران!
ابتسم وهو يطالعها بهوسٍ، وبدون أن يتطرق عنه كلمة، يستمتع بصوتها من السماعات بينما يحافظ على صمته حتى لا يشعر بهما أحدٌ، في حين أنه يكتب لها على المحادثة:
«لسه صاحية ليه؟»
علمت بأنه لا يريد الحديث حتى لا يستيقظ أحدٌ جواره، أو يستمع أحدٌ لحديثه، فأجابته بضجرٍ:
_مش جايلي نوم، بحاول أشتغل على الملفات اللي فاطمة إدتهاني، وبصراحة كده أنا كنت شاكة إنك ورا الحركة دي، وكنت ناوية أتصل بيك أخانقك جامد بس أنت قلبك حس بيا وسبقتني.
تهدلت شفتيه بابتسامة ناعمة، بينما يكتب لها:
«قلبي اللي حن واشتاقلك، زي ما اشتاق لوجودك جنبي في الشغل كتف بكتف، كنتِ بتقضي معايا وقت أطول بالشركة، وبردو كنت بحس أني مفتقدك، أنا عشان تعبك وفيت بوعدي ومأجبرتكيش تنزلي الشغل، بس خلاص يا بيبي Your vacation is over أجازتك انتهت..»
منحته نظرة غاضبة، وصاحت:
_خلصت إزاي أنا هولد بعد اسبوع! إنت محضرتش كلام دكتور يوسف!
راقب انفعالاتها بابتسامة هادئة، وكتب لها:
«مين قال أني عايزك تنزلي دلوقتي، أنا بس بعملك تنشيط ذاكرة عشان لما تقومي بالسلامة تكوني بدل فاطمة، لانها هتأخد أجازة فترة حملها. فلازم تكوني جاهزة لكل شيء»
وأضاف بجدية تامة:
«كيانك هو شغلك يا مايا، بلاش أجازتك تنسيكِ اجتهادك ونجاحك طول السنين اللي فاتت، أنا بحب أشوفك ناجحة وقوية، وشغلك هو اللي علمك تكوني كده»
غامت ملامحها في بقعة الحزن الدامية، وانخرط بصوتها حشرجة البكاء:
_إنت مش عايز تنزلني عشان أكون مكان فاطمة، إنت عايز تنزلني عشان أكون بدالك إنت طول السنة دي صح؟
وخز قلبه بقسوةٍ وهو يراها تحاول إزاحة دموعها دون أن يراها، فكتب لها:
«جمال أو آيوب يقدروا يعملوا ده، أنا عايزك تكوني بقوتك اللي اتعودت عليها منك.. مايا حبيبتي، دموعك أغلى من روحي يا عمري، أنا عارف إني ظلمتك معايا، عارف أني أناني، بس صدقيني أنا مش عايز أكتر من السلام النفسي اللي يخليني مطمن وقادر أوهبك كل الحب والسعادة اللي شوشت عقلي من كتر التفكير»
رسالة أخرى كتبها، ومازال يتطلع لها عبر الكاميرا:
«إنتِ عمرك ما رضيتي بعذابي، بس باللي بتعمليه ده بتجلديني يا مايا!..»
أزاحت دموعها فور سماع كلماته، وعادت ترسم ابتسامة صغيرة:
_أنا بس بحاول أهون عن نفسي غيابك، أنا مش عارفة هستحمل إزاي من غيرك.
كتب لها ببسمة هادئة:
«هتبقي في أحسن حال، أنا راسملك صورة من مكاني هنا، هتبقي The best business woman (أفضل سيدة أعمال) أجمل وأحن مامي في الدنيا، أعظم زوجة، وأقرب صديقة وحبيبة لقلب جوزك، شوفتي حبيب قلبه صورته جميلة في عيونه إزاي؟»
تحررت ضحكاتها وقالت بتفاخر:
_كده هأخد مقلب في نفسي فاخر من الأخر.
بنفس ابتسامته دون لها:
«يحقلك كل الدلال يا حبيبي.. على فكرة جوزك حبيبك بيعمل كل ده عشان يساعدك تسترجعي نشاطك، أنتِ من ساعة ما قعدتي من الشغل وإنتِ بقيتي كسولة، ومش بتحبي الخروج، كل حياتك بقت نوم في نوم، زمان كنتِ بتتمنى إننا نخرج مع بعض، حاليًا أنا اللي بقيت بسعى لده واجابتك مبلحقش أخدها من كتر تفكيرك في النوم يا بيبي!»
قهقهت ضاحكة، وصاحت باستهزاءٍ:
_كنت عارفة إني حسدتك من كتر كلامي عنك، وإنك هتمل وهتبعد.
واعتدلت تقص له وضحكاتها ترتفع:
_كنت بتكلم مع صديقاتي من كام يوم في جروب الدفعه، كانوا أغلبهم بيشتكوا إن أزواجهم ملوا من هرمونات الحمل، وفي منهم اللي زهق من كتر ما مقضين أغلب يومهم على السرير، وأنا طلعت بكل فخر واديتهم حتة ريكورد تمجيد في البشمهندس اللي أحن عليا من مامي الله يرحمها، ولما كان يقولي تعالي نتغدى بره أو نخرج كان بيرجع يلاقيني نمت في سابع نومه، عمره ما اتضايق أبدًا ولا واجهني بأي تقصير، فشكلي كده اديتك عين حمرا وجاي تجبرني أنزل الشغل!!
شاركها الضحك ويده تدعم استناده على النافذة، بينما يشير بإصبعه بأن تصمت ولا تضحكه، وحينما فشل أرسل لها ينبهها:
«جمال ويوسف جنبي، صوتك خارج من الايربودز!»
كممت فمها تحجب ضحكاتها،فسلم رأسه للمقعد ومال يتأملها ببسمة جعلتها تعود لحزنها من جديدٍ، هاتفة بارتباكٍ:
_عُمران أنا مش هقدر أتحمل اللي هيحصل معاك، أنا خايفة عليك أوي.
شاركها الحزن والضيق يستحوذ عليه، فكتب لها:
«متفكريش في أي حاجة غير ابننا يا مايا، ابننا اللي هيأخد نصيبه الاكبر من حبك ودعمك ليه، أوعدك أني هرجع أعوضك عن كل حاجة، هنقضي أجازة طويلة أنا وانتِ وعلي ابننا في أي مكان ترتاحي ليه، بس البداية هتكون بمكة، نفسي أعمل عمرة وإنتِ وهو معانا.»
هزت رأسها بخفة، فعاد يدون لها:
«يلا يا حبيبتي، استرجعي مهاراتك في مراجعة التصميمات، مش عايز ثغرة تعدي عليكِ، حاولي تنظمي وقتك ومش تضغطي على نفسك، مع السلامة».
قالها وأغلق مكالمة الفيديو، ثم نزع السماعات من أذنيه واستدار يراقب النافذة بشرود بما قرر أن يخوضه.
مرت ساعات الليل حتى أشرقت شمس اليوم التالي، توقفت سيارة "أحمد" أمام المركز، فهبط يحرر باب زوجته الحزينة منذ أن تلقت من علي ما حدث مع أخيها، وبالرغم من تزعزع الأمور بينهما الا أنها لم تتمكن من عدم زيارته بالمشفى.
هبطت تتبع زوجها بصمتٍ، متخفية خلف نظارتها السوداء ووشاحها القصير الذي عقدته أسفل قبعتها، ليخفي رقبتها ورأسها بشكلٍ كامل.
استعلم أحمد عن رقم الغرفة، وصعد بها بالمصعد حتى الطابق المنشود، فمر يبحث عن رقم الغرفة، طرق الباب وفتحه مشيرًا لها بالدخول.
نزعت نظارتها وتلفظت أنفاسها الساخنة، ثم ولجت للداخل بقوةٍ وثبات، فوجدت علي يرنو إليها يستقبلها:
_فريدة هانم.
قالها وهو ينحني مقبلًا يدها، فمنحته ابتسامة رقيقة، ومالت تتفحص "نعمان" الذي هتف بعدم تصديق:
_فريدة!
تخطت علي، وجلست بخفة على المقعد المقابل له، وبصوتها الرقيق سألته:
_عامل أيه دلوقتي يا نعمان؟
رد ببسمة واسعة:
_أنا الحمد لله بخير، وبقيت أحسن لما شوفتك.
زم أحمد شفتيه بنزقٍ، لحق بقوله:
_حمدلله على سلامتك.
رفع رأسه إليه وقال:
_الله يسلمك يا جوز أختي.
استدار أحمد إلى علي، وردد من بين اصطكاك أسنانه بغيظٍ:
_شوفت بيستفزني إزاي، ده اتخلق عشان يستفز اللي حوليه يا علي!
منع ضحكاته من الظهور، فهو يعلم مدى كره عمه إلى نعمان، فمال يهمس له برزانة، وكأنه يتعامل مع طفلٌ صغير:
_معلش يا عمي، هو ميقصدش ولا عنده المقدرة يجر شكلك وهو بالحالة دي.
لم تلين ملامحه بشكلٍ كاملًا، بل تمتم ساخطًا:
_الغلط عليك أنت يا دكتور، مكنش لازم تعرف فريدة بتعب الملزق ده، الله أعلم هو بيخطط لأي مصيبة، وحظه أن عُمران مش موجود، جايز أصلًا يكون بيستغل إنه مسافر كام يوم، مهو عارف إن لا انا ولا إنت نقدر نتعامل معاه، وإنت ما شاء الله مهدتله الطرق كلها وخصوصًا برجوعه معانا القصر، لو لسه مصر على قرارك ده اتصل بعمران وخليه يرجع.
وضع كفه يخفي بسمته، وتصنع بأنه يميل ليهمس له، مستغلًا انشغال نعمان بالحديث مع والدته:
_متقلقش يا عمي، لو حصل أي مخالفات منه أنا اللي هقف في وشه.
بعد أحمد رأسه للخلف ليمنحه نظرة ساخرة، مشككة بكل حرفًا نطقه، وباستهجان قال:
_أنت!!
اتسعت ضحكته وقال بكلمات بطيئة، سحبت انتباهه:
_متنساش يا عمي إن عُمران تربية إيدي، فخليك واثق إن لو خالي ضايقك بشيء هجبلك حقك وقتي.
زم شفتيه بعدم اقتناع، بينما يواصل علي حديثه، كأنه يحاول تهدئة طفلًا صغيرًا يريد مغادر المدرسة بأول يوم دراسي:
_طول ما أنا موجود إطمن ومتخافش، هقدر أعمله كنترول.
أدلى بشفتيه مستنكرًا امكانياته:
_ربنا يستر!
خرج "عُمران" برفقة أصدقائه من المطار، فوجدوا سائق الكرفان بانتظارهم، صعد "جمال" و"يوسف" على متنه، وتفحصا أرجائه بانبهارٍ شديد، حيث كان يتكون من مطبخ صغير، وحمام بنفس مقاسه، فراش طابقين علوي وسفلي، ومن جواره أريكة تنقلب لفراش مريح.
صعد جمال طابق الفراش العلوي، تمدد من فوقه هاتفًا باستمتاعٍ:
_مش عايز حد يصحيني غير بعد عشر خمستاشر، ساعه.
إرتكن يوسف على السرير السفلي، متمتمًا في سخطٍ:
_على الاساس إنك مهم أوي، ومصالح الدولة كلها هتعطل على عبحليم الغشيم!
أجابه بصوتٍ تحشرج بفعل نعاسه السريع:
_لم نفسك يا متعسر ونام، بدل ما اتقلب بالسرير فوق أنفاسك.
راقبهما عُمران بضجرٍ، فألقى حقيبته جانبًا ثم حل الاريكة ليصنع منها فراش، واحتله بهدوءٍ جعل يوسف يستريب لامره، فحاول جذبه لأطراف الحديث:
_سمعت يا عُمران، لولا دخولنا كلنا مع بعض كنت شكيت إنه فك السرير عشان يقع فوقي بيه زي ما كان بيعمل أيام الدراسة.
وجده يغلق عينيه مستندًا على ذراعه المثني أسفل رقبته، وبهدوءٍ غريب هدر:
_سيب كلابي هادية عنكم يا يوسف، بدل ما تنهش أمك أنت وهو!
ضم شفتيه باستنكارٍ:
_هتوقع أيه منك غير الوقاحة يعني، إنت مش محترم إن دي أول رحلة وأول أجازة أخدها من فترة طويلة، أساسًا لولا المصلحة تخص علي الغرباوي نفسه مكنش إداني الأذن بالسهولة دي، أنا من غير المركز حاله يقف، عشرات الستات هتمتنع عن الولادة، ووارد يتضاعف حالات الطلاق بسبب الحوار ده، أنا آ...
استكمل عنه عُمران باقي حديثه:
_ما تنزل من مركبة أحلامك على الأرض، وتدفي نفسك لحسن تأخد لطشة برد يا جو، أنا طالع رحلة تهون عليا مش فاضي أجري على قتيل بينازع ومحتاج سرنجة للبرد، أنا بفكر أكلملك سيفو سرنجة من دلوقتي احتياطي!
لملم سخطه وغيظه الشديد، وتمدد يفرد غطائه على ذاته وهو يتمتم بخفوت:
_أنا هخلص منك النهاردة، ومن غير تصبح على خير.
مال يدير له ظهره، فابتسم عُمران وحاول هو الأخير أن يستلقي، ولكنه لم يهتدي لنومه؛ فجذب هاتفه وأخذ يتفحصه بمللٍ، حتى استوقفه فيديو لأحد الشيوخ الذي يحب سماعهم، فاذا به يبتسم مع نهاية المحاضرة، ووجد ذاته يفتتح صفحته الرئيسية ويدون ما تلقاه من الشيخ الفاضل.
«الانسان بيتولد في لفة، ولما بيموت بيتلف في لفة، وما بين اللفة واللفة بيلف لف، إما يلف على طريق النبي، أما يلف على طريق أجنبي، لو لف على طريق النبي يدخل الجنه يرتوى، ولو على طريق الاجنبى مصيره بالنار يتشوى!»
أغلق الهاتف ووضعه جانبًا، ونهض يتجه للجزء المخصص للمشروبات، صنع كوبين من العصير، وعاد للأسرة، ينحني هامسًا بصوتٍ خافت:
_يوسف.
لم يأتيه ردًا من المنادي، فابتسم هاتفًا بسخرية:
_أنا عارف إنك صاحي فبلاش تصيع عليا.
فتح مُقلتيه وجلس بانزعاجٍ:
_نعم عايز أيه؟
ناوله الكوب، وإتجه يجلس قبالته على الأريكة، ناطقًا باستهزاء:
_هعوز أيه منك يا متعسر، مليت ومش لاقي حاجه تسليني، لسه ساعتين عما نوصل، فأيه رأيك ترغي في أي حوار.
وضع الكوب جواره، وسحب نظارة النظر الخاصة به يرتديها، مدققًا النظر فيه والدهشة تتحرر لتبدي واضحة عليه:
_عايزني أرغي معاك إنت!! لا كده أنا أتاكدت إن في حاجة مش طبيعية.
وأضاف وهو يميل مشيرًا على هاتف عُمران الملقي جواره:
_لو الشيخ ده سره باتع أوي كده هنزل كل الخطب بتاعته وأول ما ألقيك حررت كلابك السعرانة هشغلك خطبة، قولتلي بقى إسمه أيه؟
رد بهدوءٍ مدروس:
_إسمه أحمد عزب، ومش متابعه لوحده بس، متابع كمان الدكتور حازم شومان وأسامي كتير جدًا.
وبمكرٍ استطرد وهو يرتشف من كوبه:
_بس إنت مش محتاج للمشايخ عشان أكون هادي معاك، ده إنت حبيب قلبي من جوه يا جوو.
جحظت عينيه بشكل حرر ضحكات عُمران، فمال من كثرة الضحك، بينما يردد يوسف بصدمة:
_حبيب قلبك!! أنا كده إتاكدت إن شكوك دكتور علي كلها في محلها، إنت مش طبيعي يا حبيبي!
رفع الكوب يرتشفه بأكمله على ثلاث جرعات، ووضعه جواره مشيرًا له بحزمٍ:
_أنا غلطان إني ببل ريقك بكلمتين رايقين، نام يا يوسف.
تناول ما بيده وعينيه شاردة بالفراغ بذهولٍ، وما ان انتهى من كوبه، حتى تمدد قبالته بدهشةٍ، جعلته يناديه مجددًا:
_عُمران.
وضع يده فوق عينيه يمنع الاضاءة من التغلل بمُقلتيه، وهمهم يجيبه:
_أممم.
استدار يخبره بجدية مضحكة:
_إنت كويس!
اجابه وقد بدأ يندمج بالنعاس:
_نام يا يوسف.
تحلى بالصمت لخمسة عشر دقائق، وعاد يتمتم بعدم راحة:
_عُمران أنت فيك حاجة صدقني أنا أدرى منك بالحوار ده.
تحرر عن كل ثبات امتلكه وصرخ بعصبية:
_هو أنا مش قولتلك اتخمد، ولا لازم أقوم اطلع روح أمك عشان تتزفت!
انبهرت تعابيره، واتسعت ابتسامته بشكل جعل الاخير يعقد حاجبيه بدهشة، وخاصة حينما وجده يسحب الغطاء ويتمدد هامسًا بسعادةٍ:
_يا شيخ قلقتني عليك، كده اتطمنت!
راقبه عُمران بصدمة، وألقى بثقل جسده على الوسادة مرددًا بضيق:
_أتحكم في لساني الوقح إزاي ودول ورايا!! استغفر الله العظيم وأتوب إليه، يا رب سامحني أنا بحاول والله بس هما اللي معاتيه!
وعاد يتمتم من بين اصطكاك اسنانه على تجرد لسانه بالسب مجددًا رغمًا عنه:
_استغفر الله!
ولج بسيارته للچراچ المخصص للسيارات، كعادته لم يهين يومًا العامل المسؤول عن چراچ القصر، والذي يتمنى يومًا أن يترك سيارته بالخارج ليدخلها هو، بل كان يصفها بالداخل بتوازنٍ، ويمنحه أروع ابتسامة ويختم بقوله الذي يعود لنطقه في التو:
_تسلم إيدك يا عم سعد.
استدار العامل الذي ينظف سيارة من السيارات الخاصة بسيدة القصر "فريدة الغرباوي"، يبتسم ببشاشةٍ، وهو يشيد به:
_الله يسلم عمرك يا دكتور علي، أنا هنقل لعربيتك، هخليهالك فلة، شمعة منورة.
وبالفعل حمل الرجل المسن أدوات التنظيف، وانتقل إلى سيارته، فترك "علي" حقيبته على أحد المقاعد البلاستكية، ونزع عنه جاكيته الجلد، أشمر عن ساعديه وإتجه إليه، يجذب الفرشاة المبللة بمسحوق التنظيف، وشرع بمعاونته لتنظيف السيارة، فابتسم العم وقال:
_المرادي مش هتخانق معاك، هفضل أعيد وأزيد وبردو هتعمل اللي في دماغك وهتساعدني، فهسكت أحسن.
ضحك "علي" وأجابه باحترامٍ لطالما إلتمسه منه الرجل:
_على فكرة أنا بحب أقف معاك الكام دقيقة اللي بخطفهم بغسيل العربية دول، وبعدين أنا سبق وقولت لحضرتك أني اتعودت أعمل كل حاجة ليا بنفسي، ومع ذلك حبيت مشاركتك معايا، انا بفضلك أصلًا عرفت تكات وأسرار تخلي إزاز العربية يبقى مرآيا، كنت مهما أغسل فيه كان بيجير بشكل غريب.
اتسعت بسمة العجوز، وقال يثني عليه:
_إنت ما شاء الله مش ناقصك علام من حد، ده أنا بدعي ربنا ليل نهار إن رامي ابني يبقى في أخلاقك وتربيتك وعلامك العالي.
عصر "علي" قطعة القماش وأخبره بتواضعه الملموس:
_إن شاء الله يبقى أحسن مني كمان، ربنا يباركلك فيه وتشوفه زي ما أتمنيت وأكتر.
رفع الرجل بصره للسماء وردد بتمني:
_يسمع منك ربنا يابني.
انتهى كلاهما من تنظيف سيارته، فتركه "علي" وإتجه يرتدي جاكيته ويعيد ترتيب ملابسه، ثم سحب ظرفًا مطويًا، وعاد يقترب منه، وعلى استحياء ناداه:
_عم مسعد.
أتى إليه يجيبه:
_أمرني يا دكتور.
مد الظرف إليه مبتسمًا، وقال:
_ده مصروف رامي، بلغه سلامي وقوله إني هستنى نتيجته السنادي على أحر من الجمر، عايزه يشرفني ويدخل طب، قوله دكتور علي بيقولك مكانك محفوظ عنده بالمركز.
التقط الرجل منه الظرف الذي إعتاد أخذه كل شهر لمتابعة دراسة ابنه بالثانوية العامة، وشكره بامتنانٍ لرقي أخلاقه حتى وهو يقدم له صدقة، أحاطها بقوله الحذر دون التطرق لأي لفظ يخدش به كرامته:
_يوصل يا دكتور، جزاك الله كل خير، ربنا يزيدك ويكرمك بابن صالح يكون بار بيك وبالهانم يارب.
اتسعت ابتسامة علي فرحة بدعوته البسيطة، فشكره وحمل حقيبته وإتجه للقصر، ومنه للمصعد، وفور أن خرج منه وجد زوجة أخيه تحمل عدد من الملفات ومن فوقهم الحاسوب، فاسرع تجاهها يجذب الحاسوب من فوق ما تحمله، وردد بانزعاجٍ مما تفعله:
_أيه كل ده يا مايا، أنتِ ناسية إنك على وش ولادة!
حلت عقدة معالمها من فرط اجهادها لما تحمله، فوضعت الملفات فوق الحاسوب الذي يحمله، وقالت وهي تستريح على أحد المقاعد المنتشرة بين الجناحين:
_كويس انك جيت يا علي، شيل بقى أنت، وإكسب فيا ثواب دخلهم لفاطمة وأنا هحصلك بس على مهلي.
ضحك على كلماتها، وردد مازحًا:
_هتركبي الدور الجاي ولا أيه؟!
منحته نظرة حازمة وهتفت بضجر:
_مش قادرة أرد عليك للاسف، روح يا دكتور هشم نفسي الأول وهاجي أخد حقي منك أنت ومراتك اللي قلبت على مرات أبويا فجأة دي، انا معرفش بجد أيه اللي حصلها وحولها بالشكل ده.
ضيق عينيه باستغرابٍ من جملتها:
_فاطمة!! دي بتحبك جدًا وبتعتبرك زي زينب بالظبط، وبعدين هي فاطمة ممكن تعمل حاجة في حد دي ملاك!
أشارت بيديها بغضب قبل حتى أن تستمع لحديثه:
_أهو طل ما أنت شايفها ملاك بجناحين كده مش هعرف أخد منك ولا منها حق ولا باطل.
وتابعت وهي ترتب حجابها الطويل بابتسامة هيام، وبصوت رغم أنه كان منخفض الا أنه كان مسموعًا إلى علي:
_هلوم عليك ليه، ما أنا بعمل المصيبة وبتدارى في أخوك، وأهو بردو بيطبلي وشايفني بسكوتة نواعم.
اتسعت ضحكة علي، وجذب أحد المقاعد يقربه من محل جلوسها، متسائلًا بجدية تامة:
_خلاص أوعدك أني مش هتحيز للطرف الأخر، وهسمع منك المشكلة كلها وكمان هحاول ألقى حل يرضي جميع الأطراف، ها كده تمام؟
هزت رأسها بعنجهيةٍ، وقالت وهي ترفع كتفيها بشموخٍ:
_بص يا دكتور، مراتك المصون اتفقت مع مديرها المغرور عليا، مع إني شاكة أنها عاملة معايا الواجب وبزيادة من وراه كمان.
ضم شفتيه بعدم فهم، فاستطردت توضح له:
_اخوك فجأة قرر يرجعني الشركة، وعايزني أستغل الاسبوع اللي قبل الولادة في مراجعة كام ملف بحيث لما ارجع بعد الولادة الشغل تكون ذاكرتي اتنشطت، بس فاطمة زودتها أوي ومدياني خمس ملفات لخمس مشاريع كبار، أنا من امبارح وأنا مشتتة بينهم ومش عارفة إذا كان تصميمات وحسابات المشاربع مظبوطه ولا لا، فكنت راحة أتخانق معاها وأخليها تشيل معايا ملفين تلاتة، بدل مهي ما صدقت ورمت عليا كل حاجة.
وأدلت شفتيها السفلية ببراءة مصطنعة:
_ شكلها كده عايزة تخلع الفترة اللي بقيالها من الحمل، وللاسف معاها حق ومحدش هيقدر يغلطها!
لم ينتبه علي لمزحها بالحديث، فلم يلتقط الا شيئًا هامًا، جعله يشرد بتفكيره إليه، وفسره كليًا بسؤاله الجاد:
_وليه عُمران عايزك تنزلي الشغل دلوقتي؟
ارتبكت مايا قبالته، لقد شدد عليها زوجها الا يعلم أخيه عن أمر سفره وخضوعه للعقوبة التي أتمنها عليها، فرمشت بارتباكٍ فاح رائحته إلى علي، وخاصة حينما تلعثمت:
_بيقول إني بقيت بقضي أغلب وقتي بالبيت وإن ده مش كويس، فعايزني أنزل عشان كمان لو فاطمة حبت ترتاح وتأخد أجازة عشان حملها أكون بدالها.
لم يبتلع علي حديثها، وبداخله يشعر أن هناك خطبًا ما، ولكنه احترم خصوصيتهما، ولم يشئ بطرح المزيد من الاسئلة، بل رسم بسمة مصطنعة، ونهض يحمل الملفات والحاسوب الوردي الخاص بها قائلًا:
_هدخلك الملفات واللاب لمكتب فاطمة، وهخليها تيجي تساعدك.
بددت توترها من صمته الغامض، وقالت:
_لا مش عايزاها تساعدني، أنا هدخل أدب خناقة معاها، بس إدعيلي انت أوصل بالسلامة.
قهقه ضاحكًا، وهو يخبرها:
_الجناح على بعد متر واحد منك يا مايا، شكل فعلًا قرار عُمران صح جدًا.
لوت شفتيها وبنزقٍ قالت:
_ومين هيقول آمين على وقاحته غير باباه!
ونهضت تجذب منه الملفات قائلة بنفور:
_هات الملفات أنا مش عايزة منك مساعدة نهائي، إنت اتخلقت عشان تشوف مراتك وأخوك وفريدة هانم ملايكة، معرفش مين هيجبلي حقوقي المهدورة في البيت ده!!
اتبعها وهو يكاد ينهار من الضحك، فحاول إيقافها قائلًا:
_ليه كده بس، أنا دايمًا بساعدك في كل كارثة بتعمليها، فاكرة الخناقة الاخيرة اللي حصلت مع فريدة هانم في أوضة السفرة، ولا خناقتك مع عُمران وقت ما فتحتلك باب المكتبة؟؟
وقفت محلها تفكر مليًا في حديثه، وعادت تضع الملفات فوق تلحاسوب الذي يحمله، هاتفة ببسمة رضا:
_فاكرة يا باشا أنت أفضالك مغرقاني.
حمل الملفات وخطى جوارها مبتسمًا حتى ولج للجناح، بينما استقلت هي غرفة المكتب، تنتظر أن تنظم لها "فاطمة"، الذي تكلف "علي" بإرسالها.
وجدها "علي" تجلس على الأريكة، وجهها يحمل بقايا لملامح الحزن التي حاولت إخفائه فور أن شعرت بوجوده، اعتدلت بجلستها وقالت مبتسمة:
_إنت رجعت يا علي؟
قرأها ككتابٍ مفتوح، وقد صدقت شكوكه كاملة، تحرر صوته الرجولي الرزين:
_ مايا بمكتبك، ومعاها ملفات خاصة بشغلكم.
انتصبت بوقفتها تتجه للمشجب، جذبت اسدالها ترتديه، قائلة :
_أنا كنت لسه رايحلها، كويس إنها جت.
راقبها بصمت، حتى اتجهت للسراحة تعدل حجابها، فلحق بها يتساءل:
_مش غريبة إن عُمران يسمحلها بالنزول وهي بالوضع ده!
تطلعت لانعكاس صورته ورددت بتوترٍ:
_عادي يعني، يمكن مش حابب إنها أتأقلمت على قاعدة البيت، متنساش أن مايا كانت شايلة نص شغل الشركة كله، وفجأة مبقتش تنزل خالص.
رنا إليها حتى بات قبالة عينيها اللاتي تتهربان منه:
_مخبية عني أيه يا فاطمة؟
ردت بنبرةٍ جاهدت لجعلها أكثر من هادئة:
_هخبي أيه يا علي، أنا مع القيء والدوخة المستمرة، مبقتش قادرة أنزل الشركة زي الاول، وعُمران ابتدى يلاحظ ده، فطبيعي إنه يطلب من مايا تكون جانبه.
شعر بأنه ولربما يتمادى، فضمها مقبلًا جبينها بحنانٍ:
_سؤالي مش محتاج منك ضغط الاعصاب ده كله، أنا واثق فيكِ لأبعد حد، وعارف أنك لا يمكن تخذليني أبدًا، زي ما أنا أمانك إنتِ كمان أماني وثقتي، وعُمري كله يا فطيمة.
اعتصرت دمعة حبستها قدر ما تمكنت داخل جفنيها، وفكت أسر يديها تحاوطه والحاجة إليه يلمسها برعشةٍ أصابعها المشددة على جاكيته، شدد من ضمتها والقلق يساوره بتلك اللحظة، وخاصة حينما نطقت بصوتٍ واجم:
_متسبنيش يا علي!
رده السريع أتى يطمئنها:
_وأنا ليا مكان تاني جنبك يا قلب علي!
ابتسمت والعشق يختلج أوردتها، فمنحها بسمة تحمل من العاطفة ما تمكنت من ضمها، بينما يخبرها بمزحٍ:
_ميسان هتقيم عليكي الحد.
انتفضت بفزعٍ، حينما تذكرت أمرها، فدفعته وركضت صوب باب الغرفة الجانبي، وضحكة علي تتبعها برنينها الساحر.
فتحت باب المكتب، وولجت للداخل تبحث عنها، تمهلت بخطواتها حتى ألقت بثقلها على المقعد المقابل لمكتبها، تتطلع إليها بحزنٍ شديد، وصمتًا مزقته مايا بنزقٍ:
_لا بقولك أيه أنا لسه واخده إفراج من علي فمش ناقصة فرهدة التفكير في اللي مزعلك، إرمي مصيبتك مرة واحدة، أنا واحدة على وش ولادة ومستبيعة.
تنهدت بحزنٍ شديد، وقالت:
_علي شاكك أننا مخبين حاجة عليه.
انتقل الحزن إلى مايا، التي تجاهد للبقاء صامدة قدر ما تمكنت، فاحتشد بنبرتها:
_سألني وتوهت بالكلام، بالنهاية هيعرف.
وأضافت وقد تلألأت دموعها:
_أنا قلبي موجوع على عُمران، وزعلانه من نفسي أوي، لأني كنت أقدر أوقفه عن اللي هيعمله، بس شوفت بعنيا معاناته وعذابه الكبير طول الفترة اللي فاتت.
وبابتسامة ألم أبكت فاطمة، قالت:
_السبب الوحيد اللي خلاني مصدقش المشهد اللي شوفت فيه جوزي مع واحدة غريبة على سرير واحد هو إني كنت شايفة بعنيا إزاي كان بيجلد نفسه بعد ما فاق من الذنب البشع اللي ارتكبه مع الحقيرة دي.
وتابعت ببسمة واثقة رغم دموع عينيها، وبقوة تعجبت منها فاطمة:
_عُمران مفيش زي قلبه، مهما اكتسب عمر فوق عمره، مهما اتغيرت فيه صفات، حتى شكله الخارجي، قلبه مستحيل يتغير.
لم تشأ فاطمة أن تقطع حديثها الذي يهون عما تخوضه ميسان، فاستطردت ونظراتها تشرد بالفراغ:
_أنا عارفة إنه اتخلى عني في توقيت مهم بالنسبالي، بس مهما كان اهمية اللي أنا داخلة عليه مش هيكون بأهمية راحته وسلامه النفسي، صلاح توبته نفسها بتطمني على شكل علاقتنا اللي جاية، بتديني القوة والثقة في علاقتنا، بتشفي وجعي اللي قضيته طول فترة معرفته بالكلبة دي، وبتخليني عندي الثقة الكاملة إنه مش هيخوني أبدًا.
وتطلعت إلى فاطمة، تخبرها بابتسامة واسعة:
_تعرفي إني كنت في كل أجازة بينزلها عُمران لمصر كنت بصمم أخليه يحضر معايا حصتي مع المحفظة بتاعتي، كان بيحفظ معايا كل أجازة جزء، وعلى مدار السنين اللي كان بينزلها حفظ معايا القرآن كله.
وتنهدت في راحة وسكون:
_من صغره وهو مفيش في نقاء قلبه، كان بيعمل كل اللي يقدر عليه عشان ميشوفنيش حزينة، عمري ما أنسى وقفته جنبي وقت وفاة ماما الله يرحمها، كان أكتر حد حاسس بوجعي، وبيطبطب عليا من جوه قلبه، ولما أكون كويسة بحس أنه هو كمان مرتاح وحاسس بتحسن.
وابتسمت ودموعها تشق الطريق على وجنتيها:
_كنت بخبي جيتاره في كل مرة كان بيسفر فيها، عشان أضمن إنه يرجع السنة اللي بعدها، مهو عُمران زمان كان بيغني وكان متعلق جدًا بجيتاره، لحد ما علي منعه منه تمامًا.
ورفعت كتفيها بحيرة، وهي تخبر فاطمة:
_معرفش ليه فجأة اتحولت علاقتنا الجميلة لتعاسة بمجرد دخول العقربة دي لحياته، مبقاش ينزل مصر ولا بقى يرد على مكالماتي، عُمران اتبدل حرفيًا، وده شوفته بعنيا لما سافرت لندن أكمل تعليمي.
أخفضت وجهها تخفي دموعها المنهمرة، وهي تعبث بخاتم زواجها الألماس الذي ترتديه، استمدت قوتها وعادت تواجه فاطمة التي تستمع لها باهتمام ودهشة لسماعها تلك التفاصيل الخاصة عن قصة عشق "مايسان" و"الطاووس الوقح".
وحينما شعرت بأنها تخطت غصتها المؤلمة، قالت:
_إنتِ عارفة باقي تفاصيل اجبار فريدة هانم بجواز عُمران مني، وبالرغم من إن رفضي ليه كان ممكن ينهي الجوزاة دي الا أني وافقت.
وضحكت بصوتٍ ساخر وهي تخبرها:
_ممكن تفكري زي ما اغلب صديقاتي فكروني إني كده ببيع كرامتي، بس أنا كنت باصة على الموضوع من منظور تاني، إن الشخص ده في جوه قلبه مكان يخصني، زي ما في جوه قلبه مكان فيه ضوء بسيط مليان بالايمان وحب القرب من ربنا.
سحبت نفسًا عميقًا، ورددت بكل فخر:
_كنت عارفة إني هخوض حرب عشان أفوز بيه، وإنها مش أي حرب، حرب هتعود عليا بوجع نفسي كبير، خضتها عشان حبيته وعشان هو زمان وقف جنبي في كل مرة احتاجتله فيها، آه أوقات كتير كنت بستسلم وأفتكر اني حاولت أهرب منه مرة والمرة التانية أخدت قرار نهائي بالطلاق، بس في المرتين لمحت منه مشاعر بتديني الأمل ان خلاص هانت وأكسب الحرب اللي تعبتني، وفعلًا انتصرت وفزت بقلبه يا فاطمة، فأي شيء تاني مجرد رتوش هتداويها الايام.
ازاحت دموعها ومازالت ابتسامتها مرسومة:
_عُمران كان بينزل كل سنة لمصر تلات شهور، وبيفارقني تسعة، أنا عشت ألم فراقه باستمرار، تقدري تقولي اتعودت أن مهما بعد هيرجعلي، وبالذات المرادي.
تهاوى دمع فاطمة، ولم تجد ما ستقوله، فنهضت تضمها والاخيرة تحاوطها بحبٍ، والاحاديث قد توقفت عن مجراها بعد حديثها.
وصل الكرفان حي "موسى"، وقد اصطف بالمكان الذي وصفه مسبقًا للسائق عن طريق الهاتف، هبطوا يرتدون حقائبهم الصغيرة، وحملوا الأكياس الفخمة التي اشتراها عُمران خصيصًا إلى موسى من بوتيك "إيثان"، ليحضر بهم الحنة وحفل الزفاف.
تعجب "يوسف" و"جمال" من تدني الاجواء المحيطة بهما، بينما يتجول "عُمران" بسهولة بين الشوارع، حتى وصل لأحد البيوت البسيطة، وبالاخص لورشة صغيرة، مدون على لافتة عريضة خارجية لها "ورشة الاسطـى موسـى".
سبق" عُمران "خطاهم، وأسرع تجاه ذلك المنبطح أرضًا أسفل السيارة، يهاتفه بسخرية:
_حد يحن للشحم ليلة حنته يا بغل!
أتاه صوتًا مختنقًا من أسفل السيارة يهتف بعدم تصديق:
_خواجــــــه!!
دفع جسده القوي من أسفل السيارة، ونهض يبتسم ابتسامة واسعة، والشوق يحفل في عينيه بحماسٍ، فتح ذراعيه وهرع إليه ليحتضنه، ولكنه توقف يخفض ذراعيه الملطخان من الشحم بحرجٍ، ففجأه عُمران حينما لم يهتم باتساخ يديه وبادر بضمه بكل حبٍ، جعل الاخير يبعدهما عنه حتى لا يوسخ ملابسه، بينما يهتف ببسمة صافية:
_ليك وحشة يا خواجة، والله ما صدقت أما قولتلي إنك هتيجي وهتبات معايا ليلة بحالها، فكرتك لمواخذة بتأخدني على أد عقلي.
ربت على ظهره بحنانٍ، وردد بمحبة نبعت من أعماقه:
_أنا هروح لأعز منك يا أسطى!
ازدادت ضحكته وقال بحبورٍ:
_طب والله العظيم بحبك وليك وحشة، ده صابر هيزقطط لما يشوفك، ولا قمر مش هتصدق، على فكرة انا ركبت تكيف زي ما يكون قلبي حاسس أنك هتيجي تاني.
واستطرد وهو يشير للسيارة:
_اطلع سلم عليه عما أخلص المصلحة دي على السريع وأحصلك.
تفحص عُمران السيارة وبسخطٍ قال:
_هو إنت مش هتحرم تغشم! النهارده المفروض تكون بتستعد زي أي عريس.
قال بتلقائية وصلت إلى قلبه:
_أهي مصلحة هتقضى على السريع وهيطلعلي منها سبوبة حلوة، حد يقول للرزق لا.
اهتدت ابتسامة عُمران لمغزى ذلك الشاب البسيط، فقال يحمسه:
_ربنا يعينك يا أسطى، خلص وأنا هستناك فوق.
أنساه الحديث رفقته، رفقائه اللذان يتابعان حوارهما بدهشةٍ، أشار لهما بالاقتراب، وبدأ يعرفهما به:
_ده جمال وده يوسف اصحابي اللي كلمتك عنهم يا موسى.
جفف "موسى" يديه بالمنشفة، وصافحهما بحرارةٍ، هاتفًا بكل ترحاب:
_يا مليون مراحب بضيوف الخواجة، نورتوا الحي كله، أتفضلوا اتفضلوا يا بهوات.
رد عليه يوسف بابتسامة واسعة:
_منور بيك يا أستاذ موسى وألف مبروك لحضرتك.
مال تجاه عُمران يبتسم له بسمة علم مكنونها، وخاصة حينما همس له:
_حضرتك!!
عاد يصافح جمال الذي قال له بقمة الود والمحبة:
_أنا أصريت أجي مع عُمران عشان أشكرك على كل اللي عملته مع عُمران، حضرتك راجل محترم وعندك أخلاق عالية يا أستاذ موسى.
هز رأسه له بشكر وامتنان بينما يميل تجاه عُمران هامسًا بمرحٍ:
_آلاه حضرتك بردك!! الاتنين ولاد ذوات زيك يا خواجة!
تطلع جمال ليوسف بدهشة، فسرها بحديثه الهامس له:
_هو كل شوية يوشوش عُمران ليه؟ هو أنا كلامي فيه حاجة غلط يا يوسف؟
رفع كتفيه في حيرة:
_مش عارف يا عبحليم!
وما كادوا بالتوجه للداخل، حتى أنغمر الحي بتكدسات من الكتل البشرية، تهرع هنا وهناك، فارتد "جمال" و"يوسف" تجاه ورشة "موسى"، بينما يعلو الهتافات من خلفهما:
_الدبيحة هربت من حمص تاااااني يا رجـــــــالــــــــة!!
ألقى موسى المنشفة متمتمًا بسخطٍ:
_قصدك عاشر.
صعد جمال فوق ذراعي يوسف، وراح يتساءل بصدمة وخوف:
_دبيحة أيه؟؟ يلا نمشي من هنا أنا من البداية وأنا مش مطمن.
جحظت عيني يوسف وتخشبت ذراعيه، وخاصة حينما ظهر (عجل) سمين، يركض صوبهما، ومن أمامه يركض شابًا يحمل سكينًا يكاد يصل طوله لطول ذراعيه، ويصرخ باستغاثة:
_الحقنــــــي يا اسطى موســـــــــى!
ألقاه"موسى" فوق صندوق السيارة وهدر فيه غاضبًا:
_هو أنا مش هخلص منك ولا من بلاويك السودة دي، قولتلك ألف مرة سيب الجزارة لناسها، ولا أنت عاجبك فضايح كل اتنين وخميس دي، عرتني قدام الضيوف الله يعرك!
قبل يده وهو يخبره بنبرته الشعبية:
_انجدني يا اسطى الله يسترك دنيا وأخرة، دي جايه عليا وناوية تبج كرشي اكمني ادتها بطرف السطور على فومه، خد السطور دبها دبتين وهتفرفر منك.
لكزه بعصبية مضحكة:
_إلهي يفرفروك في ساعة رايقة، وأطلعك منها زي ما بيطلعوا الفار المبلول من المصيدة يا بعيد.
مال يوسف على جمال هامسًا برعب:
_يعني أيه يفرفروك يا جمال؟
أجابه وهو يراقب حركة الجاموس بخوف:
_اللي أعرفه حاجة واحدة بس، إننا لازم نمشي من هنا وحالًا.
طرق على كتفه لينتبه لما يتطلع إليه:
_إلحق!!
تطلع لما يتطلع إليه، فوجد عُمران ينزع جاكيته، ثم ثنى أكمام قميصه الابيض، وإتجه يفضل بين م"موسى" و"حمص" الذي تمعن فيه بذهولٍ، يحاول تذكر أين رأه من قبلٍ، وبالرغم من تغيير شكل عُمران كليًا بعد نمو شعره، وارتدائه لملابس مختلفة عما كان يرتديها، الا أنه وأخيرًا تمكن من التعرف عليه، فهتف في سعادةٍ:
_خواجــــــــة!
منحه نظرة مرحبة، بينما ينتشل منه ما يحمله، وتخطاه بثباتٍ ترك الافواه مفتوحة على مصرعيها من خلفه، وخاصة حينما تمثل بنبرة شعبية زادت من صدمة جمال ويوسف:
_قيدوه حلو يا رجالة، شدوا الحبل جامد أوعوا يرخي منكم.
ضغط بركبته حتى تمكن منه، ومال يردد بصوتٍ خفيض:
_بسم الله... الله أكبـــر.
قالها وحرر السكين الكبير، بذبحة الخلاص ومن حوله تتعالى الهتافات، وكأنه حرر سيناء للتو:
_الله أكبــــــــــــــــر.
رفع موسى يده يحيي عُمران بتفاخر:
_عاش يا خواجــــة.
بينما من خلفه يهمس جمال إلى يوسف:
_طلع موبايلك وصور البشمهندس المحترم، وإبعتها للدكتور علي، هو كان شاكك فيه من الاول خليه يتأكد أنه بالفعل قلب على سفاح المعادي!
حملت فريدة الصغيرة وخطت بالطرقة الخارجية، تحاول تهدئتها، بكائها يزداد بشكلٍ أهدر أعصابها، فربتت على ظهرها وهي تردد بانزعاج:
_مش معقول حقيقي، أنا مش قادرة أقف بيكِ كتير كده يا بنت!!
واستطرد وكأن الصغيرة ستفهم عليها:
_أنا مبحبش الدلع يا فيروزة فـ بليز متخلنيش أنزعج منك، خليكِ هادية وكيوتة زي ما كنتِ.
وأضاف ومازالت تشير لها:
_أنتِ مش بس شقية إنتِ مش بتسمعي الكلام وده في حد ذاته بيزعلني كتير، فممكن نوصل لحل متوسط تنامي ساعتين وتصحي ساعة كاملة بهدوء، أنا عايزاكِ تكوني في هدوء علي أخوكي وهو بيبي، بلاش عُمران وشمس كانوا مشاغبين جدًا.
كبت من خلفها ضحكاتًا كادت أن تصل إليها، بينما يتحرر صوته الرجولي الهادئ:
_فريدة هانم.
استدارت للخلف بلهفة، تحررت بمنادتها له:
_علــي!
رنا إليها، فأخذت تشكو إليه:
_شوف فيروزة الشقية مبهدلاني من ساعة ما رجعت من عند نعمان وهي رافضة تبطل بكى، أنا تعبت يا علي.
مد يديه يلتقفها منها، بينما يميل مقبلًا جبين والدته بحنانٍ:
_سلامة قلبك من التعب يا حبيبتي، هاخدها معايا المكتبة ، وحضرتك تقدري ترتاحي في جناحك.
ابتهجت ملامحها وباتت تردد بصوتها الرقيق:
_Ali, you are very nice (علي إنت لطيف جدًا)
ومنحته إياها وأسرعت لجناحها، تندث بفراشها بإرهاقٍ، بينما يتمعن علي بالصغيرة التي بدأت بالهدوء بين ذراعيه، فضم شفتيه قائلًا:
_وأيه اللي زاعج فيروزة هانم يا ترى؟!
قبل يديها الصغيرة برفقٍ، وهمس وهو يتجه بها للمصعد:
_أيه رأيك أعرفك بالمقر السري بتاعي أنا والوقح، وأهو بالمرة أقرألك قصة لطيفة، هتعجبك جدًا، بس ننزل الأول نجهزلك البيبرونة بحيث يبقى أكل فيروزة هانم جاهز في أي وقت.
حركت الصغيرة يدها حركة خافتة، فعاد يقبل أصابعها وبضحكٍ قال:
_لو عُمران قفشني هيرفع عليا قضية!
وبالفعل ولج للمطبخ، يضع البيبرونة الخاصة بها بالجهاز الذي يحافظ على دفء الحليب، ثم حملها للمصعد مجددًا، ومنه إلى مكتبته السرية، حيث كان يقص لها بالفعل قصة، وكثيرًا ما كان يحملها ويخطو بها بأرجاء المكتبة حتى استسلمت للنوم أخيرًا.
عاونه على التمدد على الفراش، دعم "يونس" جلوسها حينما وضع وسادة خلف ظهرها، ومال ينزع ححابها برفقٍ متسائلًا:
_مرتاحة كده؟
منحته ابتسامة صافية، ومازالت ترتكن بيدها فوق ذراعه:
_ربنا يريح قلبك وبالك يا يونس.
جلس جوارها وبحذر من ملامستها لجروحها البارزة، قال بعاطفة ومحبة:
_بالي وقلبي هيرتاحوا لما تكوني بخير يا ست البنات.
تبسمت ومالت برأسها فوق صدره قائلة:
_أنا بقيت كويسة بوجودك جنبي يا يونس!
اتسعت مُقلتيها إنبهارًا بالالعاب التي يفترشها "عُمران" من أمامها، فحملت إحدهن وسألته بفرحةٍ:
_دي ليا يا خواجة؟!
مرر يده على طول شعرها الطويل بحنانٍ:
_روح قلبه يا قمري، كل اللي شايفاه ده ليكِ يا صغنن.
أشار بيده لجمال الذي ناوله أحد الحقائب وهو يتابع الفتاة الصغيرة بفرحة:
_وبصي كمان جبتلك أيه!
طرح الفستان الأبيض من أمامها، فتركت لعبتها ونهضت تتلقفه وهي تدور به بسعادة:
_الله ده جميل أوي أوي، أحلى من الفستان اللي جابه موسى!
استقام بوقفته عن الأرض، ونطق برزانة:
_بتاع موسى جميل هو كمان، أيه رأيك تلبسيه النهاردة وإلبسي ده بكره؟
هزت رأسها باقتناعٍ تام، واستأذنت بتهذبٍ راق ليوسف وجمال:
_هو ينفع أنزل أوريه لماما صباح؟
قرص وجنتها برفقٍ ومال يطبع قبلة على خدها:
_ينفع طبعًا، يلا إنزلي.
حملته وهرولت للاسفل، فتابع رحيلها يوسف، وقال:
_سكر أوي البنت دي يا عُمران.
أكد جمال حديثه بقوله:
_فعلًا قمراية تبارك الله، بس مفهاش شكل من موسى خالص.
رد عليهما وهو يتجه للغرفة الجانبية، حيث وضع فيها حقائبه:
_شبه طليقته.
أتبعه يوسف للداخل، فوجده يبحث بين الحقائب بطريقة فوضوية، مما دفعه للسؤال:
_بتدور على حاجة؟
أجابه ومازال يبحث بين الاغراض:
_شنطة اللاب فين؟
رد يوسف وهو يحاول تذكر أين تركها بالتحديد:
_أعتقد بالكرڤان مع حاجتي أنا وجمال.
وأضاف باستغراب:
_هو أنت هتقعد هنا، مش هتبات معانا بالكرڤان؟
توقف عما يفعله، وحمل الحقائب يضعها جانبًا:
_مش هينفع أبات معاكم، كده هكون بهين موسى.
وأضاف مازحًا وهو يشير على المبرد من فوقه:
_ده ركب التكيف مخصوص عشاني، أقوم أسيبه وأنزل معاكم الكرڤان، أعقلها يا دوك.
ابتسم في حبورٍ، وقال يثني عليه:
_ربنا يجبر بخاطرك دايمًا يا عُمران.
اقتحم جمال مجلسهما، يردد بنزقٍ مضحك:
_يجبر بخاطره!! ده ردك على اصراره أنه يبات هنا، لا واضح إن علاقته اتطورت أوي باللي اسمه الاسطى ده، انا اتعاملت معاه بكل رقي واحترام عشان ردلي روحي من تاني، لكن أكتر من كده متتوقعش مني انت وهو.
واستطرد بغيظٍ أضحك يوسف:
_ولعلمك انا رجلي على رجلك، هتبات هبات معاك.
رد عليه عُمران ومازالت نظراته الثابتة تسقط يوسف ضحكًا:
_وهاخدك بالحضن كمان، مرضي يا عبحليم؟!
تعالت ضحكات يوسف، فمال عُمران يخبره:
_سيف سرنجة عدى الشلة كلها، حتى عبحليم يا يوسف!!
اقتحم صابر الغرفة، وهو يصرخ بجنون ولهفة:
_خـــــــــواجــــــــــــــة!!
وقبل أن يتحرك عُمران من محله، هرع إليه صابر يقفز من فوقه، وهو يضمه بسعادة غريبة للغاية، جعلت يوسف ينسحب وهو يهتف بضحكات مكبوتة على مظهر جمال الذي بدى وكأن زوجته تضم رجلًا أخرًا:
_طيب هأخد عبحليم أفسحه في المنطقة، وبالمرة أجيبلك شنطة اللاب وأرجع.
هتف فيه عُمران ومازال يضم صابر، المتعلق به:
_وهات شنطتي الخاصة يا يوسف، وأتأكد أن فيها مكنة الحلاقة، عايزين نروق العريس وصاحبه.
هز يوسف رأسه بتأكيدٍ، بينما هدر صابر ضاحكًا:
_أنا معاك على أي وضع.
دفع يوسف، جمال للخلف بينما يهتف الاخير باصرار:
_روح أنت انا هستناك هنا.
حاول يوسف أن يجعله يرافقه، ولكنه زاد من تمسكه بكلماته:
_قولتلك مش هتنقل لمكان يا يوسف، روح هات اللي تجيبه أنا هنا مع الوقح ده، أنا كنت هموت عشانه وسيادته بيحبلي هنا في الاسطى واللي داخله بحضن يودي الاداب ده.
قهقه ضاحكًا، وحاول اقناعه بقوله:
_عيب يا جمال إحنا أعقل من شغل العيال بتاع سيف وآيوب ده.
صاح فيه بتهجمٍ:
_هتمشي ولا أقلبلك على البلطجي ده وأشرحك زي ما شرح الجاموسة اللي تحت!
جذب يديه وقال باستسلامٍ:
_لا وعلى أيه، هنزل لوحدي وأمري إلى الله!
وبالفعل تركه يوسف وهبط للاسفل، متجهًا للكرفان، اغتسل وأبدل ثيابه، ثم بدأ يلملم الأغراض التي طلبها عُمران منه.
جذب حقيبة اللاب يضعها جانبًا، ثم وضع جوارها الحقيبة الخاصة به، فتحها يوسف ليطمئن بأن ماكينة الحلاقة موجودة بالفعل، وباقي اغراضه الخاصة، لف يوسف السحاب الكبير، فانتبه بأن السحاب الصغير لم يكن مغلقًا بالكامل، وعدد من الفيزات الخاصة به كانت مسربة منه.
حملها يوسف وهو يتمتم بتريث:
_مهمل طول عمرك!
تفاجئ يوسف بوجود جواز سفر خاص بعمران، وتذكرة سفر تاريخها بعد غد اليوم إلى السعودية، وخاصة مكة المشرفة، وجوارها ورقة صغيرة مدون بها عنوان إلى مكانًا معروفًا للغاية، وقد نسب بأنه قد تخصص بتطبيق شرع الله.
ارتجفت كل خلية في جسده، بشكلٍ جعل يديه هاشة عن حمله، فسقط من يديه أرضًا ومن خلفه سقط يوسف على المقعد، الآن يعلم كل ما خطط له عُمران، الإن تبين له صدق شكوك علي.
انزلقت دمعة من عينيه في وجعٍ شديد، وجل ما يمر إليه الأيام التي ذاق فيها الجميع مرارة بعده، أن احتملوا أمر سفر لعامٍ كامل هل سيحتملون أمر جلده؟؟
خرجت حشرجت صوته المحتقن بدموعه:
_ليه كده يا عُمران؟ ليه؟!!
ظل على تلك الحالة لثلاثون دقيقة، لا يعلم ما الذي، عليه فعله، هو ليس الشخص المناسب الذي سيفوز بأي تحدي قبالة شخص بعناد الطاووس!
شخصًا واحدًا فقط هو من سيتمكن من فعلها، هو الوحيد المؤهل لذلك، أزاح يوسف دموعه، ومدد ساقه ينتزع الهاتف من جيب بنطاله، رفعه لاذنيه بعد أن اختار جهة اتصاله، ترقب سماع صوته، وراح يردد ببكاءٍ:
_علـــي!!!!
رواية صرخات انثى الفصل 117 - بقلم ايه محمد رفعت
لم يعلم متى وكيف أغلق الهاتف؟
كل ما يشعر به هو جحيم الألم الذي اعتصر قلبه بين قبضة من نار، جعلته يشعر بغليان يطغي عليه من الداخل.
انتكس كتفاه وتخلى عن شموخه، بينما يقبض بذراعيه على حواف الأريكة، يستمد كل قوته حتى لا يسقط أرضًا جوارها.
ما له أخيه؟ جل ما يفكر فيه هو أذية قلبه ومشاعره؟
لماذا يخضعه دومًا لمعادلة يزداد صعوبته كل مرةٍ عما سبقتها؟
ولكن تلك المرة ربما هو المستحيلة لحلها، وكيف سيجد حلًا لمشكلة مثلها، والطرف الآخر هو حق من حقوق الله عز وجل!
رفع "علي" وجهه للأعلى، نازعًا نظارته بأصابع مرتعشة، يتطلع لسقف الجناح بخذلانٍ، بينما يعود ليحني رأسه معتصرًا دمعتين انسكبت من رماديتيه بمنتهى العجز.
طالت جلسته لساعاتٍ، ومازال عقله شاردًا بمعركة الأفكار التي تحاوطه، عقله ينتصر تارة، وقلبه تارة أخرى.
ما عساه يفعل وبداخله عاطفة الأب تجاه صغيره؟
هل سيجلس هكذا وهو يعلم بأن فلذة كبده ستجلد بسياط العدالة التي لن يتمكن من رشوتها؟!
والأهم هل سيحتمل ألم الفراق!!
وفجأة شعر بوجعٍ عاصف يحتل رأسه، وهو أعلم الناس بما يحدث له بتلك الحالة.
من المؤكد بأن ضغط الدم قد ارتفع بسبب حالته، ومع ذلك نهض وهو يهتف بعزمٍ:
_ ديننا دين يسر مش عسر!
نهض يحمل الصغيرة الغافلة على أريكته المريحة.
حملها واتجه بها لجناحه الخاص.
وضعها "علي" على الفراش، وأسرع لخزانته يلتقف أول سروال وقميصًا يقابلاه وعاد يحملها بين ذراعيه، قاصدًا قاعة القصر السفلية، حيث وجد زوجته تجلس مع زوجة أخيه، ومن أمامهما طاولة ضخمة تحوي حاسوب كلاهما، وعدد من الملفاتٍ بعدما شرعتا بالعمل معًا.
والمذهل أن كلتيهما أبهرت سكرتير "عُمران" الخاص، في إدارة الاجتماعات وحل بعض المعضلات التي لم يكن لها حلًا إلا بوجوده، تعاونهما تساوى بوجوده.
انتبهت كلتاهما لصوت حذاء متناغم، يقترب منهما.
فإذا بعلي يقف قبالتهما، وعينيه تتوزعان عليهما بثباتٍ، وغموض أثار ريبتهما.
فإذا به يرنو منهما ببطءٍ قاتل، وانحنى يضع الرضيعة بين يدي "فاطمة" التي تساءلت باستغرابٍ وهي تتفحص ساعة يدها:
_ رايح فين يا علي؟
تجاهل سؤالها واتجه ليقف بنفس محله السابق، أمام كلتيهما.
يطول صمته ونظراته تكشف غموض لغزٍ طرأ بأعين كلاهما.
فإذا بمايا تزدرد ريقها بتوترٍ:
_ هو إحنا متهمين في بلوة ولا إيه؟
نظراتك مريبة يا علي!
تشكلت ابتسامة خبيثة على وجهه، بينما يتحرر لسانه بثباتٍ وتهدج موزون:
_ نظراتي كلها فخر بمواهبتكم، وبفكر جديًا أقدم لكم في معهد التمثيل، لأنكم بجد أقنعتوني أن مفيش حاجة بالرغم من أني قارئ توتر كل واحدة فيكم من على بعد مترين.
فبجد براڤو.
جحظت عيني فاطمة صدمة، بينما لعقت مايا شفتيها، وهتفت ومازالت تدعي القوة:
_ قصدك إيه بكلامك ده؟
ردد برزانةٍ ونظراته تحتلها عاصفة نجح بكبتها، فلم تتغير حتى نبرته عن هدوئها:
_ أنا هتغاضى عن اللي حصل هنا النهارده ده، لأن زي ما في حتة واكلها النار جوايا، في حتة تانية بتديكم مبرر للي عملتوه.
وأضاف ومازال يطالعهما بثقةٍ:
_ بالنهاية إنتِ مراته وهي تبقى أخته، وله حقوق عليكم زي ما ليكم عليه حقوق، فأنا في لحظة هدوئي الحالي بحترم الحقوق دي.
وانحنى صوبهما وبصوتٍ ثاقب، عميق قال:
_ زي ما أنا ليا حقوق بردو، المعادلة دلوقتي متساوية ما بين مراتي وأختي، ولا إنتِ عندك رأي تاني غير ده يا مايا؟
رمشت بعدم استيعاب لفهم تلك الشخصية المخيفة التي تلبست "علي".
علي الهادئ الشبيه بالملاك ذو الجناحين، يكسر قاعدتها الأساسية ويلقيها عرض الحائط.
لقد أجزمت أن الشيطان سيخرج الآن ليصفق له، فلقد تفهمت مضمون حديثه الذي يبدو غير مفهوم للوهلة الأولى.
ترجمته هي واختارت كفته التي وجدتها الرابحة، فاستمدت نفسًا ثقيلًا وردت بحزنٍ:
_ إنت كمان أخويا يا علي، فواجبك عليا لما تأمنلي في سر أحفظه زي ما فاطمة حفظت سر عُمران، فاطمن مش هقوله حاجة.
هز رأسه بخفوتٍ، وانتصب بوقفته بشموخٍ غريب.
وبينما يمضي خطوتين للخارج، عاد يقف كلتاهما ومازالت تتطلعان له بريبةٍ وخوف من هدوئه وحديثه الغير مبشر بالمرة.
فعاد يرسم بسمة لم تصل لعينيه المظلمة، بينما يخبرهما باستمتاعٍ:
_ أنا كنت أقدر أكمل طريقي من غير ما أعرفكم بيه، بس مش حابب أكون خبيث زيكم وأخبي عنكم حاجة.
تلاشت ابتسامته وغادر كالعاصفة، التي حددت للتو وجهتها.
بينما تهدهد فاطمة الصغيرة ومازالت تتابع طريق رحيله بارتباكٍ، بينما تشير مايا بإصبعها صوب باب الخروج وهي تهتف بصدمةٍ، جعلت حروفها مهتزة:
_ قصد يقولنا عشان يردها لعمران مش عشان ميكنش خبيث زي ما بيقول.
وأضافت وهي تصفق كفها بالآخر:
_ ده أبو الخبث والخبائث!
استدارت صوب فاطمة فوجدتها تطالعها بصمتٍ، فهدرت متعصبة:
_ مين ده؟؟!
ضحكت وهي تجيبها ساخرة:
_ بابا علي!
انتهى من تهذيب لحيته، ونثر البرفيوم على ملابسه، التي انتقاها "عُمران" له بعناية.
بنطال جينز على قميص أبيض، يعلوه سترة بنية اللون وحذاء من نفس اللون.
وقف "موسى" يتطلع لنفسه بانبهارٍ، وكأنه تحول بلمساتٍ بسيطة لشخص تعود أصوله للطبقة الأرستقراطية!
استدار تجاه رفيق طفولته، يسأله ببسمة واسعة:
_ إيه رأيك يا صابر؟
تلألأ الدمع بعينيه وهو يجيبه، بتعابيره البسيطة:
_ برنس وعمهم ومعلم عليهم بالجامد كمان.
قهقه "موسى" ضاحكًا، وطرق على كتف "عُمران" يشيد به:
_ البركة في مقص الخواجة، ده طلع فنان في مسكة المكنة والمقص.
منحه عُمران ابتسامة هادئة، وقال يمازحه وهو ينحني يغلق سحاب حقيبته:
_ وأيش يفيد المقص لو الخلقة شبه مزلقان العتبة، ولا عشرين مقص هيأثروا، الرك على الأصل يا أسطى وإنت برنس من غير حاجة.
برق جمال في ذهولٍ من نبرة عُمران الغريبة، بينما يصافحه موسى كفًا بكف، ويشاركه بالضحك، وقال مستنكرًا ما يرتديه:
_ بحاول أفهمك إني مش عامل حنة، دي قعدة صغيرة في شقة الأبلة للحريم، بردو مش مقتنع ومصمم تسنجفني.
ردد جمال بصوتٍ مسموع:
_ تسنجفني!!
ضحك صابر ورفع يده يحيه:
_ لمؤاخذة يا بشمهندس، الأسطى ألفاظه بعافية حبتين، بس أنا موجود أترجم، هو يقصد إنه موضبه زيادة عن اللزوم، الحكاية نهايتها قعدة نصاية مع الحتة الطرية، وبعد كده هيطلع من الجاكتة الحلوة دي للوسادة الخالية.
تماسك لأقصى درجة وهو يرسم ابتسامة صغيرة، بينما انتهى عُمران من حزم أغراضه بعد أن قام بتنظيفها وتعقيمها.
استأذن موسى للهبوط لشقة "صباح" حتى يطمئن أن تجهيزات الحفل البسيط قد تم بأدق التفاصيل.
ولحق به صابر، ليبدل ثيابه بعد أن عدل له عُمران خصلات شعره وشاربه.
سيطر بصعوبة على انفعالات وجهه، وهو يتخذ نظرات سريعة لجمال، الذي ملأت الغيرة مُقلتيه بطريقة يراها لأول مرة.
ومع ذلك تصنع انشغاله التام بحزم باقي أغراضه، وترك نيرانه تشتعل حتى أضرمها أول فتيل قذفه تجاهه، حينما صاح:
_ مش حاسس إنك مزودها مع اللي إسمه موسى ده حبتين تلاته!
ارتسمت ابتسامة على وجهه الغير واضح لجمال، وببراعة تنحنح متسائلًا باستغراب مستفز:
_ مزودها إزاي؟
كز على أسنانه وأخذ ينظم أنفاسه المنفعلة، فحظى بتجربة فاشلة، أطلقها بصراخه المتعصب:
_ عُمران متستهبلش!
ترك ما يفعله، واستدار متلهفًا إليه، يتساءل بخوفٍ وبرود:
_ مالك يا حبيبي، حاسس بأي تعب؟
عندك حرارة طيب؟
تحب أخدك على أقرب مستوصف هنا ولا أحجزلك على أول طيارة نازلة القاهرة.
وبجدية مضحكة استطرد وهو يربت على ظهره، كالذي يهدهد طفلًا صغيرًا:
_ أنا ميهمنيش غير راحتك يا حبيب قلبي، هو أنا يعني عندي كام عبحليم؟
ده الحيلة!
دفع يده عن جسده، وتمرد بعدائية:
_ هو إنت بتكلم ابن أختك، أنا مش عيل!
ثبتت رماديتيه تتأملانه في نظرةٍ تهكمية، لحق بقوله:
_ متقلقش الحجم ده عمره ما يتقلص لحجم طفل، عقل أمك اللي مضى على تذكرة رحيل من رأسك الغشيم.
دمدم ساخرًا بسخطٍ وتحدٍ:
_ رحل على فين بقى إن شاء الله؟
يحاول استفزازه وله ذلك، فاذا به يبتسم وهو يجيبه:
_ اسأل أمك يا جيمي، معاك رقمها ولا أكلمهالك!
ورفع الهاتف الباهظ، يقلب في محتوياته وهو يهمس بتفكيرٍ:
_ أنا هوفر عليك لفتك وهتصلك بشوشو تعقلك، مع أني أشك إنك صالح للعلاج، إنت محتاج صيانة وترابيس يا جيمي!
سحب الهاتف يغلقه، وألقاه على الفراش الصغير بينما يخبره بشراسةٍ:
_ عُمران إنت مش شايف نفسك عامل إزاي مع اللي إسمه موسى ده.
أنا جيت معاك المشوار ده، عشان حسيت إن أنا كمان في رقبتي دين له بعد اللي عمله معاك، بس حقيقي مش قابل بقربه منك بالشكل ده، واللي مضايقني أنه الوحيد اللي حسيته شبهك وأنت وقح ولسانك متبري منك!
تنهد بضجرٍ، وأخذ يطقطق رقبته يسارًا ويمينًا، معيقًا وحشه الضاري عنه.
تنفس بعمقٍ، بينما يحاول الاسترخاء عن تلك المسرحية المهزلية.
وفجأة رسم ابتسامة زائفة، وفرق إحدى ذراعيه يناديه:
_ تعالى يا جمال، تعالى الله يهديك يا حبيبي.
بالرغم من عدم تقبله لطريقته، إلا أنه دنا يقف مقابله، رافضًا الخضوع ليده.
فكز عُمران على أسنانه غيظًا، وأخذ يجاهد لحل الأمر بهدوء، فهتف:
_ جمال أنا مش سبق وقولتلك إنك في مكانة صعب حد يوصلها، مهما صاحبت ومهما اتعرفت على أشخاص، أنا أصلًا مستغرب حالتك الغريبة دي، أنت عمرك ما كنت بالعقلية دي أبدًا.
وبجدية تامة سأله:
_ مالك يا جمال؟! احكيلي في إيه مخليك مش طبيعي كده؟
برزت الدموع فجأة بعينيه، وذُبح صوته الذي خرج مبحوحًا:
_ مش متقبل أنك مندمج معاهم هنا بالمكان، خايف ترجع تفارقني من تاني، لأني أكتر حد عارفك وعارف إنك لم بتحب لمكان وبتحنله صعب تبعد عنه.
واستطرد والدمع قد تحرر من مُقلتيه:
_ وأنا شبعت وجع في بعدك وفراقك، فمش مستعد أعيش نفس التجربة دي تاني يا عُمران!
قطع عُمران مسافته الفاصلة، يضمه بقوة جسده القوي، بينما تدمعان رماديتيه بألمٍ، وكأنه يشعر بأنه سيفارقه لفترةٍ، فإختار هذا الوقت ليحررها!!
مما جعل الأخير في حالة من الذهول والعجز عن حتى تأكيد عدم رحيله، وبقائه بجواره.
أستمد ثباته المهدور، وجعله منعكس بنظرة عينيه الواثقة، فأخذ يمازحه مبتسمًا:
_ وأنا يعني هسيبك وهروح فين يا جمال، أنت معايا أهو وجنبي، وحاجزين تذاكر الرجوع على بكرة بليل، يعني ده يأكدلك إني معنديش نية أني أفضل هنا، والسؤال الأهم إيه اللي هيخليني أقعد هنا أصلًا!
وأضاف بنفس وتيرته الواثقة:
_ جمال أنا عمري ما خلفت كلام اتنطق وخرج عني، قولتلك قبل كده أنك مش بس صاحبي أنت أخويا وعشرة عمري، فبلاش تنزل من علاقتنا بمقارنتك لأي علاقة صداقة بيني وبين حد تاني.
زارته ابتسامة أرغمت عُمران على الضحك، مرددًا بمزحٍ:
_ مش سيفو سرنجة اللي مجنون بس، الشلة كلها طلعت معاتيه!
واستطرد وهو يلكزه مقهقهًا:
_ ده أنا مراتي نفسها معملتش عمايلك السودة دي!
عاد وجهه الحزين يستقبل سعادة، وسرور، واطمئنان نجح الطاووس بزرعه داخله، فلم يبقى بداخله أي توتر وارتباك لعلاقتهما.
حمل حقيبته الصغيرة، يستخرج منها ملابسه، وشرع بتديلها.
راقبه عُمران بحزنٍ شديد، وضيقًا من اضطراره للكذب، لا يعلم كيف سيقضي هذا العام دونه ودون زوجته وأخيه وعائلته بأكملها.
المؤلم بالأمر أنه سيضطر لإخفاء محله مؤقتًا، لأنه يعلم بأنه بمجرد الكشف عن مكانه سيسافر له الشباب بأكملهم، هو أحق العلم بذلك.
شرد وشروده تعجب منه جمال الذي عاد يناديه بصوتٍ أعلى:
_ عُمران روحت فين، بقولك القميص ده حلو على البنطلون ولا ألبس غيره؟
استدار إليه يتفحصه، وقال مبتسمًا:
_ عشت وشوفتك بتتطور وبقى عندك ذوق في اختيار اللبس زي البني آدمين!
ضحك وسخر من حديثه:
_ ليه كنت بلف بشكير حوالين وسطي!
رد مازحته بوقاحة:
_ لا كنت لابس سروال جدك المرحوم يا حليمو!
احتقن وجهه غيظًا بينما يقهقه عُمران ضحكًا، حتى توقف يسأله باستغراب:
_ هو يوسف مختفي فين؟
من ساعة ما نزل يجيب اللاب والشنطة مشفتوش.
أجابه وهو يغلق أزرار قميصه:
_ معرفش، هو اتصل بيا أنزل آخد منه اللاب وشنطتك، وقالي إنه هيرجع الكرڤان يريح شوية وهيغير هدومه ويجيلنا على بليل.
سحب عُمران بنطاله الجينز يرتديه، بينما يخبره:
_ طيب اتصل عليه وشوفه.
أومأ برأسه، والتقط هاتفه، يستخرج رقمه بينما يستكمل عُمران إرتداء ملابسه.
اضطر "يوسف" للصعود إليهم، بعد مكالمة "جمال".
جلس بينهم مهمومًا، وعينيه لا تفارق هاتفه، يراقبه من الحين للآخر، بينما يتصنع بسمة مصطنعة لم تصل لمُقلتيه.
وهو يراقب الشباب يتميلون أمامه على أنغام الموسيقى الشعبية، فقد خصص "صابر" و"حمص" وبعض شباب الحي، حفلًا بسيطًا لموسى فوق سطح منزله.
كانوا يتمايلون رقصًا بالآت حادة صغيرة.
وقد شاركهم عُمران الرقص بحرفيةٍ.
وقد وقف "جمال" يصوره على هاتفه وسعادته قد وصلت لذروتها لسعادة عُمران البادية عليه، وهو يراقص "موسى" و"صابر".
واتجه بكاميرا هاتفه ليلقط "يوسف"، فوجد التوتر والضيق يتشكلان على ملامحه.
فصل مقطع الفيديو وجلس جواره، يسأله بقلق:
_ مالك يا يوسف؟
إنت بجد هدوئك ده مش طبيعي!
أتجه بصره إلى عُمران، وقال بثباتٍ:
_ مفيش يا جمال، مش حاسس بس إني متأقلم على الأجواء هنا.
واستطرد بهدوئه الرزين:
_ عمومًا كلها كام ساعة وهنمشي.. هانت.
لم ينجح بإقناعه بحجته الواهية، مما دفعه لسؤاله من جديدٍ:
_ مش حاسس إن ده السبب، يوسف أنت مبتعرفش تكدب!
ضم شفتيه معًا بقوةٍ كادت بأن تمزقهما، ثم دفع زفرة قوية، وصمته يطول حتى وجد ما قد يقنعه به، وسيجعله يكف عن أسئلته مرة أخرى:
_ مشكلة صغيرة بيني أنا وليلى بس اطمن هحلها لما أرجع إن شاء الله.
إلى هنا ووضعت كافة الخطوط الحمراء من أمامه، فسلم رأيته وقال وهو يشد على فخذه:
_ هتتحل بأمر الله، ربنا يهدي سركم يارب.
جامله بابتسامة لم تزور قلعة توتره وقلقه الكارثي، بينما عاد ببصره يتابع عُمران بحزنٍ وعتاب يحبسه داخله قدر ما تمكن!
بمنزل الشيخ مهران، وخاصة بالشقة الخاصة بآيوب.
حملت "سدن" صينية المشروبات، وعاونتها شمس بحمل الحلوى وقالب الكعك، ورافقتهما لغرفة الضيافة، حيث كان يجلس الشيخ "مهران" برفقة "مصطفى" و"آدهم" و"آيوب" الذي أصر أن يقضوا السهرة بأكملها برفقتهم.
وما أن ولجت الفتيات، نهض كلاهما يحملان منهما الصواني، ووضعوها أعلى الطاولة، وجلست كلتاهما على أريكة متطرفة للشرفة.
استغل "آدهم" انشغال أبيه بالحديث مع الشيخ مهران، ومال تجاه آيوب يسأله باهتمامٍ:
_ مالك يا آيوب، كل شوية بتسرح مع نفسك، ونظراتك لبابا غريبة، إنت فيك إيه؟
استدار إليه وقد خطف نظرة تجاه زوجته وأبيه، وحينما اطمأن لانشغال الجميع بالحديث، قال:
_ حلمت حلم وحش أوي يا آدهم، مخلي قلبي وجعني ومش عارف هفتح بابا مصطفى فيه إزاي؟
جمع جاكيت بذلته يغلقه، ونهض يشير له أن يتبعه للشرفة الخارجية، ففعل "آيوب" ولحق بأخيه.
وقف قبالته وكلاهما يتكئان على سور الشرفة، وسؤال آدهم يطرح بفضولٍ:
_ لو وحش متحكيش عنه حاجة، بس قولي حلمت بمين؟
شرخ الألم فيروزته بوضوحٍ، انتقل لبحة صوته:
_ شوفت ست غريبة، متكفنة ومش باين منها غير وشها، ملامحها مش واضحة أوي، بس أنا حسيت أني لو قربت هعرف أشوفها كويس، كانت بتمد إيدها ناحيتي وبتقولي إنها زعلانة مني لإني مبأسألش عليها!
عقد حاجبيه بذهولٍ:
_ وإنت تعرف مين دي؟
ببسمة وجع قال:
_ لما فسرت الحلم لنفسي خمنت إنها تكون أمي الحقيقية، أنا فعلًا مفكرتش ولا مرة أسأل عنها ولا عن مكان قبرها.
وأضاف وقد استدار يتطلع للاريكة المقابلة إليهما، عينيه تنتقل بين والديه بحزن تام:
_ الشيخ مهران لما عرف الحقيقة مبطلش يزور قبر ابنه الحقيقي، وأنا مفكرتش في مرة أني أحاول أعرف حاجة عنها!
ترك آدهم كوب العصير من يده، وقال بعقلانيةٍ:
_ اللي حصل معاك مكنش سهل يا آيوب، فأكيد مكنتش هتجمع كل الخيوط بالبساطة دي، وبعدين احمد ربنا إنك قدرت تتخطى الحالة اللي اتحطيت فيها، ولو على والدتك فببساطة تقدر تعرف من بابا مكان قبرها.
وأشار له وهو يهم أن يتخطاه:
_ أنا هتكلم معاه وهعرفلك منه مكانها، وهاخدك بنفسي لهناك.
تشبث به آيوب، هاتفًا:
_ مش قدام الشيخ مهران، أنا هبقى أعدي عليه بكره بالبيت أحسن.
ربت آدهم على كتفه وهو يضمه إليه بحنان:
_ بيتك وتنوره في أي وقت يا حبيبي.
ومازحه مبتسمًا:
_ وبعدين روّق كده وعيشلك يومين، ده إنت لسه عريس يا عريس!
سحب كوبه يتجرعه بينما يهدر، ساخطًا:
_ عريس!!
طالما أنت مش مجرب قلبه الضمائر عمرك ما هتحس بأخوك.
كاد أن يشاكسه، ولكن قد سرى مفعول حسد آيوب أسرع، حينما اقتربت منهما سدن بطبق من الحلوى، تمد إحداهما لآدهم قائلة بلطف:
_ إنت مش أكلت جاتو ليه آدهم؟!
منح آيوب نظرة جعلته يرتعد محله، فحمل الطبقين ودفعها بكتفه برفقٍ للداخل كأنه يحميها من أصعدة نيران التنين قبل أن يبصقها تجاهها، قائلًا بخوف:
_ روحي قدمي للشيخ مهران وبابا مصطفى، بدل ما نأكله في القبر على روحك إن شاء الله!
رفضت الانصياع إليه ورددت بصدمة:
_ قبر!
إنتي عاوزة سدن تموتي آيوب!
اندهش مما تخبره به في وقتٍ كذلك، وصاح مستنكرًا:
_ ده اللي لقطته من الجملة؟
ربعت يديها أمام صدره بغضبٍ، وصاحت فيه:
_ إنتي عاوزة سدن تموت وهي لسه عروسة، إنتي عاوز تتجوز على سدن صح!!
وقبل أن ينطق بكلمة، أشارت لآدهم تحتمي به قائلة:
_ آدهم Your brother wants to betray me (أخوك عاوز يغدر بيا)، خديني للمسجد أنا عاوزة أعمل انفصال، هتساعديني؟
انطلقت ضحكات شمس تجلجل من خلفهما، وبصعوبة نطقت لزوجها:
_ ما ترد يا سيادة المقدم، هتساعديها ولا هتتخلي عنها؟
همس آيوب لها بتوسلٍ:
_ هدي النار متشعلهاش يا شمس، هي عندها مشكلة بسيطة وحلها بسيط بإذن واحد أحد.
زوت سدن حاجبيها مستنكرة جملته، وهتفت:
_ أنا بقى مشكلة بالنسبالك آيوب!!
أنتي شكلك عندك أجنبية تاني وعاوز يتجوز على سدن وهو عروس، بس ده مش يحصل أبدًا أبدًا على جثتي، سامعة آيوب!
وقبل أن يستوعب ثلاثتهم ما تقول، استطردت بكل شجاعة:
_ بصي أنا أحترم كل الدين الإسلامي، بس مش أحب إنك تتجوزي واحد وواحد وواحد يعني تلاتة، صدقني آيوب لو عملتيها سدن مش هتحتاج تجيب حد وتديها money عشان تقتلك، سدن هيقتلك آيوب وكل واحد تتجوزيه هتأخد قصاده قتلة، يعني سدن هتموتك تلات مرات قصاد تلات واحدات تتجوزيه.
سقط آدهم ضاحكًا ولجاره تميل شمس فوق ذراعه من شدة الضحك، بينما يبرق آيوب إليها منصدمًا، وقد جعلته الصدمة لا يعرف كيف يبتسم، بل مال على ذراع أخيه الآخر وقال بخوف:
_ خدني معاك يا آدهم، أخوك هيتجل تلات جل!!
صرخت سدن بجنون ورددت بطريقة شعبية أسقطت الثلاثة ضحكًا:
_ يعني إنتي ناوية يتجوز فعلًا، يا خيب بختك سدن، أنا عرفت ليه الحاج ركيا تقول ليكي كده، إنتي عبيطة آيوب!!!
توقفت سيارته أخيرًا، وبالرغم من هدوء سرعتها حد التوقف إلا أن سرعة نبضات قلبه كانت بصراعٍ أقوى من حركة سيارته.
أرخى جسده لمقعده يهدأ من ذاته بتمارينه النفسية، عساه يستمد ثباته لتنفيذ تلك الخطوة.
البرودة تكتسح جسده، بالرغم من الحرارة المحتبسة بداخله.
القرار الحاسم يقع على بعد خطوات منه.
سحب "علي" نفسًا عميقًا تغلغل بداخله فأنعشه قليلًا، وبكل شجاعة قتل توتره وارتباكه، وهبط عاقدًا عزمه على الدخول للمبنى المحاط أمامه، الحامل لافتة ضخمة، زخرفت ببهاء وعظمة «دار الإفتاء المصرية!»
الليل ازداد بسواده المخيف، وقد سكنه هدوءًا تامًا، وغفوة الأغلب بينما ظل هو مستيقظ أعلى فراشه، يتطلع لجمال الذي يغفو جواره على الفراش الصغير.
فسحب الغطاء يداريه به وابتسامته تتمرد لإصراره على البقاء رفقته، ورفضه النوم برفقة يوسف.
غيرته التي يراها لأول مرة أضحكته بشدةٍ.
نهض عن الفراش بعدما تفحص الوقت بهاتفه، واتجه لحقيبته، يسحب سجادته ومصحفه الشريف، ويخرج لبقعته بسطح "موسى"، التي كان يخصصها سابقًا لقيام الليل، أثناء تواجده هنا.
افترش سجادته ووقف يؤدي صلاته بخشوعٍ تام، حتى مر عليه ساعة كاملة، أدى بها ستة ركعات، وجلس يستريح قليلًا قبل أن يستأنف.
قرأ ما تيسر من القرآن، وحينما انتهى سحب هاتفه وبحنينٍ غريب فتح محادثته الخاصة بينه وبين أخيه، كتب رسالة نصها: «صباح الخير يا علي، غريب إنك مكلمتنيش امبارح خالص، إنت كويس؟»
انتظر أن يجيبه، ولكنه لم يرى أي إشعارًا يؤكد له بأنه نشط، ففتح محادثة زوجته، وجد حسابها نشط، فراسلها: «حبيب قلبي خالف شراكته مع النوم وبقى بيسهر زي زمان، ده تجديد نشاط بعد رجوعك للشغل، ولا مفتقداني ومش قادرة على بعدي يا بيبي!»
كانت تتحدث مع "فاطمة"، حينما استقبل هاتفها رسالته، حيث كانت تخبرها بعدم عودة "علي" إلى الآن، حتى أنه لا يجيبها على مكالماتها.
أزاحت "مايا" دموعها المنهمرة، ودونت له تمازحه حتى لا يشعر بشيءٍ، فلن يتركها إلا حين يعلم ما بها، وحينها ستنكث وعدها الذي منحته إلى علي: «أكيد مفتقداك طبعًا وكل حاجة، بس للأسف مديري وسكرتيرته ناس مفترية، سرقوا النوم والسكينة والراحة مني، بس اللي مطمني إن اللي بيجي عليا عمره ما بيربح ولا بيكسب يا بشمهندس!»
ضحك من قلبه على جملتها، وهو يتخيلها تردده قبالتها بوجهها المحمر غضبًا، فرفع الهاتف وسجل مقطعًا صوتيًا لها: «حبيبي الشرس، الواثق من نفسه يا نـــاس، إنت من امتى يهمك مدير ولا غيره، دي شكليات بالنسبالك، وده طبعًا راجع لسبب واحد إنك تربية إيد البشمهندس "عُمران سالم الغرباوي"، وكل ما تحسي إنك احبطتي، وتعبتي افتكري إنتِ مرات مين؟ طاقتك، وبطاريتك هتتشحن فوري يا بيبي!»
أرسله لها، وانتظر أن تراسله بمقطع صوتي لها، ولكنه وجدها تدون كتابيًا: «إنت المفروض يسحبوا كلمة الغرور من شمائل المعاني ويقدموها ليك يا عُمران!»
كتب لها ضاحكًا: «وإنتِ عندك شك إنها تليق لغيري يا حبيب قلبه!»
اتبع بسمتها سيلًا من الدموع، مسحتها ودونت له: «عشرة في المية من الغرور ده وهقضي على غرور فريدة هانم، وهفقع مرارات ناس كتيرة أولهم إنت يا بشمهندس!»
سجل مقطعًا صوتيًا لها: «على أساس إنك ملكة التواضع في العالم، إنتِ بتتشقي بالكلام على مين يا بيبي؟ مش قولتلك من شوية إنك تربية إيديا!! أممم يمكن مش فاهمة الحتة دي، وعشان أنا حنين وقلبي من دهب هبسطهالك، ريحتك فايحة ليا في كل مكان يا بيبي! فمش محتاجة تتخابثي، عشان مفيش حد عاقل بيتخابث على جوزه!!!»
اتسعت ابتسامتها ويدها تزيح دموعها النازفة، استغرقت وقتًا لتكتب له: «اللي تشوفه يا حبيبي!»
ابتسم ودون لها: «حبيبة حبيبك، وعمره ودنيته كلها» وأضاف مدونًا: «هـــا إحكيلي عملتي إيه النهاردة، وقدرتي تخلصي أي ملف من اللي فاطمة ادتهولك»
توقع أن تسجل له ريكورد تقص فيه عن يومها، لما يحمل من تفاصيل كبيرة، ولكنه وجدها تدون له لقرابة العشرة دقائق، وهي التي تسأم من الكتابة على الهاتف طويلًا.
تجاهل رسالتها المدونة التي تقص فيه عن عملها برفقة فاطمة، وكتب لها بشكلٍ وترها: «مالك يا مايا؟ من أول المكالمة بتكتبي ومسجلتيش ولا مرة، سمعيني صوتك حالًا»
ارتعبت حينما وجدته يهاتفها مكالمة فيديو، حتى من شدة إرتباكها سقط الهاتف من يدها، ورددت بصدمة ورعب: _ هعمل إيه دلوقتي، لو شاف وشي أو سمع صوتي هيتأكد إن في حاجة، هعمل إيه؟
جابت الجناح ذهابًا وإيابًا، بينما يعود الهاتف للرنين مجددًا، واتبعه رسالة صوتية، فتحتها بأصابع مرتعشة، فوجدته يأمرها بضيقٍ وقلق: «مايا افتحي أم الزفت ده حالًا، متجننيش افتحي!»
ابتلعت ريقها بصعوبة، فسحبت حجابها وهرولت خارج الجناح بينما تكتب له: «إيه كل ده، أنا قاعدة مع فاطمة تحت، مكسوفة أسجلك قدامها!»
كتب لها بعدم اقتناع: «مع فاطمة في التوقيت ده!»
كتبت له وقد تمكنت من طرق باب جناح فاطمة: «مش قولتلك من أول المكالمة إن ربنا كرمني بمدير وسكرتيرة قلبهم جاحدين!»
كتب لها: «عايز أطمن عليكي، سجلي أي كلمة معنديش مشكلة من وجود فاطمة»
تعجبت فاطمة من رؤيتها لمايا قبالتها، كانت تحدثها منذ قليل، ولم تخبرها بقدومها لجناحها، فسألتها بخوف: _ عرفتي حاجة يا مايا؟
قالت بتلعثم وخوف: _ عُمران شاكك فيا، قولتله إني قاعدة معاكي، هحكيلك بالتفصيل كل حاجة بس المهم اتكلمي في الشغل وأنا هسجله كلمتين وخلاص يمكن يقتنع، عُمران مش سهل!
هزت رأسها بتفهمٍ، فتنحنحت واستعدت للحديث بنبرتها الهادئة، قائلة: «أنا كويسة وقاعدة مع فطوم بتفكرني إزاي أراجع تكاليف المشروع بناء على مبلغ التمويل، أنا ذاكرتي بلعتها مع البيبي..»
ضحكت فاطمة وقالت: «على فكرة يا عُمران مايا بتشيل العين عنها، دي ما شاء الله خلصت أول تلات ملفات وداخلة على الرابع، ومش راضية تنام ولا تسيبني أريح شوية، يا ريتك فكرت بالفكرة دي من زمان، كنا هنستفاد منها وهي بتشتغل من البيت أكتر من وجودها بالشركة»
اطمئن قلبه بعد سماع صوتها وصوت زوجة أخيه، التي أكدت صدق حديثها، فتنهد في راحةٍ، ومرر يسجل لكلتيهما: «حبيب قلبه شطور وبيسد في أي خانة، إلا خانة فريدة هانم، فياريت يا فاطمة تعقليها وتقوليلها تبطل تدخل معاها في معارك أنا مش حاضرها، عشان من غيري هتضيع!»
سجلت له وهي تدعي حنقها الشديد من حديثه: «مين دي اللي تضيع يا بشمهندس، لا بقولك إيه أنت متدنيش الثقة في نفسي وتمرع فيا بكلامك المتزوق وتيجي تسحبه فجأة وتقولي هتضيعي، أمال إيه تربية إيدي؟ وافتكري إنتي مرات مين هتكتسبي ثقة زايدة في نفسك، كان كلام تثبيت ده ولا إيه؟!!»
ضحكت فاطمة بشدة وقالت: «مايا إنتي مش هترجعي إلا لما فريدة هانم تحطك في دماغها، وساعتها أنا أول واحدة هبيعك في المزاد»
رد عليهما عُمران مشجعًا لحديث زوجة أخيه: «وهيبقى معاكي كل الحق يا فاطمة، هي مش قادرة تقتنع إنها مش قد فريدة هانم، لا هي ولا أي حد من ذوات القلوب البيضة اللي عندك، فمن فضلك خليكي جنبها لحد ما تولد الباشا، وبعد كده سيبها تشن الحروب والغزوات لوحدها.»
سحبت الهاتف وابتعدت تكتب له بحنقٍ: «بعتني عشان ابنك يا عُمران!!»
ابتسم ودون لها: «ده أنا أبيع عمري كله عشانك يا حبيب قلبه وروحه إنتِ!»
ثم أضاف برسالة أخيرة: «هسيبك تكملي قعدتك مع فاطمة، بس متطوليش الوقت اتأخر، وعلي بينام وبييقوم بدري، أكيد انزعج من خروج فاطمة بالوقت ده، وإنتِ كمان محتاجة ترتاحي، هستنى مكالمة منك لما تصحي بإذن الله، تصبحي على ألف خير يا حبيبي»
أغلقت الهاتف وقد خرت قوتها بأكملها، فجلست على حافة الأريكة الضخمة، تكبت شهقاتها بكف يدها، ومع ذلك لم تستطع كتمان صوتها الذي وصل لفاطمة، فأسرعت إليها تضمها بكل قوتها، وتشاركها البكاء هي الأخرى، هاتفة في محاولة لتهدئتها: _ الاتنين روحهم في بعض ومستحيل يختلفوا أبدًا، صدقيني علي عاقل وهيعرف يحتوي الموقف، أنا معرفش هو ناوي على إيه بس واثقة فيه.
تمسكت بها ومالت عليها تتكئ بتعبٍ، وإرهاق دُفن بصوتها المحتقن: _ ربنا يستر يا فاطمة!
نهض عُمران يستعد باستكمال باقي صلاته حتى يتمكن من أن يحظى بساعة نوم قبل صلاة الفجر، فإذا بهاتفه يصيح برنينٍ مميزًا.
انحنى يرفعه بابتسامةٍ، معرفته للمتصل من الرنة التي خصصها مخصوصًا بصوته لها، بحفل زفافها، وها هي تقطع بدايات المكالمة المتعارفة بمعسولها، وتهدر بنزقٍ:
_ لاقيتك انشغلت وبطلت تسأل عني فقولت أكلمك أنا، يمكن ڤيروزة هانم أخده عقلك بعيد عني، وبعد تشريف علي باشا الصغير شكلي هتعود أنا اللي أرنلك على طول!
قابلها بصوت ضحكاته، وخبثه الدائم:
_ طيب عشان أعرف أجاريكي على أي وضع، فهميني الحريقة دي بدايتها كانت إيه؟ لو عود ثقاب أشعله سيادة المقدم فمتضايقيش نفسك يا روح قلب أخوكي وإيديله الموبايل، هطلعلك عين أمه وحالًا، ولا يفرق معايا الدبور والنجمة اللي على كتفه، أخرتها إيه يعني حبس؟ الحبس للرجالة وأخوكي راجل ويسد في أي خانة!
نجح بامتصاص ضيقها، بل تبدل حالها لضحكات أطربت أذنيه وأذن من يجاورها على الأريكة، بالرغم من صدمته مما ترنح لمسمعه، حتى أشفقت عليه شمس، فقررت الدفاع عنه قائلة:
_ بالعكس ده مدلعني خالص، تصور بيرجع بليل يعمل مكرونة وايت صوص بنفسه!! وحقيقي أكله جميل أوي أوي يا عُمران، أنا حابة أعزمك وأعزم نفسي عنده في يوم تحدده إنت قبل ولادة مايا بليز!
تلاشت ابتسامته، احتله حزنًا ومرارة جعلت ريقه كالعلقم، فبدل حديثه بصوتٍ محتقن:
_ إن شاء الله يا حبيبتي، كده كده هنخليه يطبخلنا إجباري، إنتِ تأمري وكلنا علينا تنفيذ أوامر شمس هانم والصغنن القمر اللي شايلاه شمس هانم.
مررت يدها على بطنها الذي لم يبدأ بالظهور بعد، وابتسامتها الحالمة تطفو وجهها، بينما تهمس بتمني:
_ يا رب يبقى ولد عشان أخليك تطقمله على ذوقك. You know you're the most handsome man in the whole world (أنت عارف إنك أوسم راجل في العالم كله!)
منحها آدهم نظرة غاضبة، بينما تتعالى ضحكات عُمران، هاتفًا بشماتة، كأنه يرى تقاسيم وجه آدهم:
_ قوليلى حاجة معرفهاش عن نفسي، ولا أقولك سمعي الباشا اللي عامل كمين على المكالمة من أولها، صوت تكسير أسنانه واصلني من مكاني هنا، هاتيله عضاضة يا شمس ليأذي أسنانه!
سحب آدهم الهاتف من زوجته، وقال يجاريه ببرودٍ مازح:
_ متقلقش عليا يا وقح، أنا من خلال عشرتي ليك عرفت إن اللي بيتحط في دماغك، بيكون له معزة عالية، فأنا إيه اللي هيعصبني وأنت ميت في دباديبي!!
جابهه بسخرية مازحة:
_ ولا تزعل يا حضرة الظابط هبعتلك المعزة وفوقها خروف من عندي!
ضحك آدهم، وكذلك شمس التي مالت على كتفه تتلصص لسماع ما يقول، فضمها آدهم وقال:
_ شوف أنا مستحملك على أي وضع عشان خاطر عيون شمس هانم بس، فمش فارقلي محل الجزارة اللي فتحته ده، بس ده ميمنعش أني أحذرك أن قعدتك عندك خطر عليك، من بداية اليوم دبحت عجل، ودلوقتي عايز تهاديني معزة وخروف الله أعلم هتعمل إيه بعد كده؟؟
جحظت عيني شمس بصدمة، وهمست بتقزز:
_ يعع!! عُمران إنت عملت كده؟؟
ضحك عُمران وأجابه بعدما فطن دائرة التسريب لانتقال الخبر إليه من يوسف إلى سيف، ومن سيف إلى آيوب، ومن آيوب إليه:
_ ده أنا خط سيري واصلك بقى، بس مش متفاجئ لإني شخصية مهمة وعنوان رئيسي في أي جريدة أتحط فيها، بذمتك هتلاقوا مين غيري في أم الشلة دي تتكلموا عنها!!
رد عليه آدهم بسخرية:
_ قصدك مصايب إيه اللي هنتكلم عليها غير مصايبك يا حبيبي! كان الله في عون علي ويوسف وجمال منك.
تلاشت ضحكاته بابتسامةٍ هادئة، ورده أتى لمسمع آدهم غريبًا:
_ وده بيخليني أدخل بصدري في أي مطب، لإني عارف ومتأكد أنهم كلهم ورايا، وأولهم أنت يا حضرة الظابط، وزي ما قولت أنت ليك معزة ومعزة كبيرة كمان، كفايا السعادة اللي لامسها من صوت شمس، وأنك برغم من تعبك في شغلك اللي مفهوش هزار بترجع تراضيها باللي مش مجبور أنك تعمله، إنت راجل وابن أصول يا آدهم، ربنا يسعدك ويفرحكم بالبيبي المنتظر.
وأضاف مازحًا قبل أن ينكشف أمره، أمام ذكاء آدهم وسرعة استيعابه:
_ بس أوعى تنسى أن الولد اللي جاي ده "عُمران الغرباوي" يبقى خاله، يعني فكر أنت أو السيد الوالد أو أي حد مهما كان في عيلتك يبصله بصة مش تمام، هطلع بروح أمه وأسلكله تذكرة على القبر طولي.
عبث بدهشة من سرعة تحوله، فاذا به يستطرد:
_ مهو سوري يا آدهم يعني أنت معزتك في القلب وكل حاجة، بس هنقل أدبنا هنا هقولك معزتك موجودة وفوقها خروف هدية، ميرضنيش معزتك تموت وهي عانس!
تهاوت شمس بنوبة من الضحك، فشاركها آدهم حينما رآها تكاد تختنق من كثرة الضحك، فأخبره بصعوبة:
_ أنا شكلي هلفقلك قضية أمن دولة أحبسك فيها عشرة خمسطاشر سنة، لحد ما أضمن أن الولد تربيته هتكون صالحة، إنت مش بس خطر عليه وعلى بنت فريدة هانم، أنت خطر على ابنك وعلى نفسك يا وقح!
قاطعهما صوت آذان الفجر لطول المكالمة، فاستأذن عُمران منه بتهذبٍ لم يكن يتحلى به منذ قليلٍ:
_ الفجر أذن، يدوب أتوضى وأنزل المسجد، هبقى أكلمك في وقت تاني يا آدهم، مش هقولك خلي بالك من شمس، لأنك مش مقصر بصراحة، ربنا يسعدكم ويفرحكم يا حبيبي، في رعاية الله.
أغلق الهاتف على الفور، وبقى آدهم يتطلع للهاتف بغرابةٍ، سيطر ليتغلب عليها على الفور، حتى لا يجذب انتباه شمس، التي تتطلع له باستفهامٍ، فقال مبتسمًا، بابتسامة لم تصل لمُقلتيه:
_ نزل عشان صلاة الفجر، وأنا كمان هقوم أتوضى عشان متأخرش على المسجد.
قالها وانحنى يقبل رأسها، ثم نهض يغادر الجناح وهو يجذب هاتفه، باحثًا عن رقم علي، هاتفه مرتين متتاليتين، ولكنه لم يجد أي رد، فانطلق لصلاة الفجر وبعد أن انتهى منها صعد لسيارته ليعود للمنزل، فوجد هاتفه يدق برقم علي، رفع الهاتف يتحدث إليه بلهفة:
_ علي آآ...
انقطع عنه الحديث، حينما استمع لصوته الهادئ، يهاتفه بهدوءٍ مريب:
_ هبعتلك لوكيشين، حاول تجيلي فيه قبل بليل يا آدهم.
فطن أن هناك أمرًا ما، فقال وهو يحرك مفتاح سيارته:
_ هكون عندك حالًا!
مرت ساعات النهار، واجتمع الشباب بعد طعام الغداء أعلى سطح منزل "موسى"، حيث يقوم "صابر" بسكب الشاي الساخن بالأكواب، ووزعها على "جمال"، و"يوسف"، وانتهى بمنح عُمران الكوب، فجذبه منه وقال بمكرٍ:
_ تسلم إيدك يا جو.
زوى "صابر" حاجبيه بدهشةٍ:
_ جو!!
أشار له بأن ينحني صوبه، حتى لا يستمع له أحد، ففعل ما قال وإنحنى إليه، فهمس له:
_ بدلعك يا جاسوس الوطنية، ولا متخيلتش أنك وشك اتكشف لدرجة إن حمص نفسه عارف إنك تبعهم!!
ابتلع ريقه الجاف بصعوبةٍ بالغه، حتى كاد أن تتحشرج أنفاسه، والشباب يراقبون ما يحدث باستغراب.
وكان "موسى" أول من تحدث:
_ مالك يالا اتخشبت مكانك كده!
ربت عُمران على كتفه وعاونه بالاستقامة:
_ تلاقي ضهره قافش عليه، وتقريبًا بقى كويس، مش كده ولا إيه يا جو!
حرك رأسه بخفة وأتجه للاريكة الأخرى، يجلس بالمنتصف ما بين يوسف وجمال، الذي همس له ضاحكًا:
_ سيادة المقدم آدهم يبقى جوز أخته، فأكيد سربله عملك البطولي!
استغل انشغال "عُمران" بالحديث برفقة موسى، وقال:
_ عارف بالعلاقة اللي ما بينه وبين الباشا، بس طريقته تخوف.
سحب جمال رشفة من الكوب، وقال بتسلية:
_ هو عُمران كده، وعمره ما هيتغير أبدًا.
تمتم صابر بقلق:
_ ربنا يسترها وميفضحنيش في الحي، ساعتها هيعملوا مني دواسة، أصل المكان متلغم بمصايب، فلو عرفوا اني مرشد مش هيباتوا إلا ورقبتي بتتشقط بينهم.
واستقام بوقفته، يرفع من صوته ليتمكن رفيقه من سماعه:
_ أنا هنزل أتمم على الرجالة يا موسى، هشوفهم خلصوا الفراشة ولا إيه، الوقت بيجري والليل قرب يليل.
أوقفه عُمران حينما أشار له برفقٍ:
_ استنى يا صابر، إقعد أنا عايزك إنت وموسى قبل ما الفرح يبدأ وينشغل عننا.
لوى موسى شفتيه بتهكمٍ:
_ ما أنا قولتلك اقعد معانا كام يوم، بس إنت مصر تمشي أخر السهرة!
رد عليه ومازال يشير لصابر بالجلوس على الاريكة جوار موسى:
_ صدقني لو ينفع كنت قعدت، بس زي ما إنت شايف، يوسف واخد أجازة بالعافية، وأنا كمان خالع اليومين دول بصعوبة، بس وعد هزورك تاني وتالت وعاشر، وده لإن هيكون في بينا اللي هيخليني رايح جاي عليك إنت وصابر غصب عني.
زوى حاجبيه بعدم فهم لحديثه، حتى صابر فشل بفهم مقصده، فشارك جمال بالحديث حينما قال:
_ أنا وعُمران لما كنا في لندن كان عندنا حلم، نفتح مصنع قطع غيار للسيارات، بس الحلم ده اتأجل بنزوله لمصر، وكمان لأننا مكنش عندنا خبرة في النوع ده من البيزنس، لحد ما عُمران لقى الشخص المناسب اللي ممكن نعتمد عليه.
وأضاف مبتسمًا:
_ وبعد اللي شوفته بمجرد وصلنا لهنا، أدركت إن اختياره صح ومثالي جدًا، مهو أكيد مفيش شخص هينزل لورشته يوم فرحه، إلا لو غاوي وعاشق لمهنته بشكل جنوني.
سحب "موسى" بصره تجاه "عُمران" يخبره بتعجب:
_ أنا مش فاهم صاحبك ابن الذوات ده يقصد إيه يا خواجة؟
رد بمحبة ورأفة به:
_ قصده أنك هتكون المدير المسؤول عن المصنع اللي هنفتحه هنا، واختيارنا إنه يتم إنشائه هنا عشان حاجتين، الأولى إني عارف إنك مستحيل هتقبل تمشي من هنا وتنزل على القاهرة، والتانية أني حابب إن العمال اللي هيشتغلوا في المصنع يكونوا من هنا وده هتكون مهمتك يا موسى، هتختار الأحق بالشغلانه دي.
كاد "موسى" أن يثور اعتراضًا على تلك المسؤولية الضخمة، التي يتحدث عنها بسلاسة، وكأنه يدعوه لتناول الغداء برفقته بأحد المطاعم، ولكن قاطعه يوسف الذي تحدث بثبات:
_ وبالنسبة ليك يا صابر، فدكتور علي قرر يفتح في الحي هنا مستشفى صغيرة، أو وحدة صحية زي ما بتسموها، هتكون مجانًا، وتابعة للمركز لينا، يعني كل الامدادات من أجهزة لأدوية لكل اللي تحتاجه هيكون عندك في لمح البصر، وطبعًا لا علي ولا أنا هنعرف نسيب المركز ونيجي هنا عشان ندير الوحدة، فأنت أنسب حد يكون المسؤول عنه، وهتكون حلقة الوصل بينا وبين الوحدة لحد ما تكمل كلها وميكنش ناقصها أي حاجة خالص، ومرتبك ومرتبات الدكاترة وفريق التمريض كله راجع للمركز بشكل كامل.
اتسعت مُقلتيه بذهولٍ، ولم يتمكن حتى من البوح بحرفٍ واحد، ولكن موسى تخطى الأمر، وبوجومٍ هدر رغم هدوء نبرته:
_ لو فاكر إن دين المعروف اللي اتعمل معاك متسدش تبقى غلطان يا خواجة، أنت سديته قبل ما تمشي بدفعك لمصاريف عملية والدة الجماعة كاملة، وأخوك الدكتور دفعه بردو بالشيك اللي سابهولي أنا وصابر، إنت مش مضطر تعمل كل ده صدقني.
حل الحرج على جمال، وبات يتطلع ليوسف بتوتر، ولكنه شدد على معصمه، وكأنه يخبره أن عُمران سيحل الأمر، وبالفعل بدأ حينما ردد بضيقٍ من نبرته:
_ مش قولتلك بغل ومسحوب من على طوالة برسيم!! ده أنا ظالم البغل بتشبيهك له والله.
وأضاف مستهزئًا:
_ وبعدين دين إيه اللي بتتكلم عنه، إنت لو هتمشيها بالديون فأنا مكنش ينفع أجي هنا من الأول، وشكلي فعلًا غلطت لما جيت، وهقوم حالًا أمشي من خلقة أهلك عشان أنا لما بشوفك خلقي بيضيق تلقائيًا.
قالها وانتصب بوقفته، كتهديد بأنه سيغادر بالفعل، ولكن أسرع إليه موسى، يتعلق به بخوفٍ:
_ إنت رايح فين يا خواجة، ميبقاش خلقك ضيق كده.
قال بعنفوان وتحد:
_ خلقي أضيق من خرم الإبرة نفسه، هتحترم لسانك وألفاظك هقعد، مش هتلم نفسك هأخد قمر وصابر والأبلة صباح والتكيف، وهسيبك هنا مرمي مع ورشتك وشحمك، وإنت عارف إني أقدر أعملها، ها هتجاريني ولا أحط عليك ووقتي؟
ضحك بصوت مسموع وقال:
_ آلاه ده أحنا قلبناها على سكة بلطجي النزلة، خلاص متشدش اعصابك كده هجاريك في المصلحة دي، أهو يطلعلي منها سبوبة أظبط بيها حواري دام الأبلة.
منع ضحكته من الظهور، ولزم ثباته وهي يتجه ببصره تجاه صابر الذي يتابعهما بصمت وذهول.
وما أن رأه يتطلع صوبه، حتى قال بخوف من نظرته:
_ أنا معاك يا خواجة، أنا معاك يا دكتور يوسف!!!
جلس عُمران بابتسامة مشرقة، وقال في راحة:
_ كده نبتدي نحضر العريس للفرح بمزاج!
بقصر "الغرباوي"
ولج "علي" لمكتبه القابع بالطابق السفلي من القصر قرابة العشاء.
لقد اختفى منذ الأمس إلى الآن، وجهه مهمومًا وكأنه أصبح كهلًا عجوزًا، لم يضع الطعام في فمه منذ الأمس.
سقط على مقعده، وهو يمسح على وجهه بتعبٍ.
فاذا بهاتفه يستقبل رسالة، رفع الهاتف فوجده "يوسف"، يباشر بالمضي بالخطة التي أحكمها "علي"، فكان يطمئنه بأن الأمور على ما يرام.
كاد أن يغلق إضاءة الشاشة المزعجة لعينيه التي لم تحظى بالنوم منذ أمس، ولكنه انتبه لعدد الرسائل الضخم المرسلة من أخيه.
أعتصر الهاتف بقبضته وألقاه جواره وهو يضم وجهه بتعبٍ نهشه كالوحش المفترس.
ولج العم "سعد" للداخل، حاملًا كوب القهوة، يخطو ببطء وبحرصٍ، وهو يشير له بيده تجاه فمه:
_ اطمن يا دكتور، محدش حس بوجودك زي ما قولت، ركنت عربيتك بالچراج الخلفي للقصر، وعملتلك القهوة بره عندي، مع إني زعلان. البن بتاعي مش من مقامك، بس إنت اللي مصر.
سحب الكوب منه، يتجرعه بابتسامة جاهد كليًا لرسمها في تلك الحالة التي يعيشها، وبصوتٍ واجم رغم ابتسامته قال:
_ ريحتها تجنن، تسلم إيدك يا عم سعد.
قالها وسحب رشفة طويلة منها، وبتعابيره الهادئة قال مشيدًا بها:
_ عشان كده مكنتش عايز تعملي، خوفت أطمع في كيس البن بتاعك، بس متقلقش أنا مش طماع هطلب منك فنجان كل يوم بس.
ابتهجت تعابير العجوز، وراح يشكره بامتنان:
_ ربنا يراضي
رواية صرخات انثى الفصل 118 - بقلم ايه محمد رفعت
بمجرد وصول السيارة لبوابة المركز الضخمة، استقبلها فريق متكامل من الأطباء، بعد أن أعلمهم جمال بما حدث. ركضوا صوب السيارة، حملوه وما زال يوسف ينكب من فوقه ويعيد تكرار الإنعاش القلبي الرئوي، باستخدام قبضة يديه، متجاهلاً وجع يديه لتكرار فعلته طوال الطريق.
بداخل المشفى يتم التبديل بين الأطباء والمرضى لضمان سرعة وفعالية الإنعاش. وبالرغم من تعبه الشديد، إلا أنه رفض مساعدة آدهم في ذلك. كونه طبيباً سيجعله يستهدف النقاط الصحيحة بنسبة تصل لتسعين بالمئة. قد يخطئ آدهم مرة ويصيب الأخرى، ولكن الوقت قد ينفذ منهما. فلم يكل يوسف عن محاولاته، استراحته القليلة قد تكون عاقبتها خسارة المريض. وذلك لم يكن أي مريض، شقيق أخيه وصديقه وشريكه، وفوق ذلك هو علي الذي لم يفعل لأحد إلا الخير، ويذكره به الجميع.
ولج الفراش المتحرك للعمليات، ومن خلفه وقفا جمال وآدهم بحزن وخوف يتشكلان على الوجوه. وقفوا يراقبون غرفة العمليات بتوتر.
استند آدهم على الحائط، يرتكن بجسده الثقيل عليه، ووقف جمال على الحائط المقابل له مهمومًا. ثم ما لبث ثوانٍ حتى مشط الطرقة بعينيه بدهشة، تحرر بحديثه الذي انتبه له آدهم:
"عُمران!!"
ارتاب آدهم حينما لم يعثر عليه، ظنه سيكون أول المتواجدين هنا، ولربما كان سيصر على الولوج مع أخيه. هرول كلاهما للخارج، يفتشان عنه بساحة الاستقبال الضخمة ومدخل الطوارئ. لم يتركا زاوية بالمركز دون البحث عنه. وبينما يبحث آدهم بمقاعد الاستقبال، وقع بصره على السيارة الموضوعة بالخارج، فنادى بحشرجة ألم اعتصرت حنجرته:
"جمال."
انتبه جمال لندائه، فهرول صوبه، وتطلع تجاه ما يتأمله، فاندهش حينما وجد عُمران ما زال على نفس وضعية جلوسه بالسيارة. تحركا معًا إليه، ناداه آدهم برعب من جموده الغامض:
"عُمران!"
تحركت رقبته تجاه النافذة، يتطلع له بجمود، فابتلع آدهم ريقه بتوتر من حالته:
"منزلتش معانا ليه؟"
رمش بآلية تامة، ورد بلسان ثقيل:
"أنزل فين؟"
صعق كلاهما، ولم يستطيعا أن يترجما حالته الغير مبشرة بالمرة. تحرك جمال يفتح الباب، ويسحب ذراعه بخفة، فانصاع له عُمران، الذي لم يكن من السهل أن يترك جسده القوي بهذا الارتخاء. حتى جمال نفسه ارتاب مما يحدث معه، فأحاطه بقوة وولج به للداخل.
تبعه عُمران والتيهة تستحوذ عليه، بشكل جعل آدهم يخشى من حالته الغامضة تلك. وبينما كانوا بطريقهم لجناح الجراحة، توقف عُمران محله يتطلع صوب الاستقبال، حيثما كان يتجمع عدد من الناس. أتوا بحادث سير أصيب فيه شاب من تلك العائلة، فانتشر البكاء والصراخ والذعر على الأوجه.
تجلد وهو يراقبهم، ووجهه يزداد اصفرارًا. وذراعه الظاهر من التيشرت الذي يشمره لمنتصف ذراعه، استطاع جمال أن يلتمس برودته التي تسربت له فجأة، فحاول سحبه بعيدًا عن تلك البقعة، ولكنه وجده يستعيد قوته، فبدى صلدًا، ثابتًا، لم ينجح أن يحركه أنشًا واحدًا. فقال وما زال يحاول:
"خلينا نمشي من هنا يا عُمران."
أبعد عُمران كف رفيقه عنه، وضاقت رماديتان وهو يتابع المشهد بدقة. زرعت القلق أضعاف لإدهم، الذي حاول هو الآخر سحبه، وجذب انتباهه حينما قال:
"عُمران، تعالى يلا عشان نطمن على 'علي'!"
التقطت أذنيه اسم أخيه، فبدى كبقعة الضوء التي أنارت ظلمته، فإذا به يستدير تجاه آدهم، ويردد بنبرة غريبة:
"علـي!"
نداؤه بدا لهما كأنه تناسى أمره وفجأة ذكره به آدهم. ولكن ما حدث بعد ذلك كان كاللطمة السريعة لكلاهما، حينما هرع عمران بالطرقة ينادي بصوت مرتفع باسم أخيه، فتح الغرف المصفوفة بالطابق الخاص بالعمليات، وما زال ينادي بفزع ولهفة:
"علـــــــــــي!!"
ركض آدهم وجمال خلفه، يحاولان منعه مما يفعله، ويقدمون الاعتذارات للأطباء والحالات التي كانت تخضع لعمليات نزع الأسنان وتنظيف الأذن وغيرها من الإجراءات البسيطة التي خصصت لها غرف بداخل الجناح الرئيسي للجراحات.
تخطى آدهم جمال وبدأ بالتعامل مع عُمران بقوة وحزم، قيد جسده بتمكن، حينما توازى معه بقوته الذكورية، دفعه تجاه الأرائك المعدنية، وهو يصدر له أمرًا مباشرًا:
"بطل اللي بتعمله ده، علي جوه ويوسف معاه، شوية وهيخرج يطمنا، ولحد ما يطلع هتقعد هنا بهدوء، سامع!!"
تهدل جسده تدريجيًا، حتى سقط عن المقعد المعدني، وانزوى أرضًا جواره، يضم نفسه في مظهر انتزع قلب جمال وآدهم، المتعجبان لأمره!
سيطرت الصدمة على آدهم، فجعلته يتخشب محله وهو لا يستوعب أن من أمامه هو الطاووس الوقح، ذاك الذي عهد عنه القوة والشموخ. بينما لم يحتمل جمال رؤيته هكذا، فهرع إليه وانحنى قبالته، يحاول إبعاد يديه التي يحجب بها أذنيه، كأنه يهاب سماع شيئًا غير مسموع لهما. أبعد يديه وناداه باكيًا:
"عُمران!!"
تطلع له عُمران بغرابة، وكأنه لا يعرفه. وبعد قليل تجاهل وجوده وتطلع بعيدًا، يبحث عن وجهًا واحد لا يريد سواه، بينما يهمس بصوت منخفض، ولكنه مسموع لكلاهما:
"علي!"
وعاد يضم أذنيه هاتفًا بما جعلهما يتبلدا في دهشة:
"قولهم يبطلوا عياط وصريخ، أنا مبحبش الأصوات دي!!!"
ضغطات صدرية فعالة، ومحاولات مستميتة لتوفير الأكسجين للرئتين، مع استخدام أدوات متخصصة مثل مزيل الرجفان والتهوية الآلية لزيادة فرص النجاة. يُعدّ هذا الإجراء حاسمًا في الحفاظ على تدفق الدم الغني بالأكسجين إلى الدماغ والأعضاء الحيوية، بينما يتم التحقق من غياب النبض والتنفس لمدة 10 ثوانٍ. وتوقفت الآمال مع قول الطبيب:
"المريض مش بيستجيب."
تدخل يوسف واستبدل موضع الطبيب، وضع كعب إحدى يديه على منتصف صدر علي، ووضع اليد الأخرى فوقها، ضغط بقوة وسرعة (100-120 ضغطة في الدقيقة) بعمق بوصتين تقريبًا، مع السماح للصدر بالارتفاع الكامل بين كل ضغطة والأخرى. وبعد 30 ضغطة، أعطى نفسين اصطناعيين عن طريق إمالة الرأس ورفع الذقن ورفع الأنف، مع التأكد من ارتفاع الصدر مع كل نفس!
أسرع الطبيب المتخصص، يبعد يوسف عن علي، وقام بالاستعانة بجهاز مزيل الرجفان الآلي (AED)، لتوصيل صدمة كهربائية لإعادة ضربات القلب إلى طبيعتها. بوجود أنابيب، استمر بتسلسل 30 ضغطة، فعلها مرتين متتاليتين، ومع الأخيرة، عادت نبضات القلب أخيرًا لموضعها الطبيعي، وعادت معه السكينة على وجوه الطاقم الطبي، الذي كادوا بالبكاء قلقًا على ذلك المدير العطوف ذو الخلق الرحيم.
انتزع يوسف نظارته وأزاح دمعاته العالقة بأهدابه، بينما يحصل على الراحة أخيرًا. فترك الأطباء يكملون عملهم وخرج ليطمئن رفيقه الذي مؤكدًا يجن جنونه على أخيه بالخارج.
ارتاب آدهم وجمال مما أصاب عُمران، تصرفاته نمت عن طفل صغير، يخشى أصوات غير موجودة إلا بخياله هو!
انتصب جمال بوقفته، يهرول صوب آدهم، يسأله بقلة حيلة، ودموعه تنهمر وجعًا على حبيب روحه وخليله:
"أعمل أيه يا آدهم، أطلب له دكتور؟"
سحب بصره المندهش تجاهه، وقال:
"مش عارف يا جمال، حاسس إنه مش في حالته الطبيعية، هكلم حد من الاستقبال وهاجي."
خطى خطوتين ولكنه توقف حينما انفتح الباب الرئيسي لغرف الجراحات الخطيرة، وظهر من خلفه يوسف. غير آدهم وجهته وسأله بلهفة وقلق:
"طمني يا يوسف، علي؟؟؟"
منحه ابتسامة هادئة، يبث لكلاهما الاطمئنان:
"حالته استقرت جدًا، الحمد لله."
وإتجه إلى عُمران، انحنى قبالته، وابتسامته قد حجبها متصنعًا غضبه الشديد منه، ولكنه أراد أن يطمئنه، فهو يعلم ماذا يعني علي لعُمران. فقال بوجوم:
"علي كويس، وشوية وهيخرجوه لأوضة عادية، بس يا رب تكون هديت وعقلت، مع أني أشك في ده، إنت مش هترجع غير لما تخسر واحد فينا بسبب عمايلك دي!"
تجعدت ملامح يوسف باستغرابٍ، من انحراف بصر عُمران تجاه الطرقة الخارجية، بعيدًا عن ناحية غرف العمليات، حتى أنه استدار يتطلع لما يتأمله. وحينما لم يجد شيئًا، عاد يتأمله بقلقٍ، وخاصة حينما لاحظ وضعية جلوسه، وهلع نظراته، تيهته المريبة، جعلته يجذب جانب وجهه بقوة، ليكن في مواجهة وجهه، بينما يناديه برعبٍ:
"عُمران!!!"
دفع يد يوسف عن وجهه، ورفع يديه يعود ليغلق أذنيه، ولكنه مال تلك المرة على الأرض بوضعية الجنين، صوته المبحوح يصيح بانهيارٍ:
"خلوهم يسكتوا، مبحبش صوت الصريخ.."
وعاد يردد بتوسلٍ:
"علــــي، خليهم يسكتوا يا علي، أنا خايـــــف!!"
وأضاف وقد شح صوته وبات من شدة حشرجته كالهمسة العابرة:
"أنت فين؟ أنا خايف!!!"
فطر قلب جمال الذي سقط جواره أرضًا يبكي بصوت مسموع، بينما سقط عن آدهم دموعًا، خطفها بإصبعه، واستعاد ثباته وهو يسأل يوسف المتخشب محله أرضًا:
"من ساعة ما دخلنا المركز وهو على الحالة دي، انا كنت رايح أجبله دكتور، مش عارف ماله؟?"
رفع يوسف بصره تجاه آدهم، وقال بمرارة:
"ارتباط عُمران بعلي وصفه بيتلخص في الحالة اللي بقى عليها."
ونهض يشير لجمال الذي كان يتمدد جواره ويربت بحنان على ذراعيه المضمومة داخل ساقيه:
"سنده معايا يا جمال. هنطلعه فوق."
بكى جواره وفشل حتى بالسيطرة على أعصابه، فحلى آدهم محله، وعاون عُمران، فانتشله عن الأرض بقوة، اسنده بذراعيه ويوسف من الجانب الآخر، يجاهد ألا يتحرر صوت بكائه، ودموعه قد أغرقت وجهه.
وزع عُمران نظراته الحائرة بينهما بغرابة، وكأنه لا يعرف كلاهما، ولكنه يخطو جوارهما في طاعة وخضوع. مروا بالطرقة الرخامية، واتجهوا لأحد المصاعد، تثاقل عُمران قبالة المصعد، ولم يقوى كلاهما على زحزحته من محله، واستدار للخلف يهتف بخوف:
"علـي!"
وبصراخ عنيف ناداه:
"علـــــــــــي!!!!"
اعتصر يوسف دموعه، وقال بهدوء حاول أن يتحلى به قدر المستطاع:
"علي بخير والله، وشوية وخارج."
أبعده عنه، وقال بتلعثم:
"أنت واخدني فين، أنا مش هروح معاكم، أنا عايز علي!"
تحرر صوت جمال عن مخنقه أخيرًا، فقال باكيًا ليوسف:
"عُمران ماله يا يوسف، أنا حاسس إنه ميعرفناش!!!"
تركه يوسف برفقتهما، وانسحب يسحب هاتفه، يهاتف أحد أطباء المركز، من تخصص الأمراض النفسية والعصبية، يقص له بإيجاز عن الحالة التي أصابت صديقه، فأخبره ماذا يتعين عليه فعله للصعود به للأعلى، حيث سيكون بانتظاره لاستقبال حالته بنفسه.
أغلق الهاتف وتنهد يخرج زفرة طويلة، اختنق صدره بها، والتفت يعود صوبهما مجددًا، حيثما يعاونه آدهم وجمال، فابعد جمال للخلف وحل محله، يمنحه ابتسامة قد بذل مجهودًا لرسمها، واتبع ما قاله الطبيب فورأن قال له:
"علي فوق يا عُمران، هطلعك ليه."
انصاع له عُمران بهدوء غريب، واستقر جواره بالمصعد، وآدهم جواره من الطرف الآخر، بينما رفض جمال الصعود، واتجه للخارج يختبئ من الأعين وينهار باكيًا، مترجيًا الله أن لا يصيب رفيقه سوءًا.
توقف المصعد بالطابق المخصص للطب النفسي بمركز «علي الغرباوي». ومضى آدهم يصطحبه برفقة يوسف حتى ولجوا معًا لإحدى الغرف، فوقف عُمران على عتبتها يشمل الغرفة بنظرات متفحصة، وحينما لم يجد أخيه صاح بخوف:
"فين علي؟!"
أشار له يوسف، وهو يتجه للخروج من الغرفة:
"هجيبه وجاي، خليك معاه يا آدهم."
قالها بتحذير لذلك المندهش مما يحدث، لقد تبدل عُمران بشكل جعلهم جميعًا بحالة من الصدمة والذهول.
بقى جواره يتطلع له بحزنٍ، حتى عاد يوسف يصطحب الطبيب، الذي اتجه على الفور يتفحص عُمران والاخر يتابع الجميع ببرود، ونظراته لا تفارق باب الغرفة، ينتظر رؤية علي!!
اخترق أوردته إبرة غليظة، لم يشعر بألم سنها الحاد وهو يخترق جلده، بل شعر ببرودة تسري داخل عروقه، ووجد ذاته يتشبث بذراع آدهم القريب له، فدعمه بلهفة وحبه منطوق بنظراته المرتعبة على ما أصابه، بل مال يساندنه وهو يفقد وعيه على الوسادة تدريجيًا، ولسانه ما زال ينادي أخيه بصوت محتقن:
"علـي!"
سقطت دموع آدهم وجعًا، لقد أنسته حالة عُمران علي تمامًا، ربما لأنه لم يسبق أن يراه بحالة الضعف هذة، بدا كالطفل الصغير الذي يبكي لفراق أبيه!! وقد مس قلوبهم جميعًا.
أزاح آدهم دموعه، واستقام بوقفته بثباتٍ، ينضم ليوسف الذي وقف يتابع حديث الطبيب بحزن شديد، وخاصة حينما قال:
"أعتقد إن الحالة اللي هو فيها دي راجعة لخوفه وتعلقه الشديد بدكتور علي، أو جايز يكون سبق ليه إنه عاش حالة الفقد دي قبل كده، فخايف يعيشها تاني، وخاصة أنك بتقول يا دكتور يوسف أنه بيقول انه سامع أصوات صريخ وستات بتعيط، أعتقد أن مر بأزمة متعلقة بوفاة شخص قريب منه."
قطع آدهم حديثهما حينما قال:
"بس مفيش حالات وفاة حصلت لحد من عيلة عمران أو حتى من معارفه من فترة."
رد الطبيب وهو يزم شفتيه بحيرة:
"مش عارف صراحة، أنا لو اتكلمت معاه هقدر أفهم منه، لكن في الوقت الراهن حالته صعبة ومش مؤهل لأي حديث بينا، بس اللي ممكن يساعدنا في الحالة دي لو وصلنا لإجابة سؤالي، هل سبق وعاش موقف مشابه زي ده؟"
اقتحم صوت جمال مجلسهم بعدما استمع لحديث الطبيب فور دخوله:
"أيوه، عمران حكالي كتير عن الحالة اللي عاشها بعد وفاة والده، قالي إنه كان خايف ومرعوب من صوت صراخ الستات لأنه مكنش متعود يشوف جنازات بالشكل ده في لندن، ووالده اتدفن هنا بمصر."
وأضاف ودموعه تنهمر على خديه:
"قالي إنه الشيء الوحيد اللي كان بيطمنه هو وجود علي جانبه، ويمكن من اللحظة دي كان هو أبوه واخوه وكل شيء بيمتلكه."
برزت الخطوط العريضة أمام الطبيب، فأشار ليوسف بعقلانية:
"كده كل شيء وضح يا دكتور يوسف، الحالة اللي فيها عُمران راجع للي حصل لدكتور علي، لأنه بالنسباله الاب والسند، وفجأة لاقى نفسه بيعيش نفس التجربة من تاني، بس المرادي الشخص اللي هيفقده هو علي نفسه!"
أسرع يوسف بطرح سؤاله:
"طيب والحل أيه يا مصطفى؟"
رد وهو يربت على كتفه بحنان:
"متقلقش الوضع اللي هو فيه ده مؤقت، وهيزول كله بمجرد ما يشوف دكتور علي قدامه، وحتى لو استمر معاه فاطمن دكتور علي من أكفأ وأمهر دكاترة الطب النفسي، فهو أكتر حد هيقدر يساعده."
رد بمرارة اعتصرت حلقه:
"ربنا يقومه بالسلامة، هو كمان."
أتاهم صوت دقات باب الغرفة المفتوح، وإذا بالممرضة تهتف:
"دكتور علي فاق وطالب يشوفك يا دكتور."
هرول يوسف للخارج، ومن خلفه آدهم، بينما تبقى جمال جوار رفيقه، يلازمه بجلوسه على مقعد قريب منه، وتعمد أن يتحدث إليه في محاولةٍ منه ليطمئنه بأن هناك أحدٌ جواره، فهو يعلم جيدًا أن عقله بتلك اللحظة رهين لحظات الماضي، التي عانى فيها طفل الخمسة أو السادسة أعوام!
أنفاسه تتثاقل والصورة تهتز من أمامه، يحاول قدر المستطاع السيطرة على ضربات قلبه التي تشبه دفوف حربًا على وشك أن تنتهي. أعاد غلق عينيه بارهاقٍ، واسترخى بمنامته، حتى فُتح باب غرفته، ففتح عينيه يراقب الزائر بلهفة.
ارتسمت بسمة واسعة على وجه آدهم، فأسرع إليه يهتف بسعادة:
"حمد لله على سلامتك يا علي."
نزع قناع الأكسجين عنه، وهمس بصوت متحشرج:
"عُمران؟"
طبطب على كفه الممدود وقال:
"مسافرش اطمن."
انتقل بصر علي لباب الغرفة، ينتظر أن يرى أخيه، ولكن خاب أمله حينما ولج يوسف، يتلهف للاطمئنان عليه:
"علي، ألف مليون حمدلله على سلامتك."
منحه ابتسامة هادئة واجابه:
"الله يسلمك يا يوسف."
وحاول النهوض، فعاونه آدهم للاستناد على حافة الفراش، بينما يحذره يوسف:
"ارتاح يا علي، اللي بتعمله ده غلط، أنت لسه دايخ."
مال برقبته للوسادة من خلفه، وقال بصبرٍ طالما تحلى به:
"أنا الحمد لله بخير يا يوسف."
وعاد يتفرس باب الغرفة، ثم تمتم بضيق:
"روح قوله يدخل، أنا عارف إنه مش قادر يواجهني."
توترت ملامح يوسف وآدهم بشكل ملحوظ، وفشل كلاهما بالوصول لما سيقال هنا، بالرغم من استقرار حالة علي بشكل ممتاز، ولكنهما يخشيا أن تنتكس حالته بمجرد علمه بما أصاب أخيه.
خفق قلب علي ببطء قاتل، وجل ما يعتريه أن يجن أخيه ويفعل بنفسه شيئًا، لم يحتاج لكلمة من عمران توحي له بمدى حبه الشديد إليه، حبه ومكانته ترجمتها نظراته، أفعاله، تعلقه الشديد به، الاختصار يكمن بمعرفة علي بمدى تعلق وحب عُمران الشديد له، فإذا به يبتلع بصعوبةٍ، وهو يبصق سؤاله بحروفٍ مرتعشة:
"عُمران فين؟!"
تمسك آدهم بكتفه، في محاولة لدفعه للوسادة مجددًا:
"ارتاح يا علي، عُمران هنا وبخير، اطمن."
انقباضة قلبه جعلته يواجه آدهم بنظرة ثاقبة، وقولًا واحدًا يتردد على لسانه:
"أخويا مش بخير، عُمران ماله يا آدهم؟!"
ذُهل آدهم واندهاش من علاقتهما الغريبة ببعضهما، بينما هتف يوسف بهدوء:
"مفيش يا علي هو من قلقه عليك تعب شوية، مصطفى إداله مهدئ، وبقى أحسن الحمد لله."
صعق علي من سماع ما قال، لدرجة جعلته يردد بدهشة كأنه يتذوق معنى الكلمة:
"مهدئ!"
أطاح بالغطاء أرضًا، ونهض يضم صدره بوجعٍ احتبسه كله داخله، رفض الانصياع لآدهم وليوسف، وإتجه بخطوات بطيئة متعبة للمصعد، ورافقه كلاهما بعد أن فشلا بإقناعه.
لم يكن علي بالرجل الذي يستسلم لتعبه، ويمضي خاضعًا لمرضه بفراشه، حتى وإن أصابه ساهمًا سيتركه بجسده وسيمضي به حتى وإن كان ألمه لا يحتمل، ناهيك عن معرفته بما حدث لأخيه!!
مال على المصعد والدوار يحيطه، ولكنه تماسك ممتنًا لمحلول المسكنات والأدوية التي منحته بعض القدرة على المحاربة. وصل للطابق المنشود، وخرج يتبع خطى يوسف وآدهم يساندنه رافضًا أن يتركه مع محاولاته اللطيفة لسحب نفسه منه، إلا أنه رضخ له بالنهاية.
فتح يوسف الباب، وقبل أن يميل جانبًا ليسمح لعلي بالمرور بمساعدة آدهم، وقف بجسده يعيق مرورهما رغمًا عنه، من شدة صدمته، مما دفع علي ليدفعه برفقٍ، ليطل على عتبة باب الغرفة، فصعق حينما وجد أخيه يتمدد على أرضية الغرفة، متخذًا وضعية الجنين، ويبكي بانهيارٍ وصوتًا مسموعًا، بينما يحاول الطبيب واثنان من فريق التمريض وجمال مساعداته للنهوض!
تصنم جسد علي، واخترقه وجعًا لم يصبه حتى حينما ذيع خبر وفاة عُمران الكاذبة، شعر بثقل يجسم فوق جسده، وكأن عظامه تطحن بين حجارين يسوي جسده بينهما. وتلك المرة سمح لآدهم أن يساندنه، وببطء همس له:
"وصلني لعنده."
هز آدهم رأسه، وقد اشتد به البكاء، فأي قوة سيتحلى بها بين هذان الشقيقان!! وصل به للمحل الذي يتمدد به عُمران، فانتبه الطبيب ومن معه لوجوده، وإذا به يأمرهم بلطف:
"لو سمحتم سيبوني معاه شوية."
اعترض يوسف حديثه قائلًا:
"بس إنت لسه تعبان يا علي."
هتف بثبات وما زالت رماديتان تتركزان على أخيه:
"أنا كويس."
انسحب الطبيب الذي قال بفرحة:
"حمدلله على سلامتك يا دكتور علي."
منحه ابتسامة مجاملة لم تصل لمُقلتيه الباكية، وجل ما يتطلع له هو أخيه!
غادر الجميع الغرفة، ولم يتبقى سواهما، ومع غلق الباب بيد جمال الذي كان آخر من خرج، تهاوت دموع علي بغزارةٍ، ومال يرتكن على الحائط متأوهًا بصوت مسموعٍ، ولوجعه أن حبيب قلبه لم يستمع حتى إليه من شدة ما أصابه!
مال برأسه على الحائط يحاول أن يرتب أنفاسه، يعالج نفسه أولًا حتى يتمكن من معالجة أخيه؟!
حصل على بعض السكينة وأندمل وجع صدره قليلًا، فمال ببطء حتى جلس أرضًا، وأخذ يزحف حتى بات يجلس جوار رأس أخيه المدفون جوار ركبتيه!
أزاح دموعه وتنحنح ليستعيد طبيعته، ثم مد كفه يمرره على خصلات شعر عُمران، مناديًا بصوت قويًا:
"عُمــران!"
استقام رأسه لوضعه الصحيح، وببطء رفع وجهه صوب صوته المنادي، يتحقق من وجهه بدهشةٍ، وما زالت دموعه تنزف على خديه. تأمله لقليل من الوقت، ثم قال بصوته المحتقن:
"علي!!"
واعتدل بسرعة بجلسته، يميل صوبه، يتمسك به برعبٍ، يعاتبه ببكاء:
"كنت فين يا علي؟! إنت روحت فين وسبتني لوحدي، أنا كنت خايف أوي من غيرك، كانوا بيصرخوا وأنا خايف، أنا خايف من غيرك يا علي."
تخشب بجلسته لدرجة سحبت منه الكلمات، وتخلت عنه، لم يجد ما يقوله، وجل ما يقتحمه ألمًا كسر حطام قلبه المتبقي، ولكن ما تمكن من فعله هو ضمه لأخيه، متحملًا الألم الضاغط على صدره بعنفٍ، بينما يستمر عُمران بالشكوى له:
"أنا عارف إن بابا خلاص مات يا علي، بس إنت معايا ومش هتسبني صح؟"
اعتصر دمعاته وهي يميل للخلف، مستندًا برأسه على الحائط، بينما ينحني رأس عُمران ليغفو على ساقه، لقد علم الآن ما أصاب أخيه بالتحديد، فاستمر بتحريك أصابعه على خصلاته، وهو يخبره بصوته المتقطع:
"عمري ما هسيبك يا عُمران، أنا معاك وجنبك."
ابتسم وهو يتمسك بساقه، بينما يمرر علي يده على ظهر أخيه، كاتمًا بكائه بتحكمٍ تام، فعاد عُمران يشكو له:
"خليهم يبطلوا صريخ، أنا خايف من صوتهم."
مزق شفتيه من فرط حبسه للبُكاء، واستمد نفسًا يبصق به الكلمات:
"مشوا خلاص، مفيش حد هنا غيري، كلهم مشوا."
سحب عُمران ذراع علي يضمه من حوله وهو يستسلم للنوم، فأحاطه بذراعه الآخر، ودموعه تنهمر أكثر من السابق. سيصيبه الجنون حتمًا، لا يعلم كيف ومتى أصاب أخيه هكذا!! هل ألمه ما تعبه لتلك الدرجة التي تجعله يهوى بتلك الحالة الخطيرة التي يخوضها للمرة الأولى؟؟؟
مال علي برأسه فوق رأس أخيه يبكي بانهيارٍ، وهو يهمس بصوت محتقن:
"حقك عليا، أنا آسف!"
وجده يغفو وهو يرتكن على كف يده باطمئنانٍ، فعاد يمسد على خصلاته بحزن شديد، وهو يرتكن بظهره على الحائط.
مرت ثلاثون دقيقة، وولج آدهم للداخل ليطمئن عليهما، فاقترب يجلس على الفراش المقابل إليهما، يتطلع لعُمران بابتسامة صافية، فابتسم علي وما زال يمسد على خصلاته كالطفل الصغير، حتى شق الصمت صوت آدهم، حينما قال وما زال يتأمل عُمران:
"الشخصية الوحيدة اللي وقفت عاجز عن فهمها، رغم إني مُدرب على أعلى مستوى، وأهم جزء اتدربت عليه إني أفهم الشخصيات وأحلل ردود أفعالهم، وتقريبًا موقفش عليا شخصية صعبة إلا وحللت نصها على الأقل، إلا عُمران الوحيد اللي فشلت فيه فشل ذريع!"
اتسعت بسمة علي وقال بصوته الرخيم الهادئ:
"مفيش أطيب ولا أحن من قلبه، حتى لو بان قدامك بطابع القسوة، وبالرغم من أنه يبان مغرور وشايف نفسه، لكن حقيقته تختلف نهائي، عُمران من الآخر الشيء ونقيضه!"
شاركه آدهم الابتسامة، وقال بإعجاب صريح:
"كل جانب حلو جوه عُمران إنت اللي وراه يا علي."
وأضاف بحزنٍ نطقت به نبرته:
"إنت البوصلة اللي بيعتمد عليها عُمران يا علي!"
واستطرد وما زال يتطلع إليه:
"إنتوا الاتنين إدتوني درس النهاردة بعمري كله."
وجهه البشوش يمسك بابتسامته، وبكل محبة قال:
"تواضعك سابقك يا حضرة الضابط، اللي يُدرس بجد هي شجاعتك وتضحيتك بروحك عشان بلدك."
كاد أن يجيبه ويستهلك الحديث المحبب، ولكن هاتفه استوقفه برنين زوجته، رفع آدهم الهاتف وهو يتطلع لعلي بنظرة علم بها من المتصل، فحذره قائلًا:
"متقولهاش حاجة، ولا تعرف حد يا آدهم، أنا كويس وعُمران هيبقة كويس، محدش فيهم هيستحمل، كفايا اللي شافوه وعاشوه بغياب عُمران، كفايا وجع عليهم."
هز رأسه بتفهمٍ، ونهض إليه يطمئنه:
"مش هقولها حاجة، بس قوم معايا ريح على السرير، إنت لسه تعبان."
منحه ابتسامة جذابة، وما زال يمرر يده على خصلات عُمران الطويلة:
"أنا كويس، وبعدين إنتوا ليه محسسني إني عملت عملية وطالع منها!!"
وأضاف بنفس الابتسامة:
"إطلع كلم شمس وطمنها عليك."
هز رأسه في طاعة، وغادر الغرفة بهدوء، بينما استمر علي بالتطلع لأخيه، وقد تلاشت كل آلامه حينما وجده يسترخي بالنوم بانتظامٍ.
مد ساقيه على المقعد المقابل له بتعبٍ، لاحظه يوسف فتنحنح قائلًا:
"يابني قوم رايح جوه على السرير، بقالي ساعة بتحايل عليك، متبقاش عنيد."
رد عليه جمال بوجومٍ واختناق:
"أنا مستريح مكاني يا يوسف، شوية وهروح لعمران فمش مستاهلة أدخل جوه."
ضم شفتيه معًا بقلة حيلة، وعاد يقرب الصينية إليه:
"طيب كل أو إشرب أي حاجة، نشفت ريقي معاك."
زفر بعصبية، جعلته يدفع المقعد وينهض بانزعاج:
"مقولتلك مش عايز حاجة مصمم تنرفزني ليه يا يوسف، أديني سايبالك."
وتركه وغادر من الغرفة، فهز يوسف رأسه بقلة حيلة، هامسًا وهو يقضم قطعة من الشطيرة:
"ربنا كرمني باتنين أجن من بعض!"
غرد قرآن الفجر من سماعة صغيرة خصصت بالمسجد الصغير الذي أنشأه علي داخل المركز، ينطلق منه صوت آذان الفجر من الراديو الذي وضعه العامل جوار السماعات الصغيرة. انطلق يعلن عن صلاة الفجر، بصوت عذب تسلل لذاك الذي ما زال يغفو على ساق أخيه.
تحركت جفونه، وفجأة انتفض بمنامته بشكل فزع علي الذي بدأ يستجيب للنوم هو الآخر، فراقبه متسائلًا بقلقٍ:
"مالك يا عُمران؟"
ما زالت نظرات التيهة تحتل رماديتان، عكس ثبات لسانه الذي يردد:
"الصلاة، الآذان أذن، الصلاة!"
حاول علي أن يهدأه، ولكنه كان كالمذعور، تركه ونهض يردد مجددًا:
"الصلاة."
واستدار يتجه صوب الباب، وعلي يحاول الاستقامة بوقفته ليمنعه، يخشى خروجه وهو بتلك الحالة النفسية السيئة التي لم يفق منها بعد، مال علي صوب الحائط وهو يناديه:
"عُمران استنى!"
خرج من باب الغرفة يمضي صوب الدرج، وعلي يحاول تتبعه، ويناديه بقلقٍ:
"عُمــــــــران."
لم يصل لمسمع عُمران سوى صوت الأذان، ولسانه الذي يردد دون توقف:
"اتاخرت على المسجد!!"
كان جمال يهبط الدرج، فوجد عُمران يمضي لأسفل، وعلي يتحامل على الحائط بصعوبة، فقال له وهو يهرع خلف عُمران:
"ارتاح أنت يا علي، أنا هنزل معاه."
اطمئن علي وأشار له بامتنان، بينما اتجه هو لغرفة مكتبه بصعوبة، ليبدل ثياب المشفى، ويرتدي إحدى بذلاته.
تتبع عُمران صوت الآذان حتى وصل للمسجد الصغير، ولج للداخل يتجه للحمامات المخصصة، توضأ وخرج للمسجد، ومنه للصف الأول خلف الشاب الذي يقيم الصلاة، لحق به جمال بعد أن أتم وضوئه هو الآخر.
وقف جواره جانبًا وراقبه بنظرة حزينة، ازدادت عمقها حينما وجده لا يعرفه حقًا، وحينما بدأت الصلاة، خشع كلاهما لله الحي القيوم.
ركعتان كانت له خيرًا من الدنيا وما فيها، ركعتان كانت شفاء روحه المنهكة، وعالجت حالته النفسية بجدارة، وسرعة لم يحرزها طبيب معالج يومًا مضى ويومًا قادمًا، سلام نفسه لله كما يفعل دومًا.
اعتاد أن صلاته أهم شيئًا بحياته، حتى في تيهته وتدهور حالته فزع للصلاة فور سماع النداء، ومع سلامه يمينًا ويسارًا عاد يتلبس شخصه مجددًا!
جلس على السجادة يسبح ويقرأ بعض الآيات القصيرة، ثم استدار صوب جمال الذي لم يبقى سواه بالمسجد، حيثما جلس ينتظره، وأن ظل عمره بأكمله بالمسجد كان سيمضيه رفقته بصدر رحب.
تعلقت نظرات جمال به بارتباكٍ، يخشى أن يعود لتلك الفترة القاتلة التي لم يتعرف بها عليه، لن يحتمل خوض تلك التجربة مجددًا، يكفيه ما يعيشه منذ لحظة دخولهما للمركز.
ارتاح قلبه وتنفس بالحياة حينما ابتسم عُمران في وجهه، وقال بثباته الذي استعاده:
"كنت واثق إني لما هلف هلاقيك."
اتسعت ابتسامة جمال ودنى زاحفًا تجاهه، يضمه وهو يتمتم ببكاء:
"خد بالك لو جرالي حاجة هتكون أنت السبب."
ضمه بقوة ودموعه تتلألأ بعينيه، رافضة الهبوط:
"بعد الشر عليك يا عبحليم، ربنا يجعل يومي قبلكم كلكم."
وابتعد يقابله بابتسامة زرعها بصعوبة، ثم قال:
"أنا تعبتكم كلكم وأولكم نفسي، خلاص تعبت وعايز أرتاح يا جمال."
مسح على ساقه وقال:
"راحتك هتلاقيها مع اللي كانت روحك هتروح وراه."
ابتسم رغم انهمار دموعه، وتحشرجت أنفاسه بنطقه اسمه:
"علي."
هز رأسه مبتسمًا، وتابع بحنان:
"في مكتبه مع يوسف، اطلعله زمانه قلقان عليك."
أحنى رأسه بحرجٍ، وقال:
"مين المفروض يقلق على مين يا جمال؟"
دعمه حينما سانده بالنهوض، ودعمه قولًا:
"اطلع يا عُمران، اطلع وريح نفسك من كل التوتر اللي عايشه ده."
اتبعبه للخارج حتى وصل للمصعد، فتركه يصعد بمفرده، وغادر لمنزله حينما اطمئن قلبه عليه.
بينما بالاعلى.
انتهى علي وآدهم من صلاة الفجر، حيث كان يوسف يصلي بهما، وحينما انتهوا قدم يوسف لعلي الأدوية قائلًا:
"دي الادوية اللي الدكتور يحيى كتبهالك يا علي، انتظم عليهم عشان اللي حصلك ده ميتكررش تاني."
التقط منه الكيس البلاستيكي، وشكره بامتنان:
"شكرًا يا يوسف."
ورفع بصره صوب آدهم، ثم قال بحرج:
"أنا تعبتكم معايا، مهما قلت أو عملت مش هكفيكم آ.."
قاطعه آدهم بحزمٍ وضيق:
"أيه اللي بتقوله ده يا علي، إنت أو عُمران اتخيلتوا عن مين فينا عشان نتخلى إحنا!!"
لكزه يوسف وقال:
"قوم يا حضرة الظابط خلينا نروح، لحسن دكتور علي تقريبًا تأثير الادوية اشتغل قبل ما يأخدها."
وأضاف وهو يضع هاتفه بجيب سرواله:
"جمال طمني على عُمران، بيقول بقى كويس وطالع لعلي، خلينا نمشي ونسيبه للدكتور يظبطه، هو بردو مغرور ومش هيحب يتظبط قدامنا."
ضحك آدهم بصوته كله، وقال:
"هيحطنا في دماغه وهينتقم مننا، وأنا بالذات مصدقت أقف معاه في نص الرصيف، لا مني داخل معاه صدام ولا واصل لبر آمان، فأنا أول واحد هنط من مركب التأديب والتهذيب دي."
ورفع كفه لعلي يحمسه:
"الله يعينك يا دكتور، كل الدعم والتوفيق ليك بس من بعيد لبعيد."
ابتسم علي بينما مازحه يوسف ضاحكًا:
"بينا قبل ما نتأخد غدر في العركة دي."
قالها وسحب آدهم من الباب الداخلي لمكتب علي، فخرجوا معًا للمكتب المجاور ومنه للدرج الجانبي!
وقف يتطلع لباب المكتب بحرجٍ، لا يملك أي وجهًا يواجه بها أخيه، سحب أكثر من نفسًا، وزفره على مراحل حتى استعد أخيرًا، واتجه ليطرق الباب.
ابتسم علي وهو يراقبه من الحاسوب، وما أن تشجع وطرق الباب، حتى أغلقه، طل عُمران من خلف الباب، يتطلع له بنظراتٍ بريئة، لا تمت لشخصه الشرس بأي صلة، وولج يقدم قدمًا ويؤخر الأخرى، حتى جلس قبالته بصمتٍ، والاخر يستند على كفيه ويراقبه بنظراتٍ ثاقبة.
تنحنح الأخير متهربًا من لقائه، وردد بارتباكٍ مضحك:
"أنا... آآ... أنا.. آ..."
وعاد يلتزم بالصمت، وعلي يسيطر على ضحكته بصعوبة، بينما يجيد دوره بامتيازٍ، حتى عاد عُمران يردد بحزن:
"أنا آسف يا علي... آآ أوعدك مش هعمل كده تاني."
تحرر صوت علي الثابت بنظرة غامضة:
"أعتذارك عن أي فعل بالضبط؟"
رفع بصره تجاهه بحيرةٍ من حديثه، فواجهه علي بنبرة حادة:
"لو عددتلك غلطانك هتتكسف تقعد قدامي مش بس ترفع عينك في عيني، بس كل ده ميفرقليش أكتر من انك كسرت كلامي، ومشيت من غير ما حتى تفكر تبص وراك!"
وأضاف بغضب، جعل صوته يتحرر بعصبية:
"كل اللي فرقلك تعبي!!!"
عصبيته عصفت بصدره، فمال يضع قبضته على صدره، وهو يكبت تأويهاته، فهرع إليه يترك مقعده ويتجه إليه، يسأله بخوف:
"علي! حاسس بأيه، هنادي للدكتور."
قالها وهرول للخارج، ولكنه توقف حينما صرخ فيه علي:
"أقف مكانك."
وقف محله واستدار يواجهه، فانخفض وجه علي للمقعد، ففهم عمران مقصده وعاد لمحله من جديد، فاذا بعلي يتابع بعدما سحب نفسًا يمهد له هدوئه:
"أنا مش همنعك عن اللي في دماغك، لو عايز تسافر هسيبك تسافر بس في مشوار هتيجي معايا فيه الأول."
رد عمران دون أي تفكير:
"مش هسافر، أنا هفضل معاك ومش هعمل كده تاني."
ببسمة ساخرة أجابه:
"ما أنت كنت هتعملها من ورايا، فبعلمي أحسن ومتقلقش مش هيجرالي حاجة تانية خلاص."
تطلع إليه بحزن شديد، وقال باكيًا:
"أنا آسف."
تألم لأجله ونهض يتجه إليه، يقف على بعدٍ منه، وبصرامة قال:
"قوم أقف."
نهض يقف قبالته، يخطف النظرات إليه بحزن وترقب، حتى حرر علي كلماته:
"غرورك إنكسر وبقيت بتبكي قدامي في أي وقت، وبعدين مالك مش كنت واثق من قرارك وواقف قدامي بتواجهني بيه!"
خطف نظرة إليه، ثم سحبها أرضًا وهو يقول بصوتٍ متحشرج مكتوم:
"القرار اللي أخدته وكنت فاكره طوق نجاة، طلع شعلة نار، حرقتني قبل ما تطولك."
وتابع ببكاء وعينيه تتأمل صدر أخيه:
"أنت قلبك وقف بسببي يا علـــي!"
سقطت دموعه تأثرًا به، فجذبه إليه يضمه بقوةٍ، وكلاهما أعينهم تبكي بصمتٍ، حتى ردد علي بوجعٍ:
"موقفش غير من خوفي عليك، مش عارف هتقتنع إزاي إنك لما بتتخدش أنا اللي بنزف مش إنت، فازاي عايزني أتقبل إن حد يجلدك وأنا المفروض اقف وأسكت، وماليش للأسف أتكلم لإنك حاططني في موقف صعب."
انحنى يقبل يده وهو يهدر ببكاء:
"أنا آسف، حقك عليا."
سحبه لاحضانه مجددًا، وهو يقبل أعلى رأسه، فهتف عُمران ببكاء:
"إنت كنت عايز تتخلى عني وترجعني يتيم يا علي!"
ابتسم رغم دموع عينيه، وقال في محاولة ليضحكه:
"وحياتك أنت اللي كنت بتودع مش أنا."
ضحك بالفعل، فابتسم علي وقال:
"طلعت أدور عليك عشان اتسند على عضلاتك اللي بتتفشخر بيها في الجيم، لاقيتك رجعت لكيجي تو، وعايزني أنا اللي أشيلك، طب بذمتك أعملها ازاي دي!!"
وأضاف بجدية أسقطت عُمران ضحكًا:
"ده أنت أدي مرتين!! فاكر خلة السنان اللي كنت بتعايرني بيها، طلعت تناسبني فعلًا وشكلي كده هنزل معاك الجيم.. وتمتم بانزعاجٍ: محسبتهاش اللحظة دي أنا!"
تمايل من فرط الضحك وشاركه علي، وأصواتهما تمتزج مع دموعهما، حتى تمكن علي بالسيطرة على ذاته فقال بخشونة مصطنعة:
"بطل ضحك وخليني أعرف أعاقبك على المصيبة اللي عملتها."
وقف بثبات قبالته، وقال بجدية مصطنعة:
"تحت أمرك يا بابا علي، تحب أتعاقب ازاي وأنا من إيدك دي لإيدك دي."
منحه نظرة غامضة، وقال:
"مفاتيح عربيتك على مكتبي، هاتها وحصلني!"
حاولت فاطمة الوصول لزوجها ولكنها لم تتمكن، حتى مايا فعلت المحال لتتحدث مع عُمران ولكن هاتفه المغلق، جعلها تكاد أن تقتل قلقًا عليه، وما يزيد خوفها، عدم تمكن فاطمة من الوصول لزوجها هي الأخرى، فجلست كلتاهما تنتظر عودة علي.
صعد عُمران خلف علي على درج المسجد الكبير، الخاص ببعض مشايخ الأزهر الشريف، خلعوا الأحذية، وولجوا للداخل حيثما كان رجل كبير بانتظارهما من مشايخ الأزهر، صافح الشيخ علي بترحابٍ، وعلي بدوره أشار على أخيه قائلًا:
"ده أخويا اللي كلمت حضرتك عنه يا عم الشيخ."
تأمله الشيخ العجوز بابتسامة هادئة، وقال بصوته الطيب الذي شرح صدر عُمران له منذ أن رآه:
"سيماهم في وجوههم، ما شاء الله."
ابتسم علي وبداخله يدعو الله من صميم قلبه، أن يهتدي أخيه، للصواب، فقال لعمران، وهو يبتعد عنهما:
"هصلي ركعتين."
تركهما وابتعد، وقد فهم عُمران مغزى ما يفعله علي، ليترك محاولة الإقناع الأخيرة للشيخ، أشار الشيخ الفاضل، إليه بمحبة:
"اقعد يابني."
جلس متربعًا قبالته، يتطلع له باستسلامٍ، فقال مبتسمًا:
"شكلك مش حابب تسمع تمهيدات، وعايزني أدخل في الموضوع على طول، باين من بصاتك واستسلامك للي هقوله."
تنهد بوجعٍ، وقال:
"مش فكرة إني مستسلم للي حضرتك عايز تقوله، الفكرة أن في جوايا خوف أكون بشيل علي ذنب وقوفه ضدي في اللي عايز أعمله."
واستطرد بقلة حيلة، والحزن يموج برماديتان:
"أنا تايه ومبقتش عارف الصح من الغلط يا عم الشيخ."
ابتسم الشيخ البشوش، ومرر يده على سبحته العتيقة، بينما يحاوره بأروع ما امتلك:
"حيرتك واصرارك على تطبيق شرع الله ده في حد ذاته شرط من شروط قبول التوبة يابني. لو حيرتك في إن ربنا عز وجل ممكن يقبل توبتك بدون إقامة الحد، فأنا هريحك إن ربنا سبحانه وتعالى يتقبل التوبة إذا كانت صادقة واستوفت شروطها فإن الله يفتح باب الرحمة لمن تاب، وآمن وعمل صالحا حتى وإن وقع فى مثل هذا الذنب مؤكداً أن مغفرته تشمل الذنوب جميعًا ما عدا الشرك الأكبر. ومن أهم شروط التوبة، الندم والاقلاع عن الذنب والعزم على عدم العودة إلى هذا الذنب مرة أخرى وهناك أمور تعزز من قبول التوبة زي الاستغفار. قال تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوه وهم يعلمون) سورة آل عمران الآية ١٣٥. الصلاة ركعتان بنية التوبة عن الذنب. بسم الله الرحمن الرحيم. قال تعالى (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى) سورة طه. ٣-الأعمال الصالحة. وقال تعالى «والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا 'إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما' ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متابا» سورة الفرقان. ٤-الدعاء بخشوع بأن يغفر الله الذنب، ويتقبل توبتك. قال تعالى (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات) سورة الشورى. وقال تعالى (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر إليه يجد الله غفورا رحيما) سورة النساء."
وأضاف بنفس ابتسامته:
"يابني ربنا غفور رحيم، وعمره ما أغلق أبواب رحمته، ربنا سبحانه وتعالى سترك بفعلتك، فإنت مدام عقدت النية بعدم العودة للذنب ده متحاولش تهتك الستر ده عنك، شروط التوبة العزيمة والإرادة إنك مش هتعيد الغلطة دي تاني، قرب من ربنا وكن على يقين إنه هيغفرلك، ولو يأست افتكر قوله تعالى«قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله أن الله يغفر الذنوب جميعاً أنه هو الغفور الرحيم»."
ردد عُمران ودموعه تنسدل على وجهه:
"رضيت يا الله، وأسألك أن تعفو عني وتغفر لي ذنبي."
دقق الشيخ بوجهه، وقال يلفت انتباهه:
"أيه رأيك تعتكف معانا بالمسجد النهاردة."
رفع عينيه له متلهفًا بترديد حديثه:
"أعتكف؟"
هز رأسه مؤكدًا، وأوضح له:
"في مجموعة من الشباب بتيجي كل آخر شهر تعتكف هنا أربع أيام، أسبوع، اللي ربنا يقدرهم عليه، خليك معايا هما بيجوا على صلاة العشاء بإذن الله."
وأستكمل بابتسامة واسعة وهو يشير لمحل جلوس علي الذي عاد من الخارج، يحمل حقيبة عُمران الذي كان يتركها بالسيارة، فتطلع له عُمران باستغراب، فقال الشيخ:
"أخوك قالي إنك بتحب الشيخ أحمد عزب، والشيخ حازم شومان، وسبحان الله الاتنين بيجوا هنا على طول، فلما قولتله إني هعرض عليك تعتكف معانا رحب جدًا بالفكرة."
ابتسم عُمران في راحة، وخاصة حينما استطرد الشيخ:
"أخوك شكله بيحبك جدًا، ربنا يباركلك فيك ويخليكم لبعض يابني."
وتابع وهو ينهض عن الأرض:
"قوم ودع أخوك وهات شنطتك وتعالى."
منحه ابتسامة كبيرة، واتجه صوب علي بوجه مستنير، فقال علي وهو يرنو إليه بالحقيبة:
"عارف إنك مش هترفض الفرصة دي، فنزلت جبتلك شنطتك من العربية."
واستطرد بحب:
"كان نفسي اعتكف معاك، بس وجودي هيشتتك."
وتابع وابتسامته الجذابة ما زالت تحتل وجهه الرجولي:
"إنت محتاج الوقت ده، وصدقني لو لسه مصر على قرارك مش همنعك."
قال جملته الأخيرة وهو يقدم له جوازه باليد الأخرى، فسحب عُمران حقيبة ملابسه، وترك بين يدي أخيه هاتفه وجوازه رافضًا أخذهم منه، بل تلقفه بين أحضانه وقال بنبرة اجتمع فيها حب العالم بأكمله:
"أنا ربنا عوضني عن عيلتي كلها فيك يا علي، أنت أبويا وعمي وخالي وأخويا وعزوتي في الدنيا، ربنا ما يوريني فيك أي شيء وحش، والله مستكفي بيك عن كل حاجة ومش عايز غير وجودك جنبي."
وتابع ودموعه تنهمر على كتفه:
"سامحني أني دايمًا بكون سبب وجعك وألمك."
أبعده وأحاط وجهه بين يديه بقوة:
"إنت سبب سعادتي مش وجعي، أوعى تقول الكلام الأهبل ده تاني والا هعاقبك بجد المرادي، سامع!!"
منحه ابتسامة واسعة، فاستطرد علي وهو يودعه:
"أنا همشي، وعندي أمل إنك راجع قبل ولادة مايا، هدعيلك ربنا يطمن قلبك باللي تقطع بيه الماضي بوجعه اللي ملازمك للنهاردة."
وأضاف بعدما ابتعد عنه قليلًا:
"لو اشتاقتلك رنلي من تليفون أي حد، وخد بالك إنت مجبور ببر الوالدين."
تلميحه الأخير بأنه والده، جعل عُمران يبتسم بسعادة، ووقف يراقب أخيه وهو يغادر المسجد، واستدار تجاه الشيخ الذي يتأمله ببسمة بشوشة، فسحب عُمران نفسًا طويلًا، وقال بوجه مشرق:
"أنا جاهز يا عم الشيخ!"
....... يتبـــــــــــــع ....
رواية صرخات انثى الفصل 119 - بقلم ايه محمد رفعت
تلميحه الاخير بأنه والده، جعل عُمران يبتسم بسعادة، ووقف يراقب أخيه وهو يغادر المسجد، واستدار تجاه الشيخ الذي يتأمله ببسمة بشوشة، فسحب عُمران نفسًا طويلًا، وقال بوجه مشرق: _أنا جاهز يا عم الشيخ!
 
رواية صرخات انثى الفصل 120 - بقلم ايه محمد رفعت
ولج الفراش المتحرك للعمليات، ومن خلفه وقفا "جمال"، و"آدهم" بحزن وخوف يتشكلان على الوجوه، وقفوا يراقبان غرفة العمليات بتوترٍ.
استند "آدهم" على الحائط، يرتكن بجسده الثقيل عليه، ووقف "جمال" على الحائط المقابل له مهمومًا، ثم ما لبث ثوانٍ حتى مشط الطرقة بعينيه بدهشةٍ، تحررت بحديثه الذي انتبه له آدهم:
_عُمران!!
ارتاب آدهم حينما لم يعثر عليه، ظنه سيكون أول المتواجدين هنا، ولربما كان سيصر على الولوج مع أخيه، هرول كلاهما للخارج، يفتشان عنه بساحة الاستقبال الضخمة، ومدخل الطوارئ، لم يتركان زواية بالمركز دون البحث عنه، وبينما يبحث "آدهم" بمقاعد الاستقبال، وقع بصره على السيارة الموضوعة بالخارج، فنادى بحشرجة ألم أعتصرت حنجرته:
_جمال.
انتبه جمال لندائه، فهرول صوبه، وتطلع تجاه ما يتأمله، فاندهش حينما وجد عُمران مازال على نفس وضعية جلوسه بالسيارة، تحركوا معًا إليه، ناداه آدهم برعبٍ من جموده الغامض:
_عُمران!
تحركت رقبته تجاه النافذة، يتطلع له بجمود، فابتلع آدهم ريقه بتوترٍ من حالته:
_منزلتش معانا ليه؟
رمش بآلية تامة، ورد بلسانٍ ثقيل:
_أنزل فين؟
صعق كلاهما، ولم يستطيعان أن يترجموا حالته الغير مبشرة بالمرة، تحرك جمال يفتح الباب، ويسحب ذراعه بخفة، فانصاع له عُمران، الذي لم يكن من السهل أن يترك جسده القوي بهذا الارتخاء، حتى جمال نفسه ارتاب مما يحدث معه، فأحاطه بقوةٍ وولج به للداخل.
اتبعه عُمران والتيهة تستحوذ عليه، بشكلٍ جعل آدهم يخشى من حالته الغامضة تلك، وبينما كانوا بطريقهم لجناح الجراحة، توقف عُمران محله يتطلع صوب الاستقبال، حيثما كان يتجمع عدد من الناس، أتوا بحادث سير أصيب فيه شابًا من تلك العائلة، فانتشر البكاء، والصراخ، والذعر على الأوجه.
تجلد وهو يراقبهم، ووجهه يزداد إصفراره، وذراعه الظاهر من التيشرت الذي يشمره لمنتصف ذراعه، استطاع جمال أن يلتمس برودته التي تسربت له فجأة، فحاول سحبه بعيدًا عن تلك البقعة، ولكنه وجده يستعيد قوته، فبدى صلدًا، ثابتًا، لم ينجح أن يحركه أنشًا واحدًا، فقال ومازال يحاول:
_خلينا نمشي يا عُمران.
أبعد عُمران كف رفيقه عنه، وضاقت رماديتاه وهو يتابع المشهد بدقة، زرعت القلق أضعاف لإدهم، الذي حاول هو الاخر سحبه، وجذب انتباهه حينما قال:
_عُمران، تعالى يلا عشان نطمن على "علي"!
التقطت أذنيه إسم أخيه، فبدى كبقعة الضوء التي أنارت ظلمته، فاذا به يستدير تجاه آدهم، ويردد بنبرة غريبة:
_علـي!
ندائه بدى لهما كأنه تناسى أمره وفجأة ذكره به آدهم، ولكن ما حدث بعد ذلك كان كاللطمة السريعة لكلاهما، حينما هرع عمران بالطرقة ينادي بصوتٍ مرتفع باسم أخيه، فتح الغرف المصفوفة بالطابق الخاص بالعمليات، ومازال بناديه بفزعٍ ولهفة:
_علـــــــــــي!!
ركض" آدهم"و"جمال" خلفه، يحاولان منعه مما يفعله، ويقدمون الاعتذارات للاطباء والحالات التي كانت تخضع لعمليات نزع الاسنان، وتنظيف الأذن وغيرها من الاجراءات البسيطة التي خُصص لها غرف بداخل الجناح الرئيسي للجراحات.
تخطى "آدهم" "جمال" وبدأ بالتعامل مع "عُمران" بقوة وحزم، قيد جسده بتمكنٍ ، حينما توازى معه بقوته الذكورية، دفعه تجاه الأرائك المعدنية، وهو يصدر له أمرًا مباشرًا:
_بطل اللي بتعمله ده، علي جوه ويوسف معاه، شوية وهيخرج يطمنا، ولحد ما يطلع هتقعد هنا بهدوء، سامع!!
تهدل جسده تدريجيًا، حتى سقط عن المقعد المعدني، وانزوى أرضًا جواره، يضم نفسه في مظهر انتزع قلب جمال وآدهم، المتعجبان لأمره!
سيطرت الصدمة على آدهم، فجعلته يتخشب محله وهو لا يستوعب أن من أمامه هو الطاووس الوقح، ذاك الذي عهد عنه القوة والشموخ، بينما لم يحتمل جمال رؤيته هكذا، فهرع إليه وانحنى قبالته، يحاول إبعاد يديه التي يحجب بها أذنيه، كأنه يهاب سماع شيئًا غير مسموع لهما، أبعد يديه وناداه باكيًا:
_عُمران!!
تطلع له عُمران بغرابة، وكأنه لا يعرفه، وبعد قليل تجاهل وجوده وتطلع بعيدًا، يبحث عن وجهًا واحد لا يريد سواه، بينما يهمس بصوت منخفض، ولكنه مسموع لكلاهما:
_علي!
وعاد يضم أذنيه هاتفًا بما جعلهما يتبلدان في دهشة:
_قولهم يبطلوا عياط وصريخ، أنا مبحبش الاصوات دي!!!
******
ضغطات صدرية فعالة، ومحاولات مستميته لتوفير الأكسجين للرئتين، مع استخدام أدوات متخصصة مثل مزيل الرجفان، والتهوية الآلية لزيادة فرص النجاة، يُعدّ هذا الإجراء حاسمًا في الحفاظ على تدفق الدم الغني بالأكسجين إلى الدماغ، والأعضاء الحيوية، بينما يتم التحقق من غياب النبض، والتنفس لمدة 10 ثوانٍ، وتوقفت الامال مع قول الطبيب:
_المريض مش بيستجيب.
تدخل "يوسف" واستبدل موضع الطبيب، وضع كعب إحدى يديه على منتصف صدر"علي"، ووضع اليد الأخرى فوقها، ضغط بقوة وسرعة (100-120 ضغطة في الدقيقة) بعمق بوصتين تقريبًا، مع السماح للصدر بالارتفاع الكامل بين كل ضغطة والأخرى، وبعد 30 ضغطة، أعطى نفسين اصطناعيين عن طريق إمالة الرأس، ورفع الذقن ورفع الأنف، مع التأكد من ارتفاع الصدر مع كل نفس!
أسرع الطبيب المتخصص، يبعد يوسف عن علي، وقام بالاستعانة بجهاز مزيل الرجفان الآلي (AED)، لتوصيل صدمة كهربائية لإعادة ضربات القلب إلى طبيعتها، بوجود أنابيب
ستمر بتسلسل 30 ضغطة، فعلها مرتين متتاليتين، ومع الاخيرة، عادت نبضات القلب أخيرًا لموضعها الطبيعي، وعادت معه السكينة على وجوه الطاقم الطبي، الذي كادوا بالبكاء قلقًا على ذلك المدير العطوف ذو الخلق الرحيم.
انتزع يوسف نظارته وأزاح دمعاته العالقة بأهدابه. بينما يحصل على الراحة أخيرًا، فترك الاطباء يكملون عملهم وخرج ليطمئن رفيقه الذي مؤكدًا يجن جنونه على أخيه بالخارج.
******
ارتاب "آدهم" و"جمال"مما أصاب "عُمران"، تصرفاته نمت عن طفلًا صغيرًا، يخشى أصوات غير موجودة الا بخياله هو!
انتصب جمال بوقفته، يهرول صوب آدهم، يسأله بقلة حيلة، ودموعه تنهمر وجعًا على حبيب روحه وخليله:
_أعمل أيه يا آدهم، أطلب له دكتور؟
سحب بصره المندهش، تجاهه، وقال:
_مش عارف يا جمال، حاسس إنه مش في حالته الطبيعية، هكلم حد من الاستقبال وهاجي.
خطى خطوتين ولكنه توقف حينما انفتح الباب الرئيسي لغرف الجراحات الخطيرة، وظهر من خلفه" يوسف"، غير "آدهم" وجهته وسأله بلهفة وقلق:
_طمني يا يوسف، علي؟؟؟
منحه ابتسامة هادئة، يبث لكلاهما الأطمئان:
_حالته استقرت جدًا، الحمد لله.
وإتجه إلى "عُمران"، إنحنى قبالته، وابتسامته قد حجبها متصنعًا غضبه الشديد منه، ولكنه أراد أن يطمئنه، فهو يعلم ماذا يعني علي لعُمران، فقال بوجومٍ:
_علي كويس، وشوية وهيخرجوه لأوضة عادية، بس يا رب تكون هديت وعقلت، مع أني أشك في ده، إنت مش هترجع غير لما تخسر واحد فينا بسبب عمايلك دي!
تجعدت ملامح يوسف باستغرابٍ، من انحراف بصر عُمران تجاه الطرقة الخارجية، بعيدًا عن ناحية غرف العمليات، حتى أنه استدار يتطلع لما يتأمله، وحينما لم يجد شيئًا، عاد يتأمله بقلقٍ، وخاصة حينما لاحظ وضعية جلوسه، وهلع نظراته، تيهته المريبة، جعلته يجذب جانب وجهه بقوة، ليكن في مواجهة وجهه، بينما يناديه برعبٍ:
_عُمران!!!
دفع يد يوسف عن وجهه، ورفع يديه يعود ليغلق أذنيه، ولكنه مال تلك المرة على الارض بوضعية الجنين، صوته المبحوح يصيح بانهيارٍ:
_خلوهم يسكتوا، مبحبش صوت الصريخ..
وعاد يردد بتوسلٍ:
_علـــــي، خليهم يسكتوا يا علي، أنا خايـــــف!!
وأضاف وقد شح صوته وبات من شدة حشرجته كالهمسةٍ العابرة:
_أنت فين؟ أنا خايف!!!
فطر قلب جمال الذي سقط جواره أرضًا يبكي بصوتٍ مسموع، بينما سقط عن آدهم دموعًا، خطفها بإصبعه، واستعاد ثباته وهو يسأل يوسف المتخشب محله أرضًا:
_من ساعة ما دخلنا المركز وهو على الحالة دي، انا كنت رايح أجبله دكتور، مش عارف ماله؟؟
رفع يوسف بصره تجاه آدهم، وقال بمرارةٍ:
_ارتباط عُمران بعلي وصفه بيتلخص في الحالة اللي بقى عليها.
ونهض يشير لجمال الذي كان يتمدد جواره ويربت بحنان على ذراعيه المضمومة داخل ساقيه:
_سنده معايا يا جمال. هنطلعه فوق.
بكى جواره وفشل حتى بالسيطرة على اعصابه، فحلى آدهم محله، وعاون عُمران، فانتشله عن الأرض بقوة، اسنده بذراعيه ويوسف من الجانب الاخر، يجاهد ألا يتحرر صوت بكائه، ودموعه قد أغرقت وجهه.
وزع عُمران نظراته الحائرة بينهما بغرابة، وكأنه لا يعرف كلاهما، ولكنه يخطو جوارهما في طاعةٍ وخضوع، مروا بالطرقة الرخامية، واتجهوا لاحد المصاعد، تثاقل "عُمران" قبالة المصعد، ولم يقوى كلاهما على زحزحته من محله، واستدار للخلف يهتف بخوف:
_علـي!
وبصراخٍ عنيف ناداه:
_علـــــــــــي!!!!
اعتصر يوسف دموعه، وقال بهدوء حاول أن يتحلى به قدر المستطاع:
_علي بخير والله، وشوية وخارج.
أبعده عنه، وقال بتلعثم:
_أنت واخدني فين، أنا مش هروح معاكم ، أنا عايز علي!
تحرر صوت جمال عن مخضعه أخيرًا، فقال باكيًا ليوسف:
_عُمران ماله يا يوسف، انا حاسس إنه ميعرفناش!!!
تركه يوسف برفقتهما، وانسحب يسحب هاتفه، يهاتف أحد أطباء المركز، من تخصص الامراض النفسية والعصبية، يقص له بايجاز عن الحالة التي أصابت صديقه، فأخبره ماذا يتعين عليه فعله للصعود به للاعلى، حيث سيكون بانتظاره لاستقبال حالته بنفسه.
أغلق الهاتف وتنهد يخرج زفرة طويلة، اختنق صدره بها، والتفت يعود صوبهما مجددًا، حيثما يعاونه آدهم وجمال، فابعد جمال للخلف وحل محله، يمنحه ابتسامة قد بذل مجهودًا لرسمها، واتبع ما قاله الطبيب فورأن قال له:
_علي فوق يا عُمران، هطلعك ليه.
إنصاع له عُمران بهدوء غريب، واستقر جواره بالمصعد، وآدهم جواره من الطرف الاخر، بينما رفض جمال الصعود، وإتجه للخارج يختبئ من الأعين وينهار باكيًا، مترجيًا الله أن لا يصيب رفيقه سوءًا.
توقف المصعد بالطابق المخصص للطب النفسي بمركز «علي الغرباوي» ، ومضى آدهم يصطحبه برفقة يوسف حتى ولجوا معًا لاحدى الغرف، فوقف عُمران على عتبتها يشمل الغرفة بنظرات متفحصة، وحينما لم يجد أخيه صاح بخوف:
_فين علي؟!
أشار له يوسف، وهو يتجه للخروج من الغرفة:
_هجيبه وجاي، خليك معاه يا آدهم.
قالها بتحذير لذلك المندهش مما يحدث، لقد تبدل عُمران بشكلٍ جعلهم جميعًا بحالة من الصدمة والذهول.
بقى جواره يتطلع له بحزنٍ، حتى عاد يوسف يصطحب الطبيب، الذي أتجه على الفور يتفحص عُمران والاخر يتابع الجميع ببرود، ونظراته لا تفارق باب الغرفة، ينتظر رؤية علي!!
اخترق أوردته أبرة غليظة، لم يشعر بألم سنها الحاد وهو يخترق جلده، بل شعر ببرودة تسري داخل عروقه، ووجد ذاته يتشبث بذراع "آدهم" القريب له، فدعمه بلهفة وحبه منطوق بنظراته المرتعبة على ما أصابه، بل مال يسانده وهو يفقد وعيه على الوسادة تدريجيًا، ولسانه مازال ينادي أخيه بصوتٍ محتقن:
_علـي!
سقطت دموع آدهم وجعًا، لقد أنسته حالة عُمران علي تمامًا، ربما لأنه لم يسبق أن يراه بحالة الضعف هذة، بدى كالطفل الصغير الذي يبكي لفراق أبيه!! ، وقد مس قلوبهم جميعًا.
أزاح آدهم دموعه، واستقام بوقفته بثباتٍ، ينضم ليوسف الذي وقف يتابع حديث الطبيب بحزنٍ شديد، وخاصة حينما قال:
_أعتقد إن الحالة اللي هو فيها دي راجعه لخوفه وتعلقه الشديد بدكتور علي، أو جايز يكون سبق ليه إنه عاش حالة الفقد دي قبل كده، فخايف يعيشها تاني، وخاصة أنك بتقول يا دكتور يوسف أنه بيقول انه سامع أصوات صريخ وستات بتعيط، أعتقد أن مر بأزمة متعلقة بوفاة شخص قريب منه.
قطع آدهم حديثهما حينما قال:
_بس مفيش حالات وفاة حصلت لحد من عيلة عمران أو حتى من معارفه من فترة.
رد الطبيب وهو يزم شفتيه بحيرةٍ:
_مش عارف صراحة، أنا لو اتكلمت معاه هقدر أفهم منه، لكن في الوقت الراهن حالته صعبة ومش مؤهل لأي حديث بينا، بس اللي ممكن يساعدنا في الحالة دي لو وصلنا لاجابة سؤالي، هل سبق وعاش موقف مشابه زي ده؟
اقتحم صوت جمال مجلسهم بعدما استمع لحديث الطبيب فور دخوله:
_أيوه، عمران حكالي كتير عن الحالة اللي عاشها بعد وفاة والده، قالي إنه كان خايف ومرعوب من صوت صراخ الستات لانه مكنش متعود يشوف جنازات بالشكل ده في لندن، ووالده اتدفن هنا بمصر.
وأضاف ودموعه تنهمر على خديه:
_قالي إنه الشيء الوحيد اللي كان بيطمنه هو وجود علي جانبه، ويمكن من اللحظة دي كان هو أبوه واخوه وكل شيء بيمتلكه.
برزت الخطوط العريضة أمام الطبيب، فأشار ليوسف بعقلانية:
_كده كل شيء وضح يا دكتور يوسف، الحالة اللي فيها عُمران راجع للي حصل لدكتور علي، لانه بالنسباله الاب والسند، وفجأة لاقى نفسه بيعيش نفس التجربة من تاني، بس المرادي الشخص اللي هيفقده هو علي نفسه!
أسرع يوسف بطرح سؤاله:
_طيب والحل أيه يا مصطفى؟
رد وهو يربت على كتفه بحنان:
_متقلقش الوضع اللي هو فيه ده مؤقت، وهيزول كله بمجرد ما يشوف دكتور علي قدامه، وحتى لو استمر معاه فاطمن دكتور علي من أكفئ وأمهر دكاترة الطب النفسي، فهو أكتر حد هيقدر يساعده.
رد بمرارة اعتصرت حلقه:
_ربنا يقومه بالسلامة، هو كمان.
أتاهم صوت دقات باب الغرفة المفتوح، وإذا بالممرضة تهتف:
_دكتور علي فاق وطالب يشوفك يا دكتور.
هرول يوسف للخارج، ومن خلفه آدهم، بينما تبقى جمال جوار رفيقه، يلازمه بجلوسه على مقعدٍ قريب منه، وتعمد أن يتحدث إليه في محاولةٍ منه ليطمئنه بأن هناك أحدٌ جواره، فهو يعلم جيدًا أن عقله بتلك اللحظة رهين لحظات الماضٍ، التي عانى فيها طفل الخمسة أو السادسة أعوام!
******
أنفاسه تتثاقل والصورة تهتز من أمامه، يحاول قدر المستطاع السيطرة على ضربات قلبه التي تشبه دفوف حربًا على وشك أن تنتهي، أعاد غلق عينيه بارهاقٍ، واسترخى بمنامته، حتى فُتح باب غرفته، ففتح عينيه يراقب الزائر بلهفة.
ارتسمت بسمة واسعة على وجه "آدهم"، فأسرع إليه يهتف بسعادة:
_حمد لله على سلامتك يا علي.
نزع قناع الاكسجين عنه، وهمس بصوتٍ متحشرج:
_عُمران؟
طبطب على كفه الممدود وقال:
_مسافرش اطمن.
انتقل بصر" علي" لباب الغرفة، ينتظر أن يرى أخيه، ولكن خاب أمله حينما ولج " يوسف"، يتلهف للاطمئنان عليه:
_علي، ألف مليون حمدلله على سلامتك.
منحه ابتسامة هادئة واجابه:
_الله يسلمك يا يوسف.
وحاول النهوض، فعاونه آدهم للاستناد على حافة الفراش، بينما يحذره يوسف:
_ارتاح يا علي، اللي بتعمله ده غلط، أنت لسه دايخ.
مال برقبته للوسادة من خلفه، وقال بصبرٍ لطالما تحلى به:
_أنا الحمدلله بخير يا يوسف.
وعاد يتفرس باب الغرفة، ثم تمتم بضيق:
_روح قوله يدخل، أنا عارف إنه مش قادر يواجهني.
توترت ملامح يوسف وآدهم بشكلٍ ملحوظ، وفشل كلاهما بالوصول لما سيقال هنا، بالرغم من استقرار حالة "علي" بشكلٍ ممتاز، ولكنهما يخشيان أن تنتكس حالته بمجرد علمه بما أصاب أخيه.
خفق قلب علي ببطءٍ قاتل، وجل ما يعتريه أن يجن أخيه ويفعل بنفسه شيئًا، لم يحتاج لكلمة من عمران توحي له بمدى حبه الشديد إليه، حبه ومكانته ترجمتها نظراته، أفعاله، تعلقه الشديد به، الاختصار يكمن بمعرفة علي بمدى تعلق وحب عُمران الشديد له، فاذا به يبتلع بصعوبةٍ، وهو يبصق سؤاله بحروفٍ مرتعشة:
_عُمران فين؟!
تمسك آدهم بكتفه، في محاولة لدفعه للوسادة مجددًا:
_ارتاح يا علي، عُمران هنا وبخير، اطمن.
انقباضة قلبه جعلته يواجه آدهم بنظرة ثاقبة، وقولًا واحدًا يتردد على لسانه:
_أخويا مش بخير، عُمران ماله يا آدهم؟!
ذُهل آدهم واندهش من علاقتهما الغريبة ببعضهما، بينما هتف يوسف بهدوء:
_مفيش يا علي هو من قلقه عليك تعب شوية، مصطفى إداله مهدئ، وبقى أحسن الحمد لله.
صعق علي من سماع ما قال، لدرجة جعلته يردد بدهشة كأنه يتذوق معنى الكلمة:
_مهدئ!
أطاح بالغطاء أرضًا، ونهض يضم صدره بوجعٍ احتبسه كله داخله، رفض الانصياع لادهم وليوسف، وإتجه بخطوات بطيئة متعبة للمصعد، ورافقه كلاهما بعد أن فشلا باقناعه.
لم يكن علي بالرجل الذي يستسلم لتعبه، ويمضي خاضعًا لمرضه بفراشه، حتى وان أصابه ساهمًا سيتركه بجسده وسيمضي به حتى وإن كان ألمه لا يحتمل، ناهيك عن معرفته بما حدث لاخيه!!
مال على المصعد والدوار يحيطه، ولكنه تماسك ممتنًا لمحلول المسكنات والأدوية التي منحته بعض القدرة على المحاربة، وصل للطابق المنشود، وخرج خطى يوسف وآدهم يسانده رافضًا أن يتركه مع محاولاته اللطيفة لسحب نفسه منه، الا أنه رضخ له بالنهاية.
فتح "يوسف" الباب، وقبل أن يميل جانبًا ليسمح لعلي بالمرور بمساعدة آدهم، وقف بجسده يعيق مرورهما رغمًا عنه، من شدة صدمته، مما دفع علي ليدفعه برفقٍ، ليطل على عتبة باب الغرفة، فصعق حينما وجد أخيه يتمدد على أرضية الغرفة، متخذًا وضعية الجنين، ويبكي بانهيارٍ وصوتًا مسموعًا، بينما يحاول الطبيب واثنان من فريق التمريض و"جمال" مساعداته للنهوض!
تصنم جسد "علي"، واخترقه وجعًا لم يصيبه حتى حينما ذيع خبر وفاة عُمران الكاذبة، شعر بثقل يجسم فوق جسده، وكأن عظامه تطحن بين حجارين يسوي جسده بينهما، وتلك المرة سمح لادهم أن يسانده، وببطء همس له:
_وصلني لعنده.
هز آدهم رأسه، وقد اشتد به البكاء، فأي قوة سيتحلى بها بين هذان الشقيقان!! ، وصل به للمحل الذي يتمدد به عُمران، فانتبه الطبيب ومن معه لوجوده، واذا به يأمرهم بلطف:
_لو سمحتم سبيوني معاه شوية.
اعترض يوسف حديثه قائلًا:
_بس إنت لسه تعبان يا علي.
هتف بثبات ومازالت رماديتاه تتركزان على أخيه:
_أنا كويس.
انسحب الطبيب الذي قال بفرحة:
_حمدلله على سلامتك يا دكتور علي.
منحه ابتسامة مجاملة لم تصل لمُقلتيه الباكية، وجل ما يتطلع له هو أخيه!
غادر الجميع الغرفة، ولم يتبقى سواهما، ومع غلق الباب بيد جمال الذي كان أخر من خرج، تهاوت دموع علي بغزارةٍ، ومال يرتكن على الحائط متأوهًا بصوتٍ مسموعٍ، ولوجعه أن حبيب قلبه لم يستمع حتى إليه من شدة ما أصابه!
مال برأسه على الحائط يحاول أن يرتب أنفاسه، يعالج نفسه أولًا حتى يتمكن من معالجة أخيه؟!
حصل على بعض السكينة وأندمل وجع صدره قليلًا، فمال ببطء حتى جلس أرضًا، وأخذ يزحف حتى بات يجلس جوار رأس أخيه المدفون جوار ركبتيه!
أزاح دموعه وتنحنح ليستعيد طبيعته، ثم مد كفه يمرره على خصلات شعر "عُمران"، مناديًا بصوتٍ قويًا:
_عُمــران!
استقام رأسه لوضعه الصحيح، وببطء رفع وجهه صوب صوته المنادي، يتحقق من وجهه بدهشةٍ، ومازالت دموعه تنزف على خديه، تأمله لقليل من الوقت، ثم قال بصوته المحتقن:
_علي!!
واعتدل بسرعة بجلسته، يميل صوبه، يتمسك به برعبٍ، يعاتبه ببكاء:
_كنت فين يا علي؟؟! إنت روحت فين وسبتني لوحدي، أنا كنت خايف أوي من غيرك، كانوا بيصرخوا وأنا خايف، أنا خايف من غيرك يا علي.
تخشب بجلسته لدرجة سحبت منه الكلمات، وتخلت عنه، لم يجد ما يقوله، وجل ما يقتحمه ألمًا كسر حطام قلبه المتبقي، ولكن ما تمكن من فعله هو ضمه لاخيه، متحملًا الألم الضاغط على صدره بعنفٍ، بينما يستمر عُمران بالشكوى له:
_أنا عارف إن بابا خلاص مات يا علي، بس إنت معايا ومش هتسبني صح؟
اعتصر دمعاته وهي يميل للخلف، مستندًا برأسه على الحائط، بينما ينحني رأس عُمران ليغفو على ساقه، لقد علم الإن ما اصاب أخيه بالتحديد، فاستمر بتحريك أصابعه على خصلاته، وهو يخبره بصوته المتقطع:
_عمري ما هسيبك يا عُمران، أنا معاك وجنبك.
ابتسم وهو يتمسك بساقه، بينما يمرر علي يده على ظهر أخيه، كاتمًا بكائه بتحكمٍ تام، فعاد عُمران يشكو له:
_خليهم يبطلوا صريخ، أنا خايف من صوتهم.
مزق شفتيه من فرط حبسه للبكاء، واستمد نفسًا يبصق به الكلمات:
_مشوا خلاص، مفيش حد هنا غيري، كلهم مشوا.
سحب عُمران ذراع علي يضمه من حوله وهو يستسلم للنوم، فأحاطه بذراعه الأخر، ودموعه تنهمر أكثر من السابق، سيصيبه الجنون حتمًا، لا يعلم كيف ومتى أصاب أخيه هكذا!! ، هل ألمه ما تعبه لتلك الدرجة التي تجعله يهوى بتلك الحالة الخطيرة التي يخوضها للمرة الاولى؟؟؟
مال "علي" برأسه فوق رأس أخيه يبكي بانهيارٍ، وهو يهمس بصوتٍ محتقن:
_حقك عليا، أنا آسف!
وجده يغفو وهو يرتكن على كف يده باطمئنانٍ، فعاد يمسد على خصلاته بحزنٍ شديد، وهو يرتكن بظهره على الحائط.
مرت ثلاثون دقيقة، وولج آدهم للداخل ليطمئن عليهما، فاقترب يجلس على الفراش المقابل إليهما، يتطلع لعُمران بابتسامة صافية، فابتسم علي ومازال يمسد على خصلاته كالطفل الصغير، حتى شق الصمت صوت آدهم، حينما قال ومازال يتأمل عُمران:
_الشخصية الوحيدة اللي وقفت عاجز عن فهمها، رغم إني مُدرب على أعلى مستوى، وأهم جزء اتدربت عليه إني أفهم الشخصيات وأحلل ردود أفعالهم، وتقريبًا موقفش عليا شخصية صعبة الا وحللت نصها على الأقل، الا عُمران الوحيد اللي فشلت فيه فشل ذريع!
اتسعت بسمة "علي" وقال بصوته الرخيم الهادئ:
_مفيش أطيب ولا أحن من قلبه، حتى لو بان قدامك بطابع القسوة، وبالرغم من أنه يبان مغرور وشايف نفسه، لكن حقيقته تختلف نهائي، عُمران من الأخر الشيء ونقيضه!
شاركه "آدهم" الابتسامة، وقال باعجاب صريح:
_كل جانب حلو جوه عُمران إنت اللي وراه يا علي.
وأضاف بحزنٍ نطقت به نبرته:
_إنت البوصلة اللي بيعتمد عليها عُمران يا علي!
واستطرد ومازال يتطلع إليه:
_إنتوا الاتنين إدتوني درس النهاردة بعمري كله.
وجهه البشوش يمسك بابتسامته، وبكل محبة قال:
_تواضعك سابقك يا حضرة الظابط، اللي يُدرس بجد هي شجاعتك وتضحيتك بروحك عشان بلدك.
كاد أن يجيبه ويستهلك الحديث المحبب، ولكن هاتفه استوقفه برنين زوجته، رفع آدهم الهاتف وهو يتطلع لعلي بنظرة علم بها من المتصل، فحذره قائلًا:
_متقولهاش حاجة، ولا تعرف حد يا آدهم، أنا كويس وعُمران هيبقة كويس، محدش فيهم هيستحمل، كفايا اللي شافوه وعاشوه بغياب عُمران، كفايا وجع عليهم.
هز رأسه بتفهمٍ، ونهض إليه يطمئنه:
_مش هقولها حاجة، بس قوم معايا ريح على السرير، إنت لسه تعبان.
منحه ابتسامة جذابة، ومازال يمرر يده على خصلات عُمران الطويلة:
_أنا كويس، وبعدين إنتوا ليه محسسني إني عملت عملية وطالع منها!!
وأضاف بنفس الابتسامة:
_إطلع كلم شمس وطمنها عليك.
هز رأسه في طاعة، وغادر الغرفة بهدوء، بينما استمر علي بالتطلع لاخيه، وقد تلاشت كل آلامه حينما وجده يسترخي بالنوم بانتظامٍ
*******
مدد ساقيه على المقعد المقابل له بتعبٍ، لاحظه "يوسف" فتنحنح قائلًا:
_يابني قوم رايح جوه على السرير، بقالي ساعه بتحايل عليك، متبقاش عنيد.
رد عليه جمال بوجومٍ واختناق:
_أنا مستريح مكاني يا يوسف، شوية وهروح لعمران فمش مستاهلة أدخل جوه.
ضم شفتيه معًا بقلة حيلة، وعاد يقرب الصينية إليه:
_طيب كل أو إشرب أي حاجة، نشفت ريقي معاك.
زفر بعصبية، جعلته يدفع المقعد وينهض بانزعاج:
_مقولتلك مش عايز حاجة مصمم تنرفزني ليه يا يوسف، أديني سايبهالك.
وتركه وغادر من الغرفة، فهز يوسف رأسه بقلة حيلة، هامسًا وهو يقضم قطعة من الشطيرة:
_ربنا كرمني باتنين أجن من بعض!
******
غرد قرآن الفجر من سماعة صغيرة خُصصت بالمسجد الصغير الذي أنشأه "علي" داخل المركز، ينطلق منه صوت آذان الفجر من الراديو الذي وضعه العامل جوار السماعات الصغيرة، انطلق يعلن عن صلاة الفجر، بصوتٍ عذبٍ تسلل لذاك الذي مازال يغفو على ساق أخيه.
تحركت جفونه، وفجأة انتفض بمنامته بشكلٍ فزع علي الذي بدأ يستجيب للنوم هو الآخر، فراقبه متسائلًا بقلقٍ:
_مالك يا عُمران؟
مازالت نظرات التيهة تحتل رماديتاه، عكس ثبات لسانه الذي يردد:
_الصلاة، الآذان أذن، الصلاة!
حاول علي أن يهدأه، ولكنه كان كالمذعور، تركه ونهض يردد مجددًا:
_الصلاة.
واستدار يتجه صوب الباب، وعلي يحاول الاستقامة بوقفته ليمنعه، يخشى خروجه وهو بتلك الحالة النفسية السيئة التي لم يفق منها بعد، مال علي صوب الحائط وهو يناديه:
_عُمران استنى!
خرج من باب الغرفة يمضي صوب الدرج، وعلي يحاول تتبعه، ويناديه بقلقٍ:
_عُمــــــــران.
لم يصل لمسمع عُمران سوى صوت الاذان، ولسانه الذي يردد دون توقف:
_اتاخرت على المسجد!!
كان جمال يهبط الدرج، فوجد عُمران يمضي للاسفل، وعلي يتحامل على الحائط بصعوبة، فقال له وهو يهرع خلف عُمران:
_ارتاح أنت يا علي، أنا هنزل معاه.
اطمئن علي وأشار له بامتنان، بينما أتجه هو لغرفة مكتبه بصعوبة، ليبدل ثياب المشفى، ويرتدى إحدى بذلاته.
*******
تتبع عُمران صوت الآذان حتى وصل للمسجد الصغير، ولج للداخل يتجه للحمامات المخصصة، توضئ وخرج للمسجد، ومنه للصف الأول خلف الشاب الذي يقيم الصلاة، لحق به جمال بعد أن أتم وضوئه هو الاخر.
وقف جواره جانبًا وراقبه بنظرة حزينة، ازدادت عمقها حينما وجده لا يعرفه حقًا، وحينما بدأت الصلاة، خشع كلاهما لله الحي القيوم.
ركعتان كانت له خيرًا من الدنيا وما فيها، ركعتان كانت شفاء روحه المنهكة، وعالجت حالته النفسية بجدارة، وسرعة لم يحرزها طبيبًا معالجًا يومًا مضى ويومًا قادمًا، سلام نفسه لله كما يفعل دومًا.
اعتاد أن صلاته أهم شيئًا بحياته، حتى في تيهته وتدهور حالته فزع للصلاة فور سماع النداء، ومع سلامه يمينًا ويسارًا عاد يتلبس شخصه مجددًا!
جلس على السجادة يسبح ويقرأ بعض الايات القصيرة، ثم استدار صوب جمال الذي لم يبقى سواه بالمسجد، حيثما جلس ينتظره، وأن ظل عمره بأكمله بالمسجد كان سيمضيه رفقته بصدرٍ رحب.
تعلقت نظرات جمال به بارتباكٍ، يخشى أن يعود لتلك الفترة القاتلة التي لم يتعرف بها عليه، لن يحتمل خوض تلك التجربة مجددًا، يكفيه ما يعيشه منذ لحظة دخولهما للمركز.
ارتاح قلبه وتنفس بالحياة حينما ابتسم عُمران في وجهه، وقال بثباته الذي استعاده:
_كنت واثق إني لما هلف هلاقيك.
اتسعت ابتسامة جمال ودنى زاحفًا تجاهه، يضمه وهو يتمتم ببكاء:
_خد بالك لو جرالي حاجه هتكون أنت السبب.
ضمه بقوة ودموعه تتلألأ بعينيه، رافضة الهبوط:
_بعد الشر عليك يا عبحليم، ربنا يجعل يومي قبلكم كلكم.
وابتعد يقابله بابتسامة زرعها بصعوبة، ثم قال:
_أنا تعبتكم كلكم وأولكم نفسي، خلاص تعبت وعايز أرتاح يا جمال.
مسح على ساقه وقال:
_راحتك هتلاقيها مع اللي كانت روحك هتروح وراه.
ابتسم رغم انهمار دموعه، وتحشرجت أنفاسه بنطقه إسمه:
_علي.
هز رأسه مبتسمًا، وتابع بحنان:
_في مكتبه مع يوسف، اطلعله زمانه قلقان عليك.
أحنى رأسه بحرجٍ، وقال:
_مين المفروض يقلق على مين يا جمال؟
دعمه حينما سانده بالنهوض، ودعمه قولًا:
_اطلع يا عُمران، اطلع وريح نفسك من كل التوتر اللي عايشه ده.
اتبعه للخارج حتى وصل للمصعد، فتركه يصعد بمفرده، وغادر لمنزله حينما اطمئن قلبه عليه.
بينما بالاعلى.
انتهى علي وآدهم من صلاة الفجر، حيث كان يوسف يصلي بهما، وحينما انتهوا قدم يوسف لعلي الادوية قائلًا:
_دي الادوية اللي الدكتور يحيى كتباهالك يا علي، انتظم عليهم عشان اللي حصلك ده ميتكررش تاني.
التقط منه الكيس البلاستيكي، وشكره بامتنان:
_شكرًا يا يوسف.
ورفع بصره صوب آدهم، ثم قال بحرج:
_أنا تعبتكم معايا، مهما قلت أو عملت مش هكفيكم آ..
قاطعه آدهم بحزمٍ وضيق:
_أيه اللي بتقوله ده يا علي، إنت أو عُمران اتخيلتوا عن مين فينا عشان نتخلى إحنا!!
لكزه يوسف وقال:
_قوم يا حضرة الظابط خلينا نروح، لحسن دكتور علي تقريبًا تأثير الادوية اشتغل قبل ما يأخدها.
واضاف وهو يضع هاتفه بجيب سرواله:
_جمال طمني على عُمران، بيقول بقى كويس وطالع لعلي، خلينا نمشي ونسيبه للدكتور يظبطه، هو بردو مغرور ومش هيحب يتظبط قدامنا.
ضحك آدهم بصوته كله، وقال:
_هيحطنا في دماغه وهينتقم مننا، وأنا بالذات مصدقت أقف معاه في نص الرصيف، لا مني داخل معاه صدام ولا واصل لبر آمان، فأنا أول واحد هنط من مركب التأديب والتهذيب دي.
ورفع كفه لعلي يحمسه:
_الله يعينك يا دكتور، كل الدعم والتوفيق ليك بس من بعيد لبعيد.
ابتسم علي بينما مازحه يوسف ضاحكًا:
_بينا قبل ما نتأخد غدر في العركة دي.
قالها وسحب آدهم من الباب الداخلي لمكتب علي، فخرجوا معًا للمكتب المجاور ومنه للدرج الجانبي!
******
وقف يتطلع لباب المكتب بحرجٍ، لا يملك أي وجهًا يواجه بها أخيه، سحب أكثر من نفسًا، وزفره على مراحل حتى إستعد أخيرًا، وإتجه ليطرق الباب.
ابتسم "علي" وهو يراقبه من الحاسوب، وما أن تشجع وطرق الباب، حتى أغلقه، طل عُمران من خلف الباب، يتطلع له بنظراتٍ بريئة، لا تمت لشخصه الشرس بأي صلة، وولج يقدم قدمًا ويؤخر الأخرى، حتى جلس قبالته بصمتٍ، والاخر يستند على كفيه ويراقبه بنظراتٍ ثاقبة.
تنحنح الاخير متهربًا من لقائه، وردد بارتباكٍ مضحك:
_أنا... آآ... أنا.. آ...
وعاد يلتزم بالصمت، وعلي يسيطر على ضحكته بصعوبة، بينما يجيد دوره بامتيازٍ، حتى عاد عُمران يردد بحزن:
_أنا آسف يا علي... آآ أوعدك مش هعمل كده تاني.
تحرر صوت علي الثابت بنظرة غامضة:
_أعتذارك عن أي فعل بالظبط؟
رفع بصره تجاهه بحيرةٍ من حديثه، فواجهه علي بنبرة حادة:
_لو عددتلك غلطانك هتتكسف تقعد قدامي مش بس ترفع عينك في عيني، بس كل ده ميفرقليش أكتر من انك كسرت كلامي، ومشيت من غير ما حتى تفكر تبص وراك!
وأضاف بغضب، جعل صوته يتحرر بعصبية:
_كل اللي فرقلك تعبي!!!
عصبيته عصفت بصدره، فمال يضع قبضته على صدره، وهو يكبت تأويهاته، فهرع إليه يترك مقعده ويتجه إليه، يسأله بخوف:
_علي! حاسس بأيه، هنادي للدكتور.
قالها وهرول للخارج، ولكنه توقف حينما صرخ فيه علي:
_أقف مكانك.
وقف محله واستدار يواجهه، فانخفض وجه علي للمقعد، ففهم عمران مقصده وعاد لمحله من جديد، فاذا بعلي يتابع بعدما سحب نفسًا يمهد له هدوئه:
_أنا مش همنعك عن اللي في دماغك، لو عايز تسافر هسيبك تسافر بس في مشوار هتيجي معايا فيه الاول.
رد عمران دون أي تفكير:
_مش هسافر، أنا هفضل معاك ومش هعمل كده تاني.
ببسمة ساخرة أجابه:
_ما أنت كنت هتعملها من ورايا، فبعلمي أحسن ومتقلقش مش هيجرالي حاجة تانية خلاص.
تطلع إليه بحزنٍ شديد، وقال باكيًا:
_أنا آسف.
تألم لأجله ونهض يتجه إليه، يقف على بعدٍ منه، وبصرامة قال:
_قوم أقف.
نهض يقف قبالته، يخطف النظرات إليه بحزن وترقب، حتى حرر علي كلماته:
_غرورك إنكسر وبقيت بتبكي قدامي في أي وقت، وبعدين مالك مش كنت واثق من قرارك وواقف قدامي بتواجهني بيه!
خطف نظرة إليه، ثم سحبها أرضًا وهو يقول بصوتٍ متحشرج مكتوم:
_القرار اللي أخدته وكنت فاكره طوق نجاة، طلع شعلة نار، حرقتني قبل ما تطولك.
وتابع ببكاء وعينيه تتأمل صدر أخيه:
_أنت قلبك وقف بسببي يا علـــي!
سقطت دموعه تأثرًا به، فجذبه إليه يضمه بقوةٍ، وكلاهما أعينهم تبكي بصمتٍ، حتى ردد علي بوجعٍ:
_موقفش غير من خوفي عليك، مش عارف هتقتنع إزاي إنك لما بتتخدش أنا اللي بنزف مش إنت، فازاي عايزني أتقبل إن حد يجلدك وأنا المفروض اقف وأسكت، وماليش للاسف أتكلم لإنك حاططني في موقف صعب.
إنحنى يقبل يده وهو يهدر ببكاء:
_أنا آسف، حقك عليا.
سحبه لاحضانه مجددًا، وهو يقبل أعلى رأسه، فهتف عُمران ببكاء:
_إنت كنت عايز تتخلى عني وترجعني يتيم يا علي!
ابتسم رغم دموع عينيه، وقال في محاولة ليضحكه:
_وحياتك أنت اللي كنت بتودع مش أنا.
ضحك بالفعل، فابتسم علي وقال:
_طلعت أدور عليك عشان اتسند على عضلاتك اللي بتتفشخر بيها في الجيم، لاقيتك رجعت لكيجي تو، وعايزني أنا اللي أشيلك، طب بذمتك أعملها ازاي دي!!
وأضاف بجدية أسقطت عُمران ضحكًا:
_ده أنت أدي مرتين!! فاكر خلة السنان اللي كنت بتعايرني بيها، طلعت تناسبني فعلًا وشكلي كده هنزل معاك الجيم..
وتمتم بانزعاجٍ:
_ محسبتهاش اللحظة دي أنا!
تمايل من فرط الضحك وشاركه علي، وأصواتهما تمتزج مع دموعهما، حتى تمكن علي بالسيطرة على ذاته فقال بخشونة مصطنعة:
_بطل ضحك وخليني أعرف أعاقبك على المصيبة اللي عملتها.
وقف بثبات قبالته، وقال بجدية مصطنعة:
_تحت أمرك يا بابا علي، تحب أتعاقب ازاي وأنا من إيدك دي لايدك دي.
منحه نظرة غامضة، وقال:
_مفاتيح عربيتك على مكتبي، هاتها وحصلني!
*****
حاولت فاطمة الوصول لزوجها ولكنها لم تتمكن، حتى مايا فعلت المحال لتتحدث مع عُمران ولكن هاتفه المغلق، جعلها تكاد أن تقتل قلقًا عليه، وما يزيد خوفها، عدم تمكن فاطمة من الوصول لزوجها هي الاخرى، فجلست كلتاهما تنتظر عودة علي.
*****
صعد "عُمران" خلف "علي" على درج المسجد الكبير، الخاص ببعض مشايخ الأزهر الشريف، خلعوا الاحذية، وولجوا للداخل حيثما كان رجلٍ كبير بانتظارهما من مشايخ الازهر، صافح الشيخ "علي" بترحابٍ، وعلي بدوره أشار على أخيه قائلًا:
_ده أخويا اللي كلمت حضرتك عنه يا عم الشيخ.
تأمله الشيخ العجوز بابتسامة هادئة، وقال بصوته الطيب الذي شرح صدر عُمران له منذ أن رأه:
_سيماهم في وجوههم، ما شاء الله.
ابتسم "علي" وبداخله يدعو الله من صمام قلبه، أن يهتدي أخيه، للصواب، فقال لعمران، وهو يبتعد عنهما:
_هصلي ركعتين.
تركهما وابتعد، وقد فهم عُمران مغزى ما يفعله علي، ليترك محاولة الاقناع الاخيرة للشيخ، أشار الشيخ الفاضل، إليه بمحبة:
_اقعد يابني.
جلس متربعًا قبالته، يتطلع له باستسلامٍ، فقال مبتسمًا:
_شكلك مش حابب تسمع تمهيدات، وعايزني أدخل في الموضوع على طول، باين من بصاتك واستسلامك للي هقوله.
تنهد بوجعٍ، وقال:
_مش فكرة إني مستسلم للي حضرتك عايز تقوله، الفكرة أن في جوايا خوف أكون بشيل علي ذنب وقوفه ضدي في اللي عايز أعمله.
واستطرد بقلة حيلة، والحزن يموج برماديتاه:
_أنا تايه ومبقتش عارف الصح من الغلط يا عم الشيخ.
ابتسم الشيخ البشوش، ومرر يده على سبحته العتيقة، بينما يحاوره بأروع ما أمتلك:
_حيرتك واصرارك على تطبيق شرع الله ده في حد ذاته شرط من شروط قبول التوبة يابني.
لو حيرتك في إن ربنا عز زجل ممكن يقبل توبتك بدون إقامة الحد، فأنا هريحك إن ربنا سبحانه وتعالى يتقبل التوبة اذا كانت صادقه واستوفت شروطها فإن الله يفتح باب الرحمه لمن تاب، وآمن وعمل صالحا حتى وإن وقع فى مثل هذا الذنب مؤكداً أن مغفرته تشمل الذنوب جميعًا ما عدا الشرك الأكبر.
ومن أهم شروط التوبه، الندم والاقلاع عن الذنب
والعزم على عدم العوده الى هذا الذنب مرة آخرى
وهناك أمور تعزز من قبول التوبة زي
الاستغفار .
قال تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصرو على ما فعلوه وهم يعلمون )
سوره ال عمران الايه ١٣٥
الصلاه ركعتان بنية التوبه عن الذنب
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى (وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى)
سوره طه
٣-الاعمال الصالحه
وقال تعالى
«والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامه ويخلد فيه مهانا 'الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيماً'ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متابا»
سوره الفرقان
٤-الدعاء بخشوع بأن يغفر الله الذنب، ويتقبل توبتك
قال تعالى
(وهو الذى يقبل التوبه عن عباده ويعفو عن السيئات)
سوره الشورى
وقالى تعالى
(ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر إليه يجد الله غفورا رحيماً)
سوره النساء
وأضاف بنفس ابتسامته:
_يابني ربنا غفور رحيم، وعمره ما أغلق أبواب رحمته، ربنا سبحانه وتعالى سترك بفعلتك، فإنت مدام عقدت النية بعدم العودة للذنب ده متحاولش تهتك الستر ده عنك، شروط التوبة العزيمة والارادة إنك مش هتعيد الغلطة دي تاني، قرب من ربنا وكن على يقين إنه هيغفرلك، ولو يأست افتكر قوله تعالى
«قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله أن الله يغفر الذنوب جميعاً أنه هو الغفور الرحيم»
ردد عُمران ودموعه تنسدل على وجهه:
_رضيت يا الله، وأسألك أن تعفو عني وتغفر لي ذنبي.
دقق الشيخ بوجهه، وقال يلفت أنتباهه:
_أيه رأيك تعتكف معانا بالمسجد النهاردة.
رفع عينيه له متلهفًا بترديد حديثه:
_أعتكف؟
هز رأسه موكدًا، وأوضح له:
_في مجموعه من الشباب بتيجي كل أخر شهر تعتكف هنا أربع أيام، أسبوع، اللي ربنا يقدرهم عليه، خليك معايا هما بيجوا على صلاة العشاء باذن الله.
وأستكمل بابتسامة واسعة وهو يشير محل جلوس علي الذي عاد من الخارج، يحمل حقيية عُمران الذي كان يتركها بالسيارة، فتطلع له عُمران باستغراب، فقال الشيخ:
_أخوك قالي انك بتحب الشيخ أحمد عزب، والشيخ حازم شومان، وسبحان الله الاتنين بيجوا هنا على طول، فلما قولتله إني هعرض عليك تعتكف معانا رحب جدًا بالفكرة.
ابتسم عُمران في رحة، وخاصة حينما استطرد الشيخ:
_أخوك شكله بيحبك جدًا، ربنا يباركلك فيك ويخليكم لبعض يابني.
وتابع وهو ينهض عن الارض:
_قوم ودع أخوك وهات شنطتك وتعالى.
منحه ابتسامة كبيرة، وإتجه صوب علي بوجهًا مستنيرًا، فقال علي وهو يرنو إليه بالحقيبة:
_عارف انك مش هترفض الفرصة دي، فنزلت جبتلك شنطتك من العربية.
واستطرد بحب:
_كان نفسي اعتكف معاك، بس وجودي هيشتتك.
وتابع وابتسامته الجذابة مازالت تحتل وجهه الرجولي:
_أنت محتاج الوقت ده، وصدقني لو لسه مصر على قرارك مش همنعك.
قال جملته الاخيرة وهو يقدم له جوازه باليد الاخرى، فسحب عُمران حقيبة ملابسه، وترك بين يدي أخيه هاتفه وجوازه رافضًا أخذهم منه، بل تلقفه بين أحضانه وقال بنبرة اجتمع فيها حب العالم بأكمله:
_أنا ربنا عوضني عن عيلتي كلها فيك يا علي، أنت أبويا وعمي وخالي وأخويا وعزوتي في الدنيا، ربنا ما يوريني فيك أي شيء وحش، والله مستكفي بيك عن كل حاجة ومش عايز غير وجودك جنبي.
وتابع ودموعه تنهمر على كتفه:
_سامحني أني دايمًا بكون سبب وجعك وألمك.
أبعده وأحاط وجهه بين يديه بقوة:
_إنت سبب سعادتي مش وجعي، أوعى تقول الكلام الاهبل ده تاني والا هعاقبك بجد المرادي، سامع!!
منحه ابتسامة واسعة، فاستطرد علي وهو يودعه:
_أنا همشي، وعندي أمل إنك راجع قبل ولادة مايا، هدعيلك ربنا يطمن قلبك باللي تقطع بيه الماضي بوجعه اللي ملازمك للنهاردة.
وأضاف بعدما ابتعد عنه قليلًا:
_لو اشتاقتلك رنلي من تليفون أي حد، وخد بالك إنت مجبور ببر الوالدين.
تلميحه الاخير بأنه والده، جعل عُمران يبتسم بسعادة، ووقف يراقب أخيه وهو يغادر المسجد، واستدار تجاه الشيخ الذي يتأمله ببسمة بشوشة، فسحب عُمران نفسًا طويلًا، وقال بوجه مشرق:
_أنا جاهز يا عم الشيخ!