تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم ايه محمد رفعت
سرت البرودة لجسدها تدريجيًا، لدرجة جعلتها متصلبة لا تحتمل الحركة.
بينما الأخر ما زال يقترب بخطواته البطيئة، وكل خطوة يرنو بها إليها كأنه يزف هلاك موتها البطيء.
رأسها تهتز بجنون غير قابلة لتصديق رؤيتها له، ولكن عقلها يفسر ما يراه بسرعة كبيرة.
نفس نظراته المحتقنة المخيفة، نفس رائحة البرفيوم المقززة تتسلل لأنفها كلما اقترب إليها، فحيحه السام يصل إليها:
"أيه يا زينب كنتِ متخيلة إني هسيبك؟"
حجزها الحائط لتواجهه رغمًا عنها، فرفع ذراعيه يحتجزها هو الآخر هاتفًا ببطءٍ قاتلٍ:
"قولتلك إني مستحيل أتخلى عن حاجة تخصني وإنتِ تخصيني!"
واستطرد بوجومٍ مفزع:
"كل مرة كنت بحاول أخليكِ ملكي كنت بتراجع علشان ثقتك فيا متنكسرش... كنت بحذر على قد ما أقدر علشان ما تخافيش مني بس دلوقتي مفيش قوة في الكون هتمنعني عنك!"
هزت رأسها تعترض على ما يلقيه عليها، فزاد من وتيرته:
"متفكريش إن العيال اللي إنتي قاعدة عندهم دول هيحموكي مني، الكلب اللي هددني كانت ديته رصاصة واحدة صحيح نفد منها بس الجايات أكتر من اللي راح."
مشط الطرقة من حوله بنظرة ساخرة وعاد يتمعن بها هاتفًا بغضب:
"الدور كان على الحقير اللي مرمي جوه ده بس حد سبقني ووجب معاه."
واستطرد بحدة:
"ولو قام منها هقتله أنا بنفسي."
صرح لها بأنه سيتخلص من سيف، فاحتد بكائها وازداد خوفًا.
بصعوبة بالغة رددت:
"لأ... حرام عليك سيبه في حاله هو مالوش ذنب!!"
ازدادت ابتسامته وتلاشت فجأة بشكل أرعبها.
ظلت صامتة ولم تهتز لأي من تهديداته.
وحينما ذكره أسرعت بالحديث.
غمس أظافر يده الطويلة بمرفقها فصرخت ألمًا كلما جذبها إليه، متسائلًا بغضبٍ مخيف:
"حبتيه؟"
بكت وهي تتأوه بصراخ، متوسلة:
"أبعد عني بقى... لسه عايز مني أيه تاني؟"
تجاهل كل ما تتفوه به وجذبها بشراسة تناهز ما فعله:
"ردي عليا حبيتي الكلب ده؟"
وشملها بنظرةٍ جريئة جعلتها تضم جسدها بخوفٍ:
"سلمتي نفسك ليه؟"
برقت بصدمةٍ لاتهامه المهين لها، ومع ذلك رفعت يديها تدفع صدره بعيدًا عنها وهي تصرخ بجنون:
"أه حبيته ومش هكون غير ليه هو واللي عندك اعمله... عايز تقتلني اتفضل أنا قدامك ريحني من إني أشوف خلقتك."
وجدت الألم ينتقل منها إليه، رأته يهز رأسه ولسانه يهمس بكلمات غير مسموعة.
فتابعت بكل قوة:
"أنا بكرهك وبقرف منك يا يمان.. أنت أكبر غلطة في حياتي... خدعتني وخلتني أحب إنسان مريض ومجرم.. لو فاكر إنك لما هتتخلص من سيف ده هيخليني أرجع أحبك تبقى غلطان لإن الكره اللي جوايا أقوى من إنك تتغلب عليه فاستسلم وإبعد وسبني في حالي."
ظنت أنها أحرزت انتصارًا عليه مع تجمد ملامحه وسكونه عن الحركة والحديث.
فانهار عالمها فجأة حينما تعالت ضحكاته تباعًا وما زال أظافره تنحر لحم ذراعها بحقدٍ.
ودفع جسدها فجأة لأحد الغرف المجاورة لجناح العمليات، أغلقه بالمفتاح القابع خلفه.
ورفع يده إليها يزيح حجابها بغضب فصرخت به مجفلة من فعلته.
وما زادها صدمة محاولته للاعتداء عليها بقلب المشفى.
فصرخت تستنجد بأي أحدًا ولكنه كان الأسرع منها حينما دفع محقن غريب بعرق رقبتها، فارتخى جسدها كالهلام بين يديه.
حملها وألقى بها على الفراش بعنفٍ ألم جسدها، ومال عليها يتطلع بعينيها قائلًا:
"كنت عايز أحترمك وأخدك وانتي مراتي على سنة الله ورسوله.. بس مدام بتكرهيني فكره بكره أخد اللي أنا عايزه ومن غير جواز."
وانحنى لأذنيها يهمس بفحيحه المقزز:
"هخليكي عاهرة ليا ولنزواتي يا زينب!"
انهمر الدمع من عينيها كالشلال، وبكلمات تحجرت بحلقها رددت:
"ل.. أ... أ.. ر.. ج.. و... ك"
رجائها، انهزام روحها أمامه، دمعاتها المتدفقة، استسلام جسدها، بعثت البهجة بروحه المريضة.
أسقط رأسه لرقبتها ينهشها كالذئب المفترس.
وما زالت تعافر لأن تحرك أي جزء من جسدها لتدافع عن ذاتها، حتى صوتها احتبس داخلها وكأنه يضع داخل فمها حجرًا ثقيلًا.
جوارها ببضعة أمتار كان ينازع للحياة وهي تنازع لحماية عرضها.
تخشى أن يُدنسها ذلك الحقير.
رفعت رأسها للأعلى تدعو بكل انكسار أن ينقذها ربها مما سقطت هي به، فأتاتها استجابة سريعة تربت على روحها المكلومة حينما انكسر باب الغرفة ليطل من أمامها "عُمران" و"آدهم" وأخرهما كان "علي" الذي ترك أمره لأخيه ولزوج شقيقته وهرول إليها ينزع جاكيته ليخفي جسدها عن الأعين بغضبٍ وغيرة على عرضه وكأن من أمامه هي "شمس".
انحنى إليها يضع ذراعيها بجاكيته وهو يناديها بفزعٍ:
"زينب... سمعاني!"
تقابلت عينيها الباكية به، تشكو له ما تعرضت له بكلماتٍ غير متزنة:
"ع... ل... ي..."
انحنى يجذب حجابها الملقي أرضًا وعينيه تبعد عن رؤيتها.
فوضعه باهمالٍ واتجهت نظراته لذاك الحقير صارخًا بعصبية بالغة:
"جيت لقدرك يا حقيــر!"
أشار له عمران بأن يظل محله، مرددًا وعينيه تخترق عين من يتأمله:
"أهلًا بدكر البط... أخيرًا اتقابلنا وش لوش... فاكر لما قولتلك هتزعل لما تشوفني.. وإنت شكلك كنت مُطيع وخوفت تطلعلي.. بس قدرك بقى وقعك مع سيادة الرائد" عمر الرشيدي" جابنا لحد عندك في ظرف ساعتين زمن."
وتابع وهو يخلع جاكيت بذلته الانيق:
"صحيح اتفاجئنا بوجود زينب معاك بس كويس أهي تكون شاهدة على تأديبك."
ضحك مستهزأ مما قبالته، وردد:
"مين ده اللي، هيأدبني؟"
أجابه بلكمةٍ قاسية نالت من فمه فأسكبته دماءًا، وصوت عُمران يصل إليه:
"مش مالي عينك أنا بروح أمك!!"
وجذبه من ياقة قميصه المفتوح:
"بدل ما تتشطر على واحدة ست لاعب راجل يعرفك اللي فاتك في دروس الرجولة يا****."
وانهال عليه عُمران بكل قوته، بينما يراقبه آدهم باستمتاعٍ وجسده يستند على باب الغرفة.
حاول يمان مجابهة عُمران ولكنه كان شرسًا، سريعًا بخطواته، جسده العريض الممتد بعضلاته أوحت له مدى تيقنه لفنون القتال والرياضة الشاقة أمدته بجسدٍ قويًا لا يستطيع أن يتمكن من التغلب عليه، فدث يده بجيب سرواله وضغط على زر يحمله بريموت.
سدد له عمران ركلات أسفل بطنه وهو يصرخ بوقاحة:
"أنا هديك درس يخليك تحرم تخاف تقرب لأي واحدة ست طول حياتك.."
وتابع وهو يدفع وجهه بالخزانة الزجاجية فانطلق الزجاج داخل وجهه فصرخ مستغيثًا كالنساء، يينما يصيح عمران بعصبية بالغة:
"ما تدافع عن نفسك يا دكر!!!!"
"فين قوتك اللي فارض بيها نفسك يا ابن ال**** مستقوي برجالتك وباعتهم يقتلوني!"
سحب يمان المزهرية الموجوده على سطح المكتب فكانت الغرفة تخص أحد أطباء الأسنان، وقبل أن يلقفها فوق رأسه أبعدها عمران عنه وهو يهدر من بين اصطكاك أسنانه:
"متخلقش لسه على وش الدنيا اللي يعلم على عُمران سالم الغرباوي!"
لف يده حول رقبته بشكل مقبض، فاندفع تجاهه آدهم يبعده هاتفًا بحزم:
"كفايا يا عمران... هيموت كده في ايدك!!"
حاول عُمران دفعه للخلف:
"اابعد يا آدهم.. هقتله واللي يحصل يحصل... خاطفها في المستشفى ومفضي الدور كله فاكرها سيبه بروح أمه!!"
استخدم آدهم قوته ولكم عُمران بشراسة جعلت جسده يرتد للخلف بعيدًا عن ذاك الذي سقط أرضًا يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة كالجراد المدعوس.
التقطت أذن آدهم الخطوات القادمة،فدفع عُمران خلفه وسحب سلاحه استعدادًا للقادم.
ملأت الغرفة بعدد من الرجال المسلحين، يصوبون تجاه آدهم الذي استغل كاتم الصوت الذي يضعه وأطلق مستهدفًا أيديهم فسقط عنهم الاسلحة، وحينها تواجهوا مع عمران وعلي الذي أسقط اثنان منهما بحركة تشل الجسد مؤقتًا تعلمها جيدًا.
استغلوا انشغالهم وسحب اثنان منهما رئيسهم الذي ينازع للبقاء حيًا، بينما غطى الباقية ظهورهم بالاسلحة حتى هرولوا جميعًا للخارج.
أعاد آدهم سلاحه فاندفع عمران للخارج هاتفًا بشراسة:
"هنسيبهم يمشوا بالبساطة دي."
أوقفه آدهم قائلًا:
"مينفعش نخرج وراهم يا عُمران.. متنساش احنا فين!"
تهدلت ملامح علي بحزن وضيق:
"يعني لو مكناش هجمنا على المكان اللي وصل لآدهم اشارته كان اعتدى عليها!"
غلت الدماء بعروق عمران، فاتجهت نظراته للفراش يخطتف نظرة سريعة عليها، وعاد ببصره لأخيه يسأله:
"أذاها؟"
سكن الوجوم تعابيره ورفع كتفيه بقلة حيلة:
"مش عارف... لما تفوق من مفعول المخدر هنعرف."
خطف آدهم نظرة إليها وحينما وجد عينيها مفتوحة ودموعها تنهمر دون توقف علم نوعية المخدر المندب بأوردتها فردد بغيظٍ:
"المخدر ده محرم دوليًا إزاي قدر يوصله الحقير!!"
تنهد عُمران بيأسٍ فمرر عينيه للاسفل ليبحث عن جاكيته، اندهش لوهلة حينما تعلقت نظراته بقميصٍ ملطخ بالدماء ولجواره محفظة جلدية، التقطها وفتحها فجحظت عينيه بصدمة حينما وجد هوايته فقال وهو يرفعها نصب أعينهما قائلًا:
"دي محفظة سيف، أيه اللي جابها هنا؟"
التقط منه آدهم القميص الملطخ بالدماء فتوترت الأجواء بينهم خاصة حينما قال علي:
"وجود زينب هنا أصلًا غريب... مش معقول إن الكلب ده هيخطفها في مستشفى عام زي دي الا لو كانت هي هنا وهو اللي ظهرلها ومقدرش يتحكم في نفسه فدخلها هنا."
تساءل عمران باستغراب:
"وأيه اللي هيجيب زينب هنا؟"
"ومحفظة سيف وقميصه آآ..."
ابتلع باقي جملته بوجعٍ هاجمه حينما حلل مغزى الاحداث، فهرول لغرفة العمليات وهو يصرخ:
"لأ...... مستحيل!!"
اتبعته علي وآدهم للخارج، فوجدوه يقترب من أحدى الممرضات يتساءل بتوتر وهو يضع هوية سيف أمامها:
"عذرًا سيدتي هل من بالداخل هو هذا الشاب؟"
تمعنت الفتاة الانجليزية بما يحمل وأومأت برأسها مؤكدة:
"نعم.. لقد أعطيت أغراضه الخاصة للفتاة التي حضرت برفقته."
وتابعت تنقل له وضعه:
"اصابة الرأس قوية مازال الأطباء يجاهدون لانقاذه.."
ونهت حديثها القصير قائلة بلطفٍ:
"استسمحك عذرًا سيدي."
ضم عُمران المحفظة إليه وجلس على الأريكة من خلفه بصدمة، ومن جواره علي يحتضن رأسه بين يديه في محاولةٍ لفهم كل تلك الألغاز، فحللها ذو العقل المدبر لخبرته بعمله بالمخابرات لخمسة أعوام قائلًا:
"سيف اتهاجم وزينب جت معاه هنا علشان كده الكلب ده ظهرلها...وتابع بغيومٍ قاتمة: بس أيه خلاه يجي وراها لحد هنا لما كان يقدر يخطفها من نفس المكان اللي قدر يسيطر فيه رجالته على سيف!!!"
"وجلس بمنتصف مجلسهما مستطردًا: الموضوع ده فيه حاجة غلط... علي حاول تفوق زينب حالًا... هي الوحيدة اللي عندها اجابات الاسئلة دي."
دمس رأسه بين ساقيه بحزنٍ جعل صوته يحتقن:
"المخدر اللي ادهولها قوي مستحيل تفوق منه الا بعد خمسة وعشرين دقيقة كحد أقصى."
واستدار بجلسته لعمران يضم كتفه بيده، ويهاتفه بحزن:
"كلم يوسف يجي... لازم يكون جنب أخوه يا عُمران."
لمعت عينه بدمعة خائنة فأزاحها سريعًا ومال على أخيه يخبره بصوته المتحشرج:
"هقوله أيه يا علي؟ مش هقدر!!"
ربت على كتفه بحنانٍ مضاعف وقال:
"ابعتله رسالة وخليه يجي بدون ما تقوله تفاصيل."
أومأ برأسه وسحب هاتفه يرسل ليوسف، بينما نهض علي وولج للداخل يتابع حالة زينب بعدما نادى على أحد الطبيبات لتتفحصها، وتساعدها على استرداد وعيها سريعًا.
رسالة مختصرة أخبره بها بأنه ينتظره بالمشفى التي أرسل إليه عنوانها، فأسرع يوسف بسيارته للموقع المرسل إليه وبداخله نغزة تكاد تخترق صدره وغيظًا يفور داخله لتجاهل عُمران رسائله ومكالماته ليطمئن عليه.
صف سيارته وهرول للمصعد متمتمًا بخفوت:
"استر يا رب!"
فور توقف المصعد رأى يوسف عُمران يجلس أمام غرفة العمليات ولجواره يقف آدهم، فهرول تجاههما يناديه بقلقٍ:
"عُمران.. في أيه؟"
رفع عينيه صوبه وهو لا يعلم ماذا سيخبره، ارتبك لسانه عن تردد ما سيقول.
فوزع يوسف نظراته الحائرة بينه وبين آدهم:
"ما ترد يا ابني قلقتني!"
صمته وتوتر ملامحه أمامه زرع القلق في نفس يوسف، فرفع عينيه لآدهم يسأله:
"في أيه يا آدهم.. جايبني المستشفى هنا وساكتين كده ليه؟"
خرج علي من غرفة زينب فور سماعه صوت يوسف، فضيق الاخير عينيه بدهشةٍ:
"وإنت كمان هنا يا علي!"
وبنفاذ صبر صاح:
"ما تفهموني في أيه!!"
سحب عُمران نفسًا ثقيلًا واستدار تجاهه يقول بحزنٍ:
"يوسف من فضلك حاول تكون هادي وآآ.."
"سيف جراله حاجة!!"
نطق بها بمقلتيه القاتمة بعد أن ترسخ داخله تحليل لوجوم ملامحهم واستدعائه إلى هنا.
أسرع علي يجيبه:
"هيبقى كويس يا يوسف.. إن شاء الله اصابته تكون سطحية جدًا."
اتسعت مقلتيه بصدمة، كان يتمنى أن ينفي ذلك ويخبره بأنه فهم ما يودون قوله بطريقة خاطئة.
انتفضت عروقه بشكلٍ جعل العرق يتصبب على جبينه كالأمطار الغزيرة، وبدى كالتائه لا يعلم إلى أي طريق سيسلك الآن!
استعاد اتزانه بصعوبة واتجه لغرفة العمليات ولسانه يردد بخفوتٍ مؤلم:
"سيف أخويا جوه!!"
واستدار إليهم يهتف بتشتتٍ:
"اتصاب ازاي؟ مين اللي عمل فيه كده؟ طب طب هو كويس يعني؟ طيب مخرجش ليه!! وبعدين ليه مكلمنيش!!! أأ... أنا كنت عنده الصبح ومجهزله الفطار بايدي لا.... لأ ده هزار سخيف منك يا عُمران."
وسحبه من تلباب قميصه بغضب كالجحيم:
"الا سيف يا عُمران متهزرش في شيء يخصه... أوعى تفول على أخويا بالسوء أقسم بالله هتكون النهاية بيني وبينك وتغور صداقتنا بعدها.... سامعني يا عُمران الا أخويــا!!!"
انهمر الدمع عن مُقلتيه تأثرًا بصديقه، هو الوحيد الذي يعلم محبة يوسف الكبيرة لأخيه وكأنه صغيره الذي لم يُنجبه بعد.
رمش يوسف بصدمة، وحرر يديه عن عنق عمران فور أن تأكد من ملامحه بأنه لا يفتعل مزاح سخيفًا كهذا، فتراجع للخلف وعينيه تتجه تلقائيًا لباب غرفة العمليات.
هرع إليها وبعد أن قدم للاطباء هويته وتأكدوا بأنه طبيبًا ويقرب للحالة سمحوا له بالتواجد بالداخل.
دنى يوسف من الفراش القابع به أخيه بمنتصف غرفة الجراحه، يلتف من حوله عدد من الاطباء يحاولون بشتى الطرق انقاذه، مرددين بخطورة اصابته واحتمالية وجود نزيف داخلي.
انهمرت دمعاته تباعًا وهو يحدق بوجه أخيه الممتليء بالكدمات المؤلمة، فاختص مكان من وسط الاطباء ومال على أذنيه يترجاه ببكاء:
"أنا جنبك يا سيف!"
وتابع وصوت بكائه يتخلل الغرفة:
"ألف مليون سلامة عليك يا حبيب قلب أخوك..والله ما هرحم اللي عمل فيك كده هقطعلك ايده..وأزاح دموعها خاطفًا نظرة لمؤشرات الاجهزة من حوله، انتابته حالة من الفزع حينما ساء نبضات قلبه بشكل ملحوظ فمال عليه يصرخ به:
"متسبنيش يا سيف... خليك معايا علشان خاطري متبعدنيش عنك يا سيف هموت والله العظيم لو جرالك حاجة."
وأشار على صدره ودموعه تغرق وجهه:
"أهون عليك تعذبني يا سيف... يهون عليك وجعي؟"
رفع جفنيه الثقيل ليحاول التأكد من سماع ذلك الصوت المألوف، ظن أنه يهلوس من أثر الجراحة والمخدر فبدأت صورته المشوسة تبدو واضحة، فتحركت شفتيه من بين قناع الاكسجين:
"ي.. و.. س.. ف"
أمسك يده المنغمسة بالمحلول وهو يردد بابتسامة تعاكس بكائه:
"أنا هنا جنبك يا سيف..أغلق عينيه مجددًا ولسانه يردد من بين أبخرة الجهاز:
"زينب!
بالخارج.
أشار علي لعمران أن يأتي لغرفة زينب، فما أن دنى إليه حتى همس له:
"كلم مايا تجيب لزينب لبس وتيجي.. مش هينفع ترجع البيت بلبسها المقطع ده فاطمة لو شافتها أو عرفت بحاجة هتدمر ومجهودي معاها كله هيروح في الفاضي."
هز رأسه بتفهمٍ وربت على كتفه:
"متقلقش هنبه على مايا متعرفهاش حاجة.. اطمن!"
منحه ابتسامة صغيرة، بينما سحب عُمران هاتفه واتجه لأحد الأركان ينتظر سماع مهلكة فؤاده فأتته تجيبه بصوتها الناعس:
"عُمران!"
ابتسامة مشرقة تجلت على ملامحه الجذابة فتهف بصوته الهامس المغري:
"حبيب قلبه وعيونه... صحيتك من النوم يا بيبي؟"
أتاها ردها مرهقًا، كسولًا:
"أممم... مش عارفة مالي بنام بالنهار كتير ليه."
وتابعت تهاجمه بخبث الأنثى:
"يمكن علشان بقضى الليل كله بستناك لما ترجع من سهراتك الكتيرة مش بعرف أنام من كتر قلقي عليك!"
ضحك وهو يردف بخبث:
"لا يا بيبي مش قلق.. ده علشان مبتعرفيش تنامي بعيد عن حضن جوزك حبيبي.. مش كده ولا أيه يا حبيب قلب جوزه؟"
يكاد يحزم بأنه يستمع لصوت احتباس ضحكتها، فنجح بتهيئتها لما يود قوله:
"حبيب قلب جوزه ينفع يعتمد عليه في طلب؟"
أتاه صوتها الجادي:
"طبعًا..قول!"
أخبرها بنبرة هادئة:
"عايزك تدخلي أوضة زينب تجيبي منها لبس خروج كويس وتجيني على اللوكيشن اللي هبعتهولك بس بدون ما فاطمة تحس بشيء، هتقدري؟"
اعتدلت بفراشها وتساءلت بجدية:
"ليه هي زينب مالها؟"
أسرع بالرد عليها:
"كويسة جدًا متقلقيش ولما تيجي هتعرفي كل حاجة.. المهم خليكي عاقلة ومتلفتيش نظر فاطمة ليكي.. ولما تطلعي من البيت كلميني علشان أقف استناكي.."
"حاضر."
"خدي بالك من نفسك وسوقي على مهلك."
"تمام يا حبيبي اطمن."
"قلب حبيبك ونور عيونه إنتِ يا مايا!"
وبمجرد أن أغلق هاتفه تلاشت عنه ابتسامته وفترته المؤقتة بالحديث مع من أراحت قلبه.
عاد عُمران ينضم لمجلس آدهم وعلي، فاستمع آدهم يردد:
"اول ما نطمن على سيف لازم نوحد أقوالنا كلنا إن اللي عمل كده هو يمان... حظه الاسود وقعه إن عمل عملته في المستشفى والكاميرات مالية المقر، أكيد لما يعرف إنه اتهم باللي حصل لسيف ومهاجمته زينب هيهرب من انجلترا فترى مؤقتة نقدر فيها نرتبله على مزاج..ووزع نظراته بينهما مستطردًا: عيبنا الوحيد إننا مش في دولتنا وحرفيًا هنا بيتلككوا على الوحدة لينا، فمحتاجين نتخلص منه بتخطيط تقيل أوي ميوقعش حد فينا في مشاكل!"
هز علي رأسه بتفهمٍ فصاح عُمران ساخرًا:
"اطمن بعد العلقة المحترمة اللي أكلها هينام شهرين في السرير!"
ابتسم آدهم بخبثٍ، وفور أن خرج يوسف اليهم التفوا من حوله، فسأله علي باهتمام:
"طمنا يا يوسف سيف بقى كويس؟"
جلس على المقعد بعدما فقد القدرة على الوقوف وأجابهم بصوتٍ متحشرج:
"الحمد لله الدكاترة بيفوقه جوه وهينقلوه على أوضة عادية."
ورفع رأسه لعمران يسأله بحدة:
"أيه اللي حصل يا عُمران؟ ومين اللي عمل في أخويا كده؟"
أجابه علي نيابة عنه:
"يمان ظهر هنا لزينب وكان هيتعدي عليها لولا إننا اتبعنا اشارة تليفونه ووصلناله هنا."
ضيق حاجبيه بصدمة:
"يعني هو اللي عمل فيه كده؟"
نفى آدهم ذلك هاتفًا:
"صدقوني مستحيل يكون هو.. والا مكنش ساب زينب تيجي معاه هنا الموضوع غامض واجابة سؤالنا عند زينب."
والتفت لعلي يخبره:
"دكتور علي زينب لازم تفوق وحالًا."
تحررت يدها أخيرًا وانصاع لها باقي أجزاء جسدها، ربما تغيب جسدها بالكامل عن الوعي الا عقلها وعينيها، تمنت لو تمكن منها المخدر وتسلل لرأسها فأفتك به هو الآخر.
ضرب جسدها برودة وبالرغم من احتفاظها بجاكيت علي الثقيل الا أنها كانت ترتجف بقوة جعلت أسنانها تصطك ببعضها البعض دون توقف، وبكائها لم يتوقف بعد.
استندت بجذعها على الفراش واعتدلت تضم الجاكيت من حولها بخوفٍ، أنكست رأسها باستسلامٍ لانهيار جسدها الهزيل.
تسلل لها صوت صرير الباب ومن ثم ولج علي وعمران الداخل ومن خلفهما يوسف وآدهم، رفعت كفها تزيح دموعها سريعًا وبداخلها تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها حرجًا لما تعرضت له بوجودهم.
جذب علي المقعد المعدني وقربه من فراشها قائلًا بابتسامة عذباء:
"حمدلله على سلامتك يا زينب.."
أجابته بصوتها المتقطع من فرط البكاء:
"الله يسلمك يا علي."
مال عليها يسألها بهمسٍ منخفض:
"الكلب ده أذاكي؟"
علمت مقصده الصريح فهزت رأسها نافية ذلك مما جعله يستقر بمقعده براحةٍ، فأشار له آدهم بحدة أن يتابع بسؤاله الهام، فتنحنح مردفًا:
"زينب أنا مقدر حالتك وعارف إنك مش قادرة تتكلمي ولا تشوفي حد بس سيف حياته كده في خطر لازم نعرف منك اللي حصل بالظبط عشان نعرف مين اللي ورا الموضوع."
رد عليه يوسف بانفعال:
"مش محتاجة تفكير يا دكتور علي أكيد يمان الكلب ده اللي عمل فيه كده."
اعترضت حديثه قائلة بصوتٍ مجهد:
"لأ... الناس اللي هجمت سيف مكنوش تبع يمان."
دنى إليها آدهم يسألها بتركيزٍ واهتمام:
"وأيه خلاكي متأكدة كده يا دكتورة زينب؟"
قالت وهي تعدل حجابها وتحكم الجاكيت حول كنزتها الممزقة:
"لإني كنت موجودة معاه ومحاولوش يأذوني أو يقربولي كانوا مستهدفينه هو."
تابع آدهم بسؤاله القادم وقد بدأ حلقه يجف كالصحراء لمجرد توارد إليه مقصد ما حدث:
"دكتورة زينب أرجوكي حاولي تساعديني بأي شيء يدلنا على طرف الخيط... ملحظتيش شيء غريب مثلًا فيهم أو حصل حاجة لفتت نظرك."
صمتت قليلًا تفكر بالأمر وحينما وصل إليها لقطات تُعاد إليها قالت:
"آآه...لما ضربوه على رأسه ووقع على الأرض قرب واحد منهم وفتش جيوبه،افتكرت انهم حرامية وعايزين اللي معاه بس الغريب انهم مخدوش غير موبيله بس ومحفظته زي ما هي!"
صدمة وقعت على عاتقهم، فوزعوا النظرات بينهم بفزعٍ، وخاصة حينما ردد آدهم بوجعٍ مقبض احتل صدره:
"مش سيف المقصود."
انتصب عمران بوقفته وصاح بهلعٍ:
"آيــــــــــــــــوب!!!!!!"
تنعم بحمامٍ دافئ بعد يومًا مهلكًا بالعمل، خاصة مع غياب عُمران الملحوظ، فوجد حسام سكرتيره الخاص يطالبه بالهاتف الخاص بمكتب الاستاذ ممدوح يطالبه بالصعود ليكون محله اليوم.
ارتدى "آيوب" بنطاله الجينس وخرج من حمامه يتجه للغرفة الخاصة به، وما أن ولج حتى تفاجئ بها تجلس أمام خزانته وتحمل بيدها الكتاب الذي يحمل الدفتر السري، وبيدها صورة فوتوغرافية كان يخفيها بمنتصف الدفتر.
ترك المنشفة من يده وهرع إليها يجذب الدفتر والصورة هاتفًا بعصبية لم تشاهدها منه قط:
"من سمح لكِ بالعبث بين أغراضي؟"
منحته نظرة حادة، وبعدها ألقت إليه ثورتها المقتادة:
"من تلك المرآة؟"
"ولماذا قد تجمع الصورة أخي معها؟"
وتابعت قبل أن يتحدث:
"الصورة تخص أخي وهو بالحادية عشر عامًا من عمره... أخبرني الآن من تلك المرآة؟"
وضع آيوب الدفتر بالحقيبة وأجابها بضيقٍ:
"لا تحاولي العبث معي يا فتاة!"
"ثم أنني ألم أخبرك ألا تقتحمين غرفتي هكذا؟!"
تغاضت عن حديثه وصاحت باندفاع:
"لم تجيبني على سؤالي آيوب.. من تلك المرآة؟"
"وماذا يوجد بالدفتر؟"
واستطردت بجنون يعتليها:
"ما الذي تحاول فعله أيها الإرهابي!!"
تجاهل حديثها وأغلق خزانته جيدًا ثم استقام بوقفته قبالتها، فرمشت بارتباكٍ ملحوظ.
أشار لها أيوب بغلظة:
"أنا متعب وأريد أن أحصل على بعض الهدوء هنا.. فلتخرجي الآن."
وجدها تتطلع به كالبلهاء، نظراتها جريئة مجردة من الحياء المعهود من الفتيات، فانتبه بأنه يقف دون ملابسه العلوية، لذا انحنى يجذب قميصه الأسود يرتديه وهو يصيح بعصبيةٍ:
"أغيثني يا الله!!"
وتابع بنفورٍ ينتابه:
"ألا يمكنني البقاء بمفردي ؟!"
انتبهت إليه فأماءت برأسها بخفةٍ واستدارت لتغادر غرفته فأوقفه قوله الصارم:
"سيأتي صديقي بعد قليل لا تغادري غرفتك في وجوده."
هزت رأسها بخفة واتجهت للمغادرة بينما جذب آيوب هاتفه يرسل برسالة لسيف:
"انت فين يا ابني كل ده في الطريق؟! فين من ساعة ما طلبت مني اللوكيشن انت توهت ولا أيه يا دكتور سيفو!"
زوى حاجبيه دهشة حينما وجده يقرأ رسائله دون ردًا، وأكثر ما يثير دهشته طلبه المفاجئ لموقع المنزل ورغبته المقلقة بالقدوم إليه، حتى طريقة كتابته للرسالة كانت بايجاز لا ينطبق على شخصية سيف ومع ذلك جلس ينتظره ليعلم ما به.
اتجهت آديرا لغرفتها ولكنها توقفت فجأة حينما انطلق صوت همسات خافتة من أمام شقتها، ووجدت فتحة الباب تستجيب لمفتاح غريبًا من الخارج.
كبتت صرخاتها بصعوبة وتراجعت لغرفة آيوب بحذرٍ، فما أن ولج للداخل حتى همست له برعب:
"هناك من يحاول فتح باب المنزل!"
وما كادت باستكمال حديثها حتى تسللت إليهم أصوات أقدام تتقدم منهما وصوت سحب زناد الاسلحة يوضح لهم كناية الحاضرين.
ارتعبت آديرا وتراجعت للخلف، فأعادها آيوب خلف ظهره وخرج يراقب ما يحدث بالخارج، فما أن رأي رجال ملثمين يقتحمون الشقة حتى أسرع إليها يحمل السرير الحديدي ليظهر تجوفه الداخلي مشيرًا لها بلهفة:
"اختبيء واحرصي الا تصدرين صوتًا."
تمددت آديرا بباطن الفراش المجوف وهي تهز رأسها إليه بينما كف يدها تكبت به شهقاتها المنفلتة عن فمها.
اعاد أيوب الفراش سريعًا ورتبه بشكلٍ منظم حتى لا يثير الشكوك إليه، متخذًا قراره المسبق بأنه سيحميها لأخر قطرة من دمائه.
أغلق الضوء بحذر واختبئ خلف باب الغرفة، فما أن انفتح بابها حتى هوى على رأس من ولج بالمشجب الخشبي الخاص بتعليق الملابس، تليه ذاك الذي أسرع من خلفه.
تأوه الرجلين حينما تغلب عليهما آيوب، فسحب أصواتهما انتباه باقي الرجال المنفردين بالشقة بأكملها يحاول العثور عليهم.
امتلأت الغرفة بأربعة منهم يحاولون السيطرة عليه وتقيده بالأساور الحديدية فرئيسهم يريده حيًا.
كان التغلب عليه مرهقًا للغاية، لتمرينه الدائم بدورات الملاكمة التي تلاقها برفقة سيف بالفترة الأخيرة، فسحب احدهم سلاحه ومال بطرفه على جبين أيوب فاختل توازنه جراء ذاك الدوار الذي هاجمه فجأة، ومع ذلك بقى صامدًا قبالتهم فاجتمعوا اللعناء الأخِسَّةٌ من حوله ينهشونه حتى يضمنون تبلد قوته الظاهرة على جسده الرياضي الممشق.
يلتفون ببذلتهم السوداء وتسريحة رأسهم المجتمعة بجديلة تشبه النساء، كان بمفرده يقاوم ضرباتهم، عاجزًا عن صد ضرباتهم الدنيئة التي لا تستهدف الا ظهره، ترى إن كان أصدقائه العرب لجواره هل كان سيتلقى كل تلك الضربات؟
إن اجتمع الشباب لجواره لكانت نهاية هؤلاء الخَنَازِيرُ الموت لا محالة، يحتمون بأسلحتهم وبوجودهم ببلاد متحررة تنصفهم ويقومون من قوتهم المصطنعة، إنما هم الا جُرْذَان حقيرة تدعس أسفل الأقدام، وما يثير السخرية إنهم يدركون قوة ذلك الشاب الذي إن اجتمع بصديقه الأخر لذا أول ما فعلوه هجموا عليهما منفردين ليضمنوا أنهم سيعيقوا دفاعهما.
مال آيوب أرضًا مستسلمًا لتلك الضربة القوية، فحملوه للسيارة بالأسفل ومشطوا الشقة بأكملها ليتمكنوا من ايجاد آديرا، وبالنهاية اختبئ أحدهم بحمام الغرفة وتصنعوا مغادرتهم، فرفعت حافة الفراش وصعدت لتلتقط أنفاسها ففوجئت بهم يحيطونها بكلبشٍ حديدي ودفعوها للسيارة جوار آيوب الفاقد للوعي وتحركوا بهما للقاء عمها الآرعن ليواجه ذاك المسلم الذي استكمل مسيرة أبادها منذ ثلاثة وعشرون عامًا فأتى ليوقظ الماضي الذي يذكره بنكسة انهزامه التي تشبه انتكاسة دولته العاهرة عام 1973، ولكن ترى هل سينتصر على ذاك الشاب التقي أم أن هناك انتكاسة أخرى ستنال من ذاك اللعين؟!
رواية صرخات انثى الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ايه محمد رفعت
صفت سيارتها بچراج المشفى وصعدت للطابق المنشود، فتفاجئت بوجود "علي" و"يوسف" و"آدهم". بدا لها بأن الأمر ليس هينًا. أسرعت من خطواتها إليهم وبقلبٍ يصرخ نبضاته فور أن لمحت كدمة زرقاء تحيط بأسفل عين زوجها، فنادته بهلعٍ:
_عُمــران!!
التفت إليها فوجدها تندفع داخل صدره وهي تحيط بوجهه تتفحص اصابته برعبٍ ودون مبالاة بمن حوله. انهارت دموعها واحتقن صوتها:
_من أيه دي؟
ضم كفيها الرقيق يطبع قبلة على باطنه هاتفًا بحنان:
_حبيب قلبي أنا كويس.. صدقيني مفيش حاجة.
ابتعدت عنه بنظرة حملت الشك بين طياتها، واتجهت بعينيها لعلي تسأله بقلقٍ لظنها بأنه يخفي الأمر عنها:
_علي احكيلي في أيه؟
تنحنح آدهم ليخبرها هو:
_اهدي يا بشمهندسة الموضوع بسيط يمان هاجم زينب من شوية وأنا وعمران ودكتور علي اتدخلنا واتقذناها.
ارتعبت فور سماعها لما حدث، وبخوفٍ تساءلت:
_طيب وزينب كويسة؟
أشار لها علي بهدوء:
_في الأوضة جوه... ادخلي ساعديها تغير هدومها وخديها وارجعي القصر وأوعي يا مايا فاطمة تعرف أو تشك في حاجة، إنتِ عارفة حالتها.
هزت رأسها بتفهمٍ، وبنظرة شك احتلت مُقلتيها رددت:
_وانتوا مش جايين معايا؟
كاد زوجها أن يجيبها فقاطعه يوسف الذي كان يقف على بعدٍ منهم يضع هاتفه على أذنيه بترقب، فدنى يردد بضيقٍ نزع ملامحه الوسيمة:
_أيوب موبيله بيرن بس مفيش أي رد.. أنا قلقت.
صاح آدهم بقلقٍ:
_لازم نتحرك حالًا.
وتابع مشددًا بتعليماته:
_دكتور يوسف خليك هنا جنب أخوك وأنا وعُمران ودكتور علي هنتحرك على شقة آيوب.
يستقصيه عن صديق رفيقه الذي يعد بمثابة شقيقه الأصغر، أبدى اعتراضه هادرًا بانفعالٍ:
_رجلي على رجلك يا سيادة الرائد.. آيوب غالي عندي ويهمني زي سيف تمامًا.
تطلع آدهم لعلي بنظرةٍ تفهمها جيدًا، فرفع يده على كتف يوسف وهدر:
_اسمع الكلام يا يوسف... سيف حياته لسه في خطر ولازم لما يفوق يلاقيك جنبه.. متنساش إن الحيوان اللي اسمه يمان حطه في دماغه هو كمان، خليك جنبه ومتفرقهوش ولما يصحى بلغه باللي قولنهولك عشان يقوله في التحقيقات ونضمن إن الكلب ده يبعد عن لندن بالوقت الحالي لحد على الأقل لما نطمن على آيوب.
سكن الحزن معالمه، لن يمتلك القوة لمواجهة أخيه آن أصاب السوء رفيقه، هو الوحيد الذي يعلم إلى أي مدى تصل درجة صداقتهما، فاضطر أسفًا أن يرضخ لهم.
شدد عُمران عليه وهو يخبره بثقةٍ:
_متقلقش مش هنتخلى عن أيوب... إن شاء الله ميكنش الكلب ده وصله ولو عملها فآدهم معانا هيساعدنا نوصله.
منحه ابتسامة صغيرة وإيماءة صغيرة:
_خلي بالكم من نفسكم.
هزوا رؤؤسهم وإتجه آدهم وعلي للأسفل بينما بقى عُمران قبالة زوجته يحيطها بين ذراعيه:
_مايا خدي زينب وارجعي البيت وأنا شوية وهحصلك.
تعلقت بقميصه الأبيض وهو تهز رأسها ببكاء:
_لا مش هسيبك بعد اللي سمعته ده يا عمران، أنا عارفة إنت رايح فين وأبقى مجنونة لو سبتك تروح!
مرر يده بحنان على طول خصرها، كأنه يحاول أن يسحب عنها رعشة جسدها الباكي، احتواها بين أضلعه وهو يعلم بأنها لن تتخلى عنه بسهولةٍ، ولكن وقته ينفذ الآن.
سحبها عُمران حاملًا منها حقيبة الملابس، وجعلها تسترخي بجلوسها لجواره على الأريكة المعدنية المقابلة لغرفة زينب، فقدم لها يده وهي تراقب ما يفعل باهتمامٍ. وضعت مايا كفها بين كف يده الخشن، فمرر ابهامه على جلدها الناعم برقة جعلتها تود سحب كفها من فرط مشاعرها.
منحها ابتسامة ملأها الأمان والاطمئنان الذي انعكس لها، وقال:
_حبيبتي أنا متعودتش أتخلى عن حد محتاج مساعدتي.. أيوب صاحبي وبيشتغل معايا مقدرش أتخلى عنه... ثم إنك مكبرة الموضوع أوي أنا وعلي وآدهم هنروح شقته بس نطمن عليه ونشوفه مش بيرد على موبيله ليه!
رفعت عينيها إليه برجاء وتوسل ملأت مُقلتيها، فضم خدها بحنان ومزح:
_حبيب قلب جوزه اتمرد ومبقاش بيثق فيه يا ناااس!
رغمًا عنها ابتسمت، وكأنه يدلل ابنة أخيه أو ابنته، ذاك الرجل يكاد يقودها للجنون، أحيانًا يجعلها تشعر بأنها طفلة صغيرة يحيطها بدلال، وأحيانًا يجعلها أنثى تتراقص على أوتار العشق والغرام بين ذراعيه الخبيرة، وأحيانًا تكون عالقة بين وقاحته ومزحه الذي ينجح دائمًا برسم ابتسامتها على شفتيها، وبين ذاك وهذا هي عاشقة له حد الجنون.
تمكن من السيطرة عليها وعلى مخاوفها، فضم وجهها لعنقه وهو يعيد كلماته:
_يلا يا حبيبي ادخلي وساعدي زينب واعملي اللي قولتلك عليه... لازم أتحرك علي وآدهم مستنين تحت.
أمسكت ذراعه قبل أن يستقيم بوقفته وقالت بخوفٍ:
_خلي بالك من نفسك يا عُمران.
منحها ابتسامة جذابة وانحنى يتعمق من قبلة أعلى حجابها الطويل قائلًا بصوته الرخيم:
_حاضر يا حبيب قلبه وروحه!
فور صعوده بالمقعد الخلفي انطلقت "علي" بالسيارة على الفور ليتوجه لشقة أيوب، بينما يتابع آدهم جهازه باهتمامٍ، ففور أن اهتدى لاشارته حتى أشار لعلي:
_أيوب مش في الشقة.
وأضاف ويده تشير لمقود السيارة:
_أقف على جنب أنا هسوق.
انصاع له علي وهبط ليبدل كلاهما مقاعدهما، جلس آدهم بمقعد السائق يده تشدد على المقود بشرودٍ لفت انتباههما، فقال عمران بضيق:
_ده وقت سرحان يا آدهم... اطلع بسرعة قبل ما الكلب ده ما يأذيه!
مال بجسده للخلف ليتمكن من التطلع إليه، وردد بتوترٍ:
_الموضوع ده مش سهل يا عُمران، احنا كده بنخبط على باب من أبواب الجحيم اللي لو اتفتحت مش هتبلعنا لوحدنا.
لكم عمران المقعد الأمامي بغضب:
_تبلع اللي تبلعه المهم نلحقه.. أنا مش هتخلى عن أيوب حتى لو التمن كان روحي سامع!
نهره علي بحزمٍ:
_اتحكم في أعصابك يا عُمران وسيب آدهم يتكلم عشان نفهم هو عايز يقول أيه؟
وأشار باحترام عساه يلملم وقاحة أخيه الصغير:
_اتكلم يا آدهم.
تنهد بحزنٍ وصوتًا احتقن بألمٍ عظيم:
_الشخص ده مش يهودي بس ده من الجيش الاسرائيـ**ـلي، بعيدًا عن إنه هيكون واخد احتياطاته أوي فبمجرد أننا نشتبك معاه فده هيعمل توتر في العلاقات الدبلوماسية وهنضطر نعمل اعتذار وتوضيح إنه قتل خطأ وهيدخلنا في دوامة ملهاش أول من أخر.
وضعهما في مأزق يصعب على كلاهما فهم ما يود قوله، فردد عمران بعد تفكير:
_مش لازم تكون موجود معانا يا آدهم لإنك كده هتتعرض لمحاكمة عسكرية، دلنا على المكان وأنا هروح بنفسي حتى لو كان التمن حياتي.
زصل الغضب لذورته، فصاح بعصبية تتمكن منه للمرة الأولى:
_عمران أنا مش هتخلى عن أيوب حتى لو هخسر شغلي وحياتي كلها، أنا بعرفك بخطورة الوضع اللي احنا داخلينا عليه، لكن أنا جاهز من زمان لليوم ده بدليل جهاز التعقب اللي حطيته لأيوب واللي هيوصلنا لمكانه دلوقتي.
سحب علي أنفاسه بتثاقلٍ، فوزن أموره فيما يدفعه زوج شقيقته إليه، يخبرهما بطريقة غير مباشرة إن ما يقدمون على فعله قد يخسرهم مستقبلهم وعائلتهم، يعلم بأنه لشيءٍ مؤلم خسارته ولكنه على يقين بأنه لن يتخلى عن شاب مغترب، مسلم، يملك قلبًا ذهبيًا كآيوب، لذا كسر الصمت العالق بينهم وقال:
_اطلع يا آدهم احنا معاك!
فور أن نطق بتلك الكلمات حرك مفتاح السيارة وقاد بسرعةٍ خطيرةٍ جعلت اطارات السيارة تحتك بالرصيف مصدرة صوتًا مخيفًا كبداية حربًا تستلهم قلوبهم، حربًا ليست بهدف العيش والنجاة إنما هي حربًا للشرف والمروءة، حربًا لطالما كانت وستظل بيننا وبين هؤلاء الخنازير.
عاونتها مايا على ارتداء فسانها وعقد حجابها، وبالرغم من انشغال عقلها بالتفكير بزوجها الا أنها كانت حزينه حينما أخبرتها زينب عما حدث، فربتت بحنان على ظهرها وقالت:
_متخافيش يا زينب الكلب ده مستحيل يتعرضلك تاني بعد ما الشرطة أخدت أقوالك وأقوال سيف والكاميرا اللي بره كان فيها كل اللي حصل، أكيد هيجبوه.
لفت انتباهها تلفظها لاسمه، فسألتها بلهفةٍ واضحة:
_هو سيف فاق؟
ابتسمت بخفة وأجابتها:
_كنت لسه واقفة مع ليلى من شوية وقالت انه فاق وقال للشرطة زي ما آدهم فهمه.
أمسكت بحقيبتها ومتعلقاتها تشير لها:
_يلا يا حبيبتي نرجع البيت قبل ما الوقت يتأخر عن كده.
اتبعتها زينب للخارج، فمرت من أمام غرفته وعينيها تراقب الباب بلهفة وارتباك، تباطئت خطواتها حتى توقفت عن الخطى وعينيها تتطلع للباب بنظرةٍ مهتمة، فأفاقت على صوت مايا:
_زينب يلا!!
تحرر صوتها الدفين على استحياءٍ:
_هو أنا ممكن ادخل أطمن على دكتور سيف؟
كبتت مايسان ابتسامتها حتى لا تخجلها، ورددت بحنقٍ:
_أووف أنا إزاي نسيت، كويس إنك فكرتيني ميصحش نمشي من غير ما نطمن عليه ونتأكد إن ليلى ودكتور يوسف مش محتاجين حاجة.
واتجهت لباب الغرفة تطرق بخفة وفور استماع صوتًا يأمر الطارق بالولوج، ولجت كلتهما للداخل.
تحرك رأس سيف جانبًا ليتمكن من رؤية الطارق، فتهللت أساريره حينما وجدها برفقة مايا، تابع يوسف تغير ملامحها بنظرة غامضة، نهضت ليلى تستقبلهما لأقرب أريكة، فكانت مايا أول من تكلمت:
_عامل أيه يا دكتور سيف؟
أجلى صوته المبحوح ليجيبها وعينيه لا تترك زينب التي تضع عينيها أرضًا تهربًا من نظراته، وأكثر ما يخجلها صراخها متلهفة بأسمه فور أن تلقى الضربات التي أسقطته أرضًا:
_الحمد لله بخير..
انتظر أن تتحدث، يشتاق لسماع صوتها أو حتى نظرتها الدافئة إليه، حرمته بقسوةٍ من لمح مُقلتيها حتى صوتها، شعر سيف بأنها ليست على ما يرام، وقد أجاد ظنونه حينما جلست زوجة أخيه ليلى جوارها، تضع يدها على كتفها بشفقةٍ انتقلت بحديثها:
_انتِ كويسة يا زينب؟
رفعت رأسها إليها وهزتها بإيماءةٍ صغيرة فاهتزت دموعها وانهمرت، فضمتها بقوةٍ إليها قائلة:
_متزعليش يا حبيبتي إن شاء الله هيأخد جزاته، الشرطة أكيد مش هتسيبه بعد اللي عمله ده.
هاجمته ظنونًا فتكت به دون رأفة، فلعق شفتيه الجافة وبصعوبةٍ تساءل:
_هو أيه اللي حصل؟
فك يوسف عقدة ساعديه ونهض عن مقعده متخليًا عن صمته الغامض وانحنى تجاه أخيه يربت على يده المصابة بحنانٍ:
_محصلش حاجة يا حبيبي ارتاح انت.
ومنح نظرة تحذيرية لزوجته الا تتحدث بالأمر، فالتقطها سيف وحاول النهوض هاتفًا:
_في أيه يا يوسف؟
وزينب مالها؟
....... آآآآآه!!!!
تأوه بألمٍ حينما رفع رأسه المصاب في محاولاته للنهوض، فسقط على الوسادة يتألم بصوتٍ اتتزع قلب أخيه من موضعه، فصاح به:
_اهدى يا سيف.. إنت لسه خارج من العمليات!!
مال برأسه تجاهها فوجدها تركت مقعدها ووقفت تراقبه بفزعٍ ولهفة جعلته يمنحها ابتسامة ضمتها بعاطفة تبدد عنها كل ما تعرضت له، هبط بنظراته لشفتيها المتورمة وبقعة الدماء المتجلطة جوارها، فأسبل بجفونه للحظة وصاح بعنفوان:
_أيه اللي في وشها ده؟
وشملهم بنظرة متعصبة:
_ما تقولولي في أيه بالظبط؟!
ندمت ليلى لتسرعها بالحديث أمام شقيق زوجها فمنحت يوسف نظرة نادمة، بينما ارتبكت زينب لرؤيته غاضبًا لتلك الدرجة فوجدت قرار رؤياه بتلك اللحظة لم يكن الصائب.
تدخلت مايا بالحديث حينما تصاعدت الامور، فقالت:
_مفيش حاجه يا دكتور اهدى من فضلك علشان العصبية غلط عليك.. زينب كويسة الحمد لله مفهاش حاجة.
راقب يوسف ملامح وجه أخيه فعلم أن لا مجال سوى الحقيقة، فقال بوضوحٍ:
_يمان هاجم زينب وانت بالعمليات، ودكتور علي وعمران وسيادة الرائد أنقذوها منه.
احتدت نظرات عينيه بثورةٍ عاصفة، وردد بوجومٍ:
_عشان كده طلبت مني اتهمه بشكل مباشر للي حصلي!
هز رأسه يؤكد له:
_آدهم اللي طلب مننا كده لان الكلب ده هاجم زينب في مكان عام ومش بعيد يكررها تاني وآ..
قاطعه بصراخ جهوري حاد:
_على جثتي لو طال منها شعرة واحدة... زينب خلاص هتبقى مراتي سواء رفضت أو قبلت.
جحظت أعينهم جميعًا وبالأخص زينب التي تخلى عنها الحديث وبدت بلهاء تتطلع له بفمٍ يكاد يصل للأرض، ويوسف الذي يرى جانب مغاير لشخص أخيه الهادئ، ربما كان سيطير فرحًا إن حدث ذلك من قبل ولكن الآن الآذى الذي طاله وتهديدات ذاك الآرعن جعلته مترددًا بالأمر، هو ليس على استعداد لخسارة أخيه الوحيد، الساعات التي قضاها داخل غرفة الجراحة لجواره كفيلة بأن تجعله لا يود أبدًا أن يخوض نفس تلك التجربة القاسية، وفي ذات الوقت لم يعتاد أن يقسو عليه أو يعارضه بأي قرار يتخذه، خاصة وإن كان هذا القرار متعلق بقلب أخيه، أخيه الذي يُعد قلبه هو!
تنحنحت مايا بارتباكٍ في محاولة لرفع الحرج عنهم جميعًا:
_كويس إننا اتطمنا عليك يا دكتور سيف، عن اذنكم هنمشي قبل ما الوقت يتأخر أكتر من كده.
وهزت تلك الساهمة التي تندث بأحضان مُقلتيه الجذابة:
_يلا يا زينب.
أفاقت على هزتها واستدارت سريعًا لتفر من أمامه، فاوقفهما يوسف قائلًا:
_ثواني يا بشمهندسة، جمال طالع على السلم يوصل بس وهنزل أوصلكم.
رفضت اقتراحه المسبق بلباقةٍ:
_مفيش داعي يا دكتور يوسف أنا معايا عربيتي.
رفع سيف رأسه بتعبٍ شديد وهتف بوهنٍ:
_روح معاهم يا يوسف، لو مشوا لوحدهم هكون قلقان الكلب ده يهاجمها تاني.
تعلقت البسمات على الوجوه، وزينب تكاد تنصهر من فرط الخجل، استدار إليه يوسف يغمز له بمشاكسة مرحة:
_استريح انت يا عم روميو.. أنا هوصلهم وراجع متقلقش.
ضحكت ليلى وقالت وهي تتابع المحلول الذي أوشك على الانتهاء:
_متحرجش دكتور سيڤو يا يوسف سيبه في اللي هو فيه.. مش كفايا قاعد عاقل ومتحمل المحلول والخمستاشر حقنه اللي أخدهم لحد دلوقتي.
جحظت عين سيف صدمة لما استمع إليه، وكأنه كان لا يعي بما يندث بأوردته وبما يحدث من حوله من أثر المخدر، فردد بتلعثم وتيهة:
_حقن!! محلول!!
قال كلمته الأخيرة وهو يراقب ما تفعله بذراعه ومن ثم انفجر صارخًا:
_لأ يا ليلى محلول لأاااا... شيليــــــــه بسرعة لأ!!
ساد الجمع صوت ضحكات زينب المترددة بعدم تصديق لما يحدث، توالت دون توقف حتى أدمعت عينيها من فرط الضحك، ارتخى ذراع سيف عن نزع المحلول من يده ومال على وسادته بجسده المسترخي وعينيه التي تتابع ضحكاتها بهيامٍ وحبًا يزاحم قلبه في عُقر داره.
كبتت مايا ضحكاتها بتمكنٍ، وخاصة حينما ردد يوسف بسخرية:
_عرتنا الله يكسفك!
وأشار لهما قائلًا:
_اتفضلوا.
اتبعوه للمصعد الذي اندفع منه جمال يلتقط أنفاسه بصعوبة من فرط الصدمة التي تلاقاها، فصاح ليوسف بلهفة:
_في أيه يا يوسف؟
وسيف ماله؟!!!
ربت على كتفه بابتسامة ممتنة لحضوره إليه في أقل من خمسة عشر دقيقة:
_اهدى وخذ نفسك يا جمال، سيف كويس أنا كلمتك عشان تقعد معاه عندي مشوار مهم لازم أعمله..
وتابع وهو يشدد على كلماته:
_خد بالك منه وأوعى تسيبه يا جمال.
هز رأسه بتفهمٍ وبشكٍ سأله:
_مين اللي عمل فيه كده؟
مال عليه يوسف يخبره:
_عم آديرا.. خليك جنبه لما نشوف الحكاية هترسى على أيه.. وأوعى تقوله اللي حصل مع أيوب أوعى يا جمال..
أكد له بتفهم:
_متقلقش روح مشوارك وأنا هستناك هنا.
منحه ابتسامة ممتنة ولحق بهما للأسفل، واتجه جمال لغرفة سيف ليكون جواره لحين عودة يوسف ليعلم منه التفاصيل بما حدث.
بمكانٍ مجوف كالصفيح، يحيطه الطلاء الأسود من الداخل والخارج كمحاولة تغطية عن كنايته، تغوص أعمدته بأعماق الأرض ومن فوقه الرصيف الاسمنتي المجوف، رائحة النفط تحيط بجوانب المكان من جميع الاتجاهات، والزجاج متناثر بكل زواية.
وعلى ذاك العمود كانت تستند بظهرها، ساقيها مضمومة ليدها برباطٍ قاسٍ، يجبرها على الجلوس بشكلٍ غير مريح، ومن أمامها ذاك الملقي أرضًا دون قيدًا حيث كان فاقدًا الوعي فلم يجدوا حاجة لتقيده، الدماء تنهر من جانب رأسه ووجهه تحيط به بعض الكدمات.
استرخاء جسده باستسلامٍ هكذا ذبحها دون رأفة، ومع كثرة رجائها وندائها المتكرر له مازالت لم تستسلم بعد، فعادت لتناديه مجددًا:
_أيها الإرهابي أجبني من فضلك!
تدفق الدمع على وجنتها فنادته بحسرةٍ لظنه فارق الحياة:
_آيوب... هيا انهض لا تتركني بمفردي!!
مجددًا تناديه ببكاءٍ:
_آيـــــــــــوب!
زحفت آديرا بصعوبةٍ حتى وصلت لجسده الملقي، فمالت برأسها على صدره تستمع لدقاته، فارتسمت ابتسامة سعيدة على وجهها حينما تأكدت بأنه مازال على قيد الحياة، فمالت برأسها تفرك على صدره وتناديه:
_آيــوب... انهض آيــــوب.
عادت تحركه مرات متتالية وهي تترجاه ببكاء:
_أيها الإرهابي انهض الآن.. أنا خائفة!
استجاب لتلك الدفعات المتتالية له من رأسها، فتأوه بخفوتٍ وهو يستعيد وعيه تدريجيًا، استند على ساعديه وجلس يراقب المكان ويراقبها بنظراتٍ مشوشة:
_أين نحن؟
سماعها صوته جعل الابتسامة تنبثق على شفتيها فرددت بعدم استيعاب:
_ايها الارهابي هل استعدت وعيك؟!
تطلع لها أيوب بصدمة، كانت الحبال تؤلم يدها وساقيها بشكلٍ مؤذي، جانب وجهها الأيسر متورم للغاية حتى عينيها وأطراف شفتيها، تحركت غريزة رجولته المنبثقة داخل أي رجلًا تجاه زوجته حتى وإن كان يبغضها حد الجحيم، فسألها بصوتٍ قاتمًا:
_هل لمسكِ أحدًا؟
هزت رأسه تنفي ذلك، وأضافت ببسمةٍ تهكم:
_صفعني أحدهم عدة مرات ولكنه لم يعتدي علي!
وأخفضت صوتها قليلًا تهتف بضجرٍ:
_ليته فعلها ولم يضربني بتلك القسوة، لقد شوه وجهي الجميل!!
اصطكت أسنانه غيظًا من تلك المرأة المعتوهة، فجذبها يحل عنها ذاك الرباط، فحزن حينما وجد حلقة من الدماء تحيط بكفيها التي احتضنته تفركه ببكاء من شدة الألم.
اجتاز قلبه خوفًا من القادم، يتعامل مع أناس قد جردت قلوبهم من الرحمة، فإن لم يشفق بابنة اخيه كيف سيكون بقلبه الرحمة!
رفعت آديرا رأسها إليه وسألته ببكاء:
_لا أريد الموت أيها الإرهابي!
مال للعمود القابع خلفه، استند عليه وأغلق عينيه مرددًا:
_كلنا سننالها يومًا، والآن إن قدر لي الله عز وجل لقائه فأنا مستعدًا لذلك.
زحفت إليه تخبره:
_ألا تخاف الموت أيها الإرهابي؟
ابتسم وهو يخبرها:
_من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، وأنا أرغب في لقائه ولم أقصر يومًا في طاعته حتى أخشى ذلك اليوم.
وتابع وعينيه تتوجس بالمكان المريب من حوله:
_كل ما أتمناه أن يكون عملي صالحًا، ويتقبلني الله من الشهداء حينها سبدخلني جناته دون حسابًا.
تعجبت مما تستمع إليه، استرخائه التام وترحيبه بالموت، لم يكن أيوب شخصًا عاديًا بالنسبة لها، كل ما فعله منذ أول لقاءًا جمعهما حتى اليوم وهو غامضًا بالنسبة لها، تكفله بطعامها ومسكنها، غض بصره المستمر عنها، مساعدته له حينما تلقت طعنة من عمها، حتى بعد زواجه منها يحافظ عليها، لم يطمع بجسدها يومًا مثل بقية الرجال حتى عمها القذر لطالما وجدته ينظر لها بطريقة مقززة، وإلى الآن مازال لجانبها يشاركها الموت بصدرٍ رحب، بل وكاد أن يضحى بذاته حينما خبئها أسفل فراشه وقرر هو مواجهة رجال عمها، والأكثر حيرة لها ثقة أخيها الكبيرة به لدرجة أن يضعها هي بامانته ويسلمه دفتره الخاص! أوليس بعد كل ذلك أهل للثقة؟
أغلق عينيه يجاهد ذلك الألم الذي يحتل جبينه فتفاجئ بها تمسك يديه وتناديه ببكاء:
_أيوب..
فتح فيروزته وتطلع لها باهتمامٍ، فقالت ببسمة صغيرة تعاكس كل ما تختبره بتلك اللحظة:
_إن خرجنا من هنا على قيد الحياة هل ستقص لي عن دينك مثلما فعلت مع آران أخي؟
وعدلت سريعًا من خطأها:
_أقصد أخي محمد!
أشرق وجهه الجذاب بسعادةٍ جعلته يشعر بارتعاش قلبه، ها هو على وشك أن ينجح بردعها عن ذاك الطريق وجعلها تختار اعتناق الدين الاسلامي دون ضغط منه، تركها ترى بعينيها الفرق، والآن تمد يدها له وتطالبه بأن يشدد عليها وهو على أتم الاستعداد بعدم تركها، كاد بأن يجيبها ولكنه ابتلع كلماته فور أن تحرر الباب الحديدي الغليظ وولج للداخل عمها البغيض ومن خلفه رجلين باجساد ضخمة للغاية.
ارتجفت آديرا فور أن رأته يقف قبالتها، فتسللت بخفة لتستقر مجلسها خلف ظهر أيوب، محتضنة ظهره من الخلف بأصابع مرتجفة وبكاء خافت يصل لمسمعه تليه همسها المنخفض:
_سيقتلني!
رفع يده يشد على يدها ومازالت عينيه تجابه ذلك الحقير بتحدٍ وقوة، فاقترب منه وهو يزيح نظارته السوداء ليرى نظارته المحتقرة، وردد بضحكة مخيفة:
_كنت أنتظر لقائك أيها السفيه!
تحدتني بمرتك الأولى حينما سيطرت على آران اللعين والآن حان دور آديرا! أنت مختل مريضًا تظن أنك ستنجو بأفعالك!! والآن ستنال جزائك أيها ال******* اللعنة عليك وعلى دينـ**
بزغت عروقه غضبًا لم يزوره يومًا، يسب دينه بمنتهى الجراءة وما هو الا حشرة تحتمي خلف رجاله، استقام أيوب بوقفته يواجهه وجهًا لوجه، وصاح بعنفٍ:
_اللعنة على الحثالة مثلك أيها الخنزير... هل كنت تظن بأنه سيرضخ لك وهو بالأساس مسلمًا!!
وتابع بقوةٍ أزهلت الأخير الذي جحظت عينيه صدمة وخاصة حينما تابع باللغة العربية حتى لا تفهمه آديرا:
_كنت فاكر إنه مش هيعرف بحقيقتك القذرة! ولا افتكرت إن سرك اتدفن معاها!
ابتلع اليهودي ريقه الجاف بصعوبة بالغة وكأنه يبتلع النيران المشتعلة:
_إنت.. آآآنت... تقول أيه!
ضحك باستمتاعٍ لرؤية الخوف ينهش حدقتيه:
_الحقيقة اللي كنت فاكر إنها عمرها ما هتتكشف، حقيقة إنك خاين وحقير ومش مستبعد عنكم الغدر والخيانة علشان كده قتلت أخوك لإنه أسلم على إيد واحدة مسلمة حباها واتجوزها وهرب معاها منك ومن شرك، وبعد عشر سنين من جوازهم وصلتله وبعتله رسالة كلها خسة وندالة مثلت فيها دور الأخ الندمان واللي اشتاق لحضن أخوه، طلبت منه يقابلك وبرغم من إنه عارف شرك وخستك الا انه راح المكان اللي قولتله عليه وهناك قتله ودفنته بدم بارد!
وتابع وهو يدور من حوله ونظرات التقزز تشمله:
_الخيانة دي من صفاتكم انتوا مش احنا، تخيل الاخ بيقتل أخوه بمنتهى البرود لا ومستكفتش قتلت مراته واخدت أولاده حولت محمد لآران اليهودي وسدن لآديرا ولسه مستمر في كفرك ومتخيل إنك هتنتصر عليه حتى بعد موته لما تغير اسمائهم وديانتهم، بس اللي متعرفهوش إن ربنا إرادته فوق الكل، رجع الطفل اللي دنسته بوساختك لأصله والدور على آديرا وأنا سبب من الاسباب اللي هيرجعها لديانتها وأصلها غصب عنك وعين اللي يتشددلك يا كلب!
ارتبك الخنزير أمامه، وتراجع للخلف يصيح باستنكارٍ:
_كيف تعلم كل ذلك؟ من أنت بحق الجحيم؟
اتسعت ابتسامته وهو يجيبه:
_أنا الجحيم بعينه.. إن أردت اقترب وسألتهم بنيراني لحمك النجس!
تابعتهما آديرا بعدم فهم حتى ختم تهديده الصريح إليه، واستطرد ببسالةٍ وقوة:
_إن أردت قتلها فلتواجهني أولًا قبل أن تمسها!
استدار لرجاله يأمرهما بجنونٍ ورعب:
_ماذا تنتظران اقتلهما في الحال!
رفع احداهما السلاح تجاههما، فتراجع أيوب وأبعد آديرا خلف ظهره ليواجه فوه السلاح بنظرات أرعبتهم جميعًا، بينما مال الاخر تجاه أذنه وهمس له بشيءٍ جعل نظراته تنخفض للساعة التي يرتديها أيوب بفزعٍ!
قاد آدهم السيارة متبعًا اشارة الهاتف، فاندهش حينما وجد سيارة تسد الطريق عنه، فتحكم بالفرام وبصعوبة بالغة تفاداها، دقق النظر فيما أمامه ليجدها سيارة من نوع رولز رويس بوت تيل Rolls-Royce Boat Tail، تضاء مصابيحها ومن مقدمتها يجلس شخصًا ملامحه غير واضحة.
_في أيه يا آدهم؟
سؤال تمرد على لسان "عمران" الذي يتابع ما يحدث، نوعية السيارة واسترخاء صاحبها دفعت آدهم يخمن بكنايته، لذا قال بصرامة وهو يحرر حزام السيارة عنه:
_خليكم هنا.. ثواني وراجع.
هدوئه بالحديث وخروجه بتلك الطريقة، جعلتهما يظنوه صديقًا له أو زميل يخص عمله السري، لذا جلسا يراقبون ما يحدث بترقبٍ.
اقترب آدهم من السيارة، وكلما اقترب تزداد صدمته واندهاشه وهو يراقب صاحبها بعدم تصديق.
كان متمددًا باسترخاءٍ على سطح سيارته الفاخرة، يتناول كوب قهوته وجسده يميل على زجاجها الأمامي، فما أن اقترب آدهم إليه حتى ارتشف المتبقي من كوبه ومن ثم ألقاه أرضًا على الرصيف باهمالٍ، حرك رقبته يسارًا ويمينًا بضجرٍ من مدة انتظاره لمرور سيارة الاخير، وردد ومازال على نفس وضعية استرخائه:
_الرائد عمر مصطفى الرشيدي الكام مهمة اللي طلعتهم ادوك ثقة غبية في نفسك لدرجة إنك تقوم بمهمة أكبر منك وبره مستوى تدريباتك!
ورفع رأسه المسترخي للخلف ليحدجه بنظرة ساخرة من زيتونية عينيه الساحرة:
_لولا أنك اتدربت على إيد الجوكر كنت شكيت أنك دخلت وسطينا بالوسطة!
أخفض آدهم عينيه أرضًا وأجابه بوقارٍ:
_يا باشا أنا آ....
ألجم لسانه حينما نهض عن سيارته بطوله الفارع وجسده الضخم الذي تمتد العضلات لصدره وساعديه القوي بفعل تمارينه القاسية، يواجه الاخير بنظرة محتقنة وبالرغم من جموح عاصفته الا أن صوته هادئ، بارد:
_متقطعنيش وأنا بتكلم!
وتابع وهو يحوم من حوله كالوحش الواشك على التهام فريسته:
_حظك إن أنا اللي في انجلترا مش القائد بتاعك، وجودك هنا طول بالرغم من انتهاء مهمتك، اتحججت باصابتك رغم إنها متوجعش عيل صغير لسه داخل الجهاز جديد وقولنا ماشي نسيبه يتدلع المهمة اللي قام بيها تستحق إنه يرتاحله كام يوم، متفجئناش كتير بخبر جوازك رغم إنك المفروض تتجازى جاي دلوقتي وعايز تعرضنا لحرب إحنا مش جاهزين ليها!!
توترت ملامحه أمام ذاك الذي انتشر صيته بالمخابرات المصرية، ذاك الذي سحق غريمه بأي حربًا تشمله، لا ينكر أنه كان من ضمن هؤلاء الضباط الذين يتمنون يومًا العمل معه أو لقائه، فخدمه الحظ وأوقع به مع الجوكر عوضًا عنه، لم يستاء كثيرًا ولكنه كان يود لقائه، وها هو الآن يقف وجهًا لوجه قبالة «الاسطـورة رحيـم زيـدان»، من نجح بطمس صيته القوي على مدار تاريخه، لا يتهاون يومًا مع خصمه ولم يرأف بأحدٍ خارج عن القانون، فريقه يختاره بذاته رافضًا أي متدرب يحمل نقاط ضعف قد تخل بفريقه.
كسر قاعدة الصمت قائلًا باحترامٍ ودقة اختيار كلماته:
_يا فندم أنا عارف كويس أن اللي هعمله ده غلط بس أنا مش هقدر أقعد وأتفرج على الكلب ده وهو بيقتل واحد زي أيوب ده غير إنه آآ... إنه يكون صديق ليا.. فمن فضلك حاول تفهمني.
استند على طرف السيارة وربع ساعديه أمام صدره يرمقه بشراسةٍ وسخط:
_أمممم... شجاع إنت! بس للأسف غبي!
رفع عينيه إليه بعدم فهم لما يود قوله، فابتسم وردد:
_هو إنت فاكر إنك لما تقوم بمهمة زي دي بدون ما ترجع للقادة بتوعك ده هيعمل منك hero!! (بطل)
واستطرد ونظراته تشمله بقوة وغضب:
_بالعكس ده هيخليك صيدة سهلة لكلاب زي دول هتنجح تدينا قلم وتفتخر بيه وبسبب غباء ظابط زيك هيقلل من شأننا ومن اللي وصلناله!
واستطرد وهو يحدجه بجمودٍ واصبعه يشير للسيارة الخاصة بعلي:
_إنت باللي بتعمله دلوقتي بتعرض نفسك واللي معاك وصاحبك المخطوف للموت!
ازدحمت أسئلته المندفعه بمقلتيه ومازال رحيم يقف قبالته ثابتًا، إلى أن قال بوجوم:
_المكان اللي واخدهم عليه وفاكر إن صاحبك موجود فيه منصوبلكم فيه كمين يا سيادة الرائد، لإن ببساطة مستوى تدريبك موصلش لدرجة تأهلك تقوم بمهمة زي دي، فأول غلطة ارتكبته كانت زراعة جهاز يخصنا في ساعة صاحبك بطريقة بدائية خليتهم يكشفوه ويمكن ده السبب اللي خلاوه عايش لحد دلوقتي عشان يعرفوا جهاز يخص المخابرات المصرية بيعمل أيه معاه!!!!
رمش بعدم استيعاب حتى فقد القدرة على السيطرة على جسده فمال على سيارة رحيم يستند عليه، والاخر مازال يستقيم بوقفته، متابعًا:
_جهاز زي ده الأولى إنه يتزرع في أماكن معينة بالجسم ومش أي حد يقدر يعملها!
واستمر بالحديث المتعصب:
_تاني غلطة عملتها إنك رايح بنفسك تشتبك معاهم وإنت متعرفش احنا بنتعامل مع المواضيع الحساسة دي ازاي!
وبقوة وقسوة صاح:
_ودلوقتي أقدر أقولك ارجع باللي معاك وسيبنا احنا نتصرف وياريت ترجع مصر فورًا لانك متحول للمحاكمة يا سيادة الرائد!
اتجه رحيم لباب سيارته فلحق به آدهم يستجديه برجاء:
_هرجع وهعمل كل اللي حضرتك عايزه بس بالله عليك خليني أشارك معاكم.. حياته في خطر ولازم نتحرك.
ترك باب سيارته مفتوح واستدار إليه يضيق زيتونته بحدة:
_إنت سمعت الأوامر فأنصحك تنفذها تفاديًا للعقوبة الاضافية اللي هتطولك.
تعالى صوت آدهم دون ارادة منه:
_بس ده صاحبي وأنا مستحيل هنزل وأسيبه!!
استدار تجاهه بجسده وصاح بحزمٍ:
_ثابت يا سيادة الرائد!
قدم له التحية العسكرية بكل وقار:
_أفنـدم.
وتابع بغضب قاطع:
_شكلك نسيت نفسك ونسيت إنت واقف بتتكلم مع مين؟!! احمد ربنا إني قدرت أمنعك من الكارثة اللي كنت هتعملها وفوق كل ده لسه واقف بتضيع وقتي!
أخفض عينيه أرضًا وردد بأسف:
_بعتذر منك يا باشا.. أنا فعلًا معنديش خلفية عن التعامل مع النوعيات دي من المهمات.
_يبقى تبلغ القادة علشان تحمل الموضوع للي يستحقه!!
قالها بضجرٍ، وبعدها تنهد وهو يتفرس ملامحه بهدوءٍ، فأشار له:
_مشي اللي معاك واركب.
تهللت أسارير آدهم فرحًا، فتساءل بسعادة:
_بجد يا باشا!
ابتسامة صغيرة زينت طرف شفتيه وهو يجيبه:
_الجوكر موصيني عليك ومهدي القادة عنك، بس خليك عارف أنا مش زيه لو غلطت في اللي هيتطلب منك هترجع مصر في تابوت!
هز رأسه بحماسٍ، وهرع لسيارة علي ينحني للنافذة قائلًا:
_علي خد عمران وارجع، أنا لازم اتحرك حالًا مع القائد... مينفعش تكونوا موجودين معانا لإن الموضوع سري.
صاح عمران بغضب:
_يعني أيه يا آدهم؟ اديني الجهاز وأنا هروح
رد عليه وهو يتفحص سيارة رحيم:
_مفيش وقت يا عمران... أيوب اتنقل من المكان ده ومنصوبلنا كمين فيه... بعدين هفهمك أنا لازم اتحرك دلوقتي.
أشار له علي بتفهم:
_روح انت وخلي بالك من نفسك... واحنا هنستناك في شقتك.
هز رأسه وغادر سريعًا لسيارة الاسطورة فتحركت به على الفور تعاكس الطريق الذي كان يتجه إليه.
أصدر الأمر بنقل أيوب وآديرا لمكانٍ أخر، فعارض أيوب الرجال وسدد لكمات مهاجمة إليهم، أحاطوه وتمكنوا منهم، فأجبروهما على الصعود للسيارة والانتقال لمكانٍ أخر، وقد تسنى له فهم المغزى من وراء ذلك وخاصة حينما انتزعوا ساعته منه وأخرجوا منه جهاز التعقب، فعلم الآن لما أصر آدهم أن يرتديها طوال الوقت.
وضعوهم بأحد الغرف المنزوية بأسفل ذاك البناء التابع للموساد، كان مجهزًا بعدد من المسلحين، خُيل لهم بأنهم شياطين يتباهو بأن لا أحدًا يتمكن من السيطرة عليهم.
اندفعت آديرا تجاه أيوب تتمسك بقميصه المتهارى ببكاءٍ، ورجفة جسدها لا تتوانى عن الهدوء، شعر لوهلة بأنها ستترك الأرضية وستقفز على قدميه من فرط رعبها، وبالرغم من نفور جسده تلقائيًا من لمساتها الا أنه كان مشفق عليها.
استسلم لبقائها جواره هكذا وأغلق عينيه يسترخي مع ترديد أذكاره وبعض الأيات القرآنية، حتى وجدها تبتعد عن صدره وترفع رأسها إليه تسأله ببراءةٍ:
_أيها الإرهابي ألم تعد تنفر مني!!
كبت "آيوب" ابتسامته وهمس ساخرًا:
_آه لو عُمران قفشك وانتِ مكلبشة فيا كده مش هيسمي عليا..
وتنحنح بخشونة وهو يجيبها بمراوغةٍ:
_آديرا هل تظنيه وقتًا مناسبًا للنقاش فيما بيننا، دقائق قليلة وسيعود عمك السفيه لقتلنا!
تعلقت بقميصه وتهاوت دمعاتها تذكره بكلماته التي لم يمر عليها سوى القليل:
_ولكنك أخبرته منذ قليل بإنك لن تتركه يقتلني وأنت حيًا.
هز رأسه بقلة حيلة منها، تلك الحمقاء لا ترى ما ينتظرهما، أجلى صوته المبحوح وردد:
_حسنًا سأتركه يقتلني أولًا قبل أن يقتلك هل أنتِ راضية عني الآن؟
زحفت بجسدها تجاهه وهي تراقب باب المخزن برعبٍ، فرددت بهلعٍ:
_أيها الإرهابي هل تثق إن هؤلاء قادرون على انقاذك؟
زوى حاجبيه بتعجب:
_من!
اوضحت له:
_أصدقائك وهذا الشرس الذي كلما رأني هددني بأنه سينحر عنقي!
عاد لهمسه الساخر:
_يا ريت عمك يطلع ابن حلال ويخلص علينا بسرعة قبل ما عُمران اللي يوصلنا الله اعلم لو ظهر أنا هحميكي منه ولا من عمك ابن ال***
تابعت ما يقول بعدم فهم فسألته باستفهامٍ:
_أيها الإرهابي ما الذي تُثرثر به!
زفر وهو يحرك رأسه بيأس وصاح بها ساخرًا:
_إن كنت أنا بما أفعله لحمايتك إرهابيًا بالنهاية فماذا أنعت عمك الحقير بعد ما فعله وسيفعله بنا؟
اختطف آدهم النظرات السريعة للاسطورة المنشود، كان يجلس جواره بثباتٍ قاتل وكأن لا أحدٌ يشاركه السيارة، يصنع لذاته هالة من الهدوء والسكينة، وجهه حازمًا، مخيفًا بالرغم من وسامته، انتفض فزعًا حينما قال الاخير ومازالت عينيه على الطريق:
_لو مش هقطع لحظات تأملك فيا اسحب الجهاز اللي في التابلو وافتحه.
تنحنح الاخير بحرجٍ، وبالفعل سحب الجهاز وفتحه لينطلق صوتًا أنوثي لفتاة تتحدث بطريقة مخلة كالعاهرات:
_أووه بيبي هل اشتقت لي؟
جحظت نظرات آدهم لرحيم الذي يتابع قيادته بنفس هدوء معالمه، فتابعت الفتاة:
_أنا أتوق شوقًا لك.. وانتظرك بكثيرٍ من الصبر.. لا تتأخر والا احترقت من لوعة الانتظار... أتعلم أنا أفتقدك وأخشى أن يعود عمي باكرًا حينها لن أستطيع الجلوس برفقتك!
لا يصدق ما يستمع إليه وخاصة حينما قالت بميوعةٍ:
_أسرع فلم أعد أستطيع الانتظار!!
فور نطقها بتلك الكلمات، أحتدت نبرة صوته:
_اربط حزامك.
عبس آدهم بعينيه بعدم فهم، فصاح رحيم بحدة:
_لو مش عايز تطير على الطريق ويحضنك الاسفلت اربط حزامك.
انصاع إليه وربط حزامه، فانطلق رحيم بسرعةٍ جنونية وبالرغم من ذلك كان متحكم بمقود السيارة متفاديًا ازدحام الطريق ببراعةٍ.
الآن علم آدهم شفرة الرسالة السرية من تلك الفتاة التي قد يظنها البعض عاهرة، ولكن ما هي الا رسالة سرية حل أول حروفها وكلماتها ليردد بصوت سمعه رحيم:
_بتنبهك أنك توصل بسرعة قبل ما عم آديرا يرجع!
ابتسامة ساحرة اتشح بها:
_براڤو ابتديت تفهم!
ستة دقائق اضافية اتخذتها سيارة رحيم الحديثة حتى وصلت لمكانٍ يقرب العمارة المتهالكة، هبط آدهم واتجه ليقف قبالة رحيم الذي قال ببسمة مخيفة، وكأن الشيطان يمنحه فرصة للنجاة من براثنه:
_هتكون ظابط مميز لإنك جمعت في مهماتك بين الجوكر والاسطورة وانت عارف ان ده نادرًا لما بيحصل!
وتابع وهو يرفع قدمه ليستند على عجلة السيارة:
_ خاليني أحذرك للمرة الاخيرة المهمة دي مش سهلة فلو مش هتقدر تقوم بيها انسحب وسبني أنا ورجالتي هنتعامل.
لم يكن أحمقًا ليفوت فرصة العمل مع الاسطورة ليكتسب مهارة ستضاف إليه بتاريخه المهني:
_أنا يكون ليا الشرف لو كنت مع حضرتك في مهمة واحدة... هنفذ تعليماتك بالحرف، وإن شاء الله هكون عند حسن ظنك.
هز رأسه ببسمة هادئة وقال:
_كون إن مراد زيدان اللي مدربك ده مطمني يا عمر.
وتابع وهو يغمز له بمشاكسة:
_أقصد آدهم زي ما بتحب!
وارتسمت الجدية على ملامحه وهو يشير له على العمارة:
_صاحبك هنا في دور سري تحت جراشات العمارة، لازم تعرف إن المهمة دي صعبة لإننا مش هنتعامل بالسلاح ولا هنديهم الفرصة إنهم يستخدموا سلاحهم.
استطرد يوضح لمن يواجه صعوبة بفهمه:
_خليك واثق إن محدش من الكلاب دول هيخرج حي، بس الذكاء هنا هيرجع للقضاء والقدر.
ضيق عينيه في محاولة لفهم ما يود قوله، فرفع يده لاعلى البناية مشيرًا:
_رجالتي فوق مستنين مني اشارة عشان يبدأوا شغلهم.. بمعنى أوضح يا سيادة الرائد صاحبك ومراته لو مخرجوش من المكان ده بعد ١٤دقيقة من دلوقتي هيتنسفوا مع الكلب "ديفيد" عمها واللي معاه.
سأله بحيرةٍ وارتباك:
_لما حضرتك عايز تفجر المبنى مش عايزني ليه اتعامل بالسلاح!
ابتسم بسمة مخيفة، وفحيحه الخبيث يتحرر:
_مين قالك اننا هنفجر المبنى! قولتلك قبل كده احنا في وضع حساس ومستحيل هنتعامل بشكل يثير الشبوهات علينا، الموضوع هيبان انه قضاء وقدر، مثلًا حصل ماس كهربا أو أي حادث مالوش علاقة بتدخل انسان بس المهم في ده كله إننا نخرج بيهم من جوه من غير ما نشتبك معاهم ولا حد فيهم يتصاب أو يستخدم سلاحه، مش، عايزين البحث والتحليل الجنائي يمسك علينا غلطة وده شغل رجالتي هما مستنين بس عشان نقدر نخرج بصاحبك وباللي معاه وبعد المدة اللي ادتهالك هيشوفوا شغلهم فهمت يا سيادة الرائد؟
هز رأسه يؤكد له ببسمةٍ فخر، كان يظن بأنه تمكن من معرفة كل صغيرة وكبيرة تجعله مستعد لمواجهة أي عدو، والآن يكتشف بأن موهبته لا تضاهي من حمل لقب "الاسطورة" عن جدارة!
أفاق من شروده على صوت رحيم يؤكد له:
_معاك ١٤دقيقة بس، لو مخرجتش بعدها اعتبر نفسك شهيد معاهم!
واستكمل وهو يشدد عليه:
_اتحرك حالًا وأنا هكون جنبك هأمن الطريق وهحاول أشتتهم عنك لو اكتشفوا وجودك.
ودفع إليه قناع قماشي أسود اللون، ارتدوه وأشار له رحيم:
_جاهز يا سيادة الرائد.
هز رأسه يجيبه:
_جاهز يا فندم!
اشارة معينة بأصابعه جعلته يندفع بحذرٍ شديد للمبنى، مستهدفًا أحدى الأبواب بينما ولج رحيم من بابٍ أخر غير الذي سلكه آدهم، كانت مهمة شبه مستحيلة، كيف سيتعاملون مع أشخاص مسلحون دون أن سلاح أو حتى دون أن تنطلق رصاصة واحدة من أسلحتهم، ربما هي صعبة ولكنها ليست محالة بالنسبة لرجال الصعاب الذين اعتادوا أن يحولوا المستحيل لممكنٍ.
اندفع آدهم للداخل بتمهلٍ قاتل، عينيه تدرس مكان رجال ديفيد، وتستكشف المكان بحرصٍ شديد، حتى سُلطت على رحيم المختبئ بالجانب المقابل له، يشير بيده على زواية بعيدة، اتجهت نظراته إليها فتفاجئ بوجود كاميرا.
عاد ببصره لرحيم فأشار له بأصابعه باشارة يعلمها جيدًا فالحديث بين فريق المخابرات يعتمد على لغة الاشارات، وفهم لغة الاعين بما يود القائد اخبارك به دون حديث.
علم منه بأن هناك أربع كاميرات تحيطه، فانتبه إليهم، يتمكن كلاهما من السيطرة على الكاميرات بسهولة ولكن مهمتهم يتعمدون أن تبرز الكاميرات طبيعة الحدث حتى حينما يشهد تدمر المكان.
أشار رحيم لآدهم اشارات متتالية، على غرفة تكسل على طرف آدهم وغرفة تميل على طرف رحيم، ففهم بأنه يطالبه بالبحث عن أيوب بالغرفة المجاورة له وهو سيبحث بالغرفة التي تنحاز على جانبه، فهز رأسه وانحنى يتفادى الكاميرات حتى سلك كلا منهما الغرف.
زحف آدهم بحرصٍ وتمكنٍ، حتى وصل للغرفة، طوفها بنظرةٍ متفحصة خشية من وجود كاميرات بالغرفة، فتنهد براحةٍ حينما لم يجد أي كاميرات، فلم يستطيع السيطرة على ذاته واندفع تجاه رفيقه، يهزه بخوفٍ من رؤيته يغلق عينيه ويسترخي بجلسته بشكلٍ جعله يظنه فارق الحياة، فناداه بلهفةٍ:
_أيــوب!!
فتح عينيه بارهاقٍ ومن ثم انتفض بجلسته فسقطت آديرا عن كتفه وفاقت من نومها هي الاخرى.
ردد بعدم استيعاب:
_آدهم!!! إنت وصلت هنا ازاي!!
ضم وجهه بيديه بحبٍ، وجذبه بقوة لاحضانه هاتفًا بصوت اختنق بالدموع رغمًا عنه:
_الحمد لله إنك بخير.. كنت مرعوب ليكون أذاك!
تعلق به بفرحة، فلم يتوقع أن يعرض ذاته لخطرٍ عظيم هكذا لاجله، وفجأة ابعده عنه وهو يشير:
_لازم نخرج من هنا حالًا.. مفيش وقت يا أيوب.
وحذره باشارة حازمة:
_خليك ورايا وأوعى تعمل أي صوت لا انت ولا هي.. في ناس معايا هتساعدنا بس لازم نخرج من هنا الأول.
هز رأسه بتفهمٍ، واستدار لآديرا المتعلقة به بخوف يخبرها:
_يريدنا أن نتبعه دون أن نصدر صوتًا يلفت انتباه رجال عمك لنا.
أشارت له بتفهمٍ، فاتبع آيوب آدهم، اتبعت آديرا أيوب بخطواتٍ حريصة، حتى بات على الطرف الذي كان يحتله قبالة الاسطورة، فوجده بانتظاره، أشار له بأنه وجد أيوب وزوجته، فأشار الاخير له بسرعة الخروج من المكان.
كاد بأن يسلك الطريق الذي مر به فتفاجئ بوجود أحد الرجال، لذا أبدل طريقه بطريقٍ أخر، اتسعت مقلتي رحيم حينما وجده يخطو لطريقٍ محفوف بالقنابل المزروعة، هؤلاء اللعناء يضرمون الخطط الخبيثة لحماية أنفسهم، فزرعوا قنابل بشكلٍ يستحيل تميزه.
حاول رحيم أن يحذره ولكنه تفاجئ ببراعةٍ آدهم بتميز أماكن القنابل، فكان يتحرك بخفة ويشير لهما بتتبعه، فاحتلت شفتيه ابتسامة فخورة بأخيه الجوكر المزعوم، لقد برع بتدريب أحد تلميذه بشكلٍ يستدعي الفخر.
نجح آدهم بالخروج بهما آمنين، فأشار لأيوب بهمس:
_خد آديرا وامشي من الطريق ده هتلاقي هناك عربية ( رولز رويس بوت تيل Rolls-Royce Boat Tail) سودة خليك جنبها لحد ما أجيلك.
تمسك آيوب بيده بخوف:
_وانت يا آدهم؟!
أخبره بحزمٍ وصرامة:
_مالكش دعوة بيا، اسمع الكلام يا أيوب... روح أنا بستنى القائد بتاعي وهنرجع مع بعض.
هز رأسه إليه وغادر سريعًا، بينما اتجه آدهم للباب الذي ولج منه رحيم، فتعجب من تأخره، انحنى يتفحص المدخل فتخشب جسده فجأة حينما سُلط فوه السلاح على رقبته وصوتًا مقيتًا يتردد:
_يديك للخلف، انهض بهدوءٍ والا ستجد رصاصتي طريقها إليك!
انتصب آدهم بوقفته بهدوءٍ، ويديه تحيط رقبته، يحافظ على ثباته بكل طاقته ويستعد للمواجهة، وما أن استدار ليواجهه حتى تفاجئ برحيم يقف خلف الرجل، يثبت أصبعين من أصابعه على حنجرة الرجل والاصبع الثالث يحيط بأصبعيه بشكلٍ دائري، فجحظت عين الرجل وسقط قتيلًا دون أن تسقط منه قطرة دماء واحدة!!
حمله رحيم وولج به لداخل المبنى ثم أشار لآدهم:
_ورايا!
اتbعه للخارج فوجده يتفحص الطريق بنظراته الصقرية، حتى وجد سيارة سوداء تخص عم آديرا تعود لداخل المبنى، ارتسمت ابتسامته الشريرة على شفتيه وقال:
_كنت هزعل أوي لو الحفلة بدأت من غير الكلب ده!
ورفع يده للأعلى وبسطها بشكل مخيف، إشارة صريحه لرجاله المترقبون لاشارته بأنهاء الأمر.
دقيقتين والثالثة كانت تضوي بصوتٍ لشرارة كهربائية نتجت احتكاك ضخمًا، اتسعت ابتسامة رحيم وهمس بمكر:
_بدأت الحفلة بس يخسارة من غير توابيت!
وتابع لخبث:
_الاغبية حاطين قنابل هتساعد معانا في الاحتفال شوفت أجمل من كده!
وأشار له قائلًا:
_يلا نخرج من هنا.
اتbعه لسيارته، فصعد لجواره بالامام وبالخلف أيوب وآديرا، انطلق رحيم مسرعًا وأخر ما يتثنى لهم رؤيته انهيار المبنى وسط شعلة هائلة من النيران المخيفة، التي تتحدى بعنجهيةٍ أن يخرج منها أحدًا على قيد الحياة.
غمر الصمت السيارة ومازال الفضول يغلب أيوب للتعرف على كناية ذلك الرجل المخيف، لاحظ آدهم نظراته بالمرآة الأمامية فابتسم بتهكمٍ على ما يصيبه من ذعر، وتابع الطريق حتى استقر بهم أسفل شقة آدهم التي كان يسكن بها أيوب.
هبط أيوب وآديرا، فأشار له آدهم:
_عُمران ودكتور علي فوق بانتظارك... أنا شوية وجاي.
هز رأسه بتفهمٍ وصعد بها للأعلى ومازال مشدوهًا لما حدث منذ قليل.
أما بسيارة رحيم.
استدار برأسه إليه ينتظر سماع أوامره القادمة، فقال:
_مساندتك ليا بالشكل المتقن ده هتسقط عقوبتك خصوصًا إني مش ناوي أتكلم عن أخطائك الغبية، هعتبرك لسه في فترة تدريبك لإنك ذكي وعجبتني.
ابتسم له آدهم بامتنانٍ، فتابع رحيم بجدية تامة:
_أنا ورجالتي هنتابع الموضوع عن قرب مع إن اللي عملناه كان برفكت بس زيادة تأكيد، وعلشان نبعد وجوه الاتهامات عنه خصوصًا القرابة اللي بين ديفيد والبنت لازم صاحبك ومراته ينزلوا مصر في أقرب وقت، على الأقل لحد لما الموضوع يهدى.
هز رأسه بتفهمٍ، وقال:
_ أيوب وآديرا هيسافروا معايا مصر على نفس الطيارة!!!
يتبع.......
رواية صرخات انثى الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم ايه محمد رفعت
جاب الطرقة ذهابًا وإيابًا وهو يطرق كفًا بالأخر، الغضب والغيظ يكاد يفجر أورداته.
فزفر "يوسف" الجالس على الدرج جوار "علي" هاتفًا بسخطٍ:
ما تترزع في أي مكان يا عُمران خيلتنا يا أخي!
اتجه للدرج الجانبي حيث مكان جلوسهما وهدر بانفعالٍ:
انتوا جايبن الهدوء الغبي ده منين، بقالنا ساعتين قاعدين القعدة دي، ومفيش أي جديد، لا موبيل آدهم بيجمع ولا عارفين نوصل لأي خبر عن أيوب!
أجابه علي وهو يحيط قدميه بيديه بتعبٍ من تلك الجلسة الغير مريحة:
يعني في ايدينا أيه نعمله يا بشمهندس!
ربع يديه بمنتصف خصره وشمل أخيه بنظرةٍ متفحصة:
علي هو إنت جايب برودة الاعصاب دي ازاي!
ابتسم وهو يجيبه بغموضٍ:
جاتني من وقت ما آدهم نزل من عربيته يكلم الشخص اللي وقف بنص الطريق، ولو عرفت مين هو هتطمن وهتكون على ثقة إن أيوب راجع.
إتجه إليه مسرعًا بلهفة تتلألأ داخل رماديته:
مين هو؟
اتجهت نظرات يوسف وعُمران المهتمة إليه، فأرضى فضولهما قائلًا:
الاسطورة رحيم زيدان، أخو مراد زيدان الاتنين دول ظباط تقال في المخابرات وبالذات رحيم.
وتعمق بالتطلع لأخيه قائلًا:
هو اللي أنقذ فطيمة من اللي اتعرضتله.
سكنت ملامح عُمران باطمئنان، أما يوسف فكان حديث علي يعد كاللغز من أمامه، ما علاقة زوجته برجلٍ كهذا وما الذي تعرضت له بالتحديد؟
لم يعينه الأمر كثيرًا ولكن تضاعفت آماله بعودة آيوب، الثقة البادية على "علي" جعلت خوفه يهدأ تدريجيًا.
جلس ثلاثتهم على الدرج الجانبي، حتى إلتقطت آذانهم صوت المصعد ومن بعده خرج "أيوب" و"آديرا" التي تتمسك بيده وآثار الذعر يستحوذ عليها.
آيـــــــــــوب!
تحرر نداء عُمران بلهفة جذبت انتباهه، فالتفت ليتفاجئ بهم يجلسون على الدرج قبالة شقته، ترك يدها وهرع إليهم، فضمه عُمران بقوةٍ ألمت جسده المحتفظ بأثر اللكمات التي نالها، ولكنه احتملها بسعادة، واستمع له يهتف بفرحةٍ:
الحمد لله إنك كويس وبخير، أنا كنت هتجنن لما عرفت باللي حصل.. كنت خايف من اليوم ده والحمد لله إنه عدى ورجعت بالسلامة.
أغلق عينيه يستشعر حنان ضمته وحديثه الحنون، فوجد يد يوسف تمتد لتنتشله من بين ذراعيه هادرًا بمزحٍ:
ما توسع خلينا نطمن على البشمهندس اللي موقع قلوبنا من صبحية ربنا.
وضمه يوسف بحبٍ مربتًا على ظهره:
حمدلله على سلامتك يا بطل... لينا قعدة تفهمنا فيها اللي حصل.
أجابه وهو يبتعد عنه بفزعٍ ولهفة:
سيف كويس!! بعتولي رسالة من موبيله وصلوا ليه ازاي؟
لم يكن يريد أن يداهمه بما يشغله بتلك اللحظة، فأسرع علي بالتداخل وهو يستقبله بابتسامة جذابة:
حمدلله على سلامتك يا أيوب.
منحه ابتسامة واسعة ممتنة:
الله يسلم حضرتك يا دكتور علي.
لف عُمران ذراعيه حول كتف أيوب وقال:
هنقضيها كلام على السلم ولا أيه ما تفتح الباب بدل رميتنا بره بالساعات بسببك يابن الشيخ مهران.
أخرج من جيب بنطاله المفتاح واتجه للباب يفتحه بترحابٍ:
لا ازاي طبعًا... انا متأسف أوي على القلق اللي عيشتوه بسببي.
رد عليه علي بلباقة:
فداك المهم انك رجعت بخير!
أشار لهم بالدخول قائلًا:
اتفضلوا.
ولجوا جميعًا وكاد بتتبعهم ولكن عقله أرشده لشيءٍ مبهم، أين آديرا؟
راقب الطرقة بنظراتٍ متفحصة، وبحث جوار المصعد، التفت ليكمل بحثه فوجد عمران يقابله مستفهمًا:
بتدور على أيه؟
أجابه بصدمة من عدم رؤيتها:
آديرا!
ارتفع بصر عُمران تلقائيًا على الدرج العلوي، فتطلع إليه أيوب، فتفاجئ بها تختبئ خلف درابزين الدرج وتراقب عُمران بنظرةٍ مرتعبة، كأنها ترى وحشًا مخيفًا يهرب من أسطورة مظلمة تكاد تبتلعها.
وزع أيوب نظراته الحائرة بينهما، فوجد عمران يسحب نظراته الحادة عنها ويدلف للشقة بصمتٍ قاتل، فصعد للأعلى يناديها وهو يصيح بتهكمٍ:
بربك يا فتاة ما الذي تفعلينه هنا؟!
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، فحملت طرف فستانها الممزق واستقامت بوقفتها قبالته، تهمس له ونظراتها المرتعبة تراقب باب الشقة:
أأخبرت صديقك الشرس هذا بأنني نعتك بالإرهابي اليوم؟ صدقني لم أكن أقصد ذلك، حتى حينما تعلقت بك فعلتها لإنني أثق بأنك لن تترك عمي يقتلني... آآ... أنا أثق بك أيوب!!
كلماتها المرتبكة الاخيرة جعلته يبتسم وهو يردد:
وهذا ما أريده سدن!
رمشت بعدم استيعاب وهتفت في محاولةٍ لنطق العربية:
سداان!! ماذا!!
فرك أنفه بارتباكٍ فمازال على عهده بعدم الضغط عليها لاستمالته لاعتناق الدين اجبارًا، سيجعلها تخطو لعودتها رويدًا رويدًا، فتنحنح بخشونة:
هيا.. تعالي!
هزت رأسها نافية بذعرٍ:
سأنتظر هنا لحين مغادرة ذلك المتوحش... أنت لا ترى نظراته لي وكأنه سيقتلني بأي لحظة!
وتابعت وهي تلعق شفتيها الجافة:
أتعلم أنا أخشاه أكثر من عمي اللعين!
ضحك بصوته الرجولي الجذاب، وبعد محاولة من استعادة ثباته قال:
ألم تخبريني منذ قليلٍ بأنكِ تثقين بي؟
هزت رأسها تؤكد له، فمد كفه يطرحه لها:
حسنًا... أنا هنا.. لا بأس!!
تعلق كفها بكفه، وهبطت خلفه للأسفل بحذرٍ، ولجت آديرا للداخل وما أن خطت قدميها الشقة حتى سحبت كفها منه وهرولت للداخل وصفقت الباب بعنفٍ جعل يوسف يضحك:
منك لله يا عمران مربي للبنت الرعب!
لم يعنيه أمرها من الأساس، فتابع أيوب الذي أغلق باب الشقة وإتجه إليهم، وسأله بلهفة:
احكيلنا اللي حصل يا أيوب، وفين آدهم؟
رد عليه بحيرةٍ ظاهرة:
اللي حصل كان غريب ومش مفهوم... آدهم تحت مع الشخص الغامض اللي انقذنا.
واستطرد بحماسٍ كالطفل الصغير:
القائد بتاعه اللي خرجنا من جوه ده باين عليه إنه تقيل أوي، نظراته وشكله وهدوئه مخيف، طول ما احنا في العربية مفتحش بوقه بكلمة واحدة وفي لحظة خروجه من المكان اللي كنا محبوسين فيه المكان اتنسف في لحظتها وهو خارج ثابت ومرمش حتى!!!!
وتابع بضحكة ساخرة وهو يجاهد لوصف الموقف:
عارفين أبطال الأفلام الهندي الأوفر، لما تلاقي البطل خارج ببرود من وسط الانفجار!
ضحك يوسف بقوةٍ بينما ابتسم علي، أما عُمران فلم يستطيع السيطرة على غيظه القابع بداخله، فنهض عن الأريكة يجذب أيوب من تلباب قميصه بعصبية اتبعت نبرته المرتفعة:
بقى أنا قاعد هموت من القلق عليك وعلى أعصابي من ساعتها وإنت راجع تحكيلنا عن بطولات الظابط اللي أنقذك، بروح أمك مش حاسس بالحالة اللي أنا فيها!!
منع ضحكة كادت بالانفلات منه فرفع رأسه فوق يده المنكمشة على عنق قميصه وقال:
طيب نقعد وهحكيلك طيب، أبو اللي يعصبك يا جدع!
ضحك يوسف مؤكدًا له:
حذرتك قبل كده ألف مرة يا أيوب، متحاولش تخرجلنا الطاووس الوقح من مكانه، سيبنا نتعامل مع البشمهندس عُمران الراقي على قد ما تقدر.
دفعه عمران بغضب وعاد يحتل مكانه، ومازال الغيظ يأجج أعصابه، يود أن يقتص من ذلك الحقير الذي اعتدى مرتين على أصدقائه، مرة نالها سيف والأخر أيوب الذي تضرر وجهه بشكلٍ ملحوظ.
ولج "آدهم" للداخل باستخدام مفتاحه الخاص، فانضم إليهم يهتف مازحًا:
مساء الخير، أتمنى مكنش جيت متأخر!
أشار له أيوب بحماسٍ مضحك:
تعالى يا آدهم احكيلهم على القائد اللي كان معاك ده محدش راضي يصدقني!
وضع مفاتيحه على الأريكة وجلس قبالتهم يقول بملامح جادة:
أيوب إنت لازم ترجع مصر إنت وآديرا في أقرب فرصة، وجودك هنا الفترة دي مش في صالحك لحد ما الموضوع يتنسى.
اعتدل بجلسته بدهشةٍ، وصاح إليه:
ازاي وامتحاناتي بعد شهرين ونص يا آدهم؟
رد عليه بهدوءٍ وحكمة:
الباشا اللي طلب كده، متنساش إن الموضوع هيتحقق فيه بعناية والله أعلم إذا كان حد غيره عارف بموضوعك فيخدوها حجة ويلبسوك التهمة، انزل مصر وارجع تاني على امتحاناتك أسلم من كل ده... أنا هحجزلك معايا على نفس الطيارة اللي نازلة مصر.
ساد الصمت بينهم حتى قال علي برزانة:
آدهم بيتكلم صح يا أيوب وجودك هنا بالتوقيت ده خطر عليك وعليها.
تسلل الحزن لملامح عمران، فتنحنح بارتباكٍ:
يعني مفيش حل تاني غير إنه يرجع مصر، خليه هنا وانا هحاول أمن ليه مكان كويس.
ابتسم آدهم وهو يقرأ تعابيره الحزينة لمعرفته بسفر أيوب المحتمل، وأجابه بثبات:
ونضمن منين إن اللي حصل ده ميتكررش تاني؟ ده أمن حل صدقني، وبعدين دي فترة مؤقتة وهيرجع تاني.
واستكمل يوضح لهم خطورة الموقف:
احنا خايفين من الكام ساعة اللي هيقضيهم أيوب هنا لحد ما يركب الطيارة فما بالك لو قعد!!
وانتقلت نظراته لزوايا الشقة:
الشقة دي معتش أمان بعد ما اتعرف مكانها.
أسرع عُمران بالحديث:
خلاص لحد معاد الطيارة أيوب هيجي عندي في الملحق اللي جنب القصر، عمي أحمد لسه مكلمني من شوية وبلغني بأن الحرس اللي طلبهم وصلوا ومحاوطين البيت فكده هيكون في أمان لحد معاد سفره.
أجاد آدهم فكرته مناسبة فقال:
خلاص يبقى أيوب يفضل عندك لحد ما نرتب للسفر.
رفع عينيه الدامعة إليهم وقال بصوتٍ محتقن:
بس أنا مش عايز أسافر، أنا عايز أقعد هنا... مش هقدر أبعد عن سيف وعُمران.
واستدار برأسه تجاه الأخير يخبره على استحياء:
ولا عنك يا آدهم... أنا مش هسافر!
استولى الصمت على المجلس، والحزن يصل لدرجة لا تطاق، مزقه يوسف حينما قال بعقلانية:
ده لمصلحتك يا أيوب.. وإن كان عليهم فآدهم نازل معاك مصر على نفس الطيارة يعني مش هيبعد عنك يا عم، وعمران وسيف محلولة المكالمات الفيديو مفيش أكتر منها، كلمهم طول النهار والليل لحد ما ترجع تاني.
أزاح دمعة خائنة كادت بأن تفضحه، وهز رأسه بهدوء رغم تمزق قلبه من لوعة الفراق بينه وبين اصدقائه، فحطم علي حزنهم ذلك حينما قال بسخرية تامة:
بعيدًا عن الجو الشاعري اللطيف ده بينكم بس انتوا نسيتوا حاجة مهمة.
اتجهت أعين الثلاثة إليه بترقب، فاستكمل حديثه ببسمة واسعة:
آديرا هترجع مصر مع أيوب ازاي؟ أو بالمعنى الأدق هتظهر قدام الشيخ مهران بأي صلة؟
لوى عُمران شفتيه ساخطـًا:
هياخده بالاحضان وهيقوله يا فرحة أمك بيك!!
ارتبكت معالمه وهو يتابعهم بنظرات صامته، وردد بعد فترة طويلة من السكون:
لو اضطريت هكشفله الحقيقة.
رد عليه الطاووس الوقح ساخرًا:
وأيه هي الحقيقة يا ابن الشيخ مهران!! انك اتجوزت آديرا اليهوديه؟
هز رأسه ينفي مقصده المبطن وردد مصححًا:
اتجوزت سدن المسلمة يا عمران!!
جحظت أعينهم من صدمة ما تفوه به، فلم يستطيع أحدٌ ربط ما يقول، فسبقهم علي وسأله:
تقصد أيه؟ إنت مخبي أيه تاني يا أيوب؟
وضعت أمامها أصنافًا عديدة من الجبنٍ، وأخذت تبحث بين محتوياته بحيرةٍ، فتابعت تلك التي تقبع أمام شعلة النيران تنتظر ما ستحضره فنادتها بيأسٍ:
شمس!
استدارت إليها تشير بيدها:
هااا... يالا اديني الجبنه!
أشارت لها فاطمة بتذمرٍ:
في أنواع كتيرة قدامي عايزة أنهي نوع؟!
اتسعت بسمتها الخبيثة، وأردفت:
هاتيهم كلهم يا فاطيما... هعمل صوص جبن مشكل للمكرونة هيبقى تحفة.
وأشارت على البراد قائلة:
طلعي انتي الاستربس واعمليه لحد ما أخلص.
ربعت يديها أمام صدرها وتابعت بدهشةٍ ساخرة:
شمس الساعة داخلة على ١١ وانتي واقفة تعملي مكرونة وفراخ!!
وضعت الملعقة بفمها تستطعم مكونات الحليب الممزوج بالطحين، وفور أن استمعت لصوتها الساخر هرولت إليها تصيح:
وطي صوتك فريدة هانم هتسمعنا دي ممكن تحرمني من الأكل اسبوع جاي عشان أخس الكام كيلو اللي هيزيدهم بعد الواجبة دي، وبعدين يا فطوم فيها أيه لما نقوم نص الليل نضرب مكرونة واستربس وبانيه؟
جحظت عينيها صدمة:
كمان بانيه!! انتِ الجواز فتح نفسك على الأكل ولا أيه؟!
جذبت عُلبة الجبن واتجهت لتضع بالبشمل المخفوق هادرة بسخرية:
هو فين ده... حبيبتي أنا اتجوزت واحد عامل زي العفريت بيختفي فجأة وبيظهر فجأة.. أنا من ساعة الحفلة وأنا معرفش عنه حاجة!!
وزادت من وضع الجبن الكيري قائلة بسخط:
مفكرش يكلمني مرة.. أنا خايفة أسافر معاه مصر ليسبني ويختفي!!
وتابعت وهي تضع الملح:
اللي مطمني إن علي هيكون معايا.
تجهمت ملامح وجهها بحزنٍ، لا تعلم كيف ستظل تلك المدةٍ دونه، "علي" ليس زوجها فحسب، حسنًا هي تعشقه حد الجنون، سيطر على عاطفتها لدرجة جعلتها ترغب به!
لم يكن بأوسع مخيلاتها أن تمارس حياتها الطبيعية برفقته، وقد نجح هو بجعلها ترضخ له ولمشاعرها، ولكنه لا يعي بأنه بالنسبة لها كالهواء الذي يصعب على الإنسان العيش دونه، كيف تخبره بأنها حينما تلوث الهواء من حولها بفعل ما ارتكبه هؤلاء الجناة كان هو قناعها الذي مدها بالأكسجين النقي حتى تفادت كل تلك الغازات السامة!
تخيلها لفراقه عنها شعرت وكأنها تقف وسط وابل من الأمطار الباردة وللغرابة شعرت بأنها ترتجف دون ارادة منها، فرفعت ذراعيها تضم ذراعيها بخفةٍ.
أفاقت على شمس التي تخبرها بدهشة:
الباب اتفتح... شكل علي أو عُمران رجعوا!
أزاحت مريول المطبخ واتجهت للرخام المجوف لتتمكن من رؤية القادم، فانزوى حاجبيها وهتفت بذهولٍ:
مايا كنتِ فين انتي وزينب لحد دلوقتي!!
انكمشت تعابيرها صدمة من وجود شمس وفاطمة بالمطبخ بهذا الوقت، فقد عادت للقصر برفقة زينب ويوسف الذي أصر أن يُوصلهما ولكن زينب كانت تشعر بضيق أنفاسها فور أن استقرت السيارة أمام القصر، فطالبتها أن تتجه بهما لمكانٍ منعش، فرضخت لها مايسان حينما وجدتها بحالة نفسية سيئة.
ارتبكت زينب حينما وجدت شقيقتها تقترب منهما وتتساءل باستغراب:
كنتي فين يا زينب؟
ابتلعت ريقها بارتباكٍ قاتل، وتطلعت تجاه مايا كأنها تطالبها بأن تنجدها، فطرقت حقيبتها على الطاولة القريبة وأسرعت لفاطمة تخبرها بتوتر:
أنا كنت مخنوقة شوية يا فاطمة لاني اتخنقت مع عُمران النهاردة.. فقولت أنزل أتمشى شوية بالعربية وأخدت زينب معايا.
تعلقت عين فاطمة بأصابع الكف البادية على وجه زينب والتورم الملحوظ، انتفض جسدها فجأة وتراجعت للخلف تضم قبضة يدها تستمد القوة لمواجهة كل ما يعتريها من بعض مشاهد الاعتداء عليها المتفرقة، فاستمدت قوة ومجاهدة كبيرة لنطقها المرتبك:
أيه اللي في وشك ده يا زينب... قوليلي الحقيقة انتي كنتي فين؟
تمعنت بملامحها المتوترة والمنفعلة، كطبيبة علمت بأن شقيقتها على وشك التعرض لنوبة قاتلة، انعكاس تعابير وجهها حركات أصابع يدها المتشنجة، حدة أنفاسها، لم تكن تعلم بأنها متضررة لتلك الدرجة، لذا استجمعت قوتها لتجيبها بهدوءٍ:
مفيش يا فاطمة اتخانقت مع بنت في الجامعة وزي ما انتي شايفة ضربتني بالقلم بس الحمد لله مايا اتدخلت وحلت الموضوع وصممت تخرجني عشان أنسى اللي حصل.
واستدارت لمايا تحذرها بنظرة ثابتة:
مفيش داعي انك تخبي عليها لإن الموضوع خلاص اتحل.
تنحنحت مايا وهي تدعي شعورها بالحرج ليمر الأمر، على فاطمة:
أنا مكنتش عايزة أقلقها مش أكتر.
صاحت شمس بانفعالٍ وهي تندفع لتراقب اصابة زينب عن قرب:
ودي مين المتوحشة دي... لازم تقدمي شكوة فيها للادارة يا زينب.
أكدت لها مايا بحزم:
عملنا كده فعلًا والبنت اعتذرت.. الموضوع اتحل الحمد لله.
بخطواتٍ متوترة اقتربت فاطمة من زينب، تراقب اصابة وجهها وأصابعها موضوعة بفمها تضغط عليها ببكاءٍ، وما أن اقتربت منها حتى ضمتها إليهل بحركة مرتبكة وبكت وهي تتساءل بصوتٍ مزق قلب مايا وشمس:
بتوجعك؟
تعلقت بها زينب وهي تجاهد أن لا تسقط دموعها، فرددت:
لا خالص.. أنا كويسة والله.
كانت تحمل بداخلها ألمًا نازفًا لما حدث إليها، وما أن رأت حالة فاطمة شعرت بأنها تكتسب قوة يحيطها الخوف من أن تنتكس حالة شقيقتها، شددت زينب من ضمها فهي لا تمتلك سواها، فقدت أبيها ولم يكن لدي شقيقها الأكبر ولا الأصغر حنان تجاهها، لم تعد تمتلك سواها وبالطبع لن تسمح أن تعود لظلمتها القاتلة، إن كانت تعرضت لجرحٍ بعنق السكين شقيقتها انغرس بداخلها السكين بأكمله!
أدمعت أعين شمس ومايا تأثرًا بهما، فقالت مايا بصوتٍ باكي:
خلاص يا أوفر إنتِ وهي!
أزاحت شمس دموعها بأصابعها وقالت بشهقاتٍ طفلة باكية:
بطلوا عياط بقى الله.. وأنا اللي سهرانه أعمل مكرونة وبانيه ومزاجي كان رايق قلبتوهالي نكد.
جذبت مايا قبعة البيجامة للأعلى هاتفة بحنقٍ:
آه يا حقيرة مكرونة وبانيه من ورايا!!
أجابتها سريعًا وهي تحاول تخليص ملابسها:
عملت حسابك معانا يا طفسة بس آآ..
وسحبت نفسًا مطولًا من أنفها وهي تعيد كلماتها:
أيه الريحة دي!!
ابتعدت فاطمة عن زينب واجابتها بضحكة صاخبة:
المكرونة والبانيه اتحرقوا يا عروسة!!
هرولت للمطبخ وهي تصرخ بصدمة:
مكرونتي.. فراخي... صوص الجبن المكس... أووووه لاااااا.
انفجرت الفتيات من الضحك، فأشمرت مايسان عن ساعديها وأشارت بمزح:
بينا ننقذ ما يمكن إنقاذه أو نعمل غيرهم أنا بصراحة جعانه جدًا!
وصاحت وهي تهرول للمطبخ:
هيا بنا يا فتيات!
اختلج السكون بينهم، ما قاله ليس هينًا بالمرةٍ، الجميع يجلس بصمتٍ قاتل، النظرات تحيل بهم وتجتمع لآيوب المتحفز لاي سؤالًا قد يُطرح، فكان عُمران أول من تحدث:
يعني البنت دي المفروض إنها مسلمة؟
هز رأسه يؤكد له، مال يوسف يستند على ساعديه:
ازاي الأخ يقتل أخوه بالشكل البشع ده، وبعد ما أخد أولاده وكبرهم جاله قلب يقتل أخوها ويحاول يقتلها!
أجابه عمران ببسمة ساخرة:
مستغرب ليه يا دكتور دول ولاد **** معندهمش ملة ولا ضمير.
تنهد علي بحزنٍ، وأخفض ساقيه عن طرف الاريكة ليعتدل بجلسته متسائلًا بحيرة:
طيب ليه مش عايز تديها الدفتر اللي سابه أخوها يمكن لما تعرف الحقيقة الموضوع يفرق معاها وتأسلم!
رد عليه آيوب بعقلانية ورزانة:
لآني ببساطة مش عايزها تحس إنها مجبورة إنها تأسلم، عايزها تختار ده بارادتها ووقتها هسبها تعرف الحقيقة.
وتابع بابتسامة جذابة:
وبالمناسبة ده قرب يحصل لإنها واحنا مخطوفين قالتلي إنها عايزة تعرف أكتر عن ديني فده معناه إني قربت أوصل للي أنا عايزه.
ابتسم آدهم وأشار له باعجابٍ:
مطلعتش سهل يابن الشيخ مهران!
تعالت ضحكاته الرجولية مرددًا بمشاكسةٍ:
عيب عليك يا سيادة الرائد.
تعالت بينهم الضحكات الرجولية، ومن بينهم انطلق رنين هاتف يوسف فحمله وتطلع للمتصل وهو يقول بضيق:
يا خبر أنا نسيت جمال خالص... أنا دبسته مع سيف في المستشفى كل ده.
برق آيوب بصدمة، وتساءل بقلقٍ:
سيف في المستشفى بيعمل أيه؟
سيطر عليهم الوجوم، فانتفض بجلسته يردد بذعر:
سيف حصله أيه يا دكتور يوسف؟
أخفض عينيه أرضًا بحزنٍ، فصاح منفعلًا:
بسببي صح!! أنا السبب!!
وقف قبالته عُمران يمسك ذراعيه:
اهدى سيف كويس وبخير.
غصته تزداد كلما تيقن بأنه السبب فيما أصابه، بالطبع تمكنوا منه ليحصلوا على الهاتف، انتفض بين ذراع عمران وهمس له باكيًا:
عايز أشوفه يا عُمران!
ربت على ظهره بحنان وحزن يغترفه:
هاخدك ليه بس اهدى.
وأبعده عنه مشيرًا له:
هتوصلها الأول للملحق وبعدين هنطلع على المستشفى.
وتابع وهو يخرج برفقة الشباب:
هاتها وانزل.
ولج أيوب للغرفة فوجدها تغفو على الفراش بانهاكٍ وبنفس ثيابها، حركها برفقٍ وهو يناديها:
آديرا.. انهضي سنترك هذا المنزل.
نهضت بتعبٍ يهاجمها ورددت:
إلى أين سنذهب؟
اتجه يجذب أغراضها بالحقيبة الموضوعة جانبًا، فخشى أن يخبرها بأنه من سيرحل برفقته هو نفسه صديقه الشرس الذي تهابه، فابتسم يجيب بخبث:
سنذهب برفقة أحد أصدقائي، فالمكان لم يعد أمانًا.
هزت رأسها بخفوتٍ، ونهضت تحتضن كتفيها المصاب بتعبٍ تسلل لصوتها الهامس:
أشعر وكأن هناك سكينًا يمزق كتفي.
استدار إليها يتفحص موضع الألم، وقال:
لنغادر الآن وحينما نصل تقومين بتغير الضماد.
نهضت عن الفراش فاحتدت أنفاسها فور أن شعرت بالأرض تتراقص بها، وتلقائيًا استندت على ذراعه هامسة له:
أنا لست بخير أيوب.. أشعر وكأن حوائط المنزل تدور من حولي!
أدمى شفتيه السفلية بضيق ومع ذلك ساندها حتى ولجوا للمصعد.
هبط بها أيوب للأسفل حيث تصطف سيارة يوسف وعُمران، فما أن رأته آديرا حتى تركت ذراع أيوب الذي يعد عكازها بعد يومًا متعب رأت به الموت أكثر من مرة.
كبت علي ضحكته بصعوبة، وأشار لأخيه:
روح إركب مع آدهم وأنا هسوق أنا بدل ما البنت يجيلها سكتة قلبية قبل ما نوصل.
أومأ له باستسلامٍ غريب، وتركهما وغادر لسيارة آدهم فتحرك به على الفور.
عاد أيوب يساندها حتى استقرت بالمقعد الخلفي واستقر هو جوار علي، اتجهت السيارتين للقصر، ففتح علي الملحق لهما، وولج عُمران للداخل ليبلغ الخدم بوجود ضيوف بالخارج ليمدهم بما يحتاجوه.
ولج عمران المطبخ من الباب الخلفي، فوجد شقيقته تجلس برفقة زوجة أخيه وزينب يتناولون الطعام بجو من المزح والضحك، فابتسم وغض بصره مستكملًا طريقه لغرف الخدم الجانبية للمطبخ، فتفاجئ بزوجته تهدأ النيران وتراقب القدح.
جذبت مايسان الملعقة ورفعتها لفمها وهي تحرك شعرها للخلف حتى لا يسقط بالملعقة، تناولت ما تحمله وهي تهمس بإعجابٍ:
أممم البشاميل بتاعي أحلى من بتاع شمس بكتير.
تمردت خصلة من شعرها للأمام فرفعته بضيقٍ، وهي تعود لتقليب المحتويات، شعرت بيدٍ تجمع خصلاتها وتضعها برباطًا انسدل طرفه على وجهها فتمكنت من شم رائحة البرفيوم العالقة به باجتيازٍ، أغلقت عينيها بقوة ولسانها يردد دون ارادة منها:
عُمران!
مال على كتفها يضمها إليه وهمسه المغري يصل لمسمعها:
جنبك وقريب منك يا حبيب قلبي!
طمستها مشاعرها وقربه الخطر يقتحم أسوارها، تناست كل شيءٍ، حتى وقوفها أمام نار الموقود، مالت إليه تستجيب لحبه المطالب بقربها بعد يومًا قضاه وهو يجاهد السيطرة على اعصابه المشدودة، استكانت على صدره وصوت اندفاع دقات قلبه لقربها يرضي طبلة أذنيها، فابتسم وهو يهمس لها بمكرٍ:
الطبخة اللي اجتهدتي وبتتباهي بيها هتولع مع شرارة الحب يا بيبي!
رددت بعدم فهم:
طبخة أيه!
مال بها يغلق الزر الألكتروني وهو يردد من بين ضحكاته:
طيب خليني أنقذها لما تفوقي من سحر قربي!
برقت بصدمة وهي تستعيد ادراكها تدريجيًا، فدفعته للخلف وهي تراقب الجانب الخاص بطاولة الفتيات:
عُمرااان أنت بتعمل أيه يا مجنون، أختك ومرات أخوك بره!!!
منحه نظرة جريئة غير مبالية بما ذكر، وقال ويده تمتد لتعدل من جرفاته الذي يحتضن خصلاتها بتملك:
كده عندك ليا اتنين جرفات، واحد اتخليت عنه عشان حبيب قلب جوزه يعرف يأكل من غير ما يتضايق والتاني أخدتيه مني يوم فرح علي.
وانحنى تجاهها يهتف بخبث:
فاكرة اليوم ده يا مايا؟
ارتبكت وعينيها تتسع صدمة من تلميحاته الوقحة، فرفعت الملعقة تهدده بها:
امشي يا عُمران.. إمشي بدل ما أبهدلك بالبشاميل!!!
جذب الملعقة منها وتناول المعكرونة التي صنعتها ببطءٍ متعمدًا أن يهتف دون مبالاة بتعصبها:
أمممم.. لذيذة أوي.
وغمز لها بمشاكسة وهو يتابع طريقه:
شيلي ليا طبق لحد ما أرجع.. مش هتأخر عليكِ يا بيبي.
رفعت يدها تتحسس نبض قلبها المرتجف بحسرةٍ:
هيموتني في مرة من أفعاله وجرائته دي!!
وزفرت بغيظٍ وهي تلقي الملعقة من يدها، تنهدت بقلة حيلة وهي تجذب أحد الاطباق لتسكب لها، فعاد لها حديثه يتكرر بمخيلاتها فهتفت بدهشة:
هو رايح فين تاني!!
تجمعوا مرة أخرى قبالة باب القصر، فصعد عُمران بسيارة آدهم جوار أيوب بالخلف، بعد أن أقنع علي بالبقاء والاسترخاء بعد يومه المجهد هذا، فولج للداخل وغادرت سيارة آدهم للمشفى ومن خلفها سيارة يوسف.
اتجه للدرج ليصعد للأعلى ولكنه توقف فور سماعه صوت ضحكات قادمة من المطبخ، اتجه للداخل باستنكارٍ من استيقاظ أحدٌ بوقتٍ هكذا، فابتسم وهو يردد بسخرية:
دي العيلة كلها هنا وأنا مش واخد بالي!
صاحت شمس بحماسٍ:
علي... تعالـــى اقعد عما أجبلك طبق.
جذب المقعد المجاور لفاطمة التي تزيح بقايا الطعام على فمها بحرجٍ، فراقب الموضوع على الطاولة قائلًا بصدمة:
حد يأكل مكرونة والساعة داخلة على ١٢!! شمس إنتي مش هتبطلي تعملي مصايب بليل دي.
اجابته بمزحٍ وهي تضع أحد الاطباق أمامه:
الجوع كافر يا دكتور علي!
وتابعت بحنقٍ:
وبعدين انت متضايق أوي ليه ما مراتك منسجمة معايا وعجبها الوضع.
ارتشفت فاطمة من كوب المياه بحرجٍ، فابتسم علي وسحب شوكته يلتهم الطعام وهو يردد بحب:
اللي يعجبها يعجبني بالإجبار... ومستعد أنزل كل يوم بليل أطبخلها أنا بنفسي.
مالت شمس على الطاولة تستند على ذراعيها، ونظراتها تمر بينهما بمشاكسة:
يا الله على الرومانسية والحب... أنا لو سمعت الكلام والحركات دي من عُمران مش هتفاجئ لكن دكتور علي أخويا الهادئ الخجول مش قادرة!!!
وتابعت وهي تغلق عينيها بتنهيدة:
صحيح الحب بيصنع المعجزات!
أفاقت على ضربة خافتة أصابت أعلى رأسها وقولًا حازمًا:
فوقي من أحلام العصر اللي انتي عايشاها دي وروحي هاتيلي مايونيز!
استقامت بوقفتها وهي تُتمتم بضيق:
ماشي يا علي!!
ضحكت فاطمة بصوتها كله، فمال عليها يسألها باهتمامٍ:
زينب فين؟
ردت عليه وهي تراقب طبقها حتى تهرب من نظراته الحنونة:
أكلت معانا ولسه طالعه من شوية .
وحينما تذكرت ما حدث لها قابلته بنظرة حزينة:
كانت راجعه من برة وشها وارم وقالتلي إن ليها زميلة في الجامعة اتخنقت معاها ومايا راحتلها وحلت الموضوع، كنت عايزاك يا علي تروحلها الجامعة وتشوف البنت دي لتضايقها تاني أو تعملها حاجة.
وتمردت دموعها وهي تخبره:
أنا ماليش غيرها يا علي.
سحبها بأحضانه وربت على رأسها بحنانٍ وقلق من معرفتها الحقيقة، فقال:
متخافيش يا حبيبتي أنا هروح معاها بكره بنفسي وهشوف الموضوع ده، المهم متزعليش نفسك.
رفعت رأسها إليه ومازالت قريبة منه:
علي أنا حاسة إن زينب فيها حاجة، بتحاول تخبي عني ومش راضية تقولي مالها بس أنا حاسة بيها والله.
وتابعت بانهيارٍ هزمه:
نفسي أخدها في حضني وأحتويها بس مش عارفة يا علي... أنا أول ما شوفت وشها كده اتخشبت وافتكرت اللي حصلي وآآ... وخوفت أوي يكون اتعرضت للي أنا اتعرضت ليه... آآ.. أنت مش فاهمني أنا أي عنف بشوفه بيفكرني باللي أنا شوفته.
خشى أن يتصاعد أمرها لنوبة قد تعيقه عن طريق تقدمه بما أحرزه، فربت على حجابها بحنانٍ وحب:
اهدي يا فطيمة.. كل ده من خيالك إنتي، مفيش حاجة من دي صح.
نفت ذلك باشارة متعصبة:
لأ يا علي.. صدقني أختي فيها حاجة بس هي خايفة تتكلم وتقولي علشان حالتي، إنت مشوفتنيش من شوية لما شوفتها حالتي كانت عاملة ازاي لدرجة انها خافت عليا ومكنتش حابة إني أشوفها بالوضع ده!
ضمه إليها بكل قوته وانحنى يقبل جبهتها، وهو يعمق نبرة صوته الرخيمة:
خوفك عليها وخوفها عليكي ده شيء طبيعي يا فاطمة... مش معناه إنها بتحرص علشان تعبك، ثم إن مين اللي قالك إنك مريضة؟!! انتي بقيتي زي الفل ومبقتيش محتاجاني معاكي خلاص!
تعمقت بالتطلع إليه بنظرة متلهفة، فضم ذقنها بأبهامه وهو يستكمل بذكاءٍ:
تفتكري لو بخدعك كنت هسيبك وانتِ تعبانه وهسافر مصر؟
أضاء الأمر بمُقلتيها، فقال بابتسامة جذابة:
فاطمة انتي بقيتي كويسة من اللحظة اللي أخدتي فيها القرار إنك تكوني زوجة ليا.
اقتمع وجهها من فرط الخجل، فنهض وهو يقدم يده لها:
الوقت إتاخر يالا نطلع.
أشارت تجاه المطبخ باستغراب:
والمايونيز اللي طلبته!
جذبها بقوةٍ جعلتها تستند على صدره:
مش عايز غير حضنك!
واتجه بها للأعلى تاركًا شمس تراقبه بنظراتٍ مغتاظة، فعادت إلى طبقها تلتهمه وهي تهدر بانفعال:
أخوات أخر زمن الواد بيطرقني!!!
زفر جمال بغضب وهو يراقب هاتفه:
أخوك مبيردش لييه، أنا غُلبت معاك ومفيش أي فايدة!!
ضم يديه معًا أعلى صدره وهو يخبره ببسمة مستفزة:
ولو جبتلي أبويا نفسه مش هأخد حقن بردو، فاستسلم بقى يا جيمي وفكك من الممرضات اللي هيخلونا نخسر بعض دول.
وزع نظراته المغتاظة بينه وبين فريق التمريض المنصدمين من ذلك المريض الملقب بالطبيب، فردد بحرج:
أعتذر منكن صديقي الأبله لا يرغب بتناول الأبرة دون وجود أخيه، لقد هاتفته وعلى الأرجح هو على الطريق .
ضحك سيف وصاح وهو ينحني باحترام مضحك:
حبيبي يا جيمي.
بالخارج.
وقف الشباب يتابعون الممرضات التي تخرج من الغرفة تباعًا بدهشةٍ، وما أن ولجوا للداخل حتى صاح جمال:
يوسف إنت لبستني أخوك ومشيت!! الدكتور المحترم مفرج علينا المستشفى من ساعتها، مش راضي يأخد لا حقن ولا محاليل أمال جايبنه هنا يهبب أيه!!
ربت آدهم على كتفه بشفقةٍ:
اهدى يا بشمهندس مش كده.
اتجه عُمران لفراشه يردد بسخرية:
بقى كل المزز دي تعدي عليك ومفيش واحدة قدرت تغريك للحقنه!!
هز رأسه بتأكيدٍ:
بخاف من الحقن يا عُمران.
سيــف!!
نطقها أيوب الذي وقف يراقب اصابات جسد سيف بصدمة، فانتبه له الاخير وصاح بلهفة:
أيوب!! آه يا ندل المستشفى بتتملى وبتتفرغ عليا من ساعتها وإنت لسه فاكر تآآ....
ابتلع باقي جملته حينما اقترب أيوب منه فلاحظ الكدمات الزرقاء التي تملئ وجهه، فتساءل بفزعٍ:
مين اللي عمل فيك كده؟
ووزع نظراته بينهم بشكٍ:
الصبح أنا ودلوقتي أيوب!!
وعاد يتمعن به هاتفًا بعدم تصديق:
عمها وصلك!! عشان كده أخدوا تليفوني!!
مال عليه أيوب يحتضنه بقوة ألمته، واستمع له يقول بحزن:
أنا السبب في اللي حصلك... قولتلك قبل كده إن الأذى هيطولك معايا.
ضمه إليه وقال بألمٍ يعتصر رأسه:
ولو فيها موتي أنا راضي.. بس المهم أنك متتأذاش يا أيوب.
جلس عُمران يضع ساقًا فوق الاخرى بعنجهيةٍ:
لو خلصتم حلقة العشق الممنوع ده اترزع مكانك يا عم أيوب... مش ناقصين تقطيع في القلب والشرايين بكفايا اللي عملته فينا!
ابتعد عنه واتجه يجلس جوار آدهم بالاريكة المقابلة لعمران، فتساءل سيف بفضول:
أيوه يعني أيه اللي حصل، دخلت وحضنت ومحكتليش عمل فيك أيه ؟!
مرر عُمران يده على جبينه بتعبٍ، فلكزه بساقه الممتدة إليه:
بكره يبقى يحكيلك واتكن يا سيف عشان وربي أطلق اللي في رأسي عليك.
تساءل أيوب ببعض الخوف:
هو أيه اللي في رأسك يا عُمران؟
كبت آدهم ضحكاته ومال عليه يهمس له:
كلاب صعرانه تقريبًا سمعته بيقولها تلاتين مرة!
ابتلع ريقه بارتباكٍ ومال على آدهم يخبره بصوت منخفض:
عُمران بيبقى مخيف أوي لما بيتعصب، كويس إنك جيت هناك لوحدك، لو كان جيه وقفشها مقربة مني كده كان هيضيع مستقبلي!!!
تعالت ضحكات آدهم بصوتٍ ملحوظ، فاعتدل رأس عمران المسترخي على المقعد ليمنحه نظرة جعلته يتنحنح مستعيدًا ثبات تعابيره، ومازالت أذنيه ملتصقة بفم أيوب الذي يعيد قول:
عارف لو آديرا عرفت آنها في بيت عُمران مش بعيد تسلم نفسها وتقر على الجريمة اللي حصلت، هي في اعتقادها إنه بيت علي وخدمنا الدكتور علي لما هو اللي فتحلنا البيت وفضل معانا، عن صدمتها لما تعرف إنهم اخوات وانهم في بيت واحد!!!
ابتسم آدهم بينما يسترسل ايوب حديثه الهامس مستغلًا انغلاق أعين عمران واسترخائه على المقعد، بينما مازال جمال ويوسف يقفان بالخارج برفقة احد الاطباء للاطمئنان على صحة سيف:
تعرف أنا نفسي بترعب منه بس بحبه أوي والله! إنت مصدقني صح؟
استدار إليه يجيبه بضحكة ساخرة:
مصدقك طبعًا يا ايوب ده أنت ناقص تدخل جوه ودني وتقولي الكلام فده اداني تأكيد أنك ميت في جلدك منه مش مرعوب بس!!!!
ضحك أيوب وأشار مؤكدًا له، ثم قال ببسمة هادئة:
أنا صحيح زعلان اني نازل مصر بكره بس فرحان إنك هتكون معايا..وبارتباكٍ سأله:
آدهم هو أنا ينفع أفضل على تواصل معاك لما ننزل مصر؟
تبددت ابتسامته وأجابه بضيق:
إنت كنت هتقطع علاقتك بيا يابن الشيخ مهران!!!
وبسخرية قال وهو يقلد نبرته:
أمال أيه أنا بحس باحساس غريب من نحيتك وبشم فيك ريحة أبويا كنت بتتسلى بيا!!
اتسعت ابتسامته وقال:
خلاص هكلمك ونتقابل دايمًا.
ابتسم آدهم وأخبره بحب:
مش بمزاجك يا أيوب هتقابلني غصب عنك وخصوصًا إني خلاص وصلت لمكان ابن عمك وهفتح القضية من تاني.
انتفض بلهفة:
بجد؟
هز رأسه يؤكد له فكاد بأن يستفسر عما يقصده فناداه سيف بوجع:
أيـــــــوب... تعالى هنا يا حيوان أنا مش ملاحق ألمك من جنب الخلق!! جاي تزورني وتخفف وجعي ولا تحب وتضرب صحوبية مع سيادة الرائد!!
انفجر آدهم ضاحكًا وهو يضرب كفًا بالأخر، بينما أسرع أيوب للمقعد القريب منه يخبره بضيق مصطنع:
مالك بيا يا سيف مش شايفني متشلفط قدامك!!
منحه نظرة ساخرة اتبعها قوله:
وأنا قدامك أيه حاطط مكياج!! انا اتدشملت بسببك مش واخد بالك ولا اللكمة اللي اخدتها ضيعت النظر!!
ضحك رغمًا عنه وانحنى يربت على صدره كالطفل الصغير:
معلش يا سيڤو علقة تفوت وإن شاء الله متتكررش تاني.
رفع أحد حاجبيه باستنكار:
معناه أيه الكلام ده... هتعقل وتبطل تحشر مناخيرك مع اليهود!!
هز رأسه وأجاب:
عقلت وتوبت بعد المرمطة اللي اتمرمطتها.
وانحنى يهمس له بصوتٍ يدعي البكاء الساخر:
صاحبك اتمرمط واتحط عليه بالجامد من عمها ابن الأ... شووفت كنت هشتم في ابتلاء أبشع من كده.
ضحك سيف ساخرًا:
لا ده مش ابتلاء عمها ده من صحوبيتك مع عُمران الوقح.
ماله عُمران يا دكتور؟! مش هتلم لسانك ده بروح أمك النهاردة!!!
لفظ بها ذاك الغاضب بعدما اعتدل بمقعده، ونهض يشير للاخر:
هتيجي معايا ولا مشرف مع أبو لسان طويل!!
معاك يا باشا بس اهدى كده وروق!!
قالها أيوب وهو يراقب ملامحه بتوترٍ، فولج جمال للداخل يشير لعمران:
تعالى بره عايزك.
تركهم وخرج لجمال أمام الغرفة، فقال:
عُمران أنا عارف إن الوقت مش مناسب للكلام ده بس اللي حصل النهاردة لازم تعرفه.
فرك رأسه المتعب وقال:
اتكلم يا جمال أنا مش هسحب من على لسانك الكلام!
سحب نفسًا مطولًا وألقى قنبلته الموقتة:
خالك جاني المستشفى النهاردة بحجة إنه بيزور والدتي وبصريح العبارة كده هددني إني انسحب من مشروع المول التجاري لإنه عايز يدخل معاك فيه.
احتد الغضب برماديته بشكلٍ سافر، وصاح بعنفوانٍ:
مشروع أيه ده اللي عايزني أدخله معايا شريك فيه، اتجن ده بروح أمه!!! وبيهددك إنت ليه خايف يواجهني بطمعه وجشعه مش جديد عليا!!!
راقب جمال الوجوه من حوله وصاح:
احنا في المستشفى يا عمران ميصحش كده.
هدأت انفاسه المنفعلة تدريجيًا، وأضاف بعزمٍ:
ماشي يا نعمان أنا وراك لما اجيب أخرك .... وعلى رأي المثل العيلة اللي مفهاش صايع حقها ضايع!!!!
ارتعب جمال من رؤية ابتسامته المخيفة وسأله بارتباك:
ناوي على أيه يا عُمران؟
اتسعت ابتسامته وأجابه بفحيحٍ مخيفٍ:
كل خير يا جيمي ده الخال بردو!!
بالداخل.
بذل يوسف مجهودًا مضاعفًا حتى تقبل سيف أن يوضع بيده أبرة المحلول، فاضطر الأطباء أن يضعوا بالمحلول الآبر، فجأتهم ليلى حينما ولجت تحمل عمود معدني من الطعام، وضعته على الكومود وسحبت أحد الاطباق ومن ثم سكبت له قائلة:
عملتلك شوربة خضار وبإيدي عشان تعرف معزتك يا دكتور سيف.
ابتسم وهو يشير ليوسف:
سندني يا يوسف الريحة تجوع لوحدها وأنا واقع من الجوع.
عاونه يوسف حينما رفع السرير بريموت متحكم، فقدمت له ليلى الطبق وقالت ببسمة رقيقة:
ألف هنا.
اشار لها يوسف وهو يضع الصينيه أمامه:
أعملي طبق لأيوب يا دكتورة ليلى، وشوفيله مضاد للالتهابات للاصابات اللي في وشه.
تنحنح أيوب بحرج لتقززه من تناول تلك الشوربة:
انا كويس يا دكتور يوسف.
ضحك باستهزاءٍ وأعاد ما قال:
اديله طبق وشوفيله الدوا يا دكتورة.
هزت رأسها بطاعةٍ واتجهت إليه تناوله الطبق:
اتفضل يا بشمهندس... هروح أجبلك من الدوا وراجعه.
تناوله منها مرددًا باحترام:
شكرًا.
غادرت ليلى الغرفة وانشغل يوسف باطعام سيف، بينما ظل أيوب يراقب طبق الشوربة بأعينٍ منفرة، وحينما رفع رأسه لمن يجاوره وجده يحدجه بنظرة مهتمة وقال:
كل... مستني أيه؟
ابتلع ريقه بصوت مسموع وكأنه سيتناول شيئًا سام وقال:
بقرف منها يا آدهم!
ابتسم ومال عليه يهمس له:
ما انت عملتهالي قبل كده واجبرتني أكلها!
راقب الطبق لقليل من الوقت وقال:
لازم أكل الدكتورة ممكن تفكرني قرفان من أكلها بس أنا والله مش بحبها.
اتسعت ابتسامة آدهم وقال كأنه يعامل طفلًا صغيرًا:
جدع.. كل وخلص طبقك بسرعة قبل ما ترجع.
ابتلع سخريته وبدأ بنزع حبات البازلاء الخضراء(البسلة) ، ووضعها على أحراف الطبق، ثم بدأ بتناولها، فقد كانت شهية للغاية.
تابعه آدهم باستغراب، وكأن نسخته تعيد ما يفعله، انتشرت طرقات باب الغرفة ومن بعدها ولجت ليلى واقتربت من أيوب لتقدم له الدواء، فحاول سحب البازلاء عن سطح الطبق سريعًا قبل أن تراه، ففجأه آدهم حينما جذبها ووضعها بفمه سريعًا يتناولها وملامحه تشمئز وهو يلوكها بنفورٍ.
تمعن به أيوب بصدمة وتناسى يد ليلى التي تقدمها له بالدواء، فنادته لتجذب انتباهه:
الدوا يا بشمهندس.
انتبه لها فتناول الحبوب والمياه منها وشكرها بامتنان وما ان غادرت حتى جذب منه آدهم زجاجة المياه يتجرعها مرة واحدة ليقابله بنظرة ساخرة:
شوفت عشان بحبك بلعت أيه؟
هز رأسه بابتسامة واسعة:
مش متخيل أساسًا إنك أكلتها، إنت كنت بتشيلها يوم ما حطتهالك في الشوربة!!
جذب المنديل يمسح فمه وأردف بتسلية:
عد الجمايل يابن الشيخ مهران.
قاطعهما صوت الطاووس الوقح:
هتبات هنا ولا أيه يا عم أيوب!!
ودع آدهم وهرول سريعًا للخارج يصيح:
أوعى تتعصب أنا في ديلك!!
منحه نظرة ساخرة واتجه للمصعد فولج خلفه وهو يلوح لآدهم بيده فابتسم وهو يلوح له هو الاخر قبل ان ينغلق المصعد ويختفي بهما.
تراجعت بعيدًا عن الرخام الأسود المحيط لحوض الاغتسال بصدمة، يديها مضمومة على فمها، ولسانها ينطق دون توقف:
مش ممكن!! لأ مستحيل!
تراجعت فريدة حتى جلست على غطاء الحمام ومازالت نظراتها تحيط اختبار الحمل الايجابي الموضوع جوار حوض الاغتسال.
اعادت خصلات شعرها للخلف ومازالت تحت تأثير الصدمة:
لأ!!! ازاي ده حصل!!
وتابعت ودموعها تلألأت بحدقتيها:
هقول أيه للأولاد!! وشمس!! شمس فرحها بعد كام يوم لا مستحيل!!!
اعتلت الصدمة ملامحها لدرجة جعلتها تعيد الاختبار لأكثر من ثلاث مرات، وأكثر ما يهزمها بتلك اللحظة الندم والصدمة، نعم مازالت صغيرة تتمتع بجسدٍ ممشق، من يرآها لا يجزم بأنها قد أنجبت يومًا بفعل حفاظها على وزنها والرياضة المنتظمة ولكن كيف ستفعلها وأولادها بات كلًا منهما رجلًا على وشك استقبال خبر حمل زوجاتهما، وابنتها على بعد أيامًا من زواجها!
ضمت فمها ومازالت تحاول الاستيعاب وبعصبية صاحت وهي تلقي الاختبار بسلة القازورات:
ازاي مأخدتش بالي!!!
وصل آيوب برفقة عُمران للقصر، فولج للملحق الخارجي واتجه لغرفة فارغة وغفى بها بتعبٍ، بينما صعد عُمران للأعلى واتجه لحمامه الخاص، انتعش بحمامٍ دافئ واتجه لفراشه بعد أن ضبط المنبه على وقت الفجر مثلما يعتاد.
مضت ثلاث ساعات حتى استيقظ، خرج للشرفة الخارجية يتفحص السماء ببسمة خافتة، ومن ثم عاد لجناحه يجذب سجادته الخاصة وحامل المصحف الخاص بمصحفه الكبير، وهبط للحديقة.
فرد سجادته ووضع حاملة المصحف جواره، أدى صلاته بخشوعٍ تام وحينما انتهى وقف يتمعن بالحديقة مستمتعًا بتلك الأجواء المحببة إليه.
جلس على سجادته يرتشف المياه وما أن استكان وسحب حاملة مصحفه الشريف وبدأ بالتلاوة بصوتٍ عذبٍ خاشع، فردد آية استحضرته بكل ذرة داخله:
بسم الله الرحمن الرحيم. «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا» (سورة المائدة). صدق الله العظيم..
وتابع قراءته بصوته الخاشع إلى أن انتهى من وارده بشكلٍ متقن، حتى اتحنى يغلق مصحفه وقال بصرامةٍ دون أن بتطلع خلفه:
هل ستمضين اليوم بأكمله وأنتِ تراقبيني؟!
انتفضت تلك المختئبة بين فروع الشجر العملاق، وكادت بالعودة وهي تلعن فضولها الأبله بالتنزه بتلك الحديقة الرائعة، فأسقطها قدرها بوجهة ذلك الشرس، فتعجبت حينما رأته يصلي مثلما يفعل أيوب.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، وكادت بأن تفر راكضًا ولكنها وجدته يردد ومازال يلملم أشيائه الخاصة:
كنت فظًا معكِ طوال تلك الفترة أعتذر عن ذلك..
أسبلت بعدم تصديق وخرجت من بين الأشجار تراقبه بنظرات مشككة، فوجدته يتطلع أرضًا أسفل قدميها مثلما يفعل زوجها، فقالت بتيهةٍ:
أنت تبغضني كثيرًا فلماذا تعتذر لي فجأة؟!
ابتسم بخبث، فبعد ما استمع له بالأمس من أيوب اكتشف أنه شابًا ذكيًا يستدرجها لقيم دينه دون اجبارًا منه، ربما كان يمقتها كثيرًا لإنه يكره جنسية هؤلاء الذين يتسببون بما يحدث بأرض فلسطيــن، ولكن ما هون عنه سماعه لقصتها فأشفق عليها..
تنحنح عن صمته يخبرها وهو يتجه للمقعد المجاور للمسبح الضخم:
ليس لسببٍ معين، أخطأت وإعتذرت وانتهى الأمر!
فركت أصابعها بارتباكٍ وهي لا تعلم أتثق به أم تركض عائدة لآيوب مصدر أمانها، ولكن فضولها كان قاتلٍ، فاقتربت تبعد المقعد المجاور لطاولته لتكون على بعدٍ كبير منه، حتى تلوذ بالفرار الآمن إن تطلب الأمر.
منع ابتسامة ساخرة ارتسمت على محياه وانشغل بترقب المياه الصافية من أمامه ليعلم ما الذي تريده باقترابها هذا، فاتته تتساءل بفضول:
رأيتك وأنت تصلي مثلما يفعل أيوب فاندهشت قليلًا.
رفع احد حاجبيه بذهولٍ:
لماذا؟
أجابته بتلقائية مضحكة:
أيوب يفعلها لذا هو خلوق للغاية وأنا أثق به كثيرًا وأنت تصلي مثله ولكنك لست مثله، أنت مخيفًا... آآ.. أعني أنت سيئًا آآ.... أنت آآآ...
واستطردت وهي تقبض على طرف المقعد:
أعتذر ولكنك تخيفني للغاية.
تنهد واستند على ظهر المقعد:
لا عليكِ... أنا أعلم ذلك.
عبست بحدقتيها صدمة:
هل أنت على ما يرام سيدي؟
كبت ضحكته بصعوبة وقال بجدية مصطنعه:
هل لي بسؤالك ما الذي تفعلينه خلف الشجرة؟
ردت تجيبه:
رأيتك تصلي فتعحبت لذلك، أيوب يخبرني أن الصالحين لا يتركون صلواتهم وأنت شريرًا فاسقًا يا سيدي!
برق بغضب جعلها تتأهب لما هو قادم، ومع ذلك سيطر على غضبه وقال:
وما الذي يدفعك للظن بأنني شرير فاسق يا امرأة؟
بتلقائية تتدعي البراءة اجابته:
لانك كلما تراني تبرق بوجههي وكأنك ستتحول لأفعى سامة تعتصرني!
همس بسخط:
يا ريت كنت اتحولت ولسعتك وخلصنا من خلقة أمك!!
عاد ينظم أنفاسه ويستعيد قوته المهدورة، واعترف لذاته ان آيوب يبذل مجهودًا مع تلك الحمقاء يستحق كاسًا ذهبيًا اجلالاً له، وقال:
ولكني لم أفعلها أليس كذلك؟
هزت رأسها تؤكد له صدق حديثه، فتابع ببسمة زائفة:
اطمئني ديني لا يسمح لي بقتل أي نفس، الله عز وجل حرم علينا ذلك ومن يفعلها مصيره جهنم وبئس المصير، أنتِ رأيتي بعينيكِ أنني أودي صلاتي لأتقرب من الله عز وجل فلما عساني أرتكب ذنبًا عظيمًا كذلك.
رمشت تستوعب ما قال، وسألته باهتمام:
هل يعني ذلك بأن الله سيحاسب عمي عما ارتكبه بحقي وبحق أخي؟
أكد لها:
بالطبع كلنا سنحاسب عن أفعالنا... وعن المعاصي التي ارتكباها بالدنيا.
ألم ترتكب معاصي يومًا؟
ابتسم ساخرًا وقد تقاذف إليه كل السييء الذي فعله بحياته:
بلى، فعلت كل شيء تقريبًا.. ولكني تراجعت عن ذلك حينما كشف الله عز وجل عن بصيرتي.
تابعته باهتمامٍ وتساءلت بلهفة:
ومتي سيُكشف عن بصيرتي؟
التفت تجاهها وقد لمس ما بداخلها، فقال يطمنها:
لا أعلم، ولكني أشعر بأنه سيحدث قريبًا... قريبًا جدًا.
اتسعت ابتسامتها بفرحةٍ وكأن الحياة فتحت ذراعيها وتلقفتها داخلها، فاعتدلت بجلستها وقالت بتحفزٍ:
فلتخبرني إذًا كيف أعتنق دينك؟
وتابعت باستفهامٍ مهتم:
هل يجب أن أذهب لمكانٍ محدد أو مقابلة أحدًا لفعل ذلك؟
كاد أن يجيبها حتى أستوقفهما صوتًا ذكوريًا يهتف بفزعٍ من بين أنفاسه اللاهثة بسبب ركضه السريع:
آديـــــرا أنتِ هنا!! لم أترك مكانًا الا وبحثت عنكِ فيه.
وانحنى "أيوب" يستند على ركبته ليواجه موجة سعالها من فرط مجهوده، ومن ثم انتصب قبالتهما، يوزع نظراته بينهما بصدمة قد احاطته لحظة أدراكه فردد وعينيه تجوبهما باستنكارٍ:
ما الذي يحدث هنا؟؟!!
نهضت آديرا واتجهت إليه تخبره بحماسٍ:
ذلك المتوحش ليس سيئًا بالمرة أيوب... لقد كان لطيفًا للغاية.
بالطبع لم ترى تلك الأعين الملتهبة من خلفها، فكانت نصب أعين أيوب، وما زاد صدمته حينما اتجهت لعمران مجددًا تسأله بحماسٍ صدم أيوب وأصابه في مقتلٍ:
فلتخبرني الآن كيف أصبح مسلمة مثلكم!
رواية صرخات انثى الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ايه محمد رفعت
أنا ذاك المغرور الذي عاش حياته بطولها وعرضها، أنا نفسه الشاب الوسيم المرغوب دائمًا من الفتيات. مظهري واهتمامي بجسدي الرياضي هما من أولوياتي، لا غالي وثمين لدي مثل خزانتي التي تمتلك أثمن الثياب ذات الماركات العالمية. أنا نفسه الذي برع بالهندسة وامتلكت رئاسة مقر الشركات الإنشائية التابعة لعائلتي، وكنت على قدرٍ من الثقة لأكون من أصغر رجال الأعمال المعروفين.
أنا نفسه ذاك العاصي الذي ارتكب من الذنوب ما أثقلها. أنا ابن الطبقة الأرستقراطية حيث تجد الخمور مشروبًا رئيسيًا للحفلات المُقامة، وبالرغم من وجود الطاهر والعفيف عن المحرمات بيننا، كنت أنا الفاجر والفاسق الذي ارتكب كل شيءٍ مُحرم. أنا هو الشاب الوقح الذي انتُزعت منه طفولته، كنت وحيدًا، يتيمًا، ولم أجد من يمسك يدي لبداية طريقي سوى أخي، ولكنني كنت بحاجة لوجود أبٍ لجُواري.
أنا ابن فريدة هانم الغرباوي، أهم نساء الوسط المخملي، وبالرغم من حبي الكبير إليها، إلا أن قلبي مازال يحمل لها عتابًا. أتعلمون؟ لم أجدها يومًا تسحب يدي وتخبرني عن ديني! قواعدها الخاصة والدقيقة تشمل اتيكيت المظاهر الخارجية. نجحت بأن تجعلني رجلًا جذابًا، ملفتًا بملابسي الأنيقة وجسدي المفتول، وفشلت بأن تعصمني عن محرماتٍ طمست حياتي وأحالتها لجحيمٍ.
وها أنا الآن أحاط برحمة الله عز وجل، ليجعلني أرتد عن ذلك الطريق! لحظة! كانت لحظة فقط من جعلتني أعود من غفلتي، لحظة فارقة سلخت حياتي المظلمة. على طريقٍ جعلني قريبًا من الموت لأجد منارتي التي كنت غافلًا عنها. أقسمت بأنني لن أعود لتلك المعاصي مرة أخرى وسلكت طريق طاعته وأنا على ثقة بأنه سيغفر لي ذنوبي. وها هو يشملني برحمته ويختصني لأكون سببًا لاعتناق تلك العبرانية للدين الإسلامي، على الرغم من أن الحق الكامل يعود لزوجها.. أيوب بن الشيخ مهران!!
لحظات من الصمت كانت ثقيلة عليهم، وبالأخص آديرا التي تنتظر متلهفة سماع ما سيخبرها عُمران به، متجاهلة صدمة أيوب واتساع حدقتيه المندهشة مما يحدث.
تخلى عُمران عن صمته أخيرًا متنحنحًا بخفوت:
_ اعتناق الإسلام لا يشترط بالذهاب لمكانٍ أو لشخصٍ معين.. جملة واحدة تعد بوابة العبور، ولكن عليكي أولًا أن تكوني على ثقة تامة بقرارك وعن قناعة.
سبقتها لهفتها لسماع تلك الجملة المحفزة، وقلبها يحفزها بأنها ولأول مرة تفعل الصواب:
_ أخبرني أيها المتوحش!
منحها نظرة عبرت بها ضيقه الشديد كالسهم النافذ، تارة تلقب أخيه بالإرهابي ونصيبه الآن بذلك اللقب الذي كان سابقًا يروق له. حسنًا، عليه التخلي عن غروره المعتوه قليلًا وردد بخشوعٍ تام:
_ أشهد أن لا إله إلا الله.
ابتلعت ريقها الجاف مستحضرة كل حروفها المهتزة في محاولةٍ لنطق العربية:
_ أأشهد أن لا إله إلا الله.
تابع يحفزها على استكمال نطقها للشهادة حتى وإن كانت لغتها العربية ضعيفة:
_ وأشهد أن محمدًا رسول الله.
تابعت بسعادةٍ غريبة تنبعث داخلها، وكأنها تتحرر من ظلام ليلٍ قاتم لنهارٍ سطعت فيه الشمس كالبلور:
_ وآآشهد أن مُحمد رسول الله.
أغلق أيوب عينيه بسعادة حررت دمعة من عينيه. شعر وكأنه على وشك البكاء من رحمة الله عز وجل. كان هو الأصلح لطريق إسلامها، فكان الاختيار لعُمران، الطاووس الوقح. بات مشوشًا لا يعلم ماذا بين ذاك الفتى وبين الله عز وجل ليختصه بأخر شيء لا يصدقه العقل، فمن كان سيصدق أنها ستُسلم على يد أكثر شخص بغضته وكادت تقتل رعبًا منه.
أفاق من غفلته على يدها التي تحيط كفيه، تسأله بحماسٍ وفرحة:
_ أيها الإرهابي، هل أصبحت مسلمة الآن؟
اكتفى بهز رأسه. وحينما شعر بأنه على وشك البكاء بينهما، انسحب للجانب الآخر من الحديقة، جلس على المقعد باهمال يبكي فرحة كالصغير.
كاد عُمران بأن يتبعه ليرى ماذا أصابه؟ فأوقفته آديرا تسأله باهتمام:
_ ماذا علي فعله الآن؟
سحب نفسًا مطولًا وكأنه يستمد طاقة غادرت منذ زمن بعيد:
_ لست أنا جديرًا لتلك الخطوة آديرا.. ولكنك الآن على وشك اللقاء بمن هو الأحق بذلك.
قوست حاجبيها بدهشة:
_ من تقصد؟
وتابعت بتخمين:
_ أيوب؟
هز رأسه نافيًا وببسمةٍ صغيرة قال ومازالت عيناه موضوعة أرضًا:
_ الشيخ مهران والد أيوب.. الآن أنتِ مسلمة، ينقصكِ سماع كل شيء متعلق بالدين الإسلامي، أركان الإسلام، طريقة الصلاة، الزي الشرعي، كل ذلك سيكون من أصول تعليمه لكِ.
ابتسمت بسعادةٍ. قد راق لها اختياره لمرشدها، فإن أعجبها خصال أيوب الطيبة، فمن المؤكد بأن والده سيكون المعلم الأمثل. لذا رددت بامتنان:
_ شكرًا لك.
واتجهت للمغادرة، فما أن انخفضت عن الدرج القصير بين منطقة المسبح والحديقة حتى قالت بمرح:
_ أيها المتوحش.. لست سيئًا كما أعتقدت!
وتركته وغادرت، فهز عمران رأسه هاتفًا بحنق:
_ مصرة تخرجيني عن شعوري بروح آآ.... استغفر الله العظيم، ده أنا لسه كنت قدوة من شوية!!
*****
وقفت سيارة الأجرة قبالة باب القصر الخارجي، فهبط آدهم يحمل حقيبته من الصندوق الخلفي للسيارة، ورفع حاملتها ليجذبها خلفه للداخل. كان بطريقه لباب المنزل الداخلي فلمح أيوب يجلس على إحدى الطاولات الخارجية.
رنا إليه وهو ينزع نظاراته الشمسية قائلًا بابتسامة جذابة:
_ صباح الخير يا بشمهندس.
رفع أيوب رأسه صوب الصوت المسموع، فما أن رأى آدهم قبالته حتى أسرع بمسح دموعاته بخزيٍ. وخز قلب آدهم بضراوةٍ، فصعد الدرجات القليلة إليه هاتفًا بقلق:
_ آيــوب!!
وما أن أصبح قبالته حتى ألقى لهفته بسؤاله:
_ إنت كنت بتعيط؟!
هز رأسه نافيًا وهو يلتفت يتفحص المكان وكأنه ينطق بجريمة ارتكبها للتو، فرفض الآخر الانطواء خلف كذبه السخيف وردد بإصرار:
_ أنا مش أعمى.. مالك يا آيوب؟
تعمق بالتطلع إليه وهتف بسعادةٍ التمسها الأخير:
_ آديرا أسلمت يا آدهم.
اتسعت ابتسامته قائلًا:
_ ما شاء الله.. وأيه المتوقع يعني بعد معاشرتها لابن الشيخ مهران؟!
نفى ظنونه رافعًا كتفيه بحيرةٍ وكأنه مازال غير مصدقًا:
_ مش بسببي... خليني أصدمك معايا وأقولك إن اللي ورا ده الطاووس الوقح..
رفع إحدى حاجبيه بصدمةٍ فعاد يؤكد بهزات رأسه متابعًا بدقة:
_ عُمران سالم الغرباوي!!
رمش آدهم بعدم استيعاب، لا يشكك بأخلاق عمران وانتمائه للدين، ولكنه الوحيد من بين الشباب الذي كان ينفر منها بشكلٍ مخيف. كيف ومتى فعلها؟
اتسعت ابتسامة أيوب الشامتة وردد:
_ خدت الصدمة؟ اقعد جنبي يا حضرة الظابط نحاول نصدق الجملة اللي مش مصدقها من ساعة ما شوفتها على أرض الواقع!
انصاع إليه وجلس جواره، يتطلع كلاهما للأمام بشكلٍ مضحك. الصمت يتراقص بينهما إلى أن قطعه آدهم قائلًا باستغرابٍ أتاه من حيث لا يحتسب:
_ أيوه يعني ده يخليك تعيط زي العيل الصغير بالشكل ده!!
تنهد بصوتٍ مسموع واستدار يقابله بجلسته قائلًا بتردد:
_ آدهم أنا اتربيت في حارة شعبية، والدي رباني أنا ويونس ابن عمي تربية ميري زي ما بيقولوا، لدرجة إنه كان بيختار معايا أصدقائي.
وبارتباكٍ أضاف:
_ أعتقد شخصية زي عُمران كان ممكن والدي يعترض إنه يكون له وجود في حياتي، لإن عُمران مختلف عننا.. بس أعتقد إنه لو شافه زي ما أنا شوفته هيتبناه!
يشعر وكأنه فقد مهاراته كظابط مخابرات محترف، يقف أمامه عاجزًا عن فهم ما يود قوله، فسأله بدهشة:
_ تقصد أيه يا آيوب؟
رد عليه بابتسامة صغيرة:
_ قصدي إن عُمران يبان من بره أنه شخص أرستقراطي مغرور.. وممكن من وقاحته تفكره إنه مدورها وبيرتكب كل شيء حرام، بس لما تقربله هتلاقيه شخص عظيم ما حصلش يا آدهم.
وتابع وهو يتطلع للأمام بشرود:
_ أيه المبهر إن ابن الشيخ مهران بيصلي وعارف ربنا .. في حين إن واحد زي عمران اتولد في مستنقع كله مليان بالمحرمات وبالرغم من إنه انغمس فيها إلا إنه خرج واقف على رجليه وصالب طوله.. هو اللي اختار طريقه وغيره بكل إرادة وده صعب جدًا مش سهل إنك تعيش حياة سهلة فيها المعاصي سهلة وتبعد..
واستدار يقابل نظرات آدهم مؤكدًا له:
_ هو المبهر يا آدهم... أنا بحمد ربنا إنه رزقني بصديق زي عُمران.
انهمرت دمعة خائنة على وجهه، فأزاحها ورسم بسمة تصاحب قوله المرح:
_ هو بس يعدل من كلامه ويعتزل أسلوب البلطجة اللي جواه ده وهيبقى برفكت!
مازحه آدهم وصوت ضحكاته الرجولية تعلو دون توقف:
_ لو عمل كده ميبقاش الطاووس الوقح!
_ لا يا خفيف هيبقى ليا كتالوج وأنا (قطعة واحدة one piece)
قالها عمران الذي يتكئ على الطاولة من خلفهما. انتفض أيوب بجلسته فسقط أرضًا وتراجع للخلف وهو يحدجه بذعرٍ، بينما مازال آدهم ساكنًا محله حتى أنه لم يكلف ذاته عناء الاستدارة لمقابلته، فهتف آيوب باستنكار:
_ آدهم.. انت كنت عارف إن الوقح ده واقف!
انتصب بوقفته يضع يديه بجيوب جاكيته الأسود، متمتمًا بحنق:
_ مش كل شوية هقولك إني ظابط وأشرحلك اللي اتدربت عليه.. بس ممكن نقول سبته يسمعك وانت بتعبر عن مشاعرك.
وتابع بغمزة مشاكسة:
_ لحظة صفاء قبل ما سيفو يلمحك!
وتركهما واتجه للداخل، فتحرك عُمران واحتل مقعد آدهم، واضعًا قدمًا فوق الأخرى، ومال بنصفه العلوي ليستند على ذراعه هادرًا بسخط:
_ والسيد الوالد يمانع صحوبيتنا في أيه يا ابن الشيخ مهران!
ابتلع ريقه بتوترٍ، وكأنه تلميذًا سيعاقبه مدرسه، فتابع عمران بعنجهية:
_ طب أيه رأيك إنك هتلاقيني في وشك، وهنشوف وقتها الشيخ مهران هيعمل أيه لما أقطع تذكرة العودة لإنجلترا أما خليته يعمل مظاهرة في حارتكم مبقاش عمران سالم الغرباوي!!
ترك الحديث وكأنه لا يعنيه ونهض إليه، يجلس جواره ويده تتعلق بذراعه كالطفل الصغير:
_ بجد يا عمران هتجيلي مصر؟
ابتسم وهو يرى سعادته الكبيرة، فهز رأسه يؤكد له:
_ لما علي يسافر ويرجع علشان مينفعش أسيب والدتي والبنات لوحدهم.
عانقه بقوة:
_ هستناك تيجي عشان أعرفك على والدي وعيلتي.. أنا أساسًا مش مستوعب إني هسيبك وهمشي.
ربت على ظهره بحنانٍ، وردد بسخرية:
_ بالعكس انت هترتاح من وقاحتي وأسلوبي السليط معاك.
ابتعد عنه يواجهه قائلًا بصوتٍ جاهد ليخفي به بكائه:
_ أنا مش بتضايق منك ولا بخاف من غضبك.. أنا خوفي كله بيكون على زعلك يا عُمران.. مبحبش أشوفك زعلان مني.
منحه ابتسامة هادئة، ومازحه وهو ينغزه برفق:
_ يالا خليك صريح وقول إنك بتخاف من عضلاتي وغشومية إيدي!
ضحك بصوته كله، وأجابه:
_ على فكرة أنا بعرف أدافع عن نفسي كويس، لإن اللي متعرفهوش إن بعد العلقة المحترمة اللي أكلها سيف على إيد جاره المصري اللي إنت اتنشلته منها دكتور يوسف شده من قفاه على مدرب ملاكمة وسيف حلف ما يروح لوحده شدني معاه فاتعلمت كام حاجة تنفعني مع أمثالك!
هز رأسه ساخطًا:
_ أمثالي أمممم..
وربت على ظهره بقوة أسقطت أيوب أرضًا عدة مرات:
_ متخرجش المتوحش اللي جوايا بدل ما ترجع لأبوك متشلفط يا ابن الشيخ مهران!
_ أيهــــا الإرهـــــــــــــاربـي!!!
رفعوا رؤوسهما عاليًا تجاه شرفة الملحق الخارجي للقصر، فوجدوا آديرا تصيح وهي تشير بيدها لآيوب قائلة بصراخها الصاخب:
_ أصعد قليلًا... أواجه مشكلة هنا!!
مال عمران برقبته يمينًا ويسارًا بعصبية جعلت صوت طقطقة رقبته تجلد آيوب المرتعب، فمال عليه يهمس من بين اصطكاك أسنانه:
_ أنا بحاول أسيطر على نفسي فوق المحتمل، فتطلع بمنتهى الهدوء اللي معنديش منه ذرة تقولها متنادلكش بالاسم ده تاني، والا هنسى معاهدة السلام اللي ما بينا وهرجع المتوحش اللي بتذم فيه تاني..
هز رأسه وهو يزحف للخلف، فتابع بغلظة:
_ متنساش تخليها تكتم بوقها وانتوا في المطار لإن لو نادتك بيه هناك هتشوف مصر في الأحلام يا سيدنا الشيخ.
وتركه وغادر وهو يتمتم بضيق:
_ دي مش محتاجة الشيخ مهران دي محتاجة تروح الكُتاب!
*****
تمسكت بحقيبته للمرة الرابعة كالطفلة الصغيرة التي ترفض ترك أبيها يذهب لعمله، فاستدار لها مبتسمًا:
_ وبعدين يا فطيمة؟
أبعدت الحقيبة للخلف وكأنها تضمن عدم فراره، وقالت بعينين دامعتين:
_ هو لازم تسافر؟ ما تبعت التذاكر للدكاترة مش لازم تسافر بنفسك يعني عشان تجيبهم!
كبت ضحكاته داخله، وتنحنح ليبدو أكثر اتزانًا:
_ مينفعش يا حبيبتي، لازم أنا اللي أختارهم بنفسي، وبعين الحكاية كلها يومين تلاتة مش هتأخر يعني.
انفلتت شفتيها بصدمة:
_ يومين!! هقعد من غيرك يومين يا علي!
اتسعت ابتسامته حينما وجدها تقلب شفتيها كالطفلة الصغيرة، وانفجرت بالبكاء وهو تهز رأسها نافية:
_ لا مش هتسافر لأ...
وضمت الحقيبة الصغيرة لصدرها مسترسلة:
_ أنا لسه تعبانة وعندي كلام كتير عايزة أحكيهولك يا علي.
وأسرعت تضع الحقيبة بالخزانة وأغلقتها، ثم عادت إليه وهو يضحك بقوةٍ أدمعت عينيه وجعلته ينحني بوقفته، فقالت غير مبالية به:
_ تعالى أقعد على الكرسي وأنا على الشازلونج وأحكيلك عن حاجات كتير أوي.. مش إنت دكتوري النفسي؟ أنا تعبانة جدًا جدًا.
وسحبت كفه تضعه على جبينه قائلة بإصرار:
_ حتى شوف حرارتي!
انفجر ضاحكًا ورأسه يتحرك بعدم تصديق، يكتشف الآن جانبًا غامضًا من شخصية فاطمة، وللحق يستمتع كثيرًا بما يراه.
استند بذراعيه على كتفيها وقربها إليه يخبرها ببسمة جذابة:
_ لولا السفرية دي مهمة وخصوصًا إن شمس مينفعش تسافر لوحدها كنت كنسلت أي سفارية تجيني مدى الحياة.
ظنته سيخبرها بأنه سيبقى لأجلها، فأبعدت ذراعيه عنها واتجهت للفراش تبكي بصوتٍ جعله لا يحتمل افتراقه عنها، فأسرع إليها ينحني أمامها، يديه تمسد على كفيها برقةٍ وحنان:
_ حبيبتي والله غصب عني لازم أسافر، المركز خلاص بقى جاهز فاضل بس الفريق اللي هيشتغل.. أنا مش سهل عليا إني أبعد عنك ولو ينفع كنت أخدتك معايا.. أوعدك إني هحاول أرجع بأقرب وقت.
رفعت عينيها إليه وقالت ويدها تضم كفه مثلما يفعل:
_ خايفة من غيرك يا علي.
حاوط وجهها بحنان وعشقها يتربع سيدًا بمقلتيها:
_ خايفة من أيه يا روح قلب علي.. أنا كنت ومازلت جنبك ومعاكِ... هكلمك على طول ولو انشغلت عنك كلميني في أي وقت.. فريدة هانم وإنكل أحمد معاكِ.... وعُمران ومايا مش هيسبوكي في الشغل طول اليوم.. وفوق كل ده زينب موجودة!
تعمقت برماديته وعلى استحياءٍ قالت:
_ إنت عندي بالدنيا كلها يا علي!
خفق قلبه بجنون، فجذبها إليه يضمها بحبٍ يتغمده دون رحمة، بقي بجلسته الغير مريحة يتركها تتنعم بأحضانه، وما أن شعر بهدوئها ناداها، فوجدها تهمهم بنعاسٍ غلبها، فالوقت باكرًا للغاية. ضحك وهو يهمس لها:
_ اديني شنطتي ونامي براحتك.
ما أن ذكر الحقيبة وأمر الرحيل حتى انتفضت من جلستها تسرع إليها تخفيها خلفها، فزفر باحباط:
_ بعد المحاضرة دي ولسه بتخبي الشنطة يا فاطيما!!
وجلس على الفراش يدعي الحزن:
_ اخص عليكي يا فاطمة... كنت فاكرك خايفة على المركز ومهتمة باسم جوزك حبيبك.. يرضيكِ الوسط المعفن ده يشمت فيا ويقولوا إنه فشل من قبل ما يبدأ؟ مش كفايا فتحته كام شهر وقفلته هجي دلوقتي أقفله قبل ما أفتحه!
قضمت أظافرها بضيقٍ، وتأنيب ضميرها يصفعها دون رحمة، فاتجهت إليه تقدم له الحقيبة قائلة بحزن:
_ متزعلش خلاص سافر بس متتأخرش عليا يا علي.
ابتسم وهو يحمل عنها الحقيبة:
_ ولا عمري أقدر أعملها يا روح قلب علي!
ارتدى ذراع الحقيبة واحتواها بين ذراعيه، ضمها إليه بحبٍ، طابعًا قبلة خاطفة على جبينها، فاشتد بكائها وهي تترجاه بتوسل:
_ خد بالك من نفسك.
هز رأسه بابتسامة واسعة، واتجه للأسفل فبقت بالأعلى حتى لا تنفجر باكية أمام الجميع.
*****
بالملحق الخارجي للقصر.
صعد للأعلى قاصدًا غرفتها، فما أن استمع لأذنها بالدخول ولج للداخل، صعق أيوب وتوقف محله فارغ الفاه حينما رآها ترتدي فستانًا قصيرًا باللون الأزرق، ومن أعلاه تضع وشاحًا تحاول تغطية به شعرها.
استدارت إليه ببسمة متباهية:
_ أعلم بأنك لا تصدق عينيك.
وتابعت وهي تعقد الوشاح جيدًا، فأمسكت بأطرافه الطويلة متسائلة بحيرة:
_ ماذا أفعل بها؟
اهتدت بفكرة وجدتها عبقرية، فأثنت الأطراف على شكل فراشة واستدارت تتمايل بدلال قبالته:
_ والآن ما رأيك؟
ضم شفتيه معًا بعينين منغلقة تجاهد للاسترخاء، وكأنه يمارس اليوجا، ثم ردد بخفوت:
_ ما الذي تحاولين صنعه يا امرأة!! هل جُننتِ؟ طوال فترة لقائي بكِ كنتِ محتشمة بارتداء البنطال الطويل بغض النظر عن الكنزات العارية التي ترتديها والآن تختارين هذا الفستان العاري للسفر لمصر!!
وتابع وهو يمرر يده على لحيته النابتة:
_ ثم أنكِ اعتنقتي الإسلام منذ قليل ألم يلفت ذلك نظرك لشيء!!
هزت رأسها مؤكدة فتهللت أساريره لتحطمها على رأسه حينما قالت وهي تشيل على وشاحها الشفاف فوق رأسها:
_ ألهذا ارتديت هذا أليس هو ما يسمى حجابًا.
شعر وكأنه سيفقد وعيه بأي لحظة، ربما على بوادر الإصابة بذبحة صدرية، فأشار لها باختناق:
_ دعكِ من الأمر... اذهبي وارتدي شيئًا محتشمًا وحينما نصل إلى مصر سأعلمك ما استطعت.
هزت رأسها بطاعة وتركته وغادرت، فارتشف من زجاجة المياه قبالته مرددًا برجاء:
_ أغثني يا الله!!
*****
حمل عمران الحقائب واتجه لسيارته يضعها بالصندوق، وحينما استدار وجدها تمنحه حقيبة أخرى فصاح مندهشًا:
_ كل الشنط ده ليه هتهاجري يا بت!!
تفحصت شمس آدهم بخجل، فأجابه بسخط:
_ هو أنت هتدفع لها وزن الطيارة ولا إيه يا عمران!
ألقى الحقيبة إليه ومفتاح سيارته:
_ اخدم مراتك بنفسك بقى!
وارتدى نظارته السوداء مغلقًا سترته الزرقاء، واتجه يجلس بالسيارة بغرورٍ قاتل. فتح آدهم باب السيارة مشيرًا لها:
_ شمس هانم.
ضحكت من قلبها، مالت تحمل طرف فستانها وانحنت مرددة:
_ كابتن آدهم.
مال عليها يهمس:
_ قدام بابا عمر مش آدهم.
وخطف يدها يطبع قبلة على باطنها مسترسلًا بمكر:
_ أبوس إيدك بلاش تخليه يطردني بره البيت بعد الغياب الطويل ده.
سحبت كفها بخجلٍ جعلها تخفض عينيها بارتباكٍ. انخفض زجاج نافذة عمران ليلقي له نظرة مشتعلة اتبعها قوله المتعصب:
_ من هنا وقدامنا بتتواقح أمال لما تبقى في بيتك هتعمل أيه؟! حذار من جناني يا حضرة الظابط واتفضل سوق بسرعة خلينا نلحق أم الطيارة دي!
استقرت شمس جوار عمران وصعد آدهم بمقعد السائق وهو يسيطر على ضحكاته بصعوبة. فراقب عمران من المرآة الأمامية وجده يحتضن شمس بتملكٍ ومال عليها هامسًا:
_ عجبك عمايل سي روميو؟ ماشي يا شمس هتلفي لفتك وهترجعي للبيت تاني.
وضعت يدها على صدره حينما شدد من ضمها فقالت بألم:
_ مش هكررها تاني أقسم بالله.
ربت على ظهرها ببسمة واسعة:
_ كده تعجبيني يا بت... عايزك عسكري غفير طول ما انتي هناك... أوعي تسمحيله يقعد جنبك أو يتخطى حدوده. صدقيني في نوعية من الرجالة وقحة تديله قُطمة هيتجرأ ويطلب سلة المانجا كلها اسأليني أنا.
ضحكت وسألته:
_ واشمعنا أسألك أنت!!
شاركها الضحك وهو يجيبها:
_ عشان أنا من النوع ده.
تشاركا الضحك وكلاهما يضرب كفه بالآخر، بينما بالامام يبتسم آدهم وهو يرى ابتسامتها وفرحتها الظاهرة على وجهها المشرق.
صعد علي بالسيارة جوار السائق وبالخلف جلس أيوب وآديرا وتحركت السيارتان للمطار، وحينما وصلا كان يوسف وسيف بانتظارهم.
*****
أطال بسجوده وهو يدعو بما يؤلمه. بعد تلك السنوات لم يهتز إيمانه أو يضعف مثقال ذرة، كان صامدًا كصمود الجبال، ممثلًا المعنى الحرفي لإسمه. وبالرغم من جموده وتحمله للبلاء إلا أنه لم يشعر بالألم مثلما فعلت هي به. تعرض للعنف وخاض ألمًا جسديًا عنيفًا، ولكن ضربتها هي القاضية.
حبيبته، رفيقة طفولته، مسكن روحه، دوائه الشافي كانت الخنجر الذي طال صدره ليصيب قلبه فأبادته... قلبه الشيء الوحيد الذي احتفظ به نقيًا، عفيفًا، عن تشويهات جسده الذي طاله السوط والعصا!
زحف يونس بجلسته حتى وصل لطاقة ضوء صغيرة تتسلل من فوق شرفة مظلمة حديدية، ضوء النور البسيط التي تمنحه لغدافية الغرفة القاتلة.
استند على الحائط وأغلق فيروزته بتعبٍ، ليتجلى له رؤيتها، فستانها الإسلامي الفضفاض، خمارها المتلألأ من خلفها كوشاح الأميرات المتدلي، حياء مشيتها التي يميزها من بين نساء العالم بأكمله. ها هي تدخل لمحله الجديد، تردد على استحياء:
_ السلام عليكم.
أجابها بعض العمال السلام، فتابعت مشيتها للداخل حتى وصلت قبالة مكتبه الصغير الذي يتوسط المحل، فانتصب بوقفته يستقبلها ببسمة هادئة:
_ أيه الزيارة الجميلة دي يا زينة البنات... مش تعرفيني إنك جايالي وأنا بنفسي كنت جيت أخدتك لحد هنا.
فركت أصابعها وهي تجيبه بخجل:
_ حبيت أعملهالك مفاجأة.
اتسعت ابتسامته حتى ظهرت غمازة خده الأيسر، فاستشاطت غضبًا واستدارت تتمعن بأعين الزبائن مشيرة له بالكيس البلاستيكي الذي تحمله:
_ متضحكش... أنا مش محذرك!!
ضحك رغمًا عنه وهو يهمس لها:
_ المفروض إني أنا اللي أغير عليكي يا خديجة مش العكس.
تمردت غيرتها بشكل شرس:
_ ازاي يعني!! وبعدين متتفزلكش عليا.
نطقت كلمة تجعله يضحك دون مجهود منها فماذا يفعل الآن، حاول الصمود وهو يسألها بقلة حيلة:
_ طيب أعمل أيه عشان أنول رضا زينة البنات؟
ابتسمت وهي تخبره بدلال:
_ انت كده كده نولت الرضا من زمان.. بدليل إني جاية وجايبالك هدية من صنع إيديا.
وزع نظراته المتحمسة بينها وبين الكيس البلاستيكي:
_ هدية أيه؟
فتحت الكيس وأخرجت منها تيشرت صنعته من الصوف، وقد طرزت عليه أول حرف من اسمه واسمها بشكلٍ متقن. حمل يونس التيشرت بين يديه يتطلع إليه بانبهار:
_ ما شاء الله عليكِ يا خديجة.
سألته بتحفزٍ وعيناها تراقب كل تفاصيله:
_ عجبك؟
منحها نظرة عاشقة وأشار لها:
_ خليكي هنا راجعالك.
غاب دقائق بالداخل وعاد بعدما ارتداه، فادمعت عينيها بفرحةٍ. جلس على مقعد مكتبه الصغير وغمز لها بمشاغبة:
_ حلو عليا؟
أشارت له عدة مرات وأردفت بضيق وهي تمسح دمعتها:
_ أووف بقى يعني أنا بحاول أخبي غمازاتك تطلع بالتيشرت اللي يجنن عليك ده قولي أعمل فيك أيه يا معلم يونس؟
ضحك وهو يقلد نبرتها:
_ معلم يونس!! أيه يا ديجا واقف في وكالة البلح أنا!!
نهضت عن المقعد تخبره:
_ أنا هطلع بقى أحضر الغدا عشان ماما مش فوق.
سألها باستغراب:
_ أمال فين؟
أجابته وهي تعلق حقيبتها على كتفها:
_ عند خالتي وهتيجي بليل.
لحق بها لخارج المحل قائلًا بحب:
_ مترهقيش نفسك في شغل البيت، ولو هتنضفي البسي كمامة عشان التراب بيقلب الحساسية عندك.
استدارت له ببسمة حملت كل حبٍ دفن داخلها لهذا الزوج الحنون وقالت:
_ حاضر... أنا حفظت تعليماتك وبنفذها عشان أنا بخاف الأزمة تجيلي مش بتحمل أشوف خوفك وحزنك عليا.. لكن أنا والله اتعودت.
مد يده على خمارها وهو يمررها بحنان:
_ لا يا خديجة عشان نفسك ولإن صحتك لازم تهمك إنتِ أولًا...
وتابع ومازالت ابتسامته مرسومة بعشق:
_ يلا اطلعي ولو احتاجتي أي حاجة كلميني أبعتلك حد من الصبيان يجبلك اللي تعوزيه.
هزت رأسها بطاعة وقالت قبل مغادرتها:
_ لما أخلص الغدا هنزلك طبق.
ضحك وهو يشاكسها:
_ أطباقكم كلها عندي في المطبخ تحت كل يوم بغسل طبقين وبكمل تاني يوم... لو خالتي عرفت هتقولي تعالى خد مراتك من غير فرح أنا متنازلة.
اقتربت منه مجددًا تتمعن بعينيه وهي تخبره بصدق:
_ راضية والله... من غير فرح ومن غير أي حاجة... كفايا وجودك جنبي يا يونس.
ابتلع ريقه بارتباك يهزم حصونه واحدًا تلو الآخر، فأشار لها:
_ اطلعي يلا ميصحش تقفي في الشارع كده.. وخدي بالك أنا مازلت مصر على موضوع النقاب ها؟
هزت رأسها تخبره:
_ أساسًا وأنا بجهز عاملة حسابي وجايبة لبسي كله للنقاب.
استدار من حوله يتفحص المارة، وانحنى يقبل يدها سريعًا هاتفًا بصوته الرخيم:
_ روح قلبي اللي بيراضي حبيبه! ربنا يقدرني وأكون لك الزوج الصالح اللي يأخد يدك للجنه.
ورفع رأسه للأعلى يردد بطريقة درامية:
_ يا ررب مش عايز غيرها يا رب... عايزها في دنيتي وفي الأخرة تكون لي زوجة، بحبها ومش شايف غيرها يا رب..
تابعت الأعين من حولها بحرجٍ، فصاحت وهي تلكزه بغضب:
_ بس بس فضحتنا في الحارة يا يونس!!
تعالت ضحكاته وهمس لها:
_ يونس محبش ولا هيحب زيك يا خديجة... بحبك وبالرغم من إنك مراتي إلا إني بطلبك من ربنا في كل صلاة ليا، بدعيله يقرب بينا وميفرقناش أبدًا!
أفاق من شروده ببسمة ساخرة ختم بها الوجع وبصم بكل ما امتلكه من ميثاق، فردد بصوتٍ محتقن بدموعه:
_ لو مكتوب لي أخرج للدنيا هتكون أخرتك يا خديجة... وربي لأرميكِ بنار حبي اللي كانت في يوم جنتك!
*****
النداء الأخير للطائرة ومازال سيف يحتضن آيوب، ويشتد بالبكاء حتى أدمعت أعين من حوله، فربت آيوب على ظهره بحنان وهو يخبره:
_ سيف كفايا إنت واقف على رجلك بقالك فترة هتتعب عشان خاطري ارجع مع دكتور يوسف، إنت لسه تعبان.
ابتعد يمنحه نظرة معاتبة وحديث أصابه في مقتل:
_ مش عايزني أجي أودعك يا آيوب ولا كنت عايز تسافر من غير ما تشوفني.
واستكمل بوجع:
_ أنا مش عارف هفضل الشهرين دول إزاي من غيرك.
ضمه آيوب وقد انهارت دموعاته، فهمس له:
_ العشرة مبتهونش واحنا عشرة سنين.. هكلمك على طول يا سيف والله ما هتحس إني بعيد عنك وفي يوم هتنام وتصحى تلاقيني قدامك.. أنا أساسًا مش هقدر أقعد الشهرين في مصر أخري 20 يوم يالا.
اعترض بضيق:
_ كتير بردو... خليهم أسبوعين وتعالى..
هز رأسه له وكاد بالحديث فاستوقفه حديث عمران الساخر وهو يرمقهما بسخط من خلف نظارته:
_ لو خلصتم وصلة وداع الزوج ومراته النكدية فالطيارة قربت تفوتك.
التفتوا للخلف فتفاجئوا بالجميع يرمقونهم بدهشة، وبالأخص شمس وآديرا. سحب آيوب حقيبته واتجه للداخل فلحق به سيف وردد:
_ خلي بالك من نفسك يا أيوب... لا إله إلا الله.
انهمرت دموعه فكلمته زرعت النيران داخله، وجد ذاته يعود ليضمه مجددًا وهو يخبره:
_ وإنت كمان خلي بالك من اللي اسمه يمان ده... حذر منه وعشان خاطري اتفادى أذاه على قد ما تقدر.
هز رأسه له، فردد آدهم:
_ هنتأخر كده يا آيوب يلا.
فرقهما يوسف وهو يصيح بمرح:
_ ما خلاص يا عم منك ليه... ده أنا لو مسافر مش هتعمل عليا كده!!
ضحك آدهم وردد بمزح:
_ على رأي عمران وصلة عشق ممنوع..
ردد علي وهو يتابعهما بابتسامة هادئة:
_ ما تسيبوهم في حالهم.. والله بحسهم كتاكيت جنبكم!!
تحررت ضحكات عمران بانتصار لاختيار أخيه لفظًا جديرًا فصاح لهما:
_ يلا يا كتكوت منك له... انت على طيارتك وانت استرجل واقف في جنب بدل ما أحرمك من زوزو ما إحنا بناتنا ما تتجوزش إلا الرجالة ولا أيه يا دكتور علي؟
هز رأسه بابتسامة صغيرة، فاتجه إليه يلف يده من حوله هامسًا وعيناه تتفحص الوجوه:
_ بقولك يا علوة.
_ علوة!!... قول وخلصني.
كبت عمران ضحكاته وقال:
_ الواد سيف قافش في آيوب ومتقصر أوي إنه مسافر، مع إنه صاحبه وبما إنك أخويا تعالى نعمل أي منكش كده يدل على عذاب الفراق بينا! أقولك أنا همدد هنا وكأني فاقد الوعي!!
اردف باستهزاء:
_ فراق أيه يا عمران ده هما تلات أيام وراجع!! ثم إني عايش حياتي على الطيارة كل يومين في حتة شكل... مهدتش غير بعد الجواز.
_ مهو ده اللي حببني في جوازتك وخلاني أحترم فاطيما احترام مبحترمهوش لشمس اختك نفسها!
وتابع حينما نطق اسمها:
_ على سيرة أختك خد بالك منها... حطها في عينيك يا علي.. أنا مش عارف فريدة هانم وافقت إزاي إنها تسافرها.. حاسس إني مش هقدر أقعد من غيرها!
فشل بكبت ضحكاته، فضحك بصوت لفت انتباه الشباب إليه، كمم عمران فمه وهو يصيح بانفعال:
_ هتفضحنا عايزهم يقولوا أيه؟ منشكح إنه هيسيب أخوه ويسافر لا يا علي لأ!!!
سحب كفه عن فمه واحتضنه بجدية تامة:
_ خد بالك من فاطمة يا عُمران، انت عارف إن ليها ظروف خاصة أرجوك خلي عينك عليها.
ربت على ظهره بحنان:
_ متقلقش يا علي فاطمة أختي وملزومة مني... سافر وانت مطمن... كل اللي في البيت في رقبتي ومسؤولين مني في غيابك.
ابتعد عنه بابتسامة هادئة وفجأة حينما قبل جبينه هاتفًا بحنان:
_ عارف إنك قد المسؤولية يا حبيب قلب أخوك... يلا سلام مؤقت يا وقح!
ضحك وهو يغمز له بمشاكسة:
_ سيبه ملموم جوه بدل ما يطلعلك بواحدة بروح أمك في وسط المطار يقل قيمتك في وسط المجتمع المخملي!
شاركه الضحك وابتعد وهو يلوح له ومن جواره شمس الباكية التي تفترق عنه لأول مرة، وانتقل بيده لأيوب يلوح له بحزن احتل معالم وجه الطاووس الوقح الذي فشل بالنهاية بالتحلي بالجمود، فاتجه مع يوسف وسيف للشقة بينما غادرت الطائرة لمصيرٍ محتوم سيجدد أحداثًا تشبه القنبلة المؤقتة... ومن هنا لنا لقاء قريب...
....
رواية صرخات انثى الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم ايه محمد رفعت
تثاقلت رأسها بشكلٍ جعلها لم تحتمل الاستقامة بمقعد الطائرة، فمالت على ذراع آيوب الذي يتمعن بنافذة الطائرة، يروي حنينه لبلده وأهله.
انتفض جسده بقشعريرة مسته جعلته مرتبكًا للغاية، لا يعلم أمازال ينفر منها أم أن عقله يحاول استيعاب بأنها زوجته وقبل أي شيء فهي "سدن" المسلمة، وإرادتها الآن باتت تعترف بما هي تنتمي إليه.
انسدل خصلات شعرها الأصفر على وجهها بأكمله، فاقترب بأصابعه يبعده عن وجهها حتى لا يزعجها، وعيناه تتشرب من ملامحها دون إرادة منه. وحينما وعى لما يفعله تنهد بضيقٍ وهو يهمس:
_ وأخرة اللي إنت فيه ده أيه يابن الشيخ مهران!!
أعاد رأسه لظهر المقعد، فأغلق عينيه بقوةٍ يحاول ترتيب أفكاره الثائرة حول تلك المواجهة المفاجئة بينه وبين أبيه، يحاول إيجاد حلًا عقلاني يخرجه من ذلك المأزق بأقل خسارة ممكنة. فلم يجد إلا تلك الفكرة التي راودته بتلك اللحظة، فسحب هاتفه واختار إحدى المحادثات المدونة باسم "إيثان".
***
ترك الطبق عن يده بضيقٍ من تصرفات أخيه الطفولية، هادرًا بنفاذ صبر:
_ وبعدين معاك بقى يا سيف!! مش معقول ده، أنا لو بتعامل مع طفل صغير مش هيغلبني بالشكل ده!
أجابه من يوليه ظهره، يحتضن وسادته دافنًا رأسه بها:
_ قولتلك مش جعان يا يوسف.. سبني من فضلك.
جلس جواره يخبره بنبرته الهادئة:
_ طيب وأوديتك؟
ردد باختناقٍ تجلى بنبرته المحتقنة:
_ هاخدها كمان شوية، أنا كويس يا يوسف روح إنت المركز متنساش إن دكتور علي سابه تحت إشرافك لحد ما يرجع.
تمعن به وباستغرابٍ قال:
_ طيب ومديني ضهرك ليه؟
بتحفظٍ قال:
_ عايز أنام مش أكتر.
يظن كذبته تلك ستمر على من قام بتربيته. ذاك المعتوه يظن بأنه سيتمكن من خداع أبيه. جذب يوسف كتفه وهو يصر على أن يواجهه:
_ بصلي وقولي مالك؟
تفاجئ ببقايا دموعه العالقة بأهدابه الكثيفة، فانقبض قلب أخيه وهدر بذهول:
_ إنت تعبان؟!
ورفع يديه يفتش بالشاش الملتف حول رأسه وذراعه بعنايةٍ، هاتفًا بلهفةٍ:
_ فيك إيه؟!!!
وتابع بشكٍ:
_ من ساعة ما عمران مشي من عندنا وانت حابس نفسك ولا راضي تأكل ولا تشرب، في إيه يا سيف اتكلم!
انسدلت دمعة من عينيه التي تتهرب من لقاء أعينه، وصمته يضع يوسف بحالةٍ لا يحسد عليها، حتى قال بخفوتٍ:
_ أنا عايز أنزل مصر مع عمران يا يوسف.. أنا مش عايز أستقر هنا.
جحظت عيناه في صدمة، فمرر يده يمسح وجهه بتوترٍ:
_ عايز تبعد عني يا سيف؟
أزاح الغطاء الأبيض عنه واعتدل بجلسته قبالة أخيه:
_ دي مش بلدنا يا يوسف ولا عمرها هتكون... لو كان على الشهادة فأنا خلاص امتحاناتي قربت تخلص وهكون اتخرجت بشكل رسمي فمش محتاج أقعد وأشتغل هنا.
ابتسامة ساخرة تشكلت على جانبي شفتيه:
_ مكنتش دي أحلامك ولا طموحاتك قبل ما أبعتلك تذكرة السفر للندن!
ارتبك أمامه فنهض ينزع عنه قميصه الأسود، متجهًا لخزانته يجذب منها منامة منزلية مريحة، ورد دون أن يتطلع للفراش القابع به أخيه:
_ عادي يا يوسف.. أنا حابب أجرب حظي هناك.
اتسعت ابتسامته ونهض يقترب منه، فمال على باب خزانته يستند بذراعٍ ويده الأخرى تندث بجيب سرواله بذلته السوداء، مرددًا ببطءٍ متألم:
_ عشان أيوب صح؟
ابتلع ريقه بتوترٍ ومازال يحمل التيشيرت بيديه، فاستطرد يوسف:
_ لإنه مقرر يستقر في مصر بعد امتحاناته عشان كده عايز تتخلى عن أخوك وتفترق عنه.
وخز قلبه عنفًا، فسقط عنه ما يحمله واتجه بخطواتٍ بطيئة لأخيه يحاول تبرير موقفه:
_ لا يا يوسف أنا آآ..
رفع كفه يوقفه عن الحديث قائلًا:
_ مش زعلان ولا هزعل اطمن... اللي أنت عايزه هعملهولك لإن راحتك تهمني وفي المقام الأول... ده صاحبك الوحيد ومن حقك تكون معاه زي ما من حقك تخطط لمستقبلك وحياتك.
أغلق يوسف جاكيته الأسود واتجه ليغادر في محاولة للفرار من أمامه قائلًا بابتسامة اصطنعها بالكد:
_ أنا اتاخرت ولازم أمشي.. متنساش تأكل وتأخد أدويتك عشان الجرح... وأنا هبقى أكلمك كل ساعتين أطمن عليك.
وتركه وغادر، فاتجه سيف ليجلس على طرف الفراش يعتلي ملامحه الضيق الذي تسلل إليه فور رؤية الحزن المسيطر على وجه أخيه.. مهلًا أخيه!!! هل سيبدي الصداقة عن أخيه الوحيد الذي فعل كل ذلك لأجله!!
هز رأسه بفتورٍ وانزعاج من فعلته، فأسرع بخطواتٍ سريعة للمصعد، قاصدًا الجراج الخاص بالمبنى متناسيًا كونه عاري الصدر.
اختلج قلبه بين أضلعه حينما وجد أخيه يتكئ بمقعده على الدركسيون ويبدو بأنه ليس على ما يرام.
طرق على نافذة السيارة مناديًا بهلعٍ:
_ يوسف!!!
رفع جسده للخلف وهو يتأمل من يقف أمامه بدهشةٍ، هبط من سيارته يندفع بتوتره وأسئلته:
_ في أيه؟ أيه اللي نزلك بالشكل ده؟ طيب حاسس بأي تعب؟!!! مرنتش عليا وأنا طلعتلك ليه؟!!!
عينيه الحمراء فضحت سر مغادرته السريعة من أمامه، فانهمرت دموع سيف وضمه إليه، قائلًا ببكاء طفل جرح أبيه دون قصدًا:
_ أنا آسف يا يوسف.. أنا بس اتعودت إن آيوب بيشاركني في كل حاجة، مش قادر أتخيل إن دي حالتي لأنه مسافر كام يوم أمال لما ينزل بشكل نهائي بعد امتحاناته هعمل إيه؟
ربت يوسف عليه بحنانٍ، فتابع الأخير بحزنٍ قاتل:
_ لو هو صاحبي فأنت أبويا وأخويا وصاحبي وكل حاجة في حياتي، أنا مش هسافر ولا هسيبك أنا هكون معاك هنا متزعلش مني بالله عليك..
وابتعد عنه يجذب رأسه ليحنيه قليلًا لفرق الطول بينهما، طابعًا قبلة احترام على أعلى رأسه:
_ حقك عليا.. أنا دبش والله.
تخلى عن جموده وقال بصوتٍ حزين يستمع إليه سيف لأول مرة:
_ عايزني أحس بالغربة هنا من غيرك يا سيف!
هز رأسه بعنف ينفي ما يقول وكأنه ليس هو نفس الشخص الذي أخبره بأنه سيغادر، فردد:
_ لأ... لأ.. مش همشي وأسيبك لوحدك يا يوسف أنا هكون معاك لإني عايز أكون أول واحد يشيل ابنك على إيدي... أنا مش همشي.
قال يوسف ببسمةٍ زرعها بالكد:
_ أنا مش هجبرك على حاجة.. شوف اللي هيريحك وأنا هكون معاك فيه.
وضم وجهه بين يديه:
_ يلا إنت ابني اللي مخلفتهوش، ولو ربنا كرمني بنص دستة عيال عمر ما واحد فيهم هيأخد مكانتك عندي.. إنت ابني الكبير يا حمار!
اتسعت ابتسامته وقبل أن يجيبه قطعه همسات أصوات من خلفهما، فاستدار سيف ليتأمل ما يحدث بينما أصبحت الرؤيا واضحة ليوسف بعد أن أفسح أخيه المجال عنه، فوجد ثلاث فتيات يتأملن سيف بأعجابٍ جعله يتعجب من أمرهن، فتطلع لما تتطلعوا إليه فتفاجئ بأنه لا يرتدي تيشيرته الخاص.
ضم سيف يديه لصدره بحركة درامية:
_ يا مصيبتي اتفضحت وسط الخواجات!
خلع يوسف جاكيت بدلته وألقاه إليه بغضبٍ:
_ استر نفسك يا زفت.. أقسم بالله لأوريك أيام سودة، نازل تستعرضلي نفسك!! طيب ما كان من الأول يا حبيبي على الأقل كنت توقعلك عروسة لكن دلوقتي ميصحش إنت على وشك الارتباط بدكتورة زينب وأنا مقبلش بالكلام المايع ده سامع!!
ما أن تلفظ باسمها حتى تعلق به سيف بفرحةٍ، وكأنه تناسى أمرها:
_ آه زينب يا يوسف جوزيهاني.. أنا عايز أتجوز جوزيهاني يا يوسف.. اتصل بعمران وقوله يجوزيهاني.. أنا عايز أتجوز يا يوسف والله غرضي شريف ومحترم.
برق بصدمة مما يستمع إليه، فدفعه للخلف حتى يتمكن بالوقوف بشكلٍ مستقيم:
_ هي الضربة قصرت عليك ولا إيه يا دكتور سيڤو!!
اطلع يا حبيبي كل وخد علاجك واقعد استناني لما أخلص شغلي وارجعلك.
وأضاف وهو يقرص وجنته بسخريةٍ:
_ أوعى تتشاقى عشان أجبلك حلويات وأنا راجع!!
نزع يده بغضب:
_ عيل صغير أنا!! بقولك عايز أتجوز جوزيهاني!!
وتابع وهو يشير بأصبعه الذي كاد باختراق عين يوسف:
_ مالك في إيه؟ مش كنت هتموت وتجوزني أديني أهو بقولك جوزني!!!!!
ضيق عينيه بمكرٍ، فانحنى لسيارته يفتح بابها، ومن ثم مال للخلف في محاولةٍ لجذب حقيبته الجلدية المربعة.
انحنى خلفه سيف متسائلًا باهتمامٍ:
_ بتعمل إيه يا يوسف؟
قال ومازال منحني:
_ أبدًا أصلي افتكرت معاد الحقنة المسكنة بتاعتك.. معرفش نسيتها إزاي!!
ما أن انتصب بوقفته حتى وجده يركض للمصعد كالذي يفر من مصاص دماء يركض ليمتص دمائه الشهية.
ترك يوسف الحقيبة بالخلف وانتصب يطرق كفًا بالاخر هامسًا بصدمة:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله الولد اتجنن!!
وهز رأسه بقلة حيلة، فأخرج القميص من سرواله ونسقه دون الحاجة لجاكيته الذي منحه لأخيه، وصعد سيارته مغادرًا للمركز الذي سيضم عمله الجديد برفقة دكتور "علي الغرباوي".
***
هبط من سيارته تاركًا بابها للحارس الذي أسرع بالصعود محله ليصفها، بينما اتجه بخطاه الشامخة للداخل. جابت رماديته مجالس الضيوف السفلية، فوجد الجميع بالأسفل، وما لفت انتباهه زوجته تضم جوار زوجة أخيه الباكية.
نزع عنه نظارته القاتمة واتجه يحيط حافة مقعدها بابتسامته المرحة:
_ مساء النكد.
ومال ليتمكن من رؤية فاطمة التي تحاول مسح دموعها بحرجٍ، قائلًا بمرحٍ:
_ إيه يا فاطيما ده الراجل لسه طالع على باب الطيارة! والحكاية كلها تلات أربع أيام مش مستاهلة كل ده!
أخفض أحمد ساقيه عن الأخرى، ليتمكن من وضع قهوته على الطاولة الفخمة من أمامه، مردفًا بسخطٍ:
_ مالك بيها يا وقح! البنت بتحب جوزها وزعلانة على سفره.
وتابع وهو يتطلع جواره لفاتنة فؤاده، متعمدًا أن يخصها بحديث مقلتيه الجذابة:
_ في قلوب صعب تتفارق حتى لو ليوم واحد اسألني أنا.
ردد بصوتٍ خافت سمعته الفتيات فقط:
_ بدأنا وصلة العشق الممنوع بدري أوي!
كبتت زينب ضحكاتها بشكلٍ استدعى شكوك أحمد بأكملها، فتساءل بضيقٍ:
_ كان بيقول إيه الولد ده يا زينب؟
أسبل إليها ببراءة ماكرة:
_ ما تقوليه يا دكتورة زينب.. قوليله أد إيه هو راجل قاسي وعديم القلب إنه يظلم إنسان بريء وطاهر زيي.. إحكيله أنا كنت بمجد فيه وفي حبه لفريدة هانم الغرباوي إزاي!! اتكلمي ودافعي عن إنسان راقي خُلق ليُدرس أو يُشرح عادي جدًا!
انحنت مايا لتستند بجبينها على يدها ورأسها يهتز بقلة حيلة، سحب أحمد رشفة من كوبه وتركه يستكمل جلسته الدفاعية الزائفة ببرودٍ وكأنه لا يهتز لحرفٍ يقال، فمال على فريدة يهمس لها:
_ إيه رأيك نتمشى بره شوية؟
وجدها جامدة الملامح تتطلع أمامها بثباتٍ، فلم تستمع لحرفٍ واحدٍ له، ناداها بقلقٍ ويده تهزها برفقٍ:
_ فريدة!
أفاقت من شرودها على هزته الرقيقة فرددت بتوترٍ:
_ بتقول حاجة يا أحمد؟
يجوب برأسها ضوضاء صاخبة كازدحام إشارات المرور وقت الظهيرة، تجلس بجسدها أمامهم ظاهريًا، ولكنها غائبة الوعي والإدراك، تقاوم كل أفكارًا سيئة تهاجمها، بعد التعاسة التي أحاطتها فور إجراء ذلك الاختبار، فتتمنى من صمام قلبها أن يكون مخطئ لذا عليها الذهاب للمشفى لإجراء تحليل تفصل به غوغائها.
أفاقت على هزة يد زوجها، فأبعدت خصلاتها القصيرة عن زرقة عينيها متسائلة:
_ في حاجة يا أحمد!
تلك المرآة غامضة كالبلور المتعرج، كلما ظن بأنه تماسك جيدًا تنفلت قدميه عنها، ما بالها صامتة، شاردة منذ حفل قران ابنتها، كان يعتقد بأنها حزينة لأبتعاد ابنتها الوحيدة عنها ولكن على ما يبدو بأنها تخفي أمرًا عنه.
أجلى أحباله الصوتية متسائلًا باستغرابٍ:
_ في إيه يا فريدة؟
مشطت شعرها بأصابعها برقةٍ:
_ سرحت شوية يا حبيبي.. ها كنت بتقول إيه؟
حل الحزن معالمه، فهو يعلم بأنها تخفي عنه أمرها، هي غامضة بشكلٍ يستدعي قلقه لطيلة صمتها، هو الوحيد الذي يعلم ما خلف هدوئها، تنهد بنزقٍ وبدون رغبة بخوض نقاش وهمي قال:
_ مكنتش بقول حاجة.. أنا بس قلقت من سكاتك.
قاطع عمران الأحاديث حينما قال لفاطمة:
_ بقالي ساعة بحاول أضحكك وانتي قافلة إحساسك الفكاهي بقفل كمبيوتر!!
وتابع بغمزته المشاكسة:
_ مكنتش أعرف إنك متعلقة بيه للدرجادي يا فاطيما... شكلي كده والعلم لله هغير من علاقتكم الفريدة من نوعها دي.
رسمت ابتسامة صغيرة تخفي بها حزنها الشديد، فلف عمران يده حول رقبة زوجته هامسًا لها بصوتٍ مسموع:
_ أول ما علي ينزل من السفر هسافر على طول.. عارفة لو مجاليش رسايل يترجوني فيها أرجع عشان حالتك النفسية اتدهورت هرفع عليكي قضية خلع يا بيبي!
منحته بسمة مستفزة وقالت:
_ جوزي حبيبي إعملها وسافر وهتكون خدمتني، لإني فحتاجة هدنة من وقاحتك!
ودفعته بقوة وهي تمتم من بين اصطكاك أسنانها:
_ شيل إيدك عني وإبعد إحنا مش قاعدين لوحدينا.. إنت بتتفنن إزاي تكسفني قدامهم!
اعتدل بجلسته راسمًا ابتسامة واسعة يستقبل بها نظراتهم المندهشة لما يحدث بينهما، ومال عليها يهمس بمكرٍ:
_ طلعلك مخالب وبقيتي بتخربشي يا بيبي! الله يرحم لما كنتي بتجري تتداري ورايا من نعمان الملزق!
رفعت حدقتيها إليه تبتسم له فبادلها الابتسامة بعشقٍ هدمت لذاته حينما قالت:
_ أنا أشك إنك ورثت عنه بعض الجينات!
صعق من سماع ما قالت، وأشار لنفسه باستنكارٍ:
_ أنا ملزق يا مايا؟
هزت رأسها عدة مرات مؤكدة له باستهداف نظرة تستشهد على التصاقه بها، فهمس بنبرة جعلها مغرية بخبرةٍ اكتسبها:
_ بيقولوا عليا إني تقيل وصعب حد يوقعني فخليني أديكي درس من دروس الطاووس الوقح، أوعدك بعده هتتمني قربي أو نظرة واحدة مني!
منحته نظرة من امرأة واثقة، متعمدة الاعتدال بجلستها واضعة قدمًا فوق الأخرى بتعالٍ:
_ وريني يا سيادة الطاووس!
ضحك بملئ ما فيه وردد باعجابٍ صريح:
_ أووه.. حبيب قلب جوزه بقى واثق من نفسه لدرجة هزمت عُمران سالم الغرباوي بذات نفسه!
كادت أن تمنحه ضربة تستهدف جبهة حديثه ولكن قاطعهما صوت أحمد الساخط:
_ لو هتقضوها همسات ولمسات جانبية يُفضل تأخدها وتطلع فوق.. راعي إننا معانا سنجل وواحدة بتبكي على فراق جوزها وموجود كمان فريدة هانم فنحترم نفسنا ولا إيه يا بشمهندس؟
ضم شفتيه معًا بنزقٍ متحاذق:
_ واضح إننا هنبتدي نغير ونغني ونلحن على بعض وده سكته مقفولة معايا يا آآ... آنكل!!
ألقت فريدة مجلة الأزياء العالمية هاتفة بحنقٍ:
_ وبعدين يا عمران!
واتجهت لتغادر مرددة بضيقٍ:
_ أنا هطلع أغير هدومي وأخرج.. حاسة إني مخنوقة ومحتاجة أشم شوية هوا نقي.
استقام عمران بوقفته وأردف بعد تفكير:
_ طيب أيه رأي حضرتك لو خرجنا كلنا لل beach؟
جذب أحمد جاكيته المنحدر على جانبي الأريكة الجلدية، ليتبع مكان وقفتهما القريب من الدرج:
_ فكرة كويسة يا عمران على الأقل فاطيما وزينب يغيروا جو.
منحه ابتسامة عذباء واستدار للفتيات مشيرًا لهن:
_ يلا بسرعة غيروا هدومكم وهستناكم بالحديقة.
***
خطت الأقدام أرض مصر بعد ساعات طويلة من السفر الشاق، فاجتمعوا أمام البوابة الخارجية حيث تمكن آدهم من الانتهاء من مخالصة أوراق سيارته ليستلمها من صناديق الطائرة، فتحرك بها ليقابل مكان وقوفهم، فصعد آيوب جواره وبالخلف علي ولجواره شمس ومن جانبها آديرا التي تستكشف مصر لمرتها الأولى، وأكثر ما يلفت انتباهها الطقس الدافئ الذي استقبلها بدفءٍ وراحة غريبة بدأت تنبعث داخلها.
وكأنها تشعر باقترابها من تحقيقٍ إرادة لشيء لا تعلمه، كل ما يتغمدها هي الراحة والسكينة، ارتياح يدغدغ مشاعرها التي خُلقت من العدم.
أصر آدهم أن يصل آيوب وزوجته أولًا ليرى محل إقامته، وبعد طريقًا طويلًا وصل لزقاق الحارة الشعبية، فأشار آيوب له على منزله وطالبه بحرجٍ:
_ ده بيتي يا آدهم بس أنا هنزل قدام شوية عند العمارة اللي على رأس الشارع دي، معلش تعبتك معايا.
اتبع الوجهة المنشودة مرددًا:
_ عيب الكلام ده يا آيوب.. قولتلك ألف مرة إحنا أخوات.
ابتسم والحزن لفراقه يلمع بعينيه، فكأنما قرأ ما تنطق به مقلتيه فقال:
_ أنا متعمد أوصلك لبيتك عشان أعرف عنوانك.. متنساش إني وعدتك بهدية ولازم أوصلهالك بنفسي بس أوصل زوجتي والدكتور وأستقبلهم بنفسي وبعدين أفضالك.
انطلقت ضحكة علي لتشاركهما حديثهما المتبادل، هاتفًا بخبثٍ:
_ ويا ترى بقى من حق دكتور علي إنه يعرف إيه المفاجأة المنتظرة ولا ممنوع يا سيادة الرائد.
طالعه آدهم بالمرآة الأمامية وباحترامٍ كبيرًا قال:
_ مفيش بينا أسرار يا دكتور.
وانجرف بنظراته لتلك الفتنة القاتلة التي تختلس النظرات إليه بحبٍ مغري، متابعًا بهيامٍ:
_ يعني إنت استأمنتني على أغلى جوهرة عندك مش هستأمنك على أسراري!
ابتسمت وهي تخفض عينيها بخجلٍ، فابتسم علي قائلًا بمرحٍ:
_ أممم.. هنبتديها بقى رومانسيات من دلوقتي.. ما صدقت فارقت عُمران فعيارك على وشك إنه يفلت خد بالك!
ضحك الجميع على جملته، فتوقفت السيارة أمام تلك العمارة حديثة البناء، فهبط آيوب أولًا ليلتقف من ينتظره بين أضلعه، والأخر يشدد من احتضانه وقد فقد سيطرته على دمعاته التي انهمرت تباعًا.
راقب علي وآدهم ما يحدث بدهشةٍ، ها هو آيوب يحطم توقعاتهم عن شخصه للمرة التي لن يعلموا عددها، يعانق شابًا غريبًا يحمل حول رقبته سلسال على شكل الصليب، ليؤكد لهما شكوكهما حينما لفظ بشوقٍ:
_ وحشتني أوي يا إيثان.
ابتعد ذاك الشاب الوسيم عنه، واستدار يزيح دموعه مداعيًا ضيقه الشديد منه وقد منحه سببًا مبررًا:
_ لو كنت وحشتك زي ما بتقول كنت بعتلي تذكرة للندن أجي أزورك وأقعد أسليك ولا خلاص دكتور سيف بقى هو صاحبك وحبيبك.
وتابع مستنكرًا وهو يلتفت ليقابله بغضب:
_ من يوم ما عرفته وهو عامل عليك حجر.. لعلمك لو نزل مصر هكسرله رجله وأخد حقي منه، فاكر نفسه مين المتخلف ده!!
انفجر ضاحكًا وهو يكاد لا يصدق ما يستمع إليه، ماله كلما صادق أحدًا يريد أن يكون صديقه الوحيد، وها هو صديق طفولته ورفيق الحارة الشعبية، الشريك الملتصق بذكرياته يتمرد معترضًا على سفره المفروض ويلقي تهمته على سيف الذي إن علم بوجوده سيكون مصيره هو القتل لا محالة.
تنهد بقلة حيلة وهو يراقب ضحكات آدهم وعلي المكبوتة بصعوبة، وكلا منهما يستندان على جسد السيارة الأمامي باستمتاعٍ، إلى أن أشار له آدهم مازحًا:
_ أنا عايز أعرف إحنا بنعمل إيه هنا عشان نكون في الصورة بس؟
التقطت أعين "إيثان" هذان الغريبان، فتنحنح علي بثباتٍ مضحك:
_ حضرتك إحنا منعرفهوش، إحنا لاقيناه مرمي على الطريق وتقريبًا حرامية مقلبينه وكان محتاج توصيلة مش كده يا آدهم؟
أجابه مؤكدًا وهو يلمح نظرات إيثان الغاضب:
_ هو ده اللي حصل بالظبط... وحالًا هترميله شنطة ومراته ونخلع.
جحظت أعينه صدمة، وكأن أحدًا ما ألقى على رأسه مياه الغسيل من الطابق العاشر كمعتاداه، فأخذ يردد من خلفه بنبرة مهتزة:
_ مراته؟!!!
واستطرد وصدره يتسع كأنه سيلتهم الأخير:
_ عشان كده طلبت مني أروقلك شقة في عمارة تي!! حققت كابوس أبوك وراجعاله بخواجاية يابن الشيخ مهران!
ضرب بكفه جبهته بقلة حيلة، وصاح مسرعًا:
_ اهدى وهفهمك فوق يا إيثان.
صاح بصوتٍ جهوري:
_ تفهمني إيه بس... أنا كنت بعزك من معزة يونس صاحبي وأخويا.. بعد ما اتسجن ظلم وأنا وأبوك بندير محلاته على أمل إنه في يوم من الأيام خارج فيلاقي مشروعه واقف على رجليه، وكل ما الشيخ مهران يعرض عليا إنه يكلمك عشان تنزل وتساعدني في الإدارة كنت بعارضه وبقوله يسيبك تركز في مذكرتك وتحقق حلمك في الآخر راجعلي بخواجاية يا شيخ آيوب!!
وتابع وهو يلف يده من حول رقبته بعنف:
_ والرب أنا ما عايز أقل قيمتك قدام الناس المحترمة اللي جايبنك دول.. فاطلع معايا نكمل كلامنا فوق.
طلت برأسها من نافذة السيارة فصعقت حينما وجدته يواجه شابًا يمتلك جسدًا كالمصارعين المتوحشين، لا تعلم لما خفق قلبها عنفًا مستطردًا ذكريات ما لاقوه معًا على يد رجال عمها، فانطلقت كالرصاصة القاتلة من باب السيارة إليه، تبعده بكل غضب عنه وهي تصيح بشراسةٍ تفاجئ بها الجميع:
_ ماذا تريد من زوجي أيها الحقير؟
وتابعت وهي ترفع حذائها ذو الكعب الرفيع:
_ ابتعد من هنا الآن والا أبرحتك ضربًا.. ودعني أحذرك أنت لا تدري قوة الحذاء المستورد ففكر جيدًا قبل أن تقدم على فعل شيء أحمق مثلك!
صعق علي وآدهم، حتى شمس التي تتابع ما يحدث بمللٍ، والنصيب الأكبر لآيوب الذي يرى شراسة آديرا الصادمة، بينما تحرك لسان إيثان ناطقًا بسخريةٍ:
_ هي الخواجاية دي من بولاق يالا؟!
انكمشت تعابيرها بدهشةٍ، فاستدارت لآيوب تتساءل بحيرةٍ ومازالت تحمل حذائها باستعداد وضعية الهجوم:
_ ماذا يقول؟ هل سبني هذا المصري للتو؟!
تدارك الأمر بصعوبة، فهز رأسه نافيًا ومن ثم تقدم يسحب منها حذائها ووضعها أمامها مشيرًا لها بحدة:
_ بربك يا فتاة ما الذي تفعلينه؟ هيا ارتدي حذائك قبل أن يتجمع حولنا المارة!
ارتدته ومازالت تقابل نظرات حادة لذلك الإيثان الذي يبادلها بنفس الحدة والغضب، فتركهما وانطلق للسيارة قائلًا:
_ هات الشنط واطلع إنت يا آدهم.
تساءل علي باستغراب:
_ هو إنت هتقعد هنا؟
نفى سؤاله موضحًا بارتباكٍ:
_ لا.. أنا مش هينفع آخد آديرا معايا البيت والدي لو عرف بموضوعنا ممكن يجراله حاجة.. عشان كده كلمت إيثان صاحب يونس وجارنا وطلبت منه يوضب شقة في العمارة بتاعته عشان آديرا.. لحد ما على الأقل أقدر أمهد لبابا الموضوع..
هز علي رأسه بتفهمٍ وشجعه بقراره:
_ كويس إنك عملت كده.
وضع آدهم الحقيبتين أمامه ورفع كفه يصافحه قائلًا بمحبة:
_ حمدلله على السلامة يا آيوب.. خلينا على اتصال لحد ما أقابلك.
هز رأسه بابتسامة جذابة:
_ هستنى منك مكالمة بمعاد الزيارة ويا ريت يكون معاك دكتور علي.
ابتسم علي وأجابه:
_ لو كنت فاضي مش هتأخر.. بس أنا يدوب التلات أيام دول هيكونوا كلهم جري وسباق من مكان لمكان عشان أقدر أخلص ونرجع على طول أنا وشمس.
مال آدهم عليه يهمس له وعينيه تتابع شمس التي تتصفح هاتفها بالسيارة:
_ ما تسيب شمس وتسافر إنت يا دكتور!
_ طب وامتحاناتها يا سيادة الرائد!
وتابع بخبثٍ مضحك:
_ شكلي بطيبتي مش هنتفق مع بعض فأيه رأيك أسافر أنا وأبعتلك الطاووس الوقح تتشاور معاه عن الأمر ده.
ابتلع آدهم ريقه بصعوبة مداعيًا خوفه الشديد:
_ شنطها هتكون في المطار قبل شنطك يا دوك... مش بيقولك الشرطة في خدمة الشعب وأنا بقى تحت أمرك!
ضحك ثلاثتهم ثم دعوا آيوب للمرة الأخيرة، وانطلقت سيارة آدهم لطريق منزله.
حمل إيثان وآيوب الحقائب للأعلى ومن خلفهما صعدت آديرا، فاتجهت لأحد الغرف تنتظر آيوب كما أخبرها، بينما جلسا معًا في الصالون المجاور للشرفة الرئيسية، فأسرع إيثان بسؤاله المتلهف:
_ عملت كدليه يا آيوب؟
تراجع بظهره ليحصل على جلسة مريحة، مرددًا بتعبٍ التمسه صديقه:
_ حكاية طويلة أوي يا إيثان.. أرجع بس البيت أخد دوش وأريح ساعتين وبعدها هحكيلك كل حاجة.
وتابع بصوتٍ مزقه الألم والحنين:
_ تعرف أول ما نزلت من العربية وشوفتك حسيت إن شوية وهشوف يونس.. لأنكم مكنتوش بتفارقوا بعض أبدًا.
وانهمرت دمعة من عينيه تقص وجعًا يخوضه منذ أن وطأت قدميه الحارة:
_ مش عارف هدخل بيتي إزاي وأنا مش شايفه فيه، أنا كنت شايل هم رجوعي عشان اللحظة دي يا إيثان.. هيجيلي نوم إزاي وأنا شايف سريره اللي قصادي فاضي.. هقدر أتحمل وأنا طالع البيت وشايف اسمه على يافطة المحل!!
تربع الوجع وحل الوجوم على وجه الأخير، فأخبره بصوتٍ محتقن:
_ مش لوحدك يا آيوب.. محدش حاسس بالنار اللي قايدة جوايا.. طول السنين دي بحاول أوصله أنا والشيخ مهران ومش عارفين نوصل لحاجة.. أنا بقيت حاسس إني بدور على شيء وهمي مالوش وجود.. بقيت خايف أصدق حقيقة إنه ميت مش عايش..
وتابع ببسمة حملت معاني الألم من أوسع أبوابها:
_ يونس على الرغم من تدينه عمره في يوم ما حسسني إني مسيحي أو نفر مني.. كان بيتعامل معايا معاملة الأخ لأخوه وكل ما أنكشه يقولي المعاملة الحسنة اللي بينا أنا عمري ما هفرض عليك شيء.. كنت بحترمه وبحب طريقة تفكيره.
واتسعت ابتسامته وهو يقص لآيوب بأعين بكت دماءًا:
_ من حبي فيه كنت بفضل طول رمضان أجهز واجبات وعصائر وننزل أنا وهو وقت الأذان نوزعها كلها، ولما يسبني ويروح يصلي ورا الشيخ مهران في المسجد كنت بقعد قدام الباب أستناه عشان أديله وجبته وكان بيرفض يأكلها لوحده كنا بنتقاسم فيها مع بعض..
تهاوت دموع آيوب دون توقف، فرفع إيثان ذراعه يمسح عينيه وهو يستطرد:
_ أنا لسه بعمل كده لحد النهاردة يا آيوب بجهز واجبات وبوزعها وأنا بتمنى من قلبي إنه الثواب يروحله هو ويخرج من أزمته.. وكل رمضان بعلق الزينة بنفسي قدام محلاته زي ما كان بيعمل بعمل على أمل لما يرجع ميحسش بالتغيير مع إن في غيابه كل شيء اتغير!!
دفع إيثان الطاولة من أمامه وانهار باكيًا، وهو يحيط وجهها بساعديه، هادرًا بانفعالٍ:
_ كل اللي حصله ده بسبب بنت ال***، اللي عملته معاه خلاني كرهت الحب والستات، مبقتش قادر أأمن لواحدة ست، الغدر اللي شافه على إيدها بعد قصة الحب الأسطورية دي خلتني أخاف يا آيوب... كان عايش بيتمنى اليوم اللي هيتجوزها فيه.. مفرحش حتى بشقته اللي تعب فيها.. ١٥ يوم بعد جوازه منه وابن عمه الحقير رتبله كل ده وحبسه وجيت هي وكملت عليه ورفعت قضية الخلع عشان تتجوز الكلب اللي اتجوزته..
ولطم صدره مستهدفًا موضع قلبه:
_ قلبي كان بيتحرق عليه... أنا عارف إنه قوي وصبور بس بعد ضربتها دي فأنا متأكد إن يونس مات في اليوم اللي عرف فيه باللي عملته.
واستدار بوجهه لآيوب المستند برأسه للخلف بانكسارٍ، يخبره بفرحةٍ وشماتة:
_ اللي مهونها عليا اللي بيحصلها.
ضيق عينيه بعدم فهم، فاستكمل إيثان بايضاح:
_ كل يوم والتاني بتيجي لامها غضبانه.. الكلب جوزها بيضربها وبيهاينها.. بيخلص حق يونس منها، بتيجي تقعد أسبوع والتاني وبيرجعها بردو بعلقة قدام الحارة كلها.
جز على أسنانه بغيظٍ وهو يقول:
_ بس اللي قهرني إن مفيش حد بيتدخل بينهم وبيحل إلا أبوك.. الشيخ مهران!! كأنه نسي الأذية اللي قدمتها لابنه الكبير.. مبقتش أستغرب منه لإني عاصرته وعارف إنه رباكم على عدم رد الأذية بالأذية.. بحاول أفهمه إنها متستحقش المعروف بس مش سامع كلامي.
تحرر آيوب من صمته أخيرًا، فربت على ساقه بحنانٍ وأمل يولد داخله:
_ انسى اللي فات وفكر في بكرة.. أنا واثق إن فرج يونس جاي وقريب أوي كمان.
واستقام بوقفته يتابع:
_ خد شنطتي واستناني تحت وأنا خمس دقايق وهحصلك.
حرك رأسه بخفة وحملها واتجه للأسفل، وولج آيوب للداخل طارقًا باب الغرفة، وما أن استمع لصوتها يسمح له بالدخول، عرج للداخل فوجدها تتمدد على الفراش بإرهاقٍ.
منحته ابتسامة كانت غامضة إليه، لا يعلم ماذا أصابها منذ أن اعتنقت الإسلام على يد عُمران، طال صمته مما دفعها لتتساءل:
_ أأبرحك ذاك المزعج ضربًا؟
فشل بكبت ضحكة تمردت على وجهه الوسيم، فحك أنفه وهو يردد:
_ آديرا إيثان صديقي وما حدث بالأسفل لم تكن مشاجرة بيننا إنما هو عناقًا رجوليًا، ولنقل أننا نحن المصريين حينما نشتاق للقاء أحدًا نعبر بطريقة مختلفة عنكم.
هزت رأسها بعدم اقتناع ورددت بعربية مضحكة:
_ آيوب أنا عاوز أهرج (أخرج) وشوف مصر.. من زمان نفسي أشوفه.
رمش بعدم تصديق، وردد:
_ منذ متى وأنتِ تتحدثين العربية؟
ضحكت وهي تخبره بمزحٍ:
_ أنا لا أتحدثها ولكني كنت أحيانًا أتلصص على حديثك أنت وأصدقائك بالأخص ذلك المتوحش اللطيف!
ضحك بملئ ما فيه، فراقبت وجهه الضاحك بهيامٍ وكأنه بدأ يلقي سحره عليها، سيطر على ضحكته وقال وهو يدعي ثباته:
_ حاضر يا ستي عيوني.. هفرجك على مصر وهعمل معاكي الواجب كله بس أنا في حاجة عايز أقولك عليها.
انزعجت تعابيرها بعدم فهم لحديثه، فزم شفتيه ساخطًا على حماقته وصاح:
_ أعدك بأنني سأخذك برحلة فريدة من نوعها ولكن علي إخبارك بأمرٍ هام.
هزت رأسها تصرح له الحديث، فقال:
_ عائلتي لا تعلم شيئًا بخصوص زواجنا، فلا أريد أن أفاجئهم بأمرنا إلا بعد أن أتحدث إليهم أولًا لذا أريدك أن تبقي هنا حتى أصرح لهم بذلك.
تجهمت معالمها حزنًا، ورددت بحسرةٍ:
_ ولكنني كنت أتلهف للقاء والدك.. لقد أخبرني المتوحش بأنه من سيمسك يدي لأول طريق الإسلام.. وأنا أود ذلك... كنت أتأمل أن ألقاه فيخبرني عن دينكم.
تأثر لما استمع إليه لدرجة جعلته يبتسم بحبٍ تراه بمقلتيه لأول مرة، فرفع يده ببادرة جديدة عليه وضم جانب وجهها قائلًا برفقٍ:
_ أعدك بلقاءٍ قريبًا به.. ولكن دعني أمهد له الأمر أولًا.
هزت رأسها بخفة وابتسامتها تقص سعادتها باقترابه منها لهذا الحد، سحب كفه متنحنحًا بتوترٍ، ونهض مسترسلًا:
_ سأغادر الآن.. وربما أعود الغد.
وتركها وغادر على الفور، ليذهب برفقة إيثان للقاء والده "الشيخ مهران".
***
طاولة خشبية بيضاء تلتف من حولها المقاعد الفخمة، وضعت خصيصًا على الجسر الخشبي المتصل لمسافةٍ كبيرةٍ من البحر، والخضرة والأشجار تحيط من حولهم.
هنا حيث تجلس فاطمة جوار زينب تتبادلان الأحاديث بمرحٍ وسعادة ويتعمق الحديث بينهما لأول مرة، ومن قبالتهما مايا وفريدة وعلى رأس الطاولة أحمد الذي يتابع جهاز البورصة العالمية، بينما بالابتعاد عنهم قليلًا، وبالأخص بمنتصف البحر يقف عُمران على اللوح الطائر (الفلايبورد)، يتصل بخرطوم يصل لذاك السائق الذي يترك التحكم لعمران المستمتع بمغامرته المفضلة.
يتطاير باللوح أعلى المياه ومن ثم يصل علو الارتفاع لمسافة كبيرة، وينحني فجأة ليصل مرة أخرى للمياه.
تابعته الفتيات بخوفٍ، فكانت زينب أول من رددت:
_ هو مش خايف البتاع ده يغطس في الميه؟
ابتسمت فريدة وتركت مجلتها، ثم أجابتها:
_ متخافيش عُمران شاطر جدًا وبيعرف يتحكم فيه.
خطفت نظرة سريعة لزوجها وقالت:
_ أنا كمان بحب أركبه جدًا، بحس إني زي الطير اللي في السما وبجرب إحساسه وهو بيقرب من المية.
تعانقت نظراتهما بحبٍ، والصمت يتلاعب بينهما إلى أن تساءلت مايا باهتمامٍ:
_ بجد يا فريدة هانم ركبتيه قبل كده؟
ابتسمت وهي تلتقط كوبها من الشاي الأخضر، هاجسها الأكبر للحفاظ على وزنها المثالي:
_ أيوه ركبته مرتين قبل كده مع عمران بس من زمان أوي كنت صغيرة عن كده أكيد.
مال أحمد إليها يحتضن كفها برقةٍ أذابتها كقطعة شوكولا تستجيب للنيران:
_ ومين قالك إنك كبرتي يا حبيبتي، إنتِ لسه زي ما انتي بالعكس أنا حاسس إنك بتصغري عن الأول..
وتابع وهو ينحني بقبلة على أصابعها:
_ هتفضلي في نظري أجمل ست شفتها عيناي واتمناها قلبي.
ضحكت الفتيات وكلا منهن تميل بحلمية، افتقادًا لمذاق الحب المميز كحبهما، فاقت فريدة من شرودها بعينيه الرومادية، فسحبت كفها بخجلٍ.
اتسعت ابتسامة أحمد وتابع وهو يلتقط قطعة من الكعك:
_ مش حابة تعيدي التجربة للمرة التالتة؟
رمقته بذهولٍ، وتسلل لها ابتسامة فرحة، ممتنة لوجود ذلك الرجل الذي يشجعها دومًا على فعل ما يجعلها سعيدة، محطمًا عوائقها التي تصنعها وتضعها أمام نفسها.
رددت وهي تنحني تنزع حذائها المرتفع:
_ حابة جدًا.
انهت كلماتها وهي تبعد مقعدها وتسرع لأخر الجسر الخشبي حافية، تشير بيديها وهي تنادي متلهفة:
_ عُمــران!
انتبه لها فاتسعت ابتسامته وهو يلبي ندائها، أسرع إليها يخطف يدها لتضع قدميها أمام قدميه، ويده تحيط خصرها، ارتفع بها عاليًا وهي تفرد ذراعيها وتغلق عينيها بقوةٍ، تاركة الهواء يحرك خصلاتها السوداء بدلالٍ.
تركت ذاتها لخوض تلك التجربة التي كانت بحاجة لها، راقبها الفتيات بصدمة وأخر ما يتوقعوه رؤيتها تشارك عمران اللوح الطائر المائي، وابتسامتها الواسعة تلك تجعلهم بحيرة من أمرها.
مالت فاطمة على زينب تهمس لها:
_ مستحيل دي تكون فريدة هانم!! حاسة إني مع الوقت بكتشفها من أول وجديد!
ابتسمت زينب وقالت وهي تراقبهما:
_ تعرفي إني بحب علاقتها بعمران ده أوي... بحسه إنه بيتعامل معاها معاملة خاصة كده.. مش معاملة الابن لأمه أبدًا.. بيتعامل معاها كأنها أخته الصغيرة وده مخليني مستغرباه جدًا!!
أجابتها وهي تسحب هاتفها لتراقب بلهفة رقم علي عساه أرسل برسالة دون أن تراها:
_ دي شخصية عمران.. صعب تكون مفهومة.. بس المؤكد بالأمر إني برتاحله وبثق فيه جدًا... ويمكن ده اللي خلاني بحب شغلي!
ضمت مايا رأسها بتعبٍ، لا تعلم لما عاد لها هذا الصداع الصباحي والنفور المتكرر من الطعام، حاولت أن تستمد طاقتها من كأس البرتقال الموضوع من أمامها، فشعرت بأنها تحسنت قليلًا.
انتبهت لصوت عمران يناديها، فتطلعت تجاه الجسر الخشبي فوجدته يعاون فريدة على الهبوط ويشير لها قائلًا بخبث لم تلاحظه بنظراته الماكرة:
_ مايا لو سمحتي اديني موبايلي.
انساقت وراء خديعته، فانطلقت حاملة الهاتف تقدمه له، فوجدته يقبض على كفها الحامل للهاتف ويقربها لنهاية الجسر، انقبض صدرها وجحظت عينيها بفزعٍ، فصرخت به وهي تتراجع للخلف بخوفٍ:
_ عُمــــــــران لأ.. انت عارف اني بخاف!!
ضحك وهو يراقبها، تكاد تتمدد أرضًا لتفلت من يده، فردد لها بخبث:
_ معقول معندكيش ثقة فيا يا بيبي!!
جذبت يدها وهي تستجديه بعشقه:
_ لو بتحبني سبني أنا خايفة بالله عليك!
وتابعت وهي تتأمل انغراس قدميه بالمياه:
_ آآ.. أنا أساسًا دايخة من الصبح.. سبني!
ضيق رماديته الساحرة ومازال يراقبها باستمتاعٍ، فرفعها بسهولةٍ إليه وتابع بهمسٍ أربكها:
_ حبيب قلبي خايف وهو في حضني؟!
وأشار لها وهو يسحبها إليه كالمسحورة بتعويذة قوية:
_ حطي رجلك هنا وأنا همسكك متخافيش يا بيبي!
اتبعته وعينيها لا تفارق خاصته فابتسم بحبٍ لها، حتى ارتفع بها للأعلى فاستعادت وعيها تدريجيًا، فانطلق صراخها يجلل من فوق المياه هاتفة بتوسلٍ:
_ نزلني يا عُمرااان... نزلني لأااا... يا فريدة هانم الحقيني قوليله ينزلني... لااااا... يا خالتووووووو.... يا أنكل أحمد اتكلم بالله عليك!
تعالت ضحكاتهم جميعًا، ونهض أحمد يتجه لحافة الجسر يشير له:
_ هاتها يا عُمران.
أشار له بالرفض وصاح بصوتٍ مرتفعًا ليصل إليه:
_ مينفعش مراتي تكون جبانة!
صرخ الأخير وهو يتطلع للأعلى حيث المياه المتدفقة من اللوح:
_ حرام عليك البنت خايفة!
تعلقت مايا برقبته فجعلته يقهقه ضاحكًا، وكل ما تردده:
_ نزلنـــــــــــــي... نزلنـــــــي!!
تمسكت به بقوةٍ واستدارت لتقابله، فانحنى ووضع يديه أسفل ساقيها ورفعها إليه وفستانها ينحدر من خلفها.
مالت على صدره مغلقة العينين هامسة برجاءٍ:
_ نزلني يا عُمران أنا خايفة.
أجابها ساخرًا:
_ خايفة من إيه وأنا شايلك على قلبي؟ تحبي تطلعي فوق كتفي أضمن؟
تمسكت بالحبل الرفيع الخاص بالـ تيشيرت الذي يرتديه وبتعبٍ هاجمها فجأة قالت:
_ عُمران أنا دايخة أوي حاسة إني آآه........
مال رأسها على صدره مستجيبًا لأغمائها، ساحبة قلبه من خلفها، ظنها تخدعه ليهبط بها، فأخفض ساقيه واتجه للجسر الخشبي.
وضعها برفقٍ ونزع عنه الأربطة ليلحق بها على الفور، رفعها إليه وهو يناديها بفزعٍ:
_ خلاص يا حبيبتي نزلنا.. افتحي عينك يا مايا أنا آسف والله ما كنت متخيل إنك بتخافي للدرجادي.
نثر المياع على وجهها ولكنها لم تستجيب إليه، فصرخ برهبةٍ جعلت العائلة تنتبه إليه:
_ مايـــــــــــا!!
**********
صف آدهم سيارته بالجراج الخاص بمنزله، فهبط مسرعًا يفتح الباب الخلفي مرددًا بنبرة حملت رسالة حبه المبطنة:
_ شمس هانم.
منحته بسمة رقيقة جعلته يشعر بانتعاشة قلبه، حملت طرف فستانها الأزرق وهبطت بخفة تتبعه للباب الجانبي ومن خلفه علي الذي يردد باحراجٍ:
_ مكنش له داعي يا آدهم أنا حجزت سويت ليا أنا وشمس في فندق قريب هنا.
احتج لما يبرر له، وصاح باصرارٍ:
_ فندق إيه اللي عايز تنزل فيه يا علي.. هو إنت مش مديني ثقتك ولا خايف لمنقدرش نقوم بواجب الضيافة يا دكتور!
تعمق بالتطلع إليه وبيأسٍ واستسلامًا أردف:
_ إنت عنيد.
أكد له بإيماءة من رأسه وابتسامة واثقة، وأشار له لباب الدخول:
_ اتفضل يا دكتور.
باغته بنظرة تجابهه وبنفس إشارته قال:
_ من بعدك سيادة الرائد.
تقدمه آدهم واتبعه علي بعدما لف ذراعه على كتف شقيقته بحنانٍ، صعدوا الطابق الأول من المنزل، حيث كان عبارة عن ثلاث طوابق، وحديقة متوسطة الحجم، وعلى الرغم من أنها سكنت بـ فيلا وقصرًا ضخمًا عن ذلك المنزل إلا أن ذوقه الراقي جذبها منذ أن وطأت قدميها عتبة المنزل.
اتجهوا للصالون الجانبي حيث كان مصطفى والده بانتظاره على مقعده المتحرك، فما أن رآهم حتى فتح ذراعيه وهو يردد بصوتٍ متحشرج:
_ عمر.. ابني!
ترك الحقائب من يديه وهرع ينحني بقامته الطويلة ليكون على نفس مسافة أبيه يضمه بقوةٍ، والآخر يتشبث به وكأنه عناقهما الأخير، يعاتبه بدمعٍ أبي:
_ كده هان عليك أبوك تسيبه كل المدة دي.
ابتعد عنه يرفع يديه يقبلهما معًا ومن ثم يعلو ليطبع قبلة على منبت شعره الأبيض:
_ حقك عليا يا صاصا.. ما أنت عارف إن المهمة دي كانت بالنسبالي حياة أو موت... حق ماما الله يرحمها كان دين في رقبتي ومكنتش هرتاح إلا لما أخده.. ناري مبردتش إلا وأنا شايفهم سايحين في دمهم.
يعلم أنه عنيدًا لا يرضخ إلا للصائب من وجهة نظره، ولكنه بالنهاية سعيد لعودة حق زوجته الغالية، فربت عليه بحنان وقال:
_ المهم إنك رجعتلي يا حبيبي... كنت خايف أموت من قبل ما أشوفك.
أحاط وجهه بلهفة وألم:
_ بعد الشر عليك متقولش كده.. أنا مبقاش ليا غيرك يا بابا.
واستطرد بمزحٍ وهو يدفعه بخفة:
_ وبعدين بقى معاك يا لئيم جايبني من آخر الدنيا عشان تفاتحني عن جوازك وقصة حبك اللي معرفهاش يا شقي ودلوقتي بترسم عليا حوار الأب اللي طالب ابنه يبلغه الوصية.. عليا يا صاصا؟!
لكزه وصوت ضحكاته يطربه ويطرب سماع علي وشمس المتابعان لما يحدث بحبٍ تاركين لهما مساحة خاصة، إلى أن انتبه مصطفى لهما فقال بفرحة وعينيه تطوف زوجة ابنه:
_ بسم الله ما شاء الله... دي أكيد شمس صح؟
أكد له آدهم ونهض يجذبها لتقترب منه:
_ شمس ده بابا.. تقدري تناديه بصاصا هيحبك أوي!
ضحكت برقةٍ ومدت يدها إليه قائلة على استحياء:
_ اتشرفت بحضرتك يا عمي.
امتنع بوضع كفه بكفها وردد بحزن مضحك:
_ ده سلام بين الأب وبنته بذمتك!
ولكز آدهم بعنف وهو يتابع:
_ اشمعنى الواد ده يتأخد بالأحضان وأنا لأ! أين المساواة؟ أين العدل؟ أين الحكومة؟
ضحك آدهم وقال:
_ الحكومة مرة واحدة! ميمشيش معاك الأمن القومي!
ارتبكت بوقفتها، لم تختبر يومًا شعورها بوجود أبًا يضمها لصدره، فاستدارت تجاه علي الذي حرك رأسه لها، فانحنت تحتضنه بتوترٍ.
ربت على ظهرها بفرحةٍ وقال:
_ نورتي بيتك يا بنتي.
ابتعدت تجيبه على استحياء:
_ منور بوجود حضرتك يا عمي.
سألها بمرحٍ وهو يتمعن بها:
_ إنتِ جاية مع الواد ده لوحدك؟
اقترب علي ليظهر بالصورة المنتقصة يصافحه بابتسامة جذابة وعلى نفس وتيرته المرحة قال:
_ معندناش بنات تسافر لوحدها وبالذات مع ضابط خطير زي سيادة الرائد.
ضحك بعلو صوته وقال بفرحة كأنه أحرز هدفًا على ابنه:
_ والله باشا... أبويا زمان علمني مثقش في اتنين لا في الحرامي ولا الظباط ومتسألنيش ليه!
ضحك علي وسأله:
_ طيب أثق في مين طيب؟
قال من وسط ضحكاته:
_ جدد ثقتك في الظباط لو ابني عرفك على نفسه وهو بإسمه اللي مستعر منه لكن لو دخلك من صيغة الاسم التاني فاهدر كل ثقتك بالجيش والحكومة وبابني قبلهم!!
ضحكت شمس بصخب فتلقت إشارة آدهم بالصمت وألا تبوح بسره، ولكن على ما بدا بأن أبيه اكتسبها لصفه فقالت:
_ خلاص يا عمي أنا كده فقدت الثقة في ابنك للأبد!
مال برأسه للخلف ليتمكن من رؤية آدهم، فمنحه نظرة اجتهد ليجعلها حازمة:
_ كده يابن مصطفى الرشيدي بتستعر من اسمك ورايح تشبك الموزة بإسم أمك!
ورفع يديه للسماء سريعًا كأنه ملقن لاستكمال حملته كلما ذُكر اسمها:
_ رحمة الله عليكي يا زبيدة!.
واستدار يستكمل:
_ ابقى خلي أمك تنفعك يالا!
ورفع يديه يردد:
_ رحمة الله عليكي يا زبيدة.. سامحيني يام عمر الواد ده مستفز!
سقطت شمس على أخيها من فرط الضحك وآدهم يفور غيظًا، فأشار بيديه على الخادمة وهو يجاهد لاغتساب ابتسامة هادئة:
_ اتفضل يا دكتور... مارينا خدي الدكتور والهانم لغرفهم أكيد تعبانين من السفر واتأكدي إن مش ناقصهم حاجة.
أشارت له باحترام واصطحبتهما للأعلى، فبقى آدهم بصحبة أبيه بمفردهما، سحب آدهم مقعدًا ووضعه أمام أبيه يطالعه بكل حبًا، والدفء يتسلل لنبرته الرخيمة:
_ ها يا حبيبي أيه الموضوع الخطير اللي باعت تجبني من لندن عشانه؟
رواية صرخات انثى الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم ايه محمد رفعت
لأول مرة يختبر ذلك الشعور، وللحق كان أصعب ما قابله طوال حياته. تلك الدقائق التي استغرقتها لتستعيد وعيها جعلته يقتل ببطءٍ ساحق. عجزٌ تام خاضه وهو تسترخي بين ذراعيه بإهمال.
فقد عقله وتفكيره الرزين بتلك اللحظة، فلم يلجئ لأي محاولة تعاونها على الإفاقة، تاركًا أمرها لعمه الذي يجاهد ليجعلها تستعيد وعيها. ومن جواره تجلس فريدة الباكية على ركبتها جوار جسد ابنتها التي قامت بتربيتها وأحبتها أكثر من ابنتها ذاتها.
ومن جوارهما فاطمة وزينب تتابعن ما يحدث بخوفٍ وتوتر ساد الأجواء. ضم "عُمران" رأسها الماسد على قدميه، يربت برفقٍ عليها وهو يناديها بصوتٍ تحرر عن مرقده أخيرًا:
_ مايا.. فوقي عشان خاطري!
فتح "أحمد" زجاجة المياه الباردة التي قدمتها له "زينب"، سكبها بكف يده ومرره على وجهها برفقٍ وهو يناديها، فاستجابت له أخيرًا وفتحت عينيها بتمهلٍ وحذر، لتقابل وجوههم المتلهفة، ويدها تفرك جبينها بألمٍ.
رددت فريدة بلهفةٍ، ودموعها جعلت صوتها محتقنًا بوجعٍ:
_ حرام عليكِ يا مايا وقفتي قلبي!
مدت "فاطمة" يدها لتعاون "فريدة" على النهوض، فتحاملت بكل ثقلها على ذراعها مما دفعها لتسألها بقلقٍ:
_ حضرتك كويسة يا فريدة هانم؟
هزت رأسها بنفيٍ ورددت بخفوتٍ ومازالت تستند على يدها:
_ قعديني يا فاطيما.
عاونتها على الفور بكل محبة، ومن جوارها زينب التي أمسكت بيدها الأخرى، فوزعت "فريدة" نظراتها بينهما ببسمة غامضة.
أغلق "أحمد" زجاجة المياه وانتصب واقفًا يطالعها ببسمةٍ هادئة:
_ حمدلله على السلامة يا مايسان.
وبمرحٍ قال:
_ متخرجيش مع الواد ده تاني لإنه مش بس طاووس ووقح، لا لإنه هيقتلك من جنانه في يوم من الأيام.
انتظر أن يجيبه "عُمران" الذي بالطبع لن يمرر حديثه مرور الكرام دون أن يشاغبه بردوده الوقحة، ولكنه مازال يحافظ على صمته بشكلٍ جعل القلق يتسرب لأحمد ولزوجته التي مازالت تتمدد أرضًا ورأسها على ساقيه.
شعر "أحمد" بأنه بحاجة للبقاء برفقة زوجته بمفردهما، فإتجه للطاولة البعيدة عنهما. فاستقامت "مايا" بجلستها حتى باتت قبالته تناديه بخوفٍ من صمته وشروده الغريب:
_ عُمران!
مازالت عينيه مسلطة على المياه من أمامه بسكونٍ. رفعت كفها تقربها تضم كفه المسنود لساقه، تحيطه ومازالت تناديه بإصرارٍ:
_ عُمران مالك؟
رفع رماديته ليقابل نظراتها المهتمة لمعرفة ما أصابه. وجدته يرفع يديه ليحيط بوجهها وارتفع عنها قليلًا طابعًا قبلة أعلى جبينها ومن ثم خطفها بين ذراعيه بقوةٍ جعلتها تتآوه ألمًا.
ربتت على ظهره بحبٍ. طال الوقت بهما وهو لا يتركها مما جعلها تشعر بخجلٍ عظيمٍ. فهمست بتوترٍ:
_ عُمران احنا مش لوحدنا.
بدى وكأنه لم يستمع إليها. الرهبة من فقدانها جعلته بائسًا، عاجزًا، لا يشعر بشيءٍ إلا تصلب جسده وتشتت مشاعره، وقلبه كالطحونة التي لا تتوقف عن الدوران.
انهارت مقاومة "مايا" وانتفضت ألمًا حينما شعرت بشيءٍ ساخن يبلل رقبتها التي تمايل عنها الحجاب بإهمالٍ. رمشت بعدم استيعاب من أنه بتلك اللحظة يبكي!!
طاووسها الوقح يفقد صرامة شخصيته المحكمة أمام لحظاتٍ قليلة من إغمائها. تمسكت به وقالت باحتقانٍ:
_ أنا كويسة يمكن بس علشان خرجت من غير ما أفطر… آآآ… أنا… آآ..
لم تجد ما يناسب قولها بتلك اللحظة، فتشبثت بقميصه ورددت:
_ أنا أسفة.
رفع أصابعه لكتفها، يزيح دموعه عن مقلتيه قبل أن يواجهها. تخلى عن جلوسه بركبتيه واستقام بوقفته جاذبها أمامه، ثم إتجه بها للطاولة التي تضم عائلته.
جذب مفاتيح سيارته ومازالت يده تحكم مسكة يدها، وإتجه بها ليغادر فأوقفته فريدة المتسائلة بذهولٍ:
_ رايح بيها فين يا عُمران؟
توقف عن الخطى وأجابها دون أن يستدير، تهربًا من أن يلاحظ أحدًا بأنه كان يبكي للتو:
_ هنروح المستشفى نعرف سبب الأغماء ده.
مدت يدها الأخرى تتمسك بذراعه:
_ أنا كويسة قولتلك اني مفطرتش عشان كده آآ..
قاطعها ووجهه يميل لمقابلتها:
_ قولت هنروح المستشفى يعني هنروح!
شعر "أحمد" بخوفه الشديد، فقال برزانةٍ:
_ روحي معاه يا حبيبتي.. يمكن يكون ضغطك واطي أو عندك أنيميا فالأفضل نطمن عليكي.
هزت رأسها باستسلامٍ ولحقت به للسيارة، صعد لمقعد السائق وانطلق بها ويده تعبث بهاتفه حتى حرر زر الاتصال، واضعًا سمعته الحديثة على أذنيه، وما هي إلا ثوانٍ حتى سمعته يقول:
_ إنت فين يا يوسف؟ خليك عندك أنا جايلك!
وألقى سماعته قبالته دون أن يضيف حرفًا واحدًا، مما جعل الخوف يتعمق داخلها، ليس ما يقلقها تشخيص حالتها، القلق الأكبر كان عليه.. على تلك الحالة الغامضة التي تستحوذ عليه بالأخص!
*******
_ في أيه يا بابا، بقالك ساعة بتتهرب من إجابة سؤالي، أنا مش فاهم أيه اللي مخليك متردد تتكلم بعد ما كنت مُصر جدًا على نزولي من لندن!!
ردد "آدهم" جملته بضيقٍ شديد، بعد أن فشل في سبر أغوار أبيه، ولكنه كان مبهمًا لمرته الأولى. تنهد "مصطفى" بحزنٍ زحف كالوحش القاتل ملامحه الطيبة، فقال وهو يجاهد لرسم ابتسامة فشلت بإخفاء حزنه:
_ عمر أنا مش بخبي عليك حاجة بس أنا مش حابب نتكلم دلوقتي.
هز رأسه باحترامٍ وبالرغم من عدم اقتناعه تمسك بثباته:
_ طيب يا حبيبي حابب نتكلم أمته؟
رد عليه بعقلانيةٍ:
_ لما مراتك وأخوها يسافروا.
زوى حاجبيه بحيرةٍ، وتأكدت شكوكه أن ما يخفيه أبيه ليس بالأمر الهين:
_ طيب أقدر أعرف ليه؟
حرك زر مقعده فتحرك به تجاه غرفته، اتبعه آدهم وهو يستمع له يخبره:
_ مينفعش نقصر في استضافتهم هنا.. ومينفعش كمان مع أول زيارة ليهم يحسوا بالخلافات بينا.
اتجه لفراش أبيه يجلس أمام مقعده بصدمةٍ:
_ خلافات!! للدرجادي يا بابا!
أخفض الأب عينيه للأسفل بانكسارٍ جعل آدهم يندفع أسفل قدميه، يقبل يديه بحبٍ اندث بنبرته الحنونة:
_ عمر ما في خلافات هتكون بينا في يوم من الأيام، أنا بس قلقان عليك ومحتاج أفهم مالك عشان أحاول أساعدك.
هز رأسه وعينيه تتهرب من لقائه، قائلًا بصوتٍ محتقن:
_ أكيد هيجي الوقت المناسب وتسمعني… المهم دلوقتي تطلع تستريح إنت لسه راجع من سفر.
حزنه، انطفاء ملامحه، كل شيءٍ به يمزق قلبه هلعًا لما يخفيه، فأراد أن يرسم الابتسامة على وجهه قبل أن يتركه، فقال بابتسامة مرحة:
_ يا درش لو عامل كل ده علشان تتجوز صارحني وأنا هنقلك بنفسي.
تعالت ضحكات "مصطفى"، وقال وهو يزيح ما علق بعينيه:
_ مش عارف أيه القناعة والثقة الغريبة اللي عندك من نحيتي دي إنت مش شايف حالتي!! جواز أيه ده أنا محتاج أكتب كتابي على سرير مريح في المستشفى!
عاد يقبل يديه مجددًا، هاتفًا باحتجاجٍ:
_ بعد الشر عليك متقولش كده… أنا مبقاش ليا غيرك يا بابا.. إنت عيلتي الوحيدة اللي بمتلكها!
بعد نطقه لجملته الاخيرة انهمر الدمع المحتبس بأعين والده، فأسرع بمسحهم وصاح بصوتٍ جاهد لجعله مارحًا:
_ بطل تمارس ذكاء المخابراتية ده عليا يا واد.. ويلا قوم غير هدومك وسبني أريح شوية.
انتصب بوقفته يغادر وهو يخبره:
_ ماشي يا درش بس اعمل حسابك من النجمة هتلاقيني عندك بروق الأوضة وهصحيك أحميك بإيدي زي زمان.. والمرادي جبتلك شاور وكريمات إنما أيه!
ابتسم بمحبة وردد بحزنٍ:
_ أهو أنا بستنى رجوعك علشان الدلع ده.
أشار له وهو يغلق بابه:
_ تصبح على خير يا صاصا.
رد عليه بخفوتٍ:
_ وإنت من أهل الخير يا حبيبي!
*********
تحركت بسعادةٍ كبيرة جعلتها تصغر بالعمر عشرون عامًا. تعلم بأن أغلب نساء الحارة يجدون أمرها مضحكًا بأنها تمتلك شابًا جامعي، ومن بعمرها يكن أحفادهن بمثل عمر ابنها، فقد جنت ثمار صبرها بعد عشرين عامًا منحها الله عز وجل مكافأة ابنًا بارًا كآيوب.
أسرعت الحاجة "رقية" بتنظيم سفرتها الصغيرة قبل عودة زوجها وابنها من المسجد لأداء صلاة المغرب، فقد تعمدت بصنع جميع أصناف الطعام الذي يحبه ابنها. وما ان انتهت حتى وجدت زوجها يدفع باب المنزل مرددًا ببسمته البشوشة:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قابلته بابتسامةٍ تناهز خاصته، وبحبٍ عظيم لبت سلامه:
_ وعليكم السلام ورحمة الله.
جذبت المقعد للخلف لتستقبل ابنها الذي يتابعهما بابتسامة مشتاقة، استجاب لها وجلس بمقعده، فبدأت بسكب الطعام بطبقه وهي تردد بفرحةٍ:
_ كل يا نور عيني… إنت راجع خاسس النص!
ضحك بصوتٍ مسموع وشاكسها:
_ ليه يا حاجة هو أنا كنت في الجيش!
أشمر الشيخ "مهران" كم جلبابه الأبيض، ليشرع بتناول طعامه، فتابع حديثهما ببسمة ظهرت على شفتيه المحاطة بلحية وشارب أبيض ينم عن وقاره:
_ براحة على الولد يا حاجة.. سبيه يأكل براحته متضغطيش عليه بالشكل ده.
استدارت إليه بابتسامتها التي عرفت طريق قلب عشقها لسنواتٍ طويلة، وقالت بدهاء الأنثى الماكرة:
_ لو غيران من اهتمامي بالواد أنقل مكاني للكرسي اللي جنبك وأكلك بإيديا، بس لعلمك مش هتقوم إلا لما تمسح الأطباق اللي قدامك كلها يا شيخنا ها قولك أيه؟
تعالت ضحكاته وهو يشير مبتسمًا:
_ خليكي جنب ولدك الحيلة، أكله وغذيه براحتك.
وأشار بإصبع تحذير لأيوب:
_ اسمع كلام ولدتك يا أيوب.. مقدرش على زعل خير وصية رسول الله.
تعمق حبه الكبير بقلب تلك المرأة العجوز، فرددت بصوتٍ هامس:
_ عليه أفضل الصلاة والسلام.
وعادت بوجهها لآيوب، فتناول ما تضعه وهو يشير لأبيه بأنه من المحال النفاد من بين يدي الحاجة "رقية"، فأشار له الاخير بقلة حيلة وعجزه التام عن مساعدته!
********
تمدد علي بإرهاق على فراشه بعدما ظل لثلاثين دقيقة يتحدث لفاطمة، وها هو الآن يحظى بفترةٍ راحة بعد رحلته الشاقة. استسلم للنوم سريعًا وبعد دقائق من غفوته القصيرة شعر بثقلٍ جاسمًا فوق رأسه، فتح عينيه بفزعٍ، تلاشى حينما وجدها تتطلع له بعينيها الواسعة وتخبره بوداعةٍ كادت بإسقاطه ضاحكًا:
_ مش عارفة أنام بالمكان الجديد ده يا علي.
مال على جانبه ولف ذراعيه من حولها قائلًا بضحكٍ أنفلت رغمًا عنه:
_ وبعد الجواز هتأخديني أنام في النص ولا أيه النظام؟
ضحكت شمس ورددت بمزحٍ:
_ مش هجي معاه هنا أصلًا.. عايزيني يتجوزني ويعيش معايا في لندن أنا مقدرش أبعد عنك ولا عن عمران وفريدة هانم.
تحرك جسدها صعودًا وهبوطًا من فرط الضحك، وقال ساخرًا:
_ هو لسه هيتجوزك!! شمس حبيبتي انتي مش مستوعبة إنك خلاص بقيتي مراته، يعني مبقاش فيها اختيارات والشجاعة الجريئة اللي بتتكلمي بيها دي.
وبعد وجهه عن رأسها ليمنحها نظرة مشككة من عينيه الشبه مغلقة:
_ عُمران الوقح اللي مديكي الدفعة دي!
هزت رأسها عدة مرات تؤكد له، وأضافت كمن يبلغ بإخلاص عن مجرم حكم عليه بالإعدام شنقًا:
_ قالي أصدرله الوش الخشب بحيث ميتحرش بيا وأنا هنا في بيته.
صُدم "علي" وسألها بدهشة:
_ عشان كده جاية تستخبي في حضني؟!
عادت تهز رأسها عدة مرات، فصاح باندفاع:
_ خايفة من آدهم!! ده شخص متربي سبعين مرة!
أغلقت عينيها تستجيب للنوم ورددت بتثاؤب:
_ عارفة بس عُمران قالي الشيطان هو اللي مش متربي!
ربت عليها بحنانٍ وقد نجح بكبت ضحكاته مجددًا، فما أن استسلمت للنوم حتى همس بسخطٍ:
_ هيعقد البنت المتخلف ده!!!
*******
زفرت بيأسٍ من إقناعه بأن يصلها للمنزل. صمم بإصرارٍ أن يجعلها تنتظر بأحد غرف المركز الطبي الخاص بعلي، لحين أن ينتهي "يوسف" وأحد أطباء المعمل بفحص عينة الدم الخاصة بها.
نهضت "مايسان" عن الفراش بمللٍ، وفتحت باب الغرفة ثم خرجت تستكشف المكان بنظرة متفحصة، حيث كان يضم عددًا ضخمًا من الموظفين، يستعدون لإطلاق افتتاح ضخمًا يليق بمركزٍ هام كذلك. وبالرغم من إنه لم يكن على أتم الاستعداد لاستقبال المرضى إلا أن "علي" أطلق تعليمات حازمة بعدم قفل المشفى بوجه المرضى، حتى وإن لم يكن الفريق مكتمل وجاهز، يكفي العدد القليل الذي يتولى إدارته "يوسف" بنفسه.
خرجت "مايا" للطرقة الطويلة الفاصلة بين غرف المرضى بضجرٍ، ربعت ذراعيها ومضت بطريقها شاردة، فانفكت تكشيرة معالمها حينما رأت من تقف على بعد مسافة منها، اتجهت لها وهي تردد ببسمةٍ واسعة:
_ صبا.. مش معقول!!
انتبهت لها "صبا" التي تجلس بالكافيه الخاص بنهاية الطابق، تحتسي كوبًا من العصير، التفتت للخلف فارتسمت ابتسامة كبيرة على ثغرها، لتقابل ضمتها بترحابٍ:
_ مايا!!
ابتعدت عنها تسرع يسألُها الفضولي:
_ بتعملي أيه هنا؟!
ردت عليها وهي تشير على أحد الغرف:
_ أنا هنا مع حماتي وجمال جوزي.. أصل دكتور علي صمم إنها تخرج من المستشفى اللي كانت بتعمل فيها العملية وتيجي تتابع هنا، فأنا بقعد معاها يوم وجمال يوم، بس لإن المركز جديد ولسه الافتتاح عليه بدري مش بلاقي حد غير الممرضين والفريق الطبي فبخرج أتمشى بالطرقة وبرجع لها تاني.
هزت رأسها بخفة وقالت:
_ ربنا يعافيها وتقوم بألف سلامة.
رددت بتمني:
_ يا ررب..
وسألتها بنظرة حائرة:
_ وانتِ جاية مع البشمهندس عمران تتمي على الديكور ولا أيه؟
ضمت شفتيها معًا بضيقٍ، ورددت:
_ أبدًا والله أنا محبوسة هنا غصب عني مش بمزاجي.
برقت بدهشةٍ، فتابعت مايا توضح لها:
_ خرجت النهاردة من البيت من غير فطار فدوخت شوية وحصلي إغماء.. عمران شبه اللي مصدق وجابني هنا لدكتور يوسف سحب مني عينة دم وحاليًا منتظرين النتيجة ومصمم مرجعش البيت من غير ما النتيجة تطلع ويتكتبلي العلاج اللازم.
ابتسمت بهيامٍ، وكأنها تسمع أحد قصص الروايات الأسطورية:
_ أممم طيب وانتِ أيه اللي يزعلك المفروض تكوني مبسوطة إنه بيحبك وخايف عليكي.
تنحنحت بخجلٍ:
_ أيوه بس الموضوع مش مستاهل.
ردت عليها بابتسامةٍ هادئة:
_ متقلقيش هتكون حاجة بسيطة متستاهلش قلقه ولا توترك بإذن الله.
واستطردت وهي تتجه لغرفة والدة زوجها:
_ هروح أبص على المحلول عشان لو خلص.
أشارت له بتفهمٍ واتجهت لغرفتها مجددًا.
******
ولجت لغرفتها فوجدته يغفو على الأريكة المقابلة لفراش والدته، اتجهت "صبا" إليه تهزه برفقٍ:
_ جمال… جمال!
فرك عينيه يعافر آثار النوم الذي يداعبه:
_ أيوه يا صبا.. ماما صحيت؟
أجابته بملامح ممتعضة:
_ لا لسه نايمة.
اعتدل بجلسته وتأكد من اعتدال ملابسه، وسألها باستغرابٍ:
_ أمال بتصحيني ليه؟
وتفحصها بنظرة مهتمة:
_ لو تعبتي ارجعي الشقة انتي وأنا هنام معاها النهاردة.. كده كده أنا بشتغل من هنا في مشروع المول التجاري المشترك بيني انا وعمران فمبقتش أنزل الشركة زي الأول.
زمت شفتيها بضيقٍ:
_ على فكرة هو ومراته هنا.
_ هو مين؟!
_ صاحبك عُمران.. أصله قلق على مراته لانها كانت دايخة شوية فجابها بالعافية عشان يطمن عليها لإنه قلقان جدًا… شكله بيحبها أوي.
قالتها بنزقٍ لتصل له مضمون كلماتها المبطن، تنهد "جمال" بضيقٍ، وكل ما يحاول فعله هو التحكم بانفعالاته متحججًا بحملها وتغير هرموناتها، فقال بهدوءٍ:
_ ربنا يطمنه عليها..
وانحنى يجذب حذائه الأسود، يرتديه ومازالت نظراته مسلطة عليها، زفرت بنزقٍ:
_ أنت رايح فين؟
بالرغم من أنه يحمل لها عتابًا قاسٍ إلا أنه حاول أن يبدو طبيعيًا:
_ هروح أشوف عُمران ويوسف وراجع.. عن إذنك.
أغلق باب الغرفة واستند بجبينه على جسده، تراه حرم من لذة النوم والاسترخاء في سبيل الاطمئنان على صحة والدته، ومازال جميع من حولها يشغل عقلها، يعلم بأنها ليست بالحاقدة، ولكنها تفتقد من تعيش برفقته ما لا يستطيع فعله. جاهد كثيرًا ليقنعها بأنه ليس الرجل المدلل الذي تربى بين علية قوم الطبقة الأرستقراطية، وليس من يطلق سرحات عشقه على لسانه بطلاقة، هو قليل الحديث كثير الفعل، يتمنى أن تخبرها أفعاله بحبها، ألا يكفيها أنه يخاف عليها ويتمنى أن تكون سعيدة دائمًا، حسنًا سيحاول أن يصبح رجلًا متملقًا يخبرها كلمات عذبة ولكنه يخشى أن ينطق لسانه اللاذع حديثًا ناعمًا مثل ذلك!
*********
بالمعمل.
هز عُمران قدميه وقد تشربت بشرته شرارة الغضب، فصاح بنفاذ صبر:
_ ما تخلص يا يوسف!
التفت إليه هاتفه بحنقٍ:
_ أنا بحاول قدامك أهو.. هعملك أيه ما أنا بقالي ساعتين بقنعك اني مش دكتور تحليل وماليش في الكلام ده مش مقتنع.. اصبر خلاص جاك صديقي قرب يوصل.
وإتجه يجلس جواره على الأريكة التي اهتزت من أسفله لفرط حركة عُمران، طرق جمال باب المعمل وولج يردد بتسليةٍ:
_ تجمعك يقلق من قبل ما أدخل.
وجلس بينهما يوزع نظراته تارة لعمران الصامت بغيظٍ، وليوسف الذي يشير له بأنه يفعل قصارى جهده لينهي الأمر، وقال بضحكة شامتة:
_ الليلة على أيه؟!
*******
تمدد "آيوب" على فراشه وبصره متعلق بالفراش المقابل إليه، أدمعت عينيه بشوقٍ إليه، كان يغفو بطمأنينة فور عودة يونس من عمله ليحتل الفراش المقابل إليه.
تقاسما كل شيء، والآن باتت مقبرة دونه، كان يخشى العودة لذلك، والآن الأمر بات إجباريًا وعليه التعامل مع الأمر..
*******
ضمت مصحفها الشريف لصدرها ودموعها تنسدل على وجهها الشاحب، تتمكن منها الحسرة وتذيقها مرارة القهر والإنكسار. ها هي تختلي بغرفة ابنها كالمعتاد لها، فلا تشعر بالراحة إلا جواره، أما الغرفة الثانية فلا تحمل كرهًا داخلها إلا لها.
تعد لها بابًا من أبواب الجحيم، دخولها إليها أبشع كابوس يتردد لها من لحظة ولوج ذلك اللعين من باب المنزل. من خلف ذلك الباب الموصود لا يوجد شيء إلا إهانة كبرياء الأنثى داخلها، هناك حيث كرهت أنها خلقت أنثى!!!
خمسة عشر يومًا قضتهم برفقة معشوق طفولتها ومحبوبها، زرع داخل عقلها كيف يكون مسمى الحب؟ وبعدها قُذفت لأعناق جهنم، فوجدت نسخة معاكسة تمامًا ليونس، نسخة بعقل مريض، يتلذذ بكسر كبريائها قبل أن يؤلم روحها المعذبة.
وها هو يُفتح من أمامها، فاندثت سريعًا أسفل الغطاء تحتضن ابنها بخوفٍ وتحاول ادعاء النوم قدر ما تمكنت، إلا أنه جذب عنها الغطاء وهو يناديها بغلظةٍ:
_ قومي فزي.. هتعمليلي روحك ميتة الوقتي!
رفعت خديجة نفسها عن الوسادة وأجابته برفقٍ وهدوء تحاول التحلي به:
_ معتز أنا تعبانة ومش قادرة أتكلم.. ممكن تطفي النور وتخرج.
منحها نظرة ساخطة، اتبعها وابل من السباب المهين وانهاه بجملته الساخرة:
_ مش عايزاني أخدك في حضني وأطبطب عليكي بالمرة!! قومي واسمعي الكلام بدل ما أدبك هنا قدام ابنك ولا هيهمني.
صرخت بصوتٍ احتبس داخله القهر:
_ إنت أيه يا أخي مش بني آدم!!! أنا مبصعبش عليك!
جذبها من خمارها لتقف أمامه، تقابل وجهه الكريه، وبغضب قال:
_ أنا هوريكي أنا أيه وهنا قدام ابنك يا*****
استدارت تجاه الفراش فوجدت صغيرها "فارس" قد استيقظ وتمسك بغطائه يختبئ به باكيًا، نهضت خديجة مسرعة تمسك يد زوجها اللعين تترجاه ببكاءٍ:
_ مش قدام الولد يا معتز.. أبوس ايدك مش قدامه!
دفعها بقوةٍ أسقطتها على الحائط، ونزع عنه حزامه الجلد ليهوي بأول ضربة على جسدها الممزق سابقًا من ضرباته، فصرخت بملء ما فيها وزحفت بكل قوتها لتحاول أن تخرج من الغرفة حتى لا تؤلم نفسية صغيرها الذي يكبت صرخاته خشية من أن يتلقى نفس المصير، إلا أنه كان يجذبها من ساقيها ليلقي بها قبالة سرير الصغير متعمدًا تلقينها الدرس قبالة ابنها عن عمدٍ.
بكت وصرخت وترجت، توسلت عديم المروءة أن يرحمها، يرحم صغيرها الذي ينتفض جسده البريء لرؤية ذلك المشهد الدامي، فلم يعبئ بهما واستمر حتى استنزفت قوته فألقى حزامه أرضًا ووقف يمسح عرقه بلهاثٍ مفرط، ثم مال عليها يهمس بفجورٍ:
_ ها تحبي نكمل كلامنا هنا قدامه ولا تقومي زي الشاطرة كده تغيري هدومك المقرفة دي؟
هزت رأسها مرددة بخفوت:
_ هعمل اللي أنت عايزه بس سبني أهديه!
مرر نظراته على الصغير بكرهٍ، وتابع وهو يتجه للخروج:
_ هستناكِ في اوضتنا لو اتاخرتي عن نص ساعه هرجع وأعيد اللي عملته تاني وقدامه.. أصل شكل موضوع الضرب بالحزام ده عاد كيف ليكي!
غادر من أمامها صافقًا باب الغرفة بقسوةٍ، فتمددت على الأرض تبكي بانهيارٍ وصوتها الخافت يتردد:
_ حسبي الله ونعم الوكيل.. ريحني منه يا رب.
أسرع الصغير إليها بعدما تأكد من مغادرته، فضمها ببكاءٍ حارق:
_ ماما!
انزوت بين ذراعيه الضعيفة، وكانت هي بحاجة لضمته أكثر مما كان هو بحاجة لها، لا تعلم كم ظلت هكذا وهو يبعد يده الصغيرة عنها خوفًا من أن تلامس إصابات ظهرها البارزة بدماءٍ تنسدل من لحمها الممزق.
ابتعدت عنه تتطالع عينيه بدقةٍ، عينيه الفيروزية التي تشابه أعين حبيبها ووريث قلبها الطاهر، تتفرس بملامحه بكل شيء حمله عن أبيه يونس!!!! ، سرها الأعظم الخفي والذي دفعت ثمن بقائه مكتملًا باهظًا للغاية.
مالت على ساق الصغير تبكي مجددًا وتردد بصوتٍ ضعيف هامس:
_ يونس!
******
فتح عينيه وفرقهما باحثًا بين أرجاء الظلام عن هذا الصوت المنادي، لا يتوهم هو استمع لصوتٍ مكتوم يناديه وليس هذه المرة الأولى.
برق بحدقتيه بدهشةٍ، ورفع أصابعها يتحسس الدموع المنسدلة من فيروزته، بدا الذهول يشتت عقله، فكيف تنهمر دموعه ويؤلمه قلبه دون أن يبكي. كان منذ قليلٍ يغفو فمن أين أتت الدموع الآن!
عاد لمسمعه صوتًا أكثر ضعفًا يهمس:
_ يونـس!
استقام على قدميه ودنى من صنوبر المياه المنزوي بأحد أركان الغرفة يتوضأ ويتجه لتلك البقعة، يتضرع لله عز وجل ويدعو من صمام قلبه أن يزيح البلاء عن ذلك الصوت المؤلم، فهو اعتاد دومًا على أن أحلامه لم تكن إلا رؤيا، فهو على يقينٍ بأن هناك من يستجديه ليدعو له وماذا يمتلك يونس إلا الدعاء!!!
*******
دقائق قليلة مضت ومازال عُمران وجمال يجلسان خارج القسم يتناقشان عن المشروع وخصوصًا بأن العمال ستبدأ العمل من الغد بشكلٍ رسمي، فشدد عُمران عليه هاتفًا:
_ خليك جنب والدتك وأنا اللي هنزل مع التيم بكره.. تابع كل حاجة على الفون وأول لما تخرج أبقى انزل معايا.
كاد أن يناقشه بقراره ولكنه توقف وعينيه مسلطة على يوسف الذي يقترب منهما حاملًا أوراق التحليل بين يده، فأسرع إليه عُمران يتساءل:
_ طمني يا يوسف.
وجهه الحزين اجتاز دوره التمثيلي لدرجة جعلت عُمران يبتلع ريقه برهبةٍ جعلته لا يود سماع ما سيُقال، حتى ردد يوسف بشفقةٍ وحزن:
_ للأسف الشديد آآ…
أمسك جمال كف عُمران بخوف، وصاح للأخير بضيق:
_ ما تنطق يا يوسف إنت مش شايف حالته!
حرك كتفيه بقلة حيلة:
_ الطاووس الوقح هيبقى أب.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه جمال، بينما عبس عُمران بمعالمه في محاولة فهم مغزى الجملة التي لا تتفق مع تعابير وجه يوسف الصادمة، فسأله مجددًا عساه يتوهم:
_ قولت أيه؟
أجابه جمال وهو يضمها بفرحة:
_ هتبقى أب يا بشمهندس… ألف مبروووك.
احتدت عينيه التي تستهدف يوسف، فتراجع للخلف وهو يشير لجمال بخوف:
_ أوعى تسيبه يا جمال.
دفع عُمران جمال بعيدًا عنه وهرع من خلفه يصرخ بغضبٍ:
_ بتستظرف بروح أمك!!! تعالالي يا حيلتها!
سقطت السماعة المحاطة لرقبته، وصرخ به وهو يدور حول مكتب سكرتيرية الاستقبال:
_ عيب يا عُمران هيبتي هتسقط وسط الدكاترة والمرضى!
أحاط الجانب الأخير ليمنع هروبه مرددًا باستنكارٍ:
_ وقلبي اللي سقط من الدور العشرين ده مالوش صاحب!
وأشار بعنفوانٍ:
_ تعالى بالذوق يا عُمران عشان أنا مش هحلك النهاردة.
أسرع للإتجاه الأخر صارخًا بضحك:
_ اعقل يا وقح!
ابتسم بسخريةٍ وردد:
_ أنا هوريك الجنون على أصوله.
وصعد فوق الطاولة الموازية لمدخل الاستقبال، ملقيًا بجسده إليه فبات قبالته، جذبه من قميصه بعنفٍ، فضمه يوسف وتعلق به قائلًا بجدية:
_ مبروك يا حبيبي.. ربنا يكملها على خير.
ربت على ظهره ببسمة صافية، فربت على ظهره مستطردًا بحماسٍ:
_ يلا إطلع فرح البشمهندسة بالخبر ده.
ابتعد عنه يمنحه نظرة ساخرة:
_ فلت مني بمزاجي ها! عشان خاطر الباشا اللي هيشرفنا على إيدك ده.
انتابته البشرة لما هو قادم، فامتعضت ملامحه بضجرٍ:
_ لا بقولك أيه بكفايا عليا أوي هرمونات دكتورة ليلى وغشومية جمال.. مش ناقصاك أبدًا!!
عدل من قميصه بعنجهيةٍ:
_ إنت بمجرد ما تكون الدكتور المتخصص عن حالة زوجة البشمهندس عُمران سالم الغرباوي فأنت كده دخلت تاريخ الطبقة الأرستقراطية من أوسع أبوابها.
_ لا يا سيدي متشكر أنا أبسط طموحاتي أدخل بيتنا بدري وأريح كام ساعة قبل استقبالي لحالات الولادة المتعسرة.
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_ لينا قعدة في شقة دكتور سيف حقنة تخص الموضوع ده… سلام.
تابعه وهو يغادر بدهشةٍ، فوضع يديه بجيوب البلطو الطبي هامسًا بقلة حيلة:
_ شمتهم فينا ووصمتها بيك… ماشي يا سيف!
صعد عُمران للأعلى يبحث عنها بالغرفة التي تركها بها، فاندهش حينما لم يجدها، مر بالطرقة يبحث عنها فوجدها تخرج من غرفة والدة جمال برفقة صبا بعد أن اتبعتها لتقضي واجبها بالاطمئنان على صحتها، إتجه إليها يضمها إليه، ويقبل أعلى رأسها برجفةٍ إلتمستها من كف يده، ارتعبت مايا من طريقته بضمها غير عابئ بمن يحيط به، وكلما حاولت الابتعاد شدد من قوة ذراعيه وتحكمه بها، فهتفت بقلقٍ:
_ هي التحاليل طلع فيها أيه يا عُمران؟
ابتعد عنها ومازالت يديه تحاصرها، فمنحها نظرة جعلتها مستعدة لاستقبال ما سيقول بصدرٍ رحب ظنًا من أن الفحوصات الخاصة بها ليست جيدة، ففاجئها حينما وضع يده على بطنها قائلًا بأعين غائرة بالدمعٍ:
_ قريب هتبقي أحلى مامي يا بيبي!
وزعت نظراتها بين كفه المحاط لبطنها ولعينيه باستغرابٍ، فاتسعت ابتسامتها تدريجيًا وبصوتٍ مرتعش تساءلت:
_ بجد؟
هز رأسه يؤكد لها، فاندفعت تلك المرة لاحضانه بإرادتها والأرض لا تسعها من فرط سعادتها، لتجده يستقبلها بفيضٍ من الدفء والعشق الذي يزداد فيما بينهما.
وهناك على بعد منهما من شاركتها الدموع، ولكنها كانت معاكسة لما تخوضه، تشعر بالحزن على ذاتها، أثرت ردت فعله لاستقبال خبر حمل زوجته بها، لتقارن بين عُمران و زوجها جمال، كانت ملامحه عادية، يظهر بها الفرح ولكن ليس حتى بنصف السعادة التي تراها الآن بعينيها، تقارن كل شيء بأعين الاعتبار، فرحته، حديثه، ضمته لزوجته غير عابئ بالمكان الموجود به ولا حتى بوجودها هي شخصيًا، أقنعت ذاتها بأن هناك فرقًا بينهما وأن الجدير لها بأن جمال لا يحبها!!!!
*********
تخفى الليل خشية من ضوء الشمس الساطع، وكأنها كالنيران ستحرق نضارة وجهه، فهبط من غرفته يتجه لمشواره الهام الذي تأجل لحين عودته لمصر، بعد أن وكل أحدًا مؤتمنًا للبحث حول ذلك الشخص، فاتضح له جرم ما يحدث داخل ذلك المعتقل، فقرر أن يذهب للقائه بنفسه.
وصل "آدهم" خارج المعتقلات وبرتبته الخاصة وعلاقاته تمكن من الدخول، فقام بمقابلة صديقه، صافحه بحرارة مرددًا بود:
_ أمجد باشا… ليك وحشة.
صافحه الأخير وعاتبه بلطفٍ:
_ انت اللي مختفي يا سيادة الرائد.. بس ما شاء الله مهاراتك ونجاحك واصل ومسمع وخصوصًا بعد مهمتك الأخيرة مع الأسطورة.. الجهاز كله مالهوش سيرة غير سيرة المهمة اللي اتنفذت في زمن قياسي دي.
ابتسم وهو يخفي توتره حول ذلك الموضوع ومواجهته مع قادته فور انتهاء فترة إجازته، فتنحنح مغيرًا مجرى الحديث:
_ كلامنا على الموبيل كان مختصر ومفهمتكش.. قولتلي إن اللي ورا حوار "يونس مؤمن" المقدم "سند برهام".
أشار له بالجلوس أمام مكتبه، تاركًا مقعده وانضم للمقعد المقابل له يخبره بصوتٍ منخفض:
_ ده اللي اكتشفته للأسف، من ساعة ما كلمتني بالتليفون وأنا بفتش وبدور لإن السجين اللي طلبت أدورلك عنه ملفه شبه مختفي، والزنزانة اللي مسجون فيها محدش بيدخلها غير سيادة المقدم والعساكر بيقولوا إنه مشدد على تربيته بطرق تعذيب بشعة ومحدش فيهم قادر يتكلم أو يعارضه.
وضع قدمـه فوق الأخرى وسأله بعد تفكير:
_ ايه اللي إنت شاكك فيه.
رد عليه بصوتٍ شبه هامس:
_ سند يبقى ابن خالة الشخص اللي إنت طلبت أعملك تحريات عنه.
طالعه بدهشة فأكد له مجددًا:
_ ابن خالة معتز البنا اللي هو حاليًا يبقى جوز طليقة يونس.. يعني الحوار متسبك يا باشا، سيادة المقدم خدم ابن خالته ولبس يونس التهمة ومكتفاش برميه في الحبس ده متوصي بيه هنا على الأخر.
قبض قبضته بغضبٍ كاد بتفجير أوردته، وقال وهو يهز رأسه ببسمة مخيفة:
_ حظه الأسود حدفه في طريقي.
وتطلع إليه باهتمامٍ:
_ أمجد ممكن أشوفه.
هز رأسه وهو يتجه به لخارج مكتبه، فاتبعه آدهم فأمر أمجد العسكري بفتح باب الزنزانة.
******
سئم وهو ينتظرها بالأسفل، مر بالطريق ذهابًا وإيابًا وعمه يتابعه ببسمةٍ ساخرة، فتنهد عُمران مرددًا بانزعاجٍ:
_ حتى الأمهات بتاخد وقت في اللبس!!
ضحك أحمد وقلب صفحة الجريدة قائلًا باستهزاء:
_ على أساس إنهم بيندرجوا تحت بند سلاحف النينجا.. مهي ست زي أغلب الستات يا دنجوان زمانك!
تأفف بضيقٍ وإتجه للمقعد يرتشف قهوته بنفاذ صبر، فانتبه لصوت حذاء أنثوي يدق على درج القصر، استدار إليها ليجدها تخطو إليه بعنجهيةٍ، ترتدي بذلتها الزرقاء الأنيقة، شامخة رأسها كخطوات عارضات الأزياء.
رددت فريدة وهي تعدل ساعتها:
_ أنا جاهزة يا عُمران.. يلا عشان منتاخرش.
وقف محله يطالعها بنظرات محتقنة، يبدو وكأنه يصارع عفريته ليصرفه دون أن يتفوه بحماقةٍ، ولكنه لم يتمكن فحك لحيته وهو يردد بهدوءٍ زائف:
_ الجيب ده مش قصير شوية يا فريدة هانم.
انحنت للأسفل تتأمل التنورة التي تصل لبعد ركبتها بقليل، واستقامت تقابل نظرات ابنها بغضب:
_ إنت من امته بتتدخل في لبسي!
منع شيطانه الوقح من التطاول وردد باحترامٍ:
_ العفو بس انا مش هتحمل نظرة أي راجل لحضرتك وأنا جنبك فمن فضلك تغيري الجيب ده .
استفزها تحكمه الغريب لمرته الأولى، فصاحت بعصبية:
_ انت ازاي تكلمني بالطريقة دي اتجننت يا ولد!
نهض أحمد عن مقعده مغلقًا جريدته، واتجه إليهما مقررًا التدخل أخيرًا، فمرر إبهامه على طول ذراعها بحنان:
_ عُمران ميقصدش يقلل من احترامه ليكِ يا حبيبتي، هو غيور عليكِ ومن حقه.. هو راجل وفاهم نظرات الراجل اللي زيه المفروض ده شيء ميزعلكيش وتسمعي لكلامه.
أخفضت بصرها للتنورة مجددًا تعيد تقييمها، فشعرت بأنه محقًا. طرأ لها مقارنة سريعة بينها وبين زوجات أبنائها المحتشمات، حتى ابنتها المدللة لحقت بهن وباتت هي بمفردها، تنحنحت بحرجٍ لموقفها التي تخوضه لأول مرةٍ، فاستدارت عائدة لجناحها وعادت بعد قليل ترتدي تنورة طويلة تصل لآخر قدميها.
هبطت للأسفل تقف قبالته تتساءل مدعية عدم اهتمامها بسماع ما سيقول:
_ ها كده أحسن ولا أيه؟
ابتسم لها عُمران وقال:
_ طبعًا أجمل وأشيك ألف مرة.
وربع ذراعيه بطريقة راقية:
_ فريدة هانم.
انحنت بخفة وكأنها إحدى أميرات ديزني وتغلقت بذراعيه، واتبعته للخروج وهي تخطف النظرات لزوجها الذي يرسل لها قبلة بالهواء جعلتها تشعر من فرط دلل ابنها وزوجها وكأنها مراهقة لا يتخطى عمرها السابعة عشر عامًا!
فتح لها عُمران باب السيارة وصعد لمقعده يتحرك لخارج بوابة القصر الخارجية قائلًا:
_ هنعدي نشتري بوكيه ورد شيك لحسن والدة جمال بتحب الورد جدًا وخصوصًا لو مني.
ابتسمت وابعدت مقلتيها عن شاشة هاتفها الباهظ:
_ أوه إنت مش عاتق حتى مامي جمال!
كبت ضحكاته وهمس بداخله:
_ مامي جمال!! تخيلي مستقيل عن مشهد تجمع فريدة هانم الغرباوي مع الحاجة أشرقت!
******
من بين الظلام اخترق طفيف من الضوء النافذ عتمته، ومن خلفه صرير الباب الذي تحرر بعد اثنا عشر ساعة، انتشر الذهول على معالمه، لاعتياده على مواعيد فتح باب زنزانته.
اعتدل بجلسته يتحسس الحائط حتى استقام بوقفته، يتسلل لآذنيه صوت دعسات حذاء ثقيلة، تشير على ثقة صاحبها، لتنتهي قبالته بالتحديد، ومن بعدها يقتحم قاعة صمته صوتًا بشريًا يحدثه بعد غيابًا من سماعه لأحدٍ يناشده:
_ عامل أيه يا يونس؟
سؤال شعر بأن إجابته ستكون ساخرة لدرجة ستجعل من أمامه يأمر بتعذيبه على الفور، فمن المؤكد بأنه يمتلك منصبًا مرموقًا كونه تمكن بالدخول إليه هنا، فاكتفى بالصمت وعاد يجلس أرضًا، واضعًا عينيه بنقطة الفراغ المعتاد.
انخفض ذاك الغريب إليه، يخبره بغموضٍ:
_ مش عايز تعرف أنا مين وجايلك ليه؟
ابتسم بألمٍ، وبسخرية لم يستطع كتمها قال:
_ متفرقش… شوف شغلك يا باشا أنا جاهز.
اختصر له عذاب سنوات ببضعةٍ كلمات أخبرته بأنه اعتاد العذاب لدرجة جعلته اعتياديًا، ابتلع غصته وقال وهو يدقق النظر إليه في محاولة لمح معالم وجهه بالظلام:
_ بس أنا مش جاي أحقق معاك ولا أذيك يا يونس… في شخص غالي عليا بعتني ليك وبسببه فتحت قضيتك واكتشفت الظلم اللي إنت عشته، وعرفت مين اللي ورا سجنك والسبب في عذابك لحد النهاردة.. اتصدمت إن في بينا ظباط معندهمش ذمة قبلوا الرشاوي عشان يعذبوك طول المدة اللي فاتت دي، بس خلاص أنا هخلصك من كل ده… أوعدم إنهم هيتحاسبوا قبل ما يتحاسب الكلب ده.
أغلق عينيه بقوةٍ وهتف دون مبالاة:
_ مبقاش يفرق… الحياة كلها متفرقليش يا باشا…. لا فارق معايا اللي ظلمني ولا اللي بيحاول يخرجني!
دس يده بجيب سرواله وأخرج هاتفه يشغل وضع الفلاش، ونت ثم سلطه على ملامح وجه يونس فأغلق الأخير عينيه بقوةٍ ووجع من تعرضه للضوء بشكلٍ مباشر، وبعدها بدأ يفتح عينيه تدريجيًا حتى اعتاد على الإضاءة ورؤية ملامح ذلك الرجل الجالس أمامه، تغلقت نظرات يونس به، كان يحمل بمقلتيه خصال القوة والنزاهة وكأنه انطلق من غياهب الظلم ليخبره بأن الخير مازال صامدًا، يخبره بأن وإن كانت ظنونه بأن العالم أغلبه يملأه الشر فهناك نسبة ضئيلة من الأخيار..
تحرر من صمته أخيرًا يسأله بفضولٍ أتاه بعد رؤيته لملامحه:
_ مين اللي بعتك ليا؟
ابتسم "آدهــم" وهو يخبره:
_ تلميذك اللي قضيت أغلب أيام امتحاناته تشتغله مدرس وقهوجي….. ابن الشيخ مهران.
ردد بعدم استيعاب:
_ آيــوب!!
******
بالمركز الطبي الخاص بعلي..
لاحظ عُمران تجهم ملامح الحاجة "أشرقت" منذ رؤية والدته، كانت نظراتها تجوبها بطريقة جعلته يشعر وكأنها تتفحص ضرتها الجديدة.
كبت ضحكاته بصعوبة ومال عليها يهمس لها:
_ مالك يا شوشو من ساعة ما دخلنا عليكي وانتي مصدرلنا الوش اللي بتصدريه للحاج.. هو الورد معجبكيش لونه ولا أيه؟
منحته نظرة نارية وصاحت بعصبية:
_ ووشي بيطلع نار كمان وزعلانه منك زعل كبير أوي يا عُمران لاني مكنتش أتوقع منك كده.
زوى حاجبيه باستغرابٍ:
_ أنا عملت أيه؟
رددت بنفور ونظراته تجوب فريدة الواقفة برفقة جمال تتحدث معه:
_ ليه كده يا ابني!! هان عليك تخون مراتك البسكوتة بالفانيليا دي…وكمان جايبلي عشقتك تطمن عليا هو أنا ناقصة فقعة مرارة!!
رواية صرخات انثى الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم ايه محمد رفعت
لم يخرس لسانه الطويل أحدٌ يومًا، لطالما كان طويل اللسان، وقحًا، متفننًا بردوده الباردة، ولكن ما نطقت به "آشرقت" جعلته يبرق لها بصمتٍ تام، لا يتقن حتى برسم بسمة زائفة على وجهه.
مازالت "فريدة" تقدم سلامها لجمال قبل أن تلحق بابنها، فولجت برفقته للداخل لتصل بالقرب من الفراش، فمدت يدها إليها وبرقةٍ رددت:
_ حمدلله على سلامتك أشرقت هانم.
لوت شفتيها بتهكمٍ، ورددت بصوتٍ لم يكن مسموع الا لعُمران الجالس لجوارها على الفراش بصدمته المطولة:
_ هانم!!
باينها بنت ذوات!
ورفعت من صوتها تجيبها بنزقٍ:
_ الله يسلمك.. مكنش له داعي تتعبي نفسك وتيجي معاه.. واجبك وصل!
اندهشت فريدة من طريقتها الغريبة معها ولكنها لم تعلق، حتى جمال طاله جزءًا من الدهشة والذهول من طريقة تعامل والدته الذي يشهده لأول مرة، فتنحنح يشير لفريدة بحرجٍ:
_ اتفضلي يا فريدة هانم.
هزت رأسها بخفة وإتبعت اشارته فجلست على المقعد القريب من عُمران، فتدحرجت أشرقت لطرف الفراش وهي تسحب عُمران خلفها هامسة بحنقٍ:
_ أيه الجراءة وقلة الأدب دي، لزقة في الواد قدامنا من غير خشى!
ازداد جحوظ أعين عُمران بشكلٍ مخيف، وكأنه ابتلع الكلمات وعلقت بفمه، استدعت حالته نظر جمال وفريدة التي كانت أول من تساءلت:
_ مالك يا حبيبي إنت كويس؟
هز رأسه ومازال صامتًا، ليأتيه همس أشرقت:
_ حبك برص يا بعيدة سيبي الواد لمراته ولفي على حد غيره!
سعل عُمران بقوةٍ وكأنه يلفظ أنفاسه الاخيرة، فأسرع جمال إليه بزجاجة مياه مرددًا بقلقٍ:
_ إنت مالك النهاردة؟
هز كتفيه اجابه عدم علمه بشيءٍ لما يحدث معه، فوجد أشرقت تميل عليه وتهمس له بحزنٍ:
_ يا ابني أنا بحبك وبعزك زي جمال ابني متخليش العقربة دي تخرب حياتك، ده جمال لسه مفرحني بخبر حمل مراتك ويعلم ربنا فرحتلك من قلبي.
وتابعت وهي تعود لنظراتها المتفحصة بنظرةٍ تقيمية:
_ هي صحيح حلوة وعينها زرقة، بس والله الجمال ما كل شيء، مراتك بردو جميلة وطيبة وبتحبك والله.
استجمع شجاعته الهادرة، وحشد بحة صوته الهادرة ليهمس لها بصوتٍ يُسمع بالكد:
_ دي فريدة هانم!
تشدقت بنزقٍ:
_ هانم على نفسها يا أخويا، النوع ده مبيتسماش عليه غير عقربة وخرابة بيوت!
ابتلع ريقه بارتباكٍ وتمنى أن لا يكون حوارهما مسموع لوالدته، فردد بصعوبة بالحديث:
_ فريدة هانم أمي!
جحظت عينيها بصدمة وعدم استيعاب جعلته يزيد من توضيح الأمور عساها تفهم ما يخبرها به:
_ يعني لا تجوز ليا بأي شكل من الأشكال!
ازدادت صدمتها وانتقلت حالة عُمران إليها، رمش عُمران بشكلٍ مضحك وتابع بجدية مضحكة:
_ أنا بحاول من ساعتها أقولك بس خايف عليكي، إنتي مهما كان لسه خارجة من عمليات!
تعلقت عينيها بفريدة التي بدأت تلاحظ ما يحدث بينهما، وعادت تتطلع لعُمران متسائلة بصوتٍ يجاهد للخروج:
_ متأكد إنها أمك؟!
سؤالًا لا يجده منطقيًا من جميع الزوايا ولكنه أسرع بهز رأسه اجابة لها، فعادت بنظراتها إليها ولسؤاله مجددًا:
_ عندها كام سنة؟
ابتلع ريقه بتوترٍ من تعابيرها التي لا تبشر:
_ ٤٣ سنة.
اتسعت مُقلتيها صدمة فاشارت إليها باستنكارٍ:
_ دي ٤٣!!!
دي أصغر منك إنت شخصيًا!
أخفض ذراعها واحتضنها سريعًا ليخفي ما يحدث عن والدته حتى لا تنتبه لاشارتها وهمس لها:
_ مش كده يا شوشو فريدة هانم هتأخد بالها، وبعدين انتي عندك فقدان ذاكرة ولا أيه؟
فاكرة لما كنت عندك وقولتلك إنها بتمشي البيت كله على نظام غذائي ومبتسحملناش نأكل أكل فيه دهون لذا بستفرض بأكلك كأني عايش في معتقل..
هزت رأسها بتذكر فأكد لها مجددًا:
_ ده المعتقل بعينه اللي كنت بكلمك عنه بقى!
سألته بهمسٍ خافت:
_ هي مخلفتش غيرك بس؟
نفى ذلك موضحًا:
_ لا علي أخويا الكبير وفي شمس أصغر مني.
بصدمة أردفت:
_ كمان!!
هي لحقت تخلفكم أمته يابني!
ضحك بشدةٍ ومال لآذنيها يخبرها:
_ اتجوزت قبل ما تكمل ال١٧ سنة.. احنا عندنا كده البنات بيجوزها صغيرين!
حدجته بنظرةٍ جامدة قبل أن تصدمه:
_ ما أنا متجوزه عمك الحاج وأنا عندي ١٤سنة وقدامك أهو شبه برميل الطُرشي!
وتابعت بذهول وصدمة مستها قبل أن تطوله:
_ وتاخد الكبيرة بقى أنا عندي ٤٢ سنه يعني أمك اللي قدامي دي المفروض إنها أكبر مني بسنة!!
وتعلقت عينيها بفريدة التي تتابعهما هي وجمال بذهول:
_ طيب ازاي؟!!!
دي مستحيل تكون حملت وولدت!!
طب بذمتك ذي هتبقى جدة ازاي!
إلتفت عُمران للخلف يقيم والدته بنظرةٍ سريعة، وكأنه أول مرة يراها وقال:
_ مش عارف!
هزت رأسها هي الاخرى:
_ ولا انا!!!
وابتلعت ريقها بتوترٍ تخبره:
_ بقولك أيه يا ابني إنت تبطل تخرج معاها عشان محدش يخوض في سيرتك والاحسن تشوفلها واد اين حلال وتجوزها.
ضحك بصوته كله وقال:
_ هي فعلًا متجوزة عمي من كام شهر.
وأخرج هاتفه يقدمه لها قائلًا بمكرٍ:
_ خدي شوفي صوره عشان تبقى صدمتك كاملة!
تناولت منه الهاتف تتفحص صورة أحمد الذي عاهدته شابًا يكبر ابنها بأعوامٍ بسيطة لشعيراته الييضاء القليلة التي تحاط بشاربه وشعره، فصدمها عُمران حينما أخبرها عمره الحقيقي، لذا قدمت له هاتفه قائلة بتعبٍ:
_ كفايا كده عليا النهاردة.. انا حاسة إني قلبي هيقف وهيدخلوني العمليات تاني.
تعالت ضحكاته وقال بصعوبة بالحديث:
_ ألف سلامه عليكي يا حبيبتي.
ومد يده لوالدته قائلًا:
_ طيب نستأذن احنا بقى ونبقى نعدي عليكم وقت تاني.
أمسكت فريدة بكفه وودعتها ببسمة جميلة:
_ فرصة سعيدة أشرقت هانم.
وخرجت من أمامها ومازالت أعينها تبتلعها بدهشةٍ، فما أن اوصلهما جمال للخارج وعاد لها حتى تمسكت بيديه وسألته بفزعٍ:
_ البت دي تبقى أمه ولا بيضحك عليا عشان مبلغش مراته إنه ماشي على حل شعره!!
قولي الحقيقة!
فهم الآن ما كان يخوضه عُمران من صدمات طاعنه، حُلت شفرات حالتهما الغريبة منذ لحظة ولوج فريدة، فتنحنح بخشونةٍ:
_ فريدة هانم تبقى والدة عُمران ودكتور علي صاحب المركز ده.
لطمت صدرها بخفةٍ وتحلت بالصمت لساعة كاملة تفكر بالأمر، وجمال ينظف الغرفة ويتابعها بنظرة قلق إلى أن خرجت من قوقعة صمتها ونادته فأسرع إليها بلهفةٍ فوجدها تخبره بحزمٍ واصرار:
_ اسمع أول ما انزل على مصر تكلمني دكتورة ريجيم وتحجزلي في جيم أنا مستحيل أقبل بالجسم المفشول ده لازم أبقى موزة وسمبتيك زي فريدة هانم دي هي مش أحسن مني!!
ومسكت ذقنها بحركة شعبية مردفة بخوفٍ:
_ ده لو الحاج كان شافها كان رمى عليا يمين الطلاق!!!
كبت جمال ضحكاته وقال:
_ جيم أيه يا ماما بعد عملية القلب دي!
أصرت بقولها:
_ هلعب رياضة يعني هلعب محدش هيحوشني عن الوزن المثالي بعد النهاردة!!!
واجهت فريدة عُمران بسؤالها المباشر:
_ هو في أيه؟
ليه Mamy Jamal باين عليها الانزعاج من زيارتنا؟
كبت ضحكته بسيطرة تامة، واستدار إليها:
_ لسبب بسيط جدًا إنها كانت فاكراني بخون مايا وجايب عشقتي أعرفها عليها.
رمشت بصدمةٍ وهي تحاول استيعاب تلك الجملة الغير مرتبة، فتابع عُمران ساخرًا:
_ مهو يا حضرتك تكسري قواعد الدايت بتاعتك يا تبطلي تخرجي معايا أنا أو علي خوفًا على سمعتنا!
توقفت عن المضي قدمًا واستدارت لتقابله، مردفة بحاجبٍ مرفوعًا:
_ طيب علي أوكي لكن إنت والخوف على سمعتك من أمته؟
حك جبهته بحرجٍ، وبمزحٍ قال:
_ عفى الله عما سلف يا فريدة هانم.
منحته ابتسامة جذابة وبحبٍ كبير قالت:
_ أنا فرحانه بتغيرك وباللي بقيت عليه يا عُمران.. عارف أنا عمري ما أنسى اليوم اللي فضلت فيه جانبي.. كنت مذهولة ومش مستوعبة أن الشخص التقي ده هو نفسه عُمران ابني المشاكس.
ابتسم وهو ينحني يقبل كف يدها باحترامٍ، فربتت على خصلاته الطويلة بحنانٍ، وسرعان ما ابتعدت مردفة بمزحٍ:
_ خليك بعيد عشان سمعتك يا بشمهندس.
انطلقت ضحكاته الرجولية بقوةٍ، وأشار لها بحركةٍ آرستقراطية راقت لها:
_ فريدة هانم!
هزت رأسها بامتنانٍ وانطلقت تسبق خطاه حتى خرجت برفقته للاستقبال فتوقفت تخبره بمكرٍ:
_ عُمران روح إنت لشركتك.. أنا هفضل بالمركز شوية.. عايزة أطلع على تصميم مكتبي وأشوف مايا نفذت اللي طلبته منها هي والفريق ولا لأ.
هز رأسه وقال:
_ طيب يا حبيبتي لما تخلصي رني عليا وأنا هجي أوصلك.
ردت عليه ببسمة هادئة:
_ متشغلش بالك بيا.. هبقى أكلم السواق أو أحمد.
فهم رغبتها بالعودة برفقة زوجها، فمنحها وقتها الخاص دون ان يضيق عليها، فطبع قبلة على رأسها وأردف:
_ زي ما تحبي... خلي بالك من نفسك.
أومأت براسها بخفة، فارتدى عُمران نظارته السوداء واستدار لينطلق لسيارته فتفاجئ بصبا تدلف من باب المركز، وعلى ما يبدو بأنها كانت تتبعه برفقة فريدة التي تعرفت عليها فور رؤيتها، فقد سبق لها رؤيتها حينما كانت بزيارتها الاولى برفقة جمال يوم الوليمة التي أعدتها مايسان وفاطيما.
وجدته يرنو إليها، وما أن أصبح قبالتها وضع عينيه أرضًا وقال بابتسامةٍ مرحبة:
_ مدام صبا أزيك؟
منحته ابتسامة صغيرة وقالت:
_ أنا بخير الحمد لله.. دي فريدة هانم مش كده؟
هز رأسه وقال موضحًا:
_ أيوه كنا فوق عند والدة جمال ولسه نازلين من شوية.
رن هاتفه فأطلع على اسم المتصل، فكان حسام سكرتيره الخاص فتنحنح هاتفًا:
_ عن إذنك لازم أتحرك للشركة حالًا.
تنحت جانبًا وأجابته:
_ اتفضل.
إتجه لسيارته قادها لشركته، وتبقت هي تتطلع عليه مرددة بحزنٍ:
_ حتى أمه واقف يحضنها ويدلع فيها.. الشخص ده أيه!!
وتابعت صعودها للأعلى وعقلها شارد بالتفكير بمقارنتها حول رؤيته برفقة زوجته بالأمس وبما رأته الآن.
انتهى من مقابلة ادارة المشفى، ومر على زمائله بشوقٍ لأيام عمله بهذة المشفى، فإذا بهاتفه يزف له مكالمة معشوقته.
جلس علي بالاستراحة الجانبية وحرر زر الاجابة مرددًا بابتسامةٍ مشرقة:
_ صباح السعادة والجمال على أجمل قمر طل من لحظة ما فتح عيونه يستقبل نهاره!
وصل له صوت ضحكتها، وقالت على استحياءٍ:
_ وحشتني يا علي.
أغلق عينيه بقوةٍ وهمس:
_ الرأفة بقلب علي المسكين!
وتابع معاتبًا:
_ هو أنا يعني كان لازم أسافر عشان أسمع منك الكلام اللي يوقع القلب ده!
_ أنا بحس إني مراهق لأول مرة يا فطيمة!
المشاعر اللي معشتهاش في مراهقتي وكنت بحس إني مختلف ومش طبيعي زي باقي الشباب جيتي إنتِ وأقمتيها حرب عليا وعلى كل مشاعر اتدفنت جوايا!
سماعه لصوت أنفاسها العالية كفيل بجعله يتخيل مظهرها والخجل يكتسح ملامحها، فابتسم وقال:
_ سكتي ليه يا قلب علي؟
تنحنحت بخفوت:
_ بسمعك!
تقبل خجلها بصدرٍ رحب وأبدل حديثه:
_ إنتِ فين؟
ردت عليه:
_ أنا تحت بستنى زينب بتلبس ونازلة، أصل أنكل أحمد أصر يوصلنا في طريقه.. هي للجامعة وأنا للشركة.
سألها بدهشةٍ:
_ ومايا فين؟
وصل له صوت ضحكتها وطربته بصوتها الخجول:
_ أصل عُمران منعها تنزل الشركة تاني.
= ليه؟
_ آآ.. أصلها أغمى عليها امبارح وأخدها عملها تحاليل فطلعت حامل.
بفرحةٍ كبيرة تساءل:
_ بجد؟
أكدت عليه وهو تلهو بحقيبتها بخجلٍ:
_ آه.. فرحتلها أوي.. البيت كله سعيد بالخبر ده وبالأخص فريدة هانم.
ابتسم وهو يهمس لها بصوتٍ أربكها:
_ عقبالك ما قلب علي.. ساعتها فرحتي هتكتمل.
تنحنحت وأسرعت تخبره بارتباكٍ:
_ زينب نزلت.. يلا سلام.
ولم تنتظر سماع وداعه لها وأغلقت سريعًا، فتعالت ضحكاته وهو يراقب شاشة هاتفه باستمتاعٍ، فبحث عن رقم شقيقه وحرر اتصاله ليباركه بذاته فأتاه صوته المتلهف يخبره:
_ علي حبيبي وحشتني أوي.. كنت لسه حالًا هطلبك عشان أفرحك.. أخوك هيبقى أب وهتبقى أنت عمو علي.. جهز نفسك يا دكتور!
انطلقت ضحكاته الصاخبة إليه وصاح مازحًا:
_ واحدة واحدة.. خد نفسك وانت بتتكلم.. ثم إن أخبارك بقت قديمة أوي.
وتابع بغرورٍ:
_ الخبر وصلني من بدري يا بشمهندس.
= أممم.. العصفورة لحقت تبلغك!
_ أجمل وأحلى عصفورة بالكون كله.. هتعارضني؟
= الله يسلهو يا دكتور!
المهم أنا كنت هكلمك عشان أخد رأيك في حاجة بخصوص فاطمة.
اعتدل علي بجلسته وسأله بجدية:
_ اتكلم.
أتاه صوت عُمران الجادي يخبره بقلقٍ واهتمام:
_ يوسف قالي إن مايا عندها مشاكل بسيطة يعني انيميا وضغطها واطي ومحتاجه ترتاح عشان شهورها الأولى من الحمل، وبالتالي منعتها تنزل الشركة وفاطمة من النهاردة هتنزل لوحدها فمش عارف يا علي هتقدر تتأقلم من غيرها ولا أيه.. خصوصًا إنها هتكون بديلة مايسان وهتنزل معايا في بعض الاحيان للموقع.. إنت رأيك أيه؟
تنهد براحةٍ فقد ظن بأن هناك أمرًا خطيرًا متعلق بصحتها، فقال بعدما صمت قليلًا يستعيد ثباته:
_ هي فاهمه وعارفة ده كويس، ومدام لبست ونزلت النهاردة من نفسها يبقى هي وثقت فيك وعلى فكرة ده كان باينلي من قبل ما أخد قرار السفر ويمكن ده السبب اللي خلاني أسافر وأنا مطمن... فطيمة بدأت تثق فيك وفي اللي حوليها من البيت يا عُمران وده في حد ذاته تقدم كبير في حالتها.
واستطرد بلهفة وتوتر:
_ خد بالك منها وراعي حالتها زي ما وصيتك.
أجابه الاخير بوعدٍ صادق:
_ متخافش يا علي.. فاطمة عندي في غلوة شمس والله.. متقلقش عليها طول ما هي معايا... وبعدين بقى إنت هتأخدني في دوكة ومش هتقولي أيه الرسالة اللي كلها تهديد دي؟
تذكر علي رسالته التي أرسلها بالأمس إليه وصاح بوعيد:
_ كويس إنك فكرتني.. أنت أيه اللي مهببه في شمس ده يا وقح!!
البنت مكنتش، عايزة تسبني أنزل للمستشفى ومرعوبة من آدهم!
ضحك بملئ ما فيه وقال:
_ براڤو.. حبيبة قلب أخوها اللي بتسمع كلامه دي تتشال على الراس وتستاهل العربية الجديدة اللي طلبتها.
= بقى كده!!
عُمران إنت عايز تخرب جوازة أختك؟
_ بالظبط كده..وبضيقٍ قال:
_ بصراحة يا علي جوايا غيرة رهيبة معرفش سببها.. إنت أزاي بارد كده!
شمس هتسبنا يا علي مش هتعيش معانا تاني.. مش هنعرف نشوفها كل يوم ولا نخدها في حضننا وتتدلع علينا وقت ما تعوز فلوس أو تتحامى فينا من فريدة هانم لما ترتكب غلطة... أنت ليه مش قادر تتخيل إن هيكون ليها حضن وسند غيرنا!
ضم مقدمة أنفه بقلة حيلة وهتف بحنقٍ:
_ عُمران إتلم بعيد عن البنت لحد ما أرجع وأعالجك يا حبيبي.. لإن بعد اللي سمعته ده يؤسفني أقولك إنك مريض نفسي!!!
أغلق الهاتف بوجهه ونهض ليتجه للخروج من المشفى بعدما أنجز نصف مهمته باختيار عشرة أطباء ماهرون، فمر على الاقسام بطريق خروجه، حتى مر من أمام قسم "النسا والتوليد".
أخفض عينيه أرضًا وتابع سيره ولكنه توقف فور سماعه صوتًا أنوثي يناديه:
_ علــــــــــي!
ألتفت خلفه فتفاجئ بها تقترب منه وعلى وجهها ابتسامة واسعة، غير مصدقة بأنها تراه أمامه، فرددت بسعادةٍ:
_ مش مصدقة بجد إني شايفاك... إزيك يا علي أيه نسيتني ولا أيه؟
ردد وهو يتطلع لها بدهشةٍ:
_ يارا مش معقول!
ابتسمت إليه ورددت بسخرية:
_ طبعًا ما انت مصدقت مروان خطفني منك فخدتها زعله ومبقتش بتسأل عليا، هان عليك العشرة والصداقة يا علي؟
تنحنح بحرجٍ لتذكر ذلك الجزء المتطرف من حياته، لا ينكر بأنه كان هناك مشاعر داخله تخصها، بالنهاية كانت خطيبته وستصبح زوجته، وحينما اختار قلبها مروان ابن عم الجوكر مراد زيدان(رواية الجوكر والاسطورة) ، فتركها تعيش مع من أحببت وتخصص هو بالحالات التي كانت تعالجها يارا بإحدى المستشفيات النفسية، بعد طلبها منه بأن يكون محلها لانشغالها بالتجهيز لزفافها من مروان تذكر كيف كان يتألم وحينها ظهرت فاطمة بحياته لتداويه وتجعله يقارن بين مشاعره تجاه يارا ومشاعر الحب الذي ولد داخله، فأصر وقت عودته إلى لندن أن ترافقه فاطمة لتكون حالته الخاصة بعد أن كانت الدكتورة يارا مسؤولة عنها.
أفاق من غفلته على صوتها المنادي:
_ روحت فين يا علي؟
اعتدل بوقفته يجيبها بابتسامة هادئة:
_ معاكي أهو.. المهم طمنيني عنك.
وأشار بمرحٍ على بطنها المنتفخ:
_ ولد ولا بنوتة هتورث موهبة مامتها الدكتورة.
ضمت بطنها بلينٍ وقالت:
_ بنوتة.. وعلى فكرة معايا ريان عنده سنتين ونص.
اتسعت ابتسامته وقال بفرحة صادقة:
_ بجد؟
أشارت بيدها على من يخطو إليهما يستند على يد والده:
_ أهو.
استدار علي تجاه إشارة يدها فوجد مروان يقترب منهما بملامح منزعجة، كونه رجلًا يتفهم سبب ضيقه لذا طوال الفترة الماضية لم يحاول بأي شكل من الاشكال التواصل مع يارا، مع أنها كانت تحاول الحديث معه للصداقة والعشرة الطويلة بينهما.
قدمتهما يارا لبعضهما قائلة:
_ مروان.. شوف قابلت مين بعد السنين دي كلها.. دكتور علي الغرباوي فاكره؟
منحه نظرة مشتعلة وقال:
_ من الأشخاص اللي مستحيل تتنسي.
ضم علي شفتيه بحرجٍ، يحاول قدر الامكان التخفيف من حدة الاجواء فقال وهو ينحني ليداعب شعر الصغير:
_ ما شاء الله تبارك الله أيه الجمال ده كله..
وحمله إليه ثم طبع قبلة على وجنته، ثم قال:
_ شكل مروان بالظبط.. ربنا يحميه ويباركلكم فيه يارب.
وقدمه لفارس الذي التقطه منه يجيبه ببرود:
_ تسلم... عقبالك!
أجابه بتمني:
_ يا رب.
تفاجئت يارا بدبلته السوداء المحاطة لاصبعه فسألته باهتمام:
_ إنت خطبت ولا أيه يا علي؟
ضحك وهو يتطلع لدبلته قائلًا باعتزازٍ غريبًا:
_ اتجوزت...ومش هتصدقي مين.
بلهفةٍ قالت:
_ مين؟
أكيد دكتورة من زمايلنا.
هز رأسه يبدد تخميناتها وقال:
_ اتجوزت فاطيما يا يارا.
اندهشت وشاركها بدهشتها مروان الذي بدى أكثر راحة حينما سمع بأمر زواجه، فسألته يارا باستغراب:
_ ازاي يا علي... إنت عارف حالتها كويس!
ابتسم وهو يجيبها بهيامٍ بسط لمروان ولها قصة عشقهما المختصرة:
_ الحب دفعني وساعدني أعالجها... هي كمان استقوت بحبي ومسكت فيه بكل قوتها.. هي كانت محتاجلي وأنا كنت محتاجلها أكتر من احتياجها ليا.
اتسعت بسمتها ونظراتها تحيط بزوجها بعشقٍ تدفق إليها حتى بوجود علي، ورددت بحبورٍ:
_ إنه العشق يا دكتور علي.. ما أنا سبقتك.
وعادت تطلع إليه تتساءل باهتمامٍ:
_ طيب قولي أنت لسه بتشتغل في نفس المستشفى اللي كنا فيها بلندن ولا اتنقلت؟
عدلت من جاكيت بذلته وأجابها بثباتٍ:
_ لأ.. رجعت المستشفى بتاعتي وحولتها لمركز طبي لجميع التخصصات علشان كده أنا هنا في مصر بجمع الفريق الطبي بنفسي.
شجعته بفخرٍ:
_ براڤو عليك يا علي... ربنا معاك ويوفقك يا ررب.. والله لولا البلونة دي كنت سافرت وجيت حضرت الافتتاح بس إن شاء الله تتعوض ويكونلي زيارة ليك أنا ومروان والاولاد على اعتبار ما سأكون ولدت.. ولا أيه يا مروان؟
تلك المرةٍ رسم ابتسامة حقيقية بعدما تأكد من اندراج العلاقة بينهما لعلاقة زمالة عادية، وصافح علي بحرارة:
_ أكيد طبعًا هنيجي ونهني... مبروك الجواز والافتتاح يا دكتور.
سعد علي كثيرًا لتلقي تلك المصافحة المعبرة عن تلاشي صخور الماضي، فكم كان حانقًا على تصرفاته بالماضي ونزاعه التي وصل للتطاول بينه وبين ممروان فحينما تعقل وجد ذاته هو المخطئ ومن لم يخطئ جميعًا بشرًا ولسنا بملاكٍ بأجنحتين.
ودعهما علي وغادر للسيارة التي تنتظره للعودة لمنزل آدهم والراحة تغمره وتحيط به لتلك المقابلة.
ولجت للجامعة بارتباكٍ يحيطها، فبالفترة الماضية امتنعت عن الذهاب خاصة بعد ما حدث لسيف، وها هي تضطر للعودة بعد أن أخبرها أحمد بأن "يمان" قد هرب من لندن بعدما اتهمه سيف بما أصابه، وتسجيلات الكاميرات الخاصة بها خدمت أقواله فخشي أن تكتشف الشرطة اعماله الغير شرعية لذا فر هاربًا.
أحاط كفها ذلك الخاتم المندث بسلسالها الذهبي، وبداخلها تشعر بذنب الاحتفاظ به دون معرفة صاحبه، فحينما كانت تنتظر أمام غرفة العمليات خرجت احدى الممرضات تقدم لها ملابس وأغراض سيف الشخصية، فلمحت ذلك الخاتم الفضي المحاط بفص أزرق كانت تراه بيد سيف على الدوام.
لا تعلم لما احتفظت به وطوقته بعقدها الذهبي ليظل يلازمها، والآن وجودها بالجامعة تشعر بأنها تحتاجه دونًا عن أي وقت، فكمشت يدها حول السلسال الطويل الظاهر من أسفل حجابها.
كانت بطريقها للصعود للطابق المخصص لفصلها، فما أن صعدت لمنتصف الدرج حتى وجدته يهبط للأسفل حاملًا كتبه وأغراضه.
تعالت خفقات قلبهما كالقرع، يجزم كلاهما بأن الأصوات كانت منصوبة للآدان ولجميع من بالحرم الجامعي، هبط سيف إليها ببطءٍ وبابتسامةٍ اهلكتها قال:
_ عاملة أيه يا زينب؟
رمشت بتوترٍ وأجلت أحبالها الصوتية بصعوبة:
_ كويسة.. الحمد لله.
وبترددٍ قالت وعينيها تشير لذراعه المحاط بالجبيرة:
_ وإنت؟
هز ذراعه المصاب قائلًا بمزحٍ:
_ أهو امتحنت بايدي التانية مع إن خطي مكنش يتشاف ولا يتفهم في ورقة الامتحان بس ماشي الحال.. المهم نعدي السنة دي بقى.
وسألها بفضولٍ:
_ أول مرة تنزلي الجامعة من بعد اللي حصل؟
هزت رأسها وردت بتوترٍ:
_ أيوه.. عم دكتور علي قالي إن الحارس اللي كان بيراقب يمان شافه بيهرب هو ورجالته بعد ما اتهمناه باللي حصلك واللي عمله معايا قوى من الموقف.
بدى الانزعاج والضيق متوغلًا بملامحه وقال بحدةٍ:
_ فلت منها ابن ال.. بس مصيره هيرجع ووقتها هأخدلك حقك منه وقدام عينك يا زينب.
ارتبكت بوقفتها أمامه، مازال مصرًا أنها تخصه رغم رفضها له، وللحق بداخلها شعور يغمرها بالسعادة، فأشارت له بتوتر:
_ عن إذنك زمان محاضرتي بدأت.
تابعها وهي تصعد للأعلى، وقبل أن تنجرف للطابق ناداها، استدارت له فوجدته يبتسم لها ويخبرها:
_ هستناكِ تحت.. خلصي وانزلي على طول.
كادت بالاعتراض فقال سريعًا:
_ هعزمك على آيس كريم.
وتابع بغمزة أفتكت بصمودها:
_ بالڤاتيليا زي ما بتحبي.
حاولت الاعتراض أو الحديث فسبقها مجددًا:
_ متقلقيش عما تخلصي محاضرتك هكون إستأذنت من دكتور علي.
وتركها وغادر ومازالت تقف محلها تتأمل الفراغ بصدمة من اتخاذه للقرار واصراره بتنفيذه وابلغها بأنه سيأخذ الأذن وكأنه يخبرها بأن لا عليها سوى الحضور!
صعد آدهم مبنى الجهاز، طالبًا بإصرار مقابلة الجوكر، فجلس بالمكتب الخارجي قبالة الساعة والنصف حتى وصلت الاوامر بالسماح له بالدخول لمكتبه.
طرق آدهم باب المكتب وولج للداخل بخطواتٍ بطيئة حتى وصل قبالة مكتبه، كان يستند بساقيه على المكتب، ويسترخي بمقعده بتعبٍ بعد انتهائه من التدريب، فتح زرقة عينيه يتأمل ذلك المرتبك بنظرةٍ مستمتعة، وردد بخشونةٍ وهدوء مخيف:
_ شكلك مش لطيف وإنت واقف مرعوب ومهزوز قدام القائد بتاعك!
ونهض عن مقعده يلف من حوله حتى يقف قبالة آدهم متابعًا بحدةٍ:
_ وأنا تلاميذي معلمتهمش يواجهوا أي مشكلة بالخوف والجبن!
ارتبك آدهم وبدى غير مستجيب الفهم لما يحدث، هل يواجه غضبه لما فعله بلندن أم ان هذا الغضب لرؤيته يخشى عقوبته؟!
طرق "مراد" على سطح مكتبه بقوةٍ ليفق آدهم من شروده على صوته الهادر:
_ إنت جاي ليه طالما معندكش اللي تقوله!
ازدرد ريقه بحرجٍ:
_ باشا أنا عارف إني غلطت وعرضت حضرتك لموقف محرج مع القادة بس مقدرتش أسيب صديقي محتاج لمساعدتي ومساعدوش حتى لو كنت شخص عادي كنت هساعده.
ضيق عينيه الزرقاء ومال يستند على حافة مكتبه، يتفحصه بنظراتٍ تجوبه من الأعلى للأسفل، وبعد صمتًا طويلًا قال:
_ لو مكنتش ادخلت كنت شكيت في قدراتك!
رفع آدهم عينيه إليه بصدمة فوجده يبتسم له، مستطردًا بمكرٍ:
_ رحيم حكالي على اللي حصل.
وتابع وهو يقابل مُقلتيه بنظرةٍ واثقة:
_ واحد بتدريبك البسيط قدام الاسطورة وقدرت توازنه في المهمة الصعبة دي، ده يخليني أنا والقادة نثني عليك... انا نفس كنت فخور إنك من تلاميذي.
ورفع يده يربت على كتفه وهو يتجه لمقعد مكتبه بخطواته الواثقة:
_ متقلقش تنفيذك للمهمة بالدقة والبراعة دي نفى عنك أي غضب.
احتل مقعده بهدوء لم يكن داخل ذلك الذي يتابعه باندهاشٍ ، فابتسم مراد وقال بخبث لا يليق سوى بالجوكر "مراد زيدان":
_ عارف إن رحيم رعبك مني ومن مواجهة القادة..خليني أقولك إن ده جزء من تدريبك أو بالمعنى الأوضح مينفعش أشوف ابني بيرتكب شيء يفوق قدراته وأقف أشجعه إنه يعيد نفس اللي عمله مع إنه مش غلط، هكتفي بس أنبهه أنه مينفعش يقوم بالتصرف ده الا لما يكبر ويكون عنده الخبرة الكافية اللي تخليه يقدر يتصرف من غير ما يرجعلي.. فهمت يا عمر؟ ولا تحب أقولك آدهم زي ما بتحب؟
اتسعت ابتسامة آدهم بفرحةٍ، وكأن جبالًا مرسخة انزاحت عن كتفيه، فاندفع تجاه مراد الذي نهض يستقبل ضمته الرجولية والاخر يهتف بفرحةٍ:
_ فهمت.. فهمت يا باشا.. وأوعدك هنفذ كل الأوامر زي ما تجيني.
ربت على ظهره بقوةٍ تليق بجسده الصلب:
_ كده يبقى الدرس وصل.. يلا متنشغلش عن عروستك وجهز فرحك ومتنساش تعزمني.
هز رأسه بسعادة واحترامًا لشخصٍ بمهارة الجوكر:
_ أكيد طبعًا...
واسترسل بحرجٍ:
_ أنا كنت جاي لحضرتك عشان أخد رأيك في شيء عرفته عن المقدم"سند برهام" ، وأنا هيكون من الصعب اتدخل لحل موضوع زي ده.
أشار له بالجلوس قبالته وردد بوجوم:
_ إنت ليه مُصر تدخل نفسك في حوارت مش بتاعتك يا آدهم؟
جلس قبالته يجيبه بحزنٍ:
_ صدقني يا باشا ربنا سبحانه وتعالى اللي عمل كده عشان يرفع الظلم عن شخص بيعاني على إيده ومش بس هو في كذه سجين بيمارس عليهم طغيانه.. الموضوع مش سهل ومحتاج لمساعدة حضرتك فيه.
أنصت له جيدًا فأشار له بضيقٍ لسماع من يعاني ظلمًا، أكثر ما يثير غضبه أن يستغل كل ذي منصب منصبه لفعل السوء لذا فمن المؤكد أن آدهم اختار الأنسب ليخلص "يونس" عن مظلمته!
خاب أملها، ظنت بأن الاختبار المنزلي ربما يخالف ذمته والآن تحمل بيدها تقرير الفحص من المعمل الخاص بالمركز الطبي لابنها، يؤكد لها مئة بالمئة إنها تحمل بجنين.
وقفت فريدة تنتظر سيارة أحمد شادرة، عينيها تدمعان تأثرًا بما يخطر لها بفعله، هي تعلم بأنه ذنبًا فاضحًا ولكن ماذا بيدها تفعله!
تظن بأنها جريمة أن تحتفظ بجنينٍ وهي بذلك العمر، ابنتها من المفترض ستزف عروسًا بعد أيامًا وابنها ينتظر جنينًا قريبًا، كيف ستواجه الجميع بذلك، وما صدمها الإن بأنها بنهاية الشهر الثاني من الحمل لذا عليها سرعة التحرك قبل أن يكبر حجم الجنين.
تناست ما تفكر به لحظة رؤيتها لسيارة أحمد تقترب منها فرسمت ابتسامة مصطنعة وصعدت جواره تفكر بتمعنٍ بما ستفعله.
تابعت فاطمة عملها بمهارةٍ، وشعور الأمان يروداها بوجود عُمران بمكتبه تاركًا الباب الفاصل بين الغرفتين مفتوحًا بينهما، كما ان سماحه لها بالعمل بمكتبها واطلعه على ما تنتهي منه كان يريحها كثيرًا.
انتهت من مراجعة حسابات الميزانية المتعلقة بالمشروع فاتجهت اليه تطرق الباب المفتوح، فرفع رماديته لها يشير:
_ ادخلي على طول يا فاطمة.
هزت رأسها بخفة ووضعت الملف من أمامه، تخبره بصوتٍ بدى مندهشًا أو مصعوقًا:
_ المشروع هيتكلف ٧٨مليون دولار!!!!
صدمة قولها جعلته يرفع عينيه عن الاوراق ويتطلع لها ببسمة ساخرة:
_ طيب وفيها أيه؟
ابتلعت ريقها بارتباكٍ:
_ هو إنت مسمعتش المبلغ كويس ولا أيه؟
أزاح نظارة النظر عنه وقال ببسمة مشاكسة:
_ قوليلى يا فاطمة أنتي تعرفي إني ليا شركاء معايا في المعمار والشركات؟
هزت كتفيها بحيرةٍ، فقال موضحًا:
_ أنا مش لوحدي.. فريدة هانم شريك ب١٠في المية وشمس ب١٠ ومايا ب١٠في المية وعلي جوزك ب٢٠في المية وإنتِ كمان شريكة ب١٠في المية اتنقالك الأسهم بمجرد ما بقيتي واحدة من عيلة الغرباوي.
وتابع بعنجهية مصطنعة:
_ انا ليا الحصة الاكبر ٤٠ في المية لأني انا اللي بدير وبكبر رأس المال عشان كده تلاقيني مغرور حبتين.
رددت بتلعثمٍ وضيق:
_ أنا مش عايزة حاجة!!
آآ..
قاطعها بحزمٍ:
_ مش بمزاجك يا فاطمة دي كانت وصية بابا اللي يرحمه لزوجاتنا.. هو فرض وشيء مقدس بالنسبة لعيلتنا، فريدة هانم لما اتجوزت من بابا اتنقلها الأسهم بشكل تلقائي.. زي ما تقولي ده نظام عيلتنا.
وتابع وهو يقدم لها الملف:
_ المهم انا هعمل شيك بالمبلغ ولما يوصل نبدأ على طول بإذن الله..
هزت رأسها بصدمة تخيلها أن أحدًا سيحمل مبلغًا كهذا، فتابع بعدما تذكر شيئًا هامًا قد يفيد أخيه بعلاج فاطمة:
_ بقولك أيه يا فاطمة أنا بكره عندي عشاء عمل مع شركة ستون، هنروح أنا وجمال وهيكون في كذه حد من السكرتاريه.. أيه رأيك تيجي معايا؟
صمتت قليلًا تفكر، ثم قالت على استحياءٍ:
_ طيب ممكن أسأل علي وأرد عليك بليل لما نرجع البيت؟
ابتسم باحترامٍ وقال:
_ طبعًا.. طبعًا تقدري ونص كمان.
ضحكت على طريقته بالحديث واستأذنت بالانصراف فعاد هو يتابع عمله بتركيزٍ، إلى أن ولج إليه حسام متجهمًا يخبره بخوفٍ:
_ مستر عُمران.
زفر بمللٍ والتف بمقعده المتحرك:
_ يا نعمين يا حسام!
لخص بالقنبلة اللي ناوي ترميها في وش أمي!
أتاته القنبلة من خلفه تندفع تجاه المقعد المقابل له، يردد ببرودٍ يشبهه:
_ ازيك يابن فريدة؟
أنصت لباب المعتقل يُفتتح من جديدٍ، ونفس الفلاش يضاء عليه، وكأنه يؤكد لها بعودة بصيص الأمل إليه رغمًا عنه، فتفرس بملامح من يقف أمامه وقال باستغرابٍ:
_ رجعت تاني ليه يا باشا؟
انحنى آدهم إليه وقال بصوته الرخيم:
_ يونس إسمعني كويس.. إنت خلاص براءة ولو عايز تخرج معايا حالًا هخرجك بس ده أنا مش عايزه.
رمش باهدابه عدة مرات وردد بعدم تصديق:
_ أخرج منين!
يا باشا حاول تستوعب إن خروجي من هنا هيكون على القبر... صدقني مستحيل يسبني أخرج.
أمسك بيده وجذبه لينهض قبالته يصيح به بصوتٍ قوي:
_ يونـس فووق ومتفقدش إيمانك بربنا عز وجل... أنا هنا قدامك بقولك هخرجك وهأخد حقك ده وعدي ليك ووعد "عمر الرشيدي" دين في رقبته ليوم الدين.. أنت متعرفش أنا مين ولا أقدر اعمل أيه!
وتابع والاخير يتطلع له بأعين دامعة لا تصدق سماع ما يقول:
_ أنا مش ظابط عادي يا يونس... بقولك أنا واللي ورايا قدرنا في ٢٤ساعه نثبت برائتك وخلاص مبقاش في شيء يدينك بس خروجك من هنا مش ده هدفي ولا اللي أنا عايزه..
_ أنا مش فاهم حاجة يا باشا؟
اوضح له ببسمةٍ ماكرة لا تليق الا بضابط تربى وترعرع على يد الجوكر المزعوم:
_ يوم واحد يا يونس!!
يوم واحد هتستحمل فيه الألم وبعده تخرج وإنت محقق انتقامك..
وصاح بصوتٍ كان كالسوط لذلك الهزيل:
_ قوللي عايز تخرج من هنا مزلول وعايش في عناء نفسي لحد مماتك ولا عايز تنتقم وتشوف حقك بيرجعلك؟
انهمرت دمعة حملت معاني القهر من حدقتيه فصاح بصوتٍ مكلوم:
_ هنتقم منه ازاي يا باشا ده رتبة كبيرة وأنا آآ..
قاطعه بعنف:
_ عايز تنتقم ولا تخرج حالًا معايا؟
أخفض عينيه أرضًا ورفعها لذلك الملاك الذي هبط يحل عنه عقدته التي نغزته وجردته من كرامته وكبريائه ورجولته وردد باصرار:
_ عايز حقي يا باشا!
ابتسم له آدهم وتابع بصوتٍ جهوري مخيف بخطته للقضاء على ذلك اللعين:
_ يبقى تفوق وتسمعني كويس في اللي هقوله!
جلست بحزنٍ وضيق يتمرد على وجهها الأبيض، تمر بها الساعات ولم تيأس من انتظاره، تجوب الشرفة كل ساعة تقريبًا على أمل قدومه، عينيها متعلقة على باب الشقة بلهفة وحزن.
لأول مرة تشعر بأنه يعني لها كثيرًا، اعترفت "آديرا" لذاتها بأن ما بداخلها لآيوب ليس مجرد شعورًا بريء، هي بالتأكيد تحبه!
انفرجت ملامحها فور أن استمعت لصوت طرقات باب المنزل، ركضت بسرعةٍ هائلة تفتح الباب وهي تهتف بسعادةٍ:
_ آيـوب!
تلاشت ابتسامتها حينما وجدت إيثان أمامها، منحها ابتسامة صغيرة وقال:
_ آيوب ذهب مع أبيه للمسجد وطلب مني أن أصل لكِ هذا الطعام وأن أخبركِ بأنه لن يستطيع القدوم اليوم لإن عائلته قد أتت للترحاب به.. ربما بالغد يستطيع الحضور.
غلبها الحزن فالتقطت منه الأكياس وقالت بصوتٍ محتقن بالدموع:
_ أخبره فقط أن لا ينساني هنا.
انتقل لإيثان حبها الكبير لآيوب فارتبك للغاية لشعوره بقدوم كارثة ستحل على ابن الشيخ مهران الذي عشقته فتاة أجنبية غير محتشمة، ولكنه برع في تزيف بسمة وقال:
_ حسنًا سأخبره..
ورحل من أمامه، فحملت الاغراض ووضعتها على الأريكة ثم ولجت لغرفتها ترتمي على الفراش وتردد بخفوت:
_ لا أريد شيئًا الا رؤيتك آيوب!
ما حاجتي لتناول الطعام وإنت لست جواري تشاركني به!!!!
وضعت الحساء على النار ووقفت تتابعه، حتى تسلل لها صوت زوجها الغاضب الذي يصيح بعنفٍ:
_ إنتي يا **** فين المرهم اللي كنت جايبه الاسبوع اللي فات، هو إنتي وابنك القرد ده مبتسبوش حاجة في حالها أبدًا.
أغلقت "خديجة" النيران وهرعت إليه تشير له:
_ ثواني وهجبهولك.
صفق باب الخزانة بغضبٍ، فاهتزت بقوةٍ جعلت جزءًا من ملابسها يسقط أرضًا أسفل قدميه، فالتقطت عينيها شريط الدواء الملقي باهمالٍ.
سقط قلب خديجة وجحظت عينيها حينما انحنى يلتقط الدواء ويقربها منه، ومن ثم اقترب منها بأعينٍ حمراء كلهيب الجمرات يتساءل بهدوء قاتل:
_ ده أيـه؟
تعلم بأنه يعرف كنايته لإنه يلجئ له كثيرًا ليخفي أمر تعاطيه للسموم والمخدرات التي يرتشفها فيلجئ لحبوب منع الحمل ليخفي عن دمائه تعاطيها أثناء أداء عمله الحكومي.
تراجعت خديجة للخلف وهي تشير له ببكاءٍ وخوفًا قاتلًا:
_ آآ... أنا.. آآ..
هوى على وجهها بصفعة ابادت الدماء عن شفتيها من قوتها وصرخ بها بسباب بذيء:
_ انتي أيه يا ***** بقى انتي مش عايزة تخلفي مني أنا!!
ده أنا اشتريتك يا رخيصة، سترت عليكي وخدتك على عيبك وكتبت ابن ال*** باسمي عشان ميخدش عار أبوه والناس تعايره بأن ابوه في السجن واخرتها تحرميني من الخلفة طول السنين دي يا فاجرة يا***
وهوى عليها بصفعات متتالية وهو يصرخ بجنون:
_ لسه بتحبيه ومش قادرة تنسيه يا بنت ال*** أقسم بالله لاقتله وأقتلك انتي وابنك.
بكت وصرخت بانهيار:
_ حرام عليك بقى... طلقني وارحمني من اللي أنا فيه.. معتش في شيء تاني هقدر أقدمهولك.. طلقني واتجوز واحده تخلفلك الولد اللي انت بتتمناه لكن أنا بكرههك ومستحيل هقبل أخلف منك ولو حصل هموت نفسي ومش هيهمني حد ولا حتى ابني اللي بتهددني بموته ليل نهار.
وبصرخٍ يفوق الاخر قالت:
_ سمعت أنا بكررررهك وبقرف من نفسي بسببك!
جن جنونه فسحب حزامه وهوى عليها بضربات قاتلة جعلتها تتمايل أرضًا فاقدة للوعي، فركلها بقوة وهو يصرخ:
_ والله لأوريكِ يا زبااااالة.. وهتشوفي.
غادر من امامها وتركها تغوص بدمائها، فشعرت بلمسات يد تحمل المياه لوجهها، فتحت خديجة عينيها المتعبة ببطءٍ فوجدت ابنها يحاول افاقتها وهو يبكي بخوفٍ.
استقامت بجلستها وضمته إليه مرددة بهمس:
_ يا رب ارحمني يا رب... يا رب إحفظه ورجعهولي هو أملي الوحيد يا رب... هو اللي هيخلصني من عذابي... يا رب لو كان ميت فأقبض روحي واجمعني بيه ولو لمرة واحدة!
ونهضت تتكئ على الحائط بصعوبة، ثم جمعت جزء من ملابسها هي وابنها، وارتدت اسدالها وخرجت به من المنزل، تتحامل على نفسها بصعوبة، فسألها الصغير ببكاءٍ:
_ هنروح فين يا ماما؟
انهمرت دموعها تأثرًا،توفت والدتها ولم يعد لديها أحدٌ سوى الله، مشت جواره وهي تجيبه بانهيار:
_ مش عارفة!
وجدت قدميها تتبع طريق منزله، هو الوحيد الذي لم يرد بابه بوجه أحدٌ، طرقت خديجة باب منزل الشيخ "مهران"، وما أن انفتح الباب حتى استسلمت لغشاوتها وسقطت فاقدة للوعي، ليهدر بها من يقف أمامها بدهشة:
_ خديجة!
انحنى آيوب تجاهها بصدمة من رؤية وجهها الملطخ بالدماء، خرجت لمرتها الاولى دون نقابها على عجالة للنجاة بحياتها وحياة الصغير، وها هي تستسلم لغيمتها السوداء وقهرها الملازم لها بعد ان تفرقت عن محبوب طفولتها وأمانها الوحيد... يونس!
رواية صرخات انثى الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم ايه محمد رفعت
صعق من الحالة المذرية التي أصبحت عليها، وجهها مكدوم بقوةٍ وكأن زوجها كان بعركةٍ ذكورية مع رجلٍ يجابهه بنفس قوته الرجولية، إن كان البادي من وجهها أمامه هكذا ماذا عن جسدها؟!
منحها نظرة ساخطة وهي تحاول الاعتدال بين ذراعي والدته التي تحاول أن تساندها لغرفة آيوب فنطق ساخرًا:
_بقى ده الراجل اللي اختارتيه وفضلتيه على أخويا!!
رفعت خديجة عينيها الباكية إليه، ورددت بألمٍ نساء كبت داخل أعتى قلوبهن ليتمسد بقلبها هي:
_ظلمت يونس لما حطيته في مقارنة مع أشباه الرجال يا آيوب!!
جحظت عينيه صدمة من جملتها التي شملت معنى مبطن جعله مرتعب حول شكوكه فيما يتعلق بها، تراجع للخلف وهو يتمنى أن لا يكون المفهوم الذي تسلل إليه صحيحًا، فاستدعى صوته الهادر يسألها:
_تقصدي أيه؟!!!
صرخت به رقية بانفعال:
_إنت لسه هتتكلم.. اجري هات الدكتور بسرعة مش شايف حالة البنت!
مالت خديجة على يد رقية ورددت بصوتٍ هامس وهي تشير على ابنها الذي يقف جوار باب المنزل ببكاءٍ:
_ابني يا حاجة رقية... ابني أمانة في رقبتك إنتِ والشيخ مهران.
ومالت على ذراعيها فصرخت رقية بفزعٍ بآيوب:
_هات الدكتور بسرعه يا آيـــــــــوب.
***
امتعضت ملامحه رويدًا رويدًا وهو يتأمل من يجلس قبالته ببرودٍ يستفز كل خلية داخله، ألقى عُمران قلمه الأنيق على سطح المكتب باهمالٍ متسائلًا ببرودٍ يحاول التمسك به:
_خير يا نعمان باشا.. أيه اللي حدفك علينا؟
ولا رجلك خدت على المطرح!
رفع قدمه فوق الأخرى بتعالٍ وأشعل غليونه الثمين يسحب أنفاسه ويطلقها بوجه ذلك المحتقن ويجيبه:
_دي مقابلة تقابل بيها خالك!
صحيح ما إنت ابن فريدة أكيد مفتقد لتربية راجل يعلمك إزاي تحترم الأكبر منك.
احتجز وحشه الوقح داخله، فقد سئم أن يكون سليط اللسان وبعدها يتمزق ندمًا وعتابًا لما باح به، فقال بهدوءٍ وأسنانه تعتصر شفتيه:
_معلش بقى ما أنا زي ما إنت عارف يتيم الأب.
وبألمٍ احتشد بنبرته الثابتة قال:
_مكسبتش فيا ثواب وربتني إنت ليه يا خال؟
تلاشت ابتسامته المنتصرة ليحتضر شبحه الغاضب، فتغاضى عن سخريته وقال:
_أنا جيتلك بنفسي عشان أبلغك إني هكون معاك في مشروع المول التجاري اللي إنت داخله.. أصلي ميخلصنيش إسمك يتهز لما يتعرف إنك داخل مع اللي إسمه جمال ده!
وتابع بعنجهيةٍ:
_الولد ده شكله غبي ومبيفهمش أنا سبق وحذرته وقولتلك ينسحب لكنه مُصر يكمل...تمسكه بالمشروع خلاني أصدق احساسي إنه مستغبيك ولفف عليك عشان مصلحته وإنت زي الأهبل سايبله اللجام وهو ساحبك بشطارة.
احتدت رماديته بغضبٍ قاتل، فضم شفتيه معًا يكبت لفظه النابي الذي كاد بالتحرر من عرين سبابه، فتحلى بجموده وقال مستنكرًا:
_هو بردو اللي مصاحبني مصلحة!
أخفض ساقيه وصاح بعصبيةٍ:
_قصدك أيه يابن فريدة؟
بقى دي أخرتها بدل ما تشكرني إني خايف عليك وجريت جري أحذرك منه!!
لم يهتز به شعرة لعصبية الاخير وأجابه بنفس هدوئه:
_أنا ممنون جدًا لنصيحتك الغالية دي وعشان أنا أهبل وبريالة هسلمه أغلب المشاريع اللي أنا داخلها.
وبخبثٍ محترف قال:
_مهو مينفعش واحد عبيط يمسك مشاريع بالضخامة والأهمية دي لوحده لازم حد ذكي وملوع يسانده.
أصابه بسهامٍ واحدًا تلو الأخر، لدرجة جعلته يشعر وكأنه سيشتعل من فرط النيران، فصرخ بعصبية محتقنة:
_طب إسمع بقى يابن فريدة.. أنا عملت بأصلي وجتلك أطلب منك ندخل شركة في المشروع والظاهر إني كنت غلطان لما فكرت أجيلك بالادب والاخلاق فاستحمل بقى الاسلوب الرخيص اللي هلعب بيه معاك.. أوعدك أن في ظرف أسبوع المشروع ده هيكون تابع لشركاتي.
اتشح ببسمةٍ ثابتة أربكت من أمامه، وقال بثقةٍ ورزانة:
_عيب يا نعمان تهددني في مكتبي.. ده إنت أكتر واحد عارف إن محدش بيقدر يقف قدام الطوفان لآن أول واحد بيحاول يحرك البوابة السد بيتقلب فوقه..
ونهض عن مقعده المحتفظ بجاكيت بذلته واتجه جالسًا قبالته على المقعد الذي يفصل بينهما طاولة قصيرة، ثم ردد بنظرات مشتعلة:
_من كام يوم رفضت اتعامل مع العملا اللي سحبوا عروضهم من شركاتك لمجرد انسحابي من إدارة الشركة الأم.. كان ممكن أقبل بالعروض دي وأنا متأكد إنك بعدها كان هيتخرب بيتك بس أنا معملتش كده.. مش عشان القرابة ولا لإني خايف من رد فعلك العبيط زي ما أنت متخيل!
رمش نعمان بتوترٍ وخاصة حينما استطرد بصوتٍ قوي، واثق، ويده تشير على مقعد مكتبه المهيب:
_عشان أنا لما بقعد على الكرسي ده بتنافس بنزاهة وشرف... وموصلتش لكرسي مجلس الادارة من فراغ يا نعمان... أنا كنت في أولى جامعة وبنزل مع العمال أنفذ المشاريع بنفسي، أنا متقن أوي لحركاتك وبقولك لو هنقضيها تهديدات يبقى متزعلش من رد الفعل.
نهض عن المقعد يغلق زر جاكيته البني على بطنه السمين، وهدر بانفعالٍ:
_كده.. ماشي يا عُمران والله العظيم لاندمك على وقاحتك وغرورك ده.
وتابع بنبرةٍ زلزلت الأخير وحشدت جنونه:
_صحيح مايا حامل!
مبروك عليك بس خليك حذر آآ...
_نعمــــــــــــــــــان!!!
ابتلع باقي جملته حينما واجه زئير أسدًا مخيفًا مازال يلتف حول ساقه أغلال تمنعه من إلتهام لحمه حيًا:
_أقسملك بالله يوم ما تفكر تلمح مراتي بطرف عينك بس أو أي مخلوق من عيلتي همد صوابعي في عينك أصفيها..
وألقى المقعد من أمامه بجنون يراه لأول مرة لدرجة جعلته يتراجع للخلف بخوفٍ:
_إنت أيــــــه يا أخي شيطان!!
ليه مصمم تخرج أسوء ما فيا!!
يلعن أبو الفلوس والثروة والمنصب اللي تخليك و**** بالشكل ده!!
فور سماع فاطمة لصوت صراخ عُمران هرعت لباب المكتب الفاصل بينهما، فوجدته يقف قبالة خاله يحاول تنظيم أنفاسه المسموعة بأنحاء المكتب، يحاول التشبث بجموده ولو للحظات يخرج بها ما كبت داخله، فقال بصوتٍ مرتعش رغم صلابته:
_إنت ينقصك أيه عن أحمد الغرباوي؟
هو عمي وإنت خالي، يعني المفروض إنت اللي تكون قريب لينا عنه.
وأشار لرأسه بألمٍ:
_العقل بيقول إن اللي يطمع فينا هو عمي.. لإن الثروة دي اغلبها راجع لأخوه وبالرغم من كده عمره ما طمع ولا حقد علينا... دايمًا كان جنبنا.
وتابع وقد لمعت دمعة خائنة بمُقلتيه:
_صحيح أنا تعبت كتير لحد ما كبرت اسمي رغم آني متعداش ال٢٥ سنة بس اللي آنت متعرفوش إن اللي ساعدني وأخدني لاول الطريق كان عمي، كان بيساعدني بدون ما أعرف، أنا لسه بس من كام شهر عارف الحقيقة... اكتشفت إن هو اللي كان بيرشح اسم شركتي وبيدعمني بدون ما أعرف، هو شد ايدي لاول الطريق وإنت عايز تقضي عليا وواقف بتهددني بمراتي اللي هي بنت أختك يعني لحمك ودمك.. وبتهددني بردو بابني اللي المفروض يكون في مقام حفيدك!!!!!
تحجر حلقه بمرارةٍ وخاصة حينما استطرد عُمران بوجعٍ:
_طول عمري بستغرب ليه بتكرهنا أوي كده، مسبتش حاجة الا وفكرت فيها!
أنا زمان وأنا طفل كنت بفرح أوي اول ما بلاقيك داخل وبتحضنا حتى وأنا واثق إني أول ما هبص ورايا هشوف فريدة هانم.. وعارف إنك بتأخد اللقطة قدامها عشان تبينلها انك حنين على اليتامى والجدير إنها تسلمك ادارة شركات "سالم الغرباوي"
، وبالرغم من إنها منخدعتش وراك الا أنك مستسلمتش ولسه بتحارب لحد اللحظة دي.
وتنهد بضيقٍ وهو يسأله بسخريةٍ:
_مجاش الأوان إنك تستسلم بقى؟!
وأشار بيده إليه:
_أنا بس عندي عتاب أخير ليك.. إنت كل خلفتك بنات ليه مفكرتش تكسبني لصفك وأكونلك الولد اللي اتحرمت منه؟
رمش بعينيه بصدمة، فتابع عُمران بضحكة صاخبة:
_أووه آسف أنا وقح وتقريبًا أكتر شخص إنت بتكرهه في حياتك طب وعلي يا خالي؟
رفع عينيه إليه فاستكمل عُمران بألمٍ:
_علي راجل ومحترم وطول عمره بيعاملك كويس برغم افعالك ليه محاولتش تكسبه هو لصفك؟
ليه كارهنا أوي كده.
وصرخ به يخرج ما كبت بداخله منذ أن كان طفلٍ لا يتعدى عمره التاسعة:
_قولي أيه اللي يخلي شخص يحقد على طفلين أيتام!!
أيه اللي يخلي شخص يكره أطفال لمجرد إن باباهم سابلهم ورث وثروة كبيرة!
أيه اللي يخليك تكون أعمى عن فريدة هانم اللي كانت بطولها ووراها تلات أولاد.. ليه محاولتش تكون ليها الأمان والسند... ليه محاولتش تخدها في حضنك وتقولها متخافيش عيالك عيالي ومالك مالي...
وابتسم رغم انهمار دمعاته:
_بس إنت معملتش غير بالمقولة الاخيرة المال!!!
بالرغم من إنك بتمتلك ثروة كبيرة إلا إنك أفقر خلق الله.. وفي يوم هتكون ذليل ووقتها مش هتلاقي حد جنبك..
وضم يديه معًا له يخبره برجاء مؤلم:
_من فضلك متحاولش تظهر في حياتي تاني... أرجوك ابعد عننا وعني أنا بالذات عشان أنا مبقدرش أسيطر على لساني ولا أفعالي.. فمش هسكتلك.. بسببك أنا بقيت بكره نفسي في كل مرة بحاول أكون على مستوى وقاحتك!
وأشار لباب مكتبه بعنفٍ:
_اخرج ومتورنيش وشك تاني... وخليك على ثقة إن عُمران الغرباوي مش صيده سهلة عشان تدخل مكتبه وتهدده بأهله.. خاف مني عشان أنا أبشع مخلوق وقت غضبه... خاف وإبعد يا نعمان والا أوعدك هخليك تحصل الأشراف من أجداد عيلة الغرباوي ووقتها مش هترحم عليك ثانية واحدة!!!
غادر من أمامه بخطواتٍ ثقيلة، وكأنه تلاقى لوح خرصاني فوق رأسه، فما أن أغلق الباب من خلفه حتى انحنى عُمران يلقي بذراعيه ما وُضع فوق مكتبه، لا يهمه حاسوبه، هاتفه، لوحات مشروعه، أوراقه الهامة، لقد تخلت عنه ثقته وقيادته، هو بالنهاية شخصًا عاديًا.
جلس باهمالٍ على مقعد مكتبه، يحاول موازنة أنفاسه، بداخله هاجس يحسه على أن يدمره وليريه ماذا سيتمكن من فعله أمام نفوذه؟
وأخرًا يعاتبه بصلة القرابة التي لم يتخذها ذلك الآرعن ضمن حساباته!
التقطت آذن عُمران صوت شهقات خافتة تسرى من نهاية الغرفة، رفع رماديته فتفاجئ بفاطمة تقف على أعتاب باب مكتبها الجانبي، الذعر والقلق يحتلان ملامح وجهها بتمكنٍ.
لعق شفتيه بارتباكٍ من حالتها الغامضة، خشى أن تؤثر فيها حالته الهائجة، صوته الصاخب، دفعه للأغراض، بالنهاية مازالت غير متزنة نفسيًا، تنحنح عُمران وهو ينهض عن مقعده يلملم الاغراض الساقطة بحرجٍ:
_فاطيما.. إنتِ هنا من أمته؟
فجأته حينما اقتربت منه تساعده بحمل الأغراض، وتعيد تنسقيها على مكتبه بهدوءٍ غريب اتبعته حتى بمغادرتها لمكتبه.
ألقى بثقل جسده المسكين على مقعد مكتبه الرئيسي، يضم مقدمة أنفه بعصبيةٍ من ظهوره بتلك الحالة أمامها، لقد وعد أخيه بأن يراعي حالتها النفسية والآن لا يعلم حتى ماذا أصابها؟
فقد غادرت صامتة ولم تنطق بحرف يطمئنه بأنها على ما يرام.
مرر يده على جبينه بتعبٍ، فداعبت أنفه رائحة القهوة التي يحتاج لها وبشدةٍ في ذلك الوقت، أشاح يده ليتفاجئ بفاطمة تضع الكوب أمامه وتجلس على أحد المقعدين المقابلين له.
تناول عُمران الكوب وتناوله جرعة واحدة، وكأنه يرتشف دواء مسكن لوجعه القطعي، وما أن وضع الكوب للطبق حتى ردد ببسمة هادئة:
_شكرًا... كنت محتاجلها اوي القهوة دي في وقتها بالظبط!
واستند بجسده العلوي على المكتب يستحضر كلماته المشتتة:
_فاطيما انا آسف على اللي حصل من شوية آآ..
قاطعته حينما قالت بابتسامةٍ هادئة:
_أنا اللي بعتذرلك على دخولي المفاجئ.. أنا سمعتك بتزعق فجيت عشان أشوفك وبصراحة اتصدمت من اللي سمعته..
وبتوترٍ قالت:
_تسمحلي أقولك حاجة.
اعتدل بجلسته بجدية:
_أكيد يا فاطمة اتكلمي.
سحبت نفسًا طويلًا جعله يشعر بصعوبة ما ستلفظه بالنسبة لها، فقالت وهي تفرك أصابعها بطريقةٍ لفتت نظره:
_لما حصل معايا اللي حصلي ده وقتها كنت مهزومة وحاسة إني شبه الأموات.
انهمرت دمعة ساخنة على وجنتها ترافق قولها:
_حسيت إن مبقاش فارق معايا شيء.. حتى نجاتي من المكان نفسه مكنش فارق معايا.. بس أكتر شيء علم معايا بطلوعي من المكان ده كانت حاجة واحدة.
بحذرٍ تساءل رغم عدم رغبته بفتح حديثًا قد يتعبها:
_حاجة أيه؟
رفعت عينيها إليه تخبره بصوتٍ مهزوم:
_الغُلب والاستسلام... كنت مغلوبة على أمري ومستسلمة تمامًا إني هخرج من المكان ده لدرجة إني حسيتهم كائنات مخيفة صعب حد يقدر يتغلب عليهم، مبقتش أفكر ولا أتأمل في حد لإن أكتر إنسان كنت متأملة فيه بسببي أتأذى وإتحمل اللي أسوء من الموت علشاني..كل ده ضعفني وخلاني أثق إن مفيش حد يقدر يهزمهم لحد ما إتبددت الفكرة دي كليًا لما شوفت بعيوني ناس أقوى منهم بيقضوا عليهم بمنتهى السهولة، وكانوا بيقعوا واحد ورا التاني قدام رجالة ظابط من المخابرات إسمه رحيم زيدان..
وتنهدت وهي تستكمل:
_ساعتها استوقفني خلاصة لحياتنا...خوفي الكبير منهم خلاني أشوفهم شياطين صعب حد يقدر عليهم وببساطة جيه الأقوى منهم وهزموهم بمنتهى السهولة...عشان كده خليك واثق إن مهما كان تجبر وظلم اللي قدامك هيجي اللي هيتجبر ويدوس عليه... ده القانون والعدل اللي أكد عليه ربنا سبحانه وتعالى.
وبثقةٍ قالت:
_أنا واثقة إن هيجي اليوم اللي يجيلك فيه مزلول وهيفتكر كل اللي قاله وعمله.. يمكن يبنلك ندمه ويعتذر ويمكن يكون مغرور بس الأكيد إنه القلم اللي هيفوقه هيفضل فكره طول حياته..
وابتسمت وهي تستطرد:
_عايزة كمان أقولك بطل تقول عن نفسك إنك وحش.. لإن مفيش إنسان سيء هيشوف الوحش اللي جواه... علي زمان قالي الشخص القوي هو اللي ميتهربش من الذكريات المؤلمة اللي جواه وبيحاول يتهرب منها.. الشخص القوي بيواجه نقاط ضعفه بكل قوته.. وانا من وقت ما عرفتك شايفاك واقف صامد ومعترف إنك كنت غلط وشايف الوحش جواك وعندك القوة تواجه اللي أخطئ في حقك وتقوله إنت غلط.. فإنت مش شخص سييء أبدًا.
أسبل بدهشةٍ من سماعها، فاجلي صوته الراحل عن حنجرته وردد بصدمة:
_هو أنا ليه حاسس إن علي أخويا اللي قاعد قدامي!
رددت بعنجهيةٍ ساخرة:
_من عاشر القوم بقى!
تفردت ابتسامته وتحولت لضحكة مسموعه، ونهض يشير لها:
_طب يلا نرجع القصر يا مدام علي الغرباوي!
رفعت ساعة يدها إليها، وبدهشةٍ قالت:
_بس لسه ساعتين على المعاد الرسمي!
ارتدى جاكيته والتقط مفاتيح سيارته قائلًا بمرحٍ:
_أخوكي المدير وجوزك شريك وليكي نسبة محتاجة واسطة أكتر من كده أيه عشان تخلعي بدري!!
هزت رأسها باقتناعٍ وعادت إليه بحقيبتها، فهبطوا الدرج واتجه لسيارته، وكعادته فتح لها الباب الخلفي فاستقرب به وهي تشكره بامتنانٍ.
زوجها... أحمد... عُمران.. رجال المنزل بأكملهم يحترمون ظرفها الخاص، فلم يضايقها أحدًا منهما يومًا وهو ما ساعد علي كطبيبٍ بإعادة جزء من ثقتها.. الأحترام والتفهم من رجال عائلته والحب والاحتواء من زوجة أخيه وشقيقته ووالدته.
***
استجابت للطبيب الذي يجاهد لاستعادتها الوعي، تشعر بألم بذراعها فتفحصته فوجدت الآبر الطبية ينغرس به، ويدها الأخرى يتشبث بها صغيرها ودموعه تهبط دون أي صوتًا وكأنه اعتاد احتباس بكائه.
استمعت للطبيب يخبر الشيخ مهران بضيقٍ بدى لها:
_المفروض متسكتوش على اللي حصلها ده يا عم الشيخ مهران.. لازم تقدموا بلاغ فيه دي مش أول مرة أجي وأعالجها... لو ناويين تعملولها أنا هظبطلكم التقرير ومن دلوقتي.
أخفض الشيخ عينيه ومال برأسه تجاه فراشها وقال:
_القرار بايدها هي يا دكتور.. أنا مقدرش أغصبها على شيء دي حياتها وهي حرة فيها.
تهاوت دمعاتها العاجزة بانهيارٍ، تتذكر الثلاث مرات التي أتت بهم لمنزل الشيخ مهران حينما اشتدت بها الآلآم وفاقت حد تحملها فأتى نفس الطبيب يعالجها، واستغرقت بمرتها الأولى قبالة الشهر لا تفارق الفراش ومرتها الثانية استغرقت خمسون يومًا، واليوم لا تعلم بعدما انكسر أضلاعها كم ستستغرق تلك المرة!
كان آيوب يقف أمام باب الغرفة يستمع بدهشة للطبيب، بينما خديجة مازالت شاردة بابنها، لقد نطقها صريحة بأنه سيقتل صغيرها، ابنها الذي ضحت بنفسها لأجل حمايته فإن كانت عودتها إليه ستشكل خطرًا عليه فما سيرغمها على العودة للجحيم.
خرجت من صمتها هادرة بقوة تعجب بها الجميع:
_جهز التقارير يا دكتور... هنقدم البلاغ والمرادي مش هتنازل عن حقي أبدًا!
دعمها الطبيب لشفقته الشديدة عليها:
_ده الصح يا بنتي.. ده بني آدم همجي مكانه في السجون.
وإتجه ليغادر مرددًا:
_أستأذن انا يا شيخ مهران.
أشار له الشيخ واتبعه للخارج، فحدج ابنه بنظرة مندهشة من تسمره محله تاركًا والده يصطحب الطبيب للأسفل دون أن يطالبه بالبقاء والهبوط برفقة الطبيب هو، كان أمره غامضًا للشيخ مهران ولكنه تخلف عنه واتبع الطبيب للاسفل ليقصد احدى الصيداليات لاحضار الدواء.
استغل آيوب مغادرة أبيه ونادى والدته يخبرها بحدة:
_ادخلي يا حاجة قوليلها تلبس النقاب عشان عايز أتكلم معاها كلمتين.
جففت يدها بالمنشفة وقالت بحزنٍ:
_مالك بيها يا آيوب سبها في حالها يا ابني... بكفايا اللي جوزها عامله فيها.
شدد بحزمٍ تعهده رقية لاول مرة:
_ماما من فضلك ادخلي نبهيها إني داخل والا مش هتبع الاصول وهدخلها حالًا.
هزت رأسها باستسلامٍ وولجت تخبرها، ثم خرجت تخبره:
_قولتلها.. بس بالله عليك يا آيوب ما تزعلها البت غلبانه ومش حمل أي وجع.. أنا هروح اكمل طبيخ وانت مطولش جوه عشان ميصحش.. مش عايزين مشاكل مع أبوك.
اكتفى بتحريك رأسه لها، وطرق باب الغرفة فما أن استمع لآذنها حتى ولج قاصدًا فتح الباب على مصراعيه وإلتقط مقعد ووقربه من باب الغرفة ليكون هناك مسافة كبيرة بينهما.
طالعته خديجة من خلف نقابها، تنتظر ما سيقول بفضولٍ، انزاحت نظرات آيوب عن الأرض وتعلقت بالصغير، تجعد جبينه بشكلٍ ملحوظ وهو يدرس تفاصيل ملامحه بشكلٍ جعلها تضمه لصدره بخوفٍ، فابتسم ساخرًا وقد تأكدت شكوكه:
_شكله اوي على فكرة.
برقت بعينيها صدمة، ومع ذلك حافظت على ثبات نبرتها:
_شكل مين؟
أخفض وجهه للاسفل، ويديه تفركان بعضهما بقوةٍ، وردد بصوتٍ جهوري مخيف:
_يا رب الشكوك اللي في دماغي متكنش صح.. لآنها لو صح وخرج يونس من السجن هيقتلك؟
وبشكلٍ صريح صاح:
_ابن مين الولد ده يا خديجـه؟
انهمرت دموعها تباعًا وصوت بكائها جعل مُقلتيه تتسع بجنونٍ، فنهض عن مقعده يصيح بعصبية:
_انتِ أيه يا شيخة!!
معندكيش قلب!!
اتخليتي عن الانسان الوحيد اللي حبك وقدملك كل شيء بدون مقابل... صدقتي عنه اللي اتقال وبعدتي عنه لمجرد انه اتحبس وانتي متأكدة إنه اتحبس ظلم.. طعنتيه في نص قلبه وجاية دلوقتي بتكملي عليه!!!
وتابع بغضب كالجحيم قتل داخله طيبته وقلبه الناصع:
_بأي حق تنسبي ابنه لراجل غيره؟!!!
بأي حق!!!!!
_الولد مكتوب بإسمه يا آيوب وأنا معايا شهادة الميلاد الأصلية يا ابني!
قالها الشيخ مهران المستند على باب الغرفة بعكازه، وبين يده يحمل حقيبة الأدوية، خطى لداخل الغرفة يضعه على الكومود البني واستقام قبالة ابنه المصدوم يخبره بقلة حيلة:
_اسمع يا ابني كلنا.. خديجة دفعت التمن وأغلى من اللي دفعه يونس.. الفرق بينهم إن ابني راجل وقادر يتحمل اللي بيجراله ده لو كان عايش واللي قدامك دي ست عاجزة تدافع عن نفسها... بلاش تيجي عليها يا آيوب كفايا اللي شافته واللي شايفاه يا ابني.
ازدادت صدماته بشكلٍ جعل وقفته مهزوزة، فوزع نظراته بينهما وهي يحاول ايجاد سؤاله المناسب:
_آآ... إنت بتقول أيه يا بابا؟
بثباتٍ وعمق قال:
_الحقيقة يا ابني اللي عرفتها بعد طلاق خديجة من أخوك، معتز خطف خديجة وطلع بيها عند دكتور شمال كان هيسقطها وهددها إنها لو متابعتش اجراءات الخلع هتخسر اللي في بطنها، حاولت تهرب أكتر من مرة ومعرفتش وبالنهاية استسلمت وقررت تحافظ على اللي في بطنها، ولما كسبت القضية نفذت اللي طلبه منها وقالت للكل إنها متقدرش ترتبط بواحد رد سجون، وطبعًت كانت صدمة ليا ولينا كلنا.
وتابع وهو يجلس على المقعد بتعبٍ:
_طلعتلها الشقة فوق ملقتهاش، اختفت وأمها نفسها مكنتش تعرف ليها طريق لحد ما في يوم جالي اتصال من ممرضة طلبتني أروح المستشفى لإن في حالة بتولد وعايزة تشوفني، روحت واتصدمت لما لقيتها خديجة، حكتلي على كل حاجة وأنا عاجز ومش عارف اساعدها ازاي... قالتلي انه هيتجوزها بمجرد ما تولد وهيسجل الولد باسمه وهي رافضة تسجله غير باسم يونس عشان كده ساعدتها وخدعناه بشهادة مزورة لكن الاصلية معايا انا... فارس ابن يونس يا آيوب.
واستدار الشيخ يقابلها بنظرة أبوية دافئة:
_ولو على اخلاصها ليونس فالاجابة باينة قدام عنيك.
استطاع أخيرًا الخروج عن صمته كاسرًا حواجز صدماته المتتالية، فلعق شفتيه الجافة واجلى صوته:
_وهي ليه تضحي من الأساس، وحضرتك ليه سكت كل الفترة دي!!
سايب ابننا للحقير ده يربيه ليه مش هنقدر نأكله!!
أجابته خديجة تلك المرة:
_لا يا آيوب أنا كنت بحمي ابني منه ومن تهديداته، لو عرف بإن فارس اتسجل باسم يونس وإن الشيخ مهران يعرف الحكاية هيأذي ابني.
صرخ بانفعال جعل بشرته تحتقن بحمرةٍ مخيفة:
_ليه مفيش رجالة تقفله!!
واستدار لابيه يعاتبه بعصبية:
_ليه معرفتنيش كل ده؟
ليه سكت وقبلت إن الكلب ده يدوس علينا بجزمته!!
استقام بوقفته يطرق عصاه بغضب:
_لاني معنديش استعداد اخسر ابني التاني!
يا ابني احنا مهمناش تهديداته ولا كان في دماغنا وبالنهاية عمل أيه؟
ضيع يونس ولحد اللحظة دي مش عارفين هو عايش ولا ميت!
خرت قواه وتساقطت دموعه رغمًا عنه وهو يكمل:
_أنا اللي قدرت أعمله إني وقفت الخطيئة اللي كان هيعملها وسجلت الولد بإسم يونس، كنت هواجهه ومش فارق معايا يقتلني ولا يحبسني زي ما حبس ابني الكبير بس خوفي كله كان عليك وعلى حفيدي..يا ابني الشر لما بيجري في عروق البني آدم بيخليه أعمى، لا أنا ولا انت نقدر نوقفه عن شره، ربنا موجود وقادر يخلصنا منه.
لم يتقبل آيوب سماع ما قال، فصرخ بنفس نبرته المحتدة:
_أبقى لبسني طرحة وقعدني جنبك عشان تبطل تخاف عليا يا شيخ مهران!
واستطرد بوعيدٍ مخيف:
_أقسم بالله العلي العظيم لأوريه يعني أيه يتشطر على واحدة ست، هاخد حق ابن عمي وهكسره وفي الحارة وقدام الكل!
أسرع للخروج فتمسك ابيه بيده وهو يتوسل إليه بخوفٍ:
_عشان خاطري بلاش يا آيوب.. انا وأمك مبقاش لينا غيرك.. مش كفايا إنه أخد عين من عيوني عايزه ياخد اللي متبقالي!
قالها وانهمرت دمعاته على خديه فتمزق قلب آيوب، ضمه إليه وهو يحاول تهدئة ذاته أولًا فبداخله يستشيط غضبًا.
هدأت نيرانه تدريجيًا وهو يلمح الصغير الذي غفى على الوسادة جوار خديجة المرهقة.
ترك ابيه واتجه للفراش يحمل الصغير بين يديه ويضمه لصدره بقوةٍ، يطبع قبلات متفرقة على وجهه بعينيه الغائرة بالدموع.
قلبه يخفق بقوة ويعلمه بأنه بالفعل يحمل قطعة من أخيه، ملامحه تشربت من يونس وارتوت من صفائه.
تابعته خديجة ودموعها لا تتوقف على خدها، أعاده للفراش وطرح من فوقه الغطاء ثم أخفض رأسه للأرض ووجه حديثًا صارمًا لها:
_من النهاردة إنتي وفارس مسؤولين مني أنا.. بكره الصبح هأخدك لمحامي زميل ليا هنرفع القضية.
وبعينٍ تفيض بالانتقام:
_هيعيد الزمن نفسه والمرادي هو اللي هيتخلع.
اتسعت ابتسامة خديجة ورددت بصعوبة بالحديث:
_هفضل عمري كله مديونة ليك لو خلصتني منه يا آيوب..
هز رأسه بوعد قاطع لها، ثم رفع عينيه لوالده يخبره بايجازٍ:
_أنا هأخد مفاتيح شقة يونس وهقعد فيها عشان خديجة تاخد راحتها.
ربت على كتفه بحنان:
_ماشي يا حبيبي.
تركهما وغادر للأعلى بوجعٍ يختزل روحه، ولكنه سيتجه بطريقٍ مضمونًا للانتقام لا ينكس وعده لأبيه.
***
توقفت سيارة الأجرة أمام القصر، فهبطت زينب على استحياءٍ، واتبعها سيف الذي منحها ابتسامة هادئة:
_حمدلله على السلامة.
اكتفت بهزة رأسها، وضع يده بجيب سرواله بيأسٍ، وتنهد وهو يخبرها:
_بقالي ساعتين بحاول أقنعك إني بحبك وجاهز أكون معاكي لأخر الطريق وبردو لسه ساكتة... وبعدين يا زينب أخرة عنادك ده أيه؟
كادت بالحديث فأوقفها قائلًا:
_زينب أنا مقيد مش عارف أقربلك ولا أتكلم معاكِ بشكل اوضح... علاقتنا مينفعش تكون معلقة بالشكل ده.. انا وأنا بستأذن من دكتور علي كنت محروج ومش عارف أقوله أيه؟
وسبب قبوله إنه بيدينا الفرصة اللي بياخدها أي عريس بيقعد مع عروسته قبل قراية الفاتحه بعد كده مش هقدر... إنتي مصممة ليه تصعبيها عليا.
أحنت رأسها أرضًا تخفي دموعها، فلم ييأس وتابع بحديثه عساها تقتنع:
_أنا واثق إن في جواكِ مشاعر ليا.
وابتسم بمكرٍ وعينيه تتعلق على ما يخصه:
_والا مكنتيش احتفظتي بالخاتم بتاعي حولين رقبتك.
أخفت بيدها طوقها سريعًا فاستند على السيارة يتابع بتسلية:
_مفيش داعي أنا لمحته من أول ما شوفتك يا دكتورة.
حاولت الفرار من أمامه فلحقها وهي يهددها بتهورٍ:
_لو موقفتيش مكانك همسك دراعك حالًا ومش هيهمني.
توقفت محلها واستدارت له تزفر بيأسٍ، فغمز بمشاكسة:
_شكلك عايزاني أقلد حركات الأفلام الفاكسانه وماله نعملها حتى وأنا متكسر كده.
وانحنى قبالتها على ركبتيه يردد ببسمة ساحرة:
_دكتورة زينب تقبلي تكوني زوجة لدكتور وسيم، وجذاب، وآنيق، ودمه شربات، وبيحبك جدًا والله، ومبيتمناش غيرك..موافقة أكون في قلبك بدل خاتمي اللي محتفظة بيه ده.
مازالت تحتفظ بصمتها، بالرغم من فرحتها التي تهمس لها بالموافقة، فاتاها قوله المرح:
_زينب ردي بسرعة رجلي مبقتش شايلاني.. راعي أني لسه مش بصحتي.
تخلت عن صمتها أخيرًا قائلة بحزنٍ:
_مش هقبل إني أكون السبب في أذيتك يا سيف أرجوك افهمني.
انتصب بوقفته بوجومٍ تامًا، وبحزمٍ أردف:
_هو إنتي ليه مصرة تكوني جبانه يا زينب... ليه عايزة تثبتيله إن اللي بيعمله بيأثر فيكي وجايب نتيجة.
واستطرد بجمودٍ:
_عمومًا الكلام مبقاش له لزمة.. أنا عملت كل اللي أقدر عليه عشان مخسركيش بس الظاهر إن أنا بس اللي بحاول.
وتركها وإتجه للسيارة التي بانتظاره، فتح بابها وكاد بالولوج ولكنها أسرعت بالحديث:
_هتجيب دكتور يوسف وتيجي تقابل علي أمته؟
استدار لها بابتسامة أربكتها وخاصة حينما قال:
_حالًا لو تحبي.
هزت رأسها نافية:
_لما علي يرجع من السفر تقدر تيجي وتحدد معاد كتب الكتاب.
وهرولت سريعًا للداخل تاركة الابتسامة ترفرف على وجهه العاشق، فصعد للسيارة وسعادة العالم تلتف من حوله.
***
طرق باب غرفتها وهو يناديها، وحينما لم يستمع رد فتح الباب وولج يكرر ندائه بقلق:
_شمـس!!
انزوى حاجبيه بدهشة حينما وجدها تجلس بمنتصف الفراش محاطة بوشاح طويلًا يخفي وجهها وجسدها بأكمله، اتجه آدهم وجلس جوارها، يحمل طرف الوشاح الأسود الشبيه بالملحفة:
_ده أيه يا شمس؟
وتساءل بصدمة مضحكة:
_هو إنتي انتقبتي أمته؟!
سحبت طرف الوشاح من يده وأجابته بارتباكٍ:
_من النهاردة إن شاء الله.
رمش بصدمة مما يستمع إليه، فمسك على شاربه مردفًا باستهزاءٍ ويده تحاول الوصول لطرف الوشاح ليخلصها منه:
_بعيدًا عن إن ده مش النقاب فأنا جوزك يا حبيبتي يعني يحل ليا أشوف وشك!
فشل بالعثور على أوله أو أخره فردد بدهشة:
_أيه ده!!
شمس اطلعي من الخيمة دي حالًا.
قالت وهي تبعد يديه:
_لأ أنا مرتاحة كده.
تطلع لها بشكٍ:
_مرتاحة إزاي... في أيه يا شمس فهميني مالك؟!
هزت رأسها يمينًا ويسارًا وهيئتها كالاشباح:
_أنا كويسة.. اطلع وسبني في خيمتي مرتاحة فيها أنا!!!
زفر بنفاذ صبر، وبهدوء زائف قال:
_أوكي يا روحي زي ما تحبي.. ممكن تقومي بقى تغيري الملحفة دي وتستعدي عشان هخرجك.. أنا بره من الصبح ولسه راجع عايز أعوضك عن اليوم اللي طار ده.
أجابته من أسفل الوشاح:
_خد الأذن الأول وبعدها هخرجلك من الخيمة.
صاح منفعلًا:
_أخد الأذن من مين.. أنا جوزك يا شمس!
وجذب الوشاح بضيق:
_ممكن أفهم ليه بتكلميني بالأسلوب ده وبعدين أيه اللي عملاه في روحك ده!!
وضيق عينيه بتخمينٍ:
_عُمران مش كده!!
هزت رأسها بقوةٍ، وتابعت باصرار:
_عايزني أتكلم معاك إبعتله رسالة، عايزني أخرج من الخيمة تبعتله مزد كول.. عايزني أخرج معاك رن عليه صوت وصورة..
ردد ساخرًا:
_طب ولو عايز أخد حضن أضغط على أنهي زرار!!
قالت بخوفٍ:
_هو سابلي إرسال بالطلب ده..
_اللي هو؟!
_سايبلك رقم الحنوتي تبع عيلتنا هنا!
انطلقت ضحكاته الرجولية الجذابة بعدم تصديق لما يحدث أمامه، فأمرها بصعوبة بالحديث:
_شمس اطلعي أحسنلك بدل ما أحبسك إنتِ وعُمران اللي فارد ريشه ده!
بارتباكٍ قالت:
_مش هينفع صدقني... اتصل بيه ولما يقولي إطلعي هطلع متجبليش الكلام وحياة بابا مصطفى عندك.
توسعت حدقتيه بصدمة، فسحب هاتفه بغيظٍ ومرر زر الاتصال بعمران الذي استقبل مكالمته بفتح فيديو مباشر يجيبه:
_سيادة الرائد اللي نسى أصحابه وباع... عامل أيه يا حبيبي؟
ضيق عينيه بسخرية:
_حبيبك!!
تصدق أنا لو مش ظابط كنت اتخدعت بوشك البريء ده.. حظك بقى!
تساءل ببراءة مصطنعة:
_ليه كده يابو نسب أيه اللي حصل لكل ده؟!
سحب الهاتف من عليه وسلطه على شمس وهو يصرخ بها:
_ممكن تفهمني أيه ده؟!!!
صعق عُمران وتلاشى صوته كفراشة عابرة، فسأله بصدمة:
_ده أيه ده يا آدهم.
رفع حاجبه باستنكارٍ:
_هتهزر!
أتاه صوتًا أخر يعرفه جيدًا:
_ده أنا يا موري!
تلقن مختصر ما يحدث، فصاح بصدمة:
_أيه اللي مهبباه في روحك ده.. أنا قولتلك ربيه مش شيعيه!!!!
اتاهم صوتًا رابعًا يدلف من الغرفة مناديًا:
_عمر... شمس ليه مخرجتش من الآآآآ...
ابتلع مصطفى باقي كلماته وهو يراقب الفراش برعبٍ، فأشار باصبعه لمن يجاوره وردد بتلعثم:
_قولتلك إني بسمع أصوات غريبة من أوضة أمك مصدقتنيش... أديها حضرت وهتطين عيشتي على القديم والجديد.
ونهض عن كرسيه بصعوبة جعلته يسقط أرضًا، ليستكمل طريقه زاحفًا وهو يصرخ دون توقف:
_شبــــــــــح زُبيدة حضر!!!
..... عفريـــــــت!!!!!
رواية صرخات انثى الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم ايه محمد رفعت
مازال يتراجع للخلف بصدمة ورعب جعل آدهم يسرع إليه في محاولةٍ لمساعدته. انحنى إليه يمسك بكفيه، وما أن كاد بمعاونته ليعود لمقعده حتى شُلت أطرافه حينما سمعه يردد بفزعٍ:
_شبح زُبيدة حضر عشان يخلص عليا!
وبجدية تامة قال:
_بتنتقم مني قبل ما أقولك على السر المخفي!
=والله؟
قالها وهو يمنع أي معالم ساخرة أو ضحكة كادت بالانفلات منه لتبرز على ملامحه الجامدة. فأمسك مصطفى كف يده ومازالت عينيه مسلطة على الشبح الجالس باستكانة على الفراش. فابتلع ريقه وهو يصرخ بمراوغةٍ كاذبة:
_متقتلنيش قبل ما أقول للواد على الحقيقة.. آآ.. أفتكريلي أي حاجة يا زُبيدة.. ده آآ أنا كنت بحبك يا زوزو والله الله يرحمك بقى!
اهتز جسد آدهم من فرط كبته للضحك، وخاصة حينما تابع أبيه:
_آآ.. أنا معملتش حاجة نهائي من بعد وفاتك وأنا عايش اعزب محترم في حالي… اسالي إبنك.
ولكز آدهم ببطنه بغيظ:
_اتكلم يالا… قولها آنك بوست رجليا عشان ارتبط وأنا قولتلك اني عايش على ذكراها وحبها وآ..
همس آدهم له باستتكارٍ مضحك:
_أمته ده!! درش إنت بتكدب وإنت بالعمر ده؟
ضربه بكوع ذراعه ببطنه وهو يسبه بغضب:
_انطق وقولها قبل ما تقتل أبوك يا ابن الكلـ**
سقط أرضًا من فرط الضحك وشمس تكاد تموت أسفل الغطاء من فرط حرارة الغرفة. فرددت بصوتٍ محتقن:
_آدهم افتح التكيف هموت!
جذب مصطفى يد آدهم ودفعه قائلًا:
_قوووم بسرعه شغلها التكيف وشوف طلباتها!
وأشار على المقعد الموضوع بمنتصف الغرفة:
_هاتلي بس الكرسي بتاعي ومشيني من هنا… هي بتحبك وعمرها ما تأذيك… لين دماغها وقولها متزعلش مني.
أنجذب آدهم إليه المقعد وعاونه بصعوبة من ضحكه الذي لا يتركه. جلس مصطفى على مقعده وتمسك بيد آدهم يخبره وهو يتأملها بهلعٍ:
_بقولك أيه.. إنت مش كان نفسك إننا نسيب البيت ده لانه كبير علينا ونروح شقة التجمع.. أنا موافق وديني هناك ونسيب البيت لزوزو مينفعش نضايق روحها ده مهما كان في يوم بينا عيش وملح!
انطلقت ضحكات آدهم بقوة. فردد بخبث:
_ميصحش نسيب ماما لوحدها يا درش.
=خلاص يبقى تتعامل معاها إنت وأمشى أنا… أنا عضلة القلب ضعيفة عندي ومش حمل بهدالة يابني.
كبت ضحكاته يجيبه بحزن ماكر:
_ولا ينفع أتخلى عنك ده أنت أبويا يا جدع بتقول أيه بس!
صرخ وهو يتأمل شمس. تس نهضت عن الفراش حينما ألمتها قدميها:
_مش ابنـــــــــــــــي… معرفكش أصلًا… أنا لقيتك قدام باب الجامع … أنا أصلًا مبخلفش يلا!
اهتزت وقفته من نوبة ضحكه فسقط على الفراش يضحك دون توقف، بينما هرب مصطفى بمقعده المتحرك للخارج وهو يصيح بجملة متكررة:
_سامحيني يا زُبيــــــــــدة.. سيبيني أعيش يا زوبــــــــة!
راقبه آدهم وهو يغادر بنظراتٍ مصعوقة. سحبها لتلك التي تصر على ارتداء تلك الملحفة المخيفة، فهتف بنزقٍ ساخرًا:
_خليتي أبويا اتبرى مني!
قالت ومازالت تتشبث بالغطاء الأسود كأنه أخر بصيص لها بالحياة:
_أنا ماليش ذنب هو اللي مصدق يرمي طوبتك!
انتصب بوقفته وعينيه الساحرة تضيق عليها بنظرةٍ محتقنة، فمرر إصابعه يفرك شاربه بغيظٍ، اتبع سياسية مخادعة:
_حالًا ترمي القرف ده وتيجي قدامي… حالًا يا شمس!
ارتعش جسدها من صارمة نبرته، فهرولت تجاه اشارته لتبدو أمامه كالقطة الوضيعة التي تنتظر باقي تعليمات سيدها، فهز رأسه بقلة حيلة:
_وبعدين معاكِ يا شمس.. صبري بدأ ينفذ!
رددت من أسفل الغطاء بتوترٍ:
_والله ما هدفي أضايقك ولا في النية يا كابتن.
_كابتن!
لفظها مذهولًا ومع ذلك قال بضجرٍ:
_طيب وأيه هي أهدافك من المسرحية دي يا شمس هانم؟
أتاه عرضها المضحك يخبره:
_لو صارحتك بجريمتي هتعاقبني ولا هيكون ليا استثناء يا باشا؟
بدأت شكوكه تتراقص أمامه، فلعق شفتيه وتنهد باستعداد لسماع ما ستلقيه عليه:
_جريمة أيه يا مغلباني؟
رددت بخفوتٍ محرج:
_سرقة.
رمش بعدم استيعاب:
_سرقة!
وتابع بصدمةٍ:
_سرقتي مين يا أخرة صبري!
رفعت طرف الملاءة لتخرج ما أخفته، فالتقطته آدهم وتفحصه بين يديه مرددًا بدهشةٍ:
_سلاحي ده؟
هزت رأسها بالملاءة المخيفة تؤكد له، فرفع عينيه لها يسرع بسؤاله المرتبك:
_بيعمل معاكي أيه؟
تحلت بصمتها، فرفع عنها الغطاء بعصبية:
_انطقي يا شمس، سلاحي بيعمل أيه معاكي!
انزاح الغطاء عن رأسها ومع ذلك أحاطته حول جسدها بتوترٍ، فجذب طرفه إليه وأمرها برفقٍ:
_سيبي من ايدك.
هزت رأسها بجنون، وما كاد بسحبه عنها حتى صرخت بوجهه بخزي:
_مينفعش تشوفني بلبسي ده.. من فضلك تطلع لما أكمل لبس!
لطالما كان ضابطًا ماهرًا يجمع أدلته بحرفيةٍ وتمكنًا، وها هو الإن يقف أمامها كالأبله يحاول استيعاب ما تحاول فعله، فاستحضر صوته الهادر يخبرها بحيرةٍ:
_ممكن أفهم أيه اللي بيحصل؟
هزت رأسها بجنون وشرعت بحديثها:
_كنت بأخد شاور والمية انقطعت من حمامي فروحت أوضتك وكملت الشاور بتاعي ولما جيت أخرج لقيتك طالع على السلم، وأنا مكنتش عاملة حسابي إنك راجع دلوقتي وبصراحة خوفت على نفسي منك وخصوصًا لو شوفتني بلبسي ده عشان كده خدت سلاحك معايا احتياطي عشان لو فكرت تخرج عن طوع أدبك واحترامك هريحك بطلقة رحيمة!
اتسعت مُقلتيه بشكلٍ مرعب، فخرج صوته المحتجز يردد ساخرًا:
_طلقة رحيمة!
أكدت له ببلاهةٍ:
_أممم… بالظبط كده!
هز رأسه ويديه تضم منتصف خصره، وفجأة أبعد الغطاء عنها لتظهر أمامه بقميصها الستان الأسود، رفعت شمس ذراعيها تخفي بهما جسدها أمام عينيه وهي تصرخ بانفعالٍ:
_إنت بتعمل أيه؟!!!
حاوط وجهها بذراعيه مبعدًا خصلاتها المبتلة للخلف، وأمرها بغضبٍ يحاول دفنه باسلوبه الرقيق:
_بُصيلي!
استجابت لأمره فتطلعت إليه فوجدت عينيه لا تنجرفان عن خاصتها، وكأنها مازالت تخفي جسدها بالغطاء، فأدمعت بفرحةٍ وتأثرًا، وخاصة حينما مرر إبهامه أسفل شفتيها مرددًا ببحة نبرة رجوليته المميزة:
_شمس أنا عمري ما أذيكِ.. حبيبتي فكري فيها ما أنا كنت أقدر أعمل أي شيء قبل ما يكون بينا أي رابط تفتكري هقلل من نفسي ومنك دلوقتي لما بقيتي مراتي على سنة الله ورسوله؟
تفنن الندم على معالمها، فحركت رأسها بصعوبةٍ لتنفي له، فصمها إليه بحبًا:
_أنا مش عايزك تفكري فيا بالشكل ده تاني.. أنا طماع ومش هكتفي بحبك وقلبك وبس.. عايز الأكتر منهم.
ورفع وجهها بسبابته يستطرد:
_ثقتك يا شمس!
تهربت من عينيه بخجلٍ مفرط وقالت:
_أنا آسفة يا آدهم.
طبع قبلة عميقة على جبينها وضمها إليه:
_متعتذريش يا قلب آدهم… أنا هسيبك تغيري هدومك وهروح أشوف الحاج اللي لو كان فضل هنا كمان عشر دقايق كان قال كل اللي في معدته من غير جهاز كشف الكدب.
ومازحها ليخفف وطأة الأجواء:
_شكلك هتبقي مفيدة جدًا ليا يا مدام عمر الرشيدي!
اتسعت ابتسامتها فضمها إليه مرة أخرى وردد وهو يخطو بخطواته الثقيلة للخارج:
_هستناكي تحت.. متتأخريش يا حبيبتي.
ولج لجناحه الخاص بخطواتٍ متهدجة، حرر جاكيته واتجه سريعًا لفراشه، يعوض شوقه الجارف إليها طوال هذا اليوم الذي لم تكن بصحبته.
مال “عُمران” إليها يربت على خصلاتها المفرودة على الوسادة من خلفها بحنانٍ، متعاهدًا الا يزعج منامتها، فإذ بها تتحرك بنفورٍ تام، وفجأة نهضت تقابله بنظرةٍ عابسة جعلته يتساءل بقلقٍ:
_مالك يا حبيبتي؟
ابتعدت عن يده التي تحاول ملامسة خدها، وكلما دنى إليها متلهفًا لرؤيتها تراجعت حتى نهضت عن الفراش تركض للمرحاض وهو من خلفها.
وجدها تنحني وتفرغ ما بجوفها بتعبٍ شديد، فمال إليها يزيح خصلاتها المنسدلة ويتحكم بجسدها بتمكنٍ، فأردعته مرددة بخفوتٍ:
_إبعد يا عُمران.
علم بأنها تشعر بالحرج لوجوده بموقفٍ هكذا، ولكنه رفض الابتعاد وأصر على مساندتها، يده تزيح رابطة عنقه تحيط بها خصلاتها المتمردة من حولها، يحكمها من حوله كما اعتاد أن يفعل، ويده الاخرى تمسد بحنان على خصرها.
مالت برأسها تستند على كتفه بارهاقٍ تام، وحينما ضمها لصدره أبعدته وعادت تستفرغ ما بجوفها مجددًا، فتحكم بها وهو يردد بخوفٍ:
_حبيب قلبي مالك بس! أطلبلك يوسف؟
هزت رأسها بالرفض وعلى استحياءٍ قالت:
_إبعد إنت بس.. أنا مش طايقة ريحتك!
برق لوهلةٍ مندهشة، وردد ساخرًا:
_نعم!! ريحتي أنا!!
وعقد حاجبيه باستنكارٍ:
_مش دي الريحة اللي كنت مدمنة عليها لدرجة إنك كنتِ بتحضنيني كل ساعتين تقريبًا يا بيبي!
اكتسى وجهها حمرة الخجل، فرددت بصعوبة:
_عُمران اطلع.
زفر بقلة حيلة، وتابع بهدوءٍ:
_هساعدك عشان متدوخيش وبعدها هبعد.
هزت رأسها نافية:
_ريحتك بتخنقني يا عُمران؟
استرخت معالمه تدريجيًا حينما تفهم مقصدها بالتحديد، فنزع عنه قميصه وألقاه بعيدًا قائلًا:
_ها كده مرتاحة؟
مالت إليه برأسها تستكشف تعلق الرائحة به، وجدتها ولكن لم تكن بحدتها، فاكتفت بهز رأسها إليه.
انحنى يحملها متعمدًا أن يميل برأسها إليه، ليطبع قبلاته على جبينها وهو يهمس لها:
_حبيب قلب جوزه لحق يبكسل كده في أول مرحلة أمال في التاسع هتعملي أيه؟!
لفت يدها حول رقبته باحكامٍ تجيبه:
_هطلع معاش مبكر.
أطلق ضحكته الجذابة واتجه بها للفراش، وضعها وجلس يربت عليها برفقٍ حتى تخلل إليها النوم، فتركها تغفو وتسلل على أطراف أصابعه وخرج للتراس، قضي ساعات يحجب تفكيره الساخط بعد مقابلته مع نعمان الغرباوي، صفن بحياته برمتها وعاد ببصره لزوجته، تمعن بها بحبٍ وابتسامة عاشقة، تلاشت فجأة فور تذكره ما حدث، فمال لصدره العاري يشم ذاته جيدًا بضيقٍ ومن ثم حجب أفكاره حينما حرر رقم بهاتفه وترقب سماع المتصل به.
دقيقة واحده استغرقها ليجيب يوسف، متسائلًا بنزقٍ:
_خير يا وقح! بترن نص الليل ليه؟
وتابع بهجومٍ كاسح:
_هو أنا مش هخلص منك إنت ولا التور التاني، وكأن مفيش ستات حملت على الكون غير مرتاتكم!!! انجز ولخص ورايا عمليات الصبح!!!
أتاه رده الوقح يجيبه:
_يلعن أبو دي معرفة يا أخي! أيـــــه بكبورت واتفتح عليا! ما تتزفت تهدى وتسمع اللي هقولهولك إنت عارف أنا هكلمك عن أيه أصلًا؟
_ومش عايز أعرف يا سيدي.. أبوس ايدك حل عني بقولك عندي تلات حالات ولادة بكره وليلى فوقهم كمالة عدد، سايبالي غسيل الهدوم والمواعين بعد ما رجعت من العيادة تخيل!!
_اخرس بقا وإسمعني، مش دكتورك النفسي أنا ولا يكونش حد قالك إني مصلح اجتماعي!
تنهيدة عميقة اتبعها سؤالًا يحاول التحلي بالصبر:
_طيب يا بشمهندس عُمران أنا بعتذرلك على وقاحتي الحقيرة وبتساءل بكل احترام ووقار عن سبب المكالمة اللي على وش الصبح دي ممكن سيادتك تتكرم وتقولي!
_عجبني الرد فخم كده ويليق بيا كبشمهندس أد الدنيا ومالي مركزي بس وحياة أمك يا يوسف لو مفوقتليش وسمعتني هتلاقيني تحت بيتك ومش هيهمني مخلوق.
_يوووه ما تخلص وتتزفت تسأل خليني أتخمد!
تنحنح بحرجٍ وهو يحاول الحديث، فالتفت يتأكد من غفوة زوجته وعاد يهمس له وكأنه شخصًا أخرًا:
_مايا قرفانه مني!!!!!!
انتظر سماع صوته ولكن لم يصله سوى صوت تنفسه المنفعل وكأنه على وشك الانفجار، فاستطرد عُمران بضيقٍ:
_يوسف أنا بأخد شاور أكتر من أربع مرات في اليوم، مهتم بنفسي وشيك جدًا… البرفيوم بتاعي بجيبه من فرنسا مخصوص وإنت عارف ده… من فضلك فهمني اللي سمعته ده عقلي واقف وحاسس إني إتخدت قلم علم على قفايا… قفا صاحبك اتختم يا يوسف!!!
_ربنا يأخد يوسف على اللي شار عليه يدخل قسم نسا وتوليد والطب أساسًا… إنت متصل تستظرق يا عُمران!!! انت في أيه إنت والزفت التاني مُخكم اتلحس على حمل المدامات!!!!
_أنا راجع من شغلي على أخري أساسًا فخدلك مني ساتر بدل ما أفحمك إنت وأخوك المستفز.
_وأيه دخل دكتور سيف باللي بيحصل دلوقتي؟!
_دكتور! اسمه سيف حقنة يالا.
وبعصبيةٍ مفرطة صاح:
_قوم اتعدل كده وفوقلي من النفخة الكدابة بتاعتك إنت وأخوك دي!
وبجدية تامة قال:
_يوسف أنا عقلي واقف بجد… إنت متخيل إن عُمران سالم الغرباوي بجاذبيته اللي هالكة قلوب العذارى يتقاله ابعد مش طايقة ريحتك!!!
_إلهي ربنا يقهر قلبك على جاذبيتك المغرورة دي، عُمــــــران ده وقت تنفش فيه ريشك يا طاووس!! سيبني أنام وبكره إن شاء الله هجي بنفسي أعقمك بديتول ومنظف حلو أوي بلمع بيه عربيتي مش خسارة فيك والله!
_تلمع مين بروح أمك، إنت الظاهر لسه مهلوس ومش مختار ألفاظك!
_طيب بص عشان نخلص من أم الليلة اللي ضاعت في الغسيل والمسح وبتكمل إنت جمايل اليوم.. اللي بيحصل ده طبيعي جدًا جدًا يا حبيبي.. بعض الستات الحوامل بيقرفوا من الروائح زي ريحة الصابون، البرفيوم، البخور، وغيرهم.
بجدية مضحكة قال:
_يعني أنا كده في السليم؟
همس بصوتٍ منخفض:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم أقفل في وشه ده ولا أظرُفه بلوك!
وبابتسامة ساذجة التمسها عُمران دون أن يراها قال:
_عادي طبعًا يا حبيبي.. يعني المدام بتاعتك مش قرفانه منك (absolutely قطعًا) ،هي كل مشكلتها مع البرفيوم الفرنسي الباهظ اللي انت مغرورلي فيه فزي الشاطر كده هتمنع تحطه وتعيش حياة المواطن العادي اللي بيمشي بعرقه ليل نهار وبالنهاية بيطس نفسه بجردل مية فيها شوية معطر وديتول، راكبة معاك يا بشمهندس؟
_إنت مجنون عايزيني أمشي من غير ال(perfume البرفيوم) بتاعي!!
_خلاص يا حبيبي حط ونزه نفسك خليها تنفر منك بقى لحد ما تخلعك وأبقى إرفع قضية رؤية عشان تشوف ابنك ولا بنتك اللي قرفة أمي من قبل ما تكمل الشهر دي!!!
وتابع بعنفوان:
_اقفل بقى ربنا يكرمك.. مش اتطمنت على نفسك وانك بخير وتمام؟ ولا تحب أنزل بنفسي ادورلك على مزة تختبر تأثيرك عليها في ليلتك اللي مش هتعدي دي!!
_نام يا يوسف يلعن أبو معرفتك!
أغلق عُمران الهاتف بوجهه وهو يهتف بعصبية:
_بني آدم مستفز!!
احتدت معالمه غضبًا، فصرخ برجاله بصوتٍ كالرعد:
_يعني أيه الكلام ده!! معقول زينب تأكد كلام الحقير اللي استغل وجودي بالمستشفى واتهمني باللي حصله!
أكد له أحد رجاله حديثه مجددًا، فقبض “يمان” قبضة من جحيم وقال:
_وديني لأحققله اللي طلبه بس المرادي مفيش منها قومة…. ماشي يا زينب هشوف هتهربي مني ازاي!!!
صف سيارته بچراج منزله واستدار إليها يتساءل بحبٍ:
_عجبتك القاعدة على النيل؟
أجابته بفرحةٍ:
_جدًا يا آدهم متتصورش أنا كان نفسي أزور مصر أد أيه.
وتمسكت بيده المستندة على مقعد السائق:
_ومعاك إنت بالذات.
تناول كفها يقربه إليه، وبرقة شديدة قبل باطنه مرددًا بنبرة مغرية:
_أنا هنا عشان أحققلك كل أحلامك شمس هانم.
ضحكت وهزت رأسها بدلالٍ:
_ميرسي كابتن آدهم!
فتح ذراعيه بحركة فاجئتها وهمس لها:
_محتاجك في حضني يا شمس.
لعقت شفتيها بارتباكٍ، فألقت حديث عُمران بعرض الحائط واندثت بأحضانه تشعر بدفئه وحنان ضمته، ربت عليها وتابع همسه الهادئ:
_الحب هو الثقة الكاملة للطرف التاني فأوعي تبطلي تثقي فيا لإن وقتها هفهم أن الحب اللي جوه قلبك انتهى يا شمس!
رفعت يدها تستند على قلبه المتزايد دقاته بشكلٍ أسعدها، وقالت بنعومةٍ:
_لو هتحبسني هنا بالكلبشات للأبد مش هبطل أثق فيك يا آدهم.
قبل جبينها بعشقٍ وردد:
_وأنا مش عايز أكتر من كده يا روح قلب آدهم!
وابتعد عنها يحيط وجنتها بحنانٍ:
_يالا يا روحي اطلعي غيري وارتاحي.. دكتور علي زمانه قلقان عليكِ الوقت سرقنا واتاخرنا.
هزت رأسها بطاعةٍ واتجهت للأعلى، فاختار ركنة مناسبة لسيارته وجذب متعلقاته ليصعد للأعلى، فاذا بهاتفه يعلن له عن مكالمة كانت الأهم له بتلك الفترة المنصرمة فرد بلهفة:
_باشا أخبار حضرتك أيه؟
تبدلت معالمه بشكلٍ مقبض، فقبض على مفاتيحه بقوة خدشت أصابعه وردد ببعض الانفعال:
_طيب وليه حضرتك متدخلتش!
هز رأسه وهو يتلاقى الجزء الأهم بالخطة:
_فهمتك يا باشا… خلاص بكره الصبح هخرج يونس علشان الحقير ده يخرجه بره اللعبة اللي هتدور عليه.
وبامتنانٍ قال:
_مش عارف أشكر حضرتك ازاي يا مراد باشا.. حقيقي أن ممتن لمساعدتك في سرعة التحقيقات اللي اتعاملت وبرأت يونس وكمان فكرة زرع جهاز تجسس جوه زنزانته هتخدمنا كتير في كشف الوش الحقيقي للحقير ده.. بس أنا مكنتش أتمنى نلجئ للطريقة دي.
أتاه رد الجوكر الحازم:
_مكنش في طريقة تانية غير كده يا عمر.. يونس اتعذب طول السنين دي وباللي حصله النهاردة هيساهم في رجوع حقه بالدليل اللي بقى في ايدينا بس الذكاء في خطتنا اننا مش هنظهره غير لما نمسك أكتر من دليل يدينه، بصريح العبارة عايزين الضربة تكون قاضية.. فهمتني؟
_طبعًا يا باشا… بتمنى بس ميكنش شكوك حضرتك صح لانها ساعتها هتكون كارثة!
أغلق الهاتف وارخى رأسه للمقعد من خلفه، بينما يده تعبث باسماء هاتفه حتى توقف على اسم “آيوب بن الشيخ مهران”. ابتسم على طريقته بتسجيل اسمه وحرر زر اتصاله فما أن أجابه حتى تساءل:
_هتصلي الجمعه فين بكره يابن الشيخ مهران؟
استمع لاسم وعنوان المسجد القابع لحارته وابتسم يخبره بثقة:
_هصلي معاك بكره ومعايا هديتك فاكرها؟
ولم يترك له فرصة التخمين فقام بغلق هاتفه وهبط من سيارته يلهو بمفاتيحه ويصفر باستمتاعٍ لنجاح أول جزء من خطة الجوكر المزعوم، فما كاد بالتوجه لغرفته حتى تذكر أمر أبيه.
إتجه لغرفة أبيه يبحث عنه، لم يعثر عليه وكأن بالفعل شبح والدته قد التهمه، حرر ضحكة كُبتت بارادته حينما وجده يختبئ خلف خزانة كتبه القديمة، فصاح ساخرًا:
_صاصا لو حيًا ترزق هز كتاب عفريت في منزلي متلبس ابني الوحيد… ابنك اللي اتبريت منه!
واستطرد بضحكةٍ تعلو الاخرى:
_يا راجل ده إنت لو معانا في الجهاز هتسوح أسرار الدولة من غير ما تأخد القلم!!!
دفع باب الخزانة ومال برأسه يتطلع له نظرة الطفل الوديع، جلس آدهم على سطح الكومود يهز رأسه بيأسٍ:
_تتبرى مني أنا يا مصطفى!!! طيب ليه يا حبيبي ده أنا قايم شارب نايم بدورلك على بنت الحلال اللي تسكن قلبك بدل شبح زوبة اللي مخليك معيشني في كابوس وفقدان للخلف!!! أنا معتمد على الله ثم عليك في عمار البيت ده ومازلت بنقي وأختار الأرض الصالحة اللي هتجيبلي اخوات صغيرين شبهك كده يا صاصا!
التفت يتفحص الغرفة برعبٍ، وصرخ به:
_اخرس قطع لسانك والله ما يدخل بعدها ست ولا قبلها.
وجذب أحد الكتب يلقيها عليه هاتفًا بحنقٍ:
_عايزها تقتلني قدامك يابن الكلـ***.
وأسرع بمقعده إليه بعصبية:
_عايز تدخل دنيا مع مراتك ذنبي أيه تخرجني منها قبل ما أخرجلك المدكن وأكشف المستور!
نهض عن الكومود يفرقع أصابعه بخبث:
_أيوه أيه هو المدكن والمستور يا شقي؟
ابتلع ريقه بارتباكٍ ووزع نظراته إليه ثم ردد بصوتٍ خبيث يستميل عاطفته:
_هو أنت بتحقق معايا ولا أيه يا حضرة الظابط.
مال على مقعده بحركةٍ درامية:
_بالظبط كده يا صاصا ولو مقرتش واعترفت حالًا هجبلك شبح زوبة يقررك بمعرفته وصدقني لو نجحت معاك هأخدها معايا في الجهاز تساعدني في التحقيقات بدل سلخ المساجين واسلوب التعذيب اللي بقى فيك أوي ده.
تعمق بعينيه بنظرةٍ حزينة، فاستغل قربه الشديد منه وانحناء قامته الطويلة، فأحاط وجنتيه بيديه وبنبرة شبه باكية قال:
_خايف أخسرك بعدها يا عمر!… بس غصب عني يابني قلبي مش مطاوعني أقابل ربنا وأنا شايل على كتافي ذنب كبير زي ده.. عايزه يسامحني وقبله إنت كمان تسامحني.
أحاط يديه بحبٍ وقال:
_تقصد مين يا بابا.. اتكلم من فضلك!
تهاوى الدمع عن عينيه وجاهد لخروج صوته الذي كُبت لسنواتٍ:
_ابني يا عمر… أخوك!!!!!
رمش بعدم استيعاب، وغادرت عنه كل ذرة مرح، فتساءل بصدمةٍ:
_ابنك ازاي؟ بابا إنت بتقول أيه؟!!
أخفض رأسه أرضًا يخشى مواجهة ابنه، تاركًا دموعه تغسل ذنبه الذي لا يغتفر، رفع وجه آبيه إليه وجمع كل ثبات امتلكه ليهاتفه بهدوءٍ:
_بابا تقصد أيه بكلامك ده من فضلك رد!!
رفع عينيه إليه وببكاءٍ شديد قال:
_غصب عني يا عمر.. كان غصب عني يا ابني أنا زي أي راجل ليه نزوات واحتياجات ووالدتك مكنش ينفع تمارس حياتها معايا بشكل طبيعي، استحملت سنة واتنين وتلاته وعشرة بس بعد كده ضعفت.
جحظت أعينه صدمة، فتراجع للخلف وسقط على الفراش وبصعوبة حرر ثقل لسانه:
_يعني أيه ضعفت؟ انت عملت أيه؟!!!
حرك مقعده تجاهه وقال بحشرجة ذبحت فؤاده قبل أن تغير نبرته:
_إنت عارف إن والدتك كانت مريضة ومرضها زاد بعد ولادتك على طول، عشان كده الدكتور منع يكون في بينا علاقة زوجية، وقتها قالتلي لو عايز تتجوز اتجوز بس أنا كنت قوي وقادر أخد قرار عشانها وعشانك.. كان لسه عندك سنتين اتعلقت بيك وبقيت بحاول أقنع نفسي إني مش عايز حاجة من الدنيا غيرك.. كتمت جوايا أي رغبة ممكن تتحرك لواحدة ست، حافظت على أمك وعليك لحد ما بقى عندك تسع سنين، وقتها غصب عني مشاعري اتحركت لبنت بتشتغل معايا في نفس الشركة.
سحب نظراته من ظلمة عين ابنه وردد بانهيارٍ:
_خوفت على نفسي يا ابني.. خوفت أمشي ورا شيطاني وأزني، عشان كده طلبتها للجواز وشرط عليها إن جوازن يكون في السر وإنها تأخد أدوية منع الحمل.. وفعلا عشت معاها تلات سنين بس اللي معملتش حسابه هو اليوم اللي هتيجي فيه تقولي أنا حامل!!
شعر بأن هناك دوار حاد يعصف به، لا يصدق أن من يقص عليه هو نفسه أبيه، يشعر وكأن أحدٌ ألقاه بنبع بئر من جحيمٍ يتلقف جسده بكل محبة ليذوب لحمه بين نيران جهنم، يود لو صرخ به ليوقفه عن الحديث ولكنه عاجز حتى عن النطق وخاصة حينما استطرد:
_مريت باختبار أصعب، ما بين بيتي اللي اتبتى بحبي أنا وأمك وما بين غلطة جت بسبب نزواتي، شيطاني وسوسلي أخليها تنزله بس خوفت من ربنا، فخلتها تكمل الحمل.
أغلق عينيه بقوة يحرر دموعه المحتبسة ليتابع أصعب جزء:
_طول المدة دي كنت عايش في عذاب، كنت خايف اتكشف قدام أمك وإنت أكتر واحد عارف أنها بتكره الكدب والخيانة وإن لو موضوعي اتعرف وقتها هخسرها وهخسرك.. كنت بدعي إنها متعرفش لإني بكده هكون السبب في موتها وده اللي عمري ما أقبله حتى لو كنت ظالم للبنت اللي اتجوزتها وللي في بطنها…
واستكمل بانكسار:
_بس اللي متوقعتوش إني ارجع تاني لاختبار أصعب وألعن.. يوم ولادتها ماتت وسبتلي ولد رضيع شايله بين ايديا ومش عارف هروح بيه فين… كنت ما يين اختيارين أصعب من بعض، أخده بيتي وأعرف امك الحقيقة وساعتها هخسرها وهخسرك وهدمر البيت اللي ضحيت عشان أحافظ عليه بكل طاقتي وما بين اني أضحي بيه فاخترت الحل الاخير عشانك!
وإتجه إليه يتمسك بيده الملقاة على الفراش باهمال ليسترسل ببكاء حارق:
_أنا عايز ابني يا عمر… عايز أشوفه ولو للمرة الاخيرة…. هاتلي أخوك!
اشمئزت ملامح آدهم وانتفخت عروقه بشكلٍ خطير، فانتصب بوقفته وحرر لجامه بتثاقلٍ:
_إنت بأي حق لقبوك أب!!! جاي بعد السنين دي كلها تكشف وشك الحقيقي!!! ليييه فهمني ليه؟ ماما كانت متفهمة حالتها وعرضت عليك تتجوز أكتر من مرة…
شدد على خصلات شعره للخلف بجنونٍ كاسح وصرخ مجددًا:
_وهو ذنبه أيه؟ ذنبه أيه يجي على الدنيا لوحده وبطوله!!! إنت… أنت ازاي قاعد قدامي وقادر تتكلم عن ذنبك ده! أنت فرطت في ابنك!! فرطت في حتة منك فاهم!!! مستوعب اللي عملته؟!
وطرق صدره بعنفٍ شرس:
_وأنا مصعبتش عليك وأنا بحارب الدنيا دي بطولي… مشوفتش كسرتي وأنا وحيد وماليش أخ ولا سند!!
واستطرد بضحكة ملأت بوجعٍ قاتل:
_أنا مش قادر استوعب إن أبويا الراجل المحترم اللي مبيسبش ولا فرد.. اللي رباني بكل محبة قدر يعمل كده!! ياريتني كنت موت وراها ولا إني أشوفك بالصورة البشعه دي!!
واستدار ليغادر الغرفة فهرول خلفه بمقعده يناديه:
_متمشيش يا عمر… متمشيش لازم تسمعني أرجوك ساعدني أضم ابني في حضني ولو لمرة واحدة… أنا مش عايز أموت وأنا شايل الذنب ده معايا يابني.
أغلق عينيه بقوةٍ وسحب نفسًا عميقًا يرمم به احتجاز أوردته، استدار إليه وردد بسخريةٍ لازعة:
_ويا ترى بقى إنت عارف إنت رميت ابنك في أي ملجأ ولا رميته قدام باب جامع ولا فين؟
هز رأسه نافيًا وردد:
_لأ يابني معملتش كده… اقعد وهحكيلك.
تهاوت دمعات آدهم وبتوسلٍ باكي قال:
_مش قادر اسمع أكتر من كده… من فضلك سبني الوقتي ولما أتخطى اللي حكيته ده هجيلك بنفسي وأسمع باقي الحكاية..
واستدار ليغادر فلحق به مصطفى ليوقفه آدهم بحزم قاطع:
_عايز أكون لوحدي لو سمحت!!!
كُسر قلبه واحتجز بين أضلعه، نيران التهمت الأب وابنه وكلاهما تحيطهما دموعًا مزجت بين صدمتها وبين ندمًا ورجاء.
أخفت الشمس ظلام الليل وتآلقت بأجمل صورة، اليوم يعلو المساجد أصوات الخطبة ويتآلق الرجال بالجلباب الأبيض، ومن بينهم آيوب الذي ازدادت وسامته بجلبابه الأبيض الذي برز كتفيه وتناسق جسده الرياضي، ولجواره أبيه الذي احتل المقدمة ليأذن في الناس بخطبة يوم الجمعة.
فرد آيوب سجادته وجلس يستمع لأبيه بفخرٍ وسعادة، إلى أن شعر بأحدهما يجلس لجواره، فاستدار جانبه مرددًا بفرحةٍ:
_آدهم!
نزع آدهم نظارته السوداء التي تخفي عينيه المحمرة من أثر تعاسة ليلته الحالكة دون أن يرف له جفنًا بعد معرفة سر أبيه الخفي، وللعجب هو لم يستمع الا لنصفه مازال لا يحتمل سماع الجزء الأخر فبدى له بأنه الاصعب على الاطلاق، وربما بعدها سيفقد احترامه لأبيه كاملًا.
رسم ابتسامة باهتة وقال:
_وحشتني يا آيوب.. أخبارك أيه؟
أجابه بلهفة:
_أنا بخير الحمد لله… ها فين المفاجأة اللي مش مبطل تتكلم عنها؟
قال بابتسامة صافية:
_بعد الصلاة هتعرف.
ونهض كلاهما يستقيمان بالصفوف لتأدية الصلاة، وفور الانتهاء منها أسرع آيوب لآبيه يشير له:
_بابا ده سيادة الرائد عمر الرشيدي اللي كلمت حضرتك عنه.
ابتهجت معالم الشيخ وقال:
_ده آدهم اللي كلمتني عنه؟
أكد باشارة رأسه:
_ايوه هو اسمه الحقيقي عمر بس الكل بيناديه بآدهم وبصراحه لايق عليه أكتر.
صافح آدهم الشيخ مهران بحرارة:
_أتشرفت بحضرتك يا شيخ مهران.
وأشار لآيوب هامسًا:
_عربيتي جنب بيتك ممكن تجيب والدك وتيجي ورايا بهدوء.
_ليه يا آدهم في أيه؟
تساءل بقلقٍ فربت على كتفه يخبره:
_مفيش حاجة..بس نفذ اللي قولتلك عليه.
أومأ برأسه وبالفعل اتجه بأبيه للمنزل وبالاخص لسيارة آدهم الفخمة، فرفع آيوب صوته بحيرة:
_قولي بقى في أيه؟
فتح آدهم الباب الخلفي لهما، فتسللت أبصارهما للداخل بصدمة، جعلت آيوب يصرخ بعدم استيعاب:
_يونــــــــس!!
أكثر لحظة يخشاها يتعرض لها الآن، هبط يونس من السيارة بصعوبة، ما تعرض له بالأمس كان أبشع ما مر عليه، ولكنه يثق بأن آدهم فعل ذلك لمغزى يود استكشافه لاحقًا.
أفاق من شروده على اندفاع جسدًا ضخمًا لأحضانه، ولم يكن سوى ابن عمه وأخيه الأصغر الذي فارقه منذ خمسة سنوات، والذي بات يملك جسدًا يفوق بُنيته الماضية، تخشب بمحله وتحرر صوته بوجعٍ تام:
_متلمسش ضهري يا آيوب!!!
رواية صرخات انثى الفصل الخمسون 50 - بقلم ايه محمد رفعت
أخيه الغائب يقف قبالته بعد فراقٍ دام لأكثر من خمسةٍ أعوام، قضاهم حائرًا لا يعلم إن كان حيًا يرزقُ أم انتقل لرحمة ربه، كانت أقصى أمنياته أن يعلم هل مازال حيًا أم قد قُتل، ففجأه “آدهم” بأكثر مما تمناه لدرجةٍ جعلته يقنع ذاته بأنه يتوهم، ولكن أعين أبيه الباكية تعكس غير ذلك.
حسم صراعه الجائر بأن اختطفه لاحضانه، يتلمسه ليتهيئ لتلك الحقيقة الهامه، فردد ببكاءٍ استل رغمًا عنه:
_يُونـــــــــس!!
افتقده كثيرًا ولكن رغمًا عنه عاجز عن بقائه داخل أحضانه، فهتف به مُتألمًا:
_متلمسش ضهري يا آيوب.
ابتعد عنه للخلف يشمله بنظرةٍ أكثر تفحص، وزنه الذي انتقص بشكلٍ ملحوظ ففقد كتلته العضلية التي نمت بفضل ممارساته للرياضة بالجيم الخاص برفيقه “إيثار” ، وجهه الشاحب والمحتفظ بكدماتٍ حديثة دمائها مُجلطة وبعدها لآثار قديمة تدل على طبيعة ما خاضه، والمؤلم له هي ماذا تخفي ملابسه من اصاباتٍ؟!
انهمرت دموع “آيوب” كأمطار رعدية تهاجم دون موسمها، فأمسك كفيه بين يديه المرتعشة:
_أنا مش مصدق إنك قدامي! أنا كنت وحيد من غيرك يا يونس.. كلنا كنا هنموت عليك ومش عارفين نوصلك.
ربت على كفه بتفهمٍ، وقال برجاءٍ لمس به آيوب انكساره:
_امسح دموعك واهدى.. من فضلك مش عايز حد ياخد باله مننا.
أبعد الشيخ مهران ابنه وفتح ذراعيه لابنه الاخر هاتفًا باحتقانٍ اكتسح نبرته:
_ابني حبيبي!
أدمعت أعين يونس وهو يرى دموع عمه لمرته الاولى، عمه الذي اشتد عوده وهو لجواره، وحينما يحيطه شيطانه بأنه خُلق وحيدًا دون أب أو أم كان يصفع ذاته بأنه منحه شيخًا فاضل يربطه به صلة القرابة القوية، فألقى آلامه عرض الحائط وولج لحضن أبيه وهو يغلق عينيه بقوةٍ ليجابه تلك الآلآم القاتلة لاحتكاك صدره المجروح بصدر أبيه ويده التي تتلمس ظهره بحنانٍ، على الأغلب بأنه من صدمته لم يستمع لصراخه وهو يخبر آيوب بعدم ملامسة ظهره.
بعد آيوب أبيه عن ابن عمه وهو يبتسم بلطف ليخبي مفهومه:
_خلينا نطلع فوق بدل الواقفة دي يا بابا.
هز رأسه بتفهمٍ، واستدروا ليصعدوا لبنايتهم فوجدوا آدهم يقف بعيدًا بمدخل المنزل بالتحديد ليترك لهم مساحة خاصة، كان الشيخ مهران أول من تقدم منه يضمه بكل محبة وهو يردد بامتنانٍ:
_أنا عاجز عن شكرك يابني، إنت باللي عملته ده متتخيلش أسعدتني ازاي… انت ردتلي روحي بعد ما غابت عني لخمس سنين!
ضمه آدهم بمحبةٍ كبيرة وقال:
_أنا معملتش حاجة يا عمي.. دي إرادة ربنا سبحانه وتعالى.. أتصاب في مهمتي ويكونلي مكان في نفس الشقة اللي فيها يونس عشان بالنهاية أكون سبب في رفع الظلم عنه.
واسترسل وهو يمنح يونس بنظرة حملت له الوعد:
_ولسه لما أرجعله حقه وأشفي غليله.
وكأنه أيقظه لشيءٍ هام فهبط الدرجتين التي كاد بهما استكمال طريقه للأعلى، وإتجه يقف قبالة آدهم يخبره بنبرةٍ عميقة:
_إنت وعدتني إن بعد ما هتخرجني هنتنقملي منه بس هو زي ما هو لسه في منصبه!
تفهم عصبيته الهادرة وقال بثقةٍ:
_وعد عمر الرشيدي دين وسيف على رقبته يا يونس، بس اللي انت متعرفهوش إن الموضوع طلع أكبر مما تتخيل، أنا بعد ما زرعت كاميرات التجسس في زنزانتك واتفقت معاك تستفزه عشان يبقى معايا دليل قاطع إنه بيستغل منصبه لصالح عيلته ومصالحه الشخصية طلعت من عندك وقابلت القائد بتاعي حكيتله عنك وهو قالي هيتكفل بالقضية دي وهيحقق فيها بنفسه، وحظك بقى إن اللي تابع الموضوع ده هو الجوكر لما دور وراه اكتشف مصايب يعني مش بس ده اللي بيعمله في اللي أكبر من كده.
وتابع بهدوءٍ رزين:
_لو اخدنا خطوة وحاسبناه على اللي عمله معاك ومع غيرك هيتجازى وممكن يتقاعد بس ده مش اللي احنا عايزينه.. احنا باللي بندور عليه لو أثبتناه هنلف حبل المشنقة حولين رقبته.. أما الكلب التاني فمتقلقش وخليك مطمن أنا مش ساكت وقريب أوي هجيلك أباركلك على رجوع حقك بالكامل.
ارتسمت ابتسامة ممتنة على وجه يونس الذي تناسى كيف يبتسم! فوجد ذاته يحتضن آدهم بقوةٍ لا تجاهي أوجاعه، وكأنه وجد بأنها أبسط حقوقه لما فعله لأجله، وردد إليه:
_شكرًا لإنك في وسط العتمة اللي كنت فيها كنت الأيد اللي خدتني للنور!
ارتعش جسد آدهم بصورة ملحوظة، وكأنه تناسى مقاومات مبادلة الآخرون، ففرق ذراعيه وقربهما من ظهره دون ملامسته لأنه الوحيد الذي يعلم حجم اصابته، وهالته دموعه التي التمعت بعينيه شاعرًا بحنين غريبًا لأخيه!!
ترى إن قابله بعد تلك السنوات هل سيصفح له عدم علمه بوجوده؟ والأهم هل سيسامح أبيه وهو ذاته عاجزًا عن ذلك!! لا يعلم لما تمنى بتلك اللحظة أن يكون يونس نفسه أخيه المفقود!! ويتعزز شعوره بأن ينتهي غضبه وتهدأ ثوراته ويندفع لاحضانه مثلما فعل يونس الآن!!
ابتعد يونس عنه يراقب ملامح وجهه بدهشةٍ من رؤية دمعاته اللامعة، ظنه رجلًا قويًا مجردًا من المشاعر كحال أغلب ضباط الذي تعرض للضرب على ايديهم داخل ذلك المعتقل المظلم، فوجده يتأثر بالمشاعر الصادقة بشكلٍ عزز من حبه واحترامه لذلك الشخص النبيل.
تحرك آيوب عن مكانه يخفي آدهم الذي يحاول ازاحة دموعه دون أن يراه أحدٌ، وهتف بمرحٍ:
_يونس من فضلك بقى تحترم نفسك، آدهم صاحبي أنا من لما كنت في لندن مش هتيجي في كام يوم وتكونله البيست فريند.
ازدادت ابتسامة يونس بينما انفجر آدهم ضاحكًا وهو يصيح بعدم تصديق:
_آيوب سيف طبع عليك ولا أيه؟
غمز له بمشاكسةٍ:
_بيطبع عليا بمزاجي ووقت ما أحب.
وبصدقٍ قال:
_أنا مش عارف أشكرك ازاي يا آدهم جمايلك بقت مغرقاني.. مرة أنقذت حياتي والمرة التانية أنقذت أخـ……
ابتلع كلماته حينما اندفع والده يتساءل بجنون:
_انقذ حياتك ازاي!!! إنت تقصد أيه يا آيوب؟؟
سيطر التوتر على ملامحه، وكأن ما حدث أخر شيئًا توقعه، فكان مكشوفًا ليونس الذي تأكد من أن أخيه الصغير يخفي أمرًا كارثيًا، بينما استبدى آدهم سرعته الملحوظة بادراك الأمر كما تدرب فقال بصوتٍ واثق أدهش آيوب الذي لوهلة صدق الأمر:
_اللي حصل أن آيوب كان راجع مرهق وتعبان من الجامعة فكسل يقف يفقش لنفسه بيضتين وصمم ينزل يشترلنا أكل، وسبحان الله إني رفضت أكل معاه عشان يكون فينا واحد سليم ينقل التاني للمستشفى.
قالها بطريقة مازحه، بينما تعمق الشيخ بسؤاله:
_مستشفى ليه يابني؟
أجابه ببسمة جذابة مستغلًا بعض المعلومات التي يشملها عنه:
_لآن الأكل مكنش نضيف كفايا وآيوب أساسًا عنده حساسية.. تعب جدًا وأخدته المستشفى بس الحمد لله أخد أدويته وبقى كويس وواقف قدامك أهو يا عم الشيخ!
وتابع بمكرٍ:
_هو مكنش عايز يقلقكم هنا في مصر بس لسانه مسحوب منه بقى هنعمل أيه!
ضحك الشيخ وقال بمحبةٍ كبيرةٍ:
_يعني أنا لسه بشكرك على اللي عملته مع يُونس طلعت إنت مسبق بجمايلك مع ابني.. قولي بقى أشكرك أنا ازاي دلوقتي؟
فاجئه آدهم حينما قبل أعلى رأسه باحترامٍ قائلًا:
_معرفتي بحضرتك وبابنك ويونس بالنسبالي مكافأة..انا اكتسبت عيلة ومفيش بينا شكر ولا جمايل.
احتل الفخر والاعجاب حدقتي الشيخ، فأشار على درج منزله:
_اطلع بقى كُل لقمة معانا لو معتبرنا عيلتك بجد.
رد عليه بحرجٍ:
_أنا للأسف لازم أمشي لإن عندي شغل مهم.. بس أوعدك إن في مرة تانية مش هرفض ده أبدًا.
ربت على كتفه بحنانٍ وتفهم:
_ماشي يابني.. البيت بيتك تشرفنا في أي وقت.
استأذن منهم آدهم وغادر لسيارته فاتبعه آيوب، فقال الاخير بمشاكسة:
_جاي ورايا ليه ما تطلع تشبع من أخوك.
أجابه وهو يبتسم بمحبة عارمة:
_جيت أوصلك لعربيتك وأشكرك مرة تانية.
تنهد آدهم بتعبٍ:
_هو أنت مبتزهقش يا آيوب، كام مرة هكرر كلامي وهقولك إنك أخويا؟
استند على مقدمة السيارة وتساءل بمكر:
_يعني أنا أخوك فمن حقي أعرف دلوقتي إنت مالك؟
بصر له بدهشةٍ من ملاحظته لحالته بالرغم من أنه كان بارعًا بتبديد أحزانه، فتابع آيوب بضيقٍ:
_إنت فيك حاجه وبتحاول تكون طبيعي يا آدهم.
سحب نفسًا كبيرًا وكأنه يبتلع الهواء من حوله، ومال جانبه على مقدمة سيارته يخبره بارتباكٍ:
_مفيش يا آيوب… أنا بس مخنوق لإني شديت مع بابا شوية في الكلام ودي يمكن المرة الاولى اللي أعمل فيها كده بس غصب عني.
رد عليه بحكمةٍ:
_ومدامك عارف غلطك أيه اللي مخليك متردد تعتذر وتبوس ايده؟!
تطلع أمامه بصمتٍ مطول وعاد يميل برأسه تجاهه قائلًا:
_مش متردد بس الموضوع صعب، أنا اتعودت أشوف بابا بأجمل صورة تتخيلها، لدرجة اني اديته أكتر من مكانة واكتفيت بيه.
زوى حاجبيه بعدم فهم، فتابع آدهم ببسمة ألم:
_يعني مكنش ليا أصدقاء فكان هو صديقي، كنت بعيد عن عيلتي لطبيعة شغلي فكان هو كل عيلتي حتى بعد وفاة والدتي بقيت بشوفه أبويا وأمي وأخويا وصاحبي وكل اللي بمتلكه.. قدوتي اللي بفتخر بيها وفجأة صورته اتهزت قدامي لما حكالي عن شيء متعلق بيه فغصب عني أنا عاجز ومش قادر أخد رد فعل!!
ترك آيوب محله ووقف قبالته تلك المرة فكان أكثر طولًا منه لانحناء جسد آدهم العريض للسيارة، وقال بتفهمٍ لحالته:
_طيب يا آدهم مهما كان والدك عمل أيه لو إنت كنت أول واحد يجلده ويبعد عنه مين هيقف جنبه ويهونها عليه! كلنا بنغلط احنا مش ملايكة على الأرض.
هز رأسه مرددًا بعزمٍ لانهاء الحديث:
_عندك حق… أنا لازم أسمعه مرة تانية وأكون جنبه.
واستقام بقامته الشامخة وهو يمنحه ابتسامة رائعة:
_شكرًا يابن الشيخ مهران.
ضحك آيوب على لقبه الذي بات متنقلًا بين أصدقائه، فقال مشاكسًا:
_دي تالت مرة حد يقولي يابن الشيخ مهران بنفس الطريقة النهاردة.
_ومين قالهالك قبلي؟
_سيف وهو متعصب في مكالمة الصبح لإنه متخيل إني حجزت تذكرة سفري مع اني لسه واصل من كام يوم!!! وعُمران من ساعتين وهو متعصب لنفس السبب!
تعالت ضحكاته الرجولية وقال ممازحًا:
_ولما تروحلهم هتلاقيني أنا اللي متعصب هنا لنفس السبب.
تلاشت ابتسامته وهتف مستنكرًا:
_ليه هو أنت مش راجع معانا؟!!!
أجابه ببساطة:
_هرجع ليه.. آيوب أنا ماليش مكان محدد بكون فيه، بلف العالم وبروح أي مكان تكون فيه مهمتي.. لكن الاكيد إني الفترة دي مستجم هنا عشان تحضيرات فرحي.
_ربنا يتمملك بخير.. أنا موجود وهساعدك.
وبمرحٍ قال:
_أنا أكتر منك خبرة في اختيار القاعات، الديكورات، واللذي منه يعني!
ضحك بصخبٍ وهو يضرب كفه بكف آيوب:
_كويس رحمتني من أصعب جزء في الموضوع.
_رقبتي فداك يابو الصحاب…
واستطرد بموجة ضحك:
_بس حوار البدلة والأوتفت كاملًا عليك وعلى الطاووس الوقح هو الجنتل مان اللي فينا وبصراحة مضمنش أنه يساعدك إنت بالذات.
ضحك آدهم وقال:
_لا ما أنا متأكد من نفس الحاجة… أنا إلى الآن مازلت بوجه غضبه وغيرته الغريبة على شمس!
وانتبه آدهم لأمرٍ تناساه تمامًا:
_صحيح يا آيوب هو الشيخ مهران لسه ميعرفش حوار آديرا!!
استدار بخوفٍ خلفه وكأن أبيه يراقبه، وصاح هامسًا بشكل أضحك آدهم رغمًا عنه:
_هووووش أيه يا آدهم ما تروح جوا البيت وتفضحني يا أخي!!!!!
قال بضحكة ساخرة:
_حقك عليا أنا آسف!! بس لمؤاخذة يعني هتفضل مخبي أمرها لأمتى ما كده كده هتتفضح! إنت هنا في مصر مش لندن يعني الخبر مهما يتكتم هيتذاع في النهاية.
تنهد بحزنٍ شديد وقال بتردد:
_بصراحة يا آدهم أنا كنت ناوي أقعدها في البداية عند إيثان لحد ما أقدر أمهد للشيخ مهران الحكاية بس انشغلت مع قرايبنا اللي جيهم يسلموا عليا وبعد كده في حوار يخص يونس وطليقته ودلوقتي هو رجع.. لكن في شيء جوايا رافض نهائي مواجهة والدي إنت متتخيلش ممكن يحصل أيه لو عرف.. كمان أنا حاسس إن مفيش داعي أعمل ده، أنا خلاص دوري انتهى، خلصنا من عمها وبقت في أمان فمالهاش لازمة تفضل على ذمتي.
برق بدهشةٍ:
_عايز تطلقها؟!!
هز رأسه مؤكدًا، فتابع آدهم برزانة وتفكير:
_بس يا آيوب إنت جبتها هنا معاك لما تطلقها هي هتروح فين أعتقد إن هي دلوقتي مبقاش ليها حد غيرك!
زفر بضيقٍ وأجابه:
_مهو ده اللي مسكتني عن قراري، عايز أوفرلها سكن ومبلغ محترم تصرف منه ولحد ما أعمل ده سايبها على ذمتي عشان لو اضطريت أقابلها أو أزورها.
رفع أحد حاجبيه باستنكارٍ:
_عايز تفهمني إنك مشفتهاش من يوم ما وصلناها لشقة صاحبك؟!
أكد له دون أن يرف له جفنًا:
_أيوه.. إيثان اللي بيوصلها الأكل والفلوس وطلبت منه كتير تشوفني بس أنا مشغول أو بصراحة مش حابب العلاقة تتعمق بينا بشكل يخليها تتعلق بيا خصوصًا إنها أسلمت ومحتاجه اللي يرشدها للطريق فبحاول أفكر في طريقة تجمعها بالشيخ مهران عشان يساعدها بدون ما أظهر في الصورة.
ربت على كتفه بقوةٍ ومنحه الثقة:
_أعمل اللي تشوفه صح يا آيوب أنا عارف إنك حكيم وهتقدر توازن الامور…
وسأله بدقةٍ جعلت الاخير يندهش من عدم نسيانه لشق الحديث السابق:
_لكن قولي بقى حوار طليقة يونس ده أيه؟!
*******
بالأعلى.
تناسى تمامًا وجود خديجة بداخل منزله، فوقف يتابع زوجته وهي تحتضن يونس ببكاء حارق، وعينيه مصوبة على غرفة آيوب بتوترٍ قاتل، لا يود خسارة ابنه الأكبر مهما كان الثمن، ألا يكفيه ما تعرض له من عذاب وقهرًا وما أصعب أن يُقهر الرجال!
حاول تشتيت عقله مطمئنًا أن خديجة لا تتمكن من التحرك من فراشها لاضلاعها المنكسرة، فحاول أن يكون صامدًا حتى لا يثير شكوكه مفضلًا متابعة حوار زوجته ويُونس.
كانت متعلقة به بقوةٍ، بعدما عاد فقيدها الذي ظنته توفاه الله، فقالت ببكاء يشق الصدور:
_والله العظيم كان عندي ثقة في الله عز وجل إنه مش هيخذل قلب أم بتدعيله في كل صلاة، وبعظمته أستجابلي دعواتي وقر عيني بيك يا حبيبي.
قبل جبهتها ويديها معًا، لا يتناسى فضلها العظيم عليه، بفضلها لم يكن يتيمًا قط، كانت له أمًا يتحاكى عنها لألف سنة.
مسدت على شعره الغزير ورددت بحبٍ وحيرة لما قد تفعله لاجله فقالت:
_اقعد يا حبيبي هحطلك الاكل يارتني كنت أعرف إنك جاي كنت عملتلك وليمة.
بقى واقفًا محله وبصوتٍ متعب قال:
_معلشي يا أمي مش هقدر، عايز أرتاح وأكون لوحدي شوية.. كنت هطلع على فوق على طول بس حبيت أشوفك وأطمنك عليا.
تمسكت بذراعه بعنفٍ والخوف يتغلغل حدقتيها، كأن الشرطة عادت لتسحبه عنها، فعاد لها نفس ذلك الشعور المقبض هاتفة باندفاعٍ:
_لأ يا يُونس مش هسيبك تبعد عننا تاني… سريرك جوه زي ما هو يا حبيبي.
ربت على يدها مرددًا بتوسلْ:
_معلشي أنا محتاج أكون لوحدي.. وبعدين أنا شقتي فوقك ومش رايح في مكان بعيد عنك.
اتجه إليهما الشيخ مهران، ومرر يده على كتف ابنه بتفهمٍ:
_خلاص يابني اطلع ارتاح فوق ولما تفوق انزل نتجمع عشان في حاجات كتيرة تخص شغلك وفلوسك وايجار العمارة لازم تعرف كل اللي فاتك دي فلوسك بردو.
منحه نظرة عاتبته بقوة والتفت بجسده له يهاتفه بصوتٍ ارتفع عن هدوئه:
_فلوس أيه اللي بتتكلم عنها يا عمي! أنا مديون ليك بكل اللي امتلكه.
ابتسم ببشاشته الودودة وردد:
_لا يا حبيبي ده تعبك وشقاك.. واللي لازم تعرفه إن محلاتك الصغيرة بقوا ما شاء الله أربع محلات ماسكين ناصية الحارة داير ميدور وإسمك منور عليهم، وكل أرباح تجارتك على ايجارات العمارة حطنهالك في حساب بنكي ما شاء الله عدي التمانية مليون جنيه وباقي فلوسك متدورة في رأس المال.
تفاجئ بما يستمع إليه وردد بحيرة:
_منين ده كله يا عمي ومين اللي دور المحلات وآيوب كان مسافر بيكمل تعليمه؟
أجابه بابتسامة واسعة فخورة باختياره لصديقٍ كان كالوتد بظهره:
_إيثان يابني ساب شغله وماله ومسك ادارة المحلات ورفض يأخد أي مليم لنفسه، دور الشغل من تاني يوم اتقبض عليك فيه وما شاء الله دماغه وأفكاره في تسويق الانترنت ده خلت اسمك في حتة تانية.
واسترسل متعمدًا الضغط على حروفه:
_يعني يا حبيبي لو خارج وفاكر انك خسرت فلوسك وسمعتك فده مش صح لان كل اللي في الحارة عارفين اللي فيها وإنك اتحبست ظلم بسبب اللي معتز آآ…
قاطعه بوجعٍ وكأنه لم يحتمل ضربة سوط أخر:
_بلاش تفتح سيرته ولا سيرة الخاينة دي يا عمي… سبوني من فضلكم لوحدي مش عايز حد يطلعلي أنا لما هبقى كويس هنزل.
احترم رغبته وربت مجددًا عليه:
_زي ما تحب يابني المهم أنك وسطينا وبخير.
ابتسم ساخرًا على جملته الاخيرة، من يراه منتصب بوقفته يظنه على ما يرام، والفضل يعود لله ثم لذلك الآدهم الذي اخترع قوقعته، فقد أصر على أن ينعم يونس بحمامٍ دافئ ومنحه حقيبة بلاستيكة حملت قميصًا أسود وبنطالًا جملي ارتدهما عوضًا عن ملابسه الذي اهترت، وأزال عنه الاتساخ والقذارة التي علقت إليه من بقائه بذلك الحبس المميت.
خرج يُونس من شقة عمه وصعد للطابق الثاني الخاص بشقته، تهربت منه عينيه للدرج فكانت تلك الخائنة من وجهة نظره تسكن الطابق الثالث، كانت تمر عليه في ذهابها وعودتها، والآن تركت له أمقت الذكريات التي قد يحملها إنسانًا حمل يومًا عشقًا لها.
ولج لشقته سريعًا وكأنه يتهرب من آلامه فأتاه ألمًا أعنف من السابق حينما أصبح بشقته التي تحمل جزءًا صغيرًا من ذكرياتهما.
خمسة عشر يومًا جعلهم جنة لها لتصفعه الإن بلهيب يبدأ بالتهام قلبه ويتسلل لجسده كالفيرس القاتل!
*******
بينما داخل غرفتها، تسلل لها صوته فظنت نفسهل تتوهم سماعه، وحينما ارتفع نسبيًا انتفضت بالفراش، ساحبة ذراعها من أسفل رأس صغيرها النائم، وحاولت قدر الامكان الاستقامة بجلستها ولكنها تأوهت وتمددت بعجزٍ ومرضًا تام، هامسة ببكاء:
_يونس!!!!
جاهدت مرة أخرى للنهوض فسقطت أرضًا محدثة صوت ضوضاء قوي ولجت لأجله السيدة “رقية” تهرع لمساعدتها قائلة بشفقة:
_يا قلبي عليكي يا بنتي… قومي.
عاونتها لتتمدد مجددًا، فتعلقت بذراعها وسألتها ببكاء:
_أنا كنت سامعة صوت يونس.. بالله عليكي قوليلي إنه عايش وإني مكنتش بحلم!
انهمرت دموع “رقية”تاثرًا وقالت:
_لا يا خديجة مكنتيش بتحلمي..يونس عايش وخرج النهاردة من السجن.
ارتسمت ابتسامة واسعة على محياها، وحاولت النهوض مجددًا وهي تردد بلوعة شوقها المحترق:
_خديني ليه يا حاجة رقية أنا عايزة أشوفه وآآ..
ابتلعت باقي جملتها حينما استيقظت من حلمها الجميل بمرارة ما فعلته به، من المؤكد بأنها أخر شخصًا قد يود رؤيته، فتهدل جسدها على الفراش مجددًا بانكسارٍ ودموع القهر ينهمر من عينيها.
مسدت رقية على وجهها بحنان وقالت:
_معلشي يا حبيبتي بكره هيعرف الحقيقة وهياخدك في حضنه، يونس طيب وقلبه مش أسود.
وتابعت تملي عليها تعليمات زوجها:
_اسمعي يا خديجة كنا لسه من شوية بنتكلم أنا وعمك الشيخ وقال إنه مستحيل يسيبك تمشي من هنا، وبردو هو خايف يونس يشوفك فأنا هنقلك لأوضتي أنا وعمك الشيخ أمان عن اوضة آيوب، يونس عمره ما دخل اوضتي.. فأنا عايزاكي لما يكون موجود هنا متتكلميش ولا تعملي أي صوت يا بنتي.
هزت رأسها بطاعه ودموعها تنهمر كالشلال:
_حاضر والله مش هعمل صوت بس عايزة اسمع صوته، خليه ينزل دلوقتي واتكلمي معاه عايزة اشبع من صوته بلاش ألمحه لو هيعمل مشاكل.
همست ببكاء:
_يا حبيبتي اللي بتقوليه ده حرام انتي لسه على ذمة راجل تاني… بس متقلقيش آيوب وكلك صاحبه ومسك قضيتك وماشي في الاجراءات.
أغلقت عينيها بقوة وقهر يجتاحها واستدارت تجاه ابنها النائم، فالتفتت لها من جديد تتساءل:
_طيب وفارس؟!
أجابتها بابتسامة عذباء وهي تمسد على شعر الصغير:
_مش هينفع نمنعه من الخروج ده مهما كان طفل.. عشان كده هنظهره ليه وهنقوله ان ابن ناس قريبنا سايبنه هنا لأي حجة بقى هنرتبها يعني.. وأهو فرصة يشوفه ويكون قصاده.
وسحبت الغطاء تداثره على جسدها وتخبرها:
_ارتاحي يا حبيبتي وبكره هنقلك للاوضة… متخافيش وارمي حمولك على الله عز وجل.
بوهنٍ رددت:
_ونعم بالله.
*******
طرق آيوب باب شقة يونس مرات متتالية، فوقف يونس خلف الباب وردد بارهاقٍ:
_وبعدين معاك بقى يا آيوب أنا مش منبه على عمي وقايله عايز أقعد لوحدي!
وتابع بانفعالٍ:
_ثم انك بقالك ربع ساعه بتخبط وأنا مطنشك مفتقدتش الأمل!
رد عليه بصوتٍ حزين:
_يُونس افتح.. أنت عارف إني مش هنفذ اللي انت عايزه.
استند على الباب بجبينه وردد بتعب:
_عشان خاطري انزل يا آيوب أنا محتاج أكون لوحدي افهم بقى!!
طرق بعصبية كادت باسقاط الباب، وصراخه الشرس يتحرر عن مرقده:
_خلاص اقفل براحتك أنا هبات هنا قدام الباب.
وبالفعل ترك آيوب الاكياس البلاستيكة جانبًا وجلس أمام باب الشقة، فزفر يونس بنزقٍ، وحرر المزلاج مرددًا بغضب:
_هتفضل طول عمرك عنيد واللي في دماغك بتنفذه من غير ما يهمك كلام حد.
ابتسامة مشرقة تشكلت على وجهه الوسيم، ونهض يحمل الأكياس ويتجه للداخل بفرحة طفل سمح له والده بالذهاب لقضاء عطلة الصيف.
هز رأسه بيأسٍ، فيبدو أن السنوات الماضية لم تغير أحدًا سوى زوجته الخائنة، أغلق الباب واتبعه للصالون الفخم المجاور له.
فجلس مسترخيًا بصمتْ استفز آيوب الذي يحاول سحبه للحديث، فبدأ باقتراحه بتناول الطعام وحينما صده يونس لم ييأس فعرض صنع القهوة ولم يترك مشروبًا الا وعرضه عليه، فأطلق يونس زفرة حارة وقال بضجر:
_آيــــــــــوب هتقعد تقعد وإنت ساكت مش بعامل طفل أنا!!
قال بابتسامة اتشحت بالبرود قد ما تمكن:
_مهو أنا مش هتأقلم مع وضع الصمت اللي انت فيه ده، عايزك تتكلم وتفضفضلي وتقولي ناوي على أيه؟
رد عليه بارهاق:
_مش ناوي على حاجة ولو كترت في كلامك هطردك بره ومش هيهمني تنام ولا تتقتل قدام باب الشقة!
هز رأسه وقد بدى أنه اقتنع بأنه غير مستعدًا للحديث، سحب أحد الأكياس البلاستيكة واقترب منه بتردد وارتباك لاحظه يونس فسأله بقلقٍ:
_ده أيه؟ وليه متوتر بالشكل ده؟
فتح الكيس من أمامه فظهرت المراهم الطبية والكريمات وبعض الادوية من أمامه، وبحزنٍ قال:
_أنا عارف إنك موجوع ومش هتقبل تشاركني أوجاعك بس أنا مش هسيبك كده… حتى لو رفضت هحطلك غصب عنك.
تعمق بالتطلع إليه، وازدرد ريقه بغصة ألمته، فردد بصوتٍ محتقن:
_بلاش.. بلاش عشان خاطري يا آيوب.
تألم لألمه ولكنه لم ييأس فقال بهدوءٍ:
_طيب هسألك سؤال لو أنا كنت مكانك كنت هتتخلى عني حتى لو أنا طلبت منك تبعد؟
ضم شفتيه معًا وكأنه يعتصرهما داخله، واستغرق مدة من التفكير، فلم يكن راضيًا لأن يرى أحدًا اصاباته وتوابع الظلم المستبد الذي إهانت به رجولته وجرد من كيونته دون رأفة.
كان يريد الاختلاء بذاته ليتخلص من ذكرياته واعتياد عينيه علة الظلم، كان بحاجة ليلملم جروحه فلا بأس إن حرر صرخاته أو بكى كالصغير، ولكن في حضرة أخيه حُرم حتى من ذلك.
تنهد يونس بوجعٍ وعاد يتطلع لآيوب الذي يتطلع له بنظراتٍ متوسلة الا يرفض معالجته لجروحه، فهز رأسه باستسلام ٍ، جعل الفرحة تشرق من جديد على وجهه، وقال:
_طيب تعالى مدد في الاوضة.
سحب كفه من يده وأجابه بغضب:
_لاااا…مش عايز أدخل الاوضة دي..ومن بكره تغيريلي عفش الشقة كله يا آيوب.
ربت على يده ليسترخى، فلا يريد خسارة فرصة معالجته، فقال:
_زي ما تحب… تعالى نروح أوضة الاطفال.
هز رأسه بخنوعٍ واتجه للداخل، راقبه آيوب وهو يتجه لاحد الأسرة، وبدأ في حل أزرار قميصه ببطءٍ وتردد واضح، حتى نجح أخيرًا بنزعه عنه.
جحظت أعين آيوب صدمة، وبدى على وشك فقدان كل محاولاته للثبات، قلبه يتمزق وفؤاده يُنتزع منه بقوةٍ لرؤية كل تلك الجروح التي أصابت جسد أخيه، ليته يتمكن من نهش لحم من فعل به ذلك.
بقى محله يحمل كيس الدواء وجسده يدور دون رأفة منه، خشى أن يلاحظه أخيه فاقترب وهو يجاهد لرسم ملامح عادية، تماسك لأصعب درجة ليضع ما بيده على صدره والأخر يغلق عينيه ويئن بصمتٍ.
وحينما جلس خلفه يعالج ظهره ترك آيوب العنان لدموعه تتساقط لتغسل وجهه المحترق، بكائه على الرغم من إنه ليس مسموعًا ولكن شعر به يونس فقال ومازال مغلق العينين:
_انزل عيط تحت واتحسر على أخوك براحتك.. بلاش قدامي عشان بالله ما ناقص.
اتجه للسرير المقابل له يخبره باصرار:
_مش نازل ومش هسيبك واللي عندك أعمله.
زفر بقلة حيلة وتمدد على الفراش يغلق عينيه:
_عايز أنام وبس يا آيوب.
نهض يجذب الغطاء لساقيه مراعيًا عدم لمس ظهره الذي تتركز به الجروح بكسرةٍ عن صدره، وهمس له:
_نام ولو احتاجت حاجة ناديلي أنا جنبك.
هز رأسه وأغلق عينيه مجددًا محاولًا أن يحظى بنومة مريحة بعد أن حُرم من أن يحظو بقطعة حصير تمنع عنه رطوبة الأرض المتصلبة من أسفله.
*******
في لندنٍ.
عاد لشقته ليبدل ملابسه سريعًا قبل غداء العمل الذي سيجمعه هو وعُمران مع أهم مساهم بالمشروع التجاري، مرر “جمال” يده بين خصلات شعره المشعث بإرهاق قد ذهق ملامحه، فقد قضى أيامه كُلها برفقة والدته، لم يتركها منذ خروجها من العمليات حتى هذا اليوم، ولولا أن وجوده برفقة عُمران هامًا للغاية لما كان اهتم بالذهاب.
أفتقد راحته ونومه المريح بمنزله وفراشه ولكنه تحامل لأجل والدته رافضًا تركها للممرضات، فكان هو من يتوكل باطعامها وأدويتها ومعاونتها بالذهاب للمرحاض.
أغلق باب الشقة من خلفه وعينيه تبحث عن زوجته، فوجدها تجلس أمام التلفاز، رسم ابتسامة هادئة وقال:
_كنت بدور عليكي في المطبخ ولما ملقتكيش قولت أكيد انك هنا.
منحته نظرة باردة وقالت:
_عادي يعني قولت أمدد شوية وأنا بتفرج على المسلسل.
وتساءلت وهي تقضم ثمرة التفاح أمامها:
_غريبة إنك راجع بدري النهاردة.
أجابها وهو يتجه لغرفة النوم:
_ورايا معاد مهم مع عُمران.. غداء عمل.
وضعت طبق الفاكهة عن يدها ولحقت به تطلق إحدى شرارتها:
_يعني اليوم الوحيد اللي جته بدري من المستشفى هتخرج فيه؟
سحب أحد بذلاته الآنيقة وقال:
_يعني بمزاجي يا صبا ما قولتلك شغل مهم.
أصرت إليه بطلبها، وكأنها تتحجج لخلق المشاكل من العدم:
_طيب ما تكنسله وتيجي نخرج نتغدى برة في أي مكان حلو.
ارتدى بنطال البذلة ووضع حذامه من حول خصره قائلًا بنفس نبرته المتمسكة بالهدوء:
_مينفعش لازم أكون موجود معاه لإني شريكه.. وبعدين عُمران مصمم أكون موجود.
ربعت يديها أمام صدرها وقالت بحقدٍ:
_مدام بتنفذ طلباته وبتعزه أوي كده بصله واتعلم منه.
توقف عن غلق أزرار قميصه، واستدار تجاه مكان وقوفها مرددًا بدهشةٍ:
_أتعلم منه!!!! تقصدي أيه بكلامك ده؟
اندفعت بهجومها الضاري تلقي ما اعتمرها:
_قصدي تتعلم من معاملته الرقيقة لمراته، تتعلم من طريقته بالكلام، حتى طريقة لبسه واستايله!! اهتمامه بجسمه وآ…
قُطعت صفعته جملتها، فاعتدلت بإيماءة وجهها وكفها يحتضن خدها، مرددة بصوتٍ مرتعش:
_بتضربني يا جمال!
انفعلت أنفاسه المنطلقة من داخله، وصاح بغضبٍ ساحق:
_إنتِ بأي عين تقفي قدامي وتتكلمي عن راجل غيري!! وبأي حق تسمحي لنفسك تبصي وتدققي في شكله وجسمه ولبسه أنا بجد مشفتش وقاحه أكتر من كده!!!
واستطرد بصراخ أرعبها:
_أقسم بالله لاندمك على كل كلمة خرجت منك يا صبا.. أنا زي ما أنا ومش هتغير لا عشانك ولا علشان أي حد، وبعدين إنتِ أيه مفيش ليكِ كاسر! بقى أنا طالع عيني في الشغل ليل نهار، ورافض إنك تقعدي مع أمي وقايم بكل طلباتها عشان واجب عليا أولًا وعشان عارف إنك تعبانه من الحمل، بعاني وشايل فوق طاقتي وانتي مقضياها مقارنات ومستحلة لنفسك تبصي لراجل بصة زبالة بالشكل ده وفوق كل ده جاية تتكلمي قدامي!!!!
وتابع وهو يلقي المزهرية المتطرفة على الكومود، صارخًا:
_امشي من وشي مش طايق أشوفك.
وكأنها أفاقت من جنون غيرتها وحقدها لفضاحة ما ارتكبته، فاقتربت منه تردد بدموعٍ غائرة:
_أنا آسفة والله ما أعرف قولت كده ازاي.. أنا مبصتلوش أنا شوفته كذه مرة وعجبني استايل لبسه وطريقته مع والدته ومراته وآ…
تتعمد أن تخرج أسوء ما فيه، فكور يده وصاح بانفعالٍ:
_اخرسي مش عايز أسمع حاجة.
ودنى إليها يردد وعينيه ترمقها باستحقارٍ:
_أنا صونتك وعمري ما رفعت عيني في عين واحدة في حين إنك مقضياها مقارنات بيني وبين رجالة تانية، الظاهر إن طيبتي معاكي اديتك الجراءة إنك تتكلمي قدامي عن اللي جواكي فخليني أنا كمان أصدمك بشيء مكننش أتمنى أقوله بس عشان مقارنتك لشخصية عُمران تكون كاملة من كله.
واسترسل ببسمةٍ ألم لخوضه بسيرة صديقه المخلص والأخ القريب لقلبه دونًا عن أشقائه:
_كنتِ هتقبلي إنك تكوني على ذمتي وأنا يكونلي علاقة بواحدة غيرك!! كنت هتقبلي إنك تعيشي معايا في بيت واحد وأنا ليا أوضة بشاركها مع عشيقتي، كنتِ هتقبلي بكرهي ليكِ واهانتي ليكِ واجباري ليكِ تكوني موجودة في أي مناسبة احضرها وايدي في ايد عشيقتي!!
جحظت عينيها صدمة ورفض تام لهذا التخيل فأضاف ببسمة ساخرة:
_مايا قبلت بده وده كان جزء من شخصية عُمران غير علاقاته السابقة، ودلوقتي بعد ما اتغير وبيعوضها عن اللي شافته بصيتلها في حياتها!!!
وجذب جاكيته وحذائه واتجه للخروج متغاضيًا عن قميصه المهمل، فلم يعد يحتمل البقاء معها بنفس المكان لأكثر من ذلك.
لحقت به وهي تناديه فاستدار يصيح بشراسةٍ:
_متنطقيش اسمي على لسانك.. خليكي قاعدة هنا لوحدك لمقارناتك العظيمة… ويا بنت الحلال مدام أنا مش مالي عينك ولا بمواصفات فارس أحلامك الخيالي واتصدمتي بيا فأنا ميرضنيش تعيشي معايا معذبة هديكي فرصة تعيشي مع راجل غيري وعشان تعيشي حياتك بدون أي عائق هسيبك على ذمتي لحد ما تولدي، سبيلي الولد هربيه وروحي شوفي حالك مع اللي تتمنيه.
صعقت مما استمعت إليه فقالت ببكاء:
_انت بتقول أيه يا جمال!!! هتطلقني بالسهولة دي!! هتبعد عني يا جمال!!
منحها نظرة شملتها من رأسها لأخمص قدميها، وخرج مسرعًا صافقًا الباب من خلفه، ولج للمصعد يستكمل ارتداء ملابسه واستند على المرآة يبتلع تلك المرارة المريرة، كيف تسمح لذاتها بالتطلع لرفيقه بتلك الدقة، كيف فعلتها وهي على ذمته!!
خرج من المصعد لسيارته واتبع الموقع على هاتفه ليصل للفندق المنشود.
*****
زفر بضيقٍ وهو يقف أمام عددًا ضخمًا من حقائب السفر الكبيرة، يتفحصهم بضيقٍ، وزمجرته المحتقنة تصل لزوجته القابعة بالفراش بتعبٍ، فنهضت تلحق به متسائلة بفضولٍ:
_مالك يا عُمران؟
استقام بوقفته يلتفت إليها مربعًا يديه بمنتصف صدره العاري المحاط بالمنشفة:
_مش عارف ألاقي هدومي! حقيقي أكتر شيء مزعج كان إني وافقتكم وجيت معاكم هنا بالبيت ده ولا لاقي أي وقت أصمم وأنفذ فكرة الرفوف اللي في دماغي ولا هدومي مترتبة بشكل كويس!
كبتت ضحكاته بصعوبةٍ، مازال كما عاهدته يعشق ترتيب ملابسه وأغراضه بتناسق مثالي مريض، فسألته وهي تتحلى بجدية زائفة:
_طيب قولي عايز تلبس أيه وأنا هساعدك.
جاب غرفة الملابس ذهابًا وإيابًا يجيبها بغيظٍ:
_no way أنا مبعرفش ألبس على ذوق حد
حتى لو كان الحد ده إنتِ يا بيبي، أنا ليا ذوقي الخاص!!
زمت شفتيها بسخطٍ:
_طيب والحل أيه دلوقتي!!
خبط بكفيه على ساقيه:
_مش عارف يا مايا.. كده هتأخر!
وأشار لها وهو يعود للحقائب يبحث بعناية:
_اتصلي بجناح علي واتاكدي إن فاطيما خلصت لحد ما أحاول تاني أنقيلي شيء كويس.
هزت رأسها وابتسامتها تتسع، فاتجهت للفراش وجذبت هاتفها المسنود للكومود وطلبتها فأخبرتها بأنها استعدت بالفعل منذ ساعة كاملة والآن تنتظر عُمران الذي تأخر كثيرًا.
أغلقت الهاتف وزفرت هامسة بسخريةٍ ويدها تمسد على جنينها:
_أوعى تطلع لبابي هشفق على قلب مراتك من الغيرة من دلوقتي!!!
*****
هبطت “فاطمة” تنتظر عُمران بالأسفل، فانتبهت لفريدة الجالسة بشرود وحزنًا غامضًا، اتجهت إليها تنحنح برقة لتلاحظها الاخيرة، فقالت بابتسامة راقية كحالها:
_فاطيما إنتِ خارجة؟
أمأت برأسها:
_أيوه رايحة مع عُمران غداء عمل.. مصر إني أروح معاه بس بصراحة أنا مرتبكة.
أخفضت ساقها عن الاخرى ونهضت إليها مرددة باهتمامٍ وحنان:
_لازم يا فاطيما، خروجك وشغلك في حد ذاته هيمحنك القوة، وبعدين أنا عايزاكي كمان معايا في ادارة مركز علي الطبي، هتكوني مسؤولة عن الحسابات وبكده هتساعديني.. زينب كمان هتكون موجودة معانا فالموضوع هيكون لطيف وهيعجبك.
تحمست للغاية وكادت بأن تشكرها ولكن صوتًا رجوليًا، مشاكسًا صدح لهما:
_مش معقول يا فيري بتقصري على عقل موظفتي وشريكتي وبتغريها تكون معاكي!!
وبدراما مضحكة قال:
_ طيب وأنا مفكرتيش فيا! بس في اللحظة دي هقولك no way فاطيما تتخلى عني لإنها عارفة إن مايا مش هتقدر تنزل الشركة وهي تعبانه صح يا فاطيما؟
ابتسمت مرحبة بتمسكه بها، وقالت لتراضي الاطراف:
_خلاص أنا هفضل مع عُمران لحد ما مايا تولد وتقوم بالسلامة إن شاء الله وبعدها هشتغل مع حضرتك يا فريدة هانم لإني بجد متحمسة للفكرة من دلوقتي.
اتسع ثغرها بابتسامة رقيقة وقالت:
_تمام يا حبيبتي.. يلا روحوا عشان متتاخروش.
غادر عُمران برفقتها، بعد أن اعتلت المقعد الخلفي، وصل بعد عشرون دقيقة للفندق المقام به الغداء، هبط مسرعًا من مقعده حينما وجد أحد العاملين بالفندق يمارس مهنته بفتح أبواب السيارات، فوضع يده على يده الواشكة على فتح باب فاطمة المرتبكة، قائلًا ببسمة جذابة:
_عذرًا… إليك مفاتيح السيارة.
وناوله المفتاح وابتعد يفتح بابها إليها، طُعمت نظراتها بالامتنان، وازدادت ثقتها بأنه لطالما لجوارها سيمنع أي سوءًا يحدث معها مثلما أخبرها زوجها الحبيب.
اتبعته للداخل حيث طاولة تتوسط المكان المحجوز أكمله لذلك الاجتماع، فكانت الطاولة ضخمة وتضم عدد لا بأس به من النساء والرجال.
مشط عُمران الطاولة بعينيه، واختار، الجلوس بنهايتها رغم أنه سيكون المغزى الرئيسي للاجتماع، ولكن حرصًا منه أن يبعد زوجة أخيه عن الأعين، فسحب المقعد ما قبل الاخير وجلس عليه تاركًا لها الاخير حتى لا يجاورها أحدًا.
تعجب جمال من فعلته فترك مقعده ونهض يلحق به، فجلس جواره من الناحية الاخرى يهمس له بصوتٍ كان مسموع لفاطمة:
_أنا حجزتلك جنبي في أول التربيزة قعدت هنا ليه؟!
أجابه بايجازٍ:
_عشان فاطمة تكون مرتاحة في قعدتها.
هز جمال رأسه بخفوت، فسأله عُمران باهتمامٍ:
_طمني شوشو أخبارها أيه؟ وحشتني أوي والله.
اتسعت ابتسامته وردد يخبره بأخر المستجدات:
_من ساعة زيارتك الاخيرة إنت وفريدة هانم وهي مُصرة تعمل دايت وتروح جيم!!
طالعه قليلًا بدهشة انقلبت لموجة من الضحك، فشاركه جمال بتحفظٍ، بينما ردد الطاووس الوقح:
_طيب بلغها بقى إن أول ما تخرج من المستشفى تخصصلي يوم كامل هاجي أخدها وأرجعها بليل، وقولها إن الخروجة دي هتشكرني عليها أول ما ترجع مصر ويقابلها الحاج وقتها هيزيد عشقها ليا.
تقوست شفتيه وصاح بيأس من تغيره:
_ناوي على أيه يا وقح.. أمي مش حمل دماغك السم دي!
عدل من جرفاته الرمادي وأجابه بغرورٍ:
_كل خير يا جيمي.. وبعدين لازم يكون عندك ثقة فيا شوية!
احتل حزنًا غامضًا عينيه وأجابه بنبرة عميقة:
_ثقتي فيك أكبر مما تتخيلها يا عُمران.
ترك كوب المياه الذي تجرعه بأكمله وقال بشكٍ:
_في أيه؟
تنحنح يجيبه بخشونة:
_في أيه بس ما أنا كويس أهو!!
منحه نظرة متفحصة جعلت الاخير يتهرب منه، وصاح بعصبية لا تليق بهدوئه:
_بطل تبصيلي نظرة المحقق كونان دي!
تطلع أمامه وحرر جاكييه الأسود ليحصل على جلسة مريحة هادرًا بوعيدٍ:
_ماشي يا جيمس لك روقة بعد الاجتماع، هقررك بطريقتي!
حدجه الاخير بنظرىٍ مشتعلة وغير سياق الحديث حينما مال للامام قليلًا ليتمكن من رؤية زوجه أخيه، مرددًا بلطفٍ:
_إزيك يا مدام فاطمة.. منورة الاجتماع.
رفعت مُقلتيها إليه، وبتوترٍ ملحوظ لهما قالت:
_ميرسي.
عاد جمال بظهره للمقعد باستغراب من طريقتها الغامضة ولكنه لم يعلق وتابع الاجتماع باهتمامٍ
ازداد عدد المتواجدين تدريجيًا، حتى احتل الصف المقابل لهم عدد منهم، ووضع الطعام ليتناولونه قبل بدأ الاجتماع.
نهض عُمران يجذب احد الاطباق، واضعًا أصنافًا متعددة من الطعام ووضعه قبالة زوجة أخيه حتى لا تضطر للوقوف والانحناء بجسدها أمام الرجال الحاضرون برفقة السيدات، حتى المياه والمناديل الورقية وضعها، كأنما يصطحب معه ابنته الصغيرة أو شقيقته شمس المعتادة منه على المعاملة الرقيقة تجاهها.
واستدار تجاه جمال فوجده غير عابئ بالطعام من أمامه،عقله شارد فيما حدث بينه وبين زوجته، فسأله بمزحٍ:
_عايز مساعدة! أغرفلك طبق ولا أيه نظامك؟
أشار له نافيًا:
_لا ماليش نفس.
جحظت عينيه بدهشةٍ، فترك الطبق من يده وجلس جواره باهتمامٍ:
_اتكلم يا جمال وقولي مالك بدل ما أقسم بالله أنيمك مكانك.
وبهمس مكبوت بغيظه:
_مهو أنا مش هحايل في أمك طول القعدة انطق!!
زفر بمللٍ منه، وبنزقٍ نافر قال:
_متخانق مع صبا يا عُمران ارتحت!!
زم شفتيه ساخطًا:
_تاني!! أقصد عاشر..إنت يابني آدم معندكش دم!!! راعي إنها حامل ومش حملك.
راقبه بصمتٍ فراقب الجمع وعاد يميل هامسًا ليتمكن من سحب الحديث من فمه:
_بص لو نرفزتك إن ريحتك مقرفة مثلًا فمتقلقش تقريبًا كل الحوامل كده.. أنا اتاكدت من يوسف امبارح!
منحه نظرة ساخرة، فحك لحيته النابته وعاد يخبره:
_طيب طلبت منك أكلة مش موجودة في لندن وقلبتها نكد عليك!
مال للأمام على الطاولة بقلة حيلة، فجذبه عُمران للخلف بعصبية كادت باسقاط المقعد ونهض يجذبه من رقبته صارخًا بانفعالٍ، متناسيًا وجوده بمكانٍ هكذا:
_بروح أمك قاعد تتدلع عليا، ما تنطق فيك أيه؟ مبقتش حمل أنا المناهدة كفايا قرف نعمان ومصايبه!
برق جمال بصدمة وصاح للاخير:
_عُمران إنت اتجننت الناس حولينا!
تهدل ذراعه عنه بحرجٍ شديد وعاد لمقعده ببطءٍ راسمًا بسمة بالكد وردد:
_أعتذر لكم.. اكملوا طعامكم نحن على ما يرام تمازحنا فحسب!
عاد الجميع لتناول طعامهم والاحاديث الجانبية فيما بينهم تغطي على المعركة الدائرة بين عمران وجمال الذي صاح بعصبية:
_عجبك كده!!
أجابه بنزقٍ:
_مهو أنا مقدرش أقعد هادي وشايفك بالوضع ده وأنا أساسًا فضولي!
رغمًا عنها يصل لهما حديثهما، وجل ما يسيطر على تفكيرها اكتشاف جوانب غامضة من شخصية عُمران، حالها كحال من ينخدع كونه شخصية صارمة مخيفة، من ذو القساة قلوبهم، أعجبها اهتمامه برفيقه في اطار حوار عاديًا بينهما.
سحب عُمران طبق إليه ووضع به قطعتين من اللحم، غمس قطعة صغيرة بشوكته وقربها من جمال الذي تأفف بضجرٍ:
_ماليش نفس أحلفلك بأيه عشان تصدق!! بلاش تحسسني إني المدام وقلقان على اللي في بطني من قلة الأكل!!
ألقى الملعقة بطبقه وتركه من أمامه دون أن يتناول شيئًا هادرًا باستهزاء:
_وإنت تطول يا معفن!
وتابع يحذره باشارة منه:
_بلاش تستفزني يا جمال بدل ما أقوم أطربق تربيزة كفار الجاهلية دي فوق دماغك!
ضحك رغمًا عنه فما أروع تشبيهه، حيث كانت تضم كميات طعام مبالغ به، فمال إليه يخبره بارتباكٍ من رد فعله:
_عايز أسحب منك لقب الطاووس الوقح وأحطلك بعد إسمك سايكو بحيث تكون عُمران سايكو!
ضاق برماديته بنظرة ساخرة، وعدل من جاكيته بغرور وثقة:
_أنا لو دماغي سايكو (مجنون) زي ما بتقول مكنتش وصلت للمكان ده! أنا دماغي ألماظ حـر واللي جايلي لحد مكتبي واثق كل الثقة إنه جاي المكان الصح.
كاد بأن يشاكسه جمال ولكن قطعه حديث الممولين، بالحديث بفخر عن المشروع الضخم المقام بمبالغ مُذهلة، وبعد حوار طويل شرع بفخر تعامله مع شركات “عُمران الغرباوي” لتنفيذ مشروعه، وبالاشادة إليه انطلقت وابل من التصفيقات والأعين تتجه إلى مكانٍ جلوسه، فأصبح مكان فاطمة بارز للعلن، مما أزعج عُمران كثيرًا.
نهض من محله يشير لهم بكبرياء وثقة اتبعت نبرته القوية:
_شكرًا لكم… ولكني لست المسؤول عن المشروع بمفردي، لدي شريكًا أخر يساندني.
وأشار لجمال معلنًا إسمه على ملأ من جمع كبار رجال الأعمال، لينال نفس النصيب من المدح والتصفيقات، فاضطر أن ينهض جوار عُمران بعد أن أرغمه بذلك.
مضت نصف ساعه ومازال النقاشات قائمة، ولكن أغلب الآعين تراقب مكان عُمران بعد أن كُشف عن هويته بفضول لرؤية ذلك المهندس الذي صنع لذاته صيتًا باهرًا، مما بدد الخوف والرهبة داخل أعماق الجالسة لجواره، ومازالت تحاول المحاربة.
رفعت رأسها فوجدت احد الرجال الجالسون قبالتها يتمعن بها من رأسها لأخماص قدميها، وكأنها عارية، اختلجها الخوف فمالت على عُمران تناديه على استحياءٍ وما أن أجابها حتى قالت بتوترٍ:
_ممكن أخرج أستناك بره؟
كاد أن يتساءل عن سبب طلبها المفاجئ ولكن قطعه صوت نفس الرجل المحدق بها يردد بنظراته الجريئة:
_تعجبت من جلوسك هنا رغم أنك من أهم الحاضرون هنا وما أن جلست قبالتك حتى كشفت تلك الجوهرة الفاتنة تتخفى لجوارك!
وتابع وهو يلعق شفتيه بطريقة مقيتة لمن يفهم مغزاه:
_لحسن الحظ أن السيدة مايسان لم تحضر برفقتك والا لما حظيت برفقة تلك الحسناء!
لحسن حظها بأنها لا تجيد الايطالي مثلما يجيده عُمران وجمال، تصاعدت النيران من حدقتيه بشكلٍ مخيف، أخر ما يتوقعه الآن أن تطولها نظرات ذلك السفيه القذر، ومبالغته فيما يفعل لمجرد تأكيده بأنها ليست زوجته، انفجرت الدماء من أوردته، فمال برأسه يسارًا ويمينًا مصدرًا صوت طقطقة مخيفة، ارتعب جمال من رؤيته كذلك، فأمسك معصمه المتعصب هادرًا:
_اهدى يا عُمران هو ميقصآآآ…
طاحت باقي جملته حينما قلب الطاولة التي تفصله عنه، وفي لحظة كانت يده تلتف من حول رقبة غريمه، يجذبه بقوةٍ ليواجه ذاك الجحيم المتأجج داخل رماديته الداكنة، وبصوتٍ جهوري أرعب ذاك المعلق بين يديه:
_لانها ليست زوجتي هل يحل لك النظر لها بتلك الطريقة الوضيعة… حسنًا إليك مفاجآتي إنها شقيقتي وزوجة أخي أيها الوضيع!
أنهى كلماته وأسقطه أرضًا يطيحه بركلة قدمه بقوةٍ أمام أعين باقي الحضور المندهشون لما أصاب عُمران لمجرد كلمة وجهها لموظفته الخاصه، ارتعبت مما يحدث ودنت منه تتساءل بخوفٍ:
_عُمران في أيه؟؟
صرف عنه عفاريته ووقف إليها يمنحها مفتاح سيارته قائلًا بهدوء يحاول الالتزام به خشية من أن تصيبها أي نوبة:
_استنيني في العربية يا فاطمة.. شوية وجاي.
هزت رأسها وغادرت على الفور لشعورها باضطراب يصيبها، رعشة يدها وجسدها أخافتها ان تهاجمها النوبة هنا وبرفقة شقيق زوجها، انهمرت دموعها تباعًا وحاولت فتح سيارته بيدٍ مرتعشة أسقطت المفتاح أرضًا وجعلتها تجلس على الرصيف باهمالٍ.
فتحت فاطمة حقيبتها سريعًا تبحث عن هاتفها لتطالب أكبر هالة تمنحها الأمان والسكون، حررت زر الاتصال به ورعشتها تزداد تدريجيًا.
*****
على الجانب الاخر كان يجلس برفقة شقيقته بأحد المطاعم، بعد ان قام باصطحبها لقصر عائلة الغرباوي بالقاهرة، فتعالت ضحكاته بعدم تصديق لما تخبره به وأنهت حديثها بضيقٍ:
_متضحكش يا علي.. كنت هعمل أيه يعني لو عُمران عرف إنه شافني كده! مش بعيد كان ركب على أول طيارة ونزلي أنا وآدهم.
أطلق ضحكاته الرجولية بحريةٍ، وصاح ساخرًا:
_طيب وبتحكيلي ليه لو مقتنعة إنك عملتي شيء غلط!!
أجابته بتلقائية:
_لانك عاقل وجنتل في نفسك كده، متأكدة إنك هتقعد وتسمعني ونتفاهم لكن الطاووس الوقح ده دراعه اللي بيتفاهم!!
ضحك مجددًا فابتسمت وتابعت لتزيد ضحكاته التي تسعدها:
_بس شكلي كان مسخرة لدرجة إن والد آدهم اتبرى منه وطلع جري من الاوضة مفكرني شبح مراته!!!
سعل بقوةٍ وهو يرتشف عصيره من فرط الضحك، فقال بحزمٍ مصطنع:
_خلاص بقى هفطس منك كده يا شمس.
وأشار على طبقها الذي مازال كما هو بينما انتهى هو من طعامه:
_يلا خلصي أكلك عشان نتحرك.. الوقت اتاخر ومينفعش ندخل بيوت الناس في مواعيد متأخرة.
هزت رأسها بتفهم وشرعت بتناول طعامها، بينما تلقى هو مكالمة زوجته، فنهض على الفور يردد:
_ثواني وراجع يا شمس.. معايا مكالمة.
حركت رأسها بخفة فابتعد هو وفتح الهاتف يردد بحبٍ:
_حبيبتي كنت هكلمك أول ما أرجع على طول… ها طمنيني الاجتماع كان عامل ازاي؟
لم يستمع لصوتها، فقط صوت شهقات يتسلل لها، فردد بلهفة ممتلئة بالخوف:
_فطيمة!!! في أيه؟؟
لا رد يريح قلبه الثائر فعاد يتوسل لها:
_حبيبتي ردي عليا طمنيني إنتِ كويسة؟
ازدادت الشهقات مما دفعه لقول:
_ردي عليا يا فاطمة.. طيب فين عُمران اديهوني أكلمه؟
أجابته برجفة صوتها المرتعش:
_جوه في الفندق.
التقط أنفاسه ببعض الراحة لسماع صوتها واستمر بأسئلته:
_طيب وانتي فين؟
قالت وهي تستند على السيارة:
_بره عند عربيته مش قادرة أفتح بالمفتاح وجسمي كله بيرتعش.. آآ…. أنا خايفة يا علي!
كبت وجعه بتلك اللحظة وردد:
_من أيه يا قلب علي.. فهميني أيه اللي حصل وليه عُمران سايبك عند العربية لوحدك؟
وقبل أن تتحدث قال:
_خلينا الأول نسيطر على الحالة اللي عندك قبل ما تقلب لنوبة، اهدي يا حبيبتي ونظمي نفسك، شهيق وزفير على مراحل.
اتبعت تعليماته نصيًا، لعدم رغبتها بحدوث ما يجعلها بموقف حرج، خمسة دقائق استغرقتهم حتى هدأت تمامًا، اتاها صوته الدافئ يتسأل بنبرة تعشق سماعها:
_أحسن؟
_الحمد لله
_قادرة تقفي؟
_أيوه.
_قومي واقعدي جوه العربية وافتحي المكيف عشان تكوني مرتاحة في الكلام.
نفذت ما أملاه عليها، صوته الحنون ذاته قد ساهم بتهدئتها عوضًا عن تمارينه الطبية، وما أن شعر بهدوئها قال:
_احكيلي اللي مضايقك؟
استجمعت شجاعتها للحديث دون بكاء:
_مش عارفة أنا كنت كويسة، وعُمران بصراحة كان مطمني، تصرفاته من بداية دخولنا لحد ما اختار مكان ورا عشاني، بس فجأة المكان بقى زحمة فحسيت بالخوف، وكمان معرفش أيه اللي، حصل فجأة عُمران اتنرفز ومسك واحد من اللي جوه ضربه جامد.
_ضربه ليه؟
_معرفش أنا مش بعرف ايطالي يا علي.
_طيب اهدي وكملي أنا سامعك ومعاكِ يا حبيبتي.
_مفيش هو طلب مني أخد المفاتيح واستناه بره بس أنا لما خرجت معرفش ليه حسيت ان الدنيا بتلف بيا ومقدرتش أقف على رجلي فكلمتك على، طول.
ربط علي الأمور وانتهت بشكٍ يراوده، فاحتجت أوردته باحتقانٍ غاضب، فمن المؤكد بأن أخيه لن يتطاول على أحدٍ بمجال عمله الا إذا تلصصت عينيه على نساء منزله، وقد طالت الآن فاطمة.
حافظ على هدوئه وقال بحب:
_كل ده طبيعي وعادي جدًا يا فطيمة… أما نرفزة عُمران فممكن تكون خلافات في شغله وهو مش من النوع اللي نفسه طويل.
واستطرد بحنان:
_أنا معاكي أهو ومش هسيبك الا لما يرجع وأطمن إنك رجعتي بخير.
قالت وهي تخفض نافذة السيارة المعتم لتتفحص القادم بوضوحٍ:
_عُمران جاي أهو.. بس في واحد جاي ورا أعتقد ده اللي كان بيتكلم في الميك أغلب الاجتماع.
بقى “علي” على الهاتف، فاستمع لصوت فتح باب السيارة وعُمران يتحدث لها:
_هنتحرك على البيت على طول يا فاطيما، انتي كويسة؟
أجابته بارتباكٍ من أن يكون لاحظ حالتها:
_أيوه.
أوقفه من هرع إليه يصيح باللغة الايطالية المفهومة لعلي الذي يستمع لكل ما يدور بفضل اقتراب عُمران للسيارة ، يكاد يكون ملتصق بها:
_سيد عُمران أعتذر لك نيابة عن جيرمان، وأمل أن تقبل اعتذاري وتعود لمتابعة امضاء العقود.
أجابه بحزمٍ وصرامة مخيفة:
_أي عقدًا هذا! تناسى أي عقود تربطك بشركاتي إن بقى هذا القذر شريكك دانيال .
ارتعب الرجل وكاد بأن تصيبه إغماء، تطلع للخلف فاتتبه لجمال الذي يدنو إليهما فناداه باستنحاد:
_سيد جمال أرجوك أن تجعله يصفح خطيئة هذا الأحمق بالنهاية لقد اعتذر لك عما فعله.
صرخ باشتعالٍ يمزقه إربًا:
_أي إعتذار هذا.. لقد تجرأ ذلك الأرعن وتطلع لزوجة أخي بوجودي!!!!
_لم يكن يعلم بأنها زوجة أخيك!
_حتى وإن كانت أحد موظفيني كان سينال العقاب نفسه.
أجلى جمال صوته الهادر يحدثه بالعربية:
_خلاص بقى يا عُمران ما انت بهدلت الراجل وكسرتله رجله لسه عايز تعمل أيه تاني!
جذب جمال تجاه سيارته القريبة من سيارة عُمران وقال:
_متتدخلش في الموضوع ده يا جمال، اركب عربيتك وروح لوالدتك اتاخرت عليها.
لم يكن دانيال يفهم ما يحدث بينهما، ولكن دفعة عُمران أكدت له طلبه بالرحيل، فأمسك يده يترجاه:
_من فضلك سيد جمال لا ترحل دون أن نصل لحل.
وتطلع لعُمران يخبره:
_أخبرني مستر عُمران ما الذي يُرضيك لفعله، أنا على استعداد لفعل أي شيء الا خسارتك!
حل الخبث بمُقلتيه، وارتكن على ظهر سيارته جوار نافذة فاطمة بالتحديد، يخبره بكبرياءٍ:
_إن أصبح ذلك الحقير خارج شركاء المشروع ربما حينها أقبل بأن يسري العقد بيننا.
بدى دانيال مشتتًا، لا يعلم كيف يتخذ القرار، من ناحية أحد الشركاء الخمسة بالمشروع والناحية الاخرى “عُمران سالم الغرباوي ” الذي تفنن ليقبل بمشروعه رغم أنه مشروعًا هامًا يتمنى أي شخص أن يكون المحظوظ بتولي مهمة تنفيذه.
كسر قاعدة صمته وجمال يتابع ما يحدث بفضول لمعرفة ما يدور بعقله، حتى علي يكاد ينفجر من الغيظ من تصرفات أخيه، فحينما استمع لجمال يخبره بأنه كسر قدمه وأوسعه ضربًا شُفي غليله وهدأت انفعالاته، بل بات فخورًا بأنه أمن أخيه على زوجته، ولكن لا يرضى أن يخسر عُمران مشروعًا هامًا وضخمًا مثل ذلك، فلقد ذاع صيته بأكثر، من بلدٍ أوروبية وباتت وجهة مشرفة لعمران.
كسر الصمت بينهم صوت دانيال يخبره بارتباك:
_لا أريد خسارة تعاملاتك سيد عُمران ولكن أنا الآن عاجز، فهو شريكًا بنسبة ثلاثون بالمئة مثلي، ونحن الآن في عجلة من أمرنا للبدء في تنفيذ المشروع فإن فعلت ذلك سنضطر للانتظار حتى نجد شريكًا أخر يحتمل تلك النسبة ويدفع نفس المبلغ المتفق عليه.
بسمة انتصار ارتسمت على ملامح عُمران الغامضة، فسأله بشيءٍ من اللامبالاة:
_كم تقدر؟
_مئة مليون دولار أمريكي.
انتصب بوقفته وقال بخبثٍ جعل علي وجمال يرفعون القبعة لذلك الماكر:
_حسنًا دانيال لا يرضيني خسارتك وتأخير مشروعك، ولكن كما تعلم أنا لا اتهاون مع من يسيء لي لذا سأعوض خسارتك تلك بعرضي التالي، سأجد لك شريكًا بديلًا لذلك الحقير، عليك فقط فسخ العقود معه وأحضر عقودًا جديدة لمكتبي بالغد، ستجد المبلغ والشريك الجديد حاضرًا.
_ومن هو؟
ظنوا جميعًا بأنه سيكون هو، ولكنه فجأهم جميعًا حينما قال بغموضٍ:
_أحمد الغرباوي..مؤكدًا سمعت عنه.
تهللت أسارير الرجل لنيله شريكًا مثل ذلك، من قادة وأثرى الطبقة الآرستقراطية، فردد بحماسٍ:
_حسنًا سيدي… غدًا سأحضر أنا والثلاث شركاء الاخرون.
هز رأسه وأجابه بجمود:
_غدًا سنكون أنا وفريقي بالموقع.. ولكن إن خالفت اتفاقك أخشى مصارحتك بما سأفعله بك ربما لن نجد أمك حاضرة لعلاجك!
ارتعبت ملامح الرجل وهز رأسه بتأكيد فما أن غادر حتى انفجر جمال ضاحكًا، هاتفًا بعدم تصديق:
_يخربيت دماغك السم دي يا وقح! أيه التخطيط السريع ده.
أجابه بصوتٍ مختنق:
_هو اللي بدأ يستحمل ابن ال.. ولا بلاش عشان فاطمة متستحقرنيش لو شتمت.
ابتسمت وقالت بحرج:
_هو أنا مفهمتش أي حاجة من الحوار بس علي فهم وعايز يكلمك.
قالتها وهي تقدم له الهاتف، انتفض بوقفته يعاتبها بارتباكٍ:
_مش تقولي إنه على الفون يا فاطيما… يعني سمع كل ده!!
هزت رأسها موكدة له، فضحك جمال وودعه قائلًا:
_اشوفك في الموقع بكره.. سلام يا طاووس.
وتركه وغادر، فاستقل عُمران مقعد القيادة ووضع الهاتف على أذنيه يردد:
_حبيبي يا دوك، كده تطول في الغياب والقلب حزنان!!
_سيبك من الاسطوانة اللي مبتأكلش عيش دي، وقولي إنت ازاي تكسر رجل الراجل وتضربه بالوحشية دي؟
_يعني أنت لو مكاني كنت عملت أيه وهو بيآ…
_متوضحش مش عايز فطيمة تفهم حاجة.. أنا معاك في اللي عملته ولو كنت موجود كنت هعمل أكتر من كده بس إنت في مكان مهم وحوليك ناس مهمين فبالتالي هيتاخد عنك أفكار وحشة هتضرك في شغلك يا عُمران وبعدين أيه الفيلم اللي عملته على الراجل ده، أقنعتني من كلامك إنك عايز تكون انت الشريك وفجأة قولت على عمي!!
_عشان أنا مش فاضي لادارة مشروع ضخم زي ده بالرغم من إن أرباحه وهمية ومضمونة، وكمان عايز أرد جزء من جمايل عمك علينا يا علي.
ابتسم وهو يجيبه باحترامٍ:
_فخور بيك وبالرغم من إنك الصغير بس ساعات بتعمل حركات بتكبرك في عيني.. بس مش في كل الاوقات لما الطاووس، الوقح بيحضر مبيحضرنيش أي احساس غير الغضب.
ضحك وهو يخبره:
_خلاص هطفشه ولا تزعل يا دكترة!
_طيب اقفل يلا واتحرك عشان فاطمة ترتاح.
_حاضر… سلام.
وأغلق هاتفه ثم ناوله لفاطمة وقاد عائدًا للمنزل بلهفة اللقاء بعمه وإجباره بالمشروع الذي سيعد له دجاجة تبيض ذهب.
*******
بمنتصف الليل عاد آدهم لمنزله ظنًا من أن والده قد خلد للنوم، فلا يريد أن يواجهه الآن، يعلم بأنه سيتألم إن رأه حزينًا.
فما كاد بصعوده الدرج حتى اتاه صوت أبيه من خلفه:
_هتقاطع أبوك يا عمر! خلاص قلبك قسى عليا!
سحب نفسًا طويلًا قبل أن يستدير له، فهبط إليه واقترب لينحني مقبلًا يديه وهو يردد بحزنٍ:
_عمري ما أقدر أقسى عليك يا حبيبي.. هو أنا ليا مين في الدنيا غيرك!
انهمرت دمعات مصطفى بتأثرٍ وقال ببكاء:
_حقك عليا يابني.. أنا حتى مخترتش الوقت الصح اللي أقولك فيه الحقيقة، على الأقل كنت رعيت وجود مراتك وأخوها.. هيقولوا أيه لما يلاقوك كده.
ابتسم رغم ارهاق ملامحه واحمرار عينيه:
_أنا كويس.. مفيش فيا حاجة.
ضم وجنته بيده وقال بلهفة وخوف:
_سامحتني يا عمر؟
ضعف قبالته وغزت دمعته الغالية وجنته، فتحرر صوته المحتقن:
_مش مهم أنا.. المهم هو يسامحك يا بابا.
احنى رأسه للأسفل وانفجر بالبكاء، وبكل يأس حمله جذب كف ابنه يقبله وهو يصيح بتذلل:
_أبوس ايدك يا عمر تجمعني بيه قبل ما أموت.. عايزه يسامحني يابني حتى لو هتذلل وأبوس رجليه.
جذب كفه بصدمة من فعل أبيه وصاح بألمٍ:
_بتعمل أيه بس!! حرام عليك تزيد في وجعي.. أنا معاك وهساعدك عشان أنا كمان محتاجله ولو رفض يسامحك أنا اللي هتذلل ليه لكن إنت لأ يا بابا.. إنت غالي ومكانتك بالنسبالي فوق أي حد حتى لو كنت غلطان.
احتضنه مصطفى بحبٍ وردد ببكاء:
_مخرجتش من الدنيا دي غير بيك إنت يا عمر.. إنت كنزي وابني الصالح اللي متأكد إنك هتكون بار بيا بعد وفاتي.
قبل كف يده باحترامٍ وحب:
_بعد الشر عليك… ربنا يجعل يومي قبل يومك.
أزاح آدهم دموع أبيه وارتفع بجسده يطبع قبلة على رأسه، ثم دفع مقعده لغرفة المكتب لضمان عدم سماع أحدٌ حديثهما، وما أن ولج للداخل حتى سحب مقعدًا خشبيًا وجلس قبالته يسأله بكل ذرة اهتمام:
_قولي كل اللي تعرفه عنه.. أي معلومة صغيرة هتفيدني… ومتخافش عليا أنا جاهز لسماع أي شيء، بس المهم تقولي الحقيقة عشان أقدر أساعدك… قولي أخويا فين؟!
ي