تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ايه محمد رفعت
راقب "علي" أخيه وهو يلتهم الحلوى بنهمٍ واستمتاعٍ غريب، بينما تتابعه "مايسان" بنظرةٍ محتقنةٍ جعلته يجذب أحد المحارم ويزيل ما بأصابعه. انحنى يجذب مقعدها إليه بطريقةٍ أفزعتها، أبقاها مقابل مقعده وردد بابتسامةٍ واسعة:
_ حبيب قلبه لسه شايل الهم ليه، يا قلبي إنتِ جوزك عمران الغرباوي قاصف الجبهات وبالذات جبهة نعمان الملزق، اطمني ومتخافيش لو قال لفريدة هانم حاجة أنا هدافع عنك لأخر نفس.. ده لو عنده الجرأة إنه يقولها أساسًا.
ابتلعت ريقها بارتباكٍ من جراءة حركته، فأبعدت ذراعيه عنها وتراجعت بالمقعد لمكانه الصائب أمام مقعد علي الرئيسي.
هز علي رأسه بمللٍ من تغير أخيه الوقح، ومال بجسده لحافة مكتبه الزجاجي يخبره بجديةٍ تامة:
_ هدي اللعب شوية يا عمران، إنت عارف إن فريدة هانم بتتضايق جدًا من الصراعات اللي بينك وبين خالك، بلاش تضايقها وبالأخص بالفترة اللي هي بتمر بيها، خلي الكام يوم اللي هيقعدهم معانا يمروا بسلام.
احتدت معالمه بشدةٍ، وانجرف بمقعده يقابل أخيه، هاتفًا باستنكارٍ:
_ أنا اللي بخلق مشاكل بيني وبينه يا علي! خالك الملزق ده مش بيفوت فرصة واحدة غير وبيحاربني فيها.. كل هدفه إنه يسيطر على شركة العيلة عشان يكون المساهم الأكبر فيها!
وتابع بغيظٍ يزيد من قتامة نبرته:
_ واللي مضايقني بجد إننا كلنا كاشفين حقارته الا فريدة هانم الوحيدة اللي شايفاه ملاك بأجنحة!
_ لا يا عمران.. فريدة هانم أكتر واحدة فاهمه خالك وفاهماه كويس أوي كمان.
حطم علي ثقة أخيه بعدم معرفة والدته لأهداف ذاك اللعين، فابتسم ساخرًا وفاض:
_ ولما هي عارفة قذارته دي ساكتة ليه.. ماسك عليها شيء بجبرها إنها تتعامل معاه وتستقبله في بيتها كل اجازة ينزلها!
تغاضى عن سخريته لعلمه كم يكره أخيه ذاك الرجل الذي لم يترك أي فرصة إلا وحاربه بكل قوته لإنه يعد الشوكة العالقة بحلق نعمان، على عكس علي البعيد كل البعد عن مجال عمل عمران والذي نفسه مجال عمل نعمان الغرباوي وأحمد الغرباوي وباقي العائلة، لذا أجابه بعقلانية:
_ مش ماسك حاجة عليها يا عمران، فريدة هانم بتحاول بكافة السبل تحافظ على علاقتها بنعمان لإنه أخوها الوحيد اللي اتبقالها من كل عيلتها، بعد وفاة خالتك وجدتك مبقاش ليها حد غيره، بتتجاهل كل تصرفاته لإنه أخوها الوحيد.
سكنت معالم وجه مايسان بحزن، وأجلت صوتها الخاضع لفترة صمته:
_ بس يا علي سكوتها خلاه يتمادى.. إنت مشفتهوش وهو بيكلمني الصبح إزاي.. مصمم إنه يخليني أبيعله نصيب مامي الله يرحمها وعنده ثقة غريبة إنه هيقنع خالتي تبيعله نصيبها.
طرق عمران المكتب بعصبيةٍ جعلته يهتز من أمامهما:
_ ده على جثتي.. عمري ما هنوله اللي في باله أبدًا.
وتابع وهو يحدق بوجه أخيه:
_ هو مش مدرك إن اللي عايزه ده هيتسببله في خساير ملهاش أخر، طول ما أنا شريك ليه مش بيعرضه إنه يكون منافس ليا، يوم ما فريدة هانم تخضعله وتبيعله نصيبها هيكون نفس اليوم اللي هواجهه في السوق ونشوف بقى ساعتها هيقدر يصد ولا هيجيب ورا.
مسح علي وجهه بعصبيةٍ بالغة، يحاول جاهدًا التشبث بطائفةٍ من الصبر ولكنها تنفذ منه الآن، فقال بنزقٍ:
_ عمران إعقل وبلاش مشاكل مع خالك، صدقني فريدة هانم حالتها متسمحش لكل اللي بيحصل ده.
تريث قليلًا بانفعالاته المقتضبة حينما تذكر حالتها وبكائها بين ذراعيه، لانت تعابير وجهه بطريقةٍ مدت الأمل لعلي وقد تسنى له معرفة شيئًا يخفيه عنه عمران، حسنًا هو الآن على ثقة بأنه يعلم مقصده عن حالة والدته جيدًا.
اكتفى عمران بهزةٍ بسيطةٍ من رأسه توافق على حديث علي، وانتصب بوقفته بكل عنجهية مشيرًا لزوجته:
_ يلا يا مايا.
نهضت تجذب حقيبتها، فجذب علي مفاتيحه ولحق به قائلًا بفضول:
_ على فين؟
أجابه وهو يحرر باب غرفته:
_ هرجع البيت أغير هدومي علشان حفلة افتتاح عيادة دكتورة ليلى، أوعى تنسى يا علي، يوسف هيزعل لو مجتش.
أغلق الباب فور عبورهم للخارج، وقال:
_ كويس إنك فكرتني، هخلي فاطيما تلبس وهنحصلكم على طول.
هز رأسه بخفة، واستدار إليه يخبره بعدما تذكر أمر أيوب:
_ أنا هغير وهنزل على طول وإنت ابقى هات معاك مايا لإن في مشوار مهم جدًا لازم أعمله الأول.
أجابه ببسمةٍ جذابة:
_ مفيش مشكلة، روح إنت مشوارك ومتقلقش.
منحه ابتسامة ممتنة قبل ان يحيط بخصر زوجته ويتجه للمغادرة للمنزل، ومن خلفه علي بسيارته.
ما أن حرر السائق باب السيارة لفريدة وشمس حتى هرولت للمبنى راكضة وقلبها يتقافز كالطفلة الصغيرة، هبط أحمد يغلق زر جاكيته الأسود وإتجه بخطواتٍ متوازية مقدمًا يده لفريدة بحركةٍ لا يفعلها سوى الرجل الملقب بين فئة النساء (جنتل مان).
منحته ابتسامة رقيقة وهي تمد يدها الملتفة بملبس اليد الحريري الأسود الذي يصل لمنتصف ذراعيها، لتقف أمامه بتنورتها البيضاء وجاكيتها المماثل، وقبعتها التي أضافت لطالتها لمسة تعيد زمن انتهى بحرافيةٍ طالته وجمال لمساته.
خلعت فريدة عنها معصم اليد ووضعته بحقيبتها المعلقة على ذراعها، وخطت جوار أحمد برشاقةٍ وانسيابية تاركة كعب حذائها المرتفع يطرق صداه على الأرضية، بينما نظرات ذاك العاشق تحيط بها ويده تشد من ضم كف يدها الرقيق.
انسجما كثنائيٍ متوافق، بالرغم من أنهم ليس كهؤلاء المراهقين ولكن انسجامهما معًا كان رائعًا، وكأنهما هربا معًا من فيلمٍ قديمٍ بلونه الأسود والأبيض.
صعدوا الدرج قاصدين الطابق الثالث، فابتسم أحمد بسخريةٍ وهو يراقب شمس التي تسبقهما بطابقٍ كامل، وصاح بمشاكسة:
_ اطلعي بهدوء يا شمس، عارفين إنك واقعة في حب سيادة الرائد وبالشكل ده هتقعي في حضن المستشفى كام يوم، انتبهي لخطواتك.
توقفت عن الصعود بخجلٍ من سماع صوت ضحكات والدتها وعمها، فادعت اتزانها الغير موجود، وحملت طرف فستانها بشكلٍ راقٍ اعتادته من والدتها ثم صعدت بخطواتٍ بطيئة نسبيًا، ورغمًا عنها عادت لنفس سرعتها السابقة حتى وصلت أمام باب الشقة تدق الجرس بفرحةٍ عارمة وشوقٍ يزين عينيها لرؤيته.
وصل أحمد وفريدة للطرقة المتصلة بالطابق العلوي، فبدت زاوية الشقة وجسد شمس واضحًا لهما، فهمس لفريدة ببسمةٍ ماكرة:
_ في علاقة حب من الطراز الأول كانت بتتم من ورا ضهرنا يا فريدة هانم.
تابعت فريدة لهفة ابنتها لرؤية ذاك الشاب ببسمةٍ هادئة، فانتقلت بنظراتها لأحمد الواقف قبالتها يراقب شمس عن بعد، وقالت بألمٍ استكشفه هو:
_ يا رب ميجرحهاش يا أحمد ويكون يستاهلها.
أتاهما صوتًا رجوليًا يقتحم آذانهما فرفعوا أبصارهم تجاه باب الشقة، فوجدوه يقف قبالة شمس يردد بصدمة:
_ شمس!! أيه اللي جابك هنا؟!
وخرج لها يوارب باب الشقة ويهاتفها بانزعاجٍ وضح لفريدة وأحمد المتابعان للمشهد برمته:
_ أنا مش نبهت عليكي يا شمس إنك متحاوليش تتصلي بيا تقوم تجيني هنا في شقة كلها شباب!! عايزة تزعلي دكتور علي مني وتكسري ثقته اللي حطاها فيا!
كانت مغيبة أمامه تستكشف بعينيها ملامح وجهه، وتنزلق لكتفيه العاري البادي من قميصه المفتوح، تتفحص جرحه الملتف بشاش أبيض بنظراتٍ حزينة، فدنى منها هو يخبرها برفقٍ حينما التمس حزنها وتأثرها برؤية اصابته ومازال أحمد يتابع ذلك الشاب بإعجابٍ تسرب له من رجولته الظاهرة لهما دون حتى أن يعي بوجودهما:
_ حبيبتي أنا كويس والله، عشان خاطري تمشي من هنا مش حابب دكتور يوسف أو حد من الشباب يشوفك هنا معايا، كلها كام يوم وهجي أقابل فريدة هانم وهقنعها بجوازنا بس لحد ما ده يحصل حافظي على مسافة بينا لإني مش هتحمل مخلوق يجيب سيرتك بكلمة.
أتاه صوتًا أنثوي رقيق يجيبه:
_ وفريدة هانم جتلك بنفسها لحد عندك يا سيادة الرائد.
انجرفت عينيه للدرج فتفاجئ آدهم بوجود فريدة وأحمد الغرباوي قبالته، ضم شفتيه بارتباكٍ لاندفاعه بالحديث مع شمس دون أن يستدير حتى جانبه، ففتح الباب الموصود من خلفه ونظف حلقه بتوترٍ:
_ أهلًا وسهلًا فريدة هانم... أنا بعتذر منكم مخدتش بالي إنكم مع شمس... اتفضلوا.
استكمل أحمد وفريدة طريقها للأعلى، فمد يده يصافح كف آدهم قائلًا بلباقةٍ لا تليق سوى به:
_ مفيش داعي للاعتذار يا حضرة الظابط، اللي عملته من شوية ده هيسهل علينا بموضوعنا اللي جينالك عشانه.
فهم مغزى حديثه بسهولةٍ، فتقوس فمه ببسمةٍ هادئة، وأعاد الإشارة لهم:
_ اتفضلوا.
ولجت شمس برفقة فريدة ومن خلفهما أحمد وآدهم الذي أغلق الباب واتبعهم للصالون بخطواتٍ حذرة لا تزيد من تألم جرحه.
جلس قبالتهم ويده تغلق أزرار قميصه بحرجٍ من خروجه بتلك الهيئة، وازدادت ربكته من نظرات الحب القابعة داخل مقلتيها، وكأنها تحاربه بكل أسلحتها ليتجرد من رداء ثباته ويهرع ليضمها لصدره.
كان أحمد اول من قطع ذاك الصمت المربك، فقال بابتسامةٍ جذابة ورماديته تحتضن شمس:
_ كان عندها حق تنجذب ليك يا سيادة الرائد، والحق يُقال إختارت راجل.. قادر يصونها ويحفظها في أي لقاء بيجمعهم.
تجلى له تخمين منظور الأمر الغائم حول جملته، هو ليس إنسانًا عاديًا، عمله حتم عليه ألا يكف عقله عن دراسة أي منظور، فأجلى آدهم صوته أخيرًا حينما قال:
_ مكنش في لقاءات بتجمعنا يا أحمد باشا، علاقة شمس بيا سطحية جدًا، يمكن مهمتي هي اللي أرغمتنا نكون في مكان واحد.
ابتسمت فريدة بإعجاب، يدافع عن ابنتها وكأنهم يلقون عليها تهمة قد تعرضها لعقابٍ قاتلٍ، لم تنكر بأنها كانت فضولية لمقابلة ذاك الشرطي الذي فاز بقلب ابنتها، وها هي تحمد الله عز وجل بأن فتاتها اختارت مثل هذا الرجل الذي سيجعلها تضع يدها بيده باطمئنان.
انطلق صوتها الانوثي ينغرس بأحاديث زوجها قائلة:
_ شمس حكتلي كل حاجة يا سيادة الرائد، وده اللي دفعني أجيك بنفسي النهاردة وأشكرك على إنقاذك وحمايتك لشمس أكتر من مرة.
خطف آدهم نظرة سريعة لشمس المبتسمة، يلتمس بها إلى أي حد أخبرت والدتها وبناء عليه سيتم تحديد مجرى الحديث بينهم، هل سيتعامل برسميةٍ شديدة أم سيخوض حديثًا من نوع آخر؟
ينجح دائمًا بقراءة ما تلقنه عينيها، فعاد بنظراته تجاه فريدة وقال بصوته الرخيم اللبق:
_ فريدة هانم زيارة حضرتك أنتِ وأحمد باشا ده شرف عظيم ليا، إتعودت في شغلي إن الفرصة اللي تقربني من هدفي أستغلها صح لإنها مش بتتكرر تاني، فبما إن فرصتي جتني لحد عندي فتسمحيلي أطلب من حضرتك إيد شمس وطبعًا أنا كنت أتمنى إني أجي أطلبها بنفسي بس صدقيني مش عارف إذا كنت هتحمل لحد ما أستعيد عافيتي ولا لأ، حاسس بقلق وتوتر من البعد بجربهم لأول مرة.
استدارت فريدة لأحمد ومنحته ابتسامةً وإشارةً خفيفة جعلته ينوب بالحديث عنها مقدمًا تهنئته المسبقة:
_ انت اختيار شمس يا حضرة الظابط يعني القرار اتأخد من عندها من قبل ما تطلب، فاسترد صحتك وأول ما تقف على رجليك مستنينك.
تهللت تعابير وجهه بفرحةٍ، واتجهت نظراته لشمس المبتسمة بسعادة، طال بتأملها بعشقٍ جعله يعي لذاته فتنحنح بحرجٍ من نظرات فريدة وأحمد له، ثم قال:
_ أنا نازل مصر في نهاية الأسبوع ده عشان والدي محتاجني جنبه، فأنا كنت أكتب كتابي على شمس قبل سفري ونعمل الفرح بعد تخرجها.
ضحك أحمد وصاح مشاكسًا:
_ حيلك حيلك يا سيادة الرائد، مالك داخل على طمع كده ليه، إحنا لسه بنتكلم على خطوبة تدخل على جواز وكتب كتاب!
ابتسم وكاد بأن يجيبه فقاطعته فريدة قائلة:
_ وأنا موافقة.. قبل سفرك بيوم هيكون كتب كتابك على بنتي، بعد اللي شوفته وسمعته على باب بيتك من شوية يخليني أسلملك بنتي وأنا مطمنة يا حضرة الظابط.
تركت شمس الأريكة وهرولت لفريدة تنحني على ذراع المقعد وتضمها إليه مرددة بسعادة:
_ روح قلبي يا مامتي، أنا بحبك أد الكون كله.
ضحكت برقةٍ وخاصة حينما ردد أحمد بخبث:
_ بتحبيها بردو ولا واقعة في غرام سيادة الرائد وجاي على هواكِ فن استغلاله الفرص.
تلون وجهها خجلًا وخاصة حينما وجدته يبتسم لها، فقال آدهم بحبٍ يتمرد بنبرته الدافئة:
_ أنا بشكركم جدًا على تفهمكم وبوعدكم إني هحميها بروحي، وهقدملها السعادة والفرح وهكون ليها العوض عن كل شيء شافته مع راكان الكلب..
تحلى أحمد برزانته وهدوئه، منحه ابتسامةً هادئة قائلًا:
_ ربنا يخليكم لبعض وميفرقش بينكم، الفراق أصعب شيء ممكن يهدم أي قصة حب.. واللي بينكم كبير يا آدهم عشان كده حافظ عليها.
واستدار بجسده للخلف ليؤكد على شمس:
_ وانتي كمان يا شمس حافظي عليه.
ومن ثم أشار لفريدة التي تتمعن بمضمون كلماته:
_ فريدة هانم مش يلا.. كده هنتأخر ومش هنلحق نتفرج على البيت.
هزت رأسها إليه وهي تنهض لتنضم إليه، فودعهم آدهم بحبورٍ، واتجه برفقتهم للأسف غير مباليًا باعتراضات أحمد وفريدة واصرارهما على بقائه ليرتاح قليلًا ولكنه رفض بشدة.
وقف يراقبهم وهم يعتلون السيارة البيضاء، حتى غادروا من أمامه وأخر ما تسنى له رؤية كفها الرقيق يلوح له بوداعٍ مؤقتٍ أرق قلبه وجعله يخفق دون رحمة، فمسد على صدره كأنه يطبطب على قلبه ليهدأ قليلًا عن عنف دقاته على وعد بأن اللقاء سيكون قريب بينهما حينما تصبح زوجة تحل له!
***
هائمة هي بغرفتها، يحاوط ساقيها جسدها، وتندفع إليها ذكرى جمعتها بمن ظنته الحبيب المقدر لها لنجدتها من تلك الوحدة القاتلة التي تخوضها بوجود شقيقها.
الآن تقضي أوقات سعيدة برفقته، يشملها باهتمامه وعاطفته وحنانه الدائم، تجده كاملًا لا عيبًا فيه يذكر، وها هي الآن تجلس برفقته تعود بعد يومٍ ممتعٍ قضته برفقته، فتأخرت لموعدها المسموح لها بالعودة به، وكالعادة اقتص منها أخيها بأن أذاقها الويل من ضرباته المؤلمة، فاتجهت لجامعتها في صباح اليوم التالي تخفي وجهها خلف نظارة سوداء قاتمة تخفى كدمة عينيها ولكنها لم تتمكن من اخفاء السيل النازف جوار شفتيها.
وحينما انتهت محاضراتها واتجهت للرحيل وجدته يقترب منها بسيارته الفاخرة، وهبط منها يدنو إليها بابتسامةٍ جذابة ومشاكسة قوله:
_ واخدة في وشك وماشية من غير ما ترقبي الطريق وتتأكدي إذا كنت جيتلك النهاردة ولا اتشغلت، قلبي لمحك وادالي إشارة إنك خرجتي.
ارتبكت "زينب" للغاية، واستدارت بنصف جسدها إليه حرجًا من رؤيته لشفتيها المتورمة، وقالت متصنعة الابتسامة:
_ يمان معلش أنا لازم أرجع البيت بدري النهارده، هشوفك بعدين.
وأسرعت بخطواتها فرارًا منه، فلحق بها يناديها باستغرابٍ:
_ زينب!
لم تهدأ خطواتها السريعة، وبداخلها تدعو ألا يتمكن من أن يلحق بها مع أنه صار خلفها بالتحديد، وحينما عجز عن إيقافها جذب ذراعها إليه وصاح بانفعال:
_ في أيه؟ بتهربي مني ورافضة تقفي تتكلمي معايا ليه؟
أخفضت رأسها أرضًا عنه تنتحب بصوتٍ منخفضٍ متألمٍ دفعه لرفع ذقنها هاتفًا بحدة:
_ بتداري نفسك مني ليه يا زينب؟!
برق بحدقتيه بصدمةٍ حينما وجد شفتيها متورمة للغاية، نزع عنها نظارتها الشمسية ليتلقى صفعةً أخرى حينما لمح تلك الكدمة الزرقاء تحيط بعينيها، فصاح بانفعالٍ شرس:
_ أخوكي اللي عمل فيكي كده صح؟
اكتفت بهز رأسها والحرج والخذلان ينعكسان عليها دون راجع، كاد "يمان" أن ينطق بما هاجمه من سبابٍ لعينٍ يطول شقيقها ولكنه تراجع وادعى ثباته الزائف، مشيرًا بيده لسيارته:
_ طيب اركبي.
اعتراها الخوف وتقاذف إليها كل ما امتلكته من مشاهد متقطعة لضربات أخيها المؤلمة لها، فرددت بهلعٍ:
_ لأ.. لأ أنا هرجع البيت قبل ما يرجع وبعدين نتقابل.
اكتفى بهز رأسه والغموض المخيف يقمع داخل مقلتيه، عادت زينب لمنزلها هذا اليوم، وعلى غير العادة تأخر شقيقها بالعودة، وحينما عاد صُدمت من كثرة الكدمات والإصابات القاتلة المحدثة به، يدلف للمنزل مستندًا على يد اثنين من الجيران، وأحدهما أخبرها بأن هناك بلطجية سرقوا ماله وهاتفه وأبرحوه ضربًا، ربط عقلها ما حدث لشقيقها بحديثها بيمان بالصباح، جحظت عينيها صدمة من تفكيرها فهزت رأسها تنفي ما يعتريها ويبعد شكوكها عن أن يمان هو الفاعل!
استفاقت من شرودها على هزة يد "فاطمة"، انتفضت "زينب" بجلستها وكأن مسها جان، فأسرعت الأخرى بإخبارها:
_ انتي سرحانة في أيه يا زينب بقالي ساعة بناديكي!
وانحنت بجسدها إليها تخبرها:
_ اقفلي ستوسة الفستان مش راضية تتقفل.
أزاحت الغطاء عن جسدها، واعتدلت تغلق سحاب فستان أختها متسائلةً باستغرابٍ وهي تراقب ملابسها:
_ انتي خارجة؟
اتجهت للسراحه تستكمل ارتداء حجابها والتفت برأسها تجيبها:
_ علي كلمني وطلب مني أجهز علشان أروح معاه حفلة افتتاح عيادة دكتورة ليلى زوجة دكتور يوسف صديق عمران.
هزت رأسها بخفة، وعادت تتمدد على الفراش بحزنٍ وتجهمٍ يعتلي ملامحها دون راجع، انتبهت لها فاطمة فاتجهت لها تسألها بقلقٍ:
_ مالك يا زينب؟
ابتلعت ريقها المرير ومالت برأسها على قدميها تضم ذاتها وصوتها الهزيل يخبرها:
_ أنا كويسة يا فاطيما حاسة بس بشوية إرهاق.
جلست جوارها ومدت يدها تجذبها لحضنها وقلقها يزداد بالتدريج:
_ طمنيني عليكي يا زينب حاسة إنك مش كويسة وبتحاولي تبينلي عكس كده، فيكِ أيه بتدفنيه جوه عينك وبتحاولي تداريه بكل طاقتك عني.
تمسكت بها وكأنها طاقة نور بعد ظلامها الدامس، وانفرطت بنوبةٍ من البكاء لا تعلم سببه، ودت لو بقيت بأحضان شقيقتها لأخر عمرها، وبالرغم من أنها هي الهزيلة، الجريحة، المفتقدة إلى لمسة حنونة تضمها إلا أنها الآن هي من تقوم بتقديم الدعم بكل ما فيها لشقيقتها، فربتت عليها وببكاءٍ قالت:
_ مالك يا قلب أختك؟ احكيلي عن اللي مضايقك.
رفعت أصابعها تزيح دموعها عن مقلتيها، وزيفت ابتسامةً شاخصة تخادعها:
_ أنا كويسة يا فاطيما، أنا بس مفتقدة لبابا وماما ربنا يرحمهم ويغفرلهم.
اعتلى الحزن معالمها، مازالت تتعافى من عدة طعناتٍ منهم فراقها عن والديها وأخرهم معرفتها بوفاة أبيها، تحرر صوتها القابع داخلها:
_ ومين مبيفتقدش أبوه وأمه حتى وهما حواليه يا زينب، ادعيلهم بالرحمة والمغفرة يا حبيبتي، وبلاش تعيشي نفسك في حزن وقهر هيقضي عليكي وعلى نفسيتك.. صدقيني مفيش وجع بالدنيا كلها زي وجع النفسية بتحسي روحك بتروح ونفسك بيضيق، بتوصلي لمرحلة إن كل اللي بيدور حوليكي بيكون مشفر ومش ملموس مجرد خطوط بيضة بتحاوطك بالرغم من إن نظرك سليم وقوي، عشان خاطري فوقي وبلاش تسمحي لأي شيء جواكي سواء وفاة بابا وماما أو شيء تاني يكسرك ويوصلك للحالة المخيفة دي أنا مرت بيها وعارفة أد إيه هي قاسية ومتمناش لحد يعيش فيها أبدًا.
أزاحت دموعها بقوةٍ اكتسبتها من حديثها الذي صفعها بحقيقة الأوجاع الذي تحملها "فاطمة"، فهي ليست بحاجة لوجعٍ إضافي حتى تحتمل وجع "زينب"، فرسمت ابتسامةً واسعة وهي تخبرها:
_ لا خلاص مفيش عياط تاني، حتى شوفي!
ارتسمت ابتسامة رضا على ملامح وجهها وانحنت تطبع قبلة على خد أختها، مرددة باستحسانٍ:
_ شطورة يا دكتورة زينب، ودلوقتي قومي يلا إلبسي علشان تيجي معانا الحفلة، علي مصمم إنك تيجي معانا بس لما دخلت ولقيتك نايمة قولت أسيبك ترتاحي لإنك طول اليوم بالجامعة.
كادت بالاعتراض والتحجج بأي شيءٍ أوقفتها باصرارٍ وعناد:
_ مش هسمع حاجة، هتقومي حالًا وهتلبسي فستان شيك من اللي ادتهملك.
وتابعت بارتباكٍ تمكنت زينب من الشعور به بحديثها:
_ أنا محتاجالك جنبي يا زينب، أنا مش بحب الاختلاط بحد ودي يعتبر من المرات القليلة اللي هنخرج فيها فعايزاكِ جنبي.
احتوت وجنتيها بيدها، وبحنانٍ ورقةٍ قالت:
_ أنا جنبك يا فاطيما وعمري ما هتخلى عنك.. اديني نصاية وهكون جاهزة.
أومأت برأسها ونهضت تحمل طرف فستانها قائلة:
_ هستناكِ تحت.. متتأخريش.
وتركتها "فاطمة" وهبطت للأسفل تنتظر عودة علي، فجلست على الأريكة المقابلة لدرج المنزل الرئيسي، تحرك رأسها تلقائيًا تجاه صوت الحذاء المسموع لها، اعتلاها التعجب فهي تعلم بأن فريدة وأحمد وشمس بالخارج ولا يوجد غيرها هي وشقيقتها بالمنزل.
انتفضت عن مقعدها بذعرٍ حينما وجدت رجلًا غريبًا يهبط الدرج ويتجه إليها، يتفحصها بنظرةٍ سلبت الروح عن جسدها الذي بات هزيلًا، بشرتها قد شحبت وانتهى الأمر، قلبها يخفق بضعفٍ وكأنه سيتوقف بأي لحظة.
منحها "نعمان" نظرةً متفحصة من رأسها لأخمص قدميها كأنه يقيمها بنظرةٍ متعالية، ليرضي فضوله حول تلك التي ولجت لعائلتهم الأرستقراطية محيطة بكبير أبناء "سالم الغرباوي"، فردد بتهكمٍ ساخرٍ:
_ انتي بقى مرات علي!
ارتجف جسدها من نظراته التي دفعت لها بأنها عارية لا ترتدي ثيابًا، اندفع نحوها بخطواتٍ متهدجة، هاتفًا بسخرية:
_ أيه شوفتي عفريت!
تراجعت للخلف لا إراديًا، فاصطدمت بجسدٍ صلبٍ من خلفها يعيق عن سقوطها ويردد بلسانٍ كسوطٍ حاد:
_ الله وكيل إنت خلقتك تتوب الشياطين عن أشغالهم يا خال!
امتعضت معالم وجهه حينما وجد "عُمران" يقابله، ولجاره مايسان، وما لبث سوى ثوانٍ حتى فرغ "علي" من صف سيارته بالخارج فانضم إليهم واستمع لنعمان يردد ساخرًا:
_ أمال إنت متبتش ليه أما شوفت خلقتي؟
لوى فمه بازدراءٍ وكرهٍ مبين، مرددًا:
_ أما أنا أتوب مين يلقنك دروس الردح وقصف الجبهات يا خال؟
تخطاه نعمان واتجه إليها يقدم يده لها، قائلًا بسخط:
_ مش هتسلمي عليا ولا متعلمتيش الذوق في بلدكم.
اكتملت ملامح "علي" الذي يراقب ما يحدث من دخلة باب المنزل، فكاد بالاندفاع للداخل ولكنه توقف حينما وجد عمران يقدم يده بيد خاله مرددًا بابتسامةٍ ساخرة:
_ متأخذناش يا نعمان .. مرات أخويا لسه في حالة صدمة مراتي قدرت تتخطاها في كام دقيقة لإنها متعودة على الخلقة العكرة دي لكن مرات علي محتاجة فرصة تتقبلك..
سحب نعمان يده بعنفٍ اهتز جسد عمران لأجله، فتابع بخبث:
_ قولتلك لما تظهر لحد متظهرش مرة واحدة، خدها مراحل وإن شاء الله المرحلة الأخيرة ينفجر مقياس القبول ليك عند الناس في وشك وتلاقيه بيقولك جيم أوڤر بالبنط العريض!
كبتت "مايسان" ضحكاتها بصعوبةٍ بالغة، ومازالت تقف خلف ظهر عمران يضم جسدها من الخلف بذراعٍ والذراع الآخر يقترب من "فاطمة" المرتجفة من خلفه، وكأنه محاربٌ شرسٌ يقف بساحة القتال يحارب وحشًا مخيفًا ومن خلفه يضم أفراد عائلته.
احتقنت معالم وجه نعمان، وصاح بعصبيةٍ بالغة:
_ أتأدب معايا في الكلام يا ولد وإلا هآآ...
قطع عبارته حينما تعالت ضحكات عمران وبمشاكسةٍ صاح:
_ هآيه يا خال؟ واسترسل بصوتٍ منخفضٍ كان مسموعًا بوضوحٍ متعمد:
_ لولا البنات واقفين كنت قلعت القميص ووريتك أخر مهاراتي في الجيم وصلت جسمي لفين، وقتها هتشوف الفرق بين الطفل الصغير اللي كنت بتتشطر عليه وبين عمران الغرباوي اللي واقف قدامك وأوعدك بعدها هتخدها عوم لمصر.
انفلتت ضحكات "مايسان" عن مسار صمتها مما جعل الأخير يحتقن بغيظٍ فصاح بغضب:
_ أيه كلامه جاي على هواكي يا بنت عثمان؟ بكرة نشوف نهاية اللي بينكم أيه مش بعيد تلاقيه رجعالك بليل مع واحدة من اللي بيشقطهم.
اتسعت ابتسامة عمران مما زاد ضجر الأخير واستسلامه من أن يصيبه بأي هدف، وخاصة حينما ردد:
_ مالك بيها يا نعمان كلامك معايا أنا .. وبعدين ما أنا أكيد هرجع بليل بنسوان بس مش ليا، هختارلك على ذوقي وهوصيهم يدلعوك يا خال بس يا رب يجي بفايدة .. على الأقل كسفتك وفضحتك تندفن هنا وسط الاجانب بدل ما المصريين يطلعوك المسرح ويسفوا عليك لحد ما يبانلك صاحب وساعتها الكل هيتبرى منك زي ما بيحصل دلوقتي كده.
تصببت الدماء من أوردته وانفجرت بوريده الغاضب:
_ انت بتقول أيه يا ابن الآآ....
قاطعه بصرامةٍ مقبضة:
_ هتشتم وهتقل أدبك تطلع برة البيت ده، أنا مش ناسي قذارتك اللي كنت بتعملها معانا في غياب فريدة هانم، بس ده كان زمان يعني ماضي وانتهى وحاليًا الحاضر والمستقبل ليهم شكل تاني يا نعمان.
أسرع "علي" إليهما حينما وجد الأمور تحتدم عن مسارها، انزوى بينهما يدفع عمران للخلف بحركةٍ سريعة، وقابل الأخير ببسمةٍ يرسمها بالكاد قائلًا:
_ حمدلله على سلامتك يا خالي.. نورت لندن.
منحه نظرةً بغيضة مردفًا بسخط:
_ مهو باين من وقاحة أخوك.. ربي أخوك يا دكتور.
كاد بأن يطعنه بكلمةٍ تقصف جبهاته للمرة الرابعة، ولكنه منعه علي حينما صاح بحزم:
_ عمران.. اطلع غير هدومك عشان تلحق مشوارك وأنا هجيب مايا وفاطيما وهحصلك.
سدد له نظرةً أخيرة وهمس إليه بنزق:
_ تلاشاني عشان متعضش ايدك ندمًا يا خال!
وأشار لمن خلفه ببسمةٍ كادت بأن تصيب نعمان بذبحةٍ صدرية:
_ حبيب قلب جوزه بعتذرلك على التلوث السمعي ده، ولو أمكن نتحرك على فوق بسرعة قبل ما التلوث يبقى بصري وكلي!
دست يدها بين يده وصعدت برفقته للأعلى، أما علي مازال يقف قبالة نعمان يتحكم بضحكاته بصعوبةٍ جعلت وجهه محتقنًا بحمرةٍ زادت من جاذبيته، فما أن عاد نعمان بنظراته إليه حتى بدد كل تعابيره لجديةٍ تامة قائلًا بمكر:
_ معلش يا خالو.. إنت عارف عُمران لسانه طويل بس قلبه أبيض.
لوى شفتيه بتهكم:
_ مين يشهد على العروسة ياخويا... هغور على اوضتي أريح شوية عما الهانم أختي وجوزها يرجعوا يشوفولي حل مع الوقح ده.
وتركهما وصعد للأعلى مجددًا، بينما استدار علي ليقابل زوجته المرتبكة من وجود ذلك الرجل الغريب، فدنى منها يفرق ذراعيه مرددًا بهمسٍ خافت:
_ متخافيش يا حبيبتي.. خالي فيه العبر بس عينه مبتترفعش في ست.
وأضاف مازحًا وهو يضمها بقوةٍ لتلامس أنفاسها عنقه سامحًا لذاته استنشاق أنفاسها:
_ تأكدي طول ما أنتي بعيدة عن أي مسمى يجمعك بعمران أخويا فأنتي بمنطقة الأمان بالنسبة لنعمان الغرباوي لإن اتخلق يكره عمران وأي شيء يخص عمران واللي قاتله إن عمران أستاذه ومعلم عليه بالجامد أوي، فلو حسيتي بتوتر من الخال الملزق إلجئي لعمران هو الوحيد اللي بيعرف يعمله استوب لذا هو عمنا وعم عيلة الغرباوي لأخدان الحق بالردح وبفردة الصدر!
انفجرت ضاحكةً بين أحضانه فشاركها بقهقةٍ مرتفعة، فتجمد فجأة قبالتها حينما تسلل له صوت فريدة الغاضب:
_ أيه اللي بتقوله لمراتك ده يا علي؟!
رواية صرخات انثى الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ايه محمد رفعت
انتهى "عمران" من ارتداء بذلته السوداء الأنيقة، وآخر ما وضعه ليكتمل طالته الجذابة كان البرفيوم الخاص به. وزعه على ذقنه النابتة ورقبته، واستدار ليغادر مرددًا بحب:
"مايا حبيبتي أنا نازل وعلي هيجيبك زي ما اتفقنا."
طلت برأسها من خلف زجاج خزانتها المنفصلة تخبره باستياء:
"وليه متستناش لما أجي معاك؟"
أجابها وهو يعقد ساعته حول معصمه بتركيز:
"لأني لازم أعدي على الشركة الأول، في صديق ليا سيبته في عهدة أستاذ ممدوح وزمانه حاليًا بيستغيث."
تمردت ضحكة مشاكسة على وجهها، وتركت فستانها وخرجت تضم خصره مستندة برأسها على صدره هامسة بسخرية:
"مين صاحبك البائس ده اللي وقع في طريقك وطريق أستاذ ممدوح؟"
اهتز جسده بخفة تأثرًا بلمساتها، فاستدار يحيطها بذراعيه وهو يتنعم بقربها ونظرات عينيها المهلكة. فوجدها تترك كل كلمة احتفظت بها له وأخذت تتأمل ثيابه ووجهه بانبهارٍ لم تفلح بأخفائه. فقالت بتذمر:
"إنت رايح حفلة افتتاح ولا رايح تدور على عروسة فحابب تلفت الانتباه؟"
عاد بوجهه للخلف من شدة ضحكاته، واستقام قبالتها فور انتهائه ليخبرها بخبث:
"أنا بلفت الانتباه دايمًا من غير أي مجهود يا بيب، بس أنا كعُمران مش عايز حد من الصنف الناعم غير حبيب قلبه."
واستكمل بغمزة ماكرة:
"اللي الغيرة هتطق من عينها من اللحظة اللي واقفة فيها قدامي لحد ما نرجع هنا تاني."
ومال عليها يفترس ملامحها بنظراته الدافئة، ويهمس بصوتٍ كان مغريًا يحارب كل لحظة صمدت بها أمامه:
"لو حابه نلغي الخروجة دي وندبس علي أنا معنديش أي مانع يا بيبي."
أبعدت يديه عنها واتجهت للخزانة تردد بضحكة مرحة:
"وصاحبك اللي وقع في مصيدة أستاذ ممدوح ده!"
"لا طبعًا حرام تقسى عليه بالشكل ده، روح خرج صاحبك ونبقى نتكلم بعدين."
مرر يده بين خصلاته الطويلة يصففها أمام المرآة وهو يردد بجدية تامة:
"أنا اللي تعمدت أخد أيوب للخطوة دي، أولًا أستاذ ممدوح خبرة وهو السبب الأساسي بعد ربنا سبحانه وتعالى للي أنا وصلت ليه وبفضله كان زمان نعمان لسه بيستغفلنا وبيضربنا على قفانا وهو متأكد إني عيل صغير مش هيكشف تلاعبه بالميزانية والمشروعات اللي بيتممها من غير ما يسيب وراه أي ورق. ولسه في شيء مبهر هيفرحه أوي خصوصًا لما يعرف إن المشروع اللي جاي من مصر عشانه أنا رفضت أمضي العقود النهاردة والخبر زمانه رايحله."
واستطرد وهو يراقبها حائرة بالاختيار بين الفساتين المعلقة من أمامه:
"ثانيًا أنا وديت صاحبي لاستاذ ممدوح لإني عارفه كويس وعارف إنه هيكون شبه اللي في السجن الـ 24 ساعة شغل وده اللي أنا عايزه لإن أيوب مدبس نفسه في مصيبة هتجبله مشاكل ملهاش آخر، عشان كده أخدته بنفسي لعنده."
استدارت "مايسان" إليه تطالعه باهتمامٍ. فوجدته ينزوي بين أغراضها، يجذب بنطال أسود ينتهي ساقيه باتساعٍ، وقميصًا أبيض اللون، قدمهما لها وغادر لخزانته ليعود لها بجاكيت أسود يخصه. فرده من أمامها وهو يردد بحيرة:
"أعتقد ده ممكن يكون مقاسك.. هو ضايق عليا حبتين يبقى هيناسبك."
التقطته منه وهي توزع بصرها بين القطع بحيرةٍ، فسألته بتوتر:
"ملبستش الاستايل ده قبل كده.. مش عارفة هيبقى حلو عليا ولا إيه؟"
جلس على حافة السراحة وببسمة جذابة قال:
"أنا هحكم حلو ولا وحش."
اتسعت ابتسامتها وأسرعت بغلق باب الخزانة لترتدي ما تحمله بيدها بلهفةٍ. اتسعت حدقتيها بانبهارٍ من تناسق ملابسها المختارة، لدرجة جعلت لسانها عاجز عن الحديث، تجزم بأن زوجها هذا هو أعظم انتصارًا لها كأنثى تحتار بكل مناسبة طارئة ماذا سترتدي.
فتحت "مايسان" الباب وخرجت تتدلل محدثة صوتًا بكعب حذائها الأبيض المرتفع، لتلفت انتباهه عن هاتفه المستقبل رسالة من "سيف" الذي يبحث عن صديقه "أيوب" بقلقٍ وصل للأخير من نبرته المرتعشة المسجلة بمقطع صوتي، فبث طمأنينته له حينما أخبره بأنه برفقته وسيعود به بعد خمسة عشر دقيقة.
ابتعدت عينيه عن الهاتف ليرى تلك الفاتنة الرقيقة، ببنطاله المتسع من الأسفل وتناسق قميصها مع جاكيته، وكأنها اليوم تتعهد له بأنه لن يغادرها. تستخدم كل سحرها لتفتك به بشكلٍ يجعله يود أن يكون ندلًا يتخلى عن "يوسف" بمناسبة هامة كتلك، وعن "أيوب" المحتبس بوكر البشمهندس "ممدوح"!
طال صمته مما جعلها ترتبك، فسألته بريبة:
"وحش؟ عمران؟"
نهض عن السراحة يتجه إليها، فدار حولها مطلقًا صفيرًا شمل إعجابه الشديد بها. رفع "عمران" يدها يحثها على الدوران بين يديه هامسًا بصوته الذكوري:
"عمران مسكين قدام جمال حبيب قلبه.. مايا هو إنتِ مش عايزانا نروح المشوار ده فبتعملي فيا كده عشان أخد أنا القرار؟"
تسلل لها مفهوم حديثه المحرج فهزت رأسها نافية باستحياءٍ:
"لأ.... إنت اللي مختار اللبس مش أنا."
رفع أحد حاجبيه بسخطٍ:
"مهو المصيبة إن أنا!"
تنحنح وهو يحاول الثبات بوقفته رغم انحراف رماديته عليها، فأشار وهو يتجه سريعًا للفرار:
"طيب يا بيبي أنا هروح أنقذ أيوب وانتِ كملي لبس وانزلي.. علي مستنيكِ."
وإلتفت يغمز لها بخبث:
"هيجمعنا لقاء تاني."
أغلقت الباب من خلفه ويدها تمسد على قلبها الذي يكاد يقفز من خلفه، زاد من حبال عشقه حولها وتركها ضعيفة تحارب كل تلك الأحاسيس المرهفة وكأنها تلك المراهقة التي وقعت في حبه منذ إن كانت في الثانية عشر من عمرها.
اتجهت للسراحة تستكمل ارتداء حجابها وابتسامة هيامها به لا تفارقها، فودت لو تمكنت من الجلوس بمفردها تتذكر كل كلمة ونظرة شملها به منذ قليل حتى لا تنسى أي لافتة صغيرة حدثت بينهما!
***
ارتبكت "فاطمة" للغاية حينما وجدت "فريدة" تقف خلفهما، وتتساءل باسترابةٍ:
"إنت تقصد خالك بالكلام ده يا علي؟"
تهدلت شفتيه بابتسامة هادئة، ودنى ليصبح بالقرب من والدته هاتفًا بمكرٍ:
"فريدة هانم حمدلله على السلامة."
واقترب منها متفحصًا لما ترتديه بإعجابٍ انطبع على نظراته ومعالمه باجتيازٍ:
"إيه الجمال ده كله، حضرتك كنتِ في سهرة ولا بتقيمي البيت... مش ممكن دايمًا شيك حتى في أبسط خروجاتك مش كده ولا إيه يا عمي؟"
منع "أحمد" ظهور تلك الابتسامة على شفتيه، فحك أنفه وإتجه يميل بقامته الطويلة تجاهه هامسًا:
"ده أنت اللي عمي!"
وتنحنح رافعًا من صوته:
"طبعًا يا علي فريدة هانم طول عمرها شيك ومحافظة على جمالها بشكل مش طبيعي إسالني أنا!"
ربعت يديها وعينيها تتوزعان بينهما بنظراتٍ مفترسة جعلت "شمس" و"فاطمة" تسيطران على ضحكتهن بصعوبة.
نزعت فريدة قبعتها وهي تعيد السؤال بطريقة أكثر حدة:
"علي بطل بكش وجاوبني تقصد مين بكلامك ده؟"
مال أحمد يخبره بحزنٍ:
"حاولت أساعد بس إنت عارف إن فريدة مبتتثبتش!"
أكد علي بإيماءة رأسه، وقرر اللجوء لطريقة عمران المشاكسة، فقال ببسمة هادئة:
"مفيش أنا بس كنت بهزر مع فطيمة ومقصدتش بكلامي حد!"
اتجهت نظراتها لفاطمة التي هزت رأسها أكثر من مرة وابتسامتها تزداد بطريقة زرعت الابتسامة على وجه فريدة فتخلت عن اصرارها لمعرفة الحقيقة. فاستغل أحمد الفرصة وأشار لها بحنان:
"بعد الجولة المرهقة دي تحبي نطلع نرتاح شوية في جناحنا يا فريدة هانم؟"
تسللت حمرة الخجل على وجهها، فخطفت نظرة سريعة لعلي فوجدته يمنحها ابتسامته الدائمة، لذا منحته يدها واتجهت برفقته للمصعد، بينما استقلت شمس الدرج قائلة:
"بتمنالكم سهرة سعيدة.. تصبحوا على خير."
وما كادت باستكمال طريقها حتى اعترض عمران طريقها، اختلس نظرة شملتها وهبط ما تبقى بينهما مرددًا بغموضٍ:
"شكلك انبسطي من المشوار اللي كنتي فيه... للدرجادي عجبك البيت الجديد؟"
لعقت شفتيها الجافة بتوترٍ اتبع منهج نبرتها المهتزة:
"هااا... آآه... جدًا بيت مريح وذوقه عالي جدًا يا عمران."
اتسعت ابتسامته وانحنى لآذنيها يهمس لها:
"خدي بالك من المدخل أصله بابه لسه معلق!"
واستكمل على نفس منواله:
"هتغاضى عن اللي حصل عشان لو علي عرف هيزعلك وميهنش عليا زعلك."
اتسعت حدقتيها بخوفٍ، وهزت رأسها بخفة. انتصب عمران بوقفته ومد يديه يعدل من الوشاح الملتف حول رقبتها، فأحاط بأصابعه السلسال، اتسعت ابتسامته الخبيثة ورفع أهدابه يواجهها بكلماته البطيئة:
"زي ما سمحت إنه يوصلك قادر أقطعه حولين رقبتك لو حسيت إنك هتستغفليني يا شمس، هسامحك المرادي عشان ماما وعمي كانوا معاكي مرة تانية تروحي فيها الشقة دي هزعلك بجد."
أدمعت عينيها تأثرًا بسماعها نبرة جديدة يخوضها معها عمران لأول مرة، فتابع وهو يجذبها لتقف على نفس مستوى الدرج، وأحاطها بين ذراعيه يسترسل همسه بحنان مبالغ به:
"مش هعتذر على طريقة كلامي معاكي لإن ده خوف عليكي.. فريدة هانم غلطت لما أخدتك معاها هناك.. أنا عايزك عزيزة وغالية يا شمس حتى لو كان الشخص ده عارف قيمتك وفاهم دماغك.. مينفعش أديله أكتر من فرصة وأقول مش هيأخد عني فكرة سيئة... بتمنى تكوني فهمتي كلامي."
أبعدها عنه يزيح دموعها فوجدها تبتسم له وتخبره بصوتٍ يطمسه البكاء:
"فهمت.. وأوعدك مش هتتكرر تاني."
منحها ابتسامة هادئة وانحنى يطبع قبلة على جبينها قائلًا:
"شوفي مذاكرتك."
هزت رأسها بطاعةٍ واستكملت طريقها للأعلى، بينما هبط الاخير للأسفل، فتفاجئ بأخيه يجلس بالصالون جوار زوجته، فقال باستغرابٍ:
"إنت لسه مغيرتش هدومك يا علي؟"
نهض عن الأريكة يشير له:
"كنت مستنيك... تعالى."
إتجه إليه عمران بدهشة، خاصة حينما نهضت فاطمة تقف قبالته، تفرك أصابعها بحرجٍ طفيف، فقطع صمتهما علي الذي ردد:
"فطيمة مصممة تعتذرلك عن اللي حصل الصبح، وأنا بحاول أفهمها إنك رغم وقاحتك وقلة أدبك بس قلبك أبيض."
زم شفتيه بضيقٍ، وردد ساخرًا:
"ولزمتها إيه تختمها بالقلب الأبيض ما بكمالة الجملة بقى!"
سدد له نظرة أخرسته فحك جبهته يهمس بسخطٍ:
"هيبرقلي بقى مهي ناقصة!!"
وتجاهله وهو يتطلع لزوجة أخيه يمنحها ابتسامة دافئة يبدد بها ارتباكها الظاهر له، وقبل أن يعرضها لاحراج اعتذار تقدمه له قال:
"أنا مزعلتش من اللي حصل عشان تعتذري يا فاطيما، وبعدين أنا سبق وقولتلك إنك بالنسبالي زي شمس بالظبط ومفيش بيني وبين أختي اعتذار أو مبررات باللي حصل، صدقيني أنا مش زعلان."
رفعت عينيها المحتقنة إليه، وبتلعثمٍ وارتباك قالت:
"لأ أنا كنت قليلة الذوق معاك يا عمران ولازم أعتذر."
هز رأسه نافيًا وصاح:
"مفيش داعي تعتذري لشيء تافه يا فاطيما."
وبمكرٍ استرسل:
"بس لو مصرة يبقى تعمليلي نفس الأكلة الغريبة اللي عملتيها يوم ما كان جمال ويوسف هنا أعتقد اسمها كسكس صح؟"
ضحكت بصوتٍ أطرب سماع علي، فكان سعيدًا بأنها ولأول مرة تتبادل حديث يجمعهما بأخيه إشارة مقبولة للقادم، واستمع لها تخبره:
"عنيا، بكره إن شاء الله هعملك."
اتسعت ابتسامته وحذرها وعينيه تلتفت من حوله بشكل مضحك:
"خلصيها في المطبخ واديني إشارة أدخل أكل في الخباثة لحسن فريدة هانم لو قفشتني هتطردني بالحلة برة البيت."
عاد الضحك يفرد سلطانه عليها من جديد وهي تؤكد له:
"متقلقش هخلي مايا توصلهالك."
قدم يده لها ليفاجئها قائلًا:
"اتفقنا؟"
تلاشت ابتسامتها بشكلٍ ملحوظ، فوزعت نظراتها بين كف عمران الممدود وبين علي الذي منحها بسمة وإيماءة خافتة، جعلتها تصافحه مرددة بوجهها البشوش:
"اتفقنا."
تركهما عمران وغادر لسيارته رافعًا من صوته:
"لو وصلت قبلي عرف يوسف إني مش هتأخر يا علي... سلام."
وغادر بسيارته بينما ترك علي فاطمة قائلًا بابتسامة هادئة:
"هطلع أغير هدومي عشان منتاخرش."
وتركها وصعد للأعلى بينما ظلت هي بانتظاره بالاسفل، فانضمت لها زينب ومايسان وبعد قليل هبط علي متألقًا ببذلة آنيقة من اللون الرمادي، مصففًا شعره لنهاية رقبته بشكلٍ لفت انتباه فاطمة وهي تراه يصففه كذلك للمرة الأولى، فأخذت تختلس النظرات إليه في السيارة من وقتًا لأخر حتى وصلوا للعمارة القابع بها عيادة "ليلى".
***
انهى لمساته الأخيرة أمام باب العيادة، فثبت عمود الورود جيدًا وولج للداخل يبحث عنها بعينيه، فوجدها تستند على باب الشرفة، تتأمل مدخل العمارة بنظرة هائمة. وفجأة تسلل لجسدها البارد دفء يحاوطها، مالت "ليلى" برأسها فوجدت "يوسف" يحاوطها ويميل برأسه يعانق رأسها بحنانٍ، وهمس لها بفرحةٍ:
"مبروك يا أجمل وأرق دكتورة."
انزوت داخل ذراعيه تشدد من عناقه قائلة بكل امتنان تمتلكه:
"من يوم ما دخلت حياتي يا يوسف وبقى ليها طعم تاني، كل حاجة بتعملها عشان ترضيني أنا حتى لو كانت على حسابك إنت، أنا مقدرتش أقدملك أي شيء أردلك بيه حنانك وحبك الكبير ليا."
رفع ذقنها ليجبر رأسها المدفون بصدره على التطلع إليه، فرأت أجمل ابتسامة يحررها لها خصيصًا، وذراعه يقرب خصرها إليه بتملكٍ لتستمع إليه يردد:
"ادتيني قلبك وده كفايا عليا يا ليلى.. وحبك ليا أكبر مكافأة قدمتهالي."
أغلقت عينيها تستمع بهمساته بعشقٍ يزاحم قلبها في عقر داره، فانتقلت إليها عاطفته التي تتقرب منها بلمساته، استسلمت تتمنى أن لا يبتعد إلى أن تسلل إليهما صوت "سيف" الساخر:
"بعتني أجيب الورد علشان تستفرض بالدكتورة، طيب ما كنت تقول من الأول إنك بتوزعني وأنا كنت هتوزع باحترام بدل أم الفرهدة دي!"
انتفضت مبتعدة عن زوجها بخجلٍ جعل حديثها يخرج بتلعثم:
"هو والله يا سيف هو اللي آآ.."
قاطعها "يوسف" بحدةٍ:
"بتبرري لمين يا ليلى، أنا جوزك مش واحد ماشية معاه يا حبيبتي!"
واستدار يحذره بنظرةٍ صارمة:
"سيف إتادب بكلامك مع لوليتا مش واخده منك على كده.. تحذير ما قبل إنذار الخطر."
رفع يديه معًا باستسلامٍ:
"أنا مجتش."
وتابع بابتسامةٍ هادئة:
"مبروك الافتتاح الرائع ده يا دكتورة ليلى."
أجابته على استحياءٍ:
"الله يبارك فيك يا سيف عقبال ما نفرح بيك مع بنوتة بنت حلال تستاهلك."
رفع "يوسف" يديه بتمني وكأن الدعوة من نصيبه هو:
"دي الدعوات ولا بلاش.. لو ربنا تقبل دعوتك يا لوليتا بالي هيرتاح."
زم شفتيه ساخطًا:
"إنت نفسك تتخلص مني بس مش هنولهالك يا يوسف، أنا قاعد معاك شوية."
لف يده حول رقبته وجذبه إليه بالقوة يخبره:
"بس أنا مش هسيبك تقعد كتير يا سيفو.. أول ما ألقى البنت المناسبة ليك هسحبك تتقدملها رغمًا عن أنفك."
تعالت ضحكات "ليلى" وهي تراقب تعابير وجه سيف المضحكة، وكأنه سيلقى بين نيران جهنم، فترك الردهة وإتجه بما يحمله للشرفة، فلحق به "يوسف" يتساءل وعينيه تتفحص ساعة يده:
"فين أيوب وآدهم؟"
جذب إحدى باقات الزهور وقدمها إليه:
"آدهم بعتلك الورد ده وبيعتذرلك، الجرح شد عليه ومقدرش إنه يجي.. أما بقى أيوب فأنا لحد الآن معرفش هو فين؟"
"آدهم قال انه مرجعش البيت من الصبح قلقت عليه ليكون ورط نفسه في مصيبة تانية، دورت عليه في المطعم اللي بيشتغل فيه وفي الجامعة وملقتهوش فكلمت عمران وقالي كلمتين مختصرين 'متقلقش هو معايا' وبعدها معتش رد على رسايلي!"
ابتسم وهو يراقب انزعاج معالمه، فربت على كتفه قائلًا بمرحٍ:
"مدام قالك متقلقش يبقى من حقك تقلق!"
***
طرق على الباب الحديدي، فانتبه له "ممدوح". نهض عن مقعده وهو يعيد ضبط نظارته الطبية، فحرر الباب هاتفًا بحيرةٍ:
"أيه رجعك بالوقت ده يا عمران؟"
اشرأب بعنقه للأعلى في محاولةٍ لرؤية صديقه البائس، فوجده يطفو من خلف ذاك المكتب المتهالك، وبين يده لوحة بيضاء سميكة، وبيده عدة أقلام ومسطرة ضخمة. رمش بعدم استيعاب هل توجه للتصميم بأول جلسة جمعتهما!
استعاد ثباته المهدور مصدرًا تنهيدة مقلقة:
"أنا كنت جاي أستأذن حضرتك في أيوب، معزومين أنا وهو على حفلة مهمة والصبح هيكون موجود في مواعيده."
أخفى عُمران ابتسامته الساخرة بصعوبة، وكأنه يأتي لروضة الأطفال لطلب سماح الانصراف لاخيه الصغير، ومع ذلك احتلت معالمه بادعاء صلابته، وأخذ يراقبه وهو يعود لمكتبه مشيرًا لأيوب:
"روح وعلى معادنا بكره."
لا يصدق ما إلتقطته آذنيه، هل سمح له بالمغادرة أخيرًا؟
ترك "أيوب" مقعده وهرول لحقيبته الصغيرة يجذبها وهرول للخارج كمن نجى بروحه من تابوت محكم الإنغلاق، فتفاجئ بعمران ينتظره. وما أن رآه حتى استقبله بابتسامة بلهاء:
"أيوب وحشتني يا راجل!"
قابله الأخير بلكمة قاسية أطاحت بالأخير أرضًا، فتمردت ضحكاته واستند على درابزين الدرج ليستعيد استقامة جسده، ليجد الأخير يهرول للأعلى مرددًا بحنقٍ:
"لو جيت ورايا هصفيك لدرجة أنهم مش هيلاقوا فيك حاجة تدفن."
نفض الغبار العالق على بذلته ولحق به للأعلى يناديه ضاحكًا:
"طب استنى بس.. يعني ده جزائي إني جيت وأخدت الأذن عشان تلحق تروّش نفسه للحفلة؟"
توقف عن الصعود واستدار إليه يقابله بنظرة شرسة، فأطبق على أصابعه مشيرًا بحدة:
"اخفى من قدامي يا عمران، أنا بقالي هنا عشر ساعات وحقيقي مش شايف قدامي من التعب والإرهاق، لأ والاستاذ ممدوح ده على ما يبدو مكمل في شغله ومش همه، والدي تقريبًا من عمره وبيحتاج كام ساعة في اليوم يستريح فيها واتعشمت إنه يديني ساعة راحه لكنه ما شاء الله مستمر في الشغل كأنه آلة مش بني آدم، ده حتى معاد خروج موظفين الشركة جيه ومازال مستمر!"
واسترسل بدهشة أحاطته منذ الوهلة التي خطت قدميه للداخل:
"هو مطلعش يروح ليه، ولا هيبات هنا؟"
راقب "عمران" الباب السفلي وأشار لأيوب بتتبعه:
"طيب تعالى نخرج من هنا وهحكيلك كل حاجة، بس الأول حسام اداك الأكل والعصير؟"
احتل الغضب معالمه بشكلٍ جعله كالقنبلة المهددة بالانفجار، فأحاطه "عمران" بذراعيه ضاحكًا:
"خلاص بقى ميبقاش قلبك أسود.. وبعدين منتكرش إنك استفدت منه جدًا بدليل إنك ما شاء الله من أول درس بتصمم بنفسك!"
لوى شفتيه بسخطٍ:
"ولو كنت اتاخرت شوية كنت هتلاقيني مع فريق التنفيذ بنفذ اللي صممته بنفسي!"
"الراجل ده غريب تحس إنه إنسان آلي مش بني آدم!"
دفعه برفقٍ للمصعد فأبعده أيوب عنه بغيظٍ، صعد بهما المصعد للأعلى وحرب النظرات سائدة بينهما حتى خرج به فتركه وغادر دون أن يستمع إليه.
أسرع "عمران" لسيارته يتبعه على محاذاة خطاه، ففتح الشرفة الزجاجية يناديه:
"أيوب اركب بقى وفكك من شغل الأولاد ده."
منحه نظرة مشتعلة وردد بانفعال:
"امشي يا عمران بجد، أنا مش ضامن رد فعلي على اللي عملته معايا النهاردة... امشي."
كسر الطريق عليه بسيارته ليصيح بحدة:
"اركب ومتخرجش جنوني عليك.. أنت مش عاملي فيها راجل مكافح نخيت ليه من أولها؟"
نظم أنفاسه الحارقة حتى هدأ قليلًا، فاحتل المقعد المجاور له، تحرك به عمران لشقة سيف، والصمت الحائل بينهما فقطعه عمران مجددًا حينما قال:
"أيوب بلاش تفكر بالطريقة دي، أنا عملت كل ده عشانك صدقني، وعارف أنك بتفكر إني بعدتك عشان متختلطش بالمشاكل مع البنت اليهودية دي، وأنا مش هنكر ده بس كمان عملت كده عشان تستفاد من خبرة أستاذ ممدوح، بذمتك الكام ساعة اللي قضتهم معاه مستفدتش منه؟"
ارتخت تعابيره المشدودة رويدًا رويدًا، واعترف له:
"استفدت جدًا بس الضغط والإرهاق ده خلاني مش قادر أستوعب أغلب اللي قاله."
والتفت له يسأله باهتمامٍ:
"هو معندوش بيت ولا أهل يا عمران، يعني بقالي معاه يوم كامل ومشوفتوش حتى طلع موبيله يكلم حد!"
رد عليه بحزنٍ وعينيه تراقب الطريق بعناية:
"كان له بيت وأولاد، اتغرب طول عمره عشانهم.. بنى ليهم بيت كبير وصرف على تعليمهم لحد ما دخلوا كليات كويسة، وبعدها طلب من بابا الله يرحمه أجازة طويلة علشان ينزل ويقعد وسط أولاده بس بعدها بأسبوعين رجع وهو حزين لانهم طلبوا منه يرجع تاني للشغل لان ابنه الكبير كان خاطب وعايزه يجهزله شقته ومصاريف الجواز."
واستدار، يقابله بنظرة ألم وابتسامة فارقة:
"جوازة ورا التانية وطلباتهم مش بتنتهي، لحد ما أخد على الغربة والوحدة اللي هو بقى فيها، أنا كنت جنبه لحظة بلحظة وسامع أغلب مكالمتهم ليه وطلباتهم اللي مش بتنتهي، لحد ما استلمت الشركة واطمن أني قادر أديرها من غيره فنزل مصر وهو عنده النية ميرجعش تاني، بس اللي حصله خلاه يرجع لندن تاني يوم.."
سأله بفضول بعدما نجح الأخير بسحب كل اهتمامه لقصة ممدوح المؤلمة:
"حصل أيه؟"
رد عليه بحزنٍ عميق:
"ولاده ومراته لما عرفوا انه نزل بشكل نهائي طردوه من البيت ومحدش من عياله رضى يقعده عنده ولا يستقبله في شقته، كلهم كانوا هيتجننوا ويخلوه يرجع تاني حتى وهو بالسن ده، ولما رجع واتاكدوا إنه سافر تاني رجعوا يكلموه ويشدوا معاه ناعم من تاني بس هو رمى موبيله وبقى زي ما أنت شايف حياته كلها شغل.."
وتابع بألمٍ يطغي على نبرته المبحوحة:
"قدمتله شقة فخمة وعربية ومكافأة مالية كبيرة اكرامًا لتعبه واخلاصه لأبويا الله يرحمه، كنت بحاول أرد جزء بسيط من جمايله عليا، الاستاذ ممدوح الشخص الوحيد اللي علمني يعني إيه راجل مخلص وابن أصول في حين إن بعد خالي وأهل أبويا أول ناس نهشوا فينا بعد وفاة والدي الله يرحمه، وفجائني تاني لما رفض كل اللي قدمتهوله وطلب مني أسلمه الآرشيف وخزنة التصميمات والملفات المهمة ومن وقت للتاني خصص لنفسه أوضة صغيرة تحت فيها سرير صغير وحمام، عايش فيها وبيشتغل ليل نهار ولو حاولت أساعده وزودتله مرتبه بيرجعلي الفلوس وبيتضايق جدًا."
واستدار تجاه أيوب يخبره بحزن بالغ:
"بحس إني عاجز ومش عارف أزاي أكافئه أو أردله جزء من جمايله... كل ما بشوفه قلبي بيتقطع عليه هو إنسان كويس وعظيم وميستاهلش اللي أولاده بيعملوه فيه ده."
تغلغل الحزن معالم "أيوب" بتمكنٍ، واحتقن صوته المتأثر بما استمع إليه:
"الزمن ده بينجح إنه يفاجئنا باللي مخبيه، الناس عادت وحشة أوي يا عمران، اللي سمعته منك ده كبره في نظري وخلاني متحمس أكون معاه الفترة الجاية، عارف إنه صعب يندمج مع أي حد وده باين جدًا بس على الأقل هكون ونس ليه الفترة الجاية وبتمنى بس يخف عليا ساعات العمل لإني كده مش هتخرج من الجامعة هتخرج من الدنيا كلها."
ضحك الأخر وربت على كتفه يمازحه:
"متخافش يالا عمران الغرباوي معاك ومش هيسيبك."
"علامة مسجلة إنت ولا إيه مش فاهم!"
"بتتريق!"
"طب خلاص هوديك الحضانه كل يوم الصبح ومش هروح أخدك.. هسيبك كده كل يوم معاه لحد ما تستنجد بالشيخ مهران تقوله يبعت حد ياخدك!"
قالها بمرحٍ جعل الأخير يضحك متغلبًا على غيظه، فتابعه وهو يصف السيارة أمام العمارة وأشار له:
"اطلع غير هدومك وانزل بسرعة.. مش عايزين نتأخر أكتر من كده."
حرر حزام الأمان عنه وقال وهو يتثاءب:
"ما تروح إنت وفكك مني."
دفعه للخارج بضيق:
"انزل يا عم هي ناقصة رخامة سيف.. ده كل نص ساعة يتصل عليا ويتمم إنك بخير ورايح معايا.. مش بعيد لو ملقكش داخل معايا يطلبلي بوليس النجدة!"
ضحك بصوته كله، وأشار وهو يستدعي المصعد بضغطة الزر:
"مش هتأخر متقلقش."
وولج للداخل حتى وصل للشقة، طرق بابها حتى فتح "آدهم" فوجد جسدًا ثقيلًا يندفع إليه حتى كاد بأن يسقط به، فردد باستغرابٍ:
"أيوب!!"
أغلق عينيه باستسلامٍ على كتف آدهم وكأنه طفلًا صغيرًا يغفو على كتف والده، فأحاطه آدهم بقوة وهو يجاهد ألا يصيب جسد أيوب كتفه المصاب.
جذبه بقوة للداخل وأغلق الباب، قائلًا بقلقٍ:
"مالك يا ابني؟"
"وكنت فين لحد دلوقتي سيف قالب عليك الدنيا ومش مبطل رن؟"
خرج صوته هامس وعينيه تنغلق استسلامًا للنوم:
"خدني لأقرب سرير أو كنبة.. بنام على نفسي!"
أبعده عن كتفه يتفحص وجهه وجسده ظنًا من أنه قد مسه أذى جعله مرهقًا لتلك الدرجة، وحينما اطمئن بأنه على ما يراه أعاده لكتفه فأحاطه أيوب بذراعيه تلقائيًا وغفى واقفًا.
تحرك به آدهم بتعبٍ سيطر على كتفه المصاب، حتى وصل لغرفته القريبة، طرحه على الفراش وهو يتهامس بسخرية:
"أيه وصلك للحالة دي!!"
واتجه إليه يناديه:
"طيب قوم حتى غير هدومك يا أيوب!"
لم يأتيه أي ردًا، صوت انتظام أنفاسه يتصاعد ليخبره بنومه الشبيه بفقدان الروح، لم يستطيع السيطرة على ضحكاته وهو يراقبه كطفلٍ لم يحتمل عناء أول يوم دراسي إليه وعاد لفراشه يغفو بملابسه وحقيبته.
انحنى آدهم ينزع عنه حذائه ورفع قدميه للفراش ليمنحه نومة مريحة، وجذب عليه الغطاء فتحركت يد أيوب تجذبه على وجهه تلقائيًا رغم غفوته.
رمش آدهم بدهشةٍ مما فعل، واتسعت ضحكته الساخرة مرددًا:
"مش معقول في دي كمان شبهي!"
انحنى إليه يزيح الغطاء عن رأسه ووضعه على صدره حتى يتمكن من التنفس بشكلٍ منتظمٍ، ففجأه مرة أخرى حينما تحركت يده تجذب الغطاء على رأسه مما زاد من دهشة آدهم المعتاد على أن يغلف جسده بأكمله بالغطاء وقت نومه، يتذكر كيف كانت تستاء والدته من تلك الحركة التي تجعلها يتهيء لها وكأن جسد إبنها جثمان وليس ينبض بالروح، وما يزيد ضجرها بأنه يرث حركته السخيفة تلك عن أباه.
قطع شروده صوت طرق الباب مجددًا، فأحاطه بنظرةٍ أخيرة قبل أن يتحرك ليفتح الباب.
ولج عمران للداخل يتساءل بضيق:
"هو فين يا آدهم.. كل ده بيلبس؟"
وشمله بنظرة متفحصة ليزيد من غضبه:
"وإنت ليه ملبستش لحد دلوقتي!"
"انتوا بتهزروا يا جدعان!"
أجابه قبل أن يندفع بحديثه الغاضب:
"انا اعتذرت من دكتور يوسف مش هقدر أنزل.. ولو بتسأل عن أيوب فمتستنهوش إنزل إنت لإنه في سابع نومة."
رمش بعدم استيعاب وهو يلتقط تلك الكلمة الساخرة، فصاح بتهكم:
"لحق ينام؟"
ضحك يشاكسه:
"هو طالع نايم أساسًا... اترمى عليا شبه المقتول وبمعجزة قدرت أسنده لسريري!"
زم شفتيه ساخطًا على من أدعى قوته الزائفة وردد:
"أمال عاملي فيها شجيع السيما ليه.. ده مخدش غلوة في إيد استاذ ممدوح."
منحه نظرة مشككة تحيط بمضمون حديثه، فقال:
"إنت عملت أيه فيه يا عمران؟"
رفع كتفيه مداعيًا براءته:
"ولا حاجة... شغلته في شركتي!"
واستطرد مقدمًا عرضه المغري:
"طيب خلاص تعالى إنت معايا... ده يوسف محضرلنا أكلة سمك بعد الحفلة إنما إيه."
اتجه آدهم للردهة، فجلس على المقعد يتأوه بتعبٍ:
"ألف هنا ليكم.. أنا مش قادر أتحرك قدامك يا عمران.. تتعوض مرة تانية."
إتجه إليه يراقبه بقلقٍ انتقل لنبرته الرجولية:
"شكلك موجوع.. تحب أكلم دكتورة ليلى تيجي تشوفك؟"
هز رأسه نافيًا:
"الموضوع مش مستاهل... هأخد المسكن والألم هيروح على طول إن شاء الله."
منحه ابتسامة هادئة، وربت على كتفه بهدوء:
"يلا خف قوام قوام عشان نجوزك ونخلص من البت اللي قارفاني في البيت دي."
ضحك بشدةٍ وردد بحبٍ:
"عنيا يا سيدي... هأخدها تنور حياتي المكفهرة دي."
انتصب عمران بوقفته وأشار له:
"هبقى أكلمك أطمن عليك... سلام."
"مع السلامة... متنساش توصل مباركتي لدكتورة ليلى ودكتور يوسف."
أجابه وهو يستعد لغلق الباب:
"اعتبرها وصلت."
***
صف "جمال" سيارته أسفل البناية، وانضم لزوجته التي تنتظره حاملة طرف فستانها الأسود الطويل، فانضم إليها ومازال يلاحظ وجهها العابث. جدد ذاكرته عساه قد اقترف شيئًا أزعجها وحينما لم يجد قال:
"افردي وشك ده شوية هو أنا جايبك معايا غصب؟"
تعمقت بنظراتها الغاضبة إليه، وأردفت:
"مش جاية غصب بس جوايا في بركان نار احذر منه لينفجر في وشك."
جحظت عينيه صدمة، فأبعد الورود التي يحملها جانبًا وقال:
"بركان مرة واحدة... ليه كل ده؟"
منحته نظرة ضاقت عليه وكأنها تعتصره داخل مقبضة من حديدٍ لتطلق ما تدفنه إليه:
"أي مشوار أو خروجة ليها علاقة بعمران أو يوسف صاحبك بتجهز وتجري هوى، لكن لو أنا اللي طلبت منك نخرج شوية مش هتعبرني، معرفش صحابك دول عاملين ليك إيه؟"
رفرف بأهدابه بعدم استيعاب والكارثة تحليله لمغزى حديثها فقال باستنكارٍ:
"انتي بتغيري من عمران ويوسف يا صبا؟"
ولجت للمصعد توليه ظهرها والأخر يلحق بها بصدمة تجعل تعابيره متجمدة كالثلج وهو يراقبها بحاجبيه المرفوع، ليجد ذاته يضحك دون توقف، فاستدارت إليه تلكمه بغيظٍ:
"متضحكش.. اسكت!"
أحاطها بين ذراعيه لتكف عن تسديد الضربات إليه، مرددًا بدهشةٍ:
"متهزريش يا صبا، انتي بتغيري من علاقتي بصحابي يعني من رجالة!! أنا بحاول أتخيل موقفي السييء لو حد سمعك هيأخدوا عننا فكرة شكلها عاملة إزاي!!"
راقبت ضحكاته باستياءٍ، ورددت بضيقٍ:
"انت السبب.. لانك بتهتم بيهم أكتر مني.. إنت حتى مش بتقولي كلام حلو أوازن بيه المقارنة بيني وبينهم!"
اختصر ضحكاته بابتسامةٍ جذابة، فتغاضى عن توقف المصعد بالطابق المنشود واحتوى وجهها بيديه بحنانٍ:
"صبا سبق وقولتلك قبل كده أنا مبعرفش أقول كلام حلو ومتزوق.. بس إنتِ عارفة ومتأكدة إني بحبك وبتمنالك الرضى ترضي.. كون إنك تحطي نفسك بمقارنة مع عمران ويوسف فده غباء منك لإنك في مكانه إنتِ واللي في بطنك صعب حد يتقارن فيها معاكي."
اتسعت ابتسامتها والفرحة تجعل وجهها مشرق، عينيها تشعان بجاذبية جعلته عاجزًا عن سحب نظراته عنها، فوجد ذاته يضمها رغم أنه يستغرب ما يفعله ربما لإنه زوجًا عاديًا إعتاد أن لا تفارق مشاعره غرفة نومه، ولكن موقفها الذي حررته الآن أكد له بأنها ليست مرتها الأولى التي تفكر هكذا.
ارتعشت بين ذراعيه التي تحيطها ورددت بعشقٍ وصل إليه:
"بحبك أوي يا جمال.. وأي كلمة بسيطة منك بترضيني.. صدقني أنا مش طمعانة غير في قربك مني."
ربت على ظهرها ويده الأخرى تقرب رأسها لعنقه، فاهتز بهما المصعد ليهبط للأسفل، ابتعد عنها "جمال" ضاحكًا:
"شوفتي إدينا نزلنا تاني للدور الأرضي!"
شاركته الضحك ورددت بمشاكسة:
"حد قالك تحضني!"
غمز لها بخبث:
"مستعد نطلع وننزل طول اليوم بالاسانسير عشان الحضن الجميل ده."
اكتست الحمرة معالمها، فأبعدت وجهها عنه، فُتح باب المصعد وطل "عُمران" من أمامهما متسائلًا بحيرة وعينيه تجوب بينهما:
"انتوا طالعين ولا نازلين؟!"
ارتبكت صبا بينما أجابه جمال:
"هتفرق يعني.. اركب خلينا نطلع!"
منحه نظرة وقحة جعلت جمال يدفعه للوحة قائلًا:
"دوس على الزرار وصفي نيتك!"
ضحك بصوته كله وغمز له:
"وماله نصفيها يا جيمي."
ومال إليه يهمس له بصوتٍ منخفض:
"هو مش جو قالك تهدى شوية ولا إنت مبتحرمش!"
احتدت نظراته القاتمة، فلكمه بعنفٍ جعله يرتد لمرآة المصعد، فتراجعت صبا للخلف برعب:
"في أيه يا جمال؟"
ضحك عمران وهمس له:
"رد يا جيمي."
جز على شفتيه بغضب، واعتدل بوقفته يعدل من جاكيت بذلة عمران وينفض كتفيه بقوة مؤلمة ولكنها تبدو مساعدة نبيلة منه لزوجته التي تراقب ما يحدث بينهما بقلقٍ:
"مفيش يا صبا دا كان في ناموسة رزلة واقفة على خد عمران ومصممة تمص دمه ادتها اللي فيه النصيب."
هزت رأسها بتفهمٍ رغم عدم اقتناعها بما يخبرها به، فاستقام كلاهما بوقفتهما حتى توقف المصعد فخرجوا جميعًا.
استغل عمران دخول صبا وجذب جمال للخلف يعيد له لكمته هاتفًا بضجرٍ:
"ناموس في لندن فاكر نفسك في سيوة!!"
وقبل أن تطوله يديه ركض للداخل سريعًا، فتنحنح جمال واستعاد اتزان هيبته المهدورة ولحق بالاخير.
***
رحب "يوسف" بعلي وإتجه به للداخل ليريه الأجهزة التي استوردها من الصين خصيصًا لزوجته، فنالت استحسانه وأبدى اعجابه قائلًا:
"لو على ضمنتك نتواصل معاه عشان المركز خلاص عمران قالي قدامه عشر أيام بالظبط وفريقه ينجز."
رد عليه يوسف بابتسامة واسعة:
"عظيم.. استغل الفترة دي في اختيار الدكاترة والممرضات اللي هيشتغلوا بالمركز على الأقل نزل اعلان واستغل السوشيال ميديا."
جذب علي أحد المقاعد القريبة منه، اعتلاه وهو يراقب يوسف الذي جذب المقعد المقابل له، فقال:
"أنا ناوي أنزل مصر وأختار فريقي بنفسي يا يوسف، مش حابب شغل الموبيلات ده."
استحسن فكرته وأبدى اعجابه:
"كده أفضل ألف مرة... رتب أمورك وتوكل على الله وسيب حكاية الأجهزة دي عليا وعمران موجود مع العمال وده شغله."
نهض علي يلتقط كوب العصير من ليلى وقال بلباقة ورقي:
"الدكتورة بنفسها اللي بتقدم الضيافة.. تسلم إيدك."
ابتسمت إليه بحبور:
"وجودك هنا إنت وفاطيما والبنات غالي عندي يا دكتور... نورتونا كلكم."
رد عليها وعينيه مازالت أرضًا:
"متقوليش كده احنا زمايل.. ومبروك عليكي مرة تانية عندي ثقة إنك هتكوني من أهم دكاترة الجراحة بانجلترا كلها."
وبمزحٍ أضاف:
"عشان كده إنتي والدكتور يوسف من أوائل الناس اللي هتكون معايا في المركز الطبي."
كانت هي أول من أجابته:
"ده شرف لينا يا دكتور علي."
ردد يوسف بابتسامة:
"الافتتاح الجاي هنكون متجمعين عندك في المركز ان شاء الله."
ردد بخفوت:
"بإذن الله."
***
بالخارج.
انسجمت "فاطمة" مع "مايسان"، ومازالت"زينب" تحيطها غمامة الماضي، تركتهما واتجهت للشرفة التي انعشت وجهها بالهواء البارد، فأغلقت عينيها تستمتع بتلك الانتعاشة التي تندفع إليها، متجاهلة كل شيءٍ حولها، إلى أن تسلل لمخضعها الخاص صوته العميق:
"المنظر من هنا مسحرنيش لوحدي!"
التفتت جوارها فوجدته يجلس على أحد الأرائك يتابعها ببسمته الهادئة، اعتدلت "زينب" بوقفتها هامسة بخفوت:
"سيف!"
تمكن من قراءة حركة شفايفها بحرافيةٍ، فاندفع قلبه يهوى بتمنى أن لو تمكنت أذنه من سماع صوتها.
نهض عن محله واقترب منها يردد:
"توقعت إني ممكن أشوفك تاني صدفة في الجامعة لكن هنا كان صعب!"
لقائها به الآن يطيب جزءًا من وجعها، هي الآن مشتتة، بائسة، يركض شبح الماضي من خلفها، نهض سيف عن محله المظلم إليها، وبمجرد أن رأته يرتدي جاكيت مشابه لجاكت "يمان"، انقبض صدرها وتراجعت للخلف بذعرٍ مقبض بينما الأخير يراقبها بذهولٍ ودهشة، فحرر صوته أخيرًا متسائلًا:
"انتي كويسة؟"
هزت رأسها نافية ومازالت تتراجع بجسدها للخلف بذعرٍ، شخوص عينيها ونظراتها ألهمته بأنه وحشًا مفترسًا هرول من أحد أفلام الرعب ليقتحم مخيلاتها البريئة، ومع ذلك أعاد سؤالها بحنان:
"دكتورة زينب مالك؟"
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة بالغة، ودون وعي منها ترجته:
"ممكن تقلع الجاكت ده من فضلك إقلعه!"
برق "سيف" لوهلة مندهشًا، فمشط الشرفة المطولة بنظرة متفحصة وبدون أي تفكير نزع عنه جاكيته الجلدي وأسقطه أرضًا هاتفًا بقلقٍ:
"أهو.. لو ده اللي مسببلك الحالة الغريبة دي مش هلبسه تاني أوعدك بس طمنيني إنتِ كويسة؟!"
استعادت جزء من ثباتها فابتعدت عن المقعد الذي تتمسك، وقد أحاطها حرجًا جعل وجهها أحمر قاني، فتلعثم قولها المرتبك:
"آآ... أنا أسفة... أنا بس افتكرت شخص مش حابة أفتكره... أنا بعتذرلك تاني يا دكتور سيف.."
وهرولت من جواره تهمس بحرج:
"عن إذنك."
أوقفها حينما طالت يده معصمها دون ارادة منه ليوقفها:
"استني... متخرجيش كده إهدي بس وخدي نفسك الأول"
ارتعش جسدها وعينيها جاحظة على يده الممسكة به، فدفعته بكل قوتها وهي تصرخ:
"يماااان ابعد!!"
تجمد محله فور أن استمع إليها تنطق بإسم رجلًا يجعله لأول مرة يشعر بالكره الشديد تجاه هذا الرجل الذي لم يراه ولا مرة ولا يعلم حتى الصلة التي تجمعهما، كل ما يشعر به بأن كره إسم "يمان" ولا يود سماعه مرة أخرى.
هدأت قليلًا وتغلبها الحرج لما تفعله منذ تجمعها به، فهمست بصوتٍ لا يحمل الا الخجل الشديد:
"أنا آسفة أرجوك سامحني."
واستدارت لتتجه للمغادرة فأوقفها متسائلًا:
"راحة فين؟"
أجابته ومازالت توليه ظهرها:
"همشي مش حابة أقعد."
دنى منها سيف حتى بات قريبًا، فابتلع غصته المؤلمة داخله وسيطر على انفعالاته قائلًا:
"السهرة لسه في أولها."
واستطرد بمحاولة لتلطيف الاجواء:
"لو لسه لابس أي حاجة مسببلك ازعاج هقلعها فورًا."
ومسك ياقة قميصه الأسود المندب بنطاله:
"مش عجبك القميص ده أقلعه هو كمان؟"
أشارت له بهسترية:
"لأ... لأ كويس."
منحها ضحكة جعلتها تبتسم، فاقترب منها يحاول اختلاق أحاديث تجمعهما:
"طمنيني حد اتعرضلك بالجامعة النهاردة تاني؟"
أجابته وهى تستند على السور بخفة:
"لأ خالص.. واتفاجئت بالبروفيسور بيبهدلهم على اللي حصل في الفصل، وكان هيعملهم فصل."
استند على السور بمسافة معقولة بينهما:
"طب كويس.. كان لازم حد يحطلهم حدود."
هزت رأسها وعادت تتطلع إليه لتخبره بانزعاجٍ:
"بس أنا لسه قلقانه يحطوني في دماغهم بعد اللي حصل وكده، لإن الشاب ده نظراته ليا مكنتش لطيفة."
بث لها الأمان والطمأنينة:
"ولا يعرف يعملك حاجة.. ولو حصل أنا موجود مش هتخلى عنك أبدًا يا زينب."
عاد قلبها يخفق مجددًا، ذاك الأبله الذي سبق وإنخدع تحت شراع الحب الكاذب، ذاك الذي وضعت من حوله ألف سور وختم على ميثاق بعدم سقوطه بتلك الأكاذيب مجددًا.
توترت من أمامه وسحبت عينيها للأسفل، تراقب المارة بشرودٍ تام بينما مازال سيف يراقبها.
***
بالخارج.
قدم جمال الزهور إلى ليلى قائلًا:
"مبروك الافتتاح يا دكتورة ليلى."
التقطته منه بابتسامة عذباء:
"الله يبارك فيك يا بشمهندس.. ليه بس تعبت نفسك؟"
أجابتها صبا التي تحتضنها:
"تعبك راحة يا دكتورة... قوليلي بس إيه الجمال ده كله؟"
سحبتها جانبًا لغرفة الفتيات، بينما انضم يوسف وعلي لعمران وجمال، فتساءل وهو يتطلع خلفهما بذهول:
"آدهم واعتذر فين أيوب هو كمان؟"
أجابه عمران:
"رجع مقتول بعد ما قضى اليوم مع استاذ ممدوح."
برق علي بعينيه بدهشة:
"سلمته لاستاذ ممدوح يا عمران؟"
ضحك وهو يجيبه بوقاحة:
"مش أحسن ما تستلمه البت اليهوديه، على الأقل الاستاذ ممدوح مننا وعلينا ومعروف أخره إيه!"
أمسك جمال كف يوسف يتساءل:
"فكك من الواد ده وطمني أخبار أكلة السمك إيه كله تمام ولا هنقضيها مطاعم؟"
اتجهت الانظار إلى يوسف المصعوق، تجردت عنه الكلمات وجحظت عينيه بوميضٍ جعلهم يتجهون بابصارهم تجاه ما يجذب انتباهه فوجدوا سيف يقف بالشرفة ولجواره فتاة لم يتعرف عليها الا علي وعمران الذي تنهد بيأس وتيقن بأن يوسف سيخطف زينب رغمًا عن الجميع لأخيه!
فرقع جمال أصابعه أمام يوسف مناديًا:
"يوسف.. إنت يا ابني روحت فين؟"
خرج عن صدماته مرددًا بابتسامة واسعة:
"مين البنت اللي واقفة مع سيف دي؟"
ووزع نظراته بينهم:
"أكيد تبع حد فيكم.. وبما إنكم كلكم متجوزين يبقى أكيد دي سينجل وبما إن سيف واقف منشكح معاها بقاله فترة يبقى هي المنشودة وبما إنها المنشودة بينا نكتب كتب الكتاب ونحدد الفرح والذي منه."
دفعه عمران ساخطًا:
"حيلك يا عم إنت مصدقت قفشته واقف مع واحدة.. على كده هتجوزه نص بنات الجامعة والجيران بالمرة!"
عاد لمحله يتابعه بسعادة وكأنها امرأة تتمنى أن تجد عريس مناسب لابنتها التي قفزت من قطار الزواج، ليعود بوجهه إليهم بحزم:
"تبع مين دي بقولكم؟!!"
ابتسم علي وهو يجيبه:
"أخت مراتي يا يوسف هديت؟!"
هز رأسه نافيًا:
"مش ههدى الا لما أجوزهم."
ضرب جمال كف بالأخر:
"لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، هو أنت مصدقت تمسك أخوك واقف مع واحدة، طيب اصبر حتى يمكن البنت تكون مرتبطة أو اللي بينهم شيء بريء مش واصل لحوار جواز والكلام ده!"
ردد باصرار:
"هجوزهم يعني هجوزهم إن شاء الله حتى أخطفها."
ضحك علي بعدم تصديق، بينما أحاط عمران كتفه:
"في أيه يالا إنت ليه محسسني إنك أول مرة تشوف نسوان... حبيبي لو دكتورة ليلى طلعت وشافتك بحالتك الغريبة دي هتقلب الليلة عليك ومش بعيد نتلم كلنا في محكمة الأسرة."
وتابع بسخطٍ:
"أمسك نفسك مش كده.. مش من أول مزة تقفشها مع الواد تجوزهاله إتقل تأخد حاجة على الزيرو مش بعيد تعتر في خواجية تغيرلكم النسل لألوان مبهجة إيشي شعر أصفر وعين أزرقكيك وآ.."
أحاط علي كتف عمران وهمس له بنظرة جامدة:
"أيه رأيك تسيبك من دكتور يوسف وتخليك معايا.. نأخد وندي مع بعض ونشوف العينات والنسل ده على مزاج!"
ترك عمران يوسف ورسم ابتسامة حمقاء:
"مالك يا علوى أنا بهزر مع جو.. وزيادة تأكيد أنا اللي هجوزهاله يا جدع!"
تعالت ضحكات جمال الرجولية وشاركه علي، تركهم يوسف وإتجه للشرفة فهمس جمال:
"إلحقوا."
اتبعت النظرات يوسف بذهول، فوجدوه يدلف للشرفة بابتسامة واسعة جعلت زينب تستدير لذلك الغامض الذي يقترب منها، بينما اتسعت عين سيف بصدمة وأسرع لاخيه يترجاه بهمسٍ منخفض:
"اارجع يا يوسف أبوس إيدك متفضحناش.. ارجع."
أبعده من أمامه بقوة وكأنه نسمة هواء عابرة، فسانده عمران ليحيل عن سقوطه فهمس له برجاء:
"الحق صاحبك هيفضحني قدامها يا عمران."
اتاهما صوت يوسف المتفائل وهو يمد يده لمن تراقبه بدهشةٍ:
"دكتور يوسف أخو دكتور سيف الكبير والمسؤول عن أموره الشخصية والعاطفية يعني تقدري تقولي كل شيء يخصه."
وجود عمران لجوارها وعلي الذي يقترب إليها جعلها ترسم ابتسامة رقيقة وبادلته الصفح قائلة برقة:
"أهلًا بحضرتك يا دكتور.. اتشرفت بيك."
ابتسم بحبورٍ وقال:
"أنا اللي كلي شرف أقسم بالله."
وتابع بلهفة:
"إنتي بتدرسي؟"
رغم غرابة ما يحدث الا أنها تطلعت لعلي وأشارت:
"أنا مع دكتور سيف بنفس الكلية."
تهللت أساريره بشكلٍ ملحوظ واستدار يشير للشباب بفرحة:
"معاه في الجامعة هااا.... يعني دكتورة كمان!"
"متدينة وجميلة مفيش أي موانع هنا."
وعاد يسألها:
"مرتبطة يا آنسة؟"
جذبه عمران للخلف وهو يهمس له:
"استهدى بالله يا يوسف مش كده!!"
أبعده يوسف بغضب:
"اصبر يا عمران... اديها فرصة ترد... ها يا آنسة؟"
ارتسم الخوف على معالم وجهها وهزت رأسها بالنفي، فصاح بحماس:
"يبقى نتوكل على الله ونيجي البيت نطلب إيدك لدكتور سيف."
جذبه جمال وعمران يحاول إبعاده هاتفًا بحنقٍ:
"يا عم فزعت البت اهدى بقى إنت أول مرة تشوف لحمة!"
أخذت زينب خطوة تجاه علي فتغلب على ضحكاته قائلًا بهدوء يحاول التمسك به:
"متقلقيش يا زينب دكتور يوسف بس بيحب يهزر."
هز سيف رأسه بتأكيد وقال بحرج:
"أنا بعتذرلك بالنيابة عن أخويا، هو بس مش واخد إني أقف مع أي واحدة فتلاقيه بس رسم كذا سيناريو غرامي."
كبتت ضحكة كادت بالانفلات منها وخاصة حينما دفعه يوسف للخلف قائلًا:
"بتعتذر ليه عجبني ذوقك وهندخل البيت من بابه وأبوابه الاتنين هنا أهو تحب نبدأ بدكتور علي ولا عمران الوقح؟"
ضحك علي بقوةٍ فترك زينب وجذب يوسف قائلًا:
"تعالى معايا يا يوسف... عايزك جوه."
وأشار لاخيه:
"خد زينب عند البنات يا عمران."
اتبع سيف علي وردد برهبة:
"خد بالك منه يا دكتور علي، لينزل ويرجع بالمأذون وتبقى الفضيحة كملت!"
استدار يوسف إليه يؤكد له:
"هجوزهالك يالا أقسم بالله النهاردة من بكره مش هتفرق!"
طرق بيده على جبينه بقلة حيلة، بينما انفجر جمال ضاحكًا حتى أحمر وجهه، فقال عمران بغضب:
"حبكت يعني تقف معاها قدام أخوك! ده بيتمنى لحظة زي دي!"
رد عليه بضيق:
"وأنا إيش عرفني إنه هيعمل اللي عمله ده!!"
واستطرد بخوفٍ:
"أمال لو عرف إني اتخانقت مع الشاب في الجامعة عشانها هيعمل إيه؟"
***
بالداخل.
سيطر "علي" على ضحكاته بصعوبة وردد بابتسامته الهادئة:
"خلاص والله هكلمها وأشوف دماغها.. مع إني متأكد إنها رافضة الارتباط بالوقت الحالي لإنها لسه في تانية جامعة..."
وتابع بثبات:
"سبلي إنت الموضوع ده ومتشلش هم يا دكتور."
طرق على ساقه ونهض يشير له:
"بينا بقى نأكل، الجمبري والسمك زمانهم بردوا."
لحق به علي للخارج، فتجمع الشباب من حولهما، فتساءل سيف بارتباك:
"ها يا يوسف أحسن دلوقتي؟"
منحه نظرة ساخطة:
"حد قالك أني كنت بطلع في الروح!"
واستطرد ببسمة انتصار:
"وكلت الموضوع لدكتور علي هيشوف دماغ البنت وهيرد علينا."
صدم سيف وتغلف بالصمت، لا يعلم لما شعر بفرحة داخله رغم أنه يرتدي قناع التذمر، راق له الأمر حتى وأن كان ما يحمله تجاهها إعجاب مبدئي.
***
بالغرفة المجتمع بها الفتيات.
فردت مايا أطباق الطعام على المنضدة برفقة صبا وليلى، ووزعت فاطمة العصائر قائلة:
"مكنش له داعي ترهقي نفسك بالشكل ده يا دكتورة ليلى."
ابتسمت لها برقة وقالت:
"ولا تعب ولا حاجة.. كله يهون عشان عيونكم بس يا رب أكلي يعجبكم."
أجابتها مايا وهي توزع الأطباق:
"من ريحته باين إن في عظمة مستنيانا."
بنفس الابتسامة الرقيقة قالت:
"ألف هنا على قلوبكم.."
وتابعت وهي تكشف الغطاء عن اللحم:
"أنا عملتلكم لحوم أفضل من الاسماك اللي عملتها للشباب... يوسف وسيف مصممين أعملهم سمك معرفش ليه؟"
ضحك صبا ورددت:
"هما الرجالة كده دايمًا خلف خلاف... يعني كوني على ثقة لو كنتي عملتي لينا سمك كانوا طلبوا لحوم."
تعالت الضحكات بينهن الا تلك الشاردة التي تعيد بمخيلاتها ما حدث منذ قليل، فمالت عليها فاطمة تتساءل بقلق:
"مالك ساكتة ليه؟"
ارتسمت بسمة مخادعة على وجهها وقالت:
"مفيش أنا بس سرحت شوية."
وضعت فاطمة الطبق من أمامها وهمست مجددًا:
"طيب كلي عيب كده دكتورة ليلى تعبت في الأكل وممكن تفكرك قرفانه أو مش عجبك."
هزت رأسها بتفهمٍ وبدأت تتناول ما قُدم لها، أما بالخارج هبط الشباب جميعًا لسيارة عمران، بينما نادى "يوسف" "ليلى" يخبرها بحنان:
"حبيبتي إحنا نازلين خدوا راحتكم واحنا ساعة أو ساعتين وراجعين."
ضيقت حاحبيها بذهول:
"رايحين على فين يا يوسف؟"
رد عليها وهو يجذب الحقيبة الصغيرة الخاصة بباقي الاطعمة:
"هنروح شقة سيف، أيوب وآدهم مقدروش يجوا فميصحش نأكل من غيرهم، هننزل نأكل مع بعض وبعدين نرجع على هنا... خدوا راحتكم."
هزت رأسها بابتسامة هادئة، ففجأها حينما ضمها لصدره طابعًا قبلة أعلى جبينها:
"تسلم إيدك على الأكل مبدئيًا.. انا عارف انك تعبانه طول الليل وبتحضري فيه من بدري."
تمسكت بجاكيته الأزرق قائلة:
"كله يهون عشان عيونك يا حبيبي... يلا انزل عشان متتأخرش على اصحابك."
ودعها يوسف وهرول للأسفل لينضم للشباب فتحرك بهم عمران لشقة سيف.
***
صعدوا للأعلى وجذب علي ويوسف طاولة يضعون الطعام من فوقها، بينما ولج سيف لغرفة آدهم يحاول إيقاظ أيوب الذي غمغم بانزعاجٍ:
"يا سيف سبني أنام أنا راجع تعبان."
انتصب بوقفته تاستدار تجاه عمران المستند على باب الغرفة جوار آدهم، فسأله بشكٍ:
"انت عملت فيه أيه يا عمران؟؟"
نزع عنه جاكيت بذلته وشمر قميصه لأعلى ساعديه مشيرًا بحدة:
"قتلته... ارجع ورا كده وسبني بقى أصحيه من الموت بمعرفتي."
وجذبه من تلباب قميصه كأنه يسحب مجرمًا لزنزانته، صائحًا بعنفوان:
"فوق يا عم القتيل جايبلنا الكلام ونايم مستمتع، إنت من رجال الكهوف اللي أول مرة تشوف مرتبة فيبر!!!"
ضحك آدهم وانضم إليه يحرر رقبة أيوب الذي يوزع نظراته بينهما بغضب ساحق، فأخبره آدهم:
"تعالى كل معانا وارجع نام براحتك... سيف مش جايله قلب يخليك تنام من غير ما تأكل."
خطف نظرة سريعة لسيف الذي أكد له بإيماءة رأسه، فاستقام بوقفته يصيح بنفور:
"طيب طرقونا أغسل وأغير هدومي ولا هتشاركوني في دي كمان؟"
غمز له عمران بمكر:
"لا ميصحش تقلعي قدام تلات رجالة يا عسلية، كله الا الشرف مبقاش حلتنا غيره من الدنيا!"
واستطرد بسخرية وهو يتجه للخروج:
"أمال لو مكنتش البت مثبتاك قدامنا!!"
كبت آدهم ضحكاته وأشار لايوب:
"معلش معلش... عديها."
ولحق بعمران بينما صاح سيف بغضب:
"ممكن تفهمني إنت كنت فين وقافل موبيلك ليه من الصبح والأهم أيه اللي يجمعك بعمران ده من الأساس؟!"
دفعه أيوب للخارج وصفق الباب من خلفه:
"بعدين يا سيف الحكاية مش ناقصاك."
بدل أيوب ملابسه واتجه للخارج لينضم لطاولة الطعام التي صنعها علي ويوسف، وشرع بتناول طعامه مبتسمًا وسط أجواء المرح المتبادلة بينهم جميعًا.
قاطع أجوائهم صوت دقات الباب الخافتة، فتطوع هو ليفتح الباب بعدما وجد الشباب يتهربون من فتح الباب وكأنهم سيواجهون وحشًا سيفترسهم لا محالة، حرر أيوب باب الشقة، فجحظت عينيه صدمة مما رآه، وجهها متورم بشدة والدماء تنفجر من كل أنبه به، بينما يدها تضم بطنها النازف لنفورة من الدماء فردد بهمسٍ مرتعب:
"آديرا!!"
تراخى جسدها أسفل قدميه فلم يجد ذاته الا بأنه يحيط بها رغمًا عنه، فوجدها تحرر صوتها المتألم إليه ودموعها لا تتوقف عن الهبوط:
"لقد كنت محقًا أيها الإرهابي!"
رواية صرخات انثى الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ايه محمد رفعت
ارتخى جسدها بين ذراعيه باستسلامٍ لمصيرها المحتوم. دمعاتها لا تكف عن التوقف، ويدها تضم جرح بطنها الغارق بالدماء. انحنى خلفها أيوب يمنع سقوطها القوي على أرضية الردهة، وصراخه لا يتوقف عن ندائها:
"آديــــــــرا!"
أغلقت عينيها بين ذراعيه، وآخر ما التقطته أذنيها اسمها الذي يردده لأول مرة بكل تلك الوضوح. نظرته المرتعبة عليها والمتألمة لما أصابها، صدقًا بالغًا التمسته بين يديه، لم يكن زائفًا مثل الذي اختبرته بين عائلتها المزيفة.
خرج الشباب تباعًا حينما تسلل إليهم صراخ أيوب، فاندهشوا جميعًا حينما وجدوها غارقة بدمائها بين ذراعيه. على الفور تحرك يوسف وانحنى إليه يجذبها عنه وهو يتفحص عرقها النابض، فصاح بانفعال:
"لسه عايشة... بسرعة جهز العربية يا سيف."
أفاق من صدمته على صرخة أخيه، فاندفع للخارج يخرج سيارته من جراج البناية. بينما انحنى جمال إليهما يردد بصدمة:
"مين اللي عمل فيها كده؟"
أجابه أيوب بصوتٍ اختنق من خلف غصته:
"أكيد عمها، مش محتاجة تفكير."
ساندها علي قبالة يوسف الذي يحاول الكشف عن إصابتها للتحقق من نجاتها، وسأله بقلق:
"هناخدها على فين يا يوسف؟"
رفع عينيه إليه بقلة حيلة:
"مش عارف."
هتف آدهم بصرامة:
"لو أخدتها المستشفى، أيوب كده هيدخل في سين وجيم وديانتها هتكون نقطة مش في صالحه نهائي."
حديثه كان صائبًا. علاقة أيوب بتلك الفتاة كانت خطيرة للغاية، وهي الآن تحصد أول مخاطرها. وزع يوسف نظراته الحائرة بينها وبينهم، وردد بعد تفكير:
"هناخدها عيادة ليلى... هي هتقدر تعالجها."
شمله عمران بنظرة ساخطة، وصاح بتهكمٍ صريح:
"وتعالجها ليه أصلًا؟ ما تغور في داهية تاخدها... أنا كنت خايف تسبب الأذى لأيوب، وأهي قرفته معاها حتى وهي بتطلع في الروح مش عتقاه!"
حديثه كان يزيد من اختناق أيوب، وكأنه يسحب باقة الهواء الطفيفة من حوله. فشدد حازمًا:
"عمران، من فضلك!"
حجز على مقدمة قميصه بيديه معًا، ليرفعه أمامه وهو يهدر منفعلًا:
"الشهامة والنُبل اللي عندك ده تحطهم للأشخاص اللي يستحقوها، مش واحد من اليهود الأنجاس أولاد ال**** دول. أنا مش مصدق المبالغة اللي عندك دي ليها! مصيبة تكون فعلًا حبتها ونسيت ملتها، لو ناسي افتح موبيلك واعمل سيرش بسيط عن اللي بيعملوه في غزة مع اخواتك المسلمين. لو ناسي إسأل أي واحد فلسطيني مغترب عن الذل والمرار اللي شايفينه على إيدهم. لو فاكر إنك باللي بتعمله هتجبرها تدخل دينك، فبأي حق عندك الثقة والاطمئنان إنها متطعنكش في ضهرك زي ما بيعملوا ومتعودين!"
واسترسل بعصبية جعلت أخيه ويوسف والشباب بدهشة من الكراهية الشديدة التي يتخذها عمران ضد تلك الفتاة. بالرغم من نفورهم جميعًا منها، ولكنهم أطباء يحاولون التعامل مع الحالة دون التعرف على جنسيتها. لا يفرق أي شيء إلا أن ينقذوها من حافة الموت. تحرر شرارته المقبضة حينما استكمل وهو يهز جسد أيوب بعنفٍ عساه يعود لعقله:
"إنت مش قادر تستوعب إن اللي عمل معاها كده عمها اللي من دمها ده ميأكدلكش إنهم معندهمش ملة! يا غبي افهم، مستقبلك هيضيع بسبب واحدة متستهلش. فووووق!"
انهمرت دمعة خائنة من عين أيوب، وتطلع لعمران كالغريق الذي يستنجد بقشة نجاته، فقال باكيًا:
"أخوها سابهالي أمانة في رقبتي، وأنا متعودتش أخون الأمانة ولا العهد يا عمران. بالله عليك قولي هقابله إزاي ولا هجاوبه بأنهي وش! عارف إن اللي بعمله ده غلط، بس مقدرش أخون يا عمران. الشيخ مهران رباني على كده، رباني مخونش ثقة ولا أخون عهد ولا وعد قطعته على نفسي."
واستطرد وصوت بكائه يؤلم من حوله، فاللمعت أعينهم بالدموع شفقة على تربية أخلاقية عظيمة زرعها أبًا عظيمًا بشخصٌ يخوض معارك قاتلة بين هؤلاء اللعناء. فخرج صوته المتحشرج يخبره:
"على قد ما عشت حياتي كلها حُر وماليش لوية إيد، على قد ما كرهت الظروف اللي بتجبرني دايمًا أخضع لكل كلمة خارجة مني. واللي خرج مني على لساني كان وعد لأخوها إني هحافظ عليها، وفي الوقت ده أنا بجلد نفسي فيه لإني قصرت معاها، جاي إنت تزيدها عليا! بلاش أرجوك، والله أنا موجوع. ولو جرالها حاجة هتوجع أكتر وهخاف يومي يجي بعد ما كنت بستناه. هخاف يجي يزورني ويسألني عن أمانته!"
جذبه عمران لصدره يربت عليه كالطفل الصغير المنزوي بين أحضان والده. استدار آدهم للخلف يخفي دموعه مثلما اعتاد أن يجعلهما ستارًا لا يراه غيره. بينما دفع علي يوسف يخبره بصوت مبحوح من أثر كبته للبُكاء:
"مفيش وقت يا يوسف، لازم نتحرك قبل ما نفقد المريضة."
تعمد نطقه للفظ "مريضة" ليتعامل الجميع معها بناءً على ذلك، متجاهلين كنايتها لأجل رفيقهم الذي يعاني لأجل وعده. فحملها أيوب عنهما وأسرع للمصعد، فلحقوا به باستخدام الدرج. تشبث بها أيوب وناداها بلهفة:
"آديرا... هل تسمعيني! تمسكي قليلًا عزيزتي!"
غيوم عينيه تزيح عنه تلك النيران، فتهاوى دموعه دون توقف ورأسه يهتز رافضًا لأفكاره السيئة:
"لن يصيبك سوءًا... يا الله، أقسم أنني لن أحتمل مواجهته... تحمّلي آديرا... أتوسل إليكِ تحمّلي لأجل أخيكِ."
وفور أن توقف المصعد، خرج بها راكضًا، وكأنه يصارع لالتقاط أنفاسه المحتبسة. فكرة خسارتها تذبح فؤاده. كيف سيقابل أخاها بتقصيره بأمانة وضعها برقبته؟ اعتاد دومًا على النبل والشهامة، لم يخون أبدًا أمانة أو وعدًا اقتطعه على نفسه. فإن حدث الآن، يقسم بأنه سيموت ولن يحتمل على خوض تأنيب ضميره القاتل هذا. ولكن ماذا كان سيفعل أكثر مما فعله؟
طوال الطريق كان صامتًا، عينيه تراقبها بحزنٍ وألمٍ يترسخ بأعين عمران وسيف والجميع. هبط بها للأعلى، بينما أسرع يوسف ينادي زوجته، فخرجت الفتيات على صوته بفزعٍ ازداد برؤيتهن تلك الفتاة.
أسرع يوسف إليها يخبرها:
"بسرعة يا ليلى... البنت نبضها ضعيف والنزيف مش راضي يقف."
خطفت نظرة متفحصة إليها، وعادت لتستقر عليه:
"مأخدتهاش على مستشفى ليه يا يوسف؟ أنا مش هقدر أعالجها هنا!"
تجاهل ما قالت وأشار لعمران قائلًا:
"خدوها لأوضة العمليات جوه يا عمران، بسرعة."
هرع عمران للباب يدفعه ويتبعه أيوب، بينما أحاط يوسف وجه زوجته يخبرها بحنان:
"ليلى حبيبتي، كل اللي هتحتاجيه في المستشفى موجود هنا. مفيش وقت، من فضلك فوقي."
رفعت يدها تحيط يديه مرددة بارتباك:
"معرفش أماكن الأجهزة جوه يا يوسف، ولا أعرف أي حاجة. كمان مفيش ممرضة تساعدني ولا دكتور جنبي!"
هز رأسه بتفهمٍ واستكمل بابتسامةٍ هادئة تمد لها الثقة وما فقدته بتلك اللحظة:
"أنا جنبك، هساعدك بكل اللي أقدر عليه. وسيف ودكتور علي موجود... كلنا هنساعد يا ليلى."
وأشار لها بحزم:
"أنا واثق فيكِ وواثق إنك هتقدري تنقذيها."
إيماءة رأسها المرتجف كان كافيًا ليجعله يجذبها للداخل. قدم لها يوسف رداء معقم، وارتدى هو الآخر. أسرعوا للداخل فوجدوا سيف وعلي يحاولان السيطرة على النزيف، فردد علي بصوتٍ مرتفع:
"في جرح تاني في كتفها واختناق تنفسها، أعتقد راجع لانكسار ضلع من ضلوعها."
أسرعت ليلى إليها، فأخفضت قناع التنفس لتحيط بها وجهها. بينما شرع يوسف بتجهيز المخدر الكلي ليحقنه ببراعة بالمحلول الذي أعده سيف لوريدها. بينما سحب علي أيوب للخارج، وتبقى يوسف وسيف مع ليلى. يحاول سيف استكشاف أماكن الأجهزة والأدوية المضادة. بينما يعاون يوسف زوجته بكل خطوة تتخذها لإنقاذ آديرا لخبرته بحياكة الجروح الناتجة عن الولادة القيصرية.
سحب سيف الأدوات وقام بتعقيمها قبل أن يناولها ليوسف، الذي كشف عن كتفها الأيمن فصدم حينما وجد قطع من الزجاج ينغرس داخل لحمها. سحب عنها الشظايا بالملقاط الحاد. وقام بحياكة الجروح الغائرة بكتفيها لحين تنتهي ليلى مما تفعله.
طلب علي من عمران أن يوصل الفتيات للمنزل، فذهبت فاطمة وزينب ومايسان برفقته. حتى صبا أمرها جمال بالصعود معهن ليصلها عمران بالطريق. فأوصلهن وعاد فوجد أن الأمور كما هي. مازالت آديرا بالداخل، وأيوب يجلس بالخارج شاردًا بما سيحدث الآن. ولجواره جمال وعلي، الذي يدخل من وقت لآخر ليتابع الحالة ويطمئنه بأنها مستقرة إلى الآن.
اتجه لأقرب مقعد يلقي ثقل جسده عليه، ويراقبهم بصمتٍ بالغ. انسحب علي واتجه ليجاوره بجلسته، وقال بهدوءٍ يلومه:
"مكنش ينفع اللي عملته ده يا عمران... أيوب في حالة متسمحلوش إنك تتكلم معاه بالشكل ده."
خطف نظرة سريعة لأيوب الذي لا يكف لسانه عن الدعوات وقراءة القرآن الكريم. ومن ثم استدار لأخيه:
"طيب قولي يا علي، كنت هعمل إيه وأنا شايفه كده! أنا بحاول أبعده عنها بكافة السبل، وآخرهم شغله معايا. وتيجي وهي بتموت ورافضة بردو تحل عنه!"
زوى حاجبيه بدهشة انتقلت لسؤاله:
"على حد علمي إن أقرب أصدقائك هما يوسف وجمال، فغريب إني أشوفك مهتم جدًا بشخص لسه شايفه ومتعرف عليه من كام يوم!"
ارتخت معالمه المشدودة تدريجيًا وردد وعينيه لا تفارق وجه أيوب البشوش:
"أنا نفسي معرفش إيه اللي علقني بيه بالشكل ده... أيوب تحسه شخص نضيف أوي موجود في مستنقع مينفعش يكون موجود فيه... طيب زيادة عن اللزوم ومسالم بالدرجة اللي مخلياني عايز أحميه من الدنيا كلها كأنه ابني!!!"
وبتيهةٍ حائرة سأله:
"فهمت حاجة؟"
ابتسم علي إليه ومسح على كتفه بحنان يصل بنبرته الرخيمة الحنونة:
"اللي فهمته إنك اتغيرت يا عمران... والطيبة دي إنعكاس لقلبك الصافي. كل مرة بتفاجئني بيك وبتخليني فخور بيك."
انتقلت ابتسامته لعمران الذي تعلق به بحبٍ، وهمس له:
"علي، أنا جنبك بحس إني طفل صغير مستني من أبوه يطمنه على كل تصرف بيعمله وبيخاف يقوله إنه غلط. أنا بدعي ربنا دايمًا في كل صلاة ليا إنك تكون جنبي دايمًا. متضايقش لو قولتلك إني عمري ما حسيت بإحساس إني يكونلي أب، بس لما بتكون جنبي بحس إنك أبويا."
زاد من ضمه بقوةٍ ورفع رأسه يطبع قبلة على جبينه هامسًا له بصوتٍ منخفض عن الجميع مثلما يتحدث:
"أنا جنبك وعمري ما هبعد يا عُمران... حتى لو مكنش فرق السن بينا كبير، أنا راضي أكونلك بالمكانة اللي تحبني أكون فيها. ولو ربنا اداني ابن، فإنت ابني البكري، وهو هيكون التاني من بعدك."
أدمعت رماديته تأثرًا واحتبسها داخل ذراع علي الذي شعر بدمعاته، فبقى ساكنًا لا يحركه لحين أن يعود لطبيعته. هو يعلم كم يعلم أقرب أصدقائه بأنه يكاد يقتل على أن يلمح أحدًا دموعه أو يشعر بضعفه.
مازحهما جمال الذي اقترب يردد:
"ده وقته! البنت بتصارع الموت وأيوب هيحصلها وإنتوا قاعدين تحبوا في بعض!"
ابتعد عُمران عن أخيه حينما طرد كل لمعة دامعة بعينيه، وسأل جمال باهتمام:
"محدش خرج؟"
هز رأسه نافيًا، فنهض عمران يتجه لأيوب وجلس جواره بصمتٍ جعل الأخير يرفع عينيه تجاهه ثم عاد يتطلع للأرض مجددًا. ومازال منحني بجسده للأسفل قليلًا.
انحنى عمران ليماثله بجلسته وتنحنح بخشونة:
"إنت زعلان مني!"
نفى ذلك بهزته، وفرك أصابعه معًا بتوترٍ، فضم عمران يديه بكفه وهو يمنحه الأمان الذي افتقده:
"هتبقى كويسة وده بتمناه عشان وعدك الغبي مش عشانها."
وتمتم بسخطٍ وهو يظن صوته غير مسموع للأخر:
"لو عليا عايز أدخل أديها حقنة هوا عشان تخلص وتخلصنا!"
رفع أيوب عينيه إليه بصدمة من سماع حديثه المباشر، فرفع كتفيه مداعيًا براءته:
"هعمل إيه، مش قادر أحبها وهي مصدر خطر عليك!"
تمردت ضحكة منه رغم لمعة عينيه الباكية، فهزه عمران بمزح:
"أيوه كده اضحك، اللي يشوفك وإنت قاعد القعدة دي يقول مراتك بتولد جوه!"
وتابع بوقاحته المعتادة:
"يا راجل استتضف، حتى لو واحدة خواجية، إحنا راضين وهنراضي الشيخ مهران ونخليه يجوزهالك، لكن يهودية يا أيوب! يهودية يا جدع!!!!"
تمادت ضحكاته بصوتٍ مسموع جعل جمال وعلي يبتسمان بخفة على عمران الذي يحاول إزاحة كل قلقٍ يملأ أيوب.
رن هاتف علي، فرفعه بدهشة من رؤية اسم "عمر الرشيدي"، فاستمع لصوته يهتف:
"دكتور علي، أنا تحت قدام العمارة. إنتوا في الدور الكام؟"
انتفض بوقفته يتجه للمصعد وهو يتحدث بقلق:
"إيه اللي جابك يا عمر؟ إنت تعبان ومش قادر تتحرك!"
توقف المصعد واندفع للخارج، فأخفض هاتفه وأجابه حينما وقف أمامه:
"مقدرتش بصراحة أسيب أيوب في ظرف زي ده... الولد ده غالي عليا بشكل غريب."
ضحك علي وأجابه ساخرًا:
"حتى إنت!!"
سأله بدهشة:
"حتى أنا إيه؟ مش فاهم!"
سانده للمصعد وهو يقول بابتسامة جذابة:
"أصله طلع غالي عندنا كلنا، وأولنا عمران اللي فجأني باللي قاله وعمله!"
هز رأسه بتفهمٍ وقال يبدي وجهة نظره:
"عمران كلامه صح. إنت عارف لو البنت دي جرالها حاجة والموضوع اتعرف إيه اللي هيحصل؟ القضية دي هتقلب الدنيا وهتحطنا في وضع سياسي خطير. واثبت بقى إنه بريء!"
توقف المصعد، فعاونه علي على الخروج، فما أن رآه جمال حتى اندفع إليه قائلًا بدهشة:
"سيادة الرائد!! جيت ليه؟"
بحثت عيناه عن أيوب، فما أن اهتدت عليه جالسًا جوار عمران حتى عاد يطالع جمال قائلًا:
"قلت يمكن تحتاجوا حاجة... كمان عندي قلق إن عمها يحاول يتخلص من أيوب أو يمكن يكون مراقبها أساسًا. لازم نفكر هنعمل إيه عشان نحميه منه."
هداهم لنقطة هامة للغاية، الخطر يحوم الآن حول أيوب كأشباح الليل الجامحة. تبادلوا الحديث معًا وكلا منهم يطرح نظريته حول ما سيفعلونه، إلى أن تسلل صوت آدهم العميق لأيوب، الذي نهض عن مقعده يتجه لمكان وقوفهم وهو يردد بفرحة غريبة:
"آدهم!"
استدار إليه فتفاجئ به يهرول إليه، ضمه أيوب بقوة جعلته يكبت تأوهاته من شدة احتكاكه بإصابة كتفه، ومع ذلك كان سعيدًا به. أحاطه بحبٍ وهو يخبره بصوت ذكوري حاد:
"اطمن، هتبقى كويسة."
ابتعد عنه أيوب يطالعه بنظرة مندهشة تتسع رويدًا رويدًا، والآخر يراقب حالته تلك بقلقٍ. انسحب أيوب واتجه يجلس على الأريكة المعدنية بشرودٍ جعل قلق آدهم يزداد أضعافًا، فاستغل انشغال عمران وعلي وجمال بالحديث عن عم الفتاة الذي سيحوم حول أيوب، واتجه إليه يجاوره.
رفع عينيه الدامعة إليه فوجده يسأله بلهفة:
"مالك؟!"
ابتسم ببلاهة وقال:
"كنت مفتقد أبويا وبفكر فيه وبتخيله لو جنبي في موقف زي ده، أكيد كان هيهون عليا كتير. وفجأة سمعت صوتك وشوفتك قدامي. معرفش ليه لما ضميتك شميت ريحته فيك!!"
وتابع بحيرة دمجها بتوتر:
"آدهم، إنت غريب لأ... لأ... قريب مني أوي بشكل مخليني مرتبك وبسأل نفسي ليه لما بشوفك بحس إني مرتاح ومطمن!"
بالرغم من أنه يشعر بالغرابة مثلما يشعر هو، إلا أنه مازحه ليخفف من وطأة الأجواء:
"أيوه يعني، أنا غريب ولا قريب؟ حيرتني معاك؟!"
ضحك وهو يشير بكتفيه:
"صدقني مش عارف، بس إنت بمكانة غريبة مش زي سيف صديقي المقرب، ولا زي عمران اللي لسه متعرف عليه وحبيته واحترمته جدًا... إنت تركيبة غريبة مأوردتش عليا قبل كده!"
منحه ابتسامة جذابة وقال:
"مش مهم المكانة اللي أكون فيها، المهم إنّي جنبك."
على ذكر إنه بجواره، ظلل له بأنه قد أتى بالفعل، فقال بضيق:
"إنت جيت ليه وإنت تعبان؟"
اتسعت ابتسامته وأجابه:
"هتصدقني لو قولتلك إنك بنفس التركيبة الغريبة اللي مخلياني موجود جنبك النهاردة."
أزاح أيوب دمعة تهدلت عن عينيه وابتسامته البشوشة تتسع، بينما عينيه تمر على الوجوه بداية من آدهم نهاية بعمران وعلي وجمال. يشعر بأن الله يحبه كثيرًا حينما منحه تلك الصحبة، وعلى رأسهم يوسف وسيف المستمران بالحرب بداخل غرفة الجراحة للحفاظ على وعده.
مرت ساعة أخرى وخرج سيف يبحث عنه بلهفة، فركض إليه يخبره:
"متقلقش، والله العظيم حالتها استقرت وشوية وخارجة... اطمن، مش هيحصل حاجة."
يعلم جيدًا بأن صديقه وعده قد يعذبه طيلة حياته، لذا كان الوحيد من بينهما الذي يتفهم حالته، وقد التمس أيوب ذلك، فجلس لجواره يراقب باب غرفة العمليات بانتظار خروجها.
داخل غرفة الجراحة.
ارتخى جسدها على أقرب مقعد، تشعر وكأنها كانت في سباقٍ عنيفٍ. لم تكن جراحتها الأولى، ولكن وجودها هنا بمكانٍ حديث لا تعلم أماكن أبسط الأشياء التي تحتاجها لإجراء جراحة صعبة مثل التي أجرتها، جعلتها تختبر شعورًا مهدد بالفشل مقبض.
رفعت رأسها لزوجها الذي جذب أحد المناديل الورقية يزيح عرقه بعد فرط مجهوده لإنقاذها، فجلس قبالتها يلتقط أنفاسه بصعوبة، ليجدها تمنحه نظرة شرسة نهايتها صراخها المتعصب وهي تراقب يدها الملطخة بالدماء:
"أنا بكرهك إنت وأصحابك يا يوسف... حقيقي بكرهك."
ضحك واتجه بمقعده إليها، فجذب المناديل يزيح عرقها بحنان وهمس لها:
"عارف إني بضغط عليكي، عشان كده راضي بكرهك وبكل غضبك اللي مالي عيونك الجميلة دي."
فشلت بمنع ظهور ارتخاء معالمها وراحتها في قربه، فطبع قبلة على جبينها وبهمسه المغري قال:
"طب بذمتك، وقفتنا مع بعض مكنتش مميزة! مطلعناش ثنائي مميز في الحياة العملية بس، لأ، إحنا ننفع نكون فريق مع بعض. أنتي تفتحي وأنا أخيط!"
انفلتت ضحكاتها، فضمها إليه ومازالت تبعد يدها عنه حتى لا يتلوث ملابس الجراحة الذي يرتديها. وما زادها فرحة حينما أبعدها يوسف عنه يتعمق بمقلتيها:
"إنتِ دكتورة شاطرة وأنا بتباهى بيكِ يا ليلى. بالرغم من التوتر اللي كنتي فيه، إلا إنك اتعاملتي مع الحالة ببراعة، حقيقي أنا فخور بيكِ يا حبيبة قلبي."
انزوت باحضانه بفرحةٍ كانت تود أن تستغل حفلة اليوم بإخباره ما أخفته عنه بعد تأكدها صباح هذا اليوم. ولكن ما حدث حطم كل ترتيباتها. فاستغلت حديثه المعسول وقالت بدلال:
"يوسف، في حاجة عايزة أقولك عليها."
أغلق عينيه ومازال يضمها إليه بشغف:
"سامعك يا روحي... اتكلمي."
لعقت شفتيها بارتباكٍ يجعلها تشعر وكأنها مضت ثلاثة أيام دون قطرة ماء واحدة، ورددت:
"آآ... أنا..... آ...."
رفرف باهدابه بذهول لارتباكها الملحوظ، فرفع ذقنها إليه يسألها بقلق:
"انتي إيه يا ليلى؟ اتكلمي!"
هربت كلماتها عنها، ولم تجد سوى أن تخدعه عساها تحصل على وقتٍ أخر مناسبًا لسماعه خبرًا كذلك:
"أنا بحبك."
ابتسم لها وضمها إليه يدفن وجهها بعنقه:
"وأنا بعشقك لدرجة مخلياني عايز أخرج أطرد الأوباش دول بره بالحالة اللي نايمة دي."
واستدار بوجهه لسرير الجراحة الذي تعتليه آديرا، فهمس لها ضاحكًا:
"تفتكري هي سامعة كل اللي بنعمله ده! المفروض إنها هتفوق من البنج على أي لحظة."
ضحكت ومازال رأسها مسنود على صدره:
"مش بتقول إنها مبتفهمش عربي؟ يعني إحنا في أمان يا جو!"
"وطب بالنسبة ليا هتعملوا معايا إيه؟ ما أنا بفهم عربي!"
قالها سيف وهو يراقبهما بتسليةٍ ومكر. دفعته ليلى مقعد يوسف للخلف بقوة، فاستجابت عجلات المقعد لدفعتها، فاصطدم بالطاولة وهوى أرضًا بمقعده، بينما هرولت الأخيرة للخارج وهي تردد على استحياء:
"نادي حد ينقلها معاك الأوضة... وأنا شوية وهدخلها."
وتركتهما وهربت للمرحاض المجاور لغرفة الجراحة. فاتجه سيف ينحني لأخيه الذي يمسك ظهره بألمٍ وقال بتسلية:
"محتاج مساعدة؟"
كز على أسنانه بغيظٍ، فدفع المقعد إليه فانحنى سيف يفرك ساقه بألمٍ وصوت ضحكاته لا تتوقف، ليردد مازحًا:
"طيب على الأقل مش قدام الحالة يا دكتور... لو فاقت من البنج وقفشتكم متلبسين في الوضع الرومانسي ده هيكون أي وضعها؟ راعوا شعور المرضى!!"
انتصب يوسف بوقفته ونزع عنه ملابسه، ثم جذب قميصه يرتديه وهو يصيح بانفعال:
"اطلع بره يالا."
رد عليه وهو يتجه للخارج:
"كده كده طالع... بس راجع تاني، فمتستغلش الوضع ها؟"
كاد بأن يدفعه بالسلة المجاورة له، فركض الأخير مسرعًا وعاد بعد قليل بأيوب وعمران. تعاونوا معًا على رفع الملاءة دون أن يمسها أحدًا أو يحملها. كان أيوب مضطرًا أسفًا بحملها للمشفى، ولكنه الآن ليس مضطرًا لذلك، لذا اقتراح جمال بحمل مفرش السرير الطبي كان مرحب به.
تحرك السرير المتحرك للغرفة، ومن ثم رفعوها للفراش، بينما قامت ليلى بتثبيت المحاليل الطبية بوريدها. فقال سيف وهو يتأملها:
"بتفوق أهي!"
هزت ليلى رأسها إليه وانحنت إليها تتفحصها بعناية. بينما جلس آدهم وعمران وجمال على الأريكة الموضوعة بنهاية الغرفة. ولجوارهم جلس علي وجواره سيف ويوسف وأيوب يترقبون لحظة إفاقتها وسماع ما حدث معها.
فتحت آديرا عينيها تردد بتعبٍ شديد:
"أين أنا؟"
أجابتها ليلى بابتسامة تجاهد لرسمها:
"إنتي بأمانٍ، لا تقلقي."
هزت رأسها بإرهاقٍ وراحت تتساءل بقلق:
"أيوب... أين هو؟"
نهض أيوب عن مقعده واقترب لمسافة مناسبة قائلًا:
"أنا هنا لجوارك."
رفعت رأسها إليه وحاولت الاعتدال بمجلسها فسقطت على الفراش تبكي من قسوة الألم الذي اجتاح بطنها وكتفيها. ساعدتها ليلى سريعًا على الاسترخاء وهي تأمرها بضيق:
"استرخي من فضلك، لم يمضي على جراحتك سوى دقائق."
تجاهلتها آديرا وصوبت نظراتها لأيوب بانكسار اخترق صوتها الباكي بنيران قتلتها:
"لا أصدق أن من وددت قتله هو من قام بإنقاذي من الموت... بينما عمي الحبيب هو من تسبب لي بكل تلك الجروح."
واستطردت ودموعها تغرقان وجهها الأبيض:
"ليته تمكن من قتلي أهون من أن أعيش بتلك الحقيقة القاتلة."
وتطلعت لأيوب تشكو له ما يؤلمها بصراخٍ باكي:
"أيها الإرهابي، لقد اعترف لي عمي بأنه من قام بقتل أخي.. لقد صدقت أنت، لم تفعلها!"
ردد عمران ساخطًا من بين الشباب بالخلف:
"لسه بتقوله إرهابي؟ أقتلها وأقتله ولا أعمل إيه؟!!!"
ولكز يوسف بقوةٍ جعلته يضم بطنه بألم صارخًا به:
"كنت قتلتها جوه وخلصنا، بتنقذها ليه بروح أمك!!"
أشار له آدهم بجدية:
"عمران، ده مش وقتك نهائي... لازم نتحرك من هنا، عمها ده شكله مش هيسكت!"
أتى حدث آدهم على محمله حينما تابعت آديرا:
"كان يظن بأنه سينجح بقتلي، فكشف لي عن حقيقة ما ارتكبه بأخي، وأخبرني بأنه سيقتلك.. هربت منه وخشيت أن يفعلها، فأتيت لأحذرك.. اهرب أيوب، انجُ بحياتك، ما رأيته على يده وما فعله بي بالرغم من كوني ابنة أخيه يجعلني أرتعب مما سيفعله بك أنت."
تحرر أيوب أخيرًا عن صمته:
"فليفعل ما يشاء، أنا لست جبانًا يهرب من ساحة المعركة... إن أراد حربي أهلًا به، ولكني تلك المرة سأسقطه قتيلًا ولتهدأ ثورة ثأري مما فعله بمحمدًا، وربما سيهدأ قلبي بعدها."
اتجه إليه آدهم يصيح بغضب:
"حرب إيه اللي عايز تدخلها يا أيوب؟ إنت أكيد جرى لعقلك حاجة، كلنا بنحاول نخليك تستوعب حجم الكارثة اللي انت فيها، وإنت مش قادر تفهم!"
نهض علي هو الآخر يتدخل بحديثهما:
"آدهم معاه حق يا أيوب، كفايا مشاكل لحد كده... الناس دي خاينة وملهاش ذمة، مش هيقف يواجهك ويديك فرصة تدافع عن نفسك أصلًا. هتلاقي الخبطة جايلك من ورا ضهرك، فالحل إنك تبعد وتختفي لحد ما تخلص امتحاناتك وتنزل على مصر على طول."
خطف نظرة لفراشها فوجدها تحاول فهم أي من حديثهم، وعاد يتطلع إليه متسائلًا:
"طيب وآديرا؟ هسيبها ليه!! مهو أنا مش هبعد من هنا وأسيبه يأذيها، ده مستحيل."
نهض عمران واتجه إليهم صارخًا بغلظة:
"قولتلكم شكله بيحبها، محدش مصدقني!"
برر سريعًا:
"لا يا عمران، وأنت واثق من كلامي كويس، ومش هبرر تاني موقفي لإني شرحتلك ألف مرة."
نهض سيف وأسرع إليهم قائلًا بما يثق به:
"أيوب عنيد، مش هيبعد من هنا غير وهو مطمن عليها، أنا عارفه أكتر من نفسي، علشان كده الحل الوحيد إنها تهرب معاه."
اتجه يوسف إليهم متسائلًا بسخرية:
"بأي حق هيكونوا مع بعض يا دكتور سيف؟"
صمتوا جميعًا، وعقل أيوب هو الذي يصرخ دون توقف، حتى نطق لسانه بحروفٍ ثقيلة هوت لتصفعهم جميعًا:
"هتجوزها."
ران الصمت عليهم حتى أفاقهم صوت ضوضاء نتجت من ترنح جسد أيوب فوق حامل المحلول المعدني بعد أن ناوله عمران لكمة قوية جعلته يفقد اتزانه، ومن ثم انقض عليه يعيد الكرة وصراخه يجعل آديرا ترتعب بين يد ليلى التي تجاهد لتثبيت المحلول بيدها.
صاح بعنفوان قاتل:
"تتجوز مين يا روح أمك! أقسم بالله أنا عارف إن دي نهايتها من الأول، بس صبرت عليك تحسبًا لإنك ممكن تفوق، بس كل مرة بكتشف إنك أهطل وغبي."
سحبه جمال ويوسف، بينما عاون سيف أيوب على الوقوف، ودون أي بوادر انطلق لعمران مستغلًا تقيد جمال ويوسف إليه، وسدد له لكمة قوية اتبعها تهديده الصريح:
"لو لمسته تاني، هدفنك هنا يا عمران."
دفعهما علي للخلف هادرًا باندفاع:
"ارجع لورا إنت وهو واحترموا إن في مريضة حالتها حرجة.. "
استنجدت به ليلى قائلة:
"خدهم بره يا دكتور علي.. من فضلك كده مينفعش."
استعادوا ثباتهم الانفعالي حينما وجدوا ليلى تنحني بجسدها على آديرا لتحميها من أن يمسها أي احتكاك دون قصدًا. نظرات الذعر الساكنة داخل أعين الفتاتين أشعرتهم بالحرج جميعًا، فانسحبوا للخارج واحدًا تلو الآخر. وأخرهم جمال الذي قال بأسف:
"أنا بعتذرلك عن اللي حصل ده يا دكتورة ليلى، إن شاء الله مش هتتكرر تاني."
وأغلق الباب من خلفه ليمنحهما مساحة آمنة، واتجه للردهة الواسعة يتخد أحد المقاعد مجلسًا وعينيه تجوب وجوههم جميعًا.
هدأت أنفاسهم والسكون يخيم على الأوجه، يتفرقون بالجلسات كلًا منهم يجلس بمفرده، ولكن نظراتهم جميعًا تحيط أيوب الذي يتهرب بنظراته للأرض من معاتبة كل منهم. حتى استغرق نصف ساعة بالصمت، فرفع بصره لهم يردد بخزي:
"أنا عارف إن قراري ده غلط، بس قولولي أعمل إيه؟؟! مش هقدر أهرب من هنا وأمن حياتي وأسيبها ورايا، وعدي لأخوها هيقتلني كل يوم. أفضلي أوجهه ويقتلني أهون من إني أسيبها! ولو اخدتها معايا مقدرش أختلي بيها ولا أكون معاها على طول، مش هتحمل أشيل وزر زي ده!!"
كان يوسف أول من تحرر من صمته:
"أيوب، قرارك ده مش بس هيدمرك لوحدك، لو وصل لعيلتك أبوك ممكن يجراله حاجة، لإنك مش ابن شخص عادي، ده شيخ أزهري يا أيوب، المفروض أنك تكون قدوة مش تخذله بجوازك من واحدة يهودية!!"
قال جمال بعد تفكيرًا:
"طب إيه رأيك نأمنلها مكان آمن بعيد عن عمها، حتى لو هننزلها مصر؟"
رد عليه أيوب قائلًا:
"وتفتكر مش هيعرف يوصلها! عمها ده صعب ووراه اللي بيسانده."
سحب علي نفسًا مطولًا وقال:
"طيب يا أيوب، لو ده حلك الوحيد، فلازم تعرف إن جوازك منها متوقف على شرط عشان يجوز إنك تتجوزها، عارفه؟"
أومئ برأسه ونهض فجأة يتجه لغرفتها، يطرق على بابها مستأذنًا من ليلى بالخروج وترك باب الغرفة مفتوح، ففعلت وانضمت إليهم مختارة البقاء جوار زوجها وسيف الذي نطق بعدم فهم:
"شرط إيه ده يا دكتور علي؟"
أخفض علي عينيه أرضًا بحرجٍ من اجابته بوجود ليلى، بينما هدر عمران بشراسة:
"إن شاء الله تكون مقضياها عشان تكون جت من عند ربنا وخلصنا!"
بالداخل.
جلس أيوب على المقعد المقابل إليها بصمتٍ، فوجدها تتأمل وجهه وخاصة البقعة الزرقاء المحاطة جوار فمه، وبحزنٍ قالت:
"ما الذي حدث بينك وبينهم؟"
وتابعت بدموعها التي لم تجف عن خديها:
"بالطبع لم يتقبل أحدًا منهم مساعدتك لي.. أنا لا أستحق معاملتك تلك أيوب."
"هل إنتِ عذراء؟"
باغتها بسؤاله الذي يحاول منذ دخوله البوح به، فالتقط نفسًا مطولًا يرتاح عن شدة أعصابه بعدما نجح بإخراجه كأنه يحارب لقولها.
رمشت عدة مرات بعدم استيعاب ورددت:
"ماذا؟"
لا يود أن يكرر سؤاله مرة أخرى، فقال بحزم:
"أظنك سمعتي سؤالي، والآن أجيبيني."
اكتسى وجهها حمرة من جراءة سؤاله، وقالت بصوتٍ متقطع:
"ولماذا قد تسألني سؤالًا هكذا؟"
شرح لها بإيجازٍ وتشعر هي بعدم راحته لبقائه معها:
"سنرحل من هنا لمكانٍ آمن، وبعد اختباراتي سنسافر لمصر... مختصر حديثي، سأحميكِ من عمك، ولأتمكن من فعلها سأتزوج بكِ لإنني لا أختلي بالنساء، ولن أفعلها إن كنتِ غير عذراء، والآن أخبريني إجابة لسؤالي ولننتهي من ذلك!"
كانت تحاول استيعاب كلماته السريعة التي قذفها بوجهها، وبالرغم من صدمتها بما قال، ولكنها على ثقة تامة بأنه الوحيد الذي سيتمكن من إنقاذها من عمها، وإلى من ستلجأ وهي لا تمتلك إلا عمها الذي هو بذاته يريد قتلها.
تنحنحت بخفوتٍ تام وهي تخبره بأسفٍ شديد التمسه هو:
"لم أجد الشخص المناسب لأفعلها... لذا اطمئن، مازلت عذراء."
سحقًا، تلك المرأة تخبره بحزنٍ أنها لم تتمكن من فعلها، وكأنها تخبره بأنها تخجل لعدم تسليمها لشرفها الذي تصونه المرأة ألف مرة لزوجها. رمش باهدابه ويده تلتف من حول قبضته التي تحاول المرور لتحطيم وجهها المتجهم بحسرة لعدم فعلها كبيرة كذلك. ومع ذلك نظم أنفاسه الهادرة يحاول الاسترخاء ناظرًا لنقطة بعيدة. ظهورها إليه كل تلك الأحداث الغريبة نهاية بنقاء عفتها يلوح له بأنها إشارة من الله عز وجل ليكون هو طريقها الصائب. تلك الفتاة تحمل بذرة صالحة سيجاهد ليجعلها تنمو، وإن فشل، فلتذهب لطريقها وليذهب هو لطريقه. ولكن على الأقل سيكون راضيًا لحمايتها.
خرج أيوب إليهم والجميع يترقب إشارته باهتمامٍ. فخاب أمل عمران حينما هز رأسه بأنها تقية بعد، لذا زواجهما الآن أمرًا حتمي ومؤكد!
نهى يوسف أي حديث قد يجدد الخناق بينهم من جديد فقال:
"علي يكلم المحامي اللي كتب كتابه يجهز العقد، على ما تجهز ورقك إنت وهي، وبعد يومين نكتب كتابكم، ونكون خلالها لقينا لك شقة في مكان مناسب. تقضي التلات شهور دول بأي شكل، وبعد ما تمتحن تنزل مصر بأقرب وقت."
واستطرد قائلًا:
"وجودكم هنا مالوش لزمة... روحوا ارتاحوا، وأنا ودكتورة ليلى هنفضل جنبها."
بمجرد ما انتهى من حديثه تفرقوا جميعًا للأسفل. كلٌ يذهب لسيارته. أما عمران فمنح أيوب نظرة أخيرة مردفًا بسخرية:
"يا فرحة أمك فيك يا ابن الشيخ مهران."
وارتدى نظارته وهو يشير له بصرامة كانت مخيفة:
"بكرة الصبح تكون عند أستاذ ممدوح، وخد بالك من مواعيدك معاه، لاني مش هتدخلك في شيء، ولا هسلكك منه تاني، لإنك متساهلش... ومن غير، سلام."
كبت أيوب ضحكاته وهو يتابعه يغادر باستياءٍ، فصعد لسيارة سيف جوار آدهم بالخلف، بينما صعد عمران لسيارته ليتبع علي لمنزله، حتى جمال تحرك هو الأخير لمنزله.
جاب غرفته ذهابًا وإيابًا والغضب يبتلعه بجحيمه الناري. ينتهي بخطواته متفحصًا شرفة المنزل عساه يهتدي برؤية سيارته، ضرب كف بالأخر وهو يصيح بنزق:
"بقى أنا تعمل معايا كده يا عمران؟ وربي لأوريك يا ابن فريدة!"
وبغرفتها.
تجوبها بقلقٍ، فمنذ عودتها أوقفها نعمان على الدرج يهيم بعصبية بالغة:
"جوزك فين؟?"
ارتعبت من معالمه المخيفة، ولكنها اشتدت قواها بوجود فاطمة وزينب لجوارها، وقالت:
"لسه مرجعش من بره."
بتهكمٍ سألها:
"أمال إنتي راجعة مع مين؟"
ابتلعت ريقها بارتباكٍ وقالت:
"وصلنا ورجع تاني."
توعد له بنظرة حانقة وصاح بنفور:
"ماشي يا بنت عثمان، صبرك عليا إنتي والمحروس جوزك.. لو كان ليكي دخل باللي بيحصل، هوريكِ النجوم في عز الظهر!"
صعد عمران لغرفته، وحينما كان علي بطريقه لجناحه تفاجأ بشمس تقف أمام غرفتها تشير له بالاقتراب. رفع يده عن مقبض بابه واتجه إليها متسائلًا باهتمام:
"أيه اللي مسهرلك للوقت ده يا شمس؟"
بدى ارتباكها ملموح له، وخاصة حينما رددت بتريث:
"ممكن نتكلم جوه."
هز رأسه بخفة ولحق بها لغرفتها، فجلس على الفراش جوارها ينتظر أن تتحدث، ولكنها لم تستحوذ إلا على اهتمامه بربكة فرك أصابع يديها، وانجراف نظراتها بطريقةٍ تجعله كطبيبٍ ماهرٍ يلمح توترها الشديد. فرفع يده يحاوط كتفها بحنان يمنحها الأمان:
"مالك يا شمس مرتبكة ومترددة ليه؟ قولي اللي عايزة تقوليه، أنا من إمتة قسيت عليكي عشان تخافي مني بالشكل ده!!"
ازدردت حلقها الجاف تخبره بحزن:
"متعودتش أخبي عنك حاجة، وبما إن عمران عرف، يبقى من حقك تعرف إنت كمان يا علي."
زوى حاجبيه باستغراب:
"أعرف إيه؟"
رفعت عينيها له، وأفاضت بارتباك:
"بصراحة، أنا روحت مع مامي وأنكل أحمد شوفت آدهم."
كان مندهشًا بسماعه ذلك، ولكنه عقل الأمر بأنه من الواجب زيارة أسرته إليه، أقل واجب تقديرًا لإنقاذ حياة ابنتهما. ولكن الجدير بالسؤال، هل تعلم والدته بعلاقة شمس وآدهم؟ وإن كانت تعلم بالأمر، لما سمحت لها بالذهاب؟
بقائه صامتًا دون حديث جعلها تبرر له:
"أنا عارفة إني مكنش ينفع أروح هناك، بس غصب عني يا علي، كنت عايزة أطمن عليه وأشوفه. بس هو اتضايق جدًا وطلب مني مرحلوش تاني نهائي.. أنا خوفت تزعل مني، فحبيت أعرفك."
ومدت يدها على يده المستند بها على الفراش تسأله بخوف:
"متزعلش مني يا علي."
فك تكشيرة وجهه لابتسامة مشرقة، فسحبها لأحضانه برفقٍ ويده تفرك خصلاتها برقةٍ وقال:
"لو زعلت من الدنيا كلها، معرفش أزعل منك يا شمس. حتى لو اتضايقت في الأول، فمفيش مكان للزعل وإنتي بتوعديني بنفسك إنها مش هتتكرر. أنا وأخوكِ كل اللي يهمنا سعادتك. مش غاية إننا نمنع عنك حاجة إلا لما تكون في مصلحتك. حتى لو آدهم أو عمر اللي محدش عاد عارف يناديله بأيه ده شاريكي، فلازم إحنا كمان نبينله أد إيه إنتي غالية."
ونهض ينحني ليجذب ساقيها للفراش ومن فوقها الغطاء:
"نامي يا حبيبتي ومتفكريش في حاجة تزعلك أبدًا... أنا هنا جنبك، وعمران رغم وقاحته هتلاقيه بيحاول يسعدك... كل واحد منا له طريقته، بس النهاية بتصب في مصلحتك يا شمس."
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها، وتدللت عليه قائلة:
"طيب خليك جنبي لحد ما أنام."
نزع عنه جاكيته وأشمر عن ساعديه وهو يتجه للناحية الأخرى:
"بس كده... عنيا، هكونلك استبن لحد ما سي آدهم يشرف هو مكاني."
خبأت وجهها بصدره بخجلٍ، فتعالت ضحكاته وهو يضمها متقبلًا تهربها دون أن يحرجها.
ما أن حرر باب غرفته حتى أسرعت إليه بلهفة:
"عمران، الحمدلله إنك رجعت."
منحها ابتسامة جذابة ونظرة أحاطتها لتشعرها بربكة جعلت قلبها يخشى أن يقترب فيكاد ينصهر طوعًا له، غمز لها برماديته متواقحًا:
"حبيب قلب جوزه مشتاقله وقاعد يستناه بشوق ولهفة يا ناس!"
شهقت صدمة من جراءة كلماته واحتدت نبرتها:
"إيه اللي بتقوله ده.. بقولك خالك نعمان قالب عليك الدنيا وشكله متعصب جدًا، إنت عملت إيه يا عمران؟"
حاوط خصرها يضمها إليه قائلًا بوقاحة بعاطفة تسري إليها:
"خف عليا أنا مش حملك يا بطل... لما تلاقيني راجع متهلش عليا مرة واحدة... خدي وقت ألحق أتفاجئ فيه."
كزت على أسنانها بعصبية كادت تهشيمها، ضربته على صدره بعنف:
"سبني يا عمران، أنا بقولك إيه وإنت بتقول إيه.. بقولك نعمان ناويلك على شر."
فك حصار يده عنها واتجه لخزانته ينزع جاكيته وقميصه دون مبالاة بها، أسرعت خلفه تتساءل بخوف:
"إنت عملت إيه؟"
دندن بأغانيه الأجنبية متجاهلاً إياها تمامًا، فجذبت منه التيشرت تلقيه أرضًا بحنق:
"عمران بكلمك... رد عليا!"
دنى منها حتى سقطت بخزانته، فانحنى يستند على حوائطه يمنحها نظرة تخاطب مقلتيها بكل غرام امتلكه لها. اخفض عينه يتأمل التيشرت الملقي أرضًا ثم عاد يتأملها مرددًا بمكر:
"شكلك مبقتيش تتحرجي مني زي الأول ومبقاش عندك مشكلة أنام من غير تيشرت، وبما إنك رضيتي عني فأنا قلبي وروحي وكلي راضي عنك يا بيبي."
وقدم لها يده فرفعت يدها ومازالت الصدمة تستحوذ على ملامحها، جذبها إليه بقوة جعلتها تراقبه بصدمة وكأنها فقدت النطق تمامًا، فابتسم بخبث:
"عايزة تقولي إيه طيب؟"
رفعت كتفيها بحيرةٍ، فتعالت ضحكاته وانحنى يحملها مرددًا ببراءة مخادعة:
"شكلك مرهقة يا بيبي، تعالي ريحي في حضن جوزك حبيبك وفكك من خالك الملزق ده."
والقى نفسه وهي باحضانه على الفراش مسترسلًا بسخطٍ مضحك:
"هو بس تلاقي القفا اللي خده معلم عليه ومطير النوم من عينه، فعايز أي خناقة يهون بيها عن نفسه ليجيله ذبحة صدرية وهو منكدش على حد النهاردة."
ولف جسده لها يسألها بابتسامة هادئة:
"قوليلي بقى وحشتك أد إيه؟"
تعمق بعينيها وهو يجد ذاته يفقد كل قوة يسيطر بها على عاطفته، أصبح عاشقًا متيمًا لا يقوى على بعدها. عاشوا معًا بعالمهما، فضمها لصدره يغلق عينيه باستسلامٍ للنوم، وأخر ما رأته عينيه استرخائها واستسلامها للنوم على صدره.
حرك عُمران رأسه يمينًا ويسارًا بانزعاجٍ من خبطات تحيط بابه. وفجأة انفتح الباب على مصراعيه وولج ذاك الأرعن للداخل مستباح حرمة مكانه الخاص، هاتفًا بغضب بالغ:
"عُمران! بقالي خمس ساعات مستنيك تشرف! إنت إزاي تعمل اللي عملته ده فهمني!"
تراه يتخيل وجوده، عساه حلمًا غليظًا، فربما من كثرة حديث مايا عنه يقتحم الآن أحلامه. ولكن قربه منه وعينيه الشاخصة أوحت له بأنه بالفعل يقف قبالته.
جذب عمران الغطاء يخفي به جسد زوجته ونهض يقف قبالته بأعين من لهيبٍ وصوتٍ منفعلًا يكاد يقتل الأخير بمرقده:
"إنت اتجننــت، إزاي تدخل عليا أوضتي بالشكل ده!!!! إنت الظاهر كده مبقاش ينفعك غير مستشفى المجانين تكمل فيها حياتك يا نعمان يا غرباوي!!"
انتفضت مايا بمنامتها، فجحظت عينيها صدمة من وجود خالها بغرفتها الخاصة، شملت جسدها بالغطاء متشبثة به بصدمة وحرجٍ عظيمٍ استشفه زوجها، فدفعه للخارج بقوةٍ وشراسة جعلت الأخير يكاد يسقط أرضًا، فما أن خرج بها خارج الغرفة حتى تماسك على الطاولة من خلفه واستقام بوقفته يجابهه باستنكار:
"إنت اللي شكلك اتجننت، بتداري مراتك عني؟ دي بنت اختي يعني بنتي!!"
قبض على قبضته بعصبية ورفعها قبالته يصيح بصراخ كالرعد المزلزل:
"ولو أبوها عثمان نفسه مش هسمحله بكده... إنت اتجاوزت كل حدودك يا نعمان وحسابك تقل أوي."
خرجت فريدة مسرعة واتباعها أحمد وعلي وشمس وجميع من بالمنزل. فتفاجئ علي بأخيه يقف قبالة خاله بالبنطال دون قميصه، فجذبه للخلف يحدثه بدهشة:
"في إيه يا عمران وأيه اللي موقفك بالشكل ده؟!"
تساءلت فريدة بصدمة هي الأخرى:
"في إيه يا نعمان؟ عمران بتزعق لخالك كده ليه؟"
بينما ردد أحمد وهو يحاول تهدئة عمران:
"ما تتكلم يا ابني مالك في إيه وازاي تخرج كده من أوضتك!"
تحركت نظراته النارية إليهم وردد بحدة:
"مهو أنا معرفش إنّي هصحى ألاقي خالي المحترم فوق سريري وأنا مع مراتي!! ووقف دلوقتي يشرحلي إنه عادي!! ده أنا أمي نفسها متقدرش تعملها عشان يجي هو ويتجرأ يعملها."
صدم الجميع وتحولت معالم وجه علي للغضب الشديد لتفهمه ما يمر به أخيه، فاستكمل عمران بغضبٍ لوالدته:
"لو أنا مش لاقي خصوصية في البيت اللي المفروض يكون بيتي، يبقى ماليش قعاد فيه. أنا مش عيل صغير عشان يتعامل معايا بالشكل ده، أنا راجل وقادر أشتري بدل البيت عشرة. هي كلمة واحدة يا أنا يا هو في البيت ده، يا فريدة هانم!"
تبلدت محلها تعجز عن الحديث، فناب عنها أحمد حينما صاح بالاخير بعصبية:
"إنت إزاي تفتح عليه باب أوضته وتدخله لسريره يا نعمان؟ إيه البجاحة دي؟ مفيش احترام لخصوصياته!!"
رد ببرود قاتل وكأنه لم يفعل شيئًا:
"أنا مش فاهم إنتوا مكبرين الموضوع كده ليه... دول عيال اخواتي، متخيلين إني هبص لمراته اللي زي بنتي إزاي!"
تخلى علي عن هدوئه وصاح منفعلًا:
"مالكش الحق تعمل كده يا خالي، حتى لو كانت بنتك، في حاجة اسمها خصوصية.. تخبط مرة واتنين وألف ومليون لو مفتحش بابه يبقى مش جاهز يقابلك في الوقت الحالي. في صبح نتكلم فيه وتقوله اللي إنت عايزه، القيامة مش هتقوم يعني!!"
استدار لعلي يمنحه نظرة ساخطة وصاح بحدة:
"يعني لما أجي من مصر لهنا عشان مشروع مهم وأتفاجئ إن البيه رفض يوقع على العقود ورفض المشروع من أساسه بعد ما صرفت في اتفاقيته أكتر من ٧ مليون جنيه، أقابله إزاي بالأحضان ولا أستنى عليه للصبح إزاي!!"
دفع عمران علي وقابله وجهًا لوجه بشراسة فتاكة:
"رفضته عشان مشروع فاشل زيك بالظبط يا خال... مش مستعد أعرض نفسي لخساير بالملايين عشان دماغك ميالة لصاحبة المشروع اللي آخرها ليلتين في فندق مشبوه، ده لو قدرت توصل للمرحلة دي أساسًا... عيش جو المراهقة والمقابلات دي بره الشغل."
صرخ الأخير باندفاع:
"اللي فيك هتجيبه فيا ولا إيه؟ ما كلنا عارفين إنك خباص وبتاع ستات، نسيت أصلك ولا إيه؟"
أبعد علي عمران ليواجه خاله بهدوء:
"عمران ارجع.... خالي، من فضلك نقّي ألفاظك وكلامك، أخويا مش الشخص اللي بتتكلم عنه ده... عمران الغرباوي لا عمره كان بتاع ستات ولا خباص يا خالي، عمران كان بيحب واحدة ورفضت الارتباط بيه وخلصنا من الحدوتة دي."
تجاهل دفاعهما وردد بعصبية:
"ميهمنيش، أنا اللي يهمني المشروع ده، هنأخده يعني هنأخده.. يا أما بقى يتنازل عن نصيبه في الشركة دي هو ومراته ويغور في داهية."
ضحك عمران بطريقة استفزته ودس يديه بجيوب بنطاله يطالعه بنظرة مستحقرة وقال:
"إنت ليه مش عايز تفهم إنك معايا أفضل ألف مرة لما تواجهني... ارهنك إنك لما نفض الشراكة دي هتواجه شركاتي وبعدها متبقاش تيجي تعيط لفريدة هانم وتقولها خلي ابنك يخف عليا ويرحمني، فاحمد ربنا إن في شركة جمعنا في شراكة، وإلا كنت نسفتك من زمان وإنت عارف كده كويس يا نعمان."
رفع كفه ليضرب خد عمران فسبقته يده ومنعته من أن تطوله هاتفًا بتحدي:
"قولتلك ألف مرة، مَعَادش العيل الصغير اللي تتشطر عليه ده، أنا لو نفخت فيك هطيرك لسريرك اللي في الشقة اياها وسط الرقصات، فاكرهم يا خال!"
دفع أحمد نعمان للخلف وصاح بعصبية:
"هي حصلت إنك ترفع إيدك عليه؟ إنت فاكر نفسك إيه يا أخي؟ فوق بقى، كرهت فيك الأولاد ومبقاش حد طايقك غير اختك ومعرفش على إيه؟"
حاولت شمس وزينب تهدئة فريدة التي تلتقط أنفاسها بحدة، تحاول أن تبكي لتريح قلبها ولكن دموعها تأبي الهبوط. بينما تقف فاطمة على بعد منهم برعبٍ جلي، ومن خلف باب غرفة عمران كانت مايا تتابع ما يحدث ببكاء.
أسرع علي لوالدته يضمها إليه وهو يردد بخوف:
"اتنفسي يا حبيبتي، خدي نفس عميق... متقلقيش، مفيش حاجة."
وفرك صدرها بقلقٍ ويعود لتعليماته:
"خدي نفس واطرديه بهدوء."
اتبعت ما يقول حتى انتظمت انفاسها، وتحررت عقدتها فتحركت برفقة علي تستند على معصمه حتى وصلت لأخيه، ترفع رأسها إليه ببطءٍ تواجهه فقال:
"تعالي يا هانم شوفي تربيتك الزبالة.. ابنك عايز يمد إيده عليا!"
خرجت عن صمتها أخيرًا حينما قالت بصوتٍ مبحوحٍ يسمع بالكاد:
"ابني متربي أحسن تربية يا نعمان.. هيتنازلك حاضر، هو ومايا عن الشركة.."
"بس يا ماما آ..."
أوقفت فريدة عمران باشارة يدها وعادت تردد بقوة:
"هيتنازلولك وهتاخدها زي ما كنت بتحلم، بس من اللحظة دي انسى إن ليك اخت. أنا كنت باقية عليك لإنك أخويا الوحيد، بس توصل لإنك تعمل كل ده فأنا آسفة، ولادي عندي أهم من الكون كله."
وأشارت لعمران قائلة:
"سندني لاوضتي يا عمران."
تعمدت إبعاده بذكاء عن ساحة المعركة، فامسك يدها الأخرى قبالة علي وقبل أن يغادر بها قال:
"من اللحظة دي إنت في مواجهتي يا نعمان!"
بينما رددت فريدة بنظرة شاخصة:
"إحنا هنعزل من هنا لبيتنا الجديد من بكره، تقدر تشوفلك أي فندق.."
وتركوه يحتقن من الغضب وغادر الجميع من أمامه. لم تتبقى سوى فاطمة التي راقبته بنظرة مرتعبة وعادت لغرفتها تجلس على الفراش تضم جسدها بيدها وتهتز دون توقف... يدها تمتد لأذنيها تكبت تلك الأصوات المتداخلة، لتسقط بنوبة أشد حدة من ذي قبل، ولسانها لا يكف عن ترديد:
"علي... علي!!!"
رواية صرخات انثى الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ايه محمد رفعت
تبلد قاتل يزحف لجسدها فأفقدها القدرة على الحركة تدريجياً. تمدد جسد "فاطمة" على الفراش تاركة تلك الغمامة القاتلة تستحوذ على جسدها بكل ما تمتلكه من قوة. أغلقت عينيها الباكية باستسلامٍ رغم معافرتها لعدم إغلاقها. ولسانها مازال يخفق دون توقف:
"علي... علي تعالى متسبنيش ليهم يا علي!"
فقدت سيطرتها على جسدها بشكلٍ نهائي لتصبح كالمقيدة تشاهد ما يحدث برضىً تام. ها هم الثلاثة وجوه يلتفون من حولها، مثلما التف "عمران" و"علي" و"نعمان" بالخارج، يتشاجرون بعنفٍ بالغ على من يكون أول من يحصل على تلك النقية التي لم يمسها رجلٌ قط. تعود لترى نفسها مقيدة بعجزٍ على سريرٍ حديدي وعينيها المحتقنة من البكاء تتوزع بينهم بتوسلٍ أن يرحموا ضعفها وبرائتها.
الشجار العنيف فقط هو ما تسمعه، مقايضات بينهم وتفاوضات ليحظوا أحدهم بالمرة الأولى. وبعد نصف ساعة من الجدال والاتفاقات على زهاق روحٍ طاهرة عفيفة، اعتدى أولهم عليها اعتداءً وحشياً انتهكت فيه براءتها وذُبحت فيها لمرتها الأولى.
أغلقت عينيها باستسلامٍ لمصيرها وأخر ما تحتفظ به وجه كل شخصٍ منهم. حتى اجتمع ثلاثتهم من حولها يتطلعون لها بانتصارٍ لما اقترفوه بتلك المسكينة.
هزت رأسها المتعرق رافضة تواجدها بغرفة الذكريات القاتلة. تختبئ بالخلف وهي تشاهدهم يعتدون على جسدها المقيد بالسرير بعدما انفصلت روحها عنه. يدها تكبت شهقاتها ظناً منها أنهم سيستمعون لها وينتبهون لوجودها فتُذبح روحها هي الأخرى مثلما ذُبح جسدها.
انتفاضةٌ أخرى وجسدها يرتعش كالغريق. تشعر وكأنها ستفارق الحياة في أي لحظة. فسقطت أرضاً تنزوي بإحدى الأركان، تضم ساقيها لصدرها وتبكي دون توقف حتى أتاها صوتٌ من بعيدٍ يناديها بقوة:
"فطيمـــــــة."
نغز قلبها بنغزةٍ أعلمتها بأنها تعرف صاحب هذا الصوت قلباً وقالباً. فنهضت عن الأرض تحاول تتبع الصوت وهي تردد ببكاءٍ:
"علــي.... علـي ساعدني!"
يدٌ حنونة تزيح قطرات عرقها وصوتٌ رجوليٌ دافئٌ يخبرها:
"أنا جنبك وايدي في ايدك يا فطيمة... فوقي، اللي إنتي شايفاه ده حلم مش حقيقة. افصلي نفسك عنه وافتحي عيونك!"
انقطعت أنفاسها المحتبسة بصدرها، وتلوى جسدها الذي يحاول الحصول على الخلاص. فارتاعب علي ورفعها إليه جالساً من خلفها يحيطها بكلتا يديه إليه وهو يعود لحديثه:
"حبيبتي أنا جنبك مستحيل حد يأذيكِ وأنا حي. افتحي عيونك هتلاقيني جنبك وحواليكي ومش هتلاقي وجود لأي حد غيري."
وتابع حينما لم تهدأ اضطراب أنفاسها:
"ثقي فيا زي ما اتعودتي. أنتِ هنا معايا وفي حضني اللي مفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يطولك فيه. افتحي عينك يا فطيمة."
البرودة تتسلل لأطرافها، تزداد حالتها سوءاً بدرجةٍ جعلته يفطن بأنها أبشع النوبات التي تتعرض لها. شعوره بالعجز جعله يضم وجهها بيديه وهو يترجاها بتوسلٍ حزين:
"فوقي يا فاطمة عشان خاطري. أنا آسف إني سبتك لوحدك كل ده مش هعملها تاني صدقيني!"
ومرر يده بين خصلات شعرها وهو يقربها لصدره عسى رائحته المحببة لها تعيدها إليه. ولكنها مازالت متيبسة بين يديه تردد ببكاء:
"متسبنيش ليهم يا علي.. متسبنيش!"
جذبها لأحضانه يضمها بكل ما فيه هامساً بصوتٍ أخنقته دموعه العزيزة:
"على عيني اللي حصلك يا قلب علي. يا ريت الزمن يوقف بينا ويرجع من تاني أقسملك ما كنت هخلي مخلوق يمسك بشر. كنت هحارب الكون كله عشانك يا فاطمة من أول خطيبك الحقير لحد الكلاب اللي اتسببولك في اللي انتي فيه ده."
واستطرد بتوسلٍ وهو يقبل جبينها بعشقٍ:
"ارجعي لوعيك عشان خاطري. يهون عليكي وجع قلبي يا فطيمة؟ افتحي عيونك!"
ومدد ساقيه ليتمكن من السيطرة على جسدها الماسد بين يديه، فأدارها إليه وضم وجهها بيديه يهزه بعنفٍ وصرامة:
"اسمعيني انتي هتفتحي عيونك حالاً ومش هتخليني ألجأ للمهدئ تاني. هتقومي وهتلاقيني هنا جنبك وهتتأكدي إن اللي في دماغك وهم مالوش مكان غير في مخيلاتك."
وسيطر على دموعه بقوةٍ وهو يهزها بنبرةٍ آمرة:
"افتحي عينك يا فاطمة حالاً!"
رفرفت بأهدابها على مهلٍ حتى تحررت من ظلام مقلتيها. فكان وجهه أول من قابلها. سحبت "فاطمة" عينيها للغرفة وهي تنسحب للخلف بفزعٍ، تراقب كل زاوية لتتأكد بأنهم ليسوا هنا بالفعل.
استكانت حدقتاها بلقاء رمادية عينيه الدامعة. ففرق ذراعيه فاستجابت له وانزوت فيه وإليه!
شملها "علي" بين أحضانه وأعصابه مازالت ترتعش نافرة عن جسده لما خاضه ليجعلها تستعيد وعيها. فهتفت بصوتٍ مبحوح:
"علي أنا كنت خايفة متجيش وتسبني ليهم يا علي."
ربت على رأسها ومازال شارداً بالفراغ، جسده منهك للغاية، يشعر وكأنه هو الذي سيفقد وعيه الآن.
افتقدت لصوته الغائب عنها منذ عودة وعيها فنادته بقلقٍ ورأسها مستكين على صدره بتعبٍ:
"علي!"
طال غياب صوته الدافئ. لا يصل إليها سوى صوت أنفاسه العالية. ابتعدت عنه واعتدلت بجلستها تتطلع له بذهولٍ يزداد مع كل دمعةٍ تراها تنهمر من عينيه الشاخصتين بالفراغ!
بكت فاطمة بصدمة وحركته بتأثرٍ:
"علي!!!!"
رمش بعينيه وتمعن بها فوجدها تراقبه بخوفٍ وقلقٍ ينهشه بعتاب نظراتها المستكشفة لحزنه. بدى حائراً بما يقتحم رأسه بتلك اللحظة، ولم يجد سوى المجازفة ترحب به. فدنى منها وعينيه لا تفارق خاصتها، يعوض خوفه بها وحينما وجد يدها تتعلق برقبته أحاطها بفيضٍ من شوقه الجارف.
أزاح أسدال صلاتها وعينيه لا تفارق عينيها، يحاول أن يستشف أول خطواته بالنيل من هاجس خوفها. ترك عاطفته تعبر لها عن حبه البريء الذي لا يطمع بها جسدياً، يدفن شهواته بكل ما يملك من قوة صبر ليجعلها لا ترى إلا نظرات عينيه الدافئة التي لا تفارق عينيها بالرغم من أنها الآن باتت بين ذراعيه كأي زوجة.
أراد أن يحطم الصورة التي تكونت بعقلها عن شكل العلاقة بين أي رجلٍ وامرأة بعدما نجح هؤلاء الأوغاد بترك تلك الصورة تزدهر بعقلها. فلجأ "علي" لطريقته هو ليعاونها على رسم صورة أخرى تنافس ما تُركت لها بقوةٍ تجعلها تتمزق ولا تعود لمخيلتها أبداً.
كان يمارس أقسى مرحلة من انضباط النفس ومعشوقته التي تمناها بين ذراعيه، يحارب ويحارب ليجعلها لا تفارق عينيه الشغوفة بعشقها. يجعلها تعتاد على وجوده بحياتها بشكلٍ جديد يمهدها للقادم من مستحدثاتٍ بعلاقتهما. يعلم بأن الأمر ليس هين عليه ولكنه سيفعل أي شيء ليعاونها أن تمحو كل ذكرياتها وتبدأ معه هو من جديد.
خطفت فاطمة نظرة خاطفة لذاتها فجحظت عينيها صدمة وابتعدت عنه مرددة بخفوتٍ حرج:
"علي!!"
دنى منها يوقفها عن التراجع، محيطاً وجهها بيديه يرفعه بقوةٍ إليه. تقابلت عينيها معه من جديد وتحرر صوته المحتفظ ببحةٍ مميزة:
"قولتهالك قبل كده إن مش فارق معايا أي شيء غير قلبك يا فطيمة. مش عايز غيره!"
واقترب يستند بجبينه على جبينها هامساً بعشق:
"ارمي كل حاجة ورا ضهرك ومتشوفيش غيري أنا. ركزي في تفاصيل حبنا وقصتنا اللي ابتدت من أول لقاء جمعنا في مصر."
وأغلق عينيه بقوةٍ يجابه انتفاضة قلبه من قربها إليه لهذا الحد:
"اللي فات مش بتاعنا يا فطيمة اللي جاي هو اللي ملكنا. أنا الحاضر ومستقبلك. أنا كل ذكرى حلوة هتتحفر جواكِ للأبد."
وفتح رماديته يتفحص تأثير كلماته وقربه منها فوجدها تغلق عينيها بخجلٍ بعيداً كل البعد عن النفور تمكن من تفسيره جيداً. فناداها بلوعةٍ:
"فاطمة."
فتحت شمس عينيها تقابل سكنة عينيه الثابتة كسطوع القمر المحتل ليله المظلم بضيائه الباهي. وألماسته تنفلت على لسانه الناطق:
"بيقولوا إن كل طبيب نفسي بيحتاج كل فترة إنه يزور طبيب زميل ليه يسمعه. وأنا مستكفي بعيونك هما طبيبي فبالله متحرمنيش من الراحة والسكينة اللي بحسها وأنا جواهم!"
أدمعت عينيها تأثراً بكلماته، فأجبرت لسانها على تحرر كلمة واحدة تشمل ردها على كل حرفٍ خرج منه:
"بحبك يا علي."
سحب نفساً مطولاً وعاد يستند على جبينها من جديدٍ، يخبرها:
"وده المهدئ لكل وجع جوايا. ردديها في كل مرة تلاقيني فيها مهموم أقسملك هتلاقيني بتولد من جديد على ايديكِ يا فطيمة!"
ابتعدت برأسها للخلف ففتح رماديته يراقبها باهتمامٍ، فوجدها تبتسم وهي تنخفض عنه لتضع رأسها على صدره باستحياءٍ.
اعتدل "علي" بمنامه ليمنحها نومة مريحة بعدما تسلل النوم إليها. ضمها إليه وهو يتنهد بوجعٍ يزيد من حدته كلما تذكر ما مر به برفقتها منذ قليل. كان على وشك خسارة كل تقدم أحرزه بحالتها مع تلك النوبة الشديدة التي لم يختبرها رفقتها من قبل. لا يعلم كيف تماسك ليعيدها من جديد، ولكنه ركز على ثقته وإيمانه بالله عز وجل وفي حبه الشديد المدفون داخل صدرها محتلاً قلبها. حركه وتركه يعاونه على استعادتها وها هو تعود له وهو يحرز هدفاً آخر حينما فتح معها باباً آخر بعلاقتهما المعقدة. ومازال يأمل بأنها ستكون زوجة له بإرادتها!
أغلق باب غرفته وتحرك للفراش غاضباً من اتخاذ والدته قراراً كهذا. لم يكن بالشخص الذي يرضخ لأحدٍ مهما فعل. تسلل له صوتٌ خافتٌ يناديه:
"عُمران."
استدار بجسده للخلف فوجدها تقف أمام الخزانة ترتدي كامل ثيابها حتى حجابها. تألم قلبه لرؤيتها تأخذ حذرها بما ترتديه حتى وهي بغرفتها. فأشار لها بالاقتراب منه.
جلست "مايسان" جواره فضمها إليه بقوة:
"اقلعي اللبس ده واقعدي على راحتك مستحيل يكررها تاني يا مايا."
أومأت له بخفةٍ وبالفعل نزعت عنه الجلباب الأسود والحجاب. فجذبها لتغفو جواره. التقطت نفساً مطولاً وأخرجته على مهلٍ قائلة:
"عمران عشان خاطري نفذ الكلام اللي خالتو قالت عليه. خلينا نتفادى شره وأذاه ونعيش في سلام. إنت مش محتاج للشركة دي في حاجة ما شاء الله شركاتك محققة نجاح ونص المشاريع اللي بتيجي على شركة العيلة بتيجي عشانك إنت."
جذب ذراعها يجذبها إليه يربت بعشقٍ على ظهرها، قائلاً بنبرته الرخيمة:
"هعمل اللي يريحك يا مايا. بس وربي لأدفعه تمن اللي عمله النهاردة ده وبالغالي أوي."
شددت من تعلقها به بفرحةٍ انتقلت إليه:
"أيوه كده تبقى حبيبي الطيب الكيوت اللي بيسمع الكلام."
ضحك بصوته الرجولي وصحح لها ساخراً:
"قصدك كده حبيب قلب جوزه قرطسه ومفكر نفسه قادر يمشي كلمة عليه!"
شاركته الضحك وتنعمت بنومها مجدداً بين ذراعيه وتلك المرة قد حرص عُمران على غلق باب غرفته بالمفتاح تحسباً لوجود شقيق والدته الأرعن!
مطرقةٌ عنيفةٌ هوت على ظهرها تقسمه لمرتها الثانية. فنزعت أخر ما تبقى لها من السند العتي. نالت مطرقتها الأولى بفعل زوجها الراحل والآن حان الدور لأخيها ينال منها بأسوء الطرق.
انزوت على فراشها تضم يدها حولها، تهز كفيها على ذراعيها دون توقف وكأنها تزيل برودة جسدها المتبلد. ساقيها لا تتوقف عن الاهتزاز ودموعها تنهمر على وجهها كغسق الأمطار في ليلةٍ شديدة الغيوم. تحاول تهدئة نفسها ولكن دون جدوى تزداد أنفاسها بالاختناق ويحتقن بداخلها أمل الاسترخاء.
التقطت أذنيها صوت دعسات حذائه الثقيلة تقترب منها، ومن قبل أن ترفع عينيها الزرقاء إليه تسللت رائحته التي سكنتها لأعوامٍ تجعلها تتعرف عليه من على بعد حتى وإن كانت تخوض ظلاماً قاتلاً.
انخفض بها الفراش المنظم قليلاً فعلمت بأنه يجلس قبالتها الآن. فزادت من انغماس عينيها للأسفل تتحاشى رؤيته فتنفضح دموعها وحالتها الضعيفة إليه.
أصابع قوية دُفنت بين أصابع كفيها الرقيق بسيطرةٍ تخضعها لوجوده جبراً. وقبضته الأخرى تدفع جسدها إلى صدره. وجهه الآن يميل على رأسها مدفوناً بين خصلات شعرها القصير بسكونٍ زاد من ربكتها. صوته الآن يتحرر بنبرةٍ مغريةٍ خافتة:
"متحاوليش تخبي ضعفك عني يا فريدة. ممكن تخدعي كل عيلتك وأولهم سالم لكن أنا لأ. أنا مدفون جواكِ وفيكِ. فاهم وعارف كل نظرة خارجة منك. ومقدر طول الفترة اللي فاتت تحكمك في نفسك عشان تحافظي على علاقة نعمان بيكِ."
واسترسل يهون عليها ما قد تلقيه على عاتقها:
"إنتِ عملتي اللي عليكِ علشان تحافظي عليه بس هو اللي للأسف طمعه وجشعه خلاه كفيف عن أي علاقات ودية يا فريدة."
وتابع ومازال رأسه ينحني فوق رأسها:
"طول عمره كده مستحيل يتغير أبداً. كل اللي في دماغه يسيطر على الشركة الأم المسيطرة على فروع عيلة الغرباوي. زمان عمي وأبويا وقفوا قدام بعض عشان الشركة دي جدي قاطعهم وفارقهم لحد ما رجعوا عن اللي في دماغهم واتنازل أبويا لأبوكي عن الشركة عشان ميخسروش بعض. موقفك اللي عملتيه من شوية ده فكرني باللي حصل زمان فمتندميش على قرارك اللي اخدتيه يا فريدة بالعكس انتي أخدتيه متأخر أوي. شخص زيه مينفعش يكون موجود في حياتك وبين أولادك."
تحررت شهقة متقهقرة بداخلها، فرفعت يدها تتعلق بقميصه مرددة ببكاءٍ:
"ده اللي فاضلي من عيلتي يا أحمد. بابا وماما وأختي الوحيدة كلهم ماتوا مكنش ليا غيره وكنت بعتبره عيلتي كلها بس عمره ما حسسني إني أفرقله في شيء. مفيش مرة نزل فيها لندن إلا وطلب مني أتنازل عن الشركة كأنه بيعرفني إن ده الشيء الوحيد اللي بيربطنا ببعض!"
أحاطها بقوة بين أضلعه وردد إليها بحزنٍ عميقٍ:
"ميستهلش. والله العظيم ميستاهل دمعة واحدة من عنيكِ الغالية دي. اللي استغنى عنا إحنا في غنى عنه يا فريدة. قوي نفسك وادعمي قرارك لإنه هو الصح. نُعمان عايز يكسر شوكة عُمران بأي شكل من الأشكال لأنه تبارك الله بقى له اسمه وده عمله بعيد عن شركات براند "الغرباوي". وزي ما قال ابنك كون إنه سحب الشراكة بينهم فده هيوقع أسهم شركاته كلها لأن أغلب المشاريع اللي الشركة الأم بتنفذها عملاؤها مختارين الشركة لوجود "عُمران سالم" شريك مساهم فيها. ضربة نُعمان القاضية جاية وبقوة."
انهمرت دموعها على وجنتها حتى ابتل قميصه من شدتها، وحررت صوتها الخافت تخبره:
"مكنتش عايزاه يهتم بالأملاك والثروة وكل ده كنت عايزاه يحتويني ويتمسك باللي فاضله من عيلته زي ما أنا كنت متماسكة بيه يا أحمد."
رفع ذقنها إليه لتقابل نظراته العاشقة لكل تفاصيلها، مشدداً على حروف كلماته:
"أنا عيلتك كلها يا فريدة. أنا أخوكي وأبوكي وحبيبك وجوزك وكل ما ليكِ في الدنيا كلها فبالله متقوليش إنك مالكيش حد في وجودي!"
رفع ذراعيها تحيط برقبته وتضم ذاتها إليه، فاحتواها إليه وهو يعود لعاطفة كلماته العاشقة:
"عيشي يا فريدة وارمي وراكِ كل شخص وجعك وأذاكِ. عيشي جوه قلبي هو الوحيد الآمن ليكِ وقادر هيحميكِ وهيصونك بعيد عن كل ده."
وعاتبها بحزنٍ يلف يفترسه:
"هو ده عوض البعد وسنين الفراق يا فريدة؟ بعد كل اللي مرينا بيه رجعنا نكون مع بعض من تاني. انسي كل الناس وكل الوحش وسبينا نعيش اللي اتحرمنا نعيشه مع بعض. بلاش نفكر في اللي هيوجعنا لأننا مبقناش حمل وجع تاني."
وأبعدها عنه يطالبها بصرامة:
"اوعديني."
رفعت يدها تزيح دموعها ومنحته ابتسامة جعلت تعابيره المشدودة ترتخي تدريجياً:
"أوعدك يا حبيبي إني هعيش اللي جاي من حياتي علشانك إنت وبس. كل حلم حلمت بيه عنك هحققه وأنت معايا."
ودنت منه تردد بحبٍ جعل قلبه يرتجف من قوة عشقها:
"أنا مش عايزة غيرك إنت يا أحمد!"
عند ذاك الحد لم يكن عليه محاربة مشاعره. دنى إليها يعبر عن عاطفته حتى اختطفها لعالمٍ بُني على حقيقة شغفهما معاً.
استيقظ باكراً قبل الموعد الرسمي المحدد لموظفين الشركة، فنهض يتجه للراديو الصغير الخاص به، يفتح إذاعة القرآن الكريم ويحرر شرفة غرفته الصغيرة. ومن ثم يتجه للركن الصغير الخاص به يعد شطائر الفول الطازج وقدح من شاي النعناع الساخن. ثم حملهما وخرج يتناول طعامه ومن ثم اتجه لمكتبه المتواضع يرتدي نظارته الكبيرة ويباشر عمله بكل محبة.
مضت عليه نصف ساعة كاملة حتى استمع لدقات بابه الحديدي، فرفع عينيه عن دفتر الحسابات فوجد أمامه نفس الشاب الذي أتى به "عُمران" بالأمس. رفرف بأهدابه بدهشةٍ، ونهض بخطواته الثقيلة التي تناسب جسده الكهل ليحرر مزلاق بابه وعاد لمقعده مردداً:
"غريبة يعني إنك رجعت ولوحدك من غير ما عمران يجبرك!"
اتشحت ابتسامة جميلة على وجهه البشوش، واتجه لمقعده المقابل لمكتب "ممدوح" قائلاً بحماسٍ ولباقة:
"جيت عشان مفيش بشمهندس عاقل يفوت فرصة إنه يتعلم على إيد استاذ عظيم زيك."
ضم كفيه معاً وانحنى يستند عليه قائلاً بابتسامةٍ صغيرة:
"مكنش باين لك رجوع على ملامحك المُجهدة امبارح؟"
خلع "أيوب" عنه ذراع الحقيبة وقال بابتسامةٍ مشرقة:
"والدي الشيخ مهران علمني ما أستسلمش بسهولة، وبعد اللي حضرتك عملته معايا امبارح كان لازم أبينلك إني مش الشخص اللي كونت عنه أفكارك امبارح."
بدى خبيثاً، ماكراً، متحاذقاً مما دفع "ممدوح" ليسأله بنزقٍ:
"تقصد أيه!"
أجابه ببساطةٍ ومصداقية:
"من خلال الكام ساعة اللي قضتهم مع حضرتك حسيت أد إيه إنك بتحترم وقتك وبتقدسه جداً، فكنت بتحاول تضغط عليا بكل السبل عشان تشوف إذا كنت هرجع تاني ولا لأ. ولو رجعت يبقى أستحق وقتك اللي هيضيع معايا في تعليمك الخطوات الجاية لو مرجعتش يبقى وفرت عليا وعليك وقت ومناهدة."
تراخت شفتيه الغليظة عن ابتسامةٍ تظهر لمرتها الأولى، فسحب رشفة من الشاي وقال:
"عجبتني. وشكلك هتكون تلميذي التاني بعد "عُمران الغرباوي"."
وأشار إليه بنظرةٍ ارتخت عن حزمها قليلاً:
"تحب نبدأ؟"
فتح سحاب حقيبته يخرج دفتره وبعضاً من الألواح هاتفا بحماسٍ:
"أنا جاهز. اتفضل!"
هبط للأسفل يفرك عينيه وهو يجاهد النوم بكل ما فيه، فكان بطريقه للمطبخ ليعد كوباً من القهوة تزيح صداعه القاتل، فتوقف محله حينما لمح أخيه يجلس بالصالون يرتشف كوباً من القهوة ويقرأ بأحد الكتب كالمعتاد عنه.
اقترب منه عُمران يردد ببسمةٍ عابثة:
"صباح الخير يا دكتور."
انتبه "علي" إليه وأجابه بابتسامةٍ هادئة:
"صباح الخير يا عمران. منزلتش شغلك ليه؟"
إتجه إليه يجلس على ذراع المقعد ينتزع من يده الكوب وهو يرتشف منه كمدمنٍ مفتقدٍ لمذاق الكوفين، وردد:
"بفكر منزلش النهاردة. ورايا كام حاجة هخلصهم هنا على اللاب وكمان ساعة هنزل مشوار على السريع كده ممكن بعدها أعدي على الفرع اللي هنا أشوف الدنيا وأرجع تاني."
أغلق كتابه وأعاده على الطاولة وقال:
"المهم تنهي حوار الشراكة ده خلينا نخلص."
هز رأسه بخفوتٍ وردد بتهكمٍ:
"كلمت امبارح المحامي وبيرتب الأوراق. متقلقش."
هز رأسه بخفوتٍ، فاتجه عُمران للأريكة يحتلها، وصاح بإحدى الخادمات:
"احضري لي حاسوبي من غرفتي رجاءً."
أماءت له باحترامٍ وغادرت لتعود بعد دقائق بما تحمله فوضعته من أمامه، فتحه عُمران وشرع ببعض أعماله، وبين الوقت والآخر يختطف نظراتٍ سريعة لأخيه الشارد والهموم تتثاقل بين حدقتيه الرمادية. فأخفض عمران شاشة حاسوبه وسأله بلهفة:
"مالك؟!"
مسح على فمه بحركةٍ عشوائية وأجابه:
"مفيش. بفكر ألغي سفري لمصر بس للأسف لازم أعمل المشوار ده."
اعتدل بجلسته يعيد سؤاله باستغرابٍ:
"وعايز تلغيه ليه؟"
المركز أساساً شبه مكتمل مكنش فيه غير المساحة اللي انت ضمتها ليه والفريق بينجز فيه على أكمل وجه لازم إنت كمان تتحرك وتختار الدكاترة والممرضين اللي هتحتاجهم وبسرعة.
لف وجهه المهموم إليه:
"عارف بس اللي رباني من السفر فاطمة حالتها مش مستقرة. خايف أجازف وأبعد عنها يحصلها حاجة وأنا مش جنبها. فاطمة لسه متعافتش بشكل كامل."
ترك عُمران حاسوبه ونهض عن أريكته متجهًا لمقعدٍ يجاور مقعد أخيه، وازدرد ريقه بارتباكٍ اتبع منهج سؤاله المتردد:
"علي. هو إنت وفاطيما بتمارسوا حياتكم بشكل طبيعي؟"
تقوس جبينه بشكلٍ ملحوظ، فاعتدل عُمران بجلسته يوضح له:
"أصل حالتها غريبة ومقلقة!"
تعمق بالتطلع لعينيه الشبيهة لخاصته بلونها، ومنحه بسمةً خافتة اتبعها قوله الذكي:
"لو سألتك نفس السؤال عنك إنت ومايا هتجاوبني؟"
رمش بأهدابه عدة مرات في محاولةٍ لاستكشاف ما يود قوله، فتابع علي بنبرةٍ رزينة:
"إنت قمت الدنيا كلها لما خالك اقتحم أوضة نومك وإنت دلوقتي بتعمل نفس الشيء يا عمران بتقتحم خصوصياتي أنا ومراتي فمتوقع مني أيه مثلاً؟"
ابتلع ريقه بتوترٍ أخفاه بقوله:
"أنا آسف لو سؤالي ضايقك يا علي. أنا بس آآ..."
قاطعه بابتسامةٍ واسعة وملامحه لم تتأثر مطلقاً:
"متعتذرش يا عمران أنا فاهمك وعارف إنك متعمدتش ده بس اللي لازم تفهمه إن مهما كان قربنا وحبنا لبعض في النهاية في خطوط حمرا محدش منا يقدر يتخطاها."
هز رأسه بتفهمٍ:
"عندك حق."
اتجهت نظرات علي لحاسوب عمران وسأله باهتمامٍ:
"كنت بتقول إنك معاك تصميم لمكتبي بعد التعديل. وريني أنا متحمس جداً أشوف هترتبلي مكتبي ازاي انت وفريقك يا بشمهندس!"
ضحك وهو يشير له بغرورٍ:
"بعينك تشوف حاجة. سافر إنت وارجع وكن على ثقة إن عمران الغرباوي هيبهرك. يا ابني كفايا عليك إني مش بعمل ديكور لحد!"
ضحك وهو يراقبه يعود لأريكته رافعاً رأسه للأعلى كالطاووس، فجذب الوسادة التي تجاوره وألقاها بوجهه هاتفاً:
"طاووس وقح!"
غمز له برماديته يجيبه بسخرية:
"طب انصرف علشان بخاف من الحسد وعايز أفرد ريشي!"
تعالت ضحكات "علي" واستكان بجلسته يجذب كتبه، يعود لقرائته الصامتة بينما الأخير يتلذذ بكوب القهوة التي اتخذها عنوة ويتابع حاسوبه هو الآخر.
مرت الساعات ومازال كلا منهما منشغل بما يفعله، حتى اقتحم مجلسهما "مايسان" و"فاطمة" التي كانت تدفع طاولة صغيرة لتستقر أمام "عُمران" فاستقام بجلسته منتبهاً لها، فوجدها تردد ببسمةٍ صغيرة:
"نسيت الاتفاق؟"
وزع نظراته على أطباق الطعام الشهي ورفع عينيه لها يجيبها بامتنانٍ:
"أيه كل ده. تسلم ايدك يا فاطمة تعبتك معايا."
أجابته بلباقة:
"يا رب يعجبك."
ابتسمت مايا ورددت بمشاكسة:
"كان نفسي أطبخلك الأكلة دي بنفسي بس للأسف مقدرش أنافس في الأكل المغربي قدام فاطيما خسرانة بالعشرة."
ضحكت لها ورددت بخجل:
"أنا أجي أيه جنبك يا مايا."
أشارت لعمران الذي يتابعهما مبتسماً:
"متصدقهاش يا عمران دي بتشيل عنها العين."
واستدارت تجاه علي تشير إليه:
"تعالى هنا جنبه يا علي. الأكل يجنن."
رفع معصمه إليه متفقداً ساعته:
"الساعة لسه ١٢. أنا بتغدى على الساعة ٣ فمش هقدر أعذروني."
منحه نظرة ساخطة وهو يلتهم ما بملقته مردداً:
"خليك حافظ على أكلك ومواعيده لما بقيت شبه خلة السنان. نفسي تقتنع بكلامي وتأكل وتعيش حياتك وتقضيها ساعتين جيم كل يوم هتفرق معاك."
قذف علي وسادة أخرى إليه:
"كمل أكلك وانت ساكت."
ضحكت فاطمة وهي تتبعهما باستحياءٍ، فاخفضت عينيها للحاسوب المجاور لعمران حيث تركه مفتوحاً، فلفت انتباهها جدول الحسابات المعدة وتقنيات تعيد لها ذكريات العامين التي مضتهما بالجامعة وبعدهما لم تتمكن من استكمال تعليمها.
لاحظ عمران وعلي تعلق نظراتها بالحاسوب وشرودها، فجذب عمران المنديل الورقي وأزاح بقايا الطعام عن منديله، وبخفة دفع الحاسوب قبالتها قائلاً باهتمامٍ:
"الSystem ده مش غريب عليكي صح؟"
هزت رأسها بخفة، فقال ببسمةٍ واسعة خبيثة لقرب تحقيق هدفه:
"تحبي تجربي؟"
خطفت نظرة مرتبكة لعلي الذي ترك كتابه وراقبهما باهتمامٍ يفوق اهتمام أخيه، فقالت:
"أنا مش فاكرة أي حاجة. فات فترة طويلة على ما كنت بالجامعة فمش عارفة هقدر ولا لأ."
ابتسم وهو يشير لها بالاقتراب بحماسٍ:
"بسيطة هعمل معاكي أول حسبة ومع الشرح هتفتكري. تحبي نجرب؟"
عادت ببصرها لعلي الذي منحها ابتسامة تبث لها الأمان المفقود، فعادت لعمران تكتفي بهزة رأسها، نهض على الفور يحمل صينية الطعام جانباً ثم وضع حاسوبه عليها ودفعه لتكون بينها وبين فاطمة الجالسة على نهاية الأريكة، فاختار جلوسه على مسافة بعيدة منها لتفهمه حالتها باجتيازٍ.
ثلاثون دقيقة استغرقها لينتهي من أول ملف بمفهومه النظامي، بينما كانت تتذكر كل ما تلقتنه من قبل رويداً رويداً، ففتح لها ملفاً جديداً ودفع الحاسوب لها يشجعها:
"نفذي الخطوات اللي عملتها لوحدك وبهدوء. وأنا هشوف لما تخلصي."
هزت رأسها إليه وحملت الحاسوب لقدميها تفعل كما أخبرها به، بينما اتجه عمران ليجلس جوار مايا يستكمل تناول طعامه فوجدها تميل عليه تهمس:
"بتحاول تعمل أيه؟"
مال لها يهمس هو الآخر:
"هساعد علي في علاج فاطمة!"
بدأ يتسرب لها مفهوم ما يود عمران فعله، فتحمست للغاية لرغبتها الشديدة باستعادة اتزانها النفسي.
لم يفوت علي تفصيلة صغيرة متعلقة بجلستها تلك، ليس كزوجٍ محبٍ بل كطبيبٍ يشخص حالة مريضته التي توشك على اتخاذ أول خطوة بمواجهة العالم بعدما كان افتراضياً لها. يشعر بالامتنان لخطة أخيه باستدراجها للعمل، آن نجح بتلك الخطوة حينها سيُفتح لها العديد من الآفاق أولهم العودة لجامعتها وعيش حياتها الطبيعية.
جميع الأنظار مسلطة عليها، حتى انتهت مما تفعله ورفعت عينيها لعمران الذي يتناول طعامها بهدوءٍ قائلة:
"خلصت."
جذب المناديل المعطرة ومسح يديه وفمه ثم اتجه إليها يجذب الحاسوب ويتابع ما فعلته ببسمةٍ واسعة تدعي كل نقطة بها الانبهار رغم أن هناك بعض التعديلات التي سيحتاجها من بعدها ولكنه وجدها نقطة محمسة للقادم، فأجلى صوته الرخيم:
"براڤو يا فاطيما. لأ بجد ممتازة."
وأشار لمايا بجديةٍ تامة:
"من بكرة فاطمة تنزل معاكي الشركة وأنا النهاردة هخلي حسام يحط مكتب زيادة في أوضة مكتبك عشان تكونوا مع بعض وتعرفيها أكتر عن شغلنا ده لو مكنش عندها أي مانع إنها تشتغل معانا."
ترقب ردها على عرضه الذي فاجأها، وخاصة حينما سألتها مايا:
"ها يا فاطمة أيه رأيك؟"
وتابعت بمكرٍ تعاون زوجها وأخيه:
"أكيد مش هترضي تكوني معايا ونروح ونيجي مع بعض. أنا طول الوقت في الشركة وانتي هنا ومش بنلحق نتكلم ولا نقعد مع بعض!"
لعقت شفتيها الجافة بلسانها وقالت:
"أصل.. أنا... آاآ.."
وصمتت حينما لم تجد ما تقول. حينها رفعت مقلتيها تجاه ملاكها الحارس، ذاك الذي بعد كالبوصلة لانحراف اتجاهاتها فوجدته يشير لها قائلاً:
"لو حاسة إن القرار ده هيريحك وافقي عليه بدون تردد يا فاطمة. متقلقيش وجود عُمران ومايسان جنبك هيديكي الأمان اللي هتفتقديه في عدم وجودي معاكي هناك."
قام بمهامه على أكمل وجه كطبيبٍ وكزوجٍ، يدعمها بقرارها ويخبرها بأن حالتها ستكون مستقرة فلا داعي للخوف، لذا لم تجد إلا أن تؤمي برأسها مبتسمة فصاحت مايا بحماسٍ وهرولت إليها تحتضنها بفرحةٍ، بينما سند عمران ظهره لمقعده وهو يغمز بمكرٍ لعلي الذي قابل خبثه بابتسامته الهادئة الجذابة.
ساعات قليلة مضت وتفرق جمعتهم، اتجه عمران لشركته واتجه علي ليوصل زينب لجامعتها لحضور تلك المحاضرة المسائية، فحاول أن يعلم ما برأسها حتى يعرض عليها عرض الزواج من سيف كما شدد عليه يوسف، فقال:
"ها يا دكتورة طمنيني أمورك تمام بالجامعة؟"
أبعدت عينيها عن هاتفها وأجابته ببسمةٍ رقيقة:
"الحمد لله يا علي. أول يوم كان صعب بس بعد كده الأمور تمام."
تابع القيادة بتركيز وقال بمكرٍ:
"طب الحمد لله. أنا من لما شوفتك واقفة مع سيف امبارح وأنا اتطمنت إنك هتقدري تكوني صداقات تساعدك جوه الجامعة."
ارتبكت للغاية فرفعت يدها تعدل من حجابها:
"دكتور سيف شخص محترم جداً قابلته صدفة في الجامعة وفي عيادة دكتورة ليلى."
حرك رأسه بخفةٍ ومازالت رماديته مركزة على الطريق، فلحق به فترة صمت قبل أن يسألها بلباقة:
"زينب هو أنا ممكن أسألك سؤال شخصي شوية ولو هيضايقك متجاوبيش وأنا هتفاهم ده."
"طبعًا يا علي إسأل بدون كل المقدمات دي."
هدأ من سرعة السيارة والتفت يتطلع لها ومازالت يده تتحكم بالمقود:
"انتي في حد في حياتك؟ يعني بتحبي حد أو مرتبطة بشكل خاص؟"
تجهمت معالمها بشكلٍ مقبض، وكأنها ستستقبل الموت بين أحضانها بعد قليل. مجرد حديثه عن الأمر أعاد صورة "يمان" بمخيلاتها من جديد. تمسكت بجزء من قوتها وقالت بتلعثمٍ وفوضوية:
"لأ طبعاً مفيش. وبعدين أنا متوقعتش إنك تسألني سؤال زي ده لاني طبيعي قدامك وقدام الكل مش مرتبطة."
أسرع بالحديث مبرراً:
"فاهم كلامك طبعاً بس افترضت يكون في حد حتى لو علاقتكم سطحية."
هزت رأسها تتفى ذلك باقتضابٍ:
"لا مفيش."
سحب نفساً مطولاً واسترده قائلاً بهدوء:
"طيب يا زينب امبارح دكتور يوسف طلب ايدك مني لاخوه سيف، يعني بشكل ما حابب يكون في بينكم رابط رسمي بحيث تقدروا تتعرفوا على بعض ولو حصل توافق بينكم آآ..."
اقتطعت حديثه بحدةٍ وعصبيةٍ فاجأته كثيراً:
"أنا مش هتجوز يا علي. هو عشان ساعدني في الجامعة ووقفت معاه يبقى هتجوزه!!! وبعدين أنا لسه طالبة في ٢ طب وبكمل لسه تعليمي جواز أيه اللي بيتكلم عنه!!!"
صف سيارته أمام جامعتها والتفت إليها يحدثها بهدوءٍ وعقلانية:
"اهدي يا زينب الموضوع مش مستاهل العصبية دي كلها منك هل أنا فرضت عليكي شيء!! أنا مملكتش الحق ده عليكِ من الأساس أنا وصلتلك طلب دكتور يوسف ومن حقك تقبلي أو ترفضي ولازم تعرفي إني وصلتلك العرض ده لاني أعرف سيف وأعرف دكتور يوسف مربيه على أيه. الولد ده راجل وهيقدر يصونك ويحافظ عليكي وآ..."
قاطعته للمرة الثانية بانفعالٍ:
"مش عايزة أسمع يا علي!! حتى لو كان ملاك بجناحين أنا مش عايزة ارتبط بحد من فضلك بلغهم بكده."
تمعن بحدقتيها بعمقٍ جعلها تشعر وكأنها مجردة أمامه، وقد لاقت حدثها حينما قال بشكٍ:
"مالك يا زينب؟"
مندفعة وعصبية بشكل مش طبيعي. انتي في حاجة حصلت معاكي؟!
ابتلعت مرارة ريقها بصعوبة بالغة، وتعلقت بحقيبتها بكل قوتها، ففتحت باب السيارة وهي ترمقه بنظرة أخيرة هاتفة بحنقٍ:
"بطل تمارس مهنتك عليا يا دكتور. أنا مفيش شيء!"
وتركته وهرولت للجامعة راكضاً من أمامه بينما ظل هو محله يتابعها بنظرةٍ ثاقبة ترى بوضوح ما تخفيه من حالة نفسية يقسم بأنها مازالت تخوضها حتى الآن.
تهدل جسد "علي" على مقعده باستسلامٍ وحزن اتبع همسه الخافت:
"فاطمة... ماما... ودلوقتي زينب. وجعي في عيلتي بيزيد!"
راقب "أيوب" مكتب "ممدوح" مطولاً ومن ثم عادت نظراته للطعام الذي تركه له "حسام" السكرتير الخاص بعمران على مكتبه، فنهض واتجه إليه يناديه بحرج:
"ممكن أستأذن عشر دقايق يا بشمهندس؟"
رفع ممدوح عينيه له، فازاح نظاراته الطبية متسائلاً بدهشة:
"رايح فين في العشر دقايق دول؟!"
رد عليه بوقارٍ:
"مش هتأخر عنهم والله. هطلع لعمران مكتبه وهرجع على طول."
ابتسامةٌ صغيرة عادت تداعب وجه العجوز، فعاد ليستند على يديه كمعتاده وقال:
"أممم. عمران مجاش يوصلك النهاردة وبعتلك الأكل مع سكرتيره من غير ما ينزلك ودلوقتي عايز تطلعله مكتبه. انتوا متخانقين صح؟"
أخفض عينيه أرضاً وكأنه يخشى لقاء مدرسه بفعلته التي أودت لتلك المشاجرة، ولكنه اضطر لإجابته بتحفظٍ:
"سوء تفاهم بسيط."
هز رأسه ومازالت أثر الابتسامة على شفتيه، فرفع اصبعه يحركه له:
"اطلع ولما تنزل نتكلم ونشوف إذا كان بسيط ولا يستاهل!"
ابتسم أيوب بسرورٍ لتطور العلاقة بينهما، فخرج للمصعد يتجه لمكتب عمران بعدما سأل عليه من أحد الموظفين.
اتجه لمكتب "حسام" السكرتير الذي ما إن رآه حتى رحب به بوداعةٍ، فهو يعلم بأن من قام عُمران بالسماح له بالدخول للسجلات برفقة استاذ ممدوح فمن المؤكد بأنه شخصٌ هامٌ للغاية إليه فبسط كفه يشير له بمحبة:
"بشمهندس أيوب هنا بنفسه! نورت الطابق كله."
ابتسم له وقال بتوترٍ جعله يكاد بالعودة مثلما أتى:
"هو أنا ينفع أقابل عُمران؟"
أشار له باحترام للمقعد المقابل إليه:
"طبعاً. اتفضل استريح هدي مستر عُمران خبر حالاً."
اعتلى المقعد المقابل له، ورفع حسام السماعة يهاتف عُمران قائلاً:
"مستر عُمران بشمهندس أيوب هنا وعايز يقابل حضرتك."
لف بمقعده بالداخل بعصبيةٍ اعتلت حركة جسده الهادئ، فابتسم بتسلية وصرح له:
"سيبه قاعد نص ساعة وبعدين دخله."
ودون أي كلمة أخرى أغلق هاتفه بوجه حسام المتعجب لردة فعل عمران، فحجب انفعالاته بامتيازٍ وقال:
"شوية وهدخلك يا بشمهندس. مستر عُمران معاه تليفون مهم."
هز رأسه وبسمته الساخرة بادية كسطوع الشمس بأحضان السماء، وهتف ببرود:
"مفيش مشكلة نستناه!"
مرت خمسة وعشرون دقيقة ومازال أيوب يرسم دور البرود حتى سئم من ادعائه الكاذب، فنهض عن مقعده واندفع لمكتبه بكل ما أتى من عصبية اختفت حينما وجده ينهي صلاته وينهض بسجادته يطويها على الأريكة ونظراته الباردة تطعن الأخير دون اكتراث.
أتى حسام مهرولاً من خلف أيوب يردد بخوف:
"مستر عُمران أنا أسف والله بس البشمهندس آ..."
أشار له عُمران قائلاً:
"روح انت يا حسام وبعد كده لما أيوب يعوز يشوفني يدخل على طول حتى لو كان مين عندي."
غادر السكرتير حائراً بما يحدث، بينما اتجه عمران لمقعده يتأمل ذاك الذي يسدد قنابله إليه من مكانه فكبت ضحكة كادت بالانفلات منه وهو يشير له قائلاً بسخط:
"هتفضل واقف مبحلقلي كده كتير. اتفضل."
دنى ليجلس على المقعد ونظراته القاتلة لا تحيل عنه، فرفع الهاتف يتساءل:
"تشرب أيه يا عم الارهابي؟"
بقى صامتاً يراقبه بغيظٍ يندفع داخله، فردد عمران لمن ينتظر سماع طلبه بالهاتف:
"كوبين من القهوة أعدها في الحال."
ثم اقترب بمقعده المتحرك مقترباً من الطاولة الفاصلة بينهما، قائلاً بعمليةٍ مخادعة:
"خير يا بشمهندس أيوب. في حاجة بتشتكي منها وجاي مخصوص تشتكيلي، أتفضل أنا سامعك."
خرج عن صمته أخيراً، طارقاً بعنفٍ على سطح المكتب الزجاجي:
"اسمع يا جدع إنت متحاولش تلعب بأعصابي وتختبرني كتير علشان صدقني أنا واخد حزام في الكاراتيه وأقدر أبوظ خلقتك اللي فرحانلي بيها دي!"
تحررت ضحكة منه وقال وهو يقترب متمعناً التطلع للكدمة الزرقاء المحتضنة لوجه أيوب قائلاً:
"طيب اهدى انت بس علشان العلامة الحلوة دي ميصبهاش بكتيريا وتتنقل لوشك كله."
انتصب بوقفته وصاح بعنفوان:
"الظاهر إني غلطت لما طلعتلك. سيبني مرمي بره بقالي نص ساعة وعايشلي دور رجل الأعمال اللي معندوش وقت يهرش. لا فوق ده أنا أيوب ابن الشيخ مهران!"
نهض يجابهه بجمودٍ:
"تو تو اهدى شوية يابن الشيخ مهران. أخرة الرغي ده كله وبيتقالك ارهابي!! فاسمعني كده وهدي عضلاتك دي، أنا مسمحتلكش تدخل على طول علشان أنا ببقى غبي وغشيم لما بتعصب للأسف فكنت بهدي نفسي قبل ما أتنيل أشوفك بعد العملة السودة اللي هببتها!"
وأشار للمقعد مجدداً بتحذير:
"فاهدى كده واقعد. أنا أساساً دماغي فيها كلاب صعرانة بتتعارك جوه ونفسها ونفسي أنا كمان معاهم أطلقهم عليك ونخلص!"
طوفه بنظرةٍ ساخرة أحاطته من رأسه حتى أخمص قدميه، وفجأة بادر بسحب عمران من جاكيته بقوةٍ كادت بإسقاطه على طاولته، فردد عُمران بتهديدٍ:
"متخليهاش تبقى الناهية يا أيوب!"
تركه بغضبٍ واتجه ليغادر فلحق به يناديه:
"استنى يا ابني."
وحينما لم يستجيب له قال:
"طيب والقهوة طيب؟!"
تعالت ضحكات عمران وهو يراقب اشتعال ملامحه وهو يتجه للمصعد، فصعد خلفه ووقف جواره صامتاً حتى قال:
"هعتذرلك وأخدك في حضني وأبوس رأسك كمان بس بشرط تصرف نظر عن الجوازة السودة دي!"
تنهد أيوب بتعبٍ من عناد عمران الذي مازال يصر على حديثه، فاستدار له يقول بإرهاقٍ:
"يا عمران افهمني حرام عليك فرهدتني معاك. أنا مقدميش حلول تانية. استسلم بقى وارضى بقراري وخليك جنبي الصديق الجدع اللي اتعودت عليه منك."
صوب له نظرة مقززة، واستدار عنه يمسح وجهه عدة مرات، ثم عاد إلى مكانه يشير بيده:
"تعالى يالا تعالى أنا قلبي الحنين ده اللي مطمع المعاتيه اللي زيك فيا."
ضحك وهو يحتضنه بفرحةٍ وشعوره المفتقد لوجود شقيقٍ يكبره يعوضه به، شدد عمران من ضمه حتى توقف المصعد وانفتح أمام مجموعة من الموظفين الأجانب. اعتلت الصدمة وجوههم جميعاً وراقبوا ما يحدث بالمصعد بأعينٍ جاحظة جعلت عمران يدفع أيوب للخلف وهو يصيح من بين اصطكاك أسنانه:
"الله يحرقك انت وهي في ساعة واحدة. خسرت سمعتي قدام الموظفين وشوية وهيعلقولي العلم الملون قدام مكتبي!!"
وركله لخارج المصعد بعصبية:
"غور مش عايز أشوف وشك تاني."
سقط أيوب من فرط الضحك حتى عمران لحق به ولم يتمكن من السيطرة على ضحكاته. حتى وصلوا لدخل الشركة فسأله باستغرابٍ حينما وجده ينحرف للمصعد السفلي:
"مش جاي ولا أيه؟"
رد عليه وهو يستعد لدلوف المصعد الآخر:
"أنا أخدت عشر دقايق من أستاذ ممدوح وبفضل برودك ووقاحتك بقوا ساعة وهتعاقب عليهم لبكره الصبح فأكيد مش ههرب وأخرج معاك هرجع لاستاذي واشوف اللي يرضيه وأعمله."
رفع عمران يديه للأعلى يدعو بفرحة:
"يارب يعاقبك بشهرين حبس انفرادي معاه تحت وتكون أم قردان دي حلت عننا وفكتها منك."
وعاد يتطلع له بصدمة:
"مصيبة تكون حبتها يابن الشيخ مهران!!!"
أقسم بالله لو حصل ولعبت بديلك كده أو كده متلومش إلا نفسك. متفكرهاش جوازة وتعيش سامعني!
هز رأسه في يأسٍ من تغير عقليته حتى وإن ظل باقي عمره يحدثه في الأمر، فتركه واتجه للمصعد بصمتٍ بينما غادر عمران والسخط يعلو ملامحه كلما تخيل أيوب النقي. التقي. مع تلك الفتاة العبرانية!
بمكتب جمال.
فتح باب المكتب واشرأب بعنقه يخبره بابتسامةٍ واسعة:
"فاضي يا بشمهندس؟"
استدار للمتحدث هاتفاً بسرور:
"عمران! تعالى."
اتجه ليجلس أمامه واضعاً قدمًا فوق الأخرى بعنجهيةٍ تامة:
"وجودي هنا بشكل رسمي فسيبك من جو الصداقات اللي مبيأكلش عيش ده. عايزك في شغل."
رفع أحد حاجبيه باستنكارٍ:
"شغل أيه ده!!"
رواية صرخات انثى الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ايه محمد رفعت
تعجب من ثبات ملامحه الغامضة قبالته، وبالرغم من أنه طرح سؤاله الفضولي حول سبب وجوده بمكتبه وحواره المتعلق بأنه هنا لأجل العمل ومع ذلك مازال ذاك "الطاووس الوقح" يتمادى بصمته، إلى أن ردد "جمال" بنفاذ صبر:
عمران أنا أساسًا متوتر من غير حاجة... بكرة عملية أمي ولسه دابب خناقة مع صبا قبل ما أنزل الشركة، فأرجوك بلاش تختبر أعصابي ببرودك المستفز ده!
حرر زر جاكيته ورفع ساقًا فوق الأخرى بتعالي:
مستغربك بجد!! وأنا أيه علاقتي بأمورك الشخصية ولا إنت متعود تحكي لكل عميل عندك عن سبب توترك!
تجعد جبينه بدهشةٍ من الجدية التامة التي يتحلى بها الأخير وكأنه بمقابلة عمل، فصاح بنزقٍ:
عايز أيه يا عمران لخص!
أخرج من جيب جاكيت بدلته الفخمة فلاشة صغيرة قدمها إليه. جذبها منه جمال باستغرابٍ، ولكنه أثر صمته عن سؤاله بما لا يجيد الأخير اجابته.
جذب حاسوبه ووضع به الفلاشة ليتابع ما عليها باهتمامٍ، تسللت ابتسامة صغيرة على وجه جمال وعاد بها لرفيقه يخبره بفخرٍ وفرحة تنم عن حبه الخالص إليه:
ده تصميم المول التجاري اللي هيتعمل هنا في لندن.. مشروع ضخم وتقيل. فرحت جدًا إنهم اختاروا شركاتك تنفذ المشروع ده مع إن كان الأغلب مستبعد إن اللي يأخد المشروع ده شركة عربية، البعض أجزم إنهم هيتعاملوا مع شركة أجنبية تتبنى المشروع، لحد ما اتشاع إنهم اختاروكم للمشروع ده. الصدمة نزلت جامدة عليهم، بس أنا متفاجئتش، إنت تستحق كل خير يا عمران.. تعبك ومجهودك المتواصل في مجال الهندسة والمعمار وخصوصًا الفروع الجديدة اللي خليتك تستغنى عن اللجوء لأي مهندس إنشائي أو مهندس ديكور أو حد يكمل وراك الشغل ده خلى العيون كلها عليك.
تنمق عن شفتيه ابتسامة صغيرة وهو يطالعه بنظرة مطولة، فاستطرد جمال باستغرابٍ:
بس أنا مش فاهم ليه جايبلي التصميم المعماري للمشروع!
وتابع بعد تفكير:
حابب تأخد رأيي فيه مثلًا؟
كسر قاعدة صمته قائلًا:
أنا مش داخل المشروع ده لوحدي.
زوى حاجبيه بدهشةٍ:
في حد معاك يعني!
صمت الأخير مما دفع جمال يستكمل:
أوكي المشروع ضخم ووارد تحتاج لحد معاك يساندك، بس أنت لوحدك بشركاتك كفايا يا عمران... ومعاك الميزانية اللي تأهلك تشيله لوحدك.
أنهى وصلة تفكيره المتواصلة مطلقًا قنبلته بوجهه:
إنت اللي هتكون معايا في المشروع ده يا جمال.
رمش بعدم استيعاب لما يقول، وحينما بدأ باستيعاب ما قال سحب الفلاشة من حاسوبه ووضعها قبالته قائلًا بجمودٍ:
آسف مش هقدر.
مزق شفتيه السفلى من فرط ضغط أسنانه المغتاظة عليها، وصاح منفعلًا:
مش هتقدر ليه إن شاء الله!!
عاد يستكمل عمله على الحاسوب وهو يخاطبه بصفة رسمية:
عرضك مرفوض.. شرفتنا يا بشمهندس.
نهض "عمران" عن مقعده يغلق الحاسوب من أمامه هاتفًا بحنقٍ:
وحياة أمك!! بتطردني يا جمال!
كبت "جمال" ضحكة كادت بالتسلل لشفتيه وصاح مداعيًا براءته الكامنة:
مش إنت بالبداية قولت إننا نركن الصداقة على جنب وإنك هنا بصفة رسمية عشان نتكلم في الشغل وبس! زعلان ليه دلوقتي!
ترك محله بعدما فشل بترويض غضبه، فجذب جمال من تلباب ملابسه هادرًا من بين اصطكاك أسنانه:
النية كانت النقاش بينا بشكل ودي وراقي. الفعل هنا إنك هتنضرب وحالًا.
سدد له لكمة قوية أعادته لمقعده الهزاز مجددًا، فاحتضن جمال عينيه بألمٍ وبعينه الأخرى يمنحه نظرة محتقنة بثورة غضبه القاتل.
انحنى تجاهه عمران يحرك رقبته يمينًا ويسارًا مصدرًا صوت طرقعه مخيفة، وسحب نفسًا مطولاً وأطلقه بتنهيدة ثقيلة راسمًا بسمة لم تمس أوتار عينيه ولا معالمه:
بشمهندس جمال أقدر أعرف عرضي مرفوض ليه؟
دفعه جمال للخلف ونهض يقابله بضيقٍ:
لأني عارف مغزى عرضك ده يا عمران.
وتابع ومازال يلتحف برداء الثبات المخادع:
مشروع ضخم زي ده يوم ما تحب تدخل شريك فيه المنطقي هتلجئ لشركة كبيرة ليها اسمها وتقدر تساندك، وأعتقد أحمد الغرباوي أو نعمان الغرباوي أكتر اتنين مناسبين ليك. ولو انت مش حابب يجمعك بعيلتك أي شغل يبقى المفروض تدور على شركة كبيرة تضيف ليك مش تنزلك!
كتم غيظه من حديثه الذي يستهان من قدرته، وردد بهدوءٍ:
وإنت شايف إنك هتنزل من مكانتي يا جمال؟
عاد لمقعده يجيبه باتزانٍ وصلابة:
لا طبعًا.. بس إنت عارف إن شركتي صغيرة ومتقدرش تتحمل ميزانية مشروع ضخم زي ده، يمكن لو من فترة كنت هقدر أدخل شريك معاك لكن حاليًا مقدرش.
وتابع وهو يشير له باستنكار متعجب:
إذا كان إنت بنفسك اللي شايل تكاليف عملية والدتي لإنك عارف الظروف!!
سحب عمران أحد المقاعد واتجه بها ليجاوره، قائلًا:
أنا همول للمشروع ولما نحصد الأرباح هأخد منك المبلغ اللي صرفته.
هز رأسه نافيًا بجنون ما يقول فأسرع عمران بالحديث في محاولة لاستعطافه:
جمال أنا محتاجك معايا انت وفريقك. المشروع ده لو اتنفذ صح شركاتنا هتكون وجهة عالمية. إنت مش متخيل أهمية المول ده وموقعه!
استدار بمقعده المتحرك ليكون قبالة جسد رفيقه يخبره:
هساعدك بكل اللي أقدر عليه بس من غير عقود ولا شراكة. أنا رقبتي ليك يا عمران لكن أرجوك بلاش كده.. إحنا من يوم ما دخلنا المجال ده وأنا شرطت عليك إن كل واحد فينا يكون مستقل عن التاني وانت احترمت رغبتي طول السنين دي. هتيجي دلوقتي وهتعمل شيء أنا مش راضي عنه، لإن ببساطة العرض ده جاي لاسمك إنت بسبب تعبك ومجهودك الكبير. مينفعش أدخل معاك شريك بالغصب وأشاركك نجاحك وتعبك!! متخيل إني أرضالك بالخسارة يا صاحبي!
احتدت معالمه بغضب جامح، وصاح بعنفوان:
لما مراتي اتهانت في بيت آشيلي بتخطيط من آلكس وقتها طلبت منك تسحب تعاملاتك مع جوزها وبالرغم من إن ده سببلك خساير كتيرة وأكتر من حد خاف يتعامل معاك تسحب اتفاقك زي ما عملت مع جوزها وإنت كنت عارف إن كل ده هيحصلك بس مترددتش ثانية واحدة ووقفت معايا وفي ضهري ورفضت تأخد فلوس الشرط الجزائي اللي دفعتها لوليام فجاي دلوقتي وبتلومني على أيه يا جمال؟؟
ونهض يطرق على سطح المكتب الزجاجي بعصبية بالغة:
المشروع ده هيجمعنا مع بعض ولو مكونتش معايا فيه ميلزمنيش وإنت عارف إني أد كل كلمة خارجة مني مات الكلام!
انتصب جمال بقامته قبالة الأخير، يهاتفه بدهشة:
انت بتقارن أيه بأيه؟ بطل تكون عنيد ومتسرع. أنا قولتلك إني معاك وهساندك بس مش هقدر أكون شريك. كمان أنا الفترة الجاية هكون مشغول مع أمي مش هكون متفرغ!
ضحك ساخرًا:
دورلك على حجة مقنعة طيب!
زفر بضجرٍ، فقال عمران بإصرار:
يا تكون معايا يا هلغي العقد وانت عارف الاضرار اللي هتطول شركتي لو عملتها.... ها معايا ولا فركش؟
نزع رابطة عنقه وألقاها أرضًا بشراسة ونظراته تكاد تحرق من يقابله، وردد بنزقٍ:
بني آدم مستفز.
قال ببرودٍ:
مسمعتش ردك؟
جذب جمال كوب المياه من جواره وألقاه تجاه عمران الذي تفاداه بمهارةٍ وصاح به:
والله او كسرت المكتب كله ولا يفرق معايا.
وردد مجددًا:
معايا ولا فركش يا جيمي؟
عانقت يديه وجهه تمسحه عدة مرات فابتسم عمران بخبث وهو يخرج من حقيبته الجلدية ملفًا بني اللون، وضعه قبالته وسحب أحد الأقلام ليضعه بيد جمال المندهش فتساءل:
ده أيه؟
رد عليه بابتسامةٍ واسعة:
العقود يا حبيبي.. أنا عامل حسابي لا تفكرني هأخد منك كلمة تسكتني بيها وتخلع. عيب عليك ده أنا عمران الغرباوي!
ووجه اصبعه لمكان التوقيع قائلًا:
وقع هنا يا جيمس!
زم شفتيه بغيظٍ فغمز له عمران مرددًا كالبغبغاء:
لو موقعتش مش داخل وهكون بكده بسحب كلمتي مع الناس وإنت عارف بقى ده هيتسببلي في أيه. ترضهالي جدع؟!
وجد ذاته يحرك قلمه مدون توقيعه وفور أن انتهى سحب عمران الملف مهرولًا للخارج بابتسامة منتصرة بينما جابت أعين جمال الفراغ ناطقًا بعدم تصديق:
أنا وقعت ازاي!
حملت متعلقاتها فور انتهاء المحاضرة واتجهت للمغادرة. هبطت "زينب" الدرج ومازالت علامات الضيق تحتل ملامح وجهها الرقيق. خشيت أن ما فعلته قد أثار شكوك "علي" تجاهها. خرجت من المبنى واستكملت طريقها للبوابة الخارجية فتسلل لها صوتًا ذكوريًا مألوفًا:
دكتورة زينب!
رفعت عينيها عن الأرض تتطلع لمن أمامها. فوجدته ذاك الوسيم الذي تعرضه لها الصدف لطريقها المظلم، يبتسم فيزيد من خفقات قلبها الضعيف. والآن يقترب حتى يقف قبالتها فيتسلل لها رائحة البرفيوم الجذابة التي تعتادها منه.
توترت بوقفتها أمامه وخاصة حينما سألها باهتمامٍ:
ماشية ولا أيه؟
اكتفت بهزة رأسها وتحاشته لتغادر فلحق بها "سيف" مندهشًا من توتر ملامحها وفرارها الملحوظ وكأنها رأت شبحًا. فناداها مجددًا:
دكتورة زينب!
وقفت محلها ضاغطة بأسنانها على شفتيها السفلية بضيقٍ وحينما شعرت باقترابه إليها مجددًا استرخت ملامح وجهها المشدود ووجهت له وقاحة غير مسبقة:
خير يا دكتور سيف؟! واضح جدًا من طريقتي إني مستعجلة وحضرتك مصمم إني أقف معاك!!
ضيق عينيه بذهولٍ من طريقتها وبالرغم من فظاظتها الا أنه سألها بقلقٍ من أن يكون أحدٌ تعرض لها:
مالك يا زينب إنتِ كويسة؟
سددت نظرة حازمة لعسلية عينيه وحاربته بقسوة:
دكتورة زينب ياريت مترفعش الألقاب بينا ومتنساش إن اللي بيجمعني بيك موقف كنت فيه شهم معايا وشكرتك مرة واتنين يعني خلصنا.. فمن فضلك ابعد عني لآن قربك ده مهد لأخوك إن في شيء بينا فطلبني من علي ليك!!
تلاشت ملامحه الهادئة خلف عاصفة أوقظتها تلك البلهاء. فمال بالبلطو الطبي على ذراعه واعتدل بوقفته قبالتها يرد على اهانتها:
أنا بعتذرلك إني تجاوزت معاكي وشلت الألقاب يا دكتور أوعدك إنها مش هتتكرر تاني، وبعتذرلك مرة تانية على موقف أخويا وتأكدي إني لو كنت أعرف إني لو وقفت معاكي بالحفلة ده هيخلي يوسف يتقدم لعلي بشكل رسمي مكنتش حضرت الحفلة من الأساس.. عن إذنك.
تركها وغادر وأوردته تثور بها دمائه كالحمم البركانية بينما هي حررت تلك الدمعات الحارقة عن مقلتيها. فانتابها ألمًا قاتلًا جعلها تشعر بالعجز. فتشت زينب من حولها فوجدت أريكة معدنية تجوب أطراف الجامعة كاستراحة للطلاب. اتجهت إليها بخطواتٍ غير متزنة ورؤية مشوشة من فرط بكائها. ليحين دور الذكريات المؤلمة لتخطتفها دون رأفة بحالتها.
تخلت عن صمتها وارتشحت بعزيمتها لمواجهته بعد أسابيع من الصمت. كانت تخرج برفقته طوال الأيام الماضية وكلما حاولت أن تحرر سؤالها إليه كان يتحجر على طرف لسانها الثقيل. واليوم تشعر بأنها استكفت من الصمت.
اندهش "يمان" من صمتها الغريب حتى أنها لم تستمع لحديثه المطول لها عن رحلته لمصر وعودته للمغرب مجددًا إليها. فكانت تقلب بالملعقة كوب الشاي من أمامها وعينيها شاردة بالفراغ. فناداها بقلقٍ:
مالك يا زينب؟
رفعت عينيها المحتقنة إليه ورددت بما تدفنه داخلها:
يمان إنت اللي ضربت أخويا بعربيتك؟
لم تتأثر ملامحه الباردة بما تفوهت به، بل سحب كوبه يرتشفه بجمودٍ تام مما عزز الرعب داخلها. فتلعثمت بقولها:
ساكت ليه.. ما ترد؟
ترك كوبه وانحنى على الطاولة المستديرة الفاصلة بينهما متعمدًا الاطالة بالنظر لعينيها قبل أن يخبرها دون ندمًا:
قرصت ودنه علشان يبقى يمد إيده عليكي تاني ولو اتكررت المرادي هتكون بموته.
جحظت عينيها صدمة وتعصبت حركة جسدها، فأسقطت يدها كوب الشاي الساخن فهوى على ساقيها. ارتدت زينب للخلف وهي تبعد فستانها عن ساقيها بألمٍ ومازالت عينيها متعلقة به بخوفٍ. فانتابتها نوبة من البكاء والرعشة تجعل جسدها كالثليج.
تراجعت للخلف بخوفٍ حينما وجدته يقترب منها بالمحارم في محاولة لمسح الشاي عن فستانها، فرفعت أصابعها إليه تشير له:
خليك مكانك آآ... أنا هنضف الفستان في الحمام.
قالتها وفرت لحمام السيدات بعدما جذبت حقيبتها. ولجت للداخل تضع الحقيبة قبالة المرآة لتنخرط بنوبة من البكاء وهي تتأمل انعكاس صوتها ويتردد لها جملته المخيفة.
الخوف هو المحيط لها من تلك الشخصية التي بدأت بالسطوع إليها لتكشف جانب حالك، مخيف. لا تعلم ماذا حدث لها فور أن نطقها بوجهها شعرت وكأنها تود الفرار من أمامه فتعمدت اسقاط الكوب عليها لتهرب للمرحاض والآن تستعيد قوتها لتنجو من براثينه، فهرولت من باب المطعم الخلفي مستقلة سيارة أجرة لتعود لمنزلها بعدما أغلقت هاتفها.
انزوت على ذاتها بالفراش وهي تبكي بخوف كلما عادت كلماته لذكراها. ربما كانت بحاجة لوجود رجلًا يحميها من بطش أخيها ولكن ليس بالضرورة يكون قاتل. فبالنهاية من سيقتل؟ إنه أخيها بنهاية الأمر!
بداخلها شعورًا أنه عدائيًا بدرجة تطلب منها الخوف والحذر من قربه ولكن ماذا ستفعل بقلبها العاشق له؟!
انتفض جسد زينب بعنف لذكرى هذا اليوم التعيس لها، فاهتز جسدها بعصبية وعينيها تفتش من حولها بذعرٍ. تخشب جسدها على الأريكة المعدنية ولم تقوى حتى الخروج من الجامعة، كأنها باتت عاجزة عن الحركة. تراقب رحيل الطلاب ببكاء وعقلًا شُل عن التفكير. كل ما تتمناه عودتها لشقيقتها ولكن كيف ومتى لا تعلم!
انتهى "سيف" من محاضرته واستعد للرحيل ومازال يشعر بالضيق لما تلقنه منها. فحمل كتبه والبلطو الطبي على ذراعه ثم أتجه للمغادرة.
اندهش حينما وجدها مازالت بالجامعة، ظنها رحلت منذ الساعتين التي تفرقا بهما. بدد معالمه بحزمٍ وجمود وكاد باستكمال طريقه ولكنه ما أن خطف نظرة سريعة إليها حتى توقف عن المضي قدمًا. رؤية بكائها مزق فؤاده وشل حركته التي تلتحف بالبرود وعدم اللامبالة بها. فكور قبضة يده بغضب من عدم تمكنه بالسيطرة على عاطفته، فوجد ذاته يستدير لها يناديها بصوته الحنون:
إنتِ كويسة؟
رفعت رأسها إليه فارتسمت بسمة عابرة من وسط سحابة أمطار عينيها، كالتائه الذي لا يعلم أين مبتغاه. همست بصوتٍ متحشرج منخفض:
سيف!
طُرب قلبه وتذبذب خفقاته من تلك النظرة المتلهفة التي تواجه عسليته. ونطقها لاسمه بذاك الحنين كاد أن يفقده صوابه. حك طرف أنفه بحرجٍ مما يواجه هنا، وتنحنح بخفوت:
مروحتيش ليه؟
أخفضت عينيها تبكي بصوتٍ كان مسموعٍ له، فاسرع ليجلس على بعدٍ مناسب منها:
مالك؟ حصل حاجة؟!
استدرت له ورددت ببكاء:
مش عارفة أروح ونسيت أقول لعلي على معاد خروجي.. حتى موبيلي نسيته!!
لم تكن حجة مقنعة لبكائها الشديد هذا، ولكنه حاول أن يطمنها قائلًا:
متقلقيش أنا موجود جنبك ومش هسيبك.
رفعت أهدابها لتقابل عينيه المهتمة بها، فقال وهو يستقيم بوقفته:
اركبي التاكسي معايا هوصلك وبعدها هروح.
هزت رأسها باستسلامٍ غامضًا إليها، ونهضت دون أن تعي لما تحمله على ساقيها فسقطت حقيبتها وكتبها وأغراضها أرضًا، فانحنت تلملم بارتباك ورعشة كل ما تتلقفه يدها.
أمرها سيف بحزمٍ وهو يتطلع من حوله:
متوطيش.. قومي أنا هلمهم!
انصاعت إليه وتركت ما بيدها ونهضت واقفة. فانحنى هو يلم أغراضها بضيق من انحنائها هكذا أمام الشباب من حولها، غيرة غريبة تجتاحه بقوةٍ فأشعلت به لهيب العشق الخالص لها. لطالما كان حازمًا، صارمًا، لا يتهاون مع أحدٌ طال بكرامته وكبريائه، وبعد ما فعلته به منذ ساعاتٍ كان يقسم بأنها لا تعنيه بعد اليوم، ولكن بمجرد رؤيتها هكذا لان قلبه كالأم التي تستشيط غضبًا على أبنائها وفور أن يمس أحدهم سوءًا تكون أول من تهرول إليه!
انتصب بوقفته بعدما جمع كتبها وحقيبتها، واحتفظ بهم مع أغراضه لشعوره برعشة يدها وارتباكها الغريب. كونه طبيبًا يعلم بأن حالتها وبكائها هذا خلفه سببًا عظيمًا وليس ما قالته هي له.
لحقت به زينب للخارج ووقفت خلفه كالابنة التي تلحق أبيها. حينما ينجرف جانبًا تلحق به دون تفكير أو تسديد رؤيتها إلى أين يذهب؟
أوقف "سيف" سيارة الأجرة وفتح لها الباب الخلفي بينما استقر هو جوار السائق وألقن إليه منزل عمران الذي سبق وزاره برفقة أخيه مرات عديدة.
وإن طال الطريق كان قصيرًا وهو يتأمل انعكاسها بالمرآة الأمامية. مازالت مجهدة يبدو عليها أثر البكاء فكانت تزيل دمعاتها من وقتٍ للأخر، حتى أنها لم تنتبه لتوقفت السيارة أمام المنزل إلى أن نبهها سيف بصوته الدافيء:
وصلنا.
انتبهت له وهبطت تتجه للداخل ولكنها عادت تقف قبالته تجاهد لرفع عينيها إليه. وحينما فشلت وضعتها أرضًا ورددت بحرجٍ:
أنا آسفة على الكلام اللي قولتهولك أنا بس كنت مضغوطة شوية.
ورفعت عينيها إليه تستكشف مفعول كلماتها عليه وحينما وجدته جامدًا استطردت:
وشكرًا لإنك وبالرغم من اللي عملته معاك ساعدتني ومتخلتش عني.
سحب الهواء لأنفه وكأنه ينعش ذاته، وانحنى للخلف يجذب أغراضها وقدمها إليه قائلًا بنبرة جامدة:
أنا معملتش غير الواجب.. اتفضلي حاجتك.
التقطتها منه بحزنٍ فعلى ما يبدو لم يتقبل اعتذارها. عاد سيف لمقعده آمرًا للسائق بالتحرك وبقيت هي تراقبه بندمٍ لما تفوهت به إليه. عليها الاعتراف بأنه يتسلل داخلها ببطءٍ لدرجةٍ جعلتها تشعر بالخوف من أن يعود ذاك الداء القاتل لقلبها، فإن عاد يخفق بالحب ربما سيعود بها لذاك المطاف المغلق!
انتهى من محادثته المتبادلة مع رفيقه من مصر، يعلمه بها بأنه سيسافر لمصر الاسبوع القادم ليختار فريق المركز الطبي بذاته. أغلق "علي" حاسوبه وانتبه لزينب التي تقف على باب مكتب المنزل تتردد بالدلوف إليه. فنهض عن مقعده ودنى إليها متسائلًا:
رجعتي أمته يا زينب؟
تجاهلت سؤاله واتجهت إليه باكية تردد بجملٍ غير منتظمة:
أنا آسفة على طريقة كلامي معاك يا علي، إنت صح أنا فعلًا بحاول أداري اللي اتعرضت له.. أنا كان في حياتي حد يا علي.. حبيته واتعلقت بيه بس حبه ضرني وخلاني أعيش في اضطراب وخوف وكره لنفسي ولكل اللي حواليا.
وتابعت بارتجافٍ مرضي:
بخاف أوي يا علي بحس إنه حواليا ومعايا في كل مكان، بخاف لما حد بيقربلي.. علي أنا هربت من المغرب وسافرت القاهرة شهرين وقدر يوصلي، هربت المرادي على هنا وأنا متأكدة إنه هيوصلي بردو كلها مسألة وقت.. مسألة وقت يا علي.
الصدمة لم يتلاقها علي فحسب، بل كانت نصيبها الأكبر لذاك الذي عاد للمنزل بعدما انتبه لدفترها الملقي على مقعده فأمر السائق بالعودة. وحينما دق باب المنزل أستقبلته فريدة وأخبرته بأن عمران بالخارج وعلي هو الذي بالداخل بغرفة مكتبه، فأشارت له على مكانها وطالبته بالدخول فكان بطريقه للداخل ليمنحه دفترها وبداخله عزيمة ليعرف من علي أي شيء عن حالتها الغريبة تلك. فشُلت قدميه فور سماعه ما قالت، فاستند على الباب الزجاجي يغلق عينيه بقوةٍ ويستمع لها تخبره:
هيقتلني يا علي... يمان هيقتلني لو وصلي المرادي.
عجز علي عن السيطرة عليها، فردد برزانة:
اهدي يا زينب... مفيش مخلوق يقدر يمس شعرة منك وانتي هنا وسطينا.. اهدي وخدي نفسك عشان حالتك متسوئش.
هزت رأسها نافية واستندت على ذراعه حينما تمايل جسدها، لتحرر ما كبت داخلها حتى وإن كان مبعثر، غير منتظم كحالتها:
خدعني ودخل حياتي.. رسم عليا الحب ووعدني إنه هيحميني بس الحماية دي طلعت مؤذية أوي يا علي، أي حد بيقربلي بيأذيه، أخويا رفع إيده عليا ضربه بعربيته وأخرهم واحد عكسني وأنا معاه ضربه بالنار قدام عيني، ولما طلبت منه يسبني هددني بمية نار وكان هيعتدي عليا لولا إني هربت منه.
وسقطت على ركبتها تردد بانهيارٍ:
كل ما بهرب منه بيلاقيني وبيعاقبني.. المرة اللي فاتت هددني إني لو هربت هيقتلني وأنا هربت منه.. كرهته وكرهت الحب وكرهت التملك اللي عنده... كرهت حياتي يا علي ومقدرش أحكم على شخص محترم زي سيف بالموت.. هو ميستهلش الأذية دي يا علي... يمان هيقتله وهيقتلني!
تأثر بها علي، فربت على ظهرها بحنانٍ وهو يحاول تهدئتها:
أقسم بالله قبل ما ايده تلمسك لأكون قطعهاله.. أنا مش قولتلك قبل كده أنا أخوكي وسندك.. اطمني يا زينب انتي مش لوحدك.
تعالت شهقاتها بانكسارٍ وفاضت إليه برعشةٍ اهتز جسدها بأكملها إليها:
أنا حاسة إني عايشة في كابوس ومش قادرة أصحى منه يا علي، نفسي أتكلم وأخرج اللي جوايا بس مقدرش أشيل فاطمة أكتر من اللي شيلاه.
أمسك بها وعاونها على الوقوف متعمدًا الضغط على حروفه:
زينب بلاش تعيشي نفسك في الضعف ده اللي فات من حياتك ادفنيه ومتخلهوش يأثر عليكي، أنا جاهز أسمعك وأساعدك بس مش وانتي في الحالة دي.. عايزك قوية زي ما اتعودت أشوفك.
منحته ابتسامة صغيرة وهي تهز رأسها بخفوتٍ، فتابع وهو يشير لها:
يلا ادخلي اغسلي وشك في حمام المكتب مش عايز فطيمة تشوفك وانتي في الحالة دي.
تحاملت على ذاتها واتجهت للحمام الصغير التابع لغرفة مكتبه ونظرات علي تتابعها بحزن حتى اختفت للداخل.
بينما بالخارج ابتلع تلك الغصة القاتلة التي استحوذت عليه، يعلم بأنه لم يصل لدرجة الحب فيما بينهما، ربنا أُعجب بها منذ لقائهما الأول ووجدها زوجة مناسبة إليه من عدة مناظير، ولكن الآن يشعر بالحزن والشفقة عليها.
حرك كتفيه وكأنه يعدل من هيئته مستعيدًا ثبات ملامحه الرجولية. طرق على الباب الزجاجي مرتين متتاليتين ومن ثم ولج للداخل يرسم ابتسامته الزائفة:
دكتور علي.
نهض علي عن مقعده بابتسامته البشوشة، قائلًا بدهشةٍ:
سيف مش معقول!
صافحه بترحابٍ فرفع سيف الدفتر إليه يبلغه بحرجٍ:
الدفتر ده وقع من دكتورة زينب بالجامعة كنت هديهولك بالليل لما تيجي عشان حوار أيوب بس كنت لسه قريب من البيت.
التقطه منه علي بامتنان بدى بنظراته قبل نبرته:
شكرًا لاهتمامك يا دكتور سيف.. وبمناسبة لقائنا فانتظرني نص ساعة بس أغير هدومي وأجي معاك نفوت على المحامي ونطلع على الشقة.
جذب المقعد المجاور لمكتبه وهو يجيبه:
خلاص هستناك ونروح سوا.
منحه ابتسامة جذابة وإتجه لباب الحمام الموصود يطرق عليه وهو يناديها بلطف خشية من أن يصعد للأعلى فتتفاجئ بسيف بالخارج:
زينب انتي كويسة؟
تابعه سيف باهتمام رغم أن نظراته منصوبة للامام. فتحت الباب وهي تجفف وجهها بالمناديل الورقية:
بقيت أفضل يا علي.. تسلم.
قدم لها ما بيده وأشار تجاه المقعد القريب منهما:
دكتور سيف جابلك الدفتر ده بنفسه.
رفعت مقلتيها تجاه ما يشير فتفاجئت بسيف يجلس وهو يوليها ظهره، تناولته من يد زوج أختها ورددت بتوتر:
شكرًا على تعبك يا دكتور.
تنحنح بخشونة يجيبها دون أن يلتفت:
العفو.
جذبت زينب باقي أغراضها وصعدت للأعلى، واتبعها علي بعدما هاتفه:
مش هتأخر يا سيف.
قال الاخير وهو يعبث بهاتفه:
خد راحتك يا دكتور.
صعد علي للأعلى وتبقى سيف شاردًا فيما استمع اليه منذ قليل وبداخله اصرار وعزيمة على أن يرافقها بطريقها للنهاية حتى وإن كان مطعم بالعوائق والصعاب!
مرت أصابعها حول سلساله الجلدي الأسود بشوقٍ وحنين إليه. تفتقده بشكلٍ يجعلها تود البكاء دونه. جذبت "شمس" هاتفها وآرسلت إليه رسالة وهي لا تملك الأمل بأن يجيبها:
آدهم أنا عايزة أشوفك.. عشان خاطري محتاجة أتكلم معاك.
ألقت هاتفها وهي تضم السلسال إليها الى أن أتاها صوت رسالته التي أحيت نبض قلبها:
خير يا شمس.. في حاجة؟
ردت عليه:
هو في أكتر من إني أكون محتاجالك يا آدهم!! بقولك عايزة أشوفك صعبة دي!!
أجابها على الفور:
شمس سبق وأتكلمنا وقولتلك مينفعش نتقابل ولا نشوف بعض لحد ما أجي عندكم البيت وأقابل فريدة هانم ودكتور علي وأطالبك بشكل رسمي، أنا مش الانسان اللي بيخالف عادتنا وتقليدنا وقبلهم أخلاقي اللي اتربيت عليها من فضلك قدري ده ولو في شيء مهم قوليلي حالًا.
كتبت بعصبية كادت باحراق هاتفها:
أنت ليه بتبالغ بالشكل ده!! وليه بتحسسني إني لما هشوفك هعمل شيء يشيلك ذنوب أو يقلل من أخلاقك.. خلاص يا آدهم أنا اللي مش عايزاك ولا عايزة أشوفك..
وأغلقت هاتفها ودموعها تنهمر على خديها بألمٍ. تشعر وكأن ما يفعله ليس الا تهربًا منها على الرغم من أنه طلب بالزواج منها من فريدة، ولكن ابتعاده التام عنها دون أن يحدثها حتى يزعجها ويجعلها تشعر بأنه لا يرغب بها وكأنها من فرضت ذاتها عليه!
صف عمران سيارته أمام شركته ينتظر أيوب الذي خرج إليه مبتسمًا. احتل المقعد المجاور إليه فتحرك به عمران وهو يسيطر على أعصابه المشدودة بصعوبة بالغة.
تعجب أيوب من صمته الغريب ولكنه كان أفضل من أن يمنحه سباب لازع ومواعظ ستعيق بينهما الاجواء.
خاب أماله حينما ضغط عمران الفرامل بكل قوته جعلت الأخير يكاد يرتد للأمام من توقفه المفاجئ. استدار عمران إليه يخبره بنبرة شبيهة بالرجاء المنفر:
راجع نفسك يالا.. لو مش لاقي أي حجج أنا ممكن أخطفك كام يوم عشان يكون معاك سند قوي للحلفان انك اتخطفت فعلًا.
مرر يده على جبينه وهو يستند للخلف بإرهاق لحق همسه الخافت:
تاني يا عمران.. تاني!!!!
وتهدل ذراعه بانهاكٍ تام مسترسلًا:
أنا تعبت أقسم بالله تعبت من الكلام والتبرير ليك... أقولك نزلني أركب تاكسي أفضل من التعب ده.
جذبه بغضبٍ شرس:
اتلقح مكانك لأعلم عليك... متسربع على أيه بروح أمك!!!
مرر يده بخصلات شعره الطويل يحاول تقبل الأمر للمرة المائة والحادية والعشرون وحينما فشل استدار إليه يجذبه من تلباب قميصه بعنف:
اتجوزها يا أيوب بس وأقسم بالله العلي العظيم لو استهبلت فيها وقربت لبنت ال*** دي لأكون قاتلك.. الجوازة معروف سببها يبقى تسيطر على نفسك كده وتخليك بعيد سامعني يابن الشيخ مهران؟
انفجر ضاحكًا وهو يهز رأسه موافقًا حتى أدمعت عينيه فدفعه عمران لمقعده وعاد للقيادة بانفعالٍ من صوت ضحكاته الصاعدة. طرق أيوب كفًا بالأخر وقال ساخرًا:
كنت بتلوم على سيف وغيرته عليا إديك قلبت على الزوجة اللي خايفة جوزها يدخل على ضرتها!!
لكزه عمران هادرًا بغضبٍ:
اظبط بروح أمك.. تحب أركن على جنب وأنزل أوريلك الرجولة اللي على أوصلها وبعدها ابقى قابلني لو كان فيك حيل تخطي نحية اليهوديه بنت ال** دي!
وتابع وهو يتحكم بالمقود:
أنا نفسي أفهم عرفتها من أنهي داهية دي، مالقتش الا عمها شغال في الجيش الإسرائيـ**لي، ده سفاح يا ابني!!
تنهد أيوب بتعبٍ، فمال على النافذة يتحكم بصمته تاركًا عمران يخرج ما بداخله مستنزفًا كل مجهوده في محاولة لاقناعه. وبالرغم مما بذله الا أنه وجده يتثاءب ويغلق عينيه استسلامًا للنوم مما جعل الأخير يقتاد غيظًا، فانحنى يجذب زجاجة المياه وفك غطائها بفمه ملقيها على وجه الأخير وهو يصيح بغضب:
هو أنا بحكيلك حدوتة قبل النوم بروح أمك!!!!
زفر أيوب بحنقٍ:
يادي روح أمي اللي انتي مسكهالي آه لو الحاجة رقية سمعتك هتخليني أقطع علاقتي بيك، اذا كانت منعتني من نزول الحارة لمجرد إن واحد من اصحابي قالي شتيمة بريئة أمال لو قعدت معاك شوية هتعمل أيه؟
منحه نظرة ساخرة مضيفًا بعنجهية:
ادعي ربنا إنها متقابلنيش، هتزور إنت وأبوك محكمة الآسرة لأول مرة، عمران الغرباوي بيبقى جنتل مان وقت ما بيحب وده هيخلي قلب الحاجة ميشوفش غيري..
واستطرد وهو يعدل بذلته بغرور:
وجودي هنا بعيد عن مصر مانع كوارث كتيرة هتحصل لو نزلتها.. هتلاقي محكمة الآسرة بتروج من كتر قواضي الطلاق لدرجة إنهم هيبوسوا ايدي إني أرجع لندن وأرحمهم!
زوى أيوب حاجبيه بتهكمٍ، فهز عمران رأسه حالفًا:
آه والله يا ابني.. ومش بعيد تلاقي القاضي واقف مع التيم ومش لاقي اللي يحكم في قضيته هو كمان لإن مراته انضمت لمعجبات عمران سالم الغرباوي.
ابتسم أيوب وصاح بنزق:
عمران انت حد قالك قبل كده إنك مغرور؟
غمز له بمشاكسة:
لأ.. اتقلي إني وسيم وجذاب ومعاكسات تانية من الحريم عيب تسمعها وإنت في السن ده!!
تمادى في الضحك وهو يهز رأسه بقلة حيلة مرددًا:
انت مش طبيعي!!
اجتمع الشباب بأكملهم بشقة سيف، وبعد أن جهز المحامي عقود الزواج تم عقد زواج أيوب على آديرا بشكلٍ قانونيًا. فاستغل عمران وجود محامي عائلته وجعله يجهز أوراق تخص فض الشراكة بينه وبين نعمان الغرباوي، فاتفقا على أن يزورهم المحامي بالغد بعد أن يجهز الاوراق. وفور أن غادر جلسوا جميعًا بالصالون تاركين ليلى بالداخل برفقة آديرا تنتظر ما سيفعلونه الآن.
حطم آدهم جلسة صمتهم بعد أن أخرج من جيب جاكيته الأسود مفتاحًا وضعه على الطاولة الموضوعه بالمنتصف قائلًا:
ده مفتاح شقتي يا أيوب خد مراتك واقعد فيها لحد ما التلات شهور دول يعدوا وترجعوا مصر.
اعتدل بجلسته رافضًا ما يقدم آدهم على فعله:
لأ طبعًا مش هقدر أعرضك لخطر زي ده يا آدهم إنت بنفسك لسه كاشفلنا منصب عمها يعني الخطر اللي هتعرضله كبير ومش هين فانسى إني أقبل أعرض حد فيكم لخطر زي ده، مش هقبل مساعده من حد فيكم.
رد عليه آدهم بهدوء:
شقتي آمن مكان ممكن تكون فيه يا أيوب، متنساش إني بشتغل في المخابرات ومأمن الشقة دي كويس جدًا فمستحيل حد يوصلك هناك ده أولًا... ثانيًا أنا نازل مصر الاسبوع الجاي يعني مفيش خطر هتعرضله من الأساس، وحاليًا أنا قاعد مع سيف والشباب هنا.. هنزل معاك دلوقتي أخد هدومي عشان هسافر، من هنا على طول.
أضاف يوسف موكدًا:
كلام آدهم عين العقل يا أيوب، إنت لازم تتدارى الفترة دي على قد ما تقدر لحد ما ترجع مصر، وأكيد شقته أمن مكان لأنه كان متخفي هنا.
قال علي بعقلانية:
هروب آديرا من عمها هيزود العداء اللي بينك وبينه عشان كده لازم تتحرك بسرعة وتبطل تظهر كتير لحد ما تمتحن وتنزل على مصر.
ردد سيف بحزن:
يعني أيه؟ مش هعرف أشوفه ولا هعرف عنوانه؟
أجابه أيوب بحنان:
لا طبعًا مش هقدر أكون بعيد عنك يا سيف.
ووزع نظراته بينهم وهو يتابع بحرج:
ولا عنكم.. أكيد هجي أشوفكم كلكم.
زم عمران شفتيها مرددًا بسخطٍ:
الله وكيل ما هنبقى طايقين نشوف خلقتك يا جوز العبرانية!
حذره علي بنظرة صارمة، فصاح بتهكم:
مش على معدتي الجوازة دي يا علي الله!!
ضحك جمال وقال:
حرام عليك يا عمران قتلت البنت من الخوف وهي بتوقع على العقد، هترضى عنه أمته!
وضع ساقًا فوق الاخرى مرددًا:
هرضى عليه لما يطلقها ويتجوز بنت متدينة تليق بيه.
ضحك يوسف وقال بسرور:
طيب يا عمران بما انك مكتئب كده أيه رأيك تغنيلنا أغنية بطعم المرار الطافح اللي سقيه للواد ده!
تعالت الضحكات الرجولية فيما بينهم، ونهض علي يشير لأدهم قائلًا:
الوقت اتاخر يالا يا سيادة الرائد نوصل أيوب لشقتك وأرجعك هنا تاني.
انتصب أيوب بوقفته وقال:
ثواني هجيب آديرا.
لوى عمران شفتيه حانقًا:
سبها هنا تبات مع سيف وروح عند آدهم ادرى أهو لو عمها وصل لهنا حلال فيه وفيها القتل.
سعل سيف بقوةٍ وصاح بلهفة:
ميبقاش قلبك أسود يا عمران مش اعتذرتلك وبوست رأسك قدام الرجالة دي كلها؟
منحه نظرة ساخطة غير راضية:
معفتش عنك لسه، ايدك تقيلة ومعلمة في وش استاذك اللي شربك الصنعة!
وضع كوب العصير على الطاولة ونهض يجذب أخيه عن الاريكة ليجلس هو جواره قائلًا:
طب قولي أعمل أيه عشان تتصافى؟
ارتشف من كوبه بتلذذ مستفز، وقال:
تروح تبات مع صاحبك أو تجبره يأخد منوم عشان أنا شامم ريحة الحب فايحة من بوقه ومش مطمنله.
برق علي بصدمة من حديث أخيه الجريء وصاح يحذره:
عمران ميصحش!!
نهض يقترب منهم:
أمال أيه اللي يصح يا دكتور لما تلاقيه داخل عليك يبشرك بحمل اليهودية ونقف نتفرج على انتاجه؟!
احمرت بشرة أيوب حرجًا، فوزع نظراته بين الشباب بتوتر لحق نبرته:
حلفتله إني مش هعمل كده ومش مصدقني والله!
ربت آدهم على كتفه وهو يهمس له:
ولو حصل دي مراتك!!
هز اصبعه بالنفي القاطع:
أقسم بالله ما في دماغي الكلام ده أسمعني يا آدهم انا مش هكمل معاها أساسًا أنا وبنت عمي شبه مخطوبين والمفروض اني هخلص تعليمي وهنزل أخطبها بشكل رسمي.
قال علي بابتسامة مشفقة على ارتباك أيوب:
متبررش للوقح ده حاجة يا أيوب، ادخل هات مراتك وتعالى.
دعس عمران قدم سيف المجاور له وهو يهتف بغيظ:
هيقولي مراته بردو!!
تأوه سيف بصراخ رعبهم وفاض بعصبية:
وأنا ذنب أهلي أيه يا عمران.. أنا سنجل وهفضل طول عمري سنجل اطمن!
صرخ يوسف بتعصب:
لاااا متقولش كده ده أنا أروح فيها.. هجوزك يالا والله العظيم لاجوزك!!
ضرب جمال كف بالاخر وأشار لعلي:
يلا ننزل يا دكتور لحسن مخهم ضرب بسبب الطاووس الوقح ده.
هبطوا معًا للاسفل بينما ولج أيوب لغرفة آديرا، فاقترب منها يخبرها بثباتٍ:
سنرحل من هنا.. هيا.
هزت رأسها له، واتكأت على طرف الفراش في محاولة للنهوض، فتناثرت دموعها جراء ألم بطنها. كانت ليلى أول من ركضت إليها تخبرها:
هل ستتمكنين من المشي؟
نفت بهزة رأسها والألم يعتصر ملامحها، فانحنى أيوب يحملها بين ذراعيه وانطلق للمصعد وآديرا تتطلع له بصدمة جعلت عينيها تبرقان بشكلٍ مضحك. ذاك الشاب الذي كان يرفض اقترابها منه ويحذرها بالابتعاد يحملها ويمضي بها هكذا.
ارتابت من أمره وخشيت أن يلقي بها بأي وقت، فما أن توقف بها وخرج للسيارات حتى لفت ذراعيها من حول رقبته وهمست له بخوف:
هل ستلقي بي أمام احدى السيارات لتقتلني ما الذي تخطط له أيها الإرهابي!!
اندفع تجاهها عمران يصيح بشراسة قاتلة:
أقسم بالله الواحد الأحد إنني سأقتطع لسانك القذر هذا إن سب أخي بالارهاب، الإرهابي هذا هو عمك الحقير يا امرأة!!! وإن خدعك بأننا إرهاب دعيني أريكِ ما أنا بصانعه لكِ الآن!
ارتعبت آديرا حينما وجدته أمامها فشددت من لف ذراعيها حول أيوب وهي تترجاه:
يا ويلي هذا الشرس سيقطع لساني.. أيوب أتوسل إليك أعدني لشقتك أو لعمي أنا راضية بما سيفعله ولكن صديقك هذا مخيف للغاية!!
فشل بكبت ضحكاته بينما دفع علي عمران لسيارته بحدة:
عمران كفايا كده.. يلا ارجع البيت وأنا شوية وهحصلك.
منحها نظرة قاتلة وردد وهو يشير على رقبته بحركة مخيفة:
انتبهي لما ستقولين بحقه والا سأنحر عنقكِ.
لعقت شفتيها وهتفت له:
اطمئن لن أكررها مجددًا أعدك!!
ضحك جمال وشاركه يوسف الذي أحمر وجهه من فرط الضحك، بينما صعد آدهم بسيارة علي وبالخلف أيوب وآديرا التي تراقب أعين عمران برعبٍ وكأنها ترى شبحها القاتل!
اتبع علي الطريق الذي شرحه له علي حتى أوصلهما واتجه بآدهم ليعود به لشقة سيف ولكنه تفاجئ به يخبره:
دكتور علي هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟
استدار إليه باهتمامٍ:
طلب أيه؟
بغرفة زينب.
اتجهت لفراشها تستعد للنوم فدق هاتفها برقمٍ مجهولٍ، رفضت اجابته وتركته على الكومود فوصل لها رسالة جعلتها تستقيم بنومتها ففتحتها وهي تقرأ محتوياتها، فشهقت بصدمة جعلتها تنهض عن الفراش وهي تصرخ برعبٍ ومحتوى الرسالة تلحق برأسها فجعله يدور كالمزلاج:
أنا رجعت يا حبيبي اشتقتيلي!.
رواية صرخات انثى الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ايه محمد رفعت
حملت الهاتف بين يدها وهرولت للخارج بعدما طرحت حجابها على رأسها بعشوائية.
هبطت "زينب" للأسفل تبحث عن مغيثها بمكتبه السفلي، وحينما لم تجده خرجت تلهث بتوترٍ كاد أن يصيبها في مقتلٍ، وكأنها فقدت عقلها وكل زمام أمورها.
ولج "عمران" للداخل بعدما مرر مفتاحه بباب المنزل الداخلي، فلفت انتباهه حالتها المذرية.
شملها بنظرة خاطفة ودنى إليها يسألها بقلقٍ:
_ أيه اللي مسهرك لحد دلوقتي يا زينب؟ موركيش جامعة الصبح ولا أيه؟
أسرعت إليه تسأله بلهفةٍ التمسها عمران:
_ علي.. عايزة علي.
بالرغم من عدم تنساق جملتها وحالتها الغامضة الا أنه أجابها بهدوء:
_ بيوصل واحد صاحبنا وزمانه راجع.
وسألها باهتمامٍ بالغ:
_ في حاجة ولا أيه؟ قلقتيني!
ارتعشت أصابعها المُمسكة للهاتف حتى كاد بالسقوط عن يدها، فرفعت يدها إليه وهي تردد بتوترٍ وارتباك:
_ رجع... يمان رجع.. هيقتلني. هو وعدني إني لو هربت هيقتلني!
تحفزت معالمه وانصاع لكلماتها المهاترة، فالتقط عنها الهاتف وهو يشير لها:
_ اهدي بس وفهميني مين يمان ده؟ وهيقتلك ازاي؟ الدنيا سايبة بروح أمه!!!
أضاءت شاشة هاتفها من أمامه ليتفاجئ من رسالته الاخيرة يتبعها رسالة أخرى وصلت للتو:
« فاكرة انك هتعرفي تهربي مني، انتي لو في أخر الدنيا هجيبك وهعاقبك يا زينب!»
حرر عُمران زر التسجيل وصاح بعنفوانٍ قاطعٍ:
_ عقاب أيه يابن ال**؟ لو دكر اظهر وشوف هعمل فيك أيه؟ وإبقى اتعب نفسك وإسأل عن عمران سالم الغرباوي كويس وتأكد إن أبويا مات قبل ما يربيني. فلو باقي على روح سبايدرمان اللي جواك دي اظهرلي وأنا أوريك مين فينا اللي في وضع يسمحله بالتهديد يا و***.
أبعد الهاتف وهو يراقب وصولها إليه، فتأكد من سماعه لرسالته وانتظر أن يجيبه.
وحينما لم يجيب عاد عُمران يسجل له تحت نظرات زينب المصعوقة من تحوله المفاجئ لشخصٍ أخافها هي شخصيًا وانطلق يستكمل:
_ أيه يا دكر صوتك راح فين!! كويس إنك قلبت دكر بط كبيرك يزغطوك في بوقك، بس عشان أنا راجل وقد كلمتي هبعتلك عنوان بيتي اللي عايشة فيه زينب. لو حسيت إن كلمة دكر بط هانتك ومست رجولتك تعالالي نتفاهم.
وقدم لها الهاتف مضيفًا:
_ لو بعتلك حاجة تاني مع إني أشك ناديلي أنا مريح فوق.
التقطت منه الهاتف بفمٍ مفتوحٍ، واكتفت بهزة رأسها بخفة وهي تتابعه يغادر للأعلى مطلقًا صفيرًا متراقصًا بينما يده تلهو بمفاتيحه باستمتاعٍ.
دقائق استغرقتها واقفة جامدة محلها هكذا لتفق على صوت "علي" القادم من خلفها:
_ زينب بتعملي أيه هنا بالوقت ده؟
انتفضت بوقفتها بفزعٍ وأشارت له بعدم اتزان كلماتها:
_ يمان عرف مكاني وبعت هددني وعمران آ...
ابتلعت باقي كلماتها بحرجٍ دفع علي يتساءل بخوف من اندفاع أخيه:
_ عمل أيه عمران!
قدمت له الهاتف ليتمكن من ايجاد الاجابة المناسبة لسؤاله المحرج، قرأ علي مضمون رسائله، واستمع لفويسات أخيه ببسمة جعلته يشعر بالانتشاء.
فقدم لها الهاتف قائلًا:
_ عُمران مخلاش كلام يتقال من بعده.. اطمني يا زينب ومتقلقيش مش هيمس شعرة منك زي ما وعدتك... يالا اطلعي نامي عشان تقومي لجامعتك فايقة.
هزت رأسها باسمة وغادرت للأعلى، بينما ردد علي ساخرًا:
_ مربي بلطجي أنا!!!
تسلل عُمران للداخل على أطراف أصابعه حاملًا بين يده جاكيته وحذائه الفاخر.
فتح تحرر ضوء الغرفة بمكبس ريموت تحمله مايا بيدها قائلة بسخرية:
_ مفيش داعي تتسحب يا حبيبي أنا صاحية.
ألقى ما بيده مزعنًا ثباته المخادع، فتهدلت شفتيه مبتسمة رغمًا عن جمود معالمه، واقترب يردد:
_ حبيب قلب جوزه مش جايله نوم من غيره يا ناس!!
زمت شفتيها ساخطة على محاولته الواضحة للضحك على عقلها:
_ متحاولش يا عمران أنا زعلانه منك.. النهاردة قولت إنك مش نازل الشركة فخمنت إنك حابب تقضي اليوم معايا ودلوقتي رجعالي وش الصبح!
حاوط وجهها بيده ورماديته تحتضنها رغمًا عن تباعد جسدها عنه، فاستند بجبهته على جبهتها يهمس لها:
_ حقك عليا يا بيبي أنا مقصر معاكِ عارف.. النهاردة كان كتب كتاب أيوب على البنت اللي حكتلك عنها وانشغلت معاه وكنت أتمنى أعوضك بكره بس هكون مع جمال بالمستشفى عشان عملية والدته بعدها على طول هكون ملكك لوحدك أي مكان هتشاوري عليه هأخدك ليه وإنتي بين أحضاني... ها مرضي يا حبيب قلب عمران؟
زار ثغرها ابتسامة عذباء وهزت رأسها إليه فضمها بكل قوته مرددًا بنبرة صادقة:
_ كله يهون الا زعلك يا حبيب قلبي!
تعلقت به وهي تميل على عنقه دافنة ذاتها داخله، فاستغل فرصة بقائها داخله ليهاتفها بنبرة الغرام فتفاجئ بها تبتعد عنه وهي تشير إليه بخجل:
_ لأ.. أنا من ساعة اللي حصل أخر مرة وأنا مرعوبة.. خليك بعيد أفضل.
زوى حاجبيه بدهشةٍ وجذبها إليه مجددًا يخبرها:
_ نعمان غار في داهية وبكره واحنا في الشركة هنوقعله العقود وبعدها هنبه عليه معتش يورينا وشه تاني.. وبعدين أنا مش عايزك تبعدي عن حضني بالشكل ده تاني يا مايا.. معقول تكوني خايفة وانا معاكِ وانتي بين ايديا!!
رفعت ذراعيها لتحتضنه فوجدته يبتعد عن الفراش بضيقٍ من تصرفاتها، واتجه لخزانته يبدل ملابسه بصمتٍ.
نهضت عن الفراش ولحقت به تناديه بدلالٍ:
_ عُمران.
سدد لها نظرة محتقنة من رماديته ونزع عنه قميصه يتجاهل وجودها مما عزز غضبها فجذبته بقوة إليها مرددة بغيظٍ:
_ بناديلك يا بارد!!
تغاضى عن كلماتها الأخيرة قاصدًا الانتقام منها، فغمز لها بمكرٍ:
_ غريبة الكلمة دي متقالتليش من أي ست غيرك!
احتقن وجهها بغيرة ظاهرة مما أرضى غروره فانطلقت ضحكاته الرجولية تجلجل على احتقان معالمها لسوء فهمها لجملته وهذا ما راق له.
اندفعت إليه مايا بكل غيظها تضرب صدره بقوةٍ وتسدد له لكمات تحيط بصدره الصلب.
انفصلت عنه ضحكاته وتبلدت معالمه مما دفعها للاستغراب، فسحبت يدها وراقبت ملامحه بدهشة.
رفع عمران يديه يحاوط جانب وجهها ومازالت الجدية تنحر ملامح وجهه المنحوت، ليخبرها بثباتٍ شعرت بأنه يجاهد به أمامها:
_ مايا أوعي تمد إيدك عليا تاني لا بهزار ولا جد أنا مش عايز أذيكِ!
رمشت بعينيها بتوترٍ وخوف، فضمها إليه وهو يخبرها بحنان:
_ حبيبتي الهزار لو بدأناه بالضرب والاهانة هيكون ده مفهوم حياتنا الطبيعي، أنا زي ما بحترمك وعمري ما مديت إيدي عليكِ إنتِ كمان لازم تحترميني يا مايا.. أوعديني متعملهاش تاني.
هزت رأسها من بين أحضانه وهتفت بخجل من تصرفها الذي ضايقه لحدًا لم تتوقعه:
_ أنا أسفة.
دفنها داخله وهو يهمس لها:
_ وأنا كمان آسف لو كلامي ضايقك يا حبيب قلبي.. وأدي رأسك أهي.
وطبع قبلة عميقة على جبينها جعلتها تبتسم إليه بحبٍ، فانحنى يحملها إليه وهو يردد بخبث:
_ حبيب قلب جوزه قلبه قسى عليه وشكله كده لسه زعلان منه!
أشارت له نافية الا أنها عاد بها للداخل يجذبها للاندماج برفقته بدوامة عشقهما التي سحبتهما بخوفها بترحابٍ.
ولج "علي" لغرفته فوجدها تجلس على الأريكة مندمجة بقراءة أحد الكتب بتركيزٍ تام.
وما أن تخلل لها رائحة البرفيوم خاصته حتى أغلقت عينيها تسحب نفسًا بعبقه الخاص هامسة بعشقٍ:
_ علي!
فتحت عينيها فوجدته يستند على الكومود، مربعًا يديه أمام صدره، يتطلع لها بحنينٍ عاشق، راق له شعورها به وتسلل رائحته التي بات يدمنها لأجل تعلقها وحبها الشديد لها.
فما أن نطقت إسمه حتى تبسم بجاذبيته الخاطفة، ودنى يستند على المكتب مرددًا بصوته الرخيم:
_ مش قولنا ممنوع السهر يا فاطيما هانم! ولا الكتاب ده عمل اللي مقدرتش أعمله وخلاكي منجذبة ليه كل الوقت ده!
وانتصب بوقفته يسترسل بحزنٍ مصطنع:
_ أنا شكلي كده هغير من الثقافة والكتب وأي شيء يلفت نظرك!
نهضت تلحق به وهي تغلق الكتاب قائلة بصوتها الهادئ:
_ مش هقرأ تاني لو ده هيزعلك يا علي.
التفت لها ومازال محتفظ بأثر ابتسامته:
_ لأ يا حبيبتي اعملي اللي يخليكِ مرتاحة وتأكدي إن ده هيسعدني.
ابتسمت واتجهت لطرف الفراش تنتظره لحين أن ينتهي من حمامه الدافئ، فخرج يجفف خصلات شعره الطويل لرقبته وهو يتفحص انعكاسها بالمرآة، فاتجه ليحتل مكانه قائلًا بنظرة دافئة:
_ عايزة تقوليلي أيه وربكك بالشكل ده!
وكأنها كانت تنتظره أن يشعر بتوترها كالمعتاد منه، فقالت:
_ أنا خايفة يا علي.. مش حاسة إني هقدر أنزل مع عمران ومايا بكره الشركة.. خايفة يحصل شيء يحطني أنا وعمران في موقف محرج.
وزمت شفتيها بتيهةٍ:
_ انت فهمني!
فرق ذراعيه وضمها إليه يخبرها بحنانٍ رزين:
_ مفيش حد في الكون ده كله فهمك أدي يا فاطيما.. بس أنا عايزك تتأكدي ان الخطوة دي مهمة ليكي، لازم تختلطي بالعالم الخارجي يا فاطمة مينفعش عالمك يتوقف عليا أنا بس.. اندمجي مع مايسان وعمران وخليكِ متأكدة إنهم أهل ثقة وأكيد عمران هيقدر حالتك وهيأخد احتياطاته.
مالت برأسها على صدره وتعلقت به، اعتدل بمنامته وضمها إليه هامسًا بحبٍ:
_ نامي يا حبيبتي بكره مستنيكِ يوم مهم.. ومتقلقيش أنا جنبك ومعاكِ.. مش هسيبك أبدًا يا فاطمة!
أغلقت عينيها باسترخاء وسرعان ما غفت بين ذراعيه فطبع قبلة على رأسها وأغلق عينيه هو الأخر باستسلامٍ.
رفعها عنه ووضعها على الوسادة بحذرٍ، ثم جذب التيشرت الخاص به يرتديه.
سحب عُمران هاتفه وخرج لشرفة غرفته يحرر زر الاتصال ويرفع سماعته لاذنيه بترقب لسماع صوت المتصل به، فأتاه بعد دقيقة يجيبه بنعاسٍ مرهقٍ:
_ عمران!! خير في أيه!
أجابه بسخطٍ وهو يميل للسور الحديدي:
_ أخبارك يا عريس... أمورك تمام؟
اتاه صوته المتعصب:
_ متصل بيا الساعة تلاتة الفجر تقولي أخبارك!! عمران انت عايز أيه أنا تعبان ومرهق ولازم أكون عند استاذ ممدوح الساعة 8الصبح!
واسترسل أيوب قبل أن يأتيه رد عمران الوقح:
_ اطمن أنا نايم في أوضة لوحدي ومحصلش حاجة لإني ببساطة عمري ما هعملها ونفسي تصدق ده!! الشباب كلهم مصدقيني وانت الوحيد اللي مصمم على اللي في دماغك معرفش ليه؟!
استدار عمران يولي السور ظهره وهو يراقب زوجته الغافلة على فراشها بنظرة عاشقة، فاضت بنبرته الهامسة لأيوب:
_ لآن محدش شايف النظرة اللي بتداريها جوه عيونك غيري، بتحاول تقنع نفسك إنك مبتحبهاش وبتنفر منها بس في شيء جواك بيثور عليك كل مرة وبيقولك إنها مالكة جزء منك إنت متعرفهوش، جواك شيء بينبهك بالعاصفة اللي جايلك تحاربك بكل قوتها وهتبان قدامها ضعفك وفقدان سيطرتك على قلبك ونفسك!
_ ببساطة فاهمك لإني خضت نفس التجربة قبل كده بس الفرق البسيط إن الانسانه اللي كنت بحارب نفسي عشان مكنش معاها كانت تستاهل وتستاهل أخوض علشانها معارك وحروب، لكن إنت معركتك خسرانه يا أيوب.. صدقني يا ابن الشيخ مهران مينفعش!!
تعمد تذكيره للمرة المائة والثلاثون بكناية أبيه ليعود عما سيختلق داخله، فهتف أيوب بجدية تامة:
_ مفيش شيء جوايا ليها أكتر من إني بصون وعدي يا عُمران.. أرجوك إفهمني أنا عمري ما حبيت قبل كده حتى بنت عمي اللي المفروض في حكم المخطوبين عمري ما رفعت عيني وبصتلها مجرد بصة هتخليني مخنوق وأنا شايل الذنب ده بين ضلوعي، مستني اللحظة اللي تكون فيها حلالي بس كُلي ثقة إنها الانسانة المناسبة تكونلي زوجة تحافظ على عرضي وشرفي وأولادي فحتى لو قلبي مال لآديرا في يوم من الايام فمش دي الإنسانه اللي أمنها على حتة مني يا عمران فتأكد إني كأيوب هكون غيرك في حربك لإني مش هطلع منها خسران أنا بقدر أسيطر على نفسي ومشاعري كويس.. إتربيت كده وعيشت كده وهموت كده!
ابتسامة مريحة شقت على شفتيه، فتنهد براحة غمرته وقال:
_ ريحتني.. روح نام عشان تكون فايقلي بكره أصل بصراحة مش هعديلك اللي عملته على خير، عشان تبقى تشيلها بعد كده بضمير يا عريس الغفلة!
وتابع بسخرية:
_ متنساش قبل ما تتخمد تعقم نفسك كويس وبالذات ايدك ورقبتك اللي كانت لفة دراعاتها حوليها....وحسابنا يجمع بكره يا ابن الشيخ مهران!!
وأغلق بهاتفه دون أن يودعه ومن ثم ولج لغرفته متوعدًا للأخر لحين رؤيته بالغد!
غردت الشمس بفستانها الذهبي تستقبل يومها الجديد بمحبةٍ ودفءٍ.
اجتمعت العائلة صباحًا على مائدة الافطار، فاستغلت "فريدة" اجتماعهم وقالت:
_ ابتداوا لموا الحاجات المهمة اللي هتحتاجوها لإننا هننقل بكره.
ردت عليها مايا وهي تلهو بشوكتها بطبقها:
_ أنا جهزت هدومي امبارح بالشنط لما حضرتك قولتيلي باقي حاجات عمران وده مش عارفة هننقلها ازاي محتاجين تريلا!!
توقف عن مضغ طعامه وصاح متعصبًا:
_ محدش يقرب من لبسي وساعاتي وجزمي أنا دافع فيهم نص ثروتي.. عزلوا انتوا على بركة الله وسبيوني هنا مع خزنتي أنا عنيت لحد ما صممتها بالنظام اللي يريحني ويريح تنسيق لبسي!!
ضحك أحمد حتى ظهرت غمازات وجهه وصاح بتهكم ساخر:
_ وماله يا بشمهندس البيت هناك واسع ويكفي كل اللي يخصك ولو زعلان أوي على تصميم الخزنة بتاعتك تقدر تختار الجناح اللي يناسبك وصمم لنفسك مكان لهدومك زي ما تحب محدش هيمانع!
زم شفتيه بسخطٍ:
_ هو أنا فاضي يا عمي!! أنا ورايا مشروع ضخم داخل فيه أنا وجمال هيحتاج كل وقتي وطاقتي كلها.
ابتسم بحبورٍ ومحبة عظيمة:
_ المول التجاري اللي بقى حديث كل شركات المعمار.. حقيقي أنا فخور بيك يا عمران ومتحمس أشوفه بشكله النهائي.
منحه ايتسامة ممتنة لدعمه المتواصل إليه، بالرغم من أن نعمان الغرباوي من العائلة الا أنه يواجه نجاحه بكل حقد يمتلكه بينما بالمقابل يأتي عمه الحنون ويدعمه قلبًا وقالبًا.
قاطعتهما فريدة غاضبة بنبرتها المتعصبة:
_ يعني أيه يا عمران!! هنفضل في البيت ده علشان حضرتك خايف على لبسك وجزمك وساعاتك الغالية لتتبهدل!!
وأزاحت منديلها الورقي عن تنورتها وهي تصيح بضيقٍ شديد:
_ أنا مش طايقة أقعد في البيت ده استحملت طول الفترة اللي فاتت لحد ما نلاقي البيت المناسب وخلاص أحمد لاقاه وفاضل اننا نمشي من هنا وللأسف مش هقدر أطلع من هنا لوحدي لازم كلكم تكونوا معايا!
نهض علي مسرعًا إليها يقبل يدها بحنانٍ:
_ اهدي يا حبيبتي عمران ما يقصدش حاجة احنا معاكي مكان ما تكوني، ومعندناش مشكلة نعيش في بيت تاني.. ولو على حاجة عمران الغالية يقدر يأخد شوية هدوم ليه بشنطة صغيرة ويسيب باقي حاجته هنا لحد ما يفضى ويعمل غرفة مجهزة لحاجته زي اللي هنا ويبقى وقتها ينقل حاجته.. الموضوع بسيط ومحلول مش كده ولا أيه يا عم الوقح؟
ترك الخبز عن يده وأسرع تجاهها بضيق من ذاته لما قاله، وردد بنبرة رخيمة هادئة:
_ مقصتتش والله يا فريدة هانم.. لو عايزانا ننقل حالًا معنديش مانع مدام ده هيريح حضرتك.
لانت معالمها ورفع يديه تحيط باليمني خد عمران وباليسري خد علي مرددة بصوتٍ محتقن بالدموع:
_ ربنا ما يحرمني منكم أبدًا.
وضمت كتفيهم بعناق ثلاثي جعل الفتيات يبتسمن بحبٍ، فاندفع احمد إليهم يبعدهما للخلف ويضم فريدة بتملكٍ مضحك، هاتفًا بمرحٍ:
_ ايدك يالا منك ليه.. مش كفايا السنين اللي اتعذبتها وهي في حضن غيري جايين تكملوا على اللي فاضل جوايا من صبر!!
تعالت ضحكاتهما الرجولية، وخاصة حينما ردد عمران بنزقٍ:
_ شوف الراجل اللي دبرنا خطط وعملنا اجتماعات عشان نجوزهاله!
وتابع بغمزة ماكرة:
_ ماشي الله يسهلو يا عم..
وأشار لفاطمة ومايا:
_ يلا نتحرك احنا علشان منتأخرش.
ابتعدت فريدة عن أحمد متسائلة باستغرابٍ:
_ واخد فاطمة على فين يا عمران؟
ضمت مايا فاطمة لها وأجابتها:
_ هتنزل معانا الشغل من النهاردة يا فريدة هانم.
ابتسمت بفرحة لتأكدها بأن ما يفعله ابنها الصغير سيأتي بثماره لحالة فاطمة، ان تولت هي العمل بشركات زوجها بعد وفاته واكتسبت تلك القوة والرزانة من المؤكد بأنها ستحمل نفس الصفات التي هي بحاجة لها.
أجلت حنجرتها قائلة بتمني:
_ ربنا يوفقك يا حبيبتي، روحوا انتوا وأنا هأخد زينب وشمس ونلم الحاجات المهمة عشان بكره الصبح هنتحرك على طول.
وعلى ذكر ابنتها التفتت من حولها تتساءل باستغراب؛
_ هي فين شمس؟
أجابتها وهي تهبط للاسفل بابتسامة شاحبة:
_ أنا هنا يا مامي... صباح الخير.
أجابوها بودٍ فاتجهت لمقعدها وجذبت طبق الطعام تتناوله بآليةٍ.
جذب علي المقعد المجاور لها ومنحها نظرة متفحصة قبل أن يردد بخبث:
_ بمناسبة اللمة الحلوة دي في خبر يخص شمس ولازم تعرفوه.
انتبهت له شمس باهتمامٍ حتى الجميع، فكانت زينب أول من تسائلت باهتمام:
_ خبر أيه؟ انتي امتحنتي يا شمس والنتيجة ظهرت ولا أيه؟
نفت ذلك قائلة:
_ أنا لسه مش امتحنت أصلًا.
ارتشف علي من كوب قهوته بهدوء جعل عمران يردد بضيق وهو يتفحص ساعة يده:
_ ما تنجز يا دكتور مش فاضيلك!
ترك الكوب وتطلع تجاه عمه ووالدته وقال:
_ آدهم نازل مصر الاسبوع اللي جاي وطلب مني آنه يكتب الكتاب بعد بكره ويأخد شمس معاه تتعرف على والده وعيلته، وعايز الفرح بعد امتحانات شمس على طول يعني بعد شهرين.. أنا قولتله هبلغ فريدة هانم وهرد عليك.
تلون وجهها بالأحمر القاني، واخفضت عينيها أرضًا تخفي توترها الشديد، وتابعت رد والدتها وعمها.
فكان أحمد أول من قال:
_ والله الولد ده راجل وبصراحه ابن اصول متربي على قيم مبقتش موجودة في شباب اليومين دول، أنا عن نفسي معنديش مانع طالما شمس بتحبه وهو بيحبها هنعوز أيه أكتر من كده؟!
واستدار لزوجته يتساءل بلطفٍ:
_ ولا أيه رأيك يا فريدة؟
سحبت نفسًا مطولًا تمنع به دموعها، ابنتها الوحيدة ستغادرها بعد فترة زمنية محددة وبدايتها الزواج، ولكنها ستكون مع من أحبت وهي تعلم جيدًا فراق علاقة كانت تنعم بالحب بينهما.
لذا قالت ببسمةٍ صغيرة:
_ لو ده هيخليها تكون سعيدة فأوكي معنديش مانع.
اتسعت ابتسامة شمس بفرحةٍ، على الرغم من حزنها الشديد منه ولكنه فجأها حينما طلب من عائلته أن تسافر برفقته للقاهرة.
كانت حزينة لإنها بعيدة عنه وهو بنفس الدولة وما يزيد حزنها سفره لدولة أخرى فإن كان يصعب عليها رؤيته هنا فكيف ستتمكن من رؤيته وهو بعيدًا عنها.
اتجهت إليها فاطمة تضمها قائلة ببسمة جذابة:
_ مبروك يا شمس.. ألف مبروك يا حبيبتي.
ضمتها بكل ود لصدرها وردت عليها:
_ الله يبارك فيكي يا فاطيما تسلميلي يا جميلة.
لفت مايا ذراعها حول كتفيها قائلة بمشاكسة:
_ مبروك يا شموسة.. كان نفسك تنزلي مصر أهو حضرة الظابط هيخطفك مننا وهيحقق أمنيتك.
اخفت وجهها بكتفيها بخجل وهمست لها:
_ ميرسي يا مايا.
ابتسمت لها زينب وقالت بفرحة صادقة:
_ مبروك يا شمس ربنا يهنيكِ يا حبيبتي.
ابتعدت عن مايا وأحاطتها بسعادة:
_ الله يبارك فيكي يا زوزو عقبالك يارب.
ابتسم عمران وقال بمكر:
_ عريسها موجود ومتقدم ومنتظر الرد.
اسبلت فاطمة بعينيه مندهشة:
_ مين ده يا عمران؟
رد عليها وهو يتابع زينب المنكمشة بخجل:
_ دكتور سيف أخو دكتور يوسف صاحبي، معاها في نفس الجامعة وفي اخر سنة وبصراحة ولد راجل ويوسف مربيه تلاتين مرة وأنا كعمران صعب أرفضه بس نقول أيه لدكتور علي الديمُقراطي قالك الرأي رأيها وأدينا مستنين!
رددت فريدة بلباقة:
_ سيف شاب محترم جدًا بس ده ميمنعش إن زينب بنوتة زي العسل ومكسب ليه مش العكس يا حامي اصدقائك ونافش ريشهم جنب ريشك!!
تعالت الضحكات فيما بينهم، فأشار عمران للفتيات:
_ نكمل كلامنا بعدين يا فريدة هانم المهم ننجز علشان مش فاضي ورايا كذه حاجة لازم أخلصها قبل ما أروح لجمال المستشفى والدته هتعمل الجراحة النهاردة.
قالت بتمنى:
_ ربنا يقومها بالسلامة... هبقى أروح معاك زيارة ليها بعد ما ترجع البيت.
هز رأسه بتفهمٍ والابتسامة الممتنة تجوب على وجهه، فانطلق برفقة مايا وفاطمة لسيارته قاصدًا شركته.
تركت فريدة ابنتها برفقة زينب يجمعون الأغراض الهامة بجناحها واتجهت لغرفة علي، وجدته يضع شهاداته التقديرية ودروعًا حصد عليها بمراحله التعليمية بكرتونٍ متين، واستكمل وضع كتبه وأغراضه الشخصية حتى ملابس فاطمة وما يخصها.
وما أن شعر بأنفاسٍ على قرب منه حتى استقام بقامته واستدار للخلف فوجدها تقف أمامه مرتبكة للغاية، أشار لها ببسمته الجذابة:
_ فريدة هانم.. اتفضلي.
منحته ابتسامة خافتة وولجت تغلق باب غرفته من خلفها، متجهة لطرف الفراش القريب من مكتبته حيث يحزم كتبه وأغراضه.
عادت تفرك أصابعها بتوترٍ تسلل لنبرتها المهتزة:
_ عايزة نبدأ من النهاردة ينفع؟
جذب المقعد الخشبي ووضعه قبالتها بحماسٍ:
_ طبعًا... اتكلمي باللي حابه تقوليه.
استندت على عمود الفراش الخارجي وربعت يدها أمام صدرها تحيل بها ذكريات الطفولة، وبدأت بتحرر صوتها الرقيق:
_ من لما كنت طفلة وأنا مكنتش لوحدي، كان حوليا أخويا وأختي الله يرحمها بس مكنش ده اللي مخليني محسش بالوحدة، السر كان في وجود أحمد جنبي، كنت بحس إنه بيكملني، كأننا روح واحدة في جسمين.. مفيش حلم حلمته مكنش هو فيه، حتى حلم شكلي بفستان الفرح زي أي بنت كنت بتمناه بس وجنبي أحمد.
اتسعت ابتسامتها وهي تستطرد:
_ أحمد مكنش بس ابن عمي وحبيبي.. كان صديقي اللي محرم عليا يكونلي صديق.. كان أبويا اللي بيخاف عليا وقت ما برجع متأخر أو بلبس لبس عريان... أمي الحنينه اللي بتنصحني أحافظ على نفسي ازاي وأهون على نفسي وقت زعلي حتى وقت مرضي.. كان أختي اللي قادرة تفهم وتصون أسراري بدون ما تتعصب عليا وتقولي هبلغ ماما باللي عملتيه.. كان حبيبي اللي بيوعدني إنه هيكون جنبي لأخر العمر وفجأة قطع وعده وسبني وحيدة.
مجرد تذكر ما خاضته جعل عينيها تدمعان مستكملة:
_ حسيت إني كنت في دفا وفجأة بقيت بين التلج وجسمي بيتجمد وعاجز يحس بأي شيء.. احساس آنه اتخلى عني وبإرادته كان أبشع من كابوس قومت منه، كل اللي اتبقالي من حبيبي ساعة وبرفيوم خاص بيه وقت ما بشتقاله بضمهم ليا وبعدها بكره ضعفي اللي خلاني ألجئ ليهم وبحس إني أقذر ست.. ست خاينة بتخون جوزها وبتحن للماضي اللي كان حقها في يوم من الأيام... عشت في معاناة كل ما بفتكرها قلبي بيتلف حوليه شوك.
تمعنت برمادية عينيه اللامعة بدمع رافض سقوطه وقالت بابتسامة:
_ لحد ما جيت انت يا علي، كأنك كنت بتهون عليا كل اللي أنا عايشاه لوحدي.. من أول ما شيلتك بين ايديا وأنا واثقة إنك هتكون ليا العوض عن كل ده، اتمنيت اسميك أحمد بس خوفت سالم يحس باللي كان بيني وبينه، خوفت أكرهك بسببه لإني مكنتش لسه أعرف الحقيقة.
وشردت بالفراغ وقد احتل وجهها كتلة من الجمود:
_ طول عمري عايشة دور الست القوية اللي قادرة تتغلب على كل ظرف تتعرضله لحد ما اكتشفت اني كنت ضعيفة وساذجة لدرجة إن الانسان اللي عشت عمري كله في تأنيب ضمير علشانه طلع هو الأمهر في التمثيل... كان الشيطان اللي كان بيوسوس ليا إني بخونه لمجرد تفكيري في اللي فات.. وجعني وداس على قلبي وكأنه كان بيملك الحق على حياتي ونفسي!
وتعمقت بالتطلع إليه وهي تردد بنفور:
_ أنا بكرهه ومش مسامحاه يا علي... كان نفسي يكون عايش ويشوفني مع أحمد.. كان نفسي يتأكد إنه منجحش يبعدنا عن بعض حتى لما كنت معاه كان قلبي مع أخوه.. لما كنت بديله حقوقه الشرعية كنت بتكوي بالنار وأوقات كنت بوهم نفسي إني مش معاه مع أحمد!
أزاحت تلك الدمعة المتمردة على خدها وقالت وهي تتجه هاربة منه:
_ هروح أشوف زينب وشمس خلصوا ولا لسه.. ونكمل بعدين.
نهض خلفها يناديها:
_ ماما!
توقفت عن الخطى وبقيت جامدة محلها دون الاستدارة له، فدنى قائلًا:
_ مكنتيش خاينة كنتِ إنسانة عظيمة قدرت تضحي طول السنين دي كلها علشان أولادها.. إنسانة بالرغم من عشقها الكبير لشخص اتمنتت تعيش معاه الا أنها حاربت وصمدت وافترقت عنه علشان تكون مع أولادها... صدقيني اللي فات ده مهما كان صعب ومؤلم بس قواكي وقوى علاقتك بينا لدرجة خلتنا مؤهلين لجوازك من عمي وإنكم بعد كل العوائق دي اتجمعتوا.
استدارت إليه باكية وهرولت لأحضانه كالطفلة الصغيرة التي تتخفى داخل حضن أبيها، طوفها علي ودموعه تهوى على خديه، يعلم بأنها مازالت تكبت الكثير بداخلها ولكن كونها قالت تلك الكلمات القليلة سيأتي البقية بعدها وستخبره بكل شيء.
ربت بحنان على ظهرها حتى ابتعدت عنه تمنحه ابتسامة صغيرة، وتركته وغادرت لجناحها تنفرد بذاتها قليلًا وتستجمع قوتها لتواجهه بباقي ما بداخلها ولكن أولًا ستعاون الفتيات لترحل من هذا المكان الذي يضيق عليها كلما استعابت ما فعله زوجها بها.
تبعتهما فاطمة للداخل، فأشارت لها مايا للمكتب الذي يقابلها متسائلة بحماسٍ:
_ ها أيه رأيك بقى؟
سلطت نظراتها على المكتب الفخم المقابل لها، لونه الأبيض زاد من راحتها، كان يحوي على حاسوب ولجواره هاتف أرضي، اتجهت للمقعد تحتله بابتسامة صغيرة، وأخذت تتفقد سلة الأقلام بانبهارٍ.
أحاط عمران كتف مايا التي تراقبها بفرحةٍ، وضمها لاحضانه مستغلًا انشغال فاطمة بتأمل مكتبها، وهمس لها:
_ خلي بالك منها يا مايا وأكدي على حسام محدش يدخل المكتب هنا ولا يزعجها بأي شكل من الأشكال لحد ما على الأقل تأخد على المكان.
هزت رأسها بتفهمٍ وهمست له:
_ متقلقش يا حبيبي هبلغه وهشدد عليه.. وأنا كمان هكون معاها ومش هسيبها.
طبع قبلة على جبينها وهو يردد بحبٍ:
_ حبيب قلب حبيبك إنتِ!
وابتعد عنها يتحنح بخشونة ليلفت انتباه فاطمة:
_ أنا هنا في مكتبي يا فاطمة لو عوزتي أي حاجة مايا موجودة وأنا هنا جنبكم لو احتاجتي حاجة متتردديش.
رددت بابتسامة مشرقة:
_ حاضر..
غادر عمران لمكتبه فوجد المحامي ونعمان بانتظاره، منح نعمان نظرة منفرة واتجه يحتل مكتبه بكبرياءٍ، ليجد الأخر يقابله بغلظة:
_ ما بدري يا ابن فريدة مش عارف إن في معاد بينا ولا بتستهبل!
وضع قدمًا فوق الأخرى بتعالي وعدم مبالاة بحديثه، ووجه حديثه للمحامي متجاهلًا وجوده:
_ جهزت الأوراق كلها يا مسعد؟
أكد له باحترامٍ:
_ أيوه يا باشا.
تابع وهو يجذب حاسوبه يراقب مقابلاته لليوم:
_ حطيت فيه الشرط اللي قولتلك عليه؟
أكد له مجددًا:
_ أيوه.. وتقدر حضرتك تتأكد بنفسك.
حمل عنه الملف يراقب ذاك البند المشروط بالعقد بينما يتابعهما نعمان بدهشة لحقت سؤاله:
_ شرط أيه ده؟!
رفع رماديته المحتقنة يقابله بها وصاح بحزمٍ:
_ بند من بنود العقد اللي هتوقع عليه بيقيدك عن بيع الشركة لأي شخص غريب، في حالة إنك عايز تبيع الشركة مسموحلك بشرط يكون الشخص ده من جوه عيلة الغرباوي.
وتابع بقوة صارمة:
_ مهو أنا مش بعد كل التعب ده أقدملك الشركة على طبق من دهب وتأخدها إنت وتديها للي لفة عليك زي الحية علشان توصل لهدفها.
انتفض بوقفته يصرخ بعصبية وجنون لمجرد تخيله بأنه انكشف أمره أمامه:
_ تقصد أيه بكلامك القذر ده يا ابن فريدة!
بقى محله على مقعده يراقبه ببرودٍ:
_ يا خال متخلنيش أشك في ذكائك! أنا من على الكرسي ده قادر أعرف كل كبيرة وصغيرة عن بلاويك السودة، بس اللي عايزك تعرفه إنك مش أول واحد هيلينا ترسم عليه دور الحب أبو أجنحه وردية، سبق وعملتها على تلات رجال أعمال معروفين وأخدت اللي وراهم واللي قدامهم وإنت ما شاء الله مبقاش وراك اللي يتأخد منك غير الحنجرة والخيلة الكدابة اللي واهم نفسك بيهم.
صرخ بانفعالٍ يخفي به تدهور موقفه أمام المحامي الذي يشهد اهانته بوضوح الشمس:
_ اخرس قطع لسانك عيل قليل الرباية.
اتسعت ابتسامة عمران وحذره بمكر:
_ أبويا الله يرحمه بقى مات وسبني أمانه في رقبتك وإنت اللي معرفتش تربيني يا خال كنت مشغول مع الراقصات.
واستطرد بغمزة وقحة:
_ لو فاكر إن هيلينا هترجعلك شقاوة زمان تبقى غلطان دي هتأخدك لحم وترميك عضم يا خال ووقتها متجيش هنا تعيط زي النسوان لإن وقتها هتشوف وش تالت لعمران الغرباوي مصدفش ليك إنك اتقابلت فيه.
جذب العقد من يده ووقع عليه، ثم دفعه تجاهه يشير له:
_ موافق على شرطك إمضي وخليني أغور من وشك.
سحب القلم يوقع وهو يهتف ساخرًا:
_ وأنا اللي واقع في دباديبك أوي... إنت تلزق أي مكان تكون فيه يا خال... فلتصحبك السلامة في أي مكان تغور ليه!
وحمل العقد لمايا وقعته وعاد به يلقيه إليه مشيرًا لباب مكتبه:
_ مش عايز أشوفك ولو صدفة.. لما يتقرص ودنك وتخسر وقتها افتكر اني حذرتك ونبهتك.
منحه نظرة حاقدة وهتف له بوعيدٍ:
_ هتدفع التمن غالي يا عمران... وديني لأندمك على معاملتك وطريقتك معايا وساعتها هنشوف مين اللي هيبوس رجل مين.
منحه قبلة بالهواء وغمز له:
_ مستنيك يا خال.. ربنا يديك طولة العمر!!
وفتح الباب يشير له:
_ مع السلامة يا نعمان!
بالأعلى.
تابعت مايا عمل فاطيما باهتمامٍ، عاونتها على تنسيق الملفات بشكلٍ اكثر احترافية، وحينما قدمت ملفها الأول قالت بإعجاب:
_ الله عليكِ يا طمطم هو ده الشغل ولا بلاش.
ابتسمت لها بمحبة وقالت:
_ بفضل الله ثم تواجهيهاتك يا بشمهندسة.
مالت تقبل جبهتها بحب:
_ حبيبتي يا فاطمة والله أنا مبسوطة من وجود معايا أوي... كنت بحس إن هنا لوحدي وماليش حد ولما عمران قال إن صبا ممكن تنزل معايا فرحت بس الهبلة اتحججت بتعب الحمل وكنسلت الموضوع وأهو ربنا عوضني بسلفتي وأختي القمراية.
اختبرت فاطمة أحاسيس غريبة من ضمة مايا لها، فأحاطتها بابتسامة مشرقة وقالت:
_ انتي اللي زي القمر وتتحبي يا مايسان ربنا يسعدك ويفرح قلبك الأبيض.
أغلقت مايا الحاسوب وقالت بحماس:
_ حيث كده بقى فكك من الشغل وتعالي ننزل نتغدى في أي مطعم... في مكان هنا جنب الشركة بيعملوا بيتزا إنما أيه عجب... بينا؟
التقطت حقيبتها مشيرة لها بنفس مصطلحها:
_ بينا يا ريسة!
تعالت ضحكاتها وشاركتها الاخرى ومن ثم هبطوا معًا للأسفل.
أوصل حسام الضيف الزائر للأسفل بعد أن هاتفه عُمران وأوصاه أن يُوصله للأرشيف بنفسه، فشكره بتهذبٍ:
_ شكرًا يا بشمهندس.
رد عليه حسام باستحسان:
_ أنا في خدمتك يا باشا.
وتركه وغادر بينما أكمل الضيف طريقه للأسفل حتى وصل للباب الحديدي، دفعه وأخذ يتطلع لذاك العالق على الدرج الخشبي بكتلة مجلدات ضخمة يرصها بانتظامٍ ويبدو الانهاك يشكل خرائطه على وجهه، فناداه بخفوتٍ:
_ أيوب!
أطل من فوق المجلد يتأمل من يناديه، فابتسم وهو يناديه بلهفة:
_ آدهم!!!!
وهبط إليه مبتسمًا ومتسائلًا:
_ بتعمل أيه هنا؟!
أجابه وهو يتفحص ملابسه المتسخة باستغرابٍ:
_ جاي علشانك.
وسأله وهو ينفض الأتربة عن قميص بذلته:
_ إنت أيه اللي بهدلك بالشكل ده؟!
أمسك أيوب يده ودفعه ليجلس قبالته على الطاولة الخشبية المتهالكة، قائلًا بتوسل:
_ أبوس إيدك خلصني من عمران.. من ساعة ما شافني نازل إمبارح شايل آديرا وهو اتجنن، هالكني في الشغل وفاهم إنه كده بينتقم مني.
تمردت ضحكة رجولية على شفتيه جعلت الاخير يرتاب لامره متسائلًا بحيرة:
_ بتضحك على أيه يا آدهم؟
استعاد اتزانه رغم احتفاظه ببسمته الجذابة وقال:
_ مش بينتقم منك يابو قلب طيب بيهدك عشان لما ترجع بيتك ميكنش عندك أي نية شيطانية غير النوم والاسترخاء... فهمت حاجة؟
فرك أنفه بحرجٍ طفيف وهمس له:
_ طيب وليه كل ده والله ما عندي نية لحاجة يا جدعان!!!
رفع يديه بغمزة مرحة:
_ مصدقك يا عم الشيخ بس الطاووس الوقح عنده وجهة نظر محتلفة.. حظك!
ضم شفتيه معًا بقوة وصمت قليلًا ومن ثم قال:
_ طيب ما تلين انت دماغه وتخليه يخف عني!
استند على الطاولة وهتف له متصنعًا الحزن:
_ كنت أتمنى يا أيوب والله بس كتب كتابي بعد بكره على أخته فلو أنا اللي اتدخلت هيسيبك ويستلمني أنا!
اعتدل بوقفته بابتسامة واسعة:
_ بجد.. هتتجوز يا آدهم؟
صحح له بابتسامة هادئة:
_ كتب كتاب بس والفرح بعد امتحانتها ان شاء الله.
وضع يده على كتفه بسرورٍ:
_ مبروووك يا عمهم.. أهي دي الاخبار اللي تفرح وسط الجو المترب ده.
رفع آدهم يده يشدد على كتفه مثلما فعل وقال:
_ عقبالك بس مع اللي تستاهلك.
ابتسم وهو يجمع شمل الحديث، فتابع آدهم بجدية:
_ نستني كنت جايلك ليه.
وأخرج من جيب بنطاله ساعو رجالية فخمة، قدمها له مشددًا على حروفه:
_ إلبسها ومتقلعهاش أبدًا يا أيوب على الأقل لحد ما ترجع مصر.
تناولها منه وتفحصها باستغرابٍ:
_ ليه؟
نزع ادهم عنه ساعته ووضعها جانبًا، ثم وضع الاخرى بمعصمه قائلًا:
_ انت بتقول انك بتعزني معزة كبيرة فوجود الساعة دي في ايدك هتأكدلي كلامك خصوصًا اني مسافر القاهرة الاسبوع الجاي.
انقبضت ملامح أيوب وفاضت بالحزن، فأمسك يده وقال برجاءٍ صغيرًا في عهده الثاني:
_ مينفعش تخليك هنا معانا.
ابتسم وهو يراقب مسكة يده وقال:
_ والدي راجل قعيد ومن بعد وفاة والدتي مبقاش ليه غيري.. كل فترة بيكلمني وبيترجاني أرجع والمرادي مصمم إني أرجعله وشكله مريض فعلًا.. أنا وعدته ومقدرش أتراجع.. خايف يجراله حاجة فذنبه يكون في رقبتي.
هز رأسه متفهمًا وردد بنبرة متحشرجة من الحزن:
_ ربنا يشفيه ويباركلك فيه.
أحاط كتفه بذراعه وقال بابتسامة جذابة:
_ هنتقابل تاني يابن الشيخ مهران... وعد لما تنزل مصر هتلاقيني أنا اللي بستقبلك في المطار.. هما كلهم تلات شهور هيعدوا بسرعة البرق.. وبعدين الموبيل اخترعوه ليه؟
اتسعت ابتسامة ايوب وضمه إليه، فاحتواه آدهم ومازالت تعابيره مندهشة من الحب الاخوي الغريب المتبادل بينهما، لوهلة تمناه أن يكون ذاك الأخ الذي تمنى أن يمتلكه، كان دومًا حزينًا يتساءل لماذا ابقاه والديه وحيدًا دون شقيق أو شقيقة وحينما اشتد عوده علم بأمر تعب والدته وعدم قدرتها على الانجاب فتقبل الأمر واعتاد عليه... ودعه آدهم واتجه للمحامي يرتب أوراق عقد القران بعد أن تحدث علي إليه وزف له موافقة عمه ووالدته.
بالمشفى.
وقف جمال جوار والدته يحبس دموعه بتمكنٍ، ولجواره تقف زوجته عاجزة عن الحديث إليه أو حتى تهدئته، تعود الحاجة أشرقت لحديثها الباكي فتزيد من وجعه:
_ وصيتي أخواتك يا جمال، لو جرالي حاجة حطهم في عينك يا ابني.. أنا عارفة اننا تقلنا عليك وشيلناك فوق طاقتك.. مصاريف علاجي وتعليم اخواتك وجوازتهم وعمرك مرة ما اشتكيت ولا قولت مش قادر... طول عمرك اللي في ايدك مش ليك يا حبيبي.. عشان كده لو جرالي حاجه هموت وأنا راضية عنك يا ضنايا.
انحنى تجاهها يقبل يدها الممتلئة بالمحاليل والأجهزة وردد برعشة باكية:
_ متقوليش كده عشان خاطري يامه... هتخرجي والله وهتبقي زي الفل.
ربتت على خصلات شعره الفحمي بيدها الاخرى وقالت:
_ ربنا يراضيك ويسعدك زي ما انت سبب سعادتي... ربنا يجبر بخاطرك زي ما انت جابر بخاطري أنا واخواتك يا حبيبي.
لم يحتمل سماع المزيد فبكى على يدها وهو يترجاها:
_ كفايا عشان خاطري متوجعيش قلبي يامه.
طرقات باب الغرفة ومن ثم ولج ذاك البشوش بالورود، ليقترب منها يسيطر على حزنه لرؤيته انهيار رفيقه بحرافية، فهتف بمرح:
_ مساءو فل على أجمل ست اتخلقت في الكون كله... شوفتي المرادي جبتلك ورد أحمر علشان تعرفي إن علاقتنا اتطورت من حب وتسبيل لمرحلة مينفعش فيها الحبيب!
ضحكت أشرقت بكل ما فيها وقالت بتعبٍ:
_ اخص عليك يا عمران يا ابني مش هتبطل بكش أبدًا.
أبعد جمال عنها واحتل مقعده، مال لها يخبرها:
_ قومي يا شوشوو وفكك من رقدة السرير دي، بالك انتي لو غمزتلك غمزة بعيني الاجنبية دي هتقومي تجري زي الفرسة.
انفجرت ضاحكة بشكل جعل جمال يبتسم وهو يتطلع له بامتنان لقدومه باكرًا قبل ولوجها للجراحة.
وفجأة انقلبت ضحكتها لبكاء وقالت:
_ كويس انك جيت دلوقتي عشان أوصيك على جمال... انا وصيته على اخواته وماليش حد أوصيه عليه غيرك يا ابني.. أنا عارفة انك ابن اصول وصاحب صاحبك.. جمال دايما بيكلمنا عنك وعن اللي بتعمله معاه.. بالله عليك لو جرالي حاجه قوله ميزعلش وآ..
أمسك يدها وباحتقان صوته المعافر لبكاء صريح قال:
_ بتوصيني على ابنك ده محتاج اللي يوصيه عليا.. ابنك يا حاجة كيف الطور الهايج اللي مالوش ماسكة... ده مسكني امبارح في مكتبه مسبش حاجة الا وكسرها فوق دماغي لدرجة اني جالي ارتجاج في المخ.
جحظت عينيها بصدمة وتطلعت لجمال بغضب لتدفعه بلوم:
_ كده يا جمال.. اخص عليك اخص!!
راقص عمران حاجبيه لجمال المنصدم من انقلاب ما حدث ليدفع كفة الميزان إليه، فعاد عمران يجذب يدها قائلًا:
_ فكك منه.. المهم يا أشرقت يا حبيبتي إنتي عارفة ايه اللي هيحصل دلوقتي؟
ابتسمت وهي تتساءل:
_ لا والله يا ابني!
ضحك وقال مشاكسة:
_ والدتك الله يرحمها وهي بتولدك ألقت عليكي تعويذة غريبة، إنك تستحوذي على قلوب رجالة مصر والعالم العربي كله.. قوم أيه الحاج اتضايق وكلم جمال وقاله يتصرف قبل ما البيت يتخرب مهو الراجل معذور بردو مش عارف يلم خطابك يا هانم..
انفجرت ضاحكة فاستطرد هو:
_ فكان لازم جمال يتصرف فاتفقنا مع دكتور شاطر هيأخد قلبك الجميل ده يفك من عليه التعويذة ويرجعهولك تاني بحيث تعيشي مع الحاج الكام يوم اللي فضلين ليه بسلام ولما يتكل على الله نجدد التعويذة ونختار على مزاج بقى.. بس أنا في أول القايمة ها؟؟
أحمر وجهها من فرط الضحك لدرجة جعلت صبا وجمال يبتسمان بفرحة، حتى ذاك الطبيب الذي ولج يردد:
_ جيد أن نفسيتها لم تتأثر للسوء... نحن مستعدون فلنتحرك الآن.
كانت أصعب لحظة مرت عليهم، التحف جمال برداء القوة حتى ولجت للداخل فألقاه بمرمى الحجر وعاد للغرفة يجلس على فراشها يضم سبحتها وقرآنها ببكاء متأثر، حاولت صبا الدخول إليه ولكنها توقفت حينما وجدت عمران بالداخل فاتجهت للجلوس على الاريكة الخارجية.
وضع عمران يده على كتف جمال وقال بخشونة:
_ أيه يالا هتعيط زي النسوان!!! قوم اقف كده واجمد مراتك بره يا عبيط هتقول عليك أيه!!
رفع عينه المحتقنة بالدموع إليه وقال:
_ أمي يا عمران لو حصلها حاجة هموت وراها.
لكزه بغضب:
_ متفولش عليها والله هتخرج وهتبقى زي الفل... قوم معايا بره.
هز رأسه نافيًا، فجلس جواره لدقائق ثم قال:
_ تحب أنزل أجبلك قهوة؟
هز رأسه نافيًا، فقال مرة اخرى:
_ طيب عايز دوا للصداع ولا أي حاجة؟
هز رأسه نافيًا، فعاد يبتسم بخفوت ويتساءل:
_ طب عايز حضن طيب؟
منحه نظرة غامضة فدفعه عمران بتهكمٍ:
_ انت حر.. هروح أشوف يوسف والشباب وصلوا ولا أيه؟
كاد بالخروج ولكنه توقف على صوت جمال الهامس:
_ عُمران.
استدار له فقال الاخير ببكاء:
_ عايز الحضن!!
دنى إليه وضمه بين ذراعيه فبكى جمال بخوفٍ، بينما ادمعت رمادية عمران وهمس يمازحه:
_ شوفت عمران الغرباوي اتخلى عن برستيجه وحضنك مع إن لو حد دخل علينا واحنا في الوضع ده هتضيع الهيبة وخصوصا اننا وسط الاجانب اللي ممنوع فيها سلام الرجال.. خدت بالك انا بجازف بأيه عشانك يالا!!
ضحك حتى ادمعت عينيه فشاركه عمران الضحك حتى ولج الشباب فأسرع سيف إليه يسأله بغلظة:
_ أيوب فين يا عمران!..
بالأعلى.
تابع مايا عمل فاطيما باهتمامٍ، عاونتها على تنسيق الملفات بشكلٍ اكثر احترافية، وحينما قدمت ملفها الأول قالت بإعجاب:
_ الله عليكِ يا طمطم هو ده الشغل ولا بلاش.
ابتسمت لها بمحبة وقالت:
_ بفضل الله ثم تواجهيهاتك يا بشمهندسة.
مالت تقبل جبهتها بحب:
_ حبيبتي يا فاطمة والله أنا مبسوطة من وجود معايا أوي... كنت بحس إن هنا لوحدي وماليش حد ولما عمران قال إن صبا ممكن تنزل معايا فرحت بس الهبلة اتحججت بتعب الحمل وكنسلت الموضوع وأهو ربنا عوضني بسلفتي وأختي القمراية.
اختبرت فاطمة أحاسيس غريبة من ضمة مايا لها، فأحاطتها بابتسامة مشرقة وقالت:
_ انتي اللي زي القمر وتتحبي يا مايسان ربنا يسعدك ويفرح قلبك الأبيض.
أغلقت مايا الحاسوب وقالت بحماس:
_ حيث كده بقى فكك من الشغل وتعالي ننزل نتغدى في أي مطعم... في مكان هنا جنب الشركة بيعملوا بيتزا إنما أيه عجب... بينا؟
التقطت حقيبتها مشيرة لها بنفس مصطلحها:
_ بينا يا ريسة!
تعالت ضحكاتها وشاركتها الاخرى ومن ثم هبطوا معًا للأسفل.
أوصل حسام الضيف الزائر للأسفل بعد أن هاتفه عُمران وأوصاه أن يُوصله للأرشيف بنفسه، فشكره بتهذبٍ:
_ شكرًا يا بشمهندس.
رد عليه حسام باستحسان:
_ أنا في خدمتك يا باشا.
وتركه وغادر بينما أكمل الضيف طريقه للأسفل حتى وصل للباب الحديدي، دفعه وأخذ يتطلع لذاك العالق على الدرج الخشبي بكتلة مجلدات ضخمة يرصها بانتظامٍ ويبدو الانهاك يشكل خرائطه على وجهه، فناداه بخفوتٍ:
_ أيوب!
أطل من فوق المجلد يتأمل من يناديه، فابتسم وهو يناديه بلهفة:
_ آدهم!!!!
وهبط إليه مبتسمًا ومتسائلًا:
_ بتعمل أيه هنا؟!
أجابه وهو يتفحص ملابسه المتسخة باستغرابٍ:
_ جاي علشانك.
وسأله وهو ينفض الأتربة عن قميص بذلته:
_ إنت أيه اللي بهدلك بالشكل ده؟!
أمسك أيوب يده ودفعه ليجلس قبالته على الطاولة الخشبية المتهالكة، قائلًا بتوسل:
_ أبوس إيدك خلصني من عمران.. من ساعة ما شافني نازل إمبارح شايل آديرا وهو اتجنن، هالكني في الشغل وفاهم إنه كده بينتقم مني.
تمردت ضحكة رجولية على شفتيه جعلت الاخير يرتاب لامره متسائلًا بحيرة:
_ بتضحك على أيه يا آدهم؟
استعاد اتزانه رغم احتفاظه ببسمته الجذابة وقال:
_ مش بينتقم منك يابو قلب طيب بيهدك عشان لما ترجع بيتك ميكنش عندك أي نية شيطانية غير النوم والاسترخاء... فهمت حاجة؟
فرك أنفه بحرجٍ طفيف وهمس له:
_ طيب وليه كل ده والله ما عندي نية لحاجة يا جدعان!!!
رفع يديه بغمزة مرحة:
_ مصدقك يا عم الشيخ بس الطاووس الوقح عنده وجهة نظر محتلفة.. حظك!
ضم شفتيه معًا بقوة وصمت قليلًا ومن ثم قال:
_ طيب ما تلين انت دماغه وتخليه يخف عني!
استند على الطاولة وهتف له متصنعًا الحزن:
_ كنت أتمنى يا أيوب والله بس كتب كتابي بعد بكره على أخته فلو أنا اللي اتدخلت هيسيبك ويستلمني أنا!
اعتدل بوقفته بابتسامة واسعة:
_ بجد.. هتتجوز يا آدهم؟
صحح له بابتسامة هادئة:
_ كتب كتاب بس والفرح بعد امتحانتها ان شاء الله.
وضع يده على كتفه بسرورٍ:
_ مبروووك يا عمهم.. أهي دي الاخبار اللي تفرح وسط الجو المترب ده.
رفع آدهم يده يشدد على كتفه مثلما فعل وقال:
_ عقبالك بس مع اللي تستاهلك.
ابتسم وهو يجمع شمل الحديث، فتابع آدهم بجدية:
_ نستني كنت جايلك ليه.
وأخرج من جيب بنطاله ساعو رجالية فخمة، قدمها له مشددًا على حروفه:
_ إلبسها ومتقلعهاش أبدًا يا أيوب على الأقل لحد ما ترجع مصر.
تناولها منه وتفحصها باستغرابٍ:
_ ليه؟
نزع ادهم عنه ساعته ووضعها جانبًا، ثم وضع الاخرى بمعصمه قائلًا:
_ انت بتقول انك بتعزني معزة كبيرة فوجود الساعة دي في ايدك هتأكدلي كلامك خصوصًا اني مسافر القاهرة الاسبوع الجاي.
انقبضت ملامح أيوب وفاضت بالحزن، فأمسك يده وقال برجاءٍ صغيرًا في عهده الثاني:
_ مينفعش تخليك هنا معانا.
ابتسم وهو يراقب مسكة يده وقال:
_ والدي راجل قعيد ومن بعد وفاة والدتي مبقاش ليه غيري.. كل فترة بيكلمني وبيترجاني أرجع والمرادي مصمم إني أرجعله وشكله مريض فعلًا.. أنا وعدته ومقدرش أتراجع.. خايف يجراله حاجة فذنبه يكون في رقبتي.
هز رأسه متفهمًا وردد بنبرة متحشرجة من الحزن:
_ ربنا يشفيه ويباركلك فيه.
أحاط كتفه بذراعه وقال بابتسامة جذابة:
_ هنتقابل تاني يابن الشيخ مهران... وعد لما تنزل مصر هتلاقيني أنا اللي بستقبلك في المطار.. هما كلهم تلات شهور هيعدوا بسرعة البرق.. وبعدين الموبيل اخترعوه ليه؟
اتسعت ابتسامة ايوب وضمه إليه، فاحتواه آدهم ومازالت تعابيره مندهشة من الحب الاخوي الغريب المتبادل بينهما، لوهلة تمناه أن يكون ذاك الأخ الذي تمنى أن يمتلكه، كان دومًا حزينًا يتساءل لماذا ابقاه والديه وحيدًا دون شقيق أو شقيقة وحينما اشتد عوده علم بأمر تعب والدته وعدم قدرتها على الانجاب فتقبل الأمر واعتاد عليه... ودعه آدهم واتجه للمحامي يرتب أوراق عقد القران بعد أن تحدث علي إليه وزف له موافقة عمه ووالدته.
بالمشفى.
وقف جمال جوار والدته يحبس دموعه بتمكنٍ، ولجواره تقف زوجته عاجزة عن الحديث إليه أو حتى تهدئته، تعود الحاجة أشرقت لحديثها الباكي فتزيد من وجعه:
_ وصيتي أخواتك يا جمال، لو جرالي حاجة حطهم في عينك يا ابني.. أنا عارفة اننا تقلنا عليك وشيلناك فوق طاقتك.. مصاريف علاجي وتعليم اخواتك وجوازتهم وعمرك مرة ما اشتكيت ولا قولت مش قادر... طول عمرك اللي في ايدك مش ليك يا حبيبي.. عشان كده لو جرالي حاجه هموت وأنا راضية عنك يا ضنايا.
انحنى تجاهها يقبل يدها الممتلئة بالمحاليل والأجهزة وردد برعشة باكية:
_ متقوليش كده عشان خاطري يامه... هتخرجي والله وهتبقي زي الفل.
ربتت على خصلات شعره الفحمي بيدها الاخرى وقالت:
_ ربنا يراضيك ويسعدك زي ما انت سبب سعادتي... ربنا يجبر بخاطرك زي ما انت جابر بخاطري أنا واخواتك يا حبيبي.
لم يحتمل سماع المزيد فبكى على يدها وهو يترجاها:
_ كفايا عشان خاطري متوجعيش قلبي يامه.
طرقات باب الغرفة ومن ثم ولج ذاك البشوش بالورود، ليقترب منها يسيطر على حزنه لرؤيته انهيار رفيقه بحرافية، فهتف بمرح:
_ مساءو فل على أجمل ست اتخلقت في الكون كله... شوفتي المرادي جبتلك ورد أحمر علشان تعرفي إن علاقتنا اتطورت من حب وتسبيل لمرحلة مينفعش فيها الحبيب!
ضحكت أشرقت بكل ما فيها وقالت بتعبٍ:
_ اخص عليك يا عمران يا ابني مش هتبطل بكش أبدًا.
أبعد جمال عنها واحتل مقعده، مال لها يخبرها:
_ قومي يا شوشوو وفكك من رقدة السرير دي، بالك انتي لو غمزتلك غمزة بعيني الاجنبية دي هتقومي تجري زي الفرسة.
انفجرت ضاحكة بشكل جعل جمال يبتسم وهو يتطلع له بامتنان لقدومه باكرًا قبل ولوجها للجراحة.
وفجأة انقلبت ضحكتها لبكاء وقالت:
_ كويس انك جيت دلوقتي عشان أوصيك على جمال... انا وصيته على اخواته وماليش حد أوصيه عليه غيرك يا ابني.. أنا عارفة انك ابن اصول وصاحب صاحبك.. جمال دايما بيكلمنا عنك وعن اللي بتعمله معاه.. بالله عليك لو جرالي حاجه قوله ميزعلش وآ..
أمسك يدها وباحتقان صوته المعافر لبكاء صريح قال:
_ بتوصيني على ابنك ده محتاج اللي يوصيه عليا.. ابنك يا حاجة كيف الطور الهايج اللي مالوش ماسكة... ده مسكني امبارح في مكتبه مسبش حاجة الا وكسرها فوق دماغي لدرجة اني جالي ارتجاج في المخ.
جحظت عينيها بصدمة وتطلعت لجمال بغضب لتدفعه بلوم:
_ كده يا جمال.. اخص عليك اخص!!
راقص عمران حاجبيه لجمال المنصدم من انقلاب ما حدث ليدفع كفة الميزان إليه، فعاد عمران يجذب يدها قائلًا:
_ فكك منه.. المهم يا أشرقت يا حبيبتي إنتي عارفة ايه اللي هيحصل دلوقتي؟
ابتسمت وهي تتساءل:
_ لا والله يا ابني!
ضحك وقال مشاكسة:
_ والدتك الله يرحمها وهي بتولدك ألقت عليكي تعويذة غريبة، إنك تستحوذي على قلوب رجالة مصر والعالم العربي كله.. قوم أيه الحاج اتضايق وكلم جمال وقاله يتصرف قبل ما البيت يتخرب مهو الراجل معذور بردو مش عارف يلم خطابك يا هانم..
انفجرت ضاحكة فاستطرد هو:
_ فكان لازم جمال يتصرف فاتفقنا مع دكتور شاطر هيأخد قلبك الجميل ده يفك من عليه التعويذة ويرجعهولك تاني بحيث تعيشي مع الحاج الكام يوم اللي فضلين ليه بسلام ولما يتكل على الله نجدد التعويذة ونختار على مزاج بقى.. بس أنا في أول القايمة ها؟؟
أحمر وجهها من فرط الضحك لدرجة جعلت صبا وجمال يبتسمان بفرحة، حتى ذاك الطبيب الذي ولج يردد:
_ جيد أن نفسيتها لم تتأثر للسوء... نحن مستعدون فلنتحرك الآن.
كانت أصعب لحظة مرت عليهم، التحف جمال برداء القوة حتى ولجت للداخل فألقاه بمرمى الحجر وعاد للغرفة يجلس على فراشها يضم سبحتها وقرآنها ببكاء متأثر، حاولت صبا الدخول إليه ولكنها توقفت حينما وجدت عمران بالداخل فاتجهت للجلوس على الاريكة الخارجية.
وضع عمران يده على كتف جمال وقال بخشونة:
_ أيه يالا هتعيط زي النسوان!!! قوم اقف كده واجمد مراتك بره يا عبيط هتقول عليك أيه!!
رفع عينه المحتقنة بالدموع إليه وقال:
_ أمي يا عمران لو حصلها حاجة هموت وراها.
لكزه بغضب:
_ متفولش عليها والله هتخرج وهتبقى زي الفل... قوم معايا بره.
هز رأسه نافيًا، فجلس جواره لدقائق ثم قال:
_ تحب أنزل أجبلك قهوة؟
هز رأسه نافيًا، فقال مرة اخرى:
_ طيب عايز دوا للصداع ولا أي حاجة؟
هز رأسه نافيًا، فعاد يبتسم بخفوت ويتساءل:
_ طب عايز حضن طيب؟
منحه نظرة غامضة فدفعه عمران بتهكمٍ:
_ انت حر.. هروح أشوف يوسف والشباب وصلوا ولا أيه؟
كاد بالخروج ولكنه توقف على صوت جمال الهامس:
_ عُمران.
استدار له فقال الاخير ببكاء:
_ عايز الحضن!!
دنى إليه وضمه بين ذراعيه فبكى جمال بخوفٍ، بينما ادمعت رمادية عمران وهمس يمازحه:
_ شوفت عمران الغرباوي اتخلى عن برستيجه وحضنك مع إن لو حد دخل علينا واحنا في الوضع ده هتضيع الهيبة وخصوصا اننا وسط الاجانب اللي ممنوع فيها سلام الرجال.. خدت بالك انا بجازف بأيه عشانك يالا!!
ضحك حتى ادمعت عينيه فشاركه عمران الضحك حتى ولج الشباب فأسرع سيف إليه يسأله بغلظة:
_ أيوب فين يا عمران!..
رواية صرخات انثى الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ايه محمد رفعت
أغلق عينيه بقوة ويده تضغط بغيظ على يد جمال الذي دفعه للخلف هاتفًا بألم:
_ دراعي يا عمران مالك؟!
استدار يقابل سيف بنظرة مشتعلة، اتبعها وابل من غضبه:
_ هو انت كل ما تشوف خلقتي تسألني عنه! حد قالك اني المدام بتاعته بروح أمك وأنا معرفش!
زم سيف شفتيه بغيظ وأشار ليوسف بحنق:
_ شوفت طريقته بالكلام يا يوسف وفي الأخر تقولي أحترمه!
ربت على كتف شقيقه وكأنه يواسيه، واتجه لعمران يخبره بنزق:
_ خف على الواد شوية يا عم الوقح، ايه محدش عارف يكلمك!
كاد بأن يمنحه وابل من فظاظته فأسرع جمال يمسك بيديه وهو يخبره بسخرية:
_ والله ما هي ناقصة... قعدت تقولي بروح أمك لحد ما أمي روحها بتطلع جوه أهي!
وتابع بنبرة متوسلة تترجاه:
_ خف على دكتور سيفو مالوش في كلامك الدبش ده.. خليك الكبير العاقل يا عم الطاووس.
أحاطهم بنظرة ساخرة شملت علي الذي تجاهله واستكمل طريقه ليكون مجاور لجمال يسأله باهتمام:
_ الدكتور مخرجش من جوه؟
هز رأسه نافيًا وقد تسلل الحزن إليه بنبرته:
_ لأ لسه.. بقالهم فترة جوه.
ربت على كتفه وهو يخبره:
_ العملية دي بتاخد وقت كبير.. ادعيلها يا جمال وخليك متفائل.
رفع رأسه عاليًا وردد بخفوت:
_ يا رب متحرمنيش منها يارب!
جلس يوسف جواره هو الآخر وأحاط كتفه يشد عليه:
_ هتخرج وهتبقى زي الفل.. أنا شوية وهدخل أطمن على الأمور بنفسي متقلقش.
اتجه سيف للأريكة المقابلة إليهم فجلس يعبث بهاتفه في محاولة للوصول لأيوب بعد أن هاتفه للمرة الثامنة، فتهللت أساريره حينما أجابه تلك المرة فسأله بلهفة:
_ أيوب انت فين؟ وليه مبتردش على موبايلك؟
أتاه صوته حزينًا حتى وإن حاول اخفائه:
_ معلش يا سيف كنت بكلم الشيخ مهران وبعدها سبت الموبيل.. أنا كنت لسه هكلمك حالًا عشان أسألك انتوا في أنهي دور؟
سأله باهتمام:
_ انت فين دلوقتي؟
_ قدام البوابة تحت.
_ طيب خليك عندك متتحركش أنا نازلك.
وأغلق سيف هاتفه وأسرع للمصعد يحرر زر هبوطه الطابق السفلي قاصدًا البوابة الخارجية، جاب الطريق ببصره فأهتدت مقلتيه على صديقه المستند بجسده على العمود الحجري المجاور للبوابة، فاتجه إليه يناديه بلهفة:
_ أيوب.
استقام الأخير بوقفته ليقابله بابتسامة صنعها بحرفية لتخدعه ولكن صوته كان كفيل بعكس كل ما يمر به، فكان أول سؤال منه:
_ مالك؟
تلاشت ابتسامته وتنهد بضيق وهو يستدير للخارج، لحق به سيف ووقف بالجانب الأخير مستطردًا:
_ الشيخ مهران قالك ايه مزعلك كده؟ متقوليش إنه عرف بموضوع جوازك من آديرا!
هز رأسه نافيًا وقد امتقع وجهه بحزن مضاعف وهو يصرح له:
_ أبويا حزنه بيزيد يوم بعد يوم يا سيف، ولحد النهاردة مش قادر يعرف مكانه ولا حد عارف يوصله.. مش هاين عليه إنه يفرط في أمانة أخوه بالشكل ده!
رفع يده يربت بها على ظهره المنحني، وقد وصل إليه سبب حزنه، فقال:
_ لسه بردو مش عارفين مكانه؟
أكد له بإيماءة رأسه وقال بصوت احتقن بالدموع:
_ ٥ سنين يا سيف! خمس سنين بندور في كل الأقسام ومش لاقيينله أثر.. والله العظيم مظلوم.. يونس ابن عمي مستحيل يكون منهم يا سيف!
تهاوت دمعة عن فيروزته رغمًا عن كبريائه، فاحاطه سيف بين ضلوعه وهتف إليه:
_ بس عشان خاطري.. أنا مش بستحمل أشوفك زعلان تقوم توريني نفسك وانت كده يا أيوب!
شكى له ذاك الظلم المستبد الذي تعرض له ابن عمه:
_ ذنبه ايه يتأخد بالطريقة دي من شقته وقدام مراته! ده معداش على جوازهم غير أسبوعين يا سيف! وكل اللي مسكوه عليه شوية أوراق ادتله في المحل بتاعه ومن يومها ولحد النهاردة محدش عارفله طريق! أنا مش عارف أساسًا إذا كان عايش ولا لأ.....
واستطرد بلوعة:
_ وحشني أوي.. عمري ما كان ليا أخ بس كنت معاه بحس إنه أخويا الكبير، كنت برتاح أوي لما بسمعه بيرفع الآذان لو الشيخ مهران كان تعبان، أقسم بالله إن يونس مستحيل يكون تبعهم وإن اللي حصل ده كان مقصود من الكلب ده.
أدمعت عينيه تأثرًا به، فزاد من احتضانه ومازحه قائلًا:
_ خلاص يا أيوب... يا أخي قدر موقفي هغير عليك أنا من عمران ولا من سي يونس ده كمان!!
تمردت ضحكة صاخبة منه، فلكزه سيف بمزح:
_ اضحك اضحك ما انتي خطابك كتير يا شابة!
ارتفعت صوت ضحكاته مجددًا وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا بقلة حيلة، تطلع سيف للرصيف البعيد عنهما وردد بدهشة:
_ مش ده آدهم!
استداروا معًا للسيارة التي تقترب منهما، فانخفض زجاج النافذة وأشار لهما آدهم بأن ينتظروه لحين أن يصف سيارته بجراج المشفى ويعود إليهما.
غامت أعين سيف بشرود فناداه أيوب باستغراب:
_ روحت فين يا ابني!
وبسخرية استطرد:
_ ايه غيران عليا من آدهم هو كمان؟!
قابله بنظرة جادة للغاية وقال وهو يمسك يده كمن وجد المنقذ لعائقته:
_ آدهم يا أيوب.
رمش بعدم استيعاب وقال:
_ ماله آدهم؟
أوضح له بابتسامة واسعة:
_ آدهم الاسم الحركي لعمر الرشيدي ظابط في المخابرات.
لوى شفتيه ساخطًا، وكأنه يخبره بما لا يعلمه، فاستكمل سيف:
_ يا ابني افهمني، ابن عمك اتاخد من الأمن الوطني وانتوا بقالكم خمس سنين بتدوروا عليه ومش عارفين توصلوا لحاجة، آدهم أو عمر الرشيدي يقدر بمنتهى السهولة يعرف طريقه!
أهداه لنظريته فتعلقت نظرات أيوب بآدهم الذي يقترب منهما على بعد مسافة منهما، فاستدار لسيف يحذره بصوت منخفض:
_ لا يا سيف أوعى تقوله حاجة... كفايا مشكلة آديرا اللي الكل بقى فيها معايا وأولهم آدهم اللي اداني شقته وواقف جنبي لحد دلوقتي.. متقولوش حاجة من فضلك.
هز رأسه بتفهم:
_ زي ما تحب.
وقف أيوب جوار سيف ينتظرونه حتى قطع المسافة الطويلة ووصل إليهما، قائلًا ببسمته الجذابة:
_ مساء الخير يا رجالة.
أجابه سيف بابتسامة صغيرة:
_ مساء الفل يا عريس... مبروك مقدمًا.
اتسعت ابتسامته وهو يجيبه:
_ الله يبارك فيك يا دكتور عقبالك.
رفع يديه يردد بمرح:
_ اسمع منه بأقرب وقت يا رب قبل ما يوسف أخويا يفضحني في انجلترا كلها بدور الخاطبة اللي عايشيلي فيه ده.
ضحك آدهم وشاركه سيف الضحك بينما ظل أيوب مكفهر الملامح لا يرى أمامه سوى حديث سيف، يشعر بالقلق حيال ذلك الأمر، يعز عليه أن يكون مفتاح خلاص ابن عمه بيده ويعجز عن تقديمه إليه، ولكنه لم يعتاد على أن يكون جشعًا بطلباته أو أن يستغل صداقاته لتحقيق ما يريد.
تفحصه آدهم بنظرات غامضة، وقد أتت فرصته على طبق من ذهب حينما دق هاتف سيف ولم يكن سوى يوسف يطالبه بالذهاب لأحد المطاعم وإحضار بعض الشطائر والعصائر لإن الجراحة ستستغرق العديد من الساعات، فوضع الهاتف بجيب بنطاله الجينز وقال بتهكم:
_ لو عايزين تطلعوا اطلعوا أنا نص ساعة وراجع.
ألقى له آدهم مفاتيح سيارته وقال:
_ خد عربيتي عشان ترجع بسرعة... احنا هنستناك هنا.
ابتسم له بامتنان واتجه لجراج المشفى يعتلي سيارة آدهم الذي ابتاعها منذ ساعات قليلة عوضًا عن سيارته القديمة التي لا تصلح سوى للبيع خردة.
أشار آدهم بيده لإحدى الاستراحات قائلًا:
_ تعالى نقعد هناك عقبال ما يجي.
أومأ برأسه ولحق به، فجلس جواره صامتًا، شاردًا، والابتسامة الغامضة مازالت تزين فم آدهم إلى أن كسر حاجز صمتهما قائلًا:
_ قولي بقى ايه اللي سيف عايزاني أعرفه وانت رفضت تقولهولي؟
جحظت أعين أيوب بصدمة، فاستدار إليه يمنحه نظرة مندهشة، إن تركه آدهم لدقيقة لظن بأن سيف قد هاتفه وأخبره ولكنه لم يتركهما معًا فكيف علم بذلك.
على الأرجح بأنه قرأ ما يدور بعينيه فابتسم قائلًا:
_ سيف مقاليش حاجة، أنا اللي قريت حركة شفايفكم وأنا بقرب منكم.. وبصراحة فضولي جاني لما قريت اسمي اللي اتردد بينكم.
ودفع كتفه برفق وهو يسأله باهتمام:
_ ها هتقولي؟
أخفض عينيه أرضًا بحرج، والأخير يترجم كل حركة ولو صغيرة تصدر عنه، فصاح بعصبية بالغة:
_ جرى ايه يا أيوب انت ليه محسسني إننا أول مرة نعرف بعض!! أنا قولتلك ألف مرة انت زي أخويا الصغير لما تحتاج حاجة تقولي عليها على طول مش قاعد قدامي عامل شبه العيل الصغير اللي عملها على نفسه في أول يوم دراسي!!
تطلع له أيوب بدهشة من تغيره المفاجئ، على ما يبدو بأن عمران الغرباوي ليس الوحيد بينهم الذي يحمل أعصابه على ريشة.
التقط آدهم نفسًا مطولًا وأطلقه هاتفًا برجاء:
_ اتكلم بقى ومتعصبنيش أكتر من كده.
أجلى صوته بخشونة:
_ ابن عمي مقبوض عليه من خمس سنين ومش عارفين ليه طريق، ولا عارفين هو عايش ولا ميت!
سأله باستفهام:
_ ات قبض عليه في ايه؟
قابله بجلسته يخبره بحزن عميق انتقل لآدهم تلقائيًا:
_ بص يا آدهم والله العظيم أنا مبكدبش عليك، ابن عمي ده ميتخيرش عني في شيء، شاب محترم ومتدين وفي حاله، اللي حصل ده أصلًا متلفقاله عشان يبعد عن مراته ويطلقها وده اللي حصل فعلًا مراته من تاني شهر حبس ليه رفعت عليه قضية خلع وكسبتها واتجوزت الخاين اللي حبسه.
حديثه كان مشتتًا وجعل الأخير غير ملم بالأحداث، فسأله بهدوء:
_ تقصد إن اللي اتجوزته ده هو اللي اتسبب في سجن ابن عمك؟
هز رأسه يؤكد له ذلك، وقال باستفاضة:
_ بص الموضوع ده قديم أوي، خديجة ساكنة عندنا في العمارة اللي ورثها أبويا الشيخ مهران وعمي محمد الله يرحمه، فكانت شقتها في الدور الرابع بعد شقة يونس ابن عمي، الاتنين حبوا بعض من صغرهم وأبويا اتقدم بشكل رسمي لوالدتها عشان الكلام ميكترش في الحارة واحنا ناس متدينة، وقتها الست فوزية والدة خديجة اتكلمت مع عيلة جوزها على يونس وواحد من أعمامها اعترض، كان عايز يجوز خديجة لابنه عشان يضمن إن الأراضي الزراعية اللي ورثتها خديجة عن أبوها متروحش بعيد.. عمل المستحيل هو وابنه عشان يوقف الجوازة دي بس معرفش.
وتابع بحزن:
_ كنا فاكرين إن بعد ما كتبوا الكتاب وفرحهم اتعمل إنهم هيتهدوا وهيسبوهم في حالهم، بس اللي حصل إن معتز ابن عمها وابوه حطوله في المحل بتاعه منشورات وأوراق تودي في داهية، وبلغوا عنه وآ...
هز آدهم رأسه واسترسل هو:
_ اتهموه بأنه من الجماعة إياهم واللي زاد في الأمر أمر هو تدينه مش صح كده؟
حرك رأسه موافقًا لحديثه وقد تشكل الحزن على معالمه بتأثر، وقال:
_ أبويا حزين وعاجز، بقاله خمس سنين بيروح من قسم لقسم وبيحاول يجيب أي واسطة، وبعد كل ده ميأسش مرة، عمي الله يرحمه كان عنده كانسر وقبل ما روحه تطلع للي خلقها وصى أبويا على ابنه الوحيد، وده أكتر شيء وجع أبويا حتى لو بيحاول يبنيلي في التليفون إنه كويس بس أنا حاسس بيه وعارف هو حاسس بأيه بالوقت ده.
ابتسامة صغيرة شقت طريقها على ثغره، وقال بصوته الرخيم:
_ انت ووالدك عندكم استعداد تخسروا نفسكم قدام وعد وعدوته.. كنت مستغرب انت ازاي قابل تعرض نفسك لكل المخاطر دي عشان بنت عبرانية بس دلوقتي عرفت إنك اتربيت على ايد انسان عظيم بيحترم الوعود وبيسعى ليها.
وربت على ساقه وهو يستطرد:
_ اطمن يا أيوب.. أنا نازل مصر الأسبوع اللي جاي أوعدك إني مش بس هوصل ليونس ابن عمك أنا هفتح قضيته من تاني وأنا بنفسي اللي هحقق فيها أنا وفريقي وهقدر بإذن الله أثبت برائته.
دنا منه متلهفًا:
_ بجد يا آدهم؟
ابتسم وهو يردد بثقة:
_ سيب الموضوع ده عليا واطمن مش هخذلك أبدًا.. وإذا كان معتز ده اللي ورا الموضوع فأنا هوديه ورا الشمس هو واللي وراه.. كله هيتحاسب وبالقانون!!
اضطرت أسفًا للعودة لجناحها لتحضير ثيابها وأغراضها الشخصية بالحقيبة، وقفت فريدة مترددة على باب الجناح، حرمت على ذاتها الدخول إلى هنا بعد أن كشف لها أحمد حقيقة زوجها الشيطاني، والآن تعود إليه اجباريًا.
مرت باب الغرفة وولجت للداخل تحارب كل ذكرى مقززة تندفع إليها، تزاحم عقلها بتلك اللحظة حينما سُلطت عينيها على فراشها، فرأته ينهض عنها وهو يصيح بجمود:
«مش عارف أمته هتحسي بيا يا فريدة، انتي أيه لوح تلج!!!»
جملة أخرى لا تغيب عن ذكراها:
«أنا بحاول أعمل كل شيء يرضيكِ ويسعدك بس الظاهر إنك عمرك ما حبتيني يا فريدة!..»
«عشان خاطري حسسيني إنك بتحبيني وعايزاني ولو لمرة واحدة يا فريدة، أنا لما بكون معاكي بكره نفسي لما بحسك بتنفري مني ومش طايقاني حتى لو لسانك منطقهاش كل حتة فيكِ بتقولها!!.»
الآن ترى انعكاس لصورتها، دموعها تحتضن وسادتها ويدها تضم الغطاء لجسدها المهتز من فرط احتباس البكاء، قلبها يتمزق ومازال يستغيث بمحبوبها، مذاق ذلك الألم قاتل لدرجة جعلتها لا تريد أن تتذكره، فركضت بعيدًا عن موضع تلك الذاكرة التي لا تحتوي معشوقها معها.
صعدت للطابق العلوي قاصدة غرفته، فتحتها وهي تناديه بهلع، وكأن أحدًا يحجز ندائها عنه ليفرقهما من جديد:
_ أحمـــــــد!
لم تجده بفراشه مثلما تركته، فكاد أن يجن جنونها، عادت تصرخ مجددًا:
_ أحمــــــــــــــــــد!
ارتعب لسماع صوتها الباكي يناديه، فأغلق مياه الدُش ولف من حوله المنشفة الكبيرة، خرج يهرول للخارج، فوجدها تناديه وهي ترتجف دون توقف، أسرع إليها يحاوط كتفيها باستغراب:
_ فريدة!
التقطت أنفاسها على مهل حينما رأته أمامها، وراحت تردد بتشتت:
_ شوفته تحت يا أحمد.. كان بيلومني بمنتهى البجاحة، أنا كنت فاكرة إني هواجهه بمنتهى القوة بس محصلش يا أحمد.. خوفت يفرقني عنك تاني.. الوجع صعب ومستحيل هقدر أتحمله تاني.. والله قلبي مش هيقدر يعيش الألم ده مرة تانية، لو اتفرض عليا أعيشه هقتل نفسي!
انصدم من حالتها الغريبة، كانت تغفو جواره منذ قليل ونهضت تخبره بأنها ستغتسل وستجهز حقيبتها الخاصة، تفاجئ بحالتها الغريبة تلك لمجرد دخولها للجناح!
حمد الله بأنهم سيغادرون هذا المنزل، فرؤيتها هكذا سيزيد فوق وجعه وجعًا لا يطاق، أفاق من شروده على توسلها المؤلم:
_ متبعدش عني تاني يا أحمد.. أرجوك متتخلاش عني!
ضمها إليه وهو يهدهدها كالطفلة الصغيرة، وردد بحب:
_ مالك بس يا حبيبتي؟ أيه جاب سيرة الفراق! بذمتك ينفع نتكلم عنه واحنا حاليًا بنأسس لحياتنا في مملكتنا الجديدة؟
ومرر يده على خصلات شعرها القصير وهو يخبرها:
_ صدقيني لو أعرف إنك هتكوني بالحالة دي لمجرد دخولك الجناح مكنتش سبتك تدخليه من غيري.
وأبعدها وهو يخبرها بابتسامة جذابة:
_ استنيني هنا هلبس هدومي وننزل مع بعض.
وبمرح قال:
_ ونشوف بقى شبح الأخ سالم ده هيطلعلك ازاي وحبيبك موجود ومعاه تعويذة العشق اللي هتحرق أعتى العفاريت والأشباح حتى لو كان مارد!!
رحل عنها الاستياء وتمردت ابتسامة واسعة جعلته يبتسم بحب، فانسحب يبدل ثيابه واتجه بها للأسفل يعاونها على حزم أمتعتها!
جلست على الفراش تراقب ما بيدها بوجه اصبغ بحمرة الخجل، لا تعلم كيف فعلتها؟ فبعد أن انتهت من العمل صعدت برفقة مايسان بسيارتها، وتفاجئت لها تذهب لأحد محلات الملابس للسيدات، فاشترت لها قميصًا أبيض من الستان وصممت أن تقدمه لفاطمة التي رفضت وبشدة، ومع إصرارها أخذته منها ووقفت تراقبها وهي تشتري لنفسها من نفس المكان.
وضعته فاطمة لجوارها وهي تخبئ وجهها خلف يدها باحراج، كيف ستفعل ذلك وهي لا تعلم كيف ستستقبل حالتها النفسية ما قد تخوضه برفقة "علي"؟ تخشى أن يزداد الأمر سوءًا فهي لا تحتمل أن تخوض حالة نفسية تزيد ما تواجهه، حتى وإن كانت على علم بأنه الوحيد القادر على التعامل مع حالتها.
تمكن منها الحزن والضيق فبداخلها يرغب أن يمنح علي حياة زوجية طبيعية مثل باقي الأزواج ورغمًا عنها تخشى خوض تلك التجربة التي قد تزيد من قسوة ما تحمله من ذكريات.
استدارت تجاه الفراش بعد أن اتخذت قرارها، فجذبت القميص واتجهت لحمام غرفتها تغتسل وقد عزمت أمرها بارتدائه!
"الساعات تمضي ومازال الشباب بأكملهم متراصون أمام غرفة الجراحة تاركين "صبا" تستريح بغرفة والدة جمال لحين خروجها، ومازال عمران ويوسف يلتصقون به على نفس الأريكة في محاولة لتخفيف حدة الأمور عنه، حتى أن يوسف أرغمه بتناول الطعام الذي أحضره سيف.
وعلى الأريكة الحديدية المقابلة لهم جلس علي ولجواره آدهم، والأريكة المجاورة لهما حملت سيف وأيوب..
مرت عليهم ثلاثون دقيقة أخرى حتى خرج الأطباء تباعًا يبشرونهم بنجاح الجراحة الحرجة، وأن الممرضات بالداخل يهيئونها للخروج لغرفتها، أدمعت عين جمال فرحًا وأسرع يستقبل سرير والدته المتحرك بصدر رحب ولجواره علي الذي أشار له بضرورة التمهل بحركتها.
حمل عمران ويوسف طرف الغطاء وعلي وجمال فحملوها معًا لفراشها، وأسرعت صبا بتعديل ملابسها طابعه قبلة على جبينها ويدها، فهي لم تعاملها إلا كابنة وقد بادلتها الأخرى بأسمى معاملة الابنة للأم!
امتلأت الغرفة بالأطباء يعيدون توصيل الأجهزة إليها، ورفضوا وجود أحد بالغرفة لحين استقرار وضعها، فبقي جمال برفقتها وطلب منهم جميعًا بالانصراف فالوقت بات متأخرًا، وأمام إصراره رضخ الجميع.
اجتمعوا أمام بوابة المشفى يستعدون للرحيل، فمال يوسف على أذن آدهم يهمس له:
_ حاول تبعد عمران وتلهيه شوية، محتاج أتكلم مع أيوب عن حالة آديرا ولو سمعني هيبهدلني أنا وهو.
ترددت عنه ضحكة رجولية مرحة، واكتفى بهزة رأسه، اتجه إليه يلف ذراعه حول كتفه يخبره بملامح جادة:
_ عايزك يا عمران.
اتبعته عمران ليميل على طرف الطريق في مقابلة الشباب بينما سحب يوسف أيوب جانبًا يسأله:
_ طمني الجرح عامل ايه؟
زوى حاجبيه باستغراب:
_ جرح ايه!! آآه لو تقصد جرح آديرا فأنا معرفش مشوفتهاش غير امبارح وأنا بوصلها لأوضتها.
ازدادت دهشة يوسف، فتجعد جبينه وصاح به:
_ أيوب انت بتهزر مش كده!!
وجذبه إليه يعاتبه بصدمة:
_ أوعى تكون بتنفذ كلام عمران وبتتجنبها وهي بالحالة دي! يا ابني جرح بطنها خطير وكتفها متصاب لازم تاخد أدويتها في مواعيدها، انت عايز تموتها جوه بيتك وتجيب لنفسك المشاكل!
شعر بتأنيب الضمير، لم يكن يومًا من هؤلاء القاسية قلوبهم حتى يفعل ذلك بها، هو الوحيد الذي يحمل ذاك السر الخفي الذي تركه له صديقه الراحل، هو الوحيد الذي يعلم جنسية آديرا وقصتها المجهولة عن الجميع حتى عن عمها، فلا يملك حق القسوة على تلك الفتاة بأي شكل من الأشكال، يعلم بأنه سيعاني ليجعلها تفق على حقيقتها ولكنه لطالما كان صبورًا معطيًا.
ترى ماذا فعلت طيلة اليوم وهي بمفردها، إصابة بطنها وكتفها ستعجزها عن الحركة بالتأكيد فهل تمكنت من تناول طعامها وأدويتها؟
تركه أيوب وهرول لأول سيارة أجرة، أوقفها وصعد بها أمام أعين يوسف الحانقة، وسيف الذي استمع الحوار المتبادل بينه وبين أخيه.
حاور آدهم عمران بعدة أحاديث وعينيه تتابع يوسف كالصقر، وحينما اهتدت لرمادية عمران وجده يمنحه نظرة ساخرة أنهاها بقوله الجريء:
_ مالوش لازمة تعمل الحوار الفاكس ده عشان تطرقني، ما أنا عارف إن يوسف هيعمل تحقيقه الطبي مع أيوب فميستهبلش بروح أمه على المسا!!
ضحك آدهم وردد مازحًا:
_ طيب أيه اللي مضايقك بالضبط إنه قدر يقوله الكلمتين ولا إنك وقفت معايا الكام دقيقة دول!
ابتسم وهو يغمز له بمشاكسة:
_ أنا أقف معاك من غير أي حاجة يا باشا.
تلاشت ابتسامة آدهم بشكل مقبض حينما وجد انعكاس ضوء أحمر يحيط بكتف عمران، فعلى الفور سحبه للأسفل وهو يصرخ بفزع:
_ حاسب يا عمران!!!
انطلقت الطلقة النارية مستهدفة قلب غريمه، على آخر لحظة انتشلها بها آدهم لتلتصق الطلقة النارية بسيارة عمران مسببة انهيار لزجاج النافذة.
صعق الشباب الثلاث وكان أولهم بالاستيعاب علي الذي هرول تجاه أخيه صارخًا بهلع:
_ عُمــــــــــرااان!
ومن خلفه ركض سيف ويوسف يحيطان بمن يجلس أرضًا جوار آدهم الذي يحاول الوصول لذاك المسلح فصاح إليهم محذرًا:
_ محدش يقرب.. ابعدوا.
وجذبهم جانبًا حتى اكتشف أمره فترك المسلح محله ولاذ بالفرار، انتصبوا جميعًا بوقفتهم فأسرع علي لأخيه يسأله بلهفة:
_ حصلك حاجة؟ وريني.
بحث بجسده والاخير يتمسك به بشفقة:
_ علي أنا كويس متخافش الرصاصة مصابتنيش آدهم شدني.
ضمه علي إليه بكل قوته بينما صاح يوسف بصدمة:
_ مين ده وعايز يقتلك ليه يا عمران؟!
هز كتفيه بإهمال، فسأله آدهم بتخمين:
_ انت ليك عداوة مع حد.
أجابه وهو ينظم أنفاسه المتوترة:
_ أنا رجل أعمال يا آدهم، رصيدي في البنوك بيزيد مع الوقت وشغلي بيزيد بشكل يخليني عندي أعداء بعدد شعر رأسي، بس الجدير بالذكر إننا كلنا بنتنافس بشرف في السوق، اللي يقدر يقدم جودة وسعر أفضل فمسبقش إني اتعرضت ولا مرة لمحاولة قتل.
تساءل سيف بدهشة:
_ لو مش حد من شغلك أمال مين؟!
أجابه وهو يزيح جاكيته وجرفته باختناق:
_ أكيد الكلب اللي بيهدد زينب.
واتجه برأسه لأخيه يهتف:
_ بعد رسالة امبارح اللي وصلتله وده كان رده.
ردد آدهم بحيطة:
_ مهما كان اللي بينكم مدام لجأ للسلاح يبقى الشخص ده مش عادي ولازم تحذر منه يا عمران، عملها مرة مش هيتردد يعملها مرة تانية خد بالك.
ارتاب سيف لأمره الغامض، فقال بقلق:
_ اذا كان ده رده عليك يا عمران هيكون رده أيه على زينب! الشخص ده مجرم خطير يا علي لازم تخلوا بالكم.
استند على جسد السيارة وردد بتمعن:
_ احنا استهونا بيه ولازم نرتبهاله صح!
وصل أيوب لشقة آدهم بوقت قصير، هرول للداخل قاصدًا غرفتها، طرق على بابها وهو يناديها بقلق زرعه يوسف داخله:
_ آديرا!
لم يأتيه ردها فعاد يكرر ندائه مضيفًا:
_ آديرا.. هل أنتِ على ما يرام؟
وحينما لم يأتيه أي رد قال:
_ سأدخل للغرفة الآن.
وبالفعل حرر مقبض الباب وولج للداخل يبحث عنها، فصعق حينما وجدها ملقاة أرضًا جوار الفراش فاقدة للوعي، وبقع الدماء تحيط بطنها وكتفها..
أسرع إليها ينحني ويرفع جسدها إليه وهو يحركها بصدمة:
_ آديرا ما بكِ؟
فتحت جفونها الثقيلة ببطء فتمكن من رؤية التورم المحيط بهما من أثر البكاء، وبصوتها المبحوح همست:
_ أيها الإرهابي هل تنتوي قتلي؟
وانهمرت دموعها تلك المرة وهي تخبره بلوم:
_ تركتني دون طعام أو ماء أتناوله به دوائي وأنا عاجزة عن النهوض للبحث بالخارج، إن كنت تنفر مني لهذا الحد لما لم تتركني ألقى حتفي أمام باب منزل صديقك!
وأغلقت عينيها تستسلم للظلام مجددًا وهي تستكمل بعتابها:
_ حتى الهاتف لم تتركه لي فكيف سأصل لك ولست أملكه!
وعادت تهسهس بكلمة أخيرة أضحكته رغمًا عنه:
_ أيها الإرهابي أرجو منك أن لا تخبر صديقك المتوحش بأنني نعتك بها وإلا سينحر عنقي المسكين!
ساندها أيوب للفراش وجذب هاتفه يرسل برسالة ليوسف ببقع الدماء المحيطة لكتفها وجرح بطنها فأرسل له رسالة قصيرة:
«غيرلها على الجروح وعقهما بسرعة قبل ما تلتهب ومتنساش الأدويـة مهمة جدًا لأن فيها مسكنات شديدة»
برق بفيروزته بصدمة مما طُلب منه، فخرج للمرحاض يبحث به عن عدة الإسعافات الأولية، حملها وعاد لغرفتها.
وقف أيوب قبالة فراشها يوزع نظراته بين العلبة التي يحملها وبين بقع الدماء المحيطة بأماكن جروحها، فجلس على الفراش يردد بارتباك:
_ هعملها ازاي دي بس!! ده عمران لو شم خبر مش بعيد يلفني في علبة هدايا ويبعتني مصر للشيخ مهران باعتراف بخط ايدي!!
وعاد يتطلع لها وهي غائبة الوعي، فزفر هاتفًا بحنق:
_ وبعدين بقا هعمل أيه؟!
رواية صرخات انثى الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ايه محمد رفعت
أزاح عنها كنزتها برفقٍ، ويدها تتشبث بكتفيه تكبت صرخاتها، دموعها تنهمر دون توقف، فهمس لها بصوته الحنون:
_ تحملي قليلًا.. سأنتهي سريعًا أعدك بأن ذلك لن يؤلمك.
هزت "آديرا" رأسها إليه، ما تجهله هي بأنها أصبحت تكن له ثقة لم تضعها يومًا بعمها المخيف هذا، حمل "أيوب" القطنة البيضاء وغمسها بالمطهر ومن ثم مررها على جرحها برفقٍ، غمست أظافرها بكتفه وهي تصرخ ألمًا.
أغلق فيروزته يحتمل إلتحام أظافرها الحادة بلحم كتفه مسببة له إصابة دامية، وكأنه تود أن يشاركها ألمها، احتمل واستكمل ما يفعله حتى عقم جرح كتفها الأيسر وفور أن انتهى وضع اللاصق الطبي ليضمن نظافة الجروح وعدم تلوثها.
جذب "أيوب" كنزتها الملقاة أرضًا ثم عاونها على ارتدائها مرة أخرى، وحملها للفراش لتحصل على راحة أكبر من بقائها على هذا المقعد، استدار ليغادر المطبخ فاعتدلت "آديرا" سريعًا حينما لاحظت بقع الدماء الخافتة المحيطة بكتف أيوب من الخلف، ما أحدثته أظافرها الحادة كان محرجًا لها للغاية، فنادته على استحياءٍ:
_ أيوب.
توقف عن استكمال طريقه واستدار لها فقالت بحزنٍ:
_ آسفة لم أقصد أن أؤلمك.
خطف نظرة سريعة لكتفه ثم قال وعينيه تتحاشى التطلع لها:
_ لا عليكِ.. أنا بخير.
وترك الغرفة وإتجه للمطبخ يعد لها عشاءًا سريعًا، فجذب الشطائر ومرر عليها بالسكين الجُبن وصنع لها كوبًا من الحليب ومن ثم عاد إليها يضع الصينية على الكومود ومن جوارها الأدوية والمياه قائلًا:
_ تناولي طعامك ولا تنسي الدواء.
جذبت الصينية إليها تلتهم ما بها بنهمٍ جعله يشعر بتأنيب الضمير، غادر أيوب غرفته وإتجه لحمامه الخاص يغتسل ومن ثم فرض سجادته وأدى صلاته بخشوعٍ تام، وحينما انهاها جلس أرضًا منهمكًا، وكل ما يجوب خاطره أخر كلمات تركها له صديقه، السر الذي وضعه بين صدره وتركه ورحل بمنتهى البساطة!
زحف بجسده حتى وصل لخزانة صغيرة موضوعة بالغرفة، جذب منها حقيبته التي يرتديها على ظهره حينما يذهب للجامعة، فتحها أيوب وأخرج منها ذاك الدفتر المدفون بكتاب صديقه الخاص وأخر ما يتردد له سماع صوته ووصيته:
«أيوب حينما تشعر بأن آديرا قادرة على تقبل الحقيقة التي أخبرتك بها فسلمها ذلك الدفتر، وحينها سيكون أمامها خياران، أما أن تظل مستعمرة من قبل ذلك النَّجِسُ، وأما أن تسلك الطريق الذي سلكته أنا لألحق بمن ضحت بكل شيء لأجلي ولأجلها!.»
تشنجت يده على ما يحمله حينما فُتح الباب من أمامه وطلت آديرا منه، فدث أيوب الدفتر العتيق داخل الكتاب الخاص بصديقه وأعاده للحقيبة، بينما وضعت آديرا الصينية المتبقية بالطعام جانبًا وخطت إليه بخطواتٍ متهدجة تحتمل بها آلآم جسدها هاتفة بصوتٍ باكي:
_ الكتاب الذي كنت تحمله يخص أخي! لطالما رأيته معه... أنا أريده من فضلك!
أعاد أيوب الحقيبة للخزانة وأغلقها مرددًا:
_ ليس الآن.
استندت على الحائط واقتربت منه تتوسل إليه ببكاء:
_ أرجوك أنا أريده.. كان أخي يكتب به باستمرار، لعله ترك لي رسالة أو أي شيء!
استدار إليها يخبرها بهدوءٍ:
_ سأعيده لكِ بالوقت المناسب.. أعدك.
استسلمت أمام اصراره وهي تعلم بأنه لن يفعل الا ما يريد، فاستدارت لتغادر فإذا بها تحيط بالفراش بتعبٍ، دفعه ليمسك يدها، وعاتبها بضيق:
_ ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟
رفعت رأسها إليه وهي ترى النفور والرفض بملامسته لها باديًا بعينيه، رجفة يده التي تساندها كلما اقترب كانت تؤلمها، وأكثر ما يوجعها بأنها كانت تشعر بأنه مجبورًا على مساعدتها.
انهمرت دموعها تباعًا وسحبت كفها عن يده وهي تستند على الحائط قائلة:
_ رأيتك تدخل الغرفة دون أن تتناول طعامك فجيئتك ببعض الشطائر، ولكني سأخرج الآن وأعدك بأنني لن أزعجك أبدًا.
تعلقت بالحائط وتحركت لتعود لغرفتها فكادت بالسقوط لترنح خطاها، حاصر خصرها بذراعه يمنعها من السقوط، وقال:
_ دعيني أساعدك.. تحملك على جرحك سيؤلمك بالتأكيد.
ابعدته مجددًا وحاولت بمفردها وهي تهتف باكية:
_ ابتعد فحسب... أنا مستعدة لتحمل الألم أهون من رؤيتك تنفر مني لتلك الدرجة.
تركته خلفها مشدوهًا، شاردًا بكلماتها وحزنها البادي على ملامح وجهها الأبيض، فأدركها تغادر الآن غرفته وتستند لتصل لغرفتها.
أسرع أيوب للخزانة، يجذب حقيبته مجددًا والتقط منها عُلبة قطيفة من اللون الأزرق، حملها وأسرع خلفها يوقفها:
_ انتظري.
توقفت عن استكمال طريقها دون أن تلتفت إليه، فقال من خلفها:
_ ألا تريدين الاحتفاظ بشيءٍ يُذكرك بأخيكِ؟
استدارت له بلهفةٍ، ورددت بسعادة:
_ نعم بالطبع أريد ذلك.
قدم لها أيوب العُلبة، فاسندت جسدها للحائط ومدت يدها تلتقط العُلبة وتفتحها بتلهفٍ كبير، وجدت داخلها سلسال فضي اللون، ينتهي بزخرفة على شكل كلمة فشلت بالتعرف عليها، رفعتها إليها تلامس الكلمة باستغراب زوى تجاعيد جبينها وأيوب يتابعها باهتمامٍ، فتقابلت عينيها به وسألته بحيرة:
_ بأي لغة كتبت تلك الكلمة؟
ابتسم وهو يجيبها:
_ العربية.
رمشت بأهدابها الطويلة بدهشةٍ، فلماذا يترك لها أخيها كلمة عربية هل هي سرية ليجعلها مشفرة صعبة الفهم عليها، فماذا يقصد بكل ذلك؟
اهتدت برأسها لجنسية أيوب العربية، وسألته بنبرة رقيقة:
_ هل تعرف تلك الكلمة؟
هز رأسه ببطءٍ، فقالت:
_ أخبرني بها.
تمعن بالسلسال لثانيةٍ ثم قال لها:
_ س... د... ن...
وبعد أن لفظ حروفها بالانجليزية نطقها لها بالعربية:
« سدن ».
رددتها من خلفه بحروفٍ منكسرة، تجاهد لنطقها صحيحًا:
_ سداان... سن... سدن!
ابتسم وهو يراها تحاول جاهدة نطق الاسم الذي تجهل بأنه اسمها الحقيقي، ومع ذلك حافظ على جموده واتزان قامته قبالتها، ليستقبل سؤالها القادم:
_ وما معناه؟
سحب نفسًا مطولًا وهو يخبرها بصدمة ستستقبلها الآن:
_ إسمًا معناه خادمة الكعبة الشريفة.
ضيقت عينيها بعدم فهم لما قال، فاستفاض يخبرها:
_ الكعبة المشرفة هي قبلة المسلمين في صلواتهم، وحولها يطوفون أثناء أداء فريضة الحج، كما أنها أول بيت يوضع في الأرض وفق المُعتقد الإسلامي، ومن مسمياتها أيضاً البيت الحرام، وسميت بذلك لأن الله حرم القتال فيها، ويعتبرها المسلمون أقدس مكان على وجه الأرض، فقد جاء في القرآن الكريم:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ٩٦﴾
صدق الله العظيم.
سرت رعشة مخيفة بجسدها وبدأت معالمها تنكمش بانزعاجٍ، فصاحت بانفعالٍ ظاهري:
_ ولماذا قد يترك لي أخي شيئًا كذلك!!
ادعى برائته الكاذبة ورفع كتفيه بحيرة:
_ لا أعلم.
وبخبثٍ ماكر قال وهو يمد يده لينتشلها منها:
_ إن كنتِ لا تودين الاحتفاظ بها لا بأس سأعديها للحقيبة مجددًا.
أغلقت عليها يدها وكأنه سيتنزع روحها منها، أخر ذكرى تركها أخيها تعني لها الكثير ولن يستطيع أن يأخذه منها:
_ لا.. سأحتفظ بها.
ووضعتها حول رقبتها أمامه فابتسم أيوب وتنهد براحةٍ، وحينما وجدها تستدير إليه رسم الثبات والهدوء فقالت:
_ لعله كتب شيئًا بمذكراته يخص السلسال، فلتقدمه لي لأرى!
ابتسم على مكرها ومحاولتها لاستمالته لطلبها المتكرر، فقال بحزمٍ تحرر بخشونة صوته:
_ انتهينا آديرا.. أخبرتك بأنك ستحصلين عليها بالوقت المناسب.. والآن غادري لفراشك واستريحي.
وتركها وغادر لغرفته يغلقها من خلفه ويتجه لفراشه يجذب كيسًا من البسكويت يتناوله ليسد جوعه، متجاهلًا طعامها الموضوع لجواره، يموت جوعًا ولا يمس طعامًا لمسته يدها، نعم يفعل ما يضطر لفعله ولكن إن تركت طريقها هذا ربما حينها سيتبدد داخله ظاهرة الاشمئزاز التي تنتابه دون ارادة منه!
_________
طرق باب الغرفة قبل أن يطل بوجهه من خلفه متسائلًا ببسمة جذابة:
_ حبيبة قلب أخوها صاحية ولا نايمة؟
اعتدلت شمس بفراشها وهي تخبره ببسمتها الساحرة:
_ صاحية يا دكتور.. اتفضل.
ولج علي للداخل يستند على خزانتها الوردية وهو يمنحها نظرة حنونة، تتشبع من معالمها وكأنها ستفارقه غدًا.
وضعت شمس حاسوبها وكتبها على الكومود واعتدلت بجلستها تتساءل بدهشة:
_ في حاجة يا علي؟
ربع يديه أمام صدره الصلب وأجابها:
_ بحاول أشبع منك.. مهو انتِ هتفارقيني مرتين مرة بعد كتب كتابك ومرة تانية بعد فرحك.. بالمناسبة أنا اديت لآدهم جواز سفرك علشان يحجز تذاكر السفر للقاهرة الاسبوع اللي جاي، أنا كمان نازل بعدكم بيومين فربنا يصبرني بقى لحد ما أجيلك.. ورجوعنا هيكون مع بعض لحد ما تمتحني وننزل كلنا عشان الفرح.
ابتسامة مشرقة اتسعت على ثغرها وهي تتخيل مرورها بكل تلك الاحداث مع حبيبها الذي احتل كل ذرة داخلها، وتمكن أخيها من رؤية حبه الذي فاق حد النخاع، فتنحنح ليجعلها تنتبه إليه، فقال:
_ نامي بدري علشان آدهم هيجي ياخدك الصبح يجيبلك فستان كتب الكتاب.
وقبل أن تتفوه بحرف رفع يديه باستسلام:
_ قلتله إن مفيش داعي بس هو اللي مُصر.. هيكون عندك على عشرة الصبح.
واقترب إليها ينحني طابعًا قبلة عميقة على جبينها قائلًا:
_ ربنا يفرحك باللي اختاره قلبك يا روح قلبي... متسهريش كتير نامي وارتاحي.
وتركها وأغلق بابها وهو يهتف:
_ تصبحي على خير.
غادر علي وتمددت هي على الفراش تحتضن ذاتها بفرحةٍ، ومن ثم نهضت ترفع جسدها وتقفز على الفراش مرددة بحماسٍ:
_ هشوفه بكره!!
_________
انتظرته كثيرًا وقد تأخر الوقت، شيئًا ما بداخلها يخبرها بأنه ليس على ما يرام، جذبت "مايا" اسدالها ترتديه واضعة حجابها على شعرها الطويل بإهمالٍ، فصادف أن لحظة خروجها من الغرفة هي ذاتها اللحظة التي وطأت بها قدم "عمران" أخر درجات الدرج، فابتسمت فور أن رأته، أما هو فهاجمه شعورًا غريبًا ما بين الاشتياق إليها والخوف من فكرة خسارتها الأبدية.
ماذا إن لم ينقذه آدهم من مقتبل تلك الرصاصة؟
ماذا إن تمكن منه شبح الموت فقبض روحه وغادر تلك الحياة؟
بالطبع كان سيفتقدها كثيرًا بل أكثر مما يتخيل، أسرع إليها عُمران يقطع تلك المسافة المتبقية بينهما وبحركةٍ واحدة ضمها إليه، يدفن رأسه بخصلاتها المنسدلة من خلفها.
قدميه تتحرك بها للخلف حتى ولج بها لداخل غرفتهما فأغلق بابها من خلفهما، يتجه للفراش بها ومازالت رأسه تميل على كتفيها، رفعت مايا يديها تحتضنه وسألته بقلقٍ:
_ عمران مالك؟
ذراعيه القويتيان يُحاوطانها بشدةٍ، فألتمست حاجته لوجودها بالقرب منه، مسدت على ظهره بحنانٍ، فأحكم من عناقه وهمس في أذنها:
_ متبعديش عني خليكِ جنبي... حُضنك بيريحني يا مايا!
قالها وهو يجذبها لصدره بقوةٍ ومال بها للفراش غير عابئ بحذائه وملابسه، أغلق عمران عينيه باستسلامٍ للنوم فتسللت عنه ونهضت تنزع عنه حذائه، وجذبت الغطاء تداثره بقلقٍ يعتريها تجاهه.
تمددت جواره واستندت برأسها على صدره تردد وعينيها تتأمل ملامح وجهه الرجولية:
_ لأخر يوم في عمري هكون جنبك ومش هسيبك يا عُمران!
_________
دخل غرفته وهو ينزع جاكيته وجرفاته باختناقٍ، خطف نظرة للفراش فوجده مرتبًا، اندهش علي لعدم وجود زوجته فاتجه للحمام يتفحصه وناداها بقلقٍ:
_ فطيمــــة!
فركت أصابعها بارتباكٍ وتمتمت بخفوتٍ وهي تختبئ بالخزانة:
_ أيه اللي خلاني أمشي ورا كلام مايا وألبس اللبس المحرج ده.. أروح فين دلوقتي يا ربي!!
أسرعت للجزء الخاص بملابسها تبحث عن مئزر لترتديه فطرقت على جبهتها بتذكرٍ:
_ أنا لميت هدومي كلها وبعتها مع حاجة فريدة هانم بالعربية أيه الغباء ده!
جابت عينيها خزانة علي فوجدته يحتفظ ببذلة واحدة تركها ليرتديها بالغد وهو يستعد للذهاب للمركز الطبي، جذبت فاطمة جاكيت الحلى وإرتدته سريعًا، في نفس لحظة اقتحامه للخزانة فردد بلهفة:
_ انتي هنا يا فاطيما وأنا آ...
ابتلع باقي كلماته حينما وجدها تقف قبالته بجاكيت تحاول اخفاء قميصها الأبيض الظاهر من خلفه عنه، كونها أردت أن ترتدي ثيابًا تريح نومها وإن كانت مغرية هكذا جعلته سعيدًا.
طال صمته ومازال يتطلع لها، فتنحنح وهو يستعيد صوته الهارب:
_ إنتِ بتعملي أيه عندك؟
توزعت نظراتها لكل مكانٍ بالخزانة الا عينيه، فحك أنفه وهو يخفي ابتسامته لرؤيتها مرتبكة، خجولة أمامه هكذا، رنا إليها "علي" يجذبها بيده لتقترب منه وانحنى ليصل لقامتها الصغيرة، هامسًا بمكرٍ:
_ لابسة جاكت البدالة بتاعتي ليه يا فطيمة؟
لعقت شفتيها بارتباكٍ وقد تلون وجهها كحبات الكريز، فتلعثم قولها:
_ بردانة.
ضيق رماديته بشكٍ، ولكنه أراد أن يمشي بكل خطواتها فقال:
_ أفتحلك الدفاية؟
هزت رأسها تشير بالنفي، فمال عليها يخبرها:
_ رجعتي في قرارك ليه؟ أنا مستهلش إنك تثقي فيا يا فاطمة؟
تعانقت المُقل ببعضها البعض، فسرى إليها رعشة احتلت وجدانها، فأجلت أحبالها الصوتية:
_ أنا بحاول عشانك يا علي.
اتسعت بسمته وجذبها لصدره يهمس بحبٍ:
_ وده كافي بالنسبالي يا روح علي!
تمسكت به وسحبت نفسًا مطولًا من رائحته، كأنها باتت بآدمانه كالمخدر، وقالت على استحياءٍ:
_ ليه ازازة البرفان اللي بتحط منها مبتبقاش بنفس الريحة اللي بشمها أول ما بقربلك!
ضحك مصدرًا صوتًا وقال:
_ لإني مش بحط من نوع واحد يا فاطمة.
وأحاطها بقوةٍ وردد لها بصوتٍ مبحوح تأثرًا بعاطفته:
_ قلتلك كل ما تحبي تشمي البرفيوم بتاعي احضنيني أنا!
رفع ذقنها إليه ليقابل عينيها، وقال بمكرٍ:
_ على فكرة أنا كمان بحب ريحة الشاور بتاعك بس بحاول على قد ما أقدر مبينلكيش عشان متفكرنيش برمي كلام للقرب فتغيريه!
جابهته بنظرة قوية وثبات فجأه:
_ ما أنا عارفة عشان كده بأخد دُوش بيه دايمًا.
رفع حاجبه باستنكارٍ، فتعالت ضحكاتها بانتصارٍ تحققه عليه، لانت تعابير وجهه المشدود وهو يراقب ضحكتها التي زادت من جمالها جمالًا، أصبحت كالفتنة التي تستنزف كل قوة داخله للصمود.
وجدته هائمًا بها فتوقفت عن الضحك وقابلته بنظرةٍ عاشقة، رفع علي يده يحيط خدها وبحبٍ قال:
_ ضحكتك تجنن! ابتسامتك تغوي القديس!
ودنى إليها يستند على جبينها وهو يستطرد بهمسٍ:
_ وأنا بني آدم بيتمنى قربك يا فاطيما.
أغلقت عينيها بقوةٍ حينما سبقها على درب الغرام يطالبها بتتبعه، فحاولت أن تسرع بخطاها لتتمسك بيده، وجدته ينزع عنها جاكيته فتركته وهي تكاد تقتل من فرط الخجل.
حملها علي للفراش، وتمدد جوارها متعمدًا أن يصل عينيه بعينيها، يحاول أن يجعلها ترى نظرات العشق الخامدة داخله، أصابعها تنغمس بين أصابع يدها، عاطفته توازيها فلم يسبقها بخطوةٍ لم تستعد لها بعد!
كان عطوفًا لينًا للغاية، يبرع بقراءة تعابير وجهها باهتمامٍ حتى إذا شعر بأي شيء يبتعد، يخشى أن تنتابها نوبة قاتلة وهي بين ذراعيه يقسم أنه إذا حدث حينها لن يسامح ذاته أبدًا، ولكنه يعلم بأنها مثله تريد أن تجمعهما علاقة عادية مثل أي زوجًا وزوجة، وكونه الرجل عليه أن يسبق بخطوته تجاهها، وكونه طبيبًا يعلم خطورة ما يقدم على فعله ولكنه يتمنى أن شهور علاجه لها تجني ثمارها، نجاح علاقتهما سيحقق نجاحه كطبيبٍ خاض مرحلة علاج كانت شبه مستحيلة.
تشنج جسدها بين يديه جعله يهمس لها بعشقٍ:
_ بحبك يا فاطمة... بحبك!
استرخت وعينيها المترقرقة بالدموع تندمج بنظرة عينيه الدافئة، وحينما وجدته يبتعد ليتركها وضعت يدها على صدره مستهدفة موضع قلبه، فابتسم وهو يتمم زواجه بها فعليًا وقولًا حتى باتت زوجة له بعد معاناة قضتها وقضاها هو برفقتها!
_________
صمت الليل وتخفى بظلامه خشية من ضوء الشمس النافذ، تململت بفراشها بانزعاجٍ من صوت منبه الهاتف الذي أعدته للاستعداد للذهاب للعمل، فتحت عينيها فوجدته يغفو قبالتها ويده تحيطها بتملكٍ، ابتسمت فاطمة وهي تتأمله بحبٍ لدرجة جعلتها تتناسى كل شيءٍ، إلى أن استقبل هاتفها رسالة من مايا، فتحتها:
« صباح الخير يا طمطم.. يلا استعدي ربع ساعة وهنزل.»
برقت وهي تهمس بصدمة:
_ هتأخر من تاني يوم!!
أبعدت الغطاء عنها وهرعت لحمام الغرفة تغتسل وفور أن انتهت طرقت على جبهتها وهي تصيح بانفعال:
_ نسيت أخد لبس معايا، أنا مالي كده!!
قضمت أظافرها بعنفٍ، واتجهت تفتح باب الحمام، تتطلع تجاه الفراش فوجدته مازال يغفو بعمقٍ، نادته بخفوتٍ:
_ علي... علــي!
اعتدل بنومته على ظهره وفتح عينيه يردد بنوم:
_ صباح الخير يا حبيبتي.
اندهش حينما لم يجدها جواره فاتجه ببصره للحمام فوجدها تختبئ وتخبره بصوت احتقن بخجلٍ قاتلٍ:
_ معلش ممكن تفتح الشنطة اللي عندك وتخرجلي منها هدوم مناسبة للشركة، أنا اتاخرت ومايا بعتتلي.
منحها ابتسامة جذابة ونهض يتجه للحقيبة قائلًا:
_ انتِ تؤمري أمر حبيبتي.
رفع الحقيبة يفتحها، بحث بين محتوياتها حتى انتقى بذلة نسائية من اللون البني، وسحب أغراضها الشخصية ثم اتجه إليها يقدم لها ما بيده، فقالت من خلف الباب:
_ علي.
طرق على الباب باستغراب:
_ أنا هنا يا فطيمة.. افتحي خدي اللبس!
بحرجٍ عظيمٍ قالت:
_ ممكن تغمض عينك؟
تمردت ضحكاته وبصعوبة يقمعها حتى لا يخجلها، فأغلق عينيه وقال:
_ حصل.
اشرأبت من خلف الباب تتأكد من أنه يغلقها بالتأكيد وسحبت ما بيده وأسرعت بغلق الباب بوجهه بعنفٍ، فلم يقوى بالسيطرة على ضحكاته التي انفجرت فجأة مرددًا باستنكارٍ:
_ حبك أيه في قفل الأبواب بوشي هموت وأعرف!!
واتجه لخزانته يجذب بذلته الوحيدة المتبقية، انحنى يلتقط جاكيته الملقي أرضًا فعادت إليها ذكريات ليلة الأمس، ابتسم علي ورفع جاكيته إليه يقربه لأنفه، أغلق عينيه بتلذذٍ حينما تركت رائحتها المنعشة أثرًا عليه.
خرج للغرفة ينتظر خروجها ليغتسل ويستعد ليومه المجهد، فما أن خرجت حتى ردد بانبهارٍ:
_ ما شاء الله يا فطيمة زي القمر.
ارتبكت قبالته فأسرعت بلف حجابها واتجهت لباب الغرفة تهتف بتلعثمٍ مضحك:
_ اتاخرت....أنا معرفش مكان الشركة.... عمران ومايا هيمشوا ويسبوني.. عملت المنبه بس انشغلت بيك ونسيت معاد الشركة.
لطمت شفتيها برفقٍ وهي تصيح بعدم تصديق:
_ أيه اللي أنا بقوله ده!
ألقت كلمتها وهرولت راكضًا من أمامه فضحك من أعماق قلبه على ارتباكها البادي أمامه، فاتبعها حتى وصل لدربزاين الدرج يتأملها وهي تركض للأسفل بنظرات حالمة، رؤيتها اليوم بتلك الحيوية والنشاط يزيد من سعادته باتخاذ عمران قرار عملها، وحينما كان شارداً أتاه صوتًا ذكوريًا من خلفه يردد:
_ بقالي قرن معاك جوه البيت ده وأول مرة في حياتي أشوفك من غير قميص! بس تصدق طلع عندك عضلات بالرغم من إنك كسول ومبتلعبش رياضة!
استدار علي للخلف فوجد عمران قبالته يتمعن به وكأنه لوحة فنية عرضت على أحد الحوائط، انتبه لكلماته فتطلع لذاته بدهشةٍ، كيف اتبعها للخارج دون أن يعي بأنه لا يرتدي سوى بنطاله الأسود.
أسرع علي لغرفته بحرجٍ، ليس هو ذلك الفتى الجريء الذي يستعرض جسده طوال الوقت، حتى حينما يغفو لا يستغنى عن ملابسه العلوية تحسبًا لدخول شقيقته أو والدته أو حتى أخيه.
تعالت ضحكات عمران المشاكسة، فاتبعه وهو يصيح ساخرًا:
_ بتخزى من أخوك يا دكتور!!
أغلق علي باب غرفته بوجهه وصاح به:
_ وصل شمس لآدهم تحت وبطل وقاحة على الصبح يا عُمران!
اتسعت ابتسامته واتجه لغرفة شقيقته، طرق بابها وولج فصعق حينما وجد الغرفة بأكملها عبارة عن مجموعة من الأَحْجِبَة والاسكارف، ومن بين تلك الفوضى تظهر شمس بالكد وهي تعقد الحجاب من حول رقبتها بقوة جعلتها تسعل بقوةٍ وتجاهد لالتقاط أنفاسها.
ركض عمران إليها يبعد عنها الحجاب من حولها وهو يصيح بدهشة:
_ يخربيتك عايزة تنتحري يا بت!!
التقطت أنفاسها اللاهثة وهي تجيبه بصعوبة:
_ وحياتك أبدًا يا عمران.. بحاول أتحجب بس الطرحة مش راضية تثبت!!
جحظت عينيه صدمة، فوزع نظراته بين لبسها المحتشم والحجاب القابع بين يده ثم ردد بسخرية:
_ بركاتك يا سيادة الرائد!
وتنحنح بخشونة يخبرها:
_ وماله ده شيء يسعدنا كلنا بس إلبسي بعقل بذمتك عمرك شوفتي واحدة بتلف الحجاب حولين رقبتها شبه اللي لافة حبل المشنقة كده!!
هزت رأسها بنفي، واتجهت للفراش تجلس عليه بارهاق:
_ هعمل أيه بحاول وفشلت.
وضع حقيبته الصغيرة على السراحة، وجاب الغرفة بعينيه حتى سقطت نظراته على اسكارف صغير أسود، فجذبه وألقاه بوجهها قائلًا:
_ أعتقد ده بيتلبس الأول.. بشوف مايا بتعمل كده!
التقطته منه بابتسامة واسعة، وقفت شمس أمام المرآة ترتدي ما بيدها، مسح عُمران على وجهه بعصبية:
_ صبرني يا رب.. أنا بحاول أكون محترم مع الناس بس هما اللي بيجرجروني للوقاحة ولساني الطويل.
واتجه إليها يجذبها من شعرها البني الطويل المنسدل خلف ظهرها من داخل الأسكارف هاتفًا من بين اصطكاك أسنانه:
_ ده أيه يا بت ديل حصان!!
وتابع بعصبية بالغة:
_ ولا يكنش حجبتي النص القدماني واللي ورا لسه مدخلش في أوكازيون التوبة!!
برقت بعينيها بدهشة:
_ مش المفروض الطرحة طويلة وهتدريه.
كور يده بشكلٍ جعلها تتراجع للخلف حتى صعدت على جسد السراحة:
_ اهدى يا عمران مش كده الله... إنت اللي شكلك متعرفش في أمور الحريم هروح أشوف مايا أو فاطمة إبعد.
لحق بها وهي تهرول من أمامه:
_ مشوا الاتنين يا فقر... روحي لزينب هتلاقيها في أوضتها لسه.
أمأت برأسها وهي تهرول لغرفة زينب تعاونها بارتداء حجابها لأول مرة، بينما هبط عمران للأسفل ليستقبل آدهم بنفسه، فصافحه بابتسامة مشرقة:
_ أهلًا يا كابتن... شرفتنا.
رفع أحد حاجبيه بدهشةٍ من طريقته الرسمية، فمال عليه عمران يخبره:
_ عشان الرقابة بس، بره البيت هتلاقيني واحد تاني بس هنا فريدة هانم ممكن يحصلها حاجة!
ابتسم آدهم واحتل مقعده المقابل لعمران، فتسللت عينيه للدرج يود لو يلمح طيفها ليطفئ ظمأ قلبه، ابتسم عمران ساخرًا منه وصاح:
_ متبصش كتير مش هتنزل الوقتي وراها معركة الله يعينها عليها.
اخفض ساقه واعتدل بجلسته يسأله:
_ معركة أيه!!
هبط علي للأسفل مرددًا ببسمة جذابة:
_ أهلًا وسهلًا سيادة الرائد.. نورتنا.
انتصب بوقفته قبالته يبتسم في حضرة ذاك الراقي:
_ بنورك يا دكتور علي.
أشار للمقعد بتهذب:
_ اتفضل.. استريح.
جلس محله مجددًا بينما اختار عمران الجلوس على ذراع مقعد علي، وانحنى عليه يهمس له:
_ ها مش هتقولي كنت طالق عضلاتك وخارج بيها ليه كده على الصبح؟
منحه نظرة تحذره وهو يرسم ابتسامة لآدهم الذي نجح بقراءة حركة شفاة عمران فاخفى ضحكته بتمكنٍ، وفجأة أتاته هزة شببهة بالزلزال الذي يحيط بالمبنى العتيق فلا يترك له أثر فور رؤيته لتلك الفاتنة تهبط الدرج محدثة صوتًا موسيقي بحذائها، برق لوهلة يستوعب بأنها ترتدي حجابًا لمرتها الأولى... حسنًا كانت فاتنة بكل ما تحمله معنى الكلمة، لدرجة جعلته يتساءل بارتباكٍ:
_ شمس؟
ضحك علي وأكد له بإيماءة من رأسه، بينما ذم عمران شفتيه وصاح:
_ اصلب طولك يا حضرة الظابط وإياك تفكر تستفرض بالبنت وهي معاك، أنا مركب Gps يعني هتلاقيني معاك في أي مكان.
لكزه علي بغضب:
_ عمران الله.
كز على أسنانه وهو يخبره بضيق:
_ مش موافق على الخروجة دي يا علي، معقول تسيبه ياخدها كده عادي ولوحدها.. أنا هروح معاها!
استغل انشغال آدهم بتأمل شمس ومال عليه:
_ ميصحش كده يا عمران، بكره هتكون مراته وآدهم مش الشخص اللي تشكك فيه.
جذبه إليه يخبره بنفس وتيرته:
_ افرض استغل الوضع وباسها ولا اتحرش بيها مهي هتبقى مراته بكره بقى!
احتقنت نظرات علي فدفعه للخلف بنفورٍ:
_ مش كل الشباب وقحة زيك يا وقح!
وتركه يستشيط غيظًا وإتجه لآدهم قائلًا:
_ متتأخروش يا آدهم... ولما ترجعوا أبقى تعالى على الموقع اللي هبعتهولك في رسالة، لإننا هننقل من هنا حالًا والعنوان هبعتهولك.
هز رأسه متفهمًا، بينما صعد علي للأعلى قاصدًا غرفة زينب بينما دنى هو حتى أصبح قبالتها يجلي صوته الهارب بصعوبة:
_ دي أجمل مرة أشوفك فيها يا شمس... الحجاب مخليكِ جميلة بشكل مش طبيعي.
رفعت عينيها إليه تخبره بحزن:
_ ده اللي كنت عايزة أقولك عليه لما صدتني بالكلام.
تسلل الضيق لمعالمه فأزاح نظارته القاتمة ومنحها نظرة جعلتها لا تود إبعاد عينيها عنه:
_ أنا آسف.. صدقيني والله أنا بعمل كل ده علشانك وبسبب زعلك ده أنا خليت دكتور علي يكتب كتابنا بكره عشان أكون معاكي بطبيعتي وأقولك على كل شيء دفنته جوايا للحظة ما تكوني حلالي يا شمس.
ارتبكت أمامه للغاية، فتمسكت بحقيبة يدها ورددت بتوتر:
_ مش هنتحرك؟
أشار بذراعه نحو الباب:
_ اتفضلي.
كادت بأن تتبعه فأوقفها عمران حينما جذبها لاحضانه فجأة بنظرات تتحدى آدهم المبتسم لذاك الطاووس الوقح بتحد، بينما يهمس عمران لشمس:
_ لو قربلك رنيلي وأنا أجيلك... أوعي يستفرض بيكِ يا شمس.
ضحكت بصوتها الانوثي، فنهرها بحدة:
_ مينفعش حد يسمع صوت ضحكتك غيري يا شمس.
تطلعت له شمس بعدم استيعاب ورددت بمزح:
_ عمران مالك ده هيبقى جوزي!!
قال بغيظ:
_ لما يبقى بقى!!
وتابع ورماديته مازالت تتحدى عين آدهم:
_ المهم متتأخريش ولو قالك حاجة كده ولا كده كلميني على طول.
اتسعت ضحكتها وهي تهز رأسها بخفة، واتبعت آدهم للخارج وعمران يلحق بها، فتح آدهم لها الباب الأمامي فلوى عمران شفتيه قائلًا بحنق:
_ كنت ناوي أقعدها ورا بس يلا هسامح بس عشان الصحوبية اللي كانت بينا.
ردد آدهم بمزح:
_ كانت!! لأ والله فيك الخير يا عم الطاووس!
منحه نظرة ساخطة قبل أن ينحني ويحمل طرف فستان شقيقته الأزرق الطويل، ليضعه من خلفها على المقعد والحنان والحب يلمعان بحدقتيه تجاهها مما جعل آدهم يبتسم وهو يتابعه وللحق لم يشعر بالانزعاج منه أبدًا، لإنه بطبيعة مهنته يعلم بمكنون من أمامه وهو يرى حب عمران المبالغ به تجاه شقيقته الوحيدة لذا تركه كما شاء فلكلُ حقًا عليها.. إن كان سيكون زوجها فهو أخيها!
_________
ولج علي للداخل حينما استمع لسماحها له بالدخول، فولج يردد بهدوء:
_ صباح الخير يا زينب... عاملة أيه؟
انتهت من عقد حجاب اسدالها وردت عليه بابتسامة واسعة:
_ صباح النور يا دكتور.. أنا بخير الحمد لله وخلاص جهزت شنطي هغير هدومي وهنزل على طول.
ضيق حاجبيه باستغراب:
_ والجامعة يا زينب؟
بارتباكٍ اجابته:
_ مش هروح النهاردة.. مفيش حد مع فريدة هانم كلهم خرجوا فمينفعش أنا كمان مكنش معاها.
أشار لها بالجلوس، وهو يراقب وجهها المجهد وكأنها لم تغفو منذ سنواتٍ فقال:
_ زينب متحاوليش تقترحي حجج وأعذار علشان متنزليش الجامعة، إنتي من ساعة ما رسالة الحيوان ده وصلتلك وانتي بطلتي تنزلي، طيب وبعدين؟!
ابتلعت ريقها بارتباكٍ لمجرد ذكر اسمه أمامها، فردت بصوتٍ مبحوح:
_ خايفة يا علي، لإني سبق وشوفت غضبه عامل ازاي، وبعدين ده تاجر سلاح مش فارق معاه لا حكومة ولا غيره.
استند بجسده على الطاولة المجوفة من أمامه وقال:
_ معنى كده انك هتضيعي مستقبلك عشان خوفك منه يا زينب... طول مهو شايفك ضعيفة بالشكل ده هيستقوى عليكِ بكل ما فيه.. أنا هسيبك النهاردة براحتك بس من بكره هتنزلي جامعتك تاني.. واطمني أنكل أحمد كلم شركة حراسة وهيكون في عربية حرس معاكي في كل مكان لحد ما نوصل للبيه اللي بيهدد من بعيد وآ..
ابتلع باقي جملته، فكاد أن يخبرها بأنه تعرض لعمران ولكنه تراجع خشية من أن يحزنها، فنهض عن الأريكة وقال:
_ هسيبك تغيري هدومك وهستناكي تحت متتأخريش علشان بمجرد ما فريدة هانم تنزل هنتحرك للبيت الجديد على طول.
هزت رأسها مجيبة:
_ حاضر.
تركها وهبط للاسفل ينتظرهم، وأرسل رسالة لعمه يؤكد عليه أن ينتهي من أمر شركة الحرس بعدما أخبره بالأمس عن تهديدات ذاك الأرعن لزينب وقد رأى أحمد أن الحل المناسب هو وجود حرس مُسلح لحمايتها فوافقه "علي"على الفور.
_________
اتجه عمران بسيارته لشركته، فولج من بابها الرئيسي فوجد أيوب بانتظاره، ضيق جفونه بنظرة مرعبة جعلت الاخير يرسم ابتسامة زائفة وهو يدنو منه:
_ صباح الخير يا بشمهندس.
نزع نظارته السوداء وهو يمنحه نظرة مشتعلة، وهتف:
_ نعم!
تنحنح بخفوتٍ:
_ نعم أيه بقولك صباح الخير!
اقترب منه عمران وردد بنبرة منخفضة:
_ عجبك كلام يوسف اللي قالهولك امبارح صح!
ارتعبت نظرات أيوب تجاهه، فابتلع ريقه الجاف وهو يدعي عدم الفهم:
_ كلام أيه؟
_ غيرتلها على الجرح يا ابن الشيخ مهران!
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة، ورفع اصبعه يشير له بتوترٍ:
_ عُمران أنا آآ...
هدر بانفعالٍ ونظراته الحادة تحيطه:
_ ولا كلمة.. ورايا!
زفر أيوب حانقًا، يلعن تلك الظروف التي أوقعت آديرا بطريقه وأوقعته هو بطريق "عُمران الغرباوي"، صعد خلفه للأعلى وولج لغرفة مكتبه.
نزع عنه جاكيته وألقاه لسكرتيره الخاص "حسام" ومن ثم ألقى إليه رابطة عنقه فتلقفها بصعوبة كادت باسقاطه فوق مكتبه، وعاد يفاجئه حينما قذف إليه ساعته الباهظة، التقطها بين يديه ولكنه فشل تلك المرة بانتصاب وقفته المذرية فسقط بها أرضًا وذراعيه تعلو بالساعة.
أشمر عُمران عن ساعديه ببسمةٍ مخيفة، فالتفت وجهه لحسام يخبره بنبرة لطالما كانت تخص القتلى المأجورين:
_ كويس إنها منكسرتش والا كنت هتشرف جنب أخوك الشيخ أيوب في خارجته النهاردة.
وانتقلت رماديته لباب الغرفة يستطرد بفحيح الأشباح:
_ خد الباب في إيدك وإنت خارج.. أي مقابلات أو اتصالات مهمة حولها لبشمهندسة مايا. من الأخر مش عايز أي إزعاج يفصلنا أنا وابن الشيخ مهران عن طلعتنا.
جحظت أعين أيوب صدمة، وكأنه يستعد لتقطيع جسده بالمنشار الحاد، فمال على حسام الذي يوزع نظراته بينهما بقلقٍ، همس له أيوب يستجديه:
_ متمشيش يا حسام!
رفع كتفيه بقلة حيلة وهرول للخارج، فتراجع أيوب للخلف حتى التصق بالمقعد الذي خلفه، فسقط أعلاه والاخير ينحني إليه ويصوب نظراته القاتمة تجاهه.
أجبر صوته على التحرر متسائلًا:
_ في أيه يا عُمران؟ إنت هتتحول ولا أيه؟!
طرق على ذراعي المقعد وبانفعالٍ شرس قال:
_ غيرتلها على الجرح يابن الشيخ مهران!! ويا ترى بقى أيه اللي نتج عن الفعل ده!! اتكلم أنا سامعك!
أبعد رأسه للخلف وهو يشير له بخوفٍ غريب:
_ أقسملك بالله محصلش أي حاجة.. ولولا ان دكتور يوسف صاحبك اللي نبهني لخطورة اصابتها مكنت قربتلها نهائي!!
أخذت أسنانه شفتيه السفلية يسحقها بعنفٍ يود أن يطول ذاك القابع أمامه، ومع ذلك استكمل أسئلته الطارئة:
_ عملت أيه بعدها يابن الشيخ مهران؟
رفع ركبتيه للمقعد وكأنه سيهرول به من أمام ذاك "االطاووس الوقح" وراح يردد دون توقف:
_ محصلش والله العظيم محصل.. خد نفس عميق واستهدى بالله يا عمران عيب يا جدع تلميحاتك الوقحة دي.. أنا سبق وقولتلك أنا شاب جامعي جاي هنا أدرس وأمتحن وأخد الشهادة وأرجع لأبويا الحارة... معنديش أهداف تانية فبالله إقلع الوش اللي يرعب ده وسبني أمشي من هنا..
وتابع بنفس الوتيرة:
_ هو كان يوم مش طبيعي يوم ما أخدني سيف أسكن معاه بشقته وهو نفسه اليوم اللي اسودت ملامحه يوم ما اتعرفت عليك مع إني اتعرفت على سيادة الرائد آدهم والبشمهندس جمال ودكتور علي بس شهادة لله ناس محترمة وزي موج البحر الهادي إنت اللي مالكش كتالوج، زي السما شوية صافية وشوية مغيمة وفجأة يضربها الرعد والبرق وكل العواصف!!
ابتسم بخبثٍ مخيف وقال بجمودٍ تام وكأن ما قال لم يهز به شعرة:
_ لو مش عايز عواصفي كلها تحضر هنا هتقول اللي حصل بالحرف والا مش هرحمك يا ابن الشيخ مهران..
لعق شفتيه الجافة وهو يرفع صوته الذي تخلي عنه:
_ مآآ... حص... لش.... محصلش!
صرخ به وقد تخلى عن كل هدوئه المخادع:
_ انطق يا أيوب!!
دفعه أيوب للخلف بقوةٍ جعلت الاخير يسقط على المقعد المقابل إليه وهو يصيح بعصبيةٍ:
_ أكلتها وأدتها دواها وغيرتلها على الجرح ورجعت أوضتي تاني ده اللي حصل تصدق أو متصدقش دي حاجة ترجعلك!!
تعالت صوت أنفاسه المنفعلة بينما ارتسمت ابتسامة تسلية على ملامح وجه عمران واتجه ليحتل مقعده باسترخاء استراب له أيوب!
سحب القلم وأخذ يوقع بآلية تامة على الأوراق من أمامه وكأن الأخر لا وجود له، فردد أيوب بنزقٍ:
_ أيوه يعني أفهم أنا من برودك اللي نزل عليك ده فجأة أيه؟!!!
رفع رماديته أيه ولف مقعده يهزه بتسلية، قائلًا:
_ إني أخدت الحقيقة.
_ ولا كنت برغي فيه من الصبح كان أيه؟
ترك مقعده ونهض يلهو بالقلم وهو يشير إليه:
_ علميًا الإنسان لما بيتعصب بيخرج الحقيقة كلها عمليًا أنا مصدقك من أول ما اتكلمت بس كنت حابب إديك عينة بسيطة عن اللي هيحصلك لو لعبت بديلك مع العبرانية!
أطبق على يده بقوةٍ، فاحتبس غضبه داخله واستدار ليغادر، فأوقفه الاخير مردفًا:
_ عايزك معايا النهاردة.. في مقابلة هتتم كمان نص ساعة هتفيدك جدًا.. خليك موجود.
عاد لمقعده بهدوءٍ زائف تحلى به، وما كاد بأن يفجر عاصفته إليه حتى وجد أحدهم يقتحم باب مكتب عمران وهو يصيح بغضب:
_ بقى أنا الحيوان ده يمنعني من الدخول!!
كلماتٍ هدر بها "نعمان" غاضبًا، ومن خلفه ظهر حسام الذي ردد يدافع عن ذاته أمام تلك الأعين المحتقنة:
_ مستر عمران حاولت أفهم الباشا إن حضرتك مشغول بس هو آآ..
_ الطور الهايج مبيسمعش اللي قدامه عشان يفهمك يا حسام.. والخال ما شاء الله معندوش لا سمع ولا دم!
وابتسم عمران وهو يمنح ذاك البغيض نظرة ساخرة:
_ خير يا خال؟ مش خلصنا من حوار الشركة وقولتلك مش عايز أشوف خلقتك هنا تاني، ولا وحشك طولة لساني ومقدرتش تحوش نفسك عن شوفتي!
اقترب نعمان من مكتبه وأيوب يراقب ما يحدث بدهشةٍ وصدمة تفوقه أضعافًا لمعرفة كناية ذلك الرجل الذي بات من كلمته يعلم بصلة القرابة بينهما.
وقف نعمان على مسافة قريبة من عمران وردد بهدوءٍ قاتل:
_ قلتلك ما تلعبش بالنار لتحرقك وأديك جنيت على نفسك يابن فريدة!
رفع ساقًا فوق الاخرى وطوفه بنظرة متغطرسة، قبل أن يشدد على كلماته:
_ حاسب الولاعة لتلسعك!
وتابع بنفس بروده:
_ طريقك أخضر العباسية إن شاء الله يا خال... خد الباب في إيدك وخلي بالك الأُكرة تلزق!!
خرج نعمان بوجهًا مشتعل من فرط الاهانة التي تعرض لها، فما أن اغلق الباب حتى تساءل عمران:
_ في أيه يا حسام؟!
رد عليه السكرتير يخبره:
_ المشاريع اللي كانت هتتطبق في الشركة اللي كانت بتجمع حضرتك مع نعمان باشا الوكلاء لغوا العقود لما عرفوا إن حضرتك فسخت الشراكة، وكلهم اخدوا مواعيد عشان يقابلوا حضرتك.. فأعتقد إن الخبر وصل لنعمان باشا علشان كده اتعصب.
هز عمران مقعده وكفوف يديه تضم بعضها البعض بتفكيرٍ يستحوذ عليه، كان يحاول تخمين سبب انزعاج خاله هكذا، ولكن الأمر لم يعنيه والآن بعدما استمع لما قال، أشار لحسام:
_ مش هقابل حد منهم يا حسام، إرفض التعامل مع أي حد فيهم أنا مبقطعش أرزاق حد حتى لو الحد ده الخال الملزق.
هز رأسه هاتفًا وهو يتجه للخارج:
_ زي ما حضرتك تحب.
بعد خروجه شرد عمران قليلًا ليفق بعد ذلك على صوت أيوب المنبهر من شخصيته:
_ بحاول أفهمك ومش عارف.. من شوية اتصدمت لما لقيتك بتكلم الشخص اللي يبقى خالك بالشكل ده، واتفاجئت من طريقة تهديده ليك كأنك عدو مش ابن اخته وبعد كده فهمت سبب عصبيته من كلام حسام وقولت يستاهل بس اندهشت أكتر بموقفك ده... عمران إنت محدد وعارف إنت عايز أيه؟!!!
سحب نفسًا طويلًا وأطلقه بتنهيدة حارة أوضحت لأيوب مدى معاناته، ترك عُمران مقعده ونهض يجلس قبالة رفيقه ثم قال مبتسمًا بألمٍ:
_ اللي شوفته ده جزء بسيط أوي يا أيوب.. خالي من بعد وفاة أبويا وهو بينهش فينا، ولولا وقفة عمي أحمد ليه كان زمانه سيطر على أملاكنا كلها، عمي طول عمره واقف في وشه وبيحاربه بكل قوته وأنا مش هفضل أتدارى في ضل عمي طول العمر يا أيوب، بقيت أنا اللي في وشه.
وتابع بحزنٍ طفيف:
_ علي طيب وقلبه أبيض، مالوش في المشاكل ولا في اللوع فكان لازم أنا اللي أقفله بكل قوتي وأواجهه، وزي ما أنت شايف كده مواجهتي ليه ودفاعي عن حقي وحقوق والدتي وأخواتي خلاه يزيد من حبي حبتين تلاته لدرجة إنه بيتمنى موتي النهاردة قبل بكره!
واستكمل وعينيه تتعلق بعين أيوب الذي تأثر به للغاية غير مدركًا بأنه يخوض كل ذلك بمفرده:
_ كل ما بحاول ادفن العداوة بينا أنا وهو علشان خاطر فريدة هانم والدتي بيعمل حاجة أوسخ من اللي قبلها، ببساطة يا أيوب لو الشخص ده شاف حنيتي هيركبني زي ما بيقولوا وللأسف مينفعش لإني الوحيد اللي واقف في وشه وبيقاوم.
انحنى إليه أيوب يربت على ساقه بفخر:
_ خليك جامد وقوي زي ما انت يا عمران.. في أشخاص ميستهلوش المعاملة الطيبة.
مازحه ليخفف من حدة الاجواء:
_ زيك كده صح؟
تعالت ضحكاته الرجولية وردد:
_ ميبقاش قلبك أسود بقى.
ابتسم عمران وأردف بجدية تامة:
_ أيوب سامحني على معاملتي ليك بالطريقة دي صدقني ده من خوفي عليك وعلى ضياع مستقبلك، شخص محترم زي والدك ميستهلش يسمح عنك خبر كارثي زي ده، تعب وشقى عشان تأخد شهادتك من جامعة كبيرة زي دي، خوفي الاكبر من إنك تغلط معاها وفي لحظة تبعد عنك، تخيل لو حملت منك هيكون أيه مصير ابنك أو بنتك مع واحدة عبرية!
احتفظ ببقايا ابتسامته وقال بصوته الرخيم:
_ عارف وفاهم كلامك ده يا عمران ومش متضايق بالعكس فرحان وحاسس بحبك الكبير ليا ويمكن ده اللي مخليني مستحملك إنت وشركتك واستاذ ممدوح!
انفجر ضاحكًا وصاح بسخرية:
_ كده طيب حيلك عليا أنا هوريك اللي جاي هيكون عامل أزاي!
وأشار له وهو يتجه للمشجب ليجذب جاكيته:
_ يلا استعد معاد الاجتماع.
_________
صرخ بصوت جهوري مخيف:
_ اللعينة نفدت من الموت وتزوجت من ذلك الإرهابي الحقير!!
وتابع وهو يشير لرجاله بجبروت سحيق:
_ اذهبوا وجدوا لي صديق هذا الارهابي هو من سيوصلنا إليهما.
وردد بوعيد مخيف يهوي من عينيه العدائية المظلمة:
_ إلى أين سيهربون مني، سأقتلكما معًا ولنرى من سيوقفني هذة المرة!
رواية صرخات انثى الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ايه محمد رفعت
حينما تهاجمك الدنيا بكل ما فيها، وتكسر كل عزيمة تحليت بها، وحينما تجد ذاتك وحيدًا، بائسًا، تعتكف عن الحديث والشكوى حينما تصبح دون جدوى، حينها ستجد ذاتها تنحصر بجزءٍ صغيرٍ يفترشه سجادة منظمة، وملابس نظيفة، وضوءًا كاملًا واقبالًا جميلًا يليق بالله عز وجل.
هي الآن ماسدة بين يديه، تبكي قهرًا وتفرغ كل ما بداخلها، خمسة سنوات مضت عليها ومازالت تدفع الثمن من عمرها الذي فنى فتقسم بأنها تخطت السبعون عامًا وإن كانت لا تتعدى الخامسة والعشرون، تجد سكينتها على سجادتها.
انتهت من صلاتها وجلست ترفع يدها وتردد بصوتٍ ذُبح فؤاده واحتقن بأوجاعها:
_ يا رب لو كان حيًا يرزق هونها عليه وفك كربه وحبسه يا رب.
وتابعت ببكاء حارق وكأنها لا تحتمل نطق القادم:
_ ولو كان ميت إرحمه وتقبله قبولًا حسن، يا رب لو كان عندك اجمعني بيه بعد موتي يا رب.
انهمرت دموعها تباعًا واهتزت يديها وهي تشكو بانهيار:
_ حرموني منه يا رب.. أخدوني منه وعذبوني يا رب... فرقوني عن أكتر إنسان حبيته وطلبته منك في كل صلاة ليا.. حرموني من حبيبي!!.... أخدوه مني وأخدوني منه يا رب.
ومالت على الحائط تبكي ويدها تكبت صرخاتها خوفًا من أن يستمع لها زوجها البغيض الغافل بغرفته، فنزعت حجابها تمسح به دموعها الغزيرة وهي تهمس بضعفٍ:
_ حقك عليا يا يونس... حقك عليا من ظلم الدنيا اللي شوفته كله يا نن عيني .. كنت عاجزة يا يونس.. معرفتش احاربه ولا أحارب أهلي.. هو اللي أرغمني أرفع عليك قضية الخلع هو السبب اللي فصلني عنك يا حبيبي.
ورفعت يدها تحيط صدرها بموضع القلب، تطرق بها بقوةٍ:
_ ده مات من بعدك يا حبيبي... مات ومبقاش له وجود من غيرك.
تعالى صدرها بانقباضٍ من فرط الانفعالات التي تخوضها، تخشب جسدها الهزيل فزعًا حينما شعرت بيد ممدودة على كتفها، فاستدارت للخلف بخوفٍ غادرها حينما وجدته صغيرها.
ضمته لها خديجة وهي تسنشق رائحته بقوةٍ، وتهمس له:
_ أيه اللي صحاك من النوم يا حبيبي؟
أجابها الصغير فارس:
_ ملقتكيش جنبي فخوفت.
رفعت رأسه إليها وهي تعزز من شجاعته:
_ مفيش راجل بيخاف يا فارس.. قولتلك قبل كده لازم تتعود تنام لوحدك وتعتمد على نفسك.
ضمها الصغير وهو يتأمل دموعها بقلقٍ، فتناست كل ما تردده وحاوطته بكل قوتها مرددة بخفوتٍ:
_ عملت كل ده عشانك وعشانه.. سامحني يا يونس!
تحشرجت أنفاسها بشكلٍ نبهها لزيارة أزمتها الصدرية المعتادة لها، حينما يزداد بها الحزن والبكاء تزورها بحدةٍ وتواجهها بضراوةٍ، احتملت "خديجة" الآلآم واحتبست صوت أنفاسها المخيف عن ابنها، وضعته بفراشه وسحبت غطائه، وتسللت بخفة لغرفتها الرئيسية تبحث عن بخاختها لتنجو من اختناقها الذي يهاجمها.
وجدته يغفو على الفراش باستمتاعٍ مريضًا بعدما نجح بالمرة التي تفشل عددها بالسيطرة على جسدها بعدما يرضخها إليه بالضرب المبرح كل مرةٍ، ارتجف جسدها بخوفٍ حينما تذكرت ما يفعله بها فسحبت كم الجلباب تخفي به آثار حروق جسدها البالغ واستكملت طريقها لدرج الكومود.
منحته نظرة منفرة قبل أن تسحب الكيس البلاستيكي تبحث بداخله عن بخاختها، فأصدر صوتًا أزعجه بمنامه فردد بفظاظة:
_ اتهدي واتخمدي بدل ما أقوم أكمل على اللي باقي فيكي يا بنت ال****.
اعتادت سماع الاهانات المتكررة منه، فسحبت الكيس واتجهت للخروج، فشملها بنظرة محتقنة وادار ظهره هاتفًا:
_ بخت تفطسي وأرتاح من قرفك إنتي وابنك!
تحجرت خطواتها على باب الغرفة واستدارت تختطف نظرة دامعة للمدعو زوجها، رغم أنه يعلم أنها تعاني من أزمة صدرية حادة إن انتابتها يومًا ولم تلجئ لجرعة البخاخ أو الأكسجين حينها ربما تغادر روحها جسدها المُنهك ومع ذلك يغفو براحةٍ وكأنها لا تعنيه بشيءٍ، تُجزم بأنه إن كان يعتني بجروٍ صغيرٍ لكان أبدى له تعاطفه الكامن.
سحبت أذيال الخيبة وإتجهت لغرفة ابنها مجددًا، تغلق بابها جيدًا، انزوت على الفراش المقابل لفراش صغيرها ترتشف البخاخ بقوةٍ كبيرة حتى هدأت أنفاسها واستعادتها رويدًا رويدًا، فارتخى جسدها كالمدمن الذي ارتشف جرعة من السموم فأرحته.
وضعت رأسها على الوسادة وارتخى جسدها يراحةٍ رغم عينيها الغارقة بالدموع، تشعر وكأن مفرش السرير الستان رغم نعومته بأنه خشن كالشوك، يزيد من جحيم جلدها المذري، تعيش هنا بذلٍ وإهانة، وخاصة خلف باب غرفة زوجها الموصود، بالداخل حيث يتم إهانته كأنثى تجرد من كل معنى الأنوثة، يعاملها بخشونةٍ وقسوة كأنها عاهرة أو فتاة ليل!!
كل ما تنجح بفعله كل تلك السنوات أنها تحتبس صرخاتها بتمكنٍ خشية من أن يستمع ابنها الصغير لصوتها، صغيرها الذي اعتاد رؤيتها بملابس محتشمة للغاية تخشى ان يرى حتى ذراعيها المحترقة نهيك عن جسدها المشوه!!!
انهمرت دمعة خارقة على وجهها الأبيض، وهي تتذكره، حبيبها وزوجها السابق، تقتل ألف مرة وهي تضطر آسفة بنسبه بالزوج السابق، ذاك الذي آراها من الحب ما أروها، ضمها لأحضانه التي تفتقد حنانه إلى تلك اللحظة... ذاك الذي أقسم لها بأنه سيظل يعشقها حتى الرمق الأخير من حياتها.
تسعة وعشرون يومًا قضتهما برفقته، تسعة وعشرون يومًا انحفر ذكراهم داخلها، وكأن الجنة استقبلتها بين ذراعيها لتسعة وعشرون يومًا وبعدها لفظتها بكل ما فيها لجُهنم!
لاح لها ذكرى استحوذتها بداخلها:
_ ممكن تفهميني أيه اللي يستاهل عياطك وحالتك دي!! وفيها أيه يعني لو مجموعك مجابش الكلية اللي بتحلمي بيها!
قالها بصوته الحنون المهتم بكل صغيرة تشملها، رفعت عينيها الباكية إليه تخبره ببكاء:
_ مستقبلي إتدمر يا يونس!
ضم شفتيه معًا يحتمل تألم قلبه القافز بين ضلوعه، وردد بحبٍ وعينيه تجوب مكان جلوس والدتها:
_ أنا مستقبلك يا خديجة!
وتابع بابتسامةٍ صغيرة:
_ مش ده كلامك؟
أزاحت دموعها وهي ترسم ابتسامة صغيرة على وجهها، فقال بإصرارٍ:
_ بطلي تقابلي كل مشكلة تقابلك وكأنها نهاية العالم، مستقبلك عمره ما هيتدمر لو مدخلتيش الكلية اللي بتحلمي بيها، لو شوفتي ربنا سبحانه وتعالى أختارلك أيه كنت بكيتي وإنتي بتحمديه على إنه مفتحلكيش باب وراه مصاعب ومشاكل إنتي في غنى عنها... قومي اغسلي وشك واقعدي مع نفسك اختاري الكلية اللي هقدملك فيها يا زينة البنات.
وعاد يخطف نظرة سريعة لوالدتها ثم دنى منها ليصبح قريبًا يهمس بعشق:
_ هو أنا مش صعبان عليكِ ولا أيه، شيدي حيلك في المذاكرة كده عايز أدخل دنيا.. الحارة كلها تشهد إني صبرت عليكي صبر مصبروش واحد عازب.
وتابع ببسمة ساخرة:
_ بذمتك حد أهبل يكتب كتابه على واحدة وهي في تالتة إعدادي ويقعد جنبها يستنى لما تأخد الجامعة؟
أزاحت دموعها وهزت رأسها بضحكة أشرقت تعابيره الجذابة، فردد مبتسمًا:
_ منحرمش من الضحكة الجميلة دي يا زينة البنات!
تعلقت خضرة عينيها بعينيه البنية، ويدها تمتد تحتضن كف يده فبرق بمُقلتيه وهو يراقب والدتها هادرًا بتحذيرٍ:
_ مامتك يا خديجة!
وتحرك بجسده لأخر الأريكة، ففركت أصابعها بحزنٍ، تعلم بأنه وبالرغم من أنه زوجها الا أنه يحفظه من نفسه جيدًا، الظروف الذي تزوجها بها ترغمه عنوة.
كان يريد أن ينتظرها لحين أن تنتهي من دراستها وحينها كان سيعقد القران يوم زفافهما، ولكن اصرار عمها عن أن يزوجها ابنه دفعه ليعقد قرانها بعد ان وجده عمه الشيخ مهران حلًا صائبًا خاصة بأنها تسكن بعمارته فلا يريد لابن أخيه ولتلك الفتاة بأحاديث تنطلق على ألسنة الناس من حولهم.
وتنحنح بخشونة وهو يشير له مازحًا:
_ يلا يا عيوطة قومي كده غيري هدومك وارتاحي، لما أنزل ألم هيبتي اللي ضاعت وسط الصبيان في المحل وهما شايفين معلمهم بيجري شبه الأهبل وكل ده بسببك، واقف استناكي من ساعتها عشان تطمنيني وانتي راجعالي عينك ورامة وواخده في وشك قافش على فوق!
أشارت بكتفيها ببراءة مصطنعة:
_ كنت زعلانه هعمل أيه؟
تنهد بقلة حيلة ونهض يتجه للخروج:
_ هنزل أطمن على أيوب أشوفه عمل أيه هو كمان ما أنا ربنا إبتلاني بيكم.. طلعتوا عيني طول فترة امتحاناتكم بجري من لجنة للجنة كأني بطمن على عيالي الصغيرين!
ضحكت بصوتها كله فتابع بمزح:
_ ولا وقت ما تخرجولي انتِ وهو وتراجعوا الاسئلة قدامي آه لما بيطلع عندك حاجة غلط وأشوف وشك بيجيب ميت لون ببقى هتهور وأقتل أيوب في كل مرة بيقولك على حاجة غلط.
تعالت ضحكاتها وأحمر وجهها من فرط سعادتها بحديثه المرح، فانحنى تجاهها يهمس بجدية تامة:
_ أنا بسببك يا هانم كنت بحرضه إنه لو حصل يعني واتهوروا ولأول مرة يحطوا الشباب مع البنات بلجنة واحدة كنت بقوله يغششك في أي إجابة تقف عليكي، مع إني كنت لسه ظرفه خطبة طويلة عريضه عن الغش وجيت عندك وقولته حلال.. اتمسخر بيا بس هعمل أيه مراتي ولازم أبقى حنين عليها!!
وضعت يدها على صدرها تخبره من بين ضحكاتها:
_ معتش قادرة يا يونس اسكت!
ابتسم وهو يتابعها بنظرة هائمة، وردد بعشقٍ:
_ كده هتفائل بيومي كله.. وكل ما أشتاقلك صوت ضحكتك الجميلة دي هتواسيني لحد ما أشوفك تاني.
منحته ابتسامة هادئة، وعينيها تنطق له بحبه القابع داخلها، انتصب "يونس" بوقفته وقال:
_ هنزل أشوف أيوب قبل ما أعدي على المحل، العمال مشغولين بتشطيب المحل الجديد ويافتة "يونس الزيات" بقت مسمعه بالسوق كله وخصوصًا العروضات اللي عملتها على الادوات الكهربائية.
وعاد ينحني قبالتها مستطردًا بغمزة مشاكسة:
_ تصدقي بالله كل ما بينزلي أجهزة كهربائية جديدة أنقي لبيتنا كام حاجة وفي الأخر أخاف لوقت جوازنا يكونوا نزلوا حاجة أحدث عشان كده بحاول أتكى على الصبر حبتين لحد ما زينة البنات تخلص دراستها وتشاورلي بس أجهز البيت من مجاميعه.
تسلل الضيق لملامحها الهادئة فنهضت تقف قبالته وتخبره عاقدة الذراعين:
_ يونس أنا قولتلك قبل كده مش عايزة اتجوز بالبيت اللي اشترته ده أنا عايزة أفضل هنا.. شقتك تحت أهي واسعة وجميلة محتاجة بس تتشطب وهتبقى جنة.
زوى حاجبيه بدهشةٍ وصاح:
_ عايزة تتجوزي في شقة قديمة!! دي قيمتك عندي يا خديجة!
أصرت على حديثها قائلة:
_ مالها الشقة يا يونس.. إنت ورثت في العمارة دي زي الشيخ مهران وعيشنا وكبرنا فيها، كمان محلاتك فيها من تحت يبقى لزمتها أيه تبعد ونسكن في نص البلد أنا مرتاحة هنا وخصوصًا إن ماما هتكون ساكنة فوقي.
تهدلت معالمه باستسلام لاقناعها، يعلم كم هي عنيدة لذا رضخ لها بابتسامته الساحرة:
_ عنيا يا زينة البنات اللي تعوزيه كله يحضر!
اتسعت ابتسامتها ورددت باستحياء وهي تهرب من نظراته:
_ تسلملي يا حبيبي.
ابتلع ريقه بارتباكٍ، ودنى إليها يهمس:
_ قولتي أيه؟
تمعنت بعينيه الشبيهة بالقهوة التي تحتضن لوح من الشيكولا الساخن، وتجرأت بقولها العذب:
_ حبيبي وجوزي وكل حياتي يا يونس.
اتسعت ابتسامته بشكلٍ عينيها لا تفارق وجهه، وقال:
_ كتير عليا كل ده يا زينة البنات!
همست له ووجهها قد تشرب بحمرة الخجل:
_ إنت اللي كتير عليا يا يونس!
وكأن جملتها قد أرهنت الزمان ليستجيب لها، انحرمت منه وألقت لأشباه الرجال يريها الفرق المعهود بينه وبين محبوبها، ذاك الذي كان يسميها على لسانه وقلبه وهاتفه "زينة البنات" ، وكانت تراه هو خير الرجال، الآن انتهت بها قصة عشقهما الخالد بفراق ووجعًا لن يهون على قلب بشريًا احتماله!
بلندن..
اتبعت سيارة آدهم الموقع المرسل إليه حتى وصل إليه، فوجد علي يفتح البوابة الحديدية البيضاء ويشير له بالدخول، فقاد سيارته للداخل وصفها بالچراچ الضخم التابع للقصر الفخم، هبط هو أولًا وأسرع يفتح لها الباب هادرًا بمزحٍ:
_ شمس هانم.
ضحكت حينما ذكرها بمعاملته السابقة لها حينما مارس دور الحارس الشخصي باجتيازٍ، فحملت طرف فستانها وانحنت تردد بنعومة:
_ كابتن آدهم.
تمردت ضحكته الرجولية بشكلٍ لفت انتباهها فوقفت تتأمله بسعادة، وقال لها يحذرها:
_ أمم هعديها كابتن دي.. بس ولو لمرة ناديني باسمي الحقيقي يا شمس!
أدلت شفتيها للأسفل بحزنٍ مصطنع:
_ والله ما لايق عليك الا آدهم صدقني!
ابتسم وهو يدنو إليها هامسًا بصوته المغري:
_ أقولك سر؟
هزت رأسها بتأكيدٍ، فقال:
_ وأنا كمان..
وتابع وعينيه تشرد بالفراغ:
_ والدتي الله يرحمها مكنتش بتناديني غير بيه..
عشان كده حبيت الاسم، وبستعمله أنا واللي حواليا في مصر. كلهم بينادوني بيه، بس عند شخص واحد والكل بيناديني قدامه باسمي الحقيقي، عشان كده بنبهك من دلوقتي: أنا في مصر، قدام بابا، أنا عمر مش آدهم.
رمشت بعدم فهم لحديثه الشبيه بالألغاز، فقال مبتسمًا:
_ بابا وماما الله يرحمها اتخانقوا بعد ولادتي. كانت عايزة تسميني آدهم، وهو مصمم إن لقب عيلته ميلقش بيها غير "عمر الرشيدي". الظابط عمر الرشيدي، زي ما طول عمره بيحلم. ومن هنا حصل انقسامات وخناقات، فعاند وراح سجلني عمر. وهي فضلت تناديني آدهم لحد ما في وقت من الأوقات كان بيحصلي لخبطة ومبقتش عارف أنا مين فيهم، عمر ولا آدهم.
وتطلع لها بابتسامته الجذابة مسترسلًا:
_ بس لما دخلت المخابرات اكتشفت إن دي نعمة. بتنقل باسم حركي متقبله، والأغلب عارفني بيه. بس قدام بابا بمثل الدور اللي يراضيه، خصوصًا إنه دايمًا بيلمس حبي الزايد لوالدتي الله يرحمها.
كونه يتحدث معها عن أدق أموره، بقائه برفقتها بعض الوقت بعد وصولهما، صبره معها وهي تتنقل من محلٍ لآخر حتى انتقت فستانًا يليق بحجابها الذي ترتديه لمرتها الأولى، كل تلك الأشياء جعلتها أسعد نساء العالم بأكمله. تتمنى أن يظل يتحدث وتراقبه بصمتٍ. فمالت على يدها تستند على مقدمة السيارة وتراقبه وهو يتحدث بصمتٍ، تعجب له آدهم، فناداها:
_ شمس!
اعتدلت بوقفتها تهتف بحرجٍ:
_ هااا... نعم!
قال وهو يتجه لصندوق السيارة ليجذب الفستان المغلف بعناية:
_ إنتِ مش معايا خالص.. شكلك تعبتي من اللف النهاردة.
لحقت به تراقبه وهو يحمل أغراضها بتريثٍ:
_ لا، أنا بس سرحت فيك شوية.
أغلق صندوق السيارة واستدار يسألها باهتمام:
_ سرحتي في إيه؟
وضعت حقيبتها على كتفها وقالت بابتسامة عذباء:
_ حاسة إنك شخص مختلف عن آدهم الحارس اللي عرفته طول الفترة اللي فاتت.
فهم ما تقصده بحديثها، وقال برزانة:
_ لإن اللي شوفتيه قبل كده كان بيقوم بشغله وبس. وسبق وقولتلك يا شمس، تقربي منك كان من ضمن الخطة اللي حطناها عشان نوقع راكان، بس اتقلبت ضدي وحبيتك.
وقطع المسافة المتبقية بينهما وهو يستطرد:
_ بكرة هتكوني مراتي على سنة الله ورسوله. هتقربي مني وهتعرفيني على طبيعتي. هحكيلك عن مشاعري وحبي الكبير ليكي. وإزاي قدرتي تحركي قلبي اللي كان مشغول ومش شايف أي بنت حوليه!
وأشار لها بالخروج، فاسندت يدها لصدرها، تربت على خفقاتها المتزايدة لحديثه، وعاونها بما تحمله ليقدمه لعلي الذي عرض عليه الدخول لرؤية المنزل من الداخل، ولكنه اعتذر وأخبره بأنه سيراه بحفلة عقد القران غدًا، فوادعهما وغادر.
***
حمل باقة الزهور الحمراء بين يديه يقلبه وكأنه يتفحص ما يحمله، ثم عاد ببصره لمن يقف أمامه وتساءل بدهشةٍ رغم أنه أخبره منذ قليل:
_ قولتلي الورد ده لمين ومن مين؟!
رغم غرابته، ولكنه اعتاد عليه هكذا، فأجابه حسام:
_ من دكتور علي لمدام فاطمة.
عقد حاجبيه بشكلٍ مضحك وهتف:
_ علي أخويا أنا جايب ورد!
ورفع عينيه له يتساءل:
_ متأكد يا حسام!!
وكأن ما وضعه بين يديه قنبلة ذرية وليست باقة ورد بريئة، فوضع قبالته الظرف المطوي قائلًا:
_ المندوب سلمنا الظرف ده كمان. ولإن حضرتك منبه علينا محدش يدخل مكتب البشمهندسة مايا، جبتهم لمكتبك.
أشار بيده ومازالت رماديته تحيط الباقة بنظرة ساخرة:
_ روح إنت. ومتنساش تسلم أيوب المبلغ اللي قولتلك عليه وتفهمه إن ده المرتب الأسبوعي ليه.
هز رأسه مؤكدًا، ولكنه لم يقمع فضوله فقال:
_ بس الشركة ماشية بالنظام الشهري يا مستر عُمران!
رفع عينيه عن الباقة وسلطها إليه، وردد بعصبية:
_ وإنت مالك دافع من جيب أمك!!
جحظت عين حسام صدمة، فسحب عمران نفسًا طويلًا وردد:
_ يا ابني الله يكرمك، بقالك معايا هنا أربع سنين وعارفني لما بتعصب ببقى طور. فبالله ما تحاول تعصبني، لإنك عارف إن التداخل فيما لا يُعني أمك ده أول شيء بيعصبني!
وتابع وهو يمرر أصابعه على الباقة التي يحملها:
_ يلا انصرف إنت بقى وسبني أشوف حكاية أخويا الدكتور المراهق إيه!
غادر من أمامه على الفور، فترك عمران الباقة على المكتب وأعاد ظهره لمقعده يتفحصه بنظرة شاردة، استند بذقنه على ذراعه قائلًا:
_ الصبح طالعالي من غير قميص، ودلوقتي باعتلها ورد وظرف مقفول!
وتابع ببسمةٍ خبيثة:
_ شكل عِلوة دخل عش الزوجية!!
***
انتهت أخيرًا من حسابات الملف المتبقى أمامها بارهاقٍ، فلقد استنزف جهدًا عظيمًا منها. نهضت "فاطمة" عن مكتبها واتجهت لمايا تضعه من أمامها:
_ شوفي كده يا مايا.
أبعدت عينيها عن شاشة حاسوبها لتراقب ما فعلته فاطمة بانبهارٍ، فاستقامت بوقفتها أمامها وقالت:
_ ما شاء الله يا فاطمة، والله بدون مبالغة إنتي شاطرة ودقيقة جدًا في حساباتك. حتى عمران لسه مورياه شغلك من شوية انبهر بيكِ.
وقبل أن تجيبها، وجدت صوتًا ذكوريًا يقتحم حديثهما:
_ حبيب قلبه جايب في سيرتي، وشكله مشتاقلي، وأديني جيت ألبي النداء!
صوبت له نظرة صارمة لوجود فاطمة، ولكنه لم يبالي ودنى منهما، ووقف قبالة فاطمة يخبرها بابتسامة هادئة:
_ كلامها صح يا فاطمة. أنا شوفت حسابات المشروع اللي اشتغلتي عليه امبارح، فأنا من دلوقتي هعتمد عليكي اعتماد كُلي، وهحتاجك الفترة الجاية جدًا.
سعادتها كانت تفوق حد الوصف، شعرت وكأنها بلحظةٍ أصبحت ذات قيمة. كانت ترى حياتها ساكنة دون جديد أو شيئًا يدعوها للحماس. كل ما بيومها يُذكر هو لقائها بزوجها الحنون. على ذكره الآن تلون وجهها بخجل وشوقًا لسماع صوته الغائب عنها طوال اليوم. بالطبع سيكون مشغولًا الآن بنقل بعض الأغراض للمنزل الجديد برفقة عمه ووالدته.
حانت من مايسان نظرة لما يحمله عمران بين يديه، فرددت بسخرية:
_ جايبلي ورد يا مستر عمران؟
تأمل ما بيده ثم عاد يتطلع لها بنظرة أسقطتها بنبذ عشقه:
_ الكون كله يحضرلك تحت رجلك يا حبيب قلبي، بس الورد ده مش ليكِ.
ضيقت عينيها بنظرة تتحفز للانقضاض عليه، وببطءٍ شديد قالت:
_ أمال لمين يا بشمهندس؟
قدمه عمران لفاطمة وهو يسرع بالتبرير:
_ من دكتور علي الغرباوي لزوجته المصون.
وتابع وهو يخرج من جيب جاكيته الظرف:
_ لأ وبعتلها جواب غرامي!
ابتسمت مايا بحماسٍ، بينما برقت فاطمة بدهشةٍ. حملت منه الظرف والورود ورددت بتلعثمٍ:
_ ليا أنا!
اتجهت فاطمة لمقعد مكتبها بخجلٍ منهما، فلم يشاء أن يُخجلها فقال:
_ لمي حاجتك انتي وفاطمة. عمي بعتلي وقالي لازم نرجع ضروري علشان نساعد معاهم. هستناكم في العربية تحت.
هزت رأسها بتفهمٍ وأغلقت حاسوبها ثم جمعت أغراضها لحقيبتها، بينما نزعت فاطمة طرف الظرف والتقطت الورقة الصغيرة تقرأ ما بها بعينيها وابتسامة عاشقة تزداد مع كل كلمة.
«كانت أجمل ليلة في عمري كله، كنت حاسس إني ملكت الدنيا كلها، قلبي من أول نظرة ضمك جواه ورافض يضم غيرك، بقيتي ساكنة في كل دقة من دقاته يا فطيمة، إني أوصل لقلبك ومشاعرك كان حلمي الأول ودلوقتي إن يكونلي ابن منك حلمي التاني وبفضلك بقى قريب يا فطيمة.. بحبك وحبك بقى علاجي النفسي من كل الضغوطات اللي بمر بيها.. علي...»
ضمت الورقة إليها بكل حنان، وفرحتها لا تسع أحدٌ. لاحظتها مايا وهي تضع هاتفها ومتعلقاتها بحقيبتها فابتسمت لسعادتها وتمنت لها كل خيرًا صادق. وضعت الحقيبة على كتفها وتنحنحت لتفيق الأخرى قائلة:
_ يلا يا فاطمة اتاخرنا على عُمران.
وضعت الورقة بحقيبتها ووضعت الورد بالمزهرية الموضوعة على مكتبها، ثم اتجهت إليها فهبطوا بالمصعد لعمران الذي تحرك بهما على الفور بعدما انهى مكالمته مع جمال يطمئن على والدته التي استردت وعيها وبدأت تتلقى الأدوية بشكلٍ مكثفٍ.
***
بالقصر.
انتقل برفقتهم خادمتين سيواصلون العمل هنا، فحملوا أغراض شمس وزينب لغرفتهن القابعة بالطابق الثاني الخاص بالفتيات. أما الطابق الثاني فصمم على شكل جناحين كبيران جدًا لعلي وعمران، والطابق الأول بأكمله خصص لفريدة وأحمد.
صعدت زينب وشمس تعاون الخادمات بترتيب الأغراض وتبقى علي بالأسفل جوار أحمد وفريدة يتناقشون بتزين القاعة الداخلية للحفل بالغد. فقال أحمد:
_ متقلقيش، أنا اتفقت مع شركة متخصصة هيجوا بكره على الساعة عشرة يعملوا ديكور وزينة بسيطة. لما يوصلوا بلغيهم باللي تحبيه.
هزت رأسها باستحسانٍ، واتجهت لعلي الذي يعمل على حاسوبه ومازالت حقائبه لجواره:
_ ما تطلع يا علي تريح فوق إنت تعبت معانا من الصبح. أو على الأقل خلي حد من الخدم يطلعلك شنطك.
وضع كوب قهوته جانبًا وأجابها ببسمة هادئة:
_ هستنى عمران الأول يختار الجناح اللي يستريح فيه ويكون مناسب للخزانة اللي حابب يعملها.
_ إنت اعظم أخ في الدنيا كلها أقسم بالله.
قالها عمران الذي استمع لحديثه، فجلس على ذراع مقعد علي كما اعتاد وقال:
_ شوف، أنا لو فضلت للصبح أقولك بحبك قد إيه مش هعرف.
وانحنى إليه يهمس بغمزة ماكرة:
_ بس إيه حركات الورد الروشة دي، الظاهر إني استهونت بيك يا دكتور.
منحه نظرة حازمة فضحك وهو ينهض عن مقعده، بينما الأخر يبحث عنها حتى وجدها تدلف برفقة زوجة أخيه.
قاطع أحمد حديثهما حينما أشار لعلي على أحد غرف الطابق السفلي:
_ دي أوضة مكتب نظمتهالك مخصوص يا علي، فيها مكتبة ضخمة لكتبك والأهم فيها شازلونج عشان لو حبيت تعالج حد من العيلة ولا حاجة.
تهدلت شفتيه بابتسامة ممتنة، وراقب باب الغرفة بحماسٍ، فقال:
_ شكرًا يا عمي... مكان زي ده هيريحني جدًا.
لوى عمران شفتيه بتهكمٍ وردد:
_ طيب وأنا يابو حميد.. مفكرتش تعملي ليه خزنة محترمة أنقل ليها ساعاتي وجزمي وكل شيء غالي عليا.
منحه أحمد ابتسامة هادئة، وردد:
_ مكنتش أعرف إنهم غاليين عندك كده، أنا فكرتي عنك إنك بتحب الحديد والأوزان جدًا علشان كده عملتلك في الدور الرابع جيم متكامل بأجهزة رياضية أحدث من بتاعتك.
جحظت عين عمران بانبهارٍ، وسأله بعدم تصديق:
_ قول بجد؟
هز رأسه بتأكيدٍ فهرول إليه عمران ينحني ويحمله من ساقيه فاستند بيديه على كتفيه بصدمة، والأخر يدور به هاتفًا بفرحة:
_ إنت أحسن عم وجوز أم محصلش ولا هيتكرر في العالم كله.
انصدم علي والفتيات حتى فريدة، بينما صاح احمد بغضب:
_ ولد!!! نزلني!
نجحت فريدة بالتخلص من حالة صدمتها فرددت بحزمٍ:
_ عمران!
جذبه علي وخلص عمه منه قائلًا:
_ أيه اللي بتهببه ده!!
عدل أحمد جرفات بذلته السوداء وصاح بتهكمٍ:
_ بتستعرض عضلاتك علينا يا وقح! عارفين يا سيدي انك بتعرف تشيل أوزان ومش محتاجين اثباتات احنا!!
نزع عنه جاكيته وجرفاته وتطلع للدرج بنظرة شقية، كأنه يستعد للصعود للرقص، وصاح بحماس:
_ مش فاضي للرد دلوقتي... ورايا الأهم من أي حاجة... وقت اختيار الجناح المناسب لتنفيذ فكرة الخزانة اللي جاتني.. لما أنفذها وأنزلها على حسابات السوشيل ميديا بتاعتي تقدروا تتابعوا القلبان اللي هتعمله أفكار البشمهندس عمران الغرباوي عن اذنكم!
وتركهم وصعد للاعلى ينتقي الجناح المناسب لتصميماته، بينما صعدت الفتيات لغرفة شمس يستعدون لحفلة الغد.
***
انتهت من ترتيب ملابسها بالخزانة، تلك الغرفة تكبر الأخرى بمساحتها، حتى شرفتها كانت واسعة تطل على حديقة القصر الواسعة. أغلقت زينب عينيها تستمتع بنسمات الهواء الباردة التي تحيطها، توجهت للمقعد الهزاز القريب من السور، جلست عليه وأخذت تهزه برفقٍ حتى استجاب جسدها المنهك للنوم. كانت غفوة مخادعة تسحبها لذكرى قاتلة، تزيد من وجعها.
سئمت من انتظاره، مضت أكتر من ثلاثون دقيقة منذ أن ناداه أحد رجاله، فاستأذن منها وغادر المنزل الذي أصر أن يحضرها إليه بحجة أن يريها أحدث المفروشات استعدادًا لزوجهما بعد أن وافقت أن يزور أخيها ليطلبها بشكلٍ رسمي.
راقبت زينب ساعتها باستياءٍ لتأخره، فخشيت أن يغضب أخيها إن تأخرت بعودتها. سحبت حقيبتها واتجهت للمغادرة، فما ان اقتربت من باب الخروج حيث مكان وقوف "يمان" مع أحد رجاله، استمعت له يخبره:
_ كله تمام يا باشا، فؤاد بيه استلم صفقة الاسلحة مننا على الحدود بنفسه وسلمنا شنط الفلوس.
هز يمان رأسه باستحسان وصاح:
_ والكلب اللي زرعته الحكومة بينا عملتوا معاه أيه؟
لعق شفتيه باجرامٍ مخيف:
_ تويناه يا باشا هو ومراته وابنه عشان يبقى عبرة لمن يعتبر.
برقت بمقلتيها صدمة لما استمعت إليه، فتراجعت للخلف ورأسه يميل يسارًا ويمينًا بعدم تصديق. تراجعت للخلف وكأن هناك شبحًا يتقدم تجاهها.
فارتطم ساقها بقدم الطاولة من خلفها، وعلى الفور سقطت الأنتيكة مصدرة صوت حطام قوي.
أتى يمان على أثره ليتفاجأ بباب الشرفة الخارجي مفتوحًا على مصراعيه. ركض للطابق العلوي يناديها ويفتش عنها بالمنزل بأكمله، حتى قابل الرجل التابع إليه بالأسفل يخبره:
"الهانم كانت بتجري على بره ووقفت تاكسي وركبته."
شدد من لكمته على درابزين الدرج بغضبٍ بعدما تأكد له بأنها استمعت لحديثهما، وأمر فرارها الآن أمرًا كارثي لا ينذر بالخير.
أفاقت من نومها تسعل بقوةٍ، وتلتقط أنفاسها المضطربة بانهيارٍ، وكأن ما رأته يحدث أمام عينيها الآن. ذلك اليوم كان بمثابة صفعة تركت أثرها على خدها إلى هذا اليوم. خروجها من المنزل جعلها ممتنة بأنها مازالت على قيد الحياة.
تأكدت بأن الخوف الذي كانت تشعر به كلما كانت برفقته كان لسببٍ. نظراته الحادة التي تطل وقت غضبه، غيرته المجنونة، همجيته بالتعامل مع أخيها وذاك النادل الذي تطلع لها. كل تلك الأفعال لا تنتج إلا عن مجرم مختل بالفعل.
مر الليل بسكونه وأتى صباح اليوم المنتظر. استيقظ الجميع باكرًا وتجمعوا على طاولة الإفطار ليبدأ من بعدها الجميع بأعمالهم الهامة. فجلست شمس جوار عمران ومالت عليه وهو يرتشف قهوته قائلة:
"مش هتغنيلي النهاردة؟"
وضع فنجانه قبالته وردد باعتراضٍ:
"لا يوم الفرح هغنيلك وأرقصلك كمان.. النهاردة No."
أمسكت ذراعه تترجاه بدلالٍ:
"بليز يا عمران.. طيب غنيلي دلوقتي أغنية."
"النهاردة هكلم أبوكي، قالها و روحي راحت ياني. قال إيه خدودك كسفوكي؟! ... لونهم برتقالي. قال لي دة عيوني استنوكي."
"رديت روح جيب فستاني، اللي متزوق باللولي عقبال كل البنات."
ضحك علي وأحمد المتابعان لها، بينما اشمئز عمران هاتفًا بحنقٍ:
"مبحفظش الأغاني الهابطة أنا!"
برقت بصدمة:
"دي هابطة دي.. أمال ليك في إيه؟!"
خرجت مايا من المطبخ تحمل طبقًا وضع بداخله المسك الطبيعي:
"سيبك منه يا شمس وتعالي علشان نلحق نخلص."
رددت وهي تميل برأسها على كتف عمران:
"مش قبل ما يغنيلي."
تناول علي شطيرة الجبن وأمره برفق:
"غنيلها يا عمران احنا عندنا كام شمس!"
صوب له أحمد نظرة منزعجة مما يفعله وقال بمكر:
"رغم إن صوت الطاووس الوقح ده بيزعجني بس عشان خاطر عيون شمس نستحمله.. غني يا وقح!"
رفع فنجانه يرتشف المتبقي به مرة واحدة وكأنه يبتلع الخمر، وردد بخبث:
"شكلي كده مش هحارب نعمان لوحده... هترتاح إنت لما أقلب على عيلة الغرباوي كلها يا أحمد باشا!!"
تعالت ضحكات أحمد ومازحه وهو يضع قدمًا فوق الأخرى بتعالي:
"لو حاربت العيلة كلها قلبك ميطوعكش تعملها معايا."
ابتسم عمران وقد ارتسمت الجدية على معالمه، فنهض عن مقعده واتجه يحتضن أحمد طابعًا قبلة على منبت رأسه باحترام:
"إنت الوحيد اللي لو وقفت قدام الدنيا كلها أنحني قدامك بكل احترام يا عمي."
ضمه أحمد إليه بحبٍ، وارتسمت ابتسامة مشرقة على وجه فريدة التي تقترب وهي تتابعهما بفرحةٍ.
وبعد قليل نهضت فاطمة وزينب يرفعون الزينة خلف مقاعد العريس والعروس، ومن جوارهما يقف علي على الدرج يعلق الزينة بالمكان التي تشير له فريدة الواقفة بالأسفل بكل عنجهية، وخطواتها تترك أثرًا في نفس ذاك العاشق الذي يراقبها.
على بعد منهم جلس عمران يعد الموسيقى بهاتفه على السماعة الخارجية واتجه لمايا التي تضع المسك على وجه شمس بعناية، وما أن تحرر صوت الموسيقى حتى ارتفع صوته العذب يردد:
"قولي لأمك يابنت جاية الليلة اطلب ايدك ولا بعمري عاقل كنت وحياة الإله بريدك عشت بطول وعرض الدنيا بعمرو راسي ما انحنى لما دخلتي بعمري غني من عمري نشالله يزيدك"
وارتفع صوته مجددًا وهو يحمل مايا عن المقعد يطوف بها بين ذراعيه هاتفًا:
"أنا لما بحب بحن بجنبهدا بحرق بقلب جن لو روح بغيباتك بتحن بتنده وينك"
مال "علي" على مقدمة الدرج يتطلع لفاطمة التي رفعت رأسها عاليًا تقابل حضن عينيه الدافئ وصوت عمران يوثق عشق الدكتور علي ومريضته فاطمة:
"أنا لما بحب بكفي بدربي بدوب بلحظة مني تقرب تضحك روحي بيفرح قلبي بضحكة عينك"
تركها عمران وإتجه لمقعد شمس التي تتمايل بفرحة وهي تستمع إليه، فانحني يضمها من ظهرها لصدره ورأسه مال على كتفها وهو يناغشها بكلماته:
"بيك غلى المهر كتير فكروا بيغلى عليك الغالي بيك عجزني ت تصير عليا نجم وصولك عالي لو فيي ألماس بجيب ما عمرو بيغلى عالحبيب بيرخص لك عمري و بطيب أنا دمي ومالي"
وإتجه تلك المرة لفريدة، مسك ذراعها بخفة ورقص بها ويده تدور بها لتستلقى على ذراعه الآخر مع انحناءة جسده برقي وطريقة أرستقراطية تعلمها جيدًا، فاءت بضحكاتها تعلو وخطواتها توازي خطواته وهو يغني بصوته الرخيم:
"أنا لما بحب بحن بجنبهدا بحرق بقلب جن لو روح بغيباتك بتحن بتنده وينك"
"غمزيني بعينك ياروح بغمزة ببيع الكون وهموع أبعد دنيا منروح بيرخص لك هالقلب و دموع ميلي بخصرك صوبي ميلي تغنجي عليي تغميلي يابني ع ذوقك سميلي وعد تكوني وحدك أمو!!"
وعاد يردد بسمفونية عذبة:
"أنا لما بحب بحن بجنبهدا بحرق بقلب جن لو روح بغيباتك بتحن بتنده وينك"
انتهى من أغنيته وانطلقت الصفقات المتحمسة من الفتيات، وبالأخص زينب التي قالت بانبهار:
"صوتك جميل أوي يا عُمران.. غنتها أحسن من صاحب الأغنية نفسه."
استدار تجاهها وقال بابتسامة بشوشة:
"اعمليها بس وارتبطي وهغنيلك للصبح في فرحك."
تلاشت ضحكتها الواسعة وانغمست خلف ابتسامة بسيطة وايماءة من رأسها امتنانًا إليه.
هبط علي من على الدرج الخشبي يشير للفتيات قائلًا:
"فضوا القاعة العمال وصلوا بره هيكملوا هما."
غادرت الفتيات للأعلى برفقة فريدة، فانقسموا ليستعدوا لارتداء ملابسهم.
جهز عمران طاولة ضخمة بالخارج أمر الخدم بتحضير مشعل ضخم للشواء، وقد جهزوا اللحوم منذ الصباح وبانتظاره.
مرت ساعات النهار طويلًا وأتى المساء، فانزوى كلا منهم بغرفته يستعد لارتداء ملابسهم.
انتهت مايا من ارتداء فستانها الذهبي وقد انتهت من حجابها وزينتها البسيطة، أما عمران فخرج من الخزانة ببنطاله فقط والوجوم يحتل ملامحه وهو يهتف بضيق:
"لازم أعمل الخزنة وأنقل حاجتي بسرعة مش واخد أنا على عدم النظام ده!"
راقبته مايا بابتسامة ساخرة، وطالعت انعكاس صورته بالمرآة تخبره:
"هتتأخر كده يا بشمهندس."
زفر بمللٍ، وأعاد فتح حقائبه مجددًا يبحث عن قميصًا مميزًا لجاكيته الرمادي، انطلقت طرقات باب جناحهما تزف لهما وجود الطارق، فرددت مايا بصوتها الرقيق:
"ادخل."
ولجت شمس للداخل تحمل طرف فستانها الطويل وحجابها وهي تهتف بحماس:
"مايا... عايزاكي تحطيلي نفس الميكيب السمبل اللي كنتِ حطاه يوم حفلة افتتاح دكتورة ليلى."
جحظت بعينيها بصدمة وبرقت لعمران الذي انتصب بوقفته عن الحقيبة يحذرها بعدم الحديث ولكنه ما أن رفع يده حتى رددت كالبلهاء:
"مش أنا اللي كنت عملاه.. عمران اللي كان عملهولي."
ألقى قميصه على الفراش هاتفًا بحنقٍ:
"أدي آخرة اللي يعمل حاجة للحريم!"
رمشت شمس بعدم استيعابًا وتلقائيًا تحركت تجاهه، تقدم له حقيبتها المستديرة التي تخص أدواتها الخاصة، وقدمت له الحجاب، تناول عنها ما تقدمه ورفعه قبالتها بسخرية:
"ده أعمل بيه إيه ده كمان، أشنقك بيه بعد الميكب ولا أربط بيه لسان بنت خالتك الطويل!"
جذبت منه الحجاب ببسمة عريضة:
"sorry نسيت إنك ملكش في لفة الطُرح."
أشار له بسخطٍ على مقعد السراحة:
"اتلقحي عندك أما أستر نفسي وأجيلك!"
رددت باستغراب:
"تستر نفسك إزاي!"
أشار على صدره العاري وهو يهتف بمزحٍ مضحك:
"ملي عينك من العضلات عشان نفسك تتصد من شوال العضم اللي هتتجوزيه."
رفع حاجبها تتشدق بعنجهيةٍ:
"مين ده اللي عضم... ده آدهم حبيبي طول بعرض بحلاوة بجمال بآآ.."
كمم فمها بنظرة حانقة وبنزقٍ قال:
"عيب يا شمس.. عيب تتكلمي كده قدام أخوكي يا حبيبتي.. حتى لو الجثة اللي بتتكلمي عنها هتبقى جوزك كمان شوية."
هزت رأسها تطاوعه حتى لا تستفزه فيطردها من غرفته دون أن يضع لها الميكب، تابعتهما مايا وهي تكتم ضحكاتها بصعوبة، بينما حررها عمران وهو يخبرها بجدية مضحكة:
"اقتنعي إن مفيش راجل في الدنيا كلها عنده امكانيات عُمران سالم الغرباوي.. وده عشان متنصدميش بس!"
وغمز لها بغرورٍ:
"أخوكي عينة واحدة نزلت وقطعوا بعدها الكتالوج!!"
ربتت مايا على صدرها تستمحها بأن تسايره بالصمت وأن لا تستهدف عصبيته، فرددت شمس من بين اصطكاك أسنانها:
"يا حبيبي أنا عارفة ومتأكدة من ده.. طب تصدق بالله أنا بتمنى يطلعلنا حالًا واحدة شبه اللي في الأفلام الهندي وتقول لأ ده ابني مش ابنكم وتطلع مش اخويا واترجاك تتجوزني.. مرضي كده يا عم؟"
حك منخاره بانزعاجٍ ومن ثم ربع يديه حول خصره العاري:
"مش أوي كده!"
وتركها واتجه للداخل مردفًا:
"هلبس وأجيلك نهيص في الألوان لحد ما نوصل للي عايزينه."
توجه للداخل يجذب قميصًا من الخزانة، ارتداه باهمالٍ وخرج إليها يجلس على طرف السراحة، اتخذ خمسة دقائق يتعرف على مستحضرات التجميل من أمامه.
مرر يده على خصلاته وهو يهمس:
"أشكالها اختلفت ليه كده!"
اقتربت برأسها منه لترى ماذا يفعل:
"هو إيه اللي اختلف؟"
أشار لها بانفعال:
"مكانك لو سمحتي محتاج أركز هنا!"
وبعدين أنا معرفش عملتها إزاي مع مايا صدقيني مكنتش متعمد أنها تطلع بالشكل ده.
وعاد يهمس وهو يدقق بوجهها وبالألوان التي يحملها:
"بشرتك أفتح من مايا يبقى نغمق اللون شوية... أممم... خلينا ندمج اللون البني مع اللون ده.... لأ وحش.."
وجذب الآخر ودمجه فاحتل ثغره ابتسامة رائعة، اقترب منها وبدأ مرددًا:
"استعنا على الشقا بالله."
اقتربت منه مايا فابتسم وهو يراها تركز بما يفعله وكأنها تسجل كورسًا مهمًا، وحينما توقف عن دمج اللون فوق عين شمس تطلعت له فوجدته يتأملها بنظرة أخجلتها، وخاصة حينما قال ورماديته تغمز لها:
"حبيب قلب جوزه شكله استعجل ومكيج نفسه وشكله حاسس بالندم!!"
ضحكت وهي تؤكد له بإيماءة رأسها فقال وهو يمنحها قبلة بالهواء:
"ولا يهمك يا بيبي.. حالًا اغسلي وشك وتعالي هخلص أختك وأزينك بإيدي أنا ورايا إيه يعني!"
ضحكت شمس وهتفت:
"عمران بما إنك مهندس وليك في تقنيات الألوان ينفع تختار لي لون مناكير كويس أحطه!"
لز شفتيه ساخطًا، وضرب وجهها بفرشاة الحمرة:
"مفكراني البيوتي سنتر بتاعك... انتي تحمدي ربنا إنّي قاعد أضرب الألوان وبحطلك، أنا أساسًا ماليش في الليلة دي، بس هعمل إيه قلبي الرهيف مش هاين عليه يزعلك وتفكري إني حطيت لحبيب قلبي وفكتني منك، واديني أهو بجتهد عشان أخرج لك شغل نضيف.. سبيني بقا أركز!"
منعت ضحكتها من الانفلات وتركته يعمل بتركيزٍ كما أراد.
بالأسفل.
اجتمع يوسف وجمال وسيف وآيوب، حتى صبا وليلى بالأسفل، ينتظر الشباب انضمام عمران إليهم ويحاول علي بقدر الإمكان التواجد برفقة أصدقاء عمران لحين ظهوره وأصبح سؤالًا واحد يتردد بينهم:
"أين عُمـران؟!"
أتاهم الرد يحلق فوق الدرج، حينما ظهر ببذلته الرمادية الجذابة، ممسكًا بزوجته بيده وبيده الأخرى شقيقته، هبطوا ثلاثتهم وسط نظرات انبهار الفتيات بإطلالة شمس ومايا، والملفت بأنظارهن الدقيقة الميكب الرقيق والمتناسق لكلًا منهما.
بحثت عين شمس تلقائيًا عنه، فانفلتت شفتيها بانبهارٍ من ذاك الوسيم الذي ينتظرها بنهاية الدرج ممسكًا باقة ورد ضخمة من اللون الأبيض، يتألق بحلى سوداء اللون وقميصًا أبيض، تحوم من حوله جرفات سوداء، شعره مصفف بعناية وملامح اللون تتألق بشكل جذبها للغاية.
أما هو فكان يراقب تناسق الفستان الأبيض الرقيق حولها، حجابها الذي تركت أطرافه تنغمر من خلفها، زينتها البسيطة الذي زادت جمالها حد الفتنة.
انتهت خطواتها حتى أصبحت أمامه، قدم يده لها وتمهل بخطواته حتى تناسق خطواتها البطيئة بسبب طول الفستان.
استقروا معًا أمام المحامي، وأحمد يجلس قبالة آدهم، بينما علي يجلس جوار شقيقته يضمها بابتسامة واسعة وهو لا يصدق بأن صغيرته باتت عروس.
لوهلة توقف عينيه على الدرج، فرأى فاطمة تهبط للاسفل برفقة زينب، ترتدي فستان من اللون السماوي، وترتدي حجابًا مماثل للونه، اتسعت ابتسامته وهو يطوفها بنظرة حنونة جعلتها تبادله البسمة، واتجهت لتجلس جوار صبا وليلى، ولجوارها زينب التي لاحظت اهتمام سيف برؤيتها وحملقته بها طوال الحفل.
وبعد أن انتهى المحامي من الإجراءات ووقع آدهم وشمس بارك لهما زوجهما، فنهض آدهم وفاجئ الجميع بضمته القوية لشمس وقبلته التي أحاطت جبينها.
حملها بين ذراعيه ودار بها وهو يهمس لأذنيها:
"سحلتيني من أول نظرة وخلتيني مش عايز غيرك.. بحبك يا شمس."
وأوقفها بين ذراعيه فأمسكت به بقوة حينما شعرت بالدوار، لتقابل بابتسامة واسعة وهمس خجول:
"وأنا بحبك أوي يا آدهم."
ضمها إليه وردد بسعادة:
"خلاص بقيت ملكك وإنتِ كمان بقيتي ملكي يا شمس."
راقب عمران ما يحدث باستياءٍ ولكز علي الذي يتابعهما ببسمة واسعة:
"هتفضل واقف ومُنشكح كده كتير!"
مال عليه علي يخبره بضحك:
"ده جوزها دلوقتي يا حبيبي، يعني بقت في عهدته فريح وروح سلم على أصحابك اللي متجاهلهم دول."
منحه نظرة ساخرة واتجه للمنصة الصغيرة قائلًا:
"استسلمت له بسهولة كده! بس أنا لأ!"
واتجه ليفرقهما عن أحضان بعضهما البعض، ثم ضمها إليه وهو يمنح آدهم بسمة مستفزة قائلًا بمكر:
"معلش يا عريس ما أنا لازم أبارك وأعمل الواجب بردو."
ابتسم له آدهم وأشار له بتفهمٍ، فاغتاظ عمران، كلما حاول مضايقته يفاجئه آدهم ببرودة أعصابه وتقابله الأمر، يُقسم أنه إذا كانت مايا تمتلك أخًا وغمسها بأحضانه مثلما يفعل لغمسه هو بأحضان الموت.
بالأسفل.. على طاولة الشباب.
انفجر جمال ضاحكًا وصاح لهم:
"عمران بيطلع نار من ودانه!!"
ضحك يوسف وردد:
"هيحط آدهم في دماغه من دلوقتي!!"
سيف بضيق:
"صاحبكم ده مجنون والله.. بيغير على أخته من جوزها!!"
زم يوسف شفتيه وردد ساخرًا:
"ما بلاش إنت يا دكتور سيڤو.. أيوب متلقح جنبك أهو ويشهد!"
انقشعت ملامحه بضيق بينما ضحك أيوب قائلًا:
"طلع عمران نسخه من سيف!!"
أضاف سيف بحزن مصطنع:
"آدهم صعبان عليا أوي! عمران محدش يقدر يلاعبه."
رد عليه أيوب:
"لا حضرة الظابط باللي عمله من شوية بين أد أيه هو عاقل وراسي وهيعرف يحتوي عمران كويس متقلقش."
قال يوسف بمزح وهو يضرب كف بكف جمال:
"محدش بيقدر يحتوي الطاووس الوقح اسالني أنا."
انطلقت الضحكات الرجولية فيما بينهم، حتى أدمها عمران حينما أشار لهم بتتبعه قائلًا:
"ورايا يا حلو انت وهو... علشان تبقوا تعرفوا تنموا عليا براحتكم!"
اتبعوه للخارج بدهشة من حديثه، فصعقوا حينما وجدوه يقف جوار طاولة ضخمة من اللحوم ومشعل نار ضخم، أشار لهم ببسمة ماكرة:
"أنا بقول طقم البدل السودة دي حرام تبوظ من دخان الشوي فأيه رأيكم تقلعوا الجواكت.. متقلقوش وراكم اللي يساعدكم."
التفتوا للخلف فوجدوا الخدم بانتظارهم، نزع كلا منهم جاكيته وقدموهم لهم، فعلقوا الملابس على المشجب بينما احتل كلا منهم مهمة.
صاح يوسف بتهكم:
"اانت عازمنا نأكل ولا نشقى بلقمتنا!!"
سعل جمال من رائحة الدخان وهتف:
"أنا غلطان اني سبت أمي وجيت أحضر الحفلة وأخرتها واقف أنش على اللحمة!"
وضع سيف السيخ على الشواية وهو يلقي عمران نظرة غاضبة:
"وانت مقلعتش وجيت ليه تساعد يا عمران."
رفع كتفيه ببراءة مصطنعة:
"أنا أخو العروسة!"
ردد علي بسخرية بعدما نزع عنه جاكيته ولحق بهم:
"على أساس انك عازب وواقف تصطادلك عروسة ولا أيه مش فاهم!"
حانت منه نظرة للداخل وقال بخبث:
"لا وانت الصادق هوقع العريس.. وأهو نجيبه يساعد."
كاد بتجاوزهم للداخل فوقف أيوب قبالته ممسكًا بالخضار والسكين، وقال بسخط:
"سيب سيادة الرائد في حاله يا عمران... سييه يتهنى مع عروسته واحنا شغالين بداله أهو.. اتقي الله يا أخي!"
ضيق جفونه بصدمة وأشار لذاته:
"أنا يتقالي اتقي الله ليه يا شيخ أيوب شايفني رايح أعزمه على ازازة خمرة!"
وأشار بحدة:
"وسع من طريقي خليني أشوف شغلي!"
اجتمعت الفتيات بالداخل تتبادلن اطراف الحديث، فانسدلت زينب من بينهن لرغبتها بالخروج للحديقة، خطت بالخارج وسط الأشجار والزهور باستمتاعٍ، لتخطف نظرات ذلك العاشق الذي ترك ما يفعله واتبعها دون ارادة منه.
تعثر طرف فستانها وكأنه علق بشيءٍ من أسفل قدميها، فانحنت ترى ماذا هناك، تفاجئت بصندوقًا مغلق يخرج منه أداة حادة رفيعة للغاية انغرست بفستانها الازرق الطويل.
ابعدتها عنها وفتحت الصندوق بفضولٍ، فجحظت عينيها بصدمةٍ مما رأته بداخله لدرجة جعلتها تسقط أرضًا وتزحف للخلف وهي تصرخ بفزعٍ وبكاء دفع سيف بهرول تجاهها وانخفض يطوفها بذراعيه وهو يتساءل بهلع:
"في أيــــــــــه؟!"
عاونها على الوقوف أمامه ولكنها مازالت تصرخ بانهيار، فصاح بها:
"زينب مالك؟!"
أمسكت بساعديه ويدها تشير للعُلبة بجنون:
"هيقتلني... يمان هنا.... يمان هيقتلني!!!!!!"
تطلع تجاه العُلبة فاحتقنت معالمه بصدمة وغضب، فشعر بثقلٍ يُفذق على صدره، فاذا بها ترتمي عليه فاقدة الوعي، أحاطها بين يديه بإحكامٍ وهو لا يدري كيف سيعود للحفل بها هكذا، فإتجه بها للأريكة القريبة من حمام السباحة، ثم حمل المياه بيده ونثر بها على وجهها وهو يناديها بقلقٍ:
"زينب.. افتحي عنيكي من فضلك!"
وحينما لم تستجيب عاد يحمل المياه وينثرها مجددًا، هاتفًا:
"زينب سامعاني!"
رددت ببكاء وشهقاتها لا تتوقف:
"سيف!"
تصلبت أصابعه الحاملة لقطرات المياه وأكثر ما يسره سماعها تناديه حتى وإن لم تكن بواعيها الكامل.
استعادت زينب وعيها، فانتفضت على الاريكة تراقب المكان من حولها برعبٍ، فترك ما بيده واتجه إليها يردد بهدوء:
"اهدي يا زينب... مفيش حد هنا."
عادت تتطلع للعُلبة التي تحمل قطة مذبوحة ووجهها مشوه بمياه نار، تراجعت لأخر الأريكة وهي تضم جسدها إليها وعينيها مازالت مسلطة على العلبة، فجذبها سيف ووضعها في صندوق القمامه المجاور لهما قائلًا:
"تلاقيها وقعت جوه الصندوق صدفة."
هزت رأسها نافية وقالت ومازالت تضم جسدها المرتجف:
"هو اللي عمل كده... لما هربت مصر ووصلي هددني بمية نار إنه هيشوهني... وقالي لو هربت تاني هيدبحني.. هو اللي عمل كده علشان يخوفني... هيقتلني المرادي يا سيف... هيقتلني."
أشفق على حالها، فرفع بنطاله من ركبتيه وانحني قبالتها على قدميه يتطلع لها بحنانٍ، ليفاجئها حينما قال:
"تتجوزيني يا زينب؟"
استقرت عينيها التي تفتش بالارجاء عليه ورددت بصدمة:
"أيه؟"
ابتسم وهو يشير لها بجدية تامة لا تناسب الموقف:
"أنا مستعد أحميكي منه يا زينب.. أنا عايز أكون معاكي، عارف إن مستحيل يتولد بينا حب بالسرعة دي بس أنا برتاح لما بشوفك وحابب نكون مع بعض على طول."
نهضت عن الاريكة تشير له بجنون وكأن روحًا تلبستها، وراحت تهتف بتشتتٍ:
"هيقتلك يا سيف..إبعد عني... أي حد بيقربلي بيكون مصيره الموت... إبعد يا سيف."
وركضت لتعود للقصر مجددًا فركض خلفها وهو يصيح بها:
"جاهز لكل ده يا زينب... صدقيني لو بقيت جنبك محدش هيقدر يأذيكِ.."
وقفت محلها تستمع إليه وصوت بكائها يعلو دون توقف، فاستدارت تجاهه تقول ببسمة ألم:
"تفتكر إني مش عايزة إنك تكون قريب وجنبي!! بس صدقني مينفعش إنت متعرفهوش يا سيف، ده شيطان!"
وتابعت وهي تتراجع للخلف:
"إبعد عني يا سيف علشان خاطري ابعد!"
رواية صرخات انثى الفصل الأربعون 40 - بقلم ايه محمد رفعت
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "Aya Hiba"،"سارة كامل"،"هدير السيد"،"أم العبادلة"،"فاطمة علي"،"رانيا رضا" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
ارتدت برأسها للخلف بعينين تبرقين بصدمة، فابتسم آدهم وهو يراقبها بنظرةٍ تتفحص إنعكاس تأثير قربه منها، رمشت بأهدابها بعدم استيعاب، بينما تختلج أنفاسها داخل صدرها بفعل إرتعاش قلبها البريء، تقسم بأنها إن كانت بمفردها معه لفقدت السيطرة على مشاعرها التي نجح هو باختراقها باجتيازٍ.
ابتسم بمكرٍ على ما أحدثه بها وقال مداعيًا البراءة:
_مالك يا شمس؟ انتِ كويسة؟!
لعقت شفتيها بارتباكٍ ورددت ببطءٍ وكأن صوتها احتبس داخلها:
_إنت قليل الأدب يا آدهم!
تمردت ضحكاته الرجولية دون توقف، فرفع يده يزيح دموع عينيه التي تساقطت من فرط نوبة ضحكاته، وقال بحنكٍ خبيث:
_ليه بس يا حبيبي، مش كنتِ زعلانه إني مش بعبرك عن مشاعري وإني قليل الكلام.
خطف نظرة للقاعة الخارجية ودنى إليها يهمس جوار أذنها:
_قولتلك وقت ما تكوني مراتي.. حلالي.. إسمي موشوم جنب إسمك هعبرلك بالشكل اللي يأكدلك إني وقعت في عشقك من أول لحظة عيني حضنت عيونك.. أنتِ كل دنيتي يا شمس!
رفع يده يحتضن خدها مستغلًا تركيزها الكامن على ما يقول، فوضع قبلة على جبينها واسترسل بنبرته الرخيمة:
_إنتِ شمسي اللي نورت عتمة ليلي!
وواصل في سبر أغوارها:
_شمس هانم الغرباوي أنا بعشقك ومستعد أخوض ألف معركة أموت فيها ألف مرة علشانك.
وأكمل بهمسٍ مغري:
_لإنك تستاهلي!
ارتبكت أمامه كالطفلة الصغيرة التي لا تجيد اختيار كلماتها، كانت تظنه هادئًا، لا يحب الحديث كثيرًا، وها هو الآن يفاجئها بغرامه المدفون داخله لها، يجذبها لباحة الرقص على ترانيم عشقًا جعلت قلبه ضعيفًا لا يقوى على مجابهته، بينما يستكمل هو الطريق لكسب المعركة كاملة على قلبها المسكين:
_طلعت ٢٦ مهمة على مدار تاريخي المهني مخسرتش أي عملية طلعتها.. كان أول طريق فشلي هي اللحظة اللي شوفتك فيها وسمعت صوتك.... وكملت باقي الطريق لما لفيتي من مكانك وبصيتي في عيوني!
كل مرة كنت بشوفك فيها كنت برتبك وبخاف أنكشف، مكنتش هقع لوحدي فريقي كله كان في خطر بسبب ظهورك ليا يا شمس!
جذبها إليه بقوةٍ لتلتصق بجلسته على الأريكة، مستطردًا بأنفاسٍ تحشرجت من كثرة مشاعره:
_صعب على أعدائي يكشفوا هويتي، اتدربت إني أكون محصن صعب حد يكتشف أنا مين؟ حتى لو حطوني على أجهزة كشف الكدب كلها مستحيل هيطلعوا مني بمعلومة.. الا قدامك أنتِ!
حسيت إني بضعف قدامك، وجودي جنبك ومساعدتك طول الفترة اللي كنت فيها جوه قصر راكان كان بيعرضنا كلنا لخطر كبير وأنا كنت جاهز ليه علشان بس أشوف ابتسامتك.. أقنعت اللي حواليا إني بتقربلك علشان ممكن استغلك توصلي لينا الملف والحقيقة إني استغليتك علشان أرضي قلبي!
مال يستند بجبينه على جبينها وعينيه تتمعن بحدقتيها الناطقة بعشقه:
_بحبك يا شمس.. بحبك أكتر مما تتخيلي.. أقسملك بالله العلي العظيم إن بعدي عنك طول الفترة اللي فاتت مكنش تقل مني عليكي ولا برود زي ما أنتي فاكرة.. بعدي كان حفاظ عليكي وعلى قيمتك الغالية، بعدي كان عشان أصونك مني ومن مشاعري اللي بتتحرك أول ما بلمحك...
وتابع ببسمة ساخرة:
_قربك كان هيدمر شغلي ويكشفني لأعدائي فما بالك لو قربت وأنا كاشفلك حبي وهويتي .. صدقيني بعدي كان خوف مني إني أضعف قدامك!
فتحت عينيها الخجولة إليه، ورددت على استحياءٍ:
_وأنا كمان بحبك أوي يا آ..
_اسمي الحقيقي علشان خاطري!
_بحبك يا عمر!
ضمها إليه وهو ينتهد بعاطفةٍ، يده تضم رأسها إليه، واليد الاخرى تدفنها داخله، سحبت نفسًا ثقيلًا يليه الأخر من رائحته التي تتسلل لها لأول مرة.
عطره كان هادئًا، لطيفًا مثل شخصيته، لا يفرد طاغيته الا حينما تقترب منه، لذا لم تشعر به الا وهي ساقطة بأحضانه.
فتح عينيه يستعيد وعيه من تلك الحالة التي ستفقده كل مهاراته حتمًا، فتنحنح وهو يبعدها عنه بلطفٍ:
_في حد جاي علينا.
وإتجه لمقعده المجاور للأريكة مسترسلًا ببسمة ساخرة:
_ومن خطواته المتعصبة دي أعتقد إنه عُمران.
برقت بدهشةٍ حينما انفلتت طرقات باب غرفة الضيافة، وطل رأس أخيها من خلفه يخبر الأخر بابتسامة مغتاظة:
_اطلع يا عريس.. عايزك!
هز آدهم رأسه إليه ونهض ليغادر، فأوقفته حينما تمسكت بيده متسائلة بحيرةٍ:
_عرفت ازاي؟!
اتسعت ابتسامته ومال يهمس لها وعينيه لا تفارق باب الغرفة:
_تدريبي كان على إيد شخص خلانا نستخدم حواس الجن نفسهم.. الشخص ده يبقى الجوكر!
_دعواتك أقدر أكسب عمران لصفي لإنه شكله هيحل محل الحمى العقربة!
قالها وهو يودعها بغمزة ساحرة وقبلة طائرة بالهواء، فما أن أغلق الباب من خلفه حتى ارتمت على الأريكة تضم قلبها الخافق، هاتفة بدهشة:
_إنت بقيت خطر على مشاعري يا سيادة الرائد.
وتابعت وهي تزدرد ريقها بارتباكٍ:
_هسافر معاه لوحدي ازاي ده؟!
********
وقف قبالته يمنحه ابتسامة هادئة، وسؤاله يتحرر على شفتيه:
_خير يا عُمران؟
ربع بديه بمنتصف خصره وهو يشمله بنظرةٍ تقيمية، ومن ثم صاح بمكرٍ:
_النهاردة عزمت الشباب على حفلة شوي على شرفك، وكلهم بلا استثناء واقفين برة بيحضروا المشواي في حين إن حضرتك قاعدلي جوه تحت التكيف ومش في دماغك حد!
راقبه وهو يجوب الردهة ذهابًا وإيابًا ولا يتوقف عن الحديث، حرر آدهم جاكيته ووضعه على ذراعه ثم حل أول أزرار قميصه والطاووس مازال يراقبه بعدم فهم، فوجده يشير بيده تجاه الباب المؤدي للحديقة:
_وريني المكان وأنا أساعد.
ارتسمت ابتسامة انتصار على وجهه، فأشار له بتتبعه حتى وصلوا معًا للباب الخارجي، فأمسك آدهم كتفه يمنعه من الخروج ووقف قبالته:
_عُمران أوعى تفكر إني ممكن أغير على شمس منك أو من علي، أنا آه بحبها وبعشقها بس عمر ما حبي وغيرتي عليها توصل لاخواتها اللي ربوها، بالعكس الحنية اللي بشوفك بتعاملها بيها إنت ودكتور علي بتفرحني وبتخليني سعيد جدًا من اختياري.
وضع عُمران يده بجيب سرواله القماشي ووقف يراقبه بثباتٍ قاتل، فتابع بابتسامةٍ واسعة:
_بتخيل شكل الحياة اللي هعيشها معاها لما ربنا يكرمنا بأولاد.. بقى عندي ثقة كبيرة إنها هتقدر تزرع الحب اللي شافته بينكم مع أولادي.. أنا ولد وحيد يا عُمران مكنش ليا لا أخ ولا أخت فمعنديش خلفية عن اللي بيكون بين الأخوات لكن شمس هتقدر تنقل اللي اتربت عليه لأولادي.
طال به الصمت وهو يستمع إليه، فحل يده جاذبًا جاكيت آدهم ووقف خلفه يعاونه على ارتدائه وسط نظرات دهشة الأخير، فقال:
_معناه أيه ده؟
ابتسم الطاووس الوقح وهو يجيبه:
_معناه بسيط.. إني عفوت عنك يا سيادة الرائد... ارجع لمراتك واقعد معاها وأنا هكون بدالك.
ونزع عنه الجاكيت خاصته واتجه للخروج غامزًا له بمكرٍ:
_إنت لسه عريس ميصحش!
اتبعه للخارج والابتسامة تنجرف على شفتيه بفرحة انتصاره الأول، فوجد الشباب بأكملهم يعملون بجهدًا كبيرًا حتى "علي".
جذب عُمران الكماشة الضخمة من" جمال"وأشار له بالتراجع عن الشعلة ليحتل هو محله، تراجع للخلف من شدة الأدخنة، فترك الكماشة ونزع عنه قميصه ووقف عاري الصدر.
ضحك يوسف وصاح بصوتٍ مرتفع ليكون مسموع لمن يقف أمام صوت النيران:
_دي مش حفلة شوي دي حفلة استعراض عضلات الطاووس الوقح على الملأ!
شاركه جمال الضحك وأردف:
_استر نفسك يا عمران الحفلة كلها بنات متخليش البشمهندسة مايا تطلب الطلاق النهاردة!
مسح أيوب بقايا الخضروات عن يديه وقال باستنكارٍ حينما وجد آدهم يجاوره:
_ عملت بردو اللي في دماغك وجبت العريس!
انتبه علي لجملة أيوب فتطلع تجاهه فوجده يقف جواره، فقال بحرجٍ من تصرفات أخيه الطفولية:
_آدهم.. متسمعش كلام الوقح ده وإدخل إنت لعروستك.. احنا خلاص قربنا نخلص.
حرك يده يبعد رائحة الدخن عن أنفه وقال:
_عُمران طلب مني أرجع بس أنا اللي حبيت أجي أبص عليكم عشان لو محتاجين حاجة.
قاطع أحاديثهم ولوج سيف بملامح ممتعضة، فدفع قبالتهم صندوقًا مغلقًا، تابعه الجميع باهتمامٍ وكان أيوب أول من تحدث:
_إنت جايبلي هدية ولا أيه يا سيفو؟
توقفوا جميعًا عن اعداد الطعام وراقبوا سيف الذي تزداد معالمه حدة، فترك جمال ما بيده واقترب من الصندوق الموضوع بمنتصف الطاولات وكشف عن غطاءه، فاشمئزت ملامحه وتراجع للخلف وهو يحجب فمه بيده ولكنه لم يتمكن من الاحتمال فتقييء لذاك المنظر المقزز الذي رأه.
اتجه يوسف لأخيه يسأله باستغرابٍ وحدة لظنه بأنه يمزح بأمرٍ كهذا:
_ده أيه يا سيف فهمني؟!!!
رد عليه وهو يوزع نظراته بين علي وعمران:
_الصندوق ده وصل لدكتورة زينب من يمان بيهددها فيه ببجاحة جوه بيتكم!
قال أيوب بحدةٍ:
_ازاي جاله قلب يعمل كده في حيوان بريء!! وكل ده ليه علشان بخوفها!!
ترك عمران محله وأسرع إليه يلقي نظرة عن قرب، حتى علي كان لجواره، كان الأمر محير للبعض ومفهوم للأخر، فتحرر آدهم عن صمته قائلًا:
_كونه إنه يبعت الصندوق ده في تاني يوم تنقلوا فيه هنا فده رسالة مباشرة إنه يقدر يوصلها في أي مكان تروحه.
واستطرد بوجومٍ قاس:
_اللي عمله مع عمران قبل كده ودلوقتي مع زينب بيأكد إن الشخص ده مش عادي ولازم نتعامل معاه قبل ما يأخد خطوة تانية يا دكتور علي.
سحب نظراته الغاضبة عن الصندوق وتطلع إليه يخبره:
_أنا فعلًا ابتديت أتحرك يا آدهم.. وخليت عمي يطلب حراسة مشددة من شركة معروفة هتوصل بعد بكره يحاوطوا البيت ومش هيفارقوا زينب.
جذب يوسف أحد مقاعد الطاولات وجلس يردد:
_مش كفايا يا علي.. أكيد راجل زي ده مش سهل وهيعمل حساب لوجود الحرس يعني ببساطة يقدر يتغلب عليهم.
جذب جمال مقعدًا وجاور يوسف قائلًا:
_المصيبة إنه وصلها هنا وهي جوه البيت لو مكنش عمل كده كنت قولتلكم خلوها في البيت اليومين دول عما تشوفوا هتحلوا الموضوع ده ازاي!
ركل عمران الصندوق بعيدًا عنهم وصاح بعنفوانٍ:
_ليه فاكرها سايبة بروح أمه ده ميخدش في إيدي غلوة ابن ال****... يظهرلي راجل لراجل وأنا أوريه مقامه.
جلس علي وسحب عمران لمقعد مجاور له هاتفًا:
_عمران اهدى مش عايزين نلفت الانظار لينا.
تحرر سيف عن صمته حينما قال:
_الحل عندي أنا.
اجتمعت نظرات الشباب إليه باهتمامٍ، فتنحنح بخشونة:
_لو أنا ودكتورة زينب اتجوزنا يمكن يمل ويبعد عنها.
جحظت عين يوسف صدمة، فصاح بسرور:
_أقسم بالله كان قلبي حاسس إنك وقعت يالا.. مدام طلبتها بلسانك هجوزهالك حتى لو خطفتها واجبرتها تتجوزك.
لكزه جمال بغضب:
_إتكن يا يوسف ده وقته بذمتك!!
تنهد علي بحزنٍ وصاح:
_ده مش حل يا سيف، شخص زي يمان عمل كل ده علشان يوصلها مش هيتقبل إنها تكون لغيره، فأنت كده بتحط نفسك في وش المدفع لإنه ببساطة زي ما قدر يضرب نار على عمران لمجرد إنه شتمه وهدده يبعد عنها قادر يعملها معاك.. فحاول تخليك بعيد عن الموضوع ده لحد ما نشوفله حل.
جلس آدهم جوار أيوب وقال:
_دكتور علي.. أنا محتاج أتكلم مع دكتورة زينب.. من فضلك ناديها.
لف برأسه لأخيه قائلًا:
_نادي زينب يا عمران.
نهض عن مقعده يجذب قميصه الأبيض، ارتداه بإهمالٍ وولج للداخل، يبحث عنها بين جلسة السيدات.
حضر الحفل بعض النساء الأجنبية ذات الطبقة الآرستقراطية، أغلبهن أتينا الحفل لأجل فريدة، خطف عُمران الأنظار فور دخوله من الباب الداخلي بقميصه المفتوح على مصرعيه وعينيه الرمادية التي تتنقل بين النساء، فأتى على مسمع فريدة قول احداهن:
_يا إلهي.. من هذا الوسيم؟
زاغت الأعين تجاه من استحوذ على عقل تلك المرأة، فجحظت الأعين بفجورٍ اعتادوا عليه الغرب، فأستدارت فريدة تجاه ما يتطلعوا تجاهه فبرقت بغضبٍ، تركت الجلسة وأسرعت إليه تناديه بحزمٍ:
_عُمــرااان!!
تركز ببصره على والدته التي ترنو إليه كالعاصفة، تشير له بحدة:
_أيه اللي مدخلك هنا بمنظرك ده؟!
خطف نظرة سريعة لقميصه ثم عاد يتطلع لها بدهشةٍ، وببساطة قال:
_كنت واقف قدام الفحم فأكيد مش هقف بالبدلة يعني!
شددت على كلماتها بغيظ من بروده:
_إقفل قميصك يا ولد... الستات عينهم هتتقلع عليك!
شملهم بنظرة عابثة ويده تعيد غلق أزرر قميصه، وبوقاحه قال:
_ما أنا طول عمري خاطف أنظار جنس حوا كله أيه الجديد؟!
بحزمٍ صاحت:
_عُمران!
انحنى برقيٍ داهي:
_فريدة هانم!
وانتصب بوقفته ليفاجئها بقبلة وضعها على وجنتها هامسًا بمكرٍ:
_متحاوليش تقوليلهم إني ابنك لان محدش هيصدقك!
وركض من أمامها للأعلى تاركها تتطلع إليه بصدمة، حسنًا فمن سيصدق بأن ذاك الشاب الذي يفوق حجمها مرتين تقريبًا يكون ابنها الصغير! وبالرغم من أن الأغلب من أصدقائها يعرفه جيدًا الا أنها ارتبكت وتوترت من الجمع الحاضر.
استدارت فريدة لتتجه لطاولتها فرفعت يدها تعيد خصلاتها المتمردة للخلف، فنفرت من رائحة يدها التي كانت تستند على صدر عمران فور انحنائه لتقبيلها.
قربتها فريدة لأنفها فوجدت رائحة البرفيوم الخاصة به عالقة بأصابعها، والمقبض لها بأنها شعرت بحاجتها المفاجئة لاستفراغ ما بداخل معدتها.
هرولت للحمام بتعبٍ، تفرغ ما بجوفها حتى انتهت، وقفت فريدة أمام المرآة الخارجية تعيد ترتيب خصلات شعرها ومكياجها البسيط، فاستندت على الحافة تردد بدهشة:
_أنا أيه حصلي!!
واسترسلت بذهولٍ يجتاحها:
_أنا دايمًا كنت معجبة بالبرفيوم بتاع عُمران.. أنا اللي كنت بطلبهوله مخصوص من فرنسا!!
ورفعت رأسها تقابل انعكاسها بالمرآة وكفها يكبت فمها بصدمة:
_لأ... مستحيل أكون آآ... حامل!!!!!!
*******
صعد للأعلى يبحث عنها، فوجدها برفقة زوجته وزوجة أخيه، وزوجات أصدقائه، غضب عمران بصره وتنحنح بحرجٍ من وجوده بجلستهن الخاصة فقال:
_أنا أسف لو قطعت كلامكم.. علي عايزك يا دكتورة زينب تحت.
وقفت فاطمة جوارها تتساءل بقلقٍ:
_خير يا عمران في حاجة؟
أجابها على الفور:
_أبدًا... أعتقد الموضوع خاص بالجامعة بتاعتها.
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، ومع ذلك رسمت ابتسامة صغيرة ومسدت على كف شقيقتها:
_هروح أشوفه عايزني ليه وجاية يا فطيمة.
هزت رأسها بتفهمٍ وأشارت بابتسامة هادئة:
_طيب يا حبيبتي.. متتأخريش القعدة مع دكتورة ليلى وصبا متتعوضش.
ابتسمت ليلى ورددت:
_والله انتوا اللي القعدة معاكم ميتشبعش منها.
ضحك عمران ومازحهن:
_لو القعدة عجباكم كده كنسلوا المرواح واقعدوا كام يوم غيروا جو... أهي تكون فرصة نرجع المتسلطين دول لايام العزوبية ويعرفوا قيمتكم كويس.
غمزت صبا بمكر للفتيات وقالت:
_طيب وليه ميبقاش العكس.. نأخد البشمهندسة مايا عندنا ونعرفك قيمتها؟
ضمت يديها معًا ورمقته بنظرة تسلية، فانصدمت حينما انحنى يميل على كتفيها ويضمها إليه بكل تملك:
_مقدرش أعيش من غير حبيب قلبي... مش إنتي عارفة إني مقدرش أبعد عنك يا بيبي؟
أحمر وجهها خجلًا فتراجعت بمقعدها وهي تردد:
_عُمران!
غمز لها وتراجع متنحنحًا:
_يلا يا دكتورة؟
هزت زينب رأسها بخفة واتبعته للأسفل.
********
أغلق عينيه يقاوم ارتعاش قلبه داخل صدره العضلي، يشعر بخطواتها الرقيقة تقترب خلفه، استدار برأسه من فوق كتفه يراها تدنو منهم برفقة عُمران، يدها المرتبكة تجذب طرف ححابها المتطاير بفعل نسمات الهواء، فستانها ينحدر أطرافه من حولها كالأميرات.
أصبحت قبالته تقف على استحياء، عينيها مثلما اعتاد تهرب من لقاء مُقلتيه، أشار لها علي بالجلوس على المقعد المقابل لآدهم وسيف الذي طلب منه آدهم أن يظل على الطاولة بينما عاد جمال ويوسف وأيوب يتابعون نضج اللحم على المشعل حتى لا تخجل من تجمعهم من حولها.
جلس عُمران جوار أخيه فبدأ آدهم بحديثه:
_دكتورة زينب أنا طلبت من دكتور علي أننا نتكلم شوية لإن باللي عمله يمان ده النهاردة باين انه مش سهل.. فمحتاج إنك تساعديني بأي معلومة تعرفيها عنه.
فور أن ذكر إسمه ارتبكت بجلستها، أصابعها تفرك ببعضها البعض فوق الطاولة بشكلٍ ملحوظ، طال صمتها بشكلٍ أرضخ علي ليناديها:
_زينب!
أجلت حلقها الجاف وهي تجاهد كلماتها للتحرر:
_يمان بيتاجر في الاسلحة... وله علاقات بناس مسنودة هي اللي بتحميه ومخلياه ميعملش حساب لحد.
قدم لها آدهم ورقة بيضاء وقلم أسود:
_اكتبي اسمه كامل وكل اللي تعرفيه عنه يا دكتورة.. ومتقلقيش هنقدر نتعامل معاه.
جذبت الورقة ودونت ما طلبه منها آدهم ونظرات سيف لا تفارقها، فانفرد بصوته الرجولي يخبرهم:
_دكتور علي الفترة الجاية هيحاول يظهرلها بأي شكل، لو الدكتورة هتنزل الجامعة يكون مع حضرتك ورجوعها معاك بردو.. وجوه الجامعة سيف عينه هتكون عليها علشان كده خليته يقعد معانا ويسمع الكلام.
ابتسم بسعادة كونه سيتكفل بحمايتها، يقسم أنه سيفديها بروحه إن تطلب الأمر، فقال:
_متقلقوش طول ما هي جوه الجامعة هتكون تحت عنيا.
لكزه عُمران وفاه بعصبية:
_متسبلش بروح أمك!!
كبت آدهم وعلي ضحكاتهما، تركت زينب الورقة وغادرت للأعلى على الفور.
وزع الشباب الأطباق على الطاولة الضخمة، وجهزوا أطباقًا للنساء، فحملهم علي وصعد بما يحمله للأعلى، تناولت منه فاطمة الاطباق ومررتها لمايا وزبنب ليضعوا الاطباق على طاولة السيدات، بينما اجتمع الشباب بالاسفل، يتناولون الطعام بجوٍ من المرح والحديث المتبادل حتى ساعات الليل المتأخر فتفرقوا جميعًا لمنازلهم.
******
عاد أيوب لشقته، وإتجه لغرفته حينما وجد ضوء غرفتها مغلق فعلم أنها قد غفت، أبدل ثيابه وإتجه لمكتب غرفته الصغير، يضع من أمامه عدد من الكتب ليبدأ مذاكرته استعدادًا لامتحانات السنة الأخيرة من الجامعة.
اندمج بمذاكرته فأتاه رنين الهاتف يزعجه عن التركيز، رفع أيوب الهاتف مرددًا بدهشة:
_أيه اللي مصحيك لحد دلوقتي؟!
أتاه صوت سيف الهائم كالسكير:
_عيونها وألف آه من عيونها، بتحكي مليون حكاية وكأنها تراث أثري، قدامها أنا عاجز حتى إني أفتكر إسمي، وبكل بجاحة واقف قدامها بقولها اللي بينا مش حب إرتياح!! لأ أنا بحبها ونفسي تكون ليا الزوجة اللي تساندني وتعفني عن كل الستات.. أنا عايزها ليا يا أيوب!
رمش بعدم استيعاب لما يستمع إليه، فأبعد عنه الهاتف وهو يتفحص شاشته ليتأكد بأن من يحدثه هو سيف صديقه، عاد يضع الهاتف فاستمع إليه يردد:
_روحت فين يا أيوب.. صاحبك عاشق وغرقان في عشقها!
عاد بظهره لمقعده وتنهد بضيقٍ:
_سيف أنا مش مبسوط باللي بسمعه منك... طول ما هي مش على ذمتك مينفعش تتكلم عنها بالشكل ده.. ثم إنك بأي حق تدقق في لون عنيها وشكلها إنت طول عمرك بتغض بصرك أيه حصلك! عايزها تكون السبب ورا ذنوبك يا سيف ترضهالها؟
أجابه بكل لهفة حملها داخله:
_مرضاش ليها غير بكل شيء جميل إتخلق علشانها... بس غصب عني يا أيوب... عشقها دخل لقلبي غصب عني!
وتابع بحرجٍ مما سيقول:
_عارف لما شوفتها بتتنفض ومرعوبة وهي شايفة الصندوق كان نفسي أجري عليها وأضمها جوه حُضني.. كان نفسي أطمنها يا أيوب... واتمنيت أشوف الكلب ده قدامي أقسم بالله كنت هعرفه مقامه ابن ال***
منع ابتسامة كادت أن تصدح إليه، وردد بعدم تصديق:
_معقول اللي بيتكلم ده سيف!!
رد عليه يجيبه:
_هو بغباوته بس بعد ما وقع في الغرام.. أنا بحبها وعايزها يا أيوب.
ضحك ساخرًا:
_طيب وهي مش موافقة نعمل أيه بقى يا دكتور سيف؟
مازحه قائلًا:
_نخطفها وأكتب عليها غصب عنها يا بشمهندس أيوب
تعالت ضحكاته بعدم تصديق:
_ده إنت طلعت واقع لأقصى درجة وأنا معرفش!
رد عليه بهيام:
_واقع من الدور العشرين والله... من ساعة ما شوفتها النهاردة ومش جايلي نوم... الحمد لله إن يوسف وصلني وروح لو شافني بالحالة دي هياخدني أنا والمأذون واتنين شهود وهيعسكر عندها لحد ما تمل وتواقق.
قال أيوب بمكرٍ:
_بص يا معلم إنت علاجك "عُمران سالم الغرباوي" ، اتصل بيه وهو يُظرفك كلمة بروح أمك المشهور بيها هيأتيك النوم من حيث لا تدري!
زفر بسخطٍ:
_ملقتش غير الطاووس الوقح.. إنت عايز تخلص مني يا أيوب!
جذب الكتب أمامه وصاح بنزقٍ:
_بص يا عم الحبيب أنا بدأت مراجعة عشان الامتحانات قربت، فأقفل الله يكرمك خلينا ألحق أراجع أي حاجة قبل ما غيبوبة النوم تحضر.
تأفف بغضب:
_هقفل وأبقى قابلني لو سهرت.. إنت أخرك نص ساعة وهيغمي عليك مكانك... سلام يا ابن الشيخ مهران.
أغلق الهاتف وابتسم رغمًا عنه حينما تردد إليه ذكرى قلبت عليه الحزن لتجعل مُقلتيه تدمعان تأثرًا
##
_أيوب أنا تعبت، أنا بشيل هم امتحاناتك بسبب التكديرة السودة دي، فأرجوك أنا مش عايز مشاكل مع عمي، هريح هنا جنبك نص ساعه أصحى ألقيك بتكمل مذكرتك.. فاهم.
قالها يونس باستعطافٍ لأيوب الذي يجاهد لفتح عينيه على مكتب غرفته، فهز رأسه يؤكد له بأنه سيلتزم بالتعليمات.
تمدد يونس بإرهاق على فراش أيوب، وقبل أن يغلق عينيه قال:
_متصحنيش الا لو حاجة وقفت عليك أو محتاج شرح حاجة.
هز رأسه وهو يتفحصه بمكرٍ، فما أن سقط يونس بنومه حتى ارتخى أيوب بجلسته، رافعًا قدميه على سطح المكتب، ووضع الكتب فوق رأسه ليمنع ضوء الغرفة من أن يزعجه.
مرت خمسة وعشرون دقيقة حتى فتح يونس مُقلتيه الساحرة بانزعاجٍ، ففتحهما على وسعيهما بصدمة فور رؤيته يغفو هو الأخر.
انتفض عن الفراش يصرخ بغلظةٍ:
_أيــــــوب!!!
سقط عن المقعد فزعًا، فأسرع الاخير إليه يجذبه من تلباب قميصه كاللص، وأعاده لمقعده وهو يدنو منه بنظراتٍ ملتهبة:
_بتستغفلني يا أيوب.. عايز تزعل عمي مني!!!!
وتابع ومازالت يده تقبض على مقدمة قميصه:
_ده أنا سايب شقتي يا حيوان ونايم هنا معاك في اقامة جبرية، بقولك هريح نص ساعة أصحى ألقيك متخمد قبلي! عارف لو عمي دخل علينا هيعمل فيا أنا أيه!!
تثاءب بنومٍ ومال برأسه يغفو على يد يونس مردفًا:
_معتش قادر يا يونس خلاص فصلت... سبني أنام كلها كام ساعة وهنزل الامتحان.
عاونه يستقيم بجلسته قائلًا:
_لا يا حبيب أخوك مش هقدر.. إنت عارف الشيخ مهران بيقتحم الاوضة مرة واحدة مقدرش أواجهه كده.. قوم شد حيلك عما أعملك كوباية قهوة من صنع ايديا.
هز الأخير رأسه، وراقبه حتى خرج للمطبخ فضم الكتاب إليه وغفى من فوقه على سطح المكتب، مرت الدقائق حتى عاد يونس بصينية القهوة وبعض شطائر الجبن هاتفًا بحماس:
_سيحتلك الرومي في السندوتش الرومي زي ما بتحب.. يلا يا بطل كمل مذاكرتك وآآ...
ابتلع باقي جملته بصدمة، فوضع الصينية على المكتب ورفع يده يهوى بها على رقبته صائحًا:
_انت ناوي على موتي النهاردة يابن الشيخ مهران!
زفر أيوب بضيق:
_يا يونس حرام.. انت عارف إني في العادي بنام من ٨ جاي تسهرني لتاني يوم الامتحان... سبني أنام قبل ما بابا يصحيني عشان صلاة الفجر والجو برد أهو وأنا مش قادر والله.
سحب يونس يده للفراش قائلًا بحنان:
_طيب تعالى اتغطى وأشرب قهوتك وهتسهر للصبح.. أنا حتى عملت لنفسي قهوة عشان أسهر معاك.
تناول كلاهما القهوة وبعد دقائق غفى أيوب على كتف يونس وسقط رأس يونس فوق رأسه بعد أن غلبه النوم هو الأخر.
مرت ساعة كاملة وولج الشيخ مهران بجلبابه الأبيض الوقور ومئزره العسلي ليخبرهما باقتراب موعد الفجر، وكعادته يصطحبهما معه لفتح المسجد قبل حضور المصلين، فتفاجئ بيونس يغفو وهو يضم أيوب بين أحضانه كالطفل الصغير.
ابتسم الشيخ مهران وهو يتابعهما بحبٍ، ظل لدقائق يراقبهما ومن ثم تنحنح وهو يستعيد ثباته وصاح بخشونة:
_فوق منك ليه... الفجر قرب يأذن.
انتفضوا بفزعٍ حينما وجدوه أمامهما، فردد يونس بتلعثم:
_متقلقش يا عمي كله تمام.
ابتسم ساخرًا:.
_لا مهو واضح... بقى أشدد عليك إنك تذاكرله أدخل ألقيك منيمه في حضنك يا معلم!
منحه يونس نظرة معاتبه فردد أيوب بخفوت:
_آسف والله.
عاد يونس يتطلع لعمه قائلًا ببسمة واسعة:
_أيوب لسه مخلص مذاكرة وكان بيرتاح قبل صلاة الفجر... صدقني يا عمي أيوب جدع وشاطر اللهم بارك... أنا واثق إنه هيرفع رأسك وهيحقق حلمه وحلمك.
ابتسم الشيخ مهران بحبٍ يحمله لابن أخيه والذي يعد ابنه الأول، فمرر يده على شعره الفحمي الطويل مرددًا بحب:
_واثق فيك قبل ما أثق فيه يا يونس.
وتابع بنبرة فخورة:
_زمان وإنت في تالتة ثانوي كنت خايف لتخذلني، خصوصًا إن مكنش في دماغك غير التجارة وادارة محل اجهزة الكهربائية بتاع أبوك، خوفت متجبش مجموع حلو بس إنت كنت بطمني دايمًا وبتقولي أنا هنجح يا عمي وهجيب مجموع يشرفك وعلى وعدي اني هكمل تعليمي للأخر بس مش هشتغل غير في تجارة أبويا... وفعلًا طلعت راجل وقد كلمتك دخلت كلية حاسبات ومعلومات ومع إن جالك تعين فيها كدكتور جامعة الا إنك رفضت ووقفت في محل أبوك.
وتابع بابتسامة صافية تشق تلك سنوات نجاح ابن شقيقه:
_لما سحبت فلوس ميراثك من البنك خوفت تضيعها منك في شيء يخسرك بس إنت طول عمرك شاطر وجدع... وأهو بفضل الله المحل الصغير بقى دكانين كبار في بعض واسمك بقى يتعمله حساب في شارع النجار كله...وفي كلتا الحالتين رفعت راس عمك فوق يا يونس.
انحنى يقبل يد عمه واستقام يقبل رأسه الأبيض الذي يغزو الشيب كله، وهو يردد باحترام وحب:
_ربنا يخليك ليا يا عمي... أنا ماليش غيرك في الدنيا بعد أبويا الله يرحمه... وربنا يعلم إن أيوب ده أخويا الصغير.
ضمه إليه وهو يربت على ظهره بحنانٍ:
_عارف يا حبيبي... يلا اتوضى وهات أيوب وحصلني على المسجد.
مرر أصابعه على سبحته البيضاء واتجه للخروج وهو يستطرد:
_متتأخرش علشان انت اللي هتقيم الصلاة بدالي النهاردة... واخد دور برد وصوتي تعبان.
أشمر عن ساعديه وهو يهز رأسه بفرحةٍ:
_حاضر يا عمي... مش هتأخر.
وفور خروجه إتجه لأيوب يجذبه عن الفراش صارخًا به:
_قوووم بقى متجبلناش الكلام تاني!!
عاد من ذكرياته بعينين دامعتين وابتسامة صغيرة على شفتيه ، أغلق أيوب كتابه ونهض بتوضئ واتجه لسجادته، يصلي ويطول سجوده داعيًا له من كل قلبه، يلح على الله أن يفرج كرب ابن عمه الشقيق!
******
هل سبق لك وسمعت صوت آنين روح؟ عزيزي القارئ هناك آنين خافت يصدر من داخلك لا يستمع إليه سواك أنت، ألمه الذي لا يطاق لن تستطيع تفسيره لأحدً، ولو اجتمعت كلمات ومفردات الألم لتشرح ما يعنيه لن تتمكن من أن تصل لغيرك مفهوم ما تخوضه روحك المغلولة!
هناك بذاك المكان حيث لن يستمع لصرخاتك أحدٌ ولا يقوى أحدًا على نجدتك، كأنك انعزلت عن بقعة البشر بأكملهم، هناك حيث تشعر وكأنك مغلوب على أمرك فتحاول تقبل واقعك المرير، ومن بين ذلك الظلام الكحيل كان يتقوقع على ذاته، يضم ساقيه لجسده الذي يهتز بعنفٍ ليثبت لذاته بأنه مازال على قيد الحياة، فإن سكن جسده حينها سيفقد إحساسه المدرك بالحياة التي تلزم قلبه اللعين الذي مازال متمسك بتلك الحياة الظالمة!
مال بجلسته ومازالت يديه تلتف من حوله، عينيه الفيروزية مغلقة بقوةٍ رغم أنها اعتادت على العيش بذلك الظلام، الظلام الذي تسلل لأعماقه فلمس أبعد نقطة بها..
عاش حياته كريمًا، مختارًا، لم يذق معنى الذل والاستحقار، وفجأة ألقى لفجوة جردته من كل ما امتاز به حتى ملابسه وحقوقه، وكل ما يمتلكه.
انتزعوا منه إسمه وسمعته التي كد ليصنعها، انتزعوا منه كرامته وكبريائه حتى عائلته.... انتزعوا منه حبيبته وزوجته التي لم يقضى برفقتها غير بضعة أيام، ولكن لما يلاقي اللوم عليهم زوجته هي التي تخلت عنه بملئ ارادتها، فور دخوله إلى هنا بتلك التهمة الباطلة رفعت عليه تلك القضية لتلوذ بالفرار عنه وكأنها كانت تنتظر ذلك لتنال حريتها!
انهمرت دمعة حارقة على وجهه المتورم باللكمات، ولسانه مازال يجاهد للنطق بصوتٍ مبحوح:
_يا ررب.
أغلق يونس عينيه بألمٍ وعاد يردد:
_لا إله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين...
وتابع بقهرٍ وصوتًا خافتًا:
_حسبي الله ونعم الوكيل!
*******
تخفى الليل بظلامه وسطعت شمس يومًا جديدًا ينذر ببداية لمجهولٍ سيحكم قوانين الأيام القادمة.
غادرت زينب برفقة علي للجامعة بعد أن اتفق معها الا تخطو خطوة واحدة خارج الجامعة دون أن يصل بالخارج ويُعلمها بأنه بانتظارها، فصعدت لفصلها لتحضر المحاضرة الهامة التي أتت لأجلها، فمضت الساعتين تسجل خلف المعيد الهام، وبعدها استعدت لتغادر للأسفل تنتظر قدوم علي مثلما أخبرها.
لمحها سيف تجلس بالأسفل بطالتها الخاطفة، كانت ترتدي تنورة واسعة من اللون الأبيض، وبادي من اللون الأسود وجاكيت من اللون الأبيض والاسود معًا، رآها تقرأ بأحد الكتب وتراقب هاتفها بين الحين والأخر، فحمل كتبه والبلطو الطبي الخاص به ثم هبط الدرج إليها.
دنى إليها يتنحنح لتلاحظ وجوده:
_صباح الخير يا دكتورة.
أغلقت كتابها وتطلعت له بمزيج من الارتباك والتوتر:
_صباح النور.
جلس على بعدٍ معقول منها وسألها:
_أخبارك أيه؟ أحسن؟
علمت مقصده بما حدث بالأمس فاشتعلت خجلًا حينما تذكرت قربه منها وهو يحاول أن يُفيقها، لعقت شفتيها الجافة ورددت على استحياءٍ:
_الحمد لله أحسن بكتير.
هز رأسه متفهمًا، ثم تطلع أمامه يراقب الجامعة بعينٍ شاردة، وفجأة قال:
_أيه رأيك لو خرجنا للكافيه اللي اتقابلنا فيه أول مرة... هعزمك على أيس كريم بالڤانيلا زي ما بتحبي ونقعد نتكلم شوية.
ارتبكت مما قال، وهتفت بضيق:
_مش هينفع أنا بستنى علي.. هو قالي نص ساعة وهيوصل.
انزوى بجسده تجاهها وقال:
_زينب أنا محتاج أتكلم معاكي... أنا آآ... أنا بحبك يا زينب وعايز أتجوزك.
اتسعت حدقتيها مما قال، ومع ذلك حاولت السيطرة على انفعالاتها وقالت بارهاق:
_تاني... أنا مش قولتلك مينفعش مصمم ليه تتعب نفسك يا دكتور؟
تعالى صوته دون ارادة منه:
_أنا مش جبان عشان أخاف من الكلب ده يا زينب.. أنا عايز أكون معاكي وواثق إنك بتبادليني نفس المشاعر اللي جوايا وإنك عايزة القرب ده أكتر مني.
وتابع بنبرة هادئة تحاول استمالتها:
_متقفليش أبوابها في وشنا يا زينب... اديني فرصة أدخل حياتك وأنا أوعدك أنساكي يمان واللي جابوه.
تعمد أن يزرع المرح بنهاية حديثه عسى أن تلين ملامحها قليلًا، اقترب سيف منها وقال بعاطفة تسللت لها:
_وافقي إنك تكوني ليا زوجة وأنا هحميكِ منه بروحي يا زينب!
ارتعبت من جملته التي حللت ما سيحدث إن وافقت، بالطبع سيفقد روحه وحياته حينها، جمعت زينب أغراضها ونهضت تهرول من أمامه تجاه بوابة الخروج.
اندهش سيف مما تفعله فحمل البلطو الطبي وكتبه وركض خلفها يناديها بخوف:
_زينب اقفي مكانك متخرجيش الا لما دكتور علي يوصل.
ألقت بحديثه عرض الحائط وخرجت من بوابة الجامعة تحاول إيقاف سيارة أجرة لتفر من أمامه، وسيف مازال يهرول من خلفها يحثها على التوقف.
أشارت لاحدى سيارات الاجرة فدنت منها، أسرعت زينب تفتح بابها الخلفي فجذبها سيف يمنعها من الصعود مشددًا على كلماته:
_زينب مينفعش اللي بتعمليه ده ادخلي جوه استني دكتور علي أو خليني أوصلك لكن مش هسمحلك تآآ...... آآآه.
قطع كلماته صارخًا بوجعٍ طاله مع تلك الضربة القوية التي طالت رأسه من الخلف، جعلته يضع يده على نفورة الدماء المنتشرة من رأسه، فاستدار للخلف فتفاجئ بأربع رجال ذو أجساد مهيبة، أحدهم يحمل عصا حديدية غليظة وتلك الضربة كانت أول هجماته.
جحظت أعينها رعبًا وفور أن استدار إليهم سيف تمكنت من رؤية دمائه فصرخت بهلعٍ:
_سيـــــــــف!!
ترك الكتب منه وقبل أن تطوله ضربة أخرى منع العصا من أن تلمس رأسه وركله بقوة ببطنه فسقط الرجل المقنع أرضًا يتلوى من ضربته، فأتاه الاخر يهاجمه.
تراجع سيف للخلف ويده تبعد جسد زينب الماسد خلفه، هامسًا لها:
_اركبي التاكسي وامشي من هنا حالًا.
تساقطت دموعها تباعًا ويديه تتعلق بذراعه الذي يعيدها خلفه كالستار الذي تحتمي من خلفه، فرددت باصرارٍ وحبًا تمرد بوقته ليخبره بما تخفيه:
_لأ... مش هسيبك لوحدك يا سيف..
وقبل أن يجيبها وجد أحدهم يدنو إليه، فسد سيف لكمته وواجهه ببراعةٍ حينما منحه لكمة حطمت أنفه بشكل جعل الاثنان الاخرين ينتبهون لمهاراته بالدفاع عن نفسه، فعلموا بأنه تدرب على فنون الملاكمة ما يجعله يسد هجماتهما لذا أشاروا لبعضهما اشارة توحي بالغدر والخيانة، فنفذت خطتهما أن يلهيه أحدهما لحين أن يجذب الاخر العصا الملقاة أرضًا ويواجهه بغتة.
تراجع سيف بها للخلف ودفعها لباب سيارة الاجرة المفتوح هادرًا بانفعال:
_اركبي يا زينب وامشي من هنا... أنا هبقى كويس مالكيش دعوة بيا.
بكت وهي تتعلق بذراعه وتراقب من يتقدمان إليه بفزع:
_لاااا... مش هسيبك لوحدك يا سيف.
أبعدها للخلف وهرع تجاه من يقترب إليه، رفع الرجل قدمه ليركله فأمسك بها سيف ورفع جسده ليسقط بثقله على قدم الاخر فصرخ بألمٍ، انهال عليه باللكمات وقبل أن تطوله لكمته الاخيرة شعر بضربة قاتلة فوق رأسه، تستهدف نفس إصابته فجعلت توازنه يختل وما حوله يدور به كالكرة المتراقصة.
أبعده المصاب أسفله عنه بينما الأخر رفع العصا وعاد يصوب ضربة إليه على كتفه، فتألم سيف وتأوه بوجعٍ قاتل، وما يتسلل إليه صراخها المرتعب:
_سيــــــــــــــف.... لأاااااا...
ضربة أخيرة نالت من مقدمة رأسه جعلت الدماء تندثر من فمه وأنفه بغزارة، فسقط جسده مستسلمًا لأوجاعه،ركضت زينب تحاول الوصول إليه وهي تبكي وتصرخ بجنون:
_سيف!!!
منعها أحد الرجال من الوصول إليه، بينما اقترب منه أحدهم يفتش بجيبه حتى عثر على هاتفه فحمله بجيبه وغادر هو ومن معه لتلك السيارة السوداء التي كانت بانتظاره.
اندهشت زينب مما حدث، كانت تظنهم رجال يمان ولكن حينما تركوها وغادروا تيقنت بأنهم ليسوا الا لصوص قاتلة.
هرولت إليه بكل قوتها، انحنت تحمل رأسه النازف ووضعتها على قدميها، فتلوثت تنورتها البيضاء بدمائه، خلعت عنها جاكيتها ووضعته فوق جرح رأسه تكبت النزيف الحاد وهي تناديه ببكاء وتوسل:
_فتح عينك يا سيف... بالله عليك فوق!
كان يستمع لصوتها فمازال لم يفقد وعيه تدريجيًا، رفعت عينيها للمارة المجتمعين من حولها وترجتهم ببكاء:
_فليطلب أحدكم سيارة اسعاف أرجوكم!
أشار لها احدهم بأنه طلبها وبالطريق بالفعل، فانحنت برأسها إليه تخبره بدموع اختلطت مع دماء وجهه:
_الاسعاف على وصول يا سيف... أوعى تستسلم عآآ.... آآ... علشاني يا سيف!
كلمة ثقيلة نطقتها بالكد، ومع نطقها انهمرت دمعاتها على رموش عينيه، فتح سيف عينيه لها ومنحها ابتسامة خافتة ثم أغلقهما مجددًا بسرعة كبيرة جعلتها تظن بأنها تتوهم.
دقائق معدودة وتوقفت سيارة الاسعاف، حملوه على السرير المتحرك بعدما علقوا برقبته مانع الكسور حتى إذا احدثت الاصابة كسر لا يتضاعف مع حركتهم.
كانت لجواره بالسيارة لم تتركه، صوت بكائها، حديثها إليه كل فترة والاخرى، دعواتها إليه برجاء، كان يصل له كل انفعال صغير يخرج منها كان يصل لمسمعه.
وكلما نادته ببكاء فتح عينيه يطمنها بنظرة خاطفة ويُعاود غلقهما تأثيرًا لألمه حتى فقد الوعي بشكلٍ أفزعها وجعل الممرض يصرخ بالسائق:
_إننا نخسر المريض... أسرع!
تعالى صوت بكائها وهمست بارتياعٍ:
_يا رررب!!!
وصلوا للمشفى ودفعوا السرير لغرفة العمليات، فاختل توازنها على الأريكة الحديدية المقابلة لغرفة الجراحة، تتطلع لبابها بشرود تام، وكأنها تحمل مستقبلها ومستقبل حبها بين طياتها.
الدقائق تمر ومازالت متيبسة محلها لا تقوى على التفكير أو الحركة، إلى أن خرجت لها الممرضة تحمل لها قميصه الملطخ بالدماء وبنطاله ومحفظته الجلدية، قربتهم زينب إليها وهي تبكي بانهيارٍ، إلى أن تسلل لها صوتًا رجوليًا:
_محتاجة لحضن حد يا حبيبي!
ودنى إليها مستغلًا صدمتها وتيبس جسدها بأرضها:
_عينك مشتقالي ومتلهفة للقائي وبالنهاية اجتمعنا يا زينب!
تراجعت للخلف وهي تضم أغراض سيف لصدرها وكأنه سيحضر بالحال ليدافع عنها، الصدمة جعلتها كالتي فقدت النطق، فتحاول جاهدة لتخرج صوتها المنقطع داخلها، وبصعوبة بالغة رددت:
_يمان!
.........
*******______********