تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل 101 - بقلم ايه محمد رفعت
رواية صرخات انثى الفصل 102 - بقلم ايه محمد رفعت
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات فاطمة اللامى ـ Asmaa Hmada- ملاك الرحمة ـ
Mai Mohamed- Azza Eletreby- ليالي احمد
Yasmein Mohamed - Om Abdelfatyah
Adel Abd Elaziz - فرجينيا جميله الجميلات ـ Safaa Salh ـ Mayada Mohmed -
Rana Ragab Nail - Fifi Zain -Heba Ibrahim
Mervat Mammdouh - ام حفصه يحيى ـ
، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
شعر بغرابة ما يحدث أمامه، أعين الجميع تشاركها الدمع، وفرحة، عجزت الألسنة عن البوح عنها، يتطلعون لبعضهم البعض في عجزٍ وعدم استيعاب، كانوا ليركضون إليه يمطرونه بالأحضان والقبلات، ولكن ما حدث لهم جعلهم يلتصقون محلهم، يطالعونه في صدمة، الدموع تنهمر دون توقف، بينما تحاوطهم الدهشة والذهول.
نهض "يوسف" عن الاريكة، يتجه إليه ودموعه تنهمر على خديه، بينما يجاهد ليحرر صوته الهادر:
_عُمران!!
سحب بصره الذي يجول بين الاشخاص، لمن يقف قبالته، كان يظن أن هؤلاء الاشخاص يخصون علي، ربما تربطه بهم صداقة، ولكن الأمر يتضح له الآن بعكس ذلك.
جذبه إليه دون أي حديث أخر، يتعلق به بقوة، بينما يهتف ببكاء:
_أنا مش مصدق نفسي!! معقول!!
وأبعده عنه يتطلع فيه بذهولٍ، بينما يرتاب عُمران من عدم تذكره أي شيئ يخصه، وإذ فجأة يركض "آيوب" صوبه وهو يناديه بلهفة:
_عُمــــــــــراااان!
تلقفه من ذراعي يوسف يضمه ويميل يقبل كتفه، بينما تتحول أعين عُمران على أخيه، يحاول أن يفهم من هؤلاء، ولكنه لم يستطع رؤيته فلقد وقف سيف ويونس على جانبه الآخر، يحاوطونه بفرحة مغموسة بدموعهم، بينما يخبره سيف بفرحة:
_دي معجزة وحصلت برجوعك يا طاووس، يوسف كان منهار من غيرك.
بينما ابتسم له يونس وقال:
_حمدلله على سلامتك يا بشمهندس، كنا كلنا مفتقدينك والله.
أحاطه "إيثان" بحبٍ شديد، ونطق من بين دموع فرحته بعدم استيعاب:
_خواجة!!
رمش بتيهةٍ وتوتر من نطقه للاسم، فبات لا يعلم ما يجرى هنا؟ لقد تشابكت جميع الخيوط، والتقمت فوق بعضها البعض بشكلٍ جعله مشوش بالكامل.
نهض علي يبعد جمعهم وهو يشير لهم بالابتعاد، وخز قلبه بألمٍ، حينما وجد أخاه ينازع شيئًا غامضًا، ومازالت رماديتاه تنعكسان على الأوجه بحيرة ودهشة، ارتاب الشباب لأمره فتنحوا جانبًا ليسمحوا لعلي بالمرور، فما أن تلاشى الجمع حتى برز محل جلوس جمال المنصدم بوضوحٍ.
اشتبكت عيني عُمران به، فازداد شعور الألم داخله، أحاطته غيمة كأن قطرات المياه أصمت أذنيه، فبات لا يستمع لحديث أخيه، ولا يرى أحدا سوى جمال، نظر إليه في تيهةٍ وارتباك، وجل ما يضربه بتلك اللحظة أصوات اصطدام سيارة بالرصيف، عبارات متفرقة، صراخ صوت رجولي غريب
بإسمه، على ما يبدو بأنه نفسه صوت الشخص الماثل أمامه، ومن ثم احترق مسمع عُمران صوته هو، وهو يصرخ
«نط يا جمال، أنا هحصلك!!!!»
ازداد ألم رأسه بشكلٍ جعله لا يحتمله، وبالرغم من محاربة كل ما يحدث أمامه الا أنه لم ينزع عينيه من عيني رفيقه المقرب، بينما لجواره يحاول علي السيطرة عليه، يحاول سحب كفيه عن أذنه، وفجأة يتلاشى عنه كل هذا الضجيج، ويعود يوزع نظراته بين الشباب بعجز تام.
تعلق بذراع أخيه، وقال بارهاقٍ وشحوب انتابه:
_أنا عايز أمشي من هنا يا علي.
وأضاف وهو يجاهد تعبه الشديد:
_خدني من هنا.
انصاع له علي، وسنده كليًا ليخرج من الشقة والعمارة بأكملها، عاونه على صعود سيارته وغادر به على الفور.
بينما بالأعلى.
ارتمى كلا منهم بمقعده باهمالٍ، فور أن أخبرهم آدهم بالحقيقة الصادمة، والتي تلخصت بفقدان عُمران للذاكرة.
إتجه يوسف لجمال، يربت على ظهره بابتسامة تزور وجهه الباكي:
_افرح يا جيمي، تؤام روحك رجعلك يا عم.
حرك رأسه أخيرًا عن موضع سكونه، يمنحه نظرة منطفئة، ويجلي أحباله:
_عُمران كان هنا صح؟!
زوى يوسف حاجبيه بدهشةٍ من حالة جمال، لقد تعجب حينما بقى محله ولم يركض لعناقه، فتفسرت حالته الآن إليه، اتجه إليه آدهم والشفقة تكسو ملامحه:
_أيوه يا جمال، عُمران رجع، وكان هنا من شوية، إنت مش بتتوهم.
أزاح دموعه من وجهه واتسعت ابتسامته بشكلٍ غريب، بينما يهز رأسه:
_أيوه، عارف إني مش بتوهم، أنا أصلًا مكنتش مصدق إنه بالضعف ده، وفكرة انه يموت على ايدين الخنازير دول كانت قتلاني، أنا بس متأخد من الموقف، أصله مرجعنيش لحضنه من تاني، يعني رجع ومرجعش، فتلاقيني محستش بيه!!
وأضاف وابتسامته تزداد بشكل أقلق الجميع:
_سمعتك وإنت بتقولهم إنه فقد الذاكرة!، ده كدب يا حضرة الظابط، عُمران بيعاقبنا كلنا إننا مقدرناش نوصل لمكانه، فعامل نفسه ميعرفناش، بس إنت عارف بمجرد ما يعدي يومين تلاتة هيجي جري، هو مبيقدرش يبعد عننا ولا عني أنا بالذات، هو ممكن يكون مستني إني أروحله بس أنا مش هروح هستناه هو يجيني، عشان أنا زعلان منه أوي ووجعي كبير منه، يمكن لو كان سبني معاه في العربية كنت أنا كمان فقدت الذاكرة وقدرت أنسى مرارة الايام من غيره، أو على الاقل أنسى إنه نسيني!!!!
وأضاف ومازالت ابتسامته تعانق ثغره رغم بكاء عينيه:
_مكنتش أعرف ان لحظة ما رماني من العربية كان بيرميني برة حياته كلها، ده ظلم كان المفروض يعرفني اللي هيحصل بعد كده ويسيبني انا أختار، لو قالي إنه هيجي اليوم اللي هيقف قصادي وهو مش عارفني مكنتش سمحتله أنه يزقني أصلًا.
سقطت دموع آدهم في عجز تام أمام وجع جمال الذي أثر في الشباب جميعًا، جاوره يوسف وشدد من دعمه:
_جمال إنت هتموت نفسك باللي بتعمله ده، أنت المفروض تكون سعيد إنه بخير، هو إنت كنت متوقع إنه هيخرج من حادثة مميتة زي دي أصلًا؟؟ وحتى لو مفتكرناش مش هنقدر يعني نخليه يحبنا ويتعلق بينا من تاني؟؟؟ رد عليا، ساكت ليه؟
نهض عن محله اخيرًا وصرخ بوجع:
_أنا مش عايز أبدأ من تاني، أنا عايز أكمل على اللي فات لإنه أساس كل علاقتنا، أنا مش عايز أبدأ في صفحة بيضة ملانه بينا كلنا، أنا أناني وعايزه يحطني في المكانة اللي كنت فيها، أنا عايزه يعرف إني كنت أقرب شخص ليه، عايز أحضنه وهو يعرفني وفاكرني، أنا مش عايز أدخل سباق مش عادل يا يوسف.
اعتلت الدهشة الوجوه، والجميع ييقين أن جمال ليس في حالته الطبيعية بالمرة، دنا منه سيف والحزن يظلم مُقلتيه، ربت على كتفه وقال:
_القلوب بتحن يا بشمهندس، قلبه هيحنلك وهيحس بالصداقة والحب الكبير اللي كان بينكم، إنت أكتر حد اتوجع بغيابه وهو هيشوف ده.
بينما أضاف آيوب وهو يزيح دموع شفقته عليه:
_وفوق كل ده أمل رجوع ذاكرته كبير، آدهم قال إنه بيتحسن جدًا يعني المسألة مسألة وقت.
أكد أخيه الحديث مسترسلًا:
_دي حقيقة يا جمال، تعامله مع علي وفريدة هانم ومراته كان فوق الممتاز، أعتقد إنه كان لازم يشوفكم واحد واحد، يمكن جمعتنا شتته.
أنكس رأسه للأسفل وكتم بكائه، بينما يتزلزل جسده من فرط كبته لصوت بكائه، ربت يوسف على ظهره وقال باكيًا:
_هيفتكرك والله، عارف أنا مش فارق معايا يفتكرني ولا لا المهم إنه رجع وعايش وكويس، أنا عارف إنك متعلق بيه وبتحبه أكتر من نفسك، فخليك واثق إنه هيحبك بنفس القدر، فقدان الذاكرة مش بببدل مشاعر الحب والكره للاشخاص يا جمال.
أضاف إيثان هو الأخر متعاطفًا معه:
_يا بشمهندس اكسبه لصفك وبعد كده احكيله اللي كان بينكم، المهم إنه يتقبلنا كلنا في حياته.
تحدث يونس برزانة:
_عندك حق، وهو بصراحه كان دايمًا واقف مع الكل، وعمره ما أتخلى عن حد أبدًا، فده أقل واجب له عليك أنت ويوسف يا جمال، لازم تحاولوا تساعدوه.
سحب جمال جاكيت بذلته البني، المركون على الطاولة، ومن ثم جذب مفاتيح سيارته، إتجه ليغادر فلحق به يوسف ومضى برفقته خشية من أن يصيبه سوءًا وهو بتلك الحالة.
******
قاد "علي" السيارة وهو يختطف النظرات لأخيه المستند بذراعه على النافذة، بينما يضم جبينه في تعبٍ شديد، وإذا به يخبره بصوتٍ ينازع عدم فقدان الوعي:
_اركن على جنب يا علي.
إنصاع إليه، وإنجرف بعيدًا عن مرور الطريق الأسفلتي، مختارًا محاذاة النيل على أرضية ترابية، فتح "عُمران" باب السيارة، وخرج منها يسعى للاقتراب من المياه، عسى أن يهلك الهواء احتدام أنفاسه، بينما يموج صوت مرور الهواء لقصبته، مصدرًا صوتًا ينم عن عدم مقدرته على التنفس بشكلٍ صحيح.
خر أرضًا يجثو على ركبتيه، ويستند على ذراعه، بينما يغلق عينيه بارهاقٍ شديد، هرع إليه "علي" يميل على ركبتيه مثله، يناديه بخوفٍ:
_عُمران، مالـك؟!
أفرج عن جفونه الثقيلة، وراح يتطلع بأخيه في ضعفٍ:
_مش عارف، حاسس إني مخنوق، في صوت رهيب هيفجر رأسي من قوته!
وتابع وهو يحرر أزرار قميصه لنهايتها:
_مش قادر أتنفس يا علي!
راقب حالته عن كثبٍ، وسرعان ما تخلى عن محله، أحاطه من الخلف بينما يردد بقوةٍ:
_ده عرض نفسي، إنت كويس ومفيش فيك حاجة، خد نفسك وخرجه تاني بهدوء وعلى مراحل.
وأكد عليه وهو يضمه بتمكنٍ:
_أنا جنبك متخافش، اتنفس يا عُمران!
فعل كما طلب منه أخيه، وبدأ ينظم أنفاسه بينما يمرر "علي" يده على ضلوعه وجسده ليساعده بتمرير الهواء داخله، اخباره المتواصل بأنه على ما يرام ساهم في أن يتخطى عُمران تلك النوبة التي تزوره لمرتها الأولى.
استكان لصدر أخيه ومال بسكونٍ، فجلس "علي" بشكلٍ مريح وإلتقفه إليه، فإذا به يميل على ساقه مثلما كان يفعل، في كل مأزق يواجهه كان هو ملاذه وغوثه.
سند "عُمران" يده على ساق "علي" وأغلق عينيه بتعبٍ شديد، مستسلمًا للنوم أخيرًا، وكأنه لم يحظى به منذ شهور، أزاح "علي" دمعة سقطت من رماديتاه تأثرًا بما يخوضه أخوه، وانحنى يقبل جبينه، هامسًا بألمٍ:
_مكنش لازم أعرضك لكل ده في وقت واحد، حقك عليا يا حبيبي.
ومال برأسه لاطار السيارة بينما يستطرد في عجزٍ:
_الكل عانى من غيرك، ويستحقوا إنهم يعرفوا برجوعك.
لفحهما تيار من الهواء، فأبعدت قميص عُمران المفتوح للخلف، فاذا به يرتجف فجأة، رفع "علي" القميص على كتفيه في محاولةٍ لأن يغلقه عليه، ولكنه مال على بطنه من فوق ساق أخيه، ففشل علي في إغلاقه، وعلى الفور إنتزع جاكيت بذلته الردمادي، وأحاط به ظهر أخيه، بينما يحرر أول أزرار قميصه حينما شعر بأن الاختناق انتقل من أخيه إليه هو!
سند رأسه للاعلى ثم مال يطالعه بآعين دامعة، متأثرة على حاله، لطالما كانت حياة "علي" مستقرة، لم يسبق له أن مرت عليه فاجعة حطمته داخليًا الا وكان أمرًا يتعلق بمن يحبهم، لقد أُبتلي في كل من وضع بخانة المحبوب داخل قلبه، زوجته، أخيه، والدته، شقيقته، لقد أُبتلي فيهم جميعًا، ليته هو الذي ابتلي في ذاته، فما أصعب أن يكون مكمن وجعك فيمن أحببت!
أخيه الذي مر بكل الصعاب، بداية من طفولته، ونهاية بمعارك الحياة التي تستدرجه لها، لقد تمزقت عيناه حزنًا على حاله، فاذا به يضمه ويميل فوق رأسه مستندًا به، بينما يهتف بحشرجة بددت حلقه:
_يا رب ناديتك بقلب يملؤه الأمل بالإجابة، فلا ترد قلبِي، اللهم اشفِ أخي، واغرس في نبضه الراحة، وفِي جسده عافية لا تفارقه أبدًا، اللهم اشف أخي شفاءً ليس بعده سقمًا أبدًا.
واضاف والضعف قد تغلب عليه:
_يا رب إنَّ أخي قطعه مني يؤلمني ألمه، ويبكيني تعبه، فاللهم طهر جسده من كل ما يعانيه، لا تدع يالله مكان ألم إلا وقد شفيته، واجعل الصحة والعافية تسري بجسده فلا تريني فيه مكروه يارب، استودعك يا الله أخي وقلبه وعافيته فاللهم أحفظه وعافيه.
******
فور أن استعاد الجميع ثباتهم الفعلي بعد مغادرة جمال ويوسف، هبطوا جميعًا للأسفل، ووقفوا يودعون بعضهم البعض، فإذا بسيف يراقب آيوب بنظرة منفعلة، فأغلق باب سيارته وأتجه إليه يشير باقترابه:
_هو إنت مش بيتك قريب من بيت إيثان؟
هز رأسه وملامح الدهشة تحيطه، فاذا به يستطرد بذهولٍ:
_أمال بسلامتك رايح تركب مع حضرة الظابط ليه؟ المسافة مش طويلة لدرجة إنك تحتاج عربية توصل جنابك، ولو عجزت بدري ولا رجلك اتكسرت فاتفضل عربيتي موجودة هوصلك أنا.
منع آيوب ضحكاته من السطوع، وقال بضيق:
_سيف ظهور عُمران وزعل بشمهندس جمال ملخبطنا كلنا، فبالله عليك ما هي ناقصة يا أخي، وبعدين أنا مش راجع البيت انا رايح لمصطفى الرشيدي باعتلي وقالي إنه عايزني، فمش وقتك خالص.
خرج عن توب صبره الذي يرتديه منذ أشهر، فاذا به يجذبه من تلباب قميصه إليه، ويصيح بعنفوان:
_أمال وقته أمته؟؟؟ طول الفترة اللي فاتت مش معبرني، ولازق في حضرة الظابط، أنا كنت شاكك فيك من لما كنا في لندن وكنت بتسرح بيا بكلمتين البكش بتوعك وحاليًا بقيت مكشوف ووشك الحقيقي باين وضوح الشمس، زي ما صدقت إنه طلع اخوك وعايشلي في الدور بسلامتك.
وأضاف بعد أن طرحه على مقدمة سيارته:
_كم مرة عزمتك إنت والجماعة ورفضت؟ كم مرة رنيت عليك وطنشت؟؟ كم مرة بعتلك تعدي عليا في المركز قبل ما تنزل شغلك؟؟؟ بقيت بقابلك بالصدفة وكل مرة تخلق أعذار وحجج سخيفة!
ابتلع "آيوب" ريقه برعبٍ من رؤية ملامح سيف تثور لتلك الدرجة الشرسة، بينما من خلفه يتابع "إيثان" حوار "يونس" و"آدهم"في مللٍ، أنهاه حينما قال وهو يلهو برمي الحجارة:
_جوز الزغاليل شبطوا في بعض!
فور نطقه لتلك الكلمات الصادرة عنه ببرود، حتى استدار وجوههم تجاه سيارة "سيف" التي تشهد على ما يجرى
اندفع "آدهم" و"يُونس" إليهما، كان أخوه أول من تساءل:
_في أيه يا سيف؟؟
أفلت يده عن عنق آيوب، وتركه يرتب قميصه الأسود وهو يراقبه بهلعٍ، بينما يستدير ليجيبه:
_عربيتي عطلت وبقوله خلي حضرة الظابط يوصلني، قل أدبه عليا ابن الشيخ مهران المتربي!
قطب"يُونس" حاجبيه بشكٍ:
_آيوب شتمك إنت!
رد وهو يشيعه بنظرة جامدة:
_تصور يا أستاذ يونس!!
توسعت مُقلتي آيوب بصدمة، بينما ابتسم آدهم ولف يده حول سيف يلقنه بخبثٍ:
_عربيتي تحت أمرك يا سيف، هات المفتاح وأنا هكلم حد يرجعهالك للبيت، وإنت اتفضل معايا.
رمش بحرجٍ حينما كشف آدهم أمر سيارته التي لم تتعطل من الاساس، فمد يده بالمفتاح له وإتجه يجلس بالمقعد الامامي ليمنع آيوب من الجلوس بالامام، راقبه آيوب ومال لآدهم يتمسك بذراعه كالطفل الصغير:
_روح انت معاه يا آدهم وأنا هاجي وراك مواصلات، لو ركبت معاه وهو بالحالة دي ممكن يخلص عليا، سيف بقى عصبي أوي!
ضحك بصوته الرجولي، وقال يشاكسه:
_تحب أخدك على حجري وأنا بسوق عشان متخفش منه!
رد وفيروزته تتابع سيف الذي يرمقه من السيارة بغضب قاتل:
_روح إنت وبلغ صاصا إني هعدي عليكم بكره، أو أقولك بلاش بكره هأخد سدن وأروح لسيف بكره نتعزم عنده يمكن يهدى شوية!
ازدادت نوبة ضحك آدهم بشكل زاد من وسامته، بينما تتابعه فتيات الحارة اللاتي يمررن من جواره، باهتمام من كنايته ومن بحوزته، فاذا بيونس يربت على كتفه ويخبره باستنكارٍ:
_بلاش لعب العيال ده يا آيوب، وروح شوف الاستاذ مصطفى عايزك ليه، ولو خايف على نفسك فكده كده هو سابلك الكنبة اللي ورا كلها إقعد وخد راحتك فيها.
أكد له آدهم بإيماءة رأسه، فاتجه بهدوء للسيارة، بينما يطرق آدهم على كتف يونس وهو يخبره:
_سلام مؤقت يا يونس، ومتقلقش الضرايب أمورها سهل، طول ما انت وايثان ماشين في السليم محدش هيضرك، انا بنفسي هشوف الموضوع ده.
منحه ابتسامة رسمية، وقال:
_تسلم يا آدهم، في رعاية الله.
اقترب منهما إيثان وصاح لادهم الواشك على الوصول لسيارته:
_خد بالك من الزغاليل دي لتلبس على الرصيف يا باشا.
استدار يغمز له بضحكة شبابية مشاغبة:
_متقلقش يا كابتن أنا أسيطر على دولة بحالها.
وضع إيثان يديه بجيوب سرواله ووقف يتطلع له بابتسامةٍ هادئة، واستدار يتجه إلى رفيقه، فوجده يجلس على الأريكة القابعة بمدخل منزله، فلحق به وجاوره في صمتٍ، أرغم يونس على أن يلتفت له ويجاهد للحديث:
_هو إنت لسه زعلان مني؟
أحاطه بنظرة ثقيلة، وعاد يتطلع أمامه وهو يحرك ساقيه بضجرٍ، شعر "يُونس" بأنه قد تمادى في الأمر، فمال بجسده تجاهه ووضع يده على ساقه، هادرًا في خزي:
_طيب حقك عليا متزعلش، كنت متعصب ومش طايق نفسي، وإنت مصر تعرف أنا فيا أيه، وللاسف الموضوع خاص مش هقدر أكلمك فيه.
راقب إيثان ساعة يده، ثم نهض يشير له:
_قوم خليني أوصلك، قبل ما أروح الجيم.
جذبه بقوةٍ جعلته يرتطم بالاريكة الخشبية:
_هو ده ردك على كلامي يا إيثان؟
واجهه بعنفوان، ونبرة متعصبة:
_عايزني أقولك أيه يعني؟ من يوم ما إتجوزت وانت بوزك قدامك شبرين ومش طايق نفسك، سألتك مرة ومليون عشان أعرف مالك وإنت ساكت ومبتتكلمش وجاي دلوقتي تقولي الموضوع خاص ومش هينفع أتكلم فيه؟!! من أمته وفي بينا حدود يا يونس، من أمته وإيثان بقى غريب عنك؟؟؟؟ أنا أي حاجة بتحصلي إنت أول واحد بجري عليه، ولما حصلت مشكلة تمس عرضي وشرفي لجئت ليك، عشان عارف إن اللي يمسني يمسك، وجاي إنت تبني حوليك حواجز وتقولي مالك؟!!!!
تزحزح بجلسته بعيدًا عنه وهتف بوجومٍ:
_مش أي حاجة ينفع إنها تتقال يا إيثان، وبعدين أيه يدخل علاقتنا باللي أنا بمر بيه!
تعلقت به نظراته الحزينة بدهشةٍ، ولوهلة شعر بأنه لم يعرفه جيدًا، ابتلع العلقم القابع بحلقه، وهتف:
_مين قالك إني عايز أعرف تفاصيل، أنا بس عايز أعرف مالك؟ مين زعلك ووصلك للحالة دي؟
زفر بضيق، ورغمًا عنه ارتفع نبرة صوته:
_مش عايز أتكلم يا إيثان، هو بالاجبار يا أخي؟!!!
شق صدره بحديثه القاس، وإذا به لا يحتمل رؤيته، فسحب الحديث عن لسانه، وإتجه ليعبر من بوابة منزلة الحديدية ليغادر، اندفع يونس إليه يمسك بذراعه:
_أنا آسف يا إيثان، أنا بقيت متلخبط ومش عارف اعمل أيه؟! كنت فاكر إن كل مشاكلي هتتحل لما أتجوز أنا وخ.. أم فارس.
حتى إسمها يخشى نطقه أمام رفيقه، فكيف سيخبره بما يضيق بصدره، رفق إيثان بحاله فور أن علم بما به وبمن يضيق صدره، فقال:
_خلاص يا يونس متكملش، إهدى أنا مش زعلان منك انا زعلان عليك وإنت عارف.
ثم أضاف بعد دقيقة من الصمت:
_لو كانت الظروف غير دي كنت قولتلك روح لدكتور علي، اتكلم معاه لو الموضوع مرتبط بحالتك النفسية، هو أكتر حد هيقدر يفيدك.
تركه ومال تجاه مدخل المنزل الخارجي:
_فكرت في الحل ده بس استبعدته لان الأمر يخصها هي مش أنا يا إيثان، إزاي عايزني أروح أتكلم عن مراتي في أمور خاصة بينا قدام راجل!!
تأكدت شكوك إيثان بأن الأمر الذي يمر به يونس ليس هينًا بالمرة، شحذ همته ولحق به للخارج، يخبره بتريث:
_الراجل ده دكتور نفسي هيساعدها وهيساعدك، وكلامك عن أمورك الشخصية هيكون بهدف الوصول لحل، وبالنهاية الامر خارج عن ارداتك الا بقى لو عايز تفضل في المعاناة اللي انت فيها دي كتير.
وأضاف وهو يربت على كتفه بحزن:
_اسمع كلامي يا يونس، دكتور علي فرق في علاجك أوي، وهيقدر يحل اللي بتمر بيه دلوقتي، بكره تتصل بيه وتأخد منه معاد، لازم تقابله وتتكلم معاه!
*****
سيطر "آدهم" على ضحكاته بصعوبة، وهو يراقب النظرات الشرسة بين سيف من جواره وأخيه من خلفه، كأنهما طفلان صغيران بكل ما تحمله معنى الكلمة، فتنحنح بخشونة:
_أيه يا شباب، مالكم كده في أيه؟
كان أخيه أول من مزق رداء الصمت:
_إسأله هو، لو مبطلش يتعامل معايا بالهمجية دي أنا اللي هبلكه المرادي من حياتي كلها.
منحه آدهم نظرة محذرة من المرآة الأمامية للسيارة، وأشار باصبعه:
_آيوب عيب!!
لكم المقعد من أمام وعاد يستند بظهره للخلف، فاستدار له سيف وقال بحدة:
_إنزل من دور الثقة الزايدة دي انت متعرفش تبلك حد أصلًا، وخصوصًا أنا، ومتقلقش أنا اللي هقطع علاقتي بيك تمامًا لانك متستهلش، إنت صاحبي بالاسم بس، مالكش وجود ولا دور في حياتي!
برقت فيروزته في صدمة:
_أنا صاحب بالاسم يا سيف!!
أكد له بثقة:
_أيوه، لما متسألش عليا كل ده، ولازق في حضرة الظابط ليل نهار يبقى ده إسمه أيه؟
تبسم آدهم وهز رأسه بعدم تصديق، بينما يهمس بصوت غير مسموع:
_أيه شغل العيال ده؟ كان الله في عونك يا دكتور يوسف!
ورفع من صوته ليصبح مسموعًا:
_اهدوا كده انتوا الاتنين، واتكلموا بهدوء بحيث نقدر نحل المشكلة المطروحة!
صرخ آيوب بانفعال:
_نحل أيه يا آدهم، ده فضحنا في كل مكان تكونوا فيه، بقيتوا كلكم بتتعاملوا معانا كأننا أطفال!!
وأضاف بسخط:
_أنا بقيت بتحرج بسببه وبسبب طريقته معايا!
رد عليه سيف وقد استدار إليه:
_على فكرة بقى الكل عارف ان انت مقصر معايا ومحقوقلي جدًا كمان .
فتح آيوب النافذة من امامه وهو يهتف بضيق:
_استغفر الله العظيم واتوب اليه.
قالها وعاد يتطلع تجاهه، يخبره:
_يابني هو أنا كنت لاقي وقت لنفسي، مش كلنا اتسحلنا في حوار عُمران، ومن بعده كان آدهم بيعمل العملية وكنت جنبه، قصرت معاك آه، بس مقصر مع نفسي ومع كل اللي حوليا!
استدار إليه وأجابه:
_ده مش مبرر صدقني، ثم إنك كان معاك فرصة تراضيني بيها ونطلع نسهر في أي كافيه، ألقيك ببساطة طالع مع حضرة الظابط ومروح معاه، وإنت نايم طول الايام اللي فاتت معاه، أيه مش قادر تستغنى عنه!
مال آدهم إليه في دهشة فاذا به يستدير تجاهه ويخبره على مضض:
_لمواخذة يا باشا.
منحه ابتسامة يرسمها بالكد:
_خد راحتك يا سيڤو.
أشار له بامتنان ومال للخلف يستعرض باقي حديثه:
_وبعدين أنا مش كلمتك أكتر من مرة تجيني المركز؟
انفجر فيه آيوب بحدة:
_أجيلك فين؟ عشان نتخانق وتفضحنا قدام دكتور علي، مش كفايا اللي عملته فوق!! ولا همك اللي حصل مع بشمهندس جمال، وكله كووم وإنك شمت إيثان فينا ده كوم لوحده.
فصلهما آدهم حينما قال:
_آسف على المقاطعة بس عندي سؤال فضولي، شايفكم بتحترمونا كلنا، دكتور يوسف، بشمهندس جمال، معلم يونس، وأنا لحد اللحظة دي بردو حضرة الظابط! اشمعنا بقى إيثان!!
رد عليه آيوب ومازالت نظراته تحتد بسيف:
_لازم نحترمهم يا آدهم لانهم أكبر مننا بكتير، فرق من ٥ لـ٩ سنين.
منع ضحكته من الانبلاج، واستمر بالمتابعة:
_ما إيثان الفرق بينكم نفس الرينج.
أجابه سيف بتلقائية:
_هنحترمه إزاي وهو بيتعمد يقلل من آيوب وبيضايقه في الطالعه والنازلة! والله لولا خايف من يوسف لكنت مطوحه مكانه.
تحررت ضحكة آدهم الرجولية بعدم تصديق من قوة علاقة سيف وآيوب، بالرغم من انهما دائمًا في مواجهة بعضهما البعض.
عاد سيف لآيوب يهدده:
_على فكرة يا آيوب أنا هشتكيك لباباك.
ابتسم ساخرًا منه:
_أي واحد فيهم بقى! وبعدين تعذب نفسك بزيارة واحد فيهم ليه وأخويا الكبير جنبك، اشتكيله يا عم اتفضل.
ضرم النيران إليه فاذا به يهدر بعنفوان:
_إنت مصر تخرجني عن شعوري، أنا مش عايز أعرفك تاني سااامع.
حاول آدهم تهدئة الامور بينهما وحينما فشل، أوقف سيارته بسرعةٍ جعلت سيارته تحتك بالرصيف بعنفوان، وبصرامة مخيفة هدر فيهما:
_انزلوا.
تطلعوا لبعضهما البعض في غرابة، وكان آيوب أول من استنكر فعلته:
_آدهم!!!
ردد بعصبية وهو يشير لهما بانذاره الاخير:
_انزلوا حالًا وألا...
قالها وسحب سلاحه الموضوع بتابلو السيارة، فاذا بهما يلوذان بالفرار من السيارة، سحب آدهم مفتاح سيارة سيف، فتح النافذة وألقاه بوجهه هادرًا بانزعاجٍ من كلاهما:
_وصل صاحبك في طريقك.
قالها وانطلق بسيارته كالذي يقود طائرة جوية، بينما يقفان كلًا منهما في مواجهة الاخر بنفور، ومن دون كلمة واحدة عاد كلاهما لحارة الشيخ مهران، قاصدين سيارة سيف المتروكة أمام عمارة إيثان، وتحركوا معًا ليوصل سيف رفيقه لمنزل آدهم الذي ألقاهما على الطريق بانزعاج منهما!
جذب هاتفه يحرر الاتصال بزوجته، ثم وضعه بعد أن فعل المكبر الصوتي، فاذا بصوتها الرقيق يأتيه:
_كابتن آدهم!
ابتسم وهمس بنبرته المغرية:
_شمس هانم! ها معاليكِ جاهزة، أنا قدامي عشر دقايق بالظبط وهكون عندك.
صمتت قليلًا، ثم رددت على استحياءٍ:
_بس أنا ملحقتش أشبع من عُمران، عشان خاطري يا آدهم خلينا هنا يومين كمان، أنا مش مصدقة إنه رجع، انا محتاجه أكون جنبه الفترة دي، تعالى إنت بس هنقعد ونتكلم هنا أحسن من الموبايل.
أجابها بصوته العميق وبتفهمه لما تقول:
حبيبتي أنا مش معترض إننا نفضل معاه، بس أنا بقالي كام يوم ببات معاكِ في القصر وبابا لوحده في البيت، النهاردة بكلمه من الصبح مش بيرد عليا وزعلان من بعدي عنه، وهو حالته الصحية مش أفضل حاجة أرجوكِ قدري ده.
شعرت بالذنب لما تسببت بفعله بدون أي قصد منها، فتحلت بالصمت ومن ثم قالت:
_خلاص روحله إنت وسبني أنا مع عُمران، وبكره هروح لبابا مصطفى أطمن عليه وارجع تاني.
=طيب وأنا!! أنا ممكن في أي لحظة يجيلي استدعاء لأي مهمة، والله أعلم سفري هيكون لمدة أد أيه؟ مش حابب إننا نبعد بالشكل ده، أنا عايز أشبع منك ومن وجودك جنبي يا شمس!
تنهدت بحزنٍ شديد، وقالت بعدما حسمت أمرها:
_هقوم أجهز شنطتي، على ما توصل.
أوقفها حينما قال برفقٍ منه:
_لا، هعدي عليكِ بكره بليل تكوني قضيتي اليوم كله مع عُمران.
ابتسمت بفرحةٍ لحقت نبرتها السعيدة:
_تمام يا حبيبي، ميرسي أوي على مشاعرك النبيلة دي.
مال على مقعد القيادة للخلف:
_حبيبي!! إنتِ بتحاولي تغيري قراري صح؟
أسرعت بالرد، ضاحكة:
_أبدًا والله، أنا بس بشكرك مش أكتر.
سرد لها بخبث:
_إبقي اشكريني بكره براحة راحتك.
وأضاف وهو ينجرف لطريق منزل أبيه:
_بكره هعدي عليكِ بدري باذن الله، عشان هنعدي على دكتور يوسف في المركز قبل ما نروح، يمكن يكون علي كلامه صح ويكون ولي العهد شرفنا يا شمس هانم.
تلاقاها الفرح وبرز في صوتها:
_يا رب يا آدهم، أنا نفسي في بيبي شبهك أوي.
ابتسم وقال:
_لو ولد بتمنى فعلًا إنه يجي شبهي لإني مش هيجي من قلبي أشد عليه وهو وارث منك شبه ولو بسيط، أكيد هضعف قدامه زي ما بضعف قدام جمال عيون مامته، ولو بنت فأكيد هدعي من كل قلبي إنها تورث جمالك ورقتك وطيبة قلبك يا شمس!
تعالى صوت أنفاسها المرتبكة عبر هاتفه، فرسمت أمامه صورة مصغرة عن احمرار وجهها خجلًا من حديثه، اتسعت ابتسامته وقال بحنان:
_يلا يا حبيبي ارتاحي وبكره لينا مكالمة قبل ما أشوفك بليل، تصبحي على خير.
قالها وأغلق هاتفه، بينما جلست هي تمسد على بطنها بأملٍ زرع داخلها، وتمنت أن تكون شكوكهم صحيحة حيال أمر حملها، فكم تود أن تحمل ثمرة حبهما داخلها في أسرع وقتٍ.
******
فتح عينيه بانزعاجٍ، على صوت رنين هاتفه القابع بجيب سرواله، فوجد أنه مازال يتخذ من ساق أخيه وسادة له، وجاكيته يدثر جسده، استقام "عُمران" بجلسته، يراقب أخاه بحرجٍ:
_أنا فضلت كل ده نايم!
تبسم علي وأجابه وهو يغلق أزرار قميص أخيه المتحرر:
_وفيها أيه؟! لو مرتاح هنا ممكن نفضل للصبح عادي.
رفرف بأهدابه الكثيفة وهو يتمعن بالفراغ بشرودٍ، جعل علي يناديه بقلق:
_سرحان في أيه؟
عاد بوجهه للقاء عينيه المهتمة لسماع الاجابة، فهتف بحيرةٍ:
_حاسس آن قعدتنا دي اتكررت قبل كده.
اتسعت ابتسامة "علي" وقال بمزحٍ مضحك:
_لو قصدك قعدتنا على الارض جنب العربية فآه اتكررت مرة في لندن، لكن لو على استيلاءك على رجليا فده أنت متعود عليه يا حبيبي.
وأضاف ضاحكًا:
_بس كل مرة كنت بترشيني بفنجان قهوة وكتاب، المرادي القعدة ناشفة!
نجح برسم الضحكة على وجهه، فزحف حتى استقر جواره، يستند بظهره على السيارة مثلما يفعل علي، طال الصمت بينهما حتى عاد الهاتف يدق مجددًا، رفع عُمران الهاتف، فاذا بصورة مايا مرسومة على شاشته وأعلاها (My little sweetie)«حلوتي الصغيرة!».
ترك الهاتف جانبًا ومال تجاه علي، الذي ردد بتخمينٍ:
_مشتت؟
هز رأسه بخفة، وشكى له ما يشعر به:
_حاسس إني تايه ومحتار يا علي، محتاج وقت أقدر أتعامل فيه معاهم، خصوصًا دلوقتي.
تنهد بقلة حيلة، وشعور الذنب يطارده، زفيره خرج على مرات متتالية، ولحق به:
_ده غلطي أنا، إنت مكنتش جاهز تقابل أصحابك بالتوقيت ده، بس صدقني كلهم كانوا مجروحين وزعلانين عليك.
قطع حديثه حينما ضم كفيه بين يديه قائلًا:
_لا يا علي، أنا اللي أصريت عليك بظهوري لكل اللي حواليا، أنا كنت حاسس نفسي جاهز ومستعد، بس لحد ما آ...
راقبه "علي" باهتمامٍ، وسأله بحيطةٍ:
_لحد أيه؟ قولي أيه اللي حصل معاك، اتكلم واحكيلي يا عُمران.
ارتابت معالمه في توجس، انتشل يديه من بين كفي علي، وقال:
_مش عايز أتكلم حاليًا يا علي، عايز أرتاح أنا تعبان.
ضم وجهه بلهفة وخوف، بينما يتفحصه بنظرة متفحصه:
_تعبان مالك؟ تحب نرجع تاني للدكتور؟
هز رأسه ينفي له، بينما يوضح ما به بالتحديد:
_قلبي وجعني، حاسس بقبضة وخوف غريب.
دفع رقبته إليه، ليتمكن من أن يحتويه بين ذراعيه، بينما يهمس بصوت قشعر جسد عُمران، الذي يشعر في حضرته وكأنه طفلًا صغيرًا:
_بسم الله على قلبك حتى يهدأ ، حتى يطمئن ، حتى يأخذ الأمان ويبتسم، بسم الله على خاطرك حتى يجبر، بسم الله على نفسك حتى تطيب ، استودعك يا الله أخي وقلبه وعافيته فاللهم أحفظه وعافيه.
تعلق به وابتسامته تزداد فرحة بأنه يمتلك أخًا حنونًا مثله، ظل يمسد على ظهره بيده حتى هدأ كلاهما، فإذا بهاتف عُمران يعود للرنين مجددًا، أبتعد عنه علي وأشار له بلطف:
_رد يا حبيبي، مايا زمانها قلقانه عليك.
وزع نظراته بينه وبين الهاتف بنظرة مشوشة، ومن ثم قدمه له، قائلًا بصوت مبحوح من فرط الألم العالق فيه:
_مش جاهز أتكلم مع حد وأنا في حالتي دي.
قدر علي ما يجتازه، والاصعب عليه أنه يعلم جيدًا بما يعانيه أخيه، التقط منه الهاتف وابتعد عن محيطه يتحدث مع زوجه أخيه، يخبرها بأنهما عائدان للتو، وحينما استدار وجد أخيه قد اعتلى السيارة، فصعد جواره وعاد كلاهما لقصر الغرباوي.
******
وصل "آدهم" إلى المنزل، ولج للداخل ينزع جاكيته الجلد، ووضع مفاتيحه وأغراضه الشخصية، بينما يشمر عن قميصه الأسود، ليبرز عروق ذراعيه البارزة، اتجه للمطبخ باحثًا عن أبيه، فوجده يجهز السفرة وآيوب لجواره يساعده.
تابعهما بابتسامةٍ فرحة، يود لو أن يبقيا هكذا للأبد، تنحنح متعمدًا اصدار صوت لينتبه أبوه لوجوده، فما منه الا أنه طعنه بنظرة غاضبة، وحرك المقعد خاصته يستكمل ترتيب الطاولة متجاهله تمامًا،وآيوب يتابع رد فعله بذهولٍ.
تحرك آدهم إليه، ومال يقبل يده بحبٍ:
_عامل أيه يا حبيبي؟
سحب كفه منه وتحرك يجذب باقي الاطباق، بينما يتابعه آدهم باستغرابٍ، فأشار آيوب له بأن يتمهل، وإتجه إليه يشاكسه بابتسامته البشوشة:
_مالك يا صاصا، شادد حيلك على آدهم ليه؟
ترك ما بيده على طاولة الطعام، وفاه بغضب:
_والله فيه الخير إنه لسه فاكر أبوه، إسأله كان فين طول الفترة اللي فاتت دي؟ وعرفه أنه لو جاي يبص عليا فأنا كويس، خليه يرجع مكان مهو جاي.
تحرك آدهم إليه، وانحنى قبالته يعاتبه:
_ممكن تفهمني أيه المقابلة والكلام الغريب ده، أنت عارف أني كنت مشغول بحوار عُمران، ومكنش ينفع اسيب شمس ولا أهلها في ظروف زي دي!
جابهه بغضب وصرامة:
_لكن تسيب ابوك عادي! أساسًا شمس قاصدة كل اللي بيحصل ده، مش عاجبها عيشتنا فحنت لعيشة القصور بسرعة، وكل ده ما هو الا تلكيكة عشان تقعد معاها هناك وتسيبني.
اتسعت مُقلتي آدهم في صدمة من حديث أبيه، فلجم غضبه بصعوبة وقال بهدوء:
_بابا متنساش إن اللي بترمي عليها تهمك دي تبقى مراتي، وبعدين قصور أيه اللي بتتكلم عنها، شمس عمرها ما كانت بتفكر بالطريقة دي، ولو كانت زي ما بتقول مكنتش وافقت تتجوزني من الأول!
خشى آيوب أن يحتدم الأمر بينهما، فمال على آدهم يشير له:
_اهدى يا آدهم، هو ميقصدش أكيد.
أبعده آدهم جانبًا، ووقف في وجهة أبيه يتطلع له باستنكار لما حدث له فجأة:
_أنا مستغربك بجد، اللي توقعته منك إنك هتكون متفاهم، شمس خسرت أخوها وكانت بتمر بظروف صعبة، وحتى لما رجع رجع فاقد الذاكرة ومش فاكر حد، من يوم ما اتجوزنا وهي مشافتش يوم واحد حلو معايا، اللي اتعرضت ليه ده أنا كنت السبب فيه، ولما اتعميت كنت بطلع كل سلبياتي عليها ومع ذلك استحملت ووقفت جنبي، مستكتر عليا أكون جنبها في ظروف زي اللي بتمر بيها دي هي واهلها اللي مشفناش منهم غير كل خير، نسيت علي وعُمران عملوا معانا ومعايا أنا بالاخص أيه؟؟ بلاش انا، عُمران أفضاله على آيوب لا تحصى، تحبه يقولك عمل معاه أيه بره وجوه مصر؟!
تحلى عن صمته أخيرًا بحزنٍ عمق نبرته، وهو يوزع نظراته بينهما بالتساوي:
_يابني أنا مقصدتش ده، أنا عارف إن شمس وأهلها ناس محترمين وبيحبوك، بس أنا خوفت أنها تبعدك عني، هي أكيد مش سهل عليها تبعد عن أهلها، خوفت تستغلها فرصة وتفضل إنت معاها على طول هناك فأخسرك أنت التاني.
ترك آيوب آدهم واستدار يتطلع إليه، محاولًا فهم نهاية حديثه الغامض، فاذا به يبكي بانهيار:
_أنا ماليش حد من بعدك يا ابني، لما سبت البيت كنت حاسس أنه زي القبر اللي بيضيق عليا، أنا عاجز ولا قادر أجبرك ترجع ولا قادر أجبر أخوك يجيني، أنا خسرت ابني وعملت كل حاجة عشان يقبلني بس مازال بيعاملني كأني غريب عنه، تقوم انت كمان تسبني!!!!!!
عُصف بقلب آدهم بدرجة جعلت جسده يهتز فجأة، فأجبر جسده يتحرك تجاهه، هاتفًا بمحبة وندم مرير:
_مفيش مخلوق يقدر يبعدني عنك، أنا كمان ماليش غيرك وآ..
تراجع بمقعده للخلف وألقى الاطباق من فوق ساقيه:
_أقف مكانك أنا مش عايز حد جنبي خلاص، لو عايز ترجع لمراتك وتكون معاها إرجع، ولو أنت كمان عايز ترجع للشيخ مهران أبوك إرجع، ومتقلقش مش هتصل بيك تاني ولا هجبرك تيجيني.
قالها وتحرك بالمقعد لغرفته، تاركًا كلًا منهما يحدقان بالفراغ، فاذا بآدهم يتجه لأقرب مقعد ويجلس عليه في عجزٍ تام، تكاثرت مسؤولياته بشكل جعله يكون أول المقصرين في حق أبيه.
بينما تتدفق دموع آيوب في خزي، كان يفعل ما بوسعه حتى لا تشعر الحاجة رقية والشيخ مهران بانتمائه لغيرهما، فأتى بظلمٍ بين على أبيه، أزاح دموعه وإتجه لاخيه يضع يده على كتفه ويناديه بخفوت:
_هنعمل أيه يا آدهم؟
استدار إليه وقال بعد تفكير:
_ادخله إنت يا آيوب، مش هيجيله قلب يطردك.
تحرك دون كلمة أخرى لغرفة مصطفى، وقف يستجمع نفسه أمام بابها الموصود، الارتباك والتوتر يحلان به، بينما يجاهد لضبط انفعالاته الحزينة، طرق على الباب وولج دون أن يستمع لأذن الدخول، فإذا بأبيه يواريه ظهره، وجهه للشرفة الزجاجية الطويلة.
تنحنح مصدرًا صوتًا خشن حتى ينتبه له أبيه، فاذا به يزيح دموعه ويردد بضيق:
_اخرج يا آدهم، اخرج وسبني لوحدي، مش عايز حد.
انغمرت فيروزته الدموع تأثرًا بضعف أبيه البادي من صوته الهزيل، رأسه المنحني على مقعده، هيئته الدامية مزقت نياط قلبه، فإذا بلسانه يردد رغمًا عن قوته بالتحكم بألفاظه:
_بابا!
رفع مصطفى رأسه عن انحناءته، فور ما استمع لصوت آيوب، والصدمة تتمحور فيه لنطقه الكلمة المحظورة عنه، ظل يتطلع أمامه مشدوهًا، وببطء استدار للخلف تجاه محل وقوف آيوب، فأسرع يلف مقعده ودموعه لا تتوقف عن التدفق:
_قولت أيه؟!
لم يستطيع أن يتماسك وهو يرى أسمى امنيات أبيه أن يناديه بما يخصه، ركض آيوب إليه وانحنى يميل على ساقيه، يقبل يديه معًا وهو يخبره ببكاء:
_حقك عليا، أنا حرمتك من أبسط حقوقك، أنا كنت أناني.
ابعد يده عنه وضم فيها وجهه، بينما يشاركه البكاء:
_لا يا حبيبي أنا اللي غلطت وغلطتي متتغفرش، إنت عملت الصح، أنت مش أناني، لو كنت أناني كنت منعت نفسك من زيارتي، أنا كل ما ببعتلك بتجيني ودي بالدنيا عندي.
رفع نفسه يحتضنه وهو لا يسامح ذاته فيما فعل، بل ردد بابتسامة واسعة:
_ يعني انت راضي عني يا بابا؟
قشعر بدنه لسماعه الكلمة مرة أخرى، فشدد عليه بحب وقال:
_راضي عنك وعمري ما زعلت منك ده انت حتة من قلبي يا آيوب.
طبع قبلة على جبينه، ومال يتطلع لعينيه فابتسم له مصطفى بحب، يينما يستغل آيوب فرصته ويقول بخبث:
_طيب قولي يا حاج هتسامح أخويا كمان ولا هتبقى ظالم تسامح واحد و تسيب التاني؟
ضيق عينيه بمشاكسة محببة لقلبه:
_فين أخوك ده مش شايفه يعني؟! ، هو بعتك محامي عنه ولا أيه؟؟
_أنا لو اترافع في حقي مليون محامي مفيش حد فيهم هيقدر يرفع عني الذنب اللي عملته.
قالها آدهم وهو يميل على الحائط من خلفهما، يتابع ما يحدث بسعادة ودموع تتلألأ رغمًا عنه، انقبض قلب مصطفى بوحشية، لأول مرة يرى الدموع في عيني ابنه، بل كان هو سنده وداعمه الأول، فاذا به يردد بوجعٍ:
_عمر!!
تحرك آدهم تجاهه وانحنى على ركبتيه يستقبل ذراعيه المفتوحان، مال على كتفه برأسه وعينيه تتطلع لارضية الغرفة في خزي، والصمت يلجمه عن الحديث، مما اقلق مصطفى على حالته، فربت على ظهره العريض، وقال:
_متزعلش مني يا عمر، أنت طول عمرك تحت رجليا يابني، عمرك ما قصرت معايا، بالرغم من شغلك وحياتك كنت دايمًا أنا من أهم أولوياتك، أنا بس خوفت تبعد عني، وتمشي من هنا، حقك عليا إنت وشمس، شمس اصيلة وبنت ناس، مشوفتش منها حاجة وحشة، ولو هي عايزة تستقر عند أهلها حقها يابني هي اتربت وسطهم وواخده عليهم فآ..
قاطعه آدهم حينما ابتعد يواجهه:
_شمس راجعه بكره بالليل، مكانها جنبي ومرتاحة معايا، عايزة تكمل معايا أنا مش مع عيلتها، شمس حابة بس تعوض غياب عمران عنها مش أكتر.
وتابع بينما يتصل بعينيه ليصدق ما سيقول:
_أنا عمري ما هتخلى عنك لأي سبب من الاسباب، ولو كلامك ده كان صح وشمس حبت تعيش مع عيلتها فتأكد إنك هتكون انت اختياري، ووقتها هقولها كل شيء قسمة ونصيب.
صاح بفزعٍ:
_لا أوعى تقول كده، ربنا ما يجيب فيك ولا فى أخوك أي شيء وحش يا حبيبي، ويفرحني باولادكم قبل ما أموت.
تلفظ كلاهما معًا:
_بعد الشر.
ابتسم مصطفى بفرحة وقال لادهم:
_آيوب قالي يا بابا من شوية يا آدهم سمعته؟؟
انهمر الدمع على وجه آدهم، تأثرًا بلهفة أبيه، فهز رأسه بالنفي مع أنه سبق واستمع لكل ما جرى بينهما، فاذا بآيوب يرنو منهما وهو يزيح دموع تأثره بهما، قائلًا بمرحٍ:
_لو بتسعدك كلمة بابا دي هصدعك بيها طول العمر، بس انا واقع من الجوع وإنت عامل أكل ريحته تجوع أصلًا، انتوا باعتين تجيبوني تمرمطوني هنا، ابنك يرميني على الطريق وانت تمنع عني الأكل!!
توسعت مقلتيه في دهشة، ومال لادهم يسأله بدهشة:
_انت رميت أخوك على الطريق يا آدهم؟!!!
ضحك وهو يخبره:
_ربنا ما يوقعك مخلص ليه هو وسيف صاحبه، مش بس هتطرده من البيت انت هتتبرى منه يا صاصا!
انفجر ثلاثتهم من الضحك، فاذا بمصطفى يشير لهم:
_طيب يلا نكمل كلامنا على السفرة، الاكل زمانه برد!
******
احترم "علي" رغبة "عُمران" بالبقاء بغرفة منعزلة بالطابق الخاص باستقبال الضيوف، شعر بأن شيئًا قد حطم تقدمه اللحظي بعد رؤيته للشباب ولجمال بالأخص، شك في أنه استرجع ذكريات يوم الحادث، وتلك النقطة ستظل مصدر اضطراب لأي شخص فقد الذاكرة.
وها هو يجلس الآن بغرفة تصغر جناحه بكثير، يقلب في الصور التي وجدها بهاتفه، وجميعها صور شخصية له ولزوجته، فلقد أخبره علي بأنه هاتفه الشخصي، وأنه يمتلك هاتفا أخر خاص بالعمل وبأصدقائه!
فتح القائمة واستخرج رقم "موسى"، ثم حرر زر الاتصال به، حتى استمع إلى صوته يجيب بنومٍ:
_ألو.
وحينما لم يأتيه الرد قال بضيق:._مين معايا؟؟؟
ابتسم عمران وقال يشاكسه:
_لسه بتنام بدري زي الاطفال اللي وراهم مدرسة الصبح بدري.
=خواجــــــــه!!!!!
_عندك حق متنساش صوتي، أنا كلي على بعضي متنسيش أصلًا!
=وحشتنا والله العظيم كلنا زعلانين، غيابك قطع فينا كلنا يا خواجة، انا لسه كنت بقول لصابر من شوية نكلمك تيجي تقعد معانا، بس قالي مينفعش نكلمه دلوقتي أكيد ملهي مع عيلته.
_انت تكلمني في أي وقت يا موسى، أنا كنت هكلمك امبارح بس إنشغلت، المهم طمني عليك وعلى قمر.
=كلنا بخير يا خواجه، المهم انت عامل أيه؟ والذاكرة رجعتلك لما شوفت عيلتك ولا لسه؟
ضم زواية أنفه ببسمة حزينة وقال:
_لا لسه، الظاهر إني مكتوب عليا أكمل هنا وهناك وأنا مش فاكر عن نفسي حاجة.
=متقولش كده، ربنا شايلك الاحسن كل ده الخير ليك مش ده كلامك ولا أيه يا عم الشيخ! ده أنا بسببك معتش بفوت صلاة الفجر، وبصلي الفروض كلها بالجامع والله.
اتسعت ابتسامته فرحة به، وقال بصوتٍ عذب:
_ربنا يباركلك يا موسى، أنا عايزك تجيب صابر وقمر وأبلة صباح وتجي تقضي يومين معايا، ومتقوليش الورشة، أنا كلامي أمر عليك ونافذ ولا ناسي؟
استمع لصوت ضحكاته الرجولية بينما يجيبه:
=طاووس وقح وقح يعني مفيش كلام، بس إنت اللي هتجيلي هنا الاول عشان كتب كتابي على الابله، وبعد كده هنجيلك احنا يا عم، وهجيلك مرة كمان بعد الفرح نقضي الهيرموني ده.
ضحك بملء ما فيه وصحح له:
_الـ honeymoon ، ركز يا أسطا بدل ما الأبلة تخلعك من قبل وصول المأذون!
شاركه الضحك وقال:
_متقدرش تعملها وقعت في حب الاسطى واللي كان كان يا بشمهندش عمران!
رد عليه عمران بضيق:
_خلينا في خواجة مؤقتًا لحد ما نتعود على الاسم.
واضاف باهتمام:
_تعرف إن في شخص هنا المفروض إنه من اصدقائي ناداني بخواجة! وشكله كان بيناديني بيها كتير.
أكد له موسى برزانة:
_يمكن عشان كده مستغربتش الاسم وقت ما ناديتك بيه.
تنهد بضجر وقال:
_يمكن.
طرح عليه موسى سؤالًا فضوليًا:
_طيب طمني لقيت صاحبة الخاتم؟
على ذكرها ابتسم عُمران حينما تذكرها، ورد بإيجازٍ:
_لقيتها مستنياني وكان عندها ثقة إني راجعلها.
وأضاف حينما شعر بحاجته للراحة:
_يلا مش عايز أسهرك أكتر من كده، هكلمك بعدين، ورقمي معاك اتصل بيا من غير ما تستأذن حد.
رد عليه موسى بتأكيد:
_هكلمك مرة والتانية والتالتة هدوشك متقلقش، مع السلامة يا خواجة.
أغلق الهاتف بينما يلقيه على الفراش، وهو يستكين على المقعد بتعبٍ، فوقع بصره على الباب الزجاجي المؤدي للتراس، فرأى خيالا لأحدٌ يقف بالخارج.
خرج يتجه إليه، فوجدها تقف قبالته، تتطلع له بحزنٍ شديد نقلته له بسؤالها:
_قررت تبعد عني من تاني يا عُمران؟
شعر بالخزي من قراره بالبقاء منفردًا، فخطى ليكون قبالتها بالخارج، وقال بتعب:
_حاسس إني تايه وحبيت أكون لوحدي، آسف لو ده ضايقك.
هزت رأسها بخفة وتركته واتجهت للاريكة البعيده عن نطاق الغرفة، بل كانت متصلة بشرفة الغرفة المجاورة له:
_ادخل ارتاح، أنا مش هتطفل عليك متقلقش.
بقى محله على بعدٍ منها، يقف أمام شرفة غرفته وهي تجلس أمام شرفة الغرفة المجاورة له، وحينما وجدته يتطلع لها، ظنت بأنه لن يتمكن من النوم بسلام إن كانت هي تجلس هكذا، فولجت للغرفة وأغلقت بابها الزجاجي، ثم انطلقت للفراش وجلست تبكي من فوقه.
لقد بات جناحها بردًا قاسيًا بفقدانه، والآن يريد منها أن تبقى فيه بمفردها لتعود لذلك المأزق من جديد، فضلت أن تعيش معه بطابق الضيوف، وبالغرفة التي تجاوره، عساها تشعر به.
مزق وابل دموعها صوت طرقاته على باب الشرفة، فاذا بها تزيح دموعها وتسيطر على نفسها مستدعية كل القوة التي فرت عنها، واتجهت بثبات تفتح الباب وتواجهه بصمت، ضم شفتيه معًا في حيرة لما سيبدأ به الحديث، فقال دون ترتيب منه:
_إنتِ مش في جناحك ليه؟
تعمقت في رماديتاه بقوةٍ:
_ما أنت كمان مش فيه!
تنهد بقلةٍ حيلة وقال:
_غصب عني.
ردت بنفس النبرة:
_وانا كمان غصب عني.
عاد بعينيه لاحتضان عينيها الدامعتان، المشاعر تتواصل مع بعضها البعض في لقاءٍ أضرم نيران قلبه بشكل أعجزه عن فهم ما أصابه!
سقطت دمعة من عينيها، بينما الصمت يختلج الغرفة الواسعة من حولهما، تنطق عينيها بمواجهة صريحه له أنه سيتعرف عليها على الفور، وإذا بها تمزق جموده قبالتها بسؤالها الذي وضعت فيه كل بؤسها وحزنها:
_في واحدة تانية دخلت في حياتك يا عُمران؟
تعجب مما قالته، بينما تندرج دموعها دون توقف وهي تستطرد:
_هي نفسها البنت اللي شوفتها معاك في العربية صح؟؟
الصمت يموج عليه من تأثير دهشته بحديثها، بينما يخرج عنها تهديدًا صارمًا:
_أقسم بالله لو كنت عملتها ما في مخلوق بالكون كله هيقدر يرجعني ليك تاني يا عُمران، أنا مش مستعدة أدخل في حرب مع واحدة تانية عشانك، الحرب الاولى كنت متوقعه نتيجتها، لكن المرادي بالشخص اللي قدامي ده مش متوقعه حاجة!
قالتها واستدارت لتغادر خشية من أن تتأذى حالته بحديثها الذي خرج منها دون ارادة، فإذا به يمنع رحيلها حينما أمسك ذراعها، وأعاد بها قبالته من جديدٍ، وتلك المرة يحكم بيديه من حول وجنتها، فيجبرها على الاقتراب والتطلع له، بينما تبعد يديه وهي تهدر بارتباك:
_إبعد عني!
تغاضى عما طلبت، ومال يستند بجبينه على جبينها بينما يهمس لها بهدوءٍ:
_مفيش حد دخل حياتي، أنا مش من طبعي الخيانة، أقسملك بالله إن عيني ملمحتش طرف واحدة ست طول ما دبلتك كانت في ايدي!
وأضاف وهو يعيد تأكيده لها:
_قلبي مكنش بيدق بالطريقة دي غير في قربك إنتِ يا مايا.
فتحت عينيها الآن تقابل عينيه، وبرعشة اكتسحت نبرتها تساءلت:
_بجد يا عُمران؟
منحها ابتسامة جذابة، بينما يختار ما تحب أن يقوله لها:
_بجد يا عمره وروحه وحياته كلها.
مالت تلك المرة إليه، تلجئ لضمته، فإذا به يطوقها بعاطفة تفوق عاطفتها الهشة، بكاؤها كلما استمع لصوته يتلقى ضربة من سوطٍ قاسٍ، فاذا به يترجاها:
_كفايا عشان خاطري، بلاش تعذبيني بالشكل ده أنا مش متحمل يا مايا.
أزاحت دموعها، وتعلقت به مجددًا، تخبره بانهاكٍ وتعب:
_أنا تعبانه وعايزة أنام، بس خايفة أقوم مش ألقيك جنبي.
مرر يده على حجابها وقال بصوته الرخيم:
_أنا ماليش مكان غير جنبك يا مايا، اطمني.
ثم اتجه بها للفراش، فاعترضت وقالت باصرار:
_لا هننزل جناحنا وهتنام في سريرك.
منحها ابتسامة سلبت عنها عقلها، وقال:
_أوامرك كلها مجابه يا بيبي.
ابتسمت على كلمته واتجهوا معًا للمصعد، ومن ثم ولجوا للجناح، ليشاركها عُمران للمرة الاولى له الفراش بالجناح الذي صممه خصيصًا له، تمدد وهي لجواره بعدما نزعت حجابها.
راقب خصلات شعرها الموضوعة جوارها على الوسادة، تنساق بنعومة، بينما عينيها لا تترك خاصته حتى استسلمت للنوم.
ابتسم وهو يجذب الغطاء من عليها، وتجرأ لاول مرة وطبع قبلة صغيرة أعلى جبينها، ثم تمدد هو الآخر وما حدث له بشقة الشباب لا يترك مخيله، حتى غلبه النوم هو الآخر.
غفى ساعات قليلة ونهض يتسلل من جوارها، اغتسل وحمل سجادته والقرآن الموضوع جانبًا، ثم هبط للحديقة، مثلما كان يعتاد أن يفعل.
أقام ليله في ذكر الله، صلاة قيامه لطالما كانت وستظل النجاة من كل ما يمر به، يطول في سجدته ودموعه تلامس مكان سجوده، يدعو الله أن يزيح غمته، ويفرج كربه.
انتهى من اداء ثلاثة عشر ركعة، وجلس يفتح مصحفه ويرتل بصوته العذب، المسموع من حوله لمساحاتٍ تضج بالحياة، وهو يردد بكل خشوع:
«وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى»
قالها ودموعه تنساق على وجهه دون توقف، وبينما هو ينسجم بين يدي الله، إذ يأتيه صوتًا باكيًا من خلفه، يعاتبه:
_كده يا عُمران، بتخلف بوعدك معايا، قولتلي هنصلي القيام مع بعض، وسحبت كلامك؟
نهض عن محله يسرع بمساعدة والدته بصعود الثلاث درجات الفاصلة بينهما، وهو يقول بابتسامة جميلة:
_كنت قاعد مستنيكِ يا حبيبتي، ومردتش أصحيكِ، خوفت تكوني تعبانه من الحمل وبتريحي!
وقفت قبالته تتشرب ملامح وجهه بشوق، تود أن يتحدث لأخر يوم بعمرها، فاذا بها تزيح دموعها وتخبره بغضب مصطنع:
_ممنوع تحلق شعرك تاني، أنت جذاب بشعرك البني الطويل أكتر من كده.
ضحك وقال يشاكسها:
_مهو شعري البني الجذاب مكنش هيفيدني بشيء لو كانوا سابوا رأسي تنزف كنت هسافر سفر أبدي!
ردت بلوعة وهي تضمه إليها:
_بعد الشر عليك يا روح قلبي، الحمد لله إن ربنا ردك ليا سالم، ربنا رحم بيا وبقلبي المكسور من بعدك يا عُمران.
كانت هي من تحتويه ولكنها مالت من فوقه بتعب شعر به، فابتعد عنها وشملها هو بين جسده الضخم، تعلقت فيه مبتسمة بأنه يعود لطباعه وما اعتاد عليه، مثلما كان يحتويها ومثلما وصفته بالأب الروحي لها، كما تصف علي بالصديق الرائع المستمع لها بصدرٍ رحب، وبالاعلى يتابعهما أحمد بفرحة، وأخيرًا غادرت زوجته الفراش وتشرب وجهها حب الحياة.
أبعدها عنه وسحبها برفق لمكانه الساحر، بوجود مصحفه وسجادته، أسندها للمسند الصغير الموضوع وقال:
_ثواني وراجع.
تركها ودخل للقصر، وعاد بعد قليل يحمل سجادة صلاة اضافية، ومقعد صغير، فرش سجادتها ووضع المقعد وهو يشير لها قائلًا:
_استريحي على الكرسي وقت الصلاة عشان متتعبيش.
اومأت برأسها ويدها تميل على وجهه، هاتفة برقة تليق بها:
_شكرًا يا حبيبي.
عاد يبتسم لها ووقف يقيم الصلاة مجددًا، رغم أنه انتهى منها للتو، ولكنها من أحب الأعمال لقلبه،وإن ظل يفعلها لاخر يوم بحياته لن يمل أبدًا.
صلى بها عمران وهي تستكين بسماع صوته الخاشع،فلم يطول بها وهو يعلم تعبها بالشهور الاخيرة من الحمل، إكتفى بأربع ركعات، ونهض يلملم سجادتهما، بينما تراقبه فريدة بابتسامتها الساحرة، وقالت لتسحب معه الحديث:
_أنا مش بأكل دلوقتي بس حاسة أني جعانه أوي، تعالى نعمل أكل خفيف لحد ما الفجر يأذن.
زوى ذراعه لها وقال:
_تحت أمر معاليكِ فريدة هانم، نعمل أحلى فطار لأجمل برنسس بالدنيا كلها.
ضحك وجهها سعادة، ولم تشك للحظة بأنه فقد الذاكرة، تعامله مشابه لتعامله السابق، فإذا بهما يدخلان لمطبخ القصر، ويتناولان الطعام حتى صلاة الفجر، صلوا معًا ثم صعد كلاهما للغرف بعد أن اطمئن قلب فريدة لعودة محبوب قلبها!
*******
فتح عينيه بانزعاجٍ مع اشراقة صباح اليوم التالي، مرر يده جواره باحثًا عنها، فاذا به خالي، أفرج عن رماديتاه يبحث بهما عنها، ولكنه لم يجدها.
نهض علي يعيد خصلاته المتمردة على عينيه واتجه يبحث عنها بمكتبها الخاص، الذي خصصه لها أخوه، فوجدها قد بدأت العمل بجد لتكون محل عُمران لحين عودته.
دنا منها ومال يحتضنها متمتمًا بنعاس:
_صباح الجمال كله فطيمة هانم.
مالت على ذراعه وهي تهمس بتعبٍ:
_صباح الورد يا دكتور، أيه كل ده نوم!!
جلس على سطح المكتب من أمامها، وقال ببسمة سرقت تركيزها المنسكب على اللوحات من أمامها:
_ما بخدش راحتي في النوم الا لما بكون مرتاح وسعيد، وأكيد بعد رجوع عمران من حقي أطول في النوم ولا أيه؟
راقبته بابتسامة مشرقة وقالت:
_من حقك طبعًا، إنت أكتر واحد عانيت في غيابه.
مال يقبل جبينها، ونهض يتجه للخروج قائلًا:
_هأخد شاور وهنزل المكتب تحت، بقالي فترة مبصتش على الحسابات طلبت منهم يبعتولي على اللاب.
وتركها وولج لحمام جناحه، استعد بارتدائه بنطال أسود وسترة بيضاء، ثم هبط يعد قهوته المفضلة وبدأ يتابع عمله، بعدما ترك كتابه المفضل جواره، عساه يقتبس بالقراءة صفحة أو صفحتان وقت عمله.
*****
هبط من الأعلى يتآلق ببنطال من الجينز الأزرق، وتيشرت أبيض اللون، ومن فوقه قميص أسود من براند عالمي، مرتدي نظارته الشمسية السوداء، عاد لجاذبيته الخاطفة بانتقاء قطع ملابسه بعناية كالمعهود عنه.
هبط للاسفل، يتجه لغرفة مكتب أخيه بعدما أرشدته آحدى خدامات القصر، وقف ينزع نظارته ويراقب الباب بتردد.
رأه علي فأبعد اللاب عنه، ونهض يستقبل أخاه بابتسامة جذابة، بينما يقف الآخر خارج باب المكتب بتردد من الدخول، فإذا بـ "علي" يشير له بحنان:
_عُمران، تعالى يا حبيبي، إدخل.
ولج للداخل يتفحص الغرفة بنظرة دقيقة، حتى جلس على المقعد المقابل لمكتب "علي"، فإذا به ينهض ويتجه ليقابله بالمقعد المقابل له، يدرس التوتر والارتباك المختبئان بين رماديتاه، منذ لقاء الأمس وهو يمنحه مساحته الخاصة، حتى لا تنتكس حالته، بالرغم من أنه يملك الكثير من الاسئلة على مغادرته الغامضة لشقة رفقاته.
كسر صوته الواجم الصمت المخيم بينهما:
_في شخص شوفته امبارح وحابب أزوره، ينفع تاخدني ليه؟
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه، وسأله باهتمامٍ:
_شخص مين؟ تقصد من أصدقائك اللي شوفتهم عليهم؟
حرك رأسه بإشارة موافقة لحديثه، فتابع علي بسؤالٍ أخر:
_مين فيهم؟
امتقعت معالمه بحزنٍ شديد، بينما يشير له في عجزٍ تام:
_مش عارف إسمه.
مال يربت على ساقه بقوةٍ:
_ولا يهمك.
ونهض يتجه لمقعد مكتبه الرئيسي، جاذبًا الحاسوب الشخصي،ثم وجهه له، فوجده يريه صورة تضمهما وباقي الشباب في حفل زفاف آدهم، راقبه علي وسأله بفضولٍ:
_مين فيهم؟
رد عليه، وعينيه لا تفارق أول من لفت انتباهه:
_ده.
تطلع علي لما يشير إليه، فتبسم وهو يعود للمقعد المقابل له:
_مشاعرك تجاه الأشخاص متغيرتش لسه زي ما هي.
وأضاف موضحًا له:
_ده أقرب شخص فيهم ليك، رفيق طفولتك وصديق الجامعة، وشريكك في شغلك، وأكتر واحد فيهم أتأثر بغيابك، إسمه جمـــ...
_جمال.
استكمل عُمران الاسم بتلقائية جعلته يبتسم وهو يهز رأسه بإجابته الصحيحة،دقق عُمران النظر في شاشة الحاسوب، ومال له يخبره بضيقٍ:
_أنا عايز أخرج وأشوفه لوحدي، ممكن تديني اللوكيشين بتاعه، وتسبني أروحله لوحدي؟
وخز قلبه خشية من أن يصيبه سوءًا، طال صمته حتى حل الأمر ببراعة:
_طيب هخلي معاك السواق، يوصلك ويرجعك.
انصاع إليه، وصعد بالمقعد الخلفي للسائق الذي علم الطريق جيدًا، وصل لمنزل جمال فيما يقرب الخمسة وعشرون دقيقة، أخبره السائق على الطابق الخاص بشقته، فصعد على الفور.
وقف قبالة باب شقته بتوترٍ يقتحمه، ولكنه لن يمنع رغبته القوية في البقاء بجواره، ثمة شيئًا داخله مال إليه منذ أول لقاء.، قرع الجرس وانتظر قليلًا، حتى انفتح الباب، ويطل من داخله عينان جاحظتان في دهشة وذهول، وفرحة تزف بنطق كلماته الغير مصدقة:
_عُمــــــــــــــــــراااان!!!
لم يصدق ببدأ الأمر أنه يقف قبالته، فخرج إليه يراقبه عن قرب، ودموعه لا تتوقف عن الانهمار، شعر "عُمران" بالعجز، فشل بتحديد خطوته الاولى، فاذا بجمال يسدد له لكمة تفاجئ بها عُمران وفشل في سدها من دهشته، بينما يجذبه جمال ليقف قبالته وهو يصرخ في وجهه بعنف:
_دي عشان زقتني من العربية وسبتني في العذاب اللي أنا فيه ده لحد النهاردة!.
ودفعه للخلف وهو يبكي بجنون بينما يصرخ بوجعٍ:
_أنت دبحتني وأنا شايفهم بيضربوك وأنا عاجز ومش قادر أوصلك، كل مرة بتفكر في حياة اللي، حواليك وإنت أخر حد بتفكر فيه، شوفت نتيجة اللي انت عملته أيه؟ رجعت ومش فاكرني يا عُمران، مش فاكر جمال صاحبك اللي مات في نفس اليوم اللي اختفيت انت فيه.
أدمعت عينيه تأثرًا بحجم وجعه، شعر وكأنه يقابل نسخة أخيه علي، وتعجب من أن يكون قد جمعته علاقة متينة بأحد غريب عنه!!
تطلع له جمال ومازال يبكي:
_كلهم بيقولولي حاول تكسب حبه وصداقته من تاني، بس أنا مش عارف أبدأ منين ولا أعمل أيه عشان أفكرك بيا!!
يحاول التماسك قبالته ولكنه يفشل، وإذا بعمران يقترب منه ويقول بصوت محتقن من كبت دموعه:
_بس أنت الوحيد اللي أنا حسيت بيه من بينهم، والوحيد اللي جتله برجليا.
رفع رأسه تجاهه يتمعن بصدق ما قال، لقد أتى إليه وهذا أروع ما بالامر، ربما يضمد جرحه الغائر، وخاصة حينما أضاف عُمران:
_إنت الوحيد اللي افتكرت إسمه، وأول ما شوفتك حسيت بوجع رهيب مقدرتش أستحمله، وأديني اهو جيتلك النهاردة عشان حابب أكون معاك وأسمعك.
اعتصر جفونه هادرًا كل دمعة احتقنت داخله، فاستند على ذراعه وضمه إليه بينما يخبره ببكاء يلاحق حديثه:
_لو جاي عشان تسمعني فأسمع، انت كنت أقرب ليا من روحي، عمرنا ما افترقنا عن بعض ولما حصلت كانت كام يوم يتعدوا على الايد الواحدة، محدش نجح يفرقنا أبدًا، والكل كان مستكتر صداقتك بيا، لإني من أسرة متوسطة وانت من عيلة ثرية، بس بالرغم من كده عمرك ما حسستني بالفرق اللي بينا، إنت كنت سند وداعم ليا في حياتي كلها.
ابتسم عمران وشدد من ضمه بتلك اللحظة، يينما توافد عليه ذكريات سارية تخص رفيقا بملامح مشوشة، وإذا به يبتعد عنه ويتطلع بوجهه عساه يربط ملامحهما ببعض.
أشار له جمال بابتسامة زرعت الفرحة على وجهه المنطفئ، وقال باصرار:
_إنت مش هتمشي من عندي النهاردة، هتبات معايا وهنا، لو روحنا شقتك اللي في حارة الشيخ مهران هيطلع يوسف وآيوب والباقي، ومش هعرف أقعد معاك.
زوى حاجبيه بذهول:
_الشيخ مهران!
ابتسم وهو يجيبه:
_ده يبقى أبو آيوب، وإمام المسجد اللي كنت بتحب تصلي فيه دايما.
نطق بلهفة وشوق غريب:
_خدني ليه!
أشار بحزم وعدم تراجع:
_بكره هوديك مكان ما تحب، النهاردة هتقضيه معايا هنا.
ودفعه بسعادة للداخل:
_تعالى ادخل.
إنصاع له عُمران وولج للداخل، يتبعه لغرفة الصالون وعينيه أرضًا، فقد تسلل له أن جمال متزوج ولا يعلم لما شعر بذلك فجأة!!
ولجت إليهما صبا تحمل صغيرها وابتسامتها البشوشة تعلن دفن الماضي خلف قبر لا رجع فيه، بل تطلعت إليه وقالت بسعادة حقيقية:
_حمدلله على سلامتك يا بشمهندس عُمران، جمال كان هيجراله حاجة من غيرك، الحمد لله انك رجعت بخير.
أخفض عينيه أرضًا وقال ببسمة صغيرة:
_الله يسلم حضرتك من كل سوء، تسلمي.
مدت الصغير لجمال الذي حمله وقدمه لعمران قائلًا:
_عُمران موحشكش؟
وزع نظراته بينهما بذهول، والتقط الصغير منه يتفرس بملامحه بحنان، جعله يطبع قبلته على وجنتيه وهو يهمس بسعادة:
_عسول أوي تبارك الله.
وعاد يتطلع تجاه جمال متسائلًا بفضول:
_هو إسمه عُمران؟!!!
اجابته صبا مبتسمة:
_مختار إسمه من أول ما عرف بخبر حملي، جمال معندوش أغلى منك يا بشمهندس، ربنا يديمكم لبعض يارب.
واستطردت وهي تتجه للخارج:
_أنا هنزل عند ماما أشرقت وهسيبكم على راحتكم.
رد عمران باحترام ومازالت نظراته أرضًا:
_اتفضلي.
خرجت وتركتهما بمفردهما، فتطلع عُمران تجاهه وابتسم قائلًا:
_وزعلان إني مسبتكش في العربية، طيب مين كان هيربي السكر ده؟
احتقنت ملامح جمال وهدر فيه بعنفوان:
_متفكرنيش عشان هقوم أخلص عليك فعلًا.
حمل الصغير يقبله ويستنشق خصلات شعره بحب، بينما يداعبه وهو يخبره بمكرٍ:
_شكل باباك عايز يتقل قيمته قدامك، أنا عشان خاطرك سامحته على اللكمة اللي إدهاني دي، بس للاسف لو زاد فيها مضطر أطلع أدبلك أمه وقتي!
جلجلت ضحكات جمال الذي افتقد المنزل صوتها، بينما يهتف بعدم تصديق:
_الطاووس الوقح لسه مسيطر عليك بردو مهما عملت.
وضع الصغير جانبًا وقال يجيبه ببسمة شيطانية أخافت جمال:
_هو أنا لسه بستكشف أمور عن نفسي جديدة، فأنت أدرى الناس بيا وتعرف أخري رايح فين، فلو حابب تكملها كده عارف نهايتك أيه؟!
كاد أن يجيبه ولكن انفتح باب الشقة وولجت أشرقت تسرع تجاه غرفة الضيوف، تتطلع تجاه عمران،قائلة بعدم تصديق:
_مصدقتش صبا لما حكيتلي، الحمد لله على سلامتك يا غالي.
اتسعت ابتسامته فجأة، ورد عليها بحبورٍ:
_شوشو!!
أبعدت ابنها وضمته بفرحة، وهي تشير بيدها:
_هو مين ده اللي فقد الذاكرة والنبي مانتوا عارفين حاجة.
ضحك عُمران وقال:
_لا أنا فاقدها فعلا بس الاسم خرج تلقائي.
تلاشت ابتسامتها بحزن، ولكنها عادت تبتسم وتخبره:
_بكره ترجع وتفتكر الحاجة اشرقت، مش بعيد لما أعملك طبق ورق عنب بالكوارع من ايديا تفتكرها وش، هنزل حالًا اعملهولك انت كنت بتحبه دايما من ايديا.
قالتها وحملت الصغير ثم غادرت على الفور، بينما ظل جمال برفقته، فاذا بعمران ينهض فجأة ويتجه للصورة الضخمة الموضوعة على حائط الردهة، كانت صورة تخص جمال ويوسف وعمران.
غام بها قليلًا وصداع رأسه يزداد، بشكلٍ جعله يضم زواية رأسه، أمسكه جمال بقلق يزداد حد الرعب:
_مالك يا عمران؟ حاسس بأيه؟
ضغط على ذراعه وكأنه يحتمل شدة الألم، الذي مر بعد دقيقة، فاذا به يعود لما يتطلع إليه ويردد بتعجب:
_يوسف!!
........ يتبع......
#صرخات_أنثى.... #الاقوى_قادم 💣...
لطلب النسخة الورقية من رواية صرخات أنثى _غارثا_مزرعة بني يعقوب _مافيا الحي الشعبي واتساب على رقم
01121530961
****______*****
رواية صرخات انثى الفصل 103 - بقلم ايه محمد رفعت
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"أمل إبراهيم"،"برنسس مي"،"سما سيد" ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
توافد إليه مشاهد متفرقة، تجمعه بالمقربين منه، رأى فيها لمحات من السعادة تجمعه بجمال، وبهذا الشاب الذي سبق ونطق إسمه.
استدار "عُمران" تجاه "جمال" يترقب أن يؤكد له صحة ما قال، فإذا به يبتسم ويؤكد له بلهفة أب تجتاحه سعادة لنطق صغيره أولى كلماته: _أيوه ده يوسف صاحبنا، أنا وإنت متصاحبين من وأنا في الثانوي تقريبًا، وبعد ما سافرت لندن كنت بدور على شقة بسعر كويس عشان الجامعة، فقابلت يوسف صدفة في الاوتيل اللي كنت نازل فيه، ووقتها اقترحت عليه نشترك في شقة بدل بهدلة أسعار الفنادق، بس أنت اعترضت إن يكون معايا شريك، وأصريت تشتريلي الشقة، أنا كنت عنيد ورفضت، فدخلت معايا أنا ويوسف شريك واشترينا احنا التلاته الشقة.
وأضاف بأعين دامعة من فرط مشاعر الحنين والفخر: _كان ليك أوضة زينا، بتيجي تبات فيها من فترة للتانية عشان تكون جنبي، مع إننا كنا في جامعة واحدة ومكناش تقريبًا بنسيب بعض.
قالها ودمعة تختزل عينيه، فيما يجاهد ليخبره بنصيب صديقهما الأخر من القرابة والمكانة بقلب عُمران: _يوسف بقى ضلع المثلث التالت، واللي بيه كان ناقص، حبناه وسمحناله يكون مقرب لينا، وفعلًا كان بيكملنا، أنا غشيم ومندفع، وإنت مغرور و وقح، وهو بصراحة أخلاقه عالية فكان بيقدر يحتويني ويحتويك بنفس الوقت.
خيم الحزن بجناحيه على رماديتاه، لقد نسي كل شيئً مرتبط به وبعائلته حتى أصدقائه، قلبه يتألم من ألمهم، استدار جمال يزيح دموعه سريعًا، ويرسم ابتسامة خافتة، يحاول بها أن يكسب صبرًا ليقص له عن ذكرياتهم، عساه أن يتذكر كل شيءٍ.
استدار إليه يجذب انتباهه للحديث: _على فكرة مدام ليلى مرات يوسف ولدت إمبارح وجابت بنوتة زي القمر، تحب لما نتغدى نروح نباركله، هو أكيد لما هيشوفك هيفرح أوي.
لم يخسر الطاووس قناعته بتحليلاته المنمقة، يرى بآعين جمال وجعًا ومع ذلك يبتسم، ويقترح عليه أن يذهبان للقاء صديقهما الثالث، دنا عُمران منه وبدون أي كلمة أحاط يديه حوله، إندهش جمال من فعلته ولكنه لم يتردد عن ضمه بحبٍ أخوي، بل ولصدمته أنه انهار باكيًا بين ذراعيه، وبات يشكو له: _قتلوك ورموك قدام عنيا يا عُمران، رجلي اتكسرت ومكنتش قادر أوصلك بسرعة ولا قادر أخلصك منهم.
وتابع وهو يحتبس شهقات وجعه الغائر: _دورت في كل مكان في المية على أمل إني أنقذك، ولولا إنهم اتكتروا عليا وطلعوني كنت غرقت وارتاحت من العذاب اللي عشت فيه.
وأضاف وهو يقبض على جاكيته: _فراقك كسر ضهري وخلاني عايش محني يا صاحبي.
تساقطت دموع عُمران رغمًا عنه، ومضى يبتلع غصته المؤلمة عن حلقه، تركه يبكي ويخبره بكل ما يحزن قلبه، وما أن انتهى حتى أبعده ومنحه نظرة جعلها مشاكسة قدر ما تمكن: _ما خلاص بقى يا جيمي، هنفضل طول اليوم نعيط على الفراق، ما أنا رجعتلك تاني أهو، يعني أنا جيت برجليا للنكد!! لأ بقولك أيه أنا ماليش في الاجواء دي، فك كده بدل ما أفارقك وأمشي ومش هتعرفلي طريق.
أزاح دموعه بينما يلتقط أخر كلماته، فصاح بعصبية هادرة:_مش هتتنقل لمكان، إنت هتبات معايا النهارده سامـع.
أحاطه عُمران بنظرة شرسة، بينما يجيبه بهدوء مخيف: _مبخدش أوامر من حد أنا!
وأضاف مبتسمًا بمرحٍ: _متقلقش مش هعرف أمشي لأني ببساطة معرفش طريق الرجوع، الا لو علي إفتكرني وبعتلي السواق يأخدني، فأنا معاك معاك متقلقش يا عبحليم!
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه، وردد بدهشةٍ: _عبحليم!!
علم بسعادته البادية على ملامحه، بأنه لمس بكلمته الاخيرة احياء الذكريات بينهما، فابتسم وقال: _متركزش معايا، الكلام بيخرج تلقائي صدقني!!
ضحك جمال ورد عليه: _خليه يخرج زي ما بحب، كده كده لسانك الوقح ده مفيش أي قوة عظمى هتعرف تسيطر عليه.
اعتصر أسنانه بغضبٍ من حديثه، فرسم ابتسامة خبيثة وقال: _روح إستعجل ماما في الغدا يا جمال، زمان سحنتك دي وحشتها وعايزة تشيك عليها وتطمن إنك خالي من أي تشويه! *****صعدت جواره بالسيارة والانزعاج يغرد فوق معالمها، حتى صوتها نطق بكل ما اعتمر داخلها:_صباح الخير يا حبيبي.
نزع "آدهم" نظارته السوداء، ومال لها باهتمامٍ: _صباح الخير يا روحي، إنتِ كويسة؟ حاسس إنك متضايقة من حاجة!
أجابت بكلماتٍ مختصرة: _أنا كويسة الحمد لله، المهم كلمت آيوب وبعتله لوكيشن المكان زي ما فهمتك؟
تغاضى عن سؤالها، وسحب ذراعها لتستدير تجاهه: _مالك يا حبيبتي فيكِ أيه؟
لفظت زفيرًا قويًا، عساها تخفف من احتقان أنفاسها، ورغمًا عنها انهمرت دموعها: _معرفش يا آدهم، حاسة إن عُمران مش متقبلني، أنا عارفة إنه فاقد الذاكرة وأكيد بيحاول يفتكرنا كلنا، وطبيعي تكون معاملته مختلفة معانا، بس أنا حاسة إنه قريب من علي أكتر مني، مقابلته ليا كانت فاترة، وأغلب الوقت مع علي، كنت حابة أقضي معاه اليوم زي ما اتفقت معاك سبني وخرج، عشان كده كلمتك وأصريت أجي معاك.
حل آدهم حزام مقعد القيادة، وجذبها إليه، يتركها تبكي على صدره قدر ما شاءت، وحينما بدأت تستكين همس لها بصوته العذب:_مش أنا قولتلك قبل كده إني مبحبش أشوفك بتعيطي، ولا إنتي مبتعرفيش غير إنك تكسري تعليماتي دايمًا يا شمس هانم!
ابتسمت رغمًا عنها، ومالت تختطف المنديل الورقي، وتزيح دموعها قائلة: _لا مقدرش أكسر كلامك يا آدهم، أنا آسف إني بدأتها نكد في يوم مميز ليك ولآيوب، أنا بس آ..
قاطعها حينما قال: _مفيش حاجة هتكون مميزة عليا وحبيبة قلبي زعلانه ودموعها سبقاها.
ومال يزيح دمعاتها بإبهاميه، بينما يتعمق في زُرقة عينيها التي يعشقهما: _حبيبتي أنا عارف مدى قربك وتعلقك من عُمران، وأي كلام ممكن أقوله مش هيهون وجعك أبدًا، بس اللي عايزك تقتنعي بيه إن عُمران تايه ومش مركز في أي حاجة، ولو متعلق بعلي فده لاسباب كتيرة يا شمس، أولهم أن علي مش مجرد أخ لعُمران ولا ليكِ يا شمس، علي أب بحنيته وطيبة قلبه، يمكن عشان كده عُمران قلبه مال ليه، لكن ده مش معناه إنه مش متقبلك والكلام الأهبل ده.
وأضاف حينما رأها تتابعه باهتمامٍ واقتناع: _إنتِ نفسك لما بيمر عليكي مشكلة في حياتك بتختاري الشخص اللي هيكون جنبك مننا، مرة بتلجئي لعلي ومرة لعُمران ومرة ليا، لإنك أكتر واحدة بتعرف تحدد هي محتاجة لمين جانبها، وده مبيرجعش لمدى حبك للشخص ده.
وتابع مبتسمًا بسخرية: _والا بقى من عدد المرات اللي لجئتي فيها لدكتور علي والطاووس الوقح هتأكد إنك مش بتحبيني بنفس قدرهم.
هزت رأسها تنفي تهمته، بينما تسرع بالحديث: _لا طبعًا، أنا بحبك يا آدهم وإنت عارف كده كويس.
اتسعت ابتسامته ومال تجاهها يهمس ومُقلتيه غارقة بزُرقتها: _عارف يا شمس، عارف كل اللي جوه قلبك ونطقاه عنيكي، من أول نظرة إعجاب بيا في أول لقاء، عارف وقاري كل أسرارك ، عارف إمته عيونك الجميلة دي نطقت بعشقك ليا، حتى إجابة سؤالي كانت مقروءة فيهم قبل ما تنطق شفايفك بالاجابة، واللي بسببها بقيتي حرم عمر باشا الرشيدي!
أحمر وجهها تأثرًا بحديثه، ومازالت تنساق لحصاره المُحكم من حولها، تتمنى أن تبقى جواره يحيطها هالته، بينما يتشبع هو من عينيها الدافئة، فاذا بهاتفه يمزق سُبل النظرات العاشقة.
اعتدل بمقعده يمرر زر الاجابة، ويعود لتفعيل محرك السيارة، فأتاه صوت آيوب المنزعج: _آدهم إنت فين؟ أنا وصلت المكان اللي بعته من عشر دقايق.
خرج من حدود قصر "الغرباوي" ، وقال: _أنا في الطريق يا آيوب، ربع ساعة وهكون عندك بإذن الله.
قالها وأغلق الهاتف، فاذا بشمس تخبره بحماس: _إن شاء الله تعجبه هديته، متتصورش فرحت أد أيه لما كلمتني إمبارح وفضلنا نفكر مع بعض نهادي البشمهندس بأيه؟
منحها نظرة عاشقة، وقال وهو يميل طابعًا قبلة على كفها الناعم المسنود على كتفه: _هتعجبه أكيد لانها من اختيار شمس هانم.
مالت برأسها فوق كفها على كتفه وقالت بنعومة: _اختيار، بس مين القمر الكيوت اللي ضحى بمكافآة أخر مهمة طلعها!
تلاشت ابتسامة آدهم، وانحنى يتلصص لها بنظرة حازمة: _مين ده اللي قمر وكيوت يا شمس!! حبيبتي إنتِ الذاكرة خانتك ونسيتي أنا خلصت على خطيبك السابق إزاي ولا أيه؟؟
رفعت رأسها للاعلى تتطلع له بغضب، فانفلتت ضحكاته الرجولية باستمتاعٍ من رؤية الرعب يتمختر داخل مُقلتيها، فتابع ليثير أعصابها: _ولو صادف وطلعتي معايا مهمة تانية، أعتقد أنك هتتعاملي معايا بحذر بعد كده.
رددت وهي تلكزه بعصبية: _على فكرة أنا كنت بدلعك.
زم شفتيه باستنكارٍ: _في واحدة تدلع ظابط في المخابرات، بقمر وكيوت!! لو حد من القادة وصله الدلع ده هبقى مسخرة في الجهاز كله يا حبيبتي.
وأضاف مبتسمًا بمكر: _لو عايزة تدلعيني بعد كده دلعيني باشياء تليق بيا، قوليلي مثلا بحبك يا رجولة، حبيبي يا حضرة الظابط، ومتاح ليكِ تناديني بكابتن زي ما بتحبي.
لكزته بعنفٍ، وتوعدت له بتلقائية: _شايف نفسك عليا يا آدهم، طيب والله لأقول لعمران عليك.
تلاشت بسمة الانتصار عن وجهها، ومر وابل معتم عليها، فاذا به يضحك بصوتٍ يجذبها إليه، ثم قال: _لا مش عايزين ننفش ريش الطاووس ونجره للوقاحه وهو في فترة نقاهة.
نجح باضحاكها وسحبها بعيدًا عن تفكيرها المعتم، واستطرد بلهفة وفرحة: _بعد ما نخلص مشوار آيوب، هنطلع على المركز، دكتور يوسف مستنينا.
تنحنحت وهي تجيبه على استحياءٍ: _احنا المفروض نعمل اختبار حمل الأول.
منحها نظرة حنونة متلهفة لرؤية عينيها التي تتهرب بها عنه: _هنعمله هناك لو يوسف طلبه.
هزت رأسها بخفة، ومالت على كتفه مجددًا. *****إتجه علي لسيارته القابعة على مسافة معقولة من القصر الداخلي، فاذا بصوت ضحكات والدته تصل لمسمعه، أغلق باب السيارة واستدار صوب الحديقة، فرآها تجلس برفقة زوجته "فاطمة" ، تلك التي تملك من السحر ما يطيب القلوب، وقبلهم قلبه الذي غرق منها وفيها حد النخاع.
أتجه إليهما، ليطرب سمعه صوت "فريدة" وهي تخبرها: _أنا فخورة بيكِ أوي يا فاطمة، وحقيقي مش قادرة أصدق ولا أستوعب انك قدرتي تعملي كل ده في غياب عُمران، أثبتيلي إنك فعلًا أدها، وإن الست تقدر تعمل أي حاجة.
وأضافت والحزن يتغمدها بوضوحٍ: _فكرتيني بنفسي، بعد وفاة سالم الله يرحمه، كنت صيدة مغرية لعيلة الغرباوي، خصوصًا بعد الثروة اللي سابها لعلي وعُمران وشمس، الكل كان فاكرني هقع في عرض من العروض اللي اتقدمتلي للزواج، بس أنا بالرغم من أني كنت صغيرة، الا أني وقفت في وشهم بقوة أنا نفسي اندهشت منها، حتى في وش أحمد نفسه.
وازاحت القبعة السوداء عن حجابها المعقود للخلف، ثم مالت على الطاولة تخبرها ببسمة جذابة، تجعل من ملامحها الغربية لوحة فنية للتأمل: _تعرفي إن علي شال معايا المسؤولية بدري، ومع ذلك عمره ما أشتكى، كنت بحس أنه سابق سنه بكتير أوي، أنا فاكره إن وهو عنده 15 سنة طلب مني موقفش حياتي، وأوافق على الشخص اللي أكمل معاه عن قناعة، بس أنا اختارت أولادي ومندمتش أبدًا.
اتسعت ابتسامة فاطمة، خاصة وهي ترى زوجها يقترب من والدته، فأحاطها بذراعيه ومال يقبل يدها ثم رأسها بحبٍ شديد: _فريدة هانم نست تقولك إنها أعظم وأجمل أم بالكون كله.
مالت بوجنتها تجاهه، بينما تغلق عينيها بعاطفة: _الدكتور البكاش، محدش قالك إن عيب تتنصت على حد!
ابتسم وهو يخبرها بعقلانية: _ده لو حضرتك واخدة فطيمة وحبساها فوق وبتديها أسرار حربية، مش قعدة في الحديقة وبتتكلمي بمنتهى الأريحية عن شيء كلنا عارفينه الا هي.
ضمته لها وقالت برقةٍ: _محدش هيغلب دكتور علي حتى فريدة هانم الغرباوي مش هتقدر تغلبه.
ضحك بصوتٍ مسموع، وقال بحب: _أنا مش داخل ساحة قتال، أنا رافعلك رأية السلام!
تابعتهما فاطمة بحبٍ، دققت النظر فيهما بانبهارٍ، جعلها تردد دون مبالغة: _أنا كده محتارة ومش عارفة أنا عايزة البيبي يجي شكل علي ولا شكل فريدة هانم!
ضحكت فريدة ونهضت تاركة علي من خلفها، بينما تضم فاطمة بلطف: _أنا عايزاه يجي شبه مامته القمراية، فطيمة إنتِ جميلة من بره زي مانتِ جميلة من جوه، علي عنده ذوق في اختيار كل حاجة.
رفعت فاطمة يديها تحيط بها فريدة وعينيها تدمعان بتأثرٍ، بينما تحدق في زوجها الذي يتابعهما بابتسامة جذابة، ومن ثم غادر لسيارته والبهجة تغمر روحه وقلبه، بتطور العلاقة بين زوجته ووالدته رويدًا رويدًا. ******راقب شكل السفرة الصغيرة ببسمةٍ هادئة، يشعر وكأنها ليست مرته الأولى بالجلوس بشقة أشرقت، وبتلك الغرفة بالتحديد، ولجت "أشرقت" للداخل حاملة الصواني، رصتها على الطاولة المستديرة وقالت بابتسامتها البشوشة: _نورت الدنيا كلها يا غالي، مد إيدك قبل ما الأكل يبرد.
نهض عُمران يعاونها في وضع ما بيدها، هادرًا برقي: _تسلم إيدك، الأكل شكله يجوع.
ربتت على ظهره في حبٍ منطوق: _ألف هنا على قلبك يا نين عيني.
وجذبت الدجاج تقطعه وتضعه أمامه، فابتسم عُمران وبدأ بسكب بعض الأرز المعمر بطبقه، وما كاد بتناوله حتى مال عليه جمال يخبره: _إنت مبتحبش المعمر، أنا عارف طلبك.
قالها وسحب الملعقة الكبيرة، يجذب قطعة من المعكرونة الشهية، ومد الطبق له بحنان لم يجده عُمران الا في أخيه.
وزع نظراته بين يده الممدودة والطبق الذي أمامه، وبدون أي تردد شرع بتناول الأرز، مستمتعًا برؤية الدهشة تستحوذ وجه جمال، وقبل أن يسحب يده بما يحمله، جذبه عُمران و وضعه جانبًا، وما أن انتهى من تناول كمية الأرز القليلة، حتى وضع الطبق أمامه وشرع بتناوله بتلذذٍ لحق نبرته: _عندك حق، حبيت طعمها أوي.
عبر أخيرًا عن دهشته: _أكلت ليه المعمر وأنت مبتحبهوش، ومتقولش حبيته كان باين على ملامحك إنك مش حابب طعمه!
منحه ابتسامة هادئة، وقال وهو يترك الملعقة من يده: _لإني وببساطة مبقتش نفس الشخص يا جمال.
قوس حاجبيه بعدم فهم، فاستطرد عُمران بنبرة حملت رغم عنه وجعه: _أنا لما رجعت هنا حسيت بالنعمة اللي كنت عايش فيها، أنا كنت عايش في أوضة بسيطة فوق السطوح، مع ناس بسيطة جدًا، كل همها في الدنيا الستر والصحة، الفلوس والعربيات والبرفيوم الفرنسي، ساعاتي اللي ملهاش عدد، كل دول حاجات ملهاش أي لزمة، أنا بقيت خايف من رجوع الذاكرة ليا، هتصدم لو اتواجهت مع نسخة بعيدة كل البعد عن تفكيري الحالي.
وأضاف ببسمة ساخرة: _عشان كده أي حاجه مكنتش بحب اعملها هعملها.
حديثه بدد الانزعاج على ملامحه، بل دافع عن رفيقه باستماتة:_مش معنى إنك كنت مهتم بنفسك وبشياكتك ده معناه إنك كنت ناسي أخرتك يا عُمران، إنت طول عمرك بتدي أكتر ما بتأخد، فأوعى تفكر إنك كنت سيء، انت مكنش في جمال قلبك وطيبتك ورحمتك بالضعيف قبل الفقير.
عاد يجذب الملعقة، يتناول بها المعكرونة بشهيةٍ: _كل يا جمال، شوشو هتزعل لو رجعت لاقت الأكل زي مهو.
واستطرد بوقاحة أضحكت جمال حد البكاء: _ولا تحب أكلك بايدي يا حبيبي!
شاركه الضحك بينما يضع قبالته جزء من الدجاج هامسًا له: _مامتك متوصية بيا أوي، كل وحافظ على شكلي قدامها، ولا إنت ناوي تبيع صاحبك؟
تناول ما وضعه أمامه، وهتف بخبث:_فاكرني هتخلى عنك زي ما زقتني من العربية!
تصاعدت ضحكاته الرجولية بشكل أبداه بأكثر جاذبية: _ما خلاص يا جيمي هو أنا رميتك بالنار! وبعدين هو أنا كنت رايح أتفسح وإتخليت عنك، على حسب القصة اللي حكتهالي فأنا أتروقت ترويقة بنت ناس وشياكة.
وتابع برماديتاه الغائمة:_أكتر حاجة مضايقاني أني معلمتش على ولاد الـ** دول.
ترك عُمران ما بيده وأردف بغضب: _لو كنت سمعت كلامي ونطيت من الأول، مكنتش أخدت الوقت لحد ما وصول العربية لنص الجسر،ولا كان السيخ دخل في كتفي، والاهم بقى كنت روقت انا على الكلاب دول، بس ملحوقة تتعوض.
إلتهم جمال قطعة اللحم وهو يجيبه بجمود: _أنا علمت عليهم، ومفيش بينا فرق.
رفع احد حاجبيه بذهول، فاذا به يخبره ضاحكًا: _كله راجع لدروسك يا وقح.
ومد يده يجذب منديلًا ورقيًا، جفف يده وجذب من جيب سرواله، السكين الصغير يقدمه لعمران، الذي التقطه منه وسأله بصدمة: _ماشي بمطوة يا جمال! مطوة!!!
تطلع له بدهشةٍ ومن ثم انفجر ضاحكًا، بينما يخبره بصعوبة: _دي بتاعتك وإنت كنت ناسيها معايا يا حبيبي.
هتف باستنكار:_إنت بتهرج!!
اعترض بإشارته وقال: _عربياتك كلها مبتخلاش منها يا حبيبي، ولو مش مصدقني إسال يوسف لما نروحله.
وأكد له جمال ضاحكًا: _إنت كنت طاووس وقح، وبلطجي في نفس ذات الوقت.
احتقن الغضب ملامح وجهه، فاذا به يجذب المنشفة الورقية، يجفف يديه ببطء ونظرات مخيفة تحتد تجاهه، تساءل جمال باستغراب: _أنت لسه مأكلتش!
رد بنفس الهدوء وهو يتوانى بتنظيف أصابعه: _هأكل بس بعد ما أدبك.
قالها وسحب السكين ثم مال بالمقعد الخشبي الذي يحمل جمال للخلف، بينما يحاوطه سكينه، صعق جمال من سرعته بفعل ذلك، بينما يمنحه عُمران بنبرته الخشنة إنذارًا صريحًا: _هتحترمني هحترمك، هتقل مني هحط عليك، وصلت؟
قالها وتركه يسقط بالمقعد، بينما يقهقه الاخير بعدم تصديق، وفور ان اعتدل بمقعده وجد عُمران يتناول طعامه ببرود والثقة تتوج رماديتاه مثل عهده السابق، دنا بمقعده للطاولة وهو يقول بحفاوة: _الطاووس احتل ساحة الحرب، هتعامل معاك بحذر ماشي.
اتاه رده اللاذع وعينيه منصوبة على ما يتناوله بتركيزٍ: _غصب عنك مجبور تتعامل بحذر.
وتابع وهو يتطلع إليه بنظرة ساخرة: _هو مش أنت الحيلة بردو يا جيمي، ولا شوشو عندها غيرك؟ ******منذ صعوده رفقتهما بالسيارة ولم يكف عن سؤال أخيه عن الوجهة التي يسلكونها، فاذا بشمس تجيبه: _هو إحنا خاطفينك يا بشمهندس ولا أيه؟
أخفض عينيه عنها، وقال مبتسمًا:_ورايا مشوار مهم عايز ألحقه، وبعدها اخطفوني زي ما تحبوا.
صف "آدهم" السيارة، واستدار يخبره: _وصلنا.
أضافت شمس بابتسامة حماس: _مش هنأخرك كتير على سدن، قالتلي المشوار المهم اللي مستعجلين عليه، وعلى فكرة انا جاية معاك لأنها حابة اختار معاها فستان الفرح.
رد عليها بنبرة لطيفة: _انتوا بقيتوا فريق واحد ولا أيه؟
ضحك آدهم وأشار له: _الستات طول عمرها فريق واحد يا آيوب، انزل.
هبطوا معًا في تلك البقعة المنعزلة، كانت تنجرف على شاطئ البحر، وبالمنتصف وضعت حوائط ضخمة من الكرتون الأسود، يحيطه قطعة من قماش الدنتل الأزرق.
راقب آيوب تلك العُلبة الضخمه التي احتجزت مساحة أربعة مترات في الطول والعرض، وجذب آدهم إليه هامسًا بغرابةٍ: _آدهم إنت عامل لشمس مفاجأة لزمتي أنا أيه في الحوار ده؟!
ضم شفتيه معًا بمكر: _هحتاج مصور مثلًا.
ضحك باستهزاء: _اختيارك غلط يا حبيب قلب أخوك، أنا ماليش في الكلام ده.
نادتهما شمس حينما لم تجدهما خلفها، فاتجهوا معًا إليها، اندهش آيوب من جمود تعابير شمس، فلم تبدو اهتمامها لتلك الهدية الضخمة، بينما تراقبه هو بفضول، وقد اكتمل الحدث فور أن ناداه آدهم قائلًا: _قرب يا آيوب.
دنا إليه فاذا به يمنحه شفرة حادة، ويشير إليه مبتسمًا:_دي هديتك إنت مش هدية شمس.
تقابل حاجبيه بذهولٍ، بينما يحمسه آدهم ليقطع الحبل، ففعل و وقف منصعقا بمحله، فور أن رآى سيارة سوداء بموديل حديث فخم، وأخيه يؤكد له: _كنت حابب أهاديك بحاجة بعد المكافأة اللي اخدتها من الشغل، فشمس اقترحت عليا أجبلك عربية أحدث موديل، وبصراحه اقتراحها في محله وعجبني جدًا.
واقترب يضع بيده المفتاح قائلًا ببسمته الجذابة:_مبروك عليك يا حبيبي.
أعاده آيوب إليه في نفس ذات اللحظة، وقال بارتباكٍ: _لا يا آدهم، مقدرش أقبل الهدية دي، أكيد غالية جدًا، وبعدين إنت ازاي تعمل كده، دي فلوس شغلك وتعبك، مكنش المفروض تعمل كده أبدًا.
أوقفه بصرامته الشديدة: _متقولش كده، مفيش فرق بيني وبينك، وبعدين أنا مش جايبك هنا تتناقش هتقبل الهدية ولا لا، أنا بسلمك مفتاحها وإنت هتأخده وبدون كلام كتير.
وزع نظراته بين السيارة تارة وبين يد أخيه الممدودة بالمفتاح، ثم هتف بتوتر: _آدهم أنا خايف من زعل الشيخ مهران، هو عمره ما قصر معايا، مش عايز لا أزعله ولا أزعلك.
تدخلت شمس بالحديث، حينما قالت بعقلانية تحسب لها: _وأيه اللي هيزعل الشيخ مهران يا آيوب، آدهم أخوك الكبير وأنت ليك حقوق عليه زي ما ليك حقوق عند بابا مصطفى ، الشيخ مهران عاقل ومستحيل يتضايق من الصح.
أضاف آدهم بينما يشير له بضيق: _ها هتجرب العربية ولا هتنشف دماغك وتزعلني منك.
التقط المفتاح بابتسامة واسعة، وضمه بقوة وفرحة: _مش عارف أشكرك إزاي يا آدهم.
ربت على ظهره بحب وقال: _بطل كلام الاولاد ده ويلا اركب وإطلع على الحارة، خد سدن واتغدوا في أي حتة وأنا على بليل هقابلك أنا وشمس في البوتيك..
وأضاف وهو يشدد من ضمه مجددًا: _مبرووك يا عريس.
قابله بابتسامة واسعة: _لسه أسبوعين عن الفرح، بس عمومًا الله يبارك فيك يا باشا.
ضم آدهم وجهه بين يديه بينما يطبع القبل على جبينه، حتى صعد للسيارة وقادها متجهًا لحبيبته. ******صعد "علي" لمكتبه، حيث كان "يونس" بانتظاره منذ ما يقرب الثلاثون دقيقة، ولج من الباب يستقبله بابتسامته البشوشة، ويده تصافح كفه بخشونة: _إتاخرت عليك أنا آسف.
قبل اعتذاره الراقي بقوله: _ولا يهمك يا دكتور.
أشار له على الأريكة المريحة بعيدًا عن المكتب قائلًا: _اتفضل يا يُونس، نورت المكتب والمركز كله.
جلس بمحل اشارته بالتحديد، بينما يتجه علي للبراد، يسكب العصير بالكوب بتواضعه المعتاد، ثم قدمه له، حمل يُونس الكوب منه ثم أخذ يتطلع له بارتباكٍ خشية من التطلع إليه.
لاحظ علي ارتباكه الملموس إليه منذ لحظة وصوله، فتنحنح قائلًا بلين: _متردد تقولي أيه يا يُونس، ده مش أول لقاء ولا حوار يجمعنا!
كاد أن يمزق شفتيه السفلية من فرط بث غضبه وتوتره بها بينما يتمتم في حرجٍ: _لان الموضوع ميخصنيش أنا.
لمس فيه امرًا خاصًا، وسبق له دراسة شخصية يُونس جيدًا، فتنحنح ناطقًا بهدوء: _يُونس مقابلتك ليا النهاردة بتأكد ثقتك فيا، فمش محتاج أمهدلك بمقدمات عشان تتكلم وتحكيلي المشكلة.
رفع كوب العصير إلى ريقه القاحل، تجرعه على مرتين كأنه يهدأ من نيران استعارت داخله، فكادت أن تلتهمه، ثم ترك الكوب مصدرًا على اللوح الزجاجي صوتًا صاخبًا، ثم تطلع له وقال: _قبل جوازنا كانت لمحت ليا أن الحقير ده شوهها، وإنها عايزة تعمل عملية تجميل الأول، أنا رفضت ده، كنت فاكر إن الموضوع بسيط وآ..
قاطعه "علي" ونظراته لا تحيد عن آعين يُونس:_كنت عايز تقتل غيرتك وتشفي غليلك إنها كانت مع راجل غيرك، صح؟
أخفض وجهه أرضًا في حرجٍ، وكأنه تجرد من الستر العازل للعلن، شجعه علي لاستكمال حديثه: _كمل يا يُونس، أنا سامعك.
تلفظ نفسًا طويلًا، وقال بحزن: _مكنتش اعرف إنها متشوهة بالشكل ده، الحقير كان بيستغل ضعفها، كان بيعتدي عليـــــها!!!!
صوت أنفاسه المرتفعة جعل علي ينتقل ليكون على قربٍ منه:_اهدى وخد نفس عميق، أنا عارف وفاهم وجعك.
رفع فيروزته القاتمة إليه، وصاح منفعلًا: _عمرك ما هتفهم وجعي ولا أي حد هيقدر يفهمه.
أبقى على ابتسامته الثابتة، وقال برزانة نبرته: _وأيه اللي ممكن يكون صعب عليا فهمه يا يُونس، الاغتصاب والتعدي على الست ملوش مسمى ولا وصف تاني غير إنها جريمة حتى لو كان الشخص ده جوزها، بل بالعكس أنا أكتر حد ممكن يحس بيك وبوجعك وبدون ما أتطرف لتفاصيل، خد بالك انك مش الطرف المجروح الوحيد في العلاقة دي، هي بتعاني أكتر منك، هي اتقتلت كل مرة انجبرت تكون فيها مع الحقير ده، وإنت كمان كملت عليها لما مسبتهاش تتخلص من آثار الماضي عشان تعرف تبدأ معاك من الأول.
انسال الضيق والحسرة على ملامحه المكتئبة، وبات يردد في ندمٍ: _مكنتش أعرف إن الموضوع واصل معاها لكده، أنا حاولت أبينلها أن كل ده مش فارق معايا، بس زعلها باين في عنيها حتى لو كانت بتضحك في وشي.
رد عليه علي، وهو يستريح بجلسته:_الخطوة اللي عملتها مهمة وكنت محتاج ليها أكتر منها، دلوقتي الدور على الخطوة الجاية، وهي إنك تعملها اللي هي عايزاه وتساعدها تمحي الآثار دي، لانها رابطة وجودها باستمرار عذابها وذكرياتها اللي بتحاول تنساها، وقبل كل ده لازم توديها لدكتورة نفسية تعالجها من اللي الكلب ده سببه ليها.
واستطرد بعقلانية: _بس لازم تفهمها إنك معندكش مشكلة تتعايش معاها بالتشويهات دي، لكن لو هي مصرة على ده عشان نفسها فأنت جاهز تدعمها في الخطوة دي.
لاحت ابتسامة راحة على وجه يُونس، وكأنه حصل على الخلاص أخيرًا، ولكنه منحه سؤالًا فضوليًا: _ليه اقترحت عليا دكتورة مع إن كان ممكن تقولي أجبهالك، بما إنك على علم بقصتنا من البداية.
ارتسمت ابتسامة جذابة على وجهه الهادئ، فنهض يعدل من نظارته الطبية وهو يمازحه: _التردد اللي باين عليك بيبين إنك أخدت الخطوة دي بعد معاناة، عشان تيجي وتتكلم عن الموضوع، فأكيد مش هتحب إني أكون الدكتور المعالج ليها، وده شيء ميزعلنيش يا يونس، انت راجل ومن حقك تحكم أهل بيتك بالطريقة اللي تناسبك، وبعدين انا يعتبر كونت فكرة عن شخصيتك.
انتصب يُونس قبالته، يقابله ببسمة فخورة وممتنة له: _أنا مش عارف أشكرك ازاي بجد.
ربت على كتفه وقال:_مفيش داعي لكل ده صدقني، إحنا بينا صداقة ولا نسيت؟
هز رأسه ضاحكًا: _لا طبعًا مش ناسي، أنا ربنا عوضني بصداقة حضرتك إنت وحضرة الظابط، انتوا أكتر اتنين ساعدتوني أمر بأزمتي، فأنا مديون لربنا سبحانه وتعالى ثم ليكم انتوا.
تبسم له وقال بلطف: _ولا دين ولا حاجة، بتمنى تكون أمورك كلها بخير، ووقت ما تحتاجني مش محتاج تطلب مقابلتي بمكالمة، أنت تجيني البيت أو المركز في أي وقت يا يُونس.
صافحه بكل محبة، وغادر من عنده باسمًا، بعدما كان مكفهر الملامح، لقد امتلك إيثان كل الحق حينما رشح له الذهاب له. ******استقبل يُوسف آدهم وشمس بترحابٍ، وأخبرهما بأن يهبطا لسحب عينة الدم للتأكد من حملها، الاجراء برمته لن يتخذ سوى أقل من ثلاثون دقيقة.
انتهت الممرضة من سحب عينة الدماء، ونهضت شمس تتجه برفقة زوجها للكافيه الخاص بالمركز لحين الحصول على نتيجة الفحص، وبينما هي بطريقها، فاذا بها تلمح عُمران وهو يخطو جوار جمال والابتسامة تشرق وجهه الوسيم.
انتبه لهما عُمران، فاقترب منهما يهتف باستغراب: _شمس! بتعملوا أيه هنا؟؟
تجمعت تكتلات الدموع بعينيها، يتعامل بشكلٍ طبيعي مع أخيها، والآن مع صديقه، ولكن ثمة حاجز يضعه بينهما، انتظر عُمران سماع الاجابة منها بينما يتبادل آدهم السلام مع جمال، ويراقب زوجته بدهشة من صمتها ونظراتها المُصوبة تجاه أخيها، وإذا بها تغادر من أمامه من دون اضافة كلمة واحدة، متجهة للكافيه
اتجهت نظرات عُمران لآدهم الذي قال ببسمة يحاول أن يطمنه بها: _عملنا من شوية اختبار حمل وبنستنى نتيجته، فممكن تكون أعصابها متوترة من النتيجة.
لطالما كان ذكيًا، وخاصة إن تعلق الامر بالنساء، فلم تقنعه حجة زوج شقيقته، تابعها بنظراته حتى حدد الطاولة التي اعتلتها، فاندفع صوبها مصدرًا أمره الحازم: _مش عايز حد يجي ورايا.
رفع آدهم احد حاجبيه بتجهم: _وكأنه بيأمرني، أنا جوزها يا وقح!!
ضحك جمال ومال يربت على كتفه، مصبرًا إياه: _معلش يا حضرة الظابط، نوبة فقدان ذاكرة وهتعدي.
ابتسم ونطق بصدق: _ولو طولت نستحمل عشان خاطر، عيون الطاووس.
وأشار له على اقرب طاولة: _تعالى نشرب القهوة لحد ما يرجع.
وافقه ولحق به للطاولة التي اختارها، بينما على بعدٍ منهما سحب عُمران المقعد المقابل لشقيقته وجلس يتطلع لها بتفحصٍ، يحاول معرفة ما بها؟
حدجته شمس بنظرة معاتبة، ومن ثم قالت: _جاي ليه؟؟ انت مش مرتاح مع علي ومع جمال صاحبك، روحلهم، إنت تقريبًا ارتاحت لكل اللي شوفتهم الا أنا!! مع إني كنت اقرب ليك من روحك، إنت كنت بتحسسني إنك صديقي واخويا وكل حاجة في حياتي، فجأة بتعاملني ببرود غريب، رغم انك بتحاول تندمج معاهم كلهم الا أنا!!
وخز قلبه لرؤية دموعها، لقد مزقته بسوطٍ استهدف فقط موضع قلبه، فإذا به يسحب مقعده ليجاور محلها، هاتفًا بنبرة عميقة: _يعني أنا كنت فاكر أن آدهم اللي مزعلك وكنت عايز أروح أصفي دمه، أقوم أطلع أنا اللي زعلتك!! طيب قوليلي طيب أجبلك حقك مني إزاي يا شمس؟
جذبت المنديل الورقي تجفف دموعها، بينما يزداد صوت شهقاتها المسموع: _لو هتتعامل معايا بالجفى ده فأنا محتاجة حقي منك فعلًا.
وأضافت وهي تشكو له منه: _أنا رفضت أرجع مع آدهم عشان أفضل معاك بس أنت سبتني وخرجت ومهتمتش بوجودي أصلًا.
ازداد عمق ألمه، وكأنه يختبر شعور الأب لأول مرة، شعر وكأنه نسخة علي الآخرى في ذلك الوقت، فإذا به ينهض ويجذبها إليه، يضمها بين ذراعيه الضخم، بينما يردد بضجر: _مفيش بني آدم عاقل يبكي عيون بالجمال ده، أنا أكيد غبي ومبفهمش، أوعدك أني هأخدلك حقك مني وهلعب 30مرة ضغط عشان زعلك يخف عني!
رفعت رأسها إليه تخبره وهي تجفف دموعها كالصغيرة: _إنت شخص رياضي والرقم ده بالنسبالك مش حاجه يعني!!
ضحك بصوته الرجولي ومال يطرق جبينها بخفة: _يا قلبك الاسود يا شمس، عايزة تنتقمي مني بجد بقى!!
عادت تندس بين أحضانه بقوة، هامسة بابتسامة: _لو هتفضل جنبي مش عايزة ليك عقاب.
ضم رقبتها إليه وقال بحب: _وأنا هفضل جنبك ومعاكٍ دايمًا يا حبيبتي.
_أنا ماليش مكان في الحضن القمر ده ولا أيه؟ قالها علي بعدما ابتعد عن مقعده، فقد كان يجلس يراقبهما بفرحة وسعادة، استدارت شمس إليه وإتجهت تجاور جلوسه مرددة بفرحة: _علي إنت جيت امته؟
مال يقبل جبينها وهو يجيبها: _لسه واصل من ساعة تقريبًا، وجيت عشان ابلغك بنتيجة الاختبار، ألف مبرووك يا روح قلبي.
توسعت مُقلتيها في دهشة، وأخذت تتساءل بفرحة: _بجد يا علي؟
أكد لها بجدية تامة: _بجد يا شمس، قريب هتيجي بنوتة أو ولد تورث جمال عيونك.
ضحك عمران ومال يمازحهما: _لو بنت أنا حاجزها لعلي من دلوقتي، عشان تبقوا عارفين، ويا سلام لو عيونها زرقة، كده هنجدد النسل بأشباه متقاربة لفريدة هانم.
انطلقات الضحكات المجلجلة بينهم، فمال عمران لها وقال مبتسمًا: _يلا روحي فرحي آدهم، أكيد متوتر هو كمان.
هزت رأسها بكل تأكيد، وغادرت تاركة إياهما بمفردهما، سحب عُمران المقعد المقابل لعلي، وقال بضجر: _وبعدين يا علي، أنا كل ما بقابل حد بواجه عتاب أكبر على معاملتي معاه، صدقني أنا مش قاصد ده، غضب عني.
استند على الطاولة الفاصلة بينهما وقال برزانة: _فاهمك ومقدر كل اللي حاسس بيه، عُمران إنت كان ليك طابع خاص في حياة كل واحد من عيلتك ومن اصدقائك، عشان كده كل اللي حواليك مستنين منك رد فعل معين.
رد عليه عُمران بتعبٍ: _هو أنا ليه حاسس إن كل واحد بيوصفني بشخصية مختلفة عن التاني، انا مبقتش عارف انا مين يا علي!! أنا تايه ومش عارف أنا مين!!
ارتاب علي من أمره المقلق، وقال بنبرته الرخيمة: _عُمران إنت شخص واحد، قادر تتشكل وتكمل أي طرف علاقة دخلتها، سواء في حياتك مع مايا أو معانا أو مع أصحابك، فأوعى تضعف ولا تتهز، كل دي فترة توتر واضطراب هتعدي بيها وهتنهي.
هز رأسه بخفوتٍ، وهو يجاهد لرسم ابتسامة صغيرة، وقد لاح له كلمة زوجته التي مازالت تتردد له، فقال بتذكرٍ: _ علي، إمبارح مايا لمحتلي بحاجة غريبة، محبتش أسألها فيها لانها مكنتش في حالة طبيعية.
انصت له علي باهتمام:._حاجة أيه؟
كاد بأن يتساءل عن جملة زوجته التي قالتها حينما شكت أنه على علاقة بامرأة أخرى، وأنه سبق له ذلك، ولكنه تفاجئ بجمال يشير له، استأذن من أخيه واتجه إليه، فوجده يخبره: _لسه قافل مع يوسف بيقولك مدام ليلى هتخرج بعد عشر دقايق، تعالى نسلم عليهم قبل ما تخرج.
انصاع له ولحق به للمصعد، بينما عيني علي الحزينة منصوبة عليه، أخوه يمر بأصعب تجربة قد يخوضها بحياته، وأكثر ما يخشاه نوبات الاضطراب التي قد تهاجمه بضراوة، وخاصة حينما يصبح أمام مقارنة شرسة بين شخصيته الآن وشخصيته فيما مضى! ****** ولج برفقتها للمصعد، وهو يحاول فهم ما تفعله، وما ان إنغلق الباب عليهما حتى سألها بريبة: _ممكن تفهميني إحنا رايحين فين يا شمس؟ وبعدين أيه الطريقة اللي اتعاملتي بيها مع عُمران دي؟!!
استدارت إليه بابتسامة واسعة رغم انهمار دموعها: _آدهم أنا حامل!!
تبلد أي حديث على لسانه، بينما يخطو تجاهها بلهفة: _بجد؟؟ بجد يا شمس؟!
هزت رأسها وأكدت له: _علي استلم نتيجة الفحص وأكدلي ده، هبقى مامي يا آدهم!!
شملها بين ذراعيه بفرحة أدمعت عينيه بسعادة، بينما يخبرها:_هيبقى عندي بنتين، انا بحسك بنتي الصغيرة أصلًا.
وتابع بحماس أضاء وجهه: _مصطفى الرشيدي هيعمل فرح، متتخيليش هو مستني الخبر ده ازاي.
ردت عليه بفرحة: _خلاص يلا نروح ونبلغه، ونبقى نعدي على دكتور يوسف في يوم تاني.
أخذه الحماس بفكرتها، فحملها بين يديه وخرج بها لسيارته قائلًا بنبرة مغرية: _طلبات شمس هانم أوامر تتنفذ وقتي.
أحاطت عنقه ومالت تضع رقبتها بكتفه: _مش خايف على هيبتك يا باشا
مال يضعها بسيارته وهمس قبالتها: _فداكِ كل حاجة، منصبي وهيبتي وشكلي كل حاجة فداكِ يا قلب الباشا! *****طرق جمال على باب الغرفة الخاصة بزوجة يوسف، فإذا به يتجه لاستقباله بعد المكالمة التي حدثت بيهما، فأشار له مبتسمًا: _ادخل يا جمال، سيف ومراته جوه.
قال بابتسامة مشرقة: _بس انا مش جاي لوحدي يا يوسف، معايا ضيف.
زوى حاجبيه بدهشة، أي ضيف هذا الذي يأتي به جمال لغرفة زوجته: _ضيف مين؟!
ظهر عُمران قبالته مبتسمًا، وقال وهو يراقب ملامحه بتوترٍ:_مبارك ما جالك يا يوسف، تتربى في عزك.
توسعت حدقتيه بشكلٍ ملحوظ، لقد تحققت أمنيته بحضور رفيقه وتجسدت قبالته، ابتسم ودموعه تعكس ملامح سعادته: _عُمران!
تخطى جمال وإلتقفه بين أحضانه، فتعلق به يوسف كالغريق، لقد بات الأمر واضحًا لعمران، بأن من حوله يقبع حبه داخل قلوبهم دون شك، الجميع بحاجة لوجوده، بحاجة أن يسبق هو لتلك الضمة التي تعتبر اعتذارًا صريحًا منه على غيابه المفروض عليه قبل أن يُفرض عليهم، لذا أقل شيئ يمتلكه هي تلك الضمة الحنونة.
تشبث به يوسف، ودموعه تنساق على كتفه، بينما يخبره ببسمة غير مصدقة: _كنت لسه بقول لجمال في نفس المكان أني محتاج لوجودك جنبي في وقت زي ده.
ربت على كتفه وقال بحنان:_وأنا جانبك ومعاك دايمًا.
وابتعد يتطلع لوجهه بتدقيق، عساه يتهافت عليه أي ذكرى مرتبطة به، بينما يمازحه: _وبعدين أنا جيت عشان أشوف القمراية بتاعتنا، هي فين العروسة؟
ضحك يوسف بملء ما فيه، وفتح الباب يشير له: _ادخل يا عُمران، تعالى!
تفاجئ الجميع بوجوده، فاذا بسيف يتجه إليه ويحيه بفرحة: _عُمران إزيك!
توترت نظراته ومال تجاه جمال، الذي حل محل علي: _ده سيف اخو يوسف الصغير، ويعتبر أنه تربية ايد يوسف، بس انت ختمتها وربيته تربية نفعته بدل الدلع اللي يوسف رباه عليه.
ضحك رغمًا عنه على تلميح جمال له، ودنا يصافحه بلطفٍ: _أهلًا بيك يا سيف، سعيد إني شوفتك.
ضيق عينيه في صدمة، من هذا الملاك البريء الذي احتل جسد الطاووس الوقح، بينما دنت منه زينب وقالت في سعادة: _حمدلله على السلامة يا بشمهندس، وقبل ما تسأل البشمهندس جمال فأنا زينب اخت فطيمة مرات دكتور علي، ومرات سيف .
منحها ابتسامة صغيرة بينما عينيه تعانق الارضية الرخامية: _الله يسلمك، اتشرفت بيكِ.
بينما هتفت ليلى بفرحة:_الحمد لله انك بخير، ربنا سبحانه وتعالى نجاك من مكائد الكلاب دول لانك ماشي بما يرضي الله.
ومالت تضع الصغيرة بين يدي زوجها، قائلة: _يوسف كان بيتمنى يجيلي ولد بعد اللي حصل معاك عشان يسميه عُمران.
اتسعت ابتسامته وهو يوزع نظراته بين جمال ويوسف: _هو عُمران ده أحمد زويل، كل اللي أقابله عايز يسمي الأسم؟
ضحك يوسف ووضعها بين يديه، بينما يهتف جمال في حنقٍ:_لو هتتكلم عليه كأنه شخص مخالف ليك فبأكدلك بعد التثبيته اللي ثبتهالي في البيت دي إنك هو بشحمه ولحمه ووقاحته.
انفجر يوسف وسيف من الضحك حينما ترسخ لهما فهم ما يرمي به جمال، بينما يتجاهلهما عُمران وينسجم بتأمل الصغيرة، واضعًا كف يده بين أصابعها، مرددًا بانبهارٍ: _ما شاء الله زي القمر يا يوسف، هي صغننه أوي بس عسولة أوي تبارك الله.
اتسعت ابتسامة يوسف، وود لو ظلت ابنته بين يدي عُمران هكذا، بينما يغمر قلب عُمران حنين مفاجئ وحماس لحمل ابنه بين يديه ذات مرةٍ، بل تفاقم حنينه تجاه زوجته بالأخص.
مضى بالصغيرة للفراش المخصص لها، بينما يشير لجمال ونفس اشارته ليوسف، فخرجوا من خلفه.
وقف قبالتهما وقال بتوتر: _أنا كنت حابب أقضي بقية اليوم معاك يا يوسف، وأبات معاك يا جمال زي مانت مصر، بس أنا حابب أرجع البيت ارتاح شوية، وأوعدكم إني بكره هنتجمع في الشقة اللي في الحارة اللي قولتلي عنها يا جمال، فبتمنى متزعلوش مني!
أشار له يوسف بعقلانية وتفهم لما يمر به: _زيارتك ليا النهاردة بالدنيا وما فيها يا عُمران، أنا عارف ومقدر اللي انت حاسس بيه، عشان كده مش عايزك تضغط على نفسك أكتر، من كده يا حبيبي وجمال أكيد متفهم، مش كده يا جيمي.
زفر بقلة حيلة وقال: _لو هييجي بكره فتمام سماح ليك.
تنهد في راحة بأنه سيرحل دون أن يضايق أحد منهما، تلقفه يوسف بعناق أخر وقال:_متوترش نفسك باللي حوليك يا عُمران، وارجع اعمل أكتر، حاجة كنت بتحبها.
زوى حاجبيه بتيهةٍ: _أيه هي؟
اجابه بصوته الرخيم: _الرياضة، أنت بتحب تلعب رياضة جدًا، ومخصص صالة كاملة ليك في قصر الغرباوي، هون على نفسك وارجع للي بتحب تصفي بيه ذهنك.
منحه ابتسامة ممتنة، وغادر برفقة جمال، الذي أوصله للقصر بسيارته وغادر بعد أن أكد عليه مجددًا ضرورة حضوره بالغد.
ولج عُمران لجناحه الخاص، فوجد مايا تغط في نومها، إتجه لحمام الجناح، ينتعش بحمام سريع، ثم اتجه للخزانة يرتدي ملابسه، فاذا ببصره ينجرف تجاه الزر الجانبي الخاص بالباب السري للصالة الرياضية، صعد الدرج للاعلى، ووقف مشدوهًا أمام عدد الاجهزة الحديثة.
كانت مجهزة على أعلى مستوى، وكأنها تخص تمرين احد أبطال كمال الأجسام، تحسس الاجهزة بروحٍ تنبض داخله كالجنين الملتصق برحم أمه، وإذا به يبدأ أول دورات تدريبه، حيث كان الأمر بالبداية أكثر مشقة حتى اعتاد الأمر، وكأنه كان شيئًا معتادًا في حياته.
تلاحقت أنفاسه بشراسةٍ على الأجهزة، فكان يتنقل من جهازٍ إلى أخر بسرعة مهولة، بينما ينسال العرق على جسده بغزارةٍ، وكأنه يعوض غيابه الطويل عن ممارسة رياضته المفضلة.
هبط عُمران عن الجهاز، وإتجه يجذب المنشفة، بينما يستريح على أحد المقاعد، ينظم أنفاسه اللاهثة ببطء وتحكم، حتى هدأ تمامًا.
رفع المنشفة يمسح خلف رأسه، وعينيه تغوص بشرودٍ على الحائل الزجاجي الضخم، كان معتمًا بشكلٍ يوحي وكأنه حائط، ولكنه أثار اهتمامه بشكلٍ كبير، فاذا به يتجه إليه، يمرر يده عليه وكأنه يستكشفه، حتى ضغط على زر جانبي فيه، فإذا به يمر للجهة الاخرى من الحائل الزجاجي.
تفاجئ عُمران بوجود مكتبة هائلة من الكتب، وكأنه انتقل بالزمان للمكتبات الكلاسيكة القديمة، مع دمج عتيق باللمسة الحديثة، وقبل أن يستوعب شيئًا داعب أنفه رائحة قهوة مميزة، جعلته يهتف بتلقائية منه: _علي!
ابتسم ذلك الذي يراقبه من محل جلوسه على الاريكة المريحه، يرتشف من كوب قهوته، ويتابع قراءته، مرددًا بصوته الرخيم: _كنت هزعل أوي لو مكنتش اكتشفت الباب السري ده وجيتلي!
اتسعت ابتسامته وكأنه وجد ضالته بين غياهب الجب، فاذا به يتجه إليه بخطوات متهدجة، حتى جلس جواره، أغلق علي الكتاب وجلس باستقامة أمامه، يتفحصه ببسمة جذابة: _رجعت للرياضة تاني؟
نزع القفازات الرياضية عن يديه وقال بفخرٍ: _كنت حاسس إن ناقصني حاجة ومش عارف أيه هي، لحد ما يوسف لمحلي بحبي ليها، ومن أول ما دخلت الصالة وأنا اندمجت مع الاجهزه.
حبس ابتسامته، وقال مصطنعًا الضيق: _وضحلي حجم الاندماج اللي كنت فيه مع الاجهزه، بقالك ساعتين جوه!
لف جسده تجاهه وسأله بفضوله: _هو انت كنت قاعد القعدة دي من ساعتين يا علي!
سحب الكتاب الذي غرق فيه للتو، ورد عليه: _زي ما ليك مفضلاتك ليا مفضلاتي أنا كمان.
قالها ونهض من محله يعيد الكتاب بالخزانة، وحينما استدار ليعود لمحله، فوجد عُمران يخطف كوب قهوته ويرتشفه بأكمله، تحررت ضحكات علي وهتف بعدم تصديق: _إنت عمرك ما هتتغير أبدًا.
ترك الكوب الفارغ جانبًا، وقال يمازحه: _ولما انت عارف كده مبتعملش حسابي في فنجان زيادة ليه؟!
ربع يديه أمام صدره ورد برزانة: _أخدت ساعتين عشان تلاقي الباب السري، تفتكر قهوتك كانت هتستناك المدة دي؟
هز رأسه بالنفي، فابتسم وهدر بمشاكسة: _حبيب قلب بابا الشاطر، يلا إرجع لجناحك وأنا هنزل أغير هدومي وارتاح شوية.
اتجه للدرج المبطن ليهبط للاسفل، فاذا بعمران يوقفه قائلًا: _علي استنى.
وقف محله يستدير إليه باستغراب، وخاصة حينما وجده يسرع للخزانة العملاقة، سحب أحد الكتب وعاد إليه يجذبه برفقٍ للاريكة مرة أخرى، وما أن انصاع له وجلس، حتى تمدد عليها ومال يستند برأسه فوق ساقيه، ويعدل من وضعيته بوضعية مريحة، أسفل عيني علي المندهشة مما يفعله.
سند رأسه لساقيه، ثم رفع يده بالكتاب يضعه بين يدي أخيه وهو يشير له: _اقرأ الكتاب ده هيفيدك، شكله ملفت ومهم.
وترك الكتاب بين يديه، ثم أغلق عينيه في راحة وابتسامة سعيدة، وزع علي نظراته بين أخيه والكتاب المحمول بين يده، ثم انفجر ضاحكًا بعدم تصديق: _ما تقول إنك عايز تستولي على رجليا بدل ما تلف وتدور على بابا !
ابتسم عمران وقال يحمسه: _غلاف الكتاب مغري، اندمج معاه وسبني أندمج أنا كمان.
ترك الكتاب عن يده و وضع كفه على جسد أخيه، بينما يغلق الاخير عينيه حتى ظنه علي يغفو بسلام، فاذا به يحطم الصمت: _علي، جمال لما نادني كان عندي سؤال ملحقتش أقوله ليك.
قال وهو يصغي إليه: _إسال.
تساءل بما صدم به علي: _هو أنا كان في حد في حياتي قبل مايا؟!!
تحجرت الكلمات على لسان علي، وقال وهو يدعي انشغاله بقراءة الكتاب:_ليه بتقول كده؟
اجابه ومازال يسترخي على قدميه: _مايا لمحتلي بحاجة زي كده.
طال صمت علي، بما دفع عُمران يستند على جذعيه ويجذب الكتاب منه: _ساكت ليه؟
تنهد وهو يجيبه: _هتعمل أيه بالماضي يا عُمران، كل ده عدى وأنتهى من حياتك.
استقام بجلسته جواره، وقال بنظرات ترتاب لسماع الاجابة: _عدى وانتهى تمام، بس حابب أعرف العلاقة دي كانت بشكل أيه، يعني كنت خاطب قبل مايا أو متجوز؟!!
لعق شفتيه الجافة ونهض يعيد الكتاب محله: _علاقة عابرة وانت نهيتها بدون أي مجازفات، فالموضوع منتهي، يلا قوم انزل ريح شوية، بكرة انت وراك يوم طويل مع جمال و يوسف، عايزك تقرب منهم وتقضي وقت طويل معاهم، ده هيساعدك جدًا، أنت كنت بتحب تنزل مصر في اجازات الدراسة عشان تقابل جمال ومايا، ويوسف شخص عظيم اتعرفت عليه في لندن وبقى قريب منك جدًا.
ترك كل ما يقول وسأله بدهشة: _ولما أنا بحب مايا من أيام دراستي زي ما بتقول أيه خلاني أسمح بدخول العلاقة العابرة دي؟!
ضم شفيته معًا بضيق، ودنا إليه يخبره: _عُمران الماضي راح بكل الوحش اللي فيه، متحاولش توصل لأي حاجة ممكن تزود من حيرتك، انت في الاساس مشتت من غير حاجة، اسمع كلامي وانزل ارتاح، الوقت اتاخر.
حرك رأسه باستسلامٍ، وغادر من الصالة لجناحه الخاص، فوجد مايا تجلس على الفراش والقلق ينتقم من ملامحها الجميلة، فباتت باهتة، وما أن رأته حتى نهضت تركض صوبه:_أنت كنت فين يا عُمران، أنا رنيت عليك كتير اوي؟
رسم ابتسامة رقيقة على وجهه الرجولي، وقال: _الموبيل هنا وصامت يا مايا، أنا مرحتش في مكان عشان أخده معايا، أنا كنت فوق في الصالة.
عادت تترك مساحة لانفاسها تمر وتخرج بشكلها الطبيعي، هامسة: _قلقتني عليك.
رد بصوته الشجي: _قلقك عليا مبالغ فيه يا حبيبي، أنا خلاص رجعت ومش هبعد تاني.
رفعت عينيها إليه، وبصوتٍ مرتعش قالت: _بجد، يعني مش هصحى في يوم على الكابوس ده تاني؟
رفع اصبعه يبعد الدمعة عن وجهها الجميل:_انتهى خلاص يا مايا.
ارتسمت ابتسامة فاتنة على وجهها، فمنحها ابتسامة عاشقة، بينما عينيه تغوص في عمق عينيها، وإذا به يتقدم إليها، ودعوة تجدد ميثاق الغرام تتقدم لها، فلم ترفض دعوته أبدًا، بل لبتها بكل شوقٍ وحنين إليه.
مال عُمران للفراش، وإذا به يبصر عدد من المشاهد، واللقطات التي تمر في باله لمشاهد مشابهة، فرمش بوجعٍ.
رفعت مايا رأسها تراقب ملامحه بقلقٍ، اتبع سؤالها: _عُمران مالك؟
ضم وجهها بيده وقال بابتسامة زائفة:_مفيش يا روحي، أنا كويس.
عاد يصطحبها برفقته لرحلتهما المشتاقة، ولكن احتد به الألم بشكلٍ جعله يميل جوارها وهو يضم رأسه ويتأوه بوجعٍ قاتل، فاذا بها تهرع إليه وهي تناديه بفزعٍ: _عُمـــــــران!!
مرر يده على جبينه وهو يقاوم وجع الرأس القاتل، الوجع يتضاعف بشراسة وكل ما يطرح من امامه وجه فتاة شقراء، بشعر أصفر وعينين خضروتان، ملابسات جريمة الزنا التي حدثت بينهما من قبل، كره شديد مطعون بشخصه القديم.
يحتد الألم وتلك المرة صراخًا عاصفا، جعل مايا تقف باكية قليلة الحيلة، فاذا بها تجذب اسدال صلاتها، وتركض صوب جناح علي، تطرق الباب بشكلٍ جنوني، فاذا به يقف أمامها ويراقب حالة الذعر الناطق بها عينيها، بينما تلفظ بتوتر: _عُمران!!
لم يستمع لأي كلمة أخرى، فقد كان يركض صوب جناح أخيه فور أن علم أن الامر يخصه، ولج للداخل يبحث عنه، ولكنه لم يجده، فاذا بصوت تحطيم شرس يقبع من خلف باب المرحاض الموصود.
ركض علي صوب الباب يدق بكل قوته وهو يناديه:_عُمران افتح الباب!
وحينما لم يجد أي رد، استدار تجاه زوجة أخيه، يسألها بخوف:_أيه اللي حصل يا مايــــا؟!!
في تلك اللحظة انضمت لهما فاطمة التي لحقت بهما فور سماع نبرة مايا المرتعبة، ابتلعت مايا ريقها في توترٍ، بينما يتابع علي باستفسارٍ ليتبين له حالة أخيه الغامضة تلك:_ردي عليا، أيه اللي حصل، أنا لسه سايبه من شوية وكان كويس، اتكلمي عشان أقدر أساعده!!
بكت بانهيار، فضمتها فاطمة، وهتفت بانزعاج:_بالراحة عليها يا علي، انت مش شايف حالتها عاملة ازاي!
اعتصر شفتيه بضيقٍ من الوضع برمته، وعاد يطرق على الباب مجددًا، في محاولة أخيرة: _عُمران، الباب ده يتفتح حالًا سامـــــــع!!
وحينما لم يجيبه، اتجه لها ينحني قبالة الاريكة التي تتخذها هي وزوجته متكئًا:_مايا ساعديني، حصل أيه؟
رفعت عينيها له باستحياءٍ، وقالت: _معرفش، فجأة مسك رأسه وكان بيتألم جدًا، جيت وناديتك على طول.
نظراتها أضرمت الموقف بأكمله له، فاستقام بوقفته وأشار لفاطمة: _فطيمة خدي مايا جناحنا، سيبوني معاه شوية.
أومأت له، وساندتها حتى أغلقت باب الجناح من خلفها، بينما اتجه هو يصيح بعنف يعلم أنه سيجدي نفعًا: _مفيش حد في الجناح غيري، هتطلع ولا هتفضل مستخبي جوه زي الجبان!!
تحرر مزلاق الباب وطل له عُمران بهيئته المخيفة، عينيه محمرة بلهيب من جهنم أضرم سحر رماديتاه، دنا منه حتى جابه محل وقوفه، وقال بغضب: _مكنتش علاقة عابرة زي ما قولت، كانت كبيرة من الكبائر.
وأضاف بوجعٍ وكسرة: _خوفت تصارحني بحقيقة إني كنت زاني يا دكتور!!........ 💣 يتبع.......
****_________******
رواية صرخات انثى الفصل 104 - بقلم ايه محمد رفعت
اهتز "علي" في وقفته صدمة مما استمع إليه، بينما يستمر "عُمران" في مواجهته. وجعه ينطق بين رماديتاه من هول ما يحاول تصديقه، يتمنى أن ينفي أخاه كل ذلك، ولكن المشاهد داخل عقله تُعاد لتؤكد له إنها حدثت بالفعل.
كلما استعاد جزءًا من ذاكرته المفقودة، يرى نفسه بشخصية شيطانية، تجعله لا يريد استردادها أبدًا. يبعد بينه وبين هذا الشخص الزاني فرق الأمد، وبداخله أمنية غالية أن لا يكون هو هذا الشخص.
أصبح "علي" جواره الآن، يحاوط ظهره العاري، ويخبره بكل ثباتًا يمتلكه:
"عُمران حبيبي، كل ده كان من الماضي، إنت اتغيرت."
انفض كفه يعيدًا عنه، ومازالت نظراته تحيط عيني أخيه في صدمة. نطق بلسانه:
"اتغيرت؟"
"هو ده تبريرك على الجريمة اللي ارتكبتها؟"
تنهد علي بقلة حيلة، ورد:
"أنت توبت عنها يا عُمران."
ارتسمت بسمة القهر على وجهه، وقال بسخرية:
"إيه الضامن ليك إن توبتي اتقبلت عند ربنا؟ وأيه الضامن ليك إني رجعت عن القذارة دي؟"
وتابع وهو يدنو إليه ببطء:
"إنت نفسك خدعتني يا علي، كدبت عليا لما سألتك، فقولي بأي حق هرجع أثق فيك تاني؟"
ارتاب "علي" حينما رأى الاضطراب يزحف على معالم أخيه، وهو بنفسه يعلم ما الذي سيواجهه حينما يفقد ثقته الكامنة به. فعاد يقترب منه، وهو يحاول أن يقربه إليه قائلًا:
"كان لازم أبعدك عن النقطة دي يا عُمران، لإنك بتواجه شخصيتك القديمة البعيدة عنك، أنت قبل ما تعمل الحادثة كنت شخص تاني، بعيد عن كل القذارة دي."
اتسعت ابتسامته الساخرة، وعينيه تسترسل ألف قصة بُنيت على وجعٍ وألمٍ عتيق. فاذا ببحته تجرح حلقه:
"هو إنت ليه مش قادر تفهمني! أنت محسسني إني ارتكبت شيء هين وبسيط وواقف تقولي إني اتغيرت!"
"علي، أنا زنيت!! أنا ارتكبت كبيرة من الكبائر اللي بتهز عرش الرحمن!!!"
وأحنى رأسه أرضًا ودموعه تزحف على وجنتيه الساخنة:
"يمكن عشان كده ربنا عاقبني باللي حصلي!"
هز علي رأسه نافيًا ما ترسخ بعقل أخيه، بينما يستطرد عُمران في شرود:
"لو كان مصيري الموت كنت هقابل ربنا إزاي وأنا حامل الذنب ده؟ كنت هقف قدامه إزاي؟"
وتابع بإرادة وإصرار:
"أنا لازم أطهر نفسي من الذنب ده، أنا مش هقابل ربنا بيه أبدًا، عقابي في الدنيا أهون من عقابه في الآخرة."
واستدار إلى أخيه الذي يراقبه بخوفٍ، بعدما تفهم مغزى عباراته. فإذا بعُمران يتعمق برماديتاه وهو يخبره:
"عقاب الزاني 100 جلدة ده لو كان عازب، أما لو كان متجوز فعقابه الرجم حتى الموت."
وتابع بعدما استدار بجسده إليه:
"ثقتي اتهزت فيك مرة فلو اتهزت التانية هتخسرني يا علي؟"
فهم مغزى سؤاله الغامض، فارتعش جسده وخفق قلبه من ربكة ما يتودد لعقل أخيه. ابتلع لعابه الهادر وقال:
"عُمران بطل جنانك ده، وفوق."
قاطعه حينما حرر سؤاله المباشر:
"ارتكبت الذنب ده وأنا متجوز ولا قبلها يا علي؟"
ارتخى جسده ضعفًا، وهو يشاهد في عيني عُمران إصرار لمعرفة الحقيقة، وتحدي بأنه إن لم يواجهه بالحقيقة سيخسره تلك المرة. سقط "علي" على المقعد بارتخاءٍ، ودموعه تنساق على وجنتيه، تعلن هزيمته الساحقة أمام أخيه الذي فطن الإجابة الصريحة على سؤاله. ازداد حجم الألم الساري بقلب عُمران، فاذا به يميل مستندًا على الحائل الزجاجي من خلفه، وقد ارتسم بسمة ساخرة على شفتيه:
"محكوم عليا بالموت!"
حافظ "علي" على انتظام أنفاسه المنفعلة، ورد عليه:
"مش صحيح، ربنا سبحانه وتعالى رحيم بعباده، إنت بعدت عن معصيته وتوبت منها، مبقتش تعمل غير اللي يقربك منه، سواء بقيامك أو بالصدقات اللي بتعملها."
رفع رأسه المحني، وتطلع فيه، قائلًا:
"مش كفايا يا علي، كل ده مش كفايا قدام ذنبي."
وابتعد عن الحائل وهو ينطق بعزيمة:
"أنا حياتي جحيم أصلًا فمش باكي عليها، أنا قابل بحكم ربنا سبحانه وتعالى، وجاهز ليه."
قالها وإندفع تجاه الخزانة، يتلقف أول قميصًا يقابله، ويرتديه فوق بنطاله باهمالٍ. صعق "علي" مما يراه، واتجه خلف أخيه يعرقل طريق خروجه:
"لو فاكر إني هسيبك تخرج من هنا ولا تنفذ اللي في دماغك ده تبقى بتحلم، كل اللي إنت فيه ده مجرد اضطرابات لمواجهتك بشخصيتك القديمة، مجرد رجوع ذاكرتك ليك هتفهم إنك امتنعت عن كل القرف ده وبقيت شخص تاني."
وتابع ليستميله:
"ثم إنك لما ارتكبت الذنب ده مكنش في علاقة تجمعك بمايا غير عقد الزواج، يعني لو هنمشيها بحكم الله فأنت هتتعامل معاملة الأعزب."
راقبه بصمتٍ بدا خطيرًا لأخيه الذي يترقب سماع رده. فإذا به ينزع حزامه الباهظ من حول خصره، ويقدمه لأخيه!
وزع "علي" نظراته بين عيني عُمران المتجهمة، وما بيده، وازداد بصعوبة:
"عايز توصل لأيه يا عُمران؟"
قطع صمته أخيرًا برده الصامت:
"عايز أتخلص من كل الاحاسيس المقيته اللي جوايا، عايز أحب نفسي اللي كل مدى بكرهها أكتر، من الأول، وإنت اللي هتساعدني يا علي."
ودنى منه يسحب كفه المبسوط ووضع فيه حزامه قائلًا بدموع متوسلة:
"إجلدني وطهرني من الذنب ده!"
سقط الحزام أرضًا من يد علي المصدوم، فاحتكت طوقه الثمين بالأرضية مطلقًا صوتًا صاخبًا، كقرع قلوبهما. ومن بعده احتكاك ركبتي عُمران الذي ركع ينزع قميصه، وهو يتابع ببكاء:
"عقابي في الدنيا أهون من إني أقابله وأنا شايل القذارة دي!"
وأضاف، وهو يميل برأسه على ساقي أخيه:
"بالله عليك ساعدني، أنا مش طايق نفسي، أنا عصيت ربنا وكنت عارف عقوبتي، أنا اتجرأت على ربنا يا علي!!"
تهاوت دموع علي وقلبه يتمزق بين أضلعه وجعًا على أخيه الذي يطالبه بالقصاص، وهو غير أهل بفعل ذلك. فإن كان بيده لحمل عنه كل العذاب الذي يؤلمه يومًا، لو كان بيده لتجرع الكأس بأكمله دون أن يترك له رشفة تجدد بها وجعه وحزنه.
سحب عُمران حزامه المُلقى أرضًا، ورفعه إلى أخيه قائلًا:
"لو عايز تداري على أخوك عاملته البشعة دي هتعاقبني إنت، والا هخرج أنا وهروح لحد ينفذ بس خليك عارف إنك هتكون السبب برفع الستر عني."
رفع علي رأسه عاليًا والدموع تتدفق من عينيه دون توقف. خسر كل ما تعلمه في التعامل مع أخيه، الذي اجتاحه نوبة اضطراب قاتلة، ما بين مواجهته بماضيه وحاضره. ولم يفق من قتله البطيء إلا على سوط التحام السوط بجلد أخيه، الذي قرر أن لا يضعه بهذا الاختبار القاسي وقرر أن يعاقب هو ذاته.
جن جنون علي، وكأن السوط يهبط على ظهره هو، فانحنى يلتقط عنه الحزام، الذي ثناه ليجعله قاسيًا كضربة السوط. انتزعه "علي" منه وألقاه بعيدًا وهو يتفقد ظهر أخيه بجنونٍ لحق نبرته المبحوحة:
"عملت إيه يا مجنون!!"
أدمى جلده الأبيض جراء أول ضربة هوت على ظهره بقوته، بينما يحاول عُمران دفعه للخلف، حتى يصل لحزامه مجددًا. صرخ فيه علي وهو يحاوط جسده:
"حرام عليك اللي بتعمله فيا وفي نفسك ده، فوق يا عُمران، إنت بتشكك في رحمة ربنا، ربنا سبحانه وتعالى رحيم بينا كلنا، مين فينا خالي من الذنوب، من فينا معصوم من الغلط، ربنا مبيقفِّلش باب التوبة في وش حد يا حبيبي، وإنت توبت وندمت على ذنبك ده، والدليل إنك لحد النهاردة بتأنب نفسك عليه، ومش قادر تنساه."
بكى بين ذراعيه وهتف بانكسار:
"بس أنا مش هعرف أتعايش بالذنب ده، هكره نفسي يا علي."
شدد من الإحاطة به، وهو يراعي ألا يلامس جرحه الذي سرى بعرض ظهره العضلي، بينما يستطرد بدموعٍ تشق طريقها:
"إنت مش وحش عشان تكره نفسك، إنت لو كنت كملت في معصيتك كان ليك الحق في ده، لكن إنت بعدت وقربت من ربنا، ولو عندك شك أن ربنا مغفرلكش توبتك مكنتش لحد النهاردة محافظ على قيامك ولا صلاتك."
وأضاف بما يحاول أن يدمي به نيرانه:
"موسى حكالي على كل حاجة، إنت في عز تعبك ووجعك كنت بتقوم لصلاتك، مقدرتش تبعد عن ربنا سبحانه وتعالى، تفتكر لو هو كارهك كان هيحببك في طاعته وقربك منه بالشكل ده؟"
مال على ذراعه وقال بوجوم:
"ذنبي هيقلل من درجتي عنده، ساعدني يا علي، بالله عليك تساعدني!"
سند رأسه للخزانة من خلفه، وبكى بصوتٍ مكبوت، بينما يميل عُمران على ساقه مستندًا برأسه على ذراعه الأيمن، موليه ظهره المجروح.
رأى علي علبة الإسعافات الأولية، الموضوعة بأحد أدراج الخزانة الخاصة بماكينات الحلاقة الخاصة بأخيه. التقطها وفتحها بذراعه المتحرر، حتى جذب منها قطعة القطن ومطهر الجروح، سكب البعض منه على ظهر عُمران، وبدأ يداويه.
ابتسم عُمران ومازال يميل على ذراع "علي"، يتمتم بسخط:
"بقولك عاقبني بتداويني!"
أزاح دموعه بكم قميصه المرفوع وقال بحزمٍ لجأ له:
"اسكت مش عايز أسمع منك حرف تاني، إنت هتنفذ كل اللي أنا هقوله وهتعمل بيه بالحرف، سامعني؟!"
اتسعت ابتسامته رغم سقوط دمعاته، بل أجابه بسخرية:
"حاضر يا بابا."
انتهى علي من تضميد جرحه، ونهض يساندة وقد استسلم له عُمران بجسدٍ مهلك، وبنظراتٍ تضخ بالغموض الخطير!
سحب علي قميصًا آخر لأخيه، طرحه عليه وقال:
"هنروح مكان بترتاح فيه، ولعلمك بقى إنت ساهمت بتجديد المكان ده، والناس هناك بيحبوك جدًا."
استدار يسأله بلهفة أدهشته:
"فين؟"
منحه ابتسامة رغم حزنه وبكاء عينيه:
"مسجد الشيخ مهران."
رفرف قلبه كالعصفور الطليق، والحنين يضرم مشاعره بشكلٍ أذهله. فاذا به يمسك كف أخيه كالصغير:
"أنا عايز أروح هناك يا علي."
زوى حاجبيه بمكرٍ، وقال ضاحكًا:
"اسمع كلام بابا اللي بيحبك وخايف على مصلحتك وأنا هوديك مكان ما تحب."
زارته بسمة في وسط الضياع الذي يخوضه، وقال بنبرة حزينة:
"وأنا بعمل إيه غير إني أسمع كلامك!"
ضمه علي ومال يقبل جبهته، هاتفًا بآنين:
"كل اللي بعمله لمصلحتك، أنا راحتي في سعادتك."
تعلق به بقوةٍ، ومن ثم قال:
"لو عايز تشوفني سعيد واجهني بكل اللي عملته، بلاش تخبي عني أي حاجة هتضايقني وقت ما أعرفها."
وابتعد عنها يطالعه بنظرة حملت حرجًا مما فعل:
"مايا كانت تعرف إني بعمل ده؟"
ارتبك علي مجددًا قبالته، ولكنه خشي أن يخسر ثقته المهزوزة فيه:
"كانت تعرف، بس حبها ليك خلاها تحاربك أنت شخصيًا علشان تفوق من اللي إنت فيه يا عُمران."
هز رأسه بخفة، والألم يتضخم داخله بشراسة. فاذا به يخبره:
"طيب ممكن أشوفها قبل ما نمشي؟"
رد عليه مبتسمًا، رغم قلقه من مطلبه:
"آه طبعًا، هروح أناديها وهستناك في عربيتي."
وتركه وغادر لجناحه، بينما يميل عُمران على طرف فراشه، شاردًا في تلك اللحظات الخاطفة، التي تحطمت بذكرياته القاسية.
مرت الدقائق حتى أتاه صوتها الرقيق يناديه:
"عُمران!"
رفع رماديتاه صوبها، فوجدها تراقبه بلهفةٍ. وما زاد من وجعه نظراتها الناطقة بعشقه الذي لا يستحقه. طال صمته وهو يتأملها بنظراته الغريبة، فإذا بها تبادر بقربه، وقد جلست جواره تتساءل:
"إنت كويس؟"
هز رأسه بخفة، ورسم ابتسامة باهته:
"أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده، إنتِ كويسة؟"
ردت عليه باسترابة من طريقته وسؤاله الغريب:
"الحمدلله."
وأضافت وهي تتابع نظراته الغامضة:
"مالك؟"
ابتسم ونطق بسخرية شملت ألمًا مازال يعاني منه:
"بكتشف عن نفسي ماضيي المشرف، ولاقيت إني كنت إنسان حقير، بس اللي خلاني أستغرب هو إنتي، معقول البنت القوية اللي شوفتها بتتحدى علي بإن جوزها عايش وهتدور عليه بنفسها، تكون قبلت تتنازل وتعيش مع شخص زاني وحقير زيي؟!"
لعقت شفتيها ومزقتهما بين أسنانها، لتذكره أصعب جزء مر عليهما، بينما ينتظر هو سماع ما ستقول في لهفةٍ، حتى لفظت:
"الشخص الحقير اللي بتتكلم عنه ده مات واندفن في اليوم اللي كان راجع فيه على الطريق ومش قادر يسوق وهو خايف يقابل ربنا بكل معاصيه، الشخص ده هو حبيبي اللي اتولد من جديد، وأقسم لي إنه بدأ معايا حياته من تاني، بعد ما فتح بيها صفحة بيضا خالية من كل ذنوبه، الشخص ده نفسه اللي عمل كل اللي يقدر عليه عشان يعوضني عن اللي عيشته واستحملته عشانه، هو نفسه اللي كان ليا الصديق والزوج والحبيب والأب اللي عوضني عن قسوة أبويا، الشخص اللي انت شايفه حقير ده قلبه أبيض وشاركني فيه كل أحبابه، آه أنا كنت بغير منهم بس بعذرهم لإن عُمران سالم الغرباوي يتحب من أي شخص يتعامل معاه، حنيته وطيبته على اللي حوليه قادرة تمسح عنه كل خطأ ارتكبه في حق كل واحد فيهم، وأنا واحدة منهم."
وأضافت وقد سرت دموعها:
"أنا مكنتش بالضعف اللي يخيلك إن كنت مكسورة الجناح وأنت بتخوني، أنا وقفت في وشك وحاربت عشان عارفة إنك جواك شخص تاني بتحاول تدفنه جواك، ومستني طاقة نور عشان يظهر، حتى لما كنت مدفون في العتمة اللي كنت فيها كنت وفي ورافض تكون لي زوج عشان متحسش إنك بتخون الكلبة اللي كنت معاها!"
وتابعت بشراسة وغيرة رغمًا عنها:
"واللي كانت أول من افتكرتها بدل ما تفتكر حياتنا مع بعض!"
ضحك رغمًا عنه، وهو يشاهد غيرتها القاتلة تتقافز من عينيها. فابتسمت هي الأخرى وقالت بمشاكسة:
"إنت شكلك حنيت ليها وعايزني أسَن سكَّاكيني عليك، والمرادي محدش هيحوشني عنك يابن فريدة هانم!"
تحرر صوته الضاحك أخيرًا:
"أهون عليكِ يا بيبي!"
تلاشت ابتسامتها وقالت بغصتها المتألمة:
"عمرك ما هونت عليا."
جذبها إليه يضمها بقوة، فتعلقت به وقد تحرر عنها بكاؤها. فمال عليها يهمس بانكسار:
"أنا مستاهلكيش ولا أستاهل حبك ده يا مايا، أنا بدور على حاجة واحدة ممكن تبرر لي حبك ليا مش لاقي غير شخص أناني، خانته نزواته واتخلى عن الإنسانة اللي حبيته بصدق، أنا مستخسرك فيه!"
وصحح مبتسمًا بسخرية:
"فينا إحنا الاتنين، ما أنا لازم أتقبل النسختين لحد ما نسخة فينا تنتصر في حرب من أكون دي!"
تعلقت به ورددت:
"ولو رجعت بمليون نسخة أنا بحبك بكل حالاتك!"
ابتعد يتطلع لها بعشقٍ ناطق:
"أنا قادر أحبك في اللحظة دي وأختارك بإرادتي يا مايا، حابب أتجوزك من تاني وأبدأ معاكِ من أول."
وابتسم يمازحها:
"وبما إن الشرع محلل أربعة."
توسعت مُقلتاها في صدمة، ورفعت ساقيها تلتقط من أسفل إسدالها حذائها المنزلي. فضحك وهو يستكمل:
"فأنا جاهز أتجوزك أربع مرات."
قالها وسحب الحذاء يتأمله بدهشة. فاذا به يتمتم والضحك يلاحقه:
"مش أنا اللي يترفع عليا شوز يا بيبي، الرافعة دي نهايتها بزعل، إنتِ مش أده، فاهدي وخدي تمامك كده عشان الإرهاق عشانك خطير وبالذات بالوضع ده!"
سحبت منه الحذاء، ودفعته أرضًا، ثم حذرته:
"بقولك إيه يا حبيبي، لو فاكر إن عشان أنت فاقد الذاكرة ومفتكرتش إلا ألكس الصفرا دي، فكده هسيبك تسبل وترمي كلام من ده فإنت متعرفش أنا أخري واصل لفين، اعقل كده وفكر كويس، اللي قدامك دي حرم الطاووس الوقح، يعني في لحظة ما تفكر تستهزأ بيا هكون فاتحة القاموس اللي قفلته من يوم ما فقدت كل شيء."
راقبها بصدمة وانهار في نوبة من الضحك، أطرب مسمعها، بينما يجاهد للحديث:
"حبيب قلب جوزه الشرس إنت!!"
وتابع وهو يزيح حجابها بينما يمسد على خصلاتها بنعومة أخجلتها:
"إهدي كده ورجعلنا بسكوته النواعم، عشان نقدر نتفاهم بس."
ابتسمت وهي تعود لرقتها:
"حاضرة وسامعة اتفضل."
هز رأسه بعدم استيعاب، بينما يسألها بفضول:
"هو أنا كنت بديكي الفرصة تكوني بالشراسة دي قدامي؟"
ضحكت وهي تنفي ذلك، قائلة:
"إنت مبتديش فرصة لحد أصلًا يشوف نفسه عليك."
رفع حاجبه بمكرٍ، وقال:
"أمال مالك يا بيبي، شادة نفسك عليا كده ليه؟"
أجابته ضاحكة:
"وماله يا حبيبي لما أشوف نفسي عليك قبل ما ذاكرتك ترجعلك!"
زاره الخبث فنطق:
"بس أنا لسه زي ما أنا، وزي ما كنت بعمل فيكِ واقفة زمان قادر أعملها دلوقتي يا حبيبي، تحبي تجربي!"
زفرت مدعية الغضب:
"هو اليوم غريب من أوله، كان بدايته ذكرياتك مع ألكس والوقتي عايز تستعرض طول لسانك عليا!! شكلي كده هرجع لفاطيمة وهسيبك هنا مع النسخ بتاعتك، تشوف مين فيهم هيغلب التاني."
تبسم وجاذبيته تزداد في فتنتها:
"أنا محدش يقدر يغلبني، مش قولتلك قبل كده أنا ماليش كتالوج!"
مالت قبالته تمازحه بضحكة رقيقة:
"يعني افتكرت الكتالوج والصفرا ومش قادر تفتكرني!!"
رفع رأسه وهو يضحك حتى أدمعت عينيه، وإذا به يتخابث:
"لو الشعر الأصفر مضايقك كده اصبغي شعرك انتي كمان، بسيطة!"
توسعت مُقلتاها في صدمة:
"نهارك أسود يا عُمران، انت افتكرت كمان لون شعرها!!!!!!"
مال على الفراش من فرط الضحك، لا يصدق أن غيرتها تدفعها عن نسيان التفاصيل التي نطقت بها للتو، بينما تميل من فوقه بالحذاء مجددًا وقد ازدادت غيرتها حد الجنون.
لف ذراعها ببراعة، ينتشل عنها ما بيدها وهو يقول بنبرة تحذيرية:
"عيب كده يا بيبي، ميصحش ترفعي الشوز على أبو ابنك بالشكل ده، تفتكري لو فريدة هانم عرفت أنك عملتي كده هيكون إيه تصرفها معاكِ؟"
ارتعبت مما قال، وتطلعت إليه بنظرة رجاء:
"هو انت ممكن تقولها يا عُمران؟"
منع ابتسامته وأبعد خصلاتها الساقطة فوق عينيه، بينما يعصر أسنانه من فرط ألمه لاحتمالها عليه وقد لامست جروحه بالفراش:
"مش لازم تعيد تربيتك يا بيبي، يعني مين يقبل إنه يتثبت بالشكل ده؟"
تراجعت للخلف وقالت بتلعثم:
"على فكرة أنا مقصدتش أنا كنت بس بعرفك إني أحلى من الصفرا دي، ومش بحب أصبغ شعري عشان أكون زي حد، إنت حبيبتني وأنا كده، فلو بطلت تحبني فدي مشكلتك إنت مش مشكلتي."
لمس الحزن في نبرتها الأخيرة، فاعتصر قبضته يحتمل على مدى تألمه. ثم نهض يتجه صوبها، ضمها إليه وقال بصدق:
"أنا مش مقرف عشان أحطك في مقارنة مع واحدة رخيصة زي دي، دي متتسواش بضفر رجليكِ يا مايا."
ومالت إليه وهي تحمد الله أنه لم يرى دموعها، قبل جبينيها وهمس لها:
"عشقك ليا صحى مشاعر في قلبي مكنتش متخيل إنها موجودة لواحدة ست، أنا واثق إن حبي ليكِ اتخطى حدود عقلي العاجز عن إنه يفتكرك."
استدارت إليه مبتسمة في رضا، فإذا به يعود ليضمها إليه ويحتويها بكل حنان وحب، وعاطفة، فيما يعود ليخبرها بمزح:
"يا خبر، أنا نسيت أن علي مستنيني تحت بعربيته كل ده."
عبثت في دهشة:
"مستنيك بالوقت المتأخر ده، ليه رايحين فين؟"
قال وهو يرنو من السراحة، يجذب ساعته والبرفيوم الخاص به:
"قالي إنه هيوديني مسجد الشيخ مهران، هنقيم الليل ونصلي الفجر."
اتجهت إليه تخبره ببسمة حماس:
"انت كنت بتحب تصلي فيه جدًا، الناس هناك بيحبوا يصلوا وراك ويسمعوا صوتك."
استدار تجاهها وقال بلهفة:
"أنا كنت بصلي بيهم؟!"
أكدت له ذلك، قائلة:
"أيوه، كنت كل يوم بتخرج من الكمبوند بدري ساعة عشان تلحق توصل هناك، بس الحمد لله القصر قريب من الحارة، يعني ربع ساعة وهتكون هناك بإذن الله."
ارتاح قلبه الحائر، حينما أكدت له زوجته بأنه كان قريبًا من الله عز وجل بحياته الأخيرة قبل الحادث. فاذا به يميل مقبلًا جبينها ويهمس بما جعلها تطالعه في غرابة:
"شكرًا يا مايا."
قالها وغادر على الفور، ومازالت تقف محلها باستغرابٍ من شكره الغامض لها. ليتها تعلم بأنها بعبارتها أراحت قلبه، وأكدت نصف حديث أخيه عن توبته الخالصة قبل الحادث المُفتعل.
***
جلست "زينب" على المقعد بالطفلة الصغيرة، وجلس سيف على ذراع مقعدها يتأمل الطفلة بانبهارٍ، وكأنه يرى دمية تتحرك. بينما على الفراش تراقبهما "ليلى" بابتسامةٍ حنونة.
طبعت زينب قبلة على يد الصغيرة، ثم هتفت بحماس لزوجها:
"شوف يا سيف إيدها صغننة إزاي؟"
ضحك وهو يجيبها:
"شايف يا دكتورة، مش أنا مدرسلك عملي في المركز؟"
وأضاف يمازحها:
"أنا اتعودت على هبلك ده جوه وبره الشقة، يوسف نفد من ليلى لما بطلت تنزل الشغل، وإنتي لزقة ليا، مع إني حاولت أقنع الدكتور علي أنك لسه بتدرسي بس هو مصر يخليكي تحت تدريبي."
واستدار يشهد زوجة أخيه:
"كل ما حالة تجيلنا تقوم تحضن الطفل وتبوس فيه بشكل يشكك أهله فينا، دي بتمسك الروشتة وتقعد تشرح للأم إزاي تكون حنينة مع ابنها وهي بتديه الدوا!!"
تعالت ضحكات ليلى بينما ترمقه زينب بغضب لحق نبرته:
"إنت قلبك قاسي ومعندكش المقاييس اللي تخليك تحس بالبيبي وهو بيشرب دوا مر بالشكل ده."
رد عليها بذهول:
"هو في السن ده مبيكونش قادر يفرق بين الدوا وأي حاجة تانية، وبعدين لو الدوا المر مش هيعالجه هيتعالج بأيه سيادته؟"
نطقت ليلى بصعوبة وهي تجاهد لرفع صوتها:
"إنت فين يا يوسف، تعالى إلحق الخناقة قبل ما تبتدي، أنا مش قادرة!"
ولج للغرفة، يحمل صينية الشوربة، هادرًا بصوتٍ صارم:
"بس يا ولد، بس يا بنت، اقعدوا بأدبكم النهاردة أنا مش فاضي لعركة الأطفال دي!"
وجلس جوار زوجته يدعم جلوسها، حتى يتمكن من إطعامها بينما يهمس بصوتٍ منخفض لها:
"بذمتك دول دكاترة دول!! أنا حاسس إننا قاعدين في كلاس كيجي تو!"
استندت على ذراعه، وقالت وهي تكبت تأوهة نادية عنها:
"معلش يا جوو إنت موجود تفصل بينهم يا حبيبي، بس هات نوجة منهم، خطر تحضر العركة دي، مش عايزة أخلاقها تفسد."
ضحكوا معًا بشكلٍ لافت انتباههما، فاذا بسيف يصيح بعنفوان:
"إنتوا بتقولوا إيه؟؟؟"
رد عليه يوسف مصطنعًا نظرة الحنان خاصته:
"ولا حاجة يا سيفو، ده ليلى بتقول إنها حابة وجودكم معانا أوي، وبتقترح تباتوا مع نوجة النهاردة، أهو بالمرة تاخدوا وردية الليل بدالي لحسن أنا ضهري وجعني بشكل!"
نهضت زينب تضع الصغيرة بيد زوجها، وتشير لهم:
"لا أنا ماليش في الزن والسهر، خدوا سيف هو بيسهر لوش الفجر عادي."
وأشارت لهم وهي تهرع للخروج:
"تصبحوا على خير يا حلوين."
قالتها وهرولت لباب الشقة، فما أن فتحته حتى وجدت سيدة في منتصف الأربعينات من عمرها، تكاد أن تقرع جرس الباب. فوقفت كلتهما تتطلع للأخرى باستغرابٍ، حتى خرج صوت السيدة تتساءل:
"إنتي مين؟"
تعجبت زينب منها، وخاصة بحضورها بهذا الوقت المتأخر. فتنحنحت تتساءل عساها تخبطت بالطوابق:
"حضرتك عايزة مين؟"
ابتعدت للخلف تتأمل اللافتة التي تحمل اسم "الدكتور يوسف"، ثم عادت تتفرس بملامحها بعجرفة تامة:
"إبعدي عن الباب خليني أدخل، لولا لبسك كنت فكرتك الشغالة، أكيد إنتي صديقة من صديقات ليلى، ليا عتب عليها إنها مش عارفة تصاحب حد عنده ذوق واحترام في استقبال أصحاب البيت."
تأجج الغضب بمُقلتي زينب، حتى أنها كادت أن تصفع الباب بوجهها، ولكنها تراجعت عساها تنحدر لعائلة ليلى. فقالت بتهذيبٍ وهي تستعيد حقها:
"من سؤال واحد طلعتيني قليلة ذوق ومش محترمة! لو هنمشيها ذوقيات فمش من الذوق زيارة حد الساعة واحدة وش الصبح، ومع ذلك مرحب بحضرتك، بابنا عمره ما يتقفل في وش الضيف أبدًا."
مشطتها بنظرة مهينة، وقالت بعصبية بالغة وهي تعيد خصلات شعرها القصير للخلف:
"إنتِ بأي حق تكلميني كده يا قليلة الرباية، أوعي من طريقي."
دفعتها بقوة أسقطتها فوق الطاولة المحاذية لباب الشقة، فسقطت الفازة الزجاجية، ومن خلفها مالت زينب مستندة على شظاياها، فجرحت كف يدها.
بينما تصيح الأخيرة بعنفوان:
"يوســــــــف!"
خرج يوسف راكضًا حينما استمع لصوت كسر الزجاج، ومن خلفه ركض سيف، الذي كان الأسرع من أخيه. حينما وجد زوجته بتلك الحالة، هرع يساندها ويتفحص كف يدها بدهشة، بينما ينطق يوسف أخيرًا:
"ماما!"
هوى قلب زينب من الصدمة، وتجمد جسدها أرضًا، كما تجمدت نظراتها على تلك المرأة البغيضة، التي تتفرس بابنها الصغير الذي يساعد تلك الفتاة غير المهذبة من وجهة نظرها.
رفع سيف بصره تجاه والدته، التي تتطلع لزوجته بعدائية شديدة، وقد تسرب له مضمون المقابلة بينهما. فتطلع لزوجته وسألها:
"أيه اللي وقعك بالشكل ده؟"
تعجبت "مروة" من تجاهل صغيرها لوجودها، واهتمامه بتلك الفتاة. فنادته بغيظ:
"إنت مش ملاحظ وجودي ولا إيه يا دكتور؟"
كان قد وقف بها الآن، وبالرغم من ضيقه الشديد من وجودها، إلا أنه ترك زوجته وأتجه يقبل وجنتها قائلًا بضيق:
"أهلًا بحضرتك، نورتي."
هزت رأسها بسطحيةٍ، ومازالت نظراتها تحيط بزينب، ثم استدارت تجاه يوسف تصيح بانفعال:
"من امتى ليلى بتصاحب الاشكال القليلة الذوق دي يا يوسف، البنت دي مش متربية لازم تقطع علاقتها بيها، وفورًا تطردها من هنا."
توسعت عيني يوسف في صدمة، بينما رد عليها سيف بغضب:
"هو مين دي اللي مش متربية!!! ثم إنك طلعتي منين فجأة كده عشان تقولي نقطع علاقتنا بمين ونطرد مين؟"
اندفع يوسف تجاه سيف، يميل عليه بصوتٍ منخفض:
"مش كده يا سيف، ماما أكيد متقصدش ومتعرفش لسه حاجة، اهدى وأنا هفهمها."
احتقنت مُقلتاها في غضب، فدفعت حقيبة يدها تجاه مقعد السفرة، واتجهت محل وقوف ابنها الأكبر، تعاتبه بجراءة:
"تربيتك لأخوك واضحة ما شاء الله، واقف بيبجح فيا وبيدافع عن البنت الغريبة دي، وبعدين ممكن تفهمني إزاي تقعد الهانم دي مع ليلى وأخوك عايش معاك، الا لو بينطبق عليها الكلام اللي بقوله، إنها مش محترمة!"
كاد يوسف أن يبدأ بشرح العلاقة التي تربطهما بها، ولكن سيف كان الأسرع حينما قال بسخرية:
"لا متخافيش على أخلاقي، يوسف لما لقاكم مش فاضيين تربوني رباني أحسن تربية، ولعلمك أنا مش ساكن هنا مع يوسف أنا ساكن في الشقة اللي قصاده مع مراتي، اللي إنتِ داخلة فيها شمال من لحظة دخولك هنا، ولو صدف وطلعت شكوكي صح وكنتي انتي اللي زقتيها وجرحتي إيدها بالشكل ده هتشوفي مني اللي مش هيعجبك أبدًا!"
لطمتها صدمة كبيرة من سماع ما قاله. رمشت بعدم استيعاب وبصرت تجاه ابنها الآخر تتساءل:
"الكلام اللي بيقوله أخوك ده صح يا يوسف؟ البنت دي تبقي مراته فعلًا؟!"
واستطردت وهي تجلس على المقعد من خلفها بدهشة:
"حصل امتى ده وإزاي متبلغونيش؟!"
اتجه إليها يوسف يحاول تهدئتها بقوله:
"من فترة بسيطة، اتصلت على حضرتك أكتر من مرة بس مكنتيش بتردي ولا اتصلتي بيا طول الفترة اللي فاتت دي، أنا مستغرب إن حضرتك عرفتي بنزولي لمصر وبولادة ليلى!"
استهزأ سيف منه قائلًا:
"وهي هتفضى امتى عشان ترد عليك يا يوسف، هي داخلة في دايرة تحدي المناصب ضد باباك، كل حد فيهم عايز يثبت للتاني إنه أنجح منه ونسونا إحنا الاتنين في النص، كويس أصلًا إنها فاكرة شكلنا ومنستناش."
حذره يوسف بنظرة حازمة منه، بينما يناديه:
"سيف!!"
خرجت ليلى تحتمل على الحائط، تتابع ما يحدث في صدمة لم تكن تضعها بالحسبان. فجاهدت لرسم ابتسامة خافتة وقالت:
"أهلًا بحضرتك يا طنط، متوقعتش إنك هتيجي في نفس اليوم اللي كلمتك فيه."
انتصب مروة بوقفتها وتجاهلت حديث ليلى، ثم اتجهت تجاه سيف تصيح بكل حدة:
"كل الكلام اللي قولته ده مهزنيش، اختيارك أصلًا في حد ذاته وجوازتك اللي تمت من قبل ما حتى تتخرج وتتوظف وبالسرعة دي وراها لغز، واللغز واضح لي من تربية الشوارع اللي واقفة وراك دي، أكيد استدرجتك لمصيبة ولبستها لك."
كانت زينب أول من تخلت عن صمتها حينما صاحت ببسمة باردة لا تعلم كيف استحوذت عليها:
"عندك حق أنا استدرجته، وبما إن حضرتك كشفتي الموضوع بذكائك الكبير، فأيه رأيك تصلحيه وتخليه يطلقني، جربي كده!"
استدار لها سيف يهدر بصدمة:
"زينب، بتقولي إيه؟!!!"
اتسعت ابتسامتها ولم تحيل نظراتها عن أعين حماتها المشتعلة، فرفعت كتفيها بقلة حيلة:
"شوفتي الاستدراج موصل حبه لفين؟"
وتابعت قبل أن تترك المساحة لسيف بالجدال بينه وبين والدته، وبحنكتها الماكرة:
"سيف أنا عايزة أرجع شقتي، وحاسة إن في إزاز دخل في رجلي!"
كانت إشارة صريحة له بأن يحملها، فاذا به يتجه لها، وانحنى يرفعها بين ذراعيه. أحاط والدته بنظرة غاضبة واتجه ليغادر، فما أن استدار حتى رفعت زينب كفيها حول رقبته، وأشارت لها بوداع:
"كان نفسي أقعد مع حضرتك أكتر من كده، بس للأسف ورانا شغل الصبح، وحضرتك أكتر حد عارف الشغل بالنسبة للست إيه، آه وعلى فكرة أنا دكتورة أطفال زي سيفوو، وكنت بدرس في نفس الجامعة بتاعته في لندن، يعني مش تربية شوارع ولا حاجة يا أنطي!"
قالتها ومنحتها قبلة في الهواء ثم مالت برأسها على كتفه قائلة بتعب مصطنع:
"بسرعة يا سيف حاسة إن هيغمى عليا من النزيف، أو حرارة الجو!"
ضحك سيف وهو يحاول استيعاب ما فعلته زوجته. كان يخشى أن يجرح قلبها لكلام والدته المهين، ولكنها استعادت حقها دون اللجوء إليه أو حتى لأخيه الذي مازال يتعامل مع والدته بقيود.
منعت ليلى ابتسامتها من الظهور، فقد تمادت حماتها ولكن صدمتهما زينب بما فعلته وقالتته. عدل يوسف نظارته واستدار تجاه والدته، التي اندفعت فيه بجنون:
"انت إزاي تسيب البنت الحقيرة دي تلعب على أخوك، وتوقعه، أنا كنت متكلة عليك إنك جنبه ومستحيل تخلي حد يضحك عليه، تقوم تدبسه في جوازة من آ.."
قاطعها يوسف بنبرة هادئة ولكنها كانت غاضبة:
"من فضلك كفايا، اللي بتتكلمي عنها دي تبقى مرات ابنك، ومش قليلة الرباية ولا تربية شوارع، أختها تبقى زوجة دكتور علي الغرباوي، اعتقد إنك عارفة نسب العيلة دي كويس اوي، وبعدين إزاي تتهمي واحدة في أخلاقها بمنتهى البساطة كده، وحضرتك مجمعكيش بيها لقاء غير، من دقايق!! فهمني بنيتي عنها كل الأفكار دي إزاي؟!!! ولا كل ده لأنها معرفتكيش ولا قدرت تتعرف عليكي!"
وأضاف ومازال يتطلع لها بحزن:
"يمكن لو كنتي بتظهري في حياتي أنا وسيف حتى لو كان ظهور مكالمات، كانت عرفت إن ليها عيلة زوج غيري، مهي زيها زي أي حد عارف إني مسؤول عن سيف مسؤولية كاملة، لأنه يتيم الأب والأم."
انفجرت بصراخها الجنوني:
"يتيم!! بتموتنا وإحنا عايشين يا يوسف، هي حصلت؟!"
أسرعت ليلى تتسند على الأثاث حتى وصلت لهما:
"لا يوسف ميقصدش طبعًا يا طنط، اتفضلي حضرتك معايا جوه، ريحي من الطريق وشوفي نجاة بنتي."
قوست حاجبيها بانفعال:
"نجاة مين!! إيه الاسم اللوكل ده؟ ثم إنكم إزاي تختاروا الاسم من غير ما ترجعولي!!! الظاهر إن مش سيف بس اللي بيتعامل بقلة الأدب دي بس!!"
ابتسم يوسف مبتلعًا تلك الإهانة، وقال بمرارة:
"مهو أنا عشان أرجع لحضرتك في اختيار اسم بنتي، كده هقيدها بعد سنة من ولادتها، أساسًا لولا إنك ربنا كرمك وفتحت على ليلى مكنتيش عرفتي إنها ولدت أصلًا."
مالت تسحب حقيبتها، واتجهت لباب الشقة، قائلة بغضب جامح:
"ماشي يا يوسف، إنت الغربة قست قلبك وخليتك قسيت قلب أخوك، أنا همشي ومش هتشوف وشي أبدًا."
قالتها واتجهت للخارج، فاندفعت ليلى لزوجها تترجاه:
"يوسف متسبهاش تنزل وهي زعلانة أرجوك."
تطلع لها بنظرة منكسرة، واختلج صوته المجروح:
"وأنا عملت إيه يا ليلى، هي اللي قدامك نازلة جرح فيا وفي سيف، حتى زينب مسلمتش منها."
مالت تقبل كتفه، كأنها تواسيه:
"معلش يا حبيبي حقك عليا أنا، إنزل وراها دي مهما كانت والدتك."
هز رأسه بهدوء، وخرج خلفها على الفور، وجدها تقف أمام المصعد، تنهد بقلة حيلة ودنى إليها يخبرها:
"ماما حقك عليا متزعليش، أنا مقصدتش والله، تعالي معايا الوقت اتأخر ومينفعش تنزلي وإنتِ زعلانة كده."
حانت منها نظرة غير مرضية تجاهه، بينما تنتظر هبوط المصعد لطابقها، فاستكمل ببسمة جذابة:
"طيب مش عايزة تشوفي نوجة، دي قمر تبارك الله، تعالي شوفيها ولو تغير الاسم هيخليكي سعيدة اختاري اللي يعجبك ونناديها بيه، إيه رأيك؟"
استدارت تجاهه بنظرة حزينة، يحاول استمالتها وهي المخطئة بحقه وحق أخيه. أرضاها بحديثه، وأرضى غرورها، فاذا به تحمل حقيبة يدها وتعود لشقته متبعة ليلى لغرفتها الخاصة، دون أن تضيف كلمة واحدة، بينما ارتمى يوسف على المقعد والحزن يتغلل بملامح وجهه، والخوف يحيطه من المعارك القادمة بين والدته وسيف وزوجته!!!
***
توقفت سيارة "علي" بزقاق حارة الشيخ مهران، وأمام المسجد بالتحديد. وبينما يصف "علي" سيارته، كان عُمران يسبق خطاه للمسجد، وكأنه يعلم طريقه جيدًا. نزع حذائه، وولج للداخل حيث كان المسجد فارغًا، فما زال يتبقى على صلاة الفجر ما يقرب الساعتين. بينما يجلس الشيخ مهران يرتل القرآن بصوته العذب. وما أن شعر بوجود أحدٌ حتى صدق، ورفع عينيه يراقب الزائر العزيز.
ابتهجت معالمه وردد بصوت الوقور، بينما ما زال يجلس محله:
"يا ألف حمدلله على سلامتك يابني، كنت عارف إنك هتشتاق لمكانك وهترجع، مهما طالت غربتك أكيد هتحن!"
وجد نفسه في كلماته المختصرة، فسمح لنفسه بالجلوس بالقرب منه، أمام حامل القرآن الفاصل بينه وبين جلوس الشيخ، يتطلع له بنظرة غائرة بالدموع، ثم قال بصوتٍ باكي:
"من أول ما وقفت على سلم المسجد وأنا حاسس بانتمائي ليه، عرفت من مراتي وأخويا إني كنت بقيم الصلاة بالناس!"
هز الشيخ رأسه مبتسمًا وقال:
"صح، وبالرغم من إن الابتهالات غير مستحبة أبدًا، إن الناس في الحارة كانوا بيحبوا صوتك، وبينزلوا بدري قبل كل صلاة عشان يسمعوا صوتك."
تساقطت دموعه بكثرةٍ، بينما يجاهد لنطق ما سيقول:
"وحضرتك عارف بالذنوب اللي ارتكبتها؟"
قرأ الشيخ مهران كمية الآلام، التي خيمت على هذا الشاب. علم بأنه استعاد بعض الذكريات المتعلقة بماضيه. فخطف نظرة سريعة إلى "علي" الذي بقى بنهاية المسجد يستند على العمود الرخامي، يتابع أخيه بدموع استفاضت بعينيه هو الآخر. عاد ببصره إلى عُمران وقال يجيبه:
"عارف يابني، إنت مخبتش عني حاجة."
اتسعت مُقلتاه بدهشة، وقال:
"وإزاي قبلت أكون إمام للناس وأنا شايل الذنوب دي كلها؟!"
زادت بسمة الشيخ بثباتٍ. أسبلت فضول عُمران لإجابته، وإذا به يخبره بهدوء:
"وأمنعك ليه وأنت تبت وندمت على اللي عملته، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له."
نطق بلهفة ومازال ينصت له بكل ذرة تركيز:
"وإنت عرفت منين إن ربنا قبل توبتي؟!"
مرر الشيخ يده على المسبحة بين يده، وقال يجيبه:
"ربنا سبحانه وتعالى صرح في كتابه الكريم لما قال بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ {الزمر:53، 54}. وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ {البقرة: 222}. وقد تضافرت دلائل الكتاب والسنة على وجوب التوبة، ولزوم المبادرة إليها، وأجمع على ذلك أئمة الإسلام ـ رحمهم الله تعالى. إذا علم ذلك، فإن التائب لا يكون تائبًا حقًا إلا إذا توفرت في توبته خمسة شروط: الشرط الأول: الإخلاص وهو أن يقصد بتوبته وجه الله -عز وجل-. الثاني: الإقلاع عن الذنب. الثالث: الندم على فعله. الرابع: العزم على عدم الرجوع إليه. الخامس: أن تكون التوبة قبل أن يصل العبد إلى حال الغرغرة عند الموت. قال النووي في شرح مسلم: وللتوبة شرط آخر وهو أن يتوب قبل الغرغرة، كما جاء في الحديث الصحيح، وأما في حالة الغرغرة، وهي حالة النزع، فلا تقبل التوبة. فهذه الشروط فيما إذا كان الذنب بين العبد وربه، كشرب الخمر وارتكاب الزنا مثلاً. وأما إذا كان الذنب يدخل فيه حق العباد، فلا بد من إبراء الذمة من هذا الحق فإن كان مظلمة استحلها منه، أو حقًا رده إليه، بالإضافة إلى الشروط الخمسة الآنفة الذكر. إذا ثبت هذا فليعلم أن العبد إذا تاب، فينبغي أن يكون حاله بين رجاء قبول التوبة، ومخافة العقاب من الله تعالى، قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ {المؤمنون: 60}. وقد خرج الترمذي بإسناد ثابت أن أم المؤمنين عائشة بنت الصديق -رضي الله عنهما- سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الآية فقالت: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فقال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات."
وتابع وهو يرسم ابتسامة مطمئنة لمن يراقبه:
"العبد الذي يقبل الله توبته، هو الذي يجد حرقة في قلبه على ما فرط منه في جنب الله، هو الذي ينظر لنفسه بعين التقصير في حق الله، ويكون أشد تجافيًا عن الذنب وعن أسبابه، نائيًا بنفسه عن هذه المحرمات، يميل إلى الإقبال على ربه ومولاه، وأن يصاحب أهل الفضل والخير، ويقاطع أصدقاء السوء، ومن لا خير فيهم، وأن ينظر إلى توفيق الله له بالتوبة على أنه نعمة عظيمة من أعظم النعم عليه، فيفرح بها، ويحافظ عليها، ويخاف زوالها، ويخشى عقوبة نكثها."
واستطرد وهو يربت على ساقه بحنان:
"وأنت من قبل الحادث اللي عملته وإنت جيت هنا ندمان وبتتوب لربنا يا بني، وحتى في اللحظة اللي إنت قاعد فيها قدامي دي لسه بتلوم نفسك، فتفتكر بعد كل ده وربنا سبحانه وتعالى ممكن يردك؟"
تزاحمت الدموع بمُقلتيه، وإذا به يستدير للخلف مراقبًا موضع أخيه، ثم يعود ليتطلع للشيخ، وبتوسلٍ قال:
"مش هرتاح إلا لما يقيم عليا الحد، أرجوك ساعدني يا شيخ."
تلفظ الشيخ بحزنٍ وهو يهتف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم."
تابع عُمران برجاءٍ:
"أنا مش هقدر أعيش وأنا شايل الذنب ده، مش هقبل بيه لا أنا فاقد الذاكرة ولا لما ترجعلي، بالله عليك."
مرر يده على سبحته، وقال بهدوء:
"في حالتك دي لا يجوز يابني، يُفضل لما تسترد عافيتك الأول، إنت راجع من حادثة موت وغير كده فاقد ذاكرتك، على الأقل لما تبقى كويس وتتشافى من إصاباتك دي."
كاد أن يعترض، فقال الشيخ:
"أنا قولت اللي عندي، إنت مريض ولسه قايم من تعب، لما تبقى كويس تعالى وأنا هاجي معاك لناس أهل ثقة وأعلم مني في الأمور دي، لإن لا أنا ولا غيري مصرح لنا بإقامة الحد في المواضيع دي."
ارتكن على ركبتيه وزحف قبالته، يطالب وعده بصوتٍ منخفض، خشية من أن يستمع له أخيه:
"توعدني إني لما أتعافى وأجيلك مش هتردني؟"
منحه ابتسامة حزينة، وقال:
"مين أنا عشان اتدخل بينك وبين حدود الله، طالما إنك مصر على قرارك ليك مني وعد، وقت ما أشوفك قدامي بكامل صحتك هدلك على الطريق."
أشرق وجهه بسعادة بعد سماع ما قال، فربت على كتفه وقال يحمسه:
"يلا قوم صليلك ركعتين واجهز عشان صوتك وحشني أنا والحارة كلها."
أشار له بخفة، ونهض يسرع لحمام المسجد، فابتسم علي في راحة، وتيقن بأنه أتى بأخيه للمكان الصحيح. فأتجه للشيخ الذي قابله بابتسامة بشوشة، وقال يطمئنه:
"متخافش عليه، هيبقى كويس دلوقتي."
جاور جلوسه، وقال ممتنًا:
"كنت واثق أن حضرتك هتقدر تهديه، كان في حالة صعبة ومقدرتش أحتويه."
هز الشيخ رأسه نافيًا، وقال:
"بالعكس إنت احتويته لما جبته هنا."
منحه ابتسامة هادئة، واستدار يراقب أخيه وهو يؤدي صلاته في ركنٍ بعيدًا عنهما، فنهض هو الآخر يصلي.
مرت ساعة انتهى فيها "عُمران" من قضاء صلاة قيامه، ثم نهض يتجه للميكروفون، وبصوته العذب بدأ يردد:
«يا إله العالمين
يا إله العالمين حنيني دائم
والقلب شاك عليل
سال دمعي يا إلهي
ولولا غربتي ما كان دمعي يسيل
غربتي نجوى ونيران شوق
وأسى باك وليل طويل
وما لي رجاء غير أن تسعى إليك السبيل
إذا ضاقت فنجوى دعائي
حسبي الله
حسبي الله ونعم الوكيل
بالله إيماني وفيه رجائي
وإلى علاه ضراعتي وبكائي
يا مؤنسي في وحدتي
يا منقذي في شدتي
يا سامعا لندائي
فإذا دجا ليلي وطال ظلامي
ناديت يا رب كنت ضيائي
سبحانك جل جلالك يا الله»
انطلق صوته في حارة الشيخ مهران، تعيد الحنين لتلك الأيام التي كان يقضيها برفقتهم. توافدت الأعداد للمسجد بفرحةٍ لعودة الغائب والحبيب، وعلى رأسهم آيوب الذي أتى برفقة يونس، وهو لا يصدق أنه يستمع لصوت عُمران. حتى إيثان استيقظ من نومه، يهرول للمسجد بفرحة حينما استمع لصوته.
بمجرد انتهائه من الابتهالات، استدار للخلف فتفاجأ بعدد المحيطين به، تتلقفه الأيادي، بضماتهم الحنونة، وتعابيرهم بسعادة عودته، زرعت السعادة في قلبه.
مضت عدة دقائق، انتهى فيها من ترحابهم، حتى وجد آيوب قبالته يتطلع له بابتسامةٍ واسعة، تذكره عُمران على الفور، فاذا به يبتسم له قائلًا:
"هتفضل باصصلي كده كتير، هتسلم ولا هتحضن، إنجز قبل ما نقيم الصلاة!"
ضحك آيوب بصوت مسموع، وركض صوبه، يضمه بكل حبٍ. احتمل عُمران ألم ظهره الخفيف، وضم آيوب بمحبةٍ، زرعت داخله حينما علم من أخيه بأنه ابن الشيخ البار به، وإنه أحد أصدقائه المقربين. شمله آيوب لعشر دقائق يرفض تركه، بينما يخبره بصوتٍ مُحتقن:
"وحشني صوتك، وصلاتك بينا يا طاووس."
ربت على ظهره بحنان وقال مازحًا:
"هتزهق مني، أنا هعكف هنا معاك كام يوم."
ابتعد برأسه وقال بفرحة:
"والله ما أزهق منك العمر كله."
اتسعت ابتسامة عُمران فازدادت جاذبيته، بينما يقترب منه يونس يصافحه بوجهه البشوش:
"نورت المسجد وحارة الشيخ مهران كلها يا بشمهندس."
اجابه في حبور:
"بنورك."
انسحب يونس وجاور علي في محل جلوسه، بينما ظل آيوب ملتصقًا بعُمران كظله، حتى اقتحم إيثان جلستهما، وهو يصيح بسعادة:
"خواجـــــــة."
زوى حاجبيه باستغرابٍ من نطقه لذلك اللقب المتفرد، فلم يترك له إيثان المجال وضمه قائلًا بحب:
"وحشتني يا خواجة، الجيم من غيرك ما يسواش، بأمانة لما ترجع مش هناغشك ولا هغلس عليك أبدًا."
استدار تجاه آيوب فقال يعرفه:
"ده إيثان صاحب ابن عمي وصاحبك بردو، عملتوا مع بعض جيم هنا في الحارة."
أسبل بانبهار:
"جيم؟!"
أكد له إيثان بسعادة:
"صلوا وهأخدك أوديك على طول."
رفع أحد حاجبيه بشكلٍ مضحك:
"نصلي! طب وإنت نظامك إيه؟!"
رفع يده أمام وجهه وهو يجيبه:
"أنا مسيحي يا خواجة، فوق كده ونعنش الذاكرة، هما يسيبوك معايا يومين هجددلك الدورة الدموية كلها."
أحاطه بنظرة شاملة، ثم تمتم:
"ما بلاش أفوق، فوقتي بتبقى فقدان وعي لغيري، شكلي فعلًا واحشك وبالجامد أوي."
ضحك آيوب وهلل:
"آيوه بقى يا طاووس، إديله."
لوى إيثان شفتيه بتهكم:
"مفيش فايدة فيك!"
قالها وهم بالمغادرة قائلًا:
"هستناكم بره."
***
انتهت صلاة الفجر، واجتمع الشباب أمام المسجد. وقف علي قبالة أخيه وقال بابتسامته الهادئة:
"خليك النهاردة مع آيوب، وأنا هكلم جمال ويوسف يقابلوك في شقتك اللي هنا، يمكن لما تفضي اليوم بين أصحابك مود النكد ده يفارقك."
أمسك كفه حينما كاد بفتح باب سيارته وقال:
"خليك معايا يا علي."
اتسعت ابتسامته وأحاطه بضمة جعلت الشباب يتابعونهما، بضحكات مشاكسة. بينما الوحيد الذي يتفهم حالته النفسية هو علي، الذي ربت عليه وقال يبث له الطمأنينة:
"أنا معاك دايمًا يا حبيبي، بس إنت محتاج تغير جو وتكون بينهم، خلص قعدتك وهعدي بليل عليك بالعربية."
حرك رأسه باستسلامٍ، وشعور الراحة يغمره بتواجده بهذا المكان الدافئ بين أحياء الطبقة المتوسطة، وخاصة برفقة آيوب وإيثان الذي أثار اهتمامه منذ لقائه الأول.
سحب آيوب كف عُمران وأبعده عن إيثان قائلًا:
"بينا على أم عزت نفطر هناك أحلى فول وطعمية وبنتجان ونجيب عيش سخن من عند عمي عباس."
وأكد عليه بثقة:
"أنت بتحب الأجواء دي صدقني."
أمسك إيثان كفه وقال:
"أم عزت إيه آحنا هنطلع على الجيم نسخن ولا إيه يا خواجة؟"
وزع نظراته الحائرة بينهما، ثم قال بحزم:
"نطلع الجيم نسخن وننزل نأكل بعد كده."
أحاطه إيثان وقال بحماس:
"بينا يا خواجة."
لم ينجح بازاحة جسده، بينما يطالعه عُمران بنظرة غائمة، وبغلظة قال:
"شكلك هيبقى وحش من غيره."
سحب إيثان كفه وهتف بحنق:
"لسانك متغيرش لسه زي ما أنت."
ضحك ساخرًا:
"حد قالك أنهم استبدلوني في المصنع، أنا زي ما أنا مبتغيريش فبلاش تحط أمل."
جاراله بسخط:
"أمل أحط إيه؟ اعتماد؟"
ضحك عُمران وقال:
"اعتماد دي الحتة اللي إنت سارح معاها ولا إسم ماما؟"
سقط آيوب من فرط الضحك، ومال يضمه وهو يصيح:
"أقسم بالله وحشتني، الحيوان ده كان مستغلني استغلال سيء."
زوى عُمران حاجبيه، وردد بوعيد:
"بينا على الجيم يا إيثو، شكلك ليك روقة!!"
..............
***
رواية صرخات انثى الفصل 105 - بقلم ايه محمد رفعت
نزع القفازات الرياضية عن أصابعه ببطءٍ، ومن ثم حرر الصنبور المحاط بالحامل الخشبي الأنيق، شرد "عُمران" بوابل المياه المنهمر منه، ورأسه يحوم بين متسع من الأحاديث المترددة، لأشخاصٍ سبق له التعرف عليهم، فأنحنى برأسه أسفل الصنوبر، تاركًا المياه تغطي شعره النابت، فإذا بأنفاسه تنسحب تدريجيًا، وكأنه يغرق أسفل المياه!
تحرك جسده بعنفوانٍ من أسفل الصنوبر، وكأنه تناسى أنه يغتسل وبإمكانه رفع رأسه عن الحوض، ولكن الأمر ازداد خطورة، وتحول لبحر هائل من الأمواج، يصارع فيه الغرق والنجاة، وفجأة شعر بكفٍ صلبٍ يسحبه بعيدًا عما قبع به، فسحب نفسًا طويلًا يجدد إحتباس الأكسجين عنه، عدة مرات متتالية، حتى استطاع أن يلتقط صوت "إيثان" القلق:
"خواجة مالك؟"
هدأت أنفاسه الصاخبة تدريجيًا، وقد استعاد كامل ثباته، باستقامة جسده العضلي، بينما يجذب المنشفة يمسح وجهه وصدره العاري بهدوءٍ.
لحق نبرته:
"مفيش.. أنا كويس يا إيثان."
لحق به للخزانة المتطرفة بغرفة تبديل الملابس بالجيم، وقال بشكٍ:
"متأكد؟"
هز رأسه بخفةٍ، وسحب ملابسه يرتديها بهدوءٍ مخادع، يضع من خلفه تلك الذكريات القصيرة عن رحلة غرقه بين أمواج المياه، وكأن الحادث كان بالأمس!
انتهى من ارتداء ملابسه، ونثر البرفيوم الخاص به، فإذا بإيثان يجلس على طرف الطاولة الخشبية الفاصلة بين الأحواض، ويهتف بإعجابٍ:
"تعرف إن شكلك بالشعر المنبت أحلى من وهو طويل، حاسك زي ما تكون مدرب في الجيم بصحيح."
طالعه بنظرةٍ ساخرة وقال وهو يجمع أغراضه بالحقيبة الصغيرة التي وجدها بالخزانة الخاصة به هنا:
"مش مهم إنت حاببني بأي شكل، الأهم أنا حابب أشوف نفسي على إيه."
تمكنت الدهشة منه بشكلٍ مضحك:
"يا أخي مهما حاولت أقتنع أنك فاقد الذاكرة مش قادر أقتنع ولا انت قادر تقنعني ببطولة لسانك وغرورك ده."
استدار مقابله وأحاطه بنظرة متعالية:
"وإنت شاغل أمك بيا ليه؟ هتطلع ليا بطاقة ولا جواز سفر؟!"
زم شفتيه بحنقٍ:
"لم ريشك يا طاووس، أنا مش عارف أجاريك في أي وضع، مرضي كده؟"
رفع نظارته السوداء يرتديها بعنجهيةٍ زادت من جاذبيته:
"هفكر وأرد عليك."
وأضاف وهو يخرج من الباب ببرود:
"سلام يا إيثوو."
لوى شفتيه بتهكمٍ، بينما هبط "عُمران" للاسفل حيث كان "آيوب" في انتظاره، وما أن رآه حتى هرول إليه مبتسمًا، فانتقلت الابتسامة لوجه عُمران بتلقائيةٍ، وقال:
"هو أنت متعود كل ما تشوفني تجري عليا زي الطفل اللي بيقابل أبوه كده؟!"
ضحك آيوب، وشاكسه:
"طول ما انت ناصفني على إيثووو انت أبويا وأخويا وصاحبي وكفاءة، انت عارف أنك الوحيد اللي بتطير جبهته خالص، ده يونس نفسه مبيسدش قدامه."
وأضاف وهو يمشي بمحاذاته:
"وبعدين انت أي حد بيجي عندك وبيدوس فرامل لتدوسه."
اتسعت ابتسامته لفرحة آيوب الظاهرة، ولحق به حتى وصلوا لذلك الكشك الصغير، فإذا بسيدة تخرج مبتهجة المعالم:
"يا مرحب يا بشمهندز، ليك وحشة والله."
استراب عُمران من أمرها، وتطلع إلى آيوب الذي همس له:
"الحارة كلها تعرفك، انت عشرة عمر يا طاووس!"
هز رأسه بخفةٍ، ورسم ابتسامة لتلك السيدة، التي أسرعت تخبره في همةٍ:
"أنا عارفة طلبك، دقايق وهجهزلك أحلى سندوتشات فول وطعمية."
وتركتهما وعادت تهرول للكشك الصغير، بينما يميل عُمران جوار آيوب في انتظار ما ستعده تلك السيدة.
*****
زرعت الردهة ذهابًا وإيابًا، وهي لا تستوعب ما يحدث لها منذ الصباح، وكلما حاولت الولوج للمرحاض هرولت راكضة للخارج، الحيرة والتردد يسيطران على ملامحها، حتى انتهت معاناتها فاتجهت صوب الفراش تناديه بعنفوانٍ:
"آدهـــــــم!"
فتح عينيه بانزعاجٍ، يطالعها بنعاسٍ، بينما يزيح الغطاء عن جسده:
"شمس! انتِ كويسة؟"
أجابته ببرودٍ تام:
"لأ."
أعاد خصلاته المتمردة للخلف، واستقام بجلسته يحاول استعادة اتزانه الغائب عنه، متسائلًا باهتمامٍ:
"مالك طيب؟!"
ردت بحيرةٍ وهي تقيد يديها أمام صدرها:
"مش عارفة، بس تقريبًا مش طايقة ريحة الشامبو ولا الغسول بتاعك، حتى الشاور، بص هو تقريبًا كده أنا مش طايقة الحمام كله، فقوم اتصرف وشيل اللي تقدر عليه عشان محتاجة أخد شاور قبل ما أنزل."
أسبل في دهشةٍ، وهتف بسخرية:
"طيب ولما انا هشيل كل ده هتأخذ انتِ شاور بأيه؟"
ردت ببسمة واسعة أضحكته:
"هعتزل كل المنظفات لحد بعد الولادة!"
استقام بوقفته قبالتها بعدم تصديق:
"معقول!"
هزت رأسها تؤكد له، وأضافت بدلال سلب بقايا النوم عنه:
"ومش بس كده، سيادة المقدم هينزل بنفسه يحضرلي أومليت من صنع إيده."
حك لحيته النابتة بمكر:
"هو شمس هانم طلباتها أوامر وكل حاجة، بس مش حاسة إن الحوار بدأ بدري، دي نتيجة الحمل لسه جايبنها من يومين يا شمسي!"
امتلأت زُرقتها بوميض الغاضب، وسألته:
"انت بطلت تحبني يا آدهم؟ كل ده عشان طلبت منك أومليت، خلاص مش عايزة منك حاجة، أنا هنزل أعمل لنفسي ولابني."
عبث في صدمةٍ:
"ابنك!! بتحاولي تطلعيلي أب سيء من بداية الطريق، عايزة الولد يكرهني من قبل ما يشوفني يا شمس!"
وأضاف وهو ينحني جاذبًا التيشرت الخاص به، يرتديه وهو يتمتم بسخطٍ:
"البداية غير مبشرة بالمرة!"
مشط خصلاته بفوضويةٍ، وانطلق ليغادر الجناح، فاذا بها تصيح بغضب:
"شيل حاجتك من الحمام قبل ما تنزل."
استدار يطلعها بذهولٍ، وتمتم ساخطًا:
"يعني منظفاتي أنا اللي قالبة معدة شمس هانم!! وبالنسبة لمنظفاتك وضعها أيه؟"
ردت بتلقائيةٍ أبادته:
"دي براند ومش هقدر أستغني عنها."
ضحك مستهزأ من حديثها:
"يعني حاجتك براند وحاجتي متصنعة تحت بير السلم يعني!!"
تأففت بضيقٍ من صدق حديثه، فاذا بها تواليه ظهرها، وبدأت تتمتم بصوتٍ لم يكن مسموعًا له، ولكنه فطن بمراجعتها لقرارها القاس.
عادت تستدير له قائلة على مضضٍ:
"خلاص لم كل حاجة في بوكس كبير لحد ما أتقبل الروايح دي، بس براحة على حاجتي بليز، عُمران نسى كل حاجة وأكيد مش هعرف أخليه يعملي أوردر تاني بيهم."
قالتها بآسفٍ أمطره بوابل من الضحكات، التي تخلت عنه فور أن سددته بنظرةٍ حازمة، فإنحنى بقامته الطويلة هادرًا بخشونة:
"تحت أمرك شمس هانم، هحسس عليهم بمنتهى الحنان وأنا بحطهم في البوكس حاضر، أي أوامر تانية؟"
وأستطرد بصوتٍ هادئ مغري:
"في شغلي إترقيت وبقيت من أصحاب إصدار الأوامر وهنا عبد مطيع لأوامر شمس هانم!"
قالها وانطلق لحمام الجناح، حاملًا حقيبة ضخمة، يضع بها البرفيوم الخاص بها وبه، ومتعلقاتهما الشخصية بحرصٍ حتى لا يقع فريسة لغضب هرموناتها غير المستقرة الآن!
*****
أغلقت عينيها بانسجامٍ لتلك النسمات الباردة التي لفحت وجهها، بينما تميل بجسدها خارج السور، تترك برودة الأجواء تطفئ نيران ألمها، لقد عانت طوال تلك الأيام حتى تلك اللحظة، مازالت تصمد صمود الجبال رغم أنها كائن هش ورقيق.
تدفقت عنها دمعة عبرت عن مرارة ما تخوضه بالفترة الأخيرة، وما منها الا أن مسحتها بكل قوة، وجعها الذي ينزف داخل قلبها هي وحدها القادرة على بتره، وإذا بحجابها يتساقط أرضًا، حينما هبت رياح قوية، فتحت "مايا" عينيها تبحث خلفها عما سقط منها، فاذا بمن يقترب حاملة حجابها المتحرر، تلفه حول رأسها والحزن يلمع بزُرقة عينيها، رسمت مايا ابتسامة مصطنعة وهمست:
"فريدة هانم!"
حررت صوتها المبحوح عنها، وقالت:
"متخدعنيش بابتسامتك دي، أنا حسيت بوجعك من أول ما عنيا جت عليكي."
استدارت تجاه سور التراس مجددًا، قائلة ببسمة لم تصل لعينيها:
"وجع أيه بس، أنا كويسة جدًا على فكرة."
وقفت جوارها تميل بقامتها المثالية على السور، وردت بوجعٍ اخترق نبرتها الرقيقة:
"شكلك نسيتي إنك تربية إيدي يا مايا، لو مثلتي على الدنيا كلها مش هتقدري تمثلي على أمك اللي ربيتك."
وتابعت ببسمة تعاكس حزن عينيها:
"من لما حملت في علي وأنا كنت بتمنى أخلف بنت، بس ربنا مأردش وكرمني بيه، والامنية دي فضلت جوايا حتى في حملي بعمران بس بردو جبت ولد، استسلمت وقولت خلاص لحد ما جيتي انتِ، كنت فرحانه بيكِ يمكن أكتر من أختي الله يرحمها، أنا اللي اختارتلك اسمك، ولبسك وكل شيء خاص بيكِ."
واستدارت تتطلع لها بآعين تنبع بالحب، فنجحت باختراق قلبها المهزوم:
"انتِ كنتِ السبب اللي خلاني أرجع لمصر تاني بعد ما أقسمت إني مستحيل هرجع ليها، كنت بخاف أشوف أحمد وأتوجع من تاني، بس مهمنيش غيرك، أنا اتعلقت بيكِ بشكل خلاني بتمنى إنك تكوني بنتي أنا يا ميسان!"
ابتسمت مايا ودموعها مازالت تنزف على وجهها، بينما تستكمل فريدة، وهي تسحب نفسًا ثقيلًا عليها:
"لما أختي توفت مسؤولياتي نحيتك زادت، وحبي ليكِ اتضاعف بشكل انا متخيلتوش، حتى بعد ولادتي لشمس تعلقي بيكِ مخفش، وكثير طلبت من عثمان يخليكي تعيشي معايا في لندن بس موافقش الا لما دخلتي الجامعة."
وأضافت وابتسامتها تنير وجهها:
"كنت عارفة إن الأيام اللي هتقضيها معانا هتخليكي ترفضي تنزلي مصر، حتى لو حبيتي تنزلي أنا كنت همنعك، لإني خلاص مبقتش قادرة أعيش من غيرك."
انهمرت دمعات مايا تدريجيًا، ومع كل ذكرى تقصها خالتها كانت ترى أفق الماضي يلوح قبالتها، بينما تستطرد فريدة بحبورٍ:
"خوفي كان بيزيد كل ما معاد تخرجك من الجامعة بيقرب، ووقتها أخدت قرار إنك تكوني لحد من ولادي عشان تكوني جنبي على طول، أفتكر وقتها كان كل تفكيري منصوب على علي، فكنت مرتاحة إن مهمتي هتكون سهلة مش صعبة."
واضافت وهي تطالعها ببسمة مكر، جعلت مايا تبتسم رغمًا عنها:
"بس انتِ عيونك مكنتش شايفة غير عُمران!"
"اختارتي العنيد اللي مطلع عنيا، ومع ذلك دخلت معاه في حرب طويلة كسبتها بجوازه منك، وكلي يقين إنك هتغيري فيه كتير، لإنك تربية ايدي وأنا واثقة إنك مش هتحتاجي حتى لمساعدتي."
وتمتمت بنغزة ضربت قلبها قسوة:
"أنا حاربت الدنيا بطولي وأنا فاكرة إن شخصيتي قوية، بس في كل مرة كان بيظهر فيها أحمد كانت بتنتهي أسطورة الست القوية اللي كنت مخدوعة فيها، عشت عمري كله موجوعة يا مايا، عشان كده كنت بتمنى من جوه قلبي متعشيش اللي أنا عشته، كنت بعمل كل اللي أقدر عليه عشان أبعد عُمران عن سكة الحية اللي خربت حياته دي، والنهاية كانت معاكي انتِ، وده ريح قلبي."
رفعت كفها تحيط كتفها بحنانٍ أحاط مايا بحبٍ:
"الفترة اللي فاتت دي كانت صعبة عليكي، أنا كمان ضغطت عليكي بس والله ده من خوفي عليكي من غير عُمران، تعرفي إني لما هديت فرحت برد فعلك معايا، واتمنيت الزمن يرجع بيا وأعمل نفس اللي انتِ عملتيه!"
واتسعت ابتسامتها الجذابة، وهي تستطرد:
"كبرتي في نظري أوي يا مايا، وحسيت أن اللي فشلت اعمله زرعته في بنتي، اللي وقفت وحاربت الدنيا كلها لحد اللحظة دي بتحارب عشان حبها، فبعد كل ده يصعب عليا أشوف الحزن جوه عيونك، وأحس إنك معدتيش قادرة تكملي، صعب عليا أتحمل أشوفك كده!"
تحرر صوت بكائها أخيرًا، واندفعت صوبها تتعلق برقبتها، وتشكو انكسارها إليها، ضمتها "فريدة" وقد شاركتها البكاء تأثرًا بها، طبطبت عليها بكلماتها الهادئة:
"عدينا بالصعب يا مايا، اللي بنعيشه دلوقتي هين عن اللي قبله وهيعدي، صدقيني يا حبيبتي هيعدي."
هدأتها حتى توقفت عن البكاء، وأبعدتها تتأكد بأنها قد ازاحت دموعها، دعمتها فريدة حتى جلست قبالتها على المقعد المحيط للطاولة البيضاوية، وعادت تبتسم في وجهها، فابتسمت فريدة وقالت بفرحة:
"أيوه كده مش عايزة أشوفك بالضعف ده تاني، والا هروح أجيب الواد ده من ودانه وشوفي هعمل فيه أيه قدامك، وانتي عارفة إن لسانه يطول على الدنيا كلها الا فريدة هانم الغرباوي!"
ضحكت بصوتها كله وردت:
"طبعًا، هو مين أصلًا يجرأ يعلي صوته على حضرتك؟!"
أرضت غرورها، فرفعت ساقًا فوق الاخرى وهي تبسط تنورتها الراقية بخفة:
"مفيش طبعًا."
زوت مايا حاجبيها وهمست بخفوت:
"شوفي حطت رجل على رجل ازاي، ده أنا بحاول من الشهر السادس أعملها مش جاية معايا، هو أنا بطني كبيرة للدرجادي!!!"
استمعت لهسيسها غير المفهوم، فتساءلت:
"بتقولي حاجة يا مايا؟"
نفت سريعًا، قائلة:
"ابدأ، هكون بقول أيه يعني!"
حركت رأسها بعدم اكتراثٍ، وقالت بفضول:
"قوليلي بقى أيه اللي مزعلك كده، ومتحاوليش تلفي وتدوري عليا، عشان لو قولتي سبب تافه هقتلك حالًا، أنا بسببك رجعت للبكى تاني ومصدقت بشرتي رجعت لنضارتها تاني بعد رجوع عُمران، فحالًا تذكريلي أسباب تخليني أعفو عنك."
زمت شفتيها بسخطٍ لحق نبرتها الحادة:
"ابنك بدل ما يفتكرني افتكر ألكس الحرباية، لا والذاكرة المرة دي كانت قوية وجابتله لون شعرها!!"
تجهمت معالمها بغضبٍ، فاذا بها تهدر بانفعالٍ:
"هي الحية دي ورانا ورانا، مش هنخلص منها!!، انا مش عارفة أعمل في الولد ده إيه عشان ينساها!!"
عدلت من أطراف حجابها من حول رقبتها، وقالت بتفاخرٍ:
"لا متقلقيش أنا عملت."
انصاعت لقولها، وتساءلت في فضولٍ:
"عملتي أيه؟"
بابتسامة واسعة قالت:
"أديته بالشبشب!"
توسعت زُرقتها في صدمةٍ، بل تجمدت جمود الموتى بشكلٍ جعل عداد مايا يصفر كالقنبلة التي توشك على الفتك بمن حولها، فاذا بها تبعد المقعد، وتستند على الطاولة حتى استقامت بوقفتها تردد بهلعٍ:
"طيب عن إذنك يا فريدة هانم، هلحق علي قبل ما ينزل المركز، هروح معاه أكشف عند دكتور يوسف، أصل في وجع بعيد عنك هيموتني من امبارح، باينها بوادر شلل رباعي بعد اللي ابنك عمله معايا، يلا سلام مؤقت يا روح قلبي."
خطوتان استطاعت بهما الهروب، وإذا بها تسقط بين يدي فريدة التي رفعت ياقة قميصها الذي ترتديه من فوق تنورتها الفضفاضة، بينما تصرخ في صدمة:
"انتِ مسكتي الشوز ورفعتيه على جوزك!! على ابني أنا!!!!"
رسمت ابتسامة بلهاء، ورددت:
"انتِ مش لسه من شوية كنتِ بتأكديلي أني بنتك وآنك بتحبيني أكتر منهم، في أم ترضى إن جوز بنتها يتغزل في حرباية قدامها؟! لو كنتي أم مصرية جدعة كنتِ انتِ اللي هتناوليني الشوز وتقوليلي ربيه!"
هزت فريدة رأسها بتأكيدٍ، وانحنت تنزع حذائها ذو الكعب المتوسط، ثم قالت:
"هو هيترفع فعلًا بس عشان أعيد تربيتك."
راقبت مايا ما تحمله، ثم قالت بضيق:
"انتِ في التاسع ولابسة الكعب ده ازاي، ده أنا من الرابع وببص عليه من بعيد وبفكر نفسي إن ممنوع الاقتراب واللمس الا بعد سنتين من الولادة، فريدة هانم انتِ جابوكي في عنبر الحوامل غلط، أنا ببصلك وبحاول اقتنع إنك حامل بس مش جاي معايا غير إنك تشخيص غلط ومش هتطلعي حامل نهائي، الحل إني اشوف البيبي بنفسي عشان أتأكد!!!"
حاولت فريدة تحليل حديثها بأكمله، فإذا بالصدمات تنهال من فوقها مما تستمع إليه، كلما ضاعفت العقاب تزيد منه حتى تيقنت بأنها ستقتلها في الحال.
هرولت خلفها فركضت مايا للمصعد، وأشارت لها قبل أن ينغلق:
"للأسف معنديش اللياقة أجري على السلالم، إركبي الاسانسير اللي جنبي وحصليني على تحت بقى!"
*****
اجتمع الشباب جمعهم بشقة عُمران، وقد أعد "إيثان" أسياخ لشواء الدجاج، بينما وصل "جمال" باللحوم، وأتجه به للمطبخ، حيث كان "يوسف" يجهز الطعام ببراعة.
وضع جمال الأغراض من يديه لآيوب الذي وضعهم على رخامة المطبخ، وشرع كلاهما بسكب الأغراض، بينما على طاولة المطبخ يتابعهم عُمران وهو يقطع طبق الخضروات، وفجأة تعالت ضحكاته وهو يراقب يوسف الذي يقطع البصل بدموع عينيه، فقال يشاكسه:
"أي مساعدة يا شيف چو!"
ترك السكين عن يده، وهدر بعنفوان:
"على أساس إنك هتتنازل وهتقف تقطع بصل مثلًا!"
جذب قطعة الخيار يلتهمها وهو يجيبه:
"لا بس على الأقل برفع معنوياتك بالسؤال عشان متحسش إنك لوحدك!"
ضحك جمال وإتجه يجذب المقعد من جواره، قائلًا:
"طول عمرك رافع معنوياتنا كلنا."
وتابع ما يفعله بتركيزٍ واسترابة:
"عُمران الخضروات دي مش هتكفي السلطة، كده هتبقى قليلة، احنا عددنا كبير."
دفع السكين بقطعة الجزر، وتناولها ببطءٍ وهو يخبره:
"ومين قال إن السلطة دي ليكم!! أنا مبعملش غير الحاجة اللي أنا هاكلها، أنا مش متبنيكم أنا!"
تحررت ضحكات آيوب ويوسف بينما يتابعه جمال بغيظٍ، ازداد حينما أشار له عُمران:
"قوم جهز الطحينة يا جمال، أنا عندي احساس إني بحبها!"
وضع إيثان الحطب بالشواية، وتمتم بتذمر:
"قوم هز طولك واعمل حاجة، بدل ما انت قاعد تتشرط وتتأمر كده."
دفع المقعد للخلف قليلًا، ولف رقبته تجاهه، ثم قال ببرود:
"أنا أعمل اللي يعجبني ولو كترت في كلامك ده هخليك تقطع البصل بدل يوسف، ده لو عاجب سيادتك يعني!"
وأضاف وهو يعود لتناول ما بيده بطرف السكين ونظرة متلاعبة:
"وبعدين أنا واخد استراحة رسمية من الدكتور بتاعي."
التفت له يوسف يتساءل بجدية:
"دكتور مين يا عُمران؟"
اجابه وهو يلتهم الخيار بتلذذٍ اغاظ إيثان:
"بابا علي قالي ده بنفسه، تحب أرنلك عليه يأكدلك كلامي يا إيثو؟"
ضحك يوسف ومال يهمس لجمال:
"شكل آيوب موصي على إيثان توصية جامدة."
ابتسم وتمتم بسخرية:
"باين من السعادة اللي ملية عينه، بص جنبك."
التفت يوسف تجاه آيوب، فوجده يغمز لعُمران بفرحة وحماس، ضحك على مشاكساته التي لن تنتهي بينه وبين إيثان، وعاد يصنع ما يفعل حتى انتهى منه، فحمل الدجاج المقطع ووضعه على الشواية التي صنعها إيثان.
*****
توقف المصعد بالطابق السفلي، فاذا بالخادمة تدفع طاولة الطعام، وما أن رأت مايا حتى أشارت له بابتسامة طيبة:
"الطعام جاهز بغرفة السفرة سيدتي، والجميع بانتظارك."
وكأنها نجاتها تحمل لها بشارة، فاندفعت صوب الغرفة، فوجدت علي يجلس جوار أحمد الذي يعتلي رأس الطاولة، وقبالته تجلس فاطمة، التي أشارت لها على المقعد الذي يجاورها قائلة:
"واخيرًا نزلتي مرة بدري، تعالي."
أغلقت مايا الباب من خلفها، بعدما تفحصت الطريق بالخارج بعناية، وركضت تجاههم بشكلٍ مضحك، تعجب أحمد وعلي من حالتها الغامضة، حيث كانت تدفع المقاعد بعيدًا عن الطاولة، فلماذا ستحتاج للجلوس على كل تلك المقاعد، قطع صوت علي الرجولي الصمت المطبق، حينما تساءل باستغراب:
"بتعملي أيه يا مايا؟"
رفعت ظهرها بتعبٍ، وأشارت له لاهثة:
"إبعد الكرسي ده يا علي الله يكرمك ضهري مش قادرة."
بثباته الهادئ تساءل:
"أفهم طيب بتبعدي كل الكراسي دول ليه؟"
صاحت بغضبٍ وهي تراقب باب الغرفة بخوف:
"هتبعده ولا أتصرف أنا."
لكز أحمد علي برفق:
"شيله يا علي، انا قلبي مش مطمن للي بيحصل ربنا يستر."
حمل علي المقعد للخلف، فإذا بزوجة اخيه تنحني وتختبئ أسفل الطاولة، مشيرة له:
"رجعهم مكانهم بسرعة."
مرر علي بصره نحوها ونحو المقاعد، ثم انحنى قبالتها يخبرها بهدوء حذر:
"عملتي أيه يا مايا؟"
قضمت ظافرها وهي تحاول إيجاد ما ستخبره به، بينما تكاد فاطمة أن تنهار من الضحك على مظهرها، فاذا به تتمتم بسخط:
"معملتش حاجة، أنا بس اللي حظي ضلم فجأة، رجع الكراسي وإبقى أفتح جلستك النفسية دي بعدين."
تمتم أحمد بشفقة:
"لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، يا بنتي اطلعي القعدة دي مش مريحة لا ليكِ ولا للي في بطنك."
أضافت فاطمة وهي تمد يدها إليها:
"اطلعي يا حبيبتي واحكيلنا بس مالك وإن شاء الله هنحل الموضوع، صح يا علي؟?"
ابتسم لها وقال:
"والله علي ما بقى عارف يحل أيه ولا أيه يا فطيمة!!"
انطلق صوت فريدة الغاضب تنادي من الخارج:
"مايــــــــا، اطلعي قدامي حالًا والا هعرف أجيبك ازاي."
اتسعت المُقل في صدمة، فهمست مايا برجاء:
"سمعتوا، رجعوا الكراسي بسرعة قبل ما تلاقيني."
اسرع أحمد بإعادة المقاعد قائلًا بصدمة:
"عملتي أيه يا مايا!!!"
مدت رقبتها من بين المقاعد تخبره ببراءة زائفة:
"أنا بريئة يا أنكل، مراتك اللي عصبية زيادة عن اللزوم."
منع علي ضحكاته بصعوبة، وهو يعيد أخر مقعد جوار المقعد الذي وضعه عمه، وفور ان انفتح الباب عاد ثلاثتهم يتناولون الطعام بهدوء، وكأن شيئًا لم يكن!
اتجهت فريدة صوبهم، تمرر بصرها بين أنحاء الغرفة الواسعة، وبوجومٍ سألت:
"مايا فين؟"
وضعت فاطمة ملعقتها وقالت:
"مش عارفة."
اتجه بصرها لزوجها الذي ابتلع ريقه بتوترٍ، وتمتم:
"مشفتهاش من ساعة ما عُمران رجع، شكلها بتجتهد عشان تساعده يفتكرها ويفتكرنا كلنا."
أحمر وجه علي من فرط كبته للضحك، وخاصة حينما اتجهت أعين فريدة إليه، ذاك الخلوق الذي يفشل بالكذب، وقبل أن تستجوبه نهض يجذب كفها برقة للمقعد الذي يصف بنهاية السفرة، أمام مقعد زوجها، قائلًا بلطفٍ:
"الأكل هيبرد وحضرتك بتحبيه سخن، إتفضلي ارتاحي وأنا هجهزلك طبقك."
أمام عرضه النبيل لم تستطيع الرفض، جلست وبالفعل صنع علي لها الطبق ووضعه قبالتها، ثم عاد لمقعده، نهضت فاطمة تعد طبقًا لها هي الاخرى، فاذا بفريدة تخطف نظرة لمحلها، فوجدت طبقها موضوع ويكاد يكون الطعام بأكمله، فسألتها في شكٍ:
"لمين الطبق ده يا فاطمة؟"
ارتعبت نظراتها في خوف، واتجهت لعلي قبل أن تنطق على استحياء مصطنع:
"ليا يا طنط، حاسة إني جعانة جدًا والأكل اللي معايا مش هيكفيني."
منحته فريدة بسمة حنونة، وقالت:
"ألف هنا ليكِ وللبيبي يا حبيبتي، ارتاحي مكانك وعلي هيعملك الطبق بنفسه."
قالتها وأشارت لعلي الذي نهض بالفعل، يلتقط الطبق من زوجته، ويسكب لها الطعام، ثم عاد يضعه قبالته، فجذبته واستغلت انشغال فريدة بطعامها، وسربته من أسفل الطاولة لمايا، التي التقطته على مضضٍ، وهي تتمتم من بين اصطكاك أسنانها:
"فريدة هانم أم ذمتين، فاطمة ألف هنا لقلبك وأنا كرشك بان ودلدل!"
وأضافت بغيظٍ:
"يعني هي حامل في بيبي وأنا حامل في بوبي!"
ومالت بنظرات حالمة:
"فينك يا عُمران، بس بنسختك القديمة، الجديدة دي هتجلطني!!"
ومالت تجاه ساق فاطمة تهز فستانها وهي تهمس بحنق:
"فين الشوكة هأكل بايديا!!!"
رفع علي المنديل على فمه يتظاهر بمسح فمه من بقايا الطعام، بينما يكاد يسقط من فرط الضحك، ومن حظها أن فريدة تجلس بنهاية السفرة الكبيرة.
سحبت فاطمة شوكة نظيفة ومدتها لها من أسفل المفرش، بينما يجاهد أحمد للتضليل عنها، فاذا به يقول:
"أجبلك عصير يا فيري؟"
هزت رأسها نافية، وقالت بتوعد:
"أنا مش عايزة أكل أساسًا بس مش قادرة أكسف علي، هأكل حاجات بسيطة وهقوم ألف القصر حتة حتة على مقصوفة الرقبة اللي مش عرفت أربيها دي، مش قادرة أصدق إن بنتي أنا ترفع الشوز على جوزها!!!"
سقط الكوب من يد أحمد، وتوسعت عيني فاطمة وعلي، بينما تستكمل مايا تناول طعامها بنهمٍ غير عابئة بما يُقال، وكأنها تتحدث عن فتاة أخرى!
ضمت فريدة يديها على الطاولة، ومالت تستند عليهما بذقنها، هاتفة بارتباك:
"عُمران مستحيل يتقبل بالوضع ده عادي، ده مش ابني لأ!"
احتبس الطعام بجوف مايا، وإذا بها تسعل، وكلما على سعالها تصنعت فاطمة أنها تسعل، حتى لا تستمع فريدة لها.
سحب علي زجاجة من المياه، ودفعها من أسفل الطاولة، فالتقطتها مايا وتجرعتها ببطءٍ، وهي تهتف بتذمر:
"أنا مكنش لازم أحكيلها على اللي حصل، الندم بدأ يهاجمني."
إدعى أحمد أن الملعقة سقطت منه، وانحنى يجذبها، فتفاجئ بمايا تتناول طعامها بهدوء وكأنها لم ترتكب جناية، فقال ساخرًا:
"وليكِ نفس تاكلي، ده احنا بنتشاهد على روحك فوق!!!!!"
ردت عليه بضيق:
"فريدة هانم كالعادة إنحازت لابنها يا أنكل!"
رد عليها بعدوان:
"دي مش ملحوظة جديدة ليكِ، بتسلمي رقبتك ليها ليه وإنتِ عارفة الكلام ده؟!"
قالها واستقام بجلسته، يتابع فريدة التي قالت:
"أنا عايزة أعرف هي راحت فين، صوفيا قالتلي أنها شافتها داخله هنا، وانتوا بتقولوا مشفناش حد!!"
قال علي يشتت عنها الحديث:
"اهدي بس يا حبيبتي، العصبية غلط عشانك."
أتاهم صوت مطلوب حيًا لمن يبحث عنه يصيح باستهزاء:
"متخافش يا علي كل شيء ممكن يأثر على الحوامل مش هيعمل مفعول مع فريدة هانم، اطمن."
اتسعت الأعين صدمة، وخاصة حينما ألقت فريدة المقاعد وانحنت تراقب تلك التي زحفت لمقعد فاطمة التي تحاول اخراجها قبل أن تقبض عليها فريدة.
اختبأت خلف فاطمة، بينما تصيح الاخيرة وهي تحاول الامساك بها:
"أنا الظاهر أهملتك لدرجة أن كل اللي علمتهولك اتنسى، بقيتي لوكل ومحتاجة إعادة ضبط مصنع."
ضم أحمد كتفيها، وهو يحاول سحبها للخروج، قائلًا:
"ضبط مصنع أيه يا فريدة البنت حامل حرام عليكي، دي ساعة شيطان وراحت لحالها صدقيني!"
أبعدت كفه عنها وقالت باصرار:
"إبعد يا أحمد، أنا مش هسبها النهارده."
خرج رأس مايا من خلف فاطمة وقالت بعصبية:
"حضرتك مش فارق معاكي غير تصرفي، ومش همك اللي ابنك عمله، هستنى أيه بقى لما يفصصلي في ملامحها!! مهو البداية كانت لون الشعر بعد كده هندخل على أيه بقى؟!"
قهقه علي ضاحكًا، حتى أحمد ضحك بصوت مسموع، بينما تحاول فاطمة تهدئتها قائلة:
"مايا هدي الدنيا، فريدة هانم هتولع فينا كلنا!!"
وكأنها اقتنعت بحديثها، فاذا بها تبتعد من خلفها وتتجه صوب فريدة قائلة بمكر:
"فيري سيبك من خناق الحما العقربة ده لإنك كيوت جدًا ومش لايق عليكي، أنا طلبت أوردر مسكات طبيعية إنما أيه بتصغر الوش عشر سنين، بيقولوا حلوة أوي ما تيجي نجربها؟"
ربعت يديها أمام صدرها بغضب:
"قصدك بكلامك السم ده أيه، إني كبرت عشر سنين وعايزة تصغريني بالمسك بتاعك؟"
ضحكت مايا بقوة، وهتفت بسخرية:
"كبرتي مين صلي على النبي، ده أنا اللي بقيت كركوبة والله العظيم، حضرتك بقيتي أصغر من شمس نفسها، صح يا علي؟؟؟"
ضحك بصوته كله، وقال بصعوبة بالحديث:
"صح."
مالت لفاطمة تشهدها على ما قالت:
"صح يا بطة؟"
هزت رأسها عدة مرات، مالت لأحمد:
"ها يا أنكل، كلامي صح ولا غلط؟"
رد ومازال مشدوهًا مما تفعله:
"صح طبعًا."
أرضت غرورها وإذ فجأة تلف يدها حولها وتقول:
"تعالي وريني المسك، بس مش هحطه الا لما أقرأ محتوياته وأبحث عنها الأول، أنا مبحطش أي حاجة على بشرتي بدون ما أتحرى عنها!!"
رحلت كلتهما، وسقط أحمد على المقعد من بعد رحيلهما يستريح من المجهود الذهني المبذول، وهمس بدهشة:
"مايا نسخة عُمران المفقود يا علي!"
*****
اندمج عُمران رفقتهم، وتناسى كل شيئ كان يزعجه، وجد نفسه في صحبتهم، ولمس قلبه معزة كلًا منهم داخله، لقد مر اليوم سريعًا، والهدوء النفسي كان يقوده في مجلسهم.
توقفت سيارة "جمال" أمام قصر "الغرباوي"، وهبط منها "عُمران" في طريق عودته للداخل، فتح جمال بابه وناداه يذكره:
"هستناك قدام الشركة بكره، متنساش اتفقنا."
استدار إليه يمنحه بسمة ساخطة:
"حاضر يا حبيبي مش هنسى، حابب تفكرني بحاجة تانية بدل ما نعيد مشهد نداء الحبيبة ده، لو مش قادر على بعدي تعالى أتفضل قضي السهرة معايا وننزل الشركة بكره مع بعض."
انكمشت ملامح جمال غضبًا، بينما تمايل يوسف على الاريكة الخلفية للسيارة من فرط الضحك، صعد جمال للسيارة يغلقها بعنفٍ، متمتمًا:
"وقح!"
لم يهتم لما قال وتابع المضي قدمًا للداخل، بينما أعاد جمال تشغيل السيارة، وتوجه إلى العمارة السكنية القابع بها منزل يوسف، قاد والصمت يتراقص بينهما، بدرجةٍ زرعت القلق في نفس جمال، فمال بالمرآة الأمامية، يراقب يوسف، فوجده يميل على زجاج السيارة، وعينيه غائمة بالهموم والحزن.
ناداه جمال بلهفة وقلق:
"يوسف!"
الهالة التي أحاطته عزلته عن سماع صوت جمال القريب منه، مما دفع الأخير أن يصف سيارته جانبًا، ويميل للخلف رافعًا صوته ويده تحرك ذراع رفيقه:
"يوســــف!!!!"
انتبه له يوسف، فاعتدل بجلسته راسمًا بسمة باهته:
"معاك يا جمال معلش سرحت شوية."
تلك البسمة قد تخدع شخصًا غريبًا عنه، ولكنها لا تنطبق عليه، سأله بشكلٍ مباشر:
"مالك، أيه اللي شاغلك بالشكل ده؟"
سؤاله عن ما أصابه كان شيئًا مبهمًا لا يعلم كيف السبيل لاجابته، ربما سيخبره أنه على ما يرام، ولكنه ليس كذلك!
وجد أنه لا سبيل لتصديقه سوى قول الحقيقة، فنطق بما ضاق به صدره:
"ماما جتلي امبارح."
اندهش جمال لما استمع إليه، وتلقائيًا قال:
"غريبة!!!!"
ابتسم بألمٍ وخز نبرته المبحوحة:
"فعلًا هي غريبة ومش حاجة متوقعة منها، أنا فرحت إنها حابة تشوف حفيدتها، حتى لما عملت خناقة مع مرات أخويا، وطلبت منها تفضل معايا وافقت، فرحت إنها ممكن تكون حست بالندم ببعدها عني أنا وسيف، بس الحقيقة إني اكتشفت إن السبب في وجودها معانا حاليا إنها عايزة تفرقهم عن بعض، وأخر همها أنا أو سيف."
ثار غضبًا من تلك المرأة، وخاصة وهو يلمس وجع يوسف في صوته الناطق بحجم آلامه، فصاح بغلظةٍ:
"أنا مش عارف الست دي مخلوقة من أيه!!!"
نهره يوسف بتحذيرٍ:
"جمال متنساش إنك بتتكلم عن والدتي."
تلاشى وجومه، وبرر بحرج:
"أنا آسف مقصدش، أنت عارف إني غشيم."
تنهد بحزنٍ وقال:
"أنا عارف إنك متضايق عشاني، بس أنا خلاص أخدت على كده منهم يا جمال، أنا كنت عايش معاهم مفتقد الحنان وكل المشاعر اللي ممكن تكون من الأهل لآولادهم، ويمكن ده السبب اللي خلاني أحتوي سيف وأحاول أعوضه عنهم الاتنين."
وأضاف وقد نطقت عينيه بالدموع العزيزة التي أبت بالانهمار:
"كنت بعوضه بحنان أنا انحرمت منه، عملت كل حاجة عشان ميفتقدش حد فيهم، عمري ما أنسى زعله وتعلقه بيا وأنا بالمطار، ولا رجائه ليا أني أبعت وأخده ومسبهوش وسطهم، أنا من أول ما سافرت وأنا بسعى في ورقه كأني بخلصه من الزنزانة اللي عايش فيها."
وابتسم ساخرًا رغم مرارة العلقم في فمه:
"كنت برجع بليل أتفرج على فيديوهات طبخ كتير عشان أتعلم أعمل أكل بيتي عشانه، كنت عايز أعوضه عن كل اللي اتحرمنا منه، وأبسط حاجة إننا نلاقيها في يوم عملنا أكل بيتي نضيف، مش كل يوم أكل من بره، لدرجة إن سيف كان على طول معدته تعباه."
وأضاف وقد رفع عينيه صوب جمال الذي تمزق لسماعه مدى الوجع الذي يخوضه يوسف:
"جاية بعد كل ده تتهمني أني اهملت وقصرت في تربيته!!! جاية وبتحاسبني على اختياره لزوجته!! لا يا جمال ملهاش أي حقوق عليه ده ابني أنا، أنا متكفل بيه وبكل اللي يخصه."
وأضاف بابتسامة اصطحبت دمعة خائنة من احدى عينيه:
"عارف إني مدلعه شويتين، وده أنا حابه فيه، عايزه يتدلع ويعيش حياته كلها بطولها وعرضها، مش عايزة يفتقد أي شيء في بعدهم عنه، أنا الوحيد اللي لامس وجعه، أنا اللي عارف بخوفه من إن أي حد يدخل حياته، سيف أخويا بيخاف يصاحب أو يندمج مع أي حد، سيف مبيثقش غير فيا وفي آيوب وزينب مراته بس، مكون العالم بتاعه علينا احنا التلاتة."
خرج جمال عن صمته، وقال بنبرة تحشرجت:
"إنت موجوع وبتعاني أكتر منه يا يوسف!"
اتسعت ابتسامته وراح يردد في ثقة:
"ربنا مديني القوة أداوي نفسي يا جمال، ممكن أكون مش محظوظ، وانحرمت من حنان الأم والأب بس ربنا سبحانه وتعالى معوضني بالزوجة الصالحة وبأخويا، وبيك وبعُمران، ومنّ عليا بكرمه ببنتي اللي نورت دنيتي، وأخر حاجه مش بأهميتكم بس تتماشى مع الحياة، شغلي وإسمي اللي بنيته بتعبي، أنا كنت دكتور نسا وفجأة بقيت شريك دكتور علي بالمركز وبدون ما أخد قرش واحد من فلوس أبويا."
توسعت بسمته الجذابة وهو يمازحه بلطف:
"ونسيت كمان دكتور علي، ده لوحده كنز، هطمع أكتر من كده!!!"
وفجأة تلاشت عنه ابتسامته، وقال بانكسار:
"عارف أيه اللي مزعلني بجد؟"
أزاح جمال دموعه، وأجلى أحباله الهادرة:
"أيه؟"
رد عليه وهو يميل على نافذة السيارة باستكانة:
"إنهم مش هياخدوا حاجة من الفلوس اللي عاشوا يجنوها طول حياتهم معاهم القبر، فشلوا في أهم حاجة ممكن تفيدهم في حياتهم ومماتهم، الابن البار بيكون سند ودعم لاهله طول ما هما عايشين، ولما بيموتوا بيكون عملهم الصالح المتبقى ليهم، الثمرة اللي زرعوها، بس أنا مش هكون وحش زيهم، لو يومهم قبل يومي هدعيلهم بالرحمة وهتصدق ليهم باللي هقدر عليه."
وضحك بصوت مسموع رغم بكائه:
"ولا اقولك هتبرع بكل الثروة اللي عاشوا عمرهم كله يجروا عليها، وكأنهم هينزلوا بيها القبر."
تساقطت دموع جمال، وبات عاجزًا عن تضميد جرحه، وأي حديث قد يطيب وجعًا أدمى قلبه لدرجة الخذلان!!
اعتدل جمال بجلسته ومال برأسه للمقعد، وبصعوبة خرج صوته:
"يااه يا يوسف كل ده جواك وساكت!! أنت ولا مرة اتكلمت عن الموضوع ده."
ازاح دموعه واستعاد ثباته الفعلي:
"الموضوع مش شاغلني يعني عشان اتكلم فيه يا جمال، يلا اتحرك الوقت اتأخر، عايز أطمن انها معملتش حاجة تزعل بيها مرات سيف، والله لولا اتصال علي مكنتش خرجت النهاردة، بس أكيد مش هتخلى عن عُمران وهو في الحالة دي."
فعل جمال المحرك، وقال يجيبه:
"فعلا عندك حق، عُمران كان محتاجنا كلنا جنبه النهاردة، الحمد لله ان علي أجبره يروح للشيخ مهران وخلاه وسطنا النهاردة."
رد عليه وهو يحرر النافذة ليجعل الهواء ينعشه:
"علي دكتور ممتاز، حلل حالة عُمران ببراعة، عُمران مأثر فيه الناحية العصبية، الذكريات اللي بتكون فيها شحنة عاطفية قوية جدا زي العار، الخوف، التهديد، أو الذنب بتتخزن بعمق في أماكن بالمخ زيAmygdala (المسؤولة عن المشاعر خاصة الخوف والعار)، وHippocampus (المسؤول عن ترتيب الأحداث في الذاكرة) العلاقة الآثمة زي الزنا اللي مارسها بتكون زي شحنة نفسية شديدة خوف + توتر + خجل + كتمان + صراع داخلي كلها مشاعر بتخلي الذاكرة دي تتخزن كأنها منقوشة على حجر، انما العلاقة الزوجية المألوفة، بتكون هادئة روتينية، وبالتالي الذكريات دي أضعف في قوة استدعائها بعد الإصابة، الذكريات الحرام أحيانا ترتبط بـالهوية القديمة."
واستكمل بوضوحٍ أكثر لجمال:
"عُمران قبل الحادث كان شخص تاني تمامًا، والعلاقة الآثمة دي كانت مرتبطة بصورته قبل التغيير، فالمخ أحيانًا لما يحاول يسترجع هو أنا كنت مين؟ يبدأ بأكثر الذكريات تطرفًا وتميزًا العلاقات الحميمة حتى الزوجية بتخزن كـ ذاكرة خبرية (Episodic Memory) ودي أكتر نوع ذاكرة بيضيع بعد إصابات الدماغ فلو عمران فقد ذاكرته الرجعية بالكامل مش هيفتكر تفاصيل علاقته الزوجية لكن لو حصل له محفز جسدي أو عاطفي قوي أو مشهد مشابه ممكن تخرج ذاكرة منسية فجأة، واللي بيطلع الأول اللي محفور بالعاطفة والخطر مش المألوف الامن."
وختم بقوله المختصر:
"طبعًا انا شاكك إن دي حاجة من اللي حصلتله عشان يفتكر بيها اللي عمله، لكن اللي علي قاله كان باختصار شديد إن عُمران مش فاكر غير إنه زنى ومش فاكر توبته، وعلى فكرة استعادته لاجزاء من الذاكرة علامة ممتازة إنه هيستعيدها كاملة في أي لحظة."
ارتسمت بسمة سعادة على وجه جمال، وقال بتمني:
"يا ررب يا يوسف، مش قادر أشوفه متلخبط كده."
ابتسم ومد ذراعه على كتفه يدعمه:
"هترجعله متقلقش."
وقال يمازحه:
"وبعدين انت مفتقده في أيه، مهو لسانه لسه وقح زي مهو!!"
انفجر ضاحكًا وشاركه يوسف الضحك، حتى توقف به قبالة العمارة، أوصله وغادر هو الآخر لمنزله.
*****
تعمد أن يريه ذاته وهو يقف بانتظاره بشرفة جناحه، وما أن اطمئن لوصوله حتى ولج للجناح بعدما شيعه بنظرة غامضة، وتركه بها يكاد يموت غيظًا.
جاب عُمران جناحه ذهابًا وإيابًا، وهو يكاد يموت غيظًا من برود أخيه، لقد تعمد أن يريه نفسه وهو يقف بانتظاره، وحينما رفع يده يشير له تجاهله علي وولج لجناحه كانه غير مرئي له.
نزع عُمران قميصه وجذب البيجامة الخاصة به، ارتداها وهو مشغول البال بأخيه، عسى ما فعله بالصباح قد أحزنه منه، عساه غاضبًا منه الآن!
حانت منه نظرة تجاه زوجته التي تغفو بالفراش بتعبٍ، فابتسم وهو يميل على الحائط مربعًا يديه أمام صدره، ولوهلة عاد له صراخه على أخيه بأنه فقد الثقة به، فعاد الوجوم إليه مما دفعه للخروج من جناحه، والتوجه لجناح أخيه.
أشمر عن ساعديه القويان، وشرع بالدق على بابه، ولكنه خطف نظرة لساعة يده الباهظة، فوجدها الواحدة بعد منتصف الليل، سحب كفه حرجًا واستدار ليعود لجناحه حزينًا مما ارتكبه بحق أخيه، وبينما يكاد يصل لباب جناحه، حتى استمع لصوت علي يوقفه:
"استنى!"
تهللت أساريره، والتفت مسرعًا تجاهه، فوجده يتطلع له بنظرة منتصرة، وكأنه كان يعلم بأنه لن يعفو دون أن يحاول رؤيته، وما لفت نظره ما يحمله بين يديه، والذي لم يكن سوى عُلبة الاسعافات الأولية!
دنا منه علي، وتخطاه وهو يخبره:
"تعالى ورايا."
ضيق عينيه بانزعاجٍ من طريقته، وهو الذي لم يعتاد أن يأمره أحدٌ، ولج علي للمصعد وقال يزيح به غضبه:
"مش بأمرك يا عم الطاووس، اتفضل سيادتك!"
لحق به بتذمر، وهو يشيعه بنظراتٍ طفولية، لا تليق سوى بطفلٍ يود أن يتبعك ولكنه لا يعجبه تفاخرك بتعلقه بك، فأخذ يتطلع له بحنقٍ كاد أن يضحك علي، الذي تمتم وهو يعيد تشغيل المصعد:
"الأسانسير ضيق للاسف، مش هتعرف تنفش فيه ريشك!"
تحرر عن صمته وصاح بعصبية:
"إنت بتحاول تستفزني يا علي؟"
منحه بسمة ثابتة، وباتزان كاد بقتل الآخير قال:
"ليه، عملت أيه عشان أستفزك بيه؟"
مزق شفتيه السفلية، وقال:
"إنت بتلعب مع الشخص الغلط صدقني!"
توقف المصعد بطابق الضيوف، فخرج علي وعُمران يلحق به، حتى ولجوا لإحدى الغرف، فإذا بعلي يترك العُلبة على الطاولة، ويستدير وهو يرتدي القفاز الطبي، هادرًا بمكرٍ:
"أنا ماليش في الألعاب، أنا لو عندي وقت فاضي هقضيه مع أصدقائي المقربين."
"قهوتك وكتبك، دول مش أصدقاء مقربين دول أمقت حاجة ممكن أعملها في حياتي."
وأضاف عُمران بسخط:
"Ali you’re so boring" (علي إنت ممل جدًا!)
ابتسم، وقال:
"الملل شيء غالب على حياتنا، مهما حاولنا نبعد عنه بالاشياء المبهجة، اللي يتعلم يتماشى معاه مش هيقصر فيه فقدان أي شيء في حياته."
وأضاف ببحة مؤلمة:
"أنا متأثرتش بشيء كنت بمتلكه وفقدته قبل كده، فقدانك انت اللي قلب موازيني."
واستطرد وهو يعود لرسم ابتسامته:
"وريني جرحك اللي هتعامل معاه إنه لحظة تهور وراحت لحالها."
منحه نظرة حائرة، ومن ثم نزع عنه التيشرت، واستدار إليه، فجذب القطنة المبللة وأخذ يقطب جرحه، والصمت طابق على أنفاس عُمران، حتى تحرر منه ينادي:
"علـي."
ابتسم وهو يجيبه من خلفه:
"متعتذرش أنا مزعلتش منك، وقولتلك ده الصبح قبل ما أمشي من المسجد."
التفت برأسه له وقال بضيق:
"بس مش حاسس إنك متقبل ده، أنت مش طبيعي معايا يا علي، عامل زي اللي بتعاقبني، أنا بنازع في كل اتجاه، وفكرة إنك ممكن تكون متضايق مني دي مش متقبلها، بحس إني بتخنق ومش قادر أخد نفسي!"
انقبض قلبه لسماع ما قال، فأسرع بالقول:
"عُمران متشغلش عقلك بيا أنا، فكر في نفسك، أنا أخر شخص ممكن تتخيل إني أزعل منك وأقاطعك، أنا لو شايفك اتخطيت حدودك معايا هجبرك تعتذرلي، وأنا واثق انك مش هتكسرلي كلمة، صح ولا أيه؟"
لوى شفتيه بتهكمٍ، وقال:
"وبتسميني مغرور، إنت فيك غرور بس على رقي مش وقاحة!!!"
قهقه علي ضاحكًا، ونهض يجمع اغراضه مشيرًا له:
"طيب يلا يا لمض روح ارتاح، وراك بكرة يوم مهم، نزولك الشركة في حد ذاته خطوة ممتازة بهني جمال على اصراره عليها."
منحه ابتسامة صغيرة، وقال بمكرٍ:
"بتهني جمال!! على أساس إني مش هارش إنك اللي ورا الحركة دي!!"
وتخطاه وهو يتجه للمصعد بعنجهية أسعدت قلب علي شوقًا لعودته:
"ورايا يا دكتور أنزلك في طريقي."
اتبعه للمصعد فإذا به يخرج منه أولًا، ويلوح له بمشاكسة:
"تصبح على خير يا بابا علي، متنساش تأخد الكتب في حضنك كويس، وتحطلك كام جريدة على صدرك من البرد، ومتقلقش أنا هعرف أسلكك من فاطمة في محكمة الأسرة!"
قالها وأغلق باب جناحه، بينما يصفق علي كف بالاخر وهو يهتف بصدمة:
"مفيش فايدة!!"
*****
انطوى ضوء القمر الخافت، وازدهرت الشمس بأشعتها الذهبية المنيرة، التي شهدها عُمران بنفسٍ صافية، بعد أن قضى ثلث ليله بالقيام وصلاة الفجر، حتى استلم رسالة من جمال تحثه على الاستعداد للقائه أمام الشركة بعد ساعة من الآن، فصعد لجناحه يستعد للذهاب.
ارتدى عُمران بذلة فخمة من اللون الأسود، وقميصًا أسود من أسفلها، وارتدى حذاءًا بني اللون مثل لون ساعته الباهظة، أعاد تهذيب خصلاته القصيرة، ونثر البرفيوم الخاص به، ثم هبط بالمصعد للطابق السفلي، ومنه للخارج حيث كان السائق بانتظاره.
وقف يتطلع للسائق بضيقٍ، وتجاهل وجوده ثم اتجه لچراچ القصر، فلحق به السائق، استدار عُمران إليه وقال باحترام حتى لا يجرحه:
"شكرًا لتعبك يا أشرف، بس أنا حابب أسوق النهاردة."
بهت وجه السائق، وقال:
"لا يا بشمهندس، دكتور علي منبه عليا مخليش حضرتك تسوق."
نزع نظارته السوداء عن جمال رماديتاه، وأحاطه بنظرةٍ ثاقبة:
"وأنا بقولك أنا مش محتاج سواق معايا."
هز السائق رأسه وانسحب للخارج، بعد أن أرسل رسالة نصية لعلي، يبلغه فيها بما حدث، وقف عُمران ينظر بين عدد السيارات بحيرةٍ، ولكن لم يعجبه أي منهم، حيث كانت اغلبها من النوع الكلاسيكي والطراز المتوسط، والذي تأكد بأن ولا واحدة منهم تخصه بذوقه.
وإذا به يلمح عدد من السيارات الرياضية الحديثه، مصفوفة بنهاية الچراچ، إتجه إليهم وتنقل بينهم بانبهارٍ، وإذا به يلمح سيارة منفردة بزواية منعزلة، يلفها قماش حريري جذاب اللون، أثارت فضوله وكاد بالتوجه إليها، ولكن قبل أن تتحرك ساقه، واستمع لصوت جهوري يصيح:
"عُمــــــــــــران."
استدار لمصدر الصوت، حيثما يقف أخيه، الذي هرع إليه والقلق والارتباك يسيطران عليه، وفجأة استعاد كامل ثباته وهو يسأله:
"واقف عندك بتعمل أيه؟ وأيه اللي أنا سمعته من أشرف ده؟!! انت عايز تسوق انت!"
رد عليه بهدوء وعينيه تحتشد بالتمرد:
"أيوه عايز أسوق، هتفضل مانعني لحد أمته يعني!!! اللي حصل كان حادث مدبر، وحتى لو مكنش مدبر فده قدري ونصيبي، لكل أجلٍ كتاب، لو ربنا سبحانه وتعالى كاتبلي أموت قدامك حالًا، الأمر نافذ."
صاح بهلعٍ وهو يضمه إليه:
"لأ، ألف بعد الشر عليك متقولش كداااا."
تعجب عُمران من طريقته، فاحتواه بضمته، وهو يعلم بأنه سيستعيد هدوئه للتو، وبالفعل ما هي الا ثلاثون ثانية وأبعده يحك طرف أنفه بحيرة:
"طيب تمام، سوق براحتك بس بشرط."
زفر بضجرٍ، فاستكمل علي بصرامةٍ:
"مش هتركب عربية إسبورت، هتركب عربية عادية من دول، ومتحلمش بأكتر من كده!"
كز على أسنانه بغيظٍ، ولكنه لم يشئ خلق مشاجرة بينه وبين أخيه، فسحب احدى المفاتيح وقرأ الرقم المدون، ثم بحث عنها وقادها، وغادر بهدوء.
وصل عُمران للموقع الذي تتبعه على هاتفه، حتى وصل إلى جمال، الذي صعد به لمكتبه على الفور، فالتف الموظفون به يهنئون رجوعه بسرورٍ، وعلى رأسهم حسام السكرتير الخاص به، حتى انتهت المقابلات وجلس بمكتبه، برفقة جمال الذي لم يتركه لدقيقة واحدة طوال العشر ساعات التي قضاها داخل الشركة.
كان جواره كالظل المُتبع، حتى أتاه اتصالًا هاتفيًا فخرج للشرفة يجيبه، وترك عُمران يراجع حساباته التي تعرف عنها للتو، وقرر بناءًا على رؤية حجم الاموال والثروة التي يمتلكها أن يشارك جزءًا منها لموسى وصابر، وصباح في يوم سفره بالاسبوع القادم لهم.
وبينما هو منشغل بمراجعة الحاسوب، ولج حسام للداخل يقابله بارتباكٍ وتردد، جعله يتساءل بريبةٍ:
"في حاجه؟!"
هز رأسه بتوتر:
"نعمان الغرباوي برة ومصمم يقابل حضرتك، أنا حاولت أتحجج بس هو مُصر."
أعاد نطق الاسم كمحاولة للتعرف عليه:
"نعمان الغرباوي!!"
أكد له بما يستطيع القول به:
"أيوه، خال حضرتك يا مستر عُمران."
بدى حائرًا هو الاخر، وهتف باستسلامٍ:
"تمام دخله."
خرج السكرتير يمنح الأذن له بالدخول، فهرول راكضًا للداخل بلهفةٍ وحماس لرؤيته، فاذا به يتطلع له بآعين دامعة، ونظرات غير، مصدقة بأنه يراه.
انقبض قلب عُمران، وشعر بأنه يختنق تدريجيًا، فنهض عن مقعده يتأمل من أمامه بشعور غير مريح، اندفع نعمان إليه باكيًا يضمه في عناقٍ غير مصدق، ويهتف بعدم وعي:
"إنت عايـش، أنت ممتش فعلًا، أنا مكنتش متخيل أنك تمشي بالسهولة دي، إنت مينفعش تبقى دي نهايتك إنت."
حاول عُمران أن يرفع يديه ويضمه مثلما يفعل، ولكنه كان بداخله شعور نفور غريب تجاهه، وكره عظيم تجاهه لا يعلم سببه!
ابتعد عنه نعمان يتطلع به بإبتسامة واسعة، فازدرد عُمران ريقه مشيرًا على المقعد:
"أهلًا بحضرتك، اتفضل."
تراقصت فرحته وتمنى لو فقد ذاكرته للابد، حتى يمنحه مكانة بحياته، بعيدًا عما ارتكبه في ذنبه، وإذا بصوت جمال يحطم طموحات نعمان حينما دخل يهدر بانفعال وثورة:
"إنت بتعمل أيه هنا؟"
ارتبك نعمان حينما رآه يدخل من الشرفة، بينما يحاول عُمران فهم ما حدث لجمال فجأة، الذي بدأ بالصراخ الجنوني:
"إنت ليك عين تورينا وشك بعد اللي عملته فينا، غور من هنا بدل ما وربي أنسى إنك راجل كبير وأسحلك قدام الموظفين."
ارتعب نعمان من نبرته، وتهديداته الواضحة، فركض للخارج ونظراته الحزينة تحاوط عُمران، والذي ترقب فور غلقه لباب المكتب، وسأل جمال ونظرات الشك تحيطه:
"أيه الطريقة اللي اتعاملت بيها معاه دي!!"
طالعه بصدمة من حديثه، وصاح بعنف:
"طريقة أيه؟!! أنت لو بذاكرتك كنت قتلته إنه اتجرأ وجالك مكتبك بعد اللي عمله فينا."
عبث برماديتاه بدهشة، وقال:
"أقتله!! طيب ليه كل ده، هو عمل فينا أيه؟!!"
ارتبك جمال قبالته، وخشى أن ينطق بشيء قد يسيء من حالته، فتمتم بارتباك:
"لا.. مفيش."
نهض عُمران عن مكتبه، ووقف في مواجهته بضيق:
"هو أيه اللي مفيش، انت مش شايف نفسك عامل ازاي!!!!"
زفر جمال بغضب من ذاته، واستدعى سيطرته على انفعالاته بأكملها، قائلًا:
"عُمران أنا مش هقدر اتكلم عن اللي فات، ولا عايز أفتكره، بالله عليك متسألنيش عن حاجة، أنا مصدقت أنسى ولو صحيت كل الذكريات جوايا هنزل أقتله حالًا."
انفاسه المكبوتة من خلف طلته الهادئة المخادعة، جعلت عُمران يستشف خطورة حالته، فقال بهدوء يمتص فيه عصبيته:
"خلاص تمام، مش عايز أعرف حاجة بس إهدى."
أشار له بجمود، وعاد لمقعده، بينما شرد عُمران فيما قد يجعل جمال بتلك الحالة الشرسة، التي تكاد تجعله قاتل!
*****
بعد الانتهاء من مراجعه حساباته الشخصية، غادر "عُمران" الشركة برفقة جمال، فصعد كلا منهما سيارته، وأبقى جمال على اتباعه حتى يضمن أنه وصل لقصر الغرباوي بسلامة، تعجب عُمران من خوف الجميع عليه المبالغ فيه، وكأنه طفلًا صغيرًا، فأوهم جمال بأنه يتجه لقصر الغرباوي، وحينما غادر انجرف بسيارته وإتجه بها لمكانٍ منعزل، يود أن يختلي بنفسه فيه.
نزع عُمران جاكيته وألقاه بالسيارة، ثم صعد على مقدمتها وتمدد بالهواء، مربعًا يديه وهو يسند ظهره لزجاجها الأمامي، وعينيه مغلقة بارهاقٍ وتعب مما يمر به.
يشعر وكأنه في حلقةٍ معقدة من الألغازٍ، التي لا نهاية لها، رأسه مشحون بالكثير من الافكار والاسئلة التي لا اجابة عنها، وبينما هو يشرد بذهن صافي، وعيني مغلقة، فاذا بملمس بارد وحاد يخترق رقبته، وصوتًا غليظًا يهتف:
"محفظتك وساعتك ومفاتيح العربية بشويش وبدون لبش، بدل ما تتقطع بالمطوة وتتاوى هنا مكانك يا حيلتها."
ابتسم بسخريةٍ، ومازال يجلس بنفس جلسته المريحة، فقط أطلق العنان لعينيه التي فتحت لتنير له ظلمته الحالكة، يتطلع لمن يصوب سكينه إليه، وببرود قال:
"خد بالك اللي في إيدك دي خاينة، ملهاش ولاء لحد، بتروح مع اللي رايح وبتيجي مع اللي جاي."
"وأنا مش ناوي أروح في طريق رجعت منه خلاص!"
قالها وهو يقبض على كف المجرم، ويلويه للخلف بقوةٍ جعلت عظام يده تطقطق بشكلٍ، جعله يبكي ويصرخ بصدمة ما تعرض له، فإذا برفيقه الذي يراقب الطريق، ظنًا من أنه سيتمكن من الايقاع بهذا الشاب الأعزل، ظنوه لقمة سائغة كأغلب من نالوا نفس الفعل الدنيء، ولكن حظهم السيء أوقعهم في يد الطاووس!
سقط الشاب أرضًا وبقيت المدية (مطوة) في يد عُمران، الذي لها بها بين يده ببراعةٍ واتقان، وهو يشيد بقوله:
"قولتلك ملهاش ولاء لحد، بس مرفقاني مهما غدرت بيها واستغنيت."
واستطرد باستهزاءٍ:
"وبعدين حيلتها دي كلمة متأكلش غير مع اللي يقدر يسد معاها، لما ترجع لأمك بوس ايدها ورجلها عشان تخاويك براجل يعرف يجبلك حقك ويعيد تربيتك من تاني."
وانحنى يقبض عليه بقوة، ويسدد لكماته وهو يصيح باستهزاء:
"ولحد ما الراجل ده تجيبه أمك، أنا سداد وهربيك من أول وجديد!"
أتى رفيقه من الخلف، في محاولة للنيل منه، والاخر مطمن بأنه سيتمكن بفعلها، ولكن عُمران كان الاسرع حينما دفع الشاب من يده أرضًا، واستدار يدس المطوة بذراع الآخر، بشكلٍ جعل الدماء تنفجر من ذراعه، فسقطت عنه الحجارة التي كان ينوي ضربه بها.
ركض الشاب غير عابئ بسقوط رفيقه، الذي ترجاه الا يتركه يلقى حتفه، فابتسم عُمران ساخرًا وقال:
"وإنت فاكر إن صاحب السوء هيكون راجل معاك!!"
وجلس جواره أرضًا مستندًا على اطار سيارته بجمود، بينما الاخر ينزف جواره ويبكي بتوسل، خشية من أن يعود عُمران بطعنه، فتحررت كلماته بعد صمت:
"اسمك أيه يلا؟"
ارتبك الشاب وأزف رعبًا، وبرعبٍ قال:
"علي، إسمي علي."
وخز قلب عُمران بعنف، وكأن سماع إسمه بذلك الوقت يمنحه هالة من الأمان، والرأفة بذلك الجريح الذي كان يضمر له الشر والسوء، فنهض فجأة وأشار، له:
"قوم هوديك المستشفى."
جحظت عيني الشاب في صدمة وهلع:
"لا... لا... هتسلمني للحكومة، والله حرمت يا بيه مش هعمل كده تاني، مسعد اللي غواني بالحرام والله ما هعمل كده تاني."
رمقه عُمران ببرود، وردد ببطء خطير:
"إركب وإقفل بوقك."
ظل محله يبتلع بتوتر، حتى اتاه صوته الصارم وهو يصعد بسيارته:
"مبعدش كلامي أكتر من مرة أنا بروح أمك!!"
نهض الشاب يحتمل على ذراعه السليم، وجلس قبالته بشيء من الاطمئنان، فاذا به يصله للمشفى، وقبل أن يصل له فريق التمريض كان قد فقد الوعي، مما دفع عُمران لحمله، ووضعه على السرير المتحرك.
وعقله يغيب عنه لمظهر الدماء، نزيف يحاوط كتفه، وبطنه، شعور بالألم يخترقه، صداع شديد يقتحم رأسه، دوار عنيف، مال على المقاعد المعدنية، سقط من فواقها وبعض الذكريات السابقة تندفع إليه دون سابق انذار.
أحاط رأسه بعنفٍ، والعرق يبلل وجهه بش
رواية صرخات انثى الفصل 106 - بقلم ايه محمد رفعت
اتسعت مُقلتيه في دهشةٍ، وفرحة أحاطت قلبه المكلوم، أخيه يذكره بأخر جملة كانت بينهما قبل سفره مباشرة، يعلن له أنه استرد كل ما فاته من ذكرياتٍ جمعتهما معًا.
نهض "علي" عن الأريكة وإتجه إليه بخطواته المتهدجة، الحاملة للدهشة، بينما مازال يقف عُمران في مواجهته، عينيه تغرقان بالدموع، الترقب، اللهفة لضم أخيه مجددًا، فبتلك اللحظة يشعر وكأنه تغرب عنه لأعوامٍ، فيود أن يدفنه داخل أضلعه ليعوض حنينه الهادر إليه.
يقف الآن قبالته، يبكي بفرحة، ومن أمامه نظرات عُمران التي تئن ألمًا على وجعه الناطق به رماديتاه، فلم يقوى أن يقف محله طويلًا، يشتاق لعناقه، غمرة من حنانه، فإذا به يهرع إليه ويديه تحيطان ظهر أخيه بقوة، طابعًا قبلات على كتفه، فإذا ب "علي" يبتسم ويحاوطه بحبٍ، تحرر صوت عُمران المتحشرج أخيرًا:
_ أنا عذبتك كتير يا علي، أنت بتدفع تمن أي اختبار صعب أنا بمر بيه.
شدد من لف ذراعيه من حوله، وقال وصوته إنغمس فيه البكاء رغمًا عنه:
_ وأنا وإنت أيه يا عُمران، إنت متخيل إني ممكن أكون كويس لو إنت فيك حاجة، يا حبيبي إنت لو فيك خدش وجعه أنا اللي بحس بيه مش إنت، عمرك ما هتفهم كلامي ولا معزتك الكبيرة عندي الا لما ابنك يشرف، وتشوف إنت هتعمله أيه وهتتعامل معاه ازاي.
انهمرت دموعه على كتف أخيه، الذي شعر بها، فنهره رغم أنه يبكي هو الأخر:
_ طول ما دموعك نازلة مش هبعدك عني لإني مش هتحمل أشوفها، وبعدين أيه جرالك مش كنت مبتحبش حد يشوفك ضعيف!
ابتسم عُمران من بين دموعه، وقال:
_ إنت شوفتني في كل مراحل ضعفي تقريبًا، فمش فارقلي تشوفني وأنا بأي حالة، كل اللي عايزه إنك تكون جنبي ومعايا يا علي.
بعد رأسه للخلف، جابرًا إياه على الابتعاد عنه، قائلًا:
_ وأنا عمري بعدت عنك؟؟
أي حرب أنت داخل فيها هتلاقيني جنبك في نفس الصف بحارب معاك، أنا أفديك بروحي يا عُمران!
ابتسم وهو يزيح دموعه، ليفاجئه حينما مال يطبع قبلة أعلى جبينه، احترامًا وتقديرًا له، هامسًا:
_ أنا لو حربي فيها خسارة أو أذى ليك مش هدخلها!
واسترسل بمحبةٍ:
_ بدعي ربنا إنه ميفرقش بينا أبدًا.
ربت على ظهره بحنانٍ، فإذا به يتركه ويتجه للأريكة، وعينيه تتطلع تجاهه بنظرة علم مغزاها، فضحك بصوتٍ مجلجل، وإتجه يتخذ من أخر موضع بالأريكة محلًا له، فمال عُمران على ساقه فور أن جلس على الفور.
مرر علي يده على خصلات شعره النابت بغزارة، مداعبًا فروة رأسه بحركاتٍ مختصة لصنع مساج مريح، ساعده على الاسترخاء، فاذا به يغلق عينيه بتعبٍ جعله يندرج خلف نومه بسرعة فائقة.
***
قلق بمنامه على صوت بكاء صغيرته، فتح "يوسف" عينيه بانزعاجٍ، فوجد زوجته تحمل ابنته وتجلس بها على طرف الفراش، تحاول أن تخمدها للنوم ولكن دون جدوى، تميل من فوق الحامل الخشبي للفراش بتعبٍ واضح على ملامحها المجهدة، فاذا به ينهض عن محله، ويتجه إليها يحمل عنها الصغيرة، فمالت عليه تسند رأسها لصدره وتمتم بتعبٍ:
_ مش عارفة مالها يا يوسف، بتعيط ومش راضية تنام أبدًا.
ضم مؤخرة رأسها بيده، ويده الآخرى تحمل صغيرته، وبحنانه الملموس قال:
_ كل الاطفال بيبقوا كده في العمر ده يا حبيبتي، ارتاحي وأنا ههتم بيها.
أغلقت عينيها ومازال رأسها مسنود إليه:
_ بس إنت عندك شغل الصبح بدري.
رد عليها بابتسامة روت فيها زرعة حبهما وهو يضم وجهها بيده:
_ وفيها أيه، هعتبرني نزلت الشغل من دلوقتي، زي ما بيجيلي حالات طارئة بتخليني أنزل بأي وقت، ارتاحي ومتشليش همي يا لوليتا.
طبعت قبلة على كفه، وزحفت للفراش تتمدد من فوقه بإرهاق، ويده تتبعها بالغطاء، يدثرها بكل محبةٍ، ومن ثم أغلق الضوء وخرج بالصغيرة للردهة حتى لا يزعجها بمنامتها.
حاول "يوسف" قدر الامكان تهدئتها، كان يمر بها ذهابًا وإيابًا، ولكنها لم تكف عن البكاء، حملها برفقٍ ومازال يحاول أن يسيطر على بكائها، حتى أتاه صوت جرس المنزل، تحرك بها يفتحه، فتفاجئ بأخيه من أمامه يتثاءب بنومٍ، وهو يسأله:
_ مالها نوجة؟
صوت عياطها واصلني.
رد عليه يوسف، ومازال يضمها لصدره:
_ مش عارف مالها يا سيف، بتعيط ومش راضية تسكت مع إنها لسه أكلة ومغيرة وكله تمام.
هز رأسه بخفة، ومال يحملها عنها، بحنانٍ زحف لأطرافه قبل أن يصل لجملته:
_ روح قلبي إنتِ، مالك يا صغنن؟
إتجه بها لاريكة الصالون الخارجي، وضعها من فوقها، ثم شرع برفع ثيابها العلوية، كاشفًا منطقة البطن، وبدأ بيده يتفحصها، وما أن انتهى حتى قال مبتسمًا:
_ الهانم مش بتتدلع عليك يا جو، هي فعلًا عندها سبب للازعاج اللي عاملاه، شوية انتفاخ بساط وهيروحوا لحال سبيلهم.
ورفعها يقبل وجنتها بحبٍ ولطف:
_ ألف مليون سلامة عليكِ يا قلبي، بتعاني مع شخص مش فاهم إنتِ فيكِ أيه، وكل أدلته إنك أكلة ومغيرة البامبرز!
ربع يوسف يديه أمام صدره، والغيظ يتراقص على ملامحه المتهكمة:
_ والشخص ده كان أيه الأدلة المعتمد عليها مع سيادتك؟
ولا كنت ماشي معاك ببركة ربنا أنا!!
ضحك بصوتٍ مجلجل، وقال يجيبه بينما يرتب ملابس الصغيرة:
_ الخبرة لوحدها متأكلش عيش حاف يا جو، يؤسفني أقولك إنك وللاسف هتحتاجني معاك في الطلعة دي، والطلعة مطولة أوي، فلازم نتمرن على الإحترام المتبادل بينا ديل؟
رفع أحد حاجبيه بامتعاضٍ من حديثه، وبخبثٍ أجابه:
_ وماله يا سيفوو، الدنيا خد وهات، وبما إنك على وشك إنك تدخل دايرة اللفافة لما زينبو تشيل جنين سمج زيك عن قريب إن شاء الله، فأنا يؤسفني أقولك إنك وللأسف هتحتاجني معاك في الطلعة دي.
حمل سيف الصغيرة، ورفعها لكتفه، بينما يطعن يوسف بنظرة ازدراء جعلته يضحك بملء ما فيه، فتمتم سيف بسخرية:
_ شكلك عندك كبت من ساعة ما مامتك قعدت معاك هنا، فأنا عذرك وهدعمك قلبًا وقالبًا تفك شوية بدل التكشيرة اللي خابطة في وشك ومساوياه بالأسفلت ده.
تلاشت ضحكته تدريجيًا، حينما ذكره بما يضيق به صدره، فتحرك بآليةٍ تامة يحضر الدواء المخصص لعلاج الانتفاخات، ثم جذب الصغيرة منه يلقمها الدواء بخفةٍ.
امتعضت ملامح سيف حزنًا حينما لمس انزعاج أخيه، وعلى الفور استشفى أن وجودها قد خلق هالة من الانزعاج له، وما كاد بالاقتراب منه حتى وجد والدته تخرج من احدى الغرف، هاتفة بحنقٍ:
_ هو احنا مش هننام النهاردة ولا أيه؟؟
أيه صوت الازعاج ده!
قالتها بعدما خرجت تغلق باب الغرفة، وملامحها يحتلها الضيق والنفور، فتفاجئت بوجود سيف برفقته، يطالعها بغضبٍ من طريقتها، وحينما وجدها استدار يغادر من أمامها، حتى لا يشتبك معها بالحديث المنزعج، فاذا بها تهاتفه بنزقٍ:
_ هي الهانم محرجة عليك تكلمني ولا أيه؟
وقف قبالة باب الخروج، يستدير لها ببطءٍ مستفز، حتى واجهها:
_ أنا كنت مستغرب على صمتك الغريب ده، بس اتفسرلي دلوقتي، عدم وجودي أنا وزينب هنا امبارح مدكيش فرصة تبدأي الحرب!
تصنعت براءتها التامة من اتهاماته:
_ حرب أيه اللي بتتكلم عنها، طبعًا أنا هتوقع أيه من واحدة تربية شوارع.
تنهد يوسف بقلة حيلة، مهما فعل لن ينجح بايقافها عما برأسها، وها هي تعلن لجام الحرب على شقيقه بتلك اللحظة، وقد قرر سيف أن يخوضها حتى وإن أنهكته هو الأخر، فنطق بعنفوان:
_ مراتي مش تربية شوارع، ولو مصرة تشوفيها بالشكل ده هتبقي بتخسريني أكتر من كده.
ضحكت بتهكمٍ:
_ هو أنا لسه هخسرك، ما خلاص الهانم خسرتك كل اللي حوليك، وأولهم أنا والله أعلم شكل علاقتك بأخوك بعد دخولها حياتك بقت عاملة ازاي.
حمل يوسف صغيرته للداخل، ثم عاد يقف قبالة والدته وأخيه، يحاول إنقاذ الموقف قبل أن يزداد بينهما:
_ ماما من فضلك ممكن تهدي شوية، سيف مقالش حاجة تستدعي عصبيتك دي كلها.
تعالى صوتها بعنفوان:
_ كل ده ومقالش حاجة، لسه منتظر يقول أيه تاني يا دكتور!
فتح يوسف باب شقته وجذب ذراع أخيه يحركه:
_ سيف ارجع شقتك دلوقتي.
وقف محله يتطلع لوالدته بضيقٍ:
_ لا يا يوسف مش راجع، أنا عايز أشوف أخرة اللي بيحصل ده أيه، ومش فاهم هي بأي حق واقفة وبتتكلم، وهي عمرها ما اتدخلت ولا ظهرت في حياتنا أصلًا، فجأة افتكرت إن ليها أولاد!
أصر يوسف على إخراجه، قائلًا بحزمٍ قاطع:
_ سيف اخرج حالًا، مش هكرر كلامي مرة تانية.
سحب بصره عن والدته وتطلع لأخيه بغيظٍ من اصراره الغريب، وانسحب على الفور حتى لا يحرجه أمام تلك التي تنتظر أي فرصة للشماتة، وبمجرد غلق الباب من خلفه، احتمل على ظهره بجبينه يحاول أن يصل لمرحلة من السلام النفسي قبل أن يخوض ما جبر عليه، فإذا به ينتزع نظارته الطبية ويستدير بطريقه تجاهها، وقف يتطلع لها بنظرة غائمة بالحزن والانكسار، وبصوته المتحشرج قال:
_ عايزة توصلي لأيه باللي بتعمليه ده يا أمي؟
ربعت يديها أمام صدرها، وبفظاظة قالت:
_ إنت غلطت لما قومت بدوري أنا وأبوك وجوزته من غير ما ترجعلنا، صحيح ليلى كانت اختيارك بس متجوزتهاش الا بموافقتنا، وأنا بقى مش موافقة على البنت دي يا يوسف.
ارتسمت ابتسامة غامضة على وجهه، ومعاها يلوح شعاع الألم القارص، بانتهائه تحررت كلماته الواثقة:
_ وده مش هيحصل، مش لان سيف رافض لأ لاني مش هسمحلك تخربي حياته، لحظة ما رجعتي معايا الشقة فكرتك حنيتي تكوني قريبة مننا ومن حفيدتك، بس اللي عملتيه ومازلتي بتعمليه بيأكدلي أني كنت غلطان، كل اللي بتفكري فيه هو الشر لزينب، حتى لو هتكوني بتهدمي حياة ابنك، كل ده مش مهم المهم أنك ترضي غرورك.
صاحت بصوتٍ آمر:
_ متنساش نفسك يا يوسف.
واجهها بشراسة لم يمتلكها يومًا في حضرتها:
_ مش ناسي نفسي، أنا بحاول أفوقك من الدوامة اللي انتي فيها، أنتِ مش شايفه انك بالفعل خسرتينا!
رددت وهي تحل عقدة ذراعيها ببرود:
_ يعني أيه؟؟
ابتلع ريقه ببطءٍ، وهو يتخذ قرارًا سيؤلم قلبه، ولكن حرصًا منه على حماية حياة أخيه:
_ يعني حضرتك مش مهتمة بالقعدة هنا عشان حفيدتك ولا عشاني ولا عشان سيف، يبقى الافضل متبقيش هنا، لاني مش هسمحلك تخربي حياة سيف بعد ما وصل للاستقرار في حياته مع زينب.
واضاف بنبرة وضع فيها كل قوته:
_ انا بانتظار حضرتك بعربيتي، هوصلك للفيلا أكيد بابا وحشك أو على الاقل هو حس بغيابك، ده لو مكنش الشغل سحله لدرجة إنه محسش بغيابك أصلًا.
قالها بسخرية ألمتها حينما أرشدها عقلها لتلك البقعة، لقد بقيت بمنزل يوسف ليلتين ولم يهاتفها ولو لمرة واحدة، شعرت بالضياع بتلك اللحظة، وكأن ما جنته وفعلته نهايته خسارة فاضحة لكل شيئًا حولها.
تحركت تبدل ملابسها، وهبطت تعتلي السيارة جواره بصمتٍ، وتقبل تام لحياتها التي صنعتها على قضبان شبيه بالقطار، يتوازيان ويمر من فوقهما بسرعة ثابتة، حتى اعتاد كلاهما على بعضهما البعض!
***
خرجت من جناحها، ترتدي بذلة سوداء اللون ومن أسفلها قميصًا أبيض اللون، عاقدة من فوقه حجابها الوردي يتماشى مع حذائها الوردي، وبيدها تحمل حقيبتها المخصصة لحاسوب عُمران الشخصي، الذي بات يخصها بالشهور الاخيرة.
خطت تجاه الدرج وقبل أن تندرج إليه، وجدته يتجه إليها مبتسمًا، وبتلك اللحظة يميل على حامل الدرج مستندًا عليه، ومتسائلًا بثباتٍ:
_ على فين بدري كده؟
قوست "فاطمة" حاجبيها باستغرابٍ، لقد اعتادت على نسخته الغريبة، والتي كان يكتفي بمنحها بسمة مقتضبة من بعيدٍ، صعدت الدرج إليه مجددًا، وقالت:
_ في اجتماع مهم جدًا متحددلنا من شهرين مع شركة فرنسية، المفروض كنت هتحضره مع بشمهندس جمال، فأنا هحضره بالنيابة عنك لإن تفاصيل المشروع كله كانت معايا من قبل فقدانك للذاكرة.
اتسعت ابتسامة عُمران، وقد تألقت نظرات الفخر بعينيه، وصمته الغامض بات يثير فضولها، وخاصة حينما هتف بتسليةٍ:
_ مش دي الشركة اللي طلبت مننا ننشئ ليهم مقر جوه مصر، لمصانع الشوكولا الفرنسية الخام بتاعتهم.
اتسعت مُقلتي فاطمة بشكلٍ مبهر، بينما يأتي زوجها من خلف أخيه، يحيطها بنظراته الحنون، ونبرته الرخيمة:
_ صباح الخير يا حبيبتي، معقولة نازلة من غير ما أوصلك، كده أكيد وراكي حاجة مستعجلة صح.
قالها وهو يرنو إليها، ومازالت تتطلع هي تجاه عُمران بصدمة تسيطر على حواسها، وقف علي جوارها وسألها باهتمامٍ:
_ مالك يا فطيمة؟!
سحبت بصرها عن عُمران ومالت تهمس لعلي بخوفٍ:
_ عُمران فاكر تفاصيل المشروع اللي كان ماسكه قبل الحادثة!!!
اتسعت ابتسامة علي وقد تفهم الإن ما أصابها، فما كاد بأن يخبرها هذا الخبر السعيد، حتى أتاه صوت عُمران يشاكسها من جديد:
_ كنت هزعل أوي لو علي كان استغل فقدان الذاكرة ونجح باغراءاته المتواضعه يخليكي تشتغلي معاه بالمركز، حقيقي أبهرتيني بانجازاتك دي يا فاطمة، وخصوصًا اصرارك على تكملة المشروع حتى بعد اللي عملوه معايا.
تنحت عن صدمتها، بابتسامة مشرقة، بينما تهتف بسعادة معرفتها بعودة ذاكرته :
_ حمدلله على سلامتك، وأخيرًا!!!
أشرقت ملامحها سعادة، والتفت تجاه علي بفرحة لرؤية تأثير هذا الخبر عليه، فمال يضمها قائلًا:
_ اتفاجئت بيه من شوية، حاسس بارتياح بعد فترة كبيرة من التعب.
رد عليه عُمران ووخزة الألم تصاحب صوته المحتقن:
_ قولتلك إني مش بسببلك غير التعب والوجع مصدقتنيش.
ضحك قائلًا:
_ على قلبي زي العسل يا وقح.
شاركتهما فاطمة بالضحك، وقالت:
_ طيب والله فرحانه أن الذاكرة رجعتلك قبل الmeeting ده، كل التيم الفرنسي شايف نفسه ورافعين مناخيرهم فوق، وأنا والبشمهندس جمال مش عارفين نتعامل وشايلين هم المقابلة دي جدًا، فكده أنا هستناك تحت تدخلهم دخلتك اللي يستاهلوا يشوفوك بيها.
اتسعت بسمته، وانتصب بوقفته الغير مريحة قائلًا:
_ ورايا مشوار مهم ممكن اخلصه بعد ساعتين تلاتة كده وبعده نبقى نروح نشوف حكايتهم أيه.
وأتجه لجناحه مستطردًا بخبث:
_ بلغي توصياتي لحسام، خليه يكرم ضيوفنا لحد ما أوصل.
ضحكت بصوتٍ طرب أذني علي الذي ابتهج لفرحتها، بل ورددت بفرحةٍ:
_ يستاهلوا بصراحة، هسيبهم في قاعة الاجتماعات لأربع ساعات مش ساعتين.
لف علي ذراعه من حولها، وقال وهو يداعب جبهتها بجبهته:
_ بقيتي شريرة يا فطيمة، ولا أنا فاهم غلط وعُمران هو اللي عداكِ!
مالت إلى صدره ترتوي بأمان ضمته الحنونة، قائلة بمشاكسة:
_ لا دي ولا دي يا دكتور، تقدر تقول إن كل ست بتخبي مخالبها لو وقت تحتاج فيه ظهورها، والظهور ده متوقف على دعم معين، والدعم المعين ده هو البشمهندس عُمران سالم الغرباوي، اتفهمت؟
تمايل رأسه للخلف من فرط الضحك، حتى كاد أن يسقط بها عن الدرج، ولكنه تحامل على الدرابزين الذهبي، بينما يهتف باستنكارٍ:
_ إنتِ عندك شك إنك ممكن تكوني مش مفهومه لبابي يا فطوم؟
عبثت بمكرٍ ومالت تتطلع له بسخرية:
_ بابي!!
هو إنت مش كنت بابا عُمران وشمس، بقيت بابي أنا كمان يا دكتور؟
لف يديه من حولها ومال يجيبها بابتسامة سحرتها:
_ أنا أي مسمى هتحتاجيه في حياتك يا فاطمة، وبعدين أنا حابب أدلعك قبل ما ابننا أو بنتنا تشرف، عايز أتعود أقسم حناني واهتمامي عليكم انتوا الاتنين، عشان كده هتلاقي نفس المعاملة مني ليكي عشان متغريش.
واستطرد حينما وجدها تهيم بعينيه:
_ مقنع أنا صح؟
_ لا بكاش كبير أوي يا دكتور.
قالتها فريدة وهي تشرف عليهما، بعدم تصديق لخروج ابنها العاقل عن هدوئه لقمة مشاغبته على درج القصر الرئيسي مع زوجته التي كادت بالانصهار خجلًا، تراجع علي للخلف يتأمل والدته بحرجٍ، تخلى عن حشرجة تخرج بين الحين والآخر، وقد أجزم أن الفرق بينه وبين أخيه فرق السماء والارض، فإن كان هو بنفس موقفه لعلم كيف يسيطر عليه بسرعة الرياح، ولكنه بتلك اللحظة يشعر وكأن وعاء من الثلج ينسكب من فوقه من شدة الحرج!
***
وقف أمام المرآة يتطلع للمرة الأخيرة لطلته الجذابة، عينيه شاردة بشعره القصير، ومظهره الجديد، استعاد جزء كبير من ثقته الهادرة بعد عودة ذاكرته، شعر وكأنه استرد شيئًا غاب عنه، وبعودته اكتمل!
سحب البرفيوم الخاص به، ينثر من فوق بذلته السوداء، وساعته الباهظة تلمع حول معصمه، بينما رماديتاه شاردة بانعكاس ظل زوجته، التي تراقبه من خلف باب الخزانة الضيق، لاح على وجهه ابتسامة صغيرة، وقال دون أن يستدير تجاهها:
_ مش هتملي وإنتِ بتراقبيني؟
زارت ابتسامتها شفتيها، وقالت تجيبه:
_ لا مش همل، ولو فضلت لساعات طويلة.
استدار بكامل جسده بمواجهتها، وبنظراته التي اعتادت عليها منه قال:
_ متهونيش عليا يا بيبي.
وفرق ذراعيه يخبرها بحبٍ:
_ أيه رأيك تقربي؟
رنت إليه بخطواتٍ متمهلة، وبقيت على بعدٍ منه تحذره حينما وجدته يهم على ضمها:
_ شعري مبلول.
تجاهل حديثها وضمها إليه، فمالت على كتفه تستكين ودموعها تتلألأ بعينيها المختبئة عن أنظاره، ولكنه شعر بها، فحاوطها داخله وقال وهو يطبع قبلة أعلى جبينها:
_ بتداري نفسك مني ليه يا مايا، وجعك في بعدي وصلني في كل لحظة كنت بعيد وقريب منك، أنا اتسببتلك في وجع كبير مهما أحاول أدويه مش هعرف.
أطبقت بأصابعها على جاكيته من الخلف، بينما تخبره بلهفةٍ:
_ قربك هيداويني، خليك جنبي.
مرر يده على خصلاتها بحنانٍ، وبرفق أبعدها تقابل نظراته التي اخترقتها، فجعلته يسألها بشكٍ:
_ أيه حصلك في غيابي، إحكيلي يا مايا، احكيلي وهوني عن نفسك.
انهمرت دموعها رغمًا عنها، فحاولت تصنع ابتسامة رقيقة:
_ هيحصلي أيه يألم أكتر من فقدانك يعني!!
بعد الوجع اللي عشته لما جاني خبر موتك كل وجع بعده كان هين وقدرت أتحمله.
لمس ما تحاول ان تخبئه عنه، فضم وجنتها بيديه وقال:
_ أيه اللي حصل تاني، احكيلي.
تزاحمت دموعها بعينيها، والخوف يغلب بحفاوته عليها، فمحت بكل تأكيد الجزء الخاص بوالدته، وقالت ببكاء:
_ انشفت الوشوش على حقيقتها يا عُمران، وأولهم بابا، متوقعتش أنه يكون بالقسوة دي، مهمهوش اللي أنا بمر بيه ولا اللي بعيشه بعد فراقك، كل اللي همه هو إنه يستغلني في نسب يربطه بشخص مرموق يضمن بيه مركزه الآرستقراطي اللي بيسعى ليه!
احتقنت عينيه بجحيمٍ خانق، بينما تؤكد على صدق ما يجتاحه حينما استكملت:
_ كان عايز يجوزني غصب عني، وأنا واثقة إنك عايش وراجعالي، ولولا علي واقفله وحبسه كان نفذ اللي في دماغه.
اعتصر قبضته حتى كادت أوردته أن تنفجر بتلك اللحظة، ولولا أن شعر برأسها يرتكن على كتفه ما كانت إرتخت من أسفل رأسها، بينما تشكو له باكية:
_ مكنتش حاسة بفرح ولا بحزن بعد حبسه، كل اللي حسيت بيه هو الراحة من شره، مش قادرة أتخيل إنه فقد مشاعره بسبب قسوته، لدرجة أنه مفرقلوش اللي بمر بيه.
وانفجرت باكية، وهي تشكو له:
_ مهتمش حتى لحياتي أنا وابني، كل اللي همه أنه يخرجني من المركز بالغصب.
ورفعت عينيها تتطلع لشرارة الغضب التي استيقظت:
_ كنت محتاجالك ومستنياك تيجي تقف في وشه، بس إنت اتاخرت أوي يا عُمران.
ابتلع ساتر الألم بمرارةٍ، وقال بوجومٍ:
_ غصب عني يا عمري، كل اللي فات وعيشتيه منتهاش يا مايا، صفحته أنا اللي هطويها وبايديا.
ونظر بعمق عينيها ونطق بوعدٍ:
_ أقسملك بالله العلي العظيم لأنتقملك وأردلك حقك من كل شخص وجعك في غيابي!
تلاشى وجعها وارتسمت ابتسامة عاشقة لحبه الكبير لها، بينما تميل تجاهه:
_ مش عايزاك تأخد حق اللي فات، عايزاك تكون جنبي وتعوضني.
وأضافت بمرحٍ:
_ وخصوصًا لما افتكرت الحربوقة الصفرا، فاكر ولا نسيت.
رفع عينيه يتطلع لسقف الغرفة، مرددًا:
_ حاسس أني فقدت الذاكرة تاني، آه الحقيني يا مايا، بدوخ وهقع منك تاني.
تناثرت ضحكاتها، ولكزته بغيظٍ:
_ عُمران!
ابتسم وانحنى يقربها إليه، مرددًا بصوته الدافئ:
_ حبيب قلبه وروحه أنتِ يا مايا.
تلاشى حزنها ومالت تتعمق برماديتاه بعشق:
_ وحشني كل حاجة فيك، حتى كلامك.
غمز لها بمشاغبة وهو يحملها عن الرخام الفخم:
_ وأيه تاني وحشك فيا يا بيبي، احكي كلتا أذناي تستمع.
ردت مسرعة:
_ وقاحتك موحشتنيش على فكرة!
عبث بعينيه بشكلٍ أضحكها:
_ يعني الاقوال بس اللي وحشتك؟
ضحكت وهي تهز رأسها بكل تأكيد، فعاد يضعها أرضًا بتذمرٍ جعلها تكاد تسقط في نوبة من الضحكٍ، جعله يشاركها الضحك بينما يغمز لها مجددًا:
_ عمومًا أنا كان ورايا مشوار مهم بقوا مشوارين، و ورايا ميتنج ويوم طويل فلو اشتاقتيلي لاغيني ، سلام يا بيبي.
قالها وانطلق للاسفل، وصوت ضحكاتها يصل لملامحه التي عادت تتجلد بقسوة فور ان استعاد حديثها عما فعله أبيها بغيابه عنها.
هبط مسرعًا يتجه للچراچ الخاص بالقصر، فإذا به يرى نعمان يهبط من سيارته، راكضًا صوبه بابتسامة واسعة، يناديه بكل لهفة:
_ عُمــــــــــران.
وقف محله يراقبه بنظراتٍ غامضة، يخفي من خلفها غضبه الجحيمي، بينما يسترعى هدوئه واتزانه لكشف الوجه الخفي خلف تلك البراءة التي وجدها مصطنعة.
دنا إليه نعمان حتى وقف أمامه، وقال بحبورٍ:
_ عامل أيه يا حبيبي، طمني عليك؟
شمله بنظرة ساخرة، وبصعوبة حجب وقاحته، وقال بخبث:
_ هو إنت مش كنت عندي في الشركة واتطمنت عليا!
ولا لحقت أوحشك يا خال!!
لم يلتقط أخر لقب قد يسترعي انتباهه لعودة الطاووس، بل ألقى ما بجعبته حينما قال بندمٍ:
_ أنا كنت جاي أوضحلك سوء التفاهم اللي حصل بيني أنا وجمال صاحبك.
استرسل عُمران جملته الساخرة:
_ سوء تفاهم!!
آه انت تقصد لما طردك من المكتب!
وأضاف بمكر واستمتاع:
_ أنا معرفش أيه اللي بينك وبينه، هو رفض يتكلم فلو حابب تحكيلي إنت اتفضل أنا سامعك.
لعق شفتيه بتوترٍ، وقال:
_ اللي حصل كان من الماضي يا ابني، ومش عايز أرجع افتح فيه تاني، كل اللي عايزه وبتمناه إنك تسامحني يا عُمران.
رمقه بسخطٍ وسخرية، يلف ويدور بالحديث ولا يملك الجرأة للحديث عما فعله، ومع ذلك حبذ عُمران استغلال ما يفعل، وأدعى البلاهة قائلًا:
_ أسامحك على أيه؟!
مش سوء التفاهم بينك وبين جمال، أنا داخلي أيه؟
تهرب من التطلع تجاهه، وقال بوجع:
_ لا إنت فاهم غلط، أنا زمان وقعت بينك وبينه، وعملت حاجات كتيرة غلط، فدلوقتي طالب سماحك وعفوك.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي عُمران، ورد:
_ وقعت بيني وبينه!!
يا شيخ هون عن نفسك وقول أن الغل ركبك وخلاك ترتكب اللي الشياطين نفسهم ميفكروش يعملوه، لا وفاكر أنك هتقدر عليا وأنا فاقد الذاكرة وهتخليني أسامحك، بس سبحان الله حظك طول عمره نحس زيك يا خال، حتى التوقيت اللي بتظهر فيه بيبقى شبه وشك بالظبط.
جحظت عينيه في صدمة، وبالرغم من ذلك ابتسم وهتف بتلعثمٍ:
_ بجد الذاكرة رجعتلك؟!
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_ تخيل!!
واستطرد وهو يتخطاه:
_ عن إذنك بقى ورايا مشاوير مهمه.
لحق به يسد طريقه:
_ سامحني عشان خاطر ربنا، وحياة أغلى حاجة في حياتك.
نزع نظارته الشمسية وزفر بضجر:
_ وأنت تعرف ربنا!!!
وبعدين مالك يا نعمان سبت طرق العوالم وقلبت فجأة كدليه!!
لو حواري مع الخنازير دول صحى الوطنية جواك فاركنها تاني أنا رجعت صالب طولي وقادر أرد الضربة بألف، ولو خايف من قلبتي فمتقلقش لو كنت ناويلك على الشر كنت عملته من زمان
تدفقت دموعه على وجنتيه وردد:
_ مش عايز منك غير إنك تسامحني، أنا غلطت في حقك كتير، وإنت مقدمتليش غير آ..
قاطعه عُمران بضيق:
_ بلاش تسلك الطريق ده معايا لانه مقفول، مش هقدر أتعاطف معاك مهما عملت، ودلوقتي أوعى من طريقي أنا مش فاضيلك.
تشبث بكتفه كالغريق، وقال يترجاه:
_ هي كلمة صغيرة مش هتعطلك عن مشوارك المهم، قولها وريحني بيها وحياة اغلى حاجة عندك.
استدار إليه يتفحصه عن كثب، وبصمت قطعه بعد فترة:
_ اللي يسمعك يصدق إنك سبت طريق أبو لهب وسلكت طريق النجاة من النار، ما تجيب من الاخر وتقولي فيك أيه يا نعمان!
وأضاف باستهزاء:
_ وبلاش ترسم دور قليل الحيلة ده لحسن مبياكلش معايا، أنا راسملك مشهد مبيرحش من بالي، مشهدك بين الغوازي والعوالم، فاكرهم يا خال؟
ابتسم بوجعٍ، ورد:
_ وعمرهم ما يتنسوا ولا يروحوا من بالي، أنا عارف إني كنت وحش معاك، بس الحلو اللي شوفته منك وجهني للسواد اللي جوايا، وعرفني واصل جوايا لأي مدى.
وأضاف ودموعه تتدفق على وجنتيه:
_ لحظة ما عرفت بالحادثة بتاعتك كنت هقع من طولي، اتمنيت تكون دي أخرتي أنا مش أنت.
حك لحيته النابته بحافة نظارته، بينما يتطلع له ببرود:
_ ده إنت حكايتك باينها حكاية عايزة ميزان وجهاز كشف كدب وحوارات، عمومًا ليك روقة، أفوق بس وهيبقالنا لقاء.
ابتهجت معالمه فرحة، ومد كفه برقم يقدمه له:
_ ده رقم الاوتيل اللي أنا نازل فيه، كلمني بأي وقت وهجيلك.
وزع نظراته بينه وبين الورقة بذهول:
_ وإنت نازل في أوتيل ليه؟
امتقع وجهه بحرجٍ، فضحك عمران والتقط الورقة متمتمًا بسخط:
_ وهتكون نهايتك أيه يعني غير الطرد من بيت الزوجية، خلي العوالم وجوازتك الشمال تبقى تنفعك يا خال.
ابتسم وهو يجيبه:
_ عقاب وقابل بيه، اللي مأثر فيا الاولاد وحشوني أوي.
وخز قلبه بعدما لمس صدق نبرته، فاستدار إليه بعدما تخطى أخر الدرج الخارجي، يخبره بتهكمٍ:
_ وإنت بايدك تنهي العقاب ده، لو شغلت مخك الشمال ده واستغليته جوه بيتك مش بره مع العوالم، اتلحلح ببوكيه ورد، احفظلك كلمتين من اللي بتنقط بيهم الغوازي وخش بيهم على ملك هانم هتأكل بيهم دماغها، من الاخر انحرف جوه مش بره يا نعمان.
قالها وانصرف يتمتم بسخرية:
_ أنا اللي هعلمك!!
ده أنت تربية عوالم يا خال!!!
تعالت ضحكاته حتى مال جالسًا على الدرج الخارجي، بينما يتجه عُمران صوب الچراچ، صعد لسيارته الرياضية وانطلق بها في نفس لحظة انطلاق صرخة العامل:
_ الدكتور علي منبه إن حضرتك ما تركـ....
تقاطعت حروفه بنفس لحظة خروج عُمران بسيارته غير مبالي بما يُقال!
***
صعدت فاطمة بسيارة علي، الذي دوام على إيصالها بالفترة الأخيرة، مالت بمقعدها تجاهه وقالت بفرحة منطوقة:
_ انا فرحانه أوي إن عُمران رجعتله ذاكرته.
أدار مقبض القيادة، وقال يجيبها بابتسامته الرزينة:
_ من ساعة ما عرفت وأنا حاسس إني طاير من السعادة، كنت حزين وأنا شايفه تايه ومكسور.
مدت كفها لكفه الممدود، ورددت بصوتها الرقيق:
_ كل ده عدى وانتهى ، اللي جاي هيعوضنا كلنا عن الفترة الصعبة اللي عشناها، صح يا علي؟
ثبت المقبض بيد وسحبها لأحضانه بينما يقبل اعلى جبهتها بامتنانٍ لوجودها جواره:
_ صح يا قلب علي، اللي جاي هيطوي مرارة اللي عشناه.
اغلقت عينيها ومالت على صدره باسترخاء، فاذا بهاتفها يدق معلنًا عن رقم شقيقتها، فتحت الهاتف وما أن وضعته على أذنها حتى ابعدته بانزعاجٍ من صوت سيف وزينب، وما وصل لها صراخها:
_ فطيمة هاتي علي وتعالوا حالًا أنا خلاص هطلق من الشخص الأناني ده.
اغلقت زر الهاتف، وتطلعت لعلي المندهش، اعادت الهاتف لحقيبتها وقالت والصدمة مازالت تستحوذ عليها:
_ زينب عايزانا نروح نطلقها من سيف.
توسعت حدقتيه في صدمةٍ:
_ أيـــــــــــــــه؟!!!
عكس "علي" طريقه، وإنطلق لشقة سيف، صعدوا بالمصعد للطابق المحدد، حتى وصل كلاهما لباب المنزل، فاستقبلهما صوتهما الصاخب، استدارت فاطمة لزوجها وقالت وهي تبتلع بتوتر:
_ هما صوتهم عالي أوي كدليه يا علي؟
منع ضحكاته من الانبلاج لمظهرها، فلف ذراعه حولها وقال:
_ متخافيش يا فطيمة، هيطلع موضوع بسيط إن شاء الله.
ومال يقرع الجرس مرة تلو الأخرى، حتى ظهرت زينب من امامهما تشير له باكية:
_ كويس أنك جيت يا علي، إدخل بسرعة.
ولجوا معًا للداخل، فوجدوا الردهة ممتلئة بحقائب زينب، التي ملأتها بملابسها وأغراضها الشخصية، ويعيدها سيف لداخل غرفة النوم مجددًا وملامحه أنهكت من شدة الارهاق، وما أن لاحظ وجود علي، حتى أسرع يستنجد به:
_ دكتور علي ده أنا ربنا بيحبني حب!
وأضاف وهو يزيح عرقه المنهمر:
_ النجدة يا دكتور، ضهري إتقطم من تحويل الشنط.
وتأكيدًا على حديثه عادت زينب من الغرفة تحمل الحقائب التي أدخلها للتو، فمنحه نظرة أن الادلة تكفي للبرهان، قطعت فاطمة صمتها وتساءلت باستغرابٍ:
_ في أيه يا زينب؟
ركض سيف للحقائب يعيدها للداخل مجددًا، بينما تجيب زينب شقيقتها:
_ أنا خلاص مش عايزة اعيش معاه تاني، سيف اناني ومبيهموش غير نفسه وبس.
خرج سيف يستند على الحائط، حتى كاد بالسقوط، فاسرع علي يساعده بالتوجه للمقعد القريب من الرخامة المطلة على المطبخ، بينما يهتف بانهاكٍ:
_ انا عايزك تسألها يا دكتور علي أنا عملت أيه بالظبط، عشان تعرف بس إنها هي اللي ظالمة مش أنا!
ربت "علي" على كتفه وقال:
_ خد نفسك أنت بس الأول.
وتطلع لشقيقة زوجته، يسألها بهدوئه الرزين:
_ زينب أيه اللي وصلك أنك تاخدي قرار تسيبي البيت، انا مش حابب أعرف سبب المشكلة اللي بينكم لأنها أمر يخصكم انتوا الاتنين، فمينفعش من أول عقبة تقابلك معاه تقرري تسيبي البيت وتطلبي الطلاق بالبساطة دي!!
زمت شفتيها بعدم رضا، وقالت وهي تكتف ساعديها:
_ الموضوع مش خاص يا علي، الحكاية كلها أن مامته ظهرت فجأة، ومكنتش طايقاني مع أنها ملحقتش حتى تعرفني، ومع ذلك انا تعاملت مع إهانتها بهدوء، وسبناها مع يوسف ورجعنا شقتنا، وسيف كان متعصب منها جدًا وقالي انه مش هيسكت على اللي عملته معايا، بس انا معجبنيش إنه يقف في وشها عشاني، أنا مش عيلة صغيرة عشان اتحامى فيه يجبلي حقي، بالنهاية دي والدته ولازم يحافظ على علاقته بيها، أنا بالأول وبالأخر مهما حاولت عمري ما هكون بنفس مكانتها.
وتابعت وهي تتطلع تجاه زوجها بغضب:
_ امبارح وعدني إنه مش هيعمل حاجة تخالف اتفاقنا والنهاردة عرفت من ليلى إنها مشت نص الليل، بعد خناقتها معاه، يعني نفذ اللي في دماغه بردو ومهتمش لكلامي!!
خرج سيف عن هدوئه، وصاح بعصبية بالغة:
_ وعدتك إني مش هبدأ جدال معاها وهحاول أكون بعيد عنها، بس هي معملتش كده، وأكيد يعني مش هقف أسمعها وهي بتتكلم عنك بالطريقة دي، أنا راجل ومستحملش مخلوق يجيب سيرة مراتي مهما كان مين!
ردت عليه بحزنٍ شديد:
_ أنا مقدرة كل ده، بس مكنتش حابة أكون سبب ولو بسيط في بعدها عنك، أنا كنت قادرة ارد عن نفسي، وهعرف ازاي اتعامل معاها، كل اللي طلبته منك إنك تخرج نفسك بره الحوار ده.
ضحك بسخرية، لمست نبرته المتألمة:
_ ومين قالك انك السبب، هي طول عمرها بعيدة أصلًا، وجودها المؤقت ده كان بسبب عدم رضاها عن جوازتي مش أكتر.
قطع علي حديثهما العنيف، قائلًا بصرامة:
_ نبرة النقاش دي متنفعش بينكم، اهدوا شوية عشان نقدر، نتفاهم.
تدخلت فاطمة هي الاخرى حينما وجدت شقيقتها تندفع بالحديث للغاية:
_ زينب اتهدني شوية، سيف ما غلطش في حقك باش غتتعصبي بهاد الشكل..
(زينب اهدي شوية، سيف مغلطتش في حقك عشان تتنرفزي بالشكل ده)
التفتت تجاه شقيقتها، وقالت باستنكارٍ لدفاعها عنه:
_ فطيمة انتي كدافعي عليه!!! يعني انا خاصني نكون فرحانة فاش غيقولوا ادابز مع امه و خرجت من الدار بسبابي!
(فطيمة انتي بتدافعي عنه!! يعني المفروض أكون مبسوطة لما يتقال إنه اتخانق مع والدته وسابت البيت عشاني!)
ردت بنبرتها المغربية، التي باتت كالشفرة المتنقلة بينهما، ويجهلها علي وسيف:
_ لا بالطبع انا مافرحاناش بداكشي اللي وقع،و لكن مامزيانش من بعد داكشي كله اللي دارو على وديتك تهدديه بالانفصال و انك غتخويليه الدار،
(لا طبعًا مش مبسوطة باللي حصل، بس مينفعش إنك بعد اللي عمله عشانك تهدديه بالانفصال وبانك تسيبي البيت!!)
سحب سيف مقعد وقدمه لعلي مبتسمًا، فجلس جواره يتابع حوارهما بصدمة، وكأنهما تلقيان تعاويذ سحرية، فعاد بصرهما إليهما بامعانٍ، وقد كان الدور ينتقل لزينب التي قالت بضيق:
_ بزاف عليا انا ماغنقدرش نتحمل هاد الذنب،و زايدون انا حزينة لانها اتعاملات معايا بهاد الطريقة، تصوري كتقول عليا تربية د الزناقي! !انا تربية الزناقي أفطيمة
(غصب عني مش قادرة اتحمل الذنب ده، وكمان انا حزينة إنها اتعاملت معايا بالطريقة دي، تخيلي بتقول عني تربية شوارع!! أنا تربية شوارع يا فاطمة!)
وأضافت ودموعها تتلألأ بعينيها:
_ انتي مالك مابغيتيش تفهميني، انا كانت عندي فرصة انني نكسبها ف صفي و نخليها تبغيني كيما كتبغي ليلى،و لكن هو ضيع عليا هاد الفرصة و خلاها كتكرهني اكتر من الاول
(إنتي ليه مش قادرة تفهميني، أنا كان عندي فرصة أكسبها لصفي واخليها تحبني زي ما بتحب ليلى، بس هو ضيع عليا الفرصة دي وخلاها تكرهني أكتر من الاول)
مال سيف على كتف علي الذي يراقبهما بامعانٍ:
_ فهمت حاجة؟؟
هز كتفيه بقلة حيلة، وقال ضاحكًا:
_ ربنا يصبرنا لحد ما الترجمة تنزل.
عاد صوت فاطمة يسود الاجواء المضطربة:
_ سيف كيقول انها بعيدة من زمان،و انتي علاش مصرة تحملي نفسك مسؤولية داكشي اللي وقع؟
!(سيف بيقول إنها بعيدة من الاول، فأنتي ليه مصرة تحملي نفسك مسؤولية اللي حصل؟!)
_ ايوه يا فاطمة كلامك صح جدًا.
قالها سيف بسعادة بالغة، ولم تهتم كلتا الشقيقتين بحديثه، فجذبه علي متسائلًا:
_ قالت أيه فهمني معاك.
قال بنفس البسمة المبالغ بها:
_ بتقولها سيف واد ابن حلال وبيحبك وشاريكي، اصيلة مراتك دي يا دكتور علي.
منحه علي نظرة مشككة بترجمته البعيدة كل البعد عن الكلمات التي تلقفها، وعاد يتابع حوارهما مجددًا، فاذا بزينب تهتف بانزعاجٍ:
_ واخا تكون هي بعيدة عليهم، انا منكونش السبب أفطيمة، انا اتعاملت معاها بالادب و قدرت ناخد حقي من غير ما نغلط فيها،
(حتى لو هي بعيدة عنهم، أنا مبقاش سبب بردو يا فاطمة، انا اتعاملت معاها بذوق وقدرت أخد حقي من غير ما أغلط فيها!)
وضع سيف كوب العصير قبالة علي، فاصدر عن احتكاك الكوب الزجاجي بالرخامة صوتًا، استرعى انتباه كلتاهما، فاستدورا إليهما، اشار لهما سيف وهو يعود لمقعده جوار علي:
_ آسفين على الازعاج، كملوا كملوا.
وناول علي كوب العصير، فتناوله منه بامتنانٍ، ثم عاد يتطلع لزوجته التي مالت لشقيقتها تخبرها بانزعاج:
_ مهما كان اللي وقع، مابغيتكش تطلبي منه الطلاق، انتي كيفاش قدرتي ديريها، و كأنه هاد الزواج بينكم لعبة!!!
(مهما كان اللي حصل محبتش منك انك تقوليله طلقني، إزاي قدرتي تعملي كده، وكأن الجواز بينكم لعبة!!)
اتجهت زينب للاريكة، تجلس ودموعها لا تكف عن الانهمار، فجلست فاطمة جوارها تربت على ظهرها بشفقة:
_ يا زينب انا خايفة عليك، انا فاهمه كاع داكشي اللي باغا تقوليه، ماكينش اللي غيحس بيك قدي، انتي نسيتي انه حتى انا ام علي مكانتش متقبلاني كيفا انتي هكا تماما
(يا زينب انا خايفة عليكِ، أنا فاهمه كل اللي بتحاولي تقوليه، مفيش حد هيحس بيكِ ادي، انتي نسيتي إن انا كمان والدة علي مكنتش متقبلاني زيك تمامًا)
لكز سيف علي قائلًا:
_ بينادوك يا دكتور قوم شوف عايزين أيه؟
ضحك علي وهدر باستهزاء:
_ يعني اسمي بس اللي فهمته من بين كل اللي اتقال ده!!
تجرع نصف كوبه، وقال ملوحًا بيده:
_ الحمد لله إن نطق الاسماء عندهم زي ما هو، والا كنت حسيت أن التهزيق ده كله عليا انا شخصيًا.
وأضاف بمرحٍ:
_ انا ميهنيش اللي بيتقال، أكتر ما يهمني اني مشلش شنط تاني أبدًا، أنا تعبت من الشيل يا دكتور علي.
ضحك علي وتجرع كوبه متسائلًا باهتمامٍ:
_ امال فين يوسف؟
رد وهو يعود لتأمل زوجته التي تتبادل التعاويذ مع فاطمة:
_ معرفش، بس تقريبًا في الشقة منزلش لسه المركز.
ومال يتطلع له بامعانٍ:
_ عندي سؤال فضولي حابب أطرحه عليك بما اننا كده كده مش فاهمين أي حاجة من اللي بتحصل حولينا.
ابتسم علي وأشار له بالحديث، فقال:
_ بما إنك في نفس سن يوسف تقريبًا ليه مضربتوش صداقة من بعض.
ترك الكوب من يده واجابه:
_ ما احنا اصدقاء بالفعل، ولا إنت الصداقة عندك مفهومها أيه يا سيڤو!
خطف نظرة يطمئن بها أن زوجته ماتزال على قيد الحياة بحالتها المتعصبة تلك، ورد:
_ الصداقة مفهومها عندي البشمهندس جمال وچو والطاووس الوقح، وهرجع أستغرب معاك إن يوسف أكبر منهم ومختلف عنهم ومع ذلك مندمج معاهم.
ابتسم علي وأجابه بثقة:
_ لإن عُمران طرف مهم، بيقدر يشكل أي علاقة يدخلها.
استند على ذراعه تجاهه وقال:
_ نص نظرة الفخر والثقة دي من يوسف فيا وهخرب الدنيا انا.
ضحك علي وقال:
_ هتخربها أكتر من كده!!
خلينا نلم المشكلة دي الأول وبعدين نشوف.
قاطعهم قرع جرس الباب، فنهض سيف يشير لهما ببلاهة:
_ نوطي الصوت شوية عشان الجيران ابتدوا ينزعجوا مننا بس متقلقوش هسربهم وأجي، كملوا كملوا.
وأضاف مشيرًا لمن خلفهما:
_ ركز معاهم يا دكتور علي، لحد ما أرجع.
فتح سيف باب شقته، فوجد أخيه يندفع للداخل مرددًا بقلق:
_ أيه الصوت ده يا سيف؟
واستطرد باستغرابٍ:
_ علي!!
استدار لاخيه الذي يغلق الباب ويتبعه، فاذا به يجذبه من جاكيته الرياضي المفتوح:
_ هببت أيه، أنطق؟!!!
***
حملت سدن الأطباق رفقة آيوب وآدهم لطاولة الطعام، بينما تقف شمس على بعد من الطاولة تتطلع للطعام بنفورٍ شديد، رغم أن أغلب الاصناف من مفضلاتها.
جلس "مصطفى" على رأس الطاولة، ينتظر انضمام الجميع إليه، فجلس آيوب على يساره ولجواره زوجته، وكذلك جلس آدهم على يمينه ومازال ينتظر انضمام شمس إليه، ولكنها كلما تقدمت له خطوة عادت تركض صوب الشرفة وهي تتمتم بخجل:
_ هيقولوا عليا أيه دلوقتي؟!
دي أول مرة البنت تزورنا فيها، هتفكرني مغرورة أكيد؟
أفاقت على صوت آدهم يناديها للمرة الرابعة، فاستسلمت واتجهت تجاوره بالمقعد الآخر، وتجتهد برسم ابتسامة مشرقة لسدن التي ما أن تذوقت الطعام حتى هتفت بحماس لآدهم:
_ الأكل جميل أوي، تسلم ايديكي.
جحظت عيني آيوب في ذعرٍ، ولكن من حسن الحظ أن آدهم ظنها تتحدث مع زوجته، التي ردت بحياء:
_ ألف هنا على قلبك يا حبيبتي، بس مش أنا اللي عاملة الأكل ده آدهم اللي واقف من الصبح يشوي على الفحم.
هزت رأسها وقالت:
_ أنا عارف إنو آدهم عملت الأكل، تسلم ايدها الاكل جميل أوي.
سعل آيوب بقوةٍ، وهو يراقب غضب آدهم البارز بمقلتيه بينما يردد:
_ ايدها!!
أشار أبيه له أن يمرر الأمر، فعاد يتناول طعامه بهدوء، بينما تعود سدن لالتهام الطعام بتلذذٍ كبير، جذب آدهم قطعة من اللحم المشوي وقربها من طبق شمس الفارغ، قائلًا بحنان:
_ مش بتأكلي ليه يا حبيبتي؟
أبعدت الطبق ومالت تتوسل له:
_ مش طايقة ريحة الأكل إبعده عني الله يخليك من غير ما حد يأخد باله.
أبعد الطبق عنها ومال يشاكسها:
_ عنيا أنا النهاردة تحت أمرك بابعاد أي حاجة تنفري منها، بس الخوف ليجي عليا الدور وتقوليلي خدلك مكان جنبهم.
حاولت اغرائه بابتسامة حتى ينتهي من حمل الطعام من أمامها:
_ عيب يا حبيبي لما تظلمني الظلم ده، وحتى لو حصل ولقدر الله زهقت منك هبعد أنا وأروح عند مامي يومين تلاتة وبعدين أرجعلك، معنديش قلب أنا عشان أطردك كمان من بيتك!!!!
سحب قطعة اللحم ووضعها قبالتها مجددًا، فمالت تخبره:
_ مش هبعد ولا هبعدك، شيل بسرعة مش قادرة أجري على الحمام، هبطانة ودايخة!
أبعد الطبق والضحك يستحوذ عليه من مظهرها المضحك، فأتاه الرد العاجل، حينما تساءلت سدن:
_ إنتِ بتشتغلي مع الشرطة من فترة كبيرة آدهم؟
رفع آيوب يديه للاعلى يسترعى انتباه أخيه قائلًا:
_ والله العظيم ما هجيبها هنا تاني الا لما أعلمها تميز بين الذكر والأنثى، المهم بلاش تعصب نفسك يا سيادة المقدم، محتاجك تكون هادي وتتعامل وكأنها طفلة وغلطت.
تعالت ضحكات مصطفى، وقال يهدئ من روع آيوب:
_ متخافش أنا ابني عاقل، ومستحيل يكون زعل من كلامها، مش صح يا عمر؟
كاد آدهم أن يقبل ما يحدث بصدر رحب، ولكن أتت سدن وأظلمت عليهم الستار حينما تساءلت:
_ عمر مين دي؟
آيوب هي تقصد مين؟
لف يده حول فمها ومال يهمس لها من بين اصطكاك أسنانه:
_ آدهم مش زي يونس وإيثان، بلاش تكلميه عربي نهائي والا آ..
واستكمل بالانجليزية:
_ ما فشل عمك فعله بكِ سيفعله أخي الآن.
اتسعت عينيها في ذعرٍ، ويدها تلتف حول رقبتها بتلقائيةٍ، فاستدارت تجاه شمس تشير لها بارتباكٍ:
_ أريد أن انظف يدي.
حركت رأسها بلطفٍ، وأرشدتها لحمام الطابق السفلي، فاتجهت إليه ونظراتها المرتعبة مازالت مسلطة على آده
رواية صرخات انثى الفصل 107 - بقلم ايه محمد رفعت
أضرم النيران بكومة من القش، وانتظر أن يشتعل فيها اللهب، ولكن أصابته الحسرة حينما وجده يطالعه ببرودٍ، وثبات يُدرس للأجيال، وكأنه فقد حاسة السمع للتو.
ازدرد "عُثمان" ريقه بتوترٍ من جمود ملامح الطاووس، الذي كسرت ثباته الفعلي ابتسامة، ويا لها من بسمة مقبضة للأخير.
راقبه من نفس محل قربه، ومازالت ساقه يستند بها على المقعد الحديدي، وبصوتٍ خرج رزينًا، هامسًا:
_ لو كان علي إختيارك إنت كمان كنت عفيت عنك يا عثمان.
توسعت مُقلتيه في صدمةٍ، بينما تتسع ابتسامة عُمران بانتشاء لرؤية الرعب يكاد أن يقبض روحه:
_ يا ريتك كنت ذكي كفايا، واستوعبت إن خروج بنتك من قصر الغرباوي عمره ما هيتم وموجود فيه دكتور علي الغرباوي.
وتابع بشماتة ضاحكة:
_ عيني عليك وإنت بتاخد الصدمة من رد فعل علي، صدم أمك صح؟؟
كاد أن يسقط بالمقعد من فرط التصاقه بأخره، والخوف يجلجل بدنه، بينما يستكمل عُمران حديثه:
_ كنت فاكر إني الصايع الوحيد اللي بيعرف يلاعبك، بابا علي المثقف ختم قفاك بقلم هيفضل معلم على قفا أمك العمر كله.
قبض أسنانه ببعضهما، ودفع المقعد بساقه، فسقط أرضًا بمقعده متألمًا، والهلع يقتحمه بلا هوادة، مما سيفعله به عُمران.
انحنى إليه يقابله بنظرة غمسها بالقسوة والكره، قبل أن يحرر كلماته:
_ الست اللي تعاشر عُمران سالم الغرباوي، عمرها ما هتشوف راجل تاني من بعده.
ابتلع ريقه بصوتٍ مسموع، وقال باضطرابٍ من خوض تلك المعركة التي سيكون أول خسائرها روحه:
_ حتى لو كان الراجل ده هو علي الغرباوي نفسه؟
سيطر على بوابة جحيمه الساطعة من رماديتاه التي فقدت كل جاذبيته وتوارت خلف تلك العاصفة خوفًا وطمعًا بمسكنٍ آمن، ومال إليه يفاجئه بلف يده حول عنقه، يرفعه تجاهه بجمودٍ بينما الاخير يسعل ويحاول تحرير ذاته من قبضة كانت كالفولاذ، ليصم أذنيه بخشونته المهددة:
_ بتلعب مع مين يا عثمان، إعرف مقامك وشوف مين اللي قدامك، وقبل ما عقلك يصورلك إنك هتكرهني في أحب الناس على قلبي، افتكر أنك متملكش القوة إنك تقف في تحدي وإنت بعمرك وسنك ده، هتفرفر مني من أول جولة!
وأضاف قبل أن يطرق عنقه:
_ وعشان فضولك ميقتلش أمك، خليني أكرمك مرة أخيرة لأجل عيون بنتك، لو كان ربنا كاتبلي الموت ورزق بنتك وكان ليها فرصة مع علي، فصدقني ده الشخص الوحيد اللي هأمن على مراتي وابني معاه، وعندي كل الثقة إنها لو فضلت معاه مليون سنة عمر عينه ما هتترفع في عينها.
وختم بقوله وابتسامة فخر تحتله:
_ كل أخلاقي الكويسة اللي جوايا راجعه للي زرعه علي الغرباوي جوايا، والبلطجي اللي بيتصرف معاك دلوقتي ده إتربى على إيدي أنا، ودلوقتي وقت حسابك جيه.
قالها ودفعه أرضًا، بينما الاخير يزحف للخلف برعبٍ من سماع كلماته الاخيرة، ماذا ينتوي إليه؟
تراجع لأخر الغرفة، وترجاه بتعبٍ:
_ هتعمل أيه يا عُمران، ده أنا في مقام أبوك يابني.
تمردت ضحكة رجولية منه، وصاح بتهكمٍ:
_ هو إنت كنت أب لبنتك عشان تكونلي أب، إنت عندك عجز في سد الخانات يا حمايا العزيز.
ومال إليه يصوبه بنظرة حارقة، قبل أن يخبره:
_ واجبي هيوصلك جوه الزنزانة، كل الرفاهية اللي أخدتها جوه السجن بسبب مركزك الآرستقراطي العبيط أنا هجردك منه، من اللحظة دي هتتنقل زنزانة جماعية، وخدمتهم كلهم هتكون عليك.
هز رأسه بصدمة، وقال:
_ حرام عليك، أنا مش آ..
قاطعه حينما هدر بسخطٍ:
_ معرفتش تقوم بدورك كأب هتحاول تكون أم مثالية، طبيخ وغسيل ومسح والذي منه.
واضاف بابتسامة ساخرة:
_ مش عايز حد من العيال يشتكيلي منك يا عثمان، عايزك تشرفني باختياري المثالي ليك.
وربت على كتفه ببرود ضاحك:
_ طالت عليك و وراك غسيل، أسيبك تشوف أشغالك، وكل ما نار اشتياقك ليا تزيد طفيها وإنت بتمرش الغسيل، وكتر الإريل متبقاش بخيل يا عثمان!
ولف ذراعه من حوله، فبدى وكأنه يضمه ولكنه كان يخنقه من فرط قوته الجسمانية:
_ مش عارف أقولهالك إزاي، بس مضطر أنصحك تحافظ على نفسك وسط الاوباش دول، أصلهم بيتعاطوا، فحاول متظهرش بليل قدامهم ليتلخبطوا فيك!
وتركه ونهض واقفًا بشموخٍ، ونظرة تشيعه بكرهٍ وحقد، يلتمعان برماديتاه، وهو يتذكر بكاء زوجته بين ذراعيه في صباح هذا اليوم، فبرع بالحفاظ على أعصابه، وقمع كل الافكار الشيطانية التي تطالبه بقتله، أو بزيادة أنواع العذاب الذي يملك سلطانا لها، ولكنه ولاجلها اختار أبسط الاشياء، بالاتفاق مع هؤلاء المجرمين الذين سيرافقهم بالحبس، حسنًا لقد كذب بجزئية أنهم يتعاطون المخدرات ولكن ليجعله يموت في جلده كل يومٍ، مثلما كتب الخوف والترقب مما كان سيفعل لزوجته، قرة عينه وقلبه!
أتجه ليغادر من الغرفة، تاركًا الاخير يتخيل نهايته البشعة بوقوعه بهذا المستنقع، وقبل أن ينجرف عن الباب الذي يحده اثنان من العساكر، استدار يخبره بنبرة واثقة لا تليق سوى بطاووس وقح مثله:
_ خليك عارف إن نيتي معاك كانت الاحترام، وأنت اللي قليت بأدبك وخلتني أحط عليك وبالجامد، من غير سلام لإن اللي زيك ميستهلوش!
سئم "جمال" من المماطلة أمام الوفد الفرنسي، وكل لحظة والاخرى كان يتفقد هاتفه، عسى أن يتلقى رسالة صريحة من عُمران أو فاطمة، ولكن الأمر ينتهي دون أي جدوى، ومع بلوغ الثلاث ساعات بالانتظار، وقف إحدهم يهتف بضيقٍ:
_ ما يحدث هنا إهانة صريحة لنا سيد جمال، لقد انتظرنا قرابة الأربع ساعات ولم يأتي بعد، لم نعتاد على عدم التقدير منكم، ولأكن صريحا سيكون هذا أول وأخر تعامل لنا رفقتكم.
_ ومن قال بأنه سيكون هناك تعامل بيننا بالاساس!
قالها الطاووس وهو يدلف لصالة الاجتماعات، بخطاه الواثق، فإذا بالجميع يقفون في أماكنهم بدهشةٍ وقلق من تصريحه، بينما يتطلع له جمال بذهولٍ من حدة نبرته المندفعة، وطريقته الغريبة بالحديث.
استكمل "عُمران" طريقه للمقعد الخاص برئيس مجلس الإدارة، اعتلاه وهو يصوب نظراته للوفد الفرنسي المكون من ثلاثة رجال، نطق أحدهم بلطف اصطنعه لتلطيف الأجواء:
_ العفو والسماح منك سيد عُمران، ألبرت لم يقصد التقليل من احترامك.
لف مقعده المهتز تجاه محل وقوفه، ويده تطرق بقلمه الثمين من فوق الطاولة البيضاوية:
_ ومن سيترك له الفرصة للتقليل من شأني أندريه!!
قبل أن يفكر بفعلها كان ليفكر ألف مرة.
وأضاف ومازالت عينيه تجوب من يقف أمامه مستاءا:
_ يظن نفسه ذكيًا، يتحاشى التقليل مني ويفعل عكس ذلك لشريكي!
زم ذراعه رفقة الاخير وهمس له:
_ اعتذر للسيد جمال على الفور، والا لن يتمم السيد عُمران عملنا.
أذعن لمطلب رفيقه، واستدار تجاه جمال المدهوش لما يحدث قبالة عينيه، وأبدى اعتذاره أكثر من مرةٍ، ثم نظر تجاه عُمران ينتظر سماع رأيه فيما فعله، فقال ومازال يحرك مقعده بثبات:
_ بامكانكم الرحيل والعودة غدًا، سيخبركم سكرتيري الخاص بالموعد الجديد.
تطلعوا لبعضهم البعض، وانسحبوا بهدوء تاركين الغرفة الواسعة تحوي الرفيقين، وبمجرد خلو القاعة تحرك جمال من محله، وإتجه إليه يحرر دهشته بسؤالٍ حائر:
_ ممكن تفهمني أيه اللي بيحصل ده، وطريقتك بالتعامل مالها!!!
وأخيرًا سمح لنفسه التفرس بملامحه، فاحتل الحزن مُقلتيه حينما لاحظ انتقاص وزنه الملحوظ، لقد أدماه فراقه عنه، وجسده الهزيل يقص كل المعاناة التي حكاها، وبينما هو غارق بتأمله هز جمال المقعد وهو يناديه بقلق:
_ عُمران جاوبني!
رفع "عُمران" يده، يفك ازرار قميصه الأسود، بعدما نزع عنه جاكيته ببطءٍ أثار فضول جمال وريبته حول ما أصاب رفيقه الذي يتصرف بغرابة، أشمر عن ساعديه وإنتزع ساعته الباهظة، بينما يعود جمال لهزه مجددًا:
_ فهمني بتعمل أيه؟؟؟
رد بهمسٍ خافت وهو ينحني ليضع خاتمه جوار الساعه:
_ خايف تتعور.
عقد حاجبيه بعدم فهم:
_ أتعور من أيه؟
أجابته لكمته التي أصابت أنفه، فطرحته أعلى الطاولة الزجاجية الضخمة، وعينيه تتسع في صدمة، بينما يرنو إليه عُمران بخطواتٍ متهدجة، جعلته يردد بقلق:
_ عُمران إنت جرالك أيه، اهدى كده وإعقل، انا هتصل على دكتور علي حالًا يجي يشوف جرالك أيه؟
طرحه بعنف على الطاولة مجددًا حينما كان بطريقه ليجذب هاتفه من جاكيت بذلته المعلق على مقعده، بينما يميل تجاهه وهو يصيح بغيظٍ:
_ إنت الوحيد اللي حسيت ليه بالارتياح ويوم ما أجيلك بيتك تقابلني بلكمة يا حيوان!!!
وتابع ومازال يده تجذب قميصه بغضب:
_ بتستغل إني ناسي كل حاجة!!
اتسعت عينيه بذهولٍ، بينما يسترسل عُمران:
_ ثم إنك عامل في نفسك كدا ليه!! وأيه القرف اللي إنت لبسه ده!! حارم نفسك من متاع الدنيا بسبب موتي وإنت السبب فيه، لو كنت سمعت كلامي ونطيت من غير ما تعيش دور سي روميو العاشق كان زماني نفذت من اصابتي وكنت على الاقل ربيت الكلاب دول، بس انت كالعادة مخلوق عشان تعاندني وبس.
أدمعت عيني جمال بعدم تصديق، بينما يستطرد الطاووس بعنجهيةٍ:
_ اديني رجعتلك أهو وهنصفي القديم والجديد يابن أشرقت!!
تهاوت دمعته دون أي قيد، وهمس بعدم تصديق:
_ عُمـران!!!
خيم الحزن عليه وانشق قلبه لما حدث له، وكأن تلك اللحظة هي الاولى لرؤياه، فسانده ليستقيم بجلسته، ثم عدل من قميصه الغير مرتب بشكلٍ لائق، وانحنى يجذب جاكيته، وساعده بارتدائه، وجسد جمال ينساق خلفه دون أي تحكم منه، فقط نظراته المندهشة تتابعه بعدم تصديق، وما أن انتهى حتى استدار يجذب من جيب جاكيته الخاص مشط صغير، ومال يرفع به شعر جمال، قائلًا بضيقٍ:
_ مصمم على تسريحة عبحليم بردو، الظاهر أنك كسرت كل تعليماتي في غيابي، بس وحياة أمك هترجع تسف كل اللي فاتك عشان تتلاشى غضبي، وأولهم إنك ترجع لوزنك تاني.
وتابع ساخطًا:
_ فكرك إنك كده هتصعب عليا يعني ومش هنزلك معايا الجيم، بعينك يابن أشرقت، هتنزل معايا يعني هتنزل.
وأضاف مازحًا:
_ بفكر أعملك إنت وعلي مختوم من صنع ايدي، هتجيب معاكم من الأخر.
تمعن به حينما وجده يتابعه بصمت، فقال مبتسمًا:
_ أيه يا جيمي مش مبسوط أني رجعت ولا إنت كنت حابب تبدأ المنافسه على مكانتك من أول وجديد؟!!
تحرك إليه جمال باكيًا، وارتمى إليه محاوطًا عنقه ببكاءٍ بدد من ثبات عُمران، فضمه وهو يردد بصوتٍ محتقن بالبكاء:
_ عملت في نفسك كدليه يا جمال؟ أنا معرفتكش!!
شرع بتحرير صوته الباكي هاتفًا:
_ ولو كنت إتاخرت في ظهورك كنت هموت وراك، أنا حياتي كلها وقفت على مشهد موتك!
ربت على ظهره وقال وهو يجاهد لزرع المرح بينهما:
_ وأديني رجعتلك أنظملك حياتك البائسة دي من تاني، بس على الله متزهقش مني، بس ناويت والنية لله أعملك عملية ترميم من تاني، هبدأ من البدروم وسقف الدور الأول، هتستحملني ولا هتنخ من أولها!
ضحك وهو يبتعد عنه، ويدفعه بمزح:
_ لا ارجع مكان ما كنت، أنا كنت عايش مرتاح وبنط في أول لبس يقابلني، مش عايز أرجع اقف قدام المرايا ساعتين أنظم في نفسي عشان خوفي منك.
شاركه الضحك وهو يخبره:
_ ياض لازم تبقى شيك وجنتل مان، أنت بمنظرك ده مش محصل حتى صبي جزارة، والله حمص في الرمق عنك.
زوى حاجبيه باستغرابٍ:
_ مين حمص ده؟
مال يلتقط جاكيته وقال وهو يلف ذراعه حوله ليحركه تجاه الخارج:
_ هحكيلك بس ننزل أي مطعم أزغطك الأول، لحسن أنا حاسس إنك هتقع مني.
وأضاف وهو يضغط على زر المصعد:
_ اللي يشوفك يقول أن انت اللي داسك قطر الموت مش أنا!! ده أنا صالب طولي عنك!!! هموت وأعرف شوشو سكتت عليك بالوضع ده ازاي!!
أجابه ببسمة ساخطة:
_ محدش يقدر عليا، دماغي ناشف وحجر صوان ولا نسيت!
زم شفتيه بتهكمٍ صرح عنه:
_ ده على أمك يالا مش عليا، خف شوية عشان خلقي ضايق ودراعي سابقني، وإنت أصلًا مفيش فيك نفخة.
واستطرد بشفقة مضحكة:
_ ده انا كنت ناويلك على نية، بس خوفت لتتقطم في ايدي، بقيت شبه خلة السنان يا جمال!!
وربت على كتفه وهو يطمئنه مازحًا:
_ بس متقلقش يالا ولا يكون عندك أي خوف، أنا مش هتخلى عنك أبدًا، وهعالجك بعون الله، هخليهم يتوصوا بالسمنة البلدي وكل الأكل الدسم، لازم ترجع و بأقصى سرعة، عشان احساس الذنب اللي عندي ده يختفي، المهم أي حاجة تنزل على التربيزة تأكلها وانت ساكت.
وأضاف وهو يعتصر رأسه بالمأكولات التي ستعاونه برفع وزن جمال بأيام معدودة:
_ هنكتر من الكوارع والحمام المحشي، وكمان الفطير البلدي والمحاشي والذي منه.
واستدار يشمله بنظرة تقيمية:
_ أنت محتاج لكل حاجة فيها دهون، بفكر أخليهم يعملولك خروف بحاله، أيه رأيك؟؟
رد عليه وقد غلب نوبة ضحكه:
_ لو هتأكل معايا معنديش مانع.
أجابه عُمران بجدية جعلت كلاهما يسقطان من فرط الضحك:
_ أمال هسيبك تتدلع لوحدك بروح أمك!!!
انتهى من مهمته حينما ساعد عُمران بالوصول لأهدافه داخل المعتقل، وها هو يتجول بلا وجهة بسيارته، ليقطعه صوت رسالة هاتفه على الواتساب، فتحها ليجد أخاه يستنجد به:
«آدهم إلحقني بسرعة، أنا واقع في مشكلة، بعتلك اللوكيشين، تعالى بسرعة!»
ارتعب فور أن انتهى من سماع الرسالة، وعلى الفور انعرج بسيارته تجاه الموقع المرسل، ولحظه أنه كان على بعد عشر دقائق منه.
كونه ظابطًا محترفًا، إعتاد التصرف بحكمة وذكاء، فلم يشغل عقله بالاتصال، حتى لا يربك عقله عن القيادة، فيطول طريقه عن العشرة دقائق.
وصل "أدهم" للموقع المنشود، فإذا به يتجمد على مقعده من دهشته، المشهد برمته كان غريبًا، سيارة أخيه موضوعة اعلى الحاجز الإسمنتي الصغير، المصفوف بمحاذاة الرصيف، ومن أعلاه يجلس آيوب داخل السيارة، ويلتف من حوله مجموعه من الرجال يحاولون أن يجعلوه يقفز من السيارة ولكنه يرفض بإصرارٍ عنيف.
هبط أدهم من السيارة واستطاع ان يفض الجمع، بينما يطرق على أسفل باب السيارة، مشيرًا له بأن يفتح الباب، ففتحه وهو يخبره بحزن:
_ شوفت يا ادهم اللي حصل؟!
منع ابتسامة ساخرة من الانفلات:
_ مش انا لوحدي اللي شايف يا آيوب.
وتابع بسؤالٍ هام:
_ قولي أيه اللي طلعك الطلعة دي؟
توترت معالمه وكأنه طفلًا سيتعرض للعقوبة:
_ شوفت الطلعة اللي قبل الحاجز.
استدار آدهم للخلف يتمعن بما ذكر، وعاد يتفرس بأخيه الذي قال بحرج:
_ شوفت عُمران طلعها قبل كده ونزل منها عادي، بس معرفش لما عدتها أيه اللي حصل معايا، ملمستش بعدها الرصيف، العربية طارت وكملت على الحاجز اللي في نص الطريق، زي ما انت شايف كده!
تحررت ضحكته الرجولية، وهز رأسه هاتفًا:
_ شايف، وحاسس ان سقف طموحاتك عليت أوي، كنت لسه بتتعلم تطلع بالعربية، دخلت في الطيران من غير ما تضيع وقت، طموح انت أوي!
زم أيوب شفتيه ضيقًا:
_ انت بتضحك!!
رد عليه وهو يتفرس باصابة السيارة، التي استهدفت اسفلها:
_ مش عارف أهنيك على النطة ولا أواسيك على الخبطة!
منحه نظرة غاضبة، فكبت ضحكاته بصعوبة وهو يفرد ذراعيه له:
_ تعالى يا حبيبي، انزل.
لف رأسه باصرار:
_ مش نازل قبل ما عربيتي تنزل.
فشل في السيطرة على ضحكاته مجددًا، وادعى الرزانة والتعقل بحديثه:
_ الواقعة الحريفة دي عايزة ونش ينتشل العربية من فوق الحاجز، مينفعش معاها كتل بشرية يا بوب.
لف رأسه له مجددًا، واقترح ببلاهة اسقطت أدهم ضحكًا:
_ ما تزق من ورا لحد ما نوصل لنهاية الحاجز تقوم العربية نازلة طوالي، كده كده الحاجز مش عالي اوي.
أتاه الرد من بين سيل ضحكاته:
_ حد قالك إني هركليز عصرك، إنزل يا آيوب إنزل الله يسترك دنيا وأخرة.
احتقنت نظراته الاندفاعية تجاه أخيه، وباصرار طفل صغير قال:
_ طيب خلاصة الليلة دي يا أدهم إني مش نازل طول ما عربيتي متشعلقة الشعلاقة دي، اتصرف هات الونش ينزلها وأنا فيها، واعتبره تهديد بقى!
عقد حاجبيه بدهشة من أفعاله الطفولية:
_ الناس هتتلم علينا تاني يا آيوب، انزل وبطل لعب العيال ده.
ردد بتحدٍ وضيق:
_ هننزل مع بعض، مش هسبها كده.
منع ذاته من أن يشتبك معه لفظيًا، وسحب هاتفه يحرر اتصالًا بأحد الظباط، وما ان أنهاه حتى أعاد الهاتف متمتمًا بانزعاج وهو يدس يده بجيب بنطاله:
_ لما أشوف أخرتها معاك أيه؟
طرقت باب الغرفة مرارًا، وانتظرت أن يفتح بابه، فإذا بصوته الهادئ يأتيها:
_ تعالي يا خديجة.
ولجت للداخل تبحث عنه، فوجدته يجلس على سجادة الصلاة، ومن خلفه يغفو صغيرها على الفراش، انتظرت حتى انتهى من التسبيح وقراءة آية الاخلاص والفلق والناس والكرسي ثلاث مرات، تعلم جيدًا قيمة تلك الايات خلف كل صلاة، مثلما علمهم الشيخ مهران.
انتهى عما يردد ونهض يحمل سجادة الصلاة، يضعها على ذراع المقعد، ودنا يتساءل:
_ قولي اللي مترددة تقوليه وباين في عيونك.
سحبت نفسًا عميقًا من أنفها، ورددت بكل عزيمة:
_ انا أخدت قراري يا يونس، وهعمل العملية.
ترقبت رد فعله بارتباكٍ، رغم أنه بالاوقات الماضية شرع له موافقته المبدئية بما تريد، فاذا به ينهد بحزنٍ بدى بفيروزته، وانتقل عكسه بصوته الهادئ:
_ اللي يريحك أنا معاكي فيه يا خديجة، معانا رقم الدكتورة اللي دكتور علي ادهوني، هنحجز ونروحلها، واللي فيه الخير ربنا يقدمه.
حُلت عقدة وجهها المترقب لردة فعله، ومالت إليه تلجئ لضمة صدره، فأحاطها بكل ترحابٍ، فرددت على استحياءٍ:
_ أنا عارفة إنك كنت معارضني في قراري ده، وقبولك بيه دلوقتي عشاني، شكرًا يا يُونس.
قوى ضمته لها، وقال بعشقٍ صادق:
_ ميهمنيش غير راحتك إنتِ يا ست البنات.
اتسعت ابتسامتها والراحة تتسلل لها، لتمنحها شعور الأمان كلما كان هو لجوارها، وفجأة انتفضت بين ذراعيه حينما اندفع فارس عليهما، فتمردت الضحكات بينهم، وقد التقفه يونس بين ذراعيه هو الآخر.
وصلت سيارة "علي" في نفس لحظة وصول سيارة "أحمد"، هبطت "فريدة" برفقته، وما أن رأت علي يخرج من سيارته برفقة فاطمة حتى اتجهت اليهما مبتسمة:
_ عديت على فاطيما في الشغل ولا اتقابلتوا برة يا دكتور؟
ردت فاطمة بابتسامتها الرقيقة:
_ مرحتش النهاردة يا فريدة هانم، روحنا لزينب وبعدها اتمشينا شوية بالعربية.
تعجبت من سماعها لما قالت، وتساءلت باسترابة:
_ غريبة إنك منزلتيش الشركة النهاردة، طمنيني أنتي كويسة؟
اتخذ علي محلها بالاجابة حينما حاوط والدته بحنان:
_ اطمني حبيبتي، فاطمة كويسة، بس زينب كانت عازمانا عندها وعُمران كده كده نزل الشركة مع جمال النهاردة.
وأضاف وهو يتابع عمه الذي اقترب إليهم بعدما صف السيارة:
_ طمنوني يومكم كان عامل ازاي؟
اجابه أحمد مبتسمًا:
_ ممتاز يا علي، كويس انك اقترحت عليا أخذ فريدة معايا تغير جو، خلصت ال meeting بعد ساعتين من وصولنا، وبعدها اتمشينا على البلاج، المنظر ساحر حقيقي.
أضافت فريدة لحديثه:
_ فعلًا يا علي الاجواء هناك ممتازة، وقررت اشتري شاليه هناك عشان نبقى نغير جو من فترة للتانية.
رفع يدها يقبلها برفقٍ، وقال:
_ طلبات فريدة هانم كلها أوامر وتتنفذ.
مررت يدها على خصلات شعره الطويل، بفرحةٍ:
_ متحرمش منك يا حبيبي.
وتابعت بلهفةٍ:
_ طمني على أخوك، حالته احسن دلوقتي؟
ارتسمت بسمة ماكرة على شفتيه، وأجابها:
_ أحسن الحمد لله، وهتشوفي ده بنفسك لما يرجع بإذن الله.
رددت في راحةٍ وارتياح:
_ ربنا يطمن قلبي بيكم دايمًا يا حبيبي.
وأضافت وهي تشير لهما:
_ هطلع أخد شاور وأريح شوية، لفينا كتير ورجليا تعبتني.
وتركتهما وصعدت للأعلى، فحمل أحمد الحقيبة، ونطق بنعاسٍ:
_ وأنا كمان هطلع أنام قبل معاد الطيارة.
تساءلت فاطمة بدهشة:
_ هو حضرتك مسافر؟
رد عليها بينما يميل بجسده الرياضي لحمل الحقيبة الصغيرة الخاصة بزوجته:
_ عندي اجتماع مهم بكره في لندن، مش هتأخر هناك، يومين تلاتة وراجع بإذن الله.
منحته ابتسامة صافية، وهتفت برقة:
_ تروح وترجع بألف سلامه يا عمي.
ابتسم لها بجاذبية تليق بعمره، وردد بامتنان:
_ تسلمي يا حبيبتي، لو عايزة حاجة من هناك بلغيني بيها وأنا تحت أمرك.
انحنى علي يحمل عنه الحقيبة، ويجيبه بتهذب:
_ عايزين سلامتك يا عمي، هنفتقدك اليومين دول.
منحه بسمة ممتنة لحمله الحقيبة، وقد أرهقته القيادة طوال الطريق، فمسح على ظهره بحب:
_ متحرمش منك يا علي.
صعد ثلاثتهم بالمصعد، وكان أول من وصل لجناحه أحمد، وتابعوا معًا للطابق العلوي، فلف علي ذراعه حول فاطمة، واتجهوا لجناحهما، فسألته بفضول:
_ مقولتش لفريدة هانم ليه أن عُمران رجعتله الذاكرة.
رد عليها ببساطة وهو يفتح الباب:
_ خليه يفاجئها ويشوف بعيونه فرحتها، أكيد هيتخزن في عقله ردود أفعال كل الاشخاص المقربين ليه في لحظة زي دي.
ابتسمت ونطقت:
_ دايمًا عندك حق وبعد نظر يا دكتور علي.
بابتسامته الساحرة رد:
_ قلب دكتور علي!
صف سيارته ببقعة منعزلة بالقصر، وبهدوءٍ مخيف نزع عنه جاكيته وجرفاته، وحل أزرار قميصه ببطءٍ، بينما تموج عينيه المساحات الخضراء، وحديث ذلك الأرعن يترك علاماته داخل أعماقه.
لم يكن بمخيلاته أن يوصل ألم زوجته لتلك الدرجة، لم يكن الأمر مقتصرًا على غيابه فحسب، بل كان للأغلب دورًا فيما خاضته بدونه، وما يُولم قلبه أن تكون والدته ممن تسببن بوجعٍ لها، لقد أقسم لها على أن يستعيد حقها كاملًا ممن تسببن لها بالأذى، فماذا سيفعل بوالدته بحق الله؟!
خرج عُمران من سيارته مهمومًا، بعد أن تمكن من معاونة جمال بالخروج من تلك الحالة التي كان سببًا بها، وفور أن انعزل ببقعته المعتمة، خنقه الألم وجعله يشعر بعدم مقدرته على التنفس بشكلٍ طبيعيًا.
رطمه الهواء ففرق قميصه المفتوح، ضاربًا صدره بتياراتٍ باردة، تمنى لو نفذ من جلده السميك لنيران قلبه المستعيرة، مضى بطريقه قاصدًا مدخل الحديقة الخلفية، المطعم بالرخام الثمين، وإذا به يكاد أن يمر للداخل فوقعت رماديتاه عليها تغفو على أرجيحة القصر الخارجية، بين الورود، أتجه إلى محيطها والعتاب يقتنص من عينيه، ويزيد من وابلها.
وجدها تحني ساقيها وقد وضعت حولهما قربة من المياه الباردة، رفعها عُمران عنها، فلاحظ احمرار أصابعها، فعلم أنها تؤلمها، جذب المقعد الخشبي الخاص بالطاولات الخارجية، وقربه منها، وبلمساته الخبيرة بفك تشنجات الساقين وقتما يمارس التمارين الرياضية، استطاع أن يخفف من حدة ألمها، فاسترخت معالمها وبابتسامةٍ رددت:
_ علي!
فتحت عينيها لتتفاجئ بصغيرها، الذي يضع عينيه نصب الوجع تهربًا من أن يتطلع لها، فابتسمت بسعادة ولهفتها تنطق بما فيها:
_ عُمــــــــران!! رجعت أمته يا حبيبي، أنا بستناك من ساعتها!
ازدرد غصته وأجابها:
_ من شوية..
وقال ومازال يفرك ساقيها برقة:
_ مالها رجلك؟
أجابته بوجعٍ وهي تمدد ساقيها:
_ كنت مع أحمد في العين السخنه، كان عنده اجتماع مهم هناك وروحت معاه، اتمشينا كتير ولما رجعت محستش برجليا.
ردد بحشرجة عميقة:
_ ألف سلامة على حضرتك.
انتظرت أن يرفع رأسه ولكنه لم يفعل، فسحبت ساقيها من يده وجلست قبالته، تسحب ذقنه وتجبره ليقابلها، وهي تناديه:
_ عُمـران!!
توسعت زُرقتها في صدمة، حينما رأت احمرار عينيه بشكلٍ نقل لها غضبه الشديد، فرددت بفزعٍ:
_ مالك يا حبيبي؟
تهرب منها بابتسامة زائفة:
_ مفيش، راجع مصدع شوية، هأخد مسكن وهرتاح.
لمست كذبته من قبل خروجها، وأصرت بقولها:
_ أيه اللي مضايقك ومخليك بالشكل ده، اتكلم يا عُمران!!
تعمق بعينيها وعتابه يجلدها دون حديث، وبشجاعة حرر ما ابتلعه بارادته:
_ مايا اتوجعت في بعدي، وزاد عثمان وجعها باصراره إنه يجوزها غصب عنها، فازاي جالك قلب تزيدي من وجعها لما قررتي تجوزيها من علي!!! إزاي قدرتي تعملي كده؟!!!
جحظت عينيها في صدمة، ورعب مما سيحدث بينها وبين صغيرها، انسحب كفها عن وجهه، وبالرغم من التماع الدموع بعينيها الا أنها ابتسمت فرحة نطقتها بحديثها:
_ اللي قدامي ده عُمران ابني، متتخيلش أنا ارتاحت ازاي أنك رجعت لقوتك ومبقاش في مجال لحيرتك بين شخصيتك اللي كنت وبقيت عليها.
رد بهدوءٍ والاحترام يلحق نبرته:
_ مش دي اجابة سؤالي، سؤالي واضح يا فريدة هانم.
تطلعت له بارتباكٍ، وتساءلت بتلعثم:
_ مين اللي قالك؟ عثمان أكيد لان مايا عمرها ما تعمل كده، تربيتي وأنا واثقة فيها.
ابتسم بألمٍ، وقال يعاتبها:
_ ولما هي تربيتك، إزاي قدرتي تكوني قاسية عليها بالشكل ده، مفكرتيش في علي، ازاي قبلتي تحطيه في موقف زي ده هو وفاطيما، ازاي أخدتي قرار قاسي ومتهور زي ده قوليلي يا أمي!!!
وأضاف والوجع يحشرج صوته المبحوح:
_ كان هيجيلك قلب تقدمي حياة ليها ولابني على حساب حياة علي وفاطمة؟؟!!
وبابتسامة ختم فيها وجعه المتضخم:
_ للدرجادي كنتِ مصدقة إني مش راجع، محطتيش أمل صغير أني عايش طالما مشوفتيش بعنيكي جثتي!!
أخفضت وجهها أرضًا عسى أن تخفي تلك الدمعة الزاحفة على وجهها، فما أن رأها عُمران حتى نهض يزيحها.
رواية صرخات انثى الفصل 108 - بقلم ايه محمد رفعت
هرولت للأسفل ما أن وصل إليها صوته، وتبقت على أخر الدرج مترددة في الخروج.
كانت بالبداية ترفض الهبوط للجناح، لربما كانت تجلس فاطمة بحريتها، الأمر برمته يخجلها.
ومع ذلك طرقت على الباب الفاصل بين الدرج والجناح، فإذا بفاطمة ترنو من الخزانة، هاتفة بدهشةٍ:
_ علي!
وحينما لم تستمع لأي صوت، أسرعت بفتح الباب، فتدرجت دهشتها ورددت:
_ مايا!
زفرت بارتياح حينما وجدتها مازالت ترتدي بذلتها النسائية السوداء، يبدو أنها انتهت للتو من الاجتماع.
مدت يدها تجاهها وقالت وهي تراقب الدرج من خلفها بذعرٍ:
_ طلعيني بسرعة قبل ما يمسكني.
زوت حاجبيها بعدم فهم:
_ هو مين؟؟
صرخت بارتياب:
_ عمران.
فور نطقها سحبتها فاطمة للداخل، وأسرعت بغلق الباب قائلة بخوفٍ:
_ عملتي فيه أيه تاني يا مايا، أنتِ واخده حبيتين جراءة اليومين دول ولا أيه؟!
تأكدت بأنها أغلقت المزلاج جيدًا، واستدارت تخبرها بغيظٍ:
_ أنا معملتش حاجة جديدة، ده ماشي بيحاسب الخلق على اللي عملوه معاه، وجاي يحاسبني على القديم.
تصوري يا فاطمة رافعلي الحزام وعايز يجلدني بيه زي أبطال الروايات التوكسيك.
وتابعت وهي تنزع جاكيت عمران الكبير عن جسدها:
_ أنا شاكة فيه من يوم ما اتجوزته أصلًا، يا خوفي ليكون فهد الفهود وأنا كنت غبية ومعرفش.
مالت فاطمة لطرف الخزانة من شدة سقوطها بالضحك، لدرجة أدمعت عينيها صدمة وتأثرًا بما قالته.
فرمقتها مايا بغضب:
_ بتضحكي على أيه؟ بقولك عايز يجلدني عشان يتكيف!! يا صدمة صبري وحبي الكبير ليه، طلع سادي مريض!
ركضت فاطمة تكمم فمها، وتحذرها برعبٍ:
_ هووش أسكتي يا ميسان إنتي عايزة تموتي النهاردة بجد ولا أيه؟!
أبعدت كفها وهي تراقب باب الخزانة بخوف، ثم قالت:
_ أنتِ مش هتتخلي عني أنتي وعلي صح يا فطوم؟؟
ضحكت وهي تخبرها مازحة:
_ أنتِ بتجرينا لحرب مع الطاووس وعايزانا نكون معاكي!!
لطمت على صدرها بطريقة درامية، أذهلت فاطمة:
_ بعتيني من أولها يا صاحبتي!!
وجذبتها من تلباب جاكيته، تهزها بعنف:
_ أغراكي بكام ابن الغرباوي، انطقي بعتني بكام؟؟
أذعنت خوفها منها، وهمست بهلعٍ:
_ دولارات الدنيا كلها فداك يا باشا، من الصبح هعمله إضراب في الشركة، ولو عايزاني أقدم استقالتي همضيها وقتي وقدامك.
ابتسمت في رضا وهي تحررها:
_ لا مش للدرجادي، لو استقالتي وبعدتي مين هيجيبلي أخباره أول بأول.
وأضافت وهي تطرق كتفيها بفخرٍ، كأنما تحملها مسؤولية بلدها على عاتقها:
_ إنتِ عنيا هناك يا فاطمة، ولأني للأسف ارتحت في الانتاخة بالبيت فمستحيل هرجع تاني، لذا مراقبتك للكائن ده مهمة ليا ولمعاهدة السلام والصداقة اللي بينا.
تعالت ضحكات فاطمة، وقالت في حبورٍ:
_ أنا عنيا وسماعات أذني كلها تحت أمرك يا سلفتي.
مالت تضمها وهي تطبع قبلة على خدها:
_ كده تبقي صاحبتي وحبيبة قلبي، وكفاءة!
واستطردت وعينيها تجوب الجناح بنظراتٍ فضولية:
_ قوليلي بقى، عندك أيه يتأكل هنا؟!
وبعدين؟؟
قالها عمران بعصبية، وهو يرى أخاه يتجاهله تمامًا، ويستكمل قراءة كتابه، محركًا مقعده الهزار ويرتشف من كوب قهوته ببرودٍ، بينما يجيبه ببراءةٍ:
_ عمران، هو أنت لسه قاعد هنا؟ فكرتك نزلت جناحك!
ضم شفتيه معًا بغيظٍ من طريقته، فاذا به ينحني ويخطو بالمقعد تجاه بقعة أخيه، حتى بات ينحني إليه، مرددًا بهدوءٍ خطير:
_ عيب تصيع على واحد صايع يا دكتور، إستعيذ بالله من الشيطان كده واقوم نادي مايا من تحت، بمنتهى العقلانية والنضوج اللي اتربيت عليهم طول عمرك.
تحكم بضحكاته بصعوبة، وأغلق كتابه وهو يجيبه:
_ مش أنا قولتلك من ساعة ما دخلت إني مش مانعك عن مراتك، ولا قافل عليها أبواب، أتصرف وكأنه مكانك يا حبيبي.
أدمى شفتيه السفلية من شدة غيظه الشديد، فهدر بخشونة:
_ علي يا غرباوي بلاش تلوي دراعي بالخبث ده، انت مش قدي صدقني، انت عارف أني مستحيل هنزل للجناح فلزمتها أيه اللفة الصايعة دي.
دفعه للخلف فسقط على مقعده، بينما يصيح بحزمٍ وصرامه:
_ في واحد محترم يكلم أخوه الكبير كده؟!! لو فاكر إني هديك الفرصة تحرر البلطجي اللي جواك ده قدامي تبقى بتحلم.
وقبل أن يتحدث عمران بحرفٍ أشار يحذره:
_ أنا مش عايز ضوضاء جنبي من أي نوع، محتاج هدوء لحد ما أخلص الكتاب اللي في ايدي، هتقعد اقعد بأدبك، مش قادر تسيطر على البلطجي اللي جواك خده وامشي.
عاد يجلس والابتسامة الخبيثة تتسلل لمعالمه الوسيمة:
_ هكتفلك أمه دلوقتي، كمل استجمام في جوك الممل ده، أنا صايع وموريش أي حاجة.
قالها ومشى تجاهه، يختطف كوب قهوته، ويتجرعه مرة واحدة كأنه يبتلع دواءا مر الطعم، غير مبالي بشرارة علي المقتادة، بينما يتجه متبخترًا للشازلونج المتطرف بزواية المكتبة، تمدد من فوقه واضعًا كف يده فوق عينيه ومال يصفر باستمتاعٍ.
ابتسم علي وهو يتابع مشاكسات أخيه، التي تحاول استدراجه خارج نطاق بروده، ليصب جم غضبه عليه، لذا لم يحقق مراده، ونهض يتجه لماكينة القهوة الحديثة، يعد كوبًا أخر، ثم عاد يهز مقعده بانتظامٍ، وهو يتابع قراءته، حتى استمع لصوت ينذره بنضج القهوة، فنهض يحملها ويعود لمقعده يستكمل قراءته.
نهض عمران عن الشازلونج، واقترب منه يميل متلصصًا على ما يقرأه، فجلس على حافة المقعد وهو يتابع الصفحة من أمامه بتركيزٍ أضحك علي.
وبعد خمسة دقائق، انزعجت معالم وجهه وعبر:
_ إقلب الصفحة بقى، خلاص قريناهم!
رد عليه ومازال يتمعن بالكتاب:
_ أنا لسه! وبعدين إنت بتسمي قراءة الأرانب دي قراية!
أدلى شفتيه ساخطًا:
_ وقراية السلاحف دي هي المعترف بيها ولا أيه مش فاهم!!
مال الكتاب جانبًا وزفر بانزعاجٍ:
_ ما ترجع جناحك يا عمران.
رد بنفس الانزعاج:
_ اديني مراتي وهمشي، أنا مش غاوي فرهدة كلام أكيد، يمكن تقتنع إن حبالي طويلة.
منحه نظرة مستهزأة، وعاد يستكمل قراءته، فنهض عمران في نية العودة لمحله، وقبل أن يخطو خطوة واحده، كان يرتشف كوب قهوته الثانية بعنادٍ، جر علي لساحة الحرب:
_ أنا لو قومتلك هربيك من أول وجديد يا عديم التربية.
استكمل طريقه، وتمدد مرددًا بسخرية:
_ مستنيك، بس متتأخرش لحسن بنام بدري.
ردد باستنكارٍ:
_ بعد كمية القهوة اللي ضربتها دي مش هتنام الا على الاسبوع اللي جاي.
مال على جانبه، ليكون مقابله:
_ طيب كويس، هسليك بدل ما أنت قاعد في هدوء الاشباح والموتى ده!
وأضاف وابتسامته تتسع بغرورٍ:
_ أنا حظك الطيب في الدنيا، من غيري كنت هتتحرم من التسلية ومن رفاهية الحياة كلها يا علي، أعترف إن كل ده متحققلك لاني أخوك.
ضحك باستهزاءٍ:
_ غامرني بكرمك وأفضالك إنت، ممتن لوجودك المستفز يا قلب أخوك.
مال برأسه ضاحكًا، وحاول أن يستغرق بالنوم، بينما يمضي علي بقراءته، فمرت به ساعة كاملة ظن بها أن بهدوئه قد استسلم لنومه، فأغلق كتابه، ونهض يتجه للشازلونج الضخم، ينزع عنه نظارته الطبية ويتمدد جوار أخيه، وعينيه تراقب سقف الغرفة، الذي حفر فيه صفحات فارغة، بشكلٍ أبهر تصميمه، وما كاد بأن يغلق عينيه ليحظى بنومٍ مريح، حتى أتاه صوتًا مناديًا:
_ علـي.
فتح رماديتاه مبتسمًا:
_ القهوة جابتلك أرق!
نزع يده عن وجهه، فاذا به شاردًا ببقعة بعيدة، وبهدوئه الذي أقلق أخاه قال:
_ تفتكر أني أستحق الكرم الكبير اللي ربنا سبحانه وتعالى من بيه عليا؟
عبث علي واستدار تجاهه، متسائلًا:
_ مش فاهم سؤالك؟
وضح له ومازال يشرد بعيدًا عنه:
_ هل أنا أستحق حب مايا، وتضحية جمال، ووجعك اللي كنت أكبر سبب فيه، انكسار فريدة هانم، عذاب كل اللي حواليا لفراقي، كل ده مخليني متلخبط وحاسس إني مستحقش كل ده، أنا مقدمتش ليكم كلكم الا الوجع، حتى بعد موتي الزائف، ويمكن لو كنت ميت بجد كنت هتتحمل مسؤولية مايا وابني فوق كتافك العمر كله، زي ما كنت شايل مسؤوليتي أنا وشمس!!
ارتطم الألم بمُقلتيه، فاذا به يتقلب باتجاهه، وبانقباضة قلبه قال:
_ أيه التخاريف اللي بتقولها دي يا عمران!! لو انت مستحقتش حبنا ليك وانت بالطيبة والحنان ده، بالله عليك مين اللي هيستحق؟
وأضاف والشك يتمختر برماديتاه، وقد نهض جالسًا على الشازلونج:
_ وبعدين أيه اللي يخليك تتكلم الكلام الغريب ده؟!! عمران إنت مخبي عني أيه؟!!
تنهد بقلة حيلة من فشله بإخفاء أي أمر عن أخيه، فاستند على جذعيه واستقام بجلسته قبالته، وبارتباكِ قال:
_ صفيت حسابي مع عثمان، أنت عارف إني مستحيل هسيب حقي.
توترت معالمه قبالة أخيه، فتجاهل ما قاله، وسأله بامعانٍ:
_ قالك أيه يخليك تقولي الكلام ده؟!!
لفظ نفسه على مراحل، وقال:
_ قولتله إن مفيش ست تعاشر عمران سالم الغرباوي وتقدر تعيش مع راجل تاني من بعده، قالي حتى لو الراجل ده كان علي الغرباوي!
اتقبض قلب علي بخوفٍ، وترقب لما سيقول، فاستطرد بغضب:
_ ابن العالمة بيحاول يخرجني عن شعوري بس أخوك راجل ويسد في أي خانة، سدتها عليه شرق وغرب، وزمانه دلوقتي مقضيها مرش في الهدوم وغسيل حلل.
تحلى عن صمته أخيرًا، وقال برزانة:
_ عمران أنا عمري مكنت هسمح لده إنه يحصل، أنا قادر أحمي مايا واللي في بطنها من غير ما ده يحصل وآ..
بتر حديثه حينما ضم كفيه:
_ متكملش يا علي، أنا لو شكيت في نفسي بيوم من الايام إنت أخر شخص ممكن أرفع عننيا فيه.
وابتسم يشاكسه بابتسامته:
_ زمان لما اتحطينا في نفس الموقف، قولتلي أنا أتعمي قبل ما أرميك بنظرة باطنها الشك وأتهام الخيانة، ودلوقتي الزمن دار وجيه عليا الدور أقولك إني أخون نفسي ألف مرة والا إن إسمك يتذكر في جملة فيها خيانة أو أي صفة كريهة.
وأضاف وهو يمازحه بغمزة:
_ ده أقومها حرب تتطربق على نفوخ أم اللي يجيب سيرتك أو يرمشلك بجفن بس، ده أنا أصفهاله وأخليه ماشي يحسي في طريق كله عراقيل ومطبات.
تخلت عنه كل كلماته، فقط ضمه إليه مبتسمًا، وهمس ضاحكًا:
_ هو أنا ليه مبسوط بالبلطجي اللي جواك!!
أجابه وهو يربت على ظهره:
_ عشان جاي على هواك وكل بعقلك حلاوة يا علوة!!
وأضاف وهو يرفع يده يمررها على شعر علي الطويل:
_ حبيب قلبي الطيوب هيسمع كلامي وهينزل يجيبلي مايا، شيطاني فاجر بعد عنك مش هيهدى الا لما يسترد حقه ووقتي.
دفع ذراعه عنه، وعاد يتمدد جواره، هاتفًا ببرودٍ وهو يرفع قدمًا فوق الاخرى:
_ بعينك يا طاووس، البنت استنجدت بيا ومستحيل أخذلها، هل انت ممكن تعملها لو فطيمة اللي كانت مكانها؟
مزق شفتيه السفلي بغيظٍ، ومال يتمدد جواره قائلًا بوعيد:
_ وهي هتروح مني فين، مصيرها هتقع في ايدي بنت عثمان!
قهقه علي ضاحكًا، وتكلم بسخط:
_ دلوقتي بنت عثمان!! أمال حبيب قلبه وروحه وبسكوتة النواعم والالقاب الملزقة بتاعتك دي راحت فين؟
قلد نومته، ووضع ساقًا فوق الاخرى وهو يجيبه:
_ كله موجود وحياتك، بس هي اللي ضغطت الزرار الغلط في الوقت الغلط، وبعد ما نتصافى تعرف ترجعني عاشق عيونها، معاها مفتاح الصندوق كله، بس هنقول أيه ستات على الله حكايتها؟
واستدار تجاهه يراقب شعره الطويل بضيقٍ، لم ينجح باخفائه:
_ بقولك أيه يا علي، من بكره تقص شعرك ده تضامنًا مع قرعة أخوك.
وأضاف بحزنٍ مضحك:
_ عيب تفكرني بخسايري الفاضحة وتتباهى بشعرك، أمال فين التضحية والشعور بالغير يا دكتور يا محترم!!
مال على كتفه ساقطًا بنوبة من الضحك، وبصعوبة نطق:
_ وهو شعري مضايقك في أيه يا وقح؟!!
ضحك هو الاخر وقال:
_ بيفكرني بالذي مضى!
رد علي يحمسه والضحك يحمر وجهه وعينيه:
_ متقلقش الأرض زرعت خالص وإخضرت، شهرين كمان وهيقع على عينك ورقبتك.
زفر بضجرٍ وهو يهتف:
_ أتمنى.
وولاه ظهره وهو يشير له بانزعاجٍ:
_ نام بقى إنت أخدت عليا بزيادة، ورايا اجتماع تأديبي بكره مع فرنسا والجتت اللي حدفاها علينا، وأنت قاعد فاضي ومفيش وراك الا الكتب والقهوة ورغي المرضى النفسيين بتوعك.
أغلق علي عينيه بارهاق، وهمس له:
_ حاضر يا حبيبي، تحب تيجي في حضن بابي عشان تنام بشكل أسرع، ولا خلاص كبرت وبقى يعتمد عليك.
استدار إليه يمشطه بنظرة غاضبة، واتجه يميل على كتفه ويضع ساقه من فوقه كأنه وسادة مريحة، وبمكر قال:
_ مستغناش عنك يا بابي.
ضحك وهو يحاول دفعه بعيدًا عنه، قائلًا:
_ لا استغنى وغني بعيد عني.
تجاهل حديثه وأغلق عينيه، فاستسلم للنوم سريعًا، وقد لحق علي به، فنام كلاهما بين بقعة الكتب، يجسدان أسمى المفردات وعمق العلاقات، التي تفشل ملايين الكتب بوصمها بين ورقاتها!
القمر يموج في سماه بأخر الليل، وبذلك الوقت يتمشى كلاهما بطريق عودتهما لحارة الشيخ مهران، بعد أن نجح أيوب بأقناعه أن يبيت ليلته برفقته اليوم، فعاد كلاهما للحارة، وبينما كانوا بطريق المنزل فاذا بصوتٍ غليظ يوقفهما.
_ مساءك لذيذ يا بوب عامل أيه؟
حذرته نظرة أيوب العابثة، ولكنه لم يعنيه، بل سأله إيثان باسترابة:
_ مالك قافش كده ليه؟
لاحظ إيثان من يجاور أيوب، فانفجر ضاحكًا وهو يشير بيده:
_ أيه ده إنتوا رجعتوا لبعض تاني؟
احتقنت عيني سيف بنظرة قاتمة، بل هدر ساخطًا:
_ حد قالك إننا إفترقنا!
ازدادت ضحكاته وقال ساخرًا:
_ أصلك بقالك فترة كبيرة مبتظهرش معاه هنا، فقولت أكيد فشكلوا!
زفر أيوب بنفورٍ، بينما دنا سيف يعدل ياقة قميص إيثان وتحدث بنبرة منخفضة حملت تهديد صريح:
_ بقولك أيه يا كابتن، خف تعوم!
أبعد ايثان يديه عنه، وعدل من ياقته بذاته قائلًا:
_ إنت واخد بالك من فرق السن بينا يا شاطر! إنت بكتيرك إنت والكتكوت اللي جنبك ده أجبلكم اتنين كاجو وأقفلكم على باب الحضانه أعرفكم طريق البيت!
ظهر يونس من خلفه، يدفعه للخلف، وهو يعنفه بانزعاجٍ:
_ وقتك ده يا إيثان!
مال سيف من خلف يونس، وهدر بانفعالٍ:
_ شكلك محتاج إعادة تربية وأنا جيتلك وفاضيلك، تحب تشوف المرحلة الأولى ولا تأخد الناهية ونبقى خلصناها بدري بدري.
ربت يونس على ظهره بخفة وقال:
_ فكك منه يا دكتور سيف ده مريض عقليًا.
أجابه باستهزاءٍ:
_ مريض يتعالج، أنا أعرف دكتور شاطر أوي إسمه علي سالم الغرباوي تأخد رقمه ولا معاك؟
احتقنت أوردة إيثان غضبًا، فحاول دفع يونس وهو يصيح بانفعال:
_ خده إنت محتاجله أكتر مني، محتاج يعالجك من غيرتك الغريبة دي، مهو مفيش منطق بيقول أن راجل يغير على راجل الا لو لمواخذة شمال.
جحظت عين أيوب صدمة وحذره:
_ إنت كده بتخبط في الحلل يا إيثان، بلاش تستفز آآ..
ابتلع باقي كلماته حينما لكم سيف إيثان بكل قوته، ومال إليه يعيد الكرة حتى سقط أرضًا، فاستطرد أيوب ببسمة شامتة:
_ ابن حلال وتستاهل.
حاول يونس الفصل بينهم، وهو يصيح بغضب:
_ أنت موركش الا صحاب آيوب، عمران مرة وسيف مرة، والله أعلم الدور على مين تاني!!
هدر سيف بانفعالٍ، ومازال يحاول لكمه من جديد:
_ المرادي هتوبه يا معلم يونس، وقسمًا بالله لو مبطلت تضايق آيوب أو تضايقني لأكون جايبها سواد عليك، أنا هسيبك الوقتي احترامًا للمعلم هو هيرجعلك عقلك.
وتابع وهو يشير إلى يونس:
_ بس وإنت بتعقله قوله إني غشيم.
نجح إيثان بابعاده عنه، بل دفعه أرضًا وبات المتحكم الكلي به، وما كاد بلكمه حتى سقط أيوب فوق ذراعه يصيح به:
_ إيدك لو اترفعت عليه هكسرهالك، سيبه حالًا.
دفعه إيثان ونهض يتابع يونس، وهو يساعده بدهشة، دفعته للصراخ بوجهه:
_ أنت بتساعده!! مش شايف ابن عمك بيدافع عن صاحبه الغبي ده ازاي، وإنت بتكتفني له!
كز على أسنانه وهدر بغيظٍ:
_ أنت اللي اتجننت، عامل عقلك بعقلهم، دول أصغر منك بتسع سنين يا إيثان، مالك بيهم!
مال يتفحص أيوب الذي يعاون سيف بتنظيف ملابسه من الغبار ثم عاد يهمس مبتسمًا:
_ عجباني صداقتهم أوي جوز الزغاليل دول، ومش راجع الا لما أخليهم يشبطوا في بعض!
احتقنت عيني يونس بسخط:
_ أنت جبت الحقد ده منين يالا
رد عليه بجدية مضحكة:
_ لما تحبني وتغير عليا زي الدكتور سيفوو حقنه وقتها مش هفكر أرخم على العيال دي تاني، توعدني يا معلم؟
منحه نظرة محتقرة، ومضى بطريقه، فحك إيثان جبهته وقال:
_ واطي من يومك!
ومن بين سكون الليل، كان ينزوي بأحد أركان المسجد، يؤدي صلاة قيامه، ومن جواره مصحفه الموضوع جواره، والذي يستعين به بالقراءة في كل ركعة، حيث مصرح لمن أراد قيام الليل أن يحمل المصحف الشريف ويتلو منه في صلاة القيام، فكان يستعين به عمران في كل ركعة.
انتهى من صلاته، وجلس جانبًا يسبح ويتلو بعض الأذكار، ولم يكن أحدٌ غيره بالمسجد، لقد سبق للشيخ مهران أن قدم له نسخة من مفتاح المسجد، حينما كان يصل مبكرًا عن موعد وصوله، فكان يجده يقيم صلاته بباحة المسجد الخارجية، لحين وصول الشيخ مهران، فقدم له نسخه من المسجد، وإعتاد من يومها أن يجد باب المسجد مفتوحًا، وأرجاء المسجد أنمق نظافة وترتيب مما تركه بالامس بعد صلاة العشاء، ورائحة البخور والعطور الثمينة بالمسك تعبق أجواء المسجد، فكان يدعو له ويزداد تعلقًا به، وها هو يصل الإن ليجده بالمكان الذي يجده به كل يومٍ، فرسم ابتسامة مشرقة وقال:
_ السلام عليكم ورحمة الله.
صدق عمران، ورفع رأسه إليه مبتسمًا باحترامٍ:
_ وعليك السلام ورحمة الله وبركاته شيخنا الفاضل.
جلس الشيخ مهران قبالته مستربعًا، ويتابعه بنظراتٍ حنونة:
_ كيف حالك يا ابني، عساكِ في أحسن حال.
تعمق بالتطلع إليه، وصمته المطول جعل الشيخ يتابعه بقلقٍ، تضخم حينما قال بغموضٍ:
_ هكون في أحسن حال لو حضرتك ساعدتني في اللي سبق وطلبته منك.
علم ما يقصده، فابتسم ومرر يده على مسبحته، وهتف برزانة:
_ فاكر اتفاقنا يا ابني، ومش هخل بيه أبدًا، بس إنت كمان فاكر نصوص اتفاقنا صح؟
سحب نفسًا مطولًا وهو يخبره:
_ الذاكرة رجعتلي بالفعل، فتأكد إن القرار اللي أخدته متغيرش.
رد عليه بحكمته العقلانية:
_ بس لسه النص التاني، إنت لم تشفى اصاباتك بالكامل، وأنا بفضل إنك تخليها بعد أن تضع زوجتك وتطمن على ابنك، ووقتها هروح معاك.
واستكمل بحبٍ ودعوات خالصة:
_ أسأل الله أن يريح قلبك، ويتقبل توبتك، ويرزقك طفلًا سليمًا، معافى، وأن يجعله بارًا بك وينشئه على دينه وطاعته.
بردت دعواته قلبه الذي يئن لذكرى ذنبه الفاحش، فاذا به يبتسم ويردد بكل إيمان:
_ اللهم آمين.
منحه الشيخ ابتسامة كبيرةٍ، وربت على ساقه يذكره:
_ يلا قوم ذكر الناس باقتراب موعد صلاة الفجر، الناس بتحبك وصوتك بيريح قلوبهم، قوم يا بشمهندس.
هز رأسه في طاعةٍ، ونهض يتجه للميكرفون، يتطلع للفراغ وما ارتكبه فيما مضى، وبكل احساسه ردد
« يا رب وإن عظمت ذنوبي كثرة.
فلقد علمت بأن عفوك أعظم.
إن كان لا يرجوك الا محسنٌ.
فمن الذي يدعو ويرجو الآثم
أدعوك ربي كما أمرت تضرعًا.
فلإن رددت يدي فمن ذا يرحم.
يـــــــــا رب.
أدعـــوك ربي.
أدعوك ربي كما أمرت تضـرعـًا.
فلإن رددت يدي فمن ذا يرحـــــــــــــمٌ.
ما لي إليـك وسيـلة الإ الرجــــا.
وجميـلٌ عفـوك ثم إنـي مســــلمٌ.
»
وإنتهى ودموعه كالعادة تنهار من خشوع صوته، بدنه اهتزت فيه كل خلية، وكأن الكلمات سوط يجلده ويطهره من ذنبه، استدار بعدما استعاد كامل ثباته، فإذا به يرى أيوب يدخل باب المسجد، برفقة سيف ويونس، وكعادته حينما رأه، هرول إليه راكضًا، وابتسامته تتسع لتكشف عن نواجذه، ويناديه بلهفةٍ محببة لقلب عمران:
_ عُمــــــران!
وقبل أن يستقبله، كان يلف يديه حول رقبة عمران المبتسم، والابتسامة تحتل وجه يونس ووجه الشيخ مهران، الذي يلتمس مدى حب واحترام ابنه لعمران.
ربت على ظهره، وقال مبتسمًا:
_ جاي متأخر ليه النهارده يابن الشيخ مهران؟
ابتعد يجيبه وهو يشير برأسه لسيف القابل إليهما:
_ عما سيفو صحى وفاق.
اندهش عمران لتواجد سيف برفقة أيوب، ولكنه عانقه هو الآخر، هاتفًا:
_ دكتور سيفو أيه سر التواجد الغامض ده!
تعلق به سيف وشعوره بتلك اللحظة، كمن تتبخر همومه، بينما يقول بحزنٍ:
_ آيوب أصر أبات معاه، وسبحان الله كأن ليا نصيب أسمعك النهاردة، إنت كنت حاسس باللي بمر بيه ولا أيه يا بشمهندس!
ابتعد يطالعه في قلقٍ واهتمام:
_ بتمر بأيه؟؟ إنت أمورك تمام؟
ابتسم بوجعٍ، وقال:
_ أمي مش حابة تكون أموري بخير.
تملق إليه الضيق والنفور:
_ هي رجعت تاني؟؟
اكتفى باشارة رأسه، وابتعد للخلف حينما وجد يُونس يشرف إليهما، ليصافح عمران، وغادر ليقف جوار الشيخ مهران، بينما يعود عمران لسؤاله:
_ طيب ويوسف إتأثر بظهورها؟؟
العلقم يقذف مرارته على طرف لسانه:
_ معرفش، إنت عارف يوسف مش بيبين وجعه لحد، أنا بعتلك رسايل امبارح بليل عشان تكون جنبه، يوسف بيرتاح بوجودك.
تذكر أمر هاتفه الموثوق بالشحن، وحينما يخرج لصلاة قيامه لا يحمله برفقته، الا بعودته، فطرق بخفة على كتفه وقال:
_ هعدي عليه في المركز بعد الظهر بإذن الله، متقلقش يا سيف.
استقبل حديثه بابتسامة عرفان، وحب لشخصه، واتجه ليجاور أيوب في جلسته، وبعد دقائق انطلق آذان الفجر يجلجل بزقاق الحي الشعبي، ومن ثم اصطفوا من خلف الشيخ مهران الذي صلى بهم إمام.
وما أن انتهت صلاة الفجر، غادر الجميع البعض لمنازلهم لاستكمال نومهم، والأغلب إلى أشغالهم، وقد عاد سيف برفقة أيوب لمنزل الشيخ مهران، فصعد برفقته بطريق الطابق الأول، وما كاد باجتياز الطابق الثاني، حتى أوقفه نداء أضحك سيف:
_ آيــوب، إنزلي عايزاكي.
احتقنت نظراته المحذرة لسيف الذي رفع يديه، وهو يدعي براءته:
_ بتبصلي كدليه أنا اللي ربطتك بتاء التأنيث، استهدى بالله وإنزلي أقصد إنزل شوفها عايزة أيه، واديني المفتاح أطلع أكمل نومي، وإياك تصحيني الا على الساعه ١١.
منحه المفتاح فحمله سيف، وصعد للاعلى، بينما هبط إليها أيوب، يطالعها بغيظٍ، وخاصة حينما وجدها تكتف ساعديها أمام صدرها والغضب شراره يتقاذف من عينيها، فهمس بصوتٍ متذمر:
_ خير، أيه اللي موقفك كده؟
تحرر صمتها، بعتابٍ مغتاظ:
_ أنت قعد صاحبك فوق في شقة سدن الجديدة، أنا وخديجا تعبوا واحنا بنحط الفرشات الجديدة والسجادة وتطلعي صاحبك فوق قبل سدن!!
اتسعت مُقلتيه في دهشته من حديثها، فابتسم على نبرتها المسكرة لقلبه العاشق، والتي أجادت بها لفت نظره لفعلته دون الاستئذان منها، كونها تمتلك الحق لذلك، فمال يقبل رأسها بعشقٍ تدفق لها فأخجلها وأربكها، وخاصة حينما قال:
_ حقك عليا أنا معرفش ازاي تاهت عني أني أستأذنك، بس سيف كان نفسيته وحشة أوي، وأنا كنت عايز أكون معاه عشان أهون عليه.
ارتبكت من قربه وقبلته أعلى خمارها، جعلت شبحها الغاضب ينصرف، وببلاهة قالت وهي تتعمق بفيروزته:
_ أنا مش زعلان خلاص آيوب، لو عاوز تقعده فوق كمان يوم ويوم سدن مش عنده مشكلة، أنا كمان هخلي الحاجة ركيا يعمل محشي كتير ليكم، عشان أنتي بتحبيه كتير آيوب.
جلجلت ضحكته وهو يرى اجتهادها لنطق الجملة باتقانٍ تفتقر له، فهمس لها بعشقٍ يقطر من نبرته:
_ يا عيني على آيوب المسكين قصاد جمال عنيكِ وقلبك الكبير يا سدن، ومش مهون عليا الا اقتراب المعاد، بكره الحنة وبعده الفرح، يعني مبقاش في بعد تاني.
وأضاف غامزًا بخبث:
_ هسرب سيف أكيد، وبعد دخولك للشقة مفيش حد من بعدك ينفع يدخلها يا جميل.
رفرفت بأهدابها بعدم فهم، ورددت بحزنٍ:
_ أنت عاوز تحبس سدن فوق وتخليه مش يشوف خديجا والحاجة ركيا!! لا آيوب كده مش هاجي معاكي، أنا بيحفظ عند الشيخ مهران إنتي مش بتهتمي إن سدن يحفظ ويختم القرآن، الشيخ مهران بتحب سدن وعاوز يخليه يحفظ كله عشان ربنا يحبه ويدخله الجنه.
عادت نوبة الضحك تعتليه، ومال يطالعها بهيامٍ:
_ مين قال كده بس، أنا بنفسي ههتم بحفظك بعد كده، أنا بحب سدن وعايزها أحسن الناس، إنتي معقول عندك شك في آيوب يا سدن؟؟
نجح باللعب على أوتارها الحساسة، فابتسمت له وقالت بعشق:
_ أنا بحبك آيوب، ومش عندي شك ليكي، أنا مش بيثق في حد غير فيكي وفي الشيخ مهران، وفي الحاجة ركيا، وخديجا، ويونس وفارس وإيثان الوحشة.
قالتها وهي تعد له على أصابعها، فتوالت ضحكاته وهو يؤكد لها بصدرٍ رحب:
_ وحش وبارد وسقيل بس للاسف يتوثق فيه.
_ هو ده اللي بتعلمه ليها يابن الشيخ مهران!!
جحظت فيروزته بصدمة، فاستدار للخلف وهو يرسم ابتسامة واسعة، وقال:
_ أنا!! أنا كنت بقولها إن مهما كانت عيوبه فهو شخص أمين ويتوثق فيه.
أسرعت سدن تبرر لاستاذها:
_ لا آيوب بتكذب شيخ مهران، كانت بتقول إن إيثان وحش باردة وآآ... مش عارف الاخيرة.
منحها نظرة مشتعلة وهو يشير بيده تجاه ذقنه متوعدًا لها، فتساءلت بذهول:
_ إنت بتعمل كده ليه آيوب، إنتي تعبانه؟
حك جبهته واستدار تجاه أبيه الذي يراقبه بنظرات الصقور، ثم قال:
_ طيب هروح أنا اجيب طعمية وعيش سخن عشان نفطر، مش عايز حاجة يا والدي؟
طرق بعصاه أرضًا وهو يخبره:
_ مش عايز أشوف وشك هنا الا يوم الفرح بليل، سمعت يابن الشيخ مهران؟
أحاطها بنظرة متوعدة، وعاد يجيبه مزعنًا طاعته:
_ مفهوم يا عم الشيخ!
فتحت مايا عينيها بانزعاجٍ، ففردت ذراعيها بدلالٍ وهي تهمس:
_ عُمــران.
تلاشت حروفها حينما سقطت عينيها على فاطمة الغافلة جوارها، فاحتل الوجع معالمها، حينما تسرب لها ذكريات تلك الايام التي كانت تستيقظ بها دون أن تراه، نبع ألم قوي اخترق قلبها كالسهم الحارق، لقد بدأ الأمر بمزحةٍ طريفة بينهم وانتهى بمرارة ما طل عليها.
أبعدت الغطاء وانحنت بساقيها ترتدي حذائها، ثم جذبت جاكيته ترتديه، وهرولت لجناحها، كان يغوص بالظلام والفراش كما تركته بليلة الأمس، جف حلقها وبدون سيطرة منها راحت تنادي بصوتٍ مذعور:
_ عُمــــران...... عُمـــــــران..... عُمـــــــــــــــران!!
ارتعش جسدها برجفة ضربتها كالعاصفة، فركضت صوب الكومود المجاور لمحل منامتها، تبحث عن هاتفها، فاذا بها تستمع لصوت صرير باب الخزانة، ومن خلفه يطل حاملًا التيشرت الخاص به بين يده، وشعره يقطر بالمياه التي كان يغتسل بها، يطالعها بقلقٍ وهلع على طريقة صراخها المريبة بإسمه.
سقط الهاتف من يدها، ومالت جالسة على الفراش، تستند بكفها على الكومود وتفجر بكائها المنهار، فور أن اطمئنت لوجوده!
هرع إليها والقلق ينهش وجهه دون رحمة، انحنى على قدميه يتوازى بطول جلستها، بينما يرفع ذقنها حتى ترفع وجهها المغموس بين كفيها، وهو يناديها بخوف:
_ مايا!! في أيـه؟
رفعت أهدابها المبتلة بدموعها إليه، تتشرب كل ملامحه وتدفن بها فترة فراقه، فانحنت تجلس أرضًا قبالته، وتعلقت بضمة تلقفتها بصدرٍ رحب، بينما يمرر يده من فوقها بقلقٍ مما أصابها، وإذا بصوته العذب يصل لها وهو يحصنها بالقرآن، فاغلقت عينيها باستكانةٍ تامة، حتى هدأت كليًا فزحف بها يسند ظهره للحائط، ويمنحها وقتًا تجمع فيه شتات نفسها.
مرر يده على شعرها المفرود على ساقه بحنان، فمرت عليهما ثلاثون دقيقة هدأت فيهم مايا كليًا، وما أن اطمئن لانتظام أنفاسها، حتى ردد يمازحها:
_ حبيب قلبه بيحور على جوزه عشان يخلع من عقابه، فيؤسفني أقولك سوري يا بيبي متثبتش.
أغلقت عينيها تستلذ سماع صوته، بعد نوبة هلعها تتمنى أن يتحدث وتستمع هي إليه للأبد، ظن أنها ستجيبه وسينجح باخراجها عن صمتها، ولكنها بقيت صامتة.
فتابع وهو يمرر يده على شعرها وقد انتابته نغزة قاتلة، حينما تسرب له أن حالة ذعرها تعود لحالة الرعب التي جعلها تعيش بها، لما بدر عنه بالمساء، فقال:
_ مايا حبيبتي اللي حصل إمبارح ده كان هزار، أنا عمري ما أمد إيدي عليكِ، معقول بتخلطي الهزار بشكل يخليكي قايمة من نومك مفزوعة بالشكل ده!
انتفض جسدها لشدةٍ بكائها، فسحبها بقوة جسده، يجعلها تستقيم بجلستها أمامه، يحاوط وجهها بيديه، وبحزمٍ يناديها:
_ مايـــا، قوليلي مالك؟؟!!
تمعنت برماديتاه ووجعها تترجمه دموعًا صامتة، ارتاب لأمرها وترجاها بخوف:
_ أنتي بتقلقيني عليكي بسكوتك ده، عشان خاطري اتكلمي، حصل حاجة؟!
هزت رأسها تؤكد له، فأبعد خصلاتها لخلف أذنيها، وقال يحمسها على الحديث:
_ اتخانقتوا أنتي وفاطيما؟؟
نفت ذلك، فعاد يهتف:
_ طيب حصل أيه؟!
حررت صوتها الشاحب تخبره ببكاء:
_ صحيت ملقتكش جنبي.
رفع أحد حاجبيه بدهشةٍ، فعاد ينصت وكأنه يتوهم سماع ما قالت، هل تبالغ برد فعلها لتلك الدرجة لأنها فارقته يومًا واحدًا، فاذا بها تدمي قلبه حينما استرسلت ببكاءٍ منكسر:
_ كانت أبشع أيامي اللي بقوم ألاقي نفسي لوحدي على سريري من غيرك، كل يوم كنت بحاول أطمن نفسي إنك راجع، بس الوحدة اللي كانت محاوطاني كانت بتحاول تخليني استسلم انك مش راجع تاني.
قالتها واحنت رأسها تبكي، فسحبها إليه مجددًا وهو يهدهدها:
_ أيه يرجعك للي قفلناه مع بعض يا مايا، أنا أهو جنبك ومستحيل هفارقك تاني، قولتلك ألف مرة دموعك دي متنزلش تاني، دموعك ضعف ومرات عمران سالم الغرباوي عمرها ما كانت ضعيفة!
وأضاف مبتسمًا والمكر يحتل رماديتاه:
_ إنتِ مش حبيب قلبه اللي ربيتها على ايدي، حبيبة حبيبها هي اللي وقفت في وش فريدة هانم الغرباوي بشجاعة خلت العيلة فخورة بتربية عمران سالم الغرباوي!
رفعت رأسها إليه، تطالعه بصدمة، فضحك وقال:
_ أبوكي وجب معايا بس على مين مهزش فيا شعرة.
واستطرد وهو يضمها بخبث:
_ وبعدين يا بيبي مش قولتلك طول ما انتي مشتاقالي قربي، أنتي اللي فارقتيني وجريتي تتحامي في علي مني!!
لكزته بعصبية لحقت نبرتها الغير مرتبة:
_ مش إنت اللي بتجري ورايا بالحزام وعاملي فيها فهد الفهود بروح أمـ......
لطمت فمها وعينيها جاحظتان في صدمة لما كادت بالتفوه به، بينما تظلمان رماديتاه بشكلٍ مقبض، فزحفت تتراجع للخلف وهو يتابعها بنصف أعين، ودنا يزحف إليها هاتفًا بهدوءٍ خطير:
_ فهد الفهود!!! بقى أنا برومانسيتي وحناني معاكِ وشايفاني فهد الفهود!!
تنفست بعمقٍ حينما وجدته لم يلاحظ مصيبتها الاخيرة، فتنهدت وقالت:
_ مش شايلة حزام وعايز تجلدني بيه!!
ضيق رماديتاه وعقله يبحر بعيدًا، وفجأة ردد:
_ ويا ترى بقى قولتي أيه تاني لفاطمة عني!!
ردت بتلقائية قاتلة:
_ قولتلها انك سادي ومريض!
مزق شفتيه من فرط ضغطه عليها، فواصل زحفه وهو يصيح بعنفوان:
_ عنيا حاضر، إنتي مشتاقة لنسخة روايات البير سلم دي وأنا رقبتي سدادة يا بيبي.
لفت جسدها وحاولت النهوض لتنجو بنفسها، ولكنها سقطت محلها تلهث، بينما يجذبها من تلباب بيجامتها الستان:
_ بقى أنتي بتسوأي سمعتي على أخر الزمن، وآ.... استني استني إنتي قولتيلي من شوية بروح أمك!!!
هزت رأسها نافية تلك التهمه الباطلة:
_ لا لاااا ده صوت الطاووس الوقح اللي جواك مش أنا لأ..
ومالت تمسد على صدره وهي تستعطفه بملامحها التي زرعت فيها البراءة:
_ بالله عليك تأجل أي عقوبات عندك، أنا راجعه ميتة من الجوع، وتلاجة فاطمة مفيش فيها الا الفاكهة والاكل الصحي اللي يسد النفس ده، ولولا كيس المكسرات اللي لاقيته عندهم كنت وقعت من طولي، انا كان أقصى أمنياتي ألقى شوكولاته تايهة هناك، بس للاسف الجناح كله Healthy food (طعام صحي) .
منع ضحكاته بصعوبة، وخاصة حينما مالت تلف ذراعيها من حوله، وهي تهتف بارهاق:
_ أنا وابنك واقعين من الجوع، إحنا من بعدك اتبهدلنا وجوعنا يا عمران.
تحررت ضحكاته الرجولية بصخب، فانحنى يحملها لاقرب أريكة، ثم اتجه لبراده الصغير، يحمل العصائر والشطائر المعلبة، والشوكولا، وعاد لها يضعهم من أمامها، فاعتدلت وبدأت تتناول طعامها بشراهةٍ، وهو يتابعها بعشقٍ وحبٍ يصعب ان تنقله كلماته لها.
أغلق باب شقته من خلفه، وترك الطعام على طاولة السفرة، ثم ركض للغرفة المخصصة للاطفال، يقفز فوق الفراش وهو يصيح بحماسٍ:
_ سيـف، سيفـــــــــــوووو.
عبث بعينيه بنعاسٍ، وجذب الغطاء فوق رأسه بانزعاجٍ منها، فسحبه آيوب وهو يخبره بفرحة مضحكة:
_ قـــــوم يالا، حفظت كلمات مهمة وعايز أقولهالك، قوم اسمعني قبل ما أنساهم.
كور قبضته غيظًا وود لو أطاح بعنقه، أو لربما يبرحه ضربًا ولكن بعد الغد زفافه، وبالتأكيد سيشوه وجهه لا محالة، فكظم غيظه ونهض يطالعه بدخان يخرج من أذنيه، وبجمودٍ قال:
_ اتفضل، إرمي الكلمتين قبل ما يتحشروا في زورك.
ازدادت بسمته حد الهلاك، وردد وهو يحك بينه:
_ أنت اللي شبهي، إنت آآآ... ناس......
تمعن به بدهشة وقال ساخرًا:
_ السلوك لمست ولا أيه؟
لكزه بغضب وعنف صدم سيف:
_ اخرس وسبني أفتكر كلمات الاغنية!!
برق في صدمة، وهتف:
_ أغنية!!! من أمته وبتسمع أغاني يابن الشيخ مهران؟؟
اجابه بحماس:
_ دي اغنية جميلة أوي سمعتها من توكتوك كان معدي وأنا بجيب الطعمية، استنا بس افتكرها.
وصفق بيديه بفرحة، وهو يردد:
_ صاحبي يا صاحبي، إنت اللي لوحدك شبهيده في ناس في كروش بتعبي، وفي ناس بتنسى تربي
صاحبي يا صاحبي، إنت اللي مقوي لي قلبي
إنت اللي ساندني وجنبي وطول ما إنت كتف في كتفي!
تضاعفت صدمة سيف، ورؤية سعادة آيوب بالكلمات وترقبه لرد فعله، جعله يبتسم ويردد بحبور:
_ اشمعنا الكلمات دي اللي علقت معاك وأنت عمرك ما حبيت تسمع أغاني!!
رد بتلقائية شديدة:
_ عشان شوفتك في الكلمات.
منحه نصف نظرة من عينيه مشككة:
_ حاسس انك من أمبارح متغير سيكا، أنت بتخطط لحاجة يا آيوب؟
هز رأسه بكل براءة، وقال:
_ هخطط لأيه يا عم، أنا بس بعرفك أنك حاجة كبيرة بالنسبالي.
ضحك ومازحه قائلًا:
_ مهو واضح، أول ما إنحرفت للاغاني انحرفت عشاني، في ذنوب أفضل من كده.
لكزه بقوة، ومال يسقط من فوقه:
_ بقى أنا بحفظ الاغنية عشان أفرحك وبالنهاية تقفلها عليا، قــــــوم نفطر بدل ما أقلبها عليك.
أشار مستسلمًا، فتركه ونهض يشير له:
_ يلا عشان بعد ما تفطر هوصلك بعربيتي للمركز، عشان تعرف معزتك بس.
ابتلع ريقه برعب، وهمس بصوتٍ خافت:
_ يبقى مش هنوصل، هنطير مع بعض زيارة مريحة للمقابر!!
إتبع الخادمة التي أرشدته للصالون، وجلس مثلما أشارت له، وابتسامته الساخرة تحيطه كونها لم تتعرف عليه، فكيف ستعرف هويته وهو الغائب عن اصحاب هذا المنزل، كغيابهم عن مضمون الأسم والعلاقات.
دقائق وخرجت إليه "مروة"، لترى من الزائر الذي أتى بوقتٍ باكر هكذا، وقد كانت مستعدة بالفعل للذهاب إلى عملها.
_ يوسف!
نطقتها بدهشةٍ، وعدم تصديق لوجوده بالمنزل، ولوهلة ظنته قد أتى ليعتذر لها عما فعله، وخاصة حينما أعادها لمنزلها بتهذب وجدته وقاحة، فتحركت للمقعد تجلس واضعة ساقًا فوق الاخرى، وببرودٍ قالت:
_ نعم، جاي ليه؟
اختزل الوجع والألم طريقين مختلفين، التحموا بمنبع وجهه المعبر عما يحدث بداخله، وقال باستهزاءٍ:
_ هو مش ده المفروض إنه بيتي، ولا إتبريتي مننا خلاص.
ردت ببرود:
_ يبقى بيتك لما تعقل وترجع بأخوك هنا، بس وهو بطوله، من غير البت دي، جوازته لازم تكون بموافقتي أنا وباباك غير كده فده مش بيتك وأنت غريب فيه.
أخفض وجهه تنزف دمعاته من خلف نظارته الطبية، وأصابعه تمر فوق بعضها، كأنه يكسر عظامه، حتى تمكن من تحرير كلماته:
_ الحمد لله أني غريب عن البيت وعنك أنتي وهو، أنا ربنا نجاني أنا وأخويا ببعدنا عنكم انتوا الاتنين، كانت هتكون كارثة لو طلعنا شبهكم في حاجة.
أخفضت ساقيها وصرخت بغضب:
_ يوســـــــــف!!
انتصب بوقفته قبالتها، وقال بشجاعة:
_ أنا جايلك مرة تانية أحذرك تبعدي عن سيف، لان الظاهر في المرة الاولى فكرتيني بهرتل، المرادي جاي ومعايا الخلاص من العلاقة المقززة اللي إتلوثت بغرورك وأنانيتك.
واضاف بعصبية وقد تدفقت عروقه:
_ المرادي حذرتك المرة اللي هتفكري تقربي فيها من سيف مرة تانية هجيلك في مكان شغلك اللي بتتباهي بنجاحك فيه، وهحكيلهم عن فشلك في اهم دور المفروض تكوني فيه مع أولادك، هفضحك قدامهم كلهم ومش هيهمني حد، فبهدوء كده تنسحبي من حياتنا وللأبد.
قالها وغادر من أمامها بعنف عاصفة اجتاحت الاخضر واليابس، فتح باب سيارته وهو يقاوم صداع رأسه الذي هاجمه فجأة، ومع ذلك سيطر على تعبه واستكمل قيادته للمركز.
صعد سيف لمكتب أخيه فور وصوله للمركز، فوجد عددا مهولا من النساء يجلسون بالخارج، والممرضة تخبرهم أنه على وصول، اتجه للشرفة المنحازة بنهاية الطابق، يرفع هاتفه وهو يعيد رنينه للمرة الثانية، والقلق يحاربه، فلم يسبق يومًا له أن يتأخر عن عمله.
راسل "ليلى" على حسابها الخاص، يسألها عنه، فأخبرته بأنه غادر مبكرًا، تلصص للشرفة يتحقق حينما وجد سيارته تصطف أمام المبنى، فطمن زوجة أخيه بأنه وصل، وهبط مسرعًا يقابله عند المصعد.
خرج يوسف مهمومًا، وهو يحارب صداع رأسه الذي ازداد بحدةٍ مبالغ بها، فوجد سيف يرنو إليه متسائلًا باسترابةٍ:
_ كنت فين يا يوسف؟ أول مرة تتأخر بالشكل ده!
رفع عينيه إليه وقد اعتراه دوار يلازم حدة الصداع القاتل، فجاهد لأن ينطق بأي كلمة، ولكنه فقد القدرة لفعل أي شيء، فمال تجاه الحائط بشكلٍ جعل أخيه يسرع لمساندته، وهو يصرخ بهلعٍ:
_ يوسف مااالك؟؟؟
رد بشحوبٍ، وأنفاسه تنهدر:
_ أنا آ...
بترت كلمته حينما سقط على ذراع أخيه فاقدًا لوعي، فسقط به سيف وهو لا يستوعب ما يراه، فشقت صرخته الطابق بأكمله:
_ يـوســــــــــف!!!
لطم وجهه بقوةٍ، وانفاسه تغيب عن وعيها هو الأخر، وكأنه يختنق خلف كيس بلاستيكي لا يوصله أي هواء، فإذا بأحد الاطباء يميل إليه ويحمله برفقة طبيب أخر للسرير النقال.
حملوه وركضوا به صوب غرفة الكشف لأحد الاطباء المتخصصون، بينما بقى سيف جالسًا محله يتطلع للفراغ من أمامه، والطبيبة تجاوره وقد شخصت حالته بسرعة الرياح، فاذا بها تخبره:
_ اهدى وخد نفسك يا دكتور سيف، إنت قادر تقف؟
رفرف بأهدابه بدهشة، وكأنها تلقي عليه كلمات عبرية غير مفهومة، وفجأة تخلى عنه ذلك الصفار المزعج، وسقط معه تبلد جسده، فاذا به ينهض راكضًا صوب الغرفة التي دخل إليها أخيه، وصراخه يمزق الآذان:
_ يوســـــــــف.
ولج للداخل يدفع عدد الاطباء المحاوطون إليه، وأذنه تلتقط حديث الطبيب:
_ ضغطه عالي جدًا، الممرضة بتجيب المحلول، وبمجرد ما هينتهي هيفوق بإذن الله.
لف رأسه تلقائيًا للممرضة التي هرولت للداخل تحمل المطلوب، فدفع سيف الطبيب وجذب ما بيدها، ثم اتجه لاخيه ينتزع كم القميص عن ذراعه، ثم جذب إبرة المحلول، وقربها لعروقه بتوتر، وإرتباك أسقطها عن يده، فانحنى أحد الاطباء يجذبها ومشفقًا على حاله:
_ أنا هوصله ، استريح أنت يا دكتور سيف.
جذبها منه وكأنه لم يحتمل المخاطرة بأخيه، كأن الطبيب سيتخذ آلأف الاعوام ليدس الأبرة المنقذة بوريد أخيه.
عاد يقترب من ذراع أخيه، ونظراته تحيط شحوب وجهه، فتساقطت دموعه وهو يتذكر كل وقتٍ كان به لجواره يستحوذ دور الأب، كل مرضٍ هاجمه وكان يتلبس دور الأم الذي يفتقدها سيف، وحينما يحتاجه صديقًا أو شقيقًا كان لجواره، هو عالمه بأكمله، جميع العلاقات تتلخص في يوسف.
ازاح دموعه وإختار عرقًا بارزًا، فقتل عقدة طفولته حينما دس الأبرة بوريده بمنتهى البراعة، وسحب الآبر يحقنها بكيس المحلول، والاطباء يباشرون قياس النبضات وتفحصه.
وبعد ما يقرب الأربعين دقيقة، سقط سيف على المقعد الملتصق بفراشه بانهاكٍ من انتظاره يسترد وعيه، فتهاوت دموعه تباعًا، وسأل الطبيب الوحيد المتبقي بالغرفة:
_ المحلول قرب يخلص، مفاقش ليه يا دكتور؟؟؟
ربت على كتفه ببسمةٍ هادئة:
_ وضع دكتور يوسف ممتاز دلوقتي، متقلقش شوية وهيفوق.
وما أن انتهى حديثه، بدأ يوسف بفتح عينيه تدريجيًا، فاسرع إليه سيف ينحني قربه، هدأت الصورة المشوشة أمامه، وبرز وجه أخيه واضحًا فردد بخفوتٍ حينما قرأ اللهفة والقلق القاتل بعينيه:
_ سيف.. أنا كويس.
قالها واستسلم للنوم، فمال يضمه باكيًا بشكل مزق قلب الطبيب، فربت على كتفه وقال:
_ اجمد يا دكتور، الحمد لله هو بخير وطمنك بنفسه.
واستأذن بتهذب:
_ عن إذنك هروح أشوف شغلي، وهبلغهم يكلموا دكتورة نهلة تمسك مكان دكتور يوسف.
إكتفى سيف بهز رأسه، وعاد يميل على كتف أخيه الذي غرق بدموعه، ومازال يضمه بخوفٍ من أن يفقده أو يخوض نفس الشعور المقبض مجددًا.
رواية صرخات انثى الفصل 109 - بقلم ايه محمد رفعت
أشرقت معالمه عن ضبابها المعتم، وكأن عودة ذاكرة رفيقه أزاحت الغبار عنه. فعاد لمنزله يتأنق بالملابس الذي اشتراها "عُمران" له خصيصًا من البوتيك الخاص بـ"إيثان"، وقد حرص على تهذيب ذقنه الغزير وشعره، لقد أعاده لمظهره المبدئي بشكلٍ قريب.
وقف "جمال" أمام باب شقته، مرتبكًا مما يحمله بين يديه. فلقد أصر عُمران أن يبيت بشقته القابعة بحي الشيخ "مهران" وأن يعود بباقة الزهور ومظهره المرتب، ليعوض زوجته عن تلك الفترة البائسة التي قضاها حزنًا على فقدان رفيقه.
حرر "جمال" تنهيدات عميقة، خرجت لتحرر الأغلال التي جعلته يشعر بالعجز عن التنفس بشكلٍ منتظم، ومعه صوت تحرير مقبض الباب. ولج للداخل وهو يعلم بأنه سيلقي انزعاجًا منها لعودته بصباح اليوم التالي، ولكنه لن يترك لها مجالًا للحزن.
اتجه لغرفة نومه ليترك الزهور جوارها، لتكن أول ما تراها في صباح يومها. ولكنه توقف حينما وجد إنارة غرفة الضيوف تشع، فأتجه ليراقب من بالداخل، فوجدها تغفو على المقعد، وعلى ما يبدو أنها كانت بانتظاره.
اتسعت ابتسامته فرحة، أقل تصرف منها بات يرضيه. من كان يصدق أن علاقتهما التي سبق لها الانتهاء والحكم عليها مسبقًا بالانقطاع، التحم فيها الوصال وعادت أمتن وأقوى من سابق عهدها. ماذا إن لم يتنحى عن كبريائه وعاندنها حينما ثار موجها، لربما كان سينتهي كل شيء، وقبله الخسارة.. خسارتها... خسارة الدفء الذي يحاوط منزله الصغير الآن.
انحنى جمال قبالتها، يراقب ملامحها الباهتة من سهرها الدائم برفقة ابنه الرضيع. امرأة كسائر النساء اللاتي يتكلفن برعاية أبنائهم دون التقصير في شيء من واجباتهن، ولكنه يرى أنها تفعل ذلك من أعماق قلبها، لأجل راحته أولًا وراحة صغيرها.
رفع يده يلامس كفها المسنود على كتف المقعد، وبصوتٍ دافئ ناداها:
"صبـا."
مالت برأسها للجانب الآخر، بينما تمتم بنومٍ. فابتسم وهو يعود لندائها:
"صبــــا."
فتحت عينيها بتعبٍ، وإذا بها تعتدل وهي تعاتبه بقلقٍ:
"جمال!! إنت كنت فين كل داا وموبايلـ...."
ابتلعت باقي كلماتها بجوفها، وهي تراقب مظهره الجذاب. راقبته بابتسامةٍ واسعة، انقلبت لحياء وتورد بشرتها الدليل القاطع، حينما رفع باقة الزهور لها. قربتها إليها ورددت بشكٍ، وهي تتابع ما يرتديه:
"الذاكرة رجعت لعُمران، صح؟!"
انفرجت عنه بسمة واسعة، وهز رأسه مؤكدًا، فهتفت بسعادةٍ:
"يا ريتها رجعتله من زمان، كنت مفتقدة أشوفك بالسعادة والروقان ده يا جمال."
استند على ركبتيه ليكون على نفس مستواها، ومال يقدم الزهور لها قائلًا بصوتٍ دافئ:
"وأنا كمان كنت مفتقد نفسي يا صبا، كنت حاسس أني متغرب وتايه، بس اللي كان بيهونها عليا وجودك جنبي طول الفترة اللي فاتت، أي ذكرى مرت عليا سيئة مواقفك فيها مش بتروح من بالي."
واتسعت بسمته الهادئة، وهو يسترسل لها:
"عرفتي إن حبنا مختلف، الأفعال دايمًا بتعبر عننا مش بالأقوال، أبسط الاشياء اللي بعملها وبتعمليها دول البرهان القوي على حبنا لبعض، بس ده ميمنعش إني أعبرلك عن مشاعري."
واستطرد بعشقه الجارف، بينما ينحني مقبلًا باطن يدها:
"بحبك يا صبا، بحبـــك."
انخفضت عن مقعدها، تتعلق بعنقه، تعانقه بقوةٍ تملكتها من هالة مشاعره القوية، بينما ينطق لسانها بعاطفة:
"وأنا كمان يا جمال، بحبك وبحب أشوفك سعيد ومرتاح، بعد كل العذاب اللي مريت بيه."
أحاطها يستقبلها بين ذراعيه بحبٍ، بينما ينهض بها ويرفع جسدها عن الأرض. مشى بها للاريكة، يضعها جواره، ناطقًا بحشرجة:
"لو عايزاني سعيد ومرتاح دايمًا متفارقنيش يا صبا."
أحاطت جانب وجهه بلهفةٍ، سبقت ما حكته نظراتها:
"عمري ما أفارقك أبدًا، أنا عايشة عشانك إنت وابني يا جمال، أنا بحبك."
ضمها إليه مجددًا، وهو يتمتم بعاطفة:
"وأنا بحبك وهفضل أحبك لأخر نفس خارج عني يا صبا، وعمري ما هسمح إن شيء يبعدني ولا يفرقنا عن بعض."
قالها ومال بها يتعمق بعينيها الشاردة به، يتبع عاطفة عشقه المتيم، ويصطحبها في رحلة غير روتينية، بل جعلها تستشكف عشقه الخفي لها.
***
بالمركز الخاص بعلي الغرباوي.
ارتعب الممرض قبالة هذا الشاب الثائر، والأخر يمدد ذراعه في محاولةٍ للنيل منه، ولكنه لم يتمكن بفضل ذراعي "علي" الذي يمنعه كليًا من المساس به؛ فبات ملاكًا بجناحين حال لينقذه من براثين هذا المتمرد، وود أن يقدم له كل أنواع الشكر والعرفان. بينما يتحرر صراخ "عُمران" هادرًا بعنفوانٍ:
"أمك معلمتكش الاحترام في بيتكم يالا!!"
ابتلع الممرض ريقه بتوترٍ، وقال مستفهمًا:
"أنا عملت أيه بس؟"
حاول عُمران دفع علي مجددًا وهو يصيح:
"وكمان بتسأل!! ده أنا هطلع بروح أمك النهاردة!"
تحرر صوت علي أخيرًا، وقد التحف بالحزم:
"عُمران وقف الجنان اللي إنت عامله ده حالًا، أنت جرالك أيه؟?"
استجاب لدفعة يد أخيه، واستدار يقابله بسؤالٍ:
"هو انت متأكد إنك مدير المخروبة دي؟?"
عقد حاجبيه بدهشةٍ من سؤاله، وقال بثباتٍ مضحك:
"واجهك أي مشاكل في المركز؟ لو عندك أي شكاوي قولي عليها وهجمع فريق العمل ونحلها مع بعض."
جحظت عيني الشاب صدمة، لقد علم بهوية من أمامه الآن، وبالرغم من حالة الرعب التي تهاجمه في تلك اللحظة، إلا أنه فضل أن يتابعهما في صمتٍ.
شحذ عُمران همته وطقطق رقبته ببرودٍ لحق نبرته:
"مستحيل هقولك ترفد الغبي ده مع إنه يستحق الرفد، بس لو ممكن تخفيه من وشي، وتنبه عليهم إني لو شوفت راجل بجناح العمليات هسحب منه البطاقة وهخليه يحولها من ذكر لأنثى."
اندهش علي من رد فعله بينما يخبره بما تبقى من صبره:
"ازاي!! دكتور التخدير لازم يكون جاهز عشان لو حصل أي حاجة، وكمان دكتور يوسف هو المتابع الاساسي لحالة فريدة هانم، أنا بعت ممرضة تستدعيه."
قبض على جاكيت أخيه، وصرخ فيه:
"عايز تدخل رجالة على أمك يا علي!! إنت حصل لعقلك أيه؟?"
أجابه ببرود ودون أن يرمش له جفن:
"أنا زي الفل، أنت اللي مش تمام نهائي يا حبيبي."
وأشار للممرض المصعوق مما يحدث، يخبره:
"روح إنت وابعتلنا ليمون بالنعناع، أخويا محتاج حاجة تهدي أعصابه."
قالها وهو يدفع عُمران للمقعد المعدني، بينما يشير عُمران للشاب:
"لو لمحتك هنا تاني أنت أو أي راجل هطلع بروح أمك وأمه، تقف حراسة على الطابق كله، عايز كل اللي فيه ستات وبس، سامع!"
دفعه علي بغضب وقد خرج عن رزانته:
"اخرس بقى، أيه الغباء اللي بتقوله ده!"
جلس يميل للأمام، بينما تهتز ساقيه بتوترٍ، ومازال يحاول جاهدًا أن يتمسك بثباته:
"بقول اللي هيحصل يا علي، ولو عايز اليوم ده يعدي بسلام جاريني بدل ما أرتكبلك جناية هنا."
لمس توتره وارتباكه الملحوظ، فجلس جواره وقد ترك كل شيءٍ جانبًا، وتعامل برقي مهنته التي تحاوطه بكل موقف تقريبًا، فناداه بصوته الرخيم الهادئ:
"عُمران."
رفع عينيه المرتبكة إليه، فوجده يبتسم وهو يخبره:
"فريدة هانم هتبقى كويسة، كل اللي بتمر بيه ده شيء طبيعي وأعراض طبيعية جدًا، الدكتورة اللي معاها جوه ممتازة، بس أنا بفضل إن يوسف هو اللي يتابع حالتها، لإنه على دراية بكل شيء يخصها من البداية، غير إنه من أشطر دكاترة النسا والتوليد في المركز كله."
لانت تعابيره المشدودة، واكتفى بهزة بسيطة من رأسه، فجذب علي هاتفه، وحرر رقم الاتصال بيوسف، فأتاه صوته هامسًا:
"دكتور علي، صباح الخير."
رد عليه علي مبتسمًا، بينما يعتدل عُمران بجلسته وكلتا أذنيه تنتبه لصوت رفيقه الغير طبيعي:
"صباح الورد يا يوسف، أنا طلبت من الممرضة تديك خبر إن فريدة هانم بغرفة العمليات، بس ملقتكش بمكتبك، إنت لسه موصلتش المركز ولا أيه؟"
أجابه يوسف بدهشة:
"أنا مش في مكتبي، بس موجود بالمركز، حالًا هكون عندكم وآ..."
انقطعت باقي جملته، حينما سحب عُمران الهاتف يسأله بلهفة:
"صوتك ماله؟"
رد عليه وابتسامته تصل لهما من دون أن تُرى:
"أنا زي الفل، ونازلك يا وقح."
قالها وأغلق الهاتف، ثم نهض ينزع عنه المحاليل، فإذا بسيف يدلف حاملًا صينية الطعام والعصائر، وما أن رآه يقف عن الفراش، حتى أسرع يضع ما بيده ويتساءل:
"قومت ليه يا يوسف؟!"
أحاطه وكأنه سيسقط فاقدًا للوعي، فابتسم "يوسف" وضمه بحنان وفرحة تنبع من داخله لما فعله أخيه اليوم:
"أنا فرحتي بيك النهاردة عالمية يا دكتور، وأخيرًا شطبت لقب حقنة من ورا لقبك، وبقيت دكتور سيف آيوب على سن ورمح."
زوى حاجبيه بعدم فهم لما يقوله، ظنه سيخبره بأنه على ما يرام، أو ربما يشرح له الحالة التي يشعر بها بالتحديد، ولكنه فجأه بحديثه الغامض، وسعادته الغير مفهومة بالمرة، فهتف بحيرةٍ:
"لقب أيه؟!"
احتوته ذراعيه تعمقًا، والسرور ينتقل في جملته:
"مش إنت النهاردة إتغلبت على عقدتك وعلقتلي المحلول، يبقى كده العقدة إتحلت ومبقتش تخاف من المحاقن والمحاليل."
وابتعد يقابله بامعانٍ بدى بترتيب جملته الهامة:
"لو كنت أعرف إنك علاجك عندي كنت هدعي تعبي من أجل هذا الإنجاز اللي أسعد قلبي."
تغاضى عما يقصه وطالعه بعينان غائرتان بالدموع، جعلت ابتسامته تتلاشى، ويعود ليقابله بوقفته مرددًا بقلقٍ:
"سيف!"
استدار سريعًا يحارب ألا يرى دموعه المنهمرة، إعتاد أن يكون رجلًا صلبًا، عزيزًا على أحدٌ رؤية دموعه، ولكن حينما تعلق الأمر بأكثر شخص يحبه بتلك الحياة، أظهر ضعفه، عجزه، قلة حيلته، كل ما تمكن من إخفاءه يومًا كُشف عنه الآن.
لحق به "يوسف" وقد تبخرت سعادته، حينما رأى أخيه بتلك الحالة، فوضع يده على كتفه يجبره على التوقف محله دون الهرب من لقائه، وقف قبالته يتطلع له باسترابةٍ وقلق:
"مالك يا سيف؟"
رفع عينيه الباكية إليه، وبصوتٍ إختنق فيه وجعه قال:
"أنت شايف إن مرضك هيشفي عقدتي يا يوسف، أنت تعبك هيتعبني مش هيداويني، وبعدين لو أنا شخص معقد في كام صفة فيا، فدول ليهم سبب مبرر، وطالما ليهم تبرير يبقى أنا شخص طبيعي."
وبابتسامة باهتة قال:
"وعشان تطمن إني طبيعي مية في المية، تحب أبدألك بأول عقدة، أو وجع راجع للي حسيته وقت ما شوفتها بتلومني وبتوصفني إني شيطان، مكنتش فارق معاها وجعي ولا النزيف الصعب اللي كان عندي، كان كل اللي شاغلها إنها هتسيب شغلها ازاي الكام يوم اللي هتقعدهم معايا في المستشفى، مش فارق معاها الاصابة الحساسة والخطيرة اللي اتعرضت ليها، الذل والغضب اللي لمسته منها خلاني كرهت الوسيلة اللي كانت سبب تعريتها من أخر شيء كنت فاكر إنه موجود جواها، والصدمة كانت إن مكنش عندها ذرة خوف وحنان ليا."
أدمعت عيني "يوسف" ووخزة الألم تخدر صدره، تناسى مكالمته مع" علي "، تناسى كل شيءٍ، الا وجع أخيه البارز باعترافاته التي يشهدها لأول مرة، بينما يسترسل" سيف"حديثه باكيًا:
"وتاني عقدة محسوبة عليا، هي إني إتسندت عليك وكنت كل حاجة في حياتي، إنت كل عيلتي يا يوسف، كنت مكفيني وغنيني عن كل علاقة ممكن يكون ليها وجود في حياتي، كنت أبويا وأمي وأخويا وصاحبي."
وضحك بسخرية تنافت مع دموعه:
"وعلى فكرة مكنش عندي أي نية إني أرتبط، كنت بشوفك متشعلق ومتحمس إنك تجوزني، ومن جوايا عايز أقولك إنسى، أنا تقبلت آيوب بصعوبة فمكنتش هقدر أتأقلم على دخول حد تاني حياتي المحدودة، مفيش أبشع من إنك تتصدم في أقرب الأشخاص ليك وأنا كانت صدمتي في أبويا وأمي، ومع ذلك اتفاجئت إن قلبي طبيعي زي البني آدمين دق وحب واختار، بس برغم كل ده علاقتي بيك مكنش ليها مسمى ولا قادر أصنفها بأولوية العلاقات اللي في حياتي لإنك أساسها!"
دنى منه يوسف مجددًا في محاولة لضمه، ولكنه أدهشه حينما دفعه للخلف وهو يصيح ببحة إعتلت صوته:
"إنت إزاي فاكر إن بتعبك هتعافى من أي عقدة كان وراها وجع كبير!! إزاي فكرت في كده؟؟ أنا كنت هتجنن وإنت واقع من طولك وإنت قايم تهزر وتقولي عقدتك اتحلت!!"
وأضاف وهو يبتعد عنه متجهًا للمقعد المنعزل بعيدًا عن محل وقوفه، هامسًا بضيقٍ شديد:
"أنا من غير حاجة بأنب نفسي لإني عمري ما ضغطت عليك تتكلم وتفضفض، إنت كتوم بشكل أوهمني إنك بخير وكويس، أنا مش أناني يا يوسف، إنت اللي عامل حاجز حولين نفسك وعازلني عنه."
تزداد صدماته تدريجيًا كلما كشف أخيه عن حجم الألم المختبئ داخله، انتزع نظارته الطبية يزيح دموعه، بعدما عبئ رئتيه بهواءٍ قد يحرره من ضيق تنفسه، ثم إتجه يسحب أحد المقاعد بخفة، ووضعه جوار أخيه، وجلس بهدوءٍ استرعى انتباه "سيف" لما سيقوله، فرفع رأسه يتابعه بتركيزٍ، فاذا به يمازحه رغم مرارة ما يشعر به:
"كنت كاتم كل ده عني يا سيفو!"
شيعه بنظرة مغتاظة، ورد بنزقٍ:
"فاكر نفسك أنت اللي كتوم بس!"
ضحك يوسف وقال:
"أنا كتوم!! بالعكس ده أنا أكتر شخص بيتكلم وبيفضفض عن كل حاجة بتحصل معاه."
منحه نظرة مشككة في حديثه، فاستطرد يوسف بجدية:
"على سجادة الصلاة بتكلم وبقول كل اللي مضايقني يا سيف، وكون إني مش بتكلم معاك ده يمهدلك إني بخبي عنك، أنت زي ما قولت شايفني كل حاجة في حياتك، فميهونش عليا أوجعك بوجعي وبهمومي، وبعدين أنا دايمًا بقولك الشكوى للعبد عمرها ما هتقدم ولا هتأخر، شكوتك لرب العباد وخالقهم هي اللي هتريحك وهتحل ليك كل مشاكلك."
وأضاف ويده تمتد على كتفه ليحثه على التمعن بحديثه:
"مش عايز أديك فرصة تسرح بخيالك، فلازم تعرف إن عمر ما كان في بينا أسرار، كل الحكاية أني محبتش أتكلم معاك عن ماضي فات والمفروض يكون انتهى وصفحته اتقفلت."
قاطعه سيف قائلًا بتشكيك:
"وهو اتقفل معاك يا يوسف! هو سبب تعبك النهاردة فإزاي عدى وانتهى!"
منحه ابتسامة جذابة وقد أعاد له ذكريات اللقاء الختامي بينه وبين تلك التي تدعو بوالدته، وقال:
"انتهى يا سيف، النهاردة قفلت الصفحة وقطعتها كمان، وصدقني بعد تهديداتي ليها بنقطة ضعفها مش هيكون ليها ظهور في حياتنا تاني."
هز رأسه بحركةٍ بطيئة، بينما يعركل ساقيه من أمامه كمحاولة لاخفاء نصل سكينه الطاعن بمنتصف قلبه، وبابتسامة مخادعة أخبر أخيه:
"كنت فاكر أن هيجي عليها اليوم اللي تفوق فيه وتتغير، كنت مستني أشوف منها الندم على اللي عملوه معانا."
صدرت عن يوسف ضحكة رن صداها لأخيه، وقال ساخطًا:
"النهايات السعيدة اللي في أحلامك دي أتعملت عشان تتحط في أخر مشهد الافلام والروايات يا سيف، لكن اللي أنا وانت واثقين منه إن اللي زي دول عمرهم ما هيتغيروا أبـدًا."
وأضاف وهو يتمعن بمُقلتيه، قاصدًا لمس أوتاره:
"ولو إنت شايف اني معوضك عنهم هتقفل صفحتهم معايا."
ترك مقعده وجلس أرضًا يميل برأسه على ساقي يوسف، هادرًا بحزنٍ:
"إنت معوضني عن الدنيا كلها يا يوسف."
مرر يده بين خصلات شعره بحنانٍ، وبابتسامةٍ راضية قال:
"ربنا يقدرني وأكون دايمًا جنبك وسندك يا سيف، أنا هحاول أدور على شقتين في مكان قريب من المركز هنا، عشان متعرفش توصلنا تاني، مع أني أشك إنها تقدر."
رد عليه ومازال يسترخي على ساقيه:
"يبقى أفضل."
وما كاد بأن يسترسل حديثه، حتى انقطع عنهما الحديث فور أن قاطعهما صوتًا ساخرًا:
"وحياة أمك!!"
قالها ذلك الذي اقتحم الغرفة التي دلته عليها إحدى الممرضات، فرنا إليهما وهو يصيح بعصبية أرعبتهما:
"بقى أنا قاعد تحت على أعصابي وأنت بتحبلي هنا في أخوك بروح أمك!! مش مقدر اللي بتنازع جوه أوضة العمليات دي!!"
وسحبه من تلباب قميصه وقد تخلى عن هدوئه المخادع:
"ده أنا هطربق المركز ده على نفوخ أمك النهاردة إنت وشريكك اللي قاعد بارد تحت وكأن اللي مرمية جوه دي واحدة ميعرفهاش!"
جاهد يوسف ألا تسقط نظارته عن عينيه، بينما تموج عن وجهه كلما يدفع عُمران جسده بعنف، ففصل سيف بينهما قائلًا بغضب:
"سيبه يا بشمهندس، أخويا تعبان ومش قادر يدخل عمليات، شوف دكتور تاني يدخل للمدام."
سدد له يوسف نظرة قاتلة، بينما يتمتم بغيظٍ:
"مدام مين، اسكت بدل ما يفكني ويعلقك إنت، روح مكتبك أنا بعرف أتعامل مع عصبية الوقح ده."
رفض الانصياع له، ومازال يجاهد لتخليص أخيه من بين يدي عُمران، هادرًا بانزعاج:
"سيبه أنت قافش حرامي غسيل!!"
أمسك عُمران يوسف بذراعٍ واحد، بينما يميل بالأخر فوق خصلات شعر سيف الفوضوية، يرتبها بهدوءٍ أرعب كلاهما، بينما يحدثه ببسمة ثابتة:
"اسمع كلام أخوك الكبير يا سيفو، عايزين نأخد راحتنا بالكلام وميصحش الكتاكيت الصغننه اللي زيك تسمع كلام الكبار، عيب يا حبيبي!"
وأضاف ومازال يعامله برقة من يراها يقسم أنه يعاني من انفصام الشخصية:
"لازم تتعود في حياتك تسمع كلام الأوعى منك، فاسمع مثلًا كلام بابا يوسف واحتياطي تسمع كلامي قبل منه، عشان أنا أدرى بمصلحتك أكتر من دكتور الحالات المتعسرة."
واستدار تجاه رفيقه يسأله بنظرة شرسة:
"صح يا جو؟"
هز رأسه عدة مرات وهو يؤيده:
"صح طبعًا، الطاووس كلمته مسموعة على الكل وأولهم أنا."
كبت سيف ضحكاته بصعوبة، ومع ذلك أخمد عناده راسمًا بسمة صغيرة، عشرته لشخصية الطاووس الوقح دمغته بالأمان، أينما كان فإن المنطقة التي يزورها تصبح آمنة، لذا قرر الانصراق بلطفٍ لحق نبرته المُحايدة:
"تمام هرجع لمكتبي، وربنا يقوملك المدام بخير يا بشمهندس."
فتك عُمران بقبضة يده الفارغة، فصاح يوسف بتحذير:
"اجري يا سيــف."
غادر على الفور، بينما يرسم يوسف ضحكة واسعة تتبعها قوله المبرر:
"اعذره ميعرفش حاجة، وده دليل إن سرك جوه البير من وقت ما ثبتني في العربية بالحتة الشمال دي فاكرها؟"
تركه وهو يعدل من قميصه بينما تعلو عنه صوت أنفاسًا منفعلة:
"فاكرها يا حبيبي، لو اشتاقتلها أطلبها تجيلك بالاحضان ولا أنت أيه رأيك؟"
ابتلع لعابه برعبٍ مضحك:
"كتر خيرك، أنا طول عمري سكتي حلال، ماليش في الشمال أنا."
ضحك عُمران ومال يشاكسه:
"وماله نخليه بالحلال ونكتب كتابك عليها، قولي إنت بس عايزها مواصفاتها أيه وأنا تحت أمرك، مع إني أخاف عليك من الحامية هتطير صوابعك قبل ما تعلم بيها على اللي قدامك."
عدل من نظراته وهو يصيح بانزعاجٍ وعصبية:
"أنا دكتور محترم، قولتلك ماليش في سحبة المطوة بتاعتك دي."
"وأنا اللي صايع يعني بروح أمك؟!"
قالها وهو يرنو إليه، فضحك وهو يجابهه:
"للاسف صايع ووقح الاتنين مع بعض، وكلمة زيادة مش مسؤول عن حالة فريدة هانم، أنت الظاهر طالع تهزر وأنا معنديش وقت، عن إذنك."
قالها وأسرع للمصعد ومنه إتجه لطابق المخصص لجراحة قسم النساء والتوليد.
***
خرجت الطبيبة من الغرف المخصصة للعمليات، فإتجهت إلى "علي" تخبره بمهنيةٍ:
"دكتور علي، زي ما بلغت حضرتك ولادتها بشكل طبيعي هيكون صعب، فكده هنضطر نلجئ للجراحة، تحب حضرتك أبلغهم يجهزوها؟"
انقبضت معالم "علي" خوفًا وقلقًا على والدته، فامتص توتره بكلماته الرزينة:
"هنستنى دكتور يوسف لإنه المسؤول عن حالتها من البداية، بشكرك لتعبك يا دكتورة، تقدري حضرتك ترجعي لشغلك."
منحته ابتسامة عملية، تواجه بها رقيه بالتعامل، واستدارت لتغادر، فوجدت يوسف يخرج من المصعد، شرحت له الحالة بإيجازٍ، وغادرت على الفور، فإتجه إلى علي، الذي واجهه بكلماتٍ مختصرة تسجل وجعه:
"هتخضع للجراحة يا يوسف؟"
رد بعملية باحتة:
"مقدرش أكد على كلامها الا لما أعين الحالة بنفسي، متقلقش هطمنك."
واستكمل طريقه للداخل، بينما جلس عُمران بالمقعد المنزوي بعيدًا عن الأعين، لقد خسر اتزانه فور أن استمع لحديث الطبيبة مع يوسف، بحث عنه علي فأتجه إليه، جاور جلسته وتابع صمته بقلقٍ، جعله يبدأ بالحديث بينهما:
"أنا كلمت فاطمة ونبهت عليها متجيش هنا هي ومايا، الاتنين غلط عليهم يحضروا التوتر والارتباك ده."
اكتفى بتحريك رأسه كإشارة منه أنه يوافقه على حديثه، ربت على ساقه بحنان وقال:
"هتبقى كويسة يا عُمران، كل ده طبيعي وبيحصل."
وأضاف وهو يجذب هاتفه:
"أنا هتصل بعمي أبلغـه."
انتزع عُمران الهاتف منه بعدوانٍ، وعنف:
"لا مش هتكلمه، هو السبب في اللي هي بتمر بيه ده."
فشل بإخفاء ضحكته، فمال على كتفه وقد تحرر عنه الضحك بشكلٍ جعل جسده يهتز، فضحك عُمران هو الآخر وهتف بحيرة:
"هي في الحالة اللي زي دي المفروض نتصرف ازاي؟!"
هاجم ضحكاته بصعوبة وقال:
"المفروض تكون عاقل وده اللي بتمنى تتمسك بيه حاليًا."
تحرك بجسده لنهاية المقاعد، وكتف ساعديه أمام صدره، ناطقًا بضيق:
"سبتلك العقل والحكمة، اتفضل اتعامل أنت."
سحب هاتفه وابتعد عن محيط تواجده خشية من أن يرتكب أي فعلًا أحمقًا، بينما تتعلق رماديتاه بباب الغرفة والخوف يكاد أن يذيقه من جحيمٍ.
مرت عليهما أربعون دقيقة كالسوط الذي سلخ جلد عُمران الذي يختبر شعور القلق والرعب بشكلٍ غريب، حتى انتهى بخروج الممرضة، حاملة بين يدها تلك الصغيرة التي شارفت لتنير عائلة الغرباوي. منذ لحظة خروجها وهي تتنقل بنظراتها الحائرة بين علي وعُمران، وكان أول من تحرك إليها بخطواتٍ حماسية، حملها إليه بكل رفقٍ وحنان يمتلكه، واختلى بنفس مقعده البعيد، يرفع الغطاء الرقيق عن وجهها الملائكي، فابصر وجهه المتوتر عن ابتسامة جذابة، فمرر إصبعه على وجنتها البيضاء الناعمة، هامسًا بفرحة:
"يا روح قلبي على الجمال، نورتِ عيلة الغرباوي كلها يا سكرة."
رنا إليه علي متلصصًا على ما يحمله، فقال عُمران بابتسامة مشرقة:
"تعالى يا علي شوف القمر اللي هل علينا ده."
جلس جواره يراقبها بابتسامة حنونة، وانحنى في محاولة ليقبلها، فاذا بعمران يستدير بها بغضب:
"بتعمل أيه؟؟ دي صغيرة جدًا مينفعش تبوسها، استنى سنتين تلاتة لما تجمد شوية!!"
اندهش علي مما يحدث قبالته، وخاصة حينما انزوى بها عُمران مجددًا، واضعًا يده على جبينها وبرجاءًا همس لها:
"روح قلبي اللي هتسمع كلامي وتفتح عيونها، عايز أشوف لونهم أيه؟"
ضحك وهو يجيبه ساخرًا:
"وهي هتفهمك كده مثلًا، دي لسه مختارناش ليها اسم يا أخرة صبري!"
منحه نظرة محذرة، وعاد يتعمق بملامحها الملائكية، حتى نطق دون وعي لحديثه:
"فيروزة! فيروزة هانم الغرباوي."
وخطف اصبعها يقبله بحنان، بينما يهمس لها:
"أيه رأيك في الأسم يا صغنن، لو مش عاجبك إديني أي إشارة وأنا أسارحلك بخيالي للفجر لو تحبي."
ابتسم علي وهو يراقبه بحبٍ، بداخله يعلم أن أخيه سيكون أبًا عظيمًا. مال عُمران له بها بحماسٍ:
"علي هي نايمة كده صح؟؟ طيب هتصحى أمته أنا عايز أشوف لون عنيها."
رد بنفس ابتسامته، وكأنه يعامل طفلًا صغيرًا:
"وهيفرق معاك لون عيونها في أيه بقى؟?"
شرح ببساطة أضحكت علي للغاية:
"طبعًا تفرق، عايز أشوف هتطلع رمادي شبهنا ولا شبه فريدة هانم وشمس!"
تحررت كلمات علي بصعوبة من بين ضحكاته:
"لا الموضوع فعلًا مهم، راقبها لما تفتح عيونها لحد ما أشوف يوسف وأرجعلك."
وبالفعل تركه واتجه ليوسف الذي خرج للتو، ينزع كمامته والارهاق يبدو على معالمه، فأسرع بسؤاله:
"طمني يا يوسف."
لمس قلقه الصريح على والدته، وخاصة لعمرها، فقال يطمئنه، وعينيه تفتشان عن عُمران بدهشة:
"عملت محاولة أخيرة قبل ما دكتور التخدير يجهزها للعملية، وبفضل الله ولدت بشكل طبيعي وحالتها مستقرة جدًا الحمد لله."
تنهد علي بارتياح، وبثقة قال:
"مشكتش في لحظة فيك يا دكتور، إنت يترفع عنك لقب دكتور الحالات المتعسرة ويتحط لقب تاني أفخم."
ابتسم على حديثه الراقي، بينما لم يتمكن من سحب بصره عن رفيقه، فأشار لعلي:
"هو عُمران مش كان قاعد على أعصابه بره، أنا توقعته يكون أول واحد واقف يستقبلني لما أخرج!!"
تعالت ضحكاته الرجولية، بينما يخبره:
"فيروزة هانم لحست عقله!"
شاركه الضحك وقال بتمني:
"لو هتثبته التثبيتة دي، سيبها معاه أنا اتفائلت بيها والله."
خربت الممرضة المشهد العاطفي بين عُمران والصغيرة، حينما أرادت أن تصطحبها للطبيب، الذي سيشرف على تطعميها وتفحص حالتها الصحية، فنهض عُمران يسألها على مضض:
"مش قولتي إن كان في دكتور أطفال جوه بغرفة العمليات وشافها، عايزة توديهاله تاني ليه؟!!!"
قالت بعمليةٍ باحتة:
"لازم تأخد تطعيمة الكعب يا بشمهندس، هخليه يدلها الحقنة وهرجعها لحضرتك بسرعة."
جحظت رماديتاه في صدمة قاسية، أرعبت الممرضة منه، بينما يقترب إليها مرددًا بخشونة:
"حقنة أيه اللي هتديها لملاك بريء لسه عداد عمره يبدأ!! أنتِ خرفتي على كبر ولا خرجتي من بيتك شايلة معاكي كل حاجتك الا عقلك!! لا ومتخيلة أني هسلمهالك يا عديمة المشاعر!! ازاي يهون عليكي تعملي كده مع الاطفال ومع بنتي أنا!! ده إنتي يوم أمك أسود النهاردة."
تطلع علي ويوسف لبعضهما بصدمة، ومن ثم هرول كلاهما إليه، يحاولان بكافة السبل أن يهدئان ذلك الذي فقد عقله للتو، وقد حلت العصبية نبرته المنفعلة:
"علي إنت محتاج تفوق لموظفينك هنا، المركز كله عايز إبادة."
واستدار ببصره تجاه يوسف، ليسأله بحدة:
"فريدة هانم اتنقلت أي أوضة؟?"
رمش بعدم استيعاب وهو يشير بيده للغرفة التي تجاور العمليات، فصوب نظرة نارية أخيرة لهم، ثم غادر يحمل الصغيرة والصدمة مازالت تتراقص عليهم بينما يمر من جوارهم وهو يهمس للصغيرة بصوتٍ مسموع:
"فيروزة هانم.. جاهزة نتعرف على مامي؟"
وأضاف وهو يحاول أن يفيق نومتها:
"طيب افتحي عيونك طيب."
انصاعت له الصغيرة، وكأنها تجيد سماع كلماته، فأفرج
رواية صرخات انثى الفصل 110 - بقلم ايه محمد رفعت
غمس أحمد أصابعه بين أصابع فريدة، وقبلته تلثم جبينها. لمست دموعه الدافئة، تعلمه كيف قضى طريقه ليصل لها. رفعت فريدة رأسها إليه، تتفحصه بقلق. اتبع نبرة صوتها الرقيق:
"أنا كويسة يا أحمد، والبيبي كمان بخير."
قالتها وأشارت لعُمران بأن يحملها إليه، فإتجه يحمل الصغيرة من الفراش، ثم وضعها بين يديه هامسًا له:
"هتغاضى عن كلابي السعرانة اللي بتتعارك معايا عشان حالتك النفسية الغريبة دي، بس لينا عتاب قاسي وجامد يا أحمد يا غرباوي، وأهي محكمة الأسرة فاتحة كل يوم، هنروح من بعض فين يعني!"
ومع وضعه لها بين يديه، ختم قوله بتحذيرٍ قاطع:
"إتفضل الانتاج الأول والأخيـر، واخد بالك إنت!!"
وبإصبعه حذره:
"ممنوع البوس، أجل مشاعرك لما تكبر سنتين تلاتة."
وتركه يحمل الصغيرة مصدومًا مما قال، لدرجة جعلته لم يركز بملامح الصغيرة. وتابع عُمران الذي مال تجاه والدته التي استسلمت للنوم بعد هذا الإرهاق، قبل جبينها وجذب الغطاء من حولها، بعدم رضا لما ترتديه، بينما يتمتم بسخطٍ وصوت مسموع للجميع:
"ومتضايق إني مانع الدكاترة والممرضين يطلعوا هنا، عايزهم يدخلوا ويشوفوا أمه باللبس الغريب ده!!"
وأضاف وهو يتطلع للممرضة التي تعدل المحلول جيدًا:
"هو مفيش لبس تاني عندكم غير اللبس ده!"
أجابته بدهشةٍ لما يلمح له:
"ده اللي الهانم اختارته."
هز رأسه بعدم اكتراث، واستدار يشير لأخيه قائلًا:
"علي عايزك لو سمحت."
قالها وإتجه لباب الغرفة القابعة للجناح الطبي المكون من ردهة تحوي على صالون صغير وغرفة خاصة بفريدة. وقف ينتظر أن ينضم له. نهض علي من جوار فاطمة التي تشاهد ما يحدث بتسلية.
أغلق علي باب الغرفة، وأتجه يقف قبالة أخيه يطالعه بغيظٍ ومحاولاته جميعها سخرها بالسيطرة على انفعالاته، بينما يتلقى تعليمات عُمران:
"أنا خارج لمايا، عايزك تشد الحراسة هنا مكاني، أديك شايف أمك نايمة بلبس شبه قمصان النوم!!"
وأضاف وهو يستخدم أسلوبه التهديدي:
"عارف لو رجعت شميت ريحة راجل دخل الجناح تاني، هقدم فيك بلاغ أتهمك بتجارة الاعضاء وأهو إثبات الحالة عندي، فريدة هانم خارجة من غير المشيمة، يعني كل شيء هيتكشف ويبان، خاف على المخروبة دي بدل ما أشردك أنت ودكتور الحالات المتعسرة."
واتجه ليغادر ولكنه عاد يخبره:
"آدهم نفسه ميدخلش جوه، يقعد هنا لحد ما شمس تخرجله، وياريت تشد معاه عمك، وقوله يفكه من أسلوب المحن ده! نازل بوس وأحضان جوه ولا كأننا موجودين معاه، مش مكفيه مصايبه اللي بنلم فيها من الصبح!!"
أغلق علي عينيه ومال على الحائط بجبينه الذي ضربها بصوتٍ مسموع، جعل الاخير يعود له، يتفحصه بقلق:
"مالك يا علي، إنت كويس؟"
مال برأسه تجاهه، فاسترسل عُمران حديثه:
"شكلك مجهد وتعبان، حالًا هشوفلك أي دكتورة نفسية تعالجك، بس دعواتك ألقى دكتورة في أم المخروبة دي، سوري يا علي مش هقدر أخالف تربيتي ولا أخلاقي اللي اختفوا عندك فجأة وأسمح بدخول دكتور هنا عشانك، بص عالج نفسك بنفسك ونوفرها عليا بمجهود البحث."
تحرر الجليد عنه بامتيازٍ، فدفعه من تلباب جاكيته الرياضي الأسود على الحائط، بقوةٍ أذهلت عُمران، بينما يتحرر صوت علي من بين اصطكاك أسنانه:
"أنت عايز أيه، أقتلك وتكون دي نهاية علاقتنا المثالية؟ ولا أتعامل معاك كحالة من الحالات اللي بفضل تعبك لاعصابي بطلت أتابعهم!!"
جحظت عيني عُمران بصدمة، بينما يستطرد "علي" بصوتٍ كان هادئًا ولكن مضمون حديثه عنيفًا:
"لو عايزني دكتور ليك فخليني أصارحك بالحقيقة، إنت عندك انفصام بالشخصية يا حبيب قلب أخوك، وأنا جاهز اعالجك منه، كل ما تنفصم هفصل دماغك بأقرب حيطة عشان تفوق وترجع لعقلك كده!!"
ابتلع ريقه بتوترٍ من انفجار علي المفاجئ، فوزع نظراته بينه وبين يده المحيطة له بقوةٍ أدهشته، ثم قال:
"إهدى وخد نفس بانتظام يا حبيبي، كده وحش على أعصابك، إحنا لينا مين غيرك يا علي، اهدى يا روح قلب أخوك من جوه."
قالها وسحبه لأقرب مقعد، يعاونه بالجلوس، بينما ينزع عنه جاكيته وجرفاته، ويجذب ريموت التكييف، يرفع من درجته ويتابع علي الذي يتطلع له بدهشةٍ وتعب من التعامل مع هذا الشخص، فمال يضم كفيه على وجهه، ليجده يفرقهما ويطالعه بدقة بجسدٍ منحني إليه، وسؤاله الساذج:
"أحسن دلوقتي ولا تحب أطلبك دكتور؟!!"
أجابه وهو يستمد نفسًا طويلًا:
"إنت كنت رايح مشوار؟"
هز رأسه يؤكد له:
"كنت خارج ورا مايا، كلام فريدة هانم ضايقها فخرجت أصلح الدنيا."
وأضاف بسخطٍ:
"انتوا عيلة لسانكم استغفر الله، سحليني ألم وراكم مصايبكم، على أساس أني ممسك الادارة لحد وصايع طول اليوم من هنا لهنا."
منحه علي نظرة نارية، فمسح على كتفه وقال مبتسمًا:
"مش بلقح عليك يا حبيبي، وبعدين الاجازة اللي خدتها والصياعه اللي صعتها كانت لأجل مين يعني؟!! أنا منساش أي حركة أصيلة تتعمل معايا، وإنت مجدع ورجولة."
مال علي يستند على كفه، وتركه يرتب ملابسه حتى انتهى، فنهض عمران يلقي نظرة أخيرة على أخيه، بعدما حرره من ربطة عنقه وجاكيت بذلته الذي اعتاد ارتدائهما بشكلٍ روتيني، فمنحه ابتسامة أخيرة وأثنى على ذاته:
"كده أفضل."
ومال يقبل رأسه وهو يتمتم:
"ربنا يهديك ويحفظك بعقلك يا حبيبي، يلا سلام مؤقت."
قالها وغادر على الفور، فزفر علي بتعبٍ، وعاد يتجه للداخل، مستقلًا محله جوار فاطمة على الأريكة، فاذا بأحمد يميل تجاهه متسائلًا ومازال يحمل الصغيرة:
"ماله أخوك يا علي؟"
زم شفتيه في حزنٍ مضحك:
"معرفش، من ساعة ما شاف فريدة هانم بالحالة دي وهو طايح في كل البشر، اتجنن تقريبًا."
وأضاف بجدية أضحكت أحمد:
"أنا كنت خايف عليك منه والله، بس الظاهر خوفك وتوترك خلاه يرأف بيك، بس ده مش معناه أنك فلت، هيجيلك وقت معاه أكيد."
ضحك على حديثه، بينما يتمتم بسخطٍ:
"يا منجي من المهالك يا رب."
وحينما إنحنى ليطبع قبلة على خد صغيرته، تذكر تعليمات الطاووس الوقح، فاكتفي بتقبيل يدها ودموع فرحته تتراقص بمُقلتيه، فتابعه "علي" و"فاطمة" بتأثرٍ، وهو يتأمل صغيرته بسعادة، وعدم تصديق أن من يحملها هي فلذة كبده، من كان يصدق أنه سيحمل ذات يوم ابنة من معشوقته، التي حرم منها ومن وصالها طوال تلك الأعوام.
جاور محل جلوسها، بينما تربع يديها أمام صدرها، والغيظ والضيق يتنافسان للبقاء معًا. ابتسم وهو يختطف النظرات لها، فدفع يدها برفقٍ وهو يقول:
"حبيب قلبه وهو زعلان شكله بيكون مش لطيف أبدًا."
فكت يديها عن بعضهما، وقالت تشكو له:
"يرضيك الكلام اللي بتقوله فريدة هانم ده، قصدها أيه بكلامها ده، على فكرة أنا زي أي ست حامل ، هي اللي مش طبيعية."
حك أنفه ليخفي عنها ضحكته، وتنحنح بخشونة وثبات:
"عندك حق يا بيبي، وبعدين يا روحي أنتِ متضايقة ليه، أنا اللي بعين وبشيل وعلى قلبي زي العسل، كفايا إنك مش حارمة ابني من حاجة، كل اللي نفسه فيه بيلاقيه."
قال جملته الاخيرة وابتسم حينما وجد حزنها يتبدل لسعادةٍ، وبرمشة عينيها قالت:
"بجد يا عُمران؟"
ضحك بصوتٍ مسموع، وهتف:
"حلوة قلبة العين دي، رموشك ثبتتني!"
وأضاف وهو يجذب كفها، يمرر إبهامه من فوقه بلطفٍ:
"أنا مبتكلمش الا الجد يا روح قلبه من جوه، وعشان تصدقي إني مش فارقلي شيء، هننزل أنا وإنتي نفطر في الكافيه اللي تحت، أهو فرصة نقيم واجبات المركز، أهو يبقى فيه حاجة عدلة في المكان المخروب ده."
وأضاف وهو يتجه بها للمصعد:
"يلا اسبقيني تحت وإختاري على مزاجك، وأنا شوية وهحصلك."
أومأت برأسها إليه بسعادةٍ، وافترقوا عند المصعد، بينما صعد عُمران الدرج للأعلى، قاصدًا مكتب رفيقه، فتح بابه وولج للداخل، فوجده يميل على سطح مكتبه، مستندًا على ذراعيه، ناداه ليوقظه بخفة، وهو يحرك ذراعه:
"يوسف!"
فتح عينيه بانزعاجٍ، وحينما وجد عُمران يجلس قبالته، تساءل بقلقٍ:
"فريدة هانم كويسة؟?"
تنهد بحزنٍ بدى عليه:
"ماما كويسة بس إنت اللي مش كويس."
واستطرد باختناقٍ يحاور نبرته:
"من أول ما سمعت صوتك وانت بتكلم علي وأنا واثق أنك فيك شيء، وإتاكدت شكوكي لما دخلت ولقيت سيف حضنك وكان باين عليكم أن في حاجة وكبيرة كمان، أنا محبتش أسالك وسيف هنا، ولا وعلي معانا، فحالًا قولي مالك؟?"
ابتسم "يوسف" وقد راق له اهتمامه الدقيق به، كعادته لا تفوته التفاصيل، حتى أصغر الأشياء، ترك مقعد مكتبه وإتجه يجلس قبالته، وأخرج الهواء الثقيل داخله، ليلحق به حديثه:
"ماما ظهرت من كام يوم وعندها اصرار مش طبيعي إن سيف وزينب ينفصلوا عن بعض، يعني رجوعها ووجودها المزيف سببه إنها تبعدهم عن بعض."
وتابع وقد تلألأت الدموع بعينيه:
"أنا حاربت نفسي كتير عشان أعاملها باحترام، بس في الاخر مقدرتش، مقدرتش أقف وأتفرج عليها وهي بتهدم حياة سيف يا عُمران ، روحتلها وهددتها إنها لو مبعدتش هفضحها في مكان شغلها، بس بعد ما خرجت من عندها لومت نفسي، أنا خايف من عقوق الوالدين يا عُمران، خايف ومرعوب أشيل الذنب الكبير ده بسببها، يعني هي مرأفتش بيا وهي بعيدة ولا وهي قريبة."
سحب علبة المناديل الموضوعة لجواره، قذفها إليه وبأمرٍ متعصب قال:
"امسح دموعك بسرعة، متخرجش شيطاني عليك، خليه محبوس محتاج أكون هادي شوية."
سحب المناديل يزيح دموعه، بينما يجوب عُمران الغرفة ذهابًا وإيابًا بغضبٍ، ليت شكواه ضد أي شخص أخر، يقسم أنه كان ليقتله بكل صدر رحب، لقد جعلت صديقه القوي ينهار، الوحيد من بينهم الذي كان يراه نموذجا متقاربا من أخيه، فلم يعهد الضعف والحزن يتجسدان بهما، لم يحتمل أبدًا.
مال إليه يحاول سحبه من تلك البقعة السوداء، فمنحه نظرة جعلته يعتدل بمحل جلوسه بارتباكٍ:
"في أيه يا عُمران، خيلتني!"
خطى ببطء ليحتل محل جلوسه مجددًا، واضعًا ساقًا فوق الاخرى بعنجهية:
"أنت مش واخد بالك أني سبت والدتي وفيروزة هانم وعمي اللي محتاج يتأدب وجيتلك؟"
زوى حاجبيه بعدم فهم، ومع ذلك قال:
"واخد بالي."
تابع وهو يعدل من جاكيته الرياضي:
"وده ميدكش إحساس بشيء؟"
زفر بانزعاجٍ اتبع نبرته:
"احساس بأيه، مهو أنا مش فاهمك!"
اندفع يدفعه للمقعد وهو يصيح بعنفوان أفزع يوسف:
"إنك مهم عندي يا بجم!"
هفهمك أكتر من كده أيه؟!!!"
حبس ضحكاته بصعوبة، وقال وهو يحاول أن يحرر يديه من حول عنقه:
"أووه الباشا عُمران سالم الغرباوي ساب قسم النسا بحاله وجاي ورايا، تصدق عندك حق!"
وأضاف وقد انتابته نوبة من الضحك:
"ده ربنا بيحب الناس اللي تحت، رأف بيهم لما عقلك اتشتت بيا ورحلت."
عاد يجلس محله وهو يزفر بضيقٍ، فأشمر عن ساعديه ولفظ:
"بص أنا معاك أني كنت عصبي حبتين، بس غصب عني أنا مكنتش متحمل أسمع صوتها وهي بتتألم بالشكل ده، حتى لو سنها كويس ومش كبيرة أوي، بس بردو أنا مش شايفها غير والدتي، فغصب عني جنوني طلعت ومهدتش الا لما شوفتها بخير."
مال إليه يوسف يخبره بجدية تامة:
"عارف أنك كنت مرتبك ومتوتر، بس حاول تعتذر من الممرضة على الأقل لانك كنت مزودها معاها أوي."
قال دون أن يجادل:
"أكيد هعمل كده، أنا مكنتش أعرف أصلًا بالتطعيمة دي، غير لما الدكتور دخل وشرحلي."
وأضاف وقد سُلطت رماديتاه إليه، تستهدفه بكل ما سيقول:
"يوسف أنا متعودتش أشوفك بالشكل ده، إنت أقوى من كده، مش معقول يعني ظهورها المؤقت قدامك هيخليك تخرب حياتك وتدمرها، إحنا ياما اتكلمنا في موضوع العقوق ده مع أكتر من شيخ في لندن وأكدولك أنك مظلمتهاش هي اللي ظلمت نفسها هي وباباك باللي بيعملوه ده، فلو أنت مش مقتنع بده تعالى معايا نصلي العصر بمسجد الشيح مهران واقعد اتكلم معاه، صدقني هترتاح بعدها."
تعمق بكل جملة خرجت منه، لمس فيها تواجده الفعلي قولًا وفعلًا جواره، يتذكر حينما كان يصمد دون أي حديث عما يؤلمه، ربما كان يخدع الجميع أنه على ما يرام، ولكنه كان يفشل باقناع عُمران، كأنه بنظرةٍ يعلم ما يخفيه، عاد يتطلع له حينما استكمل حديثه:
"يوسف سيف بيستقوى بيك، لو شافك كده هيحس فعلًا إنه يتيم الأم والأب، يرضيك بعد ما تعبت وكبرته وعملت كل ده عشان تداويه، تيجي في الأخر وتكسره بايدك؟!!!"
عادت دموعه تلمع بعينيه تأثرًا بحديثه، فازداد عمق الألم برمادية عُمران، حتى اختنق صوته الذي صاح بعنفوانٍ:
"عارف لو كان اللي مزعلك ده أي شخص تاني، أقسملك بالله كنت طلعت روح أمه، دي دعت عليه في ليلة مفترجة وكلها رعد وبرق وعواصف."
ابتسم على حديثه، فلكزه عُمران وهو يستطرد:
"وبعدين إنت عايز أيه تاني في حياتك وأنا فيها!! متبقاش طماع يالا!!"
تحرر صوت ضحكاته، مجاهدًا للحديث:
"أنا فعلًا محظوظ، ربنا رزقني بعبحليم أبو دماغ لاسعة ورزقني بالبلطجي الوقح، هعوز أيه أكتر من كده؟!"
مزق شفتيه السفلية بأسنانه، هادرًا من بين اصطكاكهما:
"لا ده أنت عايز تتروق وأنا محبكش تموت ونفسك في حاجة."
قهقه ضاحكًا، بينما يخبره:
"اهدى يا بشمهندس، محبكش وإنت كده!"
سحبه من تلباب قميصه مجددًا:
"فوق للكلام بدل ما أطلع بروح أمك هنا، ولا هيهمني بوقين الجنتالة اللي رزعتهملك من أول ما دخلت، أعرف تمامك وخد حذرك مني، من خاف سلم يا دكتور."
تماسك من فرط الضحك، ومسح على كتفه:
"عندي دي يا معلم، اهدى وعديها."
عاد يحتل مقعده واضعًا ساقًا فوق الاخرى:
"تعجبني لما تقيم المسائل، أنت متخدش في إيدي غلوة."
وأضاف بضيقٍ ملحوظ:
"المهم، نسيبنا من اللي فات ونخلينا في اللي كنت طالعلك عشانه."
انصاع له يوسف، حينما وجده يسلك درب الجدية، فاذا به يخبره:
"هو مينفعش يعني نشوف بديل للتطعيمة دي، يعني لو ينفع يكون دوا شرب، حرام يا يوسف البنت كوتي أوي، مش هتستحمل، ده دراعها ورجليها أد كده!!"
تأمله بصدمة، انتهت بسقوطه أرضًا من فرط الضحك، من يصدق أن هذا الطاووس العنيف، يملك كل مشاعر الرأفة هذة، نظراته المتعصبة جعلته يسترد رزانته، ويعود لمقعده مرتديًا نظارته الطبية، بينما يخبره بخشونة وحزم:
"مبدئيًا كده، تشوفلك دكتور تاني يولد المدام مايا، أنا بقولك من دلوقتي أهو متعملش حسابي في الليلة دي!"
فتحت عينيها والنشاط يتجدد إليها، بعد أن حظيت بمدة طويلة بالنوم جوار زوجها بعد استيقاظها صباحًا. نهضت تفرد ذراعيها بدلال، وجذبت مئزرها الحريري ترتديه على عجالة من أمرها، والدهشة تحيط وجهها حينما رأت الوقت بهاتفها الموضوع للكومود، فعاتبت ذاتها:
"يا خبر إزاي أنام لحد دلوقتي، أنا محضرتش أي أكل للغدا، جمال هيقول أيه مصدقت!"
وتركت ملابسها والمنشفة التي تحملها استعدادًا للاستحمام، ثم خرجت سريعًا للمطبخ لتعد غداءًا سريعًا، ولكنها توقفت على صوت بكاء صغيرها، فرددت بحزنٍ:
"طيب أنا هشيلك ولا هحضر الغدا!"
ولجت لغرفة صغيرها، فاندهشت حينما رأته يجلس على فراشه، يبدل له ملابسه، وعلى ما يبدو من رؤيتها للمنشفة الموضوعة لجواره بأنه كان يحممه، ويعاونه الآن على إرتداء ملابسه، أعادت خصلاتها للخلف والفرحة لا تسعها، وخاصة حينما رفع رأسه لها بابتسامة افتقدتها منه:
"هتفضلي واقفة عندك كتير!"
تعالي شوفي الباشا بعد الدوش العظيم اللي أخده."
ولجت للداخل وابتسامتها تتسع فرحة به، فجلست على السرير المقابل للسرير الذي يحتله هو وصغيره، وقالت بحرجٍ:
"محستش بيه لما صحى، زمانه غلبك معاه."
ماله على كتفه، حتى يتمكن من ترتيب التيشرت الصغير على جسده، بينما يجيبها:
"أبدًا، أنا أصلًا اللي قلقت نومه، حسيت إنه وحشني وعايز أقعد معاه."
راقبتهما ببسمة زرع فيها عشقه، ربما كان يلتمس حبها من قبل، حبًا روتينيًا، ولكن الآن بات يلمس فيها لوعة العشق الذي كان يسمع عنه كالحلم المحال حدوثه.
شرد جمال بكلمات عُمران له، أن الأنثى لا تحتاج سوى الاهتمام، والحنان وحينها ستغمرك بضعف ما قدمته أنت لها!
عاد ليتعمق بوجه زوجته، ومازال يضع صغيره على كتفه، ويده موضوعة على ظهره بتحكمٍ، فلاحظ أن وجهها يشرق بسعادة وفرحة لم يراها من قبلٍ.
طوال الفترة الماضية كان يعاملها بكل احترام، لم يترك فرصة الا وعبر بالقول لها عن حبه، حتى حينما مر بخبر وفاة عُمران، وبالرغم من انكساره الا أنه كان يطالبها بالبقاء جواره، لأنه وأخيرًا لمس الأمان والسكن بها، منحها ما أرادت من عواطفه وحبه فأغرقته بدفء حبها ومشاعرها.
تعجبت صبا من شروده الطويل، ونادته بقلق:
"جمال!!"
لم يستمع لها بالرغم من أن عينيه تحتضن عينيها في لقاءٍ صامت، فرفعت يدها تحركها باشارة له حتى أستفاق، فوجدها تسأله:
"سرحت في أيه؟"
وضع صغيره على السرير، وسحب البيبرونه يضعها بفمه، ثم نهض يجمع ملابسه الملقاة أرضًا بينما يجيبها:
"ولا حاجة."
تفاجأ بها تنحني لتجمع الاغراض معه، وهي تخبره بحرجٍ:
"لا سيب كل حاجة، أنا هرتب الدنيا، كفايا اللي عملته مع عُمران."
سحب عنها ملابس الصغير، وقال بابتسامته الهادئة:
"هو مش ابني ومن حقه إني أدلعه ولو ليوم واحد."
تبسمت له في محبةٍ، ورددت:
"ربنا يخليك ليه يا حبيبي."
وقف قبالتها يتذوق تلك الكلمة التي لم يعتاد على سماعها، فابتسم وردد بنفس سياقها:
"ويخليكِ ليا يا حبيبتي."
رفرفت بأهدابها وهي تتهرب منه بخجلٍ، فقالت وهي تعيد خصلاتها للخلف:
"طيب هروح أحضر أي غدا بسيط، أنا كنت ناوية أعملك أكلة حلوة بس راحت عليا نومة."
أمسك يدها يمنعها عن الخروج:
"مفيش داعي، احنا هنخرج نتغدى بره، أنا لبست الباشا عشان أول ما تصحي متاخديش وقت في اللبس، روحي جهزي نفسك."
وكأن ما يحدث أمامها حلمًا يزداد جماله تدريجيًا، فوقفت تطالعه بدهشةٍ، فمال لها هامسًا:
"ها وصلتي لفين؟؟ لو هتقضيها سرحان فيا وفي تصرفاتي مش هيبقالنا خروج، ووقتها مش هتنازل عن طاجن ورق عنب وبطاية من على سطوح شوشو، ها قادرة تنضفي بط وتحشي ولا هتجري تلبسي في خمس دقايق؟!"
فور أن انتهى من حديثه كانت تركض لغرفة نومها وهي تصرخ بخوف:
"ربع ساعة وهكون جاهزة يا جيمي."
تحررت ضحكاته وصوته يصل لها، فزاد من سعادتها أضعاف، وبالفعل ما هي الا خمسة وعشرون دقيقة وكانت تعقد حجابها فوق فستانها البني المطرز من الأطراف، ثم جذبت حقيبة يدها وكادت أن تخرج إليه، ولكنها توقفت واتجهت للخزانة، تبحث عن مفتاح الحزنة السرية، لتستخرج باقي مقتنياتها الذهبية، التي لا ترتديها بالكامل الا بالمناسبات الهامه، وأي مناسبة ستكون هامة لها مثل تلك.
سحبت عُلبة المجوهرات ووضعتها فوق الخزنة، ترتدي سلسالها وأسورتها الذهبية، والخواتم الخاصة بها، ثم جذبتها لتعيدها، فاذا بها تنتبه لدفتر صغير يحتل منتصفه عدد من الاوراق، كانت به ورقة مفتوحة تحمل إسمها، سحبت "صبا" الدفتر والاوراق، وبدأت تقرأ محتوياتها، فانعقد حاجبيها دهشة وصدمة، جعلتها تتجه للردهة حيث يجلس بالخارج يحمل الصغير، ويحاول مداعبته لحين أن تنتهي، وما أن رأها حتى نهض يهتف بضجرٍ:
"وأخيرًا!"
وجدها تتطلع له بنظراتٍ غريبة، وبين يديها تحمل الأوراق التي يعلم ما بداخلها جيدًا، ازدردت ريقها ببطء وقالت:
"ده أيه يا جمال؟"
هدهد صغيره وهو يجيبها بثبات:
"حقك."
زوت حاجبيها باستغراب لمنطق كلمته:
"حقي إزاي!!"
رنا إليها وقد تمكن من تهدئة صغيره، فوقف قبالتها يخبرها بمرارة:
"اللي حصل معانا في لندن كان تجربة قاسية، وخلتني أعيد حساباتي من كل الزوايا، اللحظة اللي قررنا فيها الانفصال كنت شايف بعيونك كسرة وخوف من اللي جاي، وإنتي بطولك، ونفس اللي حصل اتكرر لما نعمان الكلب لعب لعبته القذرة دي، مكنش ليكي ملجأ غير يوسف، هو اللي وقف جنبك ووفرلك سكن انتي وعُمران، والله أعلم من غيره كان هيحصل أيه، باختصار محبش أشوفك بالشكل ده تاني يا صبا، حتى لو في يوم لقدر الله حصل بينا شيء تقدري تأخدي قرارك وأنتي مسنودة ومش محتاجة لحد."
تهاوت دمعة على خدها، بينما تخبره باستنكارٍ:
"ولما تكتب الشقة باسمي، وتعملي حساب بنكي بالمبلغ الكبير ده هتكون بكده بتسندني يا جمال؟!"
هز رأسه مؤكدًا لها:
"أيوه، ده من أبسط حقوقك عليا، وقفتي جنبي في كل عقبة عدتها وأهو الحمد لله ربنا كرمني، مش غلط ولا حرام أني أمنلك مستقبلك، عشان متحتاجيش لأي حد في يوم من الايام حتى لو كان الحد ده أنا يا صبا."
أخفضت رأسها تخفي بكائها المسموع له، وصوتها المختنق بعبراتها يتردد له:
"بس أنا مش عايزة حاجة غيرك."
ترك صغيره أرضًا جوار ألعابه، واقترب منها يفاجؤها بضمته لها، ويطمنها بحديثه الرزين:
"وأنا بعدتك عني!! أنا بس عايزك تكوني مطمنة، وبعدين إنتي أم ابني يعني اللي معاكي هيروح فين غير ليه هو."
وأضاف ممازحًا إياها:
"وعشان يوم ما أتجن وتلاقيني بغلط معاكي تأخدي قرارك بقلب جامد وتطرديني من بيتك، ما أنا هنا مجرد ضيف ولازم أقعد باحترامي."
بعدته عنها وهي تمنحه نظرة نارية، فضحك وهو يجذبها مجددًا قائلًا:
"أبو اللي يزعلك، خشي في حضني تاني تعالي."
سكنت تلك المرة وسعادتها تتضاعف بما فعله، حتى ولو أبدت إنزعاجها أمامه، ولكنها احترمت ما فعله كثيرًا.
"أيه رأيك نلغي الخروجة ونطلب دليڤري!"
افاقت على همسه الخبيث، فدفعته وهي تخبره بعنجهيةٍ أضحكته:
"لا يا حبيبي هنخرج يعني هنخرج."
تعالت ضحكاته، وغمز لها بمرحٍ وهو يخرج لها الفيزا الموضوعه داخل الاوراق التي تحملها:
"حيث كده بقى العزومة دي على حسابك، وكلمة السر عيد ميلاد عُمران باشا."
التقطت ما يقدمه لها، وقالت بضحكة رقيقة:
"لو هتقبل تخليني أحاسب في وجودك معنديش مانع."
انحنى يحمل الصغير، وتمتم بسخرية:
"لا ودي تيجي، العزومة وشيلة ابنك الاتنين عليا، المهم تكوني مبسوطة ومرتاحة!"
اجابته بصدقٍ:
"مبسوطة فوق ما تتخيل بشويتين."
مال يقبل أعلى حجابها في حبٍ:
"ربنا يقدرني وأخليكي دايمًا مبسوطة ومرتاحة يا صبا!"
صعد "عُمران" رفقة زوجته، بعد أن قضوا معًا ساعة كاملة بالاسفل، ولج للداخل بها، وعينيه تتفحص الغرفة بنظرة صقر جارح.
والدته مازالت تغفو في سلامٍ، وعلى الأريكة يتمدد عمه يغفو من تعب سفره، وبالخارج تجلس فاطمة تتابع أعمالها على الحاسوب، بينما سرير الصغيرة الدائري فارغًا تمامًا، مما دفعه للخروج لفاطمة يسألها بلهفةٍ:
"فاطمة فيروزة فين؟?"
تركت الحاسوب قبالتها مفتوحًا، وقالت ببسمة لطيفة:
"علي خدها يطعمها تحت."
برق بعينيه في صدمة، وهتف:
"أيه!!!"
وقفت مايا خلفه تكبت ضحكتها خلف حديثها الثابت:
"وفيها أيه يعني يا عُمران، يا حبيبي كل الاطفال بتأخد نفس التطعيمة."
منحها نظرة خاطفة، وقال وهو يجوب الردهة الصغيرة ذهابًا وإيابًا:
"عارف، عارف."
اتجهت مايا تجاور فاطمة بمحل جلوسها، وكلتاهما تراقبان اشارة مرور الطاووس الوقح بضحكات مكبوتة، كان وكأن زوجته تلد بالداخل، وما ان انفتح باب الجناح وطل منه علي، واجهه بنظرة حادة وهو يختطف منه الصغيرة، وبلسانه اللاذع قال:
"ارتحت أنت دلوقتي!!"
كانت الصغيرة مازالت تبكي، والاخر يحاول أن يهدهدها هامسًا لها بمحبة وحزن:
"معلشي يا روحي، اخوكي الكبير قلبه جاحد، حقك عليا أنا يا صغنن!"
بينما يعود ليواجه علي الذي يطالعه ببرودٍ:
"طول عمرك حنين علينا أيه حصلك فجأة يا علي!! بقيت قاسي من قعدتك مع الجزارين اللي هنا، أنا لازم أشوفلك شغلانه تانية وبسرعة، أنزل امسك فرع من فروع شركاتي، أنا مش هستنى إن أطيب وأحن قلب فينا يبقى بالجحود ده!"
تجاهله علي وكأنه نسمة عابرة، بل دنا لركن القهوة والمشروبات الباردة، سحب كوبه وأتجه يجذب أحد الكتب الموضوعة بالكورنر، ثم جلس يقرأ الكتاب في صمتٍ أضحك الفتيات، بينما يمنحه عُمران نظرة منفرة، وهو يتجه لأقرب أريكة، يحل عن الصغيرة الغطاء، ويتفحص ساقيها بحزنٍ، بينما يقبل قدمها وهو يهتف بهمس كان مسموعًا رغم انخفاضه:
"أنا آسف والله، متزعليش هحطلك عليها أي مرطب من هنا."
واستطرد وهو يتأمل النقطة الحمراء الصغيرة:
"دول حتى مش حاطينلك لاصق طبي الجاحدين، بردو مش ههدى الا لما أقفلهم المخروبة دي، مبقاش عُمران سالم الغرباوي أما عملتها."
أحاطه علي بنظرة ساخرة، بينما يلف مقعده تجاه الشرفة، اما فاطمة فوضعت رأسها داخل شاشة حاسوبها تختبئ من فرط ضحكها، أما مايا فمسدت على بطنها المنتفخ وهي تهمس بخفوتٍ:
"اطمنت على مستقبلك، هو وقح بس طيب وحنين!"
بالأعلى، وبالطابق المخصص للاطفال.
سلط الضوء بفم الصغير، ليتفحص سبب ألمه، فجاورته زوجته وقالت:
"إلتهاب في الحلق."
أشار لها سيف بأن ملاحظتها صائبة، فعادت للمكتب تدون للأم العلاج المناسب للصغير، ثم قدمته إلى زوجها، فراجع على ما دونته ومنحها ابتسامة كانت تأكيد لعملها الممتاز، فقدمت الروشته للأم وبدأت تشرح لها المواعيد الخاصة بالادوية، والمصرح له بتناوله، فشكرتها بامتنانٍ وخرجت على الفور.
انتزع سيف قفازاته الطبية، و وضعها بسلة المهملات، ثم عاد لمكتبه، فوجدها تصعد فوق الطاولة المقابلة له وتردد بهيام:
"ولد جميل أوي ما شاء الله."
ابتسم وهو يراقبها، فلقد اعتاد منها سماع مدحها بكل طفل يزور غرفتهما، وفجأة وجدها تخبره:
"سيف أنا خارجة شوية، وراجعه."
أوقفها حينما قال ضاحكًا:
"يوسف تعبان ودماغه مبكسلة لوحدها أصلًا."
علمه بسرها الحربي جعلها تتطلع له بضيق، فضحك وأخبرها ليشغل وقتها:
"تقدري تنزلي تحت تطمني على مدام مايا، عرفت إنها بتولد."
اندهشت لسماع ما قال، ورددت:
"بس انا كنت عند فاطمة من قريب ومايا قالتلي إنها لسه بنص التامن."
واستكملت بعدما استوعبت:
"ممكن تكون فريدة هانم لانها هي اللي كانت بالتاسع."
توسعت مُقلتيه بذهولٍ:
"هي فريدة هانم كانت حامل!! أنا شوفتها كام مرة ومكنش باين عليها خالص!! عشان كده يوسف كان بيهربني من قدام عُمران!!"
قهقهت ضاحكة على صدمته المتوقعة، وفاهت بحماس وهي تنزع مئزرها الطبي:
"عما تستوعب إنت أكون نزلت لعبت مع البيبي بتاعها شوية."
وتركته وهرولت للاسفل، تستعلم عن رقم غرفتها، فاذا بهاتفه يدق برقم رفيقه، حرر زر الاجابة وهو يصيح بمشاكسةٍ رجولية:
"معقول جيت في بال العريس وافتكرني في وسط مسؤولياته!"
أتاه صوت آيوب الغاضب ينفجر بوجهه:
"سيادتك فين؟ قولتلي هعدي على يوسف وهجيلك، إنت خلعت عشان متنصبش خيمة الحنة مع الرجالة!! ده إيثان الواطي بيشتغل معاهم من الصبح كأنها حنة أخوه وإنت بتخلع بعد اتفاقك أنك هتبات معايا في شقة عُمران!!!!!"
أبعد الهاتف عن أذنه بانزعاجٍ من صراخه، ثم عاد يقربه وهو يصيح بخشونة:
"إديني فرصة أرد عليك طيب، أنت متصل ونيتك كلها تهزيق مفيش أي مجال لنقاش محترم بينا!!"
رد عليه آيوب بنزقٍ:
"النقاش المحترم مش هجيب نتيجة مع أشكالك، الخلاصة تجيب نفسك وتيجي، متندمنيش إني طاوعتك و وصلتك الصبح المركز، يا أخي ده حتى آدهم سايب كل اللي وراه وواقف معايا أقولك أيه تاني عشان تخلي عندك دم وتيجي!"
تحررت ضحكته الرجولية، واتبعها قوله:
"متقولش حاجة تانية، جايلك يابن الشيخ مهران!"
بدأت فريدة بفتح عينيها، فوجدت الغرفة تغمرها اضاءة خفيفة، ولا يوجد من حولها سوى زوجها الذي يغفو على مقعد ملتصق بفراشها، ورأسه موضوع فوق كفها، ابتسمت وهي تميل تجاهه بحبٍ، فبدأت تمرر يدها بين خصلات شعره الذي يغلب سواده بعض الشعيرات البيضاء، فاذا به يفتح عينيه لها، ويبتسم هاتفًا بنعاسٍ:
"صحيتي يا حبيبتي؟"
منحته ابتسامة عاشقة، ورددت بغموضٍ جعله يعتدل بجلسته لفهم مضمون حديثها:
"كل مرة فوقت فيها بعد ولادة ليا كنت بتمنى أشوفك وإنت قاعد القعدة دي."
وتابعت ومازالت تحافظ على ابتسامتها، وجمود دموعها التي لا تظهر:
"ومن جوايا بتمنى أن البيبي اللي جبته يكون شبهك، وسبحان الله علي وعُمران جيبتهم شبهك أوي."
سحبت نفسًا مسموعًا، وقالت في راحة:
"المرادي حلمي اتحقق وصحيت لاقيتك أنت اللي جنبي!"
منحها ابتسامة جذابة رغم دموعه التي استحضرتها كلماتها، فمال يمرر يده على خصلاتها بنعومة:
"قولتلك هنحقق كل اللي كنا بنتمناه وإحنا مع بعض يا فريدة، وأهو ربنا سبحانه وتعالى من علينا ورزقنا بأجمل بنوتة، أنا مبسوط إنها طلعت شبهك، فسهل جدا إني أقع في حبها زي ما وقعت في حب مامتها."
اتسعت ابتسامتها فرحة لفرحته، ومالت تتطلع لسريرها، فتساءلت باسترابة حينما لم تجدها:
"هي فين؟"
مال على وسادتها يخبرها بضحكاتٍ مكبوتة:
"عُمران عامل حظر عليها بره، مطلع عين علي حاسس أنه هيقع من طوله في أي لحظة!"
شاركته الضحك، وقالت:
"حبيب قلبي، عمره ما هيتغير أبدًا!"
بالخارج.
اجتمعت فاطمة ومايا، زينب، شمس التي وصلت للتو حول الصغيرة، ومن بعيد يتابعهم عُمران بانزعاج، يود أن يختطفها من بينهن، ولكن بوجود زينب أبدى بعض الاحترام، وجلس قبالة علي، الذي يطعنه بنظرة منفرة من الحين والأخر، ثم يعود للقراءة من جديد، حتى انتبه لهمس أخيه:
"كل دقيقتين بوسة من واحدة فيهم!! البنت لسه كوتي وصغيرة متستحملش كل ده، علي قوم هاتها!"
قلب علي صفحة الكتاب، وكأنه هواء عابر يمر بسلامٍ، فعاد يسدده بنظرة عنيفة ونبرة أعنف:
"إنت هتفضل عايش في جو تماثيل اسكندرية ده كتير، أيه البرود ده!! لا وكمان رفعت ايدك عليا النهاردة، إنت مش طبيعي يا علي،واللي يضحك أن فريدة هانم خايفة عليك تشيلها لضهرك يتقطم، بعد اللي شوفته ده أنت مية فل وعشرة، وجاهز لنقل أي حالة ولادة للمركز المنيل بنيلة ده!"
واستطرد بعدما تذكر ما نسى اخباره به:
"بالمناسبة الكافيه اللي تحت ممتاز، حقيقي ده الحسنة الوحيدة بالمخروب ده، رغم إنهم وهما بيقدمولي الكروسول مكنوش حاطين تشوكليت زيادة بس But overall it's good (في المجمل كويس!)"
ترك علي الكتاب من يده جانبًا، وأشار لاحدى الممرضات التي كانت بطريق الخروج من غرفة فريدة:
"من فضلك هاتيلي أي أدوية للصداع."
هزت رأسها بكل احترام له:
"حاضر يا دكتور."
تابعها علي لحين خروجها، وحينما عاد ببصره لمقعد أخيه وجدها فارغًا، وقبل أن يبحث عنه وجده يبدأ بجلسة تدليك فروة رأسه وبلهفة ردد:
"ألف سلامة عليك يا علي، أنا أصلًا شكيت أنك تعبان ومش طبيعي من الصبح، يمكن ده راجع لتوترك وخوفك على فريدة هانم، اطمن يا حبيبي ماما بخير وكويسة."
رمش بعدم استيعاب، وردد:
"أنا اللي مش طبيعي!!!"
هز رأسه بكل تأكيد، فتنهد علي بتعب واستجاب للمسات يده، فمال على المقعد برأسه وبخبث قال:
"عندك حق أنا تعبان أوي والمساج بتاعك شكله بيجيب بفايدة، دلك عما البنات يلحقوا يشبعوا من البنت."
ضحك عُمران واجابه:
"من حقك تتدلع يومين!"
انسحبت مايا للداخل، وهي تحمل شطيرة البرجر بين يدها، وبالاخرى كيس البطاطا المحمرة، تلتهمه بنهمٍ وتتابع فريدة التي تهيم عشقًا بمعشوقها، فاذا بجلستهما السرية تنفصل حينما وجدتها ترتكن على الباب وتلتهم الطعام بابتسامة عريضة:
"حمدلله على سلامتك يا حماتي، كان نفسي أعمل حسابك معايا بس للاسف دكتور يوسف قال ممنوع ومشدد على المسلوق، تحبي أجبلك حلبة ولا أعملك المُغات!!"
جحظت عينيها صدمة لما تراه، وكأنها فقدت فتاتها الراقية التي علمتها أن تأكل برقي، وعنوانها الاساسي الشوكة والسكين والمناديل تحيطها.
نهض أحمد يميل في وجه فريدة، يخلق أي حديث، ويشير بيده لمايا بأن تنصرف قبل أن تلتهمها فريدة، بينما يقول هو:
"فريدة بقولك نعمان عايز يجيلك المركز وخايف تطرديه، هو انتي ممكن تطرديه فعلًا."
دفعته بغضبٍ، وصراخ هيستيري:
"أوعــــــا من وشــــي!!"
كاد بأن يسقط أرضًا من شدة دفعتها، بينما تجاهد فريدة للنهوض عن فراشها صارخة بحدة:
"أنتي بتقولي لمين حماتي، وعايزة تشربيني أنا حلبة ومغات!!"
وبهدوء لعين قالت:
"إنتي مين أفسد أخلاقك وخلاكي بالشكل ده إنطقي!!"
قضمت مايا قطعة من البرجر وقالت:
"حضرتك مكبرة الموضوع ليه يا فريدة هانم، واحدة وقايمة من ولادة هتشرب أيه يعني أيس لاتيه!!"
أشار أحمد من خلفها:
"إجري يا مايا، اجري!!"
لم تفهم حديثه الا حينما جذبتها فريدة، وهي تصرخ بجنون:
"أنا هعيد تربيتك من أول وجديد."
تركت مايا ما بيدها وقالت ضاحكة:
"لو كنا في وضع تاني كنت هقولك أنا مامتي مربياني أحسن تربية، بس أنتي مامتي وأدرى بقى بتربيتي!"
انسحب أحمد من بينهما، وخرج يستنجد بعلي، فوجده يجلس جوار شمس وعمران، وصغيرته على ساقي شمس الجالسة بالمنتصف، فأفضى ما بجعبته قائلًا:
"فريدة ومايا على وشك يشتبكوا مع بعض!!"