تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل الحادي والثمانون 81 - بقلم ايه محمد رفعت
وضعت كفها الرقيق على كتفه بحنان، ومن تجرأ على لمسه والاقتراب بتلك الطريقة سواها هي.
رفع يده يضمها إليه دون أن يستدير لرؤيتها، فدنت منه "مايا" بوقفتها.
راقبهما "علي" بابتسامة حزينة، وما أن اطمئن لوجود الونس رفقة أخيه حتى انسحب خارج القاعة بأكملها، تاركها تفعل ما فشل هو بفعله.
فصعد بسيارة عمه جوار زوجته، راقبه "أحمد" من مرآة مقعد السائق وتفحص الطريق من حوله، متسائلًا بدهشة:
"عُمران فين؟"
رد عليه وصوته مغموس بالحزن:
"شوية وهيحصلنا."
أخفت "فريدة" دموعها بصعوبةٍ، وبثبات زائف قالت:
"هنسيبه لوحده؟!"
أجابها "علي" بحنان:
"متقلقيش عليه، مايا معاه."
مالت برأسها على نافذة السيارة بعدما ثبتت حزام الأمان من حولها، وعلى الفور تحرك أحمد بالسيارة والصمت يحف الجميع.
حزنت "فاطمة" لأجل "علي"، وجودها بينهم جعلها تلتمس مدى عمق المشاعر بينهم وبالأخص زوجها وأشقائه. تعلم بأنه يتألم لبعد شقيقته مثلما يعاني عُمران، ولكنه كعادته، شامخًا، لا يطفو بما ينبع بداخله.
راقبت أحمد وفريدة وقربت يدها من يده المسنود على الأريكة جوارها، ضمت خنصرها من خاصته، فاستدار برأسه لها، قرأت رماديته مواساتها إليه، وقلقها الصريح عليه، ففرد يده يضم كفها بحبٍ، وانتقل بجلسته بالقرب منها، يقربها إليه.
فمالت برأسها على كتفه ومال برأسه على رأسها، يهمس لها بصوتٍ عذب:
"أنا كويس، متقلقيش."
وعاد يتطلع أمامه تجاه والدته، يراها لأول مرة بتلك الحالة، حزنها واضح كسطوع الشمس، فراقها لابنتها الوحيدة لم يكن هينًا بالمرة، وكأنها أول عروس تفارق منزل أبيها!!
ما أن استمع لصوت السيارة تتحرك، حتى مال برأسه فوق بطنها المنتفخ، ومازال يجلس على المقعد الخشبي الموضوع جانب الطاولة المجاورة للاستيدج المزين، يحتضنها وكأنما يدفن ذاته داخلها، يستمد العون منها تلك المرة، لطالما كانت ضمته بمثابة القوة الداعمة لها، والآن هو من يحتاج إليها.
مررت "مايا" يدها على ظهره بحنان، وقالت بصوتها الشجي:
"انا عارفة إنك متعلق بشمس وعلي جدًا، وبعدهم عنك بيفرق معاك، بس يا حبيبي شمس مبعدتش عنك، الفرق بينك وبينها ربع ساعة بعربيتك يا عُمران، أمال لو كنا لسه عايشين في لندن كنت عملت أيه؟!"
جذبها لقدمه حتى لا يؤلمها برمي ثقل جسده فوق بطنها المنتفخ، وقال ومازال يميل عليها بحزنٍ:
"ولو فرق دقيقتين بالنسبالي مسافات وبعد يا مايا، أنا كاره اللحظة دي من قبل ما تيجي!"
وأضاف بصوتٍ مكتوم كالباكي:
"أنا أناني وغيور في حب كل فرد من عيلتي، أنا لما نزلت لمصر وقررت أبدأ شغلي هنا مقدرتش أعملها من غير الـ team بتاعي، لاني اتعودت عليهم بالرغم من إن أغلبهم مش مريحين ليا ما بالك بشمس!"
هوت دمعاتها تأثرًا بحديثه، ربما من يراه قد يضحك ساخرًا من أمره، شقيقته لم تقتل ليفعل كل ذلك، لقد تزوجت ومضت أول خطواتها لحياتها الزوجية بينما الآخر يبكي من خلفها كأنه لن يراها مجددًا!
استمر على تلك الحالة لفترةٍ طالت عليه ومازال شاردًا بين ذراعيها، يحاول أن يتغلب عما يؤلمه، لا يريد العودة للمنزل، إن لم يراها تنتظره لتشاكسه ككل ليلة سيزداد ألمه لا محالة.
مر الوقت عليهما حتى استعاد جزء من اتزانه المهدور، فعاونها على الوقوف عنه ووقف يردد بحرجٍ:
"أنا نسيت إنك حامل ورامي نفسي عليكِ طول الفترة دي، أنا آسف حبيبتي، إنتِ كويسة؟"
ابتسمت وهي تراقب ذعره الواضح، وقالت عن طيب خاطر:
"متقلقش عليا، انا زي الفل يا بشمهندس."
واستطردت تمازحه:
"ولا تحب أقولك شيخ عُمران؟"
ابتسم لها أخيرًا، وأحاطها إليه يهمس لها وهو يقبل يدها بعشقٍ:
"حبيب قلبي يناديني باللي يحبه، وأنا رهن إشارة من إيده."
سحبت كفها، وقالت على استحياء:
"الجو برد، مش هنمشي؟"
نزع جاكيته يحيطها به، ثم ثني ذراعه لها قائلًا:
"هنمشي حالًا يا بيبي."
ضحكت واتبعت خطاه حتى فتح لها باب سيارته وغادروا معًا، وما أن وصلا للكمبوند، حتى أخبرها:
"انزلي إنتِ وأنا هركن العربية وهطلع وراكِ على طول."
ارتابت لأمره، وقالت بارتباك:
"إنت لسه زعلان؟"
أشار باسترابة.
"لأ."
أوضح لها:
"أنا بركن على البحر وإنتِ برادنه، فمش عايزك تبردي أكتر."
أمأت برأسها وجذبت حقيبتها الصغيرة، ثم هبطت وهي تردد:
"بس متتأخرش يا عُمران."
مال للنافذة يشاكسها بخفة:
"متخافيش يا بيبي، الكمبوند محصن ضد الأشباح والعفاريت."
مالت للنافذة تخبره بدلال:
"مين ده اللي راهن على عمره ويتجرأ يقرب لمرات عُمران سالم الغرباوي!"
استند لخلف مقعده يرمقها بنظرة هائمة، هاتفًا بضحكة:
"أموت فيك وإنت واثق من نفسك ومالي مركزك كده يا صغنن."
عبست بمقلتيها ترمقه بسخطٍ:
"معتش تروح حارة الشيخ مهران تاني، أنا بحبك تغازلني برقي مش بالطريقة السوقي دي فاهم!"
ازدادت ضحكاته عاليًا وأشار يحذرها:
"خدي بالك، أنا مبخدش أوامر من حد، بس عشان عيونك أميل وألين لأمرك يا بيبي."
منحته ابتسامة مهلكة، ولوحت بيدها بدلال:
"ده المتوقع يا قلب البيبي، يلا متتأخرش."
وتركته وصعدت للأعلى، بينما اتجه عُمران ليصف سيارته بعيدًا، بالمكان المسموح للسيارات.
وحينما عاد للكمبوند كان بطريق صعوده لجناحه حينما استوقفته زوجة أخيه تناديه:
"عُمــــــــران، استنا."
استدار تجاه غرفة أخيه؛ فوجدها تدنو منه وهي تحمل الحاسوب الخاص بها، وعلى وجهها معالم شغلت بالقلق الصريح، أسرع إليها متسائلًا بقلق:
"أيه اللي مسهرك للوقت ده يا فاطمة؟"
أدارت الحاسوب إليه وقالت:
"في حاجة مهمة لازم تعرفها، لأن الوضع بقى مريب!"
لكزه للمرة الثالثة ولم يستيقظ بعد، فازاح الغطاء يناديه بغضب:
"إيثــــــــــــــان!"
فتح عينيه بضيقٍ، ودفعه عنه:
"عايز أيه؟؟ كل ما تقوم تصلي الفجر تقرفني معاك، إرحمني أعمل أيه عشان تصدق إني مسيحي!!! والله مسيحي، والله العظيم مسيحي يا عـــــــــم!!"
كبت ضحكاته بصعوبة، وقال ببسمة باردة:
"لسه ساعتين عن الفجر، متقلقش."
كاد بأن ينحر عنقه من فرط الغيظ:
"عايزني أقيم معاك الليل مثلًا؟!"
هز يونس رأسه بنفس بروده السابق، فجذبه إيثان من تلباب جلبابه الأبيض، يصيح منفعلًا:
"آه ده أنت قليل الأدب وعايز اللي يربيك بقى، مش كفايا الخواجة المنيل ده عليا، عايشلي الدور إنت كمان!"
رفع يديه مداعيًا البراءة وهو يخبره:
"أنا بس كنت عايز عربيتك وقولت مينفعش أنزل بدون إستأذان، لا يصح يا أخ إيثان."
رمش بعدم استيعاب، وردد بتبرمٍ:
"يعني إنت بتصحيني عشان عايز عربيتي؟!"
هز يونس رأسه مؤكدًا واستفاض إليه:
"أيوه أمال أنزل من غير ما أستأذنك، ولا أأمنك على فارس وهو نايم في أوضته، تيجي ازاي دي؟!"
أحاط عنقه بأصابعه وهسهس من بين اصطكاك أسنانه:
"صلي لروحك كي ترقد في سلام."
ضحك وقال:
"ما تصلي إنت على النبي وتستهدى بالله كده، الكلام أخد وعطى يا كابتن إيثو!"
وأخبره ليكسب فضوله:
"حضرة الظابط اللي كلمني وطلب يقابلني في مكان مقطوع، فقولت أصحيك نروح مع بعض جايز يكون حد وزه يدبرلي حاجة."
ابتعد عنه ايثان، فنهض يونس يكبت ضحكاته، حينما رأى الأخير يطالعه باهتمام وقلق، برز بسؤاله:
"ليه إنت عملت أيه عشان يطلب يقابلك في توقيت زي ده، مش المفروض إنه عريس وكده؟!"
هز كتفيه بحيرة:
"معرفش، بس أكيد التوقيت ده وراه مصيبة، ها هتيجي معايا ولا أروح لوحدي؟"
بكل جدية قال:
"أكيد طبعًا مش هسيبك تروح لوحدك!"
تجلدت ضحكاته ببسمة ممتنة لوجود رفيقًا مثل إيثان، وأشار له وهو يجذب المفاتيح:
"إلبس عما أطلع العربية من الجراش."
هبط من التاكسي يبحث عنه، ولما أن لمح سيارته مصفوفة على أحد جوانب الطريق حتى هرول إليه، القلق والتوتر يحيطانه كالوحش الناهش، لا يعلم كيف ارتدى ملابسه ولا حتى كيف اتبع الموقع الذي تلاقاه منه.
طرق "آيوب" نافذة السيارة حتى انتبه "آدهم" إليه، هبط يتجه إليه، فأسرع آيوب إليه يسأله:
"آدهم أنا افتكرتك بتهزر!! معقول تنزل تقابلني في يوم مهم زي ده، ما انا كنت معاك طول اليوم!!"
صمته يثقل معالمه كالكهل العجوز، عينيه تراقبه في ضعف مس روحه الغارقة، كل ما بداخله يتجمع على طرف لسانه الثقيل، والمكتوف عن الحديث، يتشبع منه قدر ما تمكن وكأنه آخر لقاء سيجمعهما!
ارتاب "آيوب" لأمره، فناداه بارتباك:
"في أيه يا آدهم؟!"
غامت السماء من فوقهما رغم إنها تستقبل الخريف، وعصف الرعد مستعدًا لفتح أبواق السماء واستقبال الأمطار بين أي لحظة.
الصمت يزداد بسطوته على آدهم، لسانه ينعقد عن الحديث، وكلما ازداد صمته ازداد قلق آيوب أضعاف مضاعفة، حتى أخرج من جيب سترته ورقة مطوية قدمها إليه وابتسامته تنازع لترسم على شفتيه، بينما صوته يخرج هامس، ضعيفًا:
"مبروك يا بشمهندس."
التقط آيوب الورقة منه بدهشةٍ، وما أن فتحها حتى سقطت عينيه على تصريح النجاح بالاختبارات، فردد بعدم تصديق:
"دي النتيجة معقول جبتها بالسرعة دي!!"
انزهقت ابتسامته وتلاشت كمهب الرياح فور أن تأمل الاسم الذي يتوسط الورقة، فقال ومازال يتأمله كالذي فقد وسام القراءة والكتابة فبات أميًا:
"بس دي مش نتيجتي يا آدهم!"
ونطق الاسم المدون بصوتٍ منخفض، كأنما يتهجى اسمًا صعب على لسانه:
"آيوب مصطفى أحمد الرشيدي!"
تجمدت أصابعه على الورقة، وعينيه تتوسعان في صدمة شلت جميع أطرافه، ولسانه يعيد تذكر نطق اسم آدهم:
"عمر مصطفى الرشيدي!"
ببطءٍ شديد رفع بصره نحوه، وهو يتمنى أن لا يكون يمازحه في وقت قد يصيبه بذبحة صدرية، ولكن اختيار آدهم للبوح واللقاء لا يكن أي احتمالات للمزح، لقد ترك عروسه بوقت كذلك، من المؤكد بأنه يريده بأمرٍ هام، وهذا ما شغله طوال طريقه للوصول إلى هنا.
انهمرت دموع آدهم على خديه وهو يطالعه بعينين غائمتان، ابتلع آيوب ريقه بصعوبة ورفع الورقة أمامه متسائلًا بريبة:
"ده أيـه؟"
ضغط على شفتيه السفلية وكأنه يود بترها، طالت مدة الصمت والآن حان الوقت للبوح عما دفن بداخله، تحرر هو عن صمته ومعه رعد البرق كالانذار الصريح عما سيحدث الآن، وخاصة حينما قال آدهم:
"اللي حكتهولك إمبارح نقصه حقيقة واحدة، إني أعرف أخويا وهو يعرفني كويس، بس معنديش الجرأة إني أوجهه بالرغم من إني بشوفه كل يوم، هو نفسه سبق وقالي إنه بيحس من نحيتي إحساس غريب."
ورفع كتفيه بقلة حيلة وهو يستطرد:
"يمكن لانهم بيقولوا الدم بيحن، وأنا وإنت حنينا لبعض من أول لقاء جمعنا في شقة سيف."
تراجع آيوب خطوة للخلف، يود الفرار عن سماع المتوقع قوله الآن، لا يرغب في سماع المزيد، بينما يهتف بانفعالٍ رغم انخفاض نبرته:
"اسكت يا آدهم، زعلي منك هيكون كبير لو طلع اللي في دماغي صح، الكلام ده مفهوش تهريج ولا مقالب."
تجاهل تشكيكه بحديثه، وقال بحزن:
"أنا متخلتش عنك يا آيوب، من اللحظة اللي عرفت فيها إنك أخويا واتاكدت من تحليل الDNA وأنا جنبك ومعاك، كل ما كنت بتقولي إنك وحيد كنت عايز أحضنك وأقولك أن ده مش صحيح، كان نفسي أقولك ليك أخ شايل هموم الدنيا فوق كتافه وأولهم هم اللحظة اللي، هتعرف فيها الحقيقة."
وبدموعه الغزيرة صرخ باكيًا:
"حقيقة إن أبوك بدلك بطفل الشيخ مهران اللي اتولد ميت، حقيقة إنه حمى بيته من جوازته التانية وبالمقابل خسرك إنت."
وببسمة طعنها الألم والخذلان قال:
"عرفت ليه بطلت أناديك بابن الشيخ مهران؟ لانك مش ابنه يا آيوب، إنت أخويا أنا، ابن مصطفى الرشيدي اللي من يوم ما شافك وهو بيترجاني يصارحك بالحقيقة، ويمكن دلوقتي هتعرف ايه السر ورا معاملة أبويا ليك بالشكل ده لانك ابنـ…"
"اسكــــــت يا آدهــــــــــم، اسكــــت!!"
صرخ بكل قوته بوجهه، وقد ثارت جنونه بأكملها بتلك اللحظة، بل دافع عن أحب الناس إليه قائلًا:
"كل اللي بتقوله ده كــــــدب، انا ابن الشيخ مهران سامـــــــــع، أنا آيوب ابن الشيخ مهران، كل اللي بتقوله ده مش صحيح، أنت أكيد شارب حاجة ماثرة على عقلك، أو جايز زعلك على اخوك المفقود ده مخليك معتقد إنه هو أنا."
وحاول استجماع أعصابه، فهدأ من ثورة أنفاسه العاتية، ثم دنى منه يتطلع له عن قرب بمحبة، وقال:
"آدهم أنا بحبك وبحترمك جدا، فمن فضلك بلاش تخليني أخسرك، بلاش أرجوك بلاش."
امتلأ وجهه بدموع جعلت آيوب يزداد صدمة، ليس هناك أي سبيل لكونه يمزح، تحرك بؤبؤ عينيه على وجه آدهم بصدمة، وخاصة حينما قال بصوته المبحوح:
"روح إسأل الشيخ مهران وهو هيأكدلك كل حرف قولتهولك."
رد بعصبية بالغة وقد ألقى الورقة أرضًا:
"أوعا تكون مليت دماغ أبويا بالهبل ده، إنت أكيد بتتعاطى شيء أو اتجننت معنديش تفسير غير كده، اللي انت بتحاول توصل له ده هيدمر اللي بينا يا آدهم عشان كده من اللحظة دي مش عايزك في حياتي تاني، إنت براها سامـع!"
حدجه بنظرة حزينة، وقال بقوةٍ:
"متقدرش تطلعني بره حياتك يا آيوب، بمزاجك أو غصب عنك فأنا أخوك الكبير، ولو مش مصدقني تعالى حالا نطلع على المعمل ونعمل DNA عشان تقتنع إني لا مجنون ولا شارب حاجة."
امتلأ الذعر عينيه، وبات خاويًا كورقة ألقاها التيار في مهب الرياح، شعر وكأن قدميه كالهلام المتحرك، لا يرغب في سماعه، يود بالفرار ولكنه لا يستطيع حتى بالحركة.
وفجأة استمع لصوت ابن عمه يناديه:
"آيـوب."
استدار تجاه يونس الذي هرول إليه، يراقب ملامحه بقلقٍ، ويعود بنظراته إلى آدهم بغضب جعله يصيح:
"ليه يا باشا؟ قولتلك بلاش تصارحه بحاجة، فهمني، قولتله ليــــــــــه، مش خلاص غيرت الاسم وارتاحت!"
جحظت أعين آيوب حد الموت، على ما يبدو بأن الجميع يعلمون بالأمر وهو وحده الاحمق من بينهم، ولكن مهلًا هل يعقل ألا يكون الشيخ مهران والده؟؟؟!! كيف ذلك؟!
فصل إيثان يد يونس عن عنق آدهم الذي يتطلع لأخيه بانكسارٍ، ولا يعنيه ما يفعله وسيفعله يونس، لا يشغل عقله سواه، بينما الأخير يجلس على أحد الصخور كالمتجمد، عقله لا يستوعب كل ما طرح إليه.
وفجأة نهض مندفعًا للرحيل، فأسرع يونس إليه يوقفه متسائلًا بقلق:
"على فين يا آيوب؟"
بصوتٍ مظلم كعينيه التي أخفت فيروزته، هدر:
"ابعد عن طريقي يا يونس."
قال برجاء وخوف:
"مهما اتقال إنت أخويا وابن عمي، فاهم!"
وتابع وهو يدفعه لسيارة إيثان:
"يلا نرجع البيت ونتكلم هناك."
انتشل يده منه وقال ببسمة ساخرة:
"بيت مين؟ مهو مبقاش بيتي خلاص، ولا الشيخ مهران طلع أبويا، ولا إنت طلعت ابن عمي!! أنا مجرد لقيط يا يونس."
صرخ بوجهه ودموعه تنهمر دون توقف:
"متقولش كداااا بدل ما أرفع إيدي عليك."
كان ايثان متخبطًا بما يستمع إليه، ولكنه الآن أصبح ملم بأطراف الحوار حتى تفهمه، ترك آدهم مكانه البعيد عن مجال رؤية آيوب واتجه إليه يقابل محله، يناديه بخفوت:
"آيوب."
رفع عينيه المتورمة إليه، ليجده يقول:
"امبارح قولتلي اني ماليش ذنب في اللي أبويا عمله، والنهاردة بتحملني كل الذنب وبتقولي مش عايز أشوف وشي تاني! قولي أنا غلطت في أيه وأنا أوعدك إني هعتذر عن غلطي لألف سنة قدام!"
تدفقت الدموع على وجهه، وبصوته المتقطع قال:
"مش عايز غير أنك تمشي، إمشي وسبني يا آدهم."
رد عليه وصراخ قلبه أصبح مسموع:
"أنا فعلًا همشي بس لازم قبل ما أمشي أأمنك على أبوك."
ضحك مستهزءًا، ومازال يونس يسانده:
"أبويا!"
أراد أن يخبره بما استدعاه لأجله حتى وإن لم يكن الوقت مناسب ولكنه هو الذي لا يمتلك الوقت للبقاء فقال:
"مش المفروض عليا أقول الكلام ده بس مضطر، آيوب أنا مش مسافر لشهر العسل زي ما كلكم متخيلين، أنا مسافر تبع مهمة لشغلي حساسة وصعبة، والله أعلم ربنا هيقدرلنا اللقاء تاني ولا لا."
تأثر يونس وأيثان لحديثه، حتى آيوب تألم قلبه وبات يستمع لحديثه باهتمام، فاستكمل:
"كل مرة بمشي وبسيب أبويا وأنا حزين إن مفيش حد أوصيه عليه، المرادي وبالرغم من قساوة الظروف اللي احنا فيها بس غصب عني وعنك هو ملزوم منك وأنا قدام يونس وإيثان هأمنك على الحاجة الوحيدة اللي بمتلكها، لو جرالي حاجة أبويا أمانة في رقبتك يا آيوب!"
استغل صدمته بحديثه وبقائه ساكنًا، واختطفه في ضمة جعلت آيوب يبكي ألمًا، وخاصة حينما همس آدهم له:
"غصب عني كان لازم اعمل كده، لو بإيدي كنت سيبتك في المكان اللي حبيته وارتاحت فيه، بس دي رغبة ووصية ابويا وأنا مش ضامن هقدر أرجع من مهمتي تاني ولا لا، عايز لو جرالي حاجة أموت وأنا مرتاح."
وابتعد يتطلع لعينيه مستطردًا:
"أنا مش هطلب منك انك تسامحه لان الموضوع مش سهل، بس وحياة أغلى حاجة عندك متقساش عليه."
وبنبرة مهتزة قال:
"يا رب يكون لنا لقاء تاني يا آيوب."
وغادر على الفور ليسمح لذاته بالبكاء بصوت مزق سيارته تمزيقًا، بينما خلفه يحاول يونس أن يهدأ من روع آيوب الذي أسرع لسيارة إيثان وطلبه بالتوجه للمسجد للقاء أبيه في التو والحال.
وضع عُمران الطاولة قبالة غرفة أخيه، وجلس على الطاولة ينتظر انضمام فاطمة لمقعدها، وقد أثار حديثها قلقه.
وجدها تضم الحاسوب إليه، وتوزع نظراتها بين المقعد وباب الغرفة الموصود بارتباكٍ يقلقها، وبالرغم من أنهما يجتمعان أمام ردهة الغرف الا أنه تفهم حالتها، فأرسل رسالة لزوجته بالخروج إليهما.
وما هي الا دقيقة وخرجت مايا إليهما بمئزرها الاسود وشعرها المفرود من خلفها، تتساءل في قلق:
"في ايه يا عُمران؟"
شملها بنظرة قاتلة وقال:
"أيه اللي مخرجك كده يا هـانـــم؟"
أجابته باستغرابٍ:
"مش إنت اللي قولتلي اخرجي عايزك!"
أشار برماديته على باب غرفته بحزمٍ:
"إخفي من قدامي يا مايا والا وقسمًا بالله أعلقك في نجفة السقف من شعرك اللي فرحنالي بيه ده."
ارتابت من عصبيته البادية على حمرة عينيه، ورددت بتلعثم:
"إنت بقيت بلطجي وأنا بقيت بخاف منك، والله لأغير هدومي وأنام في أوضة شمس، خسارة فيك الفستان اللي لبستهولك والتسريحة اللي بقالي ساعة بظبطها."
وما أن استدارت حتى انتبهت لفاطمة التي تكاد تنصهر من الضحك، فعادت تتطلع لعمران الذي يصك شفتيه بأسنانه غضبًا، ومن ثم تطلعت لفاطمة وابتسمت لها برعب لفظ انفاسه الاخيرة بقولها:
"فطوم إنتِ هنا، طيب أروح أنا أريح لحسن حسيت بهبوط كده فجأة."
انطلقت ضحكاتها وصاحت بصعوبة بالحديث:
"لا ألف سلامة عليكي يا قلبي، خشي ريحي جوه وبلاها أوضة شمس، كده كده هيجيبك."
عادت تخطف نظرة لمن يتوعد لها بثباته القاتل، وهمست الى فاطمة:
"ما تشوفيلنا علي يوديني المستشفى لحسن حاسة نفسي بعافية حبتين."
طرق الطاولة بعنف هادرًا:
"مستانية مين يشوفك بالمنظر ده تاني يا هانــــم!!"
هرولت للداخل ركضًا ولم يتبقى سواه وتلك الضاحكة، فقال بضيق:
"ها يا فاطمة قلقتيني وانا مش عارف اصحي مين تاني عشان تتكلمي."
اتجهت للمقعد، استقلته وقالت بغرور مصطنع:
"مفيش داعي تشوف حد، أنا بقيت بحضر الاجتماعات كلها بدالك مجتش من اجتماع عمل فيه فرد واحد ومن العيلة يعني!"
رفع حاجبه باندهاش من طريقتها، وقال:
"فرد!!"
وعاد يجيب ذاته:
"تمام اتكلمي!"
أدارت فاطمة الحاسوب إليه وقالت:
"بص يا عُمران، من وقت ما سلمتني حساباتك الشخصية وأنا بتابع الايميلات بتاعت الشغل كلها أول بأول، ومن وقت ما نزلنا مصر وأنت طبعا مشغول ومبقتش تفتح زي الأول، فبحاول على قد ما أقدر أحول اتفاقات الشغل والصفقات لمستر حسام ولو الموضوع صعب عليه بدخل أنكل أحمد المهم الأمور تمشي."
ابتسم قائلًا باعجاب:
"براڤو يا فاطمة، انا مقصر اليومين دول عارف بس خلاص بمجرد ما نعمل الافتتاح هتفرغ بشكل كبير باذن الله."
قاطعته مستكملة:
"تقصيرك مش المشكلة اللي عايزاك فيها يا عُمران."
تساءل باهتمامٍ:
"أمال ايه؟"
فتحت احدى الايميلات وسلطته تجاهه:
"بص كده كويس على اسم الشركة دي."
ضيق رماديته على الشاشة، فلفظ الاسم المدون، وقال بعدم فهم:
"مالها؟"
قربته إليه وهي تخبره بريبة:
"الشركة دي من وقت ما نزلنا اعلان اننا هننقل اغلب الفروع على مصر وهي بعتت على ايميلك وبإصرار غريب اننا مننقلش على مصر ونفضل في لندن، طبعًا أنا في البداية فكرتهم عندهم مشروع مهم وحابين اننا ننفذه ليهم في لندن، ولكن الغريب في الموضوع انهم مش عايزين اننا نشتغل على مشروع معين، حسيت من طريقتهم والنسبة الضخمة اللي اتعرضت في الرسالة انهم عايزنينا نفضل في انجلترا بأي شكل من الاشكال."
وتابعت وهي تعرض له الرسائل القريبة:
"لما رديت بالرفض عليهم رجعوا بعتولي تاني وزودوا النسبة والارباح بشكل مغري وغريب، تجاهلت الموضوع بعتولي مرة تانية بنسبة وصلت ل95في المية، انت متخيل!! أيه وجه الاستفادة ليهم لو ادونا اغلب الارباح وأخدوا 5 في المية والسؤال المهم كانوا فين طول فترة شغلنا في لندن واشمعنا لما نزلنا مصر."
زوى حاجبيه بدهشة لما تقول، وردد:
"الموضوع فعلا مش طبيعي."
فرقعت اصابعها للفت انتباهه:
"بالظبط، واللي هيفاجئك كمان ان لما بعت اسم الشركة لسكرتيرك حسام بحث عنها وملقاش ليها أي وجود في السوق، يعني الله أعلم أيه اللي ورا الناس دي واللي للأسف مش مفهوم بالنسبالي عشان كده كان لازم اعرفك بالموضوع ده، لانهم في آخر رسالة ليهم طلبوا يقابلوك بإلحاح مش طبيعي."
سحب الحاسوب اليه، يلتقط بهاتفه صورة لاسم الشركة، ونهض يشير لها:
"كويس انك قولتيلي أنا هدور وراهم."
وتابع وهو يتفحص ساعة يده:
"روحي ارتاحي وأنا هتولى أمرهم متقلقيش."
هزت رأسها ببسمة صغيرة، ثم انصرفت لغرفتها، واتجه عمران لغرفته.
يعتاد تلاوة القرآن بصوته الخاشع بأرجاء المسجد قبل صلاة الفجر، يقيم ليله في طاعة الرحمن، يختلي بنفسه أحيانًا، ويجتمع بمجموعة من طلاب الأزهر أحيانًا آخرى.
وها هو الآن يجلس بمفرده ويلمح طيف يحاوط مصحفه الشريف، جعله ينتهي من قراءته ويتأمل من يقف قبالته، فابتسم ببشاشته المعتادة وقال:
"آيوب!"
تلاشت ابتسامته فور أن رأى عينيه المتورمة من أثر البكاء، ومن خلفه وعلى باب المسجد يقف يونس وإيثان، وأوجههما تشيء بما يتعلق بحالة ابنه.
ترك الشيخ حاملة المصحف ونهض إلى ابنه يسأله بقلق:
"في أيه يا ابني؟ عينك مالها؟!"
تطلع إليه بوجعٍ، وعينيه تفيض دموعها، كجرحٍ عميق غائر، ومازال يحتفظ بالورقة بين يده، بشكل لفت انتباه الشيخ مهران، فجذب ما يحمله، وما أن رآها حتى أغمض عينيه يعتصر آلإمه، لقد حانت أبشع لحظة تمنى أن لا يعيشها، لطالما دعا الله أن تمر بسلام، كما مرت النار بسلام وإبراهيم عليه السلام داخلها.
ثنى الورقة ووضعها داخل جيب جلبابه الأبيض، ودموعه تنهمر دون توقف، أخذ وجهه بين يديه وقال وهو يتطلع له مباشرة:
"ولو قدامي مليون ورقة وتليون إثبات، أنت إبني أنا حتى لو مكنتش من صلبي، مهما قالوا ومهما حاولوا يثبتوا عكس ده إنت ابن الشيخ مهران اللي عاش عمره كله يزرع جواك كل الطيب اللي في الدنيا، عشان لما تربته تدبل تكون إنت الزرعة اللي تقوم بيه."
وضمه بين صدره بقوة مستكملًا:
"كنت أتمنى أموت قبل ما تعرف الحقيقة اللي دبحتني، بس مقدرتش أمنعك عنها يا ابني!"
تحرر صوت بكاء آيوب المكبوت، كان يتوقع أن ينفي الشيخ مهران كل ذلك، ولكن مغزى حديثه يؤكد حديث آدهم بمعرفته لحقيقة الأمر.
أبعده عنه وارتد للخلف يصيح بصدمة:
"يعني أيه؟؟؟؟ يعني أنا مش ابنك؟؟؟؟؟؟؟"
صرخ فيه بقهرٍ:
"متنطقش الكلمة دي تاني فاااهم، إنت ابني غصب عن الدنيا كلها، أنا وافقت آدهم على الورقة دي بس عشان خوفي من ربنا لكنها متعنيليش شيء، ولا عمرها هتغير طبيعة علاقتي بيك يابني."
بدت كلمته مستريبة إليه، فردد بغرابة:
"ابنك!"
قالها وابتعد عنه، وبدون أي كلمة إضافية غادر من أمام الجميع تجاه الباب الآخر للمسجد، كاد يونس بتتبعه ولكن الشيخ استوقفه وقال باكيًا:
"سيبه يروح مشواره لوحده، مواجهته لمصطفى الرشيدي لابد وحتمًا منها!"
شاردًا بجحيمه الذي لا يساع أحدٌ سواه، وإذ فجأة يشعر بتمايل رأسها فوق ذراعه، فاستدار ليجدها تغفو بسلامٍ وراحة، ابتسم وهو يراقب بسمتها لقربها منه، وضمها إليه ثم عاد يتطلع لنافذة الطائرة بحزن.
التقطت ساعته اشارة مجهولة، فتفحصها وهو يستعلم عن اشارة موقع آيوب، كانت تلوح منذ قليل بتواجده بمسجد حارة الشيخ مهران، والآن يلتقط جهازه إشارة تواجده بمنزله الخاص!!
اعتدل آدهم بجلسته بتوترٍ، يخشى ذلك اللقاء الذي لم يحسب حسابه، يخشى أن يزداد مرض أبيه بمواجهة آيوب له، لذا وعلى الفور التقط هاتفه يدون رسالة قصيرة قبل ان يغلق الهاتف كليًا، لضمان عدم وصول المرسل إليه.
ضحك رغمًا عنه حينما وجدها تختبئ خلف ستائر الغرفة، وللحق لم يكن ليكتشف أمرها لولا بطنها المنتفخ البارز من خلف الستار لما اكتشف أمرها، فقال بسخرية:
"وكده أنا مش هجيبك يعني؟!"
رفعت الستار للاعلى وقالت بارهاق:
"أنا تعبت في الحفلة والله، لو ينفع تسامح وتسبني أنام يبقى كتر خيرك يا عُمران باشا."
استند بقدمه على المقعد ومال يردد ساخرًا:
"ودي تيجي يا بيبي، مش لازم نأخد وندي مع بعض كده، ده انا حتى ملحقتش أعين الفستان!"
شددت على مئزرها وهتفت باحتجاج:
"بص إنت حنين وميرضكش ابنك يأخد لطشة برد صح؟"
زوى حاجبيه بعدم فهم:
"أيه دخل ده مع ده!"
ضحكت ساخرة منه:
"أصل المصمم نسى يخيط بطانة الفستان."
قالتها وانفجرت من الضحك، فضحك رغمًا عنه واشار لها بالخروج:
"اطلعي يا مايا، اطلعي بدل ما أجيبك أنا وساعتها هتندمي."
حملت طرف المئزر وخرجت إليه تلتقط أنفاسها بتعب:
"وعلى أيه انا جاية، بس استنى اقلع الروب ده لحسن الجو حر."
برق بدهشة حينما وجدها ترتدي بيجامة من الصوف، ومن فوقها شال أسود يتدلى على كتفيها، ابتلع صدمته وهو يهتف:
"أمال فين الفستان اللي من غير بطانه؟!"
ربتت على بطنها المنتفخة وهي تهمس بمكر:
"اول درس يا حبيبي أوعا تطلع وقح وقليل الادب زي بابي، خليك متربي وابن ناس زي عمك."
كز على أسنانه بغضب جعلها تسرع بالتراجع لاقصى الفراش قائلة بعصبية:
"بقولك أيه إنت من ساعة ما بقيت بتنزل الحارة وانت خلقك بقى ضيق وانا واحدة على وش ولادة ومش ناقصة فرهدة ولا شدة أعصاب، يا تلم أعصابك يا تشوفلك كنبة بالدور الارضي تنام عليها العمر مش بعزقة هو!"
أشار على ذاته منصدمًا:
"أنا أنام على كنبة!!!"
"انتِ اتجنينتي ولا واخده حبيتين جراءة!!!"
رفعت اصابعيها تشير:
"الاتنين."
حدجها بخبث، واتجه للاريكة، يجلس فوقها واضعًا ساقًا فوق الاخرى، وبغرور قال:
"بصي يا بيبي، إنتِ حابة تتشاقي معايا وأنا معنديش مانع، عشان كده هديكي فرصة تيجي وتعتذري والا متلوميش الا نفسك، وإنتِ عارفاني لما بدي إنذار بعده بعمل أيه؟"
جحظت عينيها في ذعر، وعلى الفور أسرعت إليه تناديه بدلال مصطنع:
"إنت عارف إني بحبك صح؟"
ابتسم وهو يشير لها بالاستئناف فقالت:
"أنا كنت بحاول أفكك شوية من الزعل بس مدام هتيجي على رأسي، فحقك عليا."
وحينما لم تجد ردًا منه نادته:
" عُمران!"
غمز لها بعنجهية:
"حبيب قلبه إنتِ يا مايا."
ابتسمت بسعادة تلاشت فور أن نطق:
"بس أنا مش قادر أكون (راضي عنك بنسبة مية في المية) 100% satisfied with you."
تلاشت ابتسامتها على الفور، وقالت بانزعاج:
"وأيه اللي يرضيك يا بشمهندس."
كاد ان يجيبها ولكن رسالة هاتفه جذبت انتباهه، وخاصة حينما رأى اسم صاحبها وقرأ رسالته، وبنهايتها وجد الموقع محصور برسالته، ترك الاريكة والتقط مفاتيحه ثم هرول سريعًا للاسفل، يركض تجاه محل سيارته، استقلها وانطلق على الفور للمحل الذي أرشده إليه آدهم!
فتحت الخادمة باب المنزل، فولج يبحث عنه بالداخل حتى وجده يجلس بغرفته، وما أن رآه الآخر حتى تهللت سعادته، وقال بفرحة:
"آيوب! تعالى يا حبيبي نورت الدنيا كلها."
اقترب منه ونظراته المستحقّرة تحوم به بشكلٍ بشع، حتى توقف قبالته يرمقه بنظرة كراهية، وقبل أن يتحدث بحرفٍ قال:
"أنا عمري ما اتربيت على الحقد ولا الكره، بس ولاول مرة قلبي وعيني كرهوا حد زي ما كرهوك أنت!!"
صعق مصطفى مما استمع إليه، بينما استطرد آيوب بعدائية شديدة:
"مكنتش مضطر تلعب دور الخداع والحنية طول الفترة اللي فاتت، إنت اللي زيك قلبه كتلة حجر، أوعـــــا تفكر اني في يوم من الأيام هسامحك، عمرها ما هتحصل، ومهما عملت أنا ماليش غير أب واحد بس، أنا ابن الشيخ مهران ولأخر نفس خارج مني أنا ابنه هو ساااامع."
تهاوت دموع مصطفى ورأسه منكوس أرضًا على مقعده المعدني، يخشى حتى لقاء عين ابنه، كل ما يردده:
"سامحني يا ابني، سامحني وحياة أغلي حاجة عندك."
رمقه باستحقار، وقال:
"إنت دمرتني، تخيل من ساعة واحدة بس كان في جوايا حب واحترام كبير ليك لما سمعت ندمك وتوبتك عن اللي عملته في ابنك اللي رميته، ولما اكتشفت إني هو احساس العطف اتبدل 180درجة، كأني اللي سمع وحكم عليك مش هو الشخص اللي واقف قدامك، إنت حرقت كل حاجة بناها الشيخ مهران، كل حاجة اتحولت لرماد وإنت قبلها."
ورفع اصبعه يشير بعصبية بالغة:
"أنا مجتش أسألك عملت كده ليه، أنا جيتلك عشان أقولك ان لو آخر يوم في عمري مستحيل هسامحك أو هسمحلك تقرب مني."
وتركه واستدار ليغادر، فصرخ مصطفى وهو يتجه خلفه يناديه برجاء:
"استنى يا آيـــــــــــــوب، اسمعني يابني عشان خاطري اسمع اللي هقولهولك."
تجاهله وهرول مسرعًا للباب، ففقد مصطفى توازن مقعده وهوى أرضًا به، ومع ذلك لم يتوقف وزحف على ذراعيه ليصل إليه، حتى أمسك بيديه يبكي فوقها ويترجاه:
"متمشيش أنا مش عايز غير إني أشوفك سعيد ومرتاح ولو هيريحك إنك تفضل مع الشيخ مهران أنا مش همانع ولا همانع ان اسمك يفضل زي ما هو وأنا متحمل الذنب لوحدي بس بالله عليك ما تسبني يا آيوب، متسبنيش!"
رواية صرخات انثى الفصل الثاني والثمانون 82 - بقلم ايه محمد رفعت
مازال يتمسك بساقيه ودموعه تنهمر بضعفٍ، جعل “آيوب” متخبطًا فيما سيفعله، أعماه غضبه وجعله قاس القلب. كان ليدفعه عنه وكأنه بقعة ستلوث جسده، فمال برأسه للأعلى يستمد نفسًا ثقيلًا، فاختلج بصره صورة تتوسط حائط الردهة لآدهم، ذاك الصديق الرائع الذي سانده دومًا، ولم يتخلى عنه أبدًا. كل ظرف أحاطه الخطر به كان آدهم المغوار المخلص له، فإن ابتغى قلبه بظلام ما فعل مصطفى به، هل يستحق آدهم ذلك؟ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
أسمى ما زرعه الشيخ مهران داخله، لن يستطيع تخطي ما نشأ عليه منذ الصغر. انطوى جفنيه يعتصر دموع وجعًا يعصف به، لزم استحضار ثباته القوي لينحني إلى ذلك الذي يميل على ساقيه، يعيق حركة جسده. سانده “آيوب” وجذب المقعد المتحرك يضعه من فوقه، وسقط على المقعد من خلفه فاقد الطاقة والقدرة على تحريك جسده حتى أصغر إصبعيه.
تحرك مصطفى بمقعده المتحرك تجاه محل جلوسه، أمسك يده الملقاة على ذراع المقعد، وردد ببكاء:
_ سامحني يا آيوب، سامحني عشان أرتاح من العذاب اللي أنا فيه.
سحب يده بعنفٍ عن يده، وطالعه بنظرة منفرة من بين حمرة عينيه الدموية، هاتفًا بحشرجة ذبحت حلقه:
_ إنت ليك عين تطالبني بالسماح؟ أنا لو بكرمك دلوقتي فده عشان ديون آدهم اللي للأسف مش هقدر أكون موجود بعد كده عشان أردها.
جحظت عين مصطفى هلعًا من تفسير مبطن كلماته، فأستطرد يوضح له:
_ أنا مش عايز أشوفك تاني في حياتي، لا إنت ولا آدهم سامع.
ونهض عن المقعد كأنه مسه جان، بل هرع بخطواته للخروج من هذا المنزل. حرر الباب العملاق وأسرع يتخطى حديقة المنزل الصغيرة، وما أن وصل للبوابة الحديدية الخارجية حتى تفاجئ بعُمران ينتظره، مستندًا على مقدمة سيارته، ويديه مدسوسة بجيوب جاكيته الأسود الطويل. وما أن رآه حتى هم للقائه، والحزن والوجع يختمان رماديتياه بشكلٍ ملحوظ.
جعل آيوب يبتسم وهو يهتف بسخرية مؤلمة:
_ الظاهر إن أنا الوحيد اللي مكنتش عارف الحقيقة.
رد عليه بثبات يليق بشخصيته القوية:
_ الحقيقة لو مش باختيارك عمرها ما تكون مفروضة عليك، اختيارك هو اللي هيريحك وهيخليك تتغاضى عن أي كلام هيتقالك.
تهاوت دمعة من عينيه رغم ثبات بسمته، وسأله باستهزاء:
_ وأيه اللي المفروض أختاره؟
رد عليه “عُمران” بحنان:
_ الشيخ مهران اختيارك، عشان كده هتكمل معاه وانت رامي وراك أي حقايق ممكن تشوش على اختيارك ده.
تقلصت ابتسامته لوجع منطوق بلسانه:
_ ازاي بعد ما آ..
قاطعه حديثه متعصبًا:
_ بعد ما أيه؟!! معقول حاجة زي دي تخليك تبعد عن الراجل اللي رباك، الشيخ مهران هو أبوك يا آيوب، حتى لو اسمه إتشال من ورا اسمك.
هز رأسه معترضًا على حديثه، وقال بتيهةٍ:
_ مبقاش ينفع خلاص يا عُمران، مش هقدر آآ… أنا مشتت ومش عارف مكاني فين! ، آآآ.. أنا كنت لما بتوجع من حاجة بروحله وبترمي في حضنه، عمري ما حسيت بالراحة دي غير معاه، فجأة يطلع مش أبويا!! طيب ازاي وأنا ما حستش ولو مرة إنه مش أبويا!!
واستطرد وهو يشير على منزل آدهم من خلفه بتعبٍ نفسي لمسه عُمران منه:
_ طيب وأسامح إزاي!! ، هبعد إزاي؟؟؟ ده آدهم يا عُمران ، آدهم اللي فداني بروحه أكتر من مرة، قولي هعاقب أبوه على اللي عمله معايا ازاي؟؟ أبوه اللي المفروض أبويا، وآدهم آآ… إدهم أخويا!! أنا.. أنا مش عايز الحقيقة المرة دي، أنا عايز أنسى اليوم ده وأشطبه من حياتي كلها، مش هقدر أتحمل الوجع ده، آآ.. أنا مش عايز غير مكان صغير في بيت الشيخ مهران يا عُمران، مش عايز غير حضن أمي ومحبتها ليا، إزاي هيحرموني من كل ده… لا يا عُمران لأ.. مصطفى الرشيدي أناني، وآدهم كمان أناني يا عُمـــــران، دمروني دمــــــروني!
قالها واستند على السيارة، ينهار باكيًا، يبكي دون توقف كالطفل الصغير، ولجواره تنهمر دموع عُمران متأثرًا به، يحيطه ذكرى يومًا شبيهًا بيوم آيوب، يوم إنهار مثله تمامًا، ولكنه وبفضل الله عز وجل وحبه إليه منحه أخًا عظيم مثل أخيه “علي”، ومؤكدًا من على آيوب بوجوده بذلك الوقت، لذا سيكون خير الداعم إليه.
اقترب عُمران منه بعدما أزاح دموعه بجدارة، استند على السيارة جواره، وقال بصوتٍ يحتبس فيه دموعه:
_ مفيش حاجة اتدمرت ولا حاجة يا آيوب، مكانك في بيتك وفي قلب الشيخ مهران محفوظ، حتى الحاجة رقية هتفضل عمرها كله تعاملك إنك ابنها، الحقيقة اللي عرفتها النهاردة دي مش هتفرق معاهم في حاجة، بدليل انهم عرفينها من وقت رجوعك لمصر ومع ذلك إنت محستش منهم بأي تغير.
واستطرد وهو يتعمق فيه:
_ بالعكس الخوف ده عندهم هما لتختار بيت مصطفى الرشيدي وتبعد عنهم.
رفع عينيه الباكية لمن يجاوره، وقال بألمٍ:
_ يوم ما أختاره هيكون أخر يوم في عمري، أنا كرهته وكرهت آ..
ابتلع باقي جملته داخله، ودفنها داخل دموعه، وهمس من بين شهقاته الضعيفة:
_ لأ… آدهم لأ… مش قادر ولا هقدر أكرهه.
والتفت إليه من جديد يبكي:
_ أنا موجوع أوي يا عُمران، حاسس إني تايه ومش عارف أروح فين؟
تدفق الدمع على وجه عُمران، فأخفض وجهه يزيحها سريعًا ثم استدار إليه يلكزه بمرح:
_ بقى أنا بقالي ساعة مرمي جنبك وفي الآخر تقولي تايه ومحتار أروح فين؟ طيب قولي أتعامل معاك إزاي دلوقتي بروح أمك!!
أزاح آيوب دموعه ولم تزوره حتى ابتسامة غافلة، فعاد عُمران يشاكسه:
_ بذمتك ده كلام، حضن صاحبك وبيته مفتوحلك في أي وقت، بس مش في التوقيت الحالي للأسف.
وتابع وهو يحيط كتفه ليحركه إلى السيارة:
_ لاني هوديك المكان اللي تستحق تكون فيه.
انتصب بوقفته انصياعًا لدفعة عُمران، وسأله بارهاق:
_ هنروح فين؟
اجابه بهدوء ماكر:
_ مكان هترتاح فيه.
وفتح باب السيارة يشير له بسخرية:
_ مش عارف مودك قافش ازاي وعُمران سالم الغرباوي بيفتحلك باب عربيته بنفسه!!
صعد ببطءٍ تام، وكأنه لا يستطيع تحريك جسده، إتجه عُمران لمقعده وتحرك على الفور لمحله المنشود.
****
صعد لشقته بخطواتٍ هزيلة، أخرج مفتاحها ليحرر بابه، ولكنه تفاجئ به مفتوحًا، ومواربًا، ولج للداخل والقلق قد ضمه بعناقٍ على صغيره، ولج غرفته القريبة من باب الخروج يناديه بلهفةٍ:
_ فــــارس!
هرول لغرفته حينما لم يجده بالغرفة المخصصة للأطفال، إلتفت تجاه الصالون الذي يتوسط الردهة، فتوقف محله يبتسم تلقائيًا حينما رأها تغفو على الأريكة وهي تحمل صغيرها فوق ساقيها، على ما يبدو بأنه استفاق من نومه وحينما لم يجده انتابته نوبة من البكاء.
اقترب يونس منهما يتأملها بعشقٍ لا تقبل كلمات وصفه، يحاول بشتى الطرق منع عينيه أن تحتضن ملامح وجهها البادية من أسفل نقابها المرفوع، ولكن اشتياقه قتل عقله اليقظ، بقى أمامها ساكنًا كسكون الموج بمنتصف المياه، يتمنى لو أنها كانت زوجته بتلك اللحظة، يتمنى لو كانت تحل له فيستطيع أن يمس خصلتها المتمردة من أسفل حجابها بحريةٍ، ولكنه حتى لا يمتلك حق التطلع إليها.
أخفض يونس عينيه أرضًا، ثم عاد يتطلع لها، هاتفًا بتمني ومحبة:
_ اللهم قربني منها، وإجعلها قرة عيني.. زوجتي وحبيبتي، اللهم ردها لي بقلبٍ محتفظ بحبها وعشقها لي، وإن كانت بعد المسافات خففت رباط محبتنا فسبحانك القادر على مد الوصال بيننا!
لفظها بعاطفته وتمنى لو أن دعوته لا ترد، جلس على حافة المقعد وأخذ يراقبهما قدر المستطاع، يتساءل إن لم ينجح ذلك السفيه بفعلته ولم يتمكن من التفرقة بينه وبين أعز ما أمتلك، كيف سيكون مسار حياتهم دون ما تعرضا لهما معًا؟!
استعاذ بالله من شيطانه الحاضر وهمس بصوتٍ خافت:
_ اللهم لا إعتراض على قضائك، الحمد لله على كل حال.
مال رأس خديجة، فاعتدلت بجلستها المؤلمة، انتبهت لمن يجلس قبالتها يتأملها بنظرةٍ حنونة، وضعت صغيرها على الأريكة المذهبة، ونهضت تخفض نقابها، هاتفة بارتباكٍ:
_ يونس إنت رجعت أمته؟!
نصب عوده يجيبها:
_ لسه حالا.
هزت رأسها وقالت تبرر وجودها بهذا التوقيت:
_ فارس لما فاق من النوم وملقكش موجود، كان بيعيط ورفض يطلع ينام عندي فوق، عشان كده اضطريت انزل معاه لحد ما ترجع من بره.
وأضافت بتوترٍ طفيف:
_ إنت اتاخرت ليه كده في صلاة الفجر؟
رد عليها بابتسامته الخافتة:
_ نورتي بيتك يا ست البنات.
ضمت يدها تفركهما خجلًا، واتجهت للخروج قائلة على استحياء:
_ انقل فارس أوضته وغطيه من البرد، تصبح على خير.
رنا إليها يوقفها عن الفرار:
_ وبعدين يا خديجة، هنفضل على الوضع ده كتير!
قضمت شفتيها بارتباكٍ، واستدارت تدعي عدم استيعابها لحديثه:
_ كده ازاي؟!
تغاضى عن الدور الذي تجيده الآن، وقال بشكلٍ مباشر:
_ أظن إن عدتك خلاص خلصت، يعني البعد والانفصال المفروض ده مبقاش له داعي، خديجة أنا مش متحمل فكرة عيشة كل واحد مننا في شقة دي، من بكره هكلم عمي ونكتب الكتاب.
اقتحم أفكارها صور بائسة من حياتها الزوجية السابقة، وكأنها تساق لنفس المصير، فرددت بتلعثم:
_ مش هينفع دلوقتي يا يونس.
وبتوتر قالت:
_ قولتلك قبل كده إني محتاجة وقت!
حدجها بنظرةٍ خاوية، وصاح بخشونة:
_ هو العمر فيه وقت أد أيه عشان تاخدي المدة دي، المفترض مدة الفراق تبقى كام سنة من وجهة نظرك؟!
أحكم الكماشة حول حججها المنصوبة، فباتت لا تجد ما تحكيه، لذا وبكل وضوح هتفت:
_ يونس أنا مش معترضة على جوازنا وأنت عارف ده، بس أنا مش جاهزة دلوقتي.
أسبلت غضبه المكبوت عن جدارة، فزوى حاجبيه وهو يطعنها بنظرة ساخرة:
_ وست الحسن هتكون جاهزة أمته؟
لم تستطيع ابتلاع اهانته وقالت تصارحه بمنتهى الصدق:
_ انا مش بتدلل عليك، أنا متحددلي عملية تجملية هعملها عند دكتور نازل مصر بعد شهرين، الدكتورة اللي بتابع معاها أخدت منه المعاد وبتجهزني.
توسعت حدقتيه بشكلٍ مرعب، حتى بات وكأنه سيتحول بين لحظة وآخرى، وكلما دعست قدميه بخطاها، تراجعت خديجة تبتلع ريقه الهادر بهلعٍ، فاذا به يصرخ بوجهها بجنون:
_ عملية أيــــــه!! إنتِ اتجننتِ ولا السلوك لمست عندك!! عايزة تكشفي نفسك على دكتور!!! لأ وما شاء الله مقررة ومقتنعة بقرارك وواقفة قدامي بتتكلمي بكل بجاحة!
ارتابت حتى قحل ريقها، فانخفض صوتها المرتعب:
_ أنا قولتلك قبل كده أني بقيت مشوهة! و مش هقدر أبدأ حياتي معاك من غير ما اتخلص من الماضي اللي عشته، وده جزء من ذكرياته اللي مش هيسيبني أبدًا.
وأضافت والدموع تكتظ عينيها:
_ أكيد يعني قرار زي ده مخدوتش بالساهل، وخصوصًا لما الدكتورة بلغتني أنها مش هتقدر تعملي العملية، وإن ليها دكتور متخصص، بس هعمل أيه أنا مجبورة يا يونس!
تقسم أنها بتلك اللحظة تستمع لصوت أسنانه تصحك، وكأنها تتهشم تباعًا، تلاقى ظهرها حائط الردهة ومازال يدنو منها، حتى لطم الحائط بيده، بدى يحارب شيئًا يود التحرر عن لسانه ومازال لا يرغب بقوله، جاهد ليهدأ من انفعالاته وقال هامسًا بأنفاسه الثقيلة:
_ متحلميش إني هقبل إنك تتكشفي على حد حتى لو كانت دكتورة، كفايا الوجع اللي أتعايشت معاه طول الفترة اللي فاتت، وسبق وقولتلك قبل كده أن عيني دايمًا شايفاكي ست البنات كلها.
تهاوت دموعها واعترضت بصوتها المبحوح:
_ مش هقدر آآ..
أوقفها ينهي نقاشهما الذي بدأ ينبش بزقاق الماض:
_ خديجة أنا مش هرغي كتير في حوار أخدت فيه قرار، خلصت وانتهينا.
تلاقت الآن عينيها به منذ بداية حوارهما، فلمس فيها انكسار أنثى تجاهد لم بقاياها، انكسر ضلع من أضلعه وتلاه صوت حطام قلبه، وخاصة حينما إنسحبت من النقاش بخيبة أمل، فاتجهت لتخرج من المنزل باستسلامٍ.
حررت الباب على أخره وما كادت بالخروج منه حتى قال لها:
_ الآثار اللي فاكراها تشويه دي أكتر حاجة ممكن تريح أي وجع جوايا لحظة ما أتخيلك في يوم مع القذر اللي عيشتي معاه، دي الدليل الوحيد على حبك ليا يا خديجة!
وأضاف بحزمٍ:
_ أول ما عمي يروق من اللي بيمر بيه هنكتب الكتاب، جهزي نفسك يا ست البنات.
اكتفت بهز رأسها وغادرت بعدها على الفور، بينما يتابع ظلها المبتعد بنظرة حزينة، أتجه يونس لابنه يحمله لغرفته، وتمدد جواره على الفراش يحتضنه بقوة، يشم ريحه عساه يتنعم براحة فقدها منذ اختفاء آيوب، ورؤية الشيخ مهران بتلك الحالة دونه.
******
توقفت سيارة “عُمران” بعد فترة من القيادة، مما دفع ذلك الذي يغفو جواره على الافاقة، اعتدل بجلسته يفتح جفونه الثقيلة، ويتأمل المكان المحيط به باهتمام، فتفاجئ به يصف السيارة أمام بناية الشيخ مهران.
استدار تجاهه وبكل حدة سأله:
_ إنت جايبني هنا ليه يا عُمران؟!
أجابه ورماديته ساكنة على لافتة الحارة التي تحمل اسم الشيخ مهران:
_ قولتلك هخدك على أكتر مكان هترتاح فيه.
تبسم ساخرًا، وقال:
_ وأنا قولتلك انه مبقاش مكاني خلاص.
استدار إليه عُمران يحيطه بنظرة طويلة، ثم قال بهدوءٍ:
_ ده أول مكان فكرت فيه أول ما قولتلك هاخدك مكان هترتاح فيه، متكبرش يا آيوب، أنت متقدرش تبعد عن الشيخ مهران ولا الحاجة رقية، مش هتقدر زي ما هما كمان ميقدروش يبعدوا.
وتابع وهو يشير باصبعيه على باب العمارة:
_ بمجرد ما هتدخل من الباب ده هتلاقي راحتك وأمانك، وهتعرف إنك مخسرتش أي مكانة كانت ليك عندهم زي ما انت فاكر، بالعكس أنا واثق أنهم بيتألموا أكتر منك وخوفهم من فقدانك أكتر شيء مسيطر عليهم.
أخفض آيوب رأسه وافرج عن دموعه، وبقهر قال:
_ مش هقدر أواجهه يا عُمران.
مال يرفع ذقنه للأعلى، وبعصبية هدر فيه:
_ بقولك أيه انا مبصحبش العيال الفرفير، ومع ذلك ضميتك لشلة المقاطيع عشان استرجلتك، هتنخ وتعملي فيها سوسن من أول مشكلة هتقابلك في حياتك هشد عليك وهغيرلك قطع غيار، استجمد كده ومتشدش عرق العصبية عندي، عشان لو طلع هيبهدل أمك!
وتابع وهو يفتح باب السيارة الكترونيًا:
_ انزل قابل أمك وأبوك بالحضن، وتقف واقفة أسد راجع مكانه ودايس كل حاجة وراه، ولحظة ما تنخ وتحس نفسك هتقلب على قطة بلدي أفتكر إن ليك صاحب إسمه عُمران سالم الغرباوي، ويا بخت الا أنا في حياته، أمه أكيد دعياله في ليلة مفترجة!
ضحك رغمًا عنه، وهتف بحنقٍ:
_ عُمران إنت مغرور أوي!
عدل من جاكيته على كتفه بعنجهية:
_ يا بختك عشان أنا في حياتك يابن الشيخ مهران.
لمست كلماته الاخيرة وجعه الغائر، فعبث مرددًا:
_ ابن الشيخ مهران!
اكد عليه بقوة:
_ ابنه ونور عينه وإنت عارف كده كويس.
ودفعه خارج السيارة بعنف مرح:
_ ويالا بقى متقرفناش، شاقطك من خامسة الصبح ولحد دلوقتي لسه مكتئب، إنزلفلقت دماغ أمي بروح أمك!
تعالت ضحكات آيوب بصخب، ومال على نافذة السيارة يشاكسه:
_ بقى دي أخرتها، بتبعني يا خواجة!
ارتدى نظارته بغرورٍ طاووسه الوقح، ونطق:
_ تلاشاني عشان متعضش إيدك ندمًا يا بشمهندس.
قهقه ضاحكًا وصاح:
_ أنت اتخلقت عشان غيرك يتلاشاك أساسًا.
هدأت ضحكات عُمران وبجدية قال:
_ ارجع مكانك وبيتك يا آيوب، وأوعا تسمح لأي حاجة مهما كانت صعوبتها تفرقك عن أهلك وناسك، اتواجع وحلها وإنت معاهم ووسطهم، احسبها بعقلك وشوف ربنا من عليك بأيه، في البداية هتكون صعبة بس بعد كده هتشوفها من جانب تاني.
وأضاف بحزن:
_ مهما كان غلطة مصطفى الرشيدي متغتفرش بس كفايا إن ليك أخ زي آدهم، ومن ناحية تانية علاقة جديدة هتضيفلك ناس ساندة ضهرك، عوض ربنا ليك إن ليك أب زي الشيخ مهران وأب تاني مش هتقدر تبص على مميزاته دلوقتي، غيرك اتحرم من النعمة دي ومقدرها جدًا، الخلاصة إنت مش هتأخد قرار سليم وإنت عقلك مش فيك، فخدلك هدنة تقرر فيها القرار الصح اللي متبقاش ندمان عليه، فهمت ولا عقلك في غفلة يابن الشيخ مهران؟
ابتسامته الجذابة ازدادت وقوله يسبقها:
_ فهمت يا بشمهندس.
شغل محرك السيارة وأشار له:
_ اتصل بيا وقت ما تحتاجني مع أني متأكد أنك هتعملها قبل خروجي من الحارة، فياريت تخلي عندك دم وتكلمني بعد ما أخد بريك يفكني من الكآبة اللي جتني من خلقة أمك دي!
ضحك بصوته المسموع وقال:
_ ودي تيجي يا خواجة، مقدرش أستغنى.
رد يشاكسه:
_ لا استغنى وغني بعيد عني يا حبيبي، ومن غير سلامات.
وتحرك بسيارته على الفور، بينما صعد آيوب للاعلى بخطوات مترددة، أبقته أمام باب الشيخ مهران ثلاثون دقيقة، حتى استجابت يده للطرق الخافت، فمازالت الساعة السابعة صباحًا، يعلم ان أبيه يعود بعد صلاة الفجر ويغفو هو ووالدته بذلك الوقت، ولكنه تفاجئ باستماعه للطرق الخافت وكأنه كان يجلس خلف الباب، يقابله بابتسامة ودموع ورمت جفونه، وصوت متقطع يناديه:
_ آيوب، ابني!!
وجذبه يحتضنه بقوةٍ، بينما الآخر يفك تجمد جسده تدريجيًا ويشدد من احتضانه، محررًا دموعه هو الآخر.
عاتبه الشيخ مهران ومازال يضمه بقوة:
_ قفلت موبايلك ومشيت من قبل حتى ما تسمعني، وراجع وش الصبح، هونت عليك تعيشني في القلق ده يا آيوب، هونت عليك!
مال على كتفه دون أن يتفوه بأي كلمة، فربت الشيخ على ظهره وهو يدعو له بصوت كان مسموعًا له، خرجت الحاجة رقية تناديه ببكاء وتهرع إليه هي الاخرة، تلقفته من زوجها تنزوي بأحضانه وهي تبكي بانهيار وتردد:
_ كنت عارفة أن امك مش هتهون عليك يا آيوب، كنت عارفة إنك مش هتبعد.
أحاطها ومازال يبكي بوجعٍ، لا يرضا عن حالة والدته التي تسبب بها، رعشتها وانقباض قلبها بدى مفسرًا عن حالاتها دون أي توضيح.
ربت عليها بكل حنان، ومن امام بصره تطل زوجتت الباكية هي الاخرى، تقف على أعتاب غرفتها تراقبه بكل اهتمام، بينما هو يتطلع لها ويده تربت على ظهر والدته، وأمام اصرارها لحق بها لغرفتها، وغفى برأسه على ساقها، بينما تمرر يدها بحنان فوق رأسه، ومازالت تقرأ الرقية الشرعية عليه، ومن جوارها الشيخ مهران يراقب حالته بقلق، فاطمئن حينما غفى آيوب سريعًا على ساق رقية التي تقبل رأسه بين الحين والآخر ودموعها تنهمر فوق جبين آيوب الذي يشعر بها، ويئن وجعًا على ما خاضته وتخوضه الآن، وخاصة من حديثها عن ثقتها بما زرعته بتربيته وها قد حصدته حينما عاد إليهما في نفس لحظة افتراقه عنهما، هو فعليًا لا يستطيع الافتراق عنهما أبدًا!
******
واصل آدهم وشمس الخطى فوق الرمال، للوصول لجناحهما الذي بدى بعيدًا ومرهقًا لشمس بعد رحلة سفرها، حتى أنها حملت حذائها ذو الكعب المرتفع، وباتت تفتقد كل التعليمات الأرستقراطية التي تلقتها على يد فريدة هانم.
ألقت الحذاء أرضًا ونادت من يسبقها بخطوتين:
_ آدهم.
توقف عن اتباع العامل واستدار لها، فوجدها تجلس على الرمال بتعبٍ، كبت ضحكته وانحنى إليها يهتف بسخرية:
_ الرحلة لسه مبتدش شمس هانم!
احاطته بنظرة تقيمية، وكأنها تقيم قدرته الجسدية، وفجأته حينما قالت ببساطة:
_ هو أنت ينفع تشيلني بدل الشنطة دي؟
راقب الحقيبة التي يحملها على كتفه، وعاد يتطلع لها قائلًا بتسلية:
_ لا طبعًا الشنطة أخف منك بكتير، وبعدين إنتِ عايزة تكسري ضهري وأنا عريس جديد، ترضهالي يا شمس؟!
كشرت عن أنيابها وصاحت بضيق:
_ نعم!! أمال أيه جو ظابط المهمات المستحيلة، وسفاح المعادي اللي عايشهم دول، والعضلات اللي مربيها دي لزمتها أيه لو مش قادر تشيلني معلش!!
واضافت وهي تربع يدها أمام صدرها بغيظٍ:
_ بص يا آدهم يا تشيلني وتدلعني زي ما عمران وعلي كانوا بيعملوا وقت ما بتعب يا ترجعني ليهم، انا أساسًا مش مصدقة إني بعدت عنهم!!
أفزعها حينما ألقى الحقيبة عن كتفه، وفرد ذراعيه قائلًا بسخرية:
_ دراعاتي بانتظارك شمس هانم.
توسعت ابتسامتها بسعادة، فحملت حذائها الثمين، وهرولت إليه تقفز لطول ذراعيه، ضحك رغمًا عنه، وانحنى يلتقط الحقيبة على ظهره، ثم تحرك بها بخفة وكأنها لا تزن شيئًا بين يديه.
تطلعت له شمس بهيامٍ، وقالت تشاغبه من جديد:
_ كابتن، ممكن أريح شوية هنا؟
قالت وهي تشير على كتفه، فردد مازحًا:
_ استوليتي على دراعي، مجتش على كتفي يعني، أقولك اعتبريني ملكية خاصة لحد ما نوصل الجناح بس.
مالت إليه تحيط كتفه بابتسامة واسعة، فمال يهمس لها بخبث:
_ اتمنى تفضلي بالقرب ده بره وجوه الجناح.
ابتعدت عنه تطالعه بريبة، وبغضب قالت:
_ متحلمش كتير يا كابتن!
ضحك بصوته الرجولي، وغمز لها:
_ تعليماتك أوامر شمس هانم.
ولج بها للجناح المزين بالورود خصيصًا لاستقبال العروسين، فوضعها على الفراش بين باقة الزهور، واشكال المنشفة المحاطة بها، تلمست شمس بتلات الزهور من حولها بفرحة، ودارت بها تلقاها لاعلى وهي تردد:
_ ريحتها تحفة بجد.
راقبها بابتسامة جذابة، وأخذ يراقبها وهي تحمل بعضًا منها وتلقاها من فوقها، صوت ضحكاتها ينعشه، عقله لا يفكر سوى باستغلال كل لحظة ستجمعه بها، وكأنها لحظاته الاخيرة بالحياة!!
جلس آدهم على طرف الفراش يراقبها بابتسامة هادئة، بينما تقفز هي فوق الفراش بجنون، حتى تهاوت جواره من فرط حركاتها، فوجدته ينحني إليها، يحرر حجابها الذي بدأ يتدلى باهمال من فرط حركاتها.
تهاوى انذار الخطر داخلها، وخاصة مع رؤية نظراته التي ملأتها عاطفة عشقه لها، وهمسه الذي بدى كجرعة مخدر سارية عليها لأول مرة:
_ اتحقق حلمي وبقينا مع بعض.
ابتلعت ريقها بتوتر وهو توزع نظراتها بين نطق كلماته وعينيه التي لا تفارقها، تجده يدنو وهو يحمل اصرار اللقاء، وما أن اجتمع بها حتى ابتعدت تردد بارتباكٍ:
_ آآ.. أنا.. هأخد شاور..
وتركته وهرولت إلى الحمام، فزفر وهو يلقي بجسده على الفراش ناطقًا بضيق ساخر:
_ من أولها محاولة هروب!
*****
كاد عُمران أن يحطم هاتفه الذي يحاول الوصول به لآدهم لمرته الثلاثون، وكالعادة لا يستمع الا ان الهاتف مغلق، حرر وضع التسجيل وهدر بانفعال:
«لو إنت فاكر إنك لما تقفل موبيلك أنا مش هعرف أوصلك تبقى متعرفش انت مناسب مين يا حضرة الظابط، لينا حساب طويل أوي، وبدايته سفرك المفاجئ من غير علمنا، وتانيه تسرعك ومواجهتك مع آيوب في وقت إنت مش موجود فيه، عقلك فقد ذكائه بمهمة من مهماتك العبقرية أكيد، ودلوقتي زي الشاطر كده هتفتح موبيلك وهتكلمني أول ما هتسمع رسالتي والا وقسمًا بالله هتلاقيني في وشك، ولو جيتلك ديتك معايا يومين تلاتة وهجمعك بيها في محكمة الاسرة، وأنت عارف ان عمران الغرباوي أد كلمته، إعقلها كده ومتخلنيش أخرج شياطيني عليك، أنت عارف اننا مرتبطين بشمس جدا ومع ذلك مخليها قافلة الموبيل وانت كمان قافل موبيلك، فبلاش ندخلها حرب ونخلصها بدري كده، إعقلها بعقلك اللي شاكك بوجوده حاليًا»
ألقى الهاتف على مقعد السيارة الذي يجاوره، والعصبية تتمكن منه، يطرق بأصابعه على المقود، فاذا بهاتفه ينير من جديد، حمله وكله أمل لسماع صوت شقيقته، ولكن آماله قد خابت حينما وجدها رسالة من علي، تحمل موقع لاحدى الاماكن، حرر الاتصال به وما أن أجاب قال:
_ ده أيه؟
اتاه صوته الغامض يخبره:
_ موقع مكان هتجيني فيه، ولا فاكر أن مسموحلك إنت بس تبعتلي مواقع أجيلك فيها.
وأضاف قبل أن يغلق الهاتف بوجهه:
_ لما تتغر وتحس إن مفيش منك اتنين أفتكر إن أنا البابا!
برقت رمادية عُمران بصدمة، فأخذ يراقب الهاتف برقم أخيه بدهشة، هادرًا بعدم تصديق:
_ كملت!
أعاد تشغيل هاتفه وأتبع الموقع بضجرٍ، فاستمرت قيادته لخمسة وعشرون دقيقة حتى وصل لمحل سيارة أخيه، هبط من السيارة ينزع نظارته السوداء، ويلتفت متفحصًا المكان بتركيزٍ، فوجده يصف السيارة جوار، محل بسيط للكشري المصري، وينتظره جالسًا فوق سطح سيارته، ومن جواره يضع طبقين من الكشري الساخن، ويحمل بيده طبقًا إضافيًا على ما يبدو أنه كان يلتهمه للتو.
صعد عُمران لجواره على سطح السيارة، وتنهد بضيق، هاتفًا:
_ خير يا بابا علي!
وضع الطبق عن يده وقال مبتسمًا:
_ مزاجي رايق وقولت أروقك معايا يا حبيب بابا، سمي الله وكل بايدك اللمين، وبلاش توسخ هدومك عشان أجبلك كاندي كتير.
احتقنت رماديته وبالكد منع لسانه السليط عن إخراج ما لا يحمد، اكتفى بتأمل الطعام وعاد يتساءل ساخطًا:
_ فين الـ Healthy food يا دكتور؟
أجابه وهو يلتهم الملعقة بتلذذ:
_ في أجازة مؤقتة.
وأشار للاطباق بينهما:
_ مد إيدك.
تنهد بارهاقٍ تسلل إليه، فاسند ظهره لزجاج السيارة والتقط إحدى الاطباق يشرع بتناولها، وبين الحين والآخر يتفحص هاتفه بلهفة، راقبه علي من طرف عينيه بمكرٍ، اتبع نبرته:
_ سيب العرسان يتهنوا بشهر العسل، متبقاش خنيق!
رفع عينيه المحتقنة إليه، وصاح متعصبًا:
_ خنيق!! البيه ضحك علينا وقال هيسافر بليل واخدها ومشى من ورانا وإنت عادي عندك كده!!
ترك الطبق عن يده، وجذب المنديل يمسح فمه، ثم قال بمنطقية:
_ شمس بقى ليها زوج مسؤولة منه يا عُمران، مبقاش لينا تحكمات عليها زي الاول، وحتى لو عملناها فمن حقها تعيش حياة طبيعية مع جوزها زي أي بنت.
صاح بعنف:
_ لا طبعًا، مش من حقه ولا من حقها، شمس ملزومة مني ومنك لحد أخر يوم في عمرها، إنت إزاي أصلًا تتكلم كده!
زفر بيأسٍ منه، وهدر:
_ شكلي محتاج لدكتور نفسي، وأنا خارج نطاق الخدمة اليومين دول.
واسترسل بسخرية:
_ ربنا ينجدنا منك ومتكنش مايا حامل في بنت، لو حصل حياتي هتتقلب قلبة من الطراز الفريد.
وعاد يخبره بابتسامة زائفة:
_ يعدي شهر العسل ونشوف حوارك اتفقنا؟
صاح بعصبية:
_ ليك نفس تهزر يا علي!!
أجابه باستهزاء:
_ واعمل أيه عشان أرضي جنابك، أنتحر من برج إيفل ولا أكهربلك نفسي!!
عاد يتناول طعامه هادرًا بغضب:
_ لا دي ولا دي، أنا مستغناش عنك أنت كمان، أنا السبب في كل ده، المفروض مكنتش جوزتهم أصلًا ولا قبلت بالمهزلة دي!
زوى علي حاجبيه بدهشة:
_ هما مين دول؟
اجابه بتلقائية أبادت علي:
_ أمك وأختك!
وتابع بعينٍ ماكرة:
_ بس عندي أمل يرفعوا قواضي خلع ونخلص منهم إن شاء الله.
أوشك علي باصابته بذبحة صدرية، ومع ذلك قال:
_ وفاطيما مصيرها معاك أيه عشان متفاجئش بس؟
استدار يتعمق بنظرة له، وقال:
_ لا فاطمة ميتخافش منها، مش من النوع الزنان اللي تزن على فراق بيت العيلة، بالك لو كانت فريدة هانم نجحت تطفشها من البيت كنت طفشتها من الجوازة كلها، لاني ببساطة مقدرش أخليك تبعد عني، إنت فاهمني مش كده!
رمش علي بصدمة، وضم شفتيه في حسرة بينما يهمس:
_ أنا داير أعالج في خلق الله وأخويا الأحق، لازم أحجزله أوضة بالمركز، بس هعالجه ولا أربيه الأول؟!
ناداه عمران باستغراب:
_ علــــــــي! بتكلم نفسك!!
رسم ابتسامة واسعة:
_ لا متخدش في بالك، كمل يا حبيب قلب بابا، كمل!
منحه نظرة ساخرة واستكمل تناول طعامه، ثم قال:
_ روح هاتلي قهوة مظبوطة تخدر كلابي الصعرانة دي، أصلهم لو اتسابوا عليك هيقطعوك وإنت غالي عليا يا علي!
منحه نظرة نارية، فردد ببراءة لا تعهد اي طريق لوقاحته:
_ سهران من امبارح ومحتاج قهوة أنا!
ترك ما بيده واتجه لاقرب مقهى، بينما يتناول عُمران طعامه بغيظٍ حتى أتاه رنين هاتفه برقم آدهم، فأسرع يجيبه بغضب:
_ شمس فيــــــن؟
= طيب قول ازيك، عامل أيه، مش داخل دخلة عديم الذوق اللي متلقش بيك دي؟
_ أنا معنديش المقدرة أتنافس معاك بالكلام الفاضي حاليًا، عايز أسمع صوت شمس وحالا.
= شمس في الحمام وخارجة، المهم طمني على آيوب يا عُمران؟
_ مش قبل ما أطمن على أختي الأول.
= ليه هو أنا خاطفها!
_ كلامي سمعته كويس، ومعنديش مانع أعيده تاني وعاشر، ادي الفون لشمس وحالًا.
= عُمران هو إنت بتتكلم جد!
_ انا مبهزرش، عايز أسمع صوت شمس، أنا قلبي مقبوض عليها بشكل غريب، فياريت تحترم ده وتديها الفون.
انقبض قلب آدهم سماعه تلك الكلمات التي دفعته لتذكر مهمته، فنهض يتجه لحمام الغرفة، يطرق بابه وهو يناديها:
_ شمس.
أتاه صوتها تجيبه على استحياء:
_ شوية وخارجة يا آدهم.
قال برفق:
_ خدي راحتك يا حبيبتي، بس خدي الموبيل مني كلمي عمران.
هرولت تقف خلف الباب تتساءل بلهفة:
_ بجد!
مدت ذراعها تلتقط الفون، وأسرعت بغلق الباب بوجهه بعنف جعله يكبت ضحكاته بصعوبة، بينما بالداخل تتقهقهر لابعد نقطة بالحمام حتى لا يستمع لصوتها، بينما تهمس بصوت منخفض:
_ عُمران.
اتاها صوته المتلهف:
_ شمس طمنيني عنك يا حبيبتي، عاملة أيه؟
ردت عليه بفرحة:
_ أنا كويسة وبخير.
تساءل بريبة:
_ ليه بتوطي صوتك كده! انتِ كويسة يا شمس!
اجابته بارتباك وحرج:
_ انا كويسة، بس مترددة ومرتبكة ومش عارفة أعمل أيه؟
ضيق رماديته بدهشة:
_ تعملي أيه في أيه؟!
امتقع وجهه بحمرة طاغية، وخطت ذهابًا وايابًا وهو تحيط وجهها الاحمر، ناطقة بتردد:
_ أنا مش عارفة المفروض اكلم مين، فريدة هانم مستحيل تسمعني وعلي بتكسف منه جدا جدا مفيش قدامي غيرك بس للاسف إنت راجل وأنا المفروض اتكسف منك وكده، عشان كده ممكن تكون اختي لخمس دقايق!
ضحك رغمًا عنه وقد تفسر له الموقف، وبصعوبة نطق من بين ضحكاته:
_ أنتِ هربانه في الحمام يا شمس!!!!
صاحت بانفعال:
_ عُمران متضحكش، هقفل المكالمة على فكرة.
تعالت ضحكاته مجددًا وقال:
_ أنا فخور بيكِ لمية سنة قدام، وراضي عنك جدًا جدًا.
عادت تصيح بانفعال:
_ هقفل سامع؟
هدأت ضحكاته وقال:
_ خلاص خلاص سكت اهو، بس خدي بالك بالرغم من فرحتي بموقفك الا إن في حتة يمين عندي بتقولي أنك مينفعش تعملي كده والحتة الشمال بتقولك كملي وإدبيه.
تشوش عقلها مما تستمع اليه، وبتوتر قالت:
_ يعني اعمل أيه؟!
تلاشت ضحكاته، وأخذ يحدثها برفقٍ:
_ شمس إنتِ ليه مرتبكة كده، مفيش حاجة تستدعي الخوف والتوتر اللي انتِ فيه ده، مش ده آدهم اللي انتي اختارتيه من ما بين بلطجية.
راكان كلهم ، فمالك بقى؟!
وجدت أنها تتجه لمنعطف مخجل لا ينبغي التطرف إليه، فاخذت تهزي:
_ ما انت السبب، منعتني من الخروج معاه الا بحدود رغم اننا كنا كاتبين الكتاب، فمخدتش عليه بالشكل الكافي.
سخر من حجتها الباطلة:
_ عُمران الغرباوي شماعة رمي المصايب، مبقتش اتفاجئ من أي حاجة بتحصل في العيلة دي.
زفرت بضجر:
_ عُمران ممكن تساعدني بدون ما تشتكي من طريقة كلامي، بقولك أعمل انك اختي الكبيرة!
هتف مستهزئًا:
_ مش عايزاني بيبي سنتر لاولادك أنتِ والبلطجي اللي عندك بالمرة.
= هقفل المكالمة صدقني!
تنهد بيأسٍ من حجب لسانه السليط، وقال بثبات دون أن يتطرق لحديث يخجلها أو يحرج لجوئها إليه بوقت كذلك:
_ شمس انا أوقات بكون ضد آدهم أو بكل الاوقات what ever يعني، بس مقدرش أكون ظالم، آدهم بيحبك ومستحيل يأخد خطوة وهو حاسس إنك مش مستعدة ليها، خليكِ واثقة فيه وفي حبك وهو هيقدر ده ومش هيخذلك.
وتابع بمحبة وحنان:
_ المشاعر بين الزوجين بتتراضى بالقليل لو كان في حب بينهم، وانتوا بتحبوا بعض، فاطمني، كل اللي أنتي فيه ده طبيعي ومرت بيه أي بنت، اللي ناقصك بس أنك تطمني وتثقي أنه بيحبك.
ارتضت ملامحها وتلاشى عنها أي خوف، ظنونها بمساعدته الكاملة قد تمت على أكمل وجه، فقالت براحةٍ:
_ مش بقولك أعظم اخ.
ضحك وقال باستهزاء:
_ أخت، أم، أخ مش هتفرق كتير، المهم إنك متفضحناش وتفضلي عندك كتير.
ومازحها بضحك:
_ الظاهر إني ظلمت الكابتن وشادد عليه حيلي في حين إنك انتي اللي عايزة الشد.
هتفت بضيق:
_ لا شد ولا جذب، سلام يا باشا.
اغلق الهاتف وابتسامته تتسع على وجهه بوضوحٍ، استدار ليعود لمقدمة السيارة فوجد علي ينتظره بالقهوة وأخبره:
_ وشك نور ببقى كلمتها.
صعد علي لمقدمة السيارة، بينما انحنى عمران يجذب شيئا ما من السيارة ثم اتجه اليه، ارتشف قهوته على رشفتين، ثم قدم له كتاب يحمله، فتساءل علي بدهشة:
_ ده أيه؟
أجابه بمنتهى الهدوء وهو يزيح الاطباق ويغفو فوق قدمه:
_ كتاب نتشته من عربيتك، وواضح من العلامة انك لسه في أوله، كمل قراية لحد ما أغطسلي ساعة كده وفوقني.
التقط منه الكتاب وقال بانزعاج:
_ كتاب أيه؟ انا نازل اتمم على الاجهزة، يوسف مستنيني.
نهض يتعمق بعينيه بنظرة درامية اتبعت قوله:
_ اخوك ولا الاجهزة يا علي؟
ضحك وهو يخبره:
_ الاجهزة طبعًا يا حبيبي!
تمدد على ساقه وهو يهدر بضحك:
_ كنت عارف إن هتختارني، تصبح على خير يا دوك.
راقب الطريق من حوله وصاح:
_ هتنام في الشارع!!!!
لم يجد أي رد منه فقد غفاه النوم سريعًا بشكل جعل علي يشفق عليه، فسحب كوب قهوته ومضي يقرأ كتابه في صمتٍ.
*****
بالمركز الطبي.
التقطت اذن يوسف صوت ضجيج من غرفة الكشف التي ستخصص لعلاج الاطفال، وما أن ولج للداخل حتى تفاجئ بسيف يهرول بالغرفة كالمجنون ومن خلفه تهرول زينب وهي تصيح بصدمة:
_ سيف بطل رخامه وخليني أسحب منك عينة دم، مش قادرة أفسر موقفك الغريب ده!
هرول تجاه أخيه يصرخ بهلع:
_ االحقني يا يوســـــف، ابعدها عني بالبتاع اللي في ايدها ده.
كبت يوسف ضحكاته بصعوبة وقال:
_ دكتورة زينب معلش سيفو عنده عقدة من الحقن.
جحظت عينيها في صدمة وقالت:
_ نعم!
قال يجاريها مازحًا:
_ دي الحقيقة اللي خبناها عنك ولو عايزة تطلقي أنا أعرف مأذون كويس أوي ومبياخدش أتعاب، شغال يخلص البشرية لوجه الله!
******
تعطل حاسوب فاطمة عن العمل بشكلٍ مفاجئ، ولم يتبقى على اجتماعها الالكتروني الا خمسة عشر دقيقة، فلم تجد حلًا بديلًا الا الاستعانة بحاسوب زوجها.
بحثت عنه بحقيبته السوداء حتى عثرت عليه، جلست تفتحه وتعيد فتح حساباتها الشخصية عليه، لتبدأ اجتماعها بمهارة عالية، وثقة باتت تمتلكها بعد معاناة وتقدم هائل بعلاجها، وما ان انتهت حتى نزعت حجابها وجلست تستريح بتعب، وترتشف من كوب عصير البرتقال خاصتها.
صفقت عينيها بصورة علي الموضوعة خلفية على الحاسوب، كانت له وهو يجلس على مقعده يتأمل باحد الكتب ويده تعبث بنظارته، كان وسيمًا لدرجة سحرت أعينها وجعلتها تميل على يديها، تتأمله لوقتٍ لم تمل به، وفجأة وجدت يدها تفتح الاستديو الخاص به، تتفنن بالتطلع لكل صورة يحتفظ بها، سواء صورته بمفرده او يشاركه بها أحد من افراد عائلته، حتى صورها القليلة برفقته كان يحتفظ بها.
ابتسامتها تزداد تعمقًا مع كل صورة، حتى انتهت من رؤيتها بالكامل، فاغلقات وكادت بالخروج لولا أن لفت انتباهها ملف موضوع من فوفه اسم #فطيمة.
فتحته فاطمة والدهشة تحيط بملامح وجهها، فوجدتها مذكرات مدونه من علي، وما صدمها لم تكن بداية ما قرأته ولكن ما كل سطر تتعمق به، لتصيبها صدمات متتالية، ودموع لا حصى لها، يقص بقصته مراحل تطور علاجها، بداية من قصة حبه ونهاية باقتراح عمران المدبر لها بالعمل برفقته.
كل نجاح أحرزته طوال فترة عملها كان مسجلًا، كل شيء بحياتها مسجل، حتى امتناعها عن الحمل، تعاملها مع الرجال الذي بات طبيعيًا عن بدايته، كل شيء يحرزه كنجاحه كطبيب متخصص بعلاج حالة كانت لا تحمل أي آمال للشفاء، وكأنها كانت مجرد حالة استكشافية له!! كل سطر أهانها وأوجعها بطريقة قاسية، لدرجة أنها كانت تخشى أن يكون أحدًا برفقتها فيقرأ ما تقرأه، تخشى أن يتطلع أحدًا على حياتها المطروحة أمامها بملف على حاسوب زوجها، عذرًا لم يكن زوجًا كان مجرد طبيبًا مستغلًا كما تراه الإن وفي تلك اللحظة!!!!!!
رواية صرخات انثى الفصل الثالث والثمانون 83 - بقلم ايه محمد رفعت
ارتدت فستانها الأبيض البسيط، وخرجت تبحث عنه بالجناح بأكمله.
اهتدت لباب الشرفة المفتوح.
نزعت حذائها وخرجت تلامس الرمال بقدميها، تاركة الهواء يلاعب خصلات شعرها الطويل.
تناست خوفها، ترددها، كل شيء.
اندمجت مع سحر إنعكاس الشمس على شاطئهما الخاص.
بالرغم من انجذابها بما تراه، الا أن عينيها افتقدت رؤيته.
بحثت عنه بلهفةٍ، حتى وجدته يدنو بسباحته الماهرة من محل وقوفها.
خرج بجسده الرياضي يقترب منها حتى بات يقابل محل وقوفها.
تتهرب الاخيرة من رؤيته خجلًا.
مال إليها آدهم، فازداد توترها وربكتها المسموعة.
ابتسم وهو يشير لها على المنشفة الموضوعة على الطاولة من خلفها.
سحبها ووقف يجفف صدره، ثم قال بمكرٍ:
"وأخيرًا شمس هانم خرجت من مخبئها."
ارتبكت نظراتها قبالته، وفاهت ببلاهةٍ:
"وأنا هستخبى ليه يا كابتن! إنت مصاص دماء ولا حاجة؟"
ضحك بصوته الرجولي، وغمز بمكرٍ:
"الله أعلم البشمهندس عُمران خلاكِ تشوفيني أيه! على حد علمي إني بلطجي بالنسباله، وصفني بأيه تاني ده بان عليكي من أول ما دخلنا السويت!"
اندفعت بحديثها بتلقائية حادة:
"بالعكس ده هو اللي خلاني أخرج."
جحظت عينيها صدمة مما فاهت به دون وعي منها.
قضمت شفتيها من فرط حرجها، بينما ازدادت ضحكته بشكلٍ سحرها.
التقط آدهم قميصه الأسود، يرتديه باهمال فوق شورته الذي يصل لمنتصف ساقيه.
أشار لها منحنيًا بلباقةٍ:
"الأكل جاهز شمس هانم."
راق لها عدم تطرقه لما قالت، ظنته سيستغل ذلك ليستهزء بها.
إتجهت بخطوات متهدجة لمقعدها المقابل لمقعده.
الطاولة كانت مزينة بالشموع والورود الحمراء بشكلٍ كلاسيكي.
الاجواء برمتها تليق بليلة زفافهما، وربما هذا ما زاد من توترها.
سحبت كوب المياه ترتشفه بتوترٍ.
راقبها آدهم باهتمامٍ.
ترك كوبه وسألها بصوته الرخيم:
"خايفة من أيه يا شمس؟"
ازدادت ربكتها بشكلٍ ملحوظ، وهتفت:
"فستاني قصير، خايفة حد يشوفني كده."
قالتها وعينيها تتلصص من حولها بقلقٍ، حتى استقرت بأحضان عينيه.
تلتقط بسمته الخبيثة، وحديثه الماكر:
"وخارجة بفستان قصير قدامي ليه!"
مال يستند برأسه فوق يديه مستطردًا بمكرٍ:
"بتغريني مثلًا؟"
كادت أن تنفعل بحديثها، ولكنها فضلت الهدوء وهتفت باستنكارٍ:
"سبق وقولتلي إنك مبتضعفش قدام أي واحدة ست، مش ده اللي اتدربت عليه ولا أيه يا كابتن؟"
هز رأسه بخفة، وقال بصوته الرخيم:
"مكنتيش فيهم يا شمس."
ترك مقعده الذي يقابل مقعدها الرئيسي ثم دنى جالسًا على المقعد الذي يجاورها.
يميل هامسًا بطريقة أثارت عاطفتها:
"عشان أصمد قدامك محتاج ألف سنة من التدريب يا شمس."
تابع وهو يتعمق بعينيها بشغفٍ:
"حياتي كلها كانت ليل وبمجرد ما دخلتيها شمسها سطعت على إيدك إنتِ!"
رمشت بربكة قبالته، تشعر وكأنها تنصهر من فرط تأثير كلماته.
سحب آدهم كفها يلثمه بكل حبًا إمتلكه لها، وعينيه لا تفارق عينيها، كأنه يحكم لجام سطوته عليها.
لا ينخدع لتواسلاتها الصامته أن يكف عن التحديق بها، بل تمادى بالأمر وهمس لها:
"خوفك من قربي أنا قادر أمحيه في لحظة، بس أنا مش حابب أعمل ده الا بارادتك يا شمس!"
ترك كفها ثم حملها بالمقعد بعيدًا عن الطاولة.
نصب عوده قبالتها بكل ثقة وثباتٍ، ليعود من جديد يفرد يده لها، قائلًا:
"عشقي ليكِ مقروء في عنيا من أول صدفة جمعتني بيكِ، كنت خايف طريقي يوقعني بيكِ بس قلبي طلع لئيم ووقع في غرامك من أول نظرة، في اللحظة اللي أنا واقف فيها قدامك مملكش اليقين أني هكون موجود بكره ولا لأ بسبب شغلي، بس اللي أنا بتمناه إنها لو أخر دقيقة في حياتي تكون جنبك إنتِ يا شمس!"
استطرد وهو يطبع أجمل ابتسامة فوق شفتيه:
"جاهزة تبدأي حياتك معايا ولا هتنهزمي قدام خوفك وارتباكك بس خدي بالك كفي مش هيتفتحلك بالعرض المغري ده تاني."
أدمعت عينيها فرحة وتأثرًا بحديثه.
وزعت نظراتها بين كفه الممدود وعينيه التي تعانقها في دفء.
دون اي تردد استندت على كفه ومنه ارتمت بين ذراعيه، وهي تردد بخفوتٍ:
"أنا حابة أكون جنبك لأخر يوم بعمري، أنا بحبك يا آدهم."
أحاطها بقوة ومال يهمس لها:
"ناديني النهاردة باسمي الحقيقي، عايز أسمعه منك."
اصبغ وجهها بحمرة الخجل، وحمدت الله أنها تختبئ بين ذراعيه.
ولكنه أصر عليها هاتفًا:
"ردديها تاني بإسمي يا شمس، عشان خاطري!"
همست على استحياء، وهي تكاد تنصهر بين ذراعيه من فرط خجلها:
"بحبك في كل حالاتك، سواء كنت عمر أو آدهم، أنا بحبـك."
رفعها إليه ومال يمنحها لقاء عابرًا بينهما، على عهد أنه إن شعر بخوفها تجاهه سيبتعد فورًا.
ولكنه لم يلتمس منها سوى القبول به، الرغبة بقربه، عشقها الذي نجح بتحريره من بين بلور خجلها الهاش.
لذا وبدون أي تردد مضى بها لجناحهما الخاص.
أغلق ستاره بيده ثم وضعها بحذر فوق فراشهما الحريري، ليبدأ بها رحلتهما ليصبحا زوجان شرعًا وقانونًا.
***
وزعت نظراتها المنصعقة بينهما، ومن ثم انهارت ضاحكة.
حتى سقطت على مقعد المكتب من خلفها وهي تردد بدهشةٍ:
"معقولة يا سيف، عندك الخوف ده كله من الحقن!"
استدار يوسف لاخيه الملتصق به، ولكزه بكوع ذراعه، هادرًا بغيظٍ:
"عجبك كده، مش عارف تسترجل قدامها شوية، قولي هتمشي كلمتك عليها ازاي بعد اللي عرفته عنك!"
دفعه عنه قائلًا بغضبٍ:
"يعني أسيبها تلمسني بالمحقن ده عشان أرضيك مثلًا، ده محقن ١٠ سم يا يوسف!"
صاح من بين اصطكاك أسنانه بينما تعلو ضحكات زينب:
"إخرس بدل ما أخدها منها وإحقنك أنا بيها."
ابتعد عنه سيف كالمذعور، وصاح منفعلًا:
"أنا أي حد هيقربلي بالبتاعة دي هشقه بالمشرط نصين، أنا بقولكم أهو."
وتركهما وهرع للخارج، بينما تتعالى ضحكات زينب بشدة حتى أحمر وجهها.
ضحك يوسف رغمًا عنه وخاصة حينما سألته زينب بجديةٍ:
"دكتور يوسف سيف بيهزر صح؟"
مال يستند على مكتبها الجديد، يؤكد لها بحرجٍ:
"لا للأسف دي حقيقة، عنده تروما من الحقن بسبب موقف حصله وهو صغير، ومتسألنيش عليه عشان للأسف مش هقدر أحكيهولك ومتسألنيش بردو دخل طب ليه!"
تمادت بالضحك حتى أحمر وجهها، فنهضت تشير له:
"هروح ادور على الاجوبة عنده طالما مش عايز تقولي."
أشار باصبعيه لها:
"بتمنالك التوفيق اللي مش هيحصل أبدًا بموقف زي ده."
استدارت تجيبه بمزحٍ:
"هحاول مش خسرانه حاجة."
تابع خروجها ببسمة ساخرة.
تمادت فورًا على رنين هاتفه، حرر يوسف زر الاجابة مرددًا:
"عبحليم إزيك!"
انطلق صوته المتعصب يقتحم هدوء أجوائه:
"أنا عايز أعرف أيه اللي وصل بينا الحال لهنا، معقول يكون نزولنا مصر سبب فراقنا بالشكل ده؟"
زوى حاجبيه بامتعاضٍ، وقال:
"داخل حامي عليا ليه بس، أوعى تكون متخانق مع مدام صبا وجاي تحط عليا، والله ما ناقصاك يا عبحليم!"
"يوسف أنا مبهزرش، إنت مش شايف وضعنا!! احنا اتفرقنا فعلًا."
"واخد بالي بس لو ركزت إنت هتشوف إن كل واحد فينا مسحول في شغله، متنساش أننا بنبتدي من نقطة الصفر، ده غير كمان إن الوقح متجاهلني تمامًا عقاب ليا بسبب مكالماته يوم حوار ليلى!"
"طيب وأخرتها ايه يا يوسف! أنا مخنوق ومش حابب الوضع ده يستمر كتير، كلم عُمران يشوفلنا شقة نشتريها ونتجمع فيها زي زمان."
هدر بانفعالٍ شرس:
"تانـــــــي يا جمال!! محرمتش يالا! ما صدقنا حالك اتصلح مع مدام صبا، إنت ناوي على أيه يا عبحليم؟"
اتاه ردًا بمنتصف جبهته:
"يوسف أنا مقدرش أعيش من غير رزالتك ولا من غير ابو لسان طويل التاني، افهم بقى."
تمردت ضحكاته الرجولية عاليًا، وشاكسه بمرحٍ:
"أسف يا حلوة أنا مرتبط للأسف، شوفي الوقح منحرف ويعملها تاني عادي."
"اظبط معايا وامشي معايا في الجد بدل ما أجيلك أظرفك بونية تجيبك أرضي، اترزي معايا على المكالمة هضيفه مدام مش راضي يعبرك."
أعاد جمال إضافة عُمران إليهما، بعد مرتين من الاتصال، حتى اتاهما صوته الناعس:
"مش قولتلك مدام مردتش من أول مرة أبقى متنيل مش فاضي، ولا هي حفلة بروح أمك!"
ضحك يوسف شامتـًا، فاتاه نصيبه بالحديث:
"ضفت الندل ده ازاي على المكالمة، أنا عمله حظر أساسًا!!"
هدر يوسف بغيظٍ:
"عُمران إنت لسانك ده مش ناوي يحترم نفسه ويتوب عن الوقاحة، يا أخي ده انا بحكم شغلي مع دكتور علي وقعت في حالة من الصدمة والاندهاش، إزاي الملاك ده يبقى أخوك!!"
رد عُمران بسخطٍ:
"تحب أجي أعرفك إزاي، وأوعدك إنك بعدها هتتشطب من نقابة الاطباء للأبد، الخلاصة بترنوا عليا ليه السعادي!! خير حد عنده مصيبة جديدة ولا أقفل في وش أمكم؟"
قال جمال مندهشًا:
"الساعة لسه خامسة المغرب!!"
رد عليه بوقاحه:
"وإنت مال أمك بمواعيدي!"
تنهد جمال بقلة حيلة، بينما ردد يوسف بمشاغبة:
"عبد الحليم مشتاقلنا وعايز شقة تلمنا، ها عندك مكان مناسب ولا نأجر شقة مفروشة؟"
ضحك عُمران رغما عنه، وقال بصعوبة بالحديث:
"أنا طفشان من خلقة أمك وأمه، وبالرغم من كده قلبي الحنين مش قابل بالبعد، وفعلا لقيت شقة من زمن الفن الجميل، جاهزة من مجامعيه ومش فاضلها غير حاجة واحدة بس."
تسألوا معًا:
"أيه؟"
اجابهما ضاحكًا:
"موافقة صاحبها!"
عاد صوتهما الجماعي بهتف بصدمة:
"نعم!!"
أكد لهما مجددًا:
"زي ما سمعتوا بس متقلقوش إيثو مش ممكن يردلي طلب، ومن غير رغي كتير لما أستولي عليها هبعتلكم العنوان ولحد ما ده يحصل مش عايز وجع دماغ، كفايا اللي مزاحم رأسي!"
قالها وأغلق الهاتف بوجههما، ثم فتح هاتفه يتفحصه بنظرة متفحصة، ومال للاعلى يبتسم وهو يردد:
"لامواخذة يا علي."
ضيق عينيه وهو يتابع قراءته بسخرية:
"وإنت من أمته بيهمك حد، عمومًا أنا متبري منك ومن لسانك الوقح ده."
مال على جانبه وهو يتفحص هاتفه غير، عابئًا بأخيه الغاضب، بينما عاد علي يستكمل قرائته بتمعنٍ.
توسعت رمادية عُمران صدمة، فاعتدل بجلستها على السيارة وهو يتطلع لاخيه الذي إسترعى الأمر انتباهه وتساءل:
"في أيه؟"
أدار الهاتف إليه وصاح بضجر:
"مايا أعلنت عصيانها!"
راقب علي شاشة هاتفه، فوجده يتابع قصة نشرتها مايسان على حسابها الشخصي، تحمل مقطع لأغنية حادة، تدل على شموخ الأنثى.
فهدر ساخرًا:
"أنا مرة طعمي علقم!! حلوة الاغنية دي."
واستدار لاخيه يسأله بخبثٍ:
"عملت أيه وصلها للحالة دي يالا؟"
هبط عن السيارة يشير له بحزمٍ:
"قوووم يا علي وصلني البيت بسرعة."
أشار على سيارته باستغرابٍ:
"وعربيتك؟"
اجابه وهو يعتلي المقعد المجاور له:
"مش قادر أسوق، هبعت حد يأخدها."
وأضاف وهو يشير له:
"بسرعة خدني على أقرب محل ورد."
لحق بها وإعتلى مقعده يخبره باستهزاءٍ:
"وهو الورد يعني اللي هيحل مشكلتك؟"
أشار له بغيظٍ:
"علي بالله عليك متصدعنيش، أنت مالكش في أمور الرومانسية الناعمة دي، خليك في كتب الطب النفسي بتاعتك ومتقرفش أمي معاك."
احتدت رماديته، وصاح بغضبٍ:
"هتحترم لسانك ده معايا هتحرك غير كده أنزل سوق إنت."
ضم مقدمة أنفه بيده، يحاول حجب صداع رأسه الحاد من قلة النوم، وعاد يرسم ابتسامة زائفة وهو يخبره:
"أنا آسف يا دكتور علي، لو ممكن بس توصلني قبل ما أتفاجئ بإعلان الخلع سابقني يبقى كتر خير جنابك."
أحاطه بنظرة مستنفرة، وقاد السيارة لاقرب محل لبيع الزهور.
هبط عُمران من السيارة، وانحنى للناقذة يخبره ببسمة ماكرة:
"تحب أجبلك بوكيه معايا؟"
ابتسم ببرودٍ:
"لا متشكر، أنا بعرف أحل مشاكلي بدون رشاوي."
قهقه عُمران ضاحكًا:
"غلبتني بخبرتي يعني؟"
عدل من نظارته الطبية وهو يغمز له بمرحٍ:
"قولتلك قبل كده، أنا بابا يالا!"
تعالت ضحكات عُمران تباعًا، وقال من بينها:
"مش عارف ليه عندي آحساس إنك محتاج لبوكيه الورد أكتر مني أنا شخصيًا!"
***
بقى بغرفته مهمومًا، لا يريد الخروج منها، حتى أنه قضى صلاته بالمنزل، ولم يريد أحدٌ الضغط عليه، لذا تركوه كما أراد.
مال بفراشه ساهمًا بالفراغ، يحمل بيده هاتفه وعلى شاشته رقم آدهم.
كلما حاول اجراء الاتصال امتنع عن ذلك رغمًا عنه.
وضعه على الكومود فور أن استمع لطرقات خافتة على الباب، تلاه دخول تلك النسمة الرقيقة.
اغلقت سدن الباب من خلفها، واتجهت إليه بخطوات مترددة.
جلست جواره على الفراش، واستجمعت حديثها المتردد، قائلة:
"بقالك فترة قاعدة هنا ومش بتطلع بره، أنا قلقان عليك ومش عارف أدخل هنا ولا لأ."
"بس قلبي زعلان عليكي ومش قابل يخليني أبعد عنك وإنتي بالحالة دي."
مازالت نظراته شاردة بالفراغ من أمامه، وكأنه لا يستمع لها.
مما دفعها على الاقتراب، ولمس كفه المسنود جواره، تناديه بقلقٍ:
"آيوب!"
سحب كفه من يدها، وابتعد عن محل جلوسها قائلًا:
"سدن ارجعي أوضتك ومتدخليش عليا بالشكل ده تاني."
رفرفت بأهدابها بعدم استيعاب لما قال، ورددت بتيهة:
"ليه بتقول كده آيوب، أنتي زعلانه مني عشان قولتلك هلبس الحجاب قدامك؟"
ابتسم والحزن يطوق مُقلتيه، وصمته يجوب كأنه يؤكد لها صدق تخمينها.
فنزعت حجابها وهي تخبره بلهفتها:
"أنا كنت تضحكي عليك."
استدار لها يتأملها بحبٍ تمرد بفيروزته رغمًا عن أنفه.
فزحف إليها، يرفع حجابها، ويخفي به خصلاتها الذهبية، وهي تراقبه بحزنٍ ودهشة من طريقته الغامضة.
تهاوت دموعها على وجنتها، وقالت بألمٍ:
"أنتي مش بتحبي سدن آيوب؟"
رد عليها ونغزة صدره تحتد تدريجيًا:
"سدن أنا حياتي اتلخبطت فجأة، وفي اللحظة دي معرفش جوازنا تم بالشكل الصحيح ولا أيه؟!"
ازدردت ريقها بارتباك، وهتفت:
"مش فاهم!"
أجابها بهدوء رغم نيرانه المشتعلة:
"أنا اسمي أتغير عن الإسم اللي اتجوزتك بيه، الله أعلم بقى كده جوازنا صح ولا هكتب عليكِ من جديد بإسم مصطفى الرشيدي اللي اتفرض عليا ده."
وتابع وهو يتطلع لها بحنان وحب جاهد لأن يظهره رغم انكساره:
"مش عايزك تشكي في حبي ليكِ، أنا باللي بعمله ده بحميكِ من أي ذنب ممكن نشيله مع بعض، أنا مش ممكن أتقبل إسم الانسان ده يتكتب ورا إسمي، بس إنتِ مالكيش ذنب في كل ده، الحالة الوحيدة اللي ممكن تخليني أقبل بيه هو إنتِ، أي حاجة هتخلي جوازنا يمشي بالشكل السليم هعملها."
واستطرد وهو يمنحها نظرة نطقت بعشقه العتيق لها دون حديث:
"انا مش ممكن أسيب ايدك في نص الطريق يا سدن، أنا وإنتِ قصتنا اتكتبت مع بعض، وهتكتمل وإحنا مع بعض."
ارتسمت بسمة سعادة على وجهها، ودون أي تردد أحاطت عنقه وهي تحتضنه، تبوح له بحماسٍ:
"بحبك آيوب، بحبك كتير."
انتفض بجلسته وحاول إبعادها برفقٍ:
"سدن، إحنا قولنا أيه من شوية؟"
سحبت يديها عنه، وابتعدت بخجلٍ.
فابتسم وقال ليخفف عنها الحرج:
"عايزك بكره تنزلي مع الحاجة رقية، تشتري كل اللي نافصك، الفرح هيتعمل في معاده، ولازم كل شيء يكون جاهز."
هزت رأسها بفرحةٍ.
فتمعن بها بحبٍ، وطالبها برفقٍ:
"يلا إقفلي النور، عايز أنام شوية."
أمأت له، وقبل أن تتجه لغلق المصباح سحبت الغطاء تضعه على جسده، واتجهت تغلق الضوء، ثم خرجت على الفور.
فما أن تأكد من رحيلها، حتى فتح عينيه ليعود لشروده وألمه من جديد!
***
صعد عُمران إلى غرفته، وهو يحمل باقة الزهور بين يديه.
مال على باب الغرفة يستمد طاقته المهدورة، جسده يئن كأن عظامه بأكملها قد كسرت.
زهد النوم بالفترات الاخيرة، وخاصة بأنه بات حريصًا على الذهاب لمسجد الشيخ مهران للابتهالات وأحيانًا ليكون أمام الناس بصلاة الفجر.
الجميع يحبون سماع صوته، ويحبونه للغاية، وعلى رأسهم الشيخ مهران، الممتن لمساعدته بعودة آيوب للمنزل.
لم يكن آدهم الوحيد الذي لجئ إليه، فعلها الشيخ مهران لحظة خروج آيوب من المسجد.
سحب نفسًا مطولًا عساه يخفي إرهاقه.
لا يمكنه أن ينكر أنه مقصر كل التقصير بحق زوجته.
فتح باب الغرفة وولج مبتسمًا لها.
كانت تجلس على الفراش وتتابع هاتفها بجمودٍ.
بالعادة كانت تستقبله بحفاوةٍ، تجيد الآن رسم وجه الجليد ببراعةٍ.
اقترب منها عُمران يقدم باقة الزهور، قائلًا بنبرته المغرية:
"أحلى ورد لأجمل وردة في بستان عيلة الغرباوي كلها."
شملته بنظرةٍ ساخرة، ومالت بجانبها للجهة الاخرى تتجاهله.
اتسعت ابتسامته وجلس جوارها يهتف باستنكارٍ:
"ده حبيب قلبه شكله أخد على خاطره مني أوي، بس على مين أنا مش هقبل بالجفا ده أبدًا."
ومال يجذب وجهها إليه، لتقابله:
"يعني يرضيكِ تحرميني من طلة القمر دي."
أبعدت كفه وعادت تتطلع للجهة الاخرى وهي تتابع هاتفها.
فاتجه للجهة الاخرى من الفراش وهو يردد بخبثٍ:
"حبيب قلبه، قلبه قسى على جوزه ومبقاش يهمه زعله يا ناااس!"
زفرت بمللٍ وصاحت:
"عُمران ممكن تطلع بره!"
عبث برماديته بدهشة مضحكة:
"عايزة تفرقيني عن ابني يا مايا!!"
احتشد الغضب بمُقلتيها، وصاحت بغضبٍ:
"اللي يسمعك وإنت بتتكلم يقول إنك مهتم بابنك أووي، إنت أصلًا تعرف عنه أيه؟! تعرف متطلباته أيه؟"
ردد ساخرًا:
"أصلًا!! أمممم طيب يا بيبي مبدئيًا كده عشان نكون حلويين مع بعض صوتك الجميل ده يوطى شويتين، لإني للاسف متعودتش يبقى في صوت مسموع غير صوتي أنا!"
عاندته بشراسة:
"انا بتكلم بصوت واطي على فكرة، إنت سمعك فيه مشكلة!"
مرر اطبعيه على وجنتها برفقٍ، وهمس لها:
"النبرة دي جديدة عليكِ، بلاش تدخلي بالسكة دي معايا يا مايا."
تركت هاتفها جانبًا وزحفت بجلستها إليه، تتحداه بعصبية:
"ولو دخلتها هتعمل أيه يعني!!!"
راقبها عن قرب ببسمة ماكرة، وهدر بسخطٍ:
"تلاشيني أحسنلك يا بيبي!"
كزت على أسنانها غضبًا، ومالت تغلق ضوء الغرفة، ثم جذبت الغطاء وتمددت توليه ظهرها.
تابعها مبتسمًا ثم تمدد جوارها واستند بذراعه خلف رقبته، مطلقًا صفيرًا مزعجًا جعلها تجذب الوسادة وتضعها على أذنيها.
فردد بمكرٍ:
"صوتي رايق مش مزعج زي ال music اللي حطهالي ستوري، وبعدين من أمته وإنتِ حادة وعنيفة كده يا بيبي!"
نزعت عنها الغطاء ونهضت ترتدي مئزرها قائلة بضيقٍ:
"أنا هسيبلك الاوضة كلها عشان ترتاح خالص."
وما كادت بالتحرك حتى جذبها لتسقط بين ذراعيه، قائلًا ببرودٍ:
"هرموناتك شكلها كده بدأت رقص على السلم، وأنا حاليًا Out of service (خارج نطاق الخدمة) ، فنعقل كده ونلمها إنتِ والصغنن اللي محيرك ده."
قالها وهو يشير على بطنها المنتفخ، فدفعته عنها ورددت بحزنٍ:
"أنت مبقتش بتحبني يا عُمران ، إنت كنت بتستغل كل لحظة عشان تقضيها جنبي، دلوقتي مبقتش بشوفك غير كل فين وفين."
وأضافت ودموعها تلألأت بعينيها:
"أصحابك وعيلتك مش بس اللي ليهم الحق فيك، أنا وابني لينا الحق الأكبر اللي مبقتش شايفه أساسًا."
وتركته واتجهت للأريكة، تجاهد لعدم بكائها.
راقبها بحزن وقد لمست كلماتها قلبه، فانحنى يجذب احدى الزهرات من الباقة، وجلس جوارها.
مرر الزهرة على دموعها، يبعدها عن وجهها، ثم وضعها فوق آذنيها بخصلات شعرها، بينما يحاوط وجنتيها بيديه.
وبدون أي ترتيب منه غنى لها بصوته العذب:
"ما تيجي نركن الزعل، وتحكيلي اللي فاتني،وأسرح وإنت بتحكي في سحر عينيك اللي خدني،يا اللي الغرام لغيرك حرام مفيش غيرك شغلني،عشانك إنت أقول في شعر وليل نهار أغني،أنا أعمل ليكي المستحيل بس إنت عني ترضيأنا مهما أحكي لك صعب إني أوصفلك غلاوتك عنديعايز أقول لك وعد، وعارف إني قد وعديأنا هفضل جنبك طول العمر سندك وإنت سندي،الثانية وإنت بعيد بتفوت سنة، أنا عايش على اللي فاضل منناده احنا الشوارع تحكي قصة حبنا واحنا سوا مكنش حاجة تهمنا، ما تيجي ننسى الزعل احنا بعادنا أصبح شئ لا يحتملهنرجع تاني ولا خلاص مفيش أمل كل اللي ممكن أعمله معاك اتعمل!"
تهاوت دموعها وهي تستمع إليه، فضمها لصدره بينما يعود لترديد:
"ما تيجي نركن الزعل وتحكي لي اللي فاتنيواسرح وإنت بتحكي في سحر عينيك اللي خدني،يا اللي الغرام لغيرك حرام مفيش غيرك شغلني،عشانك إنت أقول في شعر وليل نهار أغني،أنا أعمل ليكي المستحيل بس أنت عني ترضيأنا مهما أحكي لك صعب إني أوصف لك غلاوتك عنديعايز أقول لك وعد وعارف إني قد وعديأنا هفضل جنبك طول العمر سندك وإنت سندي!"
تمسكت بقميصه ورأسه مدفون جوار نبضات قلبه التي ازدادت بمجرد لمسها له.
قبل رأسها بحب، وهمس لها:
"إنتِ ليكِ كل الحق فيا، مهما بعدت وإنشغلت عنك أنا ملك ليكِ إنتِ وبس يا حبيبي، أوعي تقارني نفسك بأي حد مهما كانت مكانته عندي، إنتِ في مكانة محال مخلوق يوصلها، حتى ابني نفسه عمره ما هيأخد مكانتك يا مايا."
أشرق وجهها فرحة سماع كلماته، وبدون أي تردد استقبلت وصلة غرامه بصدرٍ رحب.
انصاعت لمعزوفته الخاصة وتركته يطيب خاطرها المجروح، ليجدد معها عهود الغرام والعشق.
***
دخل غرفته ينزع جاكيته وجرفاته باختناقٍ.
ثم إتجه للخزانة يجذب بيجامة من أغراضه.
وما أن استدار ليتجه لحمام الغرفة حتى وجدها تجلس على مكتب الغرفة.
ترك علي ما بيده، واقترب منها بابتسامته الجذابة:
"فطيمة إنتِ هنا؟"
طالعته بعينيها المتورمة، تتمعن برماديته بتركيزٍ، تبحث عن شيء هي لا تعلمه.
توسعت حدقتيه دهشة من مظهرها، وتساءل بقلقٍ:
"مالك يا فاطمة؟"
بثبات قاتل أشارت للمقاعد قبالتها:
"اقعد يا علي."
جلس قبالتها على الفور، فوجدها تجذب حاسوبه وتديره له.
خطف نظرة متفحصة للشاشة، ثم عاد لها يقابلها بنظرة عميقة، ثم تنهد وقال بهدوءٍ:
"وبعدين؟"
ضيقت عينيها من سؤاله الغامض، وقالت:
"ده ردك على اللي ورتهولك؟!"
بثباته واتزانه ردد:
"وعايزة ردي يكون إزاي يا فاطمة؟! بدون ما تنطقي حرف عينك وحالتك شرحين كل حاجة."
تركت المقعد الأساسي وإتجهت تجلس قبالته، تفرك أصابعها بعنفٍ، وهي تحاول أن تدعم أنفاسها المتحشرجة.
التاع قلب علي وتوتر للغاية، أراد ان يكسر حنكة تصرفه العقلاني ويسرع لها، ولكنه جيد التعامل مع الموقف برمته.
قبض على معصمه واستمر بالتطلع لها، حتى قالت برجفة صوتها:
"فهمني ده أيه يا علي، إنت لسه شايفني حالة ومحتاجة علاج!! أزاي وإنت بنفسك قولتلي إني خفيت!! إنت كنت بتخدعني يا علي!! حتى مساعدة عُمران كانت مدبرة منك!! وبعدين إنت ازاي تعملي ملف وتكتب فيه كل كبيرة وصغيرة عني! أنت كاشف كل أسراري، أنا هعمل أيه لو الملف ده وقع في أيد أي حد من اللي بيشتغل معاك في المركز، هتفضح!! عايز تفضحني يا علي!! هونت عليك للدرجادي!!!"
قلبه الإن ينشطر تدريجيًا لرؤيتها بتلك الحالة، ولكنه مجبور على التعامل بثبات وحذر.
لذا سألها بجمودٍ:
"إنت لقيتي اللاب ده فين يا فاطمة؟"
أبعدت خصلاتها للخلف بقوة، وهدرت فيه بعنفٍ:
"هو ده اللي يهمك؟!"
بهدوءٍ ولين قال:
"ردي عليا من فضلك."
قضمت شفتيها السفلية بعصبية، وقالت:
"هنا في درج المكتب."
سألها مجددًا:
"مكتب أيه؟"
تعحبت من طريقته الشبيهة بالتحقيق ومع ذلك قالت:
"أوضتنا!"
ارتسمت بسمة غامضة على وجهه وقال بثباتٍ:
"لقيتي في ملفات تانية في اللاب؟"
هزت رأسها تنفي ذلك.
فنهض عن المقعد واتجه للفراش يسحب بيجامته واتجه لحمام الغرفة وكأن شيئًا لم يكن، مما دفعها للدهشة.
فـ لحقت به دون أن تبالي بمكان تواجدها بحمام الغرفة من خلفه، وصرخت به:
"إنت ازاي تسبني واحنا بنتكلم يا علي، أنا سألتك مردتش عليا!"
نزع قميصه وجذب البيجامة يرتديها.
ارتابت من أمره فنادته برفقٍ وتيهة:
"علي!"
تنهد واستدار لها:
"نعم!"
تمكنت منها الحيرة والتوتر، فانتابتها نوبة من البكاء وهي تخبره:
"إنت بتتعامل كده ليه معايا! ريحني ورد عليا."
اقترب منها وقال بحنانٍ:
"متعيطيش يا فطيمة، اهدي وخدي نفسك بانتظام."
وتابع بحزنٍ:
"أنتِ اتهمتيني أنا، وشايفاني أنا الوحش فـ ليه بتبكي وبتعاقبي نفسك؟"
نجح بمهارته أن يقلب الأمر عليها، وقد جنى ثماره حينما هتفت به:
"أنا متهمتكش أنا عايزة أفهم يا علي."
رد عليها بخبثٍ:
"ردودي عليكي مش كافيه إنك تفهميها يا فطيمة!"
هزت رأسها بحيرة:
"لا يا علي مفهمتش حاجه."
ابتسم بوجع ملموس وقال:
"اللاب موجود في أوضة نومي، ومعلهوش غير ملفك ده موضحش ليكي مدي خصوصية وأهمية ملفك عندي، وإن مستحيل مخلوق يدخل أوضة نومي ويفتش في حاجة تخصني ده مدكيش مبرر إني بحميكي."
صرخت به بانفعالٍ:
"وليه تعملي ملف من الأساس."
واجهها بصوت متعصب:
"لإني ببساطة دكتورك المعالج، وحبي وجنوني بيكِ هيخليني أخاف عليكِ سبعتلاف مليون مرة، قبل ما تكوني مراتي كنتِ أهم حالة عندي وبعد ما بقيتي مراتي وكل دنيتي متخيلة إنك توصلي بمكانتك فين؟?"
هدأ من انفعالاته سريعًا، وقال بهدوء ورزانة:
"أنا بعمل وهعمل أي حاجة تخليكي تتعافي مية في المية، والملف اللي انتي واخداه دليل إدانة عليا ده هو اللي مخليني أقدر أتابع كل صغيرة وكبيرة خاصة بيكي، لاني مش هقدر أتحمل يجرالك حاجة مش لاني خايف على انجازي في حالتك اللي بتحاولي تلمحيلي بيه، لإنك مش حالة بالنسبالي يا فطيمة، إنتِ حتة من روحي وقلبي وكياني."
ارتدى ملابسه سريعًا وقبل أن يخرج قال دون أن يتطلع لها:
"أي كلمة تخصك فهي تمسني قبل ما تمسك، أنا ماشي معاكِ كل خطوة، ومش فارقلي أي تنازلات بقدمها عشان تكوني بأحسن حال، فأوعي تفكري إن علي اللي حبتيه ممكن يخذلك أو يدوس عليكِ في يوم من الأيام."
وتركها وخرج لفراشه، بينما تتطلع لمحل رحيله بابتسامة حب ودموع تستفيض على وجنتها.
كلما تعثرت تجد ذاتها تخطئ بحقه.
استدارت تقابل ذاته أمام المرآة، فتحت الصنبور وحملت حفنة من المياه تغسل وجهها، كأنها تحاول أن تفيق مما أحاطها بتلك الساعات.
خرجت فاطمة تبحث عنه، فوجدته يجلس على الفراش ويقرأ أحد كتبه.
راقبها علي بطرف عينيه فوجدها تنزع مئزرها وتتحرك دون قيد على عكس عادتها.
ادعى إنشغاله بالقراءة بينما يراقب كل صغيرة وكبيرة متعلقة بها.
وجدها تفتح أحد الادارج، تجذب شريط منع الحمل، وضعت حبة بيدها وقبل أن تقربها لفمها، توقفت لبرهة وكأنها تعيد كل ما حدث أمامها.
راقبها بكل لهفة وهو يتمنى أن يحقق النجاح الاكبر بلحظة مثل تلك، حتى وإن كانت مؤلمة بحقه ولكنه سيكون سعيدًا بشفائها الكامل مما تمر به.
تهلل وجهه فرحًا حينما وجدها تلقي ما بيدها بسلة المهملات، وتتجه إليه بارتباك، والاخر مازال يدعي إنشغاله بالقراءة.
تمددت جواره تنتظره أن يضمها إليه كعادته، ولكنه لم يفعلها، انتابها الحزن.
وبهـدوء أزاحت الكتاب عنه وقالت بقهرٍ:
"ممكن متزعلش مني، أنا غلطت في حقك كتير سامحني أرجوك."
لم يكن قاسيًا بحقها يومًا ليفعلها الآن.
عادت ابتسامته المشرقة إليه، وأجابها:
"مش زعلان يا فاطمة، بالعكس أنا سعيد جدًا."
قالها وهو يشير على سلة المهملات، فامتقع وجهها خجلًا، ورددت على استحياء:
"أنا عايزة يبقالي ابن منك يا علي."
اتسعت ابتسامته ومال إليها يهتف بمكرٍ:
"هيحصل بأقرب وقت يا روح قلب علي!"
***
اجتمعت كومة القمامة بمخبئها السري، يحصد أحدهم قولًا أثار دهشتهم:
"حدث أمرًا غريبًا اليوم، لقد تأكدت مصادرنا بوصول أحد ظباط المخابرات المصرية لاحدى الفنادق الباهظة، برفقة زوجته لقضاء شهر العسل، ولكن أجد الأمر غريبًا نوعًا ما، وخاصة أن توقيت ظهوره هو نفس التوقيت الذي تحدث لنا معلومات جديدة عن تنقل الميكروفيلم."
نطق أحد المنصتين باهتمام لما يقال:
"هل يعقل أن يكون هو الظابط الذي كلفته الاستخبارات المصرية لنقل الميكروفيلم؟"
ردد أحدهم وكان يبدو أكثرهم حكمة:
"لا اعتقد أن المخابرات المصرية بمثل ذلك الغباء، إن كان هو المنشود لما أتى إلينا بشكلٍ رسميًا وكأنهم يقدمون كبشًا فدى بتلك البساطة، الأمر مريبًا للغاية."
تساءل الآخر بتوترٍ:
"وماذا علينا أن نفعل؟"
قال بغموضٍ حويط:
"فلنتأكد أولًا من هويته وبياناته الشخصية حول أمر زفافه وحينها سنعمل جاهدين لكشف مخططات الجهاز."
وأضاف بكره وحقد شديد:
"أعدكم بأن الميكروفيلم لن يصل لمصر مهما كلف الثمن!"
رواية صرخات انثى الفصل الرابع والثمانون 84 - بقلم ايه محمد رفعت
شعر بملمس يدها على ذراعه، وإلحاحها بنداء صوتها الخافت على استيقاظه، فتح رماديته بتعبٍ، فوجدها تناديه باصرار.
"عُمران، قوم."
استقام بجلسته وهو يفرك عينيه بنوم، مرددًا بنعاسٍ يغلبه:
"خير يا بيبي، بتصحيني ليه؟"
وأضاف وهو يغلق عينيه بارهاق:
"الفجر أذن؟!"
نفت ذلك ورددت بانزعاجٍ:
"فوق لاني عايزاك في حاجة مهمة."
فتح نصف عين وهو يسحب هاتفه عن الكومود يتأمل التوقيت، ومن ثم وضعه قبالتها هادرًا:
"الحاجة المهمة دي ليها معاد حكومي ٣ الفجر؟"
هزت رأسها بتأكيد، جعله يصك أسنانه غيظًا منها، وقال ببسمة مخادعه:
"أولًا خلينا متفقين إن مفيش ست مواضيعها مهمة، لإنها بالنهاية هتطلع تفاهات، بس انا عشان خاطرك جاهز ومستعد أسمع مواضيعك التافهة للصبح، إتفضلي."
عبثت بغطاء الفراش بارتباكٍ، ثم لاح لها ابتسامة واسعة فور ان وجدت المخرج لحرجها هذت:
"مش أنا اللي عايزاك، ده ابنك حبيبك."
زوى حاجبيه متهكمًا:
"ابني! أممم فهمت."
سحب “عُمران” الغطاء من فوقه قائلًا بسخطٍ:
"قوليله بابي عنده meeting مهم دلوقتي، يقدر يعدي عليا وقت تاني."
سحبت الغطاء من فوقه بعنف، ورددت:
"عُمران قـــــوم بقولك عايزينك!"
وأضافت بتوسلٍ صدمه:
"عايزين سوشي وبسرعة لو سمحت!"
أشار لها بجدية مضحكة:
"بتندميني إنتِ وابنك إني رجعت البيت مرة بدري يعني! دي ضريبة الدلع اللي دلعتهولك ولا أيه مش فاهم؟"
وأضاف بعدما استعاب صدمته:
"وبعدين عايزة تضربي الأكل ده دلوقتي وعادي كده عندك!! استني استني!!"
واستند بجذعه قبالتها، يتفحصها بنظرة جعلتها ترفع الغطاء تخفي ذاتها رغم أنها ترتدي بيجامتها، وبتوتر قالت:
"بتبصلي كده ليه؟!"
استقام بمستوى جلستها، وقال بدهشةٍ:
"هو إنتِ زدتي الوزن ده كله أمته!! الظاهر إني فعلًا كنت مقصر تقصير خطير معاكِ!!"
وسألها بجدية تامة:
"مايا هو إنتِ بطلتي تلعبي رياضة!!! أنا بنفسي حاجزلك مع مدربة تمارين الحوامل، حضرتي كام حصة معاها؟"
ابتلعت ريقها بتوترٍ، واسرعت تتمدد بالفراش وهي تهدر بانفعالٍ زائف:
"كل ده عشان طلبت منك سوشي، خلاص مش عايزة منك حاجة، نام يا عُمران وخليك عارف إن قلبي وابني غضبانين عليك."
ضحك ساخرًا:
"قصدك كرشك اللي غضبان عليا."
احتقنت عينيها فصارحها بوقاحه:
"مايا إنتِ بقيتي شبه البطريق!"
جلست قبالته تشير على ذاتها بصدمة:
"أنا بطريقة يا عمران!!"
هز رأسه وقال بصرامةٍ حازمة:
"أيوه وكل ده من إهمالي فيكِ عشان كده من ستة الصبح تجهزيلي نفسك، أنا هبعت أجيب المدربة تدربك هنا قدامي لحد ما أخد كورس أتعلم منه التمارين المسموح بيها للحوامل."
ضمت شفتيها معًا بحزنٍ، وقالت بغضب:
"طبيعي إن اي واحدة حامل تزيد في الوزن، انا دلوقتي في الشهر السادس وطبيعي ان جسمي يزيد، وبعدين أنا تعبانه ومرهقة ومش قادرة ألعب رياضة، بعد الولادة هرجع أظبط وزني وجسمي تاني."
أخبرها بعقلانية أذابت غضبها:
"التمارين دي هي اللي هتساعدك على الولادة بشكل طبيعي، وبتخفف عنك أي وجع بتحسيه بالفترة الاخيرة."
أدلت شفتيها بضيقٍ، لحق نبرتها المضحكة:
"يعني مش هتجبلي سوشي؟"
ضحك وهو يتابع تذمرها، فأحاطها بذراعيه ويده تعبث بوجنتها بدلال:
"حبيب قلبه عايز يأكل سمك ني الساعة ٣ الفجر، يرضي مين ده يا ناس!!!"
أبعدت يده عن وجهها وتمددت قائلة بانزعاجٍ:
"نام يا عُمران، تصبح على خير."
تمدد جوارها يقابل عينيها، وقال بحنان:
"بذمتك قلبي هيهون عليه حبيبه ينام وهو زعلان كده!"
توسعت عينيها متسائلة بلهفة:
"هتجبلي بجد!"
هز رأسه بخفةٍ وقال:
"هأخد شاور وهشوف لو في محلات فاتحة نطلب منها."
ردت عليه بفتور:
"لسه هستنى اما تعمل الاوردر، ما تنزل إنت يا عُمران، ابنك جعان!"
ضيق ردمايتاه بغضب، وهتف:
"لو فاكرة إني مطيع معاكِ كده عشان جنابه تبقي متعرفنيش كويس، أنا مبخدش أوامر من حد عشان أخدها من عيل لسه عداد عمره ما ابتداش!"
وأستطرد بغيظٍ ووعيد:
"ده أنا هفخت عين أمه بس لما يجي، بصي يا بيبي إنتِ تسيبهولي وأنا أوعدك إني هربيهولك تربية أورجينال!"
ارتعبت من طريقته بالحديث، وضمت بطنها المنتفخ، كأنها تحميه من قسوة ابيه الظاهرة، بينما انحنى عُمران يلتقط قميصه، ارتداه وهو يتمتم بصوتٍ كان مسموعًا لها:
"على أخر الزمن عُمران الغرباوي هيأخد أوامر من عقلة الأصبع ده، ييجي هو بس وهسوي أموري معاه بدري بدري!"
*****
جلس على الرمال يتأمل سطوع الشمس، وتعامدها على سطح المياه في صورة إبداعية تقشعر لها الأبداع، وبينما هو هائم تلتف من حوله بقعة سوداء إنحصر داخلها، تجعل ما يحيطه مُثقل بالهموم.
حل زر قميصه الأبيض الذي شمله باهمالٍ، وترك الهواء يسفخ صدره بقسوةٍ، بينما عينيه تتابع الموج الغفير وكأنه يتحداه بأنه يفوقه بعمق أوجاعه، منذ قليل كان يشعر وكأنه ملكًا متوج بين ذراعيها، والآن تنخر البرودة عظامه، ويفوق الألم حد احتماله.
سحب آدهم هاتفه من جيب بنطاله القماشي، يعيد فتحه من جديد، فاسترعى انتباهه عدد من الرسائل المرسلة من قائده الأعلى “مراد زيدان”، ينهره بشدة على تجاهله لتعليماته ويهدده بشكلٍ صريح إن كان يخفي عنه شيئًا، بل ويتوعد له بعقاب قاس فور عودته من ميلانو.
تجاهل كل شيء، ومرر إصبعه على رقم آيوب، أطال برنينه لثلاث مرات متتاليات، يترقب سماع صوته بلهفةٍ، حتى أجابه بحدةٍ بالرنة الرابعة:
"خير يا باشا، لسه في حاجة تانية نسيت تقولها؟!"
سماع صوته أراح جزءا من وجعه الغائر، فتنهد وهو يخبره بمزحٍ حزين:
"نسيت أقولك إني كنت سعيد لما عرفت أنك أخويا، يمكن لإني بحبك وبعزك أكتر من أي صديق قابلته، ومكنتش لاقي أي سبب ولا مبرر لده لحد ما عرفت."
أطلق الهواء الذي يثقل أنفاسه، وقال:
"أنا متلخبط ومش قادر أستوعب حاجة، هو آآ.. إنت ممكن تقطع سفرك وتنزل؟"
وأضاف بترددٍ:
"عايزك معايا يا آدهم!"
أغلق عينيه بحزنٍ، وأجابه:
"مش هينفع قبل ما أنجز اللي جيت هنا عشانه، ولو حصل أوعدك إني هنزل على اقرب طيارة نازلة مصر، وهكون جنبك ومعاك كتف بكتف يا آيوب."
خيم الصمت عليه للحظاتٍ، ثم قال:
"ماشي يا آدهم، هستناك بس متتأخرش."
ابتسم من بين دموع عينيه الهابطة على وجنته، وقال:
"إدعي ربنا يجمعنا مرة تانية يا آيوب."
ارتابه قلقًا ملموسًا، وهدر بتوتر:
"ليه بتقول كده؟! أنا فاكر أنك قولتلي انك طالع مهمة تبع شغلك، آدهم إنت كلامك مش مطمني، سيب كل حاجة وإتحجج بجوازك وإنزل."
وبخوفٍ سأله:
"ينفع تعمل ده؟"
ازدادت بسمته فرحة بلمس خوفه الواضح، وقال بثباتٍ:
"لا مينفعش."
وأضاف بحبٍ:
"متقلقش عليا، أخوك راجل وقدها!"
صمت قليلًا يستوعب علاقته الجديدة على مسمعه، لا يصدق أن اقرب أصدقائه هو نفسه اخيه الذي ظهر فجأة، تنحنح آيوب هاتفًا:
"خد بالك من نفسك، لا إله إلا الله."
رد عليه وابتسامته مازالت ترتسم على ملامحه الجذابة:
"محمدًا رسول الله."
قالها وأغلق الهاتف على الفور، لضمان السرية التامة وحرصًا على كل خطوة يمضيها، ثم ولج لجناحه يتمدد جوار شمسه التي سطعت بعالمه المقهر، جذبها إليه، وغفى وهي بين أحضانه!
*****
راقبها وهي تلتهم أخر قطعة من الطعام بابتسامةٍ صغيرة، ختمها بقوله الماكر:
"أكلنا وإنبسطنا الحمد لله، نقوم زي الشاطرين كده نأخد شاور ونجهز قبل المدربة ما توصل."
تركت العُلبة جوارها على الكومود، وتمددت على الفراش بتعبٍ:
"لا أنا بعد الوجبة دي محتاجة أريح شوية، الساعة لسة ٦ هريح ساعتين ونقوم نشوف المدربة بتاعتك دي حاضر."
وأحاطت جسدها بالغطاء، هاتفة بنعاسٍ:
"تصبح على خير يا ميرو."
حرك رأسه يسارًا ويمينًا يستعيد نشاطه البدني، وبحركة واحدة أزاح عنها الغطاء، وحملها بين ذراعيه فتعلقت برقبته بهلعٍ، وسؤالها الوحيد يتردد ببراءة أضحكته:
"بتعمل أيه؟!"
رد عليها بنفس برائتها المضحكة:
"بصرف عنك الكسل يا بيبي، وبما إنك مرهقة وتعبانه هساعدك من أول الشاور لحد ما تكوني جاهزة لاستقبال المدربة على أتم الاستعداد."
جحظت عينيها بصدمةٍ، وبذعرٍ صرخت:
"تساعد مين يا عُمران؟"
غمز بخبث أخجلها:
"حبيب قلبه!"
صرخت بجنون وعصبية:
"إنت وقح، نزلني أحسن ما أصرخ وأفضحك."
عبث بحزن مصطنع، وقال:
"وأيه الفضيحة في إني أساعدك وإنتِ تعبانه؟ ده حتى الجيران لبعضها وأنا جارك وابن خالتك وجوزك وحبيبك وأبو ابنك، كل دول مش كفايا يا بيبي؟!"
لكزته بعنفٍ وصاحت بانفعالٍ:
"لا إنت متحرش ووقح، نزلني حالًا بقولك."
أغلق عينيه بانزعاجٍ، وهمس لها:
"صوتك يا بيبي، أزعجتيني أنا وابني."
وخطى تجاه حمام الغرفة، فأسرعت تناديه برقةٍ زائفة وهي تغتصب ابتسامة مغتاظة:
"طيب يا حبيبي ممكن تنزلني وأنا أوعدك إني خلال خمس دقايق أكون لابسة ونازلة معاك للمدربة؟"
حقق إنتصارًا سريعًا، فعاونها على الوقوف، وقال وهو يتابع ساعة يده:
"وقتك بينفذ."
أسرعت من أمامه على الفور، بينما اتجه هو ينظف الغرفة من الأطباق وبقايا الطعام، وإذا به ينتبه لهاتفها، يعيد رنينه الرابع.
حمله عُمران وإتجه يطرق باب الحمام، قائلًا:
"مايا موبيلك بيرن."
وأضاف وهو يضعه على الخزانة المجاورة للباب:
"باباكِ اللي بيرن، هسيب الموبيل هنا."
خرجت بعد دقائق تنشف خصلاتها والضيق يملأ مُقلتيها، جذبت الهاتف وعبثت به لثوانٍ ثم تركته واتجهت للمقعد تمشط خصلاتها بصمت.
انحنى عُمران يجذب حذائها الرياضي، وبحركةٍ لطيفة منه عاونها على ارتدائه، وحينما استقام بقامته الممشوقة، انتبه لهاتفها يضيء بالرنين مجددًا، وقد تيقن أنها فعلت الوضع الصامت.
طالعته مايا بارتباكٍ، وقالت لتشتته عما يراه:
"أنا جاهزة."
استدار لها يتعمق بحدقتيها، وبهدوءٍ قال:
"مش عايزة تردي على عثمان باشا ليه؟ في حاجة حصلت!"
سحبت نفسًا طويلًا، وقالت بقهرٍ:
"وأرد عليه ليه؟"
رمش بذهول، وردد:
"يعني أيه ليه!! أكيد عايز يطمن عليكِ!"
ربعت يديها أمام صدرها وهتفت بنفس الهدوء المخادع:
"ويطمن عليا ليه بردو! أو بالمعنى الاوضح أيه اللي فكره بيا اليومين دول؟!"
شعر وكأن الكثير يفوته هنا، لطالما كان يشهد عدم وجود والدها منذ توقيت سفرها إلى لندن لمتابعة دراستها، ولكنه ظن أن هناك بعض الاتصالات الشخصية متبادلة بينهما.
إنسلخ عن صمته متسائلًا باهتمامٍ:
"فيكِ أيه يا حبيبتي؟ إحكيلي حصل أيه مضايقك منه بالشكل ده!"
جلست على الفراش من خلفها تدعي إنشغالها بترتيب حجابها بمرآة السراحه القابعة على بعد منها:
"مفيش حاجة جديدة يا عُمران، الطبيعي والمعتاد لعثمان باشا من بعد وفاة ماما الله يرحمها، تقريبًا كل شهر جوازة شكل، وأغلبهم بنات من عمري تقريبًا، عايش حياته بالطول والعرض، وأخر اهتماماته أنه عنده بنت."
واستدارت تجاهه بابتسامة لم تصل لعينيها التعيسة:
"كل ضميره يصحى ويفكره بيا يتصل بيا مكالمة كل شهرين تلاته، الغريبة اني اتعودت منه على كده وإتأقلمت على الوضع ده من لما سفرت لندن لخالتو، صدقني طول فترة وجودي معاها ومعاكم محتاجتش ليه أبدًا، ودلوقتي انا استغنيت عن مكالمته اللي بيعملها بعد فقدان الذاكرة المؤقت ليا."
وأضافت بابتسامة منكسرة:
"الحاجة الوحيدة اللي مش بينساها هي المبالغ اللي بيحولها في حسابي كل أول شهر، مع إني دلوقتي مش محتاجة لمصروفه الكريم وأنا زوجة البشمهندس عُمران سالم الغرباوي ولا أيه؟!"
مزقت كلماتها صدره القوي، واستهدفت قلبه، تحرك لها بآلية تامة، يجلس بجوارها، ويتمعن بمُقلتيها بصمتٍ، جعلها تغرق برماديتاه، قرأت فيهما حزنه الصريح، وحيرته فيما سيقوله ليخفف عنها وجعها، فابتسمت وهي تخبره بعشقٍ:
"صدقني مش زعلانه، وجودك جنبي عوضني عن كل علاقة مكتملتش في حياتي يا عُمران."
واستكملت وهى تضم كفها بين كفيه، ورددت على استحياء:
"لما سفرت لندن عشان أكمل دراستي، كنت براقبك من بعيد وبعد الايام يوم بعد يوم وانا مستنياك تطلبني من فريدة هانم، وبالرغم من كل اللي مرينا بيه الا إني ثقتي وإيماني بحبي ليك خلاني أحارب عشانك."
وهمست له وهي تضع كفها الرقيق فوق صدره مستهدفة موضع قلبه بالتحديد، وقالت ومازالت عينيها تعانق عينيه:
"كنت واثقة إن ليا مكان هنا يخصني، حتى لو كنت أنت بتكابر ومش معترف بيه."
ابتلع طعم العلقم بمرارة، وقال:
"أنا كنت السبب في عذابك ووجعك يا مايا، خليتك تعيشي أيام صعبة، أنا مستهلش حبك ده."
هزت رأسها باعتراض وقالت:
"تستاهل حبي وحربي الكبيرة اللي خوضتها عشانك، أنا مقدرش أعيش من غيرك يا عُمران."
تدفقت دموعها وهي تترجاه بخوف اعتراها فجأة:
"أوعدني إنك مش هتبعد عني، أوعدني إن مهما حصل بينا متتخلاش عني يا عُمران."
ثنى ركبتيه، وانحنى عليهما يقبل يديها بحبٍ، ومن ثم طبع قبلة على جبينها، وهو يتفنن باختيار حديث يطمئن قلبها إليه:
"أنا دنيتي ابتدت من باب جنة حبك يا مايا، ربنا كرمني بيكِ وأنا كلي معاصي وذنوب، كنتِ أول إيد مسكتني لطريق التوبة، رفضت أكونلك زوج الا لما أتطهر من كل أخطائي."
مرر إبهامه على كفها الرقيق وهو يتابع:
"لما مسكت إيدك مسكتها وأنا رامي كل الماضي ورايا، فتأكدي إني مستحيل هسيبها."
وضمها بين ذراعيه وهو يهمس لها بعشق:
"احتياجي ليكِ أكتر من احتياجك لوجودي معاكِ."
****
حائل رخامي ضخم يحيط بالمكان المخصص لقضاء السهرات النهارية قبالة أمواج البحر، أسطول ضخم من المقاعد الطاولات المطولة، تحوي عدد من المشروبات والخمور المحرمة، وعدد من النساء المتبرجات، الاتي تمارسن الزنا بفجورٍ غير مبالية بعذاب الله الواحد الأحد.
يلتف من حولهن الرجال، يتجرعون الخمور ويتقربون منهن بشكلٍ مقزز، والاغلب منهم يجذب العاهرات الوضيعات، للخيم المتطرفة من حولهم، ليمارسن الفجور بجراءة ودناءة، ومن يين هذا الجمع الغفير كان يشق الصفوف بشموخ طالته الواثقة، وبنيتاه تنتقل بين الوجوه بسخطٍ ونفور، مازال وشاحه الأسود المحيط ببندقية عينيه والمتدلي من خلفه كالفارس الهمام يجذب انظار المحاطين به، تلك المرة تعد من القلائل اللاتي يخرج بها دون رفيقه المرافق له كالظل.
انتقلت جميع نظرات النساء إلى ذلك الرجل الغامض، يتطلعون لجسده الممشق دون حياء، حتى أن أغلبهن حاولن الاقتراب منه، ولكن نظرته المحذرة جعلتهن يتراجعن رعبًا منه، بينما مازال يقف بمنتصف المكان باحثًا عن غايته، حتى ظهرت أمامه فتاة شقراء، ترتدي شورت قصير وقميص نسائي يصل لمنتصف خصرها، بينما تعقده بشكلٍ فج.
أسرعت تجاهه وهي تردد بنبرتها الغربية:
"أووه عزيزي لقد عدت مجددًا."
وما أن دنت إليه لتعانقه، حتى ارتد جسدها للخلف، فتخشبت ألمًا وانخفض بصرها للاسفل لتجد خنجره المغلق يحيل بين جسده وجسدها، ومن خلف لثامه الأسود قال:
"إحذري أن يمسني جسدك اللعين."
ارتابت من أمر ذلك الملثم الغامض، وبدأت ترسم ابتسامة واسعة وهي تجيد تمثيل دورها باتقان، بأنه احد زبائنها الذين يترددون لزيارتها بهذا الوكر المنحدر، الذي يمارس فيه نوع من انواع الدعارة المنحدرة.
أشارت له وهي تسرع لاحدى الخيمات:
"لقد إشتقت لك، اتبعني."
شكلها بنظرة مستحقرة، ثم اتبعها لمحل ما أتجهت إليه، فما أن ولجوا للخيمة، حتى شرع بهز أركانها بحرافية ابتاعها من تدريبه المسبق قبل ترك المخابرات، ليوهم من بالخارج بلقاءٍ عابر بينه وبين تلك اللعينه.
راقبته بابتسامة اجتهدت لتجعلها مغرية، ثم قالت وهي تحاول أن تتأمل وجهه الملثم:
"لماذا تعذب نفسك بهذا الرداء، فلتنزعه ولتقضي بعض الوقت رفقتي."
سكنت عينيه عاصفة رملية مثل تلك التي أعتاد العيش برفقتها بالصحراء الجرداء، وبدون أدنى مجهود قال:
"لا تعبثي مع ناقوس موتك يا امرأة، إطيعي أمري دون أي كلمة أخرى."
جلست على الفراش الصغير المصنوع من الاغطية، وهي تبرز ساقيها العاريتين عن عمد في محاولة لاغرائه، قائلة وهي تشق نفسًا طويلًا من السيجار الذي تحمله:
"أتعلم أيها الغريب لقد عملت بتلك المهنة لسنواتٍ ولكنني لم أقابل أحدٌ مريبًا مثلك، لولا جمال القهوة التي تشكلت بعينيك لظننت أنك رجلًا أليًا لا تحمل أي مشاعر أو إنسانية."
وأضافت وهي تسترخي بنومة مقززة مثلها:
"زار خيمتي الكثير من الرجال، منهم من يتودد لي لنيل المتعة بمقابل مالي، ومنهم أمثالك، يلجئون لي لتبديل الممنوعات كالـ المخدرات والالماس مع رجالًا أخرون يأتون إلى هنا لتسليم المال وما أنا الا وسيط وستار لكلاهما، ولكن لا يغادر ذاك أو هذا دون أن يقترب مني الا أنت لم أحظى بمرافقتك يومًا."
ونهضت تتجه له بخطوات جعلته يحدقها بتحفزٍ وعزمًا على ما سيفعله بها وتستحقه، رفعت يدها تمررها على صدره برفقٍ وبدأت تقترب إليه، ففجأها حينما لف ذراعها للخلف، وبحركة سريعة استمعت لصوت طقطقة عظامها، اعلان صريح بانكسارها.
استرخت جمود نظراته وهدأت حينما وجدها تصرخ وتبكي بجنون، شفي غليله الذي يحمله لأي بشري يحاول تخطي حدوده، سبق وفعلها والآن لن يناله الطعنة الثانية من بني البشر!!!
تراجعت للخلف تفرك ذراعها وهي تبكي بوجعٍ، بينما يتأملها بانتشاءٍ، واقترب منها، تراجعت للخلف برعب حتى سقطت أرضًا، فزحفت للخلف تصيح بتوسل:
"أرجوك سيدي لا تفعل، أعتذر منك اعدك أنني لن أكررها مجددًا."
استطاعت من بنيته القاتمة لمس ابتسامته الراضية، وخاصة حينما جلس على المقعد يرطم وجنتها وهو يردد بفحيح مخيف:
"فتاة مطيعة!"
أخرج “ليل” من جيب سترته السوداء كيس به قطعة ألماس ضخمة، وبداخلها صورة مطوية، ثم قال:
"حينما يأتي هذا الشاب إلى هنا، إصطحبيه إلى خيمتك وإمنحيه هذا."
وألقى لها رزمة من الدولارات قائلًا بحزمٍ:
"وهذا لكِ."
وتابع وهو ينصب قامته المخيفة بحجم جسده الضخم:
"إياكِ وإرتكاب أي حماقة قد تسببك رقبتك الصغيرة، أعدك أني سأهش رأسك أسفل حذائي إن استلم القطعة رجلًا غيره."
أمأت برأسها عدة مرات والرعب يحيل بها، وما أن تأكدت من رحيله حتى عادت أنفاسها لطبيعتها، بينما هو يشق طريقه كالشبح الذي لا يترك خلفه بصيص على وجوده أو دليلًا على كونه بشري!
*****
بصعوبة تمكنت “مايا” من ان تقنع عُمران بتركها تتدرب بمفردها مع المدربة، كادت أن تنصهر من فرط الخجل حينما كانت تطالب المدربة من عُمران أن يساعدها ببعض تمرينات الثنائيات، وما عليه سوى استغلال تلك الفرص كالمعتاد، حتى توسلت له ان يغادر فلم يصعد لغرفته الا حينما استلم رسالة من جمال يخبره أن يصطحبه بطريقه للشركة في يومهما الأول لأن سيارته قد تعطلت عن العمل فجأة.
أبدل عُمران ملابسه لبذلة كلاسيكة الطراز، وصفف شعره بعنايةٍ، ثم أتم بحذائه واتجه للخروج، فوجد “فاطمة” تشرف عليه ببذلتها النسائية المحتشمة، وتطرف بحديثها بلطفٍ:
"من اول يوم ومتأخر، لا يا بشمهندس لازم تتعلم تظبط مواعيدك زي الأول."
استقبلها ببسمة هادئة، وقال يمدحها:
"ما الBusiness woman (سيدة الاعمال) فاطيما هتعلمني إزاي ابقى منضبط في مواعيدي."
استدارت تجاه زوجها الذي يحيط كتفيها بكل حب وعشق يقطر من رماديتاه، وسألته بمزحٍ:
"رأيك أعلمه ولا أسيبه ضايع كده يا علي؟"
ضحك ثلاثتهم، فمال علي يقبل رأسها وهو يهمس بعاطفة تبرز حبه العتيق لها:
"اللي تشوفيه صح يا روح قلب علي."
رفع عُمران احد حاجبيه مندهشًا من ظهور داء الوقاحة على أخيه المثقف، الخجول، فحك ذقنه النابتة وقال ساخرًا:
"من أمته الرومانسية المنحرفة دي يا علي؟"
تلون وجه فاطمة حرجًا، ابعدت ذراع علي وهبطت الدرج مرددة بتوتر:
"هنزل أفطر مع فريدة هانم وأنكل أحمد."
تركتهما في مقابلة عصيفه، دنا عُمران منه وقال بسخرية:
"والله كبرت وإنحرفت يا دكتور، لأ وقدام أخوك الصغير المحترم، التقي اللي من المسجد للبيت ومن البيت للمسجد!!! ، بتفتح عيني للرزيلة يا علي!!"
شمله علي بنظرة أحاطته من اخمص قدميه لرأسه، ومال يستند على درابزين الدرج هادرًا:
"ده إنت الرزيلة بعينها يا وقح."
وأضاف وهو يتبع زوجته:
"لم حواراتك السارحة دي وحصلني."
كبت ضحكته بابتسامة وهو يزعن طاعته وخوفه الصريح:
"في ديلك يا بابا علي!"
تابعه وهو يهبط للأسفل، ثم جذب هاتفه يدون رسالة لآيوب«النهاردة أول يوم، لو اتاخرت هخلي أستاذ ممدوح ينفخك، هعدي على جمال وبعدين هفوت عليك ألقيك على رأس الحارة واقف مطيع كده وبتستناني، أتمنى تكون فهمت كلامي يابن الشيخ مهران..»
أعاد هاتفه لجاكيته وأتجه للاسفل، سحب المقعد المجاور لأخيه وهتف:
"صباح الخير."
جلس يجذب احدى الاطباق يضع فيهما قدرًا من الجبن والسلطات، وشرع بتناول طعامه بجو حله الصمت، والحزن الطابق على الوجوه، فرغمًا عنهم تتجه نظراتهم لمقعد شمس الفارغ.
ترك علي طبقه فارغًا، لم يملك شهية تناول الطعام، إنسحب بهدوء لغرفة مكتبه، تهاوت دمعة فريدة على خدها، ورددت بتأثرٍ:
"أنا مش متخيلة المكان من غير شمس."
قرب أحمد يده من كفها، يفركه بحنانٍ:
"ليه بس يا فريدة، هي مسافرة مع جوزها وراجعه تاني، دول كلهم على بعض أربع أيام!"
تركت الشوكة من يدها وقالت بدموع:
"مش قادرة يا أحمد، محدش من ولادي فارقني قبل كده، علي وعمران بيسافروا تبع الشغل وبيرجعوا على طول، ولما عمران طول شوية نزلنا كلنا مصر."
وأضافت وقد تسارعت بالبكاء:
"مش هقدر صدقوني."
ترك عُمران الطعام، ونهض عن مقعده يتجه للمقعد الذي يجاور مقعد أمه الرئيسي من الجانب الأخر، يقربه منها، يزيح دموعها بحزنٍ، وقال مبتسمًا مستغلًا الفوبيا الدائمة لديها تجاه الاهتمام بنفسها ووجهها :
"فريدة هانم العياط بيكرمش الوش وبيظهر التجاعيد يرضيكِ تبوظي الوش القمر!"
رفعت عينيها له، وقالت تستجدي به:
"عُمران خلي آدهم يوافق يعيش معانا هو وشمس بالقصر، أنا مش هستحمل انها تبعد عني."
أسرع أحمد يجيبها:
"القصر لسه مخلصش يا فريدة، وبعدين آدهم كان واضح وصريح من البداية إنه مش هيقبل بده."
أشار عُمران باصبعيه لعمه، بمعنى أنه سيحل الأمر، ومال يقبل يديها، وقال بابتسامته الجذابة:
"أوعدك إني هحاول أتكلم معاه في الحوار ده، حتى لو هجبهاله إنك محتاجاها معاكي خلال فترتك الاخيرة من الحمل."
وتابع وهو يتطلع لبطنها المنتفخة بحماس:
"مش هانت ولا أيه؟"
مسدت على بطنها المتتفخة وقالت بفرحة:
"هانت جدًا، انا سابقة مايا بكتير، ومع ذلك تحس إنها هي اللي سابقاني وزنها تقل جداا، خد بالك منها يا عمران أنا مش قادرة أشد عليها المرادي، قلبي مش مطاوعني أجوع البيبي، ده مهما كان ابنك يا حبيبي!"
انفجر ضاحكًا وشاركه أحمد وفاطيما بالضحك، بينما يهتف عُمران مازحًا:
"لا بلاش تجوعي مايا، لما يوصل البطريق ده إتعاملي معاه بالطريقة اللي تناسب جنابك، لكن بسكوتي بسكوتة نواعم متستحملش ده."
تمادت ضحكات فاطمة بشكل جعل الجميع يراقب محل نظراتها، فوجدوا مايا تقترب منهم وهي تتناول كيس من بسكوت النواعم، تتناوله بنهمٍ، وتتجه إليهم، سحبت احد المقاعد وجلست تتأمل الطعام هاتفة بارهاق:
"أنا واقعه من الجوع.."
تركت البسكويت جانبًا وشرعت بتناول الطعام ولم تلقي بالًا بنظراتهم المضحكة، مال عُمران لفاطمة يهمس لها:
"اديني أنا البسكوت ده يا فطوم."
جذبت فاطمة البسكويت من امام مايا المشغولة بتناول المخبوزات بنهمٍ، تناول عُمران البسكويت وجذب إحداهن لفريدة التي تتابع مايا بدهشة، قائلًا:
"وضع مؤقت، بعد الولادة هنزلها الجيم من الفجر، متقلقيش على صحة مراتي وأنا موجود!"
ونهض يشير لفاطمة الذي أحمر وجهها من فرط الضحك:
"يلا يا فاطمة، هوصلك قبل ما أفوت على جمال وآيوب."
******
ارتدت فستان من اللون الأزرق وحجابًا أبيض اللون، ومن فوقه قبعة أضافت لها جاذبية مهلكة، خرجت “شمس” تبحث عنه، فوجدته يسبح بالمياه القريبة من جناحهما الخاص، اتبعته شمس حتى خرجت خارج حدود جناحهما للباحة العامة، أختارت الجلوس على مقعد قريب لمحل سباحته نوعًا ما، وجلست تراقبه بحب واعجاب يبدو باديًا عليها.
كانت تتابع هاتفها تارة وتتابعه تارة آخرى، تجيب على رسائل علي و والدتها، ليطمئنوا عليها، وما أن انتهت من محادثتهم حتى عادت ببصرها تجاه موقع زوجها، فلم تجده بالمياه مثلما كان منذ قليل.
تركت شمس كوب العصير عن يدها، ونهضت تتمشى على الشاطيء باحثة عنه بين الرجال، ولكنها لم تجده، تمعنت من حولها جيدًا حتى وجدته يقف على بعدٍ منها، يجفف جسده بالمنشفة ويجمع اغراضه بحقيبته السوداء الذي تركها بمحل ما بدأ السباحه، عازمًا العودة لمحل جلوسها، وما أن استدار حتى تفاجئ بالفتاة المنشودة قبالته، ترتدي ملابس سباحة فاضحة على الرغم من الشاش الذي يحيط إحدى ذراعيها.
ارتبك آدهم قبالتها، المعلومات التي يمتلكها تؤكد أن هناك مكان محدد للقاء تلك الفتاة، لم يكن بالحسبان هذا اللقاء الذي سيحول زمام الخطة المدروسة التي وضعها الاسطورة رحيم زيدان، والتي حرص بها على سلامة اعضاء فريقه باكملهم، حتى ليل الذي يخشاه الموت وتهابه المهالك، كان يضع سلامته بالحسبان!!
أكد عليه رحيم بأن تواجده بهذا الفندق سيضعه تحت المراقبة الدقيقة، حسب حساب كل خطوة خطاها ولكن تلك لم تكن من مخيلاته، ولا خُيل إلى ليل نفسه.
دنت الفتاة منه حتى كادت أن تتعرقل بحفنة من الرمال أو مثلما إدعت، فمالت بجسدها تجاهه عن عمدٍ، وعلى الفور تلقفها آدهم ومال بها، حينما احاطت عنقه، تحركت نواجذه من فرط عصبية ضغط أسنانه بعضهما البعض، وكما تدرب كان عليه دراسة الموقف من جميع الزوايا، هو الآن تحت لادار المراقبة، خطة رحيم العبقرية كانت باختلاق مشكلة صغيرة رفقة زوجته والذهاب لتلك الحانة لادعاء شربه الخمور حد الثمالة، ومن بعدها تستغله تلك الفتاة لاستدراجه لخيمتها مثلما تفعل مع الاغلب، وحينها سيستلم منها قطعة الالماس كمان تعتقد بانهما يهربان قطعة باهظة من الألماس، ولكن ظهورها المبكر وبمكان كذلك وبحضور زوجته أمرًا كارثيًا.
عقله يفكر طوال تلك الفترة ومازالت الفتاة تتعلق برقبته بدلال، وعينيها تلتهم جسده ووجهه بوقاحة، درس آدهم الموضوع من عدة اتجاهات، لذا عليه ان يبدو لمن يراقبه أن تلك الساقطة نالت استحسانه لذا سيتسلل خلفها لمحلها عن عمد، لذا وبكل أسف وهو يعتصر قلبه أسفل قدميه، رسم لها ابتسامة جذابة، وملامح الاعجاب تتفنن للظهور لتلك الكاميرا التي ترصد أقل حركاته.
عاونها على الوقوف ومازال يبتسم لها، متسائلًا:
"هل إنتِ بخير؟"
اشارت له برأسها، ومازالت يدها تتحسس عضلات صدره بوقاحة، ومالت تهمس له:
"هناك شيئًا يخصك معي، إن أرادت فلتأتي ليلًا عسى أن نمضي وقتًا لطيفًا قبل أن أقدمه لك."
هز رأسه وهو يجيبها:
"سأتي بالتأكيد."
استقامت بوقفتها وغادرت فور أن نالت مبتغاها، ولمرة أخيرة اضطر أن تلاحقها نظراته ليؤكد لمن يراقبه سقوطه السريع في سحر تلك اللعينة.
بينما على بعدٍ منه، تراقبه بصدمةٍ وعينيها تجحظان في دهشة، تتمنى لو أنها فقدت النظر لتوها، ليتها لم تأتي إلى هنا بحثًا عنه، رأت كل شيئًا بعينيها، وإن أقسم لها بأنه لم يعجب بها لن تصدقه وقد رأته بأعين أنثى تهتم بدراسة التفاصيل.
سحب آدهم حقيبته واتجه بحزنٍ إليها، ارتسم بثباتٍ مخادع، وهتف باستغرابٍ:
"واقفة عندك كده ليه يا شمس؟"
انتقل بصرها الحاد إليه، وهدرت بانفعالٍ شرس:
"ايه اللي أنا شوفته ده!!"
ابتلع ريقه بارتباكٍ، وادعى عدم استيعابه للأمر:
"مش فاهم، شوفتي أيه!"
ربعت يدها أمام صدرها وصوت أنفاسها المضطربة تعلو لتصبح كهدير الرياح المحاط بهما، استمدت اتزانها المرتجف وصرخت بوجهه:
"متستهبلش يا آدهم، أنا شوفتك بعنيا وأنت مبلم في الهانم اللي لفة ايديها القذرة حوليك، والله أعلم لو مكنتش موجودة معاك كانت أخدتك على فين؟!"
لم يرغب أن تسوء الامور بينهما ببداية حياتهما معًا، مهاراته حدثته بما يحدث من حوله، وخاصة بمن يراقب ما يحدث، وبقمة أسفه ما يحدث الآن بينه وبينها قد يساعده بتنفيذ الجزء الاخير من خطته الموضوعة بالوقت الحالي، بعدما حدث الأمر الاضطراري بمقابلة تلك الفتاة بغير محتمل الخطة الموضوعة من قبل الاسطورة.
لذا استرعى غضبه وبداخله يحتقن قلبه من فرط الاختناق، فصاح بغضبٍ:
"فوقي لكلامك معايا يا شمس، مش أنا اللي تسحبني واحدة ست وراها، شكلك أخدتي ضربة شمس من كتر قعدتك على الشط، ادخلي ريحي جوه لحد ما تفوقي كده وتعقلي."
همست بعدم استيعاب لما تسمعه، وكأنه شخصًا آخر لا تعرفه، اهتزت بوقفتها حتى كادت بالسقوط للخلف، وباستنكار سألته:
"إنت بتكلمني أنا بالشكل ده يا آدهم، معقول!!"
ود لو يلقي كل شيء في مهب الريح ويجذبها داخل ذراعيه، ود لو أعتذر لها عما فعله ولكنه وإن أحبها أكثر من روحه ومن حياته هناك بالطرف الآخر شرف بلده، ربما يحبها أكثر من نجاته ولكنه بلا شك يحب بلده أكثر.
استجمع شتات نفسه وقال بوجوم:
"ادخلي الجناح دلوقتي يا شمس."
صرخت بقوة لطالما تربت عليها بين أشقائها ووالدتها:
"مش هنسحب من نقاش أنا صاحبة الحق فيه يا آدهم، ودلوقتي حالًا هتفهمني أيه اللي شوفته ده؟!!"
على صراخه أكثر من صوتها الرقيق:
"شوفتي أيه!! واحده وكانت هتقع وأنا لحقتها وشكرتني ومشت، الحوار انتهى لكن لسه شغال عندك مسلسل بمشاهد كاملة!!"
رفضت تصديق ما يحاول قوله، ورددت بألمٍ:
"كلامها مكنش شكر ليك، حوارها كان طويل معاك وإنت كمان كان واضح اعجابك ليها بشكل واضح جدا على فكرة."
ألقى المنشفة والحقيبة أرضًا وصرخ بانفعال:
"إنتِ عنيدة بشكل يخنق، تصدقي ولا لا أنا حكيتلك على اللي حصل."
وتابع وهو يمضي تجاه الجناح:
"بدأتي النكد من بدري، أنا سايبلك السويت كله وماشي عشان ترتاحي على الآخر يا شمس هانم!!"
وما ان استدار، حتى لمح بطرف عينيه ذاك المتلصص عليهما، مضي مهمومًا لجناحه، وترك قلبه يبكي من خلفه.
جلست شمس على اقرب مقعد بحري قابلها، وهي كالتائهة تردد ببكاء:
"لأ… لأ… مستحيل آدهم يعمل فيا أنا كده."
ومرت يدها على جبينها وهي تهمس بوجع:
"أكيد فهمت الموضوع غلط، بس ازاي!!"
تمادى بكائها ورجفة جسدها تزداد تباعًا، فلم تجد سوى هاتفها، جذبت الهاتف واختارت رقم عُمران، وقبل أن تهاتفه تراجعت، لم تجده الشخص المناسب لحل مشكلتها، لطالما كان حاد وعدواني ضد زوجها، بل المناسب لذلك هو علي، الوحيد الذي سيتفهم أمرها.
رفعت هاتفها إلى آذنيها تنتظر سماع صوته الهادئ، فأتاها صوته المتلهف لسماع صوتها:
"ما كنا اتكلمنا صوت من الأول، الرسايل دي مش بحبها، بس اتفهمت إنك ممكن تكوني بالجناح جنب آدهم ومكسوفة تكلميني قدامي."
وأضاف بحب:
"ها يا حبيبتي طمنيني عليكي؟"
انفجرت بنوبة بكائها، وهدرت بصوتها المحتقن من فرط دموعها:
"أنا مش كويسة خالص يا علي، آآ… أنا محتاجالك أوي.. يا ريتك جنبي… آآ.. أنا بردانه أوي بالرغم من إن في نار جوايا، أنا مصدومة ومش قادرة أستوعب ولا أصدق إن ده الراجل اللي حبيته يا علي!"
ارتاب لأمرها، وسألها باهتمام:
"شمس حبيبتي اهدي واسمعيني، أنتِ مش بعيدة عني لو عايزاني ساعات وهكون عندك، إنتِ مش لوحدك أبدًا فاهمه، خدي نفسك بانتظام وأشربي مية، وبعدين اتكلمي وقوليلي مالك؟ انا سامعك وجنبك يا حبيبتي."
*****
صف عُمران سيارته أسفل عمارة جمال، ووقف يتأمل المدخل بارتباك، كان يتهرب سابقًا من زياراته لوالدة جمال حتى لا يلتقي بصبا، مهما حدث ومهما تخطوا الموقف، سيظل الأمر يحمل حساسية عميقة بينهما، لا يريد ان يلتقي بها أبدًا، لذا كان حريص على الاعتذار كلما شددت أشرقت على زيارته لها، بل حرص على مكالماتها الدائمة.
رفع هاتفه يحرر زر الاتصال، وبجدية تامة قال:
"انزل يا جمال أنا تحت بيتك."
قابله بلهفة وإصرار:
"اطلع الأول، قبل ما نمشي لازم تشوف عمران الصغير."
ضم مقدمة أنفه بيده فقد حدث ما لا يريده، فقال بثبات مزيف:
"جمال مفيش وقت، النهاردة أول يوم لينا كمدراء مينفعش نتأخر، مرة تانية هاجي معاك وهشوفه أكيد."
تمتم بانزعاجٍ:
"هو أنا معرفش أوقعك أبدًا، طيب نازلك."
أغلق جمال الهاتف، ووضع الصغير بيد والدته، ثم سحب سترته يرتديها، فحملت أشرقت الصغير ولحقت به تردد بضيق:
"مرضاش يطلع بردو؟"
اوما بامتعاض وقال:
"قال هيفوت في وقت تاني."
سحبت الحاجة أشرقت حجابها وحملت الصغير واتجهت للخروج قائلة:
"لا كده بيستهبل، أنا نازله اشوفه."
لحق بها جمال بعدما جذب باب شقتها من خلفه، هبطوا معًا، واتجهوا لسيارته المصفوفة جانبًا وكان يستند على بابها ويراسل آيوب من الحين للآخر.
تسلل لمسمع عُمران صوت آشرقت تدنو إليه ناطقة بنزق:
"اتكبرت علينا ولا أيه يابن فريدة هانم."
ابتهجت معالمه فرحة، فنزع عنه نظارته السوداء، وهو ينطق ببهجةٍ:
"أنا أقدر بردو يا شوشو، ده احنا بينا قصة حب اسطورية هيجلدوها في كتب تاريخ انجلترا."
ضحكت بصخب وهي تضمه بحب، احتضنها عُمران وانحنى يقبل كف يدها باحترام، مضيفًا:
"وحشتيني جدًا والله."
سحبت كفها وهي تتصنع ضيقها الصريح:
"مهو واضح، من يوم ما نزلت مصر، وأنا مش عارفة اتلم عليك، كل ما أعزمك ما تعبرنيش."
مرر يده بين خصلاته التي اكتسبت طولًا جذابًا، وقال بحرج:
"غصب عني والله، بنقل معظم مشاريعي هنا في مصر، مشغول أغلب الوقت جمال عارف الكلام ده اساليه حتى."
وضع يديه بجيب جاكيته وهدر بسخط:
"كداب ياما، ده صايع ليل نهار في حارة الشيخ مهران!"
منحه عُمران نظرة متوعدة، وتغاضى عن حديثه سريعًا وهو يحمل الصغير بفرحة:
"ما شاء الله تبارك الله، زي القمر ربنا يحفظهولك وتفرح بيه يا عبحليم!"
ردت عليه أشرقت وهي تمر بيدها على كتفه بحنان:
"نفرح بخلفك إنت الأول وبعد كده نرجع للواد ده تاني ميضرش."
ضحك ببشاشة وقال يمازحها :
"والله إن كان عليا فأنا مش مقصر، كلها تلات شهور وتشيلي أول انتاج محلي من نسلي بإذن الله."
تعالت ضحكاتها وهتفت:
"ربنا يجيه على الكامل يا حبيبي، وعقبال ما تخاويه يا ررب."
مسد على جاكيته بطريقة زادت من ضحكاتها:
"لا أنا كده زي الفل، لسه محتاجين ندرس العينة بشكل دقيق، وأعتقد بعد الدراسة القرارات هتكون غير مش كده ولا أيه يا حليمو؟"
حك جبهته وتمتم بسخط:
"العينة هتخليك تستكفي بهذا القدر."
تلاشت ضحكة عُمران وبدى متوترًا بوقفته، حينما وجد صبا تقترب منهم وهي تحمل بعض الاكياس بيدها، بعد عودتها من البقالة، سرت رعشة طفيفة بجسدها فور لقائها الأول بعمران بعد ما تعرضت له بذلك اليوم المأساوي، ذلك اللقاء الذي خشاه عُمران وحذر من الوقوع به، وقد حدث ما خاف منه الآن.
مهما انتهى النزاع، وتصالحت النفوس، ستظل هناك بقعة معتمة ترتبط بذهن كلاهما بهذا اليوم المشئوم، ضمت صبا الأكياس اليها بحرجٍ، وكأنها تخطو عارية دون ثيابها، يُصاغ نفس المشهد عليها وبالرغم من ان الفضل الاكبر بنجاتها بهذا اليوم كان بسبب عُمران، ولكن الأمر حساس برمته.
تنحنحت بخفوت وهي تؤدي السلام، وبتوتر قالت:
"ازيك يا بشمهندس."
أخفض عُمران عينيه أرضًا وأجابها:
"بخير الحمد لله، مبروك ما جالك يا مدام صبا، ربنا يباركلكم فيه يا رب."
ردت بنبرة روتينية:
"تسلم يارب، وعقبال عندك قريب بإذن الله."
هز رأسه ببسمة خافتة، واستدار لجمال يخبره بتوتر التمسه جمال:
"مش يالا يا جمال، اتاخرنا جدًا."
أشار لوالدته بالصعود برفقة زوجته، وما ان صعدت الدرج حتى ناداها:
"أم عمر احدفيلي مفتاح عربيتي على التربيزة فوق."
صعدت سريعًا للاعلى، بينما ضم كتفه يد عُمران القوية، جعلته يستدير إليه برعب، بينما الاخير يهدر من بين اصططاك أسنانه:
"يعني عربيتك شغالة وبتشتغلني بروح أمك!!"
ازاح يده عن كتفه ورفع صوته مدعيًا جديته:
"أيوه ضحكت عليك عشان أجيبك لحد هنا، أوعى تكون فاكرني أهبل ومصدق اسطوانة انشغالك اللي قولتها لامي دي، ولا هضمتها انا عارف إنت مش عايز تيجي هنا ليه، وجبتك أهو وبمزاجي!"
احتقنت رماديتاه بشكل مخيف، ومال إليه يتوعد له:
"ده أنا همسح بيك بلاط الشارع بلاطة بلاطة، بقى بتصيع عليا أنا يا عبحليم، شكلك محتاج شدة من بتاعت زمان، وديني لارزعك رأس تنيمك جنب المدام سنتين قدام، تعالـــــــى!"
هرول جمال راكضًا حول سيارة عُمران، وقال ضاحكًا:
"اعقل يا طاووس، وافتكر أنك من عيلة ارستقراطية محترمة!"
صعد فوق مقدمة السيارة في محاولة للامساك به:
"مش واكل معاك الانسان الارستقراطي المحترم اللي جوايا، إنت عايز النسخة اللي من العتبة وأنا عنيا ليك يا جيمي."
ومال للنافذة يبحث عن مدته، هادرًا بحيرة:
"راحت فين دي؟!! بقالي فترة مستعملتهاش."
استرعى انتباه جمال، ففتح الباب الاخر يعاونه على البحث وهو يتساءل باهتمام:
"هي أي دي؟"
ارتسمت بسمة شيطانية على وجهه وقال:
"لقيتها الحمد لله، انت طول عمرك ابن حلال يا عبحليم."
استقام بوقفته وقال دون مبالاة:
"طيب كويس انك لقيتها، يلا اطلع بعربيتك وأنا هحصلك."
سحبه عُمران من تلباب قميصه، يلقيه فوق مقدمة السيارة، وانحنى من فوقه يضع سكينه فوق رقبته هادرًا بعنف:
"وحشتك وقاحتي وأنا أبدًا مبخلش عليك بيها، قولتلك قبل كده أنا انسان ارستقراطي محترم بس أمثالك اللي بيخرجوني عن شعوري!"
حاول جمال تخليص نفسه، وهمس لعمران بصدمة:
"عُمران احنا في الشارع!"
قال ببسمة باردة:
"ولا يهمني."
اقترب منهما فتى صغير، يتلصص لما يحدث، فمال له عُمران يخبره:
"اجري يا شاطر إلعب بعيد."
تمعن به الصغير، وراح يهرول مرددًا:
"يا حاجة آشــــــــرقت عمو جمال متثبت بالمطوة، يا حاجة آشرقت في واحد مثبت ابنك بمطوة!"
توسعت مقلتاى عُمران بصدمة، فدفعه جمال للسيارة وصرخ به:
"اطلع بسرعة يا عُمران قبل ما الناس تتلم، الواد ابن الـ** فضحنا!!"
قاد عُمران السيارة وبعدما خرج من نطاق منطقة جمال السكانية، أشار لجمال بعنجهية:
"إنت فاكر إننا هربنا خوفًا من كائن البطريق المزعج ده، أنا بس مش حابب نتأخر على الشركة من اول يوم."
هز جمال رأسه وهو يحتبس ضحكاته:
"مفهوم!"
****
ساعة كاملة قضاها علي بالحديث مع شمس حتى امتص غضبها، وخاصة حينما قال برفق:
"الغيرة مناصفة ما بين الست والراجل يا شمس، غيرتك على آدهم هي اللي وصلتك للنقطة دي، ويمكن تكون هي اللي شعللت بينكم النار دي والشيطان كمل الباقي."
وأضاف بلينٍ:
"فكري بعقلك وأوزني أمورك، لو مصدقة من جواكِ إن ادهم ممكن يعمل كده، يبقى كل شيء شبه منتهي وكلامنا مالوش أي لازمة، لكن لو مش مصدقاه يبقى هتعتذري عن كلامك في حقه وهتعدي الموقف ده، لانه من الجهات متصيغ وفي توقيت غلط."
تنهدت براحة وقالت بامتنان:
"شكرا يا علي، لولاك مكنتش هعرف أعمل أيه حقيقي، ربنا يخليك ليا وميحرمني منك."
أغلقت شمس الهاتف بعدما اقتنعت بحديث علي، واتجهت لجناحها تبحث عن آدهم لتعتذر عما بدر منها، ولكن وللغرابة لم تجده بأي مكان داخل أو خارج الجناح، وبتفحص متعلقاته الشخصية تأكدت بأنه خرج بالفعل.
****
بحث عنها آدهم بين الجموع، ولكنه لم يجدها، لثاني مرة يتدمر جزء من المخطط المتوقع وهو وجودها الشبه دائم بالحانة.
جلس آدهم على الطاولة، يتصنع شربه لكأس من النبيذ الاحمر، وعينيه تدور باحثة عنها، على أمل ان يجدها، ولكن طال به الوقت ولم تأتي للقائه، لذا وبكل هدوء نهض من مكانه واتجه لخيمتها بحسب المواصفات المدروسة.
وضع آدهم يده على باب الخيمة وما كاد بالدخول، حتى تلاقى اشارة من جهاز مزروع بدبلة زواجه، مرر يده بشكل متقن فاذا به يسمع لصوت رحيم يصيح به:
"آدهم اخرج من عندك فورًا، ده كمين منصوبلك، اطلع من عندك."
قالها في نفس لحظة رفعه لغطاء الخيمة، فتوسعت مقلتاه في صدمة، وردد بصوت منخفض:
"قتلوها!"
استمع رحيم لما يقول بوضوح، وبصرامة أمره:
"اطلع من عندك حالا يا آدهم، ده أمر مباشر مني، سامعني!!"
ولج آدهم للداخل يحوم حول فراش تلك الفتاة الملقاة باهمال وعنقها ينزف بغزارة، مال يتفقدها باهتمام ثم عاد يهمس للجهاز:
"مقتولة من عشر دقايق لاتناشر دقيقة بالظبط، معناها انهم مقدروش يكشفوني بشكل كامل."
صرخ فيه رحيم بعنفوان:
"وجودك عندك هيثبتلهم انك المسؤول عن تهريب الميكروفيلم، اطلع من عندك حالا واتصرف زي أي شخص دخل مكان ولقى فيه قتيل، اهرب يا آدهم."
رد عليه بجملة واحدة:
"والميكروفيلم يا باشا؟"
صاح مجددًا بعصبية:
"فريقي موجود عندك هنلاقي ألف طريقة نمنعهم بيها، اخرج بسرعة من عندك والا هتكون بتعرض حياتك إنت ومراتك لخطر كبير!!"
فتح الخزانة وألقى محتوياتها وهو يبحث عن الالماس باتقان، بينما يستمر بالحديث:
"أنا آسف يا باشا مش هقدر أسيبهم يوصلوله بالبساطة دي، هما مقدروش يوصلوا لحاجة، كل ده طعم عشان يوقعوني لكن محدش فيهم وصل للميكروفيلم."
وجد ضالته بين أغراضها، حمله يين يديه وقال ببسمة ثقة:
"كنت متأكد إنهم موصلوش لحاجة."
انفجر رحيم بغضب جحيمي:
"مش هيسيبوك يا آدهم، إنت كده كشفتلهم نفسك بكل بساطة!!"
اجابه بشجاعة وقوة:
"أموت وأنا بحمي شرف بلدي أهون ألف مرة من إني أنسحب زي الجبان يا باشا."
مرر رحيم يده بين خصلاته بعنف، واسترعى هدوئه وهو يخبره:
"اطلع من عندك وحاول توصل مع مراتك عند النقطة ج، هتلاقي هناك اللي مستنيك وهيرجعكم مصر، اتحرك حالا."
خرج من الخيمة يهرول من بين الزحام، ولكنه فجأة وجد عدد من المسلحين يسدون طريقه، كالجدار الصلب، ولم يبقى سواه الا المواجهة، وحتى وإن انتصر مازالت للحرب بقية!
رواية صرخات انثى الفصل الخامس والثمانون 85 - بقلم ايه محمد رفعت
أحاطوه بدائرة بشرية، وبأيديهم أسلحة بيضاء. يحاولون السيطرة عليه دون أن يتعرض لأي أذى. على ما يبدو بأن هناك تعليمات صارمة ببقائه حيًا.
درس آدهم أماكنهم بنظرةٍ سريعة، بينما يطوف كبيرهم من حولهم وهو يهتف بحدةٍ وأمرًا صارمًا:
_ إنحني أرضًا ويديك خلف ظهرك بهدوءٍ، والا سيتلقى ما يجبرك على الخضوع رغمًا عن أنفك.
نظرة الثقة التي تحتل عينيه، شموخ قامته، عدم اهتزازه قبالتهم، الخوف المهجور عنه، جعل من حوله في حالة دهشة وإرتباك. وخاصة حينما منحهم ابتسامة ساخرة، وهدر ببطءٍ قاتل:
_ خُلقت لأكون مرفوع الرأس، لم أنحني يومًا الا بصلاتي لله الواحد الأحد.
وأضاف وهو يمرر بصره بينهم باستهزاءٍ صريح:
_ لم تحمل الأرحام رجلًا قادرًا على أن يحني شموخي، وإن تمادى ظنك بأن هناك من يستطيع فعلها، فلتجرب أنت ورجالك إذًا!
اكتظم وجهه بغيظٍ قاتلًا من ثقته بذاته، لذا وبدون تردد صاح بالمسلحون:
_ حطموا عنق ذلك المغرور، أريده مسجي أرضًا الآن.
بمجرد نطق أمره المباشر، تهالت عليه الضربات القاتلة بالسكاكين الحادة. تفادى آدهم ما تمكن ان يتفاداه، وبالطبع طالته عدد من الجروح، بسائر جسده. ولكن إرادته ورغبته بالصمود أذهلتهم. تركزت إصابتهم بساقيه ليجعلوه ينحني، وما أن يسقط ارضًا يتمكنون منه. ولكنه كان حذرًا، ولم يسقط بقذارة افكارهم الخائنة، بل نجح بانتشال سكينًا من احدهم وتحول لماكينة قاتلة، تحصد أحشائهم بلحظاتٍ محدودة.
يعلم بأنه إن سقط سيسقط مصير بلده من خلفه، لذا استجمع كل قوته ليحارب ببسالة، حتى تمكن من القضاء على من المجموعة التي أحاطته. وما لبث يقف ملتقطًا أنفاسه بصعوبة حتى وجد مجموعة تفوق التي حاصرته بالعدد، وقد انهكه القتال بشكلٍ جعله لا يستطيع الوقوف بشكلٍ مستقيم.
السقوط بين أيدي هؤلاء هو ابشع مصيرًا قد يحظى به ضابط شجاع مثله، لذا سيعافر لينجو بحياته. وحتى لو كتب عليه الاستشهاد سيتلقن الشهادة ولن يتنازل عن ترك جسمانه يلوث بأيدي هؤلاء الخنازير.
وما لبث يدرس ما سيفعل، حتى إنهمر وابل من ستار الرصاص الحي، يلتقم هؤلاء المعاتيه، ويبيدهم كفئران التجارب. وإشارة تخرج من أحد الملثمين على بعد ارتفاع يخت قاع البحر بأن يستغل بقائهم ويلوذ بالفرار.
تأكد آدهم بأنهم رجال “رحيم زيدان”. لذا وبدون أي تباطئ، فر هاربًا من محيطهم. وبمجرد صعوده للسيارة حمل الظرف المطوي داخل جيب سرواله، وانتزع منه قطعة الألماس، يحطمها بأداة حادة، واستخرج منها الميكروفيلم. وبمهارة فائقة ثبت إحدى العصا بالدريكسيون ليتابع القيادة، بينما يفعل هو ما جعل رحيم زيدان يختص ضابط محترف مثله لينهي الأمر بغموض تام. لم يكن ليصدق يومًا بأنه سيحميه بما فعله!!!
***
جلس بمدخل منزله ينتظر قدوم “عُمران”. الحزن والألم جعل وجهه مهمومًا. أجاد خداع الشيخ مهران والسيدة رقية بأنه على ما يرام، ولكن الحقيقة عكس ذلك، فبمجرد خروجه من المنزل، عبثت ملامحه كالكهل العجوز.
تسلل لآيوب صوت دعسات حذاء، لقدم تسرع بخطاها للأسفل. ولم يكن سوى يونس الذي تهللت معالمه فور أن رأه يجلس على الأريكة بمدخل المنزل. هرول إليه يناديه بلهفته الصادقة:
_ آيوب، الحمد لله إني لحقتك.
رفع عينيه القاتمة إليه، وبجمود رد:
_ خير يا يونس؟
لم يكن بحاجة ليتساءل عما به، يعلم ما يشعر به آيوب بالتحديد. إنساق لجواره بهدوءٍ، وقابله بأعين أدمعت بها دمعاته، وحرر نبرته الخشنة:
_ الغربة اللي جوه عينك دي مينفعش تحس بيها وإنت بينا يا آيوب، مهما حصل ومهما إتقال هتفضل أخويا الصغير وابن عمي.
ابتسم وهو يهز رأسه تقديرًا له، ولم يرغب بالحديث حتى. فحثه يونس قائلًا:
_ ساكت ليه؟ أتكلم!
قال بوجعٍ وفتور بنتابه:
_ مش قادر ولا عايز أتكلم يا يونس، أنا غريب حتى عن نفسي، مبقتش عارف ولا فاهم أي حاجة.
استقام بوقفته، وهو يجذبه ليقابله بغضب، صارخًا فيه:
_ يعني أيه غريب عن نفسك، هتنسى أخوك وأبوك وعيلتك عشان حقيقة زي دي يا آيوب، ده مكانك واحنا أهلك، مهما اتقال ومهما عقلك صورلك مش هتغير الحقيقة دي.
رفع فيروزته إليه، وردد بحزن:
_ كل ما هنسى إني مش منكم إسمي هيفكرني يا يونس!
ومال برأسه على كتفه، يردد ودموعه تبلل قميص يونس:
_ أنا عمري ما كرهت حد، ولأول مرة أتعلم كره شخص كان لمصطفى الرشيدي، وحاولت أكره آدهم معرفتش، آدهم الوحيد اللي لمست فيه حنيتك وحنية الشيخ مهران، حبه ليا خلاني مشفوش غير أخويا.
وبدمعة انهمرت على خده هتف:
_ وطلع فعلًا أخويا!
أجابه بضيقٍ نافر:
_ أنا كمان حاولت أكرهه ، بس لما قربت منه وسمعته حسيت إنه أكتر، حد إتظلم ما بين أخطاء أبوه وما بين واجباته.
وربت عليه بحنان وهو يستطرد:
_ هو مالوش ذنب فعلًا يا آيوب، لو طلعت من وسط الوجع ده بمكسب فآدهم هو المكسب، بلاش تخسره.
ابتعد عنه يتطلع له بهدوء شعر به بمجرد ضمته إليه. لمس فيه نفس مقدار الحب إليه، لم تغير حقيقته شيئًا بأفراد عائلته. وحينما كان شاردًا به، ولج عليهما “إيثان” يهتف بصدمة درامية:
_ أيه ده!! يونس وآيوب في مدخل بيت الشيخ مهران الطاهر وفي عز الصبح!!! عيني عينك كده!!
أزاح آيوب دموعه سريعًا قبل ان يستعد لمشاكسات إيثان المعتادة، بينما هدر يونس بانزعاج:
_ يا فتاح يا عليم، إنت حضرت!
زم شفتيه ساخطًا من طريقة استقباله:
_ وماله محضري يا معلم يونس!
رفع يديه باستسلامٍ:
_ زي الفل يا كابتن، أسيبك مع الأخ آيوب وأخلع انا أكل عيشي يناديني.
تابعه بنظرة ساخطة وهو يخرج من المنزل، وهمس بدهشة:
_ مهو أكل عيشي انا كمان، ولا يكنش النداء يخصك لوحدك إنت ولا أيه؟
والتف لآيوب قائلًا بعدم لا مبالاة:
_ يلا مش مهم، انا أصلًا جاي عشانك إنت وعشان أكل الحمام.
ابتسم آيوب وقال باستهزاءٍ:
_ ألطف بيا يا رب، خير يا كابتن إيثو، اي مصيبة ألقت بك عليا!
قطع نبرة المزح المتبادلة بينهما، وقال بقلقٍ:
_ لا مفيش انا بس كنت قلقان عليك.
وحك ذقنه النابتة، هاتفًا بصعوبة اختياره للكلمات الطيبة:
_ إنت يعني تمام؟ حاسك مش مظبط كده.
صنع إلتهائه بتظيم ملابسه المكونة من قميص أسود وبنطال من نفس اللون، وقال:
_ أنا بخير يا إيثان، متقلقش.
منحه نظرة شك احاطته:
_ متأكد؟
اكتفى باشارة صغيرة له، فسأله إيثان في محاولة لاستنباط أي معلومة:
_ طيب كلمت حضرة الظابط؟
هز رأسه وهو يجيبه بايجاز:
_ أيوه كلمته.
احترم عدم رغبته بالحديث وقال يشاكسه:
_ طيب بقولك أيه، بنت إيفون منكدة على أهلي بقالها كام يوم، ما تيجي نسقط على الجيم نجرب أجهزة الخواجة المستوردة دي، أهو فش غل مؤقت لحد ما تجيلي بيتي أربيها في كيس الملاكمة، بأمانة هتكيف أوي وأنا بفش غلي في كائن بشري هاش وضعيف وطري كده.
تحررت ضحكة آيوب المكبوتة منذ الصباح، ورد عليه ساخرًا:
_ كيس الملاكمة مش هيشيلك يا إيثان.
تساءل ببلاهة:
_ ويشلني انا ليه، أنا هحط بنت إيفون جواه.
ربت آيوب على كتفه كالذي يرضي صغيره المشاكس:
_ منجلكش في حاجة وحشة يا إيثو، قال تحطها قال!! .
وهمس بصوتٍ منخفض:
_ مسكين، مجربش يتحدى واحدة ست!
وما كاد بتبادل طرف الحديث حتى اقتحم حديثهما صوتًا أنوثيًا رقيق:
_ آيوب استني أنا عاوزك.
قالتها “سدن” وهي تسرع للأسفل، فتعالت ضحكات إيثان ومال لايوب هامسًا:
_ كلمي مراتك يا مزة.
دعس قدمه بحذائه فصرخ إيثان من الألم، ومال يستند على الدرابزين، متفحصًا قدمه، بينما وقفت سدن قبالة آيوب بابتسامتها الساحرة، وما كادت بالحديث معه حتى انتبهت لمن يقف خلفها، فاستدارت تبلغه بانزعاج:
_ إنتي واقفة ليه إيثان، انا عاوز آيوب في حاجة سر!
تعالت ضحكات آيوب بشماتة، وغمز له ساخرًا:
_ جاوبي يا أخت آيثو، ولا صوتك عورة!
أسبل إيثان باحتقانٍ، ونصب عوده بعدما عاد يرتدي حذائه، هادرًا بانفعال:
_ ما تعلمها تميز بين الرجالة والحريم، هي ناقصة لخبطة يا عم!!
وتطلع لها يخبرها بضيق:
_ يا تدي المذكر والمؤنث حقوقهم، يا تبطلي تتكلمي عربي أحسن، متقرفناش معاكِ!
واضاف ساخطًا:
_ العملية مش ناقصة لخبطة، هي خربانة من غير أيُتها حاجة!
احتقنت زرقتاها، وقالت تشير له:
_ اطلعي فوق كده هتأخر، عاوز أقول لآيوب حاجة!
ضم شفتيه في أسفًا، وانحنى يحمل حذائه، ثم صعد مرددًا في مرارة:
_ طالعه أهو متزعقيش.
كاد آيوب ان يسقط أرضًا من فرط الضحك، كاد ان يدافع عنها بحمئته الرجولية، حينما كان يذم إيثان نبرتها، ولكنها لم تترك له المجال، وقد استردت حقها كاملًا.
تأكدت سدن من صعوده للأعلى، فقالت بابتسامة هادئة:
_ آيوب خديجا عاوز ياخدني معاه عند دكتورة، وصوته شكله زعلانه، ينفع أنا ياخدها يفسحها بعد دكتورة.
أخفى ضحكته بصعوبة من حديثها العفوي، وكأنها طفلته الصغيرة التي تجتهد لتعلم الحديث، وتنحنح بخشونة:
_ روحي يا سدن، بس خلي بالك من نفسك.
وسحب مبلغ من المال، ثم منحه لها قائلًا بلطفٍ:
_ خلي دول معاكِ، عشان لو احتاجتي حاجة.
تطلعت للمال بابتسامة واسعة، وقالت:
_ هجيب درة مشوية وأيس كريم كتير أوي، ليا ولخديجا.
واتجهت للدرج تصعد درجاته بحماس، ثم مالت من البسطة العلوية تخبره بحب:
_ هجيبلك معايا مش هنساكي آيوب.
هز رأسه بابتسامة جذابة، وما أن استكملت صعودها للاعلى حتى همس بسخرية:
_ تقريبًا مش ناسية حاجة غير فروق المذكر والمؤنث، شكلي كده هوديها لمدرس لغة عربية، مفيش أي حلول تانية للأسف!!!
افاق من شروده بفاتنته على صوت أبواق سيارة عُمران، خرج آيوب إليه، ينحني للنافذة قائلًا بضجر:
_ انا تعبان ومش هقدر أبدأ شغل من النهاردة يا عُمران.
وتطلع لجمال الجالس جواره:
_ قول له يعتقني لوجه الله يا بشمهندس.
اجابه وهو يحرك رأسه في أسف:
_ شوف حد يتطوع ويقوله يعتق البشرية كلها، أنا كان نفسي أساعدك يا آيوب بس للأسف لسه متثبت من شوية.
عادت فيروزته لعمران الذي ردد ومازالت عينيه على الطريق من أمامه:
_ اركب وبسرعة.
تنهد بسخطٍ، وصعد بالخلف باستسلامٍ صريح.
***
ما أن إطمئن لخروج آيوب من المنزل، فأمر من يدفعه:
_ يلا يا سيد.
أومأ له القادم ودفع مقعده المتحرك إلى منزل الشيخ مهران، تركه بالاسفل وصعد يستدعي الشيخ مهران، الذي هبط ليقابله بنظرة حزينة، جلس قبالته على احد الأرائك، وأجلى أحباله الهادرة:
_ رد فعل آيوب طبيعي ومتوقع، متزعلش بكره هيروق ويسامح.
انهمرت دموع مصطفى دون توقف، وردد بندمٍ ومرارة:
_ وده الشيء الوحيد اللي انا عايزه يا شيخ مهران، عايزه يسامحني ويعفي عني، وحتى لو كرهني انا راضي والله.
وأضاف ببكاء:
_ عمري ما هبعده عنك والله العظيم، ولا طالب أكتر من السماح والعفو.
ومال على يد الشيخ يردد بحرقة:
_ أبوس إيدك خليه يسامحني.
سحب الشيخ كفه، وردد بشفقة:
_ استغفر الله، متعملش كده تاني يا مصطفى.
وأضاف بوعد قاطع:
_ أوعدك إني هحاول معاه تاني، آيوب حنين وقلبه من دهب، بس إديله وقته.
ابتسامة طاعنة ارتسمت على وجه مصطفى، قبل أن يجيبه:
_ لو عليا هستناه العمر كله، بس العمر مبقاش باقي فيه كتير يا عم الشيخ.
وأضاف وهو يزيح دموعه المنهمرة:
_ أنا مبقاش نفسي في حاجة بالدنيا دي غير سماح آيوب وإني أخده في حضني مرة واحدة قبل ما أموت.
وتطلع إليه بنظرة متوسلة:
_ بالله عليك ما تحرمني من طلبي الوحيد، هو بيحبك وبيسمعلك، قوله يسامحني ويزورني مرة واحدة حتى لو كل شهر مرة، أو حتى يسمعني صوته بالتليفون، أنا راضي بالقليل منه والله العظيم.
ترقرقت الدموع بعيني الشيخ تأثرًا به، وبحنان وشفقة مسد على كتفه وقال:
_ هحاول معاه والله، استريح انت بس عشان صحتك والله المستعان.
أومأ برأسه بامتنانٍ، وأشار لخادمه بأن يصله للسيارة من جديد، فلحق بهما الشيخ حتى تأكد من صعوده للسيارة، وقبل ان يغادر السائق، قال مصطفى بحرجٍ وتردد:
_ خلي بالك من آيوب يا عم الشيخ، مالهوش غيرك في الدنيا.
ابتسم وأجابه بصدق:
_ ده ابني يا مصطفى، مينفعش توصيني عليه.
هز رأسه بتفهمٍ، وابتلع مرارة العلقم داخل خوفه، ثم مال للسائق مرددًا:
_ اطلع يا سيد!
*****
صدقت توقعاته، حينما ظهرت على الطريق ثلاث سيارات فجأة، تتبعه. أغلق عينيه بألمٍ واستعاد ثباته الفعلي للقيادة بتركيزٍ. فإذا بهاتفه يستقبل دقة رسالة تصل له، قلبه عرف صاحبتها دون أن يتأكد من هوايتها.
سحب آدهم هاتفه، وبصعوبة تمكن من فتحه، حرر رسالتها الصوتية، فوجدها تردد بحب:
«آدهم أنا آسفة على اللي قولتهولك، أنا مكنش ينفع أقولك الكلام ده، أنا بحبك وإنت عارف ده، فأكيد كلامي ده راجع لغيرتي عليك، لو ممكن ترجع السويت نتكلم، أوعدك إني عمري ما هكلمك بالنبرة دي ولا هشك فيك تاني، أنا أسفة!»
مرر يده على فمه ودموعه تعتصر وجهه، بينما يهمس بندم وحرقة:
_ حقك عليا يا أغلى ما في حياتي، حقك عليا يا شمس.
أزاح دموعها بأطراف أصابعه، وتفادى بصعوبة طلق النار المنهمر من خلفه على عجلات السيارة، يريدون إيقاف سيارته، وليس قتله. كاد ان يغلق هاتفه ولكنه وجدها تستحق رسالة أخيرة منه، يخبرها كم يعشقها، يعتذر لها عما تسبب بفعله، يريد أن يخبرها بأنه قبل بتلك المهمة لسلامتها وسلامته كما خطط رحيم، ولكن الموازين قد انقلبت. وبين كبرياء وكرامة بلده سيختار أن يموت بشرف. يعلم كل العلم بأن قراره هو الصائب، وأن ما قاله رحيم كان شفقة منه، يخشى ان يفقد حياته وهو شابًا بريعان شبابه، يخطو أيامه الأولى برفقة زوجته. ولكن الحقيقة الصادمة أنه إن لم ينجح فريقه بمحاولتهم الاخيرة باسترداد الميكروفيلم ستصبح ذلة ستُسجل بتاريخ المخابرات المصرية.
آدهم ليس أنانيًا، بل بطلًا اختار الموت بصدر رحب دون أن يصل العدو لمبتغاه، حتى ومع رحيله لا يهمه سواها هي!!
استمد ثباته بصعوبة، ومد يده يجذب الهاتف من جديد، يخرر زر التسجيل الصوتي، وقال بصوت مبحوح من تأثير بكائه:
«أنا اللي بعتذرلك عن كل دمعة نزلت من عيونك، أنا آسف ألف مرة يا روحي، خليكِ عارفة ومتأكدة إني محبتش غيرك، إنتِ الوحيدة اللي اتمنيت أعيش ليها ومعاها يا شمس، قلبي إتكوى قبل ما النار تطولك يا أعز ما ليا، ولو في يوم إتوجعتي مني، إفتكري إني بحبك، ومهما كان حبي ليكِ صعب وصفه قلبك عارفه وحاسس بيه من أول دقة!..»
أنهى الريكورد الموجه لها، وألقى هاتفه جانبًا، ثم بدأ بتفادى اصطدام السيارة التي تحاول إبطاء سرعته، فعكس اتجاهه، وصدمها بضربة جعلتها تسقط أعلى الجسر، مصدرة دوي عنيف جراء إنفجرها، مما دفع السيارتين يحزمان قوتهما لاصابته، فتسابقوا معًا لسد الطريق عنه.
انجرف بسيارته يتفادى احتكاك المقود بصعوبة، وبداخله شعورًا قويًا بأنها النهاية، ولم يكن تعيسًا لها بل مرحبًا بموتة ستخلد إسمه بجهاز المخابرات للأبد. كان يعلم من البداية بأنه أمسك بيده طرف فتيلًا مشتعل، وها هو الآن ينتهي ليصبح على مشارف الانفجار الاخير.
عقله الذكي حتمه على سرعة التفكير، فجذب هاتفه يحرر سماعته الخارجية ووضعه قبالته ومازال يحارب للنجاة ممن خلفه عساه يحصل على دقيقتين يُسلم رسالته لمن هو أحق منه. فتحرر له صوت المتصل به يردد بغضب:
_ طلبتك على مكتبي النهاردة ومجتش، عاملي فيها عريس!! إتقي شري أحسنلك يا عمر!
تحرر صوته الخافق بقوةٍ واضطراب تسلل لقائده:
_ مراد باشا!
تسلل للجوكر صوت أسلحة نارية تهاجم جسد سيارة تحتك بقوتها المفرطة، فصرخ بجنونٍ:
_ عمــــــــــر!! أنت فين؟!
رد عليه آدهم يثير ما إحتبس داخله:
_ بيني وبين الموت خطوة، هيصفوني يا باشا!
صرخ فيه، وكأنه يكاد يخرج من الهاتف إليه:
_ مين اللي هيصفيك!!! إنت عملت أيه يا عمر!!!
ارتفعت أنفاسه الهادرة فور احتكاكه بمكابح السيارة حينما تلاقي صدام سيارة دبع رباعي تحيط به، فصاح متلهفًا:
_ معيش وقت كتير من فضلك اسمعني! مراتي هنا في الاوتيل أرجوك ابعتلها دعم لو إتأذت مش هسامح نفسي…
سيطر الجوكر على انفعالاته مستحضرًا ثباته:
_ اتكلم أنا سامعك!
أجلى آدهم أحباله المتقطعة، وقال:
_ الميكروفيلم في أمان… طمن القادة إن مفيش مخلوق هيقدر يوصله، ويمكن محاولتهم لقتلي بعد يأسهم إنهم مش هيقدروا يمسكوني، فعايزين يتخلصوا مني!.
ارتجت السيارة مجددًا، ومازال يتحكم بالمقود بسيطرةٍ تفوق الاستيعاب:
_ باشا مراتي ترجع مصر بأمان، دي مهمتك إنت، وأنا معنديش ثقة غير فيك، اعتبره طلبي الاخير ومكافأتي الوحيدة على إخلاصي لبلدي!
_ بطل أسلوب الحريم ده، إنت تلميذي أنا يعني مش ظابط خايب داخل الجهاز برشوة، إنت هتقدر تخرج من اللي انت فيه لو كنت اتعلمت مني شيء فعلًا، أوعى تستسلم لولاد ال***دول!
انقطعت جملته فور سماعه صوت انقلاب السيارة وتأويهات خافتة يعلم صوتها جيدًا، فصرخ مراد بذعرٍ:
_ آدهــــــــــــــم!!!!
انقطع الاتصال واصطحبه إنهيار الجوكر، الذي ألقى الهاتف أرضًا بغضب، تشربته بشرته بجدارة، فاندفع لمكتب أخيه، والشياطين تتقاذف أمام عينيه.
دفع الباب بقدميه، ليجده يجتمع بعدد من الضباط حول طاولة الاجتماعات، ومن أمامه خرائط عديدة تخص مداخل ومخارج ميلانو. صب الغصب بزرقة عينيه، فلم يرى قبالته سواه. اندفع إليه يسدد لكمة قوية أصابت رحيم المتفاجئ من تصرفه. وقبل أن يصيبه بالاخرى كان يقيد حركته بمنتهى البراعة، وبصرامة مخيفة صاح:
_ الكل بره!
هرع الضباط للخارج برعبٍ مما يحدث بين إثنان من أمهر القادة، وما أن تأكد رحيم من مغادرتهم حتى حرر أخيه وقال:
_ إنت اتجننت يا مراد!! أيه الاسلوب الهمجي ده، هنرجع للعبة القط والفار تاني.
دفعه الجوكر للخلف بقوة وشراسة اسقطت الجهاز العارض للخرائط، وصاح بعنفوان:
_ قولتلك آدهم لأ، عنادك وغرورك وصلك إنك تختاره وتعرض حياته للخطر لمجرد إنك تعاندني!!
راقبه بجمودٍ تام، ورد عليه:
_ بطل تخلط عواطفك ومشاعرك بشغلك يا مراد، فووق من جنانك ده، آدهم هو المناسب لمهمة زي دي، وإنت أكتر واحد عارف ده، إنت عارف إني مستحيل اطلع حد تحت التدريب يشاركني مهمة أنا بقوم بيها،الوحيد اللي سمحتله بده كان آدهم بالرغم من حساسية المهمة، لاني شوفت فيه اللي يخليني أختاره وده نادرًا لما بيحصل.
وأضاف بغضب:
_ كان مطلوب لتهريب الميكروفيلم شخص عنده نفس الكفاءة اللي عندك عشان يهربه بدون ما حد يحس بيه، وللاسف انت أخر واحد تقدر تقوم بالمهمة دي،مكنش قدامي خيار تاني، وقبل ما تتعصب وتفرد ريشك بص حواليك، وشوف إنت واقف فين!!!
واستكمل بعصبية بالغة:
_ المكان ده مش مكان للعواطف والمشاعر، لو كل واحد في منصبك خاف على تلاميذته من الموت مكنش هيكمل هنا، لو هو وحيد أبوه دخل الجهاز ليه من البداية وهو عارف انه هيشوف الموت ألف مرة!!!
ودفعه بانفعال جحيمي وهو يصيح:
_ كلنا هنا ورانا اهل وبيت وزوجة وأولاد، كل ده بيتنسى بمجرد دخولنا هنا، لان لو فكرنا فيهم مش هنلاقي اللي يحمي البلد دي من الكلاب اللي عايزة توقعها، تحب اقولك اللي بيحصل للاطفال وللشيوخ والستات على ايدهم!!
وتابع باستهزاء وسخط:
_ عيب لما أدي محاضرات لقائد بحجمك طلع أكتر من ٦٦ مهمة، وشاف بعينه الاطفال وهما بيستخدموها قطع غيار ليهم، ولحد النهاردة بنكافح عشان نمنع تجارة الاعضاء والدعارة، لحد النهاردة بنجاهد عشان البلد دي..
ومنحه نظرة أخيرة قبل أن يقول بهدوء كأنه لم يكن يصبح بانفعال منذ قليل:
_ اللي آدهم عمله ده أثبتلي بيه ان اختياري كان صح، لو كان سمع كلامي وخرج كان فرصة حصولنا على الميكروفيلم متتعداش ال٣٠ في المية، ولو فشلنا كانت هتكون ذلة صريحة في تاريخنا كلنا، آدهم بطل واختار يكمل البطولة للاخر، وأنا واثق ومتأكد آنه أدها.
وأضاف برزانة:
_ أنا لو ابني نفسه قرر الدخول للجهاز، مش هقفله ولا همنعه، بس هحرص إني أجهزه بالشكل اللي يرضيني ويخليني متأكد إن الكلاب دول مش هيقدروا عليه، بالعكس أي مهمة مستحيلة هرشحه ليها وأنا واثق ومتأكد إن لو ربنا إختارله الموت هيموت حتى لو كان في سريره!
واتجه لمقعد مكتبه يحتله بصلابة، يعود لعمله متجاهلًا أخيه الذي مال على الطاولة بوجعٍ، تدارك ذاته بعد لحظات من الصمت، ولحق به، جذب المقعد المقابل لمكتب رحيم، وألقى بثقل جسده عليه، ثم تطلع له وقال بوجع يشق صدره:
_ مراته ملهاش ذنب في حاجة، خليهم يجهزولي طيارة آدهم أمني عليها، لازم أتحرك.
رفع زيتونته إليه وقال بهدوء:
_ متقلقش الدعم في طريقه ليها.. وانا وانت هنتحرك كمان نص ساعة، الفريق حدد موقع سيارة آدهم بالتحديد، وعارفين كويس هيعملوا أيه.
رق قلبه لرؤية وجهه الشاحب، فمال للثلاجة الصغيرة المجاورة له، يسحب كيس من العصير، ودفعه تجاهه:
_ إشرب ده يهدي أعصابك.
استدار له يوزع نظراته بينه وبين ما بيده، ثم قال بحزن:
_ آدهم لازم يخرج منها سليم يا رحيم، آدهم مش مجرد تلميذ بالنسبالي.
هز رأسه وقال بثبات:
_ عارف إنك بتعزه، بس اللي لازم تعرفه إنك مش أي حد، مدام إنت اللي دربته يبقى هيعرف ينفد منها إزاي!
*****
خفق قلبها بجنونٍ حينما استمعت لصوت قادم من الخارج. انتهت شمس من وضع زينتها الاخيرة على وجهها، بعدما ارتدت فستان احمر اللون طويل، يضيق من الصدر ويهبط باتساعٍ، وعلى الرغم من أنه بأكمام ومحتشم الا ان وسع طرفه منحها مظهر جذابًا للغاية.
سحبت رابطة شعرها، وتممت على تنساقه خلفها، طبعت قبلة طويلة على هاتفها المفتوح على رسالته التي استمعت لها لأكثر من ثمانٍ مرات، ثم هرولت للخارج بكل لهفة تمتلكها للقاء معشوقها.
تجمد جسدها صدمة حينما وجدت أمامها أربعة رجال ملثمون، يلقون أشيائهما الخاصة باهمال، وعلى ما يبدو بأنهم يبحثون عن شيء.
استشفت من النقود المبعثرة، ومجوهراتها الثمينة الملقاة أرضًا أنهم ليسوا لصوصٍ، بل الأمر يفوق حد عقلها. تراجعت شمس للخلف برعبٍ، وهي تتساءل بخفوت:
_ من انتم؟ ماذا تريدون؟
أشار احدًا منهم للاخر، فاتجه إليها، وتلقائيًا هرولت شمس راكضة لباب الخروج لباحة الفندق الداخلي، ولكنه كان الأسرع حينما عركل قدمبها، فسقطت أرضـًا تصرخ بجنون:
_ آدهـــــــــــم!
صراخها الهيستري لم يصل لمسمع أحدٌ، لزويد الغرف بكاتم الصوت، لضمان خصوصية النزلاء. دفعته شمس بساقيها الاخرى، وتراجعت للخلف تبكي بهلعٍ، وجل ما تردده هو إسمه هو، كأنها تطرق ناقوس سحري تنتظر خروجه منه!
قيدها الرجل بذراعيه باحكام، بينما يفتش الباقية بالجناح الضخم، حتى ردد احدهما بفتور:
_ لا يوجد شيئًا هنا.
تسلطت أنظار احدهم على شمس، فاقترب منها يقف قبالتها، وسألها بملامحه الاجرامية:
_ أين الميكروفيلم؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، ورددت باحتقان:
_ عن أي ميكروفيلم تتحدث؟!
هوى على وجهها بصفعة قوية، جعلت الدماء تنهمر من جانب فمها، بينما يجذبها إليه من خصلات شعرها. بكت شمس وصرخت بلا يأس منها:
_ آدهـــــــم!!!
عاد يصفعها مجددًا وهو يعيد سؤالها:
_ بأي مكان خبئه زوجك؟ أخبريني والا سأقتلك هنا.
ارتعشت بين يديه، ورددت بتلعثم:
_ لا أعلم شيئًا، اتركني.
دفعها بعنف فوق الفراش، وأخذ يتفحصها بنظرة جعلتها تتراجع للخلف بقلب سقط عن صدرها. اقترب منه الاخر وقال باستهزاء:
_ إنها فاتنة كحال نساء العرب، يمتلكن جمالًا خارق.
دنى الثالث وأضاف وهو يصعد الفراش من خلفها:
_ سأكون أولكم.
تعالى صراخ شمس الجنوني، وتراجعت تنزوي جوار السراحه، تجذب احدى زجاجات العطور، هشمتها ومسكت قطعة من الزجاج تشير بأوجوههم والاربعة يضحكون ساخرين منها ومن قلة حيلتها، حتى أن احدهم مال برأسه لها قائلًا بفجور:
_ هيا فلتجرحيني أيتها الساقطة الـ**.
ابتلع باقي كلماته حينما أصاب عنقه جرحًا بالغًا جعله يتقييء الدماء بغزارة، وسقط أرضًا على ركبتيه يتطلع للسواد الحالك المقابل لعينيه. حاول رفع رقبته للاعلى، فوجد جسدًا مريبًا، يتشح بالأسود، لا يرى منه سوى قرصان الشمس المضيئان عينيه القاتمة، ومن فوق كتفه يقف طائرًا جارحًا لا يملك ترويضه الا سيدًا وحق له السيادة!
وكان ذلك مشهده الاخير قبل أن تُنتزع عنه الروح، يتلقفه ظلامًا أبديًا. فتحت شمس عينيها لتقابل ذلك الرجل المهيب، الذي نخر عظام الاخرون رعبًا لرؤيتهم كيف قتل رفيقهم بدمٍ بارد. فأسرع اثنان منهم إليه، يتفنون باستخدام الملاكمة وفنون القتال معه، ليصعقوا من ادمية هذا الكائن، وفجوره بالقتال، حتى أنه كسر قدم احدهم وخلعها من محله، متلذذًا بسماع صوت الكسور، وبأصابعه الخمسة انتزع حنجرة الاخر، حتى بصقها من فمه من شدة ضربته، ولم يتبقى الا ذلك المتفرج الاخير، وشمس التي تجاهد إغمائها من فرط الدماء المسكوبة من حولها، ومن هوية ذلك الملثم الأسود المخيف.
تراجع الناجي الاخير للخلف برعبٍ، كأنه يرى ملاك موته من أمامه، بينما يطالعه ليل بثبات ونفور يتحدث بين قهوة عينيه الملتهبة، فلم يجد الا ضربه بالرصاص اخر فرصة تنجيه، لذا سحب سلاحه وسدده إليه، وكلما صوب رصاصة تفادها ليل بحركة بطيئة، رزينة، حتى لم يتبقى معه سوى رصاصة واحدة، فحانت منه نظرات متفرقة حول ما اصاب زملائه على يد هذا الأدمي، وبلا أي تردد أصاب صدره بأخر طلقة من سلاحه قبل أن يقع بيد هذا الجامح.
صرخت شمس بهلع وهي ترى ما يحدث أمامها، وما زادها رعشة حينما انحنى ليل إليه يتأمله وهو ينازع لالتقاط أخر أنفاسه، فلم يلقى بالًا لتأمله كثيرًا، لذا احاط رقبته بيدٍ واحدًا، يرفعه بها للحائط. تشبث الرجل بلثام ليل، ينازع لتركه يموت في سلام، ولكنه لم ينجو من ختام قبضة ليل الاخيرة، وسقط وسقط معه لثام الليل الجامح، لتظهر ملامحه كاملة لمن تراقب ما يحدث بصدمة ورعب.
خصلات بنية تنهمر من فوق أذنيه، وجهًا قمحي اجتمعت فيه كل القسوة، يشقه جروحًا بالغة، أصابته بتشويه مروع، أساسهما جرحان كبيران للغاية، جرح ضخم أعلى جبينه، والاخر على أحد وجنتيه، بينما عينيه تعوض تشويهه فاجتمع فيهما الجمال والجاذبية معًا، كتلة إغواء القهوة وما يدور من حوله قرص الشمس الذاهي.
كل شق على وجهه يقص قصة مريبة، كل جرحٍ خلفه لغز جعله بتلك الأدمية والقسوة، رفيقه الجارح على صدره أكبر دليل على زهده للبشر ورفقته لأكثر الحيوانات شراسة (قريبًا_رواية_منفردة_ليل_العربي..)
استدار يطالع تلك المصعوقة ببرود جعلها تتراجع لشق الحائط، إن خشيت هؤلاء الرجال قيراط خشيت من ذلك الكائن ألف قيراط، وخاصة حينما رأت وجهه المشوه، لذا وباستسلامها الواقعي هوت فاقدة للوعي، بينما يراقبها ليل بجمود، بل فرد ذراعه يستقبل عناق طائره عُقاب، ويده تخطو فوق ريشه ببرودٍ، يلطافه وهو يميل إليه كأن الهدف الذي أتى سعيًا لانقاذه ليس على حافة الموت!!
بل واستغرق مع طائره وقت لا بأس به يلطافه، حتى زفر بحدة وهو يتطلع لشمس مرة أخرى بتقززٍ، أطلق ليل طائره عاليًا بعدما همس إليه بأمرٍ قاطع، ثم نهض يسحب غطاء الفراش، يطرحه فوقها، ويكومه من فوقها حتى لا يلمسها، كأنها عدوى بكتيريا!
رفعها كالهاوية فوق كتفه، وتحكمه الفعلي بأطراف الغطاء، وخرج بها بهذا الشكل، كأنه ترعرع بالصحراء دون أن يتعلم كيف يتعامل مع أنثى!!
خرج بها ليل بعدما شد لثامه على وجهه مجددًا، فوجد طائره المطيع قد أطاع أمره وأحضر فرسه الأسود، طاحها ليل على الفرس بعنف، وسحب اللجام ليخطى الفرس من خلف خطاه الواثقة، حتى لا يصعد خلفها على نفس الفرس!!
*****
صاح مراد بغضب جنوني لاحد ضباط فريق الاسطورة:
_ يعني أيـــــه مش لاقينه!! انت بتهرج معايا!!
ارتاب الضابط منه، ولأول مرة يراه غاضبًا لتلك الدرجة، أشار رحيم له بالعودة للبحث بالمكان الذي يحمل بقايا سيارة آدهم المتحطمة، بينما وقف رحيم جواره يقول:
_ ممكن تهدى شوية، زي ما انت شايف بيدوروا بكل جهدهم.
انجرف مراد للجرف الحاد يهتف بحزن:
_ آدهم ذكي، أكيد نط من العربية قبل وقوعها.
وتابع وهو يمرر عينيه على المكان جيدًا:
_ يلا يا آدهم، ساعدني، محتاج بس أي إشارة!!
أتاه تلميذه يلبي قائده، اذا تسلل للجوكر صوت طرقات خافتة على بعد منه، اتبعها مراد وهو يهرول إليه، حتى وجد يد تخرج من جوف أحد فروع الاشجار، أسرع إليه ومن خلفه يتبعه رحيم، فصعق حينما وجده يتمدد أرضًا وبركة الدماء تحيط به، جسده ينزف بغزارة، فشق صوت صراخه المكان بأكمله:
_ آدهــــــــــم!!!
رواية صرخات انثى الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم ايه محمد رفعت
وصول الطائرة المصرية إلى ميلانو بهذه السرعة المفاجئة، كان من ضمن أسرار نوعية الطائرات السرية التي تخفيه بجدارة، واستخدامها في أضيق النطاقات.
إنقاذ آدهم من منتصف أرضهم كان أمرًا محالًا، ولكنه حينما أصبح محتملًا كان يعود لذكاء آدهم حينما حافظ على جسده وقت سقوطه من السيارة بحماية أجزاء جسده الحيوية، وحصوله على أطول وقت من البقاء بمحلٍ آمن، ولزوم البقاء على قيد الحياة، فكانت أولى خطواته النزوح بمكانٍ معاكس عن محل سقوط سيارته، فحينما انجرفت يسار الطريق، احتمل على جروحه واختبئ على الجانب المعاكس لها، لذلك استغرق العدو ما يقرب الساعتين بالبحث عنه وسط الأشجار والنهر المنجرف على طرفي الغابة، بينما هو بالأساس على الطرف الآخر من الطريق، يتمدد بين منزلق شجرتين، إحداهما جوفها فارغ، فاستغل تجويفها وتمدد داخلها.
وثاني خطواته للبقاء حيًا، حينما مزق قميصه الذي زهق لونه الأبيض وبات أحمر من شدة نزيفه، لفه حول جروحه النازفة بشكلٍ مؤقت.
مرت به الدقائق حتى تسلل له سماع أصوات وابل الرصاص المتبادل بين هؤلاء الجرذان وبين رجال رحيم، وحينما هدأ الصوت، علم بأن أحدهما انتصر على الطرف الآخر. حاول بكل طاقته الخروج من محله ليستعلم عن الأمر، ولكن شدة نزيف جسده جعل الدوار يتمكن منه، فسقط فاقدًا للوعي، لمدة تراوحت ما بين الساعة للساعة والنصف، وحينها وصلت طائرة الاستخبارات المصرية بشكلٍ سري ومفاجئ.
وبعدها انتشر رجال مراد يتممون البحث في نفس الطرف الذي يحمل بقايا سيارة آدهم المحترقة، وبأعلى الطريق الأسفلتي كان يقف مراد ولجوارة رحيم، ينتظران أن تعثر الرجال على أي إشارة.
قضاء فريق رحيم على سيارات العدو يؤكد مئة بالمئة أنهم لم يعثروا على آدهم، لذلك عملوا جاهدين للعثور عليه وسرعة التحرك من المكان قبل أن تحتشد قوة العدو، بنهاية الأمر هم دخلاء داخل وكرهم ودولتهم، فمهما امتلك رحيم ومراد من مهارات وفريقًا مجهز ومستعد لخوض النزال معهم، لن يتمكنوا من رضخهم لأنهم ببساطة داخل دولتهم وبالطبع يمتلكون جيشًا متكامل، لذا الانسحاب بأسرع وقت ممكن كان من أهم أولويات الجهاز المصري، فلن يعرض فريق كامل للخطر وعلى رأسهم اثنان من أمهر قادتهم كالجوكر والأسطورة، تواجدهما معًا بمكانٍ يحومه الموت وبذلك التوقيت كان خيارًا انتحاريًا لكلاهما، ومع ذلك لم يبالوا إلا بإنقاذ ذلك البطل الذي قدم روحه فداء بلده، فحق لهم التضحية بأرواحهم جميعًا لأجله، هكذا هو وسام شرف دماء العرب!
صعود أحد الضباط لإخبار الجوكر بأنهم لم يتمكنوا من العثور عليه، جعله يصرخ بجنون، حينما قال:
_ يعني أيـــــه مش لاقينه!! انت بتهرج معايا!!
تردد صوته المنفعل لأذن آدهم، الذي تحركت جفونه بشكلٍ طفيف، ونطقت شفتيه بهمسٍ مبحوح:
_ مراد باشا!
جاهد كل ألم يعتمر جسده، وانجرف بجسده زاحفًا خرج مكانه الأمين، لم يعنيه أغصان الشجرة العملاقة التي مزقت ظهره بقوة، كان يكبت صراخه بوجعٍ، ويواصل زحفه للخارج، حتى تسنى له من محله السفلي رؤية الجوكر، والسيارات الخاصة بفريق رحيم زيدان. حاول لفت الانتباه إليه ولكن محله المتدني بالأسفل يصعب رؤيته، بحث بجواره عن أي شيء يستخدمه ليجذب انتباهه، فعثر على قطعة حديدية ملقاة أرضًا، رفعها بيده وطرق بها عدة مرات بكل قوته، فتسلل صوتها للجوكر الذي هرول للطرف الآخر وهو يناديه بهلعٍ، حتى وصل لمكانه فوجده يترك ما بيده ويستجيب لفقدان وعيه الكلي بعدما اطمئن لوصول مراد إليه.
انحنى إليه مراد يتفقده وهو يصيح بهلعٍ:
_ عمــــــــــــر!
دفعه رحيم وهو يحذره:
_ متحركهوش يا مراد، ممكن يكون عنده كسور.
ورفع يده يشير لأحد رجاله، فرفع سماعته يستدعي الطائرة، بينما ركض إليه أحدهم ينذره بالقادم إليهم:
_ بيقربوا مننا يا باشا.
هز رأسه بهدوء، فما المتوقع سوى قرب مداهمتهم. ترك رحيم المكان واتجه للطريق الأسفلتي، يجمع رجاله من حوله، مر من بينهم بخطاه الثابت. أمامه ثلاث فرق مدربة على أعلى مستوى، تحت قيادته هو شخصيًا، ولكل فريق قائد يقوده، وثلاثتهم يخضعون لقائد أعلى "الأسطورة" رحيم زيدان.
أشار رحيم لقائد إحدى الفرق، وبحكمته ومكره الداهي سدد أمره المباشر:
_ عايز حفلة شوي نستقبل بيها حبايبنا.
ابتسم القائد وأدى تحيته:
_ اوامرك يا باشا.
وغادر سريعًا ينصب شباك الخديعة لهؤلاء اللعناء، بينما تبقى قبالته الفريقان، فقال لقائد منهما:
_ انسحب إنت ورجالتك، وبأقرب وقت إطلع من ميلانو.
هز رأسه في طاعة، وانطلقوا سريعًا للسيارات المصفحة، يغادرون من الطرق المعاكسة وكأن لم يكن لهم وجود من الأساس، بينما أصدر أمره الأخير للقائد الأخير بمجموعته الضئيلة مقارنة بالأخرى:
_ اتحركوا حالًا للموقع اللي معك، وفي طريقك هتدي إشارة للباشا عدي الجارحي، قبل وصولك هيكون بالمكان المحدد، مهمتك تحمي عدي باشا وحرم سيادة الرائد.
قدم التحية العسكرية، هادرًا:
_ علم وينفذ يا باشا.
وانطلق للطائرة هو وفريقه، منطلقين للمكان المتطرف بعيدًا عن موقع ليل، بينما مهمة الوحش الخروج بها لمكان تواجدهم.
انصرف الرجال بأكملهم ولم يتبقى بالمكان إلا رجال مراد، الذين وصلوا للتو برفقة الطائرة المتخفية التي أتت بالجوكر والأسطورة لذلك المكان، وفور أن تلاقت إشارتها حتى ظهرت لمحلهما من جديد.
انفتح بابها الحديث، العائد صناعته بروسيا، وانخفض منه سرير الطوارئ المتحرك، بقيادة أحد الأطباء واثنان من فريق التمريض، يسرعون تجاه المصاب.
أحاطوا رقبته بمانع للكسر، وثبتوا جسده بإحكام بالسرير، وهرلوا به سريعًا للطائرة، ومن خلفهم رحيم ومراد والمتبقي من الرجال.
غادرت الطائرة تاركة من خلفها الأجواء الهادئة، وكأن هذا المكان لم يكن يحمل أكثر من تسعة وثلاثون شخصًا مسلحًا على أعلى مستوى، بينما يلتقط رادار العدو عددًا من التجمعات بذلك المكان الذي يعج الهدوء المخادع، فانتابهم القلق، وقد صدق حدسهم حينما مرت السيارات بطريق محدد بخطوط سوداء، كإشارة لـ شيئًا غامضًا، بدا يتفكك عن شفرته، حينما ارتفع ستار جحيمي من خلفهما ومن أمامهما، صانعًا حجابًا كالحائط من حولهم، وفجأة انطلق صفير أربع قنابل مدسوسة بالأرض الأسفلتية!!!!!!!
وعند العد للثانية و الثانية والعشرون انفجرت السيارات وتفحمت محلها محدثة وابلًا جحيميًا، وهزيمة ساحقة ستقيد بالتاريخ، حتى أن طائرتهم ارتجت وتباعدت للخلف، خشية من شدة جذب النيران لأجسادهم، كمثلث برمودا الذي يجذب الأجساد مغناطيسيًا إليه، ابتعدت الطائرات لمحل أمن وصوروا ما يحدث للقيادات بصدمة، لم يشهدوا من قبل مثل أنواع القنابل تلك، ولا طريقة زرعها التي تطلب مجهودًا بدنيًا خرافيًا، وذكاءً فائقًا حتى لا تكشفهم عجلات السيارة، فإن كان الطريق منعرجًا ستهتز السيارة وتكشف ما بأسفلها، ولكنهم اتقنوا ما فعلوه وحق لهم ذلك بسيادة قائد بحجم #رحيم_زيدان…. #الأسطورة!!
اطمئن "مراد" بابتعاد الطائرة بشكل آمن عن ميلانو، واتجه للغرفة المنزوية بالطائرة، حيث يجتمع الطبيب وفريق التمريض، في محاولة لتسجيل حالة آدهم حتى يتوفر لهم الوقت فور وصوله للمشفى العسكري المصري، وإن تسنى له يعالج ما استطاع فعله قبل وصوله للمشفى.
شق صوت رحيم قلق الوجوه، حينما سأله:
_ وضعه العام إيه؟ في نزيف؟!
رد عليه الطبيب ومازال يلف اللاصق الطبي حول معصم آدهم:
_ جسمه مليان كدمات وجروح بس مش كلها إصابات خطيرة، الجرح اللي في جانبه الشمال هو اللي عميق، وعمله نزيف شديد قدرت أوقفه، ضهره كمان متأذي جدًا واضح إنهم من هجماتهم عليه بالسكاكين، وفي أثر لجذع الشجرة على ضهره، أنا خيطتله الجروح وعقمتها، لكن مقدرش أجزم بشيء قبل وصولنا للمستشفى.
وأضاف ببعض الحيرة وهو يتطلع لوجهه:
_ بس في حاجة غريبة بنحاول أنا والممرض نفهمها.
سأله مراد بلهفة:
_ حاجة إيه، اتكلم!!
سحب قطعة من القطن يجفف بها الدماء الحديثة على جفونه، وقال:
_ في دم على وشه، أول حاجة شكيت فيها إنه عندها نزيف أو جرح في راسه، دورت عليه ملقتهوش متصاب لا في وشه ولا راسه، بس الدم مازال مستمر حولين جفونه معرفش مصدره إيه؟
واستطرد يوضح لهما بعملية:
_ أنا شكيت إن يكون إزاز العربية دخل في عينه وعورهم، بس لما بصيت في عينه ملقتش حاجة!
توترت ملامح الجوكر وانتابه الخوف بشكل كان ملحوظًا لأخيه، الذي استدار للطبيب وسأله:
_ إنت استخدمت الجهاز اللي ادتهولك؟
انحنى يجذبه من أعلى الطاولة المثبتة وقال:
_ استخدمته على جسمه كله يا باشا ومنوررش، وده معناها إنه ملحقش يزرع الميكروفيلم بجسمه زي ما توقعت.
كان مراد أول من تحرك تجاه آدهم، تمعن بوجهه بحزن وعذاب ضمير يقتله، وبألم مد يده للطبيب قائلًا بصوت مبحوح:
_ هات الكشاف.
تعجب الطبيب من طلبه، ومرر له جهاز الضوء الصغير، رفع مراد جفن عين آدهم وراقب بتمعنٍ عدستيه، وقد تأكدت شكوكه، فإذا به يبحث بين أغراض الطبيب عن ضالته، وعاد يقترب منه مجددًا، يسحب أمامهم عدسات لاصقة بعينيه، والجميع في حالة دهشة، ففور أن سحبها. مراد توقف نزيف الدماء عن جفنيه.
وضع مراد العدستين جانبًا فالتحمت ببعضهما وبرزت من أمامهما حبة مستديرة، حملها مراد بقلب منشطر واستدار تجاه رحيم، يضعها بكف يده ويردد بعدوانية:
_ اتفضل.
حمل رحيم ما بيده يتطلع له بصدمة، انتهت ببسمة فخر ونطق متحفزًا على غير عادته:
_ مراد إنت عبقري!!
منحه نظرة قاتمة، وغادر من أمامه للخارج، فاتبعه وهو يتساءل بحماس:
_ إنت ازاي قدرت تحول الفلاشة للشكل ده وتزرعها على شكل عدسات!! أقف وفهمني!
استدار يواجهه بشراسة وتحذير:
_ خليك بعيد عني، أنا مانع نفسي عنك بصعوبة، متخلنيش أنسى إنك أخويا وأقتلك بإيدي.
رد عليه ببرود لطالما نجح بالتحلي به:
_ يعني بعد كل اللي قولتهولك وبردو مصمم على اللي في دماغك، على كده بقى هتفجر الجهاز كله لما مرين بنتك تنضم!
آن تعلق بأحد تلاميذه وأحبه هكذا ماذا سيفعل إن تعرضت ابنته للسوء، أفاق من شروده ناطقًا بعزيمة:
_ هعارضها ومش هخليها تدخل لو مهما حصل.
اقترب منه وقال بابتسامة ساخرة:
_ مش هتقدر، مرين عنيدة وهتنفذ اللي في دماغها، وأكيد هتلجئ ليا وأنا مش هتخلي عنها.
وأضاف ببراءة خبيثة:
_ مش هقدر للأسف، زي ما زين اقنعني مرين كمان هتقنعني.
سحب مراد سلاحه من ملابسه، وبسرعة الريح دفع رحيم لجانب الطائرة، وهو يصرخ فيه بجنون:
_ لا زين ولا مرين هيدخلوا سامع؟
راقبه بابتسامة واسعة، وقال:
_ زين ابني أنا! نسيت ولا إيه؟.
شدد من فوه سلاحه تجاه صدر رحيم الذي يطالعه بثبات، فصاح مراد بغضب:
_ إنت أب غير مسؤول، وهتدمر ابنك لو بقى تحت إيدك، عشان كده لو أنا قررت دخولهم الاتنين هيكونوا تحت قيادتي أنا، يا كده يا الحوار خالص من بدايته.
ازدادت ابتسامة رحيم بشكل استنزف مراد، خاصة حينما قال ببرود:
_ وهو ده اللي أنا عايزه، أكيد مش هكون مبسوط لو ابني طلع شبهي ملهوش بالتعامل الطري.
وأضاف وهو يتجه لمقعده المخصص بالطائرة:
_ كده كده هيبقى جوز بنتك، اللي هتزرعه فيه بنتك ميرال اللي هتجنيه!
جلس على بعد مسافة كبيرة منه، يطالعه بنظرات ضيق وغيظ، جذب رحيم حاسوبه، يرسل رسالة سرية للجهاز، بينما يتابع أخيه من الحين والآخر، حتى انتهى مما يفعل فنهض يجلس جواره، وقال يعاتبه:
_ قاعد بعيد ليه؟
تطلع للنافذة جواره يتجاهل وجوده، تنهد رحيم بقلة حيلة وردد بهدوء لا يتناسب مع شخصه، ولكنه يرضخ لأجل أخيه وشريك نجاحاته:
_ مراد الدكتور طمنا عليه، وكلها دقايق وهنوصل مصر وهنتطمن عليه أكتر.
مازال على جموده ووجهه للنافذة، زفر رحيم بضيق، وقال:
_ طيب ممكن أفهم أنا بتعاقب على إيه؟
استدار إليه الجوكر يوجهه بنظرة طاعنة وهدر، منفعلًا:
_ محدش كان عارف إني دربت آدهم على طريقة زرع الأجهزة جوه الجسم غيرك، دلوقتي بس عرفت إنت ليه إختارته هو.
ضم مقدمة أنفه بإرهاق ومع ذلك اتبع الهدوء طريقًا ممهدًا بينهما حينما قال:
_ مراد إنت حاولت مع كام حد محترف وأعلى رتبة من آدهم؟
عبث بزرقته وقال:
_ كتير.
رد عليه بسؤالٍ آخر:
_ كام حد نجح يعملها.
أجابه بفتورٍ:
_ عدد بسيط جدًا.
هز رأسه وكأنه وصل لمغزى حديثه:
_ وآدهم بالرغم من إنه أصغر ومستواه لسه موصلش ليهم اتعلمها، أنا لما شوفت مستواه بالعملية اللي قمنا بيها في لندن أيقنت إنه من الظباط القليلين اللي هيكون ليهم مستقبل حافل، ودليل كلامي زراعته للميكروفيلم بطريقة أنا نفسي مقدرش اعملها ولا أتخيلها.
وأضاف ببسمة واثقة:
_ اوعدك إنه لما يتعرف اللي عمله آدهم بالجهاز والمكانة اللي هيوصلها هو بنفسه هيشكرك على اللي عملته معاه.
تحرك بجلسته يقابل عين أخيه والغضب مازال يطوف داخل مقلتيه:
_ أنا عايز أعرف وحالًا إيه مضمونك من الخطة اللي عملتها، كل الأوراق اللي خفتها هتكشفها حالًا وقدامي.
زفر رحيم بإرهاق، وقال:
_ تفاصيل المهمة كانت مخفية عنك لاني كنت عارف ومتأكد إنك هترفض انضمام آدهم للمهمة، لكن انا محاولتش أخبي حاجة عنك.
هتف بنزقٍ:
_ إيه كان السبب اتكلم.
سحب رحيم نفسًا ثقيلًا وقال:
_ مراد المهمة دي مكنتش عايزة غيرك، وللأسف مكنش ينفع لانك وشك بقى مكشوف، وده أنا استغليته بظهورنا في الفندق إياه لحد ما قدر عدي وليل يخرجوا بالميكروفيلم.
قاطعه بحدة:
_ ده اللي أنا أعرفه، بعد كده التفاصيل مكنتش كاملة وواضحة قدامي.
هز رحيم رأسه وتابع:
_ من لحظة اختفاء الميكروفيلم وابتدت التشديدات على المخارج، وبالأخص المطارات، كان في تفتيش غير طبيعي وتدقيق على الرحلات اللي طالعة مصر واي دولة عربية، فمكنش ينفع نجازف ونخلي ليل أو عدي يرجعوا على مصر بالميكروفيلم، السفر لدولة غربية تابعة للكلاب دول كان هيقلل شكوكهم وهيخلينا نقدر نتحرك بسهولة.
وأضاف وهو يتابع وجه أخيه بقلقٍ:
_ وفي نفس الوقت وبدون ما نلفت الانتباه محتاجين حد يخرج بالميكروفيلم بدون ما نجذب الانتباه لينا، فمكنش قدامنا غير آدهم اللي مسافر بشكل طبيعي يقضي شهر عسله، جوازه من بنت عيلة ثرية ومعروفة زي عيلة الغرباوي ساهمت في انتشار خبر جوازهم بشكل كبير، فسفرهم كان متوقع ومش مثير للشكوك.
كز مراد على أسنانه، وأردف من بين اصطكاكهما:
_ اتفقت مع آدهم إمتى؟
اجابه بابتسامة خبيثة:
_ في مكتبك!
هز مراد رأسه بهدوء خطير، ومن ثم سحب سلاحه وسلطته على أخيه بينما ينحني بجسده يخنق أوردته، صارخًا بجنون:
_ أنا كنت شاكك فيك، إنت بتستغفلني وفي مكتبي، مشفتش حقارة بالشكل ده؟
انفتح باب الطيارة الأمامي، ليسرع الطيار العسكري يحذرهما:
_ باشا مينفعش كده، ممكن يحصل خلل!
مال رحيم من خلف جسد مراد يخبر الطيار بصرامة أرعبته:
_ وإنت لزمتك إيه على الطيارة، ارجع مكانك بدل ما أحدفك من الشباك!
أغلق الطيار المساعد الباب سريعًا، بينما رفع رحيم زيتونيته لأخيه هاتفًا ببسمته الشيطانية:
_ ده شكرك ليا على الدماغ العالية اللي علمت بيها على الكلاب دول!
وقيمه بنظرة ساخطة، ثم هتف بمكر:
_ هما جندوك ولا إيه يا جوكر!
جذب سلاحه وجلس والغيظ يتأكله، متمتمًا بعصبية:
_ لو كنت أنا اللي طلعت بداله مكنش ده هيكون حالنا، الولد عريس جديد يا عديم الاحساس!
رد عليه رحيم بتريثٍ:
_ الخطة اللي حطتها مكنش فيها عشرة في المية خطورة عليه، اللي حصل قلب الموازين يا مراد.
عاد يتمعن به باهتمامٍ، فقال يوضح له:
_ أنا مسبتش ثغرة ورايا، رتبت دخول ليل للحانة على أنه تاجر ألماظ، واللي خدمني شكله المريب، ولو الموضوع كان اتعرف مكنش حد هيشك في حاجة لان دي شغلتها، والمفروض إن ادهم بعدها كان هيروح نفس الحانة، ونفس البنت اللي اخدت الألماظ من ليل كانت هتستدرجه لخيمتها بعد ما يشرب ويبان الموضوع طبيعي، بس الغبية شافت آدهم على الشاطئ من قبل ما يروح المكان ده، راحتله وكان باين عليها انها تعرفه من الصورة اللي ليل سابهالها، وده زود شكوكهم فيه، وبدأوا يدوروا وراها، لحد ما اكتشفوا أمرها، وطبعا زي ما بتهرب المخدرات والالماس وأي شيء ممنوع، شكوا يكون ليها علاقة بالميكروفيلم، وكانت خطتهم الاخيرة رد فعل آدهم على موتها.
وأضاف بحزن اعتلى زيتونية عينيه الساحرة:
_ اللي حصل كان مفاجئ ومش طبيعي، أنا لاخر لحظة حاولت أخرجه برة الحرب، آدهم كان ذكي وقدر يتعامل، بعد ما دخل ولقاها مقتولة عرف من ترتيب أوضتها ودم رقبتها اللي لسه بتنزف إنها لسه مقتولة وملحقوش يوصلوا للميكروفيلم، كان عارف ان المكان مليان كاميرات، بس كان كل همه يخرج الميكروفيلم لانه ببساطة عارف لو وقع في ايدهم هيكون مصيرنا إيه! مهما كان اللي نقدر نعمله منقدرش نجازف وندخل في وسط مكانهم برجلينا، ولو اتقال دخلين ليه هنقول أصلنا معرفناش نأمن على معلوماتنا واتسربت بفعل خاين عندنا!! دي هتكون مهزلة مش هتسقط عننا أبدًا، فاللي عمله آدهم خلاه بطل.
واستطرد ببسمة هادئة:
_ أنا من أول ما شوفته وأنا لامح بعينه جرأة وقوة أتمنى أشوفها في ابني.
رفع اصبعه يشير له بتحذير مضحك:
_ إبعد عن آدهم يا رحيم، إبعد عن كل اللي يخصوني.
ونهض يتجه للغرفة، ليطمئن على آدهم، تاركًا الابتسامة الساخرة تحتل ثغر رحيم الذي همس باستهزاءٍ:
_ هو احنا بنختار قربان لطقوس الشيطان!
******
بمكانٍ منزوي عن الأعين، يحيط مياه البحر إحدى جوانبه، حيث يخطو هذا الفرس بحريةٍ دون أي قيد، وكأنه يعلم نهاية حدوده، على بعدٍ منه حيث تشتعل النيران بأعواد الخشب المنزوية بشكلٍ متقن، لتمنح الحرارة والدفء لمن يجاور محلها، كان يجلس بشموخه وعلى كتفه رفيقه المقرب، يتمتع بلمسات ذلك الليل على جسده، بينما الأخير هائمًا بحبات الرمل من أسفل قدميه.
وكأن حياته انبثقت من إسمه، فأصبح كالليل المظلم، يلتف الظلام والهلاك من حوله، اعتزل البشر وراحته في بعدهم سكينة، وإن اقترب يحمل ناقوس الخطر لمن حوله، وكأن وجوده بين البشر خلق للقتل والخراب.
التقطت أذنيه صوت يخت يقترب من محله، استعد بكل مهارة لضحيته القادمة، فأشار لطائره بإشارة فهمها من سيده، فحلق عاليًا يستكشف هوية الهدف القريب منهما، وعاد سريعًا يستوطن كتف "ليل" ويميل برأسه على خده، يتمسح فيه بإشارة أن القادم ليس عدوًا مشكوك بأمره، بل شخصًا قريبًا منه وسبق التعامل معه، لذا لم يبالي بهويته طالما لا يحمل إشارة الخطر، بل عاد يمسد على الطائر من جديد.
توقف اليخت على طرف الرمال، وخطى إليه من تمكن من مشاكسته طوال تلك الأيام المنصرمة، وقف عدي الجارحي قبالته، يتمعن به بنظرة باردة، وكأنه لا يحبذ لقائه من جديد، وبينما يتقاتل الجوكر والأسطورة جوًا على متن الطائرة، ستشن الآن معركة أخرى بين البر والبحر، بين ليلٍ جامح ووحشٍ ثائر لا يعرف الرحمة. قطع الصمت الجليدي بينهم صوت عدي الهادر:
_ هي فين؟
رفع رأسه إليه ببطءٍ وأشار بعينيه تجاه الغرفة المنغلقة من حوله، كاد عدي أن يتجه للغرفة، ولكنه توقف محله، بل عاد يتطلع للخيل الذي يرمح من حوله بصدمةٍ، قابل محل وقوفه من جديدٍ، قائلًا:
_ وصل هنا إزاي ده؟!
يقيم داخل برود إن انصهر ربما سيتحدث، هدر عدي بحدة وجنونه قد أشعلها هذا الملثم:
_ أنت مش طبيعي، إزاي قدرت تجيبه هنا، هو إحنا طالعين رحلة!!
واستطرد بصراخ حينما لم يجد أي ردًا منه:
_ ما تنطق إتخرست!!!
منحه نظرة هادئة جعلته يكز على شفتيه السفلية وهو يتوعد:
_ حسابك معايا تقل يا رحيم.
وتركه واتجه للداخل وهو يردد بغيظٍ:
_ كائن مستفز!
فتح عدي باب الغرفة، ليقف مصعوقًا محله مما رأه، فارتد للخلف يعود لذلك الجالس بهدوء، يتمتع بهواء البحر وصوت حفيف الأشجار، وكأنه لم يقتل أربعة منذ سويعات قليلة بدم بارد.
فشل عدي بالسيطرة على هدوئه، فجذبه من تلباب ملابسه يرغمه على الوقوف أمامه، بينما يصيح بانفعال:
_ إيه اللي إنت مهببه في البنت دي؟!! هو إنت إيه معندكش أي خلفية عن التعامل مع أنثى!!
تحرر عن صمته حينما قال ببرود:
_ لأ.
دفعه عدي للخلف بقوة تتناسب مع قوته الجسمانية، مشيرًا بنزقٍ:
_ أكيد طبعًا معندكش، ما أنت عايش في الصحرا مع حصانك والـ… اللي مش بيفارقك ده هيكون عندك خبرة التعامل مع البشر والجنس الناعم إزاي.
ورفع رأسه للأعلى، يسحب أكبر قدر ممكن من الهواء، هامسًا بكره:
_ منك لله يا رحيم!
وعاد يزفر ما التقطه من هواء منعش، متسائلًا بغيظٍ:
_ إنت عندك علم إن اللي جوه دي مرات ظابط مننا، ولا قالولك إنها مجرمة وعايزينها بأي شكل، قولي المعلومات اللي اتقالتلك عشان أعرف اتعاملت كده على إنهي أساس!
رد بجمود وهو يعود لجلسته:
_ متفرقش.
ازدادت أنفاس عدي بشراهةٍ حتى كاد أن يقتل ذلك الكائن المستفز من وجهة نظره، فما كاد بالعودة لها حتى عاد يسأله ببسمة شيطانية مخيفة:
_ معلش اعذر فضولي، هو إنت مفيش في حياتك واحدة؟ يعني متنيلتش حبيت، أو اتجوزت مثلًا مع إني أشك إن في حد ممكن يعمر معاك دقيقة على بعضها.
رفع بنيته له، يتعمق بالتطلع له طويلًا، ليفاجئه بقوله البارد:
_ كان في..
ابتهجت معالم عدي وردد:
_ بجد شكلي ظلمتـ…
_ بس قتلتها بإيديا.
ابتلع عدي باقي كلماته، وتساءل بصدمة:
_ قتلتها إزاي!!
اجابه وهو يلهو مع طائره بجمود:
_ حرقتها.
عبث عدي بمقلتيه بصدمة، وهدر بصعوبة:
_ ده سبب سجنك؟
ابتسم وهو يتلذذ بصدمته البادية على وجهه:
_ عيب يا باشا، لو أنا سبت دليل واحد ورايا يبقى إزاي كنت ظابط مهم في الجهاز!
احتقنت مقلتيه بشراسة، فانحنى يجذبه مجددًا وهو يصيح:
_ إنت جايب الإجرام ده كله منين!! مش خايف أرجعك تاني للسجن؟
قال وعينيه لا تفارق خاصته بقوة وجبروت:
_ اللي بيطلع من بينكم بيموت عشان أسرار بلده تدفن معاه، مقدرتوش تعملوا كده معايا لأنكم محتاجينلي، أي مهمة انتحارية فيها موت بنسبة أعلى من النجاة بكون أول المرشحين ليها، ومع ذلك محدش بيقدر يغصبني أكون موجود، بعمل كل حاجة بمزاجي، وللحظة اللي بكلمك فيها عتاولة المخابرات بنفسهم بيتمنوا إني أرجع لهم وأنا رافض.
وتابع ببسمة ساخرة:
_ قالولي انهم هيسقطوا كل التهم عني عشان أرجع، تفتكر جريمة زي دي مش هيسقطوها عني!
تركه عدي وهو يمنحه نظرة منفرة، وبعصبية هدر:
_ هات المفتاح خليني أغور من وشك.
سحب ليل المفتاح وقدمه له، فغادر عدي وهو يهتف بحنق:
_ يا ويلك مني يا رحيم، معرفش اتلميت على الكائن ده من أنهي مصيبة!!
قالها وغادر للغرفة سريعًا، حرر الضوء المنطفئ، واتجه إليها، تسلل لمسمع شمس صوت دعسات تقترب، رفعت وجهها المدفون أعلى ساقيها التي تقيدها سلسال من الكلبشات، ويدها مضمومة معًا بكلبش آخر، بينما تضم بها جسدها برعبٍ، فما أن وجدت رجلًا يقترب منها، زحفت للخلف وصوت بكائها يمزق القلوب، انحنى عدي تجاهها يشير بيديه بهدوء:
_ أنا آسف جدًا على الطريقة اللي قيدك بيها الكائن المستفز ده، متقلقيش أنا ظابط، وجيت هنا عشان أرجعك مصر.
هدأ بكائها قليلًا، ورددت بصوتها المبحوح:
_ آدهم فين؟
شملها بنظرة حزينة، وقال:
_ اضطر يطلع مهمة فجأة، عشان كده هننزلك مصر لأهلك، عشان تكوني في أمان أكتر.
قلبها لا يصدق أن محبوبها على ما يرام، بل حررت شكوكها بسؤالها:
_ آدهم كويس؟
هو بالفعل لا يعلم الوضع الفعلي له، وحتى إن كان يعلم لم يكن ليصيبها بالقهر، لذا قال بعملية باحتة:
_ معنديش أي معلومات عنه، كل اللي أعرفه إن وجودك هنا خطر عليكي، وإنك لازم تنزلي مصر بأسرع وقت ممكن.
ولج ليل إلى الداخل يتابعهما بنظرة عينيه القاتمة، ارتجف جسد شمس بشكل ملحوظ، وتراجعت للخلف مرة أخرى، فزحف عدي خلفها يقول في آسف:
_ متخافيش ده تبعنا بس هو غشيم حبتين.
وانحنى يفك قيود يدها، ثم قدميها، واستقام بوقفته يخبرها:
_ هدي إشارة وهنتحرك على طول.
وما أن تحرك ليغادر حتى تفاجئ بها تهرول من خلفه، تتبعه وعينيها تتلصصان لذلك المريب برعبٍ، تنحنح عدي بخشونة ومال يفسح لها الطريق لتسبق خطاه:
_ اتفضلي.
أشارت له بامتنانٍ، وأسرعت للخارج كمن طال النجاة، بينما شيعه عدي بنظرة محتقنة هاتفًا بنزق:
_ عندها حق، مهي شايفة التربي قدامها!
وتركه وكاد بتتبعها للخارج، فأوقفته كلمات ليل:
_ تقدر تبعت ابنك مع ابن رحيم زيدان، أنا وافقت أدربه.
استدار إليه عدي يشيعه بنظرة غامضة، ثم قال:
_ وأيه سبب الكرم ده؟
ابتسم من خلف وشاحه، وحرر طائره فحلق تجاه عدي، في نفس لحظة قول ليل:
_ إفرد ايدك، بيقدملك قربان الصداقة يا باشا.
فعل كما طلب منه، فصعد عقاب على ذراع عدي حتى وصل لكتفه، ثم مال على خده يمسح وجهه ومن ثم عاد لصديقه يحتل كتفه، رمش عدي بأهدابه الكثيفة بدهشة:
_ إيه اللي عمله ده؟
قال وهو يمرر يده على ريش طائره:
_ اللي يرتاح ليه عقاب بيكون في خانة الصداقة عندي، والصداقة بالنسبالي إني أشوفك على المدى البعيد، وبما إن ده آخر لقاء بينا أتمنى أشوفك كمان عشرة أو خمسة عشر سنة.
مرر يده على وجهه بثبات يجاهد له:
_ هو ده مفهوم الصداقة عندك!
قال باتزان مخيف:
_ ده المحتمل عندي، أنا مبقدرش أتعامل مع البشر!
اسبر فضول عدي تجاه هذا الشخص الغامض، فابتسم وقال:
_ أوعدك إني هعرف حكايتك كلها وكاملة.
اختزل الحزن عينيه، وقال بصوت ممزق:
_ يبقى هتحتاج لدكتور نفسي يعالجك.
وأضاف ينهي مقابلته:
_ مع السلامة يا باشا.
بالرغم من مشاغبة كل لقاء لهما، ولكنه لمس فيه شيء يتمكن من الشعور به جيدًا، لذا قال مبتسمًا:
_ هيكون لينا لقاء تاني إنت وعقاب.
قالها وانصرف على الفور، يعاون شمس بالصعود لليخت بذوقٍ راق، ليتحرك بهما تجاه النقطة الأساسية، حيث كانت بانتظارهما الطائرة الخاضعة لفريق رحيم زيدان، لتتحرك بهما على الفور إلى مصر.
***
بمجرد دخوله لمكتبه بعد أن انتهى أول اجتماع له، حتى التف من حوله الموظفون السابقون للعمل بلندن، عادوا لبلدهم مرة أخرى للعمل بنفس الشركة.
تفاجئ عمران بوجودهم من حوله، يبتسمون ويرحبون بوجوده بينهم، شعر برغبتهم العارمة في مصافحته فنهض عن مقعده وانضم بينهم يضمهم واحدًا تلو الآخر.
غادر الجميع لمكاتبهم ولم يتبقى سوى "حسام" السكرتير، يتطلع له بحزنٍ، طالعه عمران بغرابة:
_ مالك يا حوس، قالب سحنتك ليه؟
اجابه بضيق:
_ من الصبح بلف معاك في المكاتب والاجتماعات، ومدتنيش الحضن ده، سلامك عليا كان عابر يا مستر!
توسعت رماديته بدهشة مضحكة، وفرق ذراعيه راسمًا ابتسامة واسعة:
_ تعالى خدلك حضن، هي جت عليك يا عم!
ابتهجت معالمه وأحاطه بضمة قوية، بينما يهمس عمران ساخرًا:
_ عوض عليا عوض الصابرين يا رب!
وعاد يرسم ابتسامته وهو يربت على ظهره كالطفل الصغير:
_ يلا يا حبيبي روح شوف شغلك، وكل ما تشتاقلي تعالى احضن لما نشوف آخرتها إيه.
هز رأسه بضحكة واسعة، وغادر على الفور، بينما اتجه عمران لمقعده يتابع عمله، فإذا بحاسوبه الشخصي يستقبل رسالة أخرى من الشركة المجهولة المصدر:
«مرحبًا سيد عمران، لم تخبرنا عن الموعد المناسب للقاء بيننا»
كتب عمران:
«لست موافقًا على عرضك للقائك، لست بحاجة للبقاء في لندن، سأبقى هنا وسأستكمل مشاريعي هنا ببلدي..»
أتاه الرد قاسيًا:
«حاول أن تحسبها بعقلك، هنا سنوفر لك كل ما ستحتاج إليه، بأرباح لم تحلم بها يومًا»
تأكدت ظنون عمران من هوية هؤلاء، فكتب لهم:
«ما الغير واضح بحديثي يا هذا!! عرضك مرفوض!!»
قالها وأغلق حاسوبه بغضب، ثم نهض يحمل مفاتيح سيارته ومر على فاطمة، وغادروا معًا للمنزل.
******
انتقل "آدهم" للمشفى العسكري فور وصول الطائرة إلى مصر، استقبلته غرفة العمليات المجهزة على أعلى مستوى، تشخيص الطبيب المسبق له على الطائرة ساعد الأطباء بكسب وقت لمعالجته سريعًا، بل وتركزت قوة إصابته على إصابة جانبه، وعينيه المتضررة بشكلٍ مؤلمٍ.
مضت ساعة كاملة عليهم ومازالوا يعافرون لإنقاذه، بل ومازال الوقت يطول بهم داخل غرفة العمليات.
******
اجتمعت عائلة "الغرباوي" حول طاولة الطعام، بجو من اللطف والمحبة، وفجأة ظهرت من أمامهم شمس بعينيها المنتفخة من البكاء وخدها المتورم، شعرها الأشعث، تقف قبالتهم وبكائها أسقط القلوب. كان علي أول من هرع إليها، يهتف دون تصديق:
_ شمس!!
تركت فريدة مقعدها وأسرعت لابنتها تصرخ برعبٍ:
_ شمس… بنتي!!
التفت فاطمة ومايا من حولها، بينما سحبها عمران من أحضان فريدة يسألها بصدمة:
_ مين اللي عمل فيكِ كده!!
مالت على صدره تبكي بقهرٍ، بينما يمسد علي على خصلات شعرها لتهدأ، أبعدها عُمران عنه وهو يهزها بعنف:
_ مين اللي عمل فيكِ كده ردي عليا؟؟ وفين آدهم!!
انتزعها علي منه وأشار له بصرامة:
_ سيبها لما تهدى الأول، إنت مش شايف حالتها!
سحبها علي بعيدًا عن الجميع، على إحدى الأرائك، يحاوطها بين أحضانه وهو يحاول أن يهدهدها، مرددًا بحب:
_ اهدي حبيبتي.
مال أحمد إليهما يقدم لها كوب من المياه:
_ اشربي يا شمس.
حمل عنه علي الكوب، وعاونها على ارتشافه، بينما يحوم عُمران من حولهم بأعين مشتعلة، منظرها الغير مرتب لا يدل إلا على شيئين، أولهما أن يكون آدهم قد أبرحها ضربًا وخاصة بتعليم الأصابع على خدها، والخيار الثاني أكثرهما خطورة وهو تعرضها للاعتداء الجسدي سواء من زوجها أو من رجل آخر. عقله سينفجر، ووجهه يزداد بالاحمرار.
توقف عن الخطى ودنى منها يصيح بعصبية:
_ انطقي يا شمس، مين اللي عمل فيكِ كده؟!!!!!
جذبه أحمد للخلف بحزمٍ:
_ عُمران اهدى شوية على البنت، مش شايفها بترتعش إزاي، سيبها تهدى وهنعرف كل حاجة.
رد عليه بعنفوان:
_ مش هقدر أستناها لما تهدى، حالًا تقولي مالها!
أشار لهما علي بهدوءٍ، ثم أحاطها بحنان وقال:
_ شمس إحكيلي اللي حصل يا حبيبتي، مين اللي عمل فيكِ كده؟
انهمرت دموعها تباعًا، وازدردت صوتها المبحوح:
_ معرفش.
كور عمران قبضته، يحاول أن يتحكم بذاته أكبر قدر ممكن، بكت فريدة وجلست جوارها، تربت على خصلاتها بحنان، وسألتها بقلقٍ:
_ حد عملك حاجة؟
هزت رأسها تنفي ذلك، ورددت ببكاء:
_ في حد قتلهم ومنعهم إنهم يقربولي، لولاه كان آ….
اقتطع عنها الحديث وانفجرت باكية بين ذراع فريدة التي بكت بانهيار وهي تحاول أن تهدئها، هدوءًا لم يصل لعمران الذي صاح بجنون:
_ مين الكلاب دول وحضرة الظابط المحترم كان فيــــــن؟!
تطلعت له بانكسارٍ، وهتفت:
_ معرفش، الظابط اللي جابني هنا قالي إن جاتله مهمة ضرورية، وده السبب اللي خلاهم يتعرضولي.
جلس أحمد على المقعد، يهتف بغرابة:
_ مهمة إيه!!
تحرر وحش عمران القابع داخله، فهدر بعصبية بالغة:
_ مهمة!! مسافرك من هنا لهناك عشان شغله!! أنا كنت شاكك فيه من طريقة سفره المريبة.
قال علي ليهدأ من روعه:
_ آحنا منعرفش تفاصيل اللي حصل يا عمران وآ..
قاطعه حديثه بغضب:
_ تفاصيل إيه اللي مستني تعرفها يا علي!! الحقير ده غامر بمراته عشان شغله!! إنت متخيل إيه اللي ممكن كان يحصلها، وتتخيل ليه ما أنت شايف وشها عامل إزاي، بسبب الحقير ده حد اتجرأ ورفع إيده على أختي أنا! أخت عُمران سالم الغرباوي!!!
واستطرد بوعيد قاطع:
_ أقسم بربي لأندمه على اليوم اللي اتخلق فيه، وتمن اللي حصل لأختي ده هخلصه منه هو.
رفع هاتفه يحاول الوصول لآدهم، وحينما فشل، أشار لعلي بإصرارٍ ونية يخفي غضبه من خلفه:
_ إنت تعرف القائد بتاعه، "مراد زيدان" اتصل بيه وشوفلي البيه ده فين؟
نهض علي واتجه إليه يخبره برزانة:
_ خلينا نستنى آدهم لما يتصل، أكيد عنده تبرير لكل ده، هو بيحب شمس ومستحيل يعرضها لـ..
قاطعه عُمران بإِمْتِعَاض:
_ اتصل بيه حالًا يا علي، بدل ما أسافرله على أقرب طيارة ومش هيهمني حد.
ربت أحمد على معصم علي:
_ اتصل يا علي، عُمران معاه حق، اللي حصل لشمس ده ميتسكتش عليه، وطالما آدهم قافل تليفونه يبقى نكلم القائد بتاعه أكيد عارف مكانه.
حرك رأسه في طاعة، وحرر الاتصال بالجوكر على وضع سماعته، فإذا بصوت المهموم يجيبه:
_ دكتور علي، إزيك.
اجابه بلباقةٍ:
_ بخير الحمد لله، أخبارك إنت إيه؟
رد عليه بوجومٍ:
_ أنا كويس.
تنحنح بحرج، وقال:
_ إحنا كنا بنحاول نتواصل مع آدهم، وللأسف مش عارفين، أختي رجعت من ميلانو بشكل غريب، وبتقول إنه في مهمة! عرفني يا مراد إيه اللي بيحصل من فضلك، فين آدهم وليه ده حصل معاها؟
ساد صمتًا غريبًا، إتبعه صوتًا مضطربًا:
_ آدهم إتصاب وفي أوضة العمليات يا علي، إدعيله.
تفاجئ الجميع بما استمع إليه، بينما تتمزق روح شمس تدريجيًا ليتحرر عنها صرخة زلزلت حوائط المنزل:
_ آدهــــــــم!
سحبها عمران لاحضانه بينما يتابع علي بصدمة، كان الحديث ثقيل على "علي" الذي هتف بصعوبة بالحديث:
_ هو فين؟ في مستشفى إيه؟؟
أجابه مراد بحزن:
_ المشفى العسكري.
رد علي بالم:
_ عايزين نكون جنبه.
= صعب حاليًا يا علي.
_ ارجوك حاول يا مراد، شمس منهارة وإحنا مش هنقدر نكون هنا ونسيبه.
وأضاف علي:
_ أعتقد شخص بمنصبك ده مش صعب عليه يعمل حاجة زي كده، من فضلك.
زفر بحزن لتخيله حالة تلك العروس المسكينة، فنطق بتفهم:
_ تمام، هاديهم تعليمات بدخولكم، بس بلاش تعرف والده يا علي.
= لا مش هقوله حاجة، لحد ما نطمن.
أغلق علي الهاتف، وركضت شمس إليه تترجاه ببكاء:
_ خدني معاك يا علي، بالله عليك خدني.
ربت على ظهرها بحزن وقال:
_ إنتِ راجعه تعبانه، ريحي وانا هطمن عليه وهطمنك عليه طول.
امسكت معصمه تتوسل له بانهيار:
_ مش هقدر صدقني، عشان خاطري يا علي، وديني عنده.
تألم عمران لأجلها، فجذبها إليه، وأشار لفاطمة وزوجته قائلًا:
_ ساعدوها تغير هدومها، وأنا هجهز العربية حالًا.
أبدلت شمس ملابسها، وانضمت لعلي، وعمران الذي أصر باصطحاب آيوب برفقته، أرسل رسالته إليه وحينما وصلت سيارته حارة الشيخ مهران، وجده بانتظاره.
انحنى آيوب تجاه نافذة عمران، يهتف بانزعاج:
_ وبعدين يا عمران، ما أنا لسه سايبك من ساعة!!
صمته الغريب، انقباض ملامحه الواجمة، زرع القلق داخله، وما زاد من توتره حينما وجد شمس تجلس بالخلف جوار علي، تعالى صوت أنفاسه المضطربة وبارتباك حرر صوته المكبوت:
_ مش شمس مع آدهم!!
ازداد بكائها بشكل جعله يضور بهلعٍ:
_ اخويا ماله يا عُمران؟؟؟؟
كسر سكونه المطول، قائلًا بوجعٍ:
_ اركب يا آيوب.
صعد جواره يوزع نظراته بين تلك المنهارة بين ذراع علي، وبين عمران اللامع عينيه بالدموع تأثرًا بشقيقته، فتيقن بأن هناك أمرًا مؤلمًا يخص أخيه، وجل ما يتردد لمسمعه جملته الأخيرة:
«ادعي ربنا يجمعنا مرة تانية يا آيوب!..»
******
جسده المتهالك ملقى فوق الفراش الطبي، ومن فوقه يوضع كشاف ضخم مسلط على بطنه وجزء مسلط فوق عينيه بالتحديد، الأطباء يهرلون من حوله وجل ما يتردد لمسمعه الخافت:
«رائحة الموت تحوم من حولي، وليس لي مناجي سواك، فاللهم إن كانت هذه لحظاتي الأخيرة، فأجعل من نفس اللحظة حياة جديدة لها، اللهم إنها العزيزة، والحبيبة، والرفيقة، اللهم إنها كانت خير زوجة لي فاحفظها ولا تجعل مصيرها مرهون بي، لا تجعلها تدفع ثمن عملًا أخلصته لوجهك الكريم، اللهم إني لا أطيق فراقها فأجعلني حيًا بقلبها، فتتذكرني كل حينٍ، وتدعو لي بالرحمة والمغفرة، وحينها سيرقص قلبي طربًا بأنها مازالت تحبني… مازالت تتذكرني!!»
دمعة تدللت من حرقة عينيه رغم أنه فاقد الوعي تحت تأثير المخدر القوي، بداخل أعماق روحه يناديها بكل كيانه:
_ شمـس!
شمس عالمه غربت فبات مظلمًا كسواد الليل المهجور عنه الضوء، يمتلك جسده القوة ولكنه دون الحب كالخرقة البالية، هو لا شيء دونها!
ليته يعود إليها، يضمها لصدره، يشم ريحها، ليده لمسة أخيرة بين خصلاتها، ولأنفه رائحة تخص عبيرها، جسده تكون هي أخر من تمسه وهي بين أحضانه، ليته يمنح فرصة ليستغلها بقربها الذي حُرم باكرًا منه!!
على بعدٍ من روحه وجسده المعذب، وصلت شمس تهرع لباب غرفة العمليات، تبكي دون توقف، وعلى بعد منها حيث يقف الجوكر برفقة علي، تسلل لمسمعها قوله:
_ بقاله تلات ساعات جوه!
سكن جسد آيوب وتجمد بعدما فهم الآن سبب تلك الحالة المكتسبة الوجوه، علم الآن سبب تواجده بذلك المكان، لم يمتلك الوقت لاستيعاب ما يحدث، فإذا بالباب يفتح ويخرج منه الطبيب، ينزع كمامته ويتحدث بعملية باحتة مع مراد ومن حوله:
_ قدرنا نسيطر على النزيف لما رجع مرة ثانية، بس للأسف عينه أنا شاكك إنها اتضررت جدًا، وخاصة إن زي ما حضرتك قولت إن نوعية العدسات اللي كان لابسها العين متقدرش تتحملها لأكثر من أربعين دقيقة لساعة كاملة بالكتير، فده أثر عليه جدًا.
سأله عمران بحزن:
_ يعني إيه يا دكتور؟
رد عليه بعملية باحتة:
_ يعني في احتمال إن نظره يكون اتضر، وده للأسف مقدرش أحدده إلا لما يفوق وآ..
قاطعته الممرضة حينما هرولت إليه صارخة:
_ النزيف رجع تاني يا دكتور.
ضمت شمس فمها تكبت صراخها، ومازال علي يضمها بتمكن، تلجلج الطبيب قبالتهم، فسأله رحيم الذي انضم إليهم للتو وتابع حديثه باهتمام:
_ في إيه؟؟
رد عليه بخيبة أمل:
_ الحالة حرجة ونزفت كتير، استخدمنا كل أكياس الدم اللي من نفس الفصيلة، استهلكنا الموجود.
سأله علي بلهفة:
_ فصيلته إيه؟
أجابهم الطبيب:
_ o+
استدار مراد بنظراته الغامضة تجاه آيوب التائه كالذي يتلقي ضربات متتالية، جعلته لا يقوى على فهم واستيعاب ما يحدث، وكأن الأحداث غير مفهومة بالنسبة له، وقف مراد أمامه وقال:
_ فصيلتك؟
هز رأسه ببطءٍ، ودون أي كلمة إضافية أشار الطبيب للغرفة متعجلًا:
_ اتفضل معايا.
اختل توازنه حتى تعثر بعمران الذي سانده وهو يهمس له بشفقة:
_ إجمد يا آيوب، آدهم محتاجلك.
تعمق بعينيه ومازال يتوهم ما يحدث، عاونه عمران حتى ولج من باب الغرفة، واختفى للداخل، وجد الممرضة تفرد الستار العازل بينه وبين الحالة، لتسحب منه العينة في وضع غير استعدادي لاستقباله بذلك التوقيت، المعتاد لديهم أن يسحبوا الدماء بغرفة خارجية، ولكن لتدهور الحالة سيتم السحب والإيصال بالمريض مباشرة لمحاولة إنقاذ حالة آدهم الحرجة.
وبينما تجذب الستار، رآه آيوب قبالته، لقد تخلى عن شموخه وقوته الذي اعتاد رؤيتهما فيه دومًا، من يتمدد جواره شخصًا لا يعرفه، ملامح وجهه تشبه ذلك الضابط المغوار، ولكنه ليس بهذا الهزل، اختل توازنه وسقط على الفراش الذي وضعته الممرضة للتو، أشارت له بأن يتمدد فاستجاب لها على الفور، ودموعه تنشق على طرفي عينيه.
اندس المحقن بوريده ومالت من خلف الستار تجذب يد آدهم وتفعل المثل، تسنى لآيوب رؤية ذراع أخيه والفاصل بينهما ستار أبيض ملعون!!!
مد آيوب يده الأخرى يلامس كف أخيه البارد، ودموعه تستفيض عن جفونه معبرة عن انكسار قلبه وروحه وكل ما تبقى منه، بل حرر صوته الهامس يترجاه:
_ متسبنيش يا آدهم، أنا ملحقتش أشبع منك، ملحقتش أفرح إنك مني، ملحقتش أشكيلك على وجعي الكبير من الدنيا، أنا لسه محتاجلك جنبي، نفسي أتحامى فيك من كل اللي اتعرضتله، عايزة أشتكيلك وتأخدني في حضنك.
ازداد بكائه كالطفل الصغير، وشريط حياتهما معًا يمر أمامه، جمل من مقتطفات ماضيهما معًا:
«يمكن لانهم بيقولوا الدم بيحن وانا وانت حنينا لبعض من اول لقاء جمعنا في شقة سيف»
«عرفت ليه بطلت اناديك بابن الشيخ مهران؟ لانك مش ابنه يا ايوب انت اخويا أنا!!..»
«ادعي ربنا يجمعنا مرة تانية يا آيوب!…»
تعالى صوت بكائه كالطفل الصغير، وصرخ بانهيار:
_ يا رررب.
تسلل إليه صوت الطبيب الذي صرخ بهم:
_ هاتي الجهاز بسرعة.
رفع آيوب الغطاء وتطلع لهم برعبٍ، فإذا بالطبيب يهبط على صدره العاري بصعقات من الكهرباء، مرة والثانية تفوق قوتها، ثم الثالثة، صفير الجهاز الذي انتقل نبضه لخط مستقيم، صراخ الممرضة يقتحم عقله:
_ بنخسر المريض يا دكتور!
عاد يعيد الصعقات الكهربائية بشكلٍ أقوى من السابق، بينما يخطو آيوب للداخل كالذي ينازع للحياة، مال على الفراش الملطخ بدم أخيه وناداه ببكاء:
_ آدهــــم أنت وعدتني إنك هتكون سندي وضهري في الدنيا، هتسبني محني لباقي عمري من غيرك!!!
وحركه بعنف وهو يصيح بصوته المبحوح:
_ أنت مش قد وعدك بتوعدني ليـــــــــه، بتقولي مش هتسيبني بتسيب ايدي ليــــه، بتكدب عليا!!!!
صاح الطبيب بالممرضات:
_ طلعوه بره بسرعة.
اتجهت الممرضة إليه تحاول إبعاده عنه، تحاول أن تشرح له أن ما يفعله خاطئ، تحاول حتى أن تدفعه للفراش المقابل، ولكنه تمسك بذراع آدهم وهو يعود لصراخه من جديد:
_ أنا مزعلتش منك يا آدهم، بس لو عملتها وكسرتني بالشكل ده مش هسامحك ولا هغفرلك.
سقط أرضًا جواره ومازال المحقن متصل بين كلاهما، بكى كالطفل الصغير، بكى وقد جعل الطبيب وفريق التمريض تدمع أعينهم من شدة تأثرهم بحديثه:
_ أنا محتاجلك أكتر من أي وقت، أنا طول عمري لوحدي، جنبي مية صاحب بس ماليش أخ من دمي، ومن لما قابلتك لمست فيك الحنان اللي اتحرمت منه، جاي دلوقتي تحرمني منك، ليه عايز تكون بالقسوة دي عليا، ليه عايز تكرهني فيك زي ما كرهت مصطفى الرشيدي!!
وتابع وهو يميل على كف يد آدهم يقبله ودموعه تغرق كفه:
_ قوم متوجعش قلب أخوك وهو بينزف من الوجع! قوم يا آدهم!
تدفقت دمعتين من أعين آدهم جعلت الطبيب يتطلع له بدهشة، عادت مؤشراته طبيعية بشكلٍ مخيف، وبالرغم من تخديره الكامل الا أنه ردد بهمس كان مسموع بفضل الصمت المتطرف على الجميع:
_ آيــوب!
رواية صرخات انثى الفصل السابع والثمانون 87 - بقلم ايه محمد رفعت
صوته الخافت أعاد لآيوب روحه من جديدٍ. ابتسامة خافتة تشكلت على وجهه الباكي، تمنى لو فتح عينيه ليطمئن قلبه بابتسامته المعتادة، ولكنه وجده يستجيب لفقدان الوعي من جديد.
"من فضلك مينفعش كده، لو يعز عليك إخرج وسبنا نشوف شغلنا."
انطلق صوت الممرضة يترجاه للخروج. تابع الأطباء الذين يشيرون باستقرار الحالة، وخرج على الفور.
إختار البقاء بعيدًا عن الجمع، يستكين على المقعد الحديدي، يميل على ساقيه، محتضنًا وجهه ليخفي دموعه المنهمرة بغزارةٍ.
بينما على بعد منه، كان يحتضن عمران شقيقته الباكية، ويقف جوارهما علي يتحدث بالهاتف. أغلقه ثم دنى من مراد يخبره:
"في ناس أصدقائنا تحت على البوابة يا مراد، لو ممكن تسمحلهم يطلعوهم."
هز رأسه بتفهمٍ، ورفع هاتفه يصدر أمرًا مباشرًا بالسماح لرفقاء علي بالصعود. فانضم لهم جمال ويوسف وسيف، الذي بحث عن آيوب بينهم. وحينما وجده يجلس بعيدًا هرول إليه يناديه:
"آيـوب!"
أزاح آيوب دموعه سريعًا قبل أن يصل سيف لمقعده. جاوره وهو يتساءل بلهفةٍ:
"طمني يا آيوب، آدهم كويس؟ حد من الدكاترة خرج؟"
رمقه بنظرةٍ ساخطة، واستدار بساقيه للجانب الآخر. فترك سيف محله واتجه للمقعد الآخر:
"كده يحصل معاك كل ده ومتقوليش!"
انتزع يده عن كتفه وقال غاضبًا:
"وهعرفك إزاي وسيادتك عاملي بلوك!"
ضم شفتيه معًا حرجًا، وتمتم:
"ده مش مبرر، كنت تعالالي البيت! ولا سرمحتك مع عُمران وصاحب يونس المسيحي ده نسيتك صاحب عمرك؟"
شمله بفيروزته بنظرةٍ منفرة، فأضاف سيف بحزنٍ:
"عمومًا ده مش وقته، نطمن على حضرة الظابط وبعدين نتكلم."
أشار باصبعيه بحدة وارتفع صوته رغمًا عنه:
"روح إقعد معاهم هناك واطمن براحتك.. متقعدش جانبي ولا عايز ألمحك!"
على بعد مسافة قريبة منهما، سأل علي يوسف بدهشة وهو يتابعهما:
"هما بيتخانقوا ولا أيه؟"
هز يوسف رأسه بقلة حيلة:
"أكيد.. بس متقلقش شوية وهيتصافوا."
استدار علي إليه، يسأله:
"تحب أتدخل بينهم؟"
رفض ذلك، معللًا:
"مش مستاهلة، أقل من خمس دقايق وهتلاقيهم زي السمنة على العسل، الاتنين على الله حكايتهم!"
جلس يوسف جوار جمال وعلي، وبقى عمران رفقة شقيقته على أحد المقاعد المنفردة بعيدًا عن مجلس الشباب.
مضت أربعون دقيقة، وخرج طاقم التمريض يدفع الفراش المتحرك الحامل جسد آدهم المصاب. فأسرع آيوب وعلي، والشباب من أكملهم يدفعونه حتى باب الغرفة. التي منعهم أفراد الأمن العسكري من الولوج للداخل. جذبوا منهم السرير وأغلقوا الباب من خلفهم، تاركين اثنان منهم على الباب يمنعون توافد أي شخص للداخل. مما زرع العصبية والغضب بآيوب الذي صاح بانفعالٍ:
"يعني أيـه ممنوع، وسع من قدامي، ده أخويا أنت مبتفهمش ولا أيــه؟!"
جذبه علي بعيدًا عن ذلك المسلح، الذي بدا وكأنه يستعد لخوض معركة حتمية مع ذلك الشرس، فقال في محاولة لتهدئته:
"إهدى يا آيوب، هندخله بس لما الدكتور يخرج هو والممرضات."
أصر على مطلبه، وكأن روحه تنتزع منه:
"هدخله يعني هدخله، ويوريني هيعمل أيه بالبتاع اللي في إيده ده!"
هدر جمال بعقلانية:
"هما بيقوموا بواجبهم يا آيوب، وواجبهم حماية آدهم."
أشار عُمران لعلي الذي أسرع يتلقف منه شمس، بينما دنى إليه يقاطعه بحدة:
"إطرد شيطانك وفوقلي، زي ما علي قالك لما الدكتور يطلع هندخل كلنا، فاهدى وإركز كده، مش ناقصة غباوتك على المسا يابن الشيخ مهران!"
مال سيف يهمس لاخيه بسخرية:
"عنيف أوي صاحبك ده!"
كبت يوسف ضحكاته ومال يخبره:
"طب لم لسانك عشان لو سمعك هيخبطك واحدة بروح أمك هتخليك تريح هنا أسبوعين تلاتة!"
أدى الفردين التحية العسكرية باحترامٍ، فور أن إخترق الجوكر والاسطورة الجمع المحاط بالغرفة. ولج “رحيم” للداخل على الفور، بينما بقى الجوكر يتطلع لآيوب بنظرة غامضة، لفتت انتباه الجميع له، وخاصة حينما قال:
"مبسوط بتقبلك علاقتك الجديدة مع عمر."
ضيق “آيوب” مُقلتيه بدهشةٍ، كيف يعلم بأمره هو الآخر. فابتسم مراد ومال يهمس له بمكرٍ:
"أنا اللي مخلصلك الشهادة."
واتجه للغرفة وصوته قد أصبح مسموعًا:
"لما يفوق هخليهم يدخلوكم، اطمنوا."
وتركهم وإتبع أخيه للداخل، فأسرع العساكر بغلق الباب من خلفه.
انتهى الطبيب من دث آبر المحلول الطبي بجسد آدهم، وبعدما تأكد من استقرار حالته، حتى بدأ بإفاقته انصياعًا لأوامر الاسطورة.
مال رأسه جانبًا، وصوت تأويهاته تتردد بخفوتٍ، عقله يبدأ باستعادة ما مر سريعًا عليه. أسرع إليه مراد يميل فوق رأسه، يناديه بلهفةٍ:
"عمر سامعني؟"
اجتاح الألم جسده الذي بات يشعر به بعدما استعاد وعيه، وغادره تأثير المخدر. وبالرغم من محاربة الآلآم إليه، الا أنه مال تجاه محل وقوف مراد، وهمس بخفوتٍ شاحب:
"شمس؟"
كأنه يذكره بوعده القاطع إليه. مسد مراد على كتفه المعافى وهو يؤكد له بصوتٍ مطمئن:
"إطمن برة مع عيلتها، عايزك تفوق بس وهدخلهالك هي وآيوب وكل أحبابك."
حاول فتح جفون عينيه الثقيلة وهو يهتف بدهشة:
"آيوب!!!"
أكد له قائلًا:
"آيوب برة من بدري، ودخلك اتبرعلك بالدم."
لاحت بسمة حزينة على شفتيه، لم يكن يتوهم سماع صوته، لم تكن هلاوس، كان واقع ملموسًا. إلتقطت أذنيه صوتًا بات مميزًا إليه بالأيام الماضية، يخبره برزانته وثباته القاتل:
"حمدلله على السلامة يا بطل."
مال برأسه للاتجاه الآخر، مرددًا بابتسامة واسعة:
"رحيم باشا."
نزع نظارته السوداء، وهدر بحزمٍ مصطنع وهو ينحني لفراشه:
"حد قالك إنك أول حد يجرأ إنه يخالف أوامري! ولو دي حصلت فأكيد لازم ليها عقوبة تخلي أي حد يفكر عشرين مرة قبل ما يخالفني، فلو أنا معملتهاش فعشان حاجتين."
حاول آدهم فتح عينيه ولكنه لم يستعيد وعيه كليًا، فردد بصوتٍ واهن:
"أيه هما؟"
أجابه رحيم بفحيح شيطاني مخيف:
"أو حاجة لانك عجبتني، واختياري ليك من البداية كان للسبب ده، أما الحاجة التانية فعشان الديناصور اللي بيطلع نار من عينه جنبك ده."
كان صوت مراد أسرع من آدهم، حينما صاح بعنفوان:
"لو مش عايز الديناصور ده يحرقك وإنت حي تبعد عن آدهم ومالكش دعوة بيه، ده تلميذي وتحت قيادتي أنا، زي ما أنا مبتدخلش في شغلك يا ريت تجبر نفسك إنك تعمل نفس الشيء."
ابتسم رحيم وهدر بسخريةٍ:
"هنشوف حوار أولادك ده بعدين يا بابا مراد."
واستدار للطبيب يشير له بالاقتراب لتفحص آدهم بشكلٍ كليٍ، وبالاخص عينيه، فلقد لاحظه وهو يجاهد لفتح عينيه أكثر من مرة، ومع ذلك لم يستطيع.
سحب الطبيب كشافه، وانحنى يتفحص عيني آدهم. توقع الطبيب إنه سيغلق جفونه من شدة الضوء ولكن على ما يبدو بأن ظنونه قد أصابت، فسأله، وهو يسلط الكشاف على حدقتيه:
"نور الكشاف شايفه يا سيادة الرائد؟"
رد وهو يبتلع آلامه داخله:
"لأ."
استدار الطبيب لمراد يشير له إشارة صامتة بأن ما خشاه قد حدث بالفعل، تنحى جانبًا تاركًا لمراد مهمة إخبار آدهم بتضرر بصره جراء احتفاظه بالميكروفيلم أكثر من المدة المحددة، وما زادت الاصابة خطورة سقوطه من السيارة وتعرضه لتلك الاصابات.
مال الجوكر إليه يحاول التحكم بذاته، وتنحنح هادرًا بحزنٍ:
"إنت عارف إنك اتخطيت المدة المسموح بها للميكروفيلم، فاللي حصل لعينك ده كان متوقع."
قابل آدهم استقبله لخبر قاتلٍ مثل ذلك، بنفسٍ راضية وقولًا جعل الأجساد من حوله تقشعر:
"فدى بلدي يا باشا!"
هتف الطبيب يقاطع حديثهما بعدما انتهى من فحص عينيه بشكل مبدئي، وقال يبدي ملاحظاته:
"عينه متضررتش بشكل كبير، اعتقد إنه هيحتاج لكذه فحص قبل تحديد العملية، وده هيقدر يقوم بيها دكتور تخصص عيون."
مسد مراد على كتفه بحنان، وقال بعزمٍ:
"متقلقش أنا أعرف دكتور شاطر جدًا، يبقى أخو العقيد عدي الجارحي، هكلمه وهخليه يشرف بنفسه على حالتك."
وأضاف وهو ينصب عوده استعدادًا للرحيل:
"حبايبك بره قلقانين عليك، هخليهم يدخلوهم يطمنوا عليك، وأنا هعدي عليك بكره الصبح باذن الله ومعايا دكتور عمر الجارحي."
وودعه مراد وغادر، بينما انحنى رحيم إليه يخبره بفخر:
"سيادة الوزير والقادة كلهم فخورين بيك يا آدهم، مستني رجوعك للساحة، وعلى فكرة دي مش آخر مهمة هكلفك بيها."
بالرغم من أنه يعلم بأنه يدفعه بحماسٍ ليستكمل رحلة علاجه ويعود لموطنه بالجهاز، الا أنه ابتسم بسعادة، وقال يجيبه:
"وأنا تحت أمرك في أي وقت تحتاجني فيه يا باشا."
ربت على كتفه بقوةٍ مشددًا بإلقاء أوامره:
"شيد حيلك إنت وخف من قعدة السرير بدري، وهتلاقيني بكلمك يا سيادة المقدم."
زوى حاجبيه بدهشةٍ:
"مقدم!"
مال رحيم يتفحص أخيه الذي يوشك على المغادرة واستدار يهمس له:
"الخبر أتاكدلي من سيادة الوزير بذات نفسه، سربتلك الترقية بوينت إضافي محسوب ليك، متنساش!"
اتسعت ابتسامته وقد أشرقت السعادة وجهه الشاحب، وقال بامتنان:
"الله يبارك فيك يا سيادة العميد."
استقام رحيم يضع يده بجيب سرواله، يقابل اخيه بنظرة باردة، بينما يستعد الآخر لمهاجمته الآن وفي تلك اللحظة. حشد جيوشه خلف ثبات قاتل وهو يطلق سؤاله:
"كنت بتقوله أيه؟!!"
رد بجمود تام:
"ولا حاجة."
هدر مراد بانفعالٍ حاد:
"انا سامعه وهو بيقولك الله يبارك فيك، جنابك بتباركله على أيه؟؟ إنت شكلك مش ناويها نية خير يا رحيم!"
ادعى دهشته الكاملة مما يقول أخيه، وردد برزانة وبراءة مضحكة:
"كنت بباركله على فرحه يا بني آدم؟ أيه فاكرني عديم الذوق ومبفهمش!"
كبت آدهم ضحكاته بصعوبة، بينما لم يبتلع الجوكر ما قاله أخيه، بل صاح بشراسة:
"أقسملك بالله يا رحيم لو جمعتك مهمة واحدة مع آدهم تاني لأكون مفرغ رصاص مسدسي في نص دماغك، ولا هيهمني أنك شايل إسم طلعت زيدان ورا إسمك ولا إنك أخويا اللي المفروض قدام الناس تؤامي معرفش ازاي دي!!"
ترك رحيم محله، واتجه يضع يده حول كتفي الجوكر، يسحبه ليخرج بصحبته، بينما يهمس له:
"معقول عصبيتك وصلتك إنك تتكلم عن حياتنا الشخصية كده عادي وقدام أي حد!! راعي إننا في مستشفى عسكري، أجهزة التصنت هنا عالمية يا باشا."
وأضاف وهو يسحبه للخارج:
"بينا على القصر نتكلم هناك براحتنا، ونحل أمورنا العائلية مع بعض، أنا كده كده كلمت سليم يجهز هو وجان وريان ويحلوا امورنا مع بعض، لانها ابتدت تتطور! (لمن يتساءل عن رواية رحيم زيدان ومراد زيدان، السلسلة عبارة عن خمسة أجزاء بإسم #الجوكر_والاسطورة، متاحة على حسابي الواتباد، وممكن تنزلوا بوست للادمن بالجروب تطلبوا لينكات السلسلة ❤) *******"
منذ قليل كان يطالبه بالجلوس بعيدًا عنه، وها هو الآن يميل على كتف سيف بإرهاق وتعب ضرب جسده بعد أن تبرع بالدماء لأخيه. توقف المصعد وخرج منه عُمران يحمل بالاكياس عصائر معلبة، وبعض الشطائر. منح أخيه أحد الاكياس ليحاول إطعام شمس، ومنح جمال باقي الاكياس ليوزعها على الجميع. بينما حمل هو الكيس المغلف وقدمه لسيف قائلًا بصرامة:
"صحيه يشرب كيس عصير، بدل ما يتطوح مننا جنب أخوه، مش ناقصة هي!!"
استشف سيف عصبية عُمران البارزة من طريقته، وكان سببها معلوم للجميع، لذا سحب الكيس منه بهدوء وقال:
"هشربه تلات أربع أكياس اطمن."
أحاطه بنظرةٍ ساخرة، وغادر بمنتهى الهدوء، يحتل أحد المقاعد المنفردة بعيدًا عن تجمعهم. انسحب يوسف من جوار جمال وإتجه لمقعد علي وشمس. جلس جوار علي الذي يحاول آطعام شقيقته، ومال إليه يهمس له:
"بقولك أيه يا علي."
ترك ما بيده واستدار إليه ينصت له باهتمامٍ، فقال يوسف:
"حاول تهدي عُمران عن آدهم، أنا قلقان من عصبيته وغضبه، لو دخلنا وهو بالوضع ده ممكن يرميله أي كلام وهو في حالة صعبة."
هز علي رأسه باقتناع، وتمتم:
"هقوم أشوفه قبل ما ندخل."
ترك علي شقيقته برفقة عمه الذي وصل للتو، وإتجه لأخر مقعد يعتليه شقيقه، جلس جواره يراقبه بهدوءٍ، جعل عُمران يهدر ساخطًا:
"دكتور الحالات المتعسرة خلع وبعتك، هو طول عمره جبان!"
تغاضى علي عما قاله، ومال بجسده إليه يخاطبه بهدوء:
"عُمران ممكن متنفذش اللي في دماغك، على الأقل دلوقتي، آدهم حالته صعبة، وشمس هتموت عليه، مش هتتحمل تشوفك بتعنفه بكلامك ده وهو بالوضع الحالي."
احتقنت رماديته غضبًا، وصاح بعصبيةٍ:
"هو اللي عرضها وعرض نفسه للحالة دي، المفروض إنه عريس طالع يقضي الhoney moon بتاعه، مش طالع يغامر بروحه وروح مراته!"
هز رأسه وحاول احتوائه بحديثه المنمق:
"فاهم كل اللي بتقوله ده ومعاك حق فيه، بس أقله مش دلوقتي، لما نطمن عليه ويرجع بيته، أنا عارف أنك عندك واجب فأكيد مش هتعاتب هنا ولا وهو بالحالة دي ولا أيه؟"
منحه نظرة مغتاظة، وردد من بين اصطكاك أسنانه:
"ماشي يا علي، يخرج بس ولينا كلام تاني!"
خرج الطبيب إليهم، فنهضوا جميعًا يجتمعون من حوله. كان أحمد أول من تساءل:
"طمنا يا دكتور من فضلك."
وزع نظراته بينهم، وبعملية باحتة قال:
"الحالة حاليًا مستقرة، إصابة جانبه كانت خطيرة بس الحمد لله النزيف وقف والجراحه كانت ناجحة جدًا، لكن عينه اللي اتضررت للأسف."
نزلت كلمات الطبيب على الجميع كالصاعقة، وخاصة حينما أضاف:
"سيادة الرائد فقد بصره نتيجة انسداد الوريد الشبكي، وللأسف مش هقدر اقولكم تفاصيل أكتر لان مراد باشا منع اي دكتور عيون من هنا يمسك حالة سيادة الرائد، وقال إنه هيوكل الحالة لدكتور عمر الجارحي وهو تبارك الله عليه من أشطر الدكاترة المتخصصة في المجال، فلما يوصل بكره بإذن الله هيكون عنده تفاصيل أكتر."
وانسحب بمنتهى الهدوء الذي لا يعهد التشبيه لاوجه الجميع ملقيًا تعليماته الاخيرة:
"ياريت مندخلش كلنا لجوه عشان كده غلط على المريض، عن إذنكم."
توقف قلب شمس مرتين، مرة حينما علمت بأمر إصابته والآخرى الآن وبتلك اللحظة التي تستقبل فيها خبر فقدانه للبصر. ارتخى جسدها للخلف تجاه علي الذي تلقفها، هاتفًا بقلقٍ:
"خليكِ قوية يا شمس، آدهم هيتخطاها وهيرجع أحسن من الأول."
انسكبت دمعات آيوب تباعًا بشكلٍ ملحوظ للجميع، فراقبه يوسف وجمال بحزن، بينما مسد سيف على كتفه وهو يستجديه لطفًا:
"هيبقى كويس والله، خليك واثق في ربنا."
بينما بذات الوقت نطق عُمران الذي سيطر على انفعالاته بصعوبة، إصابة آدهم لتلك الدرجة الخطيرة، جعلت قلبه يرق إليه:
"شمس إدخليله لوحدك، أكيد محتاجاك جنبه، ومحتاج يطمن."
سحب كفها يدفعها برفقٍ تجاه باب الغرفة، يحمسها بقوةٍ زائفة:
"إدخلي إنتِ محتاجة ده أكتر منه."
ومال يهمس لها بحفوت:
"بس بلاش تجبيله سيرة اللي حصل، وبالأخص حوار الاعتداء يا شمس."
هزت رأسها وهي تزيح دموعها بكفيها. سحبت شمس نفسًا طويلًا تستجمع به شتات نفسها الهادرة، تحاول مسح ذلك الجزء المؤلم عن حياتها، لأجله هو. حرر الشرطي الباب وقد استجمعت جزء من طاقتها المهدورة، ولجت للداخل بخطواتٍ بطيئة، مترددة، إيقاع قلبها يكاد يقرع كقرع الطبول الصاخب، ومن بعده صوت انغلاق الباب فور دخولها.
رأته يجلس على الفراش، يستند برأسه على الوسادة من خلفه، صدره عاري، يحيط منتصفه شاش أبيض يحيط به حتى نهاية خصره، وجهه يملأه الخدوش والكدمات تتفرق على وجهه مرورًا بذراعيه العارية، عينيه متورمة والاحمرار يملأهما. إحتجز صوته غير مبالي بمحاولاتها للحديث، وبصعوبة تحرر لينطق بحروف مهتزة:
"آدهم!"
إعتدل بجلسته يناديها بلهفة:
"شمس!!"
أسرعت إليه وصوت بكائها قد عاونه على تحديد محلها. سرعة خطواتها جعله يفطن حركتها القادمة، ففرق ذراعيه يستقبلها بين أحضانه بصدر رحب. بكت بانهيارٍ وهي تردد بوجعٍ:
"كنت خايفة تسبني وتتخلى عني، كنت خايفة إني مشفكش تاني، خوفت تكون أول خناقة بينا هي أخر ذكريات ليا معاك، أنا حتى ملحقتش أعتذرلك يا آدهم!"
ضمها إليه بقوةٍ رغم شدة آلام جسده، يتمنى لو أن يترد إليه بصره لجزء من الثوانٍ يروي شوق عينيه لرؤيتها، يود لو ان ينشطر صدره ويضعها داخله ومن ثم يعيده من فوقها، ليظل محل قلبه هو مسكنها الوحيد. يسمع لها تتحدث بكثير من الكلمات ولكنه مغيب عن أي شيء سواها. وحينما استطرد كامل وعيه حاول أن يبعدها عنه ولكنها رفضت وتشبثت به بشكلٍ جنوني، جعله يتآوه بخفوتٍ.
أبقاها داخل ذراعيه وسألها بقلقٍ:
"شمس طمنيني عليكِ، حد إتعرضلك؟"
ردت عليه بارتباكٍ حاولت التغلب عليه حتى لا يفضح أمرها بذكائه المعتاد:
"أنا كويسة يا حبيبي، المهم إنت."
مال على كتفيها يردد بعشق:
"بقيت بخير لما إتطمنت عليكِ يا شمس."
واستطرد يخبرها بحرجٍ:
"أنا آسف على كل اللي حصلك ده، صدقيني مكنتش أعرف إن الموضوع هيكبر كده، أنا عارف إني دمرت أجمل لحظات وذكريات كانت هتكون ما بينا، بس اوعدك إني هعوضك عن كل ده يا شمس."
قاطعته حينما قالت تعاتبه بمزحٍ:
"انا مسمحاك على كل حاجة الا نظراتك للبنت المايعة دي!"
ضحك من كل قلبه، وأجابها بمشاكسة:
"شكلك دعيتي عليا بضمير لحد ما عيني اتعمت."
انهمرت دموعها تأثرًا بكلماته، وقالت:
"ألف بعد الشر عليك، مفيش حد بيدعي على روحه."
مال يقبل رأسها وهو يهمس لها بحب:
"وأنا مفيش واحدة في الدنيا كلها سحرتني غيرك، أنا مكتفي بيكِ وراضي كل الرضا يا شمس."
وأضاف بحزنٍ وهو يعترف لها:
"اللي حصل كله بيني وبينها للاسف كان من ضمن المهمة اللي طلعت عشانها، بس والله العظيم ما كان غرضي أعرضك لأي خطر، الموضوع كان بسيط ومتأمن كويس، بس فجأة كل حاجة باظت واتكشفت، حقك عليا."
ابتعدت عنه تطالعه بعينيها الدامعة وهي تخبره بحزن:
"المهم إنك بخير يا آدهم."
ابتسم وعشقها ينير ظلمة عينيه، ورفع كفه يقربه من وجهها ليلامس وجنتها الناعمة مثلما إعتاد. تناست شمس اصابتها البالغة جوار شفتيها المنتفخة من أثر الصفعة العنيفة التي تلقتها وأسقطتها أرضًا، فما أن لمستها يد آدهم حتى ضمت كفه على وجهها وهي تتآوه بوجعٍ شديد، مما دفعه ليتساءل بفزعٍ:
"مالك يا شمس؟"
ارتبكت قبالته بشدةٍ، وبتلعثم قالت:
"مـ… مفيش."
هدر بانفعال وعقله لا يستقبل اشاراته الذكية:
"وشك ماله؟?"
أجابته بتوترٍ وهي تحاول إبعاد يده عن وجهها:
"مفيش يا آدهم."
صاح بعصبية أرعبتها:
"مفيش ازاي، وشك وارم!!"
ازدردت ريقها بصعوبة، وقالت:
"آآ.. أنا… انا لما سمعت خبر اصابتك وقعت على سن التربيزة بـ.. بس الحمد لله أنا كويسة والله."
أحاط كتفيها بيديه يحركها بعنف:
"ريحة كدبك واصلالي من مكاني، إنطقي أيه اللي حصل؟ وحد لمسك؟?"
ارتابت من آجابته بما قد يزيده غضبًا وربما تتدهور حالته، بينما تطول في صمتها، هتف بانفعال:
"ردي عليا!!"
تعالت شهقات بكائها تدريجيًا، ورفعت يدها ليديه تخبره ببكاء:
"سبني ، أنت بتوجعني يا آدهم!"
خف من ضغط يديه من حولها، وقال وهو يحجب عاصفته بصعوبة:
"اتكلمي يا شمس، لو مش عايزة تجني جنوني إتكلمي!"
ردت عليه وصوت شهقاتها تتبعها:
"محدش قربلي، في شخص مقنع شكله مريب هو اللي منعهم عني، مخلاش حد فيهم يقربلي."
وأضافت وجسدها يرتجف بين ذراعيه:
"خلصني منهم ووداني مكان بعيد عن السويت، لحد ما الظابط اللي إسمه عدي جالي وسفرني مصر."
وتمعنت بعينيه وهي تخبره بانهيار بكائها:
"بس أنا كنت هموت من الخوف منه يا آدهم، كان مشوه ومريب في تعامله، كنت مرعوبة وحاسة إنه هيقتلني في أي وقت، بس كان عندي أمل أنك هتظهر وهتخلصني من كل اللي عيشته ده، لحد ما الظابط قالي أنك في مهمة، حسيت وقتها إنك في خطر، لاني واثقة ومتأكدة إنك مستحيل تتخلى عني وتسبني ليهم!"
احتواها بين ذراعيه بحزنٍ، وهو يهتف بألمٍ يخترق نصف صدره:
"حقك عليا يا روح قلبي، أنا السبب في كل اللي عشتيه يا شمس، أنا السبب!"
وتابع وهو يدفنها داخل تجويف عنقه:
"بسببي أنا اتعرضتي لكل ده، أنا أذنبت في حقك سامحيني يا شمس."
رددت من بين بكائها:
"أنا كويسة صدقني، أنسى اللي حصل المهم أنك تقوم بخير وترجعلي يا آدهم، أنا عايزة أعيش عمري كله معاك وليك."
أغلق عينيه بقوة يعتصر دمعة خانته، لا يود أن تنهمر أمامها، لا يشعر الا بطعم العلقم يقتحم جوفه، مال للخلف ومازالت تستند على كتفه، تعوض حرمانها منه طوال تلك الساعات المنصرمة.
مرت الدقائق عليهما حتى مرت ساعة كاملة، تلاها صوت دقات الباب ومن ثم انفتح ببطء وطل علي من خلفه يستأذن بالدخول، فابتعدت شمس عنه للمقعد، ولج الجميع للداخل، وكان أسرعهم آيوب الذي أسرع لآدهم يسأله بهلعٍ:
"آدهم إنت كويس؟"
مسكة يده القوية لكفه أيقظت لحظات ما مضت عليه داخل غرفة العمليات. ارتسمت بسمة عميقة على وجه آدهم وقال يذكره:
"مش أنا طمنتك عليا وإنت في أوضة العمليات؟"
عبث بمقلتيه بدهشة وتساءل باستغراب:
"أمته ده؟"
أجابه بتلقائية أضحكت الجميع:
"مش ناديتك؟!! ولا يعني كان لازم أقوم واخدك بالحضن وأنا متدشمل الدشملة السودة دي!"
قاطع سيف الحديث هادرًا بسخرية:
"متقلقش يا حضرة الظابط الممرضة عملت الواجب وسيطتك، أول ساعة بالعمليات كنت بتنادي بإسم مدام شمس، وختامها بتنادي بإسم آيوب."
دنى أحمد من آدهم، بقول بابتسامة جذابة:
"حمدلله على سلامتك يا آدهم."
أجابه ببسمة ممتنة:
"الله يسلم حضرتك يا عمي."
بينما قال يوسف:
"ألف سلامة عليك يا حضرة الظابط."
أجابه آدهم بامتنان، بينما ابتسم علي وقال:
"لسه من يومين كنا متجمعين عندك والنهاردة جمعتنا تاني شكلنا كده وحشناك بربطة المعلم."
ضحك جمال وهدر:
"احنا تحت أمره والله نجيله في أي وقت بس بلاش مستشفيات."
أضاف يوسف بمشاكسة:
"ذكرياتنا معاها كلنا زبالة بالذات دكتور سيڤوو!"
لكزه سيف بغضب، فهمس بصوت كان مسموعًا للجميع:
"تحب أحكيلهم على العقدة اللي بسببها جوازتك واقفة على الطلاق!"
زم سيف شفتيه وصاح:
"اتكلم براحتك أنا كده كده مش راجع البيت، شنطتي تحت في العربية وطالع بيها على حارة الشيخ مهران، آيوب محتاج لونس وأنا الونس ده، مش كده ولا أيه يا بوب؟"
"ولا طايق أشوف خلقتك."
قالها ومازال يجلس جوار أخيه، فانطلقت ضحكات الجميع على مزحهم، وتساءل آدهم باستغراب:
"هو أيه اللي حصل الادوار اتبدلت ولا أيه؟"
أجابه سيف بمزح:
"تبديل مؤقت، بس متقلقش على أخوك يا حضرة الظابط ده في عنيا الاتنين."
ضحك آدهم وقال:
"لا أنا مطمن عليه وهو معاك من غير اي حاجه يا سيف، ومن نحيتي اطمن طول ما أنت موجود أنا متبري من العلاقة اللي بتجمعني بيه."
تنحنح أحمد يشير للجميع، قائلًا:
"الدكتور منبه علينا من التجمع، يلا يا شباب نسيب حضرة الظابط يرتاح شوية."
انسحب الجميع تباعًا للخلف واحدًا تلو الآخر، ولم يتبقى برفقته سوى آيوب وشمس. مازال آيوب يجاور محل جلوسه، بينما تجلس شمس على بعد منهما. فنهض يستأذن بالمغادرة حتى لا يحرجها. استغل آدهم بقائه برفقته وقال:
"آيوب عايزك تروح البيت تجبلي لبس وغيارات ليا."
طال صمته ونظراته تصوب تجاه أخيه، فتابع آدهم بهدوءٍ:
"هتقدر تعمل ده؟"
تحشرجت أنفاسه الخشنة، لا يود الذهاب لهذا المنزل، رؤية من يدعى أبيه تعكر صفوه، ومع ذلك قال:
"حاضر يا آدهم، بكره وأنا جاي هعدي أجبلك غيارات."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ممتنة، فربت آيوب على يده وقال بحب:
"ارتاح إنت ولو احتاجت أي حاجه رن عليا على طول."
قالها وإستأذن يغادر على الفور، بينما تبقت شمس برفقته، دنت تحتل محل آيوب، فسألها ادهم باسترابة:
"هو عُمران فين؟"
"معتقدش إني وحشتك يا سيادة الرائد!"
قالها ذلك الذي ولج للتو، بعد ان ودع الجميع. ابتسم آدهم وقال:
"وحشتني مشاكستك أكيد، حاسس من غيرك بملل."
سكن الحزن رماديته وهو يتأمل حجم إصابته. نهضت شمس عن المقعد، وقالت وتتجه لحمام الغرفة القابع داخلها:
"هدخل أغسل وشي وجاية."
ولجت شمس لحمام الغرفة، وتبقى آدهم برفقة عُمران. اقترب يسحب المقعد المجاور لفراشه، جلس يهتف بصوت ثابت عكس الحزن الذي يحيط به:
"ألف سلامة عليك يا آدهم، ربنا يقومك بالسلامه يارب."
زوى حاجبيه بعدم اقتناع وتساءل بدهشة بينما عينيه تتطلعان امامه في محاولة للاعتياد على الظلام الحديث له:
"بس كده؟"
إدعى عُمران جهله لما يقصده:
"كده إزاي مش فاهم!"
ابتسم آدهم وهتف بسخرية:
"انا إتعميت مفقدتش الذاكرة يا طاووس، على لسانك كلام كتير، وعارف إن معاك حق فيه، فمش هجادلك لإني غلطت لما جازفت بحياة شمس بمهمة زي دي فأنا بآ…"
قاطعه عمران بحزم:
"مش وقته الكلام ده يا آدهم، إرتاح دلوقتي أنت أكيد تعبان."
ازدادت ملامحه دهشة، وهدر بصدمة مضحكة:
"إنت عُمران بجد ولا اتبدلت بدكتور علي؟"
انحنى يزيح الوسادة من خلف ظهره، ثم أدار الريموت، ليعود الفراش لوضعه المريح، وتمتم بسخرية:
"كله بإيدك يا حضرة الظابط، عايزني بنسختي المحترمة موجوده، حابب تخرج الوقح المدفون جوايا جاهز ورهن إشارتك، ميهونش عليا أخلي نفسك في حاجة يا أبو نسب يا غالي."
ضحك آدهم من كل قلبه، وقال بصعوبة من بين ضحكاته:
"هو أصلًا إنك تقرر إنك تبات معايا ده في حد ذاته شيء مش مريح إطلاقًا."
سحب عليه الغطاء وهو يخبره بوقاحة:
"هنعملك أيه مهو أنا المناسب للتدبيسة دي، أخوك مش هينفع يبات معاك وشمس هنا، وعلي من يوم ما اتجوز مش بيبات بره نهائي وللاسف معرفش ليه، أما عمي فمصدق إنه لزق في فريدة هانم بعد حرمان عشرين سنة، فمستحيل هيتخلى عن الرفاهية الفارهة دي عشانك، فمكنش في غيري وأنا بقالي فترة طويلة ببات برة البيت وواخد إستمارة 6 من زمان فمفرقتش النهاردة يعني!!"
وأضاف بعد ما قال:
"فاتفضل نام بكل هدوء، وسيبني بحاول أسيطر على وقاحتي وغضبي، بلاش تجرجرني للزيلة عشان إنت اللي هتزعل يا حضرة الظابط."
واستطرد وهو ينحني ليهمس له بفحيح شيطاني:
"بالبلدي كده تلاشيني عشان انا مريض نفسي ومش فاضي أتعالج!"
كبت آدهم ضحكاته وقال في رعبٍ مصطنع:
"عنيا يا بشمهندس، بص إنت مش هتسمع صوتي نهائي."
منحه نظرة شك، وهدر بحيرة:
"ولا في مواعيد الحقن؟"
هز كتفيه ببلاهةٍ أضحكت عمران:
"مش عارف بصراحه!"
قال وهو ينصب عوده:
"هنشوف مع بعض كلنا يا حبيبي، ريح إنت دلوقتي!" ******
حمل آيوب حقيبة سيف على كتفه، وهبط من سيارة يوسف، ينتظر سيف الذي ينحني لنافذة السيارة، يصغى لأخيه الذي يحاول جاهدًا لاقناعه بالعودة، والعزوف عن قراره. انتظر حتى فرغ من محاضرته الطويلة عن احتواء زوجته والاعتذار عن تركه للمنزل. وما ان انتهى حتى قال:
"الله عليك يا دكتور، تصبح على خير بقى، بكره في المركز نبقى نكمل بقية المحاضرة."
واتجه لآيوب يشير له بارهاقٍ:
"بينا يا بوب قبل ما يفتح محاضرة جديدة، يوسف وأنا عارفه عامل زي الأم اللتاتة."
وما كادا بالتحرك، حتى هبط يوسف يناديه بغضب:
"سيـف!!"
لف سيف يده حول كتف آيوب ودفعه بشدة:
"اجري يالا!"
ضحك آيوب وهو يستجيب لشدة يده، فاستدار يشير، ليوسف ومازال يركض من خلفه:
"أنا آسف يا دكتور."
أشار له ببسمة هادئة ثم عاد لسيارته يلكم المقود وهو يهدر بغيظ:
"يا ربي عليك يا سيف، ده أنا جوزتك بالعافية!! لو الجوازة خربت هجيبلك عروسة تانية منين أنا!!!!"
ركض سيف وآيوب حتى مدخل الحارة، فتوقفا يلتقطان أنفاسهما بصعوبة. مال سيف يستند على ركبتيه، بينما سأله آيوب وهو يرتكن على الحائط من خلفه:
"سيف دكتور يوسف معاه حق، مينفعش تسيب البيت بالشكل ده."
استقام بوقفته يستند على الحائط جواره، وتمتم بغيظ:
"دكتور يوسف يقول اللي يقوله، أنا بعمل اللي على مزاجي واللي شايفه صح."
ارتاب آيوب لامره، فخشى أن تكون الامور تطورت بينهما حد الانفصال. فسأله بتردد:
"الدنيا تمام بينكم يعني، ولا وضعها أيه؟"
منحه نظرة مغتاظة، وهتف باحتقان:
"لو قولتلك هتضحك؟"
اشار على ذاته ببراءة:
"أأنا أضحك عليك يا سيف!! إزاي جالك قلب تفكر إني ممكن أشمت فيك في يوم من الايام!!"
دفع يده بضيق وهدر:
"كفايا دراما زايدة يابن الشيخ مهران."
وتابع وهو يتفحص المارة من حوله:
"أصلها مصرة تعرف عقدة الحقن دي عندي من أيه!"
تمعن به قليلًا ومن ثم احمر وجهه من فرط احتباسه للضحك، بينما يشير له الاخر بتحذير:
"أوعا، أقسم بالله هندم إني حكيتلك سر من أسراري."
تحررت ضحكاته رغمًا عنه، بينما تبرز مقلتي الاخر بغضب جحيمي. حاول آيوب التحكم بضحكاته وهو يقول:
"بلاش تقولها بلااااش."
وأضاف وقد سقط بنوبة الضحك:
"اللي صدمني بعد ما حكيتلي إنك عندك عزيمة رهيبة تدخل طب بعد اللي حصلك، مع إني لو مكانك هعتزل الدكاترة والمستشفيات باللي فيها، لأ عندك اصرار مش طبيعي تكمل، إنت هيرووو يا سيڤوو."
انتشل الحقيبة من كتفه، وصاح بعنفوان:
"هات شنطتي، أنا هروح أبات في أي فندق."
وما كاد بالابتعاد حتى هرع آيوب من خلفه يناديه، وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:
"استنى يا سيف، بهزر معاك يـــــالا!" ******
حاولت فاطمة تهدئة زينب المشتعلة بالهاتف، والتي تصر إصرار غير، طبيعي بعدم الحديث عما حدث بينها وبين زوجها، ومع ذلك تود الحديث رفقتها. واصلت الحديث برفقتها لساعة كاملة، حتى هدرت فاطمة بغضب:
"مهو طول ما انتي بتلفي وتدوري أنا مش هقدر أساعدك، قوليلي في أيه بالظبط عشان أتنيل أساعدك، بقالك ساعة بترغي في الفاضي وأنا ورايا شغل الصبح ومش فاضية!"
أجابتها بصدمة:
"اشمن شغل تابعك غدا، ما بقاتش فيك خويتك تسمحي فيها و تسمحي في مشاكلها بسبب خدمتك؟ (وراكي شغل بكره يعني أيه؟؟ هانت عليكي أختك تهمليها وتهملي مشاكلها عشان الشغل!!)"
واضافت زينب بغيظ:
"و لا صافي وليتي شايفة راسك سيدة اعمال ا الاستادة فطيمة! (ولا خلاص بقيتي شايفة نفسك سيدة أعمال يا استاذة فاطمة!)"
حاولت فاطمة الحديث، أو حتى الدفاع عن نفسها، ولكن الاخيرة لم تترك لها الفرصة لذلك، بل هاجمتها بشراسة:
"تامني بالله، انا اللي غلطانة كنتاصل بيك نشكيلك احزاني،و بلا الله يعاونك، يا ربي تخرج ليك الشياطين تضيع عليك الليلة ديالك، باش تمشي للخدمة و الكحل تحت من عينيك و شعرك واقف مشعكك و المنظر ديالك كيما دوك الاشباح المتحولة (تصدقي بالله انا غلطانه اني بتصل بيكي أشكيلك احزاني، ومن غير في رعاية الله، ياكش تظهرلك الشياطين تعكنن عليكي ليلك، عشان تروحي الشغل ضاربة كحل تحت عينك وشعرك واقف وشكلك زي الاشباح المحولة دول!)"
تركت فاطمة الهاتف من يدها بعدما تأكدت بأنها اغلقت المكالمة بوجهها، وضعته على الكومود وهي تردد بصدمة:
"هادي حماقت و لا هبلات! !!! (مجنونة دي ولا إتهبلت!!)" ******
حصل عُمران من الأريكة المزدوجة على فراش شبه مريح، مدده ونزع جاكيت بذلته الآنيقة، ثم تمدد على الفراش يضع يده أسفل رقبته، ويغلق عينيه بتعبٍ.
بدت شمس حائرة بين فراش زوجها المصاب وفراش أخيها، فظنت أن باغلاق عيني عُمران بأنه قد استسلم للنوم، لذا وبكل هدوء تسللت تتمدد جوار آدهم، تضع رأسها فوق صدره، ويدها تضم خصره، فتلامست يدها رغمًا عنه مكان اصابته، حيث يصعب عليها تحديده لان الشاش يلف منتصف خصره بأكمله.
تأوه آدهم بصوتٍ مسموع، وما أن شعر بها جواره حتى شملها بين ذراعيه وهو يبعد يدها عن اصابته، مما دفعتها لقولها:
"وجعتك؟ أنا آسفة."
ربت عليها بحنان، وقال:
"أنا فداكِ وفدى راحتك يا روح قلبي."
ومال يقبل جبينها، ويضمها إليه بشوقٍ، إنساق خلف عاطفته وتناسى كل شيء. ثم وفجأة فصل نفسه عنها وسألها بريبة:
"عُمران فين؟"
أتاه صوته الساخر يجيبه:
"على بعد متر منك وحياتك!"
وأضاف وهو يميل جانبًا لهما، مستندًا على ذراعيه:
"مش بقولك إنك محتاج إعادة تربية من أول وجديد، لأ وأنا اللي مشفق عليك وساحب لساني الوقح عنك وإنت أس الوقاحه كلها!"
مالت شمس إليه تهمس برجاء شبيه بالبكاء:
"خبيني يا آدهم، بالله عليك خبيني!"
أتاها صوت عُمران يسخر منها:
"حاسبي بس عشان الاصابة لسه طارية، انا بقول تسيبيله السرير وتيجي تنامي في حضن أخوكي لحد ما يتعافى أو يتربى أيهما أقرب!"
وتابع وهو يشير لها على المحل المجاور له:
"حضن أخوكي أولى بيكِ يا حبيبي تعالي."
انسحبت شمس من بين أحضان آدهم وإتجهت لعمران، وجدته يضع آحدى وسادات الاريكة لها، ويجذب جاكيته الطويل يداثرها به، ثم نهض يتجه لآدهم يتفحص المحلول المعلق بيده، وفور ان تأكد بانتهائه حتى فصله وانتزعه من وريده، ثم ألقاه بسلة المهملات، وإتجه يميل إليه وهو يهمس له:
"نام وريح يا آدهم، الاصابات اللي عندك دي تودي لعشماوي عدل، وأنا خايف عليك يا حبيبي."
ضحك آدهم وشاكسه بقوله:
"إنت متأكد من حكاية خايف عليا دي يا عمران؟"
أجابه بابتسامة هادئة:
"أغلب علاقات الحب قايمة على المناكفة والمشاكل المبدئية، بذمتك مش عاملين جو للعيلة دي، انا أساسًا بمل من غير ما أعكنن عليك، أصلي هكنن على مين يعني، علي اللي وشه مبيفرقش الكتب ومخلص ليهم أكتر من البشر!! ولا عمي اللي مصدق يدخل دنيا تبت فيها ومش راضي يطلع أبدا!!"
وأضاف بحزن مضحك:
"مكنش في حد مسليني غير الخال الملزق حتى ده تاب وأناب وطالب الصفح والعفو، طب شياطني الوقح يتواقح على مين يا باشا؟"
انفجر ضاحكًا وقال يجيبه بصعوبة:
"عليا يا باشا ولا يهمك."
ضحك هو الاخر وقال وهو يشمر عن ساعديه:
"ريحلك ساعة قبل الفجر."
سأله باستغراب حينما وجده يبتعد عنه:
"اانت رايح فين؟"
قال وهو يفتح باب الحمام:
"هتوصى عشان صلاة القيام، وعشان خاطر عيون شمس هدعيلك دعوتين."
ابتسم آدهم ومال برأسه يهمس بغرابة:
"غريب إنت يا وقح!" ******
تململت فاطمة بنومتها، ونهضت على صوت رسالة استقبلها هاتفها، فتحت الهاتف لتجدها رسالة على حساب عمران الشخصي، فتحتها وهي تتثأب بنومٍ، انقطع عنها فور ان قرأت محتويات الرسالة، فنهضت تستقيم بجلستها بفزعٍ، وصدمة جعلتها تصرخ بهلعٍ:
"علــــــــــــي!!!!"
رواية صرخات انثى الفصل الثامن والثمانون 88 - بقلم ايه محمد رفعت
فزع بمنامه فور أن استمع لصوتها المنادي باسمه، كاد قلبه أن يسقط في مقتلٍ، حينما ظن أن النوبات عادت لها بعدما تخلت عنها منذ فترة طويلة.
أحاط “علي” كتفيها، وهو يسأله بهلعٍ:
_ مالك يا فطيمة؟ حاسه بأيه؟
نقلت بصرها عن الهاتف إليه، ورددت بشفتي مرتعشتان:
_ عُمران يا علي.. عُمــران!
انقبض قلبه وهو يراها تتطلع للشاشة ودموعها تنهمر دون توقف، فسيطر على أعصابه بصعوبة، وردد باتزانٍ يتشبث به:
_ ماله عُمران؟!
قدمت له الهاتف وهي تعيد خصلات شعرها القصير للخلف بارتباكٍ، بينما يقرأ علي محتوى رسالة التهديد بالقتل الموجهة بكل جراءة لأخيه.
رفع رأسه لها يسألها بغضب:
_ مين الحقير ده؟ وبأي حق يهدد عُمران بالوقاحة دي؟
ضمت ساقيها إليها وقالت تجيبه ببكاء:
_ دي شركة غريبة بتحاول بكل الطرق تخلي عُمران يوقف كل المشاريع اللي ابتدى فيهم في مصر، عايزينه يستثمر بره في لندن أو أي دولة من الدول الاوروبية، وكل ما كان بيرفض كان بيزودوا نسبة الأرباح لشراكة المفروض إنها هتم بينه وبينهم، وهما أصلًا شركة واهمية ملهاش وجود.
وتابعت وهي تشير على الهاتف بانهيار:
_ ولما رفض زي ما أنت شايف بيهددوه بالقتل!
أحمرت رماديته غضبًا، وهدر بوعيدٍ قاطع:
_ مفيش مخلوق هيمس من أخويا شعرة وأنا على وش الدنيا.
وقدم لها الهاتف، ثم جذب هاتفه:
_ ابعتيلي اسكرينات بالمحادثة دي، أنا مش هسكت على الكلاب دول!
*****
السابعة صباحًا.
الرنين الثاني عشر للهاتف الذي لم يتوقف طوال الليل عن الرنين، مال آيوب بنومه على وجهه، واضعًا الوسادة فوق رأسه، في محاولةٍ بائسة للنوم، وحينما فشل تمتم بنعاسٍ:
_ سيف قوم رد يا تعمل أم التليفون ده صامت!
مال لجانبه يسترخي بنومته المريحة، وصوته المحتقن يخبره:
_ رد إنت، قولهم الدكتور أجازة النهاردة، وشدد إن محدش يزعجني.
فتح فيروزته يطالعه بسخطٍ:
_ دكتور أيه اللي أجازة، هو إنت لسه لحقت!! ده دكتور علي هيرزعك إستقالة رفد فورية متقربش بعدها لأي مستشفى!
ضم الوسادة إليه، غير عابئ بحديثه:
_ رد أو ولع فيه، القرار ليك!
سحب ذراعه من أسفل الوسادة التي يضمها سيف، هادرًا بانزعاجٍ:
_ يا عم إيدي!!
وتابع بعصبية وهو يتفحص الفراش المجاور له:
_ وبعدين أنت مش كنت نايم على السرير اللي جنبي، أيه اللي جابك هنا، أنا قايم مدغدغ من لزقتي في الحيطة!
سحب سيف الغطاء يداثر به رأسه، فهتف آيوب بسخرية:
_ على الأساس إن صوتي كده مش هيوصلك يعني! ولا يكنش اللحاف بتاعنا كاتم للصوت!
اختنق من تجاهله التام لحديثه، ومال يسحب هاتفه المزعج بالنسبة له، حرر الاجابة ووضعه تلقائيًا على أذنيه ويده تفرك عينيه بنومٍ، كاد أن يطلق التحية المعتادة لاستقبال أي مكالمة، ولكنه فزع محله فور ان استمع لصوت الصراخ الهادر:
_ واخا اسيف، ياك انا دير فيا كيما هاكا، واخا!!! دابا بكل هدوء غدي تصيفط ليا بريتي و تطلقني من سكات، نلقاها على المكتب ديالي قبل ما نوصل لصونطر، و الا و الله العظيم حتى نفضحك في الصونطر كله.
أغلقت الهاتف بوجهه، بينما يسحب “آيوب” الهاتف عن آذنيه مصعوقًا بما استمع إليه، ومال يجذب ذلك الذي يغفو بمنتهى السلام، كأنه لم يترك من خلفه تلك الأنثى الشرسة!
لكزه سيف بعنف وعاد يضم الوسادة من جديد، فركله آيوب عن الفراش ليفصل بينه وبين الوسادة هادرًا بعنف:
_ سيب أم المخدة اللي مكلبش فيها دي وفوقلي، أقسم بالله عندها حق لما طلبت الطلاق، لانك تستاهلها وبالجامد.
جلس سيف على أرضية الرخام، يكبت فمه المتثأب، وسأله وهو يجاهد النوم:
_ هي مين دي اللي طلبت الطلاق؟
أجابه بابتسامة واسعة:
_ دكتورة زينب.
عبث بعينيه بصدمة:
_ وإنت شوفت زينب فين؟
قذف الهاتف بوجهه، وهو يخبره:
_ مش إنت اللي قولتلي رد قولهم الدكتور مش فاضي، لسه بفتح إنفجر في وشي كمية تعاويذ او طلاسم تقريبًا كانت بتعملك عمل تتسخط قرد أول ما تفتح الفون، بس يالا جيت من نصيبي والحمد لله قدر الله ما شاء فعل.
وسحب آيوب الوسادة ثم تمدد وهو يضمها مثلما كان يفعل سيف، انتفض الأخير يجذبه بهمجيةٍ:
_ قوم يا بارد كلمني، قالتلك أيه؟
رد عليه بانزعاجٍ:
_ ما انا قولتلك قالت كلام كتير ومفهمتش منه حرف أكتر من جملة طلقني من سكات!!
جلس جواره يحيط بذقنه بتفكيرٍ:
_ ده كده الموضوع قلب جد!
أكد له آيوب وهو يسترخي بنومته من جديد:
_ جد الجد، إلحق لمه بقى قبل ما يوسع منك، ووقتها هتخسر أخوك معاه، الراجل اتمرمط لحد ما لقى اللي تليق بيك.
سحب سيف هاتفه، فصعق وهو يتأمل عدد المكالمات والرسائل المرسلة إليه، وجميعها باللغة المغربية، التي تنم على عصبية زوجته البالغة، فحينما يحتد بينهما النقاش كانت تتحول نبرتها للمغربية تلقائيًا.
حرر زر الاتصال بها في محاولةٍ لانقاذ ما يمكن إنقاذه، فاذا به يبعد الهاتف عنه وهو يهتف في صدمة:
_ بلكتني!
أتاته ضحكات آيوب تجلجل، وشماتة واضحة في جملته:
_ تستاهل، عشان تجرب!
وختم قوله باستمتاعٍ:
_ داين تدان يا مان!
ألقى سيف هاتفه، وانقض عليه يكيل له الضربات، بينما الاخير لا يستطيع الدفاع عن ذاته من فرط الضحك.
انفتح باب الغرفة وظهر “إيثان” من أمامهما، يلتهم قرص الفلافل وهو يتابعهما ببرودٍ تام، مال سيف جواره يتطلع له بازدراء، وكذلك آيوب الذي يتأفف بانزعاجٍ، قذف إيثان قطعة إضافية من الفلافل، ومازال يحمل الكيس البلاستيكي، وحينما وجدهما يتطلعان إليه، ردد باستغراب:
_ وقفتوا ليه؟ خدوا راحتكم البيت بيتي بس مفيش فرق بينا!
مال سيف لآيوب يسأله بدهشة:
_ مش دي شقة يونس ابن عمك؟
هز رأسه يؤكد له، بينما يسحب إيثان المقعد ويقربه منهما، واضعًا ساقًا فوق الآخرى،ويستكمل إلتهام الفلافل:
_ لا مهو أي حاجة تخص المعلم يونس تخصني وش!
نهض آيوب يتجه له، وهدر من بين أسنانه بغيظٍ:
_ هو إنت مش ناوي تحل عني يا إيثان؟
قذف قرص الفلافل وإلتقطه بفمه ببراعةٍ، وقال وهو يلوكه ببرودٍ:
_ لأ.
طرق يُونس على باب الغرفة،وقال مبتسمًا:
_ الفطار جاهز يا شباب، غيروا هدومكم بسرعة، عشان الشيخ مهران مستنينا تحت، هييجي معانا المستشفى، عايز يطمن على حضرة الظابط.
جذب سيف ملابسه من الحقيبة وأرشده آيوب للحمام، بينما دنا يُونس من إيثان يلتقط منه الكيس البلاستيكي، يتفحصه بصدمة:
_ إنت أكلت الطعمية كلها؟
أجابه وهو يلوك أخر ما تبقى بتلذذٍ:
_ آه.
دفعه للخلف وهو يصيح بانفعال:
_ إنت عارف أنا وقفت في طابور عامل ازاي عشان أجبها!
رد عليه بابتسامة واسعة:
_ فدايا.
احتقنت فيروزته غضبًا، فدفعه لباب الغرفة وهو يصدر أمره النافذ:
_ ربع ساعة وألقيك قدامي بالطعمية ولو إتاخرت يا إيثان هخلي يومك شبه لبسك اللي مش باينله ملامح ده.
تفحص ملابسه التي كانت عبارة عن بنطال أسود قطني ، وتيشرت أسود فضفاض للغاية، بتبع موضة الشباب المنتشرة:
_ مال اللبس، ده أخر موديل، إيش فاهمك إنت في الموضة.
صرخ بوجهه بغضب:
_ هات الطعمية وإطلـــع، غـــــــــور.
ارتمى لباب الغرفة بفزع منه، واستدار يخبره بضجرٍ:
_ متزعقش، نازل أهو!
ربت آيوب على كتف يونس بفخر والفرحة تتراقص بعينيه:
_ عاش يا يُونس، اديله على دماغه الرزل ده.
مال له يتفحص ما يرتديه بتفحصٍ:
_ وجنابك ملبستش ليه؟ أنا قاعد هنا في حضانه، ما تنجز يالا!
كبت ضحكاته بصعوبة، وقال وهو يعيد خصلاته المنهمرة للامام:
_ هنزل أغير وطالع، خد بالك من سيفو أما أجي.
همس بصوتٍ منخفض، وهو يراقب باب الحمام:
_ متخافيش على ابنك في عنيا.
انفجر كلاهما من الضحك، وكلًا منهما يضرب الاخر بالكف، فإذا بذلك الصغير يفرقهما، وهو يهتف بانزعاج:
_ انا مش عارف انام من صوتكم، أنا هطلع عند ماما فوق ومش هنام معاك تاني يا بابا يونس ولا معاك يا آيوب.
وتركهما فارس وغادر بتأفف، فازدادت ضحكات كلًا منهما، وبالاخص حينما قال آيوب:
_ حتى الواد طفش!
*****
انتهى “إيثان” من شراء الفلافل وبعض الاغراض التي شراها بمحبة لاستقبال صديق آيوب، واستدار ليعود لمنزل الشيخ مهران، فتفاجئ بخطيبته تقف مع شابٍ باحد الشوارع الجانبية، تبكي وهي تتمسك بيده، وعلى ما يبدو بأنها تتوسل إليه!!
جحظت مُقلتيه بشكلٍ جنوني، وحرر صوته المتحشرج يناديها:
_ كريستيــــــــــــن!!
انتفضت بوقفتها بفزعٍ، بينما سحب هذا الشاب يده وهرول راكضًا، استغرق “إيثان” دقيقتين حتى تمكن من المرور من بين زحام المواصلات ليصل إليها.
تشبثت بحقيبة يدها بخوفٍ، والارتباك والتوتر كافيلان بقتلها في الحال، رنا إليها يتساءل بعصبية بالغة وهو يجذبها من مرفقها بعنف:
_ مين الحقير اللي واقفه معاه وماسكة إيده بمتتهى البجاحة ده؟ ثم إنك بأي حق تخرجي بدون إذني.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبةٍ بالغة، وحينما استجمعت شتات ذاتها نطقت:
_ ده.. آآ… ده.. آآ..
شدد من جذبها بعنفٍ، والغيرة تنهشه حيًا:
_ ده أيـه، إنطقــــــــــي!!
أبعدت يديه عنها وهي توزع عينيها بين وجوه المارة الذين انتبهوا لصراخه:
_ إيثان من فضلك سبني، الناس بتبص علينا.
زادت كلماتها من غضبه الهالك، فصاح ساخرًا:
_ والناس مكنتش فارقة معاكي وإنتِ ماسكة ايد راجل غريب يا محترمة!
رفعت عينيها الباكية إليه، وقالت برجاء:
_ عشان خاطري الناس بتتفرج علينا، أنا هحكيلك كل حاجة بس سيب ايدي.
تمعن بها لثوانٍ، ومن ثم سحب عنها يده، ووقف يسألها في هدوءٍ لم يصل لعينيه:
_ مين ده؟
ازدردت حلقها بتوترٍ، وودت كأنها تبحث عن إجابة لسؤاله، وبعد صمتًا طال بها، قالت:
_ ده أخو واحدة صاحبتي، مانعها تنزل الجامعة والامتحانات خلاص قربت، فكنت بترجاه إنه يسيبها تنزل، حرام يضيع عليها السنة.
منحها نظرة جامدة، وسكون كان مريبًا لها، فإذا به يشق الصمت بسؤاله:
_ وأخو صاحبتك يهرب ليه بالطريقة دي لما يشوفني؟
عبثت بأصابعها بخوفٍ، وقالت بثباتٍ:
_ وأنا أعرف منين، أنا اتفاجئت زيي زيك بالظبط!
أطبق بشفتيه ببعضهما على بعض، وأشار لها بعنف:
_ هبلع اللي قولتليه مع إنه مش مهضوم، بس خروجك من غير إذني مش هعديهولك.
وتابع بحدة وحزم:
_ امشي قدامي، هوصلك وليكِ روقة يا بنت إيفون!
****
انتهى عُمران من قراءة ورده المعتاد على هاتفه، بصوته العذب، فتسلل له صوت تأوُّهات “آدهم” الخافتة، نهض يحمل سجادة الصلاة، وضعها على الأريكة وإتجه لسريره، ينحني وهو يتفحصه، فوجده يغفو وملامحه يتشربها الألم.
هز كتفه برفقٍ وهو يناديه:
_ آدهم، سامعني!!
فتح عينيه يحاول رؤيته من بين الظلام المفروض أمامه، لم يعتاد بعد عليه، رفع “عُمران” سنادة الفراش العلوي، ليتمكن من معاونته بالجلوس، فوجده يضم جانبه بألمٍ يعتصر وجهه.
سيطر القلق على عُمران حينما رأه هكذا، فقال وهو يستعد للخروج:
_ هشوف الدكتور.
أوقفه وهو يتحكم بصوته المبحوح من فرط تألمه:
_ استنى.
عاد يجاوره ، فوجده يسأله بلهفة:
_ شمس فين؟
حانت منه نظرة لشقيقته، حيث تغفو محلها تلتحف بجاكيته الطويل، مثلما تركها، رد عليه يطمئنه:
_ نايمه مكانها.
ضغط آدهم على جانبه يعتصره من شدة الألم، وتمتم:
_ بلاش تنادي الدكتور مش عايز أقلقها، كفايا اللي شافته وأتعرضت ليه بسببي.
وتابع وهو يشير على أحد الأدراج التي تجاوره:
_ في هنا حقنة مسكنة، سابتها الممرضة بليل احتياطي.
على الفور فتحه عُمران وبالفعل وجد آبرة طبية، يجاورها علبة زجاجية كبيرة، سحب محتوياتها بالآبرة الكبيرة، ومال جواره يسحب يده، يسكبها برفق وبحذر داخل الكانيولا، حتى انتهى منها.
سحب آدهم ذراعه ووضعه فوق عينيه، ثم مال يسترخي بجلسته، وهو يحارب كل وجع يعتصره، يحافظ على قوته قدر المستطاع، ليس رجلًا عاديًا لينازع أمام أحدٌ، لقد زرع فيه قائده شموخ لا يحنيه أحدٌ، حتى وإن زاد عليه التعب.
راقبه عُمران بحزنٍ مزق قلبه الحنون، من يعهد شخصية بقدره، ينسب لها القوة والقسوة، ولو قيل له أنه يمتلك قلبًا رقيق كالعصفور لم يصدق، ربما لذلك هو لغزًا متنقلًا، مهما تيقنت أنك جمعت أبوابه، ستفقد كل إرشاداتك فور دخولك إليه.
ترك له عُمران مساحة العشر دقائق، وحينما شعر بهدوء أنفاسه المتحشرجة بانفعالٍ، سأله برفقٍ:
_ أحسن دلوقتي؟
أزاح يده وهو يجيبه بابتسامةٍ هادئة:
_ الحمد لله أحسن، تسلم يا دكتور.
ابتسم عُمران وجلس جوار ساقيه، يمازحه بسخرية:
_ والله ما أنا عارف أنا وظيفتي أيه في وسط الكوسة دي، بس عشان هبلعها.
ضحك آدهم وشكك بقوله:
_ عشاني!! يعني مش عشان شمس!
رد عليه ورماديته تحيط موضع شقيقته بحنان:
_ لأجلها تكرم ألف عين!
ابتسم آدهم وعلامات الانبهار تحتل ملامحه الوسيمة، لطالما كانت علاقة شمس بأشقائها تثير إعجابه، وبالأخص علاقتها بعمران، استدار تجاهه فلاحظ إبتسامته، ولا يعلم لما شعر بالضيق من نفسه، فرفع ساقيه يربعهما وهو يعتدل بجسده كليًا تجاهه، ثم قال بضيقٍ:
_ آدهم أنا يوم ما كلمتك يوم فرحك مكنش تدخل مني في حياتك، أنا عارف أن إنت وشمس ليكم حياتكم الخاصة، اللي مينفعش لا أنا ولا غيري نكون فيها، بس اللي حصل كله قلقني.
وأضاف يوضح له عن سبب قلقه الصريح:
_ لما صارحتني بحوار آيوب، إتفقنا أنا وإنت انك هتمهدله الموضوع واحدة واحدة وبعد كده أنا هكون معاه، وهفهمه، فجأة لقيتك باعتلي رسالة أنك قولتله كل حاجة!! وأتفاجئ إنك سفرت مرة واحدة!! التوقيت نفسه كان غريب، وسفرك أغرب لإنك مش من عادتك تهرب من المواجهة، كل ده قلقني وخلاني أشك إن في حاجة حاصلة معاك.
اتسعت إبتسامة “آدهم” لما يستمع إليه، فضيق الاخير عينيه وتساءل باستغراب:
_ أيه اللي بيضحك في كلامي؟!
أجابه ومازال يحتفظ بابتسامته:
_ شخصيتك غريبة بس تعجب الباشا.
واستطرد بمكرٍ:
_ شكل كده هطلع من حوار تعبي ده بمصلحة، وأخيرًا الحرب بينا هتنتهي يا طاووس.
بدد أماله جميعها حينما قال:
_ مش بالظبط، ما أنا قولتلك بتسلى!
قهقه ضاحكًا، وصاح يشاكسه:
_ وماله اتسلى براحتك بس خد بالك أنا عندي صبر وعزيمة تتوب اليهود.
طرق على ساقه قائلًا بسخرية:
_ كله هيبان مع اللي جاي يا حضرة الظابط.
ونهض عن الفراش، يتجه إلى شقيقته، يحاول أن يوقظها قبل أن يأتي أحد الاطباء، فإذا بها تبتسم وهي تردد بدلالٍ:
_ آدهم!
أجابها عُمران ساخطًا وهو يستدير تجاه هذا الضاحك:
_ حتى في الاحلام مش عاتقها، حل عن البنت أحسن ما أحلك أنا!
رفع يديه باستسلامٍ ومازال يتطلع أمامه:
_ عملتلك أنا أيه دلوقتي، أنا أهو قدامك راقد على سرير في مستشفى! أعملك أيه تاني عشان توصل لمرحلة الارتياح؟ أكهربلك نفسي ولا أقطعلك شريان؟
ذم شفتيه ساخرًا:
_ قال يعني هيقصر فيك! ده إنت سفاح يابا!
ازدادت ضحكات آدهم بلا توقف، وخاصة حينما سأله عُمران بجدية مضحكة:
_ قال قولي يا آدهم هو إنت أيه اللي دشملك كده، كنت ناوي تقذف الرعب في أوراكهم فقذفوك هما من الدور العشرين، ولا إنت ملقتش تعمل النمرة؟
تعالت ضحكات آدهم حتى أدمعت عينيه، بل وأجابه بضحكة:
_ لا قذفوني بصاروخ أربجي فجر العربية!
ضحك عُمران وعاد يحرك شقيقته، التي فتحت عينيها بابتسامة واسعة، تلاشت فور أن رأت من يقابلها، استندت على جذعيها ونهضت تردد بحرج:
_ عُمران؟!
ربع يديه أمام صدره يطالعها بنظرة ساخرة:
_ كنتِ متوقعة تشوفي مين غيري؟ اللي بتحلمي بيه مش قادر حتى يقوم يصحيكِ يا حبيبتي!
اعترض آدهم حديثه قائلًا بمشاكسة:
_ بكره أصحيها وأعملها أحلى فطار بايدي، أنا تحت أمر شمس هانم.
احتقن وجه شمس من فرط خجلها، وابتسامة عشقها له تتربع بين مُقلتيها، ابتسم عُمران وهو يتابع فرحتها، وتنحنح ليلفت انتباهها بخشونة:
_ ادخلي اعدلي طرحتك، الدكتور زمانه على وصول.
هزت رأسها في طاعةٍ، وولجت لحمام الغرفة ترتب حجابها بالكامل.
******
استند إيثان على سيارته ينتظر الشيخ مهران والشباب بالاسفل، كان شاردًا بذلك المشهد الذي أجج فيه النيران.
كان “يونس” أول من هبط إلى الأسفل، فأسرع إليه يعاتبه بضيق:
_ مقعدتش تفطر معانا ليه؟ رميت الاكياس على السفرة وجريت زي العيل الصغير!
وقدم له كيس بلاستيكي صغير، وعلبة من العصير المعلب:
_ عملتلك كام سندوتش من صنع إيديا، ألف هنا على قلبك يا إيثو.
أبعد يده عنه وهو يهتف بهدوء:
_ مش جعان.
ضيق فيروزته بدهشةٍ، لحقت نبرته:
_ مش جعان إزاي إنت مأكلتش حاجه من الصبح.
وعاد يقرب ما بيده له، فألقاه إيثان على مقدمة السيارة هادرًا بانفعالٍ:
_ مقولتلكمش مش متزفت يا يونس، متعصبنيش!
تفحصه يونس بنظرة دقيقة، كادت ان تتسلل لأعماقه، وبقلقٍ سأله:
_ أيه اللي حصل؟
مال لمقدمة سيارته يضم ذراعيه أمام صدره الهابط بعنفوان من فرط تعصب أنفاسه، عبثت قدمه بالأرض، ومن ثم رفعها إليه:
_ شوفت موقف مش مفهوم ولا داخل دماغي.
سأله بجدية واهتمام:
_ موقف أيه ده؟
تنهد بتثاقلٍ، جعله مهمومًا:
_ كريستيـن كانت واقفة مع شاب غريب وماسكه ايده، وكان باين أن بينهم حاجه مش عارف بالتحديد، بس لما قربت منهم الواد جري وهي كانت مرتبكة بشكل غريب.
سأله بجدية واهتمام:
_ مسألتهاش مين ده؟
أجابه وفمه قد تقوس بعدم اقتناع:
_ ألفت عليا حوار، فكسان ميدخلش مخ عيل صغير.
وتابع وهو يسحب نفسًا طويلًا:
_ انا شاكك أن الموضوع ده فيه حاجة، وحاجة كبيرة كمان.
أراد أن يجاري عقله، فسأله بوضوح:
_ قصدك إن في حاجة بينهم؟
هز رأسه معارضًا بشكلٍ نهائيٍ لما يقول:
_ لأ، كريستينا عمرها ما حبت غيري، إذا كان كانت مخلصة ليا وأنا مش شايلها من أرضها، هتيجي وأنا واقع في حبها وهتخون… لأ يا يونس الموضوع في حاجه مريبة، وكدبها عليا مزود شكوكي.
مال يستند جواره، يقدر حزنه وقلقه، ذلك المشاكس المبتسم بشكلٍ دائم، ما أن يسكن الهم وجهه، تجد عالم يونس بأكمله ينهار تدريجيًا!
بقى صامت لدقيقتين، ثم قال بثباتٍ عقلاني:
_ حاول تتكلم معاها مرة تانية، تحسسها بالأمان، وإنها لو مخبية عنك شيء وفاكرة إن رد فعلك هيكون عنيف فده بالعكس تمامًا، والافضل متكلمهاش وهي ببيت والدتها، يمكن تتردد تتكلم لحد من أهلها يسمعها، خرجها خروجه حلوة وحاول تعرف منها تفاصيل أكتر عن الموضوع.
هز رأسه باقتناعٍ تام، وهمس بعزيمة:
_ هعمل كده أكيد.
هبط الشيخ مهران برفقة سيف وآيوب، فصعد يونس برفقة إيثان بسيارته، وصعد آيوب والشيخ مهران بسيارة سيف التي أحضرها يوسف بالصباح لأخيه، واتجه بسيارة أجرة إلى المطار لاستقبال زوجته.
كان آيوب مهمومًا، منزعجًا من ذهابه إلى منزل مصطفى الرشيدي، ود لو أرسل أحد الشباب ولكنه الوحيد الذي سمح له آدهم بدخول منزله وغرفته الخاصة، حتى وقت زفافه كان يعاونه بكل مستلزماته الخاصة، فتثنى له رؤية خزانته وأغراضه الشخصية، لذا هو المناسب لجلب متعلقات أخيه.
توقف سيف خلف سيارة إيثان أمام منزل آدهم، ومع ذلك ظل آيوب محله مترددًا بالهبوط، حتى وضع الشيخ مهران يده على كتفه يحثه في همة:
_ إنزل هات لاخوك اللي طلبه منك يا ابني.
لف رأسه لأبيه، وقال بصوتٍ متحشرج:
_ مش عايز أشوفه.
همس الشيخ بحزنٍ:
_ لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم.
وقال له بصوتٍ مسموع، بث فيه كل حنانه:
_ إتكلمنا كتير في الموضوع ده يا آيوب، ولسه عايز تفتحه تاني يا ابني!
حزن سيف لاجل رفيقه، يقدر وجعه الملموس إليه، فأغلق مقود السيارة، وقال:
_ يالا يا آيوب، أنا نازل معاك.
استمد آيوب قوته لمواجهة من لا يود اللقاء به نهائيًا، ورافق سيف لداخل المنزل، حتى فتح الممرض الخاص بمصطفى الباب، يتساءل عن هوية الطارق.
لزم آيوب الصمت، فتنحنح سيف يخبره:
_ بلغه إن آيوب وصاحبه.
هز الممرض رأسه بخفة، وعاد للداخل يخبر سيده بالطارق، فإذا بمصطفى يتحرك بمقعده بكل سرعة، والسرور يحفل على وجهه، بستقبله بكل حب، ولهفة:
_ آيـــــوب، إنت جيت يا حبيبي، ادخل إدخل واقف عندك كدليه، هو إنت غريب، ده بيتك يابني!
رفع عينيه إليه يطالعه بكرهٍ، ودون أن يطول بوقفه ولج يتخطاه وصعد للأعلى مباشرة، تألم قلب مصطفى وملأت الدموع عينيه، فاختزل شفقة سيف الذي انحنى إليه يخبره:
_ متزعلش يا عمي، آيوب والله قلبه أبيض، هو بس محتاج وقت.
انتبه مصطفى لوجود هذا الشاب الغريب، فأزاح دموعه واستقبله بابتسامة:
_ أنت صاحبه؟
هز رأسه بهدوء، فان سبق ورأه لم يكن ليتذكره، فقال مصطفى بتوسل:
_ لو إنت قريب منه خليه يسامحني يابني، خليه يديني فرصة أقربه مني ويسمعني أرجوك.
ربت على كتفه وقال يوعده:
_ هحاول بكل طاقتي والله.. اطمن.
منحه ابتسامة ممتنة، ولكن مازال هناك علامة استفهام لصعود آيوب لغرفة آدهم بتلك الطريقة، فتساءل مصطفى بقلق:
_ هو ليه آيوب طلع على أوضة آدهم على طول، هو في حاجة ولا أيه؟
تلاشت ابتسامة سيف، ووقف متجمد كالعاجز، لا يعرف ماذا سيخبره؟ صمته قد زاد من قلق مصطفى، وخاصة حينما هبط آيوب يشير لسيف بضيقٍ:
_ أنا جبت الهدوم، يالا يا سيف.
زوى حاجبيه بذهول:
_ هدوم لمين؟ هو مش عمر مسافر؟
وزع نظراته بينهما في ريبة:
_ ابني ماله؟؟؟؟؟؟
تجاهل آيوب حديثه، وحاول دفع سيف قائلًا:
_ يالا يا سيف مش سامع!
لم يتحرك عن محله قنطرًا، بل انحنى يخبر مصطفى في آسف:
_ آدهم في المستشفى اتعرض لاصابة في مهمة كان طالعها، بس اطمن هو كويس وحالته مستقرة جدًا دلوقتي.
اتسعت عيناه في صدمة، بل أنه شعر ببرودة مزقت ساقيه العاجزة عن الحركة، فردد بعدم استيعاب لثقل الكلمات:
_ مستشفى أيه ومهمة أيه، أكيد في سوء تفاهم، آآ.. أنا ابني في شهر العسل هو وشمس مراته.
رد عليه سيف بشفقة:
_ شمس معاه في المستشفى.
انسكبت دموعه كالدلو العتيق، واحتقنت أنفاسه بشكلٍ مقبض، جعل الممرض يهرع إليه، يحاول أن ينظم أنفاسه بالكبسولات المتاحة لديه، وجاهد سيف لمساندته حتى لا يسقط من المقعد، بينما يطالعه آيوب بنظراتٍ خاوية، وصاح غير مبالي به:
_ يالا يا سيف هتيجي ولا أمشي؟
نصب سيف عوده واستدار يدفعه للحائط وهو يضرب صدره بعنفٍ:
_ إنت أيه مبتحسش!! مش شايف الراجل قدامك مش قادر يأخد نفسه!! عمرك ما كنت بالقسوة والجبروت ده يا آيوب، خد بالك علاقتك بآدهم هتنتهي لو أبوه جراله حاجه بسببك!
منحه نظرة مشتعلة بغضبٍ مدفون داخله، ما بال الجميع لا يرون ما فعله هذا الرجل به، الجميع يشفقون عليه لمجرد أنه رجلًا مريضًا!
حانت منه نظرة سريعة لمصطفى الذي يلتقط أنفاسه المضطربة بالبخاخ الصغير الذي يحمله الممرض، ولوهلة أشفق على حاله البائس!
استند على الحائط من خلفه، وترك سيف والممرض يساعدوه حتى هدأ تمامًا، فأمسك يد سيف وقال باكيًا:
_ خدني عند ابني ، وديني لعمر .
بدون أي كلمة دفع سيف المقعد للخارج، قاصدًا سيارته ويتبعه آيوب بغضب، فور أن رأه الشيخ مهران، هبط يعاون سيف حتى صعد بالمقعد الخلفي جوار الشيخ مهران الذي رحب به بطيبته وبشاشة وجهه.
صعد سيف لمقعده وفتح الباب المجاور له يشير لآيوب:
_ إركب يالا يا آيوب.
أغلق آيوب الباب بعنف وهو يتطلع لابيه الذي يعاون مصطفى ويشد آزاره ليحتمل خبر اصابة ابنه، بل وقال بعدوان:
_ اطلع إنت أنا هركب مع يونس وإيثان.
وبدون أي كلمة اخرى اتجه لسيارة إيثان يجلس بالخلف، مال مصطفى على النافذة، وهو يتمنى الموت من صمام قلبه، لربما حينها يتمكن آيوب من مسامحته!
ربت الشيخ مهران على كتفه وهو يقول بحكمته وتفائله:
_ بكره هينسى وهيسامح.
أغلق عينيه يعتصر دموعه، هامسًا بتمني:
_ يا رب.
***
رأها تسحب حقيبتها ويدها تضم بطنها الذي انتفخ قليلًا عن أخر مرة رأها بها، تقف بفستانها الابيض الفضفاض، تبحث عنه بعينين متلهفتين لرؤيته، وما أن رأته حتى اتسعت ابتسامتها ويدها تلوح له بفرحةٍ.
إقتحم “يوسف” الصفوف، ليقابلها بضمة غمرتها من فيض شوقه وعاطفته إليها، يردد بمشاعر:
_ وحشتيني يا لوليتا، وحشتيني أوي!
انزوت بين أحضانه بسعادة، لم يكن مدة افتراقهما كبيرًا ومع ذلك يعبر عن افتقادها بكل حبًا وشغفًا، ردت عليه بعشقٍ يفوقه:
_ وإنت كمان وحشتني يا يوسف، فراقك كان أصعب شيء مر عليا، بس الحمد لله اتجمعنا من تاني يا حبيبي.
أبعدها يقبل جبينها، وهمس لها:
_ يعيشلي الجميل اللي وحشته.
وتابع وهو يسحب عنها الحقيبة:
_ عنك يا باشا، تشيل وأنا موجود طيب دي تيجي ازاي؟
ضحكت بخفة عليه، واستدارت تبحث من حوله، متسائلة بحيرة:
_ أمال فين زينب وسيف؟
سحبها برفق للخارج، وقال بسخرية:
_ سيف طفشان عند آيوب، وزينب في المركز بتدور على محامي كويس يرفعلها قضية خلع.
برقت بعينيها بصدمة:
_ أيـــــــــــه؟!!
*****
اقتحم “علي” الغرفة، يبحث عن أخيه بلهفةٍ، تحررت على لسانه الناطق:
_ عُمــــــــــران!!
تجمدت يده الحامل لطاولة الطعام، يثبته حول آدهم بينما تقوم شمس بمعاونته على تناول طعامه، ترك عمران ما بيده واستدار يقابل اخيه، متسائلًا بدهشة:
_ علي!
هرع إليه يتفحصه بقلقٍ، وبينما يحاول التحكم بذاته الا أنه فشل وبرز خوفه الصريح:
_ طمني إنت كويس؟ فيك حاجه؟
رفع أحد حاجبيه بتهكمٍ:
_ سلامة نظرك يا قلب أخوك! آدهم هو اللي مريض مش أنا!
ووضع يده على جبينه بدراما مضحكة:
_ مفيش حرارة، الله أمال مالك يا علي؟!
دفع علي يده عنه، وجذب هاتفه يسلط الرسالة بوجه أخيه ويواجهه بغضب:
_ في إن حياة حضرتك في خطر، وواقف تهزر ببرود قدامي!!
خطف نظرة سريعة لما يحمله، ثم قال بعدم مبالاة:
_ إنت عامل كل ده عشان دي، فكك منهم دول عالم رايحة منهم، فاكرين إنهم هيختموني على قفايا، وأنا أختم قفا أمهم وبالجامد أوي!
استفزته كلماته بشكلٍ جعله يهدر بانفعال وعصبية:
_ يعني أيه أفكني منهم، دول بيهددوك بالقتل!!
عاد يضع المنشفة حول رقبة آدهم الذي يستمع لكل ما يقال بتمعن:
_ متكبرش الحوار يا علي، زي ما قولتلك دول أخرهم قفا معتبر مني وهيجيبوا ورا.
تحرر آدهم عن إنصاته، وتساءل باهتمام:
_ في أيه يا علي؟ ومين اللي بيهدده؟
جلس علي قبالته يقص له بايجاز ما أخبرته به زوجته، فقال بعدما فرغ علي من حديثه:
_ االموضوع ده ميتسكتش عليه يا عُمـــران، إصرار الناس دي إنك تسحب مشاريعك من هنا وراه شيء مريب.
وتابع بقلق وتوتر:
_ ولو اللي في دماغي صح يبقى إنت في خطر كبير ولازم تأمن نفسك منه.
دنى إليه علي يسأله بخوف:
_ أيه اللي في دماغك يا آدهم، قولي شاكك في أيه؟
اتبع محل صوت علي، وصمت قليلًا، لم يحبذ أن يزرع القلق إليه وإلى زوجته التي يشعر برعشة كفها بين كفه، لذا فاه بذكاء:
_ ابعتلي الاسكرينات دي على تليفوني يا علي، وأنا هتصرف، لو طلع وراهم حاجة هوصل الموضوع لحد من القادة، متقلقش.
طرقتين متتاليتين لامست باب الغرفة، وبعدها انفتح الباب وولج منه شابًا وسيمًا للغاية، ابتسامته تحمل اشراقة حياة بأكملها، اجتمعت الجاذبية والقبول فيه بشكلٍ يأسر القلوب، ملابسه المكونة من بنطال رمادي وتيشرت أبيض ومن فوقه قميص رمادي مفتوح جعلته جاذبًا بالرغم من أنه يرتدي ملابس غير رسمية، وغير مبالغ بثمنها، رغم أنه ينحدر لعائلة من أغني عائلات الوطن العربي، عائلة #الجارحي!
دنى بخطواته الهادئة التي تعبر عن شخصه الهادئ، حتى توقف أمام فراش آدهم، اتسعت ابتسامته وقال بصوته الرخيم:
_ صباح الخير يا حضرة الظابط، أنا الدكتور عمر الجارحي، طبعًا مش محتاج أقولك إني دكتور عيون شاطر ولا محتاج أعرفك أني هكون مسؤول عن حالتك بشكل كامل، لإن بمنتهى البساطة معاشر نسخة ميري في بيتي، ألا وهي أخويا التؤام، لذا أقدر أقولك بذكائي الخارق إنكم بتفهموها وهي على الشجرة من قبل ما توقع.
ابتسم آدهم ورفع يده يبحث عن يد عمر ليصافحه، فأمسك بها عمر، وصافحه بحرارة، بينما يرد آدهم باحترام:
_ أهلًا بحضرتك يا دكتور، أعرفك ده دكتور علي الغرباوي وبشمهندس عُمران الغرباوي، نسايبي.
تبادل عمر السلام معهما، فأشار له عمران على المقعد القريب من ادهم:
_ اتفضل يا دكتور.
جلس محل اشارته وهو يشكره بلباقة:
_ شكرًا يا بشمهندس.
انسحب عمران برفقة شمس للخارج، وتبقى علي جوار آدهم، يتابع فحص عمر الكلي لعين آدهم، باستخدام أجهزة مختلفة، فعاد لمقعده يدون بعض الملاحظات، ثم قال ومازالت عسليته تتعلق بدفتره الخاص:
_ واضح إن في شيء أذى عينك بشكل كبير، ولو هفترض إن وضعك ده نتيجة حادث فمستحيل يكون ده إزاز أو شيء حاد والا كانت هتكون الاصابة أخطر من كده.
ورفع عسليته له يمنحه بسمة خبيثة:
_ اللي قولته سابقًا بحكم مهنتي، لكن بحكم آني وللاسف تؤام واحد منكم فأحب أقولك إنك زرعت شريحة أذيتك لطول الوقت اللي فضلت محتفظ بيها فيه.
اتسعت ابتسامة آدهم، وقال باعجاب:
_ شكلهم مكدبوش لما قالوا عنك دكتور شاطر.
ضحك بصوته الجذاب، ومال يهمس له:
_ لا ده أنا أعجبك أوي، مخابرات تلاقي، ادارة أعمال تلاقي، أي حاجه هتلاقيني ماشي فيها ببركة دعوات الوالدة، لكن الوالد دعواته مبتخرجش الا بتصاريح قومية!
ضحك آدهم وشاركه علي، الذي قال:
_ المهم إن في أمل إنها بتطلع!
عاد يدون بعض الاشياء بدفتره وهو يمازحه:
_ الأمل مفقود وملهوش وجود طول ما قدامه شخص زي ياسين الجارحي!
وتابع وهو يضحك:
_ واللي يأكدلك أني بائس إني للاسف واقع مع نسخته واللي هو عدي أخويا، حضرتك أنا كنت في اسكندرية مع ولاد عمي بنقضي الاجازة بكل حب آسري، ألقيه باعتلي الساعة 1 بليل رسالة من كلمتين.
أحبه علي وارتاح للحديث برفقته، فسأله بفضول:
_ أيه الرسالة؟
مزق عمر ورقة من دفتره، وقال وهو يدون الاخرى بمهارة:
_ تسعة الصبح تكون في المستشفى العسكري، وبس يا باشا، تفتكر إني هحاول إني أعرف منه ليه مثلا؟ حضرتك أخويا ده لو تمثال رمسيس نطق شبيه ياسين الجارحي ده عمره ما هيقبل يقفل صفح التاريخ بكلمه يطلعها مفيدة، لذا أنا مبتعبش نفسي، جبت الشنطة وجيت.
وأضاف بجدية مضحكة:
_ وكده كده عندي نية المعالجة، سواء كان هو المصاب أو حد من اصحابه، طالما في نية كل الامور محلولة بأمر الله!
انفجر آدهم وعلي من الضحك، بينما ابتسم عمر بخفةٍ، ومزق الروشته وقدمها لعلي، ثم قال بحرافية تتناسب مع طبيب محترف مثله:
_ بص يا حضرة الرائد، فقدان البصر اللي عندك ده مش مؤكد مؤقت ولا بشكل دائم، عشان كده محتاج تتابع معايا بشكل مستمر، هنعمل شوية فحوصات وهتابع معايا الفترة الجاية، عشان كده كتبتلك في الورقة اللي مع دكتور على عنوان المستشفى الخاص بتاعي، ورقمي الخاص.
وقدم الورقة الاخرى لعلي هادرًا:
_ دي أدوية ومسكنات لحرقان وجروح عينك، لحد ما تهدى هنبدأ علاج على طول، وبناء على الفحوصات هقرر إذا كنت هتحتاج جراحه ولا لأ.
سأله علي باهتمام:
_ يعني هو في مرحلة علاج ممكن تخليه ميخضعش لجراحه.
أكد له عمر بجدية تامة:
_ بالظبط، همشيه على أدوية فعالة ونتايجها مضمونه بإذن الله، بس لما أبص على الفحوصات اللي هعملها بنفسي في المستشفى عشان احدد هبدأ معاه بأيه.
وبابتسامته البشوشة قال:
_ و إن شاء الله الادوية تجيب بفايدة ومنحتاجش للجراحة دي.
رد عليه آدهم بامتنان:
_ شكرًا يا دكتور.
اجابه عمر وهو يربت على يده:
_ الشكر لله وحده يا آدهم باشا.
وتابع بمرح:
_ شوفت منستش باشا ازاي، أصلي متعود اتفادى المخالفات مع سيادة العقيد، الموضوع بيقلب رعب لو ناديته باسمه كده عادي، مع أنه عمره ما احترمني وقالي يا دكتور!
ضحك آدهم وقال بثناء:
_ عدي باشا من أكفئ ظباط الداخلية، صيته جايب ومسمع ما شاء الله، مكنش ليا الحظ إني أشوفه أو اتعرف عليه، بس ليا حظ اتعرف على حضرتك.
مازحه بعنجهية مصطنعة:
_ الحمدلله انك مشفتهوش، وحظك الحلو وقعك فيا أنا!
ابتسم آدهم وقال بجدية:
_ حظي حلو فعلا.
وأضاف بلطف:
_ على فكرة أنا إسمي الحقيقي عمر.
صافح يده بقوة وقال بسعادة:
_ وده تاني سبب أحبك عشانه، بعيدًا عن إنك ظابط لاني وللاسف عندي عقدة من كل الظباط والفضل لاخويا المعقد!
وسحب حقيبته مستأذنًا للمغادرة برقي:
_ أنا اتشرفت بيك يا عمر، إن شاء الله ربنا يجعلني سبب ويسخرني لعلاجك.
وتابع وهو يربت على يده:
_ هستناك في المستشفى، المعاد كتبتهولك على دهر الروشتة، حمدلله على سلامتك مرة تانية.
وغادر تاركًا الراحة تغمر قلب آدهم، تضخمت الآمال لديه وهمس بتفاؤل:
_ تفتكر ممكن يكون فقدان البصر عندي مؤقت زي ما قال يا علي؟
انتبه له علي، فترك ما بيده ومال يخبره ببسمة هادئة:
_ مفيش حاجه بعيدة عن ربنا سبحانه وتعالى يا آدهم، أنا واثق إنك مش هتحتاج للجراحه بإذن الله، انا متفائل جدا بالدكتور ده، شكله ابن ناس ومحترم جدا.
هز رأسه يؤكد له:
_ باباه يبقى ياسين الجارحي، من أكبر وأهم رجال الاعمال في الشرق الاوسط، عيلته كلها تحت طوعه وراجل كلمته سيف على رقبة الكل، والداخلية بتعمله مليون حساب.
ابتسم علي وقال:
_ بعيدًا عن كل ده فهو عرف يربي صح، لو مكنتش حكيتلي عنه كل ده مكنتش شكيت للحظة إن شخص زي دكتور عمر ده باباه بالنفوذ دي كلها، إنسان بسيط ومتواضع، حقيقي حبيته!
****
وصل الجميع للمشفى، واتجهوا لغرفة آدهم، الذي ما أن استمع لصوت أبيه حتى خشى أن يزداد بيه المرض لرؤيته هكذا.
عاونه سيف وايثان بدفع المقعد حتى فراش آدهم، فردد باكيًا:
_ طمني عليك يابني! أيه اللي حصل؟؟!
رفع آدهم يديه يبحث عن يد أبيه، يستكشف محله بالتحديد وهو يناديه بخفوت:
_ بابا.
توسعت مُقلتي مصطفى بصدمة وهو يرى ابنه يبحث عنه وهو يجلس جواره، حركة يده وثبات عينيه دون حركة أفصحت بما فيه، فشقت صدره بقسوةٍ، وتحرر معه صوته الباكي ورفضه التام لاستقبال حقيقة أن فلذة كبده قد بات كفيفًا:
_ عمـر!!
تجاهل آيوب حديثه، وحاول دفع سيف قائلًا:
_ يالا يا سيف مش سامع!
لم يتحرك عن محله قنطرًا، بل انحنى يخبر مصطفى في آسف:
_ آدهم في المستشفى اتعرض لاصابة في مهمة كان طالعها، بس اطمن هو كويس وحالته مستقرة جدًا دلوقتي.
اتسعت عيناه في صدمة، بل أنه شعر ببرودة مزقت ساقيه العاجزة عن الحركة، فردد بعدم استيعاب لثقل الكلمات:
_ مستشفى أيه ومهمة أيه، أكيد في سوء تفاهم، آآ.. أنا ابني في شهر العسل هو وشمس مراته.
رد عليه سيف بشفقة:
_ شمس معاه في المستشفى.
انسكبت دموعه كالدلو العتيق، واحتقنت أنفاسه بشكلٍ مقبض، جعل الممرض يهرع إليه، يحاول أن ينظم أنفاسه بالكبسولات المتاحة لديه، وجاهد سيف لمساندته حتى لا يسقط من المقعد، بينما يطالعه آيوب بنظراتٍ خاوية، وصاح غير مبالي به:
_ يالا يا سيف هتيجي ولا أمشي؟
نصب سيف عوده واستدار يدفعه للحائط وهو يضرب صدره بعنفٍ:
_ إنت أيه مبتحسش!! مش شايف الراجل قدامك مش قادر يأخد نفسه!! عمرك ما كنت بالقسوة والجبروت ده يا آيوب، خد بالك علاقتك بآدهم هتنتهي لو أبوه جراله حاجه بسببك!
منحه نظرة مشتعلة بغضبٍ مدفون داخله، ما بال الجميع لا يرون ما فعله هذا الرجل به، الجميع يشفقون عليه لمجرد أنه رجلًا مريضًا!
حانت منه نظرة سريعة لمصطفى الذي يلتقط أنفاسه المضطربة بالبخاخ الصغير الذي يحمله الممرض، ولوهلة أشفق على حاله البائس!
استند على الحائط من خلفه، وترك سيف والممرض يساعدوه حتى هدأ تمامًا، فأمسك يد سيف وقال باكيًا:
_ خدني عند ابني ، وديني لعمر .
بدون أي كلمة دفع سيف المقعد للخارج، قاصدًا سيارته ويتبعه آيوب بغضب، فور أن رأه الشيخ مهران، هبط يعاون سيف حتى صعد بالمقعد الخلفي جوار الشيخ مهران الذي رحب به بطيبته وبشاشة وجهه.
صعد سيف لمقعده وفتح الباب المجاور له يشير لآيوب:
_ إركب يالا يا آيوب.
أغلق آيوب الباب بعنف وهو يتطلع لابيه الذي يعاون مصطفى ويشد آزاره ليحتمل خبر اصابة ابنه، بل وقال بعدوان:
_ اطلع إنت أنا هركب مع يونس وإيثان.
وبدون أي كلمة اخرى اتجه لسيارة إيثان يجلس بالخلف، مال مصطفى على النافذة، وهو يتمنى الموت من صمام قلبه، لربما حينها يتمكن آيوب من مسامحته!
ربت الشيخ مهران على كتفه وهو يقول بحكمته وتفائله:
_ بكره هينسى وهيسامح.
أغلق عينيه يعتصر دموعه، هامسًا بتمني:
_ يا رب.
***
رأها تسحب حقيبتها ويدها تضم بطنها الذي انتفخ قليلًا عن أخر مرة رأها بها، تقف بفستانها الابيض الفضفاض، تبحث عنه بعينين متلهفتين لرؤيته، وما أن رأته حتى اتسعت ابتسامتها ويدها تلوح له بفرحةٍ.
إقتحم “يوسف” الصفوف، ليقابلها بضمة غمرتها من فيض شوقه وعاطفته إليها، يردد بمشاعر:
_ وحشتيني يا لوليتا، وحشتيني أوي!
انزوت بين أحضانه بسعادة، لم يكن مدة افتراقهما كبيرًا ومع ذلك يعبر عن افتقادها بكل حبًا وشغفًا، ردت عليه بعشقٍ يفوقه:
_ وإنت كمان وحشتني يا يوسف، فراقك كان أصعب شيء مر عليا، بس الحمد لله اتجمعنا من تاني يا حبيبي.
أبعدها يقبل جبينها، وهمس لها:
_ يعيشلي الجميل اللي وحشته.
وتابع وهو يسحب عنها الحقيبة:
_ عنك يا باشا، تشيل وأنا موجود طيب دي تيجي ازاي؟
ضحكت بخفة عليه، واستدارت تبحث من حوله، متسائلة بحيرة:
_ أمال فين زينب وسيف؟
سحبها برفق للخارج، وقال بسخرية:
_ سيف طفشان عند آيوب، وزينب في المركز بتدور على محامي كويس يرفعلها قضية خلع.
برقت بعينيها بصدمة:
_ أيـــــــــــه؟!!
*****
اقتحم “علي” الغرفة، يبحث عن أخيه بلهفةٍ، تحررت على لسانه الناطق:
_ عُمــــــــــران!!
تجمدت يده الحامل لطاولة الطعام، يثبته حول آدهم بينما تقوم شمس بمعاونته على تناول طعامه، ترك عمران ما بيده واستدار يقابل اخيه، متسائلًا بدهشة:
_ علي!
هرع إليه يتفحصه بقلقٍ، وبينما يحاول التحكم بذاته الا أنه فشل وبرز خوفه الصريح:
_ طمني إنت كويس؟ فيك حاجه؟
رفع أحد حاجبيه بتهكمٍ:
_ سلامة نظرك يا قلب أخوك! آدهم هو اللي مريض مش أنا!
ووضع يده على جبينه بدراما مضحكة:
_ مفيش حرارة، الله أمال مالك يا علي؟!
دفع علي يده عنه، وجذب هاتفه يسلط الرسالة بوجه أخيه ويواجهه بغضب:
_ في إن حياة حضرتك في خطر، وواقف تهزر ببرود قدامي!!
خطف نظرة سريعة لما يحمله، ثم قال بعدم مبالاة:
_ إنت عامل كل ده عشان دي، فكك منهم دول عالم رايحة منهم، فاكرين إنهم هيختموني على قفايا، وأنا أختم قفا أمهم وبالجامد أوي!
استفزته كلماته بشكلٍ جعله يهدر بانفعال وعصبية:
_ يعني أيه أفكني منهم، دول بيهددوك بالقتل!!
عاد يضع المنشفة حول رقبة آدهم الذي يستمع لكل ما يقال بتمعن:
_ متكبرش الحوار يا علي، زي ما قولتلك دول أخرهم قفا معتبر مني وهيجيبوا ورا.
تحرر آدهم عن إنصاته، وتساءل باهتمام:
_ في أيه يا علي؟ ومين اللي بيهدده؟
جلس علي قبالته يقص له بايجاز ما أخبرته به زوجته، فقال بعدما فرغ علي من حديثه:
_ االموضوع ده ميتسكتش عليه يا عُمـــران، إصرار الناس دي إنك تسحب مشاريعك من هنا وراه شيء مريب.
وتابع بقلق وتوتر:
_ ولو اللي في دماغي صح يبقى إنت في خطر كبير ولازم تأمن نفسك منه.
دنى إليه علي يسأله بخوف:
_ أيه اللي في دماغك يا آدهم، قولي شاكك في أيه؟
اتبع محل صوت علي، وصمت قليلًا، لم يحبذ أن يزرع القلق إليه وإلى زوجته التي يشعر برعشة كفها بين كفه، لذا فاه بذكاء:
_ ابعتلي الاسكرينات دي على تليفوني يا علي، وأنا هتصرف، لو طلع وراهم حاجة هوصل الموضوع لحد من القادة، متقلقش.
طرقتين متتاليتين لامست باب الغرفة، وبعدها انفتح الباب وولج منه شابًا وسيمًا للغاية، ابتسامته تحمل اشراقة حياة بأكملها، اجتمعت الجاذبية والقبول فيه بشكلٍ يأسر القلوب، ملابسه المكونة من بنطال رمادي وتيشرت أبيض ومن فوقه قميص رمادي مفتوح جعلته جاذبًا بالرغم من أنه يرتدي ملابس غير رسمية، وغير مبالغ بثمنها، رغم أنه ينحدر لعائلة من أغني عائلات الوطن العربي، عائلة #الجارحي!
دنى بخطواته الهادئة التي تعبر عن شخصه الهادئ، حتى توقف أمام فراش آدهم، اتسعت ابتسامته وقال بصوته الرخيم:
_ صباح الخير يا حضرة الظابط، أنا الدكتور عمر الجارحي، طبعًا مش محتاج أقولك إني دكتور عيون شاطر ولا محتاج أعرفك أني هكون مسؤول عن حالتك بشكل كامل، لإن بمنتهى البساطة معاشر نسخة ميري في بيتي، ألا وهي أخويا التؤام، لذا أقدر أقولك بذكائي الخارق إنكم بتفهموها وهي على الشجرة من قبل ما توقع.
ابتسم آدهم ورفع يده يبحث عن يد عمر ليصافحه، فأمسك بها عمر، وصافحه بحرارة، بينما يرد آدهم باحترام:
_ أهلًا بحضرتك يا دكتور، أعرفك ده دكتور علي الغرباوي وبشمهندس عُمران الغرباوي، نسايبي.
تبادل عمر السلام معهما، فأشار له عمران على المقعد القريب من ادهم:
_ اتفضل يا دكتور.
جلس محل اشارته وهو يشكره بلباقة:
_ شكرًا يا بشمهندس.
انسحب عمران برفقة شمس للخارج، وتبقى علي جوار آدهم، يتابع فحص عمر الكلي لعين آدهم، باستخدام أجهزة مختلفة، فعاد لمقعده يدون بعض الملاحظات، ثم قال ومازالت عسليته تتعلق بدفتره الخاص:
_ واضح إن في شيء أذى عينك بشكل كبير، ولو هفترض إن وضعك ده نتيجة حادث فمستحيل يكون ده إزاز أو شيء حاد والا كانت هتكون الاصابة أخطر من كده.
ورفع عسليته له يمنحه بسمة خبيثة:
_ اللي قولته سابقًا بحكم مهنتي، لكن بحكم آني وللاسف تؤام واحد منكم فأحب أقولك إنك زرعت شريحة أذيتك لطول الوقت اللي فضلت محتفظ بيها فيه.
اتسعت ابتسامة آدهم، وقال باعجاب:
_ شكلهم مكدبوش لما قالوا عنك دكتور شاطر.
ضحك بصوته الجذاب، ومال يهمس له:
_ لا ده أنا أعجبك أوي، مخابرات تلاقي، ادارة أعمال تلاقي، أي حاجه هتلاقيني ماشي فيها ببركة دعوات الوالدة، لكن الوالد دعواته مبتخرجش الا بتصاريح قومية!
ضحك آدهم وشاركه علي، الذي قال:
_ المهم إن في أمل إنها بتطلع!
عاد يدون بعض الاشياء بدفتره وهو يمازحه:
_ الأمل مفقود وملهوش وجود طول ما قدامه شخص زي ياسين الجارحي!
وتابع وهو يضحك:
_ واللي يأكدلك أني بائس إني للاسف واقع مع نسخته واللي هو عدي أخويا، حضرتك أنا كنت في اسكندرية مع ولاد عمي بنقضي الاجازة بكل حب آسري، ألقيه باعتلي الساعة 1 بليل رسالة من كلمتين.
أحبه علي وارتاح للحديث برفقته، فسأله بفضول:
_ أيه الرسالة؟
مزق عمر ورقة من دفتره، وقال وهو يدون الاخرى بمهارة:
_ تسعة الصبح تكون في المستشفى العسكري، وبس يا باشا، تفتكر إني هحاول إني أعرف منه ليه مثلا؟ حضرتك أخويا ده لو تمثال رمسيس نطق شبيه ياسين الجارحي ده عمره ما هيقبل يقفل صفح التاريخ بكلمه يطلعها مفيدة، لذا أنا مبتعبش نفسي، جبت الشنطة وجيت.
وأضاف بجدية مضحكة:
_ وكده كده عندي نية المعالجة، سواء كان هو المصاب أو حد من اصحابه، طالما في نية كل الامور محلولة بأمر الله!
انفجر آدهم وعلي من الضحك، بينما ابتسم عمر بخفةٍ، ومزق الروشته وقدمها لعلي، ثم قال بحرافية تتناسب مع طبيب محترف مثله:
_ بص يا حضرة الرائد، فقدان البصر اللي عندك ده مش مؤكد مؤقت ولا بشكل دائم، عشان كده محتاج تتابع معايا بشكل مستمر، هنعمل شوية فحوصات وهتابع معايا الفترة الجاية، عشان كده كتبتلك في الورقة اللي مع دكتور على عنوان المستشفى الخاص بتاعي، ورقمي الخاص.
وقدم الورقة الاخرى لعلي هادرًا:
_ دي أدوية ومسكنات لحرقان وجروح عينك، لحد ما تهدى هنبدأ علاج على طول، وبناء على الفحوصات هقرر إذا كنت هتحتاج جراحه ولا لأ.
سأله علي باهتمام:
_ يعني هو في مرحلة علاج ممكن تخليه ميخضعش لجراحه.
أكد له عمر بجدية تامة:
_ بالظبط، همشيه على أدوية فعالة ونتايجها مضمونه بإذن الله، بس لما أبص على الفحوصات اللي هعملها بنفسي في المستشفى عشان احدد هبدأ معاه بأيه.
وبابتسامته البشوشة قال:
_ و إن شاء الله الادوية تجيب بفايدة ومنحتاجش للجراحة دي.
رد عليه آدهم بامتنان:
_ شكرًا يا دكتور.
اجابه عمر وهو يربت على يده:
_ الشكر لله وحده يا آدهم باشا.
وتابع بمرح:
_ شوفت منستش باشا ازاي، أصلي متعود اتفادى المخالفات مع سيادة العقيد، الموضوع بيقلب رعب لو ناديته باسمه كده عادي، مع أنه عمره ما احترمني وقالي يا دكتور!
ضحك آدهم وقال بثناء:
_ عدي باشا من أكفئ ظباط الداخلية، صيته جايب ومسمع ما شاء الله، مكنش ليا الحظ إني أشوفه أو اتعرف عليه، بس ليا حظ اتعرف على حضرتك.
مازحه بعنجهية مصطنعة:
_ الحمدلله انك مشفتهوش، وحظك الحلو وقعك فيا أنا!
ابتسم آدهم وقال بجدية:
_ حظي حلو فعلا.
وأضاف بلطف:
_ على فكرة أنا إسمي الحقيقي عمر.
صافح يده بقوة وقال بسعادة:
_ وده تاني سبب أحبك عشانه، بعيدًا عن إنك ظابط لاني وللاسف عندي عقدة من كل الظباط والفضل لاخويا المعقد!
وسحب حقيبته مستأذنًا للمغادرة برقي:
_ أنا اتشرفت بيك يا عمر، إن شاء الله ربنا يجعلني سبب ويسخرني لعلاجك.
وتابع وهو يربت على يده:
_ هستناك في المستشفى، المعاد كتبتهولك على دهر الروشتة، حمدلله على سلامتك مرة تانية.
وغادر تاركًا الراحة تغمر قلب آدهم، تضخمت الآمال لديه وهمس بتفاؤل:
_ تفتكر ممكن يكون فقدان البصر عندي مؤقت زي ما قال يا علي؟
انتبه له علي، فترك ما بيده ومال يخبره ببسمة هادئة:
_ مفيش حاجه بعيدة عن ربنا سبحانه وتعالى يا آدهم، أنا واثق إنك مش هتحتاج للجراحه بإذن الله، انا متفائل جدا بالدكتور ده، شكله ابن ناس ومحترم جدا.
هز رأسه يؤكد له:
_ باباه يبقى ياسين الجارحي، من أكبر وأهم رجال الاعمال في الشرق الاوسط، عيلته كلها تحت طوعه وراجل كلمته سيف على رقبة الكل، والداخلية بتعمله مليون حساب.
ابتسم علي وقال:
_ بعيدًا عن كل ده فهو عرف يربي صح، لو مكنتش حكيتلي عنه كل ده مكنتش شكيت للحظة إن شخص زي دكتور عمر ده باباه بالنفوذ دي كلها، إنسان بسيط ومتواضع، حقيقي حبيته!
****
وصل الجميع للمشفى، واتجهوا لغرفة آدهم، الذي ما أن استمع لصوت أبيه حتى خشى أن يزداد بيه المرض لرؤيته هكذا.
عاونه سيف وايثان بدفع المقعد حتى فراش آدهم، فردد باكيًا:
_ طمني عليك يابني! أيه اللي حصل؟؟!
رفع آدهم يديه يبحث عن يد أبيه، يستكشف محله بالتحديد وهو يناديه بخفوت:
_ بابا.
توسعت مُقلتي مصطفى بصدمة وهو يرى ابنه يبحث عنه وهو يجلس جواره، حركة يده وثبات عينيه دون حركة أفصحت بما فيه، فشقت صدره بقسوةٍ، وتحرر معه صوته الباكي ورفضه التام لاستقبال حقيقة أن فلذة كبده قد بات كفيفًا:
_ عمـر!!
رواية صرخات انثى الفصل التاسع والثمانون 89 - بقلم ايه محمد رفعت
وجود الشيخ مهران بجوار مصطفى في تلك اللحظة كان بمثابة ضمادة طبية، شُفيت جروحه، بل كان راضيًا، شاكرًا لله أن ابنه الوحيد مازال على قيد الحياة.
وها هو يعود برفقته للمنزل من جديد، بعد أن مر الطبيب عليه بحضور الشباب بأكملهم، فأعاد الكشف على جرحه، وحينما اطمئن على وضعه الصحي، قبل بطلب آدهم بعودته للمنزل، وبالفعل عاونه الشباب حتى عاد لمنزله من جديد، وبعد أن قضوا برفقته القليل من الوقت، غادر الجميع لأعمالهم ولم يتبقى برفقته سوى زوجته وأخيه الذي أصر أن يبقيه، مستغلًا حالته لإبقائه بجوار أبيه قدر ما تمكن.
وانتهى الأمر بـ "آيوب" وهو ينتقي من بين ملابس أخيه المناسب له، فجذب ترنج رياضي باللون الأسود، واتجه للفراش حيث يجلس "آدهم" بانتظاره ليرتدي ما جلبه إليه.
انحنى "آيوب" يعاونه على ارتداء بنطاله، ثم جذب التيشرت يضعه فوق رأسه، وبعناية فائقة حرك يده مع مراعاة عدم المساس بجرحه، بينما تموج من عينيه دمعة خانته لرؤية إصابة أخيه عن قرب، وبوضوحٍ تام.
ابتسم آدهم وانصاع لذراعه الذي يدفعه برفقٍ للوسادة، وهتف بامتنانٍ:
"شكرًا يا بشمهندس."
أزاح دموعاته وعاون نفسه على التقاط أنفاسه بهدوءٍ، لا يود أن يكشف آدهم أمره، جاور جلسته وقال مبتسمًا:
"أنا تحت أمر معاليك يا حضرة الرائد، ولا تحب أقولك يا سيادة المقدم؟"
لاحت هالة من الحزن على وجهه، ومع ذلك حافظ على ابتسامته وجعلها مزحة لما سيقول:
"معتقدش إنهم ممكن يرقوني أو يقبلوني في الجهاز طول ما أنا أعمى، فنمشيها رائد لحد ما نشوف الحكاية هتنتهي على إيه!"
انتقل الحزن منه لأخيه، الذي اعترض على ما قال:
"مستحيل يستغنوا عن ظابط شجاع ومخلص زيك، ثم إن الدكتور مأكد إنها إصابة مؤقتة، يعني هتترقى وهيتعملك أحلى حفلة ترقية يا سيادة المقدم."
اتسعت ابتسامته بشكلٍ جعله أكثر جاذبية، وبنبرة صدق قال:
"ولا يعنيلي أي شيء غير وجودك جنبي في اللحظة دي يا آيوب."
ورفع يده يمررها بجواره، في محاولة لإيجاده بجواره، فرفع آيوب يده يمسك كف أخيه، شدد آدهم عليه:
"أوعى تكون لسه زعلان مني، أو تكون متضايق إني أصريت تقعد معايا، أنا متعودتش إن حد يساعدني قبل كده، عارف إن الكل حواليا ونفسهم يساعدوني وأولهم علي وعمران بس أنا مش قابل ده ولا قابل غيرك."
وأضاف وهو يتنهد بوجعٍ:
"بحاول أحارب أي إحساس بالعجز ممكن يهاجمني، وأنا عارف إنه مش سهل، خصوصًا إني اتعودت أعمل كل حاجة بنفسي، وطول ما أنا هنا بالبيت مكنتش بسمح للشغالة تدخل أوضتي حتى وتنضفها."
ورسم بسمة باهتة وهو يخبره:
"حتى أبويا، الممرض ميجرأش يقربله طول ما أنا هنا، بكون مسؤول عنه مسؤولية كاملة."
وضغط على كف آيوب وهو يهتف بآنينٍ مكبوت:
"بقيت أنا كمان عاجز زيه، ومحتاج للي يساعدني!"
سقطت دموعه بعدما فشل بالسيطرة عليها، واتبعها صوته المتحشرج تأثرًا ببكائه:
"هقطع لسانك لو نطقت كلمة عاجز دي تاني، ولا هيهمني إنك ظابط ولا حتى إنك أخويا الكبير اللي المفروض أهابه وأخاف منه!"
طالعه بغرابةٍ وانفجر ضاحكًا، وهو يردد بصعوبةٍ بالحديث:
"بقيت نسخة من عمران إنت كمان!!"
شاركه الضحك وهو يميل تجاهه:
"بصراحة عمران ده برنس ومدرسة يُدرس فيها فنون الرد وقصف الجبهات."
وأضاف وقد أصبح يميل على كتف آدهم الضاحك:
"بس مهما تتعلم منه وتقف قصاده جبهتك هتطير هتطير مفيش مهرب من ده."
ضحك آدهم وقال ساخرًا:
"إنت هتكلمني عنه!! مهما تقول مش هتتخيله وهو راسم عليا دور الحما العقربة، كنت فاكر إن الحظ لاعب معايا وباعتلي فريدة هانم، وهي بصراحة قمة الذوق والرقي، ودكتور علي حقيقي إنسان رائع ومفيش زيه، استغربت لوهلة إن مفيش حروب هتحصل معايا زي اللي بسمع عنها، لحد ما جه عمران وأخد حق كل العقارب اللي المفروض تكون موجودة بعيلة العروسة."
تعالت ضحكاتهما معًا دون توقف، حتى استمعوا لصوت دقات رقيقة على باب الغرفة، اعتدل آيوب وعينيه الغاضبة تحيط الباب ظنًا من أن مصطفى هو الطارق، ولمس آدهم ذلك حينما وجده يتوقف عن الضحك، فقال بنبرة لفحها عشقًا مهما بدت عادية:
"دي شمس، متقلقش."
يعرفها من رقة طرقاتها وكأن كل شيءٍ تفعله رقيق مثلها، فرفع صوته يحثها على الولوج قائلًا:
"تعالي يا شمس، إدخلي."
انساقت لأمره بالدخول، ففتحت باب الغرفة، وولجت تحمل صينية دائرية، تحمل من فوقه طبق كبير من الحساء، حملته واتجهت إليه، تجلس قبالته بالجانب الآخر من الفراش، وقربت منه الملعقة بالحساء، قائلة:
"عملتلك شوربة خضار عشان تأخد بقية أدويتك زي ما الدكتور قال."
غادرته الابتسامة بشكلٍ أضحك آيوب بشدةٍ، بينما يعتدل آدهم بجلسته وهو يبتلع ريقه بتقززٍ، بينما يجاهد لثبات نبرته:
"شوربة إيه؟!"
تابعت شمس آيوب الضاحك باستغرابٍ، واجابت سؤاله الغريب:
"خضار يا آدهم، مالك؟"
رد عليها وهو يلكز آيوب ليتوقف عما يفعله:
"مالي يا حياتي، أنا زي الفل أهو."
لكزه من أسفل الغطاء مجددًا، فسارع آيوب بقوله:
"بقول إيه يا شمس، ما تجيبيله عصير فريش كده قبل ما ياكل لأن في دوا المفروض يتأخد قبل الأكل."
هزت رأسها بخفةٍ، وتركت ما تحمله على الكومود قائلة بلطفٍ أذاب قلب الآدهم العاشق:
"حاضر، هعمله حالًا وهرجع على طول."
أنصت جيدًا لباب الغرفة الذي أغلقته من خلفها، وعلى الفور أحاط رقبة آيوب بحركة فاجأته، بل وصدمته سرعة إحكام آدهم وتحديد محله، بينما جذبه إليه يهدر بوعيدٍ:
"عارف لو سبت بسلة واحدة بس في الطبق هعمل فيك إيه؟"
احتقن آيوب وهو يحاول تحرير رقبته من بين قبضة آدهم القوية، هادرًا باختناقٍ:
"سبني طيب عشان أعرف أنقذك!"
دفعه تجاه الكومود الحامل للطعام بعنف:
"اتنيل أنقذني بسرعة قبل ما ترجع."
سقط آيوب بنوبة من الضحك، وخاصة وهو يراقب النفور البادي على ملامح أخيه، فأحاط رقبته بألمٍ وصاح بسخطٍ:
"مش قادر تنسى إنك ظابط أبدًا، حتى وإنت في الحالة دي!"
وجلس جوار الكومود يحمل الطبق على ساقيه، وينتشل بالملعقة حبات البازلاء الخضراء، ونفس الملامح المنفرة ترسم على ملامحه هو الآخر، بينما تلوح له ذكرى أول لقاء جمعه بأخيه بشقة سيف، فاستدار تجاه آدهم وقال بابتسامة شملت الحزن والمزح معًا:
"هو أنا كان المفروض أفهم إنك أخويا في اليوم ده؟"
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي آدهم، وقال بنغزة احتلت صدره:
"مش عارف، بس اللي أنا واثق منه إنك من اللحظة اللي شوفتك فيها وبقى يهمني أمرك بشكل مكنش متوقع ليا."
انتشل كمية لا بأس بها من البازلاء، وأردف ضاحكًا:
"طيب ما كنت تقولها إنك بتكره البسلة أسهل من كل ده!"
لوى شفتيه بنزقٍ:
"نعم! إنت متخيل إني هكسر بخاطرها بالشكل ده! يكفيني فخرًا إن شمس هانم دخلت المطبخ ولأول مرة عشان تعملي حاجة من إيدها!"
وأضاف ساخرًا وهو يعود لنوبة الضحك من جديد:
"هو اختيارها كان صدمة ليا بس وماله تعدي وأبلع عشانها الزلط."
حدجه آيوب بنظرة ساخطة، وقرب منه الطبق:
"طيب بألف هنا يا عم الحبيب."
أبعد الطبق عنه وهو يصيح بضيق:
"بطل غلاسة وشيلها بسرعة قبل ما ترجع!"
انتشل آخر حبة ووضعها بكفه مع باقي حبات البازلاء، ثم أعاد الطبق للكومود فور أن استمع لدقات باب الغرفة وهو يتساءل بحيرة:
"طيب أنا هعمل إيه بالبسلة دي دلوقتي؟"
لاح له ذكرى يوم المشفى حينما كان يحتجز بها سيف في لندن، وقال بتسلية:
"اتصرف يا بشمهندس!"
ولجت شمس للداخل، تقدم له العصير بابتسامة يتمنى لو يبصرها الآن بعينيه، دفعت حبتين من الدواء إليه، فتناوله آدهم وهو يشكرها، بينما لم يجد آيوب مهربًا إلا تناول ما بيده، فامتقعت ملامحه فور أن ابتلعها، وسعل بقوةٍ وعنف حتى شعر بأن معدته لا تقبل ما تناوله للتو، فانتزع كوب العصير من يد أخيه يتجرعه جرعة واحدة، يهدئ بها سعاله، بينما يكاد آدهم أن يسقط من الضحك وهو يعود بذكرياته لليوم الذي التهم فيه البازلاء بدلًا منه، فيشعر الآن بما يشعر به.
قلقت شمس وهو تراقب وضع آيوب الغامض، وتساءلت:
"مالك يا آيوب إنت كويس؟"
استقام بوقفته وبعد يده عن بطنه، يجيبها:
"أنا كويس الحمد لله."
ورفع الكوب الفارغ بحرجٍ منها:
"آسف."
أجابته بلطفها:
"إنتوا الاتنين واحد."
وتابعت وهي تشير على الزجاجة :
"هات أجبلك كمان أنا عاملة كتير."
دنى إليها يلتقط الزجاجة، سكب منها وقدم لاخيه قائلًا باحترام:
"تسلم إيدك طعمه جميل، بس أنا خلاص مش قادر."
واستطرد ومازال بصره موضع أرضًا عنها، مثلما رباه الشيخ مهران:
"هستأذن أنا بقى، وبكرة الصبح هعدي عليك بإذن الله."
أحاط آدهم كف آيوب المحاط بالكوب، وقال وزعله بادي عليه:
"هتسبني بردو يا آيوب!"
ربت على كفه بيده الأخرى وقال:
"أول ما هصحى هجيلك على طول بإذن الله."
ومال يهمس له كأنه يودعه:
"لو اتاخرت اعرف إني بعمل غسيل معدة وراجع تاني، فمتقلقش عليا.."
ضحك آدهم وشاركه آيوب، بينما تتابعهما شمس بابتسامة رقيقة، وكأن علاقة أشقائها تتجسد من أمامها الآن، غادر آيوب وفور انغلاق الباب، وجدته شمس يسحبها لأحضانه، حرمانه من رؤيتها يزيد من ألم قلبه، يود لو أن يشعر برائحتها بأنه يراها.
جسده العضلي ألمها بقوةٍ، ومع ذلك لم تريد أن تبعده عنها، يترجم لها اشتياقه لها بطريقة كانت ملموسة إليها، فمالت على كتفه تهمس له بدهشة:
"من شوية كنت حزين إن آيوب هيمشي ويسيبك، لدرجة إني حسيتك مش عايزني جنبك، ودلوقتي بتحضني وكأنك كنت موجوع من بعدي عنك الشوية دول!"
حررها عن حصاره القوي، وضم وجهها بتمكنٍ وعشقه يحوم بنبرته الحنونة:
"إنتِ وحشاني حتى في اللحظة اللي بتكلميني فيها دلوقتي، إنتِ نور الشمس اللي نور حياتي يا شمسي."
وتابع يوضح لها بحزنٍ:
"أنا عارف إني اللي هقولهولك ده غلط وغلط كبير جدًا كمان بس غصب عني، لازم أقرب آيوب من بابا، فعشان كده بحاول على قد ما أقدر أخليه جنبي، لكن ده مش معناه إني أستغنى عنك يا شمس."
انصاعت ليده التي تقرب رأسها لرقبته، يضمها مجددًا وتلك المرة تمددت بجواره، وهدرت في محاولةٍ للاعتراض:
"الشوربة هتبرد يا آدهم."
وتابعت بشكٍ:
"هي مش عجباك؟"
انتفض يجلس باستقامة وهو يشير لها:
"بالعكس، دي أطعم شوربة أكلتها في حياتي."
وأضاف مبتسمًا، وهو يطبع قبلة على باطن يدها :
"كفايا إنها من صنع إيد شمس هانم الغرباوي!"
هبط "آيوب" للأسفل، بطريق الردهة الواسعة للخروج من المنزل، فاعترض طريقه "مصطفى" الذي خرج للتو من غرفة مكتبه، يحرك مقعده تجاهه وهو يناديه بلهفةٍ:
"آيــوب!"
توقف محله وهو يكور قبضة يده، يجاهد للتحلي بالصبر والحكمة بالتعامل، ولكنه فور رؤيته يتناسى كل شيء تعلمه على يد أبيه الوقور، فأغلق عينيه وصوت أنفاسه المتعصبة تفور كالموج الثائر، بينما يتطلع له مصطفى بحب لمس نبرته المتعجبة من رحيله المفاجئ:
"إنت نازل ليه؟ مش كنت هتبات مع آدهم النهاردة؟"
ود لو تجاهله وتخاطاه ليغادر، ولكن نصايح أبيه وتشديداته بأن يكون لطيفًا، رحيمًا به، وخاصة بعد أن رأى طريقته بالتعامل معه بالصباح، فقال وهو يتخطاه ليغادر:
"هرجع تاني الصبح."
أدار مقعده بالتحكم الإلكتروني، وصاح:
"ليه يا حبيبي ما تخليك هنا النهاردة، ده بيتك بردو!"
إلى هنا وكفى، استدار يقابله بنظرة غاضبة، وعاد يقف أمامه يخبره بصوتٍ على الرغم من أنه منخفض الا أنه كان شرسًا متحديًا:
"بيتي هو بيت الشيخ مهران، وراحتي جوه بيته مش هنا، فأوعى عقلك يخيلك إنك ممكن تستغل فترة وجودي هنا، أنا مرغم أشوف وشك ده بالفترة الجاية كتير، فخليني أنبهك من البداية إني موجود هنا عشان آدهم وبس، فمن فضلك خليك بعيد عني وإرحمني من عذاب الضمير اللي بكون فيه من طريقة تعاملي معاك."
وأضاف بفخرٍ واعتزاز:
"الشيخ مهران رباني أحترم الصغير قبل الكبير، فمتحاولش بإلحاحك ده تجبرني أتعامل معاك بشكل متعودتش أتعامل بيه مع حد، وأضطر أواجه زعل أبويا مني بعد كده."
انسكبت دمعة من عيني مصطفى، ابنه لا يفوت فرصة إلا ويستغلها ليؤكد له أن الشيخ مهران وحده من يملك السلطة الكاملة به، يفقده الأمل بالصفح عنه أو السماح له بالتقرب منه تدريجيًا، وكأنه يقيده بعجزٍ يفوق عجزه.
أزاح مصطفى دمعته وتابعه وهو يحرر مقبض الباب العتيق ويغادر للحديقة، فلحق به لأطراف الدرج الخارجي، يخبره:
"طيب على الأقل خلي السواق يوصلك مكان ما تحب."
زفر بضجرٍ من أنه مازال يلاحقه، واستدار يصعد الدرج الضخم حتى بات قبالته، وانحنى إليه يخبره بكلماتٍ محذرة:
"قلتلك حاول تتجاهل وجودي، أنا لا عايز أكون في بيتك ولا عايز أركب حاجة تخصك، ولا عايز أشوفك من الأساس."
وأضاف بعدائية شديدة:
"ولو فاكر إن فرق المعيشة اللي بينك وبين الشيخ مهران هيخليني أفضل أعيش في الرفاهية دي فخليني أكدلك إن لو هعيش على حصير في بيت الشيخ مهران أهون ألف مرة من جنتك."
قالها وغادر بمنتهى البساطة، تاركًا يبكي من خلفه بصوتٍ مسموع إليه، فأطلق العنان لساقيه، وهو يتمنى لو تقصر المسافة بينه وبين البوابة الخارجية لمنزل آدهم، وحينما وصل لها وقف يراجع ذاته وعينيه تلمع بالدموع، استدار خلفه فوجد مصطفى مازال محله يبكي وهو يضم وجهه بين يديه.
رطم الأرض بعنف وهو يتمتم بضيق:
"لسه عايز مني إيه، حرام عليك!"
خرج عن البوابة واتجه للطريق الرئيسي، ودموعه تنهمر دون توقف، وجل ما ينطق داخل عقله جملة أبيه الشيخ مهران "أوعى تقسى عليه يا آيوب، متنساش يا ابني إنه أبوك، حتى لو مش معترف بيه، بص على حقيقة تانية إنه راجل كبير وعاجز، ولو مرأفتش بيه هتبقى كده بتضيع تربيتي وكل اللي زرعته فيك!"
أزاح آيوب دموعه واستدار عائدًا لمنزل آدهم، صعد الدرج ووقف قبالته بحزن جعله يبدو أكبر من سنه الصغير، راقبه وهو مازال يبكي ويخفي وجهه خلف يديه، أجبر ذاته على النطق بأمرٍ قاطع:
"بطل عياط وكأني أنا اللي ظلمك!"
تفاجأ مصطفى بعودته إليه، فأبعد كفيه وتطلع له باندهاش وعدم تصديق، بينما ينسحب آيوب من لقاء عينيه بخزي لا يعلم لماذا يشعر به، بل قام بسحب مقعده للخلف، ودفعه للداخل حتى المصعد، ومنه لغرفة مصطفى الذي يطالعه بتعجبٍ.
قرب المقعد من فراشه وحمله إليه بصمتٍ، ثم جذب الغطاء يضعه من فوقه، واستدار يغادر بكل هدوءٍ، بينما يبتسم مصطفى والأمل يعود إليه، تلوح له فرصته بحصوله على العفو منه، وأغرب شيء فعله هو شكره لله أن الشيخ مهران هو الذي أشرف على تربية ابنه، وكأنه الآن يحمل وسام شرف.
صعد للطابق العلوي من الجيم الرياضي مهرولًا، يبحث عنه بين العدد القليل المتبقي من الشباب لتأخر الوقت من الليل، وجده يركض على جهاز الماشية المنعزل عن الجميع، وعلى أذنيه سماعته.
هرول إليه "إيثان" حتى توقف قبالته، يهتف من بين أنفاسه اللاهثة:
"كويس إني لحقتك يا خواجة!"
أزاح "عُمران" سماعته عن أذنيه، ثم أبطأ من حركة الجهاز وسارع خطاه وأبطأها بحركة مدروسة ومعتادة، حتى هبط عنه، واتجه لجهاز آخر، يرفع ساقيه بحملٍ ثقيل، وينهض بجسده للأمام، هادرًا بانزعاجٍ حينما لحقه إيثان:
"Ethan I'm not in a good mood right now, please leave me alone!"
عقد حاجبيه ساخرًا منه:
"عارفين إنك متربي في بلاد بره وفي مدارس لغات، كلمنا عربي إحنا كنا في مدارس حكومي."
ترك الجهاز واستقام بجلسته يسحب زجاجة المياه الباردة، يرتشف منها قدرًا كبيرًا، ثم نزع قفازاته السوداء وجذب المنشفة يجفف صدره العاري، متسائلًا بضجرٍ:
"عايز إيه يا إيثان؟"
جذب الحقيبة من خلف ظهره وقدمها إليه، فعاد عُمران يتساءل:
"ده إيه؟"
فتح سحابها ليبرز مبلغ من المال، فرفع رماديته إليه وقال بثباتٍ حاد:
"خير؟!"
احتقنت نظرات إيثان المغتاظة، وقال:
"فلوسك، إنت عملت معجزة عشان الجيم ده يقف على رجله، بصراحة فكرة الشهر المجاني اللي عملتها دي مكنتش واكلة معايا، بس عجبت يونس وقالي هيجي منها، وفعلًا الشباب جربوا الأجهزة أسبوع ودفعوا اشتراك الشهر اللي بعده مقدم، ده غير إنهم عاملين أحلى دعايا للجيم بكلامهم عنه وعن المدرب اللي انت اخترته، فعشان كده ده نصيبك لأنك شريك معايا."
ابتسم عُمران على نقاء قلب إيثان، لطالما كان محقًا في معاونته لأشخاص هو على ثقة بأنهم يستحقون دعمه، لذا ربت على معصمه، وقال:
"ده رزقك يا إيثان، ربنا يباركلك فيه."
وتركه واتجه لغرفة تبديل الثياب، تاركًا الأخير من خلفه حائرًا، وحينما استفاق لحق به مهرولًا، فوجده يخرج ملابسه من إحدى الخزانات الخشبية الفخمة الموضوعة بالمكان والتي أشرف على اختيار نوعيتها بنفسه، مثلما اختار كل شيء هنا، اختار، كل ما يريحه لأنه أراد مكانًا دائمًا له مثلما يرغب التواجد به.
دنى منه "إيثان" وهو يغلق أزرار قميصه الأسود، وقال بحيرة:
"ممكن تفهمني أنت رافض الفلوس ليه؟ يعني اشتريت الأجهزة وساعدتني في البوتيك وكل ده من غير مقابل، من فضلك متستخفش بعقلي أكتر، من كده؟"
مجرد أن استمع لحديثه استدار إليه، يواجهه بنظرةٍ دافئة، ثم جلس على الرخام الخشبي الفاصل بين كل حوض والآخر، وقال يجيبه:
"إيثان أنا معملتش معاك حاجة تذكر، ثم إنك لو بتسألني عملت معاك كده ليه فهنا هعتبر إنك مش بتعاملني كصديق، ويا ويلك لو شايفني غير كده، هرجعالك استفزازي وأطلق عليك الشخص الوقح اللي بدفنه جوايا، وخد بالك معاه كلاب سعرانة مبترحمش!"
جلس على فاصل الحوضين المجاوران له:
"مفيش حد بيساعد صاحبه بالمبالغ الكبيرة دي."
نافسه بنظرة غامضة، وشكك بحديثه:
"إزاي وإنت خدمت يونس بمالك ومجهودك ونفسك قبلهم!"
يعلم أنه أمام شخص ذكي، لن يغلبه أبدًا، ولكنه جاراه قائلًا:
"يونس صاحب عمري، صديق الطفولة وأخويا اللي مجبتهوش أمي!"
ابتسم وقال:
"وإنت صديق ليا، مش مهم أرقملك خانة أو عدد بقايمة أصدقائي المقربين، بس اللي يلزمك عشان تعرفه إني كده مع كل أصحابي مش معاك بس، ولعلمك الأيام مش مضمونة، الله أعلم امتى هحتاجلك تردلي اللي عملته، هي ماشية كده النهاردة عليك بكرة معاك."
وقفز بجسده الرياضي، يفتح حقيبته، مستخرجًا مشطه الصغير وبرفانه الخاص، يهندم شعره ويرتب ملابسه بالرغم من أنه سيعود ليأخذ دُش سريع، وفور أن انتهى حمل أغراضه وقال يشير له:
"الوقت اتأخر، يدوب أرجع البيت قبل ما علي يفتح معايا تحقيق."
تركه إيثان يهبط للاسفل، ولحق به يوقفه قبل صعوده لسيارته، فتنهد عُمران بملل:
"وبعدين معاك بقى!"
رد عليه بعندٍ:
"مش هقبل كل ده بدون مقابل، حتى لو بسيط وإلا مش هقبل بأي حاجة من دي."
مال عُمران على سيارته يطالعه بنظرة ضيق، وهو يعلم بأنه عنيد للغاية، تعلقت عينيه بعمارته وبالأخص بشرفة الطابق الأول، ثم تطلع له وقال بهدوء وصدق:
"بص أنا من ساعة ما نزلت حارة الشيخ مهران وأنا بفكر أشتري هنا شقة بس تكون قريبة من مسجد الشيخ مهران عشان مش برتاح غير بالصلاة وراه، فلو هطلب منك شقة بطلبها بدون ما تفكر إني بأخدها مقابل للي عملته، عايزها بعقد وبخصم حلو، ويا ريت تكون بالدور الأول، لأن منظر الشارع من تحت ساحرني."
لوى شفتيه بتهكمٍ مضحك:
"هي بحقها بدون خصم متسدش ربع الفلوس اللي دفعتها في البوتيك والجيم أصلًا."
ربع يديه أمام صدره وتطلع للاسفل بتفكيرٍ، ثم تطلع له هادرًا بسخرية:
"أصلًا! هز إيثان رأسه بتأكيد، فنصب عمران عوده وقال: "بالنسبالك كده، بالنسبالي أنا كأنك بتقدملي سرايا، المكان هنا بيريحني جدًا."
ابتسم وقال بمحبة صادقة:
"اعتبرها ملكك من دلوقتي، بكرة هجيلك بالعقد ومش هاخد جنيه منك عشان خاطر آيوب."
ضحك عمران بصوته الرجولي، وردد بعدم تصديق:
"آيوب!!! أمال الرزالة بتاعتك دي هتطلقها على مين لو عملتله خاطر!"
وضع يديه بجيوب بنطاله القماشي، وقال يجيبه:
"عليه بردو، آيوب مهما كبر، هيفضل العيل الصغير اللي كنت بوديه أنا ويونس الحضانة كل يوم، ومهما عملت مش هتقدر تغير نظرتي ليه يا خواجة."
حرك رأسه بخفةٍ وسأله باستغراب:
"هو يونس فين مش من عادتك تحلله يعني؟"
أجابه والضيق يزحف على وجهه:
"بيحضر شقته هيتجوز بعد بكرة."
انفجر عُمران ضاحكًا، وقال يشاكسه بوقاحته:
"ومالك الغيرة واكلة قلبك كدليه يا مزة، مهو مصيره يرد مراته ويعيش حياته زي ما المفروض تعيشيها إنتي كمان مع ابن الحلال اللي يذلك."
يتحدث وكأنه أحد أفراد الحارة الشعبية، بعدما كان يتفوه بالإنجليزية المحترفة منذ قليل، احتدت معالم إيثان وهدر بانزعاج:
"تصدق إني غلطان إني جريت وراك، اركب وروح بيتك أحسن."
وأردف بسخرية:
"وياريت تشوفلك حرس يمشوا معاك زي رجال الأعمال دول، اعمل لنفسك هيبة كده أو على الأقل اضمن لنفسك السلامة من لسانك الطويل ده."
أجابه عُمران باستفزاز:
"حد قالك إني اتشليت وعاجز عن حماية نفسي! ثم مين اللي أمه دعت عليه في ساعة صفى ويجرأ يطلع في وشي!!"
وأضاف وهو يتجه لمقعد القيادة:
"روح نام في حضن أمك يا إيثو، بلاش تجرجرني للرزيلة وأنا لسه نازل من الفرن وعضلاتي سخنة."
انخفض نافذة سيارته ومال يخبره بمزحٍ:
"كل ما لسانك يتسحب منك، هديه وفكره إن اللي هتنافسه غير قابل للهزيمة... تصبح على خير يا حيلتها!"
أزاحت الكتب التي تحتل مكتبه، ووضعت ملفاتها وحاسوبها، ثم جلست تعدل حجابها، واستعدت لبدء الاجتماع الإلكتروني.
فتحت كاميرا الحاسوب وبدأت تعليماتها في حضور خمسة عشر موظفًا، وخمسة من الموظفات، لم يعد يعنيها أي كائن ذكوري، فلقد ألهمها "علي" القوة الكامنة لمواجهة جيش ذكوري بمفردها، فاذا به يدخل للغرفة ويستمع لها تردد في ثقة وثبات:
"بشمهندس مدحت، أستاذ حسام بلغك بملحوظاتي على الميزانية اللي حضرتك خصصتها لمشروع زايد، ومع ذلك حضرتك تجاهلت كل التعليقات الموجهة ليك، عشان كده أنا حولت ملف المشروع لمستر عُمران فتواصلك يكون معاه."
وأنهت نقاش السريع باتخاذ القرار الحازم، وتابعت:
"أنا كده خلصت كل النقاط اللي كنت حابة أتكلم عنها، تقدروا تتابعوا مع أستاذ حسام بأي سؤال، تصبحوا على خير."
قالتها واغلقت الحاسوب، تحرر حجابها بإرهاق، بينما علي يتابعها بفخر وسعادة، أعادت فاطمة رأسها للخلف تفرك جبينها بتعبٍ، فاذا بأصابع تتسلل لرأسها، تتحرك برفقٍ من فوقها، ابتسمت واسترخت بجلستها وهي تهمس بارتياح:
"علي!"
مال يقلد همسها الخافت:
"علي فخور بيكِ وباللي وصلتي له يا قلب علي."
ابتسمت ولفت مقعده إليه تخبره بابتسامة مشاكسة:
"فكرتك هتتضايق عشان استوليت على مكتبك."
تابع ما تشير إليه وانحنى يفرك يديها بإبهاميه:
"ولا يهمك يا روحي، أنا أساسًا طلبت من عُمران يخصص لك مكتب كبير في الجناح بتاعنا بقصر الغرباوي، خلاص كلها يومين وهننقل هناك."
رمشت بعدم استيعاب:
"مكتب ليا أنا!"
هز رأسه يؤكد لها:
"ليكِ طبعًا، إنتِ بقيتي محتاجة مكان مريح تتابعي فيه شغلك."
احتلتها الحيرة والارتباك، فنقلتها له هادرة:
"يعني إنت موافق إني أشتغل على طول!"
أغلق عينيه بشكلٍ مغري وقال وهو يدعي انشغاله بالتفكير:
"موافق بس عندي شرط، إنك تسيبي الوقح ده بقى وتيجي تشتغلي معايا في المركز، إنتِ عارفة إن فريدة هانم رفضت تستلم مكتبها وشغلها إلا بعد الولادة وأنا يعتبر اللي ماسك الدنيا أنا ويوسف، فأكيد إني محتاج مديرة حسابات شاطرة زيك، ها إيه رأيك؟"
قلدته وهي تغلق نصف عين، ورددت:
"أممم.. العرض مغري جدًا، بس للأسف أنا مش هقدر أخون ثقة عمران فيا، متنساش إنه أول من دعمني عشان أشتغل والفضل لربنا سبحانه وتعالى ثم له ولك في اللي وصلت ليه، لذا أنا مش هينفع أسيبه للأسف."
نصب عوده يطالعها بنظرة غاضبة، وتركها واستدار عنها مبتسمًا، واتجه للفراش، ركضت فاطمة خلفه تراقبه بحزن، وتناديه:
"علي، إنت زعلت مني؟"
هز رأسه مؤكدًا، فعبثت بحاجبيها بحزن، وقالت:
"خلاص أول ما يرجع هبلغه وهاجي أشتغل معاك، أهم حاجة متكنش زعلان مني."
استدار لها يمنحها ابتسامة مهلكة لقلبها العاشق، بينما يقربها منه، يلثم جبينها، ويخبرها:
"عمري ما أزعل منك أبدًا يا روح قلبي، سبق وقولتلك المكان اللي يريحك وتلاقي فيه كيانك هكون أول من يدعمك، وعلى فكرة أنا مرتاح جدًا لشغلك مع عُمران، لأنه قادر يحميكِ ويحافظ عليكِ."
ابتسمت وهي تخبره:
"أنا بحبك أوي على فكرة."
قرص وجنتها بخفة وقال يقلدها:
"وأنا بموت فيكِ على فكرة."
وأشار لها على الملابس الخاصة بها الموجودة على فراشه:
"يلا ادخلي خدي شاور وغيري هدومك."
نهضت تزيح جاكيتاها الأسود الخاص ببذلتها النسائية، وحملت قميصها المنزلي، اتجهت لتدلف للحمام وعادت تخبره بمشاغبة:
"على فكرة يا علي أنا مش قابلة أشتغل معاك لمصلحتك."
استدار تجاهها وقال بعدم فهم:
"إزاي؟!"
أجابته بضحكة سلبت تركيزه:
"عشان هسود عيشتك كل ما هلمحك قاعد تسمع لحد من المرضى بتوعك يا حبيبي، أنا مش قادرة أتخيلك قاعد قدام واحدة نايمة على الشازلونج وعماله تحكيلك وانت بتسمعها!! أنا مش متخيلة أصلًا إنك بتسمع لواحدة غيري! وخصوصًا إني برتاح جدًا في الكلام معاك، فأكيد كل البنات بترتاح ليك والمصيبة لو عملوا زيي ووقعوا في حبك!!!!"
تخلى قلبه عنه من فرط دقاته الصاخبة، نهض عن الفراش يسرع لها، يحاصرها، وهو يردد بنبرة مغرية:
"ده حبيبي طلع هيموت من الغيرة عليا وأنا مش حاسس باللي جواه."
وبابتسامةٍ واسعة سألها:
"معقول بتغيري عليا يا فاطيمة؟"
منحته نظرة شرسة وقالت بسخرية:
"ليه مش ست ومن حقي أغير عليك!!"
رفع كفها يقبله وهو يهمس لها بعشق:
"ست الستات طبعًا."
وأضاف وهو يطالعها برماديته:
"بالرغم من إن كلامك أسعدني إلا إني لازم أكدلك إني ملكك، وعنيا كفيفة عن ستات الدنيا كلها يا فاطمة، أنا قلبي مدقش لحد غيرك!"
تاهت في سحر كلماته، وسلمت رأسيتها مع أول قطفة لحديقة ريحانها، فتركت ما بيدها ومالت معه لفراشها يجذبها لعالمهما الخاص.
عاد يطرق على الباب بعدما فشل بفتحه بمفتاحه الخاص، وصاح بصوتٍ منخفض مغتاظ:
"زينب افتحي وبطلي شغل العيال ده، بقالك أربع ساعات رامياني قدام باب الشقة، افتحي!"
أجابته من خلف الباب وهي تربع يديها أمام صدرها بغضب:
"ارجع مكان ما كنت يا دكتور يا محترم."
لكم الباب بعصبية بالغة:
"زينب افتحي أحسنلك، وبطلي ترمي كلامك المستفز ده، أنا لو سبت البيت فسيبته بسبب طريقتك معايا."
فتحت نافذة الباب الزجاجية وحدقته بنظرة شرسة، بينما تهتف بحدة:
"مالها طريقتي!! أنت اللي ما صدقت وعايز تروح تقضي لك يومين عند صاحبك ويا حرام مكنتش لاقيالك حاجة تقفش بيها معايا، ودلوقتي لما عرفت إني قلبتها جد وهخلعك جيت تجري جري بشنطة هدومك، مش كده ولا إيه؟"
انتظرت سماع أي كلمة منه، ردًا على حديثها، ولكنها وجدته يطالعها بعينين متوسعتين، تحتلهما الدهشة والإعجاب الشديد بما ترتديه أمامه، خطفت "زينب" نظرة لقميصها الأسود القصير، فجحظت عينيها صدمة من رؤيتها لها بما ترتديه، فأسرعت بغلق النافذة، فطرق وهو يردف بمكرٍ:
"عندك حق يا روح قلبي أنا غلطان والغلط راكبني من ساسي لراسي، افتحي وأنا هصالحك، ولو حابة أقطع علاقتي بالواد آيوب اعتبريني بلكته، إفتحي إنتِ بس."
وهمس بصوتٍ ظنه غير مسموع:
"يخربيت جمال أمك، إنتِ قاصدة تندميني وأنا ندمت، افتحي بسرعة."
ردت بدلال من خلف النافذة، كأنها تحقق انتقامها منه:
"بعينك، مش هتدخل يعني مش هتدخل."
عاتبها من بين اصطكاك أسنانه:
"ليه بس يا زوزو، ده أنا جوزك حبيبك! وبعدين انتِ من امتى بتلبسي كده عمرك ما عملتيها وأنا هنا تعمليها وأنا بره."
كبتت ضحكاتها بصعوبةٍ، وقالت تستفزه:
"بما إنك مش هنا أكيد هاخد راحتي في شقتي، وعلى فكرة أنت عامل لي إزعاج وأنا ورايا شغل الصبح، فروح نام عند صاحبك أو عند يوسف وبطل تعمل دوشة على السلم."
طرق على الباب بيده هادرًا بانفعال:
"يوسف إيه اللي أخبط عليه في وقت زي ده، ومراته لسه واصلة من السفر، بطلي هبل وافتحي يا زينب."
ردت عليه ببرود:
"شقة يوسف وراك، وبيت صاحبك قريب اختار براحتك، تصبح على خير يا سيفو."
صاح بغضب:
"مش هتنقل من هنا وحالا هتفتحي وإلا هكسر الباب وساعتها متلوميش إلا نفسك يا زينب."
تراقصت من خلف الباب وهدرت بانتصار تحققه عليه:
"وماله يا حبيبي، اكسره ووريني جمال عضلاتك."
عبث بمُقلتيه بدهشة:
"أنا مش هركيلز عشان أكسر باب مصفح زي ده، افتحي!!"
تركته يغلي غضبًا واتجهت لغرفتها، ثم جذبت هاتفها وأرسلت رسالة ليوسف حينما وجدت منشور له "بقولك يا يوسف، أخوك بره الشقة بقاله فترة، وعندي إحساس إن الجيران هيقدموا فيه بلاغ بالإزعاج اللي عامله، فياريت تلحق تتصرف.."
خرج يوسف يهرول للطرقة الفاصلة بين شقته وشقة أخيه، فاندهش حينما وجده يجلس على الدرج بحقيبته، خرج إليه يسأله بذهولٍ:
"إيه اللي مقعدك هنا؟!"
رفع عينيه المحمرة إليه، وبسخرية اجابه:
"بحصل الإيجار!"
وألقى جاكيته الجلد على الحقيبة وهو يخبره بغيظ:
"الهانم قافلة الباب عليها ومش راضية تفتح لي، رامياني على السلم بقالي أربع ساعات."
زوى حاجبيه بتعجب:
"ومرنتش عليا ليه!!"
لوى شفتيه بتهكمٍ:
"هرن عليك أقولك إيه يعني وأنا عارف إن مراتك لسه واصلة!"
كبت يوسف ضحكاته، وجلس جواره على الدرج يتمتم بسخرية:
"دكتورها الغبي عامل حظر تجوال فوجودك من عدمه مش فارق."
استدار تجاهه يردد بذهول:
"دكتورها مين! مش إنت اللي بتتابع حالتها!"
هز رأسه قائلًا بهدوء:
"مهو أنا الدكتور الغبي."
وربت على ساقه وهو ينهض جاذبًا الحقيبة:
"يلا قوم معايا بدل ما نتفضح في العمارة كلها."
جذب سيف جاكيته واتبعه وهو يتساءل باستغرابٍ:
"هو إنت عرفت إزاي إني بره؟"
استدار، يخبره بابتسامة واسعة:
"زينب بعتت لي وقالت لي الحق أخوك قبل ما الجيران يعملوا له محضر إزعاج."
احتشد الغضب بمُقلتيه، وتوقف عن اتباعه وهو يتمتم بحنقٍ:
"بقى كده! ماشي يا زينب حسابك تقيل أوي، هنروح من بعض فين يعني؟!"
صف سيارته وتوجه للأعلى، وفور أن خطى للدرج توقف حينما تسلل إليه رائحة الطعام، عبث برماديته وهو يتفحص الوقت، وبدون أي تفكير علم من بالداخل، فاتجه للمطبخ واستند على بابه يراقبها وهي تصنع المعكرونة بالصوص المعتاد لها.
ابتسم وهو يراقب حجابها المحاط لرقبتها، وخصلاتها المنهمرة من حولها كالمعتاد لها، انحنت تسكب المعكرونة بالطاجن الزجاجي، وقبل أن تضع شرائح الدجاج أعادت خصلاتها للخلف بانزعاج، فاذا ببديه يجمع خصلاتها الناعمة، ويعقدها برابطة عنقه التي ما أن تلامستها حتى ابتسمت ورددت دون أن تستدير:
"عُمران!"
مال على أذنيها ومازالت يديه تعقد خصلاتها:
"حبيب قلبه وعمره إنتِ يا مايا."
اتسعت بسمتها لجملته المعتادة، ورفعت رأسها تقابله بنظرة عاشقة له حد النخاع، أنهى ما يفعله، ومال يهتف بضجر:
"مش هتبطلي تدخلي المطبخ من غير ما تلمي شعرك، ولا طمعك في الكرافتة بتاعتي بيزيد لحد ما خلاص مبقتش لاقي أي كرفتة ألبسها!"
استدارت تخبره ببراءةٍ مخادعة:
"أنت ظلمني على فكرة."
وارتفع صوت ضحكة منها وهي تؤكد له:
"طبعًا طمعانة فيك وفي حنية قلبك عليا، بس متقلقش أنا عارفة إن هدومك وساعاتك وكل اللي يخصك غاليين عليك، عشان كده مخصصة صندوق شيك وبحط فيه كل الكرافتات بتاعتك."
شملها بنظرة مرت ببطءٍ عليها، ليفاجئها حينما جذبها لذراعيه وهو يخبرها بعاطفة:
"وأنتِ كمان تخصيني إنتِ والباشا اللي قرفني من يوم ما شرف جوه."
ضحكت رغمًا عنه وهو يمرر يده على بطنها المنتفخ، ويردد بحزمٍ مضحك:
"أتمنى تكون مطيع النهاردة ومتتعبش مامي، بدل ما أعملها معاك وأسحب منك صينية المكرونة اللي مقومها نص الليل تعملهالك دي."
كادت أن تسقط من الضحك، فشاركها وهو يخبرها بخبث:
"أنا عارف إن دي كانت عادة عندك إنتِ وشمس، بس عشان نفسيتك لبستها للواد واتهمته إنه بيرغمك تأكلي بكميات وأوقات غلط، شوفتي قد إيه أنا حنين وجنتل مان يا بيبي!"
هزت رأسها ومازالت تستند بظهرها إليه بينما يحاوطها هو من خلفها ويراقب ما تفعله بطاجن المعكرونة، بينما تهمس له بصوتٍ أنوثي رقيق:
"أنا عارفة إن إنت بتضحي، ده كفايا تسترك عليا قدام فريدة هانم."
ورفعت رأسها إليه فقبل جبينها ومال على كتفها يسمع لهمسها المنخفض:
"إنت عارف إن فريدة هانم بتحافظ على أكلها موت لحد النهاردة، وأنا اللي مش قادرة أسيطر على نفسي نهائي، حاسة إني على طول جعانة ومش قادرة أشبع!"
وتابعت له بأحد أسرارها:
"فاطمة بتسرب لي أطباق أكل في الخباثة لأن فريدة هانم متابعاني وعينها عليا بسبب وزني الزايد، بس على مين أنا اللي براقبها أول ما بتخرج للتمرين بقتحم المطبخ آخد أشيائي وأطلع الأوضة قبل ما ترجع ولما بتنام بنزل المطبخ وأعمل جرائم زي الجريمة دي."
ومالت إليه تتساءل بقلق:
"عُمران تفتكر إن في أمل أخس بعد الولادة؟"
ضم شفتيه يحتبس ضحكاته على طريقة حديثها، ورفع رأسه للأعلى ثم أخفضها فتعثرت بعض خصلاته الطويلة من حول عينيه ومال يخبرها بمشاكسة:
"متقلقيش يا روحي أنا عامل حسابي ومخصص لي دور كامل في القصر للجيم، وأكيد بعد الولادة مش هسيبك إلا لما تخسري كل الدهون اللي خزنتيها دي."
وابتعد عنها قائلًا بابتسامة جذابة:
"يلا أنا هاخد شاور سريع عشان لسه راجع من الجيم، وإنتِ خلصي جريمتك دي بسرعة وحصليني."
أمسكت معصمه توقفه عن الصعود، وقالت:
"ما تيجي تشاركني في الجريمة دي، وأهو تكون شريك في التضحية اللي بعملها عشان خاطر ابننا."
راقب يدها المتشبثة بكفه، وأدارها بحركة سريعة على ذراعه كأنه يراقصها برومانسية جعلتها تنصهر خجلًا أمامه، بينما يستند لجبينها وهو يهمس لها:
"حبيبي أنا أضحي بحياتي كلها عشانك إنتِ لكن المشاغب اللي لسه مشرفش دنيا ده مينفعش أقدمله ساعات تعبي في الجيم عشان أبقى بضحي! مهو مش هربي عضل في سنين ويتحول لدهون في تسع شهور عشان روح أمه!"
دفعته بعيدًا عنها والغضب قد جعلها تواجهه بنظراتها العدائية، مشيرة له:
"أنت إزاي تتكلم عن ابني بالشكل ده!! أنت مش عايز تضحي عشانه بس أنا هضحي!"
تعالت ضحكاته الرجولية حتى أدمعت رماديتيه، وأردف بتسلية:
"هو إنتِ ليه محسساني إنهم بيضربوا عليه نار وأنا ناولتلهم سلاح يخلصوا بيه عليه، حبيبي الموضوع كله طاجن مكرونة بالوايت صوص!"
ربعت يديها أمام صدرها بشراسة:
"أنت مش مستعد تضحي عشانه بس أنا مستعدة وبالفعل ضحيت برشاقتي وزني المثالي عشانه."
ضحك وهو يصفق كف بالاخر، هادرًا:
"ده طبيعي يا بيبي لأنك أمه، لكن أنا المفروض أعمل إيه أحمل بدالك أنا!!"
وتابع بسخط:
"أهو ده اللي ناقص!!"
تجاهلته واتجهت للرخامة تستكمل ما تفعل وقد نهت النقاش بآخر جملة لها:
"اطلع خد الشاور بتاعك ونام متستنينيش."
حك ذقنه النابتة بنفاذ صبر، وهدر بانفعال:
"آه ده لوي ذراع بقى!!"
طرقت بالملعقة على الصينية ببرود:
"سميه زي ما تحب، لما تحترم ابني وإنت بتتكلم عنه نبقى وقتها نتكلم."
احتبس ضيقه من نبرتها، وعاد يضمها باحتواءٍ وهو يخبرها بابتسامةٍ لم تصل لعينيه المتعصبة:
"وليه كل ده يا بيبي، حالًا هاخد شاور وأنزلك نقتحم الصينية دي أنا وإنتِ."
ومال يلثم خدها، وقبل أن يغادر قال:
"اعملي لي ريزوتو بالمشروم والكريمة، هي كده كده خربانة."
قالها وانصرف بينما ضحكتها ترفرف فرحًا بما نجحت به، ولج عُمران غرفته وابتسامته المشاكسة تعلو ثغره، نزع جاكيته واتجه للخزانة يجذب إحدى ملابس نومه المريحة، وهو يردد بنزق:
"كان لازم تعارض يعني، ما أنت عارف إنك هتضعف قدامها وهتنزل تأكل اللي عملته!"
وتابع بضيقٍ وهو يمضي لحمامه الخاص:
"مكنش له لزمة أنزل الجيم النهاردة بقى!"
ولج لحمام الغرفة، بينما يعلو رنين هاتفها بالخارج، مضت الدقائق به وخرج يرتدي ملابسه، فعاد الرنين مجددًا للمرة التاسعة منذ ولوجه لحمام الغرفة.
انحنى يجذب هاتفها فوجده أبوها، امتقعت معالمه غضبًا ونفورًا حينما داعبته كلماتها وبكائها في ذلك اليوم الذي اشتكت له عما يفعله أبوها، فلم يجد ذاته إلا أنه يحرر زر الإجابة وجل ما يتردد له "أتيت لصاحب نصيبك" أجابه بهدوء خطير:
"عثمان باشا.. إزيك."
أتاه صوته المتعجب:
"عُمران!"
وتلاشى ذهوله بسؤاله الروتيني:
"أخبارك إيه، وأخبار مايسان؟ أنا بقالي فترة برن عليه ومش بترد قلقتني عنها."
جلس على طرف الفراش يجيبه بسخرية خبيثة:
"سلامتك من الخضة يا حبيبي."
بالرغم من أن نبرته شبه ساخرة ولكنه لم ينحاز إلا لجديته، فقال:
"الله يسلمك، لو هي جنبك اديها الموبايل أكلمك."
ببرود قال:
"لا مش جنبي، ولو موجودة مكنتش سمحت لي أرد عليك."
=ليه؟؟ أنا عايز أعرف في إيه بالظبط يخليها تتجاهل مكالماتي بالشكل ده؟
رد عليه عُمران وهو يجاهد لإقماع غضبه:
"راجع طريقة تعاملك معاها، بنتك مش محتاجة لفلوسك اللي بتبعت لها كل أول شهر يا باشا، أساسًا باللي بتعمله ده إهانة ليا أنا شخصيًا، حرم عُمران الغرباوي مش محتاجة لحد حتى لو كان الحد ده إنت!"
ارتفعت نبرته غضبًا:
"إنت بتكلمني كده إزاي!!"
نهض عن الفراش يجيبه بضجر:
"بكلمك باحترام راجع لسبب واحد إنك أبو مايا، يعني عشان خاطرها هي وبس، لكن لو عليا نفسي أوريك وشي التاني اللي هيندمك ندم عمرك كله على اللي اتسببت فيه لمراتي."
_وأيه اللي أنا عملته فيها!! عُمران دي بنتي يعني مستحيل أكون أذيتها أو اتسببت لها في أذى! شكل فيه سوء تفاهم من فضلك فهمني بنتي مالها؟!
ضحك ساخرًا وقال:
"هو إنت متخيل إني هسيبك توصلها للأذى الجسدي!!! أذيتك مشاعرها باللي عملته وبتعمله كفيل يخليني أحرقك حي ومن غير ما يرأف لي جفن يا عثمان باشا!"
ردد بصدمة وحيرة:
"أنا مش فاهم إنت مالك إنت أول مرة تكلمني بالأسلوب الوقح ده، شكلي كنت غلطان لما وافقت على جوازك من بنتي، حتى بعد فرحكم الأمور بينكم مكنتش مستقرة حتى لو هي كانت بتخبي عليا ده."
صاح عُمران بحدة:
"صوت أم حضرتك عالي ليه!!"
=لا إنت مش طبيعي، شكلك شارب حاجة، إنت الظاهر نسيت أنا مين وأقدر أعمل إيه، ممكن ببساطة أطلق بنتي منك وحالا بعد كلامك المهين ده، ليا كلام تاني مع فريدة هانم ودكتور علي.
أتاه صوته الصارم يخبره بغضب جحيمي:
"سيبك من الأسطوانة اللي بتشغلها للعاهرات اللي ماشي معاها دي وإسمع المفيد، إنت عارف إن مفيش حد في عيلة الغرباوي كلها يملك سلطة عليا، بننحني لأمي وأخويا بس مش في الصح."
وتابع والاخر يستمع له:
"بنتك اللي بتقول إنك كنت حاسس إنها مش مبسوطة معايا في أول جوازي وبتهددني دلوقتي إنك تبعدني عنها فأحب أكدلك إنها أول واحدة هتقف ضدك لو فكرت بس مجرد تفكير بانفصالنا لأنك عارف ومتأكد إنها بتحبني زي ما بردو عارف إني دايب فيها، يعني ببساطة المعادلة بتاعتك مفكوكة وتهديدك ولا يهز شعرة فيا، فخليك عاقل كده واسمع اللي هقولهولك كويس ده لو عايزني أتقبلك جد لابني وأب لزوجتي اللي مش طايقاك ولا طايقة تكلمك."
ارتاب لكلماته الواثقة، بينما يضيف عُمران بثقة:
"أنا بمكانتي دي ميشرفنيش إنك تكون جد لأولادي، تفتكر هيكون مستقبلهم إيه والجرائد مش مبطلة تكتب عنك وعن أخبارك القذرة مع العاهرات اللي ماشي معاهم، وكل يوم والتاني بتغير من واحدة للتانية، لا ويا ريتك بتستنضف اختياراتك كلها حقيرة لبنات من دور بنتك!!"
وأضاف:
"لما تحترم نفسك وتبطل العهر ده وقتها هفتح لك بيتي وهرحب بيك غير كده متنتظرش مني غير المعاملة اللي إنت متفاجئ بيها دي، وخد بالك إني لا يمكن أسمح لك تكون سبب في أذية أقرب الناس لقلبي، وقتها هنسى إن في علاقة تربطني بيك."
وأضاف بحنق قبل أن يغلق هاتفه:
"يا شيخ اتقي الله واعمل لآخرتك، ده انت رجل أمك على بعد خطوة من القبر."
قالها وأغلق الهاتف، ثم جذب ملابسه يرتديها، ويمشط شعره واضعًا البرفيوم الخاص به، ثم هبط ينضم لزوجته بمجلسهما الهادئ بعيدًا عن صراعه الذي خاضه بالأعلى لأجلها.
مر الليل وأشرقت شمس الصباح، الزحام كان يعج حارة الشيخ مهران، وخاصة أمام محلات "يونس"، حيث اصطفت مجموعة من التريلات، حاملة لشتى أنواع الأجهزة الكهربائية، حيث كان العمال يحملونها للمحلات والمخازن، بينما يراقبهم إيثان وهو يرتشف قهوته.
هبط يونس حاملًا فارس بين يديه، وانضم لإيثان وهو يحيه:
"صباح الخير يا إيثو."
رفع بصره له بانزلاق، ولكنه ابتسم ما إن رأه يحمل فارس، فحمله منه يمطره بوابل من القبلات هاتفًا:
"صباحو فل على أبو الفوارس.."
وسأله وهو يتفحص حقيبته الصغيرة:
"على فين كده؟"
شاكسه يونس الذي لاحظ انزعاجه البادي:
"هوديه الحضانة وراجع لك تاني."
منعه من انتشاله من بين يديه، وقال:
"لا خليك مع الرجالة وأنا هواديه أنا، وهجيب له حلويات كتيرة جدًا."
تعلق به فارس وقال بحبٍ:
"أنا عايز عمو إيثان اللي يوصلني يا بابا."
ادعى يونس انزعاجه، وهدر:
"اشبع بيه يا نن عين أبوك."
لكزه إيثان بغضب جعله يترنح للخلف على عماله:
"طيب ميل بقى من طريقي عشان ما أشبعكش ضرب على الصبح."
ضحك بصوته كله، وابتعد عن ذراعي عماله يشير لهما بامتنان:
"ألف شكر يا رجالة."
وصاح بالآخر يثير غيظه:
"عارف أنا الغضب المتكدس ده، شوفته قبل فرحي من سنين ورجع لك دلوقتي قبل الفرح."
شيعه بنظرة قاتلة وغادر وهو يحمل الصغير، حتى أوصله للروضة المتطرفة على نهاية شارع الشيخ مهران.
اتجه إيثان ليعود للمحل، ولكنه توقف فور أن لمح خطيبته تصعد لأحد الباصات العامة، والغريب له أنه لم يكن متجهًا لمكان جامعتها، على الفور وبدون أي تردد ولج من الباب الخلفي للباص المزدحم، وبقي بالخلف يراقبها وهو يشعر بداخله أن هناك أمرًا ما بها.
كانت تستند بجسدها على الحامل الزجاجي بجوار مجموعة من البنات، عينيها متورمة من البكاء ومازالت تنهمر الدموع من عينيها، وتزيحها بسرعة كبيرة، بينما يدها تتمسك بحقيبة يدها بشكل يثير الريبة والشكوك، كل تصرف ناتج عنها يؤكد له بأن هناك أمرًا ما عليه كشفه.
توقف الباص حينما طالبته كريستين بأن يصف جانبًا، هبطت تتطلع قبالتها دون أن يرمش لها جفن، بينما يتبعها إيثان وهو يحرص ألا تلاحظ وجوده.
وجدها تتجه لإحدى العمارات السكنية، فألقى بغضبه عرض الحائط وهرول خلفها، لقد تأكدت ظنونه بأكملها، وبرز وبوضوح الشمس أنها تعاني من خطب ما وبكل تأكيد.
انتهى بها الأمر أمام إحدى الطوابق، أمام الشقة الحادية عشر بالتحديد، مالت على الدرابزين تبكي ويدها تحجب صوت شهقاتها بصعوبة بالغة، بينما تتخذ خطوة جريئة بكل شجاعة، فتضع يدها بحقيبتها تتفحص ما أحضرته واتجهت لتقرع جرس الباب، وقبل أن تطرقه جذبها إيثان إليه بعاصفة كادت تقتلها بأرضها، وسؤاله الوحيد يُطرح بخشونة مقبضة:
"بتعملي إيه هنا يا محترمة؟"
ارتعبت قبالته وكأنها تتحول لشبح ميت، صمتها ورعشتها قبالته جعله يهزها بعنف:
"ساكتة ليه انطقي!"
سقطت حقيبتها منها ولجوارها سقط السكين الذي تحمله، توسعت عيني إيثان بصدمة، وانحنى يحمل السكين لها، متسائلًا بدهشة:
"ده إيه؟!!!"
إتكلمي وفهميني إيه اللي بيحصل معاكِ وجاية الشقة الغريبة دي ليه! انطقي.
بكت بصوتٍ مسموع ورددت بصعوبة حديثها:
"إيثان آآ... أنا.. آآ.."
إلى هنا وكفى، دفعها عن يده واتجه لباب الشقة هادرًا:
"أنا هعرف بنفسي."
سقطت فوق يديه تحيطه وهي تترجاه وتتوسل:
"لا يا إيثان أبوس إيدك لأ، تعالى معايا وأنا هحكيلك على كل حاجة."
فشلت في تحريك جسده القوي من محله سنتيمتر، فازداد بكاؤها ومالت على صدره تتمسح به:
"عشان خاطري انزل معايا، وأنا هحكيلك."
فك يديها من حول رقبته، ودفعها للمصعد وهو يصيح بوعيد:
"اتفضلي قدامي، بس لو مقتنعتش بكلامك هقومها حريقة على دماغك يا بنت إيفون!"
خرجت فريدة من غرفتها تتألق بتنورتها البيضاء الطويلة، وقميصها الأبيض ومن فوقه جاكيتاها الجلد الفخم، وفوق رأسها تخفي خصلاتها بحجاب أبيض معقود من أسفل رقبتها ويعلوه القبعة وساقيها يحيطه الحذاء ذو الرقبة، بينما نظارتها لا تفارق وجهها، وكأنها شابة بالعشرينات من عمرها.
خرجت تشير لأحمد وهي تحمل حقيبتها على معصمها بحركة مدروسة:
"أنا جاهزة يا أحمد، يلا شمس في انتظارنا."
ترك جريدته وكوب قهوته ونهض يشير لها بابتسامته الجذابة:
"وأنا كمان جاهز يا حبيبتي يلا بينا."
والتفت لعلي الذي يتناول طعامه المشبع بالخضروات الصحية يخبره:
"علي إحنا رايحين نطمن على آدهم، هتيجي معانا ولا هتحصلنا؟"
اجابه وهو ينحني مقبلًا يد ورأس والدته:
"لا أنا ورايا شغل كتير بالمركز النهارده، بليل هاخد عمران ونعدي عليه بإذن الله."
هز رأسه بخفة واتجه للسيارة، بينما مال علي لوالدته يشدد عليها برفق:
"فريدة هانم مش هوصي حضرتك آدهم في حالة مينفعش فيها عتاب على اللي حصل."
نزعت نظارتها عن زرقة عينيها، وقالت برقتها المتناهية:
"متقلقش حبيبي أنا مش هعمل شيء يزعله عشان خاطر شمس، مش حابة إني أكون سبب في زعلها."
وابتسمت وهي تميل عليه هامسة:
"ولإني واثقة إن عمران أكيد لمح له، الولد ده مش بيقدر يسيطر على تصرفاته، أنا مش بحب أتكلم معاه وأنا بوضعي المتعصب ده حاليًا لكن بعدين هيكون لي كلام كتير مع أخوك الوقح... يلا تشاوو."
وضع يديه بجيوب بنطاله وارتكن يراقب رحيلهما بالسيارة، وأغلق عينيه ينتعش بالهواء البارد المحيط للكمبوند، فاتاه ما يفصله عن لحظاته الاستثنائية، حينما وجد أخيه يهرول خلف زوجته وهو يهتف بانزعاج:
"فاطيما اقفي وكلميني، مينفعش ترميلي الكلمتين دول وتمشي من غير ما نتكلم."
استدارت من منتصف الدرج ترمقه بنظرة منزعجة، وصاحت بشراسة يكشفها علي لأول مرة:
"اللي عندي قولته، أنا هقبل بعرض علي وهنزل معاه المركز."
وقف قبالتها يكبت غيظه من طريقتها، فأدمى شفتيه السفلي وهو يسحب الهواء إليه قائلًا بهدوء مخادع:
"كل ده ليه يعني عشان رديت على الكلاب دول؟"
صححت مفهومه لغضبها:
"طريقتك بالكلام استفزتهم لدرجة أنهم هددوك بالقتل ولو فضلت ترد بعدم مبالاة وتستفز فيهم هينفذوا اللي بيقوله عشان يكسروا كبريائك ده، الأفضل أنك تتكلم بعقل لحد ما تقدر تكشفهم أو لحد ما مراد يقدر يوصل لحاجة، أنا كل ما بفتح إيميلك بتصدم من ردودك العنيفة، قولت لعلي امبارح وتوقعت إنه هيتصرف معاك أصحى ألقيك كتبت لهم آ..."
وتخلت عن الكلمات بعصبية بالغة، فمنع ابتسامته وقال ببراءة مضحكة:
"مقولتش حاجة أكتر من مبتهددش بروح أمك! مالها دي؟!"
ركلت بقدميها قبل أن تستكمل الدرج:
"أنت عمرك ما هتعترف إنك غلطان."
أسرع من خلفها يخبرها:
"طيب استني طيب، مش هرد عليهم خالص بس متسبيش الشغل يا فاطيما."
ضحك علي وهو يتابع أخيه المتغطرس يكاد أن يتوسل لزوجته ألا تترك العمل، وما يضحكه أنه يجد خدعة زوجته تمر على الطاووس الوقح مرور الكرام، تابعهما وهما يجلسان على طاولة الطعام كأنه طيف غير مرئي، بينما يهتف عمران بلباقة:
"فاطمة أنتي قولتي لعلي وكبرتي الموضوع وهو ميستاهلش وهو من امبارح قلقان عليا وكل ساعة يتصل بيا بالتليفون وكأني عيل صغير، وعدتها ومزعلتش لأني عارف أنك عملتي كده من خوفك عليا، فمن فضلك بلاش تكبري الموضوع وتخلي مايا أو فريدة هانم يحسوا بحاجة."
تناولت ما بشوكتها وتمتمت:
"وأنا مش غبية عشان أقولهم."
استند على معصمه هادرًا بخبث:
"ولما تسيبي الشركة وتروحي تشتغلي مع علي مش هيشكوا في حاجة!"
حركت كتفها بخفة:
"هشتغل مع جوزي وده طبيعي إني هعمله بالنهاية."
ضيق رماديته بغضب:
"طيب وأخوكي؟؟؟ هتتخلي عنه يا فاطمة؟"
خطفت نظرة سريعة لعلي المبتسم، ثم جذبت منديل ورقي تزيح بقايا الطعام عن فمها وهي تخبره بجدية:
"هنزل معاك الشركة دلوقتي في حالة إنك تبطل ترد عليهم وتستفزهم، وتوعدني إنك هتسيب الموضوع لمراد وعلي ومتتدخلش فيه."
كز على أسنانه بغضب، ولكنه رضخ لها وقال:
"أوعدك.. كده مرضية؟"
هزت رأسها بتأكيد، فأشار لها بغيظ:
"طيب يلا عشان جمال اتأخر ولازم حد فينا يبدأ ال meeting."
جذبت حقيبتها ولحقت به، فاتجه لاخيه الجالس على المقعد البعيد عنهما، يدعي انشغاله بجريدة أحمد، ومال يهمس له بضيق:
"ملعوبة بتزق عليا فاطيما عشان تثبتني، ماشي يا علي مصيرك تقع وهتلاقيني بحدفك من زنقة للتانية لحد ما تتوب عن ذنبك الفاضح ده."
أبعد الجريدة عنه ومال يطالعه بنظرة ماكرة:
"متتأخرش بره البيت كتير، بابا علي بيقلق عليك يا حبيبي."
ودفعه للخلف ثم نهض يلحق بزوجته بينما يتبعه عمران ضاحكًا، ودمدم بسخط:
"حاضر يا بابا هسمع الكلام!"
بالمركز الطبي الخاص بدكتور "علي الغرباوي" بالطابق المخصص للكشف عن الأطفال، وبالأخص أمام غرفة الكشف الخاصة ب" زينب"، جذب "يوسف" زوجته وهو يترجاها:
"ليلى بلاش عشان خاطري، سيف لو عرف إنك عارفة عقدته هيقتلني."
جذبت ذراعها وقالت بعزم:
"يا يوسف الجوازة واقفة على الطلاق بسبب تافه، هقولها ونحل الأمور بدل ما يتطلقوا فعلاً، زينب عنيدة وتعملها."
اعترض على حديثها قائلًا:
"لا زينب عاقلة جدًا، هي بس بتستفزه عشان تعرف اللي هي عايزاه، خلينا بعيد إحنا أحسن."
أصرت على ما برأسها، واستدارت تبحث من حوله متسائلة باستغراب:
"قولي بس سيف فين دلوقتي؟"
أجابها وهو يتمنى أن تعود عما برأسها:
"لسه نايم، عملت له الفطار قبل ما أنزل وسيبته جنبه معرفش بقى صحى ولا لسه!"
صفقت بيدها بحماس:
"بس كده اتحلت، طالما اتأخر كده يبقى مش هيجي النهاردة، يبقى سيبني ألحق أقولها الكلمتين وألطف الدنيا."
منعها قبل الولوج وهو يشير لها برفق:
"بلاش يا ليلى عشان خاطري، سيف هيقيم الحد عليا ومش بعيد يشيل شنطته ويمشي تاني."
ضحكت وردت عليه:
"هخلي زينب متقولهوش حاجة."
وأضافت وهي تشير له على النافذة الضخمة الزجاجية:
"دكتور علي جاه أهو، انزل قابله وشوف شغلكم ومالكش دعوة بحوارات الحريم دي."
دفعته عنها وقبل أن يعترض تلك المرة كانت تغلق الباب من خلفها.
تركت زينب حاسوبها ونهضت تضمها بفرحةٍ، هاتفة بعدم تصديق:
"معقول يا لولي نزلتي الشغل على طول كده، أنا فكرتك هتأخدي إجازة يومين تلاتة ت
رواية صرخات انثى الفصل التسعون 90 - بقلم ايه محمد رفعت
وضع النادل كوبين من العصير على الطاولة القريبة من مياه البحر المحاط لجانبي المطعم.
في جو مشحون بالتوتر والصمت القاتل، الا من صوت طرق حذائه الذي يطرق به أرضًا ليحجب عصبيته المفترسة.
بينما يميل مستندًا على كفيه وهو يراقبها وهي تدفن وجهها أرضًا وكل فترة والآخرى تمسح دمعة منهمرة على وجهها.
وما أن ابتعد النادل حتى شق صوته الرجولي أجواء الصمت بينهما:
_أنا مستني أسمع منك تفسير واضح وصريح، فياريت متختبريش صبري أكتر من كده لإني مش هقدر أسيطر على الوش الهادي اللي قدامك ده كتير، فأتكلمي أحسنلك.
تعالى صوت بكائها ومازالت يدها تكمم فمها خوفًا من أن يستمع أحدٌ حديثهما، بالرغم من أن المكان كان شبه فارغ من حولهما لأن الوقت كان باكرًا.
بحثت عينيها في كل مكان حولها حتى استقرت بعيني "إيثان" الغاضبة، الذي أعاد تكرار كلماته وأسنانه تناطح بعضها البعض:
_مش هكرر سؤالي تاني يا كريستين، كنتِ طالعه الشقة دي لمين ومعاكِ السكينه دي ليه، فهميني عشان الشكوك اللي مالية رأسي هتخليني أكسر التربيزة دي فوق دماغك.
رفعت عينيها الباكية إليه تستجديه توسلًا، وحررت صوتها المبحوح تخبره:
_خايفة أدخل الحرب دي وخسارتها هتكون ثقتك فيا يا إيثان، والمشكلة إن اللي بينا مكنش كفايا عشان تثق فيا يعني معاك عذرك.
ابتلع تلك الغصة المؤلمة لحلقه، وتلاشى عن غضبه، فبحث بعينيه عن النادل الذي أتى مهرولًا إليه، وخطيبته تراقبه باستغرابٍ، وخاصة حينما جذب مبلغا طائلا من المال، وقدمه إليه قائلًا:
_أقفل باب المطعم ساعة واحدة بس، واعتبر المكان محجوز.
تعلقت نظرات الشاب بالمال وكأنه لم يرى تلك الحزمة من قبل، فهز رأسه بابتسامة واسعة:
_عنيا يا كابتن.
وغادر ينفذ تعليماته، بينما مال "إيثان" على الطاولة مستندًا بكلتا ذراعيه عليه، ينصب عينيه عليها وكأنها موضع اهتمامه بالكون بأكمله:
_أنا واثق فيكِ، وقعدتي قدامك دي أكبر إثبات ليكِ، أنتِ أكتر واحدة عارفاني يا كريستين، وعارفة إن إيثان مكنش هيعدي حوار الشاب اللي كنتِ واقفة معاه من كام يوم ده ولا كان هيتنقل من قدام باب الشقة دي من غير ما يعرف مين اللي فيها، بس أنا إخترت أثق فيكِ وأنزل معاكِ وأسمعك زي ما طلبتي، ده ميبررلكيش ثقتي فيكِ؟؟؟
حركت رأسها توافق حديثه وقد تعالى صوت بكائها، وإنكسارها يصاحبه، لا تعلم كيف ستخبره بما يلاحقها.
تسلل كفه يحيط يدها المسنود للطاولة، التي تحمل إحدى أصابعها دبلته، أحاطها بقوته الذكورية، فشعرت وكأن أصابعها الرقيقة ستهشم بين يده، بينما يردد بحبٍ:
_إتكلمي وإحكيلي يا كريستين، أنا عمري ما هكون ضدك.
سحبت حقيبتها تخرج منها هاتفها، عبثت فيه ثم أدارته إليه وهي تبكي دون توقف.
جذب منها الهاتف فتفاجئ بفيديو فاضح لها مدته دقيقتين، تمارس فيه المحرمات مع شخص لم تتضح معالمه، بل وجهها الذي يبدو بوضوحٍ، وهي عارية تمامًا.
اتسعت مُقلتيه في صدمةٍ كادت أن تصيبه بذبحةٍ، وبصعوبةٍ تحركت عينيه لها، فتهربت منهما وهي تخبره بانهيارٍ:
_مش أنا، صدقني مش أنا.
عاد يتمعن بالفيديو بصدمةٍ، نفس تعابير وجهها الخجول حينما يخبرها بكلمات الحب، نفس تفاصيل جسدها الخارجي، نفس الوزن تقريبًا.
سحق أسنانه بعنفٍ، أغلق الهاتف وقلب وجهه بحدة على الطاولةٍ، لا يريد رؤية المزيد، لا يريد الحديث حتى عن الأمر، عقله يكاد أن يجن جنونه.
سحب كوب المياه البارد المجاور لكوب عصيره، يتجرعه مرة واحدة، عساه يطفئ من ثورته الشاعلة، ثم عاد يتطلع لها، وبصوتٍ آمر بالجحيم:
_احكيلي.
تعالت شهقاتها بانهيارٍ، بينما يفقد هو كل الهدوء المخزن لديه، يود الصعود في الحال ليقتل من بالشقة، لأنه بات الآن على خلفية واضحه بالأمر، من المؤكد أن هناك عملية ابتزاز إلكتروني تمس حبيبته، وذاك السفيه الذي إلتقت به في هذا اليوم من المؤكد أنه نفسه من يسكنها.
رطم الطاولة بيده وهو يصرخ بانفعالٍ:
_اتكلمي يا كريستين.
رفعت عينيها إليه ورددت باصرارٍ والخوف يتراقص بين حدقتيها:
_مصدق إن دي أنا ولا لا؟
زوى حاجبيه بدهشةٍ وقال:
_أنا لو مصدق إن دي إنتِ كنت هكون لسه قاعد قدامك، كنت هجيبك من شعرك ومش هيهمني إنك لسه خطيبتي مش مراتي، بعيدًا عن ثقتي فيكِ فأنا سامع كويس بقصص الابتزاز الالكتروني اللي انتشر بالفترة الاخيرة.
وتابع وكفه يعود ليحتوي كفها من جديد:
_اتكلمي واحكيلي بالتفصيل اللي حصل.
ردت عليه وقد عاد البكاء إليها:
_كنت بتفرج على فيديو ريلز من على الفيس بوك، وإتعرض قدامي اعلانات عادية، من بين الاعلانات كان اعلان لعبة شدتني وحملتها، وكنت بلعب عليها باستمرار لحد ما خلصت المرحلة الأولى فجاني إني كسبت إيفون.
وأضافت وقد امتلأت العبرات بعينيها من جديد:
_أنا كنت عارفة إنها اشتغالة بس قولت أسلي نفسي وأشوف أخرتها أيه، اتبعتلي اعلان إني لو عايزة أسجل على السحب أدخل اللينك وأملي البيانات، وفعلًا فتحت اللينك بس اول ما عملت كده موبيلي هنج بشكل غريب، وبعد كده رجع اشتغل طبيعي جدًا.
وتابعت وقد انهارت تمامًا:
_مكنتش أعرف إني بمجرد ضغطتي على اللينك ده موبيلي كله اتسرب للكلب اللي شوفتني واقفة معاه ده، ومعرفش قدر ازاي يعملي الفيديو المتقن ده، أنا قعدت ساعة بشكك في نفسي، البنت اللي في الفيديو دي متختلفش عني نهائي بشكل رعبني وخلاني أنخضع لتهديداته كلها.
احتقنت معالمه بأكملها، وقبل أن يسألها منح لذاته مدة ينظم أنفاسه الصاخبة:
_خضوع من أي نوع يا كريستين؟
سحبت كفها منه والخوف يزداد تمكننًا عليها، فأخبرته وصوت بكائها يرتفع:
_كان بالبداية بيطلب مني فلوس، لحد ما استنزفني، أنا سحبت كل فلوس اللي بابا حطهالي في البنك قبل موته، سحبتها من ورا ماما ومهمنيش غير انه يحذف الفيديو، بس لما لاقاني مقدرتش أدبرله أي مبالغ تانية، هددني وقالي أجيله أقابله بالشقة دي وأعمل اللي هيتطلب مني والا هينشر الفيديو ده، اترجيته يصرف نظر عن اللي طلبه ده وهو رفض، حتى لما قابلته طلبت انه يكون في الشارع عشان ميقدرش يأذيني وهو نفسه اليوم اللي إنت شوفتني فيه، بس مازال مصر وبيزيد في تهديداته، وكل ما أبلك حساباته بيعرف يوصلي!
انكمشت بمقعدها حينما صرخ بعصبية بالغة:
_وأنا فيـــــــن من كل ده؟؟؟ إزاي خبيتي عليا المصيبة دي وبكل جراءة طالعاله الشقة!! كنتِ مستانية يعمل معاكِ أيه تاني عشان تقوليلي!!!
خبأت وجهها بين يديها ورددت ببكاء:
_مقدرتش أصارحك بحاجة، أنا خوفت تصدق إن دي أنا يا إيثان.
وأبعدت كفها وهي تخبره بانكسار:
_زمان لما كانوا بيفبركوا الصور كان بيبان إنها متفبركة لكن دلوقتي باللي شوفته ده أنا نفسي شكيت إن دي انا، متخيل!!
فرد كفه فوق الطاولة، وبنظرة واثقة قال:
_متسحبيش ايدك من إيدي أبدًا، وبصيلي وافهمي كلامي كويس.
مدت يدها له على استحياء، فقبض على كفها وقال وعينيها تذوب بين نظراته، كأنه ينقل لها كل الامان الذي افتقدته طوال تلك الفترة المنصرمة، تحرر صوته الخشن بصرامة:
_متفكريش في أي حاجة، أنا هتصرف بس بأمانه مش هقدر أعديلك انك خبيتي عني الموضوع ده، ولا هغفرلك إنك عيشتي في الضغط الكبير ده لوحدك والمصيبة إنك فكرتيني هصدق عنك كده.
واستطرد بغضب طل رغمًا عنه:
_كان قدامك أكتر من فرصة تعرفيني فيها اللي بيحصل معاكي، واليوم اللي الكلب ده كان واقف فيه معاكي لو كنتي قولتيلي كنت قتلته.
أجابته وهي تشير على حقيبتها:
_وأنا ميرضنيش تضر بسببي، عشان كده كنت هقتله عشان أرتاح منه ومن تهديداته، لانه كل مرة بياخد مني فلوس بيحذف قدامي الفيديو وبيرجع يفاجئني بنسخة تانية وبفيديوهات جديدة.
سحب الحقيبة منها ينتشل منها السكين، يلقيه بالنهر المجاور له، ثم جذب هاتفها، ودفعها أمامه برفق:
_انا هتعامل مع الكلب ده، هوصلك البيت الأول.
استدارت تتعلق به برعبٍ:
_هتعمل أيه يا إيثان؟؟؟
شدد على معصمها واتجه للخارج وهو يردد بغضب:
_مش عايز كلام كتير، امشي قدامي.
خطى جوارها للمنزل، ولم يهتف بكلمة واحدة، بينما قلبها لم يتوقف عن دق الطبول خشية من الحرب القادمة، تخشى ان يصيبه السوء بسببها.
فوقفت أسفل بنايتها تتمسك بيده، وهي تهتف بتوسل:
_متروحلوش يا إيثان، أنا خايفة يأذيك، عشان خاطري بلاش.
سحب يده وأشار بحزمٍ:
_اطلعي فوق ومتدخليش في اللي هعمله.
انهمرت دموع حسرتها، وارتابت من أن يُشاع الأمر، فراقبت شرفة شقتها تتأكد من عدم وجود والدتها ثم عادت تتطلع له، وبوجعها الغائر همست له:
_طيب بلاش تعرف ماما حاجة، ولا توري الفيديو لحد.
تألم نياط قلبه لأجلها، نظرة الإنكسار المحاط بسحر عينيها كسره هو، فربت على معصمها يبث لها الطمأنينة:
_متخافيش يا كريستين أنا مش هتكلم معاها في حاجة ولا هسمح للحقير ده ينفذ اللي في دماغه، إطلعي بيتك واطمني، أنا موجود ومستحيل أسيب الكلب ده يلوث شرفي وعرضي.
لمستها كلامته بشكل جعلها تقشعر من نسبها له بكل تملك، راق لها موقفه وحديثه، خوفه وغيرته، حبه وغضبه، كل شيء به جعلها تتأكد إنه يستحقها ويستحق سنوات صبرها، ولكنها لم تستطيع التغلب على خوفها الشديد عليه، بداخلها يعلم بأن الأمر لا يخص شاب يهددها، الأمر اكبر مما تتخيله.
صعدت للأعلى بينما سحب هو هاتفه وقال بوجومٍ مخيف:
_اقفل المحلات وهات الرجالة كلها على العنوان اللي هبعتهولك.
أتاه صوتًا مفزوعًا:
_ليه هببت أيه يا إيثان!!
بحزمٍ قاطع هدر قبل أن يغلق بوجهه:
_حالًا يا يُـونس!
عادت "ليلى" تطرق الباب وهي تصيح بغضب:
_سيف افتح الباب ده، بقالي ساعة بناديلك!
وأضافت لتستميل عاطفته:
_طيب قدر إن ابن اخوك جعان!، يا تدخلي أكل يا تخرجني، او على الأقل وصل سلك التليفون بتاع مكتب زينب، إنت شلته ليه معتش فيه حرارة!!
طالعتها زينب بنظرة ساخرة وهدرت:
_وأنا بقالي ساعة بحاول أقنعك إن الغرف فيها عازل صوت مش مصدقاني، يعني لا سيف ولا مخلوق من اللي برة سامعنا!
استدارت للخلف وهي تتطلع لها بنظرة احتلتها الصدمة، وهمست:
_يعني أيه؟!
ضحكت وهي تخبرها:
_يعني اتصلي بجوزك الدكتور يجي يطلعنا، أنا هكلم علي وهخليه ينقلني تحت تدريب دكتور تاني غير سيفو حقنه ده، العملية مش ناقصة عقد.
واضافت وهي تستند على مرفقها:
_وبفكر جديًا في الطلاق، لانه مش هيتهاون إني كشفت سره وممكن يقتلني.
استدارت ليلى إليها والغيظ يكتسح معالمها، فجذبت حقيبة يدها وقذفتها من فوقها، وهي تصيح بضيق:
_هنموت هنا وإنتِ بتفكري في مستقبلك، فكري في الحاضر وشوفي هنطلع من هنا ازاي!
أبعدت زينب الحقيبة عن وجهها وهدرت:
_اتصلي بيوسف يطلعنا بقالي ساعة بقولك.
لمع عقلها بما قالت، فانحنت تجذب حقيتها، هامسة بحماس:
_فاتت عني فين دي!
تحرر صوت الباب فاستدار كلًا منهما إليه، وفجأة قُذف يوسف تجاههما وانغلق الباب على الفور، فتلقفته الأرض بأحضانها، حتى سقطت عنه نظارته الطبية، التقطتها وارتداها وهو يصيح بانفعال:
_بقى كده يا سيف!
تقابلت عينيه مع زوجه أخيه وزوجته، فرسم بسمة بلهاء وقال:
_أكيد يا لولا معرفتيش تمسكي لسانك كالعادة، والمرادي التأديب طالك أنتِ واللي فتش سر العيلة.
ربعت يديها أمام صدرها بغضب:
_يعني أيه؟
هز كتفيها والضحك لا يفارقه:
_يعني سيڤو حبسني معاكم هنا لحين إصدار قرار الحكم في جريمتنا!
خرج من غرفة الاجتماعات يتابعه، وهو يتحاشى الحديث معه، كان القلق يعج ملامحه ويسيطر عليه سيطرة كاملة.
لحق به "عُمران" لمكتبه الخاص، ولج للداخل يغلق الباب من حوله، وتحرك للاريكة التي سبقه إليها "جمال"، جلس جواره وسأله بهدوء:
_مالك؟
وشك انخطف من ساعة ما قولتلك على رسايل التهديدات اللي بتوصلني!
لف جسده تجاه محل جلوسه، وقال باختناقٍ:
_عُمران إنت عارف كويس مين اللي ورا التهديدات دي، فبلاش تعمل نفسك عبيط.
تعمق بعينيه والصمت يجتازه، حتى قال بجرأة:
_عارف وميهمنيش، أنا مش هخضع للخنازير دول وانا عارف وفاهم إنهم بيعملوا كده معايا ومع أي رجل أعمال تقيل راجع يفيد بلده خاصة لو مصر، الكلاب دول مش عايزين البلد دي تتقدم خطوة، عايزين يوقعوها، بيدخلوا باغراءات الارباح وتوفير كل سبل الراحة للمستثمر عشان يعمل مشروعه برة مصر والعالم العربي كله، خايفين مننا ومن اللي ممكن نوصله في يوم من الأيام.
وأضاف وهو يسند ظهره للاريكة:
_وأنا مش راجع بمشروع واحد، راجع بمشاريع هتشغل ناس كتيرة جدًا، هتقلل البطالة وهتزود الدخل وتحسن اقتصاد البلد وده هما مش عايزينه.
رد عليه جمال بضيقٍ:
_مهما يحاولوا مش هيقدروا، بس كلامي هنا غير يا عمران، من حوالي سنة ونص ظهر"سلمان أحمد"، كان رجل أعمال تقيل وله قدره في البلد، بأخر فترة من حياته قرر يفتتح شركات أدوية معينة كنا بنستوردها من أمريكا، وسمعت انه جاله أكتر من إنذار إنه يتراجع عن اللي بيعمله، لكن للاسف متراجعش فبعدها مات في حادثة عربية بشكل غامض وغريب، الصحافة والتليفزيون أكدوا إن الخبر طبيعي، بس طبعًا اللي حواليه كانوا واثقين مليون في المية إنه مدبر ومقصود.
ووضع يده على ساقه وهو يتابع بحزنٍ وقلق:
_خايف عليك يا عُمران، الناس دي مبتهددش كده الا وهي قادرة تنفذ اللي بتقوله، احنا مش لازم نسكت على الرسايل دي، هنطلع ونقدمهم للنيابة.
راقب شدة يده بابتسامة جذابة، وقال يمازحه:
_متخافش على صاحبك، خاف عليهم مني أنا يا عبحليم!
ونهض يجذب مفاتيح السيارة وهو يشير له:
_سيبك بقى من جو مراتي الزنانة اللي مرعوبة عليا ده وقوم يلا ننزل حارة الشيخ مهران، واثق ان الشقة اللي اختارتها هتعجبك إنت ودكتور الحالات المتعثرة، أنا بعتله اللوكيشن بس هو موبيله مقفول، لما يفتح هيحصلنا.
وتابع وهو يستدير متفقدًا محله:
_انا مخلتش إيثان يشيل حاجة منها، عجبني اوي الكنب البلدي والديكور البسيط اللي فيها، بيقول إن الشقة دي كانت بتاعت جدته الله يرحمها ورفض يفرط فيها، وكالعادة لما حد ييقرر يفرط في الغالي مبيقدمهاش الا للغالي!
ضحك رغمًا عنه وقال:
_طاووس مغرور
شاركه الضحك الرجولي وهتف بعنجهيةٍ صارمة:
_قصر لأقص لسانك النهاردة.
أضاف جمال بعدما استمع لما قال:
_وزود عليها إنك وقح يا بشمهندس.
غمز له بمشاكسةٍ:
_لاغيني في أي حاجة هتلاقيني رقبتي سدادة.
تعالت ضحكات جمال ولحق به للاسفل، حتى صعد جواره بالسيارة وتحركوا معًا لحارة الشيخ مهران.
وصل "يونس" أمام المبنى المنشود، فوجد إيثان بانتظاره، كان يرتشف سيجار بعنفٍ جعله يبدو كالبركان الواشك على الانفجار بأي لحظة وضحاها.
ارتاب يونس لامره فامر الشباب الذين يعملون لديهما بالمحلات بالتوقف بعيدًا عنهما، واقترب منه يراقبه عن كثبٍ.
كان يستند على الحائط بقدم والاخرى مرفوعة من خلفه، يركل الحجارة الصغيرة من أمامه بعصبيةٍ بالغة، وما ان لمح يونس حتى ألقى السيجار من يده سريعًا، بينما الآخر يهتف بعدم تصديق:
_من امته وإنت بتدخن يا إيثان؟!!
تنهد بضيقٍ، ما كان ينقصه غضب يونس وطوفانه بتلك الظروف العصيبة، والآن يتلقى عن صمته لكزة عنيفة منه:
_مش بكلمك انطق ورد.
أجابه بحنقٍ:
_من فترة ومش بشربها على طول، اطمن.
هدر فيه منفعلًا:
_لا يا شيخ!! والمفروض إنك كده خرستني مثلًا.
شدد على فكه بعصبية بالغة وصرخ فيه:
_يُونس أجل حساباتك لبعدين وخليك معايا، كريستين واقعه في مشكلة، الكلب اللي شوفته معاها في السوق من كام يوم ده كان بيبتزها، ودلوقتي بدأ يهددها.
اندهش مما استمع إليه، وبديهيًا تساءل:
_بيهددها بأيه؟
حافظ على وعده، حينما تصرف بلباقةٍ:
_مش مهم بقى بيهددها بأيه، المهم إنه عنده شيء يخصني وقبل ما أخد اللي عايزه لازم أربيه واخليه عبرة لمن يعتبر.
فهم يُونس أن الأمر حرج، ربما صنع لها فيديو خادش مثلما يحدث من عمليات الابتزاز الالكتروني المعروفة، لذا احترم رغبته ومسد على كتفه بقوة:
_متقلقش أنا هطلع معاك انا والرجالة وهنحل الموضوع.
صرح له بهدوءٍ:
_هطلع أنا والرجالة بس، إنت هتستناني هنا.
زوى حاجبيه بدهشةٍ، اتبعها قوله الساخر:
_ليه بقى إن شاء الله خايف عليا ولا وجودي هيشتتك عنه!
زفر بغضب من طريقته بالحديث، وقال يوضح له بعقلانية:
_يونس انت لسه طالع من الحبس ومش حمل بهدلة تانية، مش معقول هجازف بيك بعد اللي شوفته وخصوصًا إن كتب كتابك بكره.
رد عليه بغضبٍ:
_يعني إنت مالكش حق فيا زي ما هي وأهلي ليهم حق فيا يا إيثان، بلاش ده، لو إتعكست الادوار وكنت أنا اللي هنا كنت هتتخلى عني؟
هز رأسه بالنفي، فابتسم له وقال وهو يشير لرجاله باتبعه:
_الخسيس ده بالدور الكام؟
تخفى إيثان والشباب على الدرج، خشية من أن يتعرف عليه الشاب في اليوم الذي رأها تقف برفقته.
دق يونس الجرس مرتين متتاليتين، وحينما لم يجد ردًا عاد يطرق الباب باصرارٍ أرغم من بالداخل على فتح جزء من الباب وقد توارى بجسده بأكمله من خلفه، لا يظهر منه الا رأسه، وبسؤاله الفظ هتف:
_عايز مين؟
شمله يونس بنظرة دقيقة، أنفاسه التي تنهج وكأنها في سباق، العرق الذي يجتاح جبينه، ارتدائه للملابس العلوية الداخلية، كل تلك الامارات أوصلت الحقارة التي يفعلها هذا الحقير بالداخل، لذا وبدون اي تردد قال:
_مش دي شقة إسماعيل لطفي؟
أجابه بفظاظة وضيعة:
_لا مش هي ياخويا، اتكل.
وما كاد بإغلاق الباب مجددًا حتى وجد قدمه الأسرع من رد فعله، فصرخ بحدة:
_إنت عايز أيه يا جدع إنت!
هاجمه بلكمة قوية في حين أن اجتمع الرجال من حوله، وأولهما إيثان الذي انهال عليه بالضربات القاتلة التي تستهدفه لتهينه مثلما أراد أن يفعل بحبيبته.
اغلق أحد رجال يونس باب الشقة وتركوا إيثان يتعامل معه، حتى بكى وصرخ وتوسل، فخرج على صوته من باب غرفة سرية رجلين يحمل كلا منهما سماعة خاصة بالحاسوب، فعلى ما يبدو بأنهم من يعملون على تلك القذارة، لذا تعامل معهم الرجال وقيدوهما جوار هذا السفيه، الذي سعل بكثرة دمائه، وهو يتساءل بصوتٍ يعلو بصعوبةٍ:
"إنتوا مين وعايزين أيه؟؟"
ركله يونس بقدمه في بطنه وهو يجيبه:
_عملك الاسود في الدنيا.
أتى أحد الرجال مهرولًا يخبر يونس:
_ملقتش حد يا معلم يونس، مفهيش غير الكلبين دول وطالعين من الاوضة اللي هناك دي ومليانه أجهزة كمبيوتر كتيرة.
انضم له من ذهب لتفحص الجانب الآخر يخبرهما بتوتر:
_في بنت متربطة جوه في الاوضة دي، وشكلها مخطوفة يا معلم!
غلت الدماء بعروق يونس وإيثان، فانحنى إليه يجذبه من تلباب قميصه لاحد الغرف، بينما يشير ليونس ليخلص الفتاة، فهز رأسه بخفوت، وقال للرجال من حوله:
_استنونا هنا يا رجالة، متخلوش حد يطلع ولا يدخل أبدًا.
وتركهم وأسرع للغرفة، فتفاجئ بفتاة لا تتعدى العشرون من عمرها، وجهها ينزف بغزارة، ويديها متفرقتان على حوامل السرير المعدني، وبالرغم من أن فمها مكمم الا أن نظراتها نطقت كل الاستغاثات والرحمة.
غض يُونس بصره عن ملابسها الممزقة، وأسرع يحررها وهو يردد بحزن عالق بصدره كلوح الثلج الجاف:
_متخافيش.
وما أن حرر يدها حتى منحها جاكيته الأسود، إلتحفت فيه تخفي ملابسها الممزقة، وتبكي بصوت جعله يشفق عليها، خاصة حينما انحنت تجذب حجابها وتضعه على رأسها.
اتخذت ما يقرب الخمسة دقائق لترتب ملابسها وتستعيد إدراكها، فرفعت بصرها نحوه واستدارت تجاه الكاميرا المزروعه بمنتصف الغرفة، وهي تردد بخفوت:
_أنت تبعهم؟
اجابها يونس ومازالت عينيه أرضًا:
_لأ.
وسألها هو بضيقٍ ذكوري:
_أيه اللي جاب واحدة متدينة زيك بمكان فيه أشكال زبالة زيهم؟
اعتصرت دمعاتها بقهرٍ ورددت بصوتٍ متقطع:
_ذنبي الكبير اللي حدفني هنا.
رفرف بأهدابه الثقيلة وسألها باسترابة:
_ذنب أيه؟!
رفعت وجهها المكدوم إليه، تتمنى لو تثق فيه، فقال بهدوء:
_متقلقيش اتكلمي عشان أحاول أساعدك.
أخفت وجهها أرضًا وقالت ببكاءٍ وندم لمسه بحديثها:
_حياتي كلها اتقلبت لجحيم من فيديو واحد شغلته على ريلز الفيسبوك.
تعجب من حديثها الغامض، وانتظر أن تقص له ما تقصد بحديثها، فقالت بشهقاتٍ مقهورة:
_فيديو رومانسي شدني بشكل خلاني أعيده أكتر من مرة، بس من بعده مقدرتش أخرج من الفرجة على الفيديوهات اللي من النوع ده، وأنا بقنع نفسي إنها فيديوهات رومانسية مش إباحيـ. ـة بس مع الوقت حسيت إني عندي شغف أتفرج على حاجات أكتر، وكل مرة حاولت أحارب نفسي إني برتكب معصية وذنب كبير كانت الفيديوهات بتتفتح قدامي بشكل غريب.
وسقطت بنوبة من البكاء، جعلتها تستغرق دقيقتين حتى عادت لتستجمع قوتها وهي تخبره:
_التطبيقات كلها كانت بتعرض قدامي فيديوهات بتشجعني أشوف القذارة دي، حتى لو فتحت فيديو عادي أتفرج عليه على أي تطبيق كانت الاعلانات نفسها فيها مقاطع من الافلام دي، لحد ما أجبروني أتفرج ولأول مرة على فيلم كامل إباحـ.ـي ودي كانت بداية المرار اللي عشت فيه طول الايام اللي، فاتت، كرهت نفسي وحياتي، مقدرتش اعيش وأنا حاسة بالنفور من نفسي ومن غضب ربنا اللي ملاحقني، حتى وقت النوم كنت بقوم مفزوعة إني أموت وأقابل ربنا وأنا بعصيه بذنب كبير، كل حاجة انهارت من حواليا، دراستي مبقتش مركزة فيها، خسرت أصدقائي كلهم لاني كنت بحب العزلة والوحدة عشان اتفرج على القذارة دي، اتسحبت جواها ومقدرتش أخرج، فيديو ورا التاني، وفيلم ورا التاني لحد ما بقيت مدمرة نفسيًا وجسديًا.
احتقنت معالم يونس حتى انه أوشك على الصراخ، لا يعقل أن تلك الفتاة البريئة سقطت في بئر الكبائر بسبب هاجس الرومانسيه الزائفة التي تبحث عنه، ومع ذلك حافظ على صمته فأي كلام سيُقال، بينما تستكمل هي ببكاء:
_وكل ما كنت بقرأ عن الاضرار الطبية وعقوبة ربنا عن اللي بعمله كنت بتراجع عنها فورًا، بس للاسف شيطاني كان بينتصر عليا، وبرجع أشوفها مرة واتنين وتلاتة لحد ما لقيت نفسي مشتركة في قنوات وشاتات على التليجرام والواتساب، بفتح أي صورة وأي فيديو وأي لينك بيتبعتلي لحد ما الحقير ده قدر يسرق فيديوهات ليا وانا بتفرج على القذارة دي ومعرفش عملها ازاي، قدر يخترق الموبيل بتاعي ويشوفني في كل مكان، حتى الفيديوهات الخاصة بتاعتي أخدها من الموبيل وابتزني بيها، وطلب بشكل صريح أجيله هنا عشان آآ... آآ..
انسكبت بالبكاء دون توقف، حتى واجهت الصعاب بالنطق:
_عشان نقلد اللي بشوفه والا هيفضحني.
وهزت رأسها وكتفيها بانهيار:
_كنت مجبورة ومفيش في ايدي حاجه اعملها، أبويا وأمي واخواتي لو شموا خبر هيقتلوني، احنا عيلة محافظة جدًا فتخيل لو سرب الفيديوهات دي وضعي ووضعهم هيكون أيه؟ مكنش قدامي اي حل غير إني اجيله، بس لما وصلت اتصدمت لما لقيته مثبت كاميرا ومعاه شابين، وعرفت من كلامهم واللي سمعته منهم انهم شبكة كبيرة على أعلى مستوى، ليهم شركاء تانين جوه وبره مصر، شغلانتهم الوحيدة يبتزوا البنات!
نطق بعد أن تشوه وجهه من فرط الضربات القاسية التي تلاقاها على يد إيثان:
_أنا قولتلك على كل حاجه، سيبني بقى.
جذبه من عنقه ودفع رأسه بالحائط أكثر من مرة حتى نزف، فصرخ به:
_خد اللي ليك وإمشي إنت واللي معاك، أنا همسحلك فيديوهات البت اللي تخصك وهنكون وقتها خالصين.
بصق بوجهه وصاح بعنفوان:
_مش قبل ما أقبض روحك إنت واللي مشغلينك يا كلب.
وجذبه إليه مجددًا، يسأله باستحقار:
_لما إنت هدفك تصور البنات وتبيع الفيديوهات هنا بتبتزهم بالفلوس ليه من الاول؟؟
انسدلت دمائه من جميع أنجاء جسده، فلم يجد الا الصدق طريقًا للخلاص فقال:
_مش أنا اللي بعمل كده، إحنا شبكة دولية على أعلى مستوى، هدفنا إننا نستهدف شريحة كبيرة من البنات، من عن طريق الافلام الاباحيـ. ـة أو اللينكات اللي بتتحط في وسط الاعلانات او حتى الالعاب، اللي بتيجي سكة بالفلوس بنستنزفها لحد ما تدفع كل اللي حيلتها، بعد كده بنحاول نجبها هنا الشقة لو قدرنا.
لكمه بعنف أسقطه أرضًا ثم عاد يدفعه إليه وهو يعود لسؤاله:
_بتعملوا أيه بعدها؟
سعل باختناق وقال:
_بنصور ليها فيديوهات مع حد فينا.
هتف بغرابة:
_ليه؟ مانتوا بتعملوا فيديوهات ابتزاز ليهم هتفرق عن الحقيقة؟
هز رأسه وهو يتابع بالكشف عن الجزء الاخطر:
_الفيديوهات اللي عملناها محدش بيهتم يشتريها على المواقع والمنصات، لانها معروف إنها متفبركة، لكن الحقيقية بتجيب فلوس أكتر، الاجانب بيشتروا الفيديوهات دي بآلآف الدولارات.، بالاخص لو البنات صغيرين في السن من ١٤ وإنت طالع.
اكتظم غضبه فعاد يسدد له الضربات وهو يصرخ بجنون:
_يا ولاد الكلب! انتوا شياطين!!
جلس يُونس على المقعد المقابل للفراش، يتابعهما وهي تبكي بانهيارٍ تام، وقال بحزن:
_أنا مش عايز أكون جلاد، كفايا احساسك بالذنب والندم اللي مالي عنيكِ، وجودي هنا وبالتوقيت ده لإن ربنا سبحانه وتعالى عايز يدسبك فرصة، وأنا هستغل الفرصة دي لانك يمكن متشوفنيش تاني، احنا كده كده هنبلغ الحكومة تتعامل معاهم لان الموضوع طلع أكبر مننا، ومتقلقيش همسح أي شيء يخصك من هنا زي ما وعدتك، بس هقولك راجعي نفسك بالخطيئة اللي بترتكبيها في حق نفسك
وتابع وعينيه أرضًا تقديرًا للموقف المحرج الذي وُضع فيه:
_بعيدًا عن تأثير الموضوع الطبي واللي منه إن ممكن تفقدي عذريتك بسبب الموضوع ده، وضعف ذاكرتك وقلة تركيزك، نفسيتك اللي متدمرة بشكل مستمر بسبب خوفك الشديد من ربنا وده لوحده ذنب لا يغتفر، وبسبب انك حاسة طول الوقت إنك بترتكبي شيء غلط، واللي هصدمك انك تعرفيه انك بتحطمي أجمل علاقة ممكن تجمعك بالانسان اللي هترتبطي فيه بيوم من الايام.
رفعت عينيها له باهتمامٍ، فاخفى ابتسامته لنجاحه الساحق بجذب انتباهها باختياره للحديث عن الامر الطبي أولًا قبل خوضه بالحديث عن الدين:
_طبعًا، لانك بسبب الافلام دي كونتي شكل معين للعلاقة بينك وبينه، وده من رابع المستحيلات إنه يحصل لاسباب كتيرة،لكن أهمها إن ديننا بيحترم المرأة ومخصص شكل العلاقة بين الزوج والزوجة في إطار كله احترام لكيان الست وبيقدس حيائها، فلما تقارني بين اللي شوفتيه ده وشكل حياتك هتتدمري نفسيًا ومش هتحسي إنك انسانة طبيعية، ده غير انهم بياخدوا بلاوي سودة وطبعا كلها من المحرمات، وبعيدًا عن اللي قولته عايز أقولك الشق الأهم واللي لازم متتغاضيش عنه لأنه مهم ليكِ جدًا.
راقبته بتركيزٍ وتمعن، ودموعها تتساقط رغبة في تطهير ذنوبها، بينما شرع يونس بالحديث بالفصحى مثلما اعتاد سماع الشيخ مهران:
_الإباحية مصيبة لكن المصيبة الأكبر .. أنَّ قلبك لم يَعُد يراها كذلك!
أخطر ما في الإباحية؟
أنَّها تشبع غرائزك بالحرام بما يجعلك تنسى الحلال، تبهت نفسك، وتسرق شيئًا من حيائك، وتنغص عليك حياتك دون أن تشعر.
بل تأخذ منك إيمانك
يقول سيدنا رسول الله ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهو مُؤْمِنٌ» [أخرجه البخاري]
فإيمانك لا يُنتزع مرة واحدة، بل على جرعات، من نظرةٍ محرَّمةٍ أو معصية متكرِّرة، حتى تصبح فارغًا.
تبدأ برفضها، تم تقبلها، تم تبرِّر لنفسك مشاهدتها، ثم لا ترى أنها حرام أو خطأ!
مشاهدة الإباحية .. ليست إثمًا فحسب؛ بل هي اختبار لصدق إيمانك، وخوفك من الله.
اختبار يظهر إيمانك الحقيقي عندما تغفل عنك عيون الخلق، وتتوارى تحت جنح الخلوات.
{أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ} [العلق: 14]
هي آية واحدة، لكنَّها كافية ….
كافية ليرتجفَ قلبك، إذا أغلقت الأبواب، وظننت أن لا أحد يراك …
تمعَّن في قول سيدنا رسول الله ﷺ: «العَيْنُ زِناها النَّظَرُ» [متفق عليه]
وقل: يا رب!
أنا لا أزعم النقاء أو الطهارة، ولا أدَّعي القوة، ولكن قلبي يخافك ويحبك ويخشاك، فاللهم بغِّض إليَّ هذا الإثم، واقطع عني سُبُله، وسدَّ عني أبوابه، وأبدلني خيرًا منه.
واعلم أنَّك لست بلا حيلة
وهذا بعض ما يُعينك:
1- إن لم تشغل نفسَك بالحق شغلتك بالباطل.
املأ وقتك بشيء نافع تُحبُّه.
فوقت تسلل المعصية إليك .. هو وقت فراغك.
2- احذف التطبيقات، واقطع الطرق المؤدية، قبل أن تقع في الهاوية.
3- آنس وحدتك.
الجلوس الطويل دون أنيس صالح كصديق أو كتاب .. باب واسع للزَّلَل، فلا تترك نفسَك في مهبِّ الشهوة.
4- غيِّر مكانك إذا شعرت بالضعف، وانتقل لنشاط ذهني أو بدني، فأحيانًا النجاة في مجرد حركة.
قال ﷺ: "احِفظِ الله يحفظْكَ..."
وأنت… لا تحفظ نظرَك، ولا وقتَك، ولا حياءَك، ولا خلواتك.
ثم تسأل: لماذا لست محفوظًا من القلق، والفراغ، والضياع؟
قال تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} [النساء: 108]
غريبٌ هو الإنسان!
إذا كنت تستحيي من مخلوق لا يراك!
فكيف لا تستحيي من خالقٍ لا تغيب عنه طرفة عين؟!
اللهم هب شباب المسلمين حياءً لا يبهت، وخشية تقف بينهم وبين المعصية، وارزقهم قلوبًا إذا اختلت .. خافت.
وإذا اجترأت .. ثابت.
وإذا ضَعُفت .. آبت.
وإذا أذنبت .. تابت وعادَت.
اللهم يسِّر لهم سُبُل العفاف والزواج، واكفهم بحلالِكَ عن حرامك، وأغنهم بفضلك عمَّا سواك.
ونهض عن المقعد يختم حديثه:
_انا كده دوري انتهى معاكي، اطلعي من هنا واختاري طريقك بنفسك، يا التوبة الخالصة من ذنبك ده يا أما ترجعي لنفس الطريق ده تاني، هتدوري فيه في طريق نهايته أبشع من دي.
حمدت الله كثيرًا لانه رزقها بمثل هذا الرجل التقي الذي أنار عتمتها، خرجت من الشقة وهو يخفيها عن اعين رجاله وقد حقق وعده لها حينما خرج إيثان من الغرفة الخاصة بالاجهزة حينما تأكد بحذف كل المقاطع والمحادثات الخاصة بخطيبته بشكل نهائي، بينما حذف يونس محادثتها، وعلى الفور تقدموا ببلاغ للشرطة التي اقتحمت المكان على الفور واستلمت الاجهزة والدلائل والمجرمين المقيدون من امامهم، وباستماع لشهادتهم جميعًا وحرص ايثان الشديد على عدم ذكر خطيبنه بالامر كل ما تم الاخبار به كانت جملة ثابتة على لسان يونس وايثان:
_كنا معديين من هنا وسمعنا صوت بنت بتستغيث طلعنا احنا الاتنين واكتشفنا الموضوع، والبنت استغلت انشغالنا بيهم وهربت على طول، وملحقناش حتى نشوف ملامحها!
بعد مغادرة والدتها وعمها، إستأذنت شمس آدهم وولجت لحمام غرفتها تنعش ذاتها بحمام بارد، لتستعد لمقابلة أخيها علي.
وفور ان انتهت لفت جسدها بالمنشفة الكبيرة واستعدت للخروج من المسبح الصغير، فارتطمت يدها بالدولاب الزجاجي الخاص بأغراض آدهم الشخصية، فتساقطت زجاجات البرفيوم الخاص به أرضًا مصدره جلبة وضوضاء جعلته ينتفض وهو يناديها:
_شمـــــس!!
راقبت الزجاج وهي تقف على حافة المسبح، بينما تجيبه بحزن:
_أنا كويسة.
وهمست بصوتٍ منخفض:
_أوف كنت ناقصة أنا كركبة الإزاز دي!
ثبتت قدميها على مكان خالي من الزجاج وحاولت منح ذاتها وقفة مثالية حتى لا تجرح ساقيها، لتلملم الزجاج المنكسر، ولكنها رغمًا عنها سقطت بقدميها الاخرى فوق قطعة كبيرة من الزجاج لعدم تناسق وقفتها.
صرخت بوجعٍ شديد، وصراخاتها لا تتوقف، بينما ترفع قدميها للاعلى في محاولة لانتزاع بقايا الزجاج وهي تناديه باستغاثة:
_آدهـــــــــــــــم!
اختل توازنها وسقطت بالمسبح ولكن تلك المرة احتك رأسها بحافته ففقدت الوعي على الفور، بينما بالخارج يجاهد بصعوبة للوصول لباب الحمام ونداؤه باسمها لا يتوقف، بل يزداد فزعًا، يحاوط جراحته بألمٍ وهو يتحسس الغرفة بحركات عشوائية، ولسانه ينطق دون توقف:
_شمس، ردي عليا سمعاني!!!
وعاد يهتف بلوعةٍ:
_شمس!!!!
ارتطم جسده بالخزانة الضخمة، وكأنه يكتشف معالم غرفته لاول مرة، فسقط أرضًا يتأوه ألمًا، ومع ذلك نهض يتحسس الحائط، يصطدم قدمه باشياء، ويكاد يسقط أكثر من مرة حتى وصل لباب الحمام.
طرق عليه بصخب وهو يناديها من جديد:
_شمس حبيبتي سمعـــاني، حاولي تفتحي الباب!
لم يأتيه أي ردًا منها، بينما يموج قلبه بعاصفة لا سبيل للنجاة منها، هو شخص لم يخضع مرة لعدوه، كيف يخضع لعجزه التام بتلك اللحظة، كان قويًا في كل مرة واجه فيها الصعاب، وكلما ارتفع المستوى كلما ازداد عزيمة بالنجاة، وها هو يقف أمام الباب عاجزًا عن اتخاذ القرار، فحتي إن حمل سلاحه ليفض الباب المصفح لا يعلم بأي مكان تكون، ربما يمسها الرصاص، وحتى لو استخدم حيلته التي تدرب عليها لفتح الباب دون كسره هو لا يرى أي شيء يمكن أن يستخدمه بذلك الوقت.
عقله وبصره فقدهما معًا، بل فقد نفسه وأصبح شخصًا لا يعلمه، سقط أمام الباب يميل بجبهته عليه يصيح بجنون اسمها، ولأول مرة تنهمر دمعة من عينيه تشعره بعار عجزه الذي شعر فيه ولمرته الأولى.
كلما اتاته فكرة لنجدتها يعود عنها بسبب أكبر، ففي تلك اللحظة قرر اللجوء لأبيه ولكنه افاق بأنه مثله تمامًا عاجزًا عن مساعدة نفسه!
ماذا عن آيوب؟ ولكن زوجته بالداخل لربما لم ترتدي ثيابها بعد!
ماذا عن علي أو عمران ولكن هل ستحتمل محبوبته لوصول أيًا منهما إليها!
مال على الباب يبكي وهو يردد بخشونة ذبحت حلقه:
_شمس ردي عليا شمـس!