تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم ايه محمد رفعت
طرق باب الشقة، وتمنى أن تفتح هي الباب، فلبت نداء قلبه المشتاق، حينما طلت من أمامه، ابتهجت معالم “آيوب” حينما رآها أمامه، بينما رددت “سدن” بابتسامة هادئة:
_آيوب!
منحها ابتسامة جذابة وقال وهو يضع أكياس المشتريات جانبًا:
_عاملة أيه يا سدن؟
رددت بنبرتها التي بات يعشقها:
_الحمدو لله، أنا كويس أوي، وإنتي عامله أيه؟
اتسعت ابتسامته وانقلبت لضحكةٍ جعلتها تتابعه بابتسامة يتلألأ بها حبه الساكن بين مُقلتيها، استعاد اتزان نبرته المرتشعة من الضحك وقال:
_الحمد لله بخير، أينعم مطحون في المذاكرة بس بخير، هسافر بعد يومين إن شاء الله عشان امتحاناتي.
تلاشت ابتسامتها ، بل شحبت تعابيرها وتجمدت، لدرجة جعلتها تتمسك بكف يده وتتساءل بدهشةٍ:
_هتمشي وتسيب سدن هنا!
خفق قلبه طربًا، لمستها جعلت جسده ينتفض من فرط مشاعره، تعمق بحدقتيها وقال يهمس لها:
_لازم أسافر عشان امتحاناتي يا سدن، ومينفعش أخدك معايا، لسه حوار عمك متنساش.
سحبت كفها منه وبعصبيةٍ رددت بالانجليزيه ما يعني وصولها لذروة غضبها:
_وكأنك تكثر من حجتك بما حدث، فلتكن صادقًا آيوب أنت تريد الذهاب بمفردك، لقد أخبرني الشيخ مهران أن الكذب من المعاصي والمحرمات ومازلت تلجئ لحجتك الكاذبة كلما رأيتني.
واستطردت ودموعها تنهمر من مُقلتيها:
_قول إنك عاوزة تبعدي عن سدن، بس مش تكذبي آيوب حرام عليكي الكذب حرام.
وتركته وغادرت لغرفته، بينما يتابعها هو في صدمةٍ وعدم استيعاب، دفع “آيوب” باب الشقة بيده وتفحص الردهة بحرجٍ، يخشى الولوج للداخل بوجود “خديجة”، ابتسمت من تراقبه من على بعدٍ، فتركت المنشفة والملعقة من يدها، واتجهت له تخبره:
_تعالى يا قلب أمك، هو أنت غريب!
استدار تجاه الرواق؛ فوجد والدته تتابعه ببسمةٍ خبيثة، أوحت له بسماعها لحواره مع زوجته من البداية، تنحنح بخشونةٍ وهو يشير لها على الأكياس المركونة خلف باب الشقة:
_يونس جابلك الطلبات اللي بعتيها مع فارس بالورقة يا حاجة، إتاكدي إن مش ناقصك حاجة، لو كده هنزل أجبها من المحل.
ربعت يديها أمام صدرها وهدرت بسخريةٍ:
_بتتماكر على أمك يابن الشيخ مهران.
وأشارت على نفسها باعتزازٍ:
_ده انا اللي مربياك وأفهمك من نظرة يا بشمهندس.
واستطردت وهي تشير له:
_هات الحاجة وادخل، خديجة طلعت تهوي الشقة بتاعت أمها، وقررت إنها هتنقل فيها بعد ما الدكتور طمنا أنها بقت أحسن.
وأضافت بمكرٍ:
_يعني تقدر تدخل وتطلع براحتك، مفيش حد غريب.
حمل الأغراض ووضعها بالمطبخ وهو يتهرب من عينيها بحرجٍ، فغادر يتجه لباب الشقة قائلًا:
_طيب هطلع أكمل مذكرة أنا بقى.
إهتز بوقفته فزعًا حينما صرخت به:
_استنى عندك يالا!!
استدار للخلف لها، فوجدها تسرع إليه، انتشلته الحاجة” رقية” وأبعدته من أمام باب الشقة الذي أغلقته بغضبٍ، ووقفت قبالته تصيح بغيظٍ:
_واد يابن الشيخ مهران إنت، ارحمني أنا عندي الضغط.
ارتاب آيوب من أمرها، وقال:
_ألف سلامة عليكي يا حبيبتي اطلبلك دكتور؟!
راقبته بصدمةٍ، بينما يتابع بفزعٍ:
_أكيد نسيتي تأخدي الحباية بتاعت الضغط النهاردة صح!
واستطرد وهو يتجه لغرفتها:
_حالًا هجيبها لحضرتك.
جذبتها بعصبيةٍ وانفجرت به:
_إنت اللي هتجلطني، بقولك محدش هنا ومفيش حد غريب، اتلحلح وادخل صالح مراتك، أنا شوفتها وهي بتجري كانت بتعيط!!
اعتلاه الحرج، وتمكن منه لاقصى درجة، فقال بارتباكٍ:
_ميصحش أدخل وحضرتك موجودة.
طرقت جبينها بقوةٍ ورددت بتعبٍ:
_عوض عليا عوض الصابرين يا ررب، أقوله أيه ده!!
وتابعت بنزقٍ:
_يابني الله يحفظك افهمني، تربية الشيخ مهران دي مش هتنفعك مع مراتك صدقني، اتحرك وكده وخليك زي الشباب الروشة، دي مراااااتك مراتك على سنة الله ورسوله، فاهمني!
أسبل بجفنيه بصدمة مما توحي به وقال:
_يعني حضرتك عايزاني أعمل أيه؟ الشيخ مهران لو رجع من المحل ولقاني هنا هيتضايق مني، سبيني أطلع شقة يونس قبل ما يرجع.
نزعت الحاجة “رقية” حجابها، وعصبت به رأسها وراحت تردد في تعبٍ:
_عوض عليا عوض الصابرين يارب!
أحاطه القلق فأمسك يدها وسألها بخوف:
_مالك يا ماما، إنتِ مش طبيعية النهاردة.
شملته بنظرةٍ محتقنة، وهتفت بسخريةٍ:
_والله يابني ما حد عارف مين فينا اللي مش طبيعي.
ونادته ببسمة مغتاظة:
_آيوب.
اجابها بلهفة:
_آيوة يا أمي، قوليلي بس حاسة بأيه وأنا هتصرف.
أجابته بصدر رحب:
_حاسة بمرارتي هتفرقع في وشي وشك بعد شوية يا روح قلب أمك!
وسحبت كفها بعنفٍ من بين يديه، وصرخت بانفعال:
_اجري من وشي روح صالح مراتك وثبتها بكلمتين من بتوع الشباب بدل ما أقلب عليك قلبة القطة على عيالها، وأحرمك من كفتة الرز اللي مهدود حيلي فيها لبكره دي.
جحظت عينيه صدمة، فرمش بعدم استيعاب، وراح يتساءل:
_يعني إنتِ كويسة، مش حاسة بأي تعب؟
رمقته بنظرة شرسة واستدارت تبحث عن أي شيء يجاورها، جذبت المكنسة اليدوية، وهرعت إليه تصرخ:
_روح صالح البت هتجلطني بتربيتك دي!
ركض آيوب تجاه غرفته ضاحكًا، بينما تابعت “رقية” بغيظ:
_ده الشيخ مهران رومانسي وبيفهم عنه!
على ذكر محبوب قلبها، جلست على مقعد السفرة، تهيم به مستندة على ذراعها، وقالت ببسمة هائمة:
_ربنا يباركلي فيه ويحفظهولي يارب!
بينما بداخل غرفة “آيوب”.
ولج للداخل يكبت ضحكاته بصعوبة، لقد أجاد تمثيل دور العفاف على والدته جيدًا، بينما بداخله يتراقص فرحة ويتمنى أن تصر على دخوله لها، ليضمن إن تم القبض عليه من قبل الشيخ مهران فيخبره بصدق أنها من دفعت به إلى ذلك، دون اللجوء إلى الكذب.
بحث عنها آيوب فوجدها تجلس على الأريكة القريبة من الشرفة، تميل على ذراعيها وتبكي بخفوتٍ، وما أن شعرت بحركة خلفها حتى رددت ببكاء:
_آيوب عاوز يسيب سدن ويمشي لندن وحده خديجة، أنا قولت ليك إنه مش يحبني، هو عمل كده عشان محمد.
أتاها صوته الحنون ينفي اتهامها:
_سبكتي التهمة على مقاسي يا سدن!
استدارت خلفها، فتفاجئت به يقف قبالتها، نهضت تبحث عن حجابها وهي تردد بغضب:
_إنتي داخله هنا ليه، امشي بره، أنا مش لابس!
ضحك رغمًا عنه على مظهرها المضحك وهي تبحث عن اسدالها، فكانت تجلس ببيجامة من اللون الأسود، وشعرها الأصفر يندرج من خلفها بحريةٍ، بينما وجهها يضربه حمرة البكاء فجعلها فاتنة بكل معنى الكلمة.
تركها آيوب ترتدي اسدالها ولم يرغب في مضايقتها، بل استدار عنها حتى انتهت من عقد حجابها، وفور أن انتهت هتفت بحنقٍ:
_كيف تجرأ على الدخول إلى هنا؟ هيا انصرف قبل عودة الشيخ مهران!
دنى إليها مبتسمًا، وقال ببساطة:
_ولو حضر العالم بأكمله إلى هنا لا يعنيني، إنتِ زوجتي سدن! هل تعي ذلك؟
وقال بثقة يشير لها من حيث وقوفه:
_اقتربي مني!
زوت حاجبيه باستغرابٍ، ومع ذلك اقتربت، أمسك يدها المضمومة على الأخرى وقال وفيروزته تحاوطها:
_لم أكن يومًا كاذبًا، أقسم بالله أن قلبي إنفلت زمام الأمر عنه وبات سجينًا داخل قلعتك، أنا أحبك وإحتسبتك زوجة لي من اللحظة التي أعتنقتي بها الإسلام.
وتابع بحبٍ:
_كل ما في الأمر أنني أريد الأمان لكِ، وسفرك الآن برفقتي ليس لصالحك.
ومنحها ابتسامة هادئة، ريثما يردد بعاطفة:
_أتركِ من خلفي وما أنتِ بمنسية، وضعتك داخل قلبي ووهبتك كل ما تمنيت أن أمنحه لمن ستكون زوجة لي، ومع ذلك مازلتِ تشككين بحبي لكِ!
انهمرت دموعها عن مُقلتيها، بينما يدها ترتعش بين كفيه، جذب كفه برفقٍ إليه، فانساقت من خلفها، أزاح دموعها وقال:
_طيب أفهمك بأي لغة تانية إني بحبك!
وأضاف مازحًا:
_ده الحاجة رقية لمحتها من على بعد ومدخلاني ليكي بإيد المقشة!
ضحكت رغمًا عنها وهو يمنحها نظرة دافئة، وابتسامة لا تفارقه، أحاطها إليه، وضمها بحنانٍ، فتعلقت به بقوةٍ وقالت:
_مش تتاخري ماشي؟
انفصل عن لحظة رومانسيته ومال على كتفها يضحك بصخبٍ، وهو يخبرها بصعوبة:
_خلي الشيخ مهران يعلمك الفرق بين المذكر والمؤنث عشان الوضع ده مش نافع بأي شكل!
ابتسمت وهي تخبره على استحياء:
_لا تقلق آيوب، السيدة رقية تبذل قصارى جهدها.
مازحها ضاحكًا:
_جهودها منطلقة في كل الاتجاهات ست الكل خيرها مغطي!
تلونت عينيها حزنًا، وقالت بحياءٍ:
_سأفتقدك أتعلم ذلك؟
اتسعت ابتسامته، وبعشقٍ قال:
_يارتني أقدر أترجم مشاعري ليكِ، بس أنا واثق إن لما يجي الوقت اللي نشهر فيه جوازنا هتقدري تكتشفيني بالشكل اللي أنا عايزه.
واستطرد بمشاكسةٍ جعلتها تضحك من قلبها:
_هطلع قبل ما الشيخ مهران يقفشني معاكي هنا، هيحرمني من الامتحانات وفيها اعادة سنة تأديب واصلاح وأنا عايز أنجز عشان أدخل دنيا!
واتجه ليغادر هاتفًا بحنان:
_قبل ما أسافر هنخرج انا وأنتِ وهنلف بالسكوتر بتاعي للصبح، على فكرة مخدتش حد قبل كده ورايا.
غمز بفيروزته يشاكسها:
_انتي هتبقي الأولى.
أغلقت باب شقتها، واستعدت للهبوط وابنها يتشبث بيدها، مرت من طابقها واتبعت الطابق الآخر، فسحب ابنها كفها منها فور أن رأى ذلك الذي كان بطريقه لشقته، ركض الصغير اليه وهو يناديه بلهفةٍ:
_بــــابـــــــا.
حمله “يونس” بين ذراعيه بفرحةٍ، وضمه إليه، وعينيه تراقب من تقف على بعدٍ منهما، حمله واتجه إليه يتساءل باستغرابٍ:
_رايحين فين بالوقت ده؟
أجلت أحبالها وعينيها تتهرب من لقائه:
_نازلين محل البقالة اللي على رأس الشارع نجيب شوية طلبات.
وما كاد بالحديث حتى قال فارس:
_أنا طلبت من ماما تعملي سندوتشات لنشون وسحلب سخن فقالتلي هننزل نجيب ونرجع.
ترك الصغير عن ذراعه، ونهض يستقيم بوقفته، يعاتبها بضيقٍ:
_مش أنا قولتلك لما تعوزي أي حاجة أبعتيلي رسالة وأنا هجبلك طلباتك، بتكسري كلامي من أولها يا خديجة؟!
ردت عليه من خلف نقابها الأسود:
_أبدًا والله، بس محبتش أشغلك عشان طلب بسيط زي ده، أنا قولت هنزل بسرعة وهرجع.
إحتدت نبرته غضبًا:
_ونازلة من غير إذن!
قرأ بعينيها تكدس حديث لا تستطيع البوح به، لكنه بارعًا بقراءتها، لطالما كانت كالكتاب المفتوح إليه منذ أن كانت بالعاشرة من عمرها، وما أزعجه الآن بقراءته، التفت “يونس” لصغيره وقال:
_انزل عند آيوب تحت يا فارس، شوية وجايلك.
هز الصغير رأسه وهرع للاسفل، بينما اقترب “يونس” منها يتفوه بعصبيةٍ:
_إنتِ مراتي وفي عصمتي وملزومة مني غصب عنك وعن الكل، الفاصل بينا فترة عدتك واللي بتمنى آنها تخلص وتنتهي لأنها بتفكرني بأسوء ذكريات بتمنى أنساها وتتمحى من ذاكرتي.
رفع اصبعه يشير لها بغضبٍ:
_نظرة الانتظار اللي في عينك دي بتقتلني أكتر من اللي فات ده كله، مسؤوليتي معاكي مش شفقة مني ده واجب عليا لانك مراتي حتى لو فاضل كام يوم على كتب كتابنا.
كسى الحزن تعابيره، وتشربته نبرته حينما أردف:
_أنا لحد اللحظة دي مش مستوعب إننا افترقنا وإنك بقيتي لغيري، لسه شايفك مراتي اللي اتحرمت من حضنها، طول السنين اللي فاتت دي كنت بعد الأيام عشان أطلع وأرجع هنا يقولولي إن كل ده وهم، خديجة مستنياك، كل ده كدب ومحصلش.
واستكمل بعجزٍ شعرت به:
_اللي فات ده مش هيرجع تاني يا خديجة، هترجعي تكوني ملكي وحلالي، والمرادي مش هيفرقنا غير الموت.
انهمرت دموعها تباعًا وهي تتطلع إليه، وكسرت صمتها، حينما هتفت بانكسار:
_أنا اتبهدلت أوي من غيرك يا يونس، كل اللي بتمناه إنك تاخدني في حضنك وتطبطب عليا زي زمان.
ابتسم وهو يتطلع لها بحبٍ، وقال:
_أول حاجة هعملها بعد ما المأذون يكتب الكتاب.
وأشار بعينيه للدرج قائلًا بحزمٍ:
_ودلوقتي على فوق ومتخطيش السلم ده برجليكِ من غير إذن، طاوعيني أنا مش عايز أبتديها بزعل من أولها يا ست البنات!
ضحكت من قلبها، وازاحت دموعها التي أغرقت نقابها، مرددة بفرحةٍ:
_لسه ست البنات في عيونك يا يونس؟
انتعش بنطقها لاسمه وقال بحب:
_في عين يونس وقلبه ست الهوانم كلها يا خديجة.
تاهت بعينيه وابتسامتها الخجولة ترفرف بالارجاء، فمازحها ببسمة جذابة:
_أنا بقول كفايا ذنوب كده وتطلعي فوق يام فارس، وانا هنزل أخده واجيبله اللي هو عايزه وهطلعلهولك تاني.
أومات برأسها بخفة وصعدت للأعلى بملامح مبهجة، تتشرب الحب بعد جفاء، فارتوت أرضها القاحلة وأينعت بثمارها.
لم يصدق أنه هو نفسه الذي قام باختطافه، وقف يطالعه بغرابةٍ بينما يحدجه الطاووس بنظرة متعالية لا تليق الا به، وببرودٍ قال:
_قولتلك قبل كده إن العيلة اللي مفهاش صايع حقها ضايع، وأنا فاضيلك ومعاك للآخر يا نعمان، كل اللي عملته في حياتك وعدتهولك كوم واللي عملته معايا ومع جمال ده كوم لوحده.
احتقنت معالمه وبعصبيةٍ صاح:
_إنت ليك عين تقف وتهددني، مسلط بلطجية يخطفوا خالك يا عُمران!!
منحه بسمة ساخرة، وببرودٍ قال:
_عادي يا خال ما أنت سلط نفس البلطجية عليا وخلتهم يعملوا اللي إبليس ميفكرش فيه!
وأضاف ساخطًا:
_ مش كل اللي مسك طبلة ورا العالمة بقى طبال يا نعمان، كنت فاكر إنك طلعتني المسرح جنبها بس أنا اللي طلعتك وبلبسها.
كبت آدهم ضحكاته بصعوبةٍ، صمد لدرجةٍ غير معقولة حتى لا تتوارى عنه، بينما هتف نعمان بعصبية:
_أنت بتتخطى حدودك معايا، صدقني مش هعدهالك يابن فريدة.
رنا إليه بخطواتٍ متهدجة، يطالعه ببرودٍ لحق نبرته الواثقة:
_هات أخرك وأنا جاهز وهديك اللي فيه النصيب يا خال.
واستطرد بعدائية شديدة:
_خروج من هنا انسى، إنت نزلت من نفسك باللي عملته معايا، وعشان إنت للاسف الشديد حامل نسل الغرباوي، مضطر أنزل لمستواك وأعيد تربيتك الناقصة من تاني.
وقبل أن يترك له مجال الحديث، صاح بخشونة:
_مغرفة!
هرول إليه أحد الرجال يجيب:
_أمرك يا باشا.
قال ومازالت رماديته تحيطان بنعمان:
_اهتم بالخال ووجب معاه عشان اللي جاي سواد على دماغه.
وتركه دون أي كلمه وغادر على الفور، جحظت أعين نعمان صدمة، فصرخ به يوقفه وهو يصيح بانفعال:
_هتدفع التمن غالي يا عمــــــرااان مش هسيبك سااااامع!
طرق الباب للمرة الثانية والعرق ينهمر على وجهه من فرط مجهوده المبذول، فتحت الخادمة الباب وقالت بابتسامة واسعة:
_بشمهندس آيوب البيه بانتظارك جوه.
أومأ برأسه بخفة، واتجه سريعًا للداخل، قاصدًا غرفته، وجده يتمدد على الفراش والتعب يجول ملامحه كالوحش الكاسح، أشار له بيده وهمس:
_آيوب تعالى يابني!
رنا إليه متلهفًا وهو يردد:
_ألف سلامة على حضرتك يا عمي، أول ما كلمتني سبت كل حاجة وجتلك، تحب أطلب الدكتور؟
تمعن به مصطفى بنظرةٍ حزينة، وقال:
_لا يا حبيبي أنا خدت أدويتي وهبقى كويس.
وبحرج قال:
_معلش ازعجتك في وقت متأخر زي ده، أنا كنت فاكر عمر معاك موبيله مقفول وبحاول أكلمه من الصبح.
ابتسامته البشوشة تشكلت على وجهه وهو يجيب:
_مفيش إزعاج ولا حاجة، مش انا زي آدهم ولا أيه؟
تدفق الدمع من عينيه وهو يطالعه بنظرة شملت كل آلآمه، تفاجئ آيوب باشارة يده التي تطالبه بالاقتراب، فترك مقعده ودنى إليه.
اعتدل مصطفى بجلسته وضمه إليه يبكي كالطفل الصغير، اخترق سهام الألم قلب آيوب وبات عاجزًا عن التصرف أمامه، فرفع ذراعيه يحيطه والقلق يعتلي ملامحه، تحرر مصطفى عن صمته أخيرًا، وقال:
_سامحني يابني، حقك عليا يا آيوب، مش عايز منك غير السماح والغفران على ذنبي!
ابتعد عنه آيوب يقابله بنظرة حائرة:
_مش فاهم حضرتك بتتكلم عن أيه؟ أسامحك على أيه بالظبط؟!
عاد علي للقصر بعد يوم عمل طويل، ولج جناحه يحرر جرفاته وينزع جاكيته بارهاقٍ، صوبت نظراته تجاه فراشه، وهو يتوقع رؤية ملاكه يغفو بسكون، زوى حاجبيه بذهولٍ حينما وجده فارغًا.
اضاءت المصباح المجاور لمقعدها، فاستدار علي للخلف، فوجدها تجلس بانتظاره، اقترب منها فتفاجئ بآعينيها المتورمة من أثر البكاء، انقبض قلبه من رؤيتها هكذا، فأسرع اليها ينحني أسفل مقعدها، يناديها بلهفة:
_فطيمـة!
رفعت عينيها ببطءٍ له، وقالت بصوتها المبحوح:
_أنا آسفة.
ابتلع ريقه بارتباكٍ وتساءل:
_على أيه يا فاطمة؟
انتقلت ببصرها للخزانة المفتوحة على مصرعيها، فتطلع لما تتأمله، فوجدها تتأمل علبة مجوهراتها المغلقة، ضم شفتيه بغضب لتذكره أنها كانت مفتوحة وقام هو باغلاقها بنفسه، بالتأكيد علمت بأنه قد رآها، استمد ثباته ورزانته، وقال:
_مفيش حد يملك القرار ده غيرك يا فاطمة، أوعي تعتذري أبدًا، إنتِ مغلطتيش.
هزت رأسها نافية، وقالت:
_لازم أعتذرلك ألف مرة، علي أنا مش هقدر أجبلك الابن اللي بتتمناه، لاني ببساطة مش عايزة أكون أم، ولا إنت هتكون أب لاني هكون أنانية ومش هسمحلك تتجوز عليا ولا يكونلك أولاد من غيري ســـــامع!!
صعد الجوكر على متن الطائرة يموج غضبًا من أخيه، يتمنى لو يعود لمبنى الجهاز ويقتله بدم بارد، عساه يحصل على الراحة الابدية من شخصًا برأسٍ سامة مثل “رحيم زيدان” ، وبينما كان منشغلًا بأفكاره الاجرامية، انتباه صوتًا يجاوره، يهتف بحنقٍ:
_اشتقتلي يا شريك؟!
اتسعت زُرقته بصدمة من رؤيته يجاوره على متن الطائرة، بينما الآخير ينزع نظارته السوداء، ويمرر منديله الورقي يمسحها وابتسامته لا تفارق وجهه، بل أضاف لجملته:
_بقالنا كتير مطلعناش مهمة مع بعض، شامم ريحة افتقادك ليا من مكاني.
تخلى “مراد” عن صبره، نزع حزامه ونهض يلف يده حول رقبته بقوةٍ وإحكام أدهشت الآخير الذي ردد باختناقٍ:
_عيب، في حد يقابل أخوه بعد كل 8 ساعات فراق بالقسوة دي!
تحرر عن هدوئه وصرخ به:
_رحيـــــــم إتقي شري أحسنلك، أنا خلاص مش باقي على حاجة وشكلك كده هتتصفى هنا وقبل ما نتحرك لأي مكان.
حاول أن يخفف حدة يده عن رقبته، متمتمًا:
_إنت أد المسكة دي؟
منحه نظرة ساخرة، وهتف بتحدٍ واثق:
_فك نفسك لو عرفت!
ابتسم في سخطٍ، وهتف مغتاظًا:
_بتستغل إني معنديش خبرة في التعامل مع مسكاتك يعني؟
ضحك وانحنى يهمس له ساخرًا:
_مش مفتقد الخبرة يا اسطورة، مفتقد المصدقية، خليك صادق مع نفسك وللمرة الاولى اعترف إنك ضعيف ومبتقدرش تحرر نفسك من أي تثبيتة بثبتك فيها.
اعتلى الغضب زيتونة عينيه، ومع ذلك منحه بسمة هادئة، وببرود قال:
_على فكرة احنا مسافرين على طيارة 90 في المية منهم سياح راجعه بلدهم، بتختملهم الزيارة بصورة مش تمام عن مصر، يرضيك يا سيادة العقيد؟
رمش بعدم استيعاب، استدار من حوله، فوجد الجميع يتابعون ما يحدث بصدمة وذهول، كان مراد يثبت ركبتيه بمنتصف مقعد “رحيم ” المجاور لنافذة السيارة، بينما ذراعيه تلتف من حول رقبته بحركة خبيرة، فشل الاغلب باحكام عقدته أو حلها من الجهاز، جسده العلوي ينحني فوق رحيم، حتى أخفاه كليًا عن الأعين.
انتزع يديه من حوله، وانتصب بوقفته بشموخٍ يخفي من خلفه غضبه الساخط، عاد يعتلي مقعده المجاور له وقبضته تعتصر ذاتها بغيظٍ.
اعتدل “رحيم” بجلسته، وابتسامة الغموض تحفل على وجهه، استدار إليه “مراد” فوجده يتطلع لمقعد أحد المسافرين القابع على بعدٍ منهما، فسأله بريبة:
_في أيه؟
أرخى رأسه لخلف المقعد، وأغلق عينيه باسترخاء بينما يخبره بجمودٍ:
_نجحنا نلفت الانتباه لينا، مبروك نجاح أول جزء من خطتنا.
عبث بحاجبيه بدهشةٍ:
_خطة أيه؟ ونلفت انتباه مين؟؟
فتح نصف عين يطالعه بابتسامة زادت من قلق مراد حول ما يخطط له أخيه، وخاصة حينما أخبره:
_هو إحنا طالعنا رحلات استجمام قبل كده يا جوكر؟
وتابع وهو يغلق زيتونيته من جديد:
_فكرني أول ما نوصل نروح مكان كويس نعمل مساج وجاكوزي!
هرول الشرطي تجاه المقر السري، يقدم تحيته بكامل الوقار، يبلغه باحترامٍ:
_الطيارة جاهزة وفي انتظار معاليك يا باشا.
أشار له “عدي” واستدار يتفرس بمن يجاوره بصمتٍ، وشاحه الأسود مازال يخفي معالمه، لا يبدو منه سوى بندقية عينيه، تنحنح يجذب انتباهه، قائلًا:
_ده أنسب وقت نتحرك فيه، مراد ورحيم نجحوا يشتتوا العين عننا.
مازال الآخير يتطلع أمامه بصمتٍ، بدد غيظ الاخير، فقال بنزقٍ:
_ممكن نتحرك؟!
نهض عن المقعد يتحرك بخطواتٍ رزينة، للطائرة التي تقف على بعدٍ من المقر السري، سحب عدي نفسًا طويلًا ولفظه على مهلٍ، هاتفًا بضجرٍ:
_اختيارات مثالية يا أسطورة، مردودلك وفي وقتها.
رفع قبعة جاكيته الأسود على رأسه، واتبعه للخارج، وفور صعوده للطائرة نزعها عنه، وجلس بمقعده المخصص، لفت انتباه “عدي” عُقاب الذي يعتلي كتف “ليل”، حاول التحكم بصمته مطولًا ولكنه فشل، فتساءل بشيءٍ من السخرية:
_هو الاستاذ عُقاب طالع معانا المهمة دي بردو ولا أيه؟
انتقلت بندقيته إليه، يتطلع له ببرودٍ، شقه صوته النافذ:
_فريقي مكتمل بيه، أعتقد أنا أولى بتحديد مين المهم في فريقي ومين كمالة عدد ولا أيه يا باشا؟
كاد أن يهشم فكيه من فرط ضغطه على أسنانه، سدده بنظرةٍ قاتلة، لاحقها قوله المستهزأ:
_باشا أيه بقى!
وتابع بحدةٍ:
_هو مش المفروض إني أعلى رتبة منك وواجب عليك احترامي ولا أنا بقيت بنسى!
رفع ذراعه يلتقط عُقاب على معصمه، وبيده الاخرى يمررها على جسده ببطءٍ، وردد بعد فترة صمته:
_أنا مش جاي عشان نتنافس على مين رتبته أعلى من التانية، الغريب إنكم تلجئوا لشخص بالنسبالكم بقى خارج عن القانون، فده اجابة صريحة على سؤالك وتأكدلك إن الجهاز معترف باللي أقدر أعمله حتى وأنا براه.
ورفع عُقاب ليجوب الطائرة، بينما تتمركز بنية عينيه تجاه عدي، وهدر برزانة ماكرة:
_لما حد بيخرج من بينا بنصفيه عشان نضمن أن آسرارنا مدفونة تحت التراب، محدش قدر يعمل كده معايا، مش لإنهم ميقدروش علي، لآنهم عارفين إن هيجي وقت يحتاجوني فيه.
ابتسم يردد بتهكمٍ:
_عندك حق، هيجي الوقت يختاروا شخص خارج عن القانون!!
لم يهتز ثبات “ليل” قبالته، بل صحح له باسلوبٍ إستفز عدي:
_وجي نفس الوقت اللي اضطروا فيه يلجئوا لحد خارج مجالنا ، زيك كده يا باشا!
وأضاف ببسمة خبيثة:
_المستحيل لو هيخدم بلدنا وهيكون في الصميم بيتعمل بدون أي نقاش، زي جمعتنا كده يابن الجارحي!
زفر في سئمٍ، وتمتم:
_شكلك أبرد من رحيم زيدان!
ترك عُمران بالأسفل، وهرول للأعلى راكضًا فور أن أخبرته الخادمة بوصول “آيوب” ، اقتحم الغرفة ملتقطًا أنفاسه بصعوبة، انفصل خناقهما، واستدروا تجاه “آدهم” الذي استطاع السيطرة حدة أنفاسه، وقال راسمًا بسمة هادئة:
_آيوب!
جملة “مصطفى” مازالت تشغل خاطره، استدار تجاهه مجددًا متغاضيًا عن وجود آدهم، وسأله بحيرةٍ:
_حضرتك تقصد أيه بكلامك ده؟
تعلقت آعين مصطفى بابنه، يتوسل له أن يتركه يخبره الحقيقة، ولكنه أعرض عن ذلك باشارة رأسه الحازمة، عادت مُقلتيه الحائرة تسكن بأعين آيوب المتلهف لسماع رد سؤاله، ابتلع ريقه الجاف وقال وهو يزيف ابتسامة:
_قصدي إني تقلت عليك، وجبتك على ملى وشك في وقت متأخر زي ده حقك عليا.
شعر وكأن هناك شيئًا غير الذي يخبره به، وكأنه يخفيه عمدًا لوجود “آدهم” بذلك الوقت، رنا إليهما آدهم يردد بتوترٍ:
_آيوب إنت هنا من أمته؟
نهض عن الفراش يقابله، وأجابه:
_لسه واصل من شوية.
واستطرد يوضح له سبب وجوده بوقتٍ متأخرًا كذلك:
_قلقت لما سمعت صوت والدك، فجيت أطمن عليه.
ربت “آدهم” على كتفه بحنان وقال:
_تسلم يا آيوب.
شعر آيوب بتوتر الاجواء بين آدهم ووالده من نظراتهما المتبادلة، فتنحنح بحرجٍ:
_هنزل أشوف عُمران عايزه في حوار كده.
أومأ برأسه له، فهبط للأسفل تاركهما بمفردهما، أسرع آدهم إلى الدرج يتأكد من هبوطه، ثم عاد يعاتب والده بغضب:
_هو أنا مش قولت لحضرتك إننا هنأجل الموضوع ده لبعد امتحانات آيوب، ليه مصر ترجعنا لنقطة الصفر!
تدفق الدمع من عينيه، كيف يخبره بكل ما احتبس بداخله، ردد بصعوبة بحديثه:
_حاضر يابني هصبر ومش هعمل حاجة، بس عشان خاطري متخليهوش يبعد عني تاني يا عمر.
شحب صدى صوته الهادر:
_أنا موافق على أي حاجة، مش مهم يعرف، المهم إني أشوفه قدامي، أخده في حضني وأشم ريحته.
شعوره بالعجز يكاد يقتله، لم يعد بامكانه التحمل أكثر من ذلك، يشعر بأنه ضعيفًا لدرجة أفقدته توازنه، جلس على حافة الفراش، وانحنى يستند بيده على ساقيه، يترك العنان لدموعه، عساها تهون عنه ما يمر به ويجعله بهذا العجز، تألم مصطفى حينما رأه بتلك الحالة التي وضعه بها اجباريا، زحف إليه، أحاطه من الخلف ومال على كتفه، يردد ببكاء:
_حقك عليا والله ما هتصرف بأنانية تاني، متزعلش مني يا عمر، متزعلش مني يا بني!
استدار إليه يضمه إليه وقال بحزنٍ:
_بابا كفايا تزود احساسي بالعجز، كفايا عشان خاطري، والله بعمل اللي بقدر عليه عشان اجمعك بيه،بس بلاش دلوقتي، على الاقل لما يمتحن .
مسح على ظهره وقال:
_ولو معرفش خالص مش مهم، المهم إنك جانبي يا عمر، أوعى تكون الدين اللي هدفعه، وتتخلى عني زي ما اتخليت عن آيوب زمانوببكاء ردد له:
_كنت مجبور والله، كنت ضعيف ومش أد المواجهة، لكن إنت غيري ومش شبهي يا عمر، أوعى تتخلى عني.
انحنى يقبل كف يده وجبينه بحب، وردد بانكسارٍ:
_كفايا توجع قلبك وقلبي عشان خاطري.
مال على كتفه تاركًا عبراته تتطهر ذنوبه وما ارتكبه من ذنبٍ، بحق أقرب أناسًا لقلبه، سدد فاتورته طوال تلك الأيام ومازال يسدد ثمنها إلى الآن، لم يهنئ يومًا على فراشه، حتى مذاق الطعام كان كالعلقم بفمه، كان يخشى أن تمتليء معدته بالطعام بينما صغيره لا يعلم هل تناول طعامه أم بقي جائعًا!
قربها إليه، يرويها من حنان ضمته، بينما ابتسامته لا تفارقه، مضت الدقائق ومازالت ترتكن على صدره، بينما يده تنغمس بخصلاتها، يميل مقبل أعلى جبينها بكل حبٍ، وهو يهمس لها بعشقٍ:
_اللي قولتليه من شوية ده شفى أوجاعي كلها يا فطيمة.
مالت للخلف تقابل عينيه، فضم وجهها بكلتا يديه وقال بابتسامته الجذابة:
_زي مانتِ كلك تخصيني أنا كمان أخصك إنتِ بس، ومستحيل أكون لواحدة غيرك حتى لو كان بارادتك.
تدفقت عبراتها على وجنتها بانهيار، وبوجع لمسه بنبرتها قالت:
_أنا آسفة إني خبيت عليك حاجة مهمة زي دي يا علي، بس غصب عني أنا مش هقدر أجيبلك أولاد، مش هقدر صدقني.
واختبأت بين لائحتها تبكي بانهيارٍ، أبعد علي خصلاتها للخلف وأعادها لمواجهته مجددًا، وبصوته الهادئ قال:
_ليه يا فطيمة؟ مش حابة يكون عندك أولاد مني!
أجابته بصوتها المبحوح عما يكمن داخلها:
_أنا مستعدة أتنازل عن قراري وأرمي الأدوية دي كلها، بس تكون ضامن ليا.
قوس حاجبيه بعدم فهم، وتساءل بفضول لمعرفة ما يكمن داخل رأسها:
_ضامن لأيه يا فطيمة؟
تمعنت برماديته بآنينها الصامت، وهمست له بانكسار:
_إضمنلي لو ربنا كرمنا ببنت إنك هتحميها ومش هتخليها تتعرض للمصير اللي أنا اتعرضت ليه، ولو كرمنا بولد اضمنلي إنه ميكنش زي الديابة اللي نهشت لحمي، أضمنلي ده يا علي وأوعدك أنك لما تقنعني أنا بنفسي هرمي الأدوية كلها حالًا.
شق السكين صدره وانتزع عنه قلبه دون رأفة، ثمة خناجر تستهدف أطرافه دون رأفة، ومع ذلك رسم بسمة باهتة، وازدرد صوته الهادر:
_مش صامن بس عندي ثقة كبيرة في ربنا عز وجل، عندي ثقة إني هقدر أربي ابني كويس، عندي ثقة اني هقدر أقدم الحماية الكافية لبنتي، عندي كل الثقة إني هكون أب مثالي وإنك هتكوني أحلى مامي بالدنيا كلها، لإن مفيس في نقاء قلبك وطيبتك يا فطيمة.
وتابع وهو يعيدها لصدرها بكل حب:
_وبعدين مين قالك إني عايز أولاد دلوقتي، أنا عايز أشغل وقتك كله وميكنش معايا شريك، مش مستعد في الوقت الراهن لكن بعد كده الله أعلم الكلام هيبقى على أيه!
أحاط الأمر ببراعة، بعد سماعه لسبب تخبئتها عنه الأمر، كطبيب يعلم أن حملها الأن ليس القرار الصائب، لذا دعمها دون أن يتطرف لتحليل حالتها، تعلقت فاطمة به ومالت تسترخي، استعدادًا للنوم، بينما تهمس له براحة غمرتها بعد مشقة:
_أنا بحبك أوي يا علي.
غمسها داخل رقبته بحنان وهمس بحب:
_ربنا ما يحرمني من حبك وقربك يا روح قلب علي من جوه!
الراحة النفسية التي شعر بها عُمران بمنزل آيوب لا تقدر بثمن، بل كانت السبب الأساسي في اقتناعه بالحاح آيوب عليه بأن ينتقل معه إلى شقة يونس، فشل آدهم بإبقائه برفقته، وحتى لا يحزنه عمران، حمل حقيبة صغيرة من ملابسه وترك أغراضه كاملة بمنزله.
استقرت سيارة آدهم أمام حارة الشيخ مهران، هبط منها آيوب وعمران الذي قال بابتسامة جذابة،ونبرة مرحة:
_تُشكر يا ذوق.
انفجر آدهم ضاحكًا، وقال بتعجب:
_دول كام ساعة لحقت تقلب؟!
ابتسم عمران وشاكسه:
_بمزاجي، كله بيحصل بمزاجي يا حضرة الظابط.
وتابع مشيرًا له:
_يلا ارجع إنت الوقت اتاخر ومينفعش تسيب والدك لوحده وهو تعبان كده.
هز رأسه بتفهمٍ وعاد لسيارته، بينما صعد عُمران برفقة يونس الذي كان بطريقه للصعود لمنزله بعد عودته من العمل متأخرًا اليوم، كاد أدهم يتحرك بسيارته، ولكنه تفاجئ بـ آيوب ينحني لنافذة سيارته ويقول بلهفة:
_إبقى طمني عليه يا آدهم.
احتبست اوجاعه داخل مُقلتيه، وقال يجيبه:
_حاضر يا آيوب..واضاف راسمًا بسمة صغيرة:
_يلا اطلع الوقت اتاخر جدًا.
أومأ إليه وصعد للأعلى، بينما غادر آدهم على الفور، كان آيوب بطريقه للصعود، بعد أن مر من أمام شقة والده، وبمنتصف مسافته من الدرج، وجد الباب يُفتح وطل من أمامه الشيخ مهران الذي صاح غاضبًا:
_ما بدري يا بشمهندس!
عبث بمقلتيه بدهشةٍ، ما بال والده يحدثه وكأنه فتاة تأخرت بالعودة لمنزلها، والمقلق أنه يعلم أين كان؟
هبط الدرج وإتجه يقابل محل وقوفه، قائلًا باحترام:
_حقك عليا يا حاج، أنا كنت بستنى آدهم لحد ما يرجع، مهو ميصحش أسيب والده لوحده وهو تعبان كده.
خرج عن رزانة اعتاد التعامل بها، ولكنه بشريًا بنهابة الأمر، فقال بعصبية مبالغ بها:
_وتاعب نفسك في الرجوع ليه، خليك جنبه يومين تلاته لحد ما تطمن عليه براحتك.
زوى آيوب حاجبيه بدهشةٍ، لوهلةٍ شعر وكأنه تخبط بالرجوع لمنزل أخر غير منزله، فهمس بذهولٍ:
_بابا!
غلبته مشاعره وخوفه من القادم، كان يعد الساعات لعودته، لا يتقبل أنه ذات يومٍ قد يفارقه، سحب أكثر، من نفسًا يهدئ به البركان القابع داخله، ثم قال بهدوء:
_متتاخرش في الرجوع تاني يا آيوب، وأوعى مهما حصل تبات بره بيتك، ده بيتك يا ابني فاهم؟
مال كل الاشخاص من حوله غامضون اليوم لتلك الدرجة، دنى إليه متلهفًا:
_حضرتك كويس؟!
أخفى ارتباكه وقال بابتسامة زرعها بالكد:
_أنا بخير يا حبيبي قلقت عليك بس مش أكتر.
وأضاف قبل أن يطرح سؤالا أخر:
_يلا اطلع ريح ساعتين قبل صلاة الفجر.
هز رأسه بطاعةٍ رغم حيرته، صعد للأعلى ومازالت نظرات الشيخ مهران تلاحقه، لا يعلم كيف تغلب على السيطرة على أعصابه، طوال تلك الساعات كان يراقب الشارع من شرفته، يخشى ألا يعود آيوب إليه!! يعلم أن كشف الحقيقة اقترب وما باقترابه الا وجعًا يتوسط صدره، وخوفًا يبتلعه بجوفه حتى تلك اللحظة الغير محببة!
اختلى عُمران بالغرفة التي منحها يونس له، جلس على سجادته يقيم الليل كما اعتاد، ودعى من قلبه أن يجمد نيران قلب صديقه، كلما استلم رسالة منه على هاتفه يزداد شعور حزنه عليه، اتجه عمران للفراش تمدد من فوفه بارهاق، ولم يعلم كيف غرق بالنوم، حتى شعر، بيد آيوب تحركه وهو يناديه:
_عُمــــــــران! اصحى يلا.
فتح عينيه بانزعاجٍ، وبصوت الناعس قال:
_خير يا آيوب، لسه ساعة عن الفجر بتصحيني ليه!
ابتسم بسعادة وهو يخبره ما يخطط له:
_أنا أخدت مفتاح المسجد من بابا وهنأخد يُونس ونروح نفتح المسجد ونستنى لحد ما بابا يجي يرفع الآذان.
مال على الوسادة بتعبٍ:
_ماشي روحوا وأنا قبل الفجر بدقايق هحصلكم بإذن الله.
جذب الغطاء عن جسده وجذبه بحماسٍ:
_لا ما أنت لازم تكون موجود.
رفع رأسه إليه من فوق كتفه متسائلًا بحيرةٍ:
_ليه يابن الشيخ مهران؟ ناوي على أيه بالظبط!
حرك كتفيه ببراءة وحزن خبيث:
_ده بيت ربنا هكون ناوي على أيه يعني!
واسترسل بابتسامة واسعة أقلقت عُمران:
_نويت والنية لله أسمع الناس صوتك اللي يسحر ده.
اعتدل بنومته بصدمةٍ، وبات متخبطًا باختيار ما سيقول، فردد بذهول:
_عايزيني أرجع للغنى تاني وفي المسجد يابن الشيخ مهران! هي لسعت منك على الفجر ولا أيه؟
أجابه وهو يتجه لخزانة الغرفة، يبحث عن ملابس مناسبة لعُمران:
_مش بالظبط.. متقلقش!
أزاح الغطاء كاملًا ونهض إليه يتساءل بشكٍ:
_أمال أيه؟
واستطرد وهو يجذبه بعيدًا عن الخزانة بغضب:
_وبعدين مالك بهدومي أنا مبحبش حد يلعب في أغراضي الشخصية!
شمل خزانته بنظرة ساخرة، وبفتور قال:
_دي مفهاش أي جلبية بيضة تليق على الطقم اللي هنضربه، يلا مش مهم هجبلك واحدة من عندي ومتقلقش مكوية ونضيفة ومتعطرة وزي الفل.
فقد السيطرة على هدوئه، فأحاط عنقه برفقٍ وهو يهدده:
_هتنطق وتقول بتخطط لأيه تاني ولا أكمل اللي بعمله وتتكل من الدنيا خالص!! أنا ما صدقت أريح دماغ أمي ساعتين كل دقيقة تنطلي!!
وزع نظراته المندهشة بينه، وبين الكف المحاط لرقبته وبحزنٍ قال:
_ الجلبية يا عُمران، الحاجة رقية بقالها ساعة بتكوي فيها، الله يسامحك يا أخي!!
زفر بمللٍ، واتجه لفراشه يريح قدميه بقلة حيلة من مجابهة آيوب بعد نسخته المعدلة الاخيرة التي باتت تقربه لحدٍ صادمًا.
انفتح الباب وولج يونس بابتسامته البشوية يتساءل:
_ها جاهزين يا شباب؟
طالعه عُمران فوجده يرتدي نفس الجلباب الأبيض الذي يرتديه آيوب، وما جعله مذهولًا حينما انضم لهما إيثان يرتدي جلباب أبيض ويهتف بحماس:
_حضرتلك على الفون الابتهال اللي طلبته يا آيوب!
رمش عُمران بحيرةٍ، وهتف باستنكارٍ:
_ابتهال أيه! والواد ده مش مسيحي لابس كدليه!!
أجابه ايثان بضحكة مستفزة:
_أه إنت تقصد الجلبية يعني، شحتها من يونس عشان أجي بنفسي وأتفرج عليك وأسجلك صوت وصورة وإنت بتغني.
_أغني أيه!! أنا مش فاهم أي حاجة؟
لف آيوب يده من حول كتفه الذي يفوقه طولًا وقال:
_ما أنا قولتلك هخلي الناس تسمع صوتك العذب ده، إيثان حضرلك كلمات الابتهال ويونس هيظبطلك الميكرفون بتاع المسجد وكله هيبقى تمام متقلقش.
برق بذهولٍ:
_مقلقش!! إنت أكيد اتجننت أنا مقدرش أعمل كده أبدًا…مستحيـــــــل!
بعد عشر دقائق بالتحديد، انطلق صوت عُمران يردد الابتهال وعينيه متعلقة بهاتف إيثان لدرجة قشعرت بدنه.. فأعاد لسانه قول«مَوّلاي إنّي ببابك قَد بَسطتُ يَدي..مَن لي ألوذ به ألاك يا سَندي؟أقُوم بالليّل و الأسّحار سَاهيةٌأدّعُو و هَمّسُ دعائي.. بالدموع نَدىبنُور وجهك إني عائد و جل..ومن يعد بك لَن يَشّقى إلى الأبد..مَهما لقيت من الدُنيا و عَارضها..فَأنّتَ لي شغل عمّا يَرى جَسدي..تَحّلو مرارة عيش رضاك..و مَا أطيق سخطاَ على عيش من الرغد..من لي سواك..؟ و من سواك يرى قلبي؟و يسمَعُه كُل الخلائق ظل في الصَمد..أدّعوك يَاربّ فأغّفر ذلّتي كَرماً..و أجّعَل شفيع دعائي حُسن مُتَقدّيو أنّظُر لحالي..في خَوّف و في طَمع..هَلّ يرحم العَبّد بعد الله من أحد؟مَوّلاي إنّي ببابك قَد بَسطتُ يَدي..مَن لي ألوذ به ألاك يا سَندي؟»
وما أن انتهى حتى سقط أرضًا، فاقدًا كل قوته، مهما بدى قويًا، صلبًا، حتمًا ستأتي لحظة ضعف تضربه في مقتلٍ!
نهضت باكرًا ترتب المنزل، وتعد الطعام كعادتها كل صباحٍ قبل ذهابها للمركز، انتهت ليلى من صنع الطعام وولجت لغرفة نومها لتبدل ثيابها، كانت تود الذهاب برفقة زوجها كعادتها كل يومٍ، ولكنه اضطر أن يتجه للمركز منذ ساعتين لحالة ولادة طارئة.
ارتدت فستانها البنفسج، ووقفت تبحث عن شالها الصوف فور أن شعرت بالبرودة، رفعت رأسها للخزانة العلوية وهي تردد بحيرة:
_أنا كنت شايلاه فين؟ ممكن أكون حطيته هنا ونسيته بالزهايمر اللي عندي ده.
جذبت المقعد الخشبي، قربته بمسافة معقولة من الخزانة، صعدت ليلى فوقه تحاول الوصول لحقيبة السفر التي تحوي على بعض من ملابس الشتاء الثقيلة، سحبتها بكل قوتها للخلف، فاختل مقعدها سقطت أرضًا والحقيبة من فوقها، اجتاحها الألم بشكلٍ جعلها تصرخ بجنونٍ.
أبعدت الحقيبة عن نصفها السفلي، وهي تبكي بوجعٍ اجتاح ساقيها وبطنها، أحاطت موضع جنينها وهي تردد بانهيار:
_ابني!! لأااا.
أصابها ذعرًا من أن يكون مسه ضرًا، بكت بوجعٍ وهي تحاول النهوض على ساقيها لتبحث عن هاتفها، ولكنها فور أن احتملت عليها سقطت أرضًا من جديد.
زحفت أرضًا حتى وصلت لحقيبتها، أخرجت هاتفها واتصلت بيوسف على الفور، ولخيبة أمالها هاتفه خارج نطاق التغطية.
تركت الهاتف عنها وبكائها يزداد، كلما ازداد الألم بحدته، لم تجد ملجئ سوى شقيق زوجها، زحفت ليلى وبصعوبة فتحت باب شقتها، واصلت الزحف حتى وصلت أمام شقة سيف المجاورة لها، ضمت موضع جنينها بألمٍ، فسكبت النيران من فوقها فور أن لمحت بقعة الدماء تحتل فستانها بوضوحٍ، ازداد نحيبها ومع طرقات استغاثتها على باب شقة “سيف” .
تململ بمنامته على صوت طرق باب شقته، انتفضت زينب عن فراشها تتساءل بقلق:
_مين اللي بيخبط بالشكل ده؟
هز كتفيه بحيرةٍ، نهض يرتدي ملابسه وهو يجيب:
_هشوف مين وراجع.
انقبض قلب زينب، فأسرعت إليه تمنعه من الخروج:
_متفتحش يا سيف مين اللي هيجيلنا الساعه 6 الصبح ومرنش الجرس ليه، أنا خايفة!
مرر يدها على طول ذراعها بحنان:
_حبيبتي مفيش حاجه تستدعي القلق ده، يمكن حد من سكان العمارة ابنه تعبان ولا حاجة، أنتِ ناسية اني اتعينت رسمي خلاص.
وابعدها عنه قائلًا بتحذير:
_خليكِ هنا هخرج اشوف مين وراجعالك.
هزت رأسها إليه، وفور خروجه اختبأت خلف باب الغرفة تراقب ما يحدث باهتمام، فتح سيف الباب ليرى من الطارق؟ فصعق حينما وجد زوجة أخيه تجلس أرضًا، تضم بطنها بشكلٍ أثار ريبته.
رفعت ليلى رأسها إليه ببطءٍ، وبصعوبة رددت وهي تحارب الدوار الذي انتابها:
_الحقني يا سيف، ابني!
انحنى إليها يتساءل بلهفةٍ:
_أيه اللي حصل؟
اجابته بينما عينيه تتغلق استسلامًا للغشاوة:
_وقعت، ابني أرجوك!
هرولت زينب للخارج فور أن رأت ما يحدث، مالت إليها تساندها وهي تناديها بذعرٍ:
_ليلى!
ركض سيف للداخل يجذب هاتفه، يحاول الوصوب لاخيه أكثر من مرة، زفر بغضب حينما وجده خارج نطاق التغطية، سحب مفاتيح سيارته واسدال الصلاة الخاص بزوجته، وخرج يركض إليهما.
منحها ما بيده وقال:
_البسي بسرعة يا زينب لازم ننقلها المركز.
أومات له ونهضت ترتديه فوق بيجامتها الحرير، بينما انحنى سيف يتفحص نبض ليلى بقلق، لطم وجنتها وهو يناديها بخوف:
_ليلى سامعاني!! ليلى فووقي.
جحظت عينيه صدمة فور أن رأى فستانها المبلل بالدماء، على الفور حملها وصرخ بزينب من خلفه:
_حصليني يا زينب، أنا مش هعرف امشي وأسيبك هنا لوحدك.
بالرغم من أن حديثه يبرهن علمه بما يحدث لها، ويوضح خوفه الصريح من تركها بمفردها لهذا الشيطان، الا ان الحالة المربكة جعلتها لا تعي ما يقول، سحبت زينب باب شقتها وهرولت للجهة الاخرى تسحب باب شقة ليلى، واتجهت للاسفل من خلفه.
وجدته يضعها بالمقعد الخلفي للسيارة، فصعدت جوارها، تحرك بهما سيف وتطلع لها بالمرآة يخبرها بحزمٍ:
_خلي رأسها تحت وحاولي ترفعي رجليها عشان نقلل النزيف.
على الفور نفذت ما طلبه منها، بينما اسرع سيف تجاه إحدى الصيداليات، تركهما بالسيارة وهبط للداخل، وعاد اليهما بعد دقيقتين، فتح الباب الخلفي وانحنى تجاه زوجة أخيه.
وجده زينب يملأ أكثر من إبرة، ويجمعهما بواحدة ضخمة، فسألته بقلق:
_سيف إنت بتعمل ايه؟ إحنا لازم نتحرك للمركز حالا النزيف مش راضي يقف.
اجابها وهو يجذب ذراع ليلى باحثًا عن وريدها:
_مش هستنى لحد ما نوصل ليوسف، هحاول أوقف النزيف، على الأقل لحد ما نوصل المركز، والا هتكون للأسف اجهضت.
هزت رأسها بتفهمٍ بينما دموعها تتساقط عن مقلتيها وهي تتطلع إلى ليلى بشفقةٍ، نجح سيف بحقنها بالوريد، كأنها خضعت لجرعة كاملًا بتأثير ما فعله،تركها وعاد لمقعده يسرع من القيادة للطريق الرئيسي، حتى يصل للمركز الخاص بـ “علي الغرباوي”، وبينما هو يقود عاد يسأل زينب:
_النزيف وقف؟
تفحصتها جيدًا، وأجابته ببكاءٍ:
_لا لسه بتنزف، سوق بسرعة يا سيف!!
زاد من سرعته القصوى، وهو يسارع للوصول للمركز البعيد عن منزلهما ما يقارب الخمسة وأربعون دقيقة، وبينما هو يسابق الزمان لنجاة زوجة أخيه إذ يعترض طريقه سيارتين تحاوطان سيارة سيف بشكلٍ ملحوظ.
اتقبض قلب زينب المتنبأ بتلك الاحداث كل يومٍ تقريبًا، ابتلعت ريقها مرارًا وهي تجاهد لخروج صوتها المرتعش:
_هو فيه أيه يا سيف؟
لم يجيبها بل لكم الدريكسيون وهو يصيح بعصبية بالغة:
_مش وقتك يا حيوان.
سحب هاتفه وأرسل برسالة نصية، قبل أن يخبئه داخل قميصه، بينما يتابع قيادته لنجاة زوجة أخيه وابنه، فاذا بسيارة ثالثة تشق الطريق فجأة، على ما يبدو بأنها كانت تنتظره هنا، تاركة زمام الامور للسيارتين التي اجبرته على اتباع طريقهما.
صرخت زينب بجنون وهي ترى ما يحدث:
_سيف في أيـــه!!
تلاشى صوتها عن حنجرتها فور أن انفتح باب السيارة الثالثة وخرج منها أسوء شيطان مقتته بحياتها، لم يكن مجرمًا عاديًا أبدًا، بل مجرمًا نجح بالفرار من حكم الاعدام الذي تلاقاه بمصر، وبالفرار من أكثر من دولة نال بها أحكام دولية، لم يكن شخصًا يسهل التغلب عليه بالمرة، وها هو الآن بمواجهة سيف.
تحرر لجمة لسانها الثقيل هاتفًا بحروف مرتجفة كحال جسدها:
_يمان!
رواية صرخات انثى الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم ايه محمد رفعت
كابوسها يتجسد أمام عينيها، يتحرك عن صورته الملصقة على الحائط الأسود، ليصبح حيًا أمامها. لطالما كانت تراه بمنامها، وما أبشع أن تستكين بنومٍ كان هو زائره. لم تحظَ بالراحة إلا بقرب زوجها الحبيب منها، الذي يؤكد لها أن ما تراه ما هو إلا وهمٌ، وأن ذلك اللعين قد مضى وعبر ولن يعود مجددًا. وها هو يخالف كل الأقاويل، ويقف أمام السيارة يطالعها بخيلاء.
مالت "زينب" على المقعد الأمامي، تتشبث بقميص "سيف" الأسود، تجبر لسانها المتحجر لينطق:
"سيف، يمان!"
بقيت نظرات المحتقنة تطالع من يقف قبالته بغضبٍ. وكلما ازداد تشبث زوجته به خوفًا، كلما تصاعدت أدخنة النيران داخله. تلك الحرب إجبارية، عليه أن يخوضها ضد هذا الحقير، عليه أن ينتهي منه وللأبد. حتمًا ستكون هناك خسائر، وإن كانت روحه هو فلا بأس، ولكن روح معشوقته ثمنًا لن يجازف بدفعه. والأغلى عليه زوجة أخيه الحبيب وما تمتلكه برحمها المعرض للخطر.
فتح سيف المزلاج الأمامي، ساحبًا آخر إبرة احتفظ بها، يجازف بتلك اللحظة وهو يعلم ذلك، ولكنه لن يخذل "ليلى" التي لجأت إليه. لن يواجهها حينما تستعيد وعيها بأنه فشل بالحفاظ على حياة جنينها.
مرر ما يحمله لزينب وقال، ومازال نظراته للأمام حتى لا يجذب الانتباه إليه:
"زينب فوقي واسمعيني، الحقنة دي لازم ليلى تأخدها وحالًا، لأننا مش هنقدر ننقلها للمستشفى."
عبثت بمقلتيها بعدم فهم لما يخبرها به، تبلغه بأن الموت يحوم من حولها، ويخبرها بأن تحقن ليلى بتلك الإبرة الغريبة. صمتها المطول جعل سيف يصيح بحزم:
"زينب ركزي في اللي بقولهولك، أنا هنزل وهشتت انتباه عنكم. اديها الحقنة وافتحي الكرسي لورا، فاهماني يا زينب!"
التقطتها منه تتفحصها بدموعٍ جعلت عينيها كالغشاوة:
"دي إيه يا سيف؟"
رد عليها بقلة حيلة:
"مفيش قدامي اختيار تاني."
قالت برعشةٍ ازدادت بها:
"سيف الحقنة دي خطيرة، لازم يتعملها فحوصات بالمركز قبل ما تاخدها!"
شدد عليها بصرامةٍ وهو يحل حزام السيارة عنه:
"نفذي اللي بقولك عليه، أنا المسؤول."
نزع عنه الحزام وفتح باب سيارته. وما كاد بالخروج، حتى تمسكت بيده باكية:
"رايح فين!"
أبعد يدها عنه وقال:
"زينب نفذي اللي قولتلك عليه، متخافيش أنا جنبك."
نجح بسحب يده منها، وأغلق باب السيارة ثم اتجه يقف قبالة ذاك اللعين الماكر. كبتت زينب صرخاتها بانهيارٍ، لا تعلم كيف سحبت الأمبول وملأت الإبرة الطبية. حاولت السيطرة على رعشة يدها لتفعل ما أراد سيف. لقد منحها وقتًا قصيرًا لتتمكن من إنقاذ ليلى. مهما كان ما تواجهه زينب بتلك اللحظة، لا ذنب لها فيما تخوضه.
وقف "سيف" بوجهه بشجاعةٍ، يطالعه ببرودٍ جعل الأخير يهتز توترًا منه. ولكنه تصنع قوته بكل عنجهيةٍ، وقال:
"ذكي إنت أوي ومش همك كل اللي عملته الفترة اللي فاتت عشان تبعد، مصمم تتحداني والنهاردة الرد هيكون بموتك!"
ارتخت شفتيه بابتسامةٍ ساخرة، لحقت نبرته:
"تقصد لعب العيال اللي كنت بتعمله؟ بالعكس أنا كنت مستمتع جدًا بجو الشبح الأهبل اللي عملته ده، بالعكس أنا أشفقت عليك وكنت عايز أحطلك ملاحظاتي على غباءك وأنا براجع تسجيلات الكاميرات كل يوم."
ودس سيف يديه بجيب بنطاله واستطرد بحزنٍ مصطنع:
"صعبت عليا وإنت بتحاول تقصر فيا، بس متقلقش زينب اتقصرت ما أنت عارف قلب الستات رهيف، ده مش تقليل منك بالعكس، ولا حافز إنك تصلح غلطك المرة الجاية، لأن للأسف معتش في مرة تانية."
وبجمودٍ استطرد:
"النهاردة يا هكون أنا القاتل يا مقتول، مش هسيبك تخرج من هنا حي!"
تعالت ضحكات "يمان" بصخبٍ، جعل زينب تصم أذنيها بيدها فور انتهائها من حقن ليلى. لا تريد حتى سماع صوته اللعين. فنحتت شرفة السيارة وراقبت ما يحدث؛ فصعقت حينما وجدته يسلط مسدسه بوجه زوجها، ويصيح بانفعالٍ نجح سيف باشعاله داخله:
"مش هتلحق لآني هقتلك في أرضك، زينب ليا أنا وعمرها ما هتكون لغيري سامــــع!"
فتحت باب السيارة، وهرولت مسرعة تقف أمام سيف كالحاجز الواقي، تدفعه بكل قوتها للخلف وهي تهمس ببكاء:
"سيف!"
اهتز رأس يمان بشكلٍ مرضي وهو يراها تحاول أن تفديه بروحها. بينما جذبها سيف من خلفه يعنفها:
"إيه اللي نزلك من العربية، ارجعي."
دفعها للخلف لتعود، ولكن إشارة يمان كانت الأسرع، فالتف من حولهما رجاله. تراجعت زينب للخلف وهي تراقب اقترابهم منها بذعرٍ، حتى ارتطمت بسيف الذي ضمها بحمايةٍ.
"شايف رجالتي اللي حوليك دول مستنين إشارة واحدة مني علشان يخلصوا عليك بس أنا مازلت واقف قدامك بديلك فرصة أخيرة إنك تفكر وتعقلها!"
تحررت الكلمات من فم "يمان" ببطءٍ قاتلٍ متعمدًا غرس الخوف بغريمه الذي يجابهه بكل كبرياء وصلابة تضرب الآخر في مقتلٍ، وكأنه غير عابئ بتهديده وبرجاله المسلحين.
ارتعش كفها الصغير المتمسك بقميصه، تختبئ من خلف ظهره باكية، مرتابة لما سيحدث لها ولمن أحبته بصدقٍ. فتحرر "سيف" عن صمته راسمًا بسمة باردة اتبعت قوله الثابت:
"لو فاكر إنك كده خوفتني فأنت صعبان عليا.. كنت فاكر إن شخص باجرامك تاجر أسلحة وهارس سكك قطاع الطرق دول هيكون عنده رجولة وشجاعة تخليه يتباهى بقوته هو مش بقوة رجالته، فلو لسه محتفظ برجولتك واجهني راجل لراجل ونشوف وقتها كفة مين الرابحة فينا!"
تمسكت به زينب بقوة هامسة له:
"سيف خرجني من هنا مش عايزة أشوفه يا سيف."
التقطها لاحضانه أمام نظرات عين يمان الملتهبة. فرفع سلاحه يصوبه تجاه رأس سيف الذي لم يهتز له شعرة ليعود لتهديده:
"طلقها والا رصاصتي هتصفيك مكانك."
أعادها لخلف ظهره، واقترب يقف قبالته وجهًا لوجه:
"بموتي، مش هفترق عنها إلا بموتي! وحتى بعدها مش هتقدر تفصلنا عن بعض لإني عايش جواها.. هتقدر تطردني من قلبها اللي اختارني أنا!!"
استفزته كلماته بشكلٍ كبيرٍ، فصرخ برجاله وهو يتجه لسيارته:
"هاتوهم."
فور أن صرح بأمره دفعوهما الرجال تجاه السيارة، فما كان من سيف إلا أن يضمها ليبعد أيديهم عنها، حتى صعد بالسيارة عنوة. فتحركت بهما خلف سيارة يمان.
تركزت نظرات سيف على سيارته بقلقٍ، وهمس بصوتٍ خافت:
"يارب تفهم الرسالة يا يوسف!"
***
تسلل من جواره، يرتدي جاكيته الرياضي، وسحب محفظة نقوده، ثم ارتدى حذائه الرياضي، وخرج من شقة يونس، بعدما عاد برفقتهم من صلاة الفجر. غفى لساعتين ونهض الآن يتمشى بالحارة، يريد أن ينعش رئتيه بالهواء المنعش، واضعًا بأذنيه سماعته الباهظة، يستمع لصوت الشيخ "عبد الرحمن مسعد". صوته الدافئ يجعله يشعر بارتياحٍ يداهم كل خلية من جسده.
ركض "عُمران" مسافة طويلة تاركًا العرق يتصبب على جبينه، يود أن يغسل روحه من الداخل مثلما يبلل وجهه. نجح بالهروب من حصار آيوب ويونس لمعرفة ما يحزنه لتلك الدرجة، حتى أنه يتهرب من نفسه من الإجابة عما يضيق بصدره. التقط هاتفه مكالمة هاتفية، تفحصها باستغراب ودهشة حينما وجدها زوجته. حرر زر الاتصال ومازالت سماعته على أذنيه، فقال ببسمة جذابة وهو يرتكن على سياج النيل:
"حبيب قلبي صاحي بدري كده ليه؟"
أتاه صوتها الحزين:
"لو كنت حبيب قلبك زي ما بتقول مكنش هان عليك تبعد وتفترق عني كل ده يا عُمران."
استند بذراعيه على السور يجيبها بحب:
"روح قلبه وحياته إنتِ يا مايا، أقسملك بالله غصب عني يا حبيبي، أنا تعبان ومحتاج أكون لوحدي، عايزك تقدري ده؟"
انهارت باكية وهي تردد:
"طيب أنا غلطت في إيه؟ خايفة أكون وجعتك أنا كمان عشان كده سبتني زيهم ومشيت."
ردد بحنان وعشق:
"عمرك ما وجعتيني يا مايا، أديتيني كل حاجة حلوة أمتلكها في حياتي، ادتيني حبك وقلبك ووقت ضعفي قوتيني، وقت انكساري كنت سندي، كنتِ بميت راجل رغم رقتك، وثقتي فيا في وقت أنا نفسي كنت شاكك فيها!"
وابتسم وهو يستطرد:
"وفوق كل ده ادتيني أغلى حاجة، البيبي اللي في بطنك، بعد كل ثانية عشان أشيله بين إيديا، عندي فضول أعرف هيطلع يشبهني ولا يشبه القمر اللي نور ليلي!"
شهقاتها تصل إليه، فجعلته يأمرها بغضب:
"وقفي عياط وحالًا، مش هسمحلك تنكدي على الولد يا هانم!"
ابتسمت رغمًا عنها، فتابع يمازحها:
"اهدي كده يا بيبي، ده أنا مسافر مكملتش تلات أيام على بعض، هتخلي فريدة هانم تديكي دروس قوة المرأة واستغنائها عن الرجل!"
ضحكت حتى أشرقت وجهه ببسمته الجذابة، فردد بمرحٍ:
"هو ده اللي يعلي الأنسولين طبيعي، الصوت ده كفيل يغسل قلب عُمران الغرباوي من جوه!"
كفت عن الضحك وقالت بصوتٍ بحتٍ نبرته:
"أنا عايزة أجيلك مش عايزة أقعد هنا، مصر وحشتني."
تبسم وأخبرها بمكر:
"مصر بردو اللي وحشتك يا بيبي، ما تيجي صريحة طيب عشان أقابلك بنص الطريق!"
تنحنحت بحرجٍ، وقد ارتسم له صورتها الآن وهي بقمة خجلها، وبتوتر شديد قالت:
"إنت اللي وحشتني أوي."
أجابها بعشقٍ:
"كأنهم تلات سنين في بعدك يا مايا، مش فارقلي أي حاجة في اللحظة دي غير قربك!"
وأضاف مبتسمًا:
"حاسس إني حبيب قلبي كبر بالتلات أيام دول عما سبته، قوليلي طيب كبر ولا لسه مش باين عليكِ؟"
هتفت باستنكار:
"كل ده ومش باين عليا؟!"
ضحك يمازحها:
"مش باين صدقيني، كأنك أكلة ومتقلة شوتين، متحمس أشوفك بشكل الحوامل على وش ولادة يا بيبي!"
رددت بحماسٍ:
"بسيطة أجيلك يا عُمران!"
ضحك بصوته كله، وقال يشاكسها:
"حبيب قلبه بقى شقي وبيتخابث على باباه، طيب ينفع كده يا بيبي!"
زمت شفتيها بسخطٍ، فابتسم وقال بجدية:
"هاخدك يا مايا، بس الأول خليني أظبط قصر الغرباوي القديم عشان يكون جاهز ليكِ يا حبيبي."
تساءلت باستغراب:
"قصر الغرباوي!! إنت ناوي على إيه عُمران؟"
أجابها بهمسٍ مغري:
"ناوي نستقر هنا أنا وإنتِ وعلي."
نقلت سعادتها بصوتها الحماسي:
"مش مصدقة اللي بسمعه معقول، حاسة إني اتلخبطت في الرقم!"
ضحك بصوته الرجولي، وقال يشاكسها:
"ولو طلبتي مية رقم هجاريكي على أي وضع يا قمراية، أنا لئيم وأعجبك."
شاركته الضحك وقالت باستنكار:
"فين جوزي يا معلم رجعهولي لو سمحت؟!"
رد عليها بخبث:
"نادي عليه بقلبك وهيخرجلك على طول يا بيبي، أصل صوتك سره باتع، بيحضر شخصية بتلبسه مخصوص عشان عيون حبيب قلبه."
ابتسمت وقالت بحبٍ:
"أوعدني إنك متبعدنيش عنك أكتر من كده."
أتاها صوته الجادي يخبرها:
"مقدرش أبعدك عني، إنتِ حتة مني مش اللي في بطنك بس."
وأضاف ببسمة هادئة:
"يالا يا بيبي اقفلي ونامي شوية، ده معاد نومك، ارتاحي واطمني، عُمران الغرباوي لو بعد عن عشه ميت ألف ميل، عمره ما يتغرب عنه ولا يطول بعده، هنتجمع وقريب أوي يا مايا أوعدك."
قال جملته الأخيرة وأغلق الهاتف مبتسمًا بتلك الراحة التي تعتريه الآن. أعاد الهاتف لجاكيته ومضى بطريقه للحارة، فوقف بمنتصفها يحاول تذكر الطريق الذي مضاه برفقة آيوب للمخبز ولتلك السيدة التي تعد الفلافل الشهية. وبالفعل وصل إلى المخبز أولًا، اشترى الخبز الساخن واتجه للسيدة التي تقابله. اقترب من محل وقوفها وقال بتعابيره البشوشة:
"صباح الخير والجمال كله يا أم عزت."
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه العجوز، وهي تتأمل ذلك الوسيم، فإذا بها تجيبه، وهي تعيد طنجرة الفول لمحلها:
"صباح النور يابشمهندز، طالع لوحدك على الصبح من غير صاحبك ليه؟ مش خايف تتوه في الحارة؟"
ابتسم "عُمران" حتى لمعت رماديته، وقال وهو يرفع الكيس البلاستيكي لها:
"لا أنا ميتخافش عليا، حتى شوفي روحت لعم عباس واداني عيش طازة."
وتابع وهو يشير لها عما أمامها:
"عايز بقى فول وطعمية وبتنجان بالدقة الرهيبة زي اللي إديته لآيوب امبارح."
تهللت أسارير المرأة فرحًا، بعدما أشاد ذلك الأجنبي بما تعده يدها، على الرغم من أنه أقسم لها أنه مصري أبًا عن جد، إلا أن حالها كأغلب ممن تعرف عليه بحارة الشيخ "مهران" بما يطلقون عليه باللفظ العامي (خواجة).
جذبت الأكياس تضع له ما طلب، قائلة ببسمة هادئة:
"بس كده عنيـــا، وهتوصي بيك كمان عشان إنت من طرف ابن الغالي."
بابتسامته وطريقته الأنيقة قال:
"تسلم عنيكِ يا ست الكل."
حمل منها الأغراض ومنحها نقودًا من فئة المائتين جنيهًا، فقالت وهي تشير لصبي يلعب برفقة مجموعة من الأطفال:
"هخلي مصطفى يفك ويجبلك الباقي."
أشار لها وهو يتجه للمغادرة:
"لا خليه لمصطفى."
وغادر تاركًا الابتسامة مرسومة على وجه ذلك العجوز، بينما صعد هو قاصدًا شقة يونس حيث بات مقر الشباب بالأوانة الأخيرة. طرق وانتظر حتى فتح له يونس، فقال باستغرابٍ وهو يتفحص ما يحمله:
"عُمران!! إنت كنت فين؟"
وتابع وهو يتفحص ما يحمله:
"وأيه كل اللي معاك ده!!!"
ناوله الأكياس التي يحملها هادرًا بانزعاجٍ:
"طب شيل مني الأول وبعدين حقق معايا!!!"
حمل عنه ما يحمله، مطلقًا ضحكة صاخبة لم يستطيع منعها:
"معقول!! البشمهندس عُمران سالم الغرباوي نازل بنفسه يجيب عيش وفول وطعمية!!"
ربع يديه أمام صدره يمنحه نظرة ساخرة:
"وأنا مش بني آدم ولا إيه يا معلم يونس، مش بيقولولك معلم بردو!!"
تمادى بضحكه وهز رأسه متمتمًا:
"ورد عليا ناس أشكال وألوان، بس في تركيبتك العجيبة دي مشوفتش، لا قادر أحدد إنت خواجة ولا مصري ولا نظامك إيه!! بس في المطلق إنت عاجبني!!"
جذب الأطباق يوزعها على الطاولة المستديرة قائلًا بعنجهية الطاووس داخله:
"ده الطبيعي مجبتش جديد!!"
انفرط بموجة من الضحك، ومال يتساءل بدهشة:
"حقك يا عم الطاووس، بس أنا اللي هيجنني إزاي إنت أخو دكتور علي؟"
ترك الجبن الذي يحمله ونصب عوده يشمله بنظرة تقييمية:
"زي ما إنت ابن عم آيوب!!"
قاطعهما صوت إيثان الذي يردد بنعاس:
"أنا شامم ريحة طعمية وعيش سخن! معقول يا يونس نزلت وعملتها!"
قدم له يونس الفلافل وهو يخبره:
"لا ده الخواجة اللي نزل بنفسه يلم الشمل!"
جحظت عين إيثان صدمة، فاخذ يوزع نظراته بينه وبين ما يحمله بين أصابعه، وما كاد بالحديث حتى أتاهم صوت جرس المنزل.
خرج آيوب من الغرفة يفرك عينيه بنومٍ:
"انتوا واقفين وسايبن الجرس يضرب!!"
واتجه يفتح الباب فاذا بجارتهم تناوله قدحًا من الحليب، وكيسًا بلاستيكيًا مغلقًا، قائلة بحبور:
"ده لبن صابح والجبنة قريش اللي وصى عليها البشمهندس."
أسبل بدهشةٍ وهو يعود برأسه لمحل عُمران الذي يتناول قطعة من الخيار ويتابعهما بصمتٍ، فردد إيثان بصدمة:
"صاحبك هيعمل انقلاب في الحارة يا آيوب!!!!"
*******
قاد سيارته تجاه الموقع الذي استلمه برسالة نصية من أخيه، حاول الوصول إليه كثيرًا عبر المكالمات الهاتفية، والرسائل ولكنه لم يستطع، فترك المركز واتجه للموقع وقلبه يخفق توترًا لما قد يراه. وصل "يوسف" للموقع المحدد، لمح سيارة أخيه تصطف بمنتصف الطريق بعشوائية رسمت القلق على ملامحه، وجعلته يهرول مسرعًا تجاه السيارة.
تفقد المقعد الأمامي بلهفةٍ، فلم يجده بالداخل، انتصب بوقفته يعيد الاتصال به، فلمح ضوء يتسلل من مقعد السائق، والهاتف على ما يبدو على وضع صامت، وبينما كان بمحاولاته لفتح الباب محكوم الانغلاق تسلل له صوت يئن بالخلف، انعكست أهدافه لفتح الباب الخلفي، والقلق ينهشه كالوحش المفترس، نجح يوسف بفتح باب السيارة، لتضربه صدمة جعلته متجمدًا محله حينما وجد زوجته تغفو باهمالٍ على الأريكة الخلفية، فستانها ملوث بالدماء ووجهها شاحب يميل للاصفرار.
مال إليها يناديها بفزعٍ:
"ليــــــــلى!!!"
التقطت صوته على الفور، فجاهدت لفتح عينيها الملطخة بالكُحْلَ الأسود، وغمغمت بتعبٍ شديد:
"يوسف."
ساندها حتى جلست جواره، وأخذ يتفحصها وهو يتساءل بصدمة:
"أيه اللي حصل؟ وأيه الدم ده؟?"
همست له بارهاقٍ ويدها تشدد على كفه، بينما تبتلعها الغمامة بين ذراعيها:
"ابني يا يوسف، ابني!"
رددتها وفقدت الوعي على الفور، بينما سن السكين يمزق صدره دون رأفة، لطم وجنتها برفق وهو يصيح بها:
"ليلى فوووقي، سيف فين وأيه اللي حصل؟ جاوبيـــني!!"
لم تتمكن من إجابته، لقد فقدت الوعي كليًا الآن، استوعب عقله ما أخبرته به للتو، لقد ذكرت ابنها، والدماء تلك التي تلطخ ملابسها، انتفض يوسف بجلسته إليها يمددها وهو يفحصها برعبٍ، مرر يده على جبينه وهو يردد بارتباكٍ:
"إنتِ لازم تتنقلي المركز فورًا."
وأضاف بقلق:
"طيب وسيف؟"
مال على النافذة يقول بعجز:
"أعمل إيه يا رب!!"
سحب هاتفه بعد أن اعتصر رأسه، وضعه على أذنيه وما أن استمع لصوت المتصل به حتى صاح بفزع:
"دكتور علي، يمان الكلب شكله هاجم سيف."
استمع لما قال وأضاف:
"معرفش حاجة، أنا لقيته باعتلي لوكيشن مكان، بتصل بيه من ساعتها مكنش بيرد، سبت شغلي وجيت جري على هنا ملقتش غير عربيتي ومراتي جواها وبتنزف، أنا لازم أنقلها للمركز حالا، بس مش قادر أتحرك وأنا مش فاهم إيه اللي حصل لسيف!!"
رد عليه علي بصرامة:
"ابعتلي اللوكيشن وروح بمراتك على المركز بسرعة."
أغلق يوسف الهاتف وأرسل الموقع إليه، ثم حمل ليلى وأسرع لسيارته، وضعها ووقف يتطلع لسيارة أخيه بقلبٍ منشطر، ما بين إنقاذ زوجته وما تحمله بأحشائها إن كان ما زال على قيد الحياة، وما بين أخيه الذي يعد بمثابة ابنه الأكبر.
انتشله صوت ليلى المئن من دوامته، فرفعت يدها تتشبث بكفه وهي تردد ببكاء:
"بطني بتتقطع، مش قادرة."
أغلق عينيه بقوةٌ، وحسم قراره، صعد جوارها وقاد سيارته بسرعةٍ فائقة حتى وصل بها للمركز، ولج بها مسرعًا لغرفة العمليات، يعيد فحصها على الأجهزة، تأكد له أن النزيف قد انقطع منذ فترة، وعلى ما بدا له أن الفستان ملوث منذ وقتٍ بعيد، شك بأنها تلقت الإبرة المطلوبة لحالتها، فكشف عن معصمها ليتأكد ظنونه من رؤية أثرها.
مرر يديه بخصلاته السوداء وهو يردد بحيرةٍ:
"اخدت الحقن دي إمتى وإزاي؟"
همهمت ليلى مجددًا بتعبٍ، فأسرع إليها يميل على رأسها، يسألها برجاء:
"ليلى فوقي عشان خاطري، قوليلي إيه اللي حصل؟ سيف فين؟"
رفعت جفنيها الثقيل بصعوبة، وما أن رأته حتى بكت بصوتٍ مسموع، وسألته برعب من سماع إجابته:
"ابني؟"
أعاد خصلاتها خلف حجابها، وانحنى يقبل جبينها وهو يخبرها بحزن على حالها:
"مش هقدر أحدد دلوقتي، بس الحمد لله الحقن اللي أخدتيها وقفت النزيف."
تعالت شهقاتها بانهيارٍ، وهمست له بتعب:
"إعمل أي حاجة يا يوسف، مش عايزة أخسره عشان خاطري!"
أزاح دموعها وقال بابتسامة هادئة:
"هعمل كل اللي أقدر عليه يا ليلى، بس في الأول وفي الآخر اللي ربنا عايزه هو اللي هيكون، لو لينا نصيب فيه هتعدي مرحلة الخطر دي، ملناش يبقى ده الصالح لينا يا حبيبتي."
هزت رأسها بخفوتٍ، ومازالت تبكي بتأثرٍ، فقال يجذب انتباهها:
"ليلى حبيبتي جاوبيني، سيف كان معاكي صح؟"
زوت حاجبيها تحاول تذكر ما حدث، فطرح سؤالًا آخر:
"طيب إيه اللي حصلك وخلاكي تنزفي كده."
أجابته ببكاءٍ اعتراها فور تذكرها ما حدث:
"كنت واقفة على كرسي بطلع شال صوف من الخزنة لآني بردانه، غصب عني وقعت والشنطة وقعت على بطني. حسيت بوجع رهيب حاولت أتصل عليك بس تليفونك كان مغلق، فخبطت على سيف وزينب."
وأضافت وهي تلعق شفتيها الجافة بوجعٍ:
"بعدها مش فاكرة إيه اللي حصل، آخر حاجة فاكراها كانت زينب وهي جنبي في العربية وسيف كان بيسوق، وبعدها محستش بنفسي."
نغز قلبه بعنفٍ، لقد تأكدت شكوكه بالكامل، اختفاء أخيه وزوجته لا يعني إلا احتمال واحد… يمان!
***
اجتمعوا جميعًا على مائدة الطعام التي أحضرها "عُمران"، وشرعوا بتناوله، ارتشف يونس من كوب الشاي الساخن قائلًا بمزحٍ:
"مين يصدق إن اللي محضرلنا الفطار الملوكي ده هو نفسه الخواجة."
التهَم إيثان الفول وصاح بتهكمٍ:
"شكله كده نزل هنا يبطط الكام عضلة اللي فرحانلي بيهم دول بالزيوت!"
تناول عمران ما بيده وهو يطالعه ببرودٍ، مزقه حينما قال:
"بتهزرش مع واحد بيعشق ريحة الحديد، عشان هتكح ضروسك من أول ضربة يا كابتن إيثو."
وأضاف وهو يلوك الخبز المغموس بالباذنجان:
"أنا سمعت إنك عندك جيم، خلينا نروح بعد الفطار ونشوف مين فينا اللي مش محافظ على عضلاته، ولا إيه رأيك؟"
أجابه بتحدٍ وعنجهية:
"نروح منروحش ليه؟! أنا صحيح بقالي شهور مبفتحهوش بس وماله نفتحه لاجل عيونك يا خواجه."
مال يونس إليه يدعي السعال بينما يهمس له:
"ايثان بلاش."
لكزه بغضب:
"اقعد على جنب يا عم يونس، الخواجه بتاعكم ده شايف نفسه أوي، خلينا أنزله على التراب."
ردد يونس ساخطًا:
"أنا خايف عليك لتنزل إنت التربة!"
دفعه بعيدًا عنه بغضب:
"كل جرجير وفكك مني يا يونس."
جذب حزمة الجرجير يتناولها باستفزازٍ:
"رغم إنك اللي في أشد الحاجة ليه بس وماله."
على بعد منهما حيث يجلس آيوب جوار عُمران الذي لاحظ شروده وتعلقه بالهاتف من أمامه باهتمامٍ، فتساءل وعيناه تراقب إيثان:
"قالب وشك يابن الشيخ مهران؟"
ترك الهاتف من يده وقال بغيظ:
"سيف بلكني من كل حتة تاني، أنا ما صدقت إن الدكتور يوسف أقنعه يشيل البلوكات، أعمل إيه تاني معاه غُلبت!!"
سحب كوبه يرتشفه وعيناه تتابع إيثان، وتنحنح بخشونة:
"بلكك بسبب اللي وصله عنك."
عبث بمقلتيه بعدم فهم، واستدار يسأله بذهولٍ:
"وصله إيه مش فاهم."
وضع الكوب وقال ببسمة ساخرة:
"الكابتن غشيمو صورلك وإنت لازق فيا ويعتبر نايم في حُضني!"
برقت جفونه بصدمةٍ، وقبل أن يتخذ أي رد فعل تساءل:
"وإنت عرفت منين؟"
أجابه وهو يتناول طعامه ببرودٍ:
"شوفته وكنت مرهق من السفر فسيبته بمزاجي."
منحه نظرة مشككة، فترك عُمران الكوب عن يده وقال:
"يدوب أغير هدومي وأنزل أقضي كام مشوار كده قبل ما أروح للحاجة آشرقت، كل يوم بأجل عزومتها لما شكلي بقى زبالة."
وتابع ببراءةٍ مصطنعة:
"مش عايز حاجة يا بوب؟"
هز رأسه باستسلام، فنهض يجذب قطعة من الفلافل مرددًا بتلذذٍ:
"أممم… تعرف لو رجعت لندن هفتقد لطعمية أم عزت."
وتابع ببسمة خبيثة:
"بفكر أفتحلها فرح في لندن، بس تفتكر سيف هيسمحلك تعدي هناك بعد خيانتك ليه؟"
شمخ أسنانه غيظًا، فضحك عمران واتجه يشير لايثان بحزمٍ مصطنع:
"يلا عشان نهضم زيت الطعمية يا كابتن ايثو، بس ياريت تجيب يونس معاك لآني مبنسدش حد أنا."
قالها واتجه للاسفل، كبت يونس ضحكاته، بينما تمرد ايثان بغيظٍ:
"يسند مين؟ يقصد إيه الخواجه ده يا يونس؟"
رد عليه وهو يحبس ضحكاته بصعوبة:
"ميبقاش عقلك مقفل أُمال، ده خايف عليك يجيلك تروما ولا تشنج عضلي ولا حاجة، فعايزني معاك زيادة آمان ليك، شكله ابتدى يحبك يا إيثووو."
وزع آيوب نظراته المحتقنة بينهما، والغضب يجوب فيروزته حتى تحرر عنه قوله المتعصب:
"إنت بعت لسيف إيه يا إيثان؟"
شتت انتباهه بما قال، فتعالت ضحكاته وهو يقول:
"بعتلك ورقة الطلاق ولا لسه!"
وأضاف بتسلية:
"ده أنا خدت ليكوا شوية لقطات إنما إيه لوز."
دفع آيوب زجاجة المياه فأصابته بوجهه، وصاح بانفعال:
"أنا منبهك إن سيف عقله صغير ومع ذلك عملتها، ناشي يا إيثان مردودلك، الأيام جاية مش رايحه."
وتركه وغادر ونظرات عينيه المحتقنة تعبر عما يجوب داخله.
***
اجتمع "علي" و"أحمد الغرباوي" بمكان سيارة سيف، ولحق بهما "يوسف" و"جمال" الذي علم بالأمر منه، لحق أحمد بعض من الحرس الخاص به. وقفوا جميعًا يحاولون العثور على أي دليل أو إشارة توصلهم إليه.
ركل يوسف عجل السيارة بقدمه وهو يصرخ بهلعٍ:
"هيكون أخدهم على فين؟?"
ربت أحمد على كتفه وقال بشفقة:
"اهدى يا يوسف، الحرس بيلفوا حولين المكان ولو لاحظوا حاجة غريبة هيكلموني على طول."
أكد علي لهم وهو يدقق بالخريطة التي يمتلكها:
"هما مستحيل يلحقوا يبعدوا عن هنا خصوصًا إنه مش هيجازف ويعدي من طريق رئيسي ومكشوف."
رد جمال بتأكيدٍ:
"عندك حق يا دكتور علي، اللي زي يمان ده حويط ومش ممكن يجازف وهو مطلوب من القانون."
ارتكن يوسف على مقدمة السيارة، وهدر بحزن:
"أنا السبب، كان عايز يسافر مصر ورا آيوب من زمان وأنا اللي منعته، لو جراله حاجة عمري ما هسامح نفسي."
أحاطه علي بنظرة حزينة، وقال:
"إنت مربي راجل يا يوسف، لا الحقير ده ولا عشرة زيه يقدروا عليه."
أضاف أحمد بتأثر:
"إن شاء الله هنوصله قبل ما يأذيهم."
ونطق بحماس حينما رن هاتفه:
"الحارس بيتصل."
حرر زر الاتصال وفعل السماعة الخارجية ليستمعوا جميعًا لصوت الحارس يقول:
"سيدي لقد عثرنا على ثلاث سيارات دون لوائح أرقام مرخصة، أمام مصنع مهجور بالجوار، أعتقد أنهم قد يكونوا بالداخل."
جذب علي الهاتف من يد أحمد وهدر:
"حاصروا المكان من جميع الجهات وتأكدوا إنهم بالداخل، إن لزم الأمر تدخلوا على الفور لحين وصولنا."
"حسنًا سيدي."
أغلق علي الهاتف وأسرع لسيارته ولجواره أحمد، وصعد يوسف جوار جمال بسيارته، لتنطلق السيارتين للوجهة المحددة.
***
ابتعدت للخلف ومازال يدنو منها، عينيها تبرقان في صدمةٍ وخوف، تتطلع تجاه الباب الموصود بهلعٍ، وبهمس خافت تخشى حتى أن يستمع له من يقف أمامها رددت:
"سيف!"
صرخت ألمًا فور أن تلقت لطمة من يده الخشنة، صارخًا بكل عصبية:
"متنطقيش إسمه قدامي يا *****، كنتِ فاكرة إني هسيبك تتهني معاه يا ***، أنا هدفعك التمن غالي يا زينب، هخليكي تقولي حقي برقبتك، هندمك على كل لحظة فكرتي في حد تاني غيري، هروبك من المغرب ولجوئك للحقير اللي زمان رجالتي قتلوه بره ده هدفعك تمن روحك."
زحفت للخلف وهي تهز رأسها بجنون، عينيها تنتقل لباب الغرفة المتهالك، وبخفوتٍ تردد:
"سيف!"
تخشى أن ترفع صوتها، تخوض أبشع مرحلة من التعب النفسي، وهي تراه ينفرد بها بغرفة بعيدة عن مكان زوجها، قلبها يتآكل كالصديد حينما دفعها أمامه وأمر رجاله بقتله على الفور.
تمسكت بأملها المتردد وباتت تردد بتوسل:
"سيف، تعالى!"
انحنى إليها يجذبها من حجابها وهو يصرخ بعصبية بالغة:
"اخرسي متنطقيش اسمه يا ***، خلاص هو أخد اللي يستحقه، هترجعي تاني زي الكلبة ليا، والمرادي مش هتعرفي تهربي لأنك لو عملتيها هوريكي العذاب شكله إزاي يا زينب، هتجوزك غصب عنك وعن اللي يتشددلك."
"هتعملها إزاي يا حيلة أمك!" قالها من يقف خلفه، يحمل بيده عصا حديدية يملأها الدماء. ألقاها سيف أسفل قدمي يمان ومسح فمه المنسدل بالدماء، على ما يبدو كان بمعركة مصيرية نهايتها انتصاره الساحق على فئرانه. أزاح الدماء عن فمه وقال بسخرية:
"كان بودي أقولك خليك شهم وأطلب الإسعاف لرجالتك مهما كان انتوا واكلين عيش وملح مع بعض، بس أنا ميخلصنيش أوجب معاهم وميوصلكش واجبي."
ارتسمت بسمة السعادة على وجهه، تلبستها قوة غريبة جعلتها تدفعه بكل ما أوتيت من عزم وهرولت تجاهه. ضمها سيف إليه وسألها بقلق:
"عملك حاجة؟"
فهمت مغزى سؤاله، فعدلت من حجابها وهي تشير له بالنفي، قبل رأسها وعيناه تواجه ذلك الذي يشتعل من فرط الغيرة والحقد.
أبعدها سيف عنه وأمرها بصرامةٍ:
"خليكِ هنا ومهما حصل أوعي تخرجي بره الأوضة دي سامعه؟"
ارتابت زينب لأمره، لأول مرة يكون حادًا لتلك الدرجة، أومأت له بخوف وتراجعت للخلف، بينما اتجه سيف إليه وانحنى يجذبه من تلباب قميصه، فناوله يمان لكمة قاتلة بحجارة تمسك بها بيده، تفاداها سيف وضرب يده بالحائط حتى سقطت الحجارة، وفجأة بعدد من اللكمات القوية، حتى غرق بدمائه وسقط أرضًا ينزاع الدوار الذي هاجمه. انحنى سيف وجذب ساقه ثم سحبه للخارج وقال دون أن يستدير لها:
"نفذي اللي قولتلك عليه وأوعي ألمحك بره."
وبسخريةٍ قال:
"ورايا عملية تخصص حرج غير مسموح للنساء بالتواجد فيها!"
رفرفت باهدابها بعدم فهم، بينما انفلت قلب يمان وردد بذعرٍ حينما وجد سيف يغلق باب الغرفة على زوجته ويدنو منه بالعصا:
"إنت هتعمل إيه؟"
أجابه ببسمة واسعة:
"ولا حاجة، هبعزقلك الحمقة الكدابة اللي مخليك تحس إنك راجل وإنت متساويش في سوق الرجالة 2 سنت!"
وانحنى إليه يستند على ذراعيه مدعيًا التفكير:
"بس قبل ما أبدأ بالعملية الدقيقة دي لازم تعرف حاجتين، الأولى متعتبرش سر والتانية سر حربي هيتدفن مع اللي هيتدفن هنا."
وتابع وهو ينزع قميصه الأسود الملطخ بالدماء ببطءٍ استنزف رعب غريمه الذي يحاول الزحف للخلف بكل قوته:
"السر الأول واللي ميعتبرش سر إني للأسف دكتور أطفال والسر التاني إني بخاف من الحقن جدًا وعمري ما مسكت مشرط."
ورفع العصا للأعلى وهو يستطرد ببسمة خبيثة:
"ها تحب نبدأ بالتخدير ولا من غيره؟"
ودنى إليه هاتفًا بجدية مضحكة:
"أنا بقول إن اللي أكلته جوه عامل الواجب معاك ومبنجك فمش هتقرفني."
جذبه سيف من ساقه مجددًا كالجرذ الذي يفر من شبلٍ خرج عن حدود غابته، منحه نظرة قاتمة، مخيفة وقال بخشونة لازعة:
"عاملي فيها مجنون ليلى بروح أمك، علاجك عندي هخليك مش بس تكره اسم مراتي هخليك تكره تشوف أي ست قدامك يا ***"
وانهال عليه بأول ضربة أصابته في مقتلٍ وجعلته يصرخ كالنساء، بل بكى بشكلٍ جعل زينب تنتفض من الداخل رعبًا مما يفعله سيف بالخارج.
ثلاثون دقيقة استغرقهم لينتهي من عمليته الجراحية كما أشاد بها، ليعود بعد دقائق إليها وهو يرتدي قميصه، بحث عنها فوجدها تختبئ خلف مكتب متهالك، لم يبق منه سوى ألواح من الخشب. كانت زينب تطالعه بذعرٍ، وخاصة حينما أشار لها بيده لتخرج. ابتلعت زينب ريقها بارتباك، ونهضت تطل من خلف لوح الخشب، تسأله بتوتر:
"هو راح فين؟"
ادعى اندهاشه من سؤاله والتفت من حوله يتسائل:
"هو مين يا حبيبتي؟"
بصعوبة أجبرت لسانها على نطق:
"يمان!"
زم شفتيه معًا وقال بحيرة:
"هو إحنا نعرف خنزير بالاسم ده؟"
ورفع كتفيه ببراءة:
"معرفهوش، إنتِ تعرفيه؟?"
هزت رأسها بالنفي والذعر يتلألأ داخل مقلتيها، فأشار لها وهو يكبت ضحكاته بصعوبة:
"واقفة بعيد ليه طيب، قربي عشان نطلع من المكان ولا انتي عاجبك القعاد هنا؟"
هزت رأسها وهرولت اليه:
"لا لا."
ابتسم وهو يحتويها بين ذراعيه، فخرج برفقتها للخارج، استدارت زينب تجاه يمان المتمدد أرضًا باهمال، يحيطه بركة من الدماء بشكل جعل حدقتيها تتوسعان بصدمةٍ.
لف وجهها اليه وتابع الخطى بها هادرًا ببسمة هادئة:
"تفتكري هنلاقي تاكسي ياخدنا من هنا ولا نسرق عربية من بتاعت الكلاب دول؟"
وأضاف مازحًا:
"فكري كويس لآني ضهري ملوح من واجب الرجالة ومش هقدر أشيل!"
ابتلعت ريقها برعب وتمتمت:
"ها!"
مال يقبل حجابها وهو يردد بضحك مكبوت:
"مفيش يا زينب بسلك الحنجرة."
وأضاف بتنهيدة:
"أحسن حاجة إننا هنروق من مقالبه الرمة اللي شبهه، عاملي فيها شبح بروح أمه!"
وتابع بنوبة من الضحك:
"عُمران الغرباوي طبع عليا بس بأمانة عنده حق، الاشكال دي ميمشيش معاها توب الدكتور المحترم، عايزة الوش الخصوصي بتاع الطاووس الوقح، ابقي فكريني ارنله واشكره على الدروس اللي أخويا الغلبان نفسه مقدمهاليش."
وهمس بسخط:
"الاحترام اللي رباني عليه مكنش هينهار قدامهم من أول قلم!"
توقفا عن المضي قدمًا فور أن وصلت سيارات الشباب ومن خلفها الشرطة، ركض يوسف إلى سيف يضمه إليه وهو يردد بقلقٍ:
"كنت هموت من القلق عليك، طمني انت كويس!"
قالها وهو يتفحصه جيدًا، عاد سيف يضمه من جديد وهو يخبره بحنان:
"أنا كويس يا يوسف، المهم طمني على ليلى، قولي إنك وصلتلها!"
هز رأسه والحزن ينبلج على ملامحه، وخاصة حينما تساءل سيف بلهفة:
"طمني."
همس له بألمٍ:
"الحقن اللي أديتهالها وقفت النزيف مؤقتًا، حاليًا مش هقدر أحكم، بكرة هيبان."
ردد بأمل وتمني:
"إن شاء الله هيكونوا الاتنين بخير."
هز رأسه بخفة، بينما دنى إليه جمال يردد ببسمة جذابة:
"حمدلله على السلامة يا دكتور سيفو."
بادله البسمة باحترام:
"الله يسلمك يا بشمهندس."
دنى علي من زينب يسألها باهتمام:
"انتِ كويسة يا زينب؟"
اكتفت بالايماءة له وعينيه تفترش الأرض، اقترب احمد اليه يشير على سيارة الاسعاف التي تنقل المصابين واحدًا تلو الآخر، فردد بفضول:
"أيه كل ده! هو إيه اللي حصل بالظبط؟"
اتجهت الأعين لسيف الذي هز رأسه في أسف وقال:
"اتقلبت بيهم العربية جوه المصنع المهجور، قضاء وقدر."
خرج المسعفون بيمان الذي ينسدل الدماء من جميع أنحاء جسده، وضعوه بالسيارة وانطلقوا، فاتجهت الأبصار إليه، فهز رأسه وقال:
"سقف الأوضة وقع عليه، قضاء وقدر."
تعالت ضحكات أحمد وردد بعدم تصديق:
"طلعت حكاية يا سيف وأنا اللي مفكرك طيب وعلى نياتك!"
ضحك وشاكسه بتسلية:
"محدش دخل حياته عُمران سالم الغرباوي وفضل طيب وعلى نياته إلا يوسف أخويا، أنا أخدت درس احترافي منه."
لكز أحمد علي وصاح:
"شوفت أخوك وعمايله ضيع سيف!"
ضحك يوسف وقال:
"بالعكس لولاه الله أعلم كنا هنوصل نلاقي إليه، أنا لأول مرة أكون ممنون لوقاحة الطاووس."
احتل الألم نبرة صوت جمال حينما أضاف:
"عُمران دايما بيؤثر في اللي حواليه."
ابتعد علي عنهم يتفقد هاتفه، دقائق وعاد إليهم يخبرهم:
"آدهم بيشدد عليك يا سيف إنك ترجع نصر بأقرب وقت."
ردد أحمد بثبات:
"وأنا معاه وجودك هنا ممكن يجبرك تدخل في تفاصيل القضايا اللي مرفوعة على الحقير ده، ومش إنت وبس وزينب كمان."
ضم يوسف كتف شقيقه وقال بخوف:
"أنا مش هستنى أصلًا حالا هخليه يحضر جوازه ويسافر حالا."
رد عليه سيف باعتراض:
"مش هسافر قبل ما أطمن على دكتورة ليلى يا يوسف، وبعدين حجز إيه اللي هحجزه في يوم ده."
تدخل علي قائلًا:
"لو على السفر متقلقش أنا هقدر أحلهالك، عمران عنده طيارة خاصة الإجراءات مش هتاخد وقت."
أصر يوسف بخوف عليه هادرًا:
"اسمع كلامي يا سيف، اطلع حالا على شقتك لموا الحاجات المهمة ودكتور علي هيكون معاك."
تدخل جمال بالحديث قائلًا بعتاب:
"انت نسيتني ولا إيه يا يوسف؟"
زوى علي حاجبيه باستغراب:
"هو إنت مسافر يا جمال؟!"
رد عليه بحرج:
"عمران هرب مني وأنا هروح وراه."
استغل علي انفردها بعيدًا عن عمه الذي يعاون زينب على الصعود لسيارته وسيف لجواره، وسأله بدهشة:
"طيب ومراتك يا جمال؟"
سكن الألم مقلتيه، حتى فارت مرارته، وأجابه:
"حاسس إنها محتاجة لوقت عشان تقدر تسامحني، ومش هتقدر تعمل ده وأنا في وشها."
واستطرد بآنين يذبحه:
"رفضها إنها تسامحني وكرهها ليا مطفي جزء من النار اللي جوايا يا علي، لكن مسامحة عمران السريعة وحمايته ليا بعد كل اللي عملته فيه ده اللي دبحني، لو كان عاملني بقسوة ورفضني كنت هكون مرتاح لأني أستحق."
انهمرت دمعة من عينيه وهو يخبره:
"عمران وجعني بسمحاه ليا، محتاج أبعد وأفصل عن كل ده بس وهو معايا."
ربت على كتفه بتفهم، وفاه إليه:
"طيب مش حابب تاخدها معاك، يعني إنت شايف إنها لو فضلت هنا هتكون بأمان؟"
تمعن برماديته بنظرة منكسرة، وقال بوجوم:
"ولما كانت معايا حققتلها الأمان! آه يا علي هي بعيد عني وفي أمانة يوسف ومراته بأمان، أنا لو فكرت أديها الجواز أو آخدها معايا مصر، أكون بحكم على نفسي بالفراق الأبدي بيني وبين ابني، صبا لو رجعت مصر، هتحرمني من ابني فعلاً ومش هعرف أطوله، لكن بوجودها هنا بحافظ على الفرصة الوحيدة اللي فاضلالي، بحاول أتمسك بيها وأخليها تسامحني بس اللي عملته ميشفعش له سماح."
منحه ابتسامة هادئة وقال بأمل:
"هتسـامح وهتغفر بس أكيد محتاجة وقت."
رد عليه بتفهم:
"عارف وعشان كده بديها كل الوقت وأنا بعيد."
وتابع وهو يتجه لسيارته:
"هروح أحضر شنطتي وجوازي، وهقابلك بعد ساعتين في المطار زي ما اتفقنا."
***
شعر بحركة خاطفة جواره، تسللت يده أسفل وسادته ليتنزع سلاحه، وقبل أن يصل له تفاجئ بذراعيه يقيدان بإحكامٍ بسلسال من الحديد، يلتف من حول رقبته، يصل لأعلى الفراش، وينتهي أطرافه بتقييد قدميه. احتقنت زيتونية عينيه بغضبٍ، واتجهت لمن يجاور فراشه على أحد المقاعد، يتابعه بنظرة تشفي وبسمة انتصار. كز على أسنانه بغيظٍ وهدر:
"أيه اللي إنت مهببه ده، فكني!"
ظهر على وجه الجوكر بسمة تسلية، ووضع قدمًا فوق الأخرى مرددًا بجمودٍ:
"كنت عايز تعمل سونا وجاكوزي فقولت أهيئلك أنا الأجواء المناسبة."
وتابع ساخرًا منه:
"هخليك تكتشف جانب يسعدك معايا بديل عن جو التوابيت اللي إنت عايش فيه ده، بس مع اختلاف بسيط إن اللعبة لعبتي، بدايتها ونهايتها في إيدي أنا!"
تمدد باستقامة وقال وهو يسترخي:
"لما تخلص فقرة الساحر دي ابقى صحيني."
نهض إليه مراد يجذبه بعنف من تلباب قميصه:
"رحيم يا زيدان متخلنيش أصفيك وقتي ومفيش حد هيحميك من غضبي، انطق وجاوبني لو مش إحنا اللي هنعمل المهمة دي أمال مين اللي هيعملها، بالعربي كده قولي إحنا طالعين ستارة لمين؟"
اتسعت ابتسامة رحيم الشيطانية وهمس له بفحيحٍ خبيث:
"اللي عمرهم ما اتفقوا ولا هيتفقوا في يوم."
حرر رقبته بصدمةٍ، جعلته يزدرد ريقه الهارب بصعوبة، مردفًا:
"ده هزار سخيف؟"
***
فتح الباب وولج يبحث عنه، بالشقة بأكملها، فتح الحمام فوجده يستكين بالمسبح الصغير، مغلقًا عسليته باسترخاء، ربع ليل يديه أمام صدره وتابعه بسخط، حتى ردد ومازال مغلق العينين:
"أخدت كام صورة؟"
وأضاف ومازال يسترخي بجلوسه:
"انت بتتخطى حدودك معايا وده أنا مسمحتش بيه لحد."
فتح عسليته يطعنه بنظرة صارمة واستطرد:
"حوار اللثام الغريب اللي لبسه الـ 24 ساعة تداري بيه وشك ده مش واكل معايا، بس مضطر أقبل بيه زي ما أنا مستحمل شخصيتك اللي مش مبلوعة دي."
جلس ليل على حافة الخزانة العالية يطالعه ببرودٍ جعل عدي يمنحه نظرة ساخطة وهدر:
"فجأتني إنك أطرش!"
زفر ليل بسأم وقال:
"باشا هو إحنا هنبدأ شغل إمتى أنا بمل بسرعة."
جذب المنشفة الطويلة يجفف بها المياه المنسدلة فوق بنطاله وصدره العاري، نهض يقابل المرآة، يتفحص ذقنه بنزقٍ، سحب عدي إحدى حقائبه يستخرج منها أدواته الخاصة بالحلاقة وقال بجمود:
"شكلك نسيت الشغل من كتر ما إجازة تقاعدك طولت."
واستدار إليه يخبره ببسمة استهزاء:
"لما يجي الوقت المناسب هعرفك."
وتابع وهو يعود للمرآة:
"اسحب الباب في إيدك وياريت متدخلش الكائن بتاعك ده أوضتي مرة تانية، والا أنا مش مسؤول عن أي رصاصة طايشة تطوله."
رفع يده يلتقط عُقاب على ذراعه، وضعه على كتفه وقال بسخرية:
"بس ابقى خد بالك من إيدك يا باشا وإنت بتعملها، عقاب أسرع من الرصاصة!"
وغادر والابتسامة تعتلي ثغره من أسفل الوشاح، بينما راقبه عدي ببسمة جذابة، وعاد يستكمل ما يفعل هامسًا:
"شكلي هستلطف الكائن الغريب ده هو وصاحبه المزعج!"
***
"مسامحلكش تقول على أجهزتي خردة إنت فاهـــــــم!" قالها إيثان بغضبٍ، لعمران الذي يتفحص المكان بعدم رضا، ثبت رماديته عليه وقال بازدراء:
"هو ده الجيم اللي صدعت من كتر عزومة التحديات بتاعتك، أنا إزاي دخلت هنا أصلًا!"
ربت يونس على صدر إيثان وراح يهدئه:
"اهدى يا إيثو الخواجة ميقصدش."
ردد آيوب بشماتة:
"لا عمران يقصد ونص، إنت رافع نجمك أوي وعايز اللي يقذفك يجيبك الأرض."
طالعه يونس باستغراب وتساءل:
"مالك انت التاني يابن الشيخ مهران؟"
قال من بين اصطكاك أسنانه:
"الكابتن المحترم مصورني وأنا نايم جنب عمران وبعتها لسيف وكعادته بلكني!"
ضحك إيثان وقال من خلف يونس:
"وانت زعلان ليه مش مفضل الخواجة عليه متوقع رد فعله يكون إيه يعني؟"
استند عمران على حافة جهاز الماشية وقال ساخرًا:
"الظاهر إنك محتاج تركن في بيتكم كام يوم جنب السيدة الوالدة تراعيك، إنت فعلاً محتاج رعاية عشان تكون قادر إن تقف وتتكلم بدون ما تتهز زي فرقع لوز كده."
وتابع لايوب يشير له:
"بينا يا آيوب صلاة العصر هتفوتنا، خلي الكابتن يشوف أكل عيشه على الأجهزة الخربانة دي، ده إن حد عبره ودخله حتة!"
لحق به يخبره بغيظ:
"هو إنت فاكر إن نوعية الأجهزة بتاعتك دي حد من اللي هنا هيقدر على اشتراكها كل شهر! ده الخردة اللي مش عجباك دي بلم حقها بالتقسيط كل تلات شهور، وبسبب كده الجيم حاله وقف ومبقاش ماشي زي الأول."
جذب جاكيته الرياضي يضعه على كتفه وقال يتحداه:
"ولو خليتهولك يشتغل أفضل من الأول ومش بس كده هتكسب من وراه عشر أضعاف."
حك لحيته بدهشة، وقال:
"وماله ورينا شطارتك."
ظنه سيتراجع بعد قبوله التحدي ولكنه تفاجئ به يفتح يده ويطالبه:
"هات المفتاح، وطول الفترة الجاية مالكش دعوة بالجيم."
وزع إيثان نظراته بين يونس المندهش وآيوب المبتسم بشماتة، وسحب المفاتيح ووضعها إليه، فوضعها عمران بجيب بنطاله وأشار لآيوب:
"بينا نلحق صلاة العصر."
خرجوا معًا واتبعهما يونس، فحاول إيثان إيقافه متسائلًا باستنكار:
"ناوي على إيه الخواجة ده؟"
سحب كفه منه وقال بنزق:
"أنا اللي مبقش عارف ولا فاهم إنت ناوي على إيه؟"
أجابه ببسمة بلهاء:
"استغل الخواجة وأفتح بوتيك بس لما أعلم عليه بواحدة الأول، خلينا نتفرج على خيبته التقيلة مع أهل الحتة والجيم."
منحه نظرة ساخطة وهتف:
"الظاهر إن خيبتك إنت اللي هتسمع يا إيثو!"
***
قرر أن ينهي رحلة عذابه اليوم، هو غير مقدر لها، حمل "جمال" الحقيبة، وصعد للأعلى، وقف أمام بابها مترددًا بالطرق أم بالمغادرة، ولكنه فعلها وطرق الباب.
ظنت بأن ليلى كعادتها مرت عليها باكرًا قبل ذهابها للعمل، فتحت الباب وهي تردد ببسمة واسعة:
"في معادك يا دكتور."
تجمدت البسمة على وجهها فور أن رأته أمامها، كانت تظن أن ما فعلته به سيجعله لا يأتي مجددًا، وبرؤيته الآن أمامها زرعت فيها جزء من السعادة، تمعنت به بنظرة شاردة، وكأنها باتت تكتشف جانب جديد منه، ملامحه الهادئة، عينيه بالرغم من انطفاء بريقها إلا أنها مازالت تجذبها.
تلاشت جاذبيته من أمامها، تجمد شوقها المنصهر، ومشاعرها تجاهه، التحفت برداء القوة الذي لم تعهده من قبل، لتواجهه بكل كبرياء وعنجهيةٍ أنثى سبق أن اختزلها الوجع والآنين:
"جاي ليه يا بشمهندس؟ خير؟"
تنهد بقلة حيلة أمامها، وقال بانهاكٍ اختزل روحها داخله:
"لحد أمتى يا صبا؟ كفايا أرجوكِ!"
تجاهلت نص حديثه، ورددت بثباتٍ وقوة، ويدها تتربع أمامها:
"سبق واتكلمنا قبل كده، إن وجودك هنا مش مستحب، فراجع هنا على أي أساس!"
مرر يده على وجهه بعنفٍ، وبمحاولة عسيرة استعاد هدوء أعصابه المهدورة، وهتف بهدوءٍ زائف:
"راجع عشان ابني يا صبا!"
وتابع في محاولةٍ لاستمالتها:
"ابننا اللي مالوش أي ذنب في اللي أنا عملته، بتعاقبيه على إيه فهميني؟"
تعالى صدرها هبوطًا من فرط انفعالاتها المتعصبة، فصاحت بحدةٍ وغلظة:
"متتكلمش في حوارات أنا سبق وقفتها يا بشمهندس، أخر مرة جيت لحد هنا قولتلك لو عايز تشوف ابنك تعمل إيه بس الظاهر إنك غاوي تضيع وقتك ووقتي!"
كور يده بغضب جنوني، وهدر بعصبيةٍ بالغة:
"اللي طلبتيه مني ده مستحيـــــل أعمله فاهمـــــــه!!"
جابهته بشموخٍ، وقوة:
"لا هتعمله، لإن دي الطريقة الوحيدة عشان تشوف ابنك."
اقترب منها وقد شعت عينيه بلهيبٍ حارق، كاد أن يحرقها بأرضها:
"صبا أنا عارف إني غلطت بس بلاش تدمري اللي بينا بطلبك ده."
دفعته عنها بقوةٍ للخلف، وباصرارٍ عجيب هدرت:
"اللي عندي قولته، لو عايز تشوف ابنك تعمل الـ DNA، وتجبهولي في إيدي وقدام عيني، وقتها هسمحلك تشوفه يا بشمهندس، غير كده فأنا بعتذر عندي شغل ومش فاضية!"
غامت بعينيه بعواصفها، فقال مستنكرًا سبب شجاعتها:
"وإنتِ فاكرة إني لو عايز أدخل وأخده منك حالًا، هتقدري توقفيني؟"
حلت عقدة ذراعيها وطالعته بشراسةٍ غاضبة:
"متقدرش يا جمال، هقتلك لو قربت لابني."
منحها ابتسامة ساخرة، وبسعادة قال:
"ياريت تبقي ريحتيني."
وتركها ومضى تجاه باب الغرفة الموصود، بينما الأخيرة تجوب من حول ذاتها كالمجنونة، لمست يده مقبض الباب، فتحه وما كاد بفتحه حتى صرخت به بغلظة وصوتًا مبحوح:
"جمـــــــــال."
استدار خلفه؛ فصعق حينما وجدها تسلط السكين على رقبته وتصرخ بجنون:
"أقسم بالله لو قربت من ابني لأكون قاتلة نفسي هنا وقدامك حالًا."
وبرعشةٍ قالت:
"اخرج بره أحسنلك، أنا مبهددش."
رمش بعدم استيعاب لما تفعل، فدنا منها بخطوات بطيئة ويده تمتد لها هاتفًا بحزمٍ:
"صبا بطلي جنان وإرمي السكينة دي من إيدك، أنا مش بالقسوة اللي تخليني أحرم طفل من أمه، أنا بس عايز أشوفه قبل ما أسافر."
جحظت عينيها صدمة، جعلت السكين يسقط عن يدها ورددت بلسانٍ ثقيل بينما عينيها تتجه لخارج الشقة لمحل حقائبه:
"مسافر!"
أومأ لها وقال بوجومٍ:
"حاسس إني بتخنق هنا وبخنقك معايا، هريحك مني كام يوم لحد ما نستقر على حل للي إحنا فيه ده."
منحته بسمة منكسرة وهتفت:
"هتهرب يعني!"
وتابعت وهي تقترب منه:
"ولا مش قادر على بعد صاحبك؟"
تعمق بعينيها المتألمة، يحاول أن يستكشف ما بها، انقلب سكون وجهها لغضبٍ، فصرخت بانفعال:
"إنت إيه يا أخـــــــي!! إنت مفيش عندك دم، إنت مستحيل تكون بني آدم إنت حقير."
أغلق عينيه بقوةٍ يحتمل ما تقول، بينما تتابع هي بغضب:
"كل اللي يهمك زعله، طيب وأنا!!"
قابلها بنظرة منكسرة، فكورت يديه ورطمت صدره بقوة وهي تصرخ فيه:
"بعد كل اللي عملته فيا ومش شايف غيره، إنت حقير يا جمـــــــــال."
لم يدافع عن ذاته، وقف قبالتها مثلما فعلها بالمرة السابقة، تركها تفعل ما تشاء، حتى خارت قواها وجلست أرضًا تتطلع ليدها الحمراء من فرط ما بذلته، بينما مازال يقف كما هو.
اتجه بخطواتٍ آلية للخارج جذب الحقيبة وإتجه ليغادر، فتح باب المصعد وما كاد بالصعود حتى تصنم محله فور أن تسلل له صوت بكاء الصغير، تمزق قلبه شوقًا لرؤيته، مال بجبينه على باب المصعد المفتوح، وعينيه تنهمر منها الدموع، انخفض بصره لصبا التي تحتل الأرض وتطالعه بألمٍ، قرأت بمُقلتيه كل ما فشل بقوله.
أزاحت دموعها ونهضت تحتمل على الحائط، حتى انتصبت بعودها تطالعه بنظرة غامضة، صدرها يعلو وينخفض من فرط انفعالها، وبقوة قالت:
"مستعدة أجبهولك تشوفه حالًا، ومش بس كده أنا موافقة أرجعلك بس بشرط."
لوح له الأمل من بعيدٍ، فاتجه لها يسألها:
"شرط إيه؟ أنا مستعد أحققلك كل شروطك."
تمعنت بعينيه جيدًا وقالت:
"تقطع علاقتك باللي كان السبب في كل ده."
زوى حاجبيه بعدم فهم:
"تقصدي مين؟"
طالعته بصلابة وهتفت:
"عمران!"
رواية صرخات انثى الفصل الثالث والسبعون 73 - بقلم ايه محمد رفعت
تجمد قبالتها لا يستوعب ما قالته للتو، بينما الأخيرة تواجهه بنظرةٍ ترقب، تنتظر سماع ما سيقوله بتلك اللحظة. اعتلاه غضبًا عظيمًا، يفكر كيف يجمع كلماته التي ستوفي جزء صغير من حق "عُمران" عليه، يجهل بماذا يفتتح حديثه؟ يفكر ويبحث عن حديث مختصر يكفيها لتعلم بأنه سيختار رفيقه دون أدنى شكٍ.
وما كاد بالحديث حتى استوقفه دمعة خائنة من عينيها، نظرة شملت كل معنى الكسرة وسقوط بقايا الأنثى، عدم الثقة بأنها خياره الوحيد، تهشم روحًا تتعلق بأخر. أحباله، شعر ببرودة جسدها من وقفته تلك، يرى وحدتها ومدى ضعفها، يراها بشكلٍ مختلفًا عن ذي قبل، كأنها تتمنى أن يفضلها هي لتختاره سببًا للعودة له، تريد أن تتمسك بشيءٍ واحد صائب يفعله لتعود إليه!
استدار "جمال" واتجه تجاه باب الشقة، فاستمع لتعالي أنفاسها بشكلٍ مقبض، ظنته يختار الرحيل، ظنته اختار رفيقه، ولكنها وجدته يدفع باب الشقة بقدميه، ويعود لمحل وقوفه مجددًا.
يقف أمامها يطالعها بنظرةٍ عميقة، بينما تواجهه هي بنظرة لهفة، وحيرة، وترقب، يرى جانب النقص الذي تخوضه بتلك اللحظة، وبالطبع سيسد فجوته أولًا. تحرر صوته الساكن أخيرًا هاتفًا بحزنٍ يغمره:
_لو خيروني بين موتي وحياتك هختارلك الحياة، بعدي عن عمران شبه الموت بالظبط، بس لو ده هيديكِ الحياة فأنا موافق أموت ألف مرة عشانك!
وتابع يؤكد لها:
_هختارك إنتِ يا صبا.
أغلقت عينيها بقوةٍ تعتصر دموعها، وتراجعت للأريكة تبكي بانهيارٍ، لا تصدق بأنه اختارها، كلماته كانت خبيثة بشكلٍ لم يقلل من صدقته، وبالوقت ذاته رضت غرورها كأنثى. رنا إليها يجلس جوارها، وبترددٍ مد يده يربت على ظهرها ببطءٍ، يود لو أن يضمها إليه، ولكنه يخشى من ردة فعلها، يفعل كل شيءٍ بحذرٍ.
رفعت عينيها إلى يده الممدودة تخفف من وجعها، وعادت تتطلع إليه بنظرةٍ حملت كل الامتنان، ودون أي مبرر لها، انزوت إليه، منكمشة، تجمد جسده قليلًا ولكنه كان مرحبًا، بل أكثر من مرحبًا بها، ضمها بقوةٍ كانت بحاجة لها، بينما تهتز هي من فرط بكائها، انهمرت دموعه بسكونٍ وهو يشعر بحجم ألآمها، يحمد الله داخله بأنه لم يكن متهورًا كما ينعته عُمران، بل هدأ واتخذ قرارًا سيجعل الطاووس الوقح فخورًا كل الفخر به.
مال يقبل رأسها وقال بألمٍ:
_حقك عليا، سامحيني يا صبا، أرجوكِ.
حاول أن يبعدها عنه ليتمكن من محادثتها بشأن مصافحتها عنه، ولكنها أبت وتعلقت برقبته، لا تود مواجهته أبدًا، احترم ذلك وأبقاها داخل حصاره، مرت الدقائق ومازال يربت عليها بحنانٍ، يكبت رغبة رؤيته لابنه بكل شوقًا، يحاول أن يمدها بكل الدعم النفسي حتى تعود لاتزانها.
هدأت بين يديه رويدًا رويدًا، كالنيران المشتعلة فور أن تدمجها بمياه أشد برودة، بعدت رأسها للخلف، تزيح دموعها بأصابعها، وتواجهه بابتسامة واسعة وهي تردد بحماسٍ:
_هجبلك الولد.
وتركته وهرولت للداخل ركضًا، وعادت بعد قليل، تحمل صغيره بوجه مفعمًا بالنشاط، جلست "صبا" جواره، ووضعت الصغير بين يديه، حمله بفرحةٍ قتلت كل وجعٍ نبت داخله، رفعه إليه يقبل وجهه ويطبع قبلاته بحب على وجنته، هامسًا بحبٍ:
_حبيبي.
عاد يقبله بشوقٍ، يسحب أكبر قدرًا من رائحته الطيبة، بينما تتابعه "صبا" بحبٍ واهتمامٍ، عاد يضمه مجددًا إليه، وقد وجه بصره لها الآن، يتمعن بها طويلًا، كأنه يحاول أن يوجد الحديث المناسب، وقال:
_هنرجع بيتنا؟
منحته ابتسامة رقيقة وأكدت باشارة رأسها، مضيفة:
_دقايق هجهز الحاجة.
أومأ إليها في تفهمٍ، فنهضت تلملم أغراضها البسيطة، ولحقت به، فقدم لها الصغير وحمل عنها حقيبته ودفع حقيبته هو الآخر لسيارته، عائدًا بها للمنزل.
******
انتهى الشيخ "مهران" من صلاة العصر، وجلس على سجادته يتابع مسبحته بتركيزٍ، غادر الجمع لأعمالهم وتبقى عُمران وآيوب الذي اقترب من أبيه يستأذنه:
_أنا همشي أنا يا عم الشيخ محتاج مني حاجة؟
طالع الشيخ بابتسامةٍ محبة، وقال وهو يشير على مجموعة الأطفال الذين بدأوا بالتوافد للمسجد:
_عندي مشوار مهم يا آيوب، اقعد مكاني وسمع للتلاميذ.
أجابه بصدرٍ رحب:
_عنيا يا عم الشيخ.
واستدار تجاه عُمران الذي يتابعهما باهتمامٍ وقال:
_هتقعد معايا ولا هترجع إنت يا عُمران؟
انخطف لهؤلاء الاطفال، واتجه لمحل جلوسهم، يجاور الدائرة الكبيرة التي صنعوها، ابتسم آيوب وهو يتابعه وعاد يخبر أباه:
_روح مشوارك وإطمن يا عم الشيخ، تلاميذك في إيد أمينة.
منحه الشيخ ابتسامة بشوشة، واستند على ذراعه لينهض عن الأرض مرددًا بحب:
_ربنا يجعلك دايمًا آمين يابن الشيخ مهران.
ومسح على كتفه بحنانٍ، وغادر على الفور، تاركًا البسمة تزين وجه آيوب المشرق، الذي وقف يتابعه حتى غادر من أمامه، فاتجه حيث محل الاولاد، فوجد عُمران يجالسهم بكل حب، يعدل ملابس أحد الصغار وينسقها بشكلٍ مرتب.
جلس أيوب بمنتصف الصفوف، يمنح التلاميذ ابتسامته البشوشة متسائلًا:
_تحبوا نبدأ بالحفظ ولا نبتديها بالدردشة شوية عن أي سؤال محتارين فيه.
توافد التلاميذ للنقاش المتبادل بينهم وبين آيوب الذي كان مرحبًا بكل سؤالًا طرح عليه، وعُمران يتابعهم باهتمامٍ وراحة نفسية تغمره، حتى رفع أحد التلاميذ اصبعه وقال بحرجٍ:
_أنا على طول بسرح في الصلاة ومش بعرف أبطل الخصلة دي يا شيخ آيوب.
كاد آيوب أن يجيبه، ولكنه تفاجئ بعمران يخبره بابتسامته الجذابة:
_ أنا كمان كنت زيك، لحد ما عملت شوية خطوات وفرقت معايا جدًا.
تساءل الطفل بحماسٍ:
_خطوات أيه؟
رد عليه وابتسامته لم تفارقه:
_هقولك شويه تفاصيل تخليك تحب الصلاة وتوصل لدرجة الخشوع، وتنتظم فيها لأنها هي الأساس اللي هتخلي مزاجك كويس ونفسيتك مطمئنة، أولًا إمشي بمبدأ أن صلاتك مش حاجة روتينية، ومُجبر تعملها، لا بالعكس انت بتكون ماشي تقعد مع ربك شويه، وهتقعد معاه خمس دقائق بس فى كل فرض.
كتير على اللي أنعم عليك بكل حاجه ؟؟
قبل كل فرض استعد للصلاة، وكأنك ماشي تقابل واحد بتحبه جدًا، إمشي و أنت ملهوف، ولو واحد سألك رايح فين؟ قوله رايح اقعد مع ربنا شوية خليه احساس داخلي جواك.
و أول ما ترفع ايدك وتقول:
_ الله اكبر، ابتسم ابتسامة مشتاق، انسى الدنيا كلها بمشاكلها وهمومها فى اللحظة دي، اقرا الفاتحة بكل راحة، واسمع جواب ربك بعد كل آية، و متقرهاش بسرعة وكأن واحد بيجرى وراك، وفي الاعتدال من الركوع لما تقول
سمع الله لمن حمدها
حمده انت بطريقتك قول” الحمدلله يارب على كل النعم اللي انعمت علي بيها” .. ”الحمدلله حمدًا طيبًا مباركًا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، وأول ما توصل للسجود خليك فاكر انه أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد، لما تهمس هيسمعك، سبح ربك وإبدأ احكي ليه كل اللي في قلبك قوله يارب أنا بحبك، احكي وفضفض لإن مفيش حد هيفهمك ولا هيحس بيك زى اللي خلقك، لما تحكي معاه مش هتلاقي حواجز بينكم، احكي أي شي خطر في بالك مش لازم لغه عربية فصحى يعنى، هو أعلم بحالك منك بس بيحب يسمع صوتك.
واستطرد باستمتاعٍ لسياق حديثه:
_يمكن تتلخبط في كلامك بس هو فاهم أي شي انت هتقوله، وصدقنى مهما كانت مشكلتك كبيرة و صعبه، فى آخر كلامك هتحس براحه مش طبيعيه وهتبتسم لانك سلمت أمرك لرب العباد
و بعد ما تخلص صلاة، سلم عليه بس مش السلام التقليدي، لانك بتسلم على ربنا حبيبك.. تخيل انك بتقول:
( حشتاق ليك يا رب وللكلام معاك، يارب امتا تجي الصلاة الجاية عشان أرجع اقعد معاك تاني في كلام كتير فى قلبي عايز احكيهو لك )
صدقني أول ما هتخلص صلاه هتحس بعدها براحة وطمأنينة لانك كنت قاعد مع ربك حبيبك، و سلمت أمرك وتوكلت عليه، ولما تواجهك اي مشكلة فى يومك مش هتهز شعره منك
عارف ليه
لانك هتمشي فى الصلاة الجاية و تحكي لربك وتطلب منه يساعدك.
فور أن انتهى تعالت صفقات التلاميذ، وكأنه نقل لهم خطبة عريقة، حتى آيوب ابتسم وقال:
_ما شاء الله عليك يا شيخ عمران لخصت كل اللي هقوله بشكل سلس وبسيط.
وأضاف ممازحًا اياه:
_لو الشيخ مهران سمعك مش هيتنازل عنك تساعده هنا.
وسحب أحد المصاحف الشريفة، ثم قدمها له قائلًا:
_يلا أبدأ معايا نسمع ليهم الحفظ عشان نقفل المسجد ونفوت على يونس وبعدين نرجع البيت نتغدى.
تناول منه القرآن الكريم بعنايةٍ، وقال:
_مينفعش هخلص معاك وهروح للحاجة أشرقت، لغيت عزومتها امبارح مش هينفع الغيها النهاردة.
هز رأسه بتفهمٍ، وشرع كلاهما بالاستماع لحفظ التلاميذ وتلقينهم الورد الجديد.
******
عاد "علي" إلى المنزل مهمومًا، يشعر وكأن الشر اجتمع بأكمله ليحارب زوجته وشقيقتها، تلك الفتيات عانت من وحشة ما خاضته بشكل جعله يشعر بالشفقة تجاههما.
كان بطريق صعوده للأعلى، وقبل أن يتجه لجناحه الخاص وجد أمامه شمس تناديه بلهفة:
_علي.
توقف عن المضي قدمًا واستدار تجاه شقيقته، فوجدها ترنو إليه متلهفة، تشكو له:
_عمران مش راضي يدي الهدايا اللي جبتها لادهم ليه، كلمه يا علي ده عنيد اووي.
كبت بسمته وقال بجدية حاسمة:
_ازاي يعمل كده!! أنا هطلع عينه وأخلي نهاره ليل عشان يتجرأ ويزعل شمسي!
ازهر وجهها بابتسامة واسعة، وقالت:
_انت أحسن أخ في المجرة بره وجوه.
قهقه عاليا وقال ساخرًا:
_أيه بره وجوه دي! جديدة بس عجبتني.
وقرص ذقنها بلطفٍ قائلًا:
_يلا روحي نامي وسبيلي الوقح ده، انا هربيه.
هزت رأسها بخفة وهرولت لغرفتها، بينما اتجه علي لغرفته ومازال الحزن ينفرد على وجهه.
*****
طرقات مرتفعه على باب الشقة، جعلتها تهرع لنقابها، ارتدته وأسرعت لرؤية من الطارق واحتمالها الاكبر أنها سدن، فتحت خديجة الباب تردد ببسمة هادئة:
_براحة الباب هيتخلع في ايدك يا مفترية!
حررت مقبض الباب، لتضربها وابل من الصدمات فور أن رأت رجلًا يقف قبالتها بلثام أسود، انتزعه عنه لترى أحد كوابيسها الحية تتجسد من أمامها، جحظت عينيها صدمة، جعلتها تترجع للخلف بذعر وعدم تصديق، ولسانها الثقيل يتحرر بصعوبة:
_معتز!!
****
جلس بصالون شقته يحمل صغيره بين يديه، والحزن يتوغل على معالمه، يتابع هاتفه الذي يضيء لمرته الثالثة برقم سيف، الذي أرسل له بعدة رسائل يتعجل حضوره للتحرك بالطائرة، تهدل عن عينيه دمعة عجز بين ما وضع به، فإذا بها تخرج من غرفتها التي قضت بها ما يقارب الساعتين منذ لحظة دخولهم، وجدها تدفع حقيبتي سفر.
نهض يقابلها بنظرة استفهام، وخاصة وهو يراها ترتدي جلبابها الاسود، فقالت بدموع تنهمر على وجنتها:
_أنا عارفة إنك مش هتقدر تبعد عنه، بس غصب عني، إنت لاخر دقيقة كنت حاطط اللوم عليا، لما سكينك جرحه اتفزعت عليه، وأنا كنت سايحه في دمي وهونت عليك.
واستمدت نفسًا مطولًا، وقالت:
_مش عايزة افتكر اللي فات، أنا جاهزة يا جمال نبدأ حياتنا من تاني مع بعض، جاهزة أرجع معاك مصر، ومتقلقش مش هحرمك من ابنك!
****
اشتد بها الألم لدرجة جعلتها تصرخ فزعًا، وهي تناديه بوجعٍ:
_يوســــف الحقني!
انتفض عن مقعده يسرع لها، فصعق حينما وجد نزيفها يعود من جديد، أسرع يحملها لغرفة الطوارئ وهو على لسانه يردد كلمة واحدة:
_يارب!!
رواية صرخات انثى الفصل الرابع والسبعون 74 - بقلم ايه محمد رفعت
كان ذلك الباب الموصود تتم بطولاته، شهدت تلك الغرفة على جراحات ناجحة قام بها الطبيب المصري الذي عُرف في لندن بأرجائها، وبات يحمل من الشهرة نصيبًا.
وها هو الآن عاجزًا عن إنقاذ زوجته التي تلتاع صرخاتها ممزقة حوائط قلبه الهزيل.
يخفي دموعها بصعوبة، وهو يراها تصرخ ألمًا، بينما ابنه المنتظر على وشك أن يفقد حياته.
عساه الآن يخوض أبشع لحظة قد مرت على حياته يومًا، يرى الممرضات تركضن من حوله، في محاولاتٍ لوقف النزيف، بينما هو يقف كفاقد الذاكرة الذي وُضع بمحل غير محله.
انتهت من الإجراءات الاحترازية لوقف النزيف، وتركت باقي المهام للممرضات.
تحرك "يوسف" تجاه الباب الجانبي، ومنه إلى حمام الغرفة، توضأ وخرج يفرد سجادة صلاته، ووقف يؤدي ركعتين، وهو على يقين بأنها دواء آنين قلبه، يعلم بأن البرودة ستبيد حرقته.
لمست رأسه سجادته وبللتها دموعه، بينما يردد في عجزٍ:
عجزت وما أنا إلا بعبدٍ عاجز أمام رحمتك يا الله، استودعتك زوجتي وما برحمها وأنا أعلم بأنك سبحانك رحيمًا رؤوف بهما.
انتهى يوسف من صلاته، ونهض يطوي سجادته، استمد بعض الطاقة التي انهدرت قبل أن يغتسل.
عاد لغرفتها فوجدها تغفو بارهاقٍ تام، أغلق باب الغرفة بالمفتاح، واتجه يتمدد جوارها، يضمها بيديه بينما رأسه موضوع على كتفها، تاركًا سيل دموعه على كتفها يشهد على مشاركته لوجعها.
يهمس لها باحتقانٍ:
أنا جانبك يا ليلى، جانبك ومش هسيبك!
***
اجتمع "آيوب" و"عمران" مع "يونس" و"إيثان" بمحل "يونس".
لاحظ عمران نظرات إيثان المستريبة تجاهه، وما أن تأكد بانشغال آيوب ويونس بدفتر الحسابات حتى تسلل للأريكة التي يحتلها عمران.
جلس يحك رقبته بتوترٍ يشمه الطاووس من محله، ومع ذلك تابع هاتفه ببرودٍ متعمد.
انتقل بجلسته جواره وتنحنح بخشونة:
بقولك أيه يا خواجة؟
لزم صمته وتابع الهاتف، مرددًا ببرودٍ:
بشتغل زي ما أنت شايف!
تمعن بما يفعله يهاتفه، وقال بتذمرٍ:
افضلنا شوية طيب.
اتجهت رماديته إليه يمنحه نظرة تقييمية، وقال ببرودٍ:
وأفضلك بتاع أيه!
زفر بسخطٍ وصاح:
يا عم اركن غرورك ده شوية وركز معايا، عايز أجبلها هدية ومش عارف!
وتابع وهو يشير باستياء تجاه مكتب يونس حيث وقوفهما:
والاتنين دول تربية الشيخ مهران يعني لو سألتهم أجبلها إيه هيقولولي هاتلها ملحفة وسجادة صلاة!!
وتابع بفتورٍ:
متعصلجش بقى يا خواجة فكها!
عبث برماديته بدهشةٍ وقال:
أيه معصلجش دي، آنت بتشتمني بالشعبي بروح أمك!!!
أذعن مطلبه:
لا مش شتيمة صدقني، قصدي متصغرش عقلك، وبعدين أنا اللي عايزك في مصلحة ووقت المصالح الشياطين بيتصافوا مش هنتصافى إحنا يا جدع! ده إحنا بينا تحديات ومشاريع مستقبلية تشرف.
أحاطه بنظرةٍ ساخرة، وتمتم بسخطٍ:
طمنتني!
وتابع بتذمرٍ:
جاي أهدي أعصابي بالمكان الصح والاشخاص الشخص، طول عمري ليا نظرة!
حاول أن يتلصص لحديثه وحينما فشل سأله ببعض الرفق الغير معهود عليه:
ها يا خواجة قولت أيه؟
وضع هاتفه بجيب جاكيته الأسود، وقال بفتورٍ:
عندك عربية؟
جحظت عينيه في صدمة، ونهض عن الأريكة يصرخ بحدة:
عربية مين دي اللي أهديها بيها، بقى أنا أقولك متعصلجهاش تغفلقها!! أنا لا يمكن أفرط في عربيتي فاااهم يا خواجة!!!!
رفع ساقًا فوق الأخرى ببرودٍ اتبع نبرته الواثقة:
اقعد يا غشيم.
تنحنح حرجًا وعاد يجلس جواره كالطفل البريء، فقال عمران ساخطًا:
من بعد ما شوفت الأجهزة اللي طاير بيها للندن بقى عندي خلفية عن موديل عربيتك، فتأكد إنك هتهاديها بعربية كارو أفضل من اختياراتك الغشيمة.
وتابع وهو يمنحها بسمة استفزته وجعلته يعتصر غيظه بصعوبة:
عدي عليا بليل بعربيتك الكحيانه نختارلها دريس سمبل وشيك لآني للأسف مش واثق في ذوقك.
وأشار بيده يسترعي انتباهه:
وخد بالك كرمي معاك عشان خاطر محبتي لآيوب، فيوم ما ترجع ترازيه هتشوف وقاحتي وطولة لسان أطول من طولك الفرع ده، معلوم؟
برق إيثان بعينيه صدمة، مرددًا:
أرزيه!! فرع!! خواجه من بولاق!!!
هدر ببسمة واثقة:
احسبها واعقلها يا إيثو، وبلاش تعاند في وش الطاووس، مش هينوبك غير طولة لسانه ووقاحته.
وأضاف ببسمة ماكرة، متبعًا نفس سياسيته:
متعصلجهاش وفكها!
احتقنت معالمه غيظًا، وهدر من بين اصطكاك أسنانه:
فكتها وروقتها لما أشوف آخرتها معاك إيه؟
منحه نفس الابتسامة الواثقة وقال:
ماليش آخر يا آآ… إيثو!
وأضاف بغمزة خبيثة:
مكان ما هتسايرني هتلاقيني، أنا رقبتي سدادة!
لوى شفتيه بتهكمٍ، وتطلع قبالته، فوجد يونس وآيوب يتابعونهما بدهشةٍ مضحكة.
وما كادوا باستيعاب حوار حديثهما المتبادل في جو من السلام والسكينة حتى اقتحم فارس مجلسهم راكضًا، يلتقط أنفاسه بصعوبة، وبين يده يحمل كيسًا بلاستيكيًا يتشكل على هيئة وعاء كبير.
راقبوه جميعًا بفضولٍ، فكان يونس أول من تحرك تجاهه يتساءل باستغرابٍ:
بتجري كدليه يا فارس، وأيه اللي في إيدك ده؟؟
ابتلع الصغير ريقه بتوترٍ، وقال:
مش معايا حاجة.
لفت أمره انتباه الجميع، فنهض عمران واتجه للصغير مبتسمًا:
يا أهلًا بسيادة الطيار، مش هتسلم؟
أخفى الصغير الكيس البلاستيكي خلف ظهره، وناوله كفه يصافحه.
تساءل آيوب بدهشةٍ:
أيه اللي ورا ضهرك ده يا فارس؟
تراجع الصغير يجيب:
معيش حاجة يا عمو آيوب.
احتدت معالم يونس من طريقة ابنه الغير مبشرة بالمرة، فصاح بعصبية:
يعني إيه مفيش حاجة، داخل تجري وبتخبي حاجة وراك بشكل غريب وتقولي مفيش حاجة، وريني معاك إيه!!
اتجه إيثان إليه يلكزه بذراعه الممتلئ بعضلات تمرينه، غاضبًا:
بتقولي غشيم وإنت مزروع جوه عنق الزجاجة، اتنيل ارجع ورا وسبني أتعامل على رأي خواجة بولاق!
نجح بدفعه للخلف، وانحنى بطول قامته ليصبح طول الصغير، وقال مبتسمًا:
فروسه حبيب قلب عمو إيثووو، تعالى لعمو يا حبيبي ووريني مخبي إيه؟
ربع عمران ذراعيه أمام صدره، واستند على الحائط هاتفًا بسخريةٍ:
الحاجة الوحيدة اللي حاول يعملها صح مش عارف ينجح فيها، غشيم وغبي!!
وعاد يتابع ما يحدث في محاولة لحجب حديثه، فوجده يخبر الصغير:
إنت عملت حاجة غلط وجاي تستخبى، صارح عمو إيثو وخليك صريح يا حبيبي.
إلى هنا وكفى، تحرر عن صمته هادرًا بحزمٍ:
انتوا متجمعين حوالين الولد كده ليه؟
وأشار ليونس وآيوب:
مش كنتوا بترجعوا حساباتكم روحوا كملوا اللي بتعملوه.
وأضاف مشيرا باستهزاء لمن مازال يجلس أرضًا:
عمو إيثو قوم من على الأرض التراب هيقفل شرايينك ياحبيب
نهض إيثان يطالعه بغضب وصل لذروته ومع ذلك وضع اختيار الفستان وفتح الوتيك أمام مقلتيه، وتحلى بالصمت.
فتح عمران كف يده وأشار للصغير ببسمة جذابة، فاتجه إليه يضع كفه بكفه، وتحرك معه للأريكة التي كان يعتليها، جلس وحمله على ساقه ومن فوقهما الوعاء الذي يحمله.
ما زال الجميع يتابعونه بفضولٍ، وخاصة حينما بدأ بالدردشة مع الصغير عن أمور دراسته وألعابه حتى قال بمكرٍ:
آنت مش قولتلي إنك عايز تبقى طيار، قلبتها حارس شخصي ليه؟
أجابه الصغير ببراءةٍ:
لا عايز أبقى طيار يا عمو.
رد عليه مبتسمًا وهو يمسد خصلاته:
وأحسن طيار في الدنيا كلها يا فارس.
وتابع بنفس بسمته:
قولي عُمران بس من غير عمو، مش أنا صديقك زي مصطفى اللي بتلعب معاه؟
هز رأسه مؤكدًا، فأضاف عمران بمكرٍ:
طيب بما إني صاحبك الجدع وريني معاك إيه، تسمحلي؟
قالها مستأذنًا قبل أن يحمل الشيء منه، فهز رأسه مبتسمًا بترحاب.
زوى حاجبيه بتعجب حينما وجده يحمل إناء معدني مغلف بإحكام، فتح غطائه ليجد أمامه ما صدمه.
انتقلت نظرات آيوب ليونس وفجأة سقط من الضحك وهو يردد بصعوبة:
من شبه أباه فما ظلم، كأني شايفك وإنت صغير المشهد بيتعاد قدامي!
قالها وسقط على المكتب يضحك بقوة، بينما يطالع عمران الأصابع التي تملئ الإناء بدهشةٍ.
دنى إليه إيثان يتطلع لما بالوعاء، وببسمة واسعة قال:
كفتة رز من صنع الحاجة رقية!!
وحمل الوعاء من بين يد عمران قائلًا:
تلزمني يا خواجة، خليك معتكف الزيوت لحد ما تشحن أجهزة تليق بسعراتك الحرارية، أنا معدتي محرقة.
بدأ يلتهم الأصابع وهو يشيد بفارس الغاضب:
أول مرة تعمل حاجة صح إنت وأبوك يا فروسه.
صعد الصغير على حافة الأريكة وانتشل الوعاء منه بغضب، ثم جلس يلتهمه.
رمش يونس بعدم استيعاب ودنى من ابنه يردد بتيهة:
إنت سرقت الكفتة يا فارس؟!
شعر الصغير بخطأ ما فعله وقال وهو يلوك الطعام:
أنا آسف يا بابا بس بحبها، وماما بتعملها وحشة.
رد عليه بصعوبة وهو يكبت الضحك:
استأذن والحاجة رقية هتديك!
قال ببراءةٍ:
ادتني تلات مرات واتكسفت أطلب تاني، واصلا أصلا إحنا كلنا معزومين عندها عشان الخواجة، بس أنا مش بحبها بالصلصة أنا عايزها كده.
تعالت ضحكات آيوب ودنى يستند على كتف عمران يخبره بضحك:
الحاجة رقية كانت لسه بتهددني امبارح إنها هتحرمني من الكفتة، الشعب كله هيتحرم منها النهاردة.
وفتح كفه للصغير هادرًا:
اديني صبعين تلاتة يا فارس أنا عمك الطيب يا حبيبي، افتكرلي كيس الحلويات اللي كنت بدلعك بيه كل يومين.
فكر الصغير بالأمر، ومنحه بعضًا منها، تناولها آيوب بتلذذ وقال يشرح لعمران الذي يتابع ما يحدث بدهشةٍ:
أبوه كان كده وهو صغير، كان يفضل يشد الكفتة طبق ورا التاني لحد ما منلاقيش كفتة نحطها في الصلصة، بس فارس أذكى خلع بالحلة مرة واحدة.
سحب إيثان بعض الأصابع وتناولها باشتهاءٍ، بينما يتابعهما يونس بصدمة وصرخ:
بتهبب إيه إنت وهو، ميصحش كده أنا هرجعها لمرات عمي.
قال إيثان وهو يغمز له:
وده اسمه كلام، دي عيبة في حقنا لو رجعت للحاجة رقية، بص يا يونس أنا قتيل حلة الكفتة دي الليلادي!
تعصبت نظراته وتطلع لعمران يستجديه:
شوفت يا عمران!!
مسد على شعر الصغير بابتسامته الهادئة وقال:
سيبه يا يونس، معتقدش إن الحاجة رقية هتضايق لما تعرف، بالعكس.
وتابع بحب:
ألف هنا على قلبك يا حبيبي.
منحه آيوب إحدى الأصابع قائلًا:
خد دي انتشلتها من إيثان بالعافية.
أشار له مبتسمًا:
لا ماليش فيها، ألف هنا ليك إنت كمان يابن الشيخ مهران.
أصر عليه:
هتاخدها يعني هتاخدها، وانجز عشان الحق الحلة قبل ما إيثان يلتهمها ورا الكفتة.
ضحك على حديثه وجذبها منه ثم اتجه يستند على الباب الخارجي للمكتب يتابع الأجواء بالخارج بشرودٍ.
لحق به يونس وجلس على الرخام الفاصل بين مكتبه والمحل مثله، واشار لاحد العمال يقدم لها مبلغ كبير من المال قائلًا:
معلش يا محمد اطلع على الكبابجي، قوله يعمل 20 طبق كفتة وسجق وتشكيلة، طلع نص الكمية عند الحاجة رقية والنص التاني وزعه على العمال.
التقط منه المال يجيبه بحب:
إنت تؤمر يا معلم يونس.
ردد عمران بمزحٍ:
تكلفتها عالية الحلة دي.
ضحك وقال:
بس بأمانة تستحق.
شجعه بحديثه على تناول الإصبع الذي بيده، وقال مؤكدًا:
نفسها هايل بجد.
أومأ برأسه والبسمة تزين وجهه، بينما يستمد همته لينطق:
على فكرة يوم ما كنا بالمسجد وسمعت ابتهالك لمست جوايا كل وجع داريته عن العيون، يمكن لأن صوتك كان موجوع ووصلني اللي جواك.
وأضاف بحزنٍ جعله يبدو كالذي يحتضر الموت:
مبيحسش بالمجروح غير اللي جرحه لسه طاري، والجروح اللي أثارها بتدوم بتكون دائمًا سببها حد عزيز عليك، مش سهل تلم وتتغفر.
زحف الحزن لوجه عمران هو الآخر، فتطلع أمامه بعينين غائمتين.
تابع يونس بابتسامة تئن:
خليني أقولك نصيحة قالهالي حد من الأشخاص اللي بقوا عزاز على قلبي، ويمكن لما تسمعها تقدر تعرفه.
نجح بلفت انتباهه، حينما استدار بوجهه وجسده إليه، بينما تابع يونس بجمودٍ تام:
الشخص اللي مكانته عزيزة على قلبك مش سهل تفترق عنه، حتى وهو بعيد عنك هتربطك بيه علاقة كره، وما بين الكره والحب شعرة واحدة ممكن في لحظة متبقاش موجودة.
واستطرد يضيف:
الشخص اللي نجح ياخد مكانة جواك مش هتقدر تتقبل إنه ميبقاش يعنيلك شي، هتلاقي نفسك بتدورله على حجة أو تصرف أو كلمة تعلق عليها حجتك عشان تحاول تمسح غلطاته وترجعله.
وتعمق بالتطلع إليه وهو يخبره عن معاناته خلسة:
صدقني ده الجزء الأصعب، إنك تتمسك بتصرف واحد عمله صح وتحاول ترجع زي ما كنت، إنك تحارب نفسك ده في حد ذاته انجاز تستحق إنك تفتخر بيه، الفرصة اللي هتجددها هتكون مرهونة على الطرف التاني، لو قدرها واحترمها هتتأكد إنه هو كمان كان مستنيها عشان حبه وتمسكه بيك، لو هدرها بغلط جديد اطرده بكل قوتك بره حياتك وإنت مرتاح لقرارك.
واتسعت بسمته وهو يسأله بمكرٍ:
عرفت مين ده؟
تنهد وشعور الراحة يحيطه، وأجابه بعرفانٍ:
هو نفسه اللي محاوطني وواقف حواليا زي السد، هو اللي بوجوده محسيتش إني يتيم، أبويا وأخويا وصاحبي وكل ما أملك في دنيتي.
وتابع بفخرٍ:
لا يوم اتباهيت بنجاحي ولا بنفسي أد ما بتباهى بيه، ربنا قسم أرزاقه بالعادل بين عباده وخصني بأجمل رزق، علي أخويا.
هز رأسه إليه بابتسامة تشاركه الفخر بشخصٍ مثله.
نهض عمران يخبره وهو يهندم ملابسه باهتمامٍ:
خليني أستغل انشغال آيوب بحلة الكفتة وأروح لوالدة واحد صاحبي، عازماني بقالها كام يوم وحججي مش بتنتهي.
نصب عوده قبالته وقال ضاحكًا:
يدوب تلحق، آيوب مش هيفارقك بسهولة.
أجاب بابتسامته الجذابة:
عارف، ومبقدرش أزعله.
قال يونس ماكرًا:
ولو مخلصتش مشوارك وجيت على الشقة أنا اللي هزعل منك يا بشمهندس.
ضحك بصوته الرجولي وقال:
عنيا حاضر.
وأضاف مازحًا:
متعاقبش فارس الكفتة تستحق بصراحة.
ضحك وهو يخبره:
تستحق ونص.
قال وهو يغادر الدرج:
طب روح الحق.
أجابه بحزنٍ جعل عمران يضحك دون توقف:
عملها في يوم أنا صايم فيه الغبي!!
***
سحبت باب الشقة بأيدي مرتعشة، مضت معه وسكينة مسلطة من أسفل خمارها على بطنها.
مال يهمس لها بحقدٍ:
نفسك لو طلع ولا حركة منك طلعت كده أو كده السكينة هترشق في قلبك، فاهمه؟
حركت رأسها برعبٍ، وخاصة حينما صاح:
نزلي الزفت ده.
أخفضت نقابها على وجهها، بينما فعل هو مثلها، فكانت تختبئ بملابس النساء، مرتدياً نقاب أسود وخمار طويل، كأنه يوصم نفسه بما استحقه هو.
هبطت برفقته الدرج وهي تستند على الدابزين برعشة، وما كادت بتخطي طابق الشيخ مهران حتى تفاجئت بسدن تخرج عليها وتناديها:
خديجة انت رايحة فين من غيري؟
وتابعت وهي تتأمل تلك المرآة البدينة، ذات النظرات الحادة:
مين دي خديجة؟
ازدردت ريقها الهارب بصعوبة، وقالت:
دي واحدة من قريبنا، ادخلي وأنا هنزل مشوار معاها وهرجع على طول.
سحبها معتز للاسفل دون سماع أي كلمة منها.
زمت سدن شفتيها بتعجب وعادت للداخل، فوجدت الحاجة رقية تقف أمام السفرة ترتب الأطباق، وسألتها:
كنتي بتعملي إيه بره يا بنتي؟
ردت عليها بحيرةٍ:
مش عارف خديجة ماشي مع واحدة كبيرة أوي ولابس نقاب زيها، وبتقول إنه قريبتها راح معاه مشوار وراجع!
توقفت عن وضع الأطباق ورددت بدهشةٍ:
مين دي اللي خديجة نزلت معاها من غير إذن مني أو من الشيخ مهران!! دي عمرها ما حصلت!
وأضافت بصدمةٍ:
وبعدين هي ملهاش حد غير المرحومة أمها.
هرعت للشرفة تحاول لقطها بالحارة ولكن دون جدوى، فصاحت إلى سدن بحزمٍ:
هاتيلي الإسدال بسرعة!
***
جاب طرقات الحارة مغادرًا لزقاق حارة جمال البعيدة عنها بقليل، فاذا بهاتفه يعيد رنينه مجددًا، رفع عمران هاتفه وقال ببسمة مشرقة:
دكتور علي الغرباوي بيكلمني بنفسه! I can’t believe myself. (أنا لا أصدق!)
_وبعدهالك يا عمران!! كام مرة كلمتك ومردتش!! هو ده كان اتفاقنا؟
ارتكن على أحد الأرائك الموضوعة جانبًا بالحي، وقال:
حقك عليا يا علي إنت عارفني بعمل كل حاجة بمزاج.
=وأنا عايز إيه غير إنك تكون مبسوط ومرتاح؟
_واللي عايزه حصل، وجودي هنا ريحني صدقني، وحتى وأنا بعيد عنك بصمتك ملاحقاني من لندن لهنا.
=بحاول أفهمك بس للأسف دماغي مش مجمعة تركيبتك!
_سمعت اللي كان المفروض أسمعه.
وتابع بحزنٍ:
تعرف إن من كلام يونس حسيت قد إيه هو عانى! ويمكن أكتر مني.
علم مقصد حديثه فقال:
إنسان صبور وعدى باللي مفيش إنسان يقدر يستحمله، يونس نموذج لنماذج كتير اتوجعت في حياتها يا عمران، لازم تعرف إن مش إنت لوحدك اللي موجوع بالعكس ممكن يكون وجعك هين قصاد ناس كتيرة أوي، لو مقدرتش تتعظ من وجود ناس مبتلية زي يونس، اركب تاكسي وقوله وديني 57357،ممكن تكون بتتبرع بفلوس كتيرة بس لما تشوف اللي يوجعك هتعرف إن وجعك هين والله.
وقال يبدد حديثهما المؤلم:
وبعدين إنت مش هتسحب عفاريتك عن شمس هانم ولا إيه؟
قال يجيبه بتعنتٍ:
ولا حتى بعد الفرح، عفاريتي هتفضل ملاحقها هي وحضرة الظابط لحد ما يخلع!
_خرج شمس من دماغك يا عمران، ووصل هديتها لادهم بهدوء.
_مش هيحصل يا علي، الهانم مكلفاني أختارله هدايا على ذوقي، دي عمرها ما فجأتني بهدية واحدة متخيل؟
ضحك وهو يخبره بتهكمٍ:
وانت بيعجبك ذوق حد!! محدش يجرأ يجبلك هدايا لأننا عارفين مصيرها، مش حوارنا لخص ووصل الهدية.
باحتقان وغيظ قال:
مش بالسهولة دي أنا بسببها غيرت البرفيوم بتاعي، متخيل!!!
_غيرته ليه مش فاهم؟
_مهي الهانم طالبتني أجبلها نفس الماركة فاضطريت أجيب لجناب الرائد واغير أنا لنوع تاني، متخيل يعني بذكائك إن أنا هحط نفس النوع بعد ما حد تاني يحطه!!!
انفجر بنوبة من الضحك وقال:
لا ميصحش يا طاووس، دي متجيش بجميع المقاسات.
وتابع بجديةٍ:
المهم مايا مصممة تنزل معانا مصر، ومن ساعة ما مشيت منعت الأكل، أنا مش عايز حالتك النفسية تقصر عليها وعلى ابنك!
تنهد بضجرٍ وقال:
متقلقش هتصرف، وخلاص العمال بدأوا ينضفوا قصر الغرباوي، قبل وصولكم هيكون جاهز لاستقبال فريدة هانم.
_الله عليك يا بشمهندس، أحبك وإنت بعقلية رجل الأعمال الناجح ده.
_مش دايمة لحد يا دكتور، دقيقتين كمان وهيخرجلك الطاووس الوقح، عندي انفصام في الشخصية بعيد عنك وعن السامعين.
مرت من جواره السيدة الملقبة ب(أم عزت) حيته ببساطتها:
منور الحتة كلها يا بشمهندز، كده متعديش عليا أحضرلك غدا من اللي هو.
منحها ابتسامة وقال:
من النجمة هتلاقيني عندك يا ست الكل، بس دلوقتي معزوم عند ناس حبايبي.
تابعت بمعزة حملتها إليه:
هستناك سلام عليكم.
ردد السلام وابتسامته تتسع شيئًا فشيءٍ، عاد يضع هاتفه على آذنيه فاستمع لصوت ضحكات علي، الذي تساءل بصعوبةٍ:
مين دي يا بشمهندس؟
أجابه بحماسٍ:
أم عزت عرفني عليها آيوب، بس بتعمل إيه شوية فلافل وبتنجان يستهلوا بوقك يا دوك، ويمكن دي من أهم الأسباب اللي هتخليني أفضل في cairo.
وأضاف إليه:
لما تيجي هخدك أكلك عندها مرة.
=إبعد عني يا عمران، أنا مبسوط كده خليك في أكلك إنت، وأوعى تعرف فريدة هانم باللي قولته ده.
_مبسوط إزاي وإنت كده!! علي إنت لازم تلعب رياضة لأنك sorry شبه خلة السنان.
=أنا مقتنع بنفسي وحابب نفسي كده، ركز في رياضتك واعتقني أنا وشمس لوجه الله.
_يابني الرياضة بتربي عضلات، جسمك حلو وإنت مهتم بيه بالأكل الصحي، فاضل بس تشيل حديد.
= الوقت اللي هشيل فيه حديد أقرألي فيه كتابين تلاته، فخليك في حالك وإترك حالي لحالي، وقبل ما ترغي كتير هقفل وشوفلك حل مع مايسان، يوسف مقلقني من حالتها، يلا سلام.
أغلق عمران الهاتف وفتح محادثة زوجته، حرر زر التسجيل وقال بخبث:
اشتاقتيلي مش كده، وأنا كمان مع إني لسه قافل معاكِ يا بيبي، بس للأسف رسالتي مش خير ليكِ أبدًا، كده حبيب قلبه متقدم فيه شكوة، فحبيت أبلغك رسالة وإعتبريها إنذار، لو فاكرة إني مش موجود فده هيديكي الحرية تهملي في أكلك و أدويتك فده مش هيحصل، بنهاية الاسبوع ده لو مكنش ميزانك زايد 3 أو 4 كيلو مفيش سفر لمصر يا مايا وإنتِ عارفة كلمة عُمران الغرباوي قادرة تعمل إيه حتى وأنا مش موجود.
نهض عن محله، يعيد الهاتف بسترته السوداء، يستعد للرحيل، فإذا بتلك المرأة المسرعة تصطدم به، فأسقطت عنها الحقيبة التي تضعها على يدها بإهمالٍ.
حرك عمران كفه ببعض الألم، جسد تلك المرأة كان قويًا لدرجة جعلته يطالعها بدهشةٍ.
انحنى يليتقط حقيبتها، واستقام يقدمها لها هاتفًا بلباقةٍ:
أنا آسف حضرتك اللي طلعتي فجأة قدامي.
هزت رأسها وهي تمد يدها لتلتقط الحقيبة بتوترٍ، قدم لها عمران الحقيبة، فلفت انتباهه يدها الخشنة والمطموسة بمعالم الرجولة، عاد يتمعن بوجهها بنظرة متفحصة ولتلك الهزيلة التي تجاورها، وقبل أن يترجم اشارات عقله، وجد السيدة رقية تندفع نحوهما وهي تصرخ بجنونٍ:
خديجـــــــة!
***
حملت هاتفها وهبطت تبحث عنه، حتى عثرت عليه بمكتبه، بعد أن بدل وجهته عن جناحه خشية من أن تعلم ما مرت به شقيقتها.
ولجت فاطمة تبحث عنه هاتفه بذعرٍ:
علي، بكلم زينب من الصبح مبتردش عليا، ممكن تتصل بسيف وتخليه يديها التليفون أنا قلقانه عليها أوي.
نهض عن مكتبه يسيطر على ثباته بصعوبة، وقال بهدوءٍ:
ما يمكن نايمة أو قفلت موبايلها وحبت تقضي شوية وقت مع جوزها.
هزت رأسها برفضٍ تام وقالت:
مستحيل تعملها، هي عارفة اني بقلق عليها.
وأكدت عليه باصرارٍ:
كلم سيف بسرعة.
اضطر أن ينصاع لها، وبالفعل اتصل هاتفيًا به، فوجده يجيبه مندفعًا:
دكتور علي، البشمهندس جمال اتأخر أوي ومعاد الطيارة خلاص.
أسرع يحجب حديثه:
فاطمة قلقانه على زينب يا سيف، اديها الموبيل تكلمها لو أمكن.
وقدم لها الهاتف ثم وقف يتابعها باهتمامٍ.
عاتبته فاطمة فور، أن استمعت لصوتها:
زينب،حبيبة ديالي واش انتي لاباس؟؟ تيليفونك مسدود من الصباح،انا اتخلعت عليك! (زينب حبيبتي انتي كويسة؟ قافلة موبيلك من الصبح ليه قلقت عليكي!!)
=انا بخير ا فطيمة،غير التيليفون ديشارجا و خلاص (أنا كويسة يا فاطمة بس الموبيل كان فاصل شحن مش أكتر)
_زينب مالك،صوتك جاني غريب اش كتحاولي تخبي عليا؟ (صوتك غريب، بتحاولي تخبي عني إيه يا زينب؟)
أجابتها بتوترٍ:
لا والو احبيبة،غير انا مشغولة كنجمع حوايج السفر،حيت سيف قرر اننا نمشيو ندوزوا شهر العسل في مصر (مفيش يا حبيبتي، أنا بس مشغولة بترتيبات السفر، لان سيف قرر إننا نقضي شهر العسل بمصر)
بدهشةٍ هتفت:
مصر!! ولكن انتي ماقولتيليش هاد الخبر فاش كنت عندك اخر مرة !! (مصر!! بس انتي مقولتليش الخبر ده وانا عندك أخر مرة!!)
ردت عليها بتوترٍ:
حيت هو كان دايرهالي مفاجأة،و يلاااه قالهالي هاد الصباح (عشان هو كان عمالهالي مفاجأة، لسه عارفة الصبح)
وأضافت لتطمنها:
ما تقلقيش الدكتور علي قالي بانه يومين و غايلحق بينا باش يحضر عرس شمس. (متقلقيش دكتور علي قال إنه يومين وهيحصلنا عشان فرح شمس)
تنهدت فاطيمة وقالت:
بصح ازينب، انتي بخير؟ (بأمانة يا زينب انتي كويسة؟)
أجابتها بحبٍ:
انا بخير احبيبتي غي ارتاحي و ريحي قلبك ،يلااا سيف كيقولي سربي راسك ، غنعيط ليك من بعد (انا بخير يا حبيبتي اطمني وطمني قلبك، يلا سيف بيستعجلني، هكلمك بعدين)
اغلقت الهاتف وتطلعت لعلي بنظرة مهمومة، تركت الهاتف على المكتب وخرجت دون أن تضيف كلمة واحدة.
***
فور أن وجدها معتز تقترب منه، ألقى الحقيبة ونزع الخنجر من أسفل خمارها، يصوبه أسفل ذقنها بعدما نزع نقابه وصرخ بجنونٍ:
أي حد هيتحرك من مكانه مش هسمي عليه.
وفجأة اقتربت منهم سيارة مكشوفة، تحمل أربعة رجال ذو بنية قوية، يحملون الأسلحة البيضاء المدببة، هبطوا يسرعون إليه ويأشرون بالخناجر في وجوه المارة ليبعدوهم عن ذلك الوضيع الذي اشتراهم بمبلغ زاهد من المال!
***
ترك باب سيارته مفتوحًا وسحب سلاحه الخاص، ثم هرول تجاه وكالة يونس، اقتحم مكتبه بشكل افزع فارس والشباب.
فكان آيوب اول من تحدث:
آدهم!
صاح بيونس وعينيه تفتش عن غايتها:
معتز هرب!
انتفض بجلسته وأسرع إليه يهتف بهلعٍ:
هرب إزاي؟؟
أجابه وهو يسرع للخارج:
مفيش وقت، أكيد هيحاول يتعرضلك أو أ.
جحظت عيني يونس دون سماع باقي كلماته، هرول راكضًا تجاه المنزل، فاستوقفه مجموعة من الناس يتجمهرون حول شيئًا غير مرئي له ولمن خلفه.
اتجه إليهم، لتضربه صاعقة فور أن رآها تنازع السكين يحيط رقبتها!!!!….. يتبع…….
رواية صرخات انثى الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم ايه محمد رفعت
جسده يثور تمردًا غير محتمل رؤية هذا القذر يمسها بيديه، مؤكدًا أنه سيبترها له وللحق يستحقها.
تألم الصغير لرؤية والدته بهذا الوضع الغير محتمل، فانتزع يده من أبيه، وهرول تجاهها يصرخ:
_ماما!!
ارتعب يونس وهو يراه يقترب من ذلك اللعين وهو يحمل سكينًا وبالطبع لن يتردد بقتله، هرول خلفه يوقفه بجنون:
_اقف مكانك يا فارس.
فشل بمحاذاة خطواته، ولكنه كان ممتنًا حينما انتشله "عمران" ومنعه من الوصول لمحيط والدته، بينما أحاط "آيوب" والدته وصرخ بها برجاء:
_اطلعي فوق، عشان خاطري اطلعي.
بإصرارٍ أجابته:
_مش هتنقل خطوة واحدة من غير بنتي.
بينما على بعدٍ منهما جابت عينيه الصقرية المحيط بتمعنٍ، يدرس عدد الرجال بتمعنٍ، الثغرات الممكنة باستغلالها، وبينما هو منشغل بدراسته التقييمية، تفاجئ بآيوب يدنو من مكان تجمهر الرجال حول "معتز"، وهو يحاول منع والدته من التقدم تجاهها، لاحت عينيه ذلك الرجل الذي يستعد ليلقيه بظهر الخنجر الخشبي، حتى لا يعترض أحدٌ مسرح ذلك الحقير، بينما آيوب يوليه ظهره في محاولة لدفع "رقية" عن المكان، على الفور تحرك راكضًا تجاهها، يدفعه بجسده للخلف وهو يصرخ:
_آيــــــــوب!
هبط طرف الخنجر الخشبي على جبين آدهم، فتأوه ألمًا وانبثقت الدماء على وجهه، وقبل أن يستوعب آيوب صدمة ما حدث، وجد آدهم يتحول لماكينة قاتلة، جعلته يبرق في صدمةٍ وعدم استيعاب.
انتزع من جيب سرواله، عملات معدنية من فئة الجنيه المصري، وانتشر بسرعة البرق يحط حركات محترفة على ذراع ذلك الحقير، مرورًا برقبته، وفور أن ابتعد سقط جاحظ العينين، وهو لا يستوعب حجم الألم الذي تسدد إليه في جزء أقل من الثلاثين ثانية، أرهب الثلاثة رجال وعلى رأسهم معتز الذي تفاجئ بوجوده.
سحب عمران منديلًا ورقيًا وهرول إليه، يكيت جبين آدهم ليمنع نزيف الدماء عنه، فابتسم آدهم وهمس له ساخرًا بينما عينيه الصقرية تحيط كل حركة صادرة عن رجال معتز بتمعنٍ:
_صعبت عليك ولا خايف عليا؟
ابتسم وهو يجيبه بمكر:
_اطمن أنا عايز أخلعك من الجوازة مش من الدنيا يا حضرة الظابط.
ونصب عوده يخلع جاكيته ببطءٍ كأنه على وشك خوض استعراض، بينما يستطرد لإدهم بعنجهيةٍ:
_سبق وشاركتك البطولة ضد راكان بس للأسف مشوفتش المواهب المتدكنة عندي، وزي ما أنت عارف مفيش خدمة بتتعمل بدون مقابل، فأنا هتنازل وأساعدك وليا مقابل، راضي بيه؟
سحب نظراته عن مجال القتال وسلطت إليه، هاتفًا بحنقٍ:
_بتحلم أنا مستحيل أبعد عن شمس!
نجح بخلع جاكيته وأشمر عن ساعديه، ثم استدار يغمز برماديته:
_هتتنفى على محكمة الأسرة قريب متقلقش، ثم آن ده مش طلبي، أنا طلبي داخل نطاق وظيفتك.
عبث بعدم فهم:
_بمعنى؟!
أشار برأسه وهو يسبق خطاه:
_تأمنلي الدخول والطلوع وسط معجباتي من حارة الشيخ مهران بعد الاستعراض اللي هعمله ده.
ضحك رغمًا عنه، واتبعه يردد ساخطًا:
_هلمهم حاضر وهستعين بمدام مايا بالمهمة دي.
وبدون أي مقدمات انهال عمران وآدهم على الرجلين، فاستغل ثلاثهم أنه محررًا، فسحب إحدى العصا الغليظة واتجه ليصيبهما، فأوقفه إيثان ولوى ذراعه حتى استمع لصوت أرضاه فقال مبتسمًا:
_ايدك محتاجة تتجبس أصلها اتكسرت!
صرخ الرجل ألمًا، ورفع ذراعه الاخر يحاول لكمه، فلفه إيثان وأعاد نفس الحركة وهو يصيح بانفعال:
_متعصلجهاش واتكل على الله بدل ما أكمل على فقاراتك!
نفذ الرجل بنصيحته وهرول من أمامه يحمل ذراعيه ويصرخ دون توقف، ارتاب معتز مما حدث، وتراجع بها للخلف، بينما نظراته لا تنحرفان عن يونس الذي يواجهه بنظرات توحي بقرب موته، ازدادت شهقات خديجة ويدها تحاول ابعاد الخنجر عنها، بينما قلبها يخفق هلعًا من أن يتهور يونس فيصاب من ذاك الخنجر الحاد.
تحرر صوت يونس الناقم، يفوح برائحة الكره والحقد:
_تعرف إن بهروبك ده ربنا بيديني فرصة أبرد ناري اللي مش عارفة تخمد دي، سبحان من حن عليا بنعمة زي دي.
ازدرد معتز ريقه بتوترٍ، وأشار بخنجره اليها، قائلًا بحقد:
_مش هسيبكم تتهنوا يا يونس، أنا كده كده واخد مؤبد، مؤبد من اعدام مفرقتش كتير، هقتلها وهحرق قلبك العمر كله، مش هسيبك تتهنى لو أخر يوم في عمري يا آ…
_بترغي كتير ليه بروح أمك!! ساعة واقف تهدد لحد ما فلقت دماغي!
قالها عمران من خلفه، ويده تعتصر يد الاخير بما يحمل، وبقوة وتحكم أبعدها عن رقبة خديجة التي اختطفها يونس من بين يد ذلك الوضيع، بينما استدار، معتز في مواجهة ذلك الشبل الذي أعاق احكامه القوي عليها.
حاربه بكل غضب وغيظ، كان يأشر بالخنجر يسارًا ويمينًا في محاولةٍ للمساس بعمران الذي يتابعه بنظراتٍ باردة، وبابتسامة أججت جنون معتز قال:
_أنا مش فاضي للعب العيال ده، هتنجز في يوم أمك ده ولا أجيب أجلك باللعبة دي!
نجح في استفزازه واضطراب حركته الغير مدروسة، هاجمه بكل شراسة، فكور عمران يده وأطاح به أرضًا، وما كاد بركله حتى أوقفه كف يونس الموضوع على كتفه يبعده للخلف وهو يخبره بانتصار:
_عنك يا خواجة.
منحه عمران ابتسامة صغيرة، ووقف جوار آيوب يسأله باهتمام جعل آيوب يخر ضاحكًا:
_حيلة أمه ده ولا عندها بغولة تانية؟
أجابه آيوب من بين سيل ضحكاته:
_مش وحيد متقلقش عنده اخوات تانين.
هز رأسه وقال وهو يتابع يونس يطيح به من حائط لأخر:
_ولو حيلتها تجيب غيره البطن ولادة!
انتبه آيوب لتلك التي تركض تجاههم بجلباب منزلي بسيط، والحجاب موضوع على رأسها باهمالٍ، لم يخفيه بتاتًا، يستطيع رؤية شعرها الذهبي الطويل من أسفله، ركضت سدن تجاه خديجة الفاقدة الوعي بين يد الحاجة رقية، انحنت تجاهها تحاول افاقتها وهي تصرخ ببكاء:
_خديجا فوق خديجا!
احتقنت عينيه غضبًا من فرط غيرته عليها، وخاصة وهي يراها تنحني أمام الرجال، تحرك على الفور يقف خلفها، وبرفق ودون أن تشعر به النساء سحبها قبالته، يهدر من بين اصطكاك أسنانه:
_لفي طرحتك حلو.
لم تفهم حديثه جيدًا من فرط بكائها، فقالت مشيرة للخلف:
_آيوب خديجا مش بيفوق، عمل فيه ايه المتوحشة دي!
احتقنت نبرته وترددت بصوت أعلى:
_ارتدي حجابك الآن قبل أن أجعلك تتمددين جوارها.
رمشت بعدن استيعاب فعاد يكرر بالانجليزية:
_ارتديه الآن!!!!
ارتعبت من صراخه، كان يسد طريقها عن الأعين، فرفعت يديها من أسفل الحجاب تعيد عقد خصلاتها، ومن ثم عقدته بشكلٍ صحيح، جعل معالم حدته تهدأ تدريجيًا.
انتزع بصره عنها بصعوبةٍ على صوت نداء والدته المتكرر له، توجه بعينيه إليها؛ فوجدها تشير له باكية:
_دخلها جوه يابني، عشان أعرف اقلعهلها النقاب.
أومأ برأسه إليها، وما كاد بالتنحي عنها، حتى لحقت بخطاه توقفه، وبغضبٍ هدرت:
_إن حملتها أقسم بالله سأنزع حجابي ولن يوقفني غضبك حتى وإن يثقت النيران من فمك كالتنين!
أدهشته بدرجة جعلته يطالعها كالأبله، إن لم يعلم بمدى حبها الكبير إلى خديجة لظن أنها أكثر من تكره بالحياة، طالعته تلك الأنثى بنظرة منتصرة، ومالت تهمس له قبل أن تعود إليهن:
_خلي يونس تيجي تدخلها، أو أي واحد إنت no آيوب.
وتركته واتجهت إليهن تميل على خديجة باكية، عبس آيوب بعينيه وهو يحاول أن يستجمع كلماتها المشفرة عن عقله، وعاد يتمعن بساحة القتال حيث غمرت الشرطة المكان.
تمكن آدهم من تخليص معتز من بين براثين يونس الذي بدى وكأنه حرر غضب سنوات كبت داخله، لذا لم يمنعه من البداية، صف ضميره على جانبي الطريق، وتركه يشفي جرح قلبه ورجولته من ذاك المخنث، ولم يتدخل الا حينما وجد أن الاخير على وشك تلاقي موته في لحظةٍ.
أبعده عنه ووضع هو الكلبش بيديه بنفسه، قدمت الشرطة تقديرها وامتنانها لآدهم وسحبت ذلك الهارب للسيارة، بينما اتجه يونس راكضًا إليها، حملها من بين الجمع واتجه بها للداخل، ومن خلفه الشباب يجتمعون بمدخل المنزل السفلي.
استيقظ منزعجًا من رنين هاتفه الذي عاد يتكرر لمرته الرابعة، وبالطبع يعلم هوية المتصل، الذي يفكر جديًا أن يتخلص منه، رفع الجوكر الهاتف يجيبه بنزقٍ:
_خير؟
أتاه صوت رحيم الخبيث يخبره:
_أنت فين يا شريك؟ الحفلة بدأت وفيها حريم يحل من على باب المشنقة، انزل أنا مستنيك.
رفرف بأهدابه مندهشًا، استقام بجلسته يطالع الهاتف وعقله لا يستوعب صدمته، بينما لسانه يهدر بعجزٍ تام:
_حريم!!!
لا علاقة لرحيم زيدان بأي تاء مؤنثة الا ما فرض عليه كوالدته وزوجته وشقيقاته، بالطبع هناك كارثة على وشك الحدوث، انتفض مراد عن فراشه، يركض للخزانة، انتزع أول ما قابله وهو يهمس بغيظٍ:
_هموت وأعرف بتخطط لأيه!!!!
بينما بالأسفل، يتجرع رحيم كأسه مرة واحدة، ويعدل من الزجاجة الموضوعة أمامه ليتمكن من رؤية الطاولة التي تقع خلفه، يتأكد من مراقبة ذلك العميل له، تمردت ابتسامته الشيطانية وعاد يتجرع بشكلٍ يجعله يبدو كالسكير، بينما الاخر يلتقط له الصور دون أن يلاحظ أحدٌ.
بحثت عينيه عنه حتى وجدها، هم إليه يجلس قبالته، يشمله بنظرةٍ متفحصة بينما الاخير مازال يبتسم له ابتسامة لا تليق بمكره، كز مراد على أسنانه وهدر من بينهما:
_ممكن أفهم سيادتك بتهبب أيه؟
رفع كأسه يرتشفه باستمتاعٍ وهو يجيبه:
_بتكيف بفلوس الدولة!
زفر بضجرٍ وفاه:
_رحيم إنت مزهقتش من لعبة القط والفار ده، أنا مش هقدر أتحكم في أعصابي أكتر من كده، وممكن في لحظة أحجز أول تذكرة نازلة على مصر ولا هيهمني حد.
حرك الزجاجة تجاهه وقال:
_اشرب بس وروق.
كاد أن يهشمها فوق رأسه، ولكنه لمح تلك الاشارة الصريحة لمن يراقبهما، استرخى الجوكر بجلسته وبدأ يسكب بكأسه هو الآخر، ثم تساءل:
_هيتحركوا؟
ضم شفتيه ساخطًا:
_المفروض، وخصوصًا إننا ادانهم اللي عايزينه كله.
وأضاف بسخرية:
_كانوا خايفين إننا نبعت اشخاص مش معروفين للمهمة دي، وبالتالي التعرف عليهم هيكون صعب، فجأنهم بوصولنا هنا،و بالرغم من خوفهم مننا بعد ما قرأوا سجلاتنا الا انهم ممتنين للجهاز انهم ضحوا وبعتوا أمهر القادة وأشهرهم، بحيث نكون مترقبين بالشكل الكافي.
وتجرع كأسه وهو يضيف:
_تصدق صعبانين عليا!
ترك مراد كوبه وقال بذكائه المعتاد:
_عشان كده خلتني أنزل، عشان يقدروا يطمنوا ويتحركوا بالميكروفيلم ويقدر عدي وليل يتدخلوا!!!
هز رأسه بخفةٍ، بينما الاخير يزداد غضبًا:
_اللي بتعمله ده خطر يا رحيم، بمجرد اختفاء الميكروفيلم هيقلبوا الدنيا كلها وبالذات الطيارات اللي نازلة على مصر! إنت بتعرض عدي وليل لخطر كبير والأبشع منه اللي هيحصل هنا!
أزاح الزجاجة الفاصلة بينهما ومال يستند على الطاولة حتى بات قبالته، يمنحه ابتسامة لم تكن بريئة بالمرة، بل ازداد فحيحها حينما ردد:
_ومين قال انهم هيرجعوا مصر؟
عبث بزُرقته متسائلًا:
_يعني أيه؟؟؟
تمعن بمُقلتيه وهو يجيبه:
_يعني اللي أنا واثق منه إننا هنقدر نسيطر على اللي هيحصل هنا بمنتهى السهولة، والمرادي هنحتاج توابيت مش تابوت واحد، هيتزفوا هنا رد اعتبار للاستهانة الحقيرة اللي في عنيهم لينا، أو بالمعنى الأوضح اللي زرعناها على عقولهم، خلينا نعتبره انتقام سخن، أيه رأيك؟؟؟
وجودهما معًا جعلهم يطمئنون أن خطتهم تسير على سياقها الاحترافي، فسمحوا لرجالهم بالتحرك لنقل الميكروفيلم بسيارتين حراسة مجهزة على أعلى مستوى لمكانٍ آمن.
ظنوا أنهم اتخذوا الاجراءات الكاملة بوجود الجوكر والاسطورة بالفندق، تتابعت حركة السيارتين في تمهلٍ، ظهور دراجتين نارية من النوع ال “Strap Tank”، على متنها رجلين ملثمان بأقنعة سوداء وملابس من نفس اللون، يحيط ظهر كلاهما حقيبة متوسطة الحجم، سار كلا منهما على جانبين يخلفان بعضها، وفجاة انتزعوا الحقائب وأخرجوا أسلحة كانت مجهولة المصدر لهم، حتى كيفية التعامل معها لم يدرس لهم، وكأن الجهاز المصري تعمد رد اعتباره بإستخدام أحدث الأجهزة التي لم تعرف لأحدٌ.
اخترقت الرصاصات السيارات المصفحة فاخترقتها بسهولةٍ وجعلتها تتراطم على الجسر الحجري، مستهدفين مكانًا مناسب لايقافها.
توقفت السيارات عن الحركة بالفعل، وهبط منها المسلحون بتأهبٍ للاشتباك مع هذا العدو الغامض، توقف أول ماتور عن العمل، وهبط منه ذو العينان العسلية، التي أعلنت كنايته، فلم يكن سوى الابن الأكبر لـ” ياسين الجارحي “، ومن جواره عينان بندقيتان، تحفان من أمامها ببرود، مطلقة شرار الانذار الحي لما سيحدثه هنا، منزوع عنه الرحمة وقتلت عنه الرأفة، يرآهما الآن جثث سترافق توقيع خط يده المحترف!
اقترب إليهم أحدٌ المسلحون، هادرًا وهو يشير بسلاحه:
_من انتما؟
طالعه” عدي” ببسمة ساخرةٍ، ودنى إليه يخبره:
_أعيدوا ما سرقتموه بهدوءٍ، والا آ..
قطع جملته حينما رفق أصابعه الثلاثة بحنجرة من يقف قبالته يستمع لحديثه بتركيزٍ أزهق عقله عن توقع حركته التي أسقطته قتيلًا، وفي لحظة سقوطه أعلن دفء بدء الحرب، فانطلق المسلحون من حول “ليل” و”عدي”وصوت الانذار يخلق جلبة وضوضاء.
استعد عدي للمهاجمة وهتف بحزم لمن يجاوره:
_الانذار بدأ، معناش غير تسع دقايق من دلوقتي.
قبل أن ينتهي من حديثه، وجد ليل يتقدم الصفوف بجراءة، غير عابئ باندماج الخناجر بجسده، كأنه معتاد على مذاق الآلآم، انضم له عدي يطيح أشلائهم ويعيق كافة خططهم، كلما لجئوا لوسيلة للدفاع عن أنفسهم ظنًا من أنهم يعتمدون على طرق تدريب حديث، كان يفاجئهم عدي بمهارة، كأنه تلقاها منذ أن كان طفلًا صغيرًا.
تمكن ليل من السيطرة عليهم، كان لا يترك أحدٌ منهم الا حينما يتأكد أنه فارق الحياة، بينما عدي جواره قوة لا يستهان به.
تابع قراءته للكتاب بتمعنٍ، فإذا بزوجته تهبط الدرج وهي تدفع حقيبة ضخمة، ومن خلفها زوجة أخيه بحقيبة سفر، ومن بعدها شمس ويتبعها فريدة هانم، في مظهر جعل علي ينهض عن مقعده، منتزعًا نظارته الطبية، متسائلًا بدهشة:
_على فين؟
اجابته فريدة بنظرةٍ حاسمه:
_على المكان اللي فضله عُمران عننا!
توقف بسيارته بمدخل حارة الشيخ مهران، وأشار بيده لمن يجاوره:
_ده بيت آيوب يا بشمهندس.
تمعن من نافذة السيارة تجاه المنزل المنشود، ثم لمن يجاوره، مقدمًا له شكره وامتنانه:
_ألف شكر يا دكتور.
وأضاف بمكر:
_آيوب مش وحشك ولا أيه؟؟!
رواية صرخات انثى الفصل السادس والسبعون 76 - بقلم ايه محمد رفعت
بعد أن اطمئن يونس على خديجة، انصرف برفقة الشباب إلى المسجد لصلاة المغرب. وقف يونس جوار آدهم وآيوب بالصف الثاني من الصلاة، وبالصف الأول كان يقف عمران جوار المصلين ومن أمامهم الشيخ مهران.
بدأ الشيخ مهران صلاته بصوتٍ شاحب، كان يسعل طيلة الوقت، بُحت نبرته من شدة الإعياء. ثم وفي لمحة سريعة تراجع للخلف قاصدًا محل عمران، الذي تلقى إشاراته السريعة وحل محله ببدنٍ يرتجف من قوة الإيمان. وقف أمام الميكروفون ينتفض كالطفل الصغير، لا يملك وقت الاعتراض على ما فعله الشيخ، يرى نفسه ليس مؤهلًا بالمرة ليكون إمامًا للناس. وللعجب انطلق صوته الخاشع يتسلل لأعماق المصلين، صوته مس القلوب، فجعلت الآعين تبكي من فرط ما مسها بشكلٍ فاجئ آدهم وآيوب. الجميع يتمعنون بصوته الخاشع في نطق الآيات التي اختار مضمونها عن التوبة، وكأنه يخبر الجميع بتوبته عما اقترفه طيلة حياته.
انتهى من صلاة المغرب، فإذا بهم يلتفون من حوله، يشيدون بصوته وخشوعه بالصلاة، وبعدها انصرفوا لقضاء ركعتين سنة بعد صلاة المغرب.
انتبه عمران للشيخ مهران الذي يدنو إليه، فوضع يده على كتفه وقال بابتسامته الوقورة:
"فتح الله عليك وزادك من فضله، عندك صوت خاشع يمس القلوب، حفظك الله."
قالها وانصرف للصلاة على الفور، بينما مازال يتطلع له بتيهة. أراد أن يسأله عن سبب اختياره له بالرغم من أن آيوب ويونس أكثر منه دراية بأمور الدين، ولكنه وجد لسانه يلجم عن محله.
اقترب منه آدهم وقال مبتسمًا:
"صوتك أحلى في القرآن عن الأغاني بكتير، قائمة غرورك عمالة بتزيد ومحدش عارف هتروح على فين بينا يا عم الطاووس!"
تفاجئ به يطالعه بثباتٍ، لا يجادله كعادته، ارتاب لأمره، وتساءل:
"عمران إنت كويس؟"
هز رأسه بخفوتٍ، وهدر بنبرة ثقيلة:
"هصلي السنة عشان نتحرك."
أومأ له واحترم رغبته بعدم الحديث. أبدل آدهم محله بمحل عمران وكذلك فعل يونس مع آيوب، ليقضي كلاهما صلاته.
أطال بسجوده ودموعه تلامس سجادة الصلاة، تمنى من كل قلبه أن يرمم قلبه المتألم، ردد أمنية واحدة وهي أن يقربه من عزيزه المفقود!
انتهى "عمران" من صلاته بخشوعٍ، وجلس باسترخاء على سجادته، فإذا بكف موضوع على كتفه يزف بشارة قبول دعواته طوال تلك المدة. استدار للخلف وقلبه يقفز بين ضلوعه، تلك الضمة القوية يعلم صاحبها جيدًا. وجده يجلس أمامه، يطالعه بوجهٍ شاحب، ينقل له اختصار تلك الأيام. وقبل أن يكشف عن انفعالاته وجده يخبره:
"ولو هربت لأخر الدنيا هاجي وراك بردو."
تعمقت رماديته به بغموضٍ، وبهدوءٍ لا ينطبق عليه نهض يطوي سجادته، قائلًا بوجومٍ:
"ورايا."
نهض جمال يتبعه للخارج بفضول لمعرفة ما أصابه. لا يعلم إن كان غاضبًا لرؤيته أم لا، والشباب من خلفهم.
تفاجئ آيوب بوجود سيف يستند على مقدمة سيارته بمدخل الحارة، فهتف بعدم تصديق:
"سيف!!"
تطلع آدهم ويونس تجاه ما يتطلع له، وخاصة حينما هرول راكضًا لمسافة وقوفه. بينما مازال يقف آدهم على مقدم باب المسجد ولجواره يونس يطالعه بغموضٍ. ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه آدهم وهو يراه يضم سيف الذي يطالعه بغضب ويقف كالصنم، فهمس ساخرًا:
"مغامرات الدكتور والبشمهندس هتبدأ من مصر."
واستدار تجاه يونس الذي يراقبه بجمود، فتفاجئ به يردد بحزنٍ:
"هتقوله الحقيقة أمته؟"
توسعت حدقتيه بصدمةٍ، بينما يتابع يونس بصوتٍ نقل كل همومه، وأجبر دمعاته على التلألأ:
"من بداية ظهورك وأنا لامس فيك شيء غريب، حبك وخوفك عليه مكنش بالنسبالي طبيعي، ولما الشيخ مهران قالي مبقتش أستغرب تصرفاتك وأخرهم حمايتك ليه النهاردة."
منعه من الحديث باستكماله لحديثٍ حازم:
"آيوب أخويا وابن عمي وهيفضل كده غصب عنك وعن ٥٠٠ تحليل DNA، متخلهاش مواجهة بينا يا حضرة الظابط لإن وقتها هتخسر والخسارة هتكون بدايتها آيوب نفسه."
وأضاف بتفاخرٍ:
"مفيش قوة في الكون هتنزع حب الشيخ مهران من قلب آيوب، واللي هتعمله ده هيدمر كل حاجة."
ربما لم يعتاد على نبرة التهديد كونه من أحد تلاميذ الجوكر، الذي وضع له مقاييس لا يتخطاها أحدٌ، ولكنه الآن يعيش كافة الأدوار المنسوبة، يضع نفسه محل كل شخصية شاركت أخيه الحياة، لذا وبكل رزانة قال:
"صدقني يا يونس أنا أكتر واحد مش عايز أدمر عالم آيوب، واللي جوايا لو طلع وإتكشف ليه هيدمره، بس أنا مجبور."
ضيق عينيه بنظرة مستهزئة بحجم الألم الذي يخفيه، وكأنه يخبره بنظراته الصامتة أنه الكفة الرابحة هنا، لذا قال بحزنٍ:
"يوم ما آيوب يكتشف السر ده هتنتهي الصداقة اللي ما بينا وهخسره، زي ما أنا دلوقتي بخسر والدي على البطيء، أنا أبويا راجل مريض سرطان وحياته كل يوم في خطر أكبر من اليوم اللي قبله، ومعندوش أي أماني غير إن آيوب يعرف الحقيقة ويسامحه."
لانت نظرات عينيه الحادة شفقة، وخاصة حينما استطرد آدهم:
"أنا عارف إن اللي عمله ميشفعلوش سماح، بس مهما كان ده أبويا ولازم أكون في صفه لإنه مالوش غيري، وحتى دي مبقتش ضامنها."
ارتاب يونس لسماع أمره الأخير، فتساءل باسترابةٍ:
"تقصد أيه؟"
رسم ابتسامة زائفة، وقال:
"أنا بشتغل في الجهاز يا يونس، يعني شايل حياتي على كفي، كل مرة بطلع فيها مهمة بخاف على والدي لو جرالي حاجة، لأنه مالوش غيري، ودايمًا كنت بأمن القائد بتاعي عليه."
واستأنف ببسمةٍ حالمة، تحيط بمن يقف على بعدٍ منهما يحاول التحدث لسيف الغاضب:
"عارف إني هخوض حرب طويلة معاه بس محتاج للحظة اطمئنان إني لو جرالي حاجة هيكون له سند من بعدي."
ربت يونس على كتفه بحنان وقال بتأثر:
"متقولش كده يا باشا، هتكون لوالدك السند حتى وقت فراقه عنك هتكون إنت اللي هتشيله مش هشيلك أبدًا، وبالاول وبالاخر كلنا رايحين لمثوانا الآخير، الدنيا فانيه وأيامنا معدودة فيها."
هز رأسه وردد في يقين:
"ونعم بالله العلي العظيم."
****
عاد يضمه من جديد وهو يهتف بسعادة تطير داخل مُقلتيه:
"مش مصدق إنك واقف قدامي بجد، إنت نزلت أمته؟ وليه مقولتليش؟"
بقى كالصنم يعتكف حتى عن مبادلته ضمته، فابتعد آيوب عنه يطالعه بضيقٍ، وتساءل بسخطٍ:
"مالك واقف شبه أبو الهول كده ليه؟ هما سحبوا منك لسانك في المطار مع الباسبور ولا أيه الحوار؟"
مازالت يديه معقوده للخلف ونظراته تحتد كالسوط، وبنبرة تعجرف وحدة هدر:
"ايدك عني يابن الشيخ مهران."
عبث آيوب بعينيه وابتعد عنه قليلًا يعقد ذراعيه أمام صدره بسخرية:
"ليه يا دكتورة مالكيش في سلام الرجالة ولا ارتبطتي؟"
زوى حاجبيه بتهكمٍ:
"لا إنت اللي ليك في نومة السطوح جنب الخواجة شوية، ومع الكابتن شويتين."
جحظت عينيه صدمة، وانفجر ينفي:
"كابتن مين؟!!!! لاااااا أنا وإيثان متجمعناش مع بعض في جملة، أنا مبكرهش في حياتي أده، ده صاحب ابن عمي الرزل اللي حكتلك عنه زمان، إنت نسيت ولا أيه؟"
ذراع تلتف من حول كتفه، وقبلة تختم على جبينه جعلته يلتفت بدهشة، فوجد إيثان جواره يخبره بخبث:
"ازيك يا بوب فينك من الصبح كده؟؟ معدتش عليا ليه في الجيم نظبط الفورما!"
هز رأسه ينفي لسيف الذي يتابعه بنظرة محتقنة، بينما يكبت إيثان ضحكاته بصعوبة وهو يطالع وجه آيوب الواشك على فقدان الوعي، بينما أضاف مرحبًا وكأنه يتفاجئ بوجود الضيف الثالث للتو:
"بشمهندس سيف وأنا أقول حارة الشيخ مهران منورة ليه، أتاري في فولت زيادة."
وأقدم على يده يصافحه:
"نورت الحارة كلها."
طالعه سيف بنظرة خطيرة، ودون أي حديث فتح باب سيارته وكاد بالصعود. دفع آيوب إيثان الذي تتعالى ضحكاته بعدم تصديق، لقد ظن أن آيوب يتمادى بوصف غيرة سيف بارتباطه بصداقة أخرى ولكنه يراها بنفسه الآن.
حاول آيوب منع سيف من الصعود لسيارته ولكنه فشل، فانحنى من نافذة السيارة يجذب مفتاح السيارة وهو يهدر بانفعال:
"مش هتمشي الا لما نتكلم، إنت لا في لندن مديني الفرصة ولا هنا."
ووضع المفتاح بجيب سرواله، هادرًا:
"شوف بقى هتعملي بلوك هنا ازاي!!"
تراجع إيثان لدرج المسجد، فوقف جوار آدهم ويونس وهو ينهار من الضحك، فعاتبه آدهم بضيف:
"هي ناقصة بتزويدها بنزين!"
ردد من بين ضحكاته بعدم تصديق:
"دول عاملين زي العيال الصغيرة."
ودفع ذراع يونس يشهده:
"إنت مصدق الكلام ده يا يونس، الواد عينه بتطلع شرار!!"
وانفجر بنوبة من الضحك وهو يستكمل:
"طيب هو عارف إنه متجوز ولا أيه الوضع!!"
تنهد يونس بقلة حيلة من تصرفات رفيقه المشاكسة، وقال:
"وبعدهالك يا إيثان، كان لازم تعمل الحوار ده يعني؟"
قال يجيبه بمنطقية باحتة أضحكت آدهم:
"وأقتنع ازاي الا لما أحكم بعيني؟"
ردد يونس ساخرًا:
"واقتنعت؟"
اجابه بمكر:
"جدااا وشكل تركيزي هيتشال عن الخواجة وهيتجه لجوز الزغاليل دول!!"
*****
تبعه جمال خارج المسجد وما أن انحرفا لإحدى الشوارع الجانبية حتى فجأه عمران بلكمةٍ قوية، أطاحت به أرضًا، وجعلت الدماء تنبثق من فمه، بينما يتابعه الاخير بصدمة وعدم فهم. طالعه عمران بعدائية شديدة وانفجر بركانه الثائر بعصبيةٍ:
"لسه فاكر إنك ليك صاحب، وجاي تحور عليا بالكلام فاكرني بريالة وهصدقك بروح أمك!!"
وأضاف بحدةٍ وضيق:
"خمس أيام عشان تحصلني!! أنا راهنت نفسي إنك هتركب أول طيارة ورايا!! عارف إني أجبرتك تفضل عشان مراتك ولو رجعت من غيرها الوقتي هتستفزني وهضربك أكتر، لآن الواضح إن كل الدروس اللي حفظتهالك نسيتها وعدت عليك."
وطالعه باستحقارٍ وهو يستطرد:
"وبعدين فين اللبس اللي اشتريناه مع بعض، وأيه منظر دقنك وشعرك المقرف ده، إنت حتى مش محصل عبحليم!"
تساقطت دموعه من عينيه ومازال يتطلع له بعجزٍ، مسد عمران على خصلاته بغضب مما ارتكبه، فالتقط منديلًا ورقيًا من جيبه، واتجه إليه، وبدون مقدمات انحني يجلس جواره أرضًا.
كبت الدماء عن فمه وهمس ساخرًا:
"هقلبها تمرجي، الصبح حضرة الظابط وبليل العندليب."
ضحك رغمًا عنه، وقال بصعوبة بالحديث:
"ده بدل ما تاخدني في حضنك، بتقابلني بلكمة!"
ألقى المنديل عليه ولكزه بعنف:
"متقومش شيطاني يا جمال، اسكت خالص وواكب الموج بدل ما يطيحك."
رفرف باهدابه بعدم استيعاب، وهدر:
"أيه الألفاظ دي، إنت بقالك هنا أد أيه عشان تلقط اللقطة دي."
ردد ببساطة:
"لا أنا لاقط من قبل ما أنزل هنا، لساني طول عمره وقح."
هز رأسه يؤكد له:
"في دي عندك حق وكله على يدي!"
طالعه بنظرة حادة جعلته يبتسم فأرغمت الآخير على الضحك، ضمه عمران إليه وقال باكيًا:
"وحشتني، نسيت نفسي ومعرفتش أنساك، مرحتش عن بالي لحظة."
مسد على ظهره، وقال بسخرية مؤلمة:
"بدليل الحرس اللي ممشيهم ورايا!"
أبعده عنه وفاه بعصبية وهو يشير على رأسه باصبعه:
"عشان عارفك غشيم ومندفع، يالا إنت من غيري على الله حكايتك إنت ودكتور الحالات المتعسرة، اللي الله أعلم حكايته بتبتدي من أنهي نحية، بس له روقة هو كمان، أفوق وأروقه."
ظهر الحزن واضحًا على ملامح جمال فور أن ذكر يوسف، مما جعله يسأله باسترابة:
"في أيه يا جمال؟"
ازدادت ربكته قبالته، فاتجه لسؤاله الآخر بقلقٍ:
"يوسف ماله؟"
****
منذ أن وصلت برفقته، وتقابل لقائهما بترحاب حافل من عائلة زوجها، حتى غادر الجميع شقتها العلوية لشقة الحاجة أشرقت. استغلت "صبا" مغادرة الجميع وحملت حقيبة صغيرة على كتفيها، ثم حملت صغيرها وحرصت على أن تسحب باب شقتها دون أن يصدر عنها أي صوتًا.
هبطت تتسلل بخفةٍ، تحاول أن تتخطى طابق شقة الحاجة آشرقت دون أن يصدر عنها صوتًا. وما أن كادت بتخطيها حتى تفاجئت بها تفتح بابها في مواجهتها.
ابتلعت ريقها بارتباكٍ وهي تراها تقترب منها بهدوءٍ، كأنها توقعت فعلتها، وللغرابة قولها:
"من وقت ما وصلتم وأنا حاسة إن فيكم شيء مخبينه عليا، وطول فترة اقامتي عندكم كنت لامسة التوتر اللي في علاقتكم، محاولتش مرة أجبرك تتكلمي ولا تقوليلي اللي فيكِ، ولا أجبرت ابني يتكلم، ولا عايزة أعرف اللي بينكم لان ده حاجه تخصكم يا بنتي، بس هقولك نصيحة من واحدة دار بيها الزمن وبهدلها، شقت وتعبت عشان تربي ولادها، وبعدها صدقيني لو صممتي تنفذي اللي في رأسك أنا مش هقفلك، هدخل شقتي وهقفل على نفسي ولا كأني شوفتك."
هدأ توترها، وتطلعت لها باهتمامٍ لما ستقول، فقالت بابتسامة شملت كل وجعٍ:
"انك تمشي بالطريقة دي يا بنتي معناها خراب بيت، وخراب بيت كلمة مش سهلة، يا ريت كان تذكرة دفع تمنها حزنك ووجعك، اللي هيدفع التمن حتة اللحمة الحمرا اللي على دراعك دي."
انخفض بصر صبا تلقائيًا لابنها، بينما تتابع آشرقت:
"هو اللي هيطلع للدنيا لوحده من غير أب يحميه، أوعي تكوني مفكرة الحياة سهلة من غير راجل ولا آ.."
قاطعتها بغضب أنثى طعنت كرامتها:
"لا سهلة من غير راجل هان كرامتي وداس عليها بجزمته، سهلة لانك متعرفيش ابنك عمل فيا أيه يا ماما، ابنك كسرني وكسر أي حاجه ما بينا."
شمل الوجع مُقلتيها وبداخلها فضول لمعرفة ما فعله ابنها لينال كل ذلك الغضب، ولكنها صمدت وحاولت لم شظايا الانكسار قدر ما تمكنت:
"بصي يا صبا، مفيش حياة وردية ما بين الراجل ومراته على طول، إنتِ راجعة من بلاد بره وناوية على الغدر يا بنتي."
اتسعت مقلتيها ذعرًا وهتفت:
"غدر أيه؟!!!!"
أجابتها بابتسامة رزينة رغم حزنها الشديد لما يحدث بين ابنها وزوجته:
"من حسب خبرة ماما آشرقت، خدعتي جمال عشان يقبل ينزلك معاه، وأول ما نزل يقابل صاحبه بتتسحبي وهربانه بالواد، يعني انتي خدعتيه ودلوقتي بتغدري بيه."
صرخت ببكاء ودموع انسدلت دون راجع:
"ابنك اللي غدر بيا، هو اللي اضطرني لده، هو اللي خبى جواز سفري عشان يحبسني هناك أنا وابنه، لانه عارف اني أول ما هرجع مصر هرجع لاهلي ومش هسمحله يتحكم فيا تاني."
بصمودٍ وثبات تساءلت:
"وبعدين؟"
تطلعت لها بعدم فهم، فاستفاضت بشرحها:
"بعد ما تروحي لاهلك؟ هتطلبي الطلاق، وبعد الطلاق هتعملي أيه؟"
ردت عليها بكل شموخ:
"هشتغل وهصرف على ابني."
ابتسمت آشرقت وقالت بانكسار:
"زمان عشت نفس الحياة اللي بترتبيلها دي يا بنتي، بس مع فرق صغير، زمان أبو جمال لما تعب وبطل ينزل الشغل واشتغلت انا بداله كنت فاكراها سهلة، دوقت الذل لحد ما كبرت جمال واخواته البنات، اشتغلت من بيتي بطبخ لسكان العمارة اللي كنت ساكنة فيها، كنت بعمل عيش وقرص وأنزل ابيعها، وبالرغم من اني ظاهرة قوية والست اللي مقهرتهاش الظروف بس كنت كل يوم بنام ودمعتي على خدي، طعم الذل وحش أوي يا بنتي، صحيح كنت بصبر نفسي انه كله فدى أولادي، والحمد لله ربنا عوض صبري خير وكرم ابني جمال من وسع والله يكرمه مش مخليني محتاجه حاجة، بس أنا كنت عكسك، جوزي كان جنبي ومعايا، كنت شايفة نظرة الحزن والعجز في عينه وبحاول أنا اللي أقويه، ويمكن ده اللي خلى جمال يطلع صالب طوله عشاني وعشان ابوه، ما بالك انتي عايزة تعيشي دور الأم والأب، يعني عايزة تعاني ضعف اللي أنا عانيته، مفكرتيش لو في يوم ابنك سألك على أبوه هتقوليله أيه؟ مش حاسة إن في حاجة صغيرة تشفعله عندك، حتى لو كانت ابنك؟"
كادت أن تخبرها بما فعله بها لتعلم حجم الضرر النفسي الذي تخوضه، ولكنها منعتها حينما صرحت:
"ابني لو غلط ربيه أنا مبقولكيش فوتي وعدي، بس اعملي ده وانتي في بيتك وموفرة لابنك حياة متكاملة، أوعي يا صبا تكوني سبب إن ابنك يعاني ويحس بالنقص، لو حاسة ان وجود أبوه جنبه هو اللي هيحسسه بالنقص امشي يا بنتي وواجهي قرارك بكل قوتك وأوعدك مش هقفلك."
وتابعت وهي تمضي لشقتها:
"فكري واحسبيها صح من غير ضغط مني أو من حد."
ولجت للداخل مغلقة الباب من خلفها، ومن ثم استندت على الشراع الداخلي، تراقبها وهي تهمس بدموع انسدلت على خدها فور أن تواربت داخل منزلها:
"ربنا يهديكي يا بنتي، ويهدي سركم ياررب."
بينما بالخارج، وزعت بصرها على الدرج الخارجي والمتصل بشقتها العلوية، بينما يدها تضم صغيرها لصدرها بقوةٍ، دموعها لا تتوقف عن الانسدال، تريد الحفاظ على كرامتها ولكن إن فعلت سيكون مقابلها خسارة حياة طبيعية لابنها. الدقائق تمر بها ومازالت عاجزة عن الاختيار، حتى وصمت ذاتها بأنها ستسترد كرامتها مثلما أخبرتها آشرقت ولكن دون أن تحرم ابنها حقوقه. أزاحت صبا دموعها، وبهدوء صعدت لشقتها مجددًا، تاركت من خلفها ابتسامة سعادة على وجه آشرقت التي دعت لهما بصلاح الحال، بينما الاخيرة تعد العدة لاول دروسها، فأغلقت باب شقتها بالمفتاح وتركته بالداخل حتى لا يتمكن من الدخول مجددًا.
******
"سيف بطل شغل العيال ده وأقف اسمعني!"
قالها آيوب وهو يهرول خلفه، بعدما ترك السيارة وقصد الطريق ليستقل سيارة أجرة، والآخر يركض من حوله يترجاه أن يقف ويسمعه، ولكنه لم يبالي.
سعل آيوب بقوة من شدة ركضه، فوجده ينجرف تجاه الطريق العام للموصلات، وفجأة توقف بمنتصف تحديدًا، زوى حاجبيه متسائلًا بدهشة:
"وقفت ليه؟"
أجلى عن صمته أخيرًا، وهو يبحث جواره:
"عايز أكبس عشان أعدي."
سحبه آيوب عن الطريق الاسفلتي ناطقًا بسخرية:
"عدي يا سيف بدل ما يكبسوك في الاسفلت."
وأضاف ساخطًا:
"قعدتك في لندن نسيتك جري الأرصفة!! قال تكبس قال!!"
احتقنت مُقلتيه غضبًا، ودفعه بعيدًا عنه بكل قوة، متحدثًا بعصبية:
"مالك بيا وجاي ورايا ليه، روح للخواجة والكابتن خليهم ينفعوك."
كبت ضحكاته بصعوبة وقال مداعيًا الجدية:
"يا سيفوو دول أكبر مني، انت صاحبي الوحيد، أعملك أيه بس عشان تصدقني!"
نظراته حملت عدم تصديقه الكامل لحديثه، فتابع آيوب مبتسمًا:
"دي مقابلتك ليا بعد كمية البلوكات اللي ظرفتهالي!! وبعدين أيه اللي جابك أنا مسافرلك بكره بليل جاي ليه؟"
دث يديه بجيوب سرواله القماشي وفاه:
"مش بمزاجي، اضطريت أنزل تهريب زيك بالظبط، سبقتني بالجريمة ختمت بيها، عشان تعرف إنك مالكش غيري حتى في السوابق."
مال على الحجارة الضخمة يستند، متسائلًا بدهشةٍ:
"أيه اللي حصل؟"
******
رفع كأس العصير يرتشفه جرعة واحده بتلذذٍ، وختمه بقوله:
"عملوها الابطال."
لم يفهم مراد مقصده الا حينما استدار من خلفه، فوجد عدد مهول من الجنود المسلحين، فابتسم بخبث، محاصرتهم لهما يعني نجاح مهمة ليل وعدي، لذا أول من سيهاجم هما، قدما أنفسهما لوجه المدفع، تغطية لهروب عدي وليل، كانت خطة ذكية وضعها الاسطورة بحرفية، وترك التنفيذ الكامل للجوكر.
لم يعبئ رحيم بالاسلحة المسلطة عليهم، وسكب أخر كوب بكأس العصير، ارتشفه على مهلٍ وقال لمن كان يراقبهما على الطاولة المجاورة لهما بسخرية أدهشته:
"أتساءل عن نوع المخدر المغشوش الذي تستخدمونه، لقد تناولت أربعة أكواب ولم يسري مفعوله بعد!!"
معرفته بالمخدر الموضوع بزجاجة المشروب صدم كبيرهم، وخاصة بأنه تناول العصير بكميات، ليؤكد لهما وقوعه في فخهما. بينما كان يحرص الا يرتشف مراد من الكأس خاصته، ارتاب الرجل من ثياب الاسطورة رغم أنه مازال يرتشف من الكوب ببرود، فأنهى صمته وقال وهو يشير بعينيه لأخيه:
"لقد سبق لكم أن استمعتوا عن كلانا معًا، كم كنت أود أن أشهدكم اليوم عن بطلوتنا معًا ولكني أعتذر أشعر ببعض الألم بمعدتي لذا سأترك أخي ينوب عني تلك المرة."
وارتخى بمقعده الخلف، يضع القبعة فوق رأسه باسترخاء زاد من رعب من حوله، وتلقائيًا انتقلت الاعين لمراد الذي تنهد بضجرٍ، وأزاح عن قميصه أزرار ضغطهما فتحولت لشفرات صغيرة، وقبل أن يستوعبوا كناية ما بيده، انطلق بسرعةٍ فائقة يخترق الصفوف، يبتر أشلائهم بسرعة تفوق سرعة تلميذه آدهم النجيب. حاولوا استهدافه بالرصاص، فانحنى بركبتيه معًا للاسفل وجذب أحدى الاسلحة، يستهدفهم واحدًا تلو الاخر بينما يديه تطلق الشفرات الصغيرة، التي تخترق الجسد ولا تعلم طريق الخروج.
أسقط مراد قتيلًا خلف الآخر، حتى انتهى بكبيرهم الذي جذب رأسه وأسقطها على لوح زجاج الطاولة، فاخترق الزجاج وجهه بأكمله. وفور أن تأكد من قتلهم جميعًا اتجه إلى أخيه، أزاح القبعة عنه فوجده يحارب الاغماء، سانده مراد إليه واتجه به الى المصعد وهو يردد بغضب:
"ولما إنت عارف آنهم حطينلك زفت، بتشرب الكمية دي ليه كلها؟"
مال على كتفه يحارب فقدان الوعي، وقدميه تتحرك برفقته بتثاقل:
"خدعتي ليهم ادت لعدي وقت زيادة، تركيزهم كله كان علي."
وتابع ببسمة ساخرة:
"كانوا فاكرين اني صيدة سهلة هتدخل جحرهم ويطلعوا مني بمعلومات الجهاز."
مال على جانب المصعد وقال وهو يحل جرفات صدره:
"دقيقتين وهفقد الوعي، اتحرك بسرعة على السطح، مش هقدر أقاوم أكتر من كده."
ومال إليه يهمس بارهاق:
"لو حاوطوا الاسانسير صعب نخرج، اطلع من هنا واطمن صعب ياخدوا مني أي معلومة، خروجك مهم عشان باقي الخطة."
منحه نظرة شرسة ختمها بقراره الحسمي:
"إني أخرج من غيرك ده من رابع المستحيلات."
شحب صوته وقوته:
"أنا هضعف حركتك وهشتت تفكيرك، نجاح نص المهمة أهم."
وختم أخر جملته:
"حركة الاسانسير بطيئة، هتخرج منه هتلاقيهم في وشك."
مرت دقيقة إضافية، توقف المصعد وما أن انفتح بابه ناله كمية هائلة من الذخيرة والرصاص الحي، حتى نفذت أسلحة اللعناء، فأشار لهم احد منهم وولج للداخل يتأكد من أن الرصاص قد قتلهم، ولكنه خرج يصيح بهلع:
"المصعد فارغ!!!!!"
*****
من فوق المصعد باستخدام الحبال، صعد مراد للاعلى وساقيه محكمة حول أخيه الذي فقد الوعي كليًا، طرف الحبال معلق حول كتفيه وساقيه معقودة من حوله. نجح بالوصول لسطح العمارة حيث كانت الطائرة بانتظاره، هرع إليه يساند رحيم، دفعه لمتنها وتعلق بطرفها، فحلقت به سريعًا حينما كشف أمرها الجنود وضربوها بوابل من الرصاص.
جرف الجوكر قدمه للاعلى، وجذب صندوق الذخيرة، ثم مال بساقيه بساندة الطائرة وانحنى بجسده للاسف وبكلتا يديه سلاح، وغمرهم برصاص قاتل بدد جمعهم ودفع الرصاص عن الطائرة وجسد اخيه المكشوف بالطائرة التي لا تحتوي على باب.
نجح بالقضاء عليهم ونجح الطيار بابعادهما عن منطقة الخطر كليًا، حتى باتت مهمتهما ناجحة مئة بالمئة.
وبينما الطوفان يحيط بهم، حيث يتم تفتيش كل طائرة متجهة لمصر، عقولهم وخططهم مصوبة على كل شخص سيصعد لمتن الطائرات المصرية، كان ليل وعدي يتنكران بأزياء أجنبية، يتوجهون للطائرة المتجهة إلى ميلانو، حيث سيكون لقائهما بمن سيستكمل النصف الآخر من المهمة!
*******
ناولتها كوب المياه، وغطئتها جيدًا، منذ أن استردت وعيها وهي ترتعش دون توقف. جلست سدن جوارها تسألها بحنان وحزن:
"خديجا أنت كويس؟"
رفعت عينيها المتورمة إليها، وبين يديها تحمل ابنها الذي يغفو باحضانها، وقالت بنبرة متحشرجة:
"الحمد لله يا سدن، ربنا نجدني من تحت ايده."
وبدموعٍ قالت:
"لو كنت خرجت معاه وردني لعصمته من تاني كنت هموت يا سدن، كأني داخله جهنم برجلي، أنا لسه بتعالج من اللي عمله فيا يقوم يظهرلي ويكسرني من تاني، ربنا ينتقم منه."
قالتلها ببكاء جعل سدن تشاركها البكاء، وقالت بألم:
"مش تعيط خديجا، ربنا بيحبك عشان كده خلى عمران تكشفها ، ربنا عمل كده عشانك خديجا."
هزت رأسها بخفة وأضافت بامتنان:
"الحمد والشكر لله."
طرقات باب الغرفة جعلتهن يرتدن حجابهن سريعًا، سمحت سدن للطارق بالدخول، فطل يونس قبالتهما وعينيه أرضًا مستأذنًا بتهذب:
"ممكن ادخل."
نهضت سدن عن الفراش ورددت بتفهم:
"أنا روح أحفظ الورد بتاعي قبل ما آيوب ترجع."
ابتسم يونس رغمًا عنه وكذلك خديجة التي أعادت نقابها لوجهها من جديد. تابعوها حتى خرجت من الغرفة، فجذب يونس المقعد وقربه إليها، جلس يتفرس بالأرض وأنفاسه المنفعلة تحتد بالغرفة، وخاصة حينما تساءل:
"آنتِ كويسة؟"
بحثت عن عينيه بينما يخفيها عنه، فقالت بصوتٍ موجوع:
"يونس."
ندائها جعله يرفع وجهه إليها، فوجدها تتطلع له بلهفة، تبحث عن نفسها داخله، يدها تضم صغيرها الغافل على ساقها، وبصوتها المبحوح قالت:
"لو كان ردني كنت هقتله وهقتل نفسي."
وخز قلبه لأجلها، ومع ذلك أجابها بثقة:
"ميقدرش يعملها، إنتِ مراتي أنا يا خديجة، هانت وتكوني على اسمي عمرنا كله يا ست البنات."
ابتسمت بحماس على كلمته، فانحني يجذب صغيرة وقال بحب:
"هاخده يبات معايا النهاردة، عشان تعرفي تريحي،وأوعي تفكري في حاجة يا خديجة،بكره جاي ومش بعيد، هتكوني مراتي للمرة التانية وهعوضك عن كل اللي شوفتيه ده."
منحته ابتسامة وايماءة صغيرة جعلته يبتسم بعشق يولد داخله لها رغمًا عنه.
******
تلقى عمران على هاتفه رسالة من أخيه جعلته يبرق في دهشة.
"نص ساعه وتيجي تقابلنا في المطار، الظاهر إنك وحشت ناس كتير يا وقح!"
نهض عمران عن مقدمة سيارة آدهم وأشار لجمال:
"ارجع مع سيف وبكره هنرتبها ونتقابل، في مشوار مهم هعمله."
أومأ إليه وقال بلهفة:
"هتيجي تتغدا معايا بكره والا الحاجة آشرقت صعب تتراضى."
ابتسم وقال:
"المرادي هاجي بجد، مكنتش قادر ادخل البيت وانت مش فيه، فأكيد جي."
رنا إليه يضمه بقوة، وامتنان كونه منحه الغفران، فربت عمران عليه بكل حب، كان بحاجة له أكثر من احتياج الاخير إليه.
غادر جمال برفقة سيف، واتجه عمران برفقة آدهم للمطار بعدما اشترى ثلاث باقات من الورد الأبيض، ولجواره آدهم لا يعلم لماذا قرر فجأة الذهاب للمطار؟
*****
أغلق الشيخ مهران مصحفه بعناية، وجلس يمرر يده على مسبحته بتمعن، فوجد زوجته تدخل الغرفة بعد أن تممت على خديجة، تمددت على الفراش بتعبٍ، قائلة بحزن:
"نايمة بترتعش يا حبة قلبي، منه لله حسبي الله ونعم الوكيل فيه."
نهض يتجه محله للجزء الاخر من الفراش، وقال ببسمة يخبئ خلفها ثقل همومه:
"ربنا عمل كده لحكمة هو وحده يعلمها يا رقية."
هزت رأسها تجيبه بايمان:
"ونعم بالله العلي العظيم."
اعتدلت رقية بجلستها وقصت له بحماس:
"ربنا بعت اصحاب ابنك نجدة ليهم، عمران وحضرة الظابط، الاتنين ربنا يكرمهم يارب، بالذات الظابط دافع عن آيوب واخد مكانه ضربة على رأسه، صعب عليا اوي بس باين انه بيعز آيوب اوي يا حاج."
شمله الألم وتأملها بحزن، حتمًا ستعلم بالأمر، خاصة بأنها تقترب من كشف الحقيقة. تابعت رقية بحب:
"أنا كنت مستغربة الظابط ده بيعامل آيوب كده ليه، ده لا من سنه ولا من مجال شغله، بس لما شوفت الخواجه ده عرفت ان ابنك مصاحب ياما."
تنحت حشرجة نبرته وقال بتثاقل:
"فعلًا آيوب عنده اصحاب كتير كلهم أفضل من بعض، بس لو صاحب كل يوم مش هيصاحب حد يحبه ولا يخاف عليه زي آدهم، آدهم مش مجرد صاحب لآيوب، آدهم اكتر، من كده بكتير."
عبثت بمقلتيها بعدم فهم:
"ازاي بعني يا حاج؟"
استمد قوته وطاقته بأكملها، وطرد ما يخنق أضلعه:
"آدهم فدى آيوب بروحه لإنه يبقى أخوه يا رقية."
اتسعت مقلتيها في صدمة، وبدأت ترتسم ضحكة فالاخرى، هاتفة بصعوبة بالحديث:
"ده وقت تهزر فيه يا عم الشيخ، طيب واتجوزت قبلي بكام سنه عشان تخلف حضرة الظابط."
أجابها بجدية مطعونة بوجع عميق:
"آيوب مش ابننا يا رقية، آيوب أخو آدهم وهو نفسه ابن مصطفى والست اللي كانت بتقعد معانا وقت متابعة حملك، ابننا اتولد ميت يا رقية ومصطفى بدل العيال ببعض لانه كان متجوزها في السر وخاف على بيته من كشف السر."
واستطرد ورأسه منكوس:
"خاف على بيته ودمرني مقابل ده، اللهم لا إعتراض."
رسمت بسمة بلهاء وهدرت:
"انت بتهزر يا شيخ مهران صح!! انت بتتكلم عن آيوب ابني!! ابنك يا شيخ مهراااان ازاي يجيلك قلب تقول كده!!!"
اتجه إليها بمحل وقوفها المنفر عن الفراش:
"دي الحقيقة اللي لازم تتقبليها يا رقية، بحاول بقالي كام يوم اقولك بس مكنتش عارف، آيوب مسافر بكره عشان امتحاناته ووقت رجوعه آدهم هيغير أوراقه لاسم أبوه الحقيقي، أنا مرضاش بخطيئة زي دي، فلازم أقبل بتغير نسبه لكني مش هتخلى عنه أبدًا ده ابني اللي ربيته."
دفعته بعيدا عنها وصرخت بعزم ما امتلكت:
"اانت أكيد اتجننت او جرى في عقلك حاجة، أيوب ابنــــــــي أنا حملت فيه ورضعته وربيته، شيلته على ايدي وحطيته جوه قلبي وعيني، آيوب ابني انا ابني سااااامع، لو متضايق منه عشان اتجوز واحدة كانت يهودية وعايز تتبرى منه يبقى حرام عليك، ده ابنك ضناك وانت اتقبلت اللي عمله وعلى يدك البنت اتغيرت واسلمت، بتكدب عليا وبتوجع قلبي ليييييه حرام عليك يا شيخ مهران ده انت حاجج بيت ربنا!!"
جلس على الفراش في عجزٍ تام، وبخفوت قال:
"يارتها كانت كدبة وشلت وأنا مستعد أشيل وزرها، يارتها كانت كدبة يا رقية."
قطع ريقها الجاف وهي تنطق بخفوت:
"يعني أيه يا مهران؟"
رفع عينيه اليها، وبدموعه الغزيرة التي تراها لاول مرة قال:
"يعني اللي سمعتيه صح يا رقية، أنا اتاكدت بدل المرة مرتين، آيوب ابن مصطفى الرشيدي!"
سقطت على المقعد من خلفها من فرط الدوار، فركض اليها يساندها بانكسار، بينما تتطلع له بأعين جاحظة، وببكاء التاع صوته قال:
"لا يا مهراااان لا كله الا آيـــــوب، خدوا روحي بداله آيوب ابني أناااا روح قوله الكلام ده، قوله الحاجة رقية اللي ربيته، آيـــــوب ابنـــــــي سااااامع غصب عنك وعنه وعنكم كلكم أنا اللي ربيته، ايوب ابني انـــــــــا!!!"
قالتها بألمٍ وصراخ جعلها تغيب عن الوعي بين يديه، بينما على باب الغرفة تقف سدن منصدمة مما ترنح لمسمعها، خرجت من غرفتها على صوت الصراخ الصاخب والإن ترتطم بحقيقة مرعبة.
دق باب المنزل وهي تقف متخشبة محلها، لا تعلم كيف تحركت لتفتح بابه، فوجدته أمامها يحمل العديد من الاكياس البلاستيكة، يمنحها ابتسامته المشرقة قائلًا:
"جبت الطلبات اللي الحاجة رقية طلبتها، هي فين تتمم على الحاجة، بس لو ناقصة مش نازل، أنا ورايا مذكرة."
انهمرت دموعها قبالته، فترك ما بيده وتساءل بقلق:
"سدن!! مالك؟؟؟"
أشارت باصبعها على غرفة السيدة رقية وقالت:
"حاج رقيا واقعة."
مجرد سماعه لما قالت، اندفع راكضًا للداخل، فصعق حينما وجد ابيه يساندها أرضًا، ويحاول ايفاقتها.
جلس جواره يحركها برعب وهو يسأله:
"مالها يا بابا؟"
اعتصر قلبه قبضة من فولاذ، وردد بحزن:
"مش عارف."
حملها عنه آيوب ووضعها بالفراش، ثم بدأ بنثر قطرات المياه على وجهها، والهلع يشحب بشرته البيضاء. فتحت عينيها الباكية فوجدته يتمعن بها، يناديها بقلق:
"مالك يا حبيبتي إنتِ كويسة؟"
تعالى بكائها ودفنت رأسها بصدره، مرددة بصوتٍ انقطعت أحباله:
"آيوب، ابنـــــــي!"
زوى حاجبيه بدهشة، واستدار لابيه يتلصص لمعرفة ما بها، ولكنه وجد عينيه تحمل بقايا دموعه، وبثبات مخادع اخبره:
"من ساعه ما عرفت انك حجزت تذكرة السفر وهي بالوضع ده خليك جنبها يا آيوب."
أومأ له في صمت بينما يجذب الغطاء عليها ويمازحها:
"عاملة كل ده وانا رايح تلات أيام وراجع أمال عملتي ايه وانا رايح للدراسة من اول السنه."
تمسكت به وبكائها لا يندمل، فربت عليها بقلق جعله يتساءل:
"في أيه يا ماما؟ مالك؟"
رددت بصعوبة بالحديث ودموعها تغرق قميصه:
"خليك جنبي متسبنيش يا آيوب."
انصاع لها وتمدد جوارها وبداخله يجزم ان هناك أمرًا خفي لا يعلمه، عساه على وشك أن يكشف من أمامه!!
رواية صرخات انثى الفصل السابع والسبعون 77 - بقلم ايه محمد رفعت
يجلس يوسف جوارها على المقعد، عاجزًا عن فعل أي شيء لها. يتمسك بأمله العظيم بالنجاة، القرآن الكريم، يرتل الآيات بخشوعٍ ودموع تلألأت بعينيه. حتى انتهى من قراءة جزئين من المصحف الشريف دون كلل. حاول بكلماته الطيبة أن يبدد تفكيره السيء الذي أقحمه الشيطان في عقله، فزرع نور الإيمان بداخله وكسر عقل الطبيب المهني عنه.
كطبيب، يعلم أن نسبة نجاة الجنين لا تتعدى العشرين بالمئة بعد ما تعرضت له من نزيف حاد. وكرجل مؤمن، يعلم أنه لا محال أمام إرادة الله عز وجل.
استند يوسف على ظهر المقعد وهو يضم مصحفه إليه، بينما لسانه يردد بإيمان:
"اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء همي، وذهاب حزني، وارزقني تلاوته بالوجه الذي يرضيك عني، واجعله نورًا في قبري، ومؤنسًا في وحدتي وانكساري، ونورًا لي على الصراط، وشفيعًا لي يوم القيامة، لا علي يا أرحم الراحمين."
وضعه يوسف جواره على الكومود، ثم أخذ يراقب زوجته الغافلة باستسلام. فانتبه لها وهي ترفرف بأجفانها، تجاهد لفتح عينيها الثقيلة. نهض يسرع لها، يميل فوق رأسها، يبعد خصلاتها عن وجهها الشاحب، يناديها بلهفة:
"ليلى!"
برزت الصورة أمامها وبدت أكثر وضوحًا. تمعنت بعينيه المتورمة من البكاء، فنادته تستجديه بما مرت به:
"يوسف!"
رفع أصابعها المحقونة بالكانيولا، يقبلها بحب وهو يهمس:
"خلعتي قلب يوسف عليكي يا ليلى، إنتِ كويسة؟ لسه حاسة بأي وجع؟"
هزت رأسها بالنفي، وطالعته بريبة وهي تستجمع قوتها لتلقي سؤالها التالي. ابتلعت ريقها الهادر ورددت بخوف:
"البيبي؟"
علم مغزى سؤالها المختصر، فقبض على كفها الرقيق وقال:
"لو وجوده خير لينا ربنا مش هيأخده مننا، لو آ..."
قاطعته بدموعها السائلة:
"عايش ولا ميت يا يوسف؟"
قطع حديثه وأجابها حزينًا:
"معرفش، والمفروض إني أكشف عليكي دلوقتي عشان أحدد هتدخلي عمليات تاني ولا لأ."
تزاحمت الدموع بمقلتيها، وصرخت بقهر:
"تقصد إن لو مكنش في نبض هتعملي إجهاض؟!"
تساقطت دمعة عن عينه، أزاحها وقال برعشةٍ أصابت قلبها لرؤيته يبكي رغم جموده وصلابته التامة:
"ده قضاء ربنا ومنقدرش نعترض عليه يا ليلى، أنا محطوط في وضع صعب، ولو لقدر الله طلع كلامي الأخير اللي صح مش هقبل أسيب حد من المركز يعملك العملية دي وأنا موجود، مش لأني أكفأ واحد هنا، لإني هموت بره على الباب لو سبتك تدخلي من غيري."
ومال على كتفها يترك دموعه تبلل وسادتها، بينما يردد بصوته المحتقن:
"طول عمرك مؤمنة وراضية بقضاء الله، متفقديش إيمانك في اللحظة دي، عشان خاطري خليكِ صبورة ومؤمنة يا حبيبتي."
احتبست أي قهر داخلها، ورددت بندمٍ:
"أنا آسفة يا يوسف، مقدرتش أحافظ على الطفل اللي كنت بتمناه، كنت مهملة وآ..."
منعها من استكمال حديثها حينما ضم شفتيها بكفه، وقال يجدد إيمانها:
"كل شيء مكتوب يا ليلى."
هزت رأسها بإيمان استحضره يوسف في قلبها بنجاحٍ. سحبت ليلى نفسًا طويلًا، وقالت بكل عزم:
"إنهي التوتر ده وخدني أوضة الكشف."
تصلبت أوردته كأنها تخبره بأن يلقيها من الطابق الأخير. فإذا بيده تضم كتفها بقوة، مستبعدًا أن يخوض تلك اللحظة، التي لطالما كانت جزءًا من يومه المهني. ولأول مرة يشعر بألم المرأة التي تنتظر إجابته ببقاء جنينها أو بفقدانه نبض الحياة. وليكن صادقًا، يخوض الآن شعور المرأة والرجل معًا.
سحبت كفها من يده ورفعته ليده الأخرى المتشبثة بكفها، تربت عليها بقوةٍ لا تعلم من أين استحضرتها:
"وديني يا يوسف من فضلك."
رد عليها بصوته الشاحب:
"خلينا لبكرة الصبح."
رفضت اقتراحه وسحبت حجابها المنسدل جوارها على زاوية الفراش ترتديه:
"لا دلوقتي."
وتابعت بحزمٍ تذكره بكنايته:
"من فضلك يا دكتور!"
استقام يجلس وهو يطالعها بتوترٍ. فانساق كالتائه يجر مقعدًا متحركًا من الخارج. حملها بكل خفة إليه، ودفعها بخطواتٍ متهدجة لغرفته. كم ود أن تطول به المسافة حتى لا يصل لها، ولكن لكل شيء نهاية وانتهى به بسحبه باب الغرفة.
وضعها على الفراش وجلس أمام الأجهزة التي برع باستخدامها على الدوام، ولكنه اليوم يتطلع لها بريبةٍ كأنه فقد ماهية استخدامها.
نادته ليلى وهي تحبس كل ارتباك داخل جوفها:
"يلا يا يوسف."
فاق من شروده وأومأ لها. سحب الجل الطبي يضعه عليها وهو يدعو داخله أن يلهمه الله الصبر والقوة، وأن يمر ابتلاؤهما. وضع الجهاز عليها، ودقق النظر في الشاشة من أمامه. تساقطت دموعه تدريجيًا، مما أكد شكوك ليلى. وكلما حرك الجهاز على بطنها الشبه منتفخ، كان يزداد قلقها وتوترها. ومع ذلك، لم تجرأ على سؤاله حتى يصب كل تفكيره على الجهاز.
مرت خمسة عشر دقيقة، كانت الأطول عليها على مر حياتها. انتظرته يتحدث، حتى وإن صدمها بخبر مؤسف، ولكنه كان صامتًا بشكلٍ أوصل لها الإجابة دون الحاجة لسؤاله. دموعه وبصره الذي لا يحيد عن الشاشة يشتتها.
استجمعت ليلى شجاعتها مرة أخرى وسألته برعبٍ:
"يوسف؟"
صوتها فصله عن التحديق عن شاشته، فنقل بصره لها ثم عاد يتطلع قبالته. يرفع صوت نبض الجنين الذي أحيا نبض قلبها كليًا إليه، وخاصة مع نطقه الحماسي:
"موجودة وزي الفل، وشكلها هتطلع عنيدة ودماغها ناشفة زي أمها!"
مالت برأسها للخلف تسترخي بمنامتها كليًا ودموع فرحتها تنهمر دون توقف. تلقت الآن خبر حملها بأنثى، مع فرحة بقائها على قيد الحياة. ولسانها لا يتوقف عن نطقه التلقائي:
"اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظمة سلطانك!"
ابتسم وقال بإيمان:
"مهما طالت خبرتنا بالمجال بتيجي حالات تفاجئنا وتزيد من إيماننا بربنا عز وجل. وبتفضل مقولة متنقلة على لسان الأطباء عن الحالة المستحيلة اللي ربنا من عليها. فالظاهر إننا هيكون لينا حديث مشابه عن كرم ربنا ولطفه معانا ومع نجاة بنت دكتور يوسف دكتور النسا والتوليد!"
توقفت عن البكاء وسطوع الاسم المختار يبرق أمامها، فاستطعم لسانها مذاق الاسم بفرحة:
"نجاة!"
أومأ برأسه لها، فاستطردت بسعادة:
"إسم جميل."
وبمزح قالت:
"وأكيد مش هراجعك فيه يا دكتور."
ضحك وهو ينحني ليحملها:
"إنتِ لو دماغك العنيد ده يلين وتبطلي تراجعيني في حاجات كتيرة كان زمان عندنا نص دستة عيال يا قلب الدكتور!"
وتابع وهو يمضي بها للخارج مستبعدًا المقعد المتحرك، كأنما حصل على طاقة نشاط أهلته لحملها الآن:
"هرجعك أوضتك، الممرضة مستنياكِ بالأكل والهدوم. تأكلي وتأخدي أدويتك وتغيري وترتاحي. أنا قافل موبايلي ومدبس جمال تدبيسة زمانه بيدعي عليا بسببها."
أحاطت رقبته خشية سقوطها، وسألته باسترابة:
"تدبيسة إيه؟"
وضعها على الفراش، وقال وهو ينصب عوده:
"سيف ودي تدبيسة سودة!"
وتابع وهو يشير للممرضة بالاقتراب:
"أكلك وأدويتك وهرجع أحكيلك كل حاجة، بس أكلمه الأول."
أومأت برأسها بتفهمٍ، فعاد يسحب بابها من خلفه، يعود للمكتب مجددًا. يستخدم هاتفه الملقي بأحد أدراجه، فتفاجئ بستين مكالمة من جمال، وخمسة مكالمات من عمران. ينتهي بها تسجيل صوتي خشِي فتحه، فوضع سماعته وهو يستعد لسماع لسانه السليط، وقد صدق حدسه حينما استمع لعصبيته البالغة:
"أنا عايز أعرف إنت شايل أمه ليه وإنت قافل القافلة السودة دي، ده أنت جوه العمليات وبتخلي الممرضة ترد بدالك. افتح الزفت ده وطمني، جمال قالي على اللي حصل مع سيف ومع دكتورة ليلى، طمني الأمور تمام ولا إيه، متقلقش على سيف جمال عينه عليه. أنا حجزت على طيارة لندن، بكرة هكون عندك، آيوب هيركب الساعة 11 وأنا طيارتي بعده بساعتين، ومتقولش لجمال حاجة عشان هيركب قبلي. ولما أوصلك يا يوسف هعرفك إزاي تطنش مكالماتي وإنت بالظروف دي، وإزاي أصلًا تخبي عني اللي مريت بيه ده كله، عمومًا الحساب يجمع، ولكل حساب رصيد، يا ويلك من وقت النفاذ!!"
*****
توقف بالسيارة أسفل المبنى القابع به مسكن الإيجار، يجاوره بالمقعد الأمامي "جمال"، الذي استعد للهبوط وهو يشير له بحزمٍ:
"يلا يا بشمهندس اركن واطلع."
أعرب "سيف" عن استيائه بكلماتٍ ساخرة:
"أصرت تيجي توصلني وأنا اللي معايا عربية، طيب قولي إنت هتروح إزاي؟"
أخبره بابتسامةٍ صغيرة وهو يستعد للهبوط:
"متشغلش بالك بيا، هوقف تاكسي أو هاخد أي مواصلة."
رد عليه بدهشةٍ:
"طيب وليه كل ده، ما أنا معايا عربيتي، هوصلك وأرجع!"
شدد على كلماته بحزمٍ غير قابل للنقاش:
"سيف أنا مسؤول عنك مسؤولية كاملة قدام يوسف. مكنتش أتمنى أسيبه بالظروف دي، بس انجبرت لما طلب مني أكون جنبك ومعاك. يوسف مش مطمن عليك ولولا اللي حصل لمدام ليلى كان هو اللي هيكون بدالي معاك هنا، فأرجوك اتصرف بعقل ومتحطنيش في موقف محرج معاه، من فضلك!"
ضم أعلى أنفه بيده، وردد بيأس من محاولة إقناعه:
"حاضر يا بشمهندس، هركن وأطلع."
منحه جمال ابتسامة صغيرة، وقال قبل أن يتجه للرصيف:
"لو حبيت تخرج في أي مكان اتصل بيا وعرفني، يلا تصبح على خير يا سيڤوو."
ابتسم رغمًا عنه، ورد عليه بلطفٍ:
"وإنت من أهله إن شاء الله."
صف سيف سيارته وصعد للأعلى، بينما صعد جمال لإحدى سيارات الأجرة، يعبث بهاتفه باحثًا عن رقم رفيقه يحاول الاتصال به لمرته الحادية والستون. وما أن وجده يجيب حتى صاح بلهفةٍ:
"طمني يا يوسف؟"
تغاضى عن سؤاله وقال بقلقٍ:
"سيف يا جمال!"
هدر بعنفٍ:
"طمني الأول، أنا من ساعة ما وصلت وبرنلك موبايلك مقفول!"
أفصح يطمئنه:
"الحمد لله ربنا غمرنا بكرمه ولطفه، وعدت مرحلة الخطر."
عادت أنفاسه بصورتها الطبيعية، وهمس بصوتٍ خافت:
"الحمد لله."
ثم رفع صوته إليه:
"ربنا يكملها بالستر والبرنس اللي حيرنا ده يشرفنا على خير."
ضحك وهو يصحح له:
"لا برنسيسة وهسميها نجاة!"
هتف فرحًا:
"ما شاء الله تنور على الكامل وعريسها موجود."
ابتسم وقال بسرور:
"وأنا موافق من دلوقتي، المهم طمني على سيف، وعُمران اتصلحتوا؟!"
أجابه باستفاضة لتفهمه سبب قلقه المرتاب:
"متقلقش، إديته مفتاح شقتك المفروشة، وإنت عارف إن محدش يعرف عنها حاجة فهو بأمان. مفرقتوش من لما نزلنا من الطيارة، حتى أخدته معايا عند عمران وآيوب رغم إنه كان رافض، ولسه طالع الشقة من شوية."
تنهيدة عميقة وصلت إليه، وصدى صوته الهامس:
"الحمدلله."
واستطرد ينبهه برجاء:
"أنا أصريت عليك تنزل معاه عشان تخلي عينيك عليه يا جمال، يمان ده مخيف ومش سهل، الله أعلم قصته انتهت ولا لسه! عشان خاطري يا جمال متسبهوش."
أكد له بحب:
"أمانتك في رقبتي يا صاحبي، متشلش هم حاجة، كفايا التوتر اللي إنت عايش فيه، ربنا يطمن قلبك يارب."
=اللهم آمين، ها بقى طمني اللي بينكم اتحل إنت وعمران ولا مستنين نزولي؟
قال وهو يتحسس آثار اللكمة:
"هو إتحل الحمدلله بس مقابلته مكنتش ولابد أوي يعني."
تساءل بقلقٍ:
"إزاي؟"
أخبره من بين ضحكاته:
"قابلني ببوكس معتبر، وكل ده عشان اتأخرت بسفري مع إنه مديني الرخصة وقالي متنزلش من غير مراتك وابنك."
سعل يوسف بشدةٍ، ولفظ برعب:
"ده لسه مهددني من شوية عشان كنت قافل موبايلي!"
=رن عليك كام رنة؟
_وخمسة وفنشها بريكورد من ساعة ما سمعته وأنا مرتبك وحالتي مش ولابد!
=رنله بسرعة قبل ما تلاقيه الصبح في وشك!
انفجر يوسف ضاحكًا، وقال:
"قالي كده فعلًا."
صاح جمال بعصبية بالغة:
"نعم، هو أنا جايله عشان يسافر!! اتصل وراضي غروره باعذار يلخص الحكاية بدل ما وشك يبقى خريطة ومنبع الحكايات كلها."
سيطر على ضحكاته بصعوبة، وقال متصنعًا الجدية:
"طيب أنت متعصب ليه يا جمال!!"
هدر منفعلًا غير مباليًا بالسائق المنزعج من حديثه المستمر منذ صعوده للسيارة:
"أنا مصدقت دماغه لانت، ورجع يتقبل وجودي، يقوم يسافر لندن تاني!! أنا مصدقت اتجمعنا وإنت أول ما تطمن على الدكتورة ليلى حصلنا، لان بصراحة وجودك هناك مبقلوش لازمة."
=إنت شايف كده يعني!!
_أيوه شايف الصح وببلغك بيه، كفايا غربة بقى يا يوسف، كفايا!!
=تمام أنا هعمل كل اللي تقوله الا حاجة واحدة.
_اللي هي؟
!=إني أكلمه، ده ما هيصدق أرنله هيهزقني يا جمال وأنا نفسيًا غير قابل للتهزيق!
انخرط بنوبة من الضحك، وفاه بشماتةٍ:
"تستاهل بصراحة عشان تقفل موبايلك أوي."
اقترح بمكرٍ شيطاني:
"طيب ما تخليك جدع وتكلمه إنت وتقوله إني كلمتك وطمنتك؟"
تلاشت ضحكاته وصاح متقمصًا دور المتذمر:
"يا أخي خلي عندك دم، بقولك قابلني ببوكس خلع وشي، ومصدقت الدنيا تصفى بينا، عايزه يعمل فيا إيه تاني يا دكتور الحالات المتعسرة!!!"
= خلاص يا عبحليم، اتنيل على جنب وأنا هظرفه ريكورد سريع أطمنه على الدنيا وهقفل التليفون بعدها شهرين تلاته.
أغلق جمال الهاتف ومازالت الفرحة تضيء وجهه المنير، غفران عُمران له كانت من أسمى أمنياته، وها هو ينالها بعد تعبٍ وإرهاق.
******
استكان "آدهم" جوار "عمران" بهدوءٍ، بينما عقله يصارع كلمات "يونس" الأخيرة إليه. أخر ما يريده أن يخسر آيوب، ولكن ما سيحدث سيرغمه على خوض مرحلة فراق بينهما إن لم يستوعب الأمر سريعًا.
راقبه من أسفل نظارته السوداء بدهشةٍ، هل يعقل أن يلحق به دون أي سؤالًا وتحدٍ شرس بينهما؟ مال إليه يسأله بريبة:
"أنت كويس؟"
أفاق على سؤاله المطروح، وقال يجيب:
"كويس، ممكن تفهمني بقى إحنا بنعمل إيه هنا؟"
سحب زهرتين من باقة الورد، وقدمها إليه:
"عشان تعرف بس إني عامل معاك الواجب."
تطلع أما بيده باستغراب، وتساءل:
"ده إيه؟"
وما كاد يجيبه حتى هوى صوتها الرقيق، مخترقًا أضلعه كنسمة باردة مرت بيومٍ شديد الحرارة:
"آدهـم!!"
استدار للخلف وهو يتمنى أن لا يكون يتوهم وجودها، فإذا بها تدنو منه بنظراتها الفاتنة، تطالعه بشوقٍ وخجل. تردد لسانه وابتسامته الساحرة تغزو وجهه:
"شمس هانم."
زم عُمران شفتيه ساخطًا، ولكز كتفه يخرجه من شروده:
"بقالك ساعة واقف متنح، وبتفكر تحضنها إزاي، بختصرلك الوقت والمال والتفكير وبقولك مينفعش!"
وتخطاه يضمها إليه، قائلًا بابتسامته الهادئة:
"نورتي مصر والدنيا كلها."
تعلقت به وهتفت بشوق:
"وحشتني أوي يا عمران، إنت حتى مبقتش ترد على مكالماتي!"
مال يهمس لها بخبث:
"مكالمات الاطمئنان إن الهدية وصلت ولا لا، اتطمني موصلتش ومش هتوصل."
ابتعد تطالعه بغضب، فعاد يضمها وهو يتابع:
"التقل صنعه، مينفعش تهاديه بشيء بدون مناسبة، وعلى الرغم إني أتمناها متجيش بس للأسف جاية، وعيد ميلاد الظابط البلطجي ده قبل فرحكم بيوم."
تعلقت به بشدة وهتفت بحماس بعدما أرضتها كلماته:
"إنت لست سيء للغاية أخي العزيز."
كبت ضحكته وابتعد يحدجها بنظرة جادة، ثم قال بخشونة متعمدة:
"فين علي وفريدة هانم، فين مايـا؟"
رددت وعينيها تراقب صمت آدهم الغريب:
"علي وأنكل أحمد بيجيبوا الشنط، ومامي وفاطيما ومايا ورايا."
شعر بحاجتهما للحديث، فانسحب من بينهما بهدوءٍ. دنت شمس إليه تتعمق به كأنها تود أن تكتشف ما به، وحينما وجدته يطالعها بثبات، قالت:
"مالك يا آدهم؟ مش مبسوط إنك شوفتني؟"
رد عليها بابتسامة يجاهد لزرعها:
"مبسوط طبعًا يا شمس، أنا بس اتفاجئت مش أكتر."
وتابع وهو يبحث عن عمران:
"أخوكِ فين؟"
أشارت للباب الزجاجي قائلة:
"دخل يشوف فريدة هانم."
هز رأسه بتفهمٍ، ومال يحمل عنها حقيبتها البينك الصغيرة، ثم وضع بيدها الزهرات مبتسمًا:
"حمدلله على السلامة شمس هانم."
بالرغم من جمود مقابلته، الا أنها منحته ابتسامة رائعة ورددت باستعلاء مصطنع:
"ميرسي كابتن آدهم."
اتجه آدهم للسيارة بالخارج، يتصنع أنه يضع الحقيبة بصندوقها، بينما عقله يكاد يتجمد من كثرة زحام أفكاره. بمجرد سفر آيوب وعودته سيقام حفل زفافه، وبعدها ستُكشف الحقيقة، كيف سيتقبلها آيوب؟ لا يريد خسارته أبدًا.
رفع يده ليسحب رافعة صندوق السيارة ليغلقه، ولكن تفاجئ بها تقف من خلفه، وعلى ما يبدو بأنها تناديه منذ فترة. استدار إليها، بينما تقول بدهشة:
"بنادي عليك مش سامعني؟"
رفع بصره التائه إليها، ظهورها الآن بمثابة المنارة التي اهتدى بها. استغل غطاء صندوق السيارة الخلفي كستارٍ إليهما، جذبها إليه يضمها بقوة، وهو يهمس لها بارهاق:
"تعبت يا شمس، تعبت وحاسس إني ولأول مرة ضعيف."
لفت يدها من حوله مندهشة من فعلته، ورددت بصدمة:
"آدهم!!"
****
حمل إحدى الباقات وبحث بلهفة عنها، يود أن يراها ليضمد شوقه النازف إليها. رآها توليها ظهره وعلى ما يبدو تتحدث مع زوجة أخيه. أسرع إليها يحاوطها من الخلف ويدور بها بسعادة جعلتهما محط الأنظار. تفاجأت مايا بجسدها المرفوع، فانحنت للاسفل فوجدته يحملها، تعلقت به وهي تردد بعدم تصديق:
"عُمران."
همس لها ومازال يحملها:
"حبيب قلبه! وحشتيني!"
"_وإنت وحشتنا كلنا يا طاووس، بس أستأذنك تنزل البنت وتلم نفسك إحنا في القاهرة مش لندن يا روميو!"
قالها أحمد بسخرية ضاحكة، بينما تتبعه أنظار عمران الذي تفاجئ بجميع من حوله يتطلعون لهما بانبهار، حتى أن معظم كاميرات الهاتف سجلت تلك اللحظة!
***
دث مفتاحه بباب شقته، حاول مرارًا فتحه ولكنه لم يستجيب. اندهش جمال من الأمر الذي اتضح له كليًا حينما تسلل له صوت صبا:
"انزل نام تحت يا جمال!!!"
كان يشعر بأن هدوءها غريبًا، والآن أفصح له عما أخفته بجعبتها. عاد جمال يطرق الباب متحدثًا بصوتٍ حرص على انخفاضه:
"صبا افتحي الباب ده وبلاش جنان، أنا مش نازل من لندن عشان نحل مشاكلنا هنا!"
أتاه صوتها المتحدي:
"اللي عندي قولته يا جمال، انزل تحت عند ماما آشرقت وأوعى تفكر تعتب الشقة دي طول ما أنا فيها، والا وقسمًا بالله لأخد ابني وأمشي ومتعرفلي طريق."
مال بجبينه يستند على الباب، وقال بارهاقٍ:
"وبعدين معاكِ يا بنت الناس، مصرة تقسي قلبك عليا، مش شفعتلكيش انتقامك مني طول الفترة اللي فاتت؟! يا صبا أنا عملت كل حاجة عشان تسامحيني وملجأتش لحجة إني مكنتش في وعيي. اتحملت نتيجة حقد نعمان الغرباوي ودفعت التمن غالي، سكت واتقبلت كل حاجة عشان كان جوايا احساس كبير بالذنب تجاهك، عاتبت نفسي على الأيام اللي فاتت ولقيت إني كنت ظالم أكتر ما كنت مظلوم."
واستطرد بحزنٍ جعل قامته تنحني:
"ودلوقتي خلاص استكفيت من البعد والهجر، عايز أكون جنبك وأعوضك وأعوض نفسي عن كل اللي شوفته، صبا أنا مش عايز أقلب في اللي فات وأفكرك بغلطاتك واللي أولها نظرتك لصاحب عمري، مش عايز أئنبك في مقارنة ما بين حياته المترفية وحياتي اللي قضيتها مكسور وأنا شايف أمي طالع عينها عشان تربيني أنا وأخواتي، كل راجل وله شخصيته وأنا ظروف حياتي اللي عملت مني الشخصية دي، أنا مش وحش أوي يا صبا."
ونصب عوده يتجه لدرج المبنى الجانبي وهو يرفع صوته لمن تقف خلف الباب، يفضحها ظلها المنسدل من أسفله:
"من أول ما اتجوزنا محدش علم بمشكلة حصلت بينا، نزولي لأمي تحت هيكشف إن في مشكلة بيني وبينك وأنا مش هقبل بده، خليكي في بيتك وأنا هفضل هنا لحد ما تحني وتفتحيلي بابك وقبله تفتحيلي قلبك من تاني!"
رددت بتعصبٍ وعند:
"مش هفتح يا جمال حتى لو قعدت عندك طول الليل."
وتركته وغادرت وبقايا ابتسامة ألم تتشكل على شفتيه، مهما مضت الدقائق كان يرى ظلها يدنو من الباب تتفحصه من العين السحرية، تتأكد من أنه مازال يجلس. ابتسامة مشاكسة تشكلت على فمه، أتظنه يتحدث عبثًا!
نزع جمال عنه جاكيته، ثم وضعه على الدرج من خلفه ومال برأسه يستند عليه، بينما عينيه لا تفارق السقف بشرودٍ.
مضت ساعة كاملة ومازال صامدًا، حتى فقدت كافة آمالها بأن ييأس ويهبط للأسفل. توجهت لغرفتها وهي تحاول أن تصطنع عدم مبالاتها به وبنومه الغير مريح، بأجواء باردة ليلًا مثل ذلك الموسم الخريفي، ولكن قلبها الخائن لم يتقن دور القسوة.
اتجهت للباب تحرره وتطالعه بنظرة غائرة بالدموع، حينما وجدت النوم يغلبه لدرجة لم يشعر بها. اتجهت إليه تناديه بضجرٍ:
"جمال!"
لم يستمع إليها، فانحنت إليه وما كادت بهز جسده حتى صفنت بمعالمه التي لطالما عشقتها، شعره الأسود الذي طال عن طوله الطبيعي فزاد من وسامته، لم يكن ليتركه يومًا، ذقنه المتوسطة، عينيه المطبقة خلف رموشه الطويلة، كل شيء يجذبها إليه. أفاقت من عاطفتها تناديه ويدها تحرك ذراعه:
"جمال فوق."
فتح مُقلتيه ببطءٍ، فوجدها قبالته، منحها ابتسامة وهو يهمس:
"مهنتش عليكِ؟"
تساقطت دموعها عن عينيها، وبألمٍ أجابته:
"مهنتش، بس أنا هنت قبل كده."
قربها إليه يحيط وجهها بيده، بينما يعيد خصلاتها خلف أذنيها:
"مش صحيح، عمرك ما هنتي ولا هتهوني على قلبي، أنا بحبك يا صبا."
ودنى إليها يقربها منه، ونبرته الرقيقة تستهدف حصونها:
"بحبك ومش عايز في دنيتي غير رضاكِ، من أول ما عنيا لمحتك دفنت تفاصيلك جواها، وكأنها عارفة إنك هتخصيني وهتكوني ملكي."
بدت مندهشة من سماعها لحديثه، أيعقل أن يخرج عن صمته بعد تلك السنوات؟ مازال يضم وجهها إليه، أصابعه تزيح أي دمعة تتدفق عنها، ابتلع ريقه بتأثرٍ بقربها وسألها بقلبٍ يرتجف من سماع الإجابة:
"إيه اللي بقى جواكِ ليا يا صبا، الحب ولا الكره؟"
يطول بها الصمت ومُقلتيها غارقة بحدقتيه، فقربها يستند بجبينه على جبينها وهو يعيد سؤاله لها بتعب:
"إتكلمي متسكتيش، لسه بتحبيني؟"
اعتصرت عينيها بينما رأسها يهتز باجابتها المؤكدة بحبه، توسل لها بضعفٍ يجتازه:
"انطقيها عشان خاطري."
تعالت شهقاتها المتآلمة، وبخفوتٍ ردت:
"مقدرتش أكرهك… آآ.. أنا بحبك أوي."
اتسعت ابتسامته وهتف بحب وهو يضمها بقوةٍ:
"يا روح قلبي!"
تعلقت به بينما ينساق بها خلف عاطفته ونيران شوقه، فوجدها تستقبله بكل ترحاب. مضت دقائق إضافية بينهما، فاذا به يهمس بمرحٍ:
"لو الحاجة آشرقت قفشتنا على السلم هتطردنا في الشارع بتهمة فعل فاضح بالطريق العام."
تعالت ضحكاتها تباعًا وهي تؤكد له، بينما يضم كفها بين كفه، حتى عاونها على النهوض، وقبل أن تخطو خطوة واحدة، انحنى يحملها بين ذراعيه، فأحاطت رقبته تتطلع له بدهشة. لقد تغير كليًا عما كان عليه، أصبح أكثر تعبيرًا عما كبت داخله من مشاعر لها، بل أصبح أكثر جراءة!!
ولج يغلق بابهما، وكأنه يتعهد لها بداية علاقة مميزة بينهما تغلق كل الأنين السابق لهما، وقد صدقت بحديثه ومنحته الثقة والاطمئنان، دافنة خلفها كل رغبة ثأر، بعد أن شعرت بأنه يحاول تعويضها عما حدث بينهما، بينما تقنع ذاتها بأنه لم يكن بوعيه.
******
ذراعيه القوية تلتف من حولها، ومازال يدور بها. كلمته المحببة لقلبها كلما نادته تغلغلت داخلها. أحاطت يديه وحاولت الاستدارة إليه لرؤيته. أدارها إليه ولم يفلتها، فأدمعت عينيها وهي تراه، بينما يقول بسعادةٍ:
"وحشتيني يا بيبي."
وجذب الباقة المسنودة على الحقيبة، يقدمها إليها مضيفًا:
"الورد للورد."
تحررت عن صمتها أخيرًا قائلة بغضب:
"مش عايزة منك حاجة، نزلني وابعد عني."
أحكم يديه من حولها، ومال يهمس لها:
"حبيب قلبي شكله زعلان مني وواخد على خاطره."
"_عُمران!!"
ناداه علي بحزمٍ، مضيفًا:
"نزلها الناس بتتفرج علينا!"
انحنى يتركها أرضًا واستدار لأخيه متلهفًا للقائه، فضمه وهو يصيح بشوقٍ:
"دكتور علي!"
ابتسم علي وضمه بحبٍ، فاتسعت عينيه دهشة حينما استمع لهمسه:
"سكلك موزنتشهاش قبل ما تيجي زي ما نبهتك، عموما أنا موجود فتقدر تنسحب."
لكزه بضيقٍ وعدم تصديق:
"إيه اللي بتقوله ده."
أبعده جانبًا وهو يخطف باقة من الزهور المتبقية، ويرنو تجاه فاطمة، رفعه إليها قائلًا في سرورٍ:
"حمدلله على السلامة فاطيما هانم."
اندهشت من نبرته ولكنها التقطت الباقة منه، تجيبه على استحياء:
"الله يسلمك يا عُمران."
وضع الباقة إليها وقال بفخرٍ اعتراه:
"حسام قالي على كل اللي، عملتيه طول الفترة اللي فاتت، حقيقي أبهرتيني يا فاطمة، وشكلي كده هحتاج تكوني مكاني في الشركة الفترة اللي، جاية عشان أحقق أمنيتي المركونة وأخد جولة حول العالم كام شهر."
لكمته مايا بباقة الزهور وهي تصرخ به:
"هو انت لسه ناوي على السفر!!"
ضحك أحمد وأضاف شامتًا:
"ناوي يغلبنا وراه في بلاد الله، إديله يا مايا، الوقح ده تمادى فيها ومحتاجله وقفة."
اختطف منها الباقة وضمها بين ذراعيه يهمس لها بتحذير:
"حبيب قلبه صوته وإيده علوا على جوزه، ومحتاج إعادة تربية من أول وجديد!"
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، فاستطرد بخبث:
"انحرفتي يا مايا في الكام يوم اللي بعدتهم عنك!!"
هزت رأسها تنفي تهمته، بينما تتجه عينيها تستغيث بغوثها:
"علي إلحقني!"
سئم منه ومن تهديداته التي تلاحق أي فرد من العائلة كأنه بلطجي عالمي. اتجه إليه يبعد يده عنها وهو يصيح من بين اصطكاك أسنانه:
"تسمح!"
أبعد عمران يده عنها وقال ببسمة ماكرة:
"هتطلع معانا الاوضة كمان ولا إيه؟"
_عُمـران!
صوتها الرقيق انتشله من مشاكساته المعتادة، استدار، للخلف فوجدها تعود من مرحاض السيدات برفقة إحدى الخادمات المرافقات لها، وعلى ما يبدو بأن السفر أتعبها. ترك كل شيء وأسرع لها يهتف بسعادة:
"فريدة هانم!"
اندثت بين أحضانه تمنع دمعاتها بالهبوط، ريثما هرمونات حملها تجعلها سريعة البكاء تلك الأيام. شعر برجفتها فأحاطها بقوةٍ وهو يتساءل بقلق:
"ماما إنتِ كويسة؟"
هزت رأسها بخفةٍ، وابتعدت تطالعه بحب، بينما تشير بعينيها على ما ترتديه:
"إيه رأيك بالجيب؟"
انخفض بصره تلقائيًا لتنورتها، فوجدها طويلة تصل لقدميها على غير عادتها. ارتسمت ابتسامة جذابة على شفتيه وقال:
"جميل بس الجاكت هو اللي ضيق حبتين، أكيد مضايق كمان البيبي، بس متقلقيش أنا عامل حساب مايا بملحفتين كبار ومزود واحدة احتياطي لحضرتك."
شددت بنبرتها الحازمة:
"ولد!!!"
هدر بخبث وهو يقنعها بما قال:
"هنا الحاجات دي بتتحسد يا فريدة هانم، لازم تداري نفسك على قد ما تقدري، وبعدين فين اتفاقنا على الحجاب؟!!!"
أجابته بحزنٍ:
"وكان جزء من اتفاقنا إنك تساعدني بالشوبنج بلبس محجبات راقي، سبتني ونزلت مصر، من غير ما حتى تعرفني!"
انحني يقبل يدها ورأسها بحنانٍ:
"آسف يا حبيبتي، عارف إني خليت بوعدي بس من دلوقتي أنا رهن إشاراتك، هنعمل شوبنج من اللاب للصبح، كل اللي، تحتاجه فريدة هانم أوامر وعليا التنفيذ!"
ابتسمت وهي تعود لتحتضنه هامسة ببكاء انسدل منها رغمًا عنها:
"البيت من غيرك جحيم يا عمران، عمرك ما بعدت عني بالشكل ده، لما كنت بتسافر في شغل كنت بترجع نفس اليوم على أول طيارة، المرادي سافرت ومهتمتش بيا ولا حتى بمايا."
ربت على ظهرها بحنان وقال بنبرة لمسها الحزن:
"كنت محتاج للفترة دي، اللي عدى انتهى أوعدك عمري ما هبعد تاني."
ورفع الباقة إليها يغمز برماديته بمشاكسة:
"مش هنلاحق على معجبينك هنا يا فريدة هانم، فأيه رأيك تأخدي الورد وأطلعلك الملحفة؟"
حدجته بنظرة مغتاظة، وجذبت ما بيده تخبره بعنجهيةٍ وهي تعدل قبعتها السوداء ولاثام يدها الأسود:
"هاخد الورد بس، وهخرج من هنا مع جوزي."
ووضعت معصمها بيد أحمد الذي اتسعت ابتسامته، وخرج بها يردد:
"وجوزك مش مصدق إنه رجع بلده المرادي مجبور الخاطر ومعاه جوهرته اللي فقدها من سنين."
تابعها عمران وهما يخرجان للسيارة بنظرة متعصبة و، ورفع من صوته الساخر:
"خف من النحنحة لتخبط في شباك العربية قبل ما تدخل من الباب يا أحمد باشا!"
وجده يلتفت إليه يشير بلسانه ساخرًا منه، فجز عمران على أسنانه وهدر:
"خلصنا من نعمان الغرباوي والدور عليك يا جوز الهانم!"
وحينما استدار تفاجئ بعلي يرمقه بنظرة ساخطة، فرسم ابتسامة باهتة وقال:
"أبو علوة ليك وحشة والله."
دفع إحدى الحقائب التي يدفعها تجاهه وأمره بصرامة:
"خرج الشنطة بالعربية."
هز رأسه في طاعة وأشار لما بيده:
"هات شنطة كمان أخرجها."
ببسمة خبيثة قال:
"لا كفايا عليك الشنطة دي."
تعجب من نظرة الخبث التي لم تعهدها أعين أخيه، فرفع ذراع الحقيبة المتحكم بسحبها، فاذا بعلي يأمره مجددًا:
"لا هينكسر، شيلها أفضل."
تعجب مما يقول، ورغم ذلك طبق ما قال، فتوسعت مقلتيه صدمة، وأسقطها عن يده يتساءل بدهشة:
"دي تقيلة جدًا، فيها إيه دي يا علي؟?"
أجابه ببراءة مصطنعة:
"شوية كتب نادرة، مستحيل هلاقيها هنا."
وارتدى نظارته السوداء، وأشار لزوجته وزوجة أخيه بالخروج للسيارة ثم لحق بهما يربت على كتف أخيه قائلًا:
"فين عضلاتك اللي بتتفاخر فيها!! لو فارقتك استخدم لسانك الوقح، طوله هيساعدك."
وتركه وغادر يكبت ضحكاته من احتقان وجه عمران الذي كاد أن يحمل الحقيبة ويدفعها فوق رأس علي، فحملها ومضى خلفه بتأففٍ ووعيد.
استقبلهم آدهم ببسمة لم تصل لقلبه المتألم، وأعين شمس الباكية تراقبه، كانت تود أن تعلم ما به ولكنه رفض الإفصاح عن الأمر، وحديثه لم يكن إلا مبهمًا للغاية، على وعد أنه سيقص لها بالوقت المناسب.
***
وصلت سيارتين للكمبوند الخاص بأحمد الغرباوي، وفور صعود الجميع لغرفهم، خرجت فاطمة للشرفة تتطلع للمنظر الساحر من أمامها بسعادة. أحاطها علي وضمها إليه، يسألها بفضولٍ يفسر حالتها الواضحة:
"مبسوطة؟"
مالت تستند على صدره وهي تجيبه بفرحةٍ:
"جدًا يا علي، الفترة اللي قضيتها في مصر مقدرتش أنساها، ناسها طيبين بشكل مش طبيعي، وبعدين مقابلتنا الأولى كانت هنا إنت ناسي ولا إيه؟"
قبل أعلى رأسها وقال:
"عمري ما نسيت حاجة تخصك يا فطيمة."
استدارت إليه تقابله بنظرة عاشقة، وقالت:
"بالرغم من الحالة الغريبة اللي كنت فيها الا أني كنت بحس بالاطمئنان من أول ما مسكت حالتي من الدكتورة يارا، بس كنت خايفة إنك تسافر وتسيبني."
ضمها بقوة وقال بعشق:
"والحمد لله ربنا لم شملنا وبقيتي حرم دكتور علي الغرباوي!"
تعلقت به وقالت على استحياء:
"بحبك ومش عايزة حاجة من الدنيا غير قربك مني يا علي."
اسدلت شفتيه عن ابتسامة مشرقة:
"وأنا مش عايزك غير قريبة باستمرار يا روح قلب علي!"
****
سحب ساعته الموضوعة على الكومود يتفحصها، ثم تطلع لمايا الغافلة بين ذراعيه. حملها عمران برفق ووضعها على الوسادة، ثم تسلل من جوارها يجذب قميصه، ومن ثم اتجه لإحدى الحقائب يجذب ملابسه. ولج لحمام غرفته يغتسل، وخرج يتسلل للخروج.
ما أن لمس مقبض الباب حتى وجدها تناديه:
"على فين يا بشمهندس؟"
ضم شفتيه معًا بغيظ، واستدار لمن فعلت إضاءة الغرفة، تربع يديه معًا وتقابله بنظرة حادة. اتجه إليها يجلس قبالتها وقال:
"الفجر قرب يأذن نازل أصليه بالمسجد يا حبيبي."
دنت منها نظرة لساعة الحائط وقالت باستهانة:
"لسه ساعة عن الفجر يا عُمران، ممكن تفهمني بتخبي عني إيه، أنا خلاص تعبت من التفكير!"
أعاد خصلاتها المتمردة خلف أذنها، وانحنى يجذب مئزرها الشتوي، يعاونها على ارتدائه ويدثرها بحنانٍ هدأ من ثورتها رغمًا عنها. ثم جلس قبالتها يطالعها بنظرة غامضة، أنهاها بقوله الجاد:
"في أصعب الأوقات اللي مرت بيه علاقتنا مشكتيش فيا يا مايا، فأوعي عقلك يصورلك إني بعمل حاجة غلط وأنا بعيد عنك، أنا بطبعي مبحبش الخيانة، فتأكدي إن عيني عمرها ما تخونك بنظرة واحدة لغيرك، وإن قلبي عمره ما علت دقاته لست غيرك."
أسرعت تبرر له:
"مقصدتش اللي في دماغك، بس نزولك مصر مرة واحدة، مدتك اللي، طالت عن يومين زي ما قولتلي، وفجأة قرارك بالاستقرار هنا، ودلوقتي بدل ما تفرح إننا اتجمعنا بتتسحب وعايز تخرج!!"
نهض يتجه للبراد الصغير، يحمل إحدى زجاجات العصائر، يسكب منها بكوب زجاجي، وعاد لها يقدمه إليها:
"اشربي واهدي يا مايا، شدة الأعصاب دي وحشة عشانك إنتي والبيبي."
هزت رأسها نافية بعناد:
"مش عايزة أشرب حاجة، ولا عايزة أسمعك تاني، اخرج براحتك مش فارق معايا."
وولاته ظهرها وهي تعصف دموعها بوجع، لا تعلم ماذا أصاب زوجها بالتحديد. ترك ما بيده وتمدد خلفها يحيطها برفقٍ، يربت عليها رغم رفضها الصريح لبقائه جوارها، فدفعته وهي تهدر بعصبية:
"روح مشوارك اللي بتتسحب عشانه وش الفجر."
سيطر عليها بقوته ومنعها عن دفعه، قائلًا باستنكار:
"أنا ممانعتش أقولك أنا رايح فين وماشي بدري ليه، مايا أنا مش عايزك تزعلي من شيء مش مستاهل، زعلك ودموعك تهمني وميهونوش عليا حبيبتي."
وبلطف تابع:
"ممكن نتكلم شوية وبعدها لو ليكِ حق هعمل اللي يراضيكِ؟"
استدارت إليه تتطلع له بحزنٍ، وجلست بمحلها كالطفلة المطيعة. منع ابتسامته من الانفلاج واستقام جوارها يسحب العصير مجددًا، قابلته بنظرة عناد وغضب، فقال ببرود يصطنعه:
"البصة دي ترعب أي حد بس للأسف يا بيبي متأثرش مع عُمران الغرباوي!"
ومرر يده على شعرها كأنه يروضها:
"حبيب قلب جوزه هيعقل كده ويسمع الكلام، عشان اللي بينا ميقلبش زعل بحق وحقيقي، أنا مراعي لكل حالاتك وتقلباتك وبحاول أهدى وأعقل فبلاش تستفزيني يا مايا!"
سحبت الكوب منه ترتشفه على مضضٍ، ثم ناولته إياه دون أن تنتهي منه. زوى حاجبيه يتفرس بالكوب، فقالت باستياء:
"اتكلم بقى يا عمران معتش قادرة أكمله!!"
طالعها بنظرة مشاكسة وقال:
"بس أنا كلامي عهد!"
زفرت بغضبٍ، فضحك وهو يلف الكوب يرتشف من محلها وهو يردد:
"هساعدك تنفذي أوامري!"
ارتشف نصف الكوب ووضعه جواره فابتسمت رغمًا عنها، وما أن عاد إليها حتى تلبست رداء الغضب والاستياء مجددًا. طالعته باهتمام لسماع ما سيقول فوجدته يضمها مجددًا وهو يهتف في مرحٍ:
"تعالي في حضني عشان تهدي خالص وتسمعيني بقلبك مش بدماغ الستات النكدية اللي مستحوذة عليكي الوقتي."
دفعته عنها وبعصبية صاحت:
"هتتكلم ولا آ…"
تلتت إصبعها المسلط بوجهه، فسحبته وزفرت بيأس:
"قوم اخرج يا عمران مش عايزة أسمع منك حاجة."
تغاضى عما قالت، وردد بهدوء:
"لما وصلت هنا كنت تايه ومهموم، اللي عمله جمال مكنش سهل عليا حتى لو حاولت أبين عكس ده، كنت فاكر إن مفيش دوا لوجعي، بس كل ده انتهى بمجرد وصولي حارة الشيخ مهران."
اعتدلت بجلستها تنصت إليه حينما شرع بالحديث، فتابع وهو يتطلع لها عساها تراقب الراحة التي تغمر رماديته فور الحديث عن مكانٍ ارتاح به:
"وبالاخص المسجد اللي الشيخ مهران مسؤول عنه، لما بصلي فيه بحس براحة وسكينة صعب أوصفهالك، كمبوند عمي بعيد عن الحارة مسافة نص ساعة سواقة، عشان كده أنا خارج بدري لاني مش عايز أصلي في أي مسجد وخلاص، عايز أروح المكان اللي برتاح فيه يا مايا، ومحبتش أضايقك وإنتي راجعه من سفر والارهاق باين عليكي."
وأضاف وهو يقترب منها:
"لسه مش مصدقاني؟"
هزت رأسها بنفي وقالت:
"عمري ما شككت في كلامك عشان مصدقكش."
وببسمة مشرقة قالت:
"أي مكان هيريحك هحب إنك تكون موجود فيه، قوم عشان متتأخرش على الصلاة، وحاول ترجع بسرعة عشان هتقضي اليوم ده معانا هنا."
قبل أعلى رأسها واجابها بحب:
"مش هتأخر بإذن الله."
وجذب الغطاء يعاونها على التمدد:
"ارتاحي وحاولي ترجعي للنوم عما أرجع."
هزت رأسها في طاعة وضمت الغطاء إليها بابتسامة صغيرة، وتابعته وهو يرحل بحب، حتى غفت محلها مطمئنة.
******
وصلت سيارة عُمران لحارة الشيخ مهران، صفها وأتجه للمسجد مسرعًا. ابتهجت معالمه حينما وجد الشيخ مهران يجلس جانبًا يقرأ بمصحفه الشريف، مثلما اعتاد أن يراه قبل كل صلاة. دنى إليه يردد ليلفت انتباهه:
"السلام عليكم."
انتهى من قراءته ورفع رأسه يتأمله ببسمة بشوشة:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لو فاتك صلاة الفجر معانا النهاردة كنت هزعل."
استند على يده ونهض يتجه به للسماعات الخارجية للمسجد:
"بما إنك وصلت بدري، فذكر الناس بصوتك اللي مش هيتنسى ده."
منحه ابتسامة ممتنة لما يحاول الشيخ زرعه فيه، فالتقط منه السماعة وبدأ يردد الابتهالات مثل ذلك اليوم الذي فاض حزنه على رفيقه، ولكنه اليوم أفضل حالًا.
توافد الكثيرون للمسجد قبل موعد الصلاة، فرحة بسماع صوت عُمران الذي بات محببًا إليهم، حتى يونس وآيوب توجها سريعًا للمسجد، وعلى بابه وقف إيثان يلتقط فيديو تفصيلي لعمران ولعدد الرجال الجالسون من خلفه، حتى إقامته للصلاة والمصلين، ونشره على صفحته الخاصة، فنالت استحسان عدد مهول من المشاهدات والمعجبين.
مرت الساعات وأتت الساعة المحددة لمغادرة آيوب لطائرته المتجهة إلى لندن. وبالرغم من ذهاب إيثان ويونس وعمران رفقته، الا أن سدن أصرت كل الإصرار لاتباعه، فصعدت جواره بالخلف بسيارة عمران، ومن خلفه إيثان ويونس.
صف عُمران السيارة جوار المطار، وقال دون أن يستدير إليه:
"هدخل الشنطة وهشوف يونس."
إشارة منه أن يبقى بالسيارة برفقة زوجته قليلًا ليودعها، فمنحه آيوب ابتسامة ممتنة، وتبقى برفقتها ينتظر مغادرته. وما أن غادر حتى قال بمشاكسة:
"مكنش له لازمة إنك تيجي معايا يا سدن."
تطلعت إليه بدموع وقالت:
"إنت ليه مش حجزتي ليا معاكي، أنت سايبني هنا ومش راجع تاني آيوب؟"
مال بجلسته لها، يهتف باستنكار:
"إيه الهبل ده؟! أنا رايح تلات أيام امتحن وأرجع يا سدن، وبعدين إحنا مش سبق واتكلمنا في الموضوع ده كتير، وقولتلك أني مستحيل أبعد عنك!"
فركت أصابعها بارتباكٍ وقالت:
"أنا حاسس إنك اتورطت بيا آيوب."
ضحك حتى أدمعت عينيه وقال:
"تبقى أحلى ورطة في حياتي."
وضم كفيها إليه بحب، أرغمها على رؤيته بعينيه:
"سدن إنتِ مش حاسة بحبك جوايا؟ متقوليش إنك مش شايفة اللي الكل شايفه."
انهمرت دموعها على خديها، ورددت بحشرجة ذبحت حلقها:
"محتاجة أطمن."
ضمها إليه وقال بعشق:
"إيه الضمانات اللي تطمنك وأنا مستعد ليها، لو سفرك معايا هيطمنك هنزل حالا أحجزلك تذكرة معايا."
ابتعدت عنه على استحياءٍ وقالت:
"لا، كلميني كل يوم لحد ما ترجعي وأنا هطمن."
تعالت ضحكاته الرجولية وفاه بحنق:
"ترجعي!! أنا بسبب المؤنثات اللي عندك دي هاجر بلا عودة يا أخ."
لكزته بقوة وبعنف قالت:
"متقدرش تعملها هقطعك بسكينة الملوخية بتاعتك حاج رقيا."
تمادت ضحكاته بعدم تصديق:
"اللهم صلي على النبي، الحاجة رقية أجادت التربية قولًا وفعلًا."
ابتسمت بخجلٍ، بينما مال يقبل أعلى رأسها وهو يهاتفها بحب:
"خليكِ هنا لحد ما عمران يرجع يوصلك، متنزليش من العربية."
هزت رأسها في طاعة، فاستكمل يودعها:
"استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه."
قالها وهبط على الفور حتى لا يرى دموعها. ولج للمطار فتفاجئ بوجود سيف وجمال برفقته يقبض على كفه كالشرطي القابض على المتهم، ويغفو على المقعد من خلفه. زفر سيف بتعصب وحركه بعنف:
"بشمهندس!!"
انتفض جمال بنومته وقال يفرك عينيه:
"آيوب وصل؟"
أشار بضيق على من يراقبهما بتعجبٍ، وقال بنفور؛
"ممكن تسبني بقى، ولا أشاورله من غير ما أسلم عليه؟"
فك حصاره وهو يجيبه بابتسامة تعمد أن يستفزه بها:
"لا طبعًا يا سيفو سلم وودع وإحضن للصبح لكن تتنقل هنا ولا هنا من غيري هزعلك."
زفر بانفعال وتركه واتجه لآيوب الذي سأله باسترابة:
"هو أنت عملت إيه بالظبط؟؟؟؟؟"
زفر بسخطٍ وقال:
"أنا مظلوم صدقني أخويا وصاحبه اللي أوڤر شوية، سقف المصنع وقع على رجالة يمان الكلب فرتكه هو وهما ذنبي إيه معرفش!!"
أحاطه بنظرة مشككة، فتابع سيف بعدم اهتمام:
"فكك خلينا في المهم، تخلص امتحانات وتجري على أول طيارة راجعة مصر، أنا مش نازل عشان تروح إنت مش بنهرج هنا!!"
منحه ابتسامة جذابة وقال:
"متقلقش همتحن على السريع وراجعلك نعيش مغامرات هنا بمصر وبالمرة تحكيلي حكاية سقف المصنع المهجور ده."
مرر يده على خصلات شعره متصنعًا عدم سماع الجزء الأخير من حديثه، فأعاد آيوب كلماته ضاحكًا:
"مغامرات دكتور سيڤو حقنة ضد أدغال يمان وأعوانه!"
دفعه سيف بغضب:
"ما خلاص يابن الشيخ مهران إنت هتغني!!"
تلاشاه ضاحكًا، وتوقف يمشط المكان بعينيه ولمعة الحزن تتشكل داخله. تعجب سيف لها، فسأله باهتمامٍ:
"بتدور على حد؟"
تمتم بارتباك:
"لا، بشوف يونس وعمران كانوا هنا مع إيثان."
قالها وسحب هاتفه يتفحصه بأمل، خاب حينما لم يجد أي رسالة من آدهم، حرمه من وجوده وحتى رسالة منه!
***
بالخارج.
حمل عمران الحقيبة وكاد بالدخول خلف آيوب برفقة يونس، ولكنه توقف حينما أوقفه إيثان يناديه بعصبية، وغضب:
"خواااااجة!"
زفر عُمران بانزعاجٍ واستدار إليه، فوجده يهرول إليه وبيده الهاتف، وعلى ما يبدو بأن أحدهم أعلمه بما يحدث بحارة الشيخ مهران، فصاح غاضبًا:
"إنت اديت مفتاح الجيم لمين؟؟؟ ده أنا هروح فيك في داهية، سرقة عيني عينك كده وبالنهار!!!!!"
ضم منخاره بيده وهو يحاول استجماع كل هدوئه الهارب عنه، بينما هتف يونس بدهشة:
"سرقة إيه دي يا إيثان!!"
أجابه ونظراته المتعصبة لم تترك عمران:
"الواد مصطفى البقال بيكلمني وبيقول إن في تريلات داخلة الحارة وفيها عمال عاملين يرموا الأجهزة اللي في الجيم برة!"
وتابع بمهاجمه صريحة:
"الخواجة شكله استغل خروجنا من الحارة وبعت حد يسرق الأجهزة الخردة اللي مكنتش عاجباه!"
ضحك عمران رغمًا عنه، وقال ساخرًا:
"أيوه أنا طمعت في الخردة اللي عندك فبعت حرامية يستبدلوها بأجهزة بخمسة مليون دولار!!"
جحظت عيناه في صدمة، بينما ردد يونس بصدمة:
"كام؟"
أغلق إيثان فمه المفتوح وهدر بانفعال:
"بقولك إيه يا حبيبي لو فاكر إنك هتدبسني في المبلغ الخزعبل اللي ده تبقى بتحلم، ده أنا مصري وأعجبك أوووي."
وتابع وهو يضم يونس المندهش:
"الفاتورة على يونس، اديله وصولات الأمانة بسرعة وأنا أضمنه برقبتي!"
حدجه يونس بغضب، وهدر من بين اصطكاك أسنانه:
"عايز ترجعني السجن تاني يا حقير!!"
ازاح عُمران يد ايثان عن كتف يونس، وأحاط كتفه هو مرددًا بخبث:
"هو إنت نسيت اتفقنا ولا إيه يا إيثو!"
وزع نظراته المرتعبة بينه وبين يونس متسائلًا:
"اتفاق إيه؟ أنا مش فاكر حاجة!!"
رد عليه عُمران بمكر:
"متقلقش أنا مبنساش حاجة، عمومًا اطمن أنا مش هدفعك حاجة بما إنك تركت إدارة الجيم ليا، فياريت تتابع اللي هيحصل بصمت، وتتفرج عليا وأنا بكسب التحدي بينا ووقتها هساومك على الجيم بشيء يهمني أخده من البداية."
قالها بنظرة غامضة جعلت إيثان يضم بطنه بشكل مضحك خاصة وهو يصيح:
"مش هفرط في كليتي لو عملت أيه!!"
انفجر يونس ضاحكًا، بينما هدر عمران ساخطًا وهو يمنع ذاته من الضحك:
"اتنيل بكلاويك، إنت متنفعش حتى في قطع غيار البني آدمين."
وتابع بحزمٍ أقلق إيثان:
"يونس خد بالك من الحيلة، مش عايزين نزعل السيدة الوالدة عليه!"
وتركهما وولج للداخل، فسحب إيثان أنظاره عنه وهتف بتوتر:
"روحني يا يونس الخواجة ده شكله خطير!!"
رد عليه يونس بسخرية:
"يا راجل!!"
*****
سكن الحزن عين آيوب، حينما طل عُمران بمفرده، بقى الجميع برفقته قرابة الأربعين دقيقة حتى حان موعد رحيله، فودعهم جميعًا وسحب كف عمران بعيدًا يسأله بتردد:
"هو آدهم مجاش يا عُمران؟"
تعجب من حالته الغريبة، وحزنه الغير مبرر، فقال يداعبه:
"ما نجيب حارة الشيخ مهران كلها تودعك يا بشمهندس!! دول تلات أيام وراجع مش رايح تحرر سينا بروح خالتك!"
عبث بضيقٍ:
"معنديش خالة أصلًا."
ضحك وهو يجيبه:
"عارف، الحاجة رقية مينفعش أهزر بيها بس ممكن أقولك يا حيلتها مش إنت الحيلة بردو؟"
ضحك آيوب حتى أحمر وجهه، وقال بصعوبة بالحديث:
"لا، يونس ابنها الكبير من قبل ما أجي، ومش فارقالي لو قولت روح أمك لاني فعلا روحها وحياتها وهي بالنسبالي أكتر من كده."
ابتسم عُمران وقال وهو يربت على ظهره:
"طيب يالا عشان طيارتك."
هز رأسه بتفهمٍ، وخطى للامام ثم عاد له يسأله بحرج:
"طيب قولي آخر مرة شوفت آدهم إمتى؟ يعني إنت مشيت معاه امبارح وكده."
ازداد اندهاشه من تعلق آيوب الغريب بآدهم رغم وجود سيف صديقه المقرب، فقال باستغراب:
"هو في إيه يا آيوب؟"
حك ذقنه بتوتر، وقال:
"مفيش أنا بس مستغرب إنه حتى مكلمنيش."
هز رأسه بعدم اقتناع ورد عليه:
"كان معايا امبارح وأنا بستقبل عيلتي من المطار، وصلنا الكمبوند وبعدها مشى ومشوفتوش من ساعتها."
حرك رأسه هو الآخر بابتسامة جاهد بها ليخفي حزنه، وسحب الحقيبة وهو يودعه:
"سلام مؤقت."
ودعه عُمران وهو ينبهه:
"خد بالك من نفسك وياررريت ترجع المرادي فااااضي، مالكش دعوة بالمشاكل لإنك وللأسف هتكون هناك لوحدك من غيرنا، وللأسف مرة تانية دكتور يوسف مالوش في العوق ده، لو تعرف حد حالته متعسرة ومالهاش حل إلجأ ليه غير كده يُفضل تكون مستقيم عشان تتوازى معاه!"
ضحك وهو يؤكد له:
"متقلقش عليا."
غادر آيوب الباب الرئيسي، الذي لم يسمح لأحدٌ أن يتخطاه من الأهالي سوى المسافرين الحاملين لجوازات السفر. ختم أوراقه وإتجه للمقاعد المعدنية ينتظر النداء الأخير لطائرته. وجل ما يشغل باله آدهم الذي تخلى عن وداعه وهو الذي لم يتركه بأي ظرف هام.
بدأ يلوم نفسه بأنه كما قال الطاووس الوقح لم يغادر لسنواتٍ ليأتي الجميع لتودعه، ولكنه للحق سيشتاق إليه كثيرًا، ربما هو من الأشخاص القلة الذي سيفقدهم للغاية. ومن بين شروده أتاه صوتًا محبب له يناديه:
"آيـــــــــوب!!!!!!"
استدار جواره فوجده يحركه بقلقٍ وهو يردد:
"بقالي ساعة بناديك، سرحان في إيه إنت؟!"
رفرف باهدابه يستوعب وجوده، وصاح بعدم تصديق وهو ينصب عوده:
"آدهـــــــم!!!!!"
اندهش من صياحه الغريب وكأنه يأتي من سفر أعوامٍ للتو. استقام قبالته فاذا بالاخر يحتضنه بقوة وهو يردد بفرحة:
"كنت هزعل أوي لو مشيت من غير، ما أشوفك."
ربت عليه بحنانٍ يينما عينيه يملأها الوجع، آيوب يحمل معزة تخصه وحده وهو يشعر بذلك، يخشى أن يبتعد عنه وتنزاح مكانته فور كشف الحقيقة.
ابتعد عنه آيوب يطالعه بصدمة، لحقت سؤاله:
"بس إنت دخلت هنا إزاي!! مش مسموح لحد يدخل هنا؟"
ابتسم وهو يجيبه بغرور:
"وأنا مش أي حد!"
وجلس يضع قدمًا فوق الأخرى بتعالي مصطنع:
"إنت ناسي إني ظابط من الجهاز ولا إيه!"
جلس جواره يشير له بسعادة، ختمها بقوله:
"مش ناسي إنك ظابط مهم وتستاهل اللي وصلتله لانك من أنضف الناس اللي قابلتها، المهم بالنسبالي إنك افتكرت معاد طيارتي وجيت."
تعمق بالتطلع إليه وقال بغموض:
"مقدرش أنسى حاجة تخصك يا آيوب."
وسحب نفسًا مطولًا وهو يخبره:
"المهم مش عايزك تخاف من حاجة، ركز في امتحاناتك ومتفكرش في اللي حصل، محدش يقدر من أهل عم مراتك يأذيك بره، في حوليك اللي هيأمنك، متقلقش منهم دول تبعي، صب كل تركيزك على امتحاناتك وبس، مفهوم ولا لا يا بشمهندس؟?"
ابتسم وهو يحيه:
"عُلم وينفذ يا حضرة الظابط."
عدل من جاكيته وهو ينهض قبالته:
"النداء الأخير يا بشمهندس."
زم شفتيه وسأله بسخط:
"إنت ليه بطلت تقولي يابن الشيخ مهران، كانت حلوة منك."
تلاشت ابتسامة آدهم تدريجيًا، وبصعوبة سيطر على نفسه وهو يخبره بحزمٍ:
"طيارتك هتفوتك يا آيوب، ووقتها الشيخ مهران هيعرفك الحلو من الوحش."
ارتدى حقيبته واحتضنه للمرة الأخيرة، وقال متعجلًا وهو يهرول:
"لم انزل باليوم التالت عايز ألقيك هنا قبل ما أخرج للشباب، والا هزعل يا حضرة الظابط."
هز رأسه وقال بابتسامة جذابة:
"هتلاقيني في انتظار جنابك يا باشا."
وصلت ضحكاته لمسمع آدهم، ورأه يلوح له فأشار بيده وما أن تأكد من رحيله حتى عاد لمقعده مهمومًا. لثاني مرة يتساءل عن اعتكافه عن نسبه للقب أبيه المحبب لقلبه. العاصفة القادمة ستحيل حياة آيوب جحيمًا وياليته يملك خيار إيقافها، فمن الذي سيجازف على تحمل ذنب كبير أن يظل منسوب لشخصٍ غير أبيه، حتى وإن اختار البقاء برفقة الشيخ مهران عليهم أن يعدلوا ما فعله مصطفى من خطيئة والخيار الأول والأخير إليه.
يعلم بأن القادم ليس سهلًا بالمرة، فتنهد بهمومه المؤلمة وردد:
"يا ررب!"
*****
صنع "علي" كوب قهوته، وخرج للحديقة برفقة إحدى كتبه، فوجد عمه يركض بالحديقة. وما أن رآه حتى اتجه إليه يقول مبتسمًا:
"صباحك سعادة يا دكتور."
رد عليه وابتسامته الجذابة ترسم على وجهه:
"صباح الجمال أحمد باشا، إيه سر اللياقة دي على الصبح بتحاول توقع فريدة هانم للمرة التانية ولا إيه؟!"
سحب مقعد يقابل مقعد طاولته، وهتف ضاحكًا:
"ده أنا نفسي طلع عما نجحت أوقعها، أفكر أوقعها تاني!! لا لياقتي ولا سني عاد يسمح، يا علي يا ابني فريدة هانم دماغها حجر صوان، بعد عشرتي الطويلة ليها أحب أكدلك إنها أصعب وأشرس نساء الأرض!"
انفجر علي ضاحكًا فشاركه أحمد الضحك وقال:
"أنا يوم جوازي صليت ركعتين شكر لله إنها أخيرًا وبعد السنين دي كلها رضت عليا، وبيني وبينك خايف تجبلي بنت عنيدة زيها، عشان كده قررت إنك الانسب فينا كلنا اللي تربي الطفل اللي هيجي."
مازحه قائلًا:
"عمران حاجز قبلك."
هدر مضجرًا:
"هو الوقح ده عايز اللي يربيله ده يربي قبيلة بكبيرها، ده شغل عمالة في قصر الغرباوي من غير إذني ونهايتها قاعدين في الكمبوند!"
تعالت ضحكاتهما الرجولية، حتى تساءل أحمد بجدية:
"مقولتليش ناوي على إيه؟"
لفظ زفيرًا بطيئًا وقال:
"ناوي أفتح فرع تاني من المركز هنا، حابب أستقر بمصر الفترة دي، لإن دي رغبة فاطيما ورغباتها بالنسبالي أوامر مجابة."
ابتسم وهو يربت على يده الممدودة:
"ربنا يهنيكم ويخليكم لبعض، تأكد إنك لو احتاجت أي مساعدة أنا موجود."
أكد له باحترام:
"واثق من ده يا عمي."
أبعد مقعده وجذب المنشفة يجفف عرقه:
"هخليهم يحضروا الفطار، عما أطلع آخد شاور."
هز علي رأسه بتفهمٍ، وعاد يقرأ كتابه بتركيزٍ، حتى داعب أنفه رائحة الزهور المميزة التي كان يبتاعها لفاطيما طوال فترة بقائها بالمشفى. وما كاد بالاستدارة حتى وجدها تقدم له.
كالفاتنة هي بفستانها الزهري وحجابها المنسدل برقة، تقف قبالته وتقدم له الباقة التي صنعتها من الحديقة بيدها. نهض يراقبها باستغراب:
"فاطمة إنتِ صحيتي إمتى؟"
قدمت له الزهور وقالت:
"من بعدك على طول، ممكن بقى تتفضل الورد."
حملها منها وقال بحب:
"أكيد، بس مين اللي
رواية صرخات انثى الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم ايه محمد رفعت
الثلاث أيام تمر بثقلهم على قلب الشيخ مهران والسيدة رقية. كلاهما يخشى من وقت كشف الحقيقة لآيوب. مرت تلك الأيام عليهما بصعوبة، وها هما الآن يجلسان على طاولة طعام الإفطار دون أي شهية.
تدفقت دمعات رقية على خديها، وحررت صوتها الذي بح من فرط البكاء، متسائلة:
_ وبعدين يا مهران، هنفضل قاعدين حاطين إيدينا على خدنا كده ونسيبه يأخد ابننا؟ أنا لا يمكن أقبل بده أبدًا حتى لو اضطريت أروح أقوله الكلمتين دول في وش عديم الضمير ده.
طالعها بنظرة شفقة، يعلم حجم الوجع الساكن داخلها. كيف تحتمله وهو رجل لا يحتمل آلامه. تحرر عن صمته، يخبرها بعقلانية وتمنى أن تتفهم حديثه:
_ افهمي يا بنت الناس، إحنا عرفنا الحقيقة. ولو سكتنا عليها ربنا سبحانه وتعالى هيغضب علينا يا رقية. ده اختلاط أنساب يا رقية، إنتِ أد أنك ترتكبي معصية كبيرة زي دي!
تمادت بالبكاء، فترك مقعده وجلس جوارها، يناديها بأفضل ما أحبت سماعه:
_ يا وصية رسول الله، والله يحزنني حزنك، ويقتلني بكائك. لو امتلك العبد الفقير إلى الله فرصة، ما رغبت أن أفرقك عنه أبدًا.
مالت على كتفه، فربت عليها وهو يشد من عزيمتها:
_ آيوب عمره ما هيبعد عننا، حتى لو عرف الحقيقة.
ومال برأسه لها، يسألها:
_ إنتِ تايهة عن تربية إيدك ولا إيه يا حجة رقية؟
أزاحت دموعها عن وجهها، وقالت برجاء وقلق:
_ واثقة في ربنا إنه مش هيكسر قلبي يا شيخ!
***
دار خلفه وهو يتابع عمل فريقه في تنسيق الديكورات، فناداه بضجر:
_ تسمح يا خواجة.
منحه عمران نظرة شاملة، ثم عاد يتمعن باللوحة التي يعرضها له أحد عماله. شملها بنظرة متفحصة، ثم أشار له بالجانب الخارجي من المحل:
_ الفكرة حلوة، بس هتحتاجوا تكسروا الباب ده خالص. عايزة كله إزاز ومن النوع اللي كتبتهولك.
وتابع وهو يرفع رماديته للأعلى:
_ وعايز باب من الحديد يدعم الإزاز.
هز العامل رأسه باحترام:
_ تحت أمرك يا بشمهندس، حالًا هنبدأ فيه.
زفر إيثان بغيظ، ونكز كتف عمران بغضب:
_ يكسروا إيه؟ ما تفهمني إنت بتعمل إيه هنا؟ خلاص خلصت جولتك في الجيم نزلتلي هنا؟ وبعدين إنت جبت مفتاح البوتيك منين؟
قال ببرود دون أن يستدير إليه، بينما يتابع تفحصه للوحة التي حملت تصميم فريقه لشكله النهائي:
_ أخدته من يونس.
واستدار يخبره بعنجهية:
_ تسمح ترجع المحل لحد ما نخلص، إنت عامل لي إزعاج أنا وفريقي!
احتقنت مقلتا إيثان، فجذبه إليه وهو يصيح بانفعال:
_ بقولك إيه يا خواجه، أنا جبت آخري منك. يا تقولي ناوي على إيه يا تطلع من هنا إنت وفريقك كله.
وزع نظراته الهادئة بينه وبين يده الممدودة على بدلته الزرقاء الباهظة بنظرة جعلت إيثان يسحب كفه بارتباك، أرضى غرور الطاووس. استدار يسلم اللوحة لأحد الفريق وسار للخارج، يعطي أوامره بغرور:
_ تعالى ورايا.
حك إيثان لحيته وهو يعتصر أسنانه بغيظ منه، ومع ذلك لحق به للخارج، حتى وصل لإحدى التريلات المصفوفة على جانبي الحارة، فقال ساخرًا:
_ دول العربيتين اللي واقفين هنا من تلات أيام كأن مالهمش صاحب. التالتة مشت بعد ما نزلت الأجهزة بتاعت الجيم، شكلها تعرف طريق الرجوع ودول تاهوا منها.
قالها بسخرية وصوت ضحكاته لم تثر في عمران مثقال ذرة، بل أشار للسائق الذي يحرص السيارة، فهبط يتجه للباب الخارجي، ومن خلفه يتبعه إيثان بفضول لمعرفة ماذا تحوي تلك الشاحنة. فتح الباب من أمامه، وبرز من خلفه صناديق حملت لوجو شركات أزياء عالمية، ومن حولها متعلقات ذهبية تحوي بداخلها أفضل أنواع البذلات والملابس الرجالية. جحظت عين إيثان صدمة، وولج للداخل كالمسحور، وكأنه يفرك مصباحه السحري الآن، فتحققت كافة أمانيه المعلقة.
بقى بالداخل لثلاثين دقيقة يحاول بهم استيعاب ما يراه، ثم خرج يهرول لعمران الذي يطالعه من خلف نظارته السوداء وبدلته الرسمية التي لجأ لها بعد فترة طويلة، هيئته توحي بأنه كان بالعمل للتو. وبالفعل خرج من مقر شركاتهم هنا بالقاهرة واتجه لحارة الشيخ مهران، دوائه ومسكن إزعاجه اليومي الشاغر. وها هو ينتظر رد فعل إيثان بكل ترقب.
هرول إليه يحتضنه بقوة ألمت جسد عمران، ومع ذلك استقبله بكل ترحاب. بالرغم من مناوشاتهما المستمرة، إلا أنه يحمل معزة ومكانة غريبة لهذا الإيثان. ابتعد عنه يطالعه بسعادة وقال:
_ بقى التريلا دي فيها كل ده ومركونة هنا من يومها!
هز رأسه وقال بمشاكسة:
_ ولو مسكت لسانك وسبتني مع فريقي ساعتين كمان كانوا هيتعلقوا جوه البوتيك وهتستلمه كامل، بس هنقول إيه في الغبي اللي معطلنا من الصبح جوه!
وأضاف، والآخر يتابعه بصمت:
_ عشان كده مرحتش مع يونس وآدم وهما بيجيبوا آيوب!
هز رأسه إليه، فلطم جبهته برفق وهو يردد بضيق:
_ طول عمري لساني أطول من دراعي، بس يقصر النهاردة لأجل عيونك الملونة دي يا خواجة.
حدجه بنظرة ساخرة وقال:
_ أتمنى!
ذهبت سكينته المؤقتة فور أن رأى عدد من الشباب يوزعون بطاقة الدعوات لافتتاح الجيم الرياضي، فقال يشكو لعمران:
_ العيال دي قليلة الرباية، وزعوا على الناس كلها ومش راضيين يدوني دعوة. هو أنت مقولتلهمش إن الجيم بتاعي ولا إيه؟
أزاح نظارته للخلف وصاح ساخرًا:
_ أنا منبه عليهم إن البطاقات توصل للشباب والرجالة بس!
احتقنت مقلتاه بوميض خطير وصاح باستنكار:
_ وأنا أيــــــــه؟!!!
كبت عمران ضحكاته بصعوبة، وأشار لأحد الشباب ليقترب إليه، التقط منه دعوة وقدمها لإيثان قائلًا:
_ راجل وسيد الرجالة، طول ما أنت بعقلك وراسي كده، هتخف منك. هقلب على أمك!
وتابع وهو يمضي خطوتين بعيدًا عنه:
_ بكرة الافتتاح، هستناك الساعة ٧ بليل متتأخرش يا إيثو.
قالها وغادر من أمامه، بينما الأخير يعبث بما بيده وهو يردف بصدمة:
_ هو عزمني ليه، أنا صاحب الجيم!!
هرع من خلفه يوقفه صائحًا:
_ اسمع يا خواجـــــــــه!
توقف عمران محله واستدار ملتحفًا برداء ثباته، بينما الأخير يقذف الدعوة تجاه الشاب ويخبره بغيظ:
_ اعزمه بيه حد من الشباب يابني، أنا مش محتاج عزومة، ده المكان مكاني!
التقط الشاب الدعوة وما كاد بالابتعاد حتى أوقفه عمران قائلًا:
_ رجعاله الدعوة ونبه على الشباب إن الكائن ده ميدخلش إلا بيها.
ارتبك الشاب بينهما، وخاصة حينما لمح نظرات هذا الإيثان الذي يود أن يندرج بحرب دموية بينه وبين عمران. ومع ذلك التقط الدعوة منه بقوة جعلت الشاب يهرول حبًا بالنجاة. شيعه بنظرة أخيرة، وأشار لسائق الشاحنة الأخرى باتباعه، ومضى بطريقه تاركًا ذاك الحائر من خلفه، يتطلع للبوتيك الخاص به بنظرة شاردة. فإذا بريح طيبة تدغدغ أنفه، جعلته يبتسم وهو يهمس بحب:
_ شيخ مهران!
قالها واستدار لذاك الرجل الذي يتعطر بالمسك والريحان، رائحته تطيب منه قبل وصوله. سبقته لا تفارق يده ومئزره البني يرفرف من خلفه فوق جلبابه الأبيض. قابله بابتسامة بشوشة وقال:
_ واقف مش على بعضك ليه؟
أشار بعينيه على البوتيك:
_ الخواجة باعت فريق يشطب لي المحل ومش كده بس، التريلا اللي واقفة من كام يوم دي فيها لبس ماركة مقدرش على تمنه.
وأضاف بحيرة نجحت باطرائها على تعابيره:
_ أنا مش عارف هو بيعمل معايا كده ليه؟ مش معقول بيعملها جمايل يعني، أكيد وراه حاجة أنا معرفهاش!
ابتسم الشيخ مهران وقال:
_ ولما عملت كده يا يونس كان وراك حاجة؟
عبث بمقلتيه بحيرة، فتابع الشيخ حديثه:
_ الخير اللي عملته لو نسيته رب العباد عمره ما بينساه. الخير بيتردالك بالأعظم من عطية العبد يابني. ربنا سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"
"لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا"
"صدق الله العظيم".
وأضاف بحكمة منه:
_ فعلت الخير ومنتظرتش مقابل، اتخليت عن أحلامك ووقفت واقفة راجل جنب صاحبك المسجون، واللي ربنا سبحانه وتعالى أعلم إذا كان حي ولا ميت. أكرمته وربنا أكرمك، فسخر لك عمران سبب، ويمكن ده سبب من أسباب نزوله مصر، والله أعلى وأعلم.
شرد بحديثه المتقن، كان منظمًا بطريقة لمست قلبه. عاد الشيخ يربت على ظهره بحنان ومن ثم غادر على الفور لجلب الأغراض التي تحتاجها زوجته لتعد وليمة استقبال لابنه آيوب، بينما بقى إيثان يتطلع للفراغ ببسمة صغيرة ويقين تام بحديث الشيخ مهران.
***
ارتشف من كوب قهوته متلذذًا بالسكون الذي يغمر المكان من حوله، بينما يقرأ كتابه المفضل بتمعن. فإذا بطبق يوضع من أمامه ومن فوق الطاولة تطل شقيقته، ومن جوارها زوجة أخيه التي وضعت كوبًا من العصير.
راقبهما علي بشك، وتساءل بحيطة:
_ في إيه؟
كانت شمس أول من تحدث:
_ عملت لك سلطة زبادي وخيار ومنستش الليمون زي ما بتحبها بالظبط.
أضافت مايا بابتسامة واسعة:
_ وأنا عملت لك عصير برتقان فريش ومن غير أي سكر.
منع ظهور ابتسامة على وجهه، ورفع عينيه لمن تقف خلف مقعدهما، متسائلًا بسخرية:
_ وإنتِ يا فطيمة جبتيلي إيه؟
رفعت كتفيها ببراءة مصطنعة:
_ لا أنا معنديش أي مشاكل مع عمران، هما كام مشكلة بسيطة كده تبع الشغل ومحلولة يعني. شوف بس شمس ومايا وحاول تساندهم يا علي.
همس بصوت خافت ولكنه كان مسموعًا للجميع:
_ يا عيون علي إنتِ!
وتنحنح وهو يترك الكتاب عن يده، ثم تساءل بخشونة:
_ أيه اللي حصل؟
انفجرت شمس بوجهه كالبركان:
_ عمران مصمم خطوات رقصة لفرحي ومصر يخلي آدهم يرقص عليها! يعني إنت حليت مشكلة الهدية وفعلًا إداله يطلع لي بحكاية الرقصة دي. متخيل يا علي إن آدهم ممكن يرقص!
_ لأ مش متخيلها!
قالها علي بصدمة من حديث شقيقته، فصاحت بحنق:
_ شوفت!
هز رأسه بخفة، واتجه بعينيه لزوجة أخيه التي قالت بعصبية بالغة:
_ أخوك من وقت ما جينا مصر وهو مختفي يا علي. أنا عارفة إنه مشغول بنقل أعماله هنا، وافتتاح المركز اللي إنت اشتريته وسبتهوله يعدل شوية تفاصيل فيه، بس ده مش مبرر يهملني أنا وابنه ولا إيه يا علي؟
_ لا مش مبرر طبعًا!
قالها بضيق أجاده صنعه وهو يراقبهما بنظرة حزن مصطنعة. وما إن رفع مقلتيه إلى زوجته التي تراقب الفتيات بتأثر حتى ابتهجت معالمه وشق الخفق قلبه العاشق. وما أن تلاقت أعينهما حتى أشارت له بحدة على الفتيات، فتنحنح بخشونة لحقت حزمه التام:
_ متقلقوش أنا مش هسكت عن لعب العيال ده، وهأخد منه موقف.
طرقت شمس الطاولة بحماس:
_ احلى أخ بالدنيا كلها يا علي، بص هو تقريبًا بقى مريض نفسي ومحتاجاك تعالجه.
استدارت لها مايا تهاجمها بعدوانية:
_ مين ده اللي مريض نفسي يا شمس، ما تلمي لسانك شوية ومتنسيش إنك بتتكلمي عن جوزي أبو ابني!
تساءلت بحدة ساخرة:
_ وهو فين جوزك ده يا مايا؟
_ موجود ورهن إشارتها يا شمس، إنتِ اللي لازم تخافي وتخافي أوي من اللي هعمله معاكِ إنتِ وحضرة الظابط بتاعك ده!
صوته اقتحم مجلسهم، فإذا بشمس تصعد فوق مقعدها وهي تبحث من حولها عنه. ارتعبت مايا هي الأخرى وهي تراقب المكان من حولها، قائلة بصدمة:
_ عمران إنت فين؟
_ في قلبك ومعاكِ مكان ما تكوني يا بيبي!
عادت نظراتها لعلي الذي ابتسم وهو يشير لفاطمة التي تحمل الهاتف وتتطلع لهم بصدمة. فور أن تلاقت مكالمة منه فتحت الهاتف، تحاول سماعه من بين أصوات الشجار العنيف بينهم. حررت السماعة الخارجية عساها تتمكن من سماعه، وكأن عقلها تعطل عن العمل، وتناست تجمع المجلس وادناته إليه.
منحتها شمس نظرة قاتلة، فقدمت لها فاطمة الهاتف وهمست برعب:
_ نسيت والله إننا بنتكلم عليه!!!
تحرر صوتها المرتجف بصدمة:
_ ومُدّياني الفون لييييه، اديه لعلي.
أتاها صوت عمران يتواقح:
_ وماله يا شمس، إديني علي، أنا كده كده راجعالك، هتروحي مني فين يعني؟ ولعلمك لو حضرة الظابط بتاعك مطلعش وهز وسطه قدام الخلق مفيش جواز وإبقي وريني هتمنعيني إزاي عن اللي في دماغي!
قذفت الهاتف لزوجته التي طالعت الهاتف بريبة، ورددت بتلعثم:
_ أنا… آآ… معملتش حاجة أنا!
كبت ضحكاته وقال ساخرًا:
_ حبيب قلبه كبر وبقى بيشتكي جوزه لأخوه الكبير وشكل كده الموضوع كبر ومحتاج كوبايتين قهوة وقعدة صباحي.
_ لااااا لأ، متجيش النهاردة خليك مع أصحابك وعند الشيخ مهران زي ما بترتاح.
_ وده تيجي يا بيبي، حبيب قلبي مشتاق لي وبيشتكيني مش لازم ألبي النداء ولا أسيبه زعلان. بالله ده كلام؟
قذفت مايا الهاتف لعلي الساقط بنوبة من الضحك من مظهر الفتيات من حوله، حتى زوجته اكتسى وجهها الرعب وكأنها ترى زومبي قافز من أفلام الرعب للتو. التقط الهاتف من مايا وقال يهدئها:
_ مش هيعملك حاجة، إهدي يا مايا.
رددت بحروف متقطعة بينما تشد الهمة للفرار:
_ ابعد أخوك عني يا علي، أنا هلم هدومي وهروح لبابا كام يوم، أصلًا نفسيتي سيئة ومحتاجة راحة.
_ أصلًا أممممم!! طيب يا بيبي لو بوابة الكمبوند لمحت طرف فستانك البينك ده هعلقك بيه من الدور التاني وشوفي بقى بنفشك الوجه الإجرامي للبشمهندس عمران سالم الغرباوي بنفسك. إنتوا عيلة معتش ينفع معاكم التعامل السلمي، بعد كده همشي بالسلاح واللي مش هتعجبني كلامها هفرتك نفوخ أمـ... ولا بلاش خليني ساكت أحسن!
_ بعد كل اللي بتقوله ده وساكت، أمال لو انطلقت هتقول إيه تاني يا وقح يا عديم التربية، أنا معرفتش أربيك!!! وبعدين من امتى بتتكلم بالأسلوب السوقي ده!!
صعق حينما استمع لهذا الصوت الأنثوي الرقيق، فردد بدهشة:
_ فريدة هانم!!
أتاه صوت علي الضاحك يخبره:
_ حسيت إني مبقتش قادر على تربيتك فعملت إضافة لرقم فريدة هانم تربيك بنفسها، وعلى راي المثل الولد لما يثور ويخرج عن الحدود نجبله مامته تعاقله وتعلمه الأصول بقلم دكتور علي الغرباوي.
ردد من بين اصطكاك أسنانه:
_ من امتى وليك في حركة الصيع دول يا علي؟
_ سيبك من علي ورد عليا، إزاي تكلم زوجتك بالطريقة السوقية دي يا محترم!!
أجابها بهدوء ورقي صدم الفتيات:
_ مساء الجمال فريدة هانم، أنا قولت إن الصوت الشتوي الرقيق ده ميطلعش إلا من برنسس عيلة الغرباوي.
وأضاف بمكر:
_ حاسس إني مفتقد ضمة حنونة من القمر اللي وحشني ده، ساعتين وهشوفك على ترابيزة الغدا princess.
رددت بعدم تصديق:
_ إنت بكاش بشكل مش معقول.
قالتها وأغلقت الهاتف على الفور، فتصاعدت ضحكات عمران وقال يعاتبه:
_ بقى كده يا علوي بتسلمني تسليم أهالي، وأنا اللي نازل أرن عليك وأقول بيكنسل ومبيردش ليه، كويس إني لجئت لفاطيما عشان ربنا يكشف لي وشك الحقيقي.
ترك الفتيات يجتمعن حول الطاولة، وغادر ساجيبه باستنكار:
_ وشي أنا الحقيقي!! ولا وشك إنت يا أوقح خلق الله.
تخلى عن مرح الحديث بينهما وقال:
_ افتح موبايلك، باعتلك موقع ينفع تجيني فيه؟
أجابه بقلق:
_ عمران إنت كويس؟؟
التقط نفسًا مسموعًا وقال:
_ عمري ما كنت كويس زي النهاردة، بس محتاج لوجودك جنبي، حابب نقضي اليوم مع بعض بعيد عن أي خروجة مع الهوانم اللي عندك، ينفع ولا لا؟
خطف نظرة متفحصة للفتيات واجابه بترحاب:
_ مسافة الطريق وهكون عندك!
***
اقتحمت سيارة آدهم حارة الشيخ مهران، وبمقدمتها يجلس آيوب جواره، بينما بالخلف يجلس يونس. توقف قبالة المنزل، فشكره يونس وهبط يجذب حقيبة آيوب الصغيرة من الخلف، بينما بقى آيوب محله، يطالعه بدهشة تُرجمت بسؤاله المستنكر:
_ مالك يا آدهم؟ من آخر مرة شوفتك فيها وآنت مش طبيعي، حاسس إن فيك حاجة!
استدار إليه يقابله ببسمة باهتة وقال:
_ هتعرف تداويني يا آيوب؟
زوى حاجبيه باستغراب:
_ للدرجادي موجوع؟
أغلق عينيه يجيبه بحزن:
_ اللي يفرق لي وجع اللي حواليا، يهمني أكتر من وجعي.
تساءل وهو يعتدل بجلسته إليه متلهفًا:
_ طيب اتكلم واحكي لي.
افتتحهما صوت طرقات على زجاج نافذة السيارة، التفت آيوب فوجد إيثان يشير له صارخًا ببهجة:
_ بشمهندس آيوب وحضرة الظابط، أتاري الحارة منورة.
فتح آيوب باب السيارة، ووقف قبالته يتطلع له بنزق طال نبرته المتأففة:
_ خير يا كابتن؟
طرق على كتفه بغلظته المعتادة:
_ كل خير يابن الشيخ مهران، وحشتني وقولت أمسي عليك، ولا أنا موحشتكش!
نزع يده عنه وقال بحدة:
_ إبعد عني السعادي يا إيثان، أنا راجع واخد دور برد وجسمي همدان.
وقبل أن يشرح له صدق مرضه المفاجئ، انطلق بنوبة من السعال، جعلت آدهم يهبط من السيارة ويتجه إليه يسأله باهتمام:
_ مالك يا آيوب؟
منحه ابتسامة صغيرة وقال:
_ دور برد بسيط، متقلقش.
واستطرد وهو يدفعه برفق للبوابة:
_ بما إنك نزلت فلازم تطلع تتغدى معايا.
اعترض آدهم هاتفًا:
_ معلش اعذرني، أنا لازم أروح لشمس، هتعمل بروڤا على الفستان.
هز رأسه بتفهم، وشاكسه:
_ ماشي يا عريس، بس لينا حوار مكتملش.
خيم الحزن بعمق داخله، وهمس بقهر:
_ هيكمل في يوم من الأيام يا آيوب.
صافح آدهم إيثان، وقدم كفه إلى آيوب؛ ليودعه، فرفض أن يضع يده بيده وعانقه بحب. أرغم آدهم أن يبتسم وسط دوامة همومه، بل شدد من ضمه وهو لا يعلم هل سيكون مكانه المباح أم محظور بعد كشف الحقائق.
***
هبط من الأعلى يتألق بأحد الترنجات الرياضية ذات الماركة المعروفة، يصفف شعره باستخدام الماكينات التي علمه عمران باستخدامها. تميز بجاذبية جعلته كشابًا حديث الزواج.
هبط جمال للأسفل يحمل ابنه الذي استيقظ للتو. طرق الباب ففتحت والدته تحيه ببسمة واسعة وهي تثني عليه:
_ اللهم صلي على النبي، أيه الحلاوة والشياكة دي كلها!
انحنى يقبل مقدمة رأسها بحب واحترام:
_ هنروح فين جنبك بس يا ست الكل.
لكزته ضاحكة:
_ يوه جتك إيه يا جمال، أنا راحت عليا خلاص يابني.
شملها بنظرة مستنكرة وقال ليرضيها:
_ متخافيش من عنيا ياما، عمرها ما تحسدك أبدًا.
ازدادت ضحكاتها واستقطبت:
_ مش هعرف أغلبك بالكلام يابن آشرقت، والمرادي هسكت عشان قلبي راضي عنك اليومين دول بالذات.
تساءل بعدم فهم لمغزى حديثها:
_ واشمعنى اليومين دول بالذات!
غمزت بخبث أضحكه:
_ عشان صلحت أمورك مع مراتك وبقالها كام يوم كده بتنزل وشها منور ومبسوطة، كفايا إني محستش بمشاكلكم رغم إن كان في مشاكل بينكم وده يابني الرجولة اللي عشت عمري كله بزرعها فيك.
أردف ببسمة هادئة:
_ يعني طلعتي قافشة الليلة من البداية!
تخصرت بيدها وراحت تتغندج:
_ ده أنا أفهمها وهي طايرة يالا!
ضحك وشاركته الضحك، حتى توقفت فجأة تخبره:
_ بس أنا زعلانة أوي من عمران، كل يوم يديني مواعيد وميجيش. ده آخر مرة كان مأكد لي إنه هييجي واللي فرحني إنك نزلت من السفر فقولت هيتشجع وهيجي!
يشعر بأن عمران يتهرب من زيارة والدته عمدًا، بداخله شكوك حول تلاشيه مقابلة صبا بعد ما صار بين جميع الأطراف. مهما تسامح الجميع وحاولوا التظاهر بأن كل شيءٍ على ما يرام، لن تكون تلك حقيقة الأمر.
أفاق من شروده يزدرد ريقه الجاف بخشونة:
_ هييجي ياما، هو بيعزك ومش هيقدر يرفضلك طلب، بس هو اليومين دول مشغول عشان بينقل شغلنا هنا بالقاهرة، ده غير إنه بيشرف على قصر الغرباوي عشان يكون جاهز لاستقبال عيلته.
ربتت على كتفه بحنان وهي تحمل الصغير منه:
_ ماشي يا حبيبي، ادخل المطبخ قول لصبا تحضر الغدا بما إنك نزلت، واعملنا كوبايتين شاي بالنعناع وتعالى نقعد بالبرندا عما تجهز الغدا.
أشار بيده على عينيه:
_ عنيا يا ست الكل.
وإتجه للمطبخ، يستند على الحائط، يراقب تلك التي تتحرك كشعلة نشاط متحركة، تقلب محتويات الطعام بأكثر من وعاء، حتى انتبهت لوجوده، فنادته باسترابة:
_ جمال! واقف كده ليه؟
أجابها ومازالت يديه مربعة أمام صدره:
_ محبتش أفصل اهتمامك بتفاصيل وصفاتك السحرية.
أعادت غطاء الوعاء وهي تردد من خلفه ببسمة مشرقة:
_ وصفة سحرية مرة واحدة، مش للدرجادي أنا أكلي عادي.
دنى إليها يجيبها:
_ مش صحيح يا صبا، إنتِ نفسك هايل في الأكل ما شاء الله.
برقت بعدم تصديق، طوال تلك المدة كان يحسن الاهتمام بها، ولم يترك فرصة إلا وعبر بها عن حبه لها، وها هو يمدح ما تصنعه بشكل جعل وجهها يحمر خجلًا لاختبارها تلك الأحاسيس لأول مرة. انحنى يلتقط ما وضعته بالملعقة قبل أن تتذوقها، وقال بإعجاب:
_ أممم… جميل أوي تسلم إيدك.
وتركها تقف محلها ثم التقط البراد يصنع الشاي جوارها، فقالت على استحياء:
_ سيبه واطلع وأنا هعمله.
أجابها وهو يجذب أحد فروع النعناع من المزهرية المتطرفة بشرفة المطبخ:
_ كملي الغدا وأنا هعمله جنبك، متقلقيش، أنا بعمل شاي بنعناع عجب وهدوقك حالًا.
اتسعت ابتسامتها وقالت بحب ونظرات إعجاب سكنت حدقتيها:
_ وأنا متحمسة أدوق!
*****
_ يا يوسف مش معقول كده!! عشان تعمل أومليت تخلي المطبخ بالمنظر ده، وأيه كمية الدخان دي كلها فهمني!!!
قالتها ليلى بتعصب، بينما يتابع يوسف عمله في محاولة لتجاهلها، فرددت بغيظ:
_ بكلمك يا دكتور!!
دفع الملعقة بحوض الأطباق، واستدار ينزع مريول المطبخ بنفور:
_ تصدقي أني غلطان، بحاول كل يوم أفتكس بالأكل عشان متحسيش بملل.
صعدت على المقعد الطويل قبالته، تخبره بغضب:
_ مهما تعمل أنا حاسة بالملل وبنفور غريب من القعاد هنا، إتحيلت عليك ننزل مصر مع آيوب زي ما كنا مخططين بس إنت اللي رفضت.
مال على الطاولة أمامها يحدثها بجدية:
_ ليلى إنتِ مينفعش تسافري ولا تتحركي الفترة دي، إنتِ قايمة من حالة صعبة وإلى الآن متخطتيش الخطورة بشكل كامل، على الأقل بعد أسبوع أو عشر أيام ووقتها هقرر أنا.
لفت يديها حول رقبته وقالت بدلال:
_ طيب ينفع تأخد قرار بسرعة عشان زينب وحشتني أوي.
ضحك يشاكسها باستهزاء:
_ زينب بردو اللي وحشتك ولا الفسيخ!
جذبت ثمرة التفاح تلتهمها وهي تجيبه:
_ باشا عيب اللي بتقوله ده، طبعًا عايزة أرجع عشان الفسيخ ودي عايزة كلام مثلًا!!!
******
أخفض هاتفه بعدما اتبع الموقع إلى الطريق، دفن علي هاتفه بجيب سرواله واستكمل طريقه للداخل، حتى توقف أمام أحد مساجد حارة الشيخ مهران. راقبه علي بدهشة، حتى أنه عاد يتأكد من العنوان وإشارة الطريق.
صعد علي للأعلى وهو يتفحص الوقت بساعته الخاصة، فوجد أن الآذان سيقام بعد ساعة ونصف من الآن، إذًا ماذا يفعل أخاه بالداخل الآن؟
ولج علي للداخل، بعدما نزع حذاءه وجواربه، فتفاجأ بسجاد المسجد مركون جانبًا بأحد الزوايا، ثم رأى ما جعله يرمش بعدم استيعاب وتصديق لما يراه، الطاووس الوقح المتعالي، يقف أمامه مشمر الساعدين ويثني بنطاله، بينما يقوم بنفسه بتنظيف المسجد وعلى ما يبدو أنه يستعين بالشاحنة المصفوفة بالخارج، وقد تثنى له رؤية السجاد الفخم الذي ابتاعه خصيصًا للمسجد، حتى أدوات النظافة من ماكينات مياه حديثة، وخزانة عتيقة للأحذية، مكتبات مفصلة لأرجاء المسجد لوضع المصاحف الشريفة به، عدد من السبح بسيطة التصميم، وفوق كل ذلك عدد من الزهور الطبيعية التي قرر وضعها خارج المسجد على مسافة من الشارع الخارجي.
ابتسم علي بسعادة تنبع عن داخله، وخاصة حينما استدار عمران يخبره بحثه الفكاهي:
_ محبتش حد يشاركني الصواب ده غيرك، لإن محدش أقرب لي منك، لولا فرق السن بينا كنت ناديتك بأكتر اسم اتحرمت منه طول حياتي، بس لو هبصلها من جميع الجوانب فأنا ربنا بيحبني وعوضني بيك أب وأخ وصديق، وإنت مكنش ليك أب ولا حد أخد مكانته يا علي.
وأضاف بدمعة أبت الهبوط على وجهه:
_ ربنا سبحانه وتعالى مخلقناش كلنا زي بعض، من علينا بنعم مختلفة بس بالنهاية كلنا متساويين، ومن النعم اللي من بها عليك هي الصبر، طول عمرك صبور وراضي، طول عمرك بتدي أكتر ما بتاخد. أنا ملقتش حاجة واحدة إيجابية في حياتي أكتر، من علاقتي بيك! وعلى فكرة أنا فخور بيك لإنك البطل الحقيقي في حكايتي يا دكتور علي.
انتقلت الدموع لرمادية علي الساكن محله، فاستطرد عمران ليخفف غمة الأجواء:
_ ها يا دكتور هتساعدني؟
نزع عنه جاكيته الأسود، وأشمر عن ساعديه مثلما يفعل عمران، ثم انحنى يحمل المكنسة الكهربائية مشيرًا له بحماس:
_ تحب نبدأ منين؟!
*****
بحث عنها كثيرًا ولكنه لم يراها. انتهت رقية من وضع أطباق الطعام على السفرة، وهي تراقب ابنها الذي يبحث عنها بنظرات خبيثة.
وضعت الأكواب جواره وقالت بغمزة ماكرة:
_ العصفورة اللي بتدور عليها فوق على السطوح من بدري، واخده على خاطرها منك عشان منعتها تروح مع يونس المطار عشان يستقبلك.
وتابعت وهي تربت على كفه الممدود على الطاولة:
_ اطلع رضيها بكلمتين قبل ما الشيخ مهران يرجع.
اتسعت ابتسامته فرحة ومال يقبل يدها ورأسها، ثم هرول للأعلى سريعًا، وأبواق الشوق تسبقه على درج الغرام. صعد حتى وصل لسطح المنزل، فوجدها تجلس ببرج الحمام المشيد، تضع الحجاب باهمال على شعرها الذهبي، وتلقي الطعام بحزن يبدو عليها. دنى منها بغضب متناسيًا شوقه الجارف، جذب الحجاب عن رأسها وقال بحدة أفزعتها:
_ مش قولتلك ألف مرة تربطي حجابك ولا إنتِ مبتفهميش عربي!!!!!
رواية صرخات انثى الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم ايه محمد رفعت
غيابه القصير أجج شوقها إليه، ظنت بأن غياب اثنين وسبعون ساعة عنها لن يحيل بها، ربما ستنزعج دونه قليلًا ولكنها ستصمد، ولكن ما صدمها هو احتراق روحها منذ لحظة رحيله حتى سماع صوته بتلك اللحظة بالتحديد!
أضرم الحب النيران بوتيرة العشق وباتت عاشقة حد النخاع لذاك الإرهابي المتدين كما ظنته، فأقسمت أن شخصًا يحفظ الكرم بأصوله ليس سوى رجل نبيل، يملك من سمات دينه ما يجعله ملكًا، وبالرغم من أن قلبها مال له إلا أنها لم تشاركه بالتتويج الملكي إلا حينما اعتنقت دينه!
استدارت بلهفتها إليه وخصلاتها الصفراء تلامس وجنتها التي ألهبتها العاطفة بجمرتها، فباتت كحبات الكرز، ولسانها يسبق خفقاتها المسموعة:
"آيـوب."
ارتخت تعابير وجهه القاسية فور أن تلاقت عينيه بخاصتها، سحرته بندائها الذي أدمى مشاعره فانتصر عليه ساحقًا انتصاره الزائف، تناسى كل شيء حتى السبب الذي دفع غضبه للظهور. اقترب منها فوجدها تبتسم إليه برقتها المعتادة، فاستكملت غزوها القاسٍ بقولها:
"وحشتيني كتير آيوب."
ابتسم رغمًا عنه وقال بهيامٍ:
"وانتِ كمان وحشتيني يا سدن، بس بردو ده مكنش موضوعنا."
واستطرد في محاولةٍ لاستدعاء جديته الصارمة:
"أيه اللي مطلعك من غير حجابك، افرضي إن إيثان أو يونس طلعوا بأي وقت!"
اتسعت ضحكتها الماكرة وببراءة داهية تساءلت:
"بتغيري عليا؟"
قهقه ضاحكًا ومازحها:
"الغيرة وبتغيري!! الاتنين مع بعض مينسجموش، نفسي تتعلمي تفصلي بين المذكر والمؤنث بس للأسف شكله حلم بعيد وصعب المنال."
ووضع يديه بجيوب جاكيته هادرًا بسخرية:
"كويس إنك لقطتي العربي فالمفروض إني مطمعش في اكتر من كده، ولكن ده ميمنعش إني أتعشم تظبطي اللغة."
وزعت نظراتها بين يديه الموضوعة بجاكيته وعينيه بعدائية شديدة، تلفظتها باندفاعها المضحك:
"إنتي كمان محتاجة تتعلمي تتعامل مع زوجة ازاي، إنت مش بتحضن سدن بعد غياب زي الزوج الرومانسي!"
عبث بحاجبيه بدهشة ما تفوهت به، وكأنه بدا أحمقًا فجأة، فرنا إليها يهتف ببلاهة:
"ليه دول كلهم تلات أيام!!"
لوت شفتيها بسخطٍ، فابتسم وهو يتساءل بمكر:
"إنتِ عايزة تتحضني يا سدن؟"
ازدادت نظراتها غلظة، وكأنها ستصيبه بسهامٍ نافذة تستهدف منتصف صدره، وفجأة حملت طرف وشاحها ووضعته فوق رأسها، رافعة رأسها بكل كبرياء وغرور، تتقدم للخروج من البرج، وقبل أن تطيء قدمها الباب استدارت تواجهه بجراءةٍ:
"منذ تلك اللحظة لن أرتدي حجابي أمام إيثان ويونس فحسب، ستكون أنت ثالثهما أيها الأحمق."
غادرت من أمامه بينما تتعالى ضحكات آيوب دون توقف، فلحق بها بعدما أغلق باب البرج، وهو يتمتم بسخرية:
"هو أنا كان المفروض أحضن قبل دخلة المخبرين دي!!"
******
عاد يطرق على الباب لمرته الثامنة وهو يصيح بانفعال:
"يا يـــــــــــــــونس، إنت يا بني آدم، بقالي ساعتين بخبــــــــط على الباب أفتح بدل ما أكسره على دمـــــــاغك."
وتابع بغيظ وهو يعيد الطرق:
"هموت وأعرف إنت بتهبب أيه من ساعة ما كلمتك! مش متفق معاك تلبس بدري عشان نلحق الافتتاح من أوله!!"
لم يصل إليه أي رد، فرفع إيثان يديه معًا يطرق بهما وصوته المنفعل يعلو:
"فارس لسه نازل ومأكدلي إنك جوه، افتح بدل ما أطربقها على نفوخــــــــك."
طرقات تتالى ونداء متتالي:
"يــــــــــــــــونس!!!"
تحرر مقبض الباب واندفع من خلفه يونس، يسحب الاخير من تلباب قميصه، ومن ثم دفعه للحائط المقابل، صارخًا بعصبية:
"مش قادر تصبر عشر دقايق عما أستر نفسي يا حيوان، أيـــــــــــه القيامة قامت!"
جحظت عينيه في صدمة حقيقية، فأخذ يتجول ببطءٍ على جسد يونس الملفوف بثلاثةٍ من المَنَاشِفُ، احدهما تحد جزءه السفلي، والاخرى موضوعه فوق كتفيه بينما تحتل واحدة منهم شعره الذي يقطر بالمياه. تحرر صوت إيثان أخيرًا وسأله ببلاهة:
"إنت إزاي تخرج كده؟"
زم شفتيه ساخطًا:
"أصل الجو حار في الشقة فقولت أطلع أتمشى يمكن تطري بره!"
ابتلع ريقه الهادر بصعوبة من شدة اختناق يدي يونس القويتين حول عنقه، فهتف بحنقٍ:
"طيب ابعد ايدك وخش إلبس بسرعه، خلينا نشوف الخواجة ده ناويلها على أيه النهاردة."
وتابع بضيق:
"وهي حبكت يعني تستحمى الوقتي، ما انا مكلمك ومأكد عليك إني جاي."
مازال يونس يتابعه بصمت يستحضر فيه كافة الطرق المتاحة لقتل ذلك الأبله، بينما الأخير يجوبه بنظرة تقييمية ختمها بقوله:
"ابقى استحمى مرة كل عيد أهو هتكون نضفت مرتين في السنة."
منح رقبته لطمة جعلته يتمدد أرضًا وقوله اللازع يختتمه:
"فاكرني أجرب زيك يالا، اظبط كده واعقل عشان ما أقلبش عليك، وبعد كده تقف على باب بيتي باحترامك، كلها كام يوم وهتتحرم عليك دخولها في اللحظة اللي هتسكن فيها ست البنات."
برع في تمثيل دور المنصدم مما يُقال، فوضع يده على صدره وصاح بدرامية مضحكة:
"هتبيع صاحبك عشان الحتة الطرية يا يونس!! اخص عليك!! مكنتش العشرة والصحوبية والعيش والطعمية السخنه وصواني الجلاش بالمكسرات، مكنتش آآ.."
"إقفل باب أكلاتك المفضلة اللي طلقتها عليا دي، كلها شهر ورمضان داخل وربي لأكدرك فيه يا إيثان، لو لمحت في ايدك اكل ولا شرب يا ويلك مني!"
قالها بعدما انحنى إليه فسقطت المنشفة العلوية فوق رأس إيثان المنصعق محله، فابتلع ريقه بصعوبة وهدر بقلق:
"لسه شهرين بس؟"
ارتسمت ابتسامة شامته على وجه يونس، وأكد له:
"شهر واحد وهتصوم معانا يا حبيبي، مش أنت صاحب صاحبك وداعم الوحدة الوطنية بردو ولا أنا فقدت ذاكرتي ورا الحبس؟"
اعتدل بجلسته يستند على درابزين الدرج حتى استقام بوقفته يجيبه:
"هو ده بالظبط، إنت شكلك فقدت الذاكرة أنا مسيحي يا حبيبي."
بابتسامة واسعة قال:
"هتصوم يعني هتصوم، ولو قليت بعقلك ورجعت لحوار الزينة والصواريخ وقت التراويح هيبقى صيام في رمضان والعيد."
اتسعت مقلتيه في هلع وراح يردد:
"العيد!! والكحك والبيتفور والغريبة يا يـــــــــــــــونس!!"
أكد عليه مجددًا:
"ولا هتطول حتى حبة ترمس فتلم نفسك من أولها كده عشان قلبتي وحشة."
وتابع بحدة:
"وميل بقي من طريقي خليني أستر نفسي قبل ما يجيني برد بسبب رزالتك."
وقبل أن يتحرك من محله أتاه صوت صرخات تعلو الدرج المجاور لهما، فاتجهت الأعين إلى سدن التي تراقب يونس الذي يقف بالمنشفة وكأنه يطل على مياه المسبح الخاص به. كبت إيثان ضحكاته وانحنى يجذب المنشفة، يضعها على صدر يونس وهو يلكزه بتشفي:
"استري نفسك يا حلوة، قبل ما يطلبولنا بوليس الاداب، ووقتها لو هيتحكم عليا بالاعدام شنقًا مستحيل اتجوزك يا بايرة عشان بس نكون على نور من البداية."
أسرع آيوب للاسفل فور سماعه صوت صراخ سدن ومن خلفهما خديجة التي خرجت من شقتها بفزعٍ، حتى سكان بعض الطوابق العلوية. التف بالدرج عدد من الناس ويونس من شدة صدمته شعر وكأن قدمه التصقت بسطح الأرض.
اندفع إليه آيوب يحركه بعنف وهو يسأله:
"أيه اللي مخرجك بالشكل ده؟?"
كان بموقف لا يحسد عليه أحد، وخاصة بتجمع السكان من حوله، فردد بحرجٍ:
"آآ… أنا… إيثان كان آ…"
اتجهت الاعين لايثان، وكأنهم يلقونه بتهمة مريبة، فقال بمبالغة:
"السخان ولع فاقتحمت الشقة وخرجته هنا بعيد عن النار بدل ما يتسلخ وعفريته يلبس حمامات عمارة الشيخ مهران كلها، وساعتها هيمنع السكان من استخدام حقوقهم البسيطة ويا عالم الحقوق دي هتترفع برمضان ولا الحظر للعيد الكبير!"
مال إليه آيوب يهدر، من بين اصكاك أسنانه:
"أيه اللي بتقوله ده!!"
اجابه ايثان بصوت منخفض:
"هعملك أيه بحاول ألم الدنيا قبل ما تظيط ايدك معايا!"
وجد أنه أمام خياران كلاهما يصبان بنفس المحل، لذا وبدون تفكير مال يساند يونس ويدفع المنشفة إليه قائلًا:
"جيت بسيطة الحمدلله، يلا يا جماعه ملهاش لزمة الواقفة دي."
انفض الجمع من حوله ولم يتبقى سوى سدن التي منحت يونس نظرة منفرة ورددت قبل هبوطها:
"عيب تخرجي كده يونس، في أنسات عايش معاكي هنا!"
قالتها واتجهت للاسفل، بينما تطالع خديجة بعينين تدمعان من فرط الضحك وخاصة حينما ردد ايثان:
"طول عمرك جايبلنا الكلام!"
******
زفر بضيق وهو يراقب أخيه الذي أنهى نصف الكتاب الذي بيده، ومازال يصر على استكمال المتبقي، فقال بضيق:
"وبعدين يا علي هنقضي اليوم كله هنا!!"
أشار بيده إليه ومازال يجلس أرضًا جوار خزانة المسجد الصغيرة، حيث كان ينظم الكتب داخل أضرفها إلى أن قابله كتاب خصص لأحد علماء الأزهر عن تفسير بعض الآيات عن القرآن الكريم، فجلس يقرأ أول صفحاته وها هو يستحوذ، عليه حتى بات بالمنتصف.
التقط عُمران الكتاب منه وقال:
"خلاص اعتبره هدية مني وإبقى اقراه بالبيت."
انتزاعه علي من يده وقال باعتراض:
"إنت جبته مع بقيت الحاجة للمسجد، فمش هيخرج من هنا."
كز على أسنانه بغيظٍ ونطق فور، أن منع أي لفظ قد يتحرر عنه:
"خلاص هجبلك تؤامه بس قوم خلينا نتحرك، الله يهديك يا حبيبي."
ترك الكتاب باحدى الأرفف، ونهض يقابله بسخط:
"ابن أختك انا!"
ابتسم بسخرية:
"لا مش هتلحق تخلف، لاني هفشكلها من برة برة."
نصب عوده بعدما انتهى من وضع باقي الكتب، جذب جاكيت بذلته يرتديه ورماديته لا تحيل عن أخيه:
"عُمران خف شوية عن شمس وآدهم بدل ما أقلب عليك انا."
منحه نظرة مشككة انهاها بقوله:
"هتقلب عليا عشان حضرة الظابط يا علي!!"
انحنى يجذب جاكيت أخيه واتجه اليه يعاونه على ارتدائه وهو يهمهم بخبث:
"بالظبط، فاكسبني لصفك بدل ما تلاقيني اول واحد واقف في وشك!"
ارتدى الجاكيت واتجه برفقته للخارج بصمت مريب، يطمس داخله خبثه اللامنتاهي، وما ان صعد علي بسيارته حتى اشار، له من المرآة:
"خليك ورايا يا دكتور ورانا مشوار سريع."
*******
وضعت جزء من الكريم على وجهها وأخذت تفرك برفق، ومن ثم وضعت القماش الاسود حول عينيها في استعداد للنوم والاسترخاء.
اغلق أحمد حاسوبه وسألها حينما وجدها تتمدد بالفراش:
"هتنامي يا فريدة؟"
أجابته بعدما توسدت وسادتها:
"أيوه، من وقت ما رجعت من القصر وأنا مرهقة، بس كان لازم اروح عشان أشرف على التجهيزات بنفسي، أنت متعرفش انا متحمسة اد أيه أني هرجع وهعيش فيه من تاني."
ابتسم وقال:
"لو أعرف إنك هتكوني سعيدة بالشكل ده كنت خليتك نزلتي مصر من تاني يوم جوازنا على قصر الغرباوي فورًا."
كادت بأن تجيبه ولكن قطعها صوت طرقات باب الغرفة، وما أن سمح أحمد للطارق بالدخول حتى ظهرت شمس قبالتهما تردد على استحياء:
"هو أنا ممكن أقعد هنا النهاردة بس!"
ازاحت فريدة عصبتها، وراقبتها باسترابة:
"إنتِ كويسة؟؟؟"
اتجهت أليها مسرعة، ترافقها بالفراش، وقالت:
"لا، مش كويسة نهائي، أنا مرعوبة من لحظة رجوع عمران بعد اللي عملناه فيه، فالاحسن إني أكون هنا النهاردة ده لو أحمد باشا ممنعش وجودي."
اغلق حاسوبه وحمله بين يديه، قائلًا بعتاب:
"أيه اللي، بتقوليه ده يا شمس، الاوضه كلها تحت أمرك."
شكرته بحرج:
"ميرسي يا أنكل."
منحها ابتسامة جذابة، واتجه ليغادر الغرفة، فما ان فتح الباب حتى تفاجئ بمايا قبالته، تطالعه بارتباكٍ جعل احمد يقول ضاحكًا:
"مالك إنتِ التانية يا مايا، هربانه من عمران على هنا إنتي كمان ولا ده سوء ظن مني؟"
هزت رأسها ترفض وتؤكد حديثه،وهي تردف:
"هربانة يا أحمد باشا وطالبة حمايتك!!!"
أتاها صوت شمس من الداخل تشير لها:
"ضمي جنب أخواتك!"
*****
جلس على مقدمة سيارته يراقب ساعته باهتمام، يود أن يلتقي به ويتجه سريعًا ليجتمع مع الشباب بافتتاح الجيم الخاص بايثان، وإلى الآن يحمل من آيوب سبعة مكالمات ورسالة يستعلم منها عن سبب تأخيره.
وضع آدهم الهاتف بجيب جاكيته وأخذ يراقب جرف المياه المنهمر قبالته على بعد سفح الصخور العالية بحزن، وبينما ينغمس بشروده فإذا بصوت مقبض يحوم من حوله:
"مليت من قبل ما تستقبل تفاصيل مهمتك يا حضره الظابط؟"
استدار، للخلف سريعًا فوجد الاسطورة يقف قبالته بكل كبرياء وعنجهية، أدى تحيته بكل احترام وقال:
"أنا جاهز لكل اللي تؤمر بيه يا باشا."
ابتسامة رضا شقت الطريق على وجه رحيم، واتبعها قوله الغامض:
"وده اللي أنا عايزه، شخص مطيع وجريء في نفس الوقت."
وأخرج من جيب معطفه البني فلاشة صغيرة قدمها إليه، وبابتسامته المخيفة قال:
"اجهز للي جاي يا آآ..يا عريس!"
التقط منه الفلاشة وعينيه لا تفارقها، وكأن مصيره بأكمله ختم داخلها، بينما تنحل كافة الأربطة وتدفعه لبوح الحقيقة إلى أيوب قبل أن يسافر لتلقي ذاك المصير المقبض!
رواية صرخات انثى الفصل الثمانون 80 - بقلم ايه محمد رفعت
أضاف بنظرة منفرة:
_ نواياك اتضحتلي يا خواجة وأنا لا يمكن أسكت عنها، فاهم.
تدلى عن بروده ابتسامة جعلت إيثان وآيوب في دهشة، وخاصة حينما رفع يده لكتف آيوب يربت عليها برفق وهو يردد بتثاقلٍ ملموس:
_ ضايف كابتن إيثو من البن الخصوصي بتاعي يا آيوب.
قالها وانسحب من بينهما كنسمة هواء عابرة، لم تصل مضمونها كليًا لإيثان الذي اشتعل كبركان ثائر واستدار تجاه آيوب يعنفه:
_ يقصد أيه بكلامه ده؟!!!!!
ضم جاكته إليه يعدل من انكماشه بلباقةٍ، وسأله باهتمامٍ بالغ:
_ فهمني ليه رامي كل اللوم على نفسك، عارف أن الموقف اللي مريت بيه كان صعب، بس نهايته كانت أيه؟
استند على السور الحديدي بتيهةٍ، وكأنه لا يحمل اجابة سؤاله، اتبعه "علي" وعينيه تسجل كل حركة تسهل عليه دراسة حالته التي يخوضها الآن، وحينما طال صمته، قال:
_ جمال بطل تعيش نفسك في سجن إنت خرجت منه، متبصش على البداية كانت ازاي بص على النهاية، والنهاية كانت سعيدة ومرضية، كسبت مراتك من تاني ومخسرتش صاحب عمرك، ده مخلكش سعيد ومرضي؟!
تنهد بثقل جاسم فوق صدره، واستدار يواجهه بما يضيق صدره:
_ أنا محمل نفسي السبب لكل ده لآني فعلًا السبب يا دكتور علي.
عاد يتطلع من الشرفة على ازدحام حركة المرور بالحارة الشعبية من أمامه، مستطردًا:
_ طول الفترة اللي فاتت محاولتش أتقرب من صبا بشكل يخليني أفهمها صح، يمكن هي كمان كان غلطها كبير لما حاولت تقارن آ...
توقف لسانه عن استكمال جملته، وتوترت نظراته حينما قبض عليها "علي"، فتابع بارتباك:
_ أنا يمكن محكتش لحضرتك على كل حاجه، بس حضرتك عارف شخص زيي صعب يخرج كل أسرار بيته برة، عارف إنك دكتور ودي مهنتك، وحتى لو مكنتش دكتور فانت أعظم شخص ممكن امانه على اسرار بيتي، بس أعذرني مش قادر احكي في تفاصيل اكتر، من اللي سبق وحكتهولك، ويمكن حل مشكلتي مع صبا كان بفضل الله ثم بفضلك إنت والوقح.
ضحك علي رغمًا عنه، وهدر بسخرية:
_ ياريتك استبعدت مساعدتي ولجئت للوقح من البداية كان زمان الموضوع منتهي من بدري.
شاركه الضحك حتى أحمر وجهه، وحينما انتهى قال بجدية حملت حزنه الصريح:
_ عُمران فعلًا كان عنده حق، سر نجاح أي علاقة هي التعبير عن مشاعرك حتى ولو بابسط الكلمات، وانا كنت بخيل معاها أوي، كنت دايمًا ببص لمشاكلي واللي مطلوب مني على أمل أنها مقدرة وضعي، كنت غلطان.
ربت على ظهره بحنان وقال مبتسمًا:
_ دي بداية تصحيح كل اللي فاتك، مش أي حد يقدر يتغاضى عن أخطاء الطرف التاني ويرمي كل الأخطاء على نفسه.
وأضاف ببسمته الجذابة:
_ هون عن نفسك يا جمال، اللي جاي أنت قادر تغيره وتخليه أفضل.
هز رأسه بخفة ونظرات الامتنان تحف مُقلتيه، وقال:
_ لما بقف مع حضرتك مبستغربش الصفات الكويسة اللي في عُمران ومخلياه عامل زي اللي عنده انفصام.
تعالت ضحكات "علي" وهمهم ساخرًا:
_ وطّي صوتك عشان ميطلعش النسخة الوقحة في مكان رياضي زي ده، فال وحش صدقني.
شاركه الضحك وفاه:
_ وعلى أيه الطيب أحسن!
جذب يونس إيثان، في محاولة لجذبه بالخارج، فدفعه وهو يصيح بغضب:
_ سبني يا يونس، الخواجة ده بيستقوى عليا، ده عايز يخرب بيتي، لما أفتحله الجيم أول شهر مجاني هصرف عليه ازاي!!
نجح يونس بتقيد جسد إيثان الضخم، وبتعبٍ نطق:
_ هو إنت يعني كنت صرفت مليم أحمر على الاجهزة!
زوى حاجبيه بتفكير، بينما يستكمل الاخير حديثه:
_ اول مرة أحس إنك غبي، بل بالعكس انا بقيت متأكد من كل كلمة قالها آيوب عن دماغ عُمران، دماغ عالية ومتكلفة.
هدأت حركته وتساءل:
_ ازاي يعني؟
تركه فور أن تأكد من هدوئه زافرًا بارهاقٍ:
_ فرهدتني.
وأضاف بعقلانية:
_ انت فاتح بقالك كام سنة، والرجل على الجيم مش أد كده، الناس طالع عينها حرفيًا في مصاريف البيت ومتطلبات الحياة، هيسييوا كل ده وينزلوا يلعبوا رياضة! مع إنها مفيدة جدًا لصحتهم بس مش هيعترفوا بالكلام ده، أيه اللي ممكن يغير معتقدتهم؟
زم شفتيه بمللٍ:
_ أيه يا حضرة المحامي؟
اجابه بنزقٍ من طريقته بالحديث:
_ أبو بلاش، اي شيء مجاني هيشد الرجل عليه، ومش هيحتاج غير شهر واحد عشان يتعود عليه، وخد بالك الاشتراك الشهري اللي حاطه عمران بعد كده مش كتير، مبلغ بسيط بس مكسبه مع زيادة العدد مضمون، وأكيد مخفضش السعر ده الا وهو واثق من المردود والعدد اللي هيخليه يقع في غرام الحديد والجيم، الشخصية دي ذكية بس للاسف بتتعامل مع بكبورت غباء.
وزن حديثه بتفكيرٍ، فحك لحيته النابتة وهو يقول بتردد:
_ بأمانة إنت شايف كده؟
ابتسم وهو يجيبه:
_ بالله العظيم ما شايف غير كده.
واضاف وهو يصعد الدرج عائدًا للداخل:
_ وشايف إنك بتثبتلي كل يوم غبائك بشكل مش طبيعي!
اندمج آيوب بين الاجواء، راق له نوعية الاجهزة الحديثة، حتى استرعى انتباهه جهاز أخر منعزل، يراه لمرته الأولى، اتجه إليه يراقبه بحيرةٍ، فهمس وهو يحك وجنته:
_ وده بيتلعب ازاي ده؟
_ عينك مش جايبة الا المخاطر!
صوتًا رجوليًا معهودًا إليه، جعله يستدير ناطقًا بفرحة:
_ آدهم!
وضع قالب الكعك الضخم عن يده وصافحه ببسمته المعتادة، هاتفًا:
_ سايبك من كام ساعة وشكلي كده والعلم لله وحشتك!
سحب كفه عنه وقال مازحًا:
_ وباين من طريقة سلامك الرسمية إنك مش طايق تشوف خلقتي، بس انا مش زعلان أكيد يعني يهمك بالفترة الحالية فرحك والعروسة أكتر من اصدقائك.
وخز قلبه لمجرد سماع مزحته، بالكد رسم ابتسامة وقال بشكل جذب استرابة آيوب:
_ وإنت شايفني مجرد صديق يا آيوب.
نجح بالحفاظ على ثباته رغم تأثر جزءًا غريبًا بداخله:
_ لا طبعًا إنت وعُمران قريبين مني جدًا وبقيتوا عندي زي سيف ويونس وإيثان بالظبط.
حانت منه نظرة شاملة لمساحة الجيم الضخمة قائلًا:
_ غلبتني بذوقك يا بشمهندس، عقبال ما نتجمع بمكان تعينك.
اجابه بتحفزٍ:
_ هيحصل وقريب اوي، عُمران نقل اغلب شغله هنا، متتصورش انا متحمس إزاي إني هرجع اشتغل مع أستاذ ممدوح تاني.
عادت نظراته المهتمه إليه، يتساءل باستغراب:
_ إنت عايز ترجع تتكدر تاني يعني؟!
ضحك وهو يخبره:
_ هي بصراحة تكديرة بنت ناس، وكأن حكومتك بتقتص مني إني خدت اعفى من الجيش لاني وحيد، فجابولي البشمهندس ممدوح يخلص حق الحكومة والدولة كلها.
قالها وانفجر ضاحكًا، فشاركه الضحك وقال بغموض:
_ أهو ده المكسب الوحيد اللي أخدته من الليلة دي كلها.
سأله بعدم فهم:
_ مكسب أيه مش فاهم!
باتزانٍ وثبات قال:
_ متأخدش في بالك.
واستكمل بمرحٍ:
_ يعني أجهز نفسي لمكالمات استغاثتك من الاستاذ ممدوح؟
انحنى يحمل الكعكة يتفحصها بتركيزٍ بينما يهتف:
_ لا انا حبيته ومبقتش امل من طريقته، علاقتي بيه شبه علاقة عُمران بحسام السكرتير بتاعه، مطلعين عين بعض بس منستغناش عن بعض، وربك قدر والاتنين هيتشحنوا على مصر مع باقي التيم اللي نازل على مصر.
ضحك بصوته كله وأخذ يراقبه وهو يحاول ازاحه الغطاء عن الكعك، متسائلًا بغرابة:
_ إنت بتعمل ايه؟
أجابه بحيرة:
_ هو إنت عامل تورتة على شكل رفعة الاوزان!!
انحنى يهمس إليه بمشاكسةٍ:
_ أمال هعملها على شكل ايه، خلة سنان!
نصب آيوب عوده وقال بانزعاج:
_ بقى تكلف نفسك التكلفة دي وإنت على، وش جواز عشان إيثان المعفن! طيب بمنتهى الشفافية والوضوح لو مجبتليش تورته على شكل هندسي يليق بيا يوم ما تطلع شهادتي هرتكبلك جناية ومش هتعرف تخرجني منها متفقين؟
تمعن به قليلًا وكأنه يحسم أموره:
_ متقلقش بعد فرحي بيومين بالظبط هجبلك أحلى تورتة احتفال بنجاحك يا بشمهندس.
أوضح له:
_ مش هتكون تتيجتي طلعت!
غمز له بخبث:
_ متستقلش بيا، قولتلك هتلاقي نتيجتك والتورتة حاضرة وكلامي نافذ!
بدت السعادة جلية على معالمه، وبمكر سأله:
_ ويا ترى هنستغل منصبك ليا بس ولا للانسة شمس.
ضم شفتيه ساخطًا:
_ هي اللي مخططه للأسف، ولولا إني حاطط حدود للي أقدر أعمله كنت هخالف ضميري وهسربلها الامتحانات.
ضحك آيوب بشدة وقال بصعوبة بالحديث:
_ لو اقنعتك إن الجوازة مش هتم الا لما تنجح كنت عملتها يا آدهم.
هز رأسه مؤكدًا:
_ أكيد كنت هعملها أمال أتكدر مع الوقح اكتر، من كده كفايا عليا الرقصة المنيلة اللي مصمم عليها.
_ بالمناسبة التدريب هيبدأ من بكره وفي نفس القاعه.
تحكم آدهم بانفعالاته الخطيرة، واستدار يقابل الطاووس الوقح بابتسامة رسمها باحترافيةٍ:
_ وزي ما حطيت شرطك انا كمان كان ليا شرط، فاكره ولا نسيته؟
اقترب منه عُمران حتى قابله بمحل وقوفه:
_ انا مبنساش حاجة يا حضرة الظابط، وممكن أعند قصادك وأقولك إني مش ملزم أحققلك الشرط ده، بس أنا هضمته عشان عجبني.
وأضاف وهو بتطلع لآيوب الذي يستمع إليهما بتوتر من ان تحتد الاجواء بينهما:
_ بكره هنكون كلنا في القاعة عشان حضرة الظابط مش عايز يرقص لوحده فعايزكم معاه.
ابتسم آدهم وردد ببرود:
_ وإنت أولنا يا بشمهندس.
منحه نفس البسمة وقال:
_ أكيد ما أنا المدرب!
وأضاف بغرورٍ:
_ يا ريت متتاخرش لاني بحب الانضباط، ومتنساش قهوتك عايزك فايق للتدريب ولا، إنت عمرك ما اتدربت قبل كده يا حضرة الظابط؟
ضيق عينيه بخبث ماكر:
_ لا طبعًا واخد على التدريبات، بس بالقنابل والاسلحة فبالنسبالي اللي هيحصل ده تفاهة مش أكتر.
أغلق جاكيته وسحب مفتاح سيارته قائلًا:
_ هنشوف بكره.
وغادر من أمامهما مستأذنًا بالانصراف، بينما جلس آيوب وآدهم على إحدى الأرائك، احداهما يغلو غيظًا والآخر لا يصدق أنه سيرى ظابط بقدر آدهم يؤدي رقصة استعراضية على خشبة المسرح، والكارثة أنه سيشاركه الامر، استدار إليه آدهم يتفحصه باستغراب:
_ مالك؟
ابتلع ريقه بارتباك وقال:
_ عُمران مصر على كلامه، الشيخ مهران لو قفشني على المسرح هيكون وضعي ايه؟ أنا أساسًا من وقت ما رجعت بسدن وهو شايفني انحرفت، يقوم يلاقيني برقص على مهرجانات وعلى المسرح!! لا أنا مش معاكم.
منحه نظرة ساخرة وقال:
_ ومقولتلوش الكلام ده ليه؟
تنحنح بخفوت وهو يرد عليه:
_ لا انا هبقى أتكلم مع دكتور علي وبشمهندس جمال أحسن، هما يعقلوه.
هز رأسه بعدم اقتناع، وعاد يتساءل:
_ أمال سيف مجاش ليه؟
تفحص محل ايثان وعاد اليه يخبره:
_ هو بيطيق ايثان عشان بجي حفلته، ده أنا هتعاقب اني حضرت أصلًا.
ضحك ساخرًا من حديثه:
_ أصلًا!
شاركه الضحك وقال:
_ أصلًا
قطع ضحكاتهما صوت فارس، يدنو إليه قائلًا:
_ عمو آيوب تليفونك بقاله ساعة بيرن، وجدو مهران قالي أجبهولك.
جذب منه الهاتف وهو يقبل رأسه:
_ شكرًا يا حبيبي، يلا ارجع البيت.
تفحص الصغير الاجواء بحماس وخاصة بان جميع المتواجدون رجال، وعلى استحياء قال:
_ هو انا ينفع أقعد معاكم، عايز أتفرج عليهم وهما بيلعبوا على الاجهزة.
مرر آدهم يده على خصلات شعره الطويل وقال:
_ ده مكان مخصص للرجالة وإنت راجل وسيدهم، اقعد هنا جنبنا لحد ما نلاقي يونس.
جلس الصغير جواره مبتهجًا، بعدما عدل آدهم من ياقة جاكيته، واستدار إلى آيوب فوجده يردد باندهاشٍ:
_ ده والدك، رن عليا سبع مرات، ممكن يكون بيحاول يكلمك وموبيلك مقفول عشان كده بيرن عليا.
جذب آدهم هاتفه يتفحصه ثم قال:
_ لا موبيلي شبكته كويسة.
واعاده بجيب سرواله وهو يقول بألمٍ غير ملموس:
_ اكيد عايز يكلمك، يطمن عليك بعد سفرك.
ابتسم وقال:
_ انتوا مكبرين الموضوع كلكم، دول تلات ايام بس.
وأضاف حينما راقب اضاءة هاتفه:
_ اهو بيتصل تاني، استنى ارد.
رد آيوب ليتفاجئ بحزن مصطفى لسفره دون ان يأتي لتوديعه، وأصر عليه ان يحضر برفقة آدهم لزيارته في التو، ولكنه اعتذر له وأخبره بأنه سيأتي صباحًا، وبالكد أقنعه، ومازال تعلق مصطفى الشديد به يثير غرابته، وغموضه!
كان عُمران بطريقه إلى غرفته بالطابق العلوي، ولكنه توقف حينما لمح الضوء ينير غرفة المكتب السفلي، زوى حاجبيه بدهشة، الوحيد الذي يسهر لساعات متأخرة في الليل هو أخيه، ولكنه لم يعود برفقته بل أخبره بأنه سيتجه للمركز يتمم على عمل العمال حتى يسرع بافتتاحه.
طرق على بابه طرقات خافتة، وولج للداخل، فتفاجئ بعمه يغفو على أحد المقاعد ولجواره على الأريكة تغفو والدته بنومة غير مريحة بالمرةٍ، تمتم بخفوت وهو يراقب عمه:
_ كنت لسه هفرح إنك واخد حبس انفرادي ومنه على محكمة الأسرة على طول، ملحوقة يا باشا.
زم شفتيه بحيرة من أن يترك والدته بنومها المؤلم هذا، خاصة وبأنها حامل، نزع عُمران جاكيته وألقاه على احد المقاعد، ثم دنى إليها يحملها بخفة، وإتجه بها للاعلى، فاذا بأحمد يفتح عينيه ويردد بنوم:
_ يعني مهنش عليك أمك وعمك هان عليك ضهره يتقطم من نومة الكرسي يا وقح!
استدار إليه ومازال يحملها:
_ هو أنا اللي نفيتك هنا، ولا أنت اللي شكلك خدت استمارة تسعة بدري يا باشا.
نهض يتجه إليه بضيق:
_ أي استمارة بيأخدها حد من عيلة الغرباوي هيكون مين السبب فيها غيرك يا وقح.
زفر، بضجر:
_ أنا مش فاضي للمشحنات دي، هتأخد فريدة هانم لاوضتها ولا اطلعها أنا!
أجابه بسخرية:
_ طلعها أوضتك أوضتنا مشغولة النهاردة.
رمش بعدم استيعاب، وقال بسخط:
_ ليه، فاطيما غضبانه فيها من علي ولا أيه؟!
صرخ بوجهه بعصبية وكأنه قتله للتو:
_ اخرس هو إنت فاكر إن دكتور علي شبهك يا أوقح خلق الله، علـي!!! هو في زي علـي وأدب علـي وجمال علي!!
زم شفتيه باستهزاء:
_ ومين هيشهد للعروسة غير أختها والميكب أرست اللي دعكت البوهية على وشها!
ردد احمد بحزمٍ، وهو يلتقط زوجته من بين يديه:
_ هات فريدة وإطلع نام بره في حديقة الكمبوند، مش عايز أشوفك هنا
تفحصه عُمران بغموض، ثم قال:
_ يبقى اللي في اوضتك يخصني، ومدام كده يبقى تسيبني أتعامل.
وتركه وصعد للأعلى دون أن يضيف حرفًا أخر، بينما احمد مازال محله يراقبه بنفور، وسرعان ما هدأت نظراته حينما قابل وجه حبيبته، فمال يطبع قبلة على رأسها وهمس:
_ انا بقول نسيبهم يحلوا مشاكلهم مع بعض ونطلع نريح إحنا.
واتجه للاعلى ومنه لغرفة عُمران تاركًا كلتهما تواجهان مصيرهن.
يديها مكبلة بساقيها معًا، بينما فمها مقيد بحجابها، ومن أمامها يجلس عُمران واضعًا قدمًا فوق الاخرى، يهز مقعده وهو يتفحصها بملامح جامدة يخفي من خلفها ضحكاته.
وبين يديه يضع حزامه الثمين، يطرق به فوق يده الاخرى فترتعد من أمامه، حرك عُمران المقعد وكل هزة تسقط فوقها كالسوط، وعينيها تجوب تلك التي تغفو على الفراش بسلامٍ سيتحول لهلاكها فور أن ينتهي منها.
حطم صمته المخيف حينما قال:
_ بقى إنتِ مش عاجبك إني عايز أعملك فرح اسبشيل وراحه تشتكيني لعلي!
ارتابت شمس لأمره وأخذت تهز رأسها بالرفض التام لما يقال، فاستطرد عُمران بغضب مصطنع:
_ أنا عاملك قيمة وبحطله شروط وعقبات عشان يعرف قيمتك ويبقى ده جزاتي!!
حاولت الحديث من خلف لثام فمها، ولكنها لم تستطيع، فدنى إليها ينزعه عنها، فصاحت تبرر:
_ عُمران حبيبي أنا مفيش حد بيهتم بيا ولا بأي شيء يخصني غيرك، دي كانت لحظة شيطان وراحت لحالها، عارف إنت لو فكرت كويس هتلاقيني دايما بلجئ ليك عن علي، لانك كول كده وشيك وظهورك معايا باي بارتي بالجامعة بيعلي من قدري، طيب هقولك على حاجه ده انا من حبي فيك كنت بتعمد إني أخليك توصلني الجامعة عشان البنات كلها تشوفك ويتقربوا مني عشان يوصلولك فكانوا بيغششوني كل امتحان عشانك، وبالرغم من انهم قطعوا علاقتهم بيا بعد ما اتجوزت الا إني مازلت بحبك لانك أخويا تقوم تتهمني الاتهامات دي.
جحظت رماديته في دهشة، وقال:
_ كل ده يطلع منك يا شمس!! وانا اللي فكرك ملاك بريء زي علي!!!
هزت رأسها نافية لما قال، وعدلت ظنًا من أنها ستحوز على، اعجابه:
_ أنا طالعه ليك وشبهك أووي، ركز إنت بس وهتلاحظ ده.
وأضافت برجاء:
_ فكني بقى يا ميرو.
أجابها بحدة ووعيد:
_ لا يا روحي خليكي كده لحد ما أستقر على عقاب مناسب ليكِ بس الأول أشوف اللي نايمة أخدة راحتها دي، وراجعالك تاني متقلقيش.
همست برعب ورجفة تكتسحها:
_ خد راحتك.
استدار ضاحكًا دون أن يخرج منه أي صوت، واتجه لفراش والدته حيث تغفو مايا براحة وكأنها لم ترتكب أي جرم هنا.
جلس جوارها يراقبها بحيرة، يخشى ان يفزعها، وقتما اقترب من الاريكة التي تتمدد عليها شمس وجدها تفتح عينيها بانزعاج، وما أن رأته حتى كممم فمها وقيدها، والإن تجلس على نفس الاريكة دون قيد فمها تحاول أن تفكر جيدًا إن أيقظت مايا ماذا سيفعل بها عُمران لذا تحلت بالصمت وجلست تراقب ما سيفعله بها.
تقلبت مايا بمنامتها وفتحت نصف عين، فوجدته يجلس جوارها، منحته ابتسامة سلبت دقات قلبه، وهمست بنومٍ:
_ عُمران!
ضحك رغمًا عنه وهو يعيد جملته المعتادة حينما تناديه:
_ حبيب قلبه!
اتسعت ابتسامتها وقالت والنوم يعود لجفنيها:
_ أنا بحبك.
تعالت ضحكاته وقال بشرٍ أيقظ عقلها:
_ مهو لازم نتصافى الأول عشان أعرف أحبك يا بيبي!
رددت وكأنها تتذوق معاني جديدة لكلماته:
_ نتصافى!!
اتسعت نظراتها إليه ومن ثم للخزانة المقابلة لها، وعادت تتطلع له باسترابة:
_ إحنا فين يا عُمران؟
فعل ملامحه الجامدة باجتيازٍ وقال:
_ منتظر الاجابة من جنابك مايا هانم!
اتجه بصرها للامام فرأت شمس التي تطالعها بنظرات ساخرة وهتفت:
_ ده وقته حب وسهوكة، قومي انفدي بجلدك!
انتفضت بالفراش وكأنها تعود لوعيها الآن، تراقب هدوئه بفزعٍ، وبتيهةٍ قالت:
_ مش أنا اللي اشتكيت لعلي، دي فكرة شمس أنا بريئة.
رددت شمس بغيظ:
_ ندلة طول عمرك.
أجابتها مايا بغضب:
_ المفروض تخافي عليا أنا حامل!
قاطعهما عُمران قائلًا بسخرية وهو يضع قدمه فوق الاخرى:
_ وإنتِ مخوفتيش يا نفسك ليه؟ وبعدين مش انا قايلك اللي بينا يفضل بينا وسبق واتكلمنا عن حوار غيابي الكتير ده ولا إنتِ بتحبي الكلام كتير يا بيبي؟
هزت رأسها وأسرعت بالنطق:
_ أنا آسفة.
واضافت شمس:
_ وانا كمان.
وزع نظراته بينهما باستمتاعٍ ثم قال:
_ بتعتذروا بنية إنكم عرفتوا غلطكم ولا، خوف مني.
أسرعت مايا إليه تخبره بصدر رحب:
_ لا انا غلطت واعتذرت، ممكن أنام بقى؟
ابتسم وقال:
_ نامي بس عشان خاطر ابني، مهو مش هينفع يتعاقب بعقاب أمه.
هدرت شمس بانفعال:
_ هي سامحتها عشان خاطر ابنك وأنا يا بشمهندس؟
نهض عن الفراش وأتجه إليها، جلس جوارها وقال بخبث:
_ ما انا لازم أسامحك انتي كمان، وهعتبرك بنتي الصغيرة اللي غلطت يا ستي ها مرضية كده.
هزت رأسها بتأكيد، وبابتسامة واسعة رددت:
_ جدااا، فكني بقى.
رد عليها بنفس ابتسامته:
_ انا سامحتك أه بس مش هفكك.
تجمدت ابتسامتها وهدرت:
_ يعني ايه؟
انتصب بوقفته يشير لزوجته التي أتت سريعًا اليه، احاطها بذراعه واتجه بها للخروج قائلًا:
_ هبعتلك اللي يفكك وبالمناسبة أنا ومايا هنام في أوضتك النهاردة، تصبحي على خير.
جحظت عينيها صدمة وصرخت بانفعال:
_ فكنـــــــــي... عُمــــــــران!!
أغلق الباب من خلفه وما هي الا دقائق معدودة وولج علي إليها، تهللت اساريرها وقالت بفرحة:
_ كنت عارفة أني مش ههون عليه وهيبعتلي حد.
ازاح علي الاربطه عنها، حتى انتهى، وقال:
_ وأنا الحد اللي مش هيخلص من حل المشاكل.
ونهض يشير لها:
_ نامي بعمق كلها 24ساعة وهتزفي بالأبيض لعريسك.
ابتسامة عاشقة رسمت على محياها، انقطع طول المسافات بينهما ولم يتبقى الا يومًا واحد لتصبح زوجته.
أغلقت فاطمه الهاتف بعدما انتهت من مكالمتها مع شقيقتها، ولاول مرة تبدأ بالتحدث إليها عن امورها الشخصية، فأخبرتها عن تناولها لموانع الحمل لعدم رغبتها بالحمل، ولكنها استنكرت فعلتها وراتها مخطئة بفعلتها، خاصة بعد ان من الله عليها بزوج مثل علي.
فتح علي باب غرفته وولج للداخل يبحث عنها، فوجدها تقف بالشرفة، وما ان رأته حتى تسائلت:
_ اتاخرت ليه يا علي؟
نزع حذائه واتجه إليها يجيبها:
_ كنت بالمركز بمر على العمال، حابب أبدا شغل على طوول، وطبعًا خطوة إن يوسف بقى شريك معايا دي حمستني فوق الوصف.
تذكرت امر ليلى فسألته باهتمام:
_ هما هينزلوا مصر، مش ليلى اتمنعت من السفر عشان حالتها!
جذب بيجامة من خزانته وقال وهو ينزع جاكيته عنه:
_ يوسف كلمني النهاردة وقال إنها بقت احسن، بس عشان ميحصلش مضاعفات هينزل هو لوحده يحضر فرح آدهم وهي هتحصله بعد اسبوع، هروح أستقبله الصبح في المطار إن شاء الله.
_ كده أحسن عشان الحمل يثبت بعد اللي حصلها.
قالتها بارتباك ومازال عقلها شارد بحديث شقيقتها، ترك علي البيجامة عن يده وسألها بشك:
_ انتِ كويسة؟
أجابته ببسمة زائفة:
_ أنا بخير الحمدلله، لسه بس مخلصة مراجعة حسابات أخر ملف وتعبت جداا.
واتجهت للفراش قائلة بحزن:
_ تصبح على خير.
بقى محله يتأملها، يعلم بأنها ليست على ما يرام ولكنه أحق العلم بالاوقات التي تمكنها من الحديث، توجه علي لحمام الغرفة أبدل ثيابه وخرج يتمدد جوارها، بينما توليه ظهرها، انقضى الوقت ولم يشعر بغفوتها مثلما تحاول أن تتدعي، فحطم لجام صمتهما قائلًا:
_ مالك يا فطيمة، فيكِ أيه؟
مالت بجسدها إليه فرأى دموعها، تلاقت عينيها به وقالت:
_ زينب قالتلي إني بظلمك معايا يا علي، أنا أنانية.
قالتها ونوبة البكاء تستحوذ عليها، جذبها إليه وهو يتطلع إليها باستغراب:
_ ظلم أيه يا فطيمة!!
أجابته بقهر:
_ إنت من حقك تكون أب.
علم مقصد حديثها، فتنهد بقلة حيلة، وأزاح دموعها ثم قربها إليه تغفو على صدره، انتظر، حتى هدأت قليلًا، وقال بهدوءٍ:
_ مفيش حد في الكون ده هيفهمك أدي يا فطيمة، مش عايز أغلط زينب في اللي قالته ولا ألومك إنك بتفضفضي بس اللي عايزك تعرفيه إني فاهم ومقدر كل اللي مريتي بيه، حتى لو اللي حواليكي معندهمش استيعاب للي عشتيه! ، أنا مستوعب ومقدر، ومستحيل هقبل أنك تعيشي في الضغط ده كتير.
تعلقت به بقوة، وشد هو من ضمتها كأنه يخبرها الا تقلق سيظل بجوارها، ردد قائلًا بعشق:
_ أنا مش عايز غيرك وواثق إن ربنا هيفرحني منك بطفل بس كلها مسألة وقت، ومش مستعجل أبدًا، فأرجوكِ بلاش تهدي كل خطوة بننجح نتخطاها في علاقتنا.
وابتعد برأسه للخلف ليتمكن من رؤيتها:
_ أنا بحبك ومتقبل كل قرارتك يا فطيمة، وعمري ما هكون ضدك في يوم من الايام.
ابتسمت وشعور الراحة يعانقها، فمسحت برأسها على صدره كأنها تتوسط وسادتها المريحة، فابتسم وأحاطها بكل حب، حتى غفت براحة وبقى هو هائمًا بالفراغ، الجميع لا يقدر الحالة التي تعرضت له فاطمة، كونه طبيبًا يعلم أن تجاوز الامر ليس هينًا بالمرة، بل قد يحتاج إلى سنوات إن ساء الأمر، وكونه عاشقًا قبل أن يكون طبيبًا سيكون صبورًا بكل تأكيد.
سطعت شمس يومًا جديد حافل باحداث هامه، ووقف السبعة شباب قبالة عمران وايثان يتلقنون خطوات الرقص، حتى انتهوا باستراحة قصيرة، فإذا بصوت يقتحم مجلسهم هاتفًا:
_ يعني محدش فيكم قابل يطلع معايا على، اغنية لو كانت لعبة حلوة كان زماني لعبتها؟
قالها "إيثان" بتذمرٍ، وهو يتجول على منصة المسرح بين السبعة شباب المستلقون بانهاكٍ، حاملًا هاتفه بين كفه.
اشرأب "جمال" بعنقه ليصل إليه، وقال بانزعاج:
_ أهو ده اللي ناقص نطلع نتراقص على الفيسبوك!! ، مش كفايا اللي بنهببه هنا ده!!
صاح سيف بانفعالٍ:
_ ما تشوف صاحب ابن عمك ده يا آيوب، مستحملينه ازاي ده يا أخي!!
مال بجانبه وردد بارهاقٍ:
_ يونس ما تأخد إيثان تفسحه وتدلعه وتعملوا التريند اللي عايزه مع بعض بره.
منحه نظرة قاتلة، وعاتبه بسخرية مضحكة:
_ عايزني أترقص معاه على الملأ يابن الشيخ مهران!
ضحك وهو يخبره:
_ ماحنا كده كده هنعملها يابن عمي!
ركض اليهما ايثان وتمدد جوارهما، قائلًا بحماسٍ:
_ اقنعوا عُمران يعمله معايا، هو أنسب واحد فيكم، شكله كاريزما وشيك، والاغنية هتأكل عليه.
وتابع بتمني، بعد ان تراقصت أحلامه:
_ يمكن الفيديو يضرب وأبقى يوتيوبر بيقبض بالعملة الصعبة.
حدجه آدهم بنظرة مغتاظة، وردد:
_ هو إنت جاي تحقق أحلامك الحقيرة في فرحي ولا أيه؟ أوعى تشد مع عُمران، ده ممكن ياخدها تلكيكة ويلغي الفرح.
زحف إليه، وقال ببراءة مصطنعة:
_ ليه بس ده هو فيديو واحد.
كبت يوسف ضحكاته وقال:
_ الاغاني حرام عندنا يا أخ إيثو، وإنت ما شاء الله عليك عايز غنى ورقص وتصوير!! بقى ده منظر استقبال تستقبلوه ليا بعد السفر ده، عايزين تلبسوني مع الطاووس!
لوى سيف شفتيه بتهكمٍ وقال:
_ مش عارف جايبنه منين ده، وبعدين بأي حق يدربنا على الرقصة وهو أساسًا أسوء واحد فينا؟
تعالت ضحكات آيوب بسعادة لقصف سيف جبهة إيثان، فضربه كفًا بكفه مرددًا:
_ ده حلال فيه قصف جوي وبري وبحري، اضرب وميهمكش يا دكتور.
همس يونس لآيوب يحذره:
_ لو ايده طولت عليك معرفكش، والخواجه صاحبك مختفي من وقت الاستراحة شوف مين هيدافع عنك بقى؟
تجاهل إيثان حديث الجميع، وانتصب بوقفته بمنتصف الدائرة التي تضم أجسادهم الممددة هاتفًا باصرارٍ:
_ بقولكم عايز أبقى تريند وأقفش دولارات، اتصرفوا وخلوا عمران يصور معايا، ويأخد الفيديو شير عنده دي صفحته عليها أكتر من أربعة مليون متابع!!!
استند "علي" على ذراعه وقابله بابتسامته الهادئة:
_ عُمران مستحيل يعملها يا إيثان.
أضاف جمال ساخرًا:
_ عُمران يطلع يهز على العام ويفضح نفسه وينزلها على صفحته!!!! إنت الخمرة عندكم حلال ولا أيه يالا!!!
حك جبينه بابتسامة خبيثة، وقال بثقة:
_ واللي يخليه يعملها؟
أتاه ردًا لاذعًا من خلفه يجيبه:
_ أعمل أيه يا حيلة أمك!!!
ارتعب إيثان فور أن رأى عُمران قبالته، فتنحنح وهو يدعي نوبته الزائفة من السعال، متمتمًا:
_ متفهمنيش غلط يا خواجة ده انا كنت بدردش مع صاحبك اللي لسه واصل جديد ده.
هز يوسف رأسه وقال:
_ بالظبط كده الاخ يوساب كان بيتعرف عليا.
احتقن وجهه من الغيظ وقال:
_ إيثان يا دكتور يوسف إسمي ايثان.
ضم كتفه وقال بمزح:
_ هنتعرف الايام جاية متقلقش.
من خلفهما ناداه سيف بغضب:
_ يوسف تعالـى هنا فورًا.
ترك يوسف ايثان واتجه للخلف، فوقف جوار آيوب الذي يكبت ضحكاته بصعوبة، بينما همس جمال بسخط:
_ ضرة سيف الجديدة!
اجتماع سري تم بأحد الدول التي تشبه بغطرستها فرعون الذي كانت نهايته آية، ومصيرها شبيه به، كان يُعقد اجتماع سري منصوب على اختفاء الميكروفيلم، واختفائه اهانة صريحة للخنازير والدولة اللعينة التي توفر حماية لهم، اميركا ملجئ الخنازير وداعمة اي ثغرة تمس الدول العربية.
اتحدوا معًا اليوم للحصول على ما سيجعل مصر ذليلة خاضعة لمخططاتهما الدنيئة، كما يتوقعون بسيناريو فانتازي لن يحدث يومًا، ليس لان بها ظباط شجاعتهم ترهب الغرب قبل ان تسمع، بل لقول رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام أنها ستظل آمنة إلى يوم القيامة.
انتفض رأس الافعى يردد بغضب:
_ كيف اختفى الميكروفيلم فجاة وبتلك السهولة!!
أجابته الجهة الاخرى من مجمع الخنازير اليهـ.ــود:
_ لقد امناكم على تلك المهمة، إفعل أي شيء للحصول عليه مجددًا.
تلفظ احد عناصر المخابرات الاميـ. ـركيـة:
_ لدينا معلومات أكيدة ان الميكروفيلم لم يصل إلى مصر حتى الإن.
صاح أحد من الخنازير:
_ بالطبع لن يكون عودته بتلك السهولة، علينا البحث جيدًا بالرحلات واسماء المسافرين بيوم اختفاء الميكروفيلم.
أجاب أحد ظباط الأفعى:
_ ولنستبعد أي رحلة خرجت لاحدى البلدان العربية، من المؤكد أنهم سيسافرون الى مصر عن طريق دولة أوروبية أخرى!
انتهى عدي من حزم أغراضه ومتعلقاته الشخصية، ثم جذب الميكروفيلم يقدمه لمن يقابله بنظراتٍ قاتمة كسواد الليل، وقال بغموض تام:
_ طبعًا إنت عارف هتعمل أيه؟
منحه ليل نظرة مطولة، والتقط الميكروفيلم ثم فرد ذراعه يستقبل طائره عُقاب وبدون كلمة واحدة انطلق بمئزره الاسود وخطاه السابق للموت لطريق مجهول، خطة محكمة وضعتها الاستخبارات المصرية ببراعةٍ، وتركوا التنفيذ لمجموعة من أمهر ظباط الجهاز.
ليلًا في منزل آدهم، كان يجلس برفقة والده على سفرة الطعام وبجواره آيوب بعد ان أصر مصطفى على ان يمضي الليل برفقتهم ويبقى لليوم التالي متحججًا أن آدهم يحتاج أليه ليكون بجواره بيوم زفافه منذ الصباح، وبالرغم من ان الشيخ مهران كان حزينًا ولكنه لم يبدى عليه ذلك ولم يمنع آيوب عن ذلك، بالنهاية هو أبيه ويمتلك الحق لذلك.
راقب آدهم ضحكات أبيه بابتسامة حنونة، يرى بعينيه سعادته البادية لوجود آيوب الذي قال بحرج:
_ مكنش له لزمه إني ابات، كنت هاجي الصبح بدري على، طوول.
اجابه مصطفى بلهفة:
_ يعني سافرت تلات ايام ومعرفتش الا من عمر، رجعت ومعبرتنيش حتى بعد ما رجعت، ومستكتر، عليا يوم تقضيه معايا.
طالعه آيوب باستغراب من نبرة الحزن الغريبة بصوته، فأسرع آدهم يمازحه ليبدد تفكيره:
_ إبسط يا بشمهندس أبويا بيعزك وبيحبك اكتر مني، ده مش بيعمل كده لما بسافر.
وأضاف بابتسامة واسعة:
_ خلاص لما أسافر لشهر العسل هدي لايوب مفتاح البيت يجي يقيم معاك.
سبقته لهفته بالحديث:
_ يا ريت يابني والله.
ابتسم آيوب وقال يجامله:
_ انا عنيا ليك يا والدي والله.
نهض آدهم يحمل اطباق الطعام للمطبخ، وتلاه آيوب يناوله الاطباق والاخر يرصها بغسالة الاطباق حتى انتهى من تنظيفها، بينما صنع آيوب أكواب القهوة الشهية، وجلسوا يرتشفونها واجواء المرح تحوم بهم، حتى اشار مصطفى لادهم قائلًا:
_ الوقت اتاخر طلعني لاوضتي يا عمر واطلع انت وايوب ارتاحوا ورانا يوم طويل بكره يا عريس.
جذب آدهم هاتفه وبحركة غير ملموسة اعتادها جعل الهاتف المنزلي يصدح فور ان اتصل به من هاتفه، فقال وهو يتجه للردهة:
_ طلع بابا الاوضة يا آيوب، وانا هشوف مين بيتصل.
وضع كوب القهوة وأسرع لكرسي مصطفى مرددًا بكل سرور:
_ عنيا حاضر.
رفع آدهم سماعه الهاتف القريب منهما يدعي انشغاله بالحديث وعينيه الحزينه لا تفارق صعود آيوب بمصطفى الاسانسير المصنوع من الزجاج الشفاف، ابتسامة والده وفرحته بمرافقة آيوب اليه لغرفته جعلته يبتسم ويتمنى لو ان يتمكن من سد تلك الفجوة التي ستحدث بينهما لا محالة.
عاد للمقعد مهمومًا، غدًا زفافه، وبعد الغد سيسافر بعد ان تقدم موعد سفره بعدما تلقنوا بسرعة تحرك العدو الى ميلانو والدول المجاورة، لذا عليه الآن أن يكشف الحقيقة كاملة إلى آيوب، سينتظر قبل سفره بساعات، هو مرغمًا ولا يمتلك أي مجال للفرار من حقيقة الامر.
عاون آيوب مصطفى حتى تمدد بالفراش، وناوله الادوية وزجاجة المياه، انتظر فور أن انتهى من تناول الدواء ثم مدد الغطاء على جسده وسأله بحنان:
_ مش عايز اي حاجة اعملها لحضرتك؟
بابتسامة وأعين تلمع من الفرحة قال:
_ كتر ألف خيرك يا حبيبي، يلا روح نام وريح الوقت اتاخر وهتقوم مع عمر بدري.
ردد بدهشةٍ:
_ عمر!! آآه تقصد آدهم..
ضحك وقال:
_ مع اني مش بحب الاسم ده بس لاجل عيونك نمشيها آدهم.
ابتسم آيوب وقال بمحبة:
_ الاسمبن حلوين بس آدهم لايق عليه وبحب أناديله بيه بصراحه.
هز مصطفى راسه بتفهم وقال:
_ خلاص مختلفناش ولو مكنش شحط كده كنت روحت وغيرت اسمه لاجل خاطرك.
اتسعت ابتسامته واتجه للخروج قائلًا:
_ تصبح على خير.
لاحقته نظراته بلهفة، وهمس بحزن:
_ وانت من اهله يا حبيبي.
اغلق آيوب الباب من خلفه وتفحص الطابق العلوي باحثًا عن آدهم بحيرة، فوجده يخرج يخرج للتو من المصعد، رنا اليه وسأله باهتمام:
_ بابا أخد أدويته؟
أومأ برأسه إليه:
_ أخدها ونام خلاص.
ربع يديه أمام صدره وأشار له بمشاكسة:
_ هتنام معايا في أوضتي ولا تنام في أوضة لوحدك عشان سيف ميقتلكش؟
توالت ضحكاته الرجولية وقال بمكر:
_ انت عايز تسبني لوحدي في فيلا طويلة عريضة زي دي وتطلع في الاخر ملبوسة بالاشباح.
سقط آدهم من الضحك وقال:
_ مفهاش غير شبح زوبة!
انتفض بوقفته يهتف بصدمة:
_ زوبة!! روحني من فضلك العمر مش بعزقة هو!
أشار له باتباعه هادرًا:
_ تصدق صعبت عليا وهخدك تبات معايا، تعالى.
لحقه آيوب، ولج خلفه للداخل، فانبهر من الحائط الشاهد على عدد لا بأس به من تكريماته، وقف يراقب كل وسام ببسمة محبة وفرحة كأنه تواجد في كل مناسبة كُرم بها، ومن خلفه يراقبه آدهم بحزن حفر بوضوح على معالمه، وما أن تقابلت اعينيهما حتى خرج للشرفة، فلحقه آيوب يجاوره بوقفته، يطول صمتهما حتى قال آيوب:
_ انا متأكد إنك مخبي حاجة ومش من يوم ولا اتنين، تقريبا من وقت ما جينا مصر!
التفت إليه يتمعن به، ثم قال:
_ وأيه اللي مخليك متأكد كده؟
اجابه بعنجهية:
_ مش ظباط المخابرات اللي عندهم الحاسة السبعه بس يا حضرة الظابط، ها هتعترف ولا أوفر طاقتي للرقصة المنيلة بتاعت بكره؟
ضحك حينما تذكر حركاته البهلونية بالرقص الشعبي، وقال من بين ضحكاته:
_ لا هقولك.
استدار اليه متلهفًا لسماع ما سيقول، سحب آدهم نفسًا عميقًا يلجم به جرحه النازف، ثم قال:
_ أنا ماليش في الدنيا دي غير بابا، هو كل حياتي، وفوق كل ده أنا واخده قضوة ليا، طول عمري بشوف الحلو اللي، فيه وعمري ما شوفته بيعمل حاجه غلط، عشان كده لما اكتشفت انه ارتكب ذنب كبير في شبابه كنت مش قادر أستوعب بس للاسف غفرت وسامحته حتى لو مكنتش الطرف الاساسي اللي يملك الغفران.
بالرغم من حديثه المبهم الا انه قال بحكمه:
_ بتقول في كلامك إنه في شبابه يعني بالماضي يا ادهم، ومهما كان ده أبوك ولازم تسامحه وتكون جنبه.
تمعن به قليلًا وقال ببسمة ألم:
_ حتى لو كان ذنبه انه اتخلى عن أخويا الوحيد.
برق بدهشة وردد:
_ أخوك!!
وأضاف باستغراب:
_ بس إنت قولتلي قبل كده انك وحيد.
هز رأسه بتأكيدٍ وقال:
_ ده اللي كنت عارفه، لما رجعت من مصر معاك صارحني وقالي آنه كان متجوز على أمي الله يرحمها، بس مقدرش يواجهها بعد وفاة زوجته التانية اختار يكمل حياته معاها ومعايا واتخلى عن ابنه التاني، ولما فاق من غفلته وقرر يسترده معرفش، وعاش في عذاب طول عمره لحد ما اشتد عليه المرض فصارحني وطلب مني ادور عليه وارجعهوله.
رمش بعدم استيعاب لما يخبره به، وتساءل في حيرة:
_ وإنت لقيته؟
أدمعت عين آدهم بوضوحٍ جعل الدموع تلتمع بعين آيوب تلقائيًا تأثرًا بحزنه الواضح، فخشى ان يكشف امره لذا قال وهو يتطلع للامام:
_ لقيته أيوه بس معنديش الجرأة اني اوجهه بالحقيقة.
سأله من جديد بتوتر:
_ هو انت تعرفه يا ادهم؟
يزداد خوفه من انكشاف الامر، فقال:
_ آآ.. لا معرفوش بس بشوفه من بعيد لبعيد.. مهو مش معقول هروحله واقوله اني أخوه، وكمان هو ميعرفش حاجه لانه عايش مع ناس مسجلاه على اسمهم يعني حياته طبيعية مش مشكوك انه مش ابنهم، ولو اتكلمت هكون بدمر حياته وبايديا.
لم يستطيع الوقوف على قدميه طويلًا جلس على المقعد القريب من الشرفة الحديدية، وقبالته جلس آيوب يحاول استيعاب كم الألم المختبئ خلف شخص آدهم، ازدرد ريقه وقال:
_ بص يا آدهم الموضوع صعب ومؤلم، انا عارف إن والدك غلط غلطة كبيرة جدااا بس مهما عمل فهو تاب ومعترف بغلطه، ومن ناحية تانية في اخوك اللي اكيد حياته مكتملة وحقيقية زي دي هتدمره ومش بعيد يكره والدك، هيكون صعب عليه لما يعرف بس بردو سكوتك أكبر غلط متنساش إن ده اختلاط انساب، وكمان والدك لو عرف انك عرفت مكان ابنه ومخبيه عنه مش هيسامحك، اديله الفرصة انه يروح لابنه ويطلب منه السماح يمكن ربنا يحنن قلبه عليه ويغفرله.
انهمرت دمعة من عين آدهم، واخشوشنت نبرته:
_ أنا اللي خايف منه إنه يحملني انا الذنب ويكرهني يا آيوب.
وضع يده فوق كفه وقال بحزن:
_ أخوك لو عمل كده هيكون غبي، أنت زيك زيه مالكش ذنب في أي حاجة.
لفظ الهواء الساخن داخله وقال:
_ بتمنى ده اللي يحصل.
ربت على كفه مجددًا:
_ سلم أمرك لله، وباقرب وقت جمعهم ببعض وربنا هيحلها من عنده.
ونهض يشير اليه:
_ قوم خلينا نتوضا ونصلي الفجر عشان نلحق ننام ساعتين قبل الفرح يا عريس.
ابتسم وأشار له:
_ يلا.
فستانها الأبيض يتدلى من خلفها كالفراشة التي تضم جسدها المتناسق، ومن امامها وضع حجابها ولجواره بعض مساحيق التجميل البسيطة، انتهت بوضع التاج اعلى الحجاب، ووقف تترقب لحظة دخول أشقائها.
ولج علي للداخل وبرفقته عمران، وعلى يسار كلا منهما زوجته، ومن خلفهما أحمد وفريدة التي ضمتها بكل محبة وقالت:
_ طالعه زي القمر يا حبيبتي.
بينما قال احمد بفرحة:
_ مبروك يا شمس ربنا يسعدك ويفرحك يارب.
ضمتهما معًا وقالت بدموع:
_ ميرسي يا أنكل.
اقتربت منها فاطمة تمسح دموعها قائله باستنكار:
_ في عروسة زي القمر كده تعيط يوم فرحها وتبهدل الميكب.
ردت مايا عليها:
_ شمس هانم الغرباوي اللي هنضطر نستعين بحد بروفشنال يظبطلها الميكب ده ولا أيه يا عمران؟
دنى إليها عمران يضمها بكل محبة ودموعه تختلج رماديته، قائلًا بتأثر:
_ هتسبيني يا شمس؟
احاطته ببكاء مزق قلوبهم، وعينيها تنجرف تجاه علي الذي يطالعها بحزن شديد، لقد منح كل الحق لعمران حينما كان يحاول أن يفرقهما خشية من ذلك الفراق، فسرعان ما ازاح دموعه واقترب يضمها قائلًا:
_ مبروك يا شمسي.
باتت بين ذراعي أشقائها الان توزع نظراتها بينهما بانكسار، فجلست على مقعد السراحه تنهار بصوت جعل فريدة لا تحتمل ومالت على كتف زوجها تبكي.
انحنى علي قبالتها وقال وهو يجاهد للتبسم:
_ أمال لو كنا في لندن بقى وسبناكي تيجي مصر لوحدك!! احنا معاك وجنبك يا شمس، مش كده ولا أيه يا عمران؟!
يطالب دعمه والاخر يبكي جوار السراحه ويخفي دموعه بالكد، ازاحهما واتجه للسراحه يحمل بغض ادوات التجميل وجلس قبالتها يعيد تزينها بخفة وببسمة يرسمها بالكد، قائلًا بصوت احتبس فيه كل وجعه ودموعه:
_ لو عيطتي هتبوظي اللي هعمله ولعلمك مش هعدلك تاني..
وأضاف يمازحها:
_ ممكن ببساطة تطالبيني بالغاء الحفلة وانا عنيا ليكي هنزل اطرد حضرة الظابط وأفضها وأنا نفسي في ده بصراحه.
صرخت برعب:
_ لا لا مش هعيط أهو.
ضحكوا جميعًا فقال بسخط:
_ معرفش عملك ايه الجزار ده!
انتهى من تزينها وعلي يستند على الحائط يراقبها بابتسامة جذابة، كأنه يرى ابنته الصغيرة تزف اليوم إلى عريسها.
انتهى عُمران وانتهت فريدة من تزينها بالمجوهرات الثمينة العائدة لتراث عائلة الغرباوي، وقدمتها لاحمد الذي بادر بتسليمها لعريسها، وكأنه الأب الحقيقي لها.
خفق قلب آدهم طربًا حينما رآها تقف قبالته، اغلق جاكيت بذلته السوداء الانيقة واتجه يتلقف يدها برقة تنتاهى مع جمالها الرقيق، ومضى بها للقاعة المباشرة لغرفة العروس حيث اجتمع عدد صخم من المعازيم واغلبهم من الشرطة والمناصب المرموقة.
اوصلها آدهم للمنصة وجلس جوارها لثلاثون دقيقة، وما ان تلقن اشارته من إيثان والشباب وراقب انطفاء الضوء حتى اتجه لغرفة تبديل الملابس ولحق الشباب للمنصة.
وقف السبعة شباب قبالة "عُمران" و"إيثان"، يتلقون تعليماتهم بنفورٍ، وخاصة حينما شدد إيثان بتحذيرٍ، وكأنه يعدهم لسباقٍ دوليًا خطير:
_ مش عايز غلطة، تتحركوا مع الايقاع مع بعض، ممنوع حد يسبق ولا يغلط في حركة بذات انت يابن الشيخ مهران، ســــــااااامع!
حك "آيوب" وجهه المحتقن، وهدر منفعلًا:
_ ما خلاص يا عم هو إنت بتدينا دروس تقوية! وبعدين مهرجان أيه اللي عايزيني أرقص عليه، أبويا في الفرح بره هيقتلني لو شافني برقص!!
واسترسل وهو يحرر الجرفات عن عنقه بضيق:
_ وبعدين أنا عمري ما لبست بدلة وبصراحه شيء خنيق زي دمك السم بالظبط.
احتقنت اوردته غضبًا فكاد بهبوط الدرج القصير ليصل له، ردغه ذراع الطاووس الوقح محذرًا:
_ مكانك لأفرمك، قولتلك آيوب لأ.
شكى له كالطفل الصغير:
_ منتش سامعه يعني!
أشار بيديه بثبات قاتل وسخرية مضحكة:
_ عيل وغلط، نفهمه بالراحة.
زفر "يوسف" بسخطٍ، ودفع "علي" بيده:
_ ما تشوف اخوك يا دكتور علي، احنا دكاترة لينا إسمنا، مينفعش نطلع نتراقص بره قدام الخلق.
ضحك جمال وهمس ساخرًا:
_ يعني حبسنا هنا على الاستيدج بقاله عشر ساعات وجاي تتكلم قبل العرض بدقايق!!
اقتحم سيف دائرتهما وصاح بعصبية:
_ طيب دكتور علي اخو العروسة وده حقه، يوسف اخويا صاحب الوقح ده ومن حقه يجامله، بشمهندس جمال الصديق المقرب ومن حقه بردو يجامل، آيوب وابن عمه الطيب ده وهنقول الطاووس الوقح صاحبهم ومن حقهم يجاملوه، حتى جامباز غريب الاطوار اللي نازل شخط فينا من يوم ما نزلنا مصر ده وقولنا ماشي، العريس اللي سايب عروسته بره من اول الفرح وواقف معانا بالقوة ده وبردو ماشي، انا بقى لزمتي أيه هنا أفهــــــــــــــــــم!!
منحه عُمران نظرة جامدة، وقال ويديه تتربع أمام صدره:
_ عشان أنا عايز كده، ارجع مكانك واستعد يا سيفو بدل ما أطلعك المسرح ولوحدك من غير الشباب!
تنهد علي بقلة حيلة:
_ مش كفايا فقرة الموتسكلات يا عمران، لو رقصنا على المهرجان ده فريدة هانم هتعاقبنا عقاب جماعي وسط المعازيم.
بابتسامة واسعة قال:
_ متقلقش عمك فاهم هيعمل ايه؟
ضحك يونس وردد:
_ حتى دي عملاها حساب، إنت خطير يا بن الغرباوي!
وزع آدهم النظرات البائسة بينهم واستكان بوقفته جوار علي الذي حاول تحريضه:
_ آآنت واقف مستسلم لاوامر الحقير ده ليه، المفروض إنك ظابط وليك مركزك اللي مش شايفه من ساعة ما الوقح ده نزل مصر.
رسم بسمة ساخرة على وجهه، ومال يهمس له:
_ صدقني أنا مش في ألطف حالاتي، تخيل أطلع اترقص برة قدام القادة على مهرجان مش فاكر الاغنية طيب طالع ليه اتزفت من الاول!! للأسف مضطر عشان عيون شمس يا دكتور..
وتابع وهو يتأكد من انشغال عمران بربط جرفات آيوب:
_ مش من الذكاء اني أعارض اخوك وبالذات في يوم زي ده، وبعدين لو فكرت فيها هتلاقي موقفي أبشع موقف فيكم، غلى الاقل هو رزعكم طقم بدل سودة ومع تخفيف الاضاءة محدش هيفرقكم عن بعض، لكن انا ألبس أبيض ليه معلش!!!!!!!!
عاد الضوء يتسلط على الاستيدج حيث ظهر الشباب، ومن بينهم آدهم الذي بهتت ملامحه ما ان رأى الجوكر وزوجته يدلف القاعه وعلى يمينه امتلأت المقاعد بقادته، فباتت قدميه وكأنها تلجمت محلها!
اجتمعت الفتيات حول الاستيدج والجميع يترقب خطواتهم والكاميرات تسجل تلك اللحظة، بينما تترقب شمس ما سيحدث برعب، ولكن ما ان انطلقت الموسيقى ورأت حركاتهم الرجولية الهادئة حتى رفعت يدها تصفق بحرارة، اندمج الجميع معهم، فلم يكن رقصهم مبتذل، كانت حركان بسيطة والجميع يدور حول آدهم، وبحركة واحدة القوا الجواكت وباتوا يمضون معًا.
وما ان انتهوا حتى تعالت حرارة الصفقات الجماعية بحرارة، فتسلل آدهم للاسفل واتجه للجوكر يردد بحرج:
_ نورت الدنيا كلها يا باشا.
حدجه بنظرة غامضة ثم قال بثبات:
_ إنت اللي منور الاستيدج إنت والشباب يا حضرة الظابط.
ود لو انشقت الارض وابتلعته، فقال بتوتر:
_ آه.. ده الشباب بيوجبوا معايا وحضرتك فاهم.
هز رأسه بخفة وقال:
_ واضح.
مال اليه يهمس:
_ غيرت معاد سفرك ليه؟
تعجب من علمه بالامر، فقال بابتسامة متزنة:
_ لقيت ان مفيش داعي اقعد في مصر 5ايام، هسافر على طول نقضي شهر العسل وننزل على طول.
نظراته الثابتة كانت مخيفة للغاية، فقال هامسا:
_ هستناك في مكتبي الصبح يا عريس.
وتركه واتجه لطاولة فاطمة حيث ترك زوجته برفقتها، كانت تنتظر التعرف عليها بصبر، وجلست كلتاهما تتعرفان عن قرب، وقد كان مراد بقمة سعادته لرؤية التغير الطارئ على فاطمة، فمال لعلي وقال:
_ كل ما بشوف فاطمة بتثبتلي اد أيه إنك دكتور شاطر وممتاز، لو امهر دكتور في العالم قالي إن في يوم من الايام هترجع لحالتها الطبيعية مكنتش صدقته، حقيقي يا دكتور علي إنت دكتور، عبقري وممتاز.
منحه علي ابتسامة ممتنة وقال:
_ ده فضل من ربنا إني قابلتها، حبي ليها هو البداية لكل شيء يا مراد باشا.
هز رأسه وابتسامته لا تفارق وجهه.
صعد عُمران الاستيدج، فجذب الانتباه ببذلته الرمادية الجذابة، قدم يده لشمس التي تلقفتها وأسرعت برفقته بينما يغني لها بحب:
«الفرحة اللي أنا حاسس بيها
الا أنا قادر أقولها ولا أحكيها
أختي حبيبتي و ضيي عيوني
لعريسها بإيدي هوديها
من يوم ما وعينا على الدنيا
ما فرقناش بعضنا لو ثانية
على عيني إنك تبعدي عني
دمعتي مش قادر أخبيها
والفرحة اللي أنا حاسس بيها
الا أنا قادر أقولها ولا أحكيها
أختي حبيبتي و ضيي عيوني
لعريسها بإيدي هوديها
من يوم ما وعينا على الدنيا
ما فرقناش بعضنا لو ثانية
على عيني إنك تبعدي عني
دمعتي مش قادر اخبيها
اااه، وأوعي تنسي إن أنا حضنك
كسرك أخوكي، سندك ضهرك
وأوعي تخافي من أي حاجة
وهجيبلك حقك لو ضايقك
وأوعي تنسي إن أنا حضنك
كسرك أخوكي، سندك ضهرك
وأوعي تخافي من اي حاجة
وهجيبلك حقك لو ضايقك
وأوعي تنسي إن أنا حضنك
كسرك أخوكي، سندك ضهرك
وأوعي تخافي من أي حاجة
وهجيبلك حقك لو ضايقك
دا الفرحة اللي أنا حاسس بيها
الا أنا قادر أقولها ولا أحكيها
أختي حبيبتي و ضيي عيوني»
انتهى من اغنيته ودموعه تفيض رغمًا عنه حتى سلم يدها بيد آدهم، انقضى الحفل وغادرت برفقة زوجها، ولم يتبقى الا عمران ولجواره علي الذي يحاول ارغامه على العودة، ولكنه ظل محله كأنما فارق روحه الآن!
صعدت شمس لجناحها تترقب لحظة صعود آدهم، ينتابها القلق من ارتباكه اللحظي فور صعوده رفقتها للسيارة، كان يتحدث من الوقت للاخر بالهاتف وبلغة غريبة.
جلست على الفراش تراقب باب الجناح، وفجاة وجدته يدلف للداخل، يتجه لخزانته سريعًا وهو يشير لها:
_ شمس بسرعه غيري فستانك ولمي هدومك، هنسافر حالا.
عبست بمقلتيها بصدمة:
_ دلوقتي!!
أسرع بتغير ملابسه وهو يشدد عليها:
_ حالا يا شمس.
اتبعته للسراحه وهو يلتقط ساعته ومتعلقاته باهمال، وقالت بخوف:
_ هو في ايه يا ادهم طول الطريق وانت مرتبك، وبعدين سفر ايه اللي دلوقتي، أنت شوية تقولي هنسافر بعد خمس ايام من فرحنا ورجعت قولت هنسافر بكره بليل ودلوقتي بتقولي حالا، ممكن تقولي في أيه بالظبط!!
يعلم أنه قد وقع ظلمًا كبيرا عليها، ولكنه ممزق بينها وبين واجبه تجاه بلده، احاط آدهم وجنتها بحنان وقال:
_ والله هعوضك عن كل ده بس عشان خاطري نفذي كلامي وبعدين هشرحلك كل حاجه، مفيش قدامنا غير، ساعة وانا لازم أخرج حالا، ولما ارجع عايزك مستنياني تحت جنب البوابة بشنطتك تمام يا شمس؟
أأومأت برأسها بقلة حيلة، فجذب مفاتيح سيارته وغادر على الفور، بعدما ارسل برسالة نصية الى، آيوب بأنه يريد رؤيته في الحال!!!
.... ربما حان الوقت لاشعال الفتيل.........