تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم ايه محمد رفعت
ما أبشع أن يختبر المرء مرارة فقدان الثقة، وبالأخص حينما تمنحها لأكثر إنسانٍ لم تتوقع منه الغدر، وها هو الآن قد أُصيب في مقتلٍ حينما طعنته زوجته بكل ما أوتيت من قوةٍ. في كل مرة كانت تضربه بكفها على قلبه النابض، وتلك المرةٍ لم تكن رحيمة، فانهت أمره بخنجرٍ تركته معلقًا بصدره، لا ينتهي عذابه بزجه للداخل ولا بسحبه للخارج!
ربما تختبر قلة من النساء أحاسيس الغيرة والحقد حينما يتحدث زوجها عن امرأة أخرى في وجودها، ولكن الذي اختبره كان نادرًا ومخيفًا لدرجة تحدت رجولته! زوجته الفاضلة تقف قبالته تخبره بكل جراءة عن مميزات صديقه وقوام جسده العضلي الممشوق!! أي وجعًا يضاهيه؟
إنّ جمال سيارته قبالة المركز الطبي الخاص بـ "علي الغرباوي"، ومال للأمام بجسده يعتصره جفونه بقوةٍ عنيفة. لم يكن يومًا ذلك الشاب المرفه، ترعرع بأسرة متوسطة الحال، حيث كدّ أبيه عناءً ليدخله الثانوية العامة، بينما أتى دور والدته العظيمة فقامت ببيع ذهبها بأكمله لتحقق حُلم ابنها بالسفر إلى انجلترا ومتابعة الدراسة في إحدى الجامعات الانجليزية.
يتذكر بوضوح أنها كانت ترسل له من مال ميراثها الذي حرمه أبيه أن يُصرف بمنزله، فاحتفظت به بحسابٍ بنكي، وحينما احتاج ابنها للمال لم تتردد أبدًا بتحويل الأموال له شهريًا، لذا حينما تخرج من الكليةٍ لم ينسى جميلها عليه، فيعمل بجدٍ واجتهادٍ ليرسل لها كل شهرٍ مبلغ كبير يساهم في تعليم أشقائه وزواج شقيقاته، حتى وإن اضطر أن يُقصر بمصروفاته الشخصية ولكنه لم يبالي.
وفوق كل ذلك أضاف لذاته حملًا بسرعة زواجه ممن أحبها واختارها قلبه، وبعدها عاد للندن للعمل لأجلها، فلقد ازدادت مسؤولياته بشكلٍ عجزه كليًا، فأتت تزيد وجعه وتطالبه بالسفر إليه بإلحاحٍ شديد، لذا رضخ لها وأمن لها مسكنًا يليق بها ورتب أمره.
اتبعه أمر مرض والدته وغيرها من العوائق التي أثرت على شكله بطريقة جذرية، ربما أهمل ذاته وسط همومه وما يتحمله على عاتقه، إنما هو شابًا قد تغلب عليه العمر لمشقته، فبدى شاحبًا كمن يجاهد لأخر أنفاسه، وفوق كل ذلك ضربته بمقتلٍ جعله ينهار وهو يشعر بأنه لن يستطيع أن يحتمل أكثر من ذلك.
ألقى جمال هاتفه بتبلو السيارة بعدما وصل عدد رنين مكالماتها للحادي والأربعون، وهبط من السيارة يصعد لغرفة والدته، فلقد تعمد أن يأتي متأخرًا حتى تكون قد غفت، لا يريدها أن تشعر بما يعانيه، يكفيها مرضها فلن يزيد فوق تعبها تعبًا.
ولج للداخل فتفاجئ بوجودها بالداخل، تركض إليه بأعينٍ منتفخة وصوتًا مبحوح:
"جمال أنا آسفة حقك عليا أنا آ…"
رفع كفه أمام وجهها وعينيه تتابع والدته النائمة بسلامٍ، فسحبها لخارج الغرفة وصرخ بها:
"أيه اللي جابك هنا؟"
قالت ببكاءٍ وهي تتمسك بذراعيه:
"بكلمك مش بترد عليا ولحد دلوقتي مرجعتش البيت، أنا غلطانه أرجوك سامحني أنا آ.."
قاطعها بعصبية بالغة:
"مش عايز أسمع حاجة، ولا عايز أشوف وشك، ارجعي الشقة ويفضل متورنيش وشك خالص، تجاهليني قد ما تقدري."
وتابع بقسوةٍ استحقتها بكل جدارة:
"أمي خارجه بكره من المستشفى الاسبوع اللي هتقعده معاكي في البيت لو حست بحاجة هخلي عيشتك كلها سواد، ابقي اعملي ما بدالك لما ترجع مصر وزي ما قولتلك أول ما تولدي هننفصل وكل واحد يروح لطريقه."
كانت تظنه نطقها لمرته الاولى لشدة عصبيته، والآن يكرر لها نفس الجملة باصرارٍ زاد من بكائها وحسرتها، فقالت بعويل:
"أنا آسفة.. متعملش فيا كده يا جمال أنا عارفة اني آ…"
سحب كفه من يدها صارخًا بشراسةٍ:
"إنك أيـــه!! إنتِ أجبرتيني أمد إيدي عليكي ولولا اللي في بطنك كنت هدفنك مكانك!! هستنى أيه تاني لما اعملها فعلًا المرة الجاية!!"
أمسكت يده مجددًا بعدما سحبه منها، ورددت بهمسٍ تابع لبحة نبرتها:
"سامحني عشان خاطري، أنا كنت بستفزك عشان تهتم بنفسك وبيا أكتر من كده."
ابتسم بوجعٍ وردد بكرهٍ شديد:
"عارفة كل ما بتبرري وتتكلمي بكرهك أكتر، أمي قايمة من عملية موت وأبويا في مصر مش قادر على مصاريف اخواتي، وأنا مطلوب مني أجهز أختي في أقل من أربع شهور، غير مصاريف ولادتك وايجار الشقة ومسؤوليات ملهاش أول من أخر وانتي عايزاني اسيب كل ده وأنزل أشتري لبس وأتشيك واللي يموت يموت ومفكرش فيكي وفي اللي في بطنك وأهلي!"
وتردد صوته المتعصب بجنون:
"إنتي كل مرة بتثبتيلي إنك أسوء اختيار أنا اختارته في حياتي، غلطة ومحتاج أصلحها عشان كده إنتي من اللحظة دي بره حياتي."
وبكل جمودٍ قال:
"إنتي طالـــق يا صبا…"
"طـــالق!"
هزت رأسها ترفض ما يقول وكأنه حلمًا سيئًا لا تود استكماله، فابتسم بوجعٍ مردفًا:
"بحررك من ارتباطك بشخص أناني مش حاسس بمشاعرك ولا قادر يملى عينك، يمكن ربنا يعوضك بشخص ابن ناس معاه فلوس ويقدر يكونلك بالشكل اللي تحبيه."
واتجه للخروج أمام عينيها قاصدًا سيارته، بينما جلست هي على أقرب مقعد انتظار قابلها، تتطلع للباب الذي خرج منه بعدم تصديق، لقد خسرته بالفعل! خسرت من أحبته ولم يشهد منها سوى الغلظة وعدم الرضا لأبسط ما يفعله لأجلها، حررت عنها للدموع بانكسارٍ ومسدت على بطنها المنتفخ بقلة حيلة، وكأنها تطالب جنينها بأن يسامحها لأنها فرقت عائلته من قبل حتى أن يُخلق!
*****
وجد ذاته أمام عمارة شقته القديمة التي اشتراها هو وعُمران ويوسف أيام الجامعة، ويسكنها الآن سيف، صعد للأعلى وطرق الباب حتى فتحه سيف يتطلع له بدهشةٍ، ويوزع نظراته بينه وبين ساعة يده قائلًا بصوتٍ متحشرج من آثار النوم:
"جمال! أيه اللي جابك بالوقت المتأخر ده!"
ولج للداخل ينزع عنه جاكيته ورابطة عنقه:
"مفيش يا سيف هبات هنا النهارده لو مش هزعجك."
رفع احد حاجبيه بذهولٍ:
"تزعجني أيه دي شقتك ولا نسيت!"
منحه ابتسامة هادئة وإتبع طريقه لغرفته، فتمدد على الفراش بارهاقٍ تام.
وقف سيف بالخارج حائرًا، لا يعلم أيهاتف أخيه يخبره بأمر صديقه الذي يبدو بأنه ليس على ما يرام أم يدخل هو إليه يعلم ما أصابه.
وبالفعل ولج لغرفته يطرق على الباب المفتوح على مصرعيه، ففتح جمال عينيه وأشار:
"تعالى يا سيف."
دخل يقترب من السرير وبتوترٍ قال:
"إنت كويس؟ شكلك تعبان ومرهق.. تحب أتصل بيوسف؟"
استند على مرفقه وقال:
"مفيش داعي أنا كويس بس عايز أنام."
منحه ابتسامة جذابة وعرض عليه:
"طيب أيه رأيك أعملك عشا سريع؟"
قدر لطف عرضه وقال باحترام:
"تسلم يا دكتور أنا أكلت من بدري."
هز كتفيه بقلةٍ حيلة من تقديم شيئًا له:
"طيب أسيبك تنام.. تصبح على خير."
وإتجه سيف لغرفته يكظم أفكاره السوداوية، هو يعلم بأن جمال لا يأتي إلى هنا الا وبينه وبين زوجته مشكلة جادة، لذا حزم أمره وجذب هاتفه يهاتف الاولى والأحق بعلمه، فأتاه صوته الناعس:
"دكتور سيڤو حقنة بيتصل بيا يا ولاد!!!"
"بقى أنا طالع عيني في المذاكرة عشان أكون دكتور محترم تيجي إنت وتتريق عليا على أخر الزمن!"
ضحك عُمران وهتف ساخرًا:
"متزعلش يا دكتور يا محترم حقك عليا، خلينا بقى في المهم إنت عمرك ما كلمتني بالموبيل غير مرتين تلاته وكانوا اعلان لمصايب فقولي بقى أي مصيبة أتت بك للوقح!"
سيطر على انفعالاته بصعوبة وقال:
"صاحبك هنا وشكله المرادي اتخاتق بضمير، جاي منظره مش طبيعي خالص."
"مين؟ تقصد جمال؟"
"بالظبط مهو أكيد مش يوسف يعني، مع إني حاسس إنه هيعملها قريب بسبب اللي دكتورة ليلى بتعمله فيه، تخيل بيغسل المواعين ليل نهار وقايم بشغل البيت قبل وبعد العيادة."
"أووف.. انا كنت شاكك في جمال من البداية، أما يوسف فيستاهل بصراحه خليه يجرب يتعامل بقى بدل ما هو ناصف الستات علينا وخلاهم يتدلعوا!"
ضحك سيف وردد بشماتة:
"البشمهندسة مايا شكلها قايمة بواجبها معاك!"
ردد ببرود:
"قايمة طبعًا وزي ما أنا بردو هقوم بواجبي معاك وهقولك حالًا معندناش بنات للجواز."
"حبيبي إنت لو عايزني أعرم نفسي عند أخويا وأوسخ كل الأطباق عنيا متأخرش عنك أبدًا يابو نسب."
"عجبني إنك خوفت واحترمت لسانك، روح نام والصبح نشوف حوار جيمس ده… تصبح على خير يا سيفو!"
اغلق سيف الهاتف واتجه لفراشه هامسًا بضيقٍ:
"طاووس وقح بصحيح!!"
********
جفى النوم عين آيوب، فكان يراقب يونس بنظراتٍ حنونة، يخشى أن يتقلب بفراشه فيزعج الأخر بمنامه، فما أن ارتمى يُونس على فراشه استعوذ النوم عليه بسلطانٍ مسيطر، وكأنه لم يحظى به منذ قرونٍ!
انتفض آيوب فزعًا على صوت جرس الباب الذي إنطلق كالمدفع دون فاصل، وبذات الوقت تصطحبه صوت طرقات على باب المنزل، لوهلةٍ شعر بأن الطارق المختل ذلك سيحطم الباب من قوة دفعته، خمن بأنهم الشرطة فلا طارق بتلك الطريقة الا شرطيًا يود الاعتكاف بمجرمه قبل الفرار، ولكن تخمينًا أخر احتلج رأسه، بالطبع سيكون المصارع الضخم ومن غيره!
أسرع آيوب لباب المنزل يحرره قبل أن يستيقظ يونس، ليندفع في وجه الاخير بنزقٍ:
"أيـــــــــه ما صدقت تمرن إيدك ورجلك فملقتش غير باب بيتنا!!!"
أزاحه "إيثان" عن طريقه واندفع للداخل يردد بصوتٍ مبحوح من فرط الفرحة والبكاء وعدم التصديق:
"الشيخ مهران قالي إن يُونس طلع… هو فيـــــــن؟"
أغلق آيوب الباب من خلفه وصاح بعصبية وهو يفرك ذراعه من قوة قبضة إيثان القوية:
"يا أخي خد نفسك وراعي فرق الاحجام بينك وبين مخاليق ربنا… إنت مكانك مش وسطنا في الحارة مكانك في الادغال!"
جذبه من تلباب ملابسه بعنفٍ:
"لو مش عايز تسافرها حالًا تقولي هو في إنهي أوضة؟?"
"_أنا هنا يا إيثان!_"
قالها من يغلق أزرار قميصه بحرصٍ من الا يرى أحدٌ جروحه، فاستدار إيثان تجاه صوته وهرع إليه يحتضنه ببكاء وعويل طفلًا لا يتخطى الخمسة أعوام، مرددًا بانهيارٍ:
"ياااه يا يونس.. فقدت الأمل إنك هترجع تقف قدامي من تاني، أنا كنت من غيرك تايه ومش لاقيك في أي حد من اللي حواليا حتى أهلي يا يونس حتى أهلي!!!!!"
مرر يده على ظهره بحنانٍ وشوق، وقال بحزنٍ:
"وإنت كمان وحشتني أوي يا إيثان، وكنت مفتقدك جدًا، حتى لما ظهرلي آدهم باشا وشوفت طيبته وجدعنته جيت في بالي على طول."
استقام قبالته ليتمعن من ملامحه بوضوحٍ، فتقهقهرت سعادته فور أن لاحظ جروحه الغائرة، فلمس خده الأيسر وتساءل بغضب:
"هما اللي عملوا فيك كده؟"
أبعد يونس يده برفقٍ وحافظ على ابتسامته التي كادت بالتلاشى:
"متشغلش بالك إنت.. تعالى إقعد واحكيلي ليه سبت الجيم وشغلك عشان تدير محلاتي."
كاد إيثان باتبعه للأريكة التي سبقه إليها يُونس، ولكن كان آيوب الأسرع منه حينما أوقفه صائحًا بغضب:
"يقعد فين الساعه داخلة على 3 الفجر، اتكل يا عم وبكره تعالى اقرفنا! أقصد اتكلم مع يونس!"
منحه نظرة شرسة ومال إليه يهمس بصوت منخفض للغاية:
"تحب أبلغ يونس بالخواجاية؟"
فرد ذراعه مرحبًا:
"حبيبي يا إيثو اتقضل.. ده البيت بيتك يا راجل هو إنت غريب! ما أنت ياما حشرت نفسك وسطينا وجمعنا نفس السرير والاوضة وياما بردو عزمت نفسك بذات نفسك ولا هامك أي حد… سا راجل ده أنا بشوفك في بيتنا أكتر ما بشوفك في بيتك إنت شخصيًا!"
ابتسم برضا تام لتحوله الملحوظ، واتجه بخطواتٍ واثقة مختارة حتى وصل جوار يونس، مشيرًا لآيوب بعنجهيةٍ:
"اعملي أنا ويونس فنجانين قهوة عشان هنحكي للصبح يا بشمهندس."
منحه نظرة نارية وقبل أن يطلق حديثًا مستشيط منه وجدها يحذره بنظرة تهديد فقال من بين اصطكاك أسنانه:
"محوجة ولا سادة على روحك!"
اتسعت ابتسامته الباردة:
"لا مظبوطة يا حبيبي.. وياريت تفرد وشك شوية بدل ما يكش زي عضلاتك اللي اختفت من ساعة ما سافرت لندن، مكنتش بتدربها يا آيوب!"
زفر بنفورٍ تام لأصعب شق بسفره إلى هنا، هذا الإيثان لا يترك رجلًا بحارته الا وجذبه عنوة للجسم الرياضي واقناعه بممارسة الرياضة ليحظو بجسدٍ مثالي، وليحمسهم كان يخصص يومين بالاسبوع باشتراك مجاني وكأنه رئيس الحي الذي يحرص على سلامة وصحة المواطنين ومن بين هؤلاء الفئة كان النصيب الأكبر ليونس وآيوب، فلقد أحاطهما إيثان باهتمامٍ مضاعف أرهق أبدانهما والآن على وشك سحبهما لنفس المصير!
أفاق من شروده يصيح بانفعال مرتعب:
"مش فاضي يا إيثوو الامتحانات بقى ولازم أذاكر عقبال أملتك هسافر أخر الشهر."
وأستطرد مشيرًا لمن يجلس جواره:
"صاحبك عندك أهو طلع عليه عُقدك كلها.. حاولوا تتماشوا مع بعض ومتعملوش حسابي في الليلة دي!"
ضحك يهتف باستهزاء:
"طلعت خرع يابن الشيخ مهران."
تجاهله وإتجه للمطبخ بصمتٍ، بعبث بالأكياس التي أحضرها سابقًا ليصنع كوبين من القهوةٍ، بينما بالخارج كسر إيثان الصمت المتطرف بينهما وقال بعزيمةٍ وتهور:
"قولي يا يونس ناوي تعمل أيه عشان ترجع حقك، تأكد إني معاك وكتفي بكتفك لحد ما حقك يرجع قدام الحارة كلها."
مال برأسه على حافةٍ الأريكة بتعبٍ نفسي يفوق وجع جسده:
"بعدين يا إيثان.. بعدين نتكلم."
احتدت عينيه الخضراء واختفت جمالها ليبرز عاصفته الهائجة:
"بعدين ازاي!!! أنا مبنامش ليل ولا نهار بفكر في اليوم اللي هتخرج فيه وأساعدك تنتقم من معتز الكلب ده هو والخاينة اللي طعنتك في دهرك.. متخافش يا يونس مش هعمل حاجة تدينك ولا ترجعك السجن أنا أعرف عيال عندي في الجيم عاملين زي عفاريت الليل هيجيبولك حقك مخلص."
رفع فيروزته الباهته إليه وردد بحشرجة ذبحت حنجرته:
"وتفتكر إني مقدرش أعمل كده! دي أسهل حاجة ممكن اعملها أجر ناس شمال تجبلي حقي وأنا براءة قدام الحكومة والناس بس ده مش اللي أنا عايزه يا إيثان، أنا عايز أكسرهم الآتنين وأنا عيني في عينهم!"
هز رأسه بحماس وربت على ساقه بقوةٍ:
"يحصل يا صاحبي، اللي تؤمر بيه يحصل لحد ما النار اللي جواك دي تبرد وتنطفي."
ابتسم بسخرية ملأها الألم:
"عمرها ما هتنطفي يا إيثان."
عاد الحزن يتوغل بخضرته، فمال إليه وهو يراقب آيوب المنشغل بسكب القهوة:
"احكيلي يا يونس عملوا فيك أيه ولاد ال*** دول."
أغلق عينيه بعنفٍ يعتصر جميع ذكرياته داخله ليحشدها عن الظهور لمجرد سماعه سؤال رفيقه، أطلق تنهيدته وترك حديثه المؤلم هذا حينما قال بثباتٍ مخادع:
"مقولتليش ليه سبت حالك ومالك ونزلت محلاتي،ورافض ليه تأخد نص الأرباح زي ما عرض عليك عم الشيخ؟"
برق بحدقتيه بصدمة جعلت يونس يشعر وكأنه لقمه بسكين حاد:
"أنا ممسكتش مكانك عشان أقاسمك في تعبك وشقاك يا يونس، ثم إني لو كنت قاسمتك بالفلوس مكنتش كبرت المحلات ولا رأس مالك بالشكل ده."
"_بس ده حقك وتعبك، واللي بسببه أهملت مالك وأكيد دخلك قل بسبب تفرغك الكامل للمحلات!!!_"
قالها يونس باندفاع يفوق غضب الاخير، فابتسم إيثان وقال ببساطةٍ تلقائية:
"لا متقلقش مستلفتش من حد ولا عندي اللي يطالبني بالمصروف، أنا لسه زي ما أنا عازب ومش ناوي أرتبط أساسًا فمعنديش حياة زوجية تطالبني بمصاريف، والموضوع مش زي ما أنت فاكر، أنا جبت للجيم مدربين وبيدخل دخل كويس على إيجار شقق العمارة بتاعتنا والدنيا ماشية وفل."
أنهى يونس حواره المستفيض حينما قال:
"إيثان من الأخر كده الفلوس اللي في البنك والمحلات لو مدخلتش معايا شريك فيهم مش واخد ولا مليم ولا نازل شغلي."
اتسعت مُقلتيه بذهولٍ وصدمة وصرخ منفعلًا:
"هو إنت خرجت ونسيت عقلك في الحبس ولا أيه، ده شغلك وتعبك والمحلاين ورثك من أبوك الله يرحمه، عايز تشاركني في أملاكك، يعني يا يونس لو أنا جرالي حاجة مش هتسد مكاني!! ده انا مش بأمن على أختي وأمي غير في وجودك، ولما بتحط في أي مصيبة بدخلها بقلب جامد إنك ورايا!"
عاد يغلق عينيه بتعبٍ، وأنهى النقاش بحزمٍ:
"اللي عندي قولته.. ومتفتحش الحوار ده تاني على الأقل دلوقتي أنا مش قادر للمناهدة دي كفايا عليا آيوب!"
وحينما تذكره اعتدل بجلسته وسأله باهتمامٍ:
"صحيح في أيه بينك وبينه لوي دراعه بيه ومخليه مطيع ليك على غير عادته!!"
ابتسم بتفاخرٍ، وأحاط جسد الأريكة بكلتا ذراعيه واضعًا ساقًا فوق الاخرى:
"أسرار يا مُوهي.. والسر لو خرج من بينا ميبقاش سر يا مُوهي."
أزاح قدمه عن الاخرى هاتفًا بضيق:
"احترم نفسك يا إيثان وخف على الواد شوية مهوش حملك!"
وضع آيوب الصينية على الطاولة بعنفٍ نثر بعضًا من القطرات على إيثان الذي ضم كفه بألمٍ بينما يصيح آيوب بنزقٍ:
"القهوة يا كابتن إيثو!"
تجهمت معالمه غضبًا:
"مش قولتلك ألف مرة متقوليش أيثو دي تاني، أساسًا متنفعش بأي شكل جنب كلمة كابتن يا متخلف!!"
أطلق أنفاسه بقلة حيلة وأشار ليونس الذي فضل متابعتهما بصمت لاعتياده على مثل تلك المشاحنات:
"شوف صاحبك اللي جاي يقرفنا الساعة 3 الفجر ده!!"
ضحك إيثان مستهزءًا:
"بتشتكي لأخوكي الكبير مني يا بيضة!"
استفزه بكلماته فاستهدفه بمقتل:
"خد بالك لو كترت بكلامك المستفز ده هتصلك بصاحبي يظبطك… آه مش عشان أكبر مني بكام سنة هتسوق فيها!"
تابعهما يونس بمللٍ، فاسترخى بجلسته واستمع لهما بضجرٍ، فوجد إيثان يضحك بقوةٍ ويقول بسخريةٍ:
"صاحبك! وده هيمنعني من إنهي زواية."
استفزه بشكلٍ أباد جنونه، فجذب هاتفه وحرر زر الاتصال على "الطاووس الوقح" ، الذي أجابه بصوتٍ ناعس:
"آيوب خير… إنت كويس؟!"
اندفعت كلماته بعصبيةٍ وعدم اتزان:
"عُمران إنت عارف إني طيب وماليش في جو التلات ورقات ده وآ…"
"_لخص يا آيوب قلقتني! إنت فين؟!_"
"_اهدى يا عم الطاووس خليني أقولك الكلمتين._"
ازى إيثان شفتيه بسخط وقال:
"بتشتكيني لمين يا بيضة؟"
ونغز يونس المتفرج بصمت:
"ما تقوم تشكم أختك وتشوفها بتكلم مين في نصاص الليالي!"
احتقنت الدماء بأوردة آيوب، الذي لطالما شعر بالعجز من مجابهة هذا الإيثان ذات اللسان السليط فأتاه صوت الوقح المستمع للحوار قائلًا بسخريةٍ:
"مين العربجي ده!"
صُعق بشكلٍ كاد بإسقاطه عن الأريكة، حينما برزت ضحكة آيوب بتشفي وخاصة حينما بدأ عُمران بفهم مغزى مكالمة آيوب لعدم قدرته بصد هذا المزعج، فتابع بقوة:
"ماله بيك ده يا آيوب.. حبيبي أنا مش منبه عليك وإنت نازل لمصر وقولتلك متلعبش مع أولاد الشارع!! أخلاقك يا آيوب.. أخلاقك يا حبيبي!"
تحررت ضحكة عالية منه استفزت إيثان الذي انتفض بوقفته يصيح بغضب:
"مين ده يا آيوب؟!"
أجابه ببرود وهو يضع الهاتف قبالة وجهه ليكون الصوت مسموعًا رغم أن السماعة الخارجية تنقل صوته بشكلٍ واضح:
"صاحبي وأخويا زي علاقتك إنت وابن عمي كده، وزي ما يونس طيب ومالوش في حواراتك أنا الطيب في نفس العلاقة بس حظك بقى واقعك مع طاووسنا الوقح “عُمران سالم الغرباوي”."
"_حصلنا الرعب!! بس عشان الحارة نورها ميقفلش خليه ورا شاشة التليفون أحسن!_"
رد عُمران بثقةٍ:
"وإنت شايل الهم وزعلان ليه، كانوا بيسحبوا الكهربا من بيت مامي يا قمور!!"
سقط آيوب أرضًا من فرط الضحك وردد بصعوبة بالحديث:
"احمد ربنا إنه مقالكش من بيت أمك!!!"
ازدادت موجة غضب إيثان واستفزه هدوء يونس الذي لم يتأثر بما يدور حوله، فهزه بعنف:
"ما تشوف ابن عمك ده يا يُونس!! من كتر سكوتك الواد ساق فيها، بس وربي لأسحبه بكره الجيم عندي وأربيه."
"_إيدك تتمد عليه وأوعدك هكون على أول طايرة نازلة مصر بس ساعتها مش هتلاقي حضن حنين تعيط فيه.. ألا أمك عايشة ولا ميتة؟_"
أجابه آيوب ضاحكًا:
"لا عايشة يا عُمران."
"_طمنتني إننا هنلاقي حد نرد عليه عمايله!_"
إيثان بانفعال:
"ترد على أمي ليه عيل صغير أنا!"
"_ده رأفة بيك إني بعاملك على إنك عيل وعقله فوت لكن لو عاملتك المعاملة التانية هتسبب بكسر فون آيوب والمسكين لسه ملحقش يتهنى بيه ومش بعيد تيجي هنا لندن تدور عليا ويبقى مدفنك هنا بعيد عن مامتك وإنت على ما أعتقد الحيلة.. مش كده ولا أيه يا حيلة أمك!!_"
اتسعت حدقتيه بدهشةٍ من ذلك الوقح، وردد بعدم استيعاب:
"ده من لندن ازاي!!"
ضحك عُمران وأجابه:
"لا متقلقش أيام الجامعة كنت واخد كورس من صديق ليا من نزلة السمان، إنما أيه نفعني مع الاشكال الوقحة اللي زيك كده يا آ…."
واستطرد بعجز:
"قولتلي إسمه أيه يا آيوب."
أتاه صوته الفرح يجيبه:
"إيثان… إيثوو!!"
"_أممم… وأيه يعرفك على أشكال زي دي يابن الشيخ مهران مش كنا عقلنا!_"
"_ده صاحب ابن عمي مش تبعي، بس هو بيستغل الست سنين اللي بينا بشكل مستفز._"
صاح إيثان بعصبية:
"ماشي يا آيوب.. هتنضرب يعني هتنضرب وشوف مين هيحوشك من إيدي!"
"_تضرب مين يا قمور! وحد الله واقعد في جنب عشان محطكش في دماغي وده أبشع مكان ممكن أحطك فيه، لأن قبل ما دراعي هيطولك كلابي هتقطعك على سنانها._"
تحررت نوبة ضحك من آيوب الذي يراقب انعقاد ملامح إيثان بشماتة، فعلق على جملة "وحد الله" وقال:
"مسيحي هو يا عُمران."
"_وماله يا حبيبي مسيحي مسلم المهم يقعد بأدبه!_"
جذب إيثان الهاتف من آيوب بقوة، هادرًا:
"وريني كده الاكونت بتاعه!"
نجح بسحب الهاتف وفتح شاشة المكالمة، ومنها لحسابه الشخصي، فضحك عُمران وردد بوقاحةٍ:
"عايز تجمع معلومات عني يعني! ولا وقعت في غرامي وحابب تشوف شكلي!! بس خد بالك أنا بيوقع في غرامي ستات ورجالة عادي فخد بالك من قلبك لأسرقه يا قمور!"
ابتسم يونس أخيرًا، بينما كان الذهول والاندهاش من نصيب إيثان الذي جلس برزانة على الأريكة يتطلع لحساب عُمران المتخطي للثلاثة مليون متابعًا، والذي بدى له من شخصه وصوره القيمة بأنه ليس شخصًا عاديًا، خمن بأن عمله مرتبط بالمنشئات الهندسية، وأكثر ما لفت انتباهه ذوقه الراقي وتنسيقه لملابسه بشكلٍ ملفت جعل فرحته بمشروع أحلامه يبرز فور رؤيته.
زفر عُمران بملل وقال:
"صوتك راح فين يا إيثو، بقالك نص ساعة جوه أكونتي أنا سايبك جوه بمزاجي عشان أعرف أجاريك بس!"
وأخيرًا رفع عينيه لآيوب وأشار للهاتف بعدم تصديق:
"ده هو ده؟?"
هز رأسه كثيرًا، وأضاف مؤكدًا:
"أيوه، وإنت استفزيت النسخة الوقحة منه لما اتعديت على صاحبه مش كده ولا أيه يا عُمران؟"
"_حظه الأسود بقى… وسبحان الله أنا النهاردة مزاجي رايق ومستغرب إزاي هنام بالروقة دي!!_"
صاح إيثان بفضولٍ وكأنه تناسي حرب فنون الرد بينهما:
"هو (عارض أزياء.. Fashion model)؟"
ضحك آيوب ونفى ذلك:
"مهندس أد الدنيا، وما شاء الله عنده أكتر من شركة بس هو كده عنده أناقة رهيبة في تنسيق هدومه بس إنت استسلمت من الخناقة وبتسأل عنه باهتمام كدليه."
صاح بحماسٍ:
"عشان ال butik(بوتيك) اللي بتمنى أفتحه، أعتقد إني وأخيرًا لقيت الشخص اللي هيساعدني وهيكون ال Destination of my products (وجهة منتجاتي!.) ، جسمه وشكله وذوقه باللبس ومكانته هتساعدني جدًا جدًا."
زفر عُمران بمللٍ وصاح:
"يا عم أيه نفورة الاحلام اللي طلعتلك من البروفيل بتاعي ده، أنا عارف إني عامل محمس ومحفز لأشكال ضايعة كتيرة بس مش لدرجة إنك تتخيليني هقبل ألبس من ماركاتك وأتصور بيهم لوجهة البوتيك بتاعك، لإن أولًا أنا مش بلبس على مزاج حد وصعب ذوقك أيًا كان يرضيني، ثانيًا مش فاضي للكلام ده أنا المسؤول الأول عن مشروعات شركاتي، ثالثًا وده الأهم أنا في لندن وانت في مصر هنعملها ازاي مش عارف، رابعًا صعب أساعدك وإنت مزعل آيوب وأنا اللي يزعله أظرف أمه قلم يخليه يلف حولين نفسه لحد ما أظرفه القلم التاني!"
جذب آيوب الهاتف منه وقال بامتنان:
"صدق بالله بالرغم من اعتراضي على طريقتك وأنا في لندن لما جيت هنا وقابلت الكائن ده افتقدت لطريقتك وأنا عارف أنها اللي هتنفع مع إيثان."
وبجدية قال:
"بص يا عُمران.. إيثان ده صديق الطفولة المشترك بيني أنا وابن عمي، هو مدرب كمال أجسام وعنده جيم كبير، ومن واحنا عيال صغيرين عنده حلم آنه يكون محل ملابس رجالي فخم، ومحتفظ بفلوس سابهاله أبوه الله يرحمه من فترة كبيرة عشان ينفذ الحلم ده فكون إنه اختارك أنت تساعده فهو لاقى اللي مكنش لقيه هنا وسطينا ووسط شباب المنطقة فأنا عشمان إنك تساعده."
رد عليه بعقلانية بعدما بُددت موجة وقاحته وجنونه:
"مدام يخصك يا آيوب إعتبره من حبايبي، خليه يبعتلي add للأكونت وأنا هكلمه وهوصله بأكتر من براند كويس بتعامل معاهم ولما هنزل مصر عشانك يشرفني أزوره وأشوفه وش لوش."
جذب إيثان الهاتف وشكره بامتنان:
"شكرًا بجد.. هبعتلك أدد حالًا.. على فكرة أنا والواد آيوب بنهزر كده باستمرار بس لو من وراه منفعه هضطر أعمله باحترام للأسف."
ضحك عُمران وشاكسه:
"مش مضطر مجبور يا إيثو عشان فعلًا زعله بيفرق معايا."
ردد آيوب ببسمة جذابة:
"ده العشم يا طاووس."
إيثان باستغراب:
"طاووس أيه؟"
"_بنسميه في الشلة الطاووس الوقح، وعلى فكرة مغرور أوي أوي._"
"_أممم شكلي مش هقلب على إيثان ده لوحده هقلب عليك إنت كمان يا آيوب… اقفل يالا عايز أكمل نوم ولو احتاجت حاجة كلمني._"
"_تصبح على خير._"
********
أغلق عُمران هاتفه وخرج من جناحه للأسفل، فلقد أيقن أنه من المحال النوم بسبب أصدقائه، يشعر وكأنه ملزوم منهم وكأنه أبيهم مع إنه الوحيد الذي لا يصلح لهذا الدور، خرج للحديقة يجلس على المقاعد الخارجية، يحاول الوصول لعمه الذي تأخر بعودته كثيرًا، أشغل ذاته بقراءة وارده اليومي على الهاتف بصوته العذب، إلى أن استمع بوق سيارة أحمد، وجده يسلم السيارة لأحد الحراس ويتجه للداخل بتعبٍ، فصاح بنبرة مضحكة:
"ما بدري يا بشمهندس، كنت خليتك للصبح بدل البهدالة دي يا راجل!"
استدار أحمد للخلف فتفاجئ بمن يقف أمامه، وردظ بذهولٍ:
"عُمران أيه اللي مصحيك لحد دلوقتي؟"
صعد الدرج القصير إليه قائلًا بسخرية:
"مستنيك! تقدر تفهمني بقى أيه اللي مرجعك وش الصبح، كنت فين يا ولد؟"
زفر باحباطٍ من مشاغبة ذلك الوقح، وقال:
"عُمران أنا راجع مرهق وتعبان وإنت مش هتبطل هزارك السخيف ده فاوعى من طريقي هطلع أريح ساعتين والصبح نشوف حوارك أيه!"
كاد بالمرور من جواره ولكنه منع طريقه وقال بجدية:
"محتاج أتكلم مع حضرتك في حاجه."
نبرته الجادة جعلت احمد يشعر بالقلق، فسأله بخوف:
"احكيلي يا عُمران في أيه؟!"
أشار بيده على مجلس الحديقة:
"ممكن نقعد."
أتجه للمجلس دون أي كلمة ولحق به عُمران، جلسوا قبالة بعضهما البعض، فبدأ بحديثه:
"حضرتك عارف بالمشروع اللي مسكته أنا وجمال."
هز رأسه يجيبه ببسمةٍ فخر:
"طبعًا والساحة كلها ملهاش سيرة غير عليه، وزي ما قولتلك قبل كده اني فخور بيك جدًا يا عُمران."
ابتسامة ممتنة شقت طريقها إليه وقال دون أن يماطل بحديثه:
"المشروع ده داخل فيه خمس شركاء كل واحد فيهم نازل بنسبة مختلفة بس أكبر شريكين هما دانيال وواحد كمان استبعد من المشاركة وأنا رشحت حضرتك مكانه والمفروض إنكم هتمضوا العقود بكره."
أسبل بجفنيه بعدم استيعاب لما قاله، فتحلى بالصمت يوازن جملته، لذا استغل عُمران صمته وقال يحمسه على تلك النقطة:
"عمي إنت سبق وقولتلي إنك تعبت من شغلنا ده ومحتاج نستريح ونستثمر فلوسك في شيء مريح ومضمون، وأظن مفيش أحسن من كده، مشروع بالضخامة دي أرباحه مضمونة وفوق الخيال."
هز رأسه بتأكيدٍ وقال:
"عارف.. المشروع ده أساسًا حديث كبار رجال الاعمال، وألف مين يتمنى يكون شريك فيه بس ليه أنا اللي ترشح إسمي يا عُمران؟ ليه مدخلتش إنت شريك بما إنك المسؤول عن تنفيذه؟"
اجاباته كانت حاضرة، وكأنه توقع كل سؤالٍ سيُطرح عليه، فقال:
"لا انا ماليش في الادارة، أنا حابب مكاني والاسم اللي عملته، وبسعى إني احافظ على المستوى اللي وصلتله فمش ناوي أسيب المجال أبدًا، إنت المناسب ليه يا عمي..ومال للأمام بجسده متسائلًا باهتمامْ:
"ها قولت أيه؟"
رد بتوترٍ وارتباك لتلك الخطوة:
"أكيد مشروع ضخم زي ده محتاج مبلغ كبير!"
أجابه بهدوءٍ:
"مية مليون دولار"
أوضح له بعقلانية:
"عرض زي ده عمري ما كنت هرفضه ومقدر مجهودك واختيارك ليا جدًا يا عُمران! بس انا معيش المبلغ ده حاليًا تقريبًا معايا نصه، ما أنت عارف فلوسي كلها في السوق ومحتاج وقت عشان أقدر أجمعها!"
ابتسم وهو يخرج من جيب بنطال بيجامته ورقة مطوية بعنايةٍ وقدمها إليه:
"اتفضل يا عمي."
التقط منه الورقة يتفحصها بدهشةٍ:
"ده أيه؟!"
أجابه بقلقٍ من ردة فعله:
"شيك بالمبلغ."
واستطرد مسرعًا:
"وقبل ما تتنرفز ده سلفة لحد ما تلم فلوسك وترتب أمورك براحة راحتك، المهم نلحق المشروع ده ونوقع العقود بكره صدقني الموضوع يستاهل."
وضع أحمد الشيك بمنتصف الطاولة، وعاد بجسده للخلف مربعًا ذراعيه أمام صدره، ونظرات الشك تطوف بذلك المرتبك:
"ده انت مخطط ومجهز كل حاجة بقى! أفهم من ده كله أيه يا عُمران؟"
ليس بالأحمق ليشك بذكاء عمه الذي تربى على يديه، فلم يجد الا طريق الصدق ليصل لهدفه:
"بحاول أرد جزء من جمايلك عليا يا عمي."
اندهش أحمد من سماع ما قال، وسأله:
"جمايل أيه؟"
ابتسم بسخريةٍ، وواجهه:
"ترشيحك لاسم شريكتي في بدايتها، العملاء اللي كنت بتبعتهم ليا، كل حاجة كنت بتعملها في الخفى لحد ما ابتديت طريقي، أنا وصلت للي أنا فيه بفضل الله ثم بيك."
ارتبك أحمد، ظن أن ما فعله لم يعلم به عُمران، فقال بضيق:
"إنت وصلت لهنا بفضل مجهودك مش بفضل حد يا عُمران.. أنا آه اديتك الفرصة بس أنت كنت قداها وبعد كده بقى إسمك اللي مطلوب والكل بيتمنى يشتغل معاه."
ونقل بصره للشيك هاتفًا بحزنٍ:
"ولو فاكر إنك هتدفعلي تمن حناني وحبي ومساندتي لابني يبقي هتكون السبب في وجعي وحزني، لإني مش هقبل بده أبدًا."
انكمشت تعابيره بشكلٍ ملحوظ، فصرف عنه عُمران الراقي المبجل، وحان دور الطاووس الوقح للظهور، فاستقام بوقفته مسقطًا المقعد من خلفه وبكل خبثٍ صاح:
"ماشي يا عمي، زي ما تحب أرفض المشروع وطلعني عيل قدام دانيال وقدام المساهمين، أقولك انا هنسحب من المشروع ده أحسن."
وجذب الشيك واتجه للاعلى بعصبية مصطنعة، وقبل أن يخطو بقدمه للدرج، استدار يهدده بوقاحة:
"وزي ما جوزتك فيري هقدر أخليها تخلعك!"
واسترسل بخشونة مضحكة:
"نتقابل بقى في محكمة الأسرة يا أحمد يا غرباوي ومن غير تصبح على خير."
مال برأسه يستند على يديه المعقودة وهو يهز رأسه بقلة حيلة أمام هذا العنيد، فزفر انفاسه بصوت مسموع وردد باستسلام:
"هات الشيك وتعالى يا عُمران.. أنا عارف إن دماغك دي دماغ صعايدة واللي عايزه هتمشيه.. فبلاش مناهدة ووجع قلب."
هرع راكضًا إليه يجلس محله ببسمة واسعة:
"بجد هتيجي مكتبي توقع العقود؟"
لاحت على شفتيه ابتسامة جذابة وقال:
"والله العظيم أنت طفل!! هاجي وهوقع لما أشوف أخرتها معاك مهو بيقولك في كل جوازة هتلاقي عمل أسود أهو إنت العمل الاسود اللي طالعلي!!"
وسحب الشيك واستقام يردد بضجر:
"أروح انام بقى ولا لسه في خطط هتلبسهالي تاني؟"
وضع ساقًا فوق الاخرى بعنجهيةٍ:
"حاليًا لأ مفيش، الله أعلم بعدين في أيه عمومًا عدي علينا بكره يمكن يكون في جديد!"
مسح وجهه بتنهيدة مغتاظة، فوجد أن أسلم حل الرحيل من امام سليط اللسان هذا، فاتجه للمصعد وهو يبتسم بحبٍ وفخر بشخصية عُمران التي لطالما كانت محيرة وغامضة للجميع حتى عائلته!
********
نظرات الخوف كانت تملأ حدقتيه، يخشى أن يبتعد عنه ابنه حينما يستمع لما سيقول، يخشى أن يسقط من نظره أكثر من ذلك.
كظابط مخابرات محترف قرأ الخوف القابع داخل عينيه، فكان مقروء له بوضوحٍ، فقال ويده تضم كفه الموضوع على ساقيه ومازال آدهم ينحني بجلسته ليكون قبالة أبيه:
"بابا إتكلم أنا وعدتك إني هتقبل اللي هتقوله ومش هزعل منه، أرجوك أتكلم عشان أقدر أساعدك."
رفع مصطفى عينيه الدامعة إليه وقال بصوتٍ احتقن من كبت البكاء:
"لما عرفت انها حامل مرضتش أخليها تنزله، خوفت أشيل ذنب زي ده، فكانت بتابع في مستشفى خاصة وكل مرة كنت بروح معاها، لما شوفته على الجهاز اتعلقت بيه وحبيته ده مهما كان ابني وحتة مني، الدكتور وقتها كان محدد لينا أيام نتابع فيها كل 10أيام لإن حالتها كانت تعبانه جدًا وبتعاني من أمراض مزمنة مصاحبة حملها، بس هو أكدلنا إنها هتكون كويسة بعد الولادة."
وازدرد ريقه وهو يسترسل:
"كل مرة كنا بنروح هناك كانت بتقعد مع واحدة ست كانت معاد كشفها مع معادها، اتصاحبت عليها وحبوا بعض جدا، كنت كل ما بروح معاها الكشف كانت بتسبني وتروح تقعد معاها وأنا كنت بقعد مع جوزها، كان راجل طيب وحبيته أنا كمان، لدرجة إن كل مرة كنا بنروح بدري عشان نلحق نقعد معاهم..ورفع عينيه يدقق بابنه المستمع بصمتٍ وقال:
"لحد معاد الولادة، كنت قاعد بره بفكر في اللي هيحصل لما والدتك تعرف بخبر جوازي لإن مهما كان الموضوع مستور ومخفي هيجي اليوم اللي، هيتكشف للنور، كنت بخطط لحياتي بعد كده هتكون ازاي وفي رقبتي ابن من واحدة جوازي منها مش معروف، بفكر في شكل عيشتنا بعد كده وفي الولد اللي جاي ومالوش ذنب في أي حاجة ده، وفجأة من وسط كل ده يخرجلي الدكتور ويديني الولد ويقولي البقاء لله… الدنيا وقفت من حوليا يابني وحسيت بعجز، عجز لمس جسمي وعقلي وروحي، قعدت وانا بين ايديا طفل مولود لا حول ليه ولا قوة."
بكى بضعف وانهيار، فمسح آدهم دموعه وحثه على الاستكمال:
"كمل يا بابا وبعدين؟"
قال ببكاء شق صدر آدهم وهو يرى أبيه الصامد يبكي كطفلًا صغيرًا يخشى عقاب أبيه المستمع لجرائمه:
"كنت عاجز يا عمر ما بينك وما بينه، مكنتش عارف اختار بينكم، لو رجعت لأمك وحكيتلها كانت هتطلب الطلاق ومستحيل تكمل معايا، لانها بتكره الخيانة والكدب، وما بين اختياري اختارتك إنت يابني… أنا حتى مبصتش ليه لاني خوفت اتعلق بيه!"
ربت على كف يده وشجعه وقلبه هو الذي يئن ليس أبيه:
"طيب وبعدين عملت بيه أيه؟"
أزاح دموعه وقال:
"كنت بفكر أوديه ملجئ بس وأنا قاعد سمعت اتنين من الممرضين بيتكلموا عن الحالة اللي دخلت العمليات وكانت هي نفسها الست اللي كانت مراتي بتحب تقعد معاها، عرفت انها خلفت وحالتها صعبة وإن جوزها من زعله عليها مش قادر يصلب طوله، وقالت أنه صعبان عليها لان الحمل ده ربنا رزقهم بيه بعد عشرين سنة جواز،فجيت ممرضة تالته عليهم من الحضانة وقالتلهم إن الولد قاطع النفس وشكله توفى وإنها محتاجة دكتور بسرعة يشوفه."
انهمر الدمع من مقلتيه واسترسل كأنه يرى هذا اليوم أمامه:
"عقلي اشتغل بسرعه، دخلت الاوضة وبدلت الاولاد، حطيت ابني مكان ابنه، وخرجت على طول، وقبل ما اطلع من المستشفى خليت دكتور اطفال يكشف على الولد واتاكدت انه توفى، فدفنته ورجعت المستشفى اراقب اللي بيحصل من بعيد."
تهدل جسد آدهم وجلس أرضًا يتابع أبيه بنظرة مؤلمة، سقطت دموعه وهو يطالعه بصدمة، فقال ببكاء:
"انا بايدي يا عمر حطيت ابني مكان الولد، كان عندي عشم في ربنا إن الشيخ ده هيقدر يربي ابني أحسن من الملاجئ لانه اتحرم من الخلفة عشرين سنة فهيعرف ازاي يربيه أحسن مني، بس لما رجعت لحياتي معرفتش أعيش، ندمت وبكيت لربنا يسامحني، وجع قلبي مخفش عشان كده رجعت بعدها بتسع شهور أدور عليه في كل مكان، مسبتش أي مكان الا ودروت حتى سجلات المستشفى، وحظي ان الدكتور نفسه سافر ايطاليا فمبقتش عارف اوصله، ولحد اللحظة دي بدفع التمن من وجعي وقهري."
تهاوى الدمع من عين آدهم، وعينيه جاحظة بالفراغ، عقله الذكي يربط الاحداث ببعضها، فرق تسع أعوام، شيخ ازهري، حمل بعد عشرون عامًا، مشاهد فاصلة، تشابه بينه ويين ذاك الغامض، شعوره الغريب تجاهه.
جاهد كل ما داخله، وبصوتٍ مرتعش، مرتبك، خائف، ملتاعًا، قال:
"الشيخ ده كان اسمه أيه؟"
صفعه بقوة باجابته:
"الشيخ مهران!"
أخفض آدهم عينيه أرضًا يبكي بصوت مسموع، وهو يردد بانهيارٍ تام:
"آيوب!!"
تعالت شهقات بكائه حتى بات صاخبًا، وهمس بشحوب تام وهو يخبط صدره بشكلٍ جنوني:
"قلبي كان حاسس، كنت مستغرب أنا أيه يخليني قريب من شخص للدرجة دي، ازاي قدرت أجازف بشغلي وتاريخي عشان أنقذ شخص لسه متعرف عليه من الموت."
ورفع عينيه الباكية لابيه المنصدم من سماع ما يقول،و يسترسل بألمٍ قاتل:
"كنت مستغرب هو ليه شبهي في حاجات كتيرة، طريقة نومه، كرهه لأصناف غريبة من الأكل، كنت مستغرب ليه لما بحضنه بحس إنه مني!!!"
اقترب منه بلهفة جعلته يرتطم بالأرض، فتسلل على يديه حتى بات قبالته يسأله بدموع ودهشة:
"إنت تعرفه يا عمر؟ إنت تعرف الشيخ مهران ده؟ تعرف ابني… شوفته؟!"
ابتسم ساخرًا رغم وجعه:
"شوفته وعشت معاه فترة وكنت معاه من شوية."
سأله بابتسامة غريق يعود للحياة:
"اسمه أيه؟ شكله أيه؟ … قووم قوم روح هاته، عايز أخده في حضني… قوووم."
استعاد آدهم ثباته المهدور، فآزاح عن خديه دموعه واستقام بوقفته يحمل آبيه لمقعده، وجذب كوب من المياه يشير له:
"اشرب واهدى يا بابا عشان نعرف نتكلم من فضلك."
رفض وهو يلقي الكوب بعصبية:
"مش عايز حاجة عايز ابني هاته يا عمر."
فشل بالسيطرة على أعصابه فأي سيطرة هذة في ضل ما يتعرض له:
"عايزني أروح أقوله أيه؟؟؟ معلش يا آيوب أنا جيت اقولك إن في لبس في الموضوع، الشيخ مهران مش ابوك الحقيقي، ابوك الحقيقي اتخلى عنك وسابك لغيرك يربيك عشان يأمني حياة متكاملة فجيه عليك انت… ولا أقوله إنك كنت السبب إنه يتكتب باسم واحد تاني وان فجأة ضميرك صحي وعايز تاخده في حضنك، قولي أقوله أيه وأنا هخرج حالا وهنفذلك طلبك."
أخفض مصطفى وجهه أرضًا بحرجٍ، لقد حُرم من أبسط حقوقه بسبب لحظة قسى بها قلبه فعاش يسدد ثمنها عمرًا بأكمله.
ارتمى آدهم على المقعد المجاور لابيه يحيط جبينه بتعبٍ، ويستعيد جزءًا من رزانته وعقلانيته، يحاول قتل كل ما داخله واستحضار عقلية ظابط المخابرات داخله، فتنحنح قائلًا بندم:
"بابا أنا آسف بس غصب عني لازم أحطك في الصورة، الموضوع مش سهل وخصوصًا إن آيوب متعلق بالشيخ مهران جدًا، عشان كده من فضلك سبني أتصرف بالعقل عشان مخسرش صداقته اللي هقدر من خلالها أجمعك بيه."
هز رأسه وأردف بلهفة:
"حاضر يا آدهم هعمل كل اللي تقولي عليه.. هصبر يابني."
ابتسم رغمًا عن أوجاعه وقال:
"أول مرة تناديني بإسم آدهم!"
ابتسم أبيه وقال وهو يزيح دموعه:
"مدام بتحبه أكتر من عمر مش هناديلك تاني غير بيه."
جذب يده يقبله ويطبع قبلة على رأسه هامسًا بحبٍ تعمد زرعه بمبالغة حتى يحتوي أبيه في ذلك الموقف:
"ناديلي زي ما تحب."
وعاد لمقعده يخبره بهدوء:
"أنا دلوقتي كظابط مينفعش أمشي ورا شكوكي وكلامك فمحتاج برهان ودليل قوي، عشان كده هعمل تحليل DNA ليك ولآيوب عشان نطمن 100 في ال100 إنه هو.. وبعدها هحدد أول خطواتي."
تنهد بحزنٍ شديد وقال:
"لسه هستنى أسبوع يابني عشان نتأكد!"
اتسعت ابتسامة آدهم وقال بغرور:
"ساعات والنتيجة هتطلع، إحنا شغلنا مدينا امتيازات يا حاج.."
ابتسم بفرحة ورغمًا عنه قبل كف يده مرددًا:
"ربنا يباركلي فيك ياحبيبي."
سحب آدهم كفه وقال بضيق:
"وبعدين معاك يا مصطفى قولتلك الحركات دي بتنرفزني."
ومال يقبل رأسه ويده مجددًا:
"أنا اللي أبوس ايدك ورجلك كمان..ثم اتجه لمقعد مكتبه وعاد بكيس صغير شفاف، جذب خصلة من شعر أبيه ووضعه بالكيس ثم قال:
"الفجر قرب يأذن اطلع بالاسانسير وارتاح."
"_طيب وانت؟_"
قال بأعين مازالت دامعة:
"مش هيجيني نوم الا لما أشوف آيوب!"
******
انزعج من رنين الهاتف المتكرر، فمل لجانبه يحرر شمعدان الكومود متفحصًا الوقت بذهولٍ ازداد حينما رفع شاشة هاتفه، ليرى اسم المتصل، فهمس باستغرابٍ:
"غريبة آدهم بيتصل بيا دلوقتي ليه؟"
حرر زر الاجابة بلهفة وقلق اعتراه:
"آدهم آآ…"
قاطعه بصوتٍ ذُبح فؤاد آيوب:
"انزل يا آيوب أنا تحت بيتك!"
ودون أي كلمة أغلق الهاتف، أبعد آيوب غطائه وألقى نظرة متفحصة على يُونس وإيثان الذي يغفو جوار آيوب، ثم هبط للأسفل بخطواتٍ أشبه للركض، صوت آدهم المختنق، وجوده بتلك الساعة المتأخرة، جعلته يكاد يجن من قلقه عليه.
وصل لسيارته فوجده يستند على ظهرها وعينيه المتورمة شاردة بالفراغ، فناداه بلوعةٍ:
"آدهم!"
انتصب بوقفته وتطلع له بنظراتٍ كانت غامضة لآيوب، وزادت من قلقه عليه، ودون أي مقدمات اندفع إليه يضمه لصدره وبتعلق به بقوةٍ، كأنه يضم ابنه الصغير، ربت آيوب على ظهره وسأله بهلعٍ:
"مالك يا آدهم؟ أول مرة أشوفك بالحالة دي؟!!!"
ردد بصوت اختنقت به الدموع ومازال يحتضنه:
"أنا موجوع أوي يا آيوب… حاسس إن قلبي هيخرج من بين ضلوعي!"
ربت على ظهره وسأله بلهفة وحزن:
"طيب اهدى واحكيلي مالك!"
ابتعد عنه بعدما نجح بانتزاع أحد شعيرات رأسه الصغيرة دون أن ينتبه لها، ورفع أصبعه يزيح دموعه مرددًا:
"مفيش أنا بس لسه متخانق مع بابا وبسببي تعب جدًا.. ودلوقتي رافض يكلمني أو حتى يسمعني."
إلتمعت عينه بالدمع تأثرًا لحالة آدهم، دموعه يراها لمرته الاولى، مجرد شعوره بأنه يخوض نفس التجربة رفض ذلك، ربت على كتفه وقال:
"متزعلش شوية وهيهدى وهيسمعك."
قال وقد اختنقت أنفاسه:
"مش هقدر استنى… مش هقدر… أنا حتى مش عارف أنام يا آيوب."
وبلمحة ماكرة بعينيه قال:
"آيوب هو إنت ممكن تيجي معايا دلوقتي وتحاول تتكلم معاه وتخليه يسامحني؟"
رد دون تردد، فلقد خاطر آدهم بحياته لاجله ولاجل أخيه ألا يستحق مساعدة صغيرة مثل هذة:
"طبعًا هاجي وهتكلم معاه لفجر اليوم التاني لحد ما يسامحك، بس الساعة دلوقتي أربعة الفجر أكيد لا ده توقيت ولا وقت مناسب للكلام."
قال بثبات شديد:
"هو صاحي أصلًا ورافض ينام أو يأخد أدويته بسبب زعله.. أرجوك يا آيوب أنا ماليش أصحاب أو حد يتكلم معاه."
إتجه ليغلق باب منزله الخارجي وقال:
"يلا نتحرك."
ابتسم آدهم بسعادة لتحقيق أمنية أبيه برؤيته حتى قبل أن يحدد الاختبار نتيجته، فإتجه به لمنزله قاصدًا غرفة والده.
طرق بابها فأتاه صوته المتلهف:
"تعالى يا عمر."
وقف آيوب بالخارج ينتظر أن يبلغ آدهم والده بوجوده، فولج آدهم يغمز لأبيه بعينيه، فاندهش من طريقته وكاد بأن يسأله ماذا فعل؟ ولكن آدهم كان الاسرع منه حينما قال بصوت مرتفع ليصل لآيوب بالخارج:
"أنا عارف ان حضرتك زعلان مني ورافض تسمعني فآيوب صاحبي صمم يجي معايا بنفسه عشان يصالحنا على بعض."
انتفض بمجلسه وتلألأت الدموع بعينيه التي اتجهت لباب الغرفة بكل لهفة امتلكها يومًا، فحذره آدهم بنظرة صارمة جعلته يهز رأسه وهو يهمس بصوت منخفض:
"مش هعمل حاجة والله ما هقوله حاجة أشوفه بس."
منع آدهم دموعه بصعوبة، وصاح بخشونة:
"اتفضل يا آيوب، ادخل!"
تنحنح بحرجٍ لوجوده بوقتٍ كذلك، فولج للداخل مبتسمًا ببشاشة:
"صباح الخير يا والدي، أنا عارف إننا جايين بوقت متأخر جدًا بس آدهم من حبه فيك مش قادر يستنى للصبح."
تعجب آيوب من صمت مصطفى، وتأمله لوجهه بطريقة جعلته يرتاب، دموعه التي اخترقت وجهه، عينيه التي تتنقل على ملامحه وكأنه يتشربها داخله، وفجأة ومن بين كل تلك الاحاسيس الصادقة التي انتقلت لآيوب فأدمعت عينه بتأثرٍ فتح مصطفى ذراعيه وقال ببكاء متوسل:
"تعالى… تعالى في حضني يابني!!!!!"
رواية صرخات انثى الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم ايه محمد رفعت
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات "أمنية إسماعيل"، " أماني السعدني"، "هدير السيد"،" حسناء علاء"، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تقيد جسد "آيوب" وهو يحاول استكشاف تلك الأحاسيس التي لا تتدفق إليه الا بأحضان والده الشيخ مهران، ضمة ذراع مصطفى القوي، تمسيده على ظهره بكل حنان إمتلكه، بكائه الغريب، هل يحمل كل تلك العاطفة لاستقبال صديق ابنه؟!
أدمعت عين آدهم تأثرًا، فقد كان على وشك فصل عناقهما الطويل خشية من أن ينكشف أمر أبيه، ولكن فور رؤيته مستكين على كتف آيوب لم يشعر الا بدموعه تتدفق عنه بحزنٍ شديد.
تماسك كالمعتاد عنه، وتنحنح بحشرجةٍ خشنة، جعلت مصطفى يستعيد وعيه الهادر فور ضمة فلذة كبده المفقود إليه، نعم أخطئ وإرتكب ذنبًا فاضحًا صعب غفرانه، ولكنه أفاق من وساوس شيطانه ومضي أعوامًا يبحث عنه دون أي جدوى.
ابتعد عنها رويدًا رويدًا، وهو يزيح دموعه بتوترٍ اتبع نبرته الحزينة:
_متأخذنيش يابني أنا من كتر ما عمر بيحكيلي عنك حبيتك وكان نفسي أشوفك.
منحه ابتسامة رائعة، وبرفقٍ واحترامًا قال:
_بتعتذر عشان خدتني في حضنك! طيب لعلم حضرتك يا عمي أنا حسيت بحبك ليا من أول ما دخلت عليك حتى لما حضنتي حسيت إني شايف قدامي والدي الشيخ مهران.
ذُبح قلبه دون أي رأفة، فحارب لاحتفاظه بالابتسامة المرسومة على وجهه، وتباعد عن محله المتطرف من الفراش مشيرًا له بحب:
_واقف ليه يا حبيبي اقعد!
فعل ما أراده وجلس على الفراش كما أحب، خطف آيوب نظرة خاطفة لآدهم الصامت، والحرج والتوتر يسيطران عليه، وهو لا يعلم بماذا يبدأ حديثه؟
ازدرد ريقه الجاف وقال بعد صمت:
_أنا طبعًا كنت أتمنى إن أول زيارة لحضرتك تكون بصورة أفضل من كده ولكن دي إرادة ربنا سبحانه وتعالى، أنا مش عارف سبب الخلاف اللي بين حضرتك وبين آدهم بس اللي أنا واثق منه هو احترام آدهم الشديد لحضرتك.
واستطرد وفيروزته متعلقة بعين مصطفى التي تطالعه بحبٍ وتتمعن بملامحه، وكأنه لا يسمعه من الاساس:
_بقالي يومين شايفه متغير وحزين، وده يدل على إنه ندمان إنه زعل حضرتك، هو مالوش غيرك ولو غلط فهمه غلطه وهو أكيد هيفهمك..
ابتسم آدهم ومازال وجهه مندث أرضًا تغزوه دموعه، وخاصة حينما استطرد آيوب:
_ممكن تسامحه عشان خاطري!
انهمرت دمعة ساخنة من أعين مصطفى، فظن آيوب ان الخلاف بينهما كبيرًا لدرجة عدم تقبله لسماحه، فاستدار تجاه آدهم وأشار له بنظرة غاضبة لوقوفه هكذا:
_واقف كدليه يا آدهم! ما تقرب وتبوس دماغ والدك وتعتذرله..
وتابع برجاءٍ:
_هو مش هيكررها تاني، لإنه مش هيقدر يتعب حضرتك مرة تانية تأكد من ده.
أجاد آدهم تمثيل دوره حينما انحنى يقبل يد أبيه ورأسه، هاتفًا بنبرة صادقة تهدف عن رد فعله حينما استمع للحقيقة:
_أنا آسف يا بابا.. من فضلك سامحني.
ربت على شعره الطويل بحنانٍ، ومال برأسه تجاه آيوب الذي يراقبهما بفرحةٍ وحماس:
_مستعد أسامحه بس على شرط.
تساءل آيوب بلهفةٍ:
_شرط أيه؟
أجابه مصطفى باهتمام لسماع رده:
_تقضي اليوم كله معانا.. نفطر ونتغدى سوى ومنه نتعرف على بعض أكتر.
وزع نظراته بينه وبين آدهم باحراجٍ:
_شرف ليا إني أقعد مع حضرتك يوم كامل، بس أنا أخويا لسه راجع من سفر طويل ومش هقدر أكون طول اليوم بره.
_أخوك!!
قالها باندهاش لما استمع إليه، فأصابه الخوف بمقتلٍ أن يكون ليس هو نفسه الشيخ مهران الذي يقصده، فقرأ آدهم ما تلألأ بمقلتي أبيه فأسرع بقول:
_ابن عمه وبمثابة أخوه الكبير يا صاصا، وفعلًا آيوب مش هيقدر يفضل هنا طول اليوم لإزم يكون مع أخوه بس هيعوضها في يوم تاني مش كده ولا أيه يا آيوب.
أكد له بإيماءة من رأسه سريعة، وحينما لمح الحزن بأعين والد آدهم، قال بابتسامة بشوشة:
_بس أنا هفطر مع حضرتك وهقعد معاك شوية قبل ما أمشي.
أمسك يديه بلهفةٍ وسعادة:
_بجد؟
تعجب آيوب لفرط سعادة هذا الرجل ببقائه، فتأمل كفيه ببسمة حنونة، وتابعه وهو يشير لآدهم بفرحة:
_يلا يا عمر إنزل حالًا حضرلنا فطار ملوكي زي ما بتعمل، آيوب هيفطر معايا قبل ما يمشي هو اللي قال!
وكأنه لم يكن موجودًا لسماع ما قاله آيوب، اكتفى بهز رأسه وبداخله وجعًا لا يتقاسمه مع أحدٌ لشدته، فاتجه للخروج ولكنه خشى أن يترك آيوب مع والده فيخونه لسانه، والده ليس بحالته الطبيعية، رغمًا عنه تهاجمه عاطفة الأبوة ربما يضعف عن محاربتها ويستسلم لها، لذا أشار بخفة مازحة:
_بينا يا بشمهندس آيوب، ولا هتخلع من مساعدتي!
ضحك وهو ينهض عن الفراش ويتجه خلفه قائلًا:
_مقدرش يا حضرة الظابط، إنت طلباتك مجابة يا باشا.
توقفا حينما تساءل مصطفى بفضول مهتم:
_هو آيوب مهندس؟
التفت إليه آيوب وقال بنفس بسمته:
_أيوه أنا في أخر سنة هانت وأتخرج، دعواتك يا عمي.
بددت غيمة سعادته، وقال بغصة ألمت آدهم:
_قولي والدي زي ما قولتلي أول ما دخلت وشوفتني.
انزوى حاجبيه بذهولٍ من طلبه، كان ليصدق بأنه يفتقد شعوره أن يكون أبًا إن لم ينجب، فلماذا يعامله ويطالبه بقول ذلك وهو بالفعل يمتلك ابنًا!
تنحنح آدهم ونظراته المحذرة تحيط أبيه، فلف يده حول كتف آيوب يدفعه للخروج برفقٍ:
_بينا يا آيوب، خلينا نجهز الفطار.
وتابع بمرحٍ ليمرر قول أبيه:
_شكلك كده مش مستكفي بسحب قلوب كل اللي بيشوفك لا دخلت على طمع وعايز تأخد مكانتي في قلب مصطفى!
تحررت ضحكاته وأضاف بمزحٍ:
_أخدتها من اول ما هو شافني.
واستدار تجاه الفراش يتساءل ببسمة جذابة:
_مش كده ولا أيه يا والدي؟
منادته بما ود سماعه زرعت السعادة والفرحة بمقلتيه كالطفل الصغير، وردد بحبٍ:
_كده ونص يا حبيبي.. أساسًا أنا اتبريت من الواد ده النهارده الصبح، فاضل بس كراكيبه اللي فوق ألمها وأطرده في الشارع.
برق آدهم بعينيه بصدمة:
_بقى كده!! بتبيع ابنك يا صاصا!!!
واسترسل بشماتةٍ:
_طيب مش عامل فطار وهرن على مارينا تيجي تحضره بنفسها.
صاح بذعرٍ وكأنه سيتناول سموم قاتلة:
_لا بلاش مارينا، أنا بطني اتهرت من أكلها الصايص يالا!!!
واسترسل باتهامه الصريح:
_عايز تخلص من أبوك؟!!
ضحك آيوب بصخبٍ، وجذب من عاد للمقعد يسترخي ببرود:
_متزعلش بابا منك بقى يا آدهم، مصدقنا رضي عنك!
استجاب ليده ونهض عن المقعد يهتف بضيق مصطنع:
_عشان خاطرك إنت بس يا آيوب!
وخرج به مغلقًا باب غرفة أبيه، ثم هبطوا معًا للمطبخ.
******
بللت دموعها وسادتها، وأحمرت عينيها تأثرًا بعدم نومها طيلة الليل، حبيبها ومعشوقها، وكل المشاعر المتجسدة داخل قلبها، يغفو بنفس المنزل الذي تسكنه، يعلوها بطابقٍ واحدًا.
تهاوت دموع "خديجة" حزنًا، وأسوء ما يعتريها نظرته تجاهها بعد ما أُضطرت لفعله، الساعة أوشكت على السابعة صباحًا ومازالت كما هي، تتمنى أن تستند على ذاتها وتقوي من عزيمتها لتواجهه، تقسم بأنها ستحتمل كل ما سيقوله ويفعله بها، ستحتمل حتى وإن مزق جسده بسكينٍ حاد، يكفيها أنها ستُمني عينيها برؤيته.
تود لو إرتمت على صدره، تشكو له قسوة ما مرت به، ترغب أن تلامس أصابعه الحنونة وجهها لتزيح دمعاتها كما إعتادت، ترغب سماع جملته المحببة لقلبها لمرة واحدة "زينة البنات"، حتى وإن كانت تعلم بأنها لم تعد تستحقها أبدًا.
كبتت بالوسادة صرخة كادت أن تنفلت منها فتوقظ صغيرها، وهمست بصوتٍ مبحوح:
_يُونس!!
*****
نفس حلمه المورق، امرأة عاجزة تستنجد به وتناديه باسمه بطريقة مؤلمة للغاية، يكاد يجزم بأنها كبيرة بالعمر من تقوس ظهرها المحني!
نهض من نومه يزيح حبات عرقه المتزايدة على جبينه، ولسانه يردد بهمسٍ ناهج:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم!
استقام يونس بجلسته، وتفحص الفراش المقابل لفراشه باهتمامٍ، فوجد" إيثان" يغط بنومه، وتفاجئ بعدم وجود "آيوب" جواره.
سحب "يونس" قميصه وخرج ينادي بصوت هادئ:
_آيـــــوب!!
بحث عنه بالشقة بأكملها وحينما لم يجده ظنه هبط لشقة عمه، فولج للمرحاض يتوضأ وما أن انتهى حتى وقف على سجادته يصلي بجشوعٍ ودموعًا تصاحب ركعه.
كان بحاجة لأن يكون بمفرده، فاستغل غياب آيوب وغفوة إيثان وحرر عنه ما ثقل على صدره، يتذكر أسوء ليلة قضاها داخل حبسه، حينما نفذ خطة آدهم بمهارة وما أن رأى ذلك الشيطان المتخفي بزيه العسكري حتى سحبه بأحاديث استخرجت أسوء ما فيه، فعاقب يونس بكل قوته، حينما تهاوى على ظهره بطوق الحزام المعدني، فأحدث جروحًا بالغة بجسده، ومع ذلك لم يستكفى بفعلته، بل جذب أطراف جسده بحبالٍ غليظة وتركها عدة ساعات وما أن غادر حتى عاد إليه آدهم يحرره ويوعده بأنه سينتقم من ذلك الحقير.
أغلق عينيه ببكاء وألم يصعب عليه تحمله، يدعو الله من قلبه أن يُشفي جروح قلبه سريعًا، وإن ينتقم ممن ظلموه جميعًا ومن بين دعواته أتت هي على ذكراه، تلك المرأة المسنة التي تستنجد به، فقال:
_يارب أنا مش عارف مين اللي بشوفها في الرؤيا دي، فزي ما خلصتني من الجحيم اللي كنت فيه خلصها وفك كربها يا رحيم!
أنهى صلاته وجلس على سجادته، صامتًا، يتطلع أمامه بشرودٍ تام، عينيه تراقب كل أنش بمنزله الذي كان يومًا جنته، والآن بات أسوء كوابيسه، وكأنه يجسد الجحيم الذي قُلب حياته رأسًا على عقب!
********
عاون آيوب، آدهم بصنع أصناف طعامًا، فانتشل أصابع البطاطس من الطنجرة، ووضعها بالأطباق، بينما قطع آدهم العديد من الجبن بمختلف أنواعها، ووضع أطباق من العسل الشهي، ثم جذب عُلبة من التونة بتردد بوضعها، فوجد آيوب يردد بملامح منفرة:
_مبحبهاش خالص!
اتسعت ابتسامة آدهم واستدار إليه يخبره بصوتٍ عميق:
_ولا أنا!
ترك آيوب السكين ووضع الخضار المقطع بالطبق، قائلًا بمزحٍ:
_مبقتش أتفاجئ! البديهي بالنسبالي إن اللي هحبه هتحبه إنت عشان كده زودت في الكاتشب على البطاطس لآني بعشقها كده وأكيد أنت!
هز رأسه بابتسامة اختفت عنه حينما ردد آيوب بمزحٍ:
_لولا إني واثق إن الشيخ مهران ميعملهاش كنت شكيت إنك أخويا!!
وضحك بصخب بينما ارتسم الحزن بعمقٍ على ملامح آدهم، فأشغل ذاته بوضع الزيتون المخلل بأحد الأطباق، فأتاه آيوب يلتصق به ويردد بصوتٍ منخفض متوتر:
_بقولك يا آدهم، أنا كنت عايز أشوف دكتور علي، تفتكر هيكون صاحي في الوقت ده ولا أيه؟
تجعد جبينه بدهشةٍ:
_عايز علي ليه؟
تنهد بوجعٍ، وقال:
_عايز أكلمه عن يونس، يمكن يحاول يساعده.
وأضاف بحزنٍ وهو يدعي انشغاله باعادة الاغراض للبراد حتى يهرب من عين آدهم الصقرية:
_أنا حاسس إنه مكسور ومحتاج حد زي دكتور علي.
ثم اتجه يقف قبالته وبتردد قال:
_بس خايف إنه يتضايق من الحوار، إنت متعرفش يونس حساس إزاي!
ابتسم آدهم وردد بتفهمٍ:
_عندك حق في قرارك، يونس فعلًا هيحتاج لدكتور شاطر والمناسب ليه بلا شك هو دكتور علي، ولو مقلق من زعله منك عرفه عليه على إنه صديق وفهم علي ده وسيبه هو يبدأ معاه بالطريقة اللي يشوفها مناسبة، هو ما شاء الله عليه ذكي وحكيم جدًا فهيقدر يسيطر على يونس.
هز رأسه واستطرد بتأكيد وفخر:
_دكتور علي ده رائع، طيب إنت عارف أنا كل ما بتعامل معاه بندهش ومببقاش قادر أستوعب ولا أصدق إن شخص بالهدوء والرزانة والحكمة دي أخو عُمران!!! الاتنين عكس بعض تمامًا!
مال آدهم على الرخامة يضع بفمه قطعة من الخيار، مضغها بضيقٍ وكأنه يبتلع علقمًا، فضحك آيوب وهو يتابعه قائلًا بشكٍ:
_شكل عُمران قايم معاك بالواجب؟
_واجبه وصلني لحد هنا وبزيادة.
قالها آدهم بنزقٍ، بينما ضحك آيوب بقوةٍ حتى أدمعت عينيه، فأضاف آدهم:
_أنا مش عارف أعمله أيه تاني عشان يرضى عني ويخرجني من دماغه، أنا بحبه جدًا بس طبعًا صعب أتعامل معاه في أي مشكلة هتحصل بيني أنا وشمس لإني متوقع نهايتها هتكون أيه، عشان كده بحمد ربنا إن ليها أخ عاقل وراقي زي دكتور علي.
واسترسل ببسمة جذابة:
_ما شاء الله عليه عقله يوزن بلد، متكلمتش معاه مرة الا واحترامي وحبي ليه يزيد، عنده انضباط في كل شيء حتى مواعيده، وفوق كل ده إنسان متفاهم.. هو يمكن يكون بيحب يقعد كتير لوحده ومش بيحب الاختلاط بحد كتير بس ده عمره ما كان عيب يذكر، أنا كل يوم الصبح بخرج لشغلي بلاقيه في بلكونته بيقرأ في كتب علم النفس، فأكيد هو صاحي دلوقتي.
اتسعت ابتسامة آيوب، فاستند على الطاولة جواره، وجذب قطعة من الخيار يتناولها مثله، ومازحه ضاحكًا:
_كل ده اكتشفته من الكام يوم اللي قعدهم هنا، لا ده إنت طلعت محلل اجتماعي بقى وأنا مش عارف.
ضحك وقال:
_طبعًا، متنساش إني ظابط مخابرات، التفاصيل مينفعش تفوتني أبدًا!
وأشار للرخامة المكتظة بالطعام:
_طلع الاطباق على السفرة عما أطلع أناديه وأنزل.
حرك رأسه في طاعةٍ، بينما صعد آدهم للاعلى قاصدًا غرفة والده أولًا.
طرق باب الغرفة وولج يغلق الباب من خلفه، ثم اتجه لأبيه الماسد على مقعده المتحرك، وما أن رأه حتى تحرك إليه بتحكمه بطرفه الأيمن، ليهم إليه بوجهه الباكي:
_ده ابني يا عمر، أنا متأكد!! متعملش التحاليل ده ابني والله ابني أنا حسيت بيه!
ربع ساعديه قبلة صدره القوي وهدر بانفعالٍ:
_ممكن تفهمني أيه اللي عملته ده؟ ده الاتفاق اللي اتفقنا عليه!
أخفض مصطفى رأسه للاسفل بخزي، فتابع آدهم بضيق:
_إنت شوية كمان وكنت هتقوله الحقيقة!
ردد ببكاء تحرر بصوتٍ:
_غصب عني يا عمر، أول ما شوفته مقدرتش أمسك نفسي.. حقك عليا!
تحرك إليه وانحنى ليكون على نفس مستوى مقعده، يشير له بهدوءٍ:
_يا حبيبي أنا فاهم شعورك ومقدره كويس، بس الموضوع ده مش سهل، سبني أقدر أعالجه وأهييء آيوب للحقيقة، فلحد ما ده يحصل من فضلك متبوظش اللي بعمله.
أومأ له بلهفة:
_حاضر مش هعمل حاجة تاني، بس حاول تجيبه هنا على طول، هشوفه ومش هتكلم والله.
تمزق قلبه بين أضلعه، فضمه إليه وهو يمسد على ظهره بحنان، اختفى جسد مصطفى الهزيل بين ذراعي آدهم الضخمة، بكى على صدره كالصغير، فقال:
_خلاص بقى يا صاصا... امسح دموعك دي وانزل اقعد مع ابنك لحد ما أشوف دكتور علي وإنزلكم.
وابتعد يشير له بطريقة أضحكت مصطفى:
_بس أوعى أنزل ألقيك متبت في الواد وحضنه بالشكل ده تاني، الولد هيشك فيك وش!
هز رأسه وقال:
_اطمن خلاص مش هغلط تاني، بس يلا وديني الاسانسير بسرعة، وحشني الشوية دول.
انتصب بوقفته ودفع مقعد أبيه وردد بابتسامة مشاكسة:
_شكلي كده هبتدي أغير، أوعى تنسى إني الكبير وأول فرحتك هااا؟
التفت برأسه إليه وبصدق قال:
_إنت نور عيني وعوضي في الدنيا يا عمر!
اتسعت ابتسامته ووضعه بالمصعد ثم استكمل طريقه للأعلى، بينما توقف المصعد بالطابق الأول، فلفت انتباه آيوب الذي يرص زجاجات المياة الباردة، فاتجه للمصعد يدفع المقعد للطاولة وهي يردد بود:
_نازل لواحدك ليه يا والدي؟
غزت كلمته قلبه، فابتسم بسعادة:
_أنا بنزل وبطلع لوحدي، متقلقش الاسانسير هنا أمان.
ضحك آيوب وجلس قبالته يتبادل معه الحديث، ولم يشعر بالضجر أبدًا من أسئلة مصطفى المتواصلة معه، عما متعلق به وبأهله حتى دراساته، وابن عمه، كان يود استغلال كل دقيقة بالحديث معه حتى وإن ظل يتحدث دهرًا كاملًا.
دقائق قليلة وهبط "علي" للأسفل برفقة "آدهم"، فابتسم فور رؤيته آيوب وصافحه قائلًا بمحبة:
_ازيك يا بشمهندس آيوب.
أجابه آيوب بود:
_أنا بخير الحمد لله يا دكتور.
أشار مصطفى لعلي:
_واقف ليه يا ابني، اقعد ده عمر وآيوب اللي عاملين الفطار بنفسهم، واللي يطمنك ويطمني إن أغلبه أكل معلب، فحاول تتفادى أي طبق مصنوع بالأيد لإني عارف إن عمر ابني معندوش نفس في الأكل لكن آيوب الله اعلم.
ضحكوا جميعًا،واعتلوا مقاعدهم، فهتف آدهم بسخرية:
_مش عارف هتفضل تنتقدني لحد أمته، أنا ابنك على فكرة!
_متخضنيش وأنا بحاول استوعب!
نطقها مصطفى مازحًا، فعادت الضحكات تسيطر عليهم، فتناولوا طعامهم بصمتٍ، وما ان انتهوا حتى خرج علي بآيوب لمدخل المنزل لشعوره بأن الأمر الذي يحتاجه به يوتره بالحديث أمام آدهم ووالده.
نزع علي نظارة النظر التي تناسى نزعها فور انتهائه من القراءة، وقال:
_ما تتكلم يا آيوب أنا خرجت بيك بره عشان تأخد راحتك في الكلام بس من ساعتها وإنت مرتبك وساكت!
تنهد والحزن يتوغل إليه كالنيران حينما تشتعل بكومة من القش:
_أنا عايز من حضرتك مساعدة يا دكتور علي، الموضوع متعلق بابن عمي، هو اتظلم كتير واتحبس في معتقل لمدة خمس سنين، خارج مكسور والحياة انطفت في عينه، وانا واقف عاجز ومش عارف أساعده ازاي، بس كل اللي جيه في دماغي إنه ممكن يكون محتاج لدكتور نفساني، وأنا معرفش أفضل من حضرتك.
ابتسم علي بتفهمٍ، وبعقلانية قال:
_أي شخص عنده مشاعر نبيلة زيك هيفكر نفس التفكير يا آيوب، أنا راجع لندن بكره بإذن الله بس قبل ما أسافر هعدي عليك بكره وهقعد معاه، ومتقلقش خالص هقنعه يتابع معايا وهكونله صديق مش دكتور..
غادر الحزن وجهه، واحتله سعادة عارمة، مرددًا بفرحة:
_بجد يا دكتور؟
ربت على كتفه بحنان:
_سيبها على ربنا ثم عليا.
تلاشت ابتسامته وقال بارتباك:
_بس يُونس حساس لو عرف انك دكتور نفسي هيآآ...
قاطعه بتفهمٍ شديد لا يخرج الا من شخصٍ راقي مثله:
_اطمن، أنا فاهمك... هتعرفني عليه على إني صديقك او هتقوله الحقيقة إني أخو عُمران صاحبك وبعد كده سيب الباقي عليا وخليك واثق فيا.
اندفع إليه آيوب يحتضنه بامتنانٍ:
_شكرًا يا دكتور علي.
مسد على ظهره مردفًا:
_العفو يا آيوب.. أشوفك بكره بإذن الله.
وتركه وغادر للسيارة التي كانت بانتظاره لتقله لأخر مشفى سيزوره قبل سفره بالغد.
أما آيوب فولج للداخل، ظل برفقة آدهم وأبيه إلى أن أشرفت الساعة على الثانية ظهرًا، فانصدم من انسياقه بالحديث المحب معهما، ونهض يهتف بعدم تصديق:
_ أنا نسيت نفسي لحد دلوقتي ازاي؟!
وعاتبهما بضيق مصطنع:
_الحق عليك يا آدهم من ساعة ما عرفتني على والدك السكر ده وأنا مش عايز أسيبه، بس كده الشيخ مهران هيتضايق مني!
ترك آدهم فنجان قهوته ونهض يخبره ببسمة هادئة:
_قوله كنت مع آدهم مش هيقولك ولا كلمة.
طوفه بنظرة ماكرة، ملأها الخبث، ففهمها آدهم وردد بسخريةٍ:
_بتفكر في أيه يا بشمهندس! نظراتك كلها شر، أيه هتقتلني!
لف ذراعه حول كتفه ودفعه للخارج:
_لا هأخدك معايا للشيخ مهران، منه ترد وعدك بأنك هتتغدى معانا ومنه تشيل عني غضبه المخيف.
دفعه ليقف وهو يصيح بدهشة:
_هتأخدني فين!! سبني يا آيوب أنا هوصلك وهرجع.
ضحك مصطفى وقال:
_روح معاه واعمل اللي عايزه منك يا عمر..
وبنبرة عميقة، مؤلمة استأنف:
_شكله بيحب والده وبيحترمه جدًا، فروح معاه وقوله إنه كان هنا معاك.
هز آدهم رأسه وسحب جاكيته الأسود يرتديه على تيشرته الأبيض، وصَرَّحَ:
_إنت صديق متعب أنا عارف.
غمز له بمشاكسة واتجه لمقعد مصطفى يناوله يده ليودعه:
_مع السلامة يا عمي، اتشرفت بمعرفة حضرتك وقضيت وقت ممتع بالكلام معاك!
راقب يده الممدودة وتجاهلها، ليفاجئه حينما سحبه داخل أحضانه بقوةٍ، أجزم آيوب بأن انتفاضة جسد مصطفى بأنه يبكي، فشعر بوجعٍ يعتري صدره وحيرة من أمر ذلك الرجل الغامض، فمسد على ظهره بحنان ولم يتخلى عن حُضنه الا حينما ابتعد مصطفى أولًا، وقبل أن يستقيم آيوب بوقفته أمسك مصطفى يديه بين كفوفه المرتعشة وقال وعينيه تتعمق بفيروزته:
_أبقى تعالى زورني من وقت للتاني يابني، عمر أغلب وقته بيكون في شغله وأنا هنا لوحدي، صدقني هفرح بزيارتك أوي.
نمى الدمع بأعين آيوب بشكلٍ تعجب هو ذاته له، ووجد نفسه ينحني رغمًا عن ارادته يقبل كف يده ويرتفع ليضع قبلة على رأسه تمامًا مثلما يفعل آدهم، وقال باحتقان يحجب صوته القوي ويضعفه:
_أوعدك إني هجي أزورك باستمرار،لإني حبيتك أوي.
هز مصطفى رأسه بابتسامة واسعة وودعه وهو يجاهد الا يسقط باكيًا، فسبقه آدهم وهو يستدير عنهما يزيح دموعه، قلبه البائس لم يعد يتحمل، ما أصعب أن يرى أبيه يتألم وهو عاجزًا عن اتخاذ خطوة ليست منطقية بالوقت الحالي.
خرج آدهم وآيوب لسيارته، وقادها لحارة الشيخ مهران .
*******
_سيـــــــــــــــــــف!
انتفض عن مكتب غرفته فازعًا حينما تسلل له صراخ أخيه المتعصب، لدرجة جعلت "جمال" يترك غرفته ويركض صوب الصوت هو الأخر والذي لم يكن يأتي الا من المطبخ.
ولجوا معًا، فوجدوه يضع الطعام وأغراض البراد الذي أحضره أرضًا، وما أن رأى أخيه حتى سحبه من ياقة التيشرت الأسود الذي يرتديه، هادرًا بعنف:
_ده منظر مطبخ!! دي منظر شقة بني آدم طبيعي زينا عايش فيها!!!
ابتلع ريقه بصعوبة لرؤيته حالة أخيه المخيفة، كان يرى الشقة متسخة أكثر من ذلك ولم يفعل ما يفعله الآن، فردد بصعوبة بالحديث:
_اهدى يا جو مش كده!
صرخ بشراسةٍ غاضبة:
_ما تقوليش اتزفت!! أنا مش الخدامة الفلبنية اللي اتولدت عشان تخدمك إنت والهانم اللي في بيتي دي!! أنا دكتور محترم ولازم تحترموني غصب عنكم انتوا الاتنين!
حاول التملص من بين يديه ولكنه لم يترك له فرصة المناص، فتدخل جمال بمللٍ، ودفعه للخلف:
_سيبه يا يوسف ما انت بقالك سنين بتخدمه وعمره ما عمل لنفسه حتى كوباية قهوة أيه اللي جد دلوقتي!
بعصبية لم تحتسب قال:
_لازم يبقى مسؤول يا جمال، على الأقل يراعي الظروف اللي بمر بيها.
وبجدية تامة قال:
_أنا بقيت بنضف أطباق وحلل قبل ما بنزل الشغل يا جمال تخيل!
كبت ضحكة ساخرة كادت أن تتحرر عنه، بينما سحب يوسف مقعد خاص بالرخامة العالية وجلس بانهاكٍ؛
_كان نفسي في الحمل بس مش بالطريقة دي أنا حرفيًا متمرمط!!
لم يستطيع السيطرة على ذاته أكثر من ذلك، فضحك مرددًا باستهزاء:
_وماله لازم تكون راجل متحضر وتستحمل هرومونات الحمل الطبيعة عند أي ست، مش ده كلامك يا دكتور!!
احتدت نظراته بغضب دفنه خلف نبرة ثابتة:
_وإنت فكرني سلمت ولا أيه أبسلوتلي!!
انتبه يوسف لكفٍ يمسد على كتفه وبشفقة قال:
_معلش يا يوسف إن شاء الله دكتورة ليلى تعقل وترفع عنك المسح والغسيل.
توارى هدوئه وجذب كف سيف يحطمه بين عقدته:
_إنت تخرص خالص، وحالًا القى المطبخ والشقة بيلمعوا والا أقسم بالله يا سيف لأكسر المقشة دي عليك!
ارتعب سيف وركض للاطباق يجليها باتقانٍ، بينما ضحك جمال وقال:
_شكل أعصابك تعبانه أتصلك بدكتور علي؟!
استقرت مُقلتيه المشتعلة عليه، وأشار له بالخروج:
_لا تيجي وتفضفضلي أنا يا بشمهندس، اتفضل معايا!
*********
وضع الشيخ مهران أطباق الطعام الممتلئة بأنواع عديدة من الأسماك على الطاولة المستديرة، هاتفًا بترحابٍ وابتسامة بشوشة أضاءت وجهه:
_يادي النور يا حضرة الظابط، نورت البيت كله والله.
نهض آدهم عن الأريكة البعيدة عن السفرة، يلتقط منه الأطباق ورصها بذاته على الطاولة:
_ده نورك يا عم الشيخ.
واستطرد بحرجٍ وهو يتأمل كمية الأسماك وأنواعها الباهظة:
_مكنش له داعي التعب ده كُله.
خلع مئزره البني المحاط بجلبابه الأبيض، ووضع سبحته التي لا تفارقه على الطاولة المجاورة ليده:
_تعب أيه بس يابني، ده الموجود ومتعملش حاجة مخصوص.
واضاف بابتسامة مرحة:
_دي الحاجة رقية بتحتفل بخروج ابنها يونس ولما آيوب اتصل وقال إنك جاي معاه بقت الفرحة مش سيعاها، وإنت خارج هتشكرك بنفسها على اللي عملته مع آيوب ويُونس.
هتف باحترام وعينيه موضوعة أرضًا:
_العفو يا عم الشيخ معملتش غير الواجب.
قاطعهما ولوج آيوب يتجه ليلحق بمقعد مجاور لآدهم كالطفل الصغير الذي لا يود الافتراق عن أبيه، وقال:
_خلاص نازل هو وإيثان أهو.
ردد وهو يراقبه يقرب مقعده من آدهم، رافضًا تلك المسافة المتفرقة بين كل مقعد والأخر لضمان الاسترخاء بجلستهم:
_يابني متضايقش الضيف في قعدته، اتحرك بكرسيك شوية!
زم شفتيه بضيقٍ:
_أنا مرتاح كده!! وبعدين انا نقلت كرسيي جنبه عشان هيتحرج يأكل فقربله أنا الأكل.
ضحك آدهم وتطلع للشيخ مهران:
_سيبه يا عم الشيخ مش مضايقني.
اتسعت ابتسامة آيوب وأبعد عنه السمك المغموس بالصلصة الحمراء، ثم وضع السمك السنغاري والجمبري الفخم من أمامهما، قائلًا بثقة:
_أكيد مش بتحب السمك اللي بالصلصة، ما انا خلاص حفظتك وجهة معاكسة.
هز رأسه وابتسامته الجذابة مازالت مرسومة على وجهه، فاستدار آيوب تجاه أبيه يخبره بحماسٍ:
_إنت عارف يا بابا آدهم شبهي في حاجات كتيرة اوي، حتى معظم الأكل اللي مش بحبه وبيجبلي حساسية هو نفس الموضوع..
واستطرد بحب ينبع داخله لصديقه الذي بات مقربًا إليه:
_والنهاردة لما اتعرفت على والده حبيته جدًا ومبقتش مستغرب آدهم طالع بالجدعنه دي لمين!
راقب الشيخ مهران تعلق صغيره بشخصٍ عظيمًا كآدهم بفرحةٍ، وخاصة بعد سماع حديثه عنه وعن والده فقال وهو يوزع نظراته بينهما:
_ربنا يديم الود والمحبة بينكم يابني، حضرة الظابط ابن حلال وباين عليه إنه متربي في بيت ناس ولاد أصول.
اختزل الحزن حدقتيه من علاقة آيوب بأب كالشيخ مهران، يصعب عليه تخيل معرفة الشيخ بالحقيقة ولكنه ممتن ويحمد الله عز وجل أن من قام بتربية أخيه هو الشيخ مهران.
انتبه آدهم لدخول يونس برفقة هذا الايثان الذي سبق أن رأه مرة، اتجه يونس إليه يصافحه يترحابٍ وسرور:
_أهلًا يا باشا.
صافحه آدهم وقال بضيق:
_باشا أيه يا يونس شايفني واقف قدامك بالميري!
واستطرد بابتسامة هادئة:
_أنا آدهم أو عمر بس، زي ما تحب نادي، مع إني واثق إنك هتنضم لشق آدهم ودي مصلحة ليا لإن ظباط المخابرات من الأفضل هويتهم واسمهم الحقيقي يتخفى.
رفع كفه الاخر يحيط بكفه المصافح:
_خلاص يبقى آدهم.
دفع إيثان يونس بعيدًا عن وجهه، ووقف يتطلع لآدهم نظرة فضولية جابت جسده، وبالأخص بأماكن العضلات التي يجيدها ككابتن متمارس، فكان يمتاز جسده ببناءٍ عضلي قوي،وبالأخص العضلات العضدية أعلى ذراعيه المفتولة، فردد باعجابٍ شديد ومازالت نظراته تتفحصه:
_يعني مطلعش عضلات ظباط المخابرات فيك وحوار فاكس!
ومرر إصبعيه على كتف آدهم مستهدفًا أماكن العضلات ببراعةٍ، فهدر منصدمًا:
_دي مش حقن دي حقيقية فعلًا!!
صاح به يونس باحراج وهو يجذبه للخلف:
_بتهبب أيه يا إيثان!
وتطلع لآدهم باحراج:
_أنا آسف يا باشا، بس صاحبي دماغه مفوتة حبتين.
_باشا تاني يا يونس!! عمومًا مفيش حاجة.
قالها آدهم بانزعاج من يونس الذي مصر يضع الحدود بينهما، فتفاجئ بآيوب يطرق كتفه ويتفاخر بغرور:
_شوفت صحابي عاملين ازاي يا إيثو، امبارح عُمران والنهاردة آدهم عشان لو فكرت تقل بعقلك وتحطني فيه هجبلك اللي يروقوا عليك!!
قهقه آدهم ضاحكًا، وتساءل بحدة مصطنعة:
_وإنت بتضايقه ليه يا أستاذ إيثان، ده آيوب شاب ملتزم وأخلاقه عالية مالوش في المشاكل!
زم إيثان شفتيه بضيق:
_عشان خاطرك بس يا باشا مش هضايقه تاني.
صاح الشيخ مهران من خلفهم:
_يلا يا ولاد الأكل برد!
اتجهوا إليه فسحب إيثان المقعد القريب منه والذي كان يجاور آدهم، فصرخ به آيوب؛
_ده مكاني!!
برق الشيخ لآيوب الذي يبدو اليوم كالطفل المشاكس، فصاح بتحذير:
_اقعد جنب ابن عمك وبطل تصغر عقلك يا آيوب.
هتف باصرار:
_لا مش هأكل اللي جنب آدهم!
ضحك إيثان وقال مازحًا:
_اقعدي يا حبيبتي ومتخافيش أنا مستحيل أتحرش بيكِ وسط أهلك ومعانا ظابط كمان!!
لكزه آيوب بغضب، بينما وزع يونس نظراته بينهما باستغراب لما أصاب آيوب العاقل، فنهض عن مقعده وأشار لآدهم:
_تعالى إنت هنا يا آدهم مش عارف آيوب ماله النهاردة.
ابتسم آدهم وجلس جوار آيوب المبتسم بانتصارٍ، فبادله بابتسامة هادئة وشرع بتناول طعامه، فجذب آيوب الجمبري يزيح طبقته الخارجية ويضعها بطبق آدهم، والجميع يتابعهما بسعادة لفرحة آيوب البارزة من حدقتيه لوجود آدهم بينهما، وللحق لم يتوقع أحدٌ تعمق علاقتهما لهذا الحد، ظنوه مجرد صديق والآن يثبت بأنه أكثر من ذلك ربما لهذا غامر بمساعدة آيوب مرة ويونس مرة أخرى!.
طرق الباب ومن ثم تحرر، وولج صغيرًا يحمل طبق وضع به الخبز الصغير، ومن الخارج تراقبه الحاجة رقية بارتباكٍ لما فعلته، ولكنها تريد أن يقابل يونس طفله بأسرع وقت، تريد رؤية رد فعله، وتتمنى أن يحبه.
انتشر الارتباك والتوتر على ملامح الشيخ مهران وآيوب بشكلٍ لاحظه آدهم، والاندهاش على وجه يونس الذي يتابع ذلك الصغير بنظرات فضولية.
التقط آيوب الطبق من الصغير، ومرر يده بحنان على شعره مشيرًا على المقعد المجاور لأبيه:
_اقعد يا فارس.
تحرر يونس عن صمته متسائلًا بدهشة:
_إنت اتجوزت ولا أيه يا آيوب؟!!!!
ارتبك من سؤاله لتذكره بزواجه من آديرا، وقبل أن يجيبه أجابه الشيخ مهران بصوتٍ عميق:
_ده ابن ناس من اللي ساكنين في عمارتنا يابني، والدته مريضة وأهل والدته مسافرين، هو متعود علينا عشان كده قاعد عندنا الفترة دي لحد ما يرجعوا أهله بالسلامة.
انخفضت أعين يونس للصغير، انتقلت عينيه الفضولية لكل أنحاء جسده، فمنحه ابتسامة جذابة وقال:
_إسمك أيه يا حبيبي؟
ابتسم الصغير وقال بمشاكسة اضحكت الجميع:
_آيوب نادني بإسمي يا عمو!
ضحك يونس بصوت مسموع لمرته الاولى، وهتف بحنان:
_انا آسف يا عم فارس بس كنت بشد معاك حوار مش أكتر.
هز الصغير رأسه بخفة، وسأله:
_إنت بقى اسمك أيه؟
رد عليه بحب:
_اسمي يونس.
وأشار على من يجاوره:
_وده صاحبي إيثان.
قال ببراءةٍ:
_ماما بتحب اسم يونس أوي، ودايمًا بسألها ليه مش سمتني الأسم ده عشان بتحبه بس مش بترد عليا وبتقعد تعيط كتير.
اختنقت أنفاس يونس، لا يعلم ما الذي أصابه بالتحديد، فأسرع الشيخ مهران بفض الحديث:
_كل يا فارس، طبقك أهو يا حبيبي.
بدأ الصغير بتناول طعامه بينما توقف يونس عن ذلك وطوال جلسته عينيه لا تنحرفان عن فارس.
لا يعلم كم مضى هكذا الى ان انتبه لعمه يودع آدهم الذي أصر على الرحيل لعمله الهام، فصافحه وودعه وعاد لمقعده.
اتبعه الشيخ مهران ليوصله لباب الشقة بينما هبط آيوب يوصله لسيارته بالاسفل.
نهض إيثان واتجه للمرحاض ينظف يده ولم يبقى الا يونس الشارد بالصغير، وجده يحاول نزع لحم السمك عن الشوك، فتناولها منه وبادر مبتسمًا:
_خليني أساعدك.
انتقل يونس لمقعد الشيخ مهران وأخذ يضع اللحم بطبق الصغير، وفارس يراقب ما يفعله باهتمامٍ.
شرع فارس بتناول طعامه ويونس يتابعه بحبٍ، وجد يده تتجه لزجاجة المياه فجذب الكوب الفارغ وسكب له المياه ثم رفعها لفمه، فشرب حتى ارتوى وقال بابتسامته التي راقت يونس كثيرًا:
_شكرًا يا عمو يونس.
مرر يده بين خصلات شعره الطويل:
_العفو يا استاذ فارس ولا أقولك يا دكتور!! إنت عايز تطلع أيه لما تكبر إن شاء الله؟
حزن الصغير وتوقف عن تناول طعامه، ثم قال بعزيمة مرعبة:
_عايز أبقى ظابط عشان أحبس بابا وأخليهم يضربوه كتير زي ما بيعمل مع ماما ويسبها طول الليل بتعيط.
وخز قلب يونس بلا رحمة، وتهاوت دموعه بعدم تصديق لما يخوضه هذا الصغير، فحمله لساقيه وضمه بكل حنان له وهو يهمس بعاطفة:
_يا حبيبي!!
أحاط الصغير رقبته فشعر بأحاسيس رائعة، ليته يمتلك طفلًا مثله، ربما كان سيهون الأمر عليه قليلًا.
رفع يونس رأس فارس إليه وسأله بتوترٍ:
_طيب وهو بيضربك إنت كمان يا فارس؟
هز رأسه بحزن، وقال:
_أيوه بس ماما على طول بتدافع عني ومش بتخليه يضربني.
عاد يضمه لصدره بقوةٍ، وقد ازداد وجعه أضعافًا، عاد إيثان والشيخ مهران الذي تفاجئ بيونس يضم فارس دون أن يعلم بأنه ابنه!! أدمعت عينيه تأثرًا وتنحنح قائلًا:
_فارس غلبك يا يونس؟
أجابه وهو يبعد دموعه عن خده بكبرياء:
_أبدًا يا عمي ده أحنا حتى بقينا أصحاب، مش كده ولا أيه يا فارس.
هز الصغير رأسه بفرحة، بينما ردد إيثان:
_بينا يا يونس أوريك المحلات قبل العصر لانهم بيقفلوا للاستراحة.
وضع يونس الصغير على مقعده ونهض ليغادر برفقة صديقه، ولكنه شعر بأنه يترك خلفه قلبه الذي ينهشه، ربما يشعر بالشفقة تجاه الصغير وما قصه إليه، ففتح كف يده العريض وقال بابتسامةٍ هادئة:
_تحب تيجي معانا يا فارس؟
تهلل وجه الصغير وركض يضع كفه بكف يونس الذي رفع وجهه لعمه المندهش وقال:
_هنأخده معانا بدل ما يغلبكم يا عمي..وهقابلك في المسجد وقت صلاة العصر إن شاء الله.
بصعوبة حرك رأسه:
_مآ...آآ.. ماشي يابني.
هبط يونس ويده تحيط بالصغير وابتسامته لا تفارقه، فمال عليه ايثان يهمس بصوت خافت:
_جبته معانا ليه يا يُونس لا أنت ولا انا عندنا خلفية عن التعامل مع الاطفال! هنحتاس بيه كده!!
قال ويده مازالت تعبث بخصلات الصغير، البنية التي تذكره بأخر شخص لا يود تذكره:
_أنا حاسس إنه طفل هادي مش مشاغب، ولو حصل فهرجع أنا بيه متقلقش.
هز رأسه بيأس وأوقف أحد وسائل المواصلات الشعبية المتاحة بالحارات، ذات الثلاث عجلات (توكتوك) ، صعدوا به وتحركوا لمكان المحل الأول.
هبطوا معًا ويونس عينيه معلقة على اللافتة العريضة التي تحمل إسمه، وانخفضت عينيه تدريجيًا على مدخل المحل الكبير، تعجب لما تمكن إيثان من فعله وهو بمفرده، كان يملك محلًا صغيرًا، وبعد عمله فتح الأخر وكان صغيرًا، اما الآن قد تمكن من رؤية إسمًا سعى صديقه لانتشاره.
استدار باحثًا عنه وما ان وجده لجواره ضمه إليه وقال بتأثرٍ:
_مفيش شكر هيوفي حقك يا إيثان، أنا كان عندي ثقة فيك بس أنت ادهشتني من اللي عملته.. بس أنا مقبلش خسارتك
ربت عليه وردد بصدق:
_مال الدنيا كله فداك.. المهم انك خرجت من اللي كنت فيه.
وابتعد يشير له بحماس:
_تعالى ندخل... كرسيك مش وحشك؟
ابتسم له واومأ بمحبة عارمة لاحتفاظه بالمقعد المحبب إليه، حيث أنه ابقى عليه سابقًا لآنه كان عائد لأبيه، جذب يد الصغير واتبع إيثان للداخل، فتجمع من حوله العمال يرحبون به بحفاوةٍ ولدهشته بأن صديقه الحبيب مازال يحتفظ بعماله!
*******
أوصل آدهم آيوب قبالة عمارة إيثان التي تقطن بها آديرا، وقبل أن يهبط فجأه آدهم حينما قال:
_الولد الصغير ده ابن يُونس صح!
لف رأسه إليه وردد بصدمة:
_أيه اللي خلاك تقول كده؟
أغلق محرك السيارة والتف إليه بجسده:
_نظرات الخوف اللي كانت جوه عيونك أنت والشيخ مهران، مراقبتكم لرد فعل يونس باهتمام ولهفة، واتقلبت لشفقة وحزن لما اتكلم معاه، غير الشبه الملحوظ بينهم، احتفاظ الشيخ مهران بطليقة ابن عمك لحد دلوقتي جوه بيته.
اتسعت عينيه بدهشة، وردد بصعوبةٍ:
_إنت بني آدم مخيف يا آدهم.
تعالت ضحكاته الرجولية ورفع كتفيه بغرورٍ:
_مش ظابط يابني!!
تنهد بقلة حيلة وقال:
_أيوه يا آدهم ابنه، وبابا منتظر الوقت المناسب عشان يصارحه بالحقيقة، بس زي ما أنت شايف لسه خارج ومش جاهز.
تفهم آدهم ما يقول، فقال بتمني:
_إن شاء الله يكون متفاهم ويتقبل الولد.
رد عليه بابتسامة ممتنة:
_يارب يا آدهم يارب... يلا هنزل انا بقى عشان مأخركش.
أمسك يده يمنعه من الهبوط، وقال يشاكسه بغمزة مرحة:
_أيه اللي خليك تحن!! مش كنت مفارق؟
لوى شفتيه بتهكمٍ:
_مجبور والله يا صاحبي، كل يوم بتبعتلي مع إيثان وده خلقه في صابع رجله الصغير.
ازداد ضحكًا وقال:
_ماشي يا أيوب روح سايس الدنيا بدل ما تتفضح والشيخ مهران يرميك في الشارع.
ودعه والضحك يعلو على وجهه، فتحرك آدهم على الفور، بينما وقف آيوب أسفل عمارة إيثان يتطلع للشرفة المرتفعة بترددٍ.
زفر بضيقٍ يعتلي ملامحه، لا يحبذ القدوم لمكانٍ رغمًا عنه، ولكنه مضطر لفعل ذلك، وما كاد بالدخول للعمارة حتى أوقفه احد المارة يتلقفه بأحضانه وما كان سوى عم "صالح" البقال، يعانقه قائلًا بفرحة:
_حمدلله على السلامة يا آيوب، ليك وحشة والله يابني.
منحه اجمل ابتسامة يمتلكها واجابه بحب:
_أنا الحمد لله في زحام من النعم... أخبارك إنت أيه يا راجل يا طيب؟
أجابه المسن بحبورٍ:
_في فضل ونعمة الحمد لله.. وكنت رايح المسجد ألحق صلاة العصر ورا الشيخ مهران..حتى لو المسجد اللي بيصلي فيه بعيد عن الدكانة مستحيل افوت صلاة عليا، صوته بيطرب ويداوي القلب والاوجاع يابني.
ثنى ساعده وقال:
_طيب بينا نلحق الصف الأول.
ضيق حاجبيه باستغراب:
_بس إنت شكلك كنت طالع عند إيثان قبل ما أناديك!
قال وهو يخطو لجواره:
_مش مهم بعدين، المهم مفوتش الصلاة.
ردد الرجل بإيمان وهمة:
_توكلنا على الله، يلا يابني.
اتجه آيوب للمسجد، وجلس جوار يونس الذي أعاد فارس للمنزل برفقة إيثان وولج لصلاة العصر، وما هي الا ثوانٍ وأقام الشيخ مهران الصلاة.
********
زفر بعصبيةٍ بالغة:
_ما تتنيل يابني وتنطق، طلعت عين أمي معاك!! مخليني سيبت حسام يحضر توقع العقود مع دانيال وعمي وجيت جري وفي الأخر قاعد قدام شبه تمثال الحرية!!
تنهد جمال بقلة حيلة:
_مش أنا اللي كلمتك، يوسف اللي اتصل بيك.
دافع يوسف عن ذاته سريعًا:
_وأنا كنت هعمل أيه يعني، ما انا قاعد جنبه بقالي أربع ساعات مش عارف أطلع منه بحاجة مفيدة.
نغز عُمران ساق جمال المتمدد ببرود:
_قوم اترزع خلينا نعرف نأخد وندي في الكلام.
_أنا مرتاح كده!
_بس أنا مش مرتاح!
استقام بجلسته بضيقٍ شديد، وهتف بجمود يتحلى به:
_نعم!
كز على أسنانه بعصبية، وبصعوبة سيطر على سبابه اللازع الذي قد يفسد الاجواء، فجلس جواره وقال بهدوء مغتاظ:
_بص يا جمال، من حقك تكون كتوم على حياتك الخاصة، وأنا ويوسف مش عايزين نعرف اللي حصل بينك وبين مدام صبا، بس على الأقل ترجع بيتك، مينفعش كل مشكلة تحصل بينكم تيجي وتقعد هنا.
طرق الفراش واتجه للنافذة المفتوحة:
_لو مضايقكم قعادي انا ممكن احجز في أي اوتيل.
نهض خلفه يوسف يصيح بانفعال:
_وقعادك هنا هيضايقنا في أيه يا سي جمال، احنا خايفين عليك متنساش إن مراتك حامل كام يوم وهتدخل في الشهر السابع والزعل مش كويس عشانها ، متسبش مجال لدخول الشيطان بينكم يا جمال.
ترك النافذة واتجه للشرفة، فتنحى يوسف جانبًا ولحق به عمران يردد ببرود مخادع:
_بلاش عشانها، عشان خاطر أشرقت.. شوشووو يا جمال!! لو رجعت البيت وشافت الحالة اللي انتوا فيها دي هتزعل والزعل وحش عشانها، ارجع وراضي دنيتك قبل معاد خروجها بكره.
يعلم بأنهما لن يستسلموا عن إلقاء محاضراتهم، لذا اتجه للفراش وهو يصيح:
_أنا مش متخانق معاها، أنا طلقتها.
جحظت أعين يوسف صدمة بينما انطلق لسان عُمران الوقح:
_إنت ضارب أيه يالا! إنت شكلك مش طبيعي!
كاد بأن يسترسل حديثه المنفعل إلى أن دق هاتفه برقم حسام السكرتير، فخرج من الغرفة ليجيبه، فوجده يستعلم عن مكان اوراق هامة، وما ان انتها مكالمته حتى عاد للغرفة، فتخشب محله حينما سمع جمال يهدر بانفعال شرس ليوسف الذي كان يحاول حثه على الحديث:
_آه يا يوسف طلقتها، مهو مش أنا الراجل اللي هيقف يسمع مراته وهي بتقارن بينه وبين راجل تاني بمنتهى البجاحة، ومش ندمان إني عملت ده فاهمني!!
ابتلع حديثه بصدمة، وبصعوبة هدر:
_راجل أيه اللي هتقارنه بيك هي تعرف مين أصلا عشان تعمل كده، على حد علمي أنكم مالكوش علاقة ولا خلطة بحد غيرنا يبقى آآ...
توقف عن الحديث وازداد اتساع مُقلتيه، حينما عقد مقارنة سريعة بين من يمكن أن ينال اعجاب زوجة رفيقه في محيط الاقربون منهم، فاجبر لسانه الثقيل على سؤاله:
_عُمران!!!!
صمت جمال وتعابيره الهادرة أكدت ظنون يوسف، فجذبه يقف قبالته وهو يصيح بغضب:
_انطق يا جمال إنت تقصد عُمران!!!
أزاح يديه من حول عنقه، فتابع يوسف باستنكار:
_جمال ده عُمران إنت فااااهم، يعني مش هسمحلكم تخسروا بعض عشان كلام أهبل طلع من مراتك!
أوقفه عند حده حينما قال:
_إنت بتخرف يا يوسف، أنا مش مغلط عُمران في شيء لانه ببساطة معملش حاجة، الغلط من عندها هي فمستحيل أشيله ليه هو ذنبه أيه أصلًا!
أغلق عُمران عينيه بحزن، وقبل أن يدخل طرق الباب وجاهد ليبدو طبيعيًا وهو يخبرهما بايجازٍ شديد:
_أنا لازم أنزل الشركة، حسام مقدرش يخلص معاهم.
وغادر دون أن يضيف كلمة واحدة، وحديثهما مازال يتردد إليه كالسوط، فما أبشع أن يكون سبب لهدم منزل لا يقبل بهدمه أبدًا، ولكن هو لم يفعل أي شيء!
********
إلتاع قلبها من فراقه، الأيام تمضي دونه كتسرب الموت لشخصٍ مقت الحياة وتمنى الرحيل، بداخلها ألمًا ينهشها كالوحش المفترس، عاجزة هي عن الصراخ حتى مقاومتها خسرتها بجدارةٍ.
لم يحتسب لها بتلك الأيام الا يقينها بأن "آيوب" لم يكن لها شخصًا عاديًا، لم يكن ذلك العدو الذي تجرأ على قتل أخيها وتركها تشتعل لوعة قتله.
الآن وبتلك اللحظة تتيقن بأنه قد غزى قلبها بجيوشه وأباد حركة مقاومتها ليصبح المسيطر الوحيد على ملكيتها، أجل أحبته بل عشقته لدرجةٍ جعلتها تندم لفعلتها بعدما تركها أيامًا معدودة دون سؤالًا عابرًا عنها، تتذكر كل مرة أتى إليها "إيثان" وحينما تتساءل عنه يجيبها بأكثر من حجة تجاهد لاقناعها بأنه منشغلًا وسيأتي قريبًا، باتت على يقينٍ بأنه لم يكن هدفه بقربها الا حمايتها فحسب، ترى اختلاف ديانتها وشكلها هو السبب لافتراقه عنها؟ ولكنها أعتنقت الدين الاسلامي بشهادة منه ومن صديقه "عُمران"، حتى حُلمها برؤية الشيخ " مهران" تحطم بوجودها هنا بمفردها.
أغلقت باب شرفتها بعدما فترة من شرودها، حاسمة أمرها بالرحيل، هي ليست بحاجة لشفقته فيتحمل أمر إطعامها وتوفير سكنًا لها، ففتحت باب الشقة وهبطت للحارة الشعبية تدقق بطريق العودة.
كانت تائهة، حائرة، تراقب الزحام والأعين التي تترابصها كأنها من كوكب غير البشر، فتفحصت ثيابها، تنورتها البيضاء التي تصل لركبتها، قميصها الوردي ذات الحبال القصيرة والمعقود عند منتصف بطنها في حين أن من حولها من النساء يرتدون جلباب أسود فضفاض.
اختنقت من نظراتهن، فأسرعت بخطواتها وغايتها الوحيدة الفرار، حتى توقفت بمنتصف احدى الشوارع، تتفحص الزحام والمارة بأعين تسلل لهل الرعب والتيهة.
مررت يدها بين خصلات شعرها الذهبي، ودموعها تهبط دون ارادة منها، وكأنها كانت مغيبة وإستفاقت هنا عند تلك النقطة، كيف تمكنت من اتخاذ قرارًا أحمقًا كذلك؟ هي هنا بمفردها حتى العملة المصرية لا تمتلكها، لا تمتلك حتى هاتف ولا أي شيء قد يساعدها وإن وجد بمن ستطلب العون!
تراجعت خطواتها للخلف بذعرٍ، حتى جلست على أحد (المصاطب) لأقرب منزل قابلها، تضم ذراعيها المكشوفة ببكاءٍ منهمر، مالت برأسها عليه وهمست بصوتٍ بُحت نبرته:
_آيوب أين أنت؟
وكأنه علق بين زمانه وزمانها، فهالتها رؤيته، انتفضت عن جلستها تدقق بعينيها الفاتنة من يقف على بعدٍ منها، شوقها إليه ولهفتها جعلتها كفيفة عن رؤية مجموعة الرجال المحاطة به، فاندفعت راكضة إليه بكل سرعتها التي لا تتناسب مع حذائها البوت الكلاسيكي ذو الكعب المرتفع، كل ما تراه هو فحسب!!
وعلى مسافة منها فور انتهاء صلاة العصر، وقف "آيوب" برفقة والده الشيخ "مهران" و"يونس" يستقبلون التهاني والمباركات الحارة بعودة أبناء الشيخ مهران، مؤكدون ليونس بأن لا أحدًا منهم صدق تلك الاقاويل المتدنية بحقه، وللحق شُفيت جزء من أوجاعه لسماع مدحهم بأخلاقه التي ظنها تلوثت بعد دخوله المعتقل، وفجأة ومن بين الحديث المتبادل فيما بينهم اندفعت تلك الفتاة الأجنبية بملابسها الفاضحة لأحضان ابن شيخ حارتهم تحتضنه بقوةٍ، وصدمة تتسرب لجميع الواقفين من حُصل اللغة الانجليزية:
_أين ذهبت وتركتني؟ لقد أفتقدتك كثيرًا آيوب!
جحظت أعين الشيخ "مهران" بصدمة ولحق به "يونس" المتقن للغتها، بينما آيوب مازالت ذراعيه متشنجة والبرودة تتسلل لأعماقه رويدًا رويدًا، لا ترى فيروزته الا الجحيم المستعار بآعين أبيه.... الشيخ مهران!!!!
رواية صرخات انثى الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم ايه محمد رفعت
تصاعد الأنفاس هو المسموع بين دائرة الصمت المغلفة بالأطرف، ما بين وجوه غاضبة، وأخرى مندهشة ومصعوقة مما يحدث، وأخرى ساخطة على ابن الشيخ الأزهري الذي حط من أخلاقه فور سفره للالتحاق بالجامعة الأوروبية، فاختلط بنسائها وبما يلقبن وسط حارته “الكاسيات العاريات!!!”
لم يكن حال آيوب يفترق عنهم، لم يتوقع أن يراها هنا، والادهى أن تقترب منه على مرأى الجميع، لم تفعلها وهما بمفردهما وحينما اختارت فعلها اختارت وقتًا ومكانًا بصميم فتيل القنبلة.
ابتلع ريقه بتوترٍ وهو يراقب صمت أبيه وغضبه المستعار، بينما مازالت آديرا تتمسك بذراعه وتوزع نظراتها بين الجميع بخوفٍ.
كان إيثان أول من تدارك الموقف، فقال بمزحٍ متعمد:
_الخواجاية دي بينها تايهة وبتشبه على آيوب.
وأقترب منها يسحبها عن آيوب وهو يردد بهمس منخفض لها:
_إن أرادتي أن ينجو آيوب بحياته فلتتبعيني الآن، والأ سيقتلونه!
جحظت عينيها صدمة، بينما تنحنح إيثان رافعًا صوته ليسمعه الجميع:
_مش بقولكم تايهه.
واستطرد وهو يشير لها،ناطقًا بالعربية رغم علمه بأنها لن تفهمه:
_تعالي معايا وأنا أدلك على الموقف ومنه تقدري تروحي للمكان اللي إنتي عايزاه.
خطفت آديرا نظرة سريعة لآيوب، ولحقت بإيثان بعدما صدقت ما قال فور رؤيتها نظراتهم الغاضبة تجاهه، فما أن اختفى بها إيثان حتى قال العم صالح بضحكة:
_أنا قولت كده بردو، مهو مش معقول آيوب ابن الشيخ مهران يعرف الاشكال دي.
قال أحدًا من الجيرانٍ:
_الحمد لله إن الواد إيثان بيعرف يرطم انجليزي أهو يساعدها.
وأضاف أخر:
_آيوب شاب ملتزم وعمره ما رفع عينه في عين واحدة، فمش معقول هيعرف الاشكال دي، مجرد خروجها من البيت باللبس العريان ده شبهة، ربنا يحفظ بناتنا.
حجر غضبه داخله، فبالنهاية له كل الحق، والصادم له أنه ولأول مرة يرآها ترتدي ثيابًا فاضحة لتلك الدرجة حتى وإن كانت ترتدي فساتين وتنورات قصيرة.
جذب يونس كف آيوب بحدةٍ، وعينيه تخبره بأنه لا يصدق تلك الكذبة التي ألقاها صديقه، ربما مرت على عقول هؤلاء البساط ممن يجهلون ترجمة لغتها، بينما هو كان يعلم كل كلمة، فأشار له:
_بينا على البيت يا آيوب أنا عايز أرتاح.
تحرك به للمنزل والشيخ مهران يتبعهما بغموضٍ لا يفصح عما بداخله شيئًا، فما أن ولجوا لمدخل المنزل حتى وجدوا إيثان جالسًا على أحد الآرائك وتلك الأجنبية لجواره، هاتفًا بقلة حيلة:
_حاولت أرجعها الشقة بس رفضت وصممت تشوفك، اتصرف قبل ما الشيخ مهران يرجع!
_يعني إنت كنت عارف بالعلاقة المشرفة اللي رابطة ابني المتدين بالبنت دي!!
قالها الشيخ مهران باستهزاءٍ على لفظ “متدين” لابنه الذي خابت كل آماله به، كان مازال يقف على عابة البوابة الحديدية يراقبهم بنظراتٍ خاوية من الحياة، وكأنه بعد أعوام من تعب وكد خسر كل شيء زرعه داخله، وللعجب مازال متماسكًا أو يحاول التصنع بذلك.
مر من أمامهم واتجه للدرج قائلًا بصرامة دون أن يلتفت إليهم:
_هات الخواجاية دي وحصلني على فوق يابن الشيخ مهران!
ملأ الذعر حدقتيه، فقد حان الوقت ليكتشف أبيه ما أخفاه، تمسكت آديرا بيد آيوب وقالت باكية:
_آيوب هيا لنخرج من هنا، أنا خائفة من ذلك الرجل!
خوفها هالها لمجرد رؤية لحيته البيضاء الطويلة، جلبابه الابيض، كل شيءٍ يتقارن مع تلك الصورة المزروعة داخلها عن الارهاب.
ربما لم يتطابق آيوب لتلك الصورة المرسومة داخلها فاستعابت أخيرًا بأنه ليس كذلك، ولكنها ما أن دققت النظر بالشيخ مهران حتى هاجمها هواجس مريضة، تهدد ثباتها.
تحرر آيوب عن رزانته، فقبض على معصمها وجذبها للحائط بقوةٍ، وبعصبية بالغة صرخ:
_كيف تجرؤين على الخروج من المنزل! وبتلك الثياب الفاضحة!!! أخبريني هيا!!
واسترسل بنفس الغضب:
_ألم أحذرك من مغادرة المكان!! ثم بالله كيف تسمحين لنفسك بالاقتراب مني لهذا الحد!!
وباستنكارٍ أضاف:
_أجن عقلك يا امرأة!! إنتِ لستِ بلندن حتى تفعلين تلك التصرفات المخزية، أعدك بأنني لن أمرر ما فعلته آديرا.
كسر يونس صمته بعدما كان يتابع ما يحدث بغيظٍ، فجذبه إليه وهو يصيح بصدمة أثقلت لسانه فور سماع اسمها:
_آديرا!!!! يهودية؟!!!!!
وجذب قميصه بكلتا يديه ليدفعه تجاه الدرج:
_إنت ليك عين تقف وتتخانق معاها، إنت مش متخيل الكارثة اللي إنت فيها مع الشيخ مهران، أيه اللي حصلك يا آيوب لا عمرك كان ليك في الستات ولا في أي شيء يغضب ربنا.
وبصراخٍ عنيف قال:
_مين دي يابن الشيخ مهران؟؟
وبسخرية استطرد:
_ يا متدين يا خالوق!!!!!
حل يديه عن ثيابه وقال:
_مراتي يا يونس!
جحظت فيروزته بصدمة جعلته يرتد للخلف، ولسانه يهدر دون انتباه لما يتفوه به:
_مراتك ازاي!!! يا نهار أسود اتجوزت يهوديه يا آيوب!!!!!!
كاد بأن يشرح له ولكن صوت والده الرعدي أتى من الأعلى ينادي بغضب لم يشهده آيوب يومًا:
_آيـــــــــــــوب!
تجمد محله بخوف، فأخذ يوزع نظراته بين ايثان ويونس، وانتقل لآديرا التي تفرك معصمها ببكاءٍ وصدمة من قسوة تعامل آيوب الغريب معها.
آيوب ابن الشيخ مهران، ابن هذة الحارة البسيطة يخترق القوانين بزواجه من أجنبية يهودية الجنسية، وبالرغم من أن قلبه مازال موصود بقفل من فولاذ، لم تتمكن بثيابها وجمالها المُفتتن من غزو قلبه الأ أنه بالنهاية رجلًا يتسم بالمروءة والغيرة على نساء منزله، وهي الآن تُنتسب إليه، لا يرضى لأحد أن يرأها بهيئتها تلك حتى وإن كان أخيه وأبيه.
نزع عنه قميصه الأسود وهبط الدرج إليها يحيطها به عن أعينهما، والاثنين يتابعونه بدهشةٍ، ارتدت آديرا القميص وعاونها ذلك آيوب، بينما عينيه المحتقنة تجوب ساقيها البادية من أسفل قميصه الذي كان طوله يصل لبعد تنورتها الفاضحة.
أحاط كتفيها ليمر بها من أمام إيثان ويونس الذي يستند كلا منهما على درابزين الدرج الرئيسي بصدمة وذهول.
صعد بها لشقتهما، وانتهت خطواته بالردهة وبالتحديد قبالة أبيه الماسد على الأريكة يستند برأسه على عصاه السوداء، وما ان وجده أمامه حتى رفع رأسه إليه، فتمكن من رؤية لون الدماء العالق بأعين أبيه فتيقن بأنه بأبشع حالات غضبه، وما زاده غضبًا رؤيته له يقف أمامه بملابسه العلوية الداخلية (فالنَّة أو فانلة، نوع من الملابس التحتيّة تتّخذ من القطن أو الصوف الناعم، وهو ألوان متعدّدة أشهرها …) .
صوب بصره الصقري لمن تختبئ خلفه، متخفية بقميص ابنه الشبيه بالجلباب القصير عليها لفرق الأحجام بينهما، وما زاد سخطه يدها المتمسكة بذراعه والاخرى تتشبث بظهره، فابتسم ساخطًا:
_لا عندك مروءة أوي!
ونهض يقابله وجهًا لوجه، فانسحب ابنه من لقاء عينيه وأخفض بصره بحرجٍ، فصاح الشيخ ساخرًا:
_أيه مش قادر تبصلي! ولا محروج إنك اتفضحت وبان اللي كنت بتخبيه عني وعن أهل الحارة!
واستطرد بصراخ صعد لاجله إيثان ويونس:
_كنت بتدعي المثالية وإنك شاب ملتزم وإنت مقضيها مع الخواجات في بلد بره يابن الشيخ مهران!! ويا بجاحتك يا أخي راجعلي بيها!
أتجه يونس إليه، فأمسك كفه وهو يرجوه:
_عمي من فضلك اهدى وخلينا نتكلم بهدوء.
مال إليه وازداد عنفونه:
_اهدى أيه يا يونس ابني جابلي العار ووطي راسي!!
خرجت الحاجة رقية من غرفتها تحكم حجابها حول رقبته وتردد بذعرٍ:
_في أيه يا شيخ مهران؟ بتزعق كدليه؟
وجابت بصرها تلك الفتاة الغريبة التي تتحامى بابنها، فاذبهلت وبصعوبة نقلت إليه نظراتها، متسائلة:
_مين دي يا آيوب؟
أغلق عينيه بحزنٍ، أخر ما توقعه حدوث كل ذلك، كان سيحدثهما عن كل شيءٍ حينما تأتيه فرصة مناسبة، ولكنه منذ أن عاد من سفره، وما حدث لخديجة وخروج يونس أنساه كل شيءٍ.
استدار إليها الشيخ مهران وأشار بسخرية مؤلمة:
_تعالي يا حاجة شوفي ابنك المحترم، خارجين من صلاة العصر فجأة نلاقي الخواجاية دي بتحضن فيه ودلوقتي زي مانتي شايفة واقفه وماسكة ايده والله أعلم في أيه تاني ما بينهم!!
تحررت آديرا عن صمتها حينما نغزت كتف آيوب، وببكاءٍ قالت له:
_من ذلك الأرهابي آيوب؟ هل يتحدث عن قتلي؟ فلنرحل من هنا أنا خائفة!
صُدم آيوب مما قالته، فجز على أسنانه يحاول احتمال كل ما يحدث برمته، بينما هدر الشيخ بانفعال:
_بتقول أيه دي يا إيثان! ترجملي!
ازدرد ريقه الهادر وردد بتلعثم:
_آآ… بتقول آنها.. آآ…
_أيه بلعت لسانك! انطق وقول بتقول أيه؟
أسرع يونس بالاجابة:
_عايزة تمشي من هنا يا عمي.
عاد يتطلع لابنه وقد خرج عن ثبات ليس موجود به:
_ويا ترى بقى ابني المحترم واخدلها شقة ولا أوضة في فندق؟! وبتشوفها امته وازاي!
واستطرد ببسمة حملت الألم بين طياتها:
_واليوم اللي كنت فيه مع آدهم كنت معاه فعلًا ولا كنت بتكدب عليا يابن الشيخ مهران.
مزق جلباب صمته المعتم، وبحشرجة ذبحت حلقه قال:
_كنت مع آدهم يا بابا أنا عمري ما كدبت عليك وحضرتك عارف إن ده مش طبعي وآ..
_اخرس!! متتكلمش عن اللي انا أعرفه، لإن اللي قدامي ده مش ابني واحد غريب لأول مرة أعرفه.
واسترسل بحدة هادرة:
_ودلوقتي حالًا ترد وتقولي مين دي؟! وتعرفها أمته وازاي؟
رفع عينيه الدامعة لأبيه واستعد لمواجهة عاصفته، فأشار له يونس يحذره من قول الحقيقة، ولكنه لم يعتاد الكذب على أبيه فقال:
_مراتي يا بابا.
لطمت رقية صدرها بصدمة، وصرخت ببكاء:
_ليه كده يا آيوب!! حرام عليك يابني تعمل فينا كده حرام عليك!
توترت الأجواء الا من صوت أنفاس مهران المتصاعدة، وفجأة شقت صفعته على وجه آيوب أرض السكون، فتغلب الأوجه صدمة وحزن لما اضطر الشيخ مهران بفعله لمرته الاولى.
وبنفس قوة صموده قال:
_مراتك ديانتها أيه يابن الشيخ مهران؟
ارتعب يونس وعاد يهز رأسه لأيوب برجاء وتوسل الا يخبر أباه شيئًا عنها أو حتى يلفظ إسمها العبري أمامه.
انهمرت دمعة ساخنة على وجه آيوب الذي مازال وجهه مستكين للأيسر استجابة للضربة التي تلاقاها من والده الحبيب، وبصعوبة ردد:
_كانت يهودية بس أسلمـ…
طالته صفعة على خده الأخر جعلته توقف عن نطق جملة لا يريد الشيخ سماعها، وجُل ما يطارده اضطرارها للالتحاق بدينه لأجل الزواج منه وخداعه، فآن كانت أسلمت لما كان سمح لها آيوب بما ترتديه.
شعر بأنه خسر عكازه القوي، فتحرك للأريكة يحتلها بكل ثقل جسده، ويونس يحاول أن يسانده ولكنه يرفض ذلك، يختطف النظرات المنصدمة إلى ابنه وعقله رافض ولديه اعتراض لما يحاول قبوله.
أجبر لسانه الثقيل على نطق حروفٍ رغم بطئها الا أنها كانت قوية كالسواط:
_خدها وامشي من هنا، وأوعى توريني وشك تاني.
ازدادت شهقات رقية، وإتجهت لرقية تصرخ بانهيار:
_أيه اللي بتقوله ده يا حاج، عايز تطرد ابنك الوحيد!! عايز تفرقني عن ضنايا يا حاج.
ساند يونس حديث زوجة عمه وقال:
_يا عمي الامور متتخدش كده، اديله فرصة يشرحلك، إسمع منه وبعد كده آحكم مش ده علام حضرتك لينا، من فضلك اسمعه وبلاش تطرده من هنا.
رفع مهران عينيه الغائرتين بالدمع لابن أخيه المنحني إليه، فرفع كفه يحيط خده بحنانٍ وقال:
_بالرغم من كل اللي إنت اتعرضتله ألا انك ما غضبتش ربنا في أي تصرف ليك يا يونس، لسه بتحاول تقاوم كل الظلم اللي اتعرضتله، بتثبتلي كل مرة إنك تربيتي.. تربية الشيخ مهران.
وأشار باصبعه على آيوب، مستكملًا:
_أما ده فانا معرفهوش يابني، مينفعش الغريب يفضل في بيتي ويجرح حُرمته..
ونهض يتجه لغرفته قائلًا بحزمٍ:
_مشيه يا يونس وأنتِ يا حاجة عايزة تقفي معاه ومع غلطه حصليه.
وتركهم وولج لغرفته، فوقفت الحاجة رقية عاجزة، باكية، يؤلمها قلبها وينشطر نصفين، ما بين زوجها وابنها.
منحت آيوب نظرة أخيرة وقالت قبل أن تتبعه:
_ربنا يسامحك يابني.. ربنا يسامحك!
غادرت وتبقى برفقة إيثان ويونس الذي وقف قبالته وبحزنٍ شديد قال:
_عملت في نفسك كدليه يا آيوب؟ خدعتك لندن وبناتها اللي اغلبهم متبرجات!! ده إنت ألف واحدة تتمناك ليه؟!
وتابع وهو يتطلع بغضب لمن تتمسك به من الخلف:
_طيب حتى كنت سبتها هناك ومجبتهاش هنا لأبوك وأمك المساكين اللي ملهمش غير سمعتهم، يا أخي ده على رأي المثل إذا ابتليتم فاستتروا!
أغلق حدقتيه فتحررت دموعه على خديه، ترك الردهة لهم واتجه لغرفته، وبعد قليل عاد بحقيبة صغيرة وبيده تيشرت ارتداه فوق ملابسه، وتحرك يجذب آديرا ويخرج بها.
تهدل جسد يونس مشيرًا لايثان بتعبٍ تغلب عليه:
_روح وراه يا إيثان، شوفه هيروح فين!
هز رأسه بتفهمٍ ولحق به للأسفل، بينما استرخى يونس برأسه على الاريكة من خلفه، إلى ان لفت انتباهه صرير باب الغرفة التي كانت تخص عمه وزوجته قبل ان يقطنان بالغرفة الثالثة للمنزل، ليجد فارس الصغير يطل من خلف الباب وهو يفرك عينيه بنومٍ، وما أن رآه حتى هرول إليه مبتسمًا وهو يتمتم:
_عمو يونس!
تلقفه يونس بين ذراعيه وعلى وجهه ابتسامة جذابة!
******
صعد للطابق الثالث، قاصدًا الصالة الرياضية التي خصصها له عمه، نارعًا جاكيت بذلته الثمينة، ومن خلفها جرفاته.
شعوره بالاختناق جعله يمزق أزرار قميصه الأبيض غير محتمل لبطء ازالته عن جسده، واتجه على الفور لجهاز الركض، فعله عُمران على أقصى سرعته وكأنه ينتقم من نفسه على ما استمع إليه.
ركض بسرعةٍ مفرطة جعلت أنفاسه تتهاوى كالسباق الأذلي، العرق يحتشد على صدره ورقبته بشكلٍ كبير، وكلما عاد له ما استمع إليه زاد من قوة ركضه، إلى أن انتهى بعد دقائق وإتجه يضع أوزان ثقيلة بالحاملة المعدنية، يرفعهما بساقيه وجسده ينخفض خلفها.
انتظرته مايا كثيرًا بعد أن أبلغتها الخادمة بعودته منذ ساعة ونصف، فاستلت مئزر طويل، ارتدته وخرجت تستند على الحائط حتى وصلت للصالة.
وجدته يلعب تمارين الضغط بأقسى مرحلة، فمالت على الحائط ويدها تسند رأسها الذي يدور، وبصوتٍ هزيل نادته:
_عُمران!
شروده وتركيزه بخطوات تمرينه جعل صوتها الخافت لا يتردد إليه، فرفعت مايا صوتها وهي تحتمل بيدها الاخرى على الجهاز الرياضي القريب منها:
_عُمـــــــــــــران!!
انتفض بمحله، مستديرًا تجاه الصوت، فما ان رآها منحية بجسدها والارهاق والتعب يغزو ملامحها حتى هرع إليها، يمسك ذراعيها حتى دون أن يقربها إليه خشية أن يبللها عرقه، ومن بين أنفاسه العالية ردد:
_أيه اللي طلعك هنا وانتِ تعبانه يا مايا؟
أجابته بغيظٍ:
_بستناك من ساعة ما جيت.. إنت بتعمل أيه هنا مش عادت تطلع الصالة بليل؟!
انساه الحزن والضيق أمرها، فصعد إلى هنا حتى لا يثير فضول أحدٌ، أجلى أحباله الصوتية:
_مفيش أنا هنشغل بالمشروع ومش هلاقي وقت ألعب رياضة فقولت أعوضها من دلوقتي.
مالت برأسها على الجهاز وهي تهمس بتعبٍ:
_اسندني يا عُمران أنا دايخة أوي!
أحاط رأسها مرددًا بسخرية مضحكة:
_يعني قرفتي مني وأنا حاططلك برفيوم براند، ما بالك لو ضميتك ليا بعرقي ده مش بعيد نتقابل في محكمة الأسرة عشان أشوف ابني يا بيبي!
ضحكت رغمًا عنها، وتغاضت عما قال حينما اقتربت تسند برأسها على كتفه، هامسة له:
_عمر ما ريحتك كانت مقرفة يا عُمران!
رفع إحد حاجبيه بسخرية:
_إنتِ بتحاولي تغريني وإنتِ بحالتك دي يا بيبي!
ابتسمت وهزت رأسها تنفي:
_أنا بعوض ثقتك المهدورة في نفسك يا حبيبي.
ضحك بصوته الرجولي العميق، وقال وهو يحيطها بحبٍ:
_حبيب قلب جوزه اللي رافع من معنوياته يا ناااس، بس أنا بقول يا مايا بلاش أبقى تقيل عليكي وأشوف صاروخ ألماني أتجوزه يدلعني أقصد يخدمني.
لكزته بقوةٍ وقالت بارهاق:
_أنا تعبانه وانت بتفكر تلعب بديلك ازاي، صنف الرجالة واحد على رأي طنط أشرقت.
برق بذهول:
_شوسوو!! شوفتيها أمته؟
ردت عليه وهي تلقي بثقل جسدها الهزيل عليه:
_بتكلمني على موبيل صبا على طول.
فور ذكرها لاسمها تسلل له الحزن تدريجيًا، فأحاطها وأسندها لأريكة ضخمة، عاونها على الجلوس والتقط المنشفة النظيفة، ينظف وجهها ومن ثم اختفى من أمامها وعاد يرتدي ثيابًا منزلية مريحة بعد أن انتهى من الاستحمام بسرعة.
انحنى على ساقيه أمامها، يمسد بحنان على كفيها الموضوعان على ساقيها، فانتبهت مايا إليه، قبل كفيها وقال:
_ألف سلامة عليكي من التعب يا حبيب قلبي، هننزل حالًا وهخلي الدكتورة زينب تعلق ليكي المحلول اللي كتبه يوسف.
تنهدت بحزنٍ:
_محلول تاني يا عمران.
_مضطرين يا حبيب قلبه!
ونهض يحملها لغرفتهما، وضعها على الفراش، ثم إتجه لغرفة فاطيما يخبرها أن تبلغ زينب بأن تصعد إلى مايا لمساعدتها بتركيب المحلول الطبي.
*******
مضت الساعات ومازال كما هو منذ دلوفهم لشقة إيثان لم يخاطبها حتى، إتجه لاحد الغرف وأغلقها عليه تاركها بالخارج عقلها مخبط فيما فعله هذا الرجل المسن به وللعجب أن آيوب كان صامتًا ومستسلمًا تمامًا، لم يخاطبها بأي كلمة وكأنما يود الاختلاء بذاته.
حاولت آديرا النوم أكثر من مرةٍ، ولكنها فشلت، فاتجهت لغرفته تطرق بابها عدة مرات، حتى وجدته يقف قبالتها ويطالعه بغضبٍ أخافها منه لمرتها الاولى، وخاصة حينما صرخ بوجهها:
_ماذا تريدين؟ ألا يكفيكِ ما فعلته بي؟!
وخز قلبها ألمًا، فابتلعت ريقها المرير وتساءلت:
_ماذا فعلت آيوب؟
ضحك مستهزءًا:
_ماذا فعلتي!! بربك يا فتاة لم تتركي شيئًا الا وفعلتيه!
وتابع وهو يصبح بوجهها كالمدفع بعدما تفحص ما ترتديه:
_أمازلتي بثيابك الفاضحة تلك! ثم بالله ألم أحذركِ من الخروج إلى أين كنتِ تذهبين؟ هيا أخبريني!
انهمرت بالبكاء قبالته وقالت بقهرٍ:
_كنت سأرحل من هنا، أنا لست متسولة لتعطف علي بالطعام، وتتركني هنا كالجرو الذي تعتني بتربيته، طلبت من صديقك المخيف ذلك أن يخبرك بأنني أريد رؤيتك ولكنك لم تأتي آيوب، كنت هنا بمفردي في دولة غير دولتي وأناسًا لا أعرفهم ولكني كنت مستعدة للعيش هنا ولكن إن كنت أنت معي.
وتمسكت بالتيشرت الخاص به تتمسح كالقطة الصغيرة:
_أخبرني آيوب لماذا تركتني؟
اندهش مما استمع إليه، ولكن ما تفعله الآن يزيد من صدمته، بدأت تتقرب منه بشكلٍ لم يعتاده منها ولا من أي انثى، كانت تطالبه بشكل صريح، زُهق عقله وشُل حينما همست إليه:
_أنا أأ… أحبك آيوب!
تسلل النفور لأوردته وملأها لأخرها، فلم يشعر بذاته، عقله قد لُغي وكل ما يراه معصية، ذنبًا كبير، شيطان يصطحبه لجهنم، تناسى انها حتى زوجته، وإن كان لا يتقبلها او لا يكن لها حب أو مشاعر!!
غمس أصابعه بين خصلات شعرها الأصفر وجذبها للخلف بعنفٍ كاد باسقاطها أرضًا، وعصبيته تتفرد بصوته القابض:
_ما الذي تفعلينه بحق الله!! ألا يكفيكِ ما فعلتيه بيني وبين أبي؟
رددت بدهشة:
_هل كان هذا الإرهابي أبيك؟
كور يده بعنفٍ حتى لا يصفعها، فألقاها أرضًا أسفل قدميه وصرخ بانفعال:
_أبي ليس إرهابيًا، فكري مرتين قبل التفوه بأي لفظًا أحمقًا.
تساقطت دموعها تباعًا وهي تراقبه يجوب الطرقة ذهابًا وإيابًا ليحارب اعترافها بحبه، إذًا الأمور تخرج عن السيطرة وخاصة بما تجرأت بفعله منذ قليل.
توقف قبالتها فجأة وقال:
_اسمعي من المستحيل أن يكون بيننا شيئًا، لقد انتهت مهمتي، أنقذت حياتك من عمك وبذلك أكون قد وفيت بوعدي لأخيكِ.
وشدد على كل حرفٍ يخرج منه:
_إليكِ ما سيحدث الإن، ستعيشين هنا بضعة أشهر إلى أن أتدبر لكِ عملًا وسكنًا بلندن وحينها سأنفصل عنكِ وسينتهي كل ذلك.
وأشار لباب غرفته بتحذيرٍ قاطع:
_لا تطرق بابي مجددًا سمعتي!!!
وتركها وولج للداخل يغلق الباب من خلفه، تراجعت آديرا للخلف مستندة على الحائط، تضم ذاتها المبعثرة بيدها، ودموعها تنهمر دون توقف.
كانت تظن أنه الوحيد الذي تمتلكه في هذا العالم، لم يعد لها أي شخصًا سواه، وها هو الآن يخبرها بأنه سيرحل هو الأخر عنها، ظنت بأنه سيعبر بها لطريق دينه، وحينما تصبح ما يريد سيبادلها حبها، فهو على الأقل يعاملها برفق ولين.
نصف ساعة قضتها أمام باب غرفته، تجلس أرضًا وتطلق كل دموعها، كأن زمانها توقف وانتهى هنا، لم يبقى لها شيئًا لتظل بهذا المكان، كان يلقي عليها بأنها السبب وراء غضب أبيه وخراب حياته حتى دون نطقها صريحة لذا كما قال لقد فعل معها ما وُكل به حينما قام بحمايتها لذا عليها أن تنسحب من حياته دون أن تغرقه بمشاكله بسببها.
نهضت آديرا تزيح دموعها ببطء، نزعت عنها قميصه ووضعته على مقبض باب غرفته، ثم فتحت باب الشقة بهدوءٍ حتى لا يستمع له، وأطلقت العنان لساقيها غير عابئة بأنهم الآن بعد منتصف الليل!
*********
خارج الحارة، وخاصة بالقرب من النيل، كان يجلس يُونس ولجواره إيثان، يقص له قصة زواج آيوب بآديرا، كل ما أخبره به آيوب سابقًا قص له، فتطلع له بدهشةٍ وقال:
_وليه مقولتليش يا إيثان، جاي دلوقتي وتحكيلي!!
أجابه ساخرًا:
_على أساس إنك خارج من خمسين سنة، يابا إرحمني إحنا كلنا جوانا أسرار محتاجين نخرجها ليك بس الصبر إنت لسه طالع وواكل المر فمش هنشربهولك احنا.
دفعه من جواره بغضب:
_تصدق إنك حقير.. قوم خلينا نروح الساعة بقت داخلة على ١ واحنا قاعدين القعدة دي، وبكره إن شاء الله هروح لآيوب وأخده ونروح لعمي، أكيد هيهدى لما يسمع اللي حكتهولي ده.
استقام بوقفته ينفض ثيابه من غبار الاريكة الأسمنتية، ولحق به في طريقهما للعودة.
*****
شعر بأنه تمادى بحديثه، لقد هانها وجرحها وهو الذي لم يعتاد على فعل ذلك، خرج آيوب من غرفته فوجدها تترك قميصه على بابه، فظن بأنها فعلت ذلك من شدة حزنها.
إتجه لغرفتها وطرق بابها مرتين دون أن يستمع سماحها بالدخول أو حتى صوتها، فقال بارتباكٍ وضيق:
_حسنًا آديرا لقد أخطئت لم يكن علي أن أحدثك بتلك الطريقة، أعتذر منكِ.
وعاد يطرق مجددًا:
_كنت غليظًا أعلم ذلك ولكني لم أكن مدركًا لما أتفوه به، اخرجي لنتحدث قليلًا.
وكأنه يخاطب ذاته، طرق مرة أخرى وقال يهددها:
_حسنًا أن لم تخرجي الآن سأغادر وأتركك وحيدة مجددًا.
السكون الغريب هذا جعله يرتاب مما ينتابه بتلك اللحظة، ففتح غرفته وولج يبحث عنها، صعق آيوب حينما لم يجدها، فخرج يبحث عنها بالشقة بأكملها وهو يصيح بفزعٍ:
_آديـــــــــــرااا.
انتهى به المطاف بمنتصف الردهة، مرر يده بين خصلات شعره بعنف وهو يهتف بتوتر:
_أكيد مشت بعد الكلام الغبي اللي قولته، ازاي بلبسها والوقت ده!!!
راكض آيوب للخارج، والهلع يجتاح به، يكاد أن يصيبه نوبة قلبية حادة، لا يريد تصديق بأنه فرط بأمانة صديقه بتلك السهولة، قدم لها الحماية في بلاد الغرب وأتى بها إلى هنا ليخسرها بتلك الطريقة!!!.
*******
وقتًا متأخرًا كذلك، ثيابًا عارية مثل التي ترتديها، شعرها الأصفر وملامحها الغربية جعلتها عرضة لمجموعة من شباب الحارة الفاسدون، من يقضون ليلهم يرتشفون المحرمات على ناصية الشوارع، وكأن الليل خُلق لمفاسدهم الدنيوية.
رأها أحدًا منهم فصاح بأصحاب السوء:
_ملي عينك يا تابلو المزة اللي جاية علينا دي!
نهض عن سطح سيارته المكشوفة، ينفث سيجاره بنهمٍ، فلعق شفتيه وهو يردد:
_شكلها حتة خواجاية، بس أيه جايبها الحارة هنا عندنا!
ضحك أحد منهم وقال وهو يهتز من فرط الخمر الذي ارتشفه:
_رزقنا وجالنا لحد هنا!
ألقى تابلو سيجارته وكان أول من اقترب منها، فمسك معصمها وقال:
_على فين العزم يا جميل؟
_Let me go.(دعني أذهب)
ضحك مستهزءًا، ومرر يده على بشرتها البيضاء:
_دي بترطم انجليزي يا زميل!
استند على، كتفه وتجرع ما بالزجاجة:
_مش قولتلك خواجاية!
ومرر بصره فوق جسدها بشهوةٍ وضيعة:
_بس أجمل من كده في الخواجات مشفتش، ما تيجي سكة يا مزة.
ودفعها بالقوة وهو يشير لمن يحتلوا السيارة من الخلف:
_انزل يالا منك له.
هبط الاثنين عن مقاعدهما، وحاول ذلك اللعين جذبها لسيارته فصرخت به:
_اتركنـــــــــــي!
دفعها بعنفوان بالمقعد الخلفي من السيارة، واعتلاها بالقوة وهي تصرخ وتركله بساقيها، تبكي بقهرٍ وقد تفنن هو بأن يذقيها كل مهانة قد تحصلها بلمساته المقززة فوق ما ترتديه، فأبعدت يده ومازالت تصرخ بجنون، فأمسك وجهها ورطمه بالسيارة مرتين متتاليتين، جعلت وجهها يلوثه الدماء، فخدش بشكلٍ عنيف.
*******
توقف عن المضي قدمًا، محاولًا الانصات لمصدر الصوت، فتوقف الأخر جواره متسائلًا باستغرابٍ:
_وقف ليه؟
رد عليه ومازال يتلصص لسماع أي شيء:
_في حد بيصوت!
ضحك رفيقه وطوفه بذراعه بمشاكسة:
_مين اللي هيصوت في الوقت ده يا يونس!
كاد أن يتبعه ولكنه تراجع هاتفًا باصرار:
_ده صريخ واحدة ست يا إيثان.
وتركه وهرول تجاه الشارع الجانبي، فلحق به إيثان حتى تواجد بمكان سيارة تابلو، فاتجه إليهم وقال:
_بتعملوا أيه؟!
كانت السيارة مكشوفة، فتمكن كلاهما من رؤية فتاة يحجب وجهها الدماء بشكلٍ جعلهما لا يتعرفان عليها.
أتى إليه أحد الشباب الأربعة وقال:
_امشي يا كابتن وخد معاك صاحبك، دي مصلحة وتلزمنا.
منحه إيثان نظرة مستحقرة، وأحاط يونس وهو يجذبه:
_يلا يا يونس.
رفض الانسياق من خلفه وقال وعينيه متعلقة بالفتاة الصامتة، رأسها يهتز يسارًا ويمينًا من أثر اصطدام رأسها:
_بس يا إيثان البنت دي شكلها مخطوف واللي بيعملوه ده غصب عنها.
ألقى عقب السيجار ودنى إليه يقول بوقاحة:
_اسم يابن الشيخ خد أخوك وامشي، دي واحدة شمال زرجنت بس عشان البقشيش مش مالي عينها، فخدت اللي فيه النصيب عشان متطمعش بعد كده.
أحاطه يونس بنظرة منفرة، وصاح بعصبية:
_وقذراتكم دي طايلة الحارة ليه!! مالكمش كاسر يعني!!
دار بجسده يسارًا ويمينًا من أثر الخمر:
_ما تبعد يا عم واحنا هنتحرك من الحارة الطاهرة، بس ميل في جنب.
فتحت آديرا عينيها فلمحتهما، تعرفت على إيثان من بينهما، فرددت بصوت شاحب ولكنه كان مسموع لهدوء أجواء الليل من حولهم:
_إيثان!
ضيق عينيه بدهشة، وفي لمح البصر كان بالجانب الأخر من السيارة، دقق بوجه الفتاة ورفع بصره المصعوق ليونس الذي يدرس تحركات الأربعة بتمعنٍ، ليفق على صوت إيثان:
_دي آديرا مرات آيوب يا يونس!!
احتقنت مُقلتيه وبرزت بشكلٍ مخيف، تفنن بلكمته لذلك الذي كاد بأن يعتلي مقعد السائق ليفر بالسيارة، بينما اشتبك إيثان مع الملق بتابلو، سحبه زحفًا خارج السيارة، وعلى الرغم من انه كان الزعيم بين اصدقائه لقوة بنيته وبلطجيته الدامية الا أن إيثان كان يبدد كل قواه، فإن تدرب القتال على يد أحدهم كان هو من قام بتدريب هذا الأحدهم الأبله.
جسده الضخم هاله ليسقطه أرضًا، ملقيًا جسده ليونس الذي فرغ من أشباه الرجال، فسقطوا أمامه سريعًا بسبب الخمور التي أضعفتهم أمامه، سدد يونس أغلب ركلاته بأسفل بطنه وهو يصرخ به:
_يا قذر يا زبالة نجست الحارة بأفعالك القذرة يا ****، بتتعدى على حريمنا في وسط مكانا يا******
أسرع إيثان للسيارة يتفحص تلك المستلقية على الأريكة بانهيارٍ تام، شملها بنظرة خاطفة فوجدها سليمة معافية الا من بعض الخدوش بوجهها ورقبتها، بحث من حوله عما يمكن تغطيتها به، فلمح يونس يرتدي جاكيت أسود فوق التيشرت الصيفي الذي يرتديه، فصاح له:
_يونس محتاج الجاكت بتاعك.
خلعه عنه وألقاه له، تنحى إيثان عن السيارة ومد يده للداخل حتى لا يجرح خصوصياتها قائلًا:
_ارتدي هذا آديرا.
جذبته منه ووضعته فوقها دون أن ترتديه، زحفت بضعف حتى خرجت أمامهما، فاستدار لها يونس وقال بغضب:
_ماذا تفعلين بالشارع بتلك الساعة المتأخرة؟ وأين آيوب!!!!
انسدلت دموعها ولم تجيب، تاركة دمائها تختلط مع دموعها باستسلامٍ قادها ان تستدير عنهما وتستكمل طريقها المتهدجة وكأنها على وشك أن تنال موتة رحيمة.
لحق بها يونس ومن بعده إيثان الذي قال:
_توقفي، إلى أين تذهبين طريق العودة ليس من هنا؟
واقترح عليها عساها تتوقف:
_انتظري سأتصل بآيوب.
وما أن أخرج هاتفه حتى جذبته من يده تخبره بصوتٍ اختفت بحته:
_لا أريده.. دعني وشأني.
وتركتهما ومضت قدمًا، فاعترض يونس طريقها غاضبًا:
_وإلى أين ستذهبين؟ هل تريدون ما حدث منذ قليل أن يتكرر معكِ مجددًا؟
ضمت جاكيته بخوف حينما ذكرها بما كان سيحدث معها، ورأسها ينفي بجنونٍ، فتابع:
_حسنًا لنذهب.
وجدت نفسها تعود خلفهما مجددًا، لقد تأكدت بعد تلك المدة أن كل شخص يعرف آيوب وسبق له رؤيته برفقته فهو آمينًا، حتى ذلك الشرس الذي كانت تهابه كان لطيفًا بالنهاية، وذلك الأيثان والرجل الاخر الذي كاد بضرب آيوب قبالتها هما نفسهما من دافعا عنها حتى الرمق الاخير.
توقفت حينما توقفا، فرفعت رأسها تحاه المبنى فإذا بهما عادا لنفس العمارة، تراجعت للخلف وهي تشير ببكاء:
_لا أريد العودة إلى هنا… لا أريد رؤيته مجددًا.
سألها يونس باستغراب:
_من تقصدين؟
_آديـــــــــــــــرااا
قالها آيوب الذي هرول إليهم، بعدما لف حول العمارة لمرته الثالثة على أمل أنها تحاول العودة، فما أن رآها حتى هرول إليهم، فصعق مما رآه، وجهها يغطيه الدماء وعينيها يصيبها كدمة زرقاء تغلق آحدهما، عينيه تتوزع بين وجهها وجاكت يونس المحاط بها، لا يعلم كيف استجمع قوته ليقترب منهم، فردد بارتباك:
_مين اللي عمل فيها كده؟
ما أصعب أن يصيب رجلًا بجرحٍ يمس عرضه وشرفه، وأكثر ما يقدر ذلك الذي نالته تلك النيران، يونس الذي قتل كل يوم لاجل ما فعلته به زوجته، فسارع بقوله:
_متقلقش يا آيوب محدش لمسها، أنا وإيثان كنا سهرانين ومعديين بالصدفة فسمعناها واتدخلنا بالوقت المناسب.
راقب وجهها بجمراتٍ مشتعلة، فتركها واتجه لابن عمه يسأله بثبات مخيف:
_مين اللي عمل فيها كده يا يونس؟؟
رد إيثان:
_ما خلاص يا آيوب ربناهم ومبقاش فيهم حتة سليمة عايز أيه تاني!!! ثم انك ازاي تسيبها تنزل في الوقت ده وأيه اللي مخليها مش عايزانا نكلمك ولا نجيبك هنا!!
أخفض عينيه أرضًا بحزنٍ عما كان السبب به، فرفع يونس يده يمسك كتفه الايسر وقال:
_أنا عرفت الحقيقة من إيثان وفخور بيك يابن عمي، كفايا إنك كنت السبب في قتل اليهودي ده، صدقني الشيخ مهران لما يعرف اللي عملته وإن في شخص مات وهو على الدين الاسلامي بفضل الله ثم فضلك هيفتخر بيه وهيحس باللي أنا حاسه، سيبه يهدى النهاردة بس وبكره هعدي عليك ونروح نتكلم معاه وتقوله كل حاجة.
هز رأسه ببسمةٍ رسمها بالكد، فوداعهما وغادروا، استدار آيوب لاديرا فوجدها مازالت تقف كما هي، عينيها أرضًا لا تكف عن البكاء.
اقترب منها وقال بحزن عميق لمسها:
_أعتذر عما تفوهت به، أخر ما أريده أن يطولك السوء!
وحينما لم يصدر عنها شيء، أمسك يدها وناداها:
_آديرا؟
سحبت كفها ودموعها تختزل داخل حدقتيها، فنغزت قلبه بوجعٍ بات كالشوكة العالقة بين ضلوعه، رفع ذراعه ووضعه حول كتفيها يحثها على الصعود، انصاعت إليه كالربوت المتحرك دون أي احساس.
صعد بها لغرفتها فتحركت للفراش وجلست بهدوء، أما هو فأسرع للمرحاض يبحث عن عُلبة الاسعافات الأولية.
عاد لها فوجدها تجلس كما هي، انحنى أمامها يزيح خصلاتها للخلف، وجذب المنشفة يمسح الدماء ليتمكن من رؤية أماكن اصابتها.
إلتاع قلبه وجعًا يفوق قوته، حينما وجد جروحًا ليست هيئنة شوهت وجهها بأكمله، غمس القطنة البيضاء المعقم ووضعه بجروحها، وللعجب لم تصرخ ألمًا، كانت متجمدة دون حراك، دموعها فقط من كانت مؤشر صريح بأنها على قيد الحياة.
انتهى من وضع اللاصقات الطبية على وجهها، وحينما انتهى نهض يجلس جوارها على الفراش، يتكئ بجسده العلوي للامام، واضعًا رأسها بين يديه، يحاول السيطرة على غضبه، يود لو ذهب الآن لمن فعلوا ذلك فينهش لحمهم أحياء.
استدار بجسده لها وناداها:
_آديرا.. أخبريني ما الذي حدث؟
أرغمها على التطلع إليه واسترسل:
_إلى متى ستخالفين حديثي! إن لم يكن يونس وإيثان هناك لكنتي الآن مقتولة آديرا!
ابتسمت بمرارة، ورددت:
_ليتهم فعلوها ربما كنت ستتخلص من مسؤوليتي التي فُرضت عليك.
وتابعت وهي تتمدد بالجاكيت على الوسادة بارهاق:
_لا تقلق، بامكانك اصطحابي غدًا لأبيك سأخبره بأنك تشفق علي ولا يربطك بي أي علاقة.
أدمعت عينيه تأثرًا، فجذبها لتجلس قبالته مجددًا، وقال وهو يدعي اتزانه:
_انهضي… اغتسلي وأبدلي ملابسك.
همست له بتعبٍ:
_اخرج من هنا… دعني وشأني.
وعادت تتمدد على الفراش مجددًا ودموعها تنهمر على الوسادة أمامه، اختبر العجز أمامها ولا يعلم ماذا يفعل ليطيب جرحًا كان هو السبب به.
وجد نفسه يزحف للفراش حتى بات جوارها، وبتردد مد يده ومررها على شعرها الطويل من خلفها، هامسًا لها:
_اهدئي، لقد مر وانتهى! إنتِ هنا الآن… لن يمسك أحدًا أبدًا طالما أنا على قيد الحياة، أعدك أنني لا أفترق عنكِ آديرا.
كانت بحاجة لسندٍ، لضمة حنونة، حتى وإن كان عمها وعدوها اللدود عرض عليها تلك الضمة ما كانت رفضتها قط.
تقلبت بالفراش، فباتت قبالته وبصعوبة رددت:
_هل يمكنك أن تحتضني؟
فرق ذراعيه وضمها إليه، فألقت على صدره وابل من دموعٍ أحرقته ونهشته كالذئب المفترس، لأول مرة يشعر بأنها رقيقة هاشة المشاعر، ظنها جامدة لا تتأثر بأي شيء.
ربت على خصلاتها وأخذ يردد القرآن الكريم بصوتٍ مسموع لها، مضت الدقائق وقد هدأت وصوته العذب يطربها، وحينما صدق وانتهى من التلاوة وجدها تعود بوجهها إليه وتقول:
_أعدك أنني لن أرتدي مثل تلك الثياب مجددًا، وإن رأيت الشيخ مهران أقسم بالله سأعتذر له عن وصفي له بالإرهابي وسأتوسل ليصفح عنك!
اتسعت ابتسامته حينما رددت نفس حلفانه بالله، فمرر يده على خصلاتها مجددًا وقال:
_ أنا أعلم بأنكِ من الداخل مختلفة عما أنتِ عليه، هناك بعض الاشياء التي لا تعلمين عنها شيئًا، إنتي لستِ آديرا، لست عبرنية.
وازاح جاكيت يونس عنها، ليصل للسلسال الموضوع خلف رقبتها، رفعه نصب أعينها قائلًا:
_ إنتِ سدن….سدن المسلمة!
******
عاد يونس لمنزله، كان بطريق الصعود للأعلى، فإذا بالباب يُفتح من أمامه ليطل عليه فارس، تعجب من أنه مازال مستيقظًا، فاتجه إليه وانحنى قبالته يمر بيده يين خصلاته البنية:
_أيه اللي مصحيك لحد دلوقتي! وخارج تتسحب كدليه يا شقي!
ابتسم فارس وقال:
_مكنش جايلي نوم وطلعت اتفرج على توم وجيري بره من ورا ماما، فسمعت صوتك طالع قولت أقولك تصبح على خير قبل ما تنام.
رفع إليه وطبع قبلات متفرقة على وجهه وهو يقول:
_هصبح على خير أجمل من الخير اللي دخل عليا، طيب قولي في أجمل من كده!
قهقه الصغير بصوتٍ صاخب، فأشار له يونس بتحذير مضحك:
_هوووش هووش الجيران هيعملولنا محضر ازعاج!
مال الصغير على كتفه وقال:
_ينفع تاخدني معاك فوق أنا مش جايلي نوم وماما بتأخد دواها وبتنام وبتسبني.
برق بدهشة، وسأله:
_هي مش ماما وأهلك مسافرين!
هز رأسه نافيًا وقال:
_لا ماما هنا جوه، نايمة في أوضة الحاجة رقية، بس تعبانه ومش بتتحرك كتير.
اندهش من اخفاء عمه وزوجته لذلك ولكنه لم يعلق، فاحتضن الصغير وقال؛
_طيب يا حبيبي ما ممكن مامتك تقلق عليك، أيـه رأيك تروح تقولها وتيجي.
هز الصغير رأسه وما كاد بأن ينخفض عن ذراعيه حتى تسلل لهما صوتًا متلهفًا، باكيًا يصيح بجنون:
_فـــــــــــــارررررس!!
الصوت مألوفًا له، اختزل داخله كل ذكرى اجتمعت كالرزاز داخله، انحنى ذراعيه عن الصغير يضعه أرضًا، والتفت خلفه ببطءٍ، ربما نسجت ذكرياته صورة واهمية لها، ولكنها بالنهاية تقف أمامه، مستندة على الباب وجسدها محاط بالجيبرة المعلقة باحدى ذراعيها، هي بنفس نظرات عينيها، شعرها المسترسل من خلفها، ملامحها التي من المحال أن ينساها.
صدمتها وجحوظ عينيها أمامه أرضخ له عقله وجعله يستوعب إنها ليست حُلمًا، هي حقيقة أمامه وما أبشع الحقائق حينما تضرب واقع مدمر بالفعل وليس بحاجة لشييء يزيد من اختناقه، بل هو بتلك اللحظة يخضع لأصعب عملية جراحية قد تصيب القلب، وربما ينتهي الأمل بانذار صفارته المزعجة تعلن انتهاء حياة ذلك المسكين البائس!!!!!!
رواية صرخات انثى الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم ايه محمد رفعت
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات"رحمة محمد عبد المنعم"، وداعمتي المميزة على الواتباد الجميلة "نور سمير nour samir"، وإلى الجميلة" ندى ياسر" بمناسبة عيد ميلادها كل سنة وأنتِ إلى الله أقرب، وإلى الجميلة "هبة سيد "شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
تسلل الألم لجسدها رويدًا رويدًا، لا تعلم لآنها تحاملت عليه وقد حذرها الطبيب من ذلك، أم أن رؤيته قبالتها تزيد من وجعها المدفون داخل أعماق قلبها.
مالت على الڤازة الضخمة المحاطة بالزرع الأخضر أمام باب منزل الشيخ مهران، تعافر ألا تسقط، وببكاءٍ رددت بصوتٍ كان مسموع لذلك المنصدم:
_يُــونس!
رعشة سرت بقلبه المتجمد فأزاحت برودته، مدته بالحرارة ليعود خافقًا، مستقبلًا لحياة خرج منها إجباريًا.
تخبط مشاعره أمامها جعله صامتًا، يوازن ألف مسألة صعبة، يحاول إستيعاب بأنها الآن أمامه، في منزل عمه بالتحديد، يحاول ربط العلاقة بينها وبين ذلك الصغير، يحاول استجماع خيوط الخيط ليصل لحقيقة صادمة بأنها والدة فارس الذي حكى له عنها!
توارت صفاء مُقلتيه حول جحيم انتقامه من الخائنة التي دعست رجولته ومزقت حبه دون أن ترأف به، تلك التي قضى خمسة سنوات من عمره يتفنن بالتفكير بطريقة ماكرة للانتقام منها.
وضع يونس الصغير، وتحرك إليها بخطواتٍ، قاتلة، بطيئة، حتى بات قبالتها.
كانت مازالت تنحني لطول الڤازة الضخمة، تحيطها بكلتا ذراعيها، فأمسك الحائط ووقفت بصعوبة حتى باتت قبالته بأعينها الباكية.
أنساها شوقها إليه كل ما حدث بالماض، تناست ما إرتكبته بحقه، تناست بأنها مازالت على ذمة رجلًا غيره، تناست حتى أنها الإن أمامه بشعرها دون غطائها ونقابها!
سخرت نظراته منها، فإن رآها أحدًا من المخرجين تتقن الدور لتلك الدرجة يقسم بأنه سيبع ثروته لأجل أن تعمل معه، تحاول أن تريه حبها الجارف إليه وقد نفت خيانتها وما إرتكبته تمثيلها الزائف.
رفعت كفها السليم إليه تضعه على صدره، ورددت ببكاء وصوتًا يُسمع بالكد:
_ربنا حققلي دعواتي وطلعت عايش!
وتابعت ببسمة واسعة:
_حمدلله على سلامتك يا يونس.
أخفض بصره ليدها التي مازالت تلامس صدره، ثم انتقل لها بنظرةٍ جامدة، لتجد يده تقترب من كفها،جذبه يونس واعتصره بين يده هاتفًا بقسوةٍ فاحت رائحتها إليها:
_إنتِ بتعملي أيه هنا؟ البيت ده أشرف من إنه تسكنه واحدة رخيصة وخاينة زيك، بس اللي مش فهمه أيه اللي يخلي عمي يقعدك في بيته ويكدب عليا!!!!
وجذبها بقوة للداخل وهو يصرخ بغضبٍ:
_عمـــــــــي... يا شيخ مهــــــــــراااااان.
بكت وهي تحاول تخليص كفها من معصمه، فخشيت أن يكرهه فارس، فأمسكت يده تحيلها عن يدها ولكن قبضته كانت قوية للغاية، فرددت بتوسل:
_بلاش قدام الولد... أنا همشي مش هقعد تاني هنا يا يونس.
مال بجسده تجاهها وأشار باصبعه:
_اسمي ميترددش على لسان واحدة قذرة بنت** زيك!
واستدار تجاه فارس الذي يختبئ خلف الباب المفتوح وبهدوءٍ يعاكس ثورته قال:
_ادخل جوه دلوقتي.. يلا!!
انصاع له وهرول للغرفة التي تخصهما، بينما خرج الشيخ مهران يعدل جلبابه وهو يتساءل بخوف:
_في أيه يا يونس، بتصرخ كدليه يابني؟
انتهى من وضع جلبابه حول رقبته ليصعق كليًا من رؤية خديجة بين يد يونس، اتبعته الحاجة رقية فصاحت بصدمة:
_خديجة! طلعتي من أوضتك ليه يا بنتي!
وتساءلت بلومٍ وهي تتطلع لها:
_وفين حجابك؟
انحنت للأريكة تجذب غطاء للرأس وأسرعت تضعه حول رأس خديجة، فلفت انتباهها ليد يونس التي تحيطها، فحاولت تفرقيهما وهي تصيح بضيق:
_سيبها يا يونس، مينفعش كده يابني حرااام!!
فشلت بفك معصمه، بينما ابتسم هو ساخرًا:
_فاكراني مغفل وبعوض شوقي ليها!!! أنا قرفان وأنا ماسكها أساسًا.
وألقاها بقوة لولا ذراع الحاجة خديجة التي تلقفتها بين ذراعيها، خطى يونس للأمام وبالأخص أمام الشيخ مهران، يتطلع له بنظرةٍ ألمته، وسأله بجمود:
_ليه يا عمي؟ ليه تفتح بيتك لآنسانه قذرة زي دي، خانت ابنك وداست على كرامته ورجولته؟
ارتبك الشيخ أمامه، ودنى إليه يحيط كتفيه بين ذراعيه قائلًا:
_في حاجات كتير إنت متعرفهاش يا يونس.
صاح بعصبية هادرة:
_ دي أخر واحدة أحب أعرف عنها حاجة.
ازداد صوت بكائها ورقية تحيطها بقوةٍ وتحاول أن تهدئها، خرج يونس عن صمته القصير حينما قال:
_هي مش العمارة دي أنا ليا النص فيها؟
اندهش الشيخ مهران من حديثه، وردد ببسمةٍ ألم:
_أيه يا يونس بتفكر تخلص عمك من العمارة عشان مد إيده لبنت صاحبه اللي سابها في أمانته!
هز رأسه ينفي ذلك، وانحنى يقبل كفه بكل احترام:
_العفو يا عمي، بس من فضلك لو إنت بتحبني بجد خرجها من هنا، تغور في أي داهية مش فارقة
اتسعت ابتسامة الشيخ وقال يذكره:
_بس خديجة وأمها مكنوش ساكنين يا يونس، إنت بنفسك اللي صممت تبيعلهم الشقة بعقد تمليك، يعني قانونًا الشقة بتاعتها.
صرخ بغضبٍ جعل الشيخ مهران يخاف عليه:
_كنت أهبل وبريالة، لكن خلاص مسحتها... ولو وصلت إني أخرجها من هنا بالقوة هعملها يا عمي، لإني مستحيل أقعد في مكان ال*** دي فيها!
كان مكتوف الأيدي لا يعرف ماذا يفعل، فقال بهدوء:
_طيب اهدى يا حبيبي احنا نص الليل والجيران حولينا مينفعش صوتك ده!
باصرار قال وأنفاسه تشوش على صمتهم:
_ههدى لما تغور من هنا.
خرجت خديجة من أحضان الحاجة رقية وقالت بخفوتٍ ينمي عن شحوبها:
_خلاص يا عمي الشيخ أنا همشي.. هو عنده حق مينفعش أفضل هنا بعد كل اللي عملته معاه.
أوقفها الشيخ مهران محلها:
_مش هتخرجي من هنا يا بنتي سامعة.
وأشار لزوجته قائلًا بنبرة آمرة:
_خديها جوه يا حاجة.
أومأت له وساندتها للداخل، بينما اقترب مهران من ابن أخيه يحاول لمس جانبه الانساني:
_يابني إعقلها هتمشي فين دلوقتي في نصاص الليالي وبحالتها دي.
قال بقسوةٍ تملئ عينيه:
_ميخصنيش، ترجع للراجل اللي فضلته عليا، تغور في ستين ألف داهية المهم مشفهاش هنا لا هي ولا أمها ولا أي مخلوق من عيلتها.
تنهد الشيخ بقلةٍ حيلة، وهتف إليه:
_والدتها توفت من أربع سنين، وجوزها هو اللي عمل فيها كده ولو رجعتله المرادي هيقتلها يا يونس لان آيوب رفعلها قضية خلع.
آه من قلب خان جسد صاحبه ومال لمن أحبه، بالرغم من أن يتخذ القسوة وعدم اللامبالة بها منهجًا يدرسه لجميع تعابير وجهه وجسده، الا أن قلبه وخز بقوةٍ لسماع ما قال، واتبعه بالخيانة عقله الذي بدأ يُصيغ له عن حالها البائس حينما فقدت والدتها وهو الوحيد الذي يعلم تعلقها بها.
كانت يتيمة الأب والإن الأم والأب، يا ليتها لم تفعل به ذلك، ليتها تركت بابها مواربًا له، والله وبالله إن كانت تركته لكان يغمسها الآن بأحضانه يهون عنها كل ما طالها بغياب والدتها واختبارها لذلك الاحاسيس الموجوعة.
اتبع النغزة نغزة أخرى، من فعل بها ذلك زوجها!! ، ذلك اللعين الذي يحشد داخله انتقام جهنم ليلهبه بنيرانها، ترى ما الذي حدث بينه وبينها ليفعل بها ذلك؟ وهل تلك هي المرة الاولى التي يرفع يده عليها؟! مهلًا مهلًا لقد أخبره فارس بأنه يضرب والدته باستمرارٍ، والمؤلم له إنها ذاتها خديجة، هل من المفترض أن يكون سعيدًا!
وعلى ذكر فارس يقف عقله عاجزًا عن شعوره تجاه هذا الطفل الذي لم يراه الا بفترة لا تذكر، هل من المحتمل أن يكون ابنه!!!!!
عند تلك الحد وجحظت عين يونس بقوةٍ، لا يحتمل تلك الثورة المشتعلة داخله، فأفاق على هزة يد الشيخ مهران المتساءل بلهفةٍ وقلق:
_مالك يابني إنت كويس؟
ابتلع ريقه بصعوبة، وكل ما يتردد له أن يهرب من هنا، لا يريد الاستمرار بسماع المزيد عنها أو عما يخصها، يود الانهيار بعيدًا، فرفع من صوته الثابت لتستمع له من الداخل عن قصدٍ:
_اسمع يا شيخ مهران، عشان الصداقة اللي كانت بينك وبين أبوها هديك أسبوع، أسبوع واحد تشوفلها أي مكان تاني غير هنا، لو مغرتش من هنا بعد اسبوع يبقى أنا اللي همشي من هنا وإنسى إن ليك ابن أخ كان معتبرك في يوم أبوه..
واسترسل بألمٍ وهو يهرب للخارج:
_وطول ما هي في بيتك بيتك متحرم عليا دخوله يا عم الشيخ!
ترك يونس الشقة وهرول للدرج ومنه لشقته، يغلق بابها بالمفاتيح والمزلاج، وكأن هناك شبح يركض من خلفه.
سقط جسده الذي ظنه قويًا خلف بابه، سرت رجفة هادرة به من شدة انفعاله وغضبه، وأخيرًا من بعد خروجه من ذلك القبو سمح لذاته بالبكاء، فبكى كالصغير، وكف يده يكتم شهقاته بخوف من أن يستمع له حوائط منزله، وكأنه يفعل جرمٍ لا يصح به، وكأن إنهياره أمرًا غير مسموح!!
مال يونس بجسده خلف الباب وتكور كالجنين، يضم ذاته ويبكي دون توقف، مرددًا بهمسٍ مبحوح:
_ليه عملتي فيا وفي نفسك كده؟
هما رموا السهم وإنتِ رشقتيه في قلبي، ليه يا خديجة؟؟؟!!!
مال بوجهه على أرضية رخام شقته، هاتفًا ببكاء:
_مفيش حاجة من اللي عملتها معاكي شفعتلي! عملتيها وإنتِ متأكدة إن بعدها يونس هينتهي، كنتِ عارفة إنك روح يونس اللي بتحركه، هما اخدوا حياتي وإنتِ خدتي قلبي وروحي!
تعالت شهقاته المؤلمة وتابع باستنكارٍ مؤلم:
_إزاي قدرتي تسلمي نفسك لراجل غيري؟؟ ازاي قدرتي تعمليها؟!
اعتدل بنومته متكئًا على ظهره، وكأنه متعمد أن يُؤلم نفسه ليخفف من حدة وجع قلبه، فيشتته بالوجع الجسدي، انهارت دموعه رغم هدوء جسده، فردد ببحة سيطرت على حلقه:
_يا رب لو كان لقائي بيها أقسى من عذابي في سجن الدنيا رجعني ليه تاني يارب!
فرق ذراعيه على الرخامٍ، وأغلق عينيه باستسلامٍ، تاركًا دموعه على وجنته دون أن يهتم بإزاحتها.
*******
بالأسفل.
بقى الشيخ مهران على المقعد المقابل للفراش ينتظر أن تضع الصغير الذي يغفو على ذراعيها للفراش، وزوجته تجلس جوارها تحاول أن تهديها قائلة:
_خلاص يا بنتي بطلي عياط، اللي حصل حصل.
استدارت برأسها وقالت بحرجٍ:
_والله ما كنت عايزة أعملك مشاكل يا عم الشيخ، أنا كنت نايمة وقلقت ملقتش فارس جنبي، خوفت يكون معتز درى بقضية الطلاق اللي آيوب رفعها لإن المحامي كلمني وقال إنه هيعرف خلال يومين تلاته.
واسترسلت وهي تزيح دموعها بطرف حجابها الطويل:
_قومت أدور عليه زي المجنونة، لقيت الباب مفتوح فخرجت لقيت يونس قدامي، اتصدمت ومعرفتش أتصرف.
ورفعت عينيها المتورمة من البكاء إليه:
_بس أنا مش هكون السبب إنك تخسر ابن اخوك، بكره الصبح همشي وأروح أي حتة بعيدة عن هنا.
قالت الحاجة رقية بشفقةٍ وحزن:
_هو إنتي قادرة تصلبي طولك يا بنتي!
كان الشيخ صامتًا يستند بوجهها على عكازه، فنهض واقفًا وقال:
_نامي يا بنتي والصباح رباح، ومتحمليش هم اللي بيني أنا وابني، لما يعرف إن فارس ابنه وإننا عملنا كل ده ليه هيهدى وهيسامح أنا عارفه كويس.
انتفضت خديجة عن الفراش واتبعته بوقفته القريبة من باب الغرفة، تصيح بلوعةٍ:
_لااااا... أبوس إيدك يا عم الشيخ متعملش كده، أنا لو أعرف إن يونس خارج مكنتش قبلت إني أرفع على معتز قضية الطلاق.
التفت لها الشيخ وبقت عينيه أرضًا عنها:
_ليه يا بنتي، عايزة تحرميه من ابنه وتستحملي عيشتك مع البني آدم ده ليه؟!
عادت بضعة خطوات لأقرب مقعد، ورددت تبرر سبب جملتها:
_ يونس لو عرف الحقيقه مش هيسكت وخصوصًا لو عرف بموضوع ابنه، مش بعيد يروح لمعتز ومعتز شراني يا عم الشيخ، ممكن يرجعه السجن تاني أو يحاول يقتله!
ارتعب الشيخ وتعالت شهقات الحاجة رقية، فنهضت إليه تصيح برعبٍ:
_خديجة بتتكلم صح يا مهران، أنا مش مستغنية عن ابني!!
تنهد بقلة حيلة، فأصبح عاجزًا حتى عن التفكير، فقال بحزنٍ تعمق إليه وجعله كالذي يصارع الموت:
_ابني وابن اخويا في يوم واحد، اللهم لا اعتراض، لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم.
وتابع وهو يخرج من الغرفة:
_نامي يا بنتي واطمني ربك موجود وقادر يخلصنا من كل اللي احنا فيه.
وقال قبل أن يغلق باب الغرفة :
_خليكي معاها يا حاجة رقية.
فهمت ان زوجها يخشى أن تحمل ابنها وتترك المنزل، فأشارت له بطاعةٍ:
_حاضر يا عم الشيخ، روح إنت أفرد جسمك قبل صلاة الفجر.
هز رأسه وغادر منحني الجسد، يشعر بأنه بحاجة للقاء ربه الآن ليشكو له ما يضيق صدره، فتوضأ وقام الليل بين يد الله عز وجل.
*******
صباحًا في لندن.
تجلس قبالة معشوقها وحبيبها وزوجها، لتناول طعام الافطار، ذلك العاشق الذي يخصص لها وقتًا صباحًا لها قبل مغادرته لعمله.
يحاول بشتى الطرق أن يملأ يومها ومتفهمًا لانشغالها بالخروج لحفلات الوسط الآرستقراطي المتكررة، لم ينالها غضبه يومًا وكل دقيقة يمضيها برفقتها يخبرها أنها أعظم انتصاراته.
ترك كفها فنجان قهوتها وتسللت ليده المتمسكة بأحدى المجلات التي تتحدث عن المشروع الذي بات حديث العالم، وصُيغ أن "عمران سالم الغرباوي" المسؤول عن تنفيذه بينما أصبح "أحمد الغرباوي" شريكًا بنسبة تفوق المساهمين.
شعر بكفها فترك ما يحمله واستدار إليها مبتسمًا، منحته ابتسامة رقيقة وسألته مباشرة دون أي صياغة للحديث:
_مبسوط معايا يا أحمد؟
ترك المجلة والجرائد جانبًا، وقرب مقعده إليها، حتى بات يجاورها، فسحب كفها المدفون بين كفه الخشن وقربه لشفتيه يقبله بحنانٍ، وصوته الرجولي يهمس:
_وأنا أيه اللي في حياتي يخليني سعيد غير وجودك جنبي يا فريدة!
تعمقت بالتطلع لرماديته، وقالت بحزنٍ لمسه أحمد بصوتها:
_أنا بحبك أوي يا أحمد.
انزوى حاجبيه باستغرابٍ،" فريدة هانم الغرباوي " ليست من النوع الذي يصرح عن مشاعره بشكلٍ مباشر، تلك السيدة يعرفها أكثر من أي شخصًا، كالمجلة التي كانت بين يديه منذ قليل، يعلم بدايتها من الغلاف للغلاف الأخر الذي يعلن عن نهايتها.
رفع أحمد يده لوجنتها، إبهامه يمرره عليه برفقٍ وعينيه متعلقة بعينيها:
_في أيه يا فريدة؟ ليه شايف في عينك حزن وإحساس بالذنب تجاهي!
تهربت من مرآة ستعكس حتمًا حقيقتها، فرفع ذقنها لتواجه رماديته مجددًا، متنعمًا بزرقة عينيها الفاتنة، فظن أنها تمر ببعض التقلبات لذا قال:
_حبيبتي اللي فات من حياتنا خلاص اتمسح اللي جاي هنكتبه احنا بايدينا.
وتابع بهدوءٍ وحذر:
_ لو حاسة إن الماضي صعب تنسيه ومحتاجة لمساعدة مفيش مانع تلجئي لعلي، هو هيقدر يساعدك ويسمعك يا فريدة.
هزت رأسها بابتسامةٍ تحاول صنعها، وما ان كاد بمتابعة عمله على الحاسوب حتى أسرعت بالحديث قبل أن تتهرب منه:
_أنا زعلانه لإني حرمتك من الخلفة يا أحمد، احساس الذنب مش مخليني مرتاحة، إنت ذنبك أيه تتحرم من إن يكونلك ولد!
سحب نفسًا طويلًا يهييء به الحديث، وقال بحبٍ مرسول من مُقلتيه:
_أنا مش هكدب عليكي وأقولك إن بتمنى يكونلي ابن أو بنت منك، بس أنا مش طماع أو أناني يا فريدة، مش طماع لإن كفايا إنك معايا واتجمعنا بعد فراق السنين دي كلها، ومش أناني أطالبك بشيء فوق مقدرتك وخصوصًا وانتي هتستقبلي أول حفيد ليكِ.
واسترسل قائلًا برضا تام عن حديثه السابق:
_ولو على رغبتي إني أكون أب فأقسملك بالله بأن علي وعُمران وشمس أولادي، ولعلمك بقى الأولاد طالعين شبهي أكتر من أبوهم الحقيقي نفسه.
ابتسمت بفرحةٍ، وغمرها شعور الراحة لقرارها المصيري التي اتخذته، لا تعلم إن أخبرته بحملها ورغبتها في التخلص من جنينه حينها ستختلف وجهة نظره، ما قاله الإن بناء على واقعه ولكن ان حدث الأمر ووقع حينها سيختلف كل شيء!
*******
قاد سيارته متجهًا للمشفى، اليوم هو المعاد المحدد لخروج والدته، صف جمال سيارته وهبط متجهًا للمشفى، فوجد صبا تجلس بالخارج وعلى ما يبدو بأنها كانت تنتظره، فما أن رأته حتى نهضت واتجهت اليه.
وقف قبالتها بجمودٍ، لم تمنعه من الدخول بكلمة واحدة بل دنت إليه فتوقف هو، كانت ترتدي نظارة سوداء تحجب عينيها عنه، فطال بنظره تجاهها بفضول لمعرفة ما تخبئه خلف تلك النظارات التي ترتديها لمرتها الاولى.
تنحنح يجلي صوته ليقطع صمتها الغريب:
_خير؟
دون أي حديث منها، رفعت ظرف مغلق إليه، تناوله منها وفتحه في نفس لحظة تردد سؤاله:
_ده أيه؟
تفاجئ بمفتاح شقته، وذهبها الخاص، وبعضًا من المال كان قد تركه لها مسبقًا لمتابعتها مع الطبيب ولاحتياجها الخاص لأغراضها.
زفر بضيقٍ شديد، وقال:
_وبعدين يا صبا؟ أفهم من اللي بتعمليه ده أيه؟ عايزة توصلي لأيه يعني!!!
أجلت حبال صوتها المبحوح وقالت:
_مش عايزة أوصل لحاجة، ده مفاتيح شقتك وحاجتك بما ان اللي بينا انتهى..
التاع قلبه ألمًا وأمسك يدها بقلقٍ فشل بتلاشيه:
_صوتك ماله؟؟ وليه لابسه النضارة دي!
قالها وهو يزيحها عنها فصعق حينما وجد عينيها منتفخة بشكلٍ مقبض، جذبت صبا النظارة من يده وارتدتها خشية من أن يظنها تحاول أن تستعطفه، ثم قالت:
_هتلاقي الفلوس ناقصة بس إن شاء الله هردهملك قريب..
ودون أي اضافة منها استدارت تجذب تلك الحقيبة التي لم يتثنى له رؤيتها، وما كادت بالرحيل حتى اوقفها بعصبية:
_إنتِ راحة فين؟ وأيه الشنطة دي؟!!!
وتابع وهو يجذبها لسيارته:
_اركبي يا صبا وبطلي العبط ده انتي وابني ملزومين مني حتى لو منفصلين!
جذبت ذراعها منه ودفعته بقوة جعلته يرتطم بباب السيارة ربما لأنه لم يتوقع فعلتها:
_شفقة يعني!! لا متحملش هم ابني أنا هقدر أربيه وأصرف عليه كويس، بلاش نزود مسؤولياتك ونتقل من حملك وإنت على أكتافك مسؤوليات كبيرة يا بشمهندس.
وسحبت حقيبتها واتجهت لتوقف سيارة أجرة، فجذبها إليه بعنفٍ غير معهود، صارخًا بغضب:
_إنتِ شكلك اتجننتي، إنتِ متخيلة اني هسيبك هنا في دولة غريبة ولوحدك!!
وقدم لها الظرف قائلًا:
_الشقة دي بتاعتك حتى لو كانت ايجار، والدهب ده شبكتك ولا يمكن أسترده منك حتى لو مش لاقي أكل مش بنفصل عنك!!!
واستطرد بهدوء يحاول التمسك به:
_اعقلي يا صبا واهدي... ماما خارجة النهاردة ومش حمل كل ده.
وقال وهو يعيد فتح باب سيارته:
_اركبي هوصلك قبل ما أدخلها.
ابتسمت ببسمة باهته وقالت:
_مش راجعه معاك يا جمال، أنا خلاص حجزت طيارة على مصر بجزء الفلوس اللي اخدتها من المبلغ اللي معاك، فمش هبقى حمل عليك تاني.
وسحبت الحقيبة هادرة:
_رلنا يعوضك بالزوجة اللي تعوضك عن أنانيتي عن إذنك.
برق بصدمة لما فعلته، لقد تسللت من بين أصابعه كالمياه، وقف يتابعها وهي تعبر الطريق الاخر بارتباكٍ، مال على السيارة يضم رأسه بيديه وقلبه يزيد من وجعًا وُلد بأعماقه.
فاغلق باب سيارته بقوةٍ وعبر خلفها، رأته يأتي إليها والفرحة تزيد بداخلها، هي بالنهاية لا تريد خسارته، وبقرارة نفسها تعلم بأنها مخطئة.
وقف قبالتها يسحب الحقيبة ثم قال:
_ممكن نقعد ونتكلم شوية.
طالعته من خلف نظارتها وقالت:
_بس هتأخر على معاد الطيارة.
قبض على الحقيبة بغضب:
_مش هتسافري يا صبا، مش هتبعديني عن ابني فاااهمه!
ابتلعت غصتها المؤلمة بصعوبة بالغة، هل كل ما يعنيه ابنه!! ماذا عنها؟
حسنًا حسنًا لقد أخطأت تعلم ذلك، ولكن ألا يحق لها أن تُمنح فرصة، ازدردت ريقها وقالت بضعف سيطر عليها:
_متقلقش مش هحرمك منه، إنت أبوه وليك نفس الحق اللي أنا بملكه.
صوتها المتعب وحالتها تلك، استسلامها هذا يوقظ كل وجعٍ داخله، وخاصة حينما قالت:
_لو تقدر تخلص أوراق الطلاق قبل ما أسافر يكون أفضل، لإن برجوعي لمصر هيكون الموضوع صعب.
اتسعت مُقلتيه بدهشةٍ، وقال بسخرية:
_أوراق الطلاق!! انتِ مستبيعة بقى!! استسلمتي بدري اوي!
ابتسمت بنفس عمق وجعه وقالت:
_معتش شيء ممكن يتعمل بعد ما نطقت الكلمة دي... خلاص كده.
دنى إليها حتى تقلصت مسافتهما:
_يعني أنا مستهلش إنك تحاربي عشاني يا صبا؟ مستاهلش إنك تحاولي ترجعيني ليكِ؟
أزاح نظارتها السوداء وقال بوجع:
_بالرغم من جرحك ليا الا إني مش قادر أشوفك بالحالة دي، صعب عليا أسمع صوتك وأحس بتعبك ده، أنا اللي انهزمت ومن أول جولة!! أنا اللي بتوجع منك وليكِ!
أخفضت وجهها أرضًا وبكت بانهيارٍ، هامسة بصوتٍ اختفى نهائيًا وبات مسموعًا بالكد:
_آسفة... سامحني.
جذب يدها وجذبها إليه، ضمها بكل قوته، لدرجةٍ جعلتها متجمدة من الصدمة، جمال زوجها لا يملك تلك الجراءة لفعلها، والآن يفعلها وسط المارة غير، عابئًا لأي شيء.
ارتعش جسدها بين يديه وشعرت بأنها غير قادرة على الوقوف.
ترقبها أن تحيط ظهره ولكن وجدها متخشبة لا تعرف ماذا تفعل؟ ، مال إعلى كتفها وقال بخشونة صوته الرجولي:
_رديتك يا صبا.
ازداد نحيبها بشكلٍ ملحوظ، فرفعت يديها وتعلقت به بقوةٍ جعلته يزيد من ضمها، فقال وقد شعرت هي بأن دموعه قد تدفقت على وجنته:
_آسف إني اتخليت عنك بالسهولة دي، بس كان غصب عني جرحك ليا كبير ومش راضي يلم!
رددت ببحتها المؤلمة:
_والله عمري ما بصيت لراجل غيرك، أنا بس لفت نظري طريقة لبسه مش اكتر.. آسفة والله ما هقول كده تاني... بس متسبنيش أنا بحبك والله.
ظل يضمها حتى ينتهي من اخفاء دموعها، وحينما استعاد ثباته ابتعد عنها وقال:
_خلاص يا صبا بلاش نتكلم في اللي فات، يلا عشان منتاخرش على ماما أكتر من كده.
وحمل الحقيبة وأمسك يدها يعبر بها الطريق مجددًا لسيارته، وضع الحقيبة بصندوق السيارة ليخفيه عن والدته ثم أشار لها:
_يلا ندخل.
فتحت الباب الأمام وقالت بخفوت:
_هستناك هنا.
استدار بعدما كاد بالدخول:
_لا.. تعالي معايا عشان يوسف يكشف عليكِ الأول، شكلك مجهد وتعبان.
انزلقت الدموع من عينيها بكثرةٍ، فهبط الدرجة الخارجية ليكون قبالتها، أمسك يدها وسألها بقلقٍ:
_مالك؟ التعب زاد عليكي؟!!
هزت رأسها بالنفي وهمست له:
_مقدرتش أفهم حبك ليا صح، مواقفك كلها ليا بتعترف بحبك وأنا كنت عامية مبشفش!
ابتسم وهو يراقب الطريق من حوله، فمرر إبهامه على كفها وقال:
_هخليكي تشوفيه كويس، من هنا ورايح هصدعك بكلمة بحبك لحد ما تقوليلي خلاص يابو عُمران صدعت!
شملتها الفرحة ولكنها تساءلت باستغراب:
_عُمران!
هز رأسها مؤكدًا بثقة:
_طبعًا ابني مش هيكون الا على إسم الشخص الأقرب ليا، عُمران أفضاله عليا كتيرة، فحابب إن ابني يكون على اسمه بس ربنا يستر وميبقاش وقح زيه!
ضحكت على جملته الاخيرة، وقالت:
_سميه زي ما تحب، أنا مش معترضة.
جذبها ليغلق باب السيارة وولج بها للداخل بصمتٍ، بينما أحاطتها فرحة رده لها وعدم تأثر علاقته برفيقه لأجل حديثها الأحمق.
******
بالمركز الطبي الخاص بعلي الغرباوي، وبالأخص بغرفة الكشف الطبي الخاص بالنساء والتوليد.
زفر يوسف بضجرٍ، وهو يتابع تلك التي تتمدد على الفراش قائلة وهي تتصنع الألم:
_مستني أيه اكشف عليا، أنا تعبانه وعندي إغماء فظيع!
مرر يده على جبينه يفركه بغضبٍ، وابتعد بمقعده المتحرك متجهًا الى مكتبه، نهضت ليلى تخفض سترتها، وقالت بعصبية:
_إنت دكتور إنت!! بقولك تعبانه تسبني بالشكل ده!!
رفع بصره عن الحاسوب وأشار بيده للباب:
_روحي لشغلك يا دكتورة، إتاخرتي!
جذبت ليلى أحد المقعدين المقابلين إليه وصاحت بانفعالٍ:
_ده ردك يا يوسف، ابنك تعبني وأنا مش قادرة بقولك اكشف عليا واديني علاج تسبني بتوجع وفوق كل ده بتتعامل معايا بمنتهى البرود!
عاتقت يديه وجهه وهمس بسيطرة تامة على أعصابه:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم!!
وأبعد يديه هادرًا بغضب:
_ليلى أنا بقيت كاشف عليكي أربع مرات وإنتي في شهرك الأول!! وده غلط مش فاهم انتي دكتورة ازاي أصلًا! وبعدين يا حبببتي كل الاعراض اللي بتقوليها دي طبيعية جدًا جدًا لما يخترعوا ليها علاج إن شاء الله هبقى أكتبهولك.
جذبت حقيبتها وصاحت بانفعال:
_بتتريق عليا يا يوسف ماشي.
وقف عن مقعده وقال يراضيها:
_حبيبتي أنا أقدر.. حاولي بس تاخدي الامور بشكل طبيعي واشغلي عقك في شغلك.
وتابع باستغراب:
_بس غريبة يعني بقالك كام يوم في البيت، إنتِ بطلتي تدخلي عمليات ولا أيه؟
جلست على سطح مكتبه وأخرجته من حقيبتها كيسًا بلاستيكًا وهي تجيبه:
_برفض أدخل عمليات أساسًا، أنا أم ومقبلش إن ابني يشوف منظر الدم والمشرط والفيلم الرعب ده.
زوى حاجبيه بصدمة:
_هو فين ابنك معلش؟
أشارت لبطنها المسطح بتلقائية:
_هنا ، إنت نسيت إني حامل ولا أيه؟!
حك لحيته بغيظٍ، وقال مبتسمًا بالاجبار:
_ودي حاجة تتنسي، ده موضوع مصيري ومستحيل يتنسي!
وهمس بصوتٍ غير مسموع:
_منك لله يا عُمران ، نقيت فيها أديني بدفع التمن غالي!!
_بتقول حاجة؟
تنحنح بخشونة:
_أنا أبدًا.
ورفع من حقيبتها الكيس البلاستيكي متسائلًا بذهول:
_ده أيه يا ليلى؟
رفعته له وقالت ببسمة فخورة:
_بقسمات يا حبيبي، مقدرش أمشي من غيرها، ده العلاج اللي مخترعهوش للاغماء، أول ما أحس إني هجيب اللي في بطني أطلع الكيس، عشان كده بطلت أظهر في المستشفى، يعني أكيد متقبلش إنهم يقولوا عليا دكتورة البُقسمات جت دكتورة البُقسمات راحت!!
جلس على مقعده بتعبٍ بدأ يهاجمه، وقال بصعوبة:
_ليلى إنتِ بتعملي كل ده عشان أندم وبعد كده أقولك خلي ابننا يبقى وحيد وبلاش نخاويه! لو الحكاية كده فأنا ندمت من دلوقتي ومش هتتكرر تاني يا حبيبتي.
عبست بعينيها مدعية البراءة:
_جو حبيبي أيه الكلام اللي بتقوله ده!!
قاطعهما صوت طرقات الباب، فابتعدت ليلى عن طاولة مكتبه واتخذت المقعد القريب منه ثم جذبت حقيبة يدها تضمها إليها كابنها الرضيع، بينما اصبعها يختطف المقرمشات وتتناولها بنهمٍ.
هز رأسه بقلة حيلة، وتعالى بقوله:
_ادخل!
ولج جمال للداخل، فنهض يوسف يستقبله بترحاب وفرحة:
_جيمي، أيه المفاجأة الحلوة دي؟
عانقه هامسًا بمشاكسة:
_على اساس انك مكنتش سهران معايا طول الليل!
وابتعد يصوب بصره تجاه الجالسة وقال:
_ازيك يا دكتورة ليلى، عاملة أيه؟
أجابته ببسمة هادئة وقد راق لها بأنه يتطلع بمكانٍ قريبًا منها دون أن يجرحها بنظراته:
_الحمد لله بخير يا بشمهندس، أخبارك مدام صبا أيه؟
قال وهو يتجه للخارج:
_معايا بره أهي.
وعاد إليهما بها، فاندهش يوسف وطالعه بنظرة مستفهمة فمال إليه يهمس:
_ردتها.
ضمه يوسف بفرحة وسط نظرات تعجب الفتيات، وهمس له:
_طول عمرك راجل يا جمال.
تبادلت الفتياتين السلام بحرارةٍ، وجلستا يتطلعان إليهما، فقال جمال:
_كنت جاي أخد والدتي فقولت أعدي عليك تشوف صبا، صوتها رايح خالص وشكلها مجهد.
نهض يوسف عن مكتبه وقال بترحابٍ:
_أوي اوي.. اتفضلي لأوضة الكشف يا مدام صبا.
ولجت ليلى برفقتها تعاونها على الاسترخاء بالفراش الطبي، وبالفعل فحصها يوسف وعاد يدون لها بعض الادوية قائلًا ببسمة جذابة:
_البيبي كويس الحمد لله وكل أموره طبيعية، الدوا ده لوجع واحتقان الحلق، والاجهاد ده هتحتاج للراحة مش أكتر.
التقط منه الروشتة، وأخبره:
_ماشي أنا هطلع لماما، أشوفك بليل إن شاء الله.
أومأ له بتفهمٍ، فحينما يكون أحد من ثلاثتهم برفقة زوجته لا يطول بالحديث مع الاخر مثلما اعتادوا.
غادر جمال وصعد لوالدته، عاونها على الجلوس بالامام وصبا بالخلف، وعاد بهما لشقته مرة أخرى، وبداخله حربًا فيما سيفعله بعلاقته مع زوجته!
******
_مفاجأة أيه يا علي قولي؟!
قالتها وهي تستمع لمكالمته، فلم يمر يومًا دون أن يهاتفها علي، أتاها صوته الدافئ يخبرها:
_لو قولت مش هتكون مفاجأة يا روح قلب علي، خليني أفجئك بطريقتي.
وتابع بحبٍ:
_يلا يا حبيبتي متعطليش نفسك وكملي شغلك.
ردت عليه بشوقٍ:
_هستنى أعرف أيه هي بفارغ الصبر، مع السلامة يا علي.
أغلقت الهاتف وتركته على سطح المكتب، ثم حملت الملف من أمامها واتجهت للباب المتصل بمكتب عُمران تطرقه.
رفع عينيه عن حاسوب والأوراق من أمامه، مشيرًا لها بابتسامة هادئة، فولجت للداخل تضع ملفها أمامه، قائلة :
_راجع الملف ووقعه.
جذب منها الملف يوقع في الخانة المطلوبة وقدمه لها، فضيقت حاجبيها بانزعاجٍ:
_ازاي تمضي من غير ما تراجع الحسابات؟!
جذب الاوراق السابقة لديه وقال:
_واثق إن حساباتك كلها صح يا فاطيما، وحتى لو عندي نية للمراجعة فالنهاردة مش يومه.
وأشار على الملفات المتراصة من أمامه بضيق:
_أنا مش فاهم إزاي انشغلت في المشروع وسبت الدنيا بالشكل ده، تقريبًا قدامي هنا يومين عشان أروح.
ابتسمت وسحبت بعض الملفات قائلة:
_متقلقش هحاول اساعدك.
اتسعت ابتسامته فرحة:
_ربنا يخليكي لأخوكي الغلبان اللي معتش حد حاسس بيه في الشغل غيرك.
اكتفت بهزة ممتنة له، فقال بمرحٍ:
_قبل ما تمشي لازم تفهمي أن للأخ واجبات ولازم تتعمل مظبوط عشان يتفانى في الأخوة، واهم واجب عليكي كوباية قهوة مظبوطة كل ساعتين بدون ما أنا اللي أطلب على أساس إني محرج منك وكده فبالتالي لازم تكوني ذكية وتفهميني بدون ما لساني يتواقح ويطلب الطلب ده.
تحررت ضحكتها وردت عليه:
_عنيا حاضر.
غادرت لغرفة مكتبها بينما عاد يتابع عمله بانهاكٍ، فإذا بهاتفه يدق للمرة التي تخطت الرابعة والعشرون.
رفع عُمران شاشة الهاتف يتطلع لاسم المتصل ببسمة مستمتعة، هامسًا بخبثٍ:
_طق من غيظك أما نشوف مين فينا اللي بيتلوى دراعه يابن أشرقت!
انتهى الرنين وصدح صوت رسائل يستقبلها الواتساب، حرر عُمران الشاشة ليجد ثلاث ريكوردات منه، فتح أولهم وهو يلف بمقعده باستمتاعٍ:
_وبعدين معاك يا عُمران بكلمك من الصبح ومش بترد، انا عارف إنك متعمد ده.. بتعاقبني يعني ولا أيه مش فاهم أنا!!!!
الرسالة الاخرى بعد السابقة بساعة تقريبًا:
_طيب رد ونتكلم متعودتش يومي يعدي من غير ما تكلمني إنت!! عشان كده مشيت بدري امبارح!! لانك زعلان اني طلقت صبا، مهو أنا أكيد مخدتش القرار ده من فراغ يا عُمران، وانت عارف اني بشاركك كل حاجة بس في حاجات مينفعش احكيها... احترم قراري ورد عليا بدل ما والله العظيم أجيلك وأسيب أمي أنا قولتلك اهو.
الرسالة الاخيرة التي وصلت منذ ثوانٍ:
_ردتها يا عُمران ارتحت!! افتح بقى!!!!
تحررت ضحكة على وجهه، فأشرقته بجاذبية لا تخص سواه، فحرر هو زر الاتصال المتلهف إليه وما ان استمع لصوته يجيبه حتى قال بفرحة:
_مبسوط أوي إنك عقلت يا جيمي، خليك كده عاقل عشان أحبك.
انفجر به غاضبًا:
_انت يعني بتلوي دراعي عشان أردها يا عُمران!!!
ضحك مستهزءًا:
_احلف انك ردتها عشاني!
صمت الاخير وقال:
_بصراحة أول ما شوفتها مقدرتش أتحمل فكرة إني هبعد عنها!
_لانك بتحبها يا جمال، ويا سيدي أنا مش عايز اعرف سبب الطلاق ولا اللي بينكم كل اللي عايز أقولهولك ان خراب البيت مش سهل، أنا أكتر واحد جربت ازاي تعيش من غير أب، ومهما انت حاولت تحافظ على ابنك وتعوضه والله ما هتقدر طول ما أنت ووالدته بعيد عن بعض، فكر في ابنك وفي بيتك يا جمال، حاول ازاي تصلحه مش تخربه!!
وتابع بحزنٍ تعمق داخله:
_كلنا بنغلط، مفيش حد اتولد ملاك، ادي فرصة مرة واتنين لان حياتك مع الانسانة اللي بتحبها تستاهل إنك تعمل كده وتضحى، يمكن تغلط إنت النهاردة وتسامحك هي، وبكره الدور هيجي عليها وهتلاقي نفسك بتغفرلها وإنت راضي لانها سبق وقدمتلك العفو.
خليك واثق إن الدنيا عمرها ما هتكون وردي وبفراشات، لسه في تعثرات كتيرة جاية لازم تكون مستعدلها كويس.
_ماشي يا عم أحمد شوقي، هشوفك عند سيف النهاردة؟
باستنكار سأله:
_نعم!! انت ناوي تروح وتسهر، أمال ردتها والكلام اللي كنا بنرغي فيه ده أيه!! انت بتشتغلني ولا فاضي بروح أمك!!!
_آه من لسانك اللي عايز مقص مالوش فرامل يقصه ده.. يابني أنا اتنيلت ورجعتها بس بردو محتاج أحسسها بغلطتها عشان خايف تكررها يا عُمران.
حزن عُمران لما تسبب هو به رغمًا عنه، ولكنه أحرز نقطة ايجابية حينما نجح بضغطه عليه ليعيد حياته، فتنهد قائلًا:
_خلاص يا جمال زي ما تحب.. بس عشان خاطري الولد اللي جاي مالوش ذنب.
_عُمران متخنقنيش أكتر من كده... ها جاي بليل ولا أيه النظام؟!!!
أجابه بانهاكٍ:
_لا مش هقدر عندي شغل متلتل فوق دماغي، بسبب المول، هحاول أخلصه عشان الاسبوع الجاي هنكون أنا وانت في الموقع كل يوم.
_طيب مش هطول عليك... أشوفك بكره يا وقح!!
ضحك بسخرية:_مقبولة منك يا متهور!
وأغلق الهاتف ثم عاد لعمله، فقاطعه حسام سكرتيره الخاص يناديه:
_مستر عُمران، في واحد محامي بره مصر يقابل حضرتك وبيقول إنه جايلك في مسألة شخصية!
استند بظهره على المقعد، ويده تلهو بالقلم:
_وده عايز أيه ده!!
رفع كتفه بحيرة، فقال عُمران:
_دخله لما نشوف حكايته أيه!
خرج حسام يشير للمحامي:
_تفضل سيدي بإنتظارك.
ولج للداخل يصافحه وهو يردد برسمية باحتة:
_يشرفني مقابلتك وجهًا لوجه سيدي.
أجابه عُمران بفتور:
_أشكرك... تفضل بالجلوس.
جلس قبالته يردد بارتباك ملحوظ:
_سيدي، لقد جئتك بطلبٍ من احدى السجينات التي تبنيت الدفاع عنها، واليوم حينما فشلت باخراجها طلبت مني الحضور إليك بشكلٍ خاص وآ...
قبل أن يستكمل كلمة واحدة سأله عُمران بصوتٍ محتقن:
_ما إسمها؟
لعق شفتيها بتوترٍ:
_ألكس!
واستكمل قبل أن يتحرر وحش عُمران:
_طلبت مني إخبارك بضرورة زيارتها لتخبرك أمرًا هام متعلق بآ.....
أطاحه عُمران عن مقعده، ودفعه للحائط هادرًا بانفعالٍ شرس:
_كيف تجرأ على الحضور هنا وذكر إسم تلك العاهرة أمامي!!
فتح باب المكتب ومن ثم دفعه بالخارج أرضًا وأشار له بتهديدٍ:
_إن أتيت إلى هنا مجددًا أعدك أنك لن تخرج حيًا أيها المعتوه.
وصرخ بعنفوان:
_حســــــــام اطلب (Security Guard السيكيورتي جارد) من تحت يرمي الكلب ده من هنا، وممنوع يظهر في مكتبي مرة تانية والا مش هيحصلك كويس.
وتركه وولج لمكتبه يغلق بابه بقوةٍ، وعاد لمقعده ينظم أنفاسه حتى هدأ تمامًا.
********
دس مفتاحه بباب الشقة، ولج بالأكياس الضخمة التي يحملها يناديها وعينيه تفتش عنها:
_ســـــــــدن!
عاد يكرر ندائه والاخرى تقف مندهشة أمام مرآة المرحاض، فخرجت تقف أمامه مرددة كالبلهاء:
_أهناك فتاة هنا غيري!
التفت تجاه الصوت وسريعًا ما استدار، يضع يديه على عينيه صارخًا:
_كيف تخرجين أمامي كذلك ألا تخجلين يا امرأة!!
انزوى حاجبيها البني باستغرابٍ، فشملت ذاتها بنظرة متفحصة، كانت تحيط جسدها بمنشفة ضخمة لا تبرز شيئًا منها الا كتفيها، ومنشفة أخرى على شعرها، رددت آديرا ساخرة:
_بربك يا آيوب أرتدى ثيابًا أقصر من تلك المنشفة! إنها محتمشة عن كل ملابسي!
وجد أنها تمتلك كل الحق، ولكنه ظل كما هو، وناولها أحد الأكياس قائلًا:
_لقد اشتريت لكِ ثيابًا جديدة، ارتدى منها الآن واخرجي لنتحدث قليلًا.
جذبت منه ما يقدمه، وقالت بفضول:
_هل ستقص لي عن أمر تلك السدن المسلمة والحقيقة التي تحدثت عنها بالأمس؟
أومأ برأسه وقال:
_سأفعل ولكن ترتدى ملابسك أولًا.
اتجهت لاحد الغرف وتفحصت ما بالأكياس، فوقفت مبهورة من الفساتين بسيطة التصميم، انتقت احدهم وارتدته، فجحظت عينيها بانبهارٍ تام، وانطلق صوت ضحكاتها المجلل وهي تدور بسعادة أمام المرآة.
هرعت للخارج تصرخ بحماسٍ لذلك الذي يتحدث بالهاتف مع آدهم الذي يخبره بأنه بالاسفل بصحبة علي، ليجد تلك التي تصيح:
_أنظر آيوب لقد أصبحت كالأميرات!
قالتها وهي تلف وهي تفرد ذراعيها بسعادة، انزلقت الكلمات عن فمه، فبقى يراقبها بانبهارٍ، كانت فاتنة بكل ما تحمله الكلمة بهذا الفستان الأسود المحتشم، كان يهبط باتساع لا يحدد منها أي شيء سوى جمال وجهها وتأنقها باحتشام تام.
لاول مرة يراها جميلة حقًا، رغم وجهها المتورم، لم يغريه جمال العري وكشف ستر جسدها بطريقة كانت تجعله يشعر بالنفور دائمًا تجاهها، والآن قد تيقن بأنها باتت مصدر أشد خطورة عليه.
أفاق من غفلته على صوت آدهم:
_يابني روحت فين أنا تحت البيت هتنزل ولا أيه؟!
رد عليه بعد استيقاظه:
_نازل حالًا.
وأغلق الهاتف، ثم تابعها وهي تعود إليه مجددًا حاملة الحقيبة، تخرج منها فستانًا وراء الأخر وتهاتفه بسعادة:
_أريت إنه جميل حقًا!! انتظر سأجرب هذا.
أوقفها قائلًا:
_انتظري سدن أريد أن أخبرك بشيءٍ.
تأففت بضيق:
_لماذا تناديني بهذا الأسم الغريب، اسمي هو آديرا.
اقترب منها يجيبها برفق:
_ألم تعتنقي الدين الاسلامي بلندن؟
هزت رأسها بتأكيدٍ، فقال:
_حسنًا لن يظل إسمك آديرا بعد.
بانزعاج قالت:
_ولماذا سدن بالتحديد؟! هل كان أخي يعلم بأنني سأعتنق الدين الاسلامي لذا اشتري لي هذا السلسال؟!
امتص انزعاجها حينما قال بحنان:
_سأجيبك على كل أسئلتك أعدك بذلك، ولكن علي الذهاب الآن، أصدقائي بالأسفل ينتظروني، وإلى، أن أعود لا أريدك أن تخرجي من المنزل مثلما فعلتي بالأمس... هل تعديني؟
بدى المكر مختبئ بخضرة عينيها، ولكنها هزت رأسها تؤكد له:
_حسنًا..
وجذبت وشاحًا قد وجدته بالكيس البلاستيكي قائلة ببسمة جعلته لا يود رفع عينيه عنها:
_سأسمح لك بالذهاب أن عقدت لي هذا الوشاح كما أرى على السيدات هنا.
منحها ابتسامة رائعة وقال:
_سأفعل بكل تأكيد.
وبالفعل أحاط آيوب شعرها برابطة تخصها، ليعكصه على شكل دائري، ثم وضع لها حجابًا صغيرًا ترتديه أسفل الحجاب الخارجي.
وضع الحجاب الخارجي عليها ووضع الابرة بمنتصف الحجاب، ثم وضع طرفيه على كتفيها، ووقف يتفحصها هامسًا دون ارادة منه:
_بسم الله ما شاء الله!!!
دغدغها مشاعر تزورها لأول مرة، كانت حزينة حينما ترى النفور منه، ولأول مرة تراه مبهورًا بجمالها، فشعرت بأنها ملكة قبل أن تخطف نظرة لنفسها بالمرآة، يكفيها أنه يراها بهذا الجمال.
شردت بذلك الرجل العظيم، الذي لا يغريه العري بل الاحتشام، احترمته كثيرًا واحترمت دينه الذي يجعله يكن كل الاحترام للمرأة ولزوجته بشكلٍ خاص، لذا تحمست لخطوتها التي تخطط لها منذ الصباح، فوقفت بالشرفة تراقبه وهو يصعد لتلك السيارة الضخمة ويغادر بها الحارة.
******
بمنزل الشيخ مهران.
طرق يونس الباب مرتين متتاليتين حتى فتحت الحاجة رقية الباب، فقالت بابتسامة رائعة:
_ادخل يابني واقف بره ليه؟
بجمودٍ وتحفظ قال:
_قولت لحضرتك مستحيل أدخل مكان هي فيه، عايزك تناديها محتاج أتكلم معاها في شيء.
وتابع بتحذيرٍ:
_ويا ريت تقوليلها تلبس نقابها لاني مش طايق أشوف خلقتها.
أومأت بحزن:
_حاضر يا يونس.
وبالفعل ما هي الا دقائق وخرجت برفقتها، تطالعه عينيها الباكية بحيرةٍ، تهرب من نظراتها وقال:
_هو سؤال واحد هسألهولك وبعدها همشي على طول.
هزت رأسها اشارة له، فتابع بعد مجاهدة بالحديث:
_فارس ابني؟!
تجمدت الحاجة رقية محلها ما بال تلك الهزيلة، سقطت دموعها تباعًا وبدت عاجزة أمامه، مما دفعه للضحك بسخرية مؤلمة:
_هو السؤال ده صعب للدرجادي!! ولا إنتِ من كتر خياناتك مبقتيش عارفة مين أبوه!
_أيه اللي بتقوله ده ، بتخوض في عرض الولايا يا يونس!!
كلمات صرخت بها الحاجة رقية غاضبة، ولكنه تجاهلها وصرخ بمن تقف مرتجفة أمامه:
_سألتك سؤال انطقي!
أجابته بصوتٍ مرتعش:
_معتز أبوه.
طعن قلبه دون رحمة منها لمرته الثانية، ومع ذلك استكمل بثبات:
_وأيه اللي يثبتلي انك مبتكدبيش؟
تركته وولجت للداخل ثم عادت له بحقيبة يدها تخرج إليه الشهادة المزورة، فما أن طالعها يونس حتى أغلق عينيه بألمٍ، وألقاها إليها بغضب واستحقار، كيف سمحت له بالتقرب إليها؟ كيف سمحت بأن تحمل جنينه!
خشيت خديجة أن يكون صمته يعني بأنه لا يصدقها، فقالت؛
_ولو عايز تتأكد أكتر اعمل تحليل واتاكد مش همنعك.. أنا مستحيل أنسب ابن لأب مش أبوه!
ابتسم ساخرًا ونطق:
_اللي سبق وخانت تعمل أكتر من كده.
وتركها وغادر دون أن يلفظ بكلمة اخرى، فتعالت شهقاتها الباكية بصوتٍ مزق قلب رقية، فضمتها إليها وهي تردد بقلة حيلة:
_حلها من عندك يا رب!!
********
بسيارة آدهم.
كان آيوب منشغل بالحديث مع علي عن حالة يونس، بينما هو شاردًا، حزينًا، فلقد تلقى بالامس نتيجة الفحص وقد كان ايجابيًا كما توقع هو وأبيه، اذًا آيوب هو أخيه بنسبة مئة بالمئة، لا يعلم كيف سيصارحه بالأمر.
لمحه يبتسم لعلي، فابتسم بدوره هو الاخر وبداخله يقسم أن لا يدع الحزن يطرق بابه.
توقفت سيارته أمام المحل الرئيسي الخاص بيونس، فهبطوا ثلاثتهم واتجهوا للداخل، فوجدوا ايثان بالداخل.
استقبلهم بحفاوة واخبرهم أن يونس بالطريق، جلسوا على المقاعد ينتظرونه، وما هي الا دقائق وولج يونس ملقيًا السلام فأجابوه جميعًا، ونهض إليه آيوب فتعجب من رؤية الغضب يحيل عينيه، فاستغل التهاء ايثان بالحديث مع آدهم وعلي وجذبه جانبًا يصيح من بين اصطكاك أسنانه:
_كنت عارف إن الخاينة دي في بيتك ومقولتليش، لا وكمان رافعلها قضية خلع!!
ابتلع آيوب ريقه بتوتر وقال:
_مكنش ينفع أتخلى عنها يا يونس، جوزها راجل معندوش رحمة وآ..
قاطعه ساخرًا:
_وأيه يابو قلب رهيف، ولا تكنش أغريتك وكلت بعقلك حلاوة إنت كمان، فعايز تطلقها منه وتتجوزها انت!
جحظت أعينه بصدمة، وقال:
_أيه اللي بتقوله ده يا يونس!!! أنا الست اللي كانت في يوم مرات أخويا محرمة عليا ليوم الدين!!
أخفض عينيه أرضًا وقال بحرجٍ:
_أنا آسف يا آيوب، بس لما شوفتها عند عمي وأنا هتجنن..
ربت على كتفه وهدر بتفهمٍ:
_ولا يهمك المهم تعالى أعرفك على علي صاحبي من لندن.
خرج برفقته واتجه إليهم، جلسوا قبالتهم، فأشار آيوب عليه:
_ده الاستاذ علي أخو عُمران صديقي اللي كنت بتكلم معاه.
صافحه يونس بودٍ، بينما مد إيثان يده يصافحه بحرارة:
_أنا أعرف أخو حضرتك وأتمنى أنك تقنعه يشتغل عندي(عارض أزياء Fashion model) ، عنده كاريزما وحضور رهيب.
ضحك علي وأجابه:
_بلاش تشتغل مع عُمران في شيء مهم وشايفه حلم لآنه مش بس هادم الأحلام والملذات ده هيفرم حلمك ويحشيه في صينية مكرونة بشاميل، وإسأل آيوب هو أكتر واحد هيعرف يديك معلومات عن الطاووس الوقح!
ضحكوا جميعًا، فأكد آيوب:
_والله بحاول أقنعه مش راكبة معاه!
زفر إيثان بضيق:
_طيب ليه ميبقاش طيب وعِشري زي حضرتك كده؟
ردد آدهم ضاحكًا:
_عُمران وطيب في جملة واحدة!! يا كابتن إيثان خليك في جيمك تدرب عضلات الناس بدل ما بعد كده تحتاج اللي يدربلك عقلك عشان يرجع طبيعي زي ما كان!
ابتلع ريقه بارتباكٍ وقال:
_ليه هو مجنون؟
انفجروا ضاحكين، الى أن قال آدهم بصعوبة:
_لا وقح ومعندهوش حدود.. وأدي أخوه اسأله!
كان علي يتابع يونس بدقة، جعلت آيوب ينهض وهو يشير لايثان:
_تعالى بره عايزك.
وعلى الفور لحق بهما آدهم لعلمه المسبق لما يحدث هنا، وقبل أن يخرج وضع مفاتيح سيارته لعلي قائلًا:
_المفاتيح أهي يا علي، يادوب ألحق مشواري قبل معاد الطيارة بليل.
شاكسه ببسمة جذابة:
_ماشي يا حضرة الظابط بس خد بالك من المية واليخت، مش عايز مشاكل مع عُمران أنا!
رفع يده لعينيه:
_شمس في عنيا الاتنين، حتى لو وصلت أكون مركب نجاة ليها مش هتأخر.
أشار له ضاحكًا:
_طيب الحق وقتك لإنه بدأ ينفذ.
أشار بيده بسلامٍ عاجل وخرج على الفور، بينما بقى علي قبالة يونس يتابعه ببسمةٍ هادئة، فشقها قائلًا بمكرٍ:
_من ساعة ما قعدنا وأنا ملاحظ إنك ساكت ومش بتتكلم خالص، ده حتى صاحبك بيتكلم وبيضحك أكتر منك.
استند بظهره للمقعد وقال ببسمة ساخرة؛
_وأيه اللي يخلي الواحد يفرح ويجيله نفس للكلام!
بدأ بدوره بمهارةٍ، فتابع على نفس المنوال:
_وأنت فاكر إن كل اللي، حواليك دول معندهمش اللي يخليهم بحالتك دي أو أبشع منها، بس الأغلب بيتناسى اللي بيواجهه وبيحاول يتجاهله عشان يقدر يعيش.
ربع يديه حول صدره وتابعه بقوله المستهزأ:
_مفيش شخص بيقدر ينسى، كل ده كدب.
مال علي بجلسته للأمام وقال مبتسمًا:
_هي صحيح كدبه بس هما كمان بيحاولوا يشوفوها كده عشان يكملوا الحياة اللي لو وثقوا إن اللي شافوه حقيقة وواقع حياتهم هتتدمر، زي ما أنت بتدمر حياتك كده يا يونس.
اتسعت حدقتيه بدهشةٍ:
_تقصد أيه؟!
اتسعت ابتسامته وقال بصوته الرخيم:
_اللي شوفته في حياتك أيًا كان صعوبته فلو محاولتش تسيطر عليه هيدمر اللي باقي من حياتك، وهيخليك محلك سر، أول ما تلاقي نفسك واقف تحارب وتبعد عن كل ذكريات المؤلمة دي إعرف إنك اتغيرت وبقيت قوي وقادر تقف قدام نفسك وتهزمها.
رمش بعدم استيعاب، شعوره بالارتياح لحديث هذا الشخص أرغمه على سؤاله بذهولٍ:
_إنت مين؟!!
أجابه ببسمةٍ جذابة:
_دكتور علي الغرباوي دكتور نفسي وأكتر حد ممكن يساعدك.
نهض يونس عن مقعده هادرًا بعصبية:
_آه عشان كده آيوب جابك، سيادته شايفني مجنون!!!
لم تتلاشى ابتسامته بل تابع ومازال جالسًا بثقةٍ وثبات مهيب:
_الدكاترة النفسية مش تخصصهم علاج المجانين يا يونس، وعشان أكدلك المعلومة كلنا محتاجين لدكاترة نفسية حتى أنا بحتاج لنفس الشيء، محدش سليم نفسيًا بنسبة مية في المية، كلنا جوانا وجع مدفون، كلنا بننجرح وبنتألم لإننا بالنهاية بني آدمين.
وتابع وقد انتصب بوقفته برزانة:
_في اللي بيقدر يتخطى مواقفه الصعبة لوحده وفي اللي بيحتاج لحد يأخد ايده وهنا الفرق.
ارتخت تعابيره المشدودة رويدًا رويدًا، فانحنى علي لسطح مكتبه وجذب قلمًا وورقة، وأخذ يدون رقمًا أسفل نظرات يونس التي تراقبه.
انتصب بوقفته بعدما ترك الورقة على سطح المكتب وقال:
_في ناس حواليك بتحبك وبتتمنى إنك تكون كويس، وأولهم آيوب اللي اترجاني أخبي عليك إني دكتور نفسي عشان مشاعرك، بس في حالتك وشخصيتك اللي كونت عنها فكرة سريعة لقيت إن الصدق بينا هيكون أسرع طريقة إنك تكون أفضل.
واستطرد مشيرًا للورقة:
_ده رقم تليفوني أنا راجع لندن بليل، لو حابب تكمل معايا اتصل بيا لو مش حابب براحتك محدش هيجبرك، لإن لو إنت اللي مختارتش تساعد نفسك بنفسك يبقى لا أنا ولا غيري هيقدر يساعدك.
ومنحه ابتسامة أخيرة قائلًا:
_اتشرفت بمعرفتك يا يونس... عن إذنك.
وتركه وغادر بينما يونس سقط على المقعد حائرًا، مرتبكًا، يشوبه الاختناق، لا يعلم ماذا يفعل؟ لكن كل ما يعلمه أنه شعر بالارتياح الحديث لهذا الشخص الذكي!
******
انتهى الشيخ مهران من تلاوة ورده اليومي بخشوعٍ تام، مستغلًا بقائه بمفرده بالمنزل بعد ذهاب الحاجة رقية برفقة خديجة للطبيب، وتركوا فارس معه فوضع له الألعاب وجلس يقرأ ورده.
تعالت الطرقات ودق الجرس فنهض الصغير يفتح الباب، وقف حائرًا أمام تلك المرأة، مما جعل الشيخ يصدق بالله العظيم وينهض ليرى من القادم.
وقف حائرًا أمام تلك الفتاة، فسألها باستغراب:
_انتي مين يا بنتي، وعايزة مين؟
أدمعت عينيها برعبٍ مما هي قادمة لفعله، فرفعت كفها إليه وفتحته، فرأى بيدها سماعتين صغيرتين الحجم، تطلع لها وقال باستغراب:
_ده أيه؟ مش فاهم؟!
وحينما دقق النظر لها ثارت معالمه بغضبٍ عارم، فأشارت له بالسماعة على أذنيه ففهم بأنها تود أن تتحدث معه والسماعة تلك ما هي الا طريقة ليتمكن من فهم حديثها، اندهش بالبداية لرؤيتها بملابس محتشمة وحجابًا جعلها رائعة، لذا رضخ لها ووضع السماعة مثلما مدت يدها ووضعت من أسفل حجابها الاخرى وقالت:
_أريد الحديث معك شيخ مهران، لقد أتيت لمصر من أجل اللقاء بك، أرجوك امنحني فرصة الحديث إليك... آيوب بريء لم يتزوج بي الا لحمايتي من عمي، وبفضل آيوب والظابط المصري تخلصنا منه بعد ان اختطفني أنا وآيوب، كان يريد ان يقتلني يا سيدي!!!
بدد غضب الشيخ وشعر بأن تلك الفتاة تحمل بجعبتها الكثير، ربما ظلم ابنه الوحيد وهو يرغب أن يكون احتماله صائبًا وكم يتمنى أن يكون كذلك.
أشار لها بهدوءٍ:
_تعالي ادخلي.
استمعت لصوت المترجم، فابتسمت بسعادة وكأن العالم ابتسم لها، ولجت للداخل ولحق بها بعدما ترك بابه مفتوح على مصرعيه، وجلس على بعد منها يسألها بقلقٍ:
_آيوب اللي عمل فيكي كده؟!
انتظرت قليلًا لسماع المترجم، وما أن فهمت ما قال حتى أشارت بجنون:
_لا لا سيدي لم يفعل بي كذلك، آيوب شخصًا طيب القلب لا يفعل كذلك أبدًا.
وبحزنٍ قالت:
_بالأمس كان حزينًا بعد ما حدث بينكما، فأخبرني بأنه لم يتزوجني الا لحمايتي كما كنت أعلم وحينما شعرت بأنني سبب تعاسته رحلت ليلًا وتعرض لي بعض الرجال لولا أن أنقذني هذان الشابين اللذان كانوا هنا بالأمس.
هز الشيخ رأسه وقال:
_طيب قولي اللي انتي جاية تقوليه عشان ميصحش قعدتنا كده يا بنتي.
وكأنها محاميًا امتلك فرصة الدفاع عن متهمًا بريء، وهي ستجيدها لاجل ذلك الشاب الخالوق، فقالت بلهفة:
_يا سيدي أنا فتاة يهودية ولدت يتيمة، لم يكن لي أحدٌ الا أخي وعمي، كان هو المسؤول عنا ورأيت فيه الأب الذي حرمتني منه الحياة، رأيته أماني وفجأة تبددت صورته المزيفة ورأيته شيطانًا يريد انتزاع روحي!! روح ابنته!
قالتلها ببكاءٍ جعل قلبه يرق لها، واستطردت دون أن تلتقط أنفاسها خشية من أن يطردها دون سماع براءة آيوب كاملة:
_إلتحق أخي للجامعة، ومن حينها وأصبح شخصًا مختلفًا عما كان عليه، شك به عمي وراقبه ليعلم بعدها بأنه اعتنق الدين الاسلامي على يد مصري، جن جنونه وأراد ان يجعله يعود عن دينه.
انهمرت دموعها وقالت:
_رفض وقطع علاقته بعمي وابتعد، إلى أن أتاني خبر وفاته بطريقة كسرت احدى أجنحتي، فكان هو جناحي الأيمن وعمي جناحي الأيسر، أصبحت دونه عالقة لا أستطيع أن أحلق وأنا أملك جناحًا واحدًا..
زرع عمي الكره والحقد لهذا الشاب المصري الذي غوى أخي وجعله ينفر من ديانته، ومن ثم قام بقتله، وهددني إن لم أقتله سيقتلني هو، لذا كنت مرغمة على البحث عنه وقتله.
برق الشيخ بصدمة مما خاضه ابنه دون أن يحدثه شيئًا، فتابعت بندمٍ:
_أجل سيدي هذا الشاب الجامعي هو آيوب، ومن تجلس أمامك هي نفسها تلك الفتاة العبرية التي حاولت قتله لأكثر من خمسة مرات، وكل مرة ترتعش يدها أمام صلابته وشجاعته، حتى الخوف لم أراه يومًا بعينيه.
تمردت شهقاتها بصوتٍ عالي، وقالت بخزي صريح:
_وفوق كل ذلك قدم لي السكن والمال والطعام، دون أي مقابل يا سيدي!
وتطلعت بعمق عينيه الباكية ندمًا على ما اقترفه بحق ابنه ويده التي طالت وجهه، فقالت ببكاء:
_أتعلم كنت أرى نظرات الأعجاب والرغبة بعيون الرجال تنهمش جمالي الا هو!
وبثقةٍ قالت:
_هو ليس مثلهم يا سيدي، أقسم بقسم آيوب أقسم بالله الواحد الأحد أنه لم يمسني حتى بنظرة منه حتى بعدما أصبحت زوجته!
شخصًا تقيًا مثله أرغمني على الشك بأمر كونه قاتلًا أو إرهاربيًا مثلما أوهمني عمي، هُدمت ظنوني تجاهه وقد صدقت حينما تأكدت بإن عمي هو من قام بقتل أخي بعد أن قام بتعذيبه ليرتد عن دينه.
ورفعت يدها تشكو له باكية:
_أخبرني يا عم الشيخ كيف يمكن للأب أن يقتل ابنه ويحاول قتل ابنته؟
توسلت له أن يتركني ولكنه لم يفعل، ضربني وكسر عظامي والأصعب لي هو كسر جناحي المتبقى فلم يعد لي ما أستطيع الحياة لأجله، ألقاني بعدما طعنني بالسكين وكنت قد استسلمت للموت لولا رؤيتي لآيوب بمنامي لما استيقظت وتحاملت على اصابتي وذهبت إليه بشقة صديقه الذي كان يقطن بها لأسكن شقته دون أن يشاركني بها.
تابعت ببكاء، جعله يبكي هو الاخر:
_رأيته بحُلمي يحملني على ظهره ويطوف بي حول الكعبة التي أخبرني عنها مرة، تعجبت لحلمي الغريب كنت اظن أن أخي من سيزورني بأخر أنفاس لي بالحياة ولكن آيوب من فعل.
السعادة التي رأيتها بحلمي منحتني العزيمة للفرار من مستنقع عمي، وحينها جُبر أن يتزوجني لإنه رفض أن يبقيني معه دون عقد زواج.
وانهارت أسفل الأريكة باكية، تزحف إليه وتتمسك بيده تردد ببكاء حارق:
_أرجوك سامحه يا عم الشيخ، أقسم أنه لم يعتبرني يومًا زوجته.
نهض مهران وعاونها على النهوض قائلًا ببكاء:
_قومي يا بنتي ...أنا غلطت في حقه ولازم أعتذرله.
هزت رأسها بابتسامة سعيدة وقالت تدعمه:
_نعم...نعم سيدي لقد ظلمته بكل تأكيد، كان يحميني من عمي وحينما اختطفنا أخبرني بأن أخي وضعني بأمانته قبل موته لهذا كان يحميني، حتى أنه لم يطالبني باعتناق دينه أنا من فعلت وصديقه عُمران من دعمني على ذلك، وحينما سألته ماذا ينبغي علي فعله بعد نطقي بالشهادتين أخبرني أن الشيخ مهران والد آيوب الجدير بفعلها.
وازاحت دموعها وقالت برجاء الا يخذلها:
_هل يمكنك أن تأخذ يدي لأعرف قواعد الدين وكيفية اداء صلاتي يا سيدي؟
أغلق عينيه يعتصر تلك الدموع، لقد جعله ابنه فخورًا به، والآن يمنح شرف توبة تلك الفتاة، فتح عينيه الباكية وقال:
_أنتي من النهاردة بنتي وده بيتك، وزي ما ساعدت ناس كتير هساعدك يا بنتي.
انحنت تقبل يده ببكاء فربت على حجابها وهو يبعد يده:
_العفو يا بنتي.
ابتسمت بفرحة كبيرة، ولكنها عادت تسأله بحبٍ:
_هل يعني ذلك بأنك سامحت آيوب ولن تعود لضربه مجددًا؟!
اتسعت ابتسامته وقد قرأ حبها الواضح لأبنه ، ولكنه لم ينزعج إن كانت بالطهارة والعفة التي التمسها بحديثها ورغبتها بتعلم اصول الدين فسيكون فخورًا بها كزوجة لابنه الغالي آيوب، جلى صوته الوقور وقال:
_مش هضربه، هأخده في حضني أكيد.
ابتهجت كثيرًا وقبل أن تضيف كلمة واحدة استمعت لطرق باب المنزل، تركها الشيخ مهران وخرج للباب، فوجد آيوب يقف على عتبة بابه المفتوح، رفض أن يدلف خشية من أن يطرده أبيه ففضل البقاء ودق الجرس.
خرج اليه الشيخ مهران بأعين حمراء من فرط البكاء، ليتفاجئ به يقف حزينًا، وما أن رأه حتى قال بلهفة:
_بابا أرجوك متطردنيش أنا والله مقدر على زعلك ولا على غضبك عليا.
أمسك أيوب يده وقبلها وارتفع بقامته يضع قبلة على رأسه هاتفًا بحزن:
_حقك عليا والله كنت هحكيلك كل حاجة بس مكنش الوقت مناسب، خديجة وخروج يونس كل ده لخبط الدنيا، بس أنا جاهز أحكيلك كل حاجة.. بس اسمعني انت ومتطردنيش تاني.
وسأله بصوتٍ وضع فيه كل ألمه:
_هتدخلني يا بابا؟
جذبه الشيخ مهران باكيًا لاحضانه، ويده تحاوط رأسه بقوة، مرددًا ببكاء:
_هدخلك حضني وبيتي وكل اللي أملكه في حياتي يابني... حقك عليا يا عوضي في الدنيا بعد صبر عشرين سنة..
ربت آيوب على ظهر أبيه وردد ببكاء هو الاخر:
_طيب بتعيط ليه شيخ مهران، أنا عمري ما شوفتك بتعيط!!!!
ابتعد عنه وجذبه للداخل ثم أغلق الباب من خلفه وقال:
_ليه يا آيوب؟ ليه محكتليش على كل اللي عشته في بلاد بره، كده تخبي عني كل ده حتى لما خطفوك وحولوا يقتلوك!!
برق بدهشة وسأله:
_مين اللي قالك الكلام ده آدهم؟!
أتاه الرد من خلفه، صوتها المتساءل:
_أين ذهبت يا عم الشيخ؟!!!!
استدار خلفه بصدمة جعلت عينيه على وشك الخروج من محجرهما، وبصعوبة ردد:
_آديرا!!! بربك يا فتاة ماذا فعلتي تلك المرة؟!!!!
********
على الطائرة المتجهة إلى لندن، كان علي يقرأ باحدى كتبه وهو يبتسم لتخيله فرحة زوجته بحضوره المفاجئ بعد أن حذر شمس من اخبار أحد بعودتهما، ولجواره مالت شمس على نافذة الطائرة تحتضن سلساله برقبتها بشرودٍ وابتسامة تركتها ذكريات هذا اليوم الذي من المستحيل لها نسيانه، تتذكر كيف قضت اليوم برفقته على يخت من أروع اليخوت الذي رأته في حياتها، تتذكر ما ان خطت قدميها اليخت حتى استدارت اليه ورددت:
_واوووو يا آدهم اليخت تحفة بجد وشكله غالي أوي اوي، هو بتاعك؟
منحها ابتسامة مهلكة وأجابها وهو يتجه للقيادة:
_أنا آه مرتاح ماديًا بس مش لدرجة إنه يكون عندي يخت غالي أوي كده يا شمس، ده بتاع القائد بتاعي أداني مفتاحه النهاردة علشان أخرجك بيه لما عرف إنك راجعه لندن.
اتجهت إليه وضمته من ظهره، فقال بخبث:
_متقلقيش يا شمس هانم هقدر أعيشك في مستوى قريب من اللي إنتِ عايشة فيه.
تلاشت ابتسامتها وتراجعت عنه تهدر بانفعال:
_أيه اللي بتقوله ده يا آدهم، مستوى أيه اللي بتتكلم عنه!!! أنا حبيتك لشخصك إنت! حبيتك وأنا كنت فاكراك مجرد بودي جارد عادي!! وحبيتك بردو وانا فاكرك سفاح ومجرم زي راكان، جاي دلوقتي وتكلمني عن المستويات!
وقف القيادة واستدار لها يمسك يديها:
_حبيبتي عارف كل اللي بتقوليه ده، أنا كنت بهزر معاكي ومش هكرر هزاري السخيف ده تاني أوعدك.
منحته ابتسامة هادئة، فعاد لقيادته لتقترب مجددًا وتضمه باستكانة جعلته سعيدًا، وخاصة حينما همست له:
_عرفت ليه لقبتك بالكابتن، أديك بتسوق اليخت أحسن من أجدعها قبطان أو كابتن طيران!
وتابعت وهي تغلق عينيها بنعاسٍ:
_قولي حاجة واحدة مبتعرفش تعملها!!
ضحكة تلو الاخرى حتى انفجر بنوبة من الضحك جعلتها تتجه له وتتساءل بفضول:
_بتضحك ليه؟
قال ليثير فضولها أكثر:
_أقولك بس متضحكيش.
هزت رأسها تؤكد له، فقال ضاحكًا:
_العجلة! بفضل الله تلاقيني مع الدبابات ماشي، طيارات ميضرش، عربيات تلاقي، سفن ميضرش، موتوسيكلات شغال، الا العجلة كل ما بحاول أركبها بقع بيها زي الأهبل اللي ساب هيبته في بيته قبل ما يخرج، مع إني في التدريب عندي جهاز شبيه بيها بس بردو فاشل فشل ذريع فيها، لذا حفاظًا على ماء الوجه بطلت أبص عليها مجرد نظرة بريئة.
استمعت له بعناية وضحكت وهي تستمع له باستمتاع، قص لها عن مواقف طريفة تعرض لها حينما كان يتدرب، أو بعملياته الخاصة.
ساعات مضت عليهما حتى غروب الشمس، تلك اللحظة التي قضوا بها تناول الطعام كانت رائعة وحولهما المياه والغروب يلطف الاجواء.
وبعدها جلسوا على سطح اليخت يراقبون الغروب باستمتاعٍ.
خُلقت بينهما مشاعر جياشة دون أي تجاوزات، كان أمينٍ عليها أكثر مما توقعت، تأكدت للحظتهما الأولى بأنه سيضعف أمامها لا محالة، ففاجئها حينما عافر رغباته بسيطرةٍ تامة، وقد تهيئ لأن يبقيها بأمانٍ حتى من نفسه.
اكتسبت شمس ثقة جديدة عن تلك التي تمنحها لعائلتها، ثقة تجيد طعمها لمرتها الأولى، فابتعدت وتعمقت بحدقتيه لتحرر الكلمات عن أنفاسها المتسارعة:
_أنا بعشقك يا كابتن!
ارتسمت ابتسامة جذابة على وجهه، يده تتشابك بين خصلاتها الحريرية وتجذبها لتميل على كتفه بحمايةٍ، وهمس لها بصوتٍ مغري أشعل من عذابها:
_وأنا ميت فيكِ يا شمس هانم!!
أفاق من شرودها على صوت علي:
_يلا يا حبيبتي وصلنا، انتي نمتي ولا أيه؟!
هزت رأسها نافية، ولحقت به حتى صعدت بالسيارة التي تنتظرهما، فما أن وصلوا للمنزل حتى صعدت شمس لغرفتها بانهاكٍ .
أما هو فقد عاد للمنزل يحمل شوق العالم بأكمله للقائها، لا يعلم كيف مر ذلك الأسبوع عليه ليعود إليها، كان يعلم بأنه سيجدها تغفو بفراشها مع قرابة الساعة الواحدة صباحًا، تلاشت ابتسامته الجذابة وتبخرت حينما وجد فراشه مرتبًا وكأنها لم تبيت يومها به!
ظن أنه سيجدها بغرفتها الجانبية فاتجه إليها يناديها بشوقٍ ولهفة:
_فطيمــه!
تجعدت ملامحه بدهشةٍ حينما لم يجدها أيضًا بغرفتها، فأسرع للطابق الأول قاصدًا غرفة والدته، طرق الباب أكثر من مرةٍ فلم يجد أحدٌ، حتى عمران وشمس، فهبط للأسفل ينادي أحد الخدم الذي استيقظ على الفور يجيبه بوقارٍ:
_ما الأمر سيدي؟
سأله علي بقلقٍ يكاد يمزقه:
_أين الجميع؟
أجابه الخادم مسرعًا:
_السيدة مايسان هاجمها ألمًا مفاجئًا فحملها السيد أحمد وذهبت برفقته السيدة فريدة للمشفى، أما السيدة فاطيما والسيد عمران لم يعدان بعد من الخارج.
ضيق عينيه باستغرابٍ، وجذب هاتفه مشيرًا له:
_عد لغرفتك.
هاتف علي فطيمة وعمران ولكن لم يجيبه على مكالماته، فكاد أن يجن من فرط قلقه لما يحدث هنا، كيف يتسنى لعمران ترك مايا وهي بتلك الحالة ويذهب بهذا الوقت برفقة فاطمة!!
هاجمه عقله دون رحمة، وأقصى ما يخشاه أن تكون قد هاجمت فاطمة نوبة أو حدث بها سوءًا، جذب هاتفه مجددًا وطلب أحمد الذي أجابه على الفور:
_أيوه يا حبيبي، عامل أيه؟
_أنا كويس يا عمي، طمني انت مالها مايا؟
أتاه صوته المرهق يجيبه:
_مفيش حست بتعب وعمران مكنش موجود فجبناها المركز ليوسف.
أسرع بسؤاله لما وجده هام:
_عمران فين لحد دلوقتي وفاطيما مرجعتش؟
_عمران وفاطيما اتاخروا النهاردة، وأخر مرة كلمت عمران قالي إنه كان عنده اجتماع مهم هيأخره بره جايز يكون صمم يرجع فاطيما معاه.
أغلق علي الهاتف بعدما استمر بهدوئه مع عمه، وجلس على أحد المقاعد يحاول تهدئة ذاته، يكفيه أنها الآن باتت أكثر نضجًا وقوة أهلتها للتعامل مع العالم الخارجي، ولماذا قد يشعر بالقلق وأخيه لجوارها!
اقتحم صوت سيارة عمران مسمع علي، فنهض عن مقعده واتجه للشرفة يراقبه بتمعنٍ، فاتسعت عينيه بصدمة جعلته يتجمد محله لا يقوى على الحركة قيد أنامله، وبالكد استدار بجسده ليكون مقابل لباب المنزل الذي انصاع لمفتاح عمران ودفعة قدمه الخافتة جعلته يتسع لمرورهما معًا!
اتجه عمران بخطواتٍ بطيئة للمصعد، وقبل أن يخطو منه توقف وهو يتطلع ذاك المتيبس من أمامه، فهمس بذهولٍ:
_علي! إنت رجعت أمته؟
بقى جامدًا وجهه خالي من التعابير، حدقتيه تنخفض رويدًا رويدًا على تلك المستلقية على ذراع أخيه، وكأنها فاقدة الوعي!
ابتلع لعابه بتريثٍ وهو يجاهد لتماسك انفعالاته، وبدأ يقترب ليكون مقابله وجهًا لوجه، فاستطاع أن يرى وجه زوجته المجهد وحجابها وملابسها الغير مرتبة بشكلٍ يثير الريبة!
سقط وجه فاطمة إليه فور تهدل ذراع عمران للأسفل بعدما استحوذ الارتباك عليه من صمت أخيه وجمود نظراته الغريبة، فتمكن تلك المرة من لقط علامات الأصابع الخمسة الماسدة على خدها المتورم وكأنها نالت عشر صفعات قوية.
#باقي_الفصل_54....(هااام الفصل منزلش كله الباقي) أما هو فقد عد للمنزل يحمل شوق العالم بأكمله للقائها، لا يعلم كيف مر ذلك الأسبوع عليه ليعود إليها، كان يعلم بأنه سيجدها تغفو بفراشها مع قرابة الساعة الواحدة صباحًا، تلاشت ابتسامته الجذابة وتبخرت حينما وجد فراشه مرتبًا وكأنها لم تبيت يومها به! ظن أنه سيجدها بغرفتها الجانبية فاتجه إليها يناديها بشوقٍ ولهفة: _فطيمــه! تجعدت ملامحه بدهشةٍ حينما لم يجدها أيضًا بغرفتها، فأسرع للطابق الأول قاصدًا غرفة والدته، طرق الباب أكثر من مرةٍ فلم يجد أحدٌ، حتى عمران وشمس، فهبط للأسفل ينادي أحد الخدم الذي استيقظ على الفور يجيبه بوقارٍ: _ما الأمر سيدي؟ سأله علي بقلقٍ يكاد يمزقه: _أين الجميع؟ أجابه الخادم مسرعًا: _السيدة مايسان هاجمها ألمًا مفاجئًا فحملها السيد أحمد وذهبت برفقته السيدة فريدة للمشفى، أما السيدة فاطيما والسيد عمران لم يعدان بعد من الخارج. ضيق عينيه باستغرابٍ، وجذب هاتفه مشيرًا له: _عد لغرفتك. هاتف علي فطيمة وعمران ولكن لم يجيبه على مكالماته، فكاد أن يجن من فرط قلقه لما يحدث هنا، كيف يتسنى لعمران ترك مايا وهي بتلك الحالة ويذهب بهذا الوقت برفقة فاطمة!! هاجمه عقله دون رحمة، وأقصى ما يخشاه أن تكون قد هاجمت فاطمة نوبة أو حدث بها سوءًا، جذب هاتفه مجددًا وطلب أحمد الذي أجابه على الفور: _أيوه يا حبيبي، عامل أيه؟ _أنا كويس يا عمي، طمني انت مالها مايا؟ أتاه صوته المرهق يجيبه: _مفيش حست بتعب وعمران مكنش موجود فجبناها المركز ليوسف. أسرع بسؤاله لما وجده هام: _عمران فين لحد دلوقتي وفاطيما مرجعتش؟ _عمران وفاطيما اتاخروا النهاردة، وأخر مرة كلمت عمران قالي إنه كان عنده اجتماع مهم هيأخره بره جايز يكون صمم يرجع فاطيما معاه. أغلق علي الهاتف بعدما استمر بهدوئه مع عمه، وجلس على أحد المقاعد يحاول تهدئة ذاته، يكفيه أنها الآن باتت أكثر نضجًا وقوة أهلتها للتعامل مع العالم الخارجي، ولماذا قد يشعر بالقلق وأخيه لجوارها! اقتحم صوت سيارة عمران مسمع علي، فنهض عن مقعده واتجه للشرفة يراقبه بتمعنٍ، فاتسعت عينيه بصدمة جعلته يتجمد محله لا يقوى على الحركة قيد أنامله، وبالكد استدار بجسده ليكون مقابل لباب المنزل الذي انصاع لمفتاح عمران ودفعة قدمه الخافتة جعلته يتسع لمرورهما معًا! اتجه عمران بخطواتٍ بطيئة للمصعد، وقبل أن يخطو منه توقف وهو يتطلع ذاك المتيبس من أمامه، فهمس بذهولٍ: _علي! إنت رجعت أمته؟ بقى جامدًا وجهه خالي من التعابير، حدقتيه تنخفض رويدًا رويدًا على تلك المستلقية على ذراع أخيه، وكأنها فاقدة الوعي! ابتلع لعابه بتريثٍ وهو يجاهد لتماسك انفعالاته، وبدأ يقترب ليكون مقابله وجهًا لوجه، فاستطاع أن يرى وجه زوجته المجهد وحجابها وملابسها الغير مرتبة بشكلٍ يثير الريبة! سقط وجه فاطمة إليه فور تهدل ذراع عمران للأسفل بعدما استحوذ الارتباك عليه من صمت أخيه وجمود نظراته الغريبة، فتمكن تلك المرة من لقط علامات الأصابع الخمسة الماسدة على خدها المتورم وكأنها نالت عشر صفعات قوية. ضم علي شفتيه معًا بقوة ومد نفسه بصبر يجعله لا يحتمل حتى مجرى تنفسه، لا يسمح أن تزوره مجرد شكوك تدفعه لأخيه أي شكوك يود قتلها رغم أن كل ما تنظره عينيه ما هو الا هلاكًا وجحيمًا يلوح له! تنحنح عمران وهو يناديه بتوترٍ: _علي.. إنت ساكت ليه؟! تلك المرة قرر رفع عينيه ليواجه أخيه، فحرك رماديته ليقابله بنظرة طويلة طعنت قلب عمران باجتيازٍ، وخاصة حينما انحرفت عينيه لعلامات الاظافر التي تضم رقبة أخيه وخده الأيسر، فأغلق علي عينيه على الفور ومزق شفتيه من فرط ضغط أسنانه عليها، وردد بصعوبة أنفاسه المنفعلة: _فاطمة مالها؟ ابتلع ريقه بتوترٍ جعله لا يعلم ماذا سيفعل أمام أخيه؟ ، فأجلي أحباله المنقطعة قائلًا: _آآ... أنا... أصل هي أخده حقنة مهدئة يوسف ادهالها... آآ... مش هتفوق غير بكره الصبح. احتقنت رماديته واختفى لونهما الجذاب، ودنى باقي المسافة بينهما يردد بصعوبة بالحديث: _ويوسف يديها مهدئ ليه؟ وتابع وعينيه تتجه لرقبته: _وأيه على رقبتك ده يا عمران؟ ارتعب عمران من طريقة حديثه، ولف برقبته للمرآة المحاطة بصفحة المصعد فصعق حينما وجد علامات أظافر جعلت الآن الصورة كاملة له بما يجوب بخلد أخيه. ترخى ذراعيه عنها وكاد باسقاطها لولا ذراعي علي التي حملتها وولجت بها للمصعد، مرددًا بغضب مدفون خلف هدوء مخيف: _تعالى ورايا. لحق به للمصعد ووجهه منهمل أرضًا لا يود تلك المواجهة التي سيلجئ لها أخيه، هو يعلم بأنه لم يكن يومًا بالطايش بل سيعقد ألف تحقيق وتحقيق قبل أن تتأكد الشكوك الدائرة بحدقتيه. ولج لغرفته فوضعها على الفراش وبقي منحني إليها يرقب وجهها بنظرة طويلة، كأنه يترجاها أن تستعيد وعيها وتكذب كل ما يجول بخاطره، ليتلقى صفعة أبادت ثباته في مقتلٍ حينما همست ببكاء من بين فقدانها للوعي: _عمران! أغلق علي عينيه بقوة لتعصف تلك الدمعة الحارقة لجوارحه، واستدار لاخيه الذي يضم يديه معًا ووجهه لا يفارق الأرض، كحاله بطفولته حينما يخفي أمرًا عنه! جذب الغطاء على جسدها المرتجف ونهض بهدوء ليتجه لاخيه، سحب نفسًا مطولًا وأخرجه بتنهيدة قاتلة ثم قال: _بتخبي عينك مني ليه، ارفع وشك وبصلي. جاهد عمران لفعل ما قال، وازدرد حلقه وهو يجاهد لخروج صوته ثابتًا: _علي أنا آآ.. وسحب باقي كلماته بحزنٍ جعله يكمم صوته، فقال علي بهدوء: _اتكلم أنا سامعك، عايز تقول أيه؟ اخترق مسمعهما صوت فاطمة الهامس مجددًا باسمه: _عمران. أغلق عمران عينيه بحزن فإن كان محل أخيه لقتله بالحال ولكن علي يمتلك قوة يشهد له بتلك اللحظة، انتبه له حينما وجده يقول: _بالرغم إن فرق السن بينا مش كبير بس أنا مكنتش بشوفك أخويا، إنت ابني اللي كبر قدام عيني وأنا شايله على دهري اللي كان بيحميه من أي شيء، فاكر دهر أخوك يا عمران؟! تهاوى الدمع من عينيه لفهم مغزى حديثه، فلعق شفتيه الجافة وقال: _علي أنا عارف إن الموقف كله صعب، وفاهم إنت بتفكر في أيه بس ده مش صح أنا آآ.. واجه صمته ببسمة هادئة اتبعها قوله الرزين: _أنا متهمتكش بشيء، أنا بحاول أتمسك بأقصى درجة من الصبر اللي جوايا، راكن رجولتي وشرفي على جنب لحد ما أتأكد إن كل اللي قدامي ده وهم، ولو مكنتش تربية ايدي مكنش زماني واقف بالثبات ده قدامك. هز عمران رأسه بتفهم، فسحب علي نفسًا ثقيل قبل أن بسأله مباشرة: _للمرة التانية هسألك أيه اللي حصل يا عمران؟ ارتبك أمامه مرة تفوق الاخرى، وتحلى بالصمت الذي ذبح علي بسكينٍ، فدفعه لقول: _مش هقدر أستنى لحد ما هي تفوق، لو إنت مكاني كنت هتعمل أيه؟ أسرع عمران لاخيه يمسك يديه، وكأنه يشهد أباه على الخلق الذي تربى به: _علي أنا ممكن أتحمل أي حاجة في الدنيا الا خسارتك، أرجوك تسمعني أنا معملتش شيء غلط ولا أي حاجة من اللي في دماغك دي.. رفع علي يده يضم خد أخيه ويترجاه بنبرته الخافتة: _يبقى تتكلم وتقولي حصل أيه؟ لامس الدمع يد علي العالق على وجه عمران، وخرج صوته مهزوزًا: _مش هقدر أتكلم آآ... أنا وعدتها. سحب علي كفه واستدار تجاه فراش زوجته يجاهد لصرف عصبيته، يلتحف بكل ما يأهله لمنع شيطانه عن قتل أخيه بتلك اللحظة، فأتاه صوته الباكي يخبره: _فاطيما أول مرة تأمنلي وتثق فيا يا علي، وأنا وعدتها إني مش هقولك حاجة لما تفوق وحبت تحكيلك فده شيء يرجعلها. بقى صامتًا، يوليه ظهره بهدوءٍ جعل الاخير يستطرد: _سامحني! تحرر صوته أخيرًا عن مرقده: _ارجع أوضتك يا عمران!........
رواية صرخات انثى الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم ايه محمد رفعت
اندهشت آديرا من وجود آيوب، والأخر صدمته تفوقها، فكرر سؤاله مرة أخرى بعصبيةٍ:
_ما الذي أتى بكِ إلى هنا دون إذنًا مني؟!!
فهم الشيخ مهران حديثه، فمازال يري السماعة، اقترب إليهما وقال:
_جيت هنا عشان تقولي الحقيقة يا آيوب، جت تعرفني غلطي يابني.
واستطرد وهو يتطلع لها بابتسامةٍ حنونة:
_إرجع لم هدومك وهدومها وتعالى، ده بيتها ومش هتخرج منه أبدًا، وزي ما هي أتعشمت فيا فأنا عمري ما هخذلها أبدًا.
ابتسم آيوب وهو يوزع نظراته بينهما ببلاهةٍ، لأول مرة تفعل شيئًا يستحق أن يفخر بها، لا يصدق بأنها خاطرت بالنزول بمكانٍ تجاهله، وأتت لأبيه وهي تكاد تموت من فرط خوفها منه، فعلت كل ذلك لأجله!!
أفاق على هزة يد والده، يخبره:
_يلا يا آيوب روح هات حاجتك وحاجتها وتعالى، هي هتقعد هنا مع خديجة وإنت اطلع فوق مع يونس لحد ما نشوف ربنا مقدرلهم أيه يابني.
هز رأسه في طاعةٍ، وغادر يحزم أمتعتها والحقيبة الصغيرة التي تخصه ، وحينما عاد وجد والدته وخديجة قد عادوا، فمنحها الحقيبة وصعد ليونس على الفور.
*******
جاب جناحه ذهابًا وإيابًا، وعينيه متعلقة بها، وكلما همست بإسم أخيه اشتعل غضبه، يحاول بشتي الطرق أن يهدأ من روعه، فليس أخيه بالشخص الذي يخون.
الوحيد الذي يثق به ثقة عمياء، ومن المحال أن يحطمها، ولكن اصراره على إخفاء أمرها عنه زاد من لوعته.
جابه ذكرى يوم غداء العمل، هل من الممكن أن يكون هذا اللعين الايطالي اعتدى عليها انتقامًا من عُمران لما فعله بحقه، وخاصة بعدما أصبح عمه “أحمد الغرباوي” بدلًا عنه.
يكاد أن يصيبه الجنون، أخيه الأحمق يظن أن مثل تلك الأمور سرًا لا يرغب البوح به، يترك النيران تلتهم جسده وبيده هو اطفائها ولكنه يخشى أن يُنكث وعده.
تعالى صوت شهقات فاطمة، ودموعها تنسدل على وجهها، رأسها يتحرك يسارًا ويمينًا رافضة رؤية ما ترآه الآن.
تمزق قلب علي لعلمه بما تراه الآن بالتحديد، نزع جاكيته وإتجه إليها يتمدد جوارها، أزاح عنها الحجاب وجذبها إليه يحتضنها.
مرر يده على خصلاتها ومال على رقبتها يهمس بصوتٍ اختنقت فيه دموعه:
_أنا جنبك يا حبيبتي، متخافيش يا فاطمة مفيش مخلوق يقدر يلمس شعرة واحدة منك وأنا هنا.
ارتحت تعابيرها المشدودة بصورةٍ ملحوظة، صوته الدافئ تسلل لها في ظلمتها، فاستكانت على صدره لدقائقٍ، وعادت تهمس:
_علي!
قرب رأسها إليه، يطبع قبلاته على جبينها بحزنٍ اتبع صوته العميق:
_روح قلبه إنتي يا فطيمة!
انسحب للأسفل ليمنحها نومة مريحة، فهالها أمانه وحبه، شعرت بجيوش مشاعره وعشقه تدافع عنها بسيوفٍ قلبت ساحة المعركة لصفها، فباتت آمنة مطمئنة، حتى وهي تعلم بداخلها بأنها تتوهم وجوده، عقلها يعلم بأنه بمصر وقلبها يتمسك بهالته حتى وإن كانت وهم، رائحته الطيبة وضمته الرقيقة لها تعرفها حتى ولو افترقت عنه دهرًا كاملًا.
أبادت عقلها بقوةٍ وهي تصفعه هاتفة «إنه هو، حبيبي علي! هو الوحيد القادر على منحي تلك المشاعر، هو فحسب!!!»
*****
انتهى من حمامه عساه يمنحه القليل من النشاط الذي فقده، جسده بالرغم من ضخامة بنيته العضلية الا أنه بدى كالهزيل الواشك على فقدان الوعي بين لحظةٍ وأخرى.
ارتدى أول ملابس قابلته بآليةٍ تامة، وعلى غير عادته، ثم سحب مفاتيح سيارته وإتجه للمغادرة.
وقف قبالة الدرج يخطف نظرة حزينة لجناح أخيه، إتجه عُمران إليه مترددًا بطرق بابه، أطبق كفه المفرود ومال عليه يردد بقهرٍ شق دمعة خائنة على خده:
_أنا بريء من الاتهام البشع اللي مالي عنيك يا علي!
تغلب على رغبته بطرق بابه وهبط للأسفل، مستقلًا سيارته.
بينما بغرفة علي.
سحب هاتفه وحاول الاتصال بعمران فور سماع صوت سيارته، فتفاجئ به مغلقًا، لذا أرسل له رسائل مكتوبة على حسابه.
«عُمران خليك صريح معايا وقولي الكلب اللي انت اتخنقت معاه قبل كده حاول يتعدى على فاطمة، أرجوك صارحني عقلي هيقف من التفكير!»
رسالة أخرى
«عُمران الموقف ميتحملش سكوتك، قولي اللي حصل وأنت عارف إني عاقل وقادر أوزن الأمور، بس من فضلك متسبنيش لأفكاري، أنا مجرد ما بفكر إن حد مسها بحس إني قلبي بيقف، أرجوك ريحني وأنا مش هقولها إني عرفت حاجه.»
زفر علي بضيقٍ حينما لم تصل رسائله لعُمران، فترك هاتفه وعاد يمسد على ظهر زوجته، فغفى رغمًا عنه من فرط الاجهاد والسفر لساعاتٍ طويلة.
******
وصلت سيارة عُمران للمركز الطبي الخاص بأخيه، صفها وصعد مسرعًا للطابق الرابع حيث غرفة زوجته، أسرع لباب الغرفة اقتحمه وأنفاسه تعلو من فرط مجهوده المبذول، فانتبه إليه عمه ووالدته وزينب التي أصرت بالقدوم معهم.
انتهى يوسف من غرز المحقن بزجاجة المحلول المندس بعروقها، واستدار يقابل صديقه بنظرة حزينة، ذلك الذي قضى الليلة راكضًا ما بين زوجته وزوجة أخيه!
تحرر صوت عُمران المحتبس بحنجرته طويلًا وقال:
_مالها مايا يا يوسف طمني؟
إتجه إليه حيث محل وقوفه، وقال بصوتٍ منخفض يلفت الانتباه لعمران بأنها نائمة بعمقٍ:
_متقلقش هي كويسة والبيبي كمان زي الفل، كل الحكاية إن الأنيميا واطية شوية ودي اللي تعباها من أول الحمل.
وتابع بعمليةٍ:
_هنحاول مع الأدوية وبعض الأكلات إننا نظبط نسبتها، أنا اديتها محلول دلوقتي ولما يخلص هعلق ليها التاني وعلى الصبح بإذن الله هتبقى كويسة.
استرخى جسده المتشنج، وقال وعينيه لا تفارق وجهها الشاحب:
_معلش يا يوسف تعبتك معايا النهارده .
ربت على كتفه بحنانٍ وقال بخشونة:
_عيب الكلام ده يا عُمران، البشمهندسة مايا تعتبر مرات أخويا ولا إنت شايف غير كده؟
رسم بسمة صغيرة ممتنة له، فاستقبلها يوسف بابتسامة تخفى ألمه وتأثره بحالة عُمران الغامضة له.
وقبل أن يخرج من باب الغرفة قال لفريدة وأحمد:
_عن إذنكم أنا تحت في مكتبي لو حصل حاجة كلموني.
نهض إليه أحمد يقدم له الشكر على عرفانه، فهو أول شخصًا أتى لخاطرهما فور سماعهما صراخ مايا وبكائها، أخبره يوسف بأنه لم يفعل شيء، هذا واجبه وقد أتمه على أكمل وجه، واستأذن للمغادرة على الفور.
جلس عُمران على طرف الفراش جوارها، نظراته الحزينة تحيطها، وسرعان ما استعاد ثبات وصلابة فور تذكره بأنه الآن ليس بمفرده، سيسعى ألا يصل سوء التفاهم هذا لعائلته وبالأخص والدته، إن وصل إليها بأن أخيه يشك بأنه قام بالاعتداء على زوجته ستكون ضربة قاتلة لتلك السيدة الفاتنة التي أفنت شبابها في سبيل ترتبيتهما.
تطلع تجاههم وتساءل باهتمامٍ:
_أيه اللي حصل؟
اعتدلت فريدة بجلوسها وأثار النوم تداعب عينيها الزرقاء:
_معرفش والله يا حبيبي، انا كنت نايمة أنا وأحمد وفوقنا على خبط زينب، قالتلنا إنها سامعة مايا بتعيط جامد وخايفة تدخل الجناح تكون إنت جوه، فدخلت عليها لقيتها بتصرخ وبتعيط جامد، فأحمد اتصل بيوسف وقالنا نجي المركز وهو حصلنا على طول.
هز رأسه بتفهمٍ، ورسم ابتسامة جذابة وهو يردد بامتنانٍ:
_دكتورة زينب مش عارف أشكرك إزاي إنك آ…
قاطعته برقةٍ، رافضة مبالغته بالأمر:
_أنا معملتش حاجة مايا زي فاطمة الاتنين واحد عندي… ربنا يشفيها ويقومها هي والبيبي بخير يا رب.
رد عليها ومازالت ابتسامته مرسومة:
_تسلمي.. بس من اللحظة اللي هيشرفنا فيها البيبي هنقرفك إنتِ ودكتور سبفو معانا.
على ذكر إسمه ارتبكت وتلون وجهها بحمرتها، فتابع عُمران بخبث:
_علي رجع من شوية، يعني خلاص كلها يوم ولا اتنين ويجي يطلبك بشكل رسمي.
خفق قلبها بعنفٍ، وكأنه سيقفز من صدرها يتراقص على نغمات عشقه الذي وُلد داخلها، تمنت أن ينتهى الحوار بينهما فلم تجد أي كلمة مناسبة تجيبه بها.
شعر بها أحمد فقال بحزمٍ مازح:
_خلاص بقى يا وقح متكسفش الدكتورة!! وبعدين احنا اتصلنا بيك عشان تكون جنب مراتك وتهون معاها، وإنت من ساعة ما جيت وإنت مركز معانا احنا.
مازحه بغمزةٍ وقحة:
_مهو أنا مش هعرف أركز معاها طول ما أنتم هنا يا عمي، فأنا بقول تأخد فريدة هانم والدكتورة زينب وترجعوا القصر تريحوا، أنا هنا وهأخد بالي من مايا متقلقوش.
حدجه أحمد بنظرة غاضبة، وأشار بقلة حيلة:
_عمرك ما هتتغير، هتفضل طاووس وقح لحد ما تشيب وتبقى جد!
عدل من ياقة قميصه بغرورٍ:
_مين ده اللي هيشيب ويبقى جد، ده في أحلامك يا أحمد يا غرباوي!! ولو كترت في الكلام مش هترجع بيها على القصر هنطلع كلنا بربطة المعلم على محكمة الأسرة، ها أيه رأيك؟!!
أمسكت فريدة كف زوجها وقالت بإرهاقٍ:
_مش هتقدر على لسانه يا أحمد، خلينا نرجع لاني تعبت فعلًا من القعدة.
أمسك بها ويده تلتف حول خصرها بلهفةٍ:
_حاضر يا حبيبتي، يلا بينا.
تفاجئ أحمد بيد رجولية تزيح يده عن خصرها، وفجأة وجدها محمولة بين ذراعي عُمران الذي منحه نظرة شرسة:
_كل حي أولى بلحم بيته يا عمي!
اندهش أحمد مما يفعله، بينما رددت فريدة بعصبية:
_نزلني يا عُمران!! أيه اللي إنت مهببه ده هتوقعني!
ولج بها المصعد وتركها تقف داخله وقال بضحكة هادئة:
_متقلقيش يا فريدة هانم وزنك الرشيق ميتعداش 60كيلو، بشيل أوزان أكتر منهم!
وغادر سريعًا من أمامها قبل أن يصيبه نوبة عصبيتها، بينما منحه أحمد نظرة غاضبة قبل أن يدلف للمصعد إليها برفقة زينب.
ما أن تأكد من مغاردتهم حتى نزع عنه ملامحه الزائفة، فأطل الحزن من عينيه بعمقٍ، ولج عُمران لغرفة زوجته مهمومًا، يتحرك ببطءٍ شديد، حتى وصل للمقعد المجاور لفراشها.
انحنى لذراعها المتصل بالمحلول الطبي، وفرق قبلاته على كفها برقةٍ.
ظل لجوارها ساعة كاملة يتأملها بحبٍ، وقلبًا متألمًا لما أصابها بسبب حملها، نهض عمران عن المقعد يزيح جاكيته، وجرفاته باختناقٍ شديد، نظرات علي تصيبه بأسهمٍ تسحب كل وجعٍ دفنه داخله.
حرر أزرار قميصه الأسود، وفتح شرفة الغرفة، يستقبل صدره العاري الهواء البارد بكل ترحابٍ، رماديته تنغلق بقوةٍ وتجاهد لتحرر تلك الدمعة المتأججة داخلها، ليجوب إليه ذكرى هذا اليوم العجيب!
##لم يكن يومًا مهملًا بعمله ليأتيه تلك الشكوة من إحدى البنايات المكلف بها إحدى شركاته، جن جنونه واستحضر عفاريته بعصبية تكاد تفجر رأسه من فرطها، صائحًا بعدائيةٍ شديدة:
_ده اسمه استهبال يا بشمهندس!! إنت عارف أنا بقالي كام سنة على الكرسي ده؟ مجاليش شكوة واحدة ودلوقتي عايز أفهم الشكوى دي سببها فريقك ولا إنت اللي فشلت توجهه لطلبات العميل!!
رفع المهندس رأسه هاتفًا بحرجٍ:
_يا مستر عُمران أنا آآ…
قاطعه بصرامةٍ مخيفة:
_إنت أيه؟!! محروج تعترف بفشلك في أول مهمة أسلمهالك كقائد مسؤول!! للأسف يا طارق إنت خذلت ثقتي فيك.
وتابع وهو يغلق حاسوبه بعنفٍ:
_اتفضل يا بشمهندس جمعلي فريقك كله في صالة الاجتماعات، علشان نشوف هنحل الغلطة دي ازاي، وبعد كده هيبقلنا كلام تاني.
تحرك للخارج بضيق لما تسبب هو بفعله، بينما نهض عُمران يهمس بإرهاقٍ شديد وهو يتفحص الساعة التي عانقت الحادية عشر مساءًا:
_المصايب كلها جاية في يوم واحد، اللهم لا اعتراض.
جذب جاكيت بذلته عن المشجب العريض، المجاور للباب الرئيسي لمكتبه، ثم اتجه للباب الجانبي الفاصل بينه مكتبه ومكتب زوجته والذي أصبح يخص زوجة أخيه من بعدها.
طرق عُمران على الباب طرقتين متتاليتين، لتنتبه له فاطمة، وما أن نهضت عن مكتبها حتى ولج يشير:
_سيبي الملف ده يا فاطمة وتعالي يلا أوصلك بسرعة عشان ألحق أرجع تاني.
جذبت حقيبتها ترتديها وما أن استمعت لباقي جملته حتى تساءلت باستغرابٍ:
_هترجع تاني ليه؟!
رد عليها وهو يتنهد بضيقٍ شديد:
_عندي اجتماع مهم، البشمهندس اللي لسه متعين من كام شهر بعته ينفذ عمارة تبع ناس تقال بيتعاملوا معايا باستمرار، اندهشت لما كلموني من شوية يشتكوا من التنفيذ، هشوف البهوات عملوا أيه وهحاول أحل الدنيا.
نزعت عنها الحقيبة وأعادت لسطح المكتب، مقترحة عليه:
_خلاص روح إنت اجتماعك وأنا هستناك هنا على الأقل أكون خلصت حسابات ملف المشروع اللي شغالة عليه.
رفع ساعة يديه يتطلع إليها مرة أخرى، ثم قال:
_بس يا فاطيما أنا ممكن اتأخر في الاجتماع والساعة دلوقتي 11،خليني أروحك وأرجع أحسن.
عادت لمقعدها مبتسمة:
_يعني هروح أعمل أيه!! خليني هنا أحسن لحد ما تخلص اجتماعك بدل ما تروح وترجع كده هتتأخر.
ابتسم لها وقال باحترامٍ لشخصيتها الذي باتت تروق له:
_بيقولوا الأخت الحنينة رزق، وأنا ربنا رزقتي بشمس المصلحجية، أي مصلحة أو فلوس تلاقيها بني آدمة رقيقة وكيوت أوي، وسبحان الله عمري ما شوفتها غير كده، لكن الحنية والطيبة دي موردتش عليا قبل كده.
اتسعت ابتسامتها وقالت:
_الطيبون للطيبات يا بشمهندس، وعلي طيب جدًا ولا أيه؟!
ضحك بصوته الرجولي وقال بمرحٍ:
_طيب ومحظوظ، الاتنين مع بعض وشكلي هنق عليه.
فتحت حاسوبها وملفها من جديدٍ بعدما ظنته يستدعيها للرحيل فأغلقتهما:
_طيب أجل النق لبعدين وإلحق اجتماعك.
زفر بضيقٍ ملحوظ، وهتف:
_لازم تفكريني… يلا هنزل أنا لمبنى الاجتماعات ولما هخلص هرن على تليفون مكتبي أبلغك تنزلي.
هزت رأسها في طاعة وقالت:
_تمام… ربنا معاك.
راقت له دعوتها، فاستدار برأسه لها وقال :
_دعواتك لإني حاسس إني هنزل أطلق كلابي الصعرانه عليهم ووقتها هيموتوا من الصدمة لإنهم متوقعين إن اللي نازلهم هو مستر عُمران الشيك الجنتل مان،وأنا في لحظة غضب مش هقدر أسيطر على عُمران البلطجي اللي قاعد جوه بيتلكك لخلق الله، ففعلًا فعلًا محتاج لدعواتك!!!
اتسعت ضحكاتها بعدم تصديق لما يتفوه به، وقالت من بين سيلها المنطلق:
_هدعيلك حاضر.
ودعها وهبط متجهًا لمبنى الاجتماعات المجاور للمبنى الرئيسي، حيث كان يجتمع بالفريق بأكمله.
ظل عُمران برفقتهم لساعتين متتاليتين، حتى تمكن أخيرًا من حل المشكلة.
انتهى الاجتماع أخيرًا، وخرج عُمران لسيارته منهكًا يجر ساقيه بتعبٍ شديد، رفع هاتفه واتصل بهاتف مكتبه، وحينما أجابته فاطمة قال:
_فاطيما أنا تحت انزلي يلا.
وفور أن أغلق معها، هاتف مكتب السكرتارية، وما أن أجابه حسام السكرتير الخاص به قال:
_معلش يا حسام سهرتك النهاردة، تقدر تمشي.
أغلق الهاتف ومال على سيارته ينتظر زوجة أخيه بإرهاقٍ ودوار جعله على وشك فقدان الوعي بعد هذا اليوم المتعب.
بالأعلى.
أغلقت فاطمة حاسوبها والأوراق من أمامها، ثم خرجت للطرقة الخارجية، وقفت تتطلع للدرج بتعبٍ، لقد استنزفت قوتها بهذا اليوم المرهق الذي لم تشهد مثله منذ أن استلمت عملها هنا.
تطلعت للمصعد بقلقٍ، فهي لم تعتاد الدخول إليه الا برفقة علي، وموخرًا برفقة عُمران الذي التمست به حنان الأخ الذي رحل عن أشقائها، كانت حائرة، بين خوفها المحتبس كالوحش المقيد، وبين تعب جسدها الهزيل، وبين هذا وذاك اختارت الولوج للمصعد بعد قناعة إن لا أحدٌ من الموظفين هنا بهذا الوقت المتأخر.
ولجت فاطمة للمصعد وتراجعت تضغط على اللائحة باختيار الطابق الأرضي، وما كادت بالابتعاد حتى تفاجئت بحسام السكرتير الخاص بعُمران يضع قدمه ليمنع انغلاق الباب، وولج يرسم ابتسامة بسيطة وهو يردد:
_أزي حضرتك يا استاذة فاطمة.
تعجب حينما التزمت بصمتها ولم تجيبه، علامات الفزع والرعب على وجهها جعله يتابعها بدهشةٍ، بدى إليه وكأنها ترى شبحًا أمامها.
لوهلة شعر بأن به خطبًا ما، فاستدار تجاه اللوح الزجاجي من خلفه يتفحص ذاته ليتأكد من سلامة مظهره.
وحينما لم يجد شيئًا غريبًا استدار تجاهها يتساءل بقلقٍ:
_حضرتك كويسة؟
لم تجيبه وكأنها لم تسمعه من الأساس، تركيزها منصوب على اللوحة المضيئة أعلى المصعد، تعد الطوابق المتبقية للنجاة من هنا.
إن كانت تعلم بأنه سيصعد برفقتها لما كانت استلقت المصعد حتى وإن كانت ستموت تعبًا، ارتعشت يديها بشكلٍ ملحوظ، ضغطها العصبي على الحقيبة بين يديها جعل حركت جسدها تهتز بعنفٍ، وفجأة توقف المصعد بهما، وكأن الظروف تكاتفت لتصيبها بنوبة شرسة.
تراجعت فاطمة للخلف بذعرٍ، فتنحنح حسام وهو يتجه للهاتف الموضوع جوار اللائحة قائلًا ببسمةٍ يرسمها بالكد لغموض تلك الفتاة:
_الظاهر إن في مشكلة، بس متقلقيش المشاكل دي بتتحل في دقايق.
لم تكن تسمعه من الأساس، كانت ترى فحيح الماضي السام يتسلل لها رويدًا رويدًا، بقائها بمكانٍ محكم كهذا برفقة رجلًا كان أسوء حلمًا لا تتمنى أن يزورها.
تحدث حسام مع الأمن والعاملين بالأسفل وأكدوا له بأن المصعد سيعمل خلال ثلاث دقائق كحد أقصى، فوقف بعيدًا امام باب المصعد بالتحديد ليضمن بقائها بحرية عنه.
تسلل لها ظل لثلاثٍ رجال، هم نفسهم من قضوا عليها بدمٍ بارد، أحدهم يمزق ثيابها، والأخر يلطم وجهها لتكف عن الصراخ، بينما ثالثهم كان يقيد حركتها الشرسة، تخدر جسدها ولم تعد ساقيها تحملها، فجلست على ركبتيها تنتفض بقوةٍ جعلت جسدها كالهيلام المتحرك.
جسدها حاضر وعقلها غائب، ها هي هنا بينما روحها تعذب هنالك، بين ثلاث ذئاب بشرية، ينهشون لحمها دون رأفة بصراخها، دمائها تنهمر من بين مخالبهم وقلوبهم قد تغلفت بحجارةٍ فجعلتهم قساة كالفولاذ.
عاد الضوء للمصعد، فابتسم حسام بفرحةٍ واستدار ليطمئنها، ولكنه صعق حينما وجدها تجلس أرضًا، بأعينٍ جاحظة، جسدها يرتجف بالرغم من إن انعزالهم بالمصعد وضيقه جعل الحرارة ترتفع بشكل جعله يتصبب عرقًا.
ارتبك للغاية وعجز عن فعل شيء، فبقى محله وسألها بتوترٍ:
_استاذة فاطمة إنتِ كويسة؟!!!
ظلت كما هي، وكأنه اليوم غير مرئيًا لها، توقف المصعد بالأسفل، وانفتح بابه حيث كان يقف عُمران بانتظارها.
رآها تجلس هكذا وصوت أنفاسها المحتبسة تعلو دون توقف، هرع للداخل يتفحصها بلهفةٍ، واستدار لحسام يسأله بنظراتٍ قاتلة:
_مالها؟؟؟
إتجه عُمران إليها يناديها:
_فاطيما ، سمعاني؟!!! أيه اللي حصل؟
كانت تنظر أمامها بصمتٍ تام، انتفاضة جسدها وتمسكها بالحقيبة هو البصيص لأمل أنها مازالت على قيد الحياة، تركها عُمران وهرع إليه يهدر بغضب:
_عملت فيها أيه؟!!!
ابتلع حسام ريقه بتوترٍ، وحاول استدعاء بحة صوته الهادرة رعبًا منه:
_معملتش حاجة!
احتدت مُقلتيه، واندفع يلف ذراعه حول رقبته بعنفٍ اتبع صراخه:
_يعني هتوصل للحالة دي لوحدها! انطق يا حسام والا هتموت في إيدي!
التقط أنفاسه بصعوبة وقد يكون يلفظ أخرها، فقال بسعالٍ حاد:
_والله العظيم مجت جنبها يا مستر عمران، هي أول ما الاسانسير عطل وهي بقت بالحالة دي.
تعمق بالنظر داخل حدقتيه فوجد الصدق لا غيره، هدأ عُمران قليلًا فحسام يعمل معه منذ سنواتٍ ولم يرى منه أي شيئًا يدينه أخلاقيًا، حرر ذراعه عن رقبته وتركه يهندم ثيابه.
خطف عُمران نظرة حائرة لزوجة أخيه، فوجد أن يمسك العصا من المنتصف لحين تأكده من براءته كاملة، فخرج من المصعد يصرخ بعصبيةٍ:
_فين الأمن اللي في المخروبة دي؟؟!!!
خرجوا تباعًا من غرفة السيكيورتي، فأشار لأحد منهم على حسام:
_فرغولي كاميرات الاسانسير ده حالًا، وخدوه جوه لحد ما أتاكد من كلامه.
ووجه حديثه إليه بوعدٍ مخيف:
_ادعي ربنا إنك تكون بتقول الحقيقة لإن لو ثبت عكس ده صدقني هتكون لندن هي قبرك، مش بداية لمستقبلك زي ما بتتمنى!
غادر رجالين من الأمن بصحبة حسام، بينما ذهب البقية لتفريغ كاميرات المصعد بسرعةٍ كبيرةٍ خشية من غضب عُمران الذي يشهده الجميع لأول مرة.
عاد عُمران للمصعد المفتوح على مصرعيه، فوجدها مازالت تجلس محلها، إتجه إليها ينحني قبالتها يناديها بهلعٍ:
_فاطمة اتكلمي أذاكِ؟ عملك أيه الكلب ده؟
بقيت كما هي، دموعها تنساب، عينيها لا ترمشان، جسدها يزيد انتفاضه، اضطر عُمران أن يحرك جسدها عساه تفيق من حالتها الغامضة تلك.
مسك يدها وهو يناديها:
_فاطمة!
لمسته تلك كانت كالصاعقة التي جعلت عقلها يعود لعمله، هو ليس حُلمًا ووهمًا بل حقيقة، تستطيع الشعور الآن بلمسة يد خشنة تحيط ذراعها، فانتفضت صارخة بصوتٍ كُتم لف لفترة لا تعلمها، ورفعت كفها تخدش وجه هذا الحقير الذي تجرأ على لمسها.
أصابت أظافرها وجه عُمران ورقبته، فتأوه ألمًا، ومع ذلك لم يعنيه الا الاطمئنان عليها، فقال وهو يحاول أن يكتف حركتها المنفعلة:
_فاطيما اهدي أنا عُمران!!
كلما حاول السيطرة على يديها كانت تزداد رجفتها ويزيد جنونها، لذا فرق ذراعيه عنها ليجعلها تهدأ، هاتفًا بصوتٍ هادئ:
_اهدي مفيش حد هنا غيري، أنا بعيد أهو بس اهدي!
تطلعت له كثيرًا وكأنها تتحقق من ملامحه وتتأكد من صحة حديثه، اعتدلت فاطمة بجلستها وضمت ركبتها بيديها إليها، وصوت بكائها يعلو تدريجيًا.
شيئًا داخلها قد حُطم، كانت تظن بأنها تعافت بشكلٍ كليًا والآن عادت لنقطة الصفر مجددًا، راقبها عُمران بحيرةٍ، لا يعلم ما الذي عليه فعله، فاقترب منها مجددًا يناديها:
_فاطمة.
رفعت عينيها الباكية إليه، فسألها بلهفةٍ:
_إنتِ كويسة؟
هزت رأسها بالنفي، فعاد يسألها:
_حسام عملك حاجة؟
تهدل كتفيها بعدم علمها، فتبابع بهدوءٍ واتزان:
_ولا يهمك المهم انك تهدي، يلا نخرج من هنا، بره هترتاحي أكتر.
حركت رأسها بموافقة لحديثه، فتحاملت على مسند المصعد المطول، فانتابها دوار حاد، جعلها تترك حقيبتها وتضم رأسها بألمٍ.
انحنى عُمران يلتقط الحقيبة، وسألها:
_قادرة تقفي؟
أحنت رأسها ببكاءٍ، وهي لا تعلم بما تجيبه، فتح كفه بترددٍ وحذر:
_تسمحيلي أساعدك؟
وزعت نظراتها المرتبكة بينه وبين يده الممدودة، وبتوترٍ وقلة حيلة وضعت كفها إليه، فساندها وهو يحرص بقائه بعيدًا عنها قدر المستطاع، تاركها تحتمل على يده وجسده ينفصل عنها بمسافةٍ.
شعرت فاطمة بأنها على وشك الاستسلام للنوبة، فساقيها باتت ثقيلة لا تنصاع إليها، الظلام بدأ يسيطر على حدقتيها بشكلٍ مقبض، مالت بجسدها على ذراع عُمران، فالتقطتها قبل أن تلامس الأرض وهو يصرخ بقلقٍ:
_فاطمــــــــة!!
فتحت عينيها إليه ورددت بهمسٍ باكي:
_متقولش لعلي حاجة… متقولوش!
أجابها وهو يحاول جعلها تستقيم بوقفتها:
_مش هقوله حاجة.. وعد.
أغلقت عينيها مستسلمة للضباب، وبالرغم من ذلك مازالت قدميها تنساق خلفه، ساندها عُمران لاحد غرف الأمن، وضعها على الفراش وسحب أحد الاغطية يداثرها جيدًا.
اغلق باب الغرفة وأشار لأحد الرجال الذي تتبعه للداخل:
_خليك قدام الباب هنا، وأوعى تدخل جوه لو حصل حاجة تيجي تبلغني أخر حل تعمله دخولك جوه ليها فاهم؟
هز الاخير رأسه يجيبه:
_تحت أمرك يا باشا.
إتجه عُمران للغرفة المتحكمة بشاشات المراقبة، ولج الداخل ينحني تجاه احدى الشاشات الموضوعة من امام أحد موظفي الأمن يشير له بأنه قد حلل المقطع المطلوب.
طالبهم عُمران بالخروج وظل بمفرده يراقب ما حدث باهتمامٍ، فوجد أن حسام صادقًا وإنه لم يمسها، لقد انتابتها النوبة منذ دخوله للمصعد، صم كفيه لوجهه وهمس بغضب:
_ما في أربع أسانسير غيره ملقتش غير اللي ركبت فيه يا غبي!
زفر عُمران بغضب لما كان على وشك فعله به، أكثر ما يزعجه أن يظلم أحدًا يومًا، ترك غرفة المراقبة وإتجه لاحد الغرف السفلية حيث يُحتجز حسام بها.
أشار للحارسين قائلًا:
_بامكانكما الذهاب.
رحلوا من أمامه، بينما قام هو بفتح الباب وولج للداخل، وجد حسام يجلس على الفراش حزينًا، فجلس جواره وهو ينهد بضيقٍ، والأخر ينتظر سماع ما سيقول، وحينما تأخر حديثه قال بحزن:
_راجعت تسجيلات الكاميرات يا باشا.
ضم شفتيه يعتصرهما بألمٍ، واستدار إليه يمنحه نظرة حزينة، ودون أي مقدمات ارتفع برأسه يقبل جبهة حسام مرددًا بحرجٍ:
_حقك عليا يا حسام، أنا غلطت في حقك.
وتابع بندمٍ:
_انت شغال معايا بقالك أربع سنين مشفتش فيهم منك حاجة وحشة بس صدقني كان غصب عني، فاطمة حالتها كانت صعبة وأي شخص مكاني كان ظن فيك كده.
هز رأسه بابتسامةٍ هادئة:
_عارف ومقدر ومش زعلان من حضرتك، المهم إن الهانم بخير.
ربت على ساقه بامتنان لتقبله أسفه قائلًا:
_بخير الحمد لله، وعشان جدعنتك دي أحلى مكافأة هتتصرفلك ومش بس كده إنت مش كنت مقدم على اسبوعين اجازة عشان فرحك، مني ليك فوقهم اسبوعين للمالديف بتذاكر محجوزة واقامة جوه الفندق على حسابي، ها مرضي يا عم؟
اتسعت ابتسامته بفرحةٍ ونهض يحتضنه بسعادةٍ، ربت عُمران على ظهره هامسًا:
_ربنا يفرحك يا عريس، أينعم هتفخت الاربع اسابيع دول من غيرك لإن صعب حد من السكرتارية يفهم دماغي زيك بس عشان خاطر العروسة نستحمل.
تعالت ضحكاتهما الرجولية، فابتعد عنه عُمران وطرق على كتفه بقوة وصرامة مضحكة:
_يلا بقى على بيتك هتقف تحكي معايل لنص الليل وأنا مش قادر أصلب طولي، مانت بروح أمك هاريني من الصبح ملفات وشغل متكوم من سنين!!!
برق بدهشة من تحوله السريع الذي من المفترض أن يكون اعتاد عليه، فمازحه عُمران:
_هتمشي ولا أطلق كلابي الصعرانه عليك!
جذب جاكيته الملقي على الفراش وهرول من أمامه قائلًا بضحك:
_تصبح على خير يا مستر عُمران.. أشوفك بكره.
ودعه عُمران وما أن تأكد من رحيله حتى عاد لغرفة فاطمة مهمومًا، لا يعلم كيف سيتعامل معها الآن، حالتها تزداد سوءًا، رجفتها، اختناق تنفسها، كل تلك الامور جعلته عاجزًا.
أخرج هاتفه من جيب سرواله وهو يهمس بسعادة كأن الحل كان غائبًا عنه:
_علي! أكيد هيساعدني وهيقولي أتصرف ازاي!
حرر زر اتصاله، مرة، اثنان، ثلاثة اتصالات وهاتفه كل مرةٍ خارج نطاق التغطية، عساه يعلم بأنه الآن على متن الطائرة لذا لم يستطيع الوصول لخطه المصري.
مرر يده على جبينه بتعبٍ، لا يعلم ماذا سيتوجب عليه فعله الآن، جاب الطرقة الخارجية ذهابًا وإيابًا حتى استقر بتفكيره على يوسف صديقه، هو المناسب الآن لحالة فاطمة.
اتصل به عُمران فاذا به يجيبه بمرحٍ:
_شكلك كده غيرت رأيك وهتيجي تسهر معايا أنا وجمال، احنا بعتنا سيف يجبلك أكل جاهز هتصل بيه وأخليه يزود عشانك.
_أكل أيه يا يوسف، بالله عليك ركز معايا.
_في أيه يا عُمران قلقتني!!!
_فاطمة مرات أخويا تعبانه جدًا ومش عارف أروح فين؟
_تعبانه مالها يعني!
زفر بغضب، لم يكن يود كشف سرها لأحدٍ، فاكتفى بقوله:
_هي كانت بتمر بحالة نفسية والمفروض انها اتخطتها انا حاليًا في الشركة ومش عارف أروح لمين ولا فين!
_خلاص خلاص هاتها وتعالى شقة سيف، وأنا هشوف هقدر أجهز أيه لحد ما تيجي.
أغلق الهاتف ووضعه بجيب بنطاله، ثم مال عليها يناديها:
_فاطمة.. لازم نتحرك.. قادرة تقفي معايا؟
كانت تراه صورة مشوشة من امامها، وجدت يد تمتد لها فابتسمت وهمست بحبٍ:
_علي!
ارتبك عُمران وخشى أن تعامله كزوجها، فأمسك يدها واسندها حتى تمكن من معاونتها بالجلوس بسيارته.
وصل بعد دقائق معدودة لشقة سيف، فوجد يوسف وجمال بانتظاره، عاونها حتى تمددت على الاريكة الخارجية، ففتحت عينيها تحاول التقاط تلك الاصوات المحاطة بها.
ارتعبت فاطمة حينما وجدت جمال ويوسف وعُمران من حولها، يعيد المشهد تجسيد ذاته من جديدٍ، ازدادت النوبة بحدتها، انتفضت بصورة مخيفة، ودموعها انهمرت دون توقف.
رفعت أصابعها المرتجفة تجاه عُمران تناديه ببكاءٍ:
_عُمران!!
ترك عُمران يوسف وجمال وهرع إليها فقالت بعويلها المؤلم:
_مين دول؟ أنا خايفة روحني!
ربت على يدها وقال بحنان:
_متخافيش يا فاطمة ده دكتور يوسف صاحبي، هيحاول يساعدك لاني مش هقدر اروحك كده.. متخافيش.
وأشار لجمال قائلًا:
_معلش يا جمال ادخل اوضتك.
هز رأسه بتفهمٍ وغادر على الفور، بينما دنى يوسف إليها يحاول استكشاف ما يصييها، حدة نوبتها، فجذب أولًا جهاز الضغط يقيسه، فأذا بها تبعد ذراعها برهبةٍ وتتشبث بذراع عُمران، هاتفة بصراخ جنوني:
_أنا عايزة أمشي.
ومالت برأسها على حافة الاريكة بتعبٍ، تردد بعدم وعي:
_محدش يقرب… سيبوني!
ابتعد يوسف عنها بدهشةٍ أصابته كليًا، بينما عاونها عُمران على التمدد وهو يهمس لها:
_متخافيش يا فاطمة انا جنبك… ارتاحي شوية وهنتحرك على طول، اتفقنا؟
وجدها قد اندمست بظلمتها، مغلقة عينيها باستسلامٍ، مددها وأحاطها بغطاء خفيف قدمه له جمال والتقط الورقة التي قدمها له يوسف قائلًا:
_جمال بسرعة هات الحقنة دي من أي صيدالية بسرعة من فضلك.
أومأ إليه واتجه للأسفل، بينما اقترب عُمران من يوسف يتساءل:
_طمني يا يوسف، فاطمة مالها؟
رفع عينيه إليه وقال مندهشًا:
_عُمران هي فاطمة حد اعتدى عليها قبل كده؟
ابتلع ريقه بتوترٍ، وخطف نظرة حزينة لها ثم قال:
_يوسف أنا مينفعش أتكلم معاك في حاجه تخص علي ومراته، بس إنت دكتور وفاهم فاعتبر اجابتي واضحة.
ارتسمت ابتسامة متفاخرة على وجه يوسف وقال بذهولٍ:
_أنا دايمًا بسمع من الدكاترة زمايلي عن شطارة دكتور علي وأد أيه هو دكتور ممتاز، النهاردة بس شوفت بعيني إنه عبقري، كون إنه يتعامل مع حالة فاطمة بالشكل والحذر ده يعني إنه أستاذ! حرفيًا أنا مندهش، أنا بالرغم من إن عندي خلفية بسيطة عن الطب النفسي بس أجزملك بنسبة مية في المية إن حالة زي الحالة اللي بتمر بيها فاطمة دي من رابع المستحيلات إنها تتجوز وتعيش مع راجل أصلًا!!
تأفف عُمران بضيق وهتف يستنكر حالة الاطراء الذي يخوضها يوسف في ظل تلك الظروف:
_وبعدين يا يوسف، فهمت خلاص ان أخويا دكتور محصلش، اتصرف وشوف هتتعامل معاها ازاي انا أعصابي متدمرة ومش متحمل!
ربت على كتفه بحنان:
_طيب اهدى، انا بعت جمال يجيب حقنة مهدئة هتاخدها وهترتاح لحد بكره الصبح.
تنهد بحزنٍ وسأله:
_وده مضمون ولا أيه يا يوسف؟ يعني لو حامل او كده؟
منحه ابتسامة هادئة وقال متفهمًا:
_متقلقش.
استقبل هاتف يوسف رسائل على حسابه الخاص، فرفع هاتفه ليتفاجئ بأحمد الغرباوي يخبره بتعب مايا وحاجتهم الماسة إليه، رفع بصره عن هاتفه وتطلع لصديقه بحزن، يراه مهمومًا على زوجة أخيه فماذا اذا أخبره بتعب زوجته؟
اجابهم يوسف برسالة تنص على توجههم للمركز وسيلحق بهم على الفور، وقرر عدم اخبار عُمران الآن، يكفيه ما يمر به.
عاد جمال يناوله الكيس البلاستيكي، فأفرغ محتوياته وعبئ الأبرة، ثم دنى إليها.
نوبتها كانت شرسة لا ترأف بها بنومٍ مريحًا، كانت تستفيق لدقيقةٍ أو اقل منها ثم تغلق عينيها لأكثر من خمسةٍ دقائق، فتحت فاطمة عينيها تلك المرة فتفاجئت بيوسف يجاورها، ارتعبت وتراجعت لأخر الأريكة، فما أن مالت للجانب الاخر حتى وجدت عُمران ينحني إليها يخبرها بهدوء:
_متخافيش يا فاطمة، يوسف هيديكي مهدء وهنمشي على طول… متخافيش.
أمسكت يده تشدد عليه برجاء ودموع:
_عُمران.. عايزة أمشي من آآ…
سحبت كلماتها مع انتهاء يوسف من دس الأبرة، فشعرت بدوار مضاعف ونادته بهمسٍ باكي:
_عُــ…. مـر… ا.. ن!!
اسمه أخر ما رددته قبل أن تفقد وعيها نهائيًا، استجابة للأبرة، حينما كانت تسترد وعيها وتجد ذاتها بنفس الشقة ونفس الوجوه كانت تناديه عساه يخرجها من هنا، فوجود يوسف وجمال أرعبها وجدد من خوفها.
باحتباسها بالمصعد مع ذلك الرجل بمفردها، زارتها أصعب نوبة اختبارتها، وببقائها بشقة غريبة بوجود شابين لم يتبين اها ملامحهما ولكن وجود عُمران كان داعمًا لجزء من الأمانٍ داخلها، لذا كل مرة يزداد خوفها كانت تردد اسمه عساه يفهم عليها ويخرج بها على الفور.
ما أن انتهى يوسف ألقى الابرة بسلة المهملات، وأخبره:
_المهدئ ده هيخليها تنام لبكره الصبح وهيهديها متقلقش.
رمش بدهشة حينما فهم الامر وقال:
_يعني أيه؟؟!! هرجع بيها ازاي وهي نايمة بالشكل ده؟
زوى حاجبيه بدهشة:
_وانت جيت بيها هنا ازاي؟
اجابه وهو يعتصر رأسه بضيقٍ:
_كان يعتبر مغمي عليها بس كانت ماشية معايا دلوقتي بقى مش عارف هعمل أيه؟
بتلقائية أجابه:
_خلاص سبها هنا للصبح مدام مش هتقبل تشيلها.
صاح بغضبٍ:
_اسيبها فين يا يوسف وانت شايف حالتها دي!! لو صحيت لقت نفسها بالمكان ده مش بعيد تموت فيها.
تطلع إليها قليلًا يحسم أمره، فانحنى يرفعها إليه وحملها متجهًا للأسفل ولسانه لا يكف عن استغفار ربه لما اضُطر إليه.
عاد بها عُمران وهو يتمنى ان لا يراها أحدًا بتلك الحالة، فأتاه القدر بمفاجأة صادمة فور أن رأى أخيه يقف قبالته وجهًا لوجه.
عاد من شروده على صوت تأوهات زوجته الخافتة، فاتجه يجلس جوارها، يناديها بلهفةٍ:
_حبيب قلبي اللي مدوخني وراه من أول شهر حمل، وبعد كده الله أعلم هنام فين تاني؟!
منحته ابتسامة ساحرة، ورددت بعدم تصديق:
_عُمران!!
مال إليها يبعد خصلات شعرها بعيدًا عن عينيها وهمس بحبٍ:
_أه على اللي بيحصل لعُمران لما بيشوف الابتسامة والجمال ده كله، خفي على قلبي الاغراء مش مفيد لا له ولا ليكِ صدقيني!
لكزته بيده بضيقٍ:
_اغراء أيه اللي بتتكلم عنه، أنا بموت!
ارتعبت معالمه وانحنى يقبل كفيها بحبٍ:
_ألف بعد الشر على حبيب قلبي وعيوني، طيب يرضيكِ تموتي ومالقيش حد أدلعه وأقوله حبيب قلب جوزه! طيب فين فضولك إنك تشوفي انتاجنا يا مايا، مش حابة تشوفي البيبي هيطلع لمين؟
ابتسمت رغمًا عنها على حديثه، فمال يستند برأسه على رأسها ومازال همسه الدافئ يتردد:
_يا ترى هتطلع بنت هادية ورقيقة ليكِ، ولا ولد مشاغب ووقح زيي؟!
صرخت بانفعالٍ:
_لأ.. كفايا عليا إنت.. حبيبي لازم تعرف إن أخر حاجة بتمناها ان ابني يطلعلك، آه ممكن يكون عندي حلم بسيط إنه يورث عنك شياكتك واهتمامك بنفسك لكن كشخصية يؤسفني اقولك إني بتمنى ابني يطلع في أخلاق وهدوء علي أخوك، عشان كده لو ربنا كرمني بولد هسلمه لعلي من على باب العمليات بره، مهو انا مش ست مفترية عشان أرازي الخلق بنسختين اوقح من بعض.
جحظت عينيه بصدمةٍ مضحكة، فتابعت تشير بيدها بسخرية:
_ثم آنك سبق وقولتلي إنك قطعة نادرة مالهاش كتالوج! لو اتكررت تاني يبقى إنت مش نادر وجودك يا عُمران يا غرباوي!
تعالت ضحكات عُمران بصخبٍ، فضمها إليه وصوت ضحكاته جعلتها تشاركه الضحك، تمدد جوارها وحملها لتغفو على صدره، فأخذ يربت على شعرها بهدوء سيطر عليه.
خشيت أن يكون انزعج من حديثها، فرفعت رأسها إليه تسأله بخوف:
_عُمران إنت زعلت مني عشان قولت إني عايزاه يطلع لعلي، أنا بهزر على فكرة وآ..
أحاطها إليه وقال بابتسامة سحرتها:
_بس أنا نفسي بتمنى إنه يطلع لعلي يا مايا، وحتى لو مكنتيش بتهزري أنا مش أهبل عشان ازعل منك في شيء زي ده، لإني أكتر واحد عارف طبيعة علاقتك بعلي، عارف أد ايه بتحترميه وبتعتبريه أخوكي الكبير، وكنت دايمًا بستغرب ليه نظرتك ليا مختلفة عنه واحنا تقريبًا متربين سوا.
تعمقت برماديته وسألته باستياءٍ:
_وعرفت؟
اتسعت ابتسامته ومال إليها يقبل جبينها:
_عرفت إن ليا مكانة صعب حد يأخدها.. صحيح زمان كنت غبي وأهبل بس دلوقتي قلبي وأنا كلي ملكك يا مايا!
تعلقت به وهمست إليه بعاطفة:
_أنا بحبك يا عُمران، متبعدش عني ممكن؟
دفن رأسها بصدره وقال وهو يغلق عينيه استسلامًا للنوم بين ذراعيها:
_ولو بعد موتي روحي مش هتفارقك!
استجابت لنومٍ هادئ بين ذراعيه، متناسية آلآم جسدها بينما تناسى هو وجع قلبه الدامي، كلاهما يستمدان قوتهما من حبهما الذي ازداد بحملها لجنينٍ يشهد على عشقٍ ترسخ بينهما!
********
خرج من الحمام بعدما اغتسل بحمامٍ بارد غير مباليًا ببرودة الاجواء، جلس علي يتطلع لها مطولًا، الحزن والضيق يسيطران عليه بقوةٍ.
نهض عن الاريكة واتجه لخزانته يرتدي ملابسه، بينما بالخارج فتحت عينيها بعد أن قضت أسوء ليلة لها.
تفحصت فاطمة الجناح بنظراتٍ مندهشة، ورددت بصوتٍ خافت وهي تشم ملابسها المحتفظة برائحته:
_علي!
خابت آمالها حينما لم تجده بالغرفة، فضمت قدميها إليها وقالت بحزنٍ:
_إزاي!! أنا كنت حاسة بيه طول الوقت.
_لإني كنت جانبك ومسبتكيش غير من دقايق!
اجابها وهو يستند على باب الخزانة مربعًا يديه أمام صدره، ويتطلع لها بابتسامته الجذابة.
أزاحت فاطمة الغطاء وهرولت راكضة إليه تصرخ بحماس غلبه دموع فرحتها:
_علـــــــــي!!
إلتقفها بين أحضانه فتشبثت برقبته بقوةٍ جعلته يرفعها عن الأرض لتكون على نفس مستوى طوله، يهتف بشوقٍ:
_وحشتيني يا فطيمة… وحشتيني أوي!
ابعدها عنه وحافظ على ثباته بكل طريقة امتلكها، لا يود اخافتها عما حدث بالامس ولكنه سيموت قهرًا إن لم تقص له سريعًا ما حدث لها.
فور ان تقابلت عينيها به، رددت بتلعثم وحيرة فيما يفترض قوله:
_حمدلله على سلامتك.. إنت جيت أمته؟!
ضم جانب وجهها بيده:
_جيت امبارح.
رمشت بخوفٍ ملحوظ، بينما هو يدرس كل تفاصيلها، فهتفت بتوتر:
_امبارح.. آآ.. أمته؟
قال ومازالت ابتسامته الثابتة على وجهه:
_بليل يا فطيمة، واستغربت جدًا لما لقيتك نايمة بلبس الخروج وبالححاب كمان.
وبذكاءٍ يمتلكه كطبيب قال:
_للدرجادي تعبتي بالشغل حتى مقدرتيش تغيري هدومك؟
استدارت تجاهها تنفي بارتباكٍ اقلقه:
_لأ يا علـــي متعتبش من الشغل أنا بس كنت آآ… آآ…
ضم وجهها بيديه معًا وبحنان واحتواء قال:
_اهدي حبيبتي أنا مقصدش حاجة أنا بكلمك عادي.
أبعدت يديه عنها واتجهت للاريكة تجلس بتيهةٍ، وفجأة بكت بكاءًا مزق قلبه بين أضلعه، فلحق بها وانحنى قبالتها يتساءل بقلقٍ:
_في أيه يا فاطمة؟ احكيلي يا حبيبتي إنتِ عمرك ما خبيتي حاجة عني.
اعترضت على طلبه بالحديث وقالت:
_خايفة أحكيلك يا علي.
لعق شفتيه الجافة بلعابه وهو يحاول الاتزان بمعالمه وطريقة حديثه، بداخله وحشًا عتيًا يدافع عن أخيه بكل ذرة يمتلكها، لا يريد سماع اي شيء يدينه، عقله الذكي يخبره بأنه الاحتمال الأخر، ربما ستخبره بأن ذلك الحقير حاول مضايقتها وحينها يتعهد بأنه سينفيه من على وجه الحياة.
جلس علي جوارها، ومسد بإبهامه على يدها قائلًا ببسمةٍ يجاهد لبقائها:
_خايفة مني أنا يا روح قلب علي، ده أنا عمري ما اتعاملت معاكي بشكل يخليكي تخافي وتقلقي من الكلام معايا.
تقابلت عينيها المتورمة بعينيه وقالت ببكاء:
_أنا مخفتش يا علي، أنا لسه زي ما أنا..وانهارت بالبكاء الحارق تخبره بجمل غير مرتبة تخرج بها اختصار لما يتردد لذاكرتها رويدًا رويدًا:
_امبارح ركبت الاسانسير لوحدي، وبعدين ركب معايا السكرتير بتاع عُمران، الشاب ده مشفتش منه أي شيء وحش يا علي، بس بمجرد ما بقيت معاه لوحدنا في الاسانسير وكل شيء اتهدم جوايا، كنت فاكرة إني بقيت قوية يا علي بس دي كانت كدبة كبيرة اوي بكدبها على نفسي.
ارتكن بظهره للاريكة يلتقط انفاسه براحةٍ كبيرة، بددت كل شكوكه المؤلمة، يغلق عينيه باسترخاءٍ اتخذ منه دقيقتين حتى استعاد كامل صلابته، فعاد يستقيم بجلسته إليها، يضمها بحبٍ ويمسد عليها:
_الكلام ده مش صح يا فاطمة لو متعالجتيش ازاي قدرتي تتقبليني كزوج ليكي؟ ازاي قدرتي تتأقلمي بعيشتك معايا هنا ومع عيلتي؟ ازاي قدرتي تتقبلي عُمران وتتقبلي تنزلي معاه الشركة وتساعديه؟
وأبعدها ليجعلها ترى عينيه بوضوحٍ:
_اللي حصلك دي مشكلة بسيطة وهتتخطيها، بس بعدها مش هترجعي لنقطة الصفر، هيكون موقف مش لطيف في ذكرياتك لكن مش هيكون له توابع.
هزت رأسها بابتسامة صغيرة، فجذبها لاحضانه مجددًا، فوجدها تخبره بحرجٍ:
_أنا اللي مزعلني إني خربشت عُمران جامد وكنت هضربه وهو بيحاول يساعدني أخرج من الاسانسير! مش عارفة ليه كل مرة بوقع نفسي في مواقف محرجة أكتر من الاول!!
أغلق عينيه بقوةٍ حرر بها دمعة انسدلت على وجهه، وقبل أن تصل لكتفها أزاحها وقابلها بابتسامته:
_لا متقلقيش عُمران مننا وعلينا.
وصل لمسمعه صوت بوق سيارة أخيه، فجذبها علي وهو يشير لها على الخزانة:
_يلا خديلك شاور وغيري هدومك دي، وأنا هنزل أشوف فريدة هانم وعُمران.
انطلقت للخزانة بخنوعٍ، بينما خرج علي ينتظر عُمران أمام جناحه الخاص.
********
ترك عُمران مايا بالمشفى واتجه للمنزل ليبدل ثيابه، وأخبرها بأنه سيعود لها في الموعد الذي حدد لها يوسف الخروج، فلم يتركها الا بعدما وصلت زينب بعد جامعتها للمشفى للاطمئنان عليها.
رفض الصعود لجناحه وأتجه لغرفة شقيقته بشوقٍ لرؤيتها، ولج عُمران لغرفتها، فوجدها تغفو بعمقٍ.
ضحك رغمًا عنه وهو يتأمل مظهرها الفوضوي، قدميها بمقدمة الفراش ويده أعلى الكومود، بينما رأسها منسدل أرضًا.
هز رأسه بقلة حيلة أمام جنون تلك الحمقاء، وإقترب إليها، حملها وأعادها بالشكل الصحيح ثم فرد الغطاء من فوقها.
جلس جوارها يمسد على شعرها، ففتحت شمس عينيها بانزعاجٍ، وما ان رأته حتى رددت بنومٍ:
_عُمران وحشتني أوي.
رفع حاجبيه بمكر:
_آه ما أنا عارف يا بكاشة إني وحشتك لدرجة إنك كنتي بتزني ليل نهار عشان ترجعيلي، بس على مين أنا مش هطلعك من البيت ده تاني يابت، هجوزك هنا عشان تكوني تحت عنيا زي فريدة هانم، عجبه الكلام يبقى على بركة الله معجبهوش نرجعله حاجته وكل شيء قسمة ونصيب.
تثائبت بنعاسٍ، وقالت:
_أنا معاك في كل قرار تتخذه يا بشمهندس، بس سبني أنام أنا بقالي إسبوع مش عارفة أنام هناك من غير أوضتي وسريري، هريح عشر ساعات كمان وبعدها هجيلك ونخطط وندبر مع بعض.
قهقه ضاحكًا، وأردف بخبث:
_كده تعجبيني… نامي وارتاحي وبعد كده لينا كلام تاني.
وتركها وإتجه لجناحه ليبدل ملابسه، ويستعد للخروج برفقة جمال قبل أن يتجه لزوجته.
تخشبت يد عُمران على مقبض الباب حينما استمع لصوت علي من خلفه يهتف:
_كنت فين كل ده؟
استدار إليه يواجهه بنظرة انطفئ بها وميض الحياة، وقال:
_خير يا علي، لسه في اتهامات تانية حابب توجهها ليا، أعتقد أن زمان فاطيما فاقت وتقدر تعرف منها اللي حصل كله، عمومًا أنا طلبت نسخة تسجيل باللي حصل من السيكيورتي ولما يبعتهولي هبعتهولك تتأكد.
والتفت للباب سريعًا قبل أن يرى دموع عينيه، كاد بغلق بابه ولكن قبل ان يفعلها دفع علي الباب بقدميه، وجذب عُمران من جاكيته بعنفٍ، يقول بصدمة:
_قصدك أيه من كلامك ده؟!!
أبعد يديه عن جاكيته وقال بثبات:
_قصدي معروف ومش محتاج شرح يا علي، نظرة الشك اللي كانت في عنيك دي مش هنساها عمري كله.
وتابع ببسمةٍ ألم:
_تعرف إنك أخر واحد ممكن أتخيل إنه يبصلي البصة دي في يوم من الايام!
مرر اصبعه أسفل أنفه وهو يستطرد بوجعٍ:
_أنا مبقتش مستبعد أي حاجة خلاص.
ودنى عُمران إليه يتطلع لعينيه مباشرة وقال بانكسارٍ:
_أنا عايز أعرف نظرتك عني أيه يا علي؟ أخوك زمان كان زنى وشرب خمرة ويمكن يكون ارتكب معاصي كتيرة بس عمره ما كان خاين يا علي!!!
كاد أن يقاطع حديثه فرفع عُمران كفه يمنعه وهو يستكمل بابتسامة شملت وجع العالم بأكمله:
_الا الخيانة.. سامعني يا علي الا الخيـــــانة!!
والتقط نفسًا يخفف به ضربات قلبه التي تخفق بجنون ثم قال:
_زمان رفضت أكون مع مايا لإني كنت مرتبط بألكس، رفضت أكون زوج ليها عشان محسش إني بخونها، كنت بحاول أقلم نفسي إن ألكس الانسانة اللي قلبي اختارها وفي يوم هتلين وتقبل الجواز مني وبالرغم من إن مايا مراتي رفضت أكونلها زوج عشان ما أخنش رابط الجواز اللي هيكون بينا بمجرد ما أكون معاها فازاي بتتهمني بالخيانة!!!ثم إني مكنتش مدورها مع أي بنت بشوفها، انا مكنش في حياتي غير ألكس وكانت أكبر غلطة وخرجت من حياتي، أنا عمري ما كان ليا في السكة دي عشان لما أعملها أعملها مع مرات أخويا واللي مش قادر أشوفها غير شمس ، فقولي بالله عليك ازاي قدرت تشوفني بالحقارة دي وإنت اللي بتتباهى إنك مربيني وعارفني.
وولاه ظهره بتعبٍ انهى به النقاش:
_اطلع بره وسبني يا علي، اللي كسرته جوايا صعب تداويه… ومتقلقش من هنا ورايح هكون بعيد عن فاطيما ومش هخليها تلمحني تاني حتى لو صدفة.
انهال عليه بالصواعق، صاعقة تلو الاخرى، والاخر مصدون مما ترسخ وكُسر داخل أخيه، حاول علي ابتلاع مرارة ما شعر به ولكنه لم يستطيع بقى عالقًا بحلقه كالشوكة الصعب ابتلاعها، فاتجه إليه يجذب ذراعه ليتطلع إليه وصرخ بعصبية بالغة بوجهه:
_أيه التخاريف اللي بتقولها دي!! إنت الظاهر الافلام الهندي اللي بتشوفها لحست مخك، شك أيه وخيانة أيه اللي بتتكلم عنها!!
وتابع بثقةٍ وقوة:
_قولي أمته أنا اتهمتك بالخيانة؟!
قابله بابتسامة صغيرة:
_نظراتك كلها كانت اتهامات يا علي! تنكر إنك مكنتش شاكك إني اتعديت آآ..
_اخـــــــــــــرس متكملش!
بترت كلماته حينما صرخ علي بايقافه، وتلك المرة لم يتقارن الغضب برماديته مع الاخير، فصاح بجنون منفعل:
_إنت أخر واحد ممكن أشك إنه يعمل فيا أنا كده! إتت السبب في الحالة اللي إنت فيها دي، انت اللي وصلتنا لهنا.
أشار عُمران لذاته بدهشة:
_أنا!! عايز تشيلني ذنب أيه تاني يا علي؟!
أجابه بعقلانية وصلابة:
_إنت فضلت تسكت وتحافظ على وعدك لفاطمة في حين إنك شايف أخوك هيموت قدامك، مع إنك عارف ومتأكد إنك لو قولتلي اللي حصل عمري ما هتكلم.
_بس أنا وعدتها إني مش هقولك حاجة.
صاح بعنفوان مقبض:
_أنا دكتورها قبل ما أكون جوزها يا عُمران، يوسف اللي اداها المهدئ ده مش دكتورها المتخصص ولا عارف أيه اللي ينفعها وأيه اللي، مينفعهاش، كان المفروض تفكر في النقطة دي، إنت خلتني موت بدل المرة ألف مرة وأنا قاعد جنبها على السرير عاجز مش عارف حتى هي واخده مهدئ نوعه أيه والابشع من كده إني كزوج كرامتي اتهانت واداست ألف مرة وأنا بتخيل إنها ممكن تكون عانت من الاعتداء للمرة التانية.
وقبل أن يتحدث أوقفه علي يستكمل بغضب:
_وقبل ما مخك الغبي ده يصورلك إني بتهمك بشيء تقدر تفتح موبيلك اللي قافله وتشوف رسايلي ليك… أنا كل اللي فكرت فيه هو الكلب اللي اتخنقت معاه في الفندق يوم غداء العمل، فكرت في كذه حاجة وإنت ساكت ومبتتكلمش، حاولت أضغط عليك بكل السبل عشان تتكلم وإنت رافض وسبتني لعقلي وشيطاني، خلتني أعيش ليلة متمنهاش لألد أعدائي، إنت قتلتني ألف مرة بسكوتك ده يا عُمران ، ودلوقتي واقف وبتخرف بكلام زاد من وجعي.
واتجه للخروج من أمامه وقبل أن يعبر من باب الغرفة استدار يمنحه نظرة معاتبة أخيرة، قائلًا بألمٍ:
_لو أنا شايفك بالصورة دي عمري ما كنت هجازف بفاطمة وهي حالتها كده وأمن ليك عليها حتى لو كنت أقرب شخص ليا بالكون.
واستطرد بجمود:
_أنا كنت جايلك أعتذرلك وأبوس رأسك لاني اتعصبت عليك امبارح فبعد اللي سمعته ده متتوقعش مني إني هعملها، اقعد وراجع نفسك،أنا تحت في مكتبي هستنى تنزل وتعتذر زي أي ابن مطيع بيعرف غلطه!!!
غادر علي من أمامه بينما رفع عُمران حاجبه باستنكارٍ:
_وبيقولوا عليا طاووس وقح طيب وده نسميه أيه؟!!!
********
بالقاهرة.. وبالأخص بعمارة الشيخ مهران.
صعدت خديجة لشقة والدتها، لتحضر بعض من الثياب لها ولآديرا التي تعرفت عليها مؤخرًا بعد أن قضت ليلتها برفقتها.
تركت باب الشقة مفتوح واتجهت لغرفة نومها، تفتح خزانتها وتجذب الملابس التي كانت تخصها قبل الزواج، انتهت من حزم بعض الملابس بالكيس البلاستيكي، وما ان استدارت لتغادر الغرفة حتى تجلدت محلها صدمة لرؤيته يقف قبالتها.
سقط الكيس البلاستيكي من يدها، وتراجعت للخلف بخطواتٍ غير منتظمة، وهي تشير برعبٍ وفزع.
قابلها بنظرة كسهام الموت الذي يعلم كيف يستهدف ضحيته وقال ببطءٍ مخيف:
_بقى أنا ترفعي عليا قضية خلع يا روح أمك!! ده أنا هدفنك مكانك هنا ومفيش مخلوق هيعتر على جتتك يابنت ال****.
بصعوبة بالغه تحرر صوتها المفقود:
_معتز!!!!
رواية صرخات انثى الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم ايه محمد رفعت
كنت أنا الحائر من بين تجمع العائلة الذي لا يحدث عادة إلا بوجود احتفالًا أرستقراطي راقي، والآن أقف حاملًا لعبتي الصغيرة المفضلة، كانت إحدى أنواع السيارات التي كنت أحلم يومًا بامتلاكها.
أوجه الجميع كانت حزينة لدرجةٍ جعلتني أرتجف رعبًا مما يحدث، ظننت ببدء الأمر أن والدتي قد أصابها سوءًا، ريثما تبكي لهذا، ولكن بعد قليل تسلل لآذني جملة واحدة: "لقد توفى سالم".
حسنًا، الآن وجدت جوابًا واضحًا لأسئلتي، لقد مات أبي!
مات وتركني صغيرًا لم يعتاد المضي بين سرداب الحياة المخيف، لم يترك لي نصائح حتى لم يوصيني على شيءٍ ربما لإنني صغيرًا.
لقد حملوه وبعد قليل عادوا دونه، وكأنه مر عابر سبيل بتلك الحياة الفانية، تاركًا من خلفه ثلاث أبناء، وكان هو منهم.
ضمة يد رغم لينها إلا أن قوتها أرضخته أن يلتفت لصاحبها، فوجد أخيه يقابله بنظرةٍ لو مر عمرًا فوق عمره لن ينساها أبدًا، وكأنه يخبره بأنه من تلك اللحظة سيصبح أبيه وشقيقه، بالرغم من أن فرق السن بينهما ليس كبيرًا.
ضمته الهشة بجسده الطفولي منحت عُمران الذي يصغره أمانًا، جعلته ممتنًا لوجوده الآن لجواره.
توالت الأيام ومضى العمر ومازال "علي" سكنًا، وأمانًا، جابرًا لخاطره وكسرته، كان له قبضة قوية تحيطه قبل السقوط بعرجلةٍ ومَزَالِقُ الطريق، حتى ذكرياته شاركه بها بدوره المثالي الداعم له، الخلاصة كلمة لا ثاني لها "علي"!
أدمج الحزن مُقلتيه، فكل مقارنة دخلها خرج خاسرًا أمام أخيه، فوجد ذاته يبدل ملابسه ويسرع متلهفًا للأسفل حتى يلقاه.
ألقى غرور الطاووس الوقح جانبًا وسعى أن يقدم اعتذاره أولًا حتى وإن كان سيتطلب الأمر لـلإهانة سيفعلها بالتأكيد.
هبط "عُمران" للأسفل، متجهًا لغرفة مكتب أخيه.
وقف أمام بابه غير الموصود، يتطلع أمامه بارتباكٍ.
ابتسامة صغيرة شقت طريقها إليه حينما داعبت أنفه رائحة القهوة المميزة التي يعدها أخيه بنفسه.
واكتملت إطلالته المعتادة له فور رؤيته يستكين على مقعد مكتبه، هائمًا بإحدى الكتب كما توقع عُمران.
اقترب منه وهو يحرص كل الحرص ألا يشعر به، فتفحص اسم الكتاب الذي يستمد كل تركيزه.
لم يندهش كثيرًا حينما وجده يقرأ أشعار "نزار قباني"، فأخيه مهووس بالقراءة حد النخاع، وربما ذلك ما أكسبه تلك الخبرة التي تفوق عمره عمرًا.
"علي" الحكيم، المتفوق بدراساته منذ صغره، وبالرغم من إتقانه لذلك إلا أنه كان يجد أوقاتًا لممارسة هوايته المفضلة "القراءة".
كان أكثر ما يقرأ به الكتب المتفرعة بعلم النفس.
أفاق من شروده على صوته الساخر ومازال منغمس بقراءة الكتاب:
"بتفكر إزاي تجبر نفسك تعتذر ولا، جاي تكابر؟"
جذب المقعد المقابل لمكتبه الصغير، وجلس قبالته يتنهد بضيقٍ ملحوظ:
"لا دي ولا دي يا دكتور. وبعدين إنت إيه اللي جرالك من امتى وانت مغرور كده يا علي؟!"
أغلق الكتاب من أمامه، ثم انتزع عنه نظارته الطبية ليمنحه نظرة ساخرة:
"ومين قال إني مغرور؟"
رفع عُمران أحد حاجبيه باستنكارٍ:
"الكلام اللي حضرتك قولته فوق من شوية!"
ضم كفيه معًا واستند برأسه عليهما، محدقًا به بنظرةٍ ثابتة:
"ولما إنت مش مقتنع بكلامي نازل عندي وواقف بقالك ساعة بره ومتردد تدخل ليه؟!"
اشرأب الغضب من رماديته، فردد بغيظٍ:
"بطل تحلل تصرفاتي بعين الدكتور النفسي اللي جواك ده!"
ضم "علي" شفتيه معًا وعاد لمقعده يهزه ببرودٍ:
"أممممم... شكلك كده مش ناوي تكون ولد مطيع وتعتذر، هتلجأ للعند اللي سايقه على كل اللي حواليك."
استنكر جملته وهدر بانفعالٍ:
"إيه ولد مطيع دي شايفني عيل قدامك!! علي أنت مش شايفني كويس ولا إيه؟ ده اللي يشوفني جنبك بيفكرني أخوك الكبير!!! راعي فرق الأحجام بينا يا دكتور!!"
لم تهتز به شعرة، وأجابه بابتسامةٍ استفزت الأخير:
"يا مغرور إنت عمرها ما بتتقاس بالعضلات بتتقاس بده."
قالها وهو يشير على عقله.
فتنهد الأخير بقلة حيلة:
"إحنا مش في تحدي الذكاء بينا، إنت اللي مصمم تحسسني إني طفل والفرق بينا مش كبير أصلًا!"
واستطرد بدهشةٍ غاضبة:
"وبعدين إزاي تكلمني بالشكل ده إنت طول عمرك متواضع يا علي!!"
نهض عن مقعده وصوت ضحكاته المسموع يزعج عُمران الذي يشعر وكأنه يتعرف على أخيه لمرته الأولى.
اتجه إليه علي، وجلس قبالته على المقعد، ودنى بجسده تجاهه يقول بهدوءٍ:
"عُمران لو الفرق ما بينا شهرين حتى فمش هتنكر حقيقة إنك حطتني في مكانة بابا الله يرحمه، فتقدر تقول إني اللي مربيك ده أولًا. أما إجابة أسئلتك الكتيرة عن غروري اللي اكتشفته مؤخرًا فده بيتلخص في جملة تلخص اللي مدفون ورا تربيتي للطاووس اللي فاكر هيتواقح عليا!"
زوى حاجبيه متسائلًا بسخريةٍ:
"وأيه هي الجملة دي بقى يا دكتور علي؟"
عاد للخلف يضع قدمًا فوق الأخرى وببسمةٍ خبيثة قال:
"أنا بابا يالا!"
راقبه عُمران قليلًا بصدمةٍ، وبعدها تحررت ضحكاته والاخير يشاركه الضحك بقوةٍ أدمعت عينيه.
وبصعوبة قال عُمران:
"هما عملوا فيك إيه في مصر؟ ده مكنش أسبوع ده؟!"
قهقه ضاحكًا وقال:
"سيب المدفون مدفون جوايا وخليني ملهي بالكتب بدل ما أكرهك في اليوم اللي حاولت تكون فيه مغرور ووقح! فاعقلها كده بالعقل يا بشمهندس!"
غادرت ضحكاته وجهه الوسيم، وقال بجديةٍ تامة:
"علي متزعلش مني على الكلام اللي قولتهولك فوق، أنا بس الموقف كله كان مخليني متوتر. حاولت اتصل بيك أكتر من مرة على رقمك المصري، ولما معرفتش أوصلك ملقتش غير يوسف اللي ممكن أأمن له على حالة فاطمة."
عاد لجديته التامة، وأجابه بحبٍ:
"مش زعلان من اللي حصل أكتر من تأثري بكلامك عن نفسك يا عُمران. ليه دايمًا شايف نفسك وحش وبتحاول تظهر عيوبك اللي خلاص ربنا سبحانه وتعالى ستر عليها تقوم إنت تكشف ستره! كل مشكلة ترجع للماضي ليه؟!"
انحنى برأسه للأسفل بحزنٍ التهمه دون رحمة.
فقرب علي مقعده منه وقال بعد تفكيرٍ ذكي:
"عُمران إنت اتعرضت لموقف من قريب فكرك باللي حصل زمان عشان كده أخدت الأمور بحساسية زيادة عن اللزوم؟"
رفع عُمران ذراعه ونهض، هادرًا بصدمةٍ زائفة وهو يتطلع لساعته:
"أووبس إتأخرت على جمال جدًا، ده هينفخني أوي أما يشوفني."
بنفس ثباته وجموده ردد:
"اقعد يا عُمران."
جلس محله مجددًا ينتهد بقلة حيلة، وبضجرٍ قال:
"علي وحياة الست الوالدة عندك يا شيخ تبطل تمارس مهنتك المعقدة دي عليا، أنا مش مجنون ولا بعاني من أي مشكلة الحمد لله."
أشار على ذاته باستنكارٍ خبيث:
"أنا!! ليه بتقول كده يا عُمران شايفني قولتلك قوم ارتاح على الشازلونج أو حاولت أهديك وانت بتشد في شعرك! إيه اللي يمنع الأخ يدردش مع أخوه شوية ولا ده حرموه على الدكتور النفسي!"
مرر يده على جبينه بارهاقٍ وقال:
"وبعدين معاك بقى يا علي، بقولك متأخر على صاحبي! ولا إنت عشان معندكش أصحاب مش فارقلك!"
يعلم بما يحاول ذلك المتحاذق فعله، ومع ذلك حافظ على اتزانه ببراعةٍ:
"مين قالك إني معنديش أصدقاء؟ وبعدين مش معنى إني معرفتكش عليهم زي ما انت بتعمل يبقى معنديش! مش شرط إنك تنتظر رد فعل مماثل ليك من الشخص اللي قدامك."
تغاضى عن جملته الطويلة، وقال بنزقٍ:
"ومعرفتنيش عليهم ليه بقى؟"
ابتسم بخبثٍ، ودنى إليه يردد بجديةٍ زائفة:
"وتفتكر هقولهم إيه؟ يا مساء المربى أقدم لكم أخويا اللي عايز يتربى!!!!"
احتدمت نظرات عُمران إليه، وهدر منفعلًا:
"ونسيت تضيف إن في جواه بلطجي مدفون، وشكله كده هيطلقه دلوقتي!"
وضع ساقًا فوق الأخرى، ومال على يده يتفحصه بنظرةٍ هادئة:
"خلينا نتكلم في المفيد، هتعتذر شفوي ولا تحريري؟"
يحاول قدر الإمكان احتباس غضبه داخله.
فابتسم علي واعتدل بجلسته قائلًا:
"مفيش داعي لاعتذارك أصلًا، الهزار التقيل ده كله عشان أخلص حقي منك لإني متغاظ وهطق من طريقة تفكيرك الغبية، قوم يا عُمران عشان متتأخرش على جمال، واطمن عمر ما مشكلة تافهة زي دي هتفرق بينا أو هتخليني أزعل منك."
ونهض يتجه لمقعده الرئيسي، يعود لكتابه من جديد.
فإذا بالآخر يقترب منه، وانحنى يقبل رأسه وهو يردد بندمٍ:
"لا أنا غلطت يا علي، حقك عليا أنا والله كنت خايف إن فاطمة تفقد الثقة فيا، ومكنتش عارف هي مش عايزة تبلغك ليه؟"
ضمه علي إليه وقال بحبٍ:
"يا أهبل إنت أخر شخص في الكون ممكن أتوقع منه الخيانة، خلاص بلاش نتكلم في اللي فات إحنا في النهاردة."
اتسعت ابتسامة عُمران.
فقال علي بحنانٍ:
"روح لصاحبك وأنا هعدي على المركز لو اتأخرت كلمني وأنا هرجع مايا معايا."
هز رأسه وفرحته تعيد البهجة لحدقتيه.
حنان "علي" المفرط لطالما أشبع النقص الذي يخوضه عُمران، وكلما اعتمره الحزن والضيق في كل مرةٍ واجه بها الصعاب وجد أن الأمور لا تحدث إلا لتعلقه بأخيه وتزيد من رابطهما.
انحنى يلتقط فنجان أخيه، ارتشفه بجرعة واحدة وأشار له يودعه.
وزع علي نظراته البائسة بين أخيه الذي يغادر وبين فنجانه الفارغ، فزفر بيأس من تغيره ثم عاد لنظارته وكتابه.
سرقته أبيات الشعر وألقته بمغارتها الثمينة، يكتشف كنوزها ويجني ما يتلقفه.
وحينما لمسته أبياتًا منها حتى وجد معذبة فؤاده ترنو إليه، متسائلة ببسمتها الرقيقة:
"بتعمل إيه يا دكتور علي؟"
مد يده لها فوضعتها بكل حبٍ.
مرر ذراعه من فوق المكتب، فحملت طرف فستانها الوردي وانساقت خلف حركة ذراعه حتى باتت تجاور مقعده.
فابتعد للخلف وجذبها تستند على المكتب من أمامه، تقابل نظراته الهائمة بجمالها الرقيق.
وهمس لها بصوتٍ اقشعر جسدها استجابة إليه:
"ثُوري! أحبّكِ أن تثُوري، ثُوري على شرق السبايا والتكايا والبخُورِ، ثُوري على التاريخ، وانتصري على الوهم الكبيرِ، لا ترهبي أحداً فإن الشمس مقبرةُ النسورِ، ثُوري على شرقٍ يراكِ وليمةً فوقَ السرير. (نزار قباني)"
وتابع بابتسامةٍ:
"شوفتك بين سطورها، حسيت إن كل كلمة موجهة ليكِ، حفظتها بقلبي قبل عيوني."
أطبقت أصابعها بين أصابعه بقوةٍ، كأنها تضمه.
فاستقام بوقفته واقترب منها يردد بابتسامةٍ خبيثة:
"حاسس إنك مفتقدة الأمان في بعدي، فأيه رأيك تقربي؟"
كانت مرحبة بما هو شعر به، فضمها إليه تستمد طاقتها الأمنه منه، رائحته، دفئه، تفتقد كل شيءٍ به.
تعلقت به بقوةٍ، وهمست بصوتٍ منخفض:
"وجودك جنبي بعد اليوم الصعب ده كان الخلاص ليا من العذاب اللي هشوفه يا علي، خايفة أحتاجك ومتكنش جنبي، أوعدني إنك مش هتسبني تاني."
أبعدها عنه وأحاط وجهها بيده فصرخت وهي تضم وجهها بألمٍ.
أبعد يده وسألها بفضولٍ اعتلاه منذ أمس:
"اللي في وشك ده من إيه يا فاطمة؟"
لعقت شفتيها بارتباكٍ.
فقال بهدوءٍ:
"هنرجع للخوف تاني! عمرك ما هتلاقي حد يفهمك غيري يا فاطمة فمتتوقعيش إني ممكن أتضايق منك أبدًا."
ابتلعت ريقها الجاف وقالت بحرجٍ:
"مكنتش شايفة حد قدامي غيرهم يا علي، مكنتش سامعة عُمران ولا حاسة بيه، وبعد كده لما ابتديت أفوق كنت ببعده عني لدرجة إني جرحت وشه فأكيد الجرح اللي في وشي ده وهو بيحاول يسيطر عليا."
طوق رقبتها بيده وقربها إليه مجددًا، فتعلقت به بسعادةٍ كونه لم يتعمق بالحديث عما يحزنها.
ووجدته يخبرها بحنانٍ:
"عدت ومش هتتكرر تاني يا قلب علي!"
"آدهم" أنهى من وضع مقادير الكعك بالخلاط الكهربي، ومازال يتابع على شاشة اليوتيوب الطريقة، فأتى "آيوب" من خلفه يحمل ثلاثة صواني مستديرة، يسأله بجديةٍ تامة:
"ها يا آدهم أيه يناسبك في دول؟"
شمله بنظرةٍ ساخرة، وصاح بتهكمٍ وهو يلقي الملعقة جانبًا:
"يعني فلحنا في مقادير التورتة عشان تطلع لنا في مقاس الصينية يا آيوب!"
ضحك آيوب حتى أحمر وجهه، وردد بصعوبة بالحديث:
"إيه الاستسلام السريع ده يا حضرة الظابط؟"
هز كتفيه بغيظٍ:
"أنا اللي مش فاهم إصراره الغريب إني أعمله تورته بنفسي!! كان زماني طلبتها من أي محل شيك وانتهينا!"
جذب الملعقة وقال وهو يعيد الحاسوب مستكملًا الطريقة بدلًا منه:
"والدك بيحبك وبيتدلع عليك فيها إيه دي؟!"
مال على الرخامة المربعة التي تتوسط مطبخه الضخم هامسًا بضيقٍ:
"وإنت الصادق واخدني كوبري عشان يجيبك هنا كل يوم!"
"بتقول حاجة يا آدهم!" تساءل آيوب بدهشةٍ.
فسحب الحليب والكريم، ثم بدأ بالخفق ليصنع فوم كريمي لتزين قالب الكعك:
"كنت بقولك إنت اللي اديت رقمك لبابا وكل يوم والتاني قرفك معانا."
قلب المقادير على الدقيق وبدأ بالخفق، قائلًا:
"هتصدقني لو قولتلك إني اتعودت على مكالماته ولو اتأخر بتصل بيه أنا."
ابتسم آدهم وردد بسخريةٍ مرحة:
"إيه قصة العشق الممنوع ده؟ لو الوضع واصل بينكم لكده هات هدومك وتعالى اقعد معاه."
تعالت ضحكاته بصخبٍ:
"كان هيحصل والله بس الحمد لله آديرا عملت حاجة صح في حياتها وحلت الموضوع بيني وبين الشيخ مهران."
رفع "آدهم" الملعقة يتذوق ما صنع وقال:
"كنت هاجي اصالحك عليه زي ما عملت معايا أنا وبابا، محلولة يعني."
شاكسه بضحكٍ:
"عينك للتقيلة يا حضرة الظابط."
وإتجه للفرن الساخن يضع الصينية به، وقال بتريثٍ:
"بتمنى إنها تنجح!"
ترك آدهم الكريمة وأشار له مازحًا:
"متقلقش أنا عامل حسابي."
سأله باستغرابٍ:
"مش فاهم!"
فتح آدهم إحدى الخزانات وجذب علبة حلوي كبيرة، مغلفة بشريك أسود أنيق، وغمز له بمشاغبة:
"اتعلمت إن دايمًا يكون في حل بديل وخطة تانية استبن!"
نزع المريول عنه بضيقٍ:
"يعني انت محتفظ بيها وسايبنا نجاهد هنا في سبيل الله!! وبالنسبة للمطبخ اللي اتبهدل ده مين هينضفه يا باشا عشان لو كده أخلع بدري بدري قبل الحفلة بتاعتكم دي."
فتح آدهم باب منظفة الأطباق وصاح متفاخرًا:
"متقلقش في دي.. هنلم كل البهدالة دي ونرميها فيها وبقدرة قادر هترجع بتلمع وفريش."
قهقه آيوب بصخبٍ وقال:
"طيب وبالنسبة لسجادة المطبخ اللي بهدلتها كلها دقيق هناخدها فومين ولا هنلفها كادو لوالدك!!!"
زفر بمللٍ:
"خلاص يا آيوب مكنتش سجادة يعني!"
أجابه بمرحٍ:
"عندك إنت مجرد سجادة، لكن عنده هتبقى ثروة قومية، أصلك متعرفش اللي فيها. أنا لما الحاجة رقية بتتعب وأدخل أنضف المطبخ مكانها والقى علبة حلاوة فاضية ولا برطمان مربى مكركبين المطبخ، فبذكائي كرجل بيكره الكراكيب وعدم التنسيق ألمهم وأرميهم في اقرب بسكت زبالة، تاني يوم بالظبط بقوم من نومي على طبلة صريخ يقطع الخلف وبعدها ممكن تفضل مقاطعاني سنتين تلاته، لحد ما الشيخ مهران يتدخل ويروح يشتري لها علبتين حلاوة واربع برطمانات مربى ونقعد أنا وهو نأكلهم عافية لحد ما نرجع لها البرطمانات الفاضية!!"
وتابع والاخر يتطلع له بصدمةٍ:
"فمش قادر أتخيل رد فعلها لو كنت إنت اللي في بيتنا وبوظت السجادة بالمنظر ده، أقسم بالله محد كان هيعرف يخلصك منها حتى الشيخ مهران نفسه."
انفجر بنوبة من الضحك، فشاركه آيوب هو الآخر، ومصطفى الذي يجلس أمام المطبخ يراقبه دون أن يلفت الانتباه لوجوده.
أخرج آيوب قالب الكعك وتشاركا هو وآدهم بتزينه، وخرجا معًا لمصطفى الذي قال بابتسامةٍ ملأها الحب:
"شكلكم فلحتوا."
أجابه آيوب مؤكدًا:
"الريحة وسمك الكيك وكل شيء يدل على ذلك فاضل الطعم بس يا ولدي العزيز."
رد عليه وهو يتعمق بالنظر إليه:
"ولو وحشة ومعجنة هأكلها بردو، اديني حتة يا آيوب."
جذب السكين وقطع قطعة مثلثية الشكل ثم قدمها إليه، فتناولها منه بامتنانٍ، بينما اكتفى آدهم بمراقبتهما.
فرفع له آيوب طبقًا قائلًا باستهزاءٍ:
"انت مستني حد يعزم عليك ولا إيه يا آدهم."
مال عليه يهمس بضحكٍ:
"لا وانت الصادق خايف أكلها وأجري على الإنعاش، المفروض إني عريس وداخل على جواز وكده واخد بالك؟"
غمس شوكته بقطعة صغيرة، مدها لآدهم فتناولها بابتسامةٍ هادئة، وأشار بإعجابٍ:
"شكل في شيف مدفون جواك يا آيوب."
ضحك وكاد بأن يشاكسه ولكنه وجد هاتفه يعلو رنينه، وضع الطبق من يده ثم حرر زر الاتصال يجيب:
"آيوه يا إيثان؟"
أتاه صوته اللاهث:
"آيوب، الواد حمادة العجلاتي اتصل بيا من شوية وقالي إنه شاف معتز طالع العمارة عندكم، شكله عرف بقضية الخلع اللي انت رفعتها عليه وجاي لخديجة، والمصيبة إن يونس لسه في الشقة فوق منزلش الشغل، تعالى بسرعة شكلها هتبقى مجزرة!"
برزت معالمه ارتباكًا ملحوظًا، فهدر مصطفى بقلقٍ:
"في حاجة يابني؟"
دس هاتفه بجيب بنطاله الجينز، وقال وهو يجاهد لثبات ملامحه:
"مفيش يا والدي ده صاحبي مستنيني تحت البيت، لازم أمشي حالًا وأوعدك هجيلك مرة تانية."
ارتسم الحزن في مُقلتيه، ولكنه أومأ له دون أن يثير غضب آدهم:
"ماشي يا حبيبي، بس يا ريت تعملها وتيجي لوحدك من غير ما اتصل بيك."
انحنى لمقعده وقبل رأسه باحترامٍ:
"أوعدك إني هجي من نفسي ومن غير مكالمتك."
تفحصه آدهم بنظرةٍ دقيقة، فوضع طبقه وجذب مفاتيح سيارته:
"يلا هوصلك."
لا يريد إقماح آدهم بالأمر، يكفيه ما فعله لأجله، فقال:
"خليك مع والدك يا آدهم، أنا هاخد تاكسي وهروح على طول."
تزايدت شكوكه حول تلك المكالمة التي درس بها انفعالاته جيدًا، فاتجه للخروج قائلًا بإصرارٍ:
"يلا يا آيوب، وعلى الطريق احكيلي اللي بتحاول تخبيه عني!"
تراجعت للخلف بذعرٍ حينما رأته يقف أمامها.
أغلق معتز باب المنزل، واقترب منها وعينيه تشع بالكراهية والشر.
سقطت عنها الحقيبة وتراجعت خديجة للخلف بهلعٍ، جسدها لم يتعافى بعد من تباعات ما تعرضت له على يد ذلك الذئب البشري، وها هو يشهر مخالبه أمامها مرة أخرى.
سابقًا كان ينتابها الضعف والقهر أمامه، بدون يونس كانت تشعر بأنها يتيمة، معدومة، وبوجوده بنفس المنزل التي تقبع به تشعر بقوةٍ غريبة.
لم تشعر باقترابه إلا حينما جذب معصمها بقوةٍ، ليطلق سبابه الوضيع:
"بقى انتِ عايزة تخلعيني يا بنت الـ***، ده أنا اللي معلمك تعمليها مع الكلب اللي كنتِ على ذمته، عايزة تعمليها فيا أنا!!"
أبعدت يده بقوةٍ لا تعلم كيف افتعلتها:
"اللي بتتكلم عنه ده أرجل راجل أنا عرفته في حياتي كلها، الكلب ده هو اللي بيتشطر على واحدة ست وبيحاول يبين لها قد إيه هو راجل وهو ناقصه حجاب ويبقى واحدة ست."
هوى على وجهها بصفعةٍ جعلت الدماء تنسدل من جانب شفتيها، فلم تترك له أي فرصة للهجوم عليها، ودفعته بكل قوتها بعيدًا عنها، ثم ركضت تجاه باب الشقة تصرخ مستنجدة بجيران الطابق الذي تقطن به، حيث كان يضم كل طابق ثلاثة شُقَقٌ.
خرج الجيران مسرعين على صوت استغاثتها، فأحاطوا معتز بقوة قبل أن يصل لها.
أشارت لها إحدى السيدات بالخروج من المبنى، لعلمهم بهمجية زوجها المعتادة بالمبنى.
عدلت خديجة نقابها على وجهها جيدًا، وهرولت للأسفل راكضة، فوجدت فارس بطريق صعوده للأعلى.
صرخت به:
"فارس تعالى بسرعة."
ركض إليها الصغير فضمته إليها ووقفت توزع بصره بين الدرج السفلي والعلوي بحيرةٍ.
إن هبطت للأسفل سيلحق بها على الفور وستعرض الشيخ مهران وزوجته الحاجة رقية لمشاكلٍ لا غنى عنها.
تعلقت عينيها ببابه الموصود، فتحرك جسدها دون إرادة منها إليه، تطرق بابه بعنفٍ وتارة تدق الجرس.
وما أن فُتح بابه ليرى القادم حتى دفعته وولجت بصغيرها للداخل مغلقة الباب وجسدها ينتفض برعبٍ بينما تراقب العين السحرية بالباب.
اندهش يُونس من فعلتها، كيف تجرأت على الصعود لشقته ودفعه بتلك الطريقة، وفوق كل ذلك لم تبرر تقف وتراقب الطريق بجراءةٍ جعلته يهدر بغضبٍ:
"إنتِ مبتفهميش مش أنا سبق وقولتلك مش عايز أشوف خلقتك تاني! طالعالي وداخلة شقتي بمنتهى البجاحة!!"
استدارت تجاهه وأنفاسها الهادرة تجعل صدرها يعلو ويهبط دون توقف، وبتوسلٍ قالت:
"شوية وهطلع بس من فضلك وطي صوتك."
شملها بنظرةٍ مستحقرة وصاح بانفعالٍ:
"أنا أعمل اللي أنا عايزه، مش مستني أخد أوامر من واحدة رخيصة زيك، وحالًا هتطلعي من شقتي ومن بيتي كله."
وأشار عليها بكرهٍ شديد:
"أوعي تفكري إن أسلوبك ووشك القذر ده هتقدري تخدعيني من تاني زي ما عملتي مع ابن عمي والشيخ مهران، يونس الأهبل اللي كنتي تعرفيه الله يرحمه، اللي قدامك أسوء إنسان ممكن تقابليه في حياتك."
اقتربت منه ووقفت بمسافةٍ معقولة منه، قائلة ببكاءٍ لمع بعينيها وصوتها المتحشرج:
"يُونس اللي حبيته مماتش، موجود جواك حتى لو بتحاول تدفنه ومتعترفش بوجوده أنا قادرة أحس بيه وأشوفه."
تهدلت شفتيه بسخريةٍ، وشملها بنظرةٍ جابتها من رأسها لأخمص قدميها، ومال يهمس لها حتى لا يستمع فارس لما سيقول:
"مستعد أكون هو لو مفتقداه أوي كده، ومتقلقيش سرك هيفضل في بير ميرضنيش أخرب جوازتك من الآريل اللي متجوزاه."
برقت بعينيها بصدمةٍ جعلتها تشعر وكأن روحها قد سُلبت منها عنوةً.
انهمرت دموعها وبصعوبة رددت:
"إيه اللي بتقوله ده؟!"
"حقيقتك!" قالها بقوةٍ وصلابة، وتابع:
"حقيقتك اللي مكنتش قادر أشوفها، مهو مش معقول واحدة محترمة جوزها دخل السجن ترفع عليه قضية خلع وبعد عدتها بيوم ترتبط بواحد تاني إلا لو كانت مقضياها معاه من قبل جوازها وكانت مستنية الطريق يخلى ليه، أو يمكن هي اللي عملت فيه كده وساعدت عشيقها في خطته الوضيعة عشان تخلص من جوزها المغفل."
هزت رأسها تنفي بشراسةٍ ما يوجهه لها.
فتابع بهدوءٍ مخيفٍ:
"اسمعي اللي فات اتدفن ولو اتفتح دلوقتي مش هتخرجي من هنا على رجلك، فخدي ابنك واتفضلي من هنا."
بقيت محلها دون أن يهتز لها جفن وقالت:
"مهما حاولت تبين كرهك ليا، عمرك ما هتنجح يا يونس، إنت لسه بتحبني وآ..."
صرخ بجنونٍ وعصبيةٍ بالغة:
"كنت بس وحياة كل نبضة نبضها قلبي ليكِ لأخد حق كل يوم قضيته وأنا مخلص لحبك، أقسملك إني هكسر قلبك زي ما كسرتي قلبي، وهدفن جواه حبك الأعمى.. هزله بكل دقة دقة لواحدة رخيصة وخاينة زيك!"
وتابع وعينيه لا تحيل عنها:
"هدفن اللين والرأفة اللي جوايا ومش هيكون عندي ليكي غير جبروت وقسوة وكره... هنتقم للأيام اللي قضيتها بين أربع حيطان عاجز وموجوع من اللي عملتيه.."
وفتح باب شقته صارخًا بغضبٍ:
"اطلعي من هنا ومتورنيش وشك تاني لا انتي ولا ابنك!"
هرعت راكضة تغلق الباب وتتخفى خلفه برهبةٍ، فتعالت شهقات بكائها الواصل لإذنيه رغم أن ملامحها مختبئة خلف نقابها الأسود، ويدها تضم صغيرها المتمسك بساقيها برعبٍ من خوض تلك الأحداث المضطربة.
تحرر صوتها أخيرًا تتوسل له باكية:
"أبوس إيدك متخرجنيش دلوقتي..أوعدك إني هخرج من حياتك ومش هضايقك تاني لا أنا ولا ابني بس استنى لما معتز يمشي من العمارة وهخرج على طول.. لو شافني هنا هيأذيني!"
ابتسامة ساخرة تسللت على شفتيه، فطوفها بنظرةٍ مستحقرة جابتها من رأسها حتى أخمص قدميها.
تراجعت للحائط من خلفها وهي تبتلع ريقها برعبٍ من نظراته الغامضة.
فانحنى بقامته الطويلة ليصل إليها وحرر صوته المبحوح من فرط صراخه بها:
"ولو قتلك تفتكري هيفرق معايا!"
وجذب ذراعها واتجه ليفتح بابه فترجته باكية وهي تضم صغيرها إليها:
"بالله عليك وحياة أغلى حاجة عندك!"
استدار لها ويده تشدد حول معصمها بقوةٍ جعلتها تتأوه ألمًا، بينما يهتف هو بجمودٍ:
"ماتت.. أغلى حاجة في حياتي ماتت واندفنت ومبقاش ليها رجوع تاني."
وانهى كلماته وهو يدفعها خارج شقته، يطالعها بنظرةٍ حملت كره وحقد لم تتوقعه يومًا.
فاحتضنها صغيرها وهو يبكي بانهيارٍ بين ذراعيها وانتقل كل شعورٍ بالحب تجاه يُونس داخل الصغير إلى كره شديد لما يتسبب به لوالدته.
فتركها أرضًا واندفع تجاه ذاك العملاق يسدد له ركلات بساقيه الصغيرة وهو يصرخ بها ببكاء:
"إنت وحش وحش.. أنا بكرهك!"
"أخر حاجة كنت أتوقعها إنك جوه عنده يا بنت الـ***" صوتًا صاخبًا اقتحم مشهدهم جعلها تنتفض برقدتها، فدفعت جسدها الهزيل للخلف وهي تتطلع لمن يهبط الدرج مسرعًا حينما تسلل له صوت الطفل.
جحظت عينيها صدمة وخاصة حينما جذبها من حجابها بقوةٍ جعلت نقابها يرتخي عن وجهها وصرخ بها باستحقارٍ:
"عشان كده مكنتيش عايزة ترجعيلي واتجرأتي ورفعتي قضية خلع عليا!! وديني لاقتلك يا فاجرة."
صرخت وهي تحاول تفادي ضرباته القاسية، تصرخ بكل ما فيها عسى ذاك أن يتحرك ذلك القاسي لنجدتها، ولكنها لم ترى بعينيه سوى نظرة مستمتعة لما يقع عليها.
ويده تلتف على صغيرها الذي يجاهد لنجدتها من ذلك المتوحش مرددًا ببكاء:
"ماما... ماماااا."
ورفع الصغير وجهه إليه يتوسل له:
"ابعده عنها أرجوك!"
انحنى بقامته الطويلة ليكون على نفس مستوى الصغير، أحاط وجهه بيديه معًا ومسد على شعره بحنانٍ وهو يخبره:
"صدقني متستاهلش حبك وخوفك عليها... مامتك دي حرباية هتعرف تخلص نفسها وتتلون للون اللي هيرضيه!!"
وانتصب بوقفته يطالعها بنظرةٍ أخيرة قبل أن يجذبه عنوةً ويتجه به لشقته تاركها تعافر بقوةٍ، حتى ارتخى جسدها على الدرج ومع ذلك لم يرحمها.
حرر حزامه الجلدي ليلقنها ضربات قاتلة جعلت الأخير يحارب لأن يغلق بابه وهو يرى ما يفعله ذلك الآرعن، مقيدًا داخله غضبه العظيم ومطالبة عاجلة للقصاص لما فعله به، يحاول بكافة السبل أن يجعلها تثق بأن حبها قد قُتل داخله.
نظرة عينيها الواثقة بأنه سيهرع لنجدتها قيدته بقسوةٍ ليريها كيف يكون الخذلان؟
يريدها أن تذوق القليل مما جعلته يتناوله.
ولكنها لم تكن لتشاهد ما حدث له ولقلبه المسكين، صرخاته الصاخبة ليلًا باسمها، تواسلاته المتكررة أن لا تترك يده وتتحلى بالصبر حتى يحرر الأغلال عن يده، فأتته بطعنةٍ أكثر من سابقتها حينما علم بأمر زواجها منه.
كل ليلة قضاها يتخيلها بين ذراعيه بفراش ذلك الحقير كان يموت ألف مرةٍ، لدرجة جعلته يدعو بكل صلاة أن يقبض الله روحه المعذبة.
وها هي الآن قابعة بين ذراع جلادها الذي فضلته عليه هو، قهرته وانتزعت رجولته دون رحمة، والآن حان وقت الخلاص لروحه وقلبه المتعبان!
أغلقت عينيها تستعد لمصيرٍ قاسٍ، وقبل أن تطولها أول ضربة من حزامه تفاجئت بأحدٍ يمسك الحزام بقوةٍ، ويسدد له ضربة بعصاه الغليظة.
تطلعت بصدمةٍ لمن يقف خلفه، فرددت ببكاءٍ خافت:
"شيخ مهران!"
حانت من ذاك الشيخ الموقر نظرة تجاه من يقف أمام باب شقته يتابع ما يحدث بجمودٍ.
فاتجه بعصاه العتيقة ليقف قبالته يحدجه بنظرة قاتلة وبخشونة قال:
"يا خسارة تربيتي فيك! أخر حاجة كنت أتوقعها إنك تقف تتفرج ببرود على واحدة ست عاجزة تدافع عن نفسها."
عاتبه بنظرةٍ مطولة وقال يذكره:
"أدافع عن دي!!!!! إنت ناسي اللي عملته فيا.. دي أخر واحدة ممكن أدافع عنها، أنا لولا أخلاقي اللي بتتكلم عنها كنت أنا اللي عملت فيها كده مش هو."
قاطعه بطرق عصاه أرضًا صارخًا بعصبيةٍ بالغة:
"يُونــس!!"
ابتلع كلماته بجوفه وتحلى بالصمت.
نهض معتز عن الأرض بغيظٍ مما فعله هذا العجوز الكهل، فانحنى يحمل عصاه الملقاة أرضًا واتجه إليه ليبرحه ضربًا.
وما كاد يرفعها حتى وجد ثقل جاسم فوق طرفها.
استدار للخلف ليتقابل مع نظرات يُونس المحتقنة، حرر وحشه المعقود بسلساله مطالبًا بالثأر للماضي والحاضر والمستقبل الذي سيحمل وصمة ذلك الحقير بذكرياته.
ألقى يونس العصا أرضًا وقابله بلكمةٍ قاسية أطاحت به أرضًا، فلم يترك له فرصة المناص من شراسته.
جلس بركبتيه عليه وسدد له لكمات متفرقة استهدفت وجهه بأكمله وهو يصرخ به بجنون ودون وعي لما يتفوه به:
"بتتشطر على الحريم يابن الـ***، جيت لقضاك برجليك يا ****، اللي عملته كوم واللي كنت هتعمله في عمي كوم تاني يا حقير، وأقسم بالله لتخرج منها على نقالة."
قال كلماته الأخيرة وقد جذبه ليقف قبالته عنوة، يخرج كل ما كبت داخله، ويحركه بعصبيةٍ مفرطة:
"دافع عن نفسك يا سبع الرجال ولا خلاص لسانك اتقطع!!"
سقط جسد معتز أرضًا في حالةٍ من عدم الوعي، ومازالت خديجة تجلس على أول درجات الدرج العلوي تضم ابنها وتتابع ما يحدث بابتسامةٍ واسعة.
لما كانت تخشى ذلك المشهد كثيرًا، ولكن بمجرد رؤية ما يحدث لزوجها المعتوه شُفيت جروحها بأكملها.
أيامًا وسنوات مضت عليها تختبر بها شعور العجز أمام قوته التي يتباهى بها، وقد أتى يونس يحطم له غروره وكبريائه الزائف.
ابتسم الشيخ مهران وهو يرى غيرته وغضبه الجحيمي، يعلم جيدًا بأنه كان يتحجج ليدافع عنها وحجته قد أتت له على طبقٍ من ذهب.
ضربه المبرح لمعتز لم يكن طبيعيًا، أول جملة تحررت على لسانه ذاكرًا ضربه للنساء برهنت سبب غضبه الحقيقي، ولكن الآن عليه التدخل سريعًا والا سيقتله.
أسرع إليه وحاول إبعاده من فوق جسد معتز، هادرًا بصرامة:
"خلاص يا يونس، سيبه."
فشل بالفصل بينهما، أو حتى بإقناع يونس بتركه، كان لا يرى أمامه من فرط النيران التي تلتهمه فتركها تشعل غريمه بحقدٍ دافين.
بالأسفل وخاصة بمطبخ شقة الشيخ مهران.
جلست الحاجة رقية تطوي الأرز بالرقائق، لتصنع أصابع من (المحشي).
ومن ثم تضعها بالوعاء أمامها، مرددة مع صوت الشيخ "محمد رفعت" لتراجع وردها خشية من أن تنسى حفظها للقرآن الكريم.
"حجة ركيا (حاجة رقية)" اقتحم مطبخها المفعم بصوت القرآن المرتفع صوت نداء مضحك من آديرا التي تتابعها بمللٍ.
فأخفضت المذياع الصغير الموضوع على الطاولة جوارها، مدمدمة باستهزاءٍ:
"ركيا!! الله يسامحك يا آيوب يابني، أنا كنت ناقصة فقعة مرارة!"
وتطلعت لها تشير وهي تجتهد لتجعلها تفهم ما تقول:
"عايزة حاجة؟"
عبست بضجرٍ وقالت بعربية مضحكة:
"أنا عاوز يخرج!"
ضحكت رغمًا عنها على نبرتها وهمست:
"والله كلامك زي السكر وشكلي كده هحبك يابت، بس لو ربنا هداكي وبقيتي على الصراط المستقيم وفكيتك من حوار يـ. ـهودية دي هحبك بضمير."
رفعت كتفيها بضيقٍ:
"أنا لا أفهم ما تقولينه؟"
ورددت بصعوبةٍ جعلتها تشعر بالضيق:
"الشيخ مهران راحت فين؟"
قهقهت ضاحكة حتى احمر وجهها الممتلئ، ورددت بضحكاتٍ مجلجلة:
"يخيبك ده لو سمعك هيروح فيها!"
وحاولت التمسك قائلة بلومٍ:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، طيب دي أتكلم معاها إزاي دي يا ربي، هو أنا فالحة في العربي لما يجيبولي أجبنية!"
وجذبت المنشفة تزيح بقايا الطعام عنها وهي تخبرها:
"استني أما أنادي البت خديجة تيجي تترجم لك لحسن أنا ضغطي عالي وعندي القولون ملتهب.."
وتركت المطبخ واتجهت لغرفتها تتمتم بضيقٍ:
"والله أنا مش عارفة هأكلها إيه خايفة أديها محشي كرومب تروح فيها وأتسجن أنا! أبقى أعملها دقية ورق عنب اهو خفيف وهيتهضم معاها مع صاروخ حاجة ساقعة هتبقى زي الفل بإذن الله."
فتحت باب غرفتها وهي تصيح:
"الله يسامحك يا آيوب يابن بطني!"
ورددت تنادي فور رؤية الفراش فارغًا:
"خديجــــــة، تعالي يا بنتي شوفي الخواجاية دي عايزة إيه لحسن دماغي وجعتني!"
لم تجدها حتى بالحمام الملحق بالغرفة، فأسرعت للغرف بأكملها بقلقٍ توغل لها، وخاصة حينما تسلل لها صوت صرخات تأتي من الأعلى.
جذبت حجابها الأسود الطويل وارتدته، ثم خرجت باتجاه الدرج، فتفاجئت بآيوب وصديقه يهرعان للأعلى.
أوقفته تسأله بخوفٍ:
"في إيه يا آيوب؟"
ربت على كفها وهو يركض للأعلى:
"مفيش يا ماما، خليكي جوه متطلعيش."
وتركها حائرة وأكمل طريقه للأعلى راكضًا ومن خلفه آدهم، ليتفاجئوا معًا بيونس الذي يلف ذراعه حول رقبة معتز المستسلم للموت بعد معاناة بالدفاع عن نفسه للفكاك من يد ذلك الشرس.
كان آدهم الأسرع من آيوب باستيعاب الأمر، وجذب يُونس للخلف بقوةٍ أحكمت سطوتها عليه، حاول المناص منه وهو يصرخ بانفعالٍ:
"سبني هموته عشان ناري تبرد... هأخد حقي بدراعي!"
صاح آدهم بعصبيةٍ بالغة وهو يقيد ذراعيه خلف ظهره بتحكمٍ:
"حقك هيرجعلك أنا وعدتك يا يونس!"
ردد بغضبٍ جحيمي:
"أنا مش هطاطي قدامه تاني، هقتله يعني هقتله.. مش عايزك ترجعلي حقي يا باشا أنا اللي هرجعه وبدراعي."
وقف آيوب في مواجهته يردد باندفاعٍ:
"يُونس آنت مش قاتل قتلة فوووق من الجنان ده، خلاص حقك هتاخده بالقانون مش بالطريقة دي!"
وتابع بهدوءٍ يحاول التمسك به:
"صدقني لو عملتها وإيدك طالتها الندم مش هتعرف تعيش ولا هتتقبل اللي إنت عملته، فوق يا يُونس إحنا مش شبهه ولا دي تربيتنا يابن عمي!"
أثرت كلمات آيوب به، فهدأ تدريجيًا.
وصل ايثان للأعلى واندفع تجاه يونس يتساءل وهو يلتقط أنفاسه بصعوبةٍ:
"في إيه يا يونس، الكلب ده عملك حاجة؟"
استغل معتز وقوف إيثان وآيوب أمام أعين يونس وآدهم والشيخ مهران.
واستـل من جيبه سكيـ.ـنه الصغير المطوي، حرره ونظراته الشريرة تحيط جسد يونس المقيد بفعل قوة ذراعي آدهم القوي.
كان هدفه محدود وملقن، ولا أحدٌ يرى استقامة جلسته وهمه بالوقوف والتقدم تجاهه سوى تلك الجالسة من خلفه على الدرج.
أبعدت خديجة ابنها عن أحضانها وانفلتت دموعها دون أي حديثٍ يذكر.
نهضت تحتمل على وجع جسدها بصعوبةٍ، ولا تعلم كيف تجسدت قوتها المهدورة إليها.
فهـرعت راكضة تلقي ذاتها من أمامه لتكن درعًا واقيًا لصدره المستهدف، تتعلق برقبته بقوةٍ وصرختها تعلو ناطقة بإسمه بجنون:
"يُــــــــــــونـس!!"
إلتحم خنجره بظهرها بسرعة الريح، وقلبه العاشق طاله النصل قبل أن يطولها.
تعلقت عينيه بها ولسانه يهمس بحروفٍ قرأتها بإستمتاعٍ وحب:
"خديجـة!!!"
منحته ابتسامة ونظرة لمع بها حبه الصريح، واستسلمت ركبتها لتعانق الأرض أسفل قدميه.
ذُهل الجميع مما يحدث، وكل شيء يحدث بسرعة لا يستوعبها أي منهم.
ترك آدهم يونس الذي سقط أرضًا جوارها، وأسرع تجاه معتز يقيد حركته بركبته التي تضغط على ظهره ويديه تتقيد من خلفه.
تعالى صراخ الحاجة رقية بجنون فور رؤيتها لخديجة تجلس أرضًا على ركبتها والدماء تنهمر من ظهرها بغزارةٍ.
أخرج ايثان هاتفه يطلب الاسعاف بعدما صرخ به آيوب.
أما يونس فقبض على كفها وعينيه الدامعتان تراقبها كأنه يرطم ذاته لتقبل ما فعلته وأصابها.
تمسكت خديجة بكفه ورفعت وجهها إليه تهمس بروحٍ تزهق أنفاسها الأخيرة:
"أنا بريئة يا يونس... والله العظيم ما خونتك ولا عملت كده آآآه....آنا.... آنااااأ......"
ابتلعت كلماتها بصرخةٍ كتمتها بجوفها، فاستقام بجلسته يرفع ذراعيه في محاولة لضمها إليه، ولكنـه توقف بعجزٍ أمام حقيقة كونها محرمة عليه.
أجلى صوته الباكي بثباتٍ يجاهد له رغم انهمار دموعه على وجنته:
"ليه عملتي كده؟ أنا كده كده ميت ضربته مش هتقصر فيا."
هزت رأسها ويدها تكبت جنبها النازف، ناطقة بأنفاسٍ متحشرجة:
"أنا اللي هموت يا يونس! مكنش عندي أي دليل يأكدلي إنك عايش، كنت عايشة ميتة من غيرك فمستحيل هرجع للأيام دي تاني وآ..... آآآه."
ترجتها الحاجة رقية وهي تحاول أن تساندها:
"اسكتي يا بنتي انتي تعبانه اسكتي."
مسكت خديجة يد يونس وتابعت لتبرأ نفسها قبل أن تلقي حتفها، بينما الأخير يراقب جرحها الذي يزداد نزيفه بوجعٍ يتلخص بقطرات دموعه المنهمرة، ليفق على كف يدها ورجائها بأن يستمع لحديثها.
قاطعهم إيثان هادرًا بلهفةٍ:
"الاسعاف وصلت."
صرخ آيوب بيونس:
"ساعدها يا يونس مفيش وقت!"
أبعد يونس زوجة عمه وحملها سريعًا متجهًا للأسفل، بينما أمسك الشيخ مهران فارس قبل لحاقه بهم، وصراخه الباكي يمزق القلوب.
مالت خديجة على صدره، صرخاتها تخترقه مستهدفة قلبه دون عوائق، يدها مازالت تلتف حول رقبته، همسها يصل له فيويد من بكائه وألمه:
"مش إنت لوحدك اللي كنت في السجن يا يونس، أنا كمان كنت عايشة في سجن، أنا كمان اتظلمت واتهانت أنوثتي على ايد كلب عرف ازاي يجبرني إني أبعد عنك ويعيشني عنده زي الجواري."
ورفعت وجهها الثقيل إليه لتتمكن من رؤية عينيه لمرتها الأخيرة فوجدته يبكي ويقول برجاءٍ:
"كفايا، كلامك هيتعبك أكتر، عشان خاطري اسكتي يا خديجة."
هزت رأسها نافية وبابتسامةٍ شملت معنى مبطن من الوجع قالت:
"كان بيعتـ.ـدي عليا يا يُونس! كان بيستمتع لما بيلاقيني بصرخ وبطلب منه الرحمة!"
تهدل رأسها للخلف وأخر ما رددته:
"قتلـ.ـني يا يُونس!!"
ارتخى ذراعيه فاستند بها على حائط الدرج، وانهار باكيًا بصوتٍ يصمم الآذان، يشعر بأنه يفقد قوته حتى بحملها رغم وزنها الذي بات هزيلًا للغاية.
هبط آيوب من خلفه يتأمل حالتها الغريبة بدهشةٍ، فصرخ به:
"انت لسه هنا! هتمـ.ـوت في ايدك يا يونس، انزل بسرعة!"
استيقظت قوته المهدورة، استعاد عقله بعد جملته، روحه سيخسرها إن حدث لها سوءًا.
ضربته كلماتها في مقتلٍ فنهشت المتبقي به، ود لو تركها لآيوب وصعد ينهش لحم هذا المقيت نهشًا.
ضمها يُونس إليه واستكمل الدرج الأخير، فاستقبله رجال الاسعاف بالسرير المتحرك، وضعها من فوقه وحزموا الأحزمة من فوقها ومن ثم دفعوها للأعلى.
وقف يونس عاجزًا، يتطلع تجاه مدخل البناية بعزيمة العودة وقتل ذلك المتبجح وبينها.
فإذا بها ترفع رأسها إليه وتفرد ذراعها مشيرة له بعدم تركها.
صعد يونس من خلفهما، وإتجه يجلس جوار الفراش الرفيع الذي يتوسط سيارة الاسعاف.
تحركت بهم على الفور والمسعفان يحاولان تقديم الاسعافات الأولية لإيقاف النزيف ومنحها قناع الأكسجين الذي رفضته رفضًا قاطع.
ومالت بوجهها ليونس تجاهد لنطق الكلمات الثقيلة عنها فقد أزداد وجعها عن سابق وفقدت كل قوتها:
"يُـ.. و... نـس."
مال إليه باكيًا:
"حطي المسك يا خديجة، بعدين هنتكلم في كل حاجة يا ست البنات!"
ابتسمت بتعبٍ مرهق، وهمست له:
"وحشتني الكلمة دي."
سعلت بقوةٍ موحشة، فانحنى بقدميه أرضًا يتشبث بكفها برعبٍ، وتوسل لها:
"خليكِ قوية عشاني، أنا مش حمل كسر تاني يا خديجة، اتكسرت في بعدك والمرادي مش هيكونلي قومة."
وقبل كفها ببكاءٍ:
"قومي عشان خاطري."
أطبقت على كفه وعينيها تجاهد الظلام الذي يبتلعها، فأسرع المسعف ليضع قناع الأكسجين لها، ليتفاجئ بحركة يدها الضعيفة تبعده عن وجهها ومالت ليونس تهمس له:
"فارس."
ظنها توصيه على ابنها فأسرع بنطق:
"متقلقيش فارس معانا مش هسمح إن الكلب ده يقرب منه وآ..."
"ابنك! ..... فارس ابنك يا يُونس!"
رواية صرخات انثى الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم ايه محمد رفعت
استند على ظهر سيارته يراقب ساعة يده بضجر. جذب هاتفه يحاول التواصل معه، فإذا بسيارته القاتمة تحذوا بالقرب منه، فأشار له جمال بضيق:
_ بقالي ساعة الا ربع واقف مستني حضرتك!
انخفضت نافذة سيارته ليطل بوجهه إليه، نازعًا نظارته الشمسية:
_ اركن عربيتك وتعالى اركب.
اندهش من طلبه الغامض، واتجه إليه ينحني للنافذة قبالته:
_ يعني أنت مصحيني من النجمة وقايلي أنزلك ضروري ودلوقتي واقف تتكلم بالألغاز! ما تلخص وتقولي في أيه يا عُمران؟
ضم شفتيه بقوة وهتف بتبجح:
_ ما تخلص في يوم أمك ده يا جمال! قولتلك اركن واركب مش فاهم أيه اللي مش مفهوم في كلامي أنا!!
رفع حاجبيه باستنكار لطريقته، فزفر الأخير متمتمًا بحنق:
_ استغفر الله العظيم يا رب.
ومال إليه يحاول الثبات على أخلاق يجاهد التمسك بها:
_ جمال أنا مفيش قدامي غير ساعتين فانجز نقضي الكام مشوار ده قبل ما أعدي على مايا بالمستشفى.
زم شفتيه ساخطًا من غموضه، فتركه واتجه لسيارته يصفها على طرف الطريق، تأكد من انغلاقها بالريموت الإلكتروني، ثم اتجه ليجلس جواره فتحرك الأخير على الفور.
راقب جمال معالم عُمران التي يبدو عليها الضيق، لذا حاول أن يحترم صمته لحين أن يتحدث بالأمر، فذاك الوقح لا يزعجه إلا الأمور التي تستحق ذلك.
وصل عُمران أمام أحد محلات الملابس الرجالي المعروفة بلندن وانجلترا بأكملها، ذات البراند الشهير الذي يتعامل معهم، أطفئ محرك السيارة وقال بحزم:
_ انزل.
تفحص المكان وتساءل بحيرة:
_ هنا!
هز رأسه مؤكدًا، وبهدوء قال:
_ أيوه يا جمال، انزل.
ضيق عينيه باستغراب:
_ وانت جايبني هنا ليه يا عُمران؟
زفر الأخير بنفاذ صبر:
_ يا أخي انزل وهنتكلم!
_ أنا سبتك ومشيت يعني!
أطلق زفرة حارة، وانصاع إليه صافقًا الباب بعنف، جعل عُمران يخرج رأسه من نافذة السيارة هاتفًا بتوعد:
_ إنت قد رزعة الباب دي يالا!
_ وحياة أمك لمكسرلك بابين عربيتك!
كبت جمال ضحكة كادت بالانفلات منه وتصنع الجدية والثبات هادرًا:
_ ولو منطقتش وقولت ناوي على أيه مش هيعجبك ردود أفعالي يا وقح!
صف السيارة وهبط له يكز على أسنانه بغضب، كور يده ليلكمه ولكنه تراجع فما يحتاج له الآن أن يكسبه بالود لعلمه بالعناد الساكنة لرأس جمال الحجري، لذا فتح ذراعه المتكور ورسم ابتسامة صفراء تخفي غضبه الجم، ليحيط صديقه الذي يجاهد لفهم غموض عمران الغير مفهوم بالمرة.
بينما ردد الأخير ببراءة لا تمت لشخصه بصلة:
_ أيه يا جيمي شدة الأعصاب اللي إنت فيها دي، حبيبي والله صاحبك مطحون ما بين هرمونات حمل ونوبات والذي منه فمش مستحمل عصبيتك وطخن دماغك النهاردة.
منحه نظرة ساخرة وقال:
_ يبقى ترسيني على الحوار وتقولي جايبني هنا ليه؟
ربت على كتفه بقوة وهو يتصنع حنانه، قائلًا بخبث:
_ القصة وما فيها إن الممول بعتلي دفعة كبيرة من الفلوس، فقولت أدلع نفسي وأنزل أشتري شوية هدوم وقولت أخدك معايا بالمرة تساعدني.
ردد باستهزاء:
_ أساعدك! أنا!!!!! هو إنت بتلبس على ذوق حد عشان تلبس على ذوقي!
ورفع يده على جبينه يتحسسه بدهشة:
_ عُمران إنت كويس؟
منحه نظرة غاضبة وبات على وشك كسر رقبته بتلك اللحظة ولتذهب صداقتهما للجحيم، ولكن أهدافه عادت تلمع من أمامه فقال بابتسامة يرسمها بالكد:
_ مهو أنا مش جايبك عشان تساعدني لقدر الله، أنا جبتك لانك شريكي في المشروع وفي الارباح فقولت أديك نصيبك وأجبرك تشتري منهم بدلة شيك كده عشان افتتاح المركز الطبي لعلي بكره، ومفيش مانع نجبلك شوية لبس على ذوقي لانك بصراحة يا جمال ذوقك في اللبس معفن ومبيعجبنيش، بتروح تصرف فلوسك على تلوث بصري بيأذيني كل ما بلمحك قدامي.
وتابع بغضب مضحك:
_ وأنا زي ما اتنيلت وقولت محتاج أعصابي تكون فريش على الاقل لو مش في البيت يبقى في الشغل، وبمناسبة اننا للاسف بقينا شركا فهضطر أشوف خلقة أمك كل يوم تقريبًا، عشان كده قررت أظهرك بالصورة اللي تريح بصري المسكين.
ورفع اصبعه يشير له بتحذير:
_ مش لأجلك لأجلي!
احتدت نظرات جمال غضبًا، وصاح بحدة:
_ ولما أنا تلوث بصري بالنسبالك بتعرفني ليه! أنا غلطان إني سمعت كلامك من الأول، أنا راجع عربيتي.
أمسك ذراعه يوقفه هادرًا بملل:
_ وبعدين معاك بقى يا جمال، بقولك مش فايقلك الدنيا هرساني وعمال اطلع من مصيبة أقع في التانية فبالله عليك يا شيخ مش ناقص، أنا جيت أفضي دماغي وأعمل حاجة بحبها، وحبيت تكون معايا لو مش هتستحمل هزاري السخيف ولساني الوقح امشي يا جمال.
وتابع بمكرٍ داهي وهو يصعد الدرج الفخم للمبنى العتيق:
_ امشي وصاحبك محتاجلك.
وتركه وصعد للأعلى وابتسامة الخبث تشق الطريق على وجهه الوسيم، فتطلع من فوق كتفه ليراه يقف حائرًا، مترددًا بالرحيل، فاستكمل طريقه بثقةٍ من أن انضمامه السريع إليه.
ركل جمال الأرض بغضب، وهو يتفرس بباب الأتيليه لدقائق، فحسم أمره ولحق بالاخير للداخل.
رآه عُمران وهو يجذب أحد التيشرتات المعلقة ويتظاهر بانشغاله بتأمل الموديل، وبأنه لم يراه منذ دخوله، كبت جمال حنقه واتجه ليقف جواره ناطقًا بغيظ:
_ ماشي هبقى معاك لحد ما تخلص بس أنا مش عايز اشتري حاجة تمام؟
منحه نظرة مغرورة، واشارة عدم اللامبالة لقراره، اختار جمال الجلوس على المقعد الذهبي الوثير، بينما ترك عُمران يمضي رحلة البحث بين الملابس بمفرده.
صدح صوت هاتف جمال بعدة رسائل، ليجدها من زوجته، تأفف بضيق ومرر فتحها على مضض، ليجدها تكتب له:
«ممكن أفهم إنت مبتردش على مكالماتي ولا بترجع البيت ليه؟ طيب لو لسه زعلان مني ردتني ليه يا جمال؟ وليه قولتلي انك سامحتني!! أنا حاسة انك متعمد تبعد عني، بتعاقبني يا جمال!! أنا اعتذرتلك واعترفتلك اني كنت غلطانه من فضلك ارجع البيت»
اعاد هاتفه لجيب بنطاله الجينز بوجوم، ونهض يخطو وهو يتفحص المكان بملل. بحث عن عُمران فوجده بالطابق العلوي منشغلًا باختيار الملابس بدقة وتركيز جعله مندهشًا للغاية.
اندفع باب الأتيليه الضخم وولج للداخل رجل ملامحه مألوفة له، يضم خصر فتاة بجراءة مقززة، عاد ببصره لوجه الرجل فرمش بدهشة.
صعد جمال للأعلى واتجه لعُمران الذي أشار للعاملة التي تحاول إقناعه بأن القطعتين على بعضهما مناسبة للغاية، فقال باعتراض:
_ لا أريد هذا البنطال، أنا سأختار آخر.
تعجبت للغاية من إصراره، وتفاجئت حينما جذب سروالًا آخر بلون جريء، وفقهما على بعضهما بطريقة أبهرت تلك العاملة التي تيقنت ذوقه الرفيع الذي يبدأ من طريقة ارتدائه لملابسه وينتهي بذوقه الأنيق.
نغز جمال كتف عُمران هادرًا باهتمام:
_ عُمران بص كده!
انتصب بوقفته يطالع رفيقه، فوجده يشير للأسفل قائلًا:
_ مش ده تايمون!!
بدى منعقد الملامح فتابع بايضاح:
_ اللي كان معانا في الجامعة، اللي كنا مسمينه مجنون جورينا البنت اللي كان بيعشقها وكل يوم والتاني عامل حوار في الجامعه عشانها، افتكرته؟
هز رأسه دون مبالاة:
_ أيوه، ماله يعني؟
عاد يشير بضيق:
_ داخل وقافش في واحدة كده وشكلهم استغفر الله مقضينها.
تركه واتجه خطوة ينتقي جرفات يناسب البذلة التي اختارها، قائلًا:
_ مش فاهم يعني أيه الملفت في كده؟
مشى على محاذاته قائلًا بانزعاج:
_ يعني كنت فاكر إن قصة الحب الأسطورية دي هتنتهي بالجواز!
منحه بسمة ساخرة وقال:
_ دول معندهمش جواز يا جمال، سبق وقولتلك ان الحكاية دي هتتلخص بعلاقة وبعدها هيحصل زي ما أنت شوفت بعينك، ولو كان حصل واتجوزها فعلًا ممكن يكون بيلفت نظرها دلوقتي بعلاقته الجديدة.
لوى شفتيه بتهكم:
_ يعني الراجل عشان يلفت نظر مراته ليه لازم يزني يعني.
حل الخبث رماديته، لقد قدمت له الصدفة فرصة على طبق من ذهب، ولابد له من اغتنامها، فقال وهو يدعي انشغاله بتفحص الملابس المعلقة من أمامه:
_ لأ احنا لينا بقى وضع تاني نقدر نلفت بيه النظر من غير ما نزني أو نغضب ربنا!
وتركه مشدوهًا لكلماته واتجه للركن البعيد عنه وهو يتابعه ببسمة ماكرة، فإذا بالاخير يلحق به ويناديه بتوتر:
_ عُمران.
كبت ابتسامته الخبيثة وهمم وهو يجذب أحد القمصان:
_ أمممم.
لحق به وقال وهو يدعي فضوله فقط للعلم بالشيء:
_ تقصد أيه بأننا ممكن نلفت الانتباه بدون ما نعمل حاجة حرام؟
تحررت ابتسامة جذابة على وجه ذلك الماكر، واستدار يقابله وهو يقول:
_ الست العربية ست بسيطة يا جمال، أقل شيء بيعمله جوزها بيلفت انتباها ليه.
واسترسل وهو ينتقل لحاملة الجواكت المقابلة له:
_ يعني لو الراجل غير مثلًا تسريحة شعره او حلاقة دقنه هيلفت انتباهها، غير في شكله أو في لبسه مش بس هيلفت انتباهها ده هيثير حرب الغيرة والافتراضات عندها، إنه يكون مثلًا بيعرف ست غيرها.
وتابع مدعي المرح والمزح:
_ يا أخي الست دي كائن غريب، تهتم بنفسها وتقف قدام المرايا بالساعات عادي بالنسبالها مأجرمتش لكن وقت ما تلاقي وقفة جوزها طولت قدام المرايا واهتم بنفسه شوية يبقى بيلعب بديله وفي حياته واحدة تانية.
أشعل فتيل القنبلة وتركه وغادر مبتسم بانتصار، تركه لعشر دقائق يدور حديثه برأسه ويستخرج معناه المبطن، ليفق من شروده حينما قال بمكر:
_ ها يا جيمي هتقيس البدلة اللي اختارتهلك؟
اتجه إليه باستسلام غريب، وانتشل منه ما قدم له يتفحص ذوقه بدهشة:
_ بس البنطلون ده مش هيليق على الجاكت والقميص يا عُمران!!
أشار له باصرار:
_ البسهم وهتتفاجئ بتناسقهم على بعض، ولو معجبكش أوعدك هسيبك تنقي اللي يعجبك.
هز رأسه بعدم اقتناع بما قال، وولج يجربه حتى يغلق مناقشة عريضة قد تفتح بينهما، يتأمل بأنه حينما يراه بعدها يتأكد من حديثه، ولكن فور أن ارتدى جمال ما اختاره عُمران حتى وقف مندهشًا من اتقان تناسق طالته، واختياره الذي ناسبه بكل المعنى الحرفي، فاكتشف بتلك اللحظة أنه يمتلك جاذبيته لم يكتشفها بنفسه، فقد جعلته تلك الملابس يصغر عن عمره بما كان يرتديه.
خرج جمال للخارج تجاه عُمران الذي ابتسم فور رؤيته، وتفاجئ جمال باندهاش أوجه المشترين، حتى أن البعض منهم طلبوا من العاملات تقديم نفس البذلة بنفس الاختيارات التي نسقها عُمران.
اقترب من رفيقه وسأله وهو يتصنع عدم الاهتمام حتى لا تفشل مخططاته:
_ ها يا جيمي عجبتك؟
هز رأسه وقال بحرج:
_ هاخد منها اتنين كمان، لانها عجبتني بصراحة.
اتسعت ابتسامة عُمران وقال وهو يشير للعاملات اللاتي يحملن العديد من الحقائب:
_ اختارتلك فعلا أكتر من ستايل وكام طقم تاني على ذوقي، جربهم وهيعجبوك جدًا.
توسعت مقلتيه وهو يتفحص حجم الحقائب بصدمة:
_ أيه كل ده؟!!! انت متخيل إني هشتري كل ده؟!!!
اتجه إليه يجيبه ببسمة واسعة:
_ متقلقش أنا ليا هنا (discount) خصم خاص بيا لاني يعتبر اللي مشغلهم المكان، فاديني الفلوس وأنا هحاسب أنا.
رمقه بنظرة شك، فزفر بغضب:
_ أوووف منك!!! تعالى معايا وشوف بنفسك يا جمال!!
لحق به جمال، وبالفعل تأكد من صحة حديثه، فلقد أظهر المالك احترامًا كبيرًا لعمران، مشيرًا بأنه من أهم الزبائن لديه، وبالفعل قدم له خصمًا كبيرًا.
حمل الأكياس الكبيرة ولحق به للخارج، بينما يمضي الطاووس الوقح متبخترًا، طالقًا صفيرًا مستمتعًا لتحقيق أول أهدافه، فتح صندوق سيارته وأشار لجمال الذي يلحق به بغيظ، أن يضع ما يحمله بالداخل.
ألقى جمال الحقائب ووقف قبالته متأهبًا لجدالٍ مشحون:
_ أنا شايفك خارج برنس من المحل ومشترتش حتى جوز شربات!! أمال احنا جايين هنا ليه؟!
نزع نظارته القاتمة وأشار له ببرود:
_ مفيش حاجة عجبتني المرادي، لما الCollection الجديد يوصل هيبعتولي.
وتركه يكظم نفسه غيظًا واتجه لمقعد القيادة، فلحق به جمال صافقًا باب السيارة بعنف، جعل الأخير يصرخ بجنون متوعدًا:
_ وديني لأدشملك عربيتك، صبرك عليا يابن أشرقت!
جذب جمال نظارته الشمسية، يرتديها ببرود يجابه الأخير وردد بجمود:
_ اطلع على أي مطعم هادي نأخد كوبيتين قهوة تعدل دماغي اللي اتعوجت منك على الصبح دي.
مزق شفتيه السفلي بين أسنانه، فنزع نظارته واستدار تجاهه يحذره باشارة يده:
_ جمال مش عايز أسيب لساني الوقح عليك، بس لو محترمتش نفسك هآ..
_ هتطلق كلابك الصعرانه! مممم غير الاسطوانة واطلع دماغي اتفلقت منك!
قالها وهو يسترخي على المقعد جواره، فجذبه عُمران من تلباب قميصه هادرًا بانفعال:
_ هظبطلك أمها الوقتي ومن غير قهوة يا حبيبي، يا سلام غالي وصاحب الطلب رخيص.
وأشار بيده وهو ينحني لتابلو السيارة:
_ اديني بس ثانيتين وهظبطك على الأخير.
ابتلع جمال ريقه بتوتر جلي، وتساءل:
_ بتعمل أيه يا عُمران؟
مال للأسفل بجسده أكثر من السابق وهمس له:
_ هي راحت فين! أهي لقيتها!
_ هي أيه؟
تساءل بارتباك، فاتاه الرد حينما سلط سكينه على رقبته ونهض عن مقعده ليحيط بالاخير بسرعة فجئت الأخير وجعلته يهدر برعب:
_ عُمران إنت بتعمل أيه؟
وزع نظراته بينه وبين يديه التي تحيط رقبة جمال، وأجابه ببراءة شيطانية:
_ مثبتك يا جمال! هكون بعمل أيه يا حبيبي؟!
ومال عليه يهمس من بين اصطكاك أسنانه:
_ مش أنا من ساعة ما شوفت خلقة أمك وأنا بحذرك مني! قولتلك إني (خارج المود Out of mode) النهاردة، نبهتك ولا لا يا جيمي؟
لعق شفتيه وهو يراقب مدته (مطوة) بصدمة، فصاح الأخير:
_ رد يا حبيبي، نبهتك ولا لا؟
هز رأسه وعينيه معلقة على ما يحمله، فاسترسل بغضب:
_ ولما هو آه بتستحضر عفاريتي ليه بروح أمك!!! قولتلك أنا على أخري كفايا كل الضغوطات اللي في حياتي هتزيد عليا هحط عليك يابن آشرقت.
زفر بقلة حيلة وقال:
_ يا عُمران إنت بشمهندس محترم، سيبك بقى من أسلوب البلطجية ده واعقل!!
حرك عُمران رأسه لليسار واليمين مطلقة طقطقة لطالما كانت مرعبة لمن أمامه، أخفض سلاحه وعاد لمقعده وهو يردد:
_ استغفر الله العظيم يا رب، بيخرجوني عن شعوري وأنا إنسان آرستقراطي مهذب!!
راقب جمال ساخطًا من جملته الأخيرة، فتابع عُمران وهو يتفرس بملامحه الساخرة:
_ حبيب قلبي يا جيمي، عايز تشرب قهوة؟ عيووووني هاخدك على حتة مكان تشرب فيه قهوة وبالمرة أظبطلك دقنك وحلقة عب حليم حافظ اللي معتزلي بيها دي، بس استأذنك الأول أروح بيتنا القديم أجيب منه أدوات الحلاقة والـ (سكين كير Skincare) بتاعي، بس للأسف الشديد هروح لوحدي وإنت هتستناني في مكان ظريف هيعجبك أوي أوي.
صعق مما يقال أمامه، لم يترك له عُمران فرصة الغضب على جملة الا وانتقل على جملة أخرى جددت له نوبة غضبه، فصاح بعصبية:
_ حلاقة أيه ومكان أيه اللي هتوديني ليه، عُمران في أيه يا عُمران وفكك من هزارك السخيف ده وكلمني؟!!
قاد السيارة مدندنًا احدى الأغاني الإسلامية التي لا تتناسق مع سطوة لسانه المستبد على رفيقه، فلكزه جمال بغضب:
_ ما تكلمني يا عم الشيخ!!
استدار له يدعي دهشته:
_ بتناديني يا جمال؟ خير يا حبيبي طمني إنت كويس؟ مش مرتاح في الكرسي هنا؟ تحب أقف على جنب لحد ما ترجع تمدد ورا؟ ولا سحبت هوا المخيف فتحب أنزل سقف العربية ونخليها بحري؟
جحظت أعين جمال بصدمة جعلته لا يجد ما يجيب به على ذلك الطاووس، فاسترخى بمقعده محافظًا على أخر ما تبقى لديه، أعصابه المهددة أمام كتلة برود "عُمران سالم الغرباوي".
***
من قال أن بعد الموت راحة؟!
كان يظن بأنه نالها بعدما قُتل قلبه، وماتت مشاعره، لقد أصبح كالخرقة البالية لا يعني أي مكان سيتلقفه، ولكن الخواء الذي شعر به بتلك اللحظة أبشع من أي ألمًا خاضه بحياته بأكملها.
تفرقت يده عن يدها، الازدحام يحيط به من كلا الجانبين، وهو شاردًا لا يستطيع رؤية أي شيء. الضباب الأسود يحيط بمُقلتيه، يشعر بمرور الناس من جواره وهو لا يراهم، يصطدم جسده بأكثر من أحد يقدم اعتذاره له وهو المخطئ والغير مدرك لمكان وقوفه.
تزلزل كلماتها أعماقه بقوة. هل تظن بأنه سيحصل على الخلاص فور أن تخبره الحقيقة؟ لا والله لقد ألمته بمنتصف صدره وإنتزعت أخر ما تبقى لديه!
شعورًا غريبًا يستحوذ عليه بتلك اللحظة، من المفترض أن يكون سعيدًا بما سمعه، حبيبته تؤكد له بأنها ليست خائنة، ليست كما ظن، ولكن ما أبشع أن يحصرها المشهد في دور المظلومة وليست الظالمة، ما أبشع أن يتخيل الآن معاناة تلك الضعيفة بين يد ذلك الهمجي الذي لم يسلم لشره.
يقال أن قهر الرجال لا مثيل لوجعه، ولكنه بتلك اللحظة يصعب عليه تحمل وجعها فور تخيلها لما تلقته من ألم وضرب وإهانة، إهانة استهدفت جسدها لتحطم أنوثتها وتزلزل كيانها الضعيف، وهو الوحيد الأدرى بضعف بنيتها الجسدية، هو الوحيد الذي كان يهتم لأصغر تفاصيلها، هو الذي كان يحرص على الاحتفاظ ببخاخ أكسجين احتياطي بجيبه حينما يصطحبها للخارج حتى إن مسها السوء يمدها بالتنفس حرصًا على بقائه هو على قيد الحياة، هو الذي كان يحميها حتى من هفوة دخان عابرة قد تهيج حساسية صدرها المزمنة. هو يُونس الفتى الذي غرق في عشق ذات الجديلتين منذ الطفولة!
هو الذي أقسم على أن يذيقها من الألم بأبشع ما قد ذاقته بحياتها، وهو نفسه الذي وقف عاجزًا أمامها بأول لقاء، مع أنه كان يحمس نفسه لأن يبرحها ضربًا يشفي غليله، ولكن جسده الخائن تراجع عن أوامره برفع يده لصفعها أو لكمها!
شعر يُونس بيدٍ تحيط به وتبعده عن الطريق، وتسنده للمقاعد المعدنية المتطرفة. دقق به وبصوته المسموع فوجده آيوب ولجواره الحاجة رقية الباكية. بقى صامتًا يتطلع للأمام وصوتًا يصل لمسمعه ويتكرر بقلق:
_ يُونس إنت كويس؟
تمعن بحركة شفتي آيوب وعينيه في محاولة لسماع وفهم ما يقول، ولكنه على الأرجح فقد كل شيء، وبدون أي مقدمات سقط عن مقعده أرضًا مستسلمًا للغشاوة التي تقبض روحه مشفقة على معاناته بينما قلبه يبتعد عن محل جسده عدة أمتار.
التقطت عينيه الناعسة صراخ آيوب بالأطباء، وجه آدهم القريب منه بعدما وصل للتو بعدما أودع معتز للشرطة، ومعاونته لآيوب بحمله لاقرب فراش. تجمهر الأطباء من حوله، ضوءًا يسلط على فيروزته، أصواتًا تتباعد ببطء، ظلامًا دامس، هدوء مخيف، صمتًا تامًا!
***
هبطت بفستانها الرمادي تتهادى بخطواتها حتى لا تدعس طرفه الطويل، تخطف النظرات المهتمة لمن ينتظرها فاتحًا باب سيارته بذوقه الرفيع. جلست فاطمة بالمقعد فإذا به ينحني ليضع طرف الفستان جوارها في لافتة لطيفة منه أسعدتها.
استقل علي مقعده وقاد السيارة متجهًا للمركز الطبي، ليشرف على التجهيزات النهائية قبل حفل الافتتاح غدًا، بينما تذهب فاطمة للاطمئنان على مايسان وقد حملت لها بعض الملابس والأغراض الشخصية.
وصل للمركز سريعًا فلقد كان لا يبعد عن منزله كثيرًا، هبطت فاطمة واتجهت لتجذب الحقائب الصغيرة، فإذا به يجذبها قائلًا بابتسامة هادئة:
_ عنك يا حبيبتي.
وأشار بأن ترافقه للمصعد:
_ يلا.
تعجب علي من توقفها عن إتباعه، وتسمرها بالخارج قبالته، منع الباب من الانغلاق ومد كفه لها:
_ فطيمة متخافيش أنا معاكي!
ابتلعت ريقها بارتباك فذكريات الأمس القريب لم تكن لتنساها بتلك السرعة، ولكن جملته المحببة لقلبها شرعت لها بمد كفها الرقيق بين كفه، واتبعته للداخل.
وجدت الارتباك والتوتر ينعزل عنها نهائيًا في حضرته، ولتكن صادقة لم يمدها علي بالأمان فحسب، منحها إياه عُمران ومن قبله منحته لها تلك المرآة الارستقراطية الراقية "فريدة هانم"، كذلك مايسان وأحمد بظهوره القليل بحياتها ولكنها لا تخشاه أبدًا.
خرج علي بالطابق الأول مشيرًا لها بحماس:
_ قبل ما نطلع لمايا حابب أوريكِ مكتبي ومكتب فريدة هانم.
غمرتها السعادة باهتمامه لإن يشاركها تفاصيل مغيبة عنها، مضت معه من غرفة للأخرى، حتى أراها الغرف بأكملها، الاستقبال، جناح الجراحة، الحضانات المخصصة بقسم النساء والتوليد، غرف الأطفال المجهزة لاستقبال المولود، لم يترك مكان الا وآراه لها. سعدت كثيرًا لتحقيقه حلمه الوحيد. سألها علي وهو يتجه بها لغرفة زوجة أخيه:
_ مقولتليش رأيك يا فطيمة؟
توقفت عن المشي وضغطت على كفه الماسد بين كفيه لتسترعى اهتمامه لنقطة كانت تود البوح بها:
_ جميل يا علي، كل شيء معمول بحب كبير أوي بس إنعكاس الفرحة اللي في عنيك هو اللي مبهر بالنسبالي، أنا عارفة إن ده حلمك من زمان، كنت بتيجي وبتحكيلي أول بأول، وفاكرة كمان لما كنت زعلان إنك فشلت في ادارة المستشفى لوحدك لإنك كنت مشغول معايا أغلب وقتك، بصراحة كنت بسمعك وأنا حاسة بالذنب بس دلوقتي بعد ما اتحقق حلمك بشكل إنت نفسك مكنتش متوقعه خلاني سعيدة ومبسوطة أوي عشانك يا علي.
أشرقت ملامح وجهه بفرحة وعشق تعدى آفاقه، فرفع كفها يقبله بحب:
_ حلمي هو حلمك يا فاطمة، ده مش مكاني لوحدي ده مكانك معايا، اللي يخصني يخصك واللي أملكه إنتِ تملكيه.. يعني برأيك بعد ما ملكتي قلبي وشاركتيني فيه مش هتشاركيني بكل حاجة ليا.
اتسعت ابتسامتها بشكلٍ جعلها فاتنة بكل معنى الكلمة، فأكدت له بحماس:
_ أول ما مايا تقوم بالسلامة هاجي اشتغل معاك، فريدة هانم قالتلي وأنا وعدتها.
سعد لقرارها هذا، ولكنه تساءل بدهشة:
_ وليه لما مايا تولد؟
ردت عليه باستنكار:
_ عُمران هيبقى كده لوحده هو طلب مني أساعده لحد ما مايا ترجع لشغلها.
هو بتلك اللحظة فخور بها وبتعبه الذي جعلها تتخطى مراحل هامة برحلتها، ظنها ستتأثر بما حدث وسترفض العودة للعمل بشركات عُمران، وها هي تخرج بقوة من نوبتها وكأنها لم تمر بها من الأساس.
رنا إليه يطبع على جبينها قبلة تعبر عن احترامه وحبه الكبير لها، هامسًا:
_ مكان ما تكوني مرتاحة أنا مش ممانع يا حبيبتي.
كسى وجهها حمرة يعشقها هو، فدفعته بخفة وهي تأنبه بحرج:
_ بتعمل أيه يا علي!!
ضحك بصوته كله وأشار على الغرفة القريبة منه هادرًا بمزح:
_ هنا عادي الكلام ده، بس أنا دكتور محترم ومعملتش حاجة تذكر يعني!!
كلما تطلع لصدمتها تعالت ضحكاته دون توقف، طرق علي باب الغرفة مرتين متتاليتين وما أن استمع لصوت زوجة أخيه تأذن للطارق بالدخول، حتى ولج يردد:
_ نورتي المركز كله يا بشمهندسة، كنت أتمنى إن زيارتك ليه تكون بشكل ودي مش مرضي بس مش مهم المهم إنك شرفتينا.
ابتسمت مايا بفرحة وقالت بلطف:
_ علي!! حمدلله على السلامة.
اقترب من فراشها وأجابها ببسمة هادئة:
_ الله يسلمك.. طمنيني أحسن النهاردة ولا لسه تعبانه؟
أشارت على يدها المنغرز بها الأبر الطبية:
_ حاسة إن المحاليل اللي دكتور يوسف عالقهالي دي فوقتني الحمد لله.
وانحنت برأسها تلمح تلك الواقفة بارتباك خلفه، مرددة بابتسامة واسعة:
_ وفاطمة كمان جاية تشوفني بنفسها لا أنا كده هفضل يومين هنا.
صعدت فاطمة جوارها على الفراش وقالت بحرج:
_ أنا آسفة إني مكلمتكيش إمبارح ولا جتلك بس أنا كنت آ...
قاطعتها وهي تربت على كفها المسنود على ساقها:
_ عارفة يا حبيبي انك رجعتي انتِ وعُمران متأخر من الشركة، وبعدين احنا بينا الكلام ده يا فاطمة!! أنا كده كده الحمد لله كويسة وبخير، وزينب الله يباركلها مسبتنيش لحظة والله.
سألها علي باستغراب:
_ وهي فين؟
ردت عليه فاطمة:
_ كانت مكلماني من شوية وقالتلي أنها في الجامعة النهاردة أخر يوم ليها في الامتحانات، وبعدها هتأخد الاجازة.
رد بتفهم:
_ ربنا معاها، الاجازه دي تلزمني أوي، المركز محتاجلها.
مازحته مايا بمرح:
_ حيلك يا دكتور إنت هتجمعنا كلنا هنا حوليك ولا أيه؟
تعالت ضحكاته الرجولية وصاح:
_ ده اللي هيحصل، بس إنتِ للأسف هتكوني شبه مقيمة هنا لحد ما حبيب قلب عمه يشرف على خير، شوفت رؤيا من كام يوم إن هيجلكم ولد.
مسدت على بطنها الذي بدأ بالظهور وقالت بتمني:
_ أنا متحمسة أعرف نوع البيبي بس أنا راضية سواء بنت او ولد المهم بالله عليك ما تسيبه لأخوك هيطلعه وقح زيه وأعصابي هتبوظ بينهم الاتنين.
ضحكت فاطمة بقوة حتى أدمعت عينيها، بينما ابتسم علي وأشار بكتفيه بحيرة:
_ مش عارف يا مايا، مسبقش إني اتوليت تربية بيبي صغنن، مش بعرف أتعامل معاهم وهما حتت كده، لكن وعد لما يقف على رجله ويمسك نفسه كده هكون جنبه وهحميه من الطاووس الوقح اللي داير يطلق لسانه السليط على العيلة ده!
_ أد كده اشتاقتلي ومش قادر على بعدي!! أنا جيت ألبي النداء من أول ندهة!
قالها ذلك المستند على باب الغرفة، مربعًا يديه أمام صدره، ونظراته تتفرسان بأخيه، تنهد علي وردد بقلة حيلة:
_ جالك كلامي يا مايا!
هزت رأسها تؤكد له وهي تتابع زوجها بنظرة مغتاظة، فتحرك ببرود تجاهها، وانحنى يقبل جبينها متسائلًا باهتمام بدى رغم بروده:
_ أخبارك أيه النهاردة يا حبيبي؟
ابتسمت رغمًا عنها وقالت:
_ الحمد لله بخير.
جلس على نهاية طرف الفراش باتجاه زوجته، بينما جلس علي بالمقعد القريب من باب الغرفة، اتجهت نظرات عُمران لفاطمة التي تتحاشى التطلع إليه، فنقل بصره لعلي يشير بكف يده عن طريقة تعامله، فأشار له الأخير بالتعامل بطبيعته فقد تجاوزت الأمر، لذا قال بمزحه المعتاد:
_ أيه يا فاطمة إنتِ ما صدقتي إني أزوغ من الشغل فقعدتي إنتي كمان، يرضي مين الكلام ده؟؟
رفعت رأسها إليه وقالت بلهفة:
_ أنا!! لا والله مكنتش أعرف إنك مرحتش الشركة النهاردة، بس علي لسه راجع فمحبتش أنزل وأسيبه في أول يوم كده.
اشتعلت خجلًا حينما نطقت بتلقائية جملتها، ففركت أصابعها بتوتر جعل مايا تنفجر ضاحكة وتلكز زوجها بحدة:
_ بس بقى كسفتها الله، واحدة جوزها راجع من سفر شغل أيه اللي تروحه؟!!
رمق أخيه بنظرة ساخرة، وهدر:
_ هو يعني كان مسافر الهند!! ثم إن كلهم على بعضهم سبع أيام!
زوى علي حاجبيه بنزق:
_ ولو كترت في كلامك ده هقعدها خالص وتيجي تساعدني، جوزها أولى بيها يا بشمهندس.
تحداه ببسمة شرسة، واستدار لفاطمة يخبرها:
_ حقا يا فاطمة هتسبيني غرقان في الحسابات وهتيجي وسط المرضى والدم والمحاليل!
ابتسمت وتطلعت لزوجها تخبره:
_ أنا مرتاحة في شغلي يا علي، وقولتلك الكلام ده من شوية.
تطلع عُمران لأخيه وصاح بانتصار:
_ قوم يا دكتور شوف شغلك، ومتشغلش بالك بموظفيني!
ضحك علي ونهض عن مقعده يغلق جاكيت بذلته السوداء:
_ ماشي يا وقح، هعديها بس عشان اللي عملته في المركز يستاهل إنك تتكافئ مش تتعاقب، الديكورات وتنفيذ الاستقبال كل شيء معمول باتقان عالي، تسلم إيدك انت وفريقك.
تمدد للخلف قليلًا يجذب هاتفه من جيب بنطاله، ثم نهض لاخيه يخبره وهو يعبث بشاشة الهاتف:
_ ولسه لما تشوف الدعايا اللي اتعملتلك على صفحة البشمهندس عُمران سالم الغرباوي، الفيديو لوحده اتخطى ال١٥ مليون مشاهدة.
التقط منه علي الهاتف، يتطلع للفيديو الملتقط لمدخل المركز الطبي وتصميمه الداخلي، تفاعل الجماهير وتعليقاتهم على اناقة وذوق المركز الطبي، ابتسم وهو يخبره:
_ حلو الشغل ده، وأخيرًا استفدنا من صفحتك دي بشيء بعيدًا عن أغلب كومنتات المعاكسة على صورك الاستعراضية الشبيهة لغرورك.
التقطت آذنيها سماع أخر جملته، فرددت بتحفز:
_ معاكسات أيه يا علي؟
منحه عُمران نظرة تهديد صريحة، فدنى إليه يهمس:
_ هنقذك المرادي بس عشان جمايل فيديو الدعايا، لو مخفتش من حوار تغير صورة البروفيل كل ساعتين دي هقول لمايا ووقتها هتطلق هرموناتها عليك.
واستدار تجاه مايا يردد بهدوء وثبات مخادع:
_ أي معاكسات! أنا بتكلم عن حاجة تانية يا مايا، ارتاحي وأنا هنزل أشوف الترتيبات.
اتبعه عُمران يناديه، وبجدية قال:
_ علي بما إن فاطمة هنا مع مايا، إبقى خدها وانت راجع، أنا عديت عليها أشوف لو كانت جاهزة أخدها في طريقي لكن كده هتأخر على جمال.
استدار عن الدرج يسأله باهتمام:
_ ليه هو جمال فين؟
ارتسمت الابتسامة الخبيثة على وجه عُمران واحتفظ بصمته بينما يغادر بمشيته الثابتة، تاركًا علي أعلى الدرج يجتاحه القلق حول صمت الطاووس الوقح! وعقله لا يتوانى عن التفكير، ترى أي مصيبة يفتعلها ذلك الوقح الآن!!
***
فتح عينيه على صوت رجولي يناديه باستماتة وقلق:
_ يُــــــونس!
تشوش رؤيته بالبداية، ولكنه تمكن من التقاط ملامح وجه آيوب القريبة منه، فهمس بخفوت:
_ آيوب.
استطاع سماع همسه الخافت:
_ الحمد لله، قلقتني عليك يا يونس.
استعاد عصبة تفكيره الهادر، فتحمل على حواف السرير المعدني ونهض يردد بذعر:
_ أيه اللي حصلي! خديجة!! خديجة عاملة أيه؟ خرجت من العمليات؟!
ربت على صدره وهو يحاول أن يحجب حركته:
_ اهدى يا يونس، الابرة هتطلع من وريدك.
تطلع تجاه ما يشير فوجد أحد المحاليل ينغرز بوريده، فنزعها عنه وهو يصيح بانفعال:
_ أنا مش تعبان، عايز أطمن عليها هي فين يا آيوب.
نهض آدهم عن المقعد المقابل لفراشه وقال:
_ مينفعش الطريقة دي يا يونس احنا في مستشفى حكومي، شدة أعصابك خليتك بالحالة دي فممكن تهدى شوية.
وتابع بهدوء:
_ خديجة في الأوضة اللي جنبك ومعاها والدة آيوب، اطمن جرحها سطحي والدكتور لسه مأكد لآيوب من شوية.
عاد بجسده للخلف، واضعًا رأسه على الوسادة براحة، فعاد آيوب إبرة المحلول لوريده وربت عليه بابتسامة بشوشة:
_ عدت يا يونس، والكلب ده اتقبض عليه.
واستطرد ليفرح قلبه:
_ آدهم قدم كل الادلة اللي كانت معاه ضده وضد الحقير سند والاتنين دلوقتي بياخدوا جزاتهم واللي يستحقوه.
أغلق عينيه بقوة، وردد:
_ ياريتني كنت قتلته ومسمعتش كلامكم، لو كنت أعرف باللي عمله مكنش فلت من تحت ايدي.
مال آدهم على الحائط المجاور لفراشه، مربعًا يديه أمام صدره، يحدجه بغضب:
_ وبعدها هتفرق أيه عن أي مجرم!! هترتاح لما ايدك تتلوث بالدم؟
شرد بالفراغ يفكر بحديثه، سحب يونس نفسًا كبيرًا عساه يهدأ عصبيته، ثم أجابه:
_ لا يا باشا مكنتش هرتاح بعدها، أنا دلوقتي بقى عندي بصيص أمل أعيش عشانه.
سأله آيوب باهتمام لمعرفة مغزى حديثه:
_ تقصد أيه؟
تعمق بالتطلع إليه وقال:
_ فارس!
انفرجت شفتيه بصدمة، فاعتدل يونس بمرقده يلقط كل رد فعل للأخر، فردد بصعوبة بالحديث:
_ متقوليش إنك كنت عارف إنه ابني ومتكلمتش يا آيوب!
أخفض وجهه عن مواجهة ابن عمه، فهز رأسه بصدمة:
_ لأ!!
ازدرد ريقه متابعًا بشك:
_ وعمي عارف؟
صمته المطول جعل الاجابات واضحة للاخير، فابتسم بوجع. تدخل آدهم على الفور حينما وجد أخيه في مأزقٍ فقال بخشونة:
_ وكنت عايزهم يقولولك أيه يا يونس؟
أجابه بغضب وجمود:
_ الحقيقة يا باشا!! أنا خارج من السجن ميت وحاجة زي دي كانت هتحيني!
رد عليه ببساطةٍ وعينيه لا تفارق خاصته:
_ يونس متخليش عصبيتك وغضبك يخلوك غبي! أب عظيم زي الشيخ مهران وأخ زي آيوب مستحيل يقبلوا يرجعوك جهنم تاني.
استطاع أن يثير، حفيظته تجاه كلماته الغامضة فتابع:
_ لو حد فيهم كان صارحك إنك عندك ولد واتاخد منك بالطريقة دي وهما عارفين إنك خارج عشان تنتقم من اللي عمل فيك كده فاسمحلي أقولك إن اللي رباك كان مجرد عم ليك مش أب، لكن اللي الشيخ مهران عمله يخليك تحترمه كأب خايف يخسر ابنه بعد فراق ووجع.
اخفض عينيه بخزيٍ من تسرعه، فاستطرد آدهم ببسمة واثقة:
_ وعلى فكرة شهادة ابنك الأصلية مع الشيخ مهران، وهو بنفسه اللي مطلعها ومحتفظ بيها، كان بيحميك وبيحمي ابنه التاني في نفس الوقت، لانه مش من المنطق انه يوقفه في حرب بيلعب القذر فيها على الطرفين، هيكون بيقدم ابنه التاني للموت يا يونس.
نهض يخفض ساقيه عن الفراش، فأصبح يجاور آيوب، استدار بوجهه له ومنحه ابتسامة هادئة جعلت الأخير يتهلل أساريره لظنه بأنه سيقاطعه بعد معرفته بأنه يعلم بالحقيقة.
رفع يونس ذراعيه يحيط به آيوب المتعلق برقبته، مربتًا بقوة على كتفه، ثم أشار له:
_ شيل الكانيولا هروح أبص على خديجة.
أومأ له وانتزعها منه برفق، مسددًا قطنه صغيرة توقف نزيفه المؤقت، فتركهما ورحل من الغرفة التي تحيط بعدد من المرضى.
نهض آيوب يمسك يد آدهم بفرحة:
_ مش عارف من غيرك كنت هعمل أيه؟ أنا كنت شايل هم اللحظة دي أوي، آدهم أنت ملاكي الحارس!
تحررت ضحكاته تباعًا، فراقبه الأخير باستغراب، كبت ضحكاته مرددًا:
_ آسف.. بس الجملة دي اتقالتلي كتير قبل كده من شمس!
وتابع ببسمة صغيرة وهو يربت على كتفه:
_ كل مرة تبالغ وأرجع أقولك انك اخويا! يلا ألحق اروح انا قبل ما مصطفى يلتهم التورتة لوحده ووقتها هجري بيه طول الليل بالمستشفيات!
شاركه الضحك قائلًا:
_ لازم يأكلها كلها مش عمايل ابن الشيخ مهران ولا أيه!!
تلاشت ابتسامة آدهم وحل الوجع بين سكنته، منذ أن علم بحقيقته وانقطع عن قوله لتلك الجملة، ما أبشع أن يكون أخيك قبالتك وأنت عاجز عن ضمه، عاجز عن أن تبوح له بحقيقتك!
أفاق من شروده على هزة يده وسؤاله:
_ آدهم روحت فين؟
منحه ابتسامة صغيرة، وقال:
_ معاك يا آيوب... همشي بقى ولو احتاجتني متترددش وإتصل.
هز رأسه بتأكيد، فاستأذن آدهم بالانصراف على الفور.
***
بحث عنها بين أَسِرَّة المرضى، حتى لمح الحاجة "رقية" تجلس على مقعد خشبي يقابل الفراش وتقرأ بصوتها العذب بالمصحف الصغير، وتتمدد هي بشحوبٍ تام، شاردة بالفراغ ودموعها تنهمر على الوسادة.
تواثبت دقات قلبه بدفٍ يعلمه جيدًا، مالت برأسها للجانب الاخر وفور أن رأته حتى أزهرت وجوم تعابيرها، وهمست بصوتٍ كان مسموعًا:
_ يُونس.
أغلق عينيه بقوةٍ مستمتعًا بصوتها الذي يشفيه من آلامه رويدًا رويدًا، ليتها تنطق إسمها خمسون مرة، أو خمسمائة حتى تدمل جروحه بأكملها.
الآن بات أمام فراشها، عينيه موضوعة أرضًا لا تتطلع إليها، اختزل الحزن تعابيرها وهي تظن أنه لا يحبذ رؤيتها، فإذا به يردد:
_ ازاي سايباها قاعده من غير نقابها يا مرات عمي!
نهضت عن المقعد تجيبه بابتسامة هادئة:
_ يابني دي لسه خارجه من العمليات وانت عارف إنها عندها ضيق تنفس، فقولت اسيبها تستريح شوية ولما تفوق ألبسهولها.
قال ومازالت عينيه أرضًا:
_ طب لو سمحتي لبسيها.
انحنت للكومود الصغير جوارها تلتقط نقابها:
_ حاضر يا حبيبي..
وبالفعل عاونتها على ارتدائه، ثم جذبت حقيبتها البلاستيكية وقالت:
_ خليك معاها يا يونس، هخرج ألحق آيوب قبل ما يروح أقوله يحط حلة المحشي في التلاجة لتحمض!
بالرغم من صعوبة ما يتعرض له الا أنه رغمًا عنه اضحكته بساطة زوجة عمه التي لا تتفانى بالتفكير عن أصغر ما تنجزه، رآها تخرج من العنبر بأكمله، فتحرك للمقعد بآلية تامة.
أدمعة أعين خديجة وهي تراقبه باشتياقٍ وترقب لاول كلمة، تنتظر أن يأخذ أول خطواته إليها، فوجدته يرفع رأسه إليها ويردد بصوته الحنون:
_ حمدلله على سلامتك يا ست البنات.
اتسعت ابتسامتها ودموعها تنهمر دون توقف، لا تعلم فرحة بسماعها لقبه المحبب لقلبها أم حزنًا على ما أصابهما.
باغتته حينما تمسكت بيده المسنود على الكومود هاتفة بعاصفة دارمة من الحب:
_ يُونس.
اقشعر جسده بأكمله يعلن حالة الطوارئ لنجدة قلبه المسكين، سحب كفه سريع قائلًا بتوسل:
_ عمري ما أقبل أشيلك ذنب زي ده يا خديجة، انتِ لسه على عصمة راجل غيري، فعمري ما أقبل أعمل فيكِ كده.
وتابع بضيقٍ مما فرض عليهما:
_ وجودي هنا في حد ذاته غلط، بس والله ما قادر أمشي من غير ما أطمن إنك بخير.
يا ويلها من تلك الآلآم التي استنزفت روحها الهالكة، أيخاف عليها لتلك الدرجة ولم تترك له ما يدفعه لذلك.
انخرطت خديجة بموجة من البكاء، انهيارًا سحبها من خلفه لدرجة جعلته ينتفض عن مقعده، مقتربًا منها، يتساءل بفزع:
_ مالك؟؟ حاسة بأيه؟؟ اهدي طيب هنادي للدكتور حالًا، متخافيش.
ما كاد بالرحيل الا وأمسكت يده توقفه، هامسة بندمٍ ووجع:
_ سامحني يا يونس.. سامحني على ضعفي وقلة حيلتي قدامه.. بس مكنش عندي حل تاني.
عاد لمقعده يجلس ويتطلع لها، بينما تخبره ببكاء:
_ هددني لو مرفعتش عليك القضية هيسقطني، وجاب ستات شكلها بشع كنت هموت تحت ايدهم لو موقعتش على الأوراق.
إلتاع قلبه وذرف دموع الخزي والوجع، بينما تتابع وهي تميل بوجهها الباكي على كفه، فأغرقته بالدموع:
_ مكنتش عايزة أفرط في الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي منك يا يونس، آآ... أنا.. أنا بريئة من اتهاماتك آه أنا مخونتكش أنا مش وحشة يا يونس أنا مش رخيصة، أنا عملت كل ده عشان أحمي ابني، علشان احميه.
رفع يده الاخرى وكاد بأن يضم وجهها ولكنه أخفضها حينما تذكر بأنها ليست زوجته، فانحنى أسفل فراشها يحاول سحب يده الاخرى ولكنها تزيد من تمسكها به وهي تصرخ بوجع:
_ لأ.. لأ.. مش هتمشي يا يونس هتسمعني وهترجعني ليك تاني، أنا معتش قادرة أستحمل أعيش مع الشيطان ده ثانية واحدة، إنت أملي الوحيد، متبعدش عني تاني، متسبنيش يا يونس، أرجوك.
_ أبوس ايدك متسبنيش!!
قالتها وهي تقبل كف يده، فانهارت دموعه وقال وهو يسند جبينه على فراشها هامسًا بصوتٍ مبحوح:
_ كفايا يا خديجة، ارحميني عشان خاطري! أنا عاجز ومش عارف أتعامل معاكي.
ورفع عينيه الغائرة إليها يخبرها:
_ مينفعش أقرب افهمي!
تعمق بها الحزن والوجع فبات وجهها يشمل كل العتاب له، فأسرع يستكمل:
_ آدهم قالي إنه هيقدر يخلصك منه في وقت قليل، بعد ما عدتك تخلص هنتجوز على طول.
وتابع وهو يتطلع لها بحبٍ فشل بكبته:
_ اللي ملحقناش نعيشه هنعشه من تاني وابننا معانا يا خديجة... ولحد ما ترجعي تقفي على رجليكي وتنتهي شهور العدة هجهزلك الشقة بعفش جديد عشان يليق بيكِ يا ست البنات.
وتابع يمازحها:
_ بس المرادي مش هخاف يطلع حاجات أحدث لإنهم ٣ شهور مش سنين الدراسة.
ضحكت حينما فهمت مغزى ما يقصد بحديثه، تذكرت كم كان حزينًا كلما طُرح لمحلاته أجهزة عصرية، كان يود الاحتفاظ بها لشقتهما ولكنها تعود وتخبره بأنها مازالت بالثانوية فمن المؤكد بأن الشركة ستطرح الأحدث.
تخاذلت السعادة داخلها وتطلعت له بنظرة منكسرة جعلته يطالعها باهتمامٍ لمعرفة ما ستقول، فتركت كفه ورددت:
_ لا مش هينفع تتجوزني... لأ.. أنا منفعكش!
اندهش مما أصابها وتساءل باستغراب:
_ أيه اللي بتقوليه ده يا خديجة؟
تصاعدت شهقاتها بانهيارٍ تامة، وهمست بصوت مذبوح:
_ أنا اتشوهت يا يُونس!! مينفعش تتجوز واحدة مشوهة!
اعتصرت قلبه بين أضلعه، يا الله ما الذي اختبرته تلك المرأة بالتحديد؟ يزداد واردة أوجاعه وتزداد الفاتورة ويده مغلولة عن السداد، فابتسمت وهي تستكمل بدمعة تخزلها:
_ ده كان تمن اخلاصي ليك ولحبك، ده دليلي الوحيد إني كنت بعافر لأخر يوم قضيته مع الحقير ده وآ..
ترجى بانهزامٍ تام:
_ كفايا أرجوكي كفايا، متزديش وجعي بالله عليك اسكتي.... الموت أهون ألف مرة من اللي بسمعه، ارحميني يا خديجة!
أمسكت يده بقوة وقالت:
_ خلاص مش هتكلم.. مش هقول حاجة عن اللي فات بس متسبنيش... متمشيش وتبعد عني تاني يا يُونس... سامحني وخليك جنبي.
وتعمقت بالتطلع له قائلة برعشة ورعب:
_ إنت زعلت من كلامي؟ هتمشي وهتعاقبني بفراقك تاني صح؟ لو عملتها وسبتني المرادي مش هحارب تاني يا يُونس، هموت نفسي سااامع والله لأموت نفسي!
قبض أخيرًا على يدها التي تتمسك به، وقال:
_ أبعد ازاي وانتِ اللي رجعتيني لحياتي يا خديجة، أنا عقلي وقف من كتر ما بحاول أنسى كلامك اللي قولتيه وأنا شايلك للاسعاف، صعب عليا أشوفك بترمي نفسك قدام الموت عشاني وبعدها اكتشف اني ظالمك!!
واستطرد وهو يشرد بنقطة فارغة:
_ لو كنت عرفت الحقيقية مكنتش هسامحك عمري كله يا خديجة بس بعد اللي عملتيه ده أثبتيلي انك لسه بتحبيني، ساعدتيني أغفر اللي فات وإني أحاول.
وسحب كفه عنها ثم انتصب بوقفته يتأملها بنظرة عاشقة:
_ أنا لازم أمشي عشان أشوف فارس، متقلقيش اطمني عليه، ولحد ما عدتك تخلص هنقلل مقابلاتنا وكلامنا، وبعد كده نخلي عتابنا في بيتنا!
اتسعت ابتسامتها فرحة، فمنحها ابتسامة جذابة ثم غادر برفقة آيوب على الفور تاركها لزوجة عمه تعتني بها.
مضى آيوب برفقته شاردًا بمكالمة آبيه، فقد أخبره بأن يعود للمنزل ليبت برفقة آديرا، وأرغمه بحزم أن يصارحها بحقيقتها، ويسلم لها دفتر والدتها، لتكتشف حقيقتها، وحقيقة ما خبأه آيوب عنها، حسنًا هو مجبر الآن على المواجهة، مجبر على كسر قلبها حينما تكتشف كيف قتلت عائلتها، مجبر أن يحتويها ويمدها بما قد ينزعج بفعله!
***
بحث عنها بلهفةٍ، كعادته بعد أي امتحان لها لا يغادر الا حينما يتأكد بأنها لم يواجهها عقبات، لمحها سيف تخطو تجاهه برشاقة ورقة تجعله يود لو تزوجها في الحال ومنعها من الخروج أبدًا.
رنا إليها يتساءل متلهفًا:
_ ها يا زينب طمنيني عملتي أيه؟
منحته ابتسامة صغيرة، وقالت:
_ الحمد لله كان سهل جدًا.
ابتسم هو الاخر وردد:
_ المفروض أفرح بس للأسف أنا زعلان لإن ده أخر يوم هقدر أشوفك فيه جوه الجامعة، لكن براها هشوفك كل دقيقة، في المركز وفي البيت.
رمشت بصدمة:
_ بيت أيه!!!!
ضحك وهو يمازحها:
_ بيتنا يا دكتورة، هو مش دكتور علي رجع من السفر!!! معقول تكوني نسيتي اتفاقنا!
تلونت الحمرة على خدها، فضمت الكتب إليها وأردفت بتوتر:
_ آآ... أنا لازم أمشي.. اتاخرت.
هرع للاريكة المعدنية يجذب كتبه والبلطو الطبي:
_ طيب استني هوصلك.
استدارت زينب إليه لتخبره بأنها مصرة على الرحيل بمفردها ولم ترى ذلك الذي يكاد يصطدم بها، وفي لمح البصر قبض سيف على معصمها يبعدها عن هذا الصدام معتذرًا للطالب بايجاز.
سحبت يدها من احكام قبضته بخجلٍ وخرجت توقف سيارة أجرة، اعتلتها وعينيها لا تفارقه، وأكثر ما يزعجها ابتسامته وتفهمه لربكتها بوجوده جوارها.
مالت على الشرفة تبتسم بعشق تربع داخلها إليه، وترسم مشاهد مختلفة لها برفقته بعد أن تصبح زوجة له، فإذا بصوتٍ جهوري يقتحم عالمها الوردي:
«عجبتك لمسته المقززة لايدك! مخوفتيش مني ولا من عقابي!!! قولتلك أنا جنبك ومعاكي حتى لو مكنتش موجود وعقابك حاضر يا زينب ووقتي!»
تراجعت للمقعد بذعرٍ وهي تراه عبر شاشة الهاتف الذي يسلطه لها سائق السيارة، ارتعبت وحاولت فتح الباب بصراخٍ جنوني فاذا به لا ينصاع لها، أسرعت للباب الاخر تحاول فتحه وقد انفطرت بالبكاء الحارق.
لحق السائق بها ليضع الهاتف بوجهها، فوجدته يضحك وهو يخبرها بجنون:
_ مينفعش تنزلي من غير العقاب، عشان بعد كده تقدري تحافظي على نفسك يا زينب!
واستطرد بصرامة وفحيح سام:
_ نفذ في الحال.. احرص أن تزيل أثار هذا الكريه عنها!
انصاع له السائق فاذ به يخرج من جيب سرواله، زجاجة قاتمة، فور ازاحة غطائها انتفضت بمقعدها لعلمها بمكنون ما تحتويه كطبيبة متخصصة، فصرخت بجنون:
_ لا يا يمااااان.... أنا آسفة مش هعمل كده تاني، خليه يسيبني أرجـــــــــــوك!
حدقها بسخرية وأردف:
_ مضطر يا روح قلبي عشان تتأكدي إن كلامي مش تهديد، وإنك لو فضلت تشوفي الحقير ده هتتعاقبي، وعقابك هيكون على قد ما تتمادي، المرادي مسك ايدك المرة الجاية هيوصل لاوضة نومك لو مخدتش ليكي وله راجع.
واستطرد بوجومٍ مقبض:
_ أفعلها الآن.
تعالى صرخها بفزعٍ وهي تعافر للخلاص، وأخر ما رددته دون ارادة منها كان اسمه هو، صارخة دون توقف لعل قصر المسافة بينها وبينه تجعل صداه مسموع لها، فرددت:
_ سيـــــــــــــف!!!!
رواية صرخات انثى الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم ايه محمد رفعت
حاولت أن تدفعه عنها بكل قوتها، ولكنها هزيلة أمامه مهما حاولت، قوتها كأنثى لا تضاهي قوة جسده الذكوري.
أغلقت "زينب" عينيها مستسلمة لمصيرٍ قاسٍ ينتظرها. تركته يمسك يدها وهي تعلم بأنه يتعمد إحداث إصابة بنفس المكان الذي التف معصم "سيف" من حولها.
ترقبت لحظة مس يدها بالماء المعتج بالنيران، فلم تشعر بقطراته ولا بيد هذا اللعين تحيطها. أبعدت كفها الرقيق عن وجهها لتتفحص الجزء الأمامي للسيارة، فوجدت بابها مفتوحًا على مصرعيه وأحدهم يلقي بالسائق أرضًا ويكيل له اللكمات القاسية.
ارتعش جسدها بعنفٍ، وحاولت فتح الباب الموصود جوارها ولكنه لم يفتح، ومع محاولاتها المستميتة تمكنت أخيرًا من العبور خارجًا.
كادت أن تلوذ بالفرار من ذلك الشارع المظلم ولكنه توقفت فور أن تمعنت بظهر المستلقي فوق الرجل، تعرفت على جاكيته الأزرق المميز، مرددة بهمسٍ منخفض:
_ سيف!
ناله لكمة أخيرة أفقده بها الوعي ووقف يجذب كتبه الملقاة أرضًا، وقبل أن يمر إليها ركله ببطنه بعنفوانٍ.
اقترب منها يسألها وهو يتفحصها بلهفةٍ:
_ حاجة وقعت عليكي؟! طمنيني!
نفت بهزة بسيطة من رأسها، بينما البكاء يفترسها، وعينيها لا تفارق مقعد السائق الذي انتزعت المياه جلده المتين لحظة سحب سيف له للخارج فسُكب محتوياته عليه، متخيلة ماذا كان سيصيبها إن لفحتها تلك المياه الحارقة.
اجتاحها فكرة الفرار من كل ما يحيط بها، استدارت زينب وأطلقت لساقيها العنان، تاركة سيف يراقبها بدهشةٍ، فانحنى يجمع أغراضه وكتبها وحقيبتها الملقية أرضًا. أسرع خلفها يناديها وكأنها باتت صماء لا تسمعه من مسافته القريبة منها.
قبض على معصمها يوقفها صارخًا بها:
_ ممكن تقفي وتكلميني! مستحيل بعد اللي حصل ده أسيبك تروحي لوحدك، أنا هوصلك.
هزت رأسها بجنونٍ وكلمات "يمان" تسيطر عليها كالتعويذة السحرية:
_ لأ... لأ... إبعد عني... متقربليش تاني هيقتلني!!
وتابعت وهي تنفض كفه عن ذراعها:
_ ابعد عني!!
ارتعش جسدها لدرجة خيل لها بأنها لن تقوى أن تتقدم خطوة أخرى، فجلست على مقاعد المرور المنجرفة بجانب الطريق، تنحني بجسدها على ذراعيها، تبكي بحرقة ولسانها يهمس:
_ مش عايز يسبني في حالي ليه؟! الحب مش بالعافية! أنا محبتهوش ولا قادرة أحبه، قلبي اختار شخص غيره هيفهمها ازاي!!!!!
جلس سيف على مقربة منها، وتغاضى عما مروا به وما سيخوضه لاجلها، وبالأحرى لا يعنيه حتى وإن قتل، تستحق أن يهدر روحه لاجلها. فشاكسها ببسمته وسؤاله المخجل:
_ مين الشخص اللي اختاره قلبك؟
رفعت عينيها إليه مندهشة من ابتسامته ونظراته المتغزلة بها غير مبالي بما مروا به منذ قليل!
أزاحت زينب دموعها بأصابعها ونهضت تتجه إليه، تقابله بجلسته:
_ سيف أنت لازم تبعد عني، يمان مبعدش زي ما توقعنا، كلمني فيديو على موبيل السواق اللي ركبت معاه، يمان محاصرني ومش هيتخلى عني بسهولة.
نهض قبالتها يهدر منفعلًا:
_ ولا أنا هسيبك يا زينب، والكلب ده مهما حاول يفرقنا مش هديله الفرصة ينجح بده.
رفعت كفيها تحتضن وجهها، تردد ببكاءٍ:
_ لو اتاخرت كان شوهني.
رق قلبه لها، فوقف عاجزًا عن احتوائها بين ذراعيه عساها تستمد الأمان منه، ولكنه مازال يحافظ على مسافته بينهما قائلًا بحب:
_ زي ما حميتك دلوقتي هحميكِ منه، عيني هتكون دايمًا عليكِ.
وتابع وهو يراقب وجهها بعشقٍ بعدما أبعد كفيها:
_ لو محاولاته نجحت ترعبك بالشكل ده فأنتِ بتحقيقله اللي هو عايزه يا زبنب، انسيه وفكري في اللي إنتِ عايزاه، وأنا أوعدك إني هكون جنبك ومش هتخلى عنك أبدًا..
تعمق بعينيها الساطعة بحبه، وعينيه تضمها داخلها بحنانٍ، فنطق بترقبٍ وخوفٍ:
_ موافقة نواجه الحقير ده وإنتِ مراتي وعلى ذمتي يا دكتورة؟
رفرفت بأهدابها الثقيلة من دموعها بارتباكٍ، تركته وتوجهت للمقعد مجددًا، فأغلق عينيه بحزنٍ على حالتها، لا يعلم إن لم يلاحظ نظرات هذا السائق الوضيع وانجراف السيارة عن طريق منزلها ماذا كان سيحدث لها؟
أفاق من شروده على صوتها الذي تحرر أخيرًا:
_ مفيش داعي إننا نعمل فرح، ولو هنكتب كتابنا يكون في السر عشان ميحسش بينا.
ابتهجت معالمه بفرحة، فاتجه يجلس جوارها، متسائلًا بضيقٍ:
_ مش عايزة فرح؟!!
هزت رأسها تنفي اقتراحه، فتابع باستغراب:
_ ليه يا زينب؟
اجابته ببكاء وهي تحاول السيطرة على رعشة ذراعيها:
_ مش عايزاه يعرف بحاجة يا سيف، كده أفضل، أنا هبلغ قراري لعلي وإنت كلمه ورتب معاه.
ردد بحزنٍ:
_ بس أنا مش موافق على قرارك ده يا زينب، إنتِ مش ناقصك حاجة عن البنات عشان معملكيش فرح وآ...
قاطعته بحزمٍ:
_ سيف من فضلك أنا مش عايزة أعمل فرح، مش هقدر أكون مبسوطة وأنا عارفة إنه في لحظة ممكن يبوظ الفرح أو يعمل أي شيء يخليه أسوأ ذكرى ليا.. أنا عايزة أكون معاك فخلينا نتمم كل حاجة في السر.
تفهم سبب خوفها، وبعد تفكيرًا وجد أنه الحل الأنسب، فازدرد ريقه هادرًا:
_ زي ما تحبي، المهم تكوني مرتاحة وسعيدة.
وتابع بهدوءٍ:
_ يوسف كان واخدلي شقة جنبه في العمارة اللي اتجوز فيها هو ودكتورة ليلى، هي جاهزة بس ناقصها شوية حاجات.
رددت دون مبالاة:
_ مش مهم، هنبقى نجهزها مع بعض بعد الجواز.
وأي سعادة ستطوف به بعد سماع اصرارها ورغبتها بالبقاء معه، منحها ابتسامة جعلتها لا تود ترك ضمة عينيه العاشقة، تطالبه بأن يكون لجوارها، يحطم تلك الحواجز لتصبح زوجته.
رافقها حتى المنزل، وأصر على مقابلة علي وعمران وأخبرهما على ما حدث، ورغبة زينب بأن يتم الزواج سريعًا بسرية تامة، فاتفقوا على أن يتم الزواج بعد ثلاثة أيام من الآن، بعد أن تأكد علي من رغبتها في ذلك.
***
بقيت الحاجة "رقية" برفقة "خديجة"، وعاد "يونس" و"آيوب" للمنزل، صعد متلهفًا للقاء ابنه، جذب مفتاح المنزل من ابن عمه ليفتحه سريعًا، وولج يناديه بلهفةٍ:
_ فــــــــارس!
إلتقطت أذنيه صوت الشيخ مهران يرتل القرآن الكريم بصوته الخاشع، فاتبعه حتى وصل لغرفة الضيافة ومن خلفه آيوب، فوجده يجلس أرضًا ومن أمامه آديرا وفارس، يستمعون إليه بانصاتٍ تام.
تنحنح يونس بخشونةٍ وتراجع للخلف فور رؤيتها، بينما استكمل آيوب طريقه للداخل بابتسامةٍ تسللت إليه، فوقف يتابع أبيه وهو يبدأ بأول دروسه عن الدين الاسلامي لها، وللعجب يراها تنصت باهتمامٍ وانبهارًا تام، عينيه غائرة بدموعٍ وابتسامة لا تفارق شفتيها.
وفور أن انتهى من حديثه المسموع لها عبر السماعة قالت بتردد واضح:
_ سيدي الشيخ كيف أثق إن دينكم هو الدين الحق؟
وبارتباكٍ استكملت:
_ أنا لا أقصد اهانتك ولكني أخشى أن أكون مخطئة، حسنًا أن أشعر براحة غريبة من اتخاذ قرارًا مثل هذا، ربما لإنني تأثرت بأيوب وربما لرغبتي بالالتحاق بالدين الذي مات عليه أخي وقد تحمل ظلم عمي ليبقى عليه ولكن آآ...
قاطعها الشيخ مهران وابتسامته البشوشة لا تفارقه:
_ فاهم يا بنتي، عشان كده هجاوبك بآيات من القرآن الكريم. قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19]. وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ *} [آل عمران: 85].
فالإسلامُ دين جميع الأنبياء والمرسلين، وإن اختلفت شرائعهم وأحكامهم، فإنّهم متفقون على الأصل الأول، وهو التوحيد والإسلام، فمثلاً:
أخبر الله عن نوح عليه السلام: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ *} [يونس :72].
وأخبر عن إبراهيم عليه السلام: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *} [البقرة :131].
وأخبر عن موسى عليه السلام: {يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ *} [يونس :84].
وأخبر عن حواريي المسيح: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا واشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ *} [المائدة :111].
وأخبر عن سليمان عليه السلام على لسان ملكة سبأ: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [النمل :44].
وأخبر سبحانه وتعالى عن الأنبياء الذين تقدموا: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة :44].
واستطرد باستفاضة:
_ أصل الدين واحدٌ، بعث الله به الأنبياء والمرسلين جميعاً، واتفقت دعوتهم إليه، وتوحّدت سبيلهم عليه، وإنّما التعدّد في شرائعهم المتفرعة عنه، وجعلهم الله سبحانه وسائطَ بينه وبين عباده في تعريفهم بذلك، ودلالتهم عليه، لمعرفة ما ينفعهم وما يضرّهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، بُعثوا جميعاً بالدّين الجامع، الذي هو عبادةُ اللهِ وحده، لا شريك له، بالدعوة إلى توحيد الله، والاستمساك بحبله المتين، وبُعثوا للتعريف بالطريق الموصل إليه، وبُعثوا ببيان حالهم بعد الوصول إليه، فاتّحدت دعوتهم الله تعالى في إثبات التوحيد، وتقريره، وعبادة الله وحده لا شريك له ، وترك عبادة ما سواه ، فالتوحيدُ دينُ العالم بأسره من آدم إلى آخر نفسٍ منفوسةٍ من هذه الأمة.
بدت حائرة غير مستوعبة لما قاله، فتسائلت بأكثر ما يتردد لها:
_ هل يقبل الله توبتي يا عم الشيخ؟
ابتسم الشيخ مهران وقال:
_ ربنا سبحانه وتعالى عمره ما قفل باب التوبة في وش عبد من عباده يا بنتي، قال سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَـٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. صدق الله العظيم.
ارتاح بالها واطمئنت لما أقدمت عليه، فقالت بحماسٍ:
_ علمني كيف أصلي؟
ابتسم الصغير وقال:
_ جدو هي ازاي مش بتعرف تصلي!! أنا أصغر منها بكتير وبعرف، أنا شاطر عنها.
ضمه الشيخ بين ذراعيه وقال:
_ واحنا هنعلمها مع بعض يا فارس بس لما عمك آيوب يرجع ويعلمها ازاي تتوضى وتغتسل.
تجهمت تعابيرها وأردفت بحزنٍ:
_ وإلى متى سأنتظر؟
اقتحم صوت آيوب مجلسهم:
_ لن أدعكِ تنتظري بعد الآن، هيا لنذهب.
اتسعت ابتسامتها بفرحةٍ، وهمست بحبٍ ملحوظ للشيخ مهران:
_ آيوب!
نهضت واتجهت إليه فقال:
_ انتظريني بغرفتي، سأنضم إليكِ بعد قليل.
هزت رأسها في طاعةٍ واتجهت للغرفة، حرك آيوب يده على شعر الصغير وقال:
_ عمو يونس عايزك ومستنيك قدام الباب.
كشر الصغير ولوى شفتيه بغضبٍ:
_ مش طالع ومش عايز أتكلم معاه تاني.
نهض الشيخ مهران واتجه إليهما يعاتبه بلطف:
_ ميصحش كده يا فارس، احترم الأكبر منك ده اللي علمتهولك في دروس القرآن؟
أخفض وجهه بحزنٍ، وقال:
_ حاضر يا جدو هروح أشوفه.
قبله وجنته بحنانٍ:
_ روح يا حبيبي.
غادر أمامهما فتابعه الشيخ مرددًا بحزنٍ:
_ ربنا يصلح لك الحال يا يونس يا ابني.
واستدار لابنه فوجده مرتبكًا للغاية، وما أن تلاقت أعينهما حتى نطق بتوتر:
_ مش جاهز أواجهها بالحقيقة دلوقتي، خايف الموضوع يقصر فيها لما تعرف إن عمها قتل أمها وأبوها.
أجابه بحزمٍ ينهي تردده:
_ لازم تعرف أصلها يابني، إنت مخبي عنها ديانتها وحقيقتها، إنت سمعت بنفسك إنها لسه مترددة من قرارها لازم تأكد لها إنها مش عبرية الأصل.
ورفع يده يمسك كتفه بقوة وابتسامة أدهشت آيوب:
_ عايزك تجهز شقتك اللي فوق، عشان بعد امتحانانك نعمل فرح اسلامي في الحارة وربنا يكرم وصاحبك يقدر يخلص موضوع معتز لو كده نخلي الفرحة فرحتين بعد ما عدة خديجة تخلص.
وتابع بدهشة:
_ سبحان الله ربنا عادل، معتز حبس يونس واستني لحد ما خديجة ولدت وخلصت عدتها واتجوزها والزمن يعيد نفسه ويتحبس هو ويرجع الحق لصاحبه!
كان شاردًا لا يستمع لما يقول، يتوقف استيعابه عند أول جملة نطق بها الشيخ مهران، فلعق شفتيه الجافة متسائلًا:
_ أجهز شقتي لمين؟
منع تلك الابتسامة من الظهور، وبجدية تامة قال:
_ لمراتك والا هتفضلوا قاعدين هنا معانا، لو هي موافقة أنا معنديش مشكلة.
وكأنه أصابته لعنة الغباء بهذا اليوم، فقال بدهشة:
_ هنا فين!! يا عم الشيخ أنا حكيتلك طبيعة العلاقة بينا!
تهدلت شفتيه بابتسامةٍ هادئة، ورد عليه:
_ لما حكيتلي اللي حصل مع أهلها واسمها الحقيقي شوفت رؤيا ليكم في بيت ربنا، "سدن" نصيبك يابني.
كان أبيه صالحًا، أحلامه أغلبها يتحقق، والآن يخبره بأن رؤيته قد جمعته بسدن زوجة له، فتخلد يقينه بأنها ستكون إليه سكنًا ومسكنًا.
ثقة حديث الشيخ مهران أكدت لآيوب رضاه التام عن زيجته، ربما لمس معدن سدن الذي التمسه آيوب منذ رؤيتها لأول مرة.
إتجه للغرفة فوجدها تنتظره ومازالت ترتدي اسدالها، فأشمر عن ساعديه وأخبرها أن تلحقه للمرحاض ليعلمها أول خطوات الوضوء.
***
وجده يستند على درابزين الدرج، فدنى إليه يربع يديه أمام صدره وبنزقٍ قال:
_ نعم آيوب قال إنك عايزيني!
استدار خلفه بلهفة وابتسامة واسعة، انحنى إليه يجذبه بقوةٍ لصدره ويده تحتوي رقبته ليضمن عدم ابتعاده عنه، همس بصوتٍ احتقنته الدموع:
_ فارس!!
انصاع الصغير أمام ضمته الحنونة، فلف ذراعيه حوله رغم استيائه منه، طالت بهما الدقائق، فأزاح يُونس دموعه وتلبس الثبات راسمًا ابتسامة عذباء يقابله بها، وهو يرفع إليه كيس بلاستيكي ممتلئ بالحلويات والعصائر المعلبة قائلًا:
_ جبتلك كل الحاجة حلوة اللي بتحبها.
شمل بصر الصغير ما يحمله بدون اهتمام، وقال بوجومٍ:
_ شكرًا مش عايز حاجة.
استدار ليغادر، فأوقفه يونس وأعاده إليه قائلًا بحزنٍ:
_ أنا عارف إنك زعلان مني عشان اللي حصل، بس أنا مسبتهوش وأخدت حق مامتك منه، انت كنت واقف وشوفت.
طالعه بنظرة أوجعت يونس وقال:
_ عشان كده أنا طلعت أشوفك عايز أيه، بس أنا لسه زعلان منك ومن كلامك.
أخفض يونس رأسه أرضًا بحرجٍ منه، رفع كفيه الصغيران يقبلهما وهو يردد:
_ أنا آسف، متزعلش مني.
انسدلت دموع الصغير وقال ليصدمه:
_ مش عايزك تكون زيه عشان ماما بتحبك ولو عملت زيه هتكرهك يا بابا.
أطاحته صدمة مهلكة، رغم حلاوة كلمته، فرفع يديه يضم وجهه ودموعه تغزو لتغرق وجهه:
_ بابا!! إنت عارف؟!!!!
هز الصغير رأسه وقال:
_ ديجا قالتلي من أول ما رجعت هنا بس أنا وعدتها إني مش هقولك حاجة لحد ما هي تقولك.
جذبه لاحضانه بقوة وتحرر صوت بكائه المدفون، هامسًا بانكسار:
_ ياريتك اتكلمت وقولتلي..
وتابع وهو يمسد على ظهره بحنانٍ:
_ عمري ما هبعد عنك أبدًا، هعوضك عن كل اللي شوفته مع الكلب ده، إنت عوضي بعد سنين العذاب اللي قضتها جوه الحبس يا فارس.
وابتعد يقبل وجهه بحنان ويعيده لصدره بقوةٍ، ثم حمله بين ذراعيه وجذب الكيس البلاستيكي:
_ مش هتخلى عنك أبدًا، مكانا مع بعض... هتقعد معايا فوق.
تعلق برقبته وفور سماع ما قال ردد بتوترٍ:
_ وماما؟
منحه ابتسامة هادئة، وقبل رأسه مردفًا:
_ ماما بعد ما تخرج من المستشفى هتفضل هنا عند جدو الشيخ مهران لحد ما نشتري أنا وانت عفش جديد ونجدد البيت اللي هنقعد فيه كلنا مع بعض.
وسأله بمكر:
_ ها هتكون راجل وتساعد أبوك ولا هتبقى طفل صغير لازق في أمه ومش عايز يسيبها.
أجابه بحماسٍ وهو يضمه بقوة:
_ لا هكون راجل وهساعدك.
ربت على ظهره بحبٍ، وصعد به للأعلى.
***
وقفت خلفه تقلد حركاته وتردد الآيات القصيرة التي عاونتها الحاجة رقية وخديجة بحفظها، وما أن انحنى آيوب ساجدًا، اتبعت حركته لتزيد تلك القشعرة والرجفة التي لمست قلبها وضربته في مقتلٍ، ذبذبة أرغمتها على البكاء، لمست الخشوع التام والقناعة بأنها تقف الآن بين يد الله عز وجل.
انتهت صلاتهما فاستدار آيوب للخلف، فوجد عينيها انتفخت من البكاء ووجهها تطوفه حمرة جعلتها رقيقة للغاية، الآن بات يتمعن بها، يلاحظ تفاصيلها بتمعنٍ.
ابتسم حينما وجدها تمسح دموعها بكم الإسدال الفضفاض، فأخرج من جيبه منديلًا ورقيًا وقدمه لها.
التقطته منه ورددت ببكاءٍ:
_ ليه آديرا مش اتولد مسلم زيك آيوب؟
جلس على سجادة الصلاة بشكلٍ مريح وأجابها بابتسامة جذابة:
_ ومين اللي قالك إنك متولدتيش مسلمة؟
زوت حاجبيها بدهشةٍ:
_ إنتي بتقولي أيه؟
ضحك رغمًا عنن وابتعد عن سياق الحديث الجدي هادرًا:
_ اسمها إنت مش انتي!
زحف حتى وصل إليها، ارتبكت من قربه الغريب لها، لم تعتاد منه على الجراءة، مد يده يبعد حجابها ليجذب السلسال المحاط حول رقبتها، وعينيه تراقب ملامحها باهتمامٍ لما سيقول:
_ إنتِ مش آديرا العبرية، إنتِ سدن المسلمة اللي اتولدت في آسرة مسلمة.
جحظت عينيها بصدمةٍ، ورددت:
_ آيوب إنتِ بتكدبي!! أنا آآ... آآ... لقد ولدت بأسرة يهودية، أمي وأبي وأخي وآ...
صدمها بما حرره لها:
_ مش صح... والدتك مسلمة وباباكِ بسببها اعتنق الدين الاسلامي، عشان كده عمك قتله وقتلها، وأخدك إنتِ ومحمد ورباكم زي ما هو عايز.
لعقت شفتيها الجافة وهي تزدرد ريقها بصعوبة، فنهض آيوب عن محله واتجه لاحدى الخزانات الجانبية، يجذب الدفتر المحظور لها، وعاد يضعه على ساقيها قائلًا:
_ هنا هتعرفي الحقيقة كاملة، وهتتأكدي إنك سدن مش آديرا.
تناولت منه الدفتر بأصابع مرتجفة، وفتحت أول صفحاته لتمضي رحلتها بالكشف عن الحقيقة الصادمة!
***
اقتحم عُمران غرفة شمس، فوجدها مازالت تغفو بفراشها بتكاسلٍ زاد من شكوكه، نزع عنها الغطاء مشيرًا لها:
_ قومي يا هانم.
تفاجئت به شمس، ففركت عينيها بنعاسٍ:
_ أيه يا عُمران؟ بتقومني الساعة ١٢ ليه؟!
ربع يديه أمام صدره بسخرية:
_ على أساس إنك مطبقة بقالك إسبوع! إنتِ من ساعة ما رجعتي وإنتي نايمة يا حبيبتي!
تمددت مجددًا جاذبة الوسادة لأحضانها، وهمست وهي تتثاءب:
_ مرهقة أوي يا عُمران، مكنتش عارفة أنام في بيت آدهم، ممكن لإنه مكان جديد عليا.
أطبق على شفتيه بعنفٍ، وأخذ يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا مفكرًا بما يتردد إليه، فاستل هاتفه من جيب بنطاله وأرسل رسالة لعلي، وما هي الا دقائق حتى ولج للداخل يتساءل:
_ في أيه؟!
***
بشقة سيف.
خرج من المطبخ حاملًا لوحًا اضافيًا من الثلج، مده لأخيه الذي التقطه منه وانحنى يضعه على قدم جمال المتورمة، فتأوه الاخير بألمٍ وتمتم بغضبٍ جحيمي:
_ الوقح الحقير!!!! أشوفه بس هشرب من دمه.
كبت يوسف ضحكاته بصعوبة بالغة، وتابع تدليك كتفيه مرددًا بثبات مهتز:
_ وإنت أيه بس اللي خلاك تسمع كلامه وتروح معاه الجيم؟
استدار برأسه تجاه يوسف الذي يباشر عمله بينما يقف سيف حاملًا صينية الثلج يتابعهما بمللٍ، وصاح بانفعالٍ:
_ معرفش ازاي أقنعني!! قال أيه الهدوم اللي نقاها مينفعش ألبسها وأنا بكرش!!
واستشهد بهما مشيرًا على بطنه:
_ بذمتكم أنا عندي كرش!!
واساه سيف مربتًا على كتفه:
_ استهدى بالله يا بشمهندس هو الطاووس الوقح ده محدش مالي عينه الا عضلاته.
انحنى بظهره للأسفل يفرك قدميه المتورمة، مستطردًا بغيظ:
_ مصمم إني طلعلي كرش بعد ما أمي جت هنا، بيقولي بكل بجاحة من ساعة ما أمك جت وطلعلك كرش يا جمال!!!
وتمعن بيوسف الذي احتقن وجهه من فرط الضحك، هاتفًا باستنكارٍ:
_ إنت بتضحك يا يوسف، البيه رماني مع الكابتن الهمجي ده أربع ساعات ولولا كلمتك تجيني كان زماني مرمي في أي مستشفى وبتضحك!
وتابع من بين اصطكاك أسنانه:
_ ومصمم يوديني تلات أيام في الاسبوع!! ده منظر الكابتن نفسه يفزع النفس ويقطع الخلف، تحسه لودر منحرف الزوايا، ماشي يحدف في خلق الله شمال ولمين!
سحب يوسف المقعد المقابل لمقعده، جلس وهو يتطلع له بهدوءٍ زرع القلق بجمال الذي تساءل:
_ في أيه إنت التاني بتبصلي كدليه؟
أراد أن يكون بمفرده برفقته، أشار لسيف بعينيه فانسحب لغرفته، فصاح بضيقٍ:
_ ممكن تسيبك من تفاهتك مع عُمران وتقولي حكايتك أيه بالظبط؟
أخفض ساقيه عن الطاولة الزجاجية متسائلًا باستغرابٍ:
_ حكاية أيه؟
رد عليه بحدةٍ:
_ حكايتك مع مراتك يا جمال، في أيه ردتها وفي أيه قاعد هنا مع سيف ليل نهار!!
أطلق تنهيدة عميقة لخوضه نقاشًا لا يفضله، فوجد أن الانسحاب هو الحل الأمثل، استقام بوقفته واتجه لغرفته بعيدًا عن صراخ يوسف المنفعل:
_ كل ما أكلمك في الحوار ده تسبني وتمشي!!! عيل صغير انت!
ألقى بثقل جسده على الفراش هادرًا بانفعال:
_ يوسف أنا راجع مدشمل وعايز أرتاح، بكره نتكلم.
حدجه بنظرة نارية وبسخرية هتف:
_ هنتكلم أمته ان شاء الله؟ بكره افتتاح المركز ومش هكون فاضيلك!
وضع الوسادة أعلى رأسه قائلًا بنعاسٍ:
_ يبقى بعد بكره تعالى ونتكلم، أنا قاعد ومرتاح هنا مع دكتور سيف، إنسان هادئ ومحترم بصراحة هو الوحيد اللي يستحق الثناء لإنه بيفهمني كويس أوي فعلى قد ما بيقدر بيتجاهل وجودي وده مخليني مستلطفه ودلوقتي عايزك تقفل النور وتشد الباب في ايدك... تصبح على خير يا جو.
وسحب الغطاء على رأسه هاتفًا من أسفله:
_ متنساش البقسماط وإنت مروح لدكتورة ليلى تشرحك عملي!
حدم غضبه المستعار وكمد غيظه، فأغلق الضوء وسحب الباب بعنف كاد بإيقاعه، واتجه للخروج قبل أن يفتك بذلك المتحاذق، فإذا بأخيه يلحق به وقد عقد نيته للتحدث بأمر شقته، فأوقفه يوسف قائلًا:
_ ارجع أوضتك يا سيف وبكره هنتكلم في حوار الشقة والجواز.
انصاع إليه مرحبًا بتقبله لفكرة زواجه السريع بينما مضى يوسف بطريق عودته لشقته.
***
_ بتتكلم بالألغاز إنت ولا أيه؟ ما تنطق يا عُمران قصدك أيه؟!
صاح بها علي بنفاذ صبر، بعد فشله بفهم ما يود أخيه البوح به، فلكزه عُمران بغضب وانفجر بعصبية أدهشت علي:
_ هو أيه اللي مش مفهوم يا دكتور!! بقولك إنت كنت واخد بالك من شمس كويس ولا كنت ملهي في المستشفيات والعيانين اللي مش هنخلص منهم أبدًا.
واستطرد وهو يلكم الحائط بغيظٍ:
_ أنا كنت عارف من الأول إنك مش الشخص المناسب اللي ينفع يشد عليها، رختلها الحبل واديها رجعت بالكارثة!!!
هز علي رأسه بصدمة وحيرة:
_ كارثة أيه يابني آدم، فهمنــــــي شمس مالها؟
ابتلعت شمس ريقها بتوترٍ، وتعلقت بذراع علي تهمس برعب:
_ هو في أيه يا علي؟ أنا هموت ولا أيه؟!!!
ضمها علي لصدره مربتًا عليها بحنانٍ:
_ بعد الشر عليكي يا حبيبتي، إنتِ عارفة إن ربنا ابتلانا بطاووس وقح ضيفي عليهم مجنون ومختل عقليًا، بإذن الله علاجه على ايدي.
احتدت رماديته بقسوةٍ وهدر:
_ بقى أنا مجنون ومختل! يا أخي بدل طولة لسانك دي كنت حافظت على أختك وحطيت حد للسافل اللي استغلها ده يا آآ.. ياخويا يا كبير!!
ترك علي شمس واندفع تجاه أخيه، يلف يده حول رقبته بنفاذ صبر:
_ يا تنطق تقصد أيه بكلامك السخيف ده يا تبلع لسانك الوقح.
أبعد كفه عنه بنزقٍ:
_ الهانم من ساعة ما رجعت من السفر وهي نايمة.
رمش بعدم استيعاب، متسائلًا بصدمة عساه لم يلتقط مفهوم حديثه:
_ بتقول أيه؟
صرخ بحنقٍ:
_ نايمة بقولك!!
عبثت معالم علي بحزنٍ بعدما تأكد بأن أخيه فقد عقله، وبدى حائرًا ما بين أن يعالجه بنفسه أم أن حالته تستدعي وجوده بمشفى الأمراض العقلية.
اندهش عُمران من صمته وحزنه الغائر، فظنه قد التمس حجم الكارثة فقال بحدة:
_ حالًا تتصلي بيه أقسم بالله لاسافرله وأخليه عبرة لمن يعتبر، مش أخت عُمران سالم الغرباوي اللي يتضحك عليها يا علي.
اتجهت إليه شمس تحاول استيعاب حديثه فظنته يتحدث على رحلة اليخت وقد أصر علي وآدهم الا تعلمه بذلك، فقالت بضيق:
_ هو مضحكش عليا يا عُمران أنا روحت معاه بمزاجي.
تزاحمت النيران في مقلتيه، وصاح من بين اصطكاك أسنانه:
_ اخرسي يا شمس، هعتبره ضحك عليكي.
تشوش رأس علي من محاولة فهمه فابتلع ريقه هادرًا:
_ أفهم أيه اللي مضايقك في نومها ويوصلك للشكل الجنوني ده؟
زفر بضيق:
_ الحوامل بيناموا كتير كده يا علي، الكلب ده استغل انها مراته وغواها.
برق علي بصدمة، لوهلةٍ ظن بأنه سيترنح للخلف، فأسرعت شمس إليه تسانده وهي تتساءل بحيرة:
_ هو إنت فهمت عُمران ماله!! لو متضايق من نومي هشرب قهوة وأسهرله!
بصعوبة استدار لها يهمس:
_ روحي اوضتك يا شمس وآ...
صاح بغضب:
_ لا مش هتمشي غير لما تتصلي بالبيه ده وآ...
كمم علي فمه وقال بصدمة:
_ أوعى تقول الكلام الاهبل ده قدام أختك، إنت مش وقح إنت غبي وحمار يا عُمران!!!!
اقتربت منهم تزفر بمللٍ:
_ حد فيكم يقولي في أيه؟
واتجهت عينيها لعمران تردد:
_ إنت زعلان عشان ركبت مع آدهم اليخت لوحدينا يا عُمران! خلاص متزعلش المرة الجاية هخدك معايا.
منح أخيه نظرة يملأها الاتهامات وهدر بعصبية:
_ الله الله يخت كمان!!!! لا ده شغل على نضيف.
واستدار لاخيه يصبح بتهكم:
_ وإنت كنت فين وهو بيستفرض بيها في عرض البحر يا دكتور يا محترم!!
جلس علي بمقعده متخذًا من يديه حاجز يمنع به عينيه من رؤية أخيه الذي استفز كل خلية داخله، تاركًا شمس بمواجهة الطاووس الوقح يخبرها ببسمة مخيفة:
_ ها يا شمس كنا واقفين عند مرواحك اليخت وبعدها حصل أيه؟
قلقت من طريقته الغريبة فتطلعت تجاه أخيها الأكبر مطالبة برجاءٍ:
_ علي! الحقني يا علي!!
نزع يده عن جبينه ونهض يفصل بين عناقهما، مقبلًا جبهتها وبابتسامة رسمها بتمكنٍ قال:
_ روحي نامي يا حبيبتي وسبيلي البيه ده لينا حسابات تانية مع بعض.
ولف ذراعه حول رقبة عُمران ثم دفعه خارج غرفتها، محافظًا على ابتسامته المزيفة حتى لحظة انغلاق بابها فاستدار يقابل الاخير بجفاءٍ وصاح به:
_ عُمران خرج شمس وآدهم من دماغك، حاول تتقبل إنها أختك مش مراتك!!
جابهه الاخير بغضب:
_ ولو أختي مينفعش أحافظ عليها يعني!!
مرر يده بين خصلاته الطويلة مرددًا بتنهيدة:
_ لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، يا حبيبي افهم ده جوزها وكلها أيام وهتسافر تعيش معاه، حاول تستوعب ده!!
_ إنت بتقول أيه يا علي تسافر فين؟!! شمس هتتجوز وهتقعد هنا معانا ولو الكلام ده مش عاجب البيه يخليه زي مهو وكل شيء قسمة ونصيب.
تحرر حديثه المتعصب ليصدم علي صدمة جعلته يتجه لأقرب براد مياه يرتشف كوبين جرعة واحدة وعينيه لا تنجرفان عن أخيه الذي يطالعه بقوة وتبجح وكأنه صاحب حق.
ترك الكوب من يده ثم قال:
_ الوقت اتاخر روح نام يا عُمران ونبقى نتكلم في المصيبة اللي بتخططلها دي بعدين.
واتجه لغرفته هادرًا بانفعال:
_ ومن غير تصبح على خير لانك متستحقهاش!
وضع يديه بجيب جاكيته متمتمًا بغرور:
_ أستحق ولا مستحقش اللي بقوله كده كده هيتنفذ!
***
"استند على الكومود يتابعها بحزنٍ وهي تتنقل بين صفحات الدفتر بلهفةٍ ودموعها تغزو وجهها، وُلد الألم بين أضلعه، وقد رق القلب لتلك العبرية التي قذفتها الحياة إليه وهيئتها لتكن أكبر لغزٍ خاضه بحياته.
هو الابن المتدين للشيخ الأزهري "مهران"، حياته كانت مسالمة بشكلٍ مريبًا، حتى تعرقل بها فأيقن بأنه كان يتهيء لاختبارٍ قاسٍ.
والآن ينجرف بطريقه خلف تلك النبضة الغريبة التي خفقت داخل صدره، اختناقه لرؤيتها تبكي يجعله يخشى أن يكون قد فعلها وسقط في الحب المحظور!
نهض آيوب عن الفراش وإتجه للأريكة التي تحتلها، جذب منها الدفتر بعدما وصلت لنصفه، وقال بنبرة حنونه:
_ كفى، فلنذهب للنوم وغدًا بإمكانك أن تستكملي.
حاولت سحب الدفتر من بين يديه قائلة:
_ سبيه آيوب أنا مش خلص قراية.
أبعد يدها وقال بأمرٍ قاطع:
_ سدن.
استنكرت ندائه الغريب لها ولكن بعد قراءة النصف الأول من الدفتر باتت تصدق كل ما يخبرها به، حتى ذلك الأسم العربي، تركت ذراعه واتجهت بخطواتها البطيئة للفراش، جلست تضم وجهها بيديها وتبكي بانهيار تتمنى أن يريح ألم قلبها، فما أصعب ما تلقته من صدماتٍ ذبح فؤادها.
راقبها آيوب وقد تخلل له الشعور بالندم لمساعدتها بمعرفة الحقيقة، فجلس جوارها ورفع يده يطبطب على ظهرها مرددًا:
_ ماذا عساي أن أفعل سدن؟ لقد أوصاني محمدًا أن أسلمك الدفتر بعد موته ومع ذلك لم أفعلها حتى لا تظنيني أفعل ذلك لأرغمك بأعتناق الدين الاسلامي.
استدارت إليه بعينيها المنتفخة ورددت بصوتٍ بُحت نبرته:
_ أنا لست بخير.. ضمني إليك آيوب.
احتواها بين ذراعيه بقوةٍ فانفجرت مرددة ببكاءٍ:
_ بالله عليك اخبرني ما الذي يدفع الأخ إلى قتل أخيه؟!!! كيف فعلها؟ لقد ظننت أنه يتألم بعد موت أبي، ظننته يعوض شوقه إليه فيقوم بتربيتي أنا وأخي.
ورفعت رأسها القريب منه تخبره بوجعٍ:
_ منذ أن ظهرت بحياة أخي وقد انكشف عنه وجهه الحقير، لقد أرسلك الله لنا لتخلصنا من هذا الشيطان آيوب.
مسد على ظهرها هامسًا برخامة صوته المحبب لها:
_ اهدئي فحسب... لا أريد أن أشعر بالذنب لاخبارك بالامر... أرجوكِ!
ابتعدت عنه قليلًا هادرة بلهفة وهي تزيح دموعها بيديها معًا:
_ أنا مش عيط.. شوف!
كلما تحدثت بكلمتها العربية تضحكه رغمًا عنها وعنه، يشعر وكأنها طفلة تحاول نطق كلمات تفوقها، تنحنح بخفوتٍ وسألها بدهشة:
_ لماذا تبقين لهذا الوقت بإسدال الصلاة؟
اتجهت يدها تلقائيًا لحجابها مرددة ببلاهة:
_ لإنك مازلت هنا!
تسللت الدهشة لتعابيره، فاستكملت باستفاضة:
_ الحجة ركيا قال مش أقلع حجابي قدام أي راجل عشان حرام.
سقط بنوبة من الضحك وانبثقت كلماته بصعوبة:
_ قدام أي راجل لكن أنا جوزك فحلال عادي.
مسكت طرف الحجاب وتساءلت بقلقٍ:
_ يعني أقلع حجاب عادي؟
هز رأسه مؤكدًا ومازالت ضحكاته تتعالى حتى أدمعت عينيه، توقفت عن فك حجابها وقد ساورها الشك تجاهه، فتركت الفراش ونهضت تتجه للخارج، فسألها بذهول:
_ انتِ راحه فين؟
قالت دون النظر إليه:
_ إنتي بتكدبي عليا، الشيخ مهران هتقول الحقيقة.
وتركته مصدومًا وإتجهت لغرفة الشيخ مهران تطرق بابه، أفاق آيوب من صدمته، فهرع خلفها يناديها بحزمٍ:
_ سدن توقفي الآن!!
تريث بخطواته فور أن انفتح باب غرفة أبيه، فامتقع وجهه حرجًا لما قد يظنه به فإذا بالشيخ مهران يتساءل:
_ خير يا بنتي في حاجة؟
أجابته بنبرتها الشبه مفهومة:
_ آيوب عايز آديرا يقلع حجاب، الحجة ركيا قال آديرا مش اقلع حجاب قدام راجل، وآيوب قال اقلع!
احتقنت نظرة الشيخ تجاه ابنه الذي يود أن تنشق الأرض وتبتلعه، فأجبر لسانه المصعوق على استجابة أوامره فنطق:
_ هي تقريبًا فهمتني غلط يا عم الشيخ، أنا كل اللي قولته تقلع الطرحه وتنام مهو مش معقول هتنام وهي متكفنة كده!
بقت نظراته محيطة بآيوب بشكلٍ أقلقه للغاية، فلعق شفتيه بارتباكِ:
_ مصدقني يا حاج؟
سند كفه على الكف الأخر ووقف يراقبهما بثباتٍ تضاعف به ارتباك آيوب الذي يتابع والده بحرجٍ، إلى أن مزق جلباب صمته مردفًا:
_ خد مراتك وارجع أوضتكم، وقبل الفجر تنزل على وضوء صلاة الفجر يابن الشيخ مهران.
رسالة صريحة باطنها يعلمه آيوب، فهز رأسه مؤكدًا له، وأشار لتلك التي تترقب سماع اجابة سؤالها:
_ فلنذهب هيا.
لحقت به للداخل بعد أن رأت حالة الصمت المطبقة على الشيخ، أغلق آيوب الباب خلفهما واستدار يقابلها بضيقٍ:
_ بربك يا فتاة أي حماقة حلت عليكِ!!
هزت كتفيها ببراءةٍ:
_ مش عارف إنت بتتكلمي عن أيه؟
_ إنت وبتتكلمي!! يا صبر آيوب صبرني على ما ابتليتني بيه!
هدر بها منفعلًا، اتجه للفراش ينحني للأمام بجسده، فإذا بها تجلس جواره، تراقبه بضيقٍ لظنها بأنه حزين من فعلتها، فقالت ويدها تنزع الحجاب عنها:
_ متزعليش آيوب قلعت حجاب.
لف رأسه لها مستنكرًا جملتها، مسح بيديه وجهه هامسًا بنزقٍ:
_ هتجلطني!
تنهد وقال بقلة حيلة:
_ مش زعلان، يلا اطلعي نامي.
هزت رأسها ونزعت عنها السماعة الصغيرة بآذنيها، بينما نهض آيوب واتجه لخزانته، يجذب بنطال وتيشرت مريح، وخرج للحمام الرئيسي ثم عاد لها فوجدها مازالت تجلس بنهاية الفراش، تغفو وهي تضم ذراعيها لساقيها بنومة غير مريحة بالمرة، حملها وإتجه ليضعها على الوسادة بشكلٍ مريحًا، فتعلقت برقبته بفزعٍ حينما شعرت بذراعيه، ردد بنبرةٍ جذبتها إليه:
_ أنا كنت بعدلك.. متخافيش!
تطلعت لفيروزته بانجذابٍ، ولمرتها الثانية لا تخجل من تصريحها بحبه الشديد، فقالت بالعربية:
_ أنا بحبك آيوب.
ازدرد ريقه الهادر بصعوبة، فاستدار ليجلس هو على الفراش ووضعها أمامه، لا يعلم كيف استيقظ قلبه واعترف بسطوة حبها المستحيل، احتضن وجهها بيده واختلفت نظراته لها، تقسم بأن حبها بات يتلألأ بمُقلتيه كسطوع البدر في ليلة تمامه، مالت بوجهها على كفه وأغلقت عينيها بحبٍ وعاطفتها تتحرك إليه، تود أن ينزع عنها الألم ويطيب جرحها الغائر، عساه هو بلسم أوجاعها مثلما كان لأخيها.
كأجنبية تمنت خوض تجربة عاطفية مع شخصٍ تحبه، ولكن لم يحالفها الحظ مثلما وصفته، وها هي الآن تختبر أول قطفة من درب الغرام على يد زوجها.
أغلقت عينيها بقوةٍ تواجه تلك المشاعر الجديدة عليها، لا تعلم لما يخفق قلبها بكل هذا العنف، ربما لآنه لم يكن أي شخص، المؤكد لها لما تختبره من عاطفة وأحاسيس خاصة كانت لإنه آيوب الذي أحبته بصدقٍ، أحبت ذلك الشاب الذي خاض تسعمائة وتسعة وتسعون معركة وإنتصر بها بمعركته الألف، هو الذي قذف الحب بقلبها رويدًا رويدًا، لم تكن مفتونة به ولا بجاذبيته، بل ما جمعها به رغبة الانتقام والكره، الحبل الرفيع ما بين الحب وقد تمزق ليختل توازنها.
أفاق آيوب من انزلاقه خلف طوفان مشاعره التي تفاجئ بأنه يحملها لها، فابتعد عنها في الحال قبل أن يتطور بهما الامور.
وقف يلتقط أنفاسه بأعين متسعة، غير مصدق لما فعله الآن، يتطلع لها بنظراتٍ عبر فيها عن أسفه، فاستعاد ثباته وانتظام أنفاسه قائلًا:
_ لا يمكن أن يحدث شيئًا بيننا سدن، آآ.. أنا.. لا أريد أن أرتكب حماقة الآن، لست جاهزًا على تحمل مسؤولية كبيرة مثل هذة الآن... أنا لم أنهي دراستي بعد وآآ...
اعتدلت بجلستها والألم يتسلل لتعابيرها ببطءٍ، شعور أنه مرغم ليكون معها طعنها بقسوةٍ، فرددت وهي تعتدل بنومتها لتحتل الجانب الأيسر من السرير:
_ لا عليك.. أنا أتفاهمك.
لعن نفسه لما تفوه به، نظرة الانكسار بعينيها كسرته هو، ولكنه عاجز عن أن يشرح لها، بالنهاية ليست ملمة لتفاصيل عالمه، أن فعل ذلك لن يسامح ذاته أبدًا، عليه أن يجد عملًا مناسبًا أولًا وأن يعلن زواجه بها بالحي الذي يسكنه ثانيًا، عليه أن يقدم لها مسكنًا مناسبًا، وحفل زفاف حتى وإن كان بسيطًا، ليست لانها وصية صديقه، لإنه إن أحبها بصدق عليه أن يكرمها ويمنحها كرامة العيش وسط عالمه كما فعلها حينما اندث بعالمها الغربي.
وقف بمنتصف الغرفة حائرًا، يود الذهاب والنوم بغرفة والده ولكن ساقيه اللعينة لا تنساق إليه، عينيه الخائنة لا تكف عن التطلع لرجفة جسدها من أسفل غطائها، قلبه الاحمق يزيد من وتيرة دقاته وكأنه يعاقبه على ما ارتكبه.
تمدد آيوب جوارها، وبدون ارادة منه لف يديه من حولها ليعيدها لاحضانه مستنشقًا رائحة الزيوت المنعشة المنغمسة بخصلاتها الصفراء، هامسًا لها بنبرة جعلتها تحلق بسمائه:
_ وذلك الإرهاربي أحبك رغمًا عن أنفه!
لوهلةٍ ظنته حلمًا يعوضها عما لاقته، ولكن رائحته وأنفاسه القريبة تفصلها عن أي تفكيرًا أحمق، استدارت تواجهه وخضرتها تواجه فيروزته بكل جيوشها، ازدادت حدة أنفاسه فقال ومازال يغرق بجنتها:
_ كفى! أقسم أنني سأنسى حتى إسمي إن بقيتي تنظرين لي بتلك الطريقة.
ابتسمت ودموعها تنهمر دون توقف، فإذا به يزيحها عنها هاتفًا:
_ بالله عليك توقفي عن البكاء، سدن أنا أحبك ولكن هنا الحياة محتلفة عما اعتدتي بالخارج، هنا إن لم أكن جاهز لتحمل مسؤوليتك كاملة فأنا لست مؤهلًا لكِ، إن أحببتيني بصدق فلتنتظري حتى أنهي دراستي وحينما أنتهي من تجهيز منزلي أعدك بأنني سأتزوج بكِ هنا في حفل يشهده عائلتي وأهالي الحي بأكمله.
تحمست لسماع الجزء الاخير من حديثه فقالت بفرحة:
_ هل يعني ذلك بأنني سأرتدي فستان زفاف؟
هز رأسه يؤكد لها، مضيفًا:
_ وهل ينقصكِ شيئًا عن الفتيات لترتديه!
طوقت عنقه بسعادة، وهي تردد دون توقف:
_ أحبك آيوب.... أحبك!
نزع يديه من حول رقبته هادرًا بتوتر:
_ حسنًا لنعقد اتفاق بيننا، لا تقتربي مني لهذا الحد مجددًا والا سأسحب وعدي لكِ وحينها لا يوجد زفاف ولا فستان.
سحبت ذراعيها وتراجعت للخلف فجذبها مجددًا مرددًا بخبث:
_ ليس لهذا الحد، بامكانك النوم بين أحضاني ولكن بحذر يا فتاة!
كبتت ضحكاتها بصعوبة وأشارت له بموافقتها على اقتراحه، ضمها آيوب إليه وتصنع نومه حتى غفت مبتسمة، ففتح فيروزته يطالعها بحبٍ، وهمس لذاته ساخرًا:
_ مطلعتش جامد زي ما كنت متخيل، وقعت يابن الشيخ مهران!!
***
بصق الدماء من فمه بعدما تجرع أبشع أنواع العذاب، وها هو الآن يواجه ذلك الوجه الذي يصعب عليه نسيانه، سند طوله بصعوبة ليصل لطرف الحبل المعلق بسقفية المعتقل مرددًا بأنفاسٍ شاحبة:
_ الرحمة يا باشا.
ابتسم من يقف أمامه بكبرياءٍ، فنهض عن مقعده ودث يده بجيب بنطاله الأسود، ثم دار من حوله بخطوات كانت تزلزل جسد غريمه، وبالأخص حينما قال بصوتٍ جهوري:
_ طالب مني الرحمة طيب قولي إنت رحمت مين عشان أرحمك؟!
فتح معتز جفنيه المشقوق من أثر ذلك الجرح الغائر وسأله بخوفٍ:
_ يونس اللي زقك عليا يا باشا؟
تعالت ضحكات "آدهم" وانحنى بقامته الطويلة قبالة وجهه المحني:
_ تفتكر يونس ليه في قذارتك دي؟! معتقدش إن تربية الشيخ مهران تبقى بالدناءة اللي اتربيت عليها يا معتز.
وانتصب بوقفته بعنجهيةٍ لا تليق الا سواه، مرددًا بقوة:
_ العدالة الربانية قانون وداير، وجعت في يوم حد هيجي اليوم وحد هيوجعك وهيدوسك بالجامد، ظلمت ودلوفتي بتتظلم وبتدوق من نفس الكأس ال** اللي دوقته ليونس.
وتابع وعينيه تحدج به بشراسة:
_ اللي كنت بتتحامى فيه ومشغله لاعمالك القذرة مرمي في زنانة جنبك فبهدوء كده هتنفذ كل اللي هقولك عليه والا إنت متتوقعش اللي ممكن أخليه يعملوه فيك.
ابتلع ريقه القاحل بصعوبة بالغة، وهدر برعب:
_ هعمل كل اللي هتقول عليه يا باشا، أنا خدامك!
منحه ابتسامة خبيثة وردد:
_ بدأت تعجبني!
***
سيطرت الشمس بأشعتها الذهبية على ظلام الليل الدامس، وتباهت بضيائها الذي تفرد ليعلن بكبرياء بداية صباحها.
وبغرفتها كعادتها المزعجة مؤخرًا، تقيأت ما بجوفها صباحًا وهي تدعو الله أن لا يشعر زوجها بها، فتحطم أملها مع سماع طرقات باب الحمام وبعدها انطلق صوته الرجولي الحنون يتساءل:
_ فريدة أنتِ كويسة؟
جذبت مناديلًا ورقية تجفف بها قطرات المياه المنتشرة على فمها، فتحت الباب فاندفع إليها يساند خصرها باحكامٍ وهو يتساءل بهلعٍ:
_ إنتِ شكلك لسه تعبانه؟ كنتِ بتضحكي عليا وبتقوليلي بقيتي كويسة أديكي لسه تعبانه اهو.
جاهدت لتنطق بثبات:
_ أنا كويسة.
انحنى يرفع ساقيها للفراش جاذبًا الغطاء عليها:
_ لا يا فريدة مش كويسة، بقالك كام يوم على الحال ده وكل ما أكلمك تقوليلي أخده برد!!
باصرارٍ استرسل:
_ هروح أطالبلك دكتور حالًا.
تمسكت بيده قبل أن يتجه لهاتفه وقالت:
_ مالوش داعي يا أحمد، أنا كلها ساعتين وراحه المركز عشان الافتتاح هخلي حد من الدكاترة يكشف عليا.
وتمايلت على الوسادة بتعبٍ ورددت:
_ أنا بس عايزة أنام شوية، من فضلك خفف الاضاءة.
جذب الريموت الالكتروني يستجيب لطلبها، ثم فرد الغطاء عليها ومال يمسد على خصلاتها القصيرة المنثورة على الوسادة، هامسًا بعشقٍ:
_ ارتاحي يا حبيبتي!
***
بعد ساعات بغرفة زينب.
_ أنا عايزة أفهم أيه اللي يخليكي متسرعة في قرار جوازك من دكتور سيف وانتي كنتي رافضة الموضوع من كام يوم بس؟! قوليلي يا زينب إنتِ بتحاولي تخبي عني أيه، اتكلمي!!
كلمات تحررت بغضب على لسان فاطمة بعدما علمت بقرار زواج زينب، توقفت زينب عن لف الحجاب لاستعدادها للذهاب برفقتهم للحفل.
استدارت تواجه شقيقتها باستسلامٍ، كانت تعلم بأن هذا اليوم قادمًا لا محالة، لذا رددت بحزنٍ:
_ قررت ده عشان بحبه يا فاطمة وعشان أتخلص من علاقة حب مريضة بتطاردني لحد النهاردة.
زوت حاجبيها باستنكارٍ:
_ علاقة حب!! تقصدي أيه يا زينب؟
فركت أصابعها بتوترٍ مما ستخبرها به، فتركت مقعد السراحة واتجهت لمحلها قائلة:
_ كان في شخص في حياتي قبل ما أسافر على هنا، بس مع الوقت اكتشفت انه انسان مش طبيعي ومتملك بشكل مجنون، كنت فاكرة اني لما أسافر على هنا عمره ما هيوصلي بس كنت غلطانه، عرف مكاني وهددني كذه مرة ودكتور علي عارف الحوار ده..
واسترسلت باصرار:
_ ودلوقتي عايز يفرقني عن سيف لانه بيراقبني وعارف كل تحركاتي عشان كده اتمسكت بيه لإني حبيته يا فاطمة ومش عايزة أبعد عنه.
صعقت مما استمعت إليه، خاضت شقيقتها حربًا نفسيًا طاحنة وهي أخر من يعلم بها! ، ضمتها فاطمة لاحضانها بقوة، ولم يسعها الا أن تضمها ودموعها تنهمر رغمًا عنها، لم تملك حتى جراءة المعاتبة لاخفائها الأمر لأنها تعلم بماذا ستجيبها، ولكن ما عليها الا لتطمنها فقالت:
_ لو جوازك منه هيسعدك فاتجوزي وعيشي حياتك يا زينب، أنا كل اللي يهمني إنك تكوني مبسوطة وسعيدة في حياتك..
ضمتها بقوة ورددت:
_ هكون سعيدة طول ما انتي جنبي يا فطيمة.
أبعدتها عنها وقالت وهي تزيح دموعها:
_ يلا كملي لبس عشان منتاخرش عليهم.
هزت رأسها بابتسامة رقيقة، وهبطت فاطمة للاسفل تنتظر هبوط باقي أفراد العائلة.
***
انتهى من عقد جرفاته بحرفيةٍ جعلته أنيقًا كعادته، وفور أن انتهى من ارتداء حذائه حتى خرج من الخزانة يناديها:
_ حبيب قلبي خلص لبس ولا لسه؟
زحفت لحافة الفراش تطالعه بضجرٍ، فتطلع لها بدهشة:
_ إنتِ لسه (بالـbijama.. بالبيچامة)!!
ضمت الدمية إليها، ثم مالت بجسدها للأمام مستندة عليها، وبإرهاقٍ قالت:
_ مش قادرة أقوم من مكاني فقولي هلبس ازاي!!
واسترسلت بحزنٍ:
_ أنا حتى وشي بقى مجهد وبقيت مش بقدر أقف ولا أتحرك زي الأول.. حتى لو بصيت لواحدة غيري هسامحك لاني شكلي بقى بشع جدًا!
جلس عُمران أمامها، وقال وهو يعقد خصلتها حول أصبعه:
_ طيب ومين السبب في اللي انتِ فيه ده مش ابني!
راق لها ان وجد من يعلق تهمتها عليه، فهزت رأسها مؤكدة له، هبطت يده لتحتضن جنينها ثم انحنى يحدثه بأوامرٍ مضحكة:
_ ممكن حضرتك تفهمني أيه اللي إنت عامله في حبيب قلب جوزه ده!! متخلنيش أزعلك مني وأحرمك من صوتي الحنين ده، فاهدى على مامي كده ومتعذبهاش معاك عشان بابي يحبك ويدلعك لما تيجي.
وتابع موضحًا بابتسامةٍ مختارة:
_ أنا حتى هصمملك رفين في الخزنة اللي بدأت فيها، واول ما أتأكد إنك ولد هخلي (الـstylist مصمم أزياء) يعملنا كام طقم على زوقي عشان نلبس زي بعض.
ومال يطبع قبلة على كفه مستطردًا ببسمة خبيثة:
_ في اغراءات كتيرة لمعاليك بس ممكن عشان خاطر بابي متضايقش مامي لحد ما تشرف؟
ابتسمت مايا ساخرة من طريقته، ورددت؛
_ سمع كلامك هو!!
انتصب بجلسته يجيبها بغرور:
_ لازم يسمع كلامي يا بيبي ده لإنه لو ذكي زيي هيعرف إن مصلحته معايا أنا وهيبتدي يحاول إزاي يراضيني!
ابتسمت رغمًا عنها ومالت تستند على كتفه مرددة بتعبٍ:
_ تعبانه أوي مبقتش قادرة أقوم من مكاني الدوخة والهبوط اللي عندي مهما انتظمت على الادوية مش بيروحوا، أنا خايفة أكون بتقل عليك يا عُمران.
ضمها بذراعٍ والاخر يمسد ابهامه على جلد يدها الرقيق:
_ حبيب قلبه تقلي براحتك وميهمكيش جوزك جامد وميتخافش عليه يا بيبي!
ضحكت رغمًا عنها حينما وجدته يستعرض عضلاته قبالتها، شاركها الضحك قائلًا:
_ مستعد أشيلك من هنا لحد معاد الولادة المهم نفسيتك متتقصرش.. وبالنسبة لحالة الاكتئاب المبكر ده فمتقلقيش علاجه عندي يا بيبي.
نهض عن الفراش متجهًا للخزانة فتابعته بفضولٍ لمعرفة ما يقصده، دقائق وعاد إليها بفستان سماوي اللون وبيده الاخرى جاكيت من اللون الأبيض يخص فستان أخر غير ذلك، ولكنها لم تمانع أبدًا لتأكدها بأن القطعتين ستكون رائعًة الجمال، باتت تثق به وبذوقه الرفيع فاستسلمت له لتجده يساندها لحمام الغرفة.
عاونها عُمران على الاغتسال ثم خرج بها للغرفة، ساندها للسراحة وجذب أدوات التجميل البسيطة يحاول اخفاء عدم تطابق بشرتها بسبب الانميا بميكب بسيط صنعه لها، وفور أن أنتهى حتى أطلق صفيرًا معجبًا:
_ أيـه الجمـال ده كله يا بيبي، أمممم شكلي هعيد حساباتي.
تساءلت وهي تتطلع لانعكاسها بالمرآة باعجاب:
_ حسابات أيه؟
جذب الفستان يعاونها بارتدائه قائلًا:
_ هتعرفي دلوقتي.
ارتدت الفستان ومدت ذراعيها ليضع لها الجاكيت فوجدته يلقيه بعيدًا ويفرد خصلات شعرها من حولها، ثم يمشطها بعناية وابتسامة عاشقة تطوفه، رددت باستغرابٍ:
_ عُمران طرحتي؟
ألقى مثبت الشعر من يده باهمال وانحنى يحملها للفراش، وضعها على طرفه ونزع عنها حذائها وهي تتابع ما يفعله بدهشةٍ.
غاب عنها دقائق وعاد يحمل طاولة صغيرة، وضعها حولها وملأها بالتسالي المفيدة والعصائر والشوكولا، ومن ثم وضع فوقها حاسوبه الباهظ وقد أعده على سلسلة أفلام ديزني كما تحب.
راقبت ما يفعله متسائلة بذهول:
_ بتعمل أيه؟
أجابها ببساطه وهي يفترسها بعينيه:
_ مهو لو متوقعه إني هزينك بايدي وأخدك بالجمال الزايد ده أعرضك للخلق تبقي يا بتحلمي يا أنا هركب قرون قريب يا بيبي!
وتابع وهو يضم ذقنها كأنها طفلة:
_ حبيبة قلب جوزها العاقلة هتقعد كده مكانها معززة مكرمة تتفرج على سندريلا وسنو وايت لحد ما أرجعلها نكمل سهرتنا مع بعض.
لم يعنيها أمر الخروج كثيرًا، فصدقًا باتت بعد حملها مرهقة بدرجة كبيرة، جذبت طبق اللوز تتناوله وهي تتطلع للشاشة باستسلامٍ تام، فاتسعت ابتسامته وانحنى يقبل خدها هاتفًا بمرحٍ:
_ حبيبة قلب بابي اللي بتسمع الكلام تأخد قلبه وعينه وكلاويه وكل شيء يملكه الا لبسي وجزمي وساعاتي وبرفاناتي والجرفات دول خارج نطاف حساباتنا.
منحته نظرة محتقنة فغمز لها متابعًا:
_ هسيبك مندمجة مع العالم الخيالي بتاعك ده مع إنك لو ركزتي كويس هتلاقيني أجمل وأشيك من الابطال اللي يصدوا النفس دول على الأقل أنا حقيقي وملموس مش حبر على ورق.. يلا يا بيبي سلام مؤقت.
وتركها واتجه للمغادرة وقبل أن يغلق الباب اشرأب بعنقه يشدد عليها:
_ أوعي أرجع ألقيكِ نمتي أنا حططلك تسالي تجيبك أربع خمس ساعات واللاب مطول مش هيفصل دلوقتي اطمني.
هزت رأسها بنزق ليغادر، فاتسعت ابتسامته وقال بمكر:
_ حبيبي شكلي وحشتك أنا كمان!
جذبت قالب الشوكولا وألقتها بوجهه صارخة بعصبية:
_ امشي يا وقح.
نزع غلاف الشوكولا الفاخرة وتناولها مرددًا ببرود:
_ مش كنتِ حدفتيها بالمكسرات، حد يبخل على جوزه حبيبه بردو!!
جذبت إحدى ثمار الفاكهة وألقتها بوجهه هادرة بعنف:
_ امشي يا عُمران!!
قضم ثمرة التفاح بتلذذٍ وأشار بيده:
_ روح قلبي عارف اني مش بتعشى غير فواكه، يلا أشوفك كمان ساعتين، هتصل بيكي كل ربع ساعة أتأكد إنك صاحية مهو لازم أطمن إن مجهودي مرحش هدر.
أغلق الباب وهو يستمع لصياحها المنفعل، فابتسم باستمتاعٍ ومضى للأسفل يتناول التفاح بشهيةٍ مفتوحة، فإذا بالخادمة تستوقفه قائلة بارتباكٍ ملحوظ:
_ سيدي.
استدار تجاهها وسألها باستغراب:
_ ما الأمر؟
بارتباكٍ قالت:
_ هناك من يريد مقابلتك بالصالون.
سألها بفضول:
_ من؟
_ مرحبًا عزيزي، هل أفتقدتني؟
تسلل لآذنيه أبشع صوتًا قد بسمعه يومًا، أغلق عينيه بقوة ومعصمه يلتف حول بعضه بعنف كاد بأن يفجر أوردته، فاستجمع ثباته الهادر واستدار تجاه الصوت يقابلها بنظرة صلبة، وبصرامة نطق بالحارس الواقف لجوارها:
_ منذ متى ونحن نسمح للعاهرات بالدخول لمنزلنا؟!!!!
ضحكت بطريقتها الفجة ورددت بدلال وهي تقترب منه:
_ ما بك عُمران هل تغيرت ملامحي لتلك الدرجة؟ أنا هي نفسها آلكس... حبيبتك آلكس!!!
***
رواية صرخات انثى الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم ايه محمد رفعت
الاشمئزاز والتقزز يحيطان بجسده فور رؤيتها تقف قبالته، يمر عليه ذكرى الأربعة مرات اللاتي أغضب فيهم الله واهتز عرشه غضبًا لما اقترفه بحق نفسه.
لم يحتمل بقائها قبالته وكأنها سهام تهدد باختراق جسده.
كأنها تحمل شاشة تعرض له مقتطفات جريمته وذنبه الذي يحاول جاهدًا نسيانه.
حشد قوته واستعد لسانه السليط لتلك المواجهة الذي كان يعلم بأنها آتية لا محالة.
أشار بأصبعه يصرف الحارس والخادمة.
وأجلى صوته بقوة وصلابة:
_ أي جراءة وعهر تمتلكينه لتأتي وتقفي أمامي بكل هذا التبجح!
اتسعت ابتسامتها وتغندجت بخطواتها وهي تتجه إليه.
أحاطها بنظرة ساخطة بداية من تنورتها القصيرة والتوب الذي لا يخفي شيئًا من جسدها.
فاستغلت صمته ظنًا بأنها عادت لتفرض سطوتها عليه مثل السابق.
وطوفت رقبته بذراعيها قائلة بدلال وضيع:
_ اشتقت لك كثيرًا، ألم تشتاق لي؟
نزع ذراعيها عن رقبته دافعها بكل قوته للخلف.
وباستحقار قال:
_ لستُ أحمقًا لأشتاق لحية تنتظر فرصة بسمها اللعين.
اشتعلت غضبًا فتابع ببسمة ساخرة:
_ لا أعلم كيف تظلين على قيد الحياة وبداخلك كل تلك السموم؟!
صرخت غاضبة:
_ هل أصبحت أنا الأفعى الآن! أنت من تخلى عني بعد ما فعلته لأجلك ولأجل أن أخلصك من زوجك من تلك المصرية الحقيرة.
لأول مرة يفعلها ويطلق غضبه على امرأة، ولكنها أذهبت عقله للجحيم وأبقت وحشه ثائرًا يتربص لها.
طالتها لطمة من يده القوية أسالت الدماء على جانب شفتيها هادرًا بعنفوان تشهده لأول مرة:
_ إياكِ وذكر زوجتي بالسوء والا نحرت عنقك أيتها ال****.
ضمت جانب وجهها وأنفاسها المنفعلة تصل لمسمعه.
فحررت ما احتبس داخلها حينما قالت بحقد:
_ حسنًا عُمران.. أنا الآن أتيت لك بنفسي أطالبك بأن نعود مثل السابق، سننسى الماضي وسنبدأ من جديد، رغم إنك رفضت رجائي بأن تخرجني من السجن وطردت المحامي الخاص بي ولكني أسامحك الآن.
تمردت ضحكاته بشكل جنوني.
فراقبته بغضب من استهزائه بطلبها، وخاصة حينما قال باستهزاء:
_ أعتذر ولكني لا أمتلك الوقت لسماع تلك الترهات، عائلتي تنتظرني وعلي الذهاب إليهم، هل سترحلين الآن أم أنكِ بحاجة لمساعدة الحرس؟
احتشد الغيظ داخل حدقتيها المحتقنة.
فصرخت به:
_ أنا لم آتِ إلى هنا لتستهزأ بي عُمران، اسمعني جيدًا لقد ساعدني عدوًا لك بالخروج من السجن قبل أن أقضي مدتي على أمل أن أسلمه ما معي ضدك وبالرغم من ذلك أتيت إليك لأنني مازلت أحبك وأرغب بك.
واسترسلت بغل وتملك:
_ أعدك بإنك إن لم تخضع لي لن أتردد لأضع رقبتك تحت قدميه، لقد سبق لي وقتلتك حينما شعرت بأنني خسرتك، كن ذكيًا الآن باختيارك والا سأقدم الفيديو إليه..
رمش بعدم استيعاب لما يحاول عقله تفسيره.
فردد بتهذيب:
_ عدو! عن أي فيديو تتحدثين؟! ما هذا الهراء!
اتجهت لحقيبتها الموضوعة على المقعد.
سحبت الهاتف من حقيبتها واتجهت إليه ببسمة انتصار.
حررت زره وقدمته إليه فالتقطته بعنف.
تراخت أعصابه رويدًا رويدًا.
خفف نبضات قلبه المتسارعة.
جحظت عيناه في صدمة حقيقية جعلته يشعر بتراخي جسده القوي ليصبح كالهلام المنهزم للسقوط، وهو يشاهد آخر ما توقعه، فيديو مسجل له وهو برفقة تلك الوضيعة.
بينما الأخيرة تراقبه بابتسامة انتشاء لتأكدها بأنها الآن تحمل نقطة من نقاط ضعف “عُمران سالم الغرباوي”.
إن نشر فيديو كهذا إليه سيهتز اسمه بسوق عمله واسم عائلته الأرستقراطية المعروفة.
رفع عينيه عن الهاتف إليها بصعوبة.
كيف لامرأة أن تصور نفسها بتلك المشاهد الحميمة القذرة؟
كيف تتأجر بنفسها بتلك السهولة؟
كل مرة يزيد كرهه لنفسه بأنه سمح لتلك الحقيرة بالدخول لحياته.
كل مرة يتأكد بأنه كان أحمقًا قذرًا.
قذف الهاتف بعرض الحائط فسقط منكسرًا أسفل قدميها.
وطالتها يده جاذبًا إياها من خصلاتها صارخًا بغضب جحيمي:
_ أيتها القذرة اللعينة، هل تظنين بأنكِ ستهدديني؟!! أفعلي ما شئتي مهما فعلتي مستحيل أن أنخضع لكِ مرة ثانية، محال أن أدنس نفسي بعلاقة وضيعة مثل تلك.
وقذفها أرضًا يشير بعنف:
_ اغربي عن وجهي والا سأقتلكِ في الحال.
نهضت تمرر يدها على ذراعها بألم.
ومع ذلك مازالت ابتسامتها الخبيثة تعلو ثغرها.
فحملت هاتفها وحقيبتها وقبل أن تتجه للخروج قالت:
_ سأتركك تفكر بالأمر، أنا عاهدتك ذكيًا عُمران لست أحمقًا لتختار الفضيحة لك ولعائلتك.
وتابعت بابتسامة ماكرة:
_ لقد سمعت أن زوجتك حامل وحملها متعب للغاية فكر بالأمر ماذا إن وصل مقطع الفيديو لها؟
وتابعت وهي تخرج بثقة وغرور:
_ إن حسمت أمرك فأنا بانتظارك غدًا بنفس الفندق الذي كان يجمع غرام أيامنا معًا.
رحلت وتركته يشتعل من فرط عصبيته.
دفع عمران الطاولات الزجاجية وهو يصرخ بجنون:
_ رخيـصة!
سقط على المقعد يشدد على خصلات شعره بعصبية مفرطة، يحاول أن يهدأ انفعالاته ولكنه كان خارج السيطرة.
بقى ساعة كاملة محله لا يقوى على التفكير أو اتخاذ قرارًا مناسبًا.
لا يعنيه أن يتعرض للخسارة بعمله فهو يمتلك من المال والثراء ما يجعله سيد عمرًا بأكمله.
ولكن ما يقلقه هي “مايا”.
إن كره نفسه أضعافًا لمجرد رؤيته لمقطع الفيديو ماذا سيحدث لها؟!
حتى وإن كانت على علم بما فعله سابقًا ولكن رؤيته سيكون مؤلمًا لها.
يحمد الله بأن الأجنحة مزودة بكاتم الصوت والا كانت ستستمع لما يحدث الآن بالأسفل.
ولكن مدة ذلك السكون مؤقتة، الخوف كل الخوف من القادم!
*******
احتشد المركز بأعداد غفيرة من أعيان الطبقة الأرستقراطية.
منهم من خص السيدة “فريدة هانم الغرباوي” وآخرون أتوا خصيصًا لمجاملة “أحمد الغرباوي” و”عُمران”.
وأغلبهم من الأطباء والمرضى الذين تم شفائهم على يد “علي الغرباوي”.
انتقلت العاملات بين الطاولات الطويلة، توزعن أجود أنواع العصائر على المحاطون للطاولات.
فعدم وجود مقاعد حول الطاولات منح القاعة اتساعًا ومساحة ضخمة للمارة.
وعلى مقدمة الطاولات حيث الطاولة المستطيلة الخاصة بآل “الغرباوي”.
وقفت “زينب” جوار شقيقتها.
وعلى الطرف الآخر تقف “فريدة” هانم جوار زوجها وابنتها “شمس”.
يراقبون الحفل باهتمام.
أما على المدخل الرئيسي فكان يقف “علي” ولجوار “يوسف” وعدد محدود من كبار أطباء المركز يستقبلون المدعوين بكل ترحاب.
توجهت النساء لتقديم المباركات لفريدة بشكل خاص، معلنين سرورهم بتنظيم قسم خاص بالكشف التجميلي للنساء.
تبادل “علي” السلام الحار مع جمال وسيف، فقدما الورود له ومضى للطاولة القريبة من وقوف علي ويوسف.
بحثت عين سيف تلقائيًا عنها.
فوجدها بالطاولة المقابلة له.
وفور أن تعانقت أعينهما حتى تخلل له سماع دقات قلبها الفاضحة، وتورد بشرتها الملحوظ لفاطمة التي ابتسمت بسعادة لشقيقتها.
وابعدت بصرها لزوجها فشرع الحب بأعناق مقلتيها كالعلم المضاهي بعنجهية فوق سور المدينة.
وقفته الثابتة، ثيابه المنمقة، نظارته الطبية التي تنجح دائمًا أن تصنع له وقارًا خاص به.
خصلات شعره الفحمي التي تصل لأسفل رقبته.
ناهيك عن ابتسامته البشوشة التي ترغمها على متابعته بابتسامة حالمة، عاشقة لذلك المثقف المتواضع.
ارتبكت فاطمة فور أن أمسكت بها رماديته وهي تراقبه بتلك الحالمية.
فمنحها ابتسامة لا تراها إلا لها وكأنها صنعت لأجلها.
تصنعت انشغالها بترتيب باقة الزهور بالمزهرية المقابلة لها.
وفور أن عادت بعينيها له وجدته مازال يتطلع لها.
فابتسمت بخجل.
مر الوقت بالحفل ولم يحضر عُمران.
نهض جمال واتجه ليوسف وعلي متسائلًا بدهشة:
_ هو عُمران مجاش لسه؟
رد عليه علي وهو ينزع هاتفه عن أذنه بقلق:
_ بكلمه بيلغي ومش بيرد!
بدى القلق على الوجوه.
فقال يوسف باستغراب:
_ وأنا كمان كلمته كذا مرة مردش، تأخيره مش طبيعي ربنا يستر.
سحب جمال هاتفه من جيب بنطاله واتجه للخارج ناطقًا:
_ أنا هرن عليه من بره.
أشار له علي مرددًا:
_ لو رد طمني يا جمال.
هز رأسه ومضى للخارج، يعيد الاتصال به بقلق وتوتر.
فإذا به يمنع مكالمته من الوصول لهاتفه.
أعاد الاتصال للمرة الرابعة فإذا بيدٍ تطرق على كتفه.
استدار للخلف فتهللت أساريره هاتفًا بلهفة:
_ عُمرااان!
منحه نظرة ثابتة لا تجيد داخلها.
وردد بنزق:
_ أيه حفلة المكالمات دي، حد فيكم هيطلق تاني؟
زم شفتيه بسخط:
_ لسانك ده عايز الحرق، مبتردش على موبايلك وجاي متأخر ليه؟!
وضع يديه بجيب جاكيته الأبيض قائلًا بوقاحة:
_ قلقتي عليا انتي وضرايرك يا حبيبتي! متقلقوش مش هجبلكم الرابعة أنتوا عدمتوني العافية وسديتوا نفسي عن جنس الحريم كله.
صاح بغضب:
_ عُمــــــــــران!!
استكمل وصلته المنفرة:
_ صوتك يا بيبي عيب!
اشتعلت نظرات جمال بغضب وصاح وهو يتركه:
_ أنا غلطان إني طلعت أكلمك وقلقت عليك، أقولك حاجة تتفلق يا عُمران.
ابتسم وهو يتفحصه يبتعد عنه بخطوات منفعلة.
فجلس على الأريكة الخارجية بصمت كان مريب لجمال الذي يجزم أن هناك أمرًا ما.
فعاد إليه يشير:
_ إنت لسه هتقعد! دكتور علي مستنيك جوه وقلقان.
قال وهو يتطلع للفراغ:
_ قوله إني جيت.
جلس جواره يتفحص بهدوئه المريب وصاح بشك:
_ مالك يا عُمران؟
أغلق جفنيه بقوة ساندًا رأسه لظهر الأريكة المعدنية:
_ مصدع ولو دخلت وسط الدوشة دي هيلموا المعدات الحديثة وهيتطوعوا يتدربوا عليا، أهو حفلة نظري وعملي على شخص فاقد الوعي!
وتابع وهو يبتسم ساخرًا:
_ والله أعلم هيحولوني على دكتور مخ وأعصاب ولا علي هيقوم بالواجب ويصعقني بالكهربا ويمكن يشوفلي سرير في جناح المرضى النفسيين تحت إشرافه.
أصر على وجود شيئًا آخر، فقال:
_ لأ، في حاجة تانية مغيراك.. في أيه؟
اعتدل بجلسته متنهدًا بملل:
_ مفيش حاجة مهمة، الحزبونة آلكس اقتحمت فجأة في حياتي، في الأول بعتتلي محامي طلب مني أخرجها من الحبس ولما طردته وبهدلته اتفاجئت بيها النهاردة واقفة قدامي وبتقولي إن في عدو ليا خرجها من الحبس في مقابل إنها تفضحني.
اعتدل بجلسته مبرقًا بصدمة.
بينما الأخير يبلغه بما حدث بمنتهى الجمود التام وكأنه يخبره إنجازًا فعله.
فصاح بصدمة:
_ تفضحك ازاي؟!!
استدار إليه يريه الألم المتلألأ بحدقتيه رغم جفاء نبرته:
_ الهانم مصورنا مع بعض.
صعق جمال وتجمد محله لوهلة قبل أن يهمس:
_ يا نهار أسود!! إنت ازاي مخدتش بالك من النقطة دي!!
ربع يديه أمام صدره وعاد يستند برأسه للخلف متأملًا السماء بتفحص:
_ يعني كنت هاخد بالي ازاي يا جمال! همسح الأوضة من الكاميرات ولا هفتش في كل زاوية!! أنا كنت واثق إن اللي حصل زمان مستحيل يعدي من غير عقاب.
وتابع بحزن:
_ العقوبة لو هتمسني لوحدي فأنا راضي، لكن أنا مش هقبل أوجع مايا بعد كل اللي عشته وعدته معايا، مش هسمحلها تنفذ اللي في دماغها حتى لو هقتلها بإيدي.
انقلبت معالمه بتقزز من تلك الشخصية المقيتة، وسأله باستفهام:
_ لو عايزة قرشين أرميهملها وخلاص.
ضحك بصوت ساخر ومال برأسه المستكين إليه:
_ تفتكر إنها لو كانت طلبت ثروتي كلها كنت هعترض؟
زوى حاجبيه بدهشة:
_ أمال عايزة أيه؟
اتسعت ابتسامته وبخبث قال:
_ اشتاقت لليالي القذرة وبكل بجاحة عايزاني أكون معاها!
_ أوعى يا عُمران، أوعـــى بعد ما توبت ترجع للطريق ده!
نطقها فازعًا لفكرة عودة رفيقه لطريق الشيطان المحفور بالهلاك.
مرر عُمران يده على جبينه بارهاق وبهدوء قال:
_ عمري ما هعملها حتى لو كان التمن دمار حياتي يا جمال.
وبإيمان تام قال:
_ أنا واثق إن ربنا سبحانه وتعالى بيختبرني، بعد فترة من المذاكرة جيه وقت الامتحان ومستحيل هسقط فيه.
وفتح عينيه يتطلع للسماء الصافية من أمامه وهو يستكمل بهمس خافت:
_ سبحان من قذف بقلب عبده حلاوة التوبة والبعد عن المعصية، حاشة أن يعود لطريق المعاصي وارتكاب الكبائر!
ارتسم الحزن بعمق على ملامح جمال، فربت على ساقه وقال بثقة وإيمان:
_ ربنا عمره ما هيتخلى عنك يا عُمران، أكيد هتلاقي مخرج منها بس المهم تدور وتشوف مين اللي وراها.
_ شامم ريحته من على بعد!
قالها وعينيه تراقب ذلك البغيض الذي يهبط من سيارته ويتجه إليهما من على بعد.
فأراد أن يبدل الحديث.
رمق جمال بنظرة جامدة والاخير يترقب أن يستكمل حديثه حول هذا العدو المنشود.
ليفاجئه بانجرافه حول الحديث الهام لسؤال طرحه بجدية مضحكة:
_ ملبستش من الهدوم اللي جبناها ليه يا جمال؟ مصمم برضو تلبس زي البلياتشو!!
كز على أسنانه بغضب.
وقبل أن يقذف إليه كلماته وجده يستطرد ببرود:
_ ادخل اغضب جوه وأنا شوية وهاجي أصالحك.
رمش بعدم استيعاب وردد:
_ انت مش طبيعي أقسم بالله.
وضع عُمران ساقًا فوق الأخرى وعاد برأسه للخلف هامسًا بسخرية:
_ الحق عليا بنقذك من سماجة نعمان الملزق، خليك قاعد يا جمال أهو ينوبك من الكوباية شفطتين.
استدار جمال تجاه طريق السيارات فوجد المزعوم يقترب منهما.
انتفض بجلسته هادرًا بوجوم:
_ والنبي ما ناقصة على المسا، هستناك جوه أحسن.
وتركه وهرول للداخل.
فسبق لجمال رؤية الكره والاحتقار يملئ أعين هذا البغيض تجاهه.
حتى وإن جمعهما أي ندوة أو عملًا مشترك كان ينزعج من كلماته المبطنة والتي تقلل من شأنه.
ولكن لم يفكر بالأمر كثيرًا فبالنهاية نعمان هو نفسه المقيت الذي يكره الجميع تواجده بأي مكان.
همس عُمران من بين اصطكاك أسنانه:
_ كانت ناقصاك هي!!
اندفع إليه كالبركان الثائر، فتأكد بأنه لم يأتي للحفل كما توقع.
بل كان اللقاء به هو غايته الوحيدة.
وقد صدق حدثه حينما ألقى جواره عدد من المجلات بانفعال.
سحب بصره عنه يتطلع للمجلات الملقاة جواره.
ثم رفعهما إليه وببرود قاتل قال:
_ خير أيه اللي مولعك المرادي؟
انحنى نعمان يلتقط إحدى المجلات.
يفتح إحدى الصفحات ووضعها نصب أعين عُمران هادرًا بحقد:
_ ممكن تفهمني أيه ده؟؟
أدلى شفتيه للاسفل مردفًا بشفقة:
_ يا حبيبي جاي المشوار اللي قطع نفسك ده كله عشان تخليني أقرأ لك الخبر اللي نازل!! هو إنت مش معين عندك حد بيعرف فرنساوي ولا أيه نعمان؟
اكتظ من الغيظ بدرجة جعلت وجهه يكتسيه حمرة قاتمة.
فانحنى عُمران على المجلة يقرأها بثبات كاد أن يصيب الأخير بذبحة صدرية:
_ فيما يخص مشروع المول التجاري الضخم فلقد تم استبدال أحد الشركاء بالمهندس أحمد الغرباوي بنسبة تعد الأكبر بين الشركاء وتقدر ب30٪ وآ…
كور المجلة بين يده وألقاها أرضًا صارخًا بجنون:
_ متستفزنيش يابن فريدة!
وضع ساقًا فوق الأخرى يرمقه بنظرات ثابتة:
_ إنت اللي بتنهار بسرعة أعمل لأمك أيه؟!
وجز على شفتيه السفلية هادرًا:
_ خلّتنا نتكلم على الاموات الله يسامحك، محضرك هو اللي مستفز!!
تغاضى عن وقاحته وصرخ به بحقد:
_ إنت مستكتر عليا أدخل في مشروع مهم زي ده، رايح تديه لأحمد الغرباوي!!! طيب على الأقل اديله عشرة في المية وأنا عشرين، أنا مش فاهم هو عاملك أيه!!!!
وتابع يبخ ما بداخله من غضب:
_ ده أنا حتى خالك وأقربلك في صلة الدم أكتر منه، هو عاملك أيه مش فااااهم!
وصرخ بانفعال:
_ أخدت تصميم المشروع لجمال صاحبك ودخلت أحمد الغرباوي شريك فيه وأنا فيــــــــن من حساباتــك!!
انتصب بوقفته قبالته يرمقه باستحقار وكره.
وباستنكار شديد قال:
_ أيه كمية الكره والحقد اللي جواك دي! طايق نفسك ازاي؟ ، يا أخي اللي بيقسمها فوق فواقف وبتحاسبني على أيه؟! أنا مشفتش في بجاحتك!!
أجابه بكل تبجح:
_ أيوه من حقي أحاسبك، إنت ناسي إني خالك!
ضحك بصوته كله حتى أدمعت عيناه.
وتلاشت عنه فجأة ليردد بسخرية:
_ من أمته ده؟! فاكرني يمكن أنا عندي فقدان ذاكرة مؤقت!
زفر الأخير بضجر.
ووجد أن أسلم حل اتخاذ الطرف السلمي عساه يحصل على مبتغاه:
_ طيب مش مهم اللي فات، أنا عرفت إن مركز إيفرينا اختارك عشان تكون المسؤول عن المركز الطبي اللي هيتعمل بعد ما نشرت فيديو مركز علي، خليني أدخل معاك فيه، من وقت انسحابك من الشركة والخساير نازلة ترف عليا وهيلينا طلباتها مبتنتهيش!
التقط نفسًا مطولًا وزفره على مهل.
هادرًا:
_ كنت متوقع إيه بعد انسحابي من الشركة الأم؟!! إنت صممت وأنا نفذت جاي دلوقتي تتكلم في أيه؟! ثم إنك موصلتش للخساير دي بسبب انسحابي وصلت لكده بسبب اللي اتجوزتها وسبتلها السايب في السايب وأنا سبق وحذرتك منها وقولتلك هي تمامها معاك إيه، بس إنت مبتثقش غير في دماغك اللي هتسوحك إن شاء الله.
بغضب صاح:
_ خلصنا من حوارها لاني مش هتكلم فيه، اعمل حسابك أنا داخل معاك في مشروع المركز ده، محتاج أرجع بتقلي في السوق.
زفر بنزق وأجابه:
_ بس المشروع ده داخل معايا فيه شريك ومطلوب معايا بالإسم وتقدر تتأكد بنفسك.
زوى حاجبيه بوجوم ضاري.
ونطق بحدة:
_ الجربوع اللي مصاحبه مش كده!!!
رفع اصبعه يشير له بحزم قاطع:
_ إلزم حدك يا نعمان بدل ما وربي أتحول عليك.
صرخ بنزق وشرارة طالت ألهبتها العنان:
_ مش دي الحقيقة، الجربوع اللي من الشارع ده لف عليك وقدر يملي دماغك ويشاركك في كل شغلك، بس المرادي مش هتراجع يا عُمران أنا اللي هكون معاك في المشروع ده غصب عنك وعن اللي يتشددلك.
احتدمت مقلتيه إليه.
فهز رأسه بعدم استيعاب:
_ إنت أيه بجد!! إنت ازاي فيك كل الحقارة دي!!!!!
خرج عن طور هدوئه ولم يبقى له ذرة عقل.
في تلك اللحظة خرج “علي” يبحث عنه فور أن أبلغه جمال بجلوسه بالخارج.
فصعق حينما استمع لأصوات صراخهم.
اندفع إليهما يفرقهما وهو يتساءل برهبة:
_ في أيه يا عُمران؟ في أيه يا خالو؟
أشار عليه بفظاظة:
_ شوف اخوك يا علي والا والله العظيم لأنسى إنه ابن اختي وأذيه بجد.
ابتسم ورد ببرود:
_ تقصد الفيديو اللي بسببه خرجت العاهرة دي من الحبس!
وأبعد أخيه من المنتصف.
ليجابهه رأسًا برأس وبابتسامة أرعبت الأخير قال:
_ تو تو إلعب غيرها يا نعمان يا غرباوي ولا هيهز فيا شعرة، ولو على مايا مراتي فاطمن بيت عُمران الغرباوي مش مبني من ازاز عشان تيجي طوبتك وتهدمه.
ابتلع ريقه بصعوبة من سهولة كشفه لما فعل.
بينما استدار علي لأخيه يسأله بدهشة:
_ أيه اللي بتقوله ده يا عُمران؟ هي آلكس خرجت من السجن؟
ضحك باستهزاء:
_ إسأل اللي واقف يتباهى ويفكرني بصلة القرابة اللي بينا.
وتابع بتحدٍ صارخ:
_ اسمع بقى يا نعمان يا غرباوي، شغل معايا تاني تنسى، وللمرة المليون هقولهالك ابعد عني عشان مدمركش وإنت عارف إني بمكالمة تليفون واحدة قادر أقعدك في بيتك زي الولاية!
اندفع تجاهه يقول بكره:
_ متقدرش تعملها يابن فريدة، ومدام اللعب بقى على المكشوف فاستقبل اللي جاي، هتدفع التمن غالي أوي إنت والجربوع اللي فضلته عليا.
احتقنت أوردة علي من فرط الغضب والصدمة.
فتخلى عن هدوئه وصاح بعنف لا يتواجب مع شخصه الهادئ:
_ إنت بتهدده وفي وجودي! هتعمل ايه يعني؟! أنا اللي يمس شعرة واحدة من أخويا أردمه بالدم ولا هيفرق معايا إنت مين؟
تراجع نعمان للخلف بدهشة من عدائية نبرة علي الجديدة.
بينما ابتسم عُمران وتابعه بدهشة وحماس كأنه يشاهد فيلمًا صادمًا.
فتابع علي:
_ انا بحاول بقدر الامكان أحترمك ومقلش من كرامتك إكرامًا بس لفريدة هانم لكن لو فاكر إن سكوتي ده ضعف تبقى مبتفهمش! أنا يوم ما أخويا يتخدش او تبصله بس بطرف عينك هصفهالك، اتعلم بقى تشتغل بنزاهة، الغيرة بتنهشك من كل اللي حوليك من أول عمي لحد أخويا الصغير اللي من دور عيالك!!!! فوق لنفسك قبل ما الغيرة تحرقك!
ومد ذراعه تجاه الرصيف الإسمنتي:
_ ودلوقتي اتفضل من هنا ميشرفنيش تواجدك بمناسبة عائلية زي دي، وحط في دماغك كلامي عشان هتحتاجله في يوم من الأيام.
وزع نظراته الشيطانية بينهما بكره.
واتجه بخطواته المتعصبة للخارج.
هدا علي من انفعالاته فأزاح جرفته عن عنقه بغضب.
لا يصدق أن الحقارة وصلت بخاله لتلك الدرجة التي يهدد أخيه نصب عينيه.
ارتعب عُمران من رؤية علي يتصبب عرقًا وينتفس بعنف هكذا.
فاندفع إليه يمسك يده بخوف يناهز طفل صغير:
_ علي مالـلك؟
استقام بوقفته المحنية وقال:
_ انا قدامك كويس أهو، المهم بلاش تقول لفريدة هانم حاجة.
هز رأسه بتأكيد.
فتابع وهو يراقب مغادرة سيارته:
_ خد بالك منه يا عُمران، شكله ناويلك على الشر.
ابتسم ساخرًا:
_ الشر موجود جواه من زمان يا علي، ربنا يهديه لنفسه.
جذبه للاريكة المعدنية متسائلًا باهتمام:
_ احكيلي حوار آلكس وفيديو أيه اللي بتتكلم عنه!
*******
وقف قبالة محله الرئيسي يتابع العمال، وهم يثبتون اللافتة الضخمة التي ضمت اسمه ومع اسم “إيثان”.
مشيرًا أن سلسلة المحلات تابعة إليهما.
وعلى ذراعه يحمل ابنه “فارس” ويسأله بحب:
_ ها أيه رأيك؟
أجابه وهو يلتهم لوح الشوكولا بنهم:
_ أحلى من القديمة عشان دي مطبوعة عليها صورتي في الجنب.
ضحك يونس وقبل وجنته أكثر من مرة قائلًا:
_ طبعًا لازم تكون أحلى عشان صورة الدكتور فارس منورة.
ضم وجهها بيديه وقال بطفولية:
_ انا بحبك اوي عشان من الصبح بتجبلي كل الحاجات اللي بحبها، لبس وحاجة حلوة كتير من الحلوة وكمان حطيت صورتي في الحارة.. بس أنا آآ…
ارتباكه دفع يونس يتساءل بلهفة:
_ إنت أيه يا فارس اتكلم!
أدمعت أعين الصغير قائلًا بخوف:
_ عايز أشوف ديجا وخايف تزعل مني.
وخز قلبه ألمًا، فضمه لصدره مربتًا على ظهره بحنان:
_ خايف ليه يا حبيبي، دي أمك ومستحيل افرقك عنها.
وأبعده عنه يطالعه بفيروزته الشبيهة له:
_ وبعدين مش أنا قولتلك إن أنا وماما اتصالحنا ومعتش بينا زعل، وكلها كام يوم وهنعيش كلنا مع بعض؟
هز رأسه يؤكد له بتذكر.
فابتسم وهو يعيد تقبيله.
ثم تركه أرضًا وأخبره:
_ طيب اطلع يلا لأيوب خليه يغيرلك هدومك اللي اتبهدلت من الشوكولاتة دي وتعالى عشان أخدك تزور ماما في المستشفى.
ابتهجت معالم الصغير واندفع يقبل كل انش بوجه أبيه هاتفًا بحماس:
_ انا بحبك اوي يا بابا.. أنت طيب وجميل أوي أوي!
ضحك على لفظه الطفولي وابتعد بوجهه للخلف هادرًا بانزعاج:
_ هتبهدلني بالشوكولاتة يا فارس انا غلطان اني اشتريتها!
ضحك وهرول لعمارة الشيخ مهران.
بينما اتجه يونس لمحله بابتسامة هادئة وهو يزيح بقايا الشوكولا عن وجهه.
لم يمضي إلا دقائق واستمع لصوت رفيقه المتعصب يصيح وهو يندفع داخل المحل:
_ عملت اللي في دماغك يا يُونس؟ ارتاحت انت كده يعني؟!!!
تنهد باريحية مستفزة للاخير:
_ جـــدًا… حاسس براحة وسعادة بالقرار اللي أخدته، وإنت واثق ومتأكد إنك مهما تعمل مش هتقصر فيا شعرة، فاعقل واقعد تابع الحسابات والشغل لحد ما أوصل للمستشفى وأرجعلك.
جذب إيثان المقعد واتجه يجاوره بالمقعد الرئيسي للمكتب.
هامسًا بمشاكسة:
_ مستشفى!! زياراتك الغرامية كترت ياسطا يونس! مش خير؟!
توترت معالمه فادعى انشغاله بسحب مبلغ من المال من درج الخزانة قائلًا:
_ فارس مصر يروح يزورها، وانا وافقت دي مهما كانت بردو مامته.
مال على ذراعه يغلق عينيه ويتنحنح بسخرية:
_ أمممممم… قلبك رقيق ياسي يُونس، الله يرحم لما كنت حالف لتسحلها على أسفلت الحارة وتلعب في وشها البخت!!
أغلق باب الخزنة بغضب مصطنع يجاهد للتشبث به:
_ وبعدين معاك بقى يا إيثـــــــــان نازل من الصبح نحنحه وتلسين كلام ليه!! ما قولتلك الواد اللي مصمم يشوفها، بتهري ليه في الفاضي!!
أشار له ضاحكًا:
_ طيب خلاص اهدى احنا هنتعارك ولا أيه يابو فارس؟
تلاشى غضبه وحلت ابتسامة صغيرة.
مرددًا بشرود بحلاوة الاسم:
_ أبو فارس!
ابتسم إيثان وهو يتابعه.
فربت على كتفه بحب:
_ أيوه أبو فارس معلش الكلمة هتكبرك شوية بس الحقيقة اننا معندناش صغيرين يا يونس.
راقب ملامحه بابتسامة هادئة.
وقال باهتمام:
_ طيب أيه؟ مش ناوي ولا لما تبقى في سن جدو!
ارتبكت ملامح إيثان أمام رفيقه.
وقال:
_ لا يا يونس مش ناوي، وبطل تتكلم في الحوار ده كتير عشان زي ما قولتلك مفيش عندي نية.
_ طيب ليه؟!!
وبشك قال:
_ إيثان إنت في واحدة في بالك؟
تسلل الحزن رويدًا إليه وبحزن قال:
_ اللي في دماغي الفرق بيني وبيني فرق السما من الأرض يا يونس، إن يجمعنا طريق مشترك مستحيل!
لف مقعده إليه وبضيق قال:
_ ليه بقى ان شاء الله؟ إنت ما شاء الله مبسوط فأكيد لو عشان الفرق الاجتماعي بينكم فميذكرش لانك آ…
قاطعه ببسمة ساخرة:
_ ياريتها كده بس الموضوع أكبر من كده.
قذف الدفتر بعصبية:
_ ما تنطق بقى يا إيثـــــــــان غلبتني يا أخي!
استجمع شجاعته ليبصق كلماته بخوف من رد فعل الأخير:
_ اللي أنا بحبها تبقى..آآ…يُونس أنا بحب آآ…
صاح به منفعلًا:
_ القطة كلت لسانك يالا!! ما تتزفت تتكلم.
هدر الأخير يخلص نفسه:
_ أنا بحب بنت مسلمة وتبقى بنت الشيخ عثمان!
توقع أن ينصدم مما بصقه إليه.
ولكنه وجده يربع يديه أمام صدره ويسأله ببرود:
_ وبعدين؟
رمش بارتباك وقال:
_ المعنى؟! ثم انك مش مصدوم يعني ولا قافش من الحوار!
ابتسم ساخرًا:
_ لا مهو أنا من بعد آيوب مش هتصدم تاني!
ألقى سلة الأقلام عليه بغضب:
_ بتهزر وأنا ببوحلك بأعظم أسراري!!
مال إليه يهمس له باستهزاء:
_ مهوش سر ولا هي عقبة، خد نفسك وخليك راجل وروح للشيخ عثمان وقوله الحقيقة.
برق بحدقتيه بصدمة:
_ هي الشمس ضربت دماغك ولا أيه يا يونس، أروح أقوله انا بحب بنتك جواز هاني!! لا يجوز في أي حال من الأحوال.
تابع ببسمة خبيثة وعينيه لا تنجرفان عنه:
_ لا يا إيثان أنا أقصد حقيقتك اللي فاكر إنك قادر تخبيها عن الشيخ مهران وآيوب وعن كل اللي حواليك حتى عني يا صاحبي.
وتابع بخبث:
_ مهو مش منطقي اهتمامك الزائد بكل المتعلق بينا لدرجة إنك أشطر من الشيخ مهران نفسه في أصولنا.
جحظت عيناه حتى كادت بالخروج عن محجرهما.
فلعق شفتيه وجاهد لرسم بسمة باهتة:
_ آآ… أنت تقصد أيه؟
تعمق بحدقتيه قائلًا:
_ حقيقة إنك مسلم يا إيثان!!!!!!
رواية صرخات انثى الفصل الستون 60 - بقلم ايه محمد رفعت
تجمد محله فور سماعه ما قال، فلجم صمته وتطلع له بصمتٍ، يحاول به استيعاب ما نطقه للتو. لعق شفتيه القاحلة وردد بتلعثمٍ:
_ أيه اللي بتقوله ده يا يُونس؟!!
انحنى بجسده لدرج الخزانة الأخير، يجذب حزمة الكتب الإسلامية، ثم دفعها قبالته على المكتب، قائلًا بابتسامة صغيرة:
_ بيعملوا أيه دول في درج المكتب يا إيثان؟
رمش بتوترٍ هادرًا:
_ عادي يعني، إنت عارف إني انسان فضولي حبتين فآآ..
اتسعت ابتسامة يونس الخبيثة قائلًا:
_ يعني إنت بتثقف نفسك بأكتر من 28 كتاب!! على بابا يالا!!
التفت خلفه يتفحص وجوه العمال بضيق، وجذب منه الكتب صارخًا بعصبية:
_ هتفضحنا يا أخي!!! ما تطلع تنشر الخبر بره في الحارة.
رمش بعدم استيعاب، وبصدمة تساءل:
_ إنت أسلمت فعلًا يا إيثان؟
أطاح صدمته فور نطقه لغزًا جديدًا:
_ مش بالظبط كده.
نهض قبالته مرددًا من بين اصطكاك أسنانه:
_ هو لغز!! ما تنطق بتهبب ايه بالكتب دي كلها؟
مرر يده على طول شعره، ممسدًا رقبته وعقله يبحث عن حجةٍ مقنعة، فهمس بمكرٍ:
_ لقيتها.
وتنحنح يرفع من صوته بعنجهيةٍ:
_ مش أنا كنت بحضرلك مفاجأة بس إنت خرجت من السجن على غفلة ومكملتش للأسف.
ربع يديه أمام صدره بسخريةٍ:
_ أممم والله! ده على أساس إني كنت في السعودية بعمل عمرة وراجع!
وحرر ذراعيه ليجذب الاخير من تلباب قميصه بعصبيةٍ بالغة:
_ متلفش وتدور عليا وقولي الحكاية أيه؟
انحنى خلف يده هامسًا بغضب متخفي خلف نبرته المتوسلة:
_ السلسلة هتتقطع يا يونس، كريستينا أمي هتبهدلك.
ترك قميصه ومد يده ينتشل سلساله، فتفحصه متسائلًا بخبثٍ:
_ عيار كام دي يا إيثو؟
انتصب بوقفته يجيبه باستغرابٍ:
_ 21 ليه؟
نزعها عنه وأخذ يلهو بها بين لائحته بمكر:
_ تلزمني، صاحبك مزنوق في قرشين.
وتركه واتجه لغرفة المكتب الداخلية، فلحق به يصيح بانفعالٍ:
_ رجع السلسلة فورًا يا يُونس، أمي هتموتني لو ملقتهاش في رقبتي!!
وضعها بجيب جاكيته الجلدي، وتمدد على الشازلونج الجانبي، مستندًا برأسه على ذراعيه:
_ مستكتر في صاحبك حتة سلسلة يلبسها!
كشر عن أنيابه بغضب:
_ من أمته والرجالة عندكم بتلبس سلاسل ودهب يابن الشيخ مهران.
تحررت ضحكة صاخبة منه، فنهض يستقيم بجلسته تجاهه، يلعب على أعصابه بحذاقةٍ:
_ شوفت ده انت حتى دي مش فايتة منك!! هتقول الحقيقة ولا آ..!!
تنهد بنزقٍ، واتجه بخطواته المتهدجة يجلس جواره بصمتٍ، قاطعه يونس بملل:
_ هنفضل قاعدين نبحلق في خلقة بعض كده كتير! انجز يابا زمان الواد نازل!
زفر بنفاذ صبر:
_ عايز أيه يا يُونس مانا اتزفت وقولتلك بحب بنت الشيخ عثمان.
تلاشت معالم المرح عن وجهه، فأمسك ذراعه وهزه بعنفٍ:
_ يعني أيه؟!!
واسترسل بصدمة وغضب عاصف:
_ أوعى تقولي إنك عايز تدخل الاسلام عشان تتجوزها! إنت مش هتخدع ربنا يا إيثان!!
صاح به يوقفه عما تردد له:
_ حيلك حيلك، الموضوع مش كده.
كز على أسنانه بغيظٍ:
_ هتنطق ولا آ..
أسرع بالحديث بحرجٍ عما لفظه إليه:
_ دي الطريقة الوحيدة عشان أشوفها، لانها واقفة في مكتبة بتبيع الكتب الدينية، فكل اسبوع بتحجج وبروح اشتري منها كتابين تلاتة عشان أشوفها!!
وزع نظراته المنصدمة بينه وبين الفراغ، وبصعوبة استجمع كلماته:
_ طيب سيبك من النص الاول للمصايب اللي بتعملها ونيجي للنص التاني، معلش يعني في السؤال أنا وإنت وهي وناس حارتنا الجميلة دي عارفين انك مسيحي، أيه وضعك قدامها وإنت بتشتري الكتب دي أفهم؟
ابتلع ريقه بتوترٍ، وتسلل يبتعد عن مجلسه مرددًا:
_ مهو آآ.... مهو.. آآ...
شعر بأنه أرغمه بالفيلم الهندي الذي يجيد تمثيله، فنهض يتجه إليه، يحاول محاصرته حول الطاولة والاخر يفر من أمامه، فهدر يونس منفعلًا:
_ مهو أيـــــه؟
توحشت ملامحه بشكل رعب إيثان، فالقى قنبلته إليه مرة واحدة:
_ في الأول كنت بقولها بشتريهم هدية لآيوب وكانت منبهرة بيا جدًا وبأخلاقي، وبعد ما سافر عشان جامعته اضطريت أقولها اني بشتريهم ليك عشان وإنت في السجن محتاج كتب دينية تسليك في محنتك السودة دي مع إن محدش كان يعرفلك طريق جرة ولا إذا كنت عايش ولا ميت، عشان كده ندرت إنك لما تخرج أهديك بيهم واعملك مكتبة صغيرة هنا ولو كنت ميت كنت هطلعهم رحمة ونور على روحك!!!
قست تعابير يونس، مشيرًا على ذاته باستنكارٍ:
_ رحمة ونور عليا أنا!!
هز الأخير رأسه مؤكدًا بوقاحةٍ:
_ أكيد عليك إنت إحنا معندناش الكلام ده!!!
احتشدت أوردته من فرط العصبية، وكلما حاول أن يمسك به ركض للجانب الأخر من الطاولة المربعة، فجذب يونس حزمة من دفاترٍ الحسابات ودفعها تجاهه، انحنى أسفل الطاولة ليتفادى ما قذف إليه، فإذا بآيوب يظهر على عتبة الباب يتلقف نصيب "إيثان" مما دفع إليه.
تأوه بألمٍ والتف ليتفادى فارس الضربة، وقال بخوف لعلمه تلك حالة ابن عمه جيدًا:
_ طيب يا حبيبي، ابنك اهو لبسته وخلتهولك برنس أتوكل أنا على الله وأشوفك بكره لو خلقك يسمح.
كلبش إيثان جسد آيوب الهزيل مقابل جسد الاخير الضخم، هاتفًا بهلعٍ:
_ على فين يابن الشيخ مهران!! هتسبني مع المتوحش ده لوحدينا ده حتى ميصحش!!
تململ بين ذراعيه المحتجزة جسده العلوي هاتفًت بحنقٍ:
_ سبني يالا يخربيتك مش قادر أخد نفسي!
تمسك به باصرارٍ، فدفعه آيوب للخلف قائلًا بغضب:
_ أوعــى يا أخـي، بتتحامى فيا وإنت شبه درفة الدولاب!!
جحظت أعين إيثان الذي يتابع يونس المنحني خلف باب الخزانة المطولة ينتقي يدًا خشبية (يد مكنسة أرضية..مقشة) بعناية فائقة، وحينما وجد غايته استدار ليجده يختبئ خلف آيوب ويدفعه تجاهه، ابتلع آيوب ريقه الهادر بصعوبة:
_ اهدى يا يونس مش كده، انتوا كبرتوا على جو المقشات والكلام ده!
بهدوءٍ مخيف هتف:
_ ميل في جنب يا آيوب.
استدار برأسه لإيثان الذي همس له:
_ أوعا تسيب مكانك يالا فاهم!
عاد يتطلع ليونس الذي يلاعب عصا(المقشة) بين يديه والشر يتراقص بين مُقلتيه كسطوع الشمس، رفع آيوب يده يحاول استجداء عاطفة ابن عمه:
_ في أيه يا يونس؟ العمال بره يا حبيبي لو شافوكم وانتوا طايحين في بعض كده هيستهيفوكم!!
بنفس ذات الهدوء قال:
_ ميل على جنب بدل ما تتروق معاه يا آيوب!
بنفس الهدوء قال إيثان:
_ أوعـــــــــــــــــــــا.
محاولة أخيرة لجئ لها آيوب فقال:
_ مش ده صاحبك اللي وقف أسد في دهرك وإنت غايب!!
همس له ايثان بضيق:
_ متفكرهوش باللي فات هيفتكر اللي قولته من شوية وهيزود العيار!
مرر يونس عصاه، واتجه لفارس الذي يراقب ما يحدث بدهشةٍ، دث يده بجيب سرواله الجينز ثم حمل ورقة من النقود من فئة العشرون جنيهًا، أهداها للصغير قائلًا بابتسامة نجح برسمها على ملامحه الشريرة:
_ روح اشتري عصير وشبسي قبل ما نمشي يا فارس.
التقط الصغير المال وغادر بسعادة، فما يحدث داخل الغرفة لا يعنيه بتاتًا، بينما ردد إيثان بذعر:
_ وزع الواد! يبقى ناوي على نية سودة!
لف رقبته له يسأله بارتباكٍ:
_ إنت هببت أيه حوله كده؟
ببراءة بلهاء قال:
_ ولا حاجة كنت ناوي أطلع رحمة ونور على روحه بذمتك غلطت؟
اتسعت حدقتيه بصدمة، وخاصة حينما استرسل ايثان:
_ خليه يديني سلسلتي يا آيوب، أمي مش هتدخلني البيت! آ.... آآآه!!
ابتلع باقي جملته فور هبوط أول ضربة على ظهره مستغلًا انشغاله بالحديث مع آيوب، فصرخ بوجع:
_ ايه الهزار التقيل ده يا يونس، ضهري اتقسم نصين يا جدع!!
ونغز آيوب الحائل بالمنتصف:
_ ما تتصرف يا آيوب الواد خارج عقله طق!!
لف له يخبره من بين اصطكاك أسنانه:
_ اخرس متعصبهوش أكتر!
واستدار ليونس يخبره ببسمة يرسمها بالكد:
_ يا معلم يونس عمالك برة هيقولوا أيه وهما سامعين صراخ إيثو المريب ده!! اعقل يا حبيبي وخد فارس وشوف مشوارك، انا كمان اتاخرت وآدهم مستنيني بره على الحارة عشان نروح نحجز القاعة لفرحه.
لطمه إيثان على رقبته بغضب:
_ فرح أيه دلوقتي!! أوعى تتنقل من مكانك قبل ما تهدي ابن عمك!!
تحرر صوت يونس أخيرًا:
_ لا هو ولا بلطجي حارتنا هيخلصك من تحت ايدي النهاردة، ومتقلقش بفلوس السلسلة هعملك تلاجة مية في الحارة صدقة جارية على روحك بإذن الله.
ازدرد ريقه بتوتر من وعيده القاطع، وبدأت المعركة تحتد بينهم، وآيوب عاجزًا عن الفصل بينهما، فلقد احتدت ضربات يونس ويحاول إيثان وآيوب تفاديها حتى انكسر أكثر من أربع مقشات خاصة بالعمال، ومع ذلك لم يستسلم ابدًا فبحث عن عصا تخص أداة مسح الأرضية وانطلق من خلفهما.
تعالى رنين هاتف آيوب، فلقد طال انتظار آدهم بعد ان أكد له آيوب انه خرج من المنزل وسيصل لأول الحارة بعد عشرة دقاىق، وها قد مر ثلاثون دقيقة ولم يخرج إليه.
حرر آيوب هاتفه يستغيث بآدهم قائلًا وصوت أنفاسه اللاهثة تصل للاخير:
_ الحقني يا آدهـــــــــم، يونس مش قادر اسيطر عليه.
وتابع وهو لا يستمع لصوته من صوت صرخات إيثان:
_ بقولك أيـه اقتحم محل يونس اللي تحت بيتنا ولو معاك مسدسك ميضرش الوضع حرج!!
قالها وأغلق هاتفه يعيده لجيب قميصه العلوي، ثم اندفع يحاول تخليص ايثان بعد ان دفعه يونس فوق الاريكة ومال عليه يحيط برقبته.
تأوه آيوب ألمًا حينما ركله إيثان بقدمه صارخًا بعصبية:
_ ده وقته تليفونات، ابعد الطور ده عني هيزهق روحي يالا!!!
انحنى يقتحم بينهما، يبعد تلاحم يونس عنه صارخًا بارهاق:
_ خلاص بقى يا يونس هو كان قتلك قتيل!!!
فشل بابعاده عنه، والاخر لديه رغبة ملحة بالحصول على رقبة إيثان هادرًا بعنف:
_ واخدني كوبري عشان تشوفها يا حقير!! وبكل بجاحة تقولي رحمة ونور على روحك!!
سأله آيوب بفضول:
_ قولي بس هو عمل أيه ومتقلقش هكتفهولك!
لكمه إيثان بوجهه قائلًا بانفعال:
_ تكتف مين!! ده انا اطوحك أنت وهو هنا، أنا مش جاي من قلبي أمد ايدي عليه ده صاحبي وأخويا وانت بدل ما توزعه عني عايز تكتفني يابن الشيخ مهران!
ضم آيوب عينيه بألمٍ فألقى يونس عصاه وإتجه إليه يتفحص عينيه متسائلًا بخوف:
_ وجعتك؟! أنا عارفه ايده تقيلة!
استند آيوب على ذراعه واتجه معه بعيدًا عن ايثان الذي يعيد ترتيب ملابسه وقميصه الذي فتحت أزراره.
جلس يونس جوار آيوب الذي همس وهو يكبت ضحكاته بصعوبة:
_ ولما انت عارف إن ايده تقيلة داخل في عركة معاه ليه يا يونس؟ ده لو نفخ فينا هيطلعنا شقتك في الدور الرابع فوق!!
أدمى شفتيه السفلية وعينيه مسلطة على ايثان البعيد عنهما:
_ استفزني وكنت عايز انتقم منه بس أنا اللي فرهدت!!
ضحكوا معًا وإيثان يتابعهما وهدر بغضب:
_ خلصت الطاقة السلبية اللي عندك اول اليوم رجعلي سلسلتي بقا بمنتهى الهدوء.
كاد بأن يجيبه ولكن اقتحام آدهم المفاجئ للمكان جعلهم بتابعونه باستغرابٍ، وخاصة ملامح الفزع والخوف التي تحتل ملامح وجهه الوسيم.
بحث بينهم بلهفةٍ حتى وقعت عينيه على آيوب، اندفع إليه آدهم راكضًا يقول بصعوبة من فرط التقاطه لأنفاسه:
_ طمني انت كويس؟ أيه اللي حصل؟
اتجه اليهم ايثان، فمال بذراعه يستند على كتف يونس الذي يتابع حالة آدهم بدهشة. ابتسم ايثان وأحاط كتف يونس هامسًا بمزحٍ:
_ الباشا شكله بيحب أختك أوي ما تجوزهاله واكسب ثواب يا يونس!
منحه نظرة محتفنة وبكوعه سدد له ضربة ببطنه مرددًا:
_ ايدك عني حسابك لسه معكوك!
تما تسيقه بديتول!!! قالها وهو يضربه بالكف وصوت ضحكاته أرغمت يونس على الضحك فانخرطا معًا بنوبة من الضحك الرجولي، بينما تقتاد نظرات آيوب إليهما، فقال لآدهم الذي مازال ينتظر سماع أي اجابة منه يطمئن بها عليه:
_ متقلقش يا آدهم ده قلب بهزار قدامك اهو، الاخين دول كانوا من شوية بيقطعوا في لحم بعص ودلوقتي زي ما أنت شايف كده.
استعاب الأمر ومعه استعاد كامل ثباته، فأشار لآيوب قائلًا بخشونة:
_ يلا هنتأخر.
هز رأسه وسبقه للخارج، بينما وقف آدهم يراقبهما بنظرة ضيق، فاتجه ليغادر قائلًا ليونس:
_ حوارك خلص يا يونس، من بكره اعتبر اجراءات الطلاق خلصانه..
وتابع وهو يمنحه ابتسامة ماكرة:
_ ابقى شوف رسايل الواتساب، بعتلك هدية عليه النهاردة الصبح.
وتركه مبتهجًا بما قال وغادر دون ان يمنحه فرصة الشكر، رفع ايثان يده يستند على كتف يونس الشارد بابتسامته الحالمة، ليفق على صوت إيثان الخشن:
_ ابن بلد الباشا ده، جدع وبيفهم كده.... وقعتوه ازاي ده يا يونس؟
اذا بيونس يستعيد وعيه فيدفع ذراع إيثان عن كتفه قائلًا بتذكارٍ:
_ اطلع بره، في مكتب بره خليك فيه مش عايز ألمحك هنا تاني.
سحب المقعد قبالته هاتفًا بتعب:
_ خلاص بقى يا يونس، أنا أساسًا بقالي شهرين مرحتش ليها المكتبة.
_ ليه معتش لاقي حجج مناسبة ولا ثقافتك عليت واستكفت بال28 كتاب؟ قالها ساخرًا، فردد الاخير بجدية تامة:
_ منعت نفسي أعمل كده لإنها مستحيل هتكون ليا في يوم من الايام فبلاش أعلق نفسي في امل مزيف.. خوفي من إني أعمل شيء مش عايزه ارغمني على البعد، بتمنى اقابل الانسانة المناسبة ليا.
ردد يونس بنفس جديته تاركًا مزحه جانبًا:
_ ده عين العقل يا إيثان، لو كنت واخد قرار الإسلام بغرض جوازك منها فده مش مقبول، إنت صديقي بقالنا أكتر من عشرين سنة وعمرنا ما حاولنا نتكلم في حوار الدين، بس اسمعها مني نصيحة هقولهالك وتحطها حلقة في ودنك كل ما تحس انك هتضعف وتمشي ورا قلبك افتكر اللي هقولهولك كويس.
واستند بجسده العلوي على المكتب الفاصل بينهما ليكن قريبًا منه:
_ يا إيثان أنا كصديقك من قد إيه عمري ماجيت قولتلك تأسلم علشاني او علشان حد، سايب الجزء دا ليك و مش عايز اضغط عليك في حاجة زي دي؛ لأن لا أنا هتحاسب مكانك ولا العكس وماشي معاك ب (لكم دينكم ولي دين) بس لو جيت في يوم تقول عايز أأسلم علشان بنت فأنت كدة عايز تعك، و بنصحك يا صديقي دا لو الإسلام في دماغك بجد تقرأ و تبحث وفي كلتا الأحوال أنا جنبك ومعاك.
واستطرد بحبٍ و:
_ بالنسبة إنك بتحب والكلام ده، فليه متحاولش تدي لنفسك فرصة مع بنت خالتك، سبق وقولتلي إنها بتحبك ورافضة تتجوز لحد الآن وعندها أمل إنك تحس بيها.
تنهد والحزن بات يشع كالشرارة على ملامحه:
_ مش هقدر يا يونس، صعب ارتبط طول العمر بواحدة محبتهاش ولا هحبها!
رد عليه ببلاغةٍ:
_ وهو إنت كنت إدتلها فرصة او حتى لنفسك!! إنت عامي عنيك عنها يا إيثان، وبعدين يا سيدي مش بجبرك تكون معاها هي بالذات شوف غيرها المهم إنك تدي لنفسك فرصة وإنت مقتنع إنك مستحيل هتكون مع اللي حبيتها.
هز رأسه باقتناعٍ، وأردف بمرحٍ ليقطع جدية مجلسهما الغير معتاد:
_ وماله نسعى من أجل الطرف الطري، بس عهد عليا اللي هتدخل ده مرة تانية مش هتخرج منه أبدًا غير بكلبشة الجواز.
قالها وهو يشير على موضع قلبه، مستطردًا بمزحٍ:
_ آه بس ألقيها بس وساعتها هستلف منكم حتة الحجاب دي لإني هغير عليها من طوب الأرض.
طرق يونس كف بالأخر هادرًا بسخطٍ:
_ يا أخي لقيها الأول وبعدين أبقى اتنيل غير!!!
وترك المكتب يشير له بانزعاجٍ:
_ تابع انت بقى هشوف فارس ونروح المستشفى، وأرجع ألقيك متصرف بالكتب دي عشان مطلعهمش على روحك الطاهرة..
تساءل بحيرة:
_ أتصرف فيهم ازاي!!!
أجابه وهو يستعد للرحيل:
_ روح للشيخ مهران واديهمله هو هيرتبهم بمكتبة المسجد... سلام يا آ... كابتن إيثــــــووو.
حدجه بنظرةٍ مشتعلة بينما رحل الاخير مبتسمًا بانتشاءٍ.
تركت هاتفها على الكومود باكية، لا تعلم لماذا يفعل بها هكذا، ظنته قد تناسى الأمر وصفح عنها ولكن ما يحدث الآن ما هو الا عقابًا قاسيًا عليها.
أسرعت بمسح دمعاتها فور استماعها لطرقات الغرفة الخافتة، وبصوتٍ جاهدت لأن يكون ثابتًا قالت:
_ ادخل.
فتحت أشرقت باب الغرفة وتساءلت بحنان:
_ صحيتك يا بنتي؟
نهضت صبا عن الفراش تجيبها بابتسامة هادئة:
_ أبدًا، أنا كنت صاحية يا ماما... اتفضلي.
ولجت للداخل بخطواتٍ متريثة، حتى احتلت المقعد المقابل للسراحة، طالعتها بنظرة ثابتة حتى جلست قبالتها بنهاية السرير، فأجلت صوتها مرددة:
_ بصي يا صبا أنا مش صغيرة ولا بريالة، أنا حاسة يا بنتي إن علاقتك إنتي وجمال مش زي الأول، ده حتى معدش بيجي البيت وآ..
قاطعتها صبا بتوترٍ:
_ أيه اللي بتقوليه ده يا ماما!! إنتي عارفة إنه بيحب يقضي وقت مع عُمران ويوسف أصحابه وآ...
ربتت على ظهر يدها المسنود على ساقيها بحنان:
_ متخبيش عني أنا زي أمك وهقدر أفهمك.
انهمرت دموعها بانكسارٍ، ورددت وهي تلتقط شهقاتها بصعوبة:
_ والله حاولت أصالحه كتير بس هو مش مديني الفرصة، كنت هنزل مصر عشان أريحه مني ويرجع شقته بس هو رفض وأصر أكون هنا.
وتابعت وهي تزيح دموعها باحدى المناديل الورقية:
_ مبقتش عارفة هو عايز أيه؟ ولا لسه زعلان مني ولا لا.
وبحرجٍ شديد قالت:
_ يعني كان حصل حوار كده بينا ولما صالحني ورجعني الشقة ومنع سفري قولت انه خلاص مش زعلان مني.
احترمت أشرقت عدم رغبتها بالبوح عن تفاصيل مشاجرتهما، وقالت:
_ طيب متزعليش نفسك عشان اللي في بطنك، هو جمال ابني كده يزعل ويعبي بس مبيحبش الفراق ولا بيبعد، كرامته عنده فوق الكل.
وربتت على ساقيها من جديد قائلة بحكمة:
_ لكن في النهاية بيحبك وميقدرش يستغنى عنك يا عبيطة، طب ده مستناش وبعت خدك بعد الفرح بكام شهر على طول، واديكي قولتي أهو إنه مرضاش يسفرك وعايزك هنا!
وتابعت بلسانها الطيب:
_ هو بس هتلاقيه واخد على خاطره منك وهيصفى متخافيش، أنا بكره هكلمه وهخليه يجي جري، وكلها يومين وهنزل مصر وإنتي بقى اتشطري كده واتنحنحي زي بنات اليومين دول.
وتشدجت مردفة باستنكار:
_ أصلك مشفتيش النسوان اللي هنا عاملين ازاي!! ده اللي في عمري تحسي اني أمهم، حكم أنا محبش حد يعلي عليا وأهو حصل واللي ما تتسمى اللي اسمها فريدة دي علمت بالجامد، فلزمن ولابد أول ما ارجع مصر أعمل ريجيم واهتم بنفسي، ففرصة يا بت اول ما تخلفي ألحقي نفسك وخليكي سمبتيك كده.
وضمت يديه لوجهها بخوف:
_ مصيبة لواحدة توقع الواحد هتهببي أيه ساعتها؟!
جحظت عين صبا صدمة، فهدرت بانفعال:
_ واحدة مين دي! ده انا كنت قرقشتها على سناني!
ضحكت أشرقت بابتهاجٍ وباستحسانٍ رددت:
_ جدعة يابت!
عاد الجميع للقصر بعد انتهاء الافتتاح الا عُمران، أبدلت شمس ملابسها وهبطت للأسفل حينما لمحت فاطمة ومايا يجلسان بالحديقة.
مسدت مايا على بطنها بألمٍ وقالت:
_ كويس إنك نزلتيني هنا يا فاطمة، كنت حاسة إني هتخنق فوق.
وتساءلت بدهشة:
_ هو عُمران مرجعش معاكم ليه؟
ردت عليه فاطمة وهي تجذب طبق الفاكهة إليها:
_ مش عارفة، سمعته بيقول لعلي إنه لازم يروح الشركة ضروري.
التهمت قطع الفروالة وقالت وهي تلوك قطعها:
_ طيب ليه طلب مني استناه؟ الرجالة دي عاملة زي سلسلة الألغاز.
أتت من خلفهما بخفتها، تردد بفرحةٍ:
_ مصدقتش عنيا لما شوفتكم من فوق، ها ايه سر القعدة دي أو بالمعنى الأدق بتنموا على مين يا حلوين؟
التفتت لها مايا تلطم صدرها بطريقةٍ درامية:
_ العروسة أخيرًا طلعت من حبسها الانفرادي!!!!
حدجتها بغيظٍ من طريقتها، فجلست قبالتهما تشير لفاطمة:
_ شوفتي يا فاطمة بتتريق عليا ازاي! مكنش يومين يعني اللي ريحتهم، أنا مكنتش عارفة أنام في Egypt.
ابتسمت فاطمة ورددت:
_ يا حبيبتي محدش يقدر يعترض على أي تصرف عروستنا تعمله، اتدلعي وأعملي كل اللي في نفسك إنتي عروسة.
نهضت إليها تنحني على الاريكة وتضمها بحب:
_ حبيبتي فطوم، أنا بحبك أد الكون كله، وبصراحة بقى عايزاكِ معايا عشان ناوية أعمل الحنة على الطريقة المغربية وألبس قفطان زي اللي كنتي لابساهم في فرحك كانوا شيك جدًا جدًا.
أحاطت رقبتها بذراعها قائلة:
_ عيوني يا شموسة، هنزل معاكي وهجبلك كل اللي انتي عايزاه.
وزعت نظراتها بينهما، وقالت بحنق:
_ كده يا شمس، بقت هي حبيبتك وانا بقيت بنت الناني يعني!! إخص عليكي يا ناكرة الجميل، ده انا كنت بلف وراكي في المول لحد ما كعب جزمتي ينكسر كل ده اتنسى لمجرد إني مفرهدة من الحمل حبتين تلاته يعني!
شعرت بالذنب لما اقترفته، حتى وإن كان الأمر فكاهي بينهن، فتركت فاطمة واتجهت اليها تمنحها ضمة مماثلة لزوجة أخيها، قائلة بشيء من الندم:
_ أبدًا والله يا مايا، أنا أكيد مش هتحرك خطوة من غيرك إنتي كمان، هي في إيد وانتي في ايدي التانية آه هنضطر نريح كتير بسبب البيبي المتدلع ده بس its okay.
مسدت على بطنها المنتفخ قليلًا:
_ مش بيتدلع هو تقريبًا وارث غرور أبوه وهيبقى طاووس نمبر2.
ضحكت شمس ومازحتها:
_ لا انا كده لازم اتحرك بسرعة وأسرع معاد الفرح عشان أجبله عروسة كيوتة كده تخطفه، لاني من زمان بحلم بعريس شبه عمران، يبقى لازم نستغل الفرصة بحيث نقوي النسل.
ضحكت فاطمة حتى أدمعت عينيها، ومازحتها قائلة:
_ ما يمكن أعملها وأسبقك يا شمس واجيبله بنونة كيوتة وعسل بردو ويغير رايه!
تابعت مزحها المضحك قائلة:
_ هتبقى مشكلة فعلًا وبكده مش هيكون في غير حل واحد، إن مايا تلحق وتجبلنا كمان بيبي في اسرع وقت.
جحظت عين مايا من هول صدمتها، فجذبت علبة المناديل وقذفتها عليها هادرة بانفعال:
_ ليه ياختي شايفاني أرنبة داخلة قفص اختبار!!.
وحاولت جادة النهوض عن الاريكة، مشيرة لفاطمة:
_ قوميني بسرعة يا فاطيما عايزة اهبش في زمارة رقبتها، تعالي سانديني مش ههدى اللي اما أجبها من شعرها.
هرعت شمس تختبئ خلف الاشجار، بينما ساندت فاطمة مايسان ونصحتها بضحك:
_ إنتي مش قادرة تصلبي طولك، في وضعك ده المسامح كريم صدقيني.
نهجت بتعب وهمست لفاطمة:
_ قعديني تاني يا فاطيما، فرهدتني بنت فريدة هانم!!
عاونتها على الجلوس مجددًا، فرددت مايا بتعب:
_ أيوه كده، هاتي بس المخدة دي ورا دهري وحطي التانية تحت رجليا الشمال.
كبتت فاطمة ضحكاتها وقالت بجدية مصطنعة:
_ هو انتي كنتي هتربيها ازاي وانتي مش قادرة حتى تحركي رجلك!
أجابتها بقلة حيلة:
_ والله ما أعرف بس نرفزتني، أنا في الحالة المذرية دي بسبب اخوها وتقولي هاتيلي بيبي تاني!! أنا عايزة ريست عشر سنين على الأقل عشان اقوم وأفكر في النقطة دي!!
سقطت على المقعد من فرط ضحكاتها، وخاصة حينما صرخت مايا لشمس التي تحاول الفرار من خلف الشجرة:
_ شوفتك... لو جدعه اطلعي وشوفي هعمل فيكي ايه؟ خليكي متزنبة كده لبكره الصبح عشان تعيدي نظر في كل كلمة تقوليها بعد كده.
حاولت فاطمة استمالتها:
_ ميصحش كده يا مايا دي بردو عروسة.
_ عروسة على نفسها يا حبيبتي! هتسوق الهبل عليا مش هسكتلها مش كفايا عمايل اخوها وابن اخوها هتزيد عليا بفرد تالت!! قالتها بعصبية مضحكة، فإذا بالخادمة تطل من شرفة شمس العلوية، تشير بالهاتف مرددة:
_ شمس هانم موبيل حضرتك بيرن.
خرجت من خلف الشجرة تهرول للاعلى وهي تنطق بهيامٍ وفرحة:
_ دي رنة آدهم حبيبي!!
تابعتها فاطمة بابتسامة هادئة بينما رددت مايا بسخرية:
_ اجري ياختي، كان غيرك أشطر بكره يجيبك على بوزك وهتجري بردو نفس الجرية.
قهقهت فاطمة ضاحكة وقالت:
_ مايا من أمته وانتِ قلبك أسود كده؟
ضمت يدها لصدرها وقالت بدهشة:
_ مش عارفة بس تقريبًا ده اللي بيسموه هرمونات حمل متعصبة!!
وتابعت بابتسامة رقيقة:
_ بقولك أيه يا فطوم.
ارتبكت فاطمة من تحولها المفاجئ، ولكنها قالت:
_ قولي!
تنحنحت بارتباكٍ وقالت:
_ أنا في سر عايزة اقولك عليه بس وحياة علي متعرفيش حد وتستري عليا.
انزوى حاجبيها باستغراب، وبقلق قالت:
_ قولي يا مايا قلقتيني.
أشارت لها بالقدوم، فنهضت وانحنت لاريكتها فاذا بها تهمس:
_ أنا بتوحم على حاجة غريبة مخلياني خايفة من نفسي ومن اللي في بطني.
تساءلت باستغراب:
_ حاجة أيه دي؟
اابتلعت ريقها بتوترٍ وقالت:
_ أنا يعني آآ... بصي مش انا اللي بتوحم دي طلبات البيبي وهو شغله هيطلع ما شاء الله دماغه عالية ومتكلفة.
بنفاذ صبر قالت:
_ ما تقولي يا مايا؟
رددت بارتباك:
_ عايزة أشم ريحة سجاير!!!!!
برقت الاخيرة بصدمة من طلبها بينما عادت مايا تهز رأسها موكدة لها تمام ما استمعت إليها، عادت فاطمة لمقعدها بنفس ملامح الصدمة، فلعقت شفتيها ورددت:
_ أنا بسمع إن اللي بيتوحم بيكون بيتوحم على أكلة معينة ممكن شيء مالح أو حلو، لكن يشم وريحة سجاير دي موردتش عليا نهائي!!
استقامت بجلستها ودنت إليها تلتفت حولها بريبة:
_ والله ما أعرف ازاي بس من إمبارح والموضوع بيلح عليا، فعايزاكي تساعديني.
ازدادت صدماتها وبنفس الذهول قالت:
_ نعم!! اساعدك ازاي!! دي مضرة جدًا وحرام يا مايا.
صاحت بها بحدة:
_ هو أنا بقولك هشربها انا عايزة اشمها بس! يرضيكِ الواد يطلعله سجارة في وشه ولا قفاه!!
رمشت بعدم استيعاب وقالت:
_ بصي هي حاجة مضرة فالافضل تصرفي نظرك عنها، وبعدين لو افترضنا اني هساعدك هعملها ازاي! علي مش بيدخن ولا جوزك حتى بيدخن، فقوليلي هجبلك سجاير منين ولو حصل وجبتها مين هيشربها عشان حضرتك تتكيفي من الريحة؟!
حكت مايا خدها بحيرة وهي تفكر بالأمر، ومن ثم فرقعت أصابعها:
_ الحرس، أنا بشوفهم على طول بيشربوا سجاير، ولو على مين يشربها فاحنا هنولعها كأنها عود بخور!
ابتلعت فاطمة ريقها الجاف بصعوبة وقالت:
_ بلاش يا مايا دي هتضرك صدقيني.
باصرارٍ قالت:
_ بالله عليكي يا فاطمة تتصرفي انا عارفة انه هبل بس والله ما اعرف مالي، بحب أشم الادخنه الغريبة وحتى حبيت ريحة الدهان الجديدة في الجناح بشمها شبه الهيروين!!
انتابها خوف من حالتها الغريبة، فقالت:
_ طيب ما تروحي تكشفي عند دكتور يوسف ليكون الامر خطير.
زفرت بنفاذ صبر:
_ يووه بقى يا فاطمة، هتحلي الموضوع ولا اتصرف لوحدي.
ضمت شفتيها ببراءة وقالت:
_ طيب قوليلي هعمل ايه؟
بمكتب عُمران.
الظلام الدامس كان يحيل به، بعد ان انصرف الموظفين بأكملهم ولم يبقى سواه، يتلاعب بمقعده والابتسامة الخبيثة تحتل شفتيه، وها قد أتت المكالمة المنتظرة من الرجل الذي خصه بالمهمة المطلوبة.
رفع الهاتف إليه فإذا بالرجل يخبره:
_ تحصلنا على ارقامهم جميعًا سيدي، بماذا تأمر؟
رفع ساقيه لسطح المكتب وارتخى بجسده باستمتاعٍ مرددًا:
_ أرسل موقع سكنها إليهن جميعًا، واحرص أن تذكرهن بما ارتكبته بعد ان تسببت بطلاقهن، لا أريد ان تنالها الضربات زد بالنيران لتحرقها حية إن شئت.
_ فلنفعل إذًا!
اغلق عُمران هاتفه بابتسامة انتصار، فحمل مفاتيح سيارته وهبط للاسفل يطلق صفيرًا رائق، قاد سيارته عائدًا للمنزل وهو لا يكف عن الدندنة احتفالًا بتفكيره الخبيث بالانتقام من أول افعى هاجمته!
ارتدى علي بيجامة من الستان الأسود، وخرج يبحث عن هاتفه الذي استقبل للتو رسالة أخيه ردًا على رسالته، قراها ليجده يكتب له «متقلقش يا علي، أنا كويس وفي الطريق، لما أوصل هقولك عملت أيه عشان تكون فخور بتفكير أخوك، مع كامل تحياتي واحترماتك لشخصية الطاووس الوقح 😉»
ألقى الهاتف على الفراش ساخرًا بحنقٍ:
_ مغرور حتى في حل مصايبه!!
اقترب من الشرفة فوجده قد وصل للقصر، فهبط علي للأسفل ليكون بانتظاره، فلم يحتمل حتى دخوله إليه واندفع للبوابة الخارجية ينتظره، فاذا به يلمح فاطمة تخرج من الغرفة المخصصة للحرس، تتلفت يسارًا ويمينًا بخوفٍ، ويدها مندثة خلف ظهرها.
نظراتها المريبة تشبه ذلك السارق المتخفي، أمرها برمته اثار شكوكه ، وقبل أن يخطو إليها وجد عُمران يقترب إليه قائلًا بابتسامة واسعة:
_ كويس إنك موجود تقرى الفاتحة معايا على روح الحيزبونة ألكس، جنازتها بكره الساعة عشرة وعشرة.
اندهش من صمود ملامح أخيه امامه، اختفى فضولها عن الأمر وعلى ما يبدو بأن هناك ما يستحوذ على اهتمامه، اتبع مسار نظراته فانتبه لفاطمة التي تتسلل على أطراف أقدامها، ومازالت يدها تختبئ خلف خصرها.
وقف جواره يهمس له:
_ هي فاطمة بتتسحب شبه الحرامية كدليه؟ شكلها كانت خارجة من أوضة الحرس!!!
هز علي رأسه مؤكدًا، وقال:
_ خوفها وحرصها ان محدش يشوفها قلقني!
هز رأسه هو الاخر، مردفًا:
_ أنا كمان قلقت.
وتابع ومازالوا يراقبنها بصمت:
_ طيب ما تروح تسألها ولا تتصرف، مش آنت دكتورها وجوزها؟ لتكون داخلة على نوبة قلبت بسيناريو اللص والكتاب؟!!
استدار إليه يهدر بعصبية:
_ تسمح تبلع لسانك ده شوية وتسبني أعرف أفكر!
اشار له مستنكرًا هدوئه؛
_ هي دي محتاجة تفكير يا دكتور! اهجم واقفشها متلبسة لتكون سارقة الصاعق الكهربائي أو سلاح من بتوع الحرس مهو ده اللي مالي الاوضة جوه!
وتابع بشك وهو يتعلق بذراعه:
_ علي انت متخانق معاها؟!! انا دلوقتي مستحيل اسيبك تروحلها لتضربك طلقة وأتيتم أنا!!
دفعه علي بغضب:
_ يا أخي إبعد أنا في أيه ولا أيه؟
كاد بأن يتحدث مجددًا فأشار له بحزمٍ:
_ اخرس وسبني افكر.
ابتلع جملته ووقف يراقبها في صمت، إلى ان وجده يتسلل خلفها بحرصٍ فخشى أن تصيبه فاطمة بما جاب عقله من ظنونٍ مضحكة لذا تسلل خلف أخيه بحذرٍ.
اختبئوا معًا خلف احدى الاشجار الضخمة، لتتضح لهما الرؤية كاملة، فاذا بفاطمة تلقي ما بيدها على مايا المتمددة براحةٍ، وهي تصرخ بغضب:
_ اتفضلي ومتطلبيش مني الطلبات دي تاني، أنا مش مصدقة إني بقيت حرامية بسببك!! بقى إنتِ تخليني أدخل اوضة الحرس وأسرق سجارة!!! مفكرتيش في منظري لو اتقفشت جوه!!
اعتدلت مايا بجلستها تراقب الغنيمة بلهفة، غير مبالية بغضب فاطمة المشتعل، وما زاد حنقها حينما تساءلت مايا وهي تراقب السيجار بين يدها:
_ نوعها أيه دي؟! وبعدين بعد كل النصايح والخطط دي وراجعالي بسيجارة واحدة؟!! حرامية نزيهة ولا بتتقي الله في المسروق!!
كزت على أسنانها بغيظ:
_ انتي مش طبيعية والله العظيم!!! بقولك أنا بقيت حرامية سجاير بسببك!!
نهضت قبالتها تصرخ بانفعال:
_ ما خلاص يا ستي الطاهرة، مصيري هردهالك وبعدين قوليلي انتي سارقة السيجارة من غير ولاعة هولعها انا باية دلوقتي!! مهو مش معقول هدخل المطبخ وفريدة هانم تقفشني بيها جوه، يبقى مشفهمش وهما بيسرقوا شافهم وهما بيولعوا!!
صفقت كف بالاخر وهي تراقبها بصدمة، بينما من خلف الشجرة يبرقان كلاهما بصدمة، فردد عُمران بعدم استيعاب:
_ مراتك حرامية ومراتي بتدخن؟!!! شيء عظيم، تحب نطلب الاحداث ولا نطلب فريدة هانم تنزل تربيهم أحسن.
مازالت الصدمة تؤثر على علي بشكلٍ مقبض، لا يعلم أينفرط من فرط الضحك أم يظل متخشبًا من فرط صدمته.
تخطى عُمران الأمر اسرع منه وخرج إليهما يهتف بسخرية:
_ مدوخة نفسك ليه يا بيبي ما كنتي طلبتيني وكنت جبلتك علبة وولاعة بالمرة عشان تتكيفي صح وتكيفي الواد!!
جحظت اعينهما صدمة، فالقت مايا السيجار أرضًا ورددت بتلعثم وهي تختبئ خلف فاطمة:
_ عُمران!!! لا انت فهمت غلط أنا آآآ....
ابتسم ساخرًا:
_ أيه السلك لمس ولا دماغك لسه متعمرتش يا بيبي! طيب مش تقوليلي على الأقل متفاجئش لما القى ابني طالب حجرين!
مدت رأسها من خلف فاطمة تبرر:
_ لا إنت فهمت غلط أنا كنت عايزة اشم ريحتها بس، أكيد مكنتش هشربها يعني!! وتابعت تبعد التهمة عنها: ابنك اللي عايز كده.
قال وابتسامته المخيفة تزداد:
_ وماله يا حبيب قلبي هربيه وهربيكِ معاه أهو أكسب فيكم ثواب.
خرج علي من خلف الشجرة، يكتم ضحكاته بصعوبة، فتنحنح قائلًا بجدية مضحكة:
_ سجاير يا مايا، سجاير!!!!!!! وتابع وهو يشير على زوجته التي تتمنى ان تنشق الأرض وتبتلعها:
_ وكمان بتحرضي فطيمة الملاك البريء على السرقة!!!
طلت من خلفها تخبره بضيق:
_ هديها وعديها يا دكتور!
أشار عُمران لفاطمة:
_ جنب شمال كده يا فاطيما، محتاج الهانم في كلمتين.
كادت بالتنحي جانبًا، ولكن مايا لم تسمح لها بذلك، تمسكت بها وبرجاءٍ قالت:
_ اوعي تبعدي يا فاطمة.
ربع يديه أمام كتلته العضلية مستهزأ بها:
_ يعني كده مش هطولك مثلًا! انتي بالبلونة دي مش هتقدري تجري تلاتة سنتي يا بيبي!!
نقلت بصرها لعلي تستنجد به:
_ علي الحقني يا علي، والله كنا هنولعها زي عود البخور.
اهتز جسد علي من فرط الضحك، فأزاح دموعه وهو يجاهد ليتحدث بشكلٍ طبيعي:
_ هو أكيد خايف عليكي يا مايا، الله أعلم المرة الجاية يمكن تتوحمي على هيرويين!!!!! قالها وانخرط بضحكه مجددًا، فأشار عُمران لها بتحذير:
_ هتيجي ولا أناديلك فريدة هانم تشهد على الواقعة بنفسها.
صرخت برعب:
_ لااا كله الا فريدة هانم، أنا طالعه معاك.. اتفضل اسبقني وأنا شوية وهحصلك.
رمش بذهولٍ:
_ أسيبك عشان تولعيها!! انا أسف يا حبيب قلبي على عيني أحرمك من الكيف بس ده خطر على ابني لذا وبكل حزم اتفضلي قدامي بدل ما نتحاسب هنا وعلى الملأ!
أنكست رأسها بخيبة أمل، واستدارت تستكمل طريقها للأعلى، وهو من خلفها..
تبقت فاطمة امام علي، تراقبه باحراجٍ وحزن، بينما هو لا يتمالك نفسه من فرط الضحك، فاتجه لها يردد بضحك:
_ حرامية سجاير يا فاطمة!!!!
رددت بنبرة أشبه للبكاء:
_ والله يا علي صعبت عليا، خوفت تطلع للبيبي في وشه وآ..
قطعت عبارتها حينما سقط يستند على حافة الاريكة من الضحك، وقال:
_ يعني أنا كنت بفكر اهاديكِ كتب للشعراء المفضلين عندي، بعد اللي حصل ده هقدملك كتب تتعلمي ازاي تسرقي باحترافية لان ملامحك وانتي خارجة من الاوضة فضحتك فضيحة علنية!!
انكمشت تعابيرها بحزنٍ وقالت:
_ كده يا علي، بتتريق عليا وانا زعلانه إني عملت كده.
سيطر على ذاته بصعوبة ولف يده حولها:
_ خلاص يا حبيبتي مش هضحك تاني بس الموقف نفسه يفصل!
رفعت عينيها لشرفة جناح مايا وسألته بخوف:
_ هو عُمران هيعمل أيه معاها؟
استدار ومازالت يده تضمها واليد الاخرى بجيب سرواله،متابعًا معها شرفة أخيه:
_ اعتقد إنه هيعالجها قبل ما توصل لمرحلة الادمان!
ردت عليه بضيق:
_ هي مبتشربش هي بس كانت عايزة تشم ريحتها.
فشل بالسيطرة على ضحكاته فهتفت بغضب:
_ متضحكش يا علي، هزعل منك بجد.
هز رأسه بجدية وعاد للضحك مجددًا، وانحنى يحمل السيجار الملقي أرضًا يرفعها قبالتها ويقول:
_ بقى دي اللي اتسببت في الخناقات دي كلها.
لمعت عين فاطمة بفرحة وقالت:
_ الحمد لله إنها معاك.
وتابعت بنبرة زرعت فيها خبث الأنثى بدلالها:
_ علي هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟
قال بصدمة مازحة:
_ أيه عايزاني اولعهالك تاخدي نفسين إنتي كمان؟!
هزت رأسها تنفي ذلك وقالت بتلعثم:
_ عايزاك ترجعها مكان ما أخدتها لاني حاسة بالذنب ومش هسامح نفسي!
برق بها لدقيقةٍ كاملة، ثم انطلقت ضحكاته بصوتٍ يعلو سابقه، ومن بينها قال:
_ نعم!!! عايزة أيه؟!! يعني أروح أقول للحارس اتفضل المدام بس كانت بتجرب نوع جديد ومعجبهاش النوع بتاعك، ولا اقوله كابتن سيجارة واقعة منك! انتي بتهزري يا فاطيما!!!!!
ربعت يديها أمام صدرها وتابعته بنظرات خيبة أمل جعلته يتساءل بدهشة:
_ ده انتي بتتكلمي جد بقى!!
هزت رأسها تؤكد له، وبرجاء قالت:
_ بالله عليك يا علي!
وزع نظراته بينها وبين غرفة الحرس هاتفًا:
_ صعب يا فاطمة! انتي عايزة تهزي مكانتي ولا أيه أنا دكتور محترم مش مصلح لسرقة السيجارة!!!
استندت على ذراعه وبحب قالت:
_ ولو قولتلك عشان خاطري!
نظراتها وطريقتها تلين الصلب إن أرادت، ابتسم لها وهز رأسه بموافقة رغم سذاجة الموقف.
اتجه علي لمكان تجمع الحرس وهو يمرر يده على شعره الطويل بحيرةٍ وحرج.
وقف يتنحنح أكثر من مرة، مستحضرًا ثباته وخشونة صوته، ليشير لاحدهم فأتى يهرول إليه قائلًا:
_ هل هناك خطبًا ما سيدي؟
قال ومازال يمرر يده على خصلاته:
_ وجدت هذة هنا، خذها من هنا واحرص الا تسقطها مجددًا، أنا أكره رائحتها ولا أريد أن ينتزع مرائي برؤيتها.
التقطته منه ولم بستطيع اخفاء معالم دهشته ومع ذلك ردد بكل احترام:
_ حسنًا سيدي، سنحرص الا يتكرر الأمر.
أشار له بخفة وعاد لها يكبت ضحكاته، وخاصة من رؤية ابتسامتها المشرقة وكأنه كان يعيد كنز من الذهب لصاحبه وليست ثقب سيجار مسروقة تعاد من سارقها! أغرب سرقة على الاطلاق!!
بالاعلى..تتراجع مايا لحافة الفراش،بينما يصيح عُمران بغضب:
_ بتشربي سجاير يا مايا هي حصلت!! عايزة الواد يبقى خمورجي وبتاع سيجارة!!
صعدت فوق الفراش تركض للجهة الاخرى قائلة بخوف:
_ محصلش والله زي ما قولتلك كنت هولعها كأنها عود بخور، صدقني مش انا اللي عايزة كده أنا مؤدبة يا عُمران!! مؤكد دي طلبات ابنك القليل الادب!!
صعد على الفراش خلفها يصيح:
_ متغلطتيش في ابني قداااامي!! وبعدين هو اللي طلبت معاه حشيش هجيبك من أنهى ظار!!
أشارت تنفي مقولته:
_ لا إن شاء الله مش هتوصل لكده أبدًا
_ وانا لسه هستنى لما توصل!! مش بعيد ألقيه نازلي بسيجارتين في ايده وبيمسي عليا بيهم!!!
هبطت من الجانب الاخر ببطءٍ مضحك، وبتعبٍ قالت:
_ ما تيجي ننام ونأجل الخناق لبكره والله تعبت من الجري، فرهدت!!
دنى إليها بنبرة خطيرة:
_ ما كانت صحتك حاضرة من شوية وكنتي هتهفي السيجارة تحت، مش عارف عقلك كان فين!! انتي أساسًا من اول الحمل وانتي من سرير المستشفى للبيت ما بالك لو كنتي نفذتي اللي في دماغك كنتي هتنامي فين المرادي!! عارفة فين؟
هزت رأسها تنفي معرفتها بالامر فمال عليها يهمس:
_ القرافة يا مايا، لسه فاكراها ولا فريدة هانم مسحت مصطلحاتك الشعبية!!
مسدت بيدها على بطنها بارهاقٍ وقالت:
_ فاكراها، سبني أريح بقى بدل ما اروحلها بحق وحقيقي.
ابتعد عنها قليلًا، فتمددت على الفراش باسترخاءٍ، تركها واتجه يخلع قميصه ليستعد لتبديل ملابسه وقبل ان ينتهي من ذلك خرج لها مغتاظًا:
_ ثم اني مش قولتلك تقعدي وتستنيني!! غيرتي فستانك ونزلتي ليه؟
قالت وهي تتناول من طبق الكاجو جوارها:
_ لو متخيل اني هقعد استناك اربع ساعات بالفستان التقيل وببطني المنفوخة دي تبقى لسه مش مقدر امكانيات حالتي البائسة.
مزق شفتيه السفلي من فرط ضغطه المتعصب وهدر بغيظٍ؛
_ لا مقدر جدًا، مهو انتي بقيتي صاحبة مزاج بقى!
وتركها وعاد يستكمل ارتداء ملابسه، ليطل من جديد هاتفًا بحنق:
_ بقى تقرفي من ريحتي أنــــــــا وتحبي ريحة السجاير!!!!!
والقى حذائه أرضًا بعصبية:
_ هتجنن!!
ابتلعت العصير وقالت وهي تلتهم الشوكولا:
_ خلاص بقى يا عُمران متكبرش الموضوع.
اتجه إليها يجذب التسالي الذي قد سبق وأعدها لها قائلًا بنزق:
_ هو كبير أصلًا يا بيبي!
وتمدد جوارها يشير بانفعال:
_ ودلوقتي هتنامي في حصني ولا أستبدلك بالمخدة؟
أسرعت إليه تهمس بذعرٍ:
_ أجي مجيش ليه!!
كبت ضحكاته على هلعها البادي بمُقلتيها، فاحتواها بين ذراعيه وغفى قرير العين بعد أن انتهى من اول عدو لدغه دون حقًا.
انتهى آدهم من مكالمته اليومية مع شمس، وما ان استعد للنوم حتى تفاجئ بوالده يدخل بمقعده المتحرك بملامح واجمة للغاية، اعتدل بفراشه يفتح زر الانارة مرددًا بتعجب:
_ إنت لسه صاحي يا بابا!
احتفاظ عينيه باحمرارها أوضح لآدهم حالة ابيه، استقام بجلسته أمامه متسائلًا باهتمام:
_ مالك؟!
تحرر عن صمته أخيرًا مرددًا بانهزام غزى روحه قبل أن يمس جسده:
_ وبعدين يا عمر؟ هفضل مفترق عن ابني كده كتير؟ بشوفه ومحروم من اني اضمه او أسمعه بيناديني باللي المفروض بينادي بيه غيري!! هفضل ساكت وانا شايفه مكتوب على اسم حد تاني!!
وتابع وقد ترقرقت دموعه بغزارة:
_ يابني أنا صبرت بما فيه الكفايا، بتقطع وأنا شايفه قدامي وبسمعه بيتكلم عن أبوه، ببقى نفسي أصرخ وأقوله أنا أبوك!
زفر آدهم بضيق من خوض ذلك الحوار المتكرر، فقال:
_ يا حبيبي انا فاهمك وعارف إنه صعب، أنا كمان بخوض نفس احساسك وأنا شايفه قدامي ومش قادر أقوله اني أخوك، بس صدقني ده لمصلحته ولمصلحتك، آيوب متعلق جدا بالشيخ مهران، ممكن يبيع الكون كله عشانه، غير انه عمره ما هيتقبل اللي انت عملته!
ردد بقوةٍ:
_ مش مهم انه يتقبل أو لا المهم انه يعرف الحقيقة.
_ لو حققتلك رغبتك هتكون بكده بنخسره بشكل نهائي! هداه عساه يتراجع ولكنه أصر بقوله:
_ مش هيبعد لإن لا أنا ولا إنت هنسمحله يبعد.
وببكاءٍ حارق قال:
_ يابني معتش باقي في عمري كتير، عايز أكفر عن ذنبي قبل ما أموت، عايز أصحح غلطتي بنسبه لحد تاني، عايزه يسامحني قبل ما أموت.
انحنى يقبل يديه معًا وبتاثرٍ قال:
_ بعد الشر عليك يا حبيبي متقولش كده عشان خاطري، حاضر أنا هتصرف وهشوف طريقة مناسبة اقوله بيها الحقيقة، اديني فرصة أخيرة.
تمسك بيده يضغط عليها بتوسل:
_ اوعدني يا عمر.
هز رأسه بابتسامةٍ محبة:
_ أوعدك يا صاصا!
صباحًا بالمركز الطبي الخاص بدكتور "علي الغرباوي"
تلقى يوسف مكالمة هاتفية جعلته يجيب بابتسامة واسعة:
_ بشمهندس آيوب بنفسه بيكلمني؟!
_ دكتور يوسف إزيك أخبارك ايه؟
_ أنا الحمد لله في فضل ونعمة، طمني عليك إنت أمورك تمام؟
_ الحمد لله يا دكتور، بصراحة ومن غير لف ودوران أنا مكلمك عشان حوار قد يكون تافهه بس يفرق معايا.
ضحك يوسف وردد بتخمين:
_ سيف مش كده؟
_ من بعد ما نزلت مصر أول اسبوع كان بيكلمني عادي وجيت بعد كده كنت مشغول في حوار ابن عمي ومعرفتش ارد عليه فاتفجآت بيه مبلكني من كل الحسابات والنهاردة لقيته فكك الحظر وبعتلي إنه هيتجوز بعد بكره وقبل ما ارد او أستفهم لقيته بلكني تاني!!!!!
تعالت ضحكاته صاخبًا، وقال بمرحٍ:
_ عشان كده مكتئب ومالي الفيسبوك منشورات كآبة عن غدر الاصدقاء!!
ضحك آيوب هو الاخر وقال:
_ شوفت يا دكتور!! أنا حقيقي مش فاهم غلطت في أيه؟ خليه يكلمني عشان أصالحه حتى لو مغلطتش هخده على قد عقله!
_ والله انتوا الاتنين نكتة، بتفكروني بنفسي وانا في الثانوي!! عمومًا حاضر لما هرجع بليل هتصل بيك وهخليه يكلمك.
_ تسلم يا دكتور يوسف، وبعتذر لو عطلتك.
_ لا يا حبيبي انا تحت أمرك إنت وتفاهة سيف أخويا.
ضحكوا معًا وأغلق يوسف هاتفه، فاذا بالممرضة تخبره:
_ السيدة فريدة بالخارج تريد رؤيتك سيدي.
اندهش من الأمر، ورغم غرابته الا انه قال:
_ ادخليها.
طلت فريدة بجاذبيتها ورقتها المعهودة، تجلس قبالته بكل عنجهية، وقبل أن تمنحه فرصة الترحاب بها قالت:
_ في موضوع مهم عايزاك فيه يا يوسف، وبتمنى يكون بينا ميعرفهوش مخلوق!!
وقفت سيارة الأجرة أمام منزل الشيخ مهران، تراجل منها يونس الذي يجلس بمقدمة السيارة حاملًا فارس الذي غفى على ذراعيه بعد ان قضى الليل برفقة يونس، بعدما اكدت له الطبيبة خروج خديجة في صباح اليوم التالي فظل بالاستقبال حتى انتهت من محلولها الاخير.
هبطت الحاجة رقية تساند خديجة التي تتألم بخفوتٍ يمزق قلبه دون رأفة بحاله، يود لو يحملها بين ذراعيه ولا يتركها تخطو خطوة واحدة تزيد من جرحها.
صعدت للطابق الاول بصعوبة وبطئ، حتى ولجت لغرفة آيوب بمساعدة رقية وسدن التي اندفعت اليهما بلهفة وحزن على حال تلك الفتاة التي سبق لها رؤيتها.
ظلت سدن برفقتها، وخرجت رقية تشير لصبيانها فاجتمع آيوب ويونس حولها، فصفقت بيدها بطريقة كوميدية:
_ يلا يا جميل منك له، مشفش واحد فيكم هنا، آيوب هدخل ألملك هدومك في شنطتين بلاستك وتطلع في ايد أخوك على فوق.
زم شفتيه ساخطًا:
_ اخرتها بتطرد بشنطتين بلاستك! واستدار ليونس يلكزه بعنجهية:
_ عشان تعرف أنا مضحي عشانك ازاي!
ردد بنزق:
_ يا شيخ اتلهي ما انت هتطلع تقرفني فوق بكتبك ومذكرتك!!
لف يده حول كتفه بسعادة:
_ وده أهم ما في الموضوع، زي مانت عارف امتحاناتي على الابواب ومحتاجلك عن أي وقت يابو فارس.
منحه نظرة محتقنة وقال بسخرية:
_ هات الهدمتين بتوعك وحصلني.
أوقفه الشيخ مهران مبتسمًا:
_ مش هتأخد الاستاذ فارس ولا مش محسوب من صنف الرجال؟ أنا عن نفسي هنزل الدكانة ومنها للمسجد.
اتجه يونس إليه ينحني على الاريكة التي يغفو عليها،طبع قبلة عميقة على خده وهو يردد بابتسامة جذابة:
_ راجل وسيد الرجال كمان.
وحمله واتجه لعمه الذي ربت على كتفه بحبٍ:
_ ربنا يحفظهولك ويبارك لك فيه يا حبيبي.
قبل جبينه باحترام:
_ ويباركلنا في عمرك يا عمي..
أشار لآيوب فحمل الأغراض من والدته ولحق به للأعلى.
مضى "علي" بين الطوابق مباشرًا عمل الاطباء وفريق التمريض برضا تام عن اختياره، إلى ان تفاجئ بأخيه يجلس على مقاعد الانتظار المعدنية المتطرفة بانحاء المركز.
رؤيته بالمركز كان مفاجأة صادمة إليه، فدنى إليه يتساءل باستغرابٍ:
_ عُمران بتعمل أيه هنا؟
مازالت الصدمة تستحوذ على معالمه، فاستدار يتطلع لعلي بنظرة مطولة وكأنه يحاول بها استكشاف من يتحدث معه؟
فتابع علي بقلقٍ:
_ مالك؟
خرج عن صمته يخبره ببسمةٍ بلهاء:
_ أمك.
تابع الاخير بدهشةٍ:
_ مالها.
اجابه بنفس الابتسامة الحمقاء:
_ حامل!
جحظت أعين علي بصدمة وهو يراقب عمران الذي مازال يجلس على المقعد المعدني كأنه فقد القدرة على استخدام ساقيه، استغل عمران صدمة اخيه وألقى اليه قنبلة أخيرة بسخرية:
_ وجاية تسقط عند يوسف من ورا عمك! ... معطلها جوه على أمل إني أدخل أقنعها وأنا من الصدمة قاعد محلك سر، اقعد جنبي بسرعة.
جلس علي جوار عمران يحاول استيعاب ما ألقى عليه منذ الصباح، فضحك عمران ساخرًا:
_ يعني أنا المفروض أعمل أيه أدخل اقولها سبيه وهربيه مع ابني!!! ولا همشي ازاي أنا!! هشيل ابني اللي مستنيه كمان كام شهر على ايدي واخويا على الايد التانية ولا هعمل أيه بالظبط؟!!!
والتفت بجسده لعلي يصيح به بعتاب:
_ انت السبب قعدت تقولي نساعد عمك يتجوزها وادي النتيجة هنبقى مسخرة يا علي!!!!
وتطلع امامه يردد بهمس منصدم:
_ ازاي مفكرتش في الكارثة دي!
وصاح في اخيها بتعصب:
_ انت ساكت ليه ما تتنيل تقولي هنهبب أيه... ولا هنمنعها ازاي من قرار التخلي عن البيبي.. يوسف مبطلش رن عليا وانا بقالي ساعة مرمي قدام مكتبه معنديش الجرأة اوجهه هو شخصيًا!..
وحينما لم يجد رد فعل من اخيه هزه بقلقٍ:
_ علي مالك؟
وبتخمينٍ قال:
_ انت زعلان انك بدل ما تستقبل خبر حمل فاطمة جالك خبر أمك من حيث لا تحتسب!! انت دكتور نفسي وقادر تساعد نفسك فساعدها وانجز خليها تقولي هنعمل ايه نتصل بعمك نجيبه ويعرف بمصيبتها ويطلقها ونخلص ولا نعمل ايه؟؟؟؟؟