تحميل رواية «صرخات انثى» PDF
بقلم ايه محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت سيارة أمام أحد المنازل الفخمة الشبيهة للقصور على الطراز الغربي. انهدل نافذتها القاتمة السوداء، ليبرز من خلفها ذراعًا صلبًا يضغط بقوةٍ على الريموت المتحكم بالبوابة الرئيسية، فاستجابت وتحررت عن مخضعها. قاد سيارته للداخل، ثم تركها للخادم الذي أسرع باستقبال سيده الصغير. ترنح بمشيته وبصعوبةٍ بالغة تفادى سقوطه. فهم الخادم ليساعده، أوقفه صائحًا: _هل جُننت أيها المعتوه، أبعد ذراعيك اللعينة عني! ابتعد الخادم للخلف، فوضع جاكيته على ذراعه واستكمل طريقه للداخل، قاصدًا باحة المنزل الفخم، وبالأخص تلك ال...
رواية صرخات انثى الفصل الحادي والتسعون 91 - بقلم ايه محمد رفعت
(إهداء الفصل للقارئات الغاليات هاجر رمضان ـ رقيه رمضان ـ المسلمة الطائعة ـ ابرار محمد ـ ياسمين ماجد، هايدي الشحات اسراء سالم، ملك رمضان، بسملة مصطفى، ضحى محمد، اميرة زهران، ايمان رضا، فرح علي
Wallaa Elsayed ، شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
قهر الرجال ليس هينًا بالمرة، وما يفوق وجعه بتلك اللحظة أنه ليس رجلًا عاديًا، هو من أكفئ الظباط، تدرب ليكون دائمًا في صدارة حل أي موقف قد يتعرض له، وها هو يفشل لمرته الثانية في إنقاذ حياة زوجته!
اغتمره شعور العجز والخذلان، مرارة من قلة الحيلة التي يعهدها للمرة الثانية، ولكنها كانت الأكثر ألمًا، وقتما فقد بصره لم يكن بصير بأنه سينخضع لمثل ذلك الموقف، بل زاد من عجزه وقلة حيلته بشكلٍ جعله يود لو أنهى حياته برصاصة الرحمة التي تنجي الفرس الأصيل من عيش حياة بائسة، ولكنه حتى إن وصل لذلك المطاف ليس كافرًا ليضحي بحياته ودينه بعدما كان بطلًا عظيمًا، يفصله بين الشهادة شعرة، انقطعت حينما عاد مجددًا للحياة.
تحلى بعزيمته ونهض يتحسس الخزانة، حتى وصل للتجويف السري بها، فجذب أحد أسلحته وعاد يسلطه على فتحة المقبض، بعدما سدد كاتم الصوت به، ولكنه توقف حينما حسب محل وقوع الباب المقابل للبانيو الداخلي بالتحديد.
مال بجيينه على الباب وقال ودموعه لا تتوقف:
_شمس، مش هقدر أضرب الباب وأنا مش عارف مكانك، عشان خاطري حاولي تساعديني!
لم تستجب لأي من نداءاته مما زاده قلقًا وفزعًا عليها، ترك سلاحه يتهاوى أرضًا أسفل قدميه، وحاول أن يعود باحثًا عما سيستخدمه ليفتح الباب بسهولة مثلما دربه الجوكر، ولكنه لا يبصر حتى محتويات الغرفة من حوله، كل ذلك يزيد من عجزه ويزداد معه فتيل الوجع الذي سيطر كليًا عليه، فعاد يترنح أمام الباب وقد استسلم لعجزه التام، كأنه انخضع لذلك الظل الأسود، الذي جرده من كل أعماله البطولية، ومهاراته الجسدية، فبات شبه فاقد للحياة!!
ترنح له صوت دقات باب الغرفة، يتبعها صوتًا رجوليًا يعلمه جيدًا:
_آدهم.
عقله لغي تمامًا التمييز بين صوت المنادي، خشى أن يكون آيوب هو من بالخارج، سيضعه بأصعب اختبار قد يمر عليه، بين غيرته الشرقية وبين حياة محبوبته، كيف سيسمح لأخيه أن يراها بمثل هذا الوضع، سيتقبل موته في سبيل أن لا يرى جنس الرجال خصلة من شعر زوجته، ولكن الامر ليس متعلق بروحه هو بل روح من غرق في عشقها حد النخاع!
تهدلت رقبته واندست أرضًا، مصطحبة معها دمعة العجز والألم، وهمسًا خافت:
_يا رب.
تعالى الطرق مجددًا، وقد أتى الصوت المنادي أكثر وضوحًا:
_شمس إنتوا نمتوا ولا أيه؟
الصوت كان لـ"علي"، أشرقت ملامحه البائسة، فاستعاد قوته حتى وقف على ساقيه، ودنى من باب الغرفة يردد:
_علي!
تعجب "علي" من سماع صوت آدهم المتلهف، ولكنه احتفظ بخصوصياتهما ورفض فتح باب الغرفة دون إذن صريح منهما، فاتاه صوت آدهم يتساءل:
_إنت لوحدك؟
رد عليه والاستغراب يتخلله:
_أيوه لوحدي، إنت قلقتني في أيه؟
تحرر باب الغرفة، فظهر آدهم من أمامه بوجهه الباكي، وقطرات الدماء التي بللت الشاش المحاط لمنتصف صدره العاري، صعق علي ومد يده يتأمل جرحه هادرًا بقلقٍ:
_أيه الدم ده؟؟ أنت عملت أيه فتحلك الجرح بالشكل ده يا آدهم؟!!
أبعد يده عنه وأشار لباب الحمام بضعف:
_شمس، إلحق شمس.
ارتاب علي لما يستمع إليه، فسلط نظره على باب الحمام، وسريعًا ما فسر عقله كل شاردة وواردة تحدث أمامه، فهرول إلى الباب يناديها بفزعٍ:
_شمـس!!
اتبعه آدهم بصعوبة ومازال علي يجاهد لكسر الباب، الذي كان من الصعب سقوطه، لتطور تصنيعه الحديث، فكان مصفحًا بالكامل، وصل له آدهم وقال وهو يبتلع مرارة ريقه المؤلمة:
_مش هتقدر تكسره، أنا هعرف افتحه، محتاج بس حاجة سنها حاد.
استدار إليه وأسرع بقوله:
_زي أيه؟؟
عمل عقله بسرعة وسأله:
_معاك كريدت كارد؟
هز رأسه وهو ينتشل محفظته الفخمة، يخرج منها عدد من البطاقات الخاصة بحساباته البنكية، قدم له أول ما تلقفته يده، وهو ينطق بدهشة:
_هتفتح باب زي ده إزاي بالكريدت كارد!
وقد أتاه ردًا مفاجئ حينما انفتح الباب من أمامهما فور أن استخدم آدهم ما بيده ببراعة أدهشت "علي" ولولا قسوة اللحظة لكان عبر عن إعجابه بما أبداه، ولكنه لم يرى الا شقيقته الفاقدة للوعي، فأسرع للداخل يهتف في صدمة وهلع:
_شمــــــس!!!!
بينما مال آدهم للخارج يستند على الحائط وهو يسيطر على دموعه، لا يود السقوط الآن، يحاول السيطرة على ذاته قدر المستطاع، ولكن الموقف يزداد صعوبة وبصعوبته ينخر جرحه الغائر.
حملها "علي" وخرج بها للفراش، تفحصها وقال وهو يخرج هاتفه ويبتعد عن السرير:
_في جرح صغير في رأسها ممكن هو اللي سبب الاغماء، لكن جرح رجليها كبير أعتقد هيحتاج خياطة.
واستدار يسلطه بنظرة حزينة، ثم قال:
_وإنت كمان محتاج دكتور حالا، أنا هكلمه.
نجح آدهم بالوصول للفراش، مسد بيده عليه حتى وصل لها، لامست يده كتفها العاري، فاستطاع أن يتبين ما ترتديه زوجته في تلك اللحظة.
غلت الدماء بعروقه وفي لمح البصر كان يسحب الغطاء عليها، وعينيه محمرة بغضب لم ينجح بالسيطرة عليه، حتى حقيقة أن علي شقيقها الأكبر لم تنجح بتهدئته بالمرة.
وأخيرًا تخلى عن سكونه الخطير، مرددًا بخشونة:
_علي.. عايز لبس لشمس!
هدوئه الغامض، نظرات الغضب الدفينة بعينيه، انقباضات عضلات صدره وجسده، كانت مفهومه لطبيب ذكي بقدر "علي الغرباوي"، وقد كان بارعًا مثلما اعتاد بالتعامل، فجذب ملابس لشقيقته ومنحه إياها قائلًا وغصة حزنه بارزة بوضوح:
_مفيش شبكه هنا هطلع أكلمه من بره.
وتركه وغادر للخارج، تاركًا له مساحة خاصة، بالرغم من كونها شقيقته ولكنه يحترم كل مشاعر آدهم.
جذب آدهم المناديل الورقية يكبت بها جرح قدميها، وقد نجح بصعوبة بمعاونتها بارتداء ملابسها حتى أن جرحه الذي نزف بشكلٍ ألمه من كثرة الحركة، فلقد شعر بتدفق دمائه من اللحظة التي ارتطم بها بالخزانة وسقط أرضًا، والآن يزداد الألم.
تأكد من وضع حجابها جيدًا، وحينها تمدد جوارها بتعبٍ، ربما وجع جسده كان مؤلمًا ولكن وجع قلبه تأذي مشاعره فاق الحد!
دقائق وحضر الطبيب الذي عالج جرح قدمها، ورأسها، وبث لهما الطمأنينة عليها، بل وفجأهم أن آدهم هو من يجب معالجته سريعًا لخطورة اصابته، بل ونصحهما بالعودة به للمشفى الذي اجرت له الجراحه، ولكن آدهم أنهى النقاش بشكلٍ عنيف فاجئ علي:
_مش هتنقل من هنا لأي مكان، حابب تكمل شغلك على كده تمام مش حابب تبقى مشكور على معالجتك لمراتي وتقدر تتفضل.
حانت من الطبيب نظرة إلى علي، الذي قال باحترامٍ لطبيبه الذي أتى من مركزه الخاص ليسعفه بهذا الموقف الحرج:
_معلش يا دكتور سيادة الرائد مش بيحب قاعدة المستشفيات، تقدر حضرتك تعقم جروحه وتتأكد إن مفيش فتح بالخياطة، وأي تعليمات حضرتك هتقولها هتتنفذ بإذن الله.
هز الطبيب رأسه بتفهمٍ، وشرع بتضميد جروح آدهم، وفور أن انتهى قدم لعلي روشتة الدواء ثم استأذن بالانصراف.
بدأت شمس باستعادة وعيها، ضمت كفها لجبينها وخرج عنها صوت التأويهات، وتمتمت بعدم وعي:
_آدهم.. آآآه... آدهم.
أغلق عينيه يحتبس وجعه بداخله، يود لو يغادر الجميع عنه في تلك اللحظة، اقترب "علي" منها يعاونها على استعادة وعيها، فما أن تقابلت عينيها به وتنشطت لها ذاكرتها، حتى تفقدت ذاتها على استحياءٍ، بينما يعود علي لتكرار سؤاله:
_إنتِ كويسة؟ لو حاسة بأي تعب قوليلي!
كان آدهم يعلم ما بها بتلك اللحظة، فازداد قهره وحزنه عليها، مهما امتلك علي وعُمران الحق بها، يعلم بأنها ستخجل منهما بذلك الموقف بكل تأكيد، هزت شمس رأسها وقالت:
_أنا كويسة يا علي، أنا بس اتجرحت من الازاز اللي وقع ومقدرتش أقف على رجليا فوقعت، بس الحمد لله انا كويسة جدًا.
واستدارت تجاه آدهم الصامت، فلاحظت تبديل الضمادات والاخرى موضوعة على الكومود، تكاد تعتصر من كثرة دمائه، فتقوست بجلستها إليه وهي تتفحصه بهلعٍ:
_آدهم ماله؟؟ وأيه الدم ده؟!!
رد عليها آدهم بهدوء:
_أنا بخير يا شمس، ارتاحي إنتِ.
مدت يدها لذراعه، تعانق كفه بحزن، فلم يستجب للمسة يدها، بالعادة كانت أصابعه تعانق أصابعها، ولكنها بتلك اللحظة شعرت بجفاء مشاعره.
سحب آدهم كفه وحاول النهوض، فأسرع علي إليه يسأله باستغراب:
_على فين يا آدهم؟ مش الدكتور لسه منبه عليك إنك متتحركش!
رد عليه بصوتٍ احتقن بالألم:
_هروح أوضتي القديمة، شمس تعبانه ومحتاجه ترتاح، وآيوب زمانه على وصول، مش هينفع يقعد معايا وهي نايمه جنبي بالشكل ده.
هز علي رأسه وقال بتفهمٍ:
_عندك حق، طيب اسند عليا.
أوقفتهما شمس حينما قالت بضيق:
_خليك يا آدهم، انا هروح لاوضتك وخليك في الجناح، وبعدين أنا كويسة والله مش هنام طول الوقت يعني.
قال دون أن يستدير إليها:
_الدكتور قال إنك مينفعش تدوسي على الجرح يومين على الأقل، هنا هترتاحي أكتر.
وخطى جوار علي حتى خرج من الجناح، فأتاه صوت آيوب الذي خرج للتو من المصعد:
_آدهم!
هرول إليهما يتفقده بقلقٍ آجتازه، حينما وجد التعب يبدو عليه عما تركه بالأمس، التقط ذراعه الآخر يسانده قبالة علي، وتساءل بارتباكٍ:
_حصل أيه يا دكتور علي؟ البواب بيقول إن الدكتور لسه خارج من شوية، أنا سايبه إمبارح كويس.
أجابه علي بابتسامته البشوشة:
_متقلقش، الدكتور طمنا عليه، هو بس محتاج يرتاح شوية.
أحاط آدهم كف آيوب بقوةٍ، جعلته يدقق فيه بقلقٍ، بينما استدار تجاه علي وقال بثباتٍ مازال يتمسك به:
_آيوب معايا، إرجع إنت لشمس يا علي، خليك معاها النهاردة لو ينفع.
رد عليه بتأكيدٍ:
_هفضل معاها.
وربت على كفه وقال:
_متقلقش أنا جنبها والموضوع بسيط صدقني.
تساءل آيوب باسترابة:
_مالها شمس يا آدهم؟
ترك آدهم كف علي، وأكمل طريقه مستندًا على أخيه حتى وصل لغرفته الصغيرة، ولج معه والآخر ينتظر سماع اجابته، ولكنه صعق حينما وجد أخيه يتهاوى على الفراش بعينين غائرة بالدموع التي أخفاها طول تلك المدة.
أغلق آيوب باب الغرفة، وهرع إليه هاتفًا بصدمةٍ:
_آدهم!
انحنى قبالته يراقبه، والقلق يصارعه كالوحش المفترس، بينما يميل آدهم للأمام مستندًا بكلتا كفيه على ذقنه، محررًا دمعة احتقنت عينيه، ومازال آيوب يراقبه بفيروزته التي تشربت دمعات أخيه وانتقلت إليه، فسرت رعشة بصوته الباكي:
_مالك يا آدهم؟
رفع وجهه يقابل أخيه المنحني أمامه، وقال بهمسٍ مؤلم:
_ مش هقدر أكمل مع شمس يا آيوب.
جحظت مُقلتيه في صدمة، وهدر:
_أيــــــــــه؟!
هز رأسه وبدموعٍ انسدلت على وجهه، قال مبتلعًا غصته القاتلة:
_ أنا هطلقها!
*****
_وبعدين يا يوسف، الليل هيدخل علينا وسيف مش راضي يفتحلنا، أنا جوعت!
قالتها ليلى بغضب، لذلك الذي يغفو على أحد المقاعد ساندًا قدميه على المكتب، فتنهد وهو يخبرها بنزق:
_مش انا حذرتك من الأول وإنتِ مسمعتيش مني، شوفي بقى مين اللي هيطلعنا، ده حاطط كرسي وقاعد قدام الباب حراسة!
اتجهت إليه حتى جلست قبالته على سطح المكتب، وقالت بنفور:
_ده جزاتي يعني إني كنت بحاول أحل المشكلة اللي بينه وبين مراته!
ضحك وهو يشير لها على المكتب الذي يقابله:
_وإديها أهي العروسة نايمة ولا همها تضحياتك ولا اللي بيحصل من الأساس!
خطفت نظرة لزينب التي تستند برأسها على سطح المكتب، وتغوص بنومها المريح، احتقنت معالمها غضبًا منها، وما كادت بأن تسدد إحدى الكتب إليها حتى إنفتح الباب من أمامها وولج "سيف" حاملًا كيسًا مغلقًا، يمنحهم نظرة ساخطة، توزعت عليهم، وانتهت بأخيه، ثم قال بعنجهية وهو يلقي ما بيده على المكتب القريب منه، حيث كانت الغرفة تحتوي على خمسة من المكاتب الخاصة بالاطباء تحت تدريب "سيف":
_بالرغم من اللي عملتوه معايا بس قلبي للاسف طيب ومهنش عليه يسيب ابن أخوه جعان.
انتشلت منه" ليلى" الكيس البلاستيكي تتفقده وهي تردد:
_طول عمرك كريم وآآ...
تلاشت كلماتها فور أن تأملت ما بالكيس، فرفعته إليه وتساءلت بصدمة:
_أيه ده؟!!
أجابها ببساطةٍ:
_سندوتش كفتة.
اجابته بنفس البرود:
_أعمل بيه ايه ده، أسلك بيه سناني ولا أعمل عليه حفلة جماعية مع الأخوة النزلاء اللي هنا!
كبت يوسف ضحكاته بصعوبة ومال يربت على ظهر زوجته وهو يهمس لها:
_معلشي امسحيها فيا أنا يا ليلى، ده عريس جديد ومعندوش لسه خبرة، بكره لما زينب تعملها هيعرف حجم الغلطة اللي إرتكبها هنا دي!
دفعته عنها وصاحت بغضب:
_فين الأكل يا سيف، متهزرش أنا جعانه!!
أجابها بابتسامة مستفزة:
_مهو السندوتش ده مش عشانك يا مرات أخويا، ده زي ما قولتلك لحبيب قلب عمه.
توسعت حدقتيها بشكلٍ مضحك، ورددت بسخرية:
_حبيب قلب عمه بيفطر بسبع سندوتشات وبيتغدى بعشرة يا دكتور، إنجر هاتلي أربع خمس سندوتشات أسلي نفسي فيهم عما تعملنا أوردر الغدا.
منحها نظرة ساخرة وقال:
_العشم واخدك أوي.
وسحب الشطيرة من يدها قائلًا:
_وآدي السندوتش اللي إتكبرتي عليه، شوفي بقى هتأكلي أيه، ولا أقولك خلي الدكتور الفتان اللي جنبك يتصرف.
وأضاف وهو يشيعه بنظرة نارية:
_خليه يقص لسانه الطويل ويعملهولك في صينية بطاطس .
أمسك "يوسف" ذراعه، وهدر بانفعال:
_مش ملاحظ إنك زودتها حبتين، وبعدين مهي كده كده كانت هتعرف، لانك أولًا وأخرًا بني آدم غبي ولافت أنظار كل اللي حوليك لعقدتك المنيلة بنيلة، طبيعي إن الكل يستغرب ويسأل، ده الشلة كلها عارفين الحكاية جت عليها يعني.
توسعت مُقلتيه في صدمة:
_الشلة مين؟
حك يوسف ذقنه وهمس بصوت منخفض:
_عميتها بدل ما أكحلها باين!
وأشار ببسمة مصطنعة:
_الشلة.. انا وعُمران وجمال، وآيوب ودكتور علي وحضرة الظابط كده مش فاضلك غير إيثو ويونس أعتقد إن آيوب أكيد مفطمه على الليلة.
صك أسنانه ببعضها البعض، وهدر من بينهما بغيظٍ:
_ده أنا هشرحك تشريحة بنت ناس يا يوسف.
أشار بيده يوقفه وهو يذكره بصرامة:
_ولد إتجننت! متنساش إني أخوك الكبير وليا كل الاحترام يا سفيه!
تنهدت ليلى بحسرةٍ، ورددت:
_بيقولك هيشرحك ومجوع مراتك وابنك وأخرتها ترطم الكلمتين دول، ما تمد إيدك تشقط زمارة رقبته وتديله قلمين معتبرين عشان يرجع لعقله!
انتقلت نظرات سيف الغاضبة لها، وقال بنزق:
_ليه حد قالك إنهم قفشوني بجلباية مقطعة تحت كوبري ٦ أكتوبر، ولا ماسك جوزك الفتان وبشرحه بدون بنج! لا خدي بالك أنا رحيم وكريم جدًا، هتوصى بجرعات المخدر على قد ما أقدر، عشان لما أستئصل لسانه استئصله بضمير.
جذبت منه الشطيرة تلتهمها بعنفٍ جعل سيف يتطلع لأخيه بخوفٍ، ومال يهمس له:
_دي أكلت السندوتش كله مرة واحدة!
هز يوسف رأسه مؤكدًا له، فتشبث سيف بذراعه وهدر بقلقٍ منها :
_هو نازل على المحطة على طول من غير تأشيرة!
مال يهمس له بتحذير مضحك:
_إفرج عنها بقى بسرعة قبل ما تأكلك حي، أديني أهو بحذرك!
وتابع وهو يشير على زينب الغافلة:
_بص وسط الصراعات والحروب دي كلها والهانم نايمه ولا على بالها.
لم يستمع لما يقوله، كان يراقب ليلى بتركيزٍ، وناوله المفتاح وصاح بخوف:
_خدها وإمشي بسرعة.
لمع الخبث بين مقلتيه، فسحب المفتاح وقال مدعيًا حبه الشديد له:
_طيب بص أنا هأخدها وامشي، وإنت خليك هنا مع زينب، متخرجش ورانا على طول استنى لما أخلع بيها وإطلع ورانا.
هز سيف رأسه ومازالت نظراته منصوبة على ليلى التي تطالعه بغضب وتحفز تام، جذبها يوسف للخارج وابتسامة الخبث تتسع على محياه، فما أن خرج بها حتى أغلق الباب عليهما بالمفتاح، وقال بشماتة:
_قضيها هنا إنت بقى مع العروسة، بين السرنجات والأدوية.
وتابع بضحكة ساخرة:
_بس إبقى خد بالك قبل ما تقعد على أي كرسي يا سيفو، الاحتياط واجب بردو.
لكم سيف الباب من الداخل وهو يتوعد له بغضب:
_افتح الزفت ده بدل ما أكسره على دماغك يا يوسف.
رد عليه بشماتة:
_جرب وحاول من هنا للصبح، إنت وهي تستحقوا العقاب ده أيه دخلي أنا والمدام في مشاكلك إنت ومراتك، بقيتوا جوه مع بعض يا تحلوا مشاكلكم يا تخلصوا على بعض ونخلص من لعبة توم وجيري دي.
وأضاف وهو يغادر برفقة زوجته:
_تصبح على خير يا سيڤو، هشوفك بكره.
وتركه يفور غضبًا، ثم غادر على الفور ليوصل زوجته لشقتهما، ويتجه سريعًا للعنوان الاخير المُرسل إليه من قبل عُمران، حيث كان العنوان الاول يخص الشقة الخاصة بهم، وآخر رسائله كانت
«تليفونك ده لزمته أيه في جيبك؟ بقالي ساعتين ببعتلك ومبتردش، فاكر نفسك بقيت رئيس دولة وصعب الوصول ليك بروح أمك ولا أيه!! انجز وتعالالي على الاسطبل اللي هبعتلك عنوانه ده، وأوعى تتأخر.»
******
انتهى طريقهما أمام مدخل الحارة، أصر إيثان على إيصاله، فوقف قبالته ومازالت سيارة الاجرة بانتظاره، حتى تساءل يُونس باستغراب:
_هو أنت مش راجع البيت ولا أيه؟
أجابه والوجوم مازال يتخلله:
_لا، هروح لكريستين أطمنها، أكيد هي على أعصابها ومش هتقدر تكلمني لان موبيلها معايا.
ربت على كتفه بحنان وقال:
_روح طمنها وخليك حنين معاها هي ملهاش ذنب في اللي بيحصل ده.
وتابع بحزن غمر عينيه الصادقة:
_اللي شوفته النهاردة ده كبرني فوق عمري عمر، أنا كنت واخد خلفية عن الابتزاز اللي من النوع ده بس عمري ما تخيلت إنها توصل لكده.
وتابع وهو يتعمق بعينيه ليسترعى انتباهه لما سيقول:
_أنا اتصدمت لما لقيت فيديوهات متسجلة لرجالة بتتهدد زيها زي الستات، يعني الابتزاز ده مكنش طايل البنات وبس، ده طايل رجال أعمال تقال وليهم إسمهم، عاملين ليهم فيديوهات متفبركة وبيبتزهم بيها، وطبعًا بيدفعوا لانهم خايفين من الشوشرة والفضيحة.
احتقنت مُقلتيه وأظلمت بشدةٍ:
_إحنا باللي عملناه النهاردة قدرنا نحرر جزء صغير من الضحايا يا يُونس، لكن الباقي مصيرهم مجهول، اللي مستغربه إن الحكومة حطت قوانين وتشديدات مضاعفة بقوانين الابتزاز الالكتروني، مباحث الانترنت عادت سريعة جدًا وبتقدر تحل المواضيع دي، فـ ليه مش بيلجئوا ليهم بدل ما الحال يوصل بيهم لهنا.
ابتسم بوجعٍ وهو يجيبه:
_عيب لما تسأل سؤال زي ده وإنت ابن بلد ومتربي في حارة شعبية، شارب فيها الاصول والتعامل الشرقي، الانـ** دول مختارين ضحاياهم كويس أوي، مختارين وهما عارفين ومتأكدين إن أي راجل عربي دمه حر وبيغير على حرمة بيته، زي ما البنت هتسعى وهتعمل المستحيل عشان متتفضحش.
وتابع بمرارةٍ:
_اللي بيعملوه ده فاق الجبروت، ربنا ينتقم منهم ويريحنا من أشكالهم.
التقط نفسًا مطولًا يهدأ من أنفاسه المنفعلة، ثم قال بهدوء:
_يلا شوف انت رايح فين وأنا هطلع أريح شوية.
منحه ابتسامة ممتنة على ما فعله لاجله، وشاكسه:
_آه طبعًا محتاج ترتاح بعد المعركة دي ، بس الواجب اللي عملته ده بكره هردهولك في كتب كتابك يا عريس.
تيقظ عقله لكلماته، فأشار يحذره:
_أوعى تتجن يا إيثان، عقد القران هيكون ببيت الشيخ مهران، بلاش تفكر مجرد تفكير بالاغاني ولا المهرجنات بتاعتك، الشيخ مهران هيطردنا كلنا بره ومش بعيد يكنسل جوازتي وكتب كتاب آيوب المسكين!
عقد حاجبيه بدهشة:
_هو آيوب لحق يتمم جوازته على الأولى عشان يتجوز التانية!!
ضحك وهو يجيبه:
_عقلك راح لبعيد، هيجدد العقد باسمه الحقيقي.
هز رأسه بخفوت وعاد لمشاكسته:
_بيت الشيخ مهران والشيخ نفسه له كل الاحترام، لكن ده ميمنعش اني هعملك احتفال صغير جنب برج الحمام على السطوح، ومتقلقش هكتب على باب السطح غير مسموح لدخول الحريم، الحفلة للشباب فقط، ها مرضي يا عمهم؟
لوى شفتيه بازدراء وهمس:
_ربنا يستر!
******
_قرارك ده ظالم لقصة الحب اللي بينك وبينها يا آدهم، أنا مش معاك نهائيًا.
قالها آيوب بضيقٍ من استسلام أخيه السريع لمجرد موقف حدث للتو، بل باشر بحديثه عساه يمحي أفكاره السيئة:
_وبعدين بطل تتكلم عن العجز والكلام الأهبل ده، الدكتور أكدلنا إن الموضوع مؤقت وهترجع زي الأول وأحسن.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه، وأذعن لما قال بينما يحقق انتصار غير مستحب:
_تقدر تضمنلي ده؟
عبث بحدقتيه غير مستوعب لما يقول:
_مش فاهم!
هتف آدهم بجراءة وحدة:
_تقدر تضمنلي إن الأدوية هتجيب نتيجة معايا او حتى الجراحة، تقدر تضمنلي إن لحد ما ده يحصل شمس مش هتتعرض لأي موقف تحتاج فيه مساعدة مني! تقدر تضمنلي إن مش هيجي لحظات بينا تحسسني بالعجز!
ترك آيوب المقعد وإتجه يجاوره بالفراش بحزن انتقل لنبرته الحيادية:
_لا مقدرش أضمنلك ده، بس الضمان الوحيد ليك هو حبها ليك يا آدهم، ثم إني متفاجئ من ضعفك ده، إنت إزاي ظابط بالاحتراف ده ومش قادر تدي لنفسك الثقة!
ابتسامة باهتة رسمها وهتف باحتقان:
_لانها تلاشت عني، خلاص مبقاش في ثقة في نفسي ولا في اللي هقدر أعمله، إنت جبت الخلاصة في جملتين يا آيوب، أنا احساسي، مضاعف لإني متعودتش إن حد يخدمني أو يساعدني في شيء، أتعودت أكون شخص مُعتمد عليه، مبيعتمدش على حد.
تلاشت عنه كل الكلمات، بل سد كل طريق فتحه سبيل الحديث بينهما، فلم يجد ذاته الا أن يخبره:
_فكر، وإعقلها صح، بلاش تتسرع عشان متندمش يا آدهم، الحب اللي أنا لامسه جواك ده عشق جنوني، مستحيل هينتهي بالبساطة دي.
وأضاف بكلمات محدودة لا تود التطرق للامر الذي يضايقه بتلك اللحظة:
_ثم إنك بالغضب ده كله لمجرد آن أخوها شافها في وضع ممكن يكسفها، ما بالك بقى لما تطلقها وتكون لحد غيرك، هتقدر تتقبل ده؟
اشتعلت النيران بجسده كالمدفأة، وتحرر زئيره الخطير:
_آيـــــــــوب!!
ارتسمت بسمة راضية عن خبثه، فربت على يده وقال:
_متحملتش الكلام ما بالك بالفعل! فكر وإعقلها يا آدهم.
*****
متسع هائل من المساحات الخضراء، تحيط بسور خشبي، يحيطه ألواح صنعت للسباق الخيول العربية الأصيلة، وعلى يسارها عدد من الغرف المخصصة للخيول ببراعةٍ، يمتلكها رجل هام من كبار رجال الأعمال، والذي يعد من أحد شركاء المهندس "عُمران سالم الغرباوي" ، ألح عليه باستماتة ليزور مزرعته الصغيرة، يفعل مثلما يفعل الجميع، في محاولات للتودد إليه.
إستغل "عُمران" الفرصة، لشعوره بتقصيره الشديد في حق أقرب أصدقائه، شركاء محنته وبدايته التي رافقتهم، وها هو أول من فاز ببطولة صداقته يقف جواره، يراقب المدخل في مللٍ، تشربته لهجته:
_يوسف إتاخر أوي، وشكله كده مش جاي.
وأضاف وهو يقابل وقفته:
_هنقضيها فرجة كده، لو هنركب الخيل نركب لو هنمشي نمشي، بقالنا ساعة واقفين الواقفة دي، بنستنى دكتور الحالات المتعسرة.
طالعه برماديته الساحرة، وباستجمام قال:
_شوية وهيجي.
وبإقرار نهائي قال:
_مش هنركب غير مع بعض.
إلتقطت عينيه سيارة يوسف تقترب من المدخل، فأشار، لعمران قائلًا بحماس:
_شكله اللي داخل علينا ده.
اعتدل بوقفته يراقب السيارة، واتجه للعامل القريب منه يخبره بلطفٍ:
_جهز الخيول يا شام.
إبتسم وهو يجيبه:
_عنيا يا بشمهندس.
وإتجه للداخل يعد الخيول الثلاثة، بينما يسرع يوسف تجاه عُمران، يصيح دون أن يلتقط انفاسه حتى:
_قبل ما تتعصب وتخرجلي البلطجي حجك، لازم تعرف إني كنت محبوس في أوضة كشف بالمركز، وفين وفين لحد ما خرجت ، فبلاش تساعد شياطنك وتخرج وقاحتك دلوقتي، الناس حولينا يا طاووس!
انتزع نظارته التي إرتداها منذ لحظات، وهدر فيه ببرودٍ:
_مين إنت عشان تعصبني! ثم أن وقاحتي مش محتاجه مجهود منك عشان تظهر، دي بريموت كنترول في إيدي أنا.
حافظ يوسف على بعد المسافة بينهما، بشكل اضحك عمران، فسيطر على ذاته وهو يدعي أنه يمارس تمارين تهدئه، هامسًا بنزقٍ:
_استغفر الله العظيم.
ثم أشار له بابتسامة كانت خطيرة:
_إنت واقف بعيد كده ليه؟ قرب تعالى!
أجابه وهو يبتعد خطوتان:
_لا أنا كده كويس.
تحررت ضحكاته الرجولية، وصاح بسخرية:
_تعالى يا حبيبي ومتخافش أنا مبأكلش عيال صغيرة.
اقتحم صوت جمال الضاحك جمعهما، فسدد له يوسف نظرة محتقنة، قبل أن يرنو إليهما، مربعًا يديه أمام صدره باستياء:
_آديني قربت، قولي بقى جمعنا هنا ليه في الوقت ده؟
اتاه الرد حينما اقترب منه العامل يصطحب إثنان من أجود الخيول، ويتبعه أحد العاملين بالأخير، فور أن رآهم يوسف اهتز بوقفته وأسرع يختبئ خلف جمال الذي كاد بالسقوط من الضحك.
اندهش عُمران مما فعله، ومع ذلك اقترب من الخيل، يمسد بيده على رأسه وجسده بحنان، حتى انخضع الفرس له، بينما صعد جمال على متن الخيل الآخر ببراعةٍ، ولم يتبقى الا يوسف الذي يراقبهما بذعرٍ، ازداد حينما أشار له عُمران:
_يلا يا يوسف.
رفرف بأهدابه بدهشةٍ مضحكة:
_يلا أيه مش فاهم!
رد عليه جمال وهو يضحك بقوة:
_هنخش الامتحان يعني! بيقولك يلا إركب ولا عايز حد يركبك يا دكتور.
أعدل من نظارته الطبية وقال بهدوءٍ ينافي خوفه الشديد:
_لا أنا ماليش في الكلام ده، اتفضلوا إنتوا أنا مرتاح كده أوي.
استدار عُمران إليه، وقال بحزمٍ:
_ما تنجز يالا، هنفضل هنا طول الليل عشان خاطر أمك ولا أيه؟ مش كفايا بنستنى جنابك من العصر، هتعملي فيها تقيل هقل منك في أرضك ووقتي!
صاح يوسف منفعلًا:
_متزعقش.
وتابع وهو يراقب الخيل بنظرة ترتجف من فرط الخوف:
_اركب إنت وسبني أتعرف على الحصان الأول، ولما نوصل لمرحلة التفاهم هتلاقيني نطيت.
زوى حاجبيه بسخطٍ:
_تتعرف عليه!! ، هو إنت هتكتب كتابك عليه بروح امك!!
زفر يوسف بغضب، وهو يراقب جمال الذي ينهار ضحكًا حتى يكاد أن يسقط عن ظهر الخيل الذي يمتطيه ببراعة، على ما يبدو بأنه وذلك الطاووس الوقح لم تكن مرتهما الأولى، فأردف لعمران:
_اركب إنت وأنا هحصلك.
شيعه بنظرة قاتلة وهو يحرك رقبته في سئمٍ أرعب يوسف الذي يعلم المرحلة القادمة بعاصفة الطاووس، وحينما وجده يرفع جسده للخيل تنهد بيأس وهو يدنو من الخيل الأسود المخصص إليه، فتمتم بخفوتٍ:
_لونه أساسًا ميبشرش بالخير!
وأضاف وهو يطعنهما بنظرة مغتاظة:
_واللي يشوفهم وهما نازلين رن رن، يقول إنهم عازميني على أكلة مندي!
صاح عُمران بعصبية:
_ما تنجز يا دكتور الندامة، هنقف نستناك طول اليوم!
أجابه بعصبية تجابهه:
_مش شايفني بتزفت بحاول معاه عشان يرضى!
مال جمال للامام من نوبة الضحك الذي انتابته وهو يرى يوسف بحالة الجبن تلك للمرة الاولى، وبصعوبة هتف:
_فعلًا الموضوع محتاج تفكير، مش إرتباط ونسب وجواز!! اهدى على الدكتور شوية يا عُمران.
تمتم من بين اصطكاك أسنانه:
_أنا مش هصبر كتير خلي بالك!
زم يوسف شفتيه بسخطٍ، واقترب من الخيل، يحاول ان يلامس جبهته التي تحمل غارة مميزة، يحاول تقليد ما فعله عُمران، ولكن على ما يبدو لم ينال ذلك استحسان فرسه الجامح، ثار بشكلٍ مرعب ورفع قدميه الأماميتين بشكل هجومي، جعل يوسف يهرول للخلف وهو يشير له بأن يتراجع ولكنه لم ينصاع إليه، فصرخ مستيغثًا بمن يراقبه:
_عُمــــــــرااااان إلحقني، الحصان بهشه مش بيتهش!!!
تلك المرة فشل جمال بالتحكم بجسده، من كثرة الضحك، فسقط عن الخيل، وتعرقلت ساقه بلجامه، وعلى الفور ركض الخيل جاذبًا من خلفه جمال المنبطح أرضًا، فصرخ ألمًا وهو يحاول تخليص ساقه المعلق بالسرج، وكل ما يتردد عليه جملة واحدة:
_عُمــــــــرااااان، إلحقنـــــــــي!
ما يحدث الإن داخل المزرعة أمرًا كارثيًا بكل المقاييس، نظرات العمال المذعورة والمندهشة تنتقل بين يوسف الذي صعد على الأرائك الخشبية يتهرب من الخيل الذي يهاجمه ويستفزه الاخير بمحاولة دفعه بعيدًا عنه، وجمال الذي يزحف جسده خلف الخيل الذي يركض بانحاء المزرعة ساحبًا جسد جمال من خلفه، وكلاهما يصرخان بإسم عُمران الذي يراقبهما بغضب شديد، يود لو أطاح عنقهما معًا ليتخلص منهما للابد.
كان يظن انهم سيقضون وقتًا مسليًا، حتى أنه كان يعد لحفلة شواء صغيرة مثلما كان يفعل، ولكنه وبتلك اللحظة فقد مذاق كل شيء حتى الحياة نفسها!
تدخل العمال على الفور، فأسرع إثنان منهما يسحبان السرج الخاص بخيل يوسف، وبصعوبة تمكنوا من ردعه، وسحبوه لداخل غرفته، بينما هرول أحد العمال بالسيف الحاد في محاولةٍ منه للوصول للسرج العالق به ساق جمال، ولكن لسرعه الخيل لم يتمكن من المسك به.
انقلبت الساحة المخصصة للخيول، لساحة ساخرة، الخيل يركض ساحبًا جمال من خلفه، ومن خلفهما يركض العامل بالسيف في محاولة تحسب له لانقاذ الضحية!
بينما يجلس "عُمران" ثابتًا على ظهر خيله، يتطلع لما يحدث بغضب ونفور تام، ثم ببرودٍ ثنى رقبته يمينًا ويسارًا، مستمتعًا بصوت الطقطقة الحادثة، وبمللٍ تحرك بخيله يقوده بحرافيةٍ، وانحنى يلتقط السيف من يد العامل، ثم أسرع من سرعة فرسه حتى بدى محازيًا لخيل جمال، وبسهولة مال يسدد السهم بالسرج فتحرر جمال أخيرًا، وسقط يلتقط أنفاسه اللاهثة بصعوبة.
ركض يوسف إليه يحاول الاطمئنان عليه، ولكنه دفعه أرضًا وهو يصيح بعنف:
_كل ده بسببك وبسبب غبائك، هيعملك أيه الحصان يعني هيفترسك!
لكزه يوسف بحدة وهدر منفعلًا:
_أنا ماليش بجو الخيول والسباقات المريضة بتاعتك إنت والوقح ده، أنا دكتور نسا وتوليد، أخري أشخص حالة، أولد قيصري، طبيعي شغال لكن جو الاكشن والخيول ده ماليش فيه أنا!!
هبط "عُمران" عن فرسه، واتجه إليهما وهو يضع يديه بجيوب سترته الرمادية، خطاه البطيء شكل إنذار خطر إليهما، وخاصة حينما ردد بحروف ثقيلة رزينة:
_بمنتهى الهدوء تسند أخوك وتلموا كرامة أمكم اللي اتبعترت قدام العمال دي وتغوروا من قدامي، والا متلوموش الا نفسكم.
ابتلع يوسف ريقه بصعوبة وهو يهز رأسه:
_باشا إنت مشوفتناش النهاردة أصلًا.
عاون يوسف جمال على الوقوف، فأداره يتفقد ظهره باهتمامٍ، ثم قال:
_الحمد لله مفيش إي إصابات، سليمة يا عبحليم.
تخصر وهو ينصب عوده، هاتفًا بارهاق:
_ازاي وأنا حاسس أن جسمي كله متكسر، كمان حاسس إني بردان أوي.
ضحك وهو يجيبه بصدر رحب:
_حاسس أنك جسمك متكسر عشان اتسحلت سحلة متسحلهاش حرامي غسيل، أما بقى البرد فده راجع لبعض الخساير الناتجه عن معركتك مع الخيل، مما تسبب في إنشقاق ملابسك الخلفية، بس إطمن العلوية بس، السفلية زي الفل.
اتسعت عينيه في صدمة، وراح يردد دون وعي:
_يا نهار أسوح، هدومي اتقطعت!
أكد له بعد صدمته:
_آيوه آه.
استطرد جمال برعب:
_هرجع البيت أنا إزاي دلوقتي!!!
عبث يوسف بعدم فهم:
_مش فاهمك! إنت ليه محسسني إنك اتعرضت للتحرش، يا عم متكبرش الحوار ده حصان متعافي حبتين.
لكزه بغضب جحيمي:
_اتنيل على عينك يا دكتور الغافلة.
وتركه واندفع تجاه عُمران الذي خلع جاكيته وقميصه، وصعد على متن خيله يتحرك بحرية، حتى أتاه جمال يصرخ:
_إحنا كان اتفاقنا واضح وصريح، إننا هنيجي هنا نفك مودنا شوية، لكن متفقناش على خراب البيوت يا بشمهندس.
أوقف الخيل واتجه إليه، يهتف بعدم فهم:
_خراب بيوت أيه مش قاريك!
استدار يريه ما حدث له، فابتسم عُمران بتشفي وقال:
_هو أنا اللي كنت مخليك في حالة السخسخة العبيطة دي، حقك عند أخوك اللي وراك مش عندي يا بشمهندس!
وتابع وهو يطالعه بعنجهية طاووس مغرور:
_بس إكرامًا مني هساعدك وهديك لبس من معايا، إنت عارفني بحتفظ دايمًا بكام غيار احتياطي بالعربية، شوف اللي ينفعك وإلبسه.
مرر يده على وجهه باستياء وهتف:
_إرجع البيت بلبس غيراللي خرجت بيه ازاي، أنا مصدقت الدنيا راقت بيني وبين صبا، أقوم أعمل حركة زي دي تضيعني!
هبط عن الخيل يتمتم بنزقٍ:
_وأعملك أنا أيه دلوقتي! أخدك من إيدك لمراتك وأحكيلها الحكاية من أولها؟
صمت قليلًا يفكر بحديثه، بينما اقترب أليهما يوسف، فقال جمال بعدما حسم الامر:
_هو ده الحل فعلا.
ردد يوسف بصدمة:
_حل أيه؟ هو الحصان رفسك في رأسك قبل ما تتفك ولا أيه؟
جذب جمال هاتفه وقال بحزم:
_أنا مش هجازف بالمركب مرة تانية عشان اتنين معاتيه زيكم، هفتحلكم فيديو تحكوا فيه لصبا كل اللي حصل بالتفصيل، وبالاخص جزئية قطع هدومي دي!
تحرر وحش عُمران القابع داخله، سيطر عليه قدر المستطاع ولكنه بالنهاية تغلب عليه، جذب جمال من تلباب قميصه وهو يهدر من بين اصطكاك أسنانه المرعبة:
_طيب ما نفسرلها عملي، بس المرادي مش الخيل اللي هيمطوحك، أنا اللي هظبطلك الاعدادت كلها ها يا جيمس تحب نبدأها منين؟
ازدرد ريقه الهادر بصعوبة، وبهمسٍ ردد:
_يوسف!
أسرع إليه يخلصه من بين يديه، قائلًا بضحك:
_عيل وغلط وندمان أشد الندم.
منحه جمال نظرة نارية، فزفر بنفاذ صبر:
_أعملك أيه يعني عشان أسلكك منه وهو بالحالة المنيلة دي؟
رد عليه ضاحكًا:
_إقرله المعوذتين.
قال يوسف وصوت ضحكاته تعلو:
_وتفتكر الجن اللي عليه هيقتنع وهيتفك! إحنا محتاجين الشيخ مهران يقوم بالمهمة القومية دي.
لكمهما عمران معًا بكلتا يديه وهو يهدر بعصبية:
_بتستظرف بروح أمك إنت وهو.
وصرخ بغضب جنوني:
_غوروا من وشي، مش عايز أعرفكم تاني، اللي يشوفكم وانتوا هزين طولكم وداخلين عليا يفكركم خيالين وإنتوا خيال مآتة، بس الغلط من عندي أنا اللي فكرت أجبكم مكان زي ده، أكيد عقلي مكنش موجود، ضاع مع هيبتكم اللي ضاعت بالظبط.
قالها وإتجه لسيارته يلقي منه أحد قمصانه الباهظة، وقادها ليغادر من أمامهما بغيظ، بينما يلف جمال يده حول كتف يوسف، ويشجعه بجدية:
_جاهز تحكي اللي حصل، وتنقذ بيت أخوك يا جو؟
طالعه بنظرة مندهشة، وقال بمرح:
_عجبني شجاعتك وإصرارك على الموقف، وده هيخليني أساعدك، مهو مش هيبقى أنا وعمران، مش هينفع أتخلى عنك وأسيبك لمصير محكمة الآسرة البائس!
*****
الحفاظ على إنفعالاتها كان من أقسى الأشياء التي فعلتها، كانت تخشى من أن يبدو أنها بها شيء امام والدتها، فجاهدت بالابتعاد عنها، والجلوس بغرفتها أكبر وقت تمكنت به، ولكنها رغمًا عنها لم تنتصر على قلقها وتوترها الشديد، وما يشعرها بالعجز أنه أخذ هاتفها، فتخشى إن استعملت هاتف والدتها لتحدثه تسألها والدتها عن هاتفها، ومن المؤكد أن كل شيء سينكشف تلقائيًا أمامها.
ضمت "كريستين" يديها إليها وهي تحجب عقلها الذي يطرح عده تخيلات للمشهد، ومنهم إصابة إيثان، ولكن ما يطمنها بأنها على ثقة كاملة أن "يُونس" لن يتركه.
انهمرت دموعها ندمًا على الخضوع لمثل هذا المصير من البداية، ليتها حاربته بشجاعة وأخبرت جميع من حولها به، لربما لم تصل إلى تلك النقطة.
انتفضت بجلستها حينما استمعت لصوت قرع جرس الباب، فأسرعت تتلصص من خلف باب غرفتها، فاستمعت لصوت والدتها تهتف:
_أتفضل يا حبيبي، ده بيتك تيجي في أي وقت.
شكرها إيثان على ردها حينما أبدى أسفه لزيارته بوقتٍ ليس مناسبًا، ولم يعلن عن قدومه، ولكنه يعلم بأنها تنتظره على أحر من الجمر، وبالفعل بعد دقائق خرجت له بوجهها الشاحب، تجلس على المقعد قبالته وتطالع عينيه بكل لهفة، تود أن تلتقط منه أي إشارة، أو أي كلمة تطمئنها، ولكن والدتها كانت جالسة برفقتهما، تتبادل الحديث معه عن أخبار شقيقتها وبعد الامور العائلية.
شعر إيثان بلهفتها، فرأف بها حينما قال بخبث حينما سألته خالته عما يريد شربه:
_أنا مش عايز غير فنجان قهوة من إيدك يا فوني. عليكِ شوية بن يعدل المزاج ويوصل للإدمان.
ضحكت وهي تخبره:
_هتفضل طول عمرك بكاش.
وتركتهما واتجهت للمطبخ لتعد ما طلبه، فور أن تأكدت من رحيلها، حتى هرعت تجاور جلسته وهي تردد برعشة:
_طمني يا إيثان عملت أيه؟
راقب عينيه عن قربٍ وهو يخبرها:
_قولتلك اطمني ومتقلقيش، ومع ذلك هطمنك أكتر، أنا مسحت كل شيء يخصك من جهاز الكلب ده، ومش كده وبس بلغنا عنه وإتقبض عليه هو واللي وراه.
وأخذ يسرد لها سريعًا عما حدث، بينما تتسع ابتسامة الاعجاب على وجهها، فمنعت دموعها من الهبوط وهي تقول:
_بجد يا إيثان؟ يعني معتش ليا أي فيديوهات خالص.
ضم كفيها بكل حب وقال:
_أنا بنفسي اللي مسحتهم ومسمحتش لمخلوق يشوف أو يعرف حاجه عن اللي حصل، خلاص يا كريستين كانت صفحه واتقطعت من حياتك نهائيًا.
وأضاف وحبها يملأ سحر عينيه:
_اللي عايزه منك إنك تتعلمي من التجربة دي، وبعد كده أي حاجة تتعرضي ليها سواء كبيرة أو صغيرة ترجعيلي فيها.
وحذرها بحزمٍ:
_أوعي تفكري مجرد تفكير، إنك تخبي عليا حاجة، أنا عدتلك المرة دي عشان كنت مقدر إن علاقتنا لسه على أول طريقها، لكن بعد كده مش هسمحلك.
اتسعت ابتسامتها وفرحتها النافذة من عينيها:
_صدقني مش هعمل كده تاني، أنت باللي عملته ده أثبتلي إنك هتحميني العمر كله، وهتشيلني جوه عنيك.
ابتسم وهو يميل لها بأعين راغبة:
_أشيلك جوه عنيا وفوق رأسي وفي حضني لو تحبي، بس هنأجلها لبعد الجواز دي عشان خالتي متجريش ورايا بالمنفضة.
تعالت ضحكاتها بسعادة، بينما يضع يده بجيب جاكيته ويجذب الكرتون الموضوع به، قدمه لها فراقبت ما تحمله باستغراب:
_ده أيه؟
رد عليها بحبٍ، وعاطفة:
_اتشديتي للينك ده لمجرد إنك كنتي هتكسبي أيفون، فأكيد مش هسيب حبيبتي نفسها في حاجة وأنا بإمكاني أحققهالها.
التقطت منه الهاتف، ناطقة بعدم تصديق:
_بجد يا إيثان، ده ليا أنا!!
هز رأسه بخفة وهو يؤكد لها بسعادة لرؤية فرحتها:
_بتاعك يا كريستين، إنسي القديم بكل ذكرياته التعيسة وإفرحي بالتليفون الجديد اللي هيتملى بعد فرحنا بصور لينا مع بعض، ولو شوفت صورة ليكِ لوحدك من غيري همسحها، أنا غيور جدًا وعايز أشاركك كل ذكرياتك الجاية، موافقة يا سندريلا؟
ضحكت وهي تحرك رأسها بحماس:
_موافقة طبعًا، أساسًا خطوبتنا كانت جزء من حلم سندريلا اللي كان مستحيل يتحقق، ودلوقتي بعد ما إتحقق بقيت طماعة وعايزة أكتر من كده.
أجابها ببسمته الجذابة:
_هانت والأمير هيحقق كل أحلام السندريلا!
طافتهما بسمة العشق، نظراتهما، وعده لها، شيم الرجال الذي اتسم به، حينما أعاد حقها كاملًا، ثقته بها، كل شيء دفعها لتقع في عشقه لمرتها الثانية!
****
تأكد "مصطفى" من انغلاق ضوء غرفة "آدهم" فسعد بشدة لأنه تمكن من إقناع آيوب بالبقاء، ففتح الباب بحرص ومضى بمقعده للداخل، حتى وصل للأريكة التي يتمدد "آيوب" من فوقها، تاركًا الفراش لأخيه حتى لا يصاب جرحه.
بقى قبالته يتأمله بعينين دامعتين، يتشرب ملامحه بحبٍ، يتمنى لو أن يعتصره داخل أضلعه، يتمنى أن يخبره أنه عفى عما إرتكبه بحقه.
ظل لثلاثون دقيقة جالسًا محله، يراقبه بصمتٍ، بينما من خلفه ينغز قلب آدهم بقسوةٍ وهو يشعر بوجود آبيه بالغرفة، لذا حافظ على سكون جسده المدعي للنوم.
يفعل كل ما باستطاعته ليتمكن من إبقاء أخيه قريبًا منه، يود أن يألف المنزل ويتقبل أبيه، ولكنها تبدو كالمهمة الشاقة.
فتح عينيه بتثاقل وهو يتفحص أخيه، من فترة للحين، فتفاجئ بمصطفى قبالته، تنهد "آيوب" بضيقٍ، وجلس يفرك عينيه بنومٍ، هاتفًا بصوتٍ منخفض:
_وبعدين معاك! مش قولتلك طول ما أنا هنا خليك بعيد عني! أيه اللي مقعدك كده!!
ورفع معصمه يتفقد الوقت، فوجدها الواحدة ليلًا، كبت تثاؤبه وهو يطالعه بنظرة باردة، فقال مصطفى بحرجٍ:
_أنا آسف لو صحيتك من النوم، أنا كنت بطمن على آدهم ونازل أوضتي تاني.
قالها واستدار بتحكمه الفعلي بالمقعد، ليغادر من أمامه، فألقى "آيوب" الوسادة عن يده، ونهض يتمتم بتذمر:
_الراجل ده مش هيسيبني أرتاح أبدًا، ولا هيخليني أورد لا على جنه ولا على نار.
ولحق به يرفع صوته:
_استنى!.
فور أن غادر الغرفة ارتسمت بسمة حزينة على وجه آدهم الغارق بحزنه الشديد.
بينما هرول "آيوب" من خلفه، يدفع المقعد تجاه المصعد وهو يردد بضجر:
_هنزلك بس عشان متتكعبلش ولا يجرالك حاجة، آدهم فيه اللي مكفيه ومش ناقص هو!
أخفى "مصطفى" ابتسامته، وهو يؤمي برأسه باقتناعٍ، وما أن توقف المصعد حتى دفع آيوب المقعد لغرفته، حرر مقبضها ودفعه للداخل، تجاه الفراش مثلما فعل بالامس، ولكنه عارض قائلًا:
_لا مش جايلي نوم.
تحكم بغضبه، وقال ببسمة لم تصل لعينيه:
_وحضرتك حابب تعمل أيه دلوقتي؟
استدار بمقعده إليه وقال برجاء ملموس:
_لو ينفع تساعدني أتوضى وروح كمل نومك.
تهدلت ملامحه المشدودة، هز رأسه وهو يجيبه:
_بسيطة.
ودفع مقعده لمرحاض الغرفة، يجذب سطل المياه ويسكب إليه، والآخر يسر قلبه سرورًا لم يختبره من قبل، بل كان يتأمله بكل محبة، حتى جذب السطل وإنحنى يفرك أصابع قدميه بالمياه، فابتعد مصطفى بمقعده للخلف على الفور:
_لا يابني أوعى تلمس رجلي، إنت مقامك أعلى من إنك تنحني قدام شخص زيي!
اقشعر جسده من كلماته، ذلك الرجل يحقر من ذاته، بكلمات تصف الحالة المؤلمة التي يعيشها، أوضحت كم معاناة الذات وتأنيب الضمير بشكلٍ أوجعه، انحنى يجذب السطل الذي سقط منه، واقترب منه يكمل ما يفعله، فتدفقت دمعات مصطفى، وطالعه بنظرة امتنان لن يتمكن آيوب من نسيانها قط، بل هرب منها وهو يعجل ما يفعله حتى خرج به للغرفة مجددًا.
ازدرد صوته الهادر وهو يسأله بوجع:
_أعملك أيه تاني؟
استجمع شتاته المنفلتة، وقال بصوتٍ جاهد الا يجعله باكي ولكنه ظهر فيه البكاء رغمًا عنه:
_كتر خيرك يا آآبنـ... يا آيوب.. روح نام إنت.
هز رأسه وهو يتجه للمغادرة، صعد للأعلى وعقله مشحون بالافكار، عاد للاريكة يجلس هائمًا بالفراغ، يتذكر حديث أبيه الشيخ مهران بصلاة اليوم، كان يجلس قبالته بالمسجد يحرك يده على السبحة، ويخبره بنبرته الفصحى التي يعشقها حد الادمان:
_يابني ما عاهدتك يومًا قاسي القلب، كنت دومًا تمنح العفو والصفح، والله إني أخشى أن تحاسب على أبيك.
_هو مش أبويا ولا آ..
_مهما حاولت أن تنكر الحقيقة لن تستطيع، إعلم أننا جميعًا سنُحاسب، ومثلما سيحاسب على ما فعله بك سيحين دورك وستُحاسب على معاملتك القاسية له..
وأضاف الشيخ مهران بابتسامة بشوشة:
_ولو أعترفت بيه وسامحته هل سينتقص هذا من حبك لي وحبي لك، لا والله ولو اجتمعت جيوش الإنس والجان على أن ينقصوا حبك بقلبي مثقال ذرة ما فعلوا.
فاق من ذكريات أبيه ودموعه تنهمر دون توقف، لا يعلم كيف ومتى نهض عن الأريكة وعاد للاسفل، ولج لغرفة مصطفى، فوجده يصلي على مقعده بخشوعٍ مهيب، راقبه بذهولٍ وكأنه يراقب لأول مرة شخصًا يصلي، لا يعلم لما ربط ما فعله به بأنه لا يجيد دينه!
أنهى صلاته وجلس محله يهيم بشرفته الزجاجية، فتفاجئ بآيوب يقف من خلفه، لف مقعده له بلهفة:
_في حاجة يا آيوب؟ عمر تعب تاني ولا أيه؟
هز رأسه بالنفي، وبدى مرتبكًا لا يجيد أن يوازن أموره، فوجد ذاته يخبره بحدة:
_النهاردة المغرب كتب كتابي، لو عايز تيجي تعالى.
انشرح صدره، لقد إستجيبت دعواته، يلوح بصيص الأمل ويزداد نوره، اقترب بمقعده منه وسأله بتوتر:
_لو جيت هتتضايق من وجودي؟
طالعه بنظرة دقيقة، ثم قال:
_لا عادي، أنا بقدر أسيطر على نفسي، وزي ما أنا قادر أتواجد معاك هنا في مكان واحد، هقدر أتقبلك هناك في بيت الشيخ مهران.
اتسعت ابتسامته وبكل سرور قال:
_هاجي أكيد، ربنا يسعدك ويفرحك بالذرية الصالحة يا حبيبي.
اكتفى بايماءة من رأسه وغادر من أمامه على الفور، وهو متخبط، كان ينوي إخباره بمسامحته له، كان يود أن يمنحه فرصة، لسانه كان ثقيلا عن الحديث، ولكنه يجدي تقدمًا حتى ولو كان خارج عن إرادته!
*******
ولج لجناحه الخاص ينزع جاكيته، ثم يخلع حذائه، وما كاد بالتوجه لحمام الغرفة لينعم بحمام بارد حتى توقف حينما تسلل له همسات مختطفة لأنفاس زوجته اللاهثة:
_عُمران.. لأ...
دنى إلى الفراش يناديها بدهشةٍ:
_مايا؟
انتفضت بالفراش تصرخ بفزعٍ:
_عُمــــــــــــــــران.
أسرع تجاهها وقد جلس جوارها يزيح العرق الذي يبلل وجهها باكمله، وهو يهتف بقلق:
_أنا هنا يا مايا، مالك يا روحي؟
انتقلت نظراتها المذعورة إليه، تتطلع لكل أنش بوجهه، وكأنها تتفقد شيئًا، استقامت بجلستها مستندة على ركبتيها، وأخذت تحل القميص عنه، وهي تهتف برعب:
_دم!
وخز قلبه رعبًا عليها، ومع ذلك حاول تخفيف من حدة ما تمر به، حينما شاكسها قائلًا:
_طيب ولزمتها أيه تصرعيني كده يا بيبي، ما تديني حتى إشارة صغيرة ومتقلقيش أنا وقح وهفهمها على طول.
فشلت كلماته بسحبها مما تمر به، بل أحاطت وجهها تبكي بانهيارٍ تام، أعدل عُمران من قميصه وهو يزحف تجاهها، متسائلًا:
_مايا مالك؟ متقلقنيش عليكي!
أبعد يديها عن وجهها فوجدها تنتفض بعنف، جذبها إليه يربت على ظهرها وهو يهمس لها:
_إهدي حبيبتي، ده مجرد حلم، أنا هنا جنبك أهو.
مالت على كتفه وصوته المتحشرج يتحرر:
_متبعدش عني، أنا ماليش غيرك في الدنيا دي، ولو مبقتش فيها هخرج أنا كمان منها.
شدد من ضمها وقال بلومٍ:
_أيه الجنان ده بس، أيه جاب سيرة الفراق دلوقتي، احنا صحيح هنفارق بس هنفارق الكمبوند خلاص هنستلم قصر الغرباوي من بكره بإذن الله، وهوريكي جناحك بنفسي وبالاخص غرفة الهدوم اللي خصصتها لينا ولابننا.
تعالى بكاؤها ورددت كأنها لم تستمع لما قال:
_خليك جنبي، أنا مش عايزة غيرك.
احتواها بين ذراعيه وقال بحزن:
_أنا معاكِ وكلي ملكك يا مايا، ده كان كابوس وانتهى.
ابتعدت عنه تطالعه بأعينها الدامعة، وهمست:
_يا رب يكون مجرد كابوس.
انحنى يقبل يدها وهو يؤكد لها بمزحٍ:
_اللي أنا أقوله تصدقيه بدون نقاش، أنا عندي بعد نظر في الأمور.
منحته ابتسامة صغيرة تعكس حزن مُقلتيها، فقال وهو يدعي الجدية:
_وبما إن كلامي ثقة فخلينا نتجاهل الجزء السلبي من كابوسك ده ونستغل الجزء الايجابي.
تساءلت بعدم فهم:
_أيه هو الجزء الايجابي.
أشار على قميصه ببسمة خبيثة:
_إنك كنتِ بتغرغري بيا من شوية وأنا آ...
كبتت فمه بيدها وهي تصيح بصدمة:
_عُمران بطل وقاحة، أنا كنت بتأكد أن ده مجرد حلم وانك مش بتنزف، بلاش تصيغ الامور بطريقتك المنحرفة دي.
تعالت ضحكاته الرجولية، فابعد يدها وقال بمشاغبة:
_هو أنا هصيغ بعقل، ده أنا هقدم تقرير شامل لفريدة هانم، وهقولها كل اللي حصل بالظبط.
لكزته بغضب وهي تدفعه عن الفراش:
_قوم شوف كنت داخل تعمل أيه؟ أنا غلطانه إني قلقانه عليك، إنت لسانك أصلًا هيبعد عنك أي أذى لأنه أكبر أذى ليك.
مال للخلف من فرط ضحكاته، فابتسمت رغمًا عنها وهي تراقبه، حتى أنها صفنت به، فمال تجاهها يغمز لها بسخرية:
_ضحكتي تجنن أنا عارف، عشان كده مبتظهرش كتير رأفة بقلوب البنات الحلويين اللي زيك.
أبعدت يده عن ذقنها وهي تردد بنفور:
_إنت مغرور.
سحب بيجامته واتجه لحمام غرفته وهو يخبرها:
_لو الطاووس متغرش مين يتغر يا مايا هانم؟!
أغلق باب الحمام من خلفه، وإتجه للدوش يميل من أسفله، وتفاصيل التهديدات المسددة إليه تجوب عقله، ماذا لو تفسر حلم مايا وتعرض للهجوم!
ثمة شعور بالخوف يجتازه لاول مرة، خوف من أن يُولد ابنه يتيمًا، خوفًا على زوجته التي إنهارت لمجرد رؤيتها لحلمٍ مثل ذلك، ماذا عن عائلته وأصدقائه؟
هو يعلم حق العلم أنه تتميمة مكملة للجميع، وراضي كل الرضا عن مكانته بينهم، شغل تفكيره ماذا سيحدث بهم لو نجحوا بتحقيق تهديداتهم!
*****
سطعت شمس اليوم التالي ومازالت تجلس بأرضية الشرفة، تضم ذاتها وبكاؤها لم يجف عنها، ها قد انقضى اليوم بسرعة الرياح، وأتى اليوم المرهون بعودة علاقتهما من جديدٍ، مجرد تذكرها لشطر صغير من فصول حياتها الذابلة برفقة طليقها تعود الرهبة تسيطر عليها من جديد.
كانت تتمنى أن يوافقها "يُونس" لاجراء العملية الجراحية للتخلص من أثار التعذيب الباقية على جسدها، ولكنه رفض وبرفضه وجدته أنانيًا للغاية، ولكن جزء بداخلها كان يمنحه العذر، فمهما كان لن يحتمل إنها كانت له ثم أصبحت لغيره.
تأملت "خديجة" اسدال صلاتها بنظرة حسرة، طوال المدة التي تبقت فيها "سدن" برفقتها لم تخلعه عنها أبدًا، فكيف ستفعل أمامه حينما يصبح زوجها!!!
استمعت لصوت سدن تناديها، فأسرعت تجفف دموعها ونهضت تدلف للداخل، كانت تفرك عينيها كالاطفال وهي تحرر خصلاتها الذهبية باحثة عنها، وهي تناديها:
_إنت فين خديچا؟
أجابتها وهي تغلق ستائر الشرفة:
_أنا هنا يا سدن، صباح الخير حبيبتي.
اتجهت إليها تقف من خلفها ومازالت تفرك عينيها، فراقبتها خديجة بابتسامة حنونة، وكأنها ترى نسخة لابنها الصغير حينما يستيقظ ولم يجدها جواره:
_صباح خير خديچا، إنت ليه صاحي بدري، هو إنت مش نمتي هالص (خالص)!
تهربت من اجابتها على سؤالًا ستكون عينيها وملامحها الشاحبة اجابة عليه، فانسحبت للمطبخ وهي تقول:
_هدخل أجهز الفطار، عشان نفطر مع بعض.
لحقت بها للداخل، تمنحها نظرة مشككة، بينما تخرج خديجة من برداها الطعام، جذبت عنها سدن ما تحمله وهي تقول بضيق:
_مش عاوز إفطر، إنت ليه عامل في نفسك كده في يوم مهم زي ده!
سحبت منها البيض، واتجهت تخفقه على النار، قائلة ببسمة مخادعة:
_حزن أيه بس، أنا كويسة وزي الفل أهو.
لحقت بها وقالت بحزن:
_لا إنت مش كويس خديچا، إنت فيك حاجة مخبيها عني، وإنت قولت ان سدن وإنت أصدقاء بس أنا مش شوف كده.
انزلق الدمع من عينيها، أزالته وقالت:
_أنا عمري ما كان ليا أصحاب غيرك أصلًا يا سدن، أنا بس قلقانه وحاسة أن علاقتي بمعتز ممكن تكون حاجز بيني وبين يونس.
ردت عليها بهدوء وبسرعة فائقة جعلتها تخضع للغتها الخاصة:
_دعكِ من الماضي، لن تستطيعي أن تتجاوزي أي شيء طالما عقلك منحسر بما مضى، اليوم ستصبحين زوجة الرجل الذي عشقته بجنون، ألن يكفيكِ أن تعودي على عصمة من أحببتيه منذ الطفولة؟
رفعت عينيها الباهتة إليها تشرد بسؤالها، فوجدت ذاتها تبتسم:
_يكفيني عمره كله والله.
ردت سدن بابتسامتها الرقيقة:
_أجل، أستطيع أن أرى ذلك يا فتاة، دعكِ عما مضى ولا تفكري بشيئ أخر، وإن تعلق الأمر عن العملية التجميلية فتستطعين إقناعه بعد الزواج بمنتهى الهدوء، إنتِ تعلمين أن سبل الحديث بينكما غير، مصرح، لذا هناك بعض الاشياء التي ستعجزين اخباره به وإنتِ أجنبية عنه، فحينما تصبحين زوجته إفعلي ما فشلتي باقناعه به.
استرخت تعابيرها في راحةٍ لسماعها حديث سدن، فتركت ما بيدها وأسرعت تضمها بكل حب، قائلة:
_عندك حق يا سدن، أنا بحمد ربنا إنك كنتي جنبي ومعايا طول الفترة دي.
ضمتها بقوة وقالت:
_حسنًا، كنت أعلم أنكِ سعيدة للغاية ببقائي هنا، بعد أن طلب مني الشيخ الابتعاد عن آيوب حتى يتم عقد القران مجددًا، يا ويلي لم أعلم أنكِ قاسية لهذا الحد، تفكرين بمصلحتك الشخصية ولا يهمك حزني على فراقه.
تعالت ضحكات خديجة، وراقبت تذمرها بمرح:
_فراق أيه؟ ده انتي بتقفشيه على السلم وهو طالع وهو نازل، والحكاية كلها أصلًا مجابتش أسبوع أو عشر أيام!
حينما ذكرت انتظارها له، هرعت لاسدالها ترتديه وهي تردد بلهفة:
_نسيت أقف ليها النهاردة، هنزل أشوفها عند الحاجة رقيا.
ضحكت بصوته كله وهي تتساءل باستمتاعٍ:
_هي مين دي؟
قالت وهي تتجه للباب:
_آيوب!
*******
ارتدى "علي" جاكيت بذلته، وانحنى يمرر يده على خصلات شقيقته، وهو يناديها بحنان:
_شمس.
_شمس فوقي يا حبيبتي.
فتحت عينيها بإرهاق، وحينما وجدته يرتدي كامل ملابسه تساءلت وهي تستقيم بجلستها:
_إنت ماشي يا علي؟!
أجابها وهو يساعدها على فرد ساقها المصابة، وأجابها:
_أيوه يا حبيبتي لازم أنزل المركز الأول أخلص كام حاجه كده عشان عندي كام مشوار مهم.
وأضاف وهو يتمعن بعينيها ليسترعي انتباهها:
_شمس عايزك تركزي في الكلام اللي هقولهولك ده كويس، ويا ريت متحاوليش تتكلمي فيه مع حد، لإن آدهم من النوع الحساس جدًا.
أبعدت الغطاء عنها وزحفت حتى محل جلوسه، تجاوره، متسائلة بقلق:
_ليه ماله آدهم؟
سحب نفسًا مطولًا، وقال بعقلانية:
_إمبارح شوفته في حالة رهيبة، لأول مرة أشوفه كده، اللي حصل معاكي هيأثر في نفسيته جدًا، عشان كده عايزك تكوني جنبه الفترة اللي جاية.
وخز قلبها العاشق دون رأفة، وبحشرجة ذبحت حنجرتها قالت:
_تقصد أيه يا علي؟
أمسك كفها يفركه بإبهامه، مواصلًا تعليماته:
_الأول تكوني هادية عشان تقدري تفهمي اللي هقولهولك، أنا امبارح لاحظت حركاته وملامحه، وأنتِ طبعًا عارفة إني متعود أقرأ اللي قدامي بحكم شغلي، المريض النفسي أي تغير بسيط بيبان عليه لازم الدكتور المعالج يكون واعي له ومستعد ليه جدًا.
بدت مشتتة بين حديثه، فتمتمت بحيرة:
_تقصد إن آدهم مريض نفسي!
أشار نافيًا:
_لا طبعًا، اللي عايز أقولهولك أن آدهم مش راجل عادي يا شمس، اللي حصل ليه في كفة واللي حصل ليكي قدام عنيه في كفة تانية خالص، اللي حصل معاه محسسهوش بالعجز أد فشله بإنه ينقذك.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت:
_بس انا ماليش ذنب يا علي، ومتعمدش أحسسه بالعجز ده نهائي.
وأضافت ودموعها تنهمر بصدمة:
_عشان كده ساب الجناح!! معقول يبعد عني!!!
ضمها إليه برفقٍ، وهمس لها بحزن على حالهما:
_عارف يا حبيبتي، أنا بقولك الكلام ده عشان تقدري تتعاملي معاه لو حستيه بيحاول يبعدك عنه، هو هيشوف إن اللي بيعمله ده الصح، وواجبك تثبتيله العكس.
وضم وجهها بين يديه يحمسها بقوةٍ:
_حاربي عشان جوزك يا شمس، متسمحيش ليه إنه يختار يخبي ضعفه وعجزه عنك بالبعد، هتتعبي بس متستسلميش.
واستكمل بصوته الرخيم:
_أنا كنت أقدر أتكلم معاه واحاول أساعده، بس مش شخصية آدهم أبدًا اللي هتخضع لكلامي، لذا إختارتك أنتي، آدهم اتعود يكون بطل ومنقذ لكل اللي حوليه، ويوم ما يفقد ده هيتخلى عن أي شيء يحسسه إنه بقى عاجز، بس أنا واثق إن وجودك وتمسكك بيه هيفرق معاه جدًا.
هزت رأسها بخفة وهي تجاهد لرسم بسمة رقيقة، فقبل جبهتها وقال بحنان:
_متخافيش يا حبيبتي، مهما حصل الحب الكبير اللي بينكم مستحيل هيضيع بالسهولة دي، اعتبريه امتحان ليكِ إنتِ، وخليكِ فاكرة كل إمتحان خاضه آدهم عشانك.
ومازحها وهو يقرص وجنتها بمرح:
_كفايا امتحان وقح عيلة الغرباوي أخوكِ.
ضحكت من كل قلبها، وشاركها الضحك، ثم نهض يحمل مفتاح سيارته وهو يخبرها:
_لو احتاجتي أي حاجة إنتي عارفة إني مش هتأخر عليكي أبدًا.
ردت عليه بحب واحترام:
_شكرًا على كل حاجة يا علي.
عاد يقبل وجنتها وهو يودعها:
_يلا أشوفك بكره بإذن الله.. سلام.
تركها وغادر على الفور، بينما مازالت تجلس محلها تعيد ترتيب كل كلمة قالها علي، الجميع يعلم حكمته ونظرته للامور، حمدت الله أن من أتى ليخلصها كان علي، لولاه ما تمكنت من فهم ما يجول بعقل زوجها، وهنا تذكرت حديثه عن المحاربة لاجله.
احتملت بصعوبة على ساقيها، ونهضت تتجه لغرفته بعد ان تأكدت من الخادمة بأن آيوب رحل باكرًا.
*****
حرر باب منزله وولج للداخل، فوجد والدته تضع طعام الافطار لوالده الذي ابتسم وهو يشير له:
_كده الفطار هيبقاله طعم تاني، يلا بسرعة اقعد.
جذب آيوب المقعد المجاور لابيه وجلس يجذب بعض الشطائر، قائلًا بابتسامة جذابة:
_ريحة الفول وصلالي من على باب العمارة.
منحته الحاجة رقية نظرة ساخطة، وتجاهلته تمامًا وهي ترص باقي الاطباق بصمت، مما دفعه ليميل على أبيه:
_هو في ايه يا عم الشيخ، إنت مزعل الحاجة في حاجة؟
أشار بصدمة:
_أنا!! إزاي أقدر أزعلها هيجيني قلب أخالف وصية رسول الله وهي خير وصياه!
منحه نظرة مشككة، مرحة:
_كله يبان يا شيخ مهران.
ضحك وهو يضربه على رأسه بخفة:
_سيبك من الرغي وسمي الله وإبدأ.
قال وهو يتابعها تدنو منهما'
_مش قبل ما أعرف مالها؟
وأسرع يجذب منها صينية الشاي وزجاجة المياه:
_عنك يا ست الكل.
تركت ما بيدها واتجهت للمقعد بصمت، دفعه لسؤالها بقلق:
_مالك يا ماما إنتِ تعبانه أو فيكِ حاجة؟
لوت شفتيها بتهكمٍ، وهدرت فيه:
_ما لسه بدري، كنت خليك عنده يومين تلاتة.
أمسك الشيخ يدها وأخفض من صوته:
_محصلش حاجة لما بات مع أخوه يا حجة رقية، إنتِ عارفة إن آدهم متصاب وأكيد محتاج لآيوب جنبه.
سحبت يدها وصرخت ببكاء وغضب:
_مقولناش حاجة بس يروح ويرجع ميبتش هناك عند الراجل ده، هيخليه يبات مرة في مرة لحد ما يقعد هناك وينسانا.
رد عليها الشيخ مهران بلطف:
_مفيش الكلام ده، آيوب مش عيل عشان حد يعمله غسيل مخ، وبعدين متنسيش إنه بالنهاية أبوه وله واجب عليه.
نهضت تصرخ بانفعال وهي تدفع الصينية ارضا:
_متقولش أبوه، ده ابني وابنك ومهما مصطفى ده قال وعمل مستحيل هيقدر يأخده مني.
وأشارت لآيوب المندهش لرؤيتها بتلك الحالة، وصاحت:
_مفيش بيات بره البيت تاني والا أقسم بالله العلي العظيم لهعملها لأول مرة وهمد إيدي عليك، هكسرلك رجلك عشان تحرم تبات هناك تاني، ســــــــــــامع!
واتجهت للمطبخ وهي تهتف بشهقاتها الباكية:
_خلصوا أكلكم، هعمل شاي بدل اللي وقع.
مال آيوب يستند على كفيه بحزن، الجميع من حوله مجروح وجرحه هو الأكثر نزيفًا بينهم، لا يعلم بمن سيبدأ يضمد الجروح، وهو نفسه بحاجة لذلك.
شعر بملمس كف أبيه الحنون، وابتسامته التي تهون كل الصعاب من أمامه، كأنها هفوة صغيرة لن تأثر به:
_معلش إنت عارف الحاجة رقية بتهب تهب وتنزل على مفيش، قلبها أبيض ومفيش زيه، قوم طيب بخاطرها وهي هتتصافى على طول.
انحنى آيوب مقبلًا يد أبيه ورد:
_حاضر.
وتركه واتجه للمطبخ، فوجد والدته تستند على الحوض المعدني وتبكي بصمت، وما أن رأته حتى اصطنعت انشغالها بجلي الأكواب وتنظيف الفوضى التي أحدثتها.
جذب أكواب آخرى وبدأ باعداد الشاي الساخن، بينما تراقبه بصمتٍ، ومازال يتلصص ليجد فرصة الحديث، فسبقته هي حينما تركت ما بيدها وقالت ببكاء:
_متزعلش مني يا آيوب، أنا عمري ما أمد إيدي عليك يابني، أنا قعدت استناك امبارح ترجع ولما مرجعتش كنت هموت من القلق عليك، وحسيت اني هخسرك.
ضمها إليه وهو يقول بحزن وألم:
_ألف بعد الشر عليكي يا حبيبتي، انا آسف والله كان غصب عني، آدهم تعب جدًا وجرحه اتفتح، الدكتور نبه عليه ميتحركش خالص وهو أصر أكون جنبه فمقدرتش أ...
قاطعته حينما قالت:
_متبررش أنا عارفة إنه له حق عليك حتى لو مكنش أخوك، آدهم أنقذ حياتك أكتر، من مرة فمهما عملت عشان أشكره مش هوفيه حقه، هو بس الموضوع كبير عليا وصعب أتقبله.
ورفعت وجهها الباكي له ثم قالت:
_اقعد عنده زي ما تحب بس متبتش هناك، ده بيتك يا آيوب، أنا هستحمل إنك هتطلع من هنا تعيش مع مراتك فوق على الاقل هتكون معايا بنفس العمارة، لكن انك تكون في بيت الراجل ده مش هسمحلك وهتقهر منك.
انحنى يقبل كلتا كفيها وهو يؤمي لها:
_مش هكررها تاني صدقيني.
مررت يدها على خصلاته بسعادة وقالت وهي تزيح دموعها:
_طيب يلا عشان تفطر وتساعدني عشان نفرش البيت، لا خديجة نزلت ولا سدن واحنا ورانا مناسبتين النهاردة يا عريس.
ابتسم وهو يسكب الشاي قائلًا:
_عنيا الاتنين، هروقلك البيت أحلى ترويقة.
وخرج برفقتها فوجد سدن بالخارج تراقبه بابتسامة سعيدة، جعلته يبتسم رغمًا عنه، بمرتهما الاولى حينما عقد قرانه عليها، كان كلاهما لا يحبذان تلك الزيجة، والآن يختاران بعضهما البعض للمرة الثانية ولكن عن اختيار وقناعة، وقصة حب تنسدل من بينهما كفتيلٍ يبشر بما هو قادم!
......... يتبع.....
الفصل ده اعتبروه تعويض مني على تقصيري الشديد معاكم، اللي بعتذر بيه من كل قلبي على الفترة اللي فاتت، عايزين نحط تفاعل وتصويت عالي عليه، خلونا نستعد للاحداث اللي جاية عشان من أروع وأمتع الاحداث اللي أنا متحمسة ليها من بداية الرواية أصلًا.. ومتنسوش اني بحبكم في الله... ❤
*****______*******
رواية صرخات انثى الفصل الثاني والتسعون 92 - بقلم ايه محمد رفعت
انتهى من ارتداء ملابسه، وخرج يبحث عنها بأرجاء الشقة.
وجدها بالمطبخ تعد كوبًا من الهوت شوكليت، وهي تتجاهل وجوده عن عمد.
زفر بسخطٍ ومال على الرخام الفاصل بين المطبخ والردهة، هادرًا بمللٍ:
_ وبعدين؟
آخرة اللي آحنا فيه ده إيه يا دكتورة؟
سددت له نظرة نافرة، وعادت تصنع ما بيدها كأنها لم تستمع له من الأساس.
فأضاف بسخريةٍ:
_ كنت فاكر إنك هديتي بعد ما عرفتي السر الخطير اللي كنت مخبيه، فكده معتش في حاجة مخبيها عنك، يعني زعلك ده مالوش أي مبرر.
تركت الكوب على الرخام بقوة كادت أن تهشمه، وصاحت بغضب:
_ وإنت إيه دخلك فيا، أنا حرة أكلمك وقت ما بغيت و أجاوبك وقت ما بغيت، وإنت لو كنت قلتلي على العقدة اللي عندك كانت الأمور تتحل وما نوصلوش لهادشي، ولكن إنت ماديرش هاكا، ماكاينش غير ليلى مسكينة اللي حنات عليا و ماهانش عليها تخليني معمية!
رمش "سيف" بعدم استيعاب، وصاح:
_ أنا فاهم دماغك وإنتِ عربي، عشان أفهمك بالطلاسم دي، حاولي تسيطري على غضبك وتراعي إن في إنسان قدامك محتاج يفهم اللي بتقوليه كويس، لإنه وارد جدًا يفتكرك بتشتميه بالكردي!
أجابته وهي تعقد يديها أمام صدرها:
_ والله زي ما اتعلمت لغتك تتعلم إنت كمان اللغة المغربية.
ضحك وهو يخبرها:
_ حرام عليكي يا زينب، إنتِ عايزاني أنشغل عنك لكام سنة عشان أجمع الطلاسم دي؟
ردت بوجومٍ:
_ زي ما اتعلمت لغتك!
رد ببسمة هادئة وهو يسحب كوبها يتجرعه بتلذذٍ:
_ يا حبيبتي العربي مش محتاج إنك تتعلميه، ده لو إنتِ عاشرتيني يومين كنتِ هتلاقي نفسك بتتكلمي بطلاقة.
سحبت الكوب من يده، وأعادته محله، هادرة بانزعاجٍ:
_ مش موضوعنا، وبعدين إيدك متتمدش على حاجة أنا عملتها، قوم إعمل لنفسك اللي إنت عايزه، أو شوفلك طباخة مصرية تطبخلك.
وحملت كوبها واتجهت للردهة، تجذب الريموت لتشاهد التلفاز، بينما يتابعها سيف بضجرٍ، وأتبعها على مضضٍ:
_ أنا نازل، النهاردة كتب كتاب آيوب، ولما أرجع هنبقى نكمل كلامنا ده لو إنتِ طايقة تكلميني أصلًا.
شعرت بأن المزح بينهما قد تخطى حدوده، بل أنقلب لمشاعر ضيق وحزن إلتمستها بنبرته، فنهضت تمنحه الكوب وهي تردد برقةٍ:
_ هستناك طبعًا، وبعدين إيه مش طايقاك دي، أنا لو مش طايقاك كنت خلعتك يا دكتور!
وزع نظراته بينها وبين الكوب الممدود إليه، ثم قال ساخطًا:
_ يا بنتي أنا مش عايز أتعافى عليكِ بردودي، مهو مش أنا اللي أسمع مراتي تقولي أخلعك وأسكت وأعديها مرور الكرام كده، فاتقي شري يا بنت الناس.
وزاد على حديثه:
_ إنتِ من ساعة ما فوقتي لقتيني أنا اللي محبوس معاكِ في الأوضة وإنتِ مش طايقة نفسك معرفش ليه، ودلوقتي متضايقة ومقموصة معرفش ليه!
تركت ما بيدها جانبًا وقالت بعصبية:
_ عشان أنا معرفش إنت هببت إيه مع ليلى، من ساعة ما رجعت روحتلها أربع مرات ومش راضية تفتحلي حتى الباب ولا ترد على مكالماتي!
ضحك بصوته كله، وسحب منها الكوب يتجرعه بأكمله، وأعاده لها فارغًا وهو يهتف بنزق:
_ يا بنتي رعبتيني، وطلع خوفي وقلقي عليكي عشان ليلى!!!
تطلعت للكوب الفارغ بغيظٍ، وانتقل بصرها إليه بحدة، فقال وهو يقترب منها:
_ طيب عشان خاطر الحزن ميلقش بالعيون الشرسة دي، أنا مستعد أخليها تصالحك وتبقوا زي السمنة على العسل، بس عندي شرط صغنون أوي يا زينبو!
زوت حاجبيها باسترابة:
_ شرط إيه؟
ابتسامة الخبث احتلت معالمه، فمال يهمس لها:
_ اللبس اللي كنتِ لابساه وقت ما حبستيني بره، ترجعي تلبسيه تاني النهاردة، ها موافقة؟
تلون وجهها بحمرة الخجل، وهمست له:
_ إنت مش محترم يا سيف.
تصنع صدمته من حديثها، ورد عليها بهدوء مضحك:
_ لا كله كوم وإنك تشككي في أخلاقي وتربية دكتور يوسف كوم تاني لوحده.
وقبل أن تستوعب حديثه وجدته يلف يده حول رقبتها ويقربها إليه غامزًا بمكر:
_ يا دكتورة لو أنا كنت محترم مع كل البنات مستحيل أكون محترم معاكِ، مينفعش صدقيني هيكون سوء سمعة مش احترام!
وتابع وهو يبتسم لها:
_ ها أقولك على اللي هتعمليه عشان تصالحي دكتورة بقسماط ولا أسحب الاتفاق اللي بينا وأخلع.
منحته نظرة مغتاظة، وصاحت بوجوم:
_ لا قول.
****
مسحت دموعها عن وجهها، واتجهت بآليةٍ تامة لحوض الاغتسال، ملأت كفها بالمياه وغسلت وجهها أكثر من مرةٍ.
منذ رحيل أخيها بالصباح وهي تحاول الحديث معه، ولكنها في كل مرة تدخل لغرفته يدعي نومه، أو يطالبها بالرحيل لجناحهما الخاص، وهو يجاهد لإيجاد أي حجة مقنعة لها.
حاولت الابتعاد عنه ولكن نصائح أخيها كانت العائق الوحيد أمامها، وها هي الآن تدعي أنها تصنع له العصير حتى تتمكن من الدخول لغرفته والبقاء برفقته قليلًا.
حملت "شمس" كوب العصير واتجهت للمصعد وهي تحجب آلامها.
وصلت بعد خطواتها البطيئة لغرفته، طرقت بابها وولجت تبحث عنه، فلم تجده بالداخل.
طالها قلقًا مضاعفًا وخرجت تبحث عنه، فلفت انتباهها الضوء المنبعث من جناحهما.
حملت ما بيدها واتجهت إليه، فوجدته ينتهي من ارتداء إحدى بذلاته الأنيقة.
تركت "شمس" ما تحمله بيدها، وأسرعت إليه تسأله بدهشةٍ:
_ إنت لابس كده ورايح على فين وإنت بحالتك دي يا آدهم؟!
أغلق باب الخزانة، وتحامل على ذاته مستندًا على الحائط حتى وصل للسراحة، يحاول التقاط مصفف الشعر الخاص به.
فاتبعته وهي تراقبه بأعين غائرة.
جلست "شمس" على المقعد القريب منه، وهتفت بتعبٍ أجاد التعبير عن معاناتها النفسية:
_ حرام عليك اللي بتعمله فيا يا آدهم، من ساعة ما آيوب نزل وأنا بحاول أتكلم معاك وأعرف مالك، بس إنت مش مديني أي فرصة، مش حابب وجودي معاك وبتحاول تبعدني عنك، ودلوقتي وبالرغم من تحذيرات الدكتور بتلبس ومعرفش نازل على فين!
اخترق صوتها قلبه فألمه بكائها.
استدار تجاهها يهتف بثبات:
_ هبعد عنك إزاي وأنا على بعد خطوات منك، إنتِ بتوهمي نفسك يا شمس، وبعدين أنا مش ضعيف لدرجة إني أفضل في سريري اللي باقي من عمري كله.
نهضت تقترب منه بغضب:
_ إنت لسه عامل عملية صعبة من يومين بس!!
بقوة زائفة قال:
_ وفيها إيه؟
إحنا لو في مهمة ومتصابين بنكملها للآخر، الوجع اللي عندي ده محتمل بالنسبة للي شوفته وإتعرضت ليه.
أزاحت دموعها بغيظٍ من برود نبرته الغريبة، وتساءلت:
_ طيب سيادتك رايح فين؟
استدار يتحسس المصفف واستكمل ما يفعله وهو يجيب:
_ مينفعش أسيب آيوب في يوم مهم زي ده.
تشعر وكأنها ستصاب بذبحة من بروده بالحديث.
اعدت خصلاتها للخلف بعصبية، واتجهت تجاوره بمحل وقوفه، ثم قالت:
_ آدهم عشان خاطري بلاش تعاند وتعالى ريح في السرير، آنت لسه تعبان وجرحك لسه طري، لو اتحركت يمكن يفتح تاني، آيوب أكيد فاهم ومقدر حالتك وآ.
مال بوجهه تجاه صوتها القريب منه، وهدر بانفعال:
_ وأيه كمان يا شمس هانم، كملي.
رمشت بعدم استيعاب وهي تراقبه بدهشةٍ.
ماذا حدث لمعشوقها!
من ذاك الذي يقف قبالتها!
صمتها جعله يستغل الأمر، واستطرد بجمود:
_ سكتي ليه؟
ما تكملي محاضراتك اللي بدأت بدري أوي عن معادها.
وتركها واتجه للخزانة التي تحوي أحذيته، تحسس بيده حتى سحب منها زوجان من الأحذية.
كان يود أن يناديها لتختار له من بينهما، ولكنه قرر الاعتماد على نفسه.
فأعاد واحدة للخزانة وسحب زوج الأحذية الذي بيده واتجه للمقعد القريب منه حتى يرتديه.
راقبت شمس ما يفعله بتوترٍ، وخاصة حينما وجدته يحمل الزوجان من الأحذية، احدهما بالأسود والآخر بالبني، وحينما أعاد زوج منهما أعاد فردتين متنافرتين، وها هو يرتديهما بعدما تبدلت بالآخرى.
إتجهت شمس للخزانة، وسحبت الحذاء البني، واتجهت إليه تنحني قبالته، وبدون حديث منها، خلعت عنه الحذاء الأسود.
فسحب ساقه للخلف متسائلًا بحدة حينما ظن أنها تحاول منعه من الخروج:
_ بتعملي إيه؟!!
أنا مش مجبور أعيد كلامي مرة تانية، هروح يعني هروح سامعة!!!
انهمرت دمعة منها على وجنتها، أزاحتها ورددت:
_ الجزمة اتبدلت منك، الفردتين مش شبه بعض!
وبارتباكٍ قالت:
_ أنا هساعدك.
سحبت ساقه من جديد، ونزعت عنه الحذاء الأسود ثم ساعدته يرتدي المماثلة للتي يرتديها، بينما هو شاردًا بالفراغ من أمامه.
انتهت شمس مما تفعله ونهضت تشغل ذاتها بترتيب الخزانة والسراحة من خلفه، بينما تخطف النظرات إليه فوجدته مازال يجلس محله والحزن والألم يخيمان على مُقلتيه بشدةٍ، حتى نهض فجأة عن محله، واتجه للسراحة، يفتح أحد أدراجها ويبحث بداخلها بفضوية جعلته يلقي محتوياته أرضًا، فلم يحتمل درج الخزانة ذاك العنف وسقط أرضًا بمجوهراتها.
صرخت شمس بفزعٍ، وانحنت تجذب الأغراض المندثرة أرضًا، وتساءلت بنبرة حاولت أن تجعلها ثابتة حتى لا تؤثر عليه:
_ الدرج ده فيه مشكلة أصلًا كنت هقولك تشوف حد يعمله، كنت بطلع العقد بتاعي ووقع.
واستطردت بسؤالها:
_ إنت عايز حاجة منه؟
احتقنت نظراته المصوبة أرضًا وقال:
_ لو خايفة على شكلي قدام الناس، متقلقيش الكل بقى عارف أني أعمى فأكيد مش هيعلقوا على جزمتي اللي كل فردة فيها لون، زي ما إنتي مش مضطرة تكدبي وتحطي اللوم على الدرج عشان محسش بعجزي.
اتسعت مُقلتيها بصدمة، ها قد سلك زوجها الطريق الذي حذرها منه أخيها، ولكنها كانت تظن أنها قوية ستتمكن من ترويضه وأن تخضعه لها ولحبها.
ازدردت ريقها وهي تناديه بخفوتٍ:
_ آدهم أنا آ...
قال مبتسمًا ابتسامة لم تصل لظلمة عينيه:
_ متبرريش يا شمس، أنا هقدر أتعامل مع تعبي، وهقدر أتعامل بردو مع فقدان بصري، هحتاج وقت بس مش أكتر.
انحنى يفتح الدرج الذي يليه وسحب إحدى نظاراته، ثم اتجه ليغادر، فلحقت به شمس.
استمع لصوت خطواتها فقال بحزمٍ:
_ أنا عارف طريقي كويس.
عجزت عن التحرك من محلها، فتوقفت كأنما يقيد قدميها أغلال، ولم تعد تملك ما تفعله لتتحرر، الا الدموع!
****
نظارته السوداء حجبت دموع عينيه التي تتحرر عن مرقدها.
صفار المصعد يعلن وصوله للطابق الأرضي بينما بداخله صراع لن ينتهي.
خرج آدهم يتلمس بيديه الطريق من أمامه، حتى وصل لباب الخروج فإذا بأبيه يخرج من غرفته بعدما استعد هو الآخر للذهاب لعقد قران آيوب، فتفاجئ بابنه يخرج وهو بتلك الحالة.
دنى بمقعده إليه وناداه:
_ عمر!
إنت إزاي نازل وإنت في حالتك دي؟؟
زفر بضيق ومع ذلك سيطر على مشاعر النفور داخله من الحالة المسيطرة عليه ثم قال:
_ بابا أنا كويس، من فضلك مش محتاج أعيد كلامي اللي قولته فوق لشمس ليك مرة تانية، أنا هحضر، كتب كتاب آيوب وهرجع على طول.
وتركه دون أن يستمع كلمة أخرى منه وخرج ينادي:
_ أشـــرف.
أتى السائق الخاص بوالده يهرول قائلًا:
_ تحت أمرك يا باشا.
استند على الڤازات الضخمة المتطؤفة على حواف الدرج حتى هبط للاسفل:
_ خدني حارة الشيخ مهران.
كاد السائق بأن يخبره بأنه سيذهب إلى هناك بالفعل برفقة السيد مصطفى، ولكنه تفاجئ به يشير من خلف آدهم ألا يتحدث عن الأمر، وأن يطيع أمره، فأسرع بفتح الباب الخلفي وهو يشير له:
_ مع حضرتك طول اليوم لو تحب.
صعد بالخلف وقال بامتنان:
_ شكرًا يا أشرف، تقدر تتحرك.
غادرت السيارة وانعكاس الحزن ينقسم بين مصطفى القابع أمام الباب الداخلي للمنزل، وبين شمس التي تراقبه من أعلى شرفة جناحه الخاصة، تنسكب الدموع من عينيها كالماء المنهمر من الكوب الذي تهشم زجاجه.
سحب مصطفى مقعده وعاد لغرفته مهمومًا، هو أكثر الناس علمًا بشخصية ابنه، لذا اختار الانسحاب بعد تفكير، خلاصته أن بقائه هو الأفضل لولديه معًا!
****
استلمت "زينب" الأوردر الذي طلبته بناء على نصيحة زوجها، وخرجت من شقتها تحمل الصينية المغلفة جيدًا بالسلوفان، وهي تهتف بنزق:
_ نصايحك هدرتلي مصروف البيت لشهر قدام، يا ويلك مني يا سيف لو مجتش بفايدة، هسرق فلوسك كلها تأديبًا ليك.
مالت بما تحمله وهي تحاول الوصول لجرس الباب، دقته وانتظرت قليلًا، وما أن استمعت لصوت حذاء ليلى وهي تقترب لترى من الطارق من العين السحرية، حتى أسرعت تقف قبالة الباب، ورفعت الصينية إلى الأعلى وهي تصيح:
_ المرادي أنا مش لوحدي يا لوليتا، ما صدقت سيف ويوسف نزلوا وطلبت لينا حتة أكلة تستاهل بوقك.
لم تجد أي رد منها، ولكن زجاج الباب يعكس ظلها، فأسندت الصينية على الطاولة المجاورة للباب، مالت عنها باقة الزهور التي تزين الفاصل بين الشقق، ثم جذبتها قبالة الباب، وازاحت السلوفان عنها، فبدى الطعام شهيًا لمن لم تصمد طويلًا، بل فتحت الباب وأسرعت للطعام تردد بفرحه:
_ محاشي ورز بسمتلي وممبار وطاجن عكاوي، واوووو دي مكرونة دي صح!!
طيب الطنجرة دي فيها إيه؟؟؟
اجابتها زينب بخبث:
_ ممكن المندي اللي سيف قالي عليه.
ابتلعت ريقها بنهمٍ، وهي تمسد على بطنها المنتفخ، وأشارت لها وهي تسرع بحملها:
_ شيلي معايا وخشي بسرعة بالحلويات دي.
ربعت يديها أمام صدرها بغضب:
_ بقي أنا راحة جاية أخبط عليكي وتطلعي تبصي من العين الصفرة اللي زيك دي، وتجري تستخبي ومتطلعيش الا عشان خاطر الأكل!!
تركت ليلى الصينينة على الطاولة، وجذبت إحدى أصابع الأرز الملفوف تلتهمه وهي تردد:
_ زوزو اوعي تقولي كده تاني أزعل منك، أنا كنت بتدلع عليكي يا هبلة، لكن إحنا اخوات وملناش الا كروش بعض.
احتبست ضحكتها، وانحنت تحمل برفقتها الصينية، قائلة بحماسٍ:
_ بينا قبل ما الأكل يبرد!
****
صف "علي" سيارته خلف سيارة "جمال" الذي يهبط من سيارته للتو، بينما يميل للجانب، يلكز ذاك الذي يغفو بسلامٍ جواره، فوجده يبعد يده عن ذراعه وهو يهتف بتذمر:
_ بس يا مايا.
ضحك بعدم تصديق، وعاد يكرر لكزه، فحرر تحذيرًا أكيد:
_ لو قمت هتزعلي أوي يا بيبي!
تمادت ضحكات علي بشكلٍ أزعج عُمران وجعله يفرج عن رماديته، فعبس باسترابةٍ وهو يتفحص مكان تواجده.
اعتدل بجلسته يفرك جبهته وهو يردد بنومٍ:
_ علي!
ضم شفتيه معًا بشفقةٍ مضحكة:
_ حبيب عيون البيبي كنت متوقع تشوف حتة طرية جنبك، بس للأسف الحظ لابسك في بابا علي.
استدار يرمقه بغضب:
_ بطل استفزازك ده، وبعدين دي سواقة دي!!
إنت كأنك بتمددني على الشازلونج!
وتابع وهو يخفض المرآة الأمامية، يعيد ترتيب خصلات شعره بحرافية:
_ أنا غلطان إني ركبت معاك أصلًا، بقالك ساعتين على الطريق ده إحنا لو طالعين الحجاز كان زمانا وصلنا!!
تابعه بنظرة ثابتة لم تهتز، بل ردد:
_ دي السواقة المنضبطة لدكتور بأخلاقي وبشخصيتي يا وقح، بس هقولك إيه ما أنت بتمشي تسابق الأسفلت زي المرضى النفسيين بالظبط.
واستطرد وهو يمسد على ذراعه:
_ أتمنى تكون عرفت الفرق بين سواقة المجانين والدكاترة المحترمين.
أعاد المرآة للأعلى، وأعاد يسند رأسه للمقعد بإرهاقٍ:
_ أنا مش فايقلك صدقني، ولولا أن آيوب ممكن يزعل كنت هخطف اليوم كله في سريري.
راقب علامات التعب البادية على وجهه بوضوحٍ، وسأله باهتمامٍ:
_ مالك في إيه؟
منحه ابتسامة ساخرة ومال تجاهه يهتف وعينيه تنغلقان:
_ ولا حاجة، مطحون بس بترتيبات المؤتمر الصحفي بكره واللي هيكون بأسيوط، وما بين اللمسات الأخيرة في قصر الغرباوي باشا واللي حاليًا بننقل فيه ومن بكره هيكون جاهز لاستقبال فريدة هانم ودكتورها اللي مبقاش يحس بأخوه المسكين، وضيف عندك البوتيك بتاع إيثان، ومجموعة المشاريع اللي هيكون بداية انطلاقها من أسيوط وسوهاج ومناطق كتيرة جوه الصعيد.
بالرغم من أن حديثه مرح الا أن قلب علي إنقبض بشكل غريب، فتغاضى عن حديثه، وسأله:
_ مؤتمر إيه ده اللي بكره؟
أجابه وهو يجذب هاتفه الذي يصيح برقم يوسف:
_ المؤتمر اللي هناقش فيه المشاريع اللي نويت أعملها في مصر.
عاد يستجوبه من جديد وشعوره بالرهبة يتضاعف:
_ واشمعنا المؤتمر يكون في أسيوط؟!
أجابه وهو يبعد رماديته عن الهاتف باستغراب:
_ في إيه يا علي مالك؟؟
صاح بعصبية بالغة:
_ رد عليا يا عُمران!
أجابه بهدوءٍ وهو يقدر قلقه البادي على ملامحه:
_ حبيت يكون في نفس المكان اللي هنعمل فيه المصنع، انا اخترت أسيوط لمشروع الأعلاف ومن بعدها هبدأ بباقي المشاريع بباقي المحافظات، انا مجرد صاحب فكرة وشركاتي هي اللي هتنفذ المشروع لكن مش أنا اللي هدير، إنت عارف إني معنديش وقت لكل ده، كل مشروع هيتعمل سواء من أعلاف أو أدوية أو غيره داخل معايا فيه رجال أعمال مصريين هما اللي هيديروه.
وأضاف بابتسامة واسعة:
_ المشاريع دي هتشغل ناس كتيرة جدًا وفوق كل ده الوزير بنفسه داعم الفكرة جدًا، لآنها لو اتنفذت صح هتساهم في تقليل استرادنا للمنتجات الأجنبية بنسبة ٥٤ في المية متخيل؟؟
الاضطراب يبدو بوضوح برماديتاه، وكأنه لا يستمع لاخيه، بينما يمضي عُمران بحماس:
_ إنت عارف إننا بنستورد من أمريكا زيوت نباتية بقيمة 400 مليون دولار، وأعلاف بقيمة 500 مليون دولار، ده غير المستلزمات الطبية اللي بتوصل لقيمة 100 مليون، ومعدات سكك حديد 180 مليون، وحاجات كتيرة جدًا يا علي، إحنا نقدر نصنعها هنا ونصدرها بره مصر كمان، انا ابتديت وكلي يقين في الله إننا هننجح، وبدايتي هتكون من مصنع الأعلاف باسيوط، وبعدها هتفذ كل المشاريع واحدة واحدة.
انسحب علي من غيمته السوداء، وحرر لسانه المتحجر:
_ عُمران إنت داخل حرب كبيرة، وواقف فيها بطولك في وش ناس مش هترحمك، أنا خايف عليك.
منحه ابتسامة جاذبة، وقال:
_ لو كلنا خوفنا من تهديداتهم وإتراجعنا، البلد دي هتفضل زي مهي يا علي، وده اللي هما عايزينه.
تنهد بحزن شديد، وأجابه:
_ أنا مش ضدك، أنا معاك، بس غصب عني خايف عليك ومش مطمن.
ربت على يده، يحاول بث الطمأنينة إليه:
_ متخافش عليا اللي مكتوبلي هشوفه حتى لو كنت محبوس في أوضة تلاتة متر وآ...
تلاشت الكلمات عنه بشكلٍ أرعب علي الذي هدر:
_ في إيه؟
مال برأسه تجاه ما يتطلع له أخيه، فاندهش حينما وجد آدهم يهبط من باب سيارته، تلاقت عينيه المستنكرة بعُمران الذي تمتم بغيظٍ:
_ جوز أختك ده غبي!
رمقه بنظرة تحذيرية، فصاح بضيق:
_ خد مني ومترجعش ورايا، غبي ومتخلف كمان، ده باصابته دي محتاج يتحبس على السرير أربع شهور.
كبت علي ضحكة كادت أن تنفلت منه، ماذا لو علم بما حدث له مؤخرًا.
هبط عُمران ولحق به علي، اتجهوا معًا تجاه آدهم، ناداه علي ومال يهمس له:
_ مكنش لازم تجهد نفسك يا آدهم!
رسم ابتسامة متزنة، وصاح:
_ أنا كويس يا دكتور علي.
وأضاف وهو يحاول التلصص لسماع الاصوات من حوله:
_ أمال فين عُمران؟
أتاه صوته يردد بسخط:
_ كل ما أوحشك لف وراك هتلاقيني، بس مش ده الحوار، حوارنا رايح في سكة تانية بعيدة عن الاشواق والاحضان، حضرتك لابس ومتشيك ونازل تعمل إيه وإنت بالوضع المنيل ده؟!
استدار آدهم تجاه عُمران وقال مبتسمًا:
_ متقلقش عليا أنا فعلًا كويس.
حك ذقنه النابتة وهدر:
_ إنت أدرى بنفسك.
وصاح بمرحٍ:
_ بس لو تعبت مننا شوفلك حد غيري يشيل الليلة، أنا ورايا يوم صعب بكره ومحتاج نوم وراحة، الصبح افتتاح قصر الغرباوي بشريط من رقة إيد فريدة هانم الغرباوي، وبعد الظهر مؤتمر صحفي باسيوط عايز راحة عميقة عشان سواقة الطريق، فلو ناوي على أي نية ريح جنب أخوك جوه وتبقى ريحت واستريحت!
ضحك آدهم ورد عليه بضجر:
_ أيه كل ده!
لا متقلقش أنا معنديش نية لأي شيء أكتر من إني أبارك وأرجع.
لف لائحته على ذراعه وقال بمشاكسة:
_ حيث كده بقى إركب لما أوصلك.
وخطى عُمران جواره حتى صعد به للاعلى، بينما يتابعهما علي بابتسامة هادئة، لطالما كان ينجح عُمران ببساطته وتعامله المرن باستجابة من حوله، والآن نجح باصطحاب آدهم للاعلى بمساعدة منه دون أن يجرفه للتفكير بعجزه.
أخيه شخصًا رائعًا مثلما يراه، ولكنه مازال يحمل تعقيبًا كبيرًا عنه، أنه ينبغي ألا يغضب قط، والا حينها سيخرج منه أبشع ما فيه!
****
كان الشباب يجتمعون بأكملهم بغرفة ضيافة الشيخ مهران، وعلى يمين باب الغرفة يستقبل آيوب أصدقائه، ويُونس يستقبلهم بترحاب، فهو يعلم بأن آيوب لن يتمم مناسبته دون رفقائه الذين باتوا من ضمن قائمة يُونس الأساسية جوار صديقه الوحيد إيثان.
اتسعت عيني آيوب في دهشة وعدم استيعاب، حينما لمح أخيه يطل من أمامه، مرافقًا عُمران.
أسرع إليه يمسك يده وهو يهتف بعدم تصديق:
_ آدهم!!
معقول!!
حافظ على إبتسامته ومد كفه الآخر يربت على يده المتعلقة به، قائلًا:
_ كنت متخيل إني هتخلى عنك في يوم مهم زي ده؟
وأضاف بحزمٍ:
_ لا يا بشمهندس، زي ما شهدت على عقد جوازك في المرة الأولى هشهد عليه للمرة التانية.
قفزت سعادته من عينيه، فضمه بفرحةٍ ألتمسها آدهم من نبرته:
_ والله كنت بدعي إنك تكون موجود جنبي في يوم زي ده، بس إتنازلت عن إلحاحي بالدعاء لإني عارف إنك تعبان ومش هتقدر.
احتواه بحبٍ أخوي، وهو يجيبه:
_ ولو بموت مش هسيبك تحتاجلي وأنا لسه على وش الدنيا.
وتابع وهو يربت على ظهره بقوة:
_ مبروك يا عريس.
مال عليهما عُمران يخبرهما بسخرية:
_ سيفو عينه بتطلع نار حارقة، إبعد وإتكن عشان متبقاش خرجتك يابن الشيخ مهران.
وسحب آدهم وهو يتجه للداخل، هادرًا بمرح:
_ تعالى نلحق مكان قبل ما يتزحم يابو نسب.
وغادر من أمامه فراقبهما آيوب بنزقٍ، لحق نبرته المغتاظة:
_ طيب سلم عليا طيب!!
استدار له عُمران يمنحه نظرة شملته من رأسه لأخمص قدميه، ثم قال ببرودٍ أضحك الشباب من حوله:
_ إنت شاغل نفسك بسلامي ليه، فكر في الحضن الحلال اللي مستنيك بعد كتب الكتاب، ولو سلامي فارقلك أوي كده لما يهفني الشوق هسمحلك تسلم وتحضن غير كده محظور عليك عشان هعلم عليك.
صاح إيثان باعجاب:
_ معلم يا خواجة، إديله في الصميم كده.
أشار له عُمران ساخرًا:
_ إركن جنب العريس يا كابتن، مش ناقصة شماتة هي والعة لوحدها الله يكرمك.
تعالت الضحكات الرجولية بينهم، فقال يوسف:
_ مالك يا عم الوقح داخل سخن على العريس كدليه، ده حتى ماسك في سيف من ساعتها عشان بيحاول يقنعه يطلع يصيف معانا بكره، عايز يجي معاك المؤتمر الصحفي.
تطلع إليه، فوجده ينظر له بغيظٍ، كالطفل الذي يراقب انفعالات والده.
منع عُمران ابتسامته من الانبلاج وقال بجدية أسقطت الجميع ضحكًا:
_ فوق رأسي كلامك يا دكتور بس أنا للأسف مبخدش عيال صغيرة معايا على طريق سفر!
احتقنت معالم آيوب وصاح بغضب:
_ إنت داخل شمال فيا ليه يا عُمران، لو زعلان من حاجة إتكلم متقعدش تلقح عليا بالكلام، ما تشوف نسيبك يا آدهم!!
خرج صوت ضحكات آدهم الرجولية بعد صمت، وقال:
_ ده محدش يقدر يشوفه يا حبيبي، ده يشوفني ويشوفك ويشوفنا كلنا، فبلاش تصدرني ليه لإني مش الشخص المناسب اللي ممكن يهديه عنك، شوف علي هو اللي هيسلك معاه.
زوى عُمران حاجبيه بسخطٍ:
_ يسلك معاه!
ليه شايف سلوكي ملمسة يا حضرة الظابط، لا وأنا اللي بركبك معايا من ساعتها، طيب شوفلك موصلة غيري بقى طالما هتبتدي تأخد صف أخوك من دلوقتي.
ارتفع صوت ضحكات آدهم، وهو يجيبه:
_ لا أنا مرتاح معاك، طريقك ملغم وأنا مبحبش الطرق السهلة، أخدت على الصعب وإنت النوع الشامل لكله..
رد عليه وقد تملكه الضحك رغمًا عنه:
_ طريقي كله مطبات خطرة وإنت متدشمل والواجب فارض دراعاته عليك.
تحرك جمال إليه، جلس جواره يناديه بملامح جادة:
_ عُمران تعالى بره عايزك.
تلاشت عنه ضحكاته، وهو يراقب ملامح وجهه، فمال يهمس له:
_ مالك فيك إيه؟
رد بنفس مستوى صوته:
_ آطلع معايا بره وحالًا.
نهض على الفور يتبعه للشرفة، بينما يتبادل الشباب الحديث المرح حتى وصول المأذون الشرعي والشيخ مهران.
****
بالغرفة الخاصة بآيوب.
كانت تجلس خديجة وهي ترتدي فستانها الأبيض وخمارها الأبيض الواسع، ومن فوقه نقابها الأبيض، يحفه عقد من الأزهار يتوج رأسها، بينما مازالت سدن تقف أمام المرآة، تعقد حجابها الزهري جيدًا على فستانها الشبيه باللون، الذي ينحدر على جسدها باتساعٍ ساحر.
شغلت خديجة ذاتها بمساعدة فارس بارتداء بذلته الصغيرة، بينما يرتجف معصميها بعنفٍ، وكلما عاد عقلها يصيغ زوجها منه تُعود كل الهواجس لها من جديدٍ، كأنها حديثة الولادة، وتزورها بالمرة الأولى.
انتهت من تنظيم ملابس فارس، فقال الصغير بفرحة:
_ أنا هخرج أوري بابا وعمو آيوب البدلة.
اكتفت بإيماءة صغيرة منها، ثم عادت لشرودها من جديد، حتى أعادتها سدن متسائلة بقلق:
_ مالك خديجا؟
إنت مالك خايف ليه كده؟
تصنعت ابتسامة واسعة ونهضت تقترب منها:
_ لا مش خايفة، أنا متوترة عادي يعني.
هزت رأسها بتفهمٍ، وقالت على استحياء:
_ وأنا كمان متوتر ومكسوف أوي، إنت عارف خديجا أنا كنت أتمنى أرجع أتجوز آيوب مرة تانية بس وأنا بحبه، وسبحان الله اتحقق أمنيتي من غير تعب مني، وأنا أهو هتجوزيه.
ابتسمت على حديثها، وتمنت لها بصدق:
_ ربنا يسعد قلبك يا سدن، ويخليكم لبعض دايمًا يارب.
رددت بصوتها الرقيق المُتمنى:
_ يا رب.
****
_ يعني إيه يا جمال؟
قالها عُمران مستفهمًا منه، فصاح باصرارٍ:
_ يعني زي ما سمعت كده بالظبط رجلي على رجلك، مش هسيبك تروح المؤتمر ده لوحدك.
وضع يديه بجيوب بنطاله وقال بهدوء:
_ طيب إزاي ولازم واحد فينا يكون موجود بكره بالشركة!
أشار بلا مبالاة:
_ أنا هكون معاك يا عُمران ده اللي أعرفه واللي هتعمله.
ابتسم وهو يطالعه بنظرة مشككة:
_ من امته بتكلمني بالنبرة دي يا عبجليم!
أعدل من ياقة قميصه بغرور:
_ لو إنت طاووس، فأنا صاحبك وأكيد شربت منك الصنعه يا آآ.. معلم على رأي إيثو.
انفجر عُمران ضاحكًا، وأحاط كتفه وهو يشير له:
_ المأذون وصل، تعالى وبعدين نبقي نشوف حكاية أمك إيه.
ولجوا معًا للداخل، واجتمع الجميع حول الطاولة الخشبية المستديرة، يشاهدون عقد قرآن يُونس وخديجة، حيث كان علي و يوسف الشاهدان على هذه الزيجة، بينما خرج الشيخ مهران بالدفتر لخديجة توثق العقد بتوقيعها.
حان الوقت وجلس آيوب محل يُونس، وقبالته جلس آدهم وسيف ليكونوا شهداء على العقد، فبعد أن وقعت العروس، سلم المأذون العقد لسيف فوضع توقيعه، ومد العقد لآدهم مشيرًا له بمكان التوقيع غير مدرك كونه كفيف لا يرى.
سحب آدهم القلم وتلك اللحظة كانت ثقيلة عليه للغاية، يحاول أن يتغلب عليها بقدر ما استطاع، ولكنه عاجز عن إيجاد المكان المناسب لوضع توقيعه.
فاذا بالمأذون يمازحه برفقٍ دون أن يعلم ما به:
_ ما تشيل نضارتك السودة دي عشان تشوف كويس يابني، متقلقش إحنا بليل ومفيش شمس تأذي عينك.
توترت ملامح الجميع جراء تلك الكلمة، فما كان من إيثان الا أنه مال على المأذون يهمس له، فحلت الشفقة والدهشة ملامحه، وبتلقائية سحب يد آدهم للمكان الصائب قائلًا بحرجٍ:
_ متأخذنيش يابني، وقع هنا.
حرك آدهم يده ليضع توقيعه، وشعوره بالاختناق يتضاعف تدريجيًا، حتى أنه سحب رابطة عنقه يحلها بعنفٍ.
خيم الحزن على الوجوه، وتخلت عنهم الأجواء المرحة تأثرًا به، فازداد حزنه على ما تسبب بفعله بيومٍ هامٍ مثل ذلك.
راقبه الشيخ مهران بشفقة وهمس:
_ لا حول ولاقوة الا بالله العلي العظيم.
ترقب آدهم لحظة إعلان المأذون اتمام الزيجة، ونهض يتجه للمغادرة على الفور، لحق به آيوب والشباب ولكنه أصر على الرحيل بمفرده، مؤكدًا على وجود سائق برفقته.
وحينما أراد عمران أن يهبط خلفه منعه علي هاتفًا بصوت منخفض:
_ بلاش يا عُمران سيبه لوحده!
****
خرج آدهم من عمارة الشيخ مهران يبحث عن السائق الذي أتى إليه بالسيارة مهرولًا، وما أن خرج من الباب وإتجه إليه حتى تفاجئ به يحرر الباب الخلفي بغضب، جعل رأسه يرتد بسقف السيارة، فاحنى السائق رأس آدهم وهو يهتف بذعر:
_ حاسب يا باشا راسك!
تحرر صوته الملتقم عبر، آلامه:
_ أنا كويس، اطلع من هنا بسرعة من فضلك!
ارتاب السائق من أمره ولكنه اضطر أن يطيعه، وصعد للسيارة يغادر به للمنزل، ويختطف النظرات إليه من الحين للآخر، وجهه كان يتفاقمه حرارة مخيفة، يبدو وكأنه غاضب بشكل لا يحتمل.
بينما تعاد لإدهم كل صغيرة تعرض لها، بداية من حادث شمس، نهاية بما حدث الآن، فازداد ظلام عالمه حتى باتت عتمته كالقبو البارد!
****
بعد مغادرة آدهم بهذة السرعة، جلس الشباب على، الأرائك بحزن شديد، فانقلبت فرحتهم لتعاسة، وخاصة إيثان الذي صعد يصرف الدفوف ويلغي التجهيزات التي صنعها أعلى السطوح للاحتفال بيونس وآيوب الذي تبدل وجهه تأثرًا بحزن أخيه، يراه الآن يجلس مهمومًا وعينيه تدمعان بشدة، بينما يحاول أبوه مواساته، ورده عن اللحاق بأخيه بوقتٍ كذلك.
بات الأمر أكثر حساسية لذا انسحب الشباب تباعًا واحدًا تلو الآخر، ولم يتبقى سوى علي وعُمران برفقة يونس وآيوب الذي حاول استكشاف حالة أخيه من علي، بعدما علم بأنه يكن شيء يخص حالة آدهم النفسية.
****
صعد "آدهم" لغرفته وهو ينزع جاكيته، يلقي رابطة عنقه أرضًا، يحرر ذاته من أي شيء يعيق أنفاسه الثقيلة، يشعر في تلك اللحظة وكأنه ينازع أسفل مياه عتية، ترفض أن تتركه يلتقط نفسًا ينعشه بالحياة، يود أن يهرب من كل شيء، يود أن يختبئ داخل غرفته.
وما أن لمست يده بابها حتى ولج يغلقه بالقوةٍ، مستندًا بجبينه على جسد الباب، وهو يتنفس بانفعالٍ وحدة جعلته يختنق، يود لو تتحرر عنه دموعه في تلك اللحظة لتهون عنه قليلًا، ولكنها لم تستجيب له، كأنها تآمرت ضده مثلما فعل كل شيء!
_ آدهم!
تسلل له صوتها الآتي من خلفه، ومن فراشه بالتحديد، توسعت مُقلتيه بحدة مرعبة، لا يصدق عقله أنها خلفه تشاهده وهو في أقصى درجات ضعفه، نصب عوده واستعاد ثباته المطعون بقسوة لم يعهدها، بينما ترنو إليه شمس وهي تراقبه بقلقٍ من حالته الغريبة، وأسرعت بسؤالها المتلهف:
_ إنت كويس؟
استدار يقابلها بهدوءٍ كان مخيفًا:
_ بتعملي إيه هنا؟
المفروض تكوني في جناحك.
قالها وحرر باب الغرفة، دعوة صريحة لرغبته بخروجها من هنا!
ما يفعله منذ الصباح أمرًا يصعب عليها تصديقه، بل يؤلمها حد الموت، أسرعت شمس تغلق الباب بكلتا يديها، واستدارت تواجهه بغضب:
_ لا مش هخرج يا آدهم، لان مكاني الطبيعي جنبك ومعاك، وزي ما قدرت تتحمل وتخرج وإنت بالحالة دي عشان آيوب، أنا كمان ليا حق عليك ومن حقي أحس بوجودك معايا، اللي مبقتش أحس بيه حتى وإنت جنبي، أنا مش فاهمه إنت مالك بالظبط!.
إتجه للفراش يجلس عليه ويميل على ساقيه مستندًا بيديه:
_ اطلعي دلوقتي يا شمس، نتكلم بعدين.
رق قلبها له، فاتجهت تنحني قبالته ودموعها لا تتوقف عن الانهمار، بينما تسأله بحزن:
_ طيب على الأقل قولي فيك إيه؟
أبعد يديها عن ركبته وقال:
_ قولتلَك أنا كويس، كل اللي عايزُه منك إنك تخرجي وتسبيني.. بعدين هنتكلم وهقولك عن قراري.
كانت ستغادر لتتركه بمفرده مثلما أراد، ولكن جملته استوقفتها.
نهضت شمس عن جلستها الغير مريحة، وجلست جواره على الفراش تسأله بخفوت:
_ قرار إيه؟
شعر بجلوسها جواره، فكز على أسنانه غيظًا من مخالفاتها لحديثه، بل تابع باصرار:
_ روحي نامي دلوقتي يا شمس، أنا مش عايز أشوف حد.
كان من الصعب عليها كليًا أن تقدم على خطوة مثل تلك التي تفكر فيها، حاربت حياءها الشديد منه وطوقت ذقنه بيديها معًا، عساه يتمكن من سماع ما ستقول، وجدت أن الحرب التي أخبرها علي عنها قد بدأت وانتهى الأمر، وتلك أخر فرصها للنجاة بقلب معشوقها!.
تطلعت له بحبٍ ليته يراه بوضوحٍ، وقالت وهي تستند بجبينها على جبينه:
_ أنا مش أي حد، أنا روحك وقلبك يا آدهم!
أغلق عينيه يستسلم لتلك الموجة العابرة من مشاعره التي دُفنت داخله كليًا، بينما تتابع شمس ودموعها لا تتوقف عن الانسيال:
_ متحاولش تبعدني عنك لإنك مهما تحاول مش هبعد ولا هسيبك، أنا بحبك.
تركت كل شيء جانبًا وتركت عاطفة حبها تعبر له عن مكنوناتها، تحاول فعل أي شيء حتى توقظ مشاعره لها من جديد، فرصتها الاخيرة فيه لن تتنازل عنها مهما حدث، غمرتها السعادة حينما وجدته يبادلها عاطفتها بعشقه الذي ظنته اختفى داخل عتمة عينيه المفقودة، ولكنه فجأة انسحب وهمس لها بتعبٍ:
_ إخرجي يا شمس.. أرجوكِ.
مالت على كتفه، تخبره باصرار:
_ لا يا آدهم، مش هسيبك.
قربها منه بتلك الطريقة جعلته يخوض نوعًا آخر من العجز، العجز عن إبعادها، عن الاعتراض، عن إيقاف قرع دفوف قلبه لها، وجودها يخالف خطته النهائية ببعدها عنه، تصعب عليه كل ما رسمه وسعى إليه.
مال على مقدمة الفراش، ومازالت تستند على كتفه، فلفحت رائحة شعرها أنفه بشكلٍ جعله يسترخي، بل وتطرق الأمر بينهما من جديد، حتى شعر بأن حصونه تسقط واحدًا تلو الآخر، فأبعدها للخلف برفقٍ وهو يهتف:
_ شمس، من فضلك.
أبعدت يده ومالت على كتفه، تحتضنه وتحاول أن تزيح غشاوته عن عشقهما، تصاعدت أنفاسه بشكلٍ هجومي، وبعصبية جذبها عنه من خصلاتها الطويلة، ثم دفعها بقوةٍ صارخًا:
_ شمــــــــــــس!
سقطت شمس عن الفراش من قوته الجسمانية التي تفوقها، استقرت أرضًا وهي تتآوه بألمٍ، لم يُقارن بانكسار روحها بتلك اللحظة، كسر فيها كل شيء جميل خلق لأجله، وبات رمادًا، بل ومن شدة صدمتها بما فعله كانت تطالعه بنظرة مشككة بفعلته، تمر اللحظة بثقلٍ جاسم فوق قلبه الضعيف، ومازالت تتطلع له من محلها، بينما يعتدل هو وهو يستدرك فضاحة ما فعله بتلك اللحظة.
زحف لطرف الفراش حتى اقترب منها، يردد بندمٍ وحزن:
_ شمس أنا آسف مقصدتش صدقيني آآ..
ابتلع كلماته حينما انتشلت ذراعها منه، كأنما لمسها عقرب، بل وصرخت بجنونٍ به:
_ متلمسنيـــــــش.
زحفت للخلف تضم جسدها وتلتفت من حولها كالضائعة، تحاول التفكير بما يتعين عليها فعله، بينما تعود لتتطلع له بريبة، لا تعلم من ذاك القابع أمامها، انهار جليدها وانسكبت دموعها، محررة شهقات إنكسار أنثى جرحت كرامتها في لحظة، وكأن ما فعلته وما أبدت بفعله كان محاولة منها للتقليل من شأنها.
تلك التي تربت في منزل، يزيد كل فرد فيه من شأنها، حتى باتت رقبتها مرفوعة بوالدة قوية مثل فريدة هانم الغرباوي، وشقيق عظيم مثل علي، وأخرهما عُمران من علمها أن تصون كرامتها بدمائها، وها قد فعلها زوجها وأهانها بشكلٍ يُصعب عليها نسيانه ما تبقى من حياتها!
ازدادت شهقاتها تباعًا، حتى ذبحت قلب آدهم الذي يحاول الوصول إليها، مرددًا:
_ حقك عليا أنا بس محتاج أكون لوحدي.
تلاشى صوت بكائها، مما زاد قلق آدهم، فناداها:
_ شمس!
نهضت من محلها وانحنت تحمل مئزرها، ترتديه وتغادر بصمت لجناحها، ارتكن آدهم على الحائط بوجعٍ بعد سماعه صوت باب الجناح يُغلق، يزداد الأمر تعقيدًا، وقد وجده المناسب لاتخاذ القرار الذي ظنه مناسبًا.
سحب هاتفه وحرر زر الاتصال، فما أن استمع لصوته حتى قال بجمودٍ:
_ عايزك تجيني دلوقتي، ويا ريت تكون لوحدك.
قالها وأغلق الهاتف ثم ألقاه جواره ومال يستند على الحائط يحرر دموعه في صمتٍ تام!
****
ارتاب عُمران من مكالمة آدهم الغامضة، فمال لأخيه وقال:
_ علي هات مفاتيح العربية، وأنا هكلم حد من حرس عمك يجبلك عربيتي.
قرأ توتره الواضح، وسأله بشك:
_ آدهم اللي كان بيكلمك!
تعجب من سؤاله، ومع ذلك قال:
_ آيوه، معرفش عايزني ليه، هات مفاتيح عربيتك.
ناوله علي المفاتيح والقلق يستحوذ عليه كليًا، غادر عمران وجلس علي برفقة يونس الذي أصر أن يتحدث معه بأمرٍ خاص، فاستشف أن الأمر يخص فترة علاجه النفسي الذي خاضها برفقته، لذا قرر الجلوس برفقته قليلًا والانسحاب في أقرب فرصة لمنزل آدهم!
****
وصل عُمران إلى منزل آدهم في زمن قصير، بفعل قيادته المجنونة مثلما يصفها علي، فتح له الخادم وأرشده للأعلى مثلما أخبره سيده.
كان يتجه لجناحهما الخاص، ولكنه تفاجئ حينما أخبره الخادم باحترام:
_ الباشا في أوضته القديمة مش في الجناح يا بشمهندس.
تقوس حاجبيه بدهشةٍ، وجل ما يهاتفه بتلك اللحظة أن آدهم ينفصل عن شقيقته بغرفة منعزلة!!!!
إتبعه حتى وصل لباب الغرفة، فانسحب الخادم وتركه يحاول فك تلك الالغاز التي ظهرت له من العدم.
ترك عُمران كل شيئ جانبًا، وطرق باب الغرفة، وما أن استمع لصوت آدهم ولج للداخل، فوجده يجلس على طرف الفراش بملامح حادة غريبة.
سحب نفسًا طويلًا وقال:
_ غريبة إنك تبعتلي وأنا كنت لسه معاك!
وأضاف ونظراته لا تحيل عنه:
_ والأغرب إني ألقيك في مكان غير جناحك!
إلتحف بصمته قليلًا، ثم هتف:
_ أنا عارف إنك جريء فمش مستغرب من سؤالك ده، عشان كده هجاوبك.. أنا حر أقعد بالمكان اللي يريحني وليا الحق في اختيار الاشخاص اللي أحب أكون معاهم، زي ما فضلت أن آيوب اللي يكون معايا هنا مش شمس.
احتقنت معالم عُمران بغضب، فكور قبضته وهو يحاول السيطرة على انفعالاته، ملقيًا كل اللوم لتصرفات آدهم على ما فعله المأذون اليوم، لذا حاول الهدوء وقال:
_ وإحنا كلنا يهمنا راحتك يا آدهم، المهم إنك تكون كويس.
وأضاف سؤاله التالي:
_ قولي بعتلي ليه في وقت زي ده، في حاجة ولا أيه؟
ابتسم وهو يخبره:
_ مستعجل تعرف!
متقلقش الخبر هيفرحك.
تهدلت شفتيه بابتسامة جذابة، وقال يشاكسه:
_ متقولش، معقول هتفرحني إني هبقى خال!!
أنا منتظر أسمع الخبر من علي بس تقريبًا هو مأخر الموضوع، فلو هتيجي منكم هيبقى كده في عوض وعوض شمس هانم مش أي عوض بردو.
حافظ آدهم على ثباته، وقال ببسمة ساخرة:
_ مش معقول إنك منتظر ابن مني أنا وشمس وبالسرعة دي!
اللي يسمعك ميصدقش إنك كنت ممكن تعمل أي حاجة عشان الجوازة متمش.
اندهش عُمران من حديثه، وقد خاض سياقا مريبا بينهما، فطالعه بثبات وبرزانة هدر:
_ ما تسيبك من اللف والدوران وتعالى دغري يا حضرة الظابط، وقولي إنت عايز إيه؟
ضم شفتيه مشيرًا له باعجاب:
_ بيعجبني فيك إنك بتفهمها وهي طايرة.
تبسم ساخرًا منه:
_ ليه حد قالك إن ظباط المخابرات هما اللي ربنا اختصهم بالذكاء بس ولا إيه!
أنا بقول أقصر عليك الطريق، وتجيبلي الناهية.
هز آدهم رأسه، وقال يجيبه:
_ زي ما سمعت من بداية كلامي، أنا محتاج جنبي الاشخاص اللي أختارهم وللأسف شمس مش منهم.
ربع يديه أمام صدره، وتمتم:
_ أممم.. مش منهم إزاي بقى وهي المفروض تكون على رأس أي قائمة حضرتك هتعملها.
رد عليه بفظاظة يعهدها عمران لاول مرة:
_ بالعافية يعني؟
خرج عن هدوئه باجتيازٍ، فصاح بعنفوانٍ:
_ لا واضح أوي إنك مش في وعيك، لما تتكلم عن أختي تتكلم باحترام وتوزن كلامك، والا واللي خلقني وخلقك ما هعمل أي اعتبار لأي صلة بينا، وهنسى أي حالة إنت بتمر فيها بالتوقيت ده، مش هشوف قدامي غير إهانتك ليها بطريقة كلامك، وتانيها وجودك هنا بعيد عنها بينلي المعاملة اللي بتعاملها بيها بدون علمي.
واستطرد وقد جن جنونه لمجرد تخيله ان شقيقته تعاني هنا دون علمه:
_ أقسملك بالله يا آدهم لو طلعت شكوكى صح وآذاك طال أختي لأنهش لحمك حي، حالًا ناديها وخليها تيجي هنا.
_ إنت بتهددني يا عُمران!!
قالها "آدهم" بغضب شديد، حتى كاد أن يكسر كوب العصير بين يده، بينما مازال الآخر يرمقه بنظراتٍ كالسهام، التي تستهدفه واحدًا تلو الآخر، تاركًا صوت أنفاسه العالية تعلن عن امتناعه الشديد بالاطاحة بعنق غريمه، والآن يختار طريقه بالمواجهة حينما مال إليه يخبره بهدوءٍ مخيف:
_ أنا مبهددش يا حضرة الظابط، أنا بنفذ وقتي، أنا عارف إنت عايز توصل لأيه بالظبط، بس لو فاكر إنك كده هتطلع هيرو وبتضحي، معتقدش إني أهبل وبريالة عشان أصدقك.
ألقى "آدهم" الكوب من يده، وواجهه بعنف:
_ وأنا عشان كده كلمتك، لإني عارف إنك مش أهبل ولا بريالة زي ما بتقول، فدلوقتي وبمنتهى الهدوء حابب أعرف طلباتكم إيه عشان نخلص من الحوار ده.
كور يده حتى أبيضت من فرط قوته، يحاول آدهم سحبه لبقعة لا يود أن ينجرف إليها، عن أي ماديات وطلبات يتحدث؟
، بتلك اللحظة التي سيستعرض فيها أصول عائلته الثرية سيفقد فيها احترامه لنفسه، ليس هو ذاك الشخص المغرور الذي يتباهى بكونه من عائلة الغرباوي المعروفة.
سيطر عُمران على انفعالاته قدر المستطاع وقال بعقلانية فجأت آدهم الذي توقع منه أن يجيبه بفظاظة:
_ مكنتش أعرف إنك ضعيف أوي كده يا آدهم، ممكن تكون فاكر إن محدش هيحس بيك ولا بمعاناتك، وفاكر أنك صح بقرارك الغبي ده، أنا زمان إتحطيت في الاختبار اللي إنت بتمر بيه ده، وقت ما السم اثر عليا وعملي شلل نصفي، وقتها مكنتش عارف هرجع طبيعي ولا لأ، ولا قدرت أرسم شكل لحياتي مع زوجتي بعد اللي أتعرضت ليه، بس اللي أنا فخور بيه في اللحظة اللي بكلمك فيها دي إني مكنتش جبان زيك وسبت إيدها في نص الطريق، أتمسكت بيا قيراط وأنا أتمسكت بيها ٢٤ ، حاربت عشان هي تستاهل إني أرجع أقف على رجلي من تاني، لكن إنت عملت إيه؟
التهمته غيمة من الحزن، جعلته يخفض رأسه أرضًا بينما يستكمل عمران حديثه بغضبٍ:
_ إخترت تتقبل ضعفك وتتخلى عنها، لا وظابط مخابرات معرفش إزاي!!
وأضاف وقد عقد عزمه لينهي تلك المهزلة:
_ أنا هعملك اللي إنت عايزه بس أقسم بالله يوم ما تيجي ندمان على اللي عملته ده وتطالب بيها هتلاقيني أول واحد واقف في وشك.
واستطرد وهو يستقيم بوقفته بثقةٍ:
_ إنت ممكن تلف علي بكلمتين أو هو ممكن يقبل إنك تلفه بمزاجه، لكن أنا لأ، مش هتقدر تلفني ولا هسمحلك حتى تحاول، هقف في زورك، عشان كده أنا مكروه لأي شخص عقله مش سوي.
وأنهى الحوار هادرًا:
_ أنا خمدت الطوفان اللي كان جوايا لما شوفت أختي راجعالي يوم صباحيتها بالمنظر ده، واللي حشني عنك حبها ليك وخوفها عليك.
أنا اللي لا يمكن أسامح بسهولة في حق أهلي سامحتك وغفرتلك!!!، لكن المرادي غلطتك ملهاش عندي سماح ولا غفران، خليك هنا في أوضة مقفولة، بطل تشوف حد عشان متحسش بشفقته عليك، بطل تقبل مساعدة حد عشان متحسش بعجزك، آكسر أي شخص يقرب منك عشان تحس آنك بخير وكويس، ووقت ما هتحتاج لحد مش هتلاقي مخلوق جنبك.
وتابع وهو يمضي بخروجه:
_ هيكون معاك وقت تقلب فيه حساباتك، فخليك فاكر أن اللي إنت كنت بتحاول تهينها دي تبقى أخت عُمران سالم الغرباوي!
أغلق الباب من خلفه وهو يصيح بجنون:
_ شمـــــــــــــــس!
****
كانت تتمدد على الفراش باهمالٍ، تكبت صوت بكائها بالوسادة قدر ما تمكنت، تتمنى الصراخ بملء ما فيها لتحرر وجعها العميق، ولكنها لا تملك الجرأة لفعلها، تشعر بأنها هاشة للغاية، حتى أنها لن تستطيع تحرير صوتها، لقد نجح بكسرها وتمزيق قلبها، وكأنها بتلك اللحظة أشلاء لأنثى مازالت باقية على قيد الحياة!
تسلل لمسمعها صوت شقيقها، فاستقامت بجلستها تزيح دموعها وهي تردد بدهشةٍ من وجوده بمثل هذا الوقت:
_ عُمران!!
نهضت ترتدي مئزرها وتغلقه جيدًا، ثم خرجت من جناحها تبحث عنه، فوجدته يقف قبالتها، وما أن وجدها هرول إليها يتفحص عينيها الباكية بوجومٍ كاد بحرق آدهم حيًا، لم يشفع له الا إصابته وفقدانه للبصر والا لن يوقفه عنه أحدًا اليوم.
ارتعبت شمس من حمرة رماديتاه، وخاصة حينما قال بهدوء مريب:
_ غيري هدومك حالًا ويلا بينا من هنا.
سقط قلبها أرضًا وعينيها تنسحب لباب غرفة آدهم المغلق، تتوسل في صمت ألا يكون قد فعل بها هكذا، أيعقل أن يجرح كرامتها ويستكمل بمهاتفته لاخيها بدلًا من تطييب خاطرها وطلبه للعفو منها، ابتلعت الغصة المؤلمة بحلقها وقالت:
_ أغير هدومي وأجي معاك على فين يا عُمران!
هدر بانفعال شرس:
_ إنتي سمعتي اللي قولته، روحي غيري هدومك وبسرعة، أنا مش طايق اقف في البيت ده أكتر من كده، ولو طولت فيه هخرج منه يا قاتل يا مقتول، سامعاني كويـــس!
ارتعبت شمس من حديثه وقد تأكدت كافة شكوكها، فحركت رأسها بضعف وعادت لجناحها باكية، تبدل ملابسها لفستان طويل وتهاتف علي وهي تراقب الباب الموصد خشية من أن يدلف عُمران للداخل، فما أن أجابها حتى رددت ببكاء:
_ الحقني يا علي، عُمران هنا ومتعصب جداا، مش عارفة آدهم اللي كلمه ولا إيه اللي حصل؟
علي أنا مش عارفة أعمل إيه آدهم وجعني أوي ومش متقبل وجودي جنبه بس أنا مش عايزة أبعد عنه وهو في الحالة دي، أرجوك ساعدني أنا مش عارفة أخد أي قرار يا علي.
اتاها صوته من بين دفوف السيارات:
_ متخافيش يا حبيبتي، أنا دقيقتين بالظبط وهكون عندك بإذن الله.
طرق عُمران على باب الجناح الخارجي، فأغلقت هاتفها سريعًا واتجهت تفتح بابها، وقالت لمحاولة كسب الوقت لوصول علي:
_ ثواني يا عُمران بلم حاجتي.
سحب يدها وهو يخبرها:
_ متجبيش حاجة، يلا.
رددت باصرار:
_ دي حاجتي أنا يا عُمران.
أجابها وهو يسحبها برفق:
_ هجيبلك غيرها وأحسن منها بألف مرة، يلا يا شمس.
سحبها حتى الدرج وهي تحاول أن توقفه، او تسترعى انتباهه لما ستقول، فأخبرته بصوت مرتفع:
_ أنا مش عايزة أمشي... سيبني.
تغاضى عما استمع له، فصرخت فيه بصوتٍ بُحت نبرته:
_ سيب إيدي يا عمران، قولتلك مش همشي!
قالتها، وهي تحاول دفعه عنها، بينما الأخير يجبرها على اتباعه للأسفل، توقفا كلاهما بمنتصف الدرج، بعد أن نجحت "شمس" بانتشال ذراعها من أخيها، استدارت للخلف تتطلع تجاه باب غرفته، ودموعها تنهمر دون توقف، تتمنى أن يخرج، تتمنى أن يواجه أخيها، تتمنى أن يتمسك بها للمرة الاخيرة!
شعر بنغزة أعتلته فور أن رأى محل نظراتها، المصوب تجاه غرفة آدهم الموصودة، بكاؤها قسم قلبه شطرين وجعله عاجزًا.
صعد عُمران يقابلها بمحل وقوفها، يزيح دموعها بحنان، ويؤكد لها دعمه الكامل لها:
_ ميستاهلش دمعة واحدة منك، هو اللي اتخلى عنك يا شمس مش إنتِ!!!
هزت رأسها تنفي عنه تهمته، وقالت:
_ مش هسيبه.
زوى حاجبيه ساخرًا:
_ هو اللي سابك يا شمس، وعايزة تتمسكي بيه!
صعدت درجة للأعلى، وهي تردف باصرارٍ:
_ مش هسيبه يا عُمران، حتى لو هو عايزني أمشي مش همشي.
أمسك معصمها بعصبية بالغة، هادرًا بانفعالٍ:
_ أنا مقدر حالته كويس، بس هو اللي نسى آنتِ مين وأخوكِ مين، كلنا بنمر بحروب، كلنا عندنا ابتلاءات، بس لو عملنا زي اللي بيعمله مفيش علاقة هتستمر وهتكمل.
وتابع مشددًا على أوامره:
_ ودلوقتي انزلي معايا على العربية وبهدوء بدل ما أخدك غصب عنك.
عادت تحرك رأسها بجنونٍ، وباصرارٍ تهتف:
_ مش هاجي معاك، أنا مش هخرج من بيتي يا عُمــــــران.
احتقنت رماديته غضبًا، ودفعها برفقٍ عساها تستيقظ:
_ هو إنتِ مسمعتيش اللي قولته!! حضرة الظابط المحترم جايبني هنا عشان اجراءات الطلاق، لا وطلع عنده بعد نظر إختارني أنا عن علي لانه شايف إني هسعى لده.
وبصراخ متعصب صاح:
_ وده اللي هيحصل فعلا، متخلقش اللي يهين كرامة أخت عُمران سالم الغرباوي وهو لسه على وش الدنيــــــــا!!
تعالت شهقاتها وبكائها، هي تعلم بأن عُمران لن يسامح في حق كرامتها، بل يكاد يحرق العالم بأكمله إن تطلب الأمر، تخشى إن أصرت ببقائها تزداد الامور سوءًا بينه وبين آدهم الذي أعلن تنازله عنها بمنتهى السهولة.
جلست على الدرج تبكي بانهيار، فانحنى لها عُمران يراقبها بآعين دامعة، يخوض مرحلة جديدة من العجز، ولا يجد ما يفعله ليخفف وجعها، احتواها بين أحضانه وقال بحزن:
_ أنا مبستحملش أشوفك بتعيطي يا شمس، عشان خاطري كفايا، قوليلي طيب أيه المفروض اعمله مع شخص بيهين أختي الوحيدة قدامي، والله أعلم إنتي مخبية عني أيه تاني، عشان خاطري قومي معايا نمشي من هنا، أنا مش مستحمل أشوفك هنا ولو ثانية، عايز أخدك بعيد عن المكان ده وعنه هو شخصيًا.
رفع ذقنها إليه، وقال وهو يتعمق بعينيها:
_ هتيجي معايا، وحالًا.
ونهض يسحبها مجددًا:
_ يلا.
استدار ليجذبها للاسفل، فتفاجئ بعلي يقف قبالته، يوزع نظراته بينه وبين شمس التي تقف على بعد درجات من أخيه، سحب بصره ورفعه لعمران وبهدوءٍ قال:
_ سيب إيدها يا عُمران.
ضم شفتيه السفلى بأسنانه، ورد:
_ علي الموضوع بعيد عن المناقشة، طيبة قلبك إركنها على جنب خالص، وياريت نمشي من هنا ونتكلم في بيتنا.
تجاهل ما قال، وبهدوء قال:
_ قولتلك سيب ايدها يا عُمران، مسمعتش اللي قولته!
سحب نفسًا ثقيلًا وتركها ثم هبط يقف قبالة أخيه، وقال:
_ علي أنا اتنازلت عشان خاطرها كتير، بس صدقني المرادي مش هقدر اتنازل، لاني لو إتنازلت هكون بتنازل عن كرامتها، الباشا اتصل بيا وجابني وبيقولي شوف طلباتكم إيه عشان ينفصل عنها بهدوء منتظر إيه تاني!!!!
رد عليه علي بثبات:
_ آدهم مش في حالته الطبيعية.
تجهمت معالمه بغضب:
_ بطل تشوف كل الناس مرضى نفسيين، آدهم متعمد يهين أختك عشان يوصلها إنها تتقبل قرار الانفصال بارداتها!
وتابع وهو يجذب شمس تجاهه:
_ بص كويس وشوف، عنيها وارمه من العياط وسيادته قاعد في أوضة منعزلة عنها، وبيقولي إنه بيختار الاشخاص اللي محتاجهم جنبه واللي هي مش منهم، محتاج تسمع إيه تاني يا دكتور!!!
واستكمل باصرار:
_ أنا مش هخرج من هنا غير وهي معايا، لو إتولد اللي يهين حد من عيلتي أنا أقتله بايديا ومخلهوش عايش ثانية!
زفر علي بضيق:
_ عمران أنا بأكدلك إن آدهم مش في حالته الطبيعية وبعدين القرار بالخروج من هنا لشمس، سبها تقرر ومتتدخلش!
وبعدين إنت بنفسك شوفت اللي حصل في كتب كتاب آيوب.
ترك يدها وصاح بعنفوان:
_ علـــــي أنا متدخلتش هو اللي دخلني!!
ثم إنه من أول مشكلة قابلته ساب إيدها ووصلها للحالة اللي هي فيها دي، ده حتى مداش لنفسه فرصة لما يتعالج ويعمل العملية، استسلم من أول الطريق فقولي آآمن على أختي معاه ازاي ودي تاني فرصة أدهاله بعد عملته اللي بحاول اغفرهاله لحد النهاردة.
وتابع بعصبية بالغة:
_ هو انت فاكر إني ممكن انسى دخلتها عليا تاني يوم جوازها بالمنظر اللي رجعت بيه ده!!!
طيب بلاش البيه المحترم كان أناني في اللحظة اللي فكر يهرب من عجزه ويطلقها مفكرش في شكلها ولاشكلنا لما ينفصل عنها بعد عشر أيام من جوازهم، فازاي متخيل إني هسيبها تختار!!
لا يا علي شمس ملهاش أي اختيار.
وسحب كفها وهو يرغمها على اتباعه:
_ امشي معايا يا شمس.
أوقفه علي مجددًا بحزمٍ قاطع:
_ عُمـــــــــران، إنت اتكلمت وقولت كل اللي عندك وأنا سمعتك، لينا كلام تاني مع بعض، ودلوقتي حالا هتنفذ كلامي وهتسيب شمس تختار اللي عايزاه، والا هعتبر إني معرفتش أربي ابني الوحيد ومش هعاملك غير كأخ له واجب وحق مش أكتر من كده.
جحظت رماديتاه في صدمة، فحرر يده عنها، بينما تنهار هي من شدة البكاء، لم تكن تريد أن تصل الامور بين أشقائها لتلك الدرجة.
دنى منها علي يحيط وجنتها بحنان، ماسحًا دموعها، ويسألها بهدوء:
_ محدش هيج
رواية صرخات انثى الفصل الثالث والتسعون 93 - بقلم ايه محمد رفعت
انشغل الجميع بنقل الحقائب وبعض الأشياء لقصر الغرباوي، في حين أن العائلة ستنتقل بالغد. الجميع بغرفهم يعدون متعلقاتهم الشخصية.
حزمت "فريدة" أخر حقيبة لها، ثم أشارت للخادمة قائلة:
_ شيلي الشنطة دي بالراحة، عشان فيها مجوهراتي والـ Accessories بتاعتي.
أومأت برأسها باحترام، وحملت الحقيبة تهبط بها لسيارات الحرس. بينما عادت "فريدة" ترتب الفراش المبعثر من الحقائب. وما أن استقامت بوقفتها حتى وجدت زوجها يلج من الغرفة، وهو يسألها بابتسامته الجذابة:
_ خلصتي يا حبيبتي ولا محتاجة مساعدة من جوزك البطل، أنا جاهز لأي مساعدات من إنهي نوع!
قالها وهو يحيطها بحب، فأحاطت ذراعه وقالت ببسمتها الرقيقة:
_ منحرمش منك يا حبيبي، أنا خلاص خلصت، بس هروح أتمم على فاطيما ومايا وهرجعلك على طول.
مسد على بطنها المنتفخ وسألها بلهفة:
_ حبيبة بابي عاملة أيه مع فريدة هانم، أوعي تغلبي مامي مش عايزين شقاوة لحد ما تشرفي القصر الملكي ونعملك حفلة استقبال ملوكي، تليق بأميرة عيلة الغرباوي.
ضحكت فريدة وهتفت باستنكار:
_ حفلة مرة واحدة، أحمد أنا هتكسف صدقني.
أدارها إليه تقابل نظرات عينيه العاشقة، التي تضعها في خانة العشرينات من عمرها، تعوضها عما مضى دونه، ومال يردد ببطء أذابها:
_ كل اللي فات و عدى من حياتنا من غير ما نشاركه مع بعض هنعيشه ونعوضه يا فريدة، وعلى فكرة إنتِ مش صغيرة في عنيا عشان أضحك عليكِ بكلمتين، إنتِ فعلًا صغيرة ومفيش في رشاقتك وجمالك.
أزاحت يديه من حولها، وقالت وهي تعيد خصلاتها القصيرة للخلف، تخفي خجلها:
_ طيب أوعى بقى من طريقي، خليني أطمن على البنات وأتأكد بنفسي إن محدش فيهم ناسي حاجة.
أعترض طريقها مجددًا وقال ضاحكًا:
_ بالمناسبة مش ناوية تحكيلهم ولعمران بالأخص عن قصة حبنا اللي كان منبتها قصر عيلة الغرباوي نفسه؟ يعني على إعتبار إننا هنرجع نسترجع أجمل ذكرياتنا هناك، وبنتنا الأميرة هتشرفنا هناك!
ازدادت حمرة وجهها بكثرة، وتهربت من لقاء عينيه الجريئة، مرددة باستحياء:
_ خلاص يا أحمد بقى، عديني الوقت إتاخر وعايزة أنام بدري عشان أكون فايقة لبكره.
وقف جانبًا وأشار له بحب، فاحنت رأسها بإشارة راقية، كأنها ملكة تلقي تحيتها إليه، ثم خرجت تتجه للطابق المخصص لجناح علي وعُمران، ومازالت بشرتها تتشرب الحمرة الطفيفة.
توقفت "فريدة" محلها حينما رأت "عُمران" يصعد الدرج، متجهًا لجناحه، وما أن رآها حتى رنا إليها مبتسمًا رغم كل الأوجاع النافرة بداخله، مال يقبل رأسها وإنحنى يقبل يدها قائلًا:
_ مساء الخير على أجمل قمر هربان من سماه على الأرض المحظوظة بلقاه.
سحبت كفها وقد ازدادت حمرتها، فهتفت بحنق:
_ لسه سايبه بكاش ورايا ودلوقتي في بكاش تاني قدامي.
تمردت ضحكته وراقب باب غرفتها قائلًا بمرح:
_ لا ده بيبكش عليكِ عشان يأكل عيش لكن أنا ماليش أي مصلحة يا فيري! أنا حبي ليكِ خالص لوجه الله.
ابتسمت بخفة على حديثه، وسألته بحماس:
_ طمني أخبار الترتيبات أيه؟ والورود اللي طلبتها منك.
رد عليها وهو يراقب لهفتها على الانتقال للعيش بالقصر:
_ كله تمام يا حبيبتي، وأنا بنفسي اللي مليت ڤازات جناحك بالورد، وخليتهم يزينوا السلم والمدخل الخارجي للقصر.
ضمت وجنته بيدها الرقيقة، ونطقت بحب:
_ تسلملي يا روح قلبي، منحرمش منك أبدًا يا أجمل بشمهندس في الدنيا.
قبل باطن يدها، وحينما وجد أحمد يقف من خلفهما يتابعهما وهو يربع يديه أمام صدره مستندًا على باب الغرفة، وملامحه لا تنذر بالخير، ففرق "عُمران" ذراعيه وقال بخبث:
_ وأخيرًا تم الاعتراف بفني وبموهبتي كبشمهندس.
انزوت بأحضانه بحنان، تتلمسه داخله، بينما يستطرد ورماديتاه تتحدان أحمد بمشاكسة:
_ على فكرة أنا كنت عارف إنك بتخلي حد من اللي واقفين على البوابة يصورلك أول بأول كل تجديدات الفريق، فبما أن السعادة دي كلها مرسومة على وشك فأنا منبهر بالنتيجة اللي هأخدها منك بكره من دلوقتي، كفايا أعتراف فريدة هانم الغرباوي بنفسها.
ضحكت، وهي تجيبه بفخر:
_ فريدة هانم الغرباوي فخورة بيك يا حبيب قلبي، كفايا شطارتك وسرعة تنفيذك لكل اللي طلبته منك في فترة صغيرة جدًا، تصدق إني بفكر أعملك دعايا في ندوة سيدات المجتمع الآرستقراطي.
شاركها الضحك، وقال ساخرًا:
_ كمان!! لا أنا كده حد جامد فعلًا!! أنا خايف على نفسي من الغرور والله يا فيري، فبقول كفايا كده لحد ما بس أخلص المشاريع اللي معايا، قدامي فيها عشر سنين على الأقل.
رفعت رأسها إليه، ومازالت داخل أحضانه:
_ مشاريع أيه دي؟
أجابها بابتسامته الهادئة:
_ بكره تابعي التليفزيون والسوشيل ميديا، عندي مؤتمر صحفي كبير هتكلم فيه عن كل حاجة.
ضمته وشعورها بالفخر يزداد تجاهه:
_ مبروك مقدمًا يا حبيبي، أنا فخورة بيك يا عُمران.
تعلق بها وقلبه يستريب شعورًا مريبًا، لدرجة أنه تناسى أنه يمازح عمه المشتعل من أمامه، بل مال على كتفها رغم فارق الطول والأجسام بينهما، يستمد منها طاقة أعادت له سلامه النفسي.
إلى هنا وكفى، لم يحتمل "أحمد" البقاء مكتوف الأيدي، تاركًا زوجته بين يد ذاك الوقح الذي يكاد يفوقها بالعمر من فرق الأوزان والأحجام بينهما، فأسرع يبعده عنها وهو يصيح بنفور:
_ ما خلاص يا وقح، ساعة واقف بتحضن!! إنت ناسي إنها حامل ولا أيه! مستخف عضلاتك ولا ناسي إنت هيكلك أيه؟!!
استعاد ثباته ووقف قبالته يطالعه بنظرة ماكرة:
_ مال وشك يا عمي!!
قالها وهو يتحسس وجهه، بينما تكبت فريدة ضحكاتها بصعوبة:
_ حرارتك معدية أوي، إلحق بسرعة نادي جوليا تجبلك مكعبات تلج قبل ما تقلب عندك بحمى بعد الشر عليك وعلى عضمك الباين من البادي اللي إنت لابسه ده، قال ده لابس سباحه ده ولا أيه يا أحمد باشا؟
احتقنت رمادية أحمد بغضب، وأشار لفريدة التي تتخفى بضحكاتها خلف لائحة يدها:
_ سامعة وقاحة ابنك يا فريدة؟
ردت عليه وهي تستعيد جديتها:
_ مش أنت اللي بدأت تستفزه يا أحمد؟
ربع يديه أمام صدره بغيظ:
_ وإنتِ من امتى بتنصريني قدام الوقح ده!
ضحك عُمران وقال:
_ حبيب قلب عمو متزعلش، فيري بتحبك بنفس قدر ابنها ويمكن أكتر.
ومال على فريدة يخبرها بصوت مسموع:
_ بكشي عليه بكلمتين خليه يلم الحوار بدري بدري.
جحظت عينيها في صدمة، وصاحت بعصبية:
_ آآ.. أيه؟ إنت إزاي تتكلم معايا بالطريقة السوقي دي يا ولد! مش قولتلك ألف مرة تبطل تتكلم بالطريقة دي!!
ضحك أحمد بشماتة، وغمز له بطريقة أضحكت عُمران، فقال وهو يستعيد لغته المضبوطة:
_ I was just kidding the queen of the Gharbawi family (كنت أمازح ملكة عائلة الغرباوي فحسب!..)
استغل "أحمد" الأمر وصاح بسخرية:
_ أيوه يا حبيبي كل ما تتزنق تقلب ليك كلمتين إنجليزي على فرنساوي على الكام لغة اللي حافظهم وتنفد بجلدك.
رد عليه مبتسمًا ببرود:
_ مش أي حد حافظله كلمتين إنجليزي يقدر ينفد منها خد بالك، دي موهبة يا أحمد باشا.
تابعتهما بقلة حيلة، وغادرت وهي تتمتم:
_ أنا رايحة لمايا وفطيمة، أنتوا مش هتعقلوا أبدًا ولا هتبطلوا شغل العيال ده.
تركتهما واتجه لجناح "مايا"، بينما جلس "عُمران" على الطاولة القريبة منهما، وجلس أحمد قبالته يتابعه بصمت. قرأ عُمران ما بعينيه، فقال بابتسامة ساخرة:
_ قول اللي عندك يا عمي، أصل مفضلش غيرك عشان تحذرني إنت كمان.
لمس "عُمران" قلقه الصريح المدفون داخله رغم المرح المتبادل بينهما، فزفر أحمد بوجوم:
_ أنا محتار بصراحة ومش قادر أحدد موقفي، اللي هتعمله ده هيتحسب ليك يا عُمران، وخطوة ناجحة بكل المقاييس وتعتبر هتكون من أهم رجال الأعمال اللي أخدوا الموضوع بشكل جدي بس أنا مرعوب عليك، إدارة الشركة عندي ودايرة المستثمرين من حواليا مش مبطلين كلام عنك وعن جراءتك.
ولمس كفه الموضوع على الطاولة يعبث بمفاتيحه:
_ أنا فخور بيك بس مقدرش أمنع خوفي عليك يا عُمران إنت ابني بالرغم من إني شايفك صاحبي أكتر، طول عمرك بتحتويني بشكل مخليني مش قادر أشوفني أب ليك، لان المفروض أنا اللي احتويك مش العكس!
ابتسم وهو يطالعه بحب واحترام، وقال وهو يعيد ضم كفه:
_ متخافش عليا يا باشا ابنك أسد ويسد في أي خانة.
ومازحه بضحكة أرغمت أحمد على الضحك:
_ ومتحترش وقت ما تحب تشوفني ابنك هتلقيني وبردو وقت ما تحتاج تشوفني صديقك، لاغيني إنت بس وأنا بسلك، وبسد في أي دور يا باشا.
ربت على كتفه وانتصب بوقفته:
_ متفقين يا وقح، يلا هروح أنام بقى، ورانا يوم طويل بكره، تصبح على خير.
رد عليه، ومازالت ابتسامته تتشكل على وجهه:
_ وإنت بألف خير يا حبيبي.
قالها وبقي محله، يجذب هاتفه ويتطلع لشاشته بتردد، يود أن يهاتف شمس ليطمئن عليها، ولكنه تركه ومال يستند على إبهاميه بتعب.
_ عُمران كويس إني لاقيتك هنا.
قالها "علي" وهو يدنو منه، فسحب عُمران هاتفه ومفاتيحه وإتجه يغادر مرددًا:
_ تصبح على خير يا علي.
أوقفه حينما أمسك ذراعه:
_ أقف هنا متعملش زي العيال الصغيرة وهما غضبانين.
رد دون النظر تجاهه:
_ أنت عارف إني مش من النوع اللي بيتهرب، بس أنا تعبان ومحتاج أرتاح.
جذبه بقوة لمقعده من جديد:
_ وأنا مش هسيبك تنام وإنت زعلان مني يا عُمران، إقعد وخليني أشرحلك وجهة نظري ولا خلاص مش فارقلك كلامي؟
جلس على المقعد قبالته بازدراء، وهو يحرك ساقه بعصبية مكبوتة، بينما تتهرب عينيه من لقاء أعين أخيه، الذي قال:
_ ممكن تبطل تحبس غضبك بالشكل ده، إنت كده بتأذي نفسك أكتر.
نطق عُمران بنفس نبرته الهادئة:
_ ممكن إنت اللي تبطل تعاملني كأني مريض نفسي وتحت المجهر!
تنهد بحزن وقال:
_ الموضوع غصب عني على فكرة، إتعودت أدرس أي حركة بسيطة بتعبرلي عن شخصية اللي قدامي، عشان أقدر أتعامل معاه.
هز رأسه بعدم اقتناع، وهدر فيه:
_ أنا احترمت كلامك ومشيت، فياريت تفهمني وجهة نظرك، لإني لحد دلوقتي مش متخيل إني سبتها هناك ورجعت من غيرها بعد اللي آدهم عمله وقاله.
تخلى عن هدوئه حينما هدر بضيق من طريقته:
_ عُمران أوعى يجي في بالك إن اللي عملته ده عملته ومهمنيش كرامة شمس، مش إنت لوحدك اللي بتخاف عليها ولا على العيلة، انتوا كلكم مسؤولين مني فياريت متنساش ده.
وأضاف برزانة وحكمة:
_ بس اللي لازم ترضى وتتقبل بيه إن آدهم كمان بقى واحد مننا ومن العيلة، ولو أنا شاكك إنه قاصد يهينها أو يقلل منها أنا أول واحد كنت هقفله.
صاح بعنف وعصبية:
_ إزاي يعني مش قاصد يهينها بعد كل ده يا علي! فهمني إزاي! ومتقوليش إنه مش في حالته الطبيعية لإنه كان طبيعي جدًا قدامي.
سحب نفسًا طويلًا يستلهم به ما سيقوله:
_ آدهم مش في حالته الطبيعية يا عُمران، وده حاصل من الموقف اللي إتعرضتله شمس وعرض حياتها للخطر، واحتياجها لمساعدة آدهم حسسه لأول مرة بالعجز.
زوى حاجبيه في دهشة، وتساءل بصدمة:
_ موقف أيه اللي شمس اتعرضتله وإزاي متقوليش اللي حصل معاها!
أجابه بحزم:
_ أختك الحمد لله بخير إنت لسه راجع من عندها من شوية، وبعدين ده مش موضوعنا خلينا في المهم.
وتابع وهو يستدعي إنتباهه لما سيقول:
_ آدهم من وقت الموقف اللي إتعرضتله شمس وهو مش طبيعي، لان دي كانت بداية الصدمة ليه، بعد ما فاق من غيبوبة إنه عايش وبخير، إبتدى يكتشف واحدة واحدة باللي مكنش قادر يستوعبه باللحظة اللي عرف فيها خبر فقدان بصره، عشان كده لو ركزت هتلاقيه إنه كان بيتعامل مع شمس طبيعي جدًا وهما في المستشفى.
تذكر عُمران طريقة تعامل آدهم مع شقيقته، كان حنونًا للغاية بفترة بقائه برفقته بالمشفى مثلما يخبره أخيه، ولكن عقله عاطل عن استيعاب ما يحاول أخيه قوله، فردد بتيهة:
_ إنت عايز تقول أيه يا علي؟
أجابه بعقلانية لطالما تحلى بها:
_ الانسان لما بيتعرض للموت رد فعله بيكون مختلف على أي خبر بيسمعه، بيكون مستعد كليًا ليه عن الشخص السليم المعافى، بشكل أوضح لو في شخص سليم تعب فجأة وراح المستشفى وإتشخصله بتر في ساق واحدة، رد فعله بتبقى أقوى تلات أضعاف من إنسان تاني شاف الموت بعينيه الاتنين، وكان فاقد الأمل أنه هيرجع للحياة تاني، ولما تجيه الفرصة ويكتشف إن رجليه الاتنين اتبرت مش واحدة زي التاني، هتلاقي واخد الخبر بنفس راضية ومش بنفس صدمة الاولاني، لإن أي إصابة هتكون أهون عنده من الموت ألف مرة، كل اللي هو شايفه نجاته من الهلاك اللي كان مستنيه، مع إنه لما يفوق من الحالة دي هيبتدي يحس بنفس إحساس الشخص الاولاني، مع أول موقف هيكون محتاج فيه يكون واقف على رجليه.
وتابع باستفاضة:
_ وده اللي حصل بالظبط مع آدهم، لما فاق مكنش لسه مستوعب الحياة اللي هيضطر يعيشها، واللي هيتجرد فيها من مهاراته كظابط، إضافة إنه من النوع اللي بيفكر في اللي حوليه أكتر من نفسه، يعني بيدخل بصدره وأخر همه إنه يتأذي، المهم اللي حوليه، وللاسف الموقف اللي إتعرضتله شمس وقفه قدام عجزه وش لوش، عشان كده حاول يبعدها عنه عشان مش هيتحمل إنها تتأذي بسبب عجزه عن حمايتها، وده اللي أنا كنت متوقعاه من شخصية زي شخصية آدهم واللي بالفعل حذرت منه شمس وقولتلها تتعامل معاه على هذا الأساس بس هو قلب الدنيا لما كلمك، دخلك بالموضوع وسحبني أنا كمان معاكم.
خرج عن صمته وحسن إنصاته لأخيه، مرددًا بعد أن عقل حديثه جيدًا:
_ أنا معنديش شك في كلامك ولا تشخيصك لحالة آدهم يا علي، أنا عندي مشكلة إني مش هقدر أتهاون معاه وهو بيتعمد يهينها، مش هقف أتفرج عليه وأبررله انه مش في حالته الطبيعية.
واستطرد بهدوء ليسترعي انتباه أخيه:
_ أنا بعز آدهم وأنت عارف كده كويس، بس مهما كان شمس أختي بالنهاية، فمش هقبل إنه يجي عليها مهما كانت حالته، لو عليا أنا هتحمله باستفزازه ده لكن هي لا يا علي.
يعلم ما يشعر به بتلك اللحظة أخيه، لذا هدأ من روعه حينما قال:
_ ومين قالك إننا هنسكت على اللي بيعمله ده، أنا خلاص اتصرفت، وبكره الصبح هيروحله اللي هيعقله، ويرجعه لعقله من تاني.
ضيق رماديته باستغراب:
_ وليه إنت اللي متتكلمش معاه طالما إنت فاهمه أوي كده!
ابتسم وهو يجيبه بخبث:
_ عشان أنا فاهم شخصيته كويس اختارتله الشخص المناسب!
***
إنتهوا من تناول طعامهم، ونهضت الحاجة رقية تحمل الأطباق للمطبخ، فنهضت "سدن" تعاونها، ثم لحقت بهما "خديجة"، ولكن "رقية" اعترضت طريقها، وحملت منها الأطباق قائلة:
_ سيبي الأطباق واطلعي شقتك مع جوزك يلا يا عروسة.
إرتجف جسدها من فرط البرودة التي أصابتها، حتى أنها حمدت الله أنها التقطت الأطباق منها بالفعل. الصعود برفقته، والبقاء بمفردهما، الفكرتان تكاد تقتلها بالبطيء. تجاهلت ما قالت وولجت للمطبخ تقف على حوض الاغتسال، تنظف الأطباق. فلحقت بها الحاجة رقية تجذب عنها ما بيدها وهي تعاتبها برفق:
_ وبعدين معاكِ يا خديجة، ما قولتلك اطلعي شقتك انتِ وأنا وسدن هننضف الدنيا كلها في دقايق.
ازدردت حلقها الجاف، وهتفت:
_ مفيهاش حاجة لما أساعدك يعني يا خالتي.
ربتت على ظهرها بحنان، وأخبرتها بإصرار:
_ إسمعي بس كلامي واطلعي يلا يا حبيبتي.
وخرجت برفقتها ترفع من صوتها حتى يستمع لها من يجلس بغرفة الضيوف برفقة عمه وابنها:
_ يـــونس!
***
بغرفة الضيافة الخاصة بمنزل الشيخ "مهران"
مازال الحزن يقتحم أسوار مدينته منذ لحظة مغادرة أخيه، ومازال "يُونس" والشيخ "مهران" يحاولان أن يخففا عنه. فقال الشيخ بحكمته:
_ يا حبيبي الراجل قال الكلمة بعفوية مقصدش بيها شيء، لو كان يعلم بالأمر لما فعله، اللي حصل مقدر ومكتوب وحضرة الظابط أكيد متفاهم وعارف إنها فترة مؤقتة وهتزول بإذن الله.
رفع فيروزته لأبيه وهدر بصوت مختنق:
_ آدهم إنكسر يا عم الشيخ، أنا حسيت بيه وهو بيحاول يبين إنه متأثرش.
رد عليه يونس بنبرة يحاول فيها امتصاص حزنه:
_ مهو طبيعي إنه يزعل يا آيوب، دي تعتبر أول خروجة ليه وهو بوضعه ده لسه متعودش على وضعه الجديد، وبإذن الله ميلحقش يتعود عليه وربنا يردله بصره.
أحنى رأسه وهو يهمس بتمني وأمل:
_ يا رب يا يُونس يارب.
إخترق صوت الحاجة "رقية" مجلسهما، فابتسم الشيخ وقال ويده تمرر على سبحته السوداء:
_ يلا يا عريس اطلع شقتك مع عروستك، ربنا يجمع بينكم في محبة ورحمة ويجعلها أعظم مثال للزوجة الصالحة ليك يابني.
وأشار بإصبعه يحذره بوضوح:
_ أوعى تنسى وصية رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، أوعى تنسى يا يُونس أي وصية سابهالك حبيبك محمد عليه السلام، خد بالك إنها من اللحظة دي مسؤولة منك مسؤولية كاملة، فأوعى متكنش أد المسؤولية.
تهدلت شفتيه عن ابتسامة جذابة، ومال يقبل رأسه وهو يخبره:
_ متقلقش يا شيخ مهران، كلامك في وداني من يوم جوازي عليها الأول، منستهوش أبدًا وهعمل بيه وأنا بتجوزها للمرة التانية.
مرر يده على شعره الأسود الغزير وقال بمحبة أب:
_ ربنا يسعد قلبك ويفرحك يا حبيبي.
قبل يده واتجه للخارج حيث كانت الحاجة رقية بانتظاره وزوجته تجاورها، ومازالت تتخفى بنقابها الأبيض. يحسب كل دقيقة تمر حتى يسحبه عنها ليتعمق برؤية وجهها بعدما حُرم رؤيته، ولكن ما مر كان الأطول على الإطلاق، والآن يفصله القليل عن ضمها إليه.
سحب فيروزته عنها بصعوبة وانتبه لرقية التي تقول في سخرية:
_ هو الواد آيوب وعمك الشيخ مهران وحشينك ولا أيه، ده أنا قولت الواد بيفهم ومهيصدق الدنيا تخلى عشان يأخد عروسته القمراية دي ويهرب، وإنت قاعد ولا على همك.
ضحك بصوته كله وقال يجاريها:
_ اديني جيتلك أهو، إديني العروسة وههرب بيها حالًا حاضر.
ضحكوا معًا، وخاصة حينما ردت عليه:
_ العروسة أهي سلكتهالك من المطبخ وشغل البيت بالعافية، فإلحق بسرعة قبل ما ترجع بكلامها.
دنى منها يُونس وقرع طبول قلبه يفضح مشاعره وتوقه لها، ثنى ذراعه وهمس لها:
_ يلا يا عروسة؟
ارتبكت بوقفتها وهي توزع يدها بين الحاجة رقية وبين ذراعه الذي ينتظرها، تصنعت خديجة إلتهائها بتعديل طرف الفستان الأبيض الطويل، ثم تحركت تجاه الأريكة التي يعتليها ابنها.
سحبت عنه هاتف آيوب، وأغلقت الأفلام الكرتونية عنه، ثم قالت:
_ يلا يا فارس.
أبعد الطفل كفها عنه وعاد يجذب الهاتف قائلًا:
_ لا أنا هبات مع آيوب هو متفق معايا ومديني تليفونه.
عادت تبعد الهاتف عنه وتصر بقولها:
_ لا مينفعش.
لفتت أنظار رقية ويونس لها، فلعقت شفتيها الجافة ورددت تصحح ما قالت:
_ إنت هتتشاقى وهو مش هيعرف ينام، يلا سيب التليفون وتعالى.
دنت إليها الحاجة رقية تمنعها من سحبه، قائلة:
_ سبيه يا خديجة واطلعي مع جوزك يا بنتي، فارس مش بيتشاقى وحتى لو عملها على قلب آيوب زي العسل، وأنا موجودة متقلقيش يا حبيبتي.
ولكزتها بخفة وهي تهمس لها:
_ سيبك من الواد واطلعي مع عريسك بقى.
وضعت أمام الأمر الواقع، فلم يكن هناك أي مجال للاعتراض، أو حتى الحديث. استدارت خديجة تجاه يُونس وتحركت ببطء تجاه الدرج، صعدت ولحق بها وابتسامته تعبر عن فرحته بتلك اللحظة.
فتح الباب ودفعه وهو يحيطها بنظرة تسللت لقلبها دون أي موانع:
_ نورتي بيتك يا ست البنات!
جملته المعتادة تلك أيقظت مشاعرها المدفونة إليه، يرتسم أمامها صورة لها وهي تدلف برفقته بفستانها الأبيض الطويل، وملامحها التي تصغر عن تلك الملامح، فرحتها بهذا اليوم مازالت تتذكرها جيدًا، كأنها تزوجته بالأمس!
ها هي نفس الشقة تجمع نفس الأشخاص، ولكن الزمن لم يدعهما وشأنهما، كلاهما يتمزقان من الداخل، كلاهما مرا بأصعب ما يخوضه بشريًا، كلاهما محاربان باسلان، حاربا لحبهما وأخيرًا انتصر ولكن ترى هل سينتصر الحب بعد أن انغلق باب المنزل عليهما وباتت زوجته الآن.
تيقنت الآن أن الباب قد أغلق، وباتت برفقته بمفردها بالفعل، خفق قلبها بشدة، وضرباته المضطربة تلك كانت مريبة لها، تخشى أن تهاجمها نوبة الربو قبالته، فتفشي عن خوفها الصريح الذي تحاول إخفاءه حتى تلك اللحظة.
تصنعت أنها تتأمل الشقة التي تغير، أثاثها وديكوراتها بالكامل، أصبحت بنموذج أكثر عصريًا، يتماشى مع التوقيت الحالي. كل ركن أودع فيه يُونس حبه الشديد لها. ابتسمت خديجة وهي تراقب اللوحات المزخرفة بالآيات القرآنية، حتى تسلطت على لوحة ضخمة حملت بالخط العربي «خديجة».
استدارت تبحث عنه لتعبر له عن إعجابها الشديد باللوحة وبترتيب المنزل، فتفاجأت به يقف خلفها بالتحديد، بشكل أربكها وجعلها تعود للخلف فعاقت الطاولة قدماها، كادت بالسقوط فوقها ولكن ذراعه ساندها ودعم جسدها بالكامل، بينما تهمس هي بحيرة:
_ يُونس!
تعلقت عينيه بها، وشوقه الصريح لرؤية وجهها يزداد تدريجيًا. اقترب بإصبعه منها يرفع نقابها رويدًا عنها، حتى تلاقت الاعين وبات وجهها مكشوفًا بالكامل له.
تمعن بها وكأنه يراها أول مرة، سبق له رؤيتها حينما تلقت الطعنة عوضًا عنه، ولكنه حجب بصره عنها وامتنع، كونها محرمة عليه، والآن عادت لعصمته من جديد.
بقى يراقبها بصمت وعينيه تخبرها ما فشل لسانه بالبوح به، حتى ردد بانبهار:
_ زدتي جمال فوق جمالك يا خديجة، ما شاء الله تبارك الخالق فيما خلق.
تفتقد وجوده جوارها، حتى حديثه المعسول، تفتقد حنانه الذي حرمت منه وابتليت بشخص تجرد قلبه من كل المعاني الإنسانية.
استغل يُونس شرودها به، وحرر خمارها الأبيض، وأزاح الرابطة التي تعقص شعرها، حتى تحرر من حولها فجعلها حورية لا تُقام.
ربما لم تمتلك الشعر الحريري، ولا الملامح الجذابة والجسد المرسوم، ولكنها امتلكت قلبه وملأته، ومن ثم ملأت عينيه بها، فأصبح لا يرى أي أنثى سواها.
سحب خصلة من شعرها يمرر إصبعه من فوقها وهو يقول:
_ شعرك طول عن الأول.
ومال يهمس ببسمة ماكرة:
_ يا ترى أنتِ لسه فاكرة إني بحب الشعر القصير أكتر ولا نسيتي يا خديجة؟
انهمرت دمعة خائنة من عينيها وهي تتطلع له، وبصوت مرتعش أخبرته:
_ فاكرة يا يُونس، بس هو آآ..
ابتلعت باقي كلماتها في عجز تام، كانت تود أن تخبره أنه لم يسمح لها بأن تقصره، كان يريدها أن تتركه طويلًا حتى يتمكن من معاقبتها جيدًا حينما كانت ترتكب خطأ كان يسحبها من خصلاتها بهمجية. زلزل جسدها بين ذراع يُونس الذي استشف من نظرات الهلع الكامنة بعينيها ما كانت ستخبره به، أحاط عنقها بيده وقربها إليه يضمها بقوة تعوض بعدهما عن بعضهما طول تلك المدة، تعوضها عما عانت منه بدونه، تعوضها عن كل الأذى الذي طالها.
اضطربت أنفاسها بالرغم من أنها بين ذراعيه، بل ساءت حالتها وهاجمها الربو بقسوة، فقد جسدها توازنه ومالت على ذراعها تناديه بخفوت:
_ يُونس!
راقبها بتمعن، فعلم بأنها تواجه إحدى النوبات. انحنى يحملها ويلج بها لغرفتهما وهو يقول:
_ متخافيش يا خديجة، اهدي وخدي نفسك، الكلب ده غار في ستين داهية ومستحيل يرجع تاني.
أسندها للفراش وهي تجاهد احتقان أنفاسها. هرع يونس لدرج الكومود يسحب الكرتون الموضوع داخله أمام نظراتها المتعجبة مما يفعل، فجأها حينما وجده يحمل علبة ممتلئة من البخاخ الذي تستعمله، مثلما كان يفعل بحياتهما السابقة معًا، كان يشتري العلبة بأكملها ويوزع البخاخات بجميع الأدراج خشية من أن تنتابها النوبة وتتناسى محل وجود البخاخ كعادتها، لذا كان يضعها بكل مكان لشدة خطورة حالتها.
صعد من خلفها يجذبها إليه، ثم حرر أنبوب البخاخ داخل فمها، يعاونها على استنشاق دوائها الموضوع داخله وهو يهمس لها:
_ اهدي يا خديجة، خدي نفسك واحدة واحدة.
أبعدت الأنبوب عنها ومالت برأسها تتطلع له بشرود، تعود لها كل ذكرى كان لجوارها حينما تنتابها النوبة، وبين ذلك الحقير الذي كان يحطم أنبوب البخاخ لتعاني عن عمد.
تدفقت دموعها ومازالت مسجونة بذكرياتها، فعلم ما تخوضه بتلك اللحظة. ألقى "يُونس" البخاخ جانبًا وسحبها إليه يناديها:
_ خديجة.
رمشت تتطلع له بانتباه، فضمها إليه وهو يهمس لها بحنان:
_ كل اللي فات هندفنه مع بعض يا خديجة، أنتِ عانيتي وأنا كمان عانيت، بس من النهاردة مفيش غير سعادتنا وابننا وبيتنا وبس.
وانحنى وهو يحملها على الفراش بشكل أكثر أريحية، ثم جذب الغطاء عليهما، وهو يحرص على دفنها بين أضلعه، عساه يروي ظمأ البعد القاتل عنها، ويده تربت عليها بكل حب:
_ نامي يا حبيبتي، نامي وإرتاحي ومتفكريش في اللي عدى لإنه خلاص صفحة وأتقطعت ومستحيل هترجع لذكرياتنا تاني.
وقبل جبهتها وهو يقدم وعده القاطع:
_ أنا هقدر أنسيكي يا خديجة، هنسيكي الكلب ده والايام اللي عشتيها معاه.
تعلق بقميصه الأبيض بتمكن واغلقت عينيها وهي تشم رائحته الطيبة التي كانت تدمنها، انساقت بنوم مريح أخيرًا بعد معاناتها، حتى وهي تعلم بأنها فترة قصيرة تفصلهما عن واقع تحمله بذكريات مختومة على جسدها!
***
سحب "آيوب" الهاتف من يد فارس الذي غفا محله، انحنى يحمله وولج به لغرفته، وضعه على السرير ووضع الغطاء عليه، ثم انحنى يقبل وجنتيه بحب.
وجلس جواره شاردًا بأخيه، سحب هاتفه يتطلع لرقمه بتردد، الوقت تأخر للغاية، عساه يغفو الآن، ترك الهاتف عن يده وزفر بملل، ثم نهض يتجه لشرفة غرفته.
تسلل له صوت طرقات الغرفة، فعلم أن والدته قد أحضرت له كوب الشاي بالنعناع الذي طلبه للتو، عساه يهدئ من ارتباكه وقلقه على أخيه، فقال وهو يستند على سور الشرفة:
_ إدخلي يا ماما.
ولجت للداخل تقترب منه، تتطلع له باشتياق، تراه بالفترات الأخيرة صدفة، والآن وبيوم هام مثل ذلك لم يهتم حتى بمحادثتها.
تركت "سدن" الكوب عن يدها ونادته:
_ آيوب.
استدار لها فوجدها تتطلع له بحزن، وكأنه تناسى أمرها تمامًا بين صراعاته التي يخوضها، ما ذنبها فيما يخوضه هو.
ولج يقترب منها، يمنحها ابتسامة سلبت شكواها، بل وتسنى له رؤية فستانها الرقيق، فهتف باعجاب:
_ أيه الجمال ده كله يا سدن؟ لا وجايبالي الشاي بنفسك ده أيه الدلع ده!
خطفت نظرة للشاي الذي وضعته على الكومود، وتطلعت له باستياء:
_ أنا حبيت جبلك الشاي عشان حاسس إنك مش حابب يشوفني، أنا مبقاش عارف إنت مالك آيوب!
ابتسم رغمًا عنه وقال بسخرية:
_ إنتي!! تاني يا سدن! وتنهد بقلة حيلة: يلا مش مهم!
وأشار على الأريكة المقابلة لفراشه قائلًا:
_ اقعدي يا سدن.
جلست قبالته تتطلع له باهتمام ولهفة لسماع ما سيقول، فابتسم وهو يراقب اهتمامها الواضح، تنهد بحزن وقال:
_ أنا مقصر مع كل اللي حواليا الفترة دي، وإنتِ منهم، إنتِ عارفة حوار أن آدهم طلع أخويا ده كركبلي حياتي، بس إديني أهو بتخطاه واحدة واحدة.
مدت كفها تضم كفه، غامسة أصابعها بين أصابعه، وبابتسامتها المهلكة قالت:
_ أنا مش زعلان منك آيوب، أنا بحب أشوفك كتير وبزعل لما مش بشوفك، بس أنا عارف إنك بتحاول تكون كويس وبهير (بخير).
ضحك رغمًا عنه وكلما حاول الثبات سقط من فرط الضحك، فتابعته وهو يضحك بانجذاب، ثم قالت:
_ إنتِ حلوة أوي لما بتضحك آيوب.
تعمق بعينيها الجذابة، وردد باستياء:
_ ما تخفي عليا من كلامك وبصاتك دي يا بنت الحلال، احنا قاعدين في بيت الشيخ مهران يعني المفروض مفيش مجال للشياطين تحلق من فوقنا، بس إنت تقريبًا بتحضريهم كلهم لما بنكون مع بعض، وده مش في صالحنا أبدًا.
اتسعت ابتسامتها وهي تراقبه بابتسامة خجولة، خطف آيوب نظرة متفحصة على ابن اخيه الذي يغفو، ومن ثم لباب غرفته الشبه موصود، ثم دنى منها يهمس لها بصوت منخفض:
_ طيب بقولك أيه، ما تديني حضن محترم!
رمشت بعدم استيعاب:
_ يعني أيه محترم؟
انتزعت منه الأجواء الرومانسية التي خاضها، فضحك بملء ما فيه وهو يشير لها بالصمت:
_ اسكتي هتفضحينا، دي غلطتي أنا من البداية، لازم أتأدب وأعلمك عربي كويس الأول!
شملته بنظرة ساخطة وهي تهتف:
_ وإنتي عندك وقت عشان تعلمني! آيوب أنا بشوف إيثان اللي ده مش بيتها أكتر منك إنتي!
احتقنت فيروزته بغضب طفيف:
_ وبنشوف سيادته فين بسلامتك!
زوت حاجبيها بعدم فهم:
_ مين سلامة! إنتِ بتقولي أيه أنا مش فاهم!
جذبها إليه وهو يلقي تعليماته:
_ بقول إنك مالكيش دعوة بإيثان ولا بيونس ولا بأي راجل على وجه الأرض غيري، كده مفهوم!
هزت رأسها بتفهم، ثم عادت تخبره:
_ كله كله، ماشي موافق، بس الشيخ مهران لا، يعلمني الدين وبيحفظ أنا القرآن بعد ما انتي مبقتيش تهتمي بحفظي.
وأضافت وهي تبتعد عن محل جلوسه بحزن:
_ أنتي مش تعرفي أصلًا إن أنا حفظت ٨ جزء كمان من القرآن، مش تعرفي عني حاجة.
نقل مجلسه ليجاورها، وأعاد يده بين يدها، ثم قال ببسمة جذابة:
_ أنا فخور بيكِ يا سدن، وأوعدك إن هديتك هتجيلك قريب.
وفرق ذراعه الآخر وهو يغمز له بخبث:
_ بس بالمقابل عايز حضن حلال معتبر!
عبثت بعدم فهم لما يريد، ولكنه لم يدعها تفكر بمعاني كلماته، جذبها إليه وقال بفرحة:
_ مبروك جوازنا للمرة التانية مش فاهم ازاي، بس تقريبًا احنا من الجوازات النادرة اللي إتكتب عليها تتجوز رسمي مرتين، المرة الأولى كانت غصب عني والمرادي برضايا.... أنا بحبك يا سدن.
تعلقت به بحب، وهمست على استحياء:
_ وأنا كمان بحبك آيوب، وعاوز أشوفك على طول ومش إبعد عنك.
شدد من ضمها وحينما كاد بخروج الأمور عن سيطرته قال بصوت غلبته عاطفته:
_ يلا يا حبيبتي إرجعي أوضتك، أنا يدوب هشرب الشاي اللي برد ده وهنام ساعتين قبل صلاة الفجر.
قالت وهي تشير على الكوب:
_ إعملك واحد تاني.
هز رأسه وهو يرتشفها:
_ لا هشربه، كده أضمن ما ترجعيلي تاني، قولتلك شياطينك حاضرة وراكي، إسمعي الكلام وروحي نامي بدل ما الشيخ مهران يرميني في الشارع، ده عاد بيحبك أكتر مني، وبقى وكيلك بشكل رسمي!!
ضحكت وهي تخبره بسعادة:
_ أنا كمان بحبه أوي وبحب الحاج رقية وآ..
جذبها من تلباب فستانها وهو يتساءل:
_ بتحبي مين؟
تمردت ضحكاتها تباعًا وقالت بالإنجليزية:
_ Calm down Job he is like a father (اهدأ آيوب أنه بمثابة أب!)
ابتسم على تشديدها على كلمة أب، وراق له علاقتها الجديدة التي جمعت أبيه بزوجته، فربت على ذراعها، وقال:
_ تصبحي على خير يا سدن.
أجابته وهي تطالع عينيه بعشق:
_ وانتِ بخير آيوب حبيبي!
غادرت تغلق الباب من خلفها، بينما يهتف بنزق:
_ أنتي تاني!!!!!!!!!!!
*******______********
تخفى القمر وسطعت شمس يوم لن ينساه أحدٌ يومًا ما، بينما الجميع يستيقظون من نومهم كان يجلس هو بغرفته مهمومًا مما حدث معه، حياته انقلبت فجأة رأسًا على عقب، كاد أن يخسر معشوقته بسبب شعوره الذي اختبره لأول مرة، وهو الذي اعتاد على إشادة الجميع بمهاراته الجسدية وذكائه، يشعر الآن وكأنه لا يملك ذرة عقل واحدة. عقد العزم على أن يتناسى ما مر به، عليه أن ينهض من جديد، لن يدع اليأس يتمكن منه مهما شعر.
استمع لصوت طرقات غرفته ومن بعدها طال الخادم يخبره:
_ في عربية من شغل حضرتك تحت يا باشا، وواحد منهم بيقول إن الباشا بانتظارك.
تعجب من سماعه ذلك، وقال:
_ باشا مين؟
رد عليه الخادم باحترام:
_ معرفش مقاليش أكتر من كده.
هز رأسه بجمود وعاد يسأله باستغراب من عدم ظهور أبيه:
_ بابا فين يا سلطان؟
ارتبك الخادم من إجابته وهو يعلم بأنه سيكشف كذبته على الفور. كيف سيخبره بأنه مرض ليلاً ونقله "أشرف" السائق للمشفى من الأمس حتى الآن لم يعد به. فتنحنح وهو يقول:
_ النهاردة معاد الإعادة بتاعته عند الدكتور أكيد خرج مع أشرف من الصبح.
نهض عن مقعده واتجه يستند على الدرابزين هاتفًا بثباته المعتاد:
_ لما يوصل بلغني.
هبط آدهم لأسفل، متخذًا طريقه لمكتبه الخارجي، دخل باتزان وابتسامة ترتسم على شفتيه وبذكاء قال:
_ نورت الدنيا كلها يا مراد باشا.
حرك ساقه فوق الأخرى وطالعه بغضب دفين، بينما يعلو إحدى حاجبيه بسخرية:
_ تصدق إنك لو مكنتش عرفت مين اللي قاعد على مكتبك كنت هصدق كل الكلام اللي وصلني عنك.
ونهض يقترب منه وهو يصيح ببرود:
_ واللي وصلني عنك بيهدم كل اللي زرعته فيك، عشان كده جيت أتأكد بنفسي.
بدا وكأنه يستمع لوابل من الألغاز، فسأله بدهشة:
_ تتأكد من أيه؟
ناوله لكمة أطاحته أرضًا وهو يجيبه بغضب:
_ من قدراتك يا عريس، قوم اقف على رجلك!!
استند على المقعد القريب من مكتبه، ونهض يكبت الدماء المنسدلة من شفتيه، بينما يصيح مراد به:
_ فاكر نفسك شخص عادي، هتقعد في بيتك لمجرد إنك اتعميت!!
وأضاف، وهو يحوم من حوله:
_ أنا سيبتك ترتاح من الإصابة اللي في جنبك لحد ما تفوق، بس بما إني شايفك واقف على رجليك وما شاء الله بتحضر أفراح يبقى أنت محروم من أجازتك، ومن الأسبوع الجاي تكون بالجهاز، سامع!
ابتسامة شبه ساخرة ارتسمت على وجه آدهم:
_ عايزني أجي لحضرتك تعمل بيا أيه، أنا خلاص مش هنفع آ..
ابتلع باقي جملته حينما نالته لكمة أخرى من الجوكر، جعلته يتأوه بخفوت، بينما يطالعه الآخر بغضب:
_ يعني الكلام اللي علي قالهولي صح بقى! أنا تخيلته فاهم غلط، قولتله مستحيل آدهم يتقبل عجزه بالسهولة دي، معقول يا آدهم!!!!!
لكزه بعنف وهو يصيح بانفعال:
_ قوم كلمني، أيه اللي فرق عشان تنهار بالشكل ده!
رد عليه بحزن شديد:
_ اللي فرق إني بقيت محتاج اللي يساعدني يا باشا.
هز رأسه ينفي ما قاله:
_ إنت مش محتاج لحد، قوم وأصلب طولك وأوعى تخلي مخلوق يشوفك ضعيف حتى لو كنت أنا، قوم على رجلك.
نهض على قدميه، يستقيم بوقفته بثبات، بينما يحوم مراد من حوله وهو يقول باتزان:
_ إنت دافن كل أسلحتك جواك ومستسلم تمامًا للضعف اللي مالهوش مكان غير في أوهامك، ركز معايا وهثبتلك إنك استسهلت الاستسلام وإن اللي جواك ميشبهش أي حد لأنك مش شخص عادي.
وكأنه يبحث بين موجات الغرق عن قارب نجاة، والجوكر هو النجاة بذاته، مازال يقف بمنتصف الغرفة والآخر يحوم من حوله متخذًا وضعية الهجوم، متعمدًا الضغط بحذائه الثمين على أرضية الغرفة ليبدأ بإيقاظ مهارات طالبه تدريجيًا، وبدأ بالحديث متمهلًا:
_ من القواعد الأساسية لأي ظابط مخابرات واللي إنت تقريبًا نسيتها، إن مينفعش حد فينا ينام قرير العين زي ما بيقولوا، خاصة لو إنت في مهمة، لو نسيت القاعدة اللي المفروض تكون محور حياتك الرئيسية دلوقتي أنا هفكرك بيها، إنت مجرد إنك بتريح عيونك مش أكتر، لكن عقلك صاحي وواعي لأي حركة غدر ممكن تغفلك، إنت دلوقتي في المرحلة دي، عقلك وودانك واعيين ودول كفايا إنهم يعوضوك فقدان البصر المؤقت عندك..
وتابع بأمر صارم:
_ ركز وصد هجماتي.
باغته فجأة فانهالت اللكمة جوار عينيه فسقط أرضًا بشكل استفز مراد الذي هدر فيه بعنف:
_ قـــــــوم أقف على رجليك يا سيادة المقدم، أيه خلاص نسيت كل اللي اتعلمته وبقيت ضعيف، مش قادر تدافع عن نفسك!!!
وأضاف بأكثر ما استفز آدهم:
_ أنا مش مصدق إنك خارج من تحت إيدي أنا حاسس بالعار في اللحظة دي، فين كل اللي علمتهولك!!!
نهض عن الأرض وهو يكز أسنانه بغضب مستهدفًا مكان الجوكر بالتحديد، وكور يده بقوة دون أن تمس وجهه، بل بقيت أمام زُرقة عينيه تهذيبًا لمعلمه، ابتسم مراد وهي يتأمله بفخر، وصاح:
_ براڤو يا آدهم، حددت مكاني، استعديت كويس وهاجمت بمنتهى الشجاعة.
زوى حاجبيه بذهول، وهتف بحنق:
_ باشا إنت مش مضطر تلسع بدني بالكلام عشان أحقق المردود، إنت عارف إني بستجيب ليك من غير أي حاجة.
جابهه بتهكم:
_ ما أنا مبقتش فاهمك، بحاول أشوف النموذج الجديد الغريب ده.
وأشار له وهو يدنو منه:
_ استعد.
اعتمد آدهم على أذنيه فتمكن من رصد حركة مراد وقبل أن يباغته بضربة كان آدهم يحتجز ذراعه، فابتسم الجوكر، وانحنى ينزع حذائه ووقف بجواربه، يخبره بثبات:
_ دلوقتي دور عقلك يا آدهم، إنت عاشرتني والمفروض إنك تكون عارف طريقتي بالقتال عاملة إزاي، اتوقع أنا ههاجمك إزاي.... يلا استعد.
أزاح الدماء عن شفتيه النازفة، واستعد بكل قوته، فالجوكر ليس بالخصم الهين، يعلم بأنه لن يبذل كل قوته ضده ولكن القليل منه يكفي لقتله هو شخصيًا. استخدم أذنيه وعقله يستعيد سنوات التدريب التي خاضها برفقته من مستوى لآخر. وفجأة امسك بساقه التي كادت باستهدافه، دفعه آدهم للخلف، ففاجأه مراد بلكمة منعها آدهم من أن تمسه، بينما يعود مراد للمرة الثالثة والرابعة وكل مرة ينجح آدهم بصد هجماته ببراعة جعلته يهمس بفخر:
_ هو ده تلميذي! اللي يستحق البطولة والتكريم.
انتصب بوقفته يحاول ضبط انفاسه الهادرة وجرحه الذي اشتد من فرط حركاته العنيفة، بينما يرتدي مراد حذائه والجاكت الخاص به، ثم دنى يخبره بغموض:
_ وجودي هنا مش بصفة رسمية يا آدهم، أنا جيت لأنك تعنيلي وإنت عارف كده كويس، علي شرحلي اللي بتمر بيه من غير ما يقولي تفاصيل، وعشان كده أنا مهدتك دلوقتي بتدريب بسيط جدًا هيخليك تقدر تتكيف في حياتك العادية بين أسرتك، لكن اللي عايزك تعرفه إن حياتك مش هتقف على إصابتك دي، ولا الجهاز هيستغنى عنك عشانها، آدهم أنا واثق إنك هترجع تشوف أحسن من الأول وفترة اجازتك الرسمية من الوزير أنا هقطعها عليك وهخدك أدلعك، عشان كده أول الأسبوع تكون بالجهاز.
قال بحماس أعاد روحه الضائعة:
_ لو عايز أجيلك من بكره هاجي.
ربت على كتفه وقال:
_ لا جرحك لسه طاري وده اللي مخلنيش أضغط عليك دلوقتي، ده أولًا، ثانيًا المرادي مش أنا اللي هدربك.
تلاشت ابتسامته وصاح بدهشة:
_ أنا مش عايز غيرك يا باشا، أنت قررت تتخلى عني!!
ضحك بصوته الرجولي الجذاب وقال:
_ لا يا آدهم، قررت أدلعك ما أنا لسه قايلك من شوية، وبعدين متقلقش هتلف لفتك وهترجعلي بالنهاية لأنك تحت قيادتي رسميًا، القائد اللي هسلمك ليه التلات أسابيع دول حركة مني من تحت التربيزة، أو اعتبره عقاب على أمر مباشر مني.
بدى مشتتًا بين حديثه المبهم، فسأله باستغراب:
_ حضرتك بتتكلم عن مين؟
خطى جواره وقال بمكر:
_ هتعرفه لوحدك لما هقولك إنه يقدر يقتل كتيبة كاملة من غير طاقة نور واحدة.
همس بعدم تصديق:
_ الأسطورة!
اتسعت ابتسامته وهو يؤكد له:
_ من أول الأسبوع هتكون تحت قيادته، أنا إديته أمر يدربك عشان بعد كده ميبقاش يعمل شغل مع حد من ورايا مع حد من فريقي.
ابتهجت معالم آدهم بسعادة، حتى أن عينيه أضاءت بوميض كأنه يرى الآن، فمازحه مراد بسخط:
_ على فكرة أنا قاريك من مكاني هنا، فرحتك دي أغبي شيء اكتشفته فيك، إنت فرحان أنك هتعاشر إبليس! أنا افتكرتك هتقلق من التجربة اللي زنقتك فيها.
رد عليه بامتنان:
_ بالعكس أنا عاجز عن رد جمايلك الكتيرة عليا، أنا فخور إني تحت قيادة حضرتك، فتخيل لما أجمع ما بين الجوكر والأسطورة في فترة تدريبي، أنا دي مكافأتي مش الترقية ابدًا.
ربت على كتفه وقال وهو ينسحب:
_ أنا لازم أمشي، يا ريت تظبط دنيتك لاني لو وصلي شكوى من دكتور علي تاني متلمش إلا نفسك.
وأضاف باستنكار:
_ بذمتك حد يناسب شخص زي دكتور علي ويزعله!
شعر بتأنيب ضميره لما فعله، فاتبع مراد للخارج وقبل أن يستقل سيارته، ناداه قائلًا بخبث:
_ باشا، لما تعوز تختبرني تاني ابقى غير ريحة البرفيوم بتاعتك!
اتسعت ابتسامته وهو يراقبه، وهتف:
_ المرة الجاية حاضر، منك نستفيد يا عمر باشا!
وتركه ولج للسيارة التي يفتح بابها أحد الحرس، غادرت السيارات سريعًا، فتسلل لآدهم الشارد بالفراغ صوت الخادم يخبره:
_ شمس هانم صحيت وبتخبط على باب الجناح، شكله مقفول من برة يا باشا!.
أشار له بالمغادرة وصعد للأعلى بثبات، وهو يستعيد كل خطاه السابقة، حاسبًا العد بين كل خطوة حتى وصل لباب جناحه، أخرج مفتاحه ووضعه بالباب يحرره.
***
اجتمعت العائلة أمام بوابة قصر "الغرباوي"، كانت البوابة باللون الأخضر الملكي، يحيطها بالجانب عدد من الأشجار، المزينة للمدخل. انفتحت البوابة وكانت سيارة "عُمران" أول من عبرتها، إتبعتها سيارة "أحمد" وبالخلف سيارة "علي".
مرت السيارات من مسافات ضخمة ملأتها الأشجار والمساحات الخضراء الشاسعة، مرورًا بعدد من الملاحق الخارجية، الخاصة بالحرس وخدم القصر، انتهاءًا بالقصر الملكي الذي يقع بمنتصف الحديقة. هبط عُمران يفتح الباب لمايا، هبطت ثاني تحتمل على يده وهي تراقب تصميم القصر بعدما جدد عُمران تصميمه من جديد.
نظرات الانبهار تشكلت على العينين بأكملها، وبالأخص "فاطمة"، التي شهدت تنفيذا لإحدى مشروعات عُمران عمليًا للمرة الأولى. ثنى علي ذراعه وقال مبتسمًا:
_ بينا نستكشف القصر يا فطيمة هانم.
شبكت يدها به وقالت بحماس:
_ جناحنا الأول يا علي، عايزة أشوف المكتب.
استمع لها عُمران، فترك زوجته واستدار لهما:
_ عملتلك حتة مكتب هتدعي لأخوكِ عليه العمر كله يا فاطيما.
تساءل علي باسترابة:
_ ومكتبي؟
حك ذقنه النابتة يمنع ابتسامته من الظهور:
_ بعدين نتكلم يا علي، بعدين.
وتركه ولحق بوالدته للداخل، بينما يهتف علي بقلق:
_ شكله كنسل لي عشان مكتبك يا فطوم.
هزت كتفيها بدلال وابتسامة نصر:
_ أنا شغلي أهم يا علي.
غمز لها بحب، وهمس:
_ أهم وأغلى من حياتي كلها يا قلب علي، عمومًا لو عجبك إعتبريني ضحيت لأجل سعادتك.
ضحكت بخفة، واتبعته للداخل، بينما يصعد الجميع للأعلى ليتبينوا القصر من الداخل.
***
طرقت الباب بعصبية بالغة، وهي تصرخ:
_ آدهــــــــــــم افتح الباب ده حالًا، إنت فاكر إنك لما تقفل عليا هقعد! افتح الباب ده.
حرر الباب بالفعل، وهو يحاول تهدئتها:
_ بفتحه، إهدي يا شمس!
حرر الباب فاندفعت تجاهه تهدر بانفعال:
_ إنت إزاي تحبسني بالشكل ده، أنت آآ...
انقطعت عنها الكلمات فور أن رأت وجهه ينزف دماءًا، أسرعت إليه بفزع:
_ آدهم أيه اللي عمل في وشك كده؟
راقه ملمس يدها الناعمة على وجهه، فابتسم وهو يخبرها:
_ كنت بحاول أنتحر، يمكن أصعب عليكِ وتفضلي معايا.
ابتلعت غصتها المؤلمة، ودفعته برفق للداخل قائلة بنبرة متحشرجة من أثر كبت بكائها:
_ تعالي معايا.
إتبعها لمحل ما أرادت، جلس على الفراش، بينما تركض هي لحمام الغرفة، عادت بصندوق الإسعافات الأولية تجلس قبالته بتوتر، فسألته بارتباك:
_ آدهم تسمحلي أعقملك الجروح ولا هتضايق؟
تألم لاستاذانها منه للاقتراب، ولكنه تماسك وقال:
_ على حسب، لو هتفضلي معايا ومش هتمشي هكون ملك ايديكِ، تعالجيني بقى تعاقبيني اللي تحبيه، لكن لو هتمشي فبلاها أحسن.
فتحت الصندوق من أمامها وبدأت تعالجه قائلة بسخرية:
_ مكنش له داعي تقفل عليا أنا كده كده مش همشي، وخلاص أخدت قراري.
ابتهجت معالمه وقال بلهفة:
_ وأيه هو قرارك يا شمس هانم؟
منعت ابتسامتها من الظهور جراء لقبها، وقالت بعزم:
_ هعاقبك وبنفسي يا كابتن آدهم.
قالتها وهي تضغط بقوة على جرح جوار حاجبه، فتأوه بألم، وقال:
_ بالراحة يا شمس، أخوكِ والع النار بيني وبين القائد، وقام معايا بالواجب على أكمل وجه.
تمعنت به باهتمام:
_ مين عُمران؟
هز رأسه وهو يجيبها:
_ لا دكتور علي، شكله كده كان هارش حالة الاكتئاب الغريبة اللي جاتني دي.
انتهت من تضميد جرحه، وتركت العلبة من يدها، احتل الصمت الجناح، فقال بندم:
_ شمس أنا عارف إني وجعتك ومهما قولت أو عملت مش هخفف عنك اللي حصل امبارح، أنا مش عارف أصلًا أيه اللي وصلني للحالة الغريبة دي، وآ...
قاطعت حديثه وقالت بمكر أنثى عادت لتأخذ حقها كاملًا:
_ هنتحاسب وهنتعاتب كتير كمان يا آدهم، بس دلوقتي إنت غلطت في حق أخويا، وبسببك مشي من عندي وهو زعلان مني، لو عايز تكسب جزء من رضايا تصلح علاقتك بيه وتضمن إنه ميكنش زعلان مني، أنا مش هقدر أتحمل زعل عُمران بالذات.
لمس الحزن بصوتها، هو من تسبب بالأمر من البداية، لذا واجب عليه أن يرمم ما فعله.
سحب آدهم الأيفون الخاص به، يرفعه إليه وهو يهتف بتردد من وجودها:
_ أبو نسب الوقح!
رمشت بعدم استيعاب:
_ إنت مسجل أخويا وقح!!
منع ابتسامته من الظهور وقال ببراءة مصطنعة:
_ مش أنا، ده آدهم خطيبك اللي سجله لكن اللي قدامك ده جوزك بعد ما قرب من الوقح واكتشف إنه حد كويس، وللأسف ملحقتش أغيره على فوني عندك استعداد تغيريه اتفضلي تليفوني وأنا ملكك.
سيطرت على ضحكاته وهدرت بخشونة مقصودة:
_ كلمة وخلص يا كابتن.
رد عليها بأمر عسكري:
_ تحت أمرك شمس هانم.. مع اني مرتبك من رد فعله!
أتاه رد عُمران اللاذع:
_ نعم نسيت تضيف حاجة من وصلة قلة أدبك بتاعت امبارح؟
كبت آدهم ضحكاته وقال:
_ شمس رافضة تقبل اعتذاري الا لما انت تكون مش زعلان منها ولا مني، شوفت الدنيا لعبتها وجابتهالك على حجرك!
رد عليه بغموض:
_ واخد بالي إنها جيتني على حجري، وكنت متوقع إنها هتعمل كده والا متبقاش تربية عُمران سالم الغرباوي.
قال آدهم باستغراب:
_ أيوه يعني نفهم أيه من النمرة بتاعتك دي؟
هتف بعزيمة مؤكدة:
_ نص ساعة وجايلك، أتمنى بس تكون عقلت ولا أجيب معايا دكتور علي احتياطي!
_ ليه شايفني بشد في شعري يا بشمهندس!
= لا إنت بس شكلك كنت شارب لأول مرة فعامله معاك عمايلها.. عمومًا متشتاقليش كتير، أنا في الطريق!
.......يتبع....
رواية صرخات انثى الفصل الرابع والتسعون 94 - بقلم ايه محمد رفعت
أغلق هاتفه وولج للجناح مجددًا، فوجد زوجته تقابله بنظراتٍ غاضبة، ويديها تتربع فوق بطنها المنتفخ. جاهد ليبدو متماسكًا، ولكن رغمًا عنه ضحك على مظهرها المضحك، وبصعوبة قال:
"فكي إيدك إنتي من غير حاجة، شكلك مضحك يا بيبي، فبلاش تزيدها! بطريق تايه من القافلة بتاعته!"
احتقنت مُقلتيها بغضبٍ، جعله يبدد ضحكاته وهو يهدر:
"آسف يا روحي، أنا بني آدم مزعج وأب غير مسؤول عارف."
وإتجه إليها يرفع ذقنها للأعلى، ثم مال يقبل جبينها بحبٍ، ومال يهمس لها:
"حبيب قلب جوزه متضايق من أيه؟ ده أنا أخرب الدنيا كلها لو حد بس يفكر يبصلك بطرف عين."
دفعته عنها وصاحت بنفور:
"إنت اللي مزعلني يا حضرة، إتفضل هاتي حقي بقى منك وحالًا."
أشار ببراءة مصطنعة لا تليق بشخصه الماكر:
"أنا يا مايا!! أنا زعلتك!"
هزت رأسها بكل تأكيد، فتابع مبتسمًا:
"عنيا حاضر هجبلك حقك مني، إنتِ تؤمري أمر يا مايا هانم."
ظنته يسخر منها، ولكنها وجدته يتجه للمرآة المطولة بعرض الحائط، يقف قبالة نفسه، وبجدية تامة صاح:
"إنت يا حقير إزاي تجرأ وتزعل حبيب قلبي، مقالولكش إنها حرم عُمران سالم الغرباوي!!"
وتابع وهو يشير لها بأنه يجدي حسنًا:
"لا مش هقبل أي إعتذار منك، اللي إنت زعلتها دي بنتي وروحي وقلبي وكل دنيتي، هعمل انا أيه بكمية الاعتذارات دي، راضيها هي ولو سامحتك هسامح، وتاني مرة لو كررتها هطلع روح أمك في إيدي."
انفجرت من الضحك وهي تتابعه بعدم تصديق، فاستدار يتأملها بابتسامة عاشقة، وقال:
"ها هترضي عنه ولا أسحلك أمه هنا؟"
اقتربت منه تقابله بنظرة عاشقة، ومالت تتدلل عليه وهي تعقد جرافاته:
"على فكرة أنا مش زعلانه منه، أنا زعلانه منك إنت يا بشمهندس."
أحاط خصرها يقربها إليه، وقال:
"ليه يا حبيبي، عملتلك أيه بس، الجناح مش عاجبك طيب، أنا عاملك كل الألوان اللي بتحبيها وبتريحك، حتى الانتيكات، والاجهزة وكل شيء، قوليلي طيب أنا غلطت في أيه؟"
سحبت يده وإتجهت به لمساحة الخزانة الضخمة التي خصصها بالداخل، كانت أغراضه الشخصية تأخذ حيز ضخم، وبالأخص عطوره وأحذيته والساعات المخصصة إليه. وجدها تتجه للجزء المجاور لمساحاته، تضغط على الزر الاتوماتيكي، فانفتح من أمامها الباب الخاص بالخزانة، والذي خصص هذا الجزء بالتحديد لملابس صغيرها. تابعها عُمران وهي تشير له بحزن:
"إنت عامل متشنج مع ابنك وسايبني، جايبله بدل وهدوم صغيرة شبه هدومك، طيب وأنا!! يعني أنا أحمل فيه وأشيله ٩ شهور وفي النهاية ينزل يلبس زيك إنت، ليه بقى؟"
انتقل برماديته بصعوبة عن الخزانه لها، ظن أنها تمزح ولكنها كانت تتحدث بجدية تامة، ودمعاتها تتلألأ بمُقلتيها، فقال مستنكرًا:
"يعني إنتِ زعلانه عشان اشتريتله هدوم شبه بتاعتي وحابب إننا نلبس شبه بعض، زعلانه إني كجولت إبنك يا مايا!"
أكدت بعصبية بالغة:
"وليه ميلبسش على ذوقي أنا ولا أنا ذوقي بلدي وميعجبكش يا بشمهندس!"
وتابعت وهي تسحب إحدى الحقائب الموضوعة جانبًا:
"أنا على فكرة اشتريتله هدوم كتيرة جدًا، طلبتها أون لاين، وذوقهم حلو مش وحش."
اقترب منها وقال:
"مين اللي قالك ذوقك وحش!"
تجاهلته وجلست على الأريكة الصغيرة، تفتح الحقيبة من أمامها، فانحنى أرضًا يخفض الحقيبة لتتمكن من رؤيته، تعمق بعينيها وهمس بمكرٍ:
"ذوقك وحش إزاي وأنا إختيارك يا بيبي!! لا إنتِ ظالمه نفسك أوي، أي واحدة هتشوفني جنبك هتقسم إنك ذوقك عالي وحلو جدًا جدًا."
استغلت انه ينحني على ساقيه ودفعته بغضب:
"أنت مغرور ووقح يا عُمران، وعلى فكرة مش هيلبس غير اللي انا اشتريته، إبني وأنا حرة فيه سامع!"
ضحك بصوته كله وكلما جاهد للحديث عاد لنوبة الضحك، فتمدد على السجاد الفخم من أسفله، وقال:
"عارفة لو حد تاني اللي زقني الزقة دي، كنت طلعت عين أمه، بس عندك وكل حاجة بمتلكها بتتلاشى قدامك!"
تجاهلت ما يقول وأخرجت الملابس من الحقيبة، ثم إتجهت للحزانة، تحاول تعليق الملابس على الشماعة، ولكنها كانت مرتفعه عنها للغاية، جذبت المقعد وحاولت الصعود إليه، ولكنها تفاجئت به يحملها ويعود بها للجلوس على الأريكة، قائلًا:
"كده خطر عليكِ وعلى البشمهندس اللي مبسوط موت من خناقتك ليا ده، ارتاحي أنا هعلقهم بنفسي."
والتقط منها ما تحمله وأبعد الملابس الذي اشتراها جانبًا، مخصصًا مكان لما اشترته لاجل صغيره، كانت يتأمل كل قطعة بابتسامة جذابة، حتى انتهى مما يفعله، فاستدار يخبرها بصدق:
"على فكرة الهدوم اللي اشتريتها أحلى من اللي جبتها وهتكون مريحه ليه أكتر، تحسيها هدوم بيبهات كده، لكن أنا معرفش ازاي جبت لبيبي صغير بدل كلاسيكي!! هيلبسها ازاي دي!!"
امتص كل الغضب الذي بداخلها فابتسمت وقالت:
"عادي هنخلي المريح للبيت و لما يخرج معاك في أي مناسبة هنلبسه شبهك بالظبط، هتبقوا كيوت أوي!"
أغلق الخزانة واستدار يتطلع لها بنظرة طالت بكل العشق الذي حمله لها، يطوف قلبه قلقًا وخوفًا لا يعلم مصدره، ارتابت مايا لشروده الطويل بها، فتسائلت بقلق:
"في أيه؟"
رسم ابتسامة هادئة، وفرق ذراعيه هامسًا:
"تعالي يا مايا."
نهضت تتجه إليه، فضمها بقوةٍ، وكأن الموت ينتظره على باب جناحه، شددت من تعلقها به وهي تشعر بأن هناك أمرًا ما، فهدرت بخوفٍ:
"إنت فيك حاجة؟"
طرد عنه كل شيء وقال يمازحها:
"دايخ من سحرك بس."
ابتعدت تطالعه بشكٍ، فضحك وهو يخبرها:
"إنتِ سحرك بيغريني في التوقيتات الغلط، المفروض إني أبدأ أجهز عشان سفري، بس الأول هعدي على شمس والكابتن الغبي جوزها."
لحقت به وهو يتجه لخزانته، يجذب احدى البذلات الفخمة وحزامه الباهظ، ثم انحنى ينسق حذاء يليق به، تابعته مايا بقلقٍ، فحاولت طرده عنها وبدأت بالحديث معه:
"هتأخد مين معاك؟ فاطمة هتيجي؟"
سحب المنشفة الخاصة به، ومستلزماته الخاصة قائلًا:
"لا فاطيما مينفعش تيجي معايا مشوار زي ده، جمال اللي مصمم يجي معايا، مع إنه مطلوب منه شغل كتير أوي، هيأجله لبكره وهيبقى مجهود كبير عليه بس هنقول أيه غبي هو التاني ودماغه مش بتلين لحد."
هزت رأسها بخفة، وقالت مبتسمة:
"ربنا يوفقك يا حبيبي."
سحب كفها يقبله، وخطى بها لجوار خزانته، ومن ثم ضغط على زر جانبي، فوجدها تردد بذهولٍ:
"ده الحيطة!!!"
ابتسم وهو يسحب الباب الشبيه بالحائط:
"لا ده جزء من دولابي، خصصته ليكي بعيد عن الخزانة بتاعتك، طقمتلك كام فستان معانا أنا والبرنس."
وأحاط خصرها مستندًا بذقنه على رقبته ليترك لها فرصة تأمل ما اشتراه لاجلها، بينما يهمس:
"مش أنا والبيبي اللي هنطقم بس، مش معقول أنسى حبيب قلبي… الحب الأول قبل التاني وإنتي حبي الأول وهو الحب التاني!"
تركته وولجت للخزانه الضخمة تتفحص الفساتين الفخمة من امامها، اتسعت ابتسامتها فرحة واعجاب بما رأته، فعادت تركض إليه، إلتقفها بسن ذراعيه بينما تردد بسعادة:
"تحفة أوي، كل فستان أشيك وأحلى من التاني، والأفضل من كل ده إنك افتكرتني، أنا بحبك يا عُمران."
غمست أصابعه بين خصلاتها المفرودة، يقربها إليه، ويهمس بتوترٍ اجتاحه فجأة:
"حبك ده اللي بيقويني يا مايا، ومهما ببعد برجع مشتاق ودايب في غرامك."
ثم أبعدها وهو يحذرها بمزح:
"كفايا رومانسيات هتأخر كده، اتفرجي على الفساتين براحتك وسبيني أستعد."
وتركها تعود للخزانة بلهفة، ثم ولج للحمام الخاص بجناحه، اغتسل ووقف أمام المرآة يعيد ترتيب حلاقة ذقنه بتهذيبٍ، وحينما انتهى وقف يتطلع لذاته قليلًا بشرود، أنفضه عنه وخرج يرتدى بنطاله وقميصه الأبيض المطوي، ثم وضع الجرفات، وارتدى خاتم زواجه الموضوع على السراحة، ثم ارتدى ساعة يده الثمينة، وفور أن انتهى من تصفيف شعره ارتدى جاكيته.
استعد للمغادرة فوجدها تتجه إليه وتقدم له الجرفات الخاص به ببسمة واسعة، أشار لما يرتديه قائلًا:
"لبست خلاص يا حبيبتي."
استدارت له وقالت بضحكة خبيثة:
"دي ليا مش ليك يا بشمهندس."
ضحك بصوته الرجولي ولملم خصلاتها، قائلًا:
"آه ده أحنا خدنا على كده بقى، أنا اشتري بالدولار وإنتِ تربطي بيهم شعرك!"
رفعت رأسها إليه وقالت بتذمر:
"مفيش حاجة خسارة فيا."
انحنى يقبل جبينها المرفوع تجاهه:
"مال الدنيا كله تحت رجليكِ يا بيبي."
ابتسمت وعادت تتطلع للامام، لحين أن ينتهي من عقدها، فعقدها على شكل فيونكة مثلما تحب، وسألها باستغراب:
"مش دي الكرفاته اللي أنا لسه قالعها!"
هزت رأسها بتأكيد:
"شوفت إني بحافظلك على حاجتك النضيفة وبستعمل اللي بتقلعه ازاي."
ضحك على مكرها ومال يتعمق بعينيها كأنه جهاز كشف الكدب:
"يعني مش عشان محتفظة بريحة البرفيوم بتاعي!"
نفت ذلك قائلة بسخرية:
"ما البرفيوم بتاعك كله قدامي هنا، لكن التركيبة اللي بترشها اللي بتعجبني، ألقطها منك في مرة بس وهعيش بقى."
توالت ضحكاته مستمتعًا بحديثها، سحب “عُمران” هاتفه ومتعلقاته الشخصية، ثم قال:
"يدوب أتحرك… سلام مؤقت يا بيبي."
أحاطت عنقه وقالت بقلقٍ:
"ممكن متعملش موبيلك صامت، وتطمني لما توصل."
ضم وجنتها بيده وقال:
"حاضر، بس خلي بالك إنتي من نفسك وارتاحي، الجناح كبير جدا وهيحتاج منك وقت عشان تستكشفيه فبلاش تضغطي نفسك النهاردة، الايام جاية كتير."
هزت رأسها في طاعة، فخرج ساحبًا باب الجناح من خلفه، فكان بطريقه للهبوط حينما ناداه “علي”، دنى منه وملامحه مطعونة بالغيظ والغضب.
حك عُمران أنفه يخفي ابتسامته، وقال ببراءة وجدية مصطنعان:
"خير يا دكتور."
سحبه جانبًا واستدار يطمئن ببعد المسافة بينه وبين زوجته التي تتجه إليهما:
"بقى تخصص مكتب ليها في مساحة ٤٠متر، وأنا تعملي المكتبة بتاعتي في ١٠ متر!!!! أنا كنت بحلم بالمكتبة دي وقولتلك مواصفاتها من أول ما بدأت ترمم القصر وتجدده، حصل ولا لأ يا أفشل مهندس خرجته كلية الهندسة!"
تمردت ضحكات عُمران وهو يتابعه يضيف:
"دي مكتبة أوضتي في لندن أكبر منها بكتير، إنت أكيد بتهزر معايا صح!!"
غمز له وقال:
"فاطيما وصلت، تحب ردي عليك يوصلك قدامها ولا نأجل؟"
استدار يتفحص قرب مسافتها منهما، وأشار بسخط:
"أجل يا فاشل، أجل!!"
أسرعت فاطمة إليهما، والابتسامة تنير وجهها الجميل، تتجه لعمران بالتحديد وبكل امتنان قالت:
"عُمران المكتب جميل أوي أوي، أنا مش عارفة أشكرك ازاي، إنت منستش أي حاجه فيه، انا حاسة إني مش عايزة أخرج منه أبدًا أبدًا، وأجمل ما فيه الروم المخصصة لاجتماعات الاون لاين، بجد تصميمها تحفة ومريحة جدا، شكرًا ليك بجد."
منحها ابتسامة هادئة وقال:
"مبسوط إنه عجبك يا فاطيما، تستاهليه وتستاهلي أفضل من كده كمان."
وتابع وعينيه تتراقص بمكر على أخيه الذي يتابعه بغضب:
"بس مقولتليش أيه رأيك بالجزء اللي خصصتهولك في مكتبك؟"
زوت فاطمة حاجبيها، وتساءلت في دهشة:
"جزء أيه؟"
كبت ضحكاته بصعوبة، وقال وهو ينابع تأثر ملامح أخيه:
"أخدت عشرة متر من مساحة المكتب وعملتلك فيها مكتبة، لإني عارف انك بتحبي الكتب جدًا."
انبهرت فاطمة بما قال، بينما كاد علي أن يصاب بذبحة صدرية من شدة صدمته، رددت فاطمة بفرحة مضاعفة:
"يعني المكتبة اللي جوه دي ليا أنا!!"
اكتفى بإيماءة من رأسه، حتى لا ينكشف ضحكه الشديد على وجه أخيه الممتقع بالاحمرار، وحينما استعاد ثباته قال:
"تعالي وأنا هوريكي كام حاجة سرية جوه المكتب هتعجبك أوي."
سبقته بكل حماس:
"بسرعة وريني."
لحق بها واستدار يشاكس أخيه:
"مش هتيجي معانا ولا أيه يا علي؟"
تحرك إليه يسدد له لكمه قاسية، انحنى عُمران يتفاداها وصاح بضحك:
"عيب يا دكتور، أعقل كده وبطل حقد، حد يغير من مراته يا جدع!! بص وشوفها سعيدة ومبسوطة ازاي!"
دفعه “علي” للحائط، وصاح من بين اصطكاك أسنانه:
"بقى أنا تعمل معايا كده يا عُمران، ماشي يا وقح مــــــــاشي!!!"
ضحك بصعوبة حديثه:
"إيدك والبدلة يا علي، هحضر بيها مؤتمر مهم!"
رد عليه بسخرية:
"متستحقش مؤتمرات ولا المهرجنات اللي عملينها عشانك دي لانك مهندس فاشل يالا!"
وتابع وهو يتفحص زوجته ثم يعود له:
"بقى أنا يبقى عندي مساحة ٥٠ متر فاضيه جوه الجناح تعملها كلها مكتب لشغلك يا متسلط، طيب كنت خصصتلي حتى عشرين متر! كتبي اللي هتعطلك شغلك يعني يا أفشل مهندس أنجبته مصر!"
فشل عُمران بالسيطرة على ذاته، فمال على كتف أخيه يضحك حتى أدمعت عينيه، ضحك علي رغمًا عنه، ومال فوق رأسه يهتف باستنكارٍ:
"بتضحك! شكلك بقيت بتعز فاطمة أكتر مني!!"
واستطرد وهو يلتفت تجاه زوجته التي تشير لهما بالقدوم، وقال بجدية:
"بس منكرش إن سعادتها بالمكتب مفرحني، فهسكت عشانها بس.. تعالى نشوف الاماكن السرية اللي عملتها، إياكش تكون فاكر أخوك بمترين يعين فيهم كتابين حتى!"
نصب عوده بعدما أزاح دموعه التي سقطت من فرط الضحك الهيستري، وربط على كتفه يخبره:
"متقلقش هفاجئك!"
منحه نظرة ساخطة واتجه للجناح متمتمًا:
"مش عايز أتنيل أتفاجئ، كفايا أوي لحد كده!"
انهار من الضحك وهو لا يصدق أن الذي يواجهه هو علي شقيقه، كان يعلم أنه مهووس بالقراءة والكتب ولكن لم تصل به الرؤية لتقييم مدى حبه لها.
ولجوا معًا للجناح، حيث كان مقسمًا لمساحة ضخمة احتوت سرير كيير، وصالون كامل، يحده شرفة كبيرة تطل على الحديقة، وعلى جانبيه مدخل لغرفة كبيرة المساحة صنع فيها نفس مقاسات خزانة غرفة عُمران، ولجوارها حمام كبير للغرفة، وبالجهة الاخرى مدخل يخص مكتب “فاطمة”.
أخفض عُمران عينيه عن الاغراض المبعثرة على الفراش، فقد بدت ان فاطمة كانت ترتب ملابسها داخل الخزانة، اتبعها لغرفة المكتب، واستدارت إليه تصفق بلهفة طفلة يكتشفها “علي” بزوجته للمرة الاولى:
"وريني الاماكن السرية!"
اقترب عُمران من الحائط المصمم باللون الأبيض، وبنفس الجزء الذي خصصه خزانة سرية لملابس ومجوهرات زوجته، ضغط عليه فانفتح من أمامها، فوجدت خزنة صغيرة داخلها، وعدة رفوف فارغة.
جحظت عينيها بانبهارٍ، وهتفت بلهفة:
"ورايني لوحة تصميم أوضة المكتب عايزة أشوف ازاي حطيت التفاصيل دي كلها!"
أغلق الخزانة واستدار مبتسمًا:
"بكره في الشركة هوريهالك حاضر، بس تحتفظي بيها بعيد عن أي حد دي أسرار شغل."
قالها وهو يشاكس علي بنظراته، بينما يستطرد:
"الخزنة دي بقى تقدري تحتفظي بيها بمجوهراتك ومرتبك اللي بتخديه كل شهر، مهو إنتِ لازم تأمني نفسك يا فاطيما، مسمعتيش عن الرجالة اللي بتسرق فلوس مرتاتهم!"
ضحكت بملء ما فيها، بينما ابتسم علي ببرودٍ، لن يصل لما يريد ان يجره أخيه إليه، بل اقترب إليه يلف ذراعه من حوله، مستغلًا فرق الطول بينهما، وقال:
"لا سمعت عن الأخ اللي حبس أخوه في مستشفى الامراض العقلية، عارفها ولا تايه عنها يا ميرو!"
وتابع وهو يشير إليه:
"أمال أخوك فين من الليلة دي كلها!!"
أزاح يده عنه ومنحه نظرة غرور، ثم اتجه للجانب الاخر يفتتح جزء أخر ويشير لفاطمة بوجود براد صغير ومكان مخصص للملفات، وفتح المكتبة دن جديد لها.
تركها “عُمران” تستكشف ما فُتح أمامها، وعاد لاخيه يشير له، هاتفًا:
"مقولتليش أيه رأيك في الجناح؟"
أجابه بجدية تامة:
"جميل ومرتب جدًا، حتى ألوان الدهانات هادية ومريحة للعين جدًا، تسلم دماغك انت وفريقك يا بشمهندس."
منحه ابتسامة هادئة، وقال:
"تعالى معايا."
ات
بعه “علي” للخارج، فوجده يتجه لخزانة الملابس الضخمة، مستهدفًا الجزء الخاص بأخيه، ضغط على الحائط المجاور للخزانة، فانفتح باب حجري جوار الخزانة، وظهر فيه تجويف داخلي، يبرز درج أبيض، صغير ملتوي بشكل حلزوني، ولج علي من خلفه وهو يتساءل بدهشة:
"ده أيه يا عُمران؟"
صعد للاعلى وقال:
"تعالى بس."
لحق به للاعلى، والآخر يقول بمكر:
"مش كنت بتسأل الدور التالت فيه أيه، هوريك."
تخشب بمحله وهو يبرق بدهشةٍ وعدم تصديق، لقد صنع له عُمران مكتبة كاملة على مساحة جناحه بالكامل، مكتبة امتزجت باللون الأزرق والأبيض، رفوفها تمتد من أرضية الغرفة لأعلها، تحمل المئات من الكتب بكافة المجالات!
دارت رأس “علي” في المكان الشاسع من حوله بانبهارٍ ودهشة، وسعادة ارتسمت على عينيه قبل أن تصل لشفتيه، كل عدد من الرفوف كانت تحمل لافتة تدون أعلاها المجال المخصص به الكتب، كالطب النفسي وغيره من الروايات والكتب المترجمة، كل ما تمناه يجده أمام عينيه، يحتاج فوق عمره عمرًا ليتمكن من قراءة كل تلك الكتب، يشعر وكأنه يود أن يحتبس داخلها ليمضي بين صفحات تلك الكتب، ولكن كيف سيصعد للاعلى!
سقطت رماديته على الدرج الالكتروني الموضوع بزواية الرفوف بشكل ابداعي، يمكنه من الصعود لأي رف يريده، وما جذبه كليًا وجود جزء مخصص للمشروبات وقد وضع فيه القهوة والمشروبات المحببة له.
استدار تجاه عُمران فوجده يراقب كل رد فعل منه بابتسامة واسعة، وحينما التفت إليه سأله:
"ها أيه رأيك؟"
ازدرد ريقه بصعوبة وقال:
"مفيش بعد كده! إنت أخدت أحلامي كلها ورمتها في المكتبة دي!"
وتابع وهو يعود لتأمل مساحتها:
"مساحتها كبيرة أوي اوي."
رد ببسمة جذابة:
"يمكن لان دي مساحة جناحك كلها مثلًا.."
استدار، إليه يهتف بعدم تصديق:
"معقول!!"
أكد له بايماءة من رأسه، ولكنه لم يراها فمازال مأخوذ من جمال ما يراه، إتجه عمران للحائط الخارجي حرر الزر الجانبي، فانقسم الحائط الخشبي نصفه يصعد للاعلى والنصف يهبط للاسفل، فبرز من أمام علي حائط زجاجي يطل على حديقة القصر، كأنه يجلس بمنظر طبيعي خالد لا يحمل سواه.
اتجه إليه وهو يتفحص جمال المنظر المحيط به، بينما يردد عمران ساخرًا:
"كده مش فاضلك غير الرمادي يحضر هنا ويخطفك لارض البلاغة، بس عشان أنا مستغناش عنك عملت الازاز ده."
تطلع له بنظرة ممتنة وبدون أي حديث ضمه إليه وهو يقول:
"دي أروع هدية أتقدمتلي، المكان جميل بشكل مخليني عاجز أشكرك."
ضمه عُمران بقوة، وهو يستشعر فيه الأمان، وكل مشاعر الابوة التي حُرم منها، ولم يبتعد الا حينما دق هاتفه، برقم شمس التي ظنته لن يأتي، اغلق الهاتف ووضعه بجيب جاكيته، فسأله علي باستغراب:
"مردتش عليها ليه؟ إنت لسه زعلان منها؟"
رفع رماديتاه له وقال بهدوء:
"مبعرفش أزعل منها يا علي، أنا هعدي عليها قبل ما أسافر فمالوش داعي كلام التليفونات ده بقى."
وتابع وهو يتجه للحائط الداخلي:
"سيبك وتعالى بقى أوريك أحسن حاجة عملتها هنا، ما أنا بردو منستش نفسي."
لحق به علي فوجد الحائط الفاصل بين المكتبة والغرف الاخرى الخارجية يتحول لحائط زجاجي مشابه للخارجي، وبدى من خلفه غرفة ضخمة بنفس مساحة المكتبة، تقع فوق جناح عُمران، تحتوي على عدد مهول من الاجهزة الرياضية.
فتح عمران باب زجاجي بمنتصف الحائط وولج يشير له:
"عملت الباب ده مخصوص عشان عارف إنك بتقضي وقت طويل في القراية، وانا كمان بقضي وقت طويل في الجيم، فكده مش هنبعد عن بعض يا أبو علي! إنت بتقرى وأنا بتمرن وشايفك."
ابتسم علي وقال باعجاب:
"طلعت فعلا مهندس شاطر، اعتقد انك تستحق أكون فخور بيك."
ضحك وأجابه بمشاكسة:
"مجبر تكون فخور، أخوك مش أي حد."
ضربه بخفة على كتفه وغادر للجهة الاخرى قائلًا:
"مغرور… انا راجع مكاني المكان هنا يقفل النفس."
لحق به هادرًا بضحك:
"بتكره الرياضة والاجهزة بشكل بيستفزني أمرنك مرة."
جلس على الاريكة الناعمة وجذب اقرب كتاب إليه:
"مش هتقدر، أنا مبسوط بنفسي كده."
فتح الكتاب وسرعان ما انغمس فيه بشكلٍ أدهش عمران، فهز رأسه بضجر من اهتمامات أخيه الغريبة، جلس جواره يراقب الصفحة التي جذبت انتباهه فذم شفتيه بتهكمٍ:
"يا أخي ده انا بيطلع عيني لحد ما بخلص الملفات أو وقت مراجعة الحسابات، هموت وأعرف بتحب القراية ازاي!"
لم يستمع له من الأساس، كان قد غرق فيما يحمله، سحب عمران الكتاب وقال ببسمة مستفزة:
"أنا ولا الكتب يا علي؟"
راقبه بنظرة هادئة، وسرعان ما ربع يديه أمام صدره يخبره:
"وقت التمرين ولا خروجة معايا؟"
ترك الكتاب وقال بكل جدية:
"القعدة معاك أجمل من مليون تمرين، كلامك وطباعك كلها بالنسبالي مفيش مقابل يتحط في ميزانك."
ابتسم علي ومال يهتف بنفس صياغته:
"وأنا مفيش كتاب يقدر يسحلني عنك حتى لو في كتب بتنجح إنها تسحلني، شوفت بابا علي شخص راقي ويتحب إزاي؟"
اتسعت ابتسامته وقال بصدق:
"يتحب لانه دكتور شاطر فاهم في الناس كويس أوي، عشان كده أنا هرمي اللي في دماغي من نحية آدهم وهديله فرصة تانية، بناء على تقييمك لشخصيته."
قالها وانتصب بوققته يتفحص ساعة يده:
"يدوب أتحرك… خد راحتك إنت بقى مع الكتب."
منحه ابتسامة جذابة وسحب الكتاب يعود لقراءته، هبط عمران درجتان من الدرج ومازال أخيه يظهر من أمامه على الأريكة، صعد مجددًا واتجه إليه يناديه:
"علي."
رفع عينيه إليه بدهشة من وجوده، ارتبك عمران وابتلع نص حديثه، كان يود أن يخبره بأنه ان حدث له أمرًا ما لا يتخلى عن زوجته، كان يود أن يضعها بامانته هو وابنه، يوصيه خيرًا بها، ولكنه خشى أن يقلقه، أو ربما بعد ما سيقوله سيمنعه من الذهاب لخوفه الشديد عليه، وبالنهاية أخيه لن يحتاج منه توصية ليفعل ما يفعله لنبل أخلاقه السامية.
نهض علي عن الاريكة واتجه اليه يناديه للمرة الثالثة:
"عمران روحت فين؟"
تنحنح بخفوت، وبارتباك رد:
"لا ابدًا سرحت شوية، همشي بقى."
أوقفه علي هادرًا:
"كنت عايز تقول حاجة واتراجعت."
زفر بضيقٍ اعتراه:
"يووه يا علي، مش قولتلك بطل تحطني تحت المجهر بتاعك."
ابتسم وربت عليه:
"خلاص متزعلش، حسيت بس إنك حابب تقولي حاجه، هقولك انا يا سيدي حاجة نسيت اقولهالك ولا تزعل."
وتابع وهو يشدد على حديثه بقلق:
"خد بالك من نفسك، تقضي مشوارك وترجع على السريع."
هز رأسه بخفة، وغادر على الفور، بينما عاد علي يقرأ الكتاب الذي جذبه كليًا.
خرج عُمران من الباب السري، فوجد زوجه أخيه قبالته:
"انتوا رحتوا فين أنا بدور، عليكم من ساعتها، وفين علي؟"
تنحى عن الباب وأشار لها:
"فوق عند ضرتك."
جحظت عينيها صدمة:
"عند مين؟"
كبت ضحكته وغمز لها على الدرج:
"اطلعي اتعرفي عليها."
هرولت فاطمة على الدرج وهي تصيح بغضب أضحك عمران الذي استكمل طريقه للاسفل وهو يصفر باستمتاع بينما تصرخ هي:
"علــــــــــــي!!!!"
انتفض محله فزعًا، وسقط الكتاب منه أرضًا، وهو يتابع صراخ فاطمة باسمه بجنون، حتى استقرت قبالته، فتابعت المكتبة باعجاب وقد تفسر لها قول عمران، بالفعل من تتمكن من أخذ عقل زوجها وكيانه ضرة، إذًا الكتب ضرتها الجديدة هنا، استدارت ضاحكة ومستهزئة بحديثها:
"عنده حق عُمران لما قال إن الكتب ضرتي التانية!"
******
تركت الهاتف من يديها ودموعها تنشق عن زُرقتها، فاض بها الصمت فخرجت عنها شهقات ذبحت صدرها بنغزاتٍ مؤلمة، ضمت وجهها بيديها تبكي على قلة حيلتها.
اخترق صوتها حمام الجناح، حيث يستكين أسفل مياه الدُوش لفترة لم يعلم طولها، وحينما تسلل له صوت بكائها أغلق المياه وهو يهمس باسترابةٍ ولهفة:
"شمس!"
جذب المنشفة خاصته، بعدما تمم ارتداء بعضًا من ملابسه، لفها من حوله، وخرج يناديها بهلعٍ، وريبة، حتى وصل لمحل وصولها، اعتمادًا على صوتها الباكي.
لامست كفيه جسدها، فجذبها لتقف قبالته:
"مالك يا حبيبتي؟ فيكِ أيه؟"
دفعته بعيدًا عنها وصرخت باكية:
"كل ده بسببك، أخويا عمره ما زعل مني بالشكل ده، عمره ما تجاهل مكالمة ليا! عمري ما هسامحك يا آدهم."
وتركت
ه وإتجهت للأريكة القريبة من الشرفة، تجلس من فوقها باهمالٍ، والفوضى تسري بداخلها قبل أن تملأ نفسها، إتبعها آدهم وجاور جلستها، قائلًا بنبرة صوته الرخيم:
"عُمران مزعلش منك يا شمس، هو أكيد مشغول، وبعدين ما أنا كلمته قدامك وقالي نص ساعة وجاي، زمانه على الطريق إن شاء الله."
واستطرد يبث الطمأنينة لها:
"متقلقيش أنا مش هخليه يزعل منك، هشيل أنا الليلة لإني السبب في كل اللي حصل ده، إنتِ مالكيش أي ذنب."
ازاحت دموعها وهدأت شهقاتها، انتقلت إليه وقالت:
"طيب كلمه وأكد عليه يجي."
مد يده حتى لامس كتفها، فضغط برفقٍ:
"حاضر هكلمه، بس هاتيلي لبس من دولابي."
زوت حاجبيها بعدم فهم لمصدر حديثه، فرددت باستغراب:
"لبس!"
تلقائيًا انخفض بصرها إليه، فابتعدت وصراخها أضحكه بشدةٍ، بينما تصيح بضيق:
"إنت إزاي تخرج كده يا محترم!"
أجابها بتلقائية مضحكة:
"عايزاني أخرج إزاي وأنا سامع صوت عياطك من جوه يا نكدية! أنا خوفت تكوني بتشاوري نفسك تاني تخلعي مني، الحمد لله إني لاقيت حاجة أستر بيها نفسي أصلًا في التوقيت ده."
لوت شفتيها بتهكمٍ، رغم أنها ابتسمت لحديثه:
"أخلع! (ألفاظ متدنية!) low words"
تناست كل شيء بحديثها المتبادل معه، فكان سعيدًا لذلك، شاكسها آدهم وهو يمسك كفها الناعم:
"هتخلعي وتسيبي الكابتن محتاس من غيرك يا شمس! يهون عليكي العيش والمغامرات اللي بينا؟؟ ده أنا اتمرمطت عشان أطولك مرمطة متمرمطهاش أي عريس في مصر، وكله كوم وحماتي العقربة اللي بتلبس في أخوكي دي كوم تاني، فمستحملش انا كل ده وتخلعي إنتِ في الآخر!"
تعالت ضحكاتها وهي لا تصدق أنه يتحدث بتلك النبرة المضحكة، بل تدللت هاتفة:
"تستاهل أكتر من كده كمان، عشان تعرف قيمتي."
نجح بسحبها إليه مستغلًا عدم شعورها به:
"أيه السواد اللي مالي قلبك ده كله يا شمس هانم، أمال لو بتكرهيني هتتمني ليا أيه؟"
تعمقت بعينيه بعشقٍ، ليته يعلم أن حبه تمكن منها بشكلٍ جعلها كفيفة عن رؤية أي رجلًا سواه، صمتها شرح له كل شيءٍ بوضوحٍ، فاقترب يستغل تلك الفرصة.
غرقوا معًا لحظاتٍ، أنهتها “شمس” حينما دفعته ونهضت من جواره تتطلع له بضيقٍ، كادت أن تستسلم له بعد ما فعله! ، اعتدل بجلسته يحاول تحديد محلها من صوت أنفاسها الصاخبة، تحرر صوته المتحشرج:
"بتبعدي ليه يا شمس؟ أنتِ إختارتي تسامحيني ونكمل مع بعض من جديد، ولا غيرتي قرارك؟"
رمقته بأعين دامعة، ولكنها لم تسمح لها بالتسلل لصوتها:
"قولتلك هفضل جنبك، بس مش معاك يا آدهم، وزي ما طلعت من الجناح واخترت تقعد في أوضتك القديمة، هتكمل فيها لحد ما أنا أسمحلك ترجع هنا تاني، ودلوقتي اتفضل خد هدومك وآطلع فورًا."
تخشبت ملامحه لوهلةٍ، حتى تدارك الأمر فابتسم يردد بسخط:
" كوكتيل انتقام برعاية تربية الطاووس الوقح ودكتور علي اللي اتصدمت إنه أخبث من عُمران نفسه، رباني عن طريق القائد وهو متدخلش بأي شكل من الاشكال، أستاذ ورئيس قسم، فهتوقع أيه من شمس هانم الغرباوي غير كده مثلًا!"
كبتت ضحكاتها بصعوبة، ممتنة لعدم رؤيته لها، بينما تخبره بصرامة:
"يلا خد هدومك وإطلع بره.."
استقام بوقفته واقترب منها يعاتبها بنبرة صوته المغرية:
" مفيش بنوتة كيوتة وقمراية زيك كده تقول لجوزها بكريزمته وهيبته دي خد هدومك واطلع بره، يرضيكِ، إحترمي رتبتي طيب!"
تراجعت للخلف وهي تهتف ببسمة رقيقة:
"مش لما تحترم إنت نفسك الأول يا حضرة الظابط، انا سمعت في التليفزيون كتير أوي بيقولوا للظابط لما بيتعرض للهجوم ياخد له ساتر من الرصاص، فخد لك ساتر انت كمان من غضبي يا كابتن."
تابع تقدمه منها معتمدًا على صوتها:
"أممم، ده شغل أفلام يا حبيبتي، عندنا الظابط بيكون شجاع وبيهاجم هدفه على طول من غير سواتر!"
احتبسها الحائط من خلفها بينما يرنو إليها، مرددًا بسخرية:
"ها يا شمسي، هتديني هدوم ولا هتسبيني أخد برد!"
كادت بأن تدفعه ولكنها استمعت لصوت طرقات باب الجناح ومن خلفه صوت عُمران يناديها:
"شمس."
خفق قلبها بسعادة كبيرة، فدفعته للخلف وهرولت راكضة تصيح بفرحة طفولية:
"عُمــــــــــران جيــــــــــــه…"
فتحت الباب بابتسامتها المشرقة، ولم تدع له أي كلمة يفتتح بها مقابلتهما، بل اندفعت إليه تنزوي بين ذراعيه وهي تهتف ببكاء لم تعلم كيف أتاها وكانت في قمة سعادتها منذ أن استمعت لصوته منذ دقائق:
"الحمد لله إنك جيت، كنت هموت من الحزن لما تجاهلت مكالمتي، خوفت تكون زعلان مني وبتعاقبني يا عُمران."
ضمها برفقٍ، وهو يمسد على شعرها بحنان، ثم قال:
"وحتى لو زعلان منك عمري ما أتجاهلك يا شمس، قولتلك قبل كده إحنا مش أصحاب عشان ابعد واتجاهلك، إنتِ بنتي وأختي وحبيبتي."
وأبعدها عنه يطالعها بحنان، وتساءل:
"أنا جيت اشوفك قبل ما أروح لجوزك الغبي ده، المهم طمنيني ضايقك أو عملك حاجة؟"
توسعت مُقلتيها في خجلٍ، وهي تحاول الاشارة له أن آدهم بالداخل، فاذا بصوته يتحرر:
"جوزها الغبي حاضر بالفعل هنا يا وقح!"
وتابع وهو يشير له:
"شرفنا بحضورك الكريم، اهو نسمعك كويس وإنت بتفتتح التحقيق واللفظيات."
أبعد شمس عنه، وولج للداخل يتابعه بنظرة تقييمية، فهدر بضحكة ساخرة:
"فاكر نفسك إنك كده مغري يعني وهتخليها تسامحك!"
تمردت ضحكات آدهم رغمًا عنه، وصاح:
"أختك القاسية سايباني أخد لطشة برد عقاب ليا على اللي عملته امبارح معاك ومعاها، بتحايل عليها بقالي ساعة تديني هدوم وهي رافضة ومصرة تعذبني، وطبعًا ده جاي على معدتك أوي اوي."
جحظت شمس عينيها في صدمة، وأسرعت تهتف:
"كداب يا عُمران والله ده آآ.."
رفع اصبعه يوقفها عن الحديث، وقال ومازال يتطلع له:
"خدي باب الجناح في ايدك، وسيبنا لوحدنا شوية يا شمس."
وزعت نظراتها بينهما بخوفٍ، ولكنها أمأت برأسها وغادرت بعد أن سحبت الباب من خلفها.
دنى عُمران منه، يمنحه نظرة حملت طيف الغضب لتذكره ما قاله بالامس، تغاضى عن الامر وتخطاه إلى الخزانة، شملها بنظرة سريعة، ثم جذب منها ترنح أسود رياضي، جذب البنطال ودفعه تجاه آدهم، الذي تلقفه باستغراب مما يفعله هذا الطاووس.
إطالته بالامر جعله يهدر ساخرًا:
"ما تلبس ولا مكسوف مني! تحب أطلع بره!"
ضحك رغمًا عنه ومازحه قائلًا:
"تطلع بعد أيه بقى! انت خلاص بقيت من العيلة يابو نسب."
شمله بنظرة وعيد وصاح:
"أبو نسب الوقح مع أن مفيش أو
قح منك يا حضرة الظابط."
جحظت عينيه في دهشة وهتف باستنكارٍ:
"هي شمس لحقت تبلغ عني!"
رد عليه عمران باستهزاء:
"التروكولر فاضح ندالتك يا حضرة الظابط."
ارتدى آدهم بنطاله وهو يكبت ضحكاته، فألقى عُمران التيشرت بوجهه تلك المرة وهو يقول ببرود:
"استر نفسك، إنت بتخوفها بكمية الاصابات دي، مش إغراء ده لعلمك!"
وتابع بتهكمٍ:
"مع إني أشهدلك إنك واصل في الجيم لمستوى رائع بس يا خسارة مع غبائك وتسرعك ده، هتموت قبل ما تستكمل رحلة بناء العضل."
تحررت ضحكات آدهم، وقال يشاكسه:
"ليه فاكرها عضلات جيم بتروح وتيجي، ظابط الشرطة عضلاته ناشفة أوي وميتخافش عليه يا بشمهندس، ما بالك بقى بظابط المخابرات!"
وأضاف بثقة وجراءة:
"متقلقش عليا أنا إصاباتي بتلم بسرعة!"
استند على الحائط من خلفه يهتف بسخط:
"الخوف من غباء عقلك مش من قوتك الجسدية يا كابتن!!"
انتهى من ارتداء التيشرت الخاص به، ودنى إليه يقول بحرجٍ:
"أنا عارف إني زودتها إمبارح أوي، أنا آسف على اللي قولته، صدقني أنا عمري ما كنت بالضعف اللي عيشته ده، شريط حياتي كله مر عليا، وأتاكدت إني عمري ما هقدر أعيش وأنا عالة على حد، يمكن اللي قدامك ده شخص اتولد جواه الأمل انه هيقدر يكمل حتى لو ربنا آراد أن بصري ميرجعليش، بس اللي أنا تأكدت منه إن حياتي مهما كانت مصيرها ومهما كان اللي اتكتب عليا أعيشه فهو مينفعش من غير وجود شمس."
وابتلع ريقه الجاف بحزنٍ لحق باستكماله للحديث:
"لو حابب تعاقبني على تسرعي بالكلام وإني ضغطت عليك بالشكل ده عاقبني زي ما تحب، بس يا ريت تخرج شمس بره الحوار، شمس مرتبطة بيك انت وعلي جدًا، دي كانت هتتجنن عشان بس مردتش على مكالمتها، فمش هتقدر تتحمل بعدك عنها أو زعلك منها."
راق له حديثه، ساهم في اخماد نيران الغضب داخله، بالنهاية تحققت المعادلة، حديث أخيه وندمه الان جعله راضيًا عن منحه الفرصة الثانية، تحرر صوته عن مرقده المؤقت، وقال:
"أنا مش مستنيك تحنن قلبي على أختي يا آدهم، أنا لا زعلان منها ولا منك إنت كمان."
وأضاف بهدوءٍ ولين:
"أنا قارنتك بيا وبالموقف اللي مريت بيه وده غلط مني، مش كلنا شبه بعض، أنا بالنهاية راجل عادي مهما كان اللي حسيت بيه وقتها، لكن انت ظابط واتعودت يكون ليك مغامراتك وإنت بكامل صحتك، وده هتستعيده قريب بإذن الله."
وقبل أن يتحدث آدهم، صاح عُمران بتحذير:
"بس عشان أكون صادق معاك، اللي عملته كان غلط وغلط كبير كمان، أنت يعتبر من القلائل اللي إدتهم في حياتي فرصة تانية، أتمنى تكون قدها ومترجعش تعيد اللي عملته، لانه مس شمس، أي أذى هترتكبه ويمسني أنا شخصيًا معنديش أي مانع، لكن شمس لأ يا آدهم، أتمنى تكون مقدر ده ومقدر كمان حبها ليك، وإنها مالهاش أي ذنب في اللي انت بتمر بيه."
ارتسمت ابتسامة جذابة على ملامحه، حتى تلاشت عنه الكلمات أمام حديثه:
"أوعدك إن اللي حصل ده مش هيتكرر تاني."
ابتسم عُمران وقال ليخفف حدة الاجواء بينهما:
"وتغير الاسم الزفت اللي مسميني بيه ده، بدل ما أوحيها عليك تذرُفك حظر سنوي."
اتسعت ضحكاته، وقال:
"هو أنا كده كده كنت ناوي أغيره، وإن كان على الحظر يا ريته يجي على سنة وبس!"
ضيق رماديتاه بخبث:
"أنا كنت شاكك أنك عامل بلوة سودة، ودلوقتي اتاكدت!"
صاح من بين ضحكاته:
"قلبك أبيض يا بشمهندس، لين دماغها شوية ده لو عايز تبقى خالو يعني!"
تجمع المكر برمته بعينيه، وقال:
"بس كده من عنيا الاتنين!"
تركه وفتح الباب يشير لشقيقته التي هرولت إليه، فضمها وهو يقول بصوت مسموع لمن يقف على قربٍ منهما:
"أنا اتطمنت عليكي، هنزل بقى عشان متاخرش على المؤتمر، ولو احتاجتي أي حاجة كلميني يا حبيبتي."
هزت رأسها بابتسامة مشرقة، فانحنى يقبل جبينها وهو يهمس لها بمكرٍ:
"أنا سامحته بس إنتِ مينفعش يأخد منك سماح بالسهولة دي، حضرة الظابط محتاج يتربى من أول وجديد، إتوصي بيه يا شموسة!"
ضحكت وهي تهمس له:
"انا مش بكلمه كتير أصلًا عشان زعلانه منه بس صعبان عليا والله."
ربت على كتفها وهو يعود لهمسه:
"ميصعبش عليكِ غالي يا حبيبة قلب اخوكي."
ضحكت بصوتها كله، ومالت بذراعيها تعقد جرفاته وهي تشير باعجاب:
"على فكرة البدلة جميلة أوي عليك، ما شاء الله عليك كالعادة جنتل مان بتدوب القلوب."
ضمها إليه بحبٍ:
"عيونك اللي فيها جمال الكون كله يا شمس."
رفع آدهم صوته الساخر:
"انتوا بتوطي صوتكم ليه، شكلك كده بتهدي الامور على حق يابو نسب!"
كبت شمس ضحكاتها بينما يصيح عُمران بغضب:
"بتشكك في ذمتي بروح أمـ…"
بتر حديثه وهو يهتف بغيظ:
"إنت بتخرجني عن شعوري مهما حاولت أكون إنسان آرستقراطي محترم!!"
وأضاف وهو يرنو من الدرج:
"همشي أحسن ما ندخل في حالة حرب تانية."
خطى آدهم تجاه زوجته وقال:
"لا تانية ولا تالتة، خسران اللي يخش معاك في حرب يابن الغرباوي!"
استدار عن الدرج يبتسم له:
"كده انت عقلت وشكلي هضمك للعيلة فعلًا زي ما عمل دكتور علي.."
وأضاف له:
"بالمناسبة هو بالطريق ليكم، أتمنى متغيرش الترنج لان ذوقي دايمًا حلو!"
رسالته المبطنه جعلت آدهم يبتسم وهو يهمس بصدمة:
"مالوش أي ألقاب تانية تليق عليه غير الوقاحة!!"
*****
ارتدى نظارته الشمسية واتجه لسيارته المصفوفة أسفل فيلا آدهم الداخلية، فتمكن من رؤية سيارة الأجرة التي تتوقف أمام البوابة، هبط منها “آيوب” وولج للداخل، وما أن تقابلت عينيه بعمران حتى سدد له نظرة عدم اللامبالاة بوجوده.
مر من جواره يتجاهله، وصعد الدرج الكبير دون أن يستدير خلفه، نزع عُمران نظارته السوداء وصاح باستهزاء:
"خش جوه الحيطة أحسن! انزل تعالالي يا حبيبي."
تجاهله وهو يستكمل طريقه، فردد يحذره:
"هتيجي بالذوق والا أجي أسحل أمك!"
ضم شفتيه بسخط، وهبط يطلق انفعالاته:
"عايز أيه؟ مش عاملي فيها رجل أعمال مهم ومش بترد على رسايلي!"
رد عليه بجرأة فظة:
"ومش هرد عشان إنت زنان وأنا جبتلك الناهية وقولتلك مش هتيجي معايا، لزمته أيه بقى شغل العيال النغة دي!!"
ربع يديه أمام صدره وبكبرياء قال:
"أنا مش عيل يا حضرة، انا بشمهندس وبتقدير امتياز كمان."
أحاطه بنظرة تقليل شأن، ثم رد:
"إبقى علق شهادتك على قفاك عشان الناس تقتنع إنك بشمهندس!"
وأضاف وهو يكاد يطير من اعلى سقف سيارته الفاصلة بينه وبين آيوب:
"يالا يا عاطل ياللي مالكش شغلانه! بقالك كام يوم هربان من الشركة يا آآ.. يا بشمهندس بتقدير، امتياز!!!"
فكت حركة يده، وهو يطالعه بحرجٍ، يملك كل الحق فيما يقول، بل تمتم بارتباكٍ:
"انا مش عاطل، أنا بس مسحول في ظروفي اللي طلعتلي فجأة من العدم!"
منحه عُمران نظرة جعلته يهتف بحنقٍ:
"خلاص يا عم أنا مستهتر وعاطل، بس خدني معاك المؤتمر أنا محضرتش قبل كده مؤتمرات من النوع ده."
ودعه بنظرة ساخطة، ثم ارتدى نظارته بهدوءٍ لحق نبرته:
"لما تلتزم في شغلك وتفوق لنفسك أبقى اخدك معايا المرة الجاية يابن الشيخ مهران!"
وتركه وصعد سيارته، فصاح آيوب بغيظ:
"بكره تتحايل عليا أجي معاك وأنا ولا هعبرك، سامع يا طاووس!"
فتح نافذة سيارته الرياضية، وقال بابتسامة صافية وجدية تامة:
"وأنا عمري ما أستغنى عنك يا آيوب، أوعدك المرة الجاية هتكون معايا."
منحه ابتسامة صافية وودعه، غادر عُمران وولج آيوب للداخل، فاذا بسلطان الخادم يهرع له وهو يهتف بتوتر:
"أستاذ آيوب الحمد لله انك جيت."
لمس ربكته وقلقه الغامض، فسأله باهتمامٍ:
"في أيه يا سلطان؟"
أجابه وهو يتفحص الدرج، خشية من أن يستمع آدهم إليه:
"الباشا كل شوية يسأل عن البيه الكبير، وهو منبه عليا معرفهوش إنه إتحجز في المستشفى من بليل، وأنا مش عارف أتصرف إزاي، آدهم باشا كده كده هيعرف."
ارتعب آيوب وانقبض قلبه فزعًا، حتى نبرته كانت ملتاعة:
"في أي مستشفى؟"
******
ارتدى جاكيت بذلته الزرقاء، ووضع البرفيوم الخاص به، ثم وقف يلقي نظرة أخيرة على مظهره، فقد أضاف ذوق عُمران وسامة كانت تخفى عنه بملابسه التقليدية.
خرج “جمال” من غرفة نومه، فوجد زوجته تخطو بالردهة حاملة ابنه الغافل على كتفها، بينما تخطو به رويدًا رويدًا حتى يثقل نومه.
ضمهما جمال ومال يقبل جبينه وجبينها، هامسًا لها:
"عُمران نام خلاص يا صبا، دخليه ونامي جنبه ارتاحي من سهرك معاه طول الليل."
استدارت تقابله بنظرة اعجاب، وابتسامة جعلته يقابلها ببسمة واسعة، رددت بهمس:
"الشياكة دي كلها للمؤتمر؟"
هز رأسه مؤكدًا:
"طبعًا أمال عايزاني اظهر على الشاشة بلبس أي كلام ولا أيه! ده انا امبارح قفشت في عُمران لحد ما جيه معايا ينقهالي مخصوص من بوتيك إيثان قبل الافتتاح!"
تجهمت معالمها بشكل ملحوظ فور ما ذكر إسمه، فقالت:
"هحط عمر جوه وجاية."
أمسك ذراعها يوقفها بضيقٍ:
"قولتلك ألف مرة إسمه عُمران! متشتتيش تركيزه عن إسمه الحقيقي بالاسم ده!"
احتقنت معالمها غضبًا، حتى أنها تناست صغيرها الذي يغفو على ذراعها:
"مش هتفرض عليا أنادي ابني بأيه يا جمال، الاسم كان اختيارك وبدون ما ترجعلي حتى، يبقى ده غلطتك انت مش غلطتي."
ذعر الصغير وبكى بشدة، سحبه منها يهدأه ونظراته القاتمة لا تنحاز عنها، عاد الصغير لنومه المُطمن على كتفه، وحينما تأكد من غفوته، ولج يضعه بفراشه، وخرج ساحبًا الباب من خلفه.
اتجه إليها، فوجدها تجلس على المقعد، تفرك يديها بارتباكٍ، وقبل أن يتحدث قالت:
"جمال أنا مش عايزة أعمل أي مشكلة معاك بسبب الموضوع ده، انا متفهمه علاقتك بيه، والله مش متضايقة بالعكس انا عارفة إن بتعتبره أخوك، وإنه انسان كويس مش وحش، اللوم عليا أنا أو على الظروف اللي حطتني في موقف هيفضل في بالي العمر كله."
وتابعت وعيونها تذرف دموعها:
"أنا مش ببالغ او بأڤور بس كل ما بشوفه أو بيتنطق إسمه قدامي بيجي اليوم ده في بالي وبفتكر كل تفاصيله، صدقني بتقبض وبتخنق غصب عني!! ومش قادرة انطق الاسم حتى… أنا آسفة."
تلاشى عنه غضبه، هو يعلم أنه من الصعب عليها تجاوز الأمر، كيف لاثنى محتشمة أن تُوضع بموقف كذلك وتجتازه، وخاصة أنه رآها دون حجابها وبملابسها القصيرة.
ضمها إليه دون أي كلمة، وما سيقال بموقف ثقيلًا عليه هو شخصيًا، حظى ببعض الهدوء قبل أن ينطق:
"في ذكريات جوانا بنتمنى إنها تتمحى وللأبد، وده للاسف مش بيحصل، أنا كل ما بفتكر اليوم ده بمسحه بذكرياتي الحلوة معاكي ومع عُمران، إنتي كمان حاولي تنسي وتتخطيه يا صبا، كلنا اتفرض علينا الوضع، كلنا كنا ضحايا."
هزت رأسها تؤكد له، فقبل جبينها، وابتعد يتجه للشرفة حينما استمع لصوت سيارة تدنو من المنزل.
منحها ابتسامة هادئة وقال:
"وصل… هنزل عشان متأخرش عليه."
احترام رغبتها بعدم نطق اسمه جعلها تزيد من حبه بالرغم من إن أمرها ليس منطقي، وقفت تودعه بابتسامة عاشقة، جعلت طاقة الايجابية تعود له من جديدٍ، لا يعلم كم ستحتاج لتتخطى الامر ولكنه على ثقة بأنه سيدعمها حتى تتقبل عُمران من جديد في حياتهما، لانه جزء هام من حياته هو!
صعد جواره، فتحرك عُمران على الفور قائلًا بسخرية:
"ليك حق تتمختر ما أنت مماشي كلامك عليا، وكمان جاي من غير عربيتك، بقيت سواق أمك أنا!"
ضحك باستمتاع ومال يجذب نظارة عمران الموضوعة بالتابلو، مشيرًا بعنجهيةٍ:
"اطلع ياسطا بدل ما نتأخر على أكل عيشنا!"
رواية صرخات انثى الفصل الخامس والتسعون 95 - بقلم ايه محمد رفعت
صدمة الخبر، وصعوبة تقبله، جعل كل المشاعر تتكاثف عليه لتجعله عجوزًا يتحرك بصعوبة. يطول به الطريق، فيستغل الحزن والقهر الأمر ليقضوا عليه بكل ما أمتلكوا من أسلحة.
وأخيرًا انتهت رحلة معاناته القصيرة بالنسبة للقادم، حينما وصل السائق لمكان الحادث، حيث يجتمع فيه الجوكر وفريقه، وعدد مهول من الصحافيين.
فرق "علي" جمعهم، ومر من بينهم، يركض ودموعه تتحجر بعينيه، آبية الانسدال. يصبر ذاته أن كل ذلك زائف، لا يمت للحقيقة بصلة. أخيه قويًا، شامخًا، لن يستطيع أحدٌ كسره. أخيه حيًا، يقسم أنه حينما ينتهي من العبور من تلك التكتلات البشرية، سيراه يجلس هناك بانتظاره، يطمئنه ويعتذر له عن القلق والفزع الذي تسبب له به.
تحطمت كل آماله فور أن بات بمحل الحادث. وأول ما التقطت عينيه، كان جمال الجالس أرضًا، يبكي كالصغير، ويدفع من حوله رجال الإسعاف، بعد أن أجبر السيارة على العودة به من منتصف طريق المشفى، فور أن استرد وعيه.
سحب "علي" نفسًا طويلًا، استمده من خبرة تعامله كطبيبٍ نفسي. وبداخله كل الصبر الذي يمهد له أن القادم سيكون لصالحه هو، لن تخيب آماله أبدًا.
اتجه بخطواتٍ بطيئة، وانحنى تجاه جمال، يستند على ركبتيه. فرفع جمال وجهه عن محيط يديه، يتطلع لمن يلامسه. انهمرت دموعه كالامطار الجارية وردد ببكاءٍ:
_علي!
وتابع بما قضي به عليه:
_عُمران مات يا علي، قتلوه قدام عنيا ومقدرتش أعمله حاجة!
انسكبت دمعة من عين واحدة، والآخر مازال الدمع يتحجر فيها. بينما يقابله بقوته:
_قوم أقف على حيلك يا جمال، أخويا مش ضعيف عشان يقدر عليه شوية أوسـ** زي دول.
وانتصب بعوده يشير إليه بصرامة:
_قوم خلي الدكاترة تعالجك حالا، عُمران هيعمل مشكلة لو شافك بالشكل ده.
تعالت شهقات بكائه، ومال يستند على ذراعيه مجددًا وهو يهمس بصوته الجريح:
_لآخر لحظة في حياته بيختار لي الحياة وبيواجه هو موته! أنا قولت له معاك للموت بس هو كعادته مهمهوش كلامي.
ابتعد علي عنه وهو يحاول ألا ينصاع لما يقوله. بداخله يردد باستماتة:
«مش صح، جمال ممكن يكون اتأثر بالحادثة، عُمران عايش!»
تركه وركض بكل قوته للجسر، حيث يوجد "مراد" وفريقه. ولدهشته كان آدهم أيضًا يقف برفقتهم. اعترضت الشرطة مروره للحاجز المصرح عليه ممنوع الاقتراب، ولكن الجوكر أشار لهم بتركه، فتابع طريقه إليه ورماديته تتلصص على المكان باحثًا عن أخيه. فشملت الدماء التي تغرق منتصف الجسر الغير مكتمل.
وخز قلبه بسكينٍ حاد، جعل أنفاسه ثقيلة كثقل حجر جاثم فوقه. تباطأت خطاه ومال بجسده لسور الجسر الحديدي من جواره. اندفع مراد يحاول مساندته، ولكنه دفعه وبصره مازال مسلط على الدماء. بداخله وجعًا، ويقينًا بأنه لأخيه!!
نزع بصره عن بقعة الدماء الكبيرة، وسلطها على الونش الضخم الذي ينتزع سيارة أخيه من المياه في تلك اللحظة. سيارته الرياضية الحديثة، التي لن يتوه عنها علي أبدًا. لطالما كان كل شيء يخص أخيه مميزًا، والآن قد خدمه الأمر بالتعرف على ما يخصه.
وضع "مراد" كفه على كتف "علي"، يحاول مُآزرته، بينما يستعيد علي جزء من وعيه، ويميل إليه بنظرة واعية، وبسؤالٍ منكسر:
_أخويا فين؟؟
تفهم حالته التي تبدو منذ لحظة ظهوره بموقع الحادث. ولأول مرة تختزل الكلمات على لسان الجوكر، فربت على كتف علي وهو يخبره بأسفٍ:
_السباحين لسه بيدوروا عليه، خليك قوي يا علي.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه، رغم انهمار دموعه دون إرادة منه:
_أخليني قوي!! أي قوة دي اللي عايزني أكون بيها وأنا بستنى حتة من قلبي تخرج لي على نقالة يا حضرة الظابط!! أي قوة هقدر أتمسك بيها وابني وروحي بينازع تحت المية!!
وألقنه نظرة غائرة جعلت مراد القوي يلتمع الدمع بعينيه، بينما الآخر يشير له على الدماء:
_كان بيحاول يخدم شباب بلده، في الآخر ده يكون جزاته؟؟ رد عليا ده التمن اللي المفروض يدفعه!!
تحرك آدهم عن محله وهو يزيح دموعه التي تدفقت منذ لحظة علمه بما حدث. لقد مرت الساعات عليه ولم يتوقف عن الدعاء، يتمنى من كل قلبه أن يخرج سالمًا من المياه بالرغم من صراحة السباحين والفريق من أمامه، كونه فردًا منهم. آزاح دموعه، وبصوتٍ متحشرج هتف:
_علي أنا متفاهم حالتك كويس، من فضلك حاول تهدى وتتماسك، إن شاء الله هنلاقيه وهيكون كويس!
استدار يتطلع تجاهه. رؤية وجهه الحزين، وعينيه المتورمة من البكاء كانت تكذب كل حرف يتفوه به. تدفقت دموع "علي" بانهيارٍ، لحق نبرته المتقطعة:
_أهدى إزاي يا آدهم!! أنا موت أبويا مكسرنيش، نظرة الخوف في عين عُمران هي اللي قوتني، كنت بقوتي عشان أسند ضعفه، مسكت إيده عشان أعدي بيه، وسحب هو كفه مني من نص الطريق!! قولي أي قوة هقدر أكمل بيها من غيره!!
خرج إثنان من السباحين، يقترب أحدهما من الجوكر، الذي ابتعد عن آدهم وعلي. استمع بوضوح لما أخبره به المجموعة الأخيرة، وهز رأسه بآليةٍ تامة، وحينما استدار ليعود إلى محل "علي"، وجده يقف خلفه، يتطلع له وهو يحاول أن يتمسك بقوة هادرة عنه:
_قالولك إيه؟
تنهد "مراد" بحزنٍ، وقال:
_أكتر من ست سباحين نزلوا على تلات مجموعات، دوروا في كل مكان وللأسف مالوش أي آثر.
ابتلع غصته المؤلمة، وتمسك بقوته الواهية:
_وده معناه إيه؟
قدر مراد حالته، بل ازداد شفقة عليه، بينما يجيبه:
_عمق المية هنا كبير، جايز مش قادرين يوصلوا له، وجايز يكون المية حدفته لمكان أبعد من هنا، ولو ده حصل ففي خلال تلات أيام هيآآ..
ابتلع باقي جملته بمنتهى الأسف والحزن، بينما يراقبه "علي" ودموعه لا تتوقف، بل رد وقال ببسمة شملت ألما عتيقا:
_وانا مش هستنى تلات أيام عشان أدفن أخويا.
واستطرد وهو يزيح دموعه:
_ثروتي كلها هسخرها لأي سباح شاطر يقدر يطلع أخويا من هنا، حتى لو اضطريت أنزل بنفسي.
وتركه واتجه جانبًا جاذبًا هاتفه، يطلب شركة سباحة ماهرة. ساند أحد الضباط آدهم لمحل وقوف علي. استمع لنص المكالمة وهو يحاول أن يحجب صوت بكائه، وانتظر حينما انتهى ثم حرر صوته:
_علي، مفيش أمهر من الفريق اللي نزل، مراد باشا هيكلف مجموعة تانية هتوصل الفجر هنا، يمكن يقدروا يلاقوه.
وأضاف ببكاء تحرر رغمًا عنه:
_لو كنت ببصري كنت نزلت بنفسي ودورت عليه، بس انت عارف إني فرحان إنهم مش لاقينه، يمكن يكون حي!
اقترب منهما مراد، وقال ليبث الأمل بقلب علي:
_إحنا ماشيين ورا كل الاحتمالات، فريقنا بيدور بكل مكان، واي دليل صغير هيأكد لنا إنه عايش هنمشي وراه.
استدار إليهما علي، فظهرت عينيه الحمراء بوضوحٍ. تطلع تجاه الجوكر وقال برجاءٍ حطم قلبهما:
_أنا عايز أخويا يا مراد، لو حي رجعه لي، ولو ميت عايز أكرم مثواه.
قالها وجسده ينتفض بشكلٍ جعل من حوله يرتاب لأمره، فسانده مراد وهو يتساءل بفزع:
_مالك يا علي؟
أبعده برفقٍ، وهو يخبره:
_أنا كويس.
وتركهما ودنا لآخر الجسر، حيث بقعة الدماء المنسكبة. راقبها بقلبٍ مكلوم، وبكاؤه يتحرر بعيدًا عن مسمع الجميع، بينما يردد بصوتٍ ضعيف:
_ليه تعمل فيا كده يا عُمران؟ هان عليك أخوك!!
تدفقت دموعه كالبركان الساخن، بينما يهتف مستنكرًا فعلته الاخيرة:
_كنت حاسس وبتودعني!! يا ريتني ما خليتك تمشي ولا تسافر، يا ريتني كنت بدالك يا حبيبي!
وفجأة سقط أرضًا على ركبتيه ويده تلامس دماء أخيه وقد حرر ما احتبس بداخله وهو يصرخ بجنون:
_عُمـران!!
رفع كفه الممتلئ بالدماء يقربه منه وهو يتآوه بصوت مزق القلوب، وفجأة سكنت حركته حينما خر فاقدًا للوعي جوار بركة الدماء، والجميع يهرول من خلفه إليه!!!
******
طرق على الباب بيديه معًا، ودموعه تغرق وجهه، بينما عقله لا يصدق ما استمع إليه. مال يستند على ذراعه، وصوت بكائه يتحرر بشهقاتٍ خافتة.
هرول "سيف" لباب شقته، وهو يرتدي تيشرت منامته بقلقٍ، من هوية الطارق بذلك الوقت المتأخر من الليل. فتح الباب ليتفاجئ بآيوب ينحني على الحائط ودموعه تتساقط بانهيارٍ، جعله يهرع إليه فزعًا:
_آيـــــــوب!!!!
التقطت آذنيه نداء رفيقه، فهرول إليه يهتف دون ترتيب:
_انا عايز دكتور يوسف يا سيف، مش عارف اوصله نهائي!
فزع لهيئته وبكائه الشديد، فصاح متلهفًا:
_مالك يا آيوب، وعايز يوسف في ايه؟
رد عليه وقد انهال بالبكاء كالصغير:
_الفيسبوك مقلوب كله على عُمران، بيقولوا إنه عمل حادثة ومات! انا مش مصدق الكلام ده، بس عدم رد دكتور علي وجمال عليا، مأكد لي إن عمران مش كويس، شوف لي دكتور يوسف يطمني بالله عليك.
اتسعت مُقلتي "سيف" بصدمةٍ، بل نطق بعزيمة:
_ده خبر فيك، عُمران محصلوش حاجة، إنت عارف إن الناس ما بتصدق تعمل التريندات دي عشان تلم لايكات وريتش عالي.
بكى بصوتٍ مزق قلب رفيقه، وهتف إليه:
_ريتش إيه يا سيف، الدنيا مقلوبة! يونس وإيثان معايا تحت ومعاهم موقع الحادث في آسيوط، احنا هنطلع على هناك وهنطمن بنفسنا.
أوقفه سيف وقد انهمرت دموعه رغمًا عنه، ذاك الطاووس الذي تفنن بـجعله رجلًا يعلم كيف يسترد حقه، بل وجعله رقيق المعاملة مع زوجته في حين أنه يمتلك قوة أخذان الحق من عين صاحبه. أمسك كفه وقال بتوترٍ:
_انا جاي معاك يا آيوب، هغير هدومي وجاي.
وعاد يشدد عليه بارتباك:
_بلاش تقول ليوسف حاجة، أخويا هيموت لو عرف!
اكتفى بايماءة من رأسه، وجلس على الدرج يبكي كالطفل الصغير. وآخر جملة قالها عُمران تتردد إليه:
«_وأنا عمري ما أستغنى عنك يا آيوب، أوعدك المرة الجاية هتكون معايا.»
سحب سيف ثيابه بعشوائية، وعينيه تغرقها الدموع، فإذا بزوجته تجذب مئزرها وتنهض إليه متسائلة بقلق:
_مين اللي على الباب يا سيف؟ وإنت بتلبس ورايح فين؟
أجابها وهو يغلق قميصه:
_ده آيوب يا زينب، بيقول إن عُمران عمل حادثة على الطريق، ربنا يستر!
جحظت عينيها في صدمةٍ، ووجع اعتصر قلبها. ذلك الشاب المهذب لم ترى منه إلا كل خير، لم يطالعها يومًا بنظرة متدنية، بل لاقت منه كل احترام. لم تنسى يوم دفاعه عنها قبالة يمان اللعين.
أفاقت من شرودها على خروج سيف من الغرفة، هرولت من خلفه تتمسك بذراعه، فتفقد باب الشقة وهمس لها:
_ارجعي أوضتك يا زينب، آيوب بره مينفعش يشوفك بالشكل ده!
تراجعت للخلف وهي تخبره:
_انا هروح لفاطيما.
رد عليها بعجلة:
_تروحي فين الوقت متأخر!!
أخبرته برجاءٍ:
_هخلي عم سعيد يوصلني، ما أنا بكلمه وبركب معاه في أي مشوار.
أومأ برأسه على مضضٍ، وخرج يبحث عن آيوب، فوجده يجلس أرضًا، وما كاد بالإشارة له، حتى تفاجئ بيوسف يخرج من شقته!
اقترب إليهما "يوسف" بدهشةٍ، أوحت له حينما تساءل:
_سيف!
ارتعب من رؤيته، ووقف قبالة آيوب الباكي، يمنع يوسف من رؤيته. وبعدما تفحص ملامحه الهادئة تيقن عدم معرفته بالأمر، فسأله بهدوءٍ يجاهد إليه بصعوبة:
_يوسف! إنت رايح فين دلوقتي؟
حاول الوصول بنظراته لآيوب القابع من خلف سيف بشكٍ من أمرهما، بينما يجيب:
_جالي مكالمة من المركز، في حالة ولادة مستعجلة.
هز سيف رأسه، وعينيه تتخفى عن أعين أخيه، فما أن قبض عليه حتى رأى آثار الدموع بوضوحٍ، فدفعه عن آيوب ورأى حالته أبشع من أخيه!
وزع نظراته بينهما، وتساؤل في ريبة:
_في إيه؟!! انتوا اتخانقتوا تاني ولا إيه؟؟
كان أكثر ما يخشاه في تلك اللحظة هو أخيه، فجاهد ليجيبه باتزان:
_أنا غلطت في حق آيوب، انزل انت المركز ومتقلقش أنا بحاول أصالحه.
استشف كذبه النابع من عينيه، الاحمق يظن أن كذبته ستمر على أخيه!
قطع الحديث المتبادل صوت إيثان الباكي:
_وصلت لحاجة يا آيوب!
اتجهت أعين يوسف لإيثان الواقف على الدرج، بينما عاد ببصره نحو أخيه الذي انهمرت دموعه تفضح أمره، فصاح بقلقٍ متضاعف:
_قولوا لي في أيــــــــه؟؟؟
واستدار تجاه الأخير مرددًا:
_قولي انت يا إيثان!
أزاح إيثان دموعه التي أغرقت وجهه، وقال بصعوبة:
_الخواجة عمل حادثة كبيرة على طريق آسيوط يا دكتور.
عبس بعينيه بدهشة يحاول التشكك بأمرها:
_الخواجة مين!!
وردد بصدمة، كادت بأن تسقطه بمحله:
_انت تقصد عُمــــــــران!!!!
*******
فتح عينيه ودموعه تنزف، كان فاقدًا للوعي ولكن عقله لم يتوقف عن التفكير لثانية. كان يشعر بكل شيء حوله، المحقن الذي يندس بوريده، صوت بكاء آدهم، أصوات الفريق الملتف من حوله.
سحب بصره المسلط أعلى سقف سيارة الإسعاف الموضوع بها، والتي لم تتحرك من محل الواقعة، بعد أن تأكد فريق تمريض السيارة بأنه لا داعي لنقله للمشفى، وأكدوا بأنه سيسترد وعيه خلال عشرة دقائق.
ترك علي السيارة وهبط يتأمل المكان، حتى عثر على مراد، فاتجه إليه. سبق الجوكر حديثه حينما قال:
_بقيت أحسن دلوقتي؟
تغاضى عن سؤاله، وسأله بثباتٍ مخيف:
_وصلتوا لحاجة؟
هز رأسه في أسفٍ وقال:
_لسه يا علي، إن شاء الله يكون نجا منها ونقدر نوصله.
هبط آدهم من السيارة خلفه، فاستمع لحوارهما، بينما يرمش "علي" بأهدابه مطولًا، وتعلق بزرقة عين مراد ليلقط أي إشارة كاذبة بإجابته على سؤال طرحه بقوة رجلٍ:
_في أمل إنه يكون عايش بوقوعه من مكان زي ده!
خشى آدهم من إجابة الجوكر، فتدخل قائلًا:
_علي آآ.
قاطعه علي بحزمٍ:
_آدهم من فضلك!
وعاد يتطلع لمراد هادرًا:
_منتظر إجابتك يا مراد وبمنتهى المصداقية.
تنهد بحزنٍ غام بمُقلتيه، واجابه بصدقٍ وبتحليله الدقيق:
_المكان عميق بس فرصة نجاته معقولة منها ده لو كان سليم يا علي، صاحبه اللي كان معاه بيأكد إنهم ضربوه بسكينة قبل ما يرموه، يعني ده ممكن يقلل نسبة نجاته، وبالنهاية محدش فينا يقدر يتوقع المكتوب، لو ربنا كاتب له النجاة هينجي منها حتى كانت فرصته بالنجاة واحد في المية.
تهدل رأسه فوق أكتافه، بينما يتعمق الجرح داخل صدره بشراسةٍ، ترك العنان لدموعه بينما يشد آدهم من ذراعه هادرًا بتأثرٍ وقد بح صوته:
_عندي أمل إنها مش نهايته، عُمران قوي وهيعدي منها بإذن الله.
مال على ذراعه، وردد بخفوتٍ تام:
_أنا أكتر واحد بيتمنى إنه يكون حي يا آدهم، أنا مش عايز غير إني أضمه في حضني حتى لو كانت للمرة الأخيرة.
وتابع وآدهم يشعر بدموعه الساخنة تغرق قميصه:
_ أنا أول مرة أحس إن قلبي مطعون وبينزف، حاسس إني عايز أضغط على السكينة عشان تريحني من عذابي بدل ما هي متشعلقة في قلبي وسايباني بعاني.
وأضاف وهو يرفع رأسه إليه، شاكيًا:
_أنا مش هقدر أواجه فريدة هانم، ولا شمس ولا مايا!!!!
عند نطق اسمها، صاح بصدمة:
_مايا!! مايا هتموت لو عرفت! لأ مش لازم تعرف، لو جرالها حاجة هتحرم من آخر شيء من ريحة أخويا، ابنه!!
وكأن ذاكرته تتجدد بكل العثرات القادمة، فانهمر ببكاء مزق قلب آدهم، وهو يصيح بانكسار:
_ده ملحقش يفرح بابنه ويشيله بين إيديه!! يا وجع قلبي العمر كله عليك يا حبيب قلب أخوك! يا ريت بإيدي الاختيار كنت فديتك بروحي!
جلس على الحجارة من خلفه، وهو يحاول السيطرة على ذاته، فإذا بسيارة إيثان تصطف جوار الازدحام، وسيارة سيف من خلفها، حيث يجلس يوسف جواره عاجزًا حتى عن الحركة.
اندفع آيوب من بين الزحام، قاصدًا علي وأخيه، وما أن وصل إليه حتى ردد ببكاء:
_الاخبار اللي نزلت دي صحيحة يا آدهم؟؟ عُمران جراله إيه؟؟
حاول آدهم تهدئة أخيه، ويونس وإيثان يحاولان السيطرة عليه، ولكنه كان ينهار بصوتٍ زاد من آنين علي، فقرر الابتعاد عن المحيط، لا يحتمل بكائه، فإذا به يقف وجهًا لوجه أمام يوسف، الذي يطالعه بعينين دامعتين، تأبى تصديق تلك الإشاعة، وبمنتهى الاتزان قال:
_أنا مصدقتش ولا حرف من اللي قريته، قولي حالًا الوقح فين عشان أربيه على الرعب اللي سببه لآيوب وسيف ده؟
تحررت دمعة عن عيني علي، ذاك الرجل الذي عهد عنه الصبر ونبل الأخلاق، يتهاوى خلف أحزانه لمرته الأولى. رؤية يوسف لدموعه، جعلته يثق إنها لم تكن إشاعة. انتابه دوار عنيف، دفعه للخلف فاحتواه سيف الذي أمسك بدموعه بصعوبة، بينما يدفعه يوسف للخلف ويدنو من علي، يقبض على جاكيته الأسود يحركه بين يديه بعنف:
_علي إنت طول عمرك عاقل، أوعى تكون مشارك في اللعبة دي، صدقني مش هكلمك تاني وهفسخ شراكتي معاك بالمركز، عُمران المرادي اتمادى أوي! أنا بسبب رعبي عليه سيبت المريضة مرمية بالمركز وجيت جري، مكنتش قادر أسوق أصلًا!
وتابع وهو يوزع نظراته على المكان بأكمله:
_فين جمال؟ هو كان معاه وهيقولي الحقيقة!
بكى علي وهو يرى عيني يوسف تكاد تختلجان من محلهما فور أن لمح جمال يجلس بزاوية منعزلة، يضم جسده ويبكي بانهيار. شحب وجهه، بينما يخبره علي:
_ياريتها كانت لعبة، يا ريته كان بيمثل عليا، كنت هتهاون عن كل وجعي وهخده في حضني، والله ما كنت حتى هعاتبه! بس دي الحقيقة يا يوسف، عُمران كان بيودعنا كلنا من غير ما نحس بيه!
صرخ فيه بجنون وقد انهارت دموعه:
_لأ، لأ عُمران عايش، دي تخاريف..
ودفعه وهو يتجه لجمال، انحنى قبالته وهو يهزه بعنف هو الآخر:
_جمال عُمران فين؟ بالله عليك ترد عليا إنتوا عاملين فينا مقلب صح؟ دي حركة من حركاتك إنت وهو؟؟ بالله ترد عليا!
رؤيته إليه جعلته يرتمي على صدره يبكي بانهيارٍ، وهو يهتف بوجعٍ:
_قتلوه ورموه قدام عنيا يا يوسف! عُمران مات!
سقط به أرضًا بعد أن فقد توازنه كليًا، ودموعه تتساقط بينما يديه تضم جمال بوجعٍ. بقى سيف محله يتابع أخاه بألمٍ، يرى يوسف القوي تنهار حصونه للمرة الأولى، بينما من أمامه "علي الغرباوي" المثال الأول بينهم للرجل المثالي، المتزن، يبكي بوجعٍ أوجع قلبه، ومن يساره ينهار آيوب متعلقًا بآدهم أخيه، حتى يونس يحاول السيطرة عليه، وذاك المسيحي الذي جمعته صداقته به لمدة لا تتعدى الشهرين يبكي من قلبه. تأثر سيف كثيرًا ووجد ذاته يبكي مثلهم، وقد انقلب موقع الحادث لمشنقة حزن، لأفضل الرجال، يبكون من قلبهم على شاب زرع الفضول بقلوب المحيطين لمعرفة ماذا فعل هذا لينال حب هؤلاء؟
*******
أرشدتها الخدم لغرفة شقيقتها، دقت دقتين، فإذا بها تفتح بابها والدموع تغرق عينيها، بينما تتمسك بيدها بهاتفها، تحاول التأكد من زوجها عن ذلك الخبر.
تأكدت فور أن رأت زينب قبالتها بوقتٍ متأخر، كذلك. اندست بأحضانها وهي تبكي بقهرٍ، بينما تربت زينب عليها وهي تشاركها الدموع، بينما تردد فاطمة بانهيار:
_الخبر مطلعش كدب يا زينب، عُمران مات!
******
بجناح "فريدة" كان تقلب بالتلفاز بمللٍ. لقد جفاها النوم منذ ساعة، فتركت الفراش لزوجها واتجهت للصالون الخاص بجناحها الواسع. جلست تقلب بالتلفاز، حتى وجدت ذلك الخبر الذي جزعها جزعًا، فقد كانت المذيعة تردد:
«نحن في انتظار أي إشارات أو مستجدات قد تكشف مصير رجل الأعمال الشاب وسنوافيكم بالتفاصيل أولا بأول. الأنظار الآن متجهة إلى قوات البحث وإلى من تبقى من دائرته المقربة بحثًا عن جثمان الفقيد، ولا تزال فرق البحث والإنقاذ تواصل عمليات التمشيط المكثفة في محيط الحادث الذي تعرض له رجل الأعمال الشاب عمران سالم الغرباوي خلال طريق عودته من مؤتمر صحفي أُقيم بأسيوط، وبحسب مصادر أمنية، تأكد لنا أنه تم فقدان السيطرة على السيارة، فسقطت من أعلى جسر قيد الإنشاء وسقط من ارتفاع شاهق في ظروف لا تزال غير واضحة، ولم تؤكد السلطات ما إذا كان الحادث ناتجًا عن خلل فني أو عمل مدبر خاصة في ظل تصاعد التساؤلات حول توقيته الغامض وتزامنه مع توسع نشاط رجل الأعمال الراحل في السوق المصري. ملابسات اختفاء عمران الغرباوي قيد التحقيق وسنوافيكم بأي مستجدات حال ورودها. ابقوا معنا.»
نهضت عن الأريكة تبعد خصلاتها للخلف وهي تهتف بجنون:
_وفاة مين!! إيه الهبل ده؟ ازاي يتكلموا عن ابني بالشكل ده!! ده أنا هوديهم في داهية.
حررت الاتصال برقم عمران، كان يعطي رنينه دون أي إجابة منه، فابعدت الهاتف وهي تردد بقلق:
_مبيردش ليه!!! هشوف علي؟
اتصلت بعلي، فلم يأتِها أي رد. ألقت الهاتف من يدها وقد اعتصر قلبها بشعورٍ قبض روحها معه، استندت على الطاولة حينما شعرت بضعف بنيتها، وبشحوب تام نادت زوجها:
_أحمد!
كان يبعد عنها مسافة طويلة، فاذا بها تصرخ ببكاء:
_أحمـــــــــــــد!
انتفض بمنامته يبحث عنها، وجدها تنحني فوق الطاولة الزجاجية، وانفاسها تغدو بطيئة. صعق أحمد من رؤيتها بتلك الحالة، ظنها تقدم على موعد الولادة.
ساندها بكل قوته، وهو يهتف بقلقٍ:
_مالك يا حبيبتي، حاسة بأيه؟!
أستندت على ذراعيه، وشهقاتها تتحرر بآلام أم ذُبح فؤادها:
_ابني يا أحمد، ابني!!
زوى حاجبيه بعدم فهم، لقد أكد الطبيب بأنها تحمل بأنثى، أتعني علي! أم عُمران؟!!
مالت إليه تجذب الريموت المتحكم بالتلفاز، قلبت لقناة أخرى فاذا بالخبر يُعاد من جديد، تجهمت معالم أحمد غضبًا وصاح:
_خبر مزيف طبعًا كعادتهم مفيش وراهم غير كده، بس وحياتك عندي لأوكل محامي عندي يرفع عليهم قضية، هدفعهم تمن خضتك دي غالي أوي.
هزت رأسها ببكاء وهمست له:
_مبيردش عليا ولا علي كمان بيرد، قلبي مقبوض يا أحمد، ابني فيه حاجة!
وتعلقت بقميصه، تترجاه بتوسلٍ:
_أنا عايزة أكلم عُمران، وحياة غلاوتي عندك هات لي ابني!
ضمها إليه بألمٍ، وهو يؤكد لها:
_متخافيش يا فريدة، عُمران بالمؤتمر الصحفي وأكيد زمانه على رجوع، وعشان تتطمني أنا هكلمه.
وسحب هاتفها الملقي أرضًا يعيد الرنين مجددًا، مرة تلو الأخرى.
****
صمد هاتف عُمران أسفل المياه لجودة نوعه الباهظ، فإذا به ينير بالسيارة الموضوعة جوار الجسر، بعدما نجحوا بانتشالها، وها هو الشرطي يقدم الهاتف لعلي الذي حمله بأصابع مرتعشة، وقلب دامي لم يعد قابلاً حتى للنبض.
يرى بعينيه رقم والدته، وإسمها المدون بيد أخيه بالإنجليزية «برنسس عيلة الغرباوي». انسدلت دمعاته وخانته، ابتعد عن الجمع يضع الهاتف نصب عينه وهاتفه جواره، كانت زوجته ترن على هاتفه، ووالدته على هاتف أخيه.
شدد على خصلاته وهو يبكي دون توقف، فاستمد نفسًا طويلًا ورفع رأسه للسماء هادرًا:
_قويني يا رب، أنا ماليش غيرك، قويني عشان أقدر أكون سند وعون لهم من بعده!
أزاح دموعه وجذب هاتف أخيه، يحرر زر الإجابة فإذا بفريدة تناديه بلهفة الكون بأكمله:
_عُمـــــــــــران، حبيبي انت كويس يا روحي!! طمني عليك!
كبت شهقاته بصعوبة بالغة، وأجلى صوته الثابت:
_فريدة هانم.
رددت بخيبة أمل، ورعب اجتاحها:
_علي! أخوك فين يا علي؟ وأيه الاخبار المنتشرة دي!!!
ضم شفتيه معًا يحتجز بهما شهقاته، ورد باتزان:
_دي اشاعات فارغة، أنا هخليه يكلمك بس هو مشغول دلوقتي.
وقبل أن تطرح تكذيبًا لأقاويله، قال:
_أنا عايز اكلم عمي، محتاجه في حاجة من فضلك.
رددت بغضب:
_طمني على أخوك الأول وبعدين كلم أحمد!!
شعر، أحمد بوجود شيء ما، فجذب الهاتف منها وقال بمراوغة:
_ما خلاص يا فريدة الولد طمنك، ارتاحي انتِ وأنا هكلمه وهرجع لك تاني.
وبالفعل التقط الهاتف وخرج بعيدًا للشرفة، يغلق السماعة الخارجية:
_معاك يا علي! الكلام اللي قولته مدخلش عليا!
وصل إليه صوت بكاء علي، فارتكن أحمد على السور الحديدي وردد بصدمة:
_علي!! متكدبش عليا أخوك ماله؟؟؟
بكى كأنه يرى ذاته بأحضانه، كأنه يشعر بيديه تحاوطه، وبعجز قال:
_معرفش! الخبر اللي سمعتوه صح، ولحد اللحظة دي أنا وأصحابه قدام الجسر، ومش عارف أخويا عايش ولا ميت!
تساقطت دموع أحمد رغمًا عنه، وهمس بوجعٍ:
_حي يا علي، عمران ابني حي، أوعى تحط احتمالات تانية غير دي، أنا جايلك حالا.
_لأ أوعى يا عمي، عشان خاطري حاول تبعد ماما عن القصر، حاول تبعدها هي وشمس عشان مايا متعرفش حاجة. أنا كلمت فاطمة وقولتلها تبعد الفون وتمنعها من التليفزيون لحد ما نلاقيه، بالله عليك خليك جنب أمي ملهاش غيرك دلوقتي، انا هبلغك لو جديد.
عاتبه ببكاء:
_مش هقدر أكون هنا وأسيبك لوحدك يا علي، أنا حاسس إني هتجنن ومش قادر أتقبل اللي بتقوله، ازاي عايزني أصدق إن ابني مات بالبساطة دي، لا عُمران عايش وهيعدي منها، ولو معملش كده هذله ليل نهار بالاوزان اللي بيتباهى إنه بيشيلها.
واستطرد بابتسامة يتبعها وابل من الدموع:
_ده بيرفعني كأنه شايل ريشة، بتستهبل انت!! ابني حي.
أبعد الهاتف عنه يكبت عن عمه بكائه الشديد، بينما ينشطر قلب أحمد لسماعه شهقات علي مهما حاول كبتها، فقال بانهيار:
_مش هتحمل أسمعك بتبكي يا علي، ولا عُمران هيتحمل يشوفك كده، ده بيستقوى بيك طول عمره، إنت شايفني أب ليك وهو شايفك أنت الأب، إجمد يا علي عشان خاطره هو يا حبيبي!
بكى وهدر بانكسار:
_آه من وجع قلبي عليه يا عمي، مش قادر آخد نفسي، حاسس أن روحي هي اللي بتنازع مش هو! إدعي ربنا يرده لي، ضهري لو اتكسر بيه هعيش طول عمري محني!
آزاح أحمد دموعه حينما وجد فريدة تقترب منه، تحاول التلصص عليه، وقال ببسمة كاذبة:
_خلاص يا وقح مدام مشغول هنكلمك وقت تاني، أنا غلطان أساسًا إني خربت الليلة عليك، يلا من غير سلام.
اغلق الهاتف واستدار لفريدة يخبرها بابتسامة زائفة:
_شايفة ابنك بيتواقح عليا ازاي يا هانم، قولت لك ألف مرة دوسي شوية في تربيته.
قرأت كل ما أخفاه بعينيه، وبقوتها المخادعة أخبرته:
_عُمران جراله إيه يا أحمد؟ علي مكنش معاه وفجأة يرد على تليفونه!
أجابها وهو يلف ذراعه من حولها:
_مفيش يا حبيبتي، علي راح له على طول عشان يكون جنبه بالمؤتمر.
هتفت باستنكار:
_ومن امتى علي بيحضر مؤتمرات لعمران؟!
واجهها بنظرة مخادعة وهدر إليها:
._وبعدين يا فريدة تعبتيني معاكِ هو إنتِ آآ..
انفتح باب جناحها وهرولت شمس إليها تصرخ بجنون:
_مامــــــــي، عُمران!!!
ركضت إلى أحضانها تبكي بكاء هيستيري، فتلاشت محاولات أحمد وباءت بالفشل، بينما تهتف شمس بانهيار:
_قريت الخبر من على النت، وآدهم مش موجود، لما كلمته عرفت إنه هناك ومقدروش لسه يلاقوه!!!
مالت على كتف فريدة تبكي، بينما الأخيرة تتطلع للفراغ بصدمة.
ركض أحمد يغلق باب الجناح، وعاد لشمس يخبرها برجاء:
_شمس عمران عايش صدقيني، اهدي عشان مايا، لو سمعتك هتموت فيها هي واللي في بطنها.
وأضاف ليتمكن منها:
_يرضيكي أخوكي يرجع ويتفاجئ بخبر زي ده.
هزت رأسها بالنفي، بينما يتابع فريدة بنظرات قلق، حاصرها بجسده وقال بهدوء:
_فريدة كل ده كدب، عمران كويس وهيرجع.
مالت على كتفه تردد بهمس خافت:
_ابني!
وأغلقت عينيها تنصاع لغشاوة سوداء تقتحم عالمها، فإذا بزينب تطرق باب الجناح، لتطمئن على شمس، فقد رأتها وهي تهرول من سيارتها باكية، فعلمت بأنها علمت بالأمر.
أسرعت إليهم تعاونهم على وضعها بالفراش، ثم انحنت تتفحص نبضها، وتبذل قصارى جهدها لتجعلها تستعيد وعيها.
*******
مازال أمر بقاء فاطيما برفقتها مريبًا لها، وبالأخص بوقتٍ كذلك. راقبتها وهي تصنع كوبان من العصير وتتجه إليها وهي تبتسم بصعوبة:
_وادي يا ستي أحلى كوبيتين عصير لأجمل مايا بالدنيا كلها.
راقبت ما بيدها، والتقطته ترتشفه بتلذذ:
_طعمه تحفة يا فاطيما، تسلمي لي يا حبيبتي.
وأضافت بشك:
_بس غريبة إنك تكوني صاحية في وقت زي ده، انتي بتنامي بدري يعني!
وضعت الكوب وراقبتها بارتباكٍ:
_مفيش أصل علي نزل المركز واتاخر برجوعه وأنا خايفة أنام لوحدي، فأول ما لقيت نور أوضتك منور قولت أجي أسهر معاكي.
ابتسمت لها بحب:
_خير ما عملتي، كنت قاعدة زهقانه والله، وبرن على البشمهندس المحترم وكعادته مطنشني.
حزنت لاجلها وهتفت بثبات:
_معلشي يا حبيبتي هتلاقيه مشغول، ما انتِ عارفة شغله صعب قد إيه.
هزت رأسها بخفة وقالت:
_هقوم أشوف موبيلي فين هرن له مرة تانية يمكن يرد.
انقبض قلب فاطيما، وخاصة بأنها تخفي هاتفها بجيب بيجامتها، فأوقفتها قائلة:
_على فكرة انا كنت بكلم علي من شوية وقالي إن عمران لسه بالمؤتمر، فأكيد مش هيقدر يرد عليكي، وبعدين انتي من ساعة ما جت لك وانتي عايزة تتهربي من قعدتي بأي شكل، خلاص يا ستي هروح أنام بجناحي وانتي كلمي البشمهندس بتاعك براحتك، بس افتكري أنك بتطفشي اللي بيحبك وبتعبري اللي مش معبرك.
ضحكت على أسلوبها الغامض، وعادت تجلس محلها قائلة:
_أيه ده كله، انتي فاكراني الدكتور علي وبتحاولي تلفيني يا فطيمة، اتطورتي أوي ما شاء الله.
ضحكت بصعوبة وهي تخبرها:
_لازم نتطور ولا نسيب الدوك يبص بره بقى؟
انهارت بنوبة من الضحك وقالت بسعادة:
_لا عندك حق، انتِ الظاهر شغلك مع عمران خلاكي جريئة واداكي قوة أسد اللهم بارك.
وخز قلبها بقوة، وكادت أن تنفلت دموعها على شقيق لم تكتسبه يومًا، فكان هو أفضل شقيق وصديق لها، ولكنها وضعت كل حزنها جانبًا وسحبتها بمرحها حتى غفت جوارها على الفراش، بينما لم يزر النوم جفن فاطمة، التي انتزعت حياتها فور أن استمعت لصوت علي الباكي، تتمنى لو كانت جواره تشاركه حزنه وتضمه إليها!
******
الثامنة صباحًا.
آخر فريق سباحين يخرج من المياه، بفشلٍ جديد، ونهاية وضعت لكل تلك الجهود المبذولة.
انتفضت الساحة من الجمع، ولم يتبقى إلا أصدقاؤه وشقيقه، يجلسون أرضًا ودموعهم لم تجف عن وجوههم، بينما يختزل كل ما بُذل بجملة تحررت لهم جميعًا:
_قعدتكم هنا ملهاش لازمة، للأسف مش قادرين نوصل لحاجة ومفيش قدامنا غير الصبر!!
******
بعيدًا عن آسيوط، بإحدى قرى الصعيد، كانت المستشفيات الداخلية للقرى، تعج بعدد مهيب من الحضور. إنقلبت أجواء الصعيد رأسًا على عقب، بعد أن ذاع انقلاب باص ضخم يحمل عددًا من المعازيم لإحدى الأفراح الشعبية، والذي كان يتمايل على الطريق العام انصياعًا للمهرجانات الشعبية، أثناء زف سيارة العروس، فاصطدمت سيارة العريس بالباص الضخم، وسقطوا معًا بالنهر محدثًا إصابات بالغة.
نتج عن الحادث بعيدًا عن وفاة العروسين، وفاة خمسة من المعازيم، وإصابة تسعة عشر فردًا، توزعت أعدادهم على المستشفيات الداخلية للقرى بإصاباتٍ مأساوية.
ومن بين تلك المستشفيات، كانت مشفى بسيط ضمت ثمانية من الحالات المتعسرة، فركض أفراد التمريض لنجدة الحالات المستقبلة، والاستقبال في حالة فوضوية لعدم تعرفهم على أحدٌ من المصابين، فإذا بالممرضة تهدر للأخرى بحزن:
_طيب هنسجل بياناتهم ازاي دول؟ دول أغلبهم معهمش أوراق ولا بطايق!
أجابتها بشفقة وحزن:
_يعني مين هيهتم ياخد بطاقته وهو رايح الفرح يا سهير! لحد الآن في ٥ حالات وفيات، رجلين وتلات ستات، وال٨ اللي اتحولوا المستشفى علينا، فيهم أربع حالات على التنفس وحالتهم شبه مستقرة، وفيهم واحد في العناية والتلاتة التانين مرميين في العمليات من ٦ الصبح.
وأضافت باستياء وحنق:
_ادى أخرة السنحة والرقص بالعربيات على الرصيف، أقطع دراعي إن مكان السواق ده كان مبرشم، منه لله.
ردت الآخيرة بحزن:
_ربنا يلطف بينا يارب.
******
أمام غرف العمليات.
خرجت الحالتين وانتقلت للعناية على الفور، وتبقى حالة وحيدة بداخل الغرفة، يجاهد الأطباء لإنقاذه، وبصعوبة بالغة استقرت حالته نوعًا ما، فإذا بالطبيب ينزع كمامته ويرتكن على المقعد بتعبٍ شديد، وأشار للممرض الشاب:
_صابر جهز الحالة دي تدخل عناية مشددة، حالته احتمال تتدهور في أي وقت.
هز الشاب "صابر" رأسه في طاعة، وانحنى يجهز المريض من أمامه، فإذا بالطبيب الآخر يرنو إليه ويقول:
_الحالة دي غريبة عن الحالات كلها يا دكتور ممدوح.
أجابه الطبيب باسترابة:
_مش فاهم!
رد عماد عليه:
_الحالات اللي جاتنا كلها كانت بتعاني من الغرق واصابات ناتجة من انقلاب الباص بتاع الفرح، لكن الحالة دي واخده طعنة بالكتف، والجرح العميق اللي في جنبه ده سببه اختراق شيء حاد، وكله كوم وإصابة رأسه دي كوم تاني، ده لو نفد منها هينفد بمعجزة.
انتاب الأخير الشك وقال:
_عندك حق يا عماد، بس ازاي اتعرض لطعنة وهو بالباص مع باقي المعازيم!
أجابه بحيرة:
_العلم لله، بس هو مش هيطول بحالته دي، أخره ٤٨ ساعة على الأجهزة.
رفع كتفيه وأجابه:
_العلم لله، هندخله العناية لحد ما أهله يتعرفوا عليه زي باقي الحالات.
دفع الممرض "صابر" الفراش، ونظرات الشفقة تغلف ذلك الشاب وخاصة بعد سماعه للحوار المتبادل، دفعه لغرف العناية، والتي يعمل بها بشكلٍ مستمر. نقله للفراش ووصل إليه الأجهزة، ثم وقف يطالعه بحزن، فإذا به يحاول فتح عينيه وصوت التآوهات تخرج عنه.
ابتسم صابر بفرحةٍ، وأسرع إليه يميل من فوقه:
_إنت كويس!!
أبصر عن رماديتيه الساحرة، يتطلع لمن يقابله بنظرةٍ لم تطول، ليغوص بعالمٍ أسود التهمه سريعًا، وصوت الأجهزة لا تنذر بالخير أبدًا.
ركض الطبيبان ممدوح وعماد إليه، يتفحصان أمره، وأعربا عما أصابه قائلين:
_دخل في غيبوبة، والله أعلم مؤقتة ولا دايمة!
........ يتبع....
قد تظن أنك قد توصلت لباقي الأحداث ولكنك عزيزي القارئ لن تتوقع القادم أبدًا، لذا كن على يقين أن الأقوى قادم، ترقبوا ❤******_______*********
رواية صرخات انثى الفصل السادس والتسعون 96 - بقلم ايه محمد رفعت
منذ الثامنة صباحًا وما زال علي والشباب بمكان الحادث، وها هي تمضي للثالثة فجرًا، صباح يوم آخر دون أي جدوى.
وبإصرارٍ من الجوكر عاد الجميع مهمومًا لمنازلهم، فتقاسمت العائلات الحزن الشديد معهم، وعلى رأسهم الشيخ مهران، الذي كان يدعو له في كل صلاة جماعة، ويستمع بآذنيه صوت بكاء الأناس من حوله، الجميع كانوا يحبون هذا الشاب، ذو الصوت العذب، الذي كان يبتهل قبل آذان الفجر، ربما ليس بشكلٍ دائم ولكن اليوم الذي ينطلق صوته بحارة الشيخ مهران، كان الأطفال يخرجون بهواتفهم ليسجلوا صوته.
لم يترك حبه صغيرًا ولا كبيرًا، ليس لأنه وسيمًا ولا لثرائه، فكم من ثري يهتم بلياقته وجماله، ولكن ليس فيهم ذلك الذي يمتلك قلبًا رحيمًا، لا يمتلك حنان عمران ورحمته بغيره!
انعزل جمال بغرفته، تاركًا زوجته ووالدته تدقان بابه ببكاءٍ شديد، وبالأخص آشرقت التي جن جنونها فور أن استمعت للخبر، تقاسمت الخوف على ابنها وعلى ذلك الشاب البار بها وبابنها، بينما انقبض قلب صبا رعبًا على زوجها، لحبه الشديد لعمران.
أما يوسف فما أن أغلق باب شقته حتى تهاوى من خلفه يبكي بانهيار، ومن خارج باب منزله يستند سيف على باب شقة أخيه، يستمع لصوت بكائه ودموعه تنساب قهرًا وشفقة عليه، يمد أصبعيه للجرس حتى يدقه ويكون بجواره، ولكنه تراجع حينما استمع لصوت ليلى، فاطمئن حينما وجدها تساند أخيه بكل حب، لذا ترك لهما مساحتهما وغادر لشقته مهمومًا.
أما أيوب ففور أن غادر المسجد جميع المصلين، حتى تمدد واضعًا رأسه على ساق الشيخ مهران، الذي يحاول جاهدًا التربيت على قلبه الجريح، فمضى يرقيه ويدعو له بصمتٍ، ومن جواره يجلس يونس الذي لمعت عيناه بالدمع تأثرًا بحالة ابن عمه ورفيقه إيثان.
بينما يجلس إيثان على درج الجيم الخاص به، يتطلع لكل تفصيلة وضعها عمران بلمسته الخاصة، فتنسكب دمعاته ويوخز قلبه بقوة، كأنما خسر شقيقًا لم يمتلكه أبدًا، بالرغم من مشاكساتهما المعتادة إلا أنه بات صديقًا هامًا له.
تدارك الحزن قلوب أعتى الرجال، فاستشف فيهم الحزن والبكاء، فأشفقوا جميعًا على حال النساء، وخاصة والدته وزوجته التي لم تعلم بعد، فكان لهم نصيب مضاعف من الوجع، فلقد ترك عمران بصمة تذكارية للجميع، بداية من سدن التي أسلمت على يده هو دونًا عن الآخرين، ونهاية بصبا التي حماها من غضب زوجها في تلك الليلة، وإلا كان سيقتلها هي وزوجها.
حتى زينب قدم لها حماية كاملة حينما ألقن يمان درسًا قاسيًا، وتتدرج كل تلك الأدوار البسيطة أمام فاطيما، التي كان لها ونعم الأخ والسند، فباتت بغرفتها تطول بسجودها وتدعو له ببكاءٍ ورم عينيها، تتمسك بقرآنها وتقرأ له، وحينما استدارت لفراشها وجدت علي يتمدد من فوقه، يضم ساقيه لوجهه بشكلٍ قبض صدرها.
ركضت إليه تناديه بهلعٍ:
_علـي!
شهدت ضعفه للمرة الأولى، فإذا بدموعه تغرق وجهه، وصوته المبحوح يهمس لها:
_احضنيني يا فاطمة!
تدفقت دموعها بتأثرٍ، وبدون أي تردد تمددت جواره وتدفنه بين ذراعيها، فوجدته ينتفض من الحين والآخر حتى أغلق عينيه باستسلام لنومٍ لم يشهده منذ ثمانية وأربعين ساعة!
وقف "آدهم" أمام باب غرفتها التي اعتصرت داخلها كل آلامها حينما رأت ما فعله أخيها بداخلها لتكن باستقبالها بأي وقت تحتاج فيه للراحة.
يصل لمسمعه صوت بكائها، فاستند بجبينه على الباب وهو يغلق عينيه في وجعٍ، أرشده أحمد لغرفتها وطلب منه أن يظل برفقتها هنا، بينما يغادر الطبيب جناح فريدة بعد أن طمأن أحمد وآدهم عليها.
حرر آدهم مقبض الباب، وولج يتلمس الطريق أمامه، لم تستمع شمس لصوت الباب من كثرة بكائها وصرخاتها المتألمة.
كانت الغرفة شاسعة لدرجة جعلته يفشل بتحديد مصدر صوتها، فناداها بلهفة:
_شمس.
استقامت بجلستها على الفراش الوثير، تراقب وجوده بعدم تصديق، وببسمة ارتسمت رغمًا عنها همست:
_آدهــم!
قالتها ونهضت تركض صوبه، اندفعت لأحضانه فتراجع بها خطوتين من قوة ارتطامها به، فكبت صوت وجعه الذي عصف بإصاباته، ومع ذلك رحب بها بضمته القوية داخله، بينما تتمسح هي بصدره وهي تشكو له:
_عُمران إتخلى عننا يا آدهم، عُمران سابنا ومشي!
وتابعت وجسدها ينتفض من فرط البكاء:
_لما بابي مات كنت صغيرة ومش فاهمه حاجة، وكل ما كنت بشتاقله وبحتاج لوجوده كان علي وعُمران جانبي، عمرهم ما حسسوني إني يتيمة الأب، أنا دلوقتي بقيت يتيمة يا آدهم.
أدمعت عيناه تأثرًا بحديثها، رفع يده يمررها على طول خصلاتها، وقال بحزن:
_عارف إني مهما اتكلمت ومهما حاولت أطمنك وأعوضك مش هعرف، لأن عُمران ما يتعوضش ولا يسكن وجع فراقه أي كلام، بس أنا مش قادر أشوفك بالحالة دي يا شمس، فريدة هانم تعبانة ومحتاجاكِ جنبها.
تمسكت بقميصه وتعالى صوت شهقاتها، بينما تخبره بانكسار:
_أنا اللي محتاجاها جنبي، آدهم أنا أول مرة أشوف مامي في الحالة دي، مامي عمر ما حاجة كسرتها.
ورفعت رأسها إليه تتفقده بحبٍ، فإذا بها تبتعد عن ذراعيه وهي تبتسم بألمٍ ساخر:
_إنت عيونك ورامة من البكى!!!
للدرجادي عُمران فارق لك أنت كمان؟؟
زوى حاجبيه وهو يجيبها بدهشة:
_أكيد فارق لي يا شمس، عُمران طوب الأرض بيحبه وبيحترمه، إنتِ عندك شك إني مش هكون أول واحد زعلان عليه؟
هزت رأسها بالنفي، وعادت لأحضانه تخبره ببكاء:
_لأ.. معنديش أي شك في حبك تجاهه، بس استغربت من الحالة اللي إنت فيها.
واسترسلت ببكاءٍ:
_خليك جانبي يا آدهم، أنا محتاجالك أوي، خليك معايا هنا، بلاش ترجع البيت.
قبل جبينها وخصلاتها بحبٍ:
_أنا مش رايح لأي مكان.. أنا هنا جانبك يا شمس.
ابتسمت من بين دموع عينيها، ومالت على صدره تجاهد ألا تغفو، شعر بها آدهم فضمها وخطى برفقتها، حتى أوصله للفراش، تمدد برفقتها واحتواها بحنانٍ، جعلها تستسلم بين ذراعيه للنوم سريعًا.
كان أثقل ليل يمر على الجميع، حتى أتى صباح يوم جديد، فتح "علي" عينيه المسلطة على الفراغ بشرود، وببطء انتقل ببصره لمن تغفو على كتفه، انسلت من الفراش وخرج بنفس ملابسه التي ارتداها يوم حادث أخيه وبقي بها حتى تلك اللحظة.
خرج يتجه لجناح والدته بالطابق الأول، وقف أمام الباب مترددًا بالطرق، ولكنه استجمع كل قوته وطرق الباب، فإذا بأحمد يقف أمامه، وفور أن رآه حتى سحبه للخارج ويسأله بكل لهفة:
_طمني، لقيتوه؟
غامت رماديتاه بعاصفة كبت فيها الدمع وانهارت حصونه، فاكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه، ضم أحمد شفتيه بألمٍ، وارتكن على الحائط المجاور له يحرر بكائه المحتبس، وهو يواجهه:
_يعني أيه؟!!!!
قبض على كفه يمنعه من السقوط، وتوسل له ببكاء:
_أبوس إيدك يا عمي أنا مش متحمل، إرحمني بالله عليك.
رفع عينيه له يطالعه بشفقةٍ، من سيساند في تلك العائلة، نصب أحمد عوده وضمه إلى صدره بكل قوته، هاتفًا بشهقاتٍ تئن وجعًا:
_هيرجع يا علي، هيرجع وبكرة هتشوف.
اعتصر عينيه يحرر نزيفهما، وهو يتمنى من داخله أن يعود في تلك اللحظة، يتخيل بكل دقيقة تمر عليه أنه سيفتح باب جناحه ويركض لأحضانه معتذرًا عما فعله به، ولكن الدقائق والساعات مرت ولم يعد أخيه، لم يعد ابنه البكري!
استمد علي القليل من القوة، وسأل أحمد بصوته الشاحب:
_ماما عاملة إيه؟
رد يجيبه بتأثرٍ:
_نايمة من ساعة ما عرفت، الدكتور قال إن كده أحسن ليها بالوقت الراهن.
منحه نظرة غائرة، احتشدت فيها أوجاعه، كم من نزيف سيخترق قلبه الضعيف، نزيف أخيه أم والدته أم شقيقته أم زوجة أخيه، أم أصدقائه؟
كم وجعًا عليه احتماله؟!!!
ولج علي للداخل، يراقب والدته الراقدة على فراشها لا حول لها ولا قوة، أزاح دموعه ووقف ينظم أنفاسه، حتى يهدأ عنه ذلك الوجع الذي يشعر به داخل صدره، والذي بات على علم كامل أنه إن لم يخف من حدته سيصاب بجلطة فورية، كونه طبيبًا يعلم بوادرها.
مال على الكومود يفرك صدره وهو يهمس بوجعًا:
_لو وقعت إنت كمان يا علي مين هيساندهم غيرك!
وأغلق عينيه يهتف بألمٍ:
_اللهم ارحمني برحمتك، ولطفك، وأيدني بالصبر واصرف عني الهم والغم والسخط، اللهم أصلح لي أمري كله، وصبرني على ما أصابني، وارضى عني يا لطيف، اللهم اشدد أزري، وثبتني وارزقني الصبر.
ومال يتطلع لوالدته، فبكى رغمًا عنه وهو يتابع:
_اللهم إني أسألك لطفك بي وبمن أحب اللهم ارزقهم الصبر والثبات.
ونهض عن الكومود ينحني تجاه يدها المنغرز بها المحلول، يقبلها ودموعه تتساقط على كف فريدة، فتحركت أصابعها كأنما تشعر بكسرته وانهياره.
نصب عوده ومال على رأسها يقبلها بعمقٍ، ومن بين دموعه يهمس لها:
_هيرجع والله، هيرجع لحضنك لأنه ميقدرش يبعد عنك ولا عني، مهما بعد هيرجع!
مال على كتفها يبكي كالصغير، يسترد معنى جملته، وسؤاله يحير باله، ماذا لو لم يكن على قيد الحياة!!!
ولج أحمد الجناح بعد أن ترك له الوقت برفقتها، فوجده يميل على كتفها ويبكي دون أي صوت، يحتبس صوت صراخه بينما تفضحه دموعه، امتد كف أحمد يشدد على كتفه، يجدد فيه قوته، فرفع نفسه عنها وأزاح دموعه، ثم انتصب بعوده وغادر على الفور.
مضى للطابق العلوي، وما كاد بالتوجه لجناحه حتى توقف على صوت باكي يأتي من خلفه، يناديه:
_علي!
قبض معصمه وضم شفتيه بقوة أدمتهم، يحاول الآن أن يستحضر ثباته الهادر لتلك المواجهة، استدار للخلف ببطء فوجدها تقابله بعينيها المتورمة، ووجهها المجهد، تقف على بعدٍ منه وتبكي بانهيارٍ، صوت وجعها يصل له من محله، تدفقت دموعه وهو يتطلع لها بعجزٍ تام، وبدون أي كلمة تقال فرق ذراعيه لها.
هرولت إليه شمس، حتى استقرت بين ذراعيه تبكي بصوتٍ تعالى عن مجمله الطبيعي، تلاشت الكلمات عنهما، فأي كلمة ستُقال الآن!
ربت عليها بضعفٍ، وتركها تخرج ما بها دون أن يصدر عنه حرفًا، بينما تهتف بانهيارٍ:
_أنا مش مصدقة يا علي، ده كان لسه عندي قبل ما يسافر، حضني وقالي أنا جانبك وسندك، وفجأة كده يتخلى عني يا علي؟؟؟
اعتصر دموعه ويديه ترتخي بضعفٍ عنها، تثاقلت أنفاسه وحجم أوجاعه تتضاعف، اهتزت الصورة من حوله، ومال على شقيقته.
انتفضت شمس بفزعٍ من رؤية أخيها بتلك الحالة، لفت ذراعيها حول خصره تدعم وقفته، وهي تناديه بفزعٍ:
_علــي!
مال عليها يستند بذقنه على رأسها، فهدرت برعب:
_مالك يا حبيبي؟
إنت هتتخلى عني انت كمان يا علي!!
وصرخت بجنون:
_آدهــــــــــم!
فتح عينيه بصعوبة، والدوار يتمكن منه كليًا، فشد عليها قائلًا:
_انا كويس يا شمس، إهدي..
صرخت به وبكاؤها يزداد:
_لا إنت مش كويس، إنت مش قادر تقف على رجلك!
منحها ابتسامة مؤلمة، وقال:
_ولو فضلتوا بحالتكم دي هموت من عجزي قدامكم.
تعلقت به بخوفٍ، وهدرت بانفعال:
_بعد الشر عليك يا حبيبي، إحنا مبقاش لينا غيرك يا علي متتخلاش عني ولا عن مامي بليز!
ضمها وربت على ظهرها بحنانٍ، فابتعدت تزيح دموعها وتحاول قدر المستطاع السيطرة على حزنها، ستفقد أخاها الآخر إن تركت الأحزان تتمرد عليها، كانت تظن أن علي سيمدها بالدعم الكامل حتى تتخطى ما تمر به، مثلما اعتاد أن يفعل، ولكنها تفاجأت بمدى ألمه الغير محتمل على فراق عُمران وعلى حزنهم الشديد عليه.
ابتعدت عنه ورددت بابتسامة رسمتها بالكد:
_أنا هنزل اجيب لك سندوتش خفيف وكوباية عصير، لو فطرت هتتحسن شوية.
وتركته وهرولت للأسفل، فما أن تأكد من ابتعادها حتى سقط على المقعد القريب منه يعتصر رأسه وهو يتآوه بخفوت تام، فإذا بفاطمة تخرج للبحث عنه بعدما ارتدت حجابها، فصعقت حينما وجدته يجلس على المقعد ويتآوه بصوت مذبوح.
انحنت قبالته تناديه ببكاء:
_مالك يا علي؟؟؟؟
تعمق بعينيها الباكية، وحجم ألمه يتضاعف، مد يده لها وقال بانكسارٍ:
_امسكي إيدي وفوقيني من اللي أنا فيه، قوليلي إنه حلم وهينتهي، أو كابوس وهيعدي، لو دي الحقيقة اللي هعيشها مش عايز أكون فيها.
وأضاف وهو يميل برأسه للخلف:
_أنا كنت بعلم الناس الصبر، بأخد بايدهم لحد ما يمروا بالمطب اللي حولهم لمرضى نفسيين، ودلوقتي أنا اللي محتاج لحد يعديني، أنا مش كويس ولا بخير نهائي، قلبي مش متحمل كل ده، كل ما بقوي نفسي وبصلب طولي إنتوا كلكم بتكسروني.
انهارت باكية من شدة ألمه، بينما تنهمر دموع أحمد القريب منه وآدهم الذي خرج منذ لحظة نداء شمس، واختار البقاء جانبًا يستمع لعلي ودموعه تنساق دون إرادة منه!
اقترب منه أحمد وناداه بتأثرٍ:
_علي، قوم يا حبيبي، إحنا كلنا بنقوى بيك!
منحه نظرة منكسرة وسأله:
_وأنا مين يقويني يا عمي؟!!
ظهر آدهم من خلف الحائط يهتف باستنكارٍ:
_معقول يا علي، أنا توقعتك هتقدر تتعامل مع فريدة هانم وشمس، بالشكل ده هتضعفهم أكتر، لازم تفوق عشانهم على الأقل.
كاد أن يجيبه ولكنه صعق حينما انفتح باب جناح أخيه، وخرجت منه مايا، علامات القلق والتوتر يتشكلان على ملامحها، أحاطت الجميع بنظرة ذهول، ولكنها تجاهلت كل شيء في سبيل الاقتراب من علي، تناديه بارتباك:
_علي، إنت كلمت عُمران؟
مرجعش من امبارح لحد الوقتي، ومبيردش على مكالماتي!!
أنا قلقانة عليه أوي.
ارتبكت الوجوه جميعًا، وخاصة علي الذي لم ينقصه إلا تلك اللحظة لتقضي عليه، عادت شمس حاملة للطعام والعصير، فتفاجئت مايا بوجودها:
_شمس أنتِ جيتي امتى؟
ارتبكت قبالتها بشكلٍ دفعها لتتساءل وعينيها تجوب بين الجميع:
_هو في أيه؟
مالكم؟!!
اقتربت منها فاطمة تجاهد لرسم ابتسامة صغيرة:
_مفيش حاجة يا حبيبتي، دي شمس وحضرة الظابط بينهم مشكلة بسيطة بس وآ..
دعمها آدهم كليًا حينما استكمل عنها الحديث:
_فريدة هانم وأحمد باشا حلوا الموضوع امبارح بس زي مانتِ شايفة كده يا مدام مايا، دكتور علي مزود العيار عليا ومش عايز شمس ترجع معايا البيت يرضيكِ؟
نجحوا باستمالتها إلى مجرى الحديث، فاقتربت من علي الذي يدفن وجهه أرضًا من شدة الدوار، وعاتبته برقةٍ:
_من امتى وإنت قاسي كده يا علي، وأنا اللي بقول لعمران إنك اللي هتربي الولد عشان يطلع عاقل ومتفاهم زيك كده، وميطلعش في وقاحته!
رفع رماديتاه إليها وعاصفة من ألمه تجتاحه دون رحمة، انهمرت دموعه رغمًا عنه بشكلٍ أحزن مايا وجعلها عاجزة عن استيعاب أن من أمامها هو علي، نغزه أحمد ومال يهمس له برجاءٍ:
_فوق يا علي، مايا هتأخد بالها.
الجميع يودنه قويًا، شامخًا، وقد انكسرت فقارات ظهره بأكملها للتو، وكلما تندرج الأحداث يزداد الأمر سوءًا.
كسرت مايا صمته المطول، وسألت في ريبة:
_علي إنت كويس؟!!
هز رأسه وأجلى أحباله الصوتية بصعوبة:
_آآ.. أنا بس مش عاجبني اللي عمله آدهم بسفرهم، وزاد الأمر بالمشكلة اللي بينهم دي.
تدفقت دموع شمس مستغلة الوضع، بالطبع لن يلتفت لها بعد أن صرحوا أن ثمة خطب ما بينها وبين زوجها، فأسّرع آدهم إليها يضمها وهو يترجاها بالصمود حتى لا ينكشف الأمر لمايا التي تركت محلها ودنت من المقعد الذي يحتله، ويلتف من حوله الجميع، تأكدت من ابتعاد شمس وآدهم عنها:
_علي إنت بتتكلم جد!!
إنت بنفسك كنت بتنبه عُمران إنه ميتكلمش بالموضوع ده، وبعدين إنت طول عمرك شخص عظيم وبتتعامل برقي جدًا، فإزاي سمحت لنفسك تتدخل في حياتهم الشخصية.
وتابعت ببسمة مرح:
_هو إنت إتعديت من عُمران ولا إيه؟
رفع بصره نحوها، ثم اندرج رغمًا عنه لبطنها المنتفخ، لا يرى سوى ابن أخيه الذي بات يتيمًا قبل ولادته، أغلق عينيه بقوةٍ يجلد دموعه داخل جفنيه، ورسم بسمة باهتة كحال حياته القادمة، ثم قال:
_عندك حق، إنتِ عارفة إن غلاوتك عندي زي غلاوة شمس بالظبط، عشان كده أنا هسامحه وهخليه يرجع بيها.
اتسعت ابتسامة مايا بسعادة، واستدارت تراقب شمس المندسة بين أحضان زوجها تختبئ وتنهار من سماع حديثهما، حتى أحمد وفاطمة أدمعت عيناهما شفقة على طيبة قلب مايا.
زاعها بسمة حماس وهي ترنو إليهما قائلة:
_متعيطيش يا شمس، إنتِ مسمعتيش علي قال إيه!
يلا روحي اغسلي وشك وانزلي نفطر مع بعض قبل ما ترجعي مع آدهم.
هزت رأسها بخفة ودون أي كلمة تضاف اقتربت تضمها باحتواء وشفقة تمزقها، تنحنح أحمد يفك عقدة حاجبي مايا المندهشة من أمر الجميع وقال:
_طيب يلا يا جماعة ننزل نفطر مع بعض، يلا يا مايا.
اتبعته مايا وهي تحاذو بجواره، بينما تميل برأسها للخلف تجاه علي بالتحديد، ثم سلطت نظرها على أحمد تسأله بعدما ولجت برفقته المصعد:
_هو علي تعبان يا أنكل؟
حفه التوتر من كل جانب، فضغط على زر المصعد وقال:
_لا يا حبيبتي هو بس اتضايق من حوار شمس وآدهم، وكان منشف دماغه جدًا قدامهم بس الحمد لله بشمهندستنا الذكية حلت الموضوع بمنتهى السهولة.
ضحكت وهي تخبره بمزحٍ:
_لا الموضوع مش مستاهل المجاملات دي كلها، علي عاقل ويفهم اللي قدامه من كلمة، على عكس عُمران اللي مطلع عيني ده.
ورددت بحزن وهي تخبره:
_عارف إني بقلق عليه لما يكون على طريق سفر، وقافل موبيله.
خرجت برفقته للقاعة، وهي تجذب هاتفها الاحتياطي بعدما فشلت بإيجاد الآخر، تحاول التواصل معه عبر الماسنجر، فإذا برسالة تصل لها عن طريق حسابه «أنا كويس يا مايا هتأخر بس في الرجوع، ورايا كذا حاجة لازم أخلصها..»
قلبت الهاتف لأحمد وهي تخبره في سخط:
_شوفت بالنهاية باعت لي إيه، وقفل على طول، بني آدم مستفز..
تعالت ضحكات أحمد بينما يميل كفه ليزيح دموعه خشية من أن تراها، وأشار لها ببسمته المزيفة:
_طيب يلا نلحق الأكل وهو سخن عما الجماعة اللي فوق دول يخلصوا نقاش ويحصلونا.
وضعت الهاتف في جيب فستانها الأبيض، وأشارت له:
_يلا يا باشا، أنا واقعة من الجوع أصلًا.
ترك علي الهاتف بعدما أرسل الرسالة من هاتف أخيه، ودموعه تنزف على وجهه دون توقف، ربت آدهم على كفه وقال يشد آزره:
_كنت مضطر تعمل كده يا علي.
أحاطه بنظرة غائرة بدموعٍ جديدة تكونت برماديتاه، وقال:
_أنا هتجبر أعمل حاجات كثيرة خارجة عن إرادتي يا آدهم، بس أنا واثق أننا مش هننجح معاها كتير، بالنهاية هتعرف.
خيم عليه الحزن بمظلته السوداء، وهتف قائلًا:
_ربنا يصبرها ويصبرك يا علي، أنا صحيح مش شايفك بس صوتك المكسور موصلي الحالة اللي إنت فيها، ربنا يهونها عليك.
مسد علي على ساقه، وقال بامتنانٍ:
_شكرًا على وقفتك جنبي بالرغم من ظروفك دي، ولو حابب تخدمني بجد استغل كلام مايا قدام شمس واقنعها إنكم لازم ترجعوا البيت عشان مايا متشكش في حاجة، وخليك إنت جنبها يا آدهم أنا مش متحمل أشوفها بالحالة دي.
حرك رأسه بتفهمٍ، وقال:
_متقلقش شمس جوه قلبي وعنيا.
منحه ابتسامة لم تصل لعينيه، وتركه يهبط لأسفل بعد عودة شمس، بينما تقترب منه فاطمة متسائلة بقلق:
_بقيت أحسن يا حبيبي؟
رفع عينيه لها، وقال بتعبٍ شديد وهو يمد كفه لها:
_رجعيني الجناح يا فطيمة.
ساندته على الفور والهلع يختلج قلبها عليه، بينما كان يسرع بكل قوته حتى لا يشعر به أحدٌ فور أن يغيب عن الوعي، يشعر بكل حركة تصدر عن حالته.
ولج برفقتها الجناح، فأغلقه ومال على كتفها يهمس لها بتعبٍ شديد:
_مهما يحصلي أوعي تعرفي حد يا فاطمة.
ارتابت لأمره وهتفت باستنكارٍ:
_تقصد إيه؟؟
لمحت شحوب ملامحه، وارتخاء جسده من فوقها، فصرخت بفزعٍ:
_علي مالـــــــك؟
ارتكن عليها وقال بتعبٍ:
_هبقى كويس، بس مش عايز حد يعرف بحاجة.
قالها وهو يلقي بذاته على الفراش، وعينيه تستجيب لفقدان وعيه، بينما تراقبه فاطمة بصدمة، صعدت فوق الفراش تخبط وجنته برفقٍ، وتناديه ببكاء:
_علي!!....... سامعني!!!....
رد عليا يا علي!
سقط جسده الذي ظنه سيصمد للنهاية، كان يشعر بأن لحظة انهياره تقترب، وها هي تتلقفه إليها بصدرٍ رحيم.
ركضت فاطمة للطابق الرابع حيث خصصه عُمران لغرف الضيوف، فتحت الغرفة التي قضت بها شقيقتها ليلتها بالأمس، أيقظتها وهرولت بها للجناح مجددًا، وهي تدعو الله ألا يراها أحدٌ، لا تريد أن تخالف رغبته.
اسرعت زينب تجاه علي، ترفع جفن عينيه تتفحص عينيه بقلقٍ، بينما تتفحص نبضه، راقبتها فاطمة وهي تكبت شهقاتها بصعوبة وتحدثت بارتباكٍ:
_طمنيني يا زينب.
استدارت لها تخبرها وهي تجذب هاتفها:
_متقلقيش يا فاطمة، أنا هخلي سيف يكلم دكتور تبع المركز يستفسر بيها عن حالته ويجيب له العلاج المناسب من غير ما حد يحس، هو في الطريق وزمانه جاي.
وأضافت تطمنها:
_متقلقيش انا بلغته ميتكلمش عن حاجة قدام مايا.
أومأت برأسها ودموعها لا تتوقف عن وجهها، فتركتها تتحدث بالهاتف مع زوجها، وصعدت على الفراش جوار علي، تتمسك بكفه الدافئ وتراقبه بقلبٍ مفطور.
بينما هو غارق بعالمٍ ولج فيه بإرادته، وإن أراد الخروج منه سيكون بإرادته، كونه طبيبًا يعلم كيف يعالج ذاته ولكنه يرغب بالبقاء داخله ليتمكن من رؤية شقيقه ولو لمرة!!
وجده يركض لغرفته، والخوف يتمكن من ملامح وجهه الصغير، يزيح عنه الغطاء وهو يناديه ببكاء:
_علـي!
فتح عينيه بانزعاجٍ، فتفاجئ به بغرفته، استقام بجلسته وسأله بنومٍ:
_عُمران إنت لسه صاحي لحد دلوقتي؟
ترك الصغير لعبته وجلس على الفراش يخبره ببكاء:
_I'm so scared, Ali (أنا خايف جدًا يا علي!)
عبس بحاجبيه باستغرابٍ، وسأله:
_من إيه؟
أجابه ذلك الصغير البالغ من عمره خمسة أعوام:
_مامي مش بتبطل عياط من وقت ما Papi died (بابي مات)، وشمس كمان بتعيط كتير، أنا بخاف من أصوات العياط، وخايف أنام في أوضتي، طلبت من الناني تفضل معايا بس.. She refused to stay with me (رفضت تفضل معايا).
وأضاف برجاءٍ وهو يتعمق بعيني أخيه:
_Can I sleep next to you tonight? (هل يمكنني النوم جوارك الليلة؟)
وخز قلبه ألمًا، وبالرغم من أنه يكبره بأعوامٍ بسيطة، إلا أنه كان يفوقه عمرًا، وكأنه الأب الحامي إليه، أزاح "علي" الغطاء وتزحزح للخلف حتى يترك له مساحة، فاندس عُمران جواره يرتجف من الخوف، لطالما كان يكره رؤية أحد يبكي، وأكثر ما يزعجه أن يرى والدته حزينة، فاختلط عليه أمر حزنها وبكاء شمس الرضيعة، فبات يرتجف رعبًا، والوحيد الذي يشعر به هو أخوه!
مسد "علي" على ظهره بحنانٍ، ولم يرغب أن يديره إليه، تركه كما أحب أن يكون، بل همس له بالإنجليزية ليتفهمه، فشقيقه الصغير مازال متأثرًا بأجواء لندن ومعلماته الأجنبيات:
_Don't be afraid Imran, I am with you, I will never leave you (لا تخف عمران أنا معك، لن أتركك أبدًا!)
هدأ الصغير رويدًا، واستدار لأخيه يتطلع له بامتنانٍ، فضمه علي لصدره ومازال يربت على ظهره ويهدأ من روعه، حتى استسلم للنوم أخيرًا، راقبه ببسمة هادئة ومال يقبل جبينه ووجنته الحمراء، بينما يجذب الغطاء ليدثره بحنانٍ.
منذ تلك الليلة التي التمس بها عُمران حنان أبيه الراحل، بات يقضي ليله رفقة علي، بل ولمس فيه كل ما يخص أبيه، كان يراه المسؤول عنه، ولي أمره حينما تمنحه المدرسة برقية الحضور للحفلات، منحه المسؤولية وتلقاها علي بصدرٍ رحب رغم أن فرق العمر بينهما لم يكن كبيرًا..
انهمرت الدموع من عيني علي، وفاطمة تراها بوضوحٍ، قبضت على كفه تناديه ببكاء:
_افتح عينك يا علي، متسبنيش بالله عليك!
اقتحم صوتها بقعته التي يضم فيها جسده تاركًا الدماء تنسدل من موضع قلبه، بعدما افترق كفه عن كف أخيه، يرى حبلا غليظا نثرت من فوقه صور مضغوطة لكل ذكرى جمعته به، يرى أخاه بمراحل متفرقة من عمره، يركض لاحضانه ويشاكسه بضحكته وألفاظه التي تثير، جنونه، يراه وهو يتجه ليغفو على ساقه مثلما يحب، حتى بعد أن اشتد عوده وبات يزن حجم علي مرتين رغم أن علي يفوقه طولًا، وبالرغم من ذلك كان يستقل ساقيه وصدره موطنًا له، حتى بعد أن تزوج وعلى وشك أن يصبح أبًا.
ازدادت حدة الصوت ليصبح مسموعًا لعلي، فوجدها زوجته تترجاه أن يعود، بينما استمع لصوتٍ يجاورها وعلى ما يبدو بأنه صوت سيف يقول بآسف:
_أنا حقنته بالإبرة اللي حضرها لي دكتور عبد المنعم، ودلوقتي زي ما قال إن علي اللي بإيده يفوق نفسه، كل ده عرض نفسي لازم يفوق منه بمساعدة دكتور نفسي، ومفيش دكتور أشطر منه عشان يعملها!
عادت فاطمة للفراش تركض إليه، فسحب سيف زينب وخرج للصالون المنحدر بالجناح تاركًا لها مساحتها الخاصة، مالت على صدره تبكي وهي تعاتبه بوجعٍ:
_كده يا علي، عايز تتخلى عني!
طيب قولي أنا هعمل إيه من غيرك؟
ده أنت السبب اللي خلتني أتقبل الدنيا دي بعد ما كنت خلاص عايشة فيها ميتة، أنا بستقوى بيك، جاي دلوقتي تضعفني!!
واستطردت ودموعها تنساب على قميصه الأبيض:
_أنا عمري ما شوفتك بالضعف ده، عارفة إن عُمران مش مجرد أخ ليك، عُمران حياتك كلها. بس هو مش هيكون مبسوط بحالتك دي.
ورفعت نفسها إليه تتطلع لوجهه بانكسار:
_إنت اللي بتقويني، وبتقوينا كلنا يا علي، قوم عشان خاطري أنا محتاجالك جنبي، أنا خايفة من غيرك يا علي!
قالتها ومالت على صدره تبكي بانهيارٍ، فاذا بذراعه يلتف من حولها بقوةٍ، جعلتها ترفع رأسها إليه تلقائيًا بعينين متسعتان من الدهشة، فوجدته يطالعها بنظرة طال بها الغرام وعبر بها بين الأمواج العاتية، كفه يضم وجنتها وابتسامة ألم تشكلت وهو يهمس لها بصوته المبحوح:
_إيدي انفلتت منه والتانية لسه ماسكاكِ، أنا بينكم مقسوم لا قادر أفارقه ولا أفارقك.
مالت على كتفه تبكي وتتوسل له:
_لو ليا غلاوة فوق، أنا مش قادرة أشوفك كده يا علي!
قبل رأسها بحبٍ، بينما يميل تجاهها:
_ إنتِ أغلى من حياتي كلها يا فطيمة.
ورفعها إليه يتطلع لوجهها بابتسامة صغيرة وذهول:
_سبحان من ألهمك القوة عشان تقدري ترجعيني عن اللي كنت فيه، وبتقولي إني بقويكِ!
أزاحت دموعها وهتفت، وعينيها تغرق برماديتاه:
_ حبك يا علي، أنا حياتي كلها معتمدة عليك، يوم ما تفكر تسحب إيدك وتتخلى عني هتخلى أنا عن حياتي وهختار الموت أهون ليا، سامع!
ضمه إليه بخوفٍ، ووجع من سماع ما قالت، بل هدر بانفعالٍ جنوني:
_متعديش اللي قولتي ده تاني، كفايا تزيدي وجعي يا فاطمة، كفايا.
اعتدلت بجلستها تتطلع إليه، وهي تجاهد لرسم ابتسامة صغيرة:
_يبقى هتقوم تنزل معايا، تأكل وتشرب قهوتك وتأخد الأدوية اللي جابها سيف.
استند على جذعيه، ونهض يجلس قبالتها، متسائلًا:
_سيف!
هو هنا؟
أكدت له قائلة:
_زينب شرحت له حالتك وهو كلم دكتور متخصص من المركز عندك فكتب له على الدوا اللي اداهولك، بس لسه نصه.
وتابعت وهي تتطلع لعينيه بعتاب:
_وقالوا إنك بإيدك تفوق نفسك وبايدك تفضل في حالتك دي، يعني أنت اللي اخترت تسبني وتسيبنا كلنا!
اكتسى الحزن معالمه، قبل أن يردف:
_غصب عني يا فاطمة، غصب عني.
غمست أصابعها بين أصابعه، خشية من أن يعود لحالته:
_طيب قوم يلا غير هدومك عشان ننزل.
أومأ لها ونهض عن الفراش يجذب ملابسه، ويتجه لحمام الجناح بآلية تامة.
جلست جواره بالخلف، بينما يقود السائق السيارة، أزاحت دموعها واستدارت له تعاتبه بضيقٍ:
_أنا مكنتش عايزة أسيب مامي وهي في الحالة دي يا آدهم!
أحاطها وقربها منه، يضمها بقوةٍ يود بها احتباس كل الوجع، فينتقل منها إليه:
_شمس حبيبتي، إحنا قولنا إيه؟
مالت أسفل ذقنه، تتلمس الدفء من حنان ضمته، وقالت:
_يعني أنا وجودي هو اللي هيكشف لها اللي حصل يعني!
رفع رأسه للأعلى لتتمكن من الاسترخاء داخل أحضانه، بينما يجيب سؤالها:
_وجودنا هيخليها تشك أن في شيء مش طبيعي يا شمس، متنسيش إننا عرسان جداد ده أولًا، ثانيًا إني لسه تعبان ومتصاب، فأيه اللي يجبرنا نكون هنا إلا لو في حاجة تانية، كده أحسن بلاش نضغط على علي أكتر من كده، كفايا اللي هو بيمر بيه.
تمسكت به ورددت ببكاء:
_أنا مكنتش متخيلة إن علي هيكون بالحالة دي، أنا مقهورة عليه أوي يا آدهم.
وأضافت وهي تحبس شهقاتها:
_حاسة إن عُمران عامل فينا مقلب، وشوية وهيظهر من تاني، عايز يختبر معزته ومكانته عند كل واحد فينا.
ابتعدت عنه تخفي وجهها بين يديها وتبكي بانهيارٍ:
_ياريته يشوف ويعرف إنه غالي، يا ريته يعرف إن حياتنا كلها وقفت من بعده، لدرجة إننا كلنا بنتمنى نحصله.
سحبها آدهم إليه بكل قوته، وصاح فيها:
_كفايا يا شمس، حرام اللي بتعمليه في نفسك ده، هيجرالك حاجة لو فضلتِ كده.
مازالت تعزل نفسها بين كفيها المسنودان لصدره الآن، وأنفاسها تختلج بينهما، بينما صوتها يتحرر شاحبًا:
_يارب معاناتي تخلص وتنتهي بموتي، أنا عايزة أرتاح من الإحساس البشع اللي أنا حساه دلوقتي.
وسحبت كفيها عنها تطالعه بغضب، فتفاجئ بها تضربه على صدره وهي تصرخ بجنون:
_انتوا ليه بتعملوا فيا كده!
مرة إنت ومرة هو، حرام عليكم أنا مبقتش حمل اللي بشوفه ده، أنا حياتي كلها اتحولت لجحيم من لحظة ما اتجوزتك، وقفت نفس الواقفة دي وأنا كنت هتجنن عشان أطمن عليك، ودلوقتي عمران بيكمل عليا!!
تآوه بألمٍ من ضرباتها التي لامست جرحه، كبت تآويهاته قدر ما تمكن، تجمدت ذراعيها على صدره حينما قرأت تعابيره المتألمة من فعلتها، فإذا بهت تكمم فمها من فرط صدمتها مما فعلته وتفوهت به.
فتحت نافذة السيارة تتنفس الهواء البارد، بينما تستعيد السيطرة على انهيارها، وبحرجٍ مالت له:
_أنا آسفة.
منحها ابتسامة ساخرة، وقال:
_على إيه؟
إنتِ مقولتيش غير الحقيقة، أنا حولت حياتك لجحيم فعلًا.
وضعت يدها على كفه وترجته ببكاء:
_آدهم أنا مش عارفة أنا بقول إيه، متزعلش مني عشان خاطري، أنا مش في حالتي الطبيعية.
ودنت إليه مجددًا تهمس على استحياء:
_أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك، إنت عارف ده ولا لأ؟
رفع كفه يبحث عن وجهها، فمالت تجاه كفه المفرود، فتحرر صوته الرخيم:
_عارف، وأنا بعشقك يا شمس هانم.
ضحكت رغمًا عنها على كلمته الأخيرة، فقطعت ضحكاتها بكاءً بصوت مسموع، تألم لأجلها فعاد يقربها منه مجددًا، وتلك المرة أغلقت عينيها على صدره وتركته يحاول أن يمحو ما بها.
قلب علي الطعام من أمامه بشرودٍ، بينما يجلس برفقته سيف وزينب، وفاطمة، وأحمد، الجميع يراقبه بحزنٍ، وتأثر به.
توقف المصعد وخرجت منه مايا، تنادي على الخادمة التي أتت إليها تركض صوبها، فقالت بانزعاج:
_موبيلي اختفى من امبارح، قالبة عليه الدنيا، من فضلك ممكن تدوري عليه في جناحي.
هزت رأسها باحترام وغادرت تبحث عنه، بينما ارتبكت فاطمة وهي تتطلع لأحمد وعلي، فلقد كانت تخفيه بفستانها.
سألتها زينب وهي تتطلع لما تحمله باستغراب:
_امال إيه اللي في إيدك ده يا مايا؟
جذبت أحد مقاعد السفرة الضخمة وجلست تجيبها:
_ده موبيل احتياطي، مفيش عليه أي حاجة غير رقم عُمران.
واستطردت بضيق:
_معرفش موبيلي اختفى فين!
وأضافت وهي تعبث به:
_هحاول أطلبه من هنا، يمكن صوفيا تسمعه لو في الجناح.
ارتبكت فاطمة وتشبثت بعلي الذي أفاق من شروده بفضل لمسة كفها، تحرر رنين هاتف مايا من اتجاه فاطمة، وساد التوتر والارتباك جميع الوجوه، التي ولدت لمايا بعلمهم لما فعلته فاطمة.
ابتلعت فاطمة ريقها بصعوبة بالغة، بينما تتطلع لها مايا بدهشةٍ، اتبعت سؤالها:
_موبيلي معاكِ يا فاطيما!
انتابتها شكوك استجمعتها من حالة علي، وحالة الجميع، لذا قالت بارتباكٍ:
_هاتي الموبيل.
سقطت دموع فاطمة وهزت رأسها ترفض منحها إياه، وخز قلب مايا وهدرت بانفعالٍ ونظراتها تحوم تجاههم:
_إنتوا بتحاولوا تخبوا عني إيه من الصبح!
وليه فاطمة تاخد تليفوني وتخبيه بالشكل ده؟
أنا عايزة أفهم وحالًا.
كان أحمد أول من رد عليها:
_هيكون في إيه بس يا بنتي، فاطمة تلاقيها بتهزر معاكِ بس.
تطلعت تجاهه ونفت ما قال:
_لا فاطمة متعملش كده إلا لو عايزة تخبي عني حاجة.
قالت زينب وهي تراقب شقيقتها:
_هتخبي عنك إيه بس يا ميسان، مفيش الكلام ده!
تركت الجميع وتابعت علي الذي ينظر أرضًا بصمت، تجمع لها المشاهد التي التقطتها حدقتيها منذ الصبح، علي يعيش حالة لم تراه بها يومًا قط، فإذا بها تناديه بثبات رغم استجماع دموعها:
_علـــــــي!
أغلق عينيه بقوةٍ يعتصرهما ألمًا، يعلم أن تلك اللحظة قادمة لا محالة، شحذ قوته الواهية وتطلع لها، فإذا بها تردد بلسانٍ مرتجف:
_عُمران حصله حاجة؟
خذلته دمعاته المحتبسة، وتدفقت على خده، هزت مايا رأسها بصدمة:
_لأ..
أسرعت فاطمة إليها تحيط مقعدها ببكاء:
_اهدي يا مايا عشان اللي في بطنك.
استغلت قرب فاطمة منها، وانتشلت الهاتف من جيب فستانها، لحقت بها فاطمة وهي تحاول جذبه منها ولكنها ما إن فتحت الهاتف حتى تفاجئت بعدد مهول من الرسائل الخاصة بأقاربها وصديقاتها، الجميع يقدم تعازيه الحارة لها، والأغلب يرسل لها لينكات خاصة بالجرائد التي نشرت خبر وفاة زوجها ويرسلون معه سؤالًا طعنها حتى استنزف دمائها«الخبر ده صحيح؟»
سقط الهاتف من يدها والعالم يدور بها، كأنها تركب على منطاد يقسم بأن يقتلها من شدة الدوار، وفاطمة تحيط بكفها وتبكي بانهيار، بينما أحمد يحاول السيطرة عليها.
مالت برأسها تجاه أحمد ورددت بصعوبة بالحديث:
_هما بيعزوني في مين يا عمي؟
آآ.. قصدهم مين!!
تساقطت دموع أحمد وهو يرى حالتها التي لا تنذر بأي خير:
_اهدي يا بنتي، ده كلام فارغ مالوش أي أساس، اهدي بس وإسمعيني عُمران كويس وهيرجع.
وضعت كفها على بطنها من الأسفل، تحاول السيطرة على ذلك الوجع المقبض الذي اعتراها، فتمسكت بها فاطمة وسألتها بهلعٍ:
_مالك يا مايا؟
إنتِ كويسة؟
اتجه بصرها تجاه علي، الذي مال على كفيه يبكي دون أن يصدر عنه أي صوت، دفعت عنها فاطمة واتجهت إليه بسرعة كادت بأن تسقط أسفل قدميه، ولكنه كان الأسرع لها، أمسكها جيدًا بينما تتطلع بعينيه تتلمس الحقيقة، وبحروفٍ بطيئة قالت:
_عُمران عايش؟
أطبق على يدها وخطى بها تجاه الأريكة، ساعدها بالجلوس ومازالت تترقب سماع اجابته، راقب سيف ما يحدث بتأثرٍ، الجميع يحملون الشفقة تجاه زوجته، إن كانت تلك حالتهم فماذا ستكون حالتها؟
انتظرت أن ينفي حديثها، ولكنه بقى صامتًا، حتى بعدما جلست على الأريكة وجلس هو قبالتها على المقعد البعيد مسافة عنها، مالت تجاهه تنتظر سماع اجابة سؤالها، كان يحاول الحديث ولكنه فشل، تساقطت دموعه ولم يأتي من قلبه نطقها، هزت مايا رأسها بوجعٍ، وقالت:
_علي إتكلم، إنت ساكت ليه؟؟
أنا عمري ما شوفتك كده!!
وتابعت بتوسل ودموعها أغرفت وجهها:
_عُمران عايش صح!! رد وقولي إنه كويس.
رفع رماديتاه لها، وحرر صوته الذي احتبس داخله فترة:
_إنتِ قلبك بيقولك إيه؟
رمشت بعدم استيعاب وقالت باستنكار:
_يعني إيه قلبي بيقولي إيه؟
متردش على سؤالي بسؤال، فهمني إيه الأخبار دي، عُمران فعلا عمل حادثة ولحد الآن مش لاقيينه؟؟
خلصها مما تعاني منه قائلًا:
_هنلاقيه يا مايا، أنا كلفت سباحين محترفين ينزلوا يدوروا عليه تاني، وأن شاء الله هيلاقوه.
أكد لها حقيقة الحادث بما قال، فإذا بها تضحك بصوت مسموع رغم بكاء عينيها:
_يلاقوه!
تقصد يلاقوا جثته صح؟؟؟
وتابعت وهي تبرق فيه بغضب:
_جالك قلب تقول كده؟
جالك قلب تتكلم عنه كده!!
أحاطتها فاطمة وزينب، يحاولن تهدئتها ولكنها صرخت بجنون وتشنج جسدها بشكلٍ جعلهم لم يستطيعوا الإمساك بها، صراخها أبكى الحجر، إصرار كلماتها وتصريحها القوي:
_عُمران عايـــــــش وهيرجع، كل ده كــــــــدب يا علي، إنت كداب سامعني، كلكم كدابيـــــن، عُمران عايش، ميقدرش يعمل فيا ولا في ابنه كده، كلكم كدابين.
بكى الجميع تأثرًا بها، بينما تستطرد بانهيار تام:
_ طول ما قلبي بينبض يبقى هو عايش وبخير، مش هيجي من قلبه يكسرني بعد كل اللي عملته عشانه!!
أنا استحملت اللي مفيش واحدة ست تستحمله على كرامتها عشان بحبه، استحملت خيانته وكل اللي عمله ببداية جوازنا عشان بحبه، مش بعد كل ده هيمشي ويسيبني بالسهولة دي!!
سحبتها فاطمة لاحضانها، تحاول تهدئتها قائلة:
_اهدي عشان اللي في بطنك مالوش ذنب يا مايا.
تمسكت بفاطمة وانهارت داخل ذراعيها تجيبها بحسرة:
_وهو ليه مفكرش فيه ولا فيا يا فاطمة، أنا مش هستنى لحظة واحدة من غيره.
قالتها ودفعت عنها فاطمة، ثم نهضت تجذب علي بقوة فاجأته:
_قوم يا علي، إنت قاعد ليه!!!
روح ومترجعش إلا وعُمران معاك،
يلا!
تلاشى عنه الدموع والحزن، وبدأ يستعيد ثباته كليًا، لقد أدرك حالة زوجة أخيه ببراعة، وعليه الآن التعامل مع الوضع، فقال يهدئها:
_حاضر يا مايا، هعمل لك اللي إنتِ عايزاه بس اهدي كده وإرتاحي.
هزت رأسها بجنون وقالت:
_مش ههدى إلا لما تجيبه لي، أقولك كلم جمال أو يوسف ممكن يكون سهران مع حد فيهم، استنى ممكن يكون في مسجد الشيخ مهران هو بيرتاح أوي هناك، أو ممكن يكون في الجيم بتاع اللي اسمه إيثان ده، روح شوفه هناك وبلغني، أو استنى أنا هغير هدومي وجاية معاك.
قالتها وهرولت لتبدل ثيابها، وبعد أقل من خمسة عشر دقيقة كانت تهبط للأسفل مشيرة له:
_يلا يا علي أنا جاهزة.
اعترض أحمد طريقها وقال:
_هتروحي فين بس يا بنتي، إهدي بس وعلي هيروح هو يدور عليه.
أزاحت دموعها وقالت:
_لا أنا هروح معاه أحسن.
أحاطت علي بقيود العجز والألم، وتركته يعاني، اتجهت إليه تشير له بأن يرافقها، ولكن وقبل أن تتحرك من محلها وجدت المصعد يُفتح من أمامها وتخرج لها فريدة، بملابس سوداء ووجهه شاحب، غادرت عنه مظاهر البهجة.
صعقت مايا من رؤيتها لخالتها بتلك الحالة، تلك التي عُهد عنها كل مظاهر الأناقة، والاهتمام بما ترتديه تظهر في حالة لم تراها من قبل!
دنت منها مايا تراقبها بصدمة وذهول اتبع قولها:
_إيه اللي إنتِ عملاه في نفسك ده!!
ليه لابسة أسود!!!
تساقطت دموع فريدة تأثرًا بابنتها، فربتت على كتفها وقالت بنبرة مرتعشة:
_خليكِ أقوى مني يا مايا، قلبي موجوع عشان فراق ابني وعشان وجعك عليه يا حبيبتي.
صرخت بوجهها وهي تنفي جملتها:
_لأ متقوليش كده، عُمران عايش وبخير، وهنروح أنا وعلي نرجعه.
كبتت بكفها بكائها بينما يضمها أحمد بحزن، التمست بنظراتها الانكسار والألم، بل نظرات الجميع، موت عمران كان حقيقة مصدقة بجميع الأعين، وكأنها الوحيدة التي تحارب لتلك الحقيقة.
تراجعت للخلف وهي تهمس بصدمة:
_يعني إيه؟
صمت بطنها الذي يحتد فيه الألم، وانصاعت ركبتيها لاحتضان الأرض وهي تبكي بجنون:
_لأ... لأ... انتوا كدابين، عمران عايش وهيرجع..
وفجأة صرخت وهي تحتضن بطنها بوجع، جعلهم يركضون تجاهها، فإذا بفاطمة ترى الدماء التي لطخت فستانها الزهري، فنادت زوجها بذعرٍ:
_علـــــــــي!
ركض إليهم يحملها ويهرول بها تجاه سيارة سيف، الذي فتح الباب الخلفي له، وصعد بالأمام وزوجته جواره.
صاح به علي بخوف:
_كلم يوسف وخليه يقابلنا في المركز حالا يا سيف!!
فتحت باب الغرفة، فاستقبلت من خلفه عتمة مظلمة، ولجت تبحث عنه، فوجدته يجلس أرضًا وما زال يضم جسده، ودموعه تتساقط دون توقف.
جلست جواره تراقبه ببكاء، لم تكن تتخيل مدى قربه الشديد إليه، حملت صغيرها، ووضعته على ساقيه المرفوعة، قائلة بصوتها الشاحب:
_عُمران موحشكش؟
خطف جمال نظرة لابنه الذي يتطلع له ببراءة، بينما مال برأسه تجاه زوجته، يمنحها نظرة شملت سخطه وسخريته منها، الآن وبعد موته تتحرر من عقدتها وتنطق اسم صغيره الحقيقي لأول مرة.
تألمت لألمه، فحملت صغيره ووضعته جانبًا، ثم أحاطت وجهه بكفيها وقالت ببكاء:
_متعملش في نفسك كده يا جمال، أنا هموت من وجعي عليك.
وضمته إليها وهي تستكمل بوجع:
_ادعيله بالرحمة يا حبيبي، ربنا يصبر قلبك ويهونها عليك.
اعتصر أهدابه ليحرر دموعه، وبدون أي كلمة منه رفع يديه يتمسك بها، ومال إليها يغفو على ساقيها، استقبلته بكل ترحاب وتركته يغمض جفنيه حتى لو دقائق، يرتاح بهما عن حزنه العميق!
بذلت ليلى قصارى جهدها حتى تمكنت من إرغام يوسف على الذهاب للمركز، لولا أنها أخبرته بأن تلك الحالة التي تحتاج له هي مايا زوجة حبيب قلبه لما خرج من غرفته أبدًا.
قادت ليلى السيارة حينما أخبرها بأنه لن يستطيع القيادة، جلس جوارها بوجه منطفئ، يرتكن على النافذة بصمتٍ.
وما أن توقفت السيارة حتى هبط يتحرك برفقتها بآلية تامة.
وصل لغرف العمليات الخاصة بقسم النساء والتوليد، فوجد علي بانتظاره، وما إن اقترب منه يخبره:
_مايا بتنزف، والدكتورة بتحاول توقف النزيف مش عارفة.
وأمسك كفه يهتف بألمٍ:
_دي الحاجة الوحيدة اللي بقيالي منه، اعمل أي حاجة وإنقذه أرجوك يا يوسف.
ربت على كتفه وانطلق لغرف العمليات دون أي كلمة، بينما جلس علي يميل بجسده للأمام مستندًا على كفيه، يجابه همومه بكل ما اعتراه من قوة، ولكنه بالنهاية بشرًا.
حمل الملف الموضوع به مواصفات الحالتين المتبقيتين بالعناية، واتجه للاستقبال، يقدم ما بيده، فسألته إحدى الممرضات:
_مفيش حد سأل عن الحالة اللي في العناية بردو؟
رد عليها صابر ومعالم الشفقة تحتل ملامحه:
_لا خالص، مع إن الحالات كلها يعتبر أهاليهم وصلوا ليهم.
زمت شفتيها بحزن وقالت:
_آن شاء الله يوصلوا له، أو حتى هو يفوق ويكلم حد فيهم، متنساش كمان أن مش كل الحالات هنا، اللي بيروح المستشفى العام يسأل وميلاقيش بيجوا هنا، فممكن يكونوا بيلفوا عليه في باقي المستشفيات..
واضافت بابتسامة صغيرة:
_ربنا يشفيه ويرده لأهله يارب.
إكتفى بتحريك رأسه، وغادر ينتهي من عمله، وما زال هذا الشاب يشغل عقله وتفكيره.
خرج يوسف بعد ساعة كاملة، فأسرع علي إليه يسأله بقلقٍ:
_طمني يا يوسف؟
نزع الكمامة عنه، وقال بحزن:
_انا قدرت أوقف النزيف، بس للأسف مؤقتًا، فمفيش قدامنا أي حل تاني غير إنك تديها مهدئ بنسبة بسيطة، لحد ما نقدر نسيطر على الحالة.
ردد علي بدهشة:
_مهدأ!!
بس ده غلط عليها وهي في الحالة دي.
هز رأسه بخفة، واضاف:
_هحدد لك الكمية اللي هتخدها، ده وضع مؤقت، لازم تتقبل الأمر والا آ..
ابتلع باقي جملته بنغزة تحجرت على لسانه، وأشار له باتباعه بغرفة الإفاقة، رفع علي رأسه للأعلى وهمس بألم:
_اللهم لا اعتراض على قضائك ولكني أسألك اللطف فيه.
أزاح دموعه وانطلق خلف يوسف للداخل، وجدها تغفو على الفراش، بعدما أبدلت لها الممرضة لرداء خاص بالمركز، منح يوسف لعلي الإبرة الطبية بعدما صرح له عن الكمية المحددة لها.
جذب ما بيده واتجه للفراش، فوجدها تفتح عينيها المتورمة بتعبٍ، بدا من يقف أمامها مشوشًا للغاية، فابتسمت ورفعت يدها تشير له بهمسٍ مزق قلب علي ويوسف:
_عُمران!
أزاحت الغشاوة عنها، وخاصة حينما جلس علي جوارها على الفراش ليتمكن من حقنها بما بيده، اتضحت ملامحها إليه، فانكمش جبينها، وهتفت باستنكارٍ:
_علي!!
ده إنت!!
ومالت برأسها تبحث بالغرفة:
_عُمران فين؟
مجاش ليه؟؟
هو معرفش اللي حصلي؟؟
تدفقت دموعه رغمًا عنه، وقال:
_مايا اهدي، اللي بتعمليه ده فيه خطورة على الولد.
تطلعت لعينيه بصدمة، وهتفت باستنكارٍ:
_معقول يعرف إني في المستشفى وميجيش!!
يبقى كلامهم صح وعُمران جراله حاجة!
اقترب منهما يوسف مشيرًا لعلي:
_اديها المهدئ يا علي، كده خطر عليها وعلى الجنين.
سحب علي الإبرة، يدسها بوريدها ودموعه لا تتوقف على الانهمار بينما تناديه مايا وتترجاه:
_علي... رجعلي عُمران بالله عليك كلمه وخليه يجي، آآآ... أنا مقدرش أعيش من غيره والله العظيم ما هقدر، كلمه...
قالت كلماتها الأخيرة واستجاب جسدها للمهدئ، فاغلقت عينيها وأخر ما نطقته:
_كلمه يا علي.
ألقى علي المحقن أرضًا وانحنى عن الفراش يجلس أرضًا، يضع كلتا يديه فوق رأسه، جاوره يوسف بجلسته، يمسد عليه ودموعه هو الآخر بحاجة لمن يزيحها.
رفق بحالته وقال ليلهيه:
_قوم يلا عشان نشوف السباحين اللي كلمتهم عملوا إيه؟
ذكره بما نساه، فرفع رأسه إليه وقال:
_أنا مديهم رقمي لو في حاجة هيبلغوني، بس إنت صح أنا هروح وأشوف بنفسي لو في جديد.
نزع البلطو الطبي عنه وقال بإصرار:
_وأنا جاي معاك.
جلست فريدة رفقة أحمد بالحديقة، تبتعد عن القصر قدر ما تمكنت، تتطلع لهاتفها في انتظار مكالمة من علي ليطمئنها على ابنتها، وتنتظر أي مكالمة من فريق الإنقاذ الذي كلف بالبحث عن عمران مرة أخيرة.
فتفاجئت بنعمان يركض صوبها، يصيح بجنون وعدم تصديق:
_أيه اللي الأخبار منزلاه ده يا فريدة، إزاي ينزلوا الأخبار الكاذبة دي ومتخديش ضدهم موقف؟
وتابع وهو يتطلع لما ترتديه بصدمة:
_وليه عاملة في نفسك كده؟
وبصعوبة رفع بصره تجاه أحمد الذي يجاور مقعد فريدة، يتفوه بخوف:
_اتكلم إنت يا أحمد، قولي إن الأخبار دي مش صح، وإن عمران محصلوش حاجة؟
منحه بسمة ساخرة، ونزع عنه نظارته الشمسية السوداء:
_من امتى الحنان ده كله يا نعمان؟!
مش ده عُمران اللي مكنتش طايقه وطول عمرك بتغل منه، خلاص اطمن مات وخلاك الساحة تجتهد فيها براحتك.
تهاوت دموعه وبكى بجنون، بينما يتمتم بارتباك:
_لا متقولش كده، حرام عليك يا أحمد، متفولش على الولد، انتوا بتهرجوا ولا إيه؟
تمايل حتى جلس على الأريكة من خلفه، ينهار تدريجيًا، حتى انسحبت أنفاسه، وفريدة وأحمد يراقبان ردة فعله بدهشة.
تحرر عن بكائه وهو يهتف بندم:
_انا عمري ما قدمت له غير الشر والأذية، عملت كل اللي أقدر عليه عشان اوقعه وهو مردش على أي فعل من أفعالي، بعد كل اللي عملته معاه رجعلي أملاكي وسابني!
أنا اترجيته يسامحني ومقبلش، يقوم يموت وذنبه متعلق في رقبتي.
وأضاف ودموعه تنساب دون توقف:
_طيب ليه؟
بكت فريدة بألم وهي ترى العدو يبكي على صغيرها قبل الصديق، رأت زوجها يتزحزح عنها ويتجه لشقيقها ذو القلب المتحجر، يربت عليه بتأثرٍ:
_خلاص يا نعمان استهدى بالله، سبحان من غير حالك!
تطلع له بخجل من أفعاله، وقال ببكاء:
_عُمران مينفعش تكون دي نهايته يا أحمد، النهاية دي تليق لشخص بسواد قلبي، وجرم أفعالي مش بشخص بطيبة قلبه.
انهمرت دموع أحمد تأثرًا به، فربت مجددًا عليه وقال بصوت مختنق بالدموع:
_هنعترض على قضاء ربنا يعني يا نعمان ولا إيه؟
ده بدل ما تعقل وتصبر أختك على اللي بتمر بيه بتزيدها عليها!!
خطف نظرة لفريدة التي تتطلع له ودموعها لا تتوقف، ثم رد عليه بانكسار:
_ليها حق تنكسر وتبكي عليه العمر كله، يا ريته كان سامحني واداني فرصة أكفر عن اللي عملته، أنا كنت بكرهه عشان كان لامس وسـ**، هو الوحيد اللي كان بيقف في وشي ومبيهمهوش، انا حتى بعد ما بعدت عن الطريق ده كنت خايف أرجع لكم واطلب السماح، كنت خايف منه يا أحمد حتى بعد اللي عمله معايا.
ونهض عن الأريكة وهو يصيح ببكاء:
_انا مش هقعد زيكم وهحط إيدي على خدي، أنا هشوف حد ينزل ويدور عليه، على الأقل ناخد عزاه، ده أقل شيء ممكن نقدمه له.
وتركهما مندهشان من حديثه وحالته، وغادر على الفور.
مالت فريدة على كتف أحمد تبكي وهي تهتف ببسمة وجع:
_ده حال عدو ابني عليه، ما بالك بحالنا كلنا عليه!
وصلت سيارة سيف للجسر، فهبط علي برفقة يوسف، كاد بأن يتجها للمسؤول عن السباحين، ولكن استوقفهما جمال الذي يجلس على نهاية الجسر ومن جواره آيوب.
اتجهوا معًا إليهما، فما إن رآهما آيوب حتى نهض يمسح دموعه ويخبرهما:
_ جيت لقيت البشمهندس جمال قاعد كده، وباين عليه مش في وعيه، أنا خايف يرمي نفسه ولا يعمل حاجة، بقالي فترة بكلمه مش بيرد عليا!
ضم يوسف صدره قاصدًا الضغط على وجع قلبه، يكاد أن يخسر رفيقه الآخر، وهو يعلم بأنه قد فقده بعد خسارة الآخر بالفعل.
رأى علي يقترب منه فأشار لأخيه ولايوب:
_تعالوا نرجع العربية، سيبوا علي معاه لوحدهم.
هز آيوب رأسه واتبع سيف للسيارة، بينما دنا علي من محل جمال، كان يجلس على حافة الجسر وقدميه ممدودة للخارج، يتطلع للمياه بشرودٍ.
جاور علي جلسته، وناداه بصوتٍ هادئ:
_جمال!
بقى كما هو يتطلع للمياه بتركيزٍ وإمعان، وكأنه يتوقع خروج عُمران بين لحظة وضحاها، سقطت دموع علي رغمًا عنه، رفع كفه يهز جسد جمال وهو يناديه:
_جمال.
استدار يتطلع له بنظرة قسمت علي وقضت عليه وخاصة بعد سماع حديثه:
_زقني وراه يا علي، هعتبرها خدمة منك ملهاش مكافأة، عُمران غدر بيا وحدفني من العربية، لحد اللحظة دي ضايع ومش لاقي نفسي، في حاجة مانعاني أقتل نفسي، بس إنت ممكن تعملها وترحمني من عذابي ده.
نهض علي يجذبه بخوف من أن يفعله ويلقي بذاته في المياه:
_قوم معايا يا جمال، قوم.
نجح بجذبه بعيدًا عن نهاية الجسر، وسانده حتى نصب عوده، يطالعه بسخرية:
_متخافش لو كنت عايز أموت نفسي كنت عملتها، أنا بس بحاول أقنع نفسي إن هنا كان آخر مشهد جمعنا مع بعض.
واسترسل ببسمة نازفة بوجع قلبه:
_أنا صمدت في لندن أربع أيام من غيره وجيت له جري على مصر، مش عارف المرادي هصمد من غيره كام يوم!
وعاد يتطلع للمياه ويبكي بحسرة:
_الا لو رأف هو بحالي وطلع منها حي!
ومال له يسأله:
_تفتكر ممكن تحصل ويطلع حي بعد المدة دي كلها؟
سحبه علي يخطو به لسيارة يوسف، ولم يمتلك إجابة صريحة غير بكائه المكبوت، يود أن يختلي به المكان ليصرخ بملء ما فيه.
أشار ليوسف الذي هرول إليه يدعم مساندة جمال من الجانب الآخر، استدعى علي صوته المبحوح وقال:
_خده البيت يريح يا يوسف.
اعترض هادرًا:
_مش هتنقل لأي مكان.
رد عليه يوسف بغضب:
_كفايا يا جمال، حرام عليك أنا مش مستحمل، ولا مستعد أخسرك إنت التاني، كفايا أرجوك.
وسحبه بقوة من يد علي، مطلقًا أمره القاطع:
_امشي معايا.
أوقفه وهو يميل تجاه علي، يتطلع بعينيه بشكلٍ أثار استغراب الجميع، بينما يحاول سحب كفه قائلًا:
_طيب هاجي معاك بس استنى.
أشار علي ليوسف بأن يتركه، فاتجه جمال بخطوات متخبطة إليه، وقف قبالته يتطلع له بآعين دامعة بينما يتمزق قلب علي، يعلم بأن جمال يلتمس فيه الشبه البسيط بينه وبين أخيه، وفجأة تعلق بعنقه يحتضنه، يود أن يشعر بأن رفيقه حي داخل شقيقه الوحيد!
بكى جمال وهو يحتضنه، متنفسًا رائحة البرفيوم الذي قدمه عُمران سابقًا لعلي ولم يهتم أبدًا أن يضعه إلا قبل خروجه في صباح هذا اليوم، وكأنه يود أن يلتمس وجوده، فشعر به جمال منذ جلوسه بقربه.
تساقطت دموع آيوب وسيف، حتى يوسف استدار حتى لا يرى أحدٌ بكائه، ربت علي بحزن على كتف جمال، ولم يبتعد حتى ابتعد هو، وانسحب بهدوء تجاه يوسف الذي فتح له باب السيارة بآلية تامة، بينما يخبره جمال وهو يصعد للسيارة:
_وديني شقة عُمران اللي بحارة الشيخ مهران.
اغلق يوسف الباب ومال يرتكن عليه باكيًا، سيعاني من أجل رفيقه الراحل ورفيقه الآخر الذي يبدو وكأنه ينازع للبقاء حيًا.
منع سيف، يوسف من الصعود لمقعد القيادة، وقال بتهذبٍ:
_مش هتقدر تسوق وإنت في
رواية صرخات انثى الفصل السابع والتسعون 97 - بقلم ايه محمد رفعت
(إهداء الفصل لصديقاتي الأعزاء "زينب"،" جهاد"، شكرًا على حبكم ودعمكم لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)
للمرة الأولى منذ أفاقته يجد ذاته يقف قبالة المرآة، عجبًا لشخص لا يعرف حتى شكل وجهه؟ وقف يتطلع لوجهه المشوه بالكدمات بنظرةٍ حزينة، رأسه كان حليقًا ليتمكن الاطباء من معالجة اصابة رأسه الخطيرة، وجهه عبارة عن خريطة أدمت ملامحه الوسيمة، فلم يتبقى له سوى جمال عينيه الرمادية، يجاهد ليتذكر شكل وجهه ولكنه لم يستطيع فكيف إن رآه أحدٌ من أسرته، ترى هل سيتمكن أحدٌ من التعرف عليه بعد تلك الاصابات القاتلة؟!
_وضع مؤقت، بعد كده كل ده هيختفي وهترجع زي الفل إن شاء الله.
قالتها الممرضة التي تسانده للفراش، فاكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه، وانصاع لذراعيها التي تدفعه للفراش، سكن جسده بوجعٍ كان يعصف بكتفه وببطنه، فحقنت المحلول بوريده، لقد مضى عليه يومين أخرين بتلك الغرفة، ولم يمتنع "صابر" عن زيارته من الحين للاخر، رغم أن عمله يختص بغرف الافاقة، وقد خرج منها عُمران بالفعل.
مضى اليوم بأكمله حتى تفاجئ ليلًا، بشخص يتسلل لغرفته بمقعدٍ متحرك، يدنو للفراش، بذل عُمران مجهودًا ليرفع رأسه حتى يتمكن من رؤية القادم، ولكنه لم يستطيع.
مال إليه بكمامته وهمس له برعبٍ استطاع نقله إليه:
_قوم معايا بسرعة.
تعرف عليه من صوته، وناداه ما بين الغفوة والافاقة:
_صابر!
انتزع كمامته مشيرًا له وهو يراقب باب الغرفة بخوف:
_أيوه أنا صابر، قووم معايا إنت لازم تمشي من هنا وفورًا.
جسده ارتخى استجابة للادوية المخدرة، فمال على الوسادة يهتف بتعب:
_هخرج أروح فين؟
منعه صابر من النوم، وضم جسده إليه يحاول سحبه للمقعد بينما يصيح فيه:
_هخدك عندي، الدكتور ممدوح ناويلك على نية سودة، عايز يستغل فقدان الذاكرة اللي عندك لصالحه، أنا سمعته وهو بيدي لموظفة الاستقبال بطاقة مضروبة وبيقول انها ليك، عايز ياخدك على عيادته الخارجية عشان يعمل عملته الو**.
مال عُمران برأسه جانبًا، بعد أن فقد وعيه كليًا، فلم يستسلم صابر، بل سحبه بكل قوته للمقعد، وسقط يلهث بتعبٍ:
_جسمك تقيل أوي! إنت شكلك رياضي وخرابها جيم!
وتابع وهو ينهض من رقدته:
_هشوف حد يطلعك معايا الشقة، أنا وسطي كده هيتقطم.
قالها وهرول بيه للخارج من الطريق المعاكس للرئيسي، فوجد رفيقه ينتظره بسيارة الأجرة الخاصة به، وما أن رآه حتى القى سيجاره يدعسه وهو يصيح بضيق:
_هو أنت مش هتبطل تقلب الشقتين اللي حيلتك مستشفى، جدعنتك دي هتلبسك في مصيبة مع أمك ونسوانك!
استقام بوقفته يراقب الطريق من حوله بينما يشير بنفور تجاهه:
_ما خلاص يا "حمص"، ام الكلمتين اللي حافظهم هيحمضوا لو مبختهمش في وشي كل ما أكلمك، مش بتاخد أُجرتك على داير مليم، عايز أيه بقى!!
صعد بمقعده وأشار له:
_متبقاش تتصل بيا تاني طول ما معاك قتيل، أنا مش ناقص مصايب يا عم، أنا متمرمط الصبح في محل الجزارة وبليل على التاكسي عشان أكلها بالحلال.
سدد له صابر نظرة ساخرة، وهتف فيه مستنكرًا:
_واللي بنعمله ده أيه الحرام اللي فيه معلش!! شايفنا بنهرب هيرويين ولا سيجارتين بفرة! لم لسانك وسوق خلينا نوصل الحي بسلام، مش ناقصة تناكة على المسى!
زود من سرعة السيارة، ومال برأسه للخلف يقتبس نظرة تجاه الراقد على الأريكة الخلفية فاقدًا للوعي، ثم تطلع لمن يرمقه بغضب، وقال:
_مش الاسطا موسى منبه عليك ترجع بايدك فاضية من المخروبة دي، هتعمل أيه معاه المرادي بقى؟
زفر وهو يضم زواية عينيه بنفاذ صبر:
_وإنت مالك يا عم، أنا وهو صحاب وعشرة عمر، هنتصافى واللي بينا بينا، بتحشر منخيرك ليه؟؟؟
زم شفتيه بسخطٍ وقال:
_انا بقولك بس عشان تأخد بالك، مهما كان الشقتين بتوعك إيجار في بيت الاسطا موسى، وممكن ببساطة يطردك من البيت إنت وأمك ونسوانك.
صاح بعنفوان وهو يلكز ذراعه بحدة:
_نسوانك، نسوانك في أيه يا عم، ما تلم لسانك بدل ما أقطعهولك.
ضحك المدعو "حمص" حتى قهقه بشدةٍ، وقال بنزق:
_خلاص ما تتحمقش أوي كده ، مهو مفيش شاب صغير وحليوة زيك كده يوقع نفسه في جوازتين مرة واحدة!، ده اللي متجوز واحدة بيلطم وبيرمي نفسه من فوق قبة جامع الحي على المصاريف المنيلة اللي غرز نفسه فيها، تقوم تعمل في روحك كده، بتجيب طولة بال منين إنت!!
صاح بعصبية وقد أخرجه ببروده عن مرقد هدوئه:
_جرى أيه يا حمص، إنت جاي تقر عليا ولا وضعك أيه!! خلصنا من أم الليلة دي بأقل خساير ممكنة.
وأضاف وهو يصفع رقبته:
_ طفي كشافاتك عني، أنا اللي فيا مكفيني!
وبدل ما انت مركز معايا كده ركز في الجزارة، ده الحي كله معلهوش سيرة غير مغامرات سي حمص مع دبايح الحج وفيق، وكل مرة موسى اللي بينجدك وإنت بتفرفر زي الدبيحة تحت العجل!
حك منخاره يخفي حرجه من الأمر، معللًا:
_أعملكم أيه يعني، ما أنا قولت للحاج وفيق، يشوفله حد يدبح وأنا أشفي بس هو قالك الشيلة واحدة مش هجيب اتنين، راجل معفن مستخسر أجرة زيادة.
واستطرد وهو يتطلع تجاهه:
_أنا معرفش بيجيب العتايق دي منين يا أخي، العجل من ده ميرتحش ولا يجيله بال الا لما يسحلني وراه في الحي كله، والمرة اللي فاتت دخل صيدلية الدكتور وهدان دشمل أمها، وكان طالع على عمك عكاشة الحلاق، والراجل أصله عنده القلب ومش متحمل رفسة رجل.
حرك رأسه مستكملًا بحزن اضحك صابر:
_الله يكرمه الاسطى موسى لولاه كان زمان مستقبل الحي كله اتشرد، أخر ما بيزهق من الهرج والمرج بتاعنا بيطلع يدبحه هو ويجيب الناهية، صحيح بيرميلنا كلمتين في جنابتنا انا والحج وفيق بس لاجل عضلاته نبلعله الزلط.
تمايل صابر من فرط الضحك، حتى كادت دموعه بالانهمار، وشاكسه بمزح:
_المرة الجاية لو الدبيحة طالت شغل موسى هيعلقك إنت مكانها، خد بالك خلقه كنز وله نهاية، فمن رأيي تكلبش العجل حلو بعد كده بدل ما تتكلبش إنت!
أوقف سيارته، وأشار له بنزقٍ:
_طيب إنزل ياخويا، وشوفلك حد يطلع الجثة دي معاك.
أغلق باب السيارة بقوةٍ كادت باسقاط بابها، فصرخ الاخير فيه:
_بالراحة يا عم، بقسط لسه في تمنها.
لف صابر ذراع عمران من حول رقبته، ومال به للاريكة الموضوعة جوار ورشة موسى المُغلقة، ثم اتجه للخلف، ورفع وجهه للأعلى يناديه:
_يا أسطى موســــــــــــى، يا اسطااااا.
*****
بأعلى المنزل المكون من خمسة طوابق، وخاصة بالسطح الاخير منه، تذمر ذلك الذي يغفو بآحدى الغرف الأربعة، محتضًا صغيرته بين ذراعيه المفتولة، متمتمًا بانزعاج:
_الله يقلق منامك، لو وقعت تحت إيدي مش هعتقك.
وعاد يضم صغيرته وهو يحاول تجاهل الصوت الذي عاد أقوى من السابق، ففتح بنيتاه وانتفض عن الفراش بغضبٍ شديد، متجهًا لسور السطوح (بفنلته السوداء الداخلية)، يميل تجاه الذي يصيح قائلًا بانفعالٍ:
_هو أنا مش هخلص منكم النهاردة، عايز أيه يا زفت؟
أشار له صابر هادرًا من بين أنفاسه:
_إنزل عايزينك في مسألة حياة أو موت!
أجابه"موسى" ساخرًا:
_وإنت بيجي أيه من وراك الا المصايب، إياكش مصيبة تشيلك من الحتة كلها ونخلص منك ومن اللي وراك.
عبث صابر منزعجًا من وقاحته المعتادة، وهدر:
_ما تنجز يا موسى، العملية المرادي بطول وعرض، وعضلات، حاجة كده أفرنجي!
لكم المزهرية التي تجاور سطل المزهريات المحيطة بالسطح:
_آلاه!!! وأنا مال أمي بعملياتك اللي هتوديك في ستين داهية دي، أنا ورايا بت وعايز أربيها، لكن إنت موركش لا عيل ولا تيل.
وأشار باصبعيه بعلامة تحذير:
_خدلك راجع عني، ومتبقاش زي الضرس اللي بيزن على خراب عشه، لو خلعتك مش هترجع!
اختار صابر الجلوس على مصطبة الجيران قائلًا بعدم مبالاة:
_طيب أخرك هاته بقى، أنا مش هتنقل من هنا الا لما تنزل تشيل القتيل ده معايا.
جحظت عيني موسى بصدمة وراح يهسهس له:
_هوووش يخربيت أمك هتفضحنا، هنتحط في كلبوش واحد يا معفن، آخرس نازلك أهو، بس وديني لأعلقك في الورشة جنب عربية الزبون!
وهرول موسى راكضًا للباب الخلفي، المقابل لمحل جلوس صابر بالتحديد، جذبه من تلباب قميصه الأسود وصاح فيه:
_الاسطا موسى عُربان مبيتهددش يا تمرجي من غير تصريح، انا قولت لامك بلاش تدخلك المخروبة دي ومسمعتش الكلام، أديك مش جايبلها غير المشاكل والهم.
تلاشت ضحكاته وارتسمت جدية حديثه:
_هعمل أيه بس يا موسى قلبي الحنين مش بيقدر يستقوى على حد، بيلين أول ما بيلاقي حد محتاج مساعدة.
وضع يديه حول خصره المجسم ببراعة عمله الشاق، ودمدم ساخطًا:
_عارفه انا ياخويا مش محتاج تعرفني عليه، مهو قلبك المنيل ده اللي وقعك في الجوازة الاخرنية اللي مش جايالي على حجر ولا بالعها، ولولا الصحوبية اللي بينا كنت طردت مراتك الاخيرة دي بعفشها برة البيت، بس أنا سايبك تفوق بمزاجي، بكره تعرف إنت خسرت أيه وروحت لمين!
واستدار يراقب الشارع من حوله، هادرًا بانفعال:
_فين القتيل بتاعك خلينا نخلص من أم الليلة السودة دي!!!
أشار له بغضب:
_عند الباب التاني، جنب ورشتك.
ركله بساقه بغضب يفوقه:
_كمان!!! إنت هتقف حالي أكتر مهو موقوف، إتجر قدامي لما نشوف مصيبتك المرادي شكلها أيه؟؟
*****
فتحت "مايا" عينيها بتعبٍ شديد، انقضت أيامها بالمشفى كالاعوام الثقيلة بدونه، تحاول فيها التماسك قدر المستطاع، وخاصة بعد أن جلس "يوسف" برفقتها، وأوضح لها خطورة حالتها وحالة جنينها.
وضعها أمام خيار فقدان جنينها وبين الصبر والصمود لاجل حياة صغيرها، حياة من بات أخر ذكرى من معشوقها، لذا صمودها كان مرهونًا لأجله، أُجبرت على تناول الطعام والأدوية، أجبرت على حبس حزنها داخل أعماقها، حتى يتوقف نزيف الدماء التي ستنتهك حياة صغيرها.
وبالرغم من تحسن حالتها الا أن علي أصر على بقائها بالمركز تحت إشراف يوسف والممرضات، حتى يضمن أنها تخطت مرحلة الخطورة باجتيازٍ.
وها هي تستعيد وعيها الآن، فتميل برأسها باحثة عن فاطمة، فوجدتها تتمدد على الأريكة ويدها متصلة بكف علي الذي يغفو على المقعد المجاور لها، بينما يميل تجاه رأس زوجته، وكفيه مغموس بين أصابعها.
تهاوت الدموع على وجه مايا، وقد ارتسم لها ذكرياتها المرافقة لزوجها، في كل مرة افاقت فيها بالمشفى وكان هو لجوارها، كانت تراه يغفو على الأريكة، أو جوارها على المقعد الملحق لفراشها.
حاولت كبت شهقاتها بصعوبة، ولكنها انفلتت عنها، تجعد جبين "علي" وبدأ بفتح عينيه، وفور أن تسلل له صوتها انتفض يهرع لفراشها بلهفةٍ:
_مايا!
شعل الاضاءة الخافتة المجاورة لفراشها، يتفحصها بدقةٍ، وما ان لمح دموعها حتى قال:
_حاسة بحاجة؟ أكلم يوسف؟؟؟
رددت من بين شهقاتها وهي تميل تجاهه:
_مفيش أي أخبار عنه، فات أكتر من عشر أيام، معقول محدش قدر يعرف حاجة عنه؟
تهدلت معالمه بحزنٍ، وتحرك يجذب احد المقاعد ويضعه جوارها، جلس يتطلع إليها بشفقة وحزن على حالها، الوحيدة التي لم تستسلم أن أخيه قد فارق الحياة، استمد صبره المعتاد وقال بصوته الرخيم، الهادئ:
_مراد مش ساكت، أكيد لما يوصل لحاجة هيبلغنا يا مايا.
حاولت رفع رأسها إليه، فأسرع يرفع الزر الجانبي للفراش حتى تمكنت من الجلوس براحة، طالعته بنظرة متوسلة:
_يعني فعلًا مالقتهوش يا علي، ولا إنت مخبي عليا؟
ضم شفتيه معًا يعتصرهما بوجعٍ، وبالكاد سيطر على دموعه:
_لا يا مايا ملقناش حاجة، ممكن بقى تبطلي تشغلي دماغك بالموضوع ده، إنتِ سمعتي بنفسك يوسف قال أيه.
واضاف وهو يمنحها نظرة حثتها على سماع ما سيقول بإنصاتٍ:
_عُمران عايش جواكِ، وباللي بتعمليه ده بتقتليه، متخيلة هتوصلي نفسك لفين بحالتك دي؟
حركت رأسها بصدمة قوله، وضمت بطنها المنتفخ بحمايةٍ تامة، بينما تزيح دمعاتها النازفة وترسم ابتسامة اختلجت قلب علي:
_لا أنا عايزاه وهحميه لأخر نفس خارج مني، هبطل أسالك تاني،أنا عارفة وواثقة إنه حي وهيرجعلي، هي بس مسألة وقت مش أكتر.
قالتها وزحفت بساقيها للاسفل، حتى تتمدد باسترخاء، خطف علي دمعة من على وجنته يزيحها بسرعة قبل أن تراها، ونهض يعيد السرير لوضعه المريح، ثم جذب الغطاء يدثرها، بينما يعود لمقعده المجاور لفاطمة بصمتٍ قاتل.
استقبل هاتفه رسالة، جعلته ينهض وهو يراقب مايا باهتمام، فما ان وجدها تنام بعمق، حتى خرج من الغرفة يجيب:
_عملت أيه يا عمي؟
اتاه صوت أحمد المتعصب يجيبه:
_مفيش فايدة فيه يا علي، عثمان دماغه فوتت واتجنن، مصمم يجي المركز ويأخد مايا من هنا على سويسرا متخيل!
احتدت معالمه بغضب كالجحيم:
_قبل ما إيده تطولها هكون كسرهاله، لو عُمران مش موجود فأنا هنا، ومش هسمحله ينفذ اللي في دماغه أبدًا، الظاهر إنه استهون بكلامي وكل فكرته عني الطيبة والاخلاق، بس تمام خليه يجي هنا وأنا هقابله.
_مش عايزين مشاكل يا علي، كفايا اللي بنمر بيه يابني، فريدة حالتها صعبة واللي قاله الحيوان ده النهاردة زود حزنها وخوفها.
=قال أيه يا عمي؟
ارتبك أحمد قبالته وحاول خداعه:
_مفيش، ما أنت سمعته أول ما وصل مصر، جالنا القصر وقال إنه عايز يرجع بنته معاه، ولولا وضعها الصحي مكنش سكت وآ..
قاطعه بحزمٍ:
_قال أيه النهاردة يا عمي، كل ده أنا عارفه وحاضره، قولي اللي بتحاول تخبيه عني!
زفر بضيق وقال:
_اتجنن رسمي، وقف قدام فريدة وقالها أن خلاص عمران مات وبنته مينفعش تعيش هنا تاني، عايز ياخدها بره وبيقول أنه هيآآ... هيجوزها.
صعق علي من سماع ما قال، وكأن هناك أحدٌ قذفه بصاروخ مزق البقعة التي يقف بها، تمايل على السور الحديدي وقال:
_بتقول أيه يا عمي!!
=زي ما سمعت كده يا علي، الحقير ده شكله كان معبي من عمران في شيء، ما صدق سمع الخبر وجيه عزى وتاني يوم جيه يقول عايز بنته وهو أصلًا مكنش بيسأل عليها ومايا كذه مرة شكيالي أنا وفريدة منه، ودلوقتي لما اتخانقت معاه وقولتله اننا في ظروف صعبة، ومايا حالتها الصحية متسمحلهاش بالسفر، ولو هو حابب يكون جنب بنته زي ما بيقول يخليه هنا، رد وقالي أنها كده كده هتسافر معاه لانها بعد ما تولد هيجوزها على طول، شكله كده حاطط عينه على حد من كبار رجال الاعمال، ما انت عارفه طول عمره بيدور على مصلحته، وسكاته عن اللي كانت بتمر بيه مايا مع عمران لان عمران له سلطته ووزنه، فعشان كده مكنش مهتم باللي بتعيشه بنته معاه..
تحرر عن صمته حينما هدر بانفعال:
_ده اتجنن رسمي، يجوزها إزاي!!! وهي بالوضع ده، مايا لو قعدت ١٠٠سنة بعد عمران مش هتفكر ترتبط بحد، وبعدين ازاي يفكر أصلًا بالموضوع ده وأخويا دمه لسه مبردش، ده احنا حتى مش عارفين ندفنه!!!
رد عليه احمد بقلق من عصبية المريبة:
_اهدى يا علي، إحنا مش هنسكتله ولا هنسمحله يعمل كده، المهم خد بالك على مايا ومتعرفهاش حاجة، هي مش ناقصة، كفايا اللي هي فيه.
أعاد خصلاته الطويلة للخلف بعنف، ورد عليه:
_لا طبعًا عمري ما هقولها حاجة، بس أنا اكيد مش هسكت على اللي بيحصل ده، وردي مش هيعجب الباشا.
قالها وأغلق الهاتف ثم اعاده لجاكيته بينما يميل للسور الخارجي، يتطلع للاشجار والحديقة الشاسعة بنظرة خاوية، بينما يهمس بدموع تكتلت على وجهه:
_لو حالي ده يرضيك زيد في فراقك عني، بس خليك عارف إن أخوك مات في اليوم اللي أنت إختفيت فيه، أنا روحي ماتت واتحبست جوه جسم بيتحرك وبيتمنى الموت يحوم حوليه عشان يقربه منك.
ومال برأسه على كفيه، ناطقًا ببكاء:
_أرجوك متبعدش عني أكتر من كده، صبري نفذ يا عُمران!
اشتد جسده حينما لامسه كف رقيق، يعلم مصدره، فرفع قامته الطويلة، يزيح دموعه، ثم استدار للخلف، فوجد فاطمة تراقبه بأعين دامعة، ابتسم فور رؤيتها ومال على كتفها، ربتت على ظهره وقالت:
_إرمي عليا كل وجعك وأنا والله ما هشتكي ولا هقولك كفايا، إعمل كل اللي إنت عايز تعمله بس بلاش اللي بتعمله في نفسك ده يا علي، أنا موجوعة عشانك!
تحركت به للاريكة الجلدية السوداء، جلس برفقتها وراقبها بنظرات غامضة، بينما تتشبث هي بكفه وتتطلع له بحبٍ وجرحًا ينزف وجعًا عليه:
_علي إنت لو حاسس إنك محتاج تستريح إرجع البيت ومتخافش أنا هنا مع ميسان، هفضل معاها ومش هسيبها، روح إنت ارتاح.
واستطردت وهي تمسد عليه:
_أنا آسفة لو انشغلت عنك الايام اللي فاتت، بس كل المشاريع اللي عُمران كان عايز يعملها اتعطلت ومكنش ينفع تقف أكتر من كده، وبصراحه يا علي أنا مش هسكت الا لما أحققله كل اللي كان بيتمناه، المشاريع كلها هتتنفذ مهما كان التمن.
وأضافت وهي تتعمق برمادية عينيه:
_بس أنا هحتاج ليك تدعمني وتقف جنبي، بشمهندس جمال بطل ينزل الشركة من وقت الحادثة، وفي حاجات واقفة عليه، حاول تكلمه إنت يا علي، دي ضربتنا الوحيدة اللي هتشفي صدرنا قدام الكلاب دول، إن بعد اللي عملوه متأثرناش ولسه صامدين وهنفذ مشروع عُمران وكأنه موجود.
اتسعت ابتسامته وعينيه لا تنحل عنها، فتعجبت وقلقت من صمته المطول، فاذا بها تتساءل:
_إنت مبتردش ليه يا علي؟
طالعها ببسمةٍ خافتة، استغربت لاجلها، بينما يضم وجهها بين يديه وبفرحةٍ نطق:
_تعرفي إنك اتعافيتي بشكل كامل، ومبقتيش محتاجة لدكتور علي الغرباوي خلاص،بقيتي قوية وب١٠٠ راجل زي ما بيقولوا.
وبعشقٍ لمع برماديتاه فاض لها:
_أنا فخور بيكِ يا فطيمة.
طبعت قبلة عميقة على باطن يده التي تضم وجهها، قائلة بمشاعرها النابعة من داخلها:
_وأنا فخورة بيك يا علي، إنت دكتور عظيم وأنا من ضمن إنجازاتك ونجاحاتك، مكنتش أتخيل إني هقدر أتخطى كل ده، كنت حاسة إن نهايتي مصير إجباري عليا ولازم أرضى بيه، لحد ما اتبدل بيك... أنت نصيبي الحلو بعد مرارة اللي اتعرضت له يا علي.
جذبها إليه يضمها بكل حب، فابتسمت ومالت على كتفه تخبره على استحياء:
_أنا عارفه إن الوقت مش مناسب على اللي عايزة أقوله، بس أنا مش قادرة أخبي عنك أكتر من كده.
ارتاب من جملتها، وابعدها عنه يطالعها بقلق:
_تخبي أيه! إتكلمي يا فطيمة في أيه؟
ابتعدت عنه تعبث بحقيبة يدها حتى تخرج له ما تحمله داخل حقيبتها الصغيرة، ثم جذبت الاوراق المطوية وقدمتها إليه، انتشلها منها وهو يراقب ملامحها بقلقٍ، وبينما يقرأ محتوياتها تخبره هي:
_بزود مسؤولياتك أنا عارفة، بس مش هتأخد بالك من مايا لوحدها بس بعد كده... آآ... أنا حامل يا علي!
سحب بصره عما بيده وتطلع لها بدهشةٍ، بينما ينحني بصره لموضع جنينها، كأنه يتأكد بنفسه، ارتبكت فاطمة بجلستها ، وقالت تمازحه:
_أكيد يعني مش هيبان عليا دلوقتي!!
أضاءت السعادة وجهه، فترك ما بيده ونهض يجذبها إليه، ضمها ورفع جسدها تجاهه، فرفعت ساقيها عن الارض وتركته يدور بها بينما يميل على كتفها، هامسًا بفرحة:
_ألف مبروك يا حبيبتي، الخبر ده نور العتمة اللي بقيت عايش فيها، بجد مش مصدق كرم ربنا عليا في توقيت صعب زي ده.
عاونها على الوقوف باستقامة، بينما يمنحها ابتسامة عاشقة، واختلج بحة صوته بحزن انتشر على وجهه:
_عُمران كان هيفرح أوي بالخبر ده.
تلألأت مُقلتيها بالدموع تأثرًا بجملته، وقالت بتلقائية:
_أيوه كان نفسه ربنا يكرمنا بولد أوي.
هز علي رأسه بحزنٍ، فقالت مبتسمة وهي تتمسك بكفه الذي يسحبه منها:
_لو جبنا ولد هنسميه عُمران، أيه رأيك؟
قبع حزنه داخله، زوجته لا ذنب لها أن يقلب ذكرى حملها بجنين منه لذكرى مأساوية بحزنه، لذا منحها ابتسامة مشرقة وقال:
_الاسم اللي يعجبك أنا موافق عليه وأنا مغمض، وأكيد مفيش إسم أحسن من اللي اختارتيه يا فاطمة.
وانحنى يجذب حقيبتها من على الاريكة، ثم حاوط خصرها وهو يخبرها:
_يلا عشان ترتاحي شوية.
ثم أشار للممرضة قائلًا:
_منة معلشي تطلبي من حد ينقلي سرير إضافي في أوضة مايا هانم، عشان المدام تريح عليه.
أشارت له الممرضة باحترام وبسمة بشوشة:
_هبلغهم حالًا يا دكتور.
وعاد يجذب فاطمة، ويتجه بها لغرفة مايا، بينما تهمس له باستحياء:
_مالوش داعي، أنا مرتاحة على الكنبة.
لف يده من حولها وقال مبتسمًا:
_لا مش مريحة للبيبي يا فطيمة، كويس إنك بلغتيني عشان بعد كده أخد بالي من تصرفاتك كويس.
ضحكت رغمًا عنها ومالت على كتفه بحب، فاذا به يقف جوار باب الغرفة حتى ابتعدت عن أحضانه، فمال يهمس لها قبل أن يفتح الباب:
_فاطمة أنا عارف أنك عاقلة وعمرك ما هتفهمي اللي هقوله غلط.
ارتابت لامره وتساءلت:
_في أيه يا علي؟
ابتلع ريقه الجاف، ورد عليها بتأثرٍ:
_خلينا نتعامل بحدود قدام مايا، مشاعرها أكيد متأذية من فقدان عُمران وأقل شيء هيفكرها بيه، عشان كده أنا هخليكي معاها وهرجع انام في مكتبي، ولو حصل حاجه كلميني على طول.
ربتت على يده بتفهمٍ، وقالت:
_روح المكتب وأنا معاها اطمن.
مال يقبل رأسها وهو يشكرها بلطفٍ:
_أكيد لازم أطمن... تصبحي على خير يا حبيبتي.
وتركها وغادر بينما تودعه بابتسامة حزينة، على ما أصابهم جميعًا بفراق عُمران!
*****
خلى صابر شقته الصغيرة، بعد أن أصرف زوجته الثانية لشقة والدته التي تقطن بها زوجته الاولى، ووضع عُمران على الفراش بمساندة موسى، الذي وقف يراقب وجه عُمران بفضول لم يستطيع منعه، بقوله المتعجب:
_هو أيه اللي حصل معاه يا صابر؟ وليه جبته هنا؟
أجابه "صابر" وهو يتطلع على عمران الذي يغفو بتعب شديد:
_مش عارف يا موسى، حكايته غريبة وتحير، المفروض إنه كان من الباص الكبير اللي اتقلب في البحر، بس كتفه في طعنه بسكينة واصاباته خطيرة بشكل تحير.
وسحب الكيس البلاستيكي الذي بحوزته، ثم أخرج منه بنطاله وحذاء عمران وساعته، وحزمة الدولارات:
_بص من حاجته باين أنه مش شخص عادي، مهو مش معقول واحد من توبنا يلبس ساعة تخشلها في ٢٠٠ألف ج، ولا يمشي بالمبلغ ده.
راقب موسى محتويات الكيس، بنظرة شاملة، ثم قال:
_طيب هو مفاقش ولا قالك هو مين؟
ضم شفتيه بشفقة:
_مش فاكر حاجة، والزفت ممدوح كان عايز يستغل ده.
تساءل موسى بعدم فهم:
_يستغله ازاي مش فاهم؟؟
رد يجيبه وهو يتجه للاريكة البلدية الموضوعه أسفل النافذة:
_كنت طالع أديله الشاي وسمعته بيحاول يقنع الدكتور عماد إنهم يضحكوا عليه ويدوله ٥٠ألف ج عشان يتبرع بكليته لواحد من الاكابر، وإنهم لو رفض هيبنجوه وهيعملوله العملية بردو، مهو واحد قدامهم، مالوش أهل، وفاقد الذاكرة، عايز يستغله!
وأضاف وهو يشرح له:
_وطلعله بطاقة مضروبة باسم واحد تبعه، وخلص اجراءات المستشفى،كاتبله على خروج عشان ياخده يستفرد بيه بعيادته، أنا سمعتهم من هنا وجريت هربته من هنا، الحمد لله اني خفيت الفلوس دي وحاجته من ممدوح ده دكتور طماع وفيه العبر،معرفش أمته المستشفى هتنضف منه ومن أشكاله، ده مبيحرمش.
من كام يوم حاول يقنع راجل على قد حاله إنه يتبرع بكليته بردو،والراجل وافق عشان يجوز بنته،اغراه بالمبلغ ومضاه على الورق ودخله عمليات وقدام ادارة المستشفى داخل يعمل الزايدة،الراجل مات تحت ايده ولا همه،منه لله.
جلس موسى جواره على الاريكة،وقال بغضب:
_وأيه اللي يسكتك على الجزار ده ما تبلغ ادارة المستشفى عنه..
ضحك وهو يخبره:
_ومين هيصدقني طول ما أوراقه سليمه،مهو مبيعملش العمليات دي غير بموافقة المريض، بقولك عامل زي الشيطان بيختار ضحاياه كويس أوي،بيغريهم بالفلوس ودول غلابة يا موسى.
واستطرد بوعيدٍ قاطع:
_بس أنا مش هسكت،هحاول أجمع أي دليل ضده وهبلغ عنه الحكومة.
ربت على كتفه بشجاعة رجلٌ يرتدي جلباب وعمة الرجولة:
_هات ضده دليل واحد وهطلع معاك على المركز نبلغ عنه،متخافش انا معاك وفي ضهرك يالا!
ربت على كفه وقال:
_عارف إنك مجدع ودايما جنبي، المهم هعمل أيه عشان أوصل لاهله.
اتجهت نظرات موسى تلقائيًا لعمران وقال بحيرة:
_مش عارف، ملامحه كلها متدمرة من الضرب اللي أخده،بس ممكن نصوره وننزل صوره على جروب بلدنا يمكن حد يعرفه مع اني أشك ان حد يتعرف عليه وهو متدمر كده، الاحسن تستنى لما جروحه تخف ووشه يبان شوية.
هز رأسه باقتناعٍ، بينما نهض الاخر يخبره بنوم:
_هطلع انام والصباح رباح، لو احتجت حاجة تاني ناديلي.
وأضاف وهو يشير بسخرية تجاه الشقة المقابلة لهم:
_ده لو عرفت تنام النهاردة بعد ما زنقت النار مع البنزين في شقة واحدة، هيولعوا في أمك جوه!!
ضحك وهو يشير له على المفتاح الذي يحمله:
_ولا أعرفهم، هقفل على نفسي بالمفتاح وهما يحلوا أمورهم مع بعض، العملية مش ناقصة فرهدة ووجع دماغ.
أشار بلايك ابهامه بتشجيع:
_إثبت على موقفك، يلا هخلع انا وادعيلي الأبله متقفشنيش على السلم تقطم من معنوياتي على درجات البت قمر، شكلها كده هتشيل كحك كتير، والابلة كل ما النتيجة بتطلع بتيجي تحاسبني أنا تقولش أنا اللي بمتحن!!
ضحك بملء ما فيه، وقال:
_لا مستحيل الابلة صباح تبقى سهرانه لحد دلوقتي، خصوصًا انها كانت بالوحدة عندنا النهاردة عشان أدوية الكلى بتاعت الحاجة صفاء والدتها.
عاد يهبط إليه ويسأله بحزن:
_صحيح يا صابر هي حالتها ميؤس منها فعلًا.
رد عليه بملامح تشاركه الحزن:
_بصراحه الست اتبهدلت أوي يا موسى، ولازم تعمل العملية دي في أقصى سرعة، بس مينفعش تعملها هنا، لازم تروح مستشفى متخصص ولو عملولها هتتكلف فوق ال٢٥٠ ألف ج.
تنهد بقلة حيلة وقال:
_لو معايا الفلوس دي أقسم بالله ما أحوشهم عنها، إنت عارف جوزها الله يرحمه كان صاحب أبويا الروح بالروح.
ربت على كتف صديقه، وقال مبتسمًا:
_كفايا إنك مبتخدش منهم ولا مليم إيجار الشقة، إنت جدع يا موسى وبتحاول تساند على قد ما تقدر.
أجابه ببسمة ساخرة:
_برد جزء من جمايل الابلة صباح على قمر بنتي، مع إن لسانها معايا وبور جاز بس هنعمل ايه البت قمر بتحبها ومبتتنقلش من عندها،وهي كمان بتحبها بصراحه،وبتهتم بغيارتها ومذكرتها وكل اللي يخصها،ربنا يجعله في ميزان حسناتها ويشفيلها أمها.
رد بحبور:._اللهم آمين.
تركه موسى وقال:
_يلا هشوفك بكره، هبقى أجي اطمن على القتيل اللي عندك ده.
ضحك وهو يهز رأسه بينما يعود لغرفة الاطفال الخاصة بشقته، يتأكد ان المحلول الذي علقه لعمران يعمل بشكله الصحيح..
******
غردت الشمس على غصون السماء لاستقبال يوم جديد، ومازال يتبع خطوات قائده الجديد، فمنذ أن تولى تدريبه وهو يختص وقته الليلي برفقته، ويعود لمنزله قبل الصباح ليكون جوار زوجته.
نزع "رحيم" قفازات يديه السوداء. وهو يراقب آدهم يغير ملابسه ليعود لمنزله، بينما يخبره بفخرٍ:
_الصورة اللي طبعتها عنك كانت في محلها، قوة تحملك وصبرك هتخليك تتقن أي تدريب تخش فيه.
مال رأس آدهم صوب صوت قائده، وقال مبتسمًا:
_أكيد لازم أكون صبور قدام خبرة حضرتك، ولازم أكون ذكي وأستغل كل لحظة في التمرين معاك، عدد قليل اللي كان محظوظ بالتدريب على، إيد الاسطورة، فأكيد بردو مش هفوت فرصتي دي.
إتجه إليه يطالعه بزيتونته بثباتٍ:
_ذكي وبتعرف تختار ألفاظك، بس دول لوحدهم مش كفايا يا سيادة المقدم.
نهض يتجه برأسه صوب محله وكأنه يراه، ينفذ تعليمات رحيم وما بذله برفقته طيلة الايام الماضية ببراعة:
_أنا جاهز عشان أكون على المستوى اللي حضرتك تختاره ليا.
منحه ابتسامة صغيرة ونظرة غامضة:
_هنشوف... يلا إرجع بيتك وبليل هنتقابل في نفس معادنا.
أدى تحيته بصدرٍ رحب، وما أن استمع لصوت مغادرة خطواته، حتى عاد يستكمل تبديل ملابسه ببراعة، ولحق بثبات خطواته بشكلٍ يجعل جميع من بالجهاز يستدرون تجاهه بتعجبٍ، لقد كان يعهد خطواته وكأنه يرى كل شيء، يتعامل بشكلٍ طبيعي للغاية.
اجتاز آدهم المكاتب، حتى وصل لجناح مراد، وبخبرة اجتازاها من تدريب رحيم، كان يعد خطاه حتى وصل للمنشود، ولج الشرطي يبلغ الجوكر بمن أتى لبابه كصباح كل يوم، فابتسم وهو يخبره:
_قولتلك لما آدهم يجي تدخله على طول.
أدى التحية العسكرية وخرج يخبره:
_الباشا في انتظارك يا سيادة الرائد.
صحح له مراد من خلفه:
_سيادة المقدم.
أومأ الشرطي برأسه ومال للاخر يحيه بينما يخبره آدهم ببشاشة بسمته:
_بسيطة.
تعمد مراد أن يقف بمحل غير مكتبه، أراد أن يختبر تدريب أخيه، فقد كان يأتي آدهم لرؤيته كل صباح قبل عودته للمنزل.
مال رأس آدهم تجاه قاعة الاجتماعات بالرغم من أن صوت مراد كان يأتي من صوب مكتبه، فعلم بأنه غير محله عن عمدًا، إتجه إليه وقال:
_غريبة، حضرتك مش بترتاح غير على مكتبك!
ابتسم مراد وهو يرنو إليه، فانتظر جلوسه ومال تجاهه يسأله بشكٍ:
_علاج دكتور عمر شكله جاب نتيجة معاك.
نزع نظارته السوداء ليرى الجوكر ثبات نظرة آدهم باتجاه آخر بينما يجيبه:
_أنا لسه بادئ علاج معاه من أربع أيام، فأكيد ملحقتش يعني، بس اللي نقدر نقوله ده بعد تدريب مضاعف من حضرتك ومن الاسطورة.
مال يستند على كفيه ويخبره:
_طيب عظيم أوي، كده رجوعك للجهاز قرب وقرب أوي كمان.
قال بابتسامة غامضة:
_لا أنا عايز أطول في مدة راحتي كمان.
ضحك مراد وهتف ساخرًا:
_تقصد مدة تدريبك مع رحيم.
ابتسم وهو يشير له:
_عارف إن حضرتك فاهمني، انا فعلا حابب أكمل مع الباشا شوية، حاسس إني اتغيرت وبقيت لماح أكتر، لدرجة إن الاغلب بقوا بيشككوا إني أعمى!
تحررت ضحكاته الرجولية وهو يستمتع بحديثه رفقته، وشاكسه بمرح:
_لا باين فعلًا عليك، بقيت واثق في نفسك أكتر وداخل محدد مكاني بالتحديد من غير ما اتكلم أو أحط برفيوم ريحته قوية.
اتسعت ابتسامة آدهم، وقد بترها الجوكر فور أن استطرد:
_بس متحلمش تطلع مهمات معاه بردو، أخره معاك تدريب وبس.
تذمر كالطفل المشاكس، وهدر وهو يحبس اعتراضه:
_اللي تشوفه يا باشا.
كبت ضحكاته على مظهره المضحك وقال:
_تعجبني وإنت مطيع وبتحترم كلام القائد بتاعك.
وأضاف بمكرٍ:
_الذكاء إنك تميز بين القائد المؤقت والقائد الدائم ليك يا حضرة الظابط، ثم إنك مش لازم أخلاقك تنحدر مع شخص زي رحيم، طول ما أنت معايا فتأكد إن عندك قلب، هتروح معاه هتدوس فوق قلبك ومشاعرك وبعدها قضية خلع على طول، مهو المدام مش هتتحملك بعد كده.
تمردت ضحكات آدهم رغمًا عنه، وتساءل بفضول:
_باشا انتوا اخوات ازاي!!!!
هز كتفيه بحيرة مضحكة:
_والله يا ابني ما أنا عارف!
ضحكوا معًا، ونهض مراد يتجه للبراد الصغير قائلًا:
_هجبلك عصير برتقان.
وانحنى يجذب علبتين من عصير البرتقال الطازج والليمون، ثم عاد للطاولة مجددًا، يضع كوبًا أمامه وأمام آدهم، كاد مراد أن يسكب البرتقال من أمام آدهم، ولكنه ابتسم بخبث وهو يسكب الليمون، ويعود لمحله ساكبًا البرتقال بخاصته، ثم جلس يراقبه بنظرات صقر ماكر.
ابتسم آدهم وهو يدرس كل تفصيلة قبالته، وأنفه يلتقط الرائحة، أمسك كوبه وقربه من مراد قائلًا:
_باشا إنت اتلخبطت وحطتلي ليمون، مش قولت هتديني برتقان!!
سحب الكوب منه ووضع خاصته أمامه بينما يطالعه ببسمة واسعة:
_أنت عارف آني متلخبطتش.
ضحك وقال:
_عارف بس محبتش أسقط في الامتحان.
ضحك الجوكر رفقته، بينما يرتشف آدهم من عصيره، وضعه جانبًا وقد تجهمت معالمه فجأة بشكل استرعى انتباه مراد، وخاصة حينما سأله آدهم بوجع:
_هو مفيش جديد عن عُمران يا باشا؟
ترك "مراد" كوبه ومال تجاه آدهم الذي نبضت عينيه بكم الوجع والحزن، فتنهد بضيق وقال:
_في يا آدهم بس أنا مخبي اللي وصلني عن علي، مش حابب أزرعله أمل كاذب وأكون السبب في انهياره من تاني.
كاد بأن يتساءل بلهفته الصريحة لمراد ولكنه أوقفه قائلًا:
_مستعد أبلغك بالتفاصيل اللي وصلها الفريق، بس بعهد مهنتك إن التفاصيل دي متطلعش بره حتى لزوجتك.
هز رأسه بكل تأكيد، فقال مراد برزانة وهيبة لا تليق سوى به:
_مصادرنا الخاصة توصلت لحادث كبير حصل في قرية جنب المكان اللي حصل فيه حادث عُمران، الحادث كان ضخم ونتج عنه 34 حالة ما بين اصابات ووفيات، وطبعًا إنت عارف إن الوحدات مش مجهزة بشكل كامل عشان تتعامل مع الاصابات الخطيرة،فالعدد ده اتوزع بشكل عشوائي على مستشفيات سوهاج.
وأضاف بعملية باحتة:
_احتمال وصول جثة عمران للمكان ده متتعداش ال20في المية، واحتمال وصوله حي للمكان ده فوق ال50في المية، فلو افترضنا إنه اتحدف من على الكوبري حي وقدر يعوم باتجاه الموج يبقى بأكدلك مليون في المية إن عمران حي.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه آدهم، وسأله بلهفة:
_طيب وهنتأكد ازاي؟
أجابه وهو يجذب الاكواب بعيدًا عن ذراع آدهم الذي بات مرتبكًا لسماع ما قال:
_انا كلفت مجموعة سباحين تباعنا تدور في نفس المكان اللي وقع فيه الباص، ومجموعة تانية بتدور في الوحدات والمستشفيات العامة، ولو حد فيهم توصل لحاجه هيبلغني فورًا، متقلقش أنا متابع الموضوع بس مش موصل لعلي حاجة رأفة بمشاعره.
هز رأسه بتفهمٍ، وقال:
_بس لو وصلت لحاجة بلغني يا باشا، أنا مستني منك أي خبر يطمن قلبي وقلوبنا كلنا عليه.
منحه ابتسامة هادئة:
_اطمن يا آدهم.
*******
إتجه "علي" لمكتب يوسف فور أن علم من الممرضة بأنه بالمركز منذ ساعتين، دق باب مكتبه وترقب سماع صوته، ولكنه لم يستمع، فولج للداخل يرسم بسمة زائفة:
_صباح الخير يا يوسف.
لم يأتيه اي ردًا منه، وكأنه لم يستمع دقات الباب وصوت علي، اقترب يتطلع لما هو شارد به، فإذا به يتطلع للصورة الموضوعة على مكتبه، والتي كانت تحوي عُمران وجمال ويوسف، الثلاثة يجلسون على مقدمة آحدى السيارات التابعة لعمران، ويتشاركون قطع البيتزا.
اعتصر علي جفنيه ألمًا، ومال يهز مقعد يوسف، فانتبه له وأزاح دموعه سريعًا، راسمًا ابتسامة فاترة:
_علي! .
واشار للمقعد الذي يقابله بحرج:
_معلش مخدتش بالي منك، اتفصل إرتاح.
استند على سطح مكتبه، وقال:
_لا أنا مش جاي أقعد، انا عايزك تيجي معايا بيت جمال، أنا مش فاكر طريق بيته.
نهض عن مقعد مكتبه يجيبه بحزن:
_بس جمال مش في بيته، من وقت الحادثة وهو في الشقة اللي عمران كان مشتريها من إيثان، بالرغم من إن عمران ماقضاش فيها غير يوم واحد الا أن جمال مش راضي يفارقها.
وتنهد بوجعٍ وهو يشكو إليه:
_جمال انطفى، لا راضي يأكل ولا يشرب، وتقريبًا خس النص، والدته ومراته كل يوم بيكلموني عشان أحاول أخليه يرجع بيته بس مفيش فايدة مش راضي يسمع مني ولا يسمع لحد.
تساقطت دمعة خائنة من عيني علي، ازاحها وقال بصوت متقطع من البكاء:
_قوم يا يوسف نروحله.
نهض يجذب مفتاح سيارته وأتبعه دون أن يضيف كلمة واحدة.
******
نهض "يونس" من نومه فوجد فارس يغفو على ذراعه، ابتسم وهو يطبع قبلة على رأس صغيره، بينما تتجه فيروزته لزوجته التي مازالت تغفو جواره باسدال صلاتها، متعمدة أن تضع صغيرهما بينهما، وكلما حاول يُونس نقله لغرفته كانت ترفص بشدةٍ، فتلمس من حججها تهربها الصريح من بقائها بمفردها برفقته، ومع ذلك تركها تفعل ما يحلو لها، على أمل أن تختار قربه بارادتها.
نهض يتجه لخزانته، جاذبًا قميصه وبنطاله، ثم خرج للغرفة الاخرى يرتدي ملابسه دون أن يزعج أحدٌ منهما،فاذا برائحتها المميزة تتسلل إليه، استدار فوجدها تقف خلفه تعدل من حجابها وتخبره ببسمتها الساحرة:
_إنت نازل؟
تألم قلبه لفعلتها، فتغاضى عنها واستدار يكمل ارتداء ملابسه وهو يجيبها:
_إيثان مشغول في الجيم، فانا بنزل بدري عن كل يوم.
هزت رأسها بتفهمٍ، وقالت وهي تتجه للخروج:
_هعملك الفطار قبل ما تنزل.
تركها تغادر ولم يعلق، وخرج يجلس بانتظار ما ستقدمه له.
عادت تحمل صينية مستديرة،تحمل شطائر الجبن واللبن الساخن إليه، مازالت تحفظ كل ما يريحه عن طيب خاطر، وذلك يعرضه لمأزقٍ يجد فيه تصرفات تعارض أفعالها.
خطف نظرة سريعة لها، فوجدها مازالت تجلس جواره على السفرة، أراد أن يريح قلبه النازف، فتسلل بكفه يضم كفها، ارتعش كفها بين كفه ومع ذلك تركته رهينة بين قوة مسكته.
جذبها يونس لتنهض عن مقعدها وتتجه جواره، ارتبكت من فعلته، فطوال تلك الايام الماضية لم يبذل أي مجهود ليقربها منه، وكأن الصبر قد تمزق عنه كليًا.
رفع يُونس يده يحرر حجابها ومازالت عينيه رهينة نظراتها، بينما يعاتبها:
_ليه حرماني أشوف حتى شعرك يا خديجة؟
ارتبكت من قربه وابتعدت قليلًا بتوترٍ:
_بتعمل أيه يا يونس؟ فارس آ..
ترك كفها وتطلع للامام بضيقٍ، متعمدًا الضغط على حروفه:
_فارس نايم يا خديجة، بطلي تتحججي بالولد عشان تبعدي عني!
قالها ونهض يغادر دون أن يتذوق الطعام حتى، وما أن أغلق الباب حتى سقطت دموعها، ويديها تنضمان على وجهها بانكسارٍ وقهر، يتمزق قلبها حزنًا على حاله، فمنذ زواجهما وهو تعيس، تستطيع رؤية ذلك بوضوحٍ، ولم تمتلك سوى عجزها الشاهد عما مضى من حياتها.
******
هبط من الاعلى، يراقب شقتها القابعة بالطابق الذي يقع أسفل السطوح بطابق واحد، عقد موسى العزم حينما وجد الهدوء يخيم على الطابق وحمل نفسه وهرول سريعًا قبل أن توقفه سليطة اللسان، وما أن تخطى طابقها حتى استعاد اتزانه واستكمل هبوطه بابتسامة واسعة، تلاشت حينما وجدها تنتظره أمام الورشة الخاصة به.
تنهد بقلة حيلة، وتحرر صوته الخشن يهتف:
_اصطبحنا واصطبح الملك لله.
منحته نظرة هادرة، وهبطت من سيارتها ذات الطرز القديم للغاية، بلونها الاحمر الباهت، تصيح فيه:
_أيه شوفت عفريت قدامك يا أسطى!!
لوى موسى شفتيه هادرًا من بين اصطكاك أسنانه:
_ودي تيجي يا أبلة، ده حتى العفريت بيكون له صرفة وبينصرف، لكن إنتِ ما شاء الله مفيش آية في القرآن كله هتنفع معاكي!
والقى المنشفة التي يحملها تجاه الصبي الذي أتى يناوله بكوب الشاي فور أن رآه، ثم قال:
_خير يا أبله، واقفة تستنيني تحت ليه؟ وبور التهزيق المرادي هيحدف في أي إتجاه؟؟
شملته بنظرة مغتاظة من الفاظه، بينما تعدل حجابها الأبيض على فستانها الأسود الفضفاض، قائلة:
_العربية مش عايزة تدور، مع أنك لسه عاملها آمبارح، أنا قولتلك قبل كده إنت متنفعش في الشغلانه دي مش بتصدق، بتصلح العربية النهاردة وبتعطل تاني يوم.
استدار يكبت جُم غضبه بشكلٍ أرعب الصبية اللذين يعملون رفقته، فهرولوا للداخل فرارًا من غضبه الذي سيطول لليوم بأكمله.
صاحت "صباح" بغضب:
_إنت بتديني ضهرك ليه؟؟ مش بشتكيلك أنا من العربية؟
لف لها يطالع عينيها الواسعة بضيق، ثم قال:
_يا أبلة أنا قولتلك ألف مرة إن العربية دي عايزة تترمى في الخردة لا مواخذة، وإنتي مش مقتنعة ولا مصدقاني، أعملك انا أيه يعني عشان أقنع دماغك!!!
وأضاف بسخط:
_وأخرتها بتشككي في شغلي اللي مفيش راجل في الحي يستجري ويعملها معايا، أساسًا إنتي تحمدي ربك وتبوسي ايدك وش وضهر إني قدرت أخليها تتحرك من مكانها، إكسبي فيا ثواب وبعيها وهاتيلك اي عربية نص عمر حتى، أو أقولك بلاها الفشخرة الكدابة دي وروحي المدرسة مشي زي بقيت مخاليق ربنا، فكك من رفعة المناخير دي بدل ما تتسحلي بيها على الأرض، خدي مني ومتراجعيش ورايا.
انتفضت بوجهه تصرخ بغضب:
_ما تتكلمش على عربية أبويا كده، أنا مستحيل هبعها ولا هفرط فيها ساااامع،وبعدين إنت مش لاقي شماعة تعلق عليها فشلك غير شماعة إن العربية قديمة!!
ضحك بملء ما فيه، وقال:
_قديمة!!! يا أبلة صباح العربية دي ياما أبويا صلحها قبل ما يتكل، والحمد لله جابت أجله، وشكلها هتجيب أجلي انا كمان، دي عربية تُراثية من أيام الخديوي توفيق، وعُكاشة أنور!!!!
إحمرت بشرتها القمحاوية بغضب، ورفعت اصبعها تحذره:
_إنت ابتديت تتمادى ياسطى، وبعدين بدل ما انت نافش ريشك كده فوق لدرجات بنتك، تقدر تقولي بنتك جابت كام؟؟
ارتبك قبالتها، وقال وهو يتصنع انشغاله بتأمل سيارتها:
_جابت اللي جابته بقى، حمدينه وشاكرين فضله حتى لو جابت درجتين تلاتة، أنا وقمورتي مُتصالحين جدًا مع بعض، بس اخرجي منها إنتي يا أبله.
كادت بأن تسدد جبهته بحديثها، ولكنها ابتلعته فور ان انطلق سكان الحي يهرعون من أمامهم، ومن بينهم شاب يصرخ بفزعٍ:
_الدبيحة هربت من حمص يا رجــــــــــالة!!!
ارتابت "صباح" من محلها حينما لمحت المدعو "حمص" يهرول ركضًا ومن خلفه تركض بقرة ضخمة، ذات جسدًا ضخم مخيف، ابتلعت حدة صوتها وركضت تختبئ خلف جسد موسى الضخم، الذي أخفاها وكأنها لا تزن نصف وزنه.
خطف موسى نظرة خلفه يطالعها بسخرية:
_مالك يا أبلة؟ متخافيش دي مبتعملش حاجة غير النطح، وأنتوا الاتنين شبه بعض، هي بتنطح برجليها وإنتِ بلسانك.
منحته نظرة حادة، وصرخت بوجهه:
_لسانك ده عايز قطعه، إياك أشوفها دايسة عليك وناطحة نفوخك يا بعيد.
عبث ببراءة لا تمت له بصلة:
_آلاه!! بقى دي أخرتها!
وأضاف بمقتٍ:
_ولما انا اتنطح هتعمل هي معاكي أيه؟ ما أنا اللطخ اللي متصدر في الوجهة.
ضحكت بانتصارٍ وقالت:
_كويس إنك عارف إنك لطخ.
احتقنت بنيتاه وهدر فيها يحذرها:
_لمي لسانك وخديلك راجع عني يا أبله، والا هميل مع الشباب في الورشة وهسيبك منك ليها!
تطلعت من خلف كتفه، فوجدتها تركض صوبهما، فصرخت فيه وهي تستنجد به:
_إلحق دي جاية علينا يا موسى!!!
تذوق نطق اسمه منها لأول مرة دون ألقاب، بات يراقبها بهيامٍ، بينما تصرخ فيه أن يرى تلك التي تركض تجاههما.
صعد حمص فوق السيارة يحاول الهروب، فصعدت البقرة بحوافرها تجاه الزجاج الامامي، الذي سقط ومال دون أي مجهود منها.
باتت السيارة كالخرقة البالية، بينما تصرخ صباح بصوت يصمم الآذان:
_لاااااا عربيتي!!
منع موسى ابتسامته من الانبلاج، لقد تكبد عناءًا في اصلاح السيارة كل يومين تقريبًا، ولاول مرة يشعر بالامتنان تجاه أحمق الحي، فمال يسحب الحبل المسكوب حول رقبته، وبكل قوته أحكم سيطرته عليها بقوة تتناسب مع جسده، ثم صاح بصوته الغليظ:
_السكينة ياض!
هرع حمص تجاهه، وتعاون الشباب بالامساك بها، بينما يذبح موسى البقرة، التي تناثر دمائها على السيارة وعلى صباح التي تحاول انقاذ سيارتها.
وفور ان انتهى حمل الرجال البقرة للجزارة الواقعه بالقرب منه، بينما يهدر في حمص بغضب:
_بقولك ايه مش كل يوم ليك منكش كده، أتلم إنت ومصايبك مش ناقصة هي.
ورفع صوته مداعيًا حزنه الشديد:
_مانتش شايف عربية المرحوم بقت عاملة ازاي، الابلة هتروح مننا بسبب غباوة أمك يالا!!!
ربت على صدر موسى بخوف من غضبه:
_حقك علينا يا اسطى، بعد كده هكتفها حلو قبل ما أدبح!
منحه السكين الضخم وقال:
_طيب يلا انصرف من هنا قبل ما الابلة تعكشك، هي لسه في حالة الافاقة من الصدمه اللي خدتها، انصرف بقى بسحنتك دي.
ركض حمص يفر من غضب تلك الفتاة المعهود عنها قوة شخصيتها، وتحجر رأسها الذي لا يلين، بالرغم من انها على وشك تخطي الثلاثين من عمرها الا أنها ترفض كل شباب الحي بلا استثناءات، تنصب كل اهتمامها بعملها بمدرسة الحي كمدرسة اللغة الانجليزية، وعلى السنتر الخاص بها لتعيل والدتها بعد وفاة والدها.
إتجه إليها موسى يناديها بقلقٍ من صمتها الغريب:
_أبله إنتِ حلوة ولا نظامك أيه؟ لو كده أخدك في التوكتوك للوحدة؟
اتجهت عينيها الدامعة إليه وقالت برجاءٍ:
_العربية معتش ينفع تتصلح صح يا أسطى؟
رق قلبه الحجر لها، فحك ذقنه النابتة وقال وهو يتطلع حالة السيارة بنظرة شاملة:
_هتأخد وقت ومجهود بس هعملها متقلقيش.
واشار يحذرها:
_بس ملقكيش كل يوم نطالي في الورشة، أنا هخلصها وهبعتلك البت قمر تناديلك لما هخلص، أنا ماليش في دوشة النسوان والرغي بتاعهم أنا!
عاد الغضب لمُقلتيها بينما تهتف باستنكار:
_نسوان!! إنت لسانك ده أيه مبرد!!!
تأفف بغضب وعاد يصيح:
_يا ابله الله يهديكِ آطلعي غيري هدومك وأتكلي على الله ورانا مصالح ومش فاضيين إحنا.
تخصرت بيديها بينما ترنو إليه، فتراجع للخلف بخوف جعله يميل على مقدمة السيارة جالسًا:
_ألالالاه، أيه يا آبلة في أيه؟؟؟
صاحت بوجهه كالقنبلة:
_وأنت مالك بلبسي يا محترم!! أيه صدقت نفسك وعايشلي دور بطل الحي ولا أيه؟
رمش باهدابه بصدمة وقال ببسمة واسعة:
_حقك عليا انا، اتكلي على الله إلحقي مدرستك أنا غلطانلك.
تركته وخطت للامام وهي تخبره بعنجهية:
_طبعا هروح المدرسة أمال هقف أتكلم معاك طول النهار!!
وتركته وخطت بطريقها، فخبط كفًا بالاخر وهو يقول:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، دي لاسعة منها خالص!!
قالها واتجه للداخل ليبدأ عمله اليومي، وما مر سوى نصف ساعة ووجدها تهرول للمبنى، فضحك على مظهرها بعد ان تيقن أن احدهما أخبرها بالدماء التي تغرق وجهها وملابسها، فرفع صوته الساخر:
_كده شباب الحي كلهم طلع عندهم نخوة!!! مطلعتش أنا لوحدي اللي غيور!!
استدارت تلقفه بحقيبة يدها، فتعالت ضحكاته بعدم تصديق لما تفعله، بينما يهمس بصدمة:
_دي لاسعة لاسعة يعني مفيش كلام!!
******
أشرقت جفنيه عن رماديته الساحرة، فمال برأسه يتفحص المكان الذي انتقل إليه برفقة صابر،ذلك الشاب الخالوق الذي لم يتركه طوال تلك المدة التي قضاها بالمشفى اعتاد على وجوده، فكان له الأهل والرفيق، حتى حينما وجده يخرجه فجأة منها، كان يحمل خوفًا غامضًا عليه.
إتجه "عُمران" للاريكة بخطواته المتهدجة، جلس يراقب صابر الذي وضع من أمامه صينية الطعام المعدنية، قائلًا ببسمته المشرقة:
_خليت الجماعة حضرولك لقمة خفيفة كده، قبل ما أنزل المستشفى .
زوى عُمران حاجبيه باستغرابٍ:
_جماعة!
ضحك وهو يصحح له مفهوم حديثه:
_مراتي يعني، بس هنا بنقول الجماعة.
هز رأسه بخفة، وعاد يتمعن فيه بشكٍ، جعله يطرد ما احتبس داخله:
_أنا من وقت ما جيت معاك هنا وأنا مسألتكش عن الطريقة الغريبة اللي خرجتني بيها من المستشفى، ولا اعرف حتى المكان اللي جبتني فيه، زي ما أنت شايف دي أول مرة أقوم من على السرير فيها، فمحتاج إجابات منطقية للي بتعمله معايا!
ترك صابر شطيرة الخبز وتطلع له بانزعاجٍ، فربع قدميه وقال بوجومٍ:
_عايز تعرف أيه؟
رد عليه ورماديته لا تحيلان عنه:
_إنت قولتلي آن ممدوح ده ناويلي على نية!
رد عليه بهدوء:.
_بص دكتور ممدوح ده مش تمام، بيعمل عمليات زرع كلى بدون تصريح ولا معرفة حد من الادارة، بيقنع الناس الفقرا بالعمليات دي مقابل مبالغ كبيرة، وفي شخص مهم جدًا عايز يعمل العملية دي بأسرع وقت، فسمعته بيقول إنه هيحاول معاك ولو رفضت هيعملك من غير ما تعرف لانه الوحيد في المستشفى اللي عارف أنك بقيت ميحة.
زوى حاجبيه بدهشة:
_ميحة!!
عدل من حديثه قائلًا:
_فقدت الذاكرة يعني!
وأضاف إليه:
_خرجلك ورق باسم آشرف شعبان عشان الدنيا تبان طبيعي، وأنا مملكش ضده دليل واحد عشان كده هربتك.
تطلع له عُمران بنظرة غامضة، وسأله:
_وساعدتني ليه وإنت متعرفش عني حاجه؟
التقط قطعة من الخبز ومضغها قائلًا:
_متعودتش أشوف الغلط وأسكت عليه، ولا أسيب حد محتاج لمساعدة، وبصراحه من جوايا حاسس انك شخص كويس.
ابتسم له وقال بسخرية:
_إذا كان انا نفسي معرفش إذا كنت شخص كويس ولا لأ!
نهض صابر يتجه للكومود، سحب الكيس البلاستيكي، وقدمه له قائلا:
_لا، شكلك شخص كويس، وابن ناس أوي على فكرة.
تفحص عُمران ما بالكيس هاتفًا ببسمة هادئة:
_يعني الدورلات دي اللي بتأكدلك إني ابن ناس! أنت يا طيب أوي يا ساذج أوي يا صابر.
ضحك رغمًا عنه، وقال ببساطة:
_سواء كنت طيب أو ساذج المهم اني أنقذتك.
ارتسم الحزن والألم على ملامحه، وقال:
_مكنتش هتفرق صدقني، يمكن الموت يكونلي رحمة عن اللي أنا فيه، أنا حتى اسمي مش فاكره.
ورفع يده إليه يتطلع تلك الدبلة المميزة باستغراب، فتابع صابر نظراته وقال:
_شكلك يا خاطب يا متجوز.
احتقنت رماديتاه بحزن، وقال:
_بقالي اكتر من عشر أيام فاقد الوعي، يا ترى عاملة أيه في غيابي، أو ممكن تكون بتفكر في أيه بالوقت ده!
شعر بثقل مشاعره ووجعه، فربت على ساقه وقال:
_متفكرش في حد غير نفسك دلوقتي، افطر وخد دواك عشان تقدر تقف على رجليك.
اكتفى بايماءة من رأسه، وبدأ يتناول طعامه. بينما يشاركه صابر، حانت من عُمران نظرة للغرفة، ثم قال:
_إنت عايش هنا لوحدك؟
ابتسم وهو يجيبه:
_لا انا والمدام، بس انا بعتها عند أمي في الشقة اللي قصادنا عشان تأخد راحتك.
حرك رأسه بتفهمٍ، وقال:
_طيب أنا مش حابب أفضل هنا كتير، لو ممكن تشوفلي فندق قريب من هنا.
اندهش وهو يطالعه، ثم قال:
_فندق وهنا أنت بتحلم ولا أيه؟!!
وضحك وهو يضيف:
_أنا هكلم موسى يديك أوضة من الأوض اللي فوق السطوح، هنفرشهالك وتنقل فيها لحد ما ربك ييسرها وتفتكر أي حاجة عن نفسك.
جحظت عيني عُمران في دهشة:
_اوضة فين؟؟ لا طبعًا انت بتهزر ولا أيه؟؟؟؟؟
ضحك صابر رغمًا عنه وقال بشك:
_زي ما قولتلك شكلك ابن ناس، بس لو فكرت فيها هتلاقيني بتكلم لمصلحتك، الاصابات اللي عندك بتأكد إنك متعرضتش لحادثة عادية، دي محاولة قتل، كمان مفيش فندق هيقبل بيك من غير بطاقتك ولا أوراقك، وبعدين انت متعرفش حد دلوقتي غيري فهتكون قريب مني وتحت عيني.
حرك رأسه بخفة واستكمل تناول طعامه حتى دق جرس الباب، فانتفض صابر بلهفة:
_ده أكيد موسى.
قالها وهرول يفتح الباب، فولج يحمل الأكياس، ووضعها على المقعد قائلًا:
_جبت للقتيل شوية عصير يرموا عضمه.
أشار له صابر بضيق:
_اسكت يا موسى، هيسمعك.
استدار يسأله باسترابة:
_هو فاق؟
هز رأسه بتأكيدٍ، فولج للداخل يتطلع له بانبهارٍ بعدما تمكن من رؤية ملامحه بوضوح جعل عمران يراقبه باستغراب، بينما يميل تجاه صابر وقال بصوتٍ مسموع لعمران:
_ده عينه رمادي وشكله قالب على خواجات أوي، أنت متأكد أنه مصري، شكلك هتلبسنا مصيبة يلا!!
ضحك صابر وقال له:
_امال لو شوفت لون شعره واحنا بنحلقه، شعره بني أوي، وشكله فعلا خواجه بس لسانه مصري أصيل!!
زم شفتيه بسخطٍ وهو يراقبهما، لم يجد شيئًا جذاب بملامحه المشوهه، فما بال هؤلاء يتطلعون له وكأنه وسيمًا!
تنحنح موسى ودنى يهتف:
_يا رب يا ساتر.
ضربه صابر بسخط:
_داخل على واحدة ست، إنت مش واخد بالك من العضلات!!
لكزه بكوعه بغضب:
_اتنيل بقى خليني أتعرف على القتيل قبل ما يفلسع مننا!
جذب مقعد السراحة وقربه من عمران الذي يتطلع له بثباتٍ طاغي، وبنبرة باردة قال:
_متقلقش مش هموت وأسيبك ميت من فضولك عشان تتعرف عليا!
برق موسى في دهشة، حتى صابر تعجب من قوة رده، رسم موسى بسمة صغيرة وقال:
_شكله فعلًا مصري يا واد يا صابر، قال قولي يا حبيبي هو إنت مش فاكر ماما ولا بابا ولا حد من عيلتك بصحيح!
تشربت دماء عمران بجرعة جعلته فجأة يستحضر داخله شخصًا لم يكن يتخيل أنه يحمله داخله:
_لا مش فاكر غير طولة لساني مع الأشكال اللي تستاهل يتقل منها يا آآ، قولتلي اسمه أيه يا صابر؟
ابتلع صابر ريقه بارتباك، وبدى حائرًا بين فرسين كلاهما أشرس من الآخر، وإن بدى أن بهدوء عمران وثقته قد يحقق أكثر من معركة أمام موسى الذي طالعه بغيظٍ، وقال:
_أممم... شكلك لسانك طويل؟
ابتسم عمران وقال:
_مش عارف، بس معاك هكتشف حاجات معرفهاش عن نفسي!
ابتسم موسى رغمًا عنه، وردد بمشاكسة:
_يبقى لسانك الطويل ده سبب الدشملة السودة اللي إنت فيها دي، وأكيد وقعك مع جتت مقدرتش تصد ولا ترد قدامها.
لم تتعصب ملامحه أبدًا، بل حرك كتفيه بحيرة:
_أعتقد إني من النوع اللي مبيسبش حقه، وإذا كنت فلت منها عايش بأكدلك أني خصمي ميت لا محالة!
سحب صابر موسى الذي يطالع عمران بغيظ، وهمس له:
_مش كده يا موسى، الراجل تعبان وشكله معلم، فبلاش ترهقه وترهق نفسك، تعالى نطلع نظبطله الاوضة اللي فوق عشان هو مش حابب يفضل هنا.
سحب يده منه وصاح بغضب:
_أوضة مين ده أنا هرميك إنت وهو من هنا؟
واجهه صابر بعدما لمس ما قد يجعله يلين:
_كل ده عشان قصف جبهتك العالية، ده إنت طلعت حقود يا جدع.
جذبه من تلباب قميصه وصاع بغضب:
_مين ده اللي قصفني يالا!! ده انا أعمل من لسانه فرقلة!
جذب عمران العصير المعلب يرتشفه وهو يطالعه ببرود جعل موسى يصعق من تعامل هذا الرجل الذي بدا أستاذًا ورئيس قسم، بينما يحاول صابر اقناعه،فصعد برفقته على مضض ليحضر له الغرفة التي تقابل غرفته،حيث كان يقسم السطح ويضع طاولة بالمنتصف، والتلفاز على خزانة قديمة،بينما يحيط بالسطح زهريات من الازهار تزينه بشكل مريحًا للعين.
******
فتح يوسف باب الشقة باستخدام مفتاحه الخاص، اتبعه علي لاحدى الغرف حيث يوجد جمال، يتمدد على الفراش بتعبٍ، فتح علي مصباح الغرفة وولج يقترب من الفراش قائلًا بحزن:
_وأخرتها يا جمال، هتفضل على الحال ده لأمته؟
مال برأسه جانبًا تجاه محل جلوس علي، يتطلع له بصمتٍ يذبح الفؤاد، بينما يتطلع علي لصواني الطعام الموضوعة جواره.
صاح يوسف بعصبية بالغة:
_بردو مكلتش! إنت عايز تموت نفسك بالبطيء صح؟؟
وجذبه ليستقيم بجلسته بالفراش:
_قوم كلمنا، عايز توصل لأيه؟؟
رد بارهاق تام:
_للموت، يمكن بعدها أرتاح من كل أوجاعي.
طالعه علي بشفقة، وقال بهدوء استرعى انتباه جمال:
_وهو ده الحل يعني يا جمال؟ معقول استسلمت وقبلت تخلي دم عمران يضيع بالسهولة دي، حبك ليه المفروض تخليه داعم ليك مش يدمرك بالشكل ده، تخليه يقومك باصرار وعزيمة إنك تكمل اللي عمله عمران مش تهد اللي كان بيعمله.
عبث بعدم فهم،وتساءل:
_قصدك أيه يا علي؟
رد عليه بقوة وشموخ:
_المشروع اللي اخويا وصاحبك دفع تمنه حياته إنت لازم تكمله وتحققله حلمه، مفيش غيرك يا جمال اللي يقدر يعمل كده ويساند فاطمة وعمي،ولو على فلوس التمويل فأنا متكفل بكل المصاريف، لحد ما المصنع والمشروع كله يكتمل.
وأضاف بوعيد وكره ناطق:
_عايزك تحرق دم الكلاب دول،وتعرفهم إن مفيش حاجة هتهدنا،مهما حصل هنقف من تاني وهنكمل.
وتطلع إليه يسأله بقوة:
_مستعد تكمل وتحقق حلم صاحبك اللي مكتملش يا جمال؟
هز رأسه دموعه تتساقط دون توقف:
_مستعد يا علي، أوعدك إني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان انفذ خطة مشاريع عمران كلها،حتى لو كان التمن حياتي.
أزاح يوسف دمعة خائنة من عينيه،وقال يدعمه:
_الاول تأكلك لقمة،وتحلق دقنك دي وبعد كده هنوصلك في طريقنا للشركة، واحنا هنقضي معاك اليوم كله النهاردة عشان نتأكد إنك هتشتغل مش هتروح تنام هناك.
اضاف علي لحديث يوسف:
_كلم آيوب يروح الشركة،جمال هيحتاج وجوده بالفترة دي!
******
صعد عمران برفقتهما للاعلى بصعوبة، بعد أن أصر على بقائه بالاعلى بعيدًا عن شقة صابر، مال يستند على باب الغرفة بينما يتجه موسى ليحرر نافذة الغرفة.
تطلع عمران للغرفة بنظرة ذهول، بينما يعاونه صابر على الجلوس على الفراش البالي، تردد منه سؤالًا مندهش:
_هو مفيش تكييف هنا؟
تطلع صابر إلى موسى الذي ضحك وهو يسخر منه:
_شكلك هتطلع ابن ذوات، أنا قولت كده من أول ما لمحت خلقتك.
تجاهل حديثه وتطلع لصابر مرددًا:
_صابر أنا مش هعرف أنام من غير تكييف!!
زم شفتيه بتفكيرٍ، بينما تتعالى ضحكات موسى وهو يخبره:
_مفيش عندنا هنا غير مروحة سقف، تفضل تزن فوقك لحد ما عداد الكهربا يفصل أو تقع فوق دماغك بقدرة قادر.
قوس حاجبيه بغضب، وهدر بنبرة مندفعة:
_ أنا مالي بتجارب أمك إنت، ثم أنك بتتكلم معايا على أنهي أساس، ولا عشان ما أنت صاحب البيت هتشوف نفسك عليا، إنت يعتبر عملت اللي عليك لما وصلتني هنا، أتفضل بره الأوضة عشان وجودك ساحب الاكسجين من الاوضة أكتر مهو مسحوب.
وأضاف وهو يضيق رماديتاه بنظرة انتصار:
_صابر يا حبيبي، باين عليك طيب وحنين مينفعش تصاحب الاشكال دي، هتخلي لسانك أطول منك صدقني!
استعد موسى ليهجم عليه، لقد انقضى عنه صبره كليًا، سحبه صابر للخارج وهو يصيح فيه:
_اعقل يا موسى الراجل تعبان ومش حملك.
أشار على الغرفة بغضب:
_ده مش حملي!! ده حمل مديرية، لسانه عايز قصه، سبني عليه اللي معرفلوش إسم ده، أوعى ميل!!
كبت صابر ضحكاته وعاد يلوي ذراعيه بحديثه:
_إنت مقهور عشان بيصد كلامك أول بأول، حقدك هيعميك وهينسيك الاصول، ده راجل تعبان ومتصاب يا أسطى!!!
زفر بعصبية، ودفعه عنه، ثم اتجه للدرج قائلًا:
_أنا نازل الورشة لاصورلك قتيل هنا انهاردة.
راقبه صابر حتى اختفى من أمامه، وعاد للغرفة يتطلع تجاهه، كان عمران يستند على الحائط ويتطلع من النافذة بشرود في هذا الحي البسيط جدا، بداخله شعورًا قويًا أنه لا يمكن أن يكون ينتمي لهذا المكان أبدًا.
_قصفت جبهة الاسطى موسى عُربان بذات نفسه، عملتها ازاي دي؟
قالها صابر وهو يكاد يسقط من فرط الضحك، فاستدار ببطء إليه وهو يضم كتفه المصاب بتعب:
_صاحبك اللي لسانه سابقه، وأنا محبتش أسلوبه ولا طريقته، اللي يحترمني أحترمه واللي يفكر يسخر مني أخليه مضحكة أدام نفسه قبل اللي حوليه!
تبسم صابر وقال:
_شكلك شخصيتك قوية ومالكش كاسر، ده باين من ثقتك في نفسك.
أخفض رأسه للاسفل وقال:
_مش عارف كلامك صح ولا لا، أنا حاسس إني ورقة بيضة مفهاش ولا سطر واحد ينفع يتقرأ.
ربت على كتفه السليم وقال:
_هتفتكر كل حاجة واحدة واحدة، بس خد ادويتك بس وارتاح.
رفع رأسه له ومنحه ابتسامة أشرقت وجهه المصاب:
_شكرًا على كل اللي عملته عشاني يا صابر، ممنون ليك وبتمنى أقدر أرد جزء بسيط من جمايلك عليا.
اجابه وابتسامته لم تفارقه:
_متقولش كده، انا من أول ما شوفتك حبيتك وربنا اللي يعلم، يلا هسيبك وانزل شغلي بقى، وهطل عليك بليل يلا سلام.
وتركه وغادر بينما يجلس هو بحزن على فراشه، مضت به الساعات وشعر فيها بالملل، فدعم جسده الذي يتآوه من شدة اصاباته وخرج للسطح.
انتعش وجهه المتعرق من الحرارة بنسمات الهواء القوية، جذبته الاجواء بشدةٍ، وخاصة تلك الاريكة المتطرفة للسور الخارجي.
جلس عليها يراقب البيوت والورود المندثرة من حوله، حتى افاق على صوت يهتف باسترابة:
_أنت مين يا عمو؟؟
استدار عُمران للخلف، فوجد فتاة صغيرة تقف قبالته، تمتلك جديلتين تنحدران على أذنيها، تراقبه بخضرة عينيها الساحرة، وتنتظر سماع ما سيقول، ابتسم رغمًا عنه وقال:
_اعتبريني الساكن الجديد هنا، إنتِ بقى تبقي مين يا جميلة؟
ابتسمت وأجابته:
_أنا كمان ساكنة هنا وإسمي قمر.
اتسعت ابتسامته وقال:
_أنتِ فعلًا قمر، إسم على مسمى.
ضحكت وهي تخبره بطفولية:
_بابا دايمًا بيقولي كده.
تحررت ضحكة منه وقال:
_عنده حق، باباكِ بيفهم جدًا.
تلاشت ابتسامتها وقالت وهي تراقب جروح وجهه بحزن:
_التعويرات دي بتوجعك؟
زوى حاجبيه بعدم فهم:
_الـ أيه؟ مش فاهم.
أشارت على وجهه، فابتسم وقال:
_يعني مش أوي.
دنت إليه تتطلع لعينيه قليلًا، ثم قالت:
_عد يوم ويوم ويوم وهي هتمشي وهتبقى حلو يا عمو... هو إنت اسمك أيه؟
وخز قلبه من سؤالها، ورد عليها؛
_مش عارف، قوليلي يا أنكل وخلاص.. أقصد عمو زي ما بتقولي.
هزت رأسها بخفة وأخرجت له الحلوى التي تحملها قائلة:
_تاخد توفي!
تعجب من كلماتها، ولكنه التقط واحدة مما تحملها قائلًا:
_شكرًا يا صغنن.
وأضاف وهو يبتسم لها:
_تعرفي إني كنت حاسس بملل لحد ما ظهرتيلي بجمالك ده، قوليلي بقى إنتِ في سنة كام؟؟
ردت عليه وهي تضحك:
_المفروض إني داخلة تالتة ابتدائي، بس أنا مش حليت كويس وحاسة إني هرجع تانية تاني يا عمو..
شاركها الضحك وقال:
_عوضيها المرادي وذاكري كويس، مفيش مشكلة تُذكر يعني!
هتفت بحنق:
_مش بحب الانجليزي، صعب أوي.
اجابها بتلقائية:
_
On the contrary, it is very easy and fun
(بالعكس ده سهل وممتع جدًا!)
_مش قولتلك ابن ذوات!
قالها موسى وهو يتابع حوارهما منذ بدايته، وقد راق له تعامله اللطيف مع ابنته، فوضع ما يحمله على الطاولة، ونادى ابنته:
_تعالي يا قمر يلا، هاتي معالق من جوه عما أفرش الأكل.
ركضت الصغيرة صوب المطبخ الصغير، بينما يشير له موسى:
_يلا عشان نتغدى ما بعض.
هز رأسه بهدوء:
_شكرًا ليك، بس أنا ماليش نفس.
اتجه موسى إليه، وقال بجدية تامة:
_زعلك على اللي فات إركنه، إقبل باللي ربنا كتبه عليك، وهو أكيد هيرشدك للصح.
رفع رماديتاه له، ووجد ذاته يشكو له:
_مش سهل إنك تصحى في يوم تلاقي نفسك مش فاكر أي حاجة عن نفسك، وكل اللي بيربطك بحياتك مجرد دبلة في ايدك، أنا حتى اسمي مش عارفه!
وأضاف وهو يتطلع لكتفه واصابة جنبه الايمن:
_الله أعلم أنا اتعرضت لأيه، جايز أكون واحد من اللي الدنيا جت عليه، وجايز اكون أنا اللي جيت عليها، كل اللي أنا حاسس بيه هو الخوف من اللي فات ومن اللي جاي.
حزن موسى لاجله وقال:
_أوعى تفكرها دايمة لحد، دي واخدانا على حجرها، بتمرجح فينا لحد ما تغربلك وتجيب أجلك، ولو مكنتش همجي وعارف تجاريها هتجيب هي وهتحط عليك!
تطلع تجاهه وشعر بارتياحٍ غريب إليه، فأشار له موسى حينما وجد ابنته تعود:
_يلا قوم عشان نتغدى وبعد كده نكمل كلامنا.
واضاف وهو يسانده للمقعد:
_بص نص الشعب المصري إن مكنش أغلبه اسمهم يا أما أحمد يا أما محمد، فنتوكل على الله ونناديك محمد، ولا أيه رأيك يا بت يا قمر؟
قالت الصغيرة بعد تفكير:
_لا أحمد حلو.
هز رأسه باقتناعٍ وناداه قائلًا:
_هات ازازة المية اللي جنبك دي يا محمد!
تعجب عُمران من الاسمين وشرد بهما، شعر بأنه لم يقبلهما البتة، فعاد يناديه بالاسم الآخر ظنًا من انه لم يرغب بهذا:
_هات المية يا أحمد.
لم يستجيب له عمران وسبح بشروده، كأنه يجاهد لايجاد اسمه من بين كل الاسماء التي تهاجم رأسه، فاذا بموسى يناديه بقلقٍ وبتلقائية شديدة:
_خواجة!
عند ذلك الاسم ورفع عمران رأسه له بدهشة تامة، فضحك موسى وقال:
_والله شكلك مش هتطلع ابن ذوات بس، لا هتطلع من بلاد بره وصايع معانا هنا، خلاص هناديلك خواجه مدام لافتة انتباهك.
رد عليه وهو يحاول تذكر أي شيء:
_معرفش، بس حاسس إن الاسم مش غريب عليا، حاسس إني اتناديت بيه قبل كده!!!!!
......
رواية صرخات انثى الفصل الثامن والتسعون 98 - بقلم ايه محمد رفعت
(إهداء الفصل إلى صديقتي المميزة وأختي "نادية" ، شكرًا جزيلًا على دعمك المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنك، لي شرف متابعتك الكريمة ..بحبك في الله...قراءة ممتعة 💙)
تقلب على السرير الصغير، محاولًا أن يغفو قليلًا ولكنه لم يستطع، حتى بعدما نزع عنه ثيابه العلوية من شدة إرتفاع الحرارة، استقام "عُمران" بجلسته على الفراش، وهو يراقب ساعة يده الباهظة، الشيء الوحيد الذي بات يمتلكه، وجدها الواحدة ليلًا، وبالرغم من تأكيد "صابر" بأنه يتناول أدوية من المفترض أن تجعله يغفو لساعاتٍ طويلة، الا أنه لم يستطيع أبدًا.
كان يشعر بأن هناك شيئًا ينقصه، وكأنه كان معتادا على فعل شيء بذلك الوقت، لقد تعثر عقله ونُثرت ذكرياته، بات كالهاتف الذي أعيد له إعادة مصنع، ففقد كل شيءٍ يمتلكه!
نهض عن الفراش وخرج يرتدي القميص الزيتوني الذي قدمه له صابر من قبل، كانت خطواته بطيئة للغاية، ويده تدعم محل الألم المنتشر بكتفه، استند على السور الخارجي للسطح، يغلق عينيه بانتشاء حينما استقبله تيار هواء بارد، أزاح عنه انزعاجه من الطقس، وكأن الغرفة التي كان يسكنها كانت بباطن الأرض!
استدار عمران يتأمل سطح المنزل بنظرة دقيقة، فلمح المرحاض المتطرف جوار المطبخ، وجد ذاته يتجه إليه، وبتلقائية شديدة بدأ يغتسل ويتوضئ استعدادًا لصلاة القيام مثلما إعتاد أن يفعل!
قام بصلاته بركن على سطح موسى، ثم جلس يقرأ بالمصحف الذي وجده على الطاولة القريبة منه، حتى موعد الفجر.
نهض عن السجادة يطويها ويتجه لغرفة "موسى"، طرقها ثلاث مرات، حتى وجده قبالته يفرك عينيه بنومٍ، متسائلًا بانزعاجٍ:
_خير يا خواجة؟ مش عارف تنام من الحر ولا الناموس؟؟
تغاضى عما قال، وسأله بثباتٍ:
_أنا آسف لو قلقتك، بس آذان الفجر قرب يأذن، مش نازل المسجد؟!!
أزاح يده عن عينيه، وبات يطالعه بدهشةٍ:
_أنزل فين؟!
زوى حاجبيه بذهولٍ منه، وكأنه يتحدث مع شخصٍ جاهل في دينه:
_أكيد مش هتنزل الملاهي مثلًا في وقت زي ده، المفروض إنك هتروح فين غير المسجد عشان صلاة الفجر!!
وتابع بسخطٍ مضحك:
_شكلك لسه مفوقتش من نومك يا آآ يا اسطى!!
تنحنح موسى بحرجٍ جعله يشعر بالنيران تلتهمه:
_لا العبارة بس إني متعود أصلي الصبح خطف كده قبل ما انزل الورشة، ومبرحش الجامع الا في يوم الجمعة عشان بتبقى اجازتي، أصلًا ده اليوم الوحيد اللي الجامع بيبقى زحمة فيه.
منحه نظرة حزينة من رماديتاه، وقال متغاضيًا عن أمره:
_طيب شاورلي على طريق المسجد وكمل نومك لو تحب.
طالعه بدهشةٍ امتزجت بصدمته التي تحررت بسؤاله:
_عايز تنزل الجامع وإنت بحالتك دي!
راقب رد فعله بتمعنٍ، وابتسم يجيبه:
_الصحابة رضي الله عنهم، مكنوش بيفوتوا فرض حتى لو كانوا بيموتوا أو حتى كانوا في الحرب.
وأضاف بتلقائية جعلته هو ذاته مندهشًا مما يقول:
_ كان في واحد من الصحابة أيام رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، كان بيتناوب مع صحابي تاني لحماية الرسول ومن معه، لما لاقى الدنيا هادية قال يصلي ركعتين لله، ولما بدأ يصلي واحد من المشركين استغل الأمر، وضرب عليه سهم أصاب كتفه، فاتصدم لما الصحابي الجليل كسر السهم وكمل صلاة عادي وكأنه لم يصاب.
المشرك إتجنن واتغاظ من ثبات المسلم، فصوب سهم تاني أصاب كتفه التاني، وبردو الصحابي عمل نفس اللي عمله بالمرة الاولى وكسر السهم وكمل صلاته وهو بينازع حرفيًا، وكل ده كان بيزود حقد المشرك، فاصابه المرادي في رجله، وده خلاه ميقدرش يكمل صلاته فعلًا، فاضطر يلجئ لصاحبه اللي بيتناوب معاه على الحراسة، فلما سأله وقاله منادتنيش ليه من السهم الأول، قاله بكل بساطة وأقطع صلاتي؟! متخيل إنه بالرغم من إنه بيموت مش عايز يقطع صلاته وخشوعه اللي في الصلاة وبقراءة القرآن!
لو فضلت أحكيلك من هنا لبكره مش هنتهي من حكايات الصحابة والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، بس الخلاصة إن اللي فيا ده شيء لا يذكر في سبيل اللي اتعرضوا ليه.
وتابع وهو يتعمق بعيني موسى الذي التمعت بالحرج والتأثر لحديثه:
_لو إتعاملت مع الصلاة إنك بتريح نفسك منها عمرك ما هتحس بلذة الخشوع بين يدي الله عز وجل، الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام كان لما بينادي سيدنا بلال عشان يرفع الآذان كان بيقوله أرحنا بها يا بلال مش منها، لان الصلاة بتريح قلوبنا من الهم والحزن وكل شيء واجع روحنا، بمجرد ما بتقف على سجادتك وبتكبر بإيدك فإنت بترمي من وراك كل شيء، الله أكبر مش مجرد كلمتين حافظهم وبترددهم، إنت بتقر وبتعترف إن ربنا سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء في الكون، أكبر من ابتلاءاتك ومن مركزك حتى لو كنت رئيس جمهورية، ولو عقلك شرد وسهى في الصلاة بأي شيء من وساوس الشيطان، فكر نفسك إن اللي إنت واقف قدامه ده قادر يحللك كل اللي في بالك، سواء دين أو فقر أو اي شيء يخطر في بالك.
وتابع وهو يتركه ويتجه للدرج:
_تقدر تدخل تريح، أنا هسأل أي حد وإن شاء الله هيدلني.
عبثت يده بين خصلاته الفحمية بانزعاجٍ، وصاح به:
_استنى يا خواجه، هتوضى وجايلك على طول.
وتمتم وهو يشمر عن ساعديه:
_وأهو بالمرة نصحي الواد صابر ونأخد أجره!
********
مضت عشرة دقائق، وكانوا الثلاثة يقفون بأول صفوف الصلاة خلف إمام المسجد، ومن خلفه عدد قليل لا يذكر، مما أحزن قلب "عُمران" كثيرًا، صلى خلف الإمام صلاة الفجر، وما أن انتهى حتى خرج برفقتهما ليعودا للمنزل.
توقف "موسى" أسفل المنزل، يشير لصابر قائلًا:
_بقولك أيه يا صابر، خد الخواجة وإطلعوا انتوا، أنا كده كده مش هيجيلي نوم طالما قومت، هفتح الورشة وأشوف شغلي أحسن.
تثاءب صابر بنعاسٍ، وقال بدون مجادلة:
_يلا يا خواجة.
تجاهل عُمران حديثهما ووقف يراقب الحي بنظرات متفحصة، ودقيقة، انغمست الدهشة بين طيأت رماديتاه، وكأنه يرى تلك المظاهر للمرة الاولى!
أفاق على هزة يد صابر على كتفه السليم، فاستدار تجاهه يخبره:
_إطلع إنت يا صابر، أنا مش جايلي نوم.
عبث بدهشة لحقت سؤاله المنطقي:
_هتروح فين تاني وإنت بحالتك دي؟
انتقل ببصره لموسى الذي رفع الباب المعدني بخفة تتناسب مع جسده المفتول، بينما يميل إليهما بفضولٍ لسماع إجابته على سؤال صابر، فوجده يقول:
_هقعد مع موسى.
ضم صابر فمه بكفه يمنع تثاؤبه بارهاق، وإتجه يصعد الدرج هادرًا بخفوت:
_زي ما تحب، بس أوعى تروح هنا ولا هنا.
وتركهما وصعد للاعلى، يينما جذب موسى أحد المقاعد البلاستيكية، وقربها من محل وقوفه:
_ريح رجلك يا خواجه.
إلتقطه منه وجلس من فوقه يتأمل الحي الذي لم يشغله أحدٌ بعد، بينما يرتب موسى ورشته، استعدادًا للعمل، ومن فترة للأخرى يراقبه، حتى خرج له بعد قليل، يقدم له كوبًا من الشاي الساخن بينما يجلس على المقعد المجاور له متسائلًا:
_سرحان في أيه؟
التقط الكوب منه بينما يتطلع إليه بحيرةٍ:
_بفكر هعمل أيه؟ المفروض إني مش فاكر حاجة، فمحتار أيه اللي ممكن أبدأ بيه بعد كده.
سحب موسى رشفة من كوبه، وقال:
_الموضوع صعب عليك وعلى أي حد ممكن يتحط في اللي إنت اتحطيت فيه، بس أنا لو مكانك هفك الدولارات اللي معايا وهعمل بيها أي مصلحة تأكلني عيش.
استدار إليه عُمران يتمعن بحديثه ليتمكن من فك شفراته، وما أن تفهم مقصده حتى قال:
_لا أنا أول حاجة هعملها هشتري تكييف، وبعد كده هشتري لبس لإن بصراحة ذوقك إنت وصابر local (بلدي)
قالها وهو يتطلع لما يرتديه بنفور، جعل موسى يضحك بصخبٍ وهو يشير له مشككًا:
_قولتلك هتطلع ابن ذوات محدش مصدقني.
وسحب رشفة طويلة أنهت كوبه، مما جعل عُمران على وشك أن يتقيأ، ونهض يتجه ليستكمل عمله، ترك عُمران الكوب من يده ولحق به يصيح بغيظٍ فشل بكبته داخله:
_هو إنت متعرفش تشرب بأسلوب أرقى من كده وبدون ما تعمل الأصوات المقززة دي!!
نزع عنه القميص المخطط، وبقى بملابسه العلوية، يحدجه بنظرة استفزت عُمران، وخاصة حينما قال:
_أنا كل ما بشوف تصرفاتك بحس إني شايف عيل توتو قدامي، لكن لما ببص على هيكلك اللي شبه المقطورة ده براجع نفسي بس إنت بترجع وبتثبتلي إنك فعلًا عيل توتو!!
حدجه عُمران بنظرة نارية، ختمها بقوله الوقح:
_ما توزن كلامك بدل ما أطلع بروح أمك هنا!
توالت ضحكات موسى دون توقف، بينما يهز رأسه في يأسٍ:
_إنت بني آدم مش مفهوم بالنسبالي!
وانتصب بعوده عن جلسته الأرضية، يرنو إليه قائلًا بجديةٍ تامة:
_عارف لو حد تاني غيرك اللي نطق الكلمتين دول أنا كنت عملت فيه ايه؟
تحداه بنظرة شرسة، وهو يجيبه ساخرًا:
_ده لو حد تاني، لكن دراعك الحلو ده هيتكسر قبل ما يفكر يطولني.
ضحك مجددًا وتلك المرة أدمعت عينيه من فرط الضحك:
_خواجة أنت الجروح اللي عندك دي مش هتأهلك لأول جولة!
وتابع، ويديه تنخصر منتصف خصره، بينما يتابعه بحيرة:
_أنا مش فاهمك!!! شوية بحس إنك ابن ناس علوي أوي، ولما بتقلب بحسك ابن حتة زينا كده، أنا محتار ومش عارف انت دنيتك أيه؟
استند عُمران على سطح السيارة من خلفه، مبتسمًا بمكر:
_خليك كده محتار لألف سنة قدام، وبردو مستحيل هتوصل للخلطة.
وأضاف بخبثٍ:
_بس ممكن أسهلك الليلة في كلمة إني للأسف ماليش كتالوج!
كاد موسى أن يناظره بنفس طريقته، ولكنه وجده يصفن قليلًا عن الحديث القتالي بينهما، فقال بريبة:
_مالك، سرحت في أيه؟
هز كتفه وهو يخبره بسخرية:
_حاسس أني قولت الكلمة دي قبل كده!
ضحك موسى وهدر ساخطًا:
_شكلك بتاع نوش، ومبيهمكش!
********
أعاد الطرق الخافت على باب المنزل، بينما يمسك بين كفيه المفتاح، تردد كثيرًا بفتح الباب، وكأنه يحاول أن يخبر ذاته أنه لا يحق له ذلك، مع أن له كامل الصلاحيات لذلك.
وبعد تفكير اضطر "آيوب" باستعمال مفتاحه الخاص، وما أن حرر الباب وولج للداخل، حتى وجد مصطفى يجلس على مقعده، يراقب الباب بكل لهفة، وبات أمر انتظاره لأن يستخدم آيوب المفتاح أمرًا مكشوفًا إليه.
لوهلة إرتبك آيوب، رغمًا عن أنفه أصبحت علاقته بمصطفى وآدهم أقوى مما تخيله سابقًا، وبدون تعمد منه بدأ يحطم القيود واحدًا تلو الآخر، حتى بات جزء بداخله يتقبل مصطفى بكل كيانه.
تنحنح بخشونة وهو يفيق من شروده، ثم قال:
_خبطت كتير ومحدش سمعني، فخوفت آدهم يتأخر على معاد الدكتور.
منحه مصطفى ابتسامة واسعة:
_وتخبط ليه يا حبيبي، ما انا مديك المفتاح وقايلك ده بيتك تدخل وتطلع منه وقت ما تحب.
طالعه بنظرة متوترة، اختصرها بقوله المرتبك:
_عارف، بس مبحبش أستخدمه عشان لو شمس تحت مش حابب أحرجها.
رد عليه وهو يدنو بمقعده المتحرك تجاهه:
_وحتى لو مرات أخوك كانت تحت، ده بيتك وليك فيه زي ما آدهم له بالظبط.
وأضاف في محاولة لقطع توتره:
_متقلقش شمس مبتنزلش من فوق غير بحجابها، إنت ناسي أني موجود هنا ولا أيه؟
حرك رأسه وقطع حديثهما الغير مرغوب فيه، متسائلًا:
_غريبة إن آدهم منزلش، ده لسه مكلمني وقالي إنه جاهز!
اقتحم صوت توقف المصعد اجتماعهما، وخرج منه آدهم يتحرك وكأنه يرى كل العوائق أمامه، اختباراته طوال الفترة الماضية جعلته متمكنًا من خطاه وطريقة تعامله.
رنا إليه آيوب، يردد باعجاب:
_أيه الشياكة دي كلها يا سيادة المقدم! قولي إنت ناوي تتجوز مرة تانية ولا حاجة؟
ابتسم آدهم وقال يحذره:
_إذا كنت جاي وفي نيتك تقيم عليا الحد، فأجل نيتك لإن شمس بايتة عند فريدة هانم النهاردة، فتقدر تعدي علينا بكره يا بشمهندس.
تعالت ضحكات آيوب، وعقد العزم مصرحًا:
_عنيا بكره هجيلك وكلي نية وعزيمة.
تشاركا الضحك ومصطفى يراقبهما بحبٍ وسعادة، كم يود أن يظل كلاهما جواره لأخر أيام حياته المتبقية، ولكن يكفيه رؤية آيوب باستمرار، وبدون أن يكون بينهما أي قيود.
صعد آدهم برفقة آيوب، الذي تناول منه مفتاح سيارته الخاصة، ليقودها آيوب مثلما إعتاد، وما أن خرج من محيط المنزل حتى استدار يخبره:
_ليه خبيت على مراتك وباباك إنك رايح تعمل العملية النهاردة يا آدهم؟!
نزع آدهم نظارته السوداء، وأجابه بينما يميل لنافذة السيارة:
_هو أنت مش كنت معايا وسمعت الدكتور عمر الجارحي وهو بيأكدلنا إنها مش عملية بالمعنى، فمش مستاهلة أقلقهم عشان موضوع بسيط زي ده.
رد عليه بعدم اقتناع:
_بس الأحسن إنهم يعرفوا، حتى لو الموضوع بسيط زي ما بتقول الاسم إنها عملية وبالليزر!
تنهد والحزن يتعمق على ملامحه الوسيمة:
_شمس بعد اللي حصل مع عُمران مبقتش متحملة حاجة يا آيوب، وبابا زي ما أنت شايفه، صحته مش مستقرة، كده أحسن صدقني.
واستطرد بابتسامة جذابة:
_وبعدين إنت معايا وده كفايا أوي عندي.
انجرف بالسيارة للطريق الصحيح وأجابه بكل ثقة:
_جنبك ومعاك على طول يا حضرة الظابط.
وأضاف مازحًا:
_بس لما تتقفش معرفكش، خليك فاكر أني قولتلك تبلغ شمس وإنت اللي رفضت هاا؟
ضحك بصوته الرجولي وقال:
_عارف أنك هتبعني ومش هتحتاج لأي قلم!
*******
خرجت من المشفى برفقة فاطمة وزينب، وعادت برفقتهما لقصر عائلة "الغرباوي" الذي لم يسكنه عُمران قط، صعدت "مايا" لجناحها باهتة، فاقدة لمذاق الحياة، كأنما تُساق لمثواها الآخير.
استقرت بفراشها كالجثة الهامدة، بينما عينيها تتعلق بالخزانة الموصودة من أمامها، تستعيد ذكرياتها الاخيرة برفقة زوجها قبل رحيله، ليتها اوقفته ومنعته من الرحيل، فإن كانت تعلم بأنه سيكون لقائهما الاخير لما كانت سمحت له بالرحيل عنها أبدًا.
******
بالاسفل وبالأخص بغرفة المكتب المخصصة لأحمد الغرباوي.
حملت "شمس" كوب المياه لوالدتها التي جلست على المقعد ترتجف برعبٍ، بينما يحاول "أحمد " السيطرة على غضبه الجحيمي، الاجواء توترت بأكملها منذ رحيل والد "مايا".
أبعدت" فريدة"يد ابنتها قائلة بانهيار:
_مش عايزة أي حاجة يا شمس.
وتطلعت تجاه زوجها تناجيه ببكاء:
_هنعمل أيه يا أحمد؟ عثمان مش هيسكت، وهيجبر ميسان تمشي معاه.
أبعد يديه عن وجهه، وقال بغضب:
_أنا مش قادر أفهم ده أب إزاي ده؟!! عايز يتأجر ببنته ويجوزها باقرب وقت، ده حتى مش مهتم بمشاعرها ولا بالحالة الصحية اللي بتمر بيها!!
انهمرت دمعات شمس على وجهها، ورددت بصوتها المبحوح:
_طيب هو مفيش أي حل نمنعه يعمل كده يا أنكل، إحنا مبقاش لينا من عُمران غير البيبي اللي في بطنها، لو عمل كده هيحرمنا منه.
زم أحمد شفتيه بضيق، وقال:
_عثمان طمعه عميه يا شمس، حاسس إنه ممكن يعمل أي حاجة عشان يكون في نسب بينه وبين "سلطان المُحمدي"، واهي فرصته وجاتله على طبق من دهب، هيعرف يستغلها كويس حتى لو التمن خسارة مايا لابنها!!
بعدت فريدة المقعد عنها وصرخت بجنون:
_على جثتي لو لمس شعرة واحدة من حفيدي، أنا عايشة على أمل إنه هيداوي جزء بسيط من وجعي الكبير على ابني، أنا هعرف أوقفه عند حده.
وقف أحمد قبالتها، وقال بصوته الحنون:
_فريدة حبيبتي ممكن تهدي شوية، لا أنا ولا علي هنسمحله بكده، حتى لو اضطرينا نهرب مايا في مكان ميعرفوش الجن الازرق.
استدارت تقابله بوجهها الشاحب ووزنها الذي ضعف تأثرًا بحزنها الشديد على ابنها:
_ده مش حل يا أحمد، الهروب حل مؤقت.
وتابعت وهي تخرج من الغرفة بعزمٍ:
_وأنا مش هقبل أعيش في توتر وخوف من اللي ممكن يعمله بعد كده، مفيش غير علي اللي هيقدر يمنع كل ده.
قالتها وانطلقت خارج الغرفة، تاركة شمس مندهشة من حديثها، بينما جحظت عيني احمد بصدمة من تحليله لمغزى حديثها، فاذا به يركض من خلفها وهو يناديها بعصبيةٍ:
_فريــــــــدة!
********
ولجت فاطمة لجناح مايا، رفعت الستار المحاط للشرفة الزجاجية بالريموت المتحكم بالغرفة، واتجهت للفراش تخبرها بابتسامة رائعة:
_أنا حضرت فطار ملوكي على التراس، وقولت أستغل فرصة إن شمس هنا وعلي، هنتجمع وهنفطر مع بعض وقبل ما تعترضي فأنا مش هقبل أي اعذار منك، هتقومي حالًا معايا.
تنهدت مايا بقلة حيلة، بينما تساعدها فاطمة بأن تخفض ساقيها، وتجذب كفيها حتى استقامت بوقفتها، فحاولت أن تستميلها قائلة بتعبٍ:
_ماليش نفس يا فاطيما.
تابعت المضي بها للشرفة التي تتصل بالتراس المحاط لجناح عُمران وجناح علي:
_قولتلك مفيش أي أعذار، وبعدين أنا عايزاكي تشدي حيلك شوية عشان تنزلي معايا تساعديني في الشغل.
وأستكملت وهي تستكمل بطريقها لمساحة التراس حول جناحها:
_أنتِ عارفة أن النهاردة أول يوم هينزل فيه البشمهندس جمال معانا، يدوب هفطر معاكم وهنزل عشان أساعده، متحمسة أوي نستكمل المشاريع اللي كان عُمران الله يرحمه شغال عليها.
توقفت مايا عن المضي قدمًا وشددت من كفها المستند على كف فاطمة، ثم رفعت عينيها لها بنظرة معاتبة بينما تصحح لها:
_متطلبيش الرحمة لشخص حي يا فاطمة، أوعي تتكلمي عن عُمران قدامي تاني بالشكل ده!
وتابعت بقوة ونظرة ثقة:
_أنا جوزي عايش وراجع!
ارتبكت "فاطمة" قبالتها، وخاصة مع استرجاعها لتحذيرات "يوسف" المشددة، فعادت تتشبث بكفها هاتفة بتوتر:
_أنا أسفة مقصدتش يا حبيبتي!
تقبلت اعتذارها، ومضت برفقتها تحاول أن تحتمل حجم الألم القابع بداخلها، ترى الجميع يتقبل موت زوجها، حتى خالتها منذ أن رأتها اليوم بتلك الحالة الهزيلة، رؤية وجهها المنطفئ أكد لها ما تعانيه وتتقبله.
مضوا معًا حتى وصلوا للطاولة التي أعدتها فاطمة، والتي تقابل الباب الزجاجي الخاص بشرفة جناحها، فما أن وصلت كلتاهما للمكان حتى تلصص لهما صوت علي الغاضب، وهو ينطق بعصبيةٍ:
_أنا مش مضطر أنفذ اللي بتأمريني بيه ده يا فريدة هانم، أنتِ بقرارك ده بتدمري العيلة كلها، أنا مش متخيل إنك إنتِ اللي بتطلبي مني حاجة زي دي!!!
تطلعت فاطمة لمايا بدهشة مما يحدث، واقتربت الاثنتان معًا للجناح، في محاولة لفهم ما يحدث بين فريدة هانم وعلي الذي اهتز القصر لصوته المنفعل لمرته الأولى.
بينما بداخل جناح علي الخاص.
وقف قبالة والدته مصعوقًا مما تمليه عليه، مازال يجاهد لأن يتفهم ما قالته للتو، ألا يكفيه ما خاضه منذ فقدان أخيه حتى تلك اللحظة!!!
دنى أحمد منها يحاول أن يحجب عنها تلك الفكرة الذريعة، فهمس بصوت غير مسموع الا لها:
_كفايا لحد كده يا فريدة وإخرجي معايا بهدوء، حرام عليكِ الولد مش متحمل إنك تضغطي عليه أكتر من كده.
انتشلت ذراعها منه واتجهت تقابل علي بوقفته، تخبره بصوتٍ باكي:
_عُمران لو كان مكانك مكنش أتردد ثانية واحدة، كان هيعمل أي شيء في سبيل إنه يحمي مراتك يا علي!
تحرر عن هدوئه الرزين وصرخ بكل طاقته:
_كفـايا، من فضـلك كفايـــــــا، إنتِ مش متخيلة بطلبك ده عملتي فيا أيه؟
ردت عليه بحزن:
_مفيش قدامنا أي حل تاني.
أجابها باستنكار:
_هو ده حل!! إنتِ بتحكمي عليا وعليها بالموت، مايا عايشة على أمل واحد وهو رجوع عُمران، فبأي حق عايزاها تكونلي زوجة؟!!!!!
بمجرد نطقه لتلك الكلمات التي برهنت سبب الشجار العنيف بينهما، توقف كل شيء من حولهم، الا صوت ارتطام هاتف فاطمة عن يدها، ملامسًا أرضية الجناح البيضاء، معلنًا عن تمزق قلبين من خلفهم، قلب زوجته التي كرسته لنفسها، لدرجة جعلتها لا تود تخيله برفقة امرأة غيرها، وقلب زوجة أخيه تلك العاشقة التي عشقت أخيه منذ الصغر، ولم يكن حبها مراهقًا، بل كان وسامًا حاربت لأجله ألف معركة، أثبتت فيها إليه وإلى الجميع كم أنها عاشقة تصون عشق عُمران الغرباوي حتى أخر قطرة دماء تسري بدمائها!
استدار علي يبعد خصلات شعره الطويل المندثر على عينيه، بينما يضم شفتيه بين أسنانه، يبث فيهما كل الغضب المكبوت بداخله، حتى كاد بأن يدمهما، وضعته والدته في أصعب تجربة قد يخوضها يومًا، لقد كان يجاهد ذاته، يبث في كل من حوله الادارة لعودة الحياة شبه طبيعية للجميع.
منذ رحيل أخيه والجميع من حوله يموتون بالبطيء، زوجته، والدته، شقيقته، أصدقائه، الجميع يتمسحون فيه حبًا بأن يكون العون والداعم لهم، وبينما يضمد جرح ذاك وهذا نسى أنه يمتلك الجرح الأكبر، تناسى ذاته لدرجة أنه بات كالورقة الهشة بين لهيب الرياح القاسية، وأمواج المياه العاتية، وبينهما هو قتيلًا لا محالة!
لم يتركوه يئن في صمتٍ، فزادت والدته من حجر العقدة على رقبته، وبات الآن في صراعٍ بين وجع زوجته ووجع زوجة أخيه في تلك اللحظة!!!!
"علي" القوي بات لا يملك الا قلة حيلته! ، ينساب خلف الهدوء الذي غمر جناحه، الا من دقات حذاء مايا التي تقترب لتقف في مواجهة فريدة، تسلط عينيها الجاحظة إليها، وتساءلت وتأثير الصدمة مازال قائمًا عليها:
_حضرتك كنتِ بتقولي لعلي أيه؟
سقطت دموع "فريدة" في خزي، ولكنها لا تملك الا هذا الأمل المتبقي، ماذا عساها تفعل ووجود الجميع حولها لم يعوضها عن فقدان فلذة كبدها، ماذا ستفعل إن كان هناك ما يهددها بأن يفرق ابنه عنها؟ ماذا ينبغي لها أن تفعل وقد ارتكنت آلامها وأوجاعها على أن يخفف صغيره عنها! ماذا تخبرهم؟
هل تخبرهم أنها تترقب لحظة ولادة زوجة ابنها بصبر لا يطاق، ترسم كل يوم صورة لمن تحمله، وتدعو الله أن يكون شبيه ابنها فيعوضها عنه.
صمتها جعل "مايا" تهز يدها وتعود لسؤالها:
_ممكن تجاوبيني، أنا سمعت غلط صح يا خالتو!!! ردي عليا من فضلك؟
دنت منها شمس الباكية، تضمها بحنان وتحاول سحبها خارج الجناح:
_تعالي معايا يا مايا، أنتِ سمعتي غلط، مامي مش قصدها كده.
أبعدت شمس عنها، وعينيها لا تفارق عيني فريدة الباكية، تنتظر اجابة سؤالها، فحررت لسانها الثقيل تخبرها ببكاء:
_مفيش حل تاني غير ده يا مايا، علي الوحيد اللي هيقدر يحميكِ، إنتِ وابنك محتاجين ليه، عشان كده أخدت القرار ده، إنك تتجوزي عـ..
بترت حديثها حينما صرخت فيها مايا بصوت قد بُح تأثرًا بانهيارها:
_متكمليـــش، أنا مش قادرة أصدق أنك استسلمتي بالشكل المهين ده، خلاص صدقتي أن ابنك مات ومش راجع!!! صدقتي وبتقرري تجوزيني لابنك التاني؟
ونقلت بصرها بصعوبة لعلي الذي مازال يوليهم ظهره بصمت:
_عايزة تجوزيني لأخويا الوحيد يا فريدة هانم!!
وعادت تصرخ بجنون:
_عايزة تجوزيني وجوزي حي!!! إنتِ جايبة الجبروت ده منيـــن؟!
انهارت فريدة كليًا وحررت ما حُشر داخلها:
_ابني مـات يا مايا، سامعـــــــــة عُمران مــــــــــات ومش راجــــــــع تاني، فوقي من الوهم اللي إنتِ فيه ده.
ضمها أحمد وسحبها للخلف عن مواجهة مايا، وهو يترجاها بدموعٍ انشطرت دون ارادة منه:
_كفايا يا فريدة، البنت مش متحملة.
استدارت تقابله بنظرة مستنكرة، كأنها تصرخ فيه لرؤية وجعها هي الاخرى:
_ولا أنا متحملة كل اللي بيحصلي ده يا أحمد، مايا لازم تفوق وتفهم إن عُمران لو عايش مستحيل يقبل يعيشنا في العذاب اللي احنا فيه ده، عمران أحن من إنه يسيبنا نموت بالبطيء كده، الحاجة الوحيدة اللي ممكن تعجزه وتخليه بعيد كل المدة دي هي الموت اللي بدأت أقتنع بيه ولازم هي كمان تقتنع بيه وتنفذ اللي أنا بقوله.
وتابعت وهي تتطلع تجاه مايا التي مازالت صامدة بوقوفها قبالتها بينما من خلفها على مسافة بعيدة تضم فاطمة بطنها المسطح وتراقب المشهد بآعين دامعة لا تستوعب ما تراه، فأخر ما تتوقعه أن يتزوج علي لمرته الثانية، ومن؟ صديقتها وشقيقتها!!:
_اسمعيني يا ميسان، أنا ربيتك زي شمس بنتي بالظبط، وطول عمري بدور على مصلحتك، زمان واجهت ابني بكل قوتي عشان أحمي حبك، ودلوقتي جوازك من علي هيحميكِ إنتِ واللي في بطنك.
انتقلت مايا من محل وقوفها، بخطوات بطيئة، حتى توقفت قبالة فريدة التي يحاوطها أحمد بذراعيه ومازال يلتصق بها، خطفت نظرة ساخرة لأحمد الذي طالعها باستغراب، وعادت تتمعن بآعين فريدة التي تحاول هي الآخرى فهم ما تود فعله، حتى ترنحت كلماتها لتقسم قلب فريدة:
_هو إنك تعيشيني نفس اللي عيشتيه قبل كده ده بتسميه حب!!! زمان أنتِ اتجبرتي تتجوزي أخو الشخص اللي بتحبيه، وقبلتي بالحياة اللي عيشتها، لكن مش أنا الست اللي مخلوق يقدر يجبرها على حاجة مش عايزاها يا فريدة هانم!
اهتزت فريدة غضبًا بين ذراعي أحمد، لقد مسها خنجر مايا باجتيازٍ، بينما تستكمل قائلة:
_ولو كلامك صح وجوزي مات هعيش مخلصة ليه لأخر نفس خارج مني، وصدقيني لو سمعتك بتقولي كده تاني هحرمك من حفيدك العمر كله، واعتبري إنك دفنتي بنتك مايا جنب ابنك اللي شايفاه خلاص مات ومش راجع.
رفعت كفها لتهوى على خدها بكل قوة وهي تصرخ فيها:
_اخرسي، إنتِ ازاي تتجرأي وتكلميني بالشكل ده، إنتِ فاكرة أني هسكت على وقاحتك، قولتلك إنتي بنتي يعني لما تقللي احترامي هرفع ايدي عليكي وهعرف ازاي أربيكِ من تاني!!
أمسك علي كف يدها قبل أن تمس وجه مايا، وهدر بهدوءٍ يخفي تعبه الشديد من خلفه:
_فريدة هانم المهزلة دي لازم تقف وفورًا، كفايا بقى، اللي بتقوليه ده مش هيحصل، ولو خايفة على ابن عُمران ومراته فأنا أفديهم بروحي لو تطلب الامر، أنا عليا مسؤوليات تجاههم، هنفذها كلها بدون جواز.
تطلعت له بنظرة غاضبة، بينما تعود ببصرها تجاه مايا التي تتطلع لها بعناد وشراهة، ثم قالت:
_هتتجوزها غصب عنك وعنها يا علي، والا وأقسم بالله هسيبلكم البيت كله ومحدش هيقدر يوصلي، هروح زي ما راح عُمران، أنا خلاص تعبت ومش متحملة كل التهديدات دي.
وتركتهم وغادرت بينما تنساب مايا خلف لفظ "تهديدات" فماذا تقصد؟!
ولكن ما حدث لها بتلك الاحداث الغير متوقعه بالمرة جعلها لا تود أن تستهلك تفكيرها بشيء، سوى الفرار من هنا، هي الأحق بالعلم بأن فريدة ستنفذ ما قالته دون أن يتمكن أي أحدٌ من إيقافها.
اقترب علي منها وقال بحزنٍ:
_مايا أنا بعتذرلك على الكلام اللي قالته فريدة هانم وآ..
أشارت بكفها توقفه عن استكمال حديثه، ورددت بحزمٍ وكره شديد:
_من اللحظة دي مش عايزة أشوفك جنبي بأي شكل من الاشكال، الظاهر إن صورة فريدة هانم اكتملت بوجودك جنبي طول الفترة اللي فاتت، فأوعى تقرب من مكان أكون فيه.
وتركته وغادرت من الجناح بينما شمس تلاحقها، اختار علي أقرب مقعد له، يحرر جسده باهمالٍ على سطحه، يشعر بأنه سيفقد الوعي بين لحظة والآخرى.
حانت منه نظرة جانبية تجاه زوجته التي تتطلع للفراغ ودموعها تنهمر في صمتٍ تام، تشعر وكأن جسدها قد تحجر بمحل جلوسها، وبصعوبة تحرك رأسها تجاه علي، وجدته يستند على ساقيه بجسده العلوي، رأسه مطموس أرضًا، يحاول أن يستمد كل القوة الهادرة عنه ليضمد جرح زوجته، ولكن كعادته يتناسى جرحه الغائر بين محيط صدره، وبينما ينهض من محله حتى يتجه لها، أحاطه الدوار الشديد وسقط على المقعد بعنف جعل فاطمة تهرع إليه وهي تناديه بألـــمٍ:
_علــــــــــي!!
انحنت قبالته تحاول رفع رأسه للاعلى عن ساقيه، مال على كتفها وهمس بضعفٍ:
_مش قادر يا فطيمة، كل ده كتير وخارج عن مقدرتي!
تساقطت دموعها وهي تراه يميل عليها، أزاحت دموعها وجلست على مسند المقعد الجانبي، تسمح لرأسه أن يميل على ساقيها، بينما تمرر يدها على رأسه، وبصعوبة تمكنت من الحديث:
_لو جوازك منها فيه حماية ليها ولابنها من شر ابوها، اتجوزها يا علي.
رفع رأسه عن ساقيها لها، يطالعها بدهشةٍ، بينما يحرر صوته المكبوت خلف أنفاسه العالية:
_بتقولي أيه يا فطيمة؟ مايا أختي متنفعنيش بأي شكل، عايزاني أقول أيه لعمران لما يرجع؟؟؟
تمعنت برماديتاه المتألمتان بينما تجاهد لسؤاله:
_علي أنت لسه عندك أمل أنه يرجع؟
شرد بسؤالها قليلًا لقد مضى شهرًا كاملًا ولم يعد شقيقه، شهرًا كان أصعب عليه من الموت، عاد يتطلع لعينيها وقد سقطت دموعه الآن:
_لو الأمل ده اتقتل جوايا هموت يا فاطمة! أنا بوهم نفسي إنه عايش مع إن كل حاجة بتأكدلي إنه مات، أنا هنا في البيت ميت من وجعي لما بشوف ماما وشمس ومايا، وبره البيت لما بخرج عشان أتنفس شوية بموت ألف مرة وأنا شايف أصحابه بيتمسحوا فيا عشان يحسوا بوجوده!!! كل شيء حوليا بيطالبني برجوعه، كل شخص أتعامل معاه وشاف منه شهامة أو خير، عنيه بتسألني عنه قبل لسانه، وأنا عاجز ومش قادر أقولهم إني حتى معرفش لأخويا قبر أزوره فيه!!!!!
وعاد يتمدد على ساقيها وهي يبكي بانهيارٍ:
_كلهم بيزدوا من وجعي ومحدش حاسس أنا بمر بأيه، انتهت الحروب بره ودلوقتي دور حرب فريدة هانم!
ضمته فاطمة وهمست له:
_إرتاح يا علي، أنا جنبك ومش هسيبك، ومعاك في أي قرار هتأخده.
جذب يدها يلثم باطنها بحبٍ، وعشق، بينما بداخله يهتف في وعيدٍ :
_الظاهر إن طيبتي مش هتجيب نتيجة معاك يا عثمان ولازملك ضربة تهد حيلك، عشان تحس أني أسوء من عُمران!
********
استمتع عُمران بقضاء أغلب وقته برفقة موسى، اندمج معه بالحديث سريعًا، وها هو يشاركه بتناول طعام الغداء، داخل الورشة الصغيرة، تناول عُمران من طبق الكشري المصري، وسأله بايجاز:
_تعرف حد نستبدل منه الدولارات.
رد عليه موسى وهو يلتهم العلبة الثانية من أمامه:
_تقصد تفكها يعني، عمومًا آه يا سيدي أعرف، بس امسك ايدك شوية ومتفكش المبلغ ده كله على اللبس!
وتمتم وهو يراقب طريقة طعامه الراقية:
_أما أنت بني آدم عجيب!
منحه عُمران نظرة ساخرة وقال:
_وهي طريقتك المقززة دي اللي طبيعية يعني؟
أكد له وهو يقرب الطبق إليه بينما يتلقف بالملعقة كمية كبيرة:
_طبيعية أوي يا عم، أنت اللي ابن ذوات خد مني ومتراجعش ورايا.
وضع الملعقة من يده، وقال:
_طيب قوم يلا نروح نـغير الفلوس، ويا ريت تشوف صابر معانا.
سحب المنشفة يجفف يده وهو يخبره:
_هكلمه وأحنا على الطريق يقابلنا في المحل هناك.
حرك رأسه وانتظر حتى خرج فاتبعه للخارج، فإذت بموسى يستدير وهو يتمتم بسخط:
_يادي النيلة، هو يوم مش باينله ملامح.
راقب عُمران ما يقصده بحديثه، فاذا بفتاة تقترب منه وتناديه بضجر:
_يا اسطــا موسى، يا اسطـــــــــــا!!!
ابتسم عُمران وهو يراقب ما يحدث باستمتاعٍ، بينما يدعي موسى انشغاله بمسح السيارة التي تقابله، فمال إليه عمران يسأله بحاجب مرفوع:
_طليقتك؟
أجابه بنبرة شبه مغتاظة:
_لا دي عملي الاسود بعيد عنك وعن السامعين.
وما كاد بالحديث، فاذا بها تقترب إليه وتناديه بغضب:
_لا بقى ده أنت محتاج تكشف على ودانك، كل ما أجيلك أناديلك تعمل أنك أطرش ومش سامع!
القى موسى المنشفة واستدار يهتف بنزق:
_خير يا أبلة، حد من الابلوات اللي معاكي في المدرسة عربيته عطلت ومش لاقيلها بطارية، ولا شوقك هفك لعربية المرحوم؟
عبث عُمران بدهشة من طريقة حوارهما السوقي، بينما تجيبه الفتاة بحدة:
_مش هرد عليك، هو اللي زيك ده يترد عليه بأيه، عمومًا أنا كنت جاية أفكرك إن قمر عندها امتحان بكره عندي، فلو مجتش مذاكرة كويس هاجي بعد بكره أشد في خناقك، ياريت تفوق شوية لبنتك ودروسها بدل طولة لسانك ده!
قضم شفتيه السفليه بغيظ منها، فسحب المفتاح الحديدي المجاور لعمران واتجه إليها، فاذا بقوة خشنة تسحبه للخلف، ليتفاجئ بقبضة يد عمران تعتصر كفه بقوة ألمته وجعلته يصيح بوجعٍ:
_ايدي يا خواجة!
سحب عمران ما بيده ببراعة، وصاح فيه بذهول:
_إنت مش بس بني آدم مقزز إنت طور وطايح ومفيش عندك أدنى رقي بالتعامل مع الجنس الناعم.
وتابع وهو يقف قبالته يمنعه عن صباح التي تشاهد ما يحدث عن كثب:
_هي المرجالة أنك تمد ايدك على البنات يا آآ يا أسطى!
ضحك مستهزءًا:
_وهي دي بنات! دي عقربة بسبع تلسنة.
صاحت فيه صباح بغضب:
_عقربة لما تنهشك حي يا بعيد.
أبعد ذراع عمران وراح يحذرها:
_خديلك راجع عني يا أبلة، هقل بيكِ صدقيني.
وتابع باستنكار:._وبعدين بنتي وأنا حر فيها، مش عايز أعلمها الانجليزي يا ستي أنا حر!!
صاحت فيه متحدية اياه:
_لا مش حر، أنا مربياها معاك وليا فيها زي ما ليك، وبعدين لما أنت مش أد المسؤولية بتتجوز ليه! ويا ريتك عندك ذوق، ده أنت رافع مناخيرك لسابع سما لحد ما ربنا اداك من واسع، و وريتك النجوم في عز الضهر.
ابتسم عُمران بخبث وقد تحلل له غيرتها وحبها الصريح لذاك الأبله، الذي يود أن يبعد ذراعي عُمران عنه ليتمكن منها، بينما يصيح:
_وأنت مالك بيا يا أبله، أن شالله اتجوز ألف، شاغلة بالك بحالي ليه؟
لكمه عمران بقوة أسقطته أرضًا داخل ورشته واتجه يقابل صباح بينما يتابعه موسى بصدمة، وهو يخبرها برزانة:
_انا بعتذر لحضرتك على أسلوبه الفض ده، و اوعدك إن قمر هتيجي بكره مذاكرة كل دروسها أن شاء الله.
منحته ابتسامة هادئة وقالت برقة على غير عادتها:
_مفيش داعي للاعتذار يا آآ... هو حضرتك اسمك أيه وتقرب للاسطا أيه؟
صاح موسى بغضب وهو ينفض ثيابه:
_وإنتِ مالك يا أبلة، هتطلعيله بطاقة؟
تجاهلته عن عمدٍ وقالت:
_أكيد لازم اعرف لان بعد كده التعامل هيكون مع الشخص المحترم ده مش معاك يا دبش.
ابتسم عُمران وقال بخفة:
_انا صديق الدبش ده، وإسمي حاليًا معرفوش بس تقدري تناديلي خواجة زي ما الدبش بيناديلي.
اتجه له موسى يصيح بعنفوان:
_دبش، دبش ما تخف من الفاظ الابلة أم لسان طويل دي!
دفعه للخلف بحركة أضحكت صباح، وقد راق لها رؤية شخص يفوقه قوة وتحكمًا به، بينما يشير لها عمران بتهذبٍ:
_اتفضلي حضرتك عشان متتعطليش وانا على وعدي.
أشارت له بخفة، وقبل أن تصعد للدرج عادت تناديه:
_خواجة.
استدار عُمران لها بتعجب، فقالت وهي تخطف نظرة لموسى الذي يكاد ينصهر من فرط الغضب:
_بلغه أن قمر عندي، لما يخلص ويطلع يرن الجرس وأنا هطلعها ليه.
هز رأسه بينما تغادر للاعلى بخفة، استدار عُمران يقابل ذلك الذي يتطلع له بغضب، فابتسم وهو يسأله بخبث:
_مرتبطة الأبلة دي يا دبش؟
احتقنت معالمه بغضب شديد، بينما يشير للفتى أن يتولى المهام عنه، واتجه يقابله في وقوفه قائلًا بضجر:
_والدبلة اللي في ايدك دي وضعها أيه؟
زوى حاجبيه ببراءة خبيثة:
_مش أنا مسلم، يبقى مثنى وثلاث ورباع!
ربت على كتفه بقوة عنيفة:
_جايز لما ترجعلك الذاكرة تلاقيهم سبعة وينفجروا في وشك إن شاء الله... امشي خلينا نلحق حمص.
ضحك وهو يشير له:
_على حد علمي أنك مش طايقها، بس أنا ليه شامم ريحة شياط، هو إنت بتولع ولا أيه يا أسطى؟
استدار إليه يخبره بسخرية:
_شياط! لاااا آنت فهمت غلط، أنا توبت عن صنف الحريم كله.
استرعى عمران حديثها، فتساءل بجدية:
_هي ليه كانت بتقولك إنك باصص فوق؟!
ابتسم بوجعٍ وهو يخطو جواره حتى يشاركه بالحديث:
_قصدها جوازتي من أم قمر، أصلي اتشديت للعود الأمريكاني، وقولت أجرب حظي، بس طلع فقر بعد كده.
ضيق رماديتاه بضيق:
_مش فاهم كلامك!
قال يوضح له:
_اتجوزت واحدة بنت ذوات، كانت بتعمل عندي عربيتها وعجبتها وعجبتني، زي ما تقول اتشدينا لبعض، هي أول مرة تشوف واحد من الاحياء الشعبية وأنا كذلك، اتشديت ليها وكنت فاكرها حاجة مختلفة عن بنات الحتة، كتبت عليها واتجوزتها، بس بعد كده اكتشفت إني كنت غلط لما قررت أتجوزها.
اهتم عُمران لحديثه، وراح يتساءل:
_ليه؟
توقف عن استكمال طريقه و واجه عمران يجيبه وهو يبتلع غصته:
_حنت لعيشة العز في فيلا أبوها، ومقدرتش تعيش معايا يا خواجة، اتضح إن كلام الحب والغرام اللي كانت بتقوله كان كله متفبرك، وفوق إهانتها ليا كانت بتاخد حبوب لمواخذة لمنع الجمل، بس ربك لما يريد بقى، حملت وكانت عايزة تسقط نفسها عشان خايفة ان الحمل يبوظ جسمها البلاستك، بس على مين حبستها في الشقة لحد ما ولدت غصب عنها وعن شنب ابوها، وبعد كده رميتها زي الكلبة.
واضاف وهو يطالعه بنظرة حزن تظهر لمرتها الاولى:
_كنت فاكر إن غريزة الامومة هتنقح عليها وهتجيلي جري تبوس رجليا عشان تشوف بنتها، معملتهاش ولا مرة، اتجوزت واد من العيال التوتو دول وسافرت معاه دبي، وزي مانت شايف انا بقيت الاب والأم لقمر بنتي.
أدمعت عيني عُمران تأثرًا به، بل صاح له باتسامة جذابة:
_اللي عيشته في حياتك كان مقسوم ومفروض عليك يا موسى، وبالرغم من إنه ممكن يكون جانب اسود من ذكرياتك بس هتلاقي الجانب الأبيض يتلخص في قمر بنتك، وعلى فكرة أنت أب عظيم وأنا باللي سمعته ده زدت فخر واحترام ليك، واحد غيرك كان اتجوز وعاش حياته ولا همه مشاعر بنته، لكن إنت معملتش كده وفضلتها حتى على نفسك، حاربت من وهي في بطن مامتها لحد ما اتولدت للدنيا، أنت كنت محارب وأب يا موسى فأوعى تزعل أبدًا.
رمش بعدم استيعاب لما يستمع إليه، كان يظن ما فعله أمرًا عاديًا، حتى سلط له عمران على الجانب الايجابي بشخصيته المظلمة، بينما يمسد على كتفه وقال يمازحه:
_بس ده مش مبرر يخليك تتدنى في معاملة الستات بالشكل ده، موسى انا قرفت من طريقتك مع المس صباح! حسيت إني شوية وهمد إيدي عليك.
احتقنت معالمه، وقال وهو يتطلع لاصابته:
_ودي هتعملها لوحدك ولا هتشوف حد يساعدك؟
منحه نظرة باردة واستكمل طريقه مبتسمًا بخبث:
_إسأل أمك!
واستدار يسأله باهتمام مضحك:
_قال قولي يا موسى هو إنت الحيلة ولا ماما مخلفة دبش غيرك؟
كبت ضحكاته وقال يجيبه:
_الله يرحمها ملحقتش تجيب غيري، جابتني واتكلت على طول.
ربت على كتفه وهو يهتف:
_ربنا يرحمها ويصبر قلبك، بس خد بالك من لسانك مع المس بعد كده، لتسحبك من لسان أمك ده وتتدفن جنب الحاجة بدري بدري.
توالت ضحكات موسى، وردد بعدم تصديق:
_أنت خواجة من العتبة يالا؟
هز كتفيه في حيرة، وخطى جواره، فقال موسى:
_أنت بني آدم محير، مش راسيلي معاك على بر، بس بنسبة كبيرة انت ابن ذوات، أصلي خبرة بعد معاشرة العقربة اللي اتجوزتها.
ضحك عمران على حديثه، وسأله بسخريةٍ:
_هو إنت كنت مقعدها على السطوح ومنتظر منها إنها تعيش معاك؟ مع إن على ما أسمع إن البيت كله بتاعك؟
هز رأسه نافيًا، وقال يوضح له:
_لا كنت مقعدها في الشقة اللي قاعد فيها صابر دلوقتي مع مراته الحرباية، انا اول ما عرفت هو عايز يتجوز مين اديته مفتاح الشقة وش، وطلعت انا وقمر عيشنا على السطح، حولته لمملكة وبقى احسن ميت مرة من الشقة العكرة دي، تحس إنها اتصممت للافاعي، عقبال ما يغورها هي كمان.
توقف عن الخطى وسأله باسترابة:
_أيه كل الكره ده! شكل الجوازة مش على هواك؟
ضحك وهو يهتف باعجاب:
_انت ذكي اوي على فكرة، بتلقطها وهي طايره، هنكمل كلامنا بعدين، احنا خلاص وصلنا.
راقب عُمران المكان من أمامه بدهشة، واستدار يخبره:
_وصلنا فين؟ دي جزارة يا موسى؟
هز رأسه بخفة، ورفع صوته عاليًا:
_يا حمــــــص، واد يا حمـــــــــص.
زوى حاجبيه بدهشة مما يحدث، بينهما يهسهس:
_حمص!!!!
*******
وقف يتابع العمل في اليوم الأول، بينما يميل بذكرياته لرفيقه، انسحب جمال من اجواء العمل الذي يضج بموقع المصنع، واختار الجلوس بسيارته، قبل ان يرى أحدٌ دمعاته، بينما يميل على دريكسيون السيارة وهو يهمس بانهيار:
_يا رب اجمعني بيه يا رب.
وسحب هاتفه يحرر الاتصال بيوسف وما ان استمع لصوته حتى قال:
_عملت أيه في الموضوع اللي كلمتك عنه امبارح يا يوسف؟
انغمس الحزن بصوت يوسف وهو يجيبه:
_كلمت السمسار وطلبت منه يدور على أرضية بالمساحة اللي إنت عايزها، بس قولي يا جمال، عايزة الارضية دي بالسرعة دي ليه؟ وليه بعت شقتك في زايد؟ انا مش قادر افهمك ولا أفهم دماغك!
رد عليه وهو يزيح دموعه:
_مفيش يا يوسف، انا كده كده مش مستفاد بالشقة بحاجة، صبا قاعدة في الشقة اللي اتجوزنا فيها مع أمي، ومبسوطة فيها، فقولت ملهاش لزمة يعني.
لم يتقبل اجابته، لانها غير منطقية، أو بالمعنى الحرفي أجاب عن نصف سؤاله، فعاد يكرره بشكلٍ آخر:
_طيب عايز الارضية بالمساحة دي كلها ليه؟ جمال خليك صريح معايا وبطل تلف وتدور عليا.
تنهد باستسلامٍ من إخفاء الأمر وقال:
_هعملها مسجد لعمران يا يوسف، إرتحت!
تحشر صوته بالبكاء، حتى أنه لم يستطع الحديث، بل تحررت شهقاته واندمجت معها شهقات بكاء جمال، فاذا بيوسف يردد بصوت مكتوم ببكائه:
_ربنا يجعله في ميزان حسناته وحسناتك يا حبيبي، لو محتاج أي حاجة أنا معايا مبلغ في حسابي هنا في مصر، قولي وهحولك على طول يا جمال.
رد عليه وهو يجاهد الا يبكي:
_المهم بس تكلم السمسار ده، أنا كنت أقدر ألاقي حتة أرض بسهولة بس مشغول جدا في الشغل ومعنديش وقت لذا هعتمد عليك يا يوسف.
اجابه بود:
_متقلقش هزن عليه ليل نهار وقريب هجيبلك منه أخبار تسعد قلبك يا جيمي.
أغلق جمال الهاتف، وقاد سيارته للطريق السريع، حتى توقف أمام نفس الكوبري الغير مكتمل، بنفس ذات المحل الذي فقد فيه رفيق روحه، هبط عن سيارته واتجه يستند على مقدمتها، بينما تجوب عينيه المكان وتطلق دموع دون توقف، بينما يموج الألم بداخله، كالوحش المحتبس داخل قفص من حديد.
*****
ترك المياه تتغلغل داخل خصلات شعره الطويل، يتمنى من داخل قلبه أن تتمكن من اطفاء النيران المشتعلة داخل صدره.
سحب "علي" المنشفة الطويلة، يضعها من حوله، وخرج للجناح يسرع للهاتف الخاص بالغرفة الخاصة به، يحاول أن يمنعه من الرنين حتى لا تنزعج فاطمة التي غفلت للتو من شدة إرهاقها، فلقد فاجأته اليوم بعد أن أراد أن يكون داعمها ومطيب جرحها الذي تسببت به والدته، فاجأته هي وطيبت جرحه بل ولم تبدي أي من حزنها وجعها الشديد لما حدث اليوم، تفهمت كل ما يعاني منه وأرادت الا تثقل من همومه.
رفع علي السماعة، ليتفاجئ بالحارس يخبره:
_دكتور علي، مايا هانم لسه خارجة من شوية مع السواق الخاص بتاعها، وكان معاها شنطة سفر صغيرة.
ضغط على الهاتف بقوة، مال للأمام فجأة، وبصعوبة استحضر صوته:
_اتصل بيه حالًا إساله وصلها فين بالظبط، وابعتلي اللوكيشن.
قالها وأغلق الهاتف، بينما يركض لخزانته، جذب أقرب بنطال وقميص أسود، ثم طرح من فوقه جاكيته، وسحب أغراضه الشخصية بينما يركض لسيارته على الفور.
*******
تركهما بداخل المحل، وخرج على الفور قبل أن يُصاب بذبحة صدرية من الملابس المبالغ بها، خرج صابر يبحث عنه وما ان وجده بالخارج، أشار لموسى فخرج إليه يهتف في حنق:
_ده سادس محل ملابس ندخله وميعجبش جنابك حاجة، لا إنت تحط هنا وتسيبك من رفعة الحاجب دي.
أشار له بضيق شديد:
_أيه الاذواق دي يا بني آدم!! ده أغلب اللبس عليه malabis astrs (استرس ملابس) مبالغ فيه ومتنفعش للرجالة بأي شكل من الأشكال!
ضحك صابر وقال وهو يحاول أن يهدأ موسى:
_طيب بقولك أيه يا موسى، ما ناخده المول الفخم اللي بنجيب منه طقم العيد كل سنة لقمر، كنت لامح هناك كام محل رجالي فيهم لبس كويس.
رد عليه وهو يضع يديه بجيوب سرواله:
_ياض ده مش حاطط هنا هيصرف كل فلوسه على اللبس، وهناك أقل طقم معدي الألفين جنيه.
صاح فيه عُمران بغضب:
_وإنت مال أمك أنت هتدفعلي من جيبك!!! مش كفايا واخدني لواحد شبه رد السجون يغيرلي الفلوس وكمان إسمه حمص!!
انهار صابر، من الضحك، وقال يشاكسه:
_هو فعلا رد سجون بس طيب وقلبه أبيض ، ده حتى هو اللي نقلك معايا من المستشفى على الحي على طول، بس مرضاش ينزلك معايا قالي اتصرف وشوف حد ينزل معاك القتيل ده.
افرجت عينيه عن وميضٍ خطير وهمس بوعيد:
_وماله الجزارة بتاعته قريبة من ورشة موسى، بكره الصبح هروح بنفسي أشكره، لازم واجبه يوصله كامل.
تمتم موسى بانزعاج وهو يحاول أن يوقف سيارة أجرة مجددًا:
_طيب يلا يا عم منك ليه، واد يا صابر نبه عليه ميشتريش غير طقمين اتنين بس، كويس أصلًا إن الواد حمص مكنش معاه يغير الدولارات كلها، مع إني قلقان على ال١٢ ألف اللي معاه، ده مش شايل هم بكرة نهائي.
ضحك عمران وأجابه بمكر:
_ما تقلقش عليا لما فلوسي تخلص هنزل أشتغل معاك في الورشة ياسطى.
استدار تجاهه ومنحه نظرة ساخرة ثم قال:
_هتجر علينا الحتت الناعمة بشكلك ده وأنا مبحبش الصنف الملزق ده، كفايا عليا اصطبحة الأبلة.
وعلى ذكر اسمها راح يهرول من أمامهما:
_انجزوا في يومكم ده، البت وراها امتحان بكره وإنت وعدتها انك هتذاكرلها، مش ناقصة طولة لسانها دي.
ضحك عُمران وصابر، ولحقوا به حتى صعدوا بإحدى سيارات الاجرة، حتى وصلوا للمول التجاري، ولجوا لاحدى المحلات، ولم يتمكن أحدٌ منهما من أن يقنعوه بطقمين من الملابس كالمتفق عليه، بل انتقى عددا من الملابس المريحة، بالرغم من إنهم لم يحوزوا على اعجابه ولكن الذوق كان مختلفا عن المحلات البسيطة بالحي الشعبي، لذا لم يكن أمامه خيارًا آخرًا.
حمل عمران وصابر الأكياس البلاستيكة، وخرجوا من المحل بعد ان أجدى الموظف إعجابه بذوق عمران الراقي باختيار قطع مخالفة للطقم المعلق، فاذا بموسى يجذبه بعنفوان:
_مش الحمد لله اشتريت اللبس اللي كنت عايزه، لسه داخل عند لبس الحريم ليه؟
انخفضت رماديتاه ببطء ليد موسى التي تتمسك بمعصمه، فرفعها عنه بقلق من نظراته الغريبة، بينما يمضي للداخل بصمتٍ، جعل صابر يكاد ينصهر من فرط كبته للضحك، انقلبت الآية على الساحر وتلقن موسى ما يستحقه، بعدما كان يفرد سلطاته على صابر.
تفاجئوا به ينتقي فساتين وملابس بيتية لسن لا يليق الا بقمر ابنة موسى، وخاصة حينما اشترى بعض الالعاب الخاصة بالفتيات، وما أن خرج إليهما حتى وجدهما يتطلعان له بنظرات غامضة، فقال مبتسمًا:
_لا دول مش ليا دول لقمر.
رد عليه موسى بحرج ملموس:
_مالوش داعي يا خواجة، قمر عندها كل حاجة.
رد عليه بثبات:
_ولو عندها الدنيا كلها، مش مسموحلي يعني اجبلها هدية؟
اجابه صابر مبتسمًا:
_قول هدايا مش هدية، بس أنا نفسي معنديش أي مشكلة، شوف الاسطى موسى دماغه تقيلة حبتين.
لكزه موسى بغضب:
_من كتر معاشرتك للحرباية مراتك لسانك بقى بينقط سم، خف شوية من قعدتك معاها، وإبقى روح عند امك شوية يا صابر.
رسالة مبطنة حملها صابر بوضوح، فامتقعت ملامحه بوضوح لعمران الذي احترم خصوصياتهما ولم يرد أن يتعمق فيما بينهما، بل أشار لهما قائلًا بصدق:
_أنا تعبت وحاسس بحرقان في جرح كتفي، يلا نمشي.
سحب صابر عينيه الغاضبة عن موسى بصعوبة وقال:
_عشان مشيت كتير بس، لما هنوصل البيت هغيرلك على الجرح وهتبقى زي الفل بإذن الله.
*****
تفحصت قمر الألعاب والملابس بفرحةٍ، بينما تقفز بالهواء وهي تستعرض الفستان ذو النقوش الهادئة والتصميم الرائع من أمام أبيها وعُمران الذي مدحها:
_أيه الجمال ده كله يا صغنن، قمراية يا قمر.
ضحكت وركضت صوبه تعانق عنقه بيديها، ومالت تطبع على خده قبلة عميقة:
_شكرًا أوي على الهدوم الجميلة والعروسة اللي جبتهالي حلوة أوي أوي يا خواجة.
ابتسم لها وقال:
_فرحان إن الباربي عجبت السينوريتا قمر، ووعد مني المرة الجاية هاخدك معايا تشتري اللعبة اللي على ذوقك أنتِ
ردت عليه بنبرتها الطفولية:
_لا عجبتني اللعبة اللي جبتها.
قاطعهما موسى الجالس على الاريكة المنطوية بغرفته الكبيرة، وقال:
_طيب ادخلي يلا غيري الفستان ليتبهدل، وتعالي بكتبك للخواجة يذاكر لك الله يسترك مش ناقصين مشاكل مع أم لسانين.
هزت رأسها وهرولت للداخل بينما يتابع موسى عمران الذي صمت وشرد بخاتم الزواج الذي يحمله بين إصبعيه، ابتسم وقال:
_لو بتحبك بجد هتستناك.
رفع بصره عن الخاتم وتطلع إليه بنظرة غائمة:
_الله أعلم، جايز اختفائي طول الفترة دي خلاها تفتكر إني ميت مثلًا!
لمس اختناقه الشديد من صوته المتعب، فنطق بمحبة له:
_الحنان اللي لمسته منك على بنتي بياكدلي أنك إنسان حنين وقلبك أبيض، وشكلك كده كمان خبرة، ده إنت لفيت البت لدرجة إنها ممكن تتبرى مني وتمشي معاك في أي سكة، حتى الابلة ام لسانين سحبت دبشها وطلعت من سكات، فمتقلقش هتلاقيها مستنياك بصبر كبير، ولو جالها فعلا خبر وفاتك هتفضل مخلصة ليك لحد ما ربنا ينفخ في صورتك والذاكرة ترجعلك.
تلاشت ابتسامته حينما استمع لصوت شجار يأتي من الاسفل، فتساءل عمران باستغراب:
_أيه الأصوات دي؟
زم شفتيه ساخطًا ونهض يحمل وسادة واحدى الاغطية قائلًا:
_متاخدش في بالك.
وخرج من الغرفة، يضع الوسادة والغطاء على إحدى الآرائك الخارجية، فخرج له عمران يخبره:
_ده صوت صابر!! باين بيتخانق مع حد.
هز رأسه وأكد له:
_متقلقش شوية وهتلاقيه طالع، أنا حضرتله المُوكنة بتاعته أهي، كل مرة يتخانق مع مرتاته بيجيب بعضه ويطلع يلقف الكنبة في حضنه وينام.
رمش بعدم استيعاب لما قال، وهدر:
_مرتاته!!! ليه هو متجوز كام واحدة؟؟؟؟؟
ضحك وهو يشير له:
_اتنين بعد عنك، واحدة زي النسمة وواحدة حرباية اللي سكنتها في شقة العقارب أنت نسيت ولا أيه؟؟؟!
وأضاف بجدية تامة:
_انا مكنتش باخد منه ايجار الشقة اللي فيها أمه ومراته الاولى بس لما اتجوز الحرباية دي باخد منه إيجار الشقة مضاعف، عشان يتراجع عن اللي في دماغه ويطلق العقربة دي، ولما بدبح كل عيد بطلع لأمه كيلو لحمة ومراته التانية دي مبدهاش ولا حتة، ودوس على كده إشارات عشان يفهم ويطلقها بس للاسف لسه صامد.
صعق مما استمع إليه، وما كاد بالحديث حتى وجد صابر يطل من امامه بوجه ممتعض، ويتجه للاريكة يفرد غطائها وهو يدمدم بكلماتٍ على ما بدى إنه كان يلوم ذاته لما وضع به نفسه.
ربت موسى على كتفه وقال:
_سيبك منه مش هيتكلم مع حد غير بكره الصبح هيكون روق ومزاجه بقى عنب، ادخل راجع للبت لغة الخواجات دي، واجتهد معاها عشان ترحمني من أم لسانين.
خرج عن صمته أخيرًا:
_هو إنت مش عايز تريح نفسك ليه وتصارحها أنك أمي مالكش في القراية ولا الكتابة؟
برق في حدة وصاح:
_على جثتي إن الابلة دي تشمت فيا، على أخر الزمن أم لسانين تمسكلي زلة!
وإذا بها تطل من أمامه، فارتعب واختبئ خلف عُمران الذي كاد أن يضحك لولا أن لمح دموعها المنهمرة على وجهها، وصراخها المستنجد به:
_إلحقني يا أسطى موسى، ماما تعبانه أوي ومش لاقية صابر تحت.
نهض صابر عن الاريكة وهرع إليها متسائلًا:
_خير يا ابلة صباح، مالها الحاجة؟
ردت ببكاء وهي تحاول أن تهدأ من روعها:
_معرفش تعبانه ووشها أصفر، ومش قادرة تاخد نفسها، بالله عليك تشوف حمص نوديها المستشفى.
ركض للاسفل وهو يخبرها:
_هناديله وانتي جهزيها بسرعة.
تحرك موسى وعمران برفقتها للاسفل، يعاونوها بحمل المرأة للسيارة، التي قادها بهم حمص للمستشفى، والتي اقرت بأنها من الضروري السفر بها لمشفى بالقاهرة متخصص بالغسيل الكلوي، فلم يكن أمامهم أي خيارات أخرى الا بالسفر، ومع رفض حمص بالذهاب للقاهرة لانشغاله بالعمل، سلم مفتاح السيارة لموسى، فقادها ولجواره عمران الذي أصر بالذهاب رفقة موسى، وكانت قمر تجلس بالخلف جوار صباح و والدتها، بينما بقى صابر لعمله الحكومي الصباحي.
******
بحثت عينيه عنها من بين زحام المسافرين بالمطار، وبعد معاناة وجدها تجلس على احدى المقاعد المعدنية، تضم بطنها المنتفخ بيدها، وعينيها يملأها البكاء والحسرة، كان يعلم بأن حالتها ستزداد سوءًا بعدما استمعت لحديث والدته، ولكنه لم يتخيل أنها ستفر هاربة وهي بتلك الحالة.
تمهل بخطاه إليها، حتى جاورها بجلستها، لثانِ مرة يبدو عاجزًا عن إيجاد الكلمات المناسبة، استدار يطالعها بنظرةٍ مشفقة، وقال بنبرة سكنها الألم كسهم يمزق وريده:
_قدرتي تعمليها يا مايا!
استدارت إليه ولم تبدو أنها متفاجئة بوجوده، بل سددت أكثر من شرارة كادت بأن تحرقه بمحله، قبل أن تصيح بصوتها المبحوح:
_إنت إزاي تديها الفرصة إنها تقولك كده؟ أنا ولأول مرة بستحقرك يا علي!
أغلق عينيه يعتصرهما وجعًا، وبصعوبة ازدرد حديثه:
_مايا أنا مش هدافع عن نفسي، أنا أكتر واحد موجوع وعايش معاكم جسم من غير روح، روحي دفنوها مع عُمران.
وتابع وهو يتطلع لها بعينين غائرتان بالدموع:
_انا موفقتهاش ولا عمري هوافق فريدة هانم بقرارها ده، مش لانك بنت خالتي وأختي ، لإنك كنتِ ومازالتِ مرات أخويا اللي مقدرش في يوم أرفع عيني ليها، إنتِ محرمة عليا من اللحظة اللي أتكتب فيها اسمك جنب اسم عُمران، وكلامي مش هيفرق سواء كان حي أو ميت!
مجرد سماعها لتلك الكلمة صرخت بوجهه كالبركان:
_عُمران ممتش عُمران عايــــش، وهيرجع.
وتابعت ببكاءٍ جعل الجميع يلتفون من حولهما للاستكشاف عن أمرهما المشكوك به:
_وأول ما هيرجع هقوله على قرار فريدة هانم بجوازي منك يا علي، هيأخدلي حقي منها ومنك إنت كمان.
نهض عن المقعد يدنو إليها بقلقٍ من أن تسوء حالتها:
_طيب ممكن تهدي ونخرج نشرب حاجه، أنا موفقتهاش ومستحيل أوافق على قرارها ده يا مايا انا بحاول أهديها حالتها صعبة ولو عرفت بهروبك هتتعب أكتر، أرجوكِ ترجعي معايا وأنا أوعدك إنك مش هتسمعي منها الكلام ده تاني أبدًا.
تراجعت خطوتين للخلف وهدرت بعنف:
_مش هرجع معاك يا علي، أنا هسافر تركيا عند بابا، ومفيش حاجه هترجعني عن قراري.
كان يود أن يخبرها بما فعله والدها، ود لو أن يخبرها ان ما وصلوا إليه الآن كان بسببه هو، اقترب منها علي بحذر، وقال يكسب عاطفتها:
_مايا قرارك ده حكم بالموت على فريدة هانم، اللي في بطنك اللي مصبرها على فقدان عُمران، أرجوكِ متعمليش فيها كده، هي متستحقش منك ده.
وأضاف برجاءٍ طفيف:
_متقسيش عليها بالشكل ده، دي مهما كان هي اللي ربيتك.
صاحت بعنفوانٍ:
_هي اللي ابتدت بالقسوة لما طلبت منك تعمل ده، مستكترة عليا الانتظار، مستكترة عليا أستناه!! عُمران هيرجع سامع يا علــــــي، عُمران راجعلي ومش هيتخلى عني ولا عن ابنه!
تهاوت دموعه الآن وباتت واضحة، ذاك القوي فقد حصون ثباته واحدًا تلو الاخر، وبحزنه العميق همس:
_دي دعوتي الوحيدة كل صلاة، إنه يكون حي ويرجع، الايام بتعدي عليا زي السكينه التالمة اللي بتنازع في قطع رقبتي، لا منها بتديني الخلاص ولا الرأفة بحالي، مفيش حاجة بالكون كله ممكن تهون عليا بعده، ده ابني اللي مخلفتهوش يا مايا.
قال كلماته الاخيرة وتحرك كالصنم المختزل، يلقي جسده المشلول على المقعد المعدني من جديد، يخفي وجهه خلف كفيه، ويترك العنان لدموعه، ومن بعد المسافات تطالعه مايا بصدمة وألمًا، وببطءٍ تحركت إليه، تجاور محل جلوسه، وتوزع نظراته إليه وإلى موضع قلبها النابض.
رفعت مايا يدها على ذراعه، ورددت برعشة صوتها المذبوح:
_عُمران عايش يا علي، والله العظيم عايش!
وتابعت بشهقات اختزلت دموعها:
_بس أنا خايفة يتأخر وميلحقش ولادة إبنه! تفتكر ممكن يتخلى عني في وقت زي ده؟
وبنظرة رجاءًا قالت:
_ممكن تكون إنت وفاطيما جانبي لحد ما يرجع؟
استدار لها وقال بصوته المبحوح:
_قولتلك قبل كده أن أخوكِ وجنبك في كل وقت هتحتاجيني بيه.
سقطت دمعاتها بالرغم من أنها تبتسم له الإن، ورددت:
_طيب ليه فريدة هانم عايزة تسحب الحق ده مني يا علي، انا اترعبت من كلامها وخوفت من علاقتي بيك، أنا مش شايفاك غير أخويا الكبير، والملجأ ليا ولعمران ولكل فرد في العيلة لأي مشكلة تقابلنا، ليه فريدة هانم عايزة تعمل فيا كده؟
تنهد وهو يسحب أكبر قدر متمكن من الهواء، بينما يميل لها وهو يخبرها:
_غصب عنها، انجبرت تعمل كده عشان توقف باباكِ عن اللي في دماغه.
رمشت بعدم استيعاب وقد عاد لها كلمة التهديدات التي نطقتها فريدة مسبقًا، فسألته بفضول:
_توقفه عن أيه بالظبط يا علي؟؟؟
راقب انفعالاتها جيدًا بعيني طبيب، وحينما درس حالتها قال:
_مايا عثمان باشا مش في تركيا، موجود في مصر، من وقت حادث عمران، ومصمم إنه بعد ولادتك يجوزك في اقرب وقت، عشان كده فريدة هانم فكرت في جوازنا بعد ولادتك على طول، عشان تحميكي منه.
انقبض قلبها في هلعٍ، بل وتحلت بالصمت لدقائق تستعيد تفكيرها بحديثه، ثم عادت تتطلع له ببسمة ألم:
_موجود هنا في مصر! ده أنا مشوفتوش ولا مرة، مفكرش يجيني ويكون جنبي في الظروف اللي بمر بيها، وكمان عايز يجوزني مرة واحدة!!! ويا ترى هيبعني المرادي لمين؟ رجل أعمال ولا مهندس بيشتغل في المعمار وهيخدم مصالحه زي ما كان بيستغل عمران؟
وهزت رأسها في سخط:
_لا وأنا اللي كنت هسافر ليه؟
خشي علي عليها، فردد بصوته الرخيم:
_مش هيقدر يعمل كده، أنا حذرته قبل كده وهو تجاهل تحذيراتي، دلوقتي هيشوف بعينه نتيجة استهتاره بيا وباللي أقدر أعمله.
رفعت عينيها إليه ومازالت يدها تضم بطنها بخوفٍ:
_أنا خايفة يأذي اللي في بطني عشان يجبرني على اللي عايزه يا علي.
احتبس غضبه الجحيمي، وقال بحنان يحاول سحبها خارج دائرتها السوداء:
_ده على جثتي، مش هيلحق يفكر أساسًا، الله يعينه على اللي مستانيه مني.
وأشار لها وهو يستقيم بوقفته:
_يلا قومي نرجع قبل ما حد من القصر يحس بحاجة.
رفعت حقيبة يدها على كتفها واتبعته للخارج، وقفت تراقبه وهو يضع حقائبها بسيارته، وفتح لها الباب، وزعت نظراتها بينه وبين السيارة ثم قالت برجاء:
_علي أنا مش عايزة أرجع القصر، لو ممكن توديني الكمبوند بتاع أنكل أحمد، انا هرتاح هناك أكتر، أنا مش حابة الجناح، عمران مقضاش فيه ولا ليلة واحدة، أنا هناك هكون مرتاحة، وخصوصًا بعد مشكلتي مع فريدة هانم...
كاد بأن يتحدث، ولكنها استوقفته قائلة:
_عشان خاطري يا علي، ومتقلقش مش ههرب تاني، أنا مبقاش ليا حد غيركم أساسًا.
رد عليها مبتسمًا:
_لا مش هتعرفي تهربي، لإني انا وفاطمة هنعيش معاكي هناك، ولو عايزة فاطمة بس أنا معنديش مشكلة أتأقلم مع معاناتي ضد فريدة هانم وقرارها المفاجئ ده.
ردت عليه في حبور:
_لا طبعًا هفرح لو كلكم جيتوا معايا.
زوى حاجبيه بسخرية:
_مش من شوية كنتِ بتستحقريني ومن شوية قبلها كنتِ بتقوليلي إبعد عني ومتظهرش قدامي تاني!! إمشيها هرمونات ولا شمس أختي الصغيرة لما بتغلط؟
أخفضت عينيها أرضًا في حرج وقالت:
_لا هرمونات أيه بقى أنا على وش ولادة، مشيها اختك وغلطت يا دكتور.
ابتسم في محبة وقال:
_مشيتها خلاص يا بشمهندسة.
ضحكت وصعدت برفقته، بينما يخطو لمقعده وهو يبتسم في راحة من أنه قد تمكن الآن من حل تلك العقبة التي واجهته ببراعته كطبيب، لا ينكر بأن خبرته بالتعامل لطالما كانت ومازالت تجدي نفعًا وتحرز نجاحًا باهرًا.
*******
مرت الساعات واشرقت شمس يوم جديد، ربما سيحمل ذرة أمل بأن اللقاء بين الأحبة قد اقترب، أما علي فقد اصطحب زوجته وزوجة أخيه بسيارته بعد ان تجهزت فاطمة وعلي بالحقائب الخاصة بهما ليتجه علي بهما للكمبوند وفي طريقها أصر عليهما أن يتجهوا لإحد المطاعم بالطريق.
جلس الثلاثة يتناولون الطعام على الطاولة الداخلية للمطعم، حيث كان التوقيت لا يتخطى التاسعة صباحًا، أشار لهما علي بتحذير:
_على فكرة مش هنتنقل من هنا غير لما الأكل ده كله يخلص سمعتم!
تطلعت كلتاهما للاخرى بيأس، فابتسم بانتصار حينما بدأوا بتناول الطعام.
انتشلت مايا منديلًا ورقيًا تجفف به يدها، وقالت وهي تنهض عن المقعد:
_هروح اغسل وأعدل الحجاب قبل ما نتحرك.
واستدارت لفاطمة تسألها:
_هتيجي معايا يا فاطمة؟
قالت وهي ترتشف كوب القهوة:
_هشربها وهحصلك على طول.
أومأت لها واتجهت للحمامات المنحازة على طرفي المطعم الكبير، وحينما كانت تمر للداخل فإذا بها تتوقف عن خطاها، كالصنم المتحجر، لم يتحرك أي طرف منها الا عينيها التي تلصصت لذلك الغريب، على بعد مسافة ليست بقليلة ولا كبيرة عنها، كان يرتدي كاب أسود ولكن ملامح وجهه محفورة داخل أعماقها، رأته يحمل أكياس الطعام، وبرفقته امرأة تساعده على حمل ما بيديه، وجوارها فتاة صغيرة تحمل أكياس الحلوى، وتترقب ما يقدمه لها.
ظنت أنها تتوهم، عساه رجلًا وزوجته وابنته، طمست مايا عينيها عدة مرات وتمعنت فيه مجددًا، فاذا بدموعها تنهمر كالشلال، وكل الرجاء كان لعقلها ان يمنحها الاشارة ليتحرك جسدها المشلول، ولكنه كان متخشب محله.
لسانها بات ثقيلًا، ولكن حروفه بارزة:
_عُـ مـران!!!
وجدته يغادر المطعم ويتجه بالصغيرة والمرأة الشابة التي برفقته لاحدى السيارات، أطلقت لساقيها العنان، وركضت وهي تصرخ ببكاء:
_عُمــــــــــــــرااااان!!!
كادت أن ترطمها سيارة أتية بسرعة الرياح، فإذا بيد تنتشلها عنها، وتحذرها بصرامة:
_مينفعش كده يا مدام بصي قدامك وإنتي معدية الطريق، خافي على اللي في بطنك على الاقل!!
ولم يكن سوى موسى الذي عنفها، بينما هي تتطلع لذلك الذي يوليها ظهره، على مسافة كبيرة منها، تركها موسى واتجه للسيارة يصفق كفًا بالآخر وهو يردد:
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم!
بينما يصعد للسيارة جوار من صعد إليها بمقعد السائق، ليتمكن موسى من ان يستريح قليلًا بعد سفرهم الليلي حتى المشفى والإن وبعد أن تلقت والدة صباح الرعاية الكاملة، يستعدون للرحيل.
دنت مايا من السيارة ولم يقابلها الا ظهر السيارة، ركضت لتتمكن من الوصول للمقدمة، لتتمكن من التأكد من شكوكها، وقبل أن تصل لها تحركت السيارة وغادرت من أمامها بينما تصرخ مايا بجنون:
_عمـــــــــــــــران!
هرع علي إليها بعد أن أخبره النادل بما يحدث بالخارج، عاونها على الوقوف وهو يصرخ بها:
_مايا أيه اللي بتعمليه ده؟
أشارت باصبعها المرتعش على السيارة، ورددت بحروف متقطعة قبل أن تسقط فاقدة للوعي بين ذراعيه:
_عمران يا علي!
........ يتبع...............
*****____*******
رواية صرخات انثى الفصل التاسع والتسعون 99 - بقلم ايه محمد رفعت
طرق على باب الغرفة، قبل أن يدلف للداخل بهيبته الحاضرة، يتجه بخطوات مسموعة للفراش الذي يتوسده "آدهم"، خطف المقعد المجاور له ولازم صمته، حتى حرك آدهم رأسه الموضوع من فوق عينيه الشاش ومن فوقها قناع بلاستيكي صغير «Eye Shield» تجاه الحركة الخافتة جواره، ظن بأن آيوب قد صعد من الكافتريا بالقهوة والطعام، ولكنه التقط كل خبرة الاسطورة، وابتسم مرددًا:
_ باشا؟
وضع ساقًا فوق الآخرى واستند على كفه يراقبه ببرود لحق نبرته:
_ كنت فاكر أنك لما تنجح تخبي عن عيلتك كلهم هتقدر كمان تخبي عن القائد بتاعك!
رفع جسده للاعلى، وحاول الاعتدال بجلسته أكثر:
_ الموضوع بسيط ومش مستاهل أن حضرتك تيجيلي بنفسك والله، دكتور عمر قالي إن العملية مش هتتخطى الساعة والنص، وفعلًا ٤٠ دقيقة وخرجت، وبعدها بتلات ساعات بدأت البشاير.
غير الجوكر محل جلوسه، وجلس يجاوره، ثم مد يده يتفحص الشاش الابيض باستغراب:
_ عمر قالي إن العملية نجحت، بس أنت لسه لابس القناع ده ليه؟
أجابه وهو يحاول الوصول لمحل جلوسه:
_ امبارح لما شالوا الشاش حسيت بنور قوي، مقدرتش أتحمله، فالدكتور عمر قالي هفضل بالشاش ده لحد النهاردة بليل، وبعد كده هيتشال على مراحل لحد ما يطمن إن العين رجعت لطبيعيتها.
هز رأسه وهو يتساءل بمكر:
_ يعني التعافي الكلي في أد أيه؟
أجابه وقد لمس فيه رائحة الخبث:
_ خلال أسبوعين.
اتسعت ابتسامته خبثًا، ومال إليه يخبره:
_ المهمة اللي عندي مش هتستناك للمدة دي، أنا هتكلم مع عمر بنفسي وهظبط معاه الامور.
_ مهمة أيه؟
سؤال تلقائي، فضولي خرج بلهفة منه، فابتعد عن محله وإتجه ليميل جوار محل جلوسه، يهمس له:
_ من اللحظة اللي هترجع فيها طبيعي هينكشف أمري ليك، فقولت اختصر على نفسي وعليك المسافات وأوكلك بالمهمة الخطيرة دي.
حديثه كان غير مفهوم، لطالما كان لغزًا متحركا، يصعب على أي شخص أن يحل عقدته، درس مراد اندهاشه، وقد وصل الفضول لمحله فقال وهو يدور حول الفراش، حتى وصل للشرفة، يزيح الستار عن النافذة، ووقف يراقب أحد رجاله وهو يقوم بتعطيل آيوب باستعلامه عن عنوان معين، ليمنح لهما الوقت للحديث بسرية تامة، فقال ويده موضوعة بجيب بنطاله:
_ إنت عرفت إن زوجة دكتور علي كانت بتباشر شغلها على نفس مشروع عمران، والجديد إن صاحبه جمال نزل الموقع وبدأ شغل بالفعل.
وأضاف وقد استدار له في التو:
_ وده خلى الكلاب تخرج من جحرهم وعايزين يكرروا اللي عملوه مرة تانية، يتخلصوا منها ومنه ومن أي حد هيستكمل اللي بدأه عمران، ويمكن نجاح خطتهم الاولى وإشاعة وفاة عمران خلاهم يتحركوا بعشوائية وبدون ما ياخدوا احتياطاتهم، تقدر تقول وقعوا ورا الاشاعة اللي سبكناها زي ما توقعنا بالظبط.
حاول آدهم النهوض عن الفراش، بينما يهتف بصدمة:
_ إشاعة!!!
وصل بالفعل لمحل وقوف الجوكر، وقد تسارعت أنفاسه الحادة:
_ لما كنت في مكتب حضرتك، قولتلي إنك لسه بتدور ورا الموضوع وهتبلغني أول ما هتوصل لمعلومات تخص عمران؟!!
ابتسم وهو يراقب ملامحه المنفعلة، وقال مدعيًا براءته التامة:
_ أنا!!! حصل امته ده يا آدهم؟ وبعدين هو إنت بتيجي الجهاز عندنا وإنت في حالتك دي؟
سيطر على انفعالاته بصعوبة بالغة، واتجه حتى بات يقابل محل وقوفه، وبهدوء زائف قال:
_ أنا لما كنت براجع السيناريو كله، وقفت عند مكالمتك ليا يوم حادثة عمران، وده معناها إنك كنت على علم بكل اللي بيحصل، مهو مش معقول علي يبلغك قبلها بساعات بسيطة وفريقك بيوصل للمكان بالسرعة دي، باشا إنت مخبي أيه؟
نزع يده من جيبه، وقال بخبث داهي:
_ آدهم عيب تكلم القائد بتاعك بالنبرة دي، أنا مش حاوي يعني!!
تخلى آدهم عن نطاق صبره الطفيف، وقال برجاءٍ ملموس:
_ مراد باشا، عمران عايش؟
سحب نفسًا طويلًا واستدار يتمتم بحزمٍ:
_ فك الشاش ده وتعالى بكره استلم مهمتك يا سيادة المقدم.
قبض بقبضته على حواف المقعد المقابل له، حتى كاد أن يدميه بين ذراعيه، رق له الجوكر وابتسم بمكر:
_ مش حابب تعرف تفاصيل المهمة طيب؟
حبس غيظه الشديد وقال يجيبه:
_ مش هتفرق، بما إن العملية نجحت هستلم من حضرتك الملف وهبدأ اشتغل على طول، وأنا بنفسي هعرف الاجابة على سؤالي ده.
تأمله مراد قليلًا وبثباتٍ رزين قال:
_ الفريق لما إتحرك عشان يقدموا الدعم لعمران وصاحبه فعلا ملحقهوش، وزي ما قولتلك بالظبط، احتمال وقوعه بالمية عايش بيقطع الشك إنه ميت، بس اللي انا خبيته عنك هو أني بالفعل أتاكدت من المستشفى اللي هو موجود فيها، وامنتله حماية من بعيد لبعيد، لحد ما أقدر أمسك الكلاب دول، اصرارهم رهيب بايقاف المشاريع اللي عمران وفريقه شغال عليهم، بس المرادي هنقدر نوقعهم.
غزت الكلمات عقله الذكي الذي تعطل فجأة عن استيعاب مغزاه، فتساءل بشكل مباشر:
_ يعني عمران عايـــــــش!
رد عليه بابتسامة صغيرة:
_ عايش ومع واحد من رجالتنا بيشتغل في المستشفى اللي كان فيها، وحاليًا عايش معاه في بيته، الخلاصة إنه تحت عنينا يا آدهم، لازم تسافر واستنى إشارة مني بعد ما تتمم مهمتك، محتاجك تأمنله الحماية اللازمة وترجع بيه للقاهرة، بعد ما تنفذ مهمتك وتقضي عليهم.
سقط المقعد الذي يستند على حافته ارضًا بينما يحاول نزع الشاش عن وجهه ليتمكن من رؤيته، فاذا بمراد يندفع إليه ويصيح فيه:
_ أيه اللي بتعمله ده، إنت فقدت عقلك ولا أيه؟
هدر بانفعالٍ جنوني:
_ جبت القسوة دي منين يا باشا؟؟ كنت حاضر وشايف بنفسك علي وهو بيموت قدامك، لما عرفت الاخبار دي كلها مبلغتوش ليه؟
أسنده مراد للفراش وقال بهدوءٍ يمتص من خلفه غضبه:
_ أنا هراعي الحالة اللي إنت فيها كويس يا آدهم، بس خد بالك إنك أكتر شخص مينفعش يتكلم بالنبرة دي، مسامحتي ليك لإني اتعرضت لنفس الموقف اللي إنت بتمر بيه دلوقتي، ووقتها وقفت في وش رحيم عشانك، بس أنا عارف إنه قراره صح زي ما أنت عارف إن اللي انا عملته ده هو الصح.
وأضاف بصوتٍ جهوري صارم:
_ أولًا أنا مكنش ينفع أجازف وأعرض حياة عمران للخطر وهو أساسًا مكنش تخطاها لسه، ثانيًا ودي الاهم مكنش ينفع أوجع علي مرتين، لأن بمجرد ما هيتعرف إنه لسه حي هيحاولوا يتخلصوا منه تاني، وتالت وعاشر وإنت عارف كويس إنهم مش أشخاص عاديين، باللي انا عملته ده خليتهم يفقدوا الامل أن المشاريع هتقف، باستمرار فاطمة زوجة علي وجمال صاحب عمران، ومع أول حركة هتيجي منهم هيتكشف قدامنا مين من رجال الاعمال اللي بيساعدوهم في مخططاتهم القذرة دي جوه مصر، الموضوع مطلعش يخص عمران بس، في أكتر من رجل أعمال مصري اتقتل بنفس الطريقة.
عبثت معالم وجه آدهم بحيرة، وردد بعدم تصديق:
_ معقول عمران يعمل كده، يبعد عن علي وعن مراته وأهله ويقبل يعيشهم بالعذاب ده؟
ابتسامة حزينة تشكلت على وجه الجوكر، بينما يصدمه مرة أخرى:
_ مش بإرادته إنه يبعد، مجبور... عمران فقد الذاكرة بعد الحادثة اللي إتعرض ليها يا آدهم!
قاد فترة من الوقت، وهو يهاجم ذاك الوجع الخافت بمنتصف صدره، ثمة شيئًا يئن داخله، لدرجة جعلته يتوقف بالسيارة فجأة، فاذا بموسى يتمسك بكفه وهو يسأله بقلقٍ:
_ خواجـــــة مالـك!!!
وأتاه صوت صباح هي الاخرى تتساءل بقلقٍ:
_ خد إديله يشرب يا اسطى موسى.
تناول منها الزجاجة وقربها إليه، فتجرع المياه ومال على مقبض السيارة يهمس:
_ مش عارف مالي، قلبي بينبض بسرعة غريبة وحاسس إن مخنوق ومش قادر أخد نفسي.
فك موسى حزام السيارة عنه، وظن ما به لجهد ما تعرض له:
_ ما أنا قولتلك بلاش تسوق إنت لسه تعبان وإنت اللي اصريت.
فتح باب السيارة ومضى إليه، يساعده بالهبوط عن السيارة، ونقله لمقعده بحرصٍ، بينما يعود للقيادة، وبعد دقائق سأله بريبةٍ من صمته الغريب:
_ أحسن دلوقتي، ولا ألف وأرجع المستشفى اللي كنا فيها؟
وضع يده فوق رأسه وردد له:
_ لا مش مستاهلة أنا كويس، كمل طريقك.
استكمل القيادة، وعينيه تختطف نظرات للمرآة الامامية، حتى قبضت عليها عيني صباح، فسألها ليخفي حرجه:
_ الحاجة بقت أحسن دلوقتي يا أبلة؟
هزت رأسها بامتنان:
_ الحمد لله اتحسنت بعد الجلسة اللي عملتها، معلش يا أسطى موسى عطلتك إنت والخواجة معايا.
ارتسمت بسمة هادئة على وجهه الرجولي، بينما يجيبها:
_ مفيش المجاملات دي بينا يا أبلة، الحاجة في مقام أمي الله يرحمها، ربنا يقومهالك بالسلامة يا رب.
التفت لها يتفحص ابنته، ومال يتابع القيادة بفرحة زارته فور أن رأها تغفو بين ذراعيها:
_ ما تصحيها لتتعب رجلك يا أبلة، الطريق لسه طويل!
استحضرها نعومة بصوتها تجهلها هي:
_ هي مش تقيلة للدرجادي، اطمن أنا مرتاحة.
حانت من عُمران ابتسامة صغيرة، وقد أيقن أن شرارة الحب الأولى قد اندلعت بينهما، بينما استمر الحديث يقودهما بينما تغفو والدتها وابنته ويدعي عُمران هو الآخر استكانته، ومازال ذراعه موضوع على عينيه.
تهافت الحديث بينهما من كل صوب، حتى قص لها موسى بإيجازٍ عن الموقف الذي استرعاه حينما كان يشتري المياه والمناديل الورقية:
_ لما رجعت ملقتكوش، والحاجة قالتلي ان الخواجة نزل معاكم تشتروا أكل، يدوب بلف ورايا لقيت واحدة ست حامل ماشية على الرصيف تايهة خالص، لدرجة إن كان في اتوبيس كان هيشيلها من على الرصيف، لولا إني شدتها، معرفش كان مالها، مساهمه قدامها ومش فايقة لأي حاجة بتحصل حوليها.
أبعد عمران يده عن جبينه وقد إزداد فجأة وجع قلبه، بينما ردت صباح بحزن:
_ لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، يمكن شافت حاجة فزعتها، أو جالها خبر وفاة حد من أهلها وهي على الطريق، متعلمش.
حرك كتفيه بعدم علمه الصريح:
_ معرفش، بس لمحت شاب وبنت بيجروا عليها، ممكن يكون ده جوزها وقفشته بيخونها، حكم الناس العلوي دول بيغيروا الحريم زي الجزم لمواخذة.
انتهى الحديث بينهما، بينما مازال عالق داخل عُمران، لا يعلم ما الذي يصيبه بالتحديد، ما له بقصة تلك الفتاة التي قصها موسى وحدثت بالصدفة الباحتة.
انخفضت رماديتاه لدبلته، ولا يعلم لما اعتصر اصبعه بين يديه كأنه يضم صاحبة الخاتم باحتواء، مال للنافذة وقد ازدادت العتمة القاحلة داخله.
ترك سيارته مصفوفة بالاسفل باهمال، وإتجه للمقعد الخلفي حيث تحتضن زوجته مايا، وتبكي متأثرة بحالها، التقفها منها بينما تصرخ فيه فاطمة:
_ مش عارفة تأخد نفسها، بسرعة يا علي.
حملها منها وهرول بيها لداخل المركز الطبي الخاص به، فهرولت إليه الممرضات بالسرير المتحرك، وضعها علي وصاح بتوتر:
_ دكتور يوسف فين؟؟
قالت آحداهم:
_ الاستقبال اتصلوا بيه وبلغوه.
وقد أتاهم يوسف راكضًا، يعين حالة مايا بنظرة مروعة:
_ مالها يا علي، حصل أيه تاني؟!
لم يتمكن من الحديث، لقد غادرت عنه الكلمات وتركته وحيدًا، نظرة خاطفة من "يوسف" إليه، جعلته يشعر بحجم ما يعيشه، فالتقط منه السرير ودفعه برفقة الممرضات داخل باب العمليات المفتوح، ومال يهمس له:
_ طالما مفيش نزيف، اطمن.
وتركه يميل على المقاعد المجاورة لغرف العمليات بانهاكٍ شديد، توقفت "فاطمة" على بعدٍ منه، تضم الحائط وتخفي وجهها الباكي من خلفه، لم ترغب في رؤية زوجها بتلك الحالة، احتبست شهقاتها قدر ما تمكنت وانهارت دون أن يصل صوتها إليه.
شعرت بكفه الدافئ يلامس كتفها، فراقبت المقعد حيثما كان يجلس، فوجدته فارغا، استدارت خلفها فاذا به من يشد من مسكتها، بكت وعينيها تشكو إليه وجعها العميق عليه، ورددت بصوتٍ مبحوح:
_ أنا عاجزة ومش قادرة أهون عليك كل اللي بيحصل ده، حقك عليا يا علي.
وضع يده خلف رأسها، وجذبها إليه، بينما يحيط بذراعه الاخر خصرها، يرفعها عن الأرض ويميل هو على كتفها كأنما هو من بحاجة لضمتها وليس العكس.
تراجع بخطاه للخلف ومازال يحملها ويضمها بعاطفته، تراجع حتى اختبئ بها بزواية معتمة بجانب الطرقة، بعيدًا عن الآعين التي قد تلمح طرفًا صغيرًا من رفعة فستانها الأسود، زوجته الحبيبة مازالت ترتدي الاسود حزنًا على أخيه!
مزق لحظات الصمت بينهما، بصوته المبحوح:
_ خليكِ جنبي ومعايا، وأنا مستعد أتحمل ضعف الوجع اللي بعيشه يا فاطمة.
مال ليتركها تلامس بقدميها الأرضية الرخامية البيضاء، بينما مازالت يديه تحتضن وجهها، مالت "فاطمة" تطبع قبلة عميقة على باطن كفه، ورددت بعشقٍ لم يصل له أحدٌ من قبل:
_ سلامة قلبك من كل وجع، أنا عارفة أن كل اللي بيحصلك ده من كتر حب ربنا سبحانه وتعالى ليك.
وتابعت وهي ترسم ابتسامة تغاير دموعها المنسدلة كالشلال:
_ وأمنيتي الوحيدة إنك تكون زوج ليا في الآخرة زي ما كنت ونعم الزوج ليا في الدنيا يا علي.
فاجأته بمدى حبها الشديد له، لدرجة تخلت عنه كلمات الغزل في غرامها، بينما يلتفت لنظراتها الغاضبة وإذا بها تدفع يديه عن وجهها قائلة بغيرة:
_ أنت أكيد هتفرح بالحور العين وهتفكك مني، أنا بدعي ربنا يجمعني بيك وإنت مش هيبقى همك غير الحور العين!
ضحك رغمًا عنه، واتبعها، فوجدها تجلس على المقعد القريب من غرفة العمليات، ترمقه بضيق، جاور جلستها وقال ضاحكًا:
_ طيب بالنسبة لتضحيتك العظيمة بتاعت امبارح، مش كنتِ عايزة تضحي بيا وتجوزيني مايا؟
اشارت باصبعها تحذره:
_ ده في سبيل حمايتها وحماية ابنها، بس بصراحه اتصنت عليك وإنت بتتكلم في الموبيل امبارح بليل، وفرحت جدًا لما عرفت إنك بتدور على أدلة ضد باباها، اتصدمت لما عرفت انه شغله مش نضيف.
ورفعت عينيها إليه تخبره باعجاب:
_ مطلعتش سهل يا علي، عايز تحبس الراجل!!
تأهبت رماديتاه بغضب استحضره مجرد التفكير بما فعله هذا المقيت، فهدر بخشونة:
_ هدفعه تمن اللعب مع حد من جوه عيلة الغرباوي، هو السبب في الحالة اللي وصلتلها مايا، بسبب خناقتها مع فريدة اتوهمت إنها شافت عمران قدامها.
تلاشت ابتسامتها فور أن تذكرت الحالة التي باتت عليها "مايا" فجاة:
_ طيب مش ممكن تكون شافته فعلًا يا علي؟
حرر الهواء العالق برئتيه وقال بألم:
_ أنا شوفت الشاب اللي كانت واقفة معاه، وفاكره إنه عمران، هو اللي شدها من قدام العربية ووقف اتكلم معاها.
واستدار إليها يتعمق بعينيها:
_ أنا حاسس إنه عايش يا فاطمة، بس زي ما ماما قالت مستحيل يكون عايش ويقبل يسيبنا في الحالة دي!
أردات الا تزيد من وجعه، ولكن رغمًا عنها قالت وقد تركت العنان لدموعها وحزنها المركون:
_ أنا عمري ما عرفت يعني أيه أخ الا لما كان جنبي، عيشت حياة غريبة، محستش فيها بذرة حنية مرة من أخ من اخواتي، عُمران كان بيأكدلي كل مرة إنه كان الرزق والعوض عن قسوة اخواتي التلاتة، خوفه عليا واحترامه الكبير ليا حسسني إن مش بس أنت اللي ادتني الاحترام اللي اتجردت منه يا علي، هو كمان ساهم في جزء كبير من علاجي، فمش سهل عليا إنه فجأة كده يختفي، أنا ممكن اكون اتغيرت وبقيت أقوى من الأول، بس من وقت ما اختفى من الشركة ومن كل مكان وأنا حاسة بوجع مش قادرة اوصفهولك، عشان كده بديكم كلكم أكتر من عذر على الحالة اللي وصلتوا ليها.
ورفعت عينيها الباكية إليه، تشكو له ذاتها وهي تجفف دموعها في طرف حجابها :
_ أنا أسفة بزيد عليك أنا كمان يا علي.
فرق ذراعيه فمالت إليه، ربت على رأسها بخفة وعينيه يتقطر منها الدمع، دقائق وخرج يوسف، فتركها واتجه إليه يسأله في لهفة:
_ طمني يا يوسف.
ربت على كتفه وهو ينزع نظارته:
_ الحمد لله ده اغماء بسيط، حالتها وحالة البيبي مستقرة جدًا، هتخرج حالًا لاوضة عادية، هتعلق المحلول ده وتقدروا تمشوا على طول.
واتجه ليغادر وهو يشير لعلي:
_ تعالى معايا يا علي، عايزك.
ترك زوجته واتجه خلفه يتبعه إلى المكتب، وما أن جلس قبالته حتى قال باسترابة:
_ لما حاولت أفوقها كانت بتقول إنها شافت عمران!!!
تنهد بوجعٍ، وقال:
_ اعتقد إنها اتوهمت ده، بسبب مشكلة بسيطة حصلت بينها وبين فريدة هانم، لكن أنا شوفت الشاب اللي كانت واقفة بتتكلم معاه، مكنش هو يا يوسف.
تهدلت معالمه بحزنٍ شديد وهمس بخفوت:
_ لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم!
_ يعني أيه عايز تخرج؟ آدهم متهرجش الدكتور بيقول مينفعش تخرج الا بكره الصبح، عشان عينك!
قالها آيوب بغضب شديد من أخيه الذي ما لبث الا يومه الثاني بالمشفى الخاص ويريد الآن الخروج، اغلق جفنيه نصفه في محاولةٍ لمواجهة الضوء القوي، حتى يتمكن من رؤية حذائه، ولكنه لم يحتمل فاغلقهما سريعًا.
انحنى آيوب يجذب الحذاء ويعاونه بارتدائه، بينما يهتف آدهم بثبات:
_ هو قال إن بالكام ساعة دول النور اللي ضارب عيني ده هيبدأ يهدأ واحدة واحدة مع العلاج والتعليمات اللي قالها، فأنا هلتزم باللي قاله وهلبس النضارة.
انتصب آيوب قبالته وقال بضيق:
_ مفيش فايدة فيك يا آدهم، دماغك ناشف وعنيد.
استقام بوقفته هو الآخر وأمسك يده:
_ خرجني بس من هنا، ويا ريت توديني بيت البشمهندس جمال، محتاج أشوفه وحالًا.
تعجب من مطلبه الغريب، وهتف مستنكرًا:
_ اشمعنا!!
زفر بنفاذ صبر:
_ وبعدين معاك بقى يا آيوب، انجز مفيش معايا وقت.
استند على كتفه، وما كاد بالتوجه لباب الغرفة، حتى وجد "عمر" بوجهه، يحمل كيسًا بلاستيكًا ممتلئا بالأدوية، ويبتسم لهما ببسمته الجذابة، تنحنح آيوب ومال لأخيه يهمس له:
_ أهو الدكتور قفشنا وإحنا بنهرب، عاجبك إنت وضعنا كده!!
تعالت ضحكات عمر، واقترب منهما يهدر بابتسامته التي زادت من وسامته:
_ ميهمكش يا بشمهندس آيوب، أنا واخد على كده، ما قولتلك عندي نسخة زي اخوك الكبير في البيت.
وتابع وهو يمد يده بالادوية له:
_ وعشان عارف إنه هيعمل كده جبتلكم الادوية بنفسي، وقولت اطمن آيوب لان الباشا مش هيفرقله صحته زي النسخة اللي عندنا في البيت، فتأكد أن ظباط الداخلية والمخابرات معندهمش قلب ولا اهتمام بحجم اصابتهم، من الآخر طول ما أنت بره المجالين دول فانت عندك قلب.
تنحنح آدهم بحرجٍ، وقال يخفي فعلته:
_ هو مش حضرتك أكدتلي إن العملية نجحت، يبقى أيه لزمة قعدتي هنا.
مازحه مدعيًا جديته:
_ آه ده انت لحقت تزهق مني بقى، طيب مش تستنى لبكره عشان تشوف شكلي على الأقل!!
قاطعه بابتسامة جذابة:
_ بالعكس ده أنا متحمس أشوفك يا دكتور عمر، اول ما الرؤية توضح عندي هاجي بنفسي ازورك في مكتبك.
كان من دواعي شرفه التعرف على ضابط بشهامة عمر الرشيدي، وهو يعلم كل العلم بذلك الامر، قدم عمر الدواء إلى آيوب وقال:
_ غلبتني بذوقك يا حضرة الظابط، وعمومًا بنجاح العملية وبعد ما تأخد الدوا ده هتبتدي تشوف وشوش مبهمة بالاول، وتميز ملامح قريبة، خطوط خفيفة، وطبعًا لازم راحة تامة و ممنوع أي إجهاد بصري أو بدني وده إعتبرني مقولتوش لانك مش هتعمل بيه.
ضحك آيوب ونطق باستهزاء:
_ ده مخالف من تاني يوم سعاتك!
أكد له عمر ضاحكًا:
_ لولا تشديداتي عليه كان عمل العملية إمبارح ومشى على طول.
صافحه آدهم بحرارة وشكره بامتنان:
_ شكرًا على تعبك معايا يا دكتور، وأوعدك إن هيكون لينا لقاء قريب بإذن الله.
قالها وانصرف برفقة أخيه على الفور، مغادرًا للمشفى الخاص بـ"عمر الجارحي" ومتجهًا لمنزل "جمال" ليبدأ بتنفيذ أول خطوات مهمته للقضاء على شبكة الخنازير المتفرعة داخل رجال الأعمال.
رسم حياة متكاملة تعوضه عن فراق تلك الليالي التي قضاها بعيدًا عنها، ولكنه اكتشف إنه مجرد عالم افتراضي، سقط من فوقه فجأة، الحياة أصبحت سوادوية من حوله، لا تزهر فيها أزهار الحب النابتة في الصبى ولا تزورها قطرة مياه واحدة تمنح الأمل للحديقة الجرداء!
كان يتمنى أن ينال وصالها، يود أن يسحق ذكرياتها مع هذا اللعين، يوصمها بعشقٍ يجعلها لا ترى في دفتر ذكرياتها سواه هو!
ولكنها خذلته بما تفعله وتختبره به حتى تلك اللحظة!
أغلق "يونس" الدفتر من امامه، ونهض يتجه كالصاروخ المتحرر، فلحق به "إيثان" يناديه باستغراب:
_ على فين يا يونس؟!!
تجاهله ومضى لعمارة الشيخ مهران، كان يود الصعود للأعلى، ولكنه توقف فجأة حينما انفتح باب شقة عمه، وخرجت له "سدن" تناديه بارتباكٍ:
_ استني يونس أنا عاوزك في هاجه (حاجة).
تمرن بالالتحاق بالصبر، قبل أن يستدير إليها، فاذا بها تعقد حجابها جيدًا وتتجه إليه قائلة:
_ أنتِ راجعة من شغل بدري ليه؟
تعجب من تدخلها بما يخص مواعيده، ومع ذلك قال:
_ عادي يعني هو معاد حكومي ولا أيه يا سدن؟!
ابتلعت ريقها بتوترٍ شديد، جعل يونس يتابعها باهتمام:
_ هو في حاجة ولا أيه؟ مالك وشك مخضوض كده ليه؟
راقبت الدرج بخوفٍ، ثم بدأت تستدعي دمعات زائفة وهي تشكو له:
_ آه في وكتير كمان، أنا عاوز يروح المسجد ويخلي الشيخ يفسخ عقد جواز بتاعي من آيوب، أنا مش عاوز يكمل معاه.
صعق مما استمع إليه، فهبط الدرجتين الفاصلتين بينهما، ووقف على بعد مسافة منها:
_ بعيدًا إن المسجد مالوش دخل في حوارات الطلاق دي، بس أيه اللي وصلك للقرار المصيري ده؟!!!
استدارت توليه ظهرها وهي تعض اصبعها بينما تتمتم بالانجليزية:
_ ماذا سأفعل الآن حتى لا ينكشف أمر تلك الحمقاء؟؟ يا الله ماذا سأفعل؟؟
وصرحت لذاتها بابتسامة واسعة:
_ كذبة بيضاء من أجل إنقاذ زواج هذا المتهور، عزيزتي سدن لا بأس، فقط استرخي وإنطلقي!!
ارتاب يونس من أمرها، فخطى إليها بشكٍ:
_ هو الموضوع محتاج للتفكير ده كله، عمل أيه يا سدن قوليلي وأنا أخلي الشيخ مهران يقيم عليه الحد!!
التفتت إليه تدعي بكائها بصوتٍ مرتفع وبدون أن تسقط منها قطرة مياه واحدة:
_ آيوب بتخوني، مش بترجع البيت خالص، أنا حاسس إنه مش عادت بيحبني، ولا مهتمه بحفظي ولا بيا يا يونس، دي بقالها يومين مش بتديني الـــ الايه؟!!!
ولطمت جبينها بينما تجاهد لتذكر صيغة الجملة، فمنع ضحكته بصعوبة وهو يساعدها:
_ المصروف؟
هزت رأسها واستمرت بالشكوى بينما من يقف خلفها يكاد أن يصاب بذبحة صدرية من كثرة كذب زوجته، لدرجة جعلته يلعن الساعة التي أصر فيها على أخيه أن يننظره بالاسفل لحين أن يبدل ملابسه التي بقى بها ليومين متتاليين برفقته بالمشفى قبل الذهاب برفقته إلى جمال.
تابعت سدن وهي تشهد يونس على أخيه الاصغر:
_ يرضيكي يونس أقولها خديني معاكِ اتعرف على باباك وعلى أختها قصدي أخوه ده الظابط المصري اللي أنقذنا من عمي الحقير بس مرضتش تأخد سدن تعرفها عليهم ولا على شمس!! يرضيكي يونس.
حك يونس لحيته المنمقة وتمتم بسخط:
_ لا ميرضنيش ولا يرضي حد لغة المؤنث المهينة دي!
واستعد ليخمد نيرانها، في عزيمة الحديث عن قصة حب آيوب العتيقة، في سبيل إنقاذ زيجته، وقبل ان يقدم على العمل البطولي هذا تفاجئ بمن يجذب سدن من تلباب فستانها، ويحركها كزجاجة مياه سقطت تتدحرج أرضًا:
_ بقى أنا حارمك ماديًا وعاطفيًا؟؟ أنا كل الاشياء البشعة دي؟؟ ده أنا صفارة قلبي كانت هتقف من كتر كدبك، بتشتغليه بالزور عني!! بتكدبي يا سدن؟؟!! عايزة تدخلي النار!
تعلقت بحجابها وهي تكاد أن تموت من صدمتها، حاول يونس إبعاده عنها وهو يصيح بغضب:
_ إنت هتمد إيدك عليها ولا أيه؟؟ شكلك محتاج إعادة تربية يابن الشيخ مهران، ولعلمك بقى انا مصدقها بعد مسكة المجرمين دي!
كادت ان تلطم على وجهها من صدمة ما أوقعت ذاتها به، بينما يدفع آيوب ذراع يونس وهو يحذره:
_ متتدخلش إنت يا يونس لما أشوف الهانم حكايتها أيه؟
مالت تتعلق برقبته وهي تهمس له برجاء مستغلة قربها الشديد إليه:
_ اهدي آيوب أنا إشتغل يونس، والله انا اشتغل يونس، كدبة بيضة مش سودة، مش هروح النار متقلقيش عليا!!
تبلدت يده عليها ومازال يتطلع ليونس بصدمة، زادت من فضوله لمعرفة ماذا تهمس له سدن، بينما الاخيرة تستغل فرصتها للرمق الاخير وتعود لاخباره:
_ يونس راجعه بدري من الشغل وخديجا مشى من وراه مشوار سر، لو يونس عرف هتقبض روح خديجا وهيروح يتحاسب عن جريمتها، حرام إديه فرصة يتوب انا بحب خديجا، بليز آيوب help me!
تحررت يديه عنها وتراجع يتابعها بنظرات مصدومة، مندهش من طريقة حوارها أو ربما تفكيرها، هو لا يعلم ماذا اصابه بالتحديد؟!
اندفع إليه يُونس يسانده من الخلف، ويتفحصه بريبة:
_ قالتلك أيه جابت بيه أجلك كده، صارحني أنا أخوك!
خطف نظرة إليه ثم عاد يتطلع لزوجته التي تشير بيدها وهي تنطق دون صوت:
_ ساعديني آيوب بليز، يونس هتقتل خديجــــــا.
وكانت تشير بكفها على رقبتها، دلالة على قطعه لرقبتها، وكأن أخيه بات سفاح المعادي!!!
ارتاب يونس لامر آيوب المقلق، فناداه بريبة:
_ مالك يا آيوب؟ لو حاسس بحالة إغماء اخدك وأجري بيك قبل ما تقضي عليك!
خطف نظرة لاخيه وعاد يتطلع للفراغ، فلمح طيف خديجة مختبئة بالطابق السفلي بملابس الخروج، وعلى ما يبدو أنها عادت للتو، وصعقت بعودة زوجها باكرًا من عمله.
تشبث آيوب بكف يونس، وردد له:
_ اسندني لأوضتي يا يونس، حاسس إني مخنوق ومش قادر اخد نفسي من كتر الكدب والخداع اللي بيتم ده.
إنصاع له وهو يدعمه كليًا ويتجه به لغرفته، بينما تهرول خديجة راكضة للاعلى، فتوعدت لها سدن قائلة:
_ آخر مرة خديجا، آيوب هتقبض روحي انا مش إنتِ.
أشارت لها وهي تتخطى الطابق العلوي:
_ بعدين نتكلم يا سدن، سبيني اغير هدومي قبل ما أقفش!.
زوت حاجبيها بعدم فهم:
_ أيه تتقفشي دي مش فاهم حاجه؟
أشارت لها بعدم مبالاة وهرولت للاعلى، بينما تعود سدن للداخل حيث تجد يونس يقدم المياه وكوبا من العصير لآيوب الذي يسدد لها نظرة قاتلة، بينما تشير له بعلامة لايك أن الامر قد تم، وقد نجحت خديجة بالفرار.
ترك آيوب الكوب وابتسم لاخيه قائلًا:
_ خلاص بقيت أحسن يا حبيبي، يلا اطلع ريح شوية وفكك من سدن، دي بتهزر معاك.
رسمت ابتسامة بلهاء وقالت تؤكد له:
_ آه يونس أنا كنت أضحك معاك، مش انتوا قولوا على الكدب الأبيض هزار!
عبث بمقلتيه بصدمة:
_ ايه؟!
سحب آيوب وجهه إليه:
_ فكك منها واطلع شقتك يا يونس، أنا كده كده قايم أغير هدومي ونازل على طول، آدهم مستنيني تحت في عربيته، رايحين مشوار على السريع كده.
حرك رأسه له وقال وهو يميل اليه:
_ خدها تتعرف على مراته وعلى باباك الجديد بدل ما المرة الجاية تتبلى عليك وتفضحك في الحارة كلها يابن الشيخ مهران!
ضحك رغمًا عنه حينما تذكر حديثها:
_ عنيا هاخدها حاضر.
ضحك يونس هو الآخر وتركهما وغادر، وما أن استمع آيوب لغلق باب الشقة الخارجي حتى هرع إليها، فركضت للردهة وهي تصرخ:
_ حاچا رقيا الحقينـــــــــي!
أصبح الآن قبالة الطاولة، بينما هي تحاول الجري من الجانبين، وهو يصيح بعصبية:
_ هو أنا مش منبه عليكي متقفيش مع يونس ولا مع ايثان قبل كده؟؟؟؟!
هزت رأسها بتأكيد وقالت:
_ مضطر أنا مضطر آيوب!
كاد بأن يصعد لها من فوق طاولة السفرة:
_ مضطرة لأيه ولا أيه؟؟؟ ده أنتِ نزلتي بمجلد كدب ميمحهوش حسنات الدنيا كلها، وكل ده لايه عشان تداري على جريمة أبشع!!!!!
وصعد بالفعل فوق الطاولة، في محاولة للامساك بها، فجذبها من حجابها وهو يصيح:
_ تعالـــــــــــي!
انتزعت عنها الحجاب وتركته عالقًا بين يده، وهرولت بخصلاتها الصفراء المسترسلة خلف ظهرها بحريةٍ، تعلقت عينيه بها كالمسحور، ولم يرى سوى سحرها الذي بات مهلكًا إليه، بينما تدور حول الطاولة وهي تخبره بخوف:
_ خديجا محتاج للدكتور النفسية بتاعه، وخايف يقول ليونس لانها مش هتفهمها آيوب، انا عاوز ساعد خديجا لحد ما تبقى كويس.
آين أيوب؟!! يقف مشدوهًا وحجابها بين يده، يطالعها بمكرٍ ودهاء، فزفر وهي يتمتم:
_ لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، كده تخليني أظلمك؟ طيب كان ليه من الأول يا بنت الحلال، كنتِ قولتيلي كده وانا أكيد كنت هكون متفاهم بإذن الله.
اتسعت ابتسامتها وقالت:
_ بجد آيوب، يعني انتي مش زعلانة من سدن؟
ابتسم ابتسامة سحرتها، ولعب على وترها:
_ ومين يقدر يزعل من أم كدب أبيض وقلب أبيض منه، أنا بحبك يا سو!
سد حديثه كل فجواتها، بل وتركته يقترب حتى بات قبالتها، كان يعقد عزيمته أن يأدبها على مساعدتها لخطيئة خديجة فيما تفعله، ولكنه انصهر أمام ابتسامتها ونظرتها الناطقة بعشقها الصريح إليه.
ضم وجهها بين كفه، بينما يتعمق بعينيها، فرددت بحب:
_ أنا كمان بحبك آيوب، وعاوز فرح كبير أوي، عشان أطبخ ليكِ فوق زي خديجا ما بيعمل.
مال يضحك على حديثها وقال بتلاعبٍ:
_ ده أقصى طموحاتك في الجواز يعني؟!
هزت رأسها بكل تأكيد، وقالت:
_ إنتي محترمة آيوب، ومش زي الشباب الوحشين دول، صح؟
تعالت ضحكاته دون توقف، بينما يجاهد للحديث:
_ لا مهو أنا مش هغض بصري ٢٤ سنة عشان تبقى دي نهايتي كمان، مهو أنا بشر طبيعي، وإنتِ ذنبي الوحيد اللي هشيله في دنيتي بس الأجمل إنه ذنب حلال لإنك حلالي يا سدن!
تاهت في سحر حديثه وشاركته عاطفته، حتى أتاهما صوت ذكوري صارم:
_ بتهبب أيه يابن الشيخ مهران!!!! يا بشمهندس يا محترم!
جحظت فيروزته في صدمة حينما وجد أبيه يقف قبالته ولجواره آدهم الذي صعد برفقته بعد اصراره على الصعود، اختبأت سدن خلف آيوب وهي تتعلق بملابسه، بينما هو يوزع نظراته بين أبيه والحجاب الذي يحمله، وبين طاولة السفرة التي يسقط عنها مقاعدها في منظر لا يوحي الا بما يبتعد عنه كليًا.
ابتلع ريقه بارتباكٍ ونطق:
_ لا الموضوع فيه لبس يا حاج، ده ده آآ... ده آه كنا بندور على فردة الحلق بتاعت سدن، وللاسف ملقنهاش.
طلت من فوق كتفه تخبره:
_ إنتي بتكدبي ليه آيوب، إنتي عاوز تخشي النار!!!
هز الشيخ رأسه في ضيق، وقال برزانة:
_ ادخلي جوه انتي يا حبيبتي، وسبيلي البشمهندس المحترم عاوزه في كلمتين.
واستدار يشير لادهم الذي يسيطر على ضحكاته بصعوبة بالغة:
_ اتفضل يابني، بيتك ومطرحك، معلش ابني معندوش ذوق، سايبك في الشارع وطالع يتصرمح هنا!
أشار آيوب بحرج:
_ محصلش الكلام ده يا آدهم، أنا غرضي شريف والله، منك لله يا يونس!!
صاح الشيخ منفعلًا:
_ اخرس بقولك.
عادت له سدن تجذب ما بيده قائلة بحدة:
_ سيب حجابي أوعي!
والتقطته وولجت للداخل في صمتٍ كان مهيبًا، قاتلًا لادهم الذي احمر وجهه من فرط ضحكه المكبوت، راقبه آيوب بحرج، واتجه لغرفته يستبدل ثيابه ثم خرج يشير له:
_ يلا يا آدهم عشان منتاخرش.
شيعه الشيخ بنظرة ساخرة:
_ لا وأنت تبارك الله دقيق أوي في مواعيدك!
تنحنح بحرج مما حدث، وأجلى حنجرته بخشونة:
_ آدهم يلا!!
نهض وهو يستأذن باحترام:
_ عن إذن حضرتك يا عم الشيخ.
ربت على يده بحب وقال:
_ اذنك معاك يا حبيبي.
أمسك آيوب يده وارشده للخروج، ولكنه توقف حينما ناداه والده بصرامه:
_ آيـــــــــــوب.
استدار له بارتباكٍ، فاذا به يشير على السفرة بعنفوان:
_ رتب اللي بهدلته ده قبل ما تتحرك، مش ناقص مشاكل مع الحاجة بسبب لعب العيال ده!
أومأ برأسه وانحنى يعيد ترتيب المقاعد بينما يزجره أبيه بنظرات قاتلة، جعلته يود الهروب في الحال، وحينما انتهى قال:
_ روقت البيت كله يا حاج، أتكل على الله أنا؟
أشار بسخط وقال:
_ اتكل والافضل تبات مع أخوك النهاردة، لسه خارج من العمليات وعايزك في حضنه.
حك رقبته بحيرة:
_ بتطردني يا شيخ مهران؟
رد بسخرية:
_ لا بحمي بنتي من تصرفاتك الغير لائقة!
انفجر آدهم ضاحكًا وهو لا يستوعب ما يحدث هنا، فاتجه له آيوب وسحب كفه:
_ المسرحية خلصت خلاص، اتفضل خلينا نخلع قبل ما يخليني أخد الصالة فومين بالفتالة.
مال آدهم يهمس له:
_ مش لايق عليك الانحراف يا شيخ آيوب!
لكزه بغضب:
_ بتتماكر عليا يا آدهم، انزل بدل ما أسيبك على سلم العمارة وأخلع.
نزل برفقته وقال:
_ وعلى أيه الطيب أحسن.
وصل معه للسيارة، عاونه على الصعود وما كاد بالتوجه لمقعد السائق، حتى تفاجئ بفارس يركض تجاهه:
_ آيـــــــوب.
حمله بين ذراعيه بحب وهو ينثر وجهه بالقبلات:
_ أبو الفوارس، جاي منين؟
رد عليه الصغير:
_ كنت بلعب..
وتعلق برقبته وهو يترجاه:
_ إنت رايح فين خدني معاك.
رد عليه بهدوء:
_ مش هينفع يا حبيبي، أنا خارج مع عمو آدهم وراجع تاني متقلقش.
فتح آدهم النافذ ومال يخبره بابتسامته الجذبة:
_ هاته معانا يا آيوب، طلبات فارس باشا أوامر علينا.
هز رأسه وجذب هاتفه يتمتم:
_ طيب هقول ليونس الاول!
الثانية عشر ليلًا.
كان يجلس "علي" جوار "آدهم" على متن الطائرة المتجهة إلى سوهاج، كان يقرأ الكتاب الذي بحوزته بينما يدعي آدهم نومه المستريح على المقعد المجاور له، وجل ما يجول خاطره لحظة اللقاء بين علي وعُمران، لحظة من المؤكد بأنه يُصعب نسيانها، وخاصة وهو يعلم بعمق العلاقة بينهما، هما ليس أخ وشقيقه، بل علاقة يصعب وصفه وكتابتها بين السطور، ولنترك ملاحمة اللقاء بينهما تسجل ما سيشهده بذاته!
هرعت راكضة تجاه مكتب "يوسف"، اقتحمته لأول مرة دون أن تطرق حتى على بابه، ترك" علي" كوب قهوته، ونهض يسرع لزوجته التي يتصبب وجهها بالعرق، وملامح الرعب والفزع تشكلان على معالمها بوضوحٍ، ونطقها لحروف شاحبة كحال وجهها:
_ علـــــــــــــي.
أسرع يساندها إليه وهو يسألها بقلقٍ:
_ في أيه؟؟
رددت بتلعثم بحروف كلماتها:
_ والد مايا دخل علينا أوضتها ومصمم ياخدها بالغصب.
احتقنت أوردة علي غضبًا، فترك يوسف يهرول من خلفه في محاولة لفهم ما يحدث، وانطلق كالشرارة المشتعلة تجاه غرفة زوجة أخيه، بينما جمعت فاطمة مفتاح سيارة علي وهاتفه ومتعلقاته الشخصية من على مكتب يوسف ثم لحقت بهما.
جذب معصمها بكل قوته غير عابئ بنزيف يدها من إبرة الكانيولا المندسة بعروقها:
_ هتمشي معايا وحالًا، أنا كنت غلطان لما وافقتك على الجوازة دي من الأول، وأهو غار في ستين داهية، هتتجوزي اللي انا عايزه مهما كان التمن سامعة يا مايــــا.
حاولت ميسان أن تدفعه عنها بكل قوة، بينما تصرخ فيه بانهيار:
_ على جثتي سامع، بكره عُمران هيرجع وهيعرف إزاي يعاقبك على اللي بتعمله ده، خوفك منه وهو موجود هيبقى مضاعف لما يرجع ويقف في وشك.
ضحك مستهزءًا:
_ هي دي لعبة فريدة هانم الجديدة عشان تثبتك جنبها؟ وهمتك ان ابنها لسه حي وراجع يكمل قصة عشقه وغرامه معاكي!!
وأضاف بحقد جعلها تكرهه أضعافًا:
_ أمال لو مكنش مرافق عليكي البنت الخواجاية الزبالة دي كنتِ عملتي أيه عشانه؟
تطلعت لوجهه بكره ومازالت تتشبث بالعمود المعدني المعلق عليه المحلول:
_ أنت إزاي بالحقارة دي! معقول طمعك في السلطة والنفوذ يوصلك للمرحلة دي!! عايز تقتل بنتك الوحيدة بالحيا عشان تقوي من نفوذك!
وأضافت وهي تستند على العمود لتنهض عن الفراش أمامه:
_ يا ريتك انت اللي كنت ميت ومامي كانت هي اللي عايشة معايا دلوقتي، كانت هتعوضني عن طمعك وجشعك.
رفع كفه الغليظ بغضبٍ ليصفعها بقوةٍ، وجدت قوة معاكسة تكور كفه بين لائحته فبات صوت طقطقة عظامه مسموعة لرجاله الذين أُحيطوا برجال أمن المركز، ويقفون يتأملون يد سيدهم وهي تتهشم عظامها بين يد "علي" الذي يرمقه بحدة وبدون أن يرمش له جفن.
أحاط مايا شعور الأمان فور أن حال علي بينها وبين أبيها، فاستندت على العمود المعدني حتى جلست على الفراش تضم بطنها في خوف وتراقب ما سيفعله علي بتوترٍ.
صعق "عثمان" وهو يرى أن من يقف أمامه هو الدكتور "علي"، أخر ما توقعه، حرر علي كف يده وقال بعنفوان خشن:
_ هو إنت كنت فاكر أني في وقت يسمحلي أهزر معاك! فاستهزأت بتهديداتي ليك ولا أنت فاضي وحابب تشوف اللي أقدر أعمله عملي؟
فرك عثمان يده ومال يخطف نظرة لرجاله الذين باتوا تحت عهدة رجال الأمن، ثم تطلع لعلي وقال:
_ اسمع يا دكتور علي، أنا طول عمري بحبك وبحترمك، فمن فضلك حافظ على علاقتنا المتحضرة وسيبني اخد بنتي وأمشي بهدوء.
ضم علي شفتيه وبدى كأنه يفكر فيما يقول:
_ أممم... بنتك!!!... آه إنت تقصد مايا الغرباوي؟؟؟ حرم عُمران سالم الغرباوي!! طيب ما تراجع نفسك في نطق اسمها كده، وتحاول تفوق من وهمك، مايا الغرباوي، يعني بحسبتها البسيطة تبع عيلتنا متنطبقش ليك يا عثمان باشا..
وتابع وهو ينحني بقامته الطويلة إليه:
_ أنا بنصحك تزور دكتور نفسي، اعصابك مشدودة بعد اختفاء عُمران، حزنك عليه باين جدًا ومحتاج لعلاج نفسي.
وأضاف وهو يتطلع ليوسف المصعوق من مراقبة نسخة علي المخيفة:
_ والله لولا انشغالي في ادارة المركز مع دكتور يوسف شريكي كنت عالجتك بنفسي، بس للأسف معنديش لا القدرة ولا نفسية تأهلني أعالج جنانك ده يا باشا.
تشربت بشرته نيران مستعارة من حديث علي، وصاح فيه:
_ علي متنساش نفسك، فوق لكلامك لتندم!
ضحك بصوتٍ مسموع وقال:
_ الندم ده تأجله ليك، هيكون عندك وقت طويل في التخشيبة تراجع فيه نفسك وتندم براحة راحتك.
ابتلع عثمان ريقه بصدمة مما استمع إليه، بينما قطعت فاطمة الصفوف وقدمت لعلي الهاتف ببسمة ثقة غامزة له:
_ في رسالة مهمة ليك يا علي.
جذب الهاتف ببسمة جذابة، وقد علم من اشارتها أنه قد وصل المطلوب، عبث بالهاتف واتجه لعثمان يضع يده حول كتفه والجميع يراقبون ما يحدث بينما يقرب علي الشاشة لعين عثمان المصعوقة:
_ أيه رأيك بالفيلم القصير ده يا عثمان باشا، عايزك تتفرج كده بهدوء وتسترخي لاستقبال الصدمات، لإن للاسف جهاز تنظيم ضربات القلب عطلان، مش كده ولا أيه يا دكتور يوسف؟
كبت يوسف ضحكاته وأمأ برأسه، بينما ينصعق عثمان من رؤية وثائق لعملياته المشبوهة، وأخرى المتعلقة بغسيل الاموال، كاد أن يصاب بذبحة صدرية، فنزع جرفاته وهو يشير لعلي بانكسار:
_ إنت عايز أيه يا دكتور علي؟
أعاد الهاتف لجيب سرواله ببطءٍ شديد، وخطى بالغرفة ببطءٍ أشد، حتى وصل لرجال الامن فسحب السلاح من يده وأخذ يتطلع له كأنه يتأمل سلاحًا ناريًا للمرة الاولى، بينما بالخلف يبتلع عثمان ريقه الهادر في هلعٍ:
_ والله ده يتوقف على اللي إنت عايزه يا باشا، يعني لو رحلت بمنتهى الهدوء من مصر كلها وقتها أنا هحتفظ بملفك الاسود ده بمنتهى الهدوء بردو، لكن لو ناوي على الشر فأوعى عقلك يصورلك إن الدكتور علي الغرباوي هيهتم بكل تاريخه ويتنازل عن مرات أخوه وابنه بمنتهى السهولة.
واستدار يسلط السلاح بين منتصف جبهته بقوة:
_ أنا ممكن أفرغ رصاص المسدس ده كله في رأسك ومش هأخد فيك ساعة واحدة حبس، داخلي بشوية بلطجية لحد مكاني وبتحاول تتعدى عليا وعلى أهل بيتي، وعندي ألف مين هيشاهد على الكلام ده، أو ممكن السيناريو التاني يعجبك اكتر، حاولت تتخلص مني عشان الادلة اللي تثبت نشاطك الوسـ* فسبقتك انا ودفعت عن نفسي بمنتهى الشجاعة، ها أيه رأيك أنفع!!
سحبت الدماء عن اوردته حتى كاد بالسقوط الإن في الحال، بينما يستكمل علي ببسمة شامتة:
_ هو أنت نسيت باب الخروج منين ولا أيه يا عثمان باشا تحب أساعدك؟!!
قالها ومد السلاح لفرد الأمن، فالتقطه منه واعاده للحزام الجلدي، بينما يتجه علي إليه، يسانده ويخطو جواره للخارج حتى وصل به للسيارات الخارجية، فهمس له وهو يرسم ابتسامة باردة:
_ وإنت بتشتكيلي من تصرفات عُمران معاك بالفترة الاخيرة وأنا كنت بحاول أهديك نسيت أقولك إنه تربية ايدي!! مع السلامة يا باشا.
قالها ودفعه لمقعد السيارة التي يفتح بابها احد رجاله، فسقط كالبرميل المثقوب داخلها، وأخر ما يراه هو نظرات عيني علي التي كادت بقتله في محله بالتو والحال.
انتهى "عُمران" من الدراسة لقمر، التي استوعبت ما قاله بسبب حبها الشديد إليه، غفت على ذراعيه فمسد على شعرها بحنان..
بينما وقف موسى قبالة صابر بداخل المطبخ، يتابعه وهو يصنع الشاي بعينين تضخان بالشك، ارتاب صابر لامره وقال:
_ مالك يا عم بتبصلي كدليه؟
دنى منه وقال:
_ هو إنت مسمعتش باللي حصل؟ بيقولك الحكومة خدت الدكتور ممدوح النهاردة ومحدش عارف مين اللي بلغ عنه!
ارتبك وهو يتصنع انشغاله بما يصنعه:
_ طيب وفيها أيه يعني، مهو كده كده كان هيقع!
مال يستند على الطاولة الخشبية التي يقلب عليها صابر الشاي:
_ قال قولي يا صابر هو إنت ليه قافش في الخواجة كده، يعني ساعدت ناس كتير وطرقتهم من بره بره اشمعنا الخواجه يعني؟!
ابتلع ريقه بارتباك وهمهم:
_ هو في أيه يا موسى، انت شغالي في وصلة التحقيقات دي ليه؟
رد عليه ونظراته تتصوب تجاهه:
_ ولا صارحني باللي في جوفك، إنت شغال مع الجماعة إياهم؟ جندوك يعني في المخابرات عشان تنقلهم اخبار المنطقة زي الواد ابراهيم؟
برق في صدمة وخوف من أن ينكشف أمره:
_ يجندوا مين! هو انت افلام نادية الجندي اثرت على نفوخك ولا أيه؟!
سحب كوبه يتجرعه جرعة واحدة وعينيه لا تنجرف عنه:
_ ماشي يا صابر، اديني وراك لحد ما أشوف نهايتك أيه!
وتركه وخرج يتجه لعمران، حمل عنه الفتاة وقال:
_ هات عنك هدخلها سريرها.
حرك رأسه بارهاقٍ وشرد بالاجواء من حوله، جلس صابر جواره يضع صينية الشاي على الطاولة الارضية، يشير له ببسمة هادئة:
_ الشاي يا خواجة.
التقط عمران منه الكوب وهو يمنحه ابتسامة صغيرة، بينما يجلس صابر مقابله، طال الصمت بينهما حتى قاطعه عمران:
_ هو إنت هتبات هنا النهاردة كمان ولا أيه؟
ضحك وهو يقول:
_ مدام طولت للوقت ده يبقى أكيد هبات وش.
استدار له يسأله باهتمام:
_ صحيح انك متجوز اتنين؟
هز رأسه يجيبه:
_ أيوه جوازة مش على كيفي وجوازة بكيفي!
عبث بعدم فهم:
_ مش فاهم!
أجابه صابر بايجاز والالم يتبختر بنبرته:
_ أمي أجبرتني أتجوز مرات أخويا الله يرحمه، فاتجوزتها بشرط اني اتجوز مرة تانية البنت اللي تعجبني.
= ومين فيهم اللي موسى مش حاببها؟
ضحك وهو يجيبه:
_ الجوازة الاخيرة اللي هي اختياري، بس مش فاهم مش عجباه في ايه؟ هو اللي هيعاشرها ولا أنا؟
تمعن بحديثه وسأله مجددًا:
_ طيب وانت قادر تعدل بينهم يا صابر؟
ترك كوبه وهو يجيبه بضحكة:
_ لا أنت فاهم غلط، أنا اللي بيني وبين مرات اخويا ورقة جواز بس، وبيها عايشة مع امي وراضية، لكن عيشتي كلها مع مراتي التانية في الشقة اللي كان متجوز فيها موسى.
= هو ده منظور الجواز من وجهة نظرك!
أجابه بجدية تامة وغموض:
_ هي راضية على كده أنا مأجبرتهاش توافق على الجواز مني.
جابهه عُمران بضيق:
_ بس انت بتخالف شرع الله وهتتسأل عنها! لو مش قادر تكون ليها زوج خلاص طلقها وسبها لحال سبيلها.
رد بجمود:
_ وهتروح فين؟ خالي عنده اربع بنات غيرها بيجري عليهم ومش هيقدر يشيل همها كمان.
احتدت رماديتاه وصاح فيه:
_ آه يعني انت بتعطف عليها بقى! طيب وليه المنطق ده مهي لو اتجوزت غيرك هيكرمها بردو بس وهي زوجة ليه مش متسولة منه.
احتقنت عينيه بلهيب الغضب، وقال يحذره:
_ خد بالك من كلامك يا خواجة.
هدر بعصبية بالغة:
_ لا خد بالك انت من تصرفاتك، أنت مش متخيل حجم الذنوب اللي شايلها على أكتافك، كسرة قلب الست مش سهلة، ومهما كان قوة تحملها أكيد بيجيلها لحظات ضعف وانكسار، ويا ويلك يا صابر لو كانت شكوتها منك لرب العباد، صدقني مفيش قوة في الكون كله هتحميك من غضبه عليك!
ترك الكوب ونهض يتطلع له بغضب:
_ انت مش فاهم حاجة، ولا عمرك هتفهم.
نهض قبالته عُمران وقد لمس في عينيه سرًا دفينا يحيطه وجعًا نازفا، فقال ليستدرجه:
_ ولا عايز أعرف حاجة، بسبب اللي زيك بقى سائد للناس ان الزوجة الاولى دايمًا فيها نقص، بقى أي حكاية البطولة المطلقة للزوجة التانية حتى لو مكنتش تستحق ده، أنا اللي فهمته من كلامك في اللحظة دي انك مدتهاش حتى فرصة تعيش معاك عشان تحكم عليها!! يبقى ليه تتجوزها وانت عارف طبيعة علاقتك بيها هتكون ازاي؟ ظلمتها الظلم ده كله وقادر تقاوح قدامي!!
تابعهما موسى وفضوله المخزون لسنوات قد تمرد لمعرفة نفس الاجابات على أسئلته، ففضل الاستماع لهما من بعيدًا وهو يتمنى أن يتمكن عُمران من الوصول لما بداخل رفيقه، فاذا به يتخلى عن صمته الدافين ويصرخ بجنون:
_ هي السبب في كل ده، هي اللي من الأول رفضتني واختارت صبري أخويا، وقفت قدامي بكل بجاحة وقالتلي آنها بترفض عرض جوازي منها، لانها بتحب أخويا!!! اخويا مدمن المخدرات اللي كان كل يوم يمسيها بعلقة ويصبحها بعلقة، ومحدش كان بيعرف يحوشها من تحت ايده غيري أنا، وكنت ببصلها بشماتة وأنا بقولها شوفتي اختيارك عامل ازاي!! أنا بالرغم من سواد قلبي الا أني كنت بحبها، عايز بعد كل اللي عملته فيا ده أخليها زوجة ليا؟؟؟ لا انا اتشرطت وأتأمرت ورفضت حتى أشاركها أوضتها، من أول يوم وأنا معرفها إنه أول نصيبي هتكون بنت من اختياري و مدخلش في حياتها راجل غيري، دوقتها المر اللي هي دوقتهوني، ولو قعدت ميت سنة عمري ما هبصلها، سامع عمري ما هبصلها!!!
رمقه عُمران بنظرة محتقرة، بينما يسود الهدوء الاجواء بينهما، الا من صوت انفاس صابر الصاخبة، لينهي معاناته حينما قال:
_ راجل إنت كده مثلًا!! فاكر إنك لما تستقوي عليها باللي تعمله ده رجولة منك! أنا استحقرتك يا صابر بعد ما كنت مستجدعك.
قالها وتركه وغادر لغرفته يغلق بابها، بينما يقف صابر يتخبط بوقفته في حيرة من أمره، فاذا به يستمع لصوت صفقات تأتي من خلفه، وحينما استدار وجد موسى يقابله:
_ هو ده بقى سر كرهك لنعمة؟ ده أنا شقيت سنين عشان اعرف نيتك ايه وجيه الخواجة قررك في دقايق.
واتجه اليه فاذا به يقول بتعب:
_ مش ناقصاك يا موسى بالله عليك.
ابتسم ساخرًا:
_ تعرف يا صابر إنك حمار حتى في اختياراتك، البت اللي اتجوزتها على مراتك دي كانت دايرة على حل شعرها مع الصبي اللي عندي مرة ومرة مع صاحبه، واللي هيصدمك بقى إنها حتى حاولت تجاريني معاها في الحرام وأنا هزقت بكرامة أمها الارض.
جحظت عيني صابر بصدمة، بينما يتابع موسى:
_ متقولش محذرتنيش ليه، لانك عمرك ما كنت هتصدقني، ولولا الكلمتين اللي بعيت بيهم للخواجة دول مكنتش اتشجعت وقولتلك يا هفق.
وتركه هو الاخر واتجه لغرفة ابنته، بينما يهبط الاخر للاسفل كالمجنون، فاذا بصوته يختل أذن موسى وعمران وهو يعتدي على زوجته الثانية بالضرب، ولحسن الحظ لم تنكر حديث موسى أبدًا فإذا به يلقيها خارج الشقة وهو ينهي زواجه منها بجملة مختصرة:
_ إنتي طالق يا رخيصة!
وضعت "صبا" صينية العصائر على الطاولة وخرجت على الفور تنضم لصغيرها وفارس الذي يشاركه الغرفة ويلهو فيها.
رفع جمال يده لهما قائلًا ببسمة يرسمها بالكاد على وجهه الشاحب:
_ اتفضلوا.
حزن آيوب على حال جمال، بينما قال آدهم:
_ بشمهندس جمال انا آسف على زيارتي المفاجئة ليك دي، بس أنا محتاج اعرف منك حاجة مهمة جدا.
رد عليه باحترام وقال:
_ أولًا البيت ده مفتوح لكل حبايب عُمران، وإنت مش بس نسيبه يا آدهم، انت كنت صديق ليه وكان بيعزك أوي، ثانيًا أنا تحت أمرك في أي شيء تطلبه.
حزن آدهم لما استمع له، ود لو يفصح عما بجوفه ولكن تعليمات القائد المشددة تحتمه على حماية جميع المتورطين، فاذا به يقول:
_ بعد نزولك النهاردة لاسيوط جالك رسايل تهديد من أي نوع؟
وزع نظراته بينهما في حيرة، وقال:
_ أيوه وصلني رسالة النهاردة، بيهددوني بيها إني لو كملت المشروع هموت نفس موتة عمران، بس انا ولا هممني تهديداتهم، وهكمل اللي عُمران بدأه حتى لو كانت ساعتي الاخيرة في الدنيا.
ابتسم آيوب باعجاب على جمال الذي فاجئ الجميع بوفائه واخلاصه الشديد لصديق طفولته، بينما هتف آدهم بمكر:
_ وده اللي انا عايزه، بس في شوية تعديلات هتساعدني أوصل للشبكة دي، وهتخليك مساهم كبير في أخد تار عمران من الكلاب دول، هتساعدني يا بشمهندس؟
انتصب بجلسته وقال باهتمام:
_ قولي مطلوب مني أيه؟؟
سحبت فاطمة الغطاء على مايا التي استسلمت للمهدأ الذي يحقنه علي الآن بوريدها، بينما تتطلع له ولا تستسلم بقولها:
_ صدقني يا علي، أنا شوفته قدامي... عُمران عايش... أنا ناديته وهو مردش عليا، علي خليه يرجع أنا اتبهدلت من بعده، محدش رحمني، لا أمي ولا حتى أبويا!
قالتها ودموعها تنهمر على وسادتها، بينما تبكي فاطمة لجوارها، ومازال علي متماسكًا قدر ما تمكن...
فترك الغرفة وخرج للشرفة يسحب الهواء ويلفظه باختناقٍ، ثم سحب هاتفه وقال:
_ عمي ممكن تبعت حد من رجالتك للمكان اللي هبعتلك عنوانه يجبلي منه تسجيلات الكاميرات من حوالي الساعة ٨ونص الصبح لحد الساعه ١١؟
اليوم صرح لها برغبته في أن يزيل الحواجز بينهما، فولجت لغرفتها بحجة تغيير ملابسها.
صوت الأغلال الحديدية تكتظم مسمعها، تضربها بكل قوة امتلكتها، الذكريات تتكاتف من أمامها، تختلج كل آهة مُنعت من الخروج عنها، تبحث عن نقاط ضعفها، وهي ضعيفة، تئن عن وجع ماضيها دماء تزحف عوضًا عن دموع عينيها!
تراقب باب الغرفة كالسجين الذي يترقب لحظة دخول السجان إليه، ويدها تتشبث باسدال صلاتها كطوق النجاة، كل صوتًا يُصدر من حولها يُوقظ معه كل العنف الجسدي الذي سبق ونالته على يد وحش تجردت عنه رجولته، وتركته وضيعًا، لا فرق بينه وبين الحيوانات.
تحتبس شهقاتها قدر ما تمكنت، ورعشة جسدها ازدادت حد المبالغة، بينما لسانها يهتف بهمسٍ خافت:
_ اهدي يا خديجة، معتز خلاص مبقاش موجود في حياتك!
وعادت تصبر ذاتها، بابتسامة تجاهد لرسمها:
_ ده يُونس... حبيبك وأبو ابنك!
طل من خلف بابها بعد أن طرق لمرته الثالثة، يتساءل بحاجبي معقود:
_ خديجة بقالك ساعتين حابسة نفسك! معقول كل ده بتصلي؟
نهضت عن الأرض تلملم سجادتها، ووضعتها وهي تخبره بثباتٍ مخادع:
_ أنا كنت خارجة..
وتابعت بارتباكٍ ملموس لمن يراقبها:
_ فين فارس؟
أحاطها بنظرة حزينة، وهو يقرأ كل ما تحاول اخفاءه منذ زواجهما:
_ آيوب آخده معاه عند آدهم، واتصل من شوية وقال إن آدهم مصر يبات عنده، فهيبات معاه وهيجي الصبح.
تجهمت معالم وجهها، وبث فيها توتر جعل صوتها يتحرر برعشةٍ خافتة:
_ مآآ.. مينفعش يبات معاه.. خليه يوصله ويرجع يبات هو مع أخوه.
ضم أنفه بيده يفرك ما بين عينيه بارهاقٍ، لا يود أن يسحبها لحديث مؤلم، ستُجرح به لا محالة، ولكنها تستنزف كل صبره حرفيًا، لدرجة جعلته مترددا بالحديث، تنهد يُونس وهو يقترب منها، حتى جلس على نهاية طرف الفراش، يتطلع أمامه بسكون لم يلحق نبرته الغائمة:
_ فارس مكنش بيبات معاكِ فوق يا خديجة، كان هنا معايا، من وقت ما اتقفل علينا باب واحد وإنتِ بتحاولي تقنعيني إنه مش بيقدر ينام بعيد عنك وأنا بجاريكي عشان أريحك من العذاب والحيرة اللي شايفها جوه عنيكِ دي.
واستطرد وفيروزته ترفع إليها:
_ أنا مبقتش فاهم في أيه؟ ولا قادر أشخص حالتك الغريبة دي!
ازدردت ريقها الجاف بصعوبة بالغة ورددت باستغرابٍ زائف، وكأنها لا تعلم مقصده:
_ حالة أيه اللي بتتكلم عنها؟
ضم شفتيه السفلي بأسنانه بنفاذ صبر، وفجأة نصب عوده قبالتها يصيح بانفعالٍ:
_ بعدك عني، طريقتك الغريبة معايا، اسدالك اللي مش بيفارقك ده!!
وأضاف بحيرة وهو يرنو إليها:
_ فهميني فيكِ أيه بالظبط، لإني حاسس إني تايه ومش فاهم حاجة!!!
تراجعت للخلف والخوف يتراقص بمُقلتيها، وبينما يحتل الارتباك كل خلية بها، حديثها يجاهد ليبدو أكثر أتزانًا أمامه:
_ انا قولتلك من البداية، وأنت اللي رفضت يا يونس.
وأضافت ودموعها تنهمر دون توقف:
_ كنت أناني وعايز تشفي غليلك من الماضي اللي بيعذبك حتى لو كان بقائه فيه عذاب ليا، اترجيتك تسيبني أتخلص من الذكريات اللي هتفضل تطاردني طول عمري وإنت مهمكش غير نفسك وبس، فجاي دلوقتي بتحاسبني على أيه؟؟
واستردت قوة لا تعلم من أين حضرت لها وهي تجابه غريمها:
_ بس أنا كمان هبقى أنانية زيك وهخليك تعيش معايا وجعي وضعفي وذلي يا يونس.
وقطعت مسافتها الباقية بينهما تخبره ببسمة حملت بها كل آلامها، تضم داخلها الأنثى التي أجاد هذا الحقير كسرها:
_ مش ده اللي هيهديك عن السنين اللي كنت فيها على ذمة غيرك؟
وأضافت وهي تنزع اسدالها ودموعها لا تتوقف:
_ هو ده الدليل اللي هينسيك!
جحظت عينيه في صدمة ووجع عظيم، ينغز صدره دون أي رحمة، لدرجة جعلته
رواية صرخات انثى الفصل 100 - بقلم ايه محمد رفعت
(إهداء الفصل هذه المرة سيكون مختلفًا، الكثير من القراء طالبوا أن يكون الاهداء لهم، وانا لا أريد أن أضع بعضًا من الاسماء بشكلٍ عشوائي حتى لا يحزن أي قارئ، لذا إهداء الفصل المميز لكل محبي رواية صرخات أنثى على كافة المنصات،اليوم الفصل سيكون عابرًا بالمشاعر والسعادة، ربما يكون تعويضا لحزنكم على فراق أبطال الرواية، أعتذر منكم جميعًا إن تسببت الرواية بتقليب احزانكم على فقدان أشخاص قريبون منكم،وأخيرًا شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)جوار سور السطح الأعلى، وبمكانه الذي خصصه لخلوته الليلية، جلس على سجادته فور أن انتهى من قيام الليل، فإذا به يستكين على الحائط، وقلبه يضيق عليه، كأنه احتبس داخل قفص صغير، يمنع عنه الهواء. طوال ذلك الاسبوع كان يقضي أغلب وقته بالمسجد الذي بات مسكنًا إليه، حتى أنه مؤخرًا بات رفيقًا محببًا لإمام المسجد، وقد سبق له أن إختبر صوته العذب، وقد لجأ له ذات مرة ليكون امامًا للناس حينما كان الشيخ متعبًا وصوته قد بُح تأثرًا بالزكام. مال عُمران برأسه للحائط، أغلق رماديتاه، وكل محاولة صدرت عنه لمحاربة ذلك الوجع الذي يخنقه قد فشلت، فوجد ذاته يتمتم بصوته العذب: _سال دمعي يا إلهيولولا غربتي ما كان دمعي يسيلٌغربتي نجوى، ونيران شوقيوأسى باكٍ وليلٌ طويلٌوما لي رجاء غير أن تسعى إليك السبيلإذا ضاقت، فنجوى دعائيحسبي اللهحسبي الله ونعم الوكيلبالله إيماني وفيه رجائيوإلى علاه ضراعتي وبكائييا مؤنسي في وحدتييا منقذي في شدتييا سامعا لندائيفإذا دجا ليلي وطال ظلامهناديت يا رب كنت ضيائيسبحانك جل جلالك يا الله. قالها ودموعه تغسل وجهه، ثمة شعور بالحنين يزهقه، وأكثر ما يُؤلمه أنه لا يعلم إلى من يحن؟؟ يتمنى أن يتذكر أي شيء عن نفسه، وعن صاحبة هذا الخاتم الذي بقي صامدًا باصبعه رغم فقدانه كل شيء، وكأنه يثبت له مدى قوة الترابط بينه وبين الاصبع الذي ما أن وضع فيه لم يخرج منه أبدًا. ******اكتسح العرق جبينه من فرط احتباس أنفاسه، قيود حديدية تحتجز ذراعيه تعيق حركته، لسانه قد شُل عن الصراخ، جسده يموج غضبًا في محاولة للتحرر، عينيه الوحيدة الشاهدة على ما يحدث قبالته، فتنهمر الدموع منها مع انهمار الدماء النازفة من جرح رفيقه! نفس المشهد يُعاد مجددًا، حمل أسوء ذكرى جعلت حياته تقف عند هذا الحد، نفس الوجع ، بنفس حدته وعمقه، ويتجدد معهما شعور العجز. نهض من نومه مفزوعًا وصرخته تتحرر أخيرًا: _عُمــــــــــــران! انتفضت "صبا" من نومها، تميل على الكومود لتضيء نور الغرفة، وزحفت إليه تتفحصه وهي تهمس بفزعٍ: _بسم الله الرحمن الرحيم! جذبت المناديل الورقية تزيح عرقه الممزوج بدموعه، فشاركته البكاء المكبوت رغمًا عنها، أبعد "جمال " يدها برفقٍ، وقال بصوته المبحوح: _أنا كويس، كملي نومك يا صبا. قالها وخرج من الغرفة، قاصدًا شرفة الردهة يستمع لصوت الابتهالات قبيل الفجر، مال على السور الحديدي للشرفة، يضم وجهه ويبكي بين ذراعيه، الألم يزيد في حدته، وجملة الطاووس تلاحقه أينما ذهب«أنا عمري ما أتخلى عن اللي مني، وإنت كلي يا جمال!» بكى ولفظ بشهقاته المكبوتة داخله: _عملتها واتخليت خلاص يا صاحبي! وقفت صبا تراقبه من خلف الستار، وقلبها يتمزق من حزنها عليه، لقد جرده فراق رفيقه من الحياة بأكملها، خسر تقريبًا نصف وزنه، من شدة زهده في الطعام، مقت كل شيء حتى كونه حيًا. أزاحت دموعها، وتقدمت إليه تحتضن كتفه، كنوعٍ من المساندة، فاذا به يستدير وهو يتطلع لها بوجعٍ، فقالت بتوسلٍ: _بالله عليك تنسى يا جمال، هتموت لو فضلت كده! أجابها وابتسامته تغاير تلك الدمعات: _هنساه إزاي وأنا حفظته من كتر ما المشهد بيتعاد قدامي؟ سحب نفسًا مطولًا أطلقه على دفعتين، ثم أحاط كفيها معًا، يفركهما بين أصابعه، لامسًا دبلتها الذهبية التي تحتفظ بها منذ لحظة زواجهما، حتى إنطفئت، تعلق بصره بها وهو يقول: _أنا مقصر معاكي ومع ابني، ومعنديش الجرأة أطلب منك السماح يا صبا! بحاول أكمل حياتي بصورة طبيعية بس مش عارف، والله ما عارف أعملها! عانقت أصابعه بحنان، وقالت باكية: _لو عايز ترضيني إهتم بنفسك وبأكلك، إنت صحتك اتدمرت يا جمال. وتابعت ودموعها تنهمر بحزن:_أنا مكنتش متخيلة ان علاقتك بيه بالقوة دي، يمكن لو كنت لامساها مكنتش هآ.. منعها من الحديث، حينما قال: _بلاش نتكلم عن اللي فات وانتهى، ادعيله بالرحمة وإدعيلي بالصبر يا صبا. وتابع بحب دمجه بنبرته، قاصدًا أن يمازحها : _يعني إنتي كده معندكيش مشكلة نخاوي الولد بعُمران تاني، يعني عمران رقم 1 هيكون تكفير لذنبك الأول وعمران رقم 2 نخليه صدقة على ذنبك المعترف بيه! ضحكت وردت بمشاكسة: _وعلى أيه ما اجبلك نص دستة عمرنات تعلمهم بالأرقام!! بات على نفس معالمه الباهتة، وردد: _قابل بدستة كاملة، المهم إنهم كلهم يبقوا منك يا صبا! منحته ابتسامة أرغمته على التبسم، فاقتربت منه على استحياءٍ وانحصرت بين ذراعيه، ضمها جمال واستند برأسه على رأسها، بينما يتطلع للأمام بسكون مخادع عن العاصفة العالقة داخله. ********قطعت السيارة الخاصة الطرق، وانجرفت لعدة شوارع جانبية، بينما يتابع "علي" الطريق من خلف نظارته المعتمة بدهشةٍ، ولكنه تمسك بصبره المميز حتى توقف بهما السائق أمام مسجد صغير التفت "علي" تجاه "آدهم"، وقال باسترابةٍ: _عدينا على مساجد كتير، إشمعنا المسجد ده اللي أصريت نصلي الفجر فيه؟ منحه ابتسامة صغيرة، وقال وهو يتفحص ساعته: _عادي يا علي، حبيت نصلي قبل ما نروح الاوتيل، يلا إنزل الفجر هيأذن. قالها وهبط مسرعًا، فلحق به علي، واتبع خطواته، وهو يهدر ببسمة ساخرة: _لو في اعتقادك إنهم علموك تميز الكدب من العين وحركات الجسم، فأنا أستاذ ورئيس قسم يا حضرة الظابط. توقف آدهم بمنتصف درج المسجد، واستدار إليه، فوجده ينزع نظارته بهدوءٍ ورزانة ماكرة: _ها تحب تفضفض هنا ولا أدورلك على شازلونج تمدد وتأخد راحتك في الكلام عليه؟ فشل باخفاء ابتسامة إعجابه بشخصية" علي"الذي تفاجئ به كليًا، حينما قربتهما الظروف بالفترة الاخيرة، فهبط الدرج مجددًا حتى بات يقف قبالته: _مسبقش ليا إني استهونت مرة بذكائك يا دكتور علي، وعارف إنك مسافر معايا وانت مش مقتنع بكلامي، وهدوئك ده مهو الا مهلة عشان أكشفلك عن حقيقة وجودنا هنا. هز رأسه وهو يتابعه برزانته، أفصحت عن حكمته: _وأنا مازلت منتظر إنك تتكلم، هنصلي الفجر وهكون جاهز أسمعك. وتركه وصعد الدرج، فاذا به يوقفه:_علـي. استدار إليه من محله السابق، فاتسعت ابتسامة آدهم وقال: _هو إنت ممكن تدخل شمس بينا لو حصل بيني أنا وانت خلاف بسيط مثلًا؟ زوى حاجبيه ورماديتاه لا تنحرفان عنه، بينما يستطرد آدهم بخبث: _معتقدش إنك من النوع السيء ده، عُمران بس اللي كده. قطع نطقه لتلك الكلمات الماكرة، صوت المؤذن بصلاة الفجر، ومازال "علي" يوالي ظهره للمسجد، ووجهه يقابل وجه آدهم. احتجز الحديث على لسانه، فسحب رده عليه، وهو يحارب حالة من العجز التام، التي شُلت أطرافه كليًا، بينما مازال يتطلع لآدهم، يستحضر صوته ولكنه غادره في حالة من الصدمة. حبس كل شيء من حوله، حتى صوت أنفاسه، وأذنيه تميل تجاه الصوت، اهتزت كل خلية في بدنه، بينما تتوسع مُقلتيه بشكلٍ أثر في آدهم، رفرف أهدابه بصعوبة، وهو يحاول أن يضغط على ساقيه لتستدير به تجاه المسجد، أذنيه تغوص في عمق الصوت الذي أوقظ كل ما دُفن داخله. تزاحمت الدموع برماديتاه، ويده تستكين على درابزين الدرج من جواره، بينما يقطع الصمت القاتل عنه وهو يهمس بخفوتٍ: _عُمران!!!!! أدمعت عيني آدهم تأثرًا به، فصعد خلفه مسرعًا، يحاول مساندته للصعود، مال علي إليه وهو يشير بعينيه تجاه قبة المسجد: _ده صوت عُمران يا آدهم!! ده صوته صح؟؟ قبض على كفه ودموعه تنهمر وجعًا، صمت آدهم اعتصره لدرجة كادت بأن تمزقه، فأراد أن يقطع شكه، بصعوده السريع للمسجد، ولكن قدميه خذلته ولا تنصاع لعزيمته، وشوقه الذي ينازع بين أضلعه. تعرقلت ساقيه كالصغير الذي يتعلم الخطى لمرته الأولى، فما أن ترك آدهم وصعد عنه أربع درجات، حتى سقط على الخامسة بساقيه، يبكي وهو يسمع حبيب قلبه يردد بخشوعٍ تام«الصلاة خير من النــــــــــوم! ...» سند معصمه على الدرجة العلوية، بينما ينحني رأسه من فوقه، وعينيه لا تفارق مدخل المسجد، يخشى أن يكون مجرد تشابه بين صوت المؤذن وصوت أخيه، خشى أن يرى أحدٌ سواه فور أن يصل لباب المسجد. هرع آدهم إليه يساعده بالوقوف، محررًا صوته الباكي: _قوم يا علي! حل جرفاته الأسود عن قميص بذلته السوداء الفخمة، بينما يميل على ذراعي آدهم، يمنحه الأذن الكافي بسحبه ليقف على قامته، مال عليه وعينيه متعلقتان بالميكرفون النابع عنه ذلك الصوت العذب. مال برأسه إليه وقال بصعوبة: _عُمران؟ أكد له بإيماءته بينما يغرق بنوبة من البكاء تأثرًا بالحالة التي أصابته، فتركه علي وهرول مُسرعًا للمسجد، بينما يحاول هو السيطرة على بكائه وإتباعه للداخل. نزع حذائه وولج للداخل، عينيه تفتشان على منبر الإقامة، فوجده فارغًا، كاد أن يفقد عقله بتلك اللحظة، وخاصة حينما وجد شابًا أخر يضع الميكرفون محله. ابتلع علي ريقه الجاف بصعوبة، وسرعان ما استدعى ثباته في موقفٍ يُحسب له: _من فضلك، هو حضرتك اللي كنت بترفع الآذان من شوية؟ اجابه الشاب مبتسمًا: _لا ده الخواجة، صوته تبارك الله عليه. قيد كل ما بداخله من أسئلة وفضول، وقال بصعوبة حديثه: _هو فين؟استدار الشاب يبحث عنه بارجاء المسجد الذي يحوي عددا لا بأس به من المصلين، بينما يتمتم بنبرة مسموعه إليه: _كان هنا دلوقتي، هتلاقيه واقف مع الاسطى موسى وصابر هناك، ممكن تروح تسألهم، عمومًا كلها عشر دقايق وهيقيم الصلاة، الشيخ زياد هيخليه يصلي بينا النهاردة زي المرة اللي فاتت. تجاهل كل ما استمع إليه، بينما يراقب المحل الذي أشار عليه، حيث كان يقف صابر جانبًا، وموسى في وجهة من أراد رؤيته بكل لهفة ومحبة لا تخص سواه. بحث فيهم وكل لحظة تمر عليه يشرف على فقدان ثباته، فاذا به يدقق بملامح موسى، ذلك هو نفسه الشاب الذي كانت تقف مايا برفقته في هذا اليوم، دنا بخطاه إليهم، ليفك كل الخطوط الغامضة التي وُضعت أمامه، وخاصة بأن جسد موسى الضخم يخفي شخصًا من خلفه. مع اقترابه منهم، ظهر من أمامه كتف الشخص المجهول، ومن ثم وجهه، حتى بات ظاهرًا كليًا أمام علي! تحررت الدمعات عن مسكنها، وابتسامته تعاكس كل ما يعتريه، لسانه الثقيل يتعلم نطق الحروف التي غابت عنه: _عُمران!! بللت دموعه قميصه الأبيض، وبات يجاهد كل القيود التي تعجز حركة قدميه للوصول إليه، حاول رفع صوته عسى أن يستمع إليه، ولكنه لم يملك صلاحية التحكم به. تحركت قدميه في طريقه إليه، ورفع صوته يناديه بقوةٍ:_عُمــــران!استدار عُمران تجاه الصوت بتلقائية، ومعه صابر وموسى، فاذا بآدهم يظهر قبالة علي فجأة، ويخفيه متصنعًا أنه يضمه، فاعتقد ثلاثتهم أن هناك سلامًا حارًا بين صديقين. تحرك موسى وصابر تجاه المصليين، بينما حاول عُمران التطلع لوجوههما، وما كاد بالتوجه إليهما حتى أشار له الشاب بأن المدة الفاصلة بين الاقامة والصلاة قد انتهت. فهرع للمكان المخصص له متناسيًا شعوره الغريب، وفضوله تجاه هذا الصوت المألوف، تناسى كل شيء حينما تعلق الأمر بصلاته. بينما على بعد منه، يفرد آدهم قوته العضلية، بتحكمه بالسيطرة على جسد "علي"، وتثبيته في محله، ومع تأثر علي بما يحدث، بات هزيلًا في تلك اللحظة، حتى أنه فقد أعصابه فلم يتمكن حتى من دفعه عنه، كل ما يتحرر عنه صوته الهزيل: _عُمران عايش!! إبعد عني يا آدهم. صاح برجاءٍ لطيف: _اهدى يا علي، إنت طول عمرك عاقل وبتعرف توزنها صح، عُمران مش في حالته الطبيعية وظهورك ليه دلوقتي ممكن يأثر عليه، انا مكدبتش عليك لما قولتلك أني عندي معاد مع الدكتور، أنا فعلًا حددت المقابلة معاه عشان نعرض عليه أوراق حالته، وهو اللي هيحدد نتعامل معاه ازاي، إنت هتقدر تنفذ تعليماته، إنت أكتر حد مؤهل إنك تتعامل مع عُمران وهو في الحالة دي. شُلت أطرافه من سماع ما قال، والمنذر عن وجود خطب ما بأخيه، فأبعده عنه والدموع تغرق وجهه. بينما يفصح له آدهم عن غموض حديثه: _عُمران فقد الذكرة يا علي. مال تلك المرة على كتفه باستسلامٍ، ودموعه تمس كتف آدهم، فاقدًا القدرة على التحكم بجسده، بكى وتلك المرة فك آدهم حصاره وضمه بحنانه الذي يخص به معاملة أخيه فقط، وجده يحتاج إليه فدعمه قلبًا وقالبًا. سمح علي لذاته بالانهيار، لقد طالت مدة صموده، وبقائه شامخًا، وقد تناسى كونه بشريًا، بحاجة إلى الراحة، ربت آدهم على ظهره وقال يواسيه: _الحمد لله إننا اطمنا عليه، عُمران حي وبخير وده الأهم ، خليك قوي عشان خاطري، ده أكتر وقت هو محتاجك فيه يا علي. تعالت شهقاته الممزقة للقلوب، وترجاه كأنه يحبس أخيه عنه: _أضمه مرة واحدة بس، أنا ملحقتش حتى أبص عليه! ابتعد عنه وواجهه بعينيه المحمرة من البكاء: _أنا مين عشان امنعك عنه، أنا خايف عليه وعليك يا علي، بس عشان تتطمن أنا هجمعك بيه النهاردة بس بعد مقابلتنا للدكتور، إنت المفروض دكتور وفاهم!! هز رأسه بخفة وازاح دموعه، ربت آدهم على كتفه والأمل قد زرع فيه حينما وجده يجاهد لاستعادة ثباته، ثم تركه ووقف بأخر صف، يحازي المصليين ليصلي خلف أخيه!! وفي سجوده أطال ودموعه تعانق سجادته، ودعواته تناجي بعويلٍ يصل لادهم من جواره فبكى هو الآخر، بينه وبين أخيه خمسة صفوف من المصلين إن شاء سيصل له، وإن أراد ستقيده ضمته حتى الموت، ولكنه عاجز عن المضي قدمًا، وصوته العذب يجعله يبتسم في حنين ويبكي في ذات اللحظة! ومع أخر سجدة له قال: _اللهم إحفظ أخي في رعايتك وكنفك، اللهم إجمعني به وامنحني الصبر فسبحانك وحدك أعلم بما في صدر عبدك! قالها وأنهى صلاته خلف شقيقه، وما أن سلم بالصلاة، حتى جذبه آدهم قائلًا: _يلا يا علي بسرعة. لم يمنحه الفرصة لرؤيته مرة أخرى، سحبه للخارج، وعيني علي متعلقة عليه، تحيطه بنظرة أخيرة، ويتمنى أن يرفع عينيه ليراه، بالرغم من أنه يعلم خطورة حديث آدهم. فتح آدهم باب السيارة الخلفي، ودفع علي بداخله، وما أن وجده يهبط برفقة موسى وصابر، حتى استدار تجاه السيارة وهو يرتدي نظارته السوداء. مضى عُمران من جوار السيارة، بينما يصيح به صابر: _يعني هتفضل مقاطعني كده كتير يا خواجة، بقالك أسبوع بحاله متجنبني، ونازل طالع مع الاسطى اللي نسي صاحبه هو كمان ده! منحه موسى نظرة غاضبة، بينما قال عُمران ببرود: _وإنت مالك أنزل وأطلع مع اللي انا عايزه، ولا تكنش المدام وأنا معرفش! ضحك موسى، بينما ابتسم علي وهو يميل باكيًا على النافذة المغلقة، الحائل بينه وبين أخيه تلك المرة رقيقًا للغاية، يتمنى أن يفتح باب السيارة ويخرج إليه غير مباليًا بما سيحدث، ولكن لأجل سلامة أخيه سيحتمل بضعة ساعات أخرى للقائه. استدار يشير لموسى قائلًا: _يلا يا موسى، أصل صاحبك شكله عايز يتكيف وأنا مش فايقله بروح أمه دلوقتي! أجابه موسى وهو يشير له بشماتة: _يروح لبيت العقربة، ذكرياتها هتكيفه من غير أي مجهود. خطى عمران تجاه الحي، بينما عاد موسى يهمس لصابر بنزق: _انت طرقت العقربة بس لسه معملتش الصح، لما تعمله هبقى اعترف بيك مرة تانية، يلا سلام يا تمرجي. وتركه وغادر بينما الاخير يموج غضبًا وهو يلحق بهما. تأكد "علي" من رحيل شقيقه، ففتح باب السيارة وخرج في نية تتبعه ليعلم إلى أي مكان سيذهب، فأوقفه آدهم قائلًا من خلفه: _انا عارف مكانه وكل تحركاته متقلقش. توقف محله والغيظ يموج به، فيجعله خطيرًا للغاية، لا يصدق أنه كان يخفي أمر أخيه، وهو السبب بمنع لقائهما الآن، استدار إليه ببطءٍ حتى توقف قبالته. رسم آدهم بسمة خوف مصطنعه: _بتبصلي كدليه يا دكتور!! مش اتفقنا انك هتكون متفهم وصبور. رفع علي يده ببطء وهدوء مخيف، حتى لامس رقبة آدهم، وقبل أن يستوعب ما يخطط له كان الأسرع منه، ففجأه بحركة مدروسة، جعلته ينهار أرضًا بنوبة أشبه بالشلل المفاجئ، بينما الاخير يرمقه بغضبٍ وبلا ذرة ندم واحدة. استغرق الأمر دقيقة كاملة حتى خفت حدتها، فبدأ بتحريك يديه أولًا ومازال جسده ينازع، في نفس اللحظة يهرع رجاله إليه من كل صوب،فور ان رأوا حالته الغريبة، حتى أن الاسلحة كانت ستُصوب تجاه علي، ولكن اشارة يد آدهم منعتهم وجعلتهم ينصرفون لمواقعهم المتوزعة على الحارة بشكل يأمن الحماية لعمران. نزع "علي" جاكيته، والقاه على درج المسجد ثم جلس جواره يتطلع للأرض بحزنٍ جارف، يتمنى أن يضم أخيه مرة واحدة، يريد أن يشعر من صوت أنفاسه ودقاته أنه حي. جلس آدهم يفرك صدره وهو يستعيد حركات جسده بألمٍ، ونهض يلحق به، مشاكسًا إياه: _لو الجوكر بلغه إنك بتأدي الحركة بالحرافية العالية دي هيجندك لصالح الجهاز يا دكتور. تجاهله علي وبقى على وضعه، فنزع هو الاخر جاكيته وألقاه على الدرج ثم جلس من فوقه يردد ببسمة واسعة: _تعرف إن العضلات متوزنش قصاد كفة العقل، لذا بيتخاف من الشخص المثقف جدًا، لأنه بيكون أخطر من اللي دراعه سابقه، وانا لامس فيك الخطورة دي من وقت ما أدبتني بالقائد بتاعي، ومن يومها لحد الإن بتعاقب بالتدريبات المكثفة وطلعت انت منها باشا!واسترسل بمحبة: _بس قرصة الودن دي اللي فوقتني وساهمت في علاجي بشكل كبير، بس بردو خلتني أحرس منك ومن عقلك ده. وهمس ضاحكًا: _على رأي عُمران علي ده البابا بتاعنا كلنا! أبعد "علي" يديه عن وجهه المحمر، ومنحه نظرة حزينة، تشتاق لمجرد سماع إسمه، تلاشت ابتسامته وأخذ يبرر له باحراج: _صدقني يا علي مكنش عندي تعليمات اني أبلغك بأي حاجة تخص عمران، أنا لسه عارف من قريب، وآآ.. أشار له علي وهو يعيد خصلاته للخلف بقوةٍ لحقت نبرته التي جعلت آدهم متفاجئ بشيءٍ جديد به: _متبررش ليا شيء، أنت ردتلي روحي وخليت قلبي يرجع يطمن، أنا مديونلك بعمري كله يا آدهم. أسرع بالرد عليه: _أيه اللي بتقوله ده، عُمران ده أخويا عليا واجبات تجاهه زيك بالظبط، ولا انت لسه مش معتبرني من العيلة يا دكتور؟ ابتسم وهو يخبره بمكرٍ: _إنت منها من لحظة ما كنت إختيار شمس، وبعدين أنا أدبتك بناء على مكانتك ومعزتك عندي، أنا دايمًا بعاقب عُمران بالاعتذار، لكن معاك مكنتش هتكفيني بصراحة. تربع الحزن بين رماديتاه وهو يكمل: _أنا عارف إنك صح في كل اللي قولته، انا كنت ماسك حالات مشابهة من دي مع دكتور مخ وأعصاب وكذه تخصص تاني، بس العذاب اللي كنت فيه كان أكبر مني.ومع انهمار دموعه أخبره:_ أنا روحي غابت بغيابه عني يا آدهم! مسح على ظهره وشاركه دموعه هو الآخر: _هترجعلك من تاني، وهيرجع لحضنك لانه مالوش غيرك يا علي، قوم يلا ورانا طريق سفر نقابل الدكتور وهنرجع على بليل، لازم عُمران يكون في القاهرة الصبح، مراد باشا باعت طيارة مخصوص ترجعنا المطار. نهض علي يجذب جاكيته ويرتديه مجددًا، ثم لحقه للسيارة وبينما يقدم آدهم الهاتف إليه قائلًا: _دي الاشعة والتحاليل الخاصة بحالة عُمران، جبناها من المستشفى والدكتور "فرنك" وصله نسخه منها. التقط الهاتف منه وتابع الفحوصات الكاملة وتفاصيل الاصابات التي تلاقاها باهتمام، و وجع لما تعرض له أخيه!! ******أضاء نور الجناح، فقطع العتمة التي إعتادتها بأيامها الأخيرة، تنزوي داخلها على الفراش، الذي بات مستقرها الوحيد. اقترب منها حاملًا صينية الطعام، يفعل اضاءة الكومود ويدنو منها، يتشرب ملامح الحزن من وجهها إلى وجهه، قرب ذراعه منها يمسد عليها بحنان: _فريدة حبيبتي، حضرتلك فطار بسيط، قومي كلي حاجة، بقالك كام يوم رافضة الأكل ومقضياها عصاير. أتاه صوتها المكبوت بالوسادة، ومازالت توليه ظهرها: _ماليش نفس يا أحمد، طفي النور واخرج من فضلك. تفاقم الوجع داخله، لم يعد يحتمل أن يراها في تلك الحالة ويشاهدها مكتوف الأيدي، فلفظ ما بداخله من ضيقٍ: _لا يا فريدة لا هخرج ولا هطفيلك النور، هتقومي حالًا وهتأكلي، انتِ الظاهر نسيتي إنك حامل، الطفل ده مالوش ذنب في اللي بنمر بيه. ابعدت الغطاء عن جسدها، ونهضت تواجهه بكل غضبٍ، أنساها السيطرة على ما ستقول: _إنت كل اللي يهمك اللي في بطني؟ مش همك أنا بمر بأيه؟؟ إنت طول عمرك أناني ومبيهمكش الا نفسك يا أحمد باشا. تبلدت نظراته عليها، كالمجسم الحجري، يحاول استيعاب أنها تنسب تلك التهمة الباطلة إليه، اتسع من الوقت حتى تمكن من نطق: _وتفتكري لو كنت بفكر بأنانية زي ما بتقول كان ده بقى حالي؟! صمتت واختبأت خلف كفيها تبكي بضعفٍ، إنهار نصف عالمها بوفاة ابنها،والنصف الآخر ينهار بسببها هي!صرخ أحمد بها وهو يحثها على العودة للحديث،فصمتها يقتله أكثر:_ لو كنت أناني زي ما بتقولي كنت عيشت حياتي كلها بالطول وبالعرض من تاني رفض منك على جوازنا، أنا لو أناني مش هقدم كل التنازلات دي عشان،مهمنيش غير أنك تكوني ليا ومعايا، حتى بعد ما شرطتي أن جوازنا يكون بدون أولاد وافقتك ومرفضتلكيش أي طلب، وبعد كل ده شايفة إني ماليش حق أخاف عليكِ وإني أناني!! جاوبيني يا هانـــــــــم!!زادت من حدة بكائها، بينما هو ينتظر سماع اجابة تطفئ نيرانه التي شعلتها هي وتركته يُعاني، لقد احتمل كل شيءٍ لأجلها هي، حتى تلك اللحظة التي ود أن يكون فيها جوار ابنه وصديقه "علي"،ابتعد واختار البقاء لجوارها. انزوى بجلسته يعيد حساباته، يحاول أن يجد هو إجابة لسؤاله، فهدر بضيقٍ شديد: _أنا مبقتش فاهم أنتِ فيكِ أيه بالظبط، كلامك بقى جارح لكل اللي حواليكِ،وبتأخدي قرارات غريبة، وبالرغم من اللي عملتيه الا أن مايا تفهمت موقفك ومبقتش زعلانه منك، وعلي كذلك جالك أكتر من مرة وقالك نرجع للكمبوند ونعيش مع بعض زي الأول انتِ اللي رفضتي وأصريتي نكون هنا، وبردو محدش ضغط عليكي وكلنا بنعمل اللي إنتِ عايزاه، بس حتى ده مش راضيكِ، لسه عايزة أيه تاني معرفــش!!!!!! أبعدت كفيها عن وجهها وصرخت بعنفوانٍ قطع حبالها الصوتية: _عايــزة ابنـي يا أحمد، وحشنـــي أوي ومش قادرة أتحمل فراقه أكتر من كده، عايــــزة أفـوق من الكابوس ده بقى.قشعر جسده ألمًا من سماع نبرتها، تمزق نياط قلبه من رؤيتها تنهار بذلك الشكل الذي لم يراها به منذ تلاقيها لخبر وفاته.دنت منه فريدة، وتشبثت بقميصه الأسود، تناجيه ببكاءٍ مؤلم:_ عايزة إبني، أنا مش حاسة إني طبيعية من ساعة ما فارقني، أنا هفضل وحيدة حتى لو كنتوا كلكم جنبي، وحشني صوته وهو بيقرأ القرآن، عايزة أنام على رجليه وإسمعه وهو بيقرأ زي ما كان بيعمل، عايزة أخده في حضني حتى لو مرة واحدة. قالتها ومالت على يديها المتمسكة بقميصه، فحاوطها يضمها ودموعه تنهمر حزنًا عليها، فتعالى صوتها بالبكاء: _أنا آسفة إني قولتلك كده، أنا تعبانه أوي يا أحمد. شدد عليها بكل ما فيه، بينما يضمها وهو يردد بصوت باكي: _بسم الله على قلبك حتى يُشفى، وعلى روحك حتى تستريح، بسم الله من وجع لست أملك الصبر في تحمله، فديت قلبك ووجعك بنفسي وبروحي! قالها ومال عليها يشاركها البكاء، ولكنه لم يصدر عنه أي صوت، بينما تصرخ هي بصوتها الذي قضى عليه تدريجيًا، حتى استكانت خاضعة بين ذراعيه، فسحبها ومال بها للوسادة، يتركها تستغرق في نومها، بينما عينيه تتعلق بالفراغ، ويده تضمها بكل عشق! ******تقلب على الفراش بانزعاجٍ، هل من المفترض أن يعتاد على هذا الصياح الصباحي المزعج، الا يكفيه قرص تلك الحشرات الغريبة ليلًا. ازاح "عُمران" الغطاء عنه ونهض يجذب قميصه، يرتديه على عجالةٍ، وخرج يستمع لنفس الاسطوانة المملة، بينما يربع يديه ويميل على الحائط. رفعت اصبعها تشير إليه وتحذره بغضب: _صوتك ميترفعش عليا يا بلطجي أنت والا والله العظيم أقلع اللي في رجليا وأنسله على دماغك. توسعت مُقلتيه البنيتان في صدمة حقيقة، بينما يعيد قول ما تفوهت به وقد تزاحم غضبه وإلتحم بعرقه الرجولي: _تعملي أيه؟ اظبطي كلامك معايا والا وربي ما هعمل حساب للجيرة ولا لاهلك، هو كل من مسك شهادة شاف نفسه ولا أيه، لا فوقي كده يا نغة وإفتكري إنك واقفة قدام الاسطا موسى عُربان على سن ورمح. واستطرد وهو يحيطها بنظرة تقلل منها: _مبقاش غير النسوان اللي هتقف وتبجح فينا، لا خدي تمامك وإركني بدل ما أهب في وشك. ضمت شفتيها معًا بغضب، وأبعدت وشاحها الطويل للخلف، بينما تجيبه: _هو إنت شايف نفسك على أيه؟ ده أنت حتى دروس بنتك مش عارف تذاكرهالها، ولولا إني بقعد معاها ساعتين كل يوم مكنتش نجحت بسبب اهمالك، ولا إنت معندكش وقت تذاكرلها من بلطجتك على الناس كل يوم والتاني. أعاد خصلات شعره السوداء للخلف بغضب، وسحب نفسًا من سيجاره حتى أزهقه، ألقاه أرضًا ودعسه بقوةٍ أرعبتها، بينما يكز على أسنانه وهو يتمنى أن تكون هي محلها، ثم هدر ببسمة باردة: _بقولك أيه يا أبلة صباح، مش جبتي الناهية وقولتي إني بلطجي، خلاص مالك بقى ببنتي شاغلة بالك بيها ليه؟ هي يعني لو اتخرجت هتأخد البكالوريا! دي حيالله في تانية ابتدائي! جحظت عينيها في صدمة وصرخت بوجهه بشكلٍ ردعه للخلف بتوتر: _وكمان مش عارف بنتك في أي سنة، بنتك يا اسطا موسى عُربان في تالتة ابتدائي، بس هقول أيه هتلاقيك مبرشم زيك زي أشكال الحي الآآ... وضع أصابعه الخامسة على بعد من وجهها مثلما اعتاد أن يصمتها، وكعادتها تخفي بسمتها لحركته التي يخصها هي بها، ولكنه مع أي شخص أخر يكورها بوجهه وهو يخرسه بكل جراءة، تنهد وصاح من بين اصطكاك أسنانه: _خديلك راجع عني يا أبله بدل ما أقل منك ومن شهادتك، وخدي بالك موسى عُربان مقالش بقيمة واحدة ست قبل كده، يعني هتخشي التاريخ من أوسع ابوابه خدي بالك. تراجعت خطوتين للخلف وهي تشير له باستخفاف: _على أخر الزمن هدخل التاريخ على إيد ميكانيكي!! بالرغم من أن الجملة أوجعته، الا أنه ضحك قائلًا: _ألاه طيب وماله الميكانيكي، بيأكل برجله ولا لسانه ناقص حتة يا أبله! وتابع يحذرها: _خدي بالك انا عملك احترام عشان خاطر قمر بنتي بس. زوت حاجبيها في دهشة: _كل ده وعاملي احترام، ده إنت بتكلمني زي العربجي! ولسه من شوية كنت بتهددني! ضيق عينيه الساحرة وقال ببراءة أضحكتها: _ألاه! مش بقولك اللي هيحصل لو كترتي في الكلام!! وتابع وهو يشير بسخط: _ما أنا مش كل يوم والتاني هتمسخر قدام الصبيان بتوعي بسببك مرة وانتي رايحة المدرسة ومرة وانتي راجعه، أبله هو انتِ مبتزهقيش!! ربعت يديها ومالت بفستانها الازرق جانبًا معللة سبب استيائها: _مهو انا كل ما أشوفك سايب قمر بتلعب في الشارع ومش بتذاكر بتنرفزني، وباجي أجر شكلك. زفر وهو يخبرها: _يعني أسيبها فين بس، مهي بتلعب قدام عنيا لحد ما ترجعي من السنتر بتاعك، بتطلع معاكِ على طول، وشوية مع الخواجة وأهي ماشية، معرفش بعد ما تروحي بيت عدلك هتعمل أيه دي متعلقة بيكِ أوي يا أبلة صباح. استفزها حديثه، والقاتل انه يتحدث بجدية تامة، ذلك الاخرق الذي لم يسمع يومًا لهمس قلبها، لا يراها الا معلمة ابنته، واحدى سكان منزله. منحته نظرة شرسة وقالت بغضب: _هتفضل طول عمرك غبي ومبتفهمش. قالتها وهبطت للاسفل، بينما يتابعها بضيق وغيظ من اسلوبها، فانتظر حتى هبطت الدرج وصاح بأثرها: _وانتي مغرورة وعرقك طاير فوق، بصي تحت شوية لتقعي على قفاكي، نسوان تجيب الفقر، الحمد لله إني خلعت من مُكنة النكد دي، أنا عرقي حامي ومعنديش مرارة انا! سحب جاكيته الموضوع على المشجب الذي صنعه خصيصًا لجاكيته، يرتديه وهو يهدر بانزعاج: _دي كل ما تشوف سحنتي تنزل عليا بالمواعظ والدبش، دي طليقتي معملتهاش!! _غلطانه مس صباح، المفروض تنزل على دماغ أمك بالشماعة اللي شايفلي نفسك بيها دي! قالها عُمران وهو يطالعه بسخطٍ، حانت منه نظرة تجاهه وقال مبتسمًا:_خواجه إنت قومت!! فرك جبينه بتعبٍ، بينما يتجه إليه موسى يشكو له: _صدقتني لما قولتلك إنها نفورة ازعاج. منحه نظرة ساخطة ثم هدر فيه: _وآنت كتلة غباء يا آآ... يا أسطا. وتركه وعاد لغرفته فلحق به الاخير بضيقٍ: _انا غبي!! بقى دي أخرتها تطلع صاحبك غبي!! جلس على الفراش يمرر يده على رأسه الذي بدأت تنمو فيها خصلاته البنية: _هي دي معاملة تعامل بيها واحدة ست بذمتك؟؟؟ إنت متأكد إنك كنت متجوز قبل كده؟ أجابه ببلاهة مضحكة: _ألاه!!! ، أمال يعني كنت كاسب البت قمر في كيس شبسي!! وأضاف بنزق:_بص اتجوزت وكان ليا في كام سكة شمال قبل ما ربنا يتوب عليا بس عينة الابلة صباح دي موردش عليا قبل كده. وصاح بفتور وهو يسحب جاكيته: _ربنا يكون في عون البغل اللي هيشيلها من الحي،ولا تلاقيها عايزة تعيش مع هوانم جردن سيتي بنت محروس! واتجه للخارج وهو يصيح بانفعال: _دي مُولفة مع وبور غاز، بتهب في وش أي حد يكلمها، ده الواحد بيترعب يقولها صباح الخير، يلا هنزل الورشة ولما قمر تيجي من المدرسة هاتها في ايدك وإنت نازل ومتنساش براد الشاي سلام. زم عمران شفتيه وتمتم بسخرية: _سلام يا بغل! وتمدد ساحبًا الغطاء، وهو يردد بارهاق: _المعتوه ده محتاج مني تربية وإعادة تأهيل في فن التعامل مع أنثى! لا ده محتاج معجزة! عاد صوت قرع بالاسفل يخترق مسمعه، وصوتًا شعبيا يتردد لبيع الاسطوانات الغازية، فابعد الغطاء ونهض يتمتم بسخطٍ: _مفهاش نوم تاني كده. نهض يتجه للحقيبة المتكدسة بالملابس التي اشتراها برفقة صابر وموسى، انتقى منها بنطال جينز من اللون الرمادي، وتيشرت رمادي، بينما يلتف بحزام جلدي أسود وقميص أسود مفتوح من فوق التيشرت، حتى الحذاء والساعة كانت سوداء، أتقن في مظهره بشكلٍ جذاب وملفت كعادته، مازال طاووسًا لا يتنازل عن اكتمال طلته! اتجه عُمران للمطبخ حيث وجد موسى يضع قدح الشاي على نيران هادئة، رفع مستواها ليتمكن من سكبها بالبراد ليهبط لمحل عمل موسى، كما اعتاد بفترته الاخيرة، فاذا به يرى صباح تقتحم السطح مجددًا وهي تتساءل بغضب: _هو فيــن؟ أجابها باستغراب: _نزل من شوية، في حاجة ولا أيه؟ قالت بعزمٍ قاطع: _هأخد منه مفتاح عربيتي اشوف حد غيره يصلحها، ده إنسان فاشل مبيعرفش يعمل حاجة غير يطول لسانه، وفي الاخر يتهمني أنا اللي لساني طويل، انسان مستفز، كل ما يشوفني يدعيلي أغور من هنا عشان يروق، تقولش قاعدة على قلبه!! راقبها عُمران بهدوء وابتسامة خبيثة، جعلتها تنقطع عن حديثها وتسأله بدهشة: _أيه؟ استدار عنها وهو يهتف بجمود: _ولا حاجه تقدري تنزليله تحت وتقوليله اللي قولتيه ده. ارتبكت من غموضه، عينيه تخبئ شيئًا ما، جموده وثقل ردوده دفعها للبقاء، حمل البراد والمياه وأتجه ليهبط فوجدها مازالت تقف محلها، تفكر فيما ستخلقه من حديثًا، حتى تسحبه لمعرفة سبب نظرته الغريبة، فقالت بتلعثم: _على فكرة مذاكرتك لقمر باينة جدًا، ما شاء الله اتحسنت كتير، انت شكلك تعليم عالي على فكرة. حدجها بنظرة كالميكروسكوب، وردد بثبات: _بتحبيه؟ برقت في صدمةٍ، لم تكن تتخيل أن يكون جريئًا لتلك الدرجة، كانت تظن أنه سيلمح أو ربما لم يعلم بأمرها الخفي عن الجميع حتى عن صاحب الشأن! لعقت شفتيها بارتباكٍ: _انت بتقول أيه؟!! أنا أحب المتخلف ده؟ رد عليها بعتابٍ لطيف: _على فكرة ألفاظك إنتي وهو هتتحاسبوا عليها، وياريت متجادليش معايا لأنك مكشوفة ليا من أول خناقة ليكي معاه تحت في الورشة. لم يكن بالهين أبدًا، وهي تعلم ذلك، تركته واتجهت للطاولة الخشبية الصغيرة الموضوعة بمنتصف السطح، جلست وتركت العنان لدموعها تنهمر. ترك عمران الاكياس التي يحملها، وأتجه يجذب مقعدًا على بعد مسافة معقولة منها، ينتظر أن تتحدث عما بداخلها، يفطن انها ستخرج ما دفن داخلها، وإذا بها تقول: _بحبه من وأنا عيلة بضفاير، بس هو لما فكر يتجوز راح نقى من برة الحي، عاش حياته عادي وأنا حياتي وقفت. وأضافت وهي تحاول ازاحة دموعها التي تزحزحت عن لجام قسوتها: _رفضت كل اللي اتقدمولي، لاني مش قادره أشوف غيره، بس هو عمره ما شافني أصلًا، حتى بعد ما طلق مراته! وأضافت ببسمةٍ ساخرة: _زي ما أنت شايف معاملته ليا كده! سحب عُمران منديلًا ورقيًا من جيب بنطاله، قدمه لها فالتقطته بامتنانٍ، مسحت وجهها بينما يخفض هو عينيه أرضًا، ينتظر أن تهدأ قليلًا، ثم قال: _أنا فاهمك جدًا، ومقدر اخلاصك لحبك، بس لو دورنا مع بعض هنلاقي إن في نسبة من الغلط واقع عليكي بردو. توقفت عما تفعل، ورددت باستنكارٍ: _عليا أنا!! ليه عملت أيه؟؟ رد عليها بنبرته الهادئة الرتيبة: _اولًا خلينا متفقين أن موسى مغلطتش في البداية، زي أي شاب عجبته واحدة وراح اتجوزها، اكيد ماخدش باله من حبك ده أبدًا، وخصوصًا أنك دايمًا بتتناقري معاه، يعني موصلاله إنك بتكرهيه لأبعد حد! واضاف بعقلانية: _على حسب كلامك انك فضلتي تحبيه وانتظرتي بعد انفصاله عشان يحس بحبك، بس اللي انا شايفه إنك معملتيش أي حاجة عشان تلفتي إنتباهه ليكي حتى. صاحت بعصبية بالغة كادت بحطام الطاولة بينهما: _نعم!! اعمل ايه يعني عشان الفت انتباه سيادته، أروحله اقوله بحبك يا طور مثلًا. ضحك رغمًا عنه وقال: _لا هو بغل مش طور. ابتسمت هي الآخرى على حديثه، بينما استمد هو نفسًا طويلًا وأوضح مقصده: _مقصدتش ده أبدًا، أنا مدرك المكان اللي إحنا فيه، قصدي إنك محاولتيش تحسني علاقتك بيه بعد انفصاله، دي لوحدها كانت لافتة انتباه، لكن مش على طول خناق ده الراجل بيخاف يقابلك صدفة على السلم يا صباح!! وتابع وهو يراها تمتقع حرجًا لصحة حديثه: _أخرها النهاردة مثلًا، نازلة فيه بدون ما حتى تأخدي فواصل، فبالله عليكي هيحس بحبك ازاي!!! ضحك وهو يخبرها: _عارفة موسى لو عرف إنك بتحبيه هيأخد صدمة هتجيب اجله، هو مستحيل يلمس حبك ده نهائي، هيحس إن في حاجة غلط، فحاولي تهدي شوية. عادت تجفف دموعها، وتهدر في نزقٍ: _والله لو عملت أيه، عمره ما هيحس ده طور قولتلك! ابتسم في راحةٍ لتحقق هدفه باجتيازٍ، فسحب نظراته الغامضة تجاه الدرج، ثم قال لها: _ثواني يا صباح، راجعلك حالًا. حركت رأسها باشارة له، وبقيت بمحلها ترتب حجابها وتزيح دموعها، بينما يتسلل عُمران ليقبض على ذلك المتصنم محله كأنه تلقى عاصفة عصفت به بشكلٍ مذري. كبت ضحكاته على مظهره، فكان العرق يتصبب على جبينه كالبحر المرتطم، بينما ترتعش يديه، سحبه عُمران للطرقة المنجرفة داخل الدرج، وهمس إليه: _ها يا بغل، أيه رأيك؟ تطلع له ومازال يرتجف من هول ما استمع إليه: _آآ... أنا.... هو.... الأبلة بتتكلم عن مين؟ ... هي... بتحبني أنا!!!!.... لا.. لا.. مش معقول! وتابع وهو يحك جبينه: _أنا كنت... ناسي السجاير والولاعة... يا رتني ما طلعت! زم شفتيه ساخطًا: _مالك نخيت كده يا اسطى، مش عاملي فيها بسبع ألسنة، الوقتي قلبت فرخة بلدي!!!!! أجابه وهو يزيح عرقه بارتباكٍ: _ما أنا قولتلك ماليش في الصنف ده، توبت منه يا خواجة! لكزه عُمران بغضب قد وصل به لطريق مسدود: _هو أنا عازمك على سيجارة حشيش، ما تفوق وتظبط معايا كده بروح أمك على الصبح! وأضاف وهو يحاول أن يتمسك بالصبر قدر المستطاع: _دي فرصتك الوحيدة، آدخل واتكلم معاها ومتحاولش تكابر إنت بتحبها انت كمان بس عشان غبي مش عارف ولا فاهم مشاعرك لانك زي ما اعترفت مالكش في أي حاجة خالص. ابتلع ريقه الجاف بصعوبة بالغة، وراح يتمتم بحيرة: _لا... لا... أدخلها أيه؟! مش هعرف أواجهها.احتقنت رماديتاه بنفاذ الصبر الخطير للقضاء على هذا الآرعن، فمنحه نظرة مهينة بينما يهتف: _أمال بتعرف تعمل ايه يا سطا غير نصب العركة كل يوم والتاني تحت! قولي مهاراتك أيه؟ لعق شفتيه بتردد: _طيب هقولها أيه؟؟؟؟ رمقه عُمران بدهشةٍ، ثم ضم مقدمة أنفه وهو يخفي ضحكته: _حاسس إني هيجرالي حاجة والله، مالك يا حبيبي؟؟ ليه محسسني إنك فقدت كل شيء فجأة كده؟ إنت اتعديت مني وفقدت الذاكرة إنت كمان ولا أيه؟؟؟؟ وفجأة تلاشت عنه ضحكته ودفعه بعنف حتى سقط أمام باب السطح، بينما يهدر فيه بنبرة متوعدة: _استرجل كده وادخل بصدرك، وحاول تربط لسانك البيئة ده، نقي كلامك وأوزنه قبل ما تتكلم، وإنجر عشان أنا اتخنقت وجبت أخري منكم! قالها وحمل الأكياس وهبط للاسفل، بينما نهض موسى ينفض ثيابه، ويستعيد خشونته الهادرة بصعوبة، فولج للداخل وهو يهسهس بحرج: _الخواجة دبسني وخلع!! *****كان بطريقه للاسفل، حتى تفاجئ بصابر يفتح باب شقته ويهرول إليه:_خواجــــــه. توقف محله يتنهد بضجر: _نعم، انتوا واخديني بالدور إنت وصاحبك. تغاضى عن حديثه وقال بضيق: _بقالك أسبوع بتتجاهلني وزعلان مني، وموسى الصبح في صلاة الفجر يقولي لما تعمل الصح هكلمك، هو أنا كل ده ومعملتش الصح!!! ما انا طلقتها خلاص أعملكم أيه تاني يعني أروح أولع فيها؟ استدار إليه يطالعه في مللٍ، ثم ناوله الاكياس التي يحملها قائلًا بعنجهيةٍ: _نزل الحاجة دي ورشة موسى وتعالى نكمل كلامنا يا عسول. رفرف باهدابه باسترابة، بينما يتجه عُمران لشقته قائلًا بسخرية:_هستناك في شقة العقارب، وخد بالك مبستناش حد أنا! حمل صابر ما بيده وهرول للاسفل، بينما يمضي عُمران حتى أقرب مقعد، وجلس يضع قدمًا فوق الاخرى، هامسًا: _حلال العقد، شكلها بقت شغلتني الجديدة! *****"كانت بانتظاره، حتى سُحب المقعد، وجلس أمامها أخر شخص توقعت رؤيته، رفرفت بأهدابها بصدمة، ولكن سرعان ما اخفتها وتصنعت الثبات أمامه: _هو انت مش كنت تحت؟ وبارتباكٍ من أن يكون سمع حديثها تساءلت: _إنت هنا من أمته؟؟ تمعن بها بحرجٍ، ثم تنحنح: _يعني مش من كتير. طريقته كانت غامضة للغاية، مما جعلها تنبشه لتعلم ما به:_طيب حيث كده كنت طالعه أقولك هات مفتاح عربيتي أنا هشوف حد تاني غيرك يصلحها، أنت آآ.. قاطعها متلهفًا وبأسلوب تشهده منه لاول مرة: _يمين بالله محد حاطك ايده فيها غيري يا أبلة، هخلصهالك هوى والله، أنا عنيا ليكِ. رمشت بعدم استيعاب، وتيقنت مئة بالمئة بأنه سمع حديثها، فامتقع وجهها بحمرة شديدة، وإذا بها تهرول هاربة: _طيب أنا هنزل عشان ورايا حصة بالسنتر. قالتها وكادت بالهبوط، فلحق بها يوقفها: _تتجوزيني يا أبله؟ توقفت محلها ويدها تحتجز الدرابزين بعدم تصديق، ظنته سيواجهها بما سمع ليحطم غرورها مثلما اعتاد، ولكن ما قاله أخر ما توقعته. وقف موسى على بعد محسوب منها، واحترم عدم رغبتها بالاستدارة اليه، فوقف خلفها وقال: _أنا متخيلتش ولا حلمت إني أكون في قلبك إنتِ، أنا طول عمري شايفك حاجة كبيرة أوي يا أبلة، ولحد الآن مستخسرك فيا، مهما كان إنتِ ما شاء الله حلوة ومتعلمة، يعني تستاهلي واحد أحسن مني، ده أنا حتى معيش شهادة ابتدائية! في تلك اللحظة استدارت إليه تتطلع له بعينيها الغائرة بالدموع: _عمر ده ما يعيبك أبدًا يا موسى، إنت أرجل راجل في الحي كله، كفايا أنك بتأكلها بالحلال وعمرك ما مديت ايدك للحرام، وحنية قلبك على قمر مش بتتشرى لا بشهادة ولا بالملايين. جحظت عينيه في ذهول تام، وردد رغمًا عنه: _معقول انتِ الابلة ام لسان شبه الوبور!! كبتت ضحكتها وقالت تهدده:_هتلم نفسك ولا ألسن جزمتي عليك؟ ضحك وقال بحب: _لا وعلى أيه خلينا في دور روميو وجوليت ده رايق وروش كده، المهم مجاوبتنيش أنزل أكلم الحاجة؟؟ لفت وجهها للدرج تفرك أصابعها بخجل: _لما تصلح العربية الاول، أعتبرها مهري يا أسطى. قالتها وهرولت للاسفل، فمسح على خصلات شعره الفحمي وهو يردد في سعادة:_وماله نصلح عربية المرحوم لأجل ما نول المراد!!! ****طال الحديث بينهما عن تفاصيل حالة عُمران، وأتمها بقوله المستفيض،مستندًا بذراعيه على الطاولة،حيثما يجلس علي وآدهم قبالته: _في حالات فقدان الذاكرة الجزئي (Retrograde Amnesia):الشخص يفقد ذكريات الماضي قبل الحادث لكن يحتفظ بالمهارات التلقائية أو العادات الراسخة بمعنى إنه ممكن يصلي بطريقة تلقائية لو الصلاة كانت جزءا من روتينه، وممكن يلبس بنفس الأسلوب أو يختار ألوان معينة بدون ما يعرف ليهياكل بطريقة معينة، يفضل أكل معين يشرب بطريقة معينة، من غير ما يتذكر السبب أو الذكرى نفسها ودي اسمها "الذاكرة الإجرائية" (Procedural Memory) وهي نوع من الذاكرة بيخزن العادات والحركات التلقائية، وبتكون موجودة غالبًا، حتى لو الذاكرة الشخصية اتأثرت، ومبقاش فاكر هو مين أو فاكر حاجة عن حياته. ممكن الشخص يفتكر العادات والسلوكيات التلقائية حتى لو نسي الأشخاص أو الأحداث أو اسمه دي من الحاجات العجيبة في المخ البشري وبتظهر قد أيه السلوك الإنساني أعمق من مجرد "الذكريات اللفظية"، شخص إتربى طول عمره بيصلي الفجر قبل الشغل ممكن تلاقيه بعد فقدان الذاكرة:يصحى من نفسه بدري، يقوم يتوضى ويصلي بشكل آليبس لما تسأله "أنت بتعمل إيه؟" هيقولك: مش عارف بس حاسس ده اللي المفروض أعملهممكن يفتكر "كلام سمعه" قبل فقدان الذاكرة بس تحت شروط معينة:لو الكلام كان متكرر جدا أو مرتبط بمشاعر قوية (زي جملة حد بيقولها له دايما أو موقف مؤلم)لو كان الكلام اتحفر في الذاكرة طويلة المدى قبل الإصابة فالمخ ممكن يخزنه بشكل دائم، جملة مثلًا كان بيسمعها من شخص عزيز قالها له كتيركلمات أغنية كان بيحبها، وبيسمعها كتيرالذاكرة السمعية التلقائية (زي الأغاني أو الجمل المحفوظة) بتتخزن في مناطق مختلفة عن الذاكرة الشخصية وعشان كده ممكن تفضل موجودة حتى لو نسي الناس أو الأحداث! هز آدهم رأسه بخفة، بينما تساءل علي بفضول: _طيب إزاي أقدر اواجهه بالعلاقة اللي بينا، وأخليه جاهز يقابل عيلته وأصدقائه؟ ترك الطبيب كوب قهوته وقال يجيب: _مش فرض حدوث أمر متكرر مع تصرفات كل مريض فقد الذاكرة، الموضوع بيختلف من شخص للتاني، بس اللي أقدر أقولهولك إن ده بيتوقف على حسب قدرته، ونخلي مقابلته بالدكتور علي اختبار قصير، ظهورك ليه هو بوابة للي جاي، لو تقبل وجودك هيقدر يتقبل علاقته بالعيلة والاصدقاء. كسر آدهم صمته حينما قال:_يعني مقابلة علي ليه هي اللي هتحدد كل حاجه؟ أشار له بايجاب: _بالظبط.. بس زي ما حذرتكم في بداية كلامنا إن الموضوع ممكن يكون له مضاعفات، عشان كده بفضل إنه يشوفه من بعيد، وردة فعله هي اللي هتبين الطريق قدامك يا دكتور علي، لو متأثرش بيك يبقى الافضل إنك تكون في حياته بشكل مؤقت، كصديق جديد بيتعرف عليه وبعدها هتصارحه بالحقيقة واحدة واحدة، لكن لو حس بشيء من نحيتك أو بنسبة قليلة ممكن يفتكرك او يشوف ليه مشاهد من ذكرياته بتجمعه بيك التلات حاجات دول نقاط ايجابية وبشارة إنه هيتقبلك وجاهز يستكشف كل شيء عن حياته. توترت معالمه بشكلٍ مقبض، كل مرة تزداد حدة وصعوبة ما يجتازه، ولكنه جاهز لفعل أي شيء من أجل أخيه. شكر آدهم الطبيب ونهض يلحق بعلي في السيارة التي تحركت للعودة، بينما يميل علي شاردًا بلقاء أخيه، وبأي طريق سيسلكه معه، طريق الصديق الذي وقع بطريقه صدفه أو طريق الأخ الذي عاد يطالبه بالعودة برفقته، لتعود الحياة إليه وإلى كل من أفتقدوه! ******زفر "عُمران" بنفورٍ من تكرار "صابر لنفس الحديث مجددًا: _صابر أنت لسه هتحاكي في نفس الحوار، فين الجديد عشان خلقي ضاق من أمك! سحب كوب العصير من أمامه، تجرعه مرة واحدة، وقال يصارحه: _تلخيص الرغي ده إني مش قادر أقربلها، قلبي موجوع من خيانتها ليا ومش قادر حتى أبص في خلقتها. انفعل عليه الاخر وصاح: _خيانة أيه اللي بتتكلم عنها، دي كانت مراته على سنة الله ورسوله!! بقولك أيه أنا دماغي فيها كلاب سعرانه بتتعارك جوه، أوزن كلامك لأطلقهم عليك وأخلص! قالها وصفن قليلًا، في تلك الكلمة التي شعر وكأنه رددها أكثر من مرة، حتى أنه لم يستمع لرد صابر عليه، فناداه بقلق: _خواجه، روحت فين؟ أبصر برماديتاه وقال بثبات: _معاك. راوض ما بداخله وقال يسأله: _قولي يا صابر، هي كانت تعرف أن أخوك بيشرب قبل ما تتجوزه. لوى شفتيه بتهكمٍ وغيظ من تذكره لما مر: _لا مكنتش تعرف ولا حد كان يعرف أصلًا، لانه كان لسه بادئ يتعاطى قبل ما يتجوزها بشهرين تلاته. هز رأسه بتفهمٍ، وقال برزانة: _ده المتوقع، لأنها مستحيل كانت هترمي نفسها للهلاك بايدها، فده المفروض يشفعلها عندك، كمان في نقطة لازم حضرتك تتقبلها، مفيش حد بيملك سلطان على قلبه، هي قلبها مال لأخوك، وكانت فاكرة إن اختيارها صح، بعد كده اتصدمت من اختيارها، وأكيد لامت نفسها وندمت على اختيارها ليه ورفضها ليك، إنت زودت فوق عذابها عذاب يا صابر، ومكنتش عادل معاها، ظلمتها زي ما أخوك ظلمها. غامت سحابة الحزن والقهر على ملامحه، وبدى يحارب شيئًا ما داخله، ليتمكن من قوله: _كل ده كنت بفكر فيه الايام اللي فاتت، بس انت مش فاهمني مفيش راجل هيقبل على نفسه آ... قاطع حديثه عن الاندراج لتلك الجزئية: _الخلاصة عندي في سؤال واحد، ردك عليه هينهي النقاش ده. نصب كل تركيزه عليه، فسأله عُمران: _لو كانت قبلت بيك واتجوزتك انت من الاول، ولقدر الله حصلها حادثة واتشوهت، أو تعبت بمرض خطير، كنت هتتخلى عنها؟ اجابه بلهفة وبدون أي تردد: _مستحيل أتخلى عنها. رد عليه بنفس الهدوء: _خلاص اعتبر إنها تعبانه أو فيها شيء مشوه، بالرغم من ان جوازها شيء طبيعي ومش مستاهل كل ده بس تخيل انها كده وخلاص. وأستطرد بوجومٍ: _الحب كفيل يجملك كل العيوب اللي في شريكك يا صابر، فإزاي مش قادر تتخطى شيء بسيط خارج عن ارداتها. وانتصب بعوده عن المقعد، ثم استدار يخبره بضيق من عجزه: _تخيل انت بتحارب نفسك من أد أيه، وبينك وبين اللي بتحبها طرقة بين الشقتين، صدقني لو نجحت تشيل الغشاوة السودة دي عن عينك وقلبك فالحب اللي بينكم كفيل يغير شقة العقارب دي لقصر. قالها وغادر على الفور، ليتركه محله يفكر في حديثه، حتى نهض بكل عزم، وإتجه لشقة والدته، طرق بابها فاذا بزوجته الاولى تفتح الباب باسدال صلاتها، وما أن رأته حتى تساءلت بتردد: _خير يا صابر، عايز حاجه؟ تعمق بالنظر إليها، تلك الزهرة التي ذُبلت أطرافها هنا في هذا المنزل، على يد أخيه والآن على يديه، ومع اصرار والدته طوال تلك الايام الماضية لتعلم لماذا طلق زوجته لم يرى منها أي اهتمام بما فعله، لا سعادة ولا حزن، وكأن أمره بات لا يعنيها!!! أفاق من شروده على صوتها الهامس: _إنت تعبان ولا أيه؟؟ سحب كفها فجأة وهو يهتف: _تعالي معايا. توقفت "نعمة" محلها في محاولة لنزع يدها منه: _على فين؟؟ استنى!! لم يجيبها بشيء، بل دفعها برفق داخل شقته، ثم أغلق بابها، راقبته نعمة بقلقٍ، وقد اندس فيها الخوف، تخشى أن تكون إرتكبت شيئا ما يجعله يعاقبها وهو بتلك الحالة. دار صابر من حولها، ومازالت تقف في محلها برعبٍ، تنصت لما سيقوله، فاذا به يستقر أمامها ويفاجئها بسؤالٍ أدهشها: _لسه بتحبيه؟ رفرفت باهدابها بعدم استيعاب:_مين؟ هدر بانفعال وهو يحجز ذراعها بين قبضته: _أنتِ عارفة انا بتكلم عن مين يا نعمة، لسه بتحبيه ولا لا؟؟؟؟ ارتجفت قبالته بخوف، بالرغم من انه لم يرفع يومًا يده عليها ولكنها باتت تخشى أي صوت صاخب من حولها، فاذا بها تبكي وهي تردد بشحوب: _متضربنيش يا صابر، ورحمة أبوك ما تكرهني فيك. أصاب سهمًا قلبه دون أن يرف له جفنًا، بينما تتابع رميه حيًا: _قولي إنت عايز أيه وأنا هعملهولك، عايز تتجوز تاني اتجوز، أنا مش عايزة حاجة غير أني اعيش مع عمتي، وعمري ما هطالبك بحاجة تانية والله العظيم. دقق النظر فيها وقال مصعوقًا: _اتجوز تاني!! هو إنتي مش ناوية تحنني قلبك وتحاولي تحبيني زي ما بحبك، إنت بتحبي اللي هانك وداس عليكي ومش مستعدة تدي فرصة للي بيحبك؟؟؟ طالعته بدهشة ولم تعد تعلم ماذا يريد بالتحديد؟ : _أنا مبقتش أحبه من اول مرة رفع فيها ايده عليا، أنا بدعيله بالرحمة عشان خاطر عمتي وعشان خاطر اكرامك ليا، مفيش في قلبي ليه حاجة. كالقتيل المتعلق بأي أمل، زرعت له البسمة في طريقه العابث، فاذا به يستند بجبينه على جبينها ويقول: _ما أنا كمان عملت فيكي كتير يا نعمة. طالعته بعينيها الدامعة وقال: _عملتها عشان كنت مجروح مني ومن اللي عملته، وبالرغم من كده عمرك ما رفعت ايدك عليا ولا هنتني، أكرمتني وكنت شايف كل طلباتي من غير ما أطلب منك، ده كله وعايزني أكرهك. سقطت دموعه في تلك اللحظة، وبحت نبرته: _قصرت في أهم حاجة، حقوقك الشرعية! ردت عليه بابتسامة مؤلمة: _كده هبقى طماعة أوي، أنت احترمتني وده كفايا عليا. لم يستطيع قول كلمة اخرى، بل ضمها إليه بقوة جعلتها تتمسك به بفرحةٍ، ازدادت بنطق ما حُرمت منه منذ سنوات: _أنا لسه بحبك يا نعمة... وعمري ما بطلت أحبك!! قالها ودعمها إليه، يصطحبها لعالمه الذي حرمها منه، وكأن الله قد أوقع عُمران بطريقه ليزيح غمامته السوداء عن ظلم تلك الفتاة، فدخل بها لتكون زوجته الآن! *******تقلبت في الفراش بوجعٍ يقتحم بطنها المنتفخ، وما أن فتحت عينيها حتى تفاجئت بالمياه تحاوط الفراش من حولها. جحظت عينيها في صدمة، وأبعدت الغطاء عنها، وهي تحاول أن تستكشف ما يحدث، وإذا بها تصرخ بصوتٍ صاخب:_إلحقنــــــــي يا يـــــــوسف! أتى مهرولًا من المطبخ بعدما كان يتناول الافطار استعدادًا للهبوط لعمله، فوجدها تصرخ بانهيار، رنا إليها يتساءل بقلق:_ليلــــى مالك؟؟ أشارت على الفراش وهي تبكي بخوف: _أنت لسه هتسأل، أنا شكلي بولد يا يوسف!! وزع بصره نحوها ونحو الفراش، ثم ركض نحوها يهتف ببلاهة: _أه دي باينها ولادة فعلًا. منعت صرخة ألمها وقالت بسخط: _فعلًا!!!! أنت بتهرج يا دكتور!!!! حك جبهته وهو يصارحها بما سيقضي به عليها: _لا مش القصد، بس أنا مش هقدر أولدك يا حبيبتي، قلبي رهيف وهيتوجع عشانك، فأيه رأيك نشوف دكتور تاني أحسن؟ حاربت وجعها. وأنفاسها التي تختنق، في محاولة لكبح غيظها، فجذبت كوب المياه المجاور لها، قم قذفته تجاهه بعنفوان: _بتتخلى عني في أول مطب يا يوسف، طيب طلقني بقى أنا يستحيل اكمل معاك أنا وبنتي. تفادى الكوب بصعوبة، وراقبها بتمعنٍ: _وماله يا قلب يوسف لينا محكمة تلمنا، المهم الوقتي استريحي كده عشان أكشف عليكي وأقيم الوضع. أشارت له بتحذيرٍ: _ايدك عني، أنا هشوف دكتور غيرك، فاكر نفسك دكتور مهم!! قالتها ومالت على الفراش تجذب هاتفها، بينما يستغل هو انشغالها ويجذب حقيبته الخاصة، ارتدى الجلفز وبدأ يفحصها بدقةٍ، ثم همس دون ان تستمع له: _لسه معانا ساعتين تلاتة، الصبر من عندك يارب. اطمئن على وضعها واتجه يجلس على المقعد، يراقب ما تفعله، فاذا بها تتحدث بالهاتف قائلة: _الحقيني يا زينب، بولد ومش قادرة، ويوسف أبو قلب جاحد مش راضي يولدني، صحي سيف ينزل يوديني المركز ولا يشوفلي اي دكتورة! رفرف باهدابه بصدمة من تلك التهمة التي تلقيها عليه، فنهض من محله يرسم فزعه الشديد: _أيــــــــه بتولدي بجد يا لولا!!! ازاي متقوليش!! عبثت بصدمة من تمثيله، وهو الذي كان يفحصها منذ قليل ويعلم كل العلم بأنها تلد بالفعل!! حملها يوسف ومال لسماعة الهاتف: _خلي سيف يقابلني بسرعه يا زينب. قالها واتجه بها للغرفة المخصصة لملابسها، عاونها على ارتداء الجلباب الاسود، بينما تتطلع له بصدمة انستها الألم، وهو ما أراده أن يشغلها كليًا عن الالم، بينما يقف أمام الخزانة خاصته يدندن وهو ينتقي ملابسه: _اعتقد الطقم ده هيبقى حلو لاستقبال نوجة! قالها وسحب بنطاله يرتديه ببرود، ثم منحها ابتسامة يخفي بها قلقه عليها، وانحنى يجذب لها الكيس البلاستيكي قائلًا: _خدي يا حبيبتي كيس البقسماط بتاعك اتسلي بيه عما ألبس. وتركها وخرج يختبئ ليبلغ المركز باعداد غرفة العمليات وهو يتمنى أن لا يلجئ للجراحه. عاد اليها فوجدها مازالت تتطلع على الباب الذي خرج منه بصدمة، وفجأة لمح الشراسة تلتمع بمُقلتيها، وجذبت ما قابلها من المزهريات، تلقفها له بصراخ عنيف: _يا بارد يا عديم المسؤولية، إنت دكتور انت، أنت جزار بلا قلب. تفادى قدر المستطاع ما تلقيه، وتركها واتجه يفتح باب الشقة، فوجد سيف يخبره بهلع: _انا جاهز فين ليلى؟ اشار على الداخل دون ان يتحدث، فولج سيف وزينب للداخل وما كادوا بالاقتراب من الخزانة حتى القت الشمعدان تجاههما، فتراجعوا ليوسف، وسأله سيف بصدمة: _مالها ليلى؟ أجابه ببسمة واسعة: _بتولد يا حبيبي، بس زي ما انت شايف عايزة تيتم البنت من قبل ما تيجي على وش الدنيا. وأشار لهما مسترسلًا: _يلا هدخل أحاول اقيدها واخرج بيها تكون دورت العربية.وتمتم بخوف لمصيره القادم:_استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه. قالها واقتحم الخزانة حتى تمكن من حولها، وهرع بها للخارج ومازال تصرخ فيه ان يتركها، فمالت تجرح وجهه باصابعها، بينما تراقبها زينب بخوف وصدمة، وكأنها باتت كمصاصين الدماء. اتبعتهما للمصعد وسيطرت على يديها بعيدًا عن وجه يوسف الذي قال بارهاق:_نردهالك في ولادتك بإذن الله يا دكتورة، مش أنتِ كل ما تكشفي على طفل حلو تجري عليا ومصممة أديكي منشط، تحبي أكتبلك على جرعة؟؟ هزت زينب رأسها نافية ذلك بكل اقتناع، بينما يخفي يوسف قلقه الصريح على زوجته التي مالت على كتفه تبكي من شدة ألمها! ***** أتى الليل بعد ساعات كانت أعوامًا بالنسبة إلى "علي"، وها هو الآن يقف قبالة منزل" موسى"، يواجه"آدهم"، "صابر" بعد كشفه عن هويته، ويضع له خطة بسيطة لظهور "علي" ل " عُمران ". بينما على بعد من المنزل، كان عُمران بطريق عودته من صلاة العشاء برفقة موسى الذي يخطو مبتسمًا وسعيدًا منذ الصباح، استدار عُمران للخلف باستغراب حينما لم يجده جواره، فوجده يمشي ببطءٍ شديد. ابتسم وهو يهز رأسه بيأسٍ وانتظره حتى أتى إليه ثم قال: _لما انت واقع أوي كده، معترفتلهاش من زمان ليه؟ اتسعت ابتسامته بهيامٍ ومشاعره تتراقص في مُقلتيه: _مكنتش اعرف إني بحبها أصلًا، ولا كنت أجرأ أفكر فيها، الفرق بينا في التعليم كبير يا خواجة. تابع المضي بنفس خطاه البطيء، وقال: _وعشان متحسش بالنقص ده، اتعلم الكتابة والقراءة يا موسى، صدقني هتفرق معاك في شغلك وفي حياتك مع قمر. شرد قليلًا في حديثه، ثم هتف بحماس: _هعمل كده. واضاف مبتسمًا والحيرة تنهشه: _سبحان من جعلك سبب لتغير حياتي أنا والواد صابر، لا وكنت بقول عليك قتيل، ده انا اللي كنت ميت يا عم! رفع احدى حاجبيه بغضب، فضحك موسى وبرر: _غلطة وخدت راجع عني متزعلش، بس بصراحه انت شقلبت كياني، بقيت بصلي معاك كل فرد في الجامع والله اكبر عليك صوتك في القرآن جميل اوي. تنهد وهو يخفي حزنه، ومازحه: _ما خلاص يا موسى، هتخليني اقع في حب نفسي أكتر من كده؟! مضى بنظرة دقيقة فيه ثم قال: _ليك حق تنفش ريشك زي الطاووس! غامت معالم عُمران، ومصدر الكلمة تتردد داخله دون توقف، مع دمج كلمة "وقح" مع "الطاووس" تجمعت الآن برأسه "الطاووس الوقح"! أفاق على هزة يده، فانفض عنه ما تردد داخله، ثم قال بجدية تامة: _بقولك ايه يا موسى، أنا كنت عايزك تشوف حمص عشان محتاج أستبدل المبلغ اللي معايا. اندهش من سماع ما قال، وتساءل: _ليه تاني؟! رد عليه وعينيه تراقب المارة بلا هدف: _حابب اساعد بيهم مس صباح، والدتها لازم تعمل العملية باقرب وقت، وانت على حسب كلامك ان معاها حوالى140ألف، هنشوف اللي معايا هيبقوا كام، يمكن يكملوا المبلغ اللي محتاجاه كله. تطلع له بصمت، يفشل في فهمه، ذلك الغريب يمتلك قلبًا من ذهب، طال الصمت بموسى حتى صاح فيه عمران: _ها يا موسى هنروحله دلوقتي ولا هتكلمه الاول؟! تحرر صوته المكبوت أخيرًا: _عايز تديها الفلوس طيب وإنت هتعمل أيه يا خواجة؟ وبعدين مش آنت قولتلي هنروح بكره نجيب التكييف اللي عايزه ده. نزع قميصه وتبقى بالتيشرت حينما شعر بالحرارة تجتاحه: _هنشتري مروحة صغيرة، المهم نلحقها قبل ما الحالة تتدهور أكتر من كده. تحرر عن ملامحه المندهشة ابتسامة حب له: _إنت راجل أصلي يا خواجة، روح يا شيخ ربنا يردلك أحبابك ويجمعك بيهم. لمسته دعوته حتى قشعر جسده، ترى هل يمتلك أصدقاء في حياته مثل موسى؟ هل يمتلك أمًا وأبًا أو شقيق!!!! منح عُمران المال لموسى ووكله بتلك المهمة، وعاد هو إلى المنزل ليستكين قليلًا، صعد إلى الأعلى، حتى وصل إلى السطح، فتفاجئ بصابر يجلس على الدرج، وكأنه كان بانتظاره. فناداه حتى ينتبه له: _صابر! انتفض واقفًا، والحزن واللهفة تكتسح مُقلتيه، فاذا به يلمح شخصًا واقفًا خلفه، والذي لم يكن سوى آدهم، يتطلع له بنظرات غريبة هو الآخر، سحب بصره بصعوبة عن آدهم وسأل صابر: _في أيه يا صابر؟ وأيه اللي مقعدك كده؟ بدى مرتبكًا للغاية، ولكنه أجابه بما أملاه عليه آدهم: _مفيش دول ناس تبعي، كانوا في زيارة عندي وواحد فيهم جاتله مكالمة بس الشبكة نيلة تحت، بنستناه يخلص وهننزل على طول. حرك رأسه بخفة، وتخطاه ليمرأ من أمام آدهم، ونظرتهما متعلقة ببعضهما البعض، حتى أبتعد عمران عنه، فابتسم ومسح دمعة من عينيه المفتقدة له، بل ودعا الله أن يلهم علي الصبر، فإن لم يحتمل هو لقاءه، ماذا سيفعل؟! بحث عمران عن قمر فوجدها تقف تراقب، ذلك الرجل الذي يوليه ظهره ويضع الهاتف على أذنيه، فناداها بحزمٍ لتبتعد عنه: _قمر، تعالي هنا! ركضت تضع كفها الصغير بكفه، فوقف يتطلع لمن يزال يوليه ظهره بفضولٍ لرؤية ملامحه، ولكن الآخر كان يتطلب مجهودًا عظيمًا ليستدير، والهاتف على أذنيه يضج بصوت آدهم المحمس: _لف يا علي، خليه يشوفك. تهاوت دموعه تباعًا، لن يأتي من قلبه أن يمر على أخيه مرور الكرام، لن يحتمل أن لا يتعرف عليه، نزع الهاتف عن أذنه، وضعه بجيب جاكيته، وأزاح دموعه ليستعد للقاء أخيه بكل شجاعةٍ، سحب أكبر قدر من الاكسجين، واستدار ببطءٍ شديد إليه! لف عُمران بالفتاة في نية التوجه بها لغرفته، ولكنه توقف فجأة حينما بات "علي" مقابل وجهه، عاد بجسده الكامل في اتجاهه تاركًا يد الصغيرة، وعينيه لا تفارق عيني "علي" الذي يتابع كل صغيرة صادرة عنه. اقترب منهما آدهم على مسافة قريبة منهما، يدرس انفعالات عمران خشية من أن يتعرض للمضاعفات، صمته يطول ولم يعلم عنه شيء بعد! الصمت يطول به، وعينيه تدرس وجه "علي" بتركيزٍ، ومشاعر غريبة، وفجأة لفظ لسانه بما لا يعرفه: _علـي!! تحرر بكاء علي الصامت وتحرر بصوتٍ أبكى آدهم وصابر، حتى عُمران سقطت دموعه تلقائيًا، فترك محله ورنا إليه، يجتاحه وجعًا طفيفًا حاوط رأسه، بينما تدمع عينيه بدون إرادة منه، تساقطت دموع عمران وقلبه يخفق كالرعد داخله، كأنه يود أن يقسم صدره ويركض إلى ذلك الشخص، ثمة شيئًا غريبًا يينهما، والأهم كيف علم إسمه؟ وهل بالفعل هذا هو إسمه؟ وقف على مسافة قريبة منه، دموعهما الشيء المشترك بينهما، يدرس كل ملامحه في محاولة مستميتة لتذكر أي شيء يخصه، بينما ينتظر علي خطوته الثانية بفارغ الصبر، ليحدد بها هل عادت ذاكرته أم أن نطق اسمه كان أمرًا معتادًا كما أخبره الطبيب؟! فاذا به يشق الصمت المطول مجددًا: _هو أنا أعرفك؟ انحنى وجه علي يغسل بدموعه عينيه، ولكنها بالنهاية مؤشر ممتاز، قبض قبضة يده بقوة هائلة، عليه أن يجتاز تلك الحرب، فالمكسب فيها عودة أخيه، وحينها سيتمكن هو من العيش في سلامٍ. لفظ ما بداخله، ورفع رأسه يواجهه مجددًا، وتلك المرة قطع هو المسافة بينهما، حتى وقف قبالة عمران، يمنحه ابتسامة رغم نزيف عينيه من كثرة البكاء، ثم بصوتٍ مبحوح قال: _تعرفني أكتر من نفسك، لسانك نطق إسمي رغم إنك مش فاكر حد، ده لإني كنت اقرب حد ليك ، زي ما أنت أقربلي من روحي. صوته سحبه داخل هالة من الأمان، زلزل كيانه لدرجة جعلته يود أن يختبئ فيه، بينما يتابع علي: _أنا أخوك بالنسبة للدنيا كلها، بس كنت بالنسبالك الأب والاخ والصديق يا عُمران! تعمد لفظ إسمه ليوقظ بداخله ما فقده، فانهمرت دموعه وهو يردد بهمسٍ: _عُمران!! لم يترك له "علي" وقتًا للاندراج خلف ما قد ينتج عنه المضاعفات، بل دنا إليه يسحبه داخل أحضانه، عساه يشعر بالألفة. أصابه في مقتلٍ، بما فعله، سحب كل السلييات عنه في ذلك العناق، وبالرغم من أنه لا يندمج سريعًا في عناق الاشخاص الغريبة، الا أنه لف يديه حول علي في سرعةٍ ومشاعر مشتاقة، تعجب منها عُمران، وهنا ترك بكى علي ومال عليه،فدعمه جسد عُمران بقوة تليق بجسده المفتول، بينما يهمس له ببكاءٍ: _مش مصدق إنك واقف قدامي ولمسك بايديا، أنا روحي اتردتلي من تاني، صدقني مبقاش فارق معايا حاجة بعد ما لاقيتك. وابعده وهو يضم وجهه بيديه، بينما يتطلع له بغرابة: _جالك قلب تعمل فيا كده يا عُمران؟ جالك قلب!! تدفقت دموعه وهو يتطلع إليه، لسانه ثقيل عن النطق، لا يجيد التعبير له عن تلك السعادة والراحة الغريبة التي أدمغته بمجرد رؤيته، والآن تتضاعف بضمته، يود ان يطالبه بأن يعود لضمه مجددًا، ولكنه مشوش للغاية🌹تتمةالفصل:
تدفقت دموعه وهو يتطلع إليه، لسانه ثقيل عن النطق، لا يجيد التعبير له عن تلك السعادة والراحة الغريبة التي أدمغته بمجرد رؤيته، والآن تتضاعف بضمته، يود ان يطالبه بأن يعود لضمه مجددًا، ولكنه مشوش للغاية.
قرأ فيه علي رغبته بأن يبقيه بين ذراعيه، فعاد يضمه دون أن ينطق بحرفٍ أخر، وكلاهما تنسدل دموعهما دون أي حديث.
ازاح آدهم دموعه واقترب يضع كفه على كتف عُمران، فاستدار له في غرابة، فوجده يبتسم وهو يخبره:
_ حمدلله على السلامة يا عُمران.
تلقائيًا ذهبت أعين عُمران تتلصص بعيني علي، في بادرة ناجحة بأنه بات مرشده، والأهم من ذلك أنه يصدقه، فاذا به يخبره بابتسامة حزينة:
_ده آدهم، يبقى جوز شمس، أختنا الوحيدة.
تطلع له عُمران بنظرة عميقة، يود لو أن يتذكر أي شيء عنه، ولكنه فشل فشلا ذريعا، أضاف آدهم بمرح للاجواء:
_مش عرفته عني! ابعد بقى عشان أسلم عليه.
تراجع عنه علي ليمنح آدهم المساحة، فاذا بكف عمران يشدد من كف علي، كأنه يخشى أن يتركه، وخز قلب علي بشدة، فاذا به يربت عليه ويخبره بابتسامة لا يعلم كيف رسمها:
_أنا هنا جنبك.
تعجب عُمران من فعلته، ما له يبدو كطفلٍ صغيرًا في حضور ذلك الذي يخبره انه أخيه! ، ما له يخسر ثباته كـ رجل، تعلقت عينيه به حتى انه لم يرى آدهم الذي أقبل عليه، فأفاق على ضمته.
ابقى كفه محاصرًا لكف علي، ورفع ذراعه الاخر يستقبل ضمة ذلك الآدهم، كبت "علي" دموع سعادته، مازال يعني الكثير لاخيه حتى وهو لم يتذكر أي شيء.
ربت آدهم على ظهره وقال بمحبة:
_ألف حمدلله على سلامتك يا طاووس.
التقطت أذنيه ما يقول، فابتعد يتطلع له بدهشةٍ:
_طاووس!!
ضحك علي وقال:
_كلنا مسمينك الطاووس الوقح!
اندمج حديثه بشروده اثناء حديث موسى، وقد كانت بشارة بأنه يتمكن من التميز بين الصدق والتلفيق، وبكل تأكيد هذا شقيقه وبمثابة الأب له كما أخبره للتو.
فصله علي عن شروده حينما قال:
_يلا يا عُمران، لازم نتحرك عشان نرجع، مش عايز تتعرف على باقي عيلتك؟
هز رأسه بخفة بينما يخبره بتردد:
_بس أنا مش هقدر أفتكر حد.
منحه ابتسامة مشرقة، وقال بصوته الرخيم:
_زي ما قدرت تحس بيا هتقدر تحس بيهم، متخافش أنا جنبك ومعاك يا حبيبي.
واسترد مهاراته بالتعامل، متسائلًا:
_مش إنت مرتاح ليا؟
هز رأسه بتأكيدٍ، فجذب علي هاتفه ثم عبث له ليقدمه له قائلًا بحب:
_وده عشان تكون مطمن ليا أكتر.
حمل منه الهاتف يتفحص ما به، فوجدها صورة تضمه معه، تنطق فيها عن مدى الحب والاحترام الشديد بينهما، قلب يسارًا ويمينًا فوجده ألبوم كامل لهما برفقة بعضهما البعض، في سنوات مختلفة من الاعمار.
أكثر من خمسون صوره لهما فقط، فلقد حرص علي الا يشوش تفكيره بظهور مايا أو فريدة، حتى لا يخسر التقدم الذي أحرزه، عليه ان يخطو برفقته الدرج درجة درجة!
قدم له الهاتف ودموعه تتأنق بمُقلتيه، وقال بصوته المحتقن:
_من غير ما أشوف الصور، أنا حسيت بيك من أول ما شوفتك.
_يعني خلاص هتفارقنا يا خواجة؟
قالها موسى ببكاءٍ بعدما انضم إلى صابر، واستمع ورأى ما يحدث أمامه، استدار عُمران تجاه علي الذي يفهم عنه كل اشارة لم يفهمها عمران حتى عن نفسه، فاذا به يرنو من موسى، يقدم كفه إليه، فصافحه موسى وهو يراقب الشبه الكبير بينه وبين عُمران، فابتسم وقال:
_انت شبه فعلًا يا باشا.
ابتسم علي وقال بمحبة:
_لو قدمتلك عمري كله مقابل اللي عملته إنت وصابر مع اخويا مش هيوفيكم حقوقكم، ومهما أقدملكم هيكون قليل.
وفجأة سحب من جيب جاكيته دفتره الخاص، يدون لكل منهما مبلغًا ماليا كبيرا، فاذا بموسى يوقفه بضيق:
_أنت بتعمل ايه يا باشا، احنا مش منتظرين مقابل للي عملناه، وبعدين الخواجة بقى واحد مننا فآ..
اوقفه علي بدبلوماسيته الحكيمة:
_هو إنت ليه شايفها مقابل يا أستاذ موسى، دي حلاوة رجوع أخويا ليا، ولو مش قابلها فأنا بهادي بيها القمر اللي استقبلتنا أجمل استقبال، بس مقبلتش تقولي إسمها!.
رد عليه عُمران بنفس التلقائية:
_إسمها قمر يا علي!
استدار تجاهه مبتسمًا حينما نطق اسمه للمرة الثانية، وعاد يتمعن بموسى قائلًا:
_ما شاء الله، ربنا يباركلك فيها ياررب.
تبسم موسى واجابه:
_تسلم يارب.
واضاف وهو يتطلع لعمران بمزح بعد أن رأى المبلغ المدون بالشيك :
_مش قولتلك هتطلع ابن ذوات! وبعيدًا عن كل ده تربيتك متخرجش الا من بيت فيه شخص زي علي باشا.
اتسعت بسمته على مجاملته اللطيفة، وقال يشيده:
_تسلم يا أستاذ موسى، بس بتمنى بلاش باشا دي قولي يا علي بس.
هرولت قمر لاحضان عمران وعلى ما يبدو بأنها كانت تراقبهم، لفت يديها حول عنقه وقالت ببكاء:
_انت هتمشي وتسبنا يا خواجة؟
ضمها إليه بكل حب وقال وهو يزيح دموعها:
_أوعدك اني هاجي على طول أزورك يا قمر، انا اتعلقت بيكي انتي وبابا وصابر وبالحي هنا، فمش هفارقكم بالسهولة دي.
طبعت قبلة على وجنته بعدما التمست الصدق فيه، تركها عمران، واتجه لموسى الباكي، فابتسم وقال يشاكسه:
_ما انت طلعت بتعيط وعندك دم أهو!!
لكزه باختناق شديد، وقال:
_خليك معانا وأنا هجبلك تكييف على حسابي.
ضحك عمران وضمه إليه، ثم همس له:
_أنا مش بتخلى عن اللي مني، وإنت بقيت مني إنت وقمر يا موسى، بس أنا محتاج أعرف أصلي، او أي حاجة تفكرني بنفسي..
انتهى من ضمه ومال تجاه صابر الذي بكى بشدة وقال:
_انت فوقتني لحاجات كتيرة كنت غايب عنها، انا كنت بستأنس بيك يا خواجة، خليك معانا والله حبيتك واتعلقت بيك.
ربت عليه وقال وهو يتطلع له والى موسى :
_خليكم على تواصل معايا، ولو ينفع تعالوا زوروني.
واستدار إلى علي حتى يطالبه بالعنوان أو رقم هاتف يقدمه لهم، وقبل أن ينطق بحرف اذا به يرنو اليهم:
_ده الكارت الشخصي بتاع عمران فيه كل تليفوناته وعنوان شركته.
تطلع له عُمران بغرابة، كيف يعلم ما يود قوله قبل نطقه حتى، بينما ينطق صابر بدهشة:
_وكمان بشمهندس، دارس في انجلترا، طلعت على حق ياسطا موسى، ده خواجة خواجه يعني.
تركه علي يودعهم واتجه إلى آدهم الذي كان يدرس كل حركة بسيطة لعمران:
_براڤو يا علي، نجحت تكسبه بسرعة مهولة، انا شايف فى عنيه حيرة إنك فاهم كل تصرفاته، وفي نفس الوقت اطمئنانه الكبير ليك، بقى عندي ثقة إنك هتنجح معاه.
تنهد وهو يميل له بوجعٍ:
_هعمل كل اللي اقدر عليه يا آدهم!
هبط "عُمران" برفقتهما، فصعد آدهم جوار السائق، وصعد عمران بالخلف جوار علي، كان هائمًا بتوديع أرجاء الحي، حتى خرجوا للطريق الرئيسي، فاستدار جواره، وجد علي يراقبه بابتسامة هادئة.
لاحظ تصبب العرق على وجهه، فقال:
_ارفع درجة المكيف يا آدهم، عمران بيكره الحر.
انزوى حاجبيه بشدة، وقد تسلله الهواء فجعله مسترخي شوقًا لتلك الرفاهية، بينما يلوذ بصمته لاكثر من نصف ساعة حتى استدار إليه وقال مشيرًا على ما بيده:
_أنا متجوز؟
أومأ علي له بابتسامة حزينة وقال:
_شافتك يوم ما كنت على طريق السفر، كانت متأكدة إنها شافتك، بس أنا مقدرتش اشوف غير موسى وهو بيبعدها عن الطريق.
انتفض قلبه بشدة، وتذكر حديث موسى عن الفتاة الحامل، فتجرع الغصة بحلقه وتساءل:
_هي حامل؟
اتسعت ابتسامة علي وقال بلهفة:
_افتكرت؟؟
هز رأسه نافيًا، والألم يموج برماديتاه:
_موسى حكالي عنها، ووقتها حسيت بوجع رهيب، دقات قلبي كانت عالية واحساسي كان مخيف.
واستطرد بعدما ابتلع ريقه الجاف:
_عايز أشوفها.
ربت "علي " على ذراعه وقال:
_هخدك ليها بس بعد ما نروح أي أوتيل ترتاح، خايف يحصلك مضاعفات أو آ...
قاطعه بنبرة ثابتة:
_أنا كويس، متخفش عليا.
أدمعت عينيه رغمًا عنه، ودفع رقبته ليضمه له بينما يخبره:
_مش عايز غير كده، إنك تكون كويس وبخير ، أنا جنبك وهساعدك ترجع زي الأول وأحسن يا عُمران.
تعلق به وابتسامته تعاكس دموعه، هامسًا:
_وجودك مطمني فخليك جانبي!
شدد من ضمته وكلاهما يبكيان بصمت، حتى أن آدهم والسائق تأثروا بهما، وصلوا الى المطار وبعد ساعتين تقريبًاوصلت الطائرة للقاهرة، ومنها إلى الكمبوند الخاص بأحمد الغرباوي.
كان الليل يلتهم أرجاء المنزل الفخم، بينما يصطحب علي أخيه بالمصعد الطابق المخصص بزوجة أخيه.
وقف به أمام باب الغرفة بعدما أرسل لها الخادمة تخبرها برغبته بالدخول، لانها لا تقوى على الهبوط، فنهضت ترتدي اسدال الصلاة.
بينما بالخارج.
أمسك علي كف أخيه وقال بصوتٍ حنون:
_لو حاسس إنك مش جاهز للخطوة دي دلوقتي، ممكن نأجلها.
أصر عليه قائلًا:
_لا يا علي، أنا حاسس بوجعها من اللحظة اللي فوقت فيها، ربنا سبحانه وتعالى له حكمة إني أنسى كل جاجة وأفقد كل حاجة تخصني الا الدبلة دي، الرابط اللي فضل يفكرني إن في واحدة بتستناني!
ربت على كتفه بابتسامة حنونة، وما ان خرجت الخادمة الجديدة تخبره بأنها تقبل بدخوله ولج يشير له بتتبعه.
بقى عمران محله يستمد نفسًا طويلًا، ويلحق بأخيه، فاذا به يرى فتاة تقف قبالة الشرفة، توليه ظهرها، وتهتف في غضبٍ شديد:
_عايز أيه يا علـي، مش إنت عايز تثبتلي أني اتجننت وبتوهم إني شوفت عُمران، جاي تشوف المجنونة ليه؟
وتابعت ومازالت توالي علي ظهرها ومن خلفه:
_أنا مش محتاجة لمساعدتك تاني، أنا هدور عليه حتى لو نزلت بنفسي!
استدار علي تجاه عمران يتفحصه بقلقٍ، فوجده يراقبها بفضولٍ وقد أبدى مشاعرا قد سرت بوضوحٍ فقط لسماع صوتها المألوف!!
فتحمس وقال يستفزها لتستدير:
_كده يا مايا، بتقابليني بالمقابلة دي وأنا مسافر مخصوص اجبلك هدية تفك مودك!
استدارت بغضب وعصبية:
_مش عايزة منك حآآ....
ابتلعت باقي جملتها في صدمة، جعلتها عاجزة عن النطق، فخرجت حروفها متقطعة:
_عُــ.. مــــــــران!!!!!
.......... يتبـــــــــع....
#زقاق_بين_الأحياء...(#صرخات_أنثى!..) #الفصل_الــ100.. #عودة_الطاووس! (إهداء الفصل هذه المرة سيكون مختلفًا، الكثير من القراء طالبوا أن يكون الاهداء لهم، وانا لا أريد أن أضع بعضًا من الاسماء بشكلٍ عشوائي حتى لا يحزن أي قارئ، لذا إهداء الفصل المميز لكل محبي رواية صرخات أنثى على كافة المنصات،اليوم الفصل سيكون عابرًا بالمشاعر والسعادة، ربما يكون تعويضا لحزنكم على فراق أبطال الرواية، أعتذر منكم جميعًا إن تسببت الرواية بتقليب احزانكم على فقدان أشخاص قريبون منكم،وأخيرًا شكرًا جزيلًا على دعمكم المتواصل لي، وبتمنى أكون دائمًا عند حسن ظنكم..بحبكم في الله...قراءة ممتعة 💙)جوار سور السطح الأعلى، وبمكانه الذي خصصه لخلوته الليلية، جلس على سجادته فور أن انتهى من قيام الليل، فإذا به يستكين على الحائط، وقلبه يضيق عليه، كأنه احتبس داخل قفص صغير، يمنع عنه الهواء. طوال ذلك الاسبوع كان يقضي أغلب وقته بالمسجد الذي بات مسكنًا إليه، حتى أنه مؤخرًا بات رفيقًا محببًا لإمام المسجد، وقد سبق له أن إختبر صوته العذب، وقد لجأ له ذات مرة ليكون امامًا للناس حينما كان الشيخ متعبًا وصوته قد بُح تأثرًا بالزكام. مال عُمران برأسه للحائط، أغلق رماديتاه، وكل محاولة صدرت عنه لمحاربة ذلك الوجع الذي يخنقه قد فشلت، فوجد ذاته يتمتم بصوته العذب: _سال دمعي يا إلهيولولا غربتي ما كان دمعي يسيلٌغربتي نجوى، ونيران شوقيوأسى باكٍ وليلٌ طويلٌوما لي رجاء غير أن تسعى إليك السبيلإذا ضاقت، فنجوى دعائيحسبي اللهحسبي الله ونعم الوكيلبالله إيماني وفيه رجائيوإلى علاه ضراعتي وبكائييا مؤنسي في وحدتييا منقذي في شدتييا سامعا لندائيفإذا دجا ليلي وطال ظلامهناديت يا رب كنت ضيائيسبحانك جل جلالك يا الله. قالها ودموعه تغسل وجهه، ثمة شعور بالحنين يزهقه، وأكثر ما يُؤلمه أنه لا يعلم إلى من يحن؟؟ يتمنى أن يتذكر أي شيء عن نفسه، وعن صاحبة هذا الخاتم الذي بقي صامدًا باصبعه رغم فقدانه كل شيء، وكأنه يثبت له مدى قوة الترابط بينه وبين الاصبع الذي ما أن وضع فيه لم يخرج منه أبدًا. ******اكتسح العرق جبينه من فرط احتباس أنفاسه، قيود حديدية تحتجز ذراعيه تعيق حركته، لسانه قد شُل عن الصراخ، جسده يموج غضبًا في محاولة للتحرر، عينيه الوحيدة الشاهدة على ما يحدث قبالته، فتنهمر الدموع منها مع انهمار الدماء النازفة من جرح رفيقه! نفس المشهد يُعاد مجددًا، حمل أسوء ذكرى جعلت حياته تقف عند هذا الحد، نفس الوجع ، بنفس حدته وعمقه، ويتجدد معهما شعور العجز. نهض من نومه مفزوعًا وصرخته تتحرر أخيرًا: _عُمــــــــــــران! انتفضت "صبا" من نومها، تميل على الكومود لتضيء نور الغرفة، وزحفت إليه تتفحصه وهي تهمس بفزعٍ: _بسم الله الرحمن الرحيم! جذبت المناديل الورقية تزيح عرقه الممزوج بدموعه، فشاركته البكاء المكبوت رغمًا عنها، أبعد "جمال " يدها برفقٍ، وقال بصوته المبحوح: _أنا كويس، كملي نومك يا صبا. قالها وخرج من الغرفة، قاصدًا شرفة الردهة يستمع لصوت الابتهالات قبيل الفجر، مال على السور الحديدي للشرفة، يضم وجهه ويبكي بين ذراعيه، الألم يزيد في حدته، وجملة الطاووس تلاحقه أينما ذهب«أنا عمري ما أتخلى عن اللي مني، وإنت كلي يا جمال!» بكى ولفظ بشهقاته المكبوتة داخله: _عملتها واتخليت خلاص يا صاحبي! وقفت صبا تراقبه من خلف الستار، وقلبها يتمزق من حزنها عليه، لقد جرده فراق رفيقه من الحياة بأكملها، خسر تقريبًا نصف وزنه، من شدة زهده في الطعام، مقت كل شيء حتى كونه حيًا. أزاحت دموعها، وتقدمت إليه تحتضن كتفه، كنوعٍ من المساندة، فاذا به يستدير وهو يتطلع لها بوجعٍ، فقالت بتوسلٍ: _بالله عليك تنسى يا جمال، هتموت لو فضلت كده! أجابها وابتسامته تغاير تلك الدمعات: _هنساه إزاي وأنا حفظته من كتر ما المشهد بيتعاد قدامي؟ سحب نفسًا مطولًا أطلقه على دفعتين، ثم أحاط كفيها معًا، يفركهما بين أصابعه، لامسًا دبلتها الذهبية التي تحتفظ بها منذ لحظة زواجهما، حتى إنطفئت، تعلق بصره بها وهو يقول: _أنا مقصر معاكي ومع ابني، ومعنديش الجرأة أطلب منك السماح يا صبا! بحاول أكمل حياتي بصورة طبيعية بس مش عارف، والله ما عارف أعملها! عانقت أصابعه بحنان، وقالت باكية: _لو عايز ترضيني إهتم بنفسك وبأكلك، إنت صحتك اتدمرت يا جمال. وتابعت ودموعها تنهمر بحزن:_أنا مكنتش متخيلة ان علاقتك بيه بالقوة دي، يمكن لو كنت لامساها مكنتش هآ.. منعها من الحديث، حينما قال: _بلاش نتكلم عن اللي فات وانتهى، ادعيله بالرحمة وإدعيلي بالصبر يا صبا. وتابع بحب دمجه بنبرته، قاصدًا أن يمازحها : _يعني إنتي كده معندكيش مشكلة نخاوي الولد بعُمران تاني، يعني عمران رقم 1 هيكون تكفير لذنبك الأول وعمران رقم 2 نخليه صدقة على ذنبك المعترف بيه! ضحكت وردت بمشاكسة: _وعلى أيه ما اجبلك نص دستة عمرنات تعلمهم بالأرقام!! بات على نفس معالمه الباهتة، وردد: _قابل بدستة كاملة، المهم إنهم كلهم يبقوا منك يا صبا! منحته ابتسامة أرغمته على التبسم، فاقتربت منه على استحياءٍ وانحصرت بين ذراعيه، ضمها جمال واستند برأسه على رأسها، بينما يتطلع للأمام بسكون مخادع عن العاصفة العالقة داخله. ********قطعت السيارة الخاصة الطرق، وانجرفت لعدة شوارع جانبية، بينما يتابع "علي" الطريق من خلف نظارته المعتمة بدهشةٍ، ولكنه تمسك بصبره المميز حتى توقف بهما السائق أمام مسجد صغير التفت "علي" تجاه "آدهم"، وقال باسترابةٍ: _عدينا على مساجد كتير، إشمعنا المسجد ده اللي أصريت نصلي الفجر فيه؟ منحه ابتسامة صغيرة، وقال وهو يتفحص ساعته: _عادي يا علي، حبيت نصلي قبل ما نروح الاوتيل، يلا إنزل الفجر هيأذن. قالها وهبط مسرعًا، فلحق به علي، واتبع خطواته، وهو يهدر ببسمة ساخرة: _لو في اعتقادك إنهم علموك تميز الكدب من العين وحركات الجسم، فأنا أستاذ ورئيس قسم يا حضرة الظابط. توقف آدهم بمنتصف درج المسجد، واستدار إليه، فوجده ينزع نظارته بهدوءٍ ورزانة ماكرة: _ها تحب تفضفض هنا ولا أدورلك على شازلونج تمدد وتأخد راحتك في الكلام عليه؟ فشل باخفاء ابتسامة إعجابه بشخصية" علي"الذي تفاجئ به كليًا، حينما قربتهما الظروف بالفترة الاخيرة، فهبط الدرج مجددًا حتى بات يقف قبالته: _مسبقش ليا إني استهونت مرة بذكائك يا دكتور علي، وعارف إنك مسافر معايا وانت مش مقتنع بكلامي، وهدوئك ده مهو الا مهلة عشان أكشفلك عن حقيقة وجودنا هنا. هز رأسه وهو يتابعه برزانته، أفصحت عن حكمته: _وأنا مازلت منتظر إنك تتكلم، هنصلي الفجر وهكون جاهز أسمعك. وتركه وصعد الدرج، فاذا به يوقفه:_علـي. استدار إليه من محله السابق، فاتسعت ابتسامة آدهم وقال: _هو إنت ممكن تدخل شمس بينا لو حصل بيني أنا وانت خلاف بسيط مثلًا؟ زوى حاجبيه ورماديتاه لا تنحرفان عنه، بينما يستطرد آدهم بخبث: _معتقدش إنك من النوع السيء ده، عُمران بس اللي كده. قطع نطقه لتلك الكلمات الماكرة، صوت المؤذن بصلاة الفجر، ومازال "علي" يوالي ظهره للمسجد، ووجهه يقابل وجه آدهم. احتجز الحديث على لسانه، فسحب رده عليه، وهو يحارب حالة من العجز التام، التي شُلت أطرافه كليًا، بينما مازال يتطلع لآدهم، يستحضر صوته ولكنه غادره في حالة من الصدمة. حبس كل شيء من حوله، حتى صوت أنفاسه، وأذنيه تميل تجاه الصوت، اهتزت كل خلية في بدنه، بينما تتوسع مُقلتيه بشكلٍ أثر في آدهم، رفرف أهدابه بصعوبة، وهو يحاول أن يضغط على ساقيه لتستدير به تجاه المسجد، أذنيه تغوص في عمق الصوت الذي أوقظ كل ما دُفن داخله. تزاحمت الدموع برماديتاه، ويده تستكين على درابزين الدرج من جواره، بينما يقطع الصمت القاتل عنه وهو يهمس بخفوتٍ: _عُمران!!!!! أدمعت عيني آدهم تأثرًا به، فصعد خلفه مسرعًا، يحاول مساندته للصعود، مال علي إليه وهو يشير بعينيه تجاه قبة المسجد: _ده صوت عُمران يا آدهم!! ده صوته صح؟؟ قبض على كفه ودموعه تنهمر وجعًا، صمت آدهم اعتصره لدرجة كادت بأن تمزقه، فأراد أن يقطع شكه، بصعوده السريع للمسجد، ولكن قدميه خذلته ولا تنصاع لعزيمته، وشوقه الذي ينازع بين أضلعه. تعرقلت ساقيه كالصغير الذي يتعلم الخطى لمرته الأولى، فما أن ترك آدهم وصعد عنه أربع درجات، حتى سقط على الخامسة بساقيه، يبكي وهو يسمع حبيب قلبه يردد بخشوعٍ تام«الصلاة خير من النــــــــــوم! ...» سند معصمه على الدرجة العلوية، بينما ينحني رأسه من فوقه، وعينيه لا تفارق مدخل المسجد، يخشى أن يكون مجرد تشابه بين صوت المؤذن وصوت أخيه، خشى أن يرى أحدٌ سواه فور أن يصل لباب المسجد. هرع آدهم إليه يساعده بالوقوف، محررًا صوته الباكي: _قوم يا علي! حل جرفاته الأسود عن قميص بذلته السوداء الفخمة، بينما يميل على ذراعي آدهم، يمنحه الأذن الكافي بسحبه ليقف على قامته، مال عليه وعينيه متعلقتان بالميكرفون النابع عنه ذلك الصوت العذب. مال برأسه إليه وقال بصعوبة: _عُمران؟ أكد له بإيماءته بينما يغرق بنوبة من البكاء تأثرًا بالحالة التي أصابته، فتركه علي وهرول مُسرعًا للمسجد، بينما يحاول هو السيطرة على بكائه وإتباعه للداخل. نزع حذائه وولج للداخل، عينيه تفتشان على منبر الإقامة، فوجده فارغًا، كاد أن يفقد عقله بتلك اللحظة، وخاصة حينما وجد شابًا أخر يضع الميكرفون محله. ابتلع علي ريقه الجاف بصعوبة، وسرعان ما استدعى ثباته في موقفٍ يُحسب له: _من فضلك، هو حضرتك اللي كنت بترفع الآذان من شوية؟ اجابه الشاب مبتسمًا: _لا ده الخواجة، صوته تبارك الله عليه. قيد كل ما بداخله من أسئلة وفضول، وقال بصعوبة حديثه: _هو فين؟استدار الشاب يبحث عنه بارجاء المسجد الذي يحوي عددا لا بأس به من المصلين، بينما يتمتم بنبرة مسموعه إليه: _كان هنا دلوقتي، هتلاقيه واقف مع الاسطى موسى وصابر هناك، ممكن تروح تسألهم، عمومًا كلها عشر دقايق وهيقيم الصلاة، الشيخ زياد هيخليه يصلي بينا النهاردة زي المرة اللي فاتت. تجاهل كل ما استمع إليه، بينما يراقب المحل الذي أشار عليه، حيث كان يقف صابر جانبًا، وموسى في وجهة من أراد رؤيته بكل لهفة ومحبة لا تخص سواه. بحث فيهم وكل لحظة تمر عليه يشرف على فقدان ثباته، فاذا به يدقق بملامح موسى، ذلك هو نفسه الشاب الذي كانت تقف مايا برفقته في هذا اليوم، دنا بخطاه إليهم، ليفك كل الخطوط الغامضة التي وُضعت أمامه، وخاصة بأن جسد موسى الضخم يخفي شخصًا من خلفه. مع اقترابه منهم، ظهر من أمامه كتف الشخص المجهول، ومن ثم وجهه، حتى بات ظاهرًا كليًا أمام علي! تحررت الدمعات عن مسكنها، وابتسامته تعاكس كل ما يعتريه، لسانه الثقيل يتعلم نطق الحروف التي غابت عنه: _عُمران!! بللت دموعه قميصه الأبيض، وبات يجاهد كل القيود التي تعجز حركة قدميه للوصول إليه، حاول رفع صوته عسى أن يستمع إليه، ولكنه لم يملك صلاحية التحكم به. تحركت قدميه في طريقه إليه، ورفع صوته يناديه بقوةٍ:_عُمــــران!استدار عُمران تجاه الصوت بتلقائية، ومعه صابر وموسى، فاذا بآدهم يظهر قبالة علي فجأة، ويخفيه متصنعًا أنه يضمه، فاعتقد ثلاثتهم أن هناك سلامًا حارًا بين صديقين. تحرك موسى وصابر تجاه المصليين، بينما حاول عُمران التطلع لوجوههما، وما كاد بالتوجه إليهما حتى أشار له الشاب بأن المدة الفاصلة بين الاقامة والصلاة قد انتهت. فهرع للمكان المخصص له متناسيًا شعوره الغريب، وفضوله تجاه هذا الصوت المألوف، تناسى كل شيء حينما تعلق الأمر بصلاته. بينما على بعد منه، يفرد آدهم قوته العضلية، بتحكمه بالسيطرة على جسد "علي"، وتثبيته في محله، ومع تأثر علي بما يحدث، بات هزيلًا في تلك اللحظة، حتى أنه فقد أعصابه فلم يتمكن حتى من دفعه عنه، كل ما يتحرر عنه صوته الهزيل: _عُمران عايش!! إبعد عني يا آدهم. صاح برجاءٍ لطيف: _اهدى يا علي، إنت طول عمرك عاقل وبتعرف توزنها صح، عُمران مش في حالته الطبيعية وظهورك ليه دلوقتي ممكن يأثر عليه، انا مكدبتش عليك لما قولتلك أني عندي معاد مع الدكتور، أنا فعلًا حددت المقابلة معاه عشان نعرض عليه أوراق حالته، وهو اللي هيحدد نتعامل معاه ازاي، إنت هتقدر تنفذ تعليماته، إنت أكتر حد مؤهل إنك تتعامل مع عُمران وهو في الحالة دي. شُلت أطرافه من سماع ما قال، والمنذر عن وجود خطب ما بأخيه، فأبعده عنه والدموع تغرق وجهه. بينما يفصح له آدهم عن غموض حديثه: _عُمران فقد الذكرة يا علي. مال تلك المرة على كتفه باستسلامٍ، ودموعه تمس كتف آدهم، فاقدًا القدرة على التحكم بجسده، بكى وتلك المرة فك آدهم حصاره وضمه بحنانه الذي يخص به معاملة أخيه فقط، وجده يحتاج إليه فدعمه قلبًا وقالبًا. سمح علي لذاته بالانهيار، لقد طالت مدة صموده، وبقائه شامخًا، وقد تناسى كونه بشريًا، بحاجة إلى الراحة، ربت آدهم على ظهره وقال يواسيه: _الحمد لله إننا اطمنا عليه، عُمران حي وبخير وده الأهم ، خليك قوي عشان خاطري، ده أكتر وقت هو محتاجك فيه يا علي. تعالت شهقاته الممزقة للقلوب، وترجاه كأنه يحبس أخيه عنه: _أضمه مرة واحدة بس، أنا ملحقتش حتى أبص عليه! ابتعد عنه وواجهه بعينيه المحمرة من البكاء: _أنا مين عشان امنعك عنه، أنا خايف عليه وعليك يا علي، بس عشان تتطمن أنا هجمعك بيه النهاردة بس بعد مقابلتنا للدكتور، إنت المفروض دكتور وفاهم!! هز رأسه بخفة وازاح دموعه، ربت آدهم على كتفه والأمل قد زرع فيه حينما وجده يجاهد لاستعادة ثباته، ثم تركه ووقف بأخر صف، يحازي المصليين ليصلي خلف أخيه!! وفي سجوده أطال ودموعه تعانق سجادته، ودعواته تناجي بعويلٍ يصل لادهم من جواره فبكى هو الآخر، بينه وبين أخيه خمسة صفوف من المصلين إن شاء سيصل له، وإن أراد ستقيده ضمته حتى الموت، ولكنه عاجز عن المضي قدمًا، وصوته العذب يجعله يبتسم في حنين ويبكي في ذات اللحظة! ومع أخر سجدة له قال: _اللهم إحفظ أخي في رعايتك وكنفك، اللهم إجمعني به وامنحني الصبر فسبحانك وحدك أعلم بما في صدر عبدك! قالها وأنهى صلاته خلف شقيقه، وما أن سلم بالصلاة، حتى جذبه آدهم قائلًا: _يلا يا علي بسرعة. لم يمنحه الفرصة لرؤيته مرة أخرى، سحبه للخارج، وعيني علي متعلقة عليه، تحيطه بنظرة أخيرة، ويتمنى أن يرفع عينيه ليراه، بالرغم من أنه يعلم خطورة حديث آدهم. فتح آدهم باب السيارة الخلفي، ودفع علي بداخله، وما أن وجده يهبط برفقة موسى وصابر، حتى استدار تجاه السيارة وهو يرتدي نظارته السوداء. مضى عُمران من جوار السيارة، بينما يصيح به صابر: _يعني هتفضل مقاطعني كده كتير يا خواجة، بقالك أسبوع بحاله متجنبني، ونازل طالع مع الاسطى اللي نسي صاحبه هو كمان ده! منحه موسى نظرة غاضبة، بينما قال عُمران ببرود: _وإنت مالك أنزل وأطلع مع اللي انا عايزه، ولا تكنش المدام وأنا معرفش! ضحك موسى، بينما ابتسم علي وهو يميل باكيًا على النافذة المغلقة، الحائل بينه وبين أخيه تلك المرة رقيقًا للغاية، يتمنى أن يفتح باب السيارة ويخرج إليه غير مباليًا بما سيحدث، ولكن لأجل سلامة أخيه سيحتمل بضعة ساعات أخرى للقائه. استدار يشير لموسى قائلًا: _يلا يا موسى، أصل صاحبك شكله عايز يتكيف وأنا مش فايقله بروح أمه دلوقتي! أجابه موسى وهو يشير له بشماتة: _يروح لبيت العقربة، ذكرياتها هتكيفه من غير أي مجهود. خطى عمران تجاه الحي، بينما عاد موسى يهمس لصابر بنزق: _انت طرقت العقربة بس لسه معملتش الصح، لما تعمله هبقى اعترف بيك مرة تانية، يلا سلام يا تمرجي. وتركه وغادر بينما الاخير يموج غضبًا وهو يلحق بهما. تأكد "علي" من رحيل شقيقه، ففتح باب السيارة وخرج في نية تتبعه ليعلم إلى أي مكان سيذهب، فأوقفه آدهم قائلًا من خلفه: _انا عارف مكانه وكل تحركاته متقلقش. توقف محله والغيظ يموج به، فيجعله خطيرًا للغاية، لا يصدق أنه كان يخفي أمر أخيه، وهو السبب بمنع لقائهما الآن، استدار إليه ببطءٍ حتى توقف قبالته. رسم آدهم بسمة خوف مصطنعه: _بتبصلي كدليه يا دكتور!! مش اتفقنا انك هتكون متفهم وصبور. رفع علي يده ببطء وهدوء مخيف، حتى لامس رقبة آدهم، وقبل أن يستوعب ما يخطط له كان الأسرع منه، ففجأه بحركة مدروسة، جعلته ينهار أرضًا بنوبة أشبه بالشلل المفاجئ، بينما الاخير يرمقه بغضبٍ وبلا ذرة ندم واحدة. استغرق الأمر دقيقة كاملة حتى خفت حدتها، فبدأ بتحريك يديه أولًا ومازال جسده ينازع، في نفس اللحظة يهرع رجاله إليه من كل صوب،فور ان رأوا حالته الغريبة، حتى أن الاسلحة كانت ستُصوب تجاه علي، ولكن اشارة يد آدهم منعتهم وجعلتهم ينصرفون لمواقعهم المتوزعة على الحارة بشكل يأمن الحماية لعمران. نزع "علي" جاكيته، والقاه على درج المسجد ثم جلس جواره يتطلع للأرض بحزنٍ جارف، يتمنى أن يضم أخيه مرة واحدة، يريد أن يشعر من صوت أنفاسه ودقاته أنه حي. جلس آدهم يفرك صدره وهو يستعيد حركات جسده بألمٍ، ونهض يلحق به، مشاكسًا إياه: _لو الجوكر بلغه إنك بتأدي الحركة بالحرافية العالية دي هيجندك لصالح الجهاز يا دكتور. تجاهله علي وبقى على وضعه، فنزع هو الاخر جاكيته وألقاه على الدرج ثم جلس من فوقه يردد ببسمة واسعة: _تعرف إن العضلات متوزنش قصاد كفة العقل، لذا بيتخاف من الشخص المثقف جدًا، لأنه بيكون أخطر من اللي دراعه سابقه، وانا لامس فيك الخطورة دي من وقت ما أدبتني بالقائد بتاعي، ومن يومها لحد الإن بتعاقب بالتدريبات المكثفة وطلعت انت منها باشا!واسترسل بمحبة: _بس قرصة الودن دي اللي فوقتني وساهمت في علاجي بشكل كبير، بس بردو خلتني أحرس منك ومن عقلك ده. وهمس ضاحكًا: _على رأي عُمران علي ده البابا بتاعنا كلنا! أبعد "علي" يديه عن وجهه المحمر، ومنحه نظرة حزينة، تشتاق لمجرد سماع إسمه، تلاشت ابتسامته وأخذ يبرر له باحراج: _صدقني يا علي مكنش عندي تعليمات اني أبلغك بأي حاجة تخص عمران، أنا لسه عارف من قريب، وآآ.. أشار له علي وهو يعيد خصلاته للخلف بقوةٍ لحقت نبرته التي جعلت آدهم متفاجئ بشيءٍ جديد به: _متبررش ليا شيء، أنت ردتلي روحي وخليت قلبي يرجع يطمن، أنا مديونلك بعمري كله يا آدهم. أسرع بالرد عليه: _أيه اللي بتقوله ده، عُمران ده أخويا عليا واجبات تجاهه زيك بالظبط، ولا انت لسه مش معتبرني من العيلة يا دكتور؟ ابتسم وهو يخبره بمكرٍ: _إنت منها من لحظة ما كنت إختيار شمس، وبعدين أنا أدبتك بناء على مكانتك ومعزتك عندي، أنا دايمًا بعاقب عُمران بالاعتذار، لكن معاك مكنتش هتكفيني بصراحة. تربع الحزن بين رماديتاه وهو يكمل: _أنا عارف إنك صح في كل اللي قولته، انا كنت ماسك حالات مشابهة من دي مع دكتور مخ وأعصاب وكذه تخصص تاني، بس العذاب اللي كنت فيه كان أكبر مني.ومع انهمار دموعه أخبره:_ أنا روحي غابت بغيابه عني يا آدهم! مسح على ظهره وشاركه دموعه هو الآخر: _هترجعلك من تاني، وهيرجع لحضنك لانه مالوش غيرك يا علي، قوم يلا ورانا طريق سفر نقابل الدكتور وهنرجع على بليل، لازم عُمران يكون في القاهرة الصبح، مراد باشا باعت طيارة مخصوص ترجعنا المطار. نهض علي يجذب جاكيته ويرتديه مجددًا، ثم لحقه للسيارة وبينما يقدم آدهم الهاتف إليه قائلًا: _دي الاشعة والتحاليل الخاصة بحالة عُمران، جبناها من المستشفى والدكتور "فرنك" وصله نسخه منها. التقط الهاتف منه وتابع الفحوصات الكاملة وتفاصيل الاصابات التي تلاقاها باهتمام، و وجع لما تعرض له أخيه!! ******أضاء نور الجناح، فقطع العتمة التي إعتادتها بأيامها الأخيرة، تنزوي داخلها على الفراش، الذي بات مستقرها الوحيد. اقترب منها حاملًا صينية الطعام، يفعل اضاءة الكومود ويدنو منها، يتشرب ملامح الحزن من وجهها إلى وجهه، قرب ذراعه منها يمسد عليها بحنان: _فريدة حبيبتي، حضرتلك فطار بسيط، قومي كلي حاجة، بقالك كام يوم رافضة الأكل ومقضياها عصاير. أتاه صوتها المكبوت بالوسادة، ومازالت توليه ظهرها: _ماليش نفس يا أحمد، طفي النور واخرج من فضلك. تفاقم الوجع داخله، لم يعد يحتمل أن يراها في تلك الحالة ويشاهدها مكتوف الأيدي، فلفظ ما بداخله من ضيقٍ: _لا يا فريدة لا هخرج ولا هطفيلك النور، هتقومي حالًا وهتأكلي، انتِ الظاهر نسيتي إنك حامل، الطفل ده مالوش ذنب في اللي بنمر بيه. ابعدت الغطاء عن جسدها، ونهضت تواجهه بكل غضبٍ، أنساها السيطرة على ما ستقول: _إنت كل اللي يهمك اللي في بطني؟ مش همك أنا بمر بأيه؟؟ إنت طول عمرك أناني ومبيهمكش الا نفسك يا أحمد باشا. تبلدت نظراته عليها، كالمجسم الحجري، يحاول استيعاب أنها تنسب تلك التهمة الباطلة إليه، اتسع من الوقت حتى تمكن من نطق: _وتفتكري لو كنت بفكر بأنانية زي ما بتقول كان ده بقى حالي؟! صمتت واختبأت خلف كفيها تبكي بضعفٍ، إنهار نصف عالمها بوفاة ابنها،والنصف الآخر ينهار بسببها هي!صرخ أحمد بها وهو يحثها على العودة للحديث،فصمتها يقتله أكثر:_ لو كنت أناني زي ما بتقولي كنت عيشت حياتي كلها بالطول وبالعرض من تاني رفض منك على جوازنا، أنا لو أناني مش هقدم كل التنازلات دي عشان،مهمنيش غير أنك تكوني ليا ومعايا، حتى بعد ما شرطتي أن جوازنا يكون بدون أولاد وافقتك ومرفضتلكيش أي طلب، وبعد كل ده شايفة إني ماليش حق أخاف عليكِ وإني أناني!! جاوبيني يا هانـــــــــم!!زادت من حدة بكائها، بينما هو ينتظر سماع اجابة تطفئ نيرانه التي شعلتها هي وتركته يُعاني، لقد احتمل كل شيءٍ لأجلها هي، حتى تلك اللحظة التي ود أن يكون فيها جوار ابنه وصديقه "علي"،ابتعد واختار البقاء لجوارها. انزوى بجلسته يعيد حساباته، يحاول أن يجد هو إجابة لسؤاله، فهدر بضيقٍ شديد: _أنا مبقتش فاهم أنتِ فيكِ أيه بالظبط، كلامك بقى جارح لكل اللي حواليكِ،وبتأخدي قرارات غريبة، وبالرغم من اللي عملتيه الا أن مايا تفهمت موقفك ومبقتش زعلانه منك، وعلي كذلك جالك أكتر من مرة وقالك نرجع للكمبوند ونعيش مع بعض زي الأول انتِ اللي رفضتي وأصريتي نكون هنا، وبردو محدش ضغط عليكي وكلنا بنعمل اللي إنتِ عايزاه، بس حتى ده مش راضيكِ، لسه عايزة أيه تاني معرفــش!!!!!! أبعدت كفيها عن وجهها وصرخت بعنفوانٍ قطع حبالها الصوتية: _عايــزة ابنـي يا أحمد، وحشنـــي أوي ومش قادرة أتحمل فراقه أكتر من كده، عايــــزة أفـوق من الكابوس ده بقى.قشعر جسده ألمًا من سماع نبرتها، تمزق نياط قلبه من رؤيتها تنهار بذلك الشكل الذي لم يراها به منذ تلاقيها لخبر وفاته.دنت منه فريدة، وتشبثت بقميصه الأسود، تناجيه ببكاءٍ مؤلم:_ عايزة إبني، أنا مش حاسة إني طبيعية من ساعة ما فارقني، أنا هفضل وحيدة حتى لو كنتوا كلكم جنبي، وحشني صوته وهو بيقرأ القرآن، عايزة أنام على رجليه وإسمعه وهو بيقرأ زي ما كان بيعمل، عايزة أخده في حضني حتى لو مرة واحدة. قالتها ومالت على يديها المتمسكة بقميصه، فحاوطها يضمها ودموعه تنهمر حزنًا عليها، فتعالى صوتها بالبكاء: _أنا آسفة إني قولتلك كده، أنا تعبانه أوي يا أحمد. شدد عليها بكل ما فيه، بينما يضمها وهو يردد بصوت باكي: _بسم الله على قلبك حتى يُشفى، وعلى روحك حتى تستريح، بسم الله من وجع لست أملك الصبر في تحمله، فديت قلبك ووجعك بنفسي وبروحي! قالها ومال عليها يشاركها البكاء، ولكنه لم يصدر عنه أي صوت، بينما تصرخ هي بصوتها الذي قضى عليه تدريجيًا، حتى استكانت خاضعة بين ذراعيه، فسحبها ومال بها للوسادة، يتركها تستغرق في نومها، بينما عينيه تتعلق بالفراغ، ويده تضمها بكل عشق! ******تقلب على الفراش بانزعاجٍ، هل من المفترض أن يعتاد على هذا الصياح الصباحي المزعج، الا يكفيه قرص تلك الحشرات الغريبة ليلًا. ازاح "عُمران" الغطاء عنه ونهض يجذب قميصه، يرتديه على عجالةٍ، وخرج يستمع لنفس الاسطوانة المملة، بينما يربع يديه ويميل على الحائط. رفعت اصبعها تشير إليه وتحذره بغضب: _صوتك ميترفعش عليا يا بلطجي أنت والا والله العظيم أقلع اللي في رجليا وأنسله على دماغك. توسعت مُقلتيه البنيتان في صدمة حقيقة، بينما يعيد قول ما تفوهت به وقد تزاحم غضبه وإلتحم بعرقه الرجولي: _تعملي أيه؟ اظبطي كلامك معايا والا وربي ما هعمل حساب للجيرة ولا لاهلك، هو كل من مسك شهادة شاف نفسه ولا أيه، لا فوقي كده يا نغة وإفتكري إنك واقفة قدام الاسطا موسى عُربان على سن ورمح. واستطرد وهو يحيطها بنظرة تقلل منها: _مبقاش غير النسوان اللي هتقف وتبجح فينا، لا خدي تمامك وإركني بدل ما أهب في وشك. ضمت شفتيها معًا بغضب، وأبعدت وشاحها الطويل للخلف، بينما تجيبه: _هو إنت شايف نفسك على أيه؟ ده أنت حتى دروس بنتك مش عارف تذاكرهالها، ولولا إني بقعد معاها ساعتين كل يوم مكنتش نجحت بسبب اهمالك، ولا إنت معندكش وقت تذاكرلها من بلطجتك على الناس كل يوم والتاني. أعاد خصلات شعره السوداء للخلف بغضب، وسحب نفسًا من سيجاره حتى أزهقه، ألقاه أرضًا ودعسه بقوةٍ أرعبتها، بينما يكز على أسنانه وهو يتمنى أن تكون هي محلها، ثم هدر ببسمة باردة: _بقولك أيه يا أبلة صباح، مش جبتي الناهية وقولتي إني بلطجي، خلاص مالك بقى ببنتي شاغلة بالك بيها ليه؟ هي يعني لو اتخرجت هتأخد البكالوريا! دي حيالله في تانية ابتدائي! جحظت عينيها في صدمة وصرخت بوجهه بشكلٍ ردعه للخلف بتوتر: _وكمان مش عارف بنتك في أي سنة، بنتك يا اسطا موسى عُربان في تالتة ابتدائي، بس هقول أيه هتلاقيك مبرشم زيك زي أشكال الحي الآآ... وضع أصابعه الخامسة على بعد من وجهها مثلما اعتاد أن يصمتها، وكعادتها تخفي بسمتها لحركته التي يخصها هي بها، ولكنه مع أي شخص أخر يكورها بوجهه وهو يخرسه بكل جراءة، تنهد وصاح من بين اصطكاك أسنانه: _خديلك راجع عني يا أبله بدل ما أقل منك ومن شهادتك، وخدي بالك موسى عُربان مقالش بقيمة واحدة ست قبل كده، يعني هتخشي التاريخ من أوسع ابوابه خدي بالك. تراجعت خطوتين للخلف وهي تشير له باستخفاف: _على أخر الزمن هدخل التاريخ على إيد ميكانيكي!! بالرغم من أن الجملة أوجعته، الا أنه ضحك قائلًا: _ألاه طيب وماله الميكانيكي، بيأكل برجله ولا لسانه ناقص حتة يا أبله! وتابع يحذرها: _خدي بالك انا عملك احترام عشان خاطر قمر بنتي بس. زوت حاجبيها في دهشة: _كل ده وعاملي احترام، ده إنت بتكلمني زي العربجي! ولسه من شوية كنت بتهددني! ضيق عينيه الساحرة وقال ببراءة أضحكتها: _ألاه! مش بقولك اللي هيحصل لو كترتي في الكلام!! وتابع وهو يشير بسخط: _ما أنا مش كل يوم والتاني هتمسخر قدام الصبيان بتوعي بسببك مرة وانتي رايحة المدرسة ومرة وانتي راجعه، أبله هو انتِ مبتزهقيش!! ربعت يديها ومالت بفستانها الازرق جانبًا معللة سبب استيائها: _مهو انا كل ما أشوفك سايب قمر بتلعب في الشارع ومش بتذاكر بتنرفزني، وباجي أجر شكلك. زفر وهو يخبرها: _يعني أسيبها فين بس، مهي بتلعب قدام عنيا لحد ما ترجعي من السنتر بتاعك، بتطلع معاكِ على طول، وشوية مع الخواجة وأهي ماشية، معرفش بعد ما تروحي بيت عدلك هتعمل أيه دي متعلقة بيكِ أوي يا أبلة صباح. استفزها حديثه، والقاتل انه يتحدث بجدية تامة، ذلك الاخرق الذي لم يسمع يومًا لهمس قلبها، لا يراها الا معلمة ابنته، واحدى سكان منزله. منحته نظرة شرسة وقالت بغضب: _هتفضل طول عمرك غبي ومبتفهمش. قالتها وهبطت للاسفل، بينما يتابعها بضيق وغيظ من اسلوبها، فانتظر حتى هبطت الدرج وصاح بأثرها: _وانتي مغرورة وعرقك طاير فوق، بصي تحت شوية لتقعي على قفاكي، نسوان تجيب الفقر، الحمد لله إني خلعت من مُكنة النكد دي، أنا عرقي حامي ومعنديش مرارة انا! سحب جاكيته الموضوع على المشجب الذي صنعه خصيصًا لجاكيته، يرتديه وهو يهدر بانزعاج: _دي كل ما تشوف سحنتي تنزل عليا بالمواعظ والدبش، دي طليقتي معملتهاش!! _غلطانه مس صباح، المفروض تنزل على دماغ أمك بالشماعة اللي شايفلي نفسك بيها دي! قالها عُمران وهو يطالعه بسخطٍ، حانت منه نظرة تجاهه وقال مبتسمًا:_خواجه إنت قومت!! فرك جبينه بتعبٍ، بينما يتجه إليه موسى يشكو له: _صدقتني لما قولتلك إنها نفورة ازعاج. منحه نظرة ساخطة ثم هدر فيه: _وآنت كتلة غباء يا آآ... يا أسطا. وتركه وعاد لغرفته فلحق به الاخير بضيقٍ: _انا غبي!! بقى دي أخرتها تطلع صاحبك غبي!! جلس على الفراش يمرر يده على رأسه الذي بدأت تنمو فيها خصلاته البنية: _هي دي معاملة تعامل بيها واحدة ست بذمتك؟؟؟ إنت متأكد إنك كنت متجوز قبل كده؟ أجابه ببلاهة مضحكة: _ألاه!!! ، أمال يعني كنت كاسب البت قمر في كيس شبسي!! وأضاف بنزق:_بص اتجوزت وكان ليا في كام سكة شمال قبل ما ربنا يتوب عليا بس عينة الابلة صباح دي موردش عليا قبل كده. وصاح بفتور وهو يسحب جاكيته: _ربنا يكون في عون البغل اللي هيشيلها من الحي،ولا تلاقيها عايزة تعيش مع هوانم جردن سيتي بنت محروس! واتجه للخارج وهو يصيح بانفعال: _دي مُولفة مع وبور غاز، بتهب في وش أي حد يكلمها، ده الواحد بيترعب يقولها صباح الخير، يلا هنزل الورشة ولما قمر تيجي من المدرسة هاتها في ايدك وإنت نازل ومتنساش براد الشاي سلام. زم عمران شفتيه وتمتم بسخرية: _سلام يا بغل! وتمدد ساحبًا الغطاء، وهو يردد بارهاق: _المعتوه ده محتاج مني تربية وإعادة تأهيل في فن التعامل مع أنثى! لا ده محتاج معجزة! عاد صوت قرع بالاسفل يخترق مسمعه، وصوتًا شعبيا يتردد لبيع الاسطوانات الغازية، فابعد الغطاء ونهض يتمتم بسخطٍ: _مفهاش نوم تاني كده. نهض يتجه للحقيبة المتكدسة بالملابس التي اشتراها برفقة صابر وموسى، انتقى منها بنطال جينز من اللون الرمادي، وتيشرت رمادي، بينما يلتف بحزام جلدي أسود وقميص أسود مفتوح من فوق التيشرت، حتى الحذاء والساعة كانت سوداء، أتقن في مظهره بشكلٍ جذاب وملفت كعادته، مازال طاووسًا لا يتنازل عن اكتمال طلته! اتجه عُمران للمطبخ حيث وجد موسى يضع قدح الشاي على نيران هادئة، رفع مستواها ليتمكن من سكبها بالبراد ليهبط لمحل عمل موسى، كما اعتاد بفترته الاخيرة، فاذا به يرى صباح تقتحم السطح مجددًا وهي تتساءل بغضب: _هو فيــن؟ أجابها باستغراب: _نزل من شوية، في حاجة ولا أيه؟ قالت بعزمٍ قاطع: _هأخد منه مفتاح عربيتي اشوف حد غيره يصلحها، ده إنسان فاشل مبيعرفش يعمل حاجة غير يطول لسانه، وفي الاخر يتهمني أنا اللي لساني طويل، انسان مستفز، كل ما يشوفني يدعيلي أغور من هنا عشان يروق، تقولش قاعدة على قلبه!! راقبها عُمران بهدوء وابتسامة خبيثة، جعلتها تنقطع عن حديثها وتسأله بدهشة: _أيه؟ استدار عنها وهو يهتف بجمود: _ولا حاجه تقدري تنزليله تحت وتقوليله اللي قولتيه ده. ارتبكت من غموضه، عينيه تخبئ شيئًا ما، جموده وثقل ردوده دفعها للبقاء، حمل البراد والمياه وأتجه ليهبط فوجدها مازالت تقف محلها، تفكر فيما ستخلقه من حديثًا، حتى تسحبه لمعرفة سبب نظرته الغريبة، فقالت بتلعثم: _على فكرة مذاكرتك لقمر باينة جدًا، ما شاء الله اتحسنت كتير، انت شكلك تعليم عالي على فكرة. حدجها بنظرة كالميكروسكوب، وردد بثبات: _بتحبيه؟ برقت في صدمةٍ، لم تكن تتخيل أن يكون جريئًا لتلك الدرجة، كانت تظن أنه سيلمح أو ربما لم يعلم بأمرها الخفي عن الجميع حتى عن صاحب الشأن! لعقت شفتيها بارتباكٍ: _انت بتقول أيه؟!! أنا أحب المتخلف ده؟ رد عليها بعتابٍ لطيف: _على فكرة ألفاظك إنتي وهو هتتحاسبوا عليها، وياريت متجادليش معايا لأنك مكشوفة ليا من أول خناقة ليكي معاه تحت في الورشة. لم يكن بالهين أبدًا، وهي تعلم ذلك، تركته واتجهت للطاولة الخشبية الصغيرة الموضوعة بمنتصف السطح، جلست وتركت العنان لدموعها تنهمر. ترك عمران الاكياس التي يحملها، وأتجه يجذب مقعدًا على بعد مسافة معقولة منها، ينتظر أن تتحدث عما بداخلها، يفطن انها ستخرج ما دفن داخلها، وإذا بها تقول: _بحبه من وأنا عيلة بضفاير، بس هو لما فكر يتجوز راح نقى من برة الحي، عاش حياته عادي وأنا حياتي وقفت. وأضافت وهي تحاول ازاحة دموعها التي تزحزحت عن لجام قسوتها: _رفضت كل اللي اتقدمولي، لاني مش قادره أشوف غيره، بس هو عمره ما شافني أصلًا، حتى بعد ما طلق مراته! وأضافت ببسمةٍ ساخرة: _زي ما أنت شايف معاملته ليا كده! سحب عُمران منديلًا ورقيًا من جيب بنطاله، قدمه لها فالتقطته بامتنانٍ، مسحت وجهها بينما يخفض هو عينيه أرضًا، ينتظر أن تهدأ قليلًا، ثم قال: _أنا فاهمك جدًا، ومقدر اخلاصك لحبك، بس لو دورنا مع بعض هنلاقي إن في نسبة من الغلط واقع عليكي بردو. توقفت عما تفعل، ورددت باستنكارٍ: _عليا أنا!! ليه عملت أيه؟؟ رد عليها بنبرته الهادئة الرتيبة: _اولًا خلينا متفقين أن موسى مغلطتش في البداية، زي أي شاب عجبته واحدة وراح اتجوزها، اكيد ماخدش باله من حبك ده أبدًا، وخصوصًا أنك دايمًا بتتناقري معاه، يعني موصلاله إنك بتكرهيه لأبعد حد! واضاف بعقلانية: _على حسب كلامك انك فضلتي تحبيه وانتظرتي بعد انفصاله عشان يحس بحبك، بس اللي انا شايفه إنك معملتيش أي حاجة عشان تلفتي إنتباهه ليكي حتى. صاحت بعصبية بالغة كادت بحطام الطاولة بينهما: _نعم!! اعمل ايه يعني عشان الفت انتباه سيادته، أروحله اقوله بحبك يا طور مثلًا. ضحك رغمًا عنه وقال: _لا هو بغل مش طور. ابتسمت هي الآخرى على حديثه، بينما استمد هو نفسًا طويلًا وأوضح مقصده: _مقصدتش ده أبدًا، أنا مدرك المكان اللي إحنا فيه، قصدي إنك محاولتيش تحسني علاقتك بيه بعد انفصاله، دي لوحدها كانت لافتة انتباه، لكن مش على طول خناق ده الراجل بيخاف يقابلك صدفة على السلم يا صباح!! وتابع وهو يراها تمتقع حرجًا لصحة حديثه: _أخرها النهاردة مثلًا، نازلة فيه بدون ما حتى تأخدي فواصل، فبالله عليكي هيحس بحبك ازاي!!! ضحك وهو يخبرها: _عارفة موسى لو عرف إنك بتحبيه هيأخد صدمة هتجيب اجله، هو مستحيل يلمس حبك ده نهائي، هيحس إن في حاجة غلط، فحاولي تهدي شوية. عادت تجفف دموعها، وتهدر في نزقٍ: _والله لو عملت أيه، عمره ما هيحس ده طور قولتلك! ابتسم في راحةٍ لتحقق هدفه باجتيازٍ، فسحب نظراته الغامضة تجاه الدرج، ثم قال لها: _ثواني يا صباح، راجعلك حالًا. حركت رأسها باشارة له، وبقيت بمحلها ترتب حجابها وتزيح دموعها، بينما يتسلل عُمران ليقبض على ذلك المتصنم محله كأنه تلقى عاصفة عصفت به بشكلٍ مذري. كبت ضحكاته على مظهره، فكان العرق يتصبب على جبينه كالبحر المرتطم، بينما ترتعش يديه، سحبه عُمران للطرقة المنجرفة داخل الدرج، وهمس إليه: _ها يا بغل، أيه رأيك؟ تطلع له ومازال يرتجف من هول ما استمع إليه: _آآ... أنا.... هو.... الأبلة بتتكلم عن مين؟ ... هي... بتحبني أنا!!!!.... لا.. لا.. مش معقول! وتابع وهو يحك جبينه: _أنا كنت... ناسي السجاير والولاعة... يا رتني ما طلعت! زم شفتيه ساخطًا: _مالك نخيت كده يا اسطى، مش عاملي فيها بسبع ألسنة، الوقتي قلبت فرخة بلدي!!!!! أجابه وهو يزيح عرقه بارتباكٍ: _ما أنا قولتلك ماليش في الصنف ده، توبت منه يا خواجة! لكزه عُمران بغضب قد وصل به لطريق مسدود: _هو أنا عازمك على سيجارة حشيش، ما تفوق وتظبط معايا كده بروح أمك على الصبح! وأضاف وهو يحاول أن يتمسك بالصبر قدر المستطاع: _دي فرصتك الوحيدة، آدخل واتكلم معاها ومتحاولش تكابر إنت بتحبها انت كمان بس عشان غبي مش عارف ولا فاهم مشاعرك لانك زي ما اعترفت مالكش في أي حاجة خالص. ابتلع ريقه الجاف بصعوبة بالغة، وراح يتمتم بحيرة: _لا... لا... أدخلها أيه؟! مش هعرف أواجهها.احتقنت رماديتاه بنفاذ الصبر الخطير للقضاء على هذا الآرعن، فمنحه نظرة مهينة بينما يهتف: _أمال بتعرف تعمل ايه يا سطا غير نصب العركة كل يوم والتاني تحت! قولي مهاراتك أيه؟ لعق شفتيه بتردد: _طيب هقولها أيه؟؟؟؟ رمقه عُمران بدهشةٍ، ثم ضم مقدمة أنفه وهو يخفي ضحكته: _حاسس إني هيجرالي حاجة والله، مالك يا حبيبي؟؟ ليه محسسني إنك فقدت كل شيء فجأة كده؟ إنت اتعديت مني وفقدت الذاكرة إنت كمان ولا أيه؟؟؟؟ وفجأة تلاشت عنه ضحكته ودفعه بعنف حتى سقط أمام باب السطح، بينما يهدر فيه بنبرة متوعدة: _استرجل كده وادخل بصدرك، وحاول تربط لسانك البيئة ده، نقي كلامك وأوزنه قبل ما تتكلم، وإنجر عشان أنا اتخنقت وجبت أخري منكم! قالها وحمل الأكياس وهبط للاسفل، بينما نهض موسى ينفض ثيابه، ويستعيد خشونته الهادرة بصعوبة، فولج للداخل وهو يهسهس بحرج: _الخواجة دبسني وخلع!! *****كان بطريقه للاسفل، حتى تفاجئ بصابر يفتح باب شقته ويهرول إليه:_خواجــــــه. توقف محله يتنهد بضجر: _نعم، انتوا واخديني بالدور إنت وصاحبك. تغاضى عن حديثه وقال بضيق: _بقالك أسبوع بتتجاهلني وزعلان مني، وموسى الصبح في صلاة الفجر يقولي لما تعمل الصح هكلمك، هو أنا كل ده ومعملتش الصح!!! ما انا طلقتها خلاص أعملكم أيه تاني يعني أروح أولع فيها؟ استدار إليه يطالعه في مللٍ، ثم ناوله الاكياس التي يحملها قائلًا بعنجهيةٍ: _نزل الحاجة دي ورشة موسى وتعالى نكمل كلامنا يا عسول. رفرف باهدابه باسترابة، بينما يتجه عُمران لشقته قائلًا بسخرية:_هستناك في شقة العقارب، وخد بالك مبستناش حد أنا! حمل صابر ما بيده وهرول للاسفل، بينما يمضي عُمران حتى أقرب مقعد، وجلس يضع قدمًا فوق الاخرى، هامسًا: _حلال العقد، شكلها بقت شغلتني الجديدة! *****"كانت بانتظاره، حتى سُحب المقعد، وجلس أمامها أخر شخص توقعت رؤيته، رفرفت بأهدابها بصدمة، ولكن سرعان ما اخفتها وتصنعت الثبات أمامه: _هو انت مش كنت تحت؟ وبارتباكٍ من أن يكون سمع حديثها تساءلت: _إنت هنا من أمته؟؟ تمعن بها بحرجٍ، ثم تنحنح: _يعني مش من كتير. طريقته كانت غامضة للغاية، مما جعلها تنبشه لتعلم ما به:_طيب حيث كده كنت طالعه أقولك هات مفتاح عربيتي أنا هشوف حد تاني غيرك يصلحها، أنت آآ.. قاطعها متلهفًا وبأسلوب تشهده منه لاول مرة: _يمين بالله محد حاطك ايده فيها غيري يا أبلة، هخلصهالك هوى والله، أنا عنيا ليكِ. رمشت بعدم استيعاب، وتيقنت مئة بالمئة بأنه سمع حديثها، فامتقع وجهها بحمرة شديدة، وإذا بها تهرول هاربة: _طيب أنا هنزل عشان ورايا حصة بالسنتر. قالتها وكادت بالهبوط، فلحق بها يوقفها: _تتجوزيني يا أبله؟ توقفت محلها ويدها تحتجز الدرابزين بعدم تصديق، ظنته سيواجهها بما سمع ليحطم غرورها مثلما اعتاد، ولكن ما قاله أخر ما توقعته. وقف موسى على بعد محسوب منها، واحترم عدم رغبتها بالاستدارة اليه، فوقف خلفها وقال: _أنا متخيلتش ولا حلمت إني أكون في قلبك إنتِ، أنا طول عمري شايفك حاجة كبيرة أوي يا أبلة، ولحد الآن مستخسرك فيا، مهما كان إنتِ ما شاء الله حلوة ومتعلمة، يعني تستاهلي واحد أحسن مني، ده أنا حتى معيش شهادة ابتدائية! في تلك اللحظة استدارت إليه تتطلع له بعينيها الغائرة بالدموع: _عمر ده ما يعيبك أبدًا يا موسى، إنت أرجل راجل في الحي كله، كفايا أنك بتأكلها بالحلال وعمرك ما مديت ايدك للحرام، وحنية قلبك على قمر مش بتتشرى لا بشهادة ولا بالملايين. جحظت عينيه في ذهول تام، وردد رغمًا عنه: _معقول انتِ الابلة ام لسان شبه الوبور!! كبتت ضحكتها وقالت تهدده:_هتلم نفسك ولا ألسن جزمتي عليك؟ ضحك وقال بحب: _لا وعلى أيه خلينا في دور روميو وجوليت ده رايق وروش كده، المهم مجاوبتنيش أنزل أكلم الحاجة؟؟ لفت وجهها للدرج تفرك أصابعها بخجل: _لما تصلح العربية الاول، أعتبرها مهري يا أسطى. قالتها وهرولت للاسفل، فمسح على خصلات شعره الفحمي وهو يردد في سعادة:_وماله نصلح عربية المرحوم لأجل ما نول المراد!!! ****طال الحديث بينهما عن تفاصيل حالة عُمران، وأتمها بقوله المستفيض،مستندًا بذراعيه على الطاولة،حيثما يجلس علي وآدهم قبالته: _في حالات فقدان الذاكرة الجزئي (Retrograde Amnesia):الشخص يفقد ذكريات الماضي قبل الحادث لكن يحتفظ بالمهارات التلقائية أو العادات الراسخة بمعنى إنه ممكن يصلي بطريقة تلقائية لو الصلاة كانت جزءا من روتينه، وممكن يلبس بنفس الأسلوب أو يختار ألوان معينة بدون ما يعرف ليهياكل بطريقة معينة، يفضل أكل معين يشرب بطريقة معينة، من غير ما يتذكر السبب أو الذكرى نفسها ودي اسمها "الذاكرة الإجرائية" (Procedural Memory) وهي نوع من الذاكرة بيخزن العادات والحركات التلقائية، وبتكون موجودة غالبًا، حتى لو الذاكرة الشخصية اتأثرت، ومبقاش فاكر هو مين أو فاكر حاجة عن حياته. ممكن الشخص يفتكر العادات والسلوكيات التلقائية حتى لو نسي الأشخاص أو الأحداث أو اسمه دي من الحاجات العجيبة في المخ البشري وبتظهر قد أيه السلوك الإنساني أعمق من مجرد "الذكريات اللفظية"، شخص إتربى طول عمره بيصلي الفجر قبل الشغل ممكن تلاقيه بعد فقدان الذاكرة:يصحى من نفسه بدري، يقوم يتوضى ويصلي بشكل آليبس لما تسأله "أنت بتعمل إيه؟" هيقولك: مش عارف بس حاسس ده اللي المفروض أعملهممكن يفتكر "كلام سمعه" قبل فقدان الذاكرة بس تحت شروط معينة:لو الكلام كان متكرر جدا أو مرتبط بمشاعر قوية (زي جملة حد بيقولها له دايما أو موقف مؤلم)لو كان الكلام اتحفر في الذاكرة طويلة المدى قبل الإصابة فالمخ ممكن يخزنه بشكل دائم، جملة مثلًا كان بيسمعها من شخص عزيز قالها له كتيركلمات أغنية كان بيحبها، وبيسمعها كتيرالذاكرة السمعية التلقائية (زي الأغاني أو الجمل المحفوظة) بتتخزن في مناطق مختلفة عن الذاكرة الشخصية وعشان كده ممكن تفضل موجودة حتى لو نسي الناس أو الأحداث! هز آدهم رأسه بخفة، بينما تساءل علي بفضول: _طيب إزاي أقدر اواجهه بالعلاقة اللي بينا، وأخليه جاهز يقابل عيلته وأصدقائه؟ ترك الطبيب كوب قهوته وقال يجيب: _مش فرض حدوث أمر متكرر مع تصرفات كل مريض فقد الذاكرة، الموضوع بيختلف من شخص للتاني، بس اللي أقدر أقولهولك إن ده بيتوقف على حسب قدرته، ونخلي مقابلته بالدكتور علي اختبار قصير، ظهورك ليه هو بوابة للي جاي، لو تقبل وجودك هيقدر يتقبل علاقته بالعيلة والاصدقاء. كسر آدهم صمته حينما قال:_يعني مقابلة علي ليه هي اللي هتحدد كل حاجه؟ أشار له بايجاب: _بالظبط.. بس زي ما حذرتكم في بداية كلامنا إن الموضوع ممكن يكون له مضاعفات، عشان كده بفضل إنه يشوفه من بعيد، وردة فعله هي اللي هتبين الطريق قدامك يا دكتور علي، لو متأثرش بيك يبقى الافضل إنك تكون في حياته بشكل مؤقت، كصديق جديد بيتعرف عليه وبعدها هتصارحه بالحقيقة واحدة واحدة، لكن لو حس بشيء من نحيتك أو بنسبة قليلة ممكن يفتكرك او يشوف ليه مشاهد من ذكرياته بتجمعه بيك التلات حاجات دول نقاط ايجابية وبشارة إنه هيتقبلك وجاهز يستكشف كل شيء عن حياته. توترت معالمه بشكلٍ مقبض، كل مرة تزداد حدة وصعوبة ما يجتازه، ولكنه جاهز لفعل أي شيء من أجل أخيه. شكر آدهم الطبيب ونهض يلحق بعلي في السيارة التي تحركت للعودة، بينما يميل علي شاردًا بلقاء أخيه، وبأي طريق سيسلكه معه، طريق الصديق الذي وقع بطريقه صدفه أو طريق الأخ الذي عاد يطالبه بالعودة برفقته، لتعود الحياة إليه وإلى كل من أفتقدوه! ******زفر "عُمران" بنفورٍ من تكرار "صابر لنفس الحديث مجددًا: _صابر أنت لسه هتحاكي في نفس الحوار، فين الجديد عشان خلقي ضاق من أمك! سحب كوب العصير من أمامه، تجرعه مرة واحدة، وقال يصارحه: _تلخيص الرغي ده إني مش قادر أقربلها، قلبي موجوع من خيانتها ليا ومش قادر حتى أبص في خلقتها. انفعل عليه الاخر وصاح: _خيانة أيه اللي بتتكلم عنها، دي كانت مراته على سنة الله ورسوله!! بقولك أيه أنا دماغي فيها كلاب سعرانه بتتعارك جوه، أوزن كلامك لأطلقهم عليك وأخلص! قالها وصفن قليلًا، في تلك الكلمة التي شعر وكأنه رددها أكثر من مرة، حتى أنه لم يستمع لرد صابر عليه، فناداه بقلق: _خواجه، روحت فين؟ أبصر برماديتاه وقال بثبات: _معاك. راوض ما بداخله وقال يسأله: _قولي يا صابر، هي كانت تعرف أن أخوك بيشرب قبل ما تتجوزه. لوى شفتيه بتهكمٍ وغيظ من تذكره لما مر: _لا مكنتش تعرف ولا حد كان يعرف أصلًا، لانه كان لسه بادئ يتعاطى قبل ما يتجوزها بشهرين تلاته. هز رأسه بتفهمٍ، وقال برزانة: _ده المتوقع، لأنها مستحيل كانت هترمي نفسها للهلاك بايدها، فده المفروض يشفعلها عندك، كمان في نقطة لازم حضرتك تتقبلها، مفيش حد بيملك سلطان على قلبه، هي قلبها مال لأخوك، وكانت فاكرة إن اختيارها صح، بعد كده اتصدمت من اختيارها، وأكيد لامت نفسها وندمت على اختيارها ليه ورفضها ليك، إنت زودت فوق عذابها عذاب يا صابر، ومكنتش عادل معاها، ظلمتها زي ما أخوك ظلمها. غامت سحابة الحزن والقهر على ملامحه، وبدى يحارب شيئًا ما داخله، ليتمكن من قوله: _كل ده كنت بفكر فيه الايام اللي فاتت، بس انت مش فاهمني مفيش راجل هيقبل على نفسه آ... قاطع حديثه عن الاندراج لتلك الجزئية: _الخلاصة عندي في سؤال واحد، ردك عليه هينهي النقاش ده. نصب كل تركيزه عليه، فسأله عُمران: _لو كانت قبلت بيك واتجوزتك انت من الاول، ولقدر الله حصلها حادثة واتشوهت، أو تعبت بمرض خطير، كنت هتتخلى عنها؟ اجابه بلهفة وبدون أي تردد: _مستحيل أتخلى عنها. رد عليه بنفس الهدوء: _خلاص اعتبر إنها تعبانه أو فيها شيء مشوه، بالرغم من ان جوازها شيء طبيعي ومش مستاهل كل ده بس تخيل انها كده وخلاص. وأستطرد بوجومٍ: _الحب كفيل يجملك كل العيوب اللي في شريكك يا صابر، فإزاي مش قادر تتخطى شيء بسيط خارج عن ارداتها. وانتصب بعوده عن المقعد، ثم استدار يخبره بضيق من عجزه: _تخيل انت بتحارب نفسك من أد أيه، وبينك وبين اللي بتحبها طرقة بين الشقتين، صدقني لو نجحت تشيل الغشاوة السودة دي عن عينك وقلبك فالحب اللي بينكم كفيل يغير شقة العقارب دي لقصر. قالها وغادر على الفور، ليتركه محله يفكر في حديثه، حتى نهض بكل عزم، وإتجه لشقة والدته، طرق بابها فاذا بزوجته الاولى تفتح الباب باسدال صلاتها، وما أن رأته حتى تساءلت بتردد: _خير يا صابر، عايز حاجه؟ تعمق بالنظر إليها، تلك الزهرة التي ذُبلت أطرافها هنا في هذا المنزل، على يد أخيه والآن على يديه، ومع اصرار والدته طوال تلك الايام الماضية لتعلم لماذا طلق زوجته لم يرى منها أي اهتمام بما فعله، لا سعادة ولا حزن، وكأن أمره بات لا يعنيها!!! أفاق من شروده على صوتها الهامس: _إنت تعبان ولا أيه؟؟ سحب كفها فجأة وهو يهتف: _تعالي معايا. توقفت "نعمة" محلها في محاولة لنزع يدها منه: _على فين؟؟ استنى!! لم يجيبها بشيء، بل دفعها برفق داخل شقته، ثم أغلق بابها، راقبته نعمة بقلقٍ، وقد اندس فيها الخوف، تخشى أن تكون إرتكبت شيئا ما يجعله يعاقبها وهو بتلك الحالة. دار صابر من حولها، ومازالت تقف في محلها برعبٍ، تنصت لما سيقوله، فاذا به يستقر أمامها ويفاجئها بسؤالٍ أدهشها: _لسه بتحبيه؟ رفرفت باهدابها بعدم استيعاب:_مين؟ هدر بانفعال وهو يحجز ذراعها بين قبضته: _أنتِ عارفة انا بتكلم عن مين يا نعمة، لسه بتحبيه ولا لا؟؟؟؟ ارتجفت قبالته بخوف، بالرغم من انه لم يرفع يومًا يده عليها ولكنها باتت تخشى أي صوت صاخب من حولها، فاذا بها تبكي وهي تردد بشحوب: _متضربنيش يا صابر، ورحمة أبوك ما تكرهني فيك. أصاب سهمًا قلبه دون أن يرف له جفنًا، بينما تتابع رميه حيًا: _قولي إنت عايز أيه وأنا هعملهولك، عايز تتجوز تاني اتجوز، أنا مش عايزة حاجة غير أني اعيش مع عمتي، وعمري ما هطالبك بحاجة تانية والله العظيم. دقق النظر فيها وقال مصعوقًا: _اتجوز تاني!! هو إنتي مش ناوية تحنني قلبك وتحاولي تحبيني زي ما بحبك، إنت بتحبي اللي هانك وداس عليكي ومش مستعدة تدي فرصة للي بيحبك؟؟؟ طالعته بدهشة ولم تعد تعلم ماذا يريد بالتحديد؟ : _أنا مبقتش أحبه من اول مرة رفع فيها ايده عليا، أنا بدعيله بالرحمة عشان خاطر عمتي وعشان خاطر اكرامك ليا، مفيش في قلبي ليه حاجة. كالقتيل المتعلق بأي أمل، زرعت له البسمة في طريقه العابث، فاذا به يستند بجبينه على جبينها ويقول: _ما أنا كمان عملت فيكي كتير يا نعمة. طالعته بعينيها الدامعة وقال: _عملتها عشان كنت مجروح مني ومن اللي عملته، وبالرغم من كده عمرك ما رفعت ايدك عليا ولا هنتني، أكرمتني وكنت شايف كل طلباتي من غير ما أطلب منك، ده كله وعايزني أكرهك. سقطت دموعه في تلك اللحظة، وبحت نبرته: _قصرت في أهم حاجة، حقوقك الشرعية! ردت عليه بابتسامة مؤلمة: _كده هبقى طماعة أوي، أنت احترمتني وده كفايا عليا. لم يستطيع قول كلمة اخرى، بل ضمها إليه بقوة جعلتها تتمسك به بفرحةٍ، ازدادت بنطق ما حُرمت منه منذ سنوات: _أنا لسه بحبك يا نعمة... وعمري ما بطلت أحبك!! قالها ودعمها إليه، يصطحبها لعالمه الذي حرمها منه، وكأن الله قد أوقع عُمران بطريقه ليزيح غمامته السوداء عن ظلم تلك الفتاة، فدخل بها لتكون زوجته الآن! *******تقلبت في الفراش بوجعٍ يقتحم بطنها المنتفخ، وما أن فتحت عينيها حتى تفاجئت بالمياه تحاوط الفراش من حولها. جحظت عينيها في صدمة، وأبعدت الغطاء عنها، وهي تحاول أن تستكشف ما يحدث، وإذا بها تصرخ بصوتٍ صاخب:_إلحقنــــــــي يا يـــــــوسف! أتى مهرولًا من المطبخ بعدما كان يتناول الافطار استعدادًا للهبوط لعمله، فوجدها تصرخ بانهيار، رنا إليها يتساءل بقلق:_ليلــــى مالك؟؟ أشارت على الفراش وهي تبكي بخوف: _أنت لسه هتسأل، أنا شكلي بولد يا يوسف!! وزع بصره نحوها ونحو الفراش، ثم ركض نحوها يهتف ببلاهة: _أه دي باينها ولادة فعلًا. منعت صرخة ألمها وقالت بسخط: _فعلًا!!!! أنت بتهرج يا دكتور!!!! حك جبهته وهو يصارحها بما سيقضي به عليها: _لا مش القصد، بس أنا مش هقدر أولدك يا حبيبتي، قلبي رهيف وهيتوجع عشانك، فأيه رأيك نشوف دكتور تاني أحسن؟ حاربت وجعها. وأنفاسها التي تختنق، في محاولة لكبح غيظها، فجذبت كوب المياه المجاور لها، قم قذفته تجاهه بعنفوان: _بتتخلى عني في أول مطب يا يوسف، طيب طلقني بقى أنا يستحيل اكمل معاك أنا وبنتي. تفادى الكوب بصعوبة، وراقبها بتمعنٍ: _وماله يا قلب يوسف لينا محكمة تلمنا، المهم الوقتي استريحي كده عشان أكشف عليكي وأقيم الوضع. أشارت له بتحذيرٍ: _ايدك عني، أنا هشوف دكتور غيرك، فاكر نفسك دكتور مهم!! قالتها ومالت على الفراش تجذب هاتفها، بينما يستغل هو انشغالها ويجذب حقيبته الخاصة، ارتدى الجلفز وبدأ يفحصها بدقةٍ، ثم همس دون ان تستمع له: _لسه معانا ساعتين تلاتة، الصبر من عندك يارب. اطمئن على وضعها واتجه يجلس على المقعد، يراقب ما تفعله، فاذا بها تتحدث بالهاتف قائلة: _الحقيني يا زينب، بولد ومش قادرة، ويوسف أبو قلب جاحد مش راضي يولدني، صحي سيف ينزل يوديني المركز ولا يشوفلي اي دكتورة! رفرف باهدابه بصدمة من تلك التهمة التي تلقيها عليه، فنهض من محله يرسم فزعه الشديد: _أيــــــــه بتولدي بجد يا لولا!!! ازاي متقوليش!! عبثت بصدمة من تمثيله، وهو الذي كان يفحصها منذ قليل ويعلم كل العلم بأنها تلد بالفعل!! حملها يوسف ومال لسماعة الهاتف: _خلي سيف يقابلني بسرعه يا زينب. قالها واتجه بها للغرفة المخصصة لملابسها، عاونها على ارتداء الجلباب الاسود، بينما تتطلع له بصدمة انستها الألم، وهو ما أراده أن يشغلها كليًا عن الالم، بينما يقف أمام الخزانة خاصته يدندن وهو ينتقي ملابسه: _اعتقد الطقم ده هيبقى حلو لاستقبال نوجة! قالها وسحب بنطاله يرتديه ببرود، ثم منحها ابتسامة يخفي بها قلقه عليها، وانحنى يجذب لها الكيس البلاستيكي قائلًا: _خدي يا حبيبتي كيس البقسماط بتاعك اتسلي بيه عما ألبس. وتركها وخرج يختبئ ليبلغ المركز باعداد غرفة العمليات وهو يتمنى أن لا يلجئ للجراحه. عاد اليها فوجدها مازالت تتطلع على الباب الذي خرج منه بصدمة، وفجأة لمح الشراسة تلتمع بمُقلتيها، وجذبت ما قابلها من المزهريات، تلقفها له بصراخ عنيف: _يا بارد يا عديم المسؤولية، إنت دكتور انت، أنت جزار بلا قلب. تفادى قدر المستطاع ما تلقيه، وتركها واتجه يفتح باب الشقة، فوجد سيف يخبره بهلع: _انا جاهز فين ليلى؟ اشار على الداخل دون ان يتحدث، فولج سيف وزينب للداخل وما كادوا بالاقتراب من الخزانة حتى القت الشمعدان تجاههما، فتراجعوا ليوسف، وسأله سيف بصدمة: _مالها ليلى؟ أجابه ببسمة واسعة: _بتولد يا حبيبي، بس زي ما انت شايف عايزة تيتم البنت من قبل ما تيجي على وش الدنيا. وأشار لهما مسترسلًا: _يلا هدخل أحاول اقيدها واخرج بيها تكون دورت العربية.وتمتم بخوف لمصيره القادم:_استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه. قالها واقتحم الخزانة حتى تمكن من حولها، وهرع بها للخارج ومازال تصرخ فيه ان يتركها، فمالت تجرح وجهه باصابعها، بينما تراقبها زينب بخوف وصدمة، وكأنها باتت كمصاصين الدماء. اتبعتهما للمصعد وسيطرت على يديها بعيدًا عن وجه يوسف الذي قال بارهاق:_نردهالك في ولادتك بإذن الله يا دكتورة، مش أنتِ كل ما تكشفي على طفل حلو تجري عليا ومصممة أديكي منشط، تحبي أكتبلك على جرعة؟؟ هزت زينب رأسها نافية ذلك بكل اقتناع، بينما يخفي يوسف قلقه الصريح على زوجته التي مالت على كتفه تبكي من شدة ألمها! ***** أتى الليل بعد ساعات كانت أعوامًا بالنسبة إلى "علي"، وها هو الآن يقف قبالة منزل" موسى"، يواجه"آدهم"، "صابر" بعد كشفه عن هويته، ويضع له خطة بسيطة لظهور "علي" ل " عُمران ". بينما على بعد من المنزل، كان عُمران بطريق عودته من صلاة العشاء برفقة موسى الذي يخطو مبتسمًا وسعيدًا منذ الصباح، استدار عُمران للخلف باستغراب حينما لم يجده جواره، فوجده يمشي ببطءٍ شديد. ابتسم وهو يهز رأسه بيأسٍ وانتظره حتى أتى إليه ثم قال: _لما انت واقع أوي كده، معترفتلهاش من زمان ليه؟ اتسعت ابتسامته بهيامٍ ومشاعره تتراقص في مُقلتيه: _مكنتش اعرف إني بحبها أصلًا، ولا كنت أجرأ أفكر فيها، الفرق بينا في التعليم كبير يا خواجة. تابع المضي بنفس خطاه البطيء، وقال: _وعشان متحسش بالنقص ده، اتعلم الكتابة والقراءة يا موسى، صدقني هتفرق معاك في شغلك وفي حياتك مع قمر. شرد قليلًا في حديثه، ثم هتف بحماس: _هعمل كده. واضاف مبتسمًا والحيرة تنهشه: _سبحان من جعلك سبب لتغير حياتي أنا والواد صابر، لا وكنت بقول عليك قتيل، ده انا اللي كنت ميت يا عم! رفع احدى حاجبيه بغضب، فضحك موسى وبرر: _غلطة وخدت راجع عني متزعلش، بس بصراحه انت شقلبت كياني، بقيت بصلي معاك كل فرد في الجامع والله اكبر عليك صوتك في القرآن جميل اوي. تنهد وهو يخفي حزنه، ومازحه: _ما خلاص يا موسى، هتخليني اقع في حب نفسي أكتر من كده؟! مضى بنظرة دقيقة فيه ثم قال: _ليك حق تنفش ريشك زي الطاووس! غامت معالم عُمران، ومصدر الكلمة تتردد داخله دون توقف، مع دمج كلمة "وقح" مع "الطاووس" تجمعت الآن برأسه "الطاووس الوقح"! أفاق على هزة يده، فانفض عنه ما تردد داخله، ثم قال بجدية تامة: _بقولك ايه يا موسى، أنا كنت عايزك تشوف حمص عشان محتاج أستبدل المبلغ اللي معايا. اندهش من سماع ما قال، وتساءل: _ليه تاني؟! رد عليه وعينيه تراقب المارة بلا هدف: _حابب اساعد بيهم مس صباح، والدتها لازم تعمل العملية باقرب وقت، وانت على حسب كلامك ان معاها حوالى140ألف، هنشوف اللي معايا هيبقوا كام، يمكن يكملوا المبلغ اللي محتاجاه كله. تطلع له بصمت، يفشل في فهمه، ذلك الغريب يمتلك قلبًا من ذهب، طال الصمت بموسى حتى صاح فيه عمران: _ها يا موسى هنروحله دلوقتي ولا هتكلمه الاول؟! تحرر صوته المكبوت أخيرًا: _عايز تديها الفلوس طيب وإنت هتعمل أيه يا خواجة؟ وبعدين مش آنت قولتلي هنروح بكره نجيب التكييف اللي عايزه ده. نزع قميصه وتبقى بالتيشرت حينما شعر بالحرارة تجتاحه: _هنشتري مروحة صغيرة، المهم نلحقها قبل ما الحالة تتدهور أكتر من كده. تحرر عن ملامحه المندهشة ابتسامة حب له: _إنت راجل أصلي يا خواجة، روح يا شيخ ربنا يردلك أحبابك ويجمعك بيهم. لمسته دعوته حتى قشعر جسده، ترى هل يمتلك أصدقاء في حياته مثل موسى؟ هل يمتلك أمًا وأبًا أو شقيق!!!! منح عُمران المال لموسى ووكله بتلك المهمة، وعاد هو إلى المنزل ليستكين قليلًا، صعد إلى الأعلى، حتى وصل إلى السطح، فتفاجئ بصابر يجلس على الدرج، وكأنه كان بانتظاره. فناداه حتى ينتبه له: _صابر! انتفض واقفًا، والحزن واللهفة تكتسح مُقلتيه، فاذا به يلمح شخصًا واقفًا خلفه، والذي لم يكن سوى آدهم، يتطلع له بنظرات غريبة هو الآخر، سحب بصره بصعوبة عن آدهم وسأل صابر: _في أيه يا صابر؟ وأيه اللي مقعدك كده؟ بدى مرتبكًا للغاية، ولكنه أجابه بما أملاه عليه آدهم: _مفيش دول ناس تبعي، كانوا في زيارة عندي وواحد فيهم جاتله مكالمة بس الشبكة نيلة تحت، بنستناه يخلص وهننزل على طول. حرك رأسه بخفة، وتخطاه ليمرأ من أمام آدهم، ونظرتهما متعلقة ببعضهما البعض، حتى أبتعد عمران عنه، فابتسم ومسح دمعة من عينيه المفتقدة له، بل ودعا الله أن يلهم علي الصبر، فإن لم يحتمل هو لقاءه، ماذا سيفعل؟! بحث عمران عن قمر فوجدها تقف تراقب، ذلك الرجل الذي يوليه ظهره ويضع الهاتف على أذنيه، فناداها بحزمٍ لتبتعد عنه: _قمر، تعالي هنا! ركضت تضع كفها الصغير بكفه، فوقف يتطلع لمن يزال يوليه ظهره بفضولٍ لرؤية ملامحه، ولكن الآخر كان يتطلب مجهودًا عظيمًا ليستدير، والهاتف على أذنيه يضج بصوت آدهم المحمس: _لف يا علي، خليه يشوفك. تهاوت دموعه تباعًا، لن يأتي من قلبه أن يمر على أخيه مرور الكرام، لن يحتمل أن لا يتعرف عليه، نزع الهاتف عن أذنه، وضعه بجيب جاكيته، وأزاح دموعه ليستعد للقاء أخيه بكل شجاعةٍ، سحب أكبر قدر من الاكسجين، واستدار ببطءٍ شديد إليه! لف عُمران بالفتاة في نية التوجه بها لغرفته، ولكنه توقف فجأة حينما بات "علي" مقابل وجهه، عاد بجسده الكامل في اتجاهه تاركًا يد الصغيرة، وعينيه لا تفارق عيني "علي" الذي يتابع كل صغيرة صادرة عنه. اقترب منهما آدهم على مسافة قريبة منهما، يدرس انفعالات عمران خشية من أن يتعرض للمضاعفات، صمته يطول ولم يعلم عنه شيء بعد! الصمت يطول به، وعينيه تدرس وجه "علي" بتركيزٍ، ومشاعر غريبة، وفجأة لفظ لسانه بما لا يعرفه: _علـي!! تحرر بكاء علي الصامت وتحرر بصوتٍ أبكى آدهم وصابر، حتى عُمران سقطت دموعه تلقائيًا، فترك محله ورنا إليه، يجتاحه وجعًا طفيفًا حاوط رأسه، بينما تدمع عينيه بدون إرادة منه، تساقطت دموع عمران وقلبه يخفق كالرعد داخله، كأنه يود أن يقسم صدره ويركض إلى ذلك الشخص، ثمة شيئًا غريبًا يينهما، والأهم كيف علم إسمه؟ وهل بالفعل هذا هو إسمه؟ وقف على مسافة قريبة منه، دموعهما الشيء المشترك بينهما، يدرس كل ملامحه في محاولة مستميتة لتذكر أي شيء يخصه، بينما ينتظر علي خطوته الثانية بفارغ الصبر، ليحدد بها هل عادت ذاكرته أم أن نطق اسمه كان أمرًا معتادًا كما أخبره الطبيب؟! فاذا به يشق الصمت المطول مجددًا: _هو أنا أعرفك؟ انحنى وجه علي يغسل بدموعه عينيه، ولكنها بالنهاية مؤشر ممتاز، قبض قبضة يده بقوة هائلة، عليه أن يجتاز تلك الحرب، فالمكسب فيها عودة أخيه، وحينها سيتمكن هو من العيش في سلامٍ. لفظ ما بداخله، ورفع رأسه يواجهه مجددًا، وتلك المرة قطع هو المسافة بينهما، حتى وقف قبالة عمران، يمنحه ابتسامة رغم نزيف عينيه من كثرة البكاء، ثم بصوتٍ مبحوح قال: _تعرفني أكتر من نفسك، لسانك نطق إسمي رغم إنك مش فاكر حد، ده لإني كنت اقرب حد ليك ، زي ما أنت أقربلي من روحي. صوته سحبه داخل هالة من الأمان، زلزل كيانه لدرجة جعلته يود أن يختبئ فيه، بينما يتابع علي: _أنا أخوك بالنسبة للدنيا كلها، بس كنت بالنسبالك الأب والاخ والصديق يا عُمران! تعمد لفظ إسمه ليوقظ بداخله ما فقده، فانهمرت دموعه وهو يردد بهمسٍ: _عُمران!! لم يترك له "علي" وقتًا للاندراج خلف ما قد ينتج عنه المضاعفات، بل دنا إليه يسحبه داخل أحضانه، عساه يشعر بالألفة. أصابه في مقتلٍ، بما فعله، سحب كل السلييات عنه في ذلك العناق، وبالرغم من أنه لا يندمج سريعًا في عناق الاشخاص الغريبة، الا أنه لف يديه حول علي في سرعةٍ ومشاعر مشتاقة، تعجب منها عُمران، وهنا ترك بكى علي ومال عليه،فدعمه جسد عُمران بقوة تليق بجسده المفتول، بينما يهمس له ببكاءٍ: _مش مصدق إنك واقف قدامي ولمسك بايديا، أنا روحي اتردتلي من تاني، صدقني مبقاش فارق معايا حاجة بعد ما لاقيتك. وابعده وهو يضم وجهه بيديه، بينما يتطلع له بغرابة: _جالك قلب تعمل فيا كده يا عُمران؟ جالك قلب!! تدفقت دموعه وهو يتطلع إليه، لسانه ثقيل عن النطق، لا يجيد التعبير له عن تلك السعادة والراحة الغريبة التي أدمغته بمجرد رؤيته، والآن تتضاعف بضمته، يود ان يطالبه بأن يعود لضمه مجددًا، ولكنه مشوش للغاية🌹تتمةالفصل: